ghaemiyeh.com
الهادي إلی الطريقة الوسطی في شرح العروة الوثقی
المجلد الخامس
کتاب الصلاة
الجزء الثاني
لمؤلفة المحقق والفقيه المدقق
سماحة آية الله سيد علي محمد دستغيب الحسيني الشيرازي
محرر الرقمي: روح الله قاسمي
فصل في مكان المصلّي/ 17
في شرائط المكان ... 17
الفرع الأوّل في اشتراط اباحة المكان ... 18
الفرع الثاني في تعلّق الغصب بالصلاة بعينه أو بمنافعه ... 20
الفرع الثالث في صلاة الغافل أو الناسي في المكان المغصوب ... 22
اذا صلّى على سقف كان ما تحته من الأرض مغصوبا ... 23
اذا صلّى في مكان كان عليه سقف مغصوب ... 24
اذا صلّى على الأرض التي تحتها تراب مغصوب ... 25
المحبوس في المكان المغصوب ... 26
فيما اذا اعتقد الغصبية ... 27
في الأرض المغصوبة المجهول مالكها ... 28
اذا اشترى دارا من المال غير المزكّى أو غير المخمّس ... 29
من مات و عليه من حقوق الناس ... 30
اذا مات و عليه دين مستغرق ... 31
الصلاة في الأراضي المتّسعة ... 34
في وجوب الخروج من المكان الغصبي ... 36
الدخول في المكان المغصوب جهلاً أو نسيانا أو بتخيّل الاذن ... 38
اذا أذن المالك بالصلاة خصوصا أو عموما ... 39
الثاني من شروط المكان: كونه قارّا ... 42
«الثالث»: أن لايكون معرضا لعدم امكان الاتمام ... 45
«الرابع»: أن لايكون ممّا يحرم البقاء فيه ... 45
«الخامس»: أن لايكون ممّا يحرم الوقوف و القيام و القعود عليه ... 46
«السادس»: أن يكون ممّا يمكن أداء الأفعال فيه ... 46
«السابع»: أن لايكون متقدّما على قبر معصوم ... 47
«الثامن»: أن لايكون نجسا نجاسة متعدّية الى الثوب أو البدن ... 51
«التاسع»: أن لايكون محلّ السجدة أعلى أو أسفل من موضع القدم ... 51
«العاشر»: أن لايصلّي الرجل و المرأة في مكان واحد ... 51
الفرع الأوّل فيما اذا كان بين الرجل المصلّي و المرأة المصلّية حاجز ... 59
الفرع الثاني في بطلان الصلاة اذا تقارنا أو افترقا فيها ... 60
الفرع الثالث في تأخّر المرأة عن الرجل في الصلاة ... 60
في الصلاة على سطح الكعبة و في جوفها ... 64
الفرع الأوّل في كيفيّة الصلاة فوق الكعبة ... 64
الفرع الثاني في الصلاة في جوف الكعبة ... 66
فصل في مسجد الجبهة من مكان المصلّي/69
الفرع الأوّل في شرائط مسجد الجبهة ... 69
الفرع الثاني في السجود على القرطاس ... 71
الفرع الثالث في السجود على ما خرج عن اسم الأرض ... 72
الفرع الرابع في حكم القطن و الكتان ... 75
في السجدة على الخزف و الآجر و النورة و الجصّ ... 77
في السجدة على البلّور و الزجاجة و الطين الأرمني و المختوم ... 78
في السجدة على العقاقير و الأدوية و مأكولات الحيوانات ... 79
في السجدة على ورق الشاي و القهوة و الترياق ... 80
في السجدة على نخالة الحنطة و الشعير و قشر الأرز ... 81
في السجدة على الثمرة قبل أوان أكلها ... 82
في السجدة على النبات الذي ينبت على وجه الماء ... 82
في السجدة على القنّب و القطن ... 84
في السجدة على القرطاس ... 85
فيما اذا لم يكن عنده ما يصحّ السجود عليه ... 85
فيما اذا سجد على ما لايجوز باعتقاد أنّه ممّا يجوز ... 94
فصل في الأمكنة المكروهة/97
في الصلاة في البيع و الكنائس ... 112
في الصلاة خلف قبور الأئمّة عليهم السلام ... 113
في استحباب الصلاة في المساجد ... 116
في استحباب الصلاة في مشاهد الأئمّة عليهم السلام ... 119
في استحباب الصلاة في المسجد الذي لايصلّى فيه ... 122
في استحباب بناء المسجد ... 124
في استحباب تعمير المسجد ... 129
فصل في بعض أحكام المسجد/131
«الأوّل»: يحرم زخرفته ... 131
«الثاني»: لايجوز بيعه و لا بيع آلاته ... 133
«الثالث»: يحرم تنجيسه ... 135
«الرابع»: لايجوز اخراج الحصى منه ... 139
«الخامس»: لايجوز دفن الميّت في المسجد ... 140
«السادس»: يستحبّ سبق الناس في الدخول الى المساجد ... 141
«السابع»: يستحبّ الاسراج فيه ... 141
«الثامن»: يستحبّ صلاة التحيّة بعد الدخول ... 143
«التاسع»: يستحبّ التطيّب و لبس الثياب الفاخرة ... 144
«العاشر»: يستحبّ جعل المِطهرة على باب المسجد ... 144
«الحادى عشر»: يكره تعلية جدران المساجد و رفع المنارة عن السطح ... 145
«الثاني عشر»: يكره استطراق المساجد ... 147
فصل في الأذان و الاقامة/151
في أنّ الأذان قسمان: أذان الاعلام و أذان الصلاة ... 168
في اشتراط القربة في أذان الصلاة ... 170
في فصول الأذان ... 170
في فصول الاقامة ... 174
في كراهة الترجيع و حكم تكرار الشهادتين ... 181
موارد سقوط الأذان ... 182
«الأوّل»: أذان عصر يوم الجمعة ... 182
«الثاني»: أذان عصر يوم عرفة ... 184
«الثالث»: أذان العشاء في ليلة المزدلفة ... 184
«الرابع»: العصر و العشاء للمستحاضة ... 186
«الخامس»: المسلوس و نحوه ... 186
موارد سقوط الأذان و الاقامة ... 191
الفرع الأوّل في سقوط الأذان و الاقامة لمن دخل في الجماعة ... 192
الفرع الثاني في سقوط الأذان و الاقامة ما لم يتفرّق الصفوف ... 194
الفرع الثالث في شرائط السقوط ما لم يتفرّق الصفوف ... 197
الفرع الرابع في حكم الشكّ في الشرائط المذكورة آنفا ... 198
في حكاية الأذان ... 201
الفرع الأوّل في استحباب حكاية الأذان عند سماعه ... 201
الفرع الثاني فيما هو المراد بحكاية الأذان ... 203
فصل في شروط الأذان و الاقامة/209
«الأوّل»: النيّة ابتداءً و استدامة ... 209
«الثاني»: العقل و الايمان ... 210
«الثالث»: الترتيب بينهما ... 213
الفرع الأوّل في رعاية الترتيب بين الأذان و الاقامة ... 213
الفرع الثاني في لزوم الترتيب بين فصول الأذان و الاقامة ... 215
الفرع الثالث في عدم جواز الزيادة و النقصان في الأذان و الاقامة ... 216
«الرابع»: الموالاة بين الفصول من كلّ منهما ... 218
«الخامس»: الاتيان بهما على الوجه الصحيح ... 219
«السادس»: دخول الوقت ... 219
«السابع»: الطهارة من الحدث في الاقامة ... 222
فصل في مستحبّات الأذان و الاقامة/227
«الأوّل»: الاستقبال «الثاني»: القيام «الثالث»: الطهارة «الرابع»: عدم التكلّم ... 227
«الخامس»: الاستقرار في الاقامة ... 235
«السادس»: الجزم في أواخر فصولهما ... 235
«السابع»: الافصاح ... 236
«الثامن»: وضع الاصبعين في الأذنين ... 237
«التاسع»: مدّ الصوت ... 238
«العاشر»: الفصل بين الأذان و الاقامة ... 239
فيمن ترك الأذان و الاقامة ... 244
في أخذ الأجرة على أذان الصلاة ... 249
فصل في واجبات الصلاة/251
فصل في النيّة/255
في وجوب تعيين العمل ... 258
في عدم وجوب قصد الأداء و القضاء ... 259
في اشتراط الخلوص عن الرياء ... 264
في الرياء المتأخّر ... 270
في العجب المتاخّر ... 270
في رفع الصوت بالذكر أو القراءة لاعلام الغير ... 274
في وقت النيّة ... 276
في وجوب استدامة النيّة ... 276
لو شكّ فيما في يده ... 280
الفرع الأوّل فيما لو شكّ في المترتّبتين ... 280
الفرع الثاني فيما لو شكّ في غير المترتّبتين ... 281
الفرع الثالث فيما لو شكّ في نيّته من أوّل الصلاة ... 282
في جواز العدول من صلاة الى أخرى ... 283
الفرع الأوّل فيما لو تذكّر نسيان المغرب بعد الدخول في ركوع الركعة الرابعة ... 286
الفرع الثاني فيما لوتذكّر نسيان المغرب قبل الدخول في ركوع الركعة الرابعة ... 286
في العدول من الفائتة الى الحاضرة ... 290
في ترامي العدول ... 292
في العدول بعد الفراغ ... 293
فصل في تكبيرة الاحرام/297
الفرع الأوّل في تسمية تكبيرة الاحرام ... 298
الفرع الثاني في ترك تكبيرة الاحرام عمدا و سهوا ... 299
الفرع الثالث في حكم زيادة تكبيرة الاحرام ... 302
الفرع الرابع في صورة تكبيرة الاحرام ... 305
في وجوب القيام و الاستقرار فيها ... 308
فرع في حكم نسيان القيام حال التكبير ... 310
في استحباب الاتيان بستّ تكبيرات ... 318
الفرع الأوّل في استحباب الاتيان بستّ تكبيرات ... 319
الفرع الثاني في خيار المصلّى في التكبيرات ... 320
الفرع الثالث في استحباب التكبيرات في جميع الصلوات ... 327
في استحباب رفع اليدين بالتكبيرات ... 331
الفرع الأوّل في استحباب أن يكون رفع اليدين بحذاء الوجه ... 335
الفرع الثاني في استحباب رفع اليدين معا ... 337
الفرع الثالث في كيفيّة رفع اليدين ... 337
الفرع الرابع في حالة اليد حال الرفع ... 338
الفرع الخامس في كراهة تجاوز اليد عن الأذن حين التكبير ... 339
فيما اذا شك في تكبيرة الاحرام ... 341
فرع فيما اذا كبّر ثمّ شكّ أنّه كان للاحرام أو للركوع ... 343
فصل في القيام/345
في وجوب القيام حال تكبيرة الاحرام ... 347
في المراد بكون القيام مستحبّا حال القنوت ... 348
فيما اذا زاد القيام ... 350
فيما اذا شكّ في القيام ... 351
في اعتبار الانتصاب و الاستقرار و الاستقلال في القيام ... 353
الفرع الأوّل في حكم التفريج بين الرجلين ... 357
الفرع الثاني في اعتبار الاعتماد على الرجلين معا في القيام و عدمه ... 359
فيما اذا ترك الانتصاب أو الاستقرار أو الاستقلال ناسيا ... 363
في تقديم القيام الاضطراري على الجلوس ... 366
فيما اذا لم يقدر على القيام كلاًّ ... 370
الفرع الأوّل فيمن لم يقدر على القيام ... 370
الفرع الثاني هل يجري في الجلوس جميع ما يجري في القيام ... 371
الفرع الثالث في تعذّر جلوس المصلّي ... 373
الفرع الرابع في كيفيّة الركوع و السجود اذا صلّى جالسا ... 376
الفرع الخامس في الايماء للركوع و السجود ... 379
الفرع السادس في حكم رفع موضع السجود للمريض ... 383
الفرع السابع في حكم وضع شيء على الجبهة ... 386
اذا لم يتمكّن من الركوع قائما أو من الركوع و السجود ... 388
الفرع الأوّل فيمن تمكّن من القيام لكن لم يتمكّن من الركوع قائما ... 388
الفرع الثاني فيمن تمكّن من القيام و لم يتمكّن من الركوع و السجود ... 390
فيما اذا قدر على القيام في بعض الركعات ... 396
فيما اذا تمكّن من القيام لكن خاف حدوث مرض أو بط ء برئه ... 399
فيما اذا دار الأمر بين مراعاة الاستقبال أو القيام ... 400
فيما لو تجدّد العجز في أثناء الصلاة عن القيام ... 401
فرع في وجوب ترك القراءة أو الذكر حال الانتقال ... 402
فيما لو تجدّدت القدرة على القيام في الأثناء ... 403
فيما اذا تجدّدت القدرة بعد القراءة قبل الركوع ... 404
فيما لو ركع قائما ثمّ عجز عن القيام ... 406
في وجوب الاستقرار ... 408
فيمن يصلّي جالسا ... 411
يستحبّ في حال القيام أمور ... 413
كتاب الصّلاة : «الجزء الثاني»
و المراد به ما استقرّ عليه و لو بوسائط و ما شغله من الفضاء في قيامه و قعوده و ركوعه و سجوده و نحوها و يشترط فيه أمور:
«أحدها»: اباحته، فالصلاة في المكان المغصوب باطلة سواء تعلّق الغصب بعينه أو بمنافعه كما اذا كان مستأجرا و صلّى فيه شخص من غير اذن المستأجر و ان كان مأذونا من قبل المالك، أو تعلّق به حقّ كحقّ الرهن و حقّ غرماء الميّت و حقّ الميّت اذا أوصى بثلثه و لم يفرز بعد و لم يخرج منه، و حقّ السبق كمن سبق الى مكان من المسجد أو غيره فغصبه منه غاصب على الأقوى و نحو ذلك؛ و انّما تبطل الصلاة اذا كان عالما عامدا و أمّا اذا كان غافلاً أو جاهلاً أو ناسيا فلاتبطل. نعم لايعتبر العلم بالفساد، فلو كان جاهلاً بالفساد مع علمه بالحرمة و الغصبيّة كفى في البطلان. و لافرق بين النافلة و الفريضة في ذلك على الأصحّ.
الشرح:
المراد من مكان المصلّي ما يشغله بدن المصلّي من الفضاء أو يستقرّ عليه و لو
بوسائط. و البحث هنا يقع في ضمن فروع:
المشهور بين الأصحاب اشتراط اباحة المكان و نعني بها هنا ما قابل الغصب، فيدخل فيها المملوك عينا و منفعة و المأذون فيه بجملة أقسامه من الاذن الصريح خصوصا، كأن يأذن بالصلاة فيه، أو عموما كأن يأذن بالكون فيه، أو بالفحوى كادخال الضيف للضيافة و نحوها، و بشاهد الحال كالخانات و الرباطات والحمامات، و لاتجوز الصلاة في المكان المغصوب عينا أو منفعة.
و أمّا الحرمة فهي مجمع عليها، فعن الشهيد في الذكرى: «أمّا المغصوب فتحريم الصلاة فيه مجمع عليه و أمّا بطلانها فقول الأصحاب و عليه بعض العامّة، لتحقّق النهي المفسد للعبادة. انتهى».
و قال في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على تحريم الصلاة في المكان المغصوب مع الاختيار، و أطبق علماؤنا على بطلانها أيضا لأنّ الحركات و السكنات الواقعة في المكان المغصوب منهيّ عنها كما هو المفروض فلايكون مأمورا بها ضرورة استحالة كون الشيء الواحد مأمورا به و منهيّا عنه. انتهى».(1)
أقول:
لااشكال في حرمة التصرّف في مال الغير سواء كان عينا أو منفعة و الدليلعليه القرآن و السنّة و الاجماع و العقل، قال اللّه تعالى: «و لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل»(2)
قال اللّه تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم»(1)
و من السنّة عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله :
«لايحلّ لمؤمن مال أخيه الاّ عن طيب نفس منه».(2)
و عنه صلى الله عليه و آله أيضا:
«لايحلّ دم امرء مسلم و لا ماله الاّ بطيبة نفس منه».(3)
و أمّا الاجماع: فقد مرّ نقله عن الشهيد و صاحب المدارك. و أمّا العقل: فلضرورة قبح التجاوز في مال الغير.
و بالجملة حرمة التعدّي الى مال المسلم و التصرّف فيه بغير اذنه من ضروريّات دين الاسلام.
و أمّا بطلان الصلاة فقد استدلّ عليه المشهور بأنّ النهي في العبادة موجب لفسادها، لاستحالة كون الشيء الواحد مأمورا به و منهيّا عنه، كما مرّ عن الشهيد و صاحب المدارك آنفا.
و الحقّ أنّ الصلاة في المكان المغصوب الذي استقرّ عليه المصلّي، باطلة و الدليل على ذلك أنّ الحرام و المنهيّ عنه هو التصرّف في مال الغير فاذا كان بعض أفعال الصلاة تصرّفا في ملك الغير، يكون منهيّا عنه و الشيء الواحد لايكونمأمورا به و منهيّا عنه، و ذلك كالسجدة قطعا، لأنّه يعتبر فيها وضع المساجد السبعة على الأرض و هذا الوضع يكون من أوضح مصاديق التصرّف في ملك الغير و كالقيام و الركوع على الأظهر فانّ القيام هو الوقوف على الرجلين منتصبا فمن وقف على ملك الغير من دون اذنه فهو متصرّف و غاصب فالنهي يكون عن
هذا القيام، و كذا الركوع فقوام الركوع هو الوقوف على الرجلين منحنيا بحيث لو لم يكن وقوف لم يقع ركوع فهذا الركوع تصرّف و هو المنهيّ عنه فلايكون مأمورا به لاستحالة كون الشيء الواحد مأمورا به و منهيّا عنه.
نعم الصلاة في المكان المغصوب الذي يكون بمعنى ما يشغله بدن المصلّي من الفضاء لم تكن باطلة لعدم صدق التصرّف في مال الغير عرفا.
الصلاة في المكان المغصوب باطلة سواء تعلّق الغصب بعينه أو بمنافعه كما اذا كان مستأجرا و صلّى فيه شخص من غير اذن المستأجر و ان كان مأذونا من قبل المالك أو تعلّق به حقّ كحقّ الرهن و حقّ غرماء الميّت، و حقّ الميّت اذا أوصى بثلثه و لم يفرز بعد و لم يخرج منه، و الدليل على ذلك، أمّا بالنسبة الى غصب العين و بطلان الصلاة فيها فقد تقدّم و أمّا بطلان الصلاة في العين المستأجرة من غير اذن المستأجر فلأنّه تصرّف في ملك الغير، فمن استأجر مكانا فقد ملك منافعه و أهمّها التصرّف فيه فلايجوز لغيره التصرّف فيه حتّى للمالك.
و أمّا بطلان الصلاة في العين المرهونة للمرتهن فلأنّه لايجوز له التصرّف في المال المرهون مطلقا الاّ باذن الراهن لأنّه وثيقة، ففي موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يرهن العبد أو الثوب أو الحليّ أو متاع البيت فيقول صاحب المتاع للمرتهن: أنت في حلّ من لبس هذا الثوب فالبس الثوب و انتفع بالمتاع و استخدم الخادم، قال: هو له حلال اذا أحلّه. الحديث».(1)
1) - وسائل الشيعة 13: 130 / الباب 8 من أبواب أحكام الرهن / الحديث 1.
و أمّا تصرّف الراهن - أي المالك بدون اذن المرتهن - فان كان منافيا لحكم الرهن و حقّ المرتهن كالوقف و كالاتلاف فلايجوز و أمّا اذا لم يكن مانعا لحقّ المرتهن الذي هو استيفاء الدين من العين لدى بلوغ أجله، فلايكون حراما فالصلاة في البيت الذي رهنه جائزة للمالك و ان لم يجزه المرتهن. نعم للمرتهن الامتناع من تسليم العين و التصرّف فيها لأنّها متعلّق حقّه، ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: في رجل رهن جاريته قوما أيحلّ له أن يطأها؟ قال:
«فقال: انّ الذين ارتهنوها يحولون بينه و بينها، قلت: أرأيت ان قدر عليها خاليا؟ قال: نعم، لاأرى به بأسا».(1)
فاذا جاز الوطئ للراهن بدون اذن المرتهن و هو من أهمّ التصرّفات، جاز له غيره من سائر التصرّفات الغير المنافية بالأولويّة القطعيّة.
و أمّا الصلاة في المكان الذي مات صاحبه و فيه حقّ غرماء الميّت فلايجوز للوارث الصلاة فيه الاّ باذن الغرماء أو الوصيّ الأمين أو باذن الحاكم الشرعي، و ذلك لأنّ الحقّ، أنّ الارث يكون من بعد وصيّة يوصى بها أو دين. و كذلك اذا أوصى الميّت بثلث ماله و لم يفرز بعد، فلاتجوز للوارث الصلاة فيه قبل الافراز الاّ باذن الوصيّ أو الحاكم الشرعيّ فانّهما وليّا الميت، و سيأتي مزيد التوضيح في المسألة الرابعة عشرة.
و أمّا الصلاة في ما به حقّ السابق بدون اذنه كمن سبق الى مكان من المسجد أو غيره فغصبه منه غاصبٌ فله صور:
الأولى: يدفعه الغاصب من المكان الذي شغله بجلوسه فيصلّي مكانه. الثانية: يدفعه ظالمٌ فيصلّي آخر مكانه. الثالثة: فرش صاحب الحقّ مكانا و ذهب ليتوضّأ و يرجع من غير أن يفوت الوقت. الرابعة: فرش مكانا و ذهب و لم يرجع و احتاج الناس اليه للصّلاة و غيرها، ففي الصورة الرابعة يسقط حقّه لأداء بقاء حقّه الى
1) - وسائل الشيعة 13: 133 / الباب 11 من أبواب أحكام الرهن / الحديث 1.
تعطيل المكان الذي يحتاج الناس اليه، نعم لايجوز الصلاة على فراشه ولكن يجوز رفعه و تخلية المكان منه و يجب حفظه و ردّه الى صاحبه. و كذا في الصورة الثانية لو أعرض عنه. و أمّا الصورة الأولى و الثالثة فالأقوى أنّه لايجوز التصرّف في المكان المسبوق بحقّ، فان تصرّف فهو آثم و صلاته باطلة و ذلك لثبوت حقّ السابق قطعا و عدم حدوث ما يزيل حقّه. و يؤيّده مرسلة محمّد بن اسماعيل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: نكون بمكّة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربّما خرج الرجل يتوضّأ فيجيء آخر فيصير مكانه، فقال: من سبق الى موضع فهو أحقّ به يومه و ليلته».(1)
و خبر طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أمير المؤمنين عليه السلام سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق الى مكان فهو أحقّ به الى الليل. و كان لايأخذ على بيوت السوق كراء».(2)
انّما تبطل الصلاة في المكان المغصوب اذا كان عالما عامدا و أمّا الغافل أو الناسي فلاتبطل صلاته فيه و ذلك لحديث «لاتعاد الصلاة» ففي صحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور، و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(3)
فانّها شاملة لما نحن فيه و كذلك لاتبطل الصلاة اذا كان جاهلاً قاصرا فهذا يشمله أيضا حديث «لاتعاد». نعم لو كان جاهلاً مقصّرا فلايعذّر فتبطل صلاته لعدم شمول حديث «لاتعاد» له، لأدائه الى تعطيل الأحكام.
(مسألة 1): اذا كان المكان مباحا ولكن فرش عليه فرش مغصوب فصلّى على ذلك الفرش بطلت صلاته و كذا العكس.
الشرح:
اذا كان المكان مباحا ولكن فرش عليه فرش مغصوب فصلّى على ذلك الفرش بطلت صلاته لأنّه تصرّف في مال الغير بدون اذنه و كذلك العكس بأن كان المكان مغصوبا ولكن فرش عليه فرش مباح فصلّى على ذلك الفرش بطلت صلاته أيضا لأنّه تصرّف في مال الغير بدون اذنه بواسطة الفرش، و لافرق بين التصرّف بلاواسطة و التصرّف بواسطة.
(مسألة 2): اذا صلّى على سقف مباح و كان ما تحته من الأرض مغصوبا فان كان السقف معتمدا على تلك الأرض تبطل الصلاة عليه، و الاّ فلا. لكن اذا كان الفضاء الواقع فيه السقف مغصوبا أو كان الفضاء الفوقاني الذي يقع فيه بدن المصلّي مغصوبا بطلت في الصورتين.
الشرح:
اذا صلّى على سقف مباح و كان ما تحته من الأرض مغصوبا فان كان السقف معتمدا على تلك الأرض تبطل الصلاة عليه لأنّه تصرّف في ملك الغير عرفا و لو بواسطة و أمّا اذا لم يكن السقف معتمدا على تلك الأرض بل على خارجها لم تبطل الصلاة لعدم صدق التصرّف في ملك الغير. نعم لو كان الفضاء الواقع فيه السقف مغصوبا، تبطل صلاته و ذلك لصدق التصرّف في ملك الغير. فمن بنى
سقفا في فضاء هو ملك الغير فقد تصرّف في الفضاء فالحركات الواقعة في الفضاء المغصوب يعدّ تصرّفا في ملك الغير.
(مسألة 3): اذا كان المكان مباحا و كان عليه سقف مغصوب فان كان التصرّف في ذلك المكان يعدّ تصرّفا في السقف بطلت الصلاة فيه و الاّ فلا. فلو صلّى في قبّة سقفها أو جدرانها مغصوب، و كان بحيث لايمكنه الصلاة فيها ان لم يكن سقف أو جدار، أو كان عسرا و حرجا كما في شدّة الحرّ و شدّة البرد بطلت الصلاة و ان لم يعدّ تصرّفا فيه فلا. و ممّا ذكرنا ظهر حال الصلاة تحت الخيمة المغصوبة، فانّها تبطل اذا عدّت تصرّفا في الخيمة بل تبطل على هذا اذا كانت أطنابها أو مساميرها غصبا كما هو الغالب، اذ في الغالب يعدّ تصرّفا فيها و الاّ فلا.
الشرح:
انّ هذه المسألة كما قال الماتن فبطلان الصلاة فى الفرض دائر مدار التصرّف و صدقه بنظر العرف.
(مسألة 4): تبطل الصلاة على الدابّة المغصوبة بل و كذا اذا كان رحلها أو سرجها أو وطاؤها غصبا، بل و لو كان المغصوب نعلها.
الشرح:
تبطل الصلاة على الدابّة المغصوبة بل و كذا اذا كان رحلها أو سرجها غصبا لأنّ الصلاة عليها تعدّ تصرّفا في المغصوب و هو منهيّ عنه فالنهي فيها موجب لفساد العبادة. و أمّا اذا كان نعلها مغصوبا فالصلاة صحيحة لعدم صدق التصرّف حينئذٍ و على الأقلّ من الشكّ.
(مسألة 5): قد يقال ببطلان الصلاة على الأرض التي تحتها تراب مغصوب و لو بفصل عشرين ذراعا و عدم بطلانها اذا كان شيء آخر مدفونا فيها و الفرق بين الصورتين مشكل، و كذا الحكم بالبطلان، لعدم صدق التصرّف في ذلك التراب أو الشيء المدفون، نعم لو توقّف الاستقرار و الوقوف في ذلك المكان على ذلك التراب أو غيره يصدق التصرّف و يوجب البطلان.
الشرح:
لاتبطل الصلاة على الأرض التي تحتها تراب مغصوب أو شيء آخر مدفونا لعدم صدق التصرّف في ذلك التراب أو الشيء المدفون، نعم لو توقّف الاستقرار و الوقوف في ذلك المكان على ذلك التراب أو غيره و صدق التصرّف فتبطل صلاته.
(مسألة 6): اذا صلّى في سفينة مغصوبة بطلت و قد يقال بالبطلان اذا كان لوح منها غصبا، و هو مشكل على اطلاقه، بل يختصّ البطلان بما اذا توقّف الانتفاع بالسفينة على ذلك اللوح.
الشرح:
اذا صلّى في سفينة مغصوبة بطلت للتصرّف المنهيّ عنه. و أمّا اذا كان لوح منها غصبا فان صلّى عليه فتبطل صلاته و الاّ فلا، لعدم صدق التصرّف اذا صلّى فيها على غير ذلك اللوح الغصبيّ.
(مسألة 7): ربّما يقال ببطلان الصلاة على دابّة خيط جرحها بخيط مغصوب، و هذا أيضا مشكل، لأنّ الخيط يعدّ تالفا و يشتغل ذمّة الغاصب بالعوض الاّ اذا أمكن ردّ الخيط الى مالكه مع بقاء ماليّته.
الشرح:
الصلاة على دابّة خيط جرحها بخيط مغصوب صحيحة لأنّ الخيط ان عدّ تالفا
يشتغل ذمّة الغاصب بالعوض و ان لم يعدّ تالفا و كانت ماليّته باقية لم تكن الصلاة عليها تصرّفا في المغصوب بل و لايكون من قبيل الانتفاع بضوء السراج و ظلّ الشجر.
(مسألة 8): المحبوس في المكان المغصوب يصلّي فيه قائما مع الركوع و السجود اذا لم يستلزم تصرّفا زائدا على الكون فيه على الوجه المتعارف كما هو الغالب و أمّا اذا استلزم تصرّفا زائدا فيترك ذلك الزائد و يصلّي بما أمكن من غير استلزام و أمّا المضطرّ الى الصلاة في المكان المغصوب فلااشكال في صحّة صلاته.
الشرح:
تصحّ صلاة المحبوس في المكان المغصوب بباطل أو بحقّ لأنّه مضطرّ.
ففي الجواهر قال: «و في الذكرى: و لو صلّى في المغصوب اضطرارا صحّت صلاته كالمحبوس، و من يخاف على نفسه التلف بخروجه منه صحّت صلاته لعموم «و ما استكرهوا عليه». و في المفاتيح: «تبطل في المغصوب عالما اختيارا، أمّا مع الجهل و الاضطرار فلا». و في جامع المقاصد: «صرّح بقيد الاختيار ليخرج حال الاضطرار كالمحبوس في مكان مغصوب، و من يخاف على نفسه التلف بخروجه، و الضابط زوال المنع من التصرّف للضرورة، فانّ الصلاة في هذه المواضع كلّها صحيحة لقبح التحريم حينئذٍ، اذ هو تكليف بما لايطاق ... الخ». و في الروضة، بعد أن ذكر المنع في المغصوب، قال: «كلّ ذلك مع الاختيار، أمّا مع الاضطرار كالمحبوس فيه فلامنع». و في الارشاد: «و لو كان محبوسا أو جاهلاً لاناسيا جاز». و في حاشيته للكركيّ: «و انّما تصحّ صلاة المحبوس اذا كان الحبس بباطل أو بحقّ هو عاجز عن أدائه و الاّ لم يكن عذرا». و قال العلاّمة الطباطبائي في منظومته:
و استثن مغصوبا من المكان *** لعالم بالغصب ذي امكان
فما على الجاهل و المضطرّ *** شيء سوى ضمانه للأجر
انتهى ما في الجواهر».(1)
(مسألة 9): اذا اعتقد الغصبيّة و صلّى فتبيّن الخلاف فان لم يحصل منه قصد القربة بطلت و الاّ صحّت، و أمّا اذا اعتقد الاباحة فتبيّن الغصبيّة فهي صحيحة من غير اشكال.
الشرح:
اذا اعتقد الغصبيّة و صلّى فتبيّن الخلاف فان لم يحصل منه قصد القربة كما اذا علم بطلان الصلاة في المكان المغصوب، فحينئذٍ بطلت صلاته، و أمّا ان حصل منه قصد القربة تصحّ صلاته، و ذلك لأنّه لم يتصرّف في مال الغير بغير اذنه و لم يرتكب حراما، و التجرّى و ان كان قبيحا و يكشف عن سوء سريرة المتجرّي الاّ أنّه لم يكن عاصيا و لم يفعل ما نهي عنه، و من هذا ظهر صحّة صلاة من اعتقد الاباحة فتبيّن الغصبيّة و ذلك لعدم ارتكابه المعصية لأنّه لم يتصرّف في مال الغير باعتقاده فلم تكن صلاته منهيّا عنها لتكون فاسدة.
(مسألة 10): الأقوى صحّة صلاة الجاهل بالحكم الشرعي، و هي الحرمة، و ان كان الأحوط البطلان خصوصا في الجاهل المقصّر.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الجاهل المقصّر لايكون معذورا و أمّا الجاهل القاصر فهو معذور،
1) - جواهر الكلام 8: 301 و 302.
فمن كان جاهلاً عن قصور بالحكم الشرعي و هي الحرمة بالنسبة الى التصرّف في مال الغير فصلّى فصلاته صحيحة، لقاعدة لاتعاد و لحديث الرفع.
(مسألة 11): الأرض المغصوبة المجهول مالكها لايجوز التصرّف فيها و لو بالصلاة، و يرجع أمرها الى الحاكم الشرعي؛ و كذا اذا غصب آلات و أدوات من الآجر و نحوه و عمّر بها دارا أو غيرها ثمّ جهل المالك فانّه لايجوز التصرّف و يجب الرجوع الى الحاكم الشرعي.
الشرح:
الأرض المغصوبة المجهول مالكها لايجوز التصرّف فيها و لو بالصلاة؛ و ذلك لاطلاق دليل المنع عن التصرّف في مال الغير من دون اذنه الشامل لصورتي معلوميّة المالك و مجهوليّته و يرجع أمرها الى الحاكم الشرعي فانّها موضوع ذوحكم شرعي فالمتصدّي له الحاكم الشرعي فيفتي بالحاقها باللقطة أو بالكنز فلكلّ واحد منهما أحكام مذكورة، فليعمل بها، و يمكن أن يكون نظر الحاكم في تلك الموارد الى أنّها للامام عليه السلام فيعامل معها معاملة سهمه عليه السلام.
(مسألة 12): الدار المشتركة لايجوز لواحد من الشركاء التصرّف فيه الاّ باذن الباقين.
الشرح:
الدار المشتركة لايجوز لواحد من الشركاء التصرّف فيه الاّ باذن الباقين لاطلاق دليل المنع عن التصرّف في مال الغير من دون اذنه الشامل لمال المشاع و غيره.
(مسألة 13): اذا اشترى دارا من المال غير المزكّى أو غير المخمّس يكون بالنسبة الى مقدار الزكاة أو الخمس فضوليّا، فان أمضاه الحاكم ولاية على الطائفتين من الفقراء و السادات يكون لهم فيجب عليه أن يشتري هذا المقدار من الحاكم و اذا لم يمض بطل و تكون باقية على ملك المالك الأوّل.
الشرح:
اذا اشترى دارا من المال الغير المزكّى أو الغير المخمّس فقد فعل حراما لأنّ المال غير المزكّى أو غير المخمّس مشترك بين صاحبه و أرباب الزكاة أو الخمس، فانّ الظاهر من الأصحاب الاتّفاق على أنّ الزكاة و الخمس متعلّقان بنفس العين، ولعلّه الظاهر من الأخبار كما في قوله عليه السلام: «ما أنبتته الأرض ففيه الزكاة».
و أمّا صحّة المعاملة فتدور مدار اجازة أرباب الزكاة أو الخمس فانّ المعاملة بالنسبة الى سهمهم فضولية، و بما أنّ المالك هو كلي الفقير دون المعيّن كي يعتبر اذنه، اذ لم يدفع اليه بعد حتّى يملكه فلابدّ من الاستجازة من الحاكم الشرعي الذي هو وليّ عليهم فان أجاز و أمضاه صحّ البيع في الجميع، و انتقلت الشركة بينه و بين الفقراء من المال الزكوي الى بدله و هو الدار مثلاً، و اذا اشترى بعد ذلك بمقدار حصّتهم من الحاكم صار جميع الدار ملكا له.
و ان لم يرجع الى الحاكم للاستجازة فللحاكم امضاء البيع و أخذ الزكاة من المشتري أو من البائع و أمّا اذا لم يمض الحاكم و لم يجز البيع بطل بذلك المقدار و بقي على ملك المالك الأوّل. ففي الأوّل يتبع المشتري البائع فيما أداه.
لصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل لم يزكّ ابله أو شاته عامين فباعها على من اشتراها أن يزكّيها لما مضى، قال: نعم تؤخذ منه زكاتها و يتّبع بها البائع أو يؤدّي زكاتها البائع».(1)
1) - وسائل الشيعة 6: 86 / الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.
و تفصيل الكلام موكول الى محلّه.
(مسألة 14): من مات و عليه من حقوق الناس كالمظالم أو الزكاة أو الخمس، لايجوز لورثته التصرّف في تركته و لو بالصلاة في داره قبل أداء ما عليه من الحقوق.
الشرح:
من مات و عليه من حقوق الناس كالمظالم أو الزكاة أو الخمس فان استوعب التركة فهي للديّان و ان لم يستوعب فالباقي للورثة بعد أداء الدين. فعن العلاّمة في التذكرة قال: «أوّل مايبدأ به من التركة بالكفن من صلب المال فان فضل شيء صرف في الدين من الأصل أيضا فان فضل شيء أو لم يكن دين صرف في الوصيّة من الثلث ان لم يجز الورثة فان أجازت نفذت من الأصل ثمّ من بعد الوصيّة الميراث. انتهى».(1)
و الدليل على ذلك قوله تعالى: «من بعد وصيّة يوصى بها أو دين» .(2)
و لخبر السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أوّل شيء يبدأ به من المال الكفن، ثمّ الدين، ثمّ الوصيّة، ثمّ الميراث».(3)
و صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «انّ الدين قبل الوصيّة، ثمّ الوصيّة على أثر الدين، ثمّ الميراث بعد الوصيّة فانّ أوّل القضاء كتاب اللّه».(4)
و مرسلة أبان بن عثمان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أوصى الى رجل و عليه دين، قال: يقضي الرجل ما عليه من دينه، و يقسّم مابقي بين الورثة».(1)
و خبر الفضل بن الحسن الطبرسي في (مجمع البيان) عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: «من بعد وصيّة توصون بها أو دين» قال:
«انّكم لتقرؤون في هذه الوصيّة قبل الدين، و انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قضى بالدين قبل الوصيّة».(2)
و عليه يبقى كلّ التركة في فرض الاستغراق على ملك الميّت يؤدّى منها دينه، و في فرض عدم الاستغراق يبقى بمقدار الدين على ملك الميّت، و لايملك الورثة الاّ ما زاد عليه، فالدين مانع عن انتقال مقداره الى الوارث حتّى يؤدّى دين الميّت، أو يؤدّي الوارث الدين من مال آخر أو تبرّع به شخص آخر أو ابرأه الغريم بحيث فرغت ذمّة الميّت عن الدين، ففي هذه الصور انتقل المال بأجمعه الى الوارث.
(مسألة 15): اذا مات و عليه دين مستغرق للتركة لايجوز للورثة و لا لغيرهم التصرّف في تركته قبل أداء الدين بل و كذا في الدين الغير المستغرق الاّ اذا علم رضى الديّان، بان كان الدين قليلاً و التركة كثيرة و الورثة بانين على أداء الدين غير متسامحين، و الاّ فيشكل حتّى الصلاة في داره، و لافرق في ذلك بين الورثة و غيرهم، و كذا اذا لم يكن عليه دين ولكن كان بعض الورثة قصيرا أو غائبا أو نحو ذلك.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّه اذا مات المالك و عليه دين مستغرق لايجوز
للورثة و لا لغيرهم التصرّف في التركة بل يؤدّى منها دينه، و في غير المستغرق أيضا لايجوز للورثة و لا لغيرهم التصرّف في التركة قبل أداء الدين و كذا اذا لم يكن عليه دين ولكن كان بعض الورثة قصيرا أو غائبا أو نحو ذلك لأنّ المال حينئذٍ مشترك بينهم بنحو الاشاعة فلايجوز التصرّف من أحدهم الاّ باذنالآخرين. و عليه فلابدّ من الاستيذان منهما و حيث لايمكن يرجع الورثة الى الحاكم الشرعي الذي هو وليّ عليهما.
(مسألة 16): لايجوز التصرّف حتّى الصلاة في ملك الغير الاّ باذنه الصريح أو الفحوى أو شاهد الحال و الأوّل كأن يقول: أذنت لك بالتصرّف في داري بالصلاة فقط أو بالصلاة و غيرها، و الظاهر عدم اشتراط حصول العلم برضاه بل يكفي الظنّ الحاصل بالقول المزبور لأنّ ظواهر الألفاظ معتبرة عند العقلاء. و الثاني: كأن يأذن في التصرّف بالقيام و القعود و النوم و الأكل من ماله ففي الصلاة بالأولى يكون راضيا، و هذا أيضا يكفي فيه الظنّ على الظاهر لأنّه مستند الى ظاهر اللفظ اذا استفيد منه عرفا و الاّ فلابدّ من العلم بالرضا، بل الأحوط اعتبار العلم مطلقا. و الثالث: كأن يكون هناك قرائن و شواهد تدلّ على رضاه كالمضائف المفتوحة الأبواب و الحمّامات و الخانات و نحو ذلك، و لابدّ في هذا القسم من حصول القطع بالرضا لعدم استناد الإذن في هذا القسم الى اللفظ و لا دليل على حجّيّة الظنّ الغير الحاصل منه.
الشرح:
لايجوز التصرّف حتّى الصلاة في ملك الغير الاّ بطيبة نفسه بالأدلّة الأربعة التي تقدّمت في أوّل البحث، فالمستفاد منها أنّ اباحة التصرّف في مال الغير دائرة مدار طيبة نفسه و رضاه الباطني ففي موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال:
«من كانت عنده أمانته فليؤدّها الى من ائتمنه عليها فانّه لايحلّ دم امرء مسلم و لا ماله الاّ بطيبة نفس منه».(1)
و الدليل على الرضا الباطني من صاحب المال للتصّرف في ماله هو العلم و البيّنة فهي الحجّة الشرعيّة كما تقدّمت في البحث عن الأوقات. و كذا اذنه الصرّيح كأن يقول أذنت لك بالتصرّف في داري بالصلاة فقط أو بالصلاة و غيرها و لايشترط حصول العلم برضاه بل يكفي الظنّ الحاصل بالقول المزبور لأنّ ظواهر الألفاظ معتبرة عند العقلاء، نعم اذا علم عدم رضا المالك بالتصرّف و ان أذن ظاهرا فهيهنا صور: فتارة يكون اذنه لدفع الضرر كأن يكون خائفا من الحبس و الضرب و الشتم و غيرها ان لم يأذن فحينئذٍ لايكون اذنه هنا معتبرا. و أخرى يأذن لجلب النفع أو الطمع في شيء بحيث لو علم بعدم الوصول اليه لم يأذن. و ثالثة أذن لتوهّمه أنّ المأذون له أبوه فلو علم أنّه عدوّه لم يأذن أبدا فالظّاهر في هاتين الصورتين اعتبار اذنه، لبناء العقلاء على العمل باذنه و يكون اذنه هذا حجّة عليه. و رابعة يأذن للأخذ بالحياء فهذه أيضا ملحقة بسابقتيها للدّليل المتقدّم. و أمّا ان لم يأذن بالتصّرف بالصلاة أو مطلقا فتارة كان عدم اذنه لخوفه من الظالم أو لطمعه من ذي قوّة أو مال بحيث لو أذن لم يصل الى ما رجاه فالظّاهر في هذه الصورة عدم جواز التصرّف لبناء العقلاء على اعتبار قوله. و أخرى يكون عدم اذنه لتوهّمه أنّه عدوّه فلو علم أنّه أبوه أذن له، فالظّاهر في هذه الصورة كفاية رضائه التقديري و هذا أيضا لبناء العقلاء على ذلك.
و ممّا يدلّ على الرضا الباطني الاذن بالفحوى و شاهد الحال فالأوّل كما اذا أذن المسلم العامل بالدين بالتصرّف في ملكه بالقيام و القعود و النوم أو الأكل من ماله فيكشف رضاؤه بالصلاة في ملكه بالطريق الأولى و ذلك لبناء العقلاء فانّهم يعاملون معه معاملة الاذن الصريح، فالاذن بالفحوى يكون دالاًّ على الرضا الباطني
1) - وسائل الشيعة 3: 424 / الباب 3 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
عرفا، و الثاني كأن يكون هناك قرائن و شواهد تدلّ على رضاه كالمضائفالمفتوحة الأبواب و الحمّامات و الخانات و نحو ذلك اذا كان متصدّيها مسلما متديّنا و لم يكن تصرّف المصلّي بصلاته مزاحما للمراجعين.
قال في الحدائق: «هل يكفي في شاهد الحال في هذا المقام الدلالة الظنّيّة أو لابدّ من العلم؟ قولان ظاهر المشهور الأوّل و صرّح جمع، منهم: السيّد السند في المدارك بالثاني، و أكثر الأصحاب فسّره بما اذا كان هناك أمارة تشهد بأنّ المالك لايكره و هو أعمّ من العلم - الى أن قال: - و الظاهر (كما استظهره جملة من الأصحاب منهم الفاضل الخراساني في الذخيرة و شيخنا المجلسي في البحار) هو جواز الصلاة في كلّ موضع لايتضرّر المالك بالكون فيه و كان المتعارف بين الناس عدم المضايقة في أمثاله و ان فرضنا عدم العلم برضا المالك هناك على الخصوص، نعم لو ظهرت كراهة المالك لأمارة لم تجز الصلاة فيه مطلقا».(1)
(مسألة 17): يجوز الصلاة في الأراضي المتّسعة اتّساعا عظيما بحيث يتعذّر أو يتعسّر على الناس اجتنابها و ان لم يكن إذن من ملاكها، بل و ان كان فيهم الصغار و المجانين ،بل لايبعد ذلك و ان علم كراهة الملاّك، و ان كان الأحوط التجنّب حينئذٍ مع الامكان.
الشرح:
التصرّف بالصلاة في الأراضي المتّسعة التي لم تكن لها جدران أو تركت أبوابها مفتوحة من دون حاجز و مانع، و لم يتضرّر المالك بالتصرّف فيها جائز بشاهد الحال و السيرة القطعيّة المدعاة من الفقهاء.
قال في الحدائق: «و كيف كان فالظاهر أنّه لاخلاف بين الأصحاب في جوازالصلاة في الصحاري و البساتين اذا لم يتضرّر المالك بها و لم تكن أمارة تشهد
1) - الحدائق الناضرة 7: 176.
بعدم الرضا و ان لم يأذن المالك صريحا أو فحوى».(1)
و في الجواهر: «بل بنى بعضهم جواز الصلاة في الأراضي المتّسعة على قيام شاهد الحال مصرّحا بعدم اعتبار العلم فيه، بل ظاهره أنّ مداره على عدم علم الكراهيّة، و لعلّه كذلك حيث لايقوم شاهد حال على الكراهة، للسيرة القطعيّة على أمثال هذه التصرّفات من غير مراعاة اذن المالك و انّه ممّن له الاذن أو لا، أو من أعداء الدين أو لا - الى أن قال: - يمكن دعوى تحقّق السيرة في نحو الأراضي التي في غاية السعة التي كان بناء ملك المالك لها من المالك الأصلي على جواز هذه التصرّفات من الاستطراق و المكث لقضاء الحوائج و أمثالها فيها، نحو ملك المياه المحازة في الأنهار العظيمة التي لاينكر تحقّق السيرة على عدم الامتناع من الشرب منها، و نقل المياه للمسافرين و المتردّدين و نحو ذلك و ان كره المالك. انتهى موضع الحاجة منه».(2)
(مسألة 18): يجوز الصلاة في بيوت من تضمّنت الآية جواز الأكل فيها بلااذن مع عدم العلم بالكراهة كالأب و الأمّ و الأخ و العمّ و الخال و العمّة و الخالة و من ملك الشخص مفتاح بيته و الصديق، و أمّا مع العلم بالكراهة فلايجوز، بل يشكل مع ظنّها أيضا.
الشرح:
تجوز الصلاة في بيوت من تضمّنت الآية جواز الأكل فيها بلا اذن بالفحوى و الآية الكريمة هي قوله تعالى: «ليس على الأعمى حرج و لا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج و لا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمّهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت
عمّاتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا»(1)
فاذا جاز الأكل المُتلِف فجواز الصلاة و القيام و القعود يكون بطريق أولى. فاعلم أنّ جواز الأكل من بيوت هؤلاء ليس أمرا تعبّديّا بل هو اذن بشاهد الحال فحينئذٍ لو علم الكراهة - و ما ألحق به من الظنون المعتبرة - منهم في التصرّف مطلقا أو بالنسبة الى الصلاة فلايجوز. نعم لو لم يعلم الكراهة و ان ظنّها - بالظنون الغير المعتبرة - فجائز و ذلك للاذن بشاهد الحال كما مرّ في المسألة السابقة و هنا يكون آكدا لوجود الدليل اللفظي و هو اطلاق الآية.
(مسألة 19): يجب على الغاصب الخروج من المكان المغصوب، و ان اشتغل بالصلاة في سعة الوقت يجب قطعها، و ان كان في ضيق الوقت يجب الاشتغال بها حال الخروج مع الايماء للركوع و السجود، ولكن يجب عليه قضاؤها أيضا اذا لم يكن الخروج عن توبة و ندم، بل الأحوط القضاء و ان كان من ندم و بقصد التفريغ للمالك.
الشرح:
تقدّم أنّه يحرم التصرّف في ملك الغير بدون رضاه فمن دخل في مكان امرء مسلم بغير اذنه فقد ارتكب الحرام فبقاؤه يكون حراما و خروجه واجبا الاّ أنّه اذا خرج يكون تصرّفه و ارتكابه الحرام أقلّ بالنسبة الى البقاء و لايكون هذا الوجوبنفسيّا لأنّ الخروج كما قلنا تصرّف في المكان أيضا و هو حرام و لايتّصف بالوجوب ثانيا، و لايكون مقدميّا لأنّ الكون في خارج ذلك المكان المغصوب لايكون واجبا حتّى يصير الخروج مقدّمة له، فالوجوب هنا عقلي ارشادي بمناط تخفيف المعصية. نعم لو دخل في ملك الغير بغير اذنه ثمّ ندم و تاب يجب
1) - النور 24: 61.
الخروج بوجوب نفسي، و ذلك لأنّ الخروج و ان كان تصرّفا لكن لايكون حراما بالنسبة اليه لأنّه تائب و التائب من الذنب كمن لاذنب له فانّه أراد تفريغ مكان الغير و لاطريق له الى ذلك الاّ بالمجاوزة عنه فانّه مضطرّ الى ذلك التصرّف فلا معصية لحديث الرفع، كمن دخل في ملك الغير جاهلاً أو ناسيا ثمّ علم أو ذكر فيجب عليه الخروج بالوجوب النفسي لأنّ خروجه لايكون معصية فانّه مضطرّ الى المجاوزة عن هذا الطريق.
اذا دخل في ملك الغير بدون اذنه عالما عامدا لاتجوز له الصلاة و ان اشتغل يجب عليه قطعها ان كان في سعة الوقت، و أمّا ان كان الوقت ضيّقا فان كان تائبا يجب عليه الاشتغال بالصلاة حين الخروج و يؤمي للرّكوع و السجود و تصحّ صلاته، و كذا يكون الحال لو دخل في ملك الغير جاهلاً أو ناسيا ثمّ تذكّر و لم يصلّ صلاته و كان الوقت ضيّقا فهو أيضا يصلّي حين الخروج و يؤمي للركوع و السجود و تصحّ صلاته و لاتقضى الصلاة في الصورتين للاتيان بما هو وظيفته.
و لو دخل في ملك الغير بدون اذنه عالما عامدا فخرج في ضيق الوقت و لم يكن تائبا فحيث كان خروجه تصرّفا في ملك الغير و كان معصية فصلاته باطلة فحينئذٍ يجب عليه التوبة و الاشتغال بالصلاة و ان لم يتب لايترك الاحتياط بأداء الصلاة حين الخروج مؤميا لركوعه و سجوده ثمّ القضاء.
قال المحقّق الهمداني في موضع من كلامه: «بأنّه لايتفاوت الحال في بطلان الصلاة في المكان المغصوب بين ما لو أتى بها في حال الدخول أو الخروج لأنّخروجه أيضا كدخوله مبغوض و معاقب عليه لأنّ عمله من أوّله الى آخره قبيح منهيّ عنه - الى أن قال: - نعم لو ندم عن عمله و تاب ثمّ خرج بقصد التخلّص من الغصب لايبعد القول بالصحّة ان لم يكن موجبا لتصرّف زائد عمّا يتوقّف عليه الخروج. انتهى».(1)
1) - مصباح الفقيه: 175.
و قال - في موضع آخر من كلامه في ذلك -: «فلو أخذ في الخروج مع التوبة و ارادة التخلّص من الغصب أمكن الالتزام بصحّة صلاته نظرا الى أنّ التائب عن الذنب كمن لاذنب له فهو بعد التوبة بمنزلة من وجد نفسه في أرض مغصوبة وجب عليه الخروج منها من غير أن يستحقّ على تصرّفه في مال الغير حال خروجه عقوبة فلا مانع حينئذٍ من الاتيان بما هو واجب عليه من فعل الصلاة، ولكن قد يشكل ذلك بأنّ التوبة انّما تؤثّر في العفو عن المعصية و صيرورتها كالعدم في عدم ترتّب العقوبة عليها لا في تبدّل موضوعها كي يصحّ تعلّق التكليف بفعلها. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
و لقد أجاد بقوله، الاّ أنّ استدراكه في غير محلّه فانّ التوبة اذا أزال معصيته فقد جعل غصبه كعدم الغصب له فيكون كمن ورد في مكان الغير جاهلاً بالغصب أو ناسيا فاذا علم أو تذكّر يجب عليه الخروج و لايكون خروجه معصية فانّه مضطرّ فاذا لم يصلّ و ضاق الوقت يصلّي صلاة المضطرّ لئلاّ يوجب زيادة التصرّف عن الخروج ان صلّى صلاة المختار.
(مسألة 20): اذا دخل في المكان المغصوب جهلاً أو نسيانا أو بتخيّل الاذن ثمّ التفت و بان الخلاف، فان كان في سعة الوقت لايجوز له التشاغل بالصلاة، وان كان مشتغلاً بها وجب القطع و الخروج، و ان كان في ضيق الوقت اشتغل بها حال الخروج سالكا أقرب الطرق مراعيا للاستقبال بقدر الامكان، و لايجب قضاؤها و ان كان أحوط، لكن هذا اذا لم يعلم برضا المالك بالبقاء بمقدار الصلاة، و الاّ فيصلّي ثمّ يخرج، و كذا الحال اذا كان مأذونا من المالك في الدخول ثمّ ارتفع الاذن برجوعه عن اذنه أو بموته و الانتقال الى غيره.
الشرح:
1) - مصباح الفقيه: 176.
اذا دخل في المكان المغصوب جاهلاً أو ناسيا أو بتخيّل الاذن ثمّ التفت و بان الخلاف فتارة يكون في سعة الوقت و أخرى في ضيقه، ففي الصورة الأولى يجب عليه الخروج فورا من أقرب الطرق و لايشتغل بالصلاة لأنّ مكثه بقدر الصلاة تصرّف في ملك الغير بدون رضاه فهو حرام و الصلاة باطلة و ان صلّى حال الخروج صلاة المضطرّ فهي باطلة لعدم كونه مضطرّا، و في الصورة الثانية يخرج فورا من أقرب الطرق و يصلّي حين الخروج من غير مكث مراعيا للاستقبال بقدر الامكان و يؤمي للركوع و السجود لأنّه مضطرّ.
و أمّا اذا أذنه المالك بالدّخول في ملكه و الصلاة فيه ثمّ رجع عن اذنه فالأقوى أنّ حالها كسابقتيها ففي سعة الوقت لايشتغل بالصلاة و في ضيق الوقت يخرج و يصلّي صلاته بصلاة المضطرّ مراعيا للاستقبال بقدر الامكان فيها و الدليل كسابقتها.
(مسألة 21): اذا أذن المالك بالصلاة خصوصا أو عموما ثمّ رجع عن اذنه قبل الشروع فيها وجب الخروج في سعة الوقت، و في الضيق يصلّي حال الخروج - على مامرّ - و ان كان ذلك بعد الشروع فيها فقد يقال بوجوب اتمامها مستقرّا و عدم الالتفات الى نهيه و ان كان في سعة الوقت الاّ اذا كان موجبا لضررعظيم على المالك لكنّه مشكل، بل الأقوى وجوب القطع في السعة و التشاغل بها خارجا في الضيق خصوصا في فرض الضرر على المالك.
الشرح:
اذا أذن المالك بالصلاة خصوصا أو عموما ثمّ رجع عن اذنه، فتارة يكون رجوعه قبل الشروع في الصلاة و أخرى بعده و على التقديرين امّا يكون الوقت واسعا أو ضيّقا. أمّا الصورة الأولى أي اذا رجع عن اذنه قبل الشروع في الصلاة فان كان الوقت واسعا وجب الخروج و لايتشاغل بالصلاة لأنّه ان صلّى مستقرّا فقد
تصرّف في المكان المملوك بغير اذن صاحبه فالتصرّف حرام و الصلاة باطلة و ان تشاغل في الصلاة حال الخروج مؤميا لركوعه و سجوده فصلاته هذه باطلة أيضا لتركه الأجزاء و الشرائط تامّة من غير مجوّز و هذا ممّا لااشكال فيه.
و أمّا اذا كان الوقت ضيّقا فيصلّي حين الخروج مؤميا ركوعه و سجوده جمعا بين وجوب الصلاة في الوقت المحدّد لها و حرمة التصرّف في ملك الغير بدون اذنه، لأنّ الصلاة مستقرّا موجب للتصرّف الزائد في ملك الغير بدون اذنه و هو مبطل للصلاة.
أمّا الصورة الثانية أي اذا رجع عن اذنه بعد الشروع في الصلاة فان كان الوقت واسعا يجب عليه قطع الصلاة و الخروج من ذلك المكان و الدليل على ذلك صدق التصرّف في ملك الغير بدون اذنه ان أتمّ الصلاة مستقرّا، و تركه الأجزاء و الشرائط تامّة من غير مجوّز ان أتمّ الصلاة حال الخروج مؤميا ركوعه و سجوده. هذا على ما هو الحقّ من عدم حرمة قطع الصلاة اذا كان هناك غرض عقلائيّ و لم يكن القطع عن لهو و عبث. و أمّا اذا قلنا بحرمة قطع الصلاة في أيّ حالة لكنّه يجب القطع هنا لأنّ النهي عن التصرّف في مال الغير بدون اذنه أهمّ من النهي عن قطع الصلاة بل نقول ببطلان الصلاة قهرا لفقدان بعض شرائط الصلاة و هو اباحةالمكان، و لايجوز اتمام الصلاة حال الخروج مؤميا لعدم كونه مضطرّا فانّ الوقت واسع. و أمّا اذا رجع عن اذنه بعد الشروع في الصلاة و كان الوقت ضيّقا يجب عليه اتمام الصلاة حال الخروج، لأنّ المكث في ملك الغير بدون رضاه حرام مبطل للصّلاة.
(مسألة 22): اذا أذن المالك في الصلاة ولكن هناك قرائن تدلّ على عدم رضاه و ان اذنه من باب الخوف أو غيره، لايجوز أن يصلّي، كما أنّ العكس بالعكس.
الشرح:
قد ظهر حال المسألة ممّا تقدّم عند التكلّم حول المسألة السادسة عشرة فراجع.
(مسألة 23): اذا دار الأمر بين الصلاة حال الخروج من المكان الغصبيّ بتمامها في الوقت أو الصلاة بعد الخروج و ادراك ركعة أو أزيد فالظاهر وجوب الصلاة في حال الخروج، لأنّ مراعاة الوقت أولى من مراعاة الاستقرار و الاستقبال و الركوع و السجود الاختيارييّن.
الشرح:
اذا دار الأمر بين الصلاة حال الخروج من المكان الغصبيّ بتمامها في الوقت أو الصلاة بعد الخروج و ادراك ركعة أو أزيد فالظاهر وجوب الصلاة حال الخروج لأنّ مراعاة الوقت أولى من مراعاة الاستقرار و الاستقبال و الركوع و السجود الاختيارييّن و ذلك لأن الركوع و كذا السجود لهما بدل و هو الايماء و وجوب الاستقرار و الاستقبال يسقط للاضطرار و أمّا الوقت لايكون له بدل ان قلتفالوقت أيضا له بدل لقوله عليه السلام:
«فان صلّى ركعة من الغداة ثمّ طلعت الشمس فليتمّ و قد جازت صلاته».(1)
قلت: الظاهر أنّ الرواية ليست بصدد بيان توسعة الوقت، بل تكون بصدد بيان ترتيب آثار الوقت على هذه الصلاة و هو عدم وجوب القضاء. نعم لو قلنا بأنّ
1) - وسائل الشيعة 3: 158 / الباب 30 من أبواب المواقيت / الحديث 1.
الرواية بصدد بيان توسعة الوقت فيجب عليه أن يخرج فورا و يصلّي صلاته في الخارج تامّة الأجزاء و الشرائط و ذلك لعدم صدق المضطرّ عليه حينئذٍ.
«الثاني» من شروط المكان: كونه قارّا، فلاتجوز الصلاة على الدابّة أو الأرجوحة أو في السفينة و نحوها ممّا يفوت معه استقرار المصلّي نعم مع الاضطرار و لو لضيق الوقت عن الخروج من السفينة مثلاً لامانع، و يجب عليه حينئذٍ مراعاة الاستقبال و الاستقرار بقدر الامكان، فيدور حيثما دارت الدابّة أو السفينة، و ان أمكنه الاستقرار في حال القراءة، و الأذكار و السكوت خلالها حين الاضطراب وجب ذلك مع عدم الفصل الطويل الماحي للصّورة، و الاّ فهو مشكل.
الشرح:
يجب أن يكون المصلّي مستقرّا حال الصلاة و لايجوز أن يصلّي في مكان غير قارّ بحيث يضطرب المصلّي باضطراب المكان كالصلاة على الدابّة أو الأرجوحة أو السفينة في حال الحركة بحيث لايتمكّن المصلّي من الاستقرار فيفوت عنه، و الدليل على ذلك، الاجماع كما يأتي في أفعال الصلاة. و قد يستدلّلوجوب استقرار المكان ببعض الروايات الواردة في عدم جواز الصلاة على الدابّة و السفينة و الأرجوحة في حال الاختيار.
منها: صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايصلّي على الدابّة الفريضة الاّ مريض يستقبل به القبلة، و يجزيه فاتحة الكتاب، و يضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شيء و يؤمي في النافلة ايماءً».(1)
و منها: خبر عبداللّه بن سنان قال:
1) - وسائل الشيعة 3: 236 / الباب 14 من أبواب القبلة / الحديث 1.
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أ يصلّي الرجل شيئا من المفروض راكبا؟ فقال: لا الاّ من ضرورة».(1)
و منها: صحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتصلّ شيئا من المفروض راكبا».(2)
و منها: مكاتبة الحميري يعني عبداللّه بن جعفر قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليه السلام: روى جعلني اللّه فداك مواليك عن آبائك أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله صلّى الفريضة على راحلة في يوم مطير و يصيبنا المطر و نحن في محاملنا و الأرض مبتلة و المطر يؤذى فهل يجوز لنا يا سيّدي أن نصلّي في هذه الحال في محاملنا أو على دوابّنا الفريضة ان شاء اللّه؟ فوقع عليه السلام: يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة».(3)
و منها: خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي على الرفّ المعلّق بين نخلتين؟ فقال: ان كان مستويا يقدر على الصلاة فيه فلا بأس».(4)
و منها: صحيحة حمّاد بن عيسى قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يسأل عن الصلاة في السفينة فيقول: ان استطعتم أن تخرجوا الى الجدد فاخرجوا، فان لم تقدروا فصلّوا قياما فان لم تستطيعوا فصلّوا قعودا و تحرّوا القبلة».(5)
و الحقّ أنّ شيئا من هذه الروايات لاتدلّ على وجوب الاستقرار بل الظاهر منها في عدم جواز الصلاة على الدابّة و نحوها هو فوات الأجزاء و الشرائط
1) - وسائل الشيعة 3: 237 / الباب 14 من أبواب القبلة / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 3: 238 / الباب 14 من أبواب القبلة / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 3: 237 / الباب 14 من أبواب القبلة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 3: 467 / الباب 35 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 235 / الباب 13 من أبواب القبلة / الحديث 14.
كالركوع و السجود و القيام و القبلة و أمّا عدم الجواز لعدم كون الدابّة و غيرها قارّا و وجوب الاستقرار فلم يظهر منها.
فالمتحصّل من الروايات المتقدّمة آنفا هو عدم جواز الصلاة على الدابّة أو الأرجوحة أو في السفينة من غير اضطرار اذا استلزم فوات شيء من الأجزاء و الشرائط و أمّا اذا لم يستلزم ذلك فلا اشكال في الجواز. و أمّا وجوب كون مكان المصلّي قارّا فلم يظهر منها فعمدة الدليل عليه الاجماع فلو صلّى في السفينة مستقبلاً تامّة الأجزاء و الشرائط مستقرّا قارّا يصحّ صلاته، بل ان سكت عن القراءة و الذكر حين اضطرب المركب ثمّ شرع من دون فصل طويل يصحّ صلاته أيضا لعدم الاخلال بالصلاة، و قد اتّضح شرح المسألة الآتية أيضا.
(مسألة 24): يجوز في حال الاختيار، الصلاة في السفينة أو على الدابّة الواقفتين مع امكان مراعاة جميع الشروط من الاستقرار و الاستقبال و نحوهما،بل الأقوى جوازها مع كونهما سائرتين اذا أمكن مراعاة الشروط و لو بأن يسكت حين الاضطراب عن القراءة و الذكر مع الشرط المتقدّم و يدور الى القبلة اذا انحرفتا عنها و لاتضرّ الحركة التبعيّة بتحرّكهما و ان كان الأحوط القصر على حال الضيق والاضطرار.
الشرح:
تقدّم شرح هذه المسألة في ذيل المسألة السابقة و قلنا بجواز الصلاة على الدابّة و غيرها اختيارا و الحركة التبعيّة بنفسها غير قادحة مع فرض استيفاء الأفعال و عدم الاخلال بشيء منها، و يدور الى القبلة اذا انحرف عنها. فاذا قلنا بجواز الصلاة حال السير، فالجواز في فرض كونها واقفة أولى لأنّه لافرق بين الأمكنة من الأرض و البحر.
(مسألة 25): لاتجوز الصلاة على صبرة الحنطة و بيدر التبن و كومة الرمل مع عدم الاستقرار و كذا ما كان مثلها.
الشرح:
لاتجوز الصلاة في المكان الذي لايكون قارّا بحيث يضرّ في استقرار المصلّي حين القراءة و الذكر، فجواز الصلاة يدور مدار استقرار المصلّي عرفا.
«الثالث»: أن لايكون معرضا لعدم امكان الاتمام و التزلزل في البقاء الى آخر الصلاة كالصلاة في الزحام المعرض لابطال صلاته، و كذا في معرض الريح أو المطر الشديد أو نحوها، فمع عدم الاطمينان بامكان الاتمام لايجوز الشروع فيها على الأحوط، نعم لايضرّ مجرّد احتمال عروض المبطل.
الشرح:
الظاهر أنّه لادليل على وجوب الجزم في النيّة. فالنيّة المعتبرة في الصلاة هي الباعث عن أمر المولى و أن يكون صلاته بقصد امتثال أمره سواء كان الامتثال جزميّا أو احتماليّا كما اذا تردّد المكلّف به بين شيئين مثل الصلاة في الثوبين المشتبهين أو الصلاة الى الجهتين المتردّدة بينهما القبلة و كذا الصلاة في المكان الذي يحتمل امكان اتمامها كالصلاة في الزحام المعرض لابطال صلاته، و كذا معرض الريح أو المطر الشديد، و بالجملة يجوز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي مع التمكّن من التفصيلي، لعدم الدليل على ما ذهب اليه الماتن قدس سره.
هذا فيما اذا كان احتمال عروض المبطل احتمالاً عقلائيّا، و أمّا مجرّد الاحتمال فلااشكال في عدم قدحه كما نبّه عليه في المتن.
«الرابع»: أن لايكون ممّا يحرم البقاء فيه كما بين الصفّين من القتال أو تحت
السقف أو الحائط المنهدم أو في المسبعة أو نحو ذلك ممّا هو محلّ للخطر على النفس.
الشرح:
يحرم البقاء في مكان ممّا هو محلّ للخطر على النفس لقوله تعالى: «و لاتلقوا بأيديكم الى التهلكة»
و أمّا بطلان الصلاة فهو مبني على اتّحاد الحرام مع أفعال الصلاة، و لايبعد الاتّحاد فتبطل الصلاة مع كونه آثما.
«الخامس»: أن لايكون ممّا يحرم الوقوف و القيام و القعود عليه كما اذا كتب عليه القرآن، و كذا على قبر المعصوم عليه السلام أو غيره ممّن يكون الوقوف عليه هتكالحرمته.
الشرح:
يحرم الوقوف و القيام و القعود على مكان أو شيء كتب عليه القرآن أو اسم من أسماء اللّه أو النبيّ صلى الله عليه و آله أو الأئمّة عليهم السلام و كذا على قبر المعصوم عليه السلام أو غيره ممّن كان هذا الفعل هتكا له لحرمته و قد يوجب ذلك الكفر اذا كان الوقوف و القعود استهزاءً و انكارا لهم، و أمّا بطلان الصلاة فيما لم يكن عن الانكار و الاستهزاء بل كان هتكا فلا، لأنّ مبنى بطلان الصلاة حينئذٍ اتّحاد أفعال الصلاة مع الحرام و حيث لااتّحاد فلابطلان. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ القيام الصلاتي الذي يكون واجبا من واجباتها هو حرام لأنّه هتك، لايقال بأنّ الحرام الهتك لا القيام لأنّه يقال اتّحد العنوان و المعنون، فانّ الهتك متّحد مع القيام و عليه فالأقوى حينئذٍ البطلان.
«السادس»: أن يكون ممّا يمكن أداء الأفعال فيه بحسب حال المصلّي، فلايجوز الصلاة في بيت سقفه نازل بحيث لايقدر فيه على الانتصاب، أو بيت
يكون ضيّقا لايمكن فيه الركوع و السجود على الوجه المعتبر. نعم في الضيق و الاضطرار يجوز و يجب مراعاتها بقدر الامكان، و لو دار الأمر بين مكانين في أحدهما قادر على القيام لكن لايقدر على الركوع و السجود الاّ مؤميا و في الآخر لايقدر عليه و يقدر عليهما جالسا فالأحوط الجمع بتكرار الصلاة، و في الضيق لايبعد التخيير.
الشرح:
لاتجوز الصلاة في مكان لايقدر على أداء الأفعال فيه من القيام و الركوع و السجود على الوجه المعتبر و لو صلّى مختارا متمكّنا من الصلاة في مكان آخر تبطل صلاته و الدليل على ذلك، الأمر بأداء أفعال الصلاة و لو تخلّف عمدالم يأت بالمأمور به.
نعم في الضيق و الاضطرار يجوز و يجب مراعاتها بقدر الامكان لأنّ المحظورات تقدر بقدرها، و سيأتي في باب أفعال الصلاة ما هو المناسب للمقام.
و لو دار الأمر بين مكانين في أحدهما يستطيع على القيام لكن لايقدر على السجود و الركوع الاّ مؤميا و في الآخر لايقدر عليه و يقدر عليهما جالسا، يقدّم الثاني لأنّ الركوع و السجود أهمّ في نظر الشارع من القيام لحديث «لاتعاد» و الاحتياط بالجمع اذا وسع الوقت حسن.
«السابع»: أن لايكون متقدّما على قبر معصوم و لامساويا له مع عدم الحائل المانع الرافع لسوء الأدب على الأحوط، و لايكفي في الحائل الشبابيك و الصندوق الشريف و ثوبه.
الشرح:
لايجوز التقدّم على قبر معصوم بالصلاة و ذلك لصحيحة محمّد بن عبداللّه الحميري قال:
«كتبت الى الفقيه عليه السلام أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمّة، هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ و هل يجوز لمن صلّى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر و يجعل القبر قبلة و يقوم عند رأسه و رجليه؟ و هل يجوز أن يتقدّم القبر و يصلّي و يجعله خلفه أم لا؟ فأجاب و قرأت التوقيع و منه نسخت: و أمّا السجود على القبر فلايجوز في نافلة و لافريضة و لا زيارة، بل يضع خدّه الأيمن على القبر، و أمّا الصلاة فانّها خلفه و يجعله الأمام، و لايجوز أن يصلّي بين يديه لأنّ الامام لايتقدّم و يصلّي عن يمينه و شماله».(1)
و خبر هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث طويل) قال:
«أتاه رجل فقال له: يابن رسول اللّه هل يزار والدك؟ قال: نعم، و يصلّي عنده، و قال: يصلّي خلفه و لايتقدّم عليه».(2)
أمّا في سند الصحيحة مناقشة من وجهين: أحدهما: أنّ الشيخ رواها عن محمّد بن أحمد بن داود و طريقه اليه غير مبيّن في المشيخة. و جوابه ما ذكره الميرزا الأسترابادي في نهج المقال من أنّ طريقه الى الرجل مذكور في «الفهرست».
ثانيهما: أنّ الفقيه المروي عنه ظاهر في الكاظم عليه السلام و بعد ملاحظة تأخّر طبقة الحميري عنه عليه السلام و عدم امكان روايته عنه بلا واسطة فلا محالة يشتمل السند على السقط فيكون في حكم المرسل.
و أجاب عنه في المستمسك بأنّ قول الحميري: كتبت الى الفقيه عليه السلام قرينة على أنّ الفقيه من ألقاب الحجّة(عج) و سيأتي في مبحث السجود على التربة الحسينيّة ما يشهد عليه، أو انّ المراد منه معناه الوصفي و لم يقم دليل على عدم
صحّة استعماله الاّ في الكاظم عليه السلام ليكون ذلك قرينة على السقط في السند.
و هو الحقّ كما صرّح في جامع الرواة من اطلاق الفقيه على الحجّة و العسكريّ عليهماالسلام.
قال في جامع الرواة:
«و قد يطلق الفقيه و يراد منه القائم عليه السلام كما يظهر من باب حدّ حرم الحسين عليه السلام و فضل كربلا من التهذيب حيث قال محمّد بن عبداللّه بن جعفر الحميري كتبت الى الفقيه عليه السلام، و قد يطلق و يراد منه العسكريّ عليه السلام كما صرّح به في التهذيب فيباب صلاة المضطر. انتهى».(1)
روى الشيخ الطوسي في التهذيب عن محمّد بن الحسن الصفّار قال:
«كتبت الى الفقيه عليه السلام في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم. الحديث».(2)
و رواه الصدوق:
«و كتب محمّد بن الحسن الصفّار رضى الله عنه الى أبي محمّد الحسن بن علي عليهماالسلام في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم. الحديث».(3)
و أمّا معنى قوله عليه السلام: «و أمّا الصلاة فانّها خلفه و يجعله الأمام و لايجوز أن يصلّي بين يديه لأنّ الامام لايتقدّم و يصلّي عن يمينه و شماله» فواضح و «الامام» في قوله عليه السلام: «يجعله الامام» بفتح الهمزة و «الامام» في قوله عليه السلام: «لأنّ الامام» بالكسر.
و المحصّل من الصحيحة عدم جواز الصلاة قدّام قبر المعصوم عليه السلام و جوازها
عن يمينه و شماله و لايعارضها مرسلة الحميري عن صاحب الزمان عليه السلام - الى أن قال: -
«و لايجوز أن يصلّي بين يديه و لا عن يمينه و لا عن يساره لأنّ الامام لايتقدّم عليه و لايساوى».(1)
لأنّها ضعيفة بارسالها مضافا الى معارضتها بروايات كثيرة تتضمّن أفضليّةالصلاة عند رأس الحسين عليه السلام أو أبي الحسن عليه السلام مذكورة في كتب المزار، فتحمل على الكراهة.
قال في الجواهر: «اعلم أنّ ظاهر المشهور في كلام أصحابنا هو الجواز على كراهة كما هو تصريح الشهيد في الدروس، و به قال العلاّمة في المنتهى، و هو الظاهر أيضا من كلام المحقّق الأردبيلي، و المحدّث الكاشاني في المفاتيح، و المحقّق في المعتبر. و بالجملة انّى لم أقف على من قال بالتحريم عملاً بظاهر الصحيحة المذكورة سوى شيخنا البهائي ثمّ اقتفاه جمع ممّن تأخّر عنه؛ منهم: شيخنا المجلسي، و هو الأقرب عندي اذ لامعارض لصحيحة الحميري، بل في الأخبار ما يؤيّده مثل حديث هشام بن سالم. و الاستناد الى الأصل في مقابلة الخبر المذكور خروج عن مقتضي أصولهم و قواعدهم، و لاأعرف لهم مستندا في ردّ الخبر و تأويله بالحمل على الكراهة الاّ التمسّك بالأصل و قد عرفت ما فيه.
و أمّا المحاذاة فيجوز، و يدلّ على ذلك جملة من الأخبار الدالّة على استحباب الصلاة عند الرأس و بذلك صرّح جملة من علمائنا الأعلام كالصّدوق، و شيخنا الشهيد في الدروس و الذكرى و به صرّح أيضا المفيد. انتهى ملخّصا».(2)
ثمّ اعلم أنّه لايرتفع حرمة التقدّم على قبور المعصومين عليهم السلام بحيلولة الشبابيك و شبهها ممّا هي موضوعة على قبورهم من صندوق و نحوه، اذ المتبادر من النهي
عن التقدّم على قبورهم انّما هو ارادتها و لو مع اشتمالها على مثل هذه الأمور كما هو الغالب في قبورهم.
«الثامن»: أن لايكون نجسا نجاسةً متعدّية الى الثوب أو البدن، و أمّا اذالم تكن متعدّية فلامانع الاّ مكان الجبهة فانّه يجب طهارته و ان لم تكن نجاسته متعدّية لكن الأحوط طهارة ما عدا مكان الجبهة أيضا مطلقا، خصوصا اذا كانت عليه عين النجاسة.
الشرح:
قد سبق أنّه يجب أن يكون بدن المصلّي و ثوبه طاهرا و تبطل الصلاة في اللباس أو البدن النجس مع العلم بنجاستهما، و عليه فلاتجوز الصلاة في مكان نجس بنجاسة متعدّية الى الثوب و البدن، و أمّا اذا لم تكن متعدّية فلا مانع الاّ مكان الجبهة فانّه يجب طهارته و ان لم تكن نجاسة متعدّية، و سيجيء البحث حوله في مبحث السجود ان شاء اللّه تعالى.
«التاسع»: أن لايكون محلّ السجدة أعلى أو أسفل من موضع القدم بأزيد من أربع أصابع مضمومات على ما سيجيء في باب السجدة.
«العاشر»: أن لايصلّي الرجل و المرأة في مكان واحد بحيث تكون المرأة مقدّمة على الرجل أو مساوية له الاّ مع الحائل، أو البعد عشرة أذرع بذراع اليد على الأحوط و ان كان الأقوى كراهته الاّ مع أحد الأمرين، و المدار على الصلاة الصحيحة لولا المحاذاة أو التقدّم دون الفاسدة لفقد شرط أو وجود مانع، و الأولى في الحائل كونه مانعا عن المشاهدة و ان كان لايبعد كفايته مطلقا كما أنّ الكراهة أو الحرمة مختصّة بمن شرع في الصلاة لاحقا اذا كانا مختلفين في الشروع، و مع تقارنهما تعمّهما و ترتفع أيضا بتأخّر المرأة مكانا بمجرّد
الصدق، و ان كان الأولى تأخّرها عنه في جميع حالات الصلاة بأن يكون مسجدها وراء موقفه. كما أنّ الظاهر ارتفاعها أيضا بكون أحدهما في موضع عال على وجه لايصدق معه التقدّم أو المحاذاة، و ان لم يبلغ عشرة أذرع.
الشرح:
اختلف الفقهاء في جواز صلاة المرأة قدّام الرجل و بحذاه حين يصلّي.
قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخان: لايجوز أن يصلّي الرجل و الى جنبه امرأة تصلّي، سواء صلّت بصلاته مقتدية به أو لا، فان فعلا بطلت صلاتهما، و كذا ان تقدّمته.
و هو اختيار ابن حمزة، و أبي الصلاح. و قال السيّد المرتضى في المصباح: انّه مكروه غير مبطل لصلاة أحدهما، و به قال ابن ادريس، و هو الأقوى عندي. انتهى».(1)
قال الشيخ المفيد في المقنعة: «و لايجوز للرجل أن يصلّي و امرأة تصلّي الى جانبه أو في صفّ واحد معه؛ و متى صلّى و هي مسامتة له في صفّه بطلت صلاتهما، و ينبغي اذا اتّفق صلاتها في حال صلاته في بيت واحد و نحوه أن تصلّي بحيث يكون سجودها تجاه قدميه في سجوده، و كذلك ان صلّت بصلاته كانت حالها في صلاتها ما وصفناه. انتهى».(2)
و قال الشيخ الطوسي في الخلاف: «لايجوز للرّجل أن يصلّي و امرأة تصلّي الى جانبه أو قدّامه فان صلّت خلفه جاز و متى صلّى و صلّت الى جانبه أو قدّامه بطلت صلاتهما معا اشتركا في الصلاة أو اختلفا و قال الشافعي: ذلك مكروه و لاتبطل الصلاة و اختاره المرتضى من أصحابنا». انتهى موضع الحاجة.(3)
و كذا قال في النهاية.(1)
و قال ابن حمزة في الوسيلة: «فما يمنع من صحّة الصلاة ثلاثة أشياء: كونه مغصوبا، أو نجسا بحيث تتعدّي اليه النجاسة، أو بجنبه أو قدّامه تصلّي امرأة. انتهى».(2)
و قال ابن ادريس في السرائر: «و يكره للرجل أن يصلّي و امرأة تصلّي متقدّمة له، أو محاذية لجهته، و لايكون بينه و بينها عشرة أذرع، على الصحيح من المذهب. و قد ذهب بعض أصحابنا الى حظر ذلك و بطلان الصلاتين و هو شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته اعتمادا على خبر رواه عمّار الساباطي، و عمّار هذا فطحي المذهب، كافر ملعون، و الأوّل مذهب السيّد المرتضى رحمه الله ذكره في مصباحه - الى أن قال: - و قد روى الثقات ما يخالف هذه الرواية الضعيفة، و يضادّها و يعارضها، فالعامل بأخبار الآحاد لايعمل بالخبر الاّ اذا كان راويه عدلاً. انتهى».(3)
و الحقّ ما ذهب اليه المشهور من القدماء، و لايعبأ بما قال ابن ادريس رحمه اللهمن أنّ هناك خبر واحد على المنع و هو ما رواه عمّار الساباطي، لأنّ الأخبار الناهية لاتنحصر بخبر عمّار بل هناك روايات مستفيضة صحيحة دالّة على المنع، مضافا الى أنّ عمّار ثقة و الرواية موثّقة و قد ثبت أنّ العمل بالخبر اذا كان راويه ثقة جائز.
و الأخبار الواردة في المسألة على طوائف، الأولى: ماتضمّنت المنع مطلقا. الثانية: ماتضمّنت الأعمّ من الحرمة و الكراهة. الثالثة: ماتضمّنت الجواز مطلقا. الرابعة: ماتضمّنت التفصيل.
فتحمل الطائفة الثانية على الأولى و تحمل كلاهما على الرابعة و أمّا الطائفة
الثالثة فتأوّل و الاّ تحمل على التقيّة أو تردّ علمها الى أهله.
و أمّا الطائفة الأولى: فصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن المرأة تصلّي عند الرجل، فقال: لاتصلّي المرأة بحيال الرجل الاّ أن يكون قدّامها و لو بصدره».(1)
و صحيحة ادريس بن عبداللّه القمّي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي و بحياله امرأة قائمة على فراشها جنبا، فقال: ان كانت قاعدة فلايضرّك و ان كانت تصلّي فلا».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن المرأة تزامل الرجل في المحمل يصلّيان جميعا، قال: لا، ولكن يصلّي الرجل فاذا فرغ صلّت المرأة».(3)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل و المرأة يصلّيان معا في المحمل؟ قال: لا، ولكن يصلّي الرجل و تصلّي المرأة بعده».(4)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن امام كان في الظهر فقامت امرأته بحياله تصلّي و هي تحسب أنّها العصر، هل يفسد ذلك على القوم و ما حال المرأة في صلاتها معهم و قد كانت صلّت الظهر؟ قال: لايفسد ذلك على القوم و تعيد المرأة».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 430 / الباب 6 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 3: 425 / الباب 4 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 427 / الباب 5 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 3: 433 / الباب 10 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 3: 432 / الباب 9 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
و أمّا الطائفة الثانية: فمنها: صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي و المرأة بحذاه عن يمينه أو عن يساره، فقال: لابأس به اذا كانت لاتصلّي».(1)
و منها: موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«أنّه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلّي و بين يديه امرأة تصلّي؟ فقال: ان كانت المرأة قاعدة أو نائمة أو قائمة في غير صلاة فلا بأس حيث كانت».(2)
و منها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«الرجل اذا أمّ المرأة كانت خلفه عن يمينه سجودها مع ركبتيه».(3)
و منها: صحيحة الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«المرأة تصلّي خلف زوجها الفريضة و التطوّع و تأتمّ به في الصلاة».(4)
و منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في المرأة تصلّي عند الرجل، قال:
«اذا كان بينهما حاجز فلابأس».(5)
فهذه الطائفة كما قلنا تدلّ على الأعمّ من الحرمة و الكراهة مثلاً قوله عليه السلامفيصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه «لابأس به ان كانت لاتصلّي» فمعناه: ان كانت تصلّي به بأس، أي صلاة المرأة بحذاء الرجل عن يمينه أو عن يساره. فكلمة
1) - وسائل الشيعة 3: 425 / الباب 4 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 3: 426 / الباب 4 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 3: 428 / الباب 5 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 9.
4) - وسائل الشيعة 3: 429 / الباب 6 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 431 / الباب 8 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
«البأس» يصلح مع الحرمة أو الكراهة، الاّ أنّه اذا حملت هذه الطائفة على الطائفة الأولى تنتج الحرمة.
و أمّا الطائفة الثالثة: التي تضمّنت الجواز مطلقا فهي صحيحة الفضيل عن أبي جعفر عليه السلامقال:
«انّما سمّيت بكّة لأنّه تبك فيها الرجال و النساء، و المرأة تصلّي بين يديك و عن يمينك و عن يسارك و معك و لابأس بذلك، و انّما يكره في سائر البلدان».(1)
بيان: بكّه بكّا: زاحمه. تباك القوم: ازدحموا.
