دروس تمهیدیة فی القواعد الفقهیة جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

المؤلف: الشيخ محمّد باقر الإيرواني

الناشر: دار الفقه للطباعة والنشر

الطبعة: 5

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1432 ه-.ق

ISBN (ردمك): 964-499-038-2

المكتبة الإسلامية

دروس تمهيدية في القواعد الفقهية

الجزء الأول

بقلم: باقر الإيرواني

محرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اشارة

مؤسسة الفقه للطباعة والنشر

دروس تمهيدية

في القواعد الفقيه

الجز ء الأول

بقلم: باقر الإيرواني

دار الفقه للطباعة والنشر

اسم الكتاب: دروس تمهيدية في القواعد الفقهية / الجزء 2

المؤلف: باقر الإيرواني

الطبعة: الخامسة - 1432 ه.ق - 1390 ه.ش

عدد المطبوع: 1200 نسخة

المطبعة:

السعر:

شابك:

ISBN 964-91559-2-9 (2 VOL.SET)

شابك: 2-038-499-964 (جلد 1)

ISBN 964-499-038-2 (VOL.1)

ص.ب: 3663 - 37185 - تلفن: 7734873 - 251 - 98+

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على اشرف الخلق محمد وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين.

ان الميّزة البارزة في دراساتنا الحوزوية دقة البحث وعمقه من جانب ، وشموليته واستيعابه من جانب آخر. وهو ثري من هاتين الناحيتين.

بيد ان كثيرا من الجواهر واللآلئ فيه مكنوزة تحتاج الى غواص يخرجها بالفاظ عذبة ومنهجة مريحة.

وقد جاءت محاولتنا في القواعد الفقهية تنحو هذا المجال ، ولا ندري كم هي موفقة في ذلك.

وكانت بذور المحاولة مجموعة محاضرات القيت خلال عامين على مجموعة من طلابنا الاعزاء في حوزة اهل البيت عليهم‌ السلام ومدينتهم المقدسة قم المباركة.

وتعميما للفائدة قصدنا نشرها لتكون دروسا تمهيدية في القواعد

الفقهية ، وليتمكن الطالب من خلال المرور بها على استيعاب تلك القواعد التي سوف يواجهها في بحوث مرحلة الخارج بشكل اكبر دقة وعمقا وشمولا ، ولنكون بذلك قد قدّمنا بعض الخدمة لحوزاتنا العلمية ، وخففنا عن كاهلنا قسما من المسؤولية التي نشعر بها في اعماق انفسنا ، ولنحوز بذلك ذرة من رضا مولانا وسيدنا والحجة من قبل اللّه سبحانه علينا الحجة بن الحسن روحي وارواح العالمين له الفداء. ولئن كنا موفقين في هذا المجال فذلك من توفيق اللّه سبحانه والا ففي بقية الاخوة كامل الآمل.

باقر الايرواني

19 ربيع الثاني 1417 ه - قم المقدسة

المدخل

اشارة

يجدر بنا قبل أن ندخل في صميم البحث عن القواعد الفقهية الاطلاع على ما يلي :

مدى أهمية البحث عن القواعد الفقهية

لا نكون مبالغين إذا قلنا بأن البحث عن القواعد الفقهية لا يقلّ في الأهمية عن البحث في القواعد الاصولية ، فالقواعد الاصولية تكمن أهميتها من خلال وقوعها في طريق استنباط مجموعة من الأحكام الفقهية ، وكذلك الأمر في القواعد الفقهية ؛ فالفقيه يستعين بها في تحصيل مجموعة من الأحكام الفقهية.

فالمصلّي إذا نسي قراءة الفاتحة أو السورة في صلاته أو صلّى بدون وضوء أو اقتدى بشخص واتضح كونه فاسقا أو اتضح كونه يصلّي نافلة أو ... ان هذه وأمثالها يمكن للفقيه أن يستحصل على

حكمها من خلال قاعدة لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود.

ان القاعدة المذكورة تدلّ على انّه متى ما حصل الإخلال بواحد من الخمسة المذكورة وجبت إعادة الصلاة ، دون ما اذا حصل الإخلال بغيرها ؛ فنسيان الحمد أو السورة لا يبطل الصلاة ، لأنّه ليس أحد الخمسة المذكورة ، وهكذا الصلاة خلف شخص اتضح كونه فاسقا أو يصلّي نافلة ، بخلاف ما اذا صلّى بدون وضوء فان صلاته باطلة لأن الطهور أحد الخمسة المستثناة.

وعلى هذا المنوال يمكن أن نخرج بأحكام أخرى كثيرة بتوسط القاعدة المذكورة.

هذه واحدة من القواعد الفقهية. وعلى منوالها قواعد أخرى كثيرة لا تقلّ عنها أهمية.

فهل ترى بعد هذا استغناء الفقيه عن بحث القواعد المذكورة؟

تاريخ البحث في القواعد الفقهية

والفقهاء لم يولوا القواعد الفقهية اهتماما كما أولوا القواعد الأصولية ذلك ، فالقواعد الأصولية أفردوها بالبحث وبعلم مستقل تحت عنوان علم أصول الفقه ، وأخذ هذا العلم بالتطور تدريجا وبمرور الزمن حتى بلغ القمة في وقتنا الحاضر ، بينما لا نجد هذا المعنى في القواعد الفقهية ، فهي لم تفرد ببحث مستقل وانما يبحثها الفقيه في علم الأصول وبشكل استطرادي ، أو في الفقه وبمناسبات خاصة.

فقاعدة لا ضرر بحثها الشيخ الأعظم قدس‌سره في أصوله المسمى

بالرسائل ، فبعد أن أنهى بحثه في البراءة والاشتغال تعرّض إلى بحث آخر تحت عنوان خاتمة في شرائط جريان الأصول العملية ، فذكر ان أصل البراءة لا يجري إلاّ اذا فحص المجتهد عن الأدلة الاجتهادية الى حدّ اليأس عن العثور على دليل للحكم ، انّه آنذاك يمكنه اجراء أصل البراءة ، وإلاّ فقبل الفحص لا يمكنه اجراء الأصل المذكور ، ثم أخذ يتدرج في البحث المذكور حتى وصل إلى نقل رأي عن الفاضل التوني يقول فيه : ان من شرائط جريان البراءة عدم كون المورد مشمولا لقاعدة لا ضرر. وأخذ الشيخ بمناقشة الرأي المذكور ، ولما أنهى مناقشته قال : انّه لا بأس ان نبحث القاعدة المذكورة بشكل مستقل. وأخذ ببحثها ، وتابعه على ذلك من جاء بعده.

ان القاعدة المذكورة نجدها قد بحثت في علم الأصول ولم تبحث في الفقه ، فضلا عن إفرادها واخواتها بعلم مستقل.

وهكذا نجد الأمر في مثل أصالة الصحة وقاعدة الفراغ والتجاوز قد بحثها الشيخ الأعظم في رسائله بمناسبة خاصة ، وواكبه على ذلك من تأخّر عنه.

هذا شأن بعض القواعد الفقهية ، وبعضها الآخر يبحثها الفقيه استطرادا في أبحاثه الفقهية كقاعدة لا تعاد أو نفي العسر والحرج أو قاعدة اليد والقرعة و ... ولعلّ أول من فكّر في افراد القواعد الأصولية ببحث مستقل هو الشهيد الأول في كتابه المعروف بالقواعد والفوائد الذي طبع طبعة محققة في جزءين ؛ ولكن الكتاب المذكور ليس ممحضا في القواعد الفقهية ، بل يذكر قواعد أخرى أجنبية عن الفقه هي أشبه باللغوية أو

الأدبية أو الكلامية أو الأصولية.

فمثلا يذكر في القاعدة الأولى تفسير الفقه لغة وشرعا ، وفي القاعدة الثانية أقسام الحكم الشرعي ، وفي القاعدة الثالثة ان العبادات تتصف بالأحكام الخمسة ما عدا الاباحة ، فالصلاة مثلا تكون واجبة أو مستحبة أو مكروهة أو محرّمة ولا تكون مباحة ، وهذا بخلاف العقود فانها تتصف بجميع الأحكام الخمسة ، وعلى هذا المنوال يذكر قواعد أخرى كثيرة.

ومن هنا نجد ان تسمية الكتاب جاءت بالقواعد والفوائد ، فلم تقيد القواعد بالفقهية وعطفت الفوائد على القواعد.

وعلى أي حال ان بحث الكتاب المذكور عن القواعد الفقهية أمر نادر ، واذا بحثها اتفاقا بحثها بالشكل المناسب لتلك الفترة الزمنية ، فهو لا يذكر مدرك القاعدة وجهات البحث فيها وكيفية الاستفادة منها.

وجاءت في الآونة الأخيرة بعض المحاولات الجيدة في هذا المجال ؛ أخص من بينها بالذكر : القواعد الفقهية للسيد البجنوردي ، والقواعد الفقهية للشيخ الشيرازي ، ومائة قاعدة للسيد المصطفوي.

ولا ننسى الالتفات الى أن الفترة المتوسطة بين عصر الشهيد الأول والآونة الأخيرة اشتملت على بعض المؤلفات الأخرى المخطوطة والمطبوعة.

فمن المطبوعة : عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام للشيخ النراقي ، إلاّ أنّه ليس بمستوعب لها ، بل هو يشتمل على عشر قواعد تقريبا ، وأكثره ناظر الى فوائد أخرى من قبيل البحث عن ولاية الفقيه ، وتحقيق حال كتاب الفقه الرضوي ،

واستعراض بعض الفوائد الرجالية ؛ من قبيل : بيان معنى اسند عنه أو الفرق بين الكتاب والأصل والنوادر ، أو بيان معنى فلان مولى فلان ، إلى غير ذلك.

ومن الكتب المخطوطة بعض الرسائل الخاصة بالقواعد الفقهية التي أشار لها الشيخ آقا بزرك في الذريعة ، كرسالة السيد محمد مهدي القزويني ، ورسالة المولى محمد جعفر الأسترابادي وغير ذلك.

القاعدة الفقهية والفارق بينها وبين القاعدة الأصولية

في مجال التفريق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية يمكن أن تقدم عدّة فوارق قد يكون بعضها قابلا للمناقشة ، إلاّ اننا نترك ذلك الى مستوى أعلى.

1 - ان القاعدة الفقهية قاعدة تشتمل على حكم شرعي عام يستفاد من تطبيقها الحصول على أحكام شرعية جزئية هي مصاديق لذلك الحكم العام ، بينما القاعدة الاصولية قاعدة تستبطن حكما عاما يستفاد من خلال تطبيقها استنباط أحكام شرعية كلية مغايرة لذلك الحكم العام.

مثال ذلك : قاعدة الطهارة التي هي قاعدة فقهية والتي تنص على أن كل شي‌ء يشك في نجاسته فهو محكوم بالطهارة.

انّ هذه القاعدة تتضمن حكما شرعيا عاما ، واذا طبقناها على مواردها لم نحصل على أحكام أخرى تتغاير ومضمونها ، بل على أحكام تتفق ومضمونها ، بيد أنها أضيق فاذا كان لدينا ملابس نشك في نجاستها ، فمن خلال تطبيقها عليها نحكم بأنها طاهرة. والحكم هذا

بالطهارة على الملابس التي يشك في نجاستها هو بنفسه مضمون قاعدة الطهارة وليس شيئا غيره ؛ غايته انّه أضيق وخاص بالملابس.

وهذا بخلاف قاعدة حجيّة خبر الثقة التي هي قاعدة أصولية ، فانّه من خلال تطبيقها نستفيد حرمة العصير العنبي اذا غلى فيما اذا دلّ خبر ثقة على ذلك ، والحرمة المذكورة ليست مصداقا لمضمون حجيّة خبر الثقة ، بل هما شيئان متغايران تمام التغاير ، إلاّ ان أحدهما يستنبط منه الثاني ويستحصل عليه من خلاله.

اذن القاعدة الفقهية حكم شرعي عام تستفاد من خلال تطبيقها أحكام شرعية جزئية هي مصاديق لذلك الحكم العام ، بخلافه في القاعدة الأصولية فان ما يستحصل عليه منها هي أحكام شرعية مغايرة لذلك الحكم العام.

ويمكن أن نعبّر عن هذا الفارق الأول بتعبير ثان وهو ان القاعدة الفقهية يستفاد منها في مجال التطبيق على مصاديقها ، بينما القاعدة الأصولية يستفاد منها في مجال الاستنباط.

2 - ان القاعدة الفقهية تقدّم لنا من خلال تطبيقها أحكاما جزئية بخلاف القاعدة الأصولية فإنها تقدم لنا أحكاما كليّة. فبتطبيق قاعدة الطهارة وعلى مواردها نستفيد ان هذا الماء طاهر ، وذاك الطعام طاهر (1)بينما نستفيد من خلال تطبيق قاعدة حجيّة خبر الثقة أن العصير العنبي الكلي إذا غلى حرم ، لا أن هذا العصير أو ذاك العصير الخاص يحرم إذا غلى.


1) يمكن التأمل في ذلك باعتبار انه قد يستفاد من القاعدة الفقهية حكم كلي كطهارة الحديد لو شككنا في طهارته في نفسه.

3 - ان القاعدة الفقهية يتعهد بتطبيقها المكلّف العامي دون المجتهد ، فالمجتهد يقدّم الى العامي كبرى قاعدة الطهارة ويقول له : انّ كلّ شي‌ء مشكوك النجاسة هو طاهر ، اما ان هذا أو ذاك هو مشكوك النجاسة ومن ثمّ هو طاهر فوظيفته راجعة إلى العامي ، فهو الذي يقول : هذا الطعام الذي في بيتي مشكوك النجاسة فهو طاهر. ولا يبقى منتظرا الرجوع إلى المجتهد ليتصدى للدور المذكور. هذا في مثل قاعدة الطهارة.

أما مثل كبرى حجيّة خبر الثقة فتطبيقها على مواردها وظيفة المجتهد ، فهو الذي يبحث عن الخبر الدال على حرمة العصير ويبحث عن وثاقة الراوي ويطبق كبرى حجية خبر الثقة عليه بعد ثبوت كونه ثقة (1).

المسألة الفقهية والقاعدة الفقهية

بعد أن عرفنا الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية قد تسأل عن الفارق بين المسألة الفقهية والقاعدة الفقهية؟

والجواب : ان الفارق هو أن موضوع الأولى خاص ، بخلاف موضوع الثانية فانّه عام ، فمثلا قولنا : «الصلاة واجبة» و«شرب الخمر محرم» مسألة فقهية ، فالأولى خاصة بموضوع الصلاة ، والثانية خاصة بموضوع شرب الخمر.

وهذا بخلاف قولنا «كلّ شي‌ء لك طاهر حتى تعلم بأنّه نجس»


1) يمكن أن يورد على هذا الفارق بأن بعض القواعد الفقهية لا يمكن للعامي تطبيقها ، مثل لا ضرر ولا تعاد و ...

فانّه قاعدة فقهية ، حيث ان موضوعه عام وله جنبة شمولية لموضوعات متعددة ولم يؤخذ فيه موضوع معين.

وأما المسألة الأصولية والقاعدة الأصولية فهما واحد ولا فرق بينهما.

ما به الاشتراك والامتياز

ومن خلال ما سبق اتضح ان القاعدة الفقهية تلتقي مع القاعدة الاصولية في نقطة ، وتفترق عنها في نقطة أخرى.

اما نقطة الالتقاء فهي ان كلتا القاعدتين لهما جنبة شمولية لأكثر من مسألة واحدة ولا تختصان بمورد معين.

واما نقطة الافتراق فهي ان القاعدة الأصولية يستنبط منها حكم شرعي مغاير لها ، بينما القاعدة الفقهية يستحصل من خلال تطبيقها على أحكام لا تغاير مضمونها ، بل هي جزئيات ومصاديق لمضمونها الكلي.

القواعد الفقهية لا تنحصر في عدد معين

حيث ذكرنا فيما سبق ان القاعدة الفقهية ترجع في حقيقتها إلى حكم شرعي عام، له سعة وشمولية لمجموعة مسائل فقهية هي بمنزلة المصاديق له يتضح أن القواعد الفقهية لا تنحصر في عدد معين بل يمكن من خلال مراجعة الرسائل العملية لفقهائنا العظام الحصول على قواعد فقهية كثيرة من قبيل قاعدة «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» أو «البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر» أو «ان دين اللّه

أحق بالقضاء من دين الناس» أو «من حاز ملك» أو «كل شرط نافذ إلاّ ما خالف الكتاب العزيز ومقتضى العقد» أو «ما على المحسنين من سبيل» و ....

القاعدة الفقهية على قسمين

والقواعد الفقهية على قسمين ، فبعضها يختص بباب واحد ، وبعضها يعمّ أكثر من باب.

مثال الأول : قاعدة لا تعاد ، فانها خاصة بباب الصلاة ، وقاعدة الطهارة فانها خاصة بباب الطهارة ، وقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وبالعكس ، فانها خاصة بباب المعاملات.

ومثال الثاني : قاعدة لا ضرر ، وقاعدة نفي العسر ، فانهما تعمّان أبوابا مختلفة.

قاعدة لا تعاد

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - عدم شمول القاعدة للعامد

4 - هل تختص بالناسي

5 - هل تعمّ الجاهل بكلا قسميه

6 - معذورية العامد في بعض الحالات

7 - هل تختص القاعدة بحالة الفراغ

8 - عموم القاعدة لحالة الزيادة

9 - نكتة عدم الإشارة إلى بعض الأركان

10 - ما المراد بالطهور

11 - هل تعم القاعدة الموانع

12 - تطبيقات على ضوء قاعدة لا تعاد

توجد في باب الصلاة عدّة قواعد ؛ من قبيل قاعدة لا تعاد ، وقاعدة الفراغ والتجاوز ، وقاعدة الحيلولة ، وقاعدة لا شك لكثير الشك ، وقاعدة عدم تحمل الركعتين الأوليين للسهو و ....

ونحن ننتخب الآن أهمها ، وهما قاعدتان : قاعدة لا تعاد، وقاعدة الفراغ والتجاوز.

ونمنهج حديثنا حول قاعدة لا تعاد ضمن النقاط التالية :

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - عدم شمول القاعدة للعامد.

4 - هل تختص بالناسي؟

5 - هل تعمّ الجاهل بكلا قسميه؟

6 - معذورية العامد في بعض الحالات.

7 - هل تختص القاعدة بحالة الفراغ؟

8 - عموم القاعدة لحالة الزيادة.

9 - نكتة عدم الاشارة الى بعض الأركان.

10 - ما المراد بالطهور؟

11 - هل تعمّ القاعدة الموانع؟

12 - تطبيقات على ضوء قاعدة لا تعاد.

1 - مضمون القاعدة

والمقصود من قاعدة لا تعاد : ان من ترك بعض أجزاء الصلاة وشرائطها فصلاته لا تبطل ، إلاّ إذا كان الجزء أو الشرط من قبيل الركوع والسجود والطهارة من الحدث والقبلة والوقت.

ان الاخلال اذا كان بواحد من هذه الخمسة فالصلاة تبطل ، حتى ولو كان الاخلال عن سهو أو جهل ، اما اذا كان بغيرها فلا تبطل.

وان شئت قلت : ان الاخلال اذا كان بأحد الأركان فالصلاة تبطل وإلاّ فلا.

واذا قلت : ان التكبير والقيام هما من الأركان أيضا فلما ذا لم يذكرا؟ كما ان الطهارة والقبلة والوقت ليسا من الأركان فلما ذا ذكرت؟

قلت : ان الجواب يأتي فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

2 - مدرك القاعدة

والمدرك للقاعدة المذكورة هو صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌ السلام والتي رواها الصدوق في خصاله تارة ، وفي الفقيه أخرى ، كما رواها الشيخ الطوسي في تهذيبه.

ففي الخصال رواها الصدوق عن أبيه عن سعد عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌ السلام «قال : لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود. ثم قال عليه‌ السلام: القراءة سنة ، والتشهد سنة ، والتكبير سنة ، ولا تنقض السنّة الفريضة» (1).

وفي الفقيه قال : «وروى زرارة عن أبي جعفر عليه‌ السلام انّه قال : لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود ، ثم قال : القراءة سنّة ، والتشهد سنّة ، ولا تنقض السنّة الفريضة» (2).

وفي التهذيب : «روى زرارة عن أبي جعفر عليه‌ السلام انّه قال : لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود. ثم قال : القراءة سنّة ، والتشهد سنّة ، فلا تنقض السنّة الفريضة» (3).

والرواية صحيحة السند ، فانها بطريق الشيخ وان كانت قابلة للتأمل (4)

هذا مضافا الى ان زرارة لم يكن له إلاّ كتاب واحد وهو كتاب الاستطاعة والجبر. والشيخ حينما يذكر طريقه في الفهرست الى زرارة يذكر طريقه الى هذا الكتاب. ومن البعيد أن الرواية المذكورة موجودة فيه. وعلى هذا فالرواية مرسلة.

إلاّ انها بكلا طريقي الصدوق هي معتبرة (5)

واما سعد فهو كما قال النجاشي : «شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها».

وأما أحمد بن محمد بن عيسى فهو كما قال الشيخ الطوسي : «شيخ قم ووجيها وفقيهها غير مدافع».

«واما الحسين بن سعيد فهو كما قال الشيخ «صاحب المصنفات الأهوازي ثقة».

«واما حماد فهو غريق الجحفة والذي قال عنه النجاشي «كان ثقة في حديثه صدوقا».

وأما حريز فهو ثقة كوفي على حد تعبير الشيخ.

واما زرارة فهو شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم على حدّ تعبير النجاشي.

هذا بالنسبة الى طريق الخصال.

واما طريق الفقيه فقد ذكر الصدوق في المشيخة المذكورة آخر الجزء الرابع من الفقيه هكذا : أبي رضي‌اللّه‌عنه عن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن محمد بن عيسى بن عبيد والحسن بن ظريف وعلي بن اسماعيل بن عيسى كلّهم عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن زرارة بن أعين. وجميع السلسلة المذكورة هم من الثقات.

. ويكفينا لاعتبار

1) الوسائل ، الباب 1 من أفعال الصلاة ح 14.

2) الفقيه 1 : 255.

3) التهذيب 2 : 152.

4) لأن الطريق الذي ذكره الشيخ الى زرارة في الفهرست : 75 يمرّ بابن أبي عمير عن بعض أصحابه حيث قال «أخبرنا به ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن سعد بن عبد اللّه والحميري عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عنه».

5) اما طريق الخصال فواضح لأن وثاقة نفس الصدوق ووالده أبين من الشمس.

الرواية صحّة أحد طرقها.

توضيح اجمالي

ورد في الرواية التعبير ب «السنة» و«الفريضة». ويراد من مصطلح السنّة عادة ما سنّه النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم وشرّعه ، ومن مصطلح الفريضة ما شرّعه اللّه سبحانه وفرضه.

وعلى هذا فالمعنى ان الركوع وبقية الخمسة واجبات فرضها اللّه سبحانه في حين أن بقية الأجزاء سنّها وشرّعها النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم . وأي خلل يقع فيما فرضه اللّه سبحانه تبطل به الصلاة ، بينما الخلل الواقع فيما سنّه النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم لا تبطل به الصلاة ولا يؤثر على صحّة ما فرضه اللّه سبحانه.

وهناك باب خاص قد عقده الشيخ الكليني في الكافي (1)تحت عنوان «باب التفويض إلى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم وإلى الأئمة عليهم‌ السلام في أمر


1) الكافي 1 : 265.

الدين» يدلّ على ثبوت السلطة التشريعية للرسول صلی اللّه عليه وآله وسلم .

3 - عدم شمول الحديث للعامد

ينبغي أن يكون من الواضحات عدم شمول الحديث للمتعمد ترك الجزء أو الشرط ، فان عدم وجوب الاعادة خلف فرض الجزئية والشرطية ، إذ كيف تجتمع جزئية الشي‌ء وشرطيته مع عدم بطلان العمل بتركه عمدا.

هذا مضافا الى انصراف التعبير ب «لا تعاد» إلى من اعتقد اتيانه الصلاة بكامل متطلباتها ثمّ التفت بعد ذلك الى وقوع الخلل فيها.

ومن الغريب ما نقله الميرزا في تقريرات صلاة تلميذه الكاظمي (1)من ذهاب بعض الى شمول الحديث في نفسه لكلّ مكلّف ، غايته ان العامد خرج بالإجماع حيث قام على بطلان صلاته (2).

4 - هل تختص بالناسي

لا اشكال في ان القدر المتيقن من الحديث هو الناسي ، وانما الكلام وقع في شمولاه للجاهل.

اختار جمع ؛ منهم الميرزا قدس‌سره الاختصاص بالناسي وقرّب ذلك على ما في تقريرات الصلاة لتلميذه الكاظمي (3)بأن الجاهل حيث لم


1) التقريرات 2 : 193.

2) وفي القواعد الفقهية للسيد البجنوردي 1 : 62 نسبة دعوى امكان شمول الحديث للعامد الى الشيخ محمد تقي الشيرازي قدس‌سره.

3) التقريرات 2 : 194.

يأت بالواجب الثابت عليه واقعا فلا يخاطب بخطاب أعد أو لا تعد ، بل بخطاب ائت بالسورة أو بالتشهد أو ... وهذا بخلاف الناسي فانّه حيث لا يكون مكلّفا حالة النسيان بما نساه لعدم امكان تكليف الناسي - من جهة عدم قدرته على فعل المنسي حالة نسيانه ، وهذا بخلاف الجاهل فإن جهله لا يسلب قدرته على فعل الجزء - فمن المناسب توجيه الأمر بالإعادة له ، فيقال له : أعد أو لا تعد (1).

وفيه : انه بناء على هذه التدقيقات يلزم عدم شمول الحديث للناسي أيضا ، لأنّه ما دام لم يكلف بالسورة التي نساها فلا معنى لأن يقال له : أعد ، فإن الأمر بالإعادة فرع وجود أمر سابق.

والصحيح شمول الحديث للجاهل ، لأنّه نسب الإعادة إلى الصلاة فقال لا تعاد الصلاة ، ومن الواضح ان الصلاة حيث أتي بها أولا بلا سورة مثلا ، فمن الوجيه حينئذ التعبير بالإعادة نظرا إلى الاتيان بها سابقا.

5 - هل تعمّ الجاهل بكلا قسميه

بعد التسليم بشمول الحديث للجاهل نسأل هل هو خاص بالجاهل القاصر أو يعمّ المقصّر أيضا؟

ذكر السيد الخوئي في المستند (2)انّه خاص بالقاصر لأن ظاهره التعرّض لحكم من هو معذور وليس مكلفا بشي‌ء لو لا اتضاح الحال له


1) وقد نقل السيد الخوئي التقريب المذكور عن الميرزا فراجع التنقيح 1 : 50 ، وفقه الشيعة 1 : 225 ، والمستند 6 : 17.

2) المستند 6 : 18.

وانه لم يأت ببعض الأجزاء ، ومن الواضح ان الجاهل المقصّر تجب عليه الإعادة بحكم العقل سواء انكشف له الخلاف أم لا ، لتنجز التكليف الواقعي عليه وعدم كونه معذورا بعد فرض تقصيره.

وفيه : انه لا فرق بين المقصر والقاصر ، فانّه بعد انكشاف الخلاف وانه لم يؤت ببعض الأجزاء فمن اللازم عليهما معا الإعادة ، وقبل انكشاف الخلاف لا يجب عليهما الإعادة فيما اذا كانا قاطعين بالتمامية.

أجل الفرق بينهما يظهر في الجاهل البسيط بمعنى المتردد ، فان المقصّر يلزمه التعلم بخلاف القاصر فانه لا يلزمه ، وإلاّ لم يكن قاصرا ، إلاّ ان هذا مطلب آخر لا ربط له بما نحن فيه.

وقد يقال بعدم الشمول للجاهل المقصّر بتقريب ان الحديث لو شمله كما شمل القاصر يلزم اختصاص الأحكام بخصوص العالمين بها وهو خلف فرض ضرورة الاشتراك.

وفيه : ان عدم الاشتراك لا محذور فيه بعد دلالة الدليل عليه - وهو اطلاق حديث لا تعاد - كما لم يكن فيه محذور في مثل مسألة الجهر والاخفات والقصر والتمام.

على ان عدم وجوب الإعادة لعلّه من باب الاكتفاء بالناقص عن التام في مقام الامتثال ، وليس من باب اختصاص الحكم ابتداء بالعالم.

وعليه فدعوى الشمول للجاهل المقصّر أمر وجيه لو لا شبهة الاجماع على عدم معذورية الجاهل المقصّر من هذه الناحية.

ويؤيد الاجماع حكمهم بتخصيص معذورية الجاهل بخصوص مسألة الجهر والاخفات والقصر والتمام ، فان ذلك يدلّ على عدم

معذوريته في غير ذلك.

6 - معذورية العامد في بعض الحالات

ذكرنا ان الحديث لا يشمل العامد. ونستدرك الآن لنقول : ان الحديث يشمل العامد فيما اذا كان إخلاله العمدي عن عذر ، كما لو اقتدى بشخص باعتقاد انّه عادل وترك قراءة الحمد والسورة ، ثم اتضح انّه فاسق ؛ ان ترك القراءة في هذه الحالة عمدي ، إلاّ انّه عن عذر حيث تخيّل عدالة الامام وتحمله القراءة.

وهكذا لو كان المكلف يصلّي منفردا فأتى في الركعة الثانية بالتسبيحات بتخيل انها الركعة الثالثة.

أو اقتدى بشخص بتخيل انّه يصلّي فريضة فاتضح انّه يصلّي نافلة ، فان الصلاة محكومة في الحالات المذكورة بالصحة ، إذ الخلل اما من ناحية نيّة الاقتداء بمن لا يصح الاقتداء به ، أو من ناحية ترك القراءة عن عمد واختيار ، وكلاهما لا يضرّ لقاعدة لا تعاد.

ثم ان الوجه في شمول الحديث لحالة الترك العمدي عن عذر هو ان ما تقدّم من الوجهين السابقين لعدم الشمول لحالة العمد لا يعمّ الحالة المذكورة ، فالمنافاة مع جزئية الجزء أو شرطية الشرط لا تلزم ، كما ان الانصراف المدعى لا يتم هنا.

7 - هل تختص القاعدة بحالة الفراغ

تارة يصلّي المكلف وبعد الفراغ منها يتضح له الخلل فيها بترك جزء أو شرط ، كما اذا انكشف له عدم ستر عورته ، وأخرى يتضح له

ذلك في أثناء العمل.

أما الحالة الأولى فهي القدر المتيقن من الحديث.

واما الحالة الثانية فقد يقال بعدم شمول الحديث لها ، لأن التعبير بالإعادة يدلّ على ضرورة الفراغ من العمل وإلاّ فلا معنى للإعادة وعدمها. وهكذا التعبير بالصلاة يدلّ على إرادة تمام الصلاة.

وفيه : ان لفظ الصلاة كما يصدق على المجموع يصدق على البعض أيضا ، فيقال مثلا : لا تتكلم في صلاتك ، أي أثناءها وقبل اكمالها.

والتعبير بإعادة الصلاة كما يصح بلحاظ تمام الصلاة ، كذلك يصح بلحاظ بعضها.

وعليه فمقتضى اطلاق الحديث شمولاه للحالة الثانية أيضا وعدم اختصاصه بالاولى.

8 - عموم القاعدة لحالة الزيادة

تارة يكون الاخلال في الصلاة بسبب ترك جزء أو شرط وأخرى يكون بسبب زيادة ذلك.

والقدر المتيقن من الحديث هو الأول. وقد وقع الاختلاف في شمولاه لحالة الزيادة فقيل بعدم الشمول ، لأن ثلاثة من الخمسة - وهي الوقت والقبلة والطهور - لا يتصور فيها الزيادة.

والصحيح هو الشمول.

اما بناء على ما هو المعروف من ان حذف المتعلق يدلّ على العموم فالأمر واضح ، إذ الحديث لم يقل : لا تعاد الصلاة من النقيصة إلاّ في خمسة ، بل حذف المتعلق وقال : لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة.

واما بناء على التشكيك في دلالة حذف المتعلق على العموم فيمكن التمسك بعموم التعليل وان السنة لا تنقض الفريضة ، ان هذا التعليل لا يتناسب وخصوص النقيصة بل يلتئم مع الزيادة أيضا ، وواضح ان عموم التعليل قرينة على عموم الحكم المعلل وعدم اختصاصه بحالة النقيصة.

ومن الغريب ما ذكره بعض (1)من ان التعليل يدلّ على الاختصاص بالنقيصة إذ المقصود منه ان الأجزاء التي فرضها اللّه سبحانه متى ما تحققت فلا يضرّ فقد غيرها.

وفيه : ان تفسير التعليل بهذا الشكل الضيق تفسير لا وجه له.

واما ما استدلّ به من ان ثلاثة من الخمسة لا يتصور فيه الزيادة فيمكن دفعه بأن ذلك قرينة على عدم إرادة الزيادة في خصوص الثلاثة المذكورة ، ولا يصلح قرينة على عدم إرادتها في مطلق الخمسة.

9 - نكتة عدم الاشارة لبعض الأركان

نحن نعرف ان الأركان لا تختص بالركوع والسجود ، بل النيّة والتكبير والقيام هي من جملة الأركان أيضا ، فلما ذا لم يشر لها الحديث؟

ونعرف ان الوقت والقبلة والطهارة من الحدث ليست من الأركان فلما ذا لم يذكرها الفقهاء من جملة الأركان بالرغم من ذكر الحديث لها؟

والجواب : أما بالنسبة الى نكتة الاقتصار على الركوع والسجود


1) وهو الشيخ ناصر مكارم في قواعده الفقهية 1 : 527.

فلعل ذلك من جهة ان العمل من دون نيّة لا يصدق عليه صلاة ، فالمكلّف اذا لم ينو الصلاة لا يصدق انه دخل في الصلاة حتى يحكم عليه بإعادة الصلاة ، واذا لم يكبّر لم يتحقق منه الدخول في الصلاة حتى يحكم عليه بالإعادة أو بعدمها.

واما القيام فالمعروف ان الركن منه هو القيام المتصل بالركوع ، أي الذي يكون قبل الركوع بلحظة. ولعل عدم ذكره من باب ان تركه بشكل مستقل عن ترك الركوع لا يتحقق عادة ، بل ان ترك القيام السابق على الركوع بلحظة يلازم ترك الركوع ، وحيث ان الركوع قد أشير اليه في الحديث فلا حاجة للإشارة الى القيام.

وهناك قيام ثان قيل بركنيته وهو القيام حالة تكبيرة الاحرام.

ولعل عدم ذكره هو من باب عدم تحقق عنوان تكبيرة الاحرام بدونه ، فإن العنوان المذكور متقوم بالقيام.

واما ان الفقهاء لم يحكموا على الطهارة والقبلة والوقت بالركنية بالرغم من انها مذكورة في النص ، فلعلّ ذلك من جهة ان الركن لدى الفقهاء مصطلح يختص بالأجزاء التي تبطل الصلاة بتركها ولو عن سهو ، وواضح ان الطهارة والقبلة والوقت ليست أجزاء للصلاة ، وانما هي شرائط لها.

10 - ما المراد بالطهور؟

هل المقصود بالطهور خصوص الطهارة الحدثية أو ما يعمّ الطهارة الخبثية؟

قد يقال : بأن المراد هو الأعمّ أو لا أقل أن الكلمة مجملة ومرددة

بين إرادة الأعم أو خصوص الحدثية ؛ الأمر الذي لازمه عدم امكان الاستدلال بالحديث على الصحة في موارد فوات الطهارة الخبثية ، والظاهر إرادة خصوص الطهارة الحدثية ، لأن حديث لا تعاد اشتمل على ذيل وهو «القراءة سنّة والتشهد سنّة ، ولا تنقض السنة الفريضة» فإن المراد بالفريضة ما ثبت بتشريع اللّه سبحانه ، وبالسنّة ما ثبت بتشريع الرسول صلی اللّه عليه وآله وسلم ، وواضح ان الذي ثبت بتشريع اللّه سبحانه هو اعتبار الطهارة الحدثية دون الخبثية ؛ قال تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) (1)واما الطهارة الخبثية فقد دلّت على اعتبارها الروايات دون القرآن الكريم.

لا يقال : قد دلّ القرآن الكريم على اعتبار الطهارة من الخبث بقوله : ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) (2).

فانّه يقال : ليس المراد من الأمر - فطهّر - طلب الطهارة الشرعية بل الطهارة العرفية بمعنى النظافة في مقابل القذارة العرفية ، فإنّه كما قيل : النظافة من الايمان.

11 - هل تعم القاعدة الموانع؟

ان الصلاة مركبة من أجزاء وشرائط وعدم موانع معينة كعدم القهقهة وعدم التكلّم.

والحديث يشمل الأجزاء والشرائط قطعا وذلك هو القدر المتيقن


1) المائدة : 6.

2) المدثر : 4.

منه. واما عدم الموانع فقد يشكك في ذلك (1). فاذا ضحك المصلّى أو لبس ما لا يصح له لبسه ونحو ذلك ، فلا يمكن تصحيح صلاته بالقاعدة المذكورة.

والوجه في ذلك : ان العناوين المذكورة في المستثنى هي اما من قبيل الأجزاء كالركوع والسجود أو من قبيل الشرائط كبقية الخمسة ، وليس شي‌ء منها من قبيل عدم المانع.

هذا مضافا الى ان الامام عليه‌ السلام في مقام التعليل قال : «ان القراءة سنّة والتشهد سنّة ...» ولم يذكر ما هو من قبيل عدم المانع.

وفيه : ان القادح بصحة الصلاة اذا كان منحصرا بالخمسة المذكورة فهل يبقى توقع ذكر ما هو من قبيل عدم المانع.

واما الاقتصار في مقام التعليل على التشهد والقراءة فذلك من باب المثال ، وإلاّ فالترتيب والموالاة شرط ومع ذلك لم يشر لهما.

وفي الحقيقة ان الذي يقرأ الرواية يفهم من لهجتها الشمول ؛ خصوصا وان التعليل فيها يدلّ على ان فرض اللّه لا يحكم عليه بالبطلان بسبب غيره ، سواء كان من قبيل اختلال الشرط أو من قبيل وجود المانع.

12 - تطبيقات على ضوء قاعدة لا تعاد

ما هو الحكم في الفروع التالية على ضوء قاعدة لا تعاد؟

1 - شخص صلّى العشاء قبل المغرب بتخيل اداء المغرب أو


1) من جملة من شكك في ذلك الشيخ ناصر مكارم في قواعده الفقهية 1 : 523.

صلّى العصر قبل الظهر بتخيل اداء الظهر.

2 - شخص كان يقلّد مجتهدا يقول بوجوب اداء الصلاة قصرا ثم قلّد ثانيا من يقول بوجوب التمام.

3 - صلّى المكلف وهو لا يدري ان على بدنه أو ملابسه بعض أجزاء حيوان لا يحلّ أكل لحمه شرعا ، كشعر القط مثلا.

4 - لو نسي المكلف الركوع قبل تجاوز المحل - أي قبل الدخول في السجود - أو بعده.

5 - لو سبّح المصلي بدل القراءة في الركعة الأولى أو أتى بتشهد فيها.

6 - اذا اتضح عدم صحّة قراءة الامام بعد فترة من الزمن ، أو عدم صحّة قراءة المكلف نفسه لو كان يصلّي فرادى.

7 - اذا اتضح للمأموم ان الامام امرأة أو فاسق ، أو يوجد حائل بينهما يمنع من صدق الجماعة؟

8 - امرأة كانت تغتسل غسل الحيض قبل انقضاء حيضها فترة من الزمن.

9 - شخص كان يغتسل أو يتوضأ فترة من الزمن وعلى بعض أعضائه حائل ثم التفت.

10 - شخص كان يغسل أعضاء وضوئه ثلاث مرّات ثم التفت الى عدم جواز ذلك.

11 - ما حكم من تيمم بدل الوضوء باعتقاد ضيق الوقت ثم انكشف سعته؟وما هو حكم العكس ، أي من توضأ بدل التيمم باعتقاد سعة الوقت ثم انكشف الخلاف؟

قاعدتا الفراغ والتجاوز

اشارة

1 - مضمون القاعدتين

2 - مدرك القاعدتين

3 - قاعدتان أو قاعدة واحدة

4 - عموم القاعدتين لغير الصلاة والوضوء

5 - استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز

6 - هل يعتبر الدخول في الغير

7 - ما المراد من الغير

8 - احتمال الالتفات

9 - تطبيقات

من القواعد المهمة التي يستفيد منها الفقيه كثيرا قاعدتا الفراغ والتجاوز ، وقد جرت عادة الأعلام على جمعهما بالبحث في مورد واحد للتقارب الشديد بينهما.

ونمنهج الحديث عنهما كما يلي :

1 - مضمون القاعدتين.

2 - مدرك القاعدتين.

3 - قاعدتان أو قاعدة واحدة.

4 - عموم القاعدتين لغير الصلاة والوضوء.

5 - استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز.

6 - هل يعتبر الدخول في الغير

7 - ما المراد من الغير؟

8 - احتمال الالتفات.

9 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدتين

وقع الاختلاف بين الأعلام في مضمون القاعدتين وكيفية التفرقة بينهما ، فذهب جمع منهم الشيخ النائيني الى ان قاعدة الفراغ ناظرة الى الشك في صحة الكلّ ، بينما قاعدة التجاوز ناظرة الى الشك في الجزء السابق بعد الدخول في الجزء اللاحق (1).

توضيح ذلك : إنّ شكّ المصلّي في صحة صلاته له صورتان ، فتارة يشك بعد فراغه من صلاته في صحتها؟ وأخرى يشك وهو في أثنائها في الجزء السابق بعد الدخول في الجزء اللاحق كأن يشك في الركوع بعد ما سجد مثلا.

فإن شك في صحة صلاته بعد فراغه منها حكم بصحتها. وهذا هو مضمون قاعدة الفراغ.

وإن شك في الجزء السابق بعد الدخول في اللاحق حكم بتحقق ما سبق وعدم الاعتناء بالشك. وهذا هو مضمون قاعدة التجاوز.

هذا ما ذهب اليه جمع من الأعلام.

وذهب جمع ثان ؛ منهم السيّد الخوئي (2)الى ان المصلي تارة يشك في صحة ما أتى به بعد جزمه بإتيانه به سواء كان ما شك في صحته هو الكل أو الجزء ، وأخرى يشك في أصل اتيانه بالشي‌ء.

ففي الحالة الأولى يحكم عليه بصحة ما أتى به. وذلك هو مضمون قاعدة الفراغ من دون تخصيصها بالشك في صحة الكلّ ، بل


1) أجود التقريرات 2 : 465.

2) مصباح الأصول 3 : 277.

تعمّ الشك في صحة الجزء أيضا.

وفي الحالة الثانية يحكم بتحقق الجزء المشكوك. وذلك مضمون قاعدة التجاوز.

وان شئت قلت : انه على الرأي الثاني يكون مضمون قاعدة الفراغ الحكم بصحة ما اتي به ، ومضمون قاعدة التجاوز الحكم بتحقق ما شك في اتيانه.

بينما على الرأي الأول يكون مضمون قاعدة الفراغ الحكم بصحة الكلّ بعد الفراغ منه ، ومضمون قاعدة التجاوز الحكم بتحقق الجزء السابق عند ما يكون الشك أثناء العمل.

وقد وقع الاختلاف في ان القاعدتين المذكورتين هل ترجعان من حيث الروح الى قاعدة واحدة أو إلى قاعدتين. وسنوضح ذلك فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

2 - مدرك القاعدتين

اشارة

الأخبار الواردة في المقام على نحوين فبعضها ناظر الى الحكم بوجود الشي‌ء المشكوك وبعضها الآخر ناظر الى الحكم بصحة الشي‌ء المشكوك.

فمن النحو الأول : صحيحة زرارة : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌ السلام : رجل شك في الاذان وقد دخل في الاقامة. قال : يمضي.

قلت : رجل شك في الاذان والاقامة وقد كبّر. قال : يمضي.

قلت : رجل شك في التكبير وقد قرأ. قال : يمضي.

قلت : رجل شك في القراءة وقد ركع. قال : يمضي.

قلت : شك في الركوع وقد سجد. قال : يمضي على صلاته.

ثم قال : يا زرارة اذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‌ء» (1)

والرواية صحيحة السند لأن صاحب الوسائل رواها كما يلي : محمد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن زرارة.

اما محمد بن الحسن فهو الشيخ الطوسي الذي لا يحتاج لشهرته الى توثيق.

وأما أحمد بن محمد فهو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري «شيخ قم ووجيهها وفقيهها غير مدافع».

وأما أحمد بن محمد بن أبي نصر فهو البزنطي الذي قال الشيخ الطوسي في حقه «ثقة جليل القدر».

واما حمّاد وحريز وزرارة فقد تقدم حالهم.

يبقى علينا ملاحظة سند الشيخ الطوسي الى أحمد بن محمد بن عيسى ، وهو محلّ كلام بين الأعلام.

وسائل الشيعة : الباب 13 من أبواب الركوع ح 4.

.

وبمضمونها صحيحة اسماعيل بن جابر فقد روى عن أبي جعفر عليه‌ السلام ما نصه : «ان شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض. وان شك في السجود بعد ما قام فليمض. كلّ شي‌ء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه» (2)

والمقصود من قوله «وباسناده» أي وباسناد الشيخ الطوسي عن سعد بن عبد اللّه الأشعري.

وسند الشيخ الطوسي الى سعد صحيح لأنّه ذكر في مشيخة التهذيب 10 : 74 ان ما أرويه عن سعد فقد أخبرني به الشيخ رحمه‌اللّه ـ أي المفيد ـ عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين يعني الصدوق ـ عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه.

وأما سعد نفسه فقد تقدّم عن النجاشي انّه «شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها».

وأما أحمد بن محمد بن عيسى فقد تقدّم عن الشيخ الطوسي انّه «شيخ قم ووجيهها وفقيهها غير مدافع».

وأما والد أحمد الذي اسمه محمد بن عيسى الأشعري فهو على ما قال النجاشي «شيخ القميين ، وجه الأشاعرة ، متقدم عند السلطان».

وأما عبد اللّه بن المغيرة فهو على ما قال النجاشي : «ثقة ثقة لا يعدل به أحد من جلالته ودينه وورعه».

واما اسماعيل بن جابر فقد قال عنه الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الباقر «ثقة ممدوح».

.

1) وسائل الشيعة : الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 1.

2) والوجه في كونها صحيحة السند : ان الحر رواها هكذا : وباسناده عن سعد عن أحمد بن محمد عن أبيه عن عبد اللّه بن المغيرة عن اسماعيل بن جابر.

ومن النحو التالي :

أ - موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌ السلام قال : «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (1)

وانما كانت موثقة لأن في سندها عبد اللّه بن بكير وهو فطحي ولكنه ثقة.

وقد رواها في الوسائل هكذا : وعنه عن صفوان عن ابن بكير عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌ السلام.

وضمير «عنه» يرجع الى الحسين بن سعيد المذكور في السند السابق. أي وعن الشيخ الطوسي بإسناده الى الحسين بن سعيد.

اما الحسين بن سعيد فهو ثقة.

واما عبد اللّه بن بكير فهو على ما قال الشيخ «فطحي إلاّ انّه ثقة».

واما صفوان فهو ثقة سواء كان صفوان بن مهران الجمال أو صفوان بن يحيى.

واما محمد بن مسلم فهو كما قال النجاشي : «وجه أصحابنا بالكوفة فقيه ورع».

يبقى طريق الشيخ الى الحسين بن سعيد. وهو صحيح. راجع مشيخة التهذيب 10 : 63.

.

ب - صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌ السلام قال : «كل ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد» (2).


1) وسائل الشيعة : الباب 23 من أبواب الخلل ح 3.

2) وسائل الشيعة : الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 2.

وبمضمونها صحيحته الأخرى (1).

ج - موثقة بكير بن أعين قال : «قلت له : الرجل يشك بعد ما يتوضأ.

قال : هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (2)

وهي على ما رواه في الوسائل هكذا : وبإسناده ـ أي الشيخ الطوسي بقرينة ما سبق عليها من الروايات ـ عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن ابان بن عثمان عن بكير بن أعين.

اما الحسين بن سعيد فقد تقدم انّه ثقة.

واما فضالة فهو فضالة بن أيوب وقد قال عنه النجاشي : «كان ثقة في حديثه مستقيما في دينه».

واما ابان بن عثمان فقد عدّه الكشي ممن أجمع على تصديقهم. ولأجل كونه ناووسيا عدت الرواية موثقة.

واما بكير بن أعين فقد ورد بطريق صحيح ان الامام الصادق عليه‌ السلام قال عنه لما بلغه موته : «اما واللّه لقد أنزله اللّه بين رسول اللّه وأمير المؤمنين صلوات اللّه عليهما».

ثم ان موثقة بكير مضمرة ، أي لم يذكر فيها الشخص المسؤول وانه الامام عليه‌ السلام حيث قيل «قلت له ...». ولعل الضمير يرجع الى غير الامام عليه‌ السلام ، ومعه تسقط الرواية عن الاعتبار.

وهناك كلام بين الأعلام يرتبط بالمضمرات وانّها حجّة أو لا.

والمشهور هو التفصيل بين ما اذا كان الشخص المضمر من أجلاء الرواة الذين لا يليق بهم السؤال من غير الامام عليه‌ السلام ـ كزرارة ومحمد بن مسلم و ... ـ فتكون مضمراته حجّة ، وبين غيره فلا تكون حجّة.

والصحيح حجيّة مطلق المضمرات بالبيان التالي : ان العرب لا يذكرون الضمير مجردا عن مرجع يرجع اليه بل متى ما ذكروا الضمير ذكروا معه المرجع الذي يرجع إليه ، اما ذكره مجردا عن المرجع فهو أمر غير مألوف ، اللّهم إلاّ اذا فرض وجود عهد خاص بين الطرفين يستندان إليه في إرجاع الضمير.

وعلى هذا الأساس نقول ان ذكر بكير بن أعين للضمير من دون مرجع يرجع اليه لا يكون وجيها إلاّ اذا افترضنا وجود شخص معهود يرجع اليه الضمير ، ومن الواضح انه لا يوجد شخص يليق أن يكون معهودا إلاّ الامام عليه‌ السلام فيتعين رجوع الضمير اليه. وهو المطلوب.

وإذا قيل : لعلّ زرارة مثلا هو المعهود بين الطرفين ويقصدان إرجاع الضمير إليه دون الامام عليه‌ السلام.

كان الجواب : ان بكير حينما سجل الرواية في أصله أو نقلها للآخرين كان قاصدا بذلك ايصال الرواية الى الأجيال المستقبلية وعدم احتكارها على نفسه والطرف الثاني الذي وقع طرفا للحوار ، ومع افتراض توجّه نظره الى الأجيال فلا بد من تعيين المرجع وعهده لدى الجميع ، وليس هو إلاّ الامام عليه‌ السلام.

ثم ان بعض المضمرات قد يشتمل على نكتة خاصة اضافية تصلح لتشخيص كون المسؤول هو الامام ؛ من قبيل : ما ورد في رواية علي بن مهزيار ، قال : كتب اليه سليمان بن رشيد يخبره انه بال في ظلمة الليل وانه أصاب كفّه برد نقطة من البول ... فأجابه بجواب قرأته بخطه ... الباب 42 من النجاسات.

ان السيّد الخوئي في التنقيح 2 : 376 ذكر ان سليمان بن رشيد حيث اننا لا نعرفه فالرواية ساقطة عن الاعتبار إذ لعلّه كان قاضيا من قضاة الجمهور وسأل من أئمة مذهبه.

ان هذا الكلام يمكن أن يورد عليه بأن الرواية تشتمل على خصوصية تعين كون المسؤول هو الامام عليه‌ السلام وهي تعبير ابن مهزيار «قرأته بخطه» ، ان تأكيد رؤية خط المسؤول لا معنى له إلاّ إذا كان المقصود اني رأيت خط الامام عليه‌ السلام.

.

1) المصدر السابق ح 3.

2) وسائل الشيعة : الباب 42 من أبواب الوضوء ح 7.

هذا هو المهم من الروايات. ويوجد غيرها كثير.

مستندات أخرى

وقد حاول البعض تجميع مستندات أخرى للقاعدتين المذكورتين - من قبيل التمسك بتسالم الفقهاء أو اصالة الصحة أو قاعدة نفي العسر والحرج أو السيرة - إلاّ انّها قابلة للمناقشة. والمهم هو الأخبار المتقدمة.

3 - قاعدة واحدة أو قاعدتان

اشارة

وقع الاختلاف بين الاعلام في أن القاعدتين المذكورتين هل ترجعان من حيث الروح الى قاعدة واحدة ، والاختلاف بينهما ليس إلاّ

من قبيل اختلاف مصاديق الشي‌ء الواحد أو ان كلّ قاعدة هي مستقلة عن الاخرى.

وما هي الثمرة لهذا البحث؟ انها تظهر في بعض النقاط الآتية كما سيتجلى ان شاء اللّه (1).

والآراء في هذا المجال ثلاثة :

1 - ما يظهر من الشيخ في الرسائل في الموضع السادس من المواضيع السبعة التي بحثها في قاعدة الفراغ والتجاوز (2)، حيث ذكر ان القاعدتين ترجعان الى التعبد بشي‌ء واحد وهو التعبد بوجود العمل الصحيح. فمن شك في صحة العمل بعد الفراغ منه يكون شاكّا في وجود العمل الصحيح ، وقاعدة الفراغ تعبده بوجود العمل الصحيح ، ومن شك في الاتيان بالجزء السابق بعد دخوله في الجزء اللاحق يكون شاكا في الاتيان بالجزء الصحيح وقاعدة التجاوز تعبده بوجوده.

اذن المجعول في كليهما هو التعبد بمفاد كان التامة ، أي التعبد بأصل وجود الشي‌ء.

واذا قيل بأن التعبد في قاعدة التجاوز انما هو بأصل وجود الجزء وليس بوجوده الصحيح.

كان الجواب : ان التعبد بأصل وجود الشي‌ء دون وجوده الصحيح لغو.

ولم يذكر الشيخ وجها للاستدلال على ذلك.

والميرزا قدس‌سره أورد على مختار الشيخ أربع مناقشات ثم أخذ


1) أحد تلك المواضع ما يأتي : 49 ، 54.

2) راجع الرسائل : 414 من طبع رحمت اللّه.

بدفعها فراجع أجود التقريرات (1).

2 - ما اختاره الميرزا من ان المجعول من قبل الشارع هو قاعدة الفراغ فقط ، أي الحكم بصحة العمل بعد الفراغ منه ، غايته ان الشارع نزّل جزء العمل بمنزلة تمام العمل في الحكم بصحته وعدم الاعتناء بالشك من ناحيته.

وذكر في توجيه ذلك : ان موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام تقول : «إذا شككت في شي‌ء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشي‌ء انّما الشك إذا كنت في شي‌ء لم تجزه» (2)، والمستفاد من قوله : «إذا كنت في شي‌ء لم تجزه» ان المدار على الفراغ من الشي‌ء والخروج عنه من دون فرق بين الوضوء والصلاة ، فمتى ما فرغ المكلف من الشي‌ء بكامله فشكّه ليس بشي‌ء ، واذا لم يفرغ منه بالكامل فلا بدّ ان يعتني لشكه.

هذا ولكن في باب الصلاة بالخصوص ولمثل صحيحة زرارة الواردة في أجزاء الصلاة والتي قيل في آخرها : «كلّ شي‌ء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه» استفدنا ان الشارع نزّل في خصوص باب الصلاة كلّ جزء منها منزلة تمام العمل في عدم الاعتناء بالشك بعد الانتهاء عنه ، وان كان المناسب لو لا التنزيل المذكور الاعتناء بالشك لفرض عدم الفراغ من العمل بالكامل (3).

3 - ما اختاره جمع من الأعلام منهم السيد الخوئي من أن


1) أجود التقريرات 2 : 465 - 467.

2) وسائل الشيعة : الباب 42 من أبواب الوضوء ح 2.

3) أجود التقريرات : 468.

المجعول من قبل الشارع هو قاعدة التجاوز فقط ، فالشارع حكم بأن الشك في وجود الجزء بعد تجاوز محله لا يعتنى به ، واما الشك في الصحة بعد الفراغ فهو مسبب دائما عن الشك في وجود الجزء أو الشرط للمركب ، فالتعبد بالصحة بعد الفراغ يرجع الى التعبد بمنشإ الصحة وهو وجود القيد المشكوك (1).

عالم الاثبات وعالم الثبوت

ثم ان البحث في وحدة القاعدتين وتعددهما تارة يلحظ بالنسبة الى عالم الثبوت بأن يقال : هل يمكن ثبوتا وواقعا اتحاد القاعدتين أو لا؟

وكلامنا السابق كان ناظرا الى هذا العالم. وتقدم ان الميرزا قال : المجعول هو قاعدة الفراغ فقط ، والسيد الخوئي قال : ان المجعول هو قاعدة التجاوز فقط.

وأخرى يلحظ بالنسبة الى عالم الاثبات والأدلة بأن يقال اننا لو رجعنا الى الروايات فهل يستفاد منها وحدة القاعدتين أو تعددهما.

وبلحاظ هذا العالم اختلف الميرزا والسيد الخوئي أيضا ، فالميرزا (2)ذكر ما نصه : «ان روايات الباب آبية عن حملها على جعل قاعدتين مستقلتين ، فان الرجوع اليها يشرف الفقيه على القطع بكون المجعول فيها أمرا واحدا ينطبق على موارد الشك في الأجزاء والشك بعد العمل ، فان اتحاد التعبير في موارد الأخبار الواردة في موارد التجاوز عن الأجزاء والفراغ عن العمل يوجب القطع بوحدة القاعدة المجعولة ، فالمقصود هو ضرب قاعدة كلية وهو عدم الاعتناء بالشك


1) مصباح الأصول 3 : 271.

2) أجود التقريرات 2 : 467.

في تحقق المشكوك بعد تجاوز محله من دون فرق بين كون المشكوك وجود الجزء بعد تجاوز محله أو الكل بعد الفراغ عنه».

بينما السيد الخوئي ذكر ما نصه : «المستفاد من ظواهر الأدلة كون القاعدتين مجعولتين بالاستقلال ، وان ملاك إحداهما غير ملاك الأخرى ، فان ملاك قاعدة الفراغ هو الشك في صحة الشي‌ء مع احراز وجوده ، وملاك قاعدة التجاوز هو الشك في وجود الشي‌ء بعد التجاوز عن محله» (1).

الصحيح من الاحتمالين

ولا يبعد كون الصحيح ما أفاده الشيخ الأعظم من كون المجعول قاعدة واحدة وهي البناء على صحة العمل الواقع خارجا أعم من كونه تمام العمل أو جزأه وأعم من كون الشك في أصل الوجود أو في صحة الموجود.

هكذا نقول. ولا نقول كما قاله الميرزا من كون المجعول هو قاعدة الفراغ فقط ، أي البناء على صحة تمام العمل ، كما ولا نقول بما ذكره السيد الخوئي من كون المجعول هو قاعدة التجاوز فقط والبناء على تحقق الوجود المشكوك.

أجل الشيخ الأعظم يظهر منه ان متعلق التعبد هو البناء على وجود العمل الصحيح بنحو مفاد كان التامة ، ونحن نقول : ان بالامكان ان يدعى ان متعلق التعبد هو البناء على صحة العمل الواقع بنحو مفاد كان الناقصة ، فلا يرد الاشكال بأن التعبد بوجود العمل الصحيح بنحو


1) مصباح الأصول 3 : 279.

مفاد كان التامة ليس محلا للآثار ، فان الآثار الشرعية مترتبة على صحة العمل الواقع لا على وجود العمل الصحيح.

وعلى أي حال : ان ظاهر الروايات هو ما أفاده الشيخ الأعظم ؛ خصوصا لو قرأنا موثقة محمد بن مسلم التي تقول : «كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فأمضه ولا إعادة عليك فيه» (1)فانها ظاهرة في لزوم البناء على الصحة في الجزء والكل معا.

4 - عموم القاعدتين لغير الصلاة والوضوء

وقع البحث في عموم القاعدتين لغير باب الصلاة والوضوء ، فالحج مثلا هل يمكن تطبيق ذلك عليه؟ سؤال اختلفت الاجابة عنه.

والمناسب أن يقال : اما بالنسبة الى قاعدة الفراغ فينبغي الجزم بعمومها ، فان موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌ السلام قالت : «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (2)، تشمل بعمومها مثل الحج.

وهكذا موثقة بكير بن أعين «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (3)، فان النكتة المذكورة للزوم الحكم بالصحة بعد الفراغ تعم مثل الحج.

وعليه فلا ينبغي التشكيك في عمومها لبقية العبادات غير الصلاة والوضوء ، بل يمكن ان يقال بشمول موثقة ابن مسلم لباب


1) تقدم في : 42.

2) المتقدمة في : 41.

3) المتقدمة في : 42.

المعاملات أيضا.

واما بالنسبة الى قاعدة التجاوز فيمكن أن يقال بعمومها أيضا فيما اذا بني على أحد الأمور التالية : -

أ - القول بوحدة القاعدتين بالشكل الذي أفاده الشيخ الأعظم قدس‌سره ، فانه بناء على ان الكبرى المجعولة فيهما واحدة ، وان الاختلاف بين قاعدة الفراغ والتجاوز ليس إلا من قبيل اختلاف مصاديق الشي‌ء الواحد ، انّه بناء على هذا يلزم بعد البناء على عمومية قاعدة الفراغ البناء على عمومية قاعدة التجاوز أيضا. وهذا من أحد ثمرات البحث عن تعدد القاعدتين ووحدتهما.

ب - القول بأن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يمنع من انعقاد الاطلاق ، فانّه بناء عليه يمكن التمسك بإطلاق القاعدة التي ذكرها الامام عليه‌ السلام في آخر صحيحة زرارة (1)حيث قال عليه‌ السلام : «يا زرارة اذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‌ء».

ج - القول بوجود عموم لموثقة ابن مسلم : «كلّ ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» للشك في صحة الجزء أو أصل وجوده وعدم اختصاصه بالشك في صحة المركب بعد الفراغ منه.

5 - استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز

اشارة

بعد البناء على شمول قاعدة التجاوز لجميع العبادات وعدم اختصاصها بالصلاة نعود لنستدرك من ذلك الوضوء ، فإن من شك في


1) المتقدمة في : 40.

الجزء السابق من الوضوء بعد الانتقال الى الجزء اللاحق يلزمه العود اليه والاتيان به بشكل صحيح ، سواء كان شكّه في أصل الاتيان به أو في صحته.

أجل اذا فرغ من الوضوء وطرأ عليه الشك بعد ذلك فلا يعتدّ بشكّه.

اذن الوضوء شذّ عن قاعدة التجاوز ولم يشذّ عن قاعدة الفراغ.

والمستند في استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌ السلام قال : «اذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء ، فاذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت الى حال أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوءه لا شي‌ء عليك فيه ...» (1)

وهي صحيحة السند لأن الحر العاملي رواها هكذا : محمد بن الحسن عن المفيد عن أحمد بن محمد عن أبيه عن أحمد بن إدريس وسعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌ السلام.

اما محمد بن الحسن فهو الشيخ الطوسي وهو غني عن التعريف.

واما المفيد فهو غني عن التعريف أيضا.

وأما أحمد بن محمد فهو أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد الذي هو من مشايخ المفيد ، ولم يذكر في حقه توثيق ، ولذلك وقع محلا للكلام.

واما محمد بن الحسن بن الوليد فهو «شيخ القميين وفقيههم ومتقدمهم ووجههم» على ما قال النجاشي.

وأما أحمد بن إدريس وسعد بن عبد اللّه فيكفينا وثاقة أحدهما ، ومن حسن الصدفة وثاقة‌

.

1) وسائل الشيعة : الباب 42 من أبواب الوضوء ح 1.

الوضوء وقاعدة الفراغ

وبعد أن عرفنا عدم جريان قاعدة التجاوز في باب الوضوء فهل الأمر في قاعدة الفراغ كذلك ، أي لا تجري في الوضوء كما لم تجر قاعدة التجاوز؟

المناسب جريانها لعدم الموجب لاستثناء الوضوء من عمومها ، والمفروض ان عمومها - المستفاد من موثقة محمد بن مسلم كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (1)

وسعد بن عبد اللّه قد تقدمت الإشارة له ص 23.

واما أحمد بن محمد فهو أحمد بن محمد بن عيسى ، وقد تقدمت الاشارة له وبقية رجال السند ص24.

ثم ان الرواية لها سند ثان ذكره الحر العاملي آخر الرواية. ولئن كانت هي بهذا السند قابلة للتشكيك في صحتها من ناحية أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ولكنها بالسند الثاني صحيحة.

(2)- شامل للوضوء.

الغسل والتيمم

وهل الغسل والتيمم ملحقان بالوضوء في عدم جريان قاعدة التجاوز في أجزائهما؟

المنسوب الى الشيخ الأعظم الإلحاق بتقريب ان النكتة التي من أجلها لم تجر قاعدة التجاوز في الوضوء هي ان الواجب في باب الوضوء هو الطهارة المسببة عن الغسلات والمسحات ، والغسلات والمسحات ما هي إلاّ محصّل لتحقق الطهارة، وحيث ان الطهارة الواجبة


1) كليهما فان أحمد بن ادريس هو المكنى بأبي علي الأشعري الذي قال النجاشي عنه «كان ثقة فقيها في أصحابنا كثير الحديث صحيح الرواية» وهو شيخ الكليني ، وقد أكثر في الكافي الرواية عنه.

2) راجع : 41.

أمر بسيط وليست مركبة من أجزاء فلذا لم يجر الشارع فيها قاعدة التجاوز.

وان شئت قلت : اذا أريد اجراء قاعدة التجاوز في باب الوضوء ففيم تجري؟هل تجري في نفس الطهارة ، وهذا لا معنى له لأنها أمر بسيط ، أو في الغسلات والمسحات ، وهذا لا معنى له أيضا لأنها ليست بنفسها واجبة بل هي محصلة للواجب. وعليه فالشك في حصول بعض الغسلات والمسحات يستلزم الشك في تمامية تحقق المحصّل للواجب ، وواضح ان الشك في المحصّل مجرى للاحتياط.

هذه هي النكتة التي من أجلها لم تجر قاعدة التجاوز في الوضوء ، وهي عامة للتيمم والغسل أيضا ولا تختص بالوضوء ، ومعه فالمناسب عدم جريان قاعدة التجاوز في الغسل والتيمم أيضا.

والصحيح عدم إلحاق الغسل والتيمم بالوضوء لأنّه حتى لو سلمنا بالمبنى الذي يرتكز عليه هذا البيان وهو ان الواجب في باب الطهارات الثلاث هو الطهارة المسببة دون نفس الغسلات والمسحات ، فبالامكان ان نقول ان كون الغسلات والمسحات محصلا للطهارة الواجبة وليست بنفسها مركز الوجوب لا يشكّل مانعا من جريان قاعدة التجاوز فيها ، لأن مجرد كونها ليست واجبة بل محصلة للواجب لا يمنع من جريان القاعدة فيها.

ومعه فاذا كان لدليل قاعدة التجاوز اطلاق يشمل الغسل والتيمم - كما هو المفروض - فلا ينبغي التوقف عن إعمالها فيهما.

واذا قلت : إذا لم يكن ما ذكر صالحا لتشكيل مانع من جريان قاعدة التجاوز في الوضوء فلما ذا اذن لم يجر الشارع قاعدة التجاوز

في الوضوء.

كان الجواب : ان ذلك لنكتة لا يلزم أن نكون مطلعين عليها.

6 - وهل يعتبر الدخول في الغير؟

وقع الكلام في انه هل يلزم لجريان قاعدة التجاوز والفراغ الدخول في الغير؟ فمن شك في الركوع وبعد لم يسجد هل تجري في حقه قاعدة التجاوز؟ ومن شك في صحة الكل أو صحة الجزء وبعد لم يدخل في غيره هل تجري في حقه قاعدة الفراغ؟

والجواب : اما بالنسبة الى قاعدة التجاوز - أي الشك في الاتيان بالجزء السابق - فلا اشكال في اعتبار الدخول في الجزء اللاحق لصراحة صحيحة زرارة المتقدمة في ذلك حيث قال عليه‌ السلام في آخرها : «اذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‌ء» (1).

واما بالنسبة الى قاعدة الفراغ فقد يقال باعتبار الدخول في الغير أيضا ، فمن شك في صحة الجزء السابق - الذي يجزم بتحققه - فلا يجوز أن يا بني على صحته إلا بعد الدخول في الجزء اللاحق.

ويمكن توجيه ذلك بعدّة وجوه نذكر اثنين منها :

أ - ما أفاده الشيخ النائيني من ان عنوان المضي هو من قبيل الكلي المشكك فصدقه مع عدم الدخول في الغير ليس في درجة صدقه مع الدخول في الغير بل صدقه مع فرض الدخول في الغير أوضح ،


1) المتقدمة : 40.

ومعه فلا يكون المضي مع عدم الدخول في الغير مشمولا لأدلّة قاعدة الفراغ لانصراف المطلق عنه ، ولا أقل من كون حالة الدخول في الغير هي القدر المتيقن في مقام التخاطب (1).

وفيه : ان اختلاف الأفراد في درجة الوضوح لا يمنع من شمول الدليل لجميعها ، فمثلا صدق العالم على الأكثر علما أوضح من صدقه على الأقلّ علما ولكن ذلك لا يمنع من شمول أكرم العالم لجميع الأفراد.

أجل اذا كان صدق العنوان على بعض الأفراد خفيا جدا أمكن أن يكون ذلك موجبا للانصراف عنه ، اما اذا لم يفرض مثل هذا الخفاء وانما كان الصدق على البعض أوضح وأظهر فلا يمنع ذلك من الشمول له.

ب - انه حيث اعتبر في قاعدة التجاوز الدخول في الغير فيلزم أن يكون ذلك معتبرا في قاعدة الفراغ أيضا بناء على وحدة القاعدتين وعدم اختلافهما في المجعول.

وهذا ما يمكن عدّه من أحد ثمرات البحث عن وحدة القاعدتين وتعددهما.

وفيه : ان قاعدة التجاوز لو كان يعتبر فيها الدخول في الغير فاعتباره في قاعدة الفراغ جيد ، لاستظهار وحدة القاعدتين ، إلا ان اعتبار ذلك في قاعدة التجاوز محل تأمل.

والوجه في ذلك : ان الملاك لعدم الاعتناء بالشك هو المضي عن الشي‌ء ، فإن موثقة محمد بن مسلم قالت : «كل ما مضى وشككت فيه ...»


1) أجود التقريرات 2 : 471.

بيد ان المضي عن الشي‌ء يختلف محققه باختلاف كون الشك في أصل وجود الشي‌ء أو في صحته ، فمتى ما كان الشك في أصل وجود الشي‌ء فالمضي عنه لا يتحقق إلا بالانتقال الى الجزء المتأخر عنه ، إذ ما دام أصل وجود الشي‌ء مشكوكا فكيف يصدق المضي عن الشي‌ء؟ انه لا يصدق إلا باعتبار المضي عن محله - وإلا فالمضي عنه نفسه لا يمكن صدقه ما دام أصل وجوده مشكوكا - والمضي عن محل الجزء لا يتحقق إلا بالدخول في الجزء اللاحق.

ومن هنا اعتبر في قاعدة التجاوز - أي عند الشك في أصل تحقق الجزء - الدخول في الجزء اللاحق.

ان اعتبار ذلك ليس لاعتبار الدخول في الجزء اللاحق بعنوانه بل لكون ذلك طريقا لتحقق المضي.

هذا في قاعدة التجاوز.

واما بالنسبة الى قاعدة الفراغ - أي الشك في صحة الشي‌ء المتحقق سواء كان جزءا أم لا - فبما ان الشي‌ء المشكوك صحته يتيقن بوجوده فالمضي عنه لا يتوقف صدقه على الدخول في جزء لاحق بل بالانتهاء عنه يصدق المضي.

والخلاصة : ان الشارع ألغى الشك بعد المضي عن الشي‌ء ولم يعتبر في إلغاء الشك سوى المضي عن الشي‌ء ، إلا ان تحقق المضي عن الشي‌ء يختلف باختلاف كون الشك في أصل الوجود وكونه في صحة الشي‌ء الموجود ، فعدم الاعتناء بالشك في أصل الوجود يشترط فيه الدخول في الجزء اللاحق ، لأنّه لا يصدق المضي إلا بذلك ، بينما عدم الاعتناء بالشك في صحة الموجود لا يلزم فيه ذلك لصدق

المضي بدونه.

وهذه من النكات المهمة التي يلزم الالتفات اليها ، وهي انه في قاعدة التجاوز يعتبر الدخول في الغير ، بخلافه في قاعدة الفراغ فانّه لا يعتبر ذلك بالرغم من وحدة القاعدتين ، وما ذاك إلا للبيان المتقدم.

7 - ما المراد من الغير؟

اشارة

ذكرنا ان شرط جريان قاعدة التجاوز - أي عدم الاعتناء بالشك في أصل الوجود - الدخول في الجزء الثاني ، وليس ذلك إلاّ من باب توقف تحقق المضي عليه. وهنا نتساءل عن ذلك الغير.

وفي هذا المجال نطرح عدّة أسئلة لنجيب عنها : -

الدخول في جزء الجزء :

أ - من شك في القراءة بعد الدخول في الركوع لا يعتني بشكه ، لأنّه شك في الجزء السابق بعد الدخول في الجزء اللاحق. ونسأل عمّن شك في الحمد بعد الدخول في السورة فهل لا يعتني لشكه أيضا بعد الالتفات الى ان مجموع القراءة جزء واحد وليست الفاتحة جزءا مستقلا في مقابل السورة؟ نعم لا يعتني لشكه ؛ لأن عنوان المضي صادق.

هذا مضافا إلى ان مجموع القراءة اذا كان جزءا فأبعاضه أجزاء أيضا. ولم يفرض في قاعدة «اذا خرجت من شي‌ء ودخلت في غيره ...» ان يكون الشي‌ء جزءا مستقلا.

لا يقال : ان صحيحة زرارة مثّلت بالشك في القراءة بعد الدخول في الركوع ، ولم تمثّل بالشك في ابعاض القراءة.

فانه يقال : ان ذلك من باب فرض الشك في مجموع القراءة ، وهذا

لا يدلّ على عدم صحة الفروض الاخرى ؛ خصوصا اذا التفتنا الى ان الأمثلة قد ذكرت في كلام زرارة دون الامام عليه‌ السلام.

ثم ان من الغريب ما نسب الى جماعة ؛ منهم الشهيد الثاني ، والميرزا (1)من اعتبار الدخول في الأجزاء المستقلة ، ولا يكفي الدخول في أجزاء الأجزاء.

ووجه الغرابة : ان ذلك خلف اطلاق كلمة الجزء المذكورة في صحيحة زرارة. وسيأتي تقريب الميرزا لعدم الشمول.

الدخول في آية أخرى

ب - هل الشك في آية بعد الدخول في آية أخرى لا يعتنى به أيضا؟

ذكر الميرزا في أجود التقريرات (2)عدم جريان قاعدة التجاوز في مثل ذلك ، لأن المجعول حسب مبناه هو قاعدة الفراغ فقط ، أي عدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ من تمام المركب ؛ غايته ان الشارع نزّل أجزاء المركب منزلة تمام المركب في عدم الاعتناء بالشك بعده ، والقدر المتيقن من التنزيل المذكور هو تنزيل الأجزاء المستقلة كما تشهد به الأمثلة.

وفيه : انه لو سلم المبنى فيمكن ان يقال : ان اطلاق كلمة «شي‌ء» في صحيحة زرارة شامل للجزء غير المستقل ، وبذلك يثبت التنزيل في الأجزاء غير المستقلة أيضا.


1) أجود التقريرات 2 : 473.

2) أجود التقريرات 2 : 475.

الدخول في كلمة ثانية

ج - اذا شك في كلمة بعد الدخول في كلمة أخرى فهل لا يعتنى للشك أيضا؟

والجواب : ان لفظ «شي‌ء» وان كان صادقا على الكلمة بحسب الدقة ، إلا انه منصرف عنها عرفا. وأولى من ذلك الشك في الحرف السابق بعد الدخول في حرف جديد ، فان الانصراف فيه أوضح.

هذا كلّه لو لاحظنا القاعدة المذكورة في صحيحة زرارة بلسان «كلما دخلت في شي‌ء وخرجت ...» ، واما لو لاحظنا موثقة محمد بن مسلم التي تقول «كلّ ما مضى وشككت ...» فالأمر أوضح ، لعدم صدق المضي عرفا في مثل الحالات المذكورة.

الدخول في الأجزاء المستحبة

د - اذا شك في بعض الأجزاء الواجبة السابقة بعد الدخول في بعض الأجزاء المستحبة - كمن شك في القراءة بعد الدخول في القنوت - فهل يمكن التمسك بقاعدة التجاوز؟

ذكر السيد اليزدي في العروة الوثقى ، ووافقه جملة من المحشين ، عدم الاعتناء بالشك.

وفي مقابل ذلك ذهب جماعة منهم السيد الخوئي الى عدم الاعتداد بالدخول في الجزء المستحب.

ويمكن توجيه ذلك حسبما يستفاد من مصباح الاصول (1)بالبيانين التاليين (2): -


1) مصباح الاصول 3 : 300.

2) وقد أشير الى البيان الثاني في المستند 6 : 131.

البيان الأول

ان الجزء المستحب ليس معقولا في نفسه ، بل الجزء اما أن يكون واجبا أو لا يكون جزءا أصلا ، اما كونه جزءا مستحبا فهو غير معقول ، لأن القنوت مثلا ان كان مقوما لماهية الصلاة ومعتبرا فيها فهو واجب ، وإلا لم يكن جزءا أصلا.

وعليه فإطلاق الجزء على مثل القنوت المستحب مشتمل على المسامحة. وواقع الحال هو ان مثل القنوت مأمور به بأمر استحبابي مستقل ، غاية الأمر هو مستحب في ظرف الصلاة وبعد القراءة في الركعة الثانية فهو مستحب باستحباب نفسي في ظرف الواجب ، ومعه فيكون الدخول فيه كالدخول في أي فعل آخر ليس هو جزء من الصلاة ، فكما انه لا يتحقق التجاوز عن المحل بذلك كذلك في المقام.

وفيه : ان مرتبة القنوت ما دام قد قررها الشارع بعد مرتبة القراءة ، فالداخل في القنوت بعد شكّه في القراءة يصدق عليه انه دخل في غيره.

ودعوى : انه لا يكفي مطلق الدخول في الغير إلاّ فيما اذا كان جزءا.

مدفوعة : بان اعتبار كون الغير جزءا غير لازم بعد ما قرر الشارع له محلا متأخرا عن القراءة.

هذا كلّه اذا سلمنا المبنى المتقدم والحال انه قابل للمناقشة ، لأن ما ذكر خاص بالمركبات الحقيقية ، واما الاعتبارية كالصلاة مثلا فيمكن افتراض كون الشي‌ء دخيلا في الماهية بدرجة ضعيفة تقتضي الاستحباب دون اللزوم ؛ فان الاعتبار سهل المؤونة. كيف وفي المركبات الاعتبارية سلم بامكان أن يكون الشي‌ء جزءا للواجب حالة

وجوده وليس بجزء حالة عدمه - كما في التشهد فانه جزء حالة وجوده وليس بجزء حالة تركه نسيانا - ولازم ذلك بالأولوية امكان أن يكون الشي‌ء دخيلا في المركب الاعتباري بدرجة ضعيفة تستدعي صيرورته جزءا مستحبا لا واجبا.

البيان الثاني

ان مثل القنوت وان اعتبر تأخره عن القراءة ، إلا ان القراءة لم يعتبر تقدمها على القنوت ، إذ ليس من شرط صحة القراءة ان تتقدم على القنوت ، وإلا يلزم عدم صحة القراءة فيما اذا لم يتعقبها القنوت.

ومع عدم اشتراط تعقب القراءة بالقنوت فالآتي بالقنوت لا يصدق عليه انه قد تجاوز عن محل القراءة ، إذ محلها غير مشروط بكونه قبل القنوت.

واذا قال قائل : انه بالرغم من ذلك يصدق التجاوز والدخول في الغير.

قلنا له : ان لازم هذا ان المكلف لو كان مشغولا بالتعقيب وشك في انه هل صلّى صلاة الظهر أو لا ، فبالامكان تطبيق قاعدة التجاوز والحكم عليه بعدم لزوم الاتيان بالظهر ، لأن محل التعقيب متأخر عن الصلاة وان كانت هي غير مشروطة بالتقدم عليه.

وهكذا لو كان المكلف قد دخل في العصر وهو شاك هل أتى بالظهر أو لا ، انه يلزم الحكم بالاتيان بالظهر ، لأن العصر متأخرة عن الظهر وان كانت الظهر غير مشروطة بالتقدم على العصر.

وفيه : ان الشارع ما دام قد أعطى للقنوت رتبة متأخرة عن القراءة فالآتي به يصدق عليه انّه دخل في غيره وقد تجاوز عن محل القراءة.

ودعوى : ان ذلك لا يكفي إلا اذا فرض اعتبار تقدّم القراءة على القنوت.

مدفوعة : بانها غير ثابتة.