و مرسلة الحسن بن علي بن فضال عن جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في الرجل يصلّي و المرأة تصلّي بحذاه؟ قال: لابأس».(2)
و صحيحة جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام انّه قال:
«لابأس أن تصلّي(3)المرأة بحذاء الرجل و هو يصلّي فانّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان يصلّي و عائشة مضطجعة بين يديه و هي حائض، و كان اذا أراد أن يسجد غمز رجليها فرفعت رجليها حتّى يسجد».(4)
و العمدة صحيحة الفضيل و ذلك لأنّ خبر الحسن بن علي بن فضال ضعيف السند، و قابل للحمل على ما اذا كان بينه و بينها مقدار شبر. و كذلك صحيحةجميل فانّها و ان كان سندها صحيحا الاّ أنّها مضطربة المتن لعدم الموافقة بين الصدر و الذيل و مع ذلك قابلة للحمل كما مضى في خبر ابن فضال.
و يمكن أن يكون معنى الصحيحة هكذا: «لابأس أن تصلّي المرأة بحذاء
الرجل و لابأس أيضا أن يصلّي الرجل بحذاء المرأة فانّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان يصلّي و عائشة مضطجعة بين يديه و هي حائض. الحديث». فكأنّه الظاهر منها، و حينئذٍ يوافق الصدر و الذيل و لاترتبط بما نحن فيه.
و أمّا صحيحة الفضيل فانّه أوّلاً لم تذكر في الكتب الأربعة و ثانيا قابلة للحمل، بمعنى أنّه لابأس أن يصلّي الرجل بحذاء المرأة الاّ أن يكون بينهما شبر و لابأس أن يصلّي الرجل و المرأة تصلّي بين يديه الاّ أن يكون بينهما شبر فاذا كان كذلك لايكره في المسجد الحرام ولكنّه يكره في سائر البلدان و ترفع الكراهة اذا كان بينهما عشرة أذرع.
و أمّا الطائفة الرابعة التي تضمّنت التفصيل، فمنها: صحيحة أبي بصير قال:
«سألته عن الرجل و المرأة يصلّيان في بيت واحد، المرأة عن يمين الرجل بحذاه، قال: لا الاّ أن يكون بينهما شبر أو ذراع».(1)
و منها: صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«انّه سأله عن الرجل و المرأة يصلّيان في بيت واحد، قال: اذا كان بينهما قدر شبر صلّت بحذاه وحدها و هو وحده و لابأس».(2)
و منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا كان بينها و بينه ما لايتخطّى أو قدر عظم الذراع فصاعدا فلا بأس».(3)و منها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل يصلّي في زاوية الحجرة و امرأته أو ابنته تصلّي بحذاه في الزاوية الأخرى، قال: لاينبغي ذلك فان كان بينهما شبر
أجزأه، يعني اذا كان الرجل متقدّما للمرأة بشبر».(1)
و صحيحة حريز عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: المرأة و الرجل يصلّي كلّ واحد منهما قبالة صاحبه؟ قال: نعم اذا كان بينهما قدر موضع رحل».(2)
و صحيحة ثانية عن زرارة قال:
«قلت له: المرأة تصلّي حيال زوجها؟ قال: تصلّي بازاء الرجل اذا كان بينها و بينه قدر ما لايتخطّى أو قدر عظم الذراع فصاعدا».(3)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«انّه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلّي و بين يديه امرأة تصلّي؟ قال: لايصلّي حتّى يجعل بينه و بينها أكثر من عشرة أذرع و ان كانت عن يمينه و عن يساره جعل بينه و بينها مثل ذلك، فان كانت تصلّي خلفه فلا بأس و ان كانت تصيب ثوبه، و ان كانت المرأة قاعدة أو نائمة أو قائمة في غير صلاة فلا بأس حيث كانت».(4)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصلّي ضحى و أمامه امرأة تصلّي بينهما عشرةأذرع، قال: لابأس ليمض في صلاته».(5)
فنتيجة الجمع بين الطائفة الرابعة و الطائفتين المتقدّمتين هي عدم جواز صلاة الرجل بحذاء المرأة المصلّية و بطلان صلاتهما الاّ اذا كان بينهما قدر شبر و أولى منه أن يكون بينهما ذراع أو ما لايتخطّى، و أولى منهما أن يكون بينهما قدر عشرة أذرع.
1) - وسائل الشيعة 3: 427 / الباب 5 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 429 / الباب 5 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 12.
3) - وسائل الشيعة 3: 429 / الباب 5 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 13.
4) - وسائل الشيعة 3: 430 / الباب 7 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 431 / الباب 7 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
فروع:
اذا كان بين الرجل المصلّي و المرأة المصلّية حاجز ترفع الحرمة أو الكراهة و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام:
«في المرأة تصلّي عند الرجل، قال: اذا كان بينهما حاجز فلابأس».(1)
و صحيحة الحلبي قال:
«سألته (يعني أبا عبداللّه عليه السلام) عن الرجل يصلّي في زاوية الحجرة و ابنته أو امرأته تصلّي بحذائه في الزاوية الأخرى، قال: لاينبغي ذلك الاّ أن يكون بينهما ستر، فان كان بينهما ستر أجزأه».(2)
و لابأس بالحاجز بأن ترى المرأة أو يرى الرجل من خلاله و ذلك لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن الرجل يصلّي في مسجد حيطانه كوى كلّه قبلته و جانباه، و امرأته تصلّي حياله يراها و لاتراه، قال: لابأس».(3)
بيان: الكوآء ممدودا و مقصورا جمع الكوّة بالتشديد و هي بالفارسية «روزنه».
و يكفي مسمّى الحاجز و ان كان قصيرا و ذلك لاطلاق صحيحة محمّد بن مسلم و خبر علي بن جعفر عن أخيه عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي في مسجد قصير الحائط و امرأة قائمة تصلّي و هو يراها و تراه، قال: ان كان بينهما حائط طويل
أو قصير فلا بأس».(1)
و لايبعد كفاية مثل الزجاجة لصدق الحاجز و صدق الستر عليها في الجملة.
تبطل صلاتهما اذا تقارنا فيها، و الاّ يختصّ البطلان بمن شرع في الصلاة لاحقا، و ذلك أوّلاً: لفساد صلاة اللاحق بمجرّد أداء تكبيرة الاحرام، فلايبقى موضوع لفساد صلاة السابق و ان لم يعتن اللاحق و يديم صلاته، لأنّ الظاهر من الصلاة فيما تقدّم من الروايات الناهية عن تزامل الرجل المصلّي بحذاء المرأة المصلّية، هي الصلاة الصحيحة لا الباطلة لأنّها لاتكون صلاة حقيقة. و ثانيا: لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن امام كان في الظهر فقامت امرأته بحياله تصلّي و هي تحسب أنّها العصر، هل يفسد ذلك على القوم و ما حال المرأةصلاتها معهم و قد كانت صلّت الظهر؟ قال: لايفسد ذلك على القوم و تعيد المرأة».(2)
لأنّ الظاهر من قول الراوي: «هل يفسد ذلك على القوم» لقيامها بحياله في الصلاة.
ترتفع الحرمة أو الكراهة اذا تأخّرت المرأة المصلّية في المكان عن الرجل
حين يصلّي و يكفي صدق التأخّر و ذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن المرأة تصلّي عند الرجل، فقال: لاتصلّي المرأة بحيال الرجل الاّ أن يكون قدّامها و لو بصدره».(1)
و لافرق في ذلك بين الفرادى كما هو ظاهر صحيحة زرارة المتقدّمة آنفا أو الجماعة، كما في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام - في حديث - قال:
«الرجل اذا أمّ المرأة كانت خلفه عن يمينه سجودها مع ركبتيه».(2)
و الأولى أن يكون تأخّرها عنه في جميع حالات الصلاة بأن يكون مسجدها وراء موقفه، و ذلك لموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«انّه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلّي و بين يديه امرأة تصلّي؟ قال: ان كانت تصلّي خلفه فلابأس، و ان كانت تصيب ثوبه».(3)
و كذا ترتفع الحرمة أو الكراهة اذا كان أحدهما في موضع عال، على وجه لايصدق معه التقدّم أو المحاذاة و ان لم يبلغ عشرة أذرع، لأنّ مورد النهى في الروايات الناهية المتقدّمة، هو تقدّم المرأة على الرجل مع كونهما مصلّيين، أو تكون المرأة في صلاتها بحذاء الرجل الذي يصلّي، فاذا كانا بحيث لم يصدق تقدّم المرأة عليه و لم يصدق أنّها بحذاه فلامنع.
(مسألة 26): لافرق في الحكم المذكور كراهة أو حرمة بين المحارم و غيرهم، و الزوج و الزوجة و غيرهما، و كونهما بالغين أو غير بالغين أو مختلفين بناءً على المختار من صحّة عبادات الصبي و الصبيّة.
الشرح:
لافرق في الحكم المذكور حرمة أو كراهة بين المحارم و غيرهم، و الزوج و الزوجة و غيرهما و ذلك لاطلاق الروايات المتقدّمة الناهية عن تزامل الرجل و المرأة المصلّيين جميعا، و ما تقدّم من الأخبار الواردة في خصوص الزوجة و الزوج و الرجل و بنته حيث نهت عن قيام أحدهما بحذاء الآخر و هما يصلّيان.
و كذا لافرق بين كونهما بالغين أو غير بالغين أو مختلفين اذا قلنا بصحّة صلاة الصبيّ و الصبيّة، و ذلك لعدم خصوصيّة في ذكر المرأة و الرجل في الأخبار حتّى يقال بانصرافها اليهما، بل المناط تقارن المذكّر و المؤنّث في الصلاة الصحيحة. و من المعلوم أيضا أنّ كلّ شرط لصلاة الرجل مثلاً هو شرط في صلاة الصبيّ، و كلّ شرط لصلاة المرأة هو شرط لصلاة الصبيّة، فتفسد صلاة الصبيّ حينئذٍ بتقدّم المرأة أو الصبيّة و محاذاته لهما كصلاة الرجل، و صلاة الصبيّة بتقدّمها على الرجل أو الصبي و محاذاتها لهما كالمرأة، و لاينافي ذلك كون الرجل و المرأة موردالنصوص، اذ الشرائط جميعها أو أكثرها كذلك كالحرير و غيره.
(مسألة 27): الظاهر عدم الفرق أيضا بين النافلة و الفريضة.
الشرح:
الظاهر عدم الفرق بين النافلة و الفريضة في البطلان اذا تقاربا في الصلاة محاذيا كلاهما أو تقدّم المرأة على الرجل من غير فصل، و ذلك لاطلاق الأدلّة المتقدّمة، و اصالة الاتّحاد بين الفريضة و النافلة في الأحكام ما لم يثبت خلافه.
(مسألة 28): الحكم المذكور مختصّ بحال الاختيار ففي الضيق و الاضطرار لامانع و لاكراهة، نعم اذا كان الوقت واسعا يؤخّر أحدهما صلاته و الأولى تأخير المرأة صلاتها.
الشرح:
الحكم المذكور مختصّ بحال الاختيار ففي ضيق الوقت أو الاضطرار فلا مانع
و لاكراهة و ذلك لأنّ الصلاة لاتترك بحال فلايكون هذا المانع مانعا، كسقوط بعض الشرائط في حال الاضطرار كاللباس و القبلة و الطهارة الخبثيّة و غيرها. نعم اذا كان الوقت واسعا يؤخّر أحدهما صلاته و الأولى تأخير المرأة صلاتها، و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال: سألته عن المرأة تزامل الرجل في المحمل يصلّيان جميعا، قال: لا، ولكن يصلّي الرجل فاذا فرغ صلّت المرأة.(1)
(مسألة 29): اذا كان الرجل يصلّي و بحذائه أو قدّامه امرأة من غير أن تكون مشغولة بالصلاة، لاكراهة و لااشكال، و كذا العكس، فالاحتياط أو الكراهةمختصّ بصورة اشتغالهما بالصلاة.
الشرح:
تختصّ الحرمة أو الكراهة بما اذا كان الرجل يصلّي و بحذائه أو قدّامه امرأة تصلّي و أمّا اذا كان أحدهما يصلّي و الآخر جالسا أو قائما أو ماشيا فلاتبطل صلاة من يصلّي، و ذلك أوّلاً مورد النصّ اذا كانا يصلّيان. و ثانيا ماورد خصوصا بعدم البأس. كصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي و المرأة بحذاه عن يمينه، أو عن يساره، فقال: لابأس اذا كانت لاتصلّي».(2)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«أنّه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلّي و بين يديه امرأة تصلّي؟ فقال: ان كانت المرأة قاعدة أو نائمة أو قائمة في غير صلاة فلابأس حيث كانت».(3)
(مسألة 30): الأحوط ترك الفريضة على سطح الكعبة و في جوفها اختيارا و لابأس بالنّافلة، بل يستحبّ أن يصلّي فيها قبال كلّ ركن ركعتين. و كذا لابأس بالفريضة في حال الضرورة و اذا صلّى على سطحها فاللازم أن يكون قباله في جميع حالاته شيء من فضائها و يصلّي قائما، و القول بأنّه يصلّي مستلقيا متوجّها الى بيت المعمور، أو يصلّي مضطجعا ضعيف.
الشرح:
فرعان:
اختلف الفقهاء في كيفيّة الصلاة فوق الكعبة على قولين: فالشيخ و ابن بابويه و ابن البرّاج ذهبوا الى أنّه يصلّي مستلقيا، و قال ابن ادريس انّه يصلّي قائما.
قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ في الخلاف و النهاية، و ابن بابويه في «من لايحضره الفقيه» لو صلّى فوق الكعبة صلّى مستلقيا على قفاه متوجّها الى البيت المعمور، و يصلّي ايماءً. و به قال ابن البرّاج ان لم يتمكّن من النزول و الاّ فعليه أن ينزل.
و في المبسوط: و ان حصل فوق الكعبة، روى أصحابنا أنّه يصلّي مستلقيا و يصلّي الى البيت المعمور في السماء الثالثة أو الرابعة، على الخلاف فيه ايماءً، و ان صلّى كما يصلّي جوفها كانت صلاته ماضية.
و قال ابن ادريس: يصلّي قائما و يبرز بين يديه منه شيئا؛ و هوالحقّ عندي. انتهى».(1)
1) - مختلف الشيعة 2: 81.
احتجّ الشيخ بالاجماع و بخبر عبدالسلام بن صالح عن الرضا عليه السلام في الذي تدركه الصلاة و هو فوق الكعبة قال:
«ان قام لم يكن له قبلة، ولكن يستلقي على قفاه و يفتح عينيه الى السماء و يعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور، و يقرأ فاذا أراد أن يركع غمض عينيه و اذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه، و السجود على نحو ذلك».(1)
و بخبر الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام (في حديث المناهي) قال:
«نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن الصلاة على ظهر الكعبة».(2)
و الجواب: انّ الاجماع لم يثبت و الخبرين ضعيفان سندا، مضافا الى معارضتهما للأحكام المعلومة قطعا من وجوب القيام مع القدرة و من وجوب الركوع و السجود مع التمكّن منهما.
و الحقّ هو القول الثاني أي يصلّي قائما و يبرز بين يديه منه شيئا، و ذلك لقوله تعالى: «قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّينّك قبلة ترضيها، فولّ وجهك شطر المسجد الحرام، و حيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره»(3)
و قد سبق أن المراد من القبلة هو الكعبة، ففي صحيحة الحلبي، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته هل كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يصلّي الى بيت المقدس؟ قال: نعم، فقلت: أ كان يجعل الكعبة خلف ظهره؟ فقال: أمّا اذا كان بمكّة فلا، و
أمّا اذا هاجر الى المدينة فنعم حتّى حوّل الى الكعبة».(1)
و القرآن و مفسّره الرواية، عام يشمل ما نحن فيه، فاذا أبرز بين يديه منها شيئا فقد صلّى الى القبلة لأنّ كلّ جزء من أجزاء الكعبة أي محلّها قبلة.
تكره صلاة المكتوبة في جوف الكعبة و ذلك للجمع بين الروايات المختلفة. فبعضها ينهى عن الصلاة المكتوبة في جوف الكعبة كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«لاتصلّ المكتوبة في الكعبة».(2)
و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتصلّى المكتوبة في جوف الكعبة فانّ النبيّ صلى الله عليه و آله لم يدخل الكعبة في حجّ و لاعمرة ولكنّه دخلها في الفتح فتح مكّة، و صلّى ركعتين بين العمودين و معه أسامة بن زيد».(3)
و بعضها يجوّز أداء الصلاة المكتوبة في الكعبة، كموثّقة يونس بن يعقوب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام حضرت الصلاة المكتوبة و أنا في الكعبة أفأصلّي فيها؟ قال: صلّ».(4)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«تصلح الصلاة المكتوبة في جوف الكعبة».(1)
بناءً على ما في النسخة التي قوبلت بخطّ الشيخ فانّ لفظة «لا» هناك غير موجودة.
و صحيحة محمّد بن مسلم الثانية عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«لاتصلح صلاة المكتوبة في جوف الكعبة».(2)
فهذه الصحيحة شاهدة للجمع لأنّ المستفاد من كلمة «لاتصلح» هو الكراهة.
و أمّا ما ارتكب الشيخ من حمل موثّقة يونس بن يعقوب على الضرورة، فليس لها ظهور في ذلك.
و أمّا كيفيّة الصلاة فكما قلنا في الصلاة على سطح الكعبة، و لايعبأ الى رواية محمّد بن عبداللّه بن مروان قال:
«رأيت يونس بمنى يسأل أبا الحسن عليه السلام عن الرجل اذا حضرته صلاة الفريضة و هو في الكعبة فلم يمكنه الخروج من الكعبة، قال: ليستلقي على قفاه و يصلّي ايماءً، و ذكر قول اللّه عزّوجل: فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه».(3)
فانّها ضعيفة السند فانّ أحمد بن الحسين المذكور في السند مردّد بين الضعيف و هو ابن سعيد بن عثمان، و بين الثقة، ولكن طريق الشيخ اليه ضعيف. فلايمكن التعويل عليها على كلّ تقدير.
يشترط فيه مضافا الى طهارته، أن يكون من الأرض أو ما أنبتته، غير المأكول و الملبوس، نعم يجوز على القرطاس أيضا، فلايصحّ على ما خرج عن اسم الأرض كالمعادن مثل الذهب و الفضّة و العقيق و الفيروزج و القير و الزفت و نحوها و كذا ما خرج عن اسم النبات كالرّماد و الفحم و نحوهما و لا على المأكول و الملبوس كالخبز و القطن و الكتان و نحوها، و يجوز السجود على جميع الأحجار اذا لم تكن من المعادن.
الشرح:
هيهنا فروع:
يشترط في مسجد الجبهة أن يكون من الأرض أو ما أنبتته غير المأكول و الملبوس و الدليل على ذلك أخبار، منها: صحيحة هشام بن الحكم انّه قال لأبي عبداللّه عليه السلام:
«أخبرني عمّا يجوز السجود عليه و عمّا لايجوز، قال: السجود
لايجوز الاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض الاّ ما أكل أو لبس، فقال له: جعلت فداك ما العلّة في ذلك؟ قال: لأنّ السجود خضوع للّه عزّوجلّ فلاينبغي أن يكون على ما يؤكل و يلبس لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، و الساجد في سجوده في عبادة اللّه عزّوجلّ، فلاينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الّذين اغترّوا بغرورها».(1)
و صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام انّه قال:
«السجود على ما أنبتت الأرض الاّ ما أكل أو لبس».(2)
و صحيحة الفضيل بن يسار و بريد بن معاوية جميعا عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«لابأس بالقيام على المصلّى من الشعر و الصوف اذا كان يسجد على الأرض، و ان كان من نبات الأرض فلا بأس بالقيام عليه و السجود عليه».(3)
و خبر الأعمش عن جعفر بن محمّد عليه السلام (في حديث شرائع الدين) قال:
«لايسجد الاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض الاّ المأكول و القطن و الكتان».(4)
قال في الجواهر: «لايجوز السجود اختيارا على ما ليس بأرض و لانابتا فيها كالجلود و الصوف و الشعر و الوبر و الريش و نحوها اجماعا محصّلاً و منقولاًمستفيضا بل متواترا كالنصّوص، بل يمكن دعوى ضرورة المذهب عليه. و قال أيضا: لايجوز السجود على ما ينبت من الأرض اذا كان مأكولاً بالعادة كالخبز و
الفواكه بلا خلاف أجده فيه و كذا يشترط عدم الملبوسيّة في النبات، فعن نهاية الأحكام و كشف الالتباس نسبته الى علمائنا، و عن الانتصار و الخلاف و الغنية و الروض و المقاصد العليّة الاجماع عليه، و عن الامالي للصّدوق انّه من دين الاماميّة، و عن الكفاية لاخلاف فيه. انتهى ملخّصا».(1)
يجوز السجود على القرطاس في الجملة بلاخلاف فيه كما في الجواهر و يدلّ على الجواز في الجملة صحيحة صفوان الجمال قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام في المحمل يسجد على القرطاس و أكثر ذلك يؤمي ايماءً».(2)
و صحيحة علي بن مهزيار قال:
«سأل داود بن فرقد أبا الحسن عليه السلام عن القراطيس و الكواغذ المكتوبة عليها هل يجوز السجود عليها أم لا؟ فكتب: يجوز».(3)
و صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«انّه كره أن يسجد على قرطاس عليه كتابة».(4)
بناءً على أن يكون الكراهة في الرواية هي الكراهة المصطلحة بقرينة صحيحة علي بن مهزيار الدالّة على الجواز.
انّما الكلام في أنّه هل يجوز السجود على القرطاس مطلقا، أو مقيّدا بما كان
متّخذا من نبات الأرض أو متّخذا ممّا يصحّ السجود عليه.
ذهب المشهور الى الأوّل و هو الحق و ذلك لاطلاق أخبار القرطاس.
احتجّ المخالف بالروايات الواردة بعدم جواز السجدة الاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض غير المأكول و الملبوس، فانّها تقيّد أخبار القرطاس بما يتّخذ ممّا أنبتت الأرض و لم يكن مأكولاً و لاملبوسا. ولكن يردّه بأنّ مورد السؤال في صحيحتي علي بن مهزيار و جميل بن درّاج هو القرطاس و ما يسمّى بهذا العنوان و الجواب منزل على هذا العنوان، فيكون القرطاس موضوعا على حدّة في عرض سائر ما يصحّ السجود عليه و ان قلت انّ مورد السؤال في صحيحة علي بن مهزيار ليس عن حكم القرطاس بل عن مانعيّة المكتوب على القرطاس و الجواب منزل على السؤال و انّ المكتوب لايكون مانعا و كذا كراهته عليه السلام بلحاظ الكتابة على
القرطاس. فاذا لم يكن الامام عليه السلامبصدد بيان حكم القرطاس فالقدر المتيقّن منه ما يتّخذ من نبات الأرض غير المأكول و الملبوس، قلت: الظاهر من الصحيحتين أنّ جواز السجود على القرطاس كان مفروغا عنه، مضافا الى وجود القرينة في صحيحة علي بن مهزيار و هو السؤال عن القراطيس و الكواغذ بصورة الجمع التي يظهر منها أن يكون مراد السائل القراطيس بماهيّاتها المختلفة. أضف الى ذلك أنّ ماهيّة القرطاس لم تكن معلومة عند أكثر الناس فتعليق الجواز على المتّخذ من نبات الأرض تعليق على الفرد النادر، فيلزم اللغوية سؤالاً و جوابا.
لايصحّ السجود على ما خرج عن اسم الأرض كبعض المعادن مثل الذهب و الفضّة و القير و الزفت و غيرها و الدليل على ذلك - مضافا الى الروايات المتقدّمة الناطقة بأنّ السجدة لايجوز الاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض غير المأكول و
الملبوس. و مضافا الى أنّ مثل الذهب و الفضّة و نحوهما من بعض المعادن لايطلق عليها اسم الأرض - الروايات الخاصّة الواردة في عدم جواز السجود على هذه الموارد، مثل صحيحة يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتسجد على الذهب و لا على الفضّة».(1)
و اعلم أنّ مدار جواز السجود و عدمه ليس عنوان المعدن و عدمه بل صدق اسم الأرض عليه فاذا صدق عليه اسم الأرض يصحّ السجود عليه و ان سلب عنه لايصحّ السجود عليه، فاذن لايصحّ السجود على الذهب و الفضّة و الحديد و الرصاص و سائر الفلزات و لا على الملح و الكبريت و الزرنيخ، و أمّا مثل العقيق و الفيروزج و الياقوت و أمثالها، فالظاهر أنّها خرجت عن اسم الأرض و دخل في اسم الجواهرات فلايجوز السجود عليها و أمّا القير و الزفت فلايصدق عليهما اسم الأرض فلايصحّ السجود عليهما و يدلّ على عدم جواز السجود عليهما مضافا الى الروايات العامّة، صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: أيسجد على الزفت يعني القير؟ قال: لا».(2)
و يؤيّده خبر محمّد بن عمرو بن سعيد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«لاتسجد على القير و لا على القفر، و لا على الصاروج».(3)
ولكن تعارض الخبرين، الروايات المعتبرة الناطقة بجواز السجود على القير:
كصحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سأل المعلّى بن خنيس أبا عبداللّه عليه السلام و أنا عنده عن السجود على القفر و على القير، فقال: لابأس به».(4)
و صحيحة ثانية لمعاوية بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة في السفينة - الى أن قال: - يصلّي على القير و القفر و يسجد عليه».(1)
و صحيحة ثالثة لمعاوية بن عمّار:
«انّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة على القار، فقال: لابأس به».(2)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«القير من نبات الأرض».(3)
و خبر ابراهيم بن ميمون أنّه قال لأبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«تسجد على ما في السفينة و على القير؟ قال: لابأس».(4)
و يمكن أن يقال بعدم المعارضة بين الطائفتين من الروايات و امكان حملروايات النهي على الكراهة بقرينة روايات الجواز. ولكن الظاهر عدم امكان الجمع بين الطائفتين و ذلك لأنّ صحيحة زرارة كالنّص في عدم جواز السجود على القير، فهذه صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلامقال:
«قلت له: أسجد على الزفت يعنى القير؟ فقال: لا، و لا على الثوب الكرسف و لا على الصوف، و لا على شيء من الحيوان و لا على طعام، و لا على شيء من ثمار الأرض، و لا على شيء من الرياش».(5)
فعدّ عليه السلام القير و النهي عنه في عداد ما لايجوز السجود عليه قطعا، كالنص في عدم الجواز فكيف يجوز الجمع بين لايجوز و يجوز فهل هما الاّ متعارضتين.
1) - وسائل الشيعة 3: 600 / الباب 6 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 3: 600 / الباب 6 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 3: 600 / الباب 6 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 8.
4) - وسائل الشيعة 3: 600 / الباب 6 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 7.
5) - وسائل الشيعة 3: 594 / الباب 2 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 1.
فاذا كانتا متعارضتين فلابدّ من حمل روايات الجواز على التقيّة لموافقتها للعامّة فالنتيجة عدم جواز السجود على القير و الزفت.
قال في الجواهر: «و لاخلاف أجده بين الأصحاب قديما و حديثا في عدم جواز السجود على القير، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، مضافا الى اطلاق النصوص، و معاقد الاجماعات عدم الجواز في غير الأرض و نباتها و خصوص خبر عمرو بن سعيد و صحيح زرارة، لكن في خبر معاوية بن عمّار (و بعد ذكره الأخبار المتعارضة قال:) و هي - مع قصورها عن معارضة ما تقدّم من وجوه و عدم العمل بها من أحد فيما أجده - يجب طرحها أو حملها على الضرورة. انتهى موضع الحاجة من كلامه ملخّصا».(1)
ثمّ انّه لايجوز السجود على الرماد لعدم صدق اسم الأرض و لا ما أنبتت الأرض عليه، و ان كان أصله من نبات الأرض ولكنّه لاستحالته تغيّر عمّا هو عليهو ذلك مثل الزجاج و الذهب و الفضّة و سائر ما كان أصله من الأرض فاستحال و تغيّر ماهيّته. و أمّا الفحم فهو كذلك فلايقال له الأرض أو ما نبت من الأرض فلايجوز السجود عليه، فالمدار في صحّة السجود على شيء و عدمها، هو صحّة اطلاق اسم الأرض أو ما أنبتت الأرض عليه غير المأكول و الملبوس و صحّة سلب الاسم عنه.
فالمشهور نصّا و فتوىً المنع، كما في الجواهر، و فيه عن التذكرة و المهذّب البارع و المقتصر نسبته الى علمائنا، بل عن الخلاف و المختلف و البيان الاجماع
1) - جواهر الكلام 8: 416.
عليه، و الدليل على ذلك، الروايات العامّة المتقدّمة في الفرع الأوّل الناطقة بجواز السجود على الأرض أو ما أنبتته الأرض الاّ ما أكل أو لبس. و خصوص خبر أبي العباس الفضل بن عبدالملك قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لايسجد الاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض الاّ القطن و الكتان».(1)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: أسجد على الزفت يعني القير؟ فقال: لا، و لا على الثوب الكرسف و لا على الصوف. الحديث».(2)
و لايعارضها خبر ياسر الخادم قال:
«مرّ بي أبو الحسن عليه السلام و أنا أصلّي على الطبري و قد ألقيت عليه شيئا أسجد عليه، فقال لي ما لك لاتسجد عليه؟ أليس هو من نبات الأرض».(3)
و خبر داود الصرمي قال:
«سألت أبا الحسن الثالث عليه السلام هل يجوز السجود على القطن و الكتان من غير تقيّة فقال: جائز».(4)
و خبر الصنعاني قال:
«كتبت الى أبي الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن السجود على القطن و الكتان من غير تقيّة و لاضرورة، فكتب اليّ ذلك جائز».(5)
لانّ هذه الأخبار ضعيفة سندا مع امكان حملها على التقيّة أو الضرورة، لعدم
1) - وسائل الشيعة 3: 592 / الباب 1 من أبواب مايسجد عليه / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 3: 594 / الباب 2 من أبواب مايسجد عليه / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 595 / الباب 2 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 3: 595 / الباب 2 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 3: 595 / الباب 2 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 7.
عامل بها الاّ ما حكي عن السيّد في الموصليّات و المصريّات الثانية من الجواز على الثوب المعمول منهما، و بعض من تأخّر كالمحقّق في المعتبر و الفيض الكاشاني. فالمتحصّل أنّ الأقوى عدم جواز السجود على القطن و الكتان و ان كان قبل أن يصنع الثوب منه أو قبل الغزل.
(مسألة 1): لايجوز السجود في حال الاختيار على الخزف و الآجر و النورة و الجصّ المطبوخين، و قبل الطبخ لابأس به.
الشرح:
يجوز السجود على الجصّ و النّورة قبل الطبخ بلا اشكال لأنّهما نوعان منالحجر، و أمّا بعد الطبخ و كذا الخزف و الآجر فيجوز السجود عليها على الأقوى و ذلك أوّلاً لبقاء صدق اسم الأرض عليها و الحرق لم يغيّر ماهيّتها. و ثانيا لصحيحة الحسن بن محبوب قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجصّ توقد عليه العذرة و عظام الموتى ثمّ يجصّص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب عليه السلام اليّ بخطّه أنّ الماء و النار قد طهّراه».(1)
بتقريب أنّ جواز السجود على الجصّ المطبوخ كان مفروغا عنه في نظر السائل و انّما سأل عن العذرة و عظام الموتى و حكم السجود بعد طبخهما و الامام عليه السلامأجاب عن ما هو مردّد في ذهنه و كأنّه عليه السلام أمضى ما كان ثابتا في ذهنه من عدم الاشكال بالسجود على الحجر و التراب المطبوخ.
قال في الجواهر: «قال في المدارك: قطع الأصحاب بجواز السجود على الخزف. و عن الروض: لانعلم فيه مخالفا - الى أن قال: - انّ المحكى عن نهاية الشيخ و مبسوطه التصريح بجواز السجود على الجصّ و الآجر، بل عن جماعة
1) - وسائل الشيعة 3: 602 / الباب 10 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 1.
من متأخّري المتأخّرين الميل اليه، بل قيل: انّه ظاهر الأكثر في الآجر، بل عن البحار انّهم لم ينقلوا فيه خلافا. و منه يعلم حينئذٍ جوازه أيضا على الآجر و الجصّ و النورة و نحوها، بل لاينبغي التوقّف في صدق الأرض على الأخيرين و به صرّح الفاضل في المحكى عن نهاية الأحكام. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
(مسألة 2): لايجوز السجود على البلّور و الزجاجة.
الشرح:
و ذلك للروايات العامّة المتقدّمة الناطقة بأنّ السجود على الأرض أو ما أنبتته الأرض غير ما أكل أو لبس، و البلّور و الزجاجة لايصدق عليهما الأرض و لا ما أنبتته الأرض. و يؤيّده خبر محمّد بن الحسين انّ بعض أصحابنا كتب الى أبي الحسن الماضي عليه السلام يسأله عن الصلاة على الزجاج قال:
«فلمّا نفذ كتابي اليه تفكّرت و قلت هو ممّا أنبتت الأرض، و ما كان لي أن أسأل عنه، قال: فكتب اليّ لاتصلّ على الزجاج و ان حدّثتك نفسك انّه ممّا أنبتت الأرض ولكنّه من الملح و الرمل و هما ممسوخان».(2)
(مسألة 3): يجوز على الطين الأرمني و المختوم.
الشرح:
يجوز السجود على الطين الأرمني و هو طين أحمر و المختوم و هو طين أبيض، كان يستعمل سابقا بدل الصابون ينظّف به البدن، فهما كسائر أقسام الطين من مصاديق الأرض، و اللون الخاصّ أو الانتفاع المخصوص لم يخرجهما عن
مفهوم الأرض و صدق اسمها عليهما.
(مسألة 4): في جواز السجدة على العقاقير و الأدوية مثل لسان الثور و عنب الثعلب و الخبة و أصل السوس و أصل الهندباء اشكال، بل المنع لايخلو عن قوّة، نعم لابأس بما لايؤكل منها شائعا و لو في حال المرض، و ان كان يؤكل نادرا عند المخمصة أو مثلها.
الشرح:
لايجوز السجود على العقاقير و الأدوية مثل لسان الثور و غيره و ذلك لصدق المأكول عليها عرفا و ما قيل أوّلاً من أنّها لاتؤكل نفسها بل انّما ينتفع بها بصبّ
الماء عليها و غليانه فيتأثّر منها و يكتسب من مجاورتها رائحة خاصّة و أثرا مخصوصا فيشرب نفس الماء و يتداوى به. و ثانيا أن المراد من المأكول في الرواية هو ما كان مأكولاً في العادة لا مثل الأدوية التي تكون مأكولة عند الاضطرار و المرض. فيه تأمّل أمّا أوّلاً لأنّ ما يتداوى به هو عصير مثل لسان الثور و غيره و العصير مأكول و هو من لسان الثور و نحوه. و ثانيا الرواية مطلقة و الانصراف بدويّ.
(مسألة 5): لابأس بالسجود على مأكولات الحيوانات كالتبن و العلف.
الشرح:
و ذلك لأنّها ممّا أنبتته الأرض غير مأكول للانسان و لاملبوس له كما هو ظاهر الأخبار فيجوز السجود عليها.
(مسألة 6): لايجوز السجود على ورق الشاي و لا على القهوة و في جوازها على الترياك اشكال.
الشرح:
و ذلك لأنّهما من المأكول للانسان، و ما في مستند العروة من التفصيل بين القهوة و ورق الشاي و عدم جواز السجود على القهوة و جواز السجود على ورق الشاي، بأنّ الأولى مأكول و الثاني لايكون مأكولاً و انّه كالأدوية و العقاقير، ففيه ما مرّ في المسألة الرابعة من صدق المأكول و المشروب على ورق الشاي عرفا كمايصدق على الأدوية و العقاقير.
و أمّا الترياق و ان لم يصدق عليه المأكول عرفا ولكن يأكله بعض المُدمنين، فهو مثل سمّ الأفاعي و الحيّات الذي يأكله بعض المرتاضين، مضافا الى أنّه يستعمل بعنوان ضدّ السمّ و الترياق فيكون نوعا من الدواء فلايجوز السجود على الترياق.
(مسألة 7): لايجوز على الجوز و اللوز، نعم يجوز على قشرهما بعد الانفصال و كذا نوى المشمش و البندق و الفستق.
الشرح:
لصدق المأكول عليها، نعم يجوز على قشرها بعد الانفصال و ذلك لعدم صدق المأكول على قشرها بعد الانفصال. و ما يقال من أنّ القشر الأعلى في حال الاتّصال لايكون مأكولاً و لأيّ علّة لايجوز السجود عليه مدفوع بأنّ العلّة التي من أجلها يحرم السجود على المأكول و الملبوس لازم للجوز و اللوز و غيرهما، فانّه عليه السلامفي صحيحة هشام قال:
«لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون و الساجد في سجوده في عبادة اللّه عزّوجلّ فلاينبغي أن يضع جبهته فى سجوده على معبود
أبناء الدنيا الّذين اغترّوا بغرورها».(1)
و من المعلوم أن الجوز و اللوز و البندق و غيرها محلّ نظر أبناء الدنيا لأنّها من المأكولات عندهم.
(مسألة 8): يجوز على نخالة الحنطة و الشعير و قشر الأرز.
(مسألة 9): لابأس بالسجدة على نوى التمر و كذا على ورق الأشجار و قشورها و كذا سعف النخل.
الشرح:
و ذلك لعدم صدق المأكول عليها مع كونها ممّا أنبتته الأرض.
(مسألة 10): لابأس بالسجدة على ورق العنب بعد اليبس و قبله مشكل.
الشرح:
لابأس بالسجدة على ورق العنب اليابس و ذلك لأنّه من نبات الأرض غير المأكول و الملبوس نعم لايجوز السجود على ورق العنب الرطب لأنّه مأكول.
(مسألة 11): الذي يؤكل في بعض الأوقات دون بعض لايجوز السجود عليه مطلقا و كذا اذا كان مأكولاً في بعض البلدان دون بعض.
الشرح:
اذا كان شيء مأكولاً في بعض البلدان و يصدق عليه المأكول لايجوز السجود عليه حتّى بالنسبة الى أفراد البلد الذي يتنفّر طبعهم من أكله. و أمّا الذي يكون مأكولاً في بعض الأوقات دون بعض فان كان مثل ورق العنب فمرّ حكمه و ان كان مثل الثمرة قبل أوان أكلها فسيأتى.
1) - وسائل الشيعة 3: 591 / الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 1.
(مسألة 12): يجوز السجود على الأوراد غير المأكولة.
الشرح:
و ذلك لعدم صدق المأكول عليها مع كونها ممّا أنبتته الأرض.
(مسألة 13): لايجوز السجود على الثمرة قبل أوان أكلها.
الشرح:
و الدليل على ذلك - مضافا الى الروايات العامّة المتقدّمة - صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: أسجد على الزفت يعني القير؟ فقال: لا، و لا على الثوب الكرسف و لا على الصوف و لا على شيء من الحيوان، و لا على طعام، و لا على شيء من ثمار الأرض، و لا على شيء من الرياش».(1)
نعم ما كان بعيدا أكلها ويحتاج الى مُضيّ زمان طويل بحيث لايقال لها الثمرة المأكولة فلا بأس بالسجود عليها، كما لابأس بالسجدة على الثمرة غير المأكولة.
(مسألة 14): يجوز السجود على الثمار الغير المأكولة أصلاً كالحنظل و نحوه.
(مسألة 15): لابأس بالسجود على التنباك.
الشرح:
و ذلك لعدم صدق المأكول عليها مع كونها ممّا أنبتته الأرض.
(مسألة 16): لايجوز على النبات الذي ينبت على وجه الماء.
1) - وسائل الشيعة 3: 594 / الباب 2 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 1.
الشرح:
لأنّه لايكون أرضا و لا ممّا أنبتته الأرض، و لاتعارض ما سبق من صحيحهشام بن الحكم و غيره، صحيحة الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ذكر أنّ رجلاً أتى أبا جعفر عليه السلام و سأله عن السجود على البوريا و الخصفة و النبات؟ قال: نعم».(1)
لأنّ النبات كما يظهر بمراجعة اللغة و يساعده العرف اسم لخصوص ما ينبت من الأرض فلا اطلاق في مفهومه لغة و لا عرفا حتّى يشمل النابت على وجه الماء.
(مسألة 17): يجوز السجود على القبقاب و النعل المتّخذ من الخشب ممّا ليس من الملابس المتعارفة و ان كان لايخلو عن اشكال، و كذا الثوب المتّخذ من الخوص.
الشرح:
يجوز السجود على القبقاب و النعل المتّخذ من الخشب ممّا ليس من الملابس المتعارفة و كذا الثوب المتّخذ من الخوص، و ذلك لأنّها من نبات الأرض و لايكون لباسا فانّ الظاهر من قوله عليه السلام «الاّ ما أكل أو لبس» هو الذي يقال له اللباس عرفا، و ما يتّخذه الناس لباسا عادةً، فاللباس المتّخذ من الخوص مستثنىً و في بعض الأحيان و بالنسبة الى بعض الأفراد، فهو منصرف من مدلول الروايات، و كذا القبقاب الذي يتّخذه في بعض البلاد في الحمّامات، فانّه لم يكن في اطلاق قوله عليه السلام «أو لبس».
(مسألة 18): الأحوط ترك السجود على القنّب.
1) - وسائل الشيعة 3: 593 / الباب 1 من أبواب مايسجد عليه / الحديث 10.
(مسألة 19): لايجوز السجود على القطن لكن يجوز على خشبه و ورقه.
الشرح:
لايجوز السجود على القطن و الكتان و القنّب، و قد تقدّم الدليل على عدم جواز السجود على القطن و الكتان في الفرع الرابع في أوّل هذا الفصل و ما ذكر هناك من الدليل يكون دليلاً على عدم جواز السجود على القنّب فانّه ممّا يستعدّ للّبس و يصنع منه اللباس عادةً و متعارفا. نعم يجوز السجود على خشب القطن و ورقه كما يجوز على خشب الكتان ان كان له ذلك.
(مسألة 20): لابأس بالسجود على قراب السيف و الخنجر اذا كان من الخشب، و ان كانا ملبوسين لعدم كونهما من الملابس المتعارفة.
الشرح:
الحال فيه هو الحال في القبقاب بعينه الذي عرفت جواز السجود عليه و تقدّم شرحه في المسألة السابعة عشر، فانّ ذلك كلّه من الملابس غير المتعارفة فلايشمله الاستثناء في قوله عليه السلام «الاّ ما أكل أو لبس».
(مسألة 21): يجوز السجود على قشر البطيخ و الرقي و الرمّان بعد الانفصال على اشكال، و لايجوز على قشر الخيار و التفّاح و نحوهما.
الشرح:
يجوز السجود على قشر الرمّان بعد الانفصال لعدم كونه مأكولاً و أمّا قشر البطيخ و الرقي بعد الانفصال فان لم يكن من المأكول فلا بأس بالسجود عليه، فالظاهر ذلك فانّ قشر البطيخ و الرقي لم يكن من المأكولات المتعارفة. و أمّا قشر الخيار و التفّاح و نحوهما فهو ممّا يؤكل و لو بالعلاج.
(مسألة 22): يجوز السجود على القرطاس و ان كان متّخذا من القطن أو الصوف أو الأبريسم و الحرير و كان فيه شيء من النورة، سواء كان أبيض أو مصبوغا بلون أحمر أو أصفر أو أزرق أو مكتوبا عليه، ان لم يكن ممّا له جرم حائل ممّا لايجوز السجود عليه كالمداد المتّخذ من الدخان و نحوه، و كذا لابأس بالسجود على المراوح المصبوغة من غير جرم حائل.
الشرح:
قد تقدّم جواز السجود على القرطاس في الفرع الثاني من أوّل الفصل و دليله، تفصيلاً فلانعيد. نعم لو كان على القرطاس جرم حائل كالمداد المتّخذ من الدخان و نحوه لايجوز السجود عليه كما في المتن. و يجوز السجود على المراوح المصبوغة من غير جرم حائل.
(مسألة 23): اذا لم يكن عنده ما يصحّ السجود عليه من الأرض أو نباتها أو القرطاس أو كان و لم يتمكّن من السجود عليه لحرّ أو برد أو تقيّة أو غيرها سجد على ثوبه القطن أو الكتان. و ان لم يكن سجد على المعادن أو ظهر كفّه و الأحوط تقديم الأوّل.
الشرح:
اذا لم يكن عنده ما يصحّ السجود عليه من الأرض أو نباتها أو القرطاس أو كان و لم يتمكّن من السجود عليه لحرّ أو برد أو تقيّة أو غيرها سقط عنه ذلك، و الظاهر أنّ المسألة ممّا لاخلاف فيه.
قال في الجواهر: «اذا اضطرّ بأن منعه الحرّ و نحوه عن السجود على الأرض أو النبات منها و لم يكن هناك قرطاس سقط عنه ذلك اجماعا أو ضرورة و نصوصا مستفيضة أو متواترة، و لايسقط أداء الصلاة عنه بذلك كتعذّر غيره من الشرائطعدا الطهورين، و مقتضى الأصل و قاعدة الميسور و غيرها الأقتصار على باقي ما
يعتبر في السجود حتّى وضع الجبهة و تمكّنها على شيء ممّا لايصحّ السجود عليه من ثوب أو يد أو جلد حيوان طاهر أو غيرها، ليتحقّق السجود. انتهى».(1)
و أمّا الروايات الواردة الناطقة بجواز السجود على ما لايصحّ السجود عليه في حال الاضطرار؛ فمنها:
صحيحة عيينة بيّاع القصب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أدخل المسجد في اليوم الشديد الحرّ فأكره أن أصلّي على الحصى فأبسط ثوبي فأسجد عليه؟ قال: نعم ليس به بأس».(2)
و منها: صحيحة القاسم بن الفضيل قال:
«قلت للرّضا عليه السلام جعلت فداك الرجل يسجد على كمّه من أذى الحرّ و البرد؟ قال: لابأس به».(3)
و منها: صحيحته الثانية قال:
«كتب رجل الى أبي الحسن عليه السلام هل يسجد الرجل على الثوب يتّقي به وجهه من الحرّ و البرد و من الشيء يكره السجود عليه؟ فقال: نعم لابأس به».(4)
و منها: صحيحة أحمد بن عمر قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يسجد على كمّ قميصه من أذىالحرّ و البرد أو على ردائه اذا كان تحته مسح أو غيره ممّا لايسجد عليه؟ فقال: لابأس به».(5)
1) - جواهر الكلام 8: 437.
2) - وسائل الشيعة 3: 596 / الباب 4 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 597 / الباب 4 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 3: 597 / الباب 4 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 3: 597 / الباب 4 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 3.
و الظاهر من الروايات تقدّم ما صنع من قطن أو كتان على غيرهما وصرّح على ذلك صحيحة منصور بن حازم عن غير واحد من أصحابنا قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام انّا نكون بأرض باردة يكون فيها الثلج أفنسجد عليه؟ قال: لا ولكن اجعل بينك و بينه شيئا قطنا أو كتانا».(1)
نعم لايبعد أن يقال اطلاق الصحاح المتقدّمة يقتضي عدم الفرق بين كون ثوبه أو كمّه أو ردائه من القطن و الكتان أو غيرهما، و الظاهر أنّه كذلك، فحينئذٍ يستحبّ أن يقدّم ما هو مصنوع من القطن و الكتان على غيرهما ان تيسّر ذلك. فمن المساجد ظهر الكفّ كما في رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلامقال:
«قلت له: أكون في السفر فتحضر الصلاة و أخاف الرمضاء على وجهي كيف أصنع؟ قال: تسجد على بعض ثوبك، فقلت: ليس عليّ ثوب يمكنني أن أسجد على طرفه و لاذيله، قال: أسجد على ظهر كفّك فانّها احدى المساجد».(2)
و رواية ثانية لأبي بصير قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام جعلت فداك الرجل يكون في السفر فيقطع عليه الطريق فيبقى عريانا في سراويل و لايجد ما يسجد عليه يخاف ان سجد على الرمضاء أحرقت وجهه، قال: يسجد على ظهر كفّه فانّها أحد المساجد».(3)
فالمتحصّل من الروايات لمن اضطرّ الى السجود على ما لايصحّ السجود عليه يقدّم ثوبه على سائر الأشياء للجمع بين صحيحة منصور بن حازم و بين صحيحة عيينة و غيرها ثمّ يسجد على ظهر كفّه لروايتي أبي بصير و ضعفهما ينجبر بعمل
الأصحاب. و هذه المذكورات تقدّم على المعادن لذكرها في النصّ.
قال في الرياض: «و لايجوز أن يسجد على شيء من بدنه اختيارا، اذ ليس أرضا و لا ما ينبت منها، فان منعه الحرّ أو البرد أو نحوهما من السجود عليهما و لم يتمكّن من دفع المانع و لو بالتبريد مثلاً، سجد على ثوبه مطلقا، فان لم يتمكّن منه سجد على ظهر كفّه بلا خلاف، للضّرورة المبيحة لكلّ محظور، و للنصوص المستفيضة، بل المتواترة و لو معنىً. و أمّا الترتيب بين الثوب و الكفّ بتقديم الأوّل على الثاني فقد ذكره جماعة من الأصحاب، من غير نقل خلاف. انتهى».(1)
ولكن الدقّة في روايتي أبي بصير لاتعطي أكثر من جواز السجود على الكفّ و أمّا وجوب الترتيب فلا، و الاحتياط حسن على كل حال.
(مسألة 24): يشترط أن يكون ما يسجد عليه ممّا يمكن تمكين الجبهة عليه فلايصحّ على الوحل و الطين أو التراب الذي لايتمكّن الجبهة عليه، و مع امكان التمكين لابأس بالسجود على الطين، ولكن ان لصق بجبهته يجب ازالته للسجدة الثانية، و كذا اذا سجد على التراب و لصق بجبهته يجب ازالته لها، و لو لم يجد الاّ الطين الذي لايمكن الاعتماد عليه سجد عليه بالوضع من غير اعتماد.
الشرح:
يشترط أن يكون ما يسجد عليه ممّا يمكن تمكين الجبهة عليه فلايصحّ على الوحل و الطين و التراب الذي لاتتمّكن الجبهة عليه و الدليل على ذلك موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن حدّ الطين الذي لايسجد عليه ما هو؟ فقال: اذا غرقت
1) - رياض المسائل 3: 289.
الجبهة و لم تثبت على الأرض». الحديث.(1)
و موثّقته الأخرى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال سألته:
«الرجل يصيبه المطر و هو في موضع لايقدر على أن يسجد فيه من الطين و لايجد موضعا جافا، قال: يفتتح الصلاة فاذا ركع فليركع كما يركع، فاذا رفع رأسه من الركوع فليؤم بالسجود ايماءً و هو قائم يفعل ذلك حتّى يفرغ من الصلاة و يتشهّد و هو قائم و يسلّم».(2)
بناءً على أن يكون علّة حكمه عليه السلام بالايماء للسجود هو عدم استقرار الجبهة. و يمكن أن يكون العلّة في هذه الرواية التلطّخ أي تلطّخ البدن و اللباس بالطين. و لايجوز السجود في الماء فاذا اضطرّ فليؤم ايماءً، و الدليل على ذلك صحيحة اسماعيل بن جابر قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام و سأله انسان عن الرجل تدركه الصلاة و هو في ماء يخوضه لايقدر على الأرض قال: ان كان في حرب أو سبيل اللّه فليؤم ايماءً، و ان كان في تجارة فلم يكن ينبغي له أن يخوض الماء حتّى يصلّي، قال: قلت: كيف يصنع؟ قال: يقضيها اذا خرج من الماء و قد ضيّع».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن الرجل يخوض الماء فتدركه الصلاة، فقال: ان كان في حرب فانّه يجزيه الايماء، و ان كان تاجرا فليقم و لايدخله حتّى يصلّي».(4)
ثمّ اعلم أنّه لايجب أن يكون محلّ السجدة يابسا بل يجوز و ان كان طينا بحيث تستقرّ عليه الجبهة و ذلك لعدم الدليل على عدم كون ما يسجد عليه رطبا، نعم اذا تلطّخ جبهته بالطين بالوضع عليه يجب ازالة الطين عن جبهته بعد رفع رأسه من السجدة ثمّ يسجد ثانيا و ذلك لأنّ الظاهر من الأمر بالسجود و وضع الجبهة على الأرض هو وضع البشرة عليها، فاذا كان هناك حائل لم يكن ممتثلاً، و ذلك كمن سجد على كور العمامة.
و أمّا قول المصنّف انّه من لم يجد الاّ الطين الذي لايمكن الاعتماد عليه سجد عليه بالوضع من غير اعتماد فلم يكن له وجه و ذلك لأنّ السجدة وضع الجبهة على الأرض و لايصدق ذلك الاّ بالاعتماد عليها، فسيأتي أنّ حقيقة السجدة هي الاعتماد على الأرض، و أمّا الوضع من غير اعتماد فليس بسجود حقيقة. فينتقل الى الايماء، فسيأتي الدليل عليه في بحث أفعال الصلاة.
(مسألة 25): اذا كان في الأرض ذات الطين بحيث يتلطّخ به بدنه و ثيابه في حال الجلوس للسجود و التشهّد جاز له الصلاة مؤميا للسجود و لايجب الجلوس للتشهّد لكن الأحوط مع عدم الحرج الجلوس لهما و ان تلطّخ بدنه و ثيابه، و مع الحرج أيضا اذا تحمّله صحّت صلاته.
الشرح:
اذا كان في الأرض ذات الطين و لم يجد موضعا جافا بحيث لو جلس للسجود و التشهّد يتلطّخ به بدنه و ثيابه جاز له الصلاة مؤميا للسجود و يتشهّد و هو قائم و الدليل على ذلك موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته: الرجل يصيبه المطر و هو في موضع لايقدر على أن يسجد فيه من الطين و لايجد موضعا جافا، قال: يفتتح الصلاة فاذا ركع فليركع كما يركع اذا صلّى، فاذا رفع رأسه من الركوع فليؤم بالسجود
ايماءً و هو قائم يفعل ذلك حتّى يفرغ من الصلاة و يتشهّد و هو قائم و يسلّم».(1)
و الظاهر من الموثّقة بقرينة «و لايجد موضعا جافا» أنّ المراد بعدم القدرة من جهة تلطّخ ثيابه و تلوّثها بالطين فيكون ذلك هو موضوع الحكم ببدليّة الايماء و عدم وجوب الجلوس له و لا للتشهّد، الاّ أنّه يشكل أن يقال بعدم الفرق بين أن يكون السجود و الجلوس له و للتشهّد حرجيّا و أن لايكون؛ لأنّ بعض الناس و في بعض الأوقات لم ير لنفسه بأسا في تلطّخ ثيابه اذا جلس و سجد و هو يقدر على ذلك.
و كذا انّ الظاهر كون الحكم رخصة لاعزيمة، و ما في الموثّقة من الأمر بالايماء و هو قائم وارد في مقام توهّم الحظر فلاتدلّ الاّ على الجواز. كما أنّ عمومات أدلّة نفي الحرج تدلّ على الرخصة في الايماء بدلاً عن السجود، و هي من باب التوسعة و التسهيل لا التعيين. و عليه اذا تحمّل الحرج و سجد و جلس للتشهّد صحّت صلاته، لأنّ الأوامر الأوّليّة موجودة.
(مسألة 26): السجود على الأرض أفضل من النبات و القرطاس، و لايبعد كون التراب أفضل من الحجر، و أفضل من الجميع التربة الحسينيّة، فانّها تخرق الحجب السبع و تستنير الى الأرضين السبع.
الشرح:
السجود على الأرض أفضل من النبات و القرطاس، بل التراب أفضل من الحجر لأنّه أبلغ في التواضع و الخضوع للّه عزّوجلّ كما دلّ عليه صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
1) - وسائل الشيعة 3: 440 / الباب 15 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 4.
«السجود على الأرض أفضل لأنّه أبلغ في التواضع و الخضوع للّه عزّوجلّ».(1)
و خبر اسحاق بن الفضيل انّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن السجود على الحصر و البواري فقال:
«لابأس، و أن يسجد على الأرض أحبّ اليّ فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يحبّ ذلك أن يمكّن جبهته من الأرض فأنا أحبّ لك ما كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يحبّه».(2)
و أفضل من الجميع السجدة على تربة الحسين عليه السلام:
فعن الصدوق قال: قال الصادق عليه السلام:
«السجود على طين قبر الحسين عليه السلام ينوّر الى الأرضين السبعة و من كانت معه سبحة من طين قبر الحسين عليه السلام كتب مسبّحا و ان لم يسبّحبها».(3)
و خبر معاوية بن عمّار قال:
«كان لأبي عبداللّه عليه السلام خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبداللّه عليه السلام فكان اذا حضرته الصلاة صبّه على سجّادته و سجد عليه، ثمّ قال عليه السلام: انّ السجود على تربة أبي عبداللّه عليه السلام يخرق الحجب السبع».(4)
و في ارشاد الديلمي قال:
«كان الصادق عليه السلام لايسجد الاّ على تربة الحسين عليه السلام تذلّلاً للّه و استكانة اليه».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 608 / الباب 17 من أبواب مايسجد عليه / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 609 / الباب 17 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 3: 607 / الباب 16 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 3: 608 / الباب 16 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة3: 608 / الباب 16 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 4.
(مسألة 27): اذا اشتغل بالصلاة و في أثنائها فقد ما يصحّ السجود عليه قطعها في سعة الوقت، و في الضيق يسجد على ثوبه القطن أو الكتان أو المعادن أو ظهر الكفّ على الترتيب.
الشرح:
اذا اشتغل بالصلاة و في أثنائها فقد ما يصحّ السجود عليه، فان كان الوقت واسعا يقطع الصلاة لأنّ السجود على ما يصحّ السجود عليه واجب و هو قادر على تحصيله فاذا سجد على ما لايصحّ السجود عليه و الحال هذه فصلاته باطلة. ان قلت قطع الصلاة حرام، قلت أوّلاً لانسلّم حرمة قطع الصلاة مطلقا بل لو كان عن عبث و ما نحن فيه يكون القطع عن مصلحة. و ثانيا يحرم القطع اذا كانت الصلاة تامّة و الصلاة هذه ناقصة. ان قلت انّ الورود في الصلاة كان مشروعا فقطعهذه الصلاة يكون غير مشروع و حراما فصار المكلّف بالنسبة الى ما يسجد عليه مضطرّا فتكليفه تكليف المضطرّ من صحّة السجود على كلّ ما لايسجد عليه مثل الثوب و ظهر الكفّ و غيرهما لأنّه غير قادر على تحصيل ما يصحّ السجود عليه، قلت انّ الورود في الصلاة و ان كان مشروعا الاّ أنّ استمرارها ليس مشروعا لأنّه مكلّف بالسجود على ما يصحّ السجود عليه، فحرمة قطع الصلاة هذه، أوّل الكلام، فكيف يكون ما لم يحرز حرمته، مبنى وجوب استمرار الصلاة و انقلاب تكليفه الى الاضطرار.
ثمّ اعلم من كان له عذر عن السجود على الأرض أو ما أنبتته الأرض في أوّل الوقت ولكنّه يرجو زوال عذره آخر الوقت فهذا يجب عليه تأخير الصلاة حتّى يزول عذره و يسجد على ما يصحّ السجود عليه، و الدليل على ذلك أنّه مأمور باتيان الصلاة تامّة الأجزاء و الشرائط فان لم يأت بواحد من أجزائها أو شرائطها عمدا لم يمتثل الأمر و لم يأت بالمأمور به، فالوقت المعيّن لاتيان صلاة الظهر و
العصر مثلاً من أوّل الزوال الى غروب الشمس فمن كان معذورا في اتيانهما تامّة الأجزاء و الشرائط في أوّل الوقت فعليه التأخير، فوجوب التأخير حينئذٍ يستنبط من حكم الصلاة التامة و الوقت الموسّع لاتيانها فيه. نعم لو كان هناك دليل على جواز البدار مع رجاء زوال العذر الى آخر الوقت فهو المتّبع ولكن الدليل مفقود فيما نحن فيه.
و أمّا ما تقدّم من صحيحة عيينة بيّاع القصب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام أدخل المسجد في اليوم الشديد الحرّ فأكره أن أصلّي على الحصى فأبسط ثوبي فأسجد عليه؟ قال: نعم ليس به بأس».(1)
فمورده التقيّة، بمعنى أنّه دخل المسجد لاقامة الصلاة جماعة فيضطرّ الى السجدة على ثوبه و الخروج من المسجد و تأخير الصلاة خلاف التقيّة فيجوز له أن يسجد على ثوبه.
و أمّا صحيحة القاسم بن الفضيل قال:
«قلت للرّضا عليه السلام جعلت فداك، الرجل يسجد على كمّه من أذى الحرّ و البرد؟ قال: لابأس به».(2)
فليس لها اطلاق من جهة جواز البدار مع رجاء زوال العذر.
(مسألة 28): اذا سجد على ما لايجوز باعتقاد أنّه ممّا يجوز، فان كان بعد رفع الرأس مضى و لا شيء عليه و ان كان قبله جرّ جبهته ان أمكن و الاّ قطع الصلاة في السعة و في الضيق أتمّ على ما تقدّم ان أمكن و الاّ اكتفى به.
الشرح:
اذا سجد على ما لايجوز باعتقاد أنّه ممّا يجوز، فان كان بعد رفع الرأس مضى و لا شيء عليه، و ذلك لأنّ حقيقة السجدة و هي وضع الجبهة على الأرض قد حصلت و أمّا وضعها على ما يصحّ السجود عليه فواجب من واجبات السجدة كالذّكر و الطمأنينة حالته و وضع الكفّين و ابهامي الرجلين و الركبتين على الأرض، فعليه ان لم يضع جبهته على ما يصحّ السجود عليه عمدا فقد ترك احدى واجبات السجدة فتبطل صلاته و أمّا ان لم يضع عليه غفلة حتّى رفع رأسه فلايجوز له الرجوع، لأنّ الرجوع موجب لزيادة السجدة عمدا فهي مبطلة للصلاة، فيتمّ صلاته و لايعيد، لحديث لاتعاد. و أمّا ان علم قبل الرفع أنّه وضع جبهته علىما لايجوز باعتقاد أنّه ممّا يجوز فيجرّ جبهته الى ما يصحّ السجود عليه ان أمكن و الاّ قطع الصلاة في السعة و في ضيق الوقت أتمّ على ما مرّ في المسألة السابعة و العشرين.
و هي مواضع «أحدها»: الحمّام و ان كان نظيفا حتّى المسلخ منه عند بعضهم. و لابأس بالصلاة على سطحه. «الثاني»: المزبلة. «الثالث»: المكان المتّخذ للكنيف، و لو سطحا متّخذا لذلك. «الرابع»: المكان الكثيف الذي يتنفّر منه الطبع. «الخامس»: المكان الذي يذبح فيه الحيوانات أو ينحر. «السادس»: بيت المسكر. «السابع»: المطبخ و بيت النار. «الثامن»: دور المجوس الاّ اذا رشّها ثمّ صلّى فيها بعد الجفاف. «التاسع»: الأرض السبخة. «العاشر»: كل أرض نزل فيها عذاب أو خسف. «الحادى عشر»: أعطان الابل و ان كنست و رشّت. «الثاني عشر»: مرابط الخيل و البغال و الحمير و البقر، و مرابض الغنم. «الثالث عشر»: على الثلج و الجمد. «الرابع عشر»: قرى النمل و أوديتها و ان لم يكن فيها نمل ظاهر حال الصلاة. «الخامس عشر»: مجارى المياه و ان لم يتوقّع جريانها فيها فعلاً. نعم لابأس بالصلاة على ساباط تحته نهر أو ساقية، و لا في محلّ الماء الواقف. «السادس عشر»: الطرق و ان كانت في البلاد ما لم تضرّ بالمارّة، و الاّ حرمت و بطلت. «السابع عشر»: في مكان يكون مقابلاً لنار مضرمة أو سراج. «الثامن عشر»: في مكان يكون مقابله تمثال ذي الروح من غير فرق بين المجسمو غيره، و لو كان ناقصا نقصا لايخرجه عن صدق الصورة و التمثال. و تزول
الكراهة بالتغطية. «التاسع عشر»: بيت فيه تمثال و ان لم يكن مقابلاً له. «العشرون»: مكان قبلته حائط ينزّ من بالوعة يبال فيها أو كنيف. و ترتفع بستره، و كذا اذا كان قدّامه عذرة. «الحادى و العشرون»: اذا كان قدّامه مصحف أو كتاب مفتوح أو نقش شاغل، بل كلّ شيء شاغل. «الثاني و العشرون»: اذا كان قدّامه انسان مواجه له. «الثالث و العشرون»: اذا كان مقابله باب مفتوح. «الرابع و العشرون»: المقابر. «الخامس و العشرون»: على القبر. «السادس و العشرون»: اذا كان القبر في قبلته و ترتفع بالحائل. «السابع و العشرون»: بين القبرين من غير حائل و يكفي حائل واحد من أحد الطرفين. و اذا كان بين قبور أربعة يكفي حائلان أحدهما في جهة اليمين أو اليسار، و الآخر في جهة الخلف أو الأمام. و ترتفع أيضا ببعد عشرة أذرع من كلّ جهة فيها القبر. «الثامن و العشرون»: بيت فيه كلب غير كلب الصيد. «التاسع و العشرون»: بيت فيه جنب. «الثلاثون»: اذا كان قدّامه حديد من أسلحة أو غيرها. «الواحد و الثلاثون»: اذا كان قدّامه ورد عند بعضهم. «الثاني و الثلاثون»: اذا كان قدّامه بيدر حنطة أو شعير.
الشرح:
تكره الصلاة في مواضع: «أحدها»: الحمّام؛ فان كان نظيفا فلابأس به و الدليل على ذلك صحيحة علي بن جعفر:
«انّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الصلاة في بيت الحمّام، فقال: اذا كان الموضع نظيفا فلابأس يعني المسلخ».(1)
و موثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة في بيت الحمّام قال: اذا كان موضعا نظيفا فلابأس».(2)
تدلّ الروايتان بمفهومهما على كراهة الصلاة في الحمّام في الموضع الغير النظيف و بمنطوقهما على عدم كراهة الصلاة في الحمّام في الموضع النظيف.
«الثاني»: المكان القذر الذي يتنفّر منه الطبع كالمزبلة و بيوت الغائط و المكان المتّخذ للكنيف و المكان الذي يذبح فيه الحيوانات؛ و الدليل على ذلك كلّه صحيحة علي بن جعفر و موثّقة عمّار المتقدّمتان آنفا بناءً على أنّ كراهة الصلاة في الحمّام لعدم نظافته كما هو الظاهر منهما. و خبر البزنطي عمّن سأل أبا عبداللّه عليه السلامعن المسجد ينزّ حائط قبلته من بالوعة يبال فيها، فقال:
«ان كان نزه من البالوعة فلاتصلّ فيه، و ان كان نزه من غير ذلك فلا بأس».(1)
و خبر الفضيل بن يسار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أقوم في الصلاة فأرى قدّامي في القبلة العذرة قال: تنحّ عنها ما استطعت و لاتصلّ على الجواد».(2)
«الثالث»: بيت المسكر. و الدليل على ذلك موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتصلّ في بيت فيه خمر و لامسكر، لأنّ الملائكة لاتدخله، و لاتصلّ في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتّى تغسله».(3)
فانّ الظاهر من النهي في الموثّقة و ان كان عدم الجواز الاّ أنّ التعليل الوارد فيها يناسب الكراهة.
«الرابع»: اذا كان في قبلته نار أو سراج، كما في صحيحة علي بن جعفر عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل (هل يصلح له أن) يصلّي و السراج موضوع بين يديه في القبلة، قال: لايصلح له أن يستقبل النار».(1)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«لايصلّي الرجل و في قبلته نار أو حديد، قلت: أ له أن يصلّي و بين يديه مجمرة شبه؟ قال: نعم. فان كان فيها نار فلايصلّي حتّى ينحيها عن قبلته؛ و عن الرجل يصلّي و بين يديه قنديل معلّق فيه نار الاّ أنّه بحياله قال: اذا ارتفع كان أشرّ لايصلّي بحياله».(2)
بيان: الشبه محرّكة النحاس الأصفر.(3)
و النهي في الخبرين يحمل على الكراهة كما ذهب اليه المشهور و ذلك أوّلاً لأنّ مناط النهي معلوم و هو التشبّه بعبدة النيران و المجوس و هذا المناط يناسب الكراهة. و ثانيا ما ورد من محمّد بن عثمان العمري عن صاحب الزمان عليه السلام في جواب مسائله:
«و أمّا ما سألت عنه من أمر المصلّي و النار و الصورة و السراج بين يديه و انّ الناس قداختلفوا في ذلك قبلك فانّه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأصنام و النيران».(4)
و الخبر لابأس به. و كذا مرفوعة عمرو بن ابراهيم الهمداني قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام لابأس أن يصلّي الرجل و النار و السراج و الصورة بين يديه، انّ الذي يصلّي له أقرب اليه من الذي بين يديه».(5)
«الخامس»: دور المجوس الاّ اذا رشّها ثمّ صلّى فيها بعد الجفاف. و الدليل على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس؟ فقال: رشّ و صلّ».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن الصلاة في البيعة، فقال: اذا استقبلت القبلة فلا بأس به».(2)
و نظيرهما غير هما. و الظاهر من هاتين الصحيحتين و كذا غيرهما استحباب الرشّ لاكراهة الصلاة بدون الرشّ.
«السادس»: الأرض السبخة. و الدليل على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«كره الصلاة في السبخة الاّ أن يكون مكانا لينا تقع عليه الجبهة مستوية».(3)
و صحيحة ثانية للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:«سألته عن الصلاة في السبخة فكرهه، لأنّ الجبهة لاتقع مستوية عليها، فقلنا: فان كانت أرضا مستوية؟ فقال: لابأس بها».(4)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الصلاة في السبخة لم تكرهه؟ قال: لأنّ الجبهة لاتقع مستوية، فقلت: ان كان فيها أرض مستوية، فقال: لابأس».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 438 / الباب 13 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 3: 439 / الباب 13 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 3: 446 / الباب 20 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 3: 447 / الباب 20 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 3: 448 / الباب 20 من أبوب مكان المصلّي / الحديث 7.
و نظيرها غيرها. و المشهور و ان ذهبوا الى كراهة الصلاة في الأرض السبخة الاّ أنّ الظاهر من هذه الروايات كراهة الصلاة اذا لم تقع عليها الجبهة مستوية.
فتحمل صحيحة معمّر بن خلاّد عن أبي الحسن عليه السلام (في حديث) قال:
«لاتسجد في السبخة».(1)
على الأرض السبخة التي لاتقع الجبهة مستوية عليها، بقرينة موثّقة سماعة قال:
«سألته عن الصلاة في السباخ، فقال: لابأس».(2)
«السابع»: كلّ أرض نزل فيها عذاب أو خسف. و الدليل على ذلك خبر جويرية بن مسهر قال:
«أقبلنا مع أميرالمؤمنين علي عليه السلام من قتل (قتال) الخوارج حتّى اذا قطعنا في أرض بابل و حضرت صلاة العصر فنزل أمير المؤمنين عليه السلام و نزل الناس فقال علي عليه السلام أيّها الناس انّ هذه أرض ملعونة قد عذبت في الدهر ثلاث مرّات (و في خبر آخر مرّتين) و هي تتوقّعالثالثة، و هي احدى المؤتفكات، و هي أوّل أرض عبد فيها وثن و انّه لايحلّ لنبيّ و لا لوصيّ نبيّ أن يصلّي فيها، فمن أراد أن يصلّي فليصلّ. ثمّ ذكر حديث ردّ الشمس و انّ جويرية لم يصلّ في أرض بابل حتّى ردّت الشمس فصلّى مع على عليه السلام».(3)
«الثامن»: أعطان الابل و مرابط الخيل و البغال، و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة في أعطان الابل، قال: ان تخوّفت
الضيعة على متاعك فاكنسه و انضحه و لابأس بالصلاة في مرابض الغنم».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلّ فيها، و لاتصلّ في أعطان الابل الاّ أن تخاف على متاعك الضيعة فاكنسه و رشّه بالماء و صلّ فيه. الحديث».(2)
و صحيحة علي بن جعفر قال:
«سألته عن الصلاة في معاطن الابل أتصلح؟ قال: لاتصلح الاّ أن تخاف على متاعك ضيعة فاكنس ثمّ انضح بالماء، ثمّ صلّ، قال: و سألته عن معاطن الغنم أ تصلح الصلاة فيها؟ قال: نعم لابأس».(3)
و أمّا معنى أعطان الابل، و ان كان يظهر من اللغويّين اختصاص المعاطنبمبارك الابل حول الماء أي المحلّ الذي تمكث فيه للشرب، كما في الصحاح و القاموس، الاّ أنّ الظاهر من الروايات ما هو أعمّ من ذلك بل يشمل المبارك التي تأوى الابل اليها و تستريح، بقرينة ما في الروايات من قوله عليه السلام«ان تخوّفت على متاعك» فانّ المتاع يكون في المكان الذي تأوى الابل اليه و تستريح، و كذا قوله عليه السلام«فاكنسه و انضحه» فالكنس للمكان الذي فيه قذارة و هو مأوى الابل لا في المحلّ الذي تمكث فيه للشّرب قليلاً. مضافا الى أنّ أهل الشرع لم يخصّصوا بمبرك دون مبرك كما قال ابن ادريس في السرائر. ثمّ المستفاد من الروايات الكراهة كما هو المشهور و ان كان ظاهر صحيحة الحلبي الحرمة و لذا اختار أبو الصلاح التحريم، فالدليل على الكراهة قوله عليه السلام «فاكنسه و رشّه بالماء و صلّ
فيه» فان الظاهر منه أنّ النهي للقذارة و القذارة اذا لم تكن منجّسة، كما هي كذلك في أعطان الابل، لم تكن مانعة من الصلاة و لذا ترتفع بالكنس و الرشّ بالماء، فالنهي الوارد في الصحيحة للتنزية لا للتحريم.
و كذا تكره الصلاة في مرابض الخيل و البغال، كما عليه المشهور و ذلك لعدم مانع من الصلاة فيها الاّ القذارة فهي ترتفع بالكنس و رشّ الماء، فالقذارة تناسب الكراهة فالمناط في مرابض الخيل و البغال و أعطان الابل واحد. نعم ورد النهي مطلقا في موثّقة سماعة قال:
«سألته عن الصلاة في أعطان الابل و في مرابض البقر و الغنم، فقال: ان نضحته بالماء و قد كان يابسا فلا بأس بالصلاة فيها، فأمّا مرابض الخيل و البغال فلا».(1)
ولكنّه يحمل على التقيّة لما ذهب العامّة الى نجاسة بولهما و روثهما، أويحمل على التنزية للقذارة كما في أعطان الابل، و المعلوم أنّ النهي لايكون تعبّدا بل امّا للنجاسة أو للقذارة فحيث لايكون بول الخيل و البغال و روثهما نجسا عندنا فيكون النهي لقذارة المحلّ و هي تناسب الكراهة.
و أمّا مرابض الحمير فلم يرد فيها نهي الاّ في مرسلة سماعة قال:
«لاتصلّ في مرابط الخيل و البغال و الحمير».(2)
فانّها ضعيفة سندا، و من حيث الدلالة تناسب الكراهة كما مرّ في مرابض البغال و الخيل و أعطان الابل، بقرينة ذكر مرابط الخيل و البغال مع الحمير.
و اعلم أنّ الظاهر من الروايات ارتفاع الكراهة من مرابط الابل و الخيل و البغال اذا خيف على المتاع بكنس المحلّ و رشّه، و أمّا الصلاة في مرابض الغنم فلاتكره و تلحقها مرابض البقر و ان لم يرد فيها خبر.
«التاسع»: ذهب المشهور الى كراهة الصلاة على الثلج و الجمد استنادا الى موثّق عمّار (في حديث) قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي على الثلج؟ قال: لا، فان لم يقدر على الأرض بسط ثوبه و صلّى عليه».(1)
ولكن الظاهر أنّ الموثّقة ليست بصدد النهي عن الصلاة على الثلج بل النهي الوارد فيها متوجّه الى السجود على الثلج، و ذلك لأنّ الامام عليه السلام قال في ذيله:
«فان لم يقدر على الأرض بسط ثوبه و صلّى عليه»(2)
و من المعلوم أن الصلاة على الثوب جائزة مطلقا من دون توقّف على العجز عن الأرض بالضرورة بخلاف السجود عليه، فانّه مشروط بفقد ما يصحّ السجودعليه من الأرض و نباتها. فالحاصل أنّ وزان الموثّقة (كما أفاد العلاّمة الخوئي رحمه الله في مستند العروة الوثقى) وزان بقية الأخبار الدالّة على جواز السجود على الثوب لدى العجز عن الأرض، فهي أجنبيّة عن محلّ الكلام. نعم هناك مرسلة ستأتي في كراهة الصلاة في مجاري الماء تدلّ على كراهة الصلاة على الثلج.
«العاشر»: قرى النمل و أوديتها و ذلك لخبر ابن عطاء عن أبي جعفر عليه السلام:
«أنّه بلغ موضعا فقال: هذا وادي النمل لايصلّى فيه».(3)
«الحادي عشر»: مجاري المياه، و الدليل على ذلك مرسلة عبداللّه بن الفضل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«عشرة مواضع لايصلّى فيها: الطين، و الماء، و الحمّام، و القبور، و مسّان الطريق، و قرى النمل، و معاطن الابل، و مجرى الماء، و السبخ، و الثلج».(4)
«الثاني عشر»: الطرق: ذهب المشهور الى كراهة الصلاة في الطرق و ذلك لصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«لابأس أن تصلّي بين الظواهر و هي الجواد جواد الطريق، و يكره أن تصلّي في الجواد».(1)
وصحيحة محمّد بن الفضيل قال:
«قال الرضا عليه السلام: كلّ طريق يوطأ و يتطرّق كانت فيه جادّة أم لم تكن، لاينبغي الصلاة فيه. قلت: فأين أصلّي؟ قال: يمنة و يسرة».(2)
و لايعارضهما صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن الصلاة على ظهر الطريق، فقال: لابأس أن تصلّي في الظواهر التي بين الجواد، فأمّا على الجواد فلاتصلّ فيها».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة في السفر فقال: لاتصلّ على الجادّة و اعتزل على جانبيها». (4)
و صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الصلاة على ظهر الطريق، فقال: لاتصلّ على الجادّة، و صلّ على جانبيها».(5)
و صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«لاتصلّ على الجواد».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 444 / الباب 19 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 445 / الباب 19 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 3: 445 / الباب 19 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 3: 445 / الباب 19 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 3: 446 / الباب 19 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 8.
6) - وسائل الشيعة 3: 446 / الباب 19 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 10.
و حسنة معلّى بن خنيس قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة على ظهر الطريق فقال: لا، اجتنبوا الطريق».(1)
و ذلك لأنّ هذه الروايات ارشاد الى التحفّظ عن الضرر الاحتمالي أو المزاحمة للمارّة و الشاهد على ذلك مرفوعة محمّد بن الحسين عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال:
«ثلاثة لايتقبّل اللّه لهم بالحفظ: رجل نزل في بيت خرب، و رجلصلّى على قارعة الطريق، و رجل أرسل راحلته و لم يستوثق منها».(2)
و يشهد لذلك أيضا موثّقة الحسن بن الجهم عن أبي الحسن الرضا عليه السلامقال:
«كلّ طريق يوطأ فلاتصلّ عليه، قال: قلت له: انّه قد روي عن جدّك انّ الصلاة في الظواهر لابأس بها، قال: ذاك ربّما سايرني عليه الرجل، قال: قلت: فان خاف الرجل على متاعه؟ قال: فان خاف فليصلّ».(3)
فانّ مصاحبة الرجل و مسايرته في الطريق يكون تحفّظا فترتفع الكراهة، كما أنّ جواز الصلاة في صورة الخلاف على المتاع يناسب الكراهة أيضا.
فما عليه المشهور من الكراهة هو الحقّ، بل عن الغنية و المنتهى و ظاهر التذكرة الاجماع عليه، فما عن الفقيه و المقنعة و النهاية من عدم الجواز ان لم يريدوا بذلك الكراهة ضعيف.
ثمّ انّ المراد من الظواهر التي نفى البأس عن الصلاة فيها، هي الأراضي المرتفعة عن الطريق حسّا أو جهة التي لاتندرج تحت اسم الطريق، كما أنّ المراد
من الجواد و القارعة و المسان، الطرق.
قال في الجواهر: «لاريب في ارادة الكراهة من النهي في الروايات بعد الأصل و اطلاقات الصلاة و عموم مسجديّة الأرض و الاجماعات المحكيّة المعتضدة بالشهرة العظيمة. انتهى».(1)
«الثالث عشر»: في مكان يكون مقابله تمثال ذي الروح من غير فرق بين المجسّم و غيره. و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: أصلّي و التماثيل قدّامي و أنا أنظر اليها؟
قال: لا، اطرح عليها ثوبا و لابأس بها اذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك، و ان كانت في القبلة فألق عليها ثوبا و صلّ».(2)
و صحيحة الحلبي قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: ربّما قمت فأصلّي و بين يدي الوسادة و فيها تماثيل طير فجعلت عليها ثوبا».(3)
و خبر سعد بن اسماعيل عن أبيه قال:
«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن المصلّى و البسائط يكون عليه التماثيل أيقوم عليه فيصلّي أم لا؟ فقال: و اللّه انّي لأكره، و عن رجل دخل على رجل عنده بساط عليه تمثال فقال: أتجد هيهنا مثالاً؟ فقال: لاتجلس عليه و لاتصلّ عليه».(4)
و لعلّ المراد بقوله عليه السلام: «أتجد هيهنا مثالاً»، انّه ليس عندنا و في بيوتنا ذلك.
و خبر ليث المرادي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الوسائد تكون في البيت فيها التماثيل عن يمين أو شمال؟ فقال:
«لابأس به ما لم يكن تجاه القبلة، و ان كان شيء منها بين يديك ممّا يلي القبلة فغطّه و صلّ. الحديث».(1)
و الظاهر من صحيحة محمّد بن مسلم و هي العمدة، أنّ التمثال ان كانت فيالقبلة و ألقى عليها ثوب فلا بأس بالصلاة، انّما الكلام في وجوب القاء الثوب على التماثيل ان أراد الصلاة، فهو و ان كان ظاهر الأمر في قوله عليه السلام «فألق عليها ثوبا و صلّ» الاّ أنّ الأمر هيهنا ليس تعبّدا بل ارشادا الى أنّه لو غطّيت التماثيل فلا بأس بالصلاة تجاهها و ان لم تغطّها ففيه بأس، بقرينة صدر الرواية حيث قال عليه السلام «و لابأس بها اذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك»، فكأنّه قال عليه السلام بعد ذلك: «و ان كانت في القبلة فألقيت عليها ثوبا فلا بأس و ان لم تلق ففيه بأس، فالبأس أعمّ من الكراهة».
نعم في صحيحة علي بن جعفر عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الدار و الحجرة فيها التماثيل أيصلّى فيها؟ فقال: لاتصلّ فيها و فيها شيء يستقبلك الاّ أن لاتجد بدّا فتقطع رؤوسها و الاّ فلاتصلّ فيها».(2)
فهذه الصحيحة لاتأبى عن الحمل على الكراهة بقرينة صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة، و ان كان يمكن أن يقال يحمل البأس في صحيحة محمّد بن مسلم على الحرمة بقرينة قوله عليه السلام في صحيحة علي بن جعفر: «فلاتصلّ فيها» ولكنّه يقال يرجّح الحمل على الكراهة لذهاب المشهور اليها.
قال في الجواهر: «لاريب في كراهة استقبال الصورة حملاً للنهي في صحيح
علي بن جعفر و صحيح ابن مسلم و غيرهما عليها. انتهى».(1)
«الرابع عشر»: اذا كان قدّامه مصحف أو كتاب مفتوح أو نقش شاغل و كذا اذا كان قدّامه انسان مواجه له. و الدليل على ذلك موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت في الرجل يصلّي و بين يديه مصحف مفتوح في قبلة قال: لا،قلت: فان كان في غلاف؟ قال: نعم».(2)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل هل يصلح له أن ينظر في نقش خاتمه و هو في الصلاة كأنّه يريد قرائته، أو في المصحف، أو في كتاب في القبلة؟ قال: ذلك نقص في الصلاة و ليس يقطعها».(3)
و خبر آخر لعلي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«و سألته عن الرجل يكون في صلاته هل يصلح أن تكون امرأة مقبلة بوجهها عليه في القبلة قاعدة أو قائمة؟ قال: يدرءها عنه فان لم يفعل لم يقطع ذلك صلاته».(4)
«الخامس عشر»: بين المقابر، و ذلك للجمع بين صحيحتي علي بن جعفر و معمّر بن خلاّد و بين موثّقة عمّار. أمّا صحيحة علي بن جعفر انّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليهماالسلام عن الصلاة بين القبور هل تصلح؟ فقال:
«لابأس به».(5)
و كذا صحيحة معمّر بن خلاّد عن الرضا عليه السلام قال:
1) - جواهر الكلام 8: 386.
2) - وسائل الشيعة 3: 456 / الباب 27 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 457 / الباب 27 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 3: 475 / الباب 43 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 3: 453 / الباب 25 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
«لابأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتّخذ القبر قبلة».(1)
و أمّا موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن الرجل يصلّي بين القبور؟ قال: لايجوز ذلك الاّ أن يجعل بينه و بين القبور اذا صلّى عشرة أذرع من بين يديه، و عشرة أذرعمن خلفه، و عشرة أذرع عن يمينه، و عشرة أذرع عن يساره، ثمّ يصلّي ان شاء».(2)
«السادس عشر»: بيت فيه كلب، غير كلب الصيد أو جنب و ذلك لخبر رواه البرقي في المحاسن بأسناده عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله انّ جبرئيل قال:
«انّا لاندخل بيتا فيه كلب و لا جنب، و لا تمثال يوطأ».(3)
و صحيحة محمّد بن مروان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله انّ جبرئيل أتاني فقال: انّا معاشر الملائكة لاندخل بيتا فيه كلب و لاتمثال جسد و لا اناء يبال فيه».(4)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ جبرئيل قال: انّا لاندخل بيتا فيه صورة و لا كلب، يعني صورة انسان، و لابيتا فيه تماثيل».(5)
«السابع عشر»: اذا كان قدّامه حديد أو سيف و ذلك لموثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«لايصلّي الرجل و في قبلته نار أو حديد. الحديث».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 453 / الباب 25 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 3: 453 / الباب 25 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 3: 465 / الباب 33 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 3: 464 / الباب 33 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 465 / الباب 33 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 3: 459 / الباب 30 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 2.