والاستشهاد بالمثالين مدفوع بأن قاعدة التجاوز يمكن دعوى اختصاصها باجزاء المركب خاصة ، وواضح ان الشك في المثالين ليس من قبيل الشك في أجزاء المركب.

هذا مضافا الى امكان دعوى وجود نص خاص أخرج المثالين المذكورين من قاعدة التجاوز ، وهو ما دلّ على ان الشاك في أصل الاتيان بالصلاة لا يعتني بشكه ما دام ذلك بعد خروج الوقت (1)، فانه يدلّ على ان الشك ما دام داخل الوقت فيجب الاحتياط ، وباطلاقه يشمل صورة الدخول في التعقيب أو الصلاة الثانية.

الدخول في المقدمات

ذ - وهل يكفي الدخول في مقدمات الأجزاء لتطبيق قاعدة التجاوز؟ فمن شك في الركوع بعد الهوي الى السجود هل يحكم عليه بعدم الاعتناء بشكّه؟ سؤال اختلفت الاجابة عنه.

والصحيح عدم تطبيق قاعدة التجاوز ، لانصراف كلمة الغير عن مثل الهوي ، فانه ليس معتبرا في الصلاة لا بنحو الوجوب ولا الاستحباب وليس له رتبة متأخرة ، بل لو أمكن لإنسان أن يأتي بالركوع والسجود بلا هوي كفاه ذلك ، وهو نظير ما اذا كان المصلي من عادته تحريك رأسه بشكل خاص بعد الركوع فهل ترى انّه لو شك في


1) وسائل الشيعة : الباب 60 من أبواب المواقيت ح 1.

الركوع وهو في حالة يحرّك رأسه فيها عدم اعتنائه لشكه.

ومما يؤكد ما نقول ان الامام الباقر عليه‌ السلام في صحيحة اسماعيل بن جابر قال : «ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض ...» (1)

وانما لم نذكر صحيحة زرارة لأن الأمثلة فيها ليس من الامام عليه‌ السلام بل من زرارة.

فلو كان الهوي كافيا كان من المناسب أن يقول : ان شك في الركوع بعد ما هوى أو سجد.

هذا ولكن ورد في موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام قال قلت لأبي عبد اللّه عليه‌ السلام : «رجل أهوى الى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟

قال عليه‌ السلام : قد ركع» (2)فانّه قد يقال بدلالتها على كفاية الهوي.

وفيه : ان التعبير ب «أهوى» يدل على تحقق الهوي والفراغ منه ، ولازم الانتهاء من الهوي تحقق السجود ، فتكون دالة على حدوث الشك بعد تحقق السجود أو لا أقل هي مطلقة فتقيد بصحيحة اسماعيل.

واذا قيل انه مع فرض تحقق السجود لا يعبر باهوى بل بسجد أمكن تقديم جواب ثان هو ان الرواية المذكورة قد رويت بنفس السند بشكل آخر بحيث يمكن تحصيل الاطمئنان بعدم التعدد ، فقد نقل الشكل الأوّل في التهذيب (3)والاستبصار (4)هكذا قال : «وعنه - أي سعد بن عبد اللّه - عن أبي جعفر (5)عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن ابان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن ابي عبد اللّه عليه‌ السلام قال : «قلت لأبي


1) وسائل الشيعة : الباب 13 من أبواب الركوع ح 4.

2) المصدر نفسه ح 6.

3) التهذيب 2 : 151.

4) الاستبصار 1 : 358.

5) أي أحمد بن محمد بن عيسى فإن كنيته أبو جعفر.

عبد اللّه عليه‌ السلام : رجل أهوى الى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع. قال : قد ركع» (1). ونقل الشكل الثاني في التهذيب (2)والاستبصار (3)هكذا : «عن سعد عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن ابان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه‌ السلام : «رجل رفع رأسه عن السجود فشك قبل أن يستوي جالسا فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال يسجد. قلت : فرجل نهض من سجوده فشك قبل أن يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال : يسجد».

فان الرواية اما أن تكون واحدة ، وبذلك يلزم عدم العلم بالصادر ويسقطان عن الحجية أو يفترض صدق الجميع - بأن يكون السائل قد سأل ثلاثة أسئلة ، والشيخ الطوسي قطّع الأسئلة - فيحصل التعارض ؛ لأن إحداهما تدلّ على كفاية الدخول في مقدمة الجزء لتطبيق قاعدة التجاوز ، والاخرى تدلّ على عدم كفاية ذلك.

واذا قيل ان النقل الثاني يدلّ على ان المرتكز في ذهن السائل كفاية الاستواء في تطبيق قاعدة التجاوز ، وحيث ان الامام عليه‌ السلام لم يردع عنه فتثبت بذلك حجيته.

كان الجواب : نحن لا نحتاج الى التمسك بهذا الارتكاز واثبات حجيته بل نحن نلتزم بمضمونه حتى لو قطعنا النظر عنه فإن الاستواء ما بين السجدتين واجب. والقيام من السجدة الثانية واجب أيضا لتتحقق بذلك القراءة الواجبة إذ القراءة تجب حالة الوقوف.


1) ويمكن مراجعة الوسائل : الباب 13 من أبواب الركوع ح 6.

2) التهذيب 2 : 153.

3) الاستبصار 1 : 362.

ومع وجوب الاستواء يصح تطبيق قاعدة التجاوز عند تحققه - الاستواء - لصدق عنوان الغير عليه ويكون مشمولا لصحيحة زرارة التي تقول : «اذا خرجت من شي‌ء ودخلت في غيره ...».

الجزء المترتب

ز - إذا شك المكلف في جزء سابق فتارة يفرض انه لم يدخل في جزء جديد ، وأخرى يفرض دخوله في جزء جديد مترتب على سابقه شرعا ، وثالثة يفرض دخوله في جزء جديد غير مترتب على سابقه شرعا ، كمن تشهد في الركعة الأولى غفلة عن كونها أولى وشك في اتيانه بالسجود. ان التشهد حيث لم يؤمر به في الركعة الأولى فالدخول فيه دخول في جزء غير مترتب شرعا على سابقه.

ولا اشكال في عدم جريان قاعدة التجاوز في الحالة الأولى ، كما ولا اشكال في جريانها في الحالة الثانية. ووقع الاشكال في جريانها في الحالة الثالثة.

اختار جمع - منهم السيد اليزدي في العروة الوثقى (1)- الجريان تمسكا باطلاق كلمة «غيره» الواردة في صحيحة زرارة «اذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره ...» (2).

واختار آخرون - منهم السيد الحكيم والخوئي (3)- عدم الجريان.

وقرّب ذلك بأن التجاوز عن الشي‌ء المشكوك حيث لا يمكن تحققه


1) العروة الوثقى : مسألة 59 من المسائل المذكورة تحت عنوان «ختام» في نهاية فصل الشكوك التي لا اعتبار بها.

2) المتقدمة في : 40.

3) مستمسك العروة الوثقى 7 : 632. مستند العروة الوثقى 7 : 297.

حقيقة - لفرض الشك في أصل الاتيان بالشي‌ء ، والتجاوز عن شي‌ء فرع الاتيان به - فلا بدّ من كون المقصود التجاوز عن محله ، وواضح ان التجاوز عن محل الشي‌ء المشكوك لا يتحقق إلاّ بالدخول في الجزء المترتب شرعا على الشي‌ء المشكوك ، إذ غير المترتب حيث لا محل له شرعا فالدخول فيه لا يتحقق به التجاوز عن محل الجزء المشكوك (1).

وفي مقام التعليق نقول : ان كلام الاعلام القائلين بالجريان والقائلين بعدمه مبني على التعامل مع ألفاظ القاعدة ، فبعضهم لاحظ لفظ «غيره» وتمسك باطلاقه ، وبعض لاحظ لفظ التجاوز وارتأى عدم صدقه إلاّ بالدخول في الجزء المترتب.

والمناسب التعامل مع نكتة القاعدة فان القاعدة المذكورة تبتني على نكتة عقلائية وهي ان المكلف حيث انّه في صدد الامتثال وتحقيق الاتيان بكل جزء في محله الشرعي فيكون ظاهر حاله عند الدخول في جزء جديد الاتيان بالجزء السابق.

وإذا كانت هذه نكتة القاعدة ولا يحتمل كونها قاعدة تعبدية فمن اللازم الحكم بعموم القاعدة لحالة الدخول في جزء غير مترتب على سابقه شرعا لعموم النكتة المذكورة لكلتا الحالتين.

الشك في الجزء الاخير

و - اذا شك المصلّي في اتيانه بالجزء الأخير كالتسليم فما هو حكمه بعد الالتفات الى عدم وجود جزء آخر بعد التسليم ليتحقق الدخول فيه الذي هو شرط تطبيق قاعدة التجاوز.

وهنا تارة يقصر النظر على الجزء الأخير ويحاول اثبات حصوله


1) مستند العروة الوثقى 7 : 297.

وتحققه من خلال قاعدة التجاوز ، وأخرى تلحظ الصلاة ككل ويحاول اثبات صحتها من خلال قاعدة الفراغ.

واما حالة الجزم بالاتيان بالتسليم والشك في صحته فلا اشكال في الحكم بصحته لقاعدة الفراغ.

اما اذا أخذنا بالملاحظة الاولى فالتمسك بقاعدة التجاوز مشكل ، لأن التجاوز عن محل الشي‌ء انما يتحقق بالدخول فيما تكون مرتبته متأخرة عن المشكوك ، وهو ليس إلا ما كان جزءا واجبا أو مستحبا من الصلاة ، اما ما كان خارجا عن الصلاة فتحقق التجاوز عن المحل به غير واضح.

واما اذا أخذنا بالملاحظة الثانية فالتمسك بقاعدة الفراغ انما يتم فيما اذا صدق عنوان مضي الصلاة والفراغ عنها ، وذلك لا يكون إلا بالدخول في أفعال أخرى منافية للصلاة سواء صدرت عمدا أو سهوا كالاستدبار أو نقض الطهارة.

8 - احتمال الالتفات

اشارة

تارة يفرض ان الشخص بعد فراغه من العمل وطرو الشك عليه يقطع بكونه حين العمل كان غافلا عن الجزء أو الشرط المشكوك ، وأخرى يفترض احتماله الالتفات. فمثلا الشخص الذي يتوضأ وهو لابس للخاتم وبعد اتمامه الوضوء شك هل وصل الماء تحته أو لا؟

في هذه الحالة تارة يقطع بكونه غافلا حالة الوضوء عن وجود الخاتم بيده وعن تحريكه ، غايته يحتمل تسرّب الماء تحته بلا التفات منه ، وأخرى يحتمل انه كان حالة الوضوء ملتفتا الى الخاتم والى

تحريكه وايصال الماء تحته.

هاتان حالتان ولا ثالثة لهما ، إذ الثالثة ليست هي إلا حالة القطع بالالتفات ، ولكن مع وجود القطع بالالتفات لا يبقى مجال للشك واحتمال عدم وصول الماء ليحتاج الى تطبيق قاعدة الفراغ.

وباتضاح هذا نقول : اما اذا فرض احتمال الالتفات فلا اشكال في جواز تطبيق قاعدة الفراغ.

واما اذا فرض القطع بالغافلة فهناك من رفض تطبيقها مدّعيا عدم شمولها لمثل ذلك.

ومن جملة هؤلاء السيد الخوئي والسيد الشهيد قدس‌سرهما ، وذلك لوجهين : -

أ - ان قاعدة الفراغ والتجاوز لم تشرعا لتأسيس مطلب جديد تعبدي على خلاف المرتكزات العقلائية ، بل هما قاعدتان ناظرتان الى ما عليه سيرة العقلاء من عدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ من العمل وترشدان الى ذلك ، وواضح ان العقلاء انما يلغون الشك فيما اذا لم يقطع بالغافلة حين العمل بشكل كامل.

ب - التمسك بتعبير الأذكرية والأقربية ، ففي موثقة بكير بن أعين ورد «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (1)، وفي رواية محمد بن مسلم الواردة فيمن شك بعد الفراغ من الصلاة انّه صلّى ثلاثا أو أربعا : «وكان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك» (2)

وانما عبرنا عنها بالرواية لأن الصدوق رواها عن محمد بن مسلم ، وسنده إليه على ما في مشيخة الفقيه 4 : 6 ضعيف بعلي بن أحمد بن عبد اللّه البرقي الذي يروي عنه مباشرة حيث انّه مجهول الحال.‌

، فإن مقتضى

1) وسائل الشيعة : الباب 42 من أبواب الوضوء ح 7.

2) وسائل الشيعة : الباب 27 من أبواب الخلل في الصلاة ح 3.

التعليل بالأذكرية والأقربية الاقتصار على الموارد التي يحتمل فيها الالتفات ، واما الموارد التي يقطع فيها بعدم الالتفات فلا مجال للأذكرية والأقربية (1).

ونترك التعليق على ذلك الى مستوى أعلى.

أبحاث أخرى

وهناك أبحاث أخرى في قاعدة الفراغ والتجاوز تعرض لها الأعلام نعرض عنها خوف الاطناب والملل ونقتصر على التطبيقات.

9 - تطبيقات

1 - اذا شك المكلّف أثناء الصلاة أو بعدها انّه توضأ أو لا فما هو حكمه؟

2 - اذا علم المكلف بانه قد توضأ ولكنه شك أثناء الصلاة أو بعدها في انّه هل ترك جزءا من الوضوء أو لا فما هو حكمه؟

3 - الحاج أثناء السعي شك انه طاف بالكعبة المشرّفة سبعا أو ستا فما ذا يفعل؟

4 - اذا أنهى الطائف طوافه ، وقبل ان يشرع في صلاة الطواف شك هل توضأ قبل الطواف أو لا فما هو حكمه بلحاظ الطواف؟ وما هو حكمه بلحاظ صلاة الطواف؟

5 - اذا أنهى المصلّي صلاة المغرب وشك بعدها انّه صلاّها


1) مصباح الأصول 3 : 306.

ركعتين أو أربعا فما ذا يفعل؟

6 - اذا انهى المكلّف الظهرين وجزم بفوات الركوع اما من الظهر أو من العصر فهل تجري قاعدة الفراغ بالنسبة الى كلتا الصلاتين أو تجري بلحاظ إحداهما ، أو لا تجري في شي‌ء منهما؟

7 - الصورة السابقة مع فرض التشهد بدل الركوع.

8 - اذا علم المكلف بعد صلاته انّه فاته اما القنوت أو الركوع فهل هناك مجال لتطبيق قاعدة الفراغ؟

9 - اذا علم المكلف بعد الصلاة اما بفوات الركوع منها أو بعدم غسل بعض أعضاء الوضوء فهل بالإمكان تطبيق قاعدة الفراغ على الصلاة أو الوضوء؟

10 - اذا علم المكلف بعد صلاته اما بفوات التشهد منها أو عدم غسل بعض أعضاء الوضوء فما هو حكمه؟

11 - اذا شك المصلي في الركعة الثانية ان الركوع من الاولى هل أتى به بشكل صحيح أو لا فهل هذا مجال قاعدة التجاوز أو الفراغ؟

12 - اذا أنهى المصلّي اثناء قراءة الحمد آية معينة ، وبمجرد انهائها شك هل أتى بها بشكل صحيح أو ملحون ، فهل عليه إعادتها ولما ذا؟

13 - اذا علم المكلف بعد انهاء وضوئه اما ببطلانه أو بطلان وضوء أحد اصدقائه فما هو الحكم؟

14 - اذا علم المأموم بعد إكمال صلاته ببطلان اما صلاته أو صلاة المأموم الآخر فما هو الحكم؟

15 - اذا علم المأموم اما هو لم يتوضأ أو إمامه لم يتوضأ فما هو

حكم صلاته التي فرغ منها؟

16 - اذا علم المكلف بعد انهاء صلاته ببطلان اما صلاته أو وضوئه فما هو الحكم؟

17 - اذا علم المكلف ببطلان اما وضوء صلاة الصبح أو وضوء صلاة الظهر فما هو الحكم؟

18 - اذا علم المكلف ببطلان اما وضوء صلاة الظهر أو وضوء صلاة العصر فما هو الحكم؟

19 - لو علم المكلف قبل دخوله في تشهد الركعة الثانية بأنه قد ترك سجدتين جزما اما من الركعة الأولى أو من الركعة الثانية التي هي بيده فما هو الحكم؟

20 - الصورة السابقة مع فرض حصول العلم الإجمالي المذكور بعد الدخول في التشهد.

أصالة الصحة

اشارة

1 - المقصود من القاعدة

2 - الفرق بينها وبين قاعدة الفراغ

3 - مدرك القاعدة

4 - هل يشترط العلم بالصحة والفساد

5 - هل تختص بحالة الشك في وجود المانع

6 - يلزم احراز وقوع الفعل الجامع

7 - الصحة عند الفاعل أو عند الحامل

8 - تطبيقات

من الاصول المسلمة بين الاعلام اصالة الصحة في فعل الغير.

وقد بحثها الشيخ الأعظم في الرسائل بعد الفراغ من قاعدة الفراغ والتجاوز تحت عنوان المسألة الثالثة من المسائل التي تعرّض فيها لبيان النسبة بين الاستصحاب وبقية القواعد.

وقد تبع الشيخ الأعظم من تأخر عنه.

وقد سبقه في بحثها استاذه النراقي (1).

والكلام في ذلك يقع ضمن نقاط :

1 - المقصود من القاعدة.

2 - الفرق بينها وبين قاعدة الفراغ.

3 - مدرك القاعدة.

4 - هل يشترط العلم بالصحة والفساد؟


1) عوائد الأيام : 74.

5 - هل تختص بحالة الشك في وجود المانع؟

6 - يلزم احراز وقوع الفعل الجامع.

7 - الصحة عند الفاعل أو عند الحامل.

8 - تطبيقات.

1 - المقصود من القاعدة

لا يقصد بالقاعدة المذكورة ان المسلم اذا صدر منه فعل يحتمل كونه محرما يحمل على كونه مباحا ، ان هذا وان كان أمرا مسلما ولكنه ليس هو المقصود من القاعدة المذكورة ، وانما المقصود : لو صدر فعل - عقدا كان أو ايقاعا أو تطهير شي‌ء أو صلاة استيجار أو ... - وشك في كونه صحيحا يترتب عليه الأثر أو باطلا لا يترتب عليه أثر فباصالة الصحة يحمل على كونه صحيحا ذا اثر.

وبكلمة أخرى : ان تطهير الثوب سواء كان صحيحا أم فاسدا هو مباح وليس بمحرم ، وباصالة الصحة لا يراد اثبات كونه مباحا في مقابل كونه محرما وانما يراد اثبات كونه صحيحا ذا أثر في مقابل الفاسد الفاقد للأثر. وهذا كلّه بخلافه في اصالة الصحة بالمعنى الأول فانه يراد بها نفي صدور الحرام ، كما لو تكلم مؤمن بكلام وشك في كونه غيبة محرمة أو غيبة مباحة فانّه بحمل فعل المسلم على المباح ينفى كونه غيبة محرمة.

2 - الفرق بينها وبين قاعدة الفراغ

عرفنا فيما سبق ان قاعدة الفراغ تقتضي حمل الفعل بعد الفراغ

منه على الصحيح ، والآن قد تسأل قائلا : إن قاعدة الفراغ اذا كانت تقتضي هذا فما الفارق اذن بينها وبين اصالة الصحة التي تقتضي حمل الفعل على الصحيح أيضا؟

ان الفارق بينهما ثابت في موردين :

أ - ان قاعدة الصحة ناظرة الى فعل الغير ، بخلاف قاعدة الفراغ فانها ناظرة الى فعل المكلف نفسه ، فمن صلّى على الميت وشك بعد ذلك في صحة صلاة نفسه أجرى قاعدة الفراغ ، اما اذا صلّى الغير على الميت وشككنا في صحة صلاته بعد فراغه فلا يمكننا اجراء قاعدة الفراغ وانما تجري اصالة الصحة في فعل الغير.

ب - ان قاعدة الفراغ لا تجري في أثناء العمل لتصحيحه بخلاف اصالة الصحة فانها تجري ، فلو فرض ان شخصا يصلّي وفي الأثناء شك هل هو متوضأ أو لا فلا يمكنه اجراء قاعدة الفراغ لتصحيح صلاته ، لأنها تقول له بما انك فرغت مما سبق فما سبق صحيح ، واما ما يأتي فبما انك لم تفرغ منه فلا معنى لإجراء قاعدة الفراغ بلحاظه.

وبهذا يبقى ما يأتي بدون قاعدة تقتضي صحته.

وهذا كلّه بخلاف ما لو كان الغير يصلّي على الميت مثلا وشككنا هل هو يصلّي عن وضوء - كي نجتزئ بصلاته ولا نحتاج الى الصلاة عليه من جديد - أو لا فإنّه بإمكاننا اجراء اصالة الصحة في صلاته والاجتزاء بها.

هذان فرقان بين قاعدة الفراغ واصالة الصحة.

وقد يقول قائل بوجود فرق ثالث بينهما ، وهو ان قاعدة الفراغ خاصة بالعبادات كالصلاة ونحوها بخلاف اصالة الصحة فانها لا

تختص بالعبادات.

ولكنه باطل ، فإن قاعدة الفراغ تعمّ غير العبادات أيضا ، فمن أوقع عقدا وبعد الفراغ منه شك في صحته فبامكانه اجراء قاعدة الفراغ ، لأن موثقة محمد ابن مسلم قالت : «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (1)من دون تخصيص بالعبادات.

3 - مدرك القاعدة

قد يستدل على اصالة الصحة في فعل الغير بمثل قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ... ) (2)أو بمثل قول صادق أهل البيت عليهم‌ السلام «اذا اتهم المؤمن أخاه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء» (3)أو بمثل قول أمير المؤمنين عليه‌ السلام: «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوأ وأنت تجد لها في الخير محملا» (4).

الا ان الاستدلال بهذه وجيه لو اريد اصالة الصحة بالمعنى الأول ، أي بمعنى حمل فعل المسلم على المباح وعدم ارتكابه للمحرم ، ولكن ليس هذا هو المهم ، وانما المهم اثبات الصحة بمعنى ترتب الأثر وعدم كون الفعل فاسدا ، والنصوص المذكورة لا تفي باثبات ذلك.

ومهم الدليل على ذلك هو السيرة العقلائية والمتشرعية على


1) راجع صفحة 41.

2) الحجرات : 12.

3) وسائل الشيعة : الباب 161 من أبواب أحكام العشرة ح 1.

4) المصدر نفسه ح 3.

التعامل مع الفعل الصادر من الآخرين معاملة الصحيح ، فمتى ما أخبر انسان اني بعت داري ، أو عقدت على امرأة ، أو طهّرت ثوبي يصدّق اخباره ويحمل على كون فعله صحيحا ، ولا يشكك في صحة بيع داره ، أو عقده على المرأة ، أو تطهيره للثوب، واذا أراد شخص أن يشكك ويقول : لعلّه لم يعصر الثوب جيدا ، أو لعله لم يجر العقد بالماضوية أو ... حمل ذلك منه على الشذوذ والوسواس.

وهذه السيرة لا تختص بما اذا كان فاعل العقد ونحوه مسلما ، بل حتى غير المسلم اذا صدر منه ذلك يحمل على الصحيح.

ولعل نكتة هذه السيرة هي ظهور حال فعل العاقل في انه لا يرتكب إلا الفعل الصحيح ذا الأثر ولا يكون لاغيا أو عابثا في أفعاله ، أو لأنّه يلزم العسر والحرج الغالب واختلال النظام لو لم تحمل أفعال الآخرين على الصحيح.

واذا قال قائل : اني أسلّم السيرة المذكورة ، ولكن ما هو الدليل على حجيتها؟ كان الجواب ان السيرة المذكورة اذا كانت عقلائية فليست سيرة جديدة جزما بل هي سابقة ومتصلة بعهد المعصوم عليه‌ السلام فاذا لم يردع عنها كان ذلك دليلا على امضائها.

واذا كانت سيرة متشرعة فحيث ان هذه السيرة لا يحتمل كونها جديدة حدثت في الآونة المتأخرة بل هي متداولة يدا بيد بين المتشرعة فيلزم كونها متلقاة من المعصوم عليه‌ السلام وإلا لم تكن سيرة متشرّعة ، فنفس افتراض كون السيرة ثابتة بين المتشرعة يقتضي وصولها من الامام عليه‌ السلام بلا حاجة الى التمسك بعدم الردع لإثبات حجيتها فاننا قرأنا في علم الاصول وجود فارق بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة ،

فالأولى تحتاج الى امضاء بخلاف الثانية.

والفارق هو ان سيرة المتشرعة ما دامت سيرة للمتشرعة فنفس هذا الافتراض يعني انها متلقاة يدا بيد من حاشية الامام عليه‌ السلام وأصحابه وإلا لم تكن سيرة متشرعة ، ومع تلقيها من الامام عليه‌ السلام فأي حاجة للإمضاء ، وهذا بخلاف سيرة العقلاء فانه لا يفترض فيها ذلك.

4 - وهل يشترط العلم بالصحة والفساد

ان الشخص الذي يجري العقد على امرأة مثلا تارة يفرض اننا نجزم باطلاعه ومعرفته بالعقد الصحيح وتمييزه عن العقد الفاسد.

وفي هذه الحالة لا اشكال في حمل فعله على الصحيح ، لأن هذه الحالة هي القدر المتيقن من السيرة المتقدمة.

وأخرى يفرض جزمنا بجهله وعدم تمييزه العقد الصحيح عن الفاسد.

وفي هذه الحالة لا تجري اصالة الصحة ولا يمكن التمسك بها للحمل على الصحيح ، لأن السيرة التي هي المدرك دليل لبي لا اطلاق له فيقتصر على القدر المتيقن.

وثالثة يفرض الشك في تمييزه بين الصحيح والفاسد.

ومثل هذه الحالة يمكن ان يقال بشمول السيرة لها أيضا كالحالة الأولى لأن غالب الناس الذين يجرون العقود لا يعرفون شروط العقود والموانع من صحتها بشكل تفصيلي ، لأنهم اما لم يتفقهوا بأحكام دينهم أو أنهم تفقهوا ولكنهم لم يطلعوا على أن هذا شرط في صحة العقد وذاك مانع ، فكثير من أهل العلم في يومنا هذا لا يعرفون بشكل

تفصيلي شروط صحّة بعض العقود فيلزم لو لم تطبق اصالة الصحة اختلال النظام.

اذن اصالة الصحة ثابتة في موارد الجزم بالتمييز بين الصحيح والفاسد أو الشك في ذلك.

5 - وهل تختص بحالة الشك في وجود المانع

اذا أجرى شخص عقدا وشك في صحته فسبب الشك :

تارة يكون هو احتمال كون البائع ليس بمالك مثلا.

وأخرى يكون هو احتمال كون المبيع خمرا أو ليس بمال عرفا مثلا.

وثالثة هو احتمال اجرائه بالفارسية أو بالمضارع مثلا.

ويصطلح على الأول بالشك في الصحة من جهة الشك في قابلية الفاعل.

وعلى الثاني بالشك في الصحة من جهة الشك في قابلية المورد.

وعلى الثالث بالشك في الصحة من جهة احتمال عدم شرط أو ثبوت مانع.

ولا اشكال في جريان اصالة الصحة في الحالة الثالثة واما الحالة الأولى والثانية فالصحيح عدم جريانها فيهما - لأن القدر المتيقن من السيرة هو الحالة الثالثة لا غير - خلافا للشيخ الأعظم وجماعة حيث اختاروا جريانها مطلقا.

6 - يلزم احراز وقوع الفعل الجامع

تارة يفرض اننا نجزم بإجراء شخص عقدا على امرأة ولكن نشك هل هو صحيح أو فاسد ،

وأخرى يفرض الشك في أصل وقوع العقد منه ، كما اذا رأيناه يتلفظ بألفاظ معينة مع امرأة وشككنا هل هي ألفاظ العقد أو ألفاظ أخرى هي أجنبية عن العقد.

والحالة الاولى هي القدر المتيقن من السيرة ، واما الثانية فان لم يجزم بعدم انعقاد السيرة فيها فلا أقل من الشك.

وعلى هذا الأساس لو فرض ان وصي الميت استأجر شخصا لأداء الصلاة عن الميت فأتى الأجير بعمل لا يدري الولي انه قد قصد به النيابة أو لا فلا يمكن اجراء اصالة الصحة للحكم بفراغ ذمة الميت ، لأن فراغ الذمة موقوف على قصد النيابة فاذا أحرز قصده أمكن آنذاك اجراء اصالة الصحة فيما لو شك في اختلال أحد الشروط فيه.

أجل لو أخبر الأجير بأني قد قصدت النيابة وأتيت بالصلاة بقصد النيابة صدّق في ذلك ، لكن لا لأجل اصالة الصحة بل لقاعدة أخرى تسمى «من ملك شيئا ملك الاقرار به» فالزوج مثلا يملك تطليق زوجته فاذا أخبر بأنه قد طلقها صدّق للقاعدة المذكورة ، وهكذا الحال في المقام.

7 - الصحة عند الفاعل أو عند الحامل

اذا فرض ان شخصا أجرى عقدا فتارة : يفرض أن العربية شرط

في نظر مجري العقد ونظر الشخص الثاني الشاك في صحة العقد الذي يريد تطبيق اصالة الصحة.

وأخرى : يفرض انها شرط في نظر الثاني دون الأول.

وثالثة : يفرض الشك في تطابق النظرين.

ورابعة : يفرض اختلاف النظرين بشكل لا يجتمعان ، كما لو كان احدهما يرى ان الجهر في الجمعة واجب والآخر يرى ان الاخفات واجب.

والسؤال المطروح هو ان اصالة الصحة هل تقتضي الحمل على ما هو صحيح في نظر الفاعل للفعل ، أو تقتضي الحمل على ما هو صحيح في نظر الحامل الذي يريد الحمل على الصحة؟ وقد يعبر عن ذلك بالصحة الواقعية فيقال هل المدار على الصحة عند الفاعل أو على الصحة الواقعية.

وطبيعي هذا التساؤل لا معنى لطرحه في الحالة الاولى لفرض اتفاق النظرين ، وينبغي أيضا الجزم في الحالة الرابعة بالحمل على ما هو صحيح في نظر الفاعل ، لأن ما هو صحيح في نظر الحامل فاسد في نظر الفاعل ، فكيف يقدم عليه الفاعل.

واما الحالة الثالثة فالمناسب الحكم فيها بكون المدار على الصحة في نظر الحامل ، لأن العقلاء في سيرتهم لا يسألون : هل شروط العقد في نظر الفاعل تطابق الشروط في نظرنا أو لا؟

واما الحالة الثانية فالجزم فيها بانعقاد السيرة على الحمل على الصحة الواقعية مشكل.

8 - تطبيقات

1 - شخص استأجرناه لأداء الحج. وبعد مضي فترة الحج أخبرنا بأنّه قد حجّ ، فتارة نشك : هل حج واقعا أو انه ذهب الى مكة لغرض النزهة أو التجارة ، وثانية : نعلم بأنه قد حج ولكن لا ندري ؛ هل أتى به عن نفسه أو عمّن استأجرناه لأداء الحج عنه ، وثالثة : نجزم بأنه قد حج ونجزم بأنه قد قصد به النيابة ، ولكن لا ندري هل أتى به بشكله الصحيح الكامل أو لا. هل هناك قاعدة يمكن تطبيقها في الحالات الثلاث المذكورة؟ وما هي؟

2 - شخص رأيناه واقفا مقابل ميت وهو يتلفّظ بألفاظ لا ندري هل قصد بها اداء الصلاة على الميت أو قصد بها الدعاء للميت دون الصلاة عليه فهل هناك قاعدة يمكن تطبيقها؟

3 - اذا اخبر شخص غير مسلم انه اجرى عقدا من العقود فهل يصدّق في اخباره هذا؟ وبأي نكتة؟

4 - أجرى شخص عقدا وبعد الفراغ منه بفترة شك نفسه في صحة عقده فما ذا يحكم؟ ولأي نكتة؟

5 - شخص رأيناه من بعيد يتكلم معنا لا ندري انّه سلّم علينا أو يسأل عن صحتنا فبما ذا نحكم؟

6 - العين الموقوفة اذا باعها الناظر عليها وشك في ان بيعه هل هو مع وجود المسوغ أو لا فبما ذا نحكم؟

7 - اذا أجرى شخص عقد صرف الذي يشترط فيه التقابض وشككنا في حصول التقابض وعدمه فهل يمكن تطبيق اصالة الصحة

على العقد واثبات انه صحيح ومن ثم اثبات تحقق التقابض؟ وهكذا الكلام في الهبة،فلو فرض ان شخصا وهب لغيره مالا وشك في تحقق القبض فهل يمكن تطبيق اصالة الصحة على العقد واثبات تحقق القبض؟

قاعدة لا ضرر

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - اختلاف صيغة الحديث

4 - الجمع في الرواية أو في المروي

5 - توضيح مفردات الحديث

6 - المقصود من قاعدة لا ضرر

7 - تطبيق الحديث على قضية سمرة

8 - كيف يدفع محذور كثرة التخصيص

9 - شمول الحديث للأحكام العدمية

10 - وجه تقدم الحديث على الأدلّة الأوّلية

11 - الضرر الواقعي أو العلمي

12 - تعارض الضررين

13 - تطبيقات

قاعدة لا ضرر من القواعد المهمة في مقام الاستنباط ، فانّه بناء على كون المقصود منها نفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر فسوف يثبت لدى الفقيه نفي وجوب الوضوء إذا ترتّب عليه الضرر ، ونفي وجوب الصوم إذا ترتّب عليه الضرر ، ونفي حرمة حلق اللحية إذا ترتّب على عدمه الضرر ، ونفي حرمة ابراز المرأة بعض محاسنها إذا ترتّب على عدمه الضرر ، ونفي حرمة كشف المرأة عورتها أمام الطبيب لأجل العلاج أو التلقيح أو الولادة إذا ترتّب على عدمه الضرر ، وأمثال ذلك كثير.

وقد بالغ بعض العامّة حتى قال : انّ الفقه يدور على خمسة أحاديث ، أحدها حديث لا ضرر ولا ضرار (1).

وقد اهتم بها علماؤنا الأعلام حتى ألّف كثير منهم رسائل مستقلة


1) تنوير الحوالك للسيوطي 2 : 122.

في ذلك ، كشيخ الشريعة الاصفهاني والميرزا النائيني وغيرهما.

وقد بحثها الشيخ الأعظم في الرسائل (1)في مبحث شرائط جريان الاصول العملية الذي ذكره تحت عنوان خاتمة ، فانّه نقل عن الفاضل التوني : انّ من جملة شرائط جريان أصل البراءة عدم ترتّب ضرر على اجراء البراءة. وبهذه المناسبة أخذ بالبحث عن قاعدة لا ضرر بشكل مستقل.

وتابعه على ذلك من تأخر عنه ، فأخذوا بالبحث عنها في الموضع المذكور ، وبعضهم يطنب وبعضهم يختصر. ونحن نحاول الاختصار كي يسهل على الطالب هضم مباحثها.

ونمنهج الحديث عنها ضمن النقاط التالية :

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - اختلاف صيغة الحديث.

4 - الجمع في الرواية أو في المروي.

5 - توضيح مفردات الحديث.

6 - المقصود من قاعدة لا ضرر.

7 - تطبيق الحديث على قضية سمرة.

8 - كيف يدفع محذور كثرة التخصيص.

9 - شمول الحديث للأحكام العدمية.

10 - وجه تقدم الحديث على الأدلّة الأوّلية.


1) بل كتب عنها رسالة مستقلة الحقت بآخر المكاسب ، وتعرّض لها الشيخ النراقي في العائدة الرابعة من عوائد الأيام أيضا.

11 - الضرر الواقعي أو العلمي.

12 - تعارض الضررين.

13 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

وقع الاختلاف بين الأعلام في المقصود من قاعدة لا ضرر ولا ضرار ، فالشيخ الأعظم في رسائله فهم منها : ان كل حكم يتسبّب من ثبوته ضرر على المكلّف فهو مرفوع وغير ثابت في الشريعة.

وبكلمة اخرى : كل حكم شرّع في الإسلام فهو ثابت ما دام لا يلزم من ثبوته ضرر على المكلّف ، وفي أي فترة وحالة يلزم الضرر من ثبوته فيها كان مرتفعا.

وقد تابع الشيخ الأعظم في رأيه هذا جماعة ممّن تأخّر عنه.

وذهب آخرون - ومن جملتهم شيخ الشريعة الاصفهاني - إلى انّ المقصود النهي عن الاضرار بالآخرين وتحريم ذلك ، وليست بناظرة إلى الاحكام الشرعية ونفيها حالة لزوم الضرر.

وهناك تفاسير اخرى نكتفي الآن بما ذكر ، وسيتّضح بعضها الآخر فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

2 - مدرك القاعدة

اشارة

وردت جملة «لا ضرر ولا ضرار» في ثلاثة موارد :

1 - قضية سمرة بن جندب التي رواها الكليني في الكافي (1)بالشكل التالي :

«عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أبيه عن عبد اللّه بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌ السلام قال : انّ سمرة بن جندب كان له عذق (2)في حائط (3)لرجل من الأنصار ، وكان منزل الأنصاري بباب البستان ، وكان يمر به إلى نخلته ولا يستأذن ، فكلّمه الانصاري ان يستأذن إذا جاء فأبى سمرة ، فلمّا تأبّى جاء الأنصاري إلى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم فشكا إليه وخبّره الخبر ، فأرسل إليه رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم وخبّره بقول الأنصاري وما شكا وقال : انّ أردت الدخول فاستأذن فأبى ، فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه ، فأبى أن يبيع ، فقال : لك بها عذق يمدّ لك في الجنة ، فأبى أن يقبل ، فقال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم للأنصاري اذهب فاقلعها وارم بها إليه فانّه لا ضرر ولا ضرار» (4)

أمّا العدة من أصحابنا فقد تعرّضنا إليها في أبحاثنا الرجالية ، وانتهينا إلى عدم وجود مشكلة من ناحيتها.

وأمّا أحمد بن محمّد بن خالد فهو البرقي المعروف بصاحب المحاسن ، وقد قال عنه النجاشي :«كان ثقة في نفسه ، يروي عن الضعفاء ، واعتمد المراسيل».

وأمّا والده فهو محمّد بن خالد البرقي وقد وثّقه الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الرضا عليه‌ السلام.

وأمّا عبد اللّه بن بكير فقد قال عنه الشيخ الطوسي : «فطحي المذهب إلاّ انّه ثقة».

وأمّا زرارة فهو أجلّ من أن يحتاج إلى توثيق.

.

1) الكافي 5 : 292.

2) العذق على ما في المنجد : كل غصن له شعب.

3) الحائط : هو البستان على ما في المنجد.

4) وسائل الشيعة : الباب 12 من إحياء الموات ح 3. والرواية صحيحة السند.

اضافة كلمة «على مؤمن»

وقد رواها الكليني نفسه ثانية وبعد عدة أحاديث بهذا الشكل : «علي بن محمد بن بندار عن أحمد بن أبي عبد اللّه عن أبيه عن بعض أصحابنا عن عبد اللّه بن مسكان عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌ السلام قال : ان سمرة بن جندب [إلى ان قال] فقال له رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم : انك رجل مضار ، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن» (1)

الرواية المذكورة ضعيفة السند من ناحية الارسال عن بعض اصحابنا.

.

وفي هذه الرواية كما نرى زيادة كلمة «على مؤمن» الأمر الذي له تأثير من بعض الجوانب ، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

ثم ان قضية سمرة المشتملة على جملة «لا ضرر ولا ضرار» قد رواها كل من الشيخ الطوسي (2)والشيخ الصدوق (3)، وكل منهما رواها عن ابن بكير عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام.

أجل ان الشيخ الصدوق روى بسنده عن الحسن الصيقل عن أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر عليه‌ السلام قصة سمرة ، ولكن ليس في آخرها جملة : لا ضرر ولا ضرار ، وإنّما فيها «ما أراك يا سمرة إلاّ مضارا اذهب يا فلان فاقطعها ، واضرب بها وجهه» (4).

وبهذا يتّضح ان قضية سمرة رويت في مصادرنا الحديثية بثلاثة أشكال :


1) وسائل الشيعة : الباب 12 من إحياء الموات ح 4.

2) التهذيب 7 : 146.

3) الفقيه 3 : 147.

4) الفقيه 3 : 59.

فتارة رويت وفي آخرها جملة «لا ضرر ولا ضرار» من دون اضافة.

وثانية رويت وفي آخرها جملة «لا ضرر ولا ضرار على مؤمن» أي : بزيادة قيد «على مؤمن».

وثالثة رويت من دون ذكر جملة «لا ضرر ولا ضرار».

ومن هنا قد يقال بعدم ثبوت ذكر جملة «لا ضرر ولا ضرار» في قضية سمرة لأجل تعارض النقل.

وقد يرد ذلك بأن التعارض المذكور تعارض بين الزيادة والنقيصة ، وأصالة عدم الزيادة مقدمة على أصالة عدم النقيصة.

2 - مسألة الشفعة ؛ فقد روى المشايخ الثلاثة عن عاقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام قال : قضى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن. وقال : لا ضرر ولا ضرار ، وقال إذا ارّفت الارف (1)وحدت الحدود فلا شفعة (2).

3 - مسألة مشارب النخل وفضل الماء ؛ فقد روى الكليني بسنده إلى عاقبة بن خالد أيضا عن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام قال : «قضى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم بين أهل المدينة في مشارب النخل : انه لا يمنع نفع الشي‌ء (3).


1) أي رسمت الحدود. وكأنه يراد بذكر جملة «لا ضرر» بيان حكمة تشريع الشفعة ، كما وانه يراد بذكر جملة «إذا ارفت ...» الرّد على قول من يقول بأنّ الشفعة ثابتة بعد تقسيم الأرض وتعيين حصة كل شريك.

2) وسائل الشيعة : الباب 5 من أبواب الشفعة ح 1.

3) لعلّ كلمة نقع - بالقاف - أنسب. والنقع هو الفاضل. قال ابن الأثير في النهاية في شرح الحديث : فيه نهي ان يمنع نقع البئر - أي فضل مائها - لأنّه ينقع به العطش أي يروي. (النهاية 108:5).

وقضى بين أهل البادية انّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء فقال لا ضرر ولا ضرار» (1)

ثم إنّه يحتمل أن يكون المقصود من جملة «لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء» هو انّ الشخص الذي عنده بئر فضل قسم من مائها لو منع الناس من ذلك الفاضل فسوف يصير منعه سببا لعدم مرور رعاة الأنعام على تلك المنطقة التي فيها البئر ، ومن ثمّ سوف يبقى الكلأ الفاضل عاطلا في الصحراء ومن دون حيوانات تستفيد من أكله.

وبهذا يتّضح انّ اللام للعاقبة ، أي : لا يمنع فضل الماء الذي عاقبته المنع من فاضل الكلأ.

وقد ذكر شيخ الشريعة في (رسالته : 14) ان هذا هو المعروف في تفسير الحديث.

ثم نقل عن الشيخ الطوسي في المبسوط الحكم التالي : كل موضع قلنا انه يملك البئر فانه احق بمائها بقدر حاجته لشربه وشرب ماشيته وسقي زرعه ، فإذا فضل بعد ذلك شي‌ء وجب عليه بذله بلا عوض ... وليس له منع الماء الفاضل من حاجته حتى لا يتمكن غيره من رعي الكلأ الذي يقرب ذلك الماء ...

.

هذا ولكن عاقبة بن خالد لم يثبت توثيقه ، فيكون المدار على روايات قصة سمرة.

اتّضح ممّا تقدم

اتضح مما تقدم ان قيد «على مؤمن» لم يرد في رواية معتبرة السند ، وعليه فما افاده الشيخ الأعظم من انّ أصح الروايات سندا ما ورد فيه «لا ضرر ولا ضرار على مؤمن» موضع تأمّل.

كما واتّضح انّه لا يمكن أن يقال : إنّ قضية سمرة قضية واحدة لا يحتمل فيها التعدد ، وقد نقلت تارة متضمّنة جملة «لا ضرر ولا ضرار» وأخرى متضمّنة لشي‌ء آخر وهو «ما أراك يا سمرة إلاّ مضارا. اذهب يا فلان فاقطعها واضرب بها وجهه» ، ومع تعارض النقل لا يبقى ما يثبت وجود جملة «لا ضرر ولا ضرار».


1) الوسائل : الباب 7 من إحياء الموات ح 2.

ووجه بطلان المعارضة المذكورة : ان مستند النقل الثاني هو رواية الحذاء ، وهي ضعيفة السند بالحسن الصيقل وغيره.

هذا مضافا إلى امكان أن يقال إنّ المقام ليس من صغريات باب المعارضة ، إذ النقل الفاقد للزيادة لا ينفي وجود الزيادة ليعارض ما دلّ على وجود الزيادة.

وبعد هذا لا نبقى بحاجة إلى ما أفاده الميرزا لنفي الزيادة من انّ مدرك عدم الزيادة هو أصالة عدم الزيادة التي مستندها سيرة العقلاء ، ولكن لا يعلم بناء العقلاء في مثل المقام على تقديم أصالة عدم الزيادة ، حيث يحتمل قريبا كون الزيادة قد حصلت من الراوي لمغروسيتها في ذهنه عند نقله الرواية بالمعنى بمناسبة الحكم والموضوع وملاحظة أشباه ذلك من مثل لا رهبانية في الإسلام ولا اخصاء في الإسلام.

ان هذا البيان الميرزائي لسنا بحاجة إليه بعد ضعف مستند وجود الزيادة في نفسه.

3 - اختلاف صيغة الحديث

اشارة

ورد في بعض مصادر الحديث زيادة قيد «على مؤمن» كما أشرنا إلى ذلك سابقا، وأشرنا إلى انّ ذلك لم يثبت بطريق معتبر.

وورد في بعض مصادر الحديث : لا ضرر ولا إضرار ، فالفقرة الثانية هي «ولا إضرار» وليس «ولا ضرار». ومن جملة المصادر التي ورد فيها ذلك الفقيه ، حيث نقل الحديث هكذا : «لا ضرر ولا إضرار

في الإسلام» (1).

وفي بعض مصادر حديث العامّة ورد : «لا ضرر ولا ضرورة».

وفي بعضها «لا ضرر في الإسلام» (2)بحذف الفقرة الثانية.

والمهم من بين هذه النقول التي نريد لفت النظر إليه هو ما اشتمل على قيد «في الإسلام» ، فانّ شيخ الشريعة الاصفهاني ذهب إلى أن المقصود من الحديث المذكور افادة النهي التكليفي ، ولكن الذي كان يقف أمامه وجود قيد «في الإسلام» ، فان ذلك لا يتلاءم وافادة النهي.

ومن هنا أخذ ينفي القيد المذكور ، حيث ذكر في الفصل الثالث من الفصول الاثني عشر التي رتّب رسالته عليها : انّ القيد المذكور غير موجود في الروايات بما في ذلك روايات العامّة ، فقد تفحّصت كتبهم وصحاحهم ومسانيدهم ومعاجمهم فحصا أكيدا فلم أجد رواية أصل الحديث إلاّ عن ابن عباس وعن عبادة بن الصامت ، وكلاهما رويا الحديث بدون الزيادة السابقة ، وبعد هذا فلا ندري من أين جاء ابن الأثير بهذه الزيادة في نهايته.

ثم قال في نهاية كلامه : وأعجب من الكلّ ما رأيته في كلام بعض المعاصرين من دعوى الاستفاضة مع هذا القيد واسناده إلى المحقّقين تواتر الحديث مع الزيادة المذكورة(3).

ونحن لسنا في صدد التعليق على كلام شيخ الشريعة من جميع جوانبه ، فحصر رواة الحديث بابن عباس وعبادة في غير محله ، فهناك


1) الفقيه 4 : 243.

2) راجع هذا وما قبله في قاعدة لا ضرر للسيد السيستاني : 105.

3) قاعدة لا ضرر لشيخ الشريعة : 12 - 13.

عدة آخرون يبلغ عددهم ستة أو سبعة يروون هذا الحديث عن النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم .

كما ان زيادة قيد «في الإسلام» موجودة في رواية أبي لبابة ورواية جابر بن عبداللّه (1).

والذي نريد لفت النظر إليه هو ان اضافة القيد المذكور ثابت في مصادرنا أيضا ، فالصدوق (2)، روى بشكل مرسل حديث لا ضرر مع الزيادة المذكورة (3).

ورواها مع القيد المذكور كل من ابن أبي جمهور الاحسائي في عوالي اللآلي عن الشهيد الأوّل في بعض مصنفاته عن أبي سعيد الخدري ، والشيخ الطوسي في كتاب الشفعة من الخلاف ، والعلاّمة في خيار الغبن من التذكرة.

وقد يحاول تصحيح رواية الصدوق المرسلة ببيان أنّ مراسيل الصدوق إذا كانت بلسان قال فهي حجة دون ما إذا كانت بلسان (روي).

ويمكن توجيه ذلك بأحد البيانين التاليين :

أ - ما تبنّاه جماعة منهم السيد الخوئي في رأيه القديم المذكور في الدراسات (4)، وحاصله : أنّ التعبير ب «قال» يدلّ على ثبوت الرواية


1) وقد أوضح السيد السيستاني ذلك في رسالة قاعدة لا ضرر : 75 - 83.

2) الفقيه 4 : 243.

3) وقد أشار إلى ذلك السيد محمد علي القاضي في هامش رسالة لا ضرر لشيخ الشريعة الاصفهاني : 13 فراجعه.

4) الدراسات : 322.

وصحتها لدى الصدوق ، وإلاّ لما جاز له الإخبار بنحو الجزم وانّ النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم قال كذا، فإخباره الجزمي يدل على حجيتها وصحتها لديه ، وهو المطلوب.

وجواب ذلك واضح فانّ حجّية خبر عنده لا تستلزم حجيته عندنا ، إذ لعله اطمأن به بسبب قرائن لو اطّلعنا عليها لم توجب لنا الاطمئنان ، كما أوضح هذا التراجع قدس‌سره في مصباح الاصول (1).

ب - ان التعبير ب «قال» يدل على جزم الصدوق ، وإذا احتملنا استناد هذا الجزم إلى الحس طبّقنا أصالة الحسّ العقلائية. وفي المقام حيث نحتمل انّ الجزم وليد الحسّ - بأن كان هناك تواتر في نقل الحديث المذكور استند إليه الصدوق - فنحكم بكونه عن حسّ.

وإذا قيل : إذا كان هناك تواتر فلما ذا لم نعثر على نقل الحديث من غير الطرق القليلة المذكورة سابقا؟

كان الجواب : أنّ الحديث بما أنّه نبوي وديدن الأصحاب لم يكن على ضبط الأحاديث النبوية المروية عن غير الأئمّة عليهم‌ السلام فنحتمل انّ التواتر كان ولم يضبط ، ولا استبعاد في كون هذا الخبر زمن الصدوق كان متواترا (2).

وفيه :

أ - ان تعبير الصدوق ب «قال» لو دلّ على الجزم فهو يدل على الجزم الأعم من الوجداني والتعبدي ولا يتعين في الوجداني ، والجزم التعبدي يكفي فيه اطمئنانه بصدور الرواية ولو لقرائن لو اطلعنا عليها


1) مصباح الأصول 2 : 520.

2) بحوث في علم الاصول 5 : 437.

قد لا نراها موجبة للاطمئنان.

ب - ان أصالة الحسّ تجري لتعيين حال النقل وانّه عن حسن لا عن حدس ، ولا جزم بانعقادها لتعيين حال الجزم.

وبكلمة أخرى : ان نقل الصدوق يشتمل على أمرين : نقل الرواية ، وانه جازم بها. وأصالة الحسّ تجري بلحاظ أصل النقل لإثبات انه عن حسّ دون تعيين حال الجزم لعدم الجزم بانعقادها على ذلك.

ج - ان التواتر المحتمل امّا هو بلحاظ نقل الشيعة ، أو بلحاظ نقل العامة ، أو بلحاظ كليهما.

وإذا لاحظنا جميع المصادر لربّما يحصل للشخص تواتر ، إلاّ انّ الذي يمكن حصوله هو التواتر بلحاظ فقرة : لا ضرر ولا ضرار من دون ضم قيد «في الإسلام»، امّا إذا أردنا ملاحظة هذا القيد فلا يمكن تحصيل التواتر ، لأنّ القيد المذكور وارد في نقول قليلة لا تتجاوز الثلاثة أو الأربعة.

د - ان تعبير الصدوق لا يدل على الجزم أصلا ، لأنّ ظاهر كلامه انّه بصدد الاحتجاج على العامة ، فانّ الحديث ذكره تحت عنوان ميراث أهل الملل ، فالمسلم إذا مات هل يرثه الكافر ، والكافر إذا مات هل يرثه المسلم.

وفي هذا المجال ذكر أنّ الكافر لا يرث المسلم عقوبة له على كفره ، ثم قال ما نصّه : «فأمّا المسلم فلأي جرم وعقوبة يحرم الميراث؟

وكيف صار الإسلام يزيده شرّا مع قول النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم : الإسلام يزيد ولا ينقص، ومع قوله عليه‌ السلام لا ضرر ولا إضرار في الإسلام؟ فالإسلام يزيد

المسلم خيرا ولا يزيده شرا» (1).

انه بذلك يقصد الرّد على العامة الذين حرموا المسلم من ارث الكافر أيضا ، فهو كأنه يخاطبهم ويقول لهم : كيف لا يرث المسلم الكافر ، والحال أنّ الحديث الوارد في رواياتكم يقول : لا ضرر ولا إضرار في الإسلام؟!

ومن الغريب ما ذكره بعض الأعلام قدس‌سره من انّ قيد «في الإسلام» الوارد في الفقيه اشتباه. وقرّب الاشتباه بما يلي : إنّ من المحتمل كون الوارد في أصل الفقيه هكذا:لا ضرر ولا اضرار فالإسلام يزيد ... فالحديث ذكر من دون قيد : «في الإسلام» ، وإنّما ذكر الصدوق «فالإسلام يزيد ...» بصدد تكملة ردّه على العامّة. ولكن الكاتب اشتبه فكرّر كلمة «فالإسلام» مرتين من باب سهو القلم.

ثم بعد ذلك جاء دور من تأخر عن الكاتب ورأى أنّ كلمة «فالإسلام» كررت مرتين ، فظن الاشتباه وتخيّل ان المناسب بدل كلمة «فالإسلام» الاولى : «في الإسلام» ، فصحّح العبارة وصارت النتيجة كما نراه اليوم (2).

وفيه : إنّ ما ذكره مجرّد احتمال لم يقم دليلا على اثباته ، بل الدليل على عكسه،وهو اتفاق النسخ على ما هو الموجود اليوم ، ولم ينقل عن أحد وجود نسخة اخرى للعبارة المذكورة.

بل انّ في كلام الصدوق نفسه قرينة تدل على ضرورة وجود قيد «في الإسلام» ، وهي كونه في صدد الرّد على العامة ، وكأنه يريد ان


1) الفقيه 4 : 243.

2) الرسائل : 25.

يقول : لا ضرر ولا إضرار بسبب الإسلام ، والمسلم إذا حرم من ارث الكافر لزم تضرره بسبب الإسلام.

وبهذا يتّضح ان كلمة «في» في قوله : «في الإسلام» سببية ، نظير ما ورد عن أبي هريرة عن النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم : «انّ امرأة دخلت النار في هرّة ...». أي : بسبب هرّة.

لفت نظر

ذكرنا أنّ نكتة البحث عن وجود قيد «في الإسلام» وعدمه تظهر في امكان استفادة النهي التكليفي من الحديث ، فان شيخ الشريعة اختار إرادة التحريم التكليفي من حديث لا ضرر.

وهذا الرأي يقف أمامه وجود القيد المذكور - ومن هنا أخذ شيخ الشريعة ينفي القيد المذكور - إذ لا معنى لأن يقال : لا تضر في الإسلام بنحو يقصد الإنشاء دون الإخبار.

هذا وبالامكان أن يقال : إنّ وجود القيد المذكور إنّما يتنافى مع إرادة النهي لو فرض انّا فسرنا النفي بالنهي ، امّا إذا وجّهنا ذلك بأن المقصود هو الإخبار بداعي الإنشاء - من قبيل يعيد بداعي إنشاء وجوب الاعادة ، أو قدّرنا خبرا محذوفا ؛ أي لا ضرر جائزا في الإسلام - فلا منافاة بين القيد المذكور وإرادة النهي.

4 - الجمع في الرواية أو في المروي

اشارة

ورد في حديث الشفعة عن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام قال : قضى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم بالشفعة بين الشركاء ... وقال : لا ضرر ولا ضرار.

ان في هذا الحديث احتمالين ، فيحتمل ان الجملة الثانية قد صدرت

من النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم مستقلة عن الجملة الاولى ؛ احداهما في مجلس والاخرى في مجلس ثان، إلاّ ان الناقل - وهو عاقبة بن خالد قد جمع - بين الروايتين المستقلّتين في مقام النقل.

ويحتمل انهما صدرتا من النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم في مجلس واحد ، بنحو تكون الثانية قد ذكرها صلی اللّه عليه وآله وسلم - أو تبرع بها الإمام الصادق عليه‌ السلام - لتكون مكملة للثانية ومبينة للحكمة بالشفعة بين الشركاء.

ويصطلح على الأوّل : الجمع بين الروايتين في مقام النقل ، وعلى الثاني : الجمع بين المرويين.

وقد وقع البحث بين الاعلام في ان الجمع بين الفقرتين المذكورتين هل هو من النحو الأول أو من النحو الثاني.

والسبب في طرح هذا البحث : انّ أحد الاحتمالات في المقصود من قاعدة لا ضرر هو افادة النهي عن ارتكاب الضرر وبيان تحريمه في التشريع الإسلامي.

وشيخ الشريعة الاصفهاني من روّاد هذا الاحتمال ومؤيديه ، إلاّ انّ الذي يقف أمام هذا الاحتمال هو ان قاعدة لا ضرر إذا كان يقصد بها إفادة النهي التحريمي فلما ذا ذكرت في ذيل حديث الشفعة وفي ذيل حديث المنع من فضل الماء؟

ان ذكرها ذيل حديث الشفعة لا وجه له باعتبار ان الشفعة بين الشركاء حكم وضعي ولا معنى لتعليله بما يدلّ على الحكم التكليفي ، فلا معنى لأن يقال : الشفعة ثابتة بين الشركاء لأنّه يحرم الاضرار. ان هذا لا ربط له بهذا حتى يذكر كتعليل له.

وهذا بخلاف ما إذا لم يكن المقصود من قاعدة لا ضرر إفادة

النهي التكليفي ، بل إفادة معنى آخر كالمعنى الذي ذكره الشيخ الأعظم في الرسائل ، وهو : نفي كل حكم يستلزم ثبوته الضرر بالمكلّف ؛ فكل حكم من هذا القبيل منتف في التشريع الإسلامي وليس بثابت ، انّه بناء على هذا تكون المناسبة واضحة ، فكأنه يراد ان يقال : إذا باع أحد الشريكين حصته فالشفعة ثابتة للشريك الثاني وله الحق في أخذ حصة الشريك بالشفعة ؛ إذ لو لم يكن له هذا الحق وكان بيع الشريك لازما يلزم تضرّر الشريك الثاني ، ولزوم بيع الشريك ما دام يلزم منه الضرر على الشريك الثاني منفي.

هذا بالنسبة إلى حديث الشفعة.

وامّا بالنسبة إلى حديث المنع من فضل الماء فالوجه في عدم صحة ذكر قاعدة نفي الضرر في ذيله هو : ان المنع من فضل الماء ليس محرما بل هو مكروه ، فمن كانت له بئر وفضل من مائها شي‌ء فمن حقه منع الآخرين من الاستفادة من ذلك الماء ، لكن ذلك مكروه.

وما دام مكروها فلا معنى لأن يعلّل بحرمة الاضرار. أجل لو كان المنع من فضل الماء محرما لكان تعليله بحرمة الاضرار وجيها ، إلاّ انه لمّا كان مكروها فلا معنى لتعليله بقاعدة نفي الضرر بناء على كون المقصود منها افادة تحريم الاضرار.

ان اشكال عدم المناسبة بين التعليل والحكم المعلل يتم في حديث الشفعة والمنع من فضل الماء ولا يتمّ وارم في الحديث الناقل لقصة سمرة لأنّه قد حكم صلی اللّه عليه وآله وسلم بقوله: اذهب فاقلعها بها إليه فانّه لا ضرر ولا ضرار. انّ المناسبة واضحة ، فالنبي صلی اللّه عليه وآله وسلم جوّز قلع النخلة ،

لأنّ دخول سمرة إليها يوجب اضرار الأنصاري ، والاضرار محرم (1).

وبالجملة ان إشكال عدم المناسبة بين التعليل والحكم المعلل - بناء على إرادة التحريم التكليفي من قاعدة لا ضرر - يختص بحديث الشفعة والمنع من فضل الماء دون حديث قصة سمرة.

ومن هنا حاول شيخ الشريعة التغلب على هذه المشكلة بدعوى ان فقرة لا ضرر المذكورة في حديث الشفعة والمنع من فضل الماء لم تذكر كتتمة للفقرة الاولى ليرد إشكال عدم المناسبة ، وإنّما ذكرها عاقبة بن خالد من باب نقل روايتين احداهما مستقلة عن الاخرى.

قال قدس‌سره في رسالته التي ألّفها لبحث قاعدة لا ضرر ما نصه : «ان الراجع في نظري القاصر إرادة النهي التكليفي من حديث الضرر ، وكنت استظهر منه عند البحث عنه في أوقات مختلفة إرادة التحريم التكليفي فقط ، إلاّ انه يثبّطني من الجزم به حديث الشفعة وحديث النهي عن منع فضل الماء ، حيث ان اللفظ واحد ولا مجال لإرادة ما عدا الحكم الوضعي في حديث الشفعة ولا التحريم في النهي عن منع فضل الماء ، بناء على ما اشتهر عند الفريقين من حمل النهي على التنزيه فكنت اتشبّث ببعض الامور في دفع الإشكال إلى ان استرحت في هذه الأواخر وتبيّن عندي انّ حديث الشفعة والناهي عن منع الفضل لم يكونا حال صدورهما من النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم مذيلين بحديث الضرر وان الجمع بينهما وبينه جمع من الراوي بين روايتين صادرتين عنه صلی اللّه عليه وآله وسلم في وقتين مختلفين ...» (2). ثم أخذ في بيان اثبات الدعوى المذكورة.


1) ولكن سيأتي إن شاء اللّه التأمل في ذلك أيضا.

2) قاعدة لا ضرر : 18 - 19.

وإذا كانت رسالة لا ضرر لشيخ الشريعة تعدّ من الرسائل الجيدة في هذا المجال فذلك ليس إلاّ من جهة تحقيقه الذي قام به لإثبات دعوى كون الفقرتين روايتين مستقلتين جمعتا في رواية واحدة في مقام النقل.

وأيّده في هذه الفكرة جمع من الأعلام منهم الشيخ النائيني والشيخ الاصفهاني ، ولكن لبيانات أخرى.

وحاصل ما ذكره شيخ الشريعة : انّ قضية «لا ضرر» الصادرة من النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم قد صدرت كقضاء مستقل ، إلاّ انّ عاقبة بن خالد قد ألحقها بقضية الشفعة. والناظر إلى حديث عاقبة يتخيّل انّ ذلك الالحاق هو من باب كون قضية لا ضرر علّة للحكم بثبوت الشفعة ، والحال أنّ الأمر ليس كذلك بل هو قضاء مستقل.

والدليل على ذلك : ان أحمد بن حنبل في مسنده الكبير روى عن عبادة بن الصامت مجموعة من الأقضية المستقلة للنبي صلی اللّه عليه وآله وسلم ، وذكر من جملتها قضية الشفعة من دون أن تكون مذيّلة بحديث لا ضرر ، وهكذا ذكر من جملتها قضية المنع عن فضل الماء من دون ان يكون مذيلا بقضيّة لا ضرر ، وإنّما ذكر عبادة قضيّة لا ضرر بشكل مستقل عن قضيّة الشفعة وقضيّة فضل الماء.

ولأجل ان يتّضح المطلب ننقل رواية عبادة ؛ قال : «ان من قضاء رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم : انّ المعدن جبار والبئر جبار والعجماء جرحها جبار (1)، وقضى في الركاز الخمس ، وقضى انّ ثمر النخل لمن ابّرها إلاّ


1) الجبار هو الهدر الذي لا يغرم. والعجماء هي البهيمة.

ان يشترط المبتاع ، وقضى ان مال المملوك لمن باعه إلاّ انّ يشترط المبتاع ، وقضى ان الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور ، وقضى لحمل ابن مالك الهذلي بميراثه عن امرأته التي قتلتها الاخرى [إلى ان قال] وقضى ان لا ضرر ولا ضرار ، وقضى انّه ليس لعرق ظالم حق ، وقضى بين أهل المدينة في النخل لا يمنع نقع البئر ، وقضى بين أهل البادية انّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلأ ...».

انّنا نجد بوضوح في هذه الرواية انّ قضية لا ضرر ذكرت كقضاء مستقل.

هذا في روايات العامّة.

ولو رجعنا إلى روايات الشيعة لوجدنا انّ عاقبة بن خالد ينقل مقدارا كبيرا من تلك الأقضية التي نقلها عبادة ، ولكن لم ينقلها علماؤنا مجموعة في رواية واحدة بل فرقت على الأبواب المختلفة (1).

وإذا قارنا بين ما هو المنقول بطرقنا من تلك الأقضية المستقلة وما هو المنقول في رواية عبادة لوجدنا تشابها كبيرا ، الأمر الذي يوجب الوثوق بانّ قضية لا ضرر المذكورة في رواية عاقبة بعد الحكم بالشفعة ذكرت كقضاء مستقل.

وبكلمة اخرى : يحصل وثوق بأنّ ما صدر من النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم في قضية الشفعة قد صدر غير مذيّل بقضية لا ضرر ، وإنّما عاقبة قد جمع


1) ففي الفقيه بسنده إلى عاقبة عن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام قال : من قضاء رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم انّ المعدن جبار والبئر جبار والعجماء جبار. وفي الكافي والتهذيب عن عاقبة عن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام قال : قضى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم انّ ثمر النخل للذي أبّرها إلاّ أن يشترط المبتاع.

بينهما من باب الجمع بين الروايتين المستقلّتين.

هذا بالنسبة إلى حديث الشفعة.

وهكذا يقال بالنسبة إلى حديث المنع من فضل الماء.

وأضاف شيخ الشريعة قائلا : انّ احتمال كون عبادة قد فصل بين قضية الشفعة وقضية لا ضرر - بعد ما كانت الاولى مذيّلة بالثانية ، فصل نتيجة لتصرّف شخصي منه - احتمال بعيد جدا ، خصوصا بعد استقراء رواياته وثبوت ضبطه واتقانه ، بل قيل : انّه من أجلاّء الشيعة.

وعن الكشّي عن الفضل بن شاذان : انّه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه‌ السلام ، كحذيفة وخزيمة بن ثابت وابن التيّهان ، وهو ممّن شهد العقبة الاولى والثانية وبدرا واحدا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم .

هذا توضيح ما أفاده قدس‌سره.

وخوفا من الاطالة نترك المناقشة إلى مستوى أعلى من البحث إلاّ انّه بشكل مختصر نقول : انّ ما أفاده قدس‌سره لا يتم إلاّ بناء على انّ جملة لا ضرر الصادرة من النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم قد صدرت مرة واحدة لا أكثر ، امّا إذا افترضنا انّها صدرت مرّتين ؛ مرة كقضاء مستقل نقله عبادة ، وأخرى كتعليل للحكم بالشفعة وفضل الماء فلا يتم ما ذكره. وواضح انّ احتمال التعدّد موجود ، ومعه تبطل القرينة المذكورة.

وإذا قيل دفاعا عن شيخ الشريعة بانّ من يقارن بين الأقضية التي نقلها عبادة والأقضية التي نقلها عاقبة يجد تشابها تاما ، إلاّ من ناحية تذييل قضية الشفعة وفضل الماء بقضية لا ضرر ، وهذا يورث الاطمئنان بأنّهما بصدد نقل شي‌ء واحد صادر من النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم وليسا

بصدد نقل شيئين صدرا منه صلی اللّه عليه وآله وسلم ؛ وحيث انّ عبادة من أجلاّء الأصحاب ولا يحتمل وجود مصلحة له تدعوه إلى حذف قضية لا ضرر من الذيلية فيثبت انّ قضية لا ضرر الصادرة من النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم قضية واحدة.

ومثل هذا البيان لا ينفع في ردّه احتمال تعدد الصادر من النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم .

والوجه في ذلك : انّ لنا اطمئنانا بكون عاقبة ناظرا في نقله إلى نقل نفس ما ينقله عبادة ، ولا يقصد عاقبة نقل أشياء اخر غير ما ينقله عبادة ، وحيث انّ عبادة دقيق في نقله ولا نحتمل وجود مصلحة له في الفصل فيثبت انّ قضية لا ضرر حينما صدرت من النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم صدرت مستقلة أيضا.

ويرده : ان قضية لا ضرر في نقل عاقبة لو كانت قضية مستقلة فما معنى اقحامها بين قوله : «قضى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن» ، وقوله «إذا أرفت ...»؟ ان هاتين الجملتين مرتبطتان بمسألة الشفعة ، واقحام شي‌ء مستقل بينهما أمر غير مناسب.

وجمعا بين تصديق عاقبة وتصديق عبادة يمكن ان نفترض انّ عبادة قد سمع مرتين من النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم قضية لا ضرر ؛ سمعها مرة كقضاء مستقل ، وسمعها اخرى في ذيل قضية الشفعة ، ونقل القضاء المستقل في روايته السابقة وتساهل عن نقلها ثانية كذيل لقضية الشفعة من باب أنّ إسقاطه لا يغيّر في المعنى شيئا ، إذ هو إسقاط للتعليل لا أكثر ؛ وقد شجّعه على ذلك ذكره لقضية لا ضرر بعد ذلك

كقضاء مستقل.

هذا كله لو سلّمنا بوثاقة عبادة وصحّة الرواية من ناحيته ومن ناحية بقية أفراد السند ، وإلاّ فالمجال للمناقشة واسع ، إذ يقال : سلّمنا بوثاقة عبادة وجلالته ، ولكن ذلك لا يلزم منه وثاقة جميع أفراد السند غير عبادة.

ومع عدم ثبوت صحّة الرواية سندا كيف تجعل قرينة على التصرّف في رواية عاقبة بن خالد؟

نكات اخرى

ذكر الميرزا في رسالته بعض النكات الاخرى لإثبات انّ قضية لا ضرر قضية مستقلة لا ربط لها بسابقها ، ووافقه السيد الخوئي على بعضها وأشار لها في مصباح الاصول (1)، نذكر منها :

1 - انّ قاعدة لا ضرر لا ربط لها بمسألة الشفعة ، فانّ قاعدة لا ضرر تنفي كل حكم يتولّد منه الضرر.

وفي المقام نقول : انّ الضرر امّا ان ينشأ من بيع الشريك حصته لشخص ثالث أو ينشأ من لزوم ذلك البيع لا من نفسه ؛ وعلى الأوّل يلزم بطلان البيع وانتفاؤه لا الحكم بصحته وثبوت حق الشفعة للشريك.

وعلى الثاني يلزم انتفاء لزوم البيع وكونه مشتملا على الخيار بحيث يحقّ للشريك الأوّل فسخ البيع ورجوع الحصة المباعة إلى ملك الشريك البائع.

وعلى كلا التقديرين لا معنى لثبوت الشفعة للشريك بنحو ينقلها


1) مصباح الأصول 2 : 521.

إلى ملك نفسه. ان هذا حكم لا يستفاد من قضية لا ضرر كما أوضحنا.

أجل ، لو قلنا بأنّ حديث لا ضرر يدلّ على لزوم جبران الضرر الوارد على الشخص لأمكن أن يقال بانّ الاستشهاد بقضية لا ضرر هو من باب إفادة انّ الضرر الوارد على الشريك لا بدّ من جبره ، وذلك لا يكون إلاّ بتشريع حق الشفعة.

ولكن يرد ذلك أنّ حديث نفي الضرر حديث نفي لا حديث إثبات فهو وارد لبيان انتفاء كل حكم يلزم منه الضرر لا اثبات كل حكم ينجبر به الضرر.

هذه حصيلة النكتة الاولى.

ويردها : ان ثبوت حقّ الشفعة لو لم يمكنّا استفادته من حديث لا ضرر فهذا لا يعني رفع اليد عن ظهور حديث عاقبة في كون قاعدة لا ضرر ذكرت فيه كذيل وتعليل ، بل ينبغي ان نقول : انّ وجه التعليل قد خفي علينا ولا نعرفه لا انّه لا يوجد وجه للتعليل وبالتالي ننكر كونه ذيلا.

هذا مضافا إلى إمكان ان يقال : انّ ذكر قضية لا ضرر كتعليل يدل على انّ المقصود منها - قضية لا ضرر - أوسع ممّا نفهمه ، فنحن كنّا نفهم منها انّها واردة لبيان النفي لا اثبات وتشريع ما يجبر به الضرر ، ومن المناسب انّ نرفع اليد عن هذا الفهم ، ونقول : انّ المقصود منها الأعم من النفي واثبات التشريع الجابر بقرينة ذكرها ذيلا وتعليلا.

على انّ بالامكان استفادة ثبوت حق الشفعة من قاعدة لا ضرر بتقريب : انّ الشريك إذا أراد بيع حصته فالمجتمع والفطرة والعقلاء يحكمون بأحقيّة الشريك الآخر بالحصة فيما إذا استعدّ لأخذها بالثمن

الذي يطلبه بائعها ، فانّ غرض البائع ليس إلاّ تحصيل الثمن والمفروض انّ الشريك الآخر يبذله ، وبيع الحصة لغيره دونه ادخال للشريك عليه دون أي مسوّغ.

انّ هذا الحق ثابت للشريك ، فإذا لم يشرّع له حق الشفعة لزم سلب حقه ، وسلب الحق نحو من أنحاء الضرر.

انّ الضرر لا يختص بالنقص في المال أو البدن ، بل يعمّ عدم منح صاحب الحق حقه.

أجل هناك بعض الحقوق الاجتماعية لم يمضها الشارع فعدم منحها لا يعدّ ضررا ، من قبيل عدم تزويج بنت العمّ لابن عمّها.

أما مثل حق الشفعة فهو حق اجتماعي وعقلائي وقد أمضاه الشارع ، وسلب مثله وعدم منحه يعدّ ضررا.

وبهذا يتّضح انّ الضرر اللازم في المقام ليس هو في البيع نفسه ولا في لزومه ، بل في عدم إعمال حق الشريك الذي تولّد بسبب بيع الشريك الآخر.

2 - وهذه النكتة ناظرة إلى حديث فضل الماء ، وحاصلها انّ قضية لا ضرر لا يمكن أن تكون ذيلا وعلّة للحكم بالمنع عن فضل الماء ، لأن الشخص الذي له بئر وفضل قسم من مائها له الحق في منع الآخرين من الاستفادة من مائها لأنّها ملكه وحقه ، غايته ان منعه الآخرين مكروه ومرجوح لا انّه محرّم ، ومع كون المنع جائزا ومرجوحا فلا معنى لتعليله بقضية لا ضرر التي تدل على حكم لزومي.

ان التعليل بقضية لا ضرر يدل على انّ منع الآخرين من الاستفادة من فاضل الماء محرم ، والحال ان المنع مكروه ، وتعليل المنع

المكروه بما يدل على التحريم غير وجيه ، وعليه فيتعين ان تكون قضية لا ضرر مستقلة.

وتحقيق الحال في هذه النكتة يرتبط بتحقيق الحال في مسألة المنع عن فضل الماء وهل ذلك - المنع من الفاضل - حق لصاحب البئر أو لا.

ان المعروف انّ من حفر بئرا أو عينا فهو مالك لها ، سواء كان ذلك الحفر في أرض مباحة أو في التي هي ملكه ، إلاّ انّ بالامكان أن يقال : انّه لا يملكها أو بالأحرى يملكها في حدود حاجته ، ولا بدّ له من فسح المجال أمام الآخرين بالمقدار الزائد عن حاجته.

والمستند في ذلك باختصار : ان دليل الملكيّة ، امّا قاعدة من حاز ملك ، أو السيرة العقلائية على انّ من حفر بئرا أو استخرج معدنا فهو ملك له ، أو هو الاجماع التعبّدي.

امّا قاعدة من حاز ملك فهي مردودة ، باعتبار انّها ليست مدلولا لدليل لفظي ليتمسك باطلاقه وإنّما مستندها السيرة العقلائية ؛ وعليه فيلزم الرجوع إلى السيرة.

والسيرة مدفوعة بأن القدر المتيقن منها الحكم بملك الحائز فيما إذا كانت الحيازة للطير أو للسمك أو للأرض أو لغير ذلك مما هو في حدود حاجة الحائز ، اما إذا حاز مقدارا أكبر من حاجته فلا يحرز التعامل معه معاملة المالك.

وعلى تقدير ثبوت مثل هذه السيرة على اطلاقها فهي لا تكون حجة إلاّ مع الامضاء الشرعي ، وهو غير ثابت لاحتمال الردع بمثل رواية عاقبة وغيرها التي نهي فيها عن فضل الماء ليمنع من فضل الكلأ.

وإذا قيل بأنّ هذه الرواية لم تثبت حجيتها لضعف سندها.

أجبنا : انّ الرواية وانّ كانت ضعيفة السند إلاّ انّه يحتمل صدورها واقعا ، ومع ثبوت الاحتمال المذكور فلا نجزم بعدم الردع وبالتالي لا يجزم بالامضاء.

واما الاجماع التعبّدي فهو مدفوع بمخالفة الشيخ الطوسي ، حيث ذكر في المبسوط : كل موضع قلنا : انّه يملك البئر فانّه أحق بمائها بقدر حاجته لشربه وشرب ماشيته وسقي زرعه ، فإذا فضل بعد ذلك شي‌ء وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه وشرب ماشيته من السابلة وغيرهم ، وليس له منع الماء الفاضل من حاجته حتى لا يتمكن غيره من رعي الكلأ الذي يقرب ذلك الماء (1).

وعليه فلا إشكال في التعليل بقاعدة لا ضرر من هذه الناحية.

5 - توضيح مفردات الحديث

اشتمل الحديث على كلمة «ضرر» و«ضرار» ، ولا بدّ من توضيح المقصود منهما.

أمّا الضرر فقد ذكر غير واحد أنّه النقص في المال أو البدن أو العرض.

وقد يقيد ذلك بما إذا كان النقص موجبا لوقوع الشخص في الضيق والشدّة؛فالتاجر الذي يملك الملايين إذا ضاع منه بعض الدنانير لا يصدق عليه انّه تضرر ، بخلاف ذلك في الفقير.


1) المبسوط 3 : 281.

والمناسب عدم تخصيص الضرر بالنقص في أحد الامور الثلاثة المتقدمة ، بل تعميمه للنقص في الحق أيضا ؛ فمن كان له حق عقلائي وشرعي في قضية معيّنة فالمنع من ممارسته لحقه المذكور ضرر أيضا.

فمثلا من حق الشخص ان يعيش في داره حرّا ، والحيلولة دون ممارسة حقه - كما حال سمرة دون إعمال الأنصاري حقّه هذا في داره - ضرر.

ومن حق كل إنسان ممارسة أي عمل شرعي كالتصدير والاستيراد ونحو ذلك من الأعمال ، والحيلولة دون ذلك ضرر فيما إذا لم يشكّل ذلك خطرا من ناحية اخرى.

وأمّا مثل حق الطباعة والنشر والتأليف وحقّ الاختراع ، وأمثال ذلك من الحقوق المتداولة في يومنا هذا فهي لو ثبت كونها حقوقا عقلائية وشرعية لأمكن ان تعدّ طباعة الغير للكتاب تضييعا لحق دار النشر والطباعة ، ومن ثمّ يلزم أن يكون ذلك محرما ، إلاّ انّ كون هذه حقوقا عقلائية وشرعية لأصحابها أوّل الكلام ، فان كل دار نشر لديها جهاز خاص بالطباعة لنفسها ، ولها حقّ التصرف في جهازها وأوراقها والأدوات الخاصة بها ، والحيلولة دون ممارسة حقّها هذا هو الذي يعدّ ضررا ، وإذا مارست حقها هذا لم يعد ذلك اضرارا بدار النشر التي احتفظت بهذا الحق لنفسها ، فانّ هذا الحق الذي احتفظت به لنفسها ليس حقا في نظر الشرع والعقلاء ؛ وأي حق يتولد بمجرد الكتابة على صفحة الغلاف : ان حقوق الطبع محفوظة لدار النشر؟!! وهل يحتمل ان طبعه

للكتاب قبل غيره ومسارعته إلى ذلك يولّد له حقا؟! (1)ان ذلك مضحك.

وبالجملة نحن نسلّم ان بعض هذه أو كلها لو ثبت كونها حقوقا عقلائية وشرعية فالتجاوز عليها ضرر ، إلاّ ان الكلام في كونها حقوقا.

والمهم في النتيجة التي نريد الخروج بها هي : ان الضرر لا يختص بالنقص في المال أو العرض أو البدن ، بل التجاوز على حقوق الآخرين والتعدّي عليها ضرر أيضا.