و لخبر رواه في الخصال عن علي عليه السلام:
«لاتخرجوا بالسيوف الى الحرم و لايصلّين أحدكم و بين يديه سيف فانّ القبلة أمن».(1)
(مسألة 1): لابأس بالصلاة في البيع و الكنائس و ان لم ترش، و ان كان من غير اذن من أهلها كسائر مساجد المسلمين.
الشرح:
لابأس بالصلاة في البيع و الكنائس و ذلك لصحيحة العيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن البيع و الكنائس يصلّى فيها؟ قال: نعم، و سألته هل يصلح بعضها مسجدا؟ فقال: نعم».(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن الصلاة في البيعة فقال: اذا استقبلت القبلة فلا بأس به».(3)
و صحيحة حكم بن الحكم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول و سئل عن الصلاة في البيع و الكنائس فقال: صلّ فيها قد رأيتها ما أنظفها، قلت: أيصلّى فيها و ان كانوا يصلّون فيها؟ فقال: نعم، أما تقرأ القرآن؟ «قل كلّ يعمل على شاكلته فربّكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً»، صلّ الى القبلة و غرّ بهم».(4)
و الظاهر أنّ الحكم بن الحكم هو الحكم بن الحكيم أبو خلاّد الصيرفي الذي
يكون ثقة كما في رجال الحديث للعلاّمة الخوئي رحمه الله.
و يستحبّ أن ترشّ قبل الصلاة و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:«سألته عن الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس؟ فقال: رشّ و صلّ».(1)
و صحيحة ثانية لعبداللّه بن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة في البيع و الكنائس: فقال: رشّ و صلّ، قال: و سألته عن بيوت المجوس، فقال: رشّها و صلّ».(2)
و الظاهر من صحيحة الحكم أنّ الصلاة في البيع و الكنائس لاتحتاج الى الاذن من أهلها و يؤيّده خبر أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال:
«لابأس بالصلاة في البيعة و الكنيسة الفريضة و التطوّع و المسجد أفضل».(3)
(مسألة 2): لابأس بالصلاة خلف قبور الأئمّة عليهم السلام و لا على يمينها و شمالها، و ان كان الأولى الصلاة عند جهة الرأس على وجه لايساوي الامام عليه السلام.
الشرح:
قد تقدّم شرح هذه المسألة في الشرط السابع من شروط مكان المصلّي و هيهنا نقول بعدم البأس بالصلاة خلف قبور الأئمّة عليهم السلام و ذلك لمكاتبة الحميري:
« ... و أمّا الصلاة فانّها خلفه و يجعله الأمام، و لايجوز أن يصلّي بين
يديه لأنّ الامام لايتقدّم، و يصلّي عن يمينه و شماله».(1)
و تستحبّ الصلاة عند جهة الرأس من قبور الأئمّة عليهم السلام على وجه لايساوى الامام عليه السلام و ذلك للروايات المستفيضة الناطقة باستحباب الصلاة عند رأس الحسين عليه السلام؛ ففي صحيح هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث طويل) قال:
«أتاه رجل فقال له: يابن رسول اللّه هل يزار والدك؟ قال: نعم، و يصلّي عنده، و قال: يصلّي خلفه و لايتقدّم عليه».(2)
و في موثّقة ابن فضّال قال:
«رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام، - الى أن قال: - فقام الى جانبه يصلّي فألزق منكبه الأيسر بالقبر قريبا من الأسطوانة المخلّقة التي عند رأس النبيّ صلى الله عليه و آله فصلّى ستّ ركعات أو ثمان ركعات».(3)
(مسألة 3): يستحبّ أن يجعل المصلّي بين يديه سترة اذا لم يكن قدّامه حائط أو صف للحيلولة بينه و بين من يمرّ بين يديه اذا كان في معرض المرور، و ان علم بعدم المرور فعلاً، و كذا اذا كان هناك شخص حاضر، و يكفي فيها عود أو حبل أو كومة تراب، بل يكفى الخط و لايشترط فيها الحلية و الطهارة و هي نوع تعظيم و توقير للصلاة، و فيها اشارة الى الانقطاع عن الخلق و التوجّه الى الخالق.
الشرح:
يستحبّ أن يجعل المصلّي بين يديه سترة للحيلولة بينه و بين من يمرّ بين يديه و ذلك لصحيحة أبي بصير يعني المرادي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايقطع الصلاة شيء لا كلب و لا حمار و لا امرأة ولكن استتروا بشيء، و ان كان بين يديك قدر ذراع رافع من الأرض فقد استترت، و الفضل في هذا أن تستتر بشيء و تضع بين يديك ما تتّقي به من المارّ فان لم تفعل فليس به بأس لأنّ الذي يصلّي له المصلّي أقرب اليه ممّن يمرّ بين يديه، ولكن ذلك أدب الصلاة و توقيرها».(1)
و صحيحة ثانية لأبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان طول رحل رسول اللّه صلى الله عليه و آله ذراعا فاذا كان صلّى وضعه بين يديه يستتر به ممّن يمرّ بين يديه».(2)
بل يستحبّ جعل المصلّي بين يديه شيئا من جدار أو عنزة أو حجر أو سهم أو قلنسوة أو كومة تراب أو خط و نحو ذلك و ان لم يكن هناك مارّ، و ذلك لصحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يجعل العنزة بين يديه اذا صلّى».(1)
و صحيحة محمّد بن اسماعيل عن الرضا عليه السلام في الرجل يصلّي قال:
«يكون بين يديه كومة من تراب أو يخطّ بين يديه بخطّ».(2)
و معتبرة غياث عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«انّ النبيّ صلى الله عليه و آله وضع قلنسوة و صلّى اليها».(3)
و خبر السكوني عن جعفر بن محمّد عليه السلام عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا صلّى أحدكم بأرض فلاة فليجعل بين يديه مثل مؤخّرة الرحل فان لم يجد فحجرا، فان لم يجد فسهما فان لم يجد فليخط في الأرض بين يديه».(4)
(مسألة 4): يستحبّ الصلاة في المساجد، و أفضلها مسجد الحرام، فالصلاة فيه تعدل ألف ألف صلاة، ثمّ مسجد النبيّ صلى الله عليه و آله و الصلاة فيه تعدل عشرة آلاف، و مسجد الكوفة و فيه تعدل ألف صلاة، و المسجد الأقصى و فيه تعدل ألف صلاة أيضا، ثمّ مسجد الجامع و فيه تعدل مائة، و مسجد القبيلة و فيه تعدل خمسا و عشرين، و مسجد السوق و فيه تعدل اثنى عشر، و يستحبّ أن يجعل في بيته مسجدا أي مكانا معدّا للصلاة فيه و ان كان لايجري عليه أحكام المسجد، و الأفضل للنساء الصلاة في بيوتهنّ، و أفضل البيوت بيت المخدع، أي بيت الخزانة في البيت.
الشرح:
تستحبّ الصلاة في المساجد و ذلك للروايات المستفيضة بل المتواترة، منها:
مرسلة علي بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من مشى الى المسجد لم يضع رجلاً على رطب و لايابس الاّ سبّحت له الأرض الى الأرضين السابعة».(1)
و أفضل المساجد المسجد الحرام، فالصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة بل ألف ألف صلاة، ثمّ مسجد النبيّ صلى الله عليه و آله و الصلاة فيه تعدل عشرة آلاف صلاة و ذلك لخبر مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : صلاة في مسجدي هذا تعدل عند اللّه عشرة آلاف صلاة في غيره من المساجد الاّ المسجد الحرام فانّ الصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة».(2)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : الصلاة في مسجدي كألف صلاة في غيره الاّ المسجد الحرام فانّ الصلاة في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في مسجدي».(3)
و الصلاة في مسجد الكوفة تعدل سبعين صلاة في غيره و ذلك لصحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لاتدع يا أبا عبيدة الصلاة في مسجد الكوفة و لو أتيته حبوا فانّ الصلاة فيه تعدل سبعين صلاة في غيره من المساجد».(4)
بل في بعض الروايات أنّها تعدل ألف صلاة في غيره كخبر المفضّل بن عمر
عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«صلاة في مسجد الكوفة تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد».(1)
و أمّا الصلاة في المسجد الأقصى و مسجد الجامع و مسجد القبيلة و مسجد السوق فيدلّ على أفضليّة الصلاة فيها على غيرها، خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال:
«صلاة في بيت المقدّس تعدل ألف صلاة، و صلاة في المسجد الأعظم مائة صلاة، و صلاة في مسجد القبيلة خمس و عشرون صلاة، و صلاة في مسجد السوق اثنتا عشرة صلاة، و صلاة الرجل في بيته وحده صلاة واحدة».(2)
يستحبّ أن يجعل في بيته مسجدا أي مكانا معدّا للصلاة فيه و ان كان لايجري عليه أحكام المسجد و ذلك لصحيحة الفضيل بن يسار، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ البيوت التي يصلّى فيها باللّيل، بتلاوة القرآن تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض».(3)
و موثّقة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان علي عليه السلام قد جعل بيتا في داره ليس بالصغير و لا بالكبيرلصلاته، و كان اذا كان الليل ذهب معه بصبيّ لايبيت معه فيصلّي فيه».(4)
و خبر حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اتّخذ مسجدا في بيتك».(1)
و خبر عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان علي عليه السلام قد اتّخذ بيتا في داره ليس بالكبير و لا بالصغير، فكان اذا أراد أن يصلّي من آخر الليل أخذ معه صبيّا لايحتشم منه، ثمّ يذهب الى ذلك البيت فيصلّي».(2)
و خبر أبي ذر عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله في وصيّته له - الى أن قال: -
«يا أباذر، انّ الصلاة النافلة تفضل في السرّ على العلانية كفضل الفريضة على النافلة. الحديث».(3)
و الأفضل للنساء الصلاة في بيوتهنّ و ذلك لصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، و صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في الدار».(4)
و مرسلة الصدوق قال:
«و قال الصادق عليه السلام: خير مساجد نسائكم البيوت».(5)
و خبر يونس بن ظبيان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: خير مساجد نسائكم البيوت».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 555 / الباب 69 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 3: 555 / الباب 69 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 3: 555 / الباب 69 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 3: 510 / الباب 30 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 510 / الباب 30 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 3: 510 / الباب 30 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 4.
(مسألة 5): يستحبّ الصلاة في مشاهد الأئمّة عليهم السلام و هي البيوت التي أمر اللّه تعالى أن ترفع و يذكر فيها اسمه، بل هي أفضل من المساجد، بل قد ورد في الخبر أنّ الصلاة عند علي عليه السلام بمأتي ألف صلاة، و كذا يستحبّ في روضات الأنبياء و مقام الأولياء و الصلحاء و العلماء و العبّاد، بل الاحياء منهم أيضا.
الشرح:
و يدلّ على قول الماتن مضافا الى ما أورده من الدليل، ما ورد في تفسير مجمع البيان:
«سئل النبي صلى الله عليه و آله لمّا قرأ هذه الآية «في بيوت أذن اللّه أن ترفع و يذكر فيها اسمه ... »(1)، أيّ بيوت هذه؟ فقال: بيوت الانبياء. فقام أبو بكر فقال: يا رسول اللّه هذا البيت منها؟ يعني بيت علي و فاطمة، قال: نعم من أفاضلها».(2)
(مسألة 6): يستحبّ تفريق الصلاة في أماكن متعدّدة لتشهد له يوم القيمة، ففي الخبر سأل الراوي أباعبداللّه عليه السلام يصلّي الرجل نوافله في موضع أو يفرقها؟ قال: لا، بل هيهنا و هيهنا فانّها تشهد له يوم القيمة و عنه عليه السلام: صلّوا من المساجد في بقاع مختلفة، فانّ كلّ بقعة تشهد للمصلّي عليها يوم القيمة.
الشرح:
يستحبّ تفريق الصلاة في أماكن متعدّدة و يدلّ على ذلك مضافا الى ما أتى به المصنّف من خبري عبداللّه بن علي الزراد و صحيحة مرازم بن حكيم(3)،
صحيحة سليمان بن خالد قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام الامام اذا انصرف فلايصلّي في مقامه ركعتين حتّى ينحرف عن مقامه ذلك».(1)
فاذا صلّى في بقاع مختلفة تشهد للمصلّي عليها يوم القيمة كما في صحيحة مرازم بن حكيم عن الصادق عليه السلام (في حديث) انّه قال:
«صلّوا من المساجد في بقاع مختلفة فانّ كلّ بقعة تشهد للمصلّي عليها يوم القيامة».(2)
و خبر أبي ذر عن النبيّ صلى الله عليه و آله في وصيّة (وصيّته) له:
«يا أباذر، ما من رجل يجعل جبهته في بقعة من بقاع الأرض الاّ شهدت بها يوم القيمة، و ما من منزل ينزله قوم الاّ و أصبح ذلك المنزل يصلّي عليهم أو يلعنهم. يا أباذر، ما من صباح و لا رواح الاّ و بقاع الأرض ينادي بعضها بعضا يا جارة هل مرّ بك اليوم ذاكر للّه أو عبد وضع جبهته عليك ساجدا للّه تعالى؟ فمن قائلة: لا، و من قائلة: نعم، فاذا قالت نعم اهتزّت و انشرحت وترى أنّ لها الفضل على جارتها».(3)
(مسألة 7): يكره لجار المسجد أن يصلّي في غيره لغير علّة كالمطر، قال النبيّ صلى الله عليه و آله لا صلاة لجار المسجد الاّ في مسجده. و يستحبّ ترك مؤاكلة من لايحضر المسجد، و ترك مشاربته و مشاورته و مناكحته و مجاورته.
الشرح:
يكره لجار المسجد أن يصلّي في غيره لغير علّة و ذلك لمرسلة الشيخ قال:
«قال النبيّ صلى الله عليه و آله : لاصلاة لجار المسجد الاّ في مسجده. قال الشيخ: انّما أراد لاصلاة فاضلة كاملة دون أن يكون المراد رفع جوازها».(1)
و خبر طلحة بن زيد عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي عليه السلام قال:
«لاصلاة لمن لم يشهد الصلوات المكتوبات من جيران المسجد اذا كان فارغا صحيحا».(2)
و يستحبّ ترك مؤاكلته و مشاربته و مشاورته و مناكحته و يدلّ على ذلك مرسلة محمّد بن الحسن (الشيخ الطوسي) عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«أنّ أمير المؤمنين عليه السلام بلغه أنّ قوما لايحضرون الصلاة في المسجد، فخطب فقال: انّ قوما لايحضرون الصلاة معنا في مساجدنا فلايؤاكلونا و لايشاربونا و لايشاورونا و لايناكحونا و لايأخذوا من فيئنا شيئا، أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة، و انّي لأوشك أن آمر لهم بنار تشعل في دورهم فأحرق عليهم أو ينتهون، قال: فامتنع المسلمون عن مؤاكلتهم و مشاربتهم و مناكحتهم حتّى حضروا الجماعة مع المسلمين».(3)
سيجيء في بحث صلاة الجماعة أن الاعراض عن الجماعة حرام فان أعرض
مسلم أو طائفة من المسلمين عن جماعتهم فيجب على سائر المسلمين الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و أمّا ترك معاشرتهم فان كانوا لاينتهون الاّ بترك المعاشرة فيجب، و أمّا ان كان هناك طريق آخر و لاينحصر انتهاؤهم بترك معاشرتهم فلايجب. و أمّا المرسلة فمع ضعف سندها لاتدلّ على وجوب ترك المؤاكلة و المشاربة و غيرهما، نعم بناءً على التسامح في أدلّة السنن تدلّ على الاستحباب.
(مسألة 8): يستحبّ الصلاة في المسجد الذي لايصلّى فيه، و يكره تعطيله فعن أبيعبداللّه عليه السلام: ثلاثة يشكون الى اللّه عزّوجلّ؛ مسجد خراب لايصلّي فيه أهله، و عالم بين جهّال، و مصحف معلّق قد وقع عليه الغبار لايقرأ فيه.
الشرح:
يستحبّ الصلاة في المسجد الذي لايصلّى فيه، و يكره تعطيله و يدلّ على ذلك مضافا الى ما أورده المصنف من مرسلة ابن فضّال(1)، خبر جابر عن النبيّ صلى الله عليه و آله قال:
«يجيء يوم القيمة ثلاثة يشكون: المصحف، و المسجد، و العترة، يقول المصحف: يا ربّ حرّفوني و مزّقوني، و يقول المسجد: يا ربّ عطّلوني و ضيّعوني، و يقول العترة: يا ربّ قتلونا و طردونا و شردونا، فاجثوا للرّكبتين في الخصومة فيقول اللّه عزّوجلّ لي: أنا أولى بذلك منك».(2)
(مسألة 9): يستحبّ كثرة التردّد الى المساجد، فعن النبيّ صلى الله عليه و آله من مشى الى مسجد من مساجد اللّه فله بكلّ خطوة خطاها حتّى يرجع الى منزله عشر حسنات و محى عنه عشر سيّئات و رفع له عشر درجات.
الشرح:
يستحبّ كثرة التردّد الى المساجد و يدلّ على ذلك مضافا الى ما أتى به المصنّف من خبر رواه في عقاب الأعمال(1)، مرسلة علي بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من مشى الى المسجد لم يضع رجلاً على رطب و لا يابس الاّ سبّحت له الأرض الى الأرضين السابعة».(2)
و مرسلة الربيع عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ما عبد اللّه بشيء مثل الصمت و المشي الى بيته».(3)
(مسألة 10): يستحبّ بناء المسجد و فيه أجر عظيم، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : «من بنى مسجدا في الدنيا أعطاه اللّه بكل شبر منه مسيرة أربعين ألف عام مدينة من ذهب و فضّة و لؤلؤ و زبرجد» و عن الصادق عليه السلام: «من بنى مسجدا بنى اللّه له بيتا في الجنّة».
الشرح:
يستحبّ بناء المسجد و يدلّ على ذلك صحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: من بنى مسجدا بنى اللّه له بيتا في الجنّة. قال أبو عبيدة: فمرّ بي أبو عبداللّه عليه السلام في طريق مكّة و قد
سوّيت بأحجار مسجدا فقلت له: جعلت فداك نرجو أن يكون هذا من ذاك؟ قال: نعم».(1)
و صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال:
«انّ اللّه اذا أراد أن يصيب أهل الأرض بعذاب قال: لولا الذين يتحابون بجلالي، و يعمرون مساجدي، و يستغفرون بالأسحار لأنزلت عذابي».(2)
و في عقاب الأعمال بأسناد تقدّم في عيادة المريض قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله :
«من بنى مسجدا في الدنيا أعطاه اللّه بكلّ شبر منه أو قال بكلّ ذراع منه مسيرة أربعين ألف عام مدينة من ذهب و فضّة و درّ و ياقوت و زمرّد و زبرجد و لؤلؤ. الحديث».(3)
(مسألة 11): الأحوط اجراء صيغة الوقف بقصد القربة في صيرورته مسجدا بأن يقول «وقفته قربة الى اللّه تعالى» لكنّ الأقوى كفاية البناء بقصد كونه مسجدا مع صلاة شخص واحد فيه باذن الباني، فيجري عليه حينئذٍ حكم المسجديّة وان لم تجر الصيغة.
الشرح:
هل يحتاج في ثبوت المسجدية و ترتّب أحكامها اجراء صيغة الوقف أو يكفي البناء بقصد كونه مسجدا مع صلاة شخص واحد فيه باذن الباني؟
قولان: ذهب الشهيد الأوّل (على ما في الحدائق) في الذكرى الى الأوّل فقال:
«انّما تصير البقعة مسجدا بالوقف امّا بصيغة «وقفت» و شبهها و امّا بقوله «جعلته مسجدا» و يأذن بالصلاة فيه فاذا صلّى فيه واحد تمّ الوقف - الى أن قال: - و لو بناه بنيّة المسجد لم يصر مسجدا نعم لو أذن للناس بالصلاة فيه بنيّة المسجديّة ثمّ صلّوا أمكن صيرورته مسجدا لأنّ معظم المساجد في الاسلام على هذه الصورة. انتهى».(1)
و ذهب الشيخ في المبسوط الى الثاني فانّه قال:
«اذا بنى مسجدا خارج داره في ملكه فان نوى به أن يكون مسجدا يصلّي فيه كلّ من أراد زال ملكه عنه و ان لم ينو ذلك فملكه باقٍ عليه سواء صلّي فيه أو لم يصلّ. انتهى».(2)
و ظاهر كلام الشيخ الاكتفاء بالنيّة و ليس في كلامه دلالة على التلفّظ.
و الأقوى كفاية البناء بقصد كونه مسجدا مع صلاة واحد فيه باذن الباني، فيجري حينئذٍ حكم المسجديّة و ان لم تجر الصيغة، و الدليل على ذلك خلوّ الروايات الواردة في بناء المسجد عن صيغة الوقف، ففي صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله بنى مسجده بالسميط ثمّ انّالمسلمين كثروا فقالوا: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه، فقال: نعم، فزيد فيه و بناه بالسعيدة، ثمّ انّ المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه، فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه و بنى جداره بالأنثى و الذكر. الحديث».(3)
و السميط لِبنة لِبنة، و السعيدة لبنة و نصف، و الذكر و الأنثى لِبنتان مختلفتان.
و صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: من بنى مسجدا بنى اللّه له بيتا في الجنّة. قال أبو عبيدة: فمرّ بي أبو عبداللّه عليه السلام في طريق مكّة و قد سوّيت بأحجار مسجدا فقلت له: جعلت فداك نرجو أن يكون هذا من ذلك؟ قال: نعم».(1)
و تقريب الاستدلال بالروايتين و نظائرهما على كفاية البناء بقصد كونه مسجدا و عدم الاحتياج الى صيغة الوقف، عدم تعرّضه عليه السلام اليها في بناء أصل المسجد و لا في هذه الزيادات في كلّ مرّة، و لو كان ذلك شرطا في المسجديّة لكان أولى بالنقل من تلك الأمور المنقولة، لأنّ تلفّظ الصيغة هي التي كانت يترتّب عليها من الأحكام بزعم بعض الأعلام، و تقييد اطلاق هذه الأخبار بصيغة الوقف بمعنى أنّه لايكون مسجدا الاّ بقول «وقفت» و نحوه يحتاج الى دليل و ليس هناك دليل، فلايحتاج في صيرورته مسجدا الى الصيغة.
و ما قاله صاحب الجواهر بتوضيح منّا من أنّ الأصل بقاء الملك ما لم يحصل ناقل شرعي كالبيع و الصدقة و الوقف و نحوها و لم يثبت أنّ مجرّد النيّة مع تصرّف المسلمين موجب للخروج عن الملك. ففيه ما أنصفه نفسه في آخر كلامهو قال: «فالانصاف أنّ النصوص غير خالية عن الايماء الى الاكتفاء بالبناء و نحوه مع نيّة المسجدية من غير حاجة الى صيغة خاصّة، خصوصا ما ورد منها في تسوية المساجد بالأحجار في البراري و الطرق. انتهى».(2)
و قال المحقّق الهمداني بعد نقل صحيحة أبي عبيدة الحذاء:
«و ربّما يستشعر من الرواية المزبورة عدم اعتبار سبق الملكيّة في صحّة المسجديّة بل يكفي في ذلك تحجير المباحات بهذا القصد، كما أنّه يستشعر منه
كفاية بنائه بهذا العنوان و تخليته لأن يصلّي فيه المسلمون في صيرورته مسجدا من غير احتياجه الى اجراء صيغة الوقفيّة كما ليس بالبعيد بالنسبة الى الأوقاف العامّة التي هي من قبيل التحريريّات كالمساجد و القناطر و نحوهما. انتهى».(1)
و استدلّ أيضا للزوم الصيغة بأنّ المعاطاة لاتفيد اللزوم اجماعا بل امّا باطلة أو جائزة على الخلاف و حيث لا رجوع في العين الموقوفة خصوصا في مثل وقف المسجد بضرورة الفقه فلاجرم لاينعقد الوقف بصرف النيّة و صلاة واحدة فيه بل يحتاج الى اجراء صيغة الوقف. و يندفع بأنّ المعاطاة عقد عرفي و هو بمثابة العقد اللفظي في افادة اللزوم بمقتضى اطلاق قوله تعالى: «أوفوا بالعقود»، الاّ ما خرج بالدليل كالطلاق و النكاح و دعوى الاجماع على عدم اللزوم غير ثابت و أمّا قصد القربة في الوقف فليس عليه دليل، نعم الثواب دائر مداره.
(مسألة 12): الظاهر أنّه يجوز أن يجعل الأرض فقط مسجدا دون البناء و السطح، و كذا يجوز أن يجعل السطح فقط مسجدا، أو يجعل بعض الغرفات أو القباب أو نحو ذلك خارجا، فالحكم تابع لجعل الواقف و الباني في التعميم والتخصيص كما انّه كذلك بالنسبة الى عموم المسلمين أو طائفة دون أخرى على الأقوى.
الشرح:
الظاهر أنّه يجوز أن يجعل الأرض فقط مسجدا دون البناء و السطح و كذا يجوز أن يجعل السطح فقط مسجدا، أو يجعل بعض الغرفات أو القباب أو نحو ذلك خارجا، و ذلك لقوله عليه السلام:
«الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها ان شاء اللّه».(2)
و مرسلة محمّد بن يحيى عن أبي محمّد عليه السلام في الوقوف و ما روى فيها، فوقّع عليه السلام:
«الوقوف على حسب ما يقفها أهلها ان شاء اللّه».(1)
مضافا الى أنّ الوقف فكّ ملك فمقداره و خصوصياته تابع لنظر المالك الواقف، فالحكم موافق للقاعدة.
و أمّا الوقف بالنسبة الى عموم المسلمين أو طائفة دون أخرى و ان كان موافقا للقاعدة الاّ أنّه مخالف للسيرة المتشرّعة و لايبعد دعوى اتّصالها بزمن المعصوم، بل لايبعد انكاره لدى جميع المسلمين، لأنّ المرتكز في الأذهان و المستقرّ في النفوس، هو كون وزان وقف المسجد هو وزان عتق العبد و تحريره، فاذا انعتق و تحرّر كان حرّا مطلقا و بالقياس الى جميع من عداه، فلا مولى له يلي أمر نهيه و أمره، بل هو و المولى سواء، و هكذا المسجد الذي يخرج عن الملكيّة للعبادة، فمعه لا ارتباط له بقوم دون قوم، و لا لجهة خاصّة دون جهة أخرى. و يتفرّع عليه الاشكال في مشروعيّة التولية بجعل شخص واحد متولّيا للمسجد يلي أمره بمايرجع الى المصلّين، بمعنى التصرّف في المسجد بما ينافي التحرير و فكّ الملك، و هكذا في مشروعيّة جعل امامته لشخص خاصّ أو بنظر الواقف.
(مسألة 13): يستحبّ تعمير المسجد اذا أشرف على الخراب و اذا لم ينفع يجوز تخريبه و تجديد بنائه بل الأقوى جواز تخريبه مع استحكامه لارادة توسيعه من جهة حاجة الناس.
الشرح:
يستحبّ تعمير المسجد اذا أشرف على الخراب و اذا لم ينفع يجوز تخريبه و تجديد بنائه و ذلك لعموم قوله تعالى: «انّما يعمر مساجد اللّه من آمن باللّه ... »
1) - وسائل الشيعة 13: 295 / الباب 2 في أحكام الوقوف و الصدقات / الحديث 2.
مضافا الى أنّه مع الاشراف على الخراب لم يبق له موضوعا لما وقف له غالبا و هو العبادة و الصلاة. و كذا يجوز تخريبه مع استحكامه لارادة توسيعه من جهة الناس وذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله بنى مسجده بالسميط ثمّ انّ المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه، فقال: نعم، فزيد فيه و بناه بالسعيدة، ثمّ انّ المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه، فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه و بنى جداره بالانثى و الذكر. الحديث».(1)
و ما قيل من أنّ التغيير و لو على سبيل التوسيع تصرف في متعلّق الوقف و مخالف للكيفيّة التي أوقفها الواقف و بنى عليها، مدفوع أوّلاً بالنصّ و ثانيا بأنّ الواقف قد حرّر المسجد و أخرجه من ملكه و زال العلقة بحيث صار أجنبيّا، وأصبح ملكا للّه تعالى لغاية العبادة. فكلّ تصرّف يستوجب مزيد التمكين من هذه الغاية مع مسيس الحاجة سائغ بمقتضى القاعدة.
1) - وسائل الشيعة 3: 487 / الباب 9 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
«الأوّل»: يحرم زخرفته أي تزيينه بالذهب بل الأحوط ترك نقشه بالصور.
الشرح:
نسب الى المشهور الذهاب الى تحريم زخرفة المساجد و استدلّوا عليه،
أوّلاً: بروايات، منها: ما رواه الطبرسي من الخبر عن ابن مسعود من وصايا رسول اللّه صلى الله عليه و آله اليه قال:
«يابن مسعود ما ينفع من يتنعّم في الدنيا اذا أخلد في النار، «يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون» يبنون الدور و يشيّدون القصور و يزخرفون المساجد، ليست همّتهم الاّ الدنيا عاكفون عليها معتمدون فيها. الحديث».(1)
و منها: ما رواه الراوندي قال:
«قال النبي صلى الله عليه و آله : لاتزخرفوا مساجدكم، كما زخرفت اليهود والنصارى بيعهم».(2)
و المراد بالزخرفة النقش بالزخرف و هو الذهب.
و ثانيا: بالاسراف.
و ثالثا: بأنّه بدعة، لأنّه لم يعهد في زمن النبي صلى الله عليه و آله .
و أجيب عن الأوّل بضعف السند و عن الثاني بأنّ الاسراف مصرف لم يكن غرض عقلائي فيه و من البيّن أنّ تعظيم الشعائر من أعظم الدواعي العقلائية كما يصنعونه في المشاهد المشرّفة. و عن الثالث بأنّ البدعة ادخال ما ليس من الدين في الدين و اخراج ما في الدين من الدين و من المعلوم أنّ هذا متقوّم بالاسناد الى الدين و اذ لم يكن اسناد لم تكن بدعة. ولكن فيه أنّ الروايتين المتقدّمتين و ان كانتا ضعيفتين سندا الاّ أنّهما ممّا يكون مستند المشهور ظنّا قويّا. و الاسراف حاصل لأنّ المساجد موضوعة للعبادة و البعد عن مظاهر الدنيا و كيف يكون تزيين المسجد بالذهب من تعظيم الشعائر مع معارضته بغرض وضع المساجد و لايقاس بالمشاهد المشرّفة، و البدعة بالمعنى المتقدّم حاصلة لأنّ الزخرفة في ما كان مجمع العلماء و المؤمنين و اجراء أعظم العبادات أي الصلاة يكون اسنادا عمليّا الى الشرع.
و عليه فالتحريم ان لم يكن أقوى فهو موافق للاحتياط.
و أمّا النقش بالصور فذهب الى تحريمه عدّة من الفقهاء و لم يصر بحدّ الشهرة، فاستدلّوا بخبر عمرو بن جميع قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة في المساجد المصوّرة فقال: أكره ذلك، ولكن لايضرّكم ذلك اليوم و لو قد قام العدل لرأيتم كيفيصنع في ذلك».(1)
ولكن الخبر ضعيف سندا بعمرو بن جميع و دلالة لأنّ قوله عليه السلام «أكره ذلك» أعمّ من الحرمة. و استدلّوا أيضا بتحريم نقش ذي الروح ولكن فيه أنّ النقش اذا
1) - وسائل الشيعة 3: 493 / الباب 15 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
لم يكن مجسّما لم يكن حراما كما اتّضح البحث حول ذلك في المكاسب المحرّمة.
فالعمدة ما هو ظاهرة من سيرة الشارع بمحبوبيّة بُعد المساجد عن مظاهر الدنيا لديه، و لاسيّما ما كان معبودا للمشركين و الكفّار، أو كان متداولاً في معابد اليهود و النصارى.
فالاحتياط لايترك بالنسبة الى نقش الصور ذي الروح، و أمّا نقش غير ذي الروح كالأشجار و الرياحين فلا دليل على منعه و يمكن أن يكون خبر علي بن جعفر دليلاً على الجواز فانّه قال:
«و سألته عن المسجد ينقش في قبلته بجصّ أو اصباغ قال: لابأس به».(1)
«الثاني»: لايجوز بيعه و لا بيع آلاته و ان صار خرابا و لم يبق آثار مسجديّته، و لا ادخاله في الملك، و لا في الطريق، فلايخرج عن المسجديّة أبدا. و يبقى الأحكام من حرمة تنجيسه و وجوب احترامه و تصرّف آلاته في تعميره و ان لم يكن معمّرا تصرف في مسجد آخر، و ان لم يمكن الانتفاع بها أصلاً يجوز بيعها و صرف القيمة في تعميره أو تعمير مسجد آخر.
الشرح:
الظاهر أنّه لايجوز بيع المسجد، و ادخاله في الملك و لا في الطريق و لايخرج عن المسجديّة أبدا، و ذلك لأنّه فكّ ملك و قد حُرّر للّه و لا مالك له الاّ اللّه، و كذا لقوله عليه السلام:
«الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها ان شاء اللّه».(2)
فيكون مسجدا أبدا و ان أدّى الى الخراب و أصبح متروكا، فيبقى أحكام المسجد عليه من حرمة تنجيسه و وجوب احترامه. و لو أمكن بعض الانتفاعات على نحو لايستوجب الهتك كالاستفادة للزراعة لم يكن بها بأس لعدم الدليل حينئذٍ على المنع.
و كذا لايجوز بيع آلاته. و لو هُدّم لتجديد بنائه أو توسيعه تصرف آلاته في تعميره، و ان لم تنفعه تصرف في مسجد آخر، و ان لم يمكن الانتفاع بها أصلاً يجوز بيعها و صرف قيمتها في تعميره، أو تعمير مسجد آخر.
و الفرق بين أرض المسجد حيث لايجوز بيعها و ان صار متروكا و بين آلاته حيث جاز بيعها في صورة عدم الانتفاع بها أصلاً أوّلاً انّ أرض المسجد نفسها وقف و تحرير و كان نظر الواقف بأن لاتباع و لاتورث و لاتوهب و ليس كذلك آلاته فانّها وقفت على المسجد و لم يكن نظر الواقف بأن لاتباع و ان أدّى المسجد الى الخراب و عدم الانتفاع بل لايبعد أن يقال لو زالت الانتفاع عن آلاته في هذا المسجد و لم يحضر أحد من المسلمين أن يعمّره جاز بيع آلاته و صرف قيمتها في نفس المسجد فانّه أقرب الى غرض الواقف. و ثانيا لو لم تبع آلات المسجد في صورة عدم الانتفاع ضاع المال و لايرضى الشارع بذلك قطعا بخلاف أرض المسجد فان التضييع لاتجري فيها غالبا الاّ ما شذّ.
قال في الحدائق: «يحرم بيع آلاتها و قيّده جملة منهم بعدم الحاجة الى بيعها لعمارته أو عمارة غيره من المساجد فلو بدت الحاجة الى ذلك لما ذكر لم يحرم بيعها و كذا لو اقتضت المصلحة بيعها كما لو خيف عليها التلف أو كانت رثّة لاينتفع بها في المسجد، قالوا وكما يجوز بيعها لعمارة مسجد آخر يجوز صرفها فيه بطريق أولى لاتّحاد المالك و هو اللّه تعالى. و كلامهم و ان كانت عارية عن النصوص على الخصوص لكنّه لايخرج عن مقتضى الأصول المقرّرة و القواعد المعتبرة. و يحرم اتّخاذها أو بعضها في ملك أو طريق بأن يتملّك و يتصرّف فيه
تصرّف الملاّك في أملاكهم أو يتّخذ طريقا دائما بحيث تنمحي صورة المسجديّة على كلا الأمرين، و لاريب في التحريم حينئذٍ لأنّ ذلك تغيير للوقف و تخريب لموضع العبادة و كلاهما محرّم لقوله سبحانه:«و من أظلم ممّن منع مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه و سعى في خرابها»(1)و حينئذٍ فيجب اعادتها الى ما كانت عليه بل يجب ذلك على كلّ ذي قدرة و يد مبسوطة. و لو زالت آثار المسجديّة بالكليّة فانّه لايجوز تملّكها لأنّ العرصة لاتخرج عن الوقف و ما كانت عليه من المسجديّة بزوال العمارة و خراب البناء بل أحكام المسجديّة ثابتة لها و ان كانت كذلك من غير شكّ و لااشكال. انتهى».(2)
«الثالث»: يحرم تنجيسه و اذا تنجّس يجب ازالتها فورا و ان كان في وقت الصلاة مع سعته، نعم مع ضيقه تقدّم الصلاة، و لو صلّى مع السعة أثم، لكن الأقوى صحّة صلاته، و لو علم بالنجاسة أو تنجّس في أثناء الصلاة لايجب القطع للازالة و ان كان في سعة الوقت، بل يشكل جوازه، و لابأس بادخالالنجاسة الغير المتعدّية الاّ اذا كان موجبا للّه تك كالكثيرة من العذرة اليابسة مثلاً، و اذا لم يتمكّن من الازالة، بان احتاجت الى معين و لم يكن سقط وجوبها، و الأحوط اعلام الغير اذا لم يتمكّن. و اذا كان جنبا و توقّفت الازالة على المكث فيه فالظاهر عدم وجوب المبادرة اليها، بل يؤخّرها الى مابعد الغسل، و يحتمل وجوب التيمّم و المبادرة الى الازالة.
الشرح:
حكم تنجيس المساجد و فروعاته موكول الى محلّه و هو كتاب الطهارة، فرأيت أنّ المناسب هنا أن آتي بما في المستمسك ملخّصا لأنّ كلام العلاّمة السيد
الحكيم (أعلى اللّه مقامه) متضمّنا لنظري القاصر أيضا.
قال: «تجب ازالة النجاسة عن المساجد اجماعا كما عن جماعة نقله، كالشيخ و الحلّي و الفاضلين و الشهيد و غيرهم - و الظاهر أنّ العمدة في الدليل هو الاجماع كما قاله غير واحد - و يشهد له قوله تعالى: «انّما المشركون نجس فلايقربوا المسجد الحرام»(1)، بضميمة عدم الفصل بين المسجد الحرام و غيره من المساجد - و ان كان في دلالة الآية على المقصود، و كذا فى عدم الفصل اشكال - و قد يستدلّ أيضا بروايات لاتخلو عن الاشكال سندا و دلالة. و وجوب الازالة فوري، كما نصّ عليه غير واحد، بل عن المدارك و الذخيرة نسبته الى الأصحاب و يقتضيه ظاهر النهي، بل و ظاهر معاقد الاجماعات على وجوب الازالة، اذ ليس المقصود وجوب الازالة و لو بعد حين، و في وقت من الأوقات بل الازالة على الفور، و لو بقرينة مناسبة الاحترام و التعظيم، كما لايخفى. نعم ظاهر النهي في الآية، الفور الحقيقي الاّ أن يكون اجماع على خلافه. (و حيث أنّ الدليلهو الاجماع فالقدر المتيقّن منه هو الفور العرفي، اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ الاجماع مستدرك من الروايات الكثيرة المختلفة في الأبواب المتفرّقة المشتركة كلّها في احترام المساجد و أنّها بيوت اللّه في الأرض و التحذير عن هتكها و عليه فالأمر بالازالة فوري حقيقي، فتأمّل.) و لو تركها و اشتغل بالصلاة فلا اشكال عندهم في حصول العصيان بترك الازالة (الاّ أن يكون وقت الصلاة مضيّقا فحينئذٍ يقدّم الصلاة و يصلّي مخفّفة ثم يزيل النجاسة عن المسجد). انتهى.»(2)
و لو ترك الازالة و اشتغل بالصلاة في سعة الوقت أثم لكن الأقوى صحّة صلاته لعدم الدليل على بطلان صلاته، لأنّ الأمر بالشيء لايقتضي النهي عن ضدّه و كذا انّ المورد لايكون من موارد اجتماع الأمر و النهي، فالمصلّي و ان كان آثما
لتركه ازالة النجاسة عن المسجد الاّ أنّه أطاع الأمر بالصلاة.
و لو علم بالنجاسة أو تنجّس المسجد في أثناء الصلاة يجب قطع الصلاة - لأنّ حرمة القطع مختصّة بمورد يكون القطع عبثا - لاسيّما ان قلنا بأنّ وجوب الازالة فوري حقيقي و ان كان فيه تأمّل. و لابأس بادخال النجاسة الغير المتعدّية الاّ اذا كان موجبا للّه تك، لأنّ المستفاد من الروايات الواردة، في أبواب المساجد هو أنّ هتك المساجد حرام.
أمّا اذا لم يتمكّن من الازالة بأن احتاجت الى معين و لم يكن، يسقط وجوبها، نعم اذا أمكن اعلام الغير للازالة يجب و ذلك للعلم بأنّ الشارع لايرضي ببقاء النجاسة و هو يريد ازالتها بأيّ نحو كان.
و أمّا اذا كان جنبا و توقّفت الازالة على المكث في المسجد فان كان التأخير الى ما بعد الغسل لايحتاج الى زمان طويل يجب عليه الغسل، لكون حرمة المكثحينئذٍ أهمّ من وجوب الازالة و أمّا ان احتاج الى زمان طويل فلايبعد القول بتقدّم الازلة و لايترك الاحتياط بالتيمّم حينئذٍ.
(مسألة 1): يجوز أن يتخّذ الكنيف و نحوه من الأمكنة التي عليها البول و العذرة و نحوهما مسجدا، بأن يطمّ و يلقى عليها التراب النظيف و لاتضرّ نجاسة الباطن في هذه الصورة، و ان كان لايجوز تنجيسه فى سائر المقامات. لكن الأحوط ازالة النجاسة أوّلاً أو جعل المسجد خصوص المقدار الطاهر من الظاهر.
الشرح:
يجوز أن يتّخذ الكنيف و نحوه من الأمكنة التي عليها البول و العذرة و نحوها مسجدا بأن يطمّ و يلقى عليها التراب النظيف و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان (في حديث) قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن المكان يكون حشّا زمانا فينظّف و يتّخذ مسجدا فقال: ألق عليه من التراب حتّى يتوارى فانّ ذلك يطهّره ان شاء اللّه».(1)
و صحيحة الحلبي (في حديث) انّه قال لأبي عبداللّه عليه السلام:
«فيصلح المكان الذي كان حشّا زمانا أن ينظّف و يتّخذ مسجدا؟ فقال: نعم اذا ألقي عليه من التراب ما يواريه فانّ ذلك ينظّفه و يطهّره».(2)
و خبر مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمّد عليه السلام:
«انّه سئل: أ يصلح مكان حشّ أن يتّخذ مسجدا فقال: اذا ألقي عليه من التراب ما يواري ذلك و يقطع ريحه فلا بأس، و ذلك لأنّ التراب يطهّره و به مضت السنّة».(3)
و خبر محمّد بن مضارب (مصارف) عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«لابأس بأن يجعل على العذرة مسجدا».(4)
و الأحسن أن ينظّف أوّلاً، و أمّا تطهيره فلايجب كما نطقت به الروايات المتقدّمة بأنّ التراب ينظّفه و يطهّره.
نعم اذا أرادوا أن يجعلوا نفس الأرض التي كانت حشّا سابقا مسجدا من غير أن توارى بالتراب فينظّف فيطهّر أوّلاً ثم تتّخذ مسجدا، و الاّ يجب تطهيره فورا بعد اتّخاذها مسجدا.
و يؤيّده مرسلة الصدوق، قال:
«و سئل أبو الحسن الأوّل عليه السلام عن بيت كان حشّا زمانا هل يصلح أن يجعل مسجدا؟ فقال: اذا نظّف و أصلح فلا بأس».(1)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلامقال:
«سألته عن بيت كان حشّا زمانا، هل يصلح أن يجعل مسجدا؟ قال: اذا نظّف و أصلح فلا بأس».(2)
هل يحرم تنجيس باطن المسجد و اذا تنجّس فهل يجب ازالته؟
الظاهر لا و ذلك أوّلاً لظاهر هذه الروايات المتقدّمة آنفا. و ثانيا لعدم صدقالهتك الاّ في بعض الموارد كاتّخاذ الكنيف للنجاسة في المسجد.
«الرابع»: لايجوز اخراج الحصى منه و ان فعل ردّه الى ذلك المسجد أو مسجد آخر. نعم لابأس باخراج التراب الزائد المجتمع بالكنس أو نحوه.
الشرح:
لايجوز اخراج التراب و لا الحصى المفروش في المسجد فان فعل وجب ردّه اليه أو الى مسجد آخر، و ذلك لصحيحة زيد الشحام قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام أخرج من المسجد حصاة، قال: فردّها أو أطرحها في مسجد».(3)
و صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قلت لأبيعبداللّه عليه السلام انّي أخذت سكّا من سكّ المقام و ترابا من تراب البيت و سبع حصيات، فقال: بئس ما صنعت، أمّا التراب و الحصى فردّه».(4)
و السكّ هو المسمار و لعلّ علّة عدم أمره عليه السلام بردّ السك لعدم الفائدة بعد الأخذ غالبا و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لاينبغي لأحد أن يأخذ من تربة ما حول الكعبة، و ان أخذ من ذلك شيئا ردّه».(1)
و خبر وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه عليه السلامقال:
«اذا أخرج أحدكم الحصاة من المسجد فليردّها مكانها أو في مسجدآخر فانّها تسبّح».(2)
«الخامس»: لايجوز دفن الميّت في المسجد اذا لم يكن مأمونا من التلويث بل مطلقا على الأحوط.
الشرح:
قال في الجواهر: «صرّح العلاّمة في القواعد و المنتهى و التذكرة، و الشهيد في الذكرى و الدروس و البيان و النفلية، و المحقّق في جامع المقاصد بحرمة دفن الميّت في المساجد، بل هو ظاهر النهي عنه في التحرير و المحكى عن المبسوط، بل هو المنقول عن نهايتي الشيخ و الفاضل و السرائر و الجامع و الاصباح. انتهى».(3)
و الظاهر أنّ علّة حرمة الدفن شغل المسجد بما لم يوضع له، كما في محكى الذكرى و جامع المقاصد و التذكرة، و قد ورد أنّ «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها ان شاء اللّه». فانّ المسجد وضع للعبادة و الدفن فيه ينافي ذلك الوضع. و من ذهب الى حرمة تنجيس المساجد ظاهرا و باطنا علّل أيضا بأنّ الدفن لاينفكّ عن
تنجيس المسجد، و ان ردّ بعدم العلم بحرمة تنجيس المساجد باطنا و الظنّ لايغني من الحقّ شيئا. و الاحتياط لايترك بعدم اتّخاذ المساجد قبورا.
«السادس»: يستحبّ سبق الناس في الدخول الى المساجد، و التأخّر عنهم في الخروج منها.
الشرح:
يستحبّ سبق الناس في الدخول الى المساجد و التأخّر عنهم في الخروج منها، و ذلك لصحيحة ابن أبي عمير عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لجبرئيل عليه السلام: يا جبرئيل، أيّ البقاع أحبّ الى اللّه عزّوجلّ؟ قال: المساجد و أحبّ أهلها الى اللّه أوّلهم دخولاً و آخرهم خروجا منها».(1)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال أمير المؤمنين عليه السلام: جاء أعرابي الى النبيّ صلى الله عليه و آله فسأله عن شرّ بقاع الأرض و خير بقاع الأرض فقال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله : شرّ بقاع الأرض الأسواق - الى أن قال: - و خير البقاع المساجد، و أحبّهم الى اللّه أوّلهم دخولاً و آخرهم خروجا منها».(2)
«السابع»: يستحبّ الاسراج فيه، و كنسه، و الابتداء في دخوله بالرجل اليمنى، و في الخروج باليسرى، و ان يتعاهد نعله تحفّظا عن تنجيسه و أن يستقبل القبلة و يدعو و يحمد اللّه و يصلّي على النبيّ صلى الله عليه و آله و أن يكون على طهارة.
الشرح:
يستحبّ الاسراج في المسجد لرواية أنس، قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : من أسرج في مسجد من مساجد اللّه سراجا لم تزل الملائكة و حملة العرش يستغفرون له مادام في ذلك المسجد ضوء من ذلك السراج».(1)
و يستحبّ كنس المسجد و اخراج الكناسة و تأكّده ليلة الجمعة، لرواية أبي ابراهيم قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : من كنس المسجد يوم الخميس ليلة الجمعة فأخرج منه من التراب ما يذرّ في العين غفر اللّه له».(2)
و في خبر آخر عن سلام بن غانم عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: من قمّ(3)مسجدا كتب اللّه له عتق رقبة، و من أخرج منه ما يقذي عينا كتب اللّه عزّوجلّ له كفلين من رحمته».(4)
و يستحبّ الابتداء في دخول المسجد بالرجل اليمنى و في الخروج باليسرى، و الصلاة على محمّد و آله عليهم السلام في الموضعين، و ذلك لخبر يونس عنهم عليهم السلام قال:
«الفضل في دخول المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى اذا دخلت و باليسرى اذا خرجت».(5)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا دخلت المسجد فصلّ على النبيّ صلى الله عليه و آله و اذا خرجت فافعل ذلك».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 513 / الباب 34 من أبواب أحكام المساجد/ الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 511 / الباب 32 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
3) - قَمَّ = كنس.
4) - وسائل الشيعة 3: 511 / الباب 32 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 3: 517 / الباب 40 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 3: 517 / الباب 40 من أبواب أحكام المساجد/ الحديث 1.
و يستحبّ تعاهد النعلين عند باب المسجد للخبر عن النبيّ صلى الله عليه و آله قال:
«تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم».(1)
و عنه صلى الله عليه و آله في قوله تعالى: «خذوا زينتكم عند كلّ مسجد» قال:
«تعاهدوا نعالكم عند أبواب المسجد».(2)
يستحبّ دخول المسجد على طهارة و الدعاء بالمأثور عند دخوله لمرسلة العلا بن الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا دخلت المسجد و أنت تريد أن تجلس فلاتدخله الاّ طاهرا و اذا دخلته فاستقبل القبلة ثمّ ادع اللّه و سَلْه و سمّ حين تدخله، و احمد اللّه و صلّ على النبيّ صلى الله عليه و آله ».(3)
و في الخبر عن فاطمة عليهاالسلام، قالت:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا دخل المسجد صلّى على النبيّ صلى الله عليه و آله و قال: اللّهمّ غفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، فاذا خرج من الباب صلّى على النبيّ صلى الله عليه و آله و قال اللّهمّ غفر لي ذنوبي و افتح لي أبواب فضلك».(4)
«الثامن»: يستحبّ صلاة التحيّة بعد الدخول، و هي ركعتان و يجزئ عنها الصلوات الواجبة أو المستحبة.
الشرح:
يستحبّ صلاة التحيّة بعد الدخول و هي ركعتان، لرواية أبي ذر، قال:
«دخلت على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و هو في المسجد جالس فقال لي: يا أباذر انّ للمسجد تحيّة، قلت: و ما تحيّته؟ قال: ركعتان تركعهما، فقلت: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله انّك أمرتني بالصلاة فما الصلاة؟ قال: خيرموضوع فمن شاء أقلّ و من شاء أكثر. الحديث».(1)
«التاسع»: يستحبّ التطيّب، و لبس الثياب الفاخرة عند التوجّه الى المسجد.
الشرح:
و يدلّ عليه مرسلة الحسين بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ علي بن الحسين عليه السلام استقبله مولى له في ليلة باردة و عليه جبّة خزّ و مطرف خزّ و عمامة خزّ و هو متغلّف بالغالية، فقال له: جعلت فداك في مثل هذه الساعة على هذه الهيئة الى أين؟ قال: فقال: الى مسجد جدّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله أخطب الحور العين الى اللّه عزّوجلّ».(2)
«العاشر»: يستحبّ جعل المِطهرة على باب المسجد.
الشرح:
و يدلّ عليه خبر عبد الحميد عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله في حديث: و اجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم».(3)
«الحادى عشر»: يكره تعلية جدران المساجد و رفع المنارة عن السطح، و نقشها بالصور غير ذوات الأرواح، و أن يجعل لجدرانها شرفا، و أن يجعل لهامحاريب داخلة.
الشرح:
يكره طول المنارة و يستحبّ كونها مع سطح المسجد، لخبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام:
«انّ عليّا عليه السلام مرّ على منارة طويلة فأمر بهدمها، ثم قال: لاترفع المنارة الاّ مع سطح المسجد».(1)
و يستحبّ كونه مكشوفا، لصحيحة الحلبي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن المساجد المظلّلة أيكره القيام فيها؟ قال:
«نعم، ولكن لاتضرّكم الصلاة فيها».(2)
و الأحسن أن لاتعلوا جدرانها الاّ لضرورة، لرواية ابن عبّاس عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال:
«قال: ما أمرت بتشييد المساجد».(3)
و يكره أن يجعل لجدرانها شرفا (بالفارسية = كنگره) لما روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله :
«ابنوا المساجد و اجعلوها جمّا».(4)
و خبر طلحة بن زيد:
«انّ عليّا عليه السلام رأى مسجدا بالكوفة قد شرف فقال: كأنّه بيعة و قال: انّ المساجد تبنى جما لاتشرّف».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 505 / الباب 25 من أبواب أحكام المساجد/ الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 3: 488 / الباب 9 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 3.
3) - سنن البيهقي 2: 439 / كتاب الصلاة / باب في كيفيّة بناء المساجد.
4) - وسائل الشيعة 3: 494 / الباب 15 من أبواب أحكام المساجد/ الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 3: 494 / الباب 15 من أبواب أحكام المساجد/ الحديث 1.
و يكره أن يجعل لها محاريب داخلة، لخبر طلحة بن زيد عن علي عليه السلام:
«انّه كان يكسر المحاريب اذا رآها في المساجد، و يقول: كأنّها مذابح اليهود».(1)
قال صاحب الوسائل: نقل الشهيد في الذكرى عن الأصحاب، انّ المراد بها المحاريب الداخلة في المساجد، و لعلّهم فهموا ذلك من لفظ الكسر أو من التشبيه أو من الظرفية.
1) - وسائل الشيعة 3: 510 / الباب 31 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
«الثاني عشر»: يكره استطراق المساجد الاّ أن يصلّي فيها ركعتين، و كذا القاء النخامة و النخاعة و النوم الاّ لضرورة، و رفع الصوت الاّ في الأذان و نحوه و انشاد الضالّة، و خذف الحصى، و قراءة الأشعار غير المواعظ و نحوها، و البيع، و الشراء، و التكلّم في أمور الدنيا و قتل القمّل، و اقامة الحدود، و اتّخاذها محلاًّ للقضاء و المرافعة، و سلّ السيف و تعليقه في القبلة، و دخول من أكل البصل و الثوم و نحوهما ممّا له رائحة تؤذي الناس، و تمكين الأطفال و المجانين من الدخول فيها، و عمل الصنائع، و كشف العورة، و السرّة و الفخذ و الركبة، و اخراج الريح.
(مسألة 2): صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد.
(مسألة 3): الأفضل للرجال اتيان النوافل في المنازل و الفرائض في المساجد.
الشرح:
يكره جعل المساجد طرقا و محلاًّ للمرور حتّى يصلّي ركعتين، لخبر الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام (في حديث المناهي) قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : لاتجعلوا المساجد طرقا حتّى تصلّوا فيها ركعتين».(1)
يكره النخامة و التنخّع في المسجد، لخبر الحسين بن زيد عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام (في حديث المناهي) قال:
«نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن التنخّع في المساجد».(2)
يستحبّ ردّ ريقه في المسجد، لخبر السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال:
«من ردّ ريقه تعظيما لحقّ المسجد، جعل اللّه ذلك قوّة في بدنه، و
كتب له بها حسنة، و حطّ عنه بها سيّئة، و قال: لاتمرّ بداء في جوفه الاّ ابرأته».(1)
يجوز النوم في المساجد، لصحيحة زرارة بن أعين قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام ما تقول في النوم في المساجد؟ فقال: لابأس به الاّ في المسجدين: مسجد النبيّ صلى الله عليه و آله و المسجد الحرام. قال: و كان يأخذ بيدي في بعض الليل فيتنحّى ناحية ثمّ يجلس فيتحدّث في المسجد الحرام فربّما نام هو و نمت، فقلت له في ذلك فقال: انمّا يكره أن ينام في المسجد الحرام الذي كان على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله أمّا النوم في هذا الموضع فليس به بأس».(2)
و صحيحة معاوية بن وهب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن النوم في المسجد الحرام و مسجد الرسول صلى الله عليه و آله قال: فأين ينام الناس».(3)
يكره البيع و الشراء في المسجد، و تمكين الصبيان و المجانين منه، و انفاذ الاحكام و اقامة الحدود و رفع الصوت فيه و اللغو و الخوض في الباطل، و ذلك لمرسلة علي بن اسباط قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: جنّبوا مساجدكم البيع و الشراء و المجانين و الصبيان، و الاحكام و الضالّة و الحدود و رفع الصوت».(4)
و رواية أبي ذر عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله في وصيّته له قال:
«يا أباذر، الكلمة الطيّبة صدقة و كلّ خطوة تخطوها الى الصلاة
صدقة. يا أباذر، من أجاب داعي اللّه و أحسن عمارة مساجد اللّه كان ثوابه من اللّه الجنّة. فقلت: كيف يعمر مساجد اللّه؟ قال: لاترفع الأصوات فيها، و لايخاض فيها بالباطل و لايشترى فيها و لايباع و أترك اللغو مادمت فيها، فان لم تفعل فلاتلومنّ يوم القيامة الاّ نفسك».(1)
يستحبّ رفع الصوت بالأذان، لصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«اذا أذّنت فلاتخفين صوتك فانّ اللّه يأجرك مدّ صوتك فيه».(2)
يجوز أن تنشد الضالّة في المسجد، لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلامقال:
«سألته عن الضالّة أيصلح أن تنشد في المسجد؟ قال: لابأس».(3)
نعم يكره ذلك، لخبر الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام (في حديث المناهي) قال:
«نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن ينشد الشعر أو تنشد الضالة في المسجد».(4)
يجوز أن ينشد الشعر في المسجد، لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلامقال:«سألته عن الشعر، أ يصلح أن ينشد في المسجد؟ فقال: لابأس».(5)
و يكره انشاد الشعر في غير المواعظ و الحكم، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن جعفر بن ابراهيم عن علي بن الحسين عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 3: 507 / الباب 27 من أبواب أحكام المساجد/ الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 4: 640 / الباب 16 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 3: 508 / الباب 28 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 3: 508 / الباب 28 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 3: 493 / الباب 14 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 2.
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : من سمعتموه ينشد الشعر في المسجد (المساجد) فقولوا: فضّ اللّه فاك انّما نصبت المساجد للقرآن».(1)
و يكره التحدّث بأحاديث الدنيا في المسجد دون قراءة القرآن، لما روي عنه عليه السلام:
«يأتي في آخر الزمان قوم يأتون المساجد فيقعدون حلقا ذكرهم الدنيا و حبّ الدنيا، لاتجالسوهم فليس للّه فيهم حاجة».(2)
يكره خذف الحصى في المسجد، لخبر السكوني عن جعفر عن آبائه عليهم السلام:
«انّ النبيّ صلى الله عليه و آله بصر رجلاً يخذف بحصاة في المسجد فقال: ما زالت تلعن حتّى وقعت، ثمّ قال: الخذف في النادي من أخلاق قوم لوط، ثمّ تلى عليه السلام: «و تأتون في ناديكم المنكر»، قال: هو الخذف».(3)
(الخذف = ريگ انداختن).
و يكره سلّ السيف و برى النبل في المسجد، لصحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما عليهماالسلامقال:
«نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن سلّ السيف في المسجد و عن برى النبل في المسجد قال: انّما بنى لغير ذلك».(4)
و يكره دخول من أكل البصل و الثوم و نحوهما ممّا له رائحة تؤذي الناس، لخبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام قال:
«من أكل شيئا من المؤذيات ريحها، فلايقربنّ المسجد».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 492 / الباب 14 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 493 / الباب 14 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 3: 514 / الباب 36 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 3: 495 / الباب 17 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 503 / الباب 22 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 9.
و يكره كشف السرّة و الفخذ و الركبة في المسجد، لخبر السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام:
«ان النبى صلى الله عليه و آله قال: كشف السرّة و الفخذ و الركبة في المسجد من العورة».(1)
و يستحبّ للنساء اختيار الصلاة في بيوتهنّ على الصلاة في المسجد، لخبر يونس بن ظبيان، قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: خير مساجد نسائكم البيوت».(2)
لااشكال في تأكّد رجحانهما في الفرائض اليوميّة أداءً و قضاءً، جماعةً و فرادى، حضرا و سفرا، للرجال و النساء و ذهب بعض العلماء الى وجوبهما و خصّه بعضهم بصلاة المغرب و الصبح و بعضهم بصلاة الجماعة و جعلهما شرطا في صحّتها و بعضهم جعلهما شرطا في حصول ثواب الجماعة و الأقوى استحباب الأذان مطلقا و الأحوط عدم ترك الاقامة للرجال في غير موارد السقوط و غير حال الاستعجال و السفر و ضيق الوقت، و هما مختصّان بالفرائض اليوميّة و أمّا في سائر الصلوات الواجبة فيقال «الصلاة» ثلاث مرّات.
الشرح:
الأذان لغة الاعلام و يطلق في عرف الشارع و المتشرّعة على الأذكار الخاصّة التي شرّعت أمام الفرائض اليوميّة و للاعلام بدخول الوقت، و الاقامة في الأصل الادامة و في عرف أهل الشرع الأذكار التي قبل الفرائض.(1)
1) - مصباح الفقيه، كتاب الصلاة: 203.
و الأخبار في فضل الأذان و المؤذّنين و ما يستحقّونه من الأجر مستفيضة أو متواترة، فانّ الشيعة أجمعت على أنّ الصادق عليه السلام لعن قوما زعموا أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله أخذ الأذان من عبداللّه بن زيد فقال:
«ينزّل الوحي على نبيّكم فتزعمون أنّه أخذ الأذان من عبداللّه بن زيد».(1)
فانّ الأذان و الاقامة وحي من اللّه على نبيّه صلى الله عليه و آله كما في صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لمّا هبط جبرئيل عليه السلام بالأذان على رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان رأسه في حجر علي عليه السلام فأذّن جبرئيل و أقام، فلمّا انتبه رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: يا علي سمعت؟ قال نعم، قال: حفظت؟ قال: نعم، قال: أدع لي بلالاً نعلّمه، فدعا علي عليه السلام بلالاً فعلّمه».(2)
و صحيحة عمر بن أذينة، عن زرارة أو الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لمّا أسري برسول اللّه صلى الله عليه و آله الى السماء فبلغ البيت المعمور و حضرت الصلاة فأذّن جبرئيل و أقام فتقدّم رسول اللّه صلى الله عليه و آله و صفّ الملائكة و النبيّون خلف محمّد صلى الله عليه و آله ».(3)
و لااشكال في تأكيد رجحانهما في الفرائض اليوميّة أداءً و قضاءً، جماعةً و فرادى، حضرا و سفرا، للرّجال و النساء، و المشهور استحبابهما مطلقا.
قال في الجواهر: «و هما أي الأذان و الاقامة مشروعان للفرائض الخمس باجماع المسلمين، بل لعلّه من ضروريّات الدين، و المشهور بين المتأخّرين بللعلّ عليه عامّتهم أنّهما مستحبّان في الصلوات الخمس المفروضة أداءً و قضاءً
للمنفرد و الجامع للرجل و المرأة. انتهى».(1)
و مقابل المشهور أربعة أقوال، منها: ما حكي عن الشيخين و ابن البرّاج، و ابن حمزة من وجوبهما في الجماعة خاصّة، بل نسب اليهم و الى أبي الصلاح القول بالوجوب الشرطي و أنّ الجماعة بدونهما باطلة.
و منها: ما عن السيّد المرتضى في «الجمل» من التفصيل بين الرجال و النساء، و بين الجماعة و الفرادى، و بين أنواع الصلاة فحكم بوجوبهما في صلاة المغرب و الغداة و الجمعة مطلقا، و أمّا في غيرها من بقيّة الصلوات فيجبان على خصوص الرجال في الجماعة خاصّة. و أمّا الاقامة: بخصوصها فهي واجبة على الرجال على كلّ حال.
و منها: ما عن ابن أبي عقيل من التفصيل بين الصبح و المغرب فيجبان فيهما و بين غيرهما من بقيّة الفرائض فلايجب الاّ الاقامة.
و منها: ما عن ابن الجنيد من وجوبهما على الرجال خاصّة في خصوص الصبح و المغرب و الجمعة من غير فرق بين الجماعة و الفرادى و الحضر و السفر.
و الأقوى ما عليه المشهور من الاستحباب مطلقا و نستدلّ أوّلاً للأذان و ثانيا للاقامة.
يستحبّ الأذان للفرائض اليوميّة مطلقا و لايجب في شيء منها و في صلاة الجمعة، و الدليل على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أذّنت في أرض فلاة و أقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة وان أقمت و لم تؤذن صلّى خلفك صفّ واحد».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام انّك اذا أذّنت و أقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة و ان أقمت اقامة بغير أذان صلّى خلفك صفّ واحد».(1)
و صحيحة ثانية للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أذّنت و أقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة، و اذا أقمت صلّى خلفك صفّ من الملائكة».(2)
و خبر العباس بن هلال عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«من أذّن و أقام صلّى خلفه صفّان من الملائكة، و ان أقام بغير أذان صلّى عن يمينه واحد و عن شماله واحد، ثمّ قال: اغتنم الصفّين».(3)
تقريب الاستدلال على عدم الوجوب : لو كان الأذان واجبا في الفرائض اليوميّة كانت الصلاة بدونه باطلة ، و هذه الروايات تدلّ على فوات الثواب لو ترك الأذان و لاتدلّ على البطلان لو ترك، و لا أمر فيها حتّى يكون ظاهرا في الوجوب كما هو واضح.
و لايعارضها ما استدلّ به القائلون بوجوبهما في الجماعة خاصّة من الروايات؛ منها: خبر أبي بصير عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته أيجزي أذان واحد؟ قال: ان صلّيت جماعة لم يجز الاّ أذان و اقامة، و ان كنت وحدك تبادر أمرا تخاف أن يفوتك يجزيك اقامة الاّالفجر و المغرب».(4)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سئل عن الرجل يؤذّن و يقيم ليصلّي وحده فيجيء رجل آخر
فيقول له: نصلّي جماعة هل يجوز أن يصلّيا بذلك الأذان و الاقامة؟ قال: لا، ولكن يؤذّن و يقيم».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يجزيك اذا خلوت في بيتك اقامة واحدة بغير أذان».(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام قال:
«انّه كان اذا صلّى وحده في البيت أقام اقامة و لم يؤذّن».(3)
و ذلك أوّلاً: لما دلّ على عدم الوجوب في مورد الجماعة المقتضي للزوم الحمل على الاستحباب جمعا، كصحيحة علي بن رئاب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام قلت: تحضر الصلاة و نحن مجتمعون في مكان واحد أتجزينا اقامة بغير أذان؟ قال: نعم».(4)
و الظاهر أنّ موردها الجماعة.
و موثّقة الحسن بن زياد قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام اذا كان القوم لاينتظرون أحدا اكتفوا باقامة واحدة».(5)و الظاهر أيضا من هذه الراوية هو الجماعة.
و ثانيا: عدم تماميّة الروايات المتقدّمة فخبر أبي بصير ضعيف من حيث السند لعلي بن أبي الحمزة، و موثّقة عمّار، فهي معارضة بمثلها كما سيأتي فتحمل على الاستحباب جمعا.
و أمّا صحيحة عبداللّه بن سنان فبناءً على أن يكون مفهومها عدم الاجزاء
1) - وسائل الشيعة 4: 655 / الباب 27 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 4: 622 / الباب 5 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 4: 622 / الباب 5 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 4: 623 / الباب 5 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 10.
5) - وسائل الشيعة 4: 622 / الباب 5 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 8.
باقامة واحدة اذا صلّى جماعة، يحتمل أن يكون الاجزاء عن الأمر الاستحبابي، أي من صلّى جماعة و لم يؤذّن لم يمتثل الأمر الاستحبابي، نعم من صلّى في بيته يكفي عنه اقامة واحدة و يثاب الأذان أيضا. فيقوّي هذا الاحتمال، اطلاق الصحاح المتقدّمة الناطقة بعدم وجوب الأذان الشاملة للمنفرد و الجامع الآبية عن التقييد.
و أمّا الجواب عن صحيحة الحلبي: فانّها حكاية فعل فمفهومها لم تدلّ على الوجوب، لأنّ مفهوم قوله: «انّه عليه السلام كان اذا صلّى وحده في البيت أقام اقامة و لم يؤذّن». يكون هكذا: «انّه عليه السلام كان اذا صلّى جماعة أذّن و أقام». فدلالة فعله عليه السلام هذا أعمّ من الوجوب.
و كذا لايعارضها ما استدلّ به القائلون بوجوب الأذان في صلاة الصبح و المغرب، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام انّه قال:
«أدنى ما يجزي من الأذان أن تفتتح الليل بأذان و اقامة، و تفتتح النهار بأذان و اقامة، و يجزيك في سائر الصلوات اقامة بغير أذان».(1)
و صحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تجزئك في الصلاة اقامة واحدة الاّ الغداة و المغرب».(2)
و موثّقة سماعة قال:«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لاتصلّ الغداة و المغرب الاّ بأذان و اقامة، و رخّص في سائر الصلوات بالاقامة و الأذان أفضل».(3)
و خبر صباح بن سيّابة قال:
«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام: لاتدع الأذان في الصلوات كلّها فان تركته
فلاتتركه في المغرب و الفجر فانّه ليس فيهما تقصير».(1)
و ذلك أوّلاً لما ورد في الاكتفاء بالاقامة دون الأذان في المورد، كصحيحة عمر بن يزيد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الاقامة بغير الأذان في المغرب، فقال: ليس به بأس و ما أحبّ أن يعتاد».(2)
و مورد الصحيحة و ان كان هو المغرب لكن يتعدّي الى صلاة الفجر للقطع بعدم القول بالفصل، فيحمل ما استدلّ به القائلون بوجوب الأذان و الاقامة في صلاة الصبح و المغرب على الاستحباب الأكيد جمعا. و ثانيا انّ عدم اجزاء الصلاة في الغداة و المغرب الذي يكون مفهوم صحيحة ابن سنان اذا صلاّهما من غير الأذان، انّما يقتضي البطلان لو كان وجوب الأذان و الاقامة مفروغا عنه، و هو عين المدّعى، فصحيحتا ابن سنان و زرارة كسائر ما تقدّم من الصحاح التي لسانها كلسانهما ليستا في مقام جعل الوجوب، بل في مقام بيان الاكتفاء عن المشروع، الذي هو الأذان و الاقامة، ببعضه و هو الاقامة في بعض الموارد، و أين هو من المدّعى الذي هو الدلالة على وجوب الأذان في الغداة و المغرب.
و بعبارة أخرى انّ الشارع في هذه الروايات في مقام بيان أنّه في بعض الموارديمكن الاكتفاء بالاقامة فقط و هذا لا شأن له باستفادة وجوب الاقامة.
و يؤيّد استحباب الأذان صحيحة صفوان بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الأذان مثنى مثنى، و الاقامة مثنى مثنى، و لابدّ في الفجر و المغرب من أذان و اقامة في الحضر و السفر، لأنّه لايقصّر فيهما في حضر و لاسفر، و تجزئك اقامة بغير أذان في الظهر و العصر و العشاء الآخرة
و الأذان و الاقامة في جميع الصلوات أفضل».(1)
فانّ قوله عليه السلام في ذيل الصحيحة: «و الأذان و الاقامة في جميع الصلوات أفضل» يشمل المغرب و الغداة و لفظ «أفضل» يدلّ بظاهره على الاستحباب. و أمّا صدرها من قوله «لابدّ في الفجر و المغرب ... » مع كونه لاينافي الاستحباب المؤكّد فذيلها يحتّمه في ذلك.
و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن الصادق عليه السلام انّه قال:
«يجزي في السفر اقامة بغير أذان».(2)
و صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل هل يجزيه في السفر و الحضر اقامة ليس معها أذان؟ قال: نعم، لابأس به».(3)
بتقريب أنّه لو كان الأذان واجبا في صلاة المغرب و الغداة لكان عليه أن يبيّنه.
و صحيحة ثانية للحلبي عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام:
«انّه كان اذا صلّى وحده في البيت أقام اقامة و لم يؤذّن».(4)
بتقريب أنّه عليه السلام كان اذا صلّى وحده في البيت أقام اقامة و لم يؤذّن و ان كان في صلاة المغرب و الغداة.
قال صاحب الحدائق: «فالظاهر من الأخبار المذكورة بضمّ بعضها الى بعض و حمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصّلها هو استحباب الأذان دون وجوبه في جماعة كانت أو فرادى. انتهى».(5)
فالأقوى عدم وجوب الأذان مطلقا كما عليه المشهور.
1) - وسائل الشيعة 4: 623 / الباب 6 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 4: 621 / الباب 5 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 4: 622 / الباب 5 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 4: 622 / الباب 5 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 6.
5) - الحدائق الناضرة 7: 357.
أمّا الكلام في الاقامة: فذهب ابن أبي عقيل الى وجوب الاقامة على الرجال و النساء و لعلّ دليله المطلقات كموثّقة سماعة و غيرها، ففي موثّقة سماعة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لاتصلّ الغداة و المغرب الاّ بأذان و اقامة، و رخّص في سائر الصلوات بالاقامة و الأذان أفضل».(1)
و يردّه صحيحة جميل بن درّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المراة أ عليها أذان و اقامة؟ فقال: لا».(2)
و مرسلة الصدوق قال:
«و قال الصادق عليه السلام: ليس على النساء أذان و لا اقامة، و لا جمعة و لا جماعة. الحديث».(3)
و الخبر المروي عن النبيّ صلى الله عليه و آله قال:
«ليس على المرأة أذان و لا اقامة».(4)
و ذهب السيّد و ابن الجنيد الى وجوب الاقامة على خصوص الرجال واختاره في الحدائق و مال اليه بعض آخر.
قال صاحب الحدائق: «و انّما الاشكال في الاقامة فانّ المشهور عندهم كونها كالأذان في ذلك مع أنّ الأخبار المتقدّمة - كما رأيت - متّفقة على الاتيان بها و لم ترخص في تركها صريحا و لا اشارة بل كلّها مصرّحة بالاتيان بها. انتهى».(5)و استدلّ على وجوب الاقامة بطوائف من الروايات، فمنها ما تقدّمت ممّا تضمّن التعبير باجزاء الاقامة، امّا في السفر أو اذا صلّى وحده أو في الظهرين و العشاء، أو اذا كان القوم لاينتظرون أحدا، أو نحو ذلك ممّا هو ظاهر في أنّ الاقامة أدنى ما
1) - وسائل الشيعة 4: 624 / الباب 6 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 4: 637 / الباب 14 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 4: 638 / الباب 14 من أبواب الأذان / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 4: 638 / الباب 14 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 7.
5) - الحدائق الناضرة 7: 357.
يجزي و الجواب عنه ما تقدّم من أنّ هذا التعبير انّما يقتضي الوجوب لو كان وجوب الاقامة مفروغا عنه، و هو عين المدّعى، فانّ هذه الطائفة من الروايات ليست في مقام جعل الوجوب بل في مقام بيان الاكتفاء عن المشروع الذي هو الاقامة أو هي مع الأذان . هذا أوّلاً و ثانيا قوله عليه السلام «يجزي في السفر اقامة بغير أذان»(1)أو «يجزئك اذا خلوت في بيتك اقامة واحدة بغير أذان»(2)أو «تجزئك في الصلاة اقامة واحدة الاّ الغداة و المغرب»(3).
فمعناه أنّه يكفي الاقامة عن الأذان أي اذا أقمت في هذه الموارد فكأنّك أذّنت و أقمت معا. فأين هو من الدلالة على الوجوب.
و منها، الروايات التي رخّصت في الأذان على غير طهارة و لم ترخّص في الاقامة الاّ مع الطهارة و رخّصت في الأذان الى غير القبلة و لم ترخّص في الاقامة الاّ الى القبلة، و رخّصت في الأذان قاعدا أو راكبا أو ماشيا و كيف شاء و لم ترخّصفي الاقامة الاّ قائما مستقبل القبلة.
فمن هذه الروايات صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«تؤذّن و أنت على غير وضوء في ثوب واحد قائما أو قاعدا و أينما توجّهت ولكن اذا أقمت فعلى وضوء متهيّئا للصلاة».(4)
و تقريب الاستدلال أنّ عدم الترخيص من الشارع في الاقامة على غير وضوء و الى غير القبلة و في حال المشي و الركوب دليل على وجوب الاقامة و كأنّه جزء من الصلاة. و الجواب أنّ عدم ترخيص الشارع في الاقامة الاّ على وضوء متمكّنا مستقبل القبلة، لايدّل على الوجوب بل غايته يدلّ على عدم الاجزاء و الاكتفاء
بهذه الاقامة، و نظيره في النوافل فانّه يجب في النوافل الطهارة و القبلة و غيرهما فهذا الوجوب شرطي بمعنى أنّ الشرط في صحّة النافلة هو الوضوء و غيره و لايكون نفسيّا ليقال يكشف عن وجوب الاقامة، منها: تصريح طائفة من الروايات بما يؤمي الى كونها من الصلاة.
كرواية أبي هارون المكفوف قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: يا أبا هارون، الاقامة من الصلاة فاذا أقمت فلاتتكلّم و لاتؤم بيدك».(1)
و كذا رواية سليمان بن صالح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايقيم أحدكم الصلاة و هو ماشٍ - الى أن قال: - فانّه اذا أخذ في الاقامة فهو في صلاة».(2)
و رواية الشيباني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أقمت الصلاة فأقم مترسّلاً فانّك في الصلاة. الحديث».(3)
و الجواب: انّ هذه الروايات ضعيفة سندا و دلالةً، أمّا السند فواضح و أمّا الدلالة فلأنّ الاقامة ليست من الصلاة حقيقةً لما ورد في النصوص المستفيضة من أنّ الصلاة أوّلها التكبير و آخرها التسليم، فالمستفاد منها أنّ الاقامة نازلة منزلة الصلاة فغاية ما تدلّ عليه الروايات أنّ الشرط في صحّة الاقامة هو عدم التكلّم و عدم الايماء و غيرهما ممّا ورد فيها فهذا كسابقه.
و ممّا يستدلّ به على وجوب الاقامة موثّقة عمّار قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلاميقول: لابدّ للمريض أن يؤذّن و يقيم اذا أراد الصلاة و لو في نفسه ان لم يقدر على أن يتكلّم به، سئل فان كان
شديد الوجع؟ قال: لابدّ من أن يؤذّن و يقيم لأنّه لاصلاة الاّ بأذان و اقامة».(1)
و الجواب أنّ قوله عليه السلام: «لاصلاة الاّ بأذان و اقامة»، امّا لنفي الكمال أو لنفي الحقيقة أو بالتّفصيل، لاسبيل الى الثاني لأنّ من صلّى من غير أذان متعمّدا لم تكن صلاته باطلة كما قدّمنا، و لا الى الثالث لأنّه يستلزم استعمال اللفظ في معنيين متخالفين في آن واحد و هو خلاف الاستعمال العرفي في مثل ذلك. فتعيّن الأوّل أي لاصلاة كاملة الاّ بأذان و اقامة. كقوله عليه السلام: «لاصلاة لجار المسجد الاّ في المسجد».
و من الدلائل، الروايات المتقدّمة الواردة في النساء المتضمّنة أنّه لا أذان و لا اقامة عليهنّ، كصحيحة جميل بن درّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة أعليها أذان و اقامة؟ فقال: لا».(2)بتقريب أنّ المنفيّ انّما هو اللزوم دون المشروعيّة لثبوتها فيهنّ بالضّرورة، و من الواضح أنّ نفي اللزوم عنهنّ يدلّ بالمفهوم على ثبوته بالاضافة الى الرجال.
و الجواب: أوّلاً، انّ الظاهر أنّ المرفوع عنهنّ تأكيد الاستحباب لا الاستحباب نفسه، و لو أنكر الظهور فالاحتمال غير منكر فاذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. و ثانيا، على فرض رفع اللزوم عن النساء، فلا مفهوم للصحيحة لعدم الدليل على ثبوت الوصف الاّ في الجملة، سلّمنا لكنّه مذكور في كلام السائل دون الامام عليه السلام فلا عبرة به. و ثالثا، قد ثبت استحباب الأذان على الرجال و الاقامة مثله بمقتضى اتّحاد السياق.
و منها: النصوص الواردة في ناسي الأذان و الاقامة حتّى دخل الصلاة، الآمرة بقطعها لتداركهما، كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا افتتحت الصلاة فنسيت أن تؤذّن و تقيم ثمّ ذكرت قبل أن تركع فانصرف و أذّن و أقم و استفتح الصلاة، و ان كنت قد ركعت فأتمّ على صلاتك».(1)
و تقريب الاستدلال بها من وجهين: «أحدهما»: انّ قطع الفريضة محرّم في نفسه، فلو كانت الاقامة مستحبّة، فكيف ساغ ارتكاب الحرام لادراك ما لايلزم دركه؟ و «ثانيهما»: انّ الصحيحة ظاهرة في وجوب القطع و مقتضى استحباب الاقامة جواز تركها اختيارا، فكيف يجب قطع الفريضة لدرك ما لايجب الاتيان به من الأوّل؟
و الجواب عن الوجه الأوّل: انّ قطع الفريضة ليس محرّما مطلقا بل اذا كان عبثا و لهوا، و القطع هنا لدرك الاقامة ليس عن عبث. و عن الثاني: انّ ظاهر الصحيحة يحمل على الاستحباب جمعا بينها و بين صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل نسي الأذان و الاقامة حتّى دخل في الصلاة قال:
«ليس عليه شيء».(2)
و استدلّ في مستند العروة على وجوب الاقامة بوجهين آخرين، أحدهما: بموثّقة سماعة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لاتصلّ الغداة و المغرب الاّ بأذان و اقامة، و رخّص في سائر الصلوات بالاقامة و الأذان أفضل».(3)
و موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا قمت الى صلاة فريضة فأذّن و أقم، و افصل بين الأذان و الاقامة بقعود أو بكلام أو بتسبيح».(1)
بتقريب أنّ ظاهرهما وجوب الأذان و الاقامة معا امّا مطلقا أو في خصوص صلاتي المغرب و الغداة بل ظاهر الثانية وجوب الفصل أيضا، و قد خرجنا في الأذان و في الفصل بما دلّ على جواز الترك، فيحمل الأمر فيهما على الاستحباب و يبقى الاقامة على ظاهر الوجوب، و لامانع من التفكيك، و لايضرّ بوحدة السياق بناءً على المختار من استفادة الوجوب و الندب من حكم العقل المنتزع من الاقتران بالترخيص في الترك و عدمه و قد اقترن أحدهما به دون الآخر فيعمل في كلّ مورد بموجبه.
و الجواب عن موثّقة سماعة: فانّ الفعل المستعمل للنهي عن ترك الأذان و الاقامة واحد فلابدّ امّا أن يحمل على الوجوب أو الاستحباب و حيث دلّتنا الروايات على استحباب الأذان كما في هذه الموثّقة، فيحمل الفعل على الاستحباب بالنسبة الى الاقامة أيضا. و أمّا الجواب عن موثّقة عمّار فبوحدة السياق فانّ استعمال «أذّن و افصل» في الاستحباب موجب لأن يكون ظهور «أقم» في الوجوب موهنا. هذا مضافا الى ذهاب معظم الفقهاء من القدماء و غيرهم من بعدهم الى استحباب الاقامة في الصلوات اليوميّة مطلقا كما في الأذان.
و يجاب عن الوجه الثاني بصحيحة زرارة الورادة في القضاء، عن أبي جعفر عليه السلام - في حديث - قال:
«اذا كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها ثم صلّ ما بعدها باقامة اقامة لكلّ صلاة».(2)
و مكاتبة موسى بن عيسى قال:
«كتبت اليه: رجل تجب عليه اعادة الصلاة أيعيدها بأذان و اقامة؟ فكتب عليه السلام: يعيدها باقامة».(1)
بتقريب أنّه اذا وجبت الاقامة لصلاة القضاء كما هو ظاهر الصحيحة ففي الأداء بطريق أولى ولكن فيه انّ الظاهر من الصحيحة والمكاتبة أنّ الامام عليه السلام بصدد بيان مشروعيّة الأذان و الاقامة للقضاء، و انّ القاضي للصّلوات اليوميّه اذا أراد أن يقضيها متعاقبا يجزئه الابتداء بأذان و اقامة ثمّ تكفي لما بعد الأولى من الصلوات لكلّ واحد منها اقامة بدون أذان، و ليس بصدد بيان حكم الأذان و الاقامة حتّى يقال بأنّ ظهورهما في الوجوب ممّا لامساغ لانكاره بوجه.
و ممّا استدلّ به في مستند العروة على عدم وجوب الاقامة و تقبّله بقبول أخيرا هو أنّ الاقامة من المسائل العامّة البلوى و الكثيرة الدوران بل يبتلى بها كلّ مكلّف في كلّ يوم خمس مرّات على الأقلّ، فلو كانت واجبة لاشتهر بل أصبح من الواضحات، فكيف لم يذهب الى وجوبها ما عدا نفر يسير من الأصحاب و هاتيك النصوص المستدلّ بها للوجوب بمرأى منهم و مسمع. انتهى ملخّصا.(2)
و هذا الوجه وجيه من جهة فهم الأصحاب بالنسبة الى الروايات و أنّها لم تكن للوجوب. فالمتحصّل أنّ الأقوى عدم وجوب الأذان و الاقامة و ان كان الاحتياط في الاقامة حسن بلا فرق بين الرجال و غيرهم و لا بين حال دون حال، و كذا في الحضر و السفر. نعم لايكون الأذان في بعض الأحوال مؤكّدا، بخلاف الاقامة فانّها قد تؤكّد منهم عليهم السلامبعدم تركها خصوصا بالنسبة الى بعض الصلوات حتّى ذهب بعض الى وجوبها، كما مرّ.