الفرق بين الضرر والضرار :

عرفنا فيما سبق ان مادة الضرر - أي كلمة ضرر - تدل على النقص ، وكلتا الكلمتين تشتركان في هذا المعنى ، وذلك نقطة اشتراك بينهما ، ولكن ما هي مادة الامتياز؟

فمثلا كلمة كتب وكاتب تشتركان في الدلالة على أصل الكتابة ، ولكن بالرغم من هذا الاشتراك تمتاز كل واحدة عن الأخرى في نقطة ، وهي ان كتب تدل على الكتابة بنحو تلبّس الفاعل بها في الزمن السابق ، وهذا بخلاف كاتب فانّها تدل على التلبّس الفعلي من دون دلالة على الزمن.

والسؤال في مقامنا عن الفارق بين كلمة ضرر وضرار بعد اشتراكهما في الدلالة على أصل النقص.

ويمكن ان يفرّق بينهما بان الضرر اسم مصدر ، بينما الضرار مصدر.


1) وإذا قيل : كيف لا يكون للمؤلف حقّ وهو قد بذل جهودا فكرية كبيرة؟ أجبنا : انّ لازم انّ المطالب العلمية التي يسجلها بعض المفكرين في كتبهم لا يحقّ للآخرين الاستفادة منها والتبنّي لها ، وهو واضح البطلان.

والفارق بين المصدر واسمه هو : ان الكلمة تارة تدل على مجرد الحدث مع قطع النظر عن حيثيّة صدوره من الفاعل ، أو بالأحرى من دون دلالتها على النسبة إلى الفاعل ، وأخرى تدل عليه مع ملاحظة حيثيّة صدوره من الفاعل. والأول هو اسم المصدر ، والثاني هو المصدر. فمثلا العلم إذا لوحظ منسوبا إلى الفاعل وقيل علم زيد بالقضية ثابت فهو مصدر ، أمّا إذا قيل العلم خير من الجهل فهو اسم مصدر.

وغالبا لا فرق بين المصدر واسمه في اللفظ في اللغة العربية (1)، بينما على العكس في اللغة الفارسية ، حيث يختم المصدر بالنون بخلاف اسم المصدر فيقال : «گفتن وگفتار ، ورفتن ورفتار ، وكشتن وكشتار ، وكتك وزدن ، و ...».

وإذا أردنا ان نمثل للمصدر واسمه المختلفين في اللغة العربية فيمكن ان نمثل بالضرر والضرار ؛ فان الضرر هو نفس النقص بلا لحاظ حيثية صدوره من الفاعل، فحينما يقال : ضرر فلان عظيم يقصد انّ نفس النقيصة فاحشة وعظيمة ، ولا يراد انّ النقيصة التي أدخلها وفعلها فلان عظيمة. انّ حيثيّة فعلها من فلان أو فلان ليست ملحوظة ، وإنّما الملحوظ هو النقص بما هو نقص بقطع النظر عن صدوره من هذا أو ذاك. وهذا كله بخلاف الضرار فان حيثية الصدور من الفاعل ملحوظة ، فيقال : ضرار فلان عظيم. أي : انّ الضرر الذي قام به فلان وصدر منه عظيم.


1) ويمكن أن يمثل للمختلفين لفظا بالضرر والضرار وبالتلف والاتلاف والنفع والمنفعة.

معنى الضرار

بعد ان عرفنا ان الضرار مصدر نسأل عن معناه ، إذ الضرار يحتمل كونه مصدرا لضرّ ، ويحتمل كونه مصدرا لضارّ ؛ فان ضرّ يأتي مصدره ضرا وضرارا (1). وضارّ- الذي هو على وزن فاعل - يأتي مصدره على وزن فعال ومفاعلة ، أي : ضرار ومضارة (2).

ثم إنّه إذا كان مصدرا لضارّ ، يقال بان الضرار مصدر باب المفاعلة ؛ إذ مصدر ضارّ وإن لم ينحصر بالمفاعلة بل يأتي مصدره على وزن فعال ، إلاّ انّه ينسب إلى باب المفاعلة من باب النسبة إلى أشهر المصدرين.

وبالجملة إذا كان الضرار مصدرا لضارّ - أي كان مصدرا من باب المفاعلة - فقد يقال بدلالته على المشاركة ، أي لا يضرّ هذا ذاك ولا ذاك هذا فان المنسوب إلى جملة من اللغويين ان باب المفاعلة موضوع للمشاركة ، فقاتل زيد عمرا ، يعني : هذا قاتل ذاك وذاك قاتل هذا ، إلاّ ان النسبة في أحدهما أصلية وفي الآخر تبعية ، فالنسبة بلحاظ الفاعل - وهو زيد - أصلية بينما بلحاظ المفعول - وهو عمرو - تبعية.

هذا ، ولكن الشيخ الاصفهاني - ووافقه على ذلك جماعة - أنكر دلالة باب المفاعلة على المشاركة ، وقال : انّي تتبّعت القرآن من أوله إلى آخره فلم أجد استعمال باب المفاعلة في الدلالة على المشاركة.


1) فإنّ الفعل الثلاثي قد يأتي مصدره على فعال ، من قبيل كتب كتابا ، وحسب حسابا ، وقام قياما.

2) في شرح ابن عقيل 2 : 131 ، كل فعل على وزن فاعل فمصدره الفعال والمفاعلة ، نحو :

وعلى أي حال ، سواء تمّ ما أفاده أو لا ففي خصوص الحديث لم يقصد من كلمة الضرار الدلالة على المشاركة ، إذ الضرر كان صادرا من سمرة فقط دون الأنصاري. وسوف يأتي إن شاء اللّه تعالى في النقطة التالية أنّ استشهاد الرسول صلی اللّه عليه وآله وسلم إنما هو بفقرة «لا ضرار» دون «لا ضرر».

وبعد عدم كون المشاركة مقصودة فما هو المقصود إذن؟

ان المصدر وان دلّ على صدور الحدث من الفاعل ، إلاّ ان هذا المقدار قضية تشترك فيها جميع المصادر ، ولكن دلالة بعض المصادر تختلف عن دلالة بعضها الآخر ، والسؤال عن دلالة هيئة الضرار ما هي؟

لا يبعد دلالة كلمة «ضرار» على صدور الضرر من الفاعل أمّا بنحو الاستمرار والتكرّر ، أو بنحو التقصّد والتعمّد واتّخاذ ذريعة باطلة إليه ، فلا ضرار يعني : لا يصدر منكم الضرر متقصدين إليه ومتشبّثين ببعض الذرائع الواهية.

ولعل بعض الاستعمالات القرآنية تساعد على ذلك ، قال تعالى : ( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ) (1)، وقال : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ... ) (2)، وقال : ( ... وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ ... ) (3)وقال :


1) البقرة : 231.

2) التوبة : 107.

3) البقرة : 282.

( ... لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ... ) (1)إلى غير ذلك.

والنتيجة المستخلصة من كل هذا أنّ كلمة الضرر تدل على نفس النقص ، وكلمة الضرار تدل على الضرر الصادر من الفاعل عن تعمّد وقصد.

6 - المقصود من قاعدة لا ضرر

اشارة

بعد أن عرفنا المقصود من كلمة الضرر والضرار يقع الكلام في المقصود من مجموع الجملة وأنّه ما ذا تريد أن تقول وتبيّن.

إن أهم نقطة من نقاط البحث عن قاعدة لا ضرر هي هذه النقطة.

وقد اختلفت الاجابة عن هذا التساؤل ، ونذكر المهمّ منها كما يلي :

أ - انّ المقصود النهي وإفادة تحريم الضرر تكليفا. وهذا الرأي ذكره الآخوند في الكفاية ، واختاره شيخ الشريعة الاصفهاني.

ب - ان المقصود نفي الضرر غير المتدارك. وهذا هو المنسوب للفاضل التوني.

ج - ان المقصود نفي تشريع الحكم الذي يستلزم الضرر ويسببه.

وهذا ما اختاره الشيخ الاعظم والميرزا والسيد الخوئي.

د - ان المقصود نفي الحكم بلسان نفي الموضوع. وهذا ما اختاره الآخوند الخراساني في الكفاية.

ويأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى توضيح الفرق بين هذا الرأي وما قبله.


1) البقرة : 233.

وبعد هذا نأخذ بالتحدّث بشكل مختصر عن كل واحد من هذه الآراء ، ثم بيان ما هو المختار.

توضيح الرأي الأول

ان تفسير القاعدة بالتحريم التكليفي للضرر يمكن ان يتم بأحد الطرق الثلاث التالية :

أ - استعمال «لا» النافية في النهي بنحو المجاز والاستعمال في المعنى غير الموضوع له.

ب - تقدير خبر محذوف ، أي : لا ضرر جائز.

ج - ان تكون الجملة مستعملة في الإخبار عن النفي بقصد النهي ، نظير استعمال جملة بعت بداعي الانشاء.

الدليل على الرأي الاول

ان كيفية تخريج إرادة النهي من الحديث ليس بمهم ، وإنّما المهم إقامة الدليل على اثبات ذلك.

وإذا رجعنا إلى كلمات شيخ الشريعة في رسالة لا ضرر وجدناه يذكر الوجوه التالية :

أ - ان الشائع من الاستعمال المذكور إرادة النهي ، من قبيل ( ... فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ... ) (1)، ( ... فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ ... ) (2)، ومن قبيل قوله صلی اللّه عليه وآله وسلم : «لا طاعة لمخلوق في معصية


1) البقرة : 197.

2) طه : 97.

الخالق» ، و«لا غشّ بين المسلمين». إلى غير ذلك من الشواهد التي أكثر منها.

ومن الغريب في المقام ان الآخوند ذكر في الكفاية ان استعمال التركيب المذكور لإفادة النهي غير معهود ، بينما شيخ الشريعة يقول : إنّ ذلك هو الشائع.

ثمّ إنّه إذا أشكلنا على شيخ الشريعة بأنّ استعمال التركيب المذكور في غير النهي معهود أيضا من قبيل «لا شكّ لكثير الشك» ، «لا ربا بين الوالد وولده» وأمثال ذلك.

أجاب بأنّ الأمثلة المذكورة لا يصح الاستشهاد بها ، لأنّ الشارع المقدّس قد أعطى للربا حكما معينا وهو الحرمة ، وقد أثبت ذلك لطبيعيّه ، واريد بالجملة المذكورة نفي الموضوع وتنزيله منزلة العدم بلحاظ بعض أفراده ، وكأنّه يراد أن يقال : هذا الفرد ليس من الربا ، ومن ثمّ لا يثبت له الحكم الثابت لطبيعي الربا وهو الحرمة ؛ وأين ذلك من المقام الذي لا يوجد فيه حكم عام للضرر ليراد نفي ذلك الحكم من خلال تنزيل بعض أفراده منزلة العدم.

ب - التمسك بالتبادر وان الأذهان الفارغة من الشبهات العلمية لا تنسبق إلاّ إليه.

ج - ان الوارد في الحديث انّ النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم قال لسمرة : إنّك رجل مضار ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن. وهذا بمنزلة صغرى وكبرى ، أي : إنّك مضار ، والمضارة حرام. وهذا وجيه ، بينما لو كان المقصود أي : لا تمسّني.

نفي الحكم الضرري يصير المعنى : انّك رجل مضار ، والحكم الضرري منتف، ولا يظن بالأذهان المستقيمة ارتضاءه.

د - اتفاق أهل اللغة على فهم النهي من الحديث.

مناقشة أدلّة شيخ الشريعة

ويمكن مناقشة الوجوه المذكورة بما يلي :

امّا الوجه الأول فلأنّ مجرد استعمال التركيب المذكور في جملة من الموارد لإفادة النهي لا يعني ان التركيب المذكور اينما ورد يلزم حمله على ذلك بل لا بدّ من ملاحظة المناسبات والنكات.

وفي المقام توجد بعض النكات التي تعيق عن ذلك ، فان الضرر على ما تقدم هو نفس النقص بدون التفات إلى حيثيّة الصدور من الفاعل ، والنهي عن نفس النقص لا معنى له. أجل الضرار حيث ان الملحوظ فيه حيثية الصدور من الفاعل فاستعماله لإفادة النهي وجيه ، ويصير لا ضرار بمنزلة لا إضرار ، أي : لا يضر بعضكم بعضا.

وعليه يتضح ان المناسب هو التفكيك بين جملة «لا ضرر» وجملة «لا ضرار» ، فالثانية تفيد النهي دون الاولى ؛ ولا ينبغي ملاحظة الجملتين كجملة واحدة بدون تفكيك بينهما ، انّه خطأ لا توجيه له.

وظاهر كلمات المشهور وإن كان عدم التفكيك بينهما إلاّ ان المناسب هو التفكيك.

وأمّا الوجه الثاني فعهدة دعوى التبادر عليه.

وأمّا الوجه الثالث فلأنّ استفادة الصغرى والكبرى وإن كانت أمرا وجيها إلاّ انّه يكفي لذلك تفسير فقرة لا ضرار بالنهي ، ولا يتوقف على تفسير الفقرة الاولى - لا ضرر - بالنهي.

وأمّا الوجه الرابع فيرده ان فهم أهل اللغة لا حجيّة له ، فان الحجّية لو كانت ثابتة لأهل اللغة فهي ثابتة في مقام تشخيص معاني المفردات دون معنى الجمل ، فان ذلك اجتهاد محض منهم.

الاستدلال على الرأي الثاني

وأمّا ما أفاده الفاضل التوني فيمكن ان يوجّه بأنّ الحديث نفى وجود الضرر خارجا ، وحيث ان ذلك كذب فلا بدّ وان نفترض تدارك الضرر الموجود خارجا ، إذ بتداركه يكون وجوده كالعدم فانّ الضرر المتدارك في حكم العدم ، وحيث انّه لا يمكن أن يكون المقصود انّ كل ضرر هو متدارك بالفعل وخارجا ، لأنّ ذلك كذب أيضا ، إذ ما أكثر الإضرار التي لم يتحقق تداركها بالفعل ، فلا بدّ وأن يكون المقصود انّ كل ضرر خارجا هو محكوم شرعا بوجوب التدارك.

وبذلك يثبت ان كل ضرر هو محكوم بوجوب التدارك والضمان شرعا ، أي : نفهم من الحديث جعل الضمان شرعا لكل ضرر.

ولكن من هو الضامن؟

ان الحديث يدل على ان الضرر إذا كان منسوبا إلى شخص معين فهو الضامن ، وهذا ما تدل عليه فقرة لا ضرار ، حيث ان الضرار هو الضرر الملحوظ نسبته إلى الفاعل ، فإذا نفي دلّ ذلك على انه ضامن.

وامّا إذا لم يكن الضرر منسوبا إلى شخص فالضامن هو الدولة أو بالأحرى هو بيت مال المسلمين ، وهذا ما تدل عليه فقرة «لا ضرر» ، لأنّ الضرر هو النقص من دون لحاظ نسبته إلى الفاعل ، فنفيه يدل على وجوب ضمانه وليس الضامن في مثل ذلك إلاّ الدولة ، إذ لا يوجد ما يمكن ان يكون ضامنا غيرها.

وتحقيق من هو الضامن قضية غير مهمة فيما نحن بصدده الآن ، وإنّما المهم هو الالتفات إلى تقريب دلالة الحديث على مدعى الفاضل التوني بالشكل المتقدم.

وروح هذا التقريب قد تستفاد من عبارة الفاضل التوني حيث قال في الوافية : «إذ نفي الضرر غير محمول على نفي حقيقته لأنّه غير منفي ، بل الظاهر ان المراد به نفي الضرر من غير جبران بحسب الشرع» (1).

مناقشة الرأي الثاني

وقد يناقش هذا الرأي بما ذكره السيد الخوئي (2)، من انّ لازم هذا الرأي تقييد الضرر بغير المتدارك وهو بحاجة إلى دليل لأنّه خلاف الاطلاق.

ويرده : ان بإمكان شيخ الشريعة ان يدّعي تارة بأنّي لا أدّعي تقييد لفظ الضرر بلفظ غير المتدارك ليكون ذلك بحاجة إلى قرينة ، وإنّما أدّعي ان الشارع لمّا حكم بوجوب التدارك صحّ له ان ينفي الضرر وينزّله منزلة العدم ، فالضرر منفي خارجا باعتبار حكم الشارع بلزوم التدارك من دون ان نقيّد لفظ الضرر في الحديث.

كما ان بإمكان الفاضل التوني ان يختار التقييد ويقول : انّ الدليل عليه موجود بتقريب ان الشارع حينما أخبر بعدم تحقّق الضرر خارجا فذلك منه كذب من دون تقييد بالتدارك فصيانة لكلام الشارع من الكذب لا بدّ من التقييد.


1) الوافية : 194.

2) مصباح الاصول 2 : 529.

والصحيح في مناقشته أن يقال : إنّ مجرد حكم الشارع بلزوم التدارك لا يكفي لتصحيح نفي الضرر خارجا ، وإنّما المصحح لذلك هو تحقّق التدارك خارجا وبالفعل.

وإذا قيل : إنّ الشارع قد جعل لذلك قوة اجرائية ، فباعتبار ذلك يكون التدارك في نظره جاريا مجرى الأمر الواقع والمتحقق.

كان الجواب : انّ الشارع وإن جعل قوة اجرائية لكن ذلك على مستوى التشريع لا على مستوى التكوين ، ومجرد تشريع القوة الاجرائية بدون ان تمارس أعمالها تكوينا لا يصحح له الاخبار بانتفاء الضرر خارجا.

هذا مضافا إلى امكان ذكر جواب ثان ، وهو : أنّ حمل الحديث على ما ذكره الفاضل التوني يلزم منه تخصيص الأكثر ، فالانسان إذا عثر وانكسرت رجله لا يضمن ضرره أحد ، وإذا احترقت داره أو كتبه بدون نسبة الاحراق إلى شخص لم يضمن أحد ذلك ، وإذا مات ربّ الاسرة تضرّر أعضاؤها ولم يضمن ذلك أحد ، وإذا مرض الإنسان وانحرفت صحته تضرّر ولم يضمن ذلك أحد ، إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا يكون الضرر فيها منسوبا إلى شخص معين.

أجل في خصوص القتل إذا فرض ان الشخص وجد مقتولا ولم يعرف قاتله ، أو فرض انّ الزحام الشديد في منى أو عرفات أو صلاة الجمعة أودى بحياته أمكن الحكم بضمان ديته من بيت مال المسلمين ، للخبر الصحيح عن الإمام الصادق عليه‌ السلام : قال : «قضى امير المؤمنين عليه‌ السلام في رجل وجد مقتولا لا يدرى من قتله ، قال : ان كان عرف له اولياء يطلبون ديته اعطوا ديته من بيت مال المسلمين ، ولا يبطل دم امرئ

مسلم ، لان ميراثه للإمام ، فكذلك تكون ديته على الإمام ويصلّون عليه ويدفنونه. قال : وقضى في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات : أنّ ديته من بيت مال المسلمين» (1).

الاستدلال على الرأي الثالث

إنّ تفسير الحديث بنفي الحكم الضرري هو المعروف بين المتأخرين ، واختاره الشيخ الأعظم والميرزا والسيد الخوئي.

وبناء على هذا التفسير يلزم الاستفادة الكثيرة من الحديث ، حيث يثبت انّ كل حكم من الأحكام منفي حالة الضرر.

وتصوير هذا الاحتمال يمكن أن يكون بأحد أشكال ثلاثة :

أ - ان تقدر كلمة «حكم». اي : لا حكم ضرريا أو لا حكم ينشأ منه الضرر.

ب - ان لا تقدر كلمة «حكم» ، بل تجعل كلمة الضرر بنفسها معبّرة عن الحكم ، فعبّر بكلمة «ضرر» وقصد منها الحكم.

وعلى الاحتمال الأول لا تلزم المجازية في كلمة ضرر ، بل تكون مستعملة في معناها بنحو الحقيقة ، وإنّما العناية من حيث التقدير، من قبيل : ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) ...(2).

بينما على الاحتمال الثاني تلزم المجازية في استعمال كلمة الضرر حيث قصد بها غير معناها ، والمصحح هو ان الحكم يستلزم الضرر.

ج - ان تكون كلمة «ضرر» مستعملة في نفس الحكم كما على


1) الوسائل : الباب 6 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ح 1.

2) يوسف : 82.

الاحتمال الثاني ، ولكن يدعى هنا ان الاستعمال المذكور حقيقي وليس بمجازي ، بدعوى انّ المورد من موارد السبب والمسبب التوليدي ، واستعمال لفظ المسبب التوليدي في السبب التوليدي استعمال عرفي حقيقي وليس مجازيا ، يقال : فلان أحرق الورقة. والحال أنّه ألقاها ، أو : فلان قتل فلانا. والحال أنّه أطلق عليه الرصاص (1)

ومثال ذلك النار والاحراق ، فالنار سبب توليدي والاحراق مسبب توليدي.

وفي مقابل هذا المصطلح الفعل المباشري ، وهو الفعل الذي يصدر من الفاعل باختياره ، فالانسان يشعل النار ويحصل بذلك الاحراق ؛ ان اشعال النار فعل يصدر منه بارادته واختياره ، ويسمى بالفعل المباشري ، واما الاحراق فيصدر منه بدون اختياره ، اذ اشتعال النار علّة تامة للإحراق بدون مدخلية للاختيار. ويسمى الاشعال بالسبب التوليدي والاحراق بالمسبب التوليدي.

.

وهذا التقريب ذكره الشيخ النائيني.

مناقشة الرأي الثالث

هذا ما يمكن به تقريب الرأي المذكور.

وهو وإن كان في نفسه وجيها إلاّ ان تقريباته الثلاثة قابلة للتأمل.

اما الأول فلأنّه بحاجة إلى تقدير ، والدليل عليه مفقود ، مضافا إلى ان الحكم لا يوصف بالضرر وإنّما هو ضرري.

وامّا الثاني فلأن استعمال الضرر وارادة الحكم ليس عرفيا ولو بنحو المجاز.

وعلى تقدير التنزّل وصحة الاستعمال المذكور فالذي يصحّ هو


1) المقصود من السبب والمسبب التوليدي العلة التامّة ومعلولها ، فان العلة التامّة متى ما تحققت سبّبت وولدت المعلول ، فالعلّة تسمّى بالسبب التوليدي ، والمعلول يسمّى بالمسبّب التوليدي.

استعمال لفظ الضرار في الحكم لا لفظ الضرر فإن الضرر هو نفس النقص ، والحكم ليس نفس النقص بل هو يوجده ويحصّله ، بخلاف ذلك في الضرار فانّ النسبة فيه ملحوظة.

وبذلك يتّضح وهن التقريب الثالث بالاولى.

هذا ، ولكن وهن هذه التقريبات الثلاثة لا يعني وهن أصل الرأي الثالث ، بل سيأتي تقريبه ببيان آخر إن شاء اللّه تعالى.

الاستدلال على الرأي الرابع

والرأي الرابع يرى ان المقصود من الحديث نفي الحكم بلسان نفي الموضوع.

والفرق بين هذا الرأي والرأي الثالث : أنّ الثالث يجعل كلمة الضرر مستعملة في الحكم ودالّة عليه ، بينما هذا الرأي يرى أنّها مستعملة في الموضوع دون الحكم ، ففي قولنا : الوضوء واجب يكون الوضوء بمنزلة الموضوع والوجوب حكما ، وعلى الرأي الثالث تكون كلمة «الضرر» مستعملة في الوجوب ، بينما على الرأي الرابع تكون مستعملة في الوضوء. هذا فارق.

وفارق ثان أنّه على الراي الثالث ينتفي الحكم كلّما استوجب الضرر ، سواء كان الضرر بسبب موضوعه أو بعض مقدماته ، وهذا بخلافه على الرأي الرابع فانه لا ينتفي إلاّ إذا كان موضوعه ضرريا ، ولا يكفي لانتفائه كون مقدماته ضررية.

ففي مثال الوضوء تارة نفترض ان الوضوء نفسه ضرري ، وأخرى يفترض ان مقدمات تحصيل الوضوء تستوجب الضرر ، ففي الحالة الاولى يرتفع وجوب الوضوء بدون فرق بين الاحتمالين ، وفي

الحالة الثانية يرتفع وجوب الوضوء على الاحتمال الثالث ولا يرتفع على الاحتمال الرابع.

واستدل الآخوند على رأيه هذا بانّه : بعد عدم امكان إرادة نفي الحقيقة حقيقة ، فاقرب المجازات هو نفيها ادعاء ، مضافا إلى انّ التركيب المذكور كثيرا ما يستعمل في النفي الادعائي بخلاف غيره من المعاني.

مناقشة الرأي الرابع

ويمكن ان يناقش الرأي المذكور بانّ فكرة نفي الحكم بلسان نفي موضوعه يصعب تطبيقها في المقام ، ففي مثل قولنا : لا ربا بين الوالد وولده. يمكن تطبيق الفكرة المذكورة، لأن الربا موضوع للحرمة فنفيه نفي لها ، وفي المقام حكم الضرر هو الحرمة والضمان (1)، فإذا نفي لزم من ذلك نفي الحرمة والضمان ، وذلك عكس المقصود.

وعليه فلتصحيح تطبيق الفكرة المذكورة لا بدّ من أخذ عنوان الضرر مشيرا إلى مثل الوضوء حتى يكون المنفي هو الوضوء ومن ثمّ حكمه وهو الوجوب. وهذا قابل للتأمل لان التعبير عن الوضوء بالضرر الذي هو نفس النقص ليس عرفيا ، فان الوضوء يستوجب الضرر وسبب له لا انّه نفسه.

وفي المحاورات العرفية وان كان قد يستعمل اللفظ أحيانا بنحو المرآتية إلى شي‌ء آخر ، إلاّ ان ذلك يختص بباب العنوان والمعنون ، فالعنوان قد يطلق بنحو المراتبة على معنونه ، والمصحح لذلك هو


1) فإنّ الحكم المتصوّر للضرر لو كان فهو الحرمة والضمان - ولا يوجد حكم غيرهما - وإن كان في ذلك شي‌ء من المسامحة ، باعتبار ان الضرر الذي هو نفس النقص لا حكم له ، وإنّما المحرم والموجب للضمان هو الضرار بمعنى الاضرار.

الاتحاد الثابت بينهما ، فالعنوان عين المعنون ومتّحد معه ، وهذا بخلافه في باب السبب والمسبب فانه لا يستعمل احدهما مرآة للآخر ، فلا تستعمل كلمة النار مرآة للإحراق ولا بالعكس ، وما ذاك إلاّ لعدم الاتّحاد بينهما.

والأمر في المقام كذلك فان الضرر مسبب عن الوضوء وليس عينه وعنوانا له.

هذا مضافا إلى انّ فكرة نفي الحكم بلسان نفي موضوعه لا يمكن تطبيقها على المقام من جهة أخرى ، باعتبار انّه عندنا مصطلحان : موضوع ومتعلّق ، والذي يصح نفي الحكم بنفيه هو الموضوع دون المتعلق ، وفي المقام الوضوء متعلق وليس موضوعا فلا يصح بنفيه نفي الحكم.

ولتوضيح المصطلحين المذكورين نقول : انّ ما يلزم فرضه في المرتبة السابقة وبعد ذلك يثبت الحكم هو الموضوع. وامّا ما يكون الحكم مقتضيا لإيجاده أو نفيه ، ويكون تحققه من نتائج الحكم بدون ان يلزم فرضه في المرتبة السابقة فهو المتعلّق.

ففي قولنا : يجب الحجّ على المستطيع يكون المستطيع موضوعا ، لأنه متى ما فرض تحقّقه يثبت الحكم ، بينما الحجّ متعلّق لأنه لا يلزم فرضه في المرتبة السابقة وبعد ذلك يتحقق الوجوب ، بل ان الوجوب يحرك نحو تحقيقه ، بخلاف ذلك في المستطيع ، فانّ الوجوب لا يحرك نحو تحقيقه.

وفي قولنا : الربا محرم ، يكون الربا موضوعا للحرمة ، لأنّه متى ما فرض صدق الربا على البيع أو القرض كان ارتكابه محرما ، فالربا

موضوع وارتكابه متعلق ، وفي مثل ذلك يصح نفي الحكم بلسان نفي الموضوع ، فيقال مثلا : «لا ربا بين الوالد وولده».

وهذا بخلافه في مثل الوضوء ، فانّه متعلق حيث يجب ايجاده ، لا انّه على تقدير فرض تحقّقه يصير واجبا.

والوجه في اختصاص الفكرة السابقة بذلك هو الوجدان العرفي فهل ترى يصح ان يقال لا وضوء عند الضرر ويقصد بذلك انّه ليس بواجب؟ كلا لا يصح ذلك ، وهذا بخلافه في مثل : لا ربا بين الوالد وولده فانه يصح ، إذ الربا إذا لم يتحقق لم تثبت الحرمة ، وهذا بخلافه في الوضوء فانه إذا لم يتحقق لم يلزم انتفاء الوجوب.

ان ما ذكرناه مطلب وجداني. ونكتته هي أنّ الموضوع إذا لم يتحقق لم يتحقق الحكم ، ولذا يصح التعبير بانتفاء الموضوع بقصد إفادة انتفاء الحكم ، وهذا بخلافه في المتعلق فان انتفاءه لا يستلزم انتفاء الحكم ، فمن لا يتوضأ عصيانا لا ينتفي الوجوب عنه ، ومن هنا لا يصح التعبير عن انتفاء هذا بانتفاء ذاك.

الصحيح أن يقال

والصحيح أن يقال : انّه توجد لدينا فقرتان : فقرة «لا ضرر» وفقرة «لا ضرار» ، وكل واحدة منهما يمكن ان يستفاد منها غير ما يستفاد من الأخرى ، ولا ينبغي التعامل معهما بشكل واحد.

امّا فقرة «لا ضرر» فيمكن ان نستفيد منها انتفاء كل حكم يكون ثبوته مستلزما للضرر كما افاده الشيخ الاعظم ، ولكن لا لأحد البيانات السابقة فانها ضعيفة كما تقدم ، وانما ذلك من جهة ان كلمة الضرر تعني نفس النقص كما تقدم ، وإرادة النهي عن ذلك غير محتملة كما

تقدم ، اذ نفس النقص لا معنى للنهي عنه فما ذا يقصد اذن؟

انّ النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم حينما يتكلم لا بدّ وانه يتكلّم بما هو شارع ، والشارع حينما يخبر عن عدم الضرر لا بدّ وأن يكون مقصوده نفي تحقّق الضرر من ناحية أحكامه وتشريعاته ، انّ ذلك هو المناسب له.

وبذلك يثبت انّ المقصود نفي تحقّق الضرر في حق المكلّف من ناحية التشريع والأحكام ، فكل حكم يكون ثبوته مستلزما للضرر يكون منتفيا.

وفرق هذا التقريب عن التقريبات السابقة انّه على هذا التقريب لا نكون بحاجة إلى تقدير كلمة حكم ، كما انّه لا يلزم استعمال كلمة الضرر في الحكم وإنّما المنفي هو نفس الضرر لكننا نقيد النفي وانّه نفي للضرر من ناحية الحكم والتشريع.

ولا يخفى انّه لو خلينا نحن وهذه الفقرة لأمكن ان نستفيد منها - اضافة إلى ما ذكرناه من انتفاء كل حكم ضرري - حرمة الاضرار بالآخرين وعدم اباحته ، لأنّ الحكم بإباحته مستلزم للضرر (1)على الآخرين فيكون منتفيا.

وعليه فما رامه شيخ الشريعة من استفادة تحريم الضرر يكون ثابتا ضمن هذا التفسير أيضا.

هذا بالنسبة إلى فقرة «لا ضرر».

واما بالنسبة إلى فقرة «لا ضرار» فيستفاد منها النهي عن


1) غير أنّه يستفاد منها عدم اباحة الاضرار بالآخرين ، ولا يستفاد منها عدم ثبوت اباحة اضرار الانسان نفسه ، بخلاف ذلك في فقرة «ولا ضرار» فانّه يمكن ان يستفاد منها ذلك تمسكا بالاطلاق.

الاضرار وتحريمه كما رام ذلك شيخ الشريعة ، حيث ان الضرار لوحظ فيه جنبة الصدور من الفاعل ، وهو أشبه بكلمة اضرار ، فكما انّه في جملة «لا اضرار» يستفاد النهي عن الاضرار كذلك في لا ضرار.

ونلفت النظر إلى ان تحريم الاضرار بدون تشريع وسائل وقائية تحول دون حدوث الضرر أو دون بقائه ليس عقلائيا ، فالتحريم تكليفا للإضرار يلازم تشريع الوسائل المانعة من حدوث أو بقاء الضرر.

وبهذا يتّضح الجواب عن التساؤل الذي ستأتي الإشارة له إن شاء اللّه تعالى وهو:انّ المناسب لحرمة الاضرار منع دخول سمرة الى منزل الأنصاري دون الأمر بقلع النخلة.

ووجه الجواب : ان تحريم الاضرار منفكّا عن تشريع الوسائل الوقائية حيث انّه ليس عقلائيا فيكون أمر النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم بقلع النخلة من هذه الناحية.

كما يتّضح من خلال ما ذكرناه وجه الارتباط بين تحريم الاضرار وتشريع حق الشفعة ، ان ذلك من جهة ان بيع الشريك لحصته لما كان يولّد حقا للشريك الأول في المطالبة بالحصة لنفسه بازاء بذله للثمن ، ولمّا كان منعه من إعمال حقه هذا اضرارا به فمن المناسب بعد حرمة الاضرار ثبوت حق الشفعة.

فالتناسب على هذا تناسب بين الفقرة الثانية وثبوت حق الشفعة ، وليس تناسبا بين الفقرة الأولى وحق الشفعة.

7 - تطبيق الحديث على قضية سمرة

هناك إشكال ذكره الشيخ الأعظم في رسالة لا ضرر بقوله : «وفي

هذه القضية إشكال من حيث حكم النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم بقطع العذق مع أنّ القواعد لا تقتضيه ، ونفي الضرر لا يوجب ذلك ، لكن ذلك لا يخلّ بالاستدلال».

وحاصله : انه صلی اللّه عليه وآله وسلم أمر بقلع الشجرة وعلّل ذلك بقوله لا ضرر ولا ضرار، والحال ان تحريم الضرر لا يقتضي جواز قلع الشجرة ، وإنّما أقصى ما يقتضي منع سمرة من الدخول بدون استئذان ، حيث ان في ذلك اضرارا وهو محرم ، ولا معنى لتجويز قلع الشجرة.

هذا بناء على انّ مفاد قاعدة لا ضرر تحريم الاضرار ، وامّا إذا كان مفادها نفي الحكم الضرري فالامر مشكل أيضا ، لأنّ الحكم بثبوت حق لسمرة في بقاء نخلته في ملك الأنصاري ليس ضررا على الأنصاري لكي يكون مرفوعا بالقاعدة ، وإنّما الحكم الضرري هو تجويز الاستطراق بدون استئذان فيكون هو المرفوع.

وقد اجيب عن ذلك بعدة أجوبة نذكر منها :

1 - ما أشار إليه الشيخ الأعظم في العبارة السابقة وهو ان عدم المعرفة بكيفية التطبيق لا يمنع من الاستدلال بالقاعدة ولا يؤثر على ذلك.

ويرده : ان عدم التعرّف على كيفية التطبيق على نفس المورد يولّد احتمال كون المقصود من القاعدة شيئا آخر غير ما نفهمه ، إذ لو كان المقصود ما نفهمه منها يلزم عدم الملاءمة بين ما نفهمه منها وبين تطبيقها.

2 - ما اختاره جماعة كالميرزا والسيد الخوئي (1)، من ان الأمر بالقلع لم يستند إلى القاعدة ، وإنّما استند إلى ولايته صلی اللّه عليه وآله وسلم وكونه حاكما وظيفته حفظ النظام ، فمن باب كونه يجب عليه الحفاظ على النظام أمر بالقلع وليس من باب قاعدة لا ضرر.

ويرده : انّه صلی اللّه عليه وآله وسلم حينما أمر بالقلع علل بقوله لا ضرر ، حيث قال صلی اللّه عليه وآله وسلم اذهب فاقلعها وارم بها إليه فانّه لا ضرر ولا ضرار ؛ فإنّ ذلك واضح في كون القاعدة قد ذكرت كتعليل للأمر بالقلع.

3 - ما ذكره بعض الأعلام (2)- من أنّ قاعدة لا ضرر ولا ضرار التي ذكرها النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم وتمسّك بها لم يذكرها من باب أنّها قاعدة من القواعد الإلهيّة التي امر النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم بتبليغها كقانون من اللّه سبحانه ، وإنّما ذلك حكم صادر منه صلی اللّه عليه وآله وسلم بما هو رئيس للحكومة الإسلامية ، فالقاعدة حكم سلطاني وحكومتي وليس إلهيّا.

وتوجيه ذلك : ان الروايات على قسمين : بعضها عبّر بكلمة «قضى» ، مثل رواية عبادة وعاقبة ، حيث قيل قضى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم بالشفعة وقال لا ضرر، ودلالة مثل ذلك بقرينة كلمة «قضى» على كون القاعدة حكما سلطانيا واضحة.

وبعضها الآخر - مثل رواية الكافي - لم يعبّر فيها بكلمة «قضى» ، ولكن بالرغم من ذلك تكون القاعدة فيه حكما سلطانيا ؛ لأنّ الأنصاري لما ظلمه سمرة شكا أمره إلى النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم بما هو سلطان ورئيس للحكومة فحكم صلی اللّه عليه وآله وسلم بأنّه لا يضرّ أحد أخاه في حكومتي ودولتي.


1) مصباح الاصول 2 : 232.

2) الرسائل : 55.

قال قدس‌سره بعد استعراض الإشكال ما نصّه : «وأمّا الإشكال فلا يرد على ما ذكرنا ضرورة أنّ المورد مندرج تحت الحكم السلطاني الكلّي ، فيكون الأمر بالقطع لقطع مادة الفساد المتوقّع في المقام» (1).

وإذا قيل : إنّه بناء على هذا يكون مفاد الحديث هو النهي عن الضرر وهو نفس ما أفاده شيخ الشريعة.

كان الجواب : انّ شيخ الشريعة كان يقول بأنّ المقصود بيان التحريم والنهي الإلهي ، بينما على هذا التصوير يكون المقصود بيان التحريم والنهي السلطاني. وعلى الأوّل يكون النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم مبلّغا لحكم إلهي ، وعلى الثاني لا يكون النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم مبلّغا بل مقنّنا لحكم سلطاني.

وإذا قيل : ما الفرق بين هذا الجواب والجواب الثالث الذي ذكر فيه كون الأمر بالقلع حكما ولايتيّا؟

كان الجواب : انّه على الجواب السابق تكون قاعدة لا ضرر ولا ضرار حكما إلهيّا قد أمر النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم بتبليغه ، غايته أنّه أمر بالقلع من باب الولاية وحفظ النظام ، وهذا بخلافه على هذا الجواب ، فإنّ القاعدة بنفسها حكم سلطاني.

ويردّه : انّ المشكلة لا تنحلّ بكون النهي عن الضرر والضرار سلطانيا ؛ إذ يبقى أنّ مجرّد تحريم الاضرار والمنع عنه - ولو سلطانيا - لا يقتضي إلاّ المنع من الدخول بلا إذن ولا يقتضي تجويز القلع.

4 - ما اخترناه سابقا وهو أنّ الحديث يشتمل على فقرتين ، وفي فقرته الثانية يدلّ على تحريم الاضرار ، وتحريم الاضطرار يستبطن


1) الرسائل : 59.

بالملازمة العقلائية تشريع الوسائل الوقائية والوقوف أمام تحقّق الظلم أو بقائه ولو بإعطاء ذلك كصلاحيّة للحاكم. وهذا نظير النهي عن الاحتكار ، فإنّه لو نهي شخص عن الاحتكار وبالرغم من ذلك احتكر ، فلو جاء الحاكم وأخرج السلع المحتكرة وباعها لم يشكل على ذلك بأنّ النهي عن الاحتكار لا يستوجب إلاّ تحريم الاحتكار لا أكثر ، بل يرون وجود ملازمة بين تحريم الاحتكار وتشريع الوسيلة الوقائية وانّ الأوّل دون الثاني أشبه بالتفكيك بين المتلازمين.

وفي المقام أحد تلك الوسائل : قلع النخلة ، إذ بدون قلعها يبقى سمرة داخلا وخارجا ، وذلك يستلزم استمرار الاضرار ، ومجرّد منعه بدون استئذان لا يكفي للوقوف أمام ظلمه ، اللّهمّ إلاّ إذا فرض ايقاف شرطي عند الباب يأمر سمرة بالاستئذان ، وذلك أمر غير عملي ، ولأجل انحصار الوسيلة الوقائية بالقلع أمر صلی اللّه عليه وآله وسلم بالقلع.