ثمّ اعلم أنّ الأذان و الاقامة مختصّان بالفرائض اليومية.
قال في الحدائق: «لايؤذّن لشيء من النوافل و لا لشيء من الفرائض غير الخمس اليومية. انتهى».(1)
قال في الجواهر: «و لايؤذّن و لايقام لشيء من النوافل و ان وجبت بالعارض و لا لشيء من الفرائض عدا الخمس اجماعا محصّلاً و منقولاً عن المعتبر و المنتهى و التذكرة و الذكرى و جامع المقاصد و الغرية، و منه يعلم أنّ المراد باطلاق بعض النصوص (كقوله عليه السلام في موثّقة عمّار: «لاصلاة الاّ بأذان و اقامة».(2)) خصوص الفرائض الخمسة فيبقى غيرها على اصالة عدم المشروعيّة. انتهى».(3)
و يشهد لذلك في الجملة النصوص الواردة بعدم الأذان و الاقامة في صلاة العيدين، كصحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: ليس يوم الفطر و لايوم الأضحى أذان و لا اقامة، أذانهما طلوع الشمس اذا طلعت خرجوا و ليس قبلهما و لا بعدهما صلاة».(4)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صلاة العيد ركعتان بلا أذان و لا اقامة ليس قبلهما و لا بعدهما شيء».(5)
و نظيرهما موثّقة سماعة و صحيحة معاوية بن عمّار و صحيحة محمّد بن مسلم.(6)
و يستحبّ أن يقال في صلاة العيدين «الصلاة» ثلاث مرّات، لمعتبرة اسماعيل
1) - الحدائق الناضرة 7: 352.
2) - وسائل الشيعة 4: 664 / الباب 35 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
3) - جواهر الكلام 9: 24.
4) - وسائل الشيعة 5: 101 / الباب 7 من أبواب صلاة العيد / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 5: 102 / الباب 7 من أبواب صلاة العيد / الحديث 7.
6) - وسائل الشيعة 5: 102 / الباب 7 من أبواب صلاة العيد / الحديث 8 و 11 و 4.
بن جابر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أرأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان و اقامة؟ قال: ليس فيهما أذان و لا اقامة، ولكن ينادى: «الصلاة» ثلاث مرّات. الحديث».(1)
و لايبعد استحباب هذا النداء في مثل صلاة الآيات و صلاة الميّت و صلاة الاستسقاء، بناءً على أنّ المراد من النداء اجتماع الناس، و ان كان موردها صلاةالعيدين فالاحتياط في غير صلاة العيدين بالاتيان بها رجاءً.
نعم، يستحبّ الأذان في الأذن اليمنى من المولود و الاقامة في أذنه اليسرى يوم تولّده أو قبل أن تسقط سرّته و كذا يستحبّ الأذان في الفلوات عند الوحشة من الغول و سحرة الجنّ و كذا يستحبّ الأذان في أذن من ترك اللحم أربعين يوما و كذا كلّ من ساء خلقه، و الأولى أن يكون في أذنه اليمنى و كذا الدابّة اذا ساء خلقها.
الشرح:
يستحبّ الأذان و الاقامة أو الأذان فقط في موارد؛ منها: في أذن المولود، لمعتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : من ولد له مولود فليؤذّن في أذنه اليمنى بأذان الصلاة و ليقم في أذنه اليسرى فانّها عصمة من الشيطان الرجيم».(2)
و خبر حفص الكناسي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«مروا القابلة أو بعض من يليه أن يقيم الصلاة في أذنه اليمنى
فلايصيبه لَمم و لا تابعة أبدا».(1)
و لا منافاة بين الخبرين لحمل الثاني على حدّ الأقلّ. و الظاهر منهما استحباب ذلك يوم تولّده و قطع سرّته كما في خبر أبي يحيى الرازي عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«اذا ولد لكم المولود أيّ شيء تصنعون به؟ قلت: لاأدري - الى أن قال: - و أذّن في أذنه اليمنى و أقم في اليسرى يفعل ذلك به قبل أن تقطع سرّته. الخ الحديث».(2)
و منها: استحباب الأذان في أذن من ترك اللحم أربعين يوما و كذا من ساء خلقه و كذا الدابّة اذا ساء خلقها، و الدليل على ذلك كلّه:
صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اللحم ينبت اللحم و من تركه أربعين يوما ساء خلقه و من ساء خلقه فأذّنوا في أذنه».(3)
و خبر أبي حفص الأبار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
« ... و اذا ساء خلق أحدكم من انسان أو دابّة فأذّنوا في أذنه الأذان كلّه».(4)
و خبر الواسطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ لكلّ شيء قَرَما و انّ قَرَم الرجل اللحم، فمن تركه أربعين يوما ساء خلقه و من ساء خلقه فأذّنوا في أذنه اليمنى».(5)
القَرَم (بالفتح) = شدّة الشهوة.
1) - وسائل الشيعة 15: 137 / الباب 35 من أبواب أحكام الأولاد / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 15: 137 / الباب 35 من أبواب أحكام الأولاد / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 17: 25 / الباب 12 من أبواب الأطعمة المباحة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 17: 26 / الباب 12 من أبواب الأطعمة المباحة / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 17: 26 / الباب 12 من أبواب الأطعمة المباحة / الحديث 7.
ثمّ انّ الأذان قسمان: أذان الاعلام و أذان الصلاة.
الشرح:
و الدليل على مشروعيّة كلّ من القسمين روايات، فتدلّ على مشروعيّة أذان الصلاة صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أذّنت في أرض فلاة و أقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة وان أقمت و لم تؤذّن صلّى خلفك صفّ واحد».(1)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام: انّك اذا أذّنت و أقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة و ان أقمت اقامة بغير أذان صلّى خلفك صفّ واحد».(2)
و غيرهما من النصوص التي تقدّمت.
و ما تدلّ على مشروعيّة أذان الاعلام: صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : من أذّن في مصر من أمصار المسلمين سنة وجبت له الجنّة».(3)
و صحيحة محمّد بن مروان قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: المؤذّن يغفر له مدّ صوته، و يشهد له كلّ شيء سمعه».(4)
و نظيرهما غيرهما من الروايات المستفيضة، مضافا الى السيرة القطعيّة المتّصلة بزمن النبيّ صلى الله عليه و آله .
و يشترط في أذان الصلاة كالاقامة قصد القربة بخلاف أذان الاعلام فانّه لايعتبر فيه و يعتبر أن يكون أوّل الوقت و أمّا أذان الصلاة فمتّصل بها و ان كان في آخر الوقت.
الشرح:
و يشترط في أذان الصلاة كالاقامة قصد القربة، لأنّ الظاهر من الأخبار الواردة في الأبواب المختلفة في الاقامة و أذان الصلاة أنّهما عبادتان تحتاجان الى قصد القربة، و لعلّ التسالم بين الأصحاب على اعتبار قصد القربة فيهما نشأت من ظهور الروايات في ذلك، كما أنّ المرتكز في أذهان المتشرّعة ذلك أيضا.
و أمّا اعتبار قصد القربة في أذان الاعلام فقد يقال بعدم الاعتبار لأنّ الغاية من تشريعه هو الاعلام الحاصل بدون قصد التقرّب أيضا، و مع الشكّ فالمرجع اطلاق الدليل، و مع الغضّ عن الاطلاق فالمرجع استصحاب عدم الجعل ولكنّه مندفع بأنّ الظاهر من الروايات الواردة في ثواب الأذان عباديّة الأذان و كذا بالنظر الى فصوله فانّ التكبيرات و الشهادتين و التهليل ذكر اللّه و هو عبادة،و بقيّة فصوله ترغيب الى الصلاة و هو عبادة و الغاية من تشريعه التذكير باللّه و اقامة الصلاة و ان كان الغاية الاعلام أيضا و المؤذّن منادي اللّه في الأرض.
فتحصّل أنّه يعتبر قصد القربة في أذان الاعلام أيضا الاّ أن ينعقد الاجماع على عدم اعتباره.
و فصول الأذان ثمانية عشر: «اللّه أكبر» أربع مرّات و «أشهد أن لا اله الاّ اللّه» و «أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه» و «حيّ على الصلاة» و «حيّ على الفلاح» و «حيّ على خير العمل» و «اللّه أكبر» و «لا اله الاّ اللّه»، كلّ واحدة مرّتان.
الشرح:
فصول الأذان ثمانية عشر، والدليل على ذلك موثّقة معلّى بن خنيس قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يؤذّن فقال: اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا اله الاّ اللّه، أشهد أن لا اله الاّ اللّه، أشهد أنّ محمّدارسول اللّه، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خيرالعمل، حيّ على خيرالعمل، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا اله الاّ اللّه، لا اله الاّ اللّه».(1)
وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال: يا زرارة، تفتح الأذان بأربع تكبيرات، و تختمه بتكبيرتين و تهليلتين».(2)
و صحيحة اسماعيل الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول:
«الأذان والاقامة خمسة و ثلاثون حرفا، فعدّ ذلك بيده واحدا واحدا، الأذان ثمانية عشر حرفا، و الاقامة سبعة عشرحرفا».(3)
و خبر أبي بكر الحضرمي و كليب الأسدي جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه حكى لهما الأذان فقال:
«اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا اله الاّ اللّه، أشهد أن لا اله الاّ اللّه، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا اله الاّ اللّه، لا اله الاّ اللّه و الاقامة كذلك».(4)
و خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام:
«أنّه قال: - الى أن قال: - فلذلك جعل الأذان مثنى مثنى و جعل التكبيرفي أوّل الأذان أربعا - الى أن قال: - و جعل بعد التكبير الشهادتان - الى أن قال: - فجعل شهادتين شهادتين - الى أن قال: - و انّما جعل بعدالشهادتين الدعاء الى الصلاة، لأنّ الأذان انّما وضع لموضع الصلاة، و انّما هو نداء الى الصلاة في وسط الأذان، و دعاء الى الفلاح و الى خير العمل، و جعل ختم الكلام باسمه كما فتح باسمه».(1)
واعلم انّ العدد المذكور في فصول الأذان أي ثمانية عشر ممّا ادّعى عليه الشيخ في الخلاف الاجماع فانّه قال:
«انّهم لايختلفون في أنّ ما ذكرناه من الأذان مجمع عليه و انّما اختلفوا فيما زاد عليه. انتهى».(2)
و في المدارك أنّه مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا، و في التذكرة و المحكي عن نهاية الأحكام نسبته الى علمائنا و في الذكرى نسبته الى عمل الأصحاب و في المسالك نسبته الى عمل الطائفة و في الشرائع الأشهر، كلّ ذلك في الجواهر.(3)
الاّ أنّ هناك روايات تخالف ما تقدّم،
منها: صحيحة صفوان الجمّال قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: الأذان مثنى مثنى و الاقامة مثنى مثنى».(4)
و منها: صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الأذان فقال: تقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا اله الاّ اللّه، أشهد أن لا اله الاّ اللّه، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا اله الاّ اللّه، لا اله الاّ اللّه».(1)
و منها: خبر زرارة والفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلامقال:
«لما أسري برسول اللّه صلى الله عليه و آله فبلغ البيت المعمور حضرت الصلاة فأذّن جبرئيل و أقام، فتقدّم رسول اللّه صلى الله عليه و آله و صفّ الملائكة و النبيّون خلف رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: فقلنا له: كيف أذّن؟ فقال: اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا اله الاّ اللّه، أشهد أن لا اله الاّ اللّه، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا اله الاّ اللّه، لا اله الاّ اللّه، والاقامة مثلها الاّ أنّ فيها "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" بين حيّ على خير العمل و بين اللّه أكبر، فأمر بها رسول اللّه صلى الله عليه و آله بلالاً فلم يزل يؤذّن بها حتّى قبض اللّه رسوله صلى الله عليه و آله ».(2)
و منها: صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لمّا أسري برسول اللّه صلى الله عليه و آله و حضرت الصلاة فأذّن جبرئيل عليه السلام فلمّاقال: اللّه أكبر، اللّه أكبر، قالت الملائكة: اللّه أكبر، اللّه أكبر، فلمّا قال: أشهد أن لا اله الاّ اللّه، قالت الملائكة: خلع الأنداد، فلمّا قال: أشهد أنّ
محمّدا رسول اللّه، قالت الملائكة: نبيّ بُعث، فلمّا قال: حيّ على الصلاة، قالت الملائكة: حثّ على عبادة ربّه، فلمّا قال: حيّ على الفلاح، قالت الملائكة: أفلح من اتّبعه».(1)
و قد جمعوا بين الطائفتين من الأخبار المتقدّمة بحمل الطائفة الأخيرة على الاجزاء و الطائفة الأولى على الأفضليّة و لذلك استقرّ عليه عمل الشيعة.
وهناك أقوال أخر مستندها ضعيف، نقلها في الخلاف، قال الشيخ: «الأذان عندنا ثمانية عشر كلمة و في أصحابنا من قال عشرون كلمة التكبير في أوّله أربع مرّات، والشهادتان مرّتين مرّتين، حيّ على الصلاة مرّتين، حيّ على الفلاح مرّتين، حيّ على خيرالعمل مرّتين، اللّه أكبر مرّتين، لا اله الاّ اللّه مرّتين، و من قال عشرون كلمة قال: التكبير في آخره أربع مرّات.
وقال الشافعي: «الأذان تسع عشرة كلمة في سائر الصلوات و في الفجر احدى و عشرون كلمة». والأذان عند أبي حنيفة خمس عشرة كلمة. و قال أبو يوسف: «ثلاث عشرة كلمة». و قال مالك: «التكبير في أوّله مرّتان فيكون مع الترجيع سبع عشرة كلمة». دليلنا اجماع الفرقة و قد ثبت أنّ اجماعها حجّة فانّهم لايختلفون في أنّ ما ذكرناه من الأذان مجمع عليه وانّما اختلفوا فيما زاد عليه. انتهى ملخّصا».(2)
و فصول الاقامة سبعة عشر: اللّه أكبر في أوّلها مرّتان و يزيد بعد حيّ على خير العمل، قد قامت الصلاة مرّتين، و ينقص من لا اله الاّ اللّه في آخرها مرّة.
الشرح:
و الدليل على ذلك صحيحة اسماعيل الجعفي قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الأذان والاقامة خمسة و ثلاثون حرفا،
فعدّ ذلك بيده واحدا واحدا، الأذان ثمانية عشر حرفا، و الاقامة سبعة عشر حرفا».(1)
و خبر زرارة و الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لمّا أسري برسول اللّه صلى الله عليه و آله - الى أن قال: - فقلنا له كيف أذّن؟ فقال: اللّه أكبر،اللّه أكبر - الى أن قال: - والاقامة مثلها الاّ أنّ فيها «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة»، بين حيّ على خير العمل و بين اللّه أكبر. الحديث».(2)
و قد تقدّم الخبر بتمامه في فصول الأذان.
و خبر دعائم الاسلام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الأذان و الاقامة مثنى مثنى، وتفرّد الشهادة في آخر الاقامة، تقول: لا اله الاّ اللّه، مرّة واحدة».(3)
و لايضرّ ضعف الخبرين المذكورين آنفا بعد ورود مثل صحيحة اسماعيل الجعفي المتقدّمة.
قال في الجواهر: «و عليه عمل مشهور الفقهاء شهرة عظيمة، بل في التذكرة عندنا و عن المنتهى و النهاية نسبته الى علمائنا، و في محكي المهذّب لايختلف فيه الأصحاب، و في الذكرى عليه عمل الأصحاب، و في المسالك عليه عملالطائفة، و قال أيضا عليه تسالم الأصحاب و عمل الشيعة في الأعصار و الأمصار في الليل و النهار في الجامع و الجوامع و رؤوس المآذن على العدد المزبور. انتهى».(4)
و يستحبّ الصلاة على محمّد صلى الله عليه و آله و آله عليهم السلام عند ذكر اسمه.
الشرح:
ثمّ انّه ورد الأمر بالصلاة على محمّد صلى الله عليه و آله عند ذكر اسمه صلى الله عليه و آله في الأذان و الدليل على ذلك صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«و صلّ على النبيّ صلى الله عليه و آله كلّما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك، في أذان و غيره».(1)
و سيأتي حكمه في التشهّد و في الذكر.
و أمّا الشهادة لعلي عليه السلام بالولاية و امرة المؤمنين فليست جزءًا منهما.
الشرح:
و أمّا الشهادة لعلي عليه السلام بالولاية و امرة المؤمنين فليست جزءًا منهما و الدليل على ذلك، الروايات الواردة في كيفيّة الأذان و الاقامة التي لم يذكر فيها الشهادة لعلي عليه السلام بالولاية فلذلك قال الصدوق رحمه الله بعد ماذكر حديث أبي بكر الحضرمي و كليب الأسدي: «هذا هو الأذان الصحيح لايزاد فيه ولاينقص منه و المفوّضة لعنهم اللّه قد وضعوا أخبارا و زادوا بها في الأذان «محمّد و آل محمّد خير البريّة» مرّتين و في بعض رواياتهم بعد «أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله »، «أشهد أنّ عليّا وليّ اللّه» مرّتين، و منهم من روى بدل ذلك «أشهد أنّ عليّا أمير المؤمنين حقّا» مرّتين،و لاشكّ أنّ عليّا وليّ اللّه و أنّه أمير المؤمنين حقّا و أنّ محمّدا و آله عليهم السلامخير البريّة، ولكن ذلك ليس في أصل الأذان، و انّما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتّهمون بالتفويض المدلّسون أنفسهم في جملتنا. انتهى كلام الصدوق رئيس المحدّثين رضي اللّه عنه».(2)
قال الشهيد الثاني في شرح اللمعة: « ... فيكون ادخال ذلك فيها بدعة و تشريعا، كما لو زاد في الصلاة ركعة أو تشهّدا أو نحو ذلك من العبادات ... انتهى».
و في البحار بعد نقل كلام الصدوق قدس سره قال: «لايبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة للأذان، لشهادة الشيخ والعلاّمة و الشهيد و غيرهم بورود الأخبار بها». قال الشيخ في المبسوط: «فأمّا قول «أشهد أنّ عليّا أمير المؤمنين، و آل محمّد خير البريّة» على ما ورد في شواذّ الأخبار فليس بمعمول عليه في الأذان، ولو فعله الانسان لم يأثم به، غير أنّه ليس من فضيلة الأذان و لاكمال فصوله». و قال في النهاية: «فأمّا ما روي من شواذّ الأخبار من قول: «انّ عليّا وليّ اللّه و انّ محمّدا و آله خير البشر» فممّا لايعمل عليه في الأذان و الاقامة، فمن عمل به كان مخطئا».
و قال في المنتهى: «و أمّا ما روي من الشاذّ من قول «انّ عليّا وليّ اللّه و آل محمّد خير البرية»، فممّا لايعوّل عليه».
و يؤيّده ما رواه الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي رحمه الله في كتاب الاحتجاج: «عن القاسم بن معاوية قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: هؤلاء يروون حديثا في معراجهم أنّه لمّا أسري برسول اللّه صلى الله عليه و آله رأى على العرش «لا اله الاّ اللّه، محمّد رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، أبو بكر الصدّيق»، فقال: سبحان اللّه، غيّروا كلّ شيء حتّى هذا؟ قلت: نعم، قال: انّ اللّه عزّوجلّ لمّا خلق العرش كتب عليه «لا اله الاّ اللّه، محمّدرسول اللّه صلى الله عليه و آله ، علي أمير المؤمنين» ثمّ ذكر عليه السلامكتابة ذلك على الماء و الكرسي و اللوح و جبهة اسرافيل و جناحي جبرئيل و أكناف السماوات و الأرضين و رؤس الجبال و الشمس والقمر، ثمّ قال عليه السلام: فاذا قال أحدكم «لا اله الاّ اللّه، محمّد رسول اللّه صلى الله عليه و آله »، فليقل «علي أمير المؤمنين». فيدلّ على استحباب ذلك عموما و الأذان من تلك المواضع، و قد مرّ أمثال ذلك في أبواب مناقبه عليه السلام و لو قاله المؤذّن أو المقيم لا بقصد الجزئيّة بل بقصد البركة لم يكن آثما، فانّ القوم جوّزوا الكلام
في أثنائهما مطلقا، و هذا من أشرف الأدعية والأذكار. انتهى».(1)
و في الحدائق من قبل أن ينقل كلام المجلسي قال: «و نعم ما قال (يعني المجلسي) و بعد نقل كلامه قدس سره قال: و هو جيّد. و قال أيضا: المراد بالمفوّضة في كلام الصدوق القائلين بأنّ اللّه عزّوجلّ فوّض خلق الدنيا الى محمّد صلى الله عليه و آله و علي عليه السلام» و المشهور بهذا الاسم انّما هم المعتزلة القائلون بأنّ اللّه عزّوجلّ فوّض الى العباد ما يأتون به من خير و شرّ».(2)
و في الجواهر بعد نقل كلام البحار قال: «و هو كماترى، الاّ أنّه لابأس بذكر ذلك، لا على سبيل الجزئيّة عملاً بالخبر المزبور، و لايقدح مثله في الموالاة والترتيب بل هي كالصلاة على محمّد صلى الله عليه و آله عند سماع اسمه، و الى ذلك أشار العلاّمة الطباطبائي في منظومته عند ذكر سنن الأذان و آدابه فقال:
صلّ اذا ما اسم محمّد بدا ***عليه و الآل فصلّ تحمدا
و أكمل الشهادتين بالتي *** قد أكمل الدين بها و الملّة
و انّها مثل الصلاة خارجة *** عن الخصوص بالعموم والجة
و قال بعد ذلك: «بل لو لاتسالم الأصحاب لأمكن دعوى الجزئيّة بناءً على صلاحيّة العموم لمشروعيّة الخصوصيّة و الأمر سهل. انتهى».(3)
و مثله قال في مصباح الفقيه.
و لابأس بالتكرير في «حيّ على الصلاة» أو «حيّ على الفلاح» للمبالغة في اجتماع الناس ولكن الزائد ليس جزءًا من الأذان.
الشرح:
لابأس بالتكرير في «حيّ على الصلاة» أو «حيّ على الفلاح» أو الشهادة للمبالغة في اجتماع الناس و الدليل على ذلك صحيحة زرارة قال:
«قال لي أبو جعفر عليه السلام (في حديث): ان شئت زدت على التثويب «حيّ على الفلاح» مكان الصلاة خير من النوم».(1)
و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لو أنّ مؤذّنا أعاد في الشهادة أو في «حيّ على الصلاة» أو «حيّ على الفلاح» المرّتين و الثلاث و أكثر من ذلك اذا كان اماما يريد به جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس».(2)
و الزائد ليس جزءًا من الأذان، و لايقال بقصد الجزئيّة بل لغاية اجتماع الناس كما نطقت به الرواية، و عليه لايضرّ ضعف خبر أبي بصير، لجواز الكلام في أثناء الأذان فضلاً عن مثل ذلك.
و يجوز للمرأة الاجتزاء عن الأذان بالتكبير و الشهادتين بل بالشهادتين وعن الاقامة بالتكبير و شهادة أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله.
الشرح:
و يدلّ على ذلك بالنسبة الى الأذان صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة تؤذّن للصلاة، فقال: حسن ان فعلت و ان لم تفعل أجزأها أن تكبّر و أن تشهد أن لا اله الاّ اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه».(3)
و صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: النساء عليهنّ أذان؟ فقال: اذا شهدت الشهادتين فحسبها».(1)
و بالنسبة الى الاقامة، صحيحة أبي مريم الأنصاري قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اقامة المرأة أن تكبّر و تشهد أن لا اله الاّ اللّه، و أنّ محمّدا عبده و رسوله».(2)
و يجوز للمسافر و المستعجل الاتيان بواحد من كلّ فصل منهما كما يجوز ترك الأذان و الاكتفاء بالاقامة بل الاكتفاء بالأذان فقط.
الشرح:
و يدلّ على ذلك صحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:
«رأيت أبا جعفر عليه السلام يكبّر واحدة واحدة في الأذان، فقلت له: لم تكبّر واحدة واحدة؟ فقال: لابأس به اذا كنت مستعجلاً».(3)
و خبر بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«الأذان يقصّر في السفر كما تقصّر الصلاة، الأذان واحدا واحدا و الاقامة واحدة».(4)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الاقامة مرّة مرّة الاّ قول «اللّه أكبر، اللّه أكبر» فانّه مرّتان».(5)
و خبر نعمان الرازي قال:
1) - وسائل الشيعة 4: 637 / الباب 14 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 4: 637 / الباب 14 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 4: 650 / الباب 21 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 4: 650 / الباب 21 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 4: 650 / الباب 21 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 3.
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: يجزئك من الاقامة طاق طاق في السفر».(1)
ثمّ اعلم أنّ الدليل على تقصير الأذان في السفر خبر بريد بن معاوية و هو ضعيف لمكان قاسم بن عروة الاّ أنّه وردت أخبار مستفيضة بجواز الاقتصار على الاقامة للصلاة بغير أذان في السفر بل مطلقا فتكون تأييدا لخبر بريد بن معاوية بتقريب أنّه اذا كان حذف الأذان في السفر جائزا و ليس اتيانه مؤكّدا، فالاكتفاء به واحدا واحدا بطريق أولى.
فمن المستفيضة المذكورة صحيحة عبدالرحمان بن أبي عبداللّه عن الصادق عليه السلامانّه قال:
«يجزي في السفر اقامة بغير أذان».(2)
ثمّ الظاهر من الروايات الواردة في الأذان و الاقامة استحباب جمعهما للصلاة أو الاقامة وحدها و أمّا الاكتفاء بالأذان وحده للصلاة فلايستفاد من تلك الأخبار، و لادليل عليه بالخصوص.
و يكره الترجيع على نحو لايكون غناء و الاّ فيحرم و تكرار الشهادتين جهرا بعد قولهما سرّا أو جهرا بل لايبعد كراهة مطلق تكرار واحد من الفصول الاّ للاعلام.
الشرح:
لاشكّ في حرمة الغناء، فان كان الأذان على نحو صار غناءً يحرم، الاّ أنّ مطلق الترجيع لايكون غناءً و أمّا الحكم بكراهة الترجيع ففيه اشكال لعدم الدليل.
ثمّ لايجوز تكرار الشهادتين و لاتكرار واحد من الفصول اذا كان بقصد
الجزئيّة و المشروعيّة فانّه تشريع محرّم. و أمّا بقصد الاعلام فقد مرّ أنّه يجوز. و أمّا اذا لم يكن بواحد من هذين القصدين فلايبعد الحكم بكراهة التكرار لمفهوم خبر أبي بصير المنجبر ضعفه بعمل الأصحاب.
(مسألة 1): يسقط الأذان في موارد، «أحدها»: أذان عصر يوم الجمعة اذا جمعت مع الجمعة أو الظهر و أمّا مع التفريق فلايسقط.
الشرح:
قد وردت روايات بأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أبا عبداللّه الصادق عليه السلام قد جمعا بين الظهر و العصر و كذا بين المغرب و العشاء بأذان واقامتين، كصحيحة رهط منهم الفضيل و زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله جمع بين الظهر و العصر بأذان و اقامتين و جمع بين المغرب و العشاء بأذان واحد و اقامتين».(1)و
صحيحة عبداللّه بن سنان عن الصادق عليه السلام:
«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله جمع بين الظهر و العصر بأذان و اقامتين، و جمع بين المغرب و العشاء في الحضر من غير علّة بأذان واحد و اقامتين».(2)
و صحيحة صفوان الجمّال قال:
«صلّى بنا أبو عبداللّه عليه السلام الظهر والعصر عندما زالت الشمس بأذان و اقامتين، و قال: انّي على حاجة فتنفّلوا».(3)
فما يظهر من هذه الأخبار عدم تأكيد استحباب الأذان لصلاة العصر اذا جمع
بينها و بين الظهر و كذا لصلاة العشاء اذا جمع بينها و بين المغرب، و أمّا عدم مشروعيّة الأذان فلايظهر منها. و أمّا حكم أذان صلاة العصر في يوم الجمعة اذا جمع بينها و بين صلاة الجمعة فقد يقال بسقوطه و عدم مشروعيّته، و يستدلّ تارة بالأخبار المتقدّمة و أخرى بموثّقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام قال:
«الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة».(1)
بتقريب أنّ المراد من الأذان الأوّل و الثاني، أذان الفجر و الجمعة أو أنّ المراد أذان صلاة الجمعة و اقامتها حتّى يكون أذان صلاة العصر ثالثا. ويستدلّ ثالثة باستقرار سيرة النبيّ صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام على ترك الأذان لصلاة العصر يوم الجمعة لدى الجمع فانّه لو لم يكن ساقطا و كان مشروعا لصدر منهم و لنقل الينا بطبيعة الحال فمن الالتزام بالمطروحيّة يستكشف عدم المشروعيّة و رابعةً بالاجماع. ولكن في الأولى فقد تقدّم آنفا بأنّ الظاهر من تلك الأخبار عدم تأكيد الاستحباب لا عدم المشروعيّة.
و في الثانية بقصور الدلالة لاحتمال أن يكون المراد من الأذان الثالث هو الأذان الثاني للظهر الذي ابتدعه عثمان أو معاوية لبعد داره عن المسجد، فتكون الموثّقة حينئذٍ أجنبيّة عن محلّ الكلام.
و أمّا الثالثة أي سيرة النبيّ صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام لو ثبت استقرارها تكون دليلاً على السقوط، الاّ أنّ الكلام في ثبوتها.
و ما يقال بأنّ السيرة و ان كانت مستقرّة الاّ أنّ الجزم بِنَشْوها عن عدم المشروعية غير واضح لجواز كون الأذان مشروعا في نفسه و راجحا، ولكن الاسراع في تقديم صلاة العصر و تفريغ الذمّة منها رعاية لحال الضعفاء من المأمومين فوجب أرجحيّة الترك، فمن ثمّ التزم به الأئمّة عليهم السلام و انّ السيرة عمل لا
1) - وسائل الشيعة 5: 81 / الباب 49 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها / الحديث 1.
لسان له. مدفوع بأنّ ترك الأذان لصلاة العصر يوم الجمعة لو استقرّ عليه سيرة النبيّ صلى الله عليه و آله والمعصومين عليهم السلام و لم ينقل منه صلى الله عليه و آله و لا منهم عليهم السلام و لو لمرّة واحدة دليل على سقوطه مع خفّة مؤونته و انّ السيرة عمل لا لسان له و ان كان صحيحا ولكن لا في مثل المورد الذي تكرّر طول اقامة النبيّ صلى الله عليه و آله في المدينة و في زمن الأئمّة عليهم السلام.
و أمّا الاجماع فمحصّله لم يثبت و منقوله لم يكن حجّة.
قال في الجواهر: «و يصلّي يوم الجمعة بأذان و اقامة، و العصر باقامة بلا خلاف معتدّ به أجده فيه اذا كانت صلاة ظهره جمعة و جاء بالموظّف بأن جمع بينها و بين العصر، بل في الذكرى نسبته الى الأصحاب، بل عن الغنية و السرائر و المنتهى الاجماع عليه، بل قد يقوّى في النظر الحرمة وفاقا للبيان و الروضة وكشف اللثام و المحكي عن النهاية وظاهر التلخيص، بل لعلّه المراد من التعبير عنه بالبدعة في بعض كتب الفاضل وثاني الشهيدين. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
فتحصّل أنّ الأقوى عدم تأكيد استحباب الأذان اذا جمع بين الصلاتين من اليومية.
«الثاني»: أذان عصر يوم عرفة اذا جمعت مع الظهر لا مع التفريق.
«الثالث»: أذان العشاء في ليلة المزدلفة مع الجمع أيضا لا مع التفريق.
الشرح:
السنّة في يوم عرفة الجمع بين ظهريها بأذان واحد و اقامتين و كذلك عشائي المزدلفة و الدليل على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«السنّة في الأذان يوم عرفة أن يؤذّن و يقيم للظهر، ثمّ
1) - جواهر الكلام 9: 30.
يصلّي، ثمّ يقوم فيقيم للعصر بغير أذان و كذلك في المغرب و العشاء بمزدلفة».(1)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صلاة المغرب و العشاء بجُمَع بأذان واحد و اقامتين، و لاتصلّ بينهما شيئا، و قال هكذا صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ».(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتصلّ المغرب حتّى تأتي جُمَعا فصلّ بها المغرب و العشاءالآخرة بأذان واقامتين. الحديث».(3)
ثمّ اعلم أوّلاً أنّه لااشكال في الحكم المذكور بالنسبة الى العشاء بمزدلفة و المشهور أنّه كذلك بالنسبة الى صلاة العصر بعرفة و أنّه مختصّ بمن كان في عرفات و لايكون من أحكام هذا اليوم و ان لم يكن فيها، و ذلك لعطف المغرب و العشاء بمزدلفة في ذيل صحيحة ابن سنان الكاشفة بمقتضى اتّحاد السياق عن أنّ الحكمين من سنخ واحد و أنّهما معا من خواصّ المكان. فما عليه المشهور هو الأصحّ.
و ثانيا، الظاهر من صحيحتي ابن سنان و منصور بن حازم أنّ سقوط الأذان عن صلاة العصر يوم عرفة و العشاء بمزدلفة مختصّ بصورة الجمع بين الظهرين و العشائين، و أمّا اذا افترق بينهما فمطلقات استحباب الأذان لكلّ صلاة حاكمة.
و ثالثا، الظاهر من صحيحة ابن سنان أنّ سقوط الأذان عزيمة و ذلك لأنّ قوله عليه السلام: «السنّة في الأذان ... » اشارة الى ما ورد من الأخبار باستحباب الأذان و الاقامة لكلّ صلاة، فمفهوم قوله عليه السلام: «السنّة في الأذان ... » هو عدم سنّة الأذان
لصلاة العصر بعرفة و العشاء بمزدلفة لدى الجمع بينهما فاذا لم يكن سنّة لم يكن مشروعا، فالاتيان به حينئذٍ يكون بدعة و حراما و هو معنى كون سقوطه عزيمة.
و رابعا، انّ ظاهر صحيحة منصور بن حازم المتقدّمة و ان كان عدم جواز التنفّل بعد المغرب بمزدلفة الاّ أنّ ظاهر صحيحة أبان بن تغلب جوازه فانّه قال:
«صلّيت خلف أبي عبداللّه عليه السلامالمغرب بالمزدلفة فقام فصلّى المغرب ثمّ صلّى العشاء الآخرة و لم يركع فيما بينهما، ثمّ صلّيت خلفه بعد ذلك سنة، فلمّا صلّى المغرب قام فتنفّل بأربع ركعات».(1)
«الرابع»: العصر و العشاء للمستحاضة التي تجمعهما مع الظهر و المغرب.
«الخامس»: المسلوس و نحوه في بعض الأحوال التى يجمع بين الصلاتين كما اذا أراد أن يجمع بين الصلاتين بوضوء واحد.
الشرح:
ذكر الماتن قدس سره من موارد سقوط الأذان، العصر و العشاء للمستحاضة التي تجمعهما مع الظهر و المغرب، و للمسلوس و نحوه في بعض الأحوال التي يجمع بين الصلاتين. أمّا الأوّل فليس في النصوص الواردة في أحكام المستحاضة تعرّض لسقوط الأذان في الفريضة الثانية، و انّما تضمّنت الجمع بين الظهرين بغسل و بين العشائين بغسل.
ففي صحيحة زرارة (في حديث) قال:
«قلت له: - الى أن قال: - ثمّ صلت الغداة بغسل و الظهر و العصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل. الحديث».(2)
و نحوها غيرها.
فان قلنا بسقوط الأذان لدى الجمع بين الظهرين و بين العشائين فنقول هنا و حيث لم نقل بسقوطه لدى الجمع، فالاستحباب بحاله، والفصل بين الظهر و العصر بمقدار الأذان لايضرّ بالاستعجال العرفي.
و أمّا الثاني، ففي صحيحة حريز بن عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا كان الرجل يقطر منه البول و الدم اذا كان حين الصلاة أخذ كيسا و جعل فيه قطنا ثمّ علّقه عليه، و أدخل ذكره فيه ثمّ صلّى يجمع بين صلاتين الظهر و العصر، يؤخّر الظهر و يعجّل العصر بأذان و اقامتين، و يؤخّر المغرب و يعجّل العشاء بأذان و اقامتين و يفعل ذلك في الصبح».(1)
و الظاهر أنّ سقوط الأذان هنا لأن لايتخلّل بين الوضوء و الصلاتين حتّى الأذان، فسقوط الأذان للاكتفاء بوضوء واحد، فلو أذّن لم يكن عاصيا بل يمكن أن يقال انّ عليه الوضوء ثانيا، و الاحتياط حسن على كلّ حال.
و يتحقّق التفريق بطول الزمان بين الصلاتين لابمجرّد قراءة تسبيح الزهراء عليهاالسلام أو التعقيب و الفصل القليل بل لايحصل بمجرّد فعل النافلة مع عدم طول الفصل.
الشرح:
ثمّ اعلم أنّ الجمع بين الصلاتين عرفا يحصل بتعاقب الصلاتين من دون فصل، و الظاهر أنّ الاتيان بالنوافل تكون فاصلاً بين الصلاتين و كذا ما يكون بقدرها من التعقيب أو السكوت، و يؤيّد المعنى العرفي المذكور من الجمع: صحيحة الفضيل و زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله جمع بين الظهر و العصر بأذان و اقامتين و جمع
1) - وسائل الشيعة 1: 210 / الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء / الحديث 1.
بين المغرب و العشاء بأذان واحد و اقامتين».(1)
و يؤيّد تحقّق المعنى العرفي من التفريق بالنوافل صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صلاة المغرب و العشاء بجُمَع بأذان واحد و اقامتين، و لاتصلّبينهما
شيئا، و قال: هكذا صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ».(2)
و صحيحة عنبسة بن مصعب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الركعات التي بعد المغرب ليلة المزدلفة، فقال: صلّها بعد العشاء الآخرة أربع ركعات».(3)
و مرسلة الصدوق عن النبيّ صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام:
«انّه انّما سمّيت المزدلفة جُمَعا لأنّه يجمع فيها بين المغرب و العشاء بأذان واحد و اقامتين».(4)
و خبر محمّد بن حكيم عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سمعته يقول: اذا جمعت بين صلاتين فلاتطوّع بينهما».(5)
و خبره الآخر قال:
«سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: الجمع بين الصلاتين اذا لم يكن بينهما تطوّع فاذا كان بينهما تطوّع فلا جمع».(6)
و موثّقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمّد عليه السلام قال:
«رأيت أبي و جدّي القاسم بن محمّد يجمعان مع الأئمّة المغرب و
1) - وسائل الشيعة 4: 665 / الباب 36 من أبواب الأذان والاقامه / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 10: 40 / الباب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 10: 41 / الباب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 3: 163 / الباب 33 من أبواب المواقيت / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 3: 163 / الباب 33 من أبواب المواقيت / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 3: 163 / الباب 33 من أبواب المواقيت / الحديث 3.
العشاء في الليلة المطيرة و لايصلّيان بينهما شيئا».(1)
فممّا تقدّم تعرف الاشكال في كلام السيّد الماتن قدس سره بأنّ التفريق عبارة عن الفصل الطويل بين الصلاتين بمثابة لايصدق عرفا عنوان الجمع بينهما و ايقاعهما في زمان واحد، فلايصدق التفريق بمجرّد التعقيب أو التسبيح و نحوهما ممّا يعدّ من توابع الصلاة الأولى، بل و لا بمجرّد فعل النافلة و نحوه ممّا لايستوعب الاّ فصلاً قليلاً. و ذلك لأنّ العرف الساذج يرى التنفّل أو مضيّ مقداره من الزمان و ان كان تعقيبا أو تسبيحا، فاصلاً بين الصلاتين كما تقدّم.
و الأقوى أنّ السقوط في الموارد المذكورة رخصة لا عزيمة و ان كان الأحوط الترك خصوصا في الثلاثة الأولى.
الشرح:
ثمّ انّ الأقوى أنّ سقوط أذان عصر يوم عرفة اذا جمعت مع الظهر في العرفات و أذان العشاء في ليلة المزدلفة مع الجمع أيضا عزيمة و ذلك لظاهر ما تقدّم من الروايات في الفرع الثاني، وفي سائر الموارد لم يثبت السقوط، و اذا جمع بين الظهرين أو العشائين بغير العرفات و المزدلفة لايتأكّد الأذان.
(مسألة 2): لايتأكّد الأذان لمن أراد اتيان فوائت في دور واحد لما عدى الصلاة الأولى، فله أن يؤذّن للأولى منها و يأتي بالبواقي بالاقامة وحدها لكلّ صلاة.
الشرح:
يسقط الأذان رخصة لمن أراد أن يأتي بالفوائت في دور واحد لما عدا الصلاة الأولى، فله أن يؤذّن للأولى منها، و يأتي بالبواقي بالاقامة وحدها لكلّ صلاة؛ و
1) - وسائل الشيعة 3: 163 / الباب 33 من أبواب المواقيت / الحديث 4.
الدليل على السقوط مضافا الى عدم الخلاف ظاهرا روايات؛
منها: صحيح محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى الصلوات و هو جنب اليوم واليومين و الثلاثة ثمّ ذكر بعد ذلك، قال: يتطهّر و يؤذّن و يقيم في أوّلهن ثمّ يصلّي و يقيم بعد ذلك في كلّ صلاة فيصلّي بغير أذان حتّى يقضي صلاته».(1)
و منها: صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا نسيت الصلاة أو صلّيتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها، ثمّ صلّ ما بعدها باقامة، اقامة لكلّ صلاة. الحديث».(2)
و منها: صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يغمى عليه ثمّ يفيق، قال: يقضي ما فاته يؤذّن في الأولى و يقيم في البقيّة».(3)
و أمّا موثّق عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن الرجل اذا أعاد الصلاة هل يعيد الأذان و الاقامة؟ قال: نعم».(4)
و كذا مكاتبة موسى بن عيسى قال:
«كتبت اليه: رجل تجب عليه اعادة الصلاة أيعيدها بأذان و اقامة؟ فكتب عليه السلام: يعيدها باقامة».(5)
1) - وسائل الشيعة 5: 348 / الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 5: 348 / الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 5: 361 / الباب 8 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 5: 361 / الباب 8 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 4: 666 / الباب 37 من أبواب الأذان و الاقامة /الحديث 2.
فلايرتبطان بما نحن فيه، فانّهما لاعادة الصلاة في الوقت.
ثمّ انّ الأقوى أنّ السقوط في من أراد اتيان الفوائت في دور واحد هو الرخصةلا العزيمة و ذلك لعدم المنافات بين هذه الصحاح الواردة لكفاية أذان واحد في فوائت وبين الأخبار العامّة الآمرة بالأذان و الاقامه لكلّ صلاة، فلسان هذه الروايات متّحد مع الأخبار المتقدّمة التي كانت حكاية فعل النبيّ صلى الله عليه و آله في مقام الجمع بين الصلاتين من أنّه صلى الله عليه و آله لم يؤذّن للثانية. و ما قيل بأنّ مضمون الروايات الصحيحة في اتيان القضاء في دور واحد، هو الأمر بعدم اتيان الأذان لماعدا الأولى خصوصا ما في صحيح محمّدبن مسلم المتقدّم من قوله عليه السلام: «فيصلّي بغير أذان حتّى يقضي صلاته»، مندفع أوّلاً بأنّه لم يظهر من الصحاح حتّى الصحيح المذكور أمر دالّ على ترك الأذان اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ قوله عليه السلام: «يصلّي بغير أذان»، أمر بترك الأذان. و ثانيا انّ الصحاح في مقام دفع توهّم الحظر حيث انّ الآتي بصلاة القضاء يتوهّم أنّ تأكيد الأذان يكون في القضاء كما يكون في الأداء فالامام عليه السلاميذكّر بأنّ الآتي بالقضاء اذا أراد الاتيان بعدّة صلوات في دور واحد يكفي أذان واحد لجميعها، و على الأقلّ من الاحتمال، فاذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
(مسألة 3): يسقط الأذان و الاقامة في موارد: «أحدها»: الداخل في الجماعة التي أذّنوا لها و أقاموا و ان لم يسمعهما، و لم يكن حاضرا حينهما أو كان مسبوقا، بل مشروعيّة الاتيان بهما في هذه الصورة لاتخلو عن اشكال. «الثاني»: الداخل في المسجد للصلاة منفردا أو جماعة و قد أقيمت الجماعة حال اشتغالهم و لم يدخل معهم، أو بعد فراغهم مع عدم تفرّق الصفوف، فانّهما يسقطان لكن على وجه الرخصة لا العزيمة على الأقوى سواء صلّى جماعة اماما أو مأموما أو منفردا و يشترط في السقوط أمور: «أحدها»: كون صلاته و صلاة الجماعة كلاهما أدائيّة، فمع كون احداهما أو كلتيهما قضائيّة عن النفس أو عن الغير على وجه التبرع أو الاجارة لايجري الحكم. «الثاني»: اشتراكهما في الوقت فلو كانت السابقة عصرا و هو يريد أن يصلّي المغرب لايسقطان. «الثالث»: اتّحادهما في المكان عرفا، فمع كون احداهما داخل المسجد و الأخرى على سطحه يشكل السقوط و كذا مع البعد كثيرا. «الرابع»: أن تكون صلاة الجماعة السابقة مع الأذان و الاقامة، فلو كانوا تاركين لايسقطان عن الداخلين و ان كان تركهم من جهة اكتفائهم بالسماع من الغير. «الخامس»: أن تكون صلاتهم صحيحة فلوكان الامام فاسقا مع علم المأمومين لايجري الحكم. و كذا لوكان البطلان من جهة أخرى. «السادس»: أن يكون في المسجد فجريان الحكم في الأمكنة الأخرى محلّ اشكال و حيث انّ الأقوى كون السقوط على وجه الرخصة فكلّ مورد شكّ في شمول الحكم له الأحوط أن يأتي بهما كما لو شكّ في صدق التفرّق و عدمه، أو صدق اتّحاد المكان و عدمه أو كون صلاة الجماعة أدائيّة أو لا أو أنّهم أذّنوا و أقاموا لصلاتهم أم لا، نعم لو شكّ في صحّة صلاتهم حمل على الصحّة.
الشرح:
في
المسألة فروع:
يسقط الأذان و الاقامة لمن دخل في الجماعة التي أذّنوا لها و أقاموا و ان لم يسمعهما و لم يكن حاضرا حينهما أو كان مسبوقا، و استدلّ على ذلك بموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سئل عن الرجل يؤذّن و يقيم ليصلّي وحده فيجيء رجل آخر فيقول له: نصلّي جماعة، هل يجوز أن يصلّيا بذلك الأذان و الاقامة؟ قال: لا و لكن يؤذّن و يقيم».(1)
لظهوره على أنّ الاكتفاء بأذان الامام و اقامته أمر مفروغ عنه عند السائل و انّما سئل عن تطبيق ذلك على ما لو أذّن و أقام ليصلّي وحده ثمّ بدا له في الجماعة.
و معتبرة أبي مريم الأنصاري قال:
«صلّى بنا أبو جعفر عليه السلام في قميص بلا ازار و لارداء و لاأذان و لااقامة - الى أن قال: - فقال: و انّي مررت بجعفر عليه السلام و هو يؤذّن و يقيم فلم أتكلّم فأجزأني ذلك».(2)
و مفهوم خبر محمّد بن عذافر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أذّن خلف من قرأت خلفه».(3)و
خبر معاوية بن شريح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا جاء الرجل مبادرا و الامام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله
في الصلاة و الركوع و من أدرك الامام و هو ساجد كبّر و سجد معه و لم يعتدّ بها، و من أدرك الامام و هو في الركعة الأخيرة فقد أدرك فضل الجماعة، و من أدركه و قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة و هو في التشهّد فقد أدرك الجماعة، وليس عليه أذان و لااقامة و من أدركه و قد سلّم فعليه الأذان و الاقامة».(1)
و تدلّ عليه النصوص الآتية في الفرع الثاني فالظاهر من خبر معاوية بن شريح هو سقوط الأذان و الاقامة عن الداخل في الجماعة وان لم يسمع كما أنّه لااشكال ظاهرا في ذلك لما سيأتى.
كما أنّ الظاهر من معتبرة أبي مريم الأنصاري، سقوط الأذان و الاقامة اذا سمعهما الامام ممّن أذّن و أقام لنفسه ليصلّي وحده.
من دخل مسجدا و قد أقيمت الجماعة و أراد الصلاة لايؤذّن و لايقيم ما لم يتفرّق الصفوف، بلاخلاف أجده في ذلك كما في الجواهر. و الدليل على ذلك النصوص المستفيضة؛ منها: موثّق أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل يدخل المسجد و قد صلّى القوم، أيؤذّن و يقيم؟ قال: ان كان دخل و لم يتفرّق الصفّ صلّى بأذانهم و اقامتهم، و ان كان تفرّق الصفّ أذّن و أقام».(2)
و منها: موثّقة زيد بن علي عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام قال:
«دخل رجلان المسجد و قد صلّى الناس فقال لهما علي عليه السلام: ان شئتما فليؤمّ أحدكما صاحبه و لايؤذّن و لايقيم».(1)
و منها: خبر السكوني عن جعفر عليه السلامعن أبيه عليه السلامعن علي عليه السلامانّه كان يقول:
«اذا دخل رجل المسجد و قد صلّى أهله فلايؤذّننّ و لايقيمنّ و لايتطوّع حتّى يبدأ بصلاة الفريضة، و لايخرج منه الى غيره حتّى يصلّي فيه».(2)
و منها: خبر أبي بصير فقال:
«سألته عن الرجل ينتهي الى الامام حين يسلّم، قال: ليس عليه أن يعيد الأذان فليدخل معهم في أذانهم فان وجدهم قد تفرّقوا أعاد الأذان».(3)
و منها: خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أدركت الجماعة و قد انصرف القوم و وجدت الامام مكانه و أهل المسجد قبل أن ينصرفوا أجزأ أذانهم و اقامتهم، فاستفتح الصلاة لنفسك، اذا وافيتهم و قد انصرفوا عن صلاتهم و هم جلوس أجزأ اقامة بغير أذان، و ان وجدتهم و قد تفرّقوا و خرج بعضهم عنالمسجد
فأذّن و أقم لنفسك».(4)
و منها: خبر أبي علي قال:
«كنّا عند أبي عبداللّه عليه السلام فأتاه رجل فقال: جعلت فداك، صلّيت في المسجد الفجر فانصرف بعضنا و جلس بعض في التسبيح فدخل
1) - وسائل الشيعة 4: 654 / الباب 25 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 4: 654 / الباب 25 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 4: 653 / الباب 25 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
4) - مستدرك وسائل الشيعة 4: 49 / الباب 22 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
علينا رجل المسجد فأذّن فمنعناه و دفعناه عن ذلك. فقال أبو عبداللّه عليه السلام: أحسنت، ادفعه عن ذلك و امنعه أشدّ المنع، فقلت: فان دخلوا فأرادوا أن يصلّوا فيه جماعة، قال: يقومون في ناحية المسجد و لايبدو بهم امام».(1)
و الظاهر من هذه الروايات عدم الفرق في سقوط الأذان و الاقامة للداخل في الجماعة حين الصلاة أو بعدها مع عدم تفرّق الصفوف و كذا لافرق في ذلك بين أن يريد الصلاة جماعة أو فرادى، لأنّ الظاهر من الروايات المذكورة أن علّة سقوط الأذان و الاقامة احترام الجماعة و التعظيم لهم.
تبصرة:
الأقوى أنّ السقوط رخصة لا عزيمة؛ و الدليل على ذلك، موثّق عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) في الرجل أدرك الامام حين سلّم، قال:
«عليه أن يؤذّن و يقيم و يفتتح الصلاة».(2)
و خبر معاوية بن شريح عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«اذا جاء الرجل مبادرا و الامام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة و الركوع - الى أن قال: - و من أدركه و قد رفع رأسه منالسجدة الأخيرة و هو في التشهّد فقد أدرك الجماعة و ليس عليه أذان و لااقامة و من أدركه و قد سلّم فعليه الأذان و الاقامة».(3)
فانّك كما ترى و تتأمّل، مقتضى الجمع العرفي بين هاتين الروايتين و بين موثّقة أبي بصير المتقدّمة هو الرخصة في السقوط و جواز الأذان حين عدم تفرّقهم. و أمّا حمل موثّقة عمّار و كذا خبر معاوية بن شريح على ما اذا تفرّق
الصفوف فبعيد جدّا. و لاينافي هذا الجمع المنع الشديد من الأذان في خبر أبي علي المتقدّم، لما فيه أوّلاً من ضعف السند و ثانيا ضعف دلالته لاحتمال أنّ المؤذّن رفع صوته فمنعه الرجل فمدح عليه فعله لذلك، أو من أنّهم جميعا كانوا مواليا لأهل البيت و الداخل فيهم لم يعتن مع أنّه موظّف بالاعتناء بجماعة أنفسهم، أو لأنّ الجماعة السابقة كانت من أهل السنّة و الداخل منّا، و الأذان و الاقامة مع عدم تفرّق الصفوف كان خلاف التقيّة.
و كذا ما في خبر السكوني من الاشكال فانّه عليه السلام بعد أن قال: «لايوذّننّ و لايقيمنّ»، قال: «و لايتطوّع حتّى يبدأ بالفريضة و لايخرج منه الى غيره حتّى يصلّي فيه». فانّ الظاهر من الخبر أنّ التطوّع و الخروج الى مكان آخر يكون حراما و المبادرة الى الصلاة واجبا، و هو كما ترى.
يشترط في السقوط أمور: «أحدها»: كون صلاة الجماعة أدائية لأنّه ينسبق ذلكمن الروايات المتقدّمة الواردة في سقوط الأذان و الاقامة للداخل في الجماعة و علّة الانسباق الغلبة، فانّ المعمول المتعارف من اقامة الجماعة هو الصلوات الأدائية. و أمّا بالنسبة الى الداخل فلايبعد ادّعاء اطلاق الروايات حتّى يشمل صلاته قضاءً.
«الثاني»: اشتراكهما في الوقت فلو كانت السابقة عصرا و هو يريد أن يصلّي المغرب لايسقطان، و الدليل ما تقدم من الانسباق، و معه لا اطلاق للروايات حتّى يشمل المورد. مضافا الى أنّه لايجزي الأذان و الاقامة لصلاة العصر، عن صلاة المغرب لنفس الجماعة فضلاً للداخل فيهم، و ذلك لعدم اجزاء الأذان قبل دخول الوقت للوقت، بل عدم مشروعيّته.
«الثالث»: اتّحادهما في المكان عرفا و دليله ظهور الروايات في ذلك و انصرافها عن تعدّد الأمكنة.
«الرابع»: أن تكون صلاة الجماعة السابقة مع الأذان و الاقامة، فلو كانوا تاركين لايسقطان عن الداخلين، و الدليل انسباق الروايات بل نصّ خبر أبي بصير حيث قال عليه السلام:
«ان كان دخل و لم يتفرّق الصفّ صلّى بأذانهم و اقامتهم».(1)
«الخامس»: أن تكون صلاتهم صحيحة و الدليل ما تقدّم من الانسباق أو الانصراف، فلو كان الامام فاسقا مع علم المأمومين لايجري الحكم، و كذا لو كان البطلان من جهة أخرى.
ثمّ اعلم أنّ الحكم المتقدّم جارٍ في كلّ مكان وان كان في غير المسجد و ذلك لأنّ القيد الوارد في الروايات من ذكر المسجد لايكون احترازيا بل غالبيّا.
فما في المتن من اشتراط السقوط بكونه في المسجد لايمكن المساعدة عليه.
و الشكّ امّا أن يكون في الحكم أو يكون في الموضوع، فاذا كانت الشبهة حكميّة كما لو شكّ في أنّ انتهاء الرخصة هو تفرّق جميع المأمومين أو البعض فالمحكم حينئذٍ العمومات، لأنّ المخصّص المنفصل اذا دار حكمه بين الأقلّ و الأكثر يكون حجّة في القدر المتيقّن. و أمّا اذا كانت الشبهة موضوعيّة كما اذا كان الشكّ في التفرّق للظّلمة، أو كان الشكّ في أنّ صلاتهم هذه كانت أدائيّة أو قضائيّة، و كذا الشكّ في اتّحاد المكان، فحينئذٍ ان كان هناك أصل موضوعي كالاستصحاب
1) - وسائل الشيعة 4: 653 / الباب 25 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
فبها و نِعم، و ان لم يكن هناك أصل موضوعي، فالمورد مورد الاحتياط لأنّ الأمر دائر بين تأكيد الاستحباب و عدمه، و أمّا من كان قائلاً بالعزيمة فحيث انّ الأمر عنده دائر بين تأكيد الاستحباب و الحرمة فيحتاط بعدم اتيان الأذان و الاقامة. نعم اذا كان الشكّ من جهة الشك في صحّة صلاتهم فيحمل على الصحّة.
«الثالث»: من موارد سقوطهما اذا سمع الشخص أذان غيره أو اقامته فانّه يسقط عنه سقوطا على وجه الرخصة بمعنى أنّه يجوز له أن يكتفي بما سمع اماما كان الآتي بهما أو مأموما أو منفردا. و كذا في السامع لكن بشرط أن لايكون ناقصا و أن يسمع تمام الفصول و مع فرض النقصان يجوز له أن يتمّ ما نقصه القائل و يكتفى به، و كذا اذا لم يسمع التمام يجوز له أن يأتي بالبقيّة و يكتفي به لكن بشرط مراعاة الترتيب و لو سمع أحدهما لم يجز للآخر، و الظاهر أنّه لوسمع الاقامة فقطّ فأتى بالأذان لايكتفي بسماع الاقامة لفوات الترتيب حينئذٍ بين الأذان و الاقامة.
«الرابع»: اذا حكى أذان الغير أو اقامته فانّ له أن يكتفي بحكايتهما.
الشرح:
اذا سمع الامام أذان مؤذّن جاز له أن يجتزي به في الجماعة بلا خلاف و لا اشكال اذا كان المؤذّن لجماعة ذلك الامام، للسيرة المعلوم كونها يدا عن يد الى التابعين و الصحابة و الأئمّة و النبي عليهم السلام كما في الجواهر.(1)
و الدليل عليه من الروايات صحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أذّن مؤذّن فنقص الأذان و أنت تريد أن تصلّي بأذانه فأتمّ ما نقص هو من أذانه».(2)
و يدلّ على اكتفاء الامام باقامة غيره مضافا الى الأذان اذا سمع، معتبرة أبي مريم الأنصاري قال:
«صلّى بنا أبو جعفر عليه السلام في قميص بلا ازار و لا رداء و لا أذان و لا اقامة - الى أن قال: - فقال: و انّي مررت بجعفر و هو يؤذّن و يقيم فلم أتكلّم فأجزأني ذلك».(1)
و خبر عمرو بن خالد أو موثّقته عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«كنّا معه فسمع اقامة جارٍ له بالصلاة فقال: قوموا، فقمنا فصلّينا معه بغير أذان و لااقامة و قال: و يجزيكم أذان جاركم».(2)
و مرسلة علي بن مهزيار عن اسماعيل بن جابر:
«انّ أبا عبداللّه عليه السلام كان يؤذّن و يقيم غيره، قال: و كان يقيم و قد أذّن غيره».(3)
و خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام:
«انّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان اذا دخل المسجد و بلال يقيم الصلاة جلس».(4)
و مرسلة الصدوق قال:
«كان علي عليه السلام يؤذّن و يقيم غيره، و كان يقيم و قد أذّن غيره».(5)
و خبر هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لمّا أسري برسول اللّه صلى الله عليه و آله و حضرت الصلاة أذّن جبرئيل و أقام الصلاة فقال: يا محمّد تقدّم، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله : تقدّم يا جبرئيل،
1) - وسائل الشيعة 4: 659 / الباب 30 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 4: 659 / الباب 30 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 4: 660 / الباب 31 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 4: 660 / الباب 31 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 4: 660 / الباب 31 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 3.
فقال له: انّا لانتقدّم على الآدميّين منذ أمرنا بالسجود لآدم».(1)
و الظاهر من هذه الروايات جواز اكتفاء الامام بأذان غيره و اقامته و ان كان الغير منفردا بصلاته. كما أنّ ظاهرها عدم لزوم سماع تمام فصول الأذان و الاقامة بل يكتفى بهما و ان سمع بعض فصولهما.
ثمّ انّ الظاهر منها الاكتفاء اذا سمعهما الامام، و أمّا سماع المأمومين دونه فلا دليل عليه.
ثمّ اعلم أنّ السقوط هيهنا يكون على وجه الرخصة لا العزيمة و ذلك لما من قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان: « ... و أنت تريد أن تصلّي بأذانه ... »، و كذا قوله فيمعتبرة أبي مريم: «فاجزأني ذلك»، و في خبر عمرو بن خالد أو موثّقته « ... و يجزيكم أذان جاركم»، فمعنى الاجزاء هو احتساب ما قاله الغير من الأذان و الاقامة للسامع، لاعدم المشروعية حتّى يكون سقوطهما عزيمة كما ذهب اليه بعض الفقهاء.
و سيأتي حكم حكاية أذان الغير أو اقامته و الاكتفاء بهما في المسألة الآتية.
1) - وسائل الشيعة 4: 660 / الباب 31 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 5.
(مسألة 4): يستحبّ حكاية الأذان عند سماعه سواء كان أذان الاعلام أو أذان الاعظام أي أذان الصلاة جماعة أو فرادى مكروها كان أو مستحبّا، نعم لايستحبّ حكاية الأذان المحرّم. و المراد بالحكاية أن يقول مثل ما قال المؤذّن عند السماع من غير فصل معتدٍّ به و كذا يستحبّ حكاية الاقامة أيضا لكن ينبغي اذا قال المقيم: «قد قامت الصلاة»، أن يقول هو: «اللّهمّ أقمها و أدمها و اجعلني من خير صالحي أهلها» و الأولى تبديل الحيّعلات بالحوقلة بأن يقول: «لاحول و لاقوّة الاّ باللّه».
الشرح:
في المسألة فروع:
يستحبّ حكاية الأذان عند سماعه لدلالة جملة من النصوص المعتبرة عليه، منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا سمع المؤذّن يؤذّن، قال مثل ما يقول في كلّ شيء».(1)
و منها: صحيحة أخرى لمحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال له:
«يا محمّد بن مسلم لاتدعنّ ذكر اللّه عزّوجلّ على كلّ حال، و لو سمعت المنادي ينادي بالأذان و أنت على الخلاء فاذكر اللّه عزّوجلّ و قل كما يقول المؤذّن».(2)و
منها: صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما أقول اذا سمعت الأذان؟ قال: أذكر اللّه مع كلّ ذاكر».(1)
و منها: خبر الحارث بن المغيرة النصري عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«من سمع المؤذّن يقول: أشهد أن لا اله الاّ اللّه، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، فقال مصدّقا محتسبا: و أنا أشهد أن لا اله الاّ اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، أكتفي بها عن كلّ من أبى و جحد و أعين بها من أقرّ و شهد كان له من الأجر عدد من أنكر و جحد، و عدد من أقرّ و شهد».(2)
ثمّ اعلم أنّه يجوز أن يكتفي الامام بأذان المؤذّن الذي يحكي أذانه ولكن لا بعنوان الحكاية لأنّ الاكتفاء بالحكاية لادليل عليه بل بعنوان أنّه سمع أذان المؤذّن.
و اعلم أيضا أنّه لافرق في استحباب حكاية الأذان عند سماعه بين أن يكون الأذان، أذان اعلام و بين أن يكون أذان اعظام أي أذان الصلاة جماعة أو فرادى كان مستحبّا مؤكّدا أو لم يكن كما في موارد السقوط عن رخصة، كلّ ذلك لاطلاق النصوص من غير فرق بين الامام و المأموم.
نعم لايستحبّ حكاية الأذان المحرّم كالأذان قبل دخول الوقت لانصراف النصوص عنه جزما، اذ لاينبغي التأمّل في أنّ موردها الأذان المشروع، نعم اذا كانت الحكاية بقصد مطلق الذكر و لم يكن امضاءً لما فعله من الحرام، فانّ ذكر اللّه حسن على كلّ حال فيشمله قوله عليه السلامفي صحيحة زرارة المتقدّمة: «أذكر اللّه مع كلّذاكر»، الاّ أن يقال بأنّ الأذان قبل الوقت مع كون المؤذّن عالما بحرمته لايكون ذكرا للّه، فالاحتياط بترك الحكاية حينئذٍ حسن.
المراد بحكاية الأذان أن يقول مثل ما قال المؤذّن عند السماع كما دلّت عليه صحيحتا محمّد بن مسلم و خبر الحارث و لايكون بين ما قاله المؤذّن و ما يحكى فصل معتدّ به لظاهر النصوص المتقدّمة، و الاّ يكون أذانا مستقلاًّ لاحكاية عن أذان كما هو واضح.
و أمّا حكاية الاقامة فليس على استحبابها دليل، لاختصاص مورد النصوص بالأذان الظاهر فيما يقابل الاقامة. نعم لاينبغي الارتياب في الاستحباب بعنوان الذكر المطلق فيما عدا الحيّعلات.
و أمّا ما قاله الماتن من قول: «اللّهمّ أقمها و أدمها ... الخ» و أولويّة تبديل الحيّعلات بالحوقلة، فلا دليل معتبر عليه، فانّه ورد في مرسلة دعائم الاسلام عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا قال المؤذّن: اللّه أكبر، فقل: اللّه أكبر [و اذا قال: أشهد أن لا اله الاّ اللّه فقل: أشهد أن لا اله الاّ اللّه]، فاذا قال: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، فقل: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، فاذا قال قد قامت الصلاة، فقل: اللّهمّ أقمها و أدمها و اجعلنا من خير صالحي أهلها عملاً».(1)
و عن علي بن الحسين عليهماالسلام:
«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان اذا سمع المؤذّن قال كما يقول، فاذا قال: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، قال: لاحول و لاقوّة الاّ باللّه، فاذا انقضت الاقامة قال: اللّهمّ ربّ (هذه) الدعوة
1) - مستدرك وسائل الشيعة 4: 59 / الباب 34 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 6.
التامّة، و الصلاة القائمة، أعط محمّدا سؤله يوم القيامة و بلّغه الدرجة الوسيلة من الجنّة، و تقبّل شفاعته في أمّته».(1)
(مسألة 5): يجوز حكاية الأذان و هو في الصلاة لكنّ الأقوى حينئذٍ تبديل الحيّعلات بالحوقلة.
الشرح:
الظاهر أنّ النصوص الواردة في استحباب حكاية الأذان منصرفة عن الصلاة، فانّ قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم: «كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا سمع المؤذّن يؤذّن قال مثل ما يقول في كلّ شيء»، ظاهر في ما اذا تهيّأ الرسول صلى الله عليه و آله للصلاة و المؤذّن يؤذّن للصلاة مضافا الى أنّ ذلك هو الذي ينسبق الى الذهن، و الاطلاق في الصحيحة محل تأمّل و معه لادليل على جواز الحكاية في الصلاة.
أضف الى ذلك أنّ الحكمة في الأمر بحكاية الأذان هي التوجّه الى اللّه كما في صحيحة محمّد بن مسلم الثانية المتقدّمة فانّه عليه السلامقال: «يا محمّد بن مسلم، لاتدعنّ ذكر اللّه عزّوجلّ على كلّ حال، و لو سمعت المنادي ينادي بالأذان و أنت على الخلاء فاذكر اللّه عزّوجلّ و قل كما يقول المؤذّن».
و من المعلوم أنّ المصلّي يناجي ربّه و هو في عين ذكر اللّه، و لايحتاج الىحكاية الأذان ليكون مشمولاً لقوله عليه السلام: «لاتدعنّ ذكر اللّه عزّوجلّ على كلّ حال»، بل التوجّه الى المؤذّن و حكاية الأذان قد ينصرف ذهنه و قلبه عن الصلاة. و بالجملة استحباب حكاية الأذان بل مشروعيتها بعنوانها في الصلاة محلّ اشكال.
(مسألة 6): يعتبر في السقوط بالسماع عدم الفصل الطويل بينه و بين الصلاة.
الشرح:
1) - مستدرك وسائل الشيعة 4: 58 / الباب 34 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 5.
قد ذكر الماتن في أنّه يشترط عدم الفصل الطويل بين سماع الأذان و بين الصلاة اذا أراد المصلّي أن يكتفي به، و هو الظاهر من الروايات المتقدّمة الواردة في الباب، مضافا الى أنّ قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: «اذا أذّنت في أرض فلاة و أقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة. الحديث».(1)و غيرها ممّا ورد في مشروعية الأذان و الاقامة، ظاهر في أنّ مشروعية الأذان للصلاة مشروط باتّصال الأذان و الاقامة بالصلاة، و أن لايكون بين الأذان و الاقامة فصل طويل، فاذا كان الأذان هكذا حاله فلابدّ من أن يكون بدله كذلك. و ان قلت اطلاق دليل الاكتفاء بسماع الأذان حاكم، قلت أوّلاً مدلول الروايات ينصرف الى ما قلنا، و ثانيا انّ الروايات الواردة حكاية فعل و لا أمر فيها، و الفعل لا اطلاق له.
(مسألة 7): الظاهر عدم الفرق بين السماع و الاستماع.
الشرح:
ظاهر موثّقة ابن خالد عدم الفرق بين السماع و الاستماع، فانّ فيها:
«كنّا معه فسمع اقامة جار له بالصلاة. الحديث».(2)
مضافا الى اطلاق سائر الروايات الواردة في هذا الباب.
(مسألة 8): القدر المتيقّن من الأذان، الأذان المتعلّق بالصلاة فلو سمع الأذان الذي يقال في أذن المولود أو وراء المسافر عند خروجه الى السفر، لايجزيه.
الشرح:
الاكتفاء بسماع أذان الغير لصلاة نفسه خلاف الأصل لايصار اليه الاّ بالدليل، و
الروايات الواردة في هذا الباب ظاهرها جواز الاكتفاء بسماع الأذان المتعلّق بالصلاة و يعضده ذكر الاقامة معه في بعضها، فلايشمل الأذان الذي يقال في أذن المولود أو وراء المسافر، مضافا الى أنّ الروايات المذكورة حكاية فعل لا اطلاق لها ليشمل غير الأذان المتعلّق بالصلاة كالأذان الذي يقال في أذن المولود فلو سمعه لايكتفى به.
(مسألة 9): الظاهر عدم الفرق بين أذان الرجل و المرأة الاّ اذا كان سماعه على الوجه المحرّم أو كان أذان المرأة على الوجه المحرّم.
الشرح:
المنسبق من الروايات الواردة في جواز الاكتفاء بسماع الأذان من المؤذّن، الأذان الصادر من الرجل لا المرأة، و عليه فما ذهب اليه الماتن من عدم الفرق فيه تأمّل، و كأنّه تمسّك باطلاق الروايات مع أنّها حكاية فعل لا اطلاق له. و لو بنى على التعميم اختص بالأذان و السماع المحلّلين، لأنّهما مورد النصوص و على الأقلّ من عدم الاطلاق الشامل لغيرهما.
(مسألة 10): قد يقال يشترط في السقوط بالسماع أن يكون السامع من الأوّل قاصدا للصلاة، فلو لم يكن قاصدا و بعد السماع بنى على الصلاة لم يكف في السقوط، و له وجه.
الشرح:
يظهر من الروايات أنّ الاكتفاء بسماع الأذان فيما اذا كان السامع من الأوّل قاصدا للصلاة، فلو لم يكن قاصدا و بعد السماع بنى على الصلاة لم يكف في السقوط، لعدم اطلاق الروايات، و للأصل.
يشترط في الأذان و الاقامة أمور؛ «الأوّل»: النيّة ابتداءً و استدامة على نحو سائر العبادات، فلو أذّن أو أقام لا بقصد القربة لم يصحّ، و كذا لو تركها في الأثناء. نعم لو رجع اليها و أعاد ما أتى به من الفصول - لا مع القربة - معها، صحّ و لايجب الاستيناف هذا في أذان الصلاة و أمّا أذان الاعلام فلايعتبر فيه القربة كما مرّ، و يعتبر أيضا تعيين الصلاة التي يأتي بهما لها مع الاشتراك، فلو لم يعيّن لم يكف، كما أنّه لو قصد بهما صلاة لايكفي لأخرى، بل يعتبر الاعادة و الاستيناف.
الشرح:
يشترط في الأذان و الاقامة أمور؛ «الأوّل»: النيّة أي نيّة القربة ابتداءً و استدامة فانّ الأذان مطلقا من العبادات، و هي الظاهرة من الأخبار المتظافرة الواردة في الأبواب المتفرّقة في الأذان و الاقامة، من الأجر و الثواب للمؤذّن، و انّه داعي اللّه في أرضه، و انّ الأذان و الاقامة ذكر اللّه، و من استحباب الطهارة و استقبال القبلة والقيام للمؤذّن و المقيم حين يؤذّن و يقيم، و ما ورد في علل الأذان و الاقامة و
حكمتهما. و أمّا الفرق بين أذان الصلاة و أذان الاعلام و أنّ الأوّل لايصحّ بدون قصد القربة بخلاف الثاني هو ثبوت ارتكاز المتشرّعة على كونه من توابع الصلاة المحكومة بحكمها من هذه الجهة، و ان كان مقدّما عليها خارجا. و هذا مركوز في أذهان عامّة المتشرّعة بمثابة يكشف عن كونه كذلك عند الشارع. مضافا الى أنّه بدون قصد القربة لافائدة فيه، فانّ أذان الصلاة عبادة وضع للتهيّؤ للورود في الصلاة و التوجّه الى اللّه فاذا خلا من قصد القربة خلا من تلك الفائدة. و أمّا الثاني أي أذان الاعلام اذا كان فاقدا عن قصد القربة لايؤجر عليه و أمّا الاعلام فهو حاصل.
ثمّ انّ النيّة شرط في أذان الصلاة استدامة كما تشترط ابتداءً، و لو تركها في الأثناء لم يصحّ. نعم لو رجع اليها و أعاد الفصول التي كانت خالية عن القربة و أتى بها مع قصد القربة يصحّ و لايلزم الاستيناف.
ثمّ انّه لايعتبر تعيين الصلاة للأذان لاطلاق أدلّة الأذان، نعم يعتبر تعيين نوع الصلاة كاليومية أداءً أو قضاءً، جماعة أو فرادى، و ذلك لموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سئل عن الرجل يؤذّن و يقيم ليصلّي وحده فيجيء رجل آخر فيقول له: نصلّي جماعة، هل يجوز أن يصلّيا بذلك الأذان و الاقامة؟ قال: لا ولكن يؤذّن و يقيم».(1)
1) - وسائل الشيعة 4: 655 / الباب 27 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
«الثاني»: العقل و الايمان، و أمّا البلوغ فالأقوى عدم اعتباره خصوصا في الأذان، و خصوصا في الاعلامي فيجزي أذان المميّز و اقامته اذا سمعه أو حكاه أو فيما لو أتى بهما للجماعة. و أمّا اجزاؤهما لصلاة نفسه فلا اشكال فيه. و أمّا الذكورية فتعتبر في أذان الاعلام و الأذان و الاقامة لجماعة الرجال غير المحارم، و يجزيان لجماعة النساء و المحارم على اشكال في الأخير، و الأحوط عدم الاعتداد. نعم الظاهر اجزاء سماع أذانهنّ بشرط عدم الحرمة كما مرّ و كذا اقامتهنّ.
الشرح:
يشترط في صحّة الأذان و الاقامة العقل، كما يشترط ذلك في صحّة الأعمال كلّها، فالمجنون لايصحّ منه عبادة أو غيرها، و ذلك لرفع قلم التكليف عنه عقلاً و شرعا فالأوّل واضح و أمّا الثاني فيدلّ عليه حديث «رفع القلم»، فاذا أذّن ثمّ أفاق ففي جواز الاكتفاء بذلك الأذان لنفسه أو لمن سمعه اشكال لعدم الدليل.
و يشترط أيضا في صحّتهما الاسلام و الايمان و الدليل على ذلك موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن الأذان هل يجوز أن يكون عن غير عارف؟ قال: لايستقيم الأذان و لايجوز أن يؤذّن به الاّ رجل مسلم عارف، فان علم الأذان و أذّن به و لم يكن عارفا لم يجز أذانه و لا اقامته و لايقتدى به. الحديث».(1)
فانّ المراد بالعارف هو المؤمن، كما تعارف اطلاقه عليه في لسان الأخبار.
و صحيحة معاذ بن كثير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا دخل الرجل المسجد و هو لايأتمّ بصاحبه و قد بقي على الامام آية أو آيتان فخشي ان هو أذّن و أقام أن يركع فليقل: «قد قامت الصلاة، قد قامت
1) - وسائل الشيعة 4: 654 / الباب 26 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
الصلاة، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا اله الاّ اللّه»، و ليدخل في الصلاة».(1)
و صحيحة محمّد بن عذافر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أذّن خلف من قرأت خلفه».(2)
و أمّا البلوغ، فالأقوى عدم اعتباره، ففي الجواهر: «انّ الاجماع محصّل و منقول مستفيضا بل متواترا على عدم اعتبار البلوغ فيه». و يشهد له:
صحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«لابأس أن يؤذّن الغلام الذي لم يحتلم. الحديث».(3)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه أنّ عليّا عليه السلام كان يقول:
«لابأس أن يؤذّن الغلام قبل أن يحتلم. الحديث».(4)
و صحيحة طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن على عليه السلام قال:
«لابأس أن يؤذّن الغلام الذي لم يحتلم».(5)
و موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤمّ القوم و أن يؤذّن».(6)
فيجزى أذان المميّز بلا فرق بين أذان الاعلام و أذان الصلاة. أمّا الأوّل فواضحو
أمّا الثاني فلا اشكال في اجزاء أذانه لصلاة نفسه و كذا يجوز أن يكتفي الامام بأذانه اذا سمعه و ذلك لأنّه اذا أجاز الشارع أذانه فيجري عليه أحكام الأذان الذي منها الاكتفاء بسماع أذانه لصلاة الجماعة، الاّ أن يقال انّ الاكتفاء بسماع الأذان
1) - وسائل الشيعة 4: 663 / الباب 34 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 4: 664 / الباب 34 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 4: 661 / الباب 32 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 4: 661 / الباب 32 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 4: 661 / الباب 32 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 4: 662 / الباب 32 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
خلاف الأصل فلايصار اليه الاّ بالدليل، و الروايات الدالّة على جواز الاكتفاء لا اطلاق لها من هذه الجهة، كما لا اطلاق لها من جهة الاكتفاء بسماع أذان المرأة. نعم لو قلنا بشرعيّة عبادات الصبيّ فلا اشكال في جواز الاكتفاء لعدم الفرق حينئذٍ بينه و بين البالغ.
و هكذا يكون الحال بالنسبة الى الاكتفاء بسماع اقامة الصبي المميّز اذا أقام لصلاة نفسه.
أمّا الذكوريّة، فيعتبر في أذان الاعلام، لأنّ الاعلام يلازم رفع الصوت، فكيف يكون مشروعا للمرأة التي يكون صوتها في مظانّ العورة و على الأقلّ في رفع صوتها؟ ففي صحيح زرارة: «كلّما اشتدّ الصوت كان الأجر أعظم»، و بما أنّ المطلوب من المرأة خفض صوتها، فمناسبة الحكم و الموضوع تقتضي انصراف النصوص الى الرجال و عدم شمولها للنساء. و هكذا يعتبر الذكوريّة في المؤذّن لجماعة الرجال مطلقا من المحارم و غيرها لانصراف النصوص عن النساء.
و أمّا الأذان و الاقامة لجماعتهنّ فيجوز، لأنّ الشارع اذا جوّز امامة النساء للنّساء، فيجوّز الأذان و الاقامة منهنّ لهنّ، لأنّهما كالجزء من الصلاة، و كذا يجوز الاكتفاء بسماع أذانهنّ لهنّ، كلّ ذلك بتنقيح المناط.
«الثالث»: الترتيب بينهما بتقديم الأذان على الاقامة و كذا بين فصول كلّ منهما فلو قدّم الاقامة عمدا أو جهلاً أو سهوا أعادها بعد الأذان و كذا لو خالف الترتيب فيما بين فصولهما فانّه يرجع الى موضع المخالفة و يأتي على الترتيب الى الآخر و اذا حصل الفصل الطويل المخلّ بالموالاة يعيد من الأوّل من غير فرق أيضا بين العمد و غيره.
الشرح:
هيهنا فروع:
فيدلّ على لزوم الترتيب بين نفس الأذان روايات؛ منها: صحيحة زرارة:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الاقامة، قال: يمضي. الحديث».(1)
و منها: ما دلّ على استحباب الفصل بين الأذان و الاقامة، كصحيحة البزنطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: القعود بين الأذان و الاقامة في الصلوات كلّها اذا لم يكن قبل الاقامة صلاة يصلّيها».(2)
ففي فرض الامام عليه السلام استحباب القعود بين الأذان و الاقامة اذا لم يكن قبل الاقامة صلاة يدلّ على الترتيب و بعبارة أخرى انّه عليه السلام قال باستحباب الصلاة ابتداءً قبل الاقامة بعنوان الفصل بين الأذان و الاقامة فاذا كانت الصلاة قبل الاقامة مستحبّة بعنوان الفصل كشف ذلك عن تقدّم الأذان و أنّ الاقامة تكون بعد الأذان.
و منها، الروايات التي وردت في استحباب الأذان و الاقامة للصلاة، ففي كلّها مع كثرتها تجد هذه الجملة: «أذّن و أقام» أو «أذّن و أقم» و ما يكون نظيرهما، و لاتجد أصلاً و لو في رواية واحدة «أقام و أذّن» بأن يبتدأ بالاقامة ثمّ بالأذان، و هذا يكفي في اعتبار الترتيب بين الأذان و الاقامة و عدم مشروعيّة الابتداء بالاقامة.
و منها ما ورد من الروايات في تأكيد استحباب الطهارة و الاستقبال و القيام في الاقامة و عدم التكلّم بين فصولها دون الأذان حيث يكشف أنّ المعتبر في الاقامة أن يتّصل بالصلاة بل في بعضها أنّ الاقامة جزء من الصلاة، فكيف يجوز أن يكون الأذان بعد الاقامة؟
هذا مضافا الى أنّ الارتكاز القطعيّ بين المتشرّعة كاشف عن رأي الامام عليه السلام.
يلزم الترتيب بين فصول كلّ من الأذان و الاقامة و الدليل على ذلك «أوّلاً»: الروايات الواردة في كيفيّة الأذان و الاقامة، و قد سبق في أوّل البحث في الفرع الرابع.
«ثانيا»: انّ ارتكاز المتشرّعة كاشف عن رأي الامام عليه السلام. «ثالثا»: صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من سها في الأذان فقدّم أو أخّر، أعاد على الأوّل الذي أخّره، حتّى يمضي على آخره».(1)و
موثّقة عمّار الساباطي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - فان نسي حرفا من الاقامة عاد
1) - وسائل الشيعة 4: 662 / الباب 33 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
الى الحرف الذي نسيه، ثمّ يقول من ذلك الموضع الى آخر الاقامة. الحديث».(1)
و مرسلة محمّد بن علي بن الحسين قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: تابع بين الوضوء - الى أن قال: - و كذلك في الأذان و الاقامة فابدأ بالأوّل فالأوّل، فان قلت: «حيّ على الصلاة» قبل الشهادتين تشهّدت ثمّ قلت: حيّ على الصلاة».(2)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلامقال:
«سألته عن الرجل يخطي في أذانه و اقامته فذكر قبل أن يقوم الى الصلاة ما حاله؟ قال: ان كان أخطأ في أذانه مضى على صلاته، و ان كان في اقامته انصرف فأعادها وحدها، و ان ذكر بعد الفراغ من ركعة أو ركعتين مضى على صلاته و اجزأه ذلك».(3)
لايجوز الزيادة و النقصان في الأذان و الاقامة، و الدليل على ذلك «أوّلاً»: الروايات الواردة المتضمّنة لكيفية الأذان و الاقامة، فانّ أذان الصلاة و كذا الاقامة عبادة توقيفيّة فلو زاد فيهما أو نقص عنهما عمدا و بقصد التشريع ارتكب الحرام و يكون الفعل بدعة و هكذا الحال ان لم يراع الترتيب بين الفصول.
«و ثانيا»: صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من سها في الأذان فقدّم أو أخّر أعاد على الأوّل الذي أخّره حتّى يمضي على آخره».(1)
و موثّقة عمّار الساباطي أنّه قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي من الأذان حرفا فذكره حين فرغ من الأذان و الاقامة، قال: يرجع الى الحرف الذي نسيه فليقله و ليقل من ذلك الحرف الى آخره، و لايعيد الأذان كلّه و لا الاقامة».(2)
و موثّقة أخرى لعمّار الساباطي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - فان نسي حرفا من الاقامة عاد الى الحرف الذي نسيه، ثمّ يقول من ذلك الموضع الى آخر الاقامة».(3)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: تابع بين الوضوء - الى أن قال: - و كذلك في الأذان و الاقامة فابدأ بالأوّل فالأوّل، فان قلت: «حيّ على الصلاة» قبل الشهادتين تشهّدت ثمّ قلت: حيّ على الصلاة».(4)
ثمّ اعلم أنّه اذا نسي حرفا من الاقامة فتذكّر قبل الورود في الصلاة عاد الى الحرف الذي نسيه ثمّ يقول من ذلك الموضع الى آخر الاقامة كما ورد في موثّقة عمّار الثانية المتقدّمة آنفا.