8 - كيف يدفع محذور كثرة التخصيص

هناك إشكال أشار له الشيخ الأعظم في الرسائل حاصلة : انّ قاعدة لا ضرر قد طرأت عليها تخصيصات كثيرة بمعنى : أنّ هناك أحكاما كثيرة ثابتة في الإسلام وهي ضررية ولا ترتفع بقاعدة لا ضرر ، كما هو الحال في الحدود ، والديات ، والتعزيرات ، والقصاص ، وباب الضمان بالاتلاف أو اليد ، وباب الخمس ، والزكاة ، والجهاد ، والحجّ ، والانفاق على الزوجة والأقارب ، وباب الكفارات ، ككفارة خلف اليمين ، أو الافطار ، أو كفّارات الحجّ ، وباب تنجّس الملاقي ؛ فإنّ المرق

الكثير إذا لاقى نجاسة وجب التجنّب عنه وإن كان كثيرا ، وذلك ضرر (1).

انّ الحكم بالحدّ والتعزير والقصاص إدخال للنقص على الجاني واضرار به ، وهكذا الأمر في باب الضمان ونحوه.

وكثرة التخصيص هذه توجب بلا ريب وهن القاعدة ، ومن ثمّ توجب أن لا يكون المقصود من القاعدة معناها الظاهر ؛ إذ لازمه كثرة التخصيص المستهجن ، وعليه فيلزم أن يكون المقصود من القاعدة معنى آخر لا يلزم من إرادته محذور تخصيص الأكثر ، وحيث إنّ ذلك المعنى غير معلوم لنا فيلزم سقوط القاعدة عن الاعتبار أو - على أقل تقدير - لا يصحّ التمسّك بها إلاّ في الموارد التي تمسّك فيها المشهور بها.

وبالجملة : إنّ العمل بالقاعدة على عمومها بحيث لا يلتزم بتخصيصها بما تقدّم من الموارد يلزم منه - على حدّ تعبير الشيخ - فقه جديد ، والالتزام بتخصيصها يلزم منه ما تقدّم.

هذه حصيلة الإشكال.

ويمكن أن نطرحه بصيغة ثانية أو بروح أخرى هي : انّ كثرة تخصيص الحديث يعني أنّ في الإسلام أحكاما كثيرة هي ضررية ولا ترتفع بحديث نفي الضرر ، ومن ثمّ تكون ثابتة بالرغم من كونها ضررية ، وهذا معناه : أنّ الإسلام ضرري في كثير من أحكامه وأنّه يوقع أتباعه في الضرر. وهذا تشويه واضح لسمعة الإسلام النزيه عن هذا وأمثاله.


1) ولعلّ على هذا المنوال يمكن ذكر أمثلة أخرى ، من قبيل سلب حرية الزوجة من التزوّج بزوج آخر ، أو عدم جواز خروجها من البيت بدون إذن زوجها أو ...

وإشكال كثرة التخصيص الذي طرحه الشيخ الأعظم يمكن أن يجعل منه أعداء الإسلام - من باب : من فمك أدينك - وسيلة للطعن على الإسلام ، فإنّ من قبل بلزوم تخصيص الأكثر بشكل وآخر فقد قبل بتشويه سمعة الإسلام من حيث لا يدري.

هذه صياغة ثانية للإشكال.

ويمكن أن نتقدّم بصياغة ثالثة للإشكال ، وهي أنّ الحديث مسوق مساق الامتنان على الامّة الإسلامية ، وسوق القضية مساق الامتنان يجعلها عرفا تأبى عن التخصيص حتى ولو فرض عدم كثرته أو فرض عدم استهجان كثرة التخصيص ، خصوصا إذا التفتنا إلى أنّ الخارج من القاعدة هو من القضايا الأساسية في الإسلام ، كالحدود والديات وأمثالها.

إنّ خروج أمثال هذه الأحكام الأساسية في الإسلام عن القاعدة المسوقة مساق الامتنان مستهجن ومرفوض عرفا.

وهل ترى من المناسب أن يقول الشارع : لم أجعل عليكم حكما ضرريا امتنانا منّي عليكم إلاّ في باب الحدود والديات والقصاص فقد أثبتّ عليكم حكما ضرريا ولم أمتن عليكم؟!

هذه صيغ ثلاث للإشكال ، والمذكور منها في كلمات الأعلام هو الصيغة الاولى فقط.

وقد ذكروا للجواب عن ذلك عدّة وجوه نذكر من بينها :

1 - ما أفاده الشيخ الأعظم من أنّ خروج الأكثر حصل بعنوان واحد جامع لها ولم يخرج كل واحد منها بعنوانه الخاصّ ، كل ما في الأمر انّ ذلك العنوان الجامع مجهول لنا. ومتى ما كان الخروج بعنوان

واحد فهو ليس بمستهجن حتى ولو كان الخارج به الأكثر ، كما إذا قيل : «أكرم الناس» ودلّ دليل آخر على خروج الفاسق الذي هو شامل لأكثر الأفراد ، فإنّه لا استهجان فيه.

وردّ الآخوند ذلك بأنّه لا فرق في الاستهجان بين أن يكون ذلك بعنوان واحد أو بعناوين متعدّدة.

والميرزا (1)- وتبعه على ذلك السيّد الخوئي - فصّل بين القضية الحقيقية والخارجية ، ففي الخارجية يمتنع تخصيص الأكثر ولو بعنوان واحد ، كما لو قيل : أكرم من في العسكر ، ثمّ أخرج بني تميم الذين يساوي عددهم عدد العسكر باستثناء ثلاثة أو أربعة، وأمّا في القضية الحقيقيّة فلا يمتنع ذلك.

ثمّ أفاد أنّ الحديث الشريف حيث إنّه من قبيل القضايا الخارجية باعتبار أنّه ناظر إلى الأحكام التي بلّغها اللّه سبحانه إلى الناس بلسان نبيّه صلی اللّه عليه وآله وسلم فالحقّ مع الآخوند.

وهذا الجواب كما ترى يسلّم بأنّ أكثر الأحكام ضررية فيبقى الإشكال بصيغته الثانية.

2 - ما ذكر في جملة من الكلمات بالنسبة إلى الديات والحدود والقصاص والحجّ والجهاد ، من أنّها مجعولة ضررية ومبنيّة على الضرر ، والحديث ناظر إلى العمومات التي قد تكون ضررية وقد لا تكون ويقيّدها بصورة عدم الضرر ، ومعه فكل حكم جعل ضرريا بطبعه من أوّل الأمر لا يكون مشمولا لحديث لا ضرر.


1) رسالة لا ضرر : 211.

وهذا كما ترى يسلّم بالضرر في الأحكام المذكورة فيبقي الإشكال بصيغته الثانية.

3 - إنّه في باب الخمس لا يصدق الضرر ، لأنّ الشارع لم يعتبر الشخص مالكا لمقدار الخمس حتى يكون وجوب إخراجه ضررا عليه ، بل اعتبره شريكا مع السادة ، ولكن يصدق قلّة النفع وهي ليست بضرر (1). أجل الزكاة هي فرع الملك ويصدق الضرر بالنسبة إليها ، ولكن لا يشملها الحديث من باب أنّها بطبعها مبنيّة على الضرر.

4 - ما ذكر في غير واحد من الكلمات ، من أنّ موارد الضمان والقصاص هي من موارد تعارض الضررين ، فإنّ عدم الضمان ضرر على المضمون له والضمان ضرر على الضامن. وهكذا يرد في موارد القصاص ، فإنّه ضرر على الجاني وعدمه ضرر على المجني عليه ، والحديث لا يشمل موارد تعارض الضررين.

إلى غير ذلك من الأجوبة ، وهي كما ترى لا يخلو أكثرها من تكلّف ، مضافا إلى أنّها لا تحلّ الإشكال بجميع صيغه.

والذي نراه في الجواب أن يقال : إنّه لو فرضنا اسرة كبيرة تعيش في بيت واحد ، وكان ربّ الاسرة يشرف عليها ويدير أمرها بما يراه صلاحا لها فقال من باب الحفاظ عليها : على الثري من أفراد الاسرة أن يدفع في نهاية كل عام جزءا من الفائض عنده ليصرف في إصلاح شئون الفقراء من الاسرة ، أو ليرمّم به البيت الذي تعيش فيه الاسرة ، أو ليشترى به للأسرة سيّارة يستفيد منها كل أفرادها ، هل ترى في مثل


1) هكذا ذكر جماعة منهم السيّد الخوئي في المصباح 2 : 539. هذا ولكن السيّد الشهيد في التقرير 5 : 474 اختار انّ كليهما في طول الدخول في الملك.

ذلك أنّ مدير الاسرة قد أضرّ بحال من أخذ منه الأموال؟ انّه لم يأخذها ليضعها في كيسه الخاص بل أخذها لإصلاح شئونهم.

وهكذا لو فرض أنّه قال : من أتلف أموالا لغيره بعمد أو غير عمد فيلزم أن يدفع عوضها ، أو قال : من جنى على غيره فللمجني عليه ، أو أوليائه الجناية بالمثل أو أخذ الفداء (1)، هل ترى أنّ أمثال هذه المقررات التي يصدرها ربّ الاسرة أو شيخ العشيرة ضرر ، أو هي عين النفع والعدالة والاستقامة التي بها ينتظم أمر المجتمع؟

وهكذا إذا قال : كلّ من تلوّث طعامه بالميكروبات فعليه عدم تناوله حفاظا على صحّته ، هل مثل هذا يعدّ إضراراً بهم؟

وهكذا إذا قال : على أفراد الاسرة القادرين على حمل السلاح مداهمة العدو والهجوم عليه بين آونة وأخرى حفاظا على الاسرة من العدوّ ، هل مثل ذلك يعدّ اضراراً بها؟

وهكذا إذا قال : على كل واحد من أولادي المتزوّجين سدّ حاجة زوجته وأطفاله، هل يعدّ مثل ذلك إضراراً؟

وهكذا إذا قال : كلّ من التزم على نفسه بقضية معيّنة فعليه الوفاء بالتزامه ، وإذا لمّ يف فعليه دفع غرامة معيّنة ، هل ترى مثل ذلك إضرارا؟

وهكذا إذا قال : كلّ من خالف المقرّرات المرسومة لصالحة عزّر ، أو سجن لفترة تأديبا ، أو يلزمه دفع غرامة معيّنة ، هل يعدّ مثل ذلك إضرارا؟


1) المعبّر عنه بالفصل في الأوساط العراقية.

وهكذا إذا قال : على التلاميذ إطاعة تكاليف المعلّم ، وعلى الأولاد إطاعة أوامر أبيهم، وعلى الزوجة إطاعة أمر زوجها ، هل مثل ذلك يعدّ إضرارا؟

إنّنا إذا قبلنا عدم كون مثل هذه القوانين إضرارا بأفراد الاسرة ، أو هي بالاحرى ليست إضرارا بالنظرة العقلائية وبلحاظ القيم العقلائية التي يسمو الإنسان إلى تحقيقها - وإن كانت إضرارا من زاوية اللغة - فلما ذا لا نقول مثل ذلك في الإسلام؟

إنّ الإسلام ينظر إلى المجتمع الإسلامي كاسرة واحدة ، والشارع هو المشرف على مصالحها ، كيف لا ، والمسلمون في تراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر؟!

وتكفينا الآيات القرآنية حيث تخاطب المسلمين بخاطب الواحد : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ ... ) (1).

إنّ قوانين الإسلام في باب الحدود والديات والتعزيرات والقصاص والضمان والخمس والجهاد والزكاة والإنفاق على الزوجة والأقارب ترجع مصالحها إلى المجتمع الواحد ، فكيف تكون اضرارا؟

انّ بها ديمومة المجتمع وبدونها لا يدوم ولا يمكن له الاستمرار ، فكيف تكون اضرارا؟

وهل حكم الشارع بتنجّس المضاف ووجوب اراقته حفاظا على المجتمع الإسلامي من الميكروبات إضرار به؟!


1) آل عمران : 110.

أم هل الحجّ الذي به يلتقي المسلمون بعضهم ببعضهم الآخر ، ويحصل التعرّف بينهم وحلّ مشاكلهم ، وفيه ارتزاق أهل مكّة واستفادة الفقراء من الذبائح والتجارة ، والاطّلاع على مهد الرسالة ومواضع نزول جبرئيل والتقاء أفراد الامّة بأئمتها وعلمائها ، والتواجد في مثل تلك المشاعر الشريفة التي يشعر فيها المؤمن بالاتّصال باللّه وصقل روحه صقلا كاملا ، هل في مثل ذلك كلّه ضرر؟

إن بذلك وحدة المسلمين وقوّتهم واستمرارهم ، هل مثل ذلك ضرر أو عين النفع والصواب؟!

إنّنا لو أردنا أن نؤسّس مجتمعا عقلائيا يعيش المدينة الفاضلة لما كنّا نعدو أمثال هذه القوانين ، ولئن كنّا نعدو بعضها فذلك وليد جهلنا بها وعدم توصّل عقول العقلاء إليها.

والذي نراه سببا لنشوء فكرة التخصيص الكثير : النظر إلى الإسلام كمجموعة تشريعات جاءت لإصلاح شئون الأفراد دون المجتمع ، انّ النظر إلى الإسلام بهذا الشكل يولّد حتما مثل هذه الشبهة ، أمّا إذا نظرنا إليه بصفته مجموعة تشريعات جاءت لإصلاح الساحة العالمية أيضا فلا يتمّ ما ذكر ، لأنّ الساحة العالمية تحتاج إلى مثل هذه القوانين ليلتئم فيها النظام وتسود به السعادة ؛ ( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) (1).

والكلمة المختصرة في حلّ الشبهة : انّ الضرر في الأمثلة المتقدّمة وغيرها يصدق فيما إذا لم يعد نفع القانون إلى الشخص نفسه


1) البقرة : 179.

أو إلى المجتمع الإسلامي ، أمّا بعد عود النفع إلى أحد هذين فالضرر غير صادق على المستوى العقلائي ولا يعد لدى العقلاء ضررا ، أو على الأقل يعدّ ضررا غير أنّه ضرر مقبول لدى العقلاء ، وحديث نفي الضرر حينما يقول : لا ضرر يقصد نفي ما يكون ضررا على المستوى العقلائي.

9 - شمول الحديث للأحكام العدمية

وقع الكلام في أنّ حديث لا ضرر هل يشمل الأحكام العدمية أو يختصّ بالأحكام الوجودية ، فوجوب الوضوء مثلا حكم وجودي ولا إشكال في شمول الحديث له حالة الضرر ، وأمّا عدم ثبوت حقّ الطلاق لغير الزوج - عند عدم قيامه بالإنفاق على الزوجة ، أو عند حبس الزوج لفترة طويلة تستوجب تضرّر الزوجة - فهو حكم عدمي ، وعدم انتفائه في الحالات المذكورة وأمثالها يستوجب الضرر ، فهل يمكن تطبيق الحديث عليه ومن ثمّ ليثبت حقّ الطلاق لغير الزوج؟

اختار السيّد اليزدي في ملحقات العروة ثبوت حقّ الطلاق للحاكم ، لأنّ عدم ثبوته له يستلزم الضرر ، فينتفي ذلك العدم بحديث لا ضرر وبالتالي يثبت الوجود ، أي يثبت حقّ الطلاق للحاكم (1).

ومثال ثان لذلك : إذا حبس شخص شخصا آخر حرّا يوما أو يومين وفات بذلك عمله ، انّ المشهور قالوا بعدم الضمان ويختصّ الضمان بمن حبس عبد الغير أو حبس أجير الغير ، فإنّ منافع العبد


1) ولم يستند السيّد اليزدي إلى حديث لا ضرر فقط ، بل تمسّك بالروايات الخاصّة أيضا.

والأجير فاتت بسبب الحبس فيمكن تطبيق قاعدة من أتلف مال الغير فهو له ضامن وهذا بخلاف الحرّ فإنّه ليس بمال فلا تشمله قاعدة من أتلف مال الغير ، بل إذا كان هناك مدرك للضمان فهو يختصّ بقاعدة لا ضرر بناء على شمولها للأحكام العدمية ، فيقال : إنّ عدم ضمان منافع الحرّ المحبوس ضرر عليه فيلزم ضمانها بحديث لا ضرر بناء على شمولاه الأحكام العدمية.

ومثال ثالث لذلك : ما إذا كان العبد تحت الشدّة والمولى يؤذيه كثيرا ، فإنّ عدم انعتاقه ضرر عليه فيلزم انعتاقه تطبيقا لحديث لا ضرر بناء على شمولاه للأحكام العدمية.

وقد يستدلّ على عدم شمول الحديث للأحكام العدمية بما يلي :

1 - ما أفاده الشيخ النائيني (1)، من أنّ حديث لا ضرر ناظر إلى الأحكام التي جعلها الشارع وشرّعها لينفيها حالة الضرر ، وعدم الحكم ليس أمرا مجعولا من قبله ليشمله الحديث ، وإنّما هو عدم جعل لا جعل للعدم.

والسيّد الخوئي في مصباح الاصول (2)سلّم نظر الحديث إلى خصوص الأحكام المجعولة ، ولكنّه دفع ذلك بأنّ عدم جعل الحكم في الموضع القابل للجعل نحو جعل للعدم ، وكأنّ الشارع قد جعل عدم الحكم.

وما أفاده لا يخلو من تكلّف.

والمناسب أن يقال : لا موجب لتخصيص نظر الحديث إلى


1) رسالة لا ضرر : 220.

2) مصباح الاصول 2 : 560.

خصوص الأحكام المجعولة ، فان ذلك بلا موجب ، إذ المقصود نفي الضرر اللازم من الموقف الشرعي ، ففي عالم التشريع لم يتّخذ الشارع موقفا يلزم منه الضرر على المكلّفين ، ومن الواضح أنّ عدم حكم الشارع بثبوت حقّ الطلاق للزوجة ، أو للحاكم الشرعي موقف من قبل الشارع يلزم منه الضرر على الزوجة ، وهكذا بالنسبة إلى بقية الأمثلة.

هذا مضافا إلى أنّ بعض الأمثلة المتقدّمة يمكن تصوير الحكم فيها وجوديا ، كما هو الحال في مثال الزوجية ، فإنّ ثبوت حقّ الطلاق للزوج وكونه خاصّا به بشكل مطلق يستلزم الضرر في الحالات المتقدّمة فيكون منفيا.

وهكذا يمكن تصوير الحكم وجوديا في مثال العبد ، فان حكم الشارع ببقاء الرقيه بشكل مطلق وفي كل الحالات يستلزم الضرر.

2 - ما أفاده الشيخ النائيني أيضا من أنّ لازم شمول الحديث للأحكام العدمية تأسيس فقه جديد ، إذ يلزم صيرورة أمر الطلاق بيد الزوجة في حالة تضرّرها ، فمن حقّها أن تطلّق نفسها ولو لم يطلّقها الزوج ، وهذا غريب لم يعهد من أحد القول به.

وفيه : انّ ما ذكره ليس إلاّ مجرّد شعار وإعلام ، فقد نقل هو قدس‌سره أنّ السيّد الطباطبائي اليزدي في ملحقّات العروة يرى : إمكان الحكم بثبوت حقّ الطلاق لغير الزوج تمسّكا بحديث لا ضرر.

والمناسب أن يقال بشمول الحديث للأحكام العدمية والالتزام بما يؤدّي إليه من نتائج فيما إذا لم يكن هناك إجماع على خلافها ، ومجرّد عدم كونها معروفة بين الفقهاء لا يمنع من التمسّك بعموم الحديث.

3 - انّ حديث لا ضرر حديث نفي وليس حديث إثبات ، فهو كأنّه

يقول : أنا أنفي الأحكام التي يستلزم ثبوتها الضرر ، ولا يقول : أنا أثبت الأحكام التي يستلزم عدمها الضرر.

وفيه : إنّا نسلّم ظهوره في النفي دون الإثبات حيث عبّر بكلمة «لا» النافية ، إلاّ أنّه ينفي الضرر من زاوية عالم التشريع ، فكأنّه يقول لا يلزم ضرر من ناحية مواقفي التشريعيّة في عالم التشريع ، وواضح أنّ نفي الضرر من هذه الزاوية له مصداقان ، أحدهما : نفي الحكم الذي يستلزم ثبوته الضرر والآخر : إثبات الحكم الذي يستلزم عدمه الضرر. فإثبات الحكم الذي يستلزم عدمه الضرر إذن مصداق للمدلول المباشري ، ولا ندّعي كونه مدلولا مباشريّا.

4 - انّه بناء على شمول الحديث للأحكام العدمية يكون مفيدا بيان تشريع أحكام يستلزم عدمها الضرر. ومن المناسب للإنسان العرفي إذا أراد بيان تشريع أحكام وجودية أن يعبّر بنفس الحكم الوجودي ، ويقول : شرّعت هذا الحكم الوجودي ، وليس من المناسب الاستعانة بنفي النفي ، فإنّ نفي النفي وإن كان إثباتا ، إلاّ أنّه ليس طريقة عرفية لإفادة الحكم الوجودي.

وفي مقامنا لو كان عدم ثبوت حقّ الطلاق للزوجة ضررياً ومشمولاً للحديث لكان لازم ذلك دلالة الحديث على نفي عدم ثبوت حقّ الطلاق للزوجة ، الذي هو عبارة اخرى عن ثبوت حقّ الطلاق للزوجة ، ومثل هذه الطريقة ليست عرفية ، فليس من المناسب بيان ثبوت حقّ الطلاق للزوجة بنفي النفي ، فالحديث بناء على شمولاه للأحكام العدمية يكون قد استعان بهذه الطريقة التي هي ليست عرفية.

وفيه : انّ الحديث بلسانه المباشري ينفي الضرر من زاوية

الموقف التشريعي لا أكثر ، لكن نفي الضرر من هذه الزاوية قد يتطابق بحسب النتيجة مع نفي النفي ، فنفي النفي ليس مدلولا للدليل بشكل مباشر حتى يقال : إنّ ذلك أمر غير عرفي ؛ وإنّما هو قضية متطابقة بحسب النتيجة مع مفاد الدليل المباشري ، والذي هو مستهجن كون مفاد الدليل بشكل مباشر نفي النفى ، أمّا مجرّد التطابق فليس بمستهجن.

10 - وجه تقديم الحديث على الأدلّة الأوّلية

اشارة

لا إشكال في أنّ نسبة حديث نفي الضرر إلى أدلّة الأحكام الأوّلية نسبة العموم من وجه ، فدليل وجوب الوضوء - مثلا - يدلّ على وجوب الوضوء في حالتي الضرر وعدمها ، وحديث نفي الضرر يدلّ على نفي الحكم الضرري ، سواء كان من قبيل وجوب الوضوء أو غيره ، فذاك يشمل حالة الضرر وغيرها ، وهذا يشمل وجوب الوضوء وغيره.

ومادة الاجتماع التي يتعارضان فيها هي الوضوء الضرري ، فإنّ أحدهما يثبت الوجوب فيها والآخر ينفيه.

والمناسب في موارد المعارضة بنحو العموم من وجه هو تساقط الدليلين في مادة المعارضة لا تقديم أحدهما ، ومعه فلما ذا يقدّم حديث نفي الضرر على الأدلّة الأوّلية؟

ونلفت النظر إلى أنّه لا إشكال بين الأعلام في تقدّم حديث نفي الضرر ، وإنّما الإشكال والتساؤل عن النكتة الفنيّة لذلك.

وفي هذا المجال ذكرت عدّة أجوبة كان أحدها كون التقديم من جهة حكومة الحديث.

وحينما انجرّ الحديث إلى الحكومة وقع اختلاف ثان في المقصود من مصطلح الحكومة فهل يقصد منه نظر أحد الدليلين إلى الآخر أو يقصد منه شي‌ء آخر؟

وانجرّ الحديث إلى اختلاف ثالث وهو : ما هي النكتة الفنيّة التي لأجلها يقدّم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم؟

انّ هذه مواطن ثلاثة للاختلاف نحاول المرور عليها بشكل سريع.

وجه التقدّم

أمّا بالنسبة إلى وجه تقدّم الحديث على الأدلّة الأوّلية فهناك عدّة آراء ، نذكر من بينها :

1 - انّ حديث نفي الضرر حينما نلحظه بالقياس إلى كل دليل من أدلّة الأحكام الأوّلية بانفراده فالنسبة وإن كانت هي العموم من وجه ، إلاّ أنّه حينما نلحظه بالقياس إلى مجموع الأدلّة الأوّلية فالنسبة نسبة العموم والخصوص المطلق ، فإن دليل وجوب الصلاة لو ضمّ إلى دليل وجوب الصوم والحجّ و ... صار مجموعها بمنزلة دليل واحد يقول : تجب الصلاة والصوم وبقية الواجبات ، ونسبة هذا الدليل الواحد الملحوظ بهذا الشكل إلى حديث لا ضرر نسبة العموم والخصوص المطلق ، فحديث لا ضرر بمنزلة الأخص ويقدّم من جهة الأخصيّة.

والوجه في صيرورته أخصّ : انّ دليل وجوب الصوم والصلاة و ... وإن كان يثبت وجوب الامور المذكورة في حالة الضرر وعدمها - وهو من هذه الناحية أعمّ - إلاّ أنّ حديث نفي الضرر يصير خاصّا وتنتفي عنه جهة العمومية ، لأنّه إنّما كان أعمّ باعتبار أنّه ينفي الحكم

الضرري ، سواء كان وجوب الصلاة أو وجوب الصوم أو بقية الأحكام ، فإذا فرض انّ كل الأحكام لوحظت بمنزلة حكم واحد فلا تبقى له عمومية.

وفيه : انّ ملاحظة مجموع الأدلّة الأوّلية بمنزلة دليل واحد عناية تحتاج إلى ما يبرّرها بعد فرض انّ كلّ واحد منها دليل مستقلّ حقيقة ، ولا مبرّر يثبت ذلك.

2 - لو لم يقدّم حديث لا ضرر على الأدلّة الأوّلية يلزم الغاؤه رأسا وعدم بقاء مورد له ، وهذا بخلاف ما لو قدّم فإنّه لا يلزم إلغاء الأدلّة الأوّلية رأسا ، وإنّما يلزم اختصاصها بموارد عدم الضرر. وكلّما دار الأمر بين دليلين من هذا القبيل قدّم ما يلزم من عدم تقديمه الغاؤه رأسا ، وهو حديث لا ضرر في المقام.

وفيه : انّ هذا الوجه جيّد ، ولكن لا ينحصر وجه التقديم به كما سيتّضح.

3 - ما ذكره الآخوند في الكفاية. وحاصله : انّه كلّما كان عندنا دليلان، أحدهما: وارد لبيان الحكم الأوّلي للشي‌ء ، والآخر : لبيان الحكم الثانوي له فالعرف يوفّق بينهما بحمل الأوّل على الحكم الاقتضائي والثاني على الحكم الفعلي ، وفي المقام حيث إنّ الضرر عنوان ثانوي للأشياء فالعرف يحمل حديث نفي الضرر على بيان الحكم الفعلي وأنّ الوضوء محكوم فعلا بعدم الوجوب وانّ الوجوب الذي كان ثابتا له ثابت بنحو الاقتضاء ، أي أنّ في الوضوء مصلحة واقتضاء للوجوب بدون أن يصل ذلك إلى مرحلة الفعلية.

انّ الآخوند يعتقد أنّه كلّما اجتمع دليلان : أوّلي وثانوي فالعرف

يوفّق بينهما بحمل الأوّلي على الاقتضائي ، والثانوي على الفعلي.

وعند اجتماع الحكم الفعلي والاقتضائي لا إشكال في لزوم الأخذ بالحكم الفعلي.

وفيه : أنّه ليس بوسعنا التصديق بورود الأدلّة الأوّلية لبيان الحكم الاقتضائي. وكيف يحتمل ورود مثل قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) (1)لبيان الحكم الاقتضائي ، وانّ هناك مقتضيا ومصلحة في الوضوء تقتضي وجوبه من دون أن يكون دالاّ على وجوبه الفعلي؟!

وإذا قيل : ليس المدّعى أنّ دليل وجوب الوضوء يدلّ على الحكم الاقتضائي دائما وفي جميع الحالات ، وإنّما المدّعى دلالته على ذلك عند كونه مضرّا. وبتعبير أوضح هو يدلّ على الوجوب الفعلي عند عدم كونه مضرّا ، وعلى وجوبه الاقتضائي عند كونه مضرّا.

قلنا : إنّ الدليل الواحد إمّا أن يدلّ على الوجوب الفعلي فقط ، أو يدلّ على الوجوب الاقتضائي فقط ، ولا معنى لأن يدلّ على هذا في حالة وعلى ذاك في حالة اخرى ؛ إذ ذلك مخالف للظاهر جزما ، فإنّ ظاهر كلّ دليل الدلالة على حكم واحد وليس على حكمين.

4 - انّ دليل القاعدة والأدلّة الأوّلية متعارضان ، وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى الأصل العملي ، وهو يقتضي البراءة التي هي تتّفق مع نتيجة تقديم قاعدة لا ضرر.

وفيه : انّ المعارضة والتساقط غير تامين ، لإمكان الجمع العرفي


1) المائدة : 6.

بالحكومة كما سنذكر.

5 - أن يكون الوجه في ذلك هو حكومة حديث لا ضرر على الأدلّة الأوّلية ، وهذا الوجه هو المعروف بين المتأخّرين. وما ذا تعني الحكومة؟

الحكومة

انّها تعني نظر أحد الدليلين إلى الآخر بحيث يكون الأوّل لغوا لو لم يفرض الثاني في مرحلة أسبق وهذا كما هو الحال في مقامنا ، فإنّ حديث لا ضرر ينفي الضرر من زاوية التشريع ، فلا بدّ من فرض تشريع وأحكام في مرحلة سابقة لينفيها حديث لا ضرر في حالة الضرر.

هذا ، وهناك رأي ثان (1)في تفسير الحكومة يقول : إنّ الدليلين متى ما كان لسان أحدهما مسالما للدليل الثاني فالأوّل هو الحاكم والثاني هو المحكوم ، فلو قيل : أكرم العالم ، ثمّ قيل لا تكرم العالم الفاسق ، كان لسان الثاني منافيا للأوّل ، أمّا لو قيل بدل الدليل الثاني : الفاسق ليس بعالم ، كان لسانه مسالما للأوّل.

وإذا كان اللسان مسالما فهو مورد الحكومة ، وإذا لم يكن مسالما فهو مورد التخصيص.

وتظهر الثمرة بين التفسيرين فيما إذا فرض أنّ حديث لا ضرر لم يثبت نظره إلى الأدلّة الأوّلية - كما هو رأي الآخوند - فإنّه على الرأي الأوّل لا يكون حاكما ، في حين أنّه على الرأي الثاني يكون حاكما ، لأنّ لسانه مسالم للأدلّة الأوّلية.

ثمّ إنّ الآخوند في الكفاية رفض تقديم حديث لا ضرر من ناحية


1) تبنّاه السيّد السيستاني (دام ظلّه) في قاعدة لا ضرر : 239.

الحكومة ، باعتبار أنّها متقوّمة بالنظر ولم يثبت نظر حديث لا ضرر إلى الأدلّة الأوّلية ، وبنى على كون التقديم من جهة التوفيق العرفي بالبيان المتقدّم.

ولعلّ السبب في إنكاره للنظر أنّ حديث لا ضرر كأنّه يقول بلسانه : أنا لا أجعل حكما ضرريا ، وواضح انّ مثل هذا اللسان لا يتوقّف على افتراض وجود أحكام مسبقة ، فإنّ اللسان المذكور يصحّ حتى لو فرض عدم تشريع أحكام مسبقة ، إذ عدم جعل حكم ضرري لا يتوقّف على وجود أحكام مسبقة.

ويردّه : انّ ذلك يتمّ لو فرض انّا كنّا نحتمل أنّ المولى لم يشرّع حكما سوى قاعدة لا ضرر ، أمّا بعد جزمنا بوجود شريعة وأحكام فلا بدّ من كون الحديث ناظرا إلى تلك الشريعة والأحكام ليبيّن أنّها غير ثابتة في حالة الضرر.

نكتة تقدم الحاكم

يبقى علينا أن نعرف نكتة تقدّم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم ، فإنّ من المسلّم بين جميع الأعلام تقديم الدليل الحاكم ، وإنّما اختلفوا في نكتة تقدّمه. وفي هذا المجال يوجد رأيان :

1 - ما أفاده الشيخ النائيني (1). وحاصله : أنّ الدليل المحكوم يتكفّل إثبات الحكم على تقدير ثبوت الموضوع ولا يتكفّل إثبات الموضوع وأنّه متحقّق بالفعل أو لا في حين أن الدليل الحاكم ينفي تحقّق الموضوع ، ومثل هذين لا تعارض بينهما ، فدليل أكرم العالم


1) رسالة لا ضرر : 213 ، وتبنّى هذا الرأي السيّد الخوئي أيضا في مصباح الاصول 2 :542.

مثلا - يقول : على تقدير كون هذا أو ذاك عالما يجب اكرامه ، أمّا أنّ هذا أو ذاك عالم بالفعل فلا يتكفّل اثباته ، فإذا جاء دليل ثان يقول الفاسق ليس بعالم فلا يكون معارضا للأوّل ليتأمّل في وجه تقدّمه عليه.

ويردّه : انّ دليل أكرم العالم يثبت وجوب الإكرام لمن كان عالما حقيقة وواقعا كما هو شأن كل دليل حيث يثبت الحكم للموضوع الواقعي ، وواضح أنّ دليل الفاسق ليس بعالم لا ينفي العالمية واقعا لكي لا يتنافى ووجوب إكرام كلّ عالم.

2 - أن يكون وجه التقدّم هو النظر ، فإنّ كون الدليل الحاكم ناظرا إلى الدليل المحكوم هو بنفسه نكتة تكفي في نظر العرف للتقدّم ، لأنّ معنى كونه ناظرا هو أنّ المتكلّم قد أعدّه لتوضيح المقصود من الدليل المحكوم ، وواضح أنّ ما اعدّ لتوضيح المقصود من غيره يكون هو المقدّم في نظر العرف.

11 - الضرر الواقعي أو العلمي

كلّ عنوان يؤخذ في الدليل يحمل على الواقعي دون العلمي ، فحينما يقال : الدم نجس فالمقصود انّ ما كان دما واقعا هو نجس ، سواء علم المكلّف بكونه دما أو لا ، فالمدار إذن على تحقّق العنوان بوجوده الواقعي وليس على تحقّقه بنظر المكلّف وعلمه.

وفي ضوء هذا يلزم أن يقال بأنّ حديث لا ضرر حينما ينفي كلّ حكم شرعي في حالة الضرر فالمقصود : نفي ذلك حالة تحقّق الضرر واقعا حتى وإن لم يحرز المكلّف ذلك.

ويتفرّع على هذا أنّ المكلّف لو كان يعتقد حينما يريد الوضوء

بعدم كونه مضرّا ، وبعد أن توضّأ اتّضح أنّه مضر فالمناسب الحكم ببطلانه ، لأنّه ما دام مضرّا واقعا فالأمر به يكون منتفيا بسبب حديث لا ضرر ، ومع انتفاء الأمر به يلزم وقوعه باطلا ، والحال أنّ المعروف بين الأعلام بل قيل بتسالمهم على الحكم بصحّته.

وبكلمة مختصرة : كيف يوجّه الحكم بصحّة الوضوء في الحالة المذكورة ، والحال أنّ المناسب لحديث لا ضرر هو البطلان؟

وهناك عدّة أجوبة عن ذلك نذكر منها :

1 - ما أفاده الشيخ النائيني قدس‌سره من أنّ الضرر في المقام لم ينشأ من الحكم الشرعي بوجوب الوضوء ليرتفع الحكم بالوجوب ، وإنّما نشأ من اعتقاد المكلّف وتخيّله عدم الضرر في وضوئه ، فاعتقاده عدم الضرر هو الذي أوقعه في الضرر وليس الحكم الشرعي بوجوب الوضوء ، ولذا لو فرض أنّ الحكم بوجوب الوضوء لم يكن واقعا لوقع المكلّف في الضرر بسبب اعتقاده عدم الضرر.

وما دام الضرر لم ينشأ من الحكم الشرعي بوجوب الوضوء فلا يرتفع - وجوب الوضوء - بحديث نفي الضرر.

ومع عدم ارتفاع وجوب الوضوء يقع - الوضوء - صحيحا من جهة تعلّق الأمر به وعدم انتفائه.

وفيه : انّ وجوب الوضوء لو كان ثابتا في مورد الفرض فهو ثابت في مورد تحقّق الضرر واقعا فيلزم انتفاؤه. ومجرّد أنّ الضرر خارجا لم يتحقّق بسببه غير مهمّ فإنّ الميزان في تطبيق حديث لا ضرر هو على ثبوت الحكم الشرعي في مورد الضرر وليس على نشوء الضرر خارجا من جهة الحكم الشرعي حتى يتعذّر تطبيقه في المقام.

2 - انّ حديث نفي الضرر ، حيث انّه وارد مورد الامتنان ، فهو يرفع الالزام والوجوب دون أصل الطلب والمشروعية ، فإنّ رفع ذلك ليس امتنانا وإنّما الامتنان هو في رفع الالزام لا أكثر. وهذا معنى ما يقال من أنّ نفي الضرر هو على نحو الرخصة دون العزيمة.

وهذا الجواب يظهر من السيّد اليزدي في مبحث التيمّم من العروة الوثقى.

وقد يشكل على ذلك بأنّ الوجوب ليس مركّبا من جزءين : طلب الفعل والالزام ليكون حديث نفي الضرر رافعا للجزء الثاني دون الأول، بل هو أمر بسيط عبارة عن الطلب الشديد ، أو يقال : إنّ الصيغة تدل على الطلب فقط ، والالزام يستفاد من حكم العقل بناء على المسلك القائل باستفادة الوجوب من حكم العقل دون الوضع(1)

وفيه : ان الوجوب حتى لو افترضناه أمرا بسيطا ، ولكن جعل الوجوب يستلزم بالتبع جعل المشروعية والطلب ، فالمشروعية مجعولة بالتبع وليس بالأصالة من باب انّها جزء مدلول الوجوب لينكر ذلك.

وإن شئت قلت : كما ان الأربعة لها لازم لا ينفكّ عنها وهو الزوجية وان الجاعل للأربعة يكون جاعلا للزوجية بالتبع كذلك الحال في الوجوب ، فان له لازما لا ينفك عنه وهو المشروعية ، وجعل الوجوب يستلزم جعل المشروعية بالتبع ، والامتنان يتحقق برفع المجعول الأصلي بلا حاجة إلى رفع المجعول التبعي.

وإذا قيل : ان المولى إذا رفع المجعول الأصلي فمن أين نعرف


1) التنقيح 9 : 424.

عدم رفعه للمجعول التبعي؟

قلنا : ان نفس الامتنان دليل على عدم رفع اليد عن المجعول التبعي ؛ إذ الامتنان يتحقق برفع اليد عن الوجوب بلا حاجة إلى رفع اليد عن المشروعية ، بل رفع اليد عنها مخالف للامتنان.

وإذا قيل : ان المشروعية ما دامت لازما للوجوب فبرفع الوجوب كيف تبقى المشروعية؟ انّ بقاءها خلف كونها لازمة وتابعة للوجوب.

قلنا : ان الإشكال المذكور يتم في الأمور التكوينية دون الاعتبارية ، فان الاعتبار سهل المؤونة ، والوجوب والمشروعية هما من الامور الاعتبارية ، وبالامكان ان يفترض ان المولى يرفع الوجوب دون المشروعية.

والذي يكشف عن صحة ما ذكرناه ان الوجدان قاض بصحة تصريح المولى : اني ارفع الوجوب دون المشروعية.

وإذا قيل : إنّ هذا كله وجيه على غير مسلك حكم العقل ، واما بناء على كون الوجوب حكما عقليا فلا يكون الوجوب حكما مجعولا بالأصالة لتكون المشروعية مجعولة بالتبع ثمّ ليتصور رفع المولى يده عن المجعول الأصلي دون التبعي.

قلنا : انه بناء على كون الوجوب حكما عقليا يلزم عدم امكان رفع الوجوب حتى مع الانضمام إلى رفع المشروعية ، لأنّ الوجوب ليس أمرا مجعولا ليمكن رفعه.

وهذا ينبغي عدّه كمنبّه وجداني على بطلان مسلك حكم العقل ، فان له لوازم باطلة ، من جملتها عدم امكان رفع الوجوب بحديث نفي الضرر أو حديث الرفع أو غيرهما.

3 - ان دليل وجوب الوضوء يدل على شيئين : وجوب الوضوء واشتماله على الملاك ، وحديث نفي الضرر حيث انّه وارد مورد الامتنان ، وهو يكفي في تحققه نفي الوجوب فقط دون الملاك فيكون المرفوع بالحديث هو الوجوب فقط دون الملاك ، ومع بقاء الملاك يقع الوضوء صحيحا من ناحية الملاك (1).

ونوقش ذلك بأن الدال على الملاك هو الوجوب ، فإذا ارتفع بالحديث فلا يبقى ما يدل على الملاك ليمكن التقرب به (2).

وقد يضاف إلى ذلك أيضا بأن الملاك أمر تكويني وليس أمرا مجعولا من قبل الشارع ليمكن رفعه أو إبقاءه بالحديث ، فان القابل للرفع والابقاء هو الأمر المجعول دون الأمر التكويني.

هاتان مناقشتان قد توردان على هذا الوجه.

ويرد المناقشة الاولى : أنّ حديث نفي الضرر ما دام واردا مورد الامتنان فلا بدّ من كون المرفوع خصوص الوجوب ؛ إذ رفع الملاك اضافة إلى رفع الوجوب مستلزم لمخالفة الامتنان ، لأنّ لازم ذلك بطلان وضوء الجاهل بالضرر ولزوم الاعادة عليه ، وذلك مخالف للامتنان.

ويرد المناقشة الثانية : أنّنا لا ندّعي دلالة الحديث على إبقاء الملاك ليقال بأن إبقاء الملاك ورفعه ليس أمرا ممكنا ، بل نقول : إنّ الحديث يدل على انّ الملاك باق واقعا ولم يتأثر فهو كاشف عن بقاء الملاك لا انّه يبقيه بتقريب : أنّ الضرر حينما يذكر سببا للرفع يفهم منه العرف كونه مانعا من تأثير الملاك لا رافعا له من أساسه ، إذ لو كان


1) من جملة من اختار ذلك السيد الحكيم في المستمسك 4 : 332.

2) التنقيح 9 : 425.

مرتفعا لما كان الحديث مسوقا للامتنان ، لأن الامتنان لا يتحقّق مع ارتفاع المصلحة من الأساس ، وإنّما يتحقق لو رفع الحكم - بالرغم من وجود المصلحة - لأجل الضرر.

وبهذا اتّضح ان الوجه المذكور تام وصالح للاعتماد عليه.

شرطان لصحة الوضوء

وقد يقال : إنّ الحكم بصحة الوضوء في المقام موقوف على إثبات أمرين :

أ - ان تكون آية الوضوء ذات اطلاق تدل بواسطته على صحة الوضوء في جميع الحالات ، بما في ذلك حالة الضرر الواقعي ليمكن التمسك باطلاقها بعد فرض قصور حديث نفي الضرر عن اثبات البطلان.

وبكلمة أخرى : ان قصور حديث لا ضرر عن اثبات بطلان الوضوء لا يستلزم الحكم بصحته إلاّ بعد فرض وجود اطلاق يمكن التمسك به ، وآية الوضوء لا إطلاق فيها ؛ إذ تقول : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ... ) (1).

ان الآية الكريمة تدل على تقيد مطلوبية الوضوء بحالة عدم المرض ، وحيث إنّ المرض ملحوظ بما هو طريق إلى الضرر (2)فيكون


1) المائدة : 6.

2) لوضوح ان ذكر المرض هو من باب استلزامه للضرر عادة ، فلو فرض انّ مريضا لم يضره استعمال الماء لم يجز له التيمّم.‌

وجوب الوضوء مقيدا بحالة عدم الضرر وليس له اطلاق.

ويرده : ان هذا وجيه لو كانت صحة الوضوء موقوفة على وجود الأمر به ، أمّا بناء على كفاية الملاك فلا نكون بحاجة إلى اطلاق الآية الكريمة وتكفينا دلالة حديث لا ضرر على بقاء الملاك.

ب - ان لا يا بنى على حرمة كل ما هو مضر للإنسان وإلاّ وقع الوضوء باطلا ، لأنّه لو كان مضرّا واقعا يلزم وقوعه محرما ، ومع حرمته كيف يقع صحيحا ومصداقا للمطلوب؟

وفيه : انّا حتى لو بنينا على حرمة مطلق ما يوجب الضرر فلا يلزم من ذلك بطلان الوضوء ، لأنّه ما دام مشتملا على الملاك واقعا - حسب ما هو المفروض - وقد صدر بقصد التقرب يلزم وقوعه صحيحا ، وحرمته واقعا لا تستلزم امتناع التقرب به بعد فرض كونها مجهولة.

ودعوى ان المحرم لا يمكن ان يقع مصداقا لما هو الصحيح شرعا قضية غير مدعومة بالدليل.

حرمة الاضرار بالنفس

وحيث انجرّ الحديث إلى مسألة حرمة الاضرار بالنفس فلا بأس بالتعرض إلى هذه المسألة باختصار.

ان الاضرار بالنفس تارة يكون بدرجة كبيرة موجبة للموت ولا اشكال في حرمة مثل ذلك لقوله تعالى : ( ... وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ... ) (1).

واخرى لا يكون واصلا إلى درجة الموت ، ولكنه بدرجة يعلم


1) البقرة : 195.

بمبغوضيّته شرعا ، كقطع الإنسان يده أو رجله مثلا.

وثالثة يفترض كونه ليس من أحد النحوين السابقين بل هو بدرجة أخف منهما،كالضرر المتولّد من التدخين ، أو من استعمال الماء للمريض وأمثال ذلك.

والكلام هو في هذا النحو الثالث فهل هو حرام أو لا؟

قد يقال بحرمته للوجوه التالية :

1 - ان السيرة العقلائية جارية على التجنب عن كل ما يوجب الضرر ، وحيث لم يردع عنها شرعا فهي ممضاة.

ويرده : ان العقلاء وان تجنبوا عن كل ما يوجب الضرر ، إلاّ ان ذلك ليس بنحو الالزام ، بل بنحو الرجحان ومن باب كونه أجدر ، وإلاّ فهل يحتمل حرمة مل‌ء المعدة بالطعام ، أو أكل المصاب بمرض السكر لبعض الأطعمة التي قد ترفع من درجة السكر؟ وهل يحتمل حرمة الجماع الزائد ، أو الخروج من المكان الدافئ إلى البارد وأمثال ذلك؟

2 - التمسك بحديث لا ضرر ، حيث ورد في الفقرة الثانية «ولا ضرار» ، وقد ذكرنا سابقا امكان حمل هذه الفقرة على النهي وانّه لا يجوز الاضرار.

وفيه : ان المنصرف من النهي المذكور هو النهي عن الاضرار بالآخرين دون اضرار الشخص بنفسه.

3 - التمسّك بالآيات الناهية عن ظلم الإنسان نفسه ، بتقريب : ان ارتكاب ما يضر بالنفس ظلم لها.

وفيه : ان صدق الظلم على ارتكاب شي‌ء فرع حرمته في المرتبة السابقة ، وإلاّ فلا يصدق - لأن المراد ظلمها بارتكاب الذنوب وادخالها

نار جهنّم عقوبة على ذلك - ، والمفروض بعد لم تثبت حرمة مطلق المضر.

4 - التمسك ببعض الروايات الدالة على انّ علّة تحريم بعض المحرمات هو اضرارها ببدن الإنسان ، من قبيل رواية المفضل بن عمر : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌ السلام لم حرّم اللّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟

قال ان اللّه تبارك وتعالى ... علم ما يضرهم فنهاهم عنه وحرّمه عليهم ...» (1). ونحوها غيرها بتقريب : أنّ علّة تحريم المحرمات إذا كانت هي الاضرار بالنفس فيلزم حرمة كل ما يوجب الضرر بالنفس ، وإلاّ لما صلح أن يكون علّة لتحريم المحرمات.

وفيه : ان الحديث وإن دلّ على حرمة الاضرار بالنفس ، ولكن لم يوضح ان الضرر من أي قسم وبأي درجة يكون محرما ، وليس له اطلاق من هذه الناحية ليتمسّك به ، ولعلّ المحرم حصة خاصة من الضرر.

بل انّ بعض الأحاديث يستفاد منها عدم حرمة الاضرار بالنفس ، كالأحاديث التي ترشد إلى رجحان عدم تناول بعض الأطعمة لكونها مضرة.

وبالجملة : لا دليل على حرمة مطلق ما يوجب الضرر ، إلاّ في أحد النحوين الأولين.


1) وسائل الشيعة : الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 1.

12 - تعارض الضررين

اشارة

من الأبحاث التي تعرض لها الشيخ الاعظم في الرسائل في قاعدة لا ضرر مسألة تعارض الضررين.

وننتخب من ذلك صورتين نتعرض لهما باختصار.

الصورة الاولى

إذا دار الأمر بين ضررين في حق شخصين فأيهما المقدم؟

بمعنى : انّه لو كان شخصان دار الأمر بين ان يتضرر هذا أو ذاك ، ورفعا أمرهما إلى الحاكم ، فهل يقدّم الحاكم تضرر هذا أو تضرر ذاك؟

والمثال المتوارث لذلك : ما إذا أدخلت دابة شخص رأسها في قدر شخص آخر، ودار الأمر بين كسر القدر حفاظا على رأس الدابّة وبين قطع رأس الدابّة حفاظا على القدر ، فأيّهما المقدّم؟ بعد وضوح أن الحكم بكسر القدر يستوجب الضرر على صاحبه ، والحكم بقطع رأس الدابة يستوجب الضرر على صاحبها ، فالأمر على هذا يدور بين حكمين يستلزم كل منهما الضرر.

وفي هذه الحالة إذا فرض ان الطرفين تمّ اتفاقهما على أمر معين ، ككسر القدر - مثلا - فلا اشكال ، لأن المال مالهما وبامكانهما التصالح كيفما أحبّا.

وتنحصر المشكلة بما إذا لم يتصالحا على أمر معين ورفعا أمرهما إلى الحاكم ، فما ذا يفعل؟

إنّه ليس بالامكان التمسك بحديث لا ضرر ، لأنّ التمسك به في صالح أي واحد منهما ترجيح بلا مرجح بعد استلزام كل منهما الضرر.

ولا محيص للحاكم - بعد عدم امكان التمسك بحديث لا ضرر - من ملاحظة من يتضرر أقل فيرجّح اتلاف ماله ، وعند التساوي من هذه الناحية وسائر الخصوصيات الموجبة للترجيح العقلائي ينتقل إلى القرعة ، لأنّها طريق عقلائي في أمثال هذه المقامات. كل ذلك مع ضمان قيمة النقص الطارئ بسبب الكسر أو قطع الرأس على الطرف الثاني.

والوجه في ذلك هو التمسك بقاعدة العدل والانصاف ، فانّ مقتضى العدالة هو ما ذكرناه.

وإذا قيل : إنّ القاعدة المذكورة لم ينعقد عليها بناء عقلائي ، ولا مستند لها سوى عذوبة ألفاظها ، كما ناقش بذلك السيد الخوئي في بعض المواضع من كلماته (1).

كان الجواب : يكفينا لإثباتها في الجملة كتاب اللّه العزيز حيث يقول : ( ... وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ... ) (2).

مثال معاصر

والمثال الموروث - كما قلنا - هو ما تقدم ، بيد أنّه قد يبدل بمثال معاصر ، وهو : ما اذا كانت امرأة حاملا بطفل ، ودار الأمر بين الحفاظ على الطفل الموجب لتضرّرها والحفاظ على الام الموجب لقتل الطفل (3).

وان شئت قلت : إنّ حكم الشارع بوجوب الحفاظ على الام حيث


1) راجع كتاب الخمس من مستند العروة الوثقى : 147 ، أجل التزم بها قدس‌سره في مصباح الاصول 2 : 564.

2) النساء : 58.

3) ومن الأمثلة المعاصرة أيضا : ما اذا كان الإنسان راكبا سيارة ودار الأمر بين أن يضرّر الآخرين أو يضرر نفسه.

يستلزم الضرر على الطفل ، وهكذا العكس بالعكس فلا يمكن التمسك بحديث نفي الضرر ، لأن ذلك ترجيح بلا مرجح.

وإذا كان الاستشهاد بالمثال المذكور قابلا للمناقشة من بعض الجهات ، إلاّ أنّه جيد في الجملة.

وفي تحقيق حاله نقول : إذا كان ضرر الام بدرجة موتها وكان موتها مستلزما لموت الحمل أيضا فلا إشكال في تعين الحفاظ على حياتها ، لأنّ الأمر يدور بين موت الام وحملها أو موت خصوص الحمل ، والثاني متعين.

وإذا كان تضرّرها شديدا ولكنه لا يبلغ درجة الموت فيجوز لها اسقاطه أيضا باعتبار ان الدليل على حرمة الاسقاط : إمّا هو الاجماع والتسالم أو روايات ثبوت الدّية في الاسقاط بناء على دلالة ذلك بالملازمة على الحرمة ، وكلاهما لا اطلاق فيه.

وطبيعي جواز الاسقاط لا يعني ارتفاع الدية ، بل هي ثابتة بالرغم من جواز الاسقاط لإطلاق دليلها.

وهل عملية الاسقاط ينبغي أن تكون من الحامل نفسها أو تجوز من الطبيب أيضا؟

المناسب جوازها من الطبيب أيضا ، لأنّ الاسقاط من الطبيب لا دليل على حرمته في مثل هذه الحالة فيتمسك بأصل البراءة.

الصورة الثانية

ان يفترض أنّ لإنسان ملكا ، كدار أو غيرها ، وأراد التصرّف باحداث حمام فيها إلى جانب غرفة بيت جاره فاعترض الجار بأن رطوبة الحمام تسري إلى غرفتي.

وهذه المسألة من موارد الابتلاء الكثيرة في حياتنا.

وطبيعي ينبغي ان نحصر الكلام بحالة : إذا لم يتمكّن صاحب الدار من إحداث الحمام في غير ذلك المكان الذي يضر بالجار ، وإلاّ فمنعه من إحداث الحمام لا يولّد له ضررا ، بل أقصى ما يلزم عدم امكان تصرفه في داره بالشكل الذي يحب ، وذلك لا يعدّ ضررا بالنظر العقلائي ، كما ينبغي ان نفترض أنّ إحداثه للحمام ضروري بحيث يشكّل عدمه ضررا عليه.

وإذا قيل : إنّ منع المالك من التصرف في ملكه كيفما أحبّ حرج عليه ، وهو منفي في التشريع الاسلامي.

كان الجواب : ان ذلك ليس بحرج ؛ لأنّ الحرج هو المشقة الشديدة ، والمفروض عدم لزومها.

إذن لا بدّ من فرض البحث في حالة دوران الأمر بين ضررين ، وعلى أساس هذا الافتراض لا يمكن التمسّك بحديث نفي الضرر ، لأنّ الأمر يدور بين حكمين ضرريّين ، فالحكم بجواز إحداث الحمام مستلزم للضرر على الجار ، والحكم بعدم جوازه مستلزم للضرر على المالك ، والتمسك بالحديث بلحاظ أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح.

وإذا قيل : إنّ قاعدة الناس مسلطون على أموالهم ترجّح طرف المالك ، حيث ان منعه من التصرّف في ملكه خلاف تسلطه على ماله.

كان الجواب : انّ القاعدة المذكورة لا دليل معتبر عليها من الروايات ، فانها لم ترد في معاجمنا الحديثية إلاّ في البحار (1). أجل قد


1) البحار 2 : 272.

تشتمل عليها بعض كتبنا الفقهية ، كالخلاف للشيخ الطوسي (1)، بل قيل :إنّ المعاجم الحديثية المشهورة للعامة لا تشتمل عليها.

وعلى هذا فمهم المستند للقاعدة المذكورة هو سيرة العقلاء وارتكازهم ، والقدر المتيقّن من ذلك حالة عدم استلزام تصرف الإنسان في ملكه الضرر بالآخرين.

وبعد اتضاح عدم امكان التمسك بقاعدة لا ضرر يتعين الرجوع - بعد الشك في جواز تصرف المالك في ملكه - إلى أصل البراءة.

13 - تطبيقات

1 - هل يمكن ان نستفيد - وفق حديث لا ضرر - حكم التطبير في عزاء سيّد الشهداء عليه‌ السلام جوازا أو تحريما؟

2 - هل يمكن في ضوء حديث لا ضرر استفادة حكم التدخين جوازا أو تحريما؟

3 - يخرج في وجه الشخص احيانا بعض اللحوم الصغيرة الزائدة فإذا أراد قطع تلك اللحوم من خلال شدّ خيط عليها ونحوه مع عدم وصول الماء إليها يوما أو يومين خلال فترة وجود الخيط فهل ذلك جائز بعد الالتفات إلى امتناع الوضوء خلال تلك الفترة؟

4 - امرأة أرادت وضع لولب لمنع الحمل فهل ذلك جائز؟ فصّل الشقوق المتصوّرة في ذلك.

5 - شخص لا يمكنه القيام أثناء الصلاة كيف نشخّص وظيفته


1) الخلاف 3 : 176.

طبق الأدلة؟

6 - إذا فرض انّ شخصا يتضرّر بشكل وآخر من أداء الصلاة فهل يجوز له تركها؟ ولما ذا؟

7 - مؤمن يعمل في بعض الدوائر الرسمية يحتاج لسبب وآخر إلى حلق لحيته فهل يجوز له ذلك على تفصيل أو مطلقا؟

8 - هل يجوز للمرأة استعمال أقراص منع الحمل ، ولما ذا؟

9 - مؤمن اعتقد بأنّ الصلاة من قيام مضرّة له فصلّى من جلوس ثم اتّضح له خطأ اعتقاده فما حكم صلاته؟ ولو فرض العكس : بأن اعتقد أنّ القيام غير مضر له فصلّى من قيام ثم اتّضح الخطأ فما حكم صلاته؟

10 - هل يشمل حديث لا ضرر الأحكام الترخيصية؟ فلو فرض ان شخصا كان يضرّه استعمال الماء فهل يرتفع بذلك جواز شرب الماء بمقتضى الحديث؟ اوضح نكتة جوابك.

قاعدة نفي الحرج

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - المقصود من الحرج والفرق بينه وبين الضرر

4 - وجه تقدم القاعدة على الأدلّة الأوّلية

5 - وهن القاعدة بكثرة التخصيص

6 - هل المدار على رفع الحرج النوعي أو الشخصي

7 - هل رفع الحرج رخصة أو عزيمة

8 - هل القاعدة تعم الحكم الوضعي أيضا

9 - تطبيقات

من القواعد المهمة التي يتكل الفقيه كثيرا عليها في مقام الاستنباط قاعدة نفي الحرج.

ومن الجدير التعرض للبحث عن هذه القاعدة بشكل مستقل ومستوعب بعد اهميتها ، ولكن مع الاسف لم يتعرض لها الأعلام كذلك ، وانما يتعرّضون بنحو الإشارة الى كل حكم حرجي ، ويقولون : هو مرفوع من ناحية قاعدة نفي الحرج.

أجل في كتب القواعد الفقهية تبحث بشكل مستقل ، ولعل أول من بحثها هو النراقي في عوائده (1).

وهذا كلّه بخلافه في قاعدة لا ضرر وغيرها من القواعد المتقدمة فانها بحثت بشكل مشبّع ومستقل ، إمّا في الكتاب الاصولية أو الفقهية.

وعلى أي حال الكلام في قاعدة لا حرج يقع ضمن نقاط :


1) عوائد الأيام : 57.

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - المقصود من الحرج والفرق بينه وبين الضرر.

4 - وجه تقدم القاعدة على الأدلّة الأوّلية.

5 - وهن القاعدة بكثرة التخصيص.

6 - هل المدار على رفع الحرج النوعي أو الشخصي؟

7 - هل رفع الحرج رخصة أو عزيمة؟

8 - هل القاعدة تعم الحكم الوضعي أيضا؟

9 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

اذا كان المقصود من قاعدة لا ضرر قد وقع فيه الاختلاف بين الاعلام بالشكل المتقدم فان المقصود من قاعدة لا حرج لم يقع فيه الاختلاف - في حدود علمنا - فالمقصود منها : نفي كل حكم يستلزم ثبوته على العباد الحرج ، فوجوب الوضوء أو الغسل أو وجوب اعفاء اللحية أو حرمة كشف المرأة عورتها امام الطبيبة للفحص أو ...إذا استلزم الحرج يكون مرفوعا.

والسبب في عدم الاختلاف هنا هو ان مدرك القاعدة يقول : ( ... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ... ) (1)، وعدم جعل الحرج في الدين ليس الاّ عبارة اخرى عن عدم تشريع الاحكام


1) الحج : 78.

المستلزم ثبوتها للحرج ، ولا يحتمل ارادة معنى ثان من الآية الكريمة.

2 - مدرك القاعدة

اشارة

قد دلّ على القاعدة المذكورة جملة من النصوص بعضها من الكتاب الكريم وبعضها الاخر من السنة الشريفة.

اما الكتاب الكريم فالآية المتقدمة ( ... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ... ) واضحة الدلالة على ذلك.

كما قد يستفاد ذلك من قوله تعالى : ( ... وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) (1).

واما قوله تعالى في آية الصوم ( ... وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... ) (2)فلا يمكن الاستدلال به لاحتمال اختصاص قوله ( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ ... ) بخصوص الصوم ولا يعمّ بقية الأبواب ، فانه ليس علة ليتمسك بعموم العلة في الغاء الاحتمال المذكور ، بل هو حكمة ، لأنه لو كان علة يلزم دوران الحكم مدارها ، والحال ان المسافر يلزمه الافطار حتى ولو لم يعسر عليه الصوم.

واما السّنة الشريفة فيمكن الاستشهاد منها بجملة من النصوص


1) المائدة : 6.

2) البقرة : 185.

أنهاها الشيخ النراقي في عوائده الى ثمانية عشر حديثا (1)، بيد انّه لا حاجة الى استعراضها بعد دلالة الكتاب الكريم على ذلك.

العقل والاجماع

وهل يمكن الاستدلال على القاعدة المذكورة مضافا الى الكتاب والسنة بالإجماع والعقل؟ كلا لا يمكن الاستدلال بذلك.

أمّا ان العقل لا يمكن الاستدلال به فباعتبار انه لا يرى امتناع التكليف بالأمر الشاق ، كيف وقد وقع التكليف بالأمر الشاق في الشرائع السابقة ، كما تشير اليه الآية الكريمة ( ... رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ... ) (2)فان الاصر عبارة عن الأمر الشاق.

وانما العقل يمنع من التكليف بالأمر غير المقدور ، ولكن المفروض ان الحرج ليس هو الامر غير المقدور - وان كان ذلك يظهر من بعض - بل هو الأمر الشاق.

واما ان الاجماع لا يمكن الاستدلال به فلأنّه مدركي - لأننا نحتمل أو نجزم بان مدرك المجمعين هو النصوص من الكتاب والسنة الشريفين - والاجماع المدركي ليس حجة، لأن حجية الاجماع هي باعتبار كاشفيته يدا بيد عن وصول الحكم من الامام عليه‌ السلام، ومع وجود مدرك يحتمل استناد المجمعين إليه لا يجزم بوصول الحكم من الامام عليه‌ السلام حتى يكون حجة ، بل يلزم الرجوع الى المدرك وملاحظة أنّه تام سندا ودلالة أو لا.

ومن خلال هذا كله يتضح ان المدرك للقاعدة هو الكتاب والسنة


1) عوائد الايام : 57 - 58.

2) البقرة : 286.

الشريفان دون العقل والاجماع.

ومن الغريب ما ينقل عن بعض (1)، من عدم وجود مدرك صحيح لقاعدة لا حرج ، إنّه غريب بعد تصريح الكتاب الكريم بقوله : ( ... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ... ) .

3 - المقصود من الحرج والفرق بينه وبين الضرر

قد يتصور ان المقصود من الحرج عدم القدرة على الشي‌ء ، فكل شي‌ء لا يكون ممكنا ومقدورا يكون حرجيا.

ولكنه مرفوض ، فان المتبادر من الحرج هو المشقة والضيق دون عدم القدرة ، اجل ليس كل مشقة حرجا ، بل هو عبارة عن خصوص المشقة الشديدة.

والشاهد على ذلك - مضافا الى قضاء الوجدان والتبادر - ان لازم تفسيره بمطلق المشقة كون جميع التكاليف حرجية ، لأن التكليف انما كان تكليفا باعتبار اشتماله على الكلفة والمشقة ، والا كان اباحة ولم يكن تكليفا.

واذا سألت عن الفرق بين الضرر والحرج كان الجواب : ان الضرر هو النقص ، إمّا في المال أو البدن أو غيرهما ، فما لا يكون نقصا لا يكون ضررا ، وهذا بخلافه في الحرج ، فانه المشقة ولو لم تكن مشتملة على النقص ، كالوضوء بالماء البارد في الشتاء القارس ، فانه قد يبلغ المشقة الشديدة من دون طرو مرض على البدن.


1) اشير الى ذلك في القواعد الفقهية للشيرازي : 159.

وهكذا الحال فيما لو حصل المكلّف على مقدار من المال يساوي مقدار الاستطاعة الى الحج ، وكان بحاجة الى شراء بيت به ، فان وجوب صرفه في الحج لا يوجب الضرر بمعنى النقص ، وانما يوجب الحرج بمعنى الوقوع في المشقة لا أكثر.

انّه في هذين الموردين يصدق الحرج بدون الضرر.

وقد ينعكس الامر ، كما اذا أوجب الوضوء المرض - كالحمى - بدون أن يكون ذلك حرجا.

4 - وجه تقدم القاعدة على الأدلّة الأوّلية

لو لاحظنا النسبة بين الأدلّة الأوّلية وقاعدة لا حرج وجدناها العموم من وجه ، فدليل وجوب الوضوء - مثلا - يثبت وجوب الوضوء بشكل مطلق وشامل حتى لحالة الحرج ، ودليل نفي الحرج ينفي كل حكم حرجي بما في ذلك وجوب الوضوء. ومع كون النسبة هي العموم من وجه فلما ذا تقديم القاعدة على الأدلّة الأوّلية ولا يعكس الأمر؟

وقد تقدم عند البحث عن قاعدة لا ضرر بيان عدة وجوه لتقديم قاعدة لا ضرر، ولعل تلك الوجوه تأتي هنا أيضا.

إلاّ أنّ المتعين هنا - كما كان هو المتعين في قاعدة لا ضرر - كون الوجه في التقديم هو الحكومة ، فقاعدة لا حرج حاكمة بمعنى انها ناظرة الى الأدلّة الأوّلية وتريد ان تبين ان تلك الأدلّة الأوّلية لا تريد اثبات الاحكام بشكل مطلق وشامل حتى لحالة الحرج ، بل هي تختص بحالة عدم الحرج ، فان اللّه سبحانه لم يجعل على عباده الحرج في تشريعاته ودينه.

5 - وهن القاعدة بكثرة التخصيص

قد يشكل على قاعدة نفي الحرج - كما أشكل بذلك في قاعدة لا ضرر - بكثرة التخصيص ، فالجهاد حرجي وقد خرج وجوبه من القاعدة ، فهو واجب بالرغم من كونه حرجيا ، وهكذا حرمة الفرار من الزحف أو وجوب تسليم النفس للحدّ والقصاص و ...

وكثرة التخصيص ، حيث إنّها مستهجنة فيكشف ذلك عن ارادة معنى من القاعدة غير ما نفهمه منها لا تلزم منه كثرة التخصيص ، وحيث إنّ ذلك المعنى مجهول لنا فلا يمكن الاستدلال بعد هذا بالقاعدة في شي‌ء من الموارد.

ويرده ما تقدمت الاشارة إليه في قاعدة لا ضرر من ان الالزام بمثل هذه الأمور حيث انه عقلائي فلا يكون مشمولا للقاعدة من البداية لأن رفع الالزام في مثل الموارد المذكورة ما دام ليس عقلائيا - لما يترتب على الالزام المذكور من المصالح وحفظ النظام - فلا معنى لرفعه ، فان رفعه خلاف عقلائية ثبوته ، والقاعدة ناظرة الى ما يكون رفعه عقلائيا.

6 - هل المدار على رفع الحرج النوعي أو الشخصي؟

الحرج تارة يكون شخصيا واخرى نوعيا.

والمراد من الحرج الشخصي : الحرج الثابت لهذا الشخص بخصوصه أو لذاك بخصوصه ، بينما المراد من الحرج النوعي : الحرج الثابت لنوع الناس ، - أي غالبهم - كما هو الحال في وجوب الوضوء حالة

المرض ، فانه حرجي لغالب المرضى وان لم يكن حرجيا بلحاظ بعض المرضى.

وإذا كان المدار على الحرج الشخصي فوجوب الوضوء - مثلا - لا يرتفع الا عمن كان ثبوت الوجوب في حقه حرجيا بالخصوص ، ولا يكفي كونه حرجيا بلحاظ النوع والغالب ، وهذا بخلافه بناء على ارادة الحرج النوعي ، فانه يرتفع الوجوب في حق كل مريض حتى من لم يكن ثبوت الوجوب في حقه حرجيا.

وباتضاح المقصود نعود لنطرح التساؤل : هل قاعدة لا حرج تنفي الأحكام الأوّلية في حالة لزوم الحرج الشخصي بالخصوص ولا يكفي لزوم الحرج النوعي ، أو انها تنفي الأحكام حالة الحرج النوعي أيضا ولا يلزم تحقق الحرج الشخصي.

الصحيح كون المدار على الحرج الشخصي ، لأن ذلك هو المتبادر والمفهوم من لسان دليل القاعدة ( ... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ... ) ، والحمل على الحرج النوعي يحتاج الى قرينة ، وهي مفقودة.

7 - هل رفع الحرج رخصة أو عزيمة؟

إذا كان وجوب الوضوء في حق مريض حرجيا فلا اشكال في ارتفاعه بالقاعدة ، ولكن لو فرض انه تكلّف واتى به بالرغم من كونه حرجيا في حقه فهل يقع منه صحيحا؟

ان الجواب عن ذلك يرتبط بتحقيق نقطة ، وهي : هل المقصود من القاعدة رفع الالزام بالوضوء دون الرخصة في الاتيان به ، أو ان المقصود منها رفع الالزام والرخصة معا؟

فعلى الأوّل يقال : إنّ الرفع في القاعدة وارد بنحو الرخصة ، أي ان المكلّف مرخص في ترك الوضوء - مثلا - وليس بملزم به ، ولكنه في نفس الوقت مرخص في الاتيان به ، في حين إنّه على الثاني يقال : ان الرفع وارد بنحو العزيمة (1)، اي ان المكلّف ملزم بترك الوضوء - مثلا - وليس مرخصا في ذلك.

وقد اختار جماعة ، منهم السيد اليزدي في العروة الوثقى (2)كونه بنحو الرخصة دون العزيمة في حين اختار آخرون كونه بنحو العزيمة.

وقد يستدل على كون الرفع بنحو العزيمة دون الرخصة بوجهين :

1 - ما تمسك به الشيخ النائيني في خصوص مسألة الوضوء.

وحاصله ان الآية الكريمة : ( ... وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ... ) (3)تدل على ان موضوع وجوب الوضوء هو الواجد للماء ، بمعنى القادر عليه ، وموضوع وجوب التيمم هو الفاقد للماء ، بمعنى غير القادر عليه ، فإذا فرض كون الرفع في قاعدة لا حرج بنحو الرخصة دون العزيمة فهذا يعني : أنّ المكلّف يجوز له في حالة الحرج كلا الأمرين : التيمم والوضوء ، وهو غير ممكن لان لازمه كون المكلّف واجدا للماء وغير واجد له ، وهو مستحيل لكونه اجتماعا للمتناقضين.

اما كيف يلزم كونه واجدا وغير واجد؟ ذلك باعتبار أنّ الوضوء


1) المقصود من العزيمة هو الالزام والوجوب.

2) راجع المسألة 18 من فصل مسوغات التيمم.

3) المائدة : 6.

إذا كان جائزا فلازمه كونه واجدا للماء - إذ موضوع وجوب الوضوء هو الواجد للماء كما تقدم - وإذا كان التيمم جائزا له أيضا فلازمه كونه فاقدا للماء ، لأن موضوع وجوب التيمم هو فقدان الماء.

وبالجملة لا يمكن ان يكون رفع الحرج بنحو الرخصة لأن لازمه التخيير بين الوضوء والتيمم في حالة الحرج ، وهو غير ممكن ، لأن لازم التخيير اجتماع المتناقضين ، وان المكلّف واجد للماء وغير واجد له.

ويرده : ان الجمع بين المتناقضين يلزم لو فرض أنّنا قلنا بوجوب كلا الأمرين - الوضوء والتيمم - على المكلّف بنحو التعيين ، بمعنى انه يجب الاتيان بالوضوء بنحو التعيين وبالتيمم بنحو التعيين ، انه آنذاك يلزم الجمع بين المتناقضين ، اما إذا قلنا بوجوب كل واحد منهما بنحو التخيير - أي هو مخير في الاتيان باحدهما - فلا يلزم المحذور المذكور ، لأن الوجدان ليس موضوعا لوجوب الوضوء بنحو التخيير ، بل هو موضوع لوجوبه بنحو التعيين ، وهكذا بالنسبة الى الفقدان ، فانه موضوع لوجوب التيمم بنحو التعيين ، لأن ذلك هو المستفاد من الآية الكريمة ، والمفروض اننا لا نقول بوجوب كل منهما بنحو التعيين ، بل بوجوب احدهما بنحو التخيير.

2 - ان كون الرفع في قاعدة نفي الحرج بنحو الرخصة دون العزيمة يتم لو فرض اننا قلنا بان المرفوع بالقاعدة هو خصوص الالزام دون أصل الطلب والرجحان والملاك ، انه بناء على هذا يمكن الحكم بصحة الوضوء في موارد الحرج استنادا الى الملاك والرجحان ، ولكن هذا لا يمكن الالتزام به ، حيث ان الدال على الملاك والرجحان هو الوجوب ، فإذا رفع الوجوب بقاعدة لا حرج لا يبقى ما يدل على بقاء

الملاك والرجحان حتى يمكن بواسطته الحكم بصحة الوضوء.

ويرده : اننا ندعي ان قوله تعالى ( ... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) حيث انه وارد للامتنان على الامة الاسلامية فهو يدل على مطلبين في آن واحد : رفع الوجوب وبقاء الملاك والرجحان ، إذ لو كان الملاك والرجحان غير باقيين لما كان رفع الحكم في موارد الحرج امتنانيا ، فان رفع الحكم انما يكون امتنانيا لو كان هناك ملاك يقتضي ثبوته ولكنه يرفع من باب المانع وهو الحرج ، اما إذا لم يكن له ملاك فلا قابلية لثبوته في نفسه حتى يكون رفعه امتنانيا.

وعليه فالحكم بصحة الفعل الحرجي في موارد الحرج هو المناسب. اللّهم الا ان يدعى انعقاد اجماع تعبدي على عدم الصحة ، كما قد يدعى ذلك في باب الوضوء وانه انعقد اجماع على عدم التخيير بين الوضوء والتيمم.

8 - هل القاعدة تعم الحكم الوضعي أيضا؟

قد يتساءل عن قاعدة نفي الحرج : هل ترفع خصوص الأحكام التكليفية أو ترفع الأحكام الوضعية أيضا؟

ينبغي في مقام الجواب التفصيل بين ما إذا كان الحرج لازما لخصوص الحكم التكليفي دون الحكم الوضعي فيكون المرتفع بالقاعدة خصوص الحكم التكليفي ، وبين ما إذا كان لازما للحكم الوضعي أيضا فيكون المرتفع بالقاعدة الحكم الوضعي أيضا.

مثال الأوّل : إذا فرض ان امرأة كان زوجها سيئ المعاشرة بحيث يضربها دائما ويتعامل معها أسوأ من معاملة العبيد فانه في مثل ذلك

يمكن الحكم بجواز خروجها من المنزل الى بيت أهلها من دون استئذانه ، لأن حرمة الخروج بدون اذنه تستلزم الحرج لها ، ولكن هذا لا يعني زوال الزوجية - التي هي حكم وضعي - فان الحرج لا يترتب على بقاء الزوجية ، بل على وجوب اطاعة الزوج تكليفا فيكون هو المرتفع دون الزوجية.

ومثال الثاني : لزوم البيع في حالات الغبن ، فانه يترتب عليه وقوع المغبون في الحرج ، فيحكم بعدم لزوم البيع وجواز فسخه تمسكا بالقاعدة.

9 - تطبيقات

1 - رجل حصل على مال يساوي مقدار الاستطاعة للحج ولم يكن له دار سكن فهل من حقه صرف ذلك في شرائها؟

2 - رجل حصل على ما يساوي مقدار الاستطاعة وكانت له دار سكن فهل من حقه شراء دار سكن ثانية؟

3 - هل يجوز لمن حصل على ما يساوي الاستطاعة صرف المال في شراء سيارة أو في الزواج به؟

4 - هل يجوز للزوجين إذا لم ينجبا الفحص لدى الطبيب أو الطبيبة ، مع العلم بان ذلك يستدعي الكشف عن العورة؟

5 - كثيرا ما تذهب النساء الى الطبيبة لإجراء فحوصات عليها بالرغم من عدم وجود حاجة ملحّة لها فهل يجوز ذلك؟

6 - إذا ثبت بواسطة الأجهزة الحديثة ان الحمل مشوّه الخلقة فهل يجوز للأم الاجهاض؟

7 - إذا حضر الرجل بعض الحفلات التي يشترك فيها الرجال والنساء وتقدمت امرأة إليه للمصافحة فهل يجوز له تقديم يده؟

8 - إذا كان للمكلّف مكتبة أو سيارة أو دار ثانية فهل يجب عليه بيعها والحج بثمنها؟

9 - إذا كان للمرأة حلى ذهبية لو باعتها استطاعت للحج فهل يجب عليها بيعها؟

10 - الزنا محرم في الشريعة الاسلامية ، ولكن هل يمكن الحكم بجوازه احيانا تطبيقا لقانون لا حرج؟

11 - شخص حصل على مال الاستطاعة وكان ولده بحاجة الى زوجة فهل يجوز له صرف ذلك المال في تزويج ولده؟

12 - الذبح في منى للحاج يصعب في اليوم العاشر فما حكمه؟

قاعدة اليد

اشارة

1 - مضمون القاعدة

2 - مدرك القاعدة

3 - قاعدة اليد اصل أو أمارة

4 - اعتبار الجهل بالحالة السابقة في أمارية اليد

5 - حالات اليد بلحاظ المقابل

6 - ضابط اليد

7 - اليد على المنافع

8 - عموم أمارية اليد في حق صاحبها

9 - تطبيقات

من القواعد التي يستفيد منها الفقيه في باب المعاملات والقضاء قاعدة اليد.

وقد تعرض الاصوليون الى هذه القاعدة تبعا للشيخ الأعظم في الرسائل ، حيث تعرض قدس‌سره في نهاية مبحث الاستصحاب الى مسألة ما لو اجتمع في مورد واحد الاستصحاب وقاعدة من القواعد الأخرى - ومن جملة تلك القواعد التي ذكرها قاعدة اليد - فايهما المقدم؟ فهل الاستصحاب هو المقدم أو القاعدة المقابلة؟

وبهذه المناسبة تعرض بشكل مختصر الى قاعدة اليد ، وجاء الاصوليون من بعده وتعرضوا على ذلك المنوال للقاعدة المذكورة.

وقد تعرض - حسب اطلاعنا - إلى هذه القاعدة قبل الشيخ الأعظم استاذه الشيخ النراقي في عوائده (1).


1) عوائد الايام : 254.

وقد كتب بعض في هذه القاعدة رسالة مستقلة ، نخص بالذكر من بينهم الشيخ الاصفهاني صاحب كتاب نهاية الدراية ، حيث ذكر في ترجمته ذلك ، ولكننا لم نر الرسالة المذكورة.

والكلام عن القاعدة المذكورة يقع ضمن النقاط التالية :

1 - مضمون القاعدة.

2 - مدرك القاعدة.

3 - قاعدة اليد اصل أو أمارة.

4 - اعتبار الجهل بالحالة السابقة في أمارية اليد.

5 - حالات اليد بلحاظ المقابل.

6 - ضابط اليد.

7 - اليد على المنافع.

8 - عموم أمارية اليد في حق صاحبها.

9 - تطبيقات.

1 - مضمون القاعدة

يقصد بالقاعدة المذكورة : ان من له استيلاء على شي‌ء بحيث كان ذلك الشي‌ء واقعا في حوزته ويعدّ من توابعه فذلك الاستيلاء يكون أمارة على الملكية ، فمن كان لابسا لثوب يتصرف فيه تصرف الملاك ، أو له سيارة أو كتاب أو دار واشباه ذلك ويتصرف في ذلك تصرف الملاك فذلك بنفسه يعدّ أمارة على ملكيته لذلك الشي‌ء ، إلاّ ان تقوم بينة ونحوها على الخلاف فتسقط أمارية اليد عن الاعتبار.