و أمّا اذا نسي حرفا من الأذان فان أخذ في الاقامة فليمض، كما في موثّقة عمّار الساباطي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام أو سمعته يقول: ان نسي الرجل حرفا من الأذان حتّى يأخذ في الاقامة فليمض في الاقامة و ليس عليه شيء. الحديث».(1)
و أمّا اذا ذكره حين فرغ من الأذان و الاقامة، فليرجع الى الحرف الذي نسيه فليقله، و لايعيد الأذان كلّه و لا الاقامة، و ذلك لموثّقة عمّار الثانية أنّه قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي من الأذان حرفا فذكره حين فرغ من الأذان و الاقامة، قال: يرجع الى الحرف الذي نسيه فليقله و ليقل من ذلك الحرف الى آخره، و لايعيد الأذان كلّه و لا الاقامة».(2)
ثمّ اعلم أيضا أنّه لو تذكّر نسيان بعض فصول الأذان بعد فوات الموالاة فيلزم الاستيناف و ذلك كما اذا أذّن للصلاة و صلّى ركعتين و بعد الصلاة ذكر نسيان فصل من الأذان. و الدليل على الاستيناف بطلان الأذان، لنقص الأذان و فوت وقت الجبران. و قيل يرجع الى الفصل الذي نسيه فيأتي به و بما بعده، لاطلاق صحيحة زرارة و موثّقة عمّار المتقدّمتين آنفا، و بذلك يقيّد دليل اعتبار الموالاة بين الفصول. ولكن فيه منع الاطلاق لوضوح قصر النظر في الروايتين على الخلل من ناحية الترتيب فقط.
و بهذا ظهر أنّه لو أخلّ بالموالاة عمدا أو جهلاً سواء كان في الأذان أو الاقامة يلزمه الاستيناف، لاعتبار الموالاة في المركّبات التي لها وحدة كالأذان و الاقامة و الصلاة و غيرها، و عدم الدليل على الاكتفاء بالناقص للجهل.
«الرابع»: الموالاة بين الفصول من كلّ منهما، على وجه تكون صورتهما محفوظة بحسب عرف المتشرّعة و كذا بين الأذان و الاقامة، و بينهما و بين الصلاة فالفصل الطويل المخلّ بحسب عرف المتشرّعة بينهما، أو بينهما و بين الصلاة، مبطل.
الشرح:
اذا ورد عمل من الشارع ذو أجزاء كالصلاة، أو أذكار لها هيئة وحدانيّة كالأذان و الاقامة فالمتفاهم العرفي منها اعتبار الموالاة بين الأجزاء و الأقوال، فلو فصّل فصلاً طويلاً بين أجزاء الصلاة أو بين فصول الأذان أو الاقامة، لم يكن هذا العمل عند العرف الصلاة المأمور بها من الشارع و كذلك الأذان و الاقامة، فهذا أمر مرتكز في الأذهان العرفيّة لعمل له هيئة تركيبية وحدانيّة.
قال في مستند العروة: «انّ الحكم متسالم عليه في المقام بين الاعلام، و من ثمّ ذكروا في باب العقد لزوم وقوع القبول بعد الايجاب بلافصل كما يعتبر الموالاة بين فصول الأذان. فيظهر من هذا التشبيه أنّ اعتبار الموالاة في المقام أمر مسلّم مفروغ عنه، و مرتكز عليه في الأذهان. انتهى».
«الخامس»: الاتيان بهما على الوجه الصحيح بالعربيّة فلايجزي ترجمتهما و لا مع تبديل حرف بحرف.
الشرح:
يجب الاتيان بالأذان و الاقامة على الوجه الصحيح بالعربيّة فلايجزي ترجمتهما و لاتبديل حرف بحرف و ذلك لأنّهما عبادة و العبادة توقيفيّة و محدودة بما حدّدها الشارع فلو تغيّر أصلها و ان كان بمثل تبديل حرف بحرف لايكون ممّا أمره الشارع و لايكون العامل به ممتثلاً، بل قد يكون بدعة اذا أتى بترجمتهما أو بتبديل حرف بحرف عمدا و بقصد أنّه من الشارع.
«السادس»: دخول الوقت، فلو أتى بهما قبله و لولا عن عمد لم يجتز بهما و ان دخل الوقت في الأثناء. نعم لايبعد جواز تقديم الأذان قبل الفجر للاعلام، و ان كان الأحوط اعادته بعده.
الشرح:
لايجوز أن يؤذّن في غير الصبح الاّ بعد دخول الوقت. قال في الجواهر: «اجماعا من المسلمين فضلاً عن المؤمنين و سنّة معلومة من النبيّ صلى الله عليه و آله و ذرّيّته الطاهرين عليهم السلام فهو الموافق حينئذٍ لدليل التأسّي برسول ربّ العالمين صلى الله عليه و آله و الأئمّة المرضيّين عليهم السلام فضلاً عن الصحابة و التابعين و تابعي التابعين، و لحكمة وضعه التي هي الاعلام بوقت الصلاة، و لغير ذلك ممّا لايخفى. انتهى».(1)
قال في المستمسك: «اجماعا في غير الصبح كما عن نهاية الأحكام و المختلف و كشف اللثام، بل عن المعتبر و المنتهى و التحرير و التذكرة و جامع المقاصد أنّه اجماع علماء الاسلام. انتهى».(2)و
في مصباح الفقيه بعد نقل الاجماع قال: «اذ لايتنجّز التكليف به الاّ بعد حصول سببه فقبله تشريع محرّم. اللّهمّ الاّ أن يقصد به مجرّد الذكر لا العبادة الموظّفة المسنونة. انتهى».(3)
و الشاهد على ذلك صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتنتظر بأذانك و اقامتك الاّ دخول وقت الصلاة و احدر اقامتك حدرا».(4)
فاطلاقها يشمل أذان الاعلام مضافا الى ما ورد في خصوص أذان الاعلام كصحيح ذريح المحاربي قال:
«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام: صلّ الجمعة بأذان هؤلاء فانّهم أشدّ شيء مواظبة على الوقت».(1)
أمّا الأذان للاعلام قبل الصبح:
قال في الجواهر: عند المعظم من أصحابنا بل في المعتبر عندنا، بل عن المنتهى عند علمائنا.
و في مصباح الفقيه: «بل نقل الاجماع و عن ابن عقيل أنّه قال: الأذان عند آل الرسول عليهم السلام للصلوات الخمس بعد دخول وقتها الاّ الصبح فانّه جائز أن يؤذّن لها قبل دخول وقتها، بذلك تواترت الأخبار عنهم قالوا و كان لرسول اللّه صلى الله عليه و آله مؤذّنان أحدهما بلال و الآخر ابن أمّ مكتوم و كان أعمى و كان يؤذّن قبل الفجر و بلال اذا طلع الفجر و كان صلى الله عليه و آله يقول اذا سمعتم أذان بلال فكفّوا عن الطعام و الشراب.انتهى. و عن السيّد في المسائل المصريّة و الحلّي و ابن الجنيد و أبي الصلاح و الجعفي رحمهم اللهالمنع من تقديمه في الصبح أيضا. انتهى».(2)
فانظر الى الروايات الواردة عنهم عليهم السلام في هذا المقام؛ منها: صحيح الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان بلال يؤذّن للنبيّ صلى الله عليه و آله و ابن أمّ مكتوم و كان أعمى يؤذّن بليل، و يؤذّن بلال حين يطلع الفجر».(3)
و منها: موثّقة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: هذا ابن أمّ مكتوم و هو يؤذّن بليل، فاذا أذّن
بلال فعند ذلك فاَمسك. يعني في الصوم».(1)
و منها: صحيح عمران بن علي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الأذان قبل الفجر فقال عليه السلام: اذا كان في جماعة فلا، و اذا كان وحده فلا بأس».(2)
و منها: صحيح ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: انّ لنا مؤذّنا يؤذّن بليل، قال: أمّا انّ ذلك ينفع الجيران لقيامهم الى الصلاة، و أمّا السنة فانّه ينادى مع طلوع الفجر و لايكون بين الأذان و الاقامة الاّ الركعتان».(3)
و منها: صحيح آخر لابن سنان قال:
«سألته عن النداء قبل طلوع الفجر قال: لابأس و أمّا السنة مع الفجر وانّ ذلك لينفع الجيران يعني قبل الفجر».(4)
فالمستفاد من هذه الأخبار أنّ الأذان الذي عيّن لاعلام الوقت و للصلاة يكون مع دخول الفجر فهو الأذان الموظّف و أمّا قبل الوقت خطأً أو سهوا أو لغرض عقلائي كتنبيه النائمين و القائمين للنافلة أو التهيّؤ فلا بأس.
«السابع»: الطهارة من الحدث في الاقامة على الأحوط بل لايخلو عن قوّة، بخلاف الأذان.
الشرح:
الطهارة من الحدث شرط صحّة الاقامة و الدليل على ذلك روايات وردت في
الباب التاسع من أبواب الأذان و الاقامة.
منها: صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«تؤذّن و أنت على غير وضوء في ثوب واحد قائما أو قاعدا و أينما توجّهت ولكن اذا أقمت فعلى وضوء متهيّئا للصلاة».(1)
و منها: صحيح الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس ان يؤذّن الرجل من غير وضوء و لايقيم الاّ و هو على وضوء».(2)
و منها: صحيح ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس أن تؤذّن و أنت على غير طهور و لاتقيم الاّ و أنت على وضوء».(3)و
منها: صحيح محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل يؤذّن على غير طهور؟ قال: نعم».(4)
و منها: موثّقة سماعة عن أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام (في حديث): لابأس أن تؤذّن على غير وضوء».(5)
و منها: موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه عليه السلام:
«أنّ عليّا عليه السلام كان يقول (في حديث): و لابأس بأن يؤذّن المؤذّن و هو جنب و لايقيم حتّى يغتسل».(6)
1) - وسائل الشيعة 4: 627 / الباب 9 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 4: 627 / الباب 9 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 4: 627 / الباب 9 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 4: 627 / الباب 9 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 4: 627 / الباب 9 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 5.
6) - وسائل الشيعة 4: 627 / الباب 9 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 6.
و منها: صحيح علي بن جعفر عن أخيه قال:
«سألته عن المؤذّن يحدث في أذانه أو في اقامته، قال: ان كان الحدث في الأذان فلا بأس و ان كان في الاقامة فليتوضأ و ليقم اقامة».(1)
و منها: خبر آخر لعلي بن جعفر في كتابه عن أخيه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يؤذّن أو يقيم و هو على غير وضوء، أيجزيه ذلك؟ قال: أمّا الأذان فلا بأس و أمّا الاقامة فلايقيم الاّ على وضوء. قلت: فان أقام و هو على غير وضوء أيصلّي باقامته؟ قال: لا».(2)
و الانصاف أنّ الظاهر من الأخبار شرطيّة الطهارة في الاقامة و لهذا قال في الجواهر: «الاقامة شرط فيها الطهارة لظاهر النصوص، و لامعارض لها الاّ الأصل المقطوع بالنصوص، و الاطلاق المقيّد بها. و لذا حكي عن صريح الكاتب و المصباح للسيّد و جمل العلم و العمل و المنتهى و ظاهر المقنعة و النهاية و السرائر و المهذّب الاشتراط، و في كشف اللثام هو الأقرب و مال اليه في المدارك و غيرها، ولكن المشهور نقلاً عن البحار و مجمع البرهان عدم الاشتراط بل في الروضة ليست عندنا شرطا و كأنّهم حملوا الأخبار المزبورة على التأكّد بناءً منهم على أن المطلق لايحمل على المقيّد في المندوبات، لعدم التعارض عند التأمّل، و فيه أنّه لو سلم فليس في مثل المقام المشتمل على النهي و نحوه، فالقول بالاشتراط أولى و أحوط. انتهى ملخّصا».(3)
بل لايخلو عن قوّة، لأنّه كيف يحمل مثل قوله عليه السلام «و لايقيم الاّ و هو على وضوء» على الاستحباب و كذا قوله عليه السلام: «لا»، في جواب السائل: «فان أقام و هو على غير وضوء أيصلّي باقامته؟» بل الظاهر منه الوجوب بمعنى الشرطيّة في المندوبات.
(مسألة 1): اذا شكّ في الاتيان بالأذان بعد الدخول في الاقامة لم يعتن به و كذا لو شكّ في فصل من أحدهما بعد الدخول في الفصل اللاحق. و لو شكّ قبل التجاوز أتى بما شكّ فيه.
الشرح:
اذا شكّ في الاتيان بالأذان بعد الدخول في الاقامة لم يعتن به و ذلك لصحيح زرارة:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الاقامة. قال عليه السلام: يمضي - الى أن قال عليه السلام: - يا زرارة اذا خرجت من شيء ثمّدخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(1)
و كذا لو شكّ في فصل من أحدهما بعد الدخول في الفصل اللاحق، لقوله عليه السلام في هذه الصحيحة: «يا زرارة اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» فانّه عام يشمل المورد. و لو شكّ قبل التجاوز أتى بما شكّ فيه، لقاعدة الاشتغال و مفهوم قوله عليه السلام «اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره ... »
1) - وسائل الشيعة 5: 336 / الباب 23 من أبواب الخلل / الحديث 1.
«الأوّل»: الاستقبال. «الثاني»: القيام. «الثالث»: الطهارة في الأذان و أمّا الاقامة فقد عرفت أنّ الأحوط بل لايخلو عن قوّة اعتبارها فيها، بل الأحوط اعتبار الاستقبال و القيام أيضا فيها، و ان كان الأقوى الاستحباب. «الرابع»: عدم التكلّم في أثنائهما بل يكره بعد «قد قامت الصلاة» للمقيم، بل لغيره أيضا في صلاة الجماعة، الاّ في تقديم امام بل مطلق مايتعلّق بالصلاة كتسوية صفّ و نحوه، بل يستحبّ له اعادتها حينئذٍ.
الشرح:
يستحبّ في الأذان و الاقامة أمور؛ «الأوّل»: الاستقبال، بلاخلاف و لااشكال، بل حكي عن جماعة الاجماع عليه. و تؤيّده مرسلة دعائم الاسلام عن علي عليه السلام:
«يستقبل المؤذّن القبلة في الأذان و الاقامة فاذا قال «حيّ على الصلاة»، «حيّ على الفلاح»، حوّل وجهه يمينا و شمالاً».(1)
و يمكن أن يستدلّ لاستحباب الاستقبال في الأذان بصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل يؤذّن و هو يمشي أو على ظهر دابّته أو على غير
1) - دعائم الاسلام 1: 144.
طهور؟ فقال: نعم اذا كان التشهّد مستقبل القبلة فلا بأس».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: يؤذّن الرجل و هو على غير القبلة؟ قال: اذا كان التشهّد مستقبل القبلة فلا بأس».(2)
بتقريب أنّ الظاهر من الصحيحتين عدم ترك الاستقبال فان ترك فلايتركه حين التشهّد. و لاتدلاّن على الوجوب أي شرطيّة الاستقبال في الأذان و ذلك أوّلاً: لأنّ مفهومهما البأس في الترك، و هو أعمّ من الحرمة. و ثانيا: لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«تؤذّن و أنت على غير وضوء في ثوب واحد قائما أو قاعدا و أينما توجّهت، ولكن اذا أقمت فعلى وضوء متهيّئا للصلاة».(3)
و خبر يونس الشيباني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أؤذّن و أنا راكب؟ قال: نعم. قلت: فأقيم و أنا راكب؟ قال: لا. قلت: فأقيم و رجلي في الركاب؟ قال: لا. قلت: فأقيم و أنا قاعد؟ قال: لا. قلت: فأقيم و أنا ماش؟ قال: نعم ماش الى الصلاة. قال: ثمّ قال: اذا أقمت الصلاة فأقم مترسّلاً فانّك في الصلاة. قال: قلت له: قد سألتك أقيم و أنا ماش؟ قلت لي: نعم، فيجوز أن أمشي في الصلاة؟ فقال: نعم، اذا دخلت من باب المسجد فكبّرت و أنت مع امام عادلثمّ مشيت الى الصلاة أجزأك ذلك و اذا الامام كبّر للركوع كنت معه في الركعة، لأنّه ان أدركته و هو راكع لم تدرك التكبير لم تكن معه في الركوع».(4)
أمّا الاقامة فيشترط فيها الاستقبال و ذلك لصحيحة زرارة المتقدّمة آنفا عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«تؤذّن و أنت على غير وضوء في ثوب واحد قائما أو قاعدا و أينما توجّهت، ولكن اذا أقمت فعلى وضوء متهيّئا للصلاة».(1)
تقريب الاستدلال: أنّ الامام عليه السلام فصّل بين الأذان و الاقامة و قال: «لابأس للمؤذّن أن يكون على غير وضوء و أن يكون قاعدا و غير مستقبل بخلاف المقيم فانّه يكون على وضوء متهيّئا للصلاة»، فالمستفاد من المقابلة و التهيّؤ للصلاة هو القيام و الاستقبال.
و يؤيّده خبر سليمان بن صالح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايقيم أحدكم الصلاة و هو ماشٍ و لا راكب و لامضطجع الاّ أن يكون مريضا، و ليتمكّن في الاقامة كما يتمكّن في الصلاة، فانّه اذا أخذ في الاقامة فهو في صلاة».(2)
و خبر أبي هارون المكفوف قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: يا أبا هارون، الاقامة من الصلاة فاذا أقمت فلاتتكلّم و لاتؤم بيدك».(3)
«الثاني»: القيام. يستحبّ أن يكون المؤذّن قائما حين يؤذّن و الدليل على ذلك (مضافا الى الاجماع المدّعى) رواية حمران قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الأذان جالسا قال: لايؤذّن جالسا الاّ راكب أو مريض».(4)
و لايكون واجبا لصحيحة زرارة المتقدّمة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«تؤذّن و أنت على غير وضوء في ثوب واحد قائما أو قاعدا. الحديث».(1)
و أمّا الاقامة فيعتبر فيها القيام و يدلّ على ذلك و على جواز الجلوس في الأذان: صحيحة ابن سنان قال:
«لابأس للمسافر أن يؤذّن و هو راكب و يقيم و هو على الأرض قائم».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: يؤذّن الرجل و هو قاعد؟ قال: نعم و لايقيم الاّ و هو قائم».(3)
و صحيحة أحمد بن محمّد عن عبد صالح عليه السلام قال:
«يؤذّن الرجل و هو جالس و لايقيم الاّ و هو قائم، و قال: تؤذّن و أنت راكب، و لاتقيم الاّ و أنت على الأرض».(4)
و موثّقة أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لابأس بأن تؤذّن راكبا أو ماشيا أو على غير وضوء و لاتقم و أنت راكب أو جالس الاّ من علّة أو تكون في أرض مَلَصّة».(5)
«الثالث»: تعتبر في الاقامة الطهارة و قد تقدّم، و أمّا الأذان فيستحبّ فيه أن يكون على وضوء و الدليل على ذلك - مضافا الى الاجماع المدّعى - صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
1) - وسائل الشيعة 4: 634 / الباب 13 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 4: 634 / الباب 13 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 4: 635 / الباب 13 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 4: 635 / الباب 13 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 4: 635 / الباب 13 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 8.
«سألته عن الرجل يؤذّن على غير طهور؟ قال: نعم».(1)
تقريب الاستدلال كأنّه كان في ذهن السائل اعتبار الطهارة في الأذان و الامام عليه السلامنفى اعتباره و الزامه و أمّا رجحانه فهو باقٍ. هذا أوّلاً.
و ثانيا يظهر رجحان الطهارة في الأذان من تفصيله عليه السلام بين الاقامة باعتبار الطهارة فيها و الزامها فيها و بين الأذان بأنّه لابأس بترك الطهارة في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس أن يؤذّن الرجل من غير وضوء و لايقيم الاّ و هو على وضوء».(2)
و نظير ذلك في صحيحة زرارة و صحيحة ابن سنان و موثّقة اسحاق بن عمّار.(3)
و يؤيّده خبر الدعائم:
«لابأس أن يؤذّن الرجل على غير طهر و يكون على طهر أفضل».(4)
و النبويّ المرويّ في كنز العمّال: «حقّ و سنّة أن لايؤذّن أحد الاّ و هو طاهر».
«الرابع»: يستحبّ عدم التكلّم في أثناء الأذان و الدليل على ذلك مضافا الى الاجماع المدّعى موثّقة سماعة قال:
«سألته عن المؤذّن أيتكلّم و هو يؤذّن؟ قال: لابأس حين (حتّى) يفرغ من أذانه».(5)
بناءً على ترجيح «حين» على «حتّى» و أيضا بناءً على أنّ ترك المكروه كان مستحبّا.
1) - وسائل الشيعة 4: 627 / الباب 9 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 4: 627 / الباب 9 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 4: 627 / الباب 9 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1 و 3 و 6.
4) - مستدرك وسائل الشيعة 4: 25 / الباب 8 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 4: 629 / الباب 10 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 6.
و يدلّ على جواز التكلّم في أثناء الأذان التفصيل بين الأذان و الاقامة في صحيحة عمرو بن أبي نصر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام:أيتكلّم الرجل في الأذان؟ قال: لابأس، قلت: في الاقامة؟ قال: لا».(1)
و أمّا الاقامة فبالنسبة الى المنفرد فيكره الكلام في أثناء الاقامة للجمع بين الروايات الناهية عن التكلّم حينها و بين الروايات المجوّزة على ذلك. فمن الأولى:
صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لاتتكلّم اذا أقمت الصلاة فانّك اذا تكلّمت أعدت الاقامة».(2)
و صحيحة عمرو بن أبي نصر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أيتكلّم الرجل في الأذان؟ قال: لابأس، قلت: في الاقامة؟ قال:لا».(3)
و معتبرة أبي هارون المكفوف قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: يا أبا هارون، الاقامة من الصلاة فاذا أقمت فلاتتكلّم و لاتؤم بيدك».(4)
و من الثانية: صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتكلّم في أذانه أو في اقامته؟ فقال: لابأس».(5)
1) - وسائل الشيعة 4: 629 / الباب 10 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 4: 629 / الباب 10 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 4: 629 / الباب 10 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 4: 630 / الباب 10 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 12.
5) - وسائل الشيعة 4: 629 / الباب 10 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 8.
و صحيحة حمّاد بن عثمان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتكلّم بعد ما يقيم الصلاة؟ قال: نعم».(1)
و صحيحة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام قلت: أيتكلّم الرجل بعد ما تقام الصلاة؟ قال: لابأس».(2)
و خبر الحسن بن شهاب قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لابأس أن يتكلّم الرجل و هو يقيم الصلاة و بعد ما يقيم ان شاء».(3)
و أمّا بالنسبة الى الجماعة فاذا قال المؤذّن: «قد قامت الصلاة» يكره الكلام كراهة شديدة و ذلك للجمع بين الطائفتين من الأخبار:
الأولى، الروايات الواردة بلسان التحريم، فمنها:
صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«اذا أقيمت الصلاة حرّم الكلام على الامام و أهل المسجد الاّ في تقديم امام».(4)
و منها: صحيحة ابن أبي عمير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتكلّم في الاقامة؟ قال: نعم، فاذا قال المؤذّن: «قد قامت الصلاة» فقد حرّم الكلام على أهل المسجد الاّ أن يكونوا قد اجتمعوا من شتّى و ليس لهم امام فلا بأس أن يقول
بعضهم ببعض (لبعض) تقدّم يا فلان».(1)
و منها: موثّقة سماعة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا قام (أقام) المؤذّن الصلاة فقد حرّم الكلام الاّ أن يكون القوم ليس يعرف لهم امام».(2)
و أمّا الطائفة الثانية، منها: صحيحة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام قلت: أيتكلّم الرجل بعد ما تقام الصلاة؟ قال: لابأس».(3)
قال في الجواهر: «اذا قال المؤذّن: «قد قامت الصلاة» كره الكلام كراهة مغلظة استأهلت اطلاق اسم الحرمة عليها، بل بها أفتى بعض الأساطين الاّ ما يتعلّق بتدبير المصلّين من تسوية الصفوف أو تقديم امام أو نحو ذلك. انتهى».(4)
قال في الحدائق: «فالمشهور الكراهة و قيل بالتحريم ذهب اليه الشيخان في المقنعة و النهاية و المرتضى في المصباح و ابن الجنيد و اختاره المحدّث الكاشاني في كتبه الثلاثة و هو الأظهر عندي أيضا. فانّه - عليه الرحمة - بعد ذكر الطائفتين من الأخبار قال: المشهور حملوا الروايات الناهية على الكراهة الشديدة - الى أن قال: - انّ مورد الأخبار المتقدّمة الجماعة و مورد الأخبار الثانية المنفرد، فالواجب في كلّ منهما بقاؤه على مورده و لاتنافي. انتهى ملخّصا».(5)
و قد تقدّم أنّ الأخبار كانت للمنفرد طائفتان و للجماعة أيضا طائفتان و الجمع بين الطائفتين في الجماعة و المنفرد قد اتّضح فراجع.
«الخامس»: الاستقرار في الاقامة.
الشرح:
و ذلك لخبر سليمان بن صالح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايقيم أحدكم الصلاة و هو ماش و لا راكب و لا مضطجع الاّ أن يكون مريضا، و ليتمكّن في الاقامة كما يتمكّن في الصلاة فانّه اذا أخذ في الاقامة فهو في صلاة».(1)
«السادس»: الجزم في أواخر فصولهما مع التأنّي في الأذان و الحدر فيالاقامة على وجه لاينافي قاعدة الوقف.
الشرح:
و ذلك لخبر خالد بن نجيح عنه عليه السلام أنّه قال:
«و الأذان و الاقامة مجزومان».(2)
قال ابن بابويه:
«و في (حديث آخر) موقوفان».(3)
و صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«احدر اقامتك حدرا».(4)
و صحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: الأذان جزم بافصاح الألف و الهاء، و الاقامة حدر».(5)
1) - وسائل الشيعة 4: 636 / الباب 13 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 12.
2) - وسائل الشيعة 4: 639 / الباب 15 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 4: 639 / الباب 15 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 4: 652 / الباب 24 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 4: 652 / الباب 24 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
«السابع»: الافصاح بالألف و الهاء من لفظ الجلالة في آخر كلّ فصل هو فيه.
الشرح:
فيدلّ عليه صحيحة زرارة، قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: اذا أذّنت فافصح بالألف و الهاء».(1)
و صحيحة ثانية لزرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: الأذان جزم بافصاح الألف و الهاء و الاقامةحدرا».(2)
و صحيحة ثالثة لزرارة عن أبي جفعر عليه السلامأنّه قال:
«لايجزيك من الأذان الاّ ما أسمعت نفسك، أو فهمته، و افصح بالألف و الهاء».(3)
و خبر خالد بن نجيح عن الصادق عليه السلام أنّه قال:
«التكبير جزم في الأذان مع الافصاح بالهاء و الألف».(4)
و خبر آخر لخالد بن نجيح عنه عليه السلام أنّه قال:
«و الأذان و الاقامة مجزومان».(5)
و مرسلة ابن بابويه: و في (حديث آخر) موقوفان.(6)
و عن العلاّمة في المنتهى: «يكره أن يكون المؤذّن لحانا - الى أن قال: - و يستحبّ له أن يظهر الهاء في لفظي «اللّه» و «الصلاة» و الحاء من «الفلاح» لما روي
1) - وسائل الشيعة 4: 639 / الباب 15 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 4: 639 / الباب 15 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 4: 639 / الباب 15 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 4: 639 / الباب 15 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 4: 639 / الباب 15 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 4.
6) - وسائل الشيعة 4: 639 / الباب 15 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 5.
عن النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه قال: لايؤذّن لكم من يدغم الهاء، قلنا و كيف يقول؟ قال: أشهد أن لا اله الاّ اللّه، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ».(1)
و عن ابن ادريس: «ينبغي أن يفصح فيهما بالحروف و بالهاء في الشهادتين. و المراد بالهاء هاء «اله» لا هاء «أشهد» و لا هاء «اللّه» لأنّ الهاء في «أشهد» مبيّنة مفصّح بها لا لبس فيها، و هاء «اللّه» موقوفة مبيّنة أيضا لا لبس فيها، و انّما المراد هاء «اله» لأنّ بعض الناس ربّما أدغم «الهاء» في «لا اله الاّ اللّه». انتهى».(2)
و الظاهر أنّ المراد من الافصاح بالألف و الهاء، اظهارهما حين جزم آخر كلمات فصول الأذان فما ذكره العلاّمة أظهر الأقوال.
«الثامن»: وضع الاصبعين في الأذنين في الأذان.
الشرح:
لصحيحة الحسن بن السريّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من السنة اذا أذّن الرجال أن يضع اصبعيه في أذنيه».(3)
و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«السنة أن تضع اصبعيك في أذنيك في الأذان».(4)
«التاسع»: مدّ الصوت في الأذان و رفعه و يستحبّ الرفع في الاقامة أيضا الاّ أنّه دون الأذان.
الشرح:
و يدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن وهب:
«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الأذان، فقال: أجهر به و ارفع به صوتك، و اذا أقمت فدون ذلك».(1)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«لايجزئك من الأذان الاّ ما أسمعت نفسك أو فهمته و كلّما اشتدّ صوتك من غير أن تجهد نفسك كان من يسمع أكثر و كان أجرك في ذلك أعظم».(2)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان طول حائط مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله قامة فكان صلى الله عليه و آله يقول لبلال اذا أذّن: يا بلال أعل فوق الجدار و ارفع صوتك بالأذان فانّ اللّه عزّوجلّ قد وكّل بالأذان ريحا ترفعه الى السماء فاذا سمعته الملائكة قالوا: هذه أصوات أمّة محمّد صلى الله عليه و آله بتوحيد اللّه عزّوجلّ فيستغفرون لأمّة محمّد صلى الله عليه و آله حتّى يفرغوا من تلك الصلاة».(3)
«العاشر»: الفصل بين الأذان و الاقامة بصلاة ركعتين، أو خطوة، أو قعدة، أو سجدة، أو ذكر، أو دعاء، أو سكوت، بل أو تكلّم، لكن في غير الغداة بل لايبعد كراهته فيها.
الشرح:
و ذلك للجمع بين الطائفتين من الأخبار:
الطائفة الأولى: ما فيها الأمر بالفصل كصحيحة سليمان بن جعفر الجعفري قال:
«سمعته يقول: افرق بين الأذان و الاقامة بجلوس أو بركعتين».(1)
و موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا قمت الى صلاة فريضة فأذّن و أقم، و افصل بين الأذان و الاقامة بقعود أو بكلام أو بتسبيح».(2)
و موثّقته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«سألته عن الرجل ينسى أن يفصل بين الأذان و الاقامة بشيء حتّى أخذ في الصلاة أو أقام للصلاة، قال: ليس عليه شيء، ليس له أن يدع ذلك عمدا. سئل ما الذي يجزي من التسبيح بين الأذان و الاقامة؟ قال: يقول: الحمد للّه».(3)
الطائفة الثانية: صحيحة عبداللّه بن مسكان قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام أذّن و أقام من غير أن يفصل بينهما بجلوس».(4)
و ان كان الظاهر من الجمع بين هاتين الطائفتين من الأخبار هو وجوب الفصل، لأنّ صحيحة ابن مسكان لايدلّ على ترك الفصل مطلقا و لعلّه عليه السلام اكتفى بالأقلّ من الفصل و هو قول «الحمد للّه» كما في الموثّقة الثانية لعمّار، الاّ أنّه لم ينقل من أحد من الفقهاء القول بالوجوب. ففي الحدائق نقل عن المعتبر أنّه قال: «و يستحبّ الفصل بينهما بركعتين أو بجلسة أو سجدة أو خطوة خلا المغرب فانّه لايفصل بين أذانيها الاّ بخطوة أو سكتة أو تسبيحة و عليه علماؤنا. و نحوه عن المنتهى».(1)
و كذلك نقل عن الشيخ في النهاية و عن ابن ادريس استحباب الفصل بين الأذان و الاقامة بما ذكر.
قال في الجواهر: «ليس الفصل بين الأذان و الاقامة بواجب قطعا، للأصل و الاطلاقات و ظهور نصوص المقام فما في موثّق عمّار، محمول على التأكّد أو كراهة الترك و ان لم يكن ذكرها الأكثر، كلّ ذلك مع ظهور اتّفاق الأصحاب على ذلك بحيث يمكن تحصيل الاجماع عليه. انتهى ملخّصا».(2)
و يدلّ على استحباب الفصل بالنافلة، صحيحة ابن أبي نصر، قال:
«قال: القعود بين الأذان و الاقامة في الصلوات كلّها اذا لم يكن قبل الاقامة صلاة يصلّيها».(3)
و يدلّ على استحباب الفصل بالسكوت مرسلة سيف بن عميرة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«بين كلّ أذانين قعدة الاّ المغرب فانّ بينهما نفسا».(4)
(مسألة 1): لو اختار السجدة يستحبّ أن يقول في سجوده: «ربّ سجدت لك خاضعا خاشعا» أو يقول: «لا اله الاّ أنت سجدت لك خاضعا خاشعا» و لو اختار القعدة يستحبّ أن يقول: «اللّهمّ اجعل قلبي بارّا و رزقي دارّا و عملي سارّا و اجعل لي عند قبر نبيّك قرارا و مستقرا» و لو اختار الخطوة أن يقول: «باللّه أستفتح و بمحمّد صلى الله عليه و آله أستنجح و أتوجّه، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و اجعلني بهم وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقرّبين.
الشرح:
لو اختار السجدة يستحبّ أن يقول في سجوده ما في رواية ابن أبي عمير عن أبيه عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«رأيته أذّن ثمّ أهوى للسجود ثمّ سجد سجدة بين الأذان و الاقامة فلمّا رفع رأسه قال: يا أبا عمير من فعل مثل فعلي غفر اللّه له ذنوبه كلّها، و قال: من أذّن ثمّ سجد فقال: «لااله الاّ أنت ربّي سجدت لك خاضعا خاشعا» غفر اللّه له ذنوبه».(1)
و لو اختار القعدة يستحبّ أن يدعو بدعاء مأثور كما في مرفوعة جعفر بن محمّد بن يقطان (يقطين) عنهم عليهم السلامقال:
«يقول الرجل اذا فرغ من الأذان و جلس: اللّهمّ اجعل قلبي بارّا، و رزقي دارّا، و اجعل لي عند قبر نبيّك صلى الله عليه و آله قرارا و مستقرّا».(2)
و لو اختار الخطوة يستحبّ أن يدعو بدعاء مأثور كما نقل عن فقه الرضا عليه السلام:
«و ان أحببت أن تجلس بين الأذان والاقامة فافعل، فانّ فيه فضلاًكثيرا، و انّما ذلك على الامام، (و أمّا المنفرد) فيخطو تجاه القبلة
خطوة برجله اليمنى، ثمّ يقول: باللّه أستفتح، و بمحمّد صلى الله عليه و آله أستنجح و أتوجّه، اللّهمّ صلّ على محمّد و على آل محمّد، و اجعلني بهم وجيها في الدنيا و في الآخرة و من المقرّبين، و ان لم تفعل أيضا أجزأك».(1)
(مسألة 2): يستحبّ لمن سمع المؤذّن يقول: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه» أن يقول: «و أنا أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله » أكتفي بها عن كلّ من أبى و جحد و أعين بها من أقرّ و شهد.
الشرح:
قد روي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«من سمع المؤذّن يقول: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله » فقال مصدّقا محتسبا: و أنا أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، أكتفي بها عن كلّ من أبى و جحد، و أعين بها من أقرّ و شهد كان له من الأجر عدد من أنكر و جحد و عدد من أقرّ و شهد».(2)
(مسألة 3): يستحبّ في المنصوب للأذان أن يكون عدلاً رفيع الصوت، مبصرا، بصيرا بمعرفة الأوقات و أن يكون على مرتفع منارة أو غيرها.
الشرح:
قد صرّح الأصحاب كما في الحدائق أنّه يستحبّ اتّصاف المؤذّن للاعلام بأمور: العدالة، رفيع الصوت، مبصرا، بصيرا بمعرفة الأوقات.
و يدلّ على ذلك كلّه، مرسلة الصدوق قال:
«قال علي عليه السلام: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : يؤمّكم أقرؤكم، و يؤذّن لكم خياركم».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان طول حائط مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله قامة فكان صلى الله عليه و آله يقول لبلال اذا أذّن: يا بلال أعل فوق الجدار و ارفع صوتك بالأذان، فانّ اللّه عزّوجلّ قد وكّل بالأذان ريحا ترفعه الى السماء فاذا سمعته الملائكة قالوا: هذه أصوات أمّة محمّد صلى الله عليه و آله بتوحيد اللّه عزّوجلّ فيستغفرون لأمّة محمّد صلى الله عليه و آله حتّى يفرغوا من تلك الصلاة».(2)
و ما روي في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام أنّه قال:
«لابأس أن يؤذّن الأعمى اذا سدّد و قد كان ابن أمّ مكتوم يؤذّن لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و هو أعمى».(3)
و يدلّ على استحباب كونه بصيرا بأوقات الصلاة، صحيحة ذريح المحاربي قال:
«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام: صلّ الجمعة بأذان هؤلاء، فانّهم أشدّ شيء مواظبة على الوقت».(4)قال
في الجواهر: «و يستحبّ أن يكون عدلاً بلا خلاف كما عن المنتهى، بل ظاهر نسبته الى علمائنا في المحكي عنه و في المعتبر أيضا الاجماع عليه، كالمحكي عن صريح التذكرة و نهاية الأحكام ... و كذا يستحبّ أن يكون صيتا بلا
1) - وسائل الشيعة 4: 640 / الباب 16 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 4: 640 / الباب 16 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 7.
3) - مستدرك وسائل الشيعة 4: 77 / الباب 37 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 14.
4) - وسائل الشيعة 4: 618 / الباب 3 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
خلاف نقلاً في المحكي عن المنتهى ان لم يكن تحصيلاً ... و أن يكون مبصرا للاجماع المحكي عن التذكرة، و ليتمكّن من معرفة الأوقات ... و أن يكون بصيرا بمعرفة الأوقات، بلاخلاف في كشف اللثام و عليه فتوى العلماء في المعتبر. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 4): من ترك الأذان و الاقامة أو كليهما عمدا حتّى أحرم للصلاة لم يجز له قطعها لتداركهما. نعم اذا كان عن نسيان جاز له القطع ما لم يركع منفردا كان أو غيره حال الذكر لا ما اذا عزم على الترك زمانا معتدّا به ثمّ أراد الرجوع بل و كذا لو بقي على التردّد كذلك، و كذا لايرجع لو نسي أحدهما أو نسي بعض فصولهما بل أو شرائطهما على الأحوط.
الشرح:
هيهنا طوائف من الروايات لابدّ من ذكرها و التدقيق فيها:
الأولى منها: الأخبار الواردة في أنّ من نسي الأذان و الاقامة يمضي في صلاته أو ليس عليه شيء، كصحيحة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل نسي الأذان و الاقامة حتّى دخل في الصلاة، قال: فليمض في صلاته فانّما الأذان سنّة».(2)
و صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل نسي الأذان و الاقامة حتّى دخل في الصلاة قال:
«ليس عليه شيء».(3)
الطائفة الثانية: الأخبار الواردة في أنّ الناسي يعيد ما لم يفرغ من صلاته.
ففي صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل ينسى أن يقيم الصلاة و قد افتتح الصلاة، قال: ان كان قد فرغ من صلاته فقد تمّت صلاته و ان لم يكن فرغ من صلاته فليعد».(1)
الطائفة الثالثة: الأخبار التي حكم فيها الامام عليه السلام بأنّه اذا ذكر قبل الركوع رجع و الاّ يمضي على صلاته ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«اذا افتتحت الصلاة فنسيت أن تؤذّن و تقيم ثمّ ذكرت قبل أن تركع فانصرف و أذّن و أقم و استفتح الصلاة و ان كنت قد ركعت فأتمّ على صلاتك».(2)
الطائفة الرابعة: الأخبار الواردة بأنّه اذا ذكر قبل القراءة فيرجع و الاّ فليتمّ صلاته ففي صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«في الرجل ينسى الأذان و الاقامة حتّى يدخل في الصلاة، قال: ان كان ذكر قبل أن يقرأ فليصلّ على النبيّ صلى الله عليه و آله وليقم و ان كان قد قرأ فليتمّ صلاته».(3)
و صحيحة زيد الشحام أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي الأذان و الاقامة حتّى دخل في الصلاة فقال:
«ان كان ذكر قبل أن يقرأ فليصلّ على النبيّ صلى الله عليه و آله و ليقم، و ان كان قد دخل في القراءة فليتمّ صلاته».(4)
و خبر حسين بن أبي العلاء عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يستفتح صلاته المكتوبة ثمّ يذكر أنّه لم يقم قال: فان ذكر أنّه لم يقم قبل أن يقرأ فليسلّم على النبيّ صلى الله عليه و آله ثمّ يقيم و يصلّي، و ان ذكر بعد ما قرأ بعض السورة فليتمّ على صلاته».(1)
الطائفة الخامسة: الأخبار الواردة فيمن نسيهما و كبّر فقال عليه السلام: يمضي على صلاته.
ففي خبر ابن بكير عن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: رجل ينسى الأذان و الاقامة حتّى يكبّر قال: يمضي على صلاته و لايعيد».(2)
و خبر نعمان الرازي قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام و سأله أبو عبيدة الحذّاء عن حديث رجل نسي أن يؤذّن و يقيم حتّى كبّر و دخل في الصلاة، قال: ان كان دخل المسجد و من نيّته أن يؤذّن و يقيم فليمض في صلاته و لاينصرف».(3)
الطائفة السادسة: خبر زكريّا بن آدم قال:
«قال أبو الحسن الرضا عليه السلام: [في جواب سؤال من نسي الاقامة فتذكّر في القراءة في الركعة الثانية] أسكت موضع قراءتك و قل: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، ثمّ امض في قراءتك و صلاتك و قد تمّت صلاتك».(4)
أمّا الجمع بين هذه الروايات، فتحمل الطائفة الأولى الآمرة بالمضيّ في الصلاة
على عدم القدح خصوصا اذا كان من نيّته ذلك (بقرينة خبر النعمان) لأنّهما سنّة. و لايجب المضيّ بقرينة الطوائف الأخرى من الروايات.
و تحمل الطائفة الثانية على استحباب الاعادة و الطائفة الثالثة و الرابعة و الخامسة على مراتب الاستحباب ان لم يركع فاذا ركع يمضي في صلاته و أمّا خبر زكريّا بن آدم فضعيف لايعمل به، و حيث انّ الروايات مطلقة فقضيّتها عدم الفرق بين الانفراد و الجماعة. و كذا لوتذكّر و عزم على الترك ثمّ بدا له الرجوع أو كان متردّدا لاطلاق الروايات. و لو نسي الاقامة فقط يرجع قبل القراءة و أمّا لو نسي الأذان وحده فلايرجع مطلقا بناءً على حرمة القطع، لعدم الدليل.
(مسألة 5): يجوز للمصلّي فيما اذا جاز له ترك الاقامة، تعمّد الاكتفاء بأحدهما لكن لو بنى على ترك الأذان فأقام ثمّ بدا له فعله أعادها بعده.
الشرح:
دلّ الدليل على تعمّد الاكتفاء بالاقامة و أمّا الأذان فلايدلّ دليل على الاكتفاء به وحده. اللّهمّ الاّ أن تكون الروايات الدالّة على الأجر و الثواب للمؤذّن دليلاً عليه ولكنّه مشكل لأنّها بصدد بيان الأجر و الثواب.
و أمّا لو بنى على ترك الأذان فأقام ثمّ بدا له أن يؤذّن أعادها بعده للترتيب.
(مسألة 6): لو نام في خلال أحدهما أو جنّ أو أغمي عليه أو سكر ثمّ أفاق جاز له البناء ما لم تفت الموالاة، مراعيا لشرطيّة الطهارة في الاقامة، لكن الأحوط الاعادة فيها مطلقا خصوصا في النوم، و كذا لو ارتدّ عن ملّة ثمّ تاب.
الشرح:
لو نام في خلال الأذان أو الاقامة أو جنّ أو أغمي عليه أو سكر ثمّ أفاق جاز له البناء ما لم تفت الموالاة لاطلاق الأدلّة و عدم الدليل على استيناف الأذان أو الاقامة
لو تخلّل احدى المذكورات ما لم تفت الموالاة و أمّا في الاقامة مضافا الى عدم فوت الموالاة يراعى شرطيّة الطهارة و ان كان الاحتياط الاستحبابي يقتضي اعادة الاقامة في الموارد المذكورة مطلقا سواء فاتت الموالاة أم لا، لظهور بعض الروايات في قاطعيّة الحدث في الاقامة.
(مسألة 7): لو أذّن منفردا و أقام ثمّ بدا له الامامة يستحبّ له اعادتهما.
الشرح:
هذا هو المشهور و الدليل عليه موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«سئل عن الرجل يؤذّن و يقيم ليصلّي وحده فيجيء رجل آخر فيقول له: نصلّي جماعة هل يجوز أن يصلّيا بذلك الأذان و الاقامة؟ قال عليه السلام: لا، ولكن يؤذّن و يقيم».(1)
(مسألة 8): لو أحدث في أثناء الاقامة أعادها بعد الطهارة بخلاف الأذان. نعم يستحبّ فيه أيضا الاعادة بعد الطهارة.
الشرح:
تقدّم أنّ الطهارة شرط في الاقامة دون الأذان و عليه لو أحدث في أثناء الاقامة يعيدها.
1) - وسائل الشيعة 4: 655 / الباب 27 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.
(مسألة 9): لايجوز أخذ الأجرة على أذان الصلاة و لو أتي به بقصدها بطل، و أمّا أذان الاعلام فقد يقال بجواز أخذها عليه لكنّه مشكل، نعم لابأس بالارتزاق من بيت المال.
الشرح:
لايجوز أخذ الأجرة على أذان الصلاة. قال في المستمسك: «على المشهور، بل في المختلف: نسبته الى فتوى الأصحاب الاّ من شذّ و في جامع المقاصد: نسب التحريم الى أكثر الأصحاب. و عن حاشية الارشاد: انّه لاخلاف فيه. انتهى».
قال في الحدائق: «و نقل عن الشيخ في الخلاف و جمع من الأصحاب أنّه لايجوز أخذ الأجرة عليه لما رواه الشيخ مسندا عن السكوني عن جعفر عليه السلام عن أبيه عليه السلام عن علي عليه السلامو رواه الصدوق مرسلاً عن علي عليه السلام أنّه قال: «آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي صلى الله عليه و آله أن قال: يا علي، اذا صلّيت فصلّ صلاة أضعف من خلفك و لاتتّخذنّ مؤذّنا يأخذ على أذانه أجرا».(1)
و نقل عن السيّد المرتضى قدس سره القول بالكراهة و هو ظاهر المحقّق في المعتبر و الشهيد في الذكرى و اختاره في المدارك قال للأصل و انتفاء دلالة الخبر المتقدّم على التحريم مع ضعف سنده بالسكوني و غيره. (قال صاحب الحدائق بعد ذلك): أقول: قد روى الصدوق أيضا في الفقيه مرسلاً قال: «أتى رجل أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: يا أميرالمؤمنين عليه السلام و اللّه انّي لأحبّك. فقال له: ولكنّي أبغضك. قال: و لم؟ قال: لأنّك تبغي في الأذان كسبا و تأخذ على تعليم القرآن أجرا».(2)و روى في كتاب دعائم الاسلام عن علي عليه السلام أنّه قال: «من السحت أجر المؤذّن».(3)
ثمّ قال في الكتاب المذكور: «يعني اذا استأجره القوم يؤذّن لهم. و قال: لابأس أن يجرى عليه من بيت المال. و هذه الأخبار اذا انضمّ بعضها الى بعض لاتقصر عن افادة التحريم. ثمّ انّ ظاهرهم الاتّفاق على جواز الارتزاق من بيت المال اذا اقتضته المصلحة لأنّه معدّ لمصالح المسلمين و الأذان من أهمّها. انتهى ملخّصا».(1)
و الحقّ ما ذهب اليه صاحب الحدائق من أنّ أخذ الأجرة على الأذان للصلاة حرام و ذلك أوّلاً لأنّه عبادة فلايجوز أخذ الأجرة لها، و ثانيا لمعتبرة السكوني و مرسلة الصدوق و خبر الدعائم و قد تقدّمت آنفا. و ثالثا للاجماع المدّعى.
هذا في أذان الصلاة، و هكذا الحكم في أذان الاعلام لاطلاق الدليل. نعم يجوز الارتزاق من بيت المال لعدم التنافي بينه و بين قصد القربة، كما قاله صاحب الحدائق.
(مسألة 10): قد يقال: انّ اللحن في أذان الاعلام لايضرّ و هو ممنوع.
الشرح:
الاعلام بالوقت أي الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الصبح قد يحصل بصرف النداء نحو أن يقال: «أيّها الناس قد زالت الشمس» و أمثال ذلك، و قد يحصل بما ورد عن الشرع بعنوان الأذان، فالأوّل لابأس بأن يكون بأيّ لغة و بعبارات مختلفة و ان كان في يوم واحد و وقت واحد. و أمّا الثاني فلابدّ من اتيانه بنحو ما ورد في الشرع الحكيم، أي على النهج المألوف الموصوف بالعربي الصحيح و الاّ فلايتحقّق الامتثال، و الاتيان بترجمته أو تغيير فصوله أو اللحن فيه بحيث يتغيّر معناه بعنوان الأذان يعدّ من التشريع المحرّم.
1) - الحدائق الناضرة 7: 349 - 351.
واجبات الصلاة أحد عشر: النية، و القيام، و تكبيرة الاحرام، و الركوع، و السجود و القراءة، و الذكر، و التشهّد، و السلام، و الترتيب، و الموالاة، و الخمسة الأولى أركان، بمعنى أنّ زيادتها و نقيصتها عمدا و سهوا موجبة للبطلان، لكن لايتصوّر الزيادة في النيّة بناءً على الداعي، و بناءً على الاخطار غير قادحة و البقيّة واجبات غير ركنيّة فزيادتها و نقصها عمدا موجب للبطلان لا سهوا.
الشرح:
لااشكال و لاخلاف في أنّ النيّة معتبرة في الصلاة، فالصلاة العارية من النيّة باطلة.
قال في الجواهر: «فهي ركن في الصلاة اجماعا منّا محصّلاً و منقولاً مستفيضا أو متواترا، بل من العلماء كافّة في المحكي عن المنتهى و التذكرة، بل عن التنقيح: «لم يقل أحد بأنّها ليست بركن» ولكن بمعنى أنّه لو أخلّ بها عامدا أو ناسيا لم تنعقد صلاته. انتهى».(1)
قال المحقّق الهمداني: «اعتبار النيّة في الصلاة على الظاهر من الضروريات
1) - جواهر الكلام 9: 154.
فضلاً عن انعقاد الاجماع عليه. انتهى».(1)
و قد وقع الخلاف بين الأعلام في أنّ النيّة جزء للصلاة أو شرط لها و قد أطال البحث عن هذا.
و الحقّ أن يقال انّ البحث عن هذا الموضوع دائر مدار معرفة ماهيّة النيّة و حقيقته، فان قلنا بأنّ النيّة عبارة عن الارادة التفصيليّة المتوقّفة على صورة الفعل في النفس فهي جزء فيلزم فيها أن تكون قبل تكبيرة الاحرام مع شرائط الصلاة من الطهارة و الاستقبال و الوقت و غيرها.
و أمّا ان قلنا بأنّها الداعي الى الفعل اجمالاً و لايلزم فيها تصوير صورة الفعل تفصيلاً، كما هو الحقّ فيكون شرطا.
قال المحقّق الهمداني: «ولكن الحق أنّها شرط للصلاة كغيرها من التكاليف التعبّديّة التي يتوقّف على حصولها بقصد الاطاعة. انتهى».(2)
قال في الجواهر: «لو كانت النيّة جزءًا لافتقرت الى نيّة أخرى و يتسلسل - و كذا لو كانت جزءًا لتعلّق الشيء بنفسه مع أنّها تتعلّق بالصلاة - و كذا قيل بأنّ قولهم عليهم السلام«لاعمل الاّ بالنيّة» ظاهر في أنّ العمل غير نيّته، (فهي خارجة عن العمل مقارنة معه، فهو معنى الشرط) - الى أن قال: - و قد ظهر لك من ذلك كلّه أنّ القول بكونها شرطا أقوى وفاقا للمعتبر و المدارك و المنظومة و المحكي عن كشف الرموز و المنتهى و الروض و غيرها، بل و الجعفريّة و المقاصد العليّة. انتهى ملخّصا».(3)و
أمّا عدد واجبات الصلاة و الأركان منها فسنذكرهما خلال البحث ان شاء اللّه تعالى.
و هي القصد الى الفعل بعنوان الامتثال و القربة و يكفي فيها الداعي القلبي، و لايعتبر فيها الاخطار بالبال، و لا التلفّظ، فحال الصلاة و سائر العبادات حال سائر الأعمال و الأفعال الاختياريّة كالأكل و الشرب، و القيام و القعود و نحوها من حيث النيّة، نعم تزيد عليها باعتبار القربة فيها بأن يكون الداعي و المحرّك هو الامتثال و القربة، و لغايات الامتثال درجات:
«أحدها»: و هو أعلاها أن يقصد امتثال أمر اللّه لأنّه تعالى أهل للعبادة و الطاعة و هذا ما أشار اليه أميرالمؤمنين عليه السلام بقوله: «الهي ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنّتك بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك». «الثاني»: أن يقصد شكر نعمه التي لاتحصى. «الثالث»: أن يقصد به تحصيل رضاه و الفرار من سخطه. «الرابع»: أن يقصد به حصول القرب اليه. «الخامس»: أن يقصد به الثواب و رفع العقاب بأن يكون الداعي الى امتثال أمره رجاء ثوابه و تخليصه من النار. و أمّا اذا كان قصده ذلك على وجه المعاوضة من دون أن يكون برجاء اثابته تعالى فيشكل صحّته، و ما ورد من صلاة الاستسقاء و صلاة الحاجة انّما يصحّاذا كان على الوجه الأوّل.
الشرح:
حقيقة النيّة في الصلاة و في العبادات عبارة عن القصد الى الفعل بعنوان الامتثال و القربة و يكفي فيها الداعي القلبي كما ذهب اليه الماتن. و الدليل على ذلك العرف بعد ما لم يرد فيها شيء من الشارع. بمعنى أنه لو أمر المولى عبده بفعل في زمان، فشروع العبد بامتثاله يكشف عن الداعي الى ذلك الفعل بحيث لو سئل عنه لماذا تفعل، يقول: «انّ المولى أمرني بذلك».
و لقد أجاد السيّد السند في المدارك(1)حيث قال: اعلم أنّ النيّة عبارة عن أمر واحد بسيط، و هو القصد الى الفعل. لكن لما كان القصد الى الشيء المعيّن موقوفا على العلم به وجب لقاصد الصلاة احضار ذاتها في الذهن و صفاتها التي يتوقّف عليها التعيين، ثمّ القصد الى هذا الفعل المعلوم طاعة للّه تعالى و امتثالاً لأمره. - الى أن قال: - و بالجملة فالمستفاد من الأدلّة الشرعيّة سهولة الخطب في أمر النيّة و أنّ المعتبر فيها قصد الفعل المعيّن طاعة للّه تعالى خاصّة، و هذا القدر أمر لايكاد ينفكّ منه عاقل متوجّه الى ايقاع العبادة. و من هنا قال بعض الفضلاء لو كلّف اللّه تعالى بالصلاة أو غيرها من العبادات بغير نيّة لكان تكليفا بما لايطاق - الى أن قال: - و ذكر الشهيد قدس سرهفي الذكرى أنّ المتقدّمين من علمائنا ما كانوا يذكرون النيّة في كتبهم الفقهيّة بل كانوا يقولون انّ واجبات الوضوء غسل الوجه، و أوّل واجبات الصلاة تكبيرة الاحرام. و كأنّ وجهه انّ القدر المعتبر من النيّة أمر لايكاد يمكن الانفكاك عنه و ما زاد عليه فليس بواجب، و ممّا يؤيّد ذلك عدم ورود النيّة في شيء من العبادات على الخصوص، بل خلوّ الأخبار الواردة في صفة وضوءالنبيّ صلى الله عليه و آله و غسله و تيمّمه من ذلك.(2)
و كذا الرواية المتضمّنة لتعليم الصادق عليه السلام الحمّاد الصلاة حيث قال فيها:
«انّه عليه السلام قام و استقبل القبلة و قال بخشوع: اللّه أكبر».(1)
و لم يقل فكّر في النيّة و لاتلفّظ بها و لا غير ذلك من الخرافات المحدثة، و يزيده بيانا ما رواه الشيخان في الكافي و التهذيب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حمّاد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا افتتحت الصلاة فارفع كفّيك ثمّ ابسطهما بسطا ثمّ كبّر ثلاث تكبيرات».(2)
قال صاحب الحدائق: «و لقد أجاد في هذا الكلام الأخير لكنّه ناقض نفسه فيما صدر به الكلام اذ قال: لابدّ لقاصد الصلاة عند التكبير من احضار ذاتها و تصوّرها و تصوّر صفاتها التي يتوقّف عليها التعيين ثمّ القصد بعد ذلك الى فعل هذا المعلوم طاعة للّه. انتهى ملخّصا».(3)
و نحن نقول كما قال صاحب الحدائق و لقد أجاد أيضا بأنّ النيّة أمر جبلّي لاينفكّ عنه العاقل حتّى لو كلّف اللّه العمل بغير نيّة لكان تكليفا بما لايطاق. و على هذا من أراد اقامة الصلاة و كان عالما بواجباتها و مستحبّاتها و شرائطها لايحتاج الى حضور ما سيفعله تفصيلاً في ذهنه بل يكفي الداعي الى ما يريد أن يفعله كما فعله مرارا، و يكفي ما هو مرتكز في ذهنه و هذا أمر سهل.
فقصد الامتثال و القربة الى اللّه تعالى مرتكز في ذهن العامل بحيث لو سئلعنه: ماذا تريد أن تفعل؟ و لماذا تريد أن تفعل؟ يقول: أريد أن أصلّي مثلاً صلاة الظهر أداءً واجبا متقرّبا الى اللّه تعالى. و أمّا الغايات الخمسة التي شرحها في المتن بأنّه قد يقصد امتثال أمر اللّه لأنّه تعالى أهل للعبادة، أو يقصد شكر نعمه، أو
تحصيل رضاه، أو حصول القرب، أو يقصد به الثواب و رفع العقاب، فالواقع انّ هذه الغايات تصدر عن معرفة المصلّي و لاتكون تصنّعا و تلفّظا، فمن عرف اللّه بأنّه أهل للعبادة فيعبده على هذا العنوان، و من أعطاه اللّه صفة الشكر لنعمه يعبده شكرا لنعمه تعالى، و من يرى نفسه بعيدا عن حضرته يعبده ليتقرّب، و من يرجو الجنّة و نعمها و خاف الجحيم و عقباتها يعبد اللّه تعالى لينجّيه برحمته من عذابه و سخطه و يدخله الجنّة بلطفه و كرمه. و أمّا ما قال المصنّف أخيرا من حكاية المعاوضة الخ، فحقيقة الأمر أنّ بعض المتعبّدين قديكون له العجب و الادلال بمرتبة، يستحقّ لنفسه بعبادته دخول الجنّة و يمنّ على اللّه بعبادته، فهذا عبد بعّده اللّه عنه و عن العبودية بمراتب و يجب عليه التزكية و لايبعد بطلان عباداته فهو نظير من يقيم الصلاة و لايعتني باللّه بل يعامل بعبادته الجنّة، ان صحّ فرضه ذلك. و قد يكون للمصلّي جهل باللّه تعالى فبجهالته يصلّي على وجه المعاوضة و كان بحيث لو ذكّر تذكّر فهذا يصحّ عبادته، ولكنّه بعيد أن يصلّي من غير نظر الى اللّه و اطاعة أمره لأنّ تصوّر صدوره ممّن يعتقد بأنّ اللّه خالقه و كلّفه بتكاليف صرف فرض.
(مسألة 1): يجب تعيين العمل اذا كان ما عليه فعلاً متعدّدا، ولكن يكفي التعيين الاجمالي، كأن ينوي ما وجب عليه أوّلاً من الصلاتين مثلاً، أو ينوي ما اشتغلت ذمّته به أوّلاً أو ثانيا و لايجب مع الاتّحاد.
الشرح:
اذا قلنا انّ الأوامر الشرعيّة في القرآن و السنّة متوجّهة الى المكلّفين و عليهم أن يأتوا بالأوامر و كان اتيانهم عن الداعي مع القربة أو الاطاعة أو غير ذلك من الغايات كي يقال انّهم أطاعوا أوامر اللّه حتّى يكونوا مطيعين لأمر اللّه و منقادين له، فاللازم قصد عنوان المأمور به و لافرق بين أن يكون متعدّدا أو متّحدا الاّ أنّه اذا
كان متّحدا كما في الصوم من شهر رمضان أو المنذورة و ان كان سبب نذره متعدّدا، لايلزم منه قصد العنوان تفصيلاً بل يكفي قصد عنوان المأمور به الذي في ذمّته.
قال في الجواهر: «اذا كان الأمر متعدّدا توقّف صدق الامتثال على قصد التعيين، لعدم انصراف الفعل بدونه الى أحدهما، و احتمال الاجتزاء بالاتيان بالفعل بقصد امتثال كلّي الأمر فيكون كالأمر المتّحد بمأمور به متعدّد يدفعه أنّ العقل و النقل قد تطابقا على وجوب امتثال كلّ أمرٍ أمرٍ للشارع بخصوصه، و لاريب في عدم صدق امتثال خصوص كلّ منهما في الفرض. انتهى».(1)
(مسألة 2): لايجب قصد الأداء و القضاء و لا القصر و التمام و لا الوجوب و الندب الاّ مع توقّف التعيين على قصد أحدهما، بل لو قصد أحد الأمرين في مقام الآخر صحّ اذا كان على وجه الاشتباه في التطبيق، كأن قصد امتثال الأمرين المتعلّق به فعلاً و تخيّل انّه أمر أدائي فبان قضائيّا، أو بالعكس، أو تخيّل انّه وجوبي فبان ندبيا أو بالعكس، و كذا القصر و التمام و أمّا اذا كان على وجه التقييد فلايكون صحيحا كما اذا قصد امتثال الأمر الأدائي ليس الاّ، أو الأمر الوجوبي ليس الاّ، فبان الخلاف فانّه باطل.الشرح:
هل يجب قصد الاداء و القضاء في النيّة أو لايجب؟
اذا كان عليه فوائت من الصلوات اليوميّة و كان من عادته أن يؤدّيها في أوقات الصلاة مع صلاته الأدائيّة، مثلاً كان يأتي بصلاة الظهر قضاءً حين يأتيها أداءً، فحينئذٍ يجب عليه التعيين، لأنّ هيهنا حكمين على موضوعين مختلفين أحدهما في الوقت بخطاب «أقم الصلاة لدلوك الشمس» و ثانيهما خارج الوقت
1) - جواهر الكلام 9: 156.
بخطاب «اقض ما فات كما فات»، فاذا كانتا مشتركتين فأراد أن يأتيهما في هذا الزمان فعليه التعيين و الاّ لم يمتثل. أمّا لو أراد من الابتداء الاتيان بصلاة الظهر أداءً فأدّاها ثمّ بدا له الاتيان بصلاة الظهر قضاءً فالظاهر أنّها متعيّنة بنفسها بارادته، كما هو واضح.
و أمّا وجوب قصد القصر و التمام فمبنيّ على كونهما ماهيتين مختلفتين حتّى يقال بأنّ هيهنا أمرين على موضوعين فحينئذٍ يجب عليه التعيين. و أمّا لو قلنا بأنّ الواجب في ذمّته صلاة واحدة و هي صلاة الظهر مثلاً فان أدّاها ركعتين تكون قصرا و ان أدّاها أربع ركعات تكون تامّة فحينئذٍ لايجب عليه التعيين من أوّل الأمر، بل لو قصد التمام ثمّ بدا له القصر صحّ. و الظاهر أنّ المأمور به واحد و هو صلاة الظهر مثلاً فاذا أدّاها في الحضر تكون تامّة و في السفر تصير قصرا.
و أمّا الوجوب و الندب فيجب قصدهما في موارد الاشتباه، و ذلك كما في نافلة الفجر و فريضته لمن لم يكن من عادته اتيان النافلة أوّلاً ثمّ الفريضة، بل قديأتي بها قبل الفريضة و قد يأتي بها بعد الفريضة فحينئذٍ يجب عليه أن يعيّن الندب و الوجوب لكونهما ماهيّتين مختلفتين و موضوعين متفاوتين. و أمّا في غير موارد الاشتباه فلايجب قصد الوجوب أو الندب - و ان كان حاصلاً بمجرّد قصد نافلة الظهر مثلاً و قصد صلاة الظهر - لعدم الدليل على قصدهما و كذا لادليل على الاخطار القلبي أو التلفّظ.
و أمّا حكم ما لو قصد أحد الأمرين في مقام الآخر: فلو كان مثل القصر و التمام فلا اشكال في الصحّة لأنّ المأمور به واحد، فعليه لو قصد ابتداءً التمام سواء كان سهوا كما اذا نسي أنّه مسافر، فتذكّر في الأثناء فأتمّها قصرا، أو كان جهلاً كما اذا لم يعلم أنّ المسافر يقصّر فعلم في الأثناء فأتمّها قصرا، أو عمدا كما في مواضع التخيير حيث قصد التمام ثمّ بدا له أن يتمّها قصرا ففي هذه الصور تصحّ صلاته.
و أمّا اذا كان مثل الأداء و القضاء، أو الوجوب و الندب، فلو قصد قضاء صلاة
الظهر في وقت الظهر، فظهر أنّه لايكون قضاء الظهر في ذمّته فان كان بعد الفراغ لم يحسب له الظهر أداءً، و ان ظهر في الأثناء، فلايبعد جواز تبديل النية كما يأتي بحثه في صلاة القضاء.
نعم لو كان من قصده الأداء، فخطر على قلبه القضاء غفلة فهذا لايضرّ لأنّ نيّته التي هي الداعي الى الفعل الذي كان مرتكزا في ذهنه هو الأداء، فتصحّ صلاته أداءً و ان تذكّر بعد الفراغ فضلاً لو كان التذكّر في الأثناء. و هكذا يكون حكم الوجوب و الندب.
(مسألة 3): اذا كان في أحد أماكن التخيير فنوى القصر يجوز له أن يعدل الى التمام و بالعكس ما لم يتجاوز محلّ العدول، بل لو نوى أحدهما و أتمّ على الآخر من غير التفات الى العدول فالظاهر الصحّة، و لايجب التعيين حين الشروع أيضا. نعم لو نوى القصر فشكّ بين الاثنين و الثلاث بعد اكمال السجدتين يشكل العدول الى التمام و البناء على الثلاث و ان كان لايخلو من وجه بل قديقال بتعيّنه و الأحوط العدول و الاتمام مع صلاة الاحتياط و الاعادة.
الشرح:
قد تقدّم شرح صدر المسألة في المسألة السابقة، فما أفتى به المصنّف من الفروع هو الحق كما تقدّم. انّما الكلام في ما لو نوى القصر فشكّ بين الاثنين و الثلاث بعد اكمال السجدتين فهل له أن يعدل الى التمام و يبني على الثلاث؟ يمكن أن يقال ببطلان صلاته بمجرّد الشكّ فلايبقى محلّ للعدول، ولكن الظاهر أنّ الأمر ليس كذلك بل صحّة صلاته و بطلانها تبنى على قصده الفعلي، فان كان قصده فعلاً كان كما قصد أولاً من القصر تبطل صلاته و أمّا ان قصد العدول الى التمام فتصحّ صلاته فيبني على الثلاث فيأتي بركعة فيتمّ ثم يأتي بصلاة الاحتياط.
و بعبارة أخرى، كون الشك في الصلاة الثنائية حتّى تكون باطلة أو الرباعية لتصحّ الصلاة معلّق على اختياره التمام و عدمه.
قال
في الجواهر: «لو شكّ في العدد على وجه يمكن علاجه على تقدير اختيار الأربع جاز له حينئذٍ البناء على التمام و العمل بما يقتضيه الشكّ، اذ احتمال البطلان - لأنّه الأصل في الشكّ، فليس له حينئذٍ اختيار التمام بعد حصول الشكّ كما هو الفرض - في غاية الضعف، للأصل و غيره، نعم يمكن القول بتعيّن اختيار التمام عليه تجنّبا عن ابطال العمل، و لأنّه كتعذّر أحد فردي المخيّر عليه، فيتعيّن عليه الفرد الآخر، بل قد يقال ذلك فيما لو كان من نيّته القصر و شكّ، لما عرفت من عدم التعيّن بنيّته عليه بحيث يكون عدولاً منه لو اختار التمام بعد ذلك، بل أقصاه أنّه عزم منه على فعل أحد الفردين الذي هو القصر، فمع فرض تعذّره عليه بالشكّ المزبور تعيّن عليه الفرد الثاني. انتهى».(1)
(مسألة 4): لايجب في ابتداء العمل حين النيّة تصوّر الصلاة تفصيلاً بل يكفي الاجمال نعم يجب نيّة المجموع من الأفعال جملة أو الأجزاء على وجه يرجع اليها، و لايجوز تفريق النيّة على الأجزاء على وجه لايرجع الى قصد الجملة كأن يقصد كلاًّ منها على وجه الاستقلال من غير لحاظ الجزئية.
الشرح:
قلنا بأنّ على المكلّف أن يأتي بالمأمور به حتّى يكون مطيعا، و لايمكن أن يأتي بالمأمور به الاّ أن يكون له داعٍ نحو العمل، و لايكون له داعٍ، الاّ أن يتصوّره و لو اجمالاً، بأن يعرف أنّ الصلاة عبارة عن قيام و ركوع و سجود و أذكار و قرآن و أمّا اذا لم يعرفها و لو بهذا المقدار ففي امكان ايجاد الداعي نحو المأمور به اشكال. فعلى هذا يجب نيّة المجموع من الأفعال و الأجزاء على وجه يرجع الى نيّة
1) - جواهر الكلام 9: 166.
الصلاة و أمّا تفريق النيّة على الأجزاء بأن ينوي أنّي آتٍ بقيام و ركوع و سجود و ... فلا دليل عليه.
(مسألة 5): لاينافي نيّة الوجوب اشتمال الصلاة على الأجزاء المندوبة و لايجب ملاحظتها في ابتداء الصلاة و لاتجديد النيّة على وجه الندب حين الاتيان بها.
الشرح:
قد علم من الكتاب و السنّة أنّ الصلاة واجبة و أنّها أهمّ الواجبات كما ورد بأنّ الصلاة عمود الدين، و علم من السنة القطعيّة اشتمالها على أجزاء واجبة لو تركت عمدا و سهوا أو عمدا فقط و ان كان جزءًا واحدا منها تبطل الصلاة، و أيضا وردت روايات متواترة باشتمالها على أجزاء مستحبّة لو تركت كلّها فضلاً عن بعضها لاتبطل الصلاة. فمع اشتمال الصلاة على أجزاء مستحبّة جرت في لسان الروايات بأنّ الصلاة فريضة، كما جرى في لسان الفقهاء كذلك، فينتج بأنّ اشتمال الصلاة على الأجزاء المندوبة لاينافي الوجوب و أنّها واجبة و على هذا لايشكل نيّة الوجوب، من دون ملاحظة الأجزاء المندوبة في ابتداء الصلاة و من دون تجريد النية على وجه الندب حين الاتيان بها.
(مسألة 6): الأحوط ترك التلفّظ بالنيّة في الصلاة خصوصا في صلاة الاحتياط للشكوك و ان كان الأقوى معه الصحّة.
الشرح:
قد تقدّم أنّ النيّة هي الداعي نحو الفعل فلايحتاج الى الاخطار في القلب فضلاً عن التلفّظ بها، لعدم الدليل عليهما من النقل، بل الاجماع على عدم اعتبار التلفّظ كما في التذكرة.
قال في الجواهر: «و كيف كان فممّا ذكرنا ظهر لك أنّه لاعبرة باللفظ في النيّة عندنا كما في التذكرة لما عرفت من أنّها أمر قلبي لا مدخليّة للألفاظ فيها، بل في المحكي عن الخلاف و غيره عدم استحبابه أيضا، و في التذكرة ما يشعر بدعوى الاجماع عليه للأصل بل في البيان انّ الأقرب كراهته لأنّه احداث شرع و كلام بعد الاقامة. انتهى».(1)
و لايبعد كراهة التلفّظ بالنيّة لأنّ الكلام بعد الاقامة مكروه الاّ في الجماعة فيما يرجع اليها من تسوية الصفوف. و أمّا التلفّظ بالنيّة في صلاة الاحتياط فحيث انّ الحقّ كونها جزءًا للصلاة فالأقوى تركه لأنّه كلام مبطل للصلاة.(مسألة 7): من لايعرف الصلاة يجب عليه أن يأخذ من يلقّنه فيأتي بها جزءًا فجزءًا و يجب عليه أن ينويها أوّلاً على الاجمال.
الشرح:
من لايعرف الصلاة يجب عليه التعلّم فان ضاق الوقت يجب عليه مقدّمة للواجب أن يأخذ من يلقّنه فيأتي بها جزءًا فجزءًا و يجب عليه أن ينويها أوّلاً على الاجمال، لأنّه لايتصّور الداعي الذي هو النيّة نحو المجهول المطلق. و أمّا لو تمكّن من التعلّم لسعة الوقت فهل يجوز أن لايتعلّم و يأخذ من يلقّنه؟
الظاهر نعم لعدم الدليل على المنع، و أدلّة وجوب التعلّم لايمنعه، فيأتي البحث عن ذلك ان شاء اللّه تعالى.
1) - جواهر الكلام 9: 173.
(مسألة 8): يشترط في نيّة الصلاة بل مطلق العبادات الخلوص عن الرياء فلو نوى بها الرياء بطلت، بل هو من المعاصي الكبيرة، لأنّه شرك باللّه تعالى.
ثمّ انّ دخول الرياء في العمل على وجوه؛ «أحدها»: أن يأتي بالعمل لمجرّد اراءة الناس من دون أن يقصد به امتثال أمر اللّه تعالى، و هذا باطل بلااشكال لأنّه فاقد لقصد القربة أيضا.
«الثاني»: أن يكون داعيه و محرّكه على العمل القربة و امتثال الأمر و الرياء معا، و هذا أيضا باطل، سواء كانا مستقلّين أو كان أحدهما تبعا و الآخر مستقلاًّ، أو كانا معا و منضما محرّكا و داعيا.
«الثالث»: أن يقصد ببعض الأجزاء الواجبة الرياء، و هذا أيضا باطل، و انكان محلّ التدارك باقيا نعم في مثل الأعمال التي لايرتبط بعضها ببعض أو لاينافيها الزيادة في الأثناء كقراءة القرآن و الأذان و الاقامة اذا أتى ببعض الآيات أو الفصول من الأذان اختصّ البطلان به فلو تدارك بالاعادة صحّ.
«الرابع»: أن يقصد ببعض الأجزاء المستحبّة الرياء، كالقنوت في الصلاة و هذا أيضا باطل على الأقوى.
«الخامس»: أن يكون أصل العمل للّه، لكن أتى به في مكان و قصد باتيانه في ذلك المكان الرياء كما اذا أتى به في المسجد أو بعض المشاهد رياءً، و هذا أيضا باطل على الأقوى، و كذا اذا كان وقوفه في الصفّ الأوّل من الجماعة، أو في الطرف الأيمن رياءً.
«السادس»: أن يكون الرياء من حيث الزمان كالصلاة في أوّل الوقت رياء و هذا أيضا باطل على الأقوى.
«السابع»: أن يكون الرياء من حيث أوصاف العمل كالاتيان بالصلاة جماعة أو القراءة بالتأنّي أو الخشوع أو نحو ذلك، و هذا أيضا باطل على الأقوى.
«الثامن»: أن يكون من مقدّمات العمل كما اذا كان الرياء في مشيه الى
المسجد لا في اتيانه في المسجد و الظاهر عدم البطلان في هذه الصورة.
«التاسع»: أن يكون في بعض الأعمال الخارجة عن الصلاة كالتّحنّك حال الصلاة و هذا لايكون مبطلاً الاّ اذا رجع الى الرياء في الصلاة متحنّكا.
«العاشر»: أن يكون العمل خالصا للّه، لكن كان بحيث يعجبه أن يراه الناس و الظاهر عدم بطلانه أيضا، كما أنّ الخطور القلبي لايضرّ، خصوصا اذا كان بحيث يتأذّى بهذا الخطور، و كذا لايضرّ الرياء بترك الأضداد.
الشرح:
قد تقدّم اعتبار قصد الاخلاص في العبادة و هو عبارة عن وقوع الفعل بقصدالامتثال للسيّد المنعم و الخالق الرازق و هو اللّه تعالى. و قد نطق باعتبار الاخلاص القرآن الكريم لقوله عزّ شأنه: «و ما أمروا الاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين»(1)و قوله: «فاعبد اللّه مخلصا له الدين»(2)و قوله: «قل اللّه أعبد مخلصا له ديني»(3)
قال في الجواهر: «و الظاهر أنّ الاخلاص الذي عبارة عن وقوع الفعل بقصد الامتثال، هو مراد الأصحاب بنيّة القربة التي لاخلاف معتدٍّ به في وجوبها، و لذا حكى الاجماع عليها في صريح المدارك و المحكي عن الايضاح و ظاهر التذكرة و المنتهى، بل اعتمادا على ضروريّته ترك ذكرها في الخلاف و المبسوط كما قيل، فما عن ابن الجنيد من الاستحباب - مع أنّه غير ثابت - غير معتدّ به، لكثرة موافقته للعامّة. انتهى».(4)
ثمّ اعلم أنّ الرياء في العبادة مبطل لها، فبطلان العبادة بالرياء في الجملة ممّا
لاريب و لااشكال فيه، لدلالة الكتاب بأنّ الشرك باللّه موجب لحبط الأعمال لقوله عزّ شأنه «لئن أشركت ليحبطنّ عملك»(1)و قد دلّت الروايات بأنّ الرياء شرك، كما ورد في تفسير علي بن ابراهيم القمي عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سئل رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن تفسير قول اللّه عزّوجلّ «فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحا و لايشرك بعبادة ربّه أحدا»، فقال: من صلّى مراءاة الناس فهو مشرك - الى أن قال: - و من عمل عملاً ممّا أمر اللّه به مراءاة الناس فهو مشرك و لايقبل اللّه عمل مراء».(2)
و موثّقة مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله سئل فيما النجاة غدا؟ فقال: انّما النجاة في أن لاتخادع اللّه فيخدعكم فانّه من يخادع اللّه يخدعه، و يخلع منه الايمان و نفسه يخدع لويشعر، قيل له فكيف يخادع اللّه؟ قال: يعمل بما أمره اللّه ثمّ يريد به غيره، فاتّقوا اللّه في الرياء، فانّه الشرك باللّه، انّ المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك و بطل أجرك، فلا خلاص لك اليوم، فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له».(3)
و صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يقول اللّه عزّوجلّ: أنا خير شريك فمن عمل لي و لغيري فهو لمن عمله غيري».(4)
و في نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:
«كم من صائم ليس له من صيامه الاّ الظمأ و الجوع، و كم من قائم ليس له من قيامه الاّ العناء، حبّذا صوم (نوم) الأكياس و افطارهم».(1)
و صحيحة أبي المعزا، عن يزيد بن خليفة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام كلّ رياء شرك، انّه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، و من عمل للّه كان ثوابه على اللّه».(2)
قال في الجواهر: «و تبطل الصلاة لو نوى بشيء من أفعال الصلاة الرياء أو غيرالصلاة، بلا خلاف أجده - الى أن قال: - و من تأمّل في النصوص الواردة في الرياء و التجنّب عنه يمكن أن يقطع بعدم قبول العبادة التي دخل فيها و لو بأوصافها كالجماعية و المسجديّة و نحوهما فضلاً عن أجزائها و لو كان الدخول على وجه التبعيّة دون الاستقلال، فالمتّجه حينئذٍ البطلان مطلقا - الى أن قال: - و قد عرفت أنّ مقتضى النصوص البطلان بدخول الرياء و لو في البعض المندوب، بل الظاهر ذلك حتّى لو دخل فيما زاد على الواجب من القيام و الركوع و السجود - الى أن قال: - و على كلّ حال فما يظهر من المرتضى رحمه الله في انتصاره من عدم بطلان العبادة بالرياء بل هي مجزية مسقطة للقضاء لكن لا ثواب عليها في غاية الضعف، خصوصا لو كان يريد ما يشمل استقلال الرياء بلا ضمّ قربة معه، ضرورة رجوعه حينئذٍ الى عدم اشتراط القربة في العبادة المعلوم فساده عقلاً و نقلاً، بل لعلّه ضروري. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(3)
فلنشرع بالبحث حول الوجوه التي ذكرها المصنّف؛ أحدها: أن يأتي بالعمل لمجرّد ارادة الناس من دون أن يقصد امتثال أمر اللّه تعالى، و هذا باطل بلا اشكال لأنّه فاقد لقصد القربة، و من أظهر مصاديق الرياء المبطل للعبادة.
الثاني: أن يكون داعيه و محرّكه على العمل القربة و الرياء معا، فهذا أيضا موجب لبطلان الصلاة لكونه من مصاديق الشرك، فأشرك في عمله اللّه و غيره، فيقول اللّه تبارك و تعالى أنا خير شريك كما في خبر علي بن سالم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: قال اللّه عزّوجلّ: أنا خير شريك، من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله الاّ ما كان لي خالصا».(1)
و قال اللّه تبارك و تعالى في كتابه الكريم: «فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحا و لايشرك بعبادة ربّه أحدا»(2)
ففي هذا القسم لافرق بين أن يكون القربة و الرياء مستقلّين أو كان أحدهما مستقلاًّ و الآخر تبعا، أو كانا معا و منضمّا محرّكا و داعيا. و ما قيل بأنّهما ان كانا مستقلّين فحصلت القربة و لادليل على مبطليّة الرياء حينئذٍ. ففيه ان كان الرياء يرجع الى الصلاة فيصدق أنّه جاء بها شريكا للّه تعالى، و أشرك مع اللّه غيره.
الثالث: أن يقصد ببعض الأجزاء الرياء سواء كانت واجبة أو مستحبّة و سواء كانت الأجزاء الواجبة مثل الركوع و السجود، أو القراءة و الأذكار، و المستحبّة مثل القنوت و الأذكار المستحبّة فالصلاة في كلّ ذلك باطلة، لصدق تشريك الغير مع اللّه في عمله.
الرابع: أن يكون أصل العمل للّه لكن أتى به في مكان أو زمان قصد باتيانه في ذلك المكان كالمسجد، أو الزمان كأوّل الوقت الرياء، فالصلاة في هذا القسم أيضا باطلة لما مرّ من الدليل.
الخامس: أن يكون الرياء من حيث أوصاف العمل كالاتيان بالصلاة جماعة أو القراءة بالتأنّي و الخشوع أو نحو ذلك و هذا أيضا باطل، و الدليل على ذلك كما مرّ.
السادس: أن يكون الرياء في مقدّمات العمل كما اذا كان الرياء في مشيه الى المسجد لا في اتيانه المسجد، أو يكون في بعض الأعمال الخارجة من الصلاة كالتحنّك ان لم يرجع الى الرياء في الصلاة متحنّكا، فالظاهر أنّه لايكون مبطلاً، و ان كان يلزمه الاحتياط في الثاني.
السابع: أن يكون العمل خالصا للّه لكن كان بحيث لو رءاه الناس يفرح، والظاهر عدم بطلانه لأنّ الوصول الى الدرجة التي لايتغيّر حاله و يكون الناس عنده كالبعائر يحتاج الى التزكية الخاصّة. أمّا الخطور القلبي لايضرّ خصوصا اذا كان بحيث يتأذّى بهذا الخطور.
و كذا لايضرّ الرياء بترك الأضداد، لعدم صدق الاشراك.
(مسألة 9): الرياء المتأخّر لايوجب البطلان، بأن كان حين العمل قاصدا للخلوص، ثمّ بعد تمامه بدا له في ذكره أو عمل عملاً يدلّ على أنّه فعل كذا.
الشرح:
الرياء المتأخّر لايوجب البطلان، بأن كان حين العمل قاصدا للّه، ثمّ بعد اتمامه بدا له في ذكره أو عمل عملاً يدلّ على أنّه فعل كذا رياءًا، لعدم الدليل على ذلك بعد كون العبادة صادرة على وجه العبادة و ان كان بعض الروايات يدلّ على البطلان كرواية علي بن أسباط عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«الابقاء على العمل أشدّ من العمل، قال: و ما الابقاء على العمل؟ قال: يَصِل الرجل بصلَة و ينفق نفقة للّه وحده لاشريك له فكتبت له سرّا، ثمّ يذكرها فتمحى فتكتب له علانية، ثمّ يذكرها فتمحى و تكتب له رياءً».(1)
ولكن في السند ضعف فلايعتمد عليها فتطرح أو تحمل على الذي يذكر
1) - وسائل الشيعة 1: 55 / الباب 14 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 2.
صلته فيتأذّى المنفق عليه، أو يمنّ عليه بنفقته فيوجب الاحباط.
(مسألة 10): العجب المتاخّر لايكون مبطلاً، بخلاف المقارن فانّه مبطل على الأحوط و ان كان الأقوى خلافه.
الشرح:
العجب من الحالات المهلكة للعبد فاذا تكرّر و استقرّ يصير من الصفات المبعّدة من اللّه تعالى فيكون صاحبه مصداقا لقوله تعالى: «قل هل ننبّئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا»(1)
و العجب عبارة عن الرضا بالنفس لعبادته حتّى يظنّ أنّه قد فاق العابدين، و استكثر عمله، و صغر في عينه ذنبه، و قد يمنّ على اللّه عزّوجلّ بايمانه و عمله و للّه عليه المنّ. و قد ورد عنهم عليهم السلام ثلاث موبقات: شحٌّ مطاع و هوىً متّبع و اعجاب المرء بنفسه.
ففي صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يعمل العمل و هو خائف مشفق، ثمّ يعمل شيئا من البرّ فيدخله شبه العجب به، فقال: هو في حاله الأولى و هو خائف أحسن حالاً منه في حال عجبه».(2)
فالمستفاد من الروايات أنّ العجب حرام فمن استقرّ في نفسه العجب يجب عليه التزكية الاّ أنّ بطلان العبادة بحيث تكون الاعادة أو القضاء واجبة فلاتدلّ عليه هذه الروايات و ان كان حين العمل فضلاً عمّا كان بعده. نعم هو مانع من قبوليّة
العمل بمعنى العروج و الصعود الى درجات العبوديّة. و يؤيّده خبر يونس بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قيل له و أنا حاضر: الرجل يكون في صلاته خاليا فيدخله العجب فقال: اذا كان أوّل صلاته بنيّة يريد بها ربّه فلايضرّه ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته و ليخسأ الشيطان».(1)
(مسألة 11): غير الرياء من الضمائم امّا حرام أو مباح أو راجح، فان كان حراما و كان متّحدا مع العمل أو مع جزء منه بطل كالرياء و ان كان خارجا عن العمل مقارنا له لم يكن مبطلاً، و ان كان مباحا أو راجحا فان كان تبعا و كان داعي القربة مستقلاًّ فلا اشكال في الصحّة و ان كان مستقلاًّ و كان داعي القربة تبعا بطل و كذا اذا كانا معا منضمّين محرّكا و داعيا على العمل، و ان كانا مستقلّين فالأقوى الصحّة و ان كان الأحوط الاعادة.
الشرح:
ما كان لازما في النيّة هو الداعي و القربة بأن يعدّ الآتي بالمأمور به ممتثلاً، مطيعا لأمر اللّه و منقادا له، فعليه اذا كان الصلاة أو بعض أجزائه متّحدا مع الحرام كأن يأتي بها بقصد الأذى أو التحقير و الاستهزاء فهو باطل لأنّه لايكون مقرّبا، و أمّا اذا كان قصد القربة مستقلاًّ و الضميمة راجحة كأن يأتي بالصلاة أو بعض أجزائه بقصد التعليم تبعا فلايكون مبطلاً لأنّ قصد التعليم تبعا لايضرّ بقصده القربى و هكذا لو كان مباحا و ان كان بالعكس فالأقوى البطلان، ففي هذه الصورة يكون داعيه التعليم لا الامتثال لأمر اللّه. فاذا بطل الجزء فيما اذا قصد به أمرا راجحا أو مباحا و صار قصد جزئيّة الصلاة تبعا، فهل يجوز تداركه؟ فالظاهر جواز تداركه ان لم يكن الجزء المذكور ماحيا لهيئة الصلاة لطوله.
1) - وسائل الشيعة 1: 80 / الباب 24 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 3.
و ان كانا مستقلّين فالأقوى حينئذٍ الصحّة لحصول داعي الامتثال و أمّا اذا كانت الضميمة مباحة فاذا كانا معا محرّكا فالأقوى البطلان و لو كانا مستقلّين فكما مرّ من أنّ الداعي الى الامتثال حاصل، فتلخّص أنّ مناط الصحّة في ذلك كلّه بمناط الاطاعة و وجود الداعي و القربة نحو المأمور به فان كان حاصلاً فبها و الاّ تجب عليه الاعادة.
(مسألة 12): اذا أتى ببعض أجزاء الصلاة بقصد الصلاة و غيرها، كأن قصد بركوعه تعظيم الغير و الركوع الصلاتي أو بسلامه سلام التحيّة و سلام الصلاة، بطل ان كان من الأجزاء الواجبة، قليلاً كان أم كثيرا، أمكن تداركه أم لا، و كذا في الأجزاء المستحبّة غير القرآن و الذكر على الأحوط، و أمّا اذا قصد غير الصلاة محضا فلايكون مبطلاً الاّ اذا كان ممّا لايجوز فعله في الصلاة أو كان كثيرا.
الشرح:
الظاهر أنّ موضوع هذه المسألة عند المصنّف غير الموضوع في المسألة السابقة كما سيمرّ عليك قول صاحب الجواهر.
قال في الجواهر: «كما أنّه ينبغي أن تعرف أنّ هذه المسألة غير مسألة الضميمة، و لذا لم يشر أحد من معتمدي الأصحاب الى اتّحاد البحث فيهما، بل من حكم هناك بالصحّة مع الضمّ التبعي أو كان كلّ منهما علّة مستقلّة أطلق البطلان في المقام، كما أنّهم لم يفرّقوا هنا بين الضميمة الراجحة و غيرها، و الظاهر أنّ وجهه الفرق بين المسألتين بالفرق بين موضوعيهما فانّ موضوع الضميمة الفعل الواحد الذي له غايات متعدّدة و أراد المكلّف ضمّها بنيّة واحدة فالتحقيق فيها البطلان مع منافاة الاخلاص، و الصحّة مع العدم، لتبعيّة الضم أو لرجحان الضميمة أو غير ذلك، و موضوع ما نحن فيه قصد المكلّف كون الفعل الواحد المشخّص مصداق الكلّيين متغايرين لايمكن اجتماعهما في مصداق واحد عقلاً أو شرعا، فلو نواه
حينئذٍ لكلّ منهما لم يقم لشيء منهما شرعا، كما في كلّ فعل كذلك لأصالة عدم التداخل في الأفعال عقلاً و شرعا، فلو نوى بالركعتين الفرض و النفل لم يقع لأحدهما، و من ذلك يظهر لك ما في بعض الأمثلة الواقعة في المقام من بعض الأعلام التي هي بالضمائم أشبه، و لعلّ منه ما في بعض النصوص من التكبير للصلاة و غيرها، فتأمّل جيّدا فانّه دقيق نافع في المقام و غيره جدّا، هذا. انتهى».(1)
قال في المستمسك: «اذا نوى مع أجزاء الصلاة غير الصلاة فان كان هذا الغير من قبيل الغاية المترتّبة على الجزء الصلاتي كافهام الغير و تعليمه المقصودين بالكلام أو الفعل فحكمه حكم الضميمة، بل هو منها فتجري فيه أحكام الصور المذكورة في المسألة المتقدّمة، و كذا اذا كان من قبيل العنوان المتّحد مع نفس الأفعال الصلاتية اذا لم يكن بينه و بين نفس جزء الصلاة تنافٍ في الانطباق و التصادق على موضوع واحد. و أمّا ان كان بينهما تنافٍ كذلك، بطل الجزء لأنّ صيرورته للصلاة ترجيح بلا مرجّح، و صيرورته لهما ممتنع حسب الفرض، فتبطل الصلاة حينئذٍ للزيادة ان كانت عمدية و الاّ تداركه و أتمّ الصلاة. انتهى ملخّصا».(2)
قلت: الظاهر أنّ قصد تعظيم الغير من الركوع أو السجدة أو القيام غير قصد الركوع أو السجود أو القيام الصلاتي، فهما عنوانان متفاوتان لايمكن اجتماعهما في مصداق واحد عقلاً أو شرعا، فلو نواه حينئذٍ لكليهما لم يقم لشيء منهما شرعا و تبطل الصلاة ان قصد بركوعه أو سجوده أو قيامه تعظيم الغير، لعدم امكان تداركه لايجابه الزيادة العمديّة.
و أمّا القرآن و الذكر اذا أتى بهما غير القربة محضا أو منضمّا، فان طال الزمان و عدّ ممّا يمحو الهيئة الصلاتية فمبطل و الاّ لايكون مبطلاً للصلاة الاّ أنّه يتدارك.
(مسألة 13): اذا رفع صوته بالذكر أو القراءة لاعلام الغير لم يبطل الاّ اذا كان قصد الجزئيّة تبعا و كان من الأذكار الواجبة، و لو قال: «اللّه أكبر» مثلاً بقصد الذكر المطلق لاعلام الغير لم يبطل مثل سائر الأذكار التي يؤتى بها لا بقصد الجزئيّة.
الشرح:
اذا رفع صوته بالذكر أو القراءة لاعلام الغير لم تبطل الاّ اذا كان قصد الجزئيّة تبعا فيبطل الجزء، الاّ أنّه غير مبطل للصلاة اذا تداركه لو كان واجبا، نعم لو حصل فصلاً طويلاً تبطل الصلاة من حيث انمحاء الهيئة الصلاتية، و أمّا اذا قصد بقوله «اللّه أكبر» الذكر المطلق و قصد اعلام الغير تبعا لم تبطل. فقد دلّ على عدم بطلان الصلاة روايات:
منها: صحيحة الحلبي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يريد الحاجة و هو في الصلاة، فقال:
«يؤمي برأسه و يشير بيده و يسبّح، و المرأة اذا أرادت الحاجة و هي تصلّي فتصفق بيديها».(1)
و منها: موثّقة عمّار بن موسى أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام:
« - الى أن قال: - و عن الرجل و المرأة يكونان في الصلاة فيريدان شيئا أيجوز لهما أن يقولا: «سبحان اللّه»؟ قال: نعم و يؤميان الى ما يريدان. الحديث».(2)
و منها: خبر أبي جرير عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«قال: انّ الرجل اذا كان في الصلاة فدعاه الوالد فليسبّح، فاذا دعته الوالدة فليقل: لبّيك».(3)
و منها: خبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون في صلاته و الى جانبه رجل راقد فيريد أن يوقظه فيسبّح و يرفع صوته لايريد الاّ ليستيقظ الرجل، هل يقطع ذلك صلاته؟ و ما عليه؟ قال: لايقطع ذلك صلاته و لا شيء عليه».(1)
و هذان الخبران الأخيران و ان كانا ضعيفين من جهة السند و لايعمل بهما الاّ أنّهما مؤيّدان ما لو قصد الذكر المطلق لاعلام الغير.
(مسألة 14): وقت النيّة ابتداء الصلاة، و هو حال تكبيرة الاحرام و أمره سهل بناءً على الداعي، و على الاخطار اللازم اتّصال آخر النيّة المخطرة بأوّل التكبير و هو أيضا سهل.
الشرح:
قد تقدّم ابتداء البحث عن النيّة أنّ حقيقة النيّة عبارة عن الداعي و في العبادات مع القربة أيضا. و الداعي هو المحرّك نحو العمل، و العاقل غير الغافل لايكون عمله الاّ عن داعٍ، فمن أراد الصلاة فيريد أن يتوضّأ فداعيه من التوضّؤ هو الصلاة، فاذا قام مستقبل القبلة فداعيه من ذلك، الصلاة فيرفع يده ليكبّر فداعيه الصلاة و الورود بها، فعلى هذا، نيّة الصلاة موجودة قبل تكبيرة الاحرام بزمان و حينها و بعدها. نعم من قال بأنّ النيّة الخطور في القلب فاللازم اتّصال آخر النيّة الخاطرةبأوّل التكبير.
1) - وسائل الشيعة 4: 1257 / الباب 9 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 9.
(مسألة 15): يجب استدامة النيّة الى آخر الصلاة بمعنى عدم حصول الغفلة بالمرّة بحيث يزول الداعي على وجه لو قيل له: «ماتفعل؟»، يبقى متحيّرا و أمّا مع بقاء الداعي في خزانة الخيال فلاتضرّ الغفلة و لايلزم الاستحضار الفعلي.
الشرح:
قد تقدّم آنفا بأنّ العاقل غير الغافل لايعمل عملاً و لايقول قولاً الاّ عن داعٍ، فهذا الداعي موجود في نفسه الى آخر ما أراد أن يفعل و لايمكن أن يغفل عن الفعل بالمرّة بحيث لو قيل له «ماذا تفعل؟» بقي متحيّرا زمانا طويلاً، نعم لو رجع عمّا أراد أن يفعل يزول عنه الداعي و كذا لو شكّ في أن يتمّ عمله هذا أم لا، نعم لو عارضته الغفلة و بقي متحيّرا ولكن كان بحيث لو سئل منه «ماذا تفعل؟»، يرفع تحيّره بأدنى التفات فلايضرّ فلا يقال بأنّ هذا العمل يكون بلا نيّة.
(مسألة 16): لو نوى في أثناء الصلاة قطعها فعلاً أو بعد ذلك أو نوى القاطع و المنافي فعلاً أو بعد ذلك فان أتمّ مع ذلك بطل و كذا لو أتى ببعض الأجزاء بعنوان الجزئية ثمّ عاد الى النيّة الأولى و أمّا لو عاد الى النيّة الأولى قبل أن يأتي بشيء لم يبطل و ان كان الأحوط الاتمام و الاعادة، و لو نوى القطع أو القاطع و أتى ببعض الأجزاء لا بعنوان الجزئيّة ثمّ عاد الى النيّة الأولى فالبطلان موقوف على كونه فعلاً كثيرا فان كان قليلاً لم يبطل، خصوصا اذا كان ذكرا أو قرآنا، و ان كان الأحوط الاتمام و الاعادة أيضا.
الشرح:
لو نوى في أثناء الصلاة قطعها فعلاً أو بعد ذلك أو نوى القاطع و المنافي فعلاً أو بعد ذلك، فان عاد الى النيّة الأولى قبل أن يأتي بشيء لم تبطل لعدم الدليل على بطلان الصلاة بمجرّد خلوّها عن النيّة خلال الصلاة من دون الاتيان بجزء منها. و أمّا ان أتى بجزء من الصلاة و الحال هذه فتارة يكون الجزء مثل الركوع و السجود
فحينئذٍ تبطل صلاته، لأنّه ان تدارك ذلك الجزء فقد زاد في صلاته و ان لم يتدارك فقد أتى بالجزء الصلاتي بدون النيّة. و أخرى يكون ذلك الجزء المأتي به بدون النيّة، مثل القراءة و الذكر ففي هذه الصورة ان رجع بنيّته قبل أن يفصل بين الأجزاء فصلاً طويلاً و تدارك الجزء الذي أتى بها بدون النيّة فقد صحّت صلاته و الاّ يجب عليه الاستيناف. اللّهمّ الاّ أن يقال انّ القارئ و الذاكر و ان لم يقصد بهما الصلاة الاّ أنّه متوجّه الى القرآن و الذكر و عليه لايضرّ الفصل الطويل ان تداركهما لوجود الدليل على جواز القرآن و الذكر في الصلاة.
قال في الحدائق: «قد صرّح غير واحد من الأصحاب بأنّ من جملة واجبات النيّة استدامتها حكما الى الفراغ و وجهه أنّه لما كانت النيّة عبارة عن القصد الى ايقاع الفعل بعد تصوّره و تصوّر غايته الباعثة على الاتيان به، و أنّه بعد التلبّس بالفعل على الوجه المذكور كثيرا ما تحصل الغفلة و يحصل السهو و النسيان الذي هو كالطبيعة الثانية للانسان عن ذلك القصد و التصوّر المذكورين مع الاستمرار على الفعل لكن يكون بحيث لو رجع الى نفسه لاستشعر ما قصده و تصوّره أوّلاً، اقتضت الحكمة الربّانيّة و الشريعة السمحة المحمّدية الجري على مقتضى النيّة السابقة ما لم يعرض هناك قصد آخر ناشئ عن غاية أخرى باعثة عليه مرتّبا للفعل عليها، فانّ الفعل حينئذٍ يخرج بذلك عمّا هو عليه أوّلاً، لما عرفت من دوران المغايرة بين الأفعال مدار القصود و النيّات. - الى أن قال: - و لو نوى الخروج عنالصلاة أو نوى فعل المنافي و لم يفعل فهل يبطل ذلك الصلاة أم لا؟ قولان: المشهور الثاني استنادا الى أصالة الصحّة، فالابطال يتوقّف على الدليل و ليس فليس.
و قيل بالأوّل استنادا الى أنّ الاستمرار على حكم النيّة السابقة واجب اجماعا و مع نيّة الخروج أو التردّد أو نيّة فعل المنافي يرتفع الاستمرار.
و أورد عليه أنّ وجوب الاستدامة أمر خارج عن حقيقة الصلاة فلايكون فواته
مقتضيا لبطلانها، اذ المعتبر وقوع الصلاة بأسرها مع النيّة كيف حصلت، و قد اعترف الأصحاب بعدم بطلان ما مضى من الوضوء بنيّة القطع اذا جدّد النيّة قبل فوات الموالاة و الحكم في المسألتين واحد. و الفرق بينهما - بأنّ الصلاة عبادة واحدة لايصحّ تفريق النيّة على أجزائها بخلاف الوضوء - ضعيف، فانّه دعوى مجرّدة عن الدليل. و المتّجه تساويهما في الصحّة مع تجديد النيّة لما بقي من الأفعال، لكن يعتبر في الصلاة عدم الاتيان بشيء من أفعالها الواجبة قبل تجديد النيّة، لعدم الاعتداد به و استلزام اعادته الزيادة في الصلاة. انتهى».(1)
و لقد أجاد في بيان استدامة النيّة.
(مسألة 17): لو قام لصلاة و نواها في قلبه فسبق لسانه أو خياله خطورا الى غيرها صحّت على ما قام اليها و لايضرّ سبق اللسان و لا الخطور الخيالي.
الشرح:
لأنّ النيّة هي الداعي و هو موجود في ذهنه.(مسألة 18): لو دخل في فريضة فأتمّها بزعم أنّها نافلة غفلة أو بالعكس صحّت على ما افتتحت عليه.
الشرح:
و ذلك لصحيحة عبداللّه بن المغيرة قال: في كتاب حريز أنّه قال:
«انّي نسيت أنّي في صلاة فريضة (حتّى ركعت) و أنا أنويها تطوّعا، قال: فقال عليه السلام: هي التي قمت فيها اذا كنت قمت و أنت تنوي فريضة ثمّ دخلك الشكّ فأنت في الفريضة، و ان كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فأنت في النافلة، و ان كنت دخلت في فريضة ثمّ
1) - الحدائق الناضرة 3: 185.
ذكرت نافلة كانت عليك مضيت في الفريضة».(1)
و صحيحة معاوية قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسها فظنّ أنّها نافلة أو قام في النافلة فظنّ أنّها مكتوبة، قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه».(2)
و خبر عبداللّه بن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل قام في صلاة فريضة فصلّى ركعة و هو ينوي أنّها نافلة، فقال: هي التي قمت فيها و لها، و قال: اذا قمت و أنت تنوي الفريضة فدخلك الشكّ بعد فأنت في الفريضة على الذي قمت له و ان كنت دخلت فيها و أنت تنوي نافلة ثمّ انّك تنويها بعد فريضة فأنت في النافلة، و انّما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أوّل صلاته».(3)
(مسألة 19): لو شكّ فيما في يده أنّه عيّنها ظهرا أو عصرا مثلاً قيل بنى على التي قام اليها، و هو مشكل فالأحوط الاتمام و الاعادة، نعم لو رأى نفسه في صلاة معيّنة و شكّ في أنّه من الأوّل نواها أو نوى غيرها، بنى على أنّه نواها و ان لم يكن ممّا قام اليه، لأنّه يرجع الى الشكّ بعد تجاوز المحلّ.
الشرح:
في هذه المسألة فروع و في بعضها فروض:
لو كان شكّه في المترتّبتين كالظهرين أو العشائين بأن يشكّ فيما في يده أنّه عيّنها ظهرا أو عصرا، و كذا لو شكّ انّه عيّنها مغربا أو عشاءً و لم يدخل في ركوع الركعة الرابعة، فحينئذٍ تارة يفرض الشك باتيانه الظهر في الظهرين و باتيانه المغرب في العشائين، و أخرى يتيقّن بعدم الاتيان و ثالثة يتيقّن باتيانهما، ففي الحالتين الأوّلتين يعدل نيّته الى الظهر في الظهرين و الى المغرب في العشائين.
و أمّا الحالة الثالثة و هي ما لو علم بأنّه أتى بصلاة الظهر أو أتى بصلاة المغرب فحينئذٍ تارة يعلم دخوله في صلاة معيّنة، و أخرى يعلم قيامه في صلاة معيّنة و يشكّ في أنّه دخل فيها بالعنوان الذي قام اليه. و ثالثة لايعلم شيئا من ذلك. ففي الحالة الأولى يبنى على ما دخل لما تقدّم في المسألة المتقدّمة، فان كان نيّته عصرا أو عشاءً فصلاته هذه صحيحة و الاّ تكون باطلة، و أمّا بالنسبة الى العشاء اذا كان دخوله بنيّة العشاء و شكّ أو علم بعدم الاتيان بالمغرب و قد دخل في ركوع الركعة الرابعة ففيه كلام سيأتي قريبا. و أمّا الحالة الثالثة فالظاهر بطلان صلاته لعدم احراز النيّة. و أمّا الحالة الثانية فنسب المصنّف، البناء على الحال التي قام اليها، الىالقيل، ثمّ احتاط نفسه بالاتمام و الاعادة.
و الحقّ هو التفصيل بمعنى أنّه تارة كان من عادته عدم تغيير النيّة التي قام اليها،
و أخرى كان من عادته تغيير النيّة التي قام اليها، ففي الأولى يبني على التي قام اليها و ان شكّ في الأثناء أنّه دخل فيها بالعنوان الذي قام اليه أم بعنوان آخر، و ذلك لاطلاق صحيحة عبداللّه بن المغيرة التي تقدّمت في المسألة الثامنة عشرة و أمّا ان كان من عادته تغيير النيّة التي قام اليها فتبطل صلاته لعدم احراز النية، و الظاهر أنّ المراد من الصحيحة و غيرها ممّا ورد في البناء على ما قام، هو الذي يتعقّبه الدخول في الصلاة عليه.
اذا كان شكّه في غير المترتّبتين كالفريضة و النافلة، و الأداء و القضاء، فتارة يعلم أنّه قام الى صلاة معيّنة كالفريضة مثلاً و يشكّ في أنّه دخل فيها بالعنوان الذي قام اليه أي الفريضة أم بعنوان آخر أي النافلة. و أخرى لايعلم شيئا. ففي الحالة الأولى يجري فيه التفصيل الذي ذكر آنفا. و أمّا في الحالة الثانية فصلاته باطلة لعدم احراز النيّة.
اذا يرى نفسه فعلاً في صلاة معيّنة و شكّ في أنّه نواها من الأوّل تلك الصلاةأو نوى غيرها، فتارة يكون في المترتّبتين و أخرى في غيرهما.
فاذا كان في المترتّبتين فتارة يرى نفسه في صلاة الظهر مع علمه بعدم الاتيان بصلاة الظهر أو شكّه باتيانها، فيتمّ صلاته هذا ظهرا. و أخرى يرى نفسه في صلاة العصر مع علمه بعدم الاتيان بصلاة الظهر أو شكّه، فحينئذٍ يعدل الى الظهر فيتمّها
ظهرا ثمّ يصلّي العصر. و ثالثة يرى نفسه فعلاً في صلاة العصر مثلاً و قد صلّى الظهر و شكّ في أنّه نواها من الأوّل كي تصحّ، أو نوى غيرها كالظهر مثلاً كي لاتصحّ، لعدم جواز العدول من السابقة الى اللاحقة كما سيأتي فيبني على أنّه نواها العصر فتصحّ صلاته و أمّا اذا كان شكّه في غير المترتّبتين، كالفريضة و النافلة، و الأداء و القضاء، كأن يرى نفسه في الفريضة و شكّ في أنّه نواها من الأوّل، أو نوى النافلة، أو يرى نفسه في الأداء و شكّ في أنّه نواها من الأوّل أو نوى القضاء، فيبني على الفريضة في الأوّل و على الأداء في الثاني للروايات المتقدّمة التي قالت ببناء الصلاة على ما قام اليها، فالمناط فيها و فيما نحن فيه واحد. و يمكن أن يقال برجوع شكّه الى الشكّ في صحّة الأجزاء الماضية، لأنّه ان نواها الفريضة فتصحّ صلاته و ان نواها من الأوّل نافلة فلاتصحّ صلاته، فتجري قاعدة التجاوز فيحكم بصحّة الأجزاء السابقة و صحّة صلاته، و أنّه نوى القضاء مثلاً من الأوّل. و هيهنا استشكل صاحب المستمسك السيّد الحكيم، و أجابه السيّد الخوئي فراجع.
(مسألة 20): لايجوز العدول من صلاة الى أخرى الاّ في موارد خاصّة: «أحدها»: في الصلاتين المرتّبتين كالظهرين و العشائين اذا دخل في الثانية قبل الأولى عدل اليها بعد التذكّر في الأثناء اذا لم يتجاوز محلّ العدول، و أمّا اذا تجاوز كما اذا دخل في ركوع الرابعة من العشاء فتذكّر ترك المغرب فانّه لايجوز العدول، لعدم بقاء محلّه فيتمّها عشاءً ثمّ يصلّي المغرب و يعيد العشاء أيضااحتياطا، و أمّا اذا دخل في قيام الرابعة و لم يركع بعد فالظاهر بقاء محل العدول فيهدم القيام و يتمّها بنيّة المغرب. «الثاني»: اذا كان عليه صلاتان أو أزيد قضاءً فشرع في اللاحقة قبل السابقة يعدل اليها مع عدم تجاوز محلّ العدول، كما اذا دخل في الظهر أو العصر فتذكّر ترك الصبح القضائي السابق على الظهر و العصر، و أمّا اذا تجاوز أتمّ ما بيده على الأحوط، و يأتي بالسابقة و يعيد اللاحقة - كما مرّ
في الأدائيّتين - و كذا لو دخل في العصر فذكر ترك الظهر السابقة فانّه يعدل. «الثالث»: اذا دخل في الحاضرة فذكر أنّ عليه قضاءً فانّه يجوز له أن يعدل الى القضاء اذا لم يتجاوز محلّ العدول و العدول في هذه الصورة على وجه الجواز بل الاستحباب، بخلاف الصورتين الأوّلتين فانّه على وجه الوجوب. «الرابع»: العدول من الفريضة الى النافلة يوم الجمعة لمن نسي قراءة الجمعة و قرأ سورة أخرى من التوحيد أو غيرها و بلغ النصف أو تجاوز، و أمّا اذا لم يبلغ النصف فله أن يعدل عن تلك السورة، - و لو كانت هي التوحيد - الى سورة الجمعة فيقطعها و يستأنف سورة الجمعة. «الخامس»: العدول من الفريضة الى النافلة لادراك الجماعة اذا دخل فيها و أقيمت الجماعة و خاف السبق بشرط عدم تجاوز محلّ العدول بأن دخل في ركوع الركعة الثالثة. «السادس»: العدول من الجماعة الى الانفراد لعذر أو مطلقا كما هو الأقوى. «السابع»: العدول من امام الى امام اذا عرض للأوّل عارض. «الثامن»: العدول من القصر الى التمام اذا قصد في الأثناء اقامة عشرة أيّام. «التاسع»: العدول من التمام الى القصر اذا بدا له في الاقامة بعد ما قصدها. «العاشر»: العدول من القصر الى التمام أو بالعكس في مواطن التخيير.
الشرح:
لايجوز العدول من صلاة الى أخرى و ان اتّحدتا صورة، و ذلك لأنّ كلّ صلاة من الصلوات اليوميّة و غيرها من الصلوات المفروضة حقائق مختلفة و ماهيات متباينة قدتعلّق الأمر بكلّ واحدة منها خاصّة و لها أحكام متمايزة و ان اتّحدت صورة كالظهرين، فانّ صلاة الظهر قبل العصر، و يجب على المكلّف في مرحلة الامتثال أن يعيّن الصلاة التي يريد امتثالها و الاّ لم يمتثل، فاذا أراد الاتيان بصلاة الظهر مثلاً فكبّر و قرأ و ركع و أتى ببعض أجزائها بقصد صلاة الظهر، فلايجوز له العدول الى صلاة العصر، لأنّ لصلاة العصر ماهيّة خاصّة بها فكيف يعدل نيّته من
ماهيّة قد أتى ببعض أجزائها الى ماهيّة أخرى، و يريد أن يأتي ببقيّة أجزائها بقصد الماهيّة الثانية، فهل هذا الاّ الاتيان بماهيّتين ناقصتين؟ نعم لو ورد نصّ خاصّ في مورد فنتّبع في تلك المورد و لانتجاوزه. و قد ورد في الشرع موارد رخّص فيها العدول:
الأوّل: في الصلاتين المترتّبتين كالظهرين و العشائين، فاذا دخل في الثانية بتخيّل أنّه صلّى الظهر ثمّ التفت في الأثناء بأنّه لم يصلّ الظهر فيجوز له العدول من العصر الى الظهر و كذا اذا دخل في العشاء ساهيا قبل صلاة المغرب ثمّ تذكّر في الأثناء و لمّايدخل في ركوع الركعة الرابعة، فيجوز له العدول الى صلاة المغرب. و الدليل على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال - الى أن قال -:
«و ان ذكرت أنّك لم تصلّ الأولى و أنت في صلاة العصر و قد صلّيت منها ركعتين فانوها الأولى ثمّ صلّ الركعتين الباقيتين و قم فصلّ العصر، - الى أن قال: - و ان كنت ذكرتها و قد صلّيت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثمّ سلّم ثمّ قم فصلّ العشاء الآخرة. الحديث».(1)
و لايعارضها خبر الحسن بن زياد الصيقل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي الأولى حتّى صلّى ركعتين من العصر قال: فليجعلها الأولى و ليستأنف العصر. قلت: فانّه نسي المغرب حتّى صلّى ركعتين من العشاء ثمّ ذكر قال: فليتمّ صلاته ثمّ ليقض بعد المغرب، قال: قلت له: جعلت فداك قلت حين نسي الظهر ثمّ ذكر و هو في العصر يجعلها الأولى ثمّ يستأنف، و قلت لهذا يتمّ صلاته بعد المغرب؟! فقال: ليس هذا مثل هذا، انّ العصر
1) - وسائل الشيعة 3: 211 / الباب 63 من أبواب المواقيت / الحديث 1.
ليس بعدها صلاة، و العشاء بعدها صلاة».(1)
لأنّ في سند الخبر الحسن بن زياد الصيقل و هو ضعيف، هذا أوّلاً، و ثانيا يمكن حمله على تضيّق الوقت بناءً على أن يكون معنى «ليقض» هو الاتيان بعد الوقت، فيصير معنى قوله عليه السلام: «فليتمّ صلاته ... » أي يتمّ صلاة العشاء ثمّ يأتي بعد العشاء خارج الوقت. كما أنّ معنى قول الراوي: «و قلت لهذا ... » أي و قلت لمن نسي المغرب حتّى صلّى ركعتين من العشاء ثمّ ذكر، يتمّ صلاة العشاء ثمّ يأتي بالمغرب خارج الوقت. و كأنّ جملة «ثمّ ليقض» محذوف من كلام الراوي فكان هكذا: «و قلت لهذا يتمّ صلاته ثمّ ليقض بعدُ المغرب».
و ثالثا يمكن حمله على التقيّة لما في ذيله من العلّة، فانّ قوله عليه السلام: «انّ العصر ليس بعدها صلاة و العشاء بعدها صلاة» فكأنّه مضطرب، لأنّه ان كان المراد بوجود الصلاة بعد العشاء هو الفريضة أي صلاة الصبح، فبعد صلاة العصر أيضا صلاة المغرب، و ان كانت النافلة فلايرتبط ذلك بالعدول و عدمه. و رابعا الفرق بين الظهرين و العشائين في جواز العدول في الأوّلتين دون العشائين، خلاف المشهور.
فرعان:
اذا نسي المغرب فصلّى العشاء ثمّ ذكر و قد دخل في ركوع الركعة الرابعة منها، فالحقّ بطلان صلاته كما هو المشهور و ذلك لأنّ العدول خلاف القاعدة الاّ ما خرج بالنص، و النص و ان ورد في جواز العدول و اطلاقه (بعد القطع بأنّ ذكر الركعتين أو الثالثة في الصحيحة من باب المثال و لا خصوصيّة فيه) يشمل ما نحن
1) - وسائل الشيعة 3: 213 / الباب 63 من أبواب المواقيت / الحديث 5.
فيه الاّ أنّ حديث «لاتعاد» يعارضه، ففي صحيحة زرارة قال عليه السلام: «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»، فيتساقطان، فالقاعدة بعد التساقط هو عدم جواز العدول، و حيث يكون اتمامها عشاءً موجبا للاخلال بالترتيب عمدا و لو في بعض أجزاء صلاة العشاء، فلابدّ من الحكم ببطلان الصلاة.
اذا نسي المغرب فصلّى العشاء ثمّ ذكر و قد قام في الركعة الرابعة و لمّايركع فيعدل الى المغرب لاطلاق دليل العدول و عدم المعارض له، فينقض القيام و يجلس و يتشهّد و يسلّم و يتمّ صلاته ثمّ يصلّي العشاء.
ثمّ اعلم أنّ العدول من اللاحقة الى السابقة واجب للزوم الترتيب، فلو لم يعدلتبطل صلاته، فهل يكون آثما في ابطاله الصلاة؟ فالأقوى نعم لأنّه يحرم عليه قطع الصلاة اذا كان عبثا، فهيهنا حيث يجوز له العدول و يمكن تصحيح صلاته فقطعه يكون عبثا.
الثاني من موارد العدول: اذا كان عليه صلاتان أو أزيد قضاءً فشرع في اللاحقة قبل السابقة، فتارة يكون في المترتّبتين كالظهر و العصر، أو المغرب و العشاء، و أخرى في غير المرتّبتين. ففي الأولى يجب عليه العدول من العصر الى الظهر و من العشاء الى المغرب ان كان محلّ العدول باقيا، و ذلك لأنّ الصلوات اليومية سواء كانت أداءً أو قضاءً مشتركة في الأحكام المتعلّقة بها الاّ الوقت، بمعنى أنّه لايجب في قضاء الظهر أن يكون بعد الزوال مثلاً، فمن جملة الأحكام هو الترتيب بين الظهرين و العشائين في الأداء فيجري بعينه في القضاء، و ما مرّ آنفا من الصور المتصوّرة حول الترتيب يأتي في القضاء أيضا.
و في الثانية كما لو شرع في قضاء الصبح فذكر أنّ عليه المغرب و العشاء سابقا أو شرع في الظهر قضاءً فذكر أنّ عليه الصبح، فيجوز له أن يعدل نيّته الى السابقة ان كان محلّ العدول باقيا و ذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها، ثمّ صلّ ما بعدها باقامة اقامة لكلّ صلاة. الحديث».(1)
و أمّا ان لم يكن محلّ العدول باقيا فان قلنا بوجوب الترتيب فتبطل صلاته و الاّ يتمّها، و يصلّي سابقتها.
و أمّا وجوب العدول مطلقا في هذه الصورة فمبنيّ على وجوب الترتيب فيقضاء الفوائت و ان كان في غير المترتّبتين، فسيأتي في محلّه أنّ الأقوى عدم الوجوب.
الثالث: اذا دخل في الحاضرة فذكر أنّ عليه قضاءً فانّه يجوز له أن يعدل الى القضاء اذا لم يتجاوز محلّ العدول.
و ذلك كما لو شرع في الصبح فتذكّر أنّ عليه المغرب و العشاء سابقا، أو شرع في الظهر فتذكّر أنّ عليه الصبح، فيجوز له أن يعدل نيّته الى السابقة ان كان محل العدول باقيا لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
« - الى أن قال: - و ان كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثمّ ذكرت العصر فانوها العصر ثمّ قم فأتمّها ركعتين ثمّ تسلّم ثمّ تصلّي المغرب - الى أن قال: - فان كنت قدنسيت العشاء الآخرة - الى أن قال: - و ان كنت ذكرتها و أنت في الركعة الأولى و في الثانية من الغداة فانوها العشاء ثمّ قم فصلّ الغداة و أذّن و أقم. الحديث».(2)
و العدول في هذا المورد على وجه الجواز. و تمام الكلام في بحث القضاء ان شاء اللّه تعالى.
الرابع: العدول من الفريضة الى النافلة يوم الجمعة لمن نسي قراءة الجمعة و قرأ سورة أخرى حتّى التوحيد و ان لم يبلغ النصف. و يجوز له العدول عن تلك السورة و ان كانت هي التوحيد الى سورة الجمعة فيقطعها مطلقا و يستأنف سورة الجمعة. فيدلّ على الثاني، صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يريد أن يقرأ سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ «قل هو اللّه أحد»، قال:
«يرجع الى سورة الجمعة».(3)و
صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا افتتحت صلاتك بقل هو اللّه أحد و أنت تريد أن تقرأ بغيرها فامض فيها و لاترجع الاّ أن تكون في يوم الجمعة فانّك ترجع الى الجمعة و المنافقين منها».(4)
و صحيحة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أراد أن يقرأ في سورة فأخذ في أخرى، قال: فليرجع الى السورة الأولى الاّ أن يقرأ بقل هو اللّه أحد، قلت: رجل صلّى الجمعة فأراد أن يقرأ سورة الجمعة فقرأ قل هو اللّه أحد، قال: يعود الى سورة الجمعة».(5)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن القراءة في الجمعة بما يقرأ؟ قال: سورة الجمعة و اذا جاءك المنافقون، و ان أخذت في غيرها و ان كان «قل هو اللّه أحد»
1) - وسائل الشيعة 3: 211 / الباب 63 من أبواب المواقيت / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 211 / الباب 63 من أبواب المواقيت / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 4: 814 / الباب 69 من أبواب القراءة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 4: 814 / الباب 69 من أبواب القراءة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 4: 814 / الباب 69 من أبواب القراءة / الحديث 3.
فاقطعها من أوّلها و ارجع اليها».(1)
و تدلّ على الأوّل، موثّقة صباح بن صبيح قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل أراد أن يصلّي الجمعة فقرأ بقل هو اللّه أحد، قال: يتمّ ركعتين ثمّ يستأنف».(2)
فالجمع بين الصحاح المتقدّمة و بين موثّقة صباح بن صبيح، التخيير بين قطع السورة مطلقا و ان كانت هي التوحيد و ان بلغ النصف، و بين أن يعدل الى النافلةو يتمّها ركعتين ثمّ يستأنف، و ان لم يبلغ النصف. و ما ذهب اليه الماتن من تقييد الحكم بالعدول الى النافلة اذا بلغ النصف أو تجاوز، و بالعدول الى سورة الجمعة اذا لم يبلغ النصف، فان كان للجمع بين هاتين الطائفتين من الأخبار المتقدّمة آنفا فلا شاهد له لهذا الجمع، و ان كان غير ذلك فسيأتي في بحث القراءة ان شاء اللّه تعالى.
الخامس: العدول من الفريضة الى النافلة لادراك الجماعة اذا دخل فيها و أقيمت الجماعة بشرط عدم تجاوز محلّ العدول أي لم يدخل في ركوع الركعة الثالثة.
و الدليل على ذلك صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلّي اذ أذّن المؤذّن و أقام الصلاة، قال: فليصلّ ركعتين ثمّ ليستأنف الصلاة مع الامام وليكن الركعتان تطوّعا».(3)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الامام و قد صلّى الرجل ركعة من
صلاة فريضة، قال: ان كان اماما عدلاً فليصلّ أخرى و ينصرف، و يجعلهما تطوّعا و ليدخل مع الامام في صلاته كما هو، و ان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو و يصلّي ركعة أخرى و يجلس قدر ما يقول: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله» ثمّ ليتمّ صلاته معه على ما استطاع، فانّ التقيّة واسعة، و ليس شيء من التقيّة الاّ و صاحبها مأجور عليها ان شاءاللّه».(1)
فالروايتان مطلقتان من حيث خوف السبق و عدمه، فالمتّبع اطلاق الدليل.
و أمّا السادس و السابع من موارد العدول، فيأتي الكلام فيهما في الجماعة ان شاء اللّه تعالى. و أمّا بقيّة الموارد فيأتي الكلام فيها في صلاة المسافر ان شاء اللّه تعالى.
(مسألة 21): لايجوز العدول من الفائتة الى الحاضرة فلو دخل في فائتة ثمّ ذكر في أثنائها حاضرة ضاق وقتها أبطلها و استأنف، و لايجوز العدول على الأقوى.
(مسألة 22): لايجوز العدول من النفل الى الفرض، و لا من النفل الى النفل حتّى فيما كان منه كالفرائض في التوقيت و السبق و اللحوق.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة العشرين أنّه لايجوز العدول من صلاة الى أخرى لأنّ كلّ صلاة من الصلوات المفروضة و غيرها حقائق مختلفة و ماهيّات متباينة، قد تعلّق الأمر بكلّ واحدة منها و لها أحكام متمايزة، فاذا أراد الاتيان بصلاة فعيّنها و كبّر لها و أتى ببعض أجزائها، فكيف يعدل نيّته منها التي هي ماهيّة معيّنة مأمور بها الى
1) - وسائل الشيعة 5: 458 / الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
صلاة أخرى التي تكون ماهيّة غيرها. نعم لو ورد في مورد دليل على جواز العدول فيتّبع كما مضى بعض موارد العدول و يأتي بعضها الآخر في محلّه ان شاء اللّه تعالى.
و المسألة الحادية و العشرين و الثانية و العشرين ليستا من موارد العدولفلايجوز العدول من الفائتة الى الحاضرة و لا من النفل الى الفرض و لا من النفل الى النفل، فلو عدل تبطل صلاته.
(مسألة 23): اذا عدل في موضع لايجوز العدول بطلتا كما لو نوى بالظهر العصر و أتمّها على نيّة العصر.
الشرح:
تقدّم شرح هذه المسألة آنفا.
(مسألة 24): لو دخل في الظهر بتخيّل عدم اتيانها فبان في الأثناء أنّه قد فعلها لم يصحّ له العدول الى العصر.
الشرح:
لما مرّ من عدم جواز العدول الاّ ما خرج بالدليل و الدليل ورد في جواز العدول من اللاحق الى السابق، و أمّا العدول من السابق الى اللاحق فلايجوز، فصلاته باطلة ، فيستأنف العصر.
(مسألة 25): لو عدل بزعم تحقّق موضع العدول فبان الخلاف بعد الفراغ أو في الأثناء لايبعد صحّتها على النيّة الأولى كما اذا عدل بالعصر الى الظهر ثمّ بان أنّه صلاّها فانّها تصحّ عصرا لكن الأحوط الاعادة.
الشرح:
لو عدل بزعم تحقّق العدول فبان الخلاف بعد الفراغ أو في الأثناء يبني على النيّة الأولى و تصحّ صلاته كما اذا عدل بالعصر الى الظهر ثمّ بان أنّه صلاّها فانّهاتصحّ عصرا. و ذلك للأخبار الواردة عنهم عليهم السلام أنّه لو نسي أو غفل عمّا نواها أوّلاً فنوى غيرها ثمّ تذكّر، فصلاته تبنى على ما افتتح عليه أوّلاً، و انّما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أوّل صلاته. فقد تقدّمت الروايات في المسألة الثامنة عشرة من هذا الفصل، فهذه المسألة من ملحقاتها.
(مسألة 26): لابأس بترامي العدول كما لو عدل في الفوائت الى سابقة فذكر سابقة عليها، فانّه يعدل منها اليها و هكذا.
الشرح:
يجوز ترامي العدول كما لو كان عليه المغرب فدخل فيها فتذكّر أنّ عليه العصر فعدل اليها، فتذّكر أنّ عليه الظهر فعدل اليها، و منها الى الصبح مثلاً و هكذا.
و الدليل على جواز ترامي العدول اطلاق صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي صلاة حتّى دخل وقت صلاة أخرى، فقال: اذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها فاذا ذكرها و هو في صلاة بدأ بالتي نسي. الحديث».(1)
1) - وسائل الشيعة 3: 212 / الباب 63 من أبواب المواقيت / الحديث 2.
قال في الجواهر: «قد يقال بجواز ترامي العدول بل تعيّنه كما لو عدل الى فائتة فذكر سابقة عليها و هكذا».(1)
و في المستمسك نقل عن الشهيدين في البيان و الروضة جوازه.
(مسألة 27): لايجوز العدول بعد الفراغ الاّ في الظهرين اذا أتى بنيّة العصر بتخيّل أنّه صلّى الظهر فبان أنّه لم يصلّها، حيث انّ مقتضى رواية صحيحة أنّه يجعلها ظهرا و قد مرّ سابقا.
الشرح:
قد مرّ سابقا في المسألة الثامنة في أحكام الأوقات أنّه اذا شرع في صلاة العصر بتخيّل أنّه صلّى الظهر فتذكّر بعد الفراغ أنّه لم يصلّها صحّ و بنى على أنّها الظهر. و ذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
« - الى أن قال: - اذا نسيت الظهر حتّى صلّيت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى ثمّ صلّ العصر، فانّما هي أربع مكان أربع. الحديث».(2)
(مسألة 28): يكفي في العدول مجرّد النيّة من غير حاجة الى ما ذكر في ابتداء النيّة.
الشرح:
يكفي في العدول مجرّد النيّة بمعنى أن ينوي كون ما بيده هي الصلاة السابقة بالنسبة الى ما مضى منها و ما سيأتي. فلو نوى من الابتداء صلاة العصر ناسيا فتذكّر
أنّ عليه صلاة الظهر فينوي أن يكون هذه ظهرا. ففي صحيحة الحلبي قال:
«فليجعل صلاته التي صلّى الأولى ثمّ ليستأنف العصر».(1)
(مسألة 29): اذا شرع في السفر و كان في السفينة أو العربة مثلاً فشرع فيالصلاة بنيّة التمام قبل الوصول الى حدّ الترخّص فوصل في الأثناء الى حدّ الترخّص، فان لم يدخل في ركوع الثالثة فالظاهر أنّه يعدل الى القصر، و ان دخل في ركوع الثالثة فالأحوط الاتمام و الاعادة قصرا. و ان كان في السفر و دخل في الصلاة بنيّة القصر فوصل الى حدّ الترخّص يعدل الى التمام.
الشرح:
اذا شرع في السفر و كان في السفينة أو العربة مثلاً فشرع في الصلاة بنيّة التمام قبل الوصول الى حدّ الترخّص فوصل في الأثناء الى حدّ الترخّص، فان لم يدخل في ركوع الثالثة فالظاهر أنّه يعدل الى القصر لأنّ وظيفته الفعليّة هي القصر فانّه في حال الامتثال و لم يسقط التكليف عنه بأدائه، فبانقلاب الموضوع انقلب الحكم. فحاله كحال من قصد اقامة عشرة أيّام في بلد فشرع في رباعيّة فصلّى منها ركعتين فبدّل قصده و رجع عن الاقامة فانّه يتمّها قصرا لتبدّل الموضوع. و لو دخل في قيام الركعة الثالثة يهدم القيام و يجلس و يتمّ الصلاة كما في نظيره المذكور آنفا، فمن قصد الاقامة فشرع في الصلاة الرباعيّة ثمّ رجع عن قصده يعدل نيّته الى القصد و ان قام للركعة الثالثة و لمّايركع يهدم قيامه و يتمّها قصرا.
و ان دخل في ركوع الثالثة فالأحوط الاتمام و الاعادة قصرا هذا و ان كان تكليفه الفعلي العدول الى القصر الاّ أنّ الركوع الزائد موجب لبطلان صلاته فيرفع اليد عنها، فيستأنفها قصرا.
و ان كان في السفر و دخل في الصلاة بنيّة القصر فوصل الى حدّ الترخّص
1) - وسائل الشيعة 3: 213 / الباب 63 من أبواب المواقيت / الحديث 4.
يعدل الى التمام لتبدّل موضوع التكليف كما مرّ آنفا في مورد الذهاب.
(مسألة 30): اذا دخل في الصلاة بقصد ما في الذمّة فعلاً و تخيّل أنّها الظهر مثلاً ثمّ تبيّن أنّ ما في ذمّته هي العصر أو بالعكس فالظاهر الصحّة لأنّ الاشتباهانّما هو في التطبيق.
الشرح:
اذا شكّ في أنّه صلّى الظهر أم لم يصلّ، فيجب عليه صلاة الظهر، فحينئذٍ لو أتيها بقصد ما هو تكليفه الفعلي في الواقع ولكن نوى الظهر ظاهرا ثمّ انكشف في الأثناء أو بعد الصلاة أنّه صلّى الظهر، فان كان في الأثناء يعدل نيّته الى العصر كما كانت في الواقع اليها و ان كان بعد الصلاة يحسب لها العصر. لأنّه نوى الواقع بأنّه ان كان ظهرا فهذا ظهر و ان كان عصرا فهذا عصر ولكن من جهة الظاهر و تكليفه الظاهري نوى الظهر، فصلاته صحيحة، فانّ الاشتباه انّما هو في التطبيق، و لو عكس فحكمه هكذا بطريق أولى لجواز العدول من اللاّحقة الى السابقة.
(مسألة 31): اذا تخيّل أنّه أتى بركعتين من نافلة الليل مثلاً فقصد الركعتين الثانيتين أو نحو ذلك فبان أنّه لم يصلّ الأوّلتين صحّت و حسبت له الأوّلتان، و كذا في نوافل الظهرين و كذا اذا تبيّن بطلان الأوّلتين و ليس هذا من باب العدول بل من جهة أنّه لايعتبر قصد كونهما أوّلتين أو ثانيتين فتحسب على ما هو الواقع نظير ركعات الصلاة حيث انّه لو تخيّل أنّ ما بيده من الركعة ثانية مثلاً فبان أنّها الأولى أو العكس أو نحو ذلك لايضرّ و يحسب على ما هو الواقع.
الشرح:
و اعلم أنّ المأمور به في نافلة الظهر ثمان ركعات، فهي ماهية واحدة و ان كانت أربع صلوات، و لم يقيّد كلّ ركعتين من هذه الصلوات بالأولى و الثانية و
هكذا، و لايلزم هذا القيد في النيّة، فلو تخيّل أنّه أتى بركعتين من نافلة الظهر مثلاً فقصد الركعتين الثانيتين أو نحو ذلك فبان أنّه لم يصلّ الأوّلتين صحّت و حسبت له الأوّلتان. و كذا في نافلة العصر و نافلة الليل، و كذا اذا تبيّن بطلان الأوّلتين، وليس هذا من باب العدول بل من جهة أنّه لايعتبر قصد كونهما أوّلتين أو ثانيتين فتحسب على ما هو الواقع نظير ركعات الصلاة حيث انّه لو تخيّل أنّ ما بيده الركعة الثانية فبان أنّها الأولى أو العكس لايضرّ و يحسب على ما هو الواقع.
و تسمّى تكبيرة الافتتاح أيضا، و هي أوّل الأجزاء الواجبة للصلاة بناءً على كون النيّة شرطا، و بها يحرم على المصلّي المنافيات و ما لم يتمّها يجوز له قطعها، و تركها عمدا و سهوا مبطل كما أنَّ زيادتها أيضا كذلك، فلو كبّر بقصد الافتتاح و أتى بها على الوجه الصحيح ثمّ كبّر بهذا القصد ثانيا بطلت و احتاج الى ثالثة، فان أبطلها بزيادة رابعة احتاج الى خامسة و هكذا تبطل بالشفع و تصحّ بالوتر، و لو كان في أثناء صلاة فنسي و كبّر لصلاة أخرى فالأحوط اتمام الأولى و اعادتها. و صورتها «اللّه أكبر» من غير تغيير و لاتبديل، و لايجزئ مرادفها و لاترجمتها بالعجميّة أو غيرها، و الأحوط عدم وصلها بما سبقها من الدعاء أو لفظ النيّة و ان كان الأقوى جوازه و تحذف الهمزة من «اللّه» حينئذٍ، كما أنّ الأقوى جواز وصلها بما بعدها من الاستعاذة أو البسملة أو غيرهما، و يجب حينئذٍ اعراب راء «أكبر»، لكنّ الأحوط عدم الوصل. و يجب اخراج حروفها من مخارجها و الموالاة بينها و بين الكلمتين.
الشرح:
هيهنا فروع:
تسمّى تكبيرة الاحرام بتكبيرة الافتتاح لصحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«قلت له: رجل نسي أن يكبّر تكبيرة الافتتاح حتّى كبّر للركوع. الحديث».(1)
و مرفوعة محمّد بن يحيى عن الرضا عليه السلام قال:
«الامام يحمل أوهام من خلفه الاّ تكبيرة الافتتاح».(2)
و خبر ناصح المؤذّن عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«فانّ مفتاح الصلاة التكبير».(3)
و في خبر المجالس باسناده (في حديث):
«جاء نفر من اليهود الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أمّا قوله: «اللّه أكبر» - الى أن قال: - لاتفتتح الصلاة الاّ بها».(4)
و هي أوّل الأجزاء الواجبة للصلاة فان لم يأت بها فلا صلاة له.
لموثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة قال: يعيد الصلاة و لا صلاة بغير افتتاح».(5)
و بها يحرم على المصلّي المنافيات بمعنى ممنوعيّة ارتكابها بعد التكبير، فان
1) - وسائل الشيعة 4: 718 / الباب 3 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 4: 718 / الباب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 12.
3) - وسائل الشيعة 4: 714 / الباب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 4: 715 / الباب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 12.
5) - وسائل الشيعة 4: 716 / الباب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 7.
جاء بالمنافيات تبطل صلاته. و الدليل على تحريم المنافيات بالحرمة الوضعيّة بعد التكبير، الروايات الواردة في قواطع الصلاة، و ستأتي ان شاء اللّه تعالى. و الظاهر من الروايات الواردة في تكبيرة الافتتاح أنّ شروع الصلاة بمجرّد الشروع في التكبير، فبناءً على هذا يحرم الاتيان بالمنافيات حين قراءة التكبير، لوقوعها حينئذٍ في الصلاة.
و أمّا الحرمة التكليفيّة فتأتي في محلّه أنّ الأقوى عدم حرمة قطع الصلاة الاّ اذا كان قطعها موجبا لهتك حرمة الصلاة، كأن يقطعها عبثا و لهوا.
تبطل الصلاة بترك تكبيرة الاحرام عمدا و سهوا. قال في الحدائق: «لاخلاف بين الأصحاب بل أكثر علماء الاسلام في أنّ تكبيرة الاحرام جزء من الصلاة و ركن فيها تبطل الصلاة بتركها عمدا و سهوا. انتهى».(1)
قال في الجواهر: «و لاتصحّ الصلاة من دونها و لو كان قد أخلّ بها نسيانا اجماعا محصّلاً و منقولاً مستفيضا كالنصوص التي لايصلح لمعارضتها ما في بعض النصوص الآخر من عدم البطلان بنسيانها من وجوه، خصوصا بعد موافقتها في الجملة لبعض العامّة الذين جعل اللّه الرشد في خلافهم. انتهى».(2)و
تدلّ على بطلان الصلاة بترك تكبيرة الاحرام عمدا و سهوا روايات:
منها: صحيحة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح، قال: يعيد».(3)
و منها: صحيحة محمّد عن أحدهما عليهماالسلام في الذي يذكر أنّه لم يكبّر في أوّل صلاته، فقال:
«اذا استيقن أنّه لم يكبّر فليعد ولكن كيف يستيقن؟!».(1)
و منها: صحيحة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أقام الصلاة فنسي أن يكبّر حتّى افتتح الصلاة، قال: يعيد الصلاة».(2)
و منها: صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل ينسى أن يفتتح الصلاة حتّى يركع، قال: يعيد الصلاة».(3)
و منها: صحيحة ذريح بن محمّد المحاربي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل ينسى أن يكبّر حتّى قرأ، قال: يكبّر».(4)
و منها: موثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة قال: يعيد الصلاة و لا صلاة بغير افتتاح».(5)
و منها: خبر محمّد بن سهل عن الرضا عليه السلام قال:
«الامام يحمل أوهام من خلفه الاّ تكبيرة الافتتاح».(6)
و لاتعارض الصحاح المتقدّمة آنفا صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل ينسى أوّل تكبيرة من الافتتاح، فقال: ان ذكرها قبل
1) - وسائل الشيعة 4: 716 / الباب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 4: 716 / الباب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 4: 716 / الباب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 4: 716 / الباب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 4: 716 / الباب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 7.
6) - وسائل الشيعة 4: 716 / الباب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 6.
الركوع كبّر ثمّ قرأ ثمّ ركع و ان ذكرها في الصلاة كبّرها في قيامه في موضع التكبير قبل القراءة و بعد القراءة، قلت: فان ذكرها بعد الصلاة؟ قال: فليقضها و لا شيء عليه».(1)
و صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل نسي أن يكبّر حتّى دخل في الصلاة، فقال: أليس كان من نيّته أن يكبّر؟ قلت: نعم، قال: فليمض في صلاته».(2)
و موثّقة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل قام في الصلاة فنسي أن يكبّر فبدأ بالقراءة فقال: ان ذكرها و هو قائم قبل أن يركع فليكبّر، و ان ركع فليمض في صلاته».(3)
و صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«قلت له: رجل نسي أن يكبّر تكبيرة الافتتاح حتّى كبّر للرّكوع فقال: أجزأه».(4)
و ذلك لأنّه أوّلاً هذه الروايات و ان كانت معتبرة الاّ أنّها مخالفة للاجماع كما تقدّم عن الحدائق و الجواهر. و ثانيا انّها موافقة لفتوى بعض علماء العامّة. قال في الحدائق: «انّ القول بذلك منقول عن جملة من المخالفين منهم الزهري و الأوزاعي و سعيد بن المسيّب و الحسن و قتادة و الحكم فلعلّ لمذهب هؤلاء شهرة و صيتا في ذلك الوقت أوجب صدور هذه الأخبار موافقة لهم، و قد نقل عنهم في المنتهى أنّه اذا أخلّ المصلّي بتكبيرة الاحرام عامدا أعاد صلاته و لو أخلّ
بها ناسيا أجزأته تكبيرة الركوع. انتهى».(1)
و ثالثا يمكن التوجيه في بعضها كما في صحيحة زرارة فيمكن حملها على ما لاينافي الصحاح المستفيضة المتقدّمة الواردة في بطلان الصلاة لمن نسي تكبيرة الاحرام. مع أن صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر تعارضها في موردها صحيحة الفضل بن عبدالملك عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في الرجل يصلّي فلم يفتتح بالتكبير هل تجزيه تكبيرة الركوع؟
«قال: لا، بل يعيد صلاته اذا حفظ أنّه لم يكبّر».(2)
قال في المدارك: «و أجاب عنها [أي الأخبار المعارضة] الشيخ في كتابي الأخبار بالحمل على من لايتيقّن الترك بل شكّ فيه. و فيها ما يأبى هذا الحمل، الاّ أنّ مخالفة ظاهرها لاجماع الأصحاب بل باجماع العلماء الاّ من شذّ توجب المصير الى ما ذكره. انتهى».(3)
قال في الجواهر: «و لو كبّر و نوى الافتتاح ثمّ كبّر و نوى الافتتاح بطلت صلاته بلاخلاف أجده فيه بين القدماء و المتأخّرين كما اعترف به بعضهم صريحا و آخر ظاهرا. انتهى».(4)
و قال في مفتاح الكرامة: «و لو كبّر للافتتاح ثمّ كبّر له ثانيا بطلت صلاته كما في المبسوط و جامع الشرائع و الشرائع و التحرير و الارشاد و نهاية الأحكام و
التذكرة و الذكرى و الدروس و البيان و الموجز الحاوي و كشف الالتباس و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و الجعفريّة و شرحيها و الميسيّة و الروض و فوائد القواعد. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
أقول:
لم أجد فيما تتبّعت من كلمات القدماء في تفسير الركن غير كلام ابن ادريس في السرائر فانّه قال: «فالأركان خمسة: القيام و النيّة و تكبيرة الاحرام و الركوع و السجود. فمتى أخلّ بالرّكن عامدا أو ساهيا و لم يذكر حتّى تقضى حاله و دخل في حالة أخرى بطلت صلاته. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)و لم يتعرّضوا لحكم زيادة تكبيرة الاحرام الاّ الشيخ طوسي في المبسوط فانّه قال: «اذا كبّر تكبيرة الاحرام انعقدت صلاته فان كبّر أخرى و نوى بها الافتتاح بطلت صلاته لأنّ الثانية غير مطابقة للصلاة فان كبّر بها ثالثة و نوى بها الافتتاح انعقدت صلاته. انتهى».(3)
قال صاحب المدارك: «و يمكن المناقشة في هذا الحكم أعني البطلان بزيادة التكبير ان لم يكن اجماعيّا فان أقصى ما يستفاد من الروايات بطلان الصلاة بتركه عمدا و سهوا و هو لايستلزم البطلان بزيادته. انتهى».(4)
قال في الحدائق: «قد صرّح الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - من غير خلاف يعرف بأنّه لو كبّر و نوى الافتتاح ثمّ كبّر ثانية و نوى الافتتاح بطلت صلاته فان كبّر ثالثا بالنيّة المذكورة انعقدت الصلاة. و هذا الحكم مبني على أنّ زيادة الركن موجبة للبطلان كنقصانه. و هو على اطلاقه مشكل و أخبار هذه المسألة قد دلّت
على البطلان بترك التكبير عمدا أو سهوا و أمّا بطلانها بزيادته فلم نقف له على نصّ. انتهى».(1)
أقول:
ان كبّر و نوى الافتتاح ثمّ كبّر ثانية و نوى الافتتاح، فان كان عمدا فتارة ينوي بالثانية تكبيرة الاحرام و بعنوان الجزئيّة فتبطل صلاته لقوله عليه السلام:
«من زاد في صلاته فعليه الاعادة».(2)
و أخرى ينوي بها تكبيرة الاحرام و بعنوان الاحتياط فهذه لادليل على بطلان الصلاة بها. و ثالثة ينسى ما قال أوّلاً فيكبّر ثانيا فهذه أيضا لاتبطل صلاته، لحديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة»(3)و ليس تكبيرة الاحرام من الخمسة.
ثمّ اعلم أنّه لو كان في أثناء صلاة فنسي و كبّر لصلاة أخرى ثم تذكّر فالأقوى عدم بطلان صلاته على ما بناه لعدم قدح زيادة تكبيرة الاحرام نسيانا. و أمّاالمصنّف فذهب الى اتمام الأولى احتياطا ثمّ اعادتها، و الظاهر أنّ وجه توقّفه احتمال صدق الزيادة في المقام، فيدخل في معقد الاجماع - ان كان هناك اجماع - على البطلان بزيادة الركن ولو سهوا. ولكن فيه اذا شكّ في صدق الزيادة لايشمله الاجماع فانّه دليل لبّي لا اطلاق فيه، فيرجع فيه الى أصالة البراءة من المانعيّة.
ان قلت من كبّر لصلاة أخرى بتخيّل اتمامه الصلاة الأولى فقد أتى بالزيادة العمديّة في صلاته فيشمله: «من زاد في صلاته فعليه الاعادة». قلت: انّه لم يأت بها بقصد الجزئيّة لهذه الصلاة و لايدرجه في عنوان «من زاد في صلاته»، و لذا لو جلس لحاجة كقتل العقرب مثلاً أو قام لغرض كالنظر الى الأفق، أو أعاد سورة الفاتحة هدية لميّت لايوجب شيء منها البطلان، فانّ هذه كلّها و ان وقعت في
أثناء الصلاة لكنّه حيث لم يقصد كونها من أجزاء الصلاة، لاتكون من الزيادة العمديّة، فتأمّل.
و أمّا السجدة لتلاوة آية السجدة أثناء الصلاة فانّها مبطلة للصلاة و ان لم يقصد بها الجزئيّة و ذلك للأخبار الناهية عن قراءة سور العزائم في الصلاة معلّلاً بأنّ السجدة زيادة في المكتوبة، فيلحق بها الركوع بالأولوية، و ان لم يقصد به الجزئيّة للصلاة كمن ركع تعظيما لشخص، و أمّا غيرهما فلا دليل على ابطالها الصلاة.
و صورتها «اللّه أكبر» من غير تغيير و لا تبديل و لايجزي مرادفها و لا ترجمتها بالعجميّة أو غيرها. و الدليل على ذلك كلّه أوّلاً: صحيحة حمّاد بن عيسى أنّه قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - و استقبل بأصابع رجليه (جميعا)لم يحرّفهما عن القبلة بخشوع و استكانة فقال: «اللّه أكبر»، ثمّ قرأ الحمد بترتيل. الحديث».(1)
و تقريب الاستدلال بهذه الصحيحة أنّ العبادات توقيفيّة و كذلك اجزائها فالواجب علينا امتثال ما عيّنوه لنا منها بالقول أو العمل، فلو خالفنا فيما عيّنوه و لو بتغيير حرف، لايقال لنا الممتثل لأمرهم عليهم السلام، و على الأقلّ من الشكّ في البراءة عمّا اشتغل ذمّتنا به. فعليه يجب لمن يريد الصلاة أن يبتدأ بِ- «اللّه أكبر» من غير تغيير و لاتبديل، و لا الاتيان بمرادفها و لاترجمتها بالعجميّة أو غيرها، و ذلك لوجوب تبعيّة الامام عليه السلام في قوله عليه السلامفي صحيحة حمّاد بن عيسى، بضميمة ما قلنا من المقدّمة.
1) - وسائل الشيعة 4: 673 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.
و ثانيا الاجماع. قال في الحدائق: «التكبير الواجب المنقول عن النبيّ صلى الله عليه و آله و أئمّة الهدى عليهم السلامبصيغة «اللّه أكبر» فيتعيّن الاتيان بها لأنّها عبادة مبنيّة على التوقيف فلو زاد حرفا أو نقص أو عوّض كلمة مكان كلمة أو نحو ذلك ممّا يتضمّن الخروج عن هذه الصيغة بطلت صلاته اتّفاقا الاّ من ابن الجنيد فانّه نقل عنه في الذكرى القول بانعقادها بلفظ «اللّه الأكبر» بتعريف أكبر، و ان كان مكروها و هو شاذٌّ. و على هذا لاتجزئ الترجمة للقادر على التعليم حتّى يضيق الوقت. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
و قال في الجواهر: «و صورتها أن يقول: «اللّه أكبر» عند علمائنا كما عن المعتبر و المنتهى. و لاتنعقد الصلاة بمعناها سواء أدّى بلغة عربيّة غيرها و ان رادفتها أو فارسيّة أو غيرها، و كذا لو أخلّ بحرف منها لم تنعقد صلاته قطعا اذا كان لحنا. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)
و قال في الخلاف: «لايجوز في تكبيرة الافتتاح الاّ قول «اللّه أكبر» مع القدرة على ذلك و به قال مالك و محمّد بن الحسن و قال الشافعي يجوز ذلك و يجوز بقوله «اللّه الأكبر»، و قال سفيان الثوري و أحمد و اسحاق و أبو ثور و داود مثل قول الشافعي. و قال أبو حنيفه تنعقد بكلّ اسم من أسماء اللّه على وجه التعظيم مثل قول «اللّه العظيم»، «اللّه الجليل»، و ما أشبه ذلك، و قال أصحاب أبي حنيفة لاتنعقد الصلاة الاّ اذا أتى باسمه على وجه النداء مثل قوله يا اللّه، و اللّهمّ، و استغفر اللّه، و به قال ابراهيم النخعي، و قال أبو يوسف تنعقد بلفظ التكبير حتّى لو قال «اللّه الكبير» انعقدت به الصلاة و لاتنعقد بما ليس بلفظ التكبير. دليلنا هو انّه اذا أتى بما قلناه انعقدت صلاته بلا خلاف، و اذا أتى بغيره فليس على انعقادها دليل،
فالاحتياط يقتضي ما قلناه. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
و أمّا الوصل بما سبقها من الدعاء فالظاهر عدم الجواز اذا أوجب حذف الهمزة و ذلك أوّلاً انّ تكبيرة الافتتاح أوّل جزء من الصلاة، فالوصل بما سبقها يخالف ذلك. و ثانيا ما ورد من صحيحة حمّاد فانّه عليه السلام لم يوصلها بما قبلها، فالوصل بما سبقها خلاف تعليمه عليه السلام، فنشكّ في البراءة، فالأصل الحاكم الاشتغال. و ثالثا ما في الجواهر من تصريح جماعة بعدم حذف همزة الوصل. و قال السيّد الطباطبائي في منظومته:
و نقص جزء مبطل كالكلّ *** و لو كهمزة الوصل حال الوصلو
أمّا الوصل بما بعدها فالظاهر جواز الوصل بما بعدها لعدم دليل على عدم الجواز، و لايوجب ذلك نقص جزء منها الاّ أنّ الأحوط عدم الوصل لصحيحة حمّاد بن عيسى المتقدّمة، مع كون العبادات توقيفيّة.
ثمّ اعلم أنّه يجب اخراج حروفها من مخارجها و الموالاة بينها و بين الكلمتين، لئلاّ تتغيّر الكلمة عمّا صدرت عن الشارع الموجبة لتغيير المعنى، كما لاريب في لزوم الموالاة بين حروفها لئلاّ تخرج التكبيرة عن كونها تكبيرة.
(مسألة 1): لو قال: «اللّه تعالى أكبر» لم يصحّ، و لو قال: «اللّه أكبر من أن يوصف، أو من كل شيء» فالأحوط الاتمام و الاعادة، و ان كان الأقوى الصحّة اذا لم يكن بقصد التشريع.
الشرح:
لو قال «اللّه تعالى أكبر» أو ما يرادف ذلك لم يصحّ لما قلنا من بطلان الصلاة بازدياد الجزء في تكبيرة الاحرام. و لو قال «اللّه أكبر من أن يوصف، أو من كلّ شيء» لم يصحّ أيضا لأنّ ذلك زيادة في التكبير، و ان لم يقصد الزيادة.
1) - الخلاف 1: 97.
(مسألة 2): لو قال: «اللّه أكبار» باشباع فتحة الباء حتّى تولّد الألف بطل كما انّه لو شدّد راء أكبر بطل أيضا.
الشرح:
تقدّم أنّ زيادة الحرف الموجبة لتغيير لفظ «اللّه أكبر» تبطلها، و لو قال «اللّه أكبار» باشباع فتحة الباء حتّى تولّد الألف بطلت الصلاة. و كذا لو شدّد راء «أكبر»، لعدم ورود التكبير مع التشديد عن الشارع، و الأصل الحاكم الاحتياط.
(مسألة 3): الأحوط تفخيم اللام من اللّه و الراء من أكبر ولكن الأقوى الصحّة مع تركه أيضا.
الشرح:
تفخيم اللام من «اللّه» و الراء من «أكبر» من محسّنات القراءة لا من شرائط الصحّة فالاخلال بهما لايوجب البطلان.
(مسألة 4): يجب فيها القيام و الاستقرار، فلو ترك أحدهما بطل، عمدا كان أو سهوا.
الشرح:
يجب في تكبيرة الاحرام القيام و الدليل على ذلك صحيحة حمّاد بن عيسى أنّه قال:
«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام: يوما تحسن أن تصلّي يا حمّاد؟ - الى أن قال: - فقام أبو عبداللّه عليه السلاممستقبل القبلة منتصبا - الى أن قال: - فقال: اللّه أكبر. الحديث».(1)
1) - وسائل الشيعة 4: 673 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.
بضميمة قوله في ذيل الحديث: «ثمّ قال: يا حمّاد هكذا صلّ»، و الأمر ظاهر في الوجوب، فيجب جميع الأقوال و الحالات التي كانت عليها الاّ ما خرج بالدليل بأنّه يستحبّ.
و صحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام (في حديث): و قم منتصبا فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: من لم يقم صلبه فلاصلاة له».(1)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من لم يقم صلبه في الصلاة فلاصلاة له».(2)
و صحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّوجل:«الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و على جنوبهم» قال:
«الصحيح يصلّي قائما و قعودا المريض يصلّي جالسا، و على جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا».(3)
و حيث انّ تكبيرة الاحرام تكون أوّل جزء من الصلاة فلو لم يكن المصلّي قائما فيها فلا صلاة له.
و الظاهر من اطلاق هذه الأخبار و النصوص اعتبار القيام و الانتصاب في التكبيرة مطلقا، أي من غير فرق بين كون المصلّي منفردا أو مأموما. مضافا الى ما ورد في خصوص المأموم، ففي صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في الرجل اذا أدرك الامام و هو راكع و كبّر الرجل و هو مقيم صلبه ثمّ ركع قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدرك الركعة.(4)
و الظاهر من هذه الصحيحة أنّ ادراك الركعة للمأموم مشروط باجتماع القيدين مع التكبير و هما القيام حالة التكبير، و الركوع قبل أن يرفع الامام رأسه، فاذا فقد أحد القيدين، فقد المشروط، فمن كبّر و لم يقم صلبه لم يدرك الركعة، و كذا ان ركع و لم يدرك الامام قبل أن يرفع رأسه.
اذا نسي القيام حين افتتح الصلاة تبطل صلاته و ذلك لموثّقة عمّار (فيحديث) قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - و كذلك ان وجبت عليه الصلاة من قيام فنسي حتّى افتتح الصلاة و هو قاعد فعليه أن يقطع صلاته و يقوم فيفتتح الصلاة و هو قائم، و لايقتدى (و لايعتدى) بافتتاحه و هو قاعد».(1)
قال في الجواهر: «و كيف كان فمن اطلاق النصوص السابقة و أكثر الفتاوى و صريح البعض يستفاد أنّه لا فرق في ذلك بين العمد و النسيان. انتهى».(2)
و أمّا الاستقرار، فقد استدلّ على وجوبه بروايات فالعمدة منها خبر سليمان بن صالح عن أبي عبداللّه عليه السلام:
« - الى أن قال: - و ليتمكّن في الاقامة كما يتمكّن في الصلاة، فانّه اذا أخذ في الاقامة فهو في صلاة».(3)
ولكن فيه بناءً على صحّة سنده، يمكن أن يكون المراد بالتمكين هو القيام،
بقرينة صدر الخبر فانّه عليه السلام قال:
«لايقيم أحدكم الصلاة و هو ماشٍ و لا راكب و لامضطجع الاّ أن يكون مريضا، و ليتمكّن في الاقامة كما يتمكّن في الصلاة ... الخ. الحديث».(1)
الاّ أنّه خلاف الظاهر فانّ معنى التمكّن هو الاستقرار.
قيل انّ عمدة الدليل على وجوب الاستقرار حين التكبير الاجماع. فان كان الدليل على الاستقرار خبر سليمان بن صالح فمن تركها و لو سهوا بطلت صلاته لاطلاق النصّ و أمّا ان كان الاجماع فلاتبطل الصلاة بتركه الاستقرار سهوا لأنّه دليل لبّي و القدر المتيقّن منه بطلان الصلاة اذا ترك الاستقرار عمدا.
(مسألة 5): يعتبر في صدق التلفّظ بها بل و بغيرها من الأذكار و الأدعية و القرآن أن يكون بحيث يسمع تحقيقا أو تقديرا، فلو تكلّم بدون ذلك لم يصحّ.
الشرح:
و الدليل على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لايكتب من القراءة و الدعاء الاّ ما أسمع نفسه».(2)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن قول اللّه عزّوجلّ «و لاتجهر بصلاتك و لاتخافت بها»،
قال: المخافتة ما دون سمعك، و الجهر أن ترفع صوتك شديدا».(3)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله عزّوجلّ: «و لاتجهر بصلاتك و لاتخافت بها» قال:
«الجهر بها رفع الصوت، و التخافت ما لم تسمع نفسك، و اقرأ ما بين ذلك».(1)
و صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام هل يقرأ الرجل في صلاته و ثوبه على فيه؟ قال: لابأس بذلك اذا أسمع أذنيه الهمهمة».(2)
عن مجمع البحرين: الهمهمة = ترديد الصوت في الصدر. و عن المنجد: الهمهمة بالفارسية = «سخن آهسته». و عليه فما عن نهاية ابن أثير حيث فسّر الهمهمة بأنّها كلام خفيّ لايفهم، يحمل على بعض مصاديقه. فلذا لايعارض صحيحتي زرارة و الحلبي و كذا الموثّقة. نعم، في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصلح له أن يقرأ في صلاته و يحرّك لسانه بالقراءة في لهواته من غير أن يسمع نفسه؟ قال: لابأس أن لايحرّك لسانه يتوهّم توهّما».(3)
ولكن تحمل هذه الصحيحة على من يصلّي خلف من لايقتدى به، فيقرأ لنفسه و ان لم تسمع نفسه. و الشاهد على ذلك صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يصلّي خلف من لايقتدى بصلاته و الامام يجهر بالقراءة، قال: اقرأ لنفسك و ان لم تسمع نفسك فلا بأس».(4)
و سيأتي مزيد التوضيح في ذلك في بحث القراءة.
(مسألة 6): من لم يعرفها يجب عليه أن يتعلّم و لايجوز له الدخول في الصلاة قبل التعلّم الاّ اذا ضاق الوقت فيأتي بها ملحونة و ان لم يقدر فترجمتها من غير العربيّة و لايلزم أن يكون بلغته و ان كان الأحوط. و لايجزئ عن الترجمة غيرها من الأذكار و الأدعية و ان كانت بالعربية و ان أمكن له النطق بها بتلقين الغير حرفا فحرفا قدّم على الملحون و الترجمة.
الشرح:
يجب على من لايعرف تكبيرة الاحرام أن يتعلّم، و الدليل على ذلك العقل و النقل. أمّا الأوّل فلو لم يكن تعلّم الأحكام واجبا كانت الرسالة و بعث الانبياء لغوا
في الجملة، فعلى الأنبياء تبليغ ما أوحي اليهم و على الناس التفحّص عمّا أبلغوا.
و كذا، الاشتغال اليقيني بأنّه وجبت عليهم أحكام، يستدعى البراءة اليقيني، فلاتحصل الاّ بالفحص و التعلّم.
و أمّا الثاني فلما ورد في الروايات المستفيضة من أنّ «طلب العلم فريضة».(1)و ما ورد أيضا من الروايات بوجوب السؤال من أهل العلم و الذكر تبعا لما نطق به القرآن: «فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون»(2). ففي صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم و بريد العجلي قالوا:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام لحمران بن أعين في شيء سأله: انّما يهلك الناس لأنّهم لايسألون».(3)
و في رواية مسعدة بن زياد قال:
«سمعت جعفر بن محمّد عليهماالسلام و قد سئل عن قوله تعالى: «فللّه الحجّة البالغة» فقال: انّ اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: أكنت
عالما؟ فان قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت؟ و ان قال: كنت جاهلاً قال له: أفلاتعلّمت حتّى تعمل؟ فيخصمه و ذلك الحجّة البالغة».(1)
و لايجوز له الدخول في الصلاة قبل التعلّم، لأنّ الجاهل الذي له علم بعدم عرفانه تكبيرة الاحرام لو دخل في الصلاة و الحال هذه، فقد فعل حراما لأنّه أتى بعبادة لم ترد عن الشارع، و هذا تشريع محرّم سواء كان جهله بأصل التكبير أو كان جهله بالتكبيرة الصحيحة. مضافا الى بطلان صلاته فعدم الجواز هيهنا من حيث التشريع المحرّم تكليفي و من حيث البطلان وضعي. نعم لو شكّ في تطابق ما يعلم مع الواقع و أتى به رجاءً لم يرتكب الحرام و ان انكشف التطابق صحّت صلاته.
لو ضاق الوقت عن التعلّم يجب عليه أن يعيّن أحدا يلقّنه ان تيسّر ذلك و ان كان باجارته ايّاه، و الاّ يأتي بها ملحونة و ان لم يقدر فترجمتها من غير العربيّة و لاتسقط و الدليل على ذلك فحوى معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تلبية الأخرس و تشهّده، و قراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه و اشارته باصبعه».(2)
و موثّقة مسعدة بن صدقة قال: سمعت جعفر بن محمّد عليه السلام يقول:
«انّك قد ترى من المحرم من العجم لايراد منه ما يراد من العالم الفصيح و كذلك الأخرس في القراءة في الصلاة و التشهّد و ما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم و المحرم لايراد منه ما يراد من العاقل المتكلّم الفصيح».(3)
فلو لم يسقط التكبير عن الأخرس فلايسقط عن المتكلّم بطريق أولى، فالأخرس و ان كان عاجزا عن التكلّم الاّ أنّه لايعجز عن تحريك لسانه و اشارته باصبعه، و كذلك الجاهل بالتكبير فهو و ان كان عاجزا عن التكبير الصحيح الاّ أنّهلايعجز عن الملحون، و كذا لو كان عاجزا عن التكبير بالعربيّة الاّ أنّه لم يكن عاجزا عن ترجمتها. و لو كان تحريك اللسان و الاشارة يقومان مقام التلفّظ، فالتكلّم بالترجمة يقوم مقام التكلّم بالعربيّة.
هذا مضافا الى شهرته بين الأصحاب حتّى كادت تكون اجماعا، كما في الجواهر. و قال في المدارك: «فان تعذّر و ضاق الوقت أحرم بلغته مراعيا المعنى العربي فيقول الفارسي: «خدا بزرگتر است» و هذا مذهب علمائنا و أكثر العامّة و قال بعضهم يسقط التكبير عمّن هذا شأنه كالأخرس و هو محتمل. انتهى».(1)و فيه اشكال، لأنّ الأخرس لايسقط عنه التكبير بل يجب عليه بدله.
قال في مفتاح الكرامة: «و في نهاية الأحكام و الموجز الحاوي و كشف الالتباس و ارشاد الجعفريّة و الروض انّ ترجمته بالفارسية: «خداى بزرگتر» بفتح الراء أو كسرها، فلو قال: «خداى بزرگ» و ترك التفضيل لم يجز. قال في الذكرى: انّ المعنى معتبر مع اللفظ فاذا تعذّر اللفظ وجب اعتبار المعنى. انتهى. و لايجوز أن يعدل بها الى سائر الأذكار فانّها ليست بدلاً عن تكبيرة الاحرام، كما في نهاية الأحكام و كشف الالتباس و كشف اللثام، انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 7): الأخرس يأتي بها على قدر الامكان و ان عجز عن النطق أصلاً أخطرها بقلبه و أشار اليها مع تحريك لسانه ان أمكنه.
الشرح:
الأخرس يأتي بتكبيرة الاحرام على قدر الامكان و ان عجز عن النطق أصلاً يحرّك لسانه و يشير باصبعه. و الدليل على ذلك معتبرة السكوني المتقدّمة عنأبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تلبية الأخرس و تشهّده و قراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه و اشارته بأصبعه».(1)
و المستفاد من هذه الرواية وجوب الاتيان بتكبيرة الاحرام و ما يجب عليه من التكلّم به على قدر امكانه من أداء الكلمات و ان عجز عن النطق أصلاً يحرّك لسانه و يشير باصبعه، كما في المبسوط و التحرير و التذكرة و الذكرى و نهاية الأحكام و الموجز الحاوي و كشف الالتباس، نقلاً عن مفتاح الكرامة.(2)
(مسألة 8): حكم التكبيرات المندوبة فيما ذكر حكم تكبيرة الاحرام حتّى في اشارة الأخرس.
الشرح:
ان كان مراده من التكبيرات المندوبة، التكبيرات الاستفتاحيّة التي ستأتي فان جعلت تكبيرة الاحرام أوّلها فحكمها كما ذكر في المتن و كذا التكبيرات المستحبّة أثناء الصلاة. و أمّا ان جعلت بعدها، ففي اشتراك بعض أحكامها فيما ذكر مع حكم تكبيرة الاحرام تأمّل.
(مسألة 9): اذا ترك التعلّم في سعة الوقت حتّى ضاق أثم و صحّت صلاته على الأقوى، و الأحوط القضاء بعد التعلّم.
الشرح:
يجب على المكلّف أن يأتي بالصلاة تامّة الأجزاء و الشرائط في وقتهاالمحدود لها، كما يجب عليه أيضا أن يأتي بكلّ جزء أو شرط ما قرّره الشارع فلو تخلّف عن ذلك فقد أثم و عدّ عاصيا. فلو كان جاهلاً بالصلاة أو بأجزائها و شرائطها يجب عليه التعلّم عقلاً و نقلاً كما تقدّم في سعة الوقت، و هذا الوجوب طريقي لا غيري ترشّحي و لذا نقول بوجوبه قبل الوقت ان لم يتمكّن له التعلّم في الوقت. فلو ترك التعلّم حتّى ضاق الوقت أثم لانتهائه الى ترك ما يجب عليه، الاّ أنّه يجب عليه الاتيان بالصلاة بما يقدر عليها من الأجزاء و الشرائط. فمن ترك تعلّم التكبير الصحيح حتّى ضاق الوقت يجب عليه الاتيان بالملحونة و هكذا كما مرّ، فاذا أتى بالمقدور منها يسقط عنه و صحّت صلاته و لايجب عليه القضاء.
ان قلت انّه فوّت على نفسه الصلاة فيجب عليه الاتيان بالصلاة تامّة بعد التعلّم خارج الوقت فلا فائدة في اتيانه الصلاة ناقصة. قلت انّه و ان فوّت على نفسه الصلاة التامّة و هو آثم لذلك الاّ أنّه ان قلنا بأنّ المستفاد من الأدلة أنّ الصلاة لايترك بحال، و قلنا بأنّ المستفاد من اطلاق أدلّة بدليّة الأجزاء و الشرائط، وجوب الاتيان بالصلاة بما يقدر فعلاً من أجزائها و شرائطها فحينئذٍ اذا أتيها كذلك يسقط عنه التكليف لأنّه أدّى تكليفه. و عليه ففيما ذهب اليه صاحب الجواهر و المحقّق الهمداني اشكال.
قال المحقّق الهمداني: «و أمّا اذا كان ترك التعلم عن تقصير فلايخلو الصلاة عن اشكال اذ القدرة المعتبرة في صحّة التكليف هي مطلق القدرة الحاصلة في الفرض لا القدرة المطلقة المستمرّة الى زمان الفعل و ليس معنى أنّ الصلاة لاتسقط بحال بقاء الأمر بها بعد أن عصى المكلّف و صيّر ايجادها على النحو المعتبر شرعا في حقّه ممتنعا، بل معناه أنّه لايعرض للمكلّف حال و لامرتبة من العجز الاّ و هو مكلّف بالصلاة معها بحسب وسعه و من الواضح أنّ القادر على تعلم الفاتحة (أو غيرها من الأجزاء) مكلّف بالصلاة معها و يستحقّ المؤاخذة
على تركها، فمن الجائز ان لم تكن الصلاة المشروعة في حقّه الاّ هذه الصلاة التي فرّط فيها فيكون تركه للتعلّم بمنزلة تأخيره للصلاة الى أن يتضيّق الوقت عن أدائها في عدم كونه منافيا لعموم، الصلاة لاتسقط بحال. انتهى».(1)ثمّ انّه رحمه اللهاحتاط بالجمع.
و فيه انّ الظاهر أنّ الأحكام الواردة في العاجز و تعيين الوظيفة له مطلقة و أعمّ لمن عجز قهرا و من غير اختيار أو كان عجزه بسوء اختياره. فمن عجز عن القيام في الصلاة يجب عليه الصلاة جالسا بلافرق بين من أسقط نفسه من مكان عالٍ يعلم بأنّه يكسر رجليه و يصير عاجزا عن القيام. و بين من عجز عن القيام من غير اختيار؟ فهل يكون فرق بين هذا المثال و بين من عجز نفسه عن التعلّم سواء كان عجزه فعلاً لضيق الوقت أو لغير ذلك؟ كما لو صار عاجزا عن التعلّم لمسامحته في الرجوع الى من يعلّمه ففقد المعلّم و لم تكن له قدرة الى الرجوع اليه فهل يمكن أن يقال بعدم صحّة صلاته و ان طال، و مضى عليه أيّام؟ فالظاهر أنّ اشكال المحقّق المذكور رحمه الله و من تبعه في غير محلّه.