وبهذا نعرف المقصود من اليد ، فانه يراد بها الكناية عن

الاستيلاء وكون الشي‌ء تحت تصرف الشخص وفي حوزته ، وليس المقصود بها الجارحة الخاصة بنحو الحقيقة.

ولعل المناسبة في الاستعانة باليد للتعبير عن ذلك هي ان التصرف والاستيلاء يقع عادة باليد ، بل إذا رجعنا الى المنشأ الأوّل لملكية الإنسان للأشياء وجدنا انه الحيازة ، فبحيازة الأشياء كان يستولي على الأشياء - وأما العقود وسائر أسباب الملكية الأخرى فوجدت بعد ذلك وبالتدريج - وحيث إنّ الحيازة تقع عادة باليد لذا صح التعبير باليد كناية عن الاستيلاء.

وسيأتي إن شاء اللّه تعالى تحديد المقصود من اليد بشكل أدق.

وينبغي ان لا يغيب علينا الفرق بين قاعدة اليد وقاعدة اخبار ذي اليد ، فقاعدة اليد تعني ان نفس اليد - ولو بدون اخبار - أمارة على ملكية صاحبها ، فمن كان ساكنا في دار ويتصرف فيها تصرف الملاك فنفس ذلك أمارة ملكيته لها حتى ولو لم يخبر عن ملكه لها ، وهذا بخلافه في قاعدة إخبار ذي اليد ، فان المقصود منها : ان من كانت له يد واستيلاء على شي‌ء فاذا أخبر عن حال من أحواله - ككونه طاهرا أو نجسا - صدّق في ذلك وكان إخباره حجة.

والحجة في القاعدة الثانية هو الاخبار المقيد باليد دون نفس اليد ، وهذا بخلافه في القاعدة الاولى ، فان الحجة هو نفس اليد دون اخبارها.

كما انه في القاعدة الاولى يكون المقصود استكشاف الملكية من خلال اليد ، ولكنه في القاعدة الثانية يكون المقصود استكشاف أحوال أخرى ، كالطهارة والنجاسة وأمثال ذلك.

وعلى هذا يكون الفارق بين القاعدتين من حيث الدال تارة ومن

حيث المدلول أخرى ، فان الدال في القاعدة الاولى هو نفس اليد ، بينما في القاعدة الثانية هو أخبارها. والمدلول في القاعدة الاولى هو الملكية ، بينما في القاعدة الثانية هو أحوال أخرى.

قاعدة على اليد

كما ينبغي أن لا يغيب علينا الفرق بين قاعدة اليد وقاعدة على اليد ما أخذت حتى تؤدي ، فان الاولى يراد بها جعلها أمارة على الملك ، بينما الثانية يراد بها جعل اليد سببا للضمان ، وهي قاعدة أخرى مستقلة.

2 - مدرك القاعدة

اشارة

قد تذكر مدارك متعددة لقاعدة اليد ، إلاّ ان أهمها : سيرة العقلاء الجارية على التعامل مع صاحب اليد معاملة المالك ، فمن كانت له يد على دار نتعامل معه معاملة المالك ، فاذا أراد بيعها اشتريناها منه ، وإذا وهبها قبلنا هبته ، وإذا اجاز الدخول إليها والتصرف فيها دخلنا فيها وتصرفنا ، كل ذلك من دون مطالبته بالبينة على مالكيته.

ان عادة العقلاء قد جرت على ذلك ، وحيث انه لم يردع عنها فهي ممضاة.

ان المدرك المهم هو هذه السيرة.

واما الاجماع المدعى على القاعدة فهو محتمل المدرك ، حيث يحتمل استناده الى السيرة المذكورة أو غيرها ، وقد تقدم في قاعدة نفي الحرج عدم حجية الاجماع في حالة احتمال كونه مدركيا.

وأما الاخبار المستدل بها على القاعدة المذكورة فهي وان كانت كثيرة ولا يخلو بعضها من وجاهة ، إلاّ انه ليس لها اطلاق يمكن التمسك

به في موارد الشك ، وانما تدل على قاعدة اليد في الجملة وعلى نحو القضية الموجبة الجزئية.

هذا مضافا الى انه لا يستفاد منها حجية قاعدة اليد بنحو التأسيس في مقابل السيرة العقلائية ، بل الظاهر منها ورودها كإرشاد الى السيرة العقلائية ، ومعه فلا يمكن ان يستفاد منها أكثر مما يستفاد من السيرة العقلائية.

ونذكر تبركا بعض تلك الأخبار.

أ - رواية حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام : «قال له رجل : إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي ان أشهد انه له؟ قال : نعم. قال الرجل : أشهد انه في يده ولا أشهد انه له فلعله لغيره. فقال ابو عبد اللّه عليه‌ السلام : أفيحل الشراء منه؟ قال : نعم. فقال أبو عبد اللّه عليه‌ السلام : فلعله لغيره فمن أين جاز لك ان تشتريه ويصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لي ، وتحلف عليه ولا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله إليك؟ ثم قال عليه‌ السلام : لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» (1)

وانما عبرنا بالرواية دون الصحيحة أو الموثقة باعتبار امكان الخدشة في سندها من ناحية القاسم بن يحيى ـ فان الكليني رواها عن علي بن ابراهيم عن أبيه وعلي بن محمد القاساني جميعا عن القاسم بن يحيى عن سليمان بن داود عن حفص بن غياث ـ حيث لم تثبت وثاقته الا بناء على وثاقة كل من ورد في اسناد كامل الزيارة. واما بقية رجال السند فهم ثقات.

.

ب - صحيحة عثمان بن عيسى وحماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام في حديث فدك : ان أمير المؤمنين عليه‌ السلام قال لأبي بكر : أتحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟ قال : لا. قال : فإن كان في يد المسلمين


1) وسائل الشيعة : الباب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 2.

شي‌ء يملكونه ادعيت أنا فيه من تسأل البيّنة؟ قال : إيّاك كنت أسأل البينة على ما تدّعيه على المسلمين. قال : فاذا كان في يدي شي‌ء فادعى فيه المسلمون تسألني البيّنة على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم وبعده ...» (1)

وقد روى الحرّ الحديث المذكور عن علي بن ابراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عثمان بن عيسى وحمّاد بن عثمان. والكلّ ثقات.

.

حيث تدلّ على ان من بيده شي‌ء لا يطالب بالبيّنة وانّما يطالب بها غيره ، وهذا لا وجه له إلاّ حجية اليد.

ج - صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام قال : سألته عن مملوك ادّعى انّه حرّ ولم يأت ببينة على ذلك اشتريه؟ قال : نعم» (2)

وقد روى الحديث الشيخ الطوسي بسنده إلى الحسين بن سعيد عن صفوان بن يحيى عن العيص بن القاسم ، وحيث ان سند الشيخ إلى الحسين بن سعيد صحيح ـ كما يتضح من خلال مراجعة مشيخة التهذيب ـ وبقية الرجال ثقات فالرواية صحيحة.

.

فإنّه لا وجه لجواز شرائه ورفض دعواه الحرية إلا حجيّة يد البائع.

د - موثقة يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه عليه‌ السلام في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة. قال : «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة ، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما ، ومن استولى على شي‌ء منه فهو له» (3)

وانما كانت موثقة باعتبار اشتمال سندها على علي بن الحسن بن فضال الذي هو فطحي.

.

1) المصدر السابق ح 3.

2) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب بيع الحيوان ح 1.

3) وسائل الشيعة : الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج ح 3.

فان جملة «ومن استولى على شي‌ء منه فهو له» واضحة الدلالة على حجيّة اليد.

وهناك روايات أخرى يمكن الاستشهاد بها على قاعدة اليد أعرضنا عن ذكرها خوف الملل.

ومجموع الروايات المذكورة - كما ترى - يدلّ على حجيّة اليد في الجملة ولكن لا اطلاق لها يمكن الركون اليه في موارد الشك. وهذه نقطة لها تأثيرها على ما يأتي من أبحاث.

والخلاصة : المهم في الدليل هو السيرة العقلائية المتقدمة.

نكتة السيرة

والاعلام بعد تسليمهم لهذه السيرة وقع كلام بينهم في تحديد النكتة الفنية التي لأجلها بنى العقلاء على امارية اليد.

فالشيخ النائيني اختار ان ذلك من جهة الغلبة ، أي بما ان الغالب في أصحاب الأيدي كونهم ملاّكا وليسوا غاصبين لذا يا بني العقلاء على امارية اليد ودلالتها على الملكية (1).

بينما اختار الشيخ العراقي ان ذلك من باب كون قاعدة اليد وظيفة عملية يرجعون اليها في ظرف الجهل بالواقع ، فإن العقلاء كما لهم أمور يرجعون اليها من باب كونها كاشفة عن الواقع ، كما هو الحال في خبر الثقة وبقية الامارات كذلك لهم أمور يرجعون اليها عند استتار الواقع من باب ان استقامة نظام معاملاتهم لا تتم إلاّ بذلك، فيبنون عليها من باب كونها وظيفة عملية ظرف الجهل بالواقع (2).


1) فوائد الاصول 4 : 603.

2) نهاية الأفكار الجزء الثاني من القسم الرابع : 21.

والشيخ الأعظم في الرسائل أشار في كلامه إلى كلتا النكتتين المذكورتين فقال : ان من المحتمل تمسك العقلاء باليد من باب الغلبة ومن المحتمل كونه من باب الوظيفة العملية ، ثم رجّح في نهاية كلامه كون النكتة هي الغلبة (1).

وللسيد الشهيد في بحوثه كلام مجمل قد يلتئم مع الغلبة أكثر ، حيث ذكر ان العقلاء يبنون على اليد من جهة كاشفية الاستيلاء الخارجي عن الاستيلاء التشريعي الذي هو عبارة أخرى عن الملكية (2).

وثمرة الاختلاف في النكتة الفنية تظهر في البحث الآتي ان شاء اللّه تعالى.

3 - قاعدة اليد أصل أو امارة

وقع كلام بين الباحثين عن قاعدة اليد في أنّها أصل أو امارة.

والثمرة لهذا البحث تظهر في التعرّف على نكتة تقدم اليد على الاستصحاب عند اجتماعهما في مورد واحد.

وبتعبير أوضح : ان الأعلام اتفقت كلمتهم على تقدم اليد على الاستصحاب ، وانما الكلام في تحقيق النكتة الفنية لذلك.

وقبل تحقيق تلك النكتة لا بدّ من استذكار الفرق بين الامارة والأصل.

والمعروف في التفرقة بينهما ان ما جعل حجّة من حيث جهة الكشف والطريقية الثابتة له فهو امارة ، وما لم يجعل حجة من هذه


1) فرائد الأصول ، الطبعة القديمة المحشاة بحواشي رحمت اللّه : 409.

2) بحوث في شرح العروة الوثقى 2 : 104.

الجهة بل جعل حجّة من حيث كونه وظيفة عملية عند عدم وجود كاشف معتبر عن الواقع فهو أصل.

وفي ضوء هذا نقول : الصحيح كون اليد حجّة من حيث الامارية لأن مهم الدليل على حجيتها هو السيرة العقلائية ، واما الأخبار فهي - كما قلنا - واردة لتأكيد السيرة العقلائية وليست في صدد بيان مطلب جديد ، وواضح. ان العقلاء يعتبرون اليد حجّة من حيث كشفها الغالب عن الملكية ، وليس لحجيتها تعبدا من باب كونها وظيفة عملية عند الجهل بالواقع ، فإن القضايا التعبدية بعيدة عن الحياة العقلائية وان اصرّ على امكان ذلك الشيخ العراقي ، وقال ما نصّه : «لأن العقلاء كما لهم أمور يرجعون اليها لكونها كاشفة عن الواقع ، كذلك لهم أمور يرجعون اليها عند استتار الواقع، باعتبار كونها وظيفة عملية في ظرف الجهل بالواقع» (1).

وعلى أي حال إذا قلنا بأن اليد امارة فوجه تقدمها على الاستصحاب واضح، واذا قلنا بكونها أصلا فأيضا يلزم تقديمها ، من جهة انّه لو لم تقدم يلزم ان لا يبقى لها مورد للجريان ؛ إذ ما من مورد تجري فيه اليد عادة إلاّ ويوجد استصحاب يجري إلى جانبها يثبت من خلاله عدم ملكية صاحب اليد ، فإن صاحب اليد على العين غالبا ما هو مسبوق بعدم مالكيته ، بمعنى انّه لم تكن العين مملوكة له من القديم وانما كانت ملكا لغيره ، فإذا شك في انتقالها إليه استصحب عدم مالكيته.


1) نهاية الأفكار الجزء الثاني من القسم الرابع : 21.

واذا لم يبق مورد لليد بدون جريان الاستصحاب إلى جانبها يلزم من ذلك اختلال النظام ، لأنه إذا أردنا أن نشتري دارا أو غيرها من شخص فنحتمل عدم كونه مالكا ومن ثمّ يلزم عدم صحة الشراء منه ، وهذا هو اختلال النظام الذي أشارت له رواية حفص بن غياث المتقدمة بقولها : «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».

وهذا المعنى أو قريب منه هو الذي أشار له الشيخ الأعظم بقوله : «وكيف كان فاليد - على تقدير كونها من الأصول التعبدية أيضا - مقدمة على الاستصحاب وان جعلناه من الامارات الظنية ، لأن الشارع نصبها في مورد الاستصحاب. وان شئت قلت : ان دليله أخص من عمومات الاستصحاب» (1).

4 - اعتبار الجهل بالحالة السابقة في امارية اليد

اشارة

اذا كان شخص يسكن دارا بحيث كان صاحب يد عليها فتارة يجهل الحال السابق لليد وأخرى تعرف الحالة السابقة.

وقد يذكر للحالة الثانية عدّة شقوق نشير إلى اثنين منها :

1 - ان تكون اليد سابقا يد امانية أو غصبية أو يد اجارة أو نحو ذلك ثم احتمل تحولها الى يد ملك ، بأن نفترض ان شخصا كان يسكن دارا في زمن سابق بنحو الاجارة واحتمل شراؤه لها بعد ذلك ، وهكذا لو فرض انّه كان غاصبا لها فيما سبق أو كانت في يده أمانة واحتمل شراؤه لها بعد ذلك ، انه في مثل هذه الحالة التي يعلم بأن اليد فيها


1) فرائد الأصول ، الطبع القديم : 409.

سابقا لم تكن يد ملك واحتمل تحولها إلى يد ملك بعد ذلك هل تكون اليد فيها امارة على الملكية؟

2 - أن يعلم بكون الدار سابقا وقفا ، واحتمل عروض بعض المسوغات لبيعها ، وصاحب اليد اشتراها وصار مالكا لها بسبب عروض تلك المسوغات.

وبعد هذه الفهرسة للحالات نقول : اما إذا كان الحال السابق لليد مجهولا - بأن رأينا شخصا يسكن دارا ولا نعرف الحال السابق لليد ، فنحتمل انّه توارثها أبا عن جد أو اشتراها من مالكها الشرعي ، ونحتمل في نفس الوقت ان وصولها إليه لم يكن شرعيا بل نتيجة غصب ونحوه - فذلك هو القدر المتيقن من سيرة العقلاء على التمسك باليد.

واما الحالة الثانية فقد فرضنا لها شقين :

الشقّ الأول

اما بالنسبة إلى الشقّ الأول فالمناسب الحكم بعدم حجية اليد لا لأجل استصحاب الحال السابق لليد ، كما حاول ذلك الشيخ النائيني (1)حيث ذكر ان اليد ما دامت غاصبة سابقا فيجري استصحاب بقائها على كونها غاصبة ، ومع ثبوت حال اليد الآن بسبب الاستصحاب وكونها غاصبة لا معنى للتمسك باليد ، فإن التمسك بها فرع الشك والجهل بحالها ، والمفروض معرفة حالها وكونها غاصبة. وهكذا الحال لو كانت يد امانة سابقا أو يد اجارة ، فانّه يجري استصحاب الحال


1) فوائد الأصول 4 : 605.

السابق ، وبه يتضح حال اليد الآن.

هكذا ذكر الشيخ النائيني.

والمناسب ان يقال في توجيه عدم حجيّة اليد في الشقّ المذكور بدلا عمّا ذكره الشيخ النائيني : ان الدليل المهم على حجيّة اليد ليس إلاّ السيرة العقلائية ، واما الأخبار فهي واردة كمؤكد للسيرة العقلائية لا أكثر ، مضافا إلى انّه ليس لها اطلاق يمكن التمسك به في حالات الشك.

واذا كانت السيرة العقلائية هي الدليل المهم فحيث انّها دليل لبي وليس لفظيا ذا اطلاق ليتمسك به فينبغي الاقتصار على القدر المتيقن ، وهو فيما اذا كان الحال السابق لليد مجهولا.

وعليه فلا حاجة إلى بيان الميرزا النائيني ، بل هو قابل للتأمل باعتبار ان لازمه : عدم امكان التمسك باليد في أي مورد من الموارد ، لجريان استصحاب عدم تحقق الملكية والنقل والانتقال إلى صاحب اليد في جميع الموارد على ما تقدمت الاشارة إليه سابقا.

وجه الاعتماد على السندات

ومن هنا يتضح الوجه في قبول الاعلام لسندات الايجار ، فإنّه لو فرض ان شخصا كان يسكن دارا ويدّعي أنّها له ، وتقدّم شخص ثان الى الحاكم يدّعي ان الدار ملك له وانه آجرها لصاحب اليد الفعلية ، وكان له سند يشهد بالايجار ، انّه في مثل هذه الحالة تطرح اليد ولا يعار أهمية لها ، ويؤخذ بسند الايجار ويحكم بكونها ملكا للمدّعي صاحب السند.

ومن خلال بياننا السابق اتضح الوجه للحكم المذكور ؛ ان ذلك من جهة ان اليد اذا كانت سابقا يد ايجار فلا تكون حجّة في اثبات الملك

فعلا ، من جهة عدم الجزم بانعقاد السيرة على الأخذ باليد والحكم على طبقها ، وذلك يكفي في اسقاطها من الاعتبار ، ومع عدم حجيتها يبقى استصحاب الملك السابق أو الايجار السابق بلا معارض فيؤخذ به.

الشق الثاني

هذا كلّه في الشقّ الأول.

واما الشقّ الثاني ، وهو فيما اذا كانت الدار سابقا وقفا - فيمكن أن نتصوره بشكلين :

أ - ان يعلم بأن اليد حينما طرأت على الدار طرأت عليها وهي وقف ، بأن يفرض ان صاحب اليد استأجر الوقف ، ولكننا نحتمل بعد ذلك طرو أحد المسوغات لبيع الوقف فاشتراها ممن له حق بيعها.

ب - ان لا نجزم بكون الدار وقفا حين طرو اليد عليها ، بل نحتمل بطلان الوقف أولا بأحد الأسباب الشرعية ، ثم شراء صاحب اليد لها بعد ذلك.

اما الشكل الأول فينبغي أن يكون واضحا عدم حجيّة اليد لنفس النكتة المتقدمة وهي : عدم الجزم بانعقاد السيرة على الأخذ باليد ، لأن حال اليد سابقا معلوم وهو كونها يد ايجار للوقف مثلا ، ويشك في انقلابها عن ذلك فيدخل ذلك في الشق الأول ، ولا يوجد فارق معه ويكون حكمه حكمه.

واما بالنسبة إلى الشكل الثاني فقد اختار فيه السيد اليزدي - في كتاب القضاء من ملحقات العروة الوثقى - الحكم بامارية اليد على الملكية وعدم انتزاع الدار من صاحب اليد وتسليمها إلى أرباب الوقف.

وقد قيل باحتمال أخذه لهذا الحكم من استاذه السيد محمد باقر

الاصفهاني الشفتي ، حيث اشتهر عنه هذا الحكم في اصفهان (1).

وقد قيل في توجيه حجيّة اليد في مثل ذلك بأنّه لا مانع من الأخذ باليد سوى استصحاب بقاء الدار وقفا وعدم انتقالها ملكا إلى صاحب اليد بيد ان هذا المقدار لا يقف أمام حجيّة اليد والاّ لزم عدم حجية اليد في سائر الحالات أيضا ، لأن استصحاب بقاء الدار على ملك مالكها السابق على صاحب اليد يجري ويقف أمام اليد ، وإذا كان مثل هذا الاستصحاب لا بدّ من طرحه وعدم وقوفه أمام اليد يلزم مثل ذلك في استصحاب بقاء الدار على وقفها السابق.

ويرده : انه في الحالات المتعارفة لليد حيث يا بني العقلاء على التمسك باليد فيكون ذلك موجبا لحجيتها ومن ثمّ لسقوط الاستصحاب المقابل لها عن الاعتبار ، وهذا بخلافه في محل كلامنا ، فانّه لا يحرز انعقاد السيرة على التمسك باليد لتقف بذلك حائلا أمام الاستصحاب.

والخلاصة من كلّ ما تقدّم : ان المقدار الذي يجزم بانعقاد السيرة فيه على امارة اليد هو فيما اذا كان الحال السابق لليد مجهولا ولا يجزم بانعقادها فيما سوى ذلك.

5 - حالات اليد بلحاظ المقابل

اشارة

اذا كان شخص يسكن دارا مثلا وكانت تحت يده وتصرفه فقد قلنا سابقا : ان يده تكون امارة على الملكية لو فرض ان الحال السابق لليد مجهول. وهذا واضح.


1) نهاية الأفكار الجزء الثاني من القسم الثاني : 25.

ومن هنا سوف نفترض في بحثنا لهذه النقطة ان الحال السابق لليد مجهول وبعد تحقق الجهل نقول :

تارة يفترض عدم وجود من يدّعي ملكية الدار في مقابل صاحب اليد كما لا توجد بيّنة أو إقرار يتنافى وملكية صاحب اليد. وفي مثل هذه الحالة لا اشكال في حجيّة اليد واماريتها على الملكية.

مضافا إلى دخول المورد تحت قاعدة الدعوى بلا منازع ، فان كل من ادّعى شيئا ولا منازع له قبلت دعواه لجريان السيرة العقلائية الممضاة شرعا على ذلك.

وثانية يفترض وجود من يدّعي ملكية الدار بالفعل. وفي مثل ذلك ان كانت للمدّعي بيّنة دفعت له الدار وإلاّ بقيت في يد صاحب اليد.

وثالثة فترض قيام الحجّة على كون الدار ملكا فيما سبق لشخص آخر غير صاحب اليد من دون ان يثبت بتلك الحجة انتقال الدار من مالكها السابق إلى صاحب اليد بأحد النواقل ، كما لو فرض ان البيّنة شهدت بأن الدار كانت فيما سبق ملكا لشخص آخر غير صاحب اليد ، أو فرض ان الحاكم كان يعلم بذلك ، أو فرض ان نفس صاحب اليد أقرّ بذلك.

ويلزم أن نفترض ان ذلك الغير السابق يدّعي ملكية الدار الآن - وإلا كانت اليد ثابتة بلا منازع وتثبت الملكية بلا كلام - إلا أنّه يدّعيها من دون وجود حجّة له ، لأن الحجة تشهد بالملك السابق لا أكثر (1)

فانّه يقال : المقصود من الحال السابق كون اليد اجارة أو غصبا مثلا ، وفي المقام لم نفترض ذلك ، بل افترضنا انها ليست مالكة سابقا ، وهذا لا يؤثر على حجيّة اليد ، وإلا لم تكن لدينا يد حجة.‌

.

1) لا يقال : انه بناء على هذا يكون الحال السابق لليد معلوما فلا تكون حجّة على الملك كما تقدّم سابقا بلا حاجة الى استئناف بحث جديد.

وفي هذه الحالة لا بدّ من التفصيل بين اقرار صاحب اليد وغير ذلك.

فعلى تقدير قيام البيّنة أو علم الحاكم بأن الدار كانت سابقا لشخص آخر ويحتمل انتقالها إلى صاحب اليد فلا إشكال في امارية اليد والحكم على طبقها بملكيته.

والوجه : انعقاد السيرة على ذلك ، فإن من يشتري دارا من غيره كثيرا ما يعلم ان تلك الدار كانت مملوكة لإنسان آخر ثالث ، وبالرغم من علمه يقدم على شرائها حتى مع دعوى المدّعي المالك سابقا ملكيتها فعلا. واستصحاب بقاء ملك السابق لا ينفع بعد جريان قاعدة اليد.

واما على تقدير اقرار صاحب اليد بكونها سابقا ملكا لفلان ، ونفترض ان ذلك الغير السابق يدّعيها بالفعل ، في حين أنّ صاحب اليد يدّعي انتقالها إليه من المالك السابق فالمشهور اختار ان الدار تنزع من ذي اليد وتسلّم إلى المدّعي ، لأنّه بإقراره تنقلب الدعوى ويصير المدّعي منكرا والمنكر مدّعيا.

الاشكال من ناحية فدك

ثم إنّه على الرأي المشهور القائل بانقلاب صاحب اليد مدعيا في حالة اقراره بالملك للمالك السابق - فيما اذا كان المالك السابق مدّعيا للعين - يرد اشكال حاصله : انّ الخليفة الأول ادّعى ان النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم لا يورّث ، وأنّ فدكا ينبغي أن لا تكون ارثا للزهراء عليها‌ السلام بل فيئا لجميع المسلمين ، إلاّ إذا أقامت - سلام اللّه عليها - شهودا على ان النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم قد

انحلها إيّاها في حياته فانّه يحكم بكونها ملكا لها ، وإلاّ فلا حقّ لها.

وفي هذا المجال اعترض أمير المؤمنين عليه‌ السلام بأن الزهراء عليها‌ السلام ما دامت صاحبة يد على فدك فلما ذا مطالبتها بالبيّنة ، فإن صاحب اليد لا يطالب بالبيّنة.

فقد ورد في احتجاج الطبرسي وشرح المعتزلي (1): «فقال أبو بكر : هذا في‌ء المسلمين ، فإن أقامت شهودا ان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم جعله لها وإلاّ فلا حق لها فيه.

فقال أمير المؤمنين عليه‌ السلام : يا أبا بكر أتحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟

قال : لا.

قال : فإن كان في يد المسلمين شي‌ء يملكونه ثم ادعيت أنا فيه ، من تسأل البيّنة؟

قال : إيّاك أسأل البيّنة.

قال : فما بال فاطمة سألتها البيّنة على ما في يدها وقد ملكته في حياة رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وسلم وبعده ، ولم تسأل المسلمين بيّنة على ما ادّعوا شهودا ، كما سألتني على ما ادعيت عليهم؟

فسكت أبو بكر فقال عمر : يا علي دعنا من كلامك فانّا لا نقوى على حجّتك، فإن أتيت بشهود عدول ، وإلاّ فهو في‌ء للمسلمين لا حق لك ولا لفاطمة فيه ...».

ان الزهراء عليها‌ السلام كانت تعترف بأن فدكا كانت للنبي صلی اللّه عليه وآله وسلم ، ومع


1) الاحتجاج 1 : 121 ، وشرح ابن أبي الحديد 16 : 274.

اعترافها بكونها للنبي صلی اللّه عليه وآله وسلم فهي تدّعي انتقالها منه إليها وانّه وهبها إيّاها ، وبذلك تصير مدعية للهبة فتلزمها البيّنة ، ومع عدم البيّنة لها ينبغي أن تبقى على ملك النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم ، وحيث انّه لا يورّث ينبغي أن تنتقل فيئا للمسلمين. إذن كيف يقول أمير المؤمنين عليه‌ السلام ان الزهراء عليها‌ السلام ما دامت صاحبة يد فلا معنى لمطالبتها بالبيّنة؟

ويمكن الجواب عن ذلك : بأن شخصا لو دفع إلى ثان قطعة قماش مثلا وخاطها الثاني ولبسها فترة طويلة من الزمن وكان يتصرّف فيها تصرّف الملاّك ، ثم بعد فترة مات الأول ، فهل يحقّ للوصي مطالبة الثاني بقطعة القماش فيما إذا كان الثاني يدّعي أن الأول ملّكها إيّاه؟ كلا لأن الثاني بسبب يده الثابتة زمن المالك السابق وسكوته عن ذلك بل وامضائه لا يتحول إلى مدع ، وانّما يكون المدّعي هو الوصي ، كيف لا ونحن نعرف ان المدّعي هو من اذا سحب نفسه وسكت اغلقت الدعوى ، وهذا الضابط ينطبق على الوصي ، فانّه لو سكت اغلقت الدعوى.

ولا يخفى ان جوابنا هذا يرجع إلى ما حاصله : ان إقرار صاحب اليد انما يقلبه الى كونه مدّعيا فيما لو فرض ان الطرف الثاني الذي يدّعي عدم تمليك العين لصاحب اليد هو المالك نفسه أو ورّثته دون ما إذا كان هو الوصي - كما في المقام - فإن الخليفة الأول ليس هو المالك لفدك سابقا وليس هو الوارث للنبي صلی اللّه عليه وآله وسلم ، بل أقصى ما يمكن تسليمه هو كونه وصيّا ، والوصي لا يقبل منه ما يدّعيه في مقابل اليد الفعلية ، بل السيرة منعقدة على حجيّة اليد ، ولا أقل تكفينا قصة المنازعة في فدك هذه ، ولا يتسجل بسببها اشكال على المشهور ، فإن كلام المشهور ناظر إلى حالة ما إذا كان الطرف المقابل لليد هو المالك نفسه دون

الوصي عنه خصوصا وان الوصي - حسب الفرض - لا يدّعي عدم حصول التمليك من قبل المالك لصاحب اليد ، بل أقصى ما يقوله : اني لا أعلم بحصول الانتقال ، وعدم العلم بالانتقال لا يقف أمام اليد الفعلية.

وان شئت قلت : ان المدّعي انّما يطلب منه البيّنة لو كان له طرف ينكر دعواه - وإلاّ كان المورد من قبيل الدعوى بلا منازع التي هي مقبولة بلا حاجة إلى اثبات - والمفروض ان الخليفة الأول لم يكن منكرا ، وانّما يدّعي عدم العلم لا العلم بالعدم.

واذا قيل : المهم صدق عنوان المدعى عليه ولا يلزم صدق عنوان المنكر.

كان الجواب : ان الخليفة الأول لا ينطبق عليه عنوان المدعى عليه ، بل النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم هو المدعى عليه النحلة.

على انّا لو تنزلنا وسلمنا ان دعوى الوصي كدعوى الميت الموصي باعتبار انه أعرف بحاله فذلك يتم فيما لو كان الوصي قد نصبه الميت دون ما لو لم ينصبه الميت ، وانما تم نصبه بعد ذلك لاتفاق المسلمين على بيعته بعد النبي صلی اللّه عليه وآله وسلم كما هو المعروف لدى العامة.

6 - ضابط اليد

بعد أن عرفنا ان اليد امارة على الملك للسيرة العقلائية يجدر ان نحدد المقصود من كون الشي‌ء تحت اليد.

انّه لا يقصد جزما كون الشي‌ء مقبوضا باليد ، كقبض القلم والدينار للجزم بتحقق اليد في مثل السيارة والدار عرفا ، والحال انها

ليست مقبوضة باليد.

وكذلك لا يكفي كون الشي‌ء واقعا تحت القدرة بحيث يقدر على التصرف فيه كيف شاء ، للجزم عرفا بعدم تحقق اليد على الشي‌ء بمجرد القدرة ، وإلاّ كان رئيس كلّ دولة ذا يد على جميع ما في الدولة من أشياء ، لأنّه قادر على التصرف فيها كيفما شاء.

ولا يكفي أيضا وقوع الشي‌ء في حوزة الانسان من دون أن يعدّ من توابعه ، كما هو الحال في الوكيل الذي وكل في التصرف في شي‌ء كيفما أحبّ ، فإنّه حتى لو تصرّف فيه لا يكون صاحب يد عرفا ، لأن الشي‌ء لا يعدّ من توابعه.

وعليه فلا يبعد أن تكون اليد عبارة عن تصرف الشخص في شي‌ء ووقوعه في حوزته بحيث يعدّ من توابعه عرفا.

ويبقى الرجوع الى العرف هو الميزان الأساسي لتشخيص صدق اليد وعدمه ، فمن بيده مفتاح الدار مع سكن الغير فيها لا يصدق كونه صاحب يد عليها ، بخلاف ما إذا لم تكن مسكونة.

7 - اليد على المنافع

تارة يفرض ان اليد تتعلق بالعين ، وهذا ما تقدّم الحديث عنه وقلنا ان السيرة قد انعقدت على كونها امارة على الملك ، وأخرى تتعلّق بالمنفعة ، وهذا قد وقع البحث عنه في كونها امارة على الملك أو لا.

مثال ذلك : ما اذا كان شخص يسكن دارا وعلمنا بعدم كونه مالكا للعين ، بيد انّا كنّا نحتمل كونه مالكا للمنفعة باجارة ونحوها فهل يحكم بملكيته لها تمسكا بامارية اليد؟

يمكن أن يقال : ان القدر المتيقن من سيرة العقلاء هو اثبات ملك العين باليد ، واما ملك المنافع مستقلا عن العين فهو مشكوك فيقتصر على القدر المتيقن.

أجل اذا كان المتصرف مسلما حمل تصرفه على كونه تصرفا صحيحا ، فلو آجر الدار أو أعارها حمل ذلك على الصحة ، بيد ان هذا مطلب آخر ، وكلامنا في اثبات ملكية المنفعة بنفس اليد بدون اخبار ولا غيره من القواعد الأخرى.

والثمرة تظهر فيما لو فرض - مثلا - ان شخصا كان يسكن دارا نعلم بعدم ملكيته لها ، ونفترض انّه لو كان مالكا للمنفعة فهو راض جزما بالسكن في الدار ، ولكننا نشك في ملكيته لها ، ونحتمل انّه أبيح له السكن فقط على وجه لا يحقّ له إباحة ذلك لغيره.

ثم إنّه بعد عدم الجزم بانعقاد السيرة على الحكم بملكية المنفعة لا نطيل البحث عن امكان تصور تعلق اليد بالمنافع والاشكال على ذلك ، بدعوى ان المنافع ليس لها وجود فعلي لتتعلق به اليد ، وانما توجد بالاستيفاء شيئا فشيئا.

8 - عموم امارية اليد في حق صاحبها

تارة يفرض ان الانسان صاحب يد على شي‌ء ويشك الغير في مالكيته ، وأخرى يفرض ان صاحب اليد نفسه يجد في بيته أو صندوقه شيئا ويشك انّه له أو لا ، ففي مثل ذلك هل يحكم بملكية صاحب اليد لما يجده في حوزته؟

قد يقال بعموم دليل حجية قاعدة اليد وهو السيرة العقلائية لذلك

بتقريب ان العقلاء انّما يحكمون بامارية اليد في سائر الموارد من باب غلبة كون ما تحت اليد ملكا لصاحبها ، ومن النادر أن يكون غاصبا ، وواضح ان هذه النكتة تعمّ المقام أيضا ، فإن الغالب كون ما في صندوق الانسان أمرا راجعا اليه وخاصا به وليس راجعا الى الغير ، لبعد ان يضع غير صاحب الصندوق فيه شيئا. أجل إذا كان الصندوق معدا لوضع أشخاص متعددين فيه أشياءهم فلا يحكم باختصاص الشي‌ء بصاحب الصندوق.

ان هذا التفصيل اذا سلم فبها وإلاّ فيمكن التمسك بصحيحة جميل بن صالح : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌ السلام : رجل وجد في منزله دينارا. قال : يدخل منزله غيره؟ قلت: نعم كثير ، قال : هذا لقطة. قلت : فرجل وجد في صندوقه دينارا؟ قال : يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئا قلت : لا. قال : فهو له» (1).

9 - تطبيقات

1 - اذا كان شخص صاحب يد على شي‌ء وادعاه غيره فما هو الموقف؟

2 - اذا كان شخص صاحب يد على شي‌ء ، وكان يعترف انّه ليس له وتداعاه اثنان ، كلّ واحد منهما يقول : هو لي ، فما هو الموقف في حالة تصديق صاحب اليد لأحدهما ، وما هو الموقف في حالة سكوته وعدم تصديقه لأحدهما؟


1) وسائل الشيعة : الباب 3 من أبواب اللقطة ح 1.

3 - اذا كان شخص يسكن دارا وقال هي ملكي ، فقبولنا لقوله يدخل تحت أي قاعدة؟

4 - اذا كان شخصان يسكنان دارا ، فتارة يدّعيها أحدهما ، وأخرى يدّعيها كلاهما ، وثالثة يدّعيها شخص ثالث غيرهما. ما هو الموقف في هذه الحالات؟

5 - إذا كان شخص كافر يدّعي ان شيئا معينا ملك له فأي قاعدة يمكن تطبيقها لإثبات ملكه؟

6 - اذا اختلف المسلم والكافر في دعوى ملكية شي‌ء فعلى طبق قول أيّهما يحكم؟

7 - اذا كان شخص يبيع لحما نشك انّه مذكى أو لا فبما ذا نحكم ، وعلى طبق أي قاعدة؟

8 - اذا دخلنا دار شخص ، وقال : ان هذا المكان من الدار نجس فهل يحكم بحجية ما يقول ولأي قاعدة؟

تمّ بتوفيق اللّه سبحانه مراجعة

كتابنا المذكور في مدينة قم المقدسة

يوم 21 / جمادي أول / 1417 ه

باقر الايرواني

فهرس الكتاب

المدخل... 9

مدى أهمية البحث عن القواعد الفقهية... 9

تاريخ البحث في القواعد الفقهية... 10

القاعدة الفقهية والفارق بينها وبين القاعدة الأصولية... 13

المسألة الفقهية والقاعدة الفقهية... 15

ما به الاشتراك والامتياز... 16

القواعد الفقهية لا تنحصر في عدد معين... 16

قاعدة لا تعاد... 19

1 - مضمون القاعدة... 22

2 - مدرك القاعدة... 22

3 - عدم شمول الحديث للعامد... 25

4 - هل تختص بالناسي... 25

5 - هل تعمّ الجاهل بكلا قسميه... 26

6 - معذورية العامد في بعض الحالات... 28

7 - هل تختص القاعدة بحالة الفراغ... 28

8 - عموم القاعدة لحالة الزيادة... 29

9 - نكتة عدم الاشارة لبعض الأركان... 30

10 - ما المراد بالطهور؟... 31

11 - هل تعم القاعدة الموانع... 32

12 - تطبيقات على ضوء قاعدة لا تعاد... 33

قاعدتا الفراغ والتجاوز... 35

1 - مضمون القاعدتين... 38

2 - مدرك القاعدتين... 39

3 - قاعدة واحدة أو قاعدتان... 43

4 - عموم القاعدتين لغير الصلاة والوضوء... 48

5 - استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز... 49

6 - وهل يعتبر الدخول في الغير... 53

7 - ما المراد من الغير... 56

8 - احتمال الالتفات... 66

9 - تطبيقات... 68

أصالة الصحة... 71

1 - المقصود من القاعدة... 74

2 - الفرق بينها وبين قاعدة الفراغ... 74

3 - مدرك القاعدة... 76

4 - وهل يشترط العلم بالصحة والفساد... 78

5 - وهل تختص بحالة الشك في وجود المانع... 79

6 - يلزم احراز وقوع الفعل الجامع... 80

7 - الصحة عند الفاعل أو عند الحامل... 80

8 - تطبيقات... 82

قاعدة لا ضرر... 85

1 - مضمون القاعدة... 89

3 - اختلاف صيغة الحديث... 94

4 - الجمع في الرواية أو في المروي... 100

5 - توضيح مفردات الحديث... 112

6 - المقصود من قاعدة لا ضرر... 118

7 - تطبيق الحديث على قضية سمرة... 132

8 - كيف يدفع محذور كثرة التخصيص... 136

9 - شمول الحديث للأحكام العدمية... 144

10 - وجه تقديم الحديث على الأدلّة الأوّلية... 148

11 - الضرر الواقعي أو العلمي... 154

12 - تعارض الضررين... 163

13 - تطبيقات... 167

قاعدة نفي الحرج... 169

1 - مضمون القاعدة... 172

2 - مدرك القاعدة... 173

3 - المقصود من الحرج والفرق بينه وبين الضرر... 175

4 - وجه تقدم القاعدة على الأدلّة الأوّلية... 176

5 - وهن القاعدة بكثرة التخصيص... 177

6 - هل المدار على رفع الحرج النوعي أو الشخصي... 177

7 - هل رفع الحرج رخصة أو عزيمة؟... 178

8 - هل القاعدة تعم الحكم الوضعي أيضا... 181

9 - تطبيقات... 182

قاعدة اليد... 185

1 - مضمون القاعدة... 188

2 - مدرك القاعدة... 190

3 - قاعدة اليد أصل أو امارة... 194

4 - اعتبار الجهل بالحالة السابقة في امارية اليد... 196

5 - حالات اليد بلحاظ المقابل... 200

6 - ضابط اليد... 205

7 - اليد على المنافع... 206

8 - عموم امارية اليد في حق صاحبها... 207

9 - تطبيقات... 208