1) - مصباح الفقيه، كتاب الصلاة: 278.
(مسألة 10): يستحبّ الاتيان بستّ تكبيرات مضافا الى تكبيرة الاحرام فيكون المجموع سبعة، و تسمّى بالتكبيرات الافتتاحية و يجوز الاقتصار على الخمس و على الثلاث و لايبعد التخيير في تعيين تكبيرة الاحرام في أيّتها شاء، بل نيّة الاحرام بالجميع أيضا لكن الأحوط اختيار الأخيرة و لايكفي قصد الافتتاح بأحدها المبهم من غير تعيين، و الظاهر عدم اختصاص استحبابها في اليومية بل تستحبّ في جميع الصلوات الواجبة و المندوبة و ربّما يقال بالاختصاص بسبعة مواضع و هي كلّ صلاة واجبة، و أوّل ركعة من صلاة الليل، و مفردة الوتر، و أوّل ركعة من نافلة الظهر، و أوّل ركعة من نافلة المغرب و أوّل ركعة من صلاة الاحرام، و الوتيرة، و لعلّ القائل أراد تأكّدها في هذه المواضع.
الشرح:
في المسألة فروع:
يستحبّ الاتيان بستّ تكبيرات مضافا الى تكبيرة الاحرام فيكون المجموع سبعة و الدليل على ذلك صحيحة حفص يعنى ابن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان في الصلاة و الى جانبه الحسين بن علي، فكبّر رسول اللّه صلى الله عليه و آله و لم يحر الحسين بالتكبير، ثمّ كبّر رسول اللّه صلى الله عليه و آله فلم يحر الحسين التكبير، فلم يزل رسول اللّه صلى الله عليه و آله يكبّر و يعالج الحسين عليه السلام التكبير فلم يحر حتّى أكمل سبع تكبيرات فأحار الحسين عليه السلام التكبير في السابعة، فقال أبو عبداللّه عليه السلام: فصارت سنّة».(1)
1) - وسائل الشيعة 4: 721 / الباب 7 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 1.
بيان: المحاورة بمعنى المجاوبة؛ أحار أي أجاب.
و موثّقة زرارة قال:
«رأيت أبا جعفر عليه السلام أو قال: سمعته استفتح الصلاة بسبع تكبيرات ولاءً».(1)
و نظيرهما غيرهما.
قال السيّد المرتضى في الانتصار: «و ممّا انفردت به الاماميّة القول باستحباب افتتاح الصلاة بسبع تكبيرات يفصل بينهنّ بتسبيح و ذكر للّه جلّ ثناؤه مسطور، و انّه من السنن المؤكّدة و ليس أحد من باقي الفقهاء يعرف ذلك، و الوجه فيه اجماع الطائفة عليه. انتهى».(2)
و تسمّى هذه التكبيرات السبع بالتكبيرات الافتتاحية، لافتتاح الصلاة بها و لتسميتها بهذا الاسم في الروايات كما تقدّم و سيأتي.
و يجوز الاقتصار على الخمس و على الثلاث، لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلامقال:
«أدنى ما يجزي من التكبير في التوجّه الى الصلاة تكبيرة واحدة و ثلاث تكبيرات و خمس و سبع أفضل».(3)
و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا افتتحت الصلاة فكبّر ان شئت واحدة، و ان شئت ثلاثا، و ان شئت خمسا، و ان شئت سبعا، و كلّ ذلك مجزٍ عنك، غير أنّك اذاكنت اماما لم تجهر الاّ بتكبيرة».(4)
و المصلّي له الخيار في التكبيرات السبعة أيّتها شاء جعلها تكبيرة الافتتاح أي تكبيرة الاحرام، على المشهور شهرة عظيمة كما ادّعاه في الجواهر بل عن ظاهر بعض دعوى الاجماع عليه و عن آخر نفي الخلاف عنه. والدليل على ذلك صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن أخفّ مايكون من التكبير في الصلاة، قال: ثلاث تكبيرات، فان كانت قراءة قرأت بقل هو اللّه أحد و قل يا أيّها الكافرون، و ان كنت اماما فانّه يجزيك أن تكبّر واحدة تجهر فيها و تسرّ ستّا».(1)
و صحيحة ثانية للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت اماما فانّه يجزيك أن تكبّر واحدة و تسرّ ستّا».(2)
و صحيحة زيد الشحام قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الافتتاح، فقال: تكبيرة تجزيك، قلت: فالسبع، قال: ذلك الفضل».(3)
و تقريب الاستدلال بهذه الروايات و نظائرها:
أوّلاً انّ الظاهر من الاجزاء هو الاكتفاء أي يكفيك تكبيرة، يعني ما كلّفت من التكبير للورود في الصلاة هو التكبيرة الواحدة، الاّ أنّ الفضل اضافة ستّ تكبيرات الى ما يكون واجبا عليك.
و ثانيا الظاهر من قوله عليه السلام: «اذا كنت اماما فانّه يجزيك أن تكبّر واحدة و تسرّ
ستّا» في صحيحتي الحلبي: انّ الاختيار بيدك في اجهار ما كان واجبا عليك من بين التكبيرات.
و أمّا صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الامام يجزيه تكبيرة واحدة، و يجزيك ثلاثا مترسّلاً اذا كنت وحدك».(1)
فتفسّرها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت اماما أجزأتك تكبيرة واحدة لأنّ معك ذا الحاجة و الضعيف و الكبير».(2)
فمنها يعلم أنّ الزائد على تكبيرة واحدة مستحبّ فلو كان أكثر من واحد واجبا لم يجز له تركها و ان كان هناك ذا الحاجة و الضعيف و الكبير.
ان قلت المستفاد من صحيحة عبداللّه بن سنان هو انّ الواجب تكبيرة واحدة، أو ثلاث، أو خمس، أو سبع تكبيرات كما يمكن استفادة ذلك عمّا سواها من الصحاح. قلت يردّ ذلك بصحيحة زرارة قال:
«أدنى ما يجزي من التكبير في التوجّه تكبيرة واحدة و ثلاث تكبيرات أحسن، و سبع أفضل».(3)
فانّ التعبير بأحسن و أفضل يدلّ على استحباب ما زاد على التكبيرة الواحدة. و كذلك صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«أدنى ما يجزى من التكبير في التوجّه الى الصلاة تكبيرة واحدة و ثلاث تكبيرات و خمس و سبع أفضل».(4)
و المتأمّل في الصحيحة يجد أنّ مراده عليه السلام أنّ اضافة التكبيرات الى تكبيرة واحدة حتّى تصير ثلاث تكبيرات أو خمس تكبيرات أو سبع تكبيرات تكون أحسن و أفضل فتعبيره عليه السلام بالأحسن و الأفضل مشعر بالاستحباب فكأنّه قال: التكبيرة التي بها تفتتح الصلاة و يدخل المصلّي في الصلاة هي التكبيرة الواحدة الاّ أنّه لو أضاف اليها تكبيرات حتّى تصير الثلاث أو الخمس أو السبع كان أفضل.
و لايكون معنى هذه الروايات المذكورة آنفا أنّ تكبيرة الاحرام يحصل بمجموع ما يختاره و أنّ الواحدة هي أقلّ المجزي و الفضل في اختيار ما زاد عليها من الثلاث و الخمس و السبع فيكون اختيار السبع أو الخمس أو الثلاث من باب أفضل أفراد الواجب، كما ادّعاه المحقّق الهمداني تبعا لوالد العلاّمة المجلسي و كان مصرّا على ذلك حتّى قال: «و انكار ظهور جميع هذه الروايات فيما ذكر كما في الحدائق مكابرة صرفة بل بعضها كاد أن يكون نصّا في ذلك. انتهى».(1)
و قد رأيت أنّ ظهور هذه الروايات على خلاف ما ادّعاه المحقّق المذكور أعلى اللّه مقامه أشدّ.
و ما قيل بظهورها في وقوع الافتتاح بتمام التكبيرات السبعة، يدفعه صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«يجزيك في الصلاة من الكلام في التوجّه الى اللّه أن تقول: «وجّهت وجهي للّذي فطر السماوات و الأرض على ملّة ابراهيم حنيفا مسلما و ما أنا من المشركين، انّ صلاتي و نسكي و محياي و مماتي للّه ربّ العالمين، لاشريك له و بذلك أمرت و أنا من المسلمين» و يجزيك تكبيرة واحدة».(2)
بضميمة ماتقدّم في معنى الاجزاء.
و ذهب صاحب الحدائق تبعا للشيخ البهائي و المحدّث الكاشاني و الجزائري و غيرهم بتعيين الأولى و استدلّ لمذهبه بروايات، منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا افتتحت الصلاة فارفع كفّيك ثمّ ابسطهما بسطا، ثمّ كبّر ثلاث تكبيرات، ثمّ قل: «اللّهمّ أنت الملك الحق لا اله الاّ أنت، سبحانك انّي ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي انّه لايغفر الذنوب الاّ أنت» ثمّ تكبّر تكبيرتين ثمّ قل: «لبّيك و سعديك و الخير في يديك و الشرّ ليس اليك و المهديّ من هديت لاملجأ منك الاّ اليك سبحانك و حنانيك، تباركت و تعاليت سبحانك ربّ البيت» ثمّ تكبّر تكبيرتين ثمّ تقول: «وجّهت وجهي للّذي فطر السماوات و الأرض عالم الغيب و الشهادة حنيفا مسلما و ما أنا من المشركين انّ صلاتي و نسكي و محياي و مماتي للّه ربّ العالمين لاشريك له و بذلك أمرت و أنا من المسلمين» ثمّ تعوذ من الشيطان الرجيم ثمّ اقرأ فاتحة الكتاب».(1)
قال رحمه الله: «و التقريب فيه أنّ الافتتاح انّما يصدق بتكبيرة الاحرام و الواقع قبلها من التكبيرات بناءً على ما زعموه ليس من الافتتاح في شيء، و تسمية ما عداتكبيرة الاحرام بتكبيرات الافتتاح انّما يصدق بتأخيرها عن تكبيرة الاحرام التي يقع بها الافتتاح حقيقة و الدخول في الصلاة و الاّ كان من قبيل الاقامة و نحوها ممّا يقدم قبل الدخول في الصلاة. انتهى».(2)
و فيه انّ الامام عليه السلام بصدد بيان الأدعية و كيفيّة تفريقها بين التكبيرات التي تسمّى بالتكبيرات الافتتاحيّة، و الرواية خالية عن التعرّض لتعيين تكبيرة الاحرام، و انّها الأولى أو الأخيرة أو غيرها.
و أمّا قوله: انّ الافتتاح انّما يصدق بتكبيرة الاحرام الخ، فأوّل الكلام.
و قال رحمه الله: «و ممّا يدلّ على ذلك بأوضح دلالة صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: الذي يخاف اللصوص و السبع يصلّي صلاة المواقفة ايماءً - الى أن قال: - و لايدور الى القبلة ولكن أينما دارت به دابّته غير أنّه يستقبل القبلة بأوّل تكبيرة حين يتوجّه(1)».(2)
و فيه انّ الاستدلال ان كان من جهة الأمر بالاستقبال بأوّل تكبيرة كما هو الظاهر فهو أعمّ من كون الأولى تكبيرة الاحرام، لجواز كون غيرها تكبيرة الاحرام و مع ذلك اكتفى بالاستقبال حالها لكونها من الأجزاء المستحبّة المتعلّقة بالصلاة.
و قال أيضا: و ممّا يدّل على ذلك صحيحة زرارة الواردة في علّة استحباب السبع بابطاء الحسين عليه السلام عن الكلام حيث قال فيه:
«فافتتح رسول اللّه صلى الله عليه و آله الصلاة فكبّر الحسين عليه السلام، فلمّا سمع رسول اللّه صلى الله عليه و آله تكبيره عاد فكبّر فكبّر الحسين عليه السلام حتّى كبّر رسول اللّه صلى الله عليه و آله سبع تكبيرات، و كبّر الحسين عليه السلام فجرت السنّةبذلك».(3)
قال رحمه الله: «و التقريب فيه أنّ التكبير الذي كبّره صلى الله عليه و آله هو تكبيرة الاحرام التي وقع الدخول بها في الصلاة لاطلاق الافتتاح عليها و العود الى التكبير ثانيا و ثالثا انّما وقع لتمرين الحسين عليه السلام على النطق كما هو ظاهر السياق. انتهى».(4)
و فيه انّ ذلك قبل تشريع السبع فلايدلّ على أنّ تكبيرة الاحرام هي الأولى أيضا بعد التشريع مضافا الى أنّ الامام عليه السلام بصدد بيان أصل تشريع السبع من دون
النظر الى تعيين تكبيرة الاحرام من أنّها هي الأولى أو الأخيرة أو السبع بعنوان أفضل أفراد الواجب، المردّدة بين الواحدة و الثلاث و الخمس و السبع.
قال رحمه الله: «و ممّا يدلّ على ذلك أيضا صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: الرجل ينسى أوّل تكبيرة من الافتتاح، فقال: ان ذكرها قبل الركوع كبّر ثمّ قرأ ثمّ ركع و ان ذكرها في الصلاة كبّرها في قيامه في موضع التكبيرة قبل القراءة أو بعد القراءة. قلت: فان ذكرها بعد الصلاة؟ قال: فليقضها و لا شيء عليه(1)».(2)
و فيه أنّه لو كان المراد من أوّل تكبيرة من الافتتاح تكبيرة الاحرام لكان صلاته باطلة.
أمّا القول بتعيّن الأخيرة فقال في مصباح الفقيه: «ظاهر جماعة من القدماء كالسيّد أبي المكارم و أبي الصلاح و سلاّر القول بتعيّنها، و عن جماعة التصريح بأنّ الأفضل أن يجعلها الأخيرة. انتهى».(3)
و استدلّ صاحب الجواهر لهذا القول بالنصوص المتضمّنة لاخفات الامامبستّ و الجهر بواحدة، بضميمة ما دلّ على اسماع الامام المأمومين كلّما يقوله في الصلاة، فانّه لو كان الافتتاح بغير الأخيرة يلزم تخصيص الدليل المذكور، بخلاف ما لو بنى على كونها الأخيرة فانّ عدم الاسماع يكون فيما قبل الصلاة. انتهى ملخّصا.(4)
و فيه أوّلاً انّه لايلزم من عدم التخصيص اثبات أنّ تكبيرة الاحرام هي الأخيرة.
و ثانيا لايجب على الامام اسماع المأمومين كلّما يقوله. و ثالثا لا كلّيّة في الرواية لخروج القراءة في الركعتين الأوّلتين من الاخفاتيّة و كذا التسبيحات في
الركعة الثالثة من المغرب و الثالثة و الرابعة من غير صلاة الفجر عن ذلك.
و استدلّ أيضا بمرسلة الصدوق قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله أتمّ الناس صلاةً و أوجزهم، كان اذا دخل في صلاته قال: اللّه أكبر بسم اللّه الرحمن الرحيم».(1)
و فيه أنّ الرواية مضافا الى ضعف سندها لارسالها تدلّ على وحدة التكبير.
و المتحصّل ممّا مرّ من الأقوال أنّ الحقّ ما ذهب اليه المشهور من التخيير في تعيين تكبيرة الاحرام في أيّتها شاء، و لايكفي قصد الافتتاح بأحدها المبهم من غير تعيين.
عدم اختصاص استحباب التكبيرات الستّ في اليومية بل تستحبّ في جميع الصلوات الواجبة و المندوبة، كما صرّح به المحقّق في المعتبر و العلاّمة و ابن ادريس و اختاره السيّد السند في المدارك، كما في الحدائق قال فيه: «الظاهر أنّه المشهور بين الأصحاب»، و الدليل على عدم اختصاصها في اليومية اطلاق بعض ما تقدّم من الأحاديث كصحيحة زيد الشحام قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الافتتاح؟ قال: تكبيرة تجزئك، قلت: فالسبع؟ قال: ذلك الفضل».(2)
و صحيحة زرارة قال:
«أدنى ما يجزئ من التكبير في التوجّه تكبيرة واحدة و ثلاث تكبيرات أحسن و سبع أفضل».(1)
و موثّقة زرارة قال:
«رأيت أبا جعفر عليه السلام أو قال: سمعته استفتح الصلاة بسبع تكبيرات ولاءً».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام:
«التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة تجزئ و الثلاث أفضل و السبع أفضل كلّه».(3)
و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا افتتحت الصلاة فكبّر ان شئت واحدة، و ان شئت ثلاثا، و انشئت خمسا، و ان شئت سبعا، و كلّ ذلك مجزئ عنك غير أنّك اذا كنت اماما لم تجهر الاّ بتكبيرة».(4)
قال في الحدائق: «قد تقدّم استحباب اضافة ستّ تكبيرات للافتتاح مع تكبيرة الاحرام و هو ممّا لاخلاف فيه بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) و انّما الخلاف في عموم هذا الحكم للفرائض و النوافل أو لخصوص الفرائض أو بانضمام مواضع مخصوصة من النوافل لا جميعها كما هو القول الأوّل؟ أقول، و بالأوّل صرّح المحقّق في المعتبر و العلاّمة و ابن ادريس و اختاره السيّد السند في المدارك و الظاهر أنّه المشهور بين الأصحاب، و نقل عن المرتضى رضى الله عنه في المسائل المحمّديّة أنّه خصّها بالفرائض دون النوافل و عن ابن الجنيد أنّه خصّها
بالمنفرد. و قال الشيخ المفيد(نوّر اللّه مرقده): يستحبّ التوجّه بسبع تكبيرات في سبع صلوات - الى أن قال: - ففي الكتاب المذكور (الفقه الرضوي): «ثمّ افتتح بالصلاة و توجّه بعد التكبير فانّه من السنّة الموجبة في ستّ صلوات و هي أوّل ركعة من صلاة الليل و المفردة من الوتر و أوّل ركعة من نوافل المغرب و أوّل ركعة من ركعتي الزوال و أوّل ركعة من ركعتي الاحرام و أوّل ركعة من ركعات الفرائض» و زاد الشيخ المفيد الوتيره. انتهى».(1)
و الحقّ عموميّة هذا الحكم للفرائض و النوافل كما تقدّم دليله، و لعلّ القائل باستحباب التوجّه بسبع تكبيرات في سبع صلوات أراد تأكيدها في هذه المواضع.
(مسألة 11): لما كان في مسألة تعيين تكبيرة الاحرام اذا أتى بالسبع أو الخمس أو الثلاث احتمالات بل أقوال: تعيين الأوّل و تعيين الأخير و التخيير والجميع، فالأولى لمن أراد احراز جميع الاحتمالات و مراعاة الاحتياط من جميع الجهات أن يأتي بها بقصد أنّه كان الحكم هو التخيير فالافتتاح هو كذا و يعيّن في قلبه ما شاء، و الاّ فهو ما عند اللّه من الأوّل أو الأخير أو الجميع.
الشرح:
ذهب بعض الأعلام من المحشّين الى أنّه لايمكن احراز جميع الأقوال و الاحتياط التامّ، و قال: انّ الأحوط هو الاكتفاء بتكبيرة واحدة، و ما ذكره في المتن يرجع الى التعليق في النيّة و هو محلّ اشكال و مخالف للاحتياط. انتهى.
و ما ذكره هو الصحيح، فانّ ما ذهب اليه الماتن ليس الجمع بين جميع الأقوال بشيء فانّ فيها القول بتعيّن الأوّل و تعيّن الأخير فكيف يمكن الجمع بينهما.
و لايرد ما قيل في دفعه بأنّ التكبيرة كغيرها من العبادات لايعتبر فيها سوى الاتيان بها بما هي عليها باضافة قصد التقرّب و كلا الركنين متحقّق في المقام بعد
1) - الحدائق الناضرة 8: 52 / المسألة 4ة.
مراعاة الكيفيّة المزبورة. و ذلك لأنّه كما قلنا انّ من الأقوال، القول بتعيّن الأوّل و القول بتعيّن الأخير، و التعيّن لايوجد الاّ بنيّة التقييد، و هي مفقودة في الاحتياط المزبور.
(مسألة 12): يجوز الاتيان بالسبع ولاءً من غير فصل بالدعاء لكن الأفضل أن يأتي بالثلاث ثمّ يقول: «اللّهمّ أنت الملك الحق لا اله الاّ أنت سبحانك انّي ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي انّه لايغفر الذنوب الاّ أنت» ثمّ يأتي باثنتين و يقول: «لبّيك و سعديك و الخير في يديك و الشرّ ليس اليك و المهديّ من هديت لا ملجأ منك الاّ اليك سبحانك و حنانيك تباركت و تعاليت سبحانك ربّ البيت» ثمّ يأتي باثنتين و يقول: «وجّهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض عالم الغيب و الشهادة حنيفا مسلما و ما أنا من المشركين انّ صلاتي و نسكي ومحياي و مماتي للّه ربّ العالمين لا شريك له و بذلك أمرت و أنا من المسلمين» ثمّ يشرع في الاستعاذة و سورة الحمد، و يستحبّ أيضا أن يقول قبل التكبيرات: «اللّهمّ اليك توجّهت و مرضاتك ابتغيت و بك آمنت و عليك توكّلت، صلّ على محمّد و آل محمّد و افتح قلبي لذكرك و ثبّتني على دينك و لاتزغ قلبي بعد اذ هديتني و هب لي من لدنك رحمة انّك أنت الوهّاب» و يستحبّ أيضا أن يقول بعد الاقامة قبل تكبيرة الاحرام «اللّهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة و الصلاة القائمة بلّغ محمّدا صلى الله عليه و آله الدرجة و الوسيلة و الفضل و الفضيلة. باللّه أستفتح و باللّه أستنجح و بمحمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أتوجّه، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و اجعلني بهم عندك وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقرّبين» و أن يقول بعد تكبيرة الاحرام: «يا محسن قد أتاك المسيء و قد أمرت المحسن أن يتجاوز عن المسيء أنت المحسن و أنا المسيء بحقّ محمّد و آل محمّد صلّ على محمّد و آل محمّد و تجاوز عن قبيح ما تعلم منّي».
الشرح:
يجوز الاتيان بسبع تكبيرات ولاءً من غير فصل بينها بالدعاء، و ذلك لموثّقة زرارة قال:
«رأيت أبا جعفر عليه السلام أو قال: سمعته استفتح الصلاة بسبع تكبيرات ولاءً».(1)
ثمّ اعلم أنّ ما أتى به الماتن من الدعاء بعد ثلاث تكبيرات و هكذا الى آخر ما ذكره يكون بعينه ما ذكره صاحب الوسائل في الباب الثامن من أبواب تكبيرة الاحرام من صحيحة الحلبي و قد تقدّم في الفرع الثاني من المسألة العاشرة.
(مسألة 13): يستحبّ للامام أن يجهر بتكبيرة الاحرام على وجه يسمع من خلفه، دون الستّ، فانّه يستحبّ الاخفات بها.
الشرح:
ففي صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن أخفّ ما يكون من التكبير في الصلاة، قال: ثلاث تكبيرات، فان كانت قراءة قرأت بقل هو اللّه أحد و قل يا أيّها الكافرون، و ان كنت اماما فانّه يجزيك أن تكبّر واحدة تجهر فيها و تسرّ ستّا».(2)
و مثلها صحيحته الأخرى و روايتا ابن راشد و أبي بصير.
فالمستفاد من هذه الروايات استحباب الجهر بتكبيرة واحدة للامام و السرّ بالستّ و لم يصرّح بأنّها تكبيرة الاحرام، الاّ أنّه حيث قلنا في المسألة العاشرة أنّ تكبيرة الاحرام تكون واحدة من هذه السبعة و يختارها المصلّي من بينها، فبعد
ذلك يظهر أنّ المراد من اجهار الامام واحدة منها، هي تكبيرة الاحرام.
(مسألة 14): يستحبّ رفع اليدين بالتكبيرات الى الأذنين أو الى حيال الوجه أو الى النحر مبتدءًا بابتدائه و منتهيا بانتهائه فاذا انتهى التكبير و الرفع أرسلهما و لافرق بين الواجب منه و المستحب في ذلك و الأولى أن لايتجاوز بهما الأذنين. نعم ينبغي ضمّ أصابعهما حتّى الابهام و الخنصر، و الاستقبال بباطنهما القبلة و يجوز التكبير من غير رفع اليدين بل لايبعد جواز العكس.
الشرح:
قال في الجواهر: «يستحبّ أن يرفع المصلّي يديه بالتكبير على المشهور بين الأصحاب نقلاً و بين أهل العلم كما عن المنتهى، و بين علماء الاسلام كما عن جامع المقاصد، بل عن الأمالي أنّ من دين الامامية الاقرار به، خلافا للمرتضى فأوجبه فيما حكي عن انتصاره فيها و في كلّ تكبيرات الصلاة مدّعيا عليه اجماع الطائفة، و لعلّه أراد به شدّة الاستحباب بقرينة نقله الاجماع عليه، و هذا مظنّته لا الوجوب بالمعنى المصطلح، اذ لم نعرف أحدا وافقه من القدماء و متأخّريهم سوى ما يحكى عن الكاتب في خصوص تكبيرة الاحرام، نعم ربما مال اليه بعض متأخّري المتأخّرين كالاصبهاني في كشفه و الكاشاني في مفاتيحه و البحراني في حدائقه لظاهر الأوامر كتابا و سنّة التي لامعارض لها الاّ الأصل الذي يجب الخروج بها عنه. انتهى ملخّصا».(1)
فهيهنا روايات تدلّ بظاهرها على الوجوب كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا افتتحت الصلاة فارفع كفّيك ثمّ ابسطهما بسطا، ثمّ كبّر ثلاث
1) - جواهر الكلام 9: 229.
تكبيرات، ثمّ قل: «اللّهمّ أنت الملك الحقّ ... الى آخر ما قال عليه السلام».(1)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا قمت في الصلاة فكبّرت فارفع يديك، و لاتجاوز بكفّيك أذنيك، أي حيال خدّيك».(2)
و صحيحته الأخرى عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«ترفع يديك في افتتاح الصلاة قبالة وجهك و لاترفعهما كل ذلك».(3)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «فصلّ لربكّ و انحر» قال:
«هو رفع يديك حذاء وجهك».(4)
و نحوه خبرا عمر بن يزيد و جميل بن درّاج المرويان في مجمع البيان. و صحاح صفوان و معاوية بن عمّار و عبداللّه بن سنان و منصور بن حازم(5)التي رأى الراوي أنّ الامام عليه السلام رفع يديه بالتكبير في الصلاة.
فهذه الأخبار، غير ما هو حكاية فعل الامام عليه السلام، تدلّ على الوجوب للأمر الظاهر فيه الاّ أنّ فهم الأصحاب و شيوع الأمر في الاستحباب يلجئنا الى تأويلها مضافا الى اشعار جملة من هذه النصوص في الاستحباب كالخبر المروي عن مجمع البيان في تفسير قوله تعالى ««فصلّ لربّك و انحر» لمّا قال النبيّ صلى الله عليه و آله لجبرئيل عليه السلام: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربّي فانّه قال له: ليست بنحيرة، ولكنّه يأمرك اذا تحرّمت للصلاة أن ترفع يديك اذا كبّرت و اذا ركعت و اذا رفعت
1) - وسائل الشيعة 4: 723 / الباب 8 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 4: 728 / الباب 10 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 4: 728 / الباب 10 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 4: 725 / الباب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 4: 725 / الباب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 1 و 2 و 3 و 6.
رأسك من الركوع و اذا سجدت فانّه صلاتنا و صلاة الملائكة في السموات السبع و انّ لكلّ شيء زينة و انّ زينة الصلاة رفع الأيدي عند كلّ تكبيرة».(1)
و خبر زرارة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: رفعك يديك في الصلاة زينتها».(2)
و رواية الحسين بن سعيد في كتابه عن علي عليه السلام باسناده:
«رفع اليدين في التكبير هو العبودية».(3)
(و كذا الحديث الثالث في الباب الثاني من أبواب الركوع). و كخبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:
«انّما ترفع اليدان بالتكبير لأنّ رفع اليدين ضرب من الابتهال و التبتّل و التضرّع، فأحبّ اللّه عزّوجلّ أن يكون العبد في وقت ذكره له متبتّلاً متضرّعا مبتهلاً، و لأنّ في رفع اليدين احضار النيّة و اقبال القلب على ما قال».(4)
و كصحيح علي بن جعفر قال عليه السلام:
«على الامام أن يرفع يده في الصلاة ليس على غيره أن يرفع يده في الصلاة».(5)
ضرورة وجوب حمله على تأكيد الاستحباب و الاّ كان مطروحا لعدم القول بالفصل. و كخبر معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في وصية النبيّ صلى الله عليه و آله لعليّ عليه السلام) قال صلى الله عليه و آله :
1) - وسائل الشيعة 4: 727 / الباب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 14.
2) - وسائل الشيعة 4: 921 / الباب 2 من أبواب الركوع / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 4: 922 / الباب 2 من أبواب الركوع / الحديث 8.
4) - وسائل الشيعة 4: 727 / الباب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 11.
5) - وسائل الشيعة 4: 726 / الباب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 7.
«و عليك برفع يديك في صلاتك و تقليبهما».(1)
بناءً على ارادة الرفع للتكبير لا القنوت، لغلبة وصيّته صلى الله عليه و آله بالمندوبات، بل من المستبعد وصيّته بالواجبات لعلوّ مرتبته عليه السلام عن تركها و سلكه في غيره ممّا علمندبيّته.
فتحصّل أنّه يجب حمل الأوامر الواردة برفع اليدين بالتكبير على الاستحباب لا الوجوب لما مرّ من القرائن على الاستحباب و موافقتها لفهم الأصحاب الاّ السيّد المرتضى الذي أفتى بوجوب الرفع، مع احتمال أنّه رحمه الله أراد تأكيد الاستحباب.
فروع:
يستحبّ أن يكون رفع اليدين بالتكبير بحذاء الوجه الذي يحاذي الأذنين و يكره أن يتجاوز الأذنين و الدليل على ذلك صحيحة ابن سنان يعني عبداللّه قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام يصلّي يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح».(2)
و صحيحة ثانية لابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ «فصلّ
لربّك وانحر» قال:
«هو رفع يديك حذاء وجهك».(3)
و صحيحة صفوان بن مهران الجمّال قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام اذا كبّر في الصلاة يرفع يديه حتّى يكاد يبلغ أذنيه».(1)
و صحيحة منصور بن حازم قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام افتتح الصلاة فرفع يديه حيال وجهه و استقبل القبلة ببطن كفّيه».(2)
و في صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا قمت في الصلاة فكبّرت فارفع يديك، و لاتجاوز بكفّيك أذنيك، أي حيال خدّيك».(3)
و لايعارض هذه الصحاح، صحيح معاوية بن عمّار قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام حين افتتح الصلاة يرفع يديه أسفل من وجهه قليلاً».(4)
لأنّه قد يتّفق ذلك حين المحاذات. مضافا الى أنّ الرؤية قد تخطأ، مع امكان حمله على أقلّ مراتب الاستحباب. و نظير هذا، الخبر الوارد عن علي عليه السلام في قوله تعالى «فصلّ لربّك وانحر»: «انّ معناه ارفع يديك الى النحر في الصلاة».
و أمّا الأقوال في ذلك:
فقال في مفتاح الكرامة: «و يستحبّ رفع اليدين الى شحمتي الأذن اجماعا كما في الخلاف و به صرّح في النهاية و المبسوط و الشرائع و نهاية الأحكام و التحرير و الارشاد و التذكرة و التبصرة و الدروس و الذكرى و الموجز الحاوي و شرحه و المسالك و غيرها لكن في بعض هذه الى أذنيه و في بعض آخر الى حذاء أذنيه و
أكثرها كالكتاب (قواعد الأحكام) و قال الصدوق يرفعهما الى النحر و لايجاوزبهما الأذنين حيال الخدّ و عن الحسن بن عيسى يرفعهما حذاء منكبه أو حيال خدّيه لايجاوز بهما أذنيه و في «الخلاف» أنّ الرفع حذاء المنكب خيرة الشافعي و الى حذاء الأذنين خيرة أبي حنيفة و في «النافع» و «المعتبر» و «المنتهى» و «نهاية الأحكام» في تكبير الركوع يرفع يديه حيال وجهه - الى أن قال: - و في «المعتبر» و «الموجز الحاوي» يكره أن يتجاوز بهما رأسه و في «البيان» يكره أن يتجاوز بهما أذنيه. انتهى».(1)
و لايبعد صحّة هذه الأقوال كلّها بناءً على القول بمراتب الاستحباب.
مقتضى الجمود على ظواهر الأدلّة انّما هو استحباب رفع اليدين معا فلو رفع احداهما أو رفعهما على سبيل التعاقب لايكون مستحبّا، و سيأتي التعرّض لذلك في المسألة الآتية.
المشهور بين أصحابنا رحمهم الله في كيفيّة الرفع كما ادّعاه غير واحد أنّه يبتدء في التكبير بابتداء رفع يديه و ينتهي بانتهائه و يرسلهما بعد ذلك بل في محكي المعتبر و المنتهى أنّه قول علمائنا و علّلوه بأنّه هو رفع اليدين بالتكبير. و كيف كان فالمتبادر من الرفع في التكبير أو بالتكبير على اختلاف التعبير في الروايات انّما
1) - مفتاح الكرامة 2: 346.
هو ارادة المقارنة العرفيّة كما صرّح به في الجواهر و غيره لا المطابقة الحقيقيّة ابتداءً و وسطا و انتهاءً. و حكي عن بعض القول بأنّ التكبير بعد تمام الرفع و قبل الارسال لظاهر قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي:
«اذا افتتحت الصلاة فارفع كفّيك ثمّ ابسطهما بسطا ثمّ كبّر ثلاث تكبيرات. الحديث».(1)
ولكن بقرينة سائر الروايات لم يقصد من هذه الصحيحة الترتيب كما لم يقصد عكسه من «الفاء» في «فارفع» في صحيحة زرارة:
«اذا قمت في الصلاة فكبّرت فارفع يديك».(2)
بل المراد بحسب الظاهر هو الرفع حال التشاغل بالتكبير.
يستحبّ أن يكون اليدان حال الرفع مبسوطتين مضمومتي الأصابع مستقبلاً بباطنهما القبلة. أمّا البسط و الاستقبال فبدلالة صحيحة منصور بن حازم قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام افتتح الصلاة فرفع يديه حيال وجهه و استقبل القبلة ببطن كفّيه».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا افتتحت الصلاة فارفع كفّيك ثمّ ابسطهما بسطا ثمّ كبّر. الحديث».(4)
و أمّا ضمّ الأصابع فربّما استظهر من كلمات الأصحاب اتّفاقهم على استحبابه فيما عدا الابهام كما في الجواهر فانّه قال: «حكي عن الذكرى أنّه قال: ولتكن الأصابع مضمومة، و في الابهام قولان، و فرقه أولى و اختاره ابن ادريس تبعا للمفيد و ابن البرّاج، و كلّ ذلك منصوص - الى أن قال: - و نقل عن العلاّمة الطباطبائي أنّه قال في منظومته:
و ليس يخلو الحكم في الابهام *** في الضمّ و القبلة من ابهام
و مراده من القبلة الاستقبال، لأنّه ورد في النصّ الأمر باستقبال القبلة بباطن الكفّ حال الرفع، و في شموله للابهام حينئذٍ تأمّل. انتهى ملخّصا».(1)
ثمّ اعلم أنّه تجري هذه الأحكام من الرفع و خصوصيّاته في الواجب و المندوب من التكبير كما يجري الأحكام السابقة لتكبيرة الاحرام على أبدالها من الترجمة و اشارة الأخرس و غيرها في الصلاة الواجبة و المندوبة.
يكره أن يجاوز بيديه أذنيه حين التكبير؛ و ذلك للنهي الوارد في عدّة روايات؛ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا قمت في الصلاة فكبّرت فارفع يديك و لاتجاوز بكفّيك أذنيك، أي حيال خدّيك».(2)
و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا افتتحت الصلاة فكبّرت، و لاتجاوز أذنيك».(1)
و نقل المحقّق في المعتبر و العلاّمة في المنتهى عن علي عليه السلام:
«أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله مرّ برجل يصلّي و قد رفع يديه فوق رأسه، فقال: ما لي أرى قوما يرفعون أيديهم فوق رؤوسهم كأنّها آذان خيل شمس».(2)
و النهي في هذه الروايات و ان كان ظاهرا في التحريم الاّ أنّه يحمل على الكراهة في المقام و ذلك لأنّه اذا ورد الاستحباب من الشارع برفع اليدين و بيّن ابتداء الرفع و انتهائه ثمّ نهى عن التجاوز عن هذا الحدّ يفهم أن حدّ المحبوبيّة ينتهي الى الأذنين و لو تجاوز عنهما يكون مكروها عنده لكن لايبلغ حدّ الحرمة، و هذا معنى الكراهة. و قد اتّضح أنّ النهي هنا ليس للارشاد. بأن يكون ارشادا على أنّ الرفع الى فوق الأذنين لايكون مستحبّا، لأنّ عدم الاستحباب في التجاوز عن الأذنين يفهم من نفس الأوامر الواردة في رفع اليدين بالتكبير الى الأذنين، بل النهي للكراهة.
ثمّ اعلم أنّه يجوز التكبير من غير رفع اليدين لأنّ الرفع مستحبّ و ليس شرطا للتكبير.
و أمّا عكسه أي رفع اليدين من غير تكبير فلايكون مستحبّا لعدم الدليل علىذلك، و الاستدلال له بالتعليل الوارد في بعض النصوص من أنّ رفع اليدين ضرب من الابتهال و التبتّل و التضرّع، ظاهرها ارادة الرفع حال التكبير لا مطلقا.
(مسألة 15): ما ذكر من الكيفيّة في رفع اليدين انّما هو على الأفضليّة و الاّ فيكفي مطلق الرفع، بل لايبعد جواز رفع احدى اليدين دون الأخرى.
الشرح:
قد تقدّم أنّه يستحبّ رفع اليدين الى حيال الوجه أو أعلى من ذلك قليلاً أو أسفل منه كذلك. و مطلق الرفع و ان وردت فيه روايات كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا قمت في الصلاة فكبّرت فارفع يديك، و لاتجاوز بكفّيك أذنيك، أي حيال خدّيك».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا افتتحت الصلاة فارفع كفّيك ثمّ ابسطهما بسطا. الحديث».(2)
و ما ورد في وصيّة النبيّ صلى الله عليه و آله لعليّ عليه السلام:
«و عليك برفع يديك في صلاتك و تقليبهما».(3)
الاّ أنّ الظاهر كون هذه المطلقات مفسّرا لما تقدّم من الأخبار باستحباب رفع اليدين الى حيال الوجه أو الأذنين. و أمّا جواز رفع احدى اليدين دون الأخرى فقد تقدّم أنّه لادليل على استحبابه، نعم لابأس برفعها رجاءً للثواب.
(مسألة 16): اذا شك في تكبيرة الاحرام فان كان قبل الدخول فيما بعدها بنى على العدم، و ان كان بعد الدخول فيما بعدها من دعاء التوجّه أو الاستعاذة أو القراءة بنى على الاتيان و ان شكّ بعد اتمامها أنّه أتى بها صحيحة أو لا بنى على العدم، لكن الأحوط ابطالها بأحد المنافيات ثمّ استئنافها، و ان شكّ في الصحّة بعد الدخول فيما بعدها بنى على الصحّة، و اذا كبّر ثمّ شكّ في كونه تكبيرة الاحرام أو تكبيرة الركوع بنى على أنّه للاحرام.
الشرح:
اذا شكّ في تكبيرة الاحرام فتارةً يكون شكّه في أصل التكبير و أخرى في صحّته، و على الأولى فتارةً يكون شكّه قبل الدخول في الغير و أخرى بعده.
فاذا شكّ في أصل التكبير و كان قبل الدخول في الغير فيجب عليه الاتيان بالتكبير و ذلك لمفهوم قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(1)
مضافا الى استصحاب العدم السالم عن أيّ دليل حاكم عليه.
و أمّا اذا شكّ في أصل التكبير و كان بعد الدخول في الغير فان كان ذلك الغير واجبا كالقراءة فلا شكّ في عدم الاعتناء به و البناء على الاتيان بتكبيرة الاحرام و ذلك لصحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الاقامة، قال: يمضي، قلت: رجل شكّ في الأذان و الاقامة و قد كبّر، قال: يمضي، قلت: رجل شكّ في التكبير و قد قرأ، قال: يمضي، قلت: شكّ في القراءة و قد ركع، قال: يمضي، قلت: شكّ في الركوع و قدسجد، قال: يمضي على صلاته، ثمّ قال: يا زرارة اذا خرجت من
1) - وسائل الشيعة 5: 336 / الباب 23 من أبواب الخلل / الحديث 1.
شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(1)
و كذا اذا كان ذلك الغير مستحبّا قد تعيّن محلّه شرعا على الأصحّ كالاستعاذة و القنوت، لأنّ المراد من قوله عليه السلام «اذا خرجت من شيء» أي خرجت من محلّ ذلك الشيء و «دخلت في غيره» أي دخلت في شيء له محلّ بعد الشيء المشكوك فيه من قبل الشارع فالاستعاذة و القنوت و بعض الأدعية المأثورة من الأئمّة عليهم السلام التي لها محلّ معيّن تعدّ من الدخول في الغير. و ما يقال من أنّه يحتمل أن تكون الأمثلة المذكورة في الصحيحة، قرينة على اختصاص الضابط بموارد الجزء الوجوبي فيكون من احتفاف الكلام بما يصلح للقرينة الموجبة للاجمال، اذ معه لم يحرز كونه عليه السلام في مقام البيان من جميع الجهات كي ينعقد الاطلاق. مدفوع بأنّ الظاهر من قوله عليه السلام: «يا زرارة، اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء»، أنّه كان بصدد بيان القاعدة الكلّية، و أنّ الظاهر من الدخول في الغير، المحلّ الذي يكون غير المحلّ المشكوك المعيّن بلسان الشارع، و الأمثلة المذكورة لاتقيّد القاعدة مضافا الى أنّ الأمثلة من الراوي لا الامام عليه السلام، فالنتيجة أنّ الاحتمال ضعيف.
و أمّا اذا كان الشكّ في صحّة التكبير الذي كبّره، فاذا دخل في غيره فلايعتني بشكّه فيبني على الصحّة، للدليل المذكور آنفا.
و أمّا اذا لم يدخل في غيره فيمكن أن يقال يبني على الصحّة، لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو».(2)
الاّ أنّ من المحتمل بل لعلّه الظاهر أنّ المراد من «ما قد مضى» هو بعد الفراغ عن العمل ليكون الدليل على قاعدة الفراغ، و يحتمل
أيضا أن يكون نظير قوله عليه السلام: «اذا خرجت من شيء و دخلت في غيره» و بعد الاحتمال لايمكن أن يقال يبني على الصحّة بل يبني على العدم كما عليه المصنّف.
اذا كبّر ثمّ شكّ أنّه كان للاحرام أو للركوع بنى على أنّه للاحرام و ذلك لرجوعه الى الشكّ في القراءة و حيث انّ محلّها باقية و لم يتجاوز فيجب عليه القراءة، و انّ الذي قاله، تكبيرة الاحرام.
و هو أقسام: امّا ركن و هو القيام حال تكبيرة الاحرام، و القيام المتّصل بالركوع بمعنى أن يكون الركوع عن قيام، فلو كبّر للاحرام جالسا أو في حال النهوض بطل و لو كان سهوا، و كذا لو ركع لا عن قيام بأن قرأ جالسا ثمّ ركع، أو جلس بعد القراءة أو في أثنائها و ركع، و ان نهض متقوّسا الى هيئة الركوع القيامي و كذا لو جلس ثمّ قام متقوّسا من غير أن ينتصب ثمّ يركع و لو كان ذلك كلّه سهوا. و واجب غير ركن و هو القيام حال القراءة، و بعد الركوع. و مستحبّ و هو القيام حال القنوت، و حال تكبير الركوع و قد يكون مباحا و هو القيام بعد القراءة أو التسبيح أو القنوت أو في أثنائها مقدارا من غير أن يشتغل بشيء و ذلك في غير المتّصل بالركوع و غير الطويل الماحي للصورة.
الشرح:
لاريب في وجوب القيام في الصلاة في الجملة كتابا و سنّة، فمن الكتاب: قوله تعالى «الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و على جنوبهم» بضميمة ما ورد في تفسيره عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«الصحيح يصلّي قائما و قعودا، المريض يصلّي جالسا، و على
جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا».(1)
و من السنّة، صحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام (في حديث): و قم منتصبا فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال:
من لم يقم صلبه فلا صلاة له».(2)
انّما الكلام في أنّ القيام هل هو بنفسه واجب أو أنّه ليس واجبا مستقلاً بل الواجب منه ما كان في ضمن تكبيرة الاحرام، أو القراءة؟ فالظاهر أنّ القيام على أقسام: منها ما كان واجبا مستقلاًّ و هو على قسمين، قسم منه ركن كالقيام المتّصل بالركوع، و قسم منه ليس بركن كالقيام بعد الركوع. و منها ما كان في ضمن واجب و هو أيضا على قسمين، قسم منه ركن كالقيام حال التكبير و قسم منه ليس بركن بل يكون واجبا كالقيام حال القراءة. و منها ما كان مستحبّا كالقيام حال القنوت بمعنى جواز تركه بترك القنوت، لأنّه لايشرع القنوت جالسا لمن يتمكّن من القيام في الصلاة الفريضة. و منها ما كان مباحا كالقيام بعد القراءة و قبل الركوع بأن يطول القيام غير الطويل الماحي لصورة الصلاة.
قال في الحدائق: «قد صرّح الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) بأنّ القيام ركن في الصلاة متى أخلّ به مع القدرة عمدا أو سهوا بطلت صلاته، قال في المعتبر و عليه اجماع العلماء. و في تعيين الموضع الركني منه أقوال: فنقل عن العلاّمة الحكم بركنيّته كيف اتّفق و في المواضع التي لاتبطل بزيادته يكون مستثنى بالنصّ كغيره. و قيل انّ الركن منه ما اتّصل بالركوع. و لم نقف لهما على دليل. و قيل انّه تابع لما وقع فيه و منقسم بانقسامه في الركنيّة و الوجوب و الاستحباب. و هذا القولالأخير نقل عن شيخنا الشهيد قدس سره قال: انّ القيام بالنسبة الى الصلاة على انحاء: فالقيام في النيّة شرط كالنيّة، و القيام في التكبير تابع له في الركنيّة و القيام في
القراءة واجب غير ركن، و القيام المتّصل بالركوع ركن فلو ركع جالسا بطلت صلاته و ان كان ناسيا، و القيام من الركوع واجب غير ركن اذ لو هوى من غير رفع و سجد ناسيا لم تبطل صلاته، و القيام في القنوت تابع له في الاستحباب. - الى أن قال: - و الحقّ في المقام أن يقال لاريب أنّ تسميتهم هذه الأشياء بالأركان و تفسيرهم الركن بأنّه ما تبطل به الصلاة عمدا و سهوا، و الواجب ما تبطل به عمدا لا سهوا انّما هو أمر اصطلاحي لا أثر له في النصوص مع انحزام هذه القاعدة عليهم في كثير من المواضع، فالواجب الوقوف في جزئيات الأحكام على النصوص الواردة في كلّ منها بالعموم أو الخصوص و الغاء هذه القاعدة التي لاثمرة لها و لافائدة، و اللّه العالم. انتهى».(1)
و الحقّ ما قاله رحمه الله من أنّ الواجب الوقوف في جزئيات الأحكام، و من جملتها حكم القيام على النصوص الواردة في كلّ منها بالعموم أو الخصوص كما تقدّم في تكبيرة الاحرام و سيأتي في القراءة و الركوع و غيرهما.
(مسألة 1): يجب القيام حال تكبيرة الاحرام من أوّلها الى آخرها، بل يجب من باب المقدّمة قبلها و بعدها فلو كان جالسا و قام للدخول في الصلاة و كان حرف واحد من تكبيرة الاحرام حال النهوض قبل تحقّق القيام بطل، كما أنّه لو كبّر المأموم و كان الراء من أكبر حال الهويّ للركوع كان باطلاً، بل يجب أن يستقرّ قائما ثمّ يكبّر، و يكون مستقرّا بعد التكبير ثمّ يركع.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الثالثة في البحث عن تكبيرة الاحرام أنّ القيام واجب حال تكبيرة الاحرام من أوّلها الى آخرها، بلا فرق بين المنفرد و المأموم، فلو كان جالسا و قام للدخول في الصلاة و كان حرف واحد من تكبيرة الاحرام حال
1) - الحدائق الناضرة 8: 57 و 61.
النهوض قبل تحقّق القيام بطل، كما أنّه لو كبّر المأموم و كان الراء من أكبر حال الهويّ للركوع كان باطلاً، بل يجب أن يكون القيام و التكبير مقترنين فلو شكّ في اقترانهما لم يأت بالواجب فتبطل صلاته، فاذا لم يتيقّن الاّ أن يستقرّ أوّلاً ثمّ يكبّر فيجب ذلك عليه، فوجوب القيام قبل أداء التكبير لليقين بالبراءة و حصول القطع بالفراغ.
(مسألة 2): هل القيام حال القراءة و حال التسبيحات الأربع شرط فيهما أو واجب حالهما وجهان: الأحوط الأوّل و الأظهر الثاني، فلو قرأ جالسا نسيانا ثمّ تذكّر بعدها أو في أثنائها صحّت قراءته و فات محل القيام، و لايجب استئناف القراءة لكن الأحوط الاستئناف قائما.
الشرح:
الحقّ أنّ القيام ليس جزءًا مستقلاًّ للصلاة مقابل سائر الأجزاء بل الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة أبي حمزة المتقدّمة: «الصحيح يصلّي قائما» الذي معناه يكبّر قائما و يقرأ قائما و يركع عن قيام شرطيّته و هكذا يكون معنى قوله عليه السلامفي صحيحة أبي بصير: «من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له»(1)فعليه من نسي أن يقرأ قائما فقرأ جالسا ثمّ تذكّر في الأثناء أو بعد القراءة و لمّا يركع، يجب عليهاستئناف القراءة، لفقدان المشروط مع فقدان الشرط.
(مسألة 3): المراد من كون القيام مستحبّا حال القنوت أنّه يجوز تركه بتركه لا أنّه يجوز الاتيان بالقنوت جالسا عمدا، لكن نقل عن بعض العلماء جواز اتيانه جالسا، و أنّ القيام مستحبّ فيه لا شرط. و على ما ذكرنا فلو أتى به جالسا عمدا لم يأت بوظيفة القنوت بل تبطل صلاته للزيادة.
1) - وسائل الشيعة 4: 694 / الباب 2 من أبواب القراءة / الحديث 2.
الشرح:
التعبير باستحباب القيام حال القنوت مسامحة بل هو شرط للقنوت بمعنى أنّه اذا لم يكن قائما حاله لم يكن قنوتا، كما نقول انّ الطهارة شرط للصلاة و بناءً على هذا لم يكن القنوت حال الجلوس مشروعا.
و الظاهر أنّه من المسلّمات المفروغة عنها بين الفقهاء. و يمكن الاستدلال عليه مضافا الى الأخبار المتضمّنة لتعيين محلّه و أنّه بعد القراءة و قبل الركوع - اذ لاينسبق الى الذهن منها الجلوس بينها - بموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام عن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو غير الوتر، فقال:
«ليس عليه شيء و قال: ان ذكره و قد أهوى الى الركوع قبل أن يضع يديه على الركبتين فليرجع قائما و ليقنت ثمّ ليركع، و ان وضع يده على الركبتين فليمض في صلاته و ليس عليه شيء».(1)
فلو أتى به جالسا عامدا مع علمه بعدم وروده من الشرع فقد فعل حراما للتشريع، و أمّا بطلان صلاته فهو محلّ تأمّل.
(مسألة 4): لو نسي القيام حال القراءة و تذكّر بعد الوصول الى حدّ الركوع صحّت صلاته و لو تذكّر قبله فالأحوط الاستئناف على ما مرّ.
الشرح:
لو نسي القيام حال القراءة و تذكّر بعد الوصول الى حدّ الركوع صحّت صلاته لأنّ التدارك مستلزم لاعادة الركوع و زيادته مبطلة فينتهي الى اعادة الصلاة، و هي منتفية لقاعدة «لاتعاد» لأنّ القراءة ليست من الخمسة المذكورة في الصحيحة. و أمّا ان كان التذكّر قبل الوصول الى حدّ الركوع فعليه التدارك لأنّه لم يأت بالقراءة المشروطة بالقيام و المحلّ باقٍ.
1) - وسائل الشيعة 4: 914 / الباب 15 من أبواب القنوت / الحديث 2.
(مسألة 5): لو نسي القراءة أو بعضها و تذكّر بعد الركوع صحّت صلاته ان ركع عن قيام، فليس المراد من كون القيام المتّصل بالركوع ركنا أن يكون بعد تمام القراءة.
الشرح:
انّ المراد من القيام المتّصل بالركوع الذي يكون ركنا، هو القيام آنا ما قبل الركوع بحيث يركع عن قيام سواءً كان بعد تمام القراءة أو في أثنائها أم بدونها، فاذا نسي القراءة أو بعضها فركع عن قيام ثمّ تذكّر صحّت صلاته.
(مسألة 6): اذا زاد القيام كما لو قام في محلّ القعود سهوا لاتبطل صلاته، و كذا اذا زاد القيام حال القراءة بأن زاد القراءة سهوا، و أمّا زيادة القيام الركني فغير متصوّرة من دون زيادة ركن آخر، فانّ القيام حال تكبيرة الاحرام لايزاد الاّ بزيادتها، و كذا القيام المتّصل بالركوع لايزاد الاّ بزيادته و الاّ فلو نسي القراءة أو بعضها فهوى للركوع و تذكّر قبل أن يَصِل الى حدّ الركوع رجع و أتى بما نسي ثمّ ركع و صحّت صلاته و لايكون القيام السابق على الهويّ الأوّل متّصلاً بالركوعحتّى يلزم زيادته اذا لم يتحقّق الركوع بعده فلم يكن متّصلاً به، و كذا اذا انحنى للركوع فتذكّر قبل أن يصل الى حدّه أنّه أتى به فانّه يجلس للسجدة و لايكون قيامه قبل الانحناء متّصلاً بالركوع ليلزم الزيادة.
الشرح:
زيادة القيام سهوا تتصوّر على صور:
الأولى: زيادة القيام غير الواجب كما اذا أتى بالقنوت مرّة أخرى سهوا فانّه زاد القيام غير الواجب ففي هذه الصورة لاتبطل صلاته لأنّه لم يزد في صلاته شيئا، لعدم الجزئيّة، لأنّ المفروض كونه ساهيا.
الثانية: زيادة القيام الواجب كما اذا هوى للركوع بعد القراءة و قبل أن يصل
الى حدّ الركوع، تخيّل أنّه لم يأت بالقراءة فرجع و أتى بالقراءة ثانيا ثمّ ركع فتذكّر زيادة القراءة و زيادة القيام معه فحينئذٍ صحّت صلاته لعدم قدح هذه الزيادة، و لأنّ زيادة القراءة سهوا ليست قادحة كما سيأتي، و كذا القيام الذي مرّ أنّه شرط للقراءة، فانّ القيام كما تقدّم ليس جزءًا مستقلاًّ في قبال سائر الأجزاء، بل يكون شرطا لبعض أجزاء الصلاة فيكتسب منها الاستحباب، و الوجوب غير الركني أو الركني.
الثالثة: زيادة القيام الركني كما اذا نسي أنّه كبّر، فكبّر ثانيا فحينئذٍ فعلى القول ببطلان الصلاة بازدياد التكبير تبطل صلاته، و الاّ فلاتبطل الصلاة كما تقدّم.
و كما اذا نسي أنّه ركع، فركع ثانيا ثمّ تذكّر في الركوع فانّه تبطل صلاته لزيادة القيام الركني و زيادة الركوع أيضا. ثمّ اعلم أنّه لايتصوّر القيام المتّصل بالركوع الاّ اذا ركع بعد القيام، فان انحنى للركوع فتذكّر قبل أن يصل الى حدّه أنّه أتى به، لايكون قيامه متّصلاً بالركوع ليلزم الزيادة لعدم حصول الركوع بعده.
(مسألة 7): اذا شكّ في القيام حال التكبير بعد الدخول فيما بعده أو في القيام المتّصل بالركوع بعد الوصول الى حدّه، أو في القيام بعد الركوع بعد الهويّ الى السجود و لو قبل الدخول فيه لم يعتن به و بنى على الاتيان.
الشرح:
لايخفى أنّ الشكّ في القيام حال التكبير بعد الدخول فيما بعده من القراءة مثلاً يكون من الشكّ في الصحّة فتشمله قاعدة التجاوز فلايعتنى به و يبنى على الصحّة، و يحتمل البناء على الصحّة لو كان الشكّ بعد التكبير و قبل الدخول في الغير لقوله عليه السلامفي صحيحة محمّد بن مسلم: «كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو».(1)كما تقدّم في البحث عن التكبير.
1) - وسائل الشيعة 5: 336 / الباب 23 من أبواب الخلل / الحديث 3.
و كذا اذا شكّ في القيام المتّصل بالركوع بعد الوصول الى حدّه. ان قلت مرجع الشكّ المزبور الى تحقّق الركوع و عدمه و انّ هذه الهيئة الخاصّة هل كانت عن قيام كي تتّصف بالركوع أو عن جلوس كي لاتتّصف به، و حيث انّ الشكّ في المحلّ وجب الاعتناء به، فيجب تدارك القيام ثمّ الركوع بعده. قلت الظاهر أنّ مرتبة الركوع بعد القيام و الركوع جزء من أجزاء الصلاة غير القيام، و لايكون الركوع مركّبا من القيام و الانحناء بعده، فلو شكّ في القيام المتّصل بالركوع بعد الوصول الى حدّه لم يعتن لقاعدة التجاوز، و سيأتي التحقيق عن ماهيّة الركوع في محلّه ان شاء اللّه تعالى.
و كذا لايعتني بشكّه في القيام بعد الركوع اذا كان في السجود.
انّما الكلام فيما اذا كان شكّه في القيام بعد الركوع بعد الهويّ الى السجود و لمّا يدخل فيه، فالظاهر الاعتناء بشكّه فيقوم ثمّ يهوي الى السجود، و ذلكلصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل رفع رأسه عن السجود فشكّ قبل أن يستوي جالسا فلم يدر أسجد أم لم يسجد، قال: يسجد، قلت: فرجل نهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد، قال: يسجد».(1)
بتقريب أنّ النهوض قبل أن يستوي قائما مثل الهويّ قبل أن يسجد، فكما أنّ الأوّل يعتني بشكّه اذا شكّ في السجود فالثاني أيضا يعتني بشكّه اذا شكّ في القيام بعد الركوع.
ان قلت اذا شكّ في القيام بعد الركوع حين الهويّ الى السجود فقد خرج من شيء و دخل في غيره فشكّه ليس بشيء كما في صحيحة زرارة من قوله عليه السلام: «يا زرارة اذا خرجت من شيء و دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(2)
قلت: قد تقدّم أنّ المراد من الغير هو الفعل الذي يكون جزءًا للصلاة سواء كان واجبا أو مستحبّا، و الهويّ الى السجود ليس جزءًا من أجزاء الصلاة و الدليل على ذلك مسبوقيّة قوله عليه السلامبأمثلة كلّها من أجزاء الصلاة. ان قلت: تدلّ على ما نحن فيه صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل أهوى الى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع قال: قد ركع».(1)
فيظهر منها أنّ المراد بالغير في صحيحة زرارة المتقدّمة مطلق الغير و ان كان مقدّمة لواجب، سلّمنا الاّ أنّ هذه الصحيحة تقيّد صحيحة زرارة في الهويّ الى السجود، قلت: ليس الأمر كما ذكر، لأنّ «أهوى» بمعنى سقط الى الأرض، فقوله:«رجل أهوى الى السجود» يكون عبارة أخرى عن «رجل سجد».
(مسألة 8): يعتبر في القيام الانتصاب، و الاستقرار، و الاستقلال حال الاختيار، فلو انحنى قليلاً، أو مال الى أحد الجانبين بطل، و كذا اذا لم يكن مستقرّا، أو كان مستندا على شيء من انسان أو جدار أو خشبة أو نحوها. نعم لابأس بشيء منها حال الاضطرار، و كذا يعتبر فيه عدم التفريج بين الرجلين فاحشا بحيث يخرج عن صدق القيام، و أمّا اذا كان بغير الفاحش فلا بأس. و الأحوط الوقوف على القدمين دون الأصابع و أصل القدمين، و ان كان الأقوى كفايتهما أيضا، بل لايبعد اجزاء الوقوف على الواحدة.
الشرح:
يعتبر في القيام حال التكبير و القراءة الانتصاب و الاستقرار و قد تقدّم الدليل عليهما في المسألة الرابعة في مبحث التكبير.
و أمّا الاستقلال في القيام:
1) - وسائل الشيعة 4: 937 / الباب 12 من أبواب الركوع / الحديث 6.
قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) وجوب الاستقلال في القيام بمعنى أن لايستند الى شيء بحيث لو أزيل السناد سقط، و نقل عن أبي الصلاح أنّه ذهب الى جواز الاستناد على الوجه المذكور و ان كان مكروها. انتهى».(1)
فعمدة ما استدلّ القائلون بالوجوب صحيحة عبداللّه بن سنان، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتمسك بخمرك و أنت تصلّي، و لاتستند الى جدار و أنت تصلّيالاّ أن تكون مريضا».(2)
بيان: الخمر بالخاء المعجمة و الميم المفتوحتين ما وراءك من شجر و نحوه.(3)
و موثّقة عبداللّه بن بكير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة قاعدا أو متوكّيا على عصا أو حائط، فقال: لا ما شأن أبيك و شأن هذا ما بلغ أبوك هذا بعد».(4)
ولكن بازائهما روايات تدلّ على جواز الاستناد، منها: صحيحة علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجل هل يصلح له أن يستند الى حائط المسجد و هو يصلّي، أو يضع يده على الحائط و هو قائم من غير مرض و لا علّة؟
«فقال: لابأس به، و عن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الأوّلتين هل يصلح له أن يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف و لا علّة؟ فقال: لابأس به».(5)
و موثّقة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصلّي متوكّيا على عصاء أو على حائط، قال: لابأس بالتوكّأ على عصاه و الاتّكاء على الحائط».(1)
و خبر سعيد بن يسار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التكاءة في الصلاة على الحائط يمينا و شمالاً، فقال: لابأس».(2)
فحمل القائلون بوجوب الاستقلال في القيام هذه الأخبار على الاستناد الذي لايكون فيه اعتماد محتجّين بأنّ الاستناد و الاتّكاء في تلك الأخبار أعمّ ممّا فيه اعتماد أو لا اعتماد فيه، فيحمل على ما لا اعتماد فيه جمعا بين الأخبار.
و أمّا من ذهب الى الجواز و العمل بهذه الروايات الأخيرة حمل صحيحة عبداللّه بن سنان و موثّقة عبداللّه بن بكير على الكراهة.
و الحقّ جواز الاستناد في القيام على كراهيّة، و ذلك للجمع بين قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان: «لاتمسك بخمرك و أنت تصلّي و لاتستند الى جدار الاّ أن تكون مريضا» و بين قوله عليه السلام في صحيحة علي بن جعفر قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له أن يستند الى حائط المسجد و هو يصلّي - الى أن قال: - فقال: لابأس».
و يؤيّد حمل الاستناد في صحيحة علي بن جعفر على ما فيه اعتماد، قوله: «من غير مرض و لا علّة» فانّ من شأن المريض و العليل الاعتماد.
و كذا يؤيّد ذلك الحمل بأوضح تأييد أنّ الاتّكاء لغة يطلق على ما فيه الاعتماد:
قال في كتاب مصباح المنير في مادة «وكأ» و توكّأ على عصاه اعتمد عليها. و نقل عن ابن أثير: يقال اتّكأ اذا أسند ظهره أو جنبه الى شيء معتمدا عليه و كلّ من
اعتمد على شيء فقد اتّكأ عليه. انتهى.
و قال في مجمع البحرين في مادة «وكأ» و توكّأت على العصى: اعتمدت عليها. انتهى.
و قال في قاموس اللغة في مادة «وكأ»: وكأ عليه و توكّأ تحمّل و اعتمد. انتهى.
فتحصّل أنّ الجمع العرفي بين الطائفين من الأخبار جواز الاعتماد في القيامعلى كراهيّة، فما ذهب اليه المشهور من الجمع لا شاهد عليه بل الشاهد على خلافه كما قلنا. و بهذا الجمع يردّ قول صاحب الجواهر من حمل أخبار الجواز على التقيّة، لأنّ الحمل على التقيّة فيما اذا لم يمكن الجمع الدلالي.
ثمّ اعلم أنّه لو قلنا باعتبار الاستقلال في القيام، فلا بأس بشيء من الاستناد حال الاضطرار. و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة فانّه عليه السلام قال: «و لاتستند الى جدار و أنت تصلّي الاّ أن تكون مريضا».
و يجوز أن يستعين بشيء على القيام حال النهوض من غير ضعف و لا علّة، لما تقدّم في صحيحة علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام:
« - الى أن قال: - و عن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الأوّلتين هل يصلح له أن يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف و لاعلّة؟ فقال: لابأس به».(1)
قال في الحدائق: «و نقل عن بعض المتأخّرين - و الظاهر أنّه المحقّق الثاني في شرح القواعد - أنّه جعل حكمه حكم الاستناد في حال القيام [فكما لايجوز الاستناد في القيام لايجوز في حال النهوض] و فيه أنّه لادليل عليه بل الدليل كماترى واضح في خلافه. انتهى».(2)
فرعان:
اذا كان التفريج فاحشا بحيث لايصدق عليه القيام أو شكّ في صدق القيام عليه فلا اشكال في عدم جوازه فيوجب بطلان الصلاة.
قال في الحدائق: «قد صرّح جملة من الأصحاب بأنّه لايجوز تباعد ما بين الرجلين بما يخرج عن حدّ القيام. و الظاهر أنّ مستندهم في ذلك العرف فانّ من أفحش في التباعد بينهما لايعدّ قائما عرفا - ثمّ قال: - المفهوم من الأخبار كما تقدّم في شرح صحيحة حمّاد أنّ نهاية التباعد بينهما الى قدر شبر و الاحتياط يقتضي أن لايزيد على ذلك فانّه من المحتمل قريبا أن يكون هذا غاية الرخصة في التباعد بينهما و يقين البراءة يقتضي الوقوف على ذلك. انتهى».(1)
و قال في مفتاح الكرامة: «و كذا يظهر من التذكرة أنّ كون النهاية شبرا، قول لبعض أصحابنا و في بعض نسخ الهداية التفريق بشبر لا أكثر - الى أن قال: - و في المقنعة و المقنع على ما نقل عنه التفريق بشبر الى أكثر».(2)
أقول:
الظاهر ممّا في المقنع و المقنعة و كذا النهاية استحباب التفريق بين الرجلين لأنّ الأوّل ذكرها في آداب الصلاة، و الثاني في أفعال الصلاة المشتمل على الواجب و المستحب، و على الأقلّ من عدم ظهور ذلك في الوجوب.
و أمّا صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا قمت الى الصلاة فلاتلصق قدمك بالأخرى، ودع بينهما فصلاً
اصبعا أقلّ ذلك الى شبر أكثره، و اسدل منكبيك و أرسل يديك، و لاتشبّك أصابعك، و ليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك، و ليكن نظرك الى موضع سجودك، فاذا ركعت فصفّ في ركوعك بينقدميك تجعل بينهما قدر شبر، و لاتكفّر فانّما يفعل ذلك المجوس. الحديث».(1)
و كذا صحيحة حمّاد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«انّه لمّا صلّى قام مستقبل القبلة منتصبا فأرسل يديه جميعا على فخذيه قد ضمّ أصابعه، و قرّب بين قدميه حتّى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرّجات، و استقبل بأصابع رجليه لم يحرّفهما عن القبلة».(2)
فلاتدلاّن على الوجوب لاشتمالهما على المستحبات و المكروهات، و تزيد الثانية بأنّها حكاية فعل، اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ الامام عليه السلام أمرها بالصلاة على نحو ما صلّى حيث قال: «يا حمّاد هكذا صلّ». و على أيٍّ لم يصرّح أحد من الفقهاء بوجوب التفريق بين الرجلين الى شبر و النهي عن التفريق غير الفاحش على الظاهر، فالأقوى أنّ التفريق أكثر من شبر مكروه مادام يصدق القيام.
و ذلك لعدم الدليل البيّن على الحرمة و البطلان، و الأصل الحاكم البراءة بعد صدق القيام.
فأشهرهما الأوّل على ما في الجواهر، و أقواهما الثاني، لصحيحة محمّد بن
أبي حمزة عن أبيه قال:
«رأيت علي بن الحسين عليه السلام في فناء الكعبة في الليل و هو يصلّيفأطال القيام حتّى جعل يتوكّأ مرّة على رجله اليمنى، و مرّة على رجله اليسرى. الحديث».(1)
ان قلت: (كما في الجواهر) من المحتمل أو الظاهر أنّه في النافلة، قلت: الأصل اشتراك النافلة مع الفريضة في الأحكام، مضافا الى أنّ الظاهر بعد اختيار ذات القيام من النافلة يعتبر في قيامها مايعتبر في قيام الفريضة.
ففي الجواهر بعد الاستدلال على القول الأوّل بالأصل و التأسّي و التبادر المعهود و بعدم الاستقرار في عدمه، قال: «و الأصل ممنوع كالتّأسي في نحو المقام الذي هو من الأفعال العالية غالبا، و لم ينقل عنه صلى الله عليه و آله أنّه لم يفعل الاّ ذلك، بل و كذا المنع في دعوى أنّه المتبادر المعهود تبادرا و عهدا يفيد الوجوب، و أوضح من ذلك منعا دعوى عدم الاستقرار مع عدم الاعتماد، بل قد يشهد للصحّة بعد الاطلاقات ما في الصحيح عن محمّد بن أبي حمزة (و ذكر الصحيحة). انتهى».(2)
أقول:
يجب القيام في الصلاة على من كان صحيحا في بدنه، فالمعتبر منه الصدق العرفي، فاذا صدق القيام عرفا على من يتوكّأ على رجله اليمنى أو اليسرى، فيشمله الدليل.
ثمّ اعلم أنّه وقع الاختلاف أيضا بين الفقهاء في جواز قيام المصلّي على أطراف أصابع رجليه، و كذا في رفع احدى رجليه و الأقوى عدم الجواز، و ذلك لأنّ المتبادر من القيام هو الوقوف على القدمين، و هو المعهود من المتشرعة.
و أمّا الروايات الواردة في هذا الباب؛
فمنها: رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقوم على أطرف أصابع رجليه فأنزل اللّه سبحانه: «طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى»».(1)
و منها: ما رواه علي بن ابراهيم في تفسيره من الخبر عن أبيه عن القاسم بن محمّد عن علي عن أبي بصير مثله الاّ أنّه قال:
«كان يقوم على أصابع رجليه حتّى تورّم».(2)
و منها: خبر عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله بعد ما عظم أو بعد ما ثقل كان يصلّي و هو قائم و رفع احدى رجليه حتّى أنزل اللّه تعالى: «طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى»فوضعها».(3)
فقال صاحب الوسائل: «القيام بهذه الكيفيّة غير معلوم المشروعيّة بعد نزول الآية بل ظاهر هذين الحديثين و أحاديث القيام و كيفيّة الصلاة و غيرها وجوب القيام على القدمين. انتهى».(4)
و قال صاحب الحدائق: «نعم لو رفع احدى رجليه من الأرض بالكلية و انّما وضع واحدة و اعتمد عليها فلااشكال في البطلان لوقوعه على خلاف الوجه المتلقّى من صاحب الشريعة أمرا و فعلاً، الاّ أنّه روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبداللّه بن بكير (و ذكر حديث) - ثمّ قال: - و الواجب حمله على النسخ بالآية المذكورة المصرّحة بالنهي و الأخبار الدالّة على القيام على القدمين، - الى أن قال: - و يمكن أن يكون الصلاة كانت مشروعة على هذه الكيفيات ثمّ
نسخ ذلك فوجب الاعتماد على الرجلين معا كما عليه اتّفاق الأصحاب و غيرهم و اللّه العالم.انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «و أمّا ما في خبر عبداللّه بن بكير (و ذكر الحديث) فيمكن القول به (أي بالمنع برفع احدى رجليه) بل في الحدائق نفي الخلاف فيه تارة، و دعوى الاتّفاق عليه أخرى لكثير من الأدلّة السابقة مضافا الى الخبر المزبور، و دعوى ظهوره في نفي الالزام به لم يكن يرى وجوبه بل كان يختاره من بين الأفراد لأنّه أحمز و أشقّ، و لعلّ مراد الأصحاب بالاعتماد على الرجلين معا عدم رفع احدى الرجلين لا ما يشمل الاتّكاء على واحدة، الخ ما قال».(2)
و قال في مفتاح الكرامة: «نعم لو رفع أحد رجليه عن الأرض بالكلّيّة و اقتصر على وضع واحدة و اعتمد عليها فلااشكال في البطلان لما ذكروه [من التأسّي و التبادر و لعدم الاستقرار، و لقوله صلى الله عليه و آله : صلّوا كما رأيتموني أصلّي]. [ثمّ انّه بعد ذكر مضمون الأخبار المتقدّمة قال:] و لعلّ ذلك منسوخ بالآية الشريفة أو غيرها. انتهى».(3)
و قال المحقّق الهمداني: «لاينبغي التأمّل في عدم جواز الوقوف على واحدة، بل عن بعض نفي الخلاف فيه بل دعوى الوفاق عليه لمخالفته لما هو المتبادر من أدلّة القيام. و ما في خبر عبداللّه بن بكير (و بعد ذكر الخبر قال:) و هو غير مناف لما ذكر، اذ الآية لاتدلّ على مشروعيّة بعد نزولها بل ربّما يستشعر منها كونها ناسخة لذلك الحكم لا مرخّصة في تركه هذا مع ما فيه من ضعف السند. انتهى».(4)
أضف الى ذلك كلّه انّه اذا أمرك آمر بالقيام فمراده من أمره ايّاك الوقوف على
رجليك بحكم التبادر الواضح بحيث لو رفعت احدى رجليك يعترض عليك، و لو أراد منك الوقوف على احدى رجليك لبيّنه كما نرى ذلك ممّن يريد أن يشقّ على المجرمين فيقول له: قف على احدى رجليك و ارفع الأخرى مثلاً.
و عليه لو وقف المصلّي على احدى رجليه و رفع الأخرى يشكّ في اتيانه بالمأمور به فالأصل الحاكم الاشتغال.
(مسألة 9): الأحوط انتصاب العنق أيضا. و ان كان الأقوى جواز الاطراق.
الشرح:
يستحبّ انتصاب العنق كما هو المشهور لمرسلة حريز عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: «فصلّ لربّك و انحر» قال: النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه و نحره».(1)
الاّ أنّ الصدوق رحمه الله ذهب الى وجوبه، و قال الحلبي رحمه الله باستحباب الاطراق.
و الظاهر أنّ الدليل لما ذهب الصدوق اليه من الوجوب ظاهر الأمر في قوله تعالى «فصلّ لربّك وانحر» مع ما فسّره مرسلة حريز بأنّ النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه و نحره.
ولكن فيه ضعف المرسلة سندا لارسالها و دلالة لعدم ذهاب أحد من الفقهاء ظاهرا الى الوجوب الاّ الصدوق.
و أمّا استحباب الاطراق فلم يدلّ عليه دليل الاّ أن يكون مصداقا للخشوع.
قال في الحدائق: «يجب نصب فقار الظهر، و يحصل الاخلال بذلك بالانحناءو الميل الى اليمين و اليسار على وجه لايعدّ منتصبا عرفا. و الظاهر أنّه لايخلّ بالانتصاب اطراق الرأس و ان كان الأفضل اقامة النحر كما تقدّم في مرسلة حريز. و نقل عن أبي الصلاح استحباب ارسال الذقن الى الصدر. و يرد بعدم المستند بل
1) - وسائل الشيعة 4: 694 / الباب 2 من أبواب القيام / الحديث 3.
هذا الخبر - كماترى - ظاهر في ردّه. انتهى ملخّصا».(1)
قال في الجواهر: «و أمّا اطراق الرأس و انحراف العنق يمينا و شمالاً كما يفعله بعض الأتقياء فلاأرى فيه ابطالاً للصلاة لصدق القيام، خلافا للمحكي عن ظاهر الصدوق فأبطلها بالاطراق، و هو ضعيف، و ما أبعد ما بينه و بين المحكي عن التقي من استحباب ارسال الذقن على الصدر الذي لايتمّ الاّ بالاطراق و ان كان هو ضعيفا أيضا لظهور الأمر في مرسل حريز السابق بنصب النحر، و لولا ارساله و الاعراض عن ظاهر الأمر به لاتّجه وجوبه، أمّا الاستحباب فلا محيص عنه. انتهى».(2)
(مسألة 10): اذا ترك الانتصاب أو الاستقرار أو الاستقلال ناسيا صحّت صلاته، و ان كان ذلك في القيام الركني، لكن الأحوط فيه الاعادة.
الشرح:
اذا ترك الاستقرار ناسيا صحّت صلاته و ان كان في التكبير أو القيام المتصل بالركوع و ذلك لأنّ الدليل على وجوبه، الاجماع، و هو دليل لبّي، فالقدر المتيقّن منه حال العمد، فينتفي اعتباره عند السهو بحديث «لاتعاد».
و أمّا الاستقلال فقد تقدّم أنّ الأقوى عدم اعتباره، فلو قلنا باعتباره فان تركه ناسيا صحّت صلاته، و ان كان في حال تكبيرة الاحرام، و ذلك لأنّه قيد للقيام فبعدتحقّق القيام لايضرّ انتفائه بالصلاة اذا كان نسيانا، لحديث «لاتعاد».
و كذلك الحال في الانتصاب، فاذا تحقّق القيام ولكن نسي أن يقيم صلبه، لم تبطل صلاته و لايجب عليه الاعادة لحديث «لاتعاد».
قال في الحدائق: «لو أخلّ بالاستقلال على تقدير القول المشهور فالظاهر من
كلام الأصحاب بطلان الصلاة لو تعمّد ذلك للنهي عن الصلاة كذلك و النهي في العبادة موجب للبطلان. - الى أن قال: - و أمّا مع النسيان فالظاهر الصحّة كما صرّح به جملة من الأصحاب أيضا. انتهى».(1)
قال المحقّق الهمداني: «ثمّ لايخفى عليك أنّ عمدة مستند اعتبار الاستقرار هو الاجماع و نحوه من الأدلّة التي ليس لها عموم أو اطلاق أحوالي، فمقتضى الأصل هو الاقتصار في شرطيّته على القدر المتيقّن و هو في حال العمد فلو أخلّ به سهوا أو اضطرارا و لو في حال التكبير فضلاً عن غيره لم تبطل صلاته على الأشبه. انتهى».(2)
قال السيّد الحكيم: «اذا ترك الانتصاب أو الاستقرار أو الاستقلال ناسيا صحّت صلاته لحديث «لاتعاد الصلاة» الدالّ باطلاقه على صحّة الصلاة مع الاخلال بجزء منها، أو شرط لها، أو لجزئها عدا الخمسة المذكورة، الحاكم على ما دلّ على الجزئيّة أو الشرطيّة، الشامل باطلاقه للعمد و السهو، و منه المقام. نعم لو تمّ القول بدخول الانتصاب أو الاستقرار أو الاستقلال في مفهوم القيام عرفا كان انتفاءه موجبا لانتفاء القيام فاذا كان القيام ركنا - كالقيام في التكبير أو المتصل بالركوع - بطلت الصلاة لفوات الركن، لكن عرفت أنّ القول المذكور ضعيف، و لاسيّما بالنسبة الى الأخيرين.
فان قلت: سلّمنا عدم دخول الأمور المذكورة في مفهوم القيام على أنّها شرط للقيام فاذا انتفى الشرط انتفى المشروط، قلت: يعتبر في التكبير و كذا القيام المتصل بالركوع ذات الركوع لا القيام المشروط، كما في موثّقة عمّار المتقدّمة. انتهى ملخّصا».(3)
(مسألة 11): لايجب تسوية الرجلين في الاعتماد، فيجوز أن يكون الاعتماد على احداهما، و لو على القول بوجوب الوقوف عليهما.
الشرح:
قد تقدّم شرح المسألة في الفرع الثاني من المسألة الثامنة.
(مسألة 12): لافرق في حال الاضطرار بين الاعتماد على الحائط أو الانسان أو الخشبة، و لايعتبر في سناد الأقطع أن يكون خشبته المعدّة لمشيه بل يجوز له الاعتماد على غيرها من المذكورات.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الأقوى جواز الاستناد مطلقا، و ان قلنا بعدم الجواز في حال الاختيار فيجوز الاعتماد في حال الاضطرار بلااشكال لصحيحة عبداللّه بن سنان: «لاتمسك بخمرك و أنت تصلّي و لاتستند على جدار و أنت تصلّي الاّ أن تكون مريضا».(1)
و لافرق في حال الاضطرار بين الاعتماد على الحائط أو الانسان أو الخشبة، لاطلاق الصحيحة في الحالتين و المذكور في الصحيحة من الخمر و الجدار من باب المثال كما هو واضح. و عليه لايعتبر في سناد الأقطع أن يكون خشبته المعدّةلمشيه بل يجوز له الاعتماد على غيرها. و الظاهر عدم الخلاف في ذلك.
قال في الجواهر: «نعم لاتأمّل لأحد من الأصحاب في اعتبار الاختيار في شرطيّة الاقلال، أمّا لو اضطرّ اليه جاز بل وجب، و قدم على القعود بلاخلاف أجده فيه بيننا، بل عن ظاهر المنتهى الاجماع عليه من غير فرق بين الآدمي و غيره، بل بين خشبة الأعرج و غيرها لصدق القيام و الصلاة».(2)
(مسألة 13): يجب شراء ما يعتمد عليه عند الاضطرار أو استيجاره مع التوقّف عليهما.
الشرح:
القيام مع الاعتماد اضطرارا مقدّم على القعود بلا خلاف كما مرّ في الجواهر، و عليه لو لم يكن السناد موجودا وجب تحصيله لأنّ مقدّمة الواجب واجبة عقلاً، و لو توقّف تحصيله على الشراء أو الاستيجار وجب. نعم لو لم يحصل الاّ على ما كان مغصوبا فلايجوز ذلك، كما لو كان تحصيله ذا مشقّة و حرج فلايجب.
(مسألة 14): القيام الاضطراري بأقسامه من كونه مع الانحناء أو الميل الى أحد الجانبين أو مع الاعتماد أو مع عدم الاستقرار أو مع التفريج الفاحش بين الرجلين مقدّم على الجلوس، و لو دار الأمر بين التفريج الفاحش و الاعتماد أو بينه و بين ترك الاستقرار قدّما عليه، أو بينه و بين الانحناء أو الميل الى أحد الجانبين قدّم ما هو أقرب الى القيام و لو دار الأمر بين ترك الانتصاب و ترك الاستقلال قدّم ترك الاستقلال فيقوم منتصبا معتمدا، و كذا لو دار بين ترك الانتصاب و ترك الاستقرار قدّم ترك الاستقرار و لو دار بين ترك الاستقلال و تركالاستقرار قدّم الأوّل، فمراعاة الانتصاب أولى من مراعاة الاستقلال و الاستقرار، و مراعاة الاستقرار أولى من مراعاة الاستقلال.
الشرح:
يقدّم القيام الاضطراري على القعود ما دام يصدق عليه القيام و هو على أقسام:
الأوّل: القيام مع الانحناء أو الميل الى أحد الجانبين فيقدّم على الجلوس.
و الدليل على ذلك صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن السفينة لم يقدر صاحبها على القيام يصلّي فيها و هو
جالس يؤمي أو يسجد؟ قال: يقوم و ان حنى ظهره».(1)
و صحيحة جميل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام ما حدّ المرض الذي يصلّي صاحبه قاعدا؟ فقال: انّ الرجل ليوعك و يحرج ولكنّه أعلم بنفسه اذا قوى فليقم».(2)
بتقريب أنّ الرجل اذا قدر على القيام يقوم و يقدّمه على القعود، فالتقابل في الصحيحة يكون بين القعود و مطلق القيام و ان لم يكن القيام ذا اعتدال.
الثاني: القيام مع الاعتماد فيقدّم على القعود، أمّا اذا قلنا بجواز الاعتماد في حال الاختيار فمعلوم و أمّا اذا قلنا باختصاص جوازه بحال الاضطرار فالدليل على تقديم القيام كذلك على القعود، صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلامقال:
«لاتمسك بخمرك و أنت تصلّي و لاتستند الى جدار و أنت تصلّي الاّ أن تكون مريضا».(3)
الثالث: القيام بدون الاستقرار فيقدّم على القعود أيضا، و ذلك لأنّ الدليل على وجوب الاستقرار الاجماع و هو دليل لبّي لا اطلاق فيه، فالقدر المتيقّن منه حال الاختيار، و اذا كان مضطرا فلايجب الاستقرار.
الرابع: قد تقدّم في الفرع الأوّل من المسألة الثامنة أنّ التفريج الفاحش اذا لم يصدق عليه القيام يضرّ بالصلاة، و أمّا اذا صدق عليه القيام فلايفعل ذلك في حال الاختيار لانصراف القيام المأمور به عن ذلك و عدم معهوديّته. و أمّا في حال الاضطرار فلا اشكال و يقدّم على القعود لقوله عليه السلام في صحيحة جميل المتقدّمة «اذا قوى فليقم».
هذا كلّه فيما اذا دار الأمر بين القيام الاضطراري بأقسامه و بين الجلوس، أي ترك أصل القيام و بين الاخلال ببعض القيود المعتبرة فيه. و قدعرفت لزوم تقديم القيام في الجميع.
و أمّا اذا دار الأمر بين تقديم بعض القيود على بعض آخر مع المحافظة على أصل القيام فهو على أقسام أيضا:
الأوّل: لو دار الأمر بين التفريج الفاحش و الاعتماد، فان قلنا بعدم البأس في الاعتماد حال الاختيار فيقدّم على التفريج الفاحش و ان صدق القيام. و أمّا لو قلنا بعدم جواز الاعتماد الاّ في حال الاضطرار، فهو مقدّم على التفريج الفاحش اذا لم يصدق عليه القيام، و أمّا اذا صدق عليه القيام فهو مقدّم على الاعتماد، و ذلك للتّعارض بين دليلي عدم جواز التفريج الفاحش و عدم جواز الاعتماد، و حيث انّ دليل عدم جواز الاعتماد لفظيّ فيكون مقدّما على دليل عدم جواز التفريج الفاحش الصادق عليه القيام، فانّه يكون كالدليل اللبّي، فحينئذٍ يقوم مع التفريج و لايستند الى شيء.
و هكذا يكون الحال اذا دار الأمر بين الاعتماد و بين ترك الاستقرار، فيجب عليه القيام مع ترك الاستقرار بدون الاعتماد على شيء. فيلحق به أيضا اذا دار الأمر بين ترك الانحناء أو الميل الى أحد الجانبين و بين ترك الاستقرار أو التفريج الفاحش فيقدّم ترك الاستقرار أو التفريج الفاحش على ترك الانحناء أو الميل الى أحد الجانبين لتقدّم دليل وجوب الانتصاب في القيام الذي يكون لفظيّا على دليلي عدم جواز ترك الاستقرار و التفريج الفاحش اللذين يكونان لبّيا بالتقريب المتقدّم.
الثاني: لو دار الأمر بين ترك الانتصاب و ترك الاستقلال، فان قلنا بجواز الاعتماد فيقدّم الانتصاب بلا اشكال، و أمّا ان قلنا بعدم جواز الاعتماد الاّ من علّة فيقدّم ترك الاستقلال أيضا فيجب الانتصاب، و ذلك للتعارض بين دليلي وجوب
الانتصاب و وجوب الاستقلال، فالتقدّم لدليل وجوب الانتصاب، لأنّ الدليلين و ان كانا لفظيّين الاّ أنّ دليل وجوب الانتصاب مطلق و دليل وجوب الاستقلال مقيّد بحال التمكّن، فيجب العمل بدليل وجوب الانتصاب و ان اضطرّ الى الاعتماد بشيء.
و كذا لو دار الأمر بين ترك الانتصاب و ترك الاستقرار قدّم ترك الاستقرار و يجب عليه الانتصاب بالتقريب المتقدّم بل هنا أولى لأنّ دليل وجوب الاستقرار لبّي و دليل وجوب الانتصاب لفظيّ.
الثالث: لو دار الأمر بين ترك الاستقلال و ترك الاستقرار قدّم ترك الاستقرار فيجب عليه الاستقلال بناءً على وجوب الاستقلال و ذلك لتقدّم دليل الاستقلال على دليل الاستقرار حيث انّ الأوّل لفظيّ و الثاني لبّي.
نعم لو كان المدرك في دليل الاستقرار قوله عليه السلام في صحيحة سليمان بن خالد «و ليتمكّن في الاقامة كما يتمكّن في الصلاة».(1)فيقدّم ترك الاستقلال و يجبالاستقرار، لاطلاق دليل وجوب الاستقرار دون الاستقلال.
و أمّا لو قلنا بعدم وجوب الاستقلال و جواز الاستناد ففي الدوران بين التركين يقدّم ترك الاستقلال و يجب الاستقرار كما هو واضح.
1) - وسائل الشيعة 4: 636 / الباب 13 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 12.
(مسألة 15): اذا لم يقدر على القيام كلاًّ و لا بعضا مطلقا حتّى ما كان منه بصورة الركوع صلّى من جلوس، و كان الانتصاب جالسا بدلاً عن القيام فيجري فيها حينئذٍ جميع ما ذكر فيه حتّى الاعتماد و غيره، و مع تعذّره صلّى مضطجعا على الجانب الأيمن كهيئة المدفون، فان تعذّر فعلى الأيسر عكس الأوّل فان تعذّر صلّى مستلقيا كالمحتضر. و يجب الانحناء للركوع و السجود بما أمكن، و مع عدم امكانه يؤمي برأسه، و مع تعذّره فبالعينين بتغميضهما و ليجعل ايماء سجوده أخفض منه لركوعه و يزيد في غمض العين للسجود على غمضها للركوع، و الأحوط وضع ما يصحّ السجود عليه على الجبهة و الايماء بالمساجد الأخر أيضا. و ليس بعد المراتب المزبورة حدّ موظّف فيصلّي كيفما قدر و ليتحرّ الأقرب الى صلاة المختار، و الاّ فالأقرب الى صلاة المضطرّ على الأحوط.
الشرح:
في المسألة فروع:
من لم يقدر على القيام فتارة يكون عدم قدرته على القيام لكون خلقه راكعا أولهرمه فصار راكعا، فهذا يصلّي بذلك الحال فانّ ركوعه قيام و هو مقدّم على القعود. و أخرى يكون عدم قدرته على القيام لمرض و نحوه فهو يصلّي جالسا، و الدليل على ذلك صحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و على جنوبهم» قال:
«الصحيح يصلّي قائما و قعودا، المريض يصلّي جالسا، و على جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا».(1)
1) - وسائل الشيعة 4: 689 / الباب 1 من أبواب القيام / الحديث 1.
هل يجري في الجلوس جميع ما يجري في القيام من الانتصاب و الاستقلال و الاستقرار؟ قد يقال بجريانها فيه، كما في الجواهر فانّه قال فيه: «الظاهر جريان جميع ما سمعته في القيام (من الاستقلال و الاستقرار و الانتصاب) في الجلوس كما يؤمي اليه في الجملة، المرسل الآتي و لأنّه بدله و بعض قيام و ان كان لايخلو من بحث، لاختصاصه بالدليل دونه. انتهى».(1)
و الظاهر أنّ مراده من المرسل ما روي عن الصدوق قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : المريض يصلّي قائما، فان لم يستطع صلّى جالسا، فان لم يستطع صلّى على جنبه الأيمن، فان لم يستطع صلّى على جنبه الأيسر، فان لم يستطع استلقى و أومأ ايماءً، و جعل وجهه نحو القبلة، و جعل سجوده أخفض من ركوعه».(2)
و كأنّ وجه ايماء المرسل في كلام صاحب الجواهر ظهوره في بدليّة الجلوس عن القيام.
و لكن فيه انّه لااشكال في بدليّة الجلوس عن ذات القيام، و انّما الاشكال في بدليّته عن الأحكام المتعلّقة به فليس هيهنا دليل لالحاق أحكام القيام به الاّ ما يدّعى من اطلاق دليل الانتصاب مثل قوله عليه السلام في صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من لم يقم صلبه في الصلاة فلاصلاة له».(3)
ولكنّه مخدوش لأنّه مقيّد بصحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام (في حديث): و قم منتصبا فانّ رسول اللّه عليه السلام قال: من لم يقم صلبه فلا صلاة له».(1)
مضافا الى انصراف الصحيحة الى القيام. و ما يقال من أنّ الانصراف ليس بظاهر فغير مسموع.
و لذا قال صاحب الجواهر في ذيل كلامه المتقدّم: «و ان كان لايخلو من بحث، لاختصاصه بالدليل دونه».
أي لاختصاص جميع ما سمعته من الانتصاب و الاستقلال و الاستقرار في القيام بالدليل دون القعود، فلا دليل على وجوبها في الجلوس.
فالحقّ أنّه لادليل على وجوب الانتصاب في الجلوس، نعم يجب عليه أن يجلس بحيث يقال له يصلّي جالسا، فلو انحنى بحيث لايقال له الجالس أو شكّ في صدق جلوسه فلا صلاة له.
و أمّا الاستقرار فان كان دليله الاجماع فحيث انّه دليل لبّي لا اطلاق له فالقدرالمتيقّن منه حال القيام و أمّا الجلوس فلا، الاّ اذا أدّى عدم استقراره الى انمحاء صورة الصلاة فلايجوز، و يجب الاستقرار في الجملة. اللّهمّ الاّ أن يدّعى أنّ المناط هو الاستقرار في حال الذكر فيشمل القراءة حال الجلوس.
و أمّا الاستقلال، فان قلنا بعدم وجوبه في القيام فلا اشكال في عدم وجوبه أيضا في الجلوس. و ان قلنا بوجوب الاستقلال في القيام يمكن أن نقول ذلك في القعود أيضا لاطلاق الدليل، ففي صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلامقال: «لاتمسك بخمرك و أنت تصلّي و لاتستند الى جدار و أنت تصلّي الاّ أن تكون مريضا»(2)الشاملة لحالتي القيام و القعود. و قد يقال باستظهار اختصاص الصحيحة لحالة القيام بقرينة استثناء المريض، حيث يظهر منه اختصاص النهي
عن الاستناد لغير المريض و غير العاجز، و كأنّه قال لاتستند الى جدار حين تصلّي قائما الاّ أن تكون مريضا فحينئذٍ تصلّي قائما و تستند. و هذا الاستظهار و ان كان يرجع الى الغلبة الاّ أنّ ظهورها في القيام يكون بحدّ يوجب الترديد في الاطلاق.
فالمتحصّل ممّا ذكرنا أنّه لا دليل على جريان أحكام القيام من الانتصاب و الاستقرار و الاستقلال في القعود، و الأصل الحاكم في المقام هو البراءة. نعم يجب على من صلّى جالسا لمرض أو علّة أوّلاً أن يراعي الجلوس و لاينحني حتّى يشكّ في جلوسه و ثانيا يجب عليه أن يتجنّب عمّا يوجب انمحاء صورة الصلاة كالتحرّك الكثير و غيره.
اذا تعذّر الجلوس صلّى مضطجعا. و الدليل على ذلك صحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام «في قول اللّه عزّوجلّ: «الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و على جنوبهم» قال:
«الصحيح يصلّي قائما و قعودا، المريض يصلّي جالسا، و على جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا».(1)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن المريض لايستطيع الجلوس، قال: فليصلّ و هو مضطجع، و ليضع على جبهته شيئا اذا سجد فانّه يجزي عنه، و لم يكلّف اللّه ما لاطاقة له به».(2)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المريض اذا لم يقدر أن يصلّي قاعدا كيف قدر صلّى، إمّا أن يوجّه فيؤمي ايماءً، و قال: يوجّه كما يوجّه الرجل في لحده، و ينام على جانبه (جنبه) الأيمن، ثمّ يؤمي بالصلاة، فان لم يقدر أن ينام على جنبه الأيمن فكيف ما قدر فانّه له جائز، و ليستقبل بوجهه القبلة، ثمّ يؤمي بالصلاة ايماءً».(1)
و لاتعارضها مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام: يصلّي المريض قائما، فان لم يقدر على ذلك صلّى جالسا، فان لم يقدر أن يصلّي جالسا صلّى مستلقيا».(2)
و خبر عبدالسلام بن صالح الهروي، عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : اذا لم يستطع الرجل أن يصلّي قائما فليصلّ جالسا، فان لم يستطع جالسا فليصلّ مستلقيا، ناصبا رجليه بحيال القبلة يؤمي ايماءً».(3)
و ذلك لضعف سندهما، مضافا الى عدم الخلاف في ذلك. قال في الجواهر: «و اذا عجز عن القعود صلّى مضطجعا بلا خلاف أجده فيه بيننا كما اعترف به بعضهم، بل الاجماع عليه ان لم يكن محصّلاً فهو محكي في كشف اللثام و غيره. انتهى».(4)
ثم اعلم أنّ المصلّي مضطجعا يجب عليه أن يختار الجانب الأيمن و ذلك لموثّقة عمّار المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - و قال:
«يوجّه كما يوجّه الرجل في لحده و ينام على جانبه (جنبه) الأيمن».(1)
قال في الجواهر: «فانّ ظاهر بعض النصوص من الانتقال من القعود الى الاستلقاء محمول على التقيّة، أو يطرح ان لم يكن تنزيله على ما ذكرنا على الأيمن وفاقا للمعظم، بل قد يظهر من الغنية و المنتهى كما عن المعتبر بل عن صريح الخلاف الاجماع عليه، للاحتياط - الى أن قال: - خلافا لظاهر المبسوط و الشرائع و النافع و الارشاد و اللمعة و المحكي عن المقنعة و الألفية و صريح التذكرة و نهاية الأحكام فالتخيير بينه و بين الأيسر كما استظهره في المدارك ترجيحا للمطلق من الكتاب و النصوص على المقيّد، فيطرح حينئذٍ أو يحمل علىالأفضلية كما صرّح به الأخير، و هو مخالف لقواعد المذهب. انتهى ملخّصا».(2)
و مراده من بعض النصوص الذي دلّ على الانتقال من القعود الى الاستلقاء، مرسلة الصدوق و رواية عبدالسلام المتقدّمتان اللّتان قلنا انّهما ضعيفتان من جهة السند. و مراده من قاعدة المذهب هو حمل المطلق من صحيحة أبي حمزة و موثّقة سماعة على المقيّد من موثّقة عمّار. و يؤيّده مرسلة الصدوق قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : المريض يصلّي قائما، فان لم يستطع صلّى جالسا فان لم يستطع صلّى على جنبه الأيمن، فان لم يستطع صلّى على جنبه الأيسر، فان لم يستطع استلقى و أومأ ايماءً، و جعل وجهه نحو القبلة، و جعل سجوده أخفض من ركوعه».(3)
فاذا لم يقدر على أن يصلّي على الجانب الأيمن فهو مخيّر بين الصلاة على الجانب الأيسر و الاستلقاء، و ذلك لموثّقة عمّار حيث قال عليه السلام في ذيلها: «فان
لم يقدر أن ينام على جنبه الأيمن فكيف ما قدر فانّه له جائز، و ليستقبل بوجهه القبلة، ثمّ يؤمي بالصلاة ايماءً».
فتحمل مرسلة الصدوق على الأفضليّة مع أنّها ضعيفة لارسالها.
قال في مصباح الفقيه: «و كيف كان فالأخبار المزبورة بأسرها متّفقة الدلالة على وجوب الاضطجاع عند تعذّر الجلوس ولكن مضامينها مختلفة من حيث الاطلاق و التقييد، و لذا اختلف الأصحاب بعد اتّفاقهم على أصل الاضطجاع في أنّه هل هو مخيّر بين الجانبين و عند تعذّره مطلقا يستلقي (هذا هو القول الأوّل) أو يتعيّن الاضطجاع على الجانب الأيمن و اذا عجز عنه استلقى (و هو القول الثاني) أو اذا عجز عنه اضطجع على الجانب الأيسر و اذا عجز عن هذا أيضااستلقى (و هو القول الثالث). - الى أن قال: - فالأقوى وجوب الاضطجاع على الأيمن لموثّقة عمّار، و اذا تعذّر فعلى الأيسر كما وقع التصريح به في مرسلة الفقيه المتقدّمة و ضعفها مجبور بالشهرة، فيرفع اليد بواسطتها عمّا يظهر من موثّقة عمّار من التخيير بين الصلاة على الجانب الأيسر و الاستلقاء اذا تعذّر الصلاة على الجانب الأيمن. انتهى ملخّصا».(1)
و فيه أنّ الشهرة ليست محقّقة حتّى ينجبر بها المرسلة مضافا الى أنّ الجمع بين الموثّقتين يقتضي ما تقدّم من القول بالتخيير بين الصلاة على الجانب الأيسر و الاستلقاء بعد العذر من الجانب الأيمن و أفضليّة الجانب الأيسر على الاستلقاء.
اذا صلّى جالسا يجب الانحناء للركوع و السجود، و الدليل على ذلك
1) - مصباح الفقيه، كتاب الصلاة: 263.
الروايات الواردة فيمن عجز عن الصلاة قائما، فيصلّي جالسا، كصحيحة أبي حمزة المتقدّمة عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و على جنوبهم» قال:
«الصحيح يصلّي قائما و قعودا، المريض يصلّي جالسا، و على جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا».(1)
و في هذه الرواية و ان لم يصرّح الامام عليه السلام بأنّ المريض الذي يصلّي جالسا ينحني للركوع الاّ أنّ المستفاد منها هو ذلك، لأنّ الركوع من أركان الصلاة فاذا فقدفقد الصلاة و حيث انّ ماهية الركوع هي الانحناء فيعلم أنّ المصلّي جالسا يجب عليه الركوع و يجب عليه الانحناء.
و لذلك أشار الامام عليه السلام في موثّقة عمّار المتقدّمة و غيرها بأنّ المصلّي على جانبه الأيمن «يؤمي بالصلاة» فانّ المراد من الايماء بالصلاة هو الركوع و السجود، و حيث انّ تكليف الركوع و السجود لمن صلّى مضطجعا أو مستلقيا لم يكن واضحا، بيّنه الامام عليه السلام بأنّه يؤمي ايماءً.
قال المحقّق الهمداني رحمه الله: «فان تعذّر أو تعسّر عليه أصل القيام ركع جالسا بلا اشكال و لا خلاف كما يدلّ عليه جميع الأدلّة المتقدّمة الدالّة على أنّ من لم يقدر أن يصلّي قائما صلّى جالسا فانّه و ان لم يقع فيها التصريح بالركوع كغيره من الأفعال الواجبة في الصلاة، ولكنّ المفهوم من اطلاق الأمر بأن يصلّي قاعدا لمن عجز عن القيام أن يأتي بتلك الطبيعة المعهودة التي كانت واجبة عليه عن قيام جالسا فلايسقط عنه شيء ممّا اعتبر فيها من واجباتها و مستحبّاتها ماعدا نفس القيام. انتهى موضع الحاجة من كلامه رحمه الله».(2)
و أمّا كيفيّة ركوع الجالس، فلم يرد فيها نصّ من الشارع و لايكون هناك اجماع
بل الظاهر عدم تعرّض أكثر الفقهاء لها، فيعلم أنّها ألقيت الى العرف، فيجب عليه الانحناء حتّى يقال انّه راكع.
نعم قال في الجواهر: «و ان لم يتمكّن من القيام ركع جالسا بلااشكال و لاخلاف، و لكيفيّته كما ذكره غير واحد من الأصحاب تبعا لبعض العامّة وجهان: أحدهما أن ينحني بحيث يصير بالنسبة الى القاعد المنتصب كالراكع قائما بالنسبة الى الانتصاب، فيتعرّف تلك النسبة و يراعيها هنا، ثانيهما أن ينحني بحيث يكوننسبة ركوعه الى سجوده كنسبة ركوع القائم الى سجوده باعتبار أكمل الركوع و أدناه، فانّ أكمل ركوع القائم انحناؤه الى أن يستوي ظهره مع مدّ عنقه، فتحاذي جبهته موضع سجوده، و أدناه انحناؤه الى أن تصل كفّاه الى ركبتيه، فيحاذي وجهه أو بعضه ما قدّام ركبتيه من الأرض، و لايبلغ محاذاة موضع السجود، فاذا روعيت هذه النسبة في حال السجود كان أكمل ركوع القاعد أن ينحني بحيث يحاذي جبهته مسجده، و أدناه محاذاة وجهه ما قدّام ركبتيه، و الوجهان متقاربان - الى أن قال: - و فيه انّه متّجه لو لم يكن له هيئة عرفيّة ينصرف اليها الذهن عند اطلاق الأمر به من جلوس، فالأولى حينئذٍ اناطته بذلك (أي العرف) كما عن الأردبيلي، اللّهمّ الاّ أن يراد تحديد العرف بذلك. انتهى».(1)
و نقل صاحب الجواهر عن جامع المقاصد و غيره، من وجوب رفع الفخذين فيه ليتحقّق المشابهة للركوع من قيام، و لأنّ ذلك كان واجبا في حال القيام و الأصل بقاؤه اذ لادليل على اختصاص وجوبه به. و قال رحمه الله في وجوبه: (هذا) لايخلو من نظر و تأمّل، ضرورة تحقّق صدق الركوع عرفا بدونه.
1) - جواهر الكلام 9: 262.
يجب الايماء للركوع و السجود لمن لم يقدر عليهما. و الدليل على ذلكصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن المريض اذا لم يستطع القيام و السجود، قال: يؤمي برأسه ايماءً، و ان يضع جبهته على الأرض أحبّ اليّ».(1)
فاطلاق الصحيحة يشمل من صلّى قاعدا أو مضطجعا أو مستلقيا.
و يؤيّده مرفوعة عبداللّه بن عامر عن جميل بن درّاج عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«المريض يؤمي ايماءً».(2)
و خبر ابراهيم بن أبي زياد الكرخي قال: قلت لأبيعبداللّه عليه السلام:
«رجل شيخ لايستطيع القيام الى الخلاء و لايمكنه الركوع و السجود، فقال: ليؤم برأسه ايماءً، و ان كان له من يرفع الخمرة فليسجد، فان لم يمكنه ذلك فليؤم برأسه نحو القبلة ايماءً. الحديث».(3)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل نزع الماء من عينيه أو يشتكي عينيه و يشقّ عليه السجود هل يجزيه أن يؤمي و هو قاعد، أو يصلّي و هو مضطجع؟ قال: يؤمي و هو قاعد».(4)
و صحيحة ليث المرادي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يرعف زوال
الشمس حتّى يذهب الليل، قال:
«يؤمي ايماءً برأسه عن كلّ صلاة».(1)
و يدلّ على وجوب الايماء لمن يصلّي مضطجعا أو مستلقيا بخصوصهما موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المريض اذا لم يقدر أن يصلّي قاعدا كيف قدر صلّى، امّا أن يوجّه فيؤمي ايماءً، و قال: يوجّه كما يوجّه الرجل في لحده، و ينام على جانبه (جنبه) الأيمن، ثمّ يؤمي بالصلاة، فان لم يقدر أن ينام على جنبه الأيمن فكيف ما قدر فانّه له جائز، و ليستقبل بوجهه القبلة، ثمّ يؤمي بالصلاة ايماءً».(2)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن الرجل يكون في عينيه الماء فينتزع الماء منها فيستلقي على ظهره الأيّام الكثيرة: أربعين يوما أو أقلّ أو أكثر، فيمتنع من الصلاة الأيّام الاّ ايماءً و هو على حاله، فقال: لابأس بذلك، و ليس شيء ممّا حرّم اللّه الاّ و قد أحلّه لمن اضطرّ اليه».(3)
و الظاهر من صحيحتي الحلبي و ليث المرادي المتقدّمتين أنّ الايماء يكون برأسه و يؤيّده خبر ابن أبي زياد الكرخي المتقدّم ذكره أيضا. و بهما تقيّد اطلاق موثّقتي عمّار و سماعة و الأخبار الأخر.
و ان لم يمكن الايماء برأسه فليؤم بعينيه فيدلّ عليه اطلاق موثّقتي عمّار و سماعة و غيرهما فانّ الايماء فيهما و ان قيّدت بايماء الرأس الاّ أنّ هذا التقييد فيما يتمكّن. و يدلّ على ذلك مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام: يصلّي المريض قائما، فان لم يقدر على ذلك صلّى جالسا،فان لم يقدر أن يصلّي جالسا صلّى مستلقيا، يكبّر ثمّ يقرأ، فاذا أراد الركوع غمض عينيه ثمّ سبّح، فاذا سبّح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع، فاذا أراد أن يسجد غمض عينيه ثمّ سبّح، فاذا سبّح فتح عينيه فيكون رفع رأسه من السجود، ثمّ يتشهّد و ينصرف».(1)
و الظاهر أنّه لاخلاف بين الفقهاء في الايماء بالعين لمن يصلّي مستلقيا و لم يقدر على الايماء بالرأس، و ان افترقوا بين من ذهب الى وجوب الايماء بالرأس مطلقا و ان لم يقدر فيؤمي بالعينين كما صرّح به الفاضلان و الشهيدان و الكركي و سائر من تأخّر عنهم الاّ القليل، على ما في الجواهر، و و من ذهب الى الترتيب بين الايماء بالرأس فيختصّ بالمضطجع و بين الايماء بالعينين فيختصّ بالمستلقي كصاحب الحدائق، قال في الجواهر: «و عن الكافية أنّ الترتيب المزبور بين الايماء بالرأس و التغميض خالٍ عنه كلام القدماء».(2)
فهل يجب أن يجعل سجوده أخفض من ركوعه؟ يمكن أن يقال نعم و ذلك لمرسلة الصدوق قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: دخل رسول اللّه صلى الله عليه و آله على رجل من الأنصار و قد شبّكته الريح، فقال: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله كيف أصلّي؟ فقال: ان استطعتم أن تجلسوه فاجلسوه، و الاّ فوجّهوه الى القبلة، و مروه فليؤم برأسه ايماءً، و يجعل السجود أخفض من الركوع، و ان كان لايستطيع أن يقرأ فاقرؤا عنده و أسمعوه».(3)
و مرسلة أخرى له قال:
«و قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : المريض يصلّي قائما، فان لم يستطع صلّى جالسا، فان لم يستطع صلّى على جنبه الأيمن، فان لم يستطع صلّى على جنبه الأيسر، فان لم يستطع استلقى و أومأ ايماءً، و جعل وجهه نحو القبلة، و جعل سجوده أخفض من ركوعه».(1)
و فيه أنّ المرسلتين ضعيفتان لارسالهما و لم يعمل بهما الاّ بعض الأصحاب كما في الجواهر، و ان قال في مصباح الفقيه: «انّ الذكرى نسب ذلك أي جعل سجوده أخفض من ركوعه الى الأصحاب و هو مشعر بالاتّفاق»(2)ولكن لم يثبت ذلك بل لم يثبت العمل بهما حدّا ينجبر ضعفهما. و قد يقال تدلّ عليه روايات في الأبواب المختلفة كصحيحة يعقوب بن شعيب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي على راحلته، قال: يؤمي ايماءً يجعل السجود أخفض من الركوع. الحديث».(3)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن الصلاة في السفر - الى أن قال: - و ليتطوّع بالليل ما شاء ان كان نازلاً، و ان كان راكبا فليصلّ على دابّته و هو راكب، ولتكن صلاته ايماءً، وليكن رأسه حيث يريد السجود أخفض من ركوعه».(4)
و الحقّ أنّه يجب فيمن صلّى مضطجعا أو مستلقيا أن يكون ايماؤه لسجوده أخفض من ايمائه لركوعه و ذلك و ان كان مثل صحيحتي الحلبي و ليث المراديالمتقدّمتين و كذا موثّقتي عمّار و سماعة المتقدّمتين خاليةً عن ذلك الاّ أنّ ثبوته
في صحيحة يعقوب و موثّقة سماعة كافٍ.
قال الصدوق رحمه الله في المقنع: « ... و اذا لم يستطع السجود فليؤمي برأسه ايماءً - الى أن قال: - فاذا لم يستطع المريض الجلوس فليصلّ مضطجعا على يمينه، فان لم يقدر فمستلقيا رجليه نحو القبلة و وجهه قبالة القبلة، فيقرأ مفتوح العينين، فاذا أراد الركوع غمّض عينيه، فكان تغميض عينيه ركوعه، ثمّ يفتح عينيه فيكون رفع رأسه من ركوعه، فاذا أراد السجود غمّض عينيه، فاذا رفع رأسه فتحهما، و يؤمي في ذلك برأسه عند ركوعه و سجوده و لابدّ من الايماء. - و قال في باب صلاة العريان: - اعلم أنّ العريان يصلّي قاعدا و يضع يده على فرجه، و ان كانت امرأة وضعت يديها على فرجها، ثمّ يؤميان ايماءً و يكون سجودهما أخفض من ركوعهما، و لايسجدان و لايركعان فيبدو ما خلفهما، ولكن ايماءً برؤوسهما. انتهى».(1)
قال في الحدائق: «الظاهر أنّه لاخلاف بينهم في أنّه لو قدر المريض الذي فرضه الايماء بالرأس - سواء كان جالسا أو مضطجعا - على رفع موضع السجود و السجدة عليه وجب ذلك لصدق السجود عليه شرعا و ان تعذّر بعض شروطه للضرورة. قال في المدارك: و انّما يجزئ الايماء اذا لم يمكن أن يصير بصورة الساجد بأن يجعل مسجده على شيء مرتفع يضع جبهته عليه. و قال في الذكرى: و لو أمكن تقريب مسجد اليه ليضع عليه جبهته و يكون بصورة الساجد وجب. انتهى».(2)
و استدلّ في الحدائق لما ذهب اليه روايات و نحن نأتي بها و نذكر ما يرد
عليها من الاشكال، منها: عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن المريض اذا لم يستطع القيام و السجود، قال: يؤمي برأسه ايماءً و ان يضع جبهته على الأرض أحبّ اليّ».(1)
ولكن فيه أوّلاً انّ ظاهر الرواية اجزاء الايماء برأسه فقط اذا لم يستطع السجود بحيث كان السجود شاقّا عليه أمّا لو تحمّل و أتى بالسجود أحبّ اليه عليه السلام. و ثانيا أنّ دلالة الصحيحة موقوفة على أن يكون المراد من وضع الجبهة على الأرض أعمّ من رفع موضع السجدة و الظاهر خلاف ذلك. و استدلّ أيضا برواية ابراهيم بن أبي زياد الكرخي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل شيخ لايستطيع القيام الى الخلاء و لايمكنه الركوع و السجود، فقال: ليؤم برأسه ايماءً، و ان كان له من يرفع الخمرة فليسجد، فان لم يمكنه ذلك فليؤم برأسه نحو القبلة ايماءً».(2)
ففيه أنّ الرواية و ان كانت من حيث الدلالة مقبولة الاّ أنّها من حيث السند ضعيفة. و استدلّ أيضا بصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايصلّي على الدابّة الفريضة الاّ مريض يستقبل به القبلة، و يجزيه فاتحة الكتاب، و يضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شيء، و يؤمي في النافلة ايماءً».(3)
ولكن فيه أنّ موضوع المسألة رفع ما يسجد عليه لا وضع الجبهة، و الدلالة موقوفة على أن يراد بوضع الجبهة ... ممّا هو شامل لرفع موضع السجدة و هو أوّل الكلام. و أيضا بصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن المريض كيف يسجد؟ فقال: على خمرة أو على مروحة أو على سواك يرفعه اليه هو أفضل من الايماء، انّما كره (من كره) السجود على المروحة من أجل الأوثان التي كانت تعبد من دون اللّه و انّا لم نعبد غير اللّه قطّ فاسجدوا على المروحة و على السواك و على عود».(1)
بيان: في مجمع البحرين: و قد تكرّر في الحديث ذكر الخمرة و السجود عليها، و هي بالضمّ سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل و تزمّل بالخيوط. ولكن فيه أنّ الرواية و ان كانت صحيحة الاّ أنّها تدلّ على الاستحباب. و أيضا خبر أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المريض هل تمسك له المرأة شيئا فيسجد عليه؟ فقال: لا الاّ أن يكون مضطرّا ليس عنده غيرها، و ليس شيء ممّا حرّم اللّه و قد أحلّه لمن اضطرّ اليه».(2)
و الرواية من حيث الدلالة لابأس بها ولكنّها ضعيفة سندا.
فالمتحصّل من الجميع أنّ الأفضل رفع موضع السجدة و السجود عليه، و ليُعلم أنّ استحباب رفع موضع السجدة يكون لمن يصلّي جالسا و يتمكّن من رفعه، و لم يصدق عليه السجود ليصير حينئذٍ مصداقا للايماء، و أمّا لو صدق عليهالسجود فيجب قطعا و الدليل على ذلك دليل وجوب السجدة و لايبعد حمل كلام صاحب الحدائق على ما قلنا آنفا حيث قال: «لاخلاف بينهم في أنّه لو قدر المريض - الى أن قال: - في رفع موضع السجود و السجدة عليه وجب ذلك لصدق السجود شرعا. نعم ذلك جارٍ في المصلّي الجالس و أمّا المضطجع فلا، لعدم صدق السجود له على ما قلنا.
من عجز عن الركوع و السجود يجب عليه الايماء بالرأس و لايجب عليه وضع شيء على جبهته و ذلك لاطلاق صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن المريض اذا لم يستطع القيام و السجود، قال: يؤمي برأسه ايماءً، و ان يضع جبهته على الأرض أحبّ اليّ».(1)
و صحيحة ليث المرادي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يرعف زوال الشمس حتّى يذهب الليل، قال:
«يؤمي ايماءً برأسه عن كلّ صلاة».(2)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المريض اذا لم يقدر أن يصلّي قاعدا كيف قدر صلّى، امّا أن يوجّه فيؤمي ايماءً، و قال: يوجّه كما يوجّه الرجل في لحده، و ينام على جانبه (جنبه) الأيمن، ثمّ يؤمي بالصلاة، فان لم يقدر أن ينام على جنبه الأيمن فكيف ما قدر فانّه له جائز، و ليستقبل بوجهه القبلة، ثمّيؤمي بالصلاة ايماءً».(3)
نعم يستحبّ للمصلّي المضطجع أن يضع على جبهته شيئا اذا سجد و ذلك لموثّقة سماعة قال:
«سألته عن المريض لايستطيع الجلوس، قال: فليصلّ و هو مضطجع، و ليضع على جبهته شيئا اذا سجد فانّه يجزي عنه، و لم يكلّف اللّه ما لاطاقة له به».(4)
و لامعنى للقول بتقييد صحيحتي الحلبي و ليث المرادي بموثّقة سماعة لأنّ الايماء بالرأس و وضع شيء على الجبهة ماهيّتان مختلفتان. و أمّا حمل الموثّقة على التمكّن من الوضع و الصحيحتين على عدم التمكّن منه لا شاهد له.
و الجمع بوجوبهما مع أنّه غير ظاهر يوجب تأخير البيان عن وقت الحاجة بالنسبة الى الصحيحتين و موثّقة عمّار.
ثمّ اعلم أنّه اذا لم يتمكّن المريض من الايماء بالرأس و الايماء بالعينين فلايجب عليه الايماء بالمساجد الأخر أو بسائر أعضائه لعدم الدليل عليه.
قال في مصباح الفقيه: «و لو عجز عن الايماء فعن كاشف الغطاء أنّه يؤمي ببعض أعضائه كيده مثلاً و لعلّه لمطلقات الايماء و اختصاص تقييدها بالرأس و العين بحال التمكّن و لقاعدة الميسور و فيهما نظر الاّ أنّ مراعاته أحوط. انتهى».(1)
و محلّ النظر فيما قاله كاشف الغطاء، انّه لم يكن هناك قرينة لاختصاص تقييد المطلقات بالرأس و العين بحال التمكّن، مضافا الى أنّ الايماء للركوع و السجودمنصرف الى الرأس و العين و لو بمناسبة الحكم و الموضوع، و العرف لايفهم من الايماء بعد عدم التمكّن بالرأس و العينين شيئا بوضوح. كما أنّ قاعدة الميسور لاتنفع لضعف مدركها، مضافا الى الشكّ في أنّ الايماء باليد هل يكون ميسور الايماء بالرأس و العينين للركوع و السجود أم لا؟ و حينئذٍ يكفي قصد الركوع و السجود بقلبه حين أداء الذكر.
قال في مصباح الفقيه: «و لو تعذّر عليه الايماء و التغميض أيضا فلا بدل غيرهما ينتقل اليه بل يكتفي بجريان الأفعال على قلبه و الأذكار على لسانه كما حكي عن ظاهر الأصحاب. انتهى».(2)
ثمّ اعلم أيضا أنّه ان لم يتمكّن من الاضطجاع و الاستلقاء فيصلّي كيف ما قدر لخلوّ النصوص عن التعرّض لغير ما سبق. نعم يستفاد من النصوص لزوم جعل مقاديم البدن و الوجه الى القبلة، فليتحرّ الأقرب فالأقرب الى ذلك، و لو لم يتمكّن منه أيضا فليصلّ كيف ما قدر.
(مسألة 16): اذا تمكّن من القيام لكن لم يتمكّن من الركوع قائما جلس و ركع جالسا، و ان لم يتمكّن من الركوع و السجود صلّى قائما و أومأ للركوع و السجود و انحنى بقدر الامكان، و ان تمكّن من الجلوس جلس لايماء السجود و الأحوط وضع ما يصحّ السجود عليه على جبهته ان أمكن.
الشرح:
هيهنا فرعان:
اذا تمكّن من القيام لكن لم يتمكّن من الركوع قائما جلس و ركع جالسا، و ذلك لصحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و على جنوبهم» قال:
«الصحيح يصلّي قائما و قعودا، المريض يصلّي جالسا، و على جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا».(1)
و من المعلوم أنّ من لم يتمكّن من الركوع قائما لم يتمكّن من أن يصلّي قائما في الجملة.
قال في الحدائق: «و لو قدر على الجلوس و الانحناء للركوع و السجود و
1) - وسائل الشيعة 4: 689 / الباب 1 من أبواب القيام / الحديث 1.
لم يقدر عليه قائما أومأ في حال القيام و لاينتقل الى الجلوس في الركوع. و يمكن أن يقال انّه يجلس في الصورة المذكورة و يأتي بالركوع الذي هو الانحناء لأنّ الركوع قد وردت به الآية و هو عبارة عن مطلق الانحناء و لاتخصيص فيه بكون الانحناء في حال القيام، قال في القاموس: و كل شيء يخفض رأسه فهو راكع. و على هذا يكون الانحناء واجبا كما أنّ القيام واجب و حينئذٍ فيأتي بالقيام في موضعه فاذا أراد الركوع جلس و ركع جالسا. و هذا هو الأوفق بالأصول و القواعد المقرّرة عندهم الاّ أنّ المشهور هو الأوّل بل ظاهرهم كما عرفت الاتّفاق عليه. انتهى».(1)
و الشيخ المرتضى رحمه الله متعرّض على صاحب الحدائق و غيره من دعواهم الاتّفاق على تقديم القيام مع الايماء على الجلوس مع الركوع و السجود، فقال: «وقد توهّم بعض من عبارة المنتهى دعوى اتّفاق علمائنا على وجوب القيام في هذه المسألة حيث قال: لو أمكنه القيام و عجز عن الركوع قائما أو السجود لم يسقط عنه فرض القيام بل يصلّي قائما و يؤمي للركوع ثمّ يجلس و يؤمي للسجود و عليه علماؤنا. و لايخفى أنّ فرض مسألة «المنتهى» في من عجز عن الركوع و السجود على كلّ حال كما لايخفى. انتهى كلام الشيخ الأنصاري رحمه الله».(2)
و أمّا صاحب الجواهر ففي الابتداء رجّح القيام مع الايماء على الجلوس مع الركوع و السجود لادّعاء الشهرة، بل الاتّفاق عليه، و لاشتراط الجلوس بتعذّر القيام في النصوص، و لترتيب الخطاب بأجزاء الصلاة فاذا جاء وقت الركوع و السجود حال كونه تمّت القراءة قائما، خوطب بهما، فان استطاع و الاّ فبدلهما. ثمّ احتمل ترجيح الجلوس مع الركوع و السجود، لأنّهما أهمّ من القيام، خصوصا بعد ورود أنّ الصلاة ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود، و أنّ أوّل الصلاة
الركوع،(1)ثمّ احتمل التخيير - ثمّ قال: - و المسألة لاتخلو من اشكال و ان كان احتمال تقديم الجلوس قويّا، و من العجيب دعوى الاجماعات في المقام مع قلّة المتعرّض و خفاء المدرك، و أعجب من ذلك دعوى اتّفاق الأصحاب على تقديم القيام و الايماء و ان تمكّن من الركوع جالسا، و انّ ذلك هو ظاهر معقد اجماع المنتهى، و ظنّي أنّه لم يقل به أحد من الأصحاب، و أنّ عبارة المنتهى بعد التأمّل في الفرض الأوّل الذي ذكرنا لا التمكّن من الركوع جالسا ضرورة وجوبه عليه مع فرض تمكّنه لتواتر النصوص في بدليّة الركوع من جلوس عنه قائما و في تقديمه على الايماء، مضافا الى ظهور ما في مجمل ابن فارس و المحكي عن القاموس في أنّه ركوع لغة. انتهى ملخّصا.(2)
فمراد صاحب الجواهر من قوله: «الفرض الأوّل الذي ذكرنا» هو العجز عن الركوع و السجود ولو جالسا دون القيام.
ان لم يتمكّن من الركوع و السجود الجلوسي صلّى قائما و أومأ للركوع و السجود و ان لم يتمكّن من القيام و تمكّن من الجلوس يصلّي جالسا و يؤمي للركوع و السجود ان لم يتمكّن من الركوع و السجود جالسا و الدليل على الايماء حينئذٍ الروايات التي وردت في أنّ المتمكّن من القيام يصلّي قائما و المتمكّن من الجلوس يصلّي جالسا و انّ من لم يتمكّن من الركوع و السجود أومأ لهما.
قال العلاّمة في المنتهى: «لو أمكنه القيام و عجز عن الركوع قائما أو السجود
لم يسقط عنه فرض القيام بل يصلّي قائما و يؤمي للركوع ثمّ يجلس و يؤمي للسجود و عليه علماؤنا و قال أبو حنيفة يسقط عنه القيام، لنا قوله عليه السلام لعمران بن حصين: صلّ قائما فان لم تستطع فجالسا، جعل مرتبة الجلوس مشروطة بعدم الاستطاعة على القيام فلايجوز بدونه و من طريق الخاصّة ما رواه الشيخ عن محمّد بن ابراهيم عمّن حدّثه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: يصلّي المريض قائما فان لم يقدر على ذلك صلّى جالسا. انتهى».(1)
ثمّ اعلم أنّه لايجب وضع شيء ممّا يصحّ السجود عليه على جبهته حال الايماء، كما تقدّم في الفرع السابع من المسألة السابقة. و لاتمام البحث نشير الىبعض ما أتى به المحقّق الهمداني هيهنا حيث قال: «انّ الناظر في الأخبار التي ورد فيها الأمر بالايماء للسجود على كثرتها و تظافرها و ورودها في الأبواب المتفرقة من النافلة و الفريضة للقائم و القاعد و الماشي و الراكب و المضطجع و المستلقي و العاري من الموارد التي لاتحصى من غير اشعار في شيء منها بارادته مع وضع شيء على جبهته لايكاد يرتاب في أنّ المقصود بتلك الأخبار لم يكن الاّ خصوص الايماء مجرّدا عن وضع شى ء على جبهته - الى أن قال: - انّ أخبار الوضع لاتصلح قرينة لصرف الأخبار الظاهرة في وجوب الايماء بالرأس أو العينين عن ظاهرها من الوجوب العيني فالأقرب حمله على الاستحباب، ولكن لاينبغي ترك الاحتياط بالجمع اذا أمكن و الاتيان به اذا تعذّر الايماء و التغميض بل لايبعد الالتزام بوجوبه حينئذٍ كما حكى قولاً في المسألة بل ربّما استظهر ذلك من رواية علي بن جعفر المتقدّمة كما تقدّمت الاشارة اليه و اللّه العالم. انتهى».(2)
و نحن نقول:
لاينبغي ترك الاحتياط بالجمع بين الايماء و وضع شيء على الجبهة اذا أمكن
و الاتيان بالوضع اذا تعذّر الايماء و التغميض، أمّا الالتزام بوجوبه فبعيد لعدم الدليل عليه و ما أشار اليه من استظهار ذلك من رواية علي بن جعفر المروي عن قرب الأسناد عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن المريض الذي لايستطيع القعود و لا الايماء كيف يصلّي و هو مضطجع؟ قال: يرفع مروحة الى وجهه و يضع على جبينه و يكبّر هو».(1)
ففيه مضافا الى ما قال نفسه من أنّها غير متّضحة المفاد، ضعيفة من حيث السند.
(مسألة 17): لو دار أمره بين الصلاة قائما مؤميا أو جالسا مع الركوع و السجود فالأحوط تكرار الصلاة، و في الضيق يتخيّر بين الأمرين.
الشرح:
لو دار أمره بين الصلاة قائما مؤميا أو جالسا مع الركوع و السجود يقدّم الثاني لأنّ الخطاب بأجزاء الصلاة مرتّب، فأوّل جزء خوطب به المصلّي القيام، فوجب عليه الاتيان به و وجب التكبير و القراءة حال القيام، و بعد اتمام القراءة، فان تمكّن من الركوع يركع، و ان لم يتمكّن من الركوع الاّ أن يجلس فيجلس و يركع كما تقدّم، و ان لم يتمكّن من الجلوس أيضا فيؤمي للركوع و السجود قائما، و هذا كما يكون وظيفته لو عارضه العجز بعد القراءة، يكون وظيفته أيضا لو علم من الابتداء، و لأنّ الركوع و السجود أهمّ من القيام خصوصا بعد أن ورد من أنّ الصلاة ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود، و أنّ أوّل الصلاة الركوع و نحو ذلك.
و أمّا وجه احتياط المصنّف لتكرار الصلاة فلعلّه لعدم نصّ بخصوصه و لايستفاد من النصوص شيء حتّى تطمئنّ به النفس، فيكون المورد من موارد العلم الاجمالي فيحتاط بتكرار الصلاة في سعة الوقت حتّى يتيقّن بالبراءة. و في
1) - وسائل الشيعة 4: 693 / الباب 1 من أبواب القيام / الحديث 21.
الضيق يتخيّر أحد الأمرين متنزّلاً عن الامتثال اليقيني المتعذّر الى الامتثال الاحتمالي الذي يستقلّ به العقل لدى العجز عن الأوّل و لكن تقدّم أنّه مكلّف بتقديم الركوع جالسا على القيام مع الايماء.
(مسألة 18): لو دار أمره بين الصلاة قائما ماشيا أو جالسا فالأحوط التكرار أيضا.
الشرح:
لو دار أمره بين الصلاة قائما ماشيا أو جالسا فالأقوى وجوب الصلاة عليه جالسا، و هذا هو المشهور و الدليل على ذلك صحيحة عبداللّه بن علي الحلبي - في حديث - أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة في السفينة، فقال:
« ان أمكنه القيام فليصلّ قائما و الاّ فليقعد ثمّ يصلّي».(1)
و صحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزوجلّ «الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و على جنوبهم» قال:
«الصحيح يصلّي قائما و قعودا، المريض يصلّي جالسا، و على جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا».(2)
فمفاد الصحيحتين و أمثالهما أنّ من لم يستطع أن يصلّي قائما فليصلّ جالسا، و من الواضح أنّ الماشي غير القائم، و المشي غير القيام لغة و عرفا.
و المحكي عن جماعة منهم المفيد و الفاضل و الشهيد ذهابهم الى ترجيح صلاة الماشي على القاعد. و استدلّ لهذا القول «أوّلاً»: برواية سليمان بن حفص المروزي قال:
«قال الفقيه عليه السلام: المريض انّما يصلّي قاعدا اذا صار أن يمشي بالحال
التي لايقدر فيها على أن يمشي مقدار صلاته الى أن يفرغ قائما».(1)
و الرواية أوردها في الوافي عن التهذيب هكذا: «المريض انّما يصلّي قاعدا اذا صار بالحال التي ... ». فكلمة «أن يمشي» - في رواية سليمان المروية في الوسائل - بعد «اذا صار» زائدة و ما في الوافي هو الصحيح.
و فيه مضافا الى ما مرّ و ضعف السند لسليمان بن حفص، لاتدلّ علىمطلوبهم، لأنّ الظاهر أنّه عليه السلام بصدد بيان الحدّ الذي يجوز للمريض أن يصلّي جالسا، فكأنّه قال: اذا كان المريض لايستطيع أن يمشي دقيقة لو كان قيامه في الصلاة بهذا المقدار، فيجوز له أن يصلّي جالسا. فأين هذا من دلالة الرواية على ترجيح صلاة الماشي على الجالس في صورة الدوران.
و «ثانيا»: بأنّ مع المشي يتحقّق القيام و ينتفي الاستقرار و ينعكس الأمر في الجلوس و درك الأصل أولى من درك الوصف.
و فيه أنّ تحقّق القيام مع المشي أوّل الكلام. و قال المحقّق الهمداني: «دعوى الأولويّة عارية عن الشاهد اذ لاامتناع في أن يكون الجلوس مستقرّا أهمّ و أولى لدى الشارع من القيام بلا استقرار. انتهى».(2)
و قد يستدلّ له أيضا باطلاقات أدلّة القيام مقتصرا في تقييدها بالاستقرار على القدر المتيقّن و هو في حال التمكّن كنظائره من الانتصاب و الاستقلال و الاستقرار المقابل للاضطراب، و بقاعدة الميسور.
و فيه أنّ المتبادر من اطلاقات القيام، ارادة الوقوف لا مطلقه الشامل لحال المشي، كما يدلّ عليه العرف و اللغة. و في كون المشي ميسور القيام تأمّل بل منع.
فالمتحصّل ترجيح الصلاة جالسا على الصلاة ماشيا لوجود الدليل فلايبقى موضوع للعلم الاجمالى بوجوب أحدهما الذي هو عدم ما يدلّ على التعيين.
(مسألة 19): لو كان وظيفته الصلاة جالسا و أمكنه القيام حال الركوع وجب ذلك.
الشرح:
لو لم يتمكّن من الصلاة قائما فصلّى جالسا فاذا قوى و أمكنه القيام ليركع عن قيام وجب و ذلك لصحيحة جميل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام: ما حدّ المرض الذي يصلّي صاحبه قاعدا؟ فقال: انّ الرجل ليوعك و يحرج ولكنّه أعلم بنفسه اذا قوى فليقم».(1)
فاطلاق الرواية يشمل الابتداء و الأثناء.
و أمّا في وجوب استيناف الصلاة قائما، لو تجدّدت القدرة على القيام بنحو يمكن له استيناف الصلاة فسيأتي التعرّض له ان شاء اللّه تعالى.
(مسألة 20): اذا قدر على القيام في بعض الركعات دون الجميع وجب أن يقوم الى أن يتجدّد العجز، و كذا اذا تمكّن منه في بعض الركعة لا في تمامها، نعم لو علم من حاله أنّه لو قام أوّل الصلاة لم يدرك من الصلاة قائما الاّ ركعة أو بعضها، و اذا جلس أوّلاً يقدر على الركعتين قائما أو أزيد مثلاً لايبعد وجوب تقديم الجلوس لكن لايترك الاحتياط حينئذٍ بتكرار الصلاة كما أنّ الأحوط في صورة دوران الأمر بين ادراك أوّل الركعة قائما و العجز حال الركوع أو العكس أيضا تكرار الصلاة.
الشرح:
اذا قدر على القيام في بعض الركعات دون الجميع وجب أن يقوم الى أن
1) - وسائل الشيعة 4: 698 / الباب 6 من أبواب القيام / الحديث 3.
يتجدّد العجز و ذلك لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة جميل المتقدّمة «اذا قوى فليقم» فان اطلاقه كما يشمل تمام الصلاة في ما اذا تمكّن من القيام في الركعاتكلّها، يشمل بعضها أيضا، فمن قدر على القيام في بعض الركعات دون الجميع وجب أن يقوم الى أن يتجدّد العجز.
و لافرق في ذلك بين من علم من حاله أنّه لو قام أوّل الصلاة لم يدرك من الصلاة قائما الاّ ركعة أو بعضها، و اذا جلس أوّلاً يقدر على الركعتين قائما أو أزيد، و بين من لم يعلم من حاله شيئا أو علم عكس ذلك، لأنّه مكلّف بالقيام فعلاً لعدم عجزه.
قال في الجواهر: «لو قدر على القيام زمانا لايسع القراءة و الركوع معا قدّم القراءة و جلس للركوع، لأنّها هي وقت قوته، فليس بعاجز عمّا يجب عليه حالها، فاذا انتهى الى الركوع صار عاجزا كما صرّح به بعضهم و حكي عن آخرين، خلافا للمحكي عن المبسوط و النهاية و السرائر و المهذّب و الوسيلة و الجامع فقدّموا الركوع على القراءة في ذلك، بل نسبه في الأوّل الى رواية أصحابنا و فيه أنّه مخالف لمقتضى الترتيب و الرواية لم تصل الينا، و التعليل بأنّه أهمّ لأنّه ركن - مع أنّه اعتباري - لايصلح لأن يكون مدركا لحكم شرعيّ - الى أن قال: - و لعلّ ما في المهذّب و ما بعده منزل على تجدّد القدرة عند الركوع، بل ما حكي لنا من بعضها كالصريح في ذلك، فلاحظ، هذا. انتهى».(1)
و منه يظهر عدم احتياجه الى تكرار الصلاة لأنّه قادر على القيام فهو مأمور بالقيام فعلاً و لايكون تكليفه مردّدا بين القيام و الجلوس حتّى يصير موضوعا للاحتياط المذكور في المتن، و يكون من مصاديق العلم الاجمالي.
1) - جواهر الكلام 9: 254.
(مسألة 21): اذا عجز عن القيام و دار أمره بين الصلاة ماشيا أو راكبا قدّم المشي على الركوب.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الثامنة عشرة أنّه لو دار أمره بين الصلاة ماشيا أو جالسا، قدّم الصلاة جالسا. و الآن نقول لو دار أمره بين الصلاة ماشيا أو راكبا، قدّم الصلاة راكبا، لعدم الدليل على جواز الصلاة ماشيا و عدم صدق القيام الذي بمعنى الوقوف على المشي. أمّا تقدّم الركوب عليه لو قدر على الركوع و السجود جالسا فواضح كما في السفينة أو السيّارة أو الطائرة.
و لو لم يتمكّن من الركوع و السجود الاّ ايماءً سواء كان ماشيا أو راكبا فقدّم الصلاة راكبا لما سبق من تقدّم الصلاة جالسا على الصلاة ماشيا.
(مسألة 22): اذا ظنّ التمكّن من القيام في آخر الوقت وجب التأخير، بل و كذا مع الاحتمال.
الشرح:
ذهب المصنّف بأنّه اذا ظنّ التمكّن من القيام في آخر الوقت وجب التأخير و ذلك لأنّه مأمور بالصلاة قائما فيما بين الزوال و غروب الشمس مادام متمكّنا و اذا لم يتمكّن من القيام يتبدّل تكليفه بالجلوس الاّ أنّه ما لم يحرز عدم القدرة على القيام لايجوز له الصلاة جالسا، فمن ظنّ التمكّن من القيام في آخر الوقت أو احتمل يجب عليه التأخير لعدم احراز موضوع الصلاة جالسا، فلو صلّى جالسا في أوّل الوقت و الحال هذه لم يتيقّن بالبراءة.
قلت: الظاهر أنّ المنساق من الأدلّة في المقام أنّ الموضوع للصلاة جالسا عجزه عن الصلاة قائما حال ارادة الصلاة، و ذلك لاطلاق الأدلّة و عدم التنبيه من الشارع على وجوب التأخير مع أنّ المتعارف في تلك الأزمنة اتيان المسلمين
بالصلاة في أوّل وقتها، مضافا الى اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة جميل المتقدّمة «اذاقوى فليقم» الشاملة لما كان الوقت ضيقا للاستيناف أو كان واسعا فالظاهر منه و من اطلاق سائر الأدلّة جواز البدار الى الصلاة جالسا و ان احتمل أو ظنّ زوال عجزه في الأثناء أو بعدها. نعم لو علم ذلك لم يجز و ذلك لانصراف الأدلّة عنه بمعنى أنّ المتعارف أنّ من علم زوال عذره لم يسأل بل يصبر حتّى يزول فكأنّه يعلم تكليفه، و على الأقلّ من الشكّ في اطلاق الأدلّة بالنسبة الى ما اذا علم زوال عذره.
قال الشيخ الأنصاري: «لو علم في أوّل صلاته بطروء العجز له في الأثناء و ارتفاعه قبل خروج وقت الصلاة لم يجز له الدخول بناءً على ما تحقّق من وجوب تأخير أولى الأعذار في صورة العلم بارتفاعها قبل خروج الوقت. انتهى».(1)
قال المحقّق الهمداني: «انّ المنساق من أخبار الباب بل و كذا من أغلب الأدلّة اللفظيّة المثبتة للتكاليف الاضطراريّة في سائر الموارد كمواقع التقيّة و أشباهها انّما هو اناطة هذه التكاليف بالعجز حال الفعل لامطلقا، فيجوز له البدار الى الصلاة في سعة الوقت و ان احتمل زوال العجز في الأثناء أو بعدها و يصحّ صلاته كما يؤيّده اطلاق فتوى الأصحاب بالمضيّ في صلاته عند تجدّد القدرة أو العجز في الأثناء من غير نقل خلاف فيه عن أحد منّا، و لاينافيه الالتزام بعدم جواز الدخول في الصلاة لو علم بزوال عجزه قبل فوات الوقت لامكان دعوى انصراف أدلّتها من مثل الفرض - الى أن قال: - و الحاصل أنّه فرق في المعذوريّة بالنسبة الى التكاليف العذريّة بين ما اذا علم قبل التلبّس بالعمل بتجدّد القدرة له و بين ما اذا لم يعلم بذلك و ان احتمله، فلاينسبق الى الذهن ارادة العاجز الذي يعلم بزوال عجزه قبل فوات الوقت من اطلاق ادلّتها. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 23): اذا تمكّن من القيام لكن خاف حدوث مرض أو بط ء برئه جاز له الجلوس، و كذا اذا خاف من الجلوس جاز له الاضطجاع، و كذا اذا خاف من لصّ أو عدوّ أو سبع أو نحو ذلك.
الشرح:
اذا تمكّن من القيام لكن خاف حدوث مرض أو بط ء برئه جاز له الجلوس و الاضطجاع و الاستلقاء، و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل و المرأة يذهب بصره فيأتيه الأطبّاء فيقولون: نداويك شهرا أو أربعين ليلة مستلقيا، كذلك يصلّي؟ فرخّص في ذلك. و قال: فمن اضطرّ غير باغٍ و لا عاد فلا اثم عليه».(1)
فيستفاد من اطلاق الصحيحة جواز الصلاة مستلقيا و ان لم يتيقّن من قول الأطبّاء تعليق برئه على الاستلقاء الاّ أنّه يخاف عادة من أنّه لو لم يفعل ذلك لم يبرء أو يبطئ برءه و لذلك قال عليه السلام: «فمن اضطرّ غيرباغ و لاعاد فلااثم عليه». فانّه مضطرّ بالفعل للاستلقاء حتّى حال الصلاة لخوفه ممّا ذكر. و العلّة التي أشار اليها الامام عليه السلام عامّة شاملة لمن خاف حدوث مرض، أو خاف من لصّ أو عدوّ، أو سبع، أو نحو ذلك.
و تؤيّد الصحيحة، رواية بزيع المؤذّن قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي أريد أن أقدح عيني، فقال لي: استغفراللّه و افعل، قلت: هم يزعمون أنّه ينبغي للرجل أن ينام على ظهره كذا و كذا و لايصلّي قاعدا، قال: افعل».(2)
(مسألة 24): اذا دار الأمر بين مراعاة الاستقبال أو القيام فالظاهر وجوب مراعاة الأوّل.
الشرح:
اذا دار الأمر بين مراعاة الاستقبال أو القيام فالظاهر وجوب مراعاة الاستقبال و ذلك لأنّ الاستقبال شرط للصلاة بمعنى أنّه يجب أن يؤتى بكلّ جزء من أجزاء الصلاة الى القبلة، ولو فقد الشرط فقد المشروط فتبطل الصلاة الاّ ما خرج بالدليل كما في الجاهل عن وجه القبلة و كما في النسيان و السهو اذا صلّى فيما بين المشرق و المغرب، و ليس فيما نحن فيه دليل على الاجزاء فيبقى شرطيّة الاستقبال بحالها، و عليه فمن لم يستطع أن يصلّي قائما مع مراعاة القبلة ولكنّه يستطيع أن يصلّي جالسا الى القبلة فهو مضطرّ الى الجلوس، كما مرّ في المسألة السابقة جواز الصلاة استلقاءً، لمن اضطرّ على أن يستلقي لتداوى عيناه و قد دلّت عليه الصحيحة المتقدّمة.
(مسألة 25): لو تجدّد العجز في أثناء الصلاة عن القيام انتقل الى الجلوس، و لو عجز عنه انتقل الى الاضطجاع، و لو عجز عنه انتقل الى الاستلقاء، و يترك القراءة أو الذكر في حال الانتقال الى أن يستقرّ.
الشرح:
لو تجدّد العجز في أثناء الصلاة عن القيام انتقل الى الجلوس و لو عجز عنه انتقل الى ما دونه من الاضطجاع و الاستلقاء، و الدليل على ذلك اطلاق صحيحةأبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و على جنوبهم» قال:
«الصحيح يصلّي قائما و قعودا، المريض يصلّي جالسا، و على
جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا».(1)
و ادّعاء انصرافها الى ما قبل الشروع في الصلاة ممنوعة، و يدلّ على ذلك أيضا اطلاق صحيحة جميل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام: ما حدّ المرض الذي يصلّي صاحبه قاعدا؟ فقال: انّ الرجل ليوعك و يحرج ولكنّه أعلم بنفسه اذا قوى فليقم».(2)
مضافا الى أنّ الظاهر عدم الخلاف في ذلك.
قال الشيخ الأنصاري: «و لو تجدّد عجز القيام بأقسامه قعد في أيّ فعل كان من غير استيناف للصلاة ان علم باستمرار العجز الى آخر الوقت بلا خلاف و لااشكال. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(3)
قال المحقّق الهمداني: «و من عجز في أثناء الصلاة عن حالة من قيام أو جلوس أو اضطجاع انتقل الى ما دونها مستمرّا على صلاته كالقائم يعجز فيقعد أو القاعد يعجز فيضطجع أو المضطجع يعجز فيستلقي و يمضي في صلاته و لايستأنفها و كذا فيما لو كان الأمر بالعكس بأن وجد العاجز خفّة في الأثناء فينتقل الى الحالة العليا المستطاعة من غير استيناف بلا نقل خلاف صريح في شيء منهما عن أحد منّا. نعم حكي عن بعض العامّة القول بأنّه يستأنف و لايجتزي بصلاةمُلَفّقة من الأحوال فيأتي بها على حالة واحدة الاّ اذا فرض التعذّر أو التعسّر فيجوز حينئذٍ التلفيق و هو بالنسبة الى ما لو تجدّد العجز في الأثناء و علم باستمرار عجزه الى آخر الوقت واضح الضعف ضرورة أنّ تجدّد العجز في الأثناء ليس من قواطع الصلاة بل يوجب اندراجه في موضوع المضطرّ الذي أحلّ اللّه ما كان حراما عليه
من ترك القيام و نحوه بقدر الضرورة فلا مقتضى لاعادة ما صدر منه واجدا للشرط. انتهى».(1)
يجب على من انتقل من حالة الى حالة أخرى لتجدّد العجز أثناء الصلاة أن يترك القراءة أو الذكر في حال الانتقال الى أن يستقرّ، و ذلك لما دلّ من الاجماع أو الرواية، من وجوب الاستقرار حالهما ان تمكّن و الفرض أنّه متمكّن من الاستقرار. و ما قيل من وجوب القراءة أو الذكر عند الهوي لكونه أقرب الى القيام فكانت القراءة عنده أولى منها حال الجلوس. ففيه مضافا الى الاشكال في كون الهوي أقرب الى القيام بل هما ماهيّتان مختلفتان لا دليل عليه بل الدليل على خلافه كما مرّ.
قال المحقّق الهمداني: «ثمّ انّهم اختلفوا فيمن عجز قبل القراءة أو في أثنائها في أنّه هل يجب عليه أن يقرأ حين الانتقال الى الحالة الدنيا من القعود أو الاضطجاع أو الاستلقاء أم لايجب بل لايجزي الاّ بعد انتقاله و استقراره؟ صرّحبعض بالأوّل بل عن الروض نسبته الى الأكثر، و المحكي عن الذكرى و جملة ممّن تأخّر عنه كالمحقّق الثاني و صاحب المدارك و شيخه المحقّق الأردبيلي و غيره اختيار القول الثاني، نظرا الى اعتبار الطمأنينة و الاستقرار حال القراءة مع الامكان كما يدلّ عليه قوله عليه السلام فليتمكّن في الاقامة كما يتمكّن في الصلاة، و رواية السكوني الدالّة على وجوب الكفّ عن القراءة فانّ حال الهوي ليس الاّ كحال المشي في عدم الاستقرار بل أسوء حالاً من ذلك، فيضعف الاستدلال
1) - مصباح الفقيه، كتاب الصلاة: 268.
للقول بأنّ الهوي أقرب الى القيام، فانّ مجرّد الأقربيّة الى القيام غير مجدٍ في ذلك ما لم يكن هذه الحالة بنظر العرف من المراتب الميسورة للقيام، فانّ الهوي أو النهوض ليست لدى العرف من مصاديق القيام و لا من مراتبه الميسورة. بل هما و مراتبهما مباينة بالنوع للقيام و القعود، و لاأقلّ من انصراف الأدلّة عنهما. انتهى».(1)
(مسألة 26): لو تجدّدت القدرة على القيام في الأثناء انتقل اليه، و كذا لو تجدّد للمضطجع القدرة على الجلوس، أو للمستلقي القدرة على الاضطجاع و يترك القراءة أو الذكر حال الانتقال.
الشرح:
لو تجدّدت القدرة على القيام في الأثناء انتقل اليه، و ذلك لاطلاق قوله عليه السلامفي صحيحة جميل «اذا قوى فليقم» و تصحّ صلاته سواء كان الوقت ضيقا و لم يتمكن من الاستيناف، أو واسعا. و قد تقدّم في المسألة الثانية و العشرين أنّ العاجز من القيام ان احتمل أو ظنّ زوال عجزه في أثناء الصلاة أو بعدها يجوز له الدخول في الصلاة، فاذا شرع في الصلاة قاعدا أو مضطجعا أو مستلقيا ثمّ قدر القاعد علىالقيام و المضطجع على القعود و المستلقي على الاضطجاع، فينتقل الى المرتبة العليا و يتمّ صلاته و لايستأنف لاطلاق قوله عليه السلام «اذا قوى فليقم» و اطلاق سائر الأدلّة في المقام و غير المقام كما في الوضوء و التقيّة. فراجع المسألة الثانية و العشرين المتقدّمة.
ثمّ انّه كما تقدّم في المسألة السابقة يترك القراءة أو الذكر حال الانتقال.
(مسألة 27): اذا تجدّدت القدرة بعد القراءة قبل الركوع قام للركوع، و ليس عليه اعادة القراءة و كذا لو تجدّدت في أثناء القراءة لايجب استينافها، و لو
1) - مصباح الفقيه، كتاب الصلاة: 269.
تجدّدت بعد الركوع فان كان بعد تمام الذكر انتصب للارتفاع منه، و ان كان قبل تمامه ارتفع منحنيا الى حدّ الركوع القيامي، و لايجوز له الانتصاب ثمّ الركوع، و لو تجدّدت بعد رفع الرأس من الركوع لايجب عليه القيام للسجود لكون انتصابه الجلوسي بدلاً عن الانتصاب القيامي و يجزئ عنه لكنّ الأحوط القيام للسجود عنه.
الشرح:
اذا تجدّدت القدرة أثناء القراءة أو بعدها قبل الركوع قام للركوع و لايجب عليه استيناف القراءة أو اعادتها و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة جميل المتقدّمة: «اذا قوى فليقم» الظاهر في صحّة ما سبق من صلاته فعلاً أو قولاً. و لو تجدّدت أثناء الركوع فان كان بعد تمام الذكر انتصب للارتفاع منه لأنّ القيام بعد الركوع واجب. و ما قيل من عدم وجوب القيام لأنّ الواجب من القيام بعد الركوع الانتصاب عن كلّ ركوع بحسبه على ما تقتضيه الوظيفة الفعليّة من الركوع القيامي أو الجلوسي. ففيه عدم الدليل عليه بل ظاهر دليل وجوب القيام بعد الركوع غير قاصر الشمول لما نحن فيه. و ان كان قبل تمام الذكر، فذهب المصنّف الى أنّه ارتفع منحنيا الىحدّ الركوع القيامي فيتمّ الذكر ثمّ ينتصب و لايجوز له الانتصاب ثمّ الركوع. و لابأس به لأنّ قوله عليه السلام: «اذا قوى فليقم» غير قاصر الشمول له أيضا. و الاشكال عليه بأنّ مجرّد هذه الهيئة غير المسبوقة بالقيام ليست من حقيقة الركوع في شيء، و انّما هي على صورة الركوع و شكله، فالارتفاع متقوّسا لاينفع. مدفوع بأنّ هذه الهيئة سمّيت بالركوع الجلوسي فهي مشمولة لقوله عليه السلام«اذا قوى فليقم». و لايجوز له الانتصاب ثمّ الركوع لأنّه يوجب زيادة الركن. و لو تجدّدت القدرة بعد رفع الرأس من الركوع، يجب عليه القيام لقوله عليه السلام:«اذا قوى فليقم» فيجب عليه الاتيان بالقيام بعد الركوع، فانّ بدليّة انتصابه الجلوسي لم يستقرّ مادام لم يسجد.
قال في الجواهر: «و لو خفّ في الركوع جالسا قبل الطمأنينة كفاه أن يرتفع
منحنيا الى حدّ الراكع و لم يجز له الانتصاب لاستلزامه الزيادة المفسدة، و لو كان الخفّة بعدها قبل الذكر فحكمه كسابقه على ما صرّح به بعضهم، خلافا لما عساه يوهمه ظاهر المحكي عن التذكرة و الذكرى من أنّه كما لو كان بعد الذكر الذي لايجب عليه فيه الاّ القيام للاعتدال بلاخلاف أجده، و فيه انّ الذكر يجب ايقاعه في تلك الحالة من الركوع، و هي ممكنة له من غير استلزام زيادة، بخلاف ما لو كان خفّته بعد تمام الذكر لحصول الامتثال المقتضي للاجزاء فليس عليه حينئذٍ القيام للاعتدال - الى أن قال: - و لو خفّ بعد الاعتدال و الطمأنينة قام ليسجد عن قيام كما صرّح به في الذكرى و غيرها، بل لاأجد فيه خلافا. انتهى ملخّصا».(1)
قال المحقّق الهمداني: «لو خفّ بعد القراءة و تمكّن من الركوع وجب، لوجوب القيام المتّصل بالركوع. و لو خفّ في الركوع قبل الطمأنينة بل و بعدها أيضا ما لم يأت بالذكر الواجب ارتفع منحنيا الى حدّ الراكع و لم يجز له الانتصابلاستلزامه زيادة ركن. و لو خفّ بعد الفراغ من الذكر قام للاعتدال. و لو خفّ بعد الذكر الواجب جاز له أن يرتفع منحنيا للاتيان بالمستحب. و لو خفّ بعد الاعتدال قبل الطمأنينة قام للطمأنينة كما صرّح به غير واحد. انتهى ملخّصا».(2)
قال في الحدائق: «و لو خفّ بعد القراءة وجب القيام للّه وي للركوع ليركع عن قيام - الى أن قال: - قالوا: و لو خفّ في الركوع قبل الطمأنينة وجب اكماله بأن يرتفع منحنيا الى حدّ الراكع - الى أن قال: - و لو خفّ بعد الذكر فقد تمّ ركوعه فيقوم معتدلاً مطمئنّا. و لو خفّ بعد الاعتدال من الركوع قام ليسجد عن قيام - الى أن قال: - و أكثر ما ذكروه في هذا المقام لايخرج عن القواعد الشرعيّة و الضوابط المرعيّة و لابأس بالعمل به. انتهى».(3)
(مسألة 28): لو ركع قائما ثمّ عجز عن القيام فان كان بعد تمام الذكر جلس منتصبا ثمّ سجد، و ان كان قبل الذكر هوى متقوّسا الى حدّ الركوع الجلوسي ثمّ أتى بالذكر.
الشرح:
ما ذهب اليه المصنّف صحيح من أنّه لو ركع قائما ثمّ عجز عن القيام فان كان بعد تمام الذكر جلس منتصبا ثمّ سجد و ان كان قبل الذكر هوى متقوّسا الى حدّ الركوع الجلوسي ثمّ أتى بالذكر. و ذلك لأنّ الظاهر أنّ ما هو واجب في حال القيام يجب في حال الجلوس، فمن الواجبات القيام بعد تمام الذكر في الركوع فاذا عجز جلس منتصبا ثمّ سجد و هذا الانتصاب الجلوسي يكون بدلاً عن الانتصاب القيامي بعد الركوع. و ان كان في الركوع و عجز عن ادامته و كان قبل الذكر هوى متقوّسا الى حدّ الركوع الجلوسي ثمّ أتى بالذكر، لأنّ الركوع جالسا بدل عنالركوع القيامي و هو ادامته.
و ما قيل من أنّ وظيفته في الأوّل الركوع القيامي و هو عاجز عن رفع الرأس عنه الى حدّ الانتصاب القيامي فيسقط وجوبه لامحالة بالتعذّر. ففيه أنّه مخالف لظاهر قوله عليه السلام في صحيحة أبي حمزة المتقدّمة «الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و على جنوبهم» - الى أن قال: - المريض يصلّي جالسا.
و من هذه الصحيحة تستفاد بدليّة الانتصاب الجلوسي عن الانتصاب القيامي. و ما قيل أيضا في الثاني من أنّ أصل الركوع قد أتى به على الفرض، و لم يبق عليه الاّ الذكر الواجب حاله غير الدخيل في حقيقة الركوع قطعا و هو ساقط بالتعذّر. ففيه أنّ الركوع الجلوسي يكون بدلاً عن الركوع القيامي فاذا هوى متقوّسا - لعجزه عن ادامة الذكر - الى حدّ الركوع الجلوسي فقد أتى بما هو وظيفته من وجوب الذكر و لايكون اتيانه متعذّرا عليه، فلا معنى لعدم الفائدة و العبثيّة، كما في مستند العروة.
قال المحقّق الهمداني: «و لو ثقل في الركوع قبل الطمأنينة و الذكر أو في أثنائه جلس و هو راكع مسبّحا حال هويّه أو يسبحّ بعد أن اطمأنّ على الخلاف المتقدّم و لو ثقل بعد تمام الركوع جلس مطمئنّا بدل القيام عن الركوع. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «و لو ثقل في أثناء الركوع فان كان بعد الذكر جلس للاعتدال مستقرّا، و لو كان قبله قيل ففي الركوع أو الاجتزاء بما حصل من الركوع وجهان مبنيّان على أنّ الركوع هل يتحقّق بمجرّد الانحناء المذكور أم لابدّ في تحقّقه من الذكر و الطمأنينة و الرفع، و الأولى انّه ان أمكن هويّه متقوّسا بحيث لايلزم زيادة ركوع هوى و ذكر، و الاّ سقط و اكتفى بالجلوس للاعتدال من غيرالركوع. انتهى».(2)
و قد عرفت امكان هويّه متقوّسا و لايلزم زيادة ركوع فيجب الهوي الى حدّ الركوع الجلوسي و الذكر حال الطمأنينة.
(مسألة 29): يجب الاستقرار حال القراءة و التسبيحات و حال ذكر الركوع و السجود، بل في جميع أفعال الصلاة و أذكارها، بل في حال القنوت و الأذكار المستحبّة، كتكبيرة الركوع و السجود، نعم لو كبّر بقصد الذكر المطلق في حال عدم الاستقرار لابأس به، و كذا لو سبّح أو هلّل، فلو كبّر بقصد تكبير الركوع في حال الهوي له، أو للسجود كذلك، أو في حال النهوض يشكل صحّته، فالأولى لمن يكبّر كذلك أن يقصد الذكر المطلق، نعم محلّ قوله «بحول اللّه و قوّته) حال النهوض للقيام.
الشرح:
يجب الاستقرار حال القراءة و التسبيحات و حال ذكر الركوع و السجود. بلا
خلاف فيه على الظاهر بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه (كما في مصباح الفقيه، و الجواهر).
قال في مفتاح الكرامة: «و في المفاتيح الاجماع على وجوب الطمأنينة بقدر الذكر الواجب، و به صرّح في السرائر و الشرائع و النافع و المعتبر و المنتهى و التذكرة و الذكرى و الألفية و جامع المقاصد و المقاصد العليّة و غيرها. انتهى».(1)
قال في الجواهر: «لم يذكر الأكثر اشتراط الاستقرار في القيام، و لاعقدوا له فصلاً و ان كان الاجماع متحقّقا على اعتباره فيه كغيره من أفعال الصلاة و لو الحالالمندوب منها، قال العلاّمة الطباطبائي:
لاتصلح الصلاة في اختيار *** الاّ من الثابت ذي القرار
و ذاك في القيام و القعود *** فرض و في الركوع و السجود
يعمّ حال فرض تلك الأربعة *** و الندب بالاجماع في فرض السعة
و هي بمعنى الشرط في المندوب *** فلاينافي عدم الوجوب
لكن عدم ذكره هنا بالخصوص مع ذكره في الركوع و السجود و غيرهما ليس الاّ لارادتهم منه الوقوف الذي ينافيه الحركة فضلاً عن المشي، ضرورة كونه بمعنى السكون يقال واقف أي غير متحرّك. انتهى».(2)
و يمكن أن يستدلّ على وجوب الاستقرار في الصلاة برواية سليمان بن صالح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايقيم أحدكم الصلاة و هو ماشٍ و لا راكب و لامضطجع الاّ أن يكون مريضا، و ليتمكّن في الاقامة كما يتمكّن في الصلاة فانّه اذا أخذ في الاقامة فهو في صلاة».(3)
قال المحقّق الهمداني في تقريب الاستدلال بها: «فانّه يفهم منه عرفا أنّ التمكّن، الذي يراد منه على الظاهر الاستقرار و الاطمينان، كان اعتباره في الصلاة لديهم مفروغا عنه فأراد الامام عليه السلام أن يبيّن اعتباره في الاقامة أيضا ببيان أنّه اذا أخذ في الاقامة فهو في الصلاة و حيث انّا علمنا أنّه عليه السلام لم يقصد بهذا حقيقته حملناه في الاقامة على الاستحباب بشهادة غيره من الأدلّة فلاينافي ذلك دلالة الخبر على لزومه في الصلاة. انتهى».(1)
و بهذا التقريب يدفع ما استشكل بها في مستند العروة بأنّه ان أريد التشبيه من حيث الحكم فقد سبق في مبحث الاقامة عدم اعتبار الاستقرار فيها و انّما هو مستحبّ اذا فلاتدلّ على الوجوب في الصلاة بل غايته المساواة في اعتبار الرجحان و أصل المطلوبيّة. انتهى.(2)
و بناءً على هذا لو لم يكن في سندها بأس فلم يكن في دلالتها قصور.
و كذا يستدلّ على وجوبه برواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في الرجل يصلّي في موضع ثمّ يريد أن يتقدّم، قال:
«يكفّ عن القراءة في مشيه حتّى يتقدّم الى الموضع الذي يريد ثمّ يقرأ».(3)
و الظاهر أنّ الرواية لابأس بها من حيث الدلالة، فانّ المستفاد منها وجوب القراءة حال السكون الذي يكون مقابل المشي، فبناءً على هذا فلايرد عليه ما قاله صاحب مستند العروة(4)من أنّ الرواية ليست ممّا نحن فيه لكونها ناظرة الى اعتبار الاستقرار في مقابل المشي لا في مقابل الاضطراب مع كونه واقفا الذي هو محلّ الكلام.
فانّها كالرواية المتقدّمة غير قاصرة الدلالة أيضا، ان لم تكن في سندها خدشة.
و المتحصّل أنّ وجوب الاستقرار حال القراءة و التسبيحات و حال ذكر الركوع و السجود و كذا التشهّد ممّا لا خلاف فيه.
قال العلاّمة في المنتهى: «و يجب الطمأنينة بقدر الذكر الواجب و الطمأنينة هي السكون حتّى يرجع كلّ عضو مستقرّه و ان قلّ و هو قول علمائنا أجمع. انتهى».(1)و
أمّا الاستقرار في القنوت و الأذكار المستحبة فالظاهر وجوب الاستقرار فيها لاطلاق الروايتين، مضافا الى ادّعاء الاجماع من السيّد العلاّمة الطباطبائي في منظومته و قد تقدّم عن الجواهر آنفا.
نعم لو جاء بالأذكار بنيّة الذكر المطلق فيجوز الاتيان بها حال الحركة لعدم الدليل على المنع، و ظاهر الروايتين و القدر المتيقّن من الاجماع هو الأذكار الواردة المعيّنة مكانها، فمن قصدها بعنوان ما ورد عن الشارع فيلزمه الاتيان بها مطمئنّا الاّ «بحول اللّه و قوّته أقوم و أقعد» فانّ وروده حال النهوض.
(مسألة 30): من لايقدر على السجود يرفع موضع سجوده ان أمكنه و الاّ وضع مايصحّ السجود عليه على جبهته كما مرّ.
الشرح:
تقدّم شرح هذه المسألة في الفرع السادس و السابع من المسألة الخامسة عشرة فراجع.
1) - منتهى المطلب 1: 282.
(مسألة 31): من يصلّي جالسا يتخيّر بين أنحاء الجلوس، نعم يستحبّ له أن يجلس جلوس القرفصاء و هو أن يرفع فخذيه و ساقيه، و اذا أراد أن يركع ثنّى رجليه، و أمّا بين السجدتين و حال التشهّد فيستحبّ أن يتورّك.
الشرح:
من يصلّي جالسا يتخيّر بين أنحاء الجلوس، و الدليل على ذلك اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة أبي حمزة المتقدّمة:
«الصحيح يصلّي قائما و قعودا، المريض يصلّي جالسا، و على جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا».(1)
و قد صرّحت بذلك صحيحة عبداللّه بن المغيرة و صفوان بن يحيى و محمّد بن أبي عمير عن أصحابهم عن أبي عبداللّه عليه السلام في الصلاة في المحمل، فقال:
«صلّ متربّعا و ممدود الرجلين و كيفما أمكنك».(2)
و صرّح فيها أيضا أنّه يجوز للمصلّي جالسا أن يمدّ رجليه و أن يتربّع. و يدلّ على جواز مدّ احدى رجليه صحيحة معاوية بن ميسرة أنّ سنانا سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يمدّ احدى رجليه بين يديه و هو جالس، قال:
«لابأس، و لا أراه الاّ قال في المعتلّ و المريض».(3)
و صحيحته الأخرى، أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام:
«يصلّي الرجل و هو جالس متربّع و مبسوط الرجلين؟ فقال: لابأس بذلك».(4)
و يدلّ على استحباب التربّع حسنة حمران بن أعين عن أحدهما عليه السلام قال:
«كان أبي اذا صلّى جالسا تربّع فاذا ركع ثنّى رجليه».(1)
قال في الجواهر: «و أمّا المستحبّ للقاعد أن يتربّع المصلّي قاعدا في حال قراءته بلا خلاف أجده، بل عن صريح الخلاف و ظاهر غيره الاجماع عليه، للحسن المتقدّم «كان أبي عليه السلام اذا صلّى جالسا تربّع فاذا ركع ثنّى رجليه» كما أنّي لاأعرف خلافا في عدم وجوبه، بل عن المنتهى أنّه اجماعي لاطلاق النصوص والتصريح و التعميم في بعضها بل لاأعرف خلافا أيضا في أنّ ذلك كيفيّة لمطلق الصلاة جالسا سواء كان فريضة أو نافلة، و كذا لاأعرف خلافا أيضا في أنّ المراد بالتربّع هنا نصب الفخذين و الساقين و ان كان لم يساعده شيء ممّا وقفنا عليه من كلام أهل اللغة بالخصوص، و يسمّى بجلوس القرفصاء. انتهى ملخّصا».(2)
و يستحبّ أن يثنّي رجليه في حال ركوعه.
و يستحبّ التورّك في حال تشهّده لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
«- الى أن قال: - و اذا قعدت في تشهّدك فألصق ركبتيك بالأرض و فرّج بينهما شيئا، وليكن ظاهر قدمك اليسرى على الأرض، و ظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى و اليتاك على الأرض، و أطراف (طرف) ابهامك اليمنى على الأرض».(3)
(مسألة 32): يستحبّ في حال القيام امور: «أحدها»: اسدال المنكبين. «الثاني»: ارسال اليدين. «الثالث»: وضع الكفّين على الفخذين قبال الركبتين اليمنى على الأيمن و اليسرى على الأيسر. «الرابع»: ضمّ جميع أصابع الكفّين. «الخامس»: أن يكون نظره الى موضع سجوده. «السادس»: أن ينصب فقار ظهره و نحره. «السابع»: أن يصفّ قدميه مستقبلاً بهما متحاذيتين بحيث لاتزيد احداهما على الأخرى و لاتنقص عنها. «الثامن»: التفرقة بينهما بثلاث أصابع مفرّجات أو أزيد الى الشبر. «التاسع»: التسوية بينهما في الاعتماد. «العاشر»: أن يكون مع الخضوع و الخشوع كقيام العبد الذليل بين يدي المولى الجليل.
الشرح:
و الدليل على استحباب ما أتى بها الماتن من الأمور، صحيحة حمّاد ففيها:
«فقام أبو عبداللّه عليه السلام مستقبل القبلة منتصبا فأرسل يديه جميعا على فخذيه قد ضمّ أصابعه و قرّب بين قدميه حتّى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرّجات، و استقبل بأصابع رجليه (جميعا) لم يحرّفهما عن القبلة بخشوع و استكانة».(1)
و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا قمت في الصلاة فلاتلصق قدمك بالأخرى دع بينهما فصلاً اصبعا أقلّ من ذلك الى شبر أكثره و أسدل منكبيك، و أرسل يديك، و لاتشبّك أصابعك، و ليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك، وليكن نظرك الى موضع سجودك».(2)
و في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت في صلاتك فعليك بالخشوع و الاقبال على صلاتك، فانّ
اللّه تعالى يقول: «الذين هم في صلاتهم خاشعون»».(1)
و خبر ابراهيم الكرخي، عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) أنّه قال:
«انّي لأحبّ الرجل المؤمن منكم اذا قام في صلاة فريضة أن يقبل بقلبه الى اللّه تعالى و لايشغل قلبه بأمر الدنيا، فليس من عبد يقبل بقلبه في صلاته الى اللّه تعالى الاّ أقبل اللّه اليه بوجهه، و أقبل بقلوب المؤمنين اليه بالمحبّة بعد حبّ اللّه ايّاه».(2)
و خبر سيف بن عميرة عمّن سمع أبا عبداللّه عليه السلام يقول:
«من صلّى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف و ليس بينه و بين اللّه ذنب الاّ غفر له».(3)
و خبر زيد بن علي عليه السلام عن آبائه عن علي عليه السلام:
«قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله ركعتان خفيفتان في تفكّر خير من قيام ليلة».(4)
قد تمّ الجزء الثاني من كتاب الصلاة
بعون اللّه الملك العلاّم
بيد أقلّ العباد
سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني الشيرازي
في شهر جمادي الأولى سنة 1420 ه-ق.
و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين