بلغة الفقیه جلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

المؤلف: السيّد محمّد آل بحر العلوم

المحقق: السيّد محمّد تقي آل بحر العلوم

الناشر: منشورات مكتبة الصّادق

الطبعة: 4

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1403 ه.ق

الصفحات: 395

المكتبة الإسلامية

مكتبة العلمين العامة

النجف الأشرف

9

بلغة الفقية

مجموعة بحوث ورسائل وقواعد فقهية لامعة تسد ضرورة الفراغ في التشريع الإسلامي والفقه الإستدلالي لا غنی الفقيه والقانوني عن معرفتها

تصنيف: الحجة المحقق السيد محمد آل بحر العلوم قدس سره

شرح وتعليق: الفقيه الورع السيد محمد تقي آل بحر العلوم - دام ظله -

الجزء الثاني

مكتبة الصادق

محرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اشارة

منشورات مكتبة الصادق

طهران ناصر خسرو پاساژ مجيدي

الطبعة الرابعة

1984 ميلادي

1362 شمسي

1403 قمري

رسالة : في أخذ الأجرة على الواجبات

اشارة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(مسألة) المشهور نقلا وتحصيلا عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات مطلقا تعبديا كان الواجب أم توصليا عينيا كان وجوبه أم كفائيا (1)

أما الواجبات النظامية ، فلا مانع من أخذ الأجرة عليها ـ سواء كانت عينية أم كفائية ، تعيينية أم تخييرية ـ إذ النظام إنما يتوقف فيها على بذل العمل وإصداره وعدم حبسه واحتكاره ، ولا يتوقف على كون المبذول من العامل والصادر منه بنحو التبرع والمجانية ، فيجوز للعامل أخذ الأجرة من المستأجر له على نفس العمل ، وان وجب عليه إصداره.

وبتعبير آخر : إن للعمل الصادر من الشخص له حيثيتان حيثية الإيجاد والإصدار وحيثية الوجود والصدور ، وما يتوقف عليه نظم العيش ويلزم من عدمه اختلاله في الواجب النظامي ، هي الجهة الأولى من العمل ، وهي حيثية الإيجاد والبذل ممن وجب عليه ، ولا معنى لتعلق الإجارة بها ، إذ هي قائمة بشخص الموجد ولا يعقل تمليكها والمعاوضة عليها بعقدها.

نعم الجهة الثانية منه ـ وهي الجهة الاسم المصدرية من العمل ، أعني ذاته وما يكون به العمل عملا ويمكن تمليكه والمعاوضة عليه ، فلا مانع من استيجار العامل عليه ، ولم تكن مقهوريته على الجهة الأولى منه موجبة لسلب ماليته وعدم صحة الإجارة عليه.

وببيان أوضح : إن ما يلزم صدوره وتحققه من عمل المكلف قد يكون من جهة كونه متعلقا لأمر إلزامي من الشارع المقدس ، وبما أن أمر المولى وتكليفه إنما يتعلق بذات العمل ونفسه ويكون المكلف ملزما به ومقهورا عليه فلا يكون مملوكا له ومقدورا عليه ، فان حقيقة ملكية العمل والقدرة عليه ، كون كل من فعله وتركه تحت اختيار العامل ولم يكن ملزما بأحدهما.

وعليه ، فلا يصح تعلق الإجارة بما ألزم بفعله ، كما لا يصح تعلقها بما ألزم بتركه ، فأكل المال بإزائه أكل له بالباطل.

هذا إذا كان نفس العمل وذاته متعلقا لأمر إلزامي من الشارع وأما إذا لم يكن العمل متعلقا لأمر إلزامي منه ، بل كان مما يتوقف عليه نظم البلاد ، فحيث أن النظام إنما يستقيم بإيجاد العمل وبذله ، والاختلال يحصل باحتكاره وحبسه ، والضرورة تقدر بقدرها ، فاللازم على العامل بذله ، والممنوع منه حبسه ، وأما كون ذات العمل بنحو التبرع والمجانية فهو التزام بلا إلزام ، وعليه فلزوم بذله لا يوجب سلب ماليته ، فيجوز أخذ الأجرة عليه ممن استأجره على ذات العمل ونفسه ، وكما يجب على التاجر عند المخمصة بذل ما عنده من الطعام ويحرم عليه احتكاره ، ولا يلزمه حينئذ التبرع به وبذله ـ مجانا ـ بل له بيعه وأخذ ثمنه من المشتري فكذلك الواجب النظامي ، فيجوز للطبيب المعالج والخباز والخياط ونظائرهم ممن يجب عليهم بذل أعمالهم ـ عينا أو كفاية ـ أخذ الأجرة عليها.

ثم إن الواجب غير النظامي : ما كان منه واجبا على شخص دون غيره ولم يعتبر فيه المباشرة ممن وجب عليه بل كان قابلاً لنيابة الغير عمن وجب عليه ، بأن ثبت بالدليل صحة تبرعه به عنه ، تصح الإجارة عليه ، تعبديا كان أم توصليا عينيا كان أم كفائيا ـ فإذا وجب الجهاد على شخص ـ عينا أو كفاية ـ فله استيجار من لا يجب عليه ليجاهد عنه ، بناء على قبوله للنهاية ، ومثله ما وجب على ولي الميت من قضاء ما فاته من الصلاة نيابة عنه ، فله استيجار غيره على أدائها نيابة عن الميت : وأما ما وجب على الشخص عينا ، فلا يصح استيجاره عليه لعدم ملكيته له ، فان مرجع ملكية العمل كونه تحت اختيار عامله وقدرته ، بحيث له فعله وله تركه ، فاذا كان واجبا عليه ومسلوب الاختيار في تركه ، لم يكن مالكا له ، كما أنه لو كان محرما عليه لا يصح استيجاره عليه لعدم قدرته شرعا على الفعل وكذا ما وجب على الشخص كفاية لا عينا ، فإنه ـ وان لم يكن كالواجب العيني من جهة سلب اختياره عن الترك ، فله تركه عند قيام الغير به ممن وجب عليه كفاية ، ولكن مع ذلك لا يصح استيجاره عليه ممن لا يجب عليه ولا يطلب منه ، أصلا ، إذ لا يملك المستأجر عمل الأجير باستيجاره له في في قبال ما يدفعه له من الأجرة ، وما يأتي به الأجير إنما يأتي بما وجب عليه كفاية ، ولا يكون عمله للمستأجر بإزاء الأجرة ، ومجرد كون المستأجر حاملا له على الإتيان بما وجب عليه ومعينا له ببذل الأجرة ، لا يصحح الاستيجار ما لم ينتقل نفس العمل من الأجير إليه في قبال ما انتقل منه اليه من الأجرة بمقتضى المعاوضة.

والحاصل ، كما يعتبر في متعلق الإجارة كون العمل مقدورا للأجير فعلا وتركا ـ كما ذكرنا ـ كذلك يعتبر إمكان حصوله للمستأجر وملكيته له بالاستيجار بماله من الآثار ، فأكل الأجير المال بإزاء إتيانه ما وجب عليه كفاية لنفسه بماله من الأثر ، أكل له بالباطل ، بل الأمر كذلك فيما لو كان العمل المستأجر عليه مستحبا كقراءة الأجير القرآن لنفسه.

هذا ولو كان العمل واجبا على كل منهما بالمباشرة كالصلاة اليومية وصوم شهر رمضان ـ مثلا ـ فعدم صحة استيجار الشخص عليه واضح ، سواء استأجره المستأجر ليصلي أو يصوم عن نفسه أو عن المستأجر. أما لو استأجره على العمل لنفسه لا للمستأجر ، فلوجوب ذلك عليه عينا وعدم كونه مملوكا له كما ذكرنا مضافا الى عدم إمكان حصول ملك المستأجر له في قبال ما يدفعه من الأجرة ولا يسقط الوجوب عنه بعمل الأجير ، وأما لو استأجره على أن بنوب عنه في ذلك العمل ، فحيث أن العمل المذكور مما يجب على المستأجر بالمباشرة لا يصح استيجاره الغير للنيابة عنه فيه.

وأما لو وجب على كل منهما كفاية ، فان لم تعتبر المباشرة في عمل المستأجر ، واستأجر من ينوب عنه فيه ولو كان الأجير ممن وجب عليه العمل المذكور أيضا كفاية كالجهاد ـ مثلا ـ بناء على قبوله للنيابة ، صح الاستيجار ، فإن النائب نظرا الى عدم وجوب الجهاد عليه عينا مالك لعمله والمستأجر حيث لا يعتبر فيما وجب عليه من الجهاد المباشرة بنفسه بل له استنابة غيره عنه فهو قابل لأن يملك عمل الأجير بدلا عما يدفعه اليه من الأجرة فيصح استيجاره ، ويكون المجاهد هو المستأجر بنائبه وبدنه التنزيلي ويسقط الوجوب عنهما بفعل الأجير ـ كما لا يخفى ـ نعم ، لو استأجره على العمل لنفسه بما يترتب عليه من الأثر لا المستأجر فلا تصح الإجارة ، ومجرد انتفاع المستأجر بعمل الأجير لنفسه بسقوط الوجوب عنه لقيام الأجير بالواجب الكفائي لا يكفي في صحة الاستيجار ما لم يدخل ذلك العمل في ملك المستأجر بماله من الأثر بدلا عما خرج من ملكه اليه من الأجرة بمقتضى المعاوضة.

وما يظهر من سيدنا المصنف ـ قدس سره ـ من كفاية ذلك حيث يقول : «وأما الكفائي التوصلي فلا مانع من صحة تعلق الإجارة به ووجود المنفعة فيه للمستأجر ولو بسقوط التكليف عنه بفعله ، فتشمله عمومات أدلة العقود» انتهى.

غير واضح ، كما أنه لو وجب على المستأجر كفاية المباشرة في العمل وعدم قبوله للنيابة كالصلاة على الميت مثلا لا تصح الإجارة فيه بمجرد انتفاع المستأجر بسقوط الواجب الكفائي عنه بفعل الأجير.

بل

1) محصل الكلام في المسألة المذكورة : أن الواجب اما أن يكون نظاميا - وهو ما يتوقف عليه نظام البلاد والعباد ، ويلزم من عدمه اختلال عيش الإنسان - وإما أن لا يكون كذلك.

عن بعض دعوى عدم الخلاف فيه وعن غير واحد حكاية الإجماع عليه وان كنا لم نتحققه على هذه الكلية.

ولا يخفى عليك عدم اختصاص النزاع بعقد الإجارة كما يتوهم من أخذهم الأجرة في عنوان المسألة بل يعم سائر عقود المعاوضات مما وقع بذل المال فيه بدلا وعوضا عن الواجب بعنوان المعاوضة والمعاملة عليه. نعم

لا يشمل ما لو كان البذل لأجله بنحو العطية وشبهها ، وان وجب البذل بسبب ، كما لو نذر أن يعطي درهما لمن صلى الفريضة فإنه يجوز أخذ المنذور حينئذ بلا اشكال فيه ولا خلاف.

هذا وليعلم أولا انه يعتبر في صحة الإجارة وغيرها من سائر عقود المعاوضات وتأهلها لترتب الأثر عليها أمور :

الأول - ان تكون المنفعة المستأجر عليها مثلا عائدة ولو بنوع من الملاحظة إلى المستأجر بحيث يتعلق له بها غرض عقلائي ، وان كانت بنفسها ترجع لغيره ، بل ولو لنفس الأجير كما لو استأجره على بناء دار نفسه لكن حيث يكون له في ذلك غرض عقلائي والا كانت المعاملة عليه سفها

وأكل المال - حينئذ - أكل بالباطل بل ربما يلزم - حينئذ - الجمع بين العوض والمعوض فلذا لا تصح الأجرة على الأفعال العبثية وإبداء الحركات اللغوية كالذهاب إلى الأماكن الموحشة ورفع الصخرة عن مكانها ونحو ذلك مما لا يتعلق للعقلاء غرض فيه.

ولا يتوهم النقض بجواز أخذ السبق (1)في عقد المسابقة مع أن البذل من الباذل بإزاء ما لا منفعة له فيه ، لأنه من المحتمل قويا أنه من الالتزام بالعطية والوعد بها على تقدير السبق غير أن الالتزام بما التزم به انما هو لدليله الخاص ، فهو مستثنى من الرهان المنهي عنه في الاخبار شرّع لتحصيل الاستعداد على القتال والجهاد ، وليس من المعاملة بشي‌ء حتى يتم النقض به ، وان وقع التعبير بها في كلام بعض الفقهاء.

الثاني - ان لا يكون العمل مما يعتبر في صحته وترتب الأثر عليه ما ينافي إتيانه للوفاء به ، والا كان المأتي به غير المعوض عليه والمعوض عليه غير المأتي به فيكون أكل المال - حينئذ - أكلا بالباطل.

الثالث - أن لا يكون مستحقا عليه بحيث يخرجه عن كونه مملوكا له سواء كان الحق لله أم لغيره مستأجرا كان أم غيره ، ولذا لا يجوز أخذ العوض على الزكاة ممن دفعها اليه ، وان وجد مستحق سواه ، ومثله أخذ الأجرة على العمل المملوك بخصوصه بإجارة سابقة عليه ضرورة كونه مملوكا للأول فلا يعقل تملكه لغيره ، فاعتبار هذه الشروط في صحة المعاملة وقابليتها لترتب الأثر عليها مما لا شك فيه ولا شبهة تعتريه.

إذا عرفت ذلك ، فنقول : اختلفت كلمات الفقهاء في هذه المسألة على أقوال : فبين قائل بالمنع عنه - مطلقا - وهو المشهور ، وفي (المسالك) : هو المشهور وعليه الفتوى (2)وبين من منع عنه فيما يجب فيه قصد القربة كما عن فخر


1) السبق - بفتحتين - : الخطر الذي يوضع بين أهل السباق ، جمعه اسباق.

2) راجع : كتاب التجارة منه في شرح قول المصنف - عند تعداد ما يحرم التكسب به - : الخامس ما يجب على الإنسان فعله : «.. هذا هو المشهور بين الأصحاب وعليه الفتوى».

المحققين - رحمه اللّه - وبعض المتأخرين ، وبين من منع فيما كان واجبا بالذات كما في (الرياض) بل فيه بعد نفي الخلاف : ان عليه الإجماع في كلام جماعة (1)وبين مانع في كل ما كان الغرض الأهم منه الآخرة والجواز فيما كان الغرض الأهم منه الدنيا كما عن السيد في (مفتاح الكرامة) (2)


1) في كتاب التجارة - في شرح قول المصنف : السادس (يعني مما يحرم التكسب به) : أخذ الأجرة على الواجب : من تغسيل الأموات وتكفينهم وحملهم ودفنهم .. قال سيدنا في (الرياض) : «ونحوها الواجبات الأخر التي تجب على الأجير عينا أو كفاية وجوبا ذاتيا بلا خلاف ، بل عليه الإجماع في كلام جماعة ، وهو الحجة ، مع منافاته الإخلاص المأمور به كتابا وسنة وأخرج بالذاتي : التوصلي كأكثر الصناعات الواجهة كفاية توسلا الى ما هو المقصود من الأمر بها ، وهو انتظام أمر المعاش والمعاد ، فإنه كما يوجب الأمر بها كذا يوجب أخذ الأجرة عليها ، لظهور عدم انتظام المقصود بدونه ، مع أنه عليه الإجماع نصا وفتوى ، وبذلك يندفع ما يورد من الاشكال بهذه الواجبات في هذا المجال ..».

2) في شرح قول المحقق : الخامس (أي مما يحرم التكسب به) : ما يجب على الإنسان فعله يحرم الأجر عليه كتغسيل الموتى وتكفينهم ودفنهم قال السيد - في الشرح - في جملة كلام له : «إن ما وجب كفاية لذاته يحرم أخذ الأجرة عليه. وهو كل ما تعلق أولا وبالذات بالأديان كالفقاهة واقامة الحجج العلمية ودفع الشبهات وحل المشكلات والأمر بالمعروف والتغسيل والتكفين ، لأنه راجع الى الدين ، أو الأبدان كالطبابة والتمريض وإطعام الجائعين وستر العراة واغاثة المستغيثين في النائبات على ذوي اليسار وإنقاذ الغرقى (الى قوله) والذي يجوز أخذ الأجرة عليه من الواجب الكفائي هو ما يتعلق أولا وبالذات - بالأموال وإن رجع - بالآخرة - الى الأول كالحياكة والصياغة والتجارة ونحو ذلك (الى قوله) وبعبارة أخرى كل ما كان الغرض الأهم منه الآخرة : إما بجلب النفع أو دفع الضرر ، لا يجوز أخذ الأجرة عليه ، ولا ينقض بالجهاد لما ستعرف ، وكل ما كان الغرض الأهم منه الدنيا اما يجلب النفع أو دفع الضرر فإنه يجوز أخذ الأجرة عليه ، وان كان قد يرجر. بالآخرة - إلى المهمات الدينية باعتبار كونه وسيلة إليها ..».

ويظهر من جدي العلامة (في المصابيح التفصيل بين التعبدي منه والتوصلي فمنع في الأول مطلقا وفصل في الثاني بين الكفائي منه والعيني فجوز في الأول مطلقا وفصل في الثاني بين ما كان وجوبه للضرورة أو حفظ النظام وغيره ، فيجوز في الأول ومنع في الثاني مطلقا ذاتيا كان الواجب أم غيريا (1)

وعلى هذا فينبغي التفصيل في غير العبادة بالفرق بين العيني والكفائي. ويشكل ذلك أيضا بأن الصناعات الكفائية مع الانحصار تصبر عينية ، ومع ذلك يجوز أخذ الأجرة عليها ولا يجب العمل مجانا ، فان ما يصنعه العامل لضرورة نفسه أو تحصيل نفقته الواجبة ، واجب عيني ، ويجوز أخذ الأجرة عليه ، بل يجب ، فينبغي التفصيل في العيني من غير العبادة أيضا ، بالفرق بين ما كان المطلوب منه دفع الضرر أو حصول النظام ، وغيره مما ليس كذلك كوجوب إزالة النجاسة من المسجد مع الانحصار ، وتحصيل ما ليس بعبادة من مقدمات العبادة ، كتحصيل الطهور والساتر وتطهيره لأجل الصلاة. ووجه الفرق : أن سبب الوجوب في القسم الأول ـ وهو حصول النظام ودفع الضرورة ـ يقتضي الوجوب بحيث يتأتى به الانتظام ويندفع به الاحتياج ، وليس ذلك إلا بأخذ الأجرة ، فيقتضي جواز الأجرة فيه ، لأن المنع منه يوجب اختلال النظام وإبقاء الاحتياج ، ويلزم منه عدم الوجوب فيها ، ولذا جاز الامتناع عن العمل هنا ـ بدون الأجرة ، بخلاف القسم الثاني ، فإنه يجب فيه حصول الفعل مطلقا ـ ولا يسقط التكليف به مع الامتناع عن الأجرة. ومن ثم انتفى الاستحقاق فيه ولم يجز أخذ الأجرة عليه.

أما المندوب ، فان كان عبادة لم يجز أخذ الأجرة عليه ، لمنافاته الإخلاص المعتبر فيها ـ كما مر ـ والاجاز مطلقا

وأما جواز الاستيجار في مقدمات العبادات إذا كانت غير عبادة كتحصيل الطهور وتحصيل الساتر وتطهير الثوب والبدن ، فلكونها من قبيل القسم الثالث ، إذ المطلوب من المصلي تحصيل الطهور مثلا كيف اتفق ، سواء كان بالمباشرة أم بالنيابة ، وكذا في غيرها».

(منه)(2)

وأما المطلوب من غيره ، فان كان عبادة امتنع أخذ الأجرة عليه مطلقا ـ واجبا كان أو مندوبا ، عينيا كان أم كفائيا ـ وكذا غير العبادة ان كان عينيا يطلب فيه المباشرة بالنفس ، أو كفائيا لا يطلب من حيث الانتظام أو دفع الضرورة ، والا جاز أخذ الأجرة مطلقا.

وأما جواز الاستيجار للحج والصوم والصلاة عن الميت والعبادات المستحقة ـ مطلقا ـ كما هو المتداول بين العلماء في جميع الأعصار ، مع كونها عبادات يطلب فيها المباشرة بالنفس ، فذلك حكم مخالف للأصل مخرج عنه بالدليل. والاشكال فيه من حيث الوجوب على النائب لأجل الإجارة ، ضعيف جدا ، لأن الممنوع عنه هو الواجب قبل الإجارة ، لا الواجب بسببها ، والا لزم بطلان الإجارة في الأعمال مطلقا لوجوبها على الأجير بسبب الإجارة ، والتالي باطل بالضرورة».

.

1) قال جدنا (السيد بحر العلوم) - قدس سره - في (المصابيح كتاب التجارة) - في مقام بيان ما يحرم التكسب به - : مصباح - المشهور ان ما يجب فعله لا يجوز أخذ الأجرة عليه - عينيا كان الوجوب أم كفائيا ، عبادة كان الواجب أم غيرها - وعليه إشكال مشهور ، وهو : ان الصناعات التي يتوقف النظام عليها مما تجب كفاية على ما صرحوا به ، فيلزم عدم جواز أخذ الأجرة عليها ، وكذا يلزم أن يحرم على الطبيب أخذ الأجرة على الطبابة لوجوبها كفاية كالفقاهة ، وان يحرم أخذ الأجرة لما يعمله لضرورة نفسه أو دفعها عن غيره أو لتحصيل النفقة الواجبة ومن ثم فصل بعضهم ، فمنع من أخذ الأجرة إذا كان الواجب عبادة لمنافاته الإخلاص ، وجوزه في غيرها لعدم المانع ، وهذا مختار فخر المحققين وجماعة من المتأخرين ، وهو وان سلم من الاشكال المذكور - ولكن يرد عليه : أن القول بجواز أخذ الأجرة في غير العبادة انما يصح في الكفائي منه دون العيني ، لأن أخذ الأجرة على العمل انما يجوز إذا كان العمل مما يستحق الأجرة ، والعمل انما يستحق الأجرة لو جاز الامتناع عنه بدونها ، إذ مع امتناعه جاز الامتناع عن إعطاء الأجرة ، وامتنع الإلزام عليها.

2) ـ كفائيا كان أم عينيا ـ لجواز الامتناع عنه ، فيثبت الاستحقاق بخلاف الواجب ، نعم ترتب الأجر والثواب عليه يتوقف على فعله من غير عوض لتوقفه على على قصد الإخلاص المنافي له ، وحينئذ يكون عبادة ويندرج في القسم الأول.

والأقوى قصر الجواز فيها على التوصلي من الواجبات الكفائية والمنع فيما عداه ، تعبديا كان الواجب ولو كفائيا عينيا كان ولو غيريا.

واستدل للأول على ما يظهر من احتجاج بعضهم لما أخذوه بإطلاقه عنوانا في المسألة بأمور :

الأول - الإجماع

وفيه انه في الجملة مسلم ، والمحصل منه على الكلية ممنوع والمنقول منه ظاهرا أو صريحا في بعض الموارد الجزئية كالقضاء والشهادة والأذان وتعليم صيغة النكاح وإلقائها على المتعاقدين كما عن بعض منهم (المبسوط) و (الخلاف) و (التحرير) و (جامع المقاصد) غير مجد ، والمجدي منه على الكلية لم نتحققه إلا في ظاهر (مجمع الأردبيلي) قدس سره حيث قال : «الظاهر أنه لا خلاف في عدم جواز أخذ الأجرة على فعل واجب على الأجير سواء كان عينيا أم كفائيا فكان الإجماع دليله انتهى بناء على قراءة (كان) فعلا لا حرفا ، ولعل نظر (الرياض) إليه في دعوى الإجماع عليه وهو مع ذلك موهون بما عرفت من التفصيل في الأقوال المتقدمة.

الثاني - منافاته للإخلاص المعتبر في العبادة.

وفيه أنه أخص من المدعى لاختصاصه بالتعبدي من الواجبات ومنقوض

بالمستحب منها فلا يتم لا طردا ولا عكسا ، مضافا الى ما قيل من تأكد الإخلاص به كما في (الجواهر) حيث قال بعد نقل الإجماع عن بعض ما لفظه : «وهو ان تم الحجة لا لمنافاة ذلك الإخلاص في العمل المعتبر فيه إذ هو مع أنه غير تام فيما لا يعتبر فيه النية من الواجبات كالدفن ونحوه ومنقوض بالمستحب ، واضح المنع ضرورة كون الإجارة مؤكدة له باعتبار تسبيبها الوجوب أيضا» (1)وكأنه تبع في ذلك شيخه كاشف الغطاء في


1) راجع : كتاب التجارة ، الخامس - مما يحرم التكسب به .. والمقصود : إن منافاة أخذ الأجرة للإخلاص لو تمت - إنما تصلح أن تكون دليلا على عدم جواز أخذها في مطلق العبادات واجبة كانت أم مستحبة - لا عدم الجواز في الواجبات مطلقا عبادة أو غيرها الذي هو مورد الاستدلال والاحتجاج ، دون الأول ، فتدبر.

شرحه على (القواعد) حيث قال : لا لمنافاة القربة فيما يشترط بها فيقتصر عليه كما ظن لان تضاعف الوجوب يؤكدها انتهى.

وان نوقش بان الوجوب المسبب عن الإجارة ونحوها توصلي غير معتبر فيه الإخلاص حتى يكون مؤكدا للإخلاص المعتبر في العبادة.

إلا انها غير واردة ، لعدم دعواه لزوم التأكد ، بل مدعاه إمكانه المتصور ولو في إيجاده بقصد امتثال الأمر الإيجابي بالوفاء الحاصل من الإجارة وإمكان التأكد ولو في مورد يلزمه عدم المنافاة بينهما بالذات.

اللّهم إلا ان يناقش بوجه آخر ، وهو ان المعتبر كون الإخلاص داعيا محركا على العبادة ، وكون الأجرة داعية لها محركة عليها مناف لذلك بالضرورة من غير فرق بين انضمامه مع داعي الإخلاص أو تركب العلة الغائية منهما.

وقياسه بالأغراض الدنيوية التي يأتي المكلف بالعبادة لأجلها كسعة الرزق ونحوها.

(قياس) مع الفارق ، لوضوح الفرق بين كونها مطلوبة من اللّه كطلب الثواب والنجاة من العقاب ومن غيره كما ستعرف.

(ودعوى) كفاية التقرب بوجه في صحة العبادة ، ولو بالنسبة الى الأمر الوجوبي بالوفاء إذ المانع خلو العبادة عن القربة لا اشتمالها من جميع الجهات عليها.

(واضحة) الفساد لأن الأمر بالوفاء إنما هو متعلق بالعبادة المعتبر فيها الإخلاص ، فالقربة المعتبرة فيما هو كالموضوع للأمر بالوفاء كيف يمكن تحققها

من امتثال نفس هذا الأمر المتأخر عنه في الرتبة وبمنزلة المحمول في القضية (1)كدعوى إمكان إتيان العبادة بداع الإخلاص ليس الا ويكون ذلك وفاء لما وجب عليه بالإجارة وان تجرد عن قصده إذ لا يعتبر في الوفاء به الإتيان لأجله بعد ان كان المفروض من الواجبات التوصلية فلا ينافي الإخلاص المعتبر في العبادة وان لم يكن مؤكدا له إذ الإجارة وسائر عقود المعاوضة إنما تتعلق بما أمكن ان يكون الإتيان به لأجل الوفاء ، وهو أي الإمكان متعذر في المقام لضرورة المنافاة بين القصدين.

الثالث - ما استدل به شيخ مشايخنا (كاشف الغطاء) في شرحه على (القواعد) بما يرجع محصله بتوضيح منا إلى التنافي بين صفة الوجوب وأخذ


1) محصل الدعوى المذكورة ومناقشتها : أن تعلق الإجارة بالعبادة لا يتنافى مع داعي الإخلاص حيث لا يعتبر في تحقق الوفاء بمتعلق الأمر الإجاري قصد الإتيان به بما هو مستأجر عليه ، بل يكفي مجرد الإتيان به ولو بدون داعي امتثال الأمر الإجاري ، إذ هو توصلي لا يعتبر في تحقق الوفاء به قصد امتثاله وعليه فيمكن للأجير الإتيان بالعبادة بداعي امتثال أمرها العبادي المتعلق بها ، وكما يتحقق بذلك التقريب الى اللّه تعالى بقصد الامتثال بها كذلك يحصل الوفاء بالإجارة ، والحاصل ان الأمر الإجاري المتعلق بالعبادة لا ينافي الإخلاص المعتبر فيها وان لم يحصل به تأكده لكونه توصليا لا يعتبر فيه قصد التقرب الى اللّه بامتثاله. هذا ولكن الدعوى المذكورة كسابقتها في الاشكال وعدم التمامية فإنه وان لم يعتبر في تحقق الوفاء بالإجارة قصد امتثال الأمر الإجاري من حيث كونه توصليا ولكن يعتبر في متعلق الإجارة وسائر عقود المعاوضة إمكان الإتيان به لأجل الوفاء بالأمر الإجاري ونحوه من باب تسليم حق الناس إليهم وهو يتنافى مع كونه عبادة يعتبر فيه الخلوص والتقرب الى اللّه تعالى به لظهور المنافاة بين القصدين.

العوض على الواجب ذاتا لأنه يعتبر في المعوض ان يكون مملوكا لمن له العوض بمعنى ان لا يكون مستحقا عليه ليتمكن من تمليكه لباذل العوض بإزاء ما بذله والواجب لكونه واجبا عليه غير مملوك له بل هو مستحق لله ومملوك له وتمليك المملوك ثانيا غير معقول ولذا لا يجوز أخذ الأجرة على عمل مخصوص استؤجر عليه قبله وليس الا لكونه مملوكا لغيره فلا يملك ثانيا وبعبارة أخرى العمل الواجب لكونه واجبا لا احترام له حتى يستحق بذل المال بإزائه ، وهو في العيني واضح وفي الكفائي وان كان المكلف كليا الا أنه منطبق على من قام بالفعل فيكون القائم به قائماً بما وجب عليه ولو كفاية والفعل فيه بعد إيجاده هو الواجب المستحق لله تعالى بذلك الوجوب المتعلق بكلي المكلفين.

وفيه أنه ان تم فهو انما يتم في غير الكفائي من الواجبات ، وأما هو فلا ، لأن الفعل انما يكون مستحقا لله ومملوكا له بعد اتصافه بالوجود ، ولذا لا يجوز إلزامه بخصوصه عليه وهو قبله متعلق للإجارة ، فالإجارة متعلقة به قبل صيرورته مستحقا لله ، فهو - حينئذ - من هذه الحيثية عمل محترم جاز بذل المال بإزائه ، وهذا بخلاف الواجب العيني فإن الفعل فيه مستحق لله عليه بخصوصه قبل إيجاده ولذا جاز إلزامه به قبله من باب الأمر بالمعروف لا يقال : ان الإجارة انما تتعلق بما كان متمولا وفيه منفعة للمستأجر ولا يكون الفعل كذلك الا بعد اتصافه بالوجود - وحينئذ - فمتعلق الإجارة هو ما تشخص كونه لله تعالى.

لأنا نقول أن متعلق الإجارة هو الفعل حين عدمه لكن باعتبار قابليته للوجود القائمة هذه القابلية بذات الماهية قبل طرو عارض الوجود عليها ، فالماهية باعتبار تلك القابلية الذاتية متمولة ذات منفعة يصح بذل المال بإزائها ، وكم من فرق واضح بين الماهية باعتبار وجودها وبين الماهية بعد اتصافها بالوجود ، فمتعلق الإجارة هو الأول وما هو مستحق لله هو الثاني.

لا يقال : أن الإجارة وان تعلقت بها قبل الوجود الا انها مسبوقة بتعلق الوجوب الكفائي بها فيلزم الاشكال من حيث تعلق الإجارة بما هو متعلق للوجوب.

لأنا نقول : متعلق الوجوب كلي المكلفين ومتعلق الإجارة خصوص واحد منهم ، والخصوصية هي المصححة لتعلق الإجارة بها.

هذا وربما يقال بل قيل بجريان ما ذكره في الواجب المخير بالتخيير العقلي فضلا عن التخيير الشرعي إذا كان بعض افراده مشتملا على مزية لم توجد في غيره أو مشقة مفقودة فيما سواه كالدفن في الأرض الصلبة المشتملة على زيادة مشقة في حفرها مفقودة في الرخوة فإنه لا مانع من أخذ العوض على حفرها بخصوصه إذ الواجب مطلق الدفن لا فيها بالخصوص ، وليس كذلك ما لو تساوت افراده من جميع الجهات في متعلق أغراض العقلاء بها ، فان بذل المال حينئذ لواحد منها سفه والمعاملة عليها معاملة سفهية.

ولكن فيه أن التخيير العقلي بين أفراد الطبيعة المطلوبة من شخص معين لا يوجب خروج الفرد المختار عن كونه هو المطلوب منه والمستحق عليه. لأن تشخص الطبيعة السارية طور من أطوار وجودها وشأن من شئوناتها غير مباين لها ولا ممتاز عنها إلا بخصوصية التطور الغير الموجب لخروجه عن كونه هو المستحق عليه ، ولذا كان الموجد له ممتثلا لما أمر به وفي الدين الكلي الثابت في الذمة وفاء له وليس الا لكونه عين المطلوب منه والمشغولة به ذمته ، فاذا كان العمل مطلوبا منه كان المأتي به هو المستحق عليه نعم لو كان للخصوصية عنوان مستقل يتحد مع الطبيعة في الوجود مرة ويفترق عنها أخرى كالكون في المسجد مثلا من حيث هو كون فيه ، جاز بذل العوض بإزاء ذلك العنوان بخصوصه ، وان اتحد مع الطبيعة المطلوبة في الوجود والمعوض عنه فيما نحن فيه هو الصلاة في خصوص المسجد لا نفس

الكون فيه المتحد معها في الوجود.

ومما ذكرنا يظهر لك عدم الفرق في أفراد الواجب المخير بين ما اشتمل على مزية زائدة كصلابة الأرض في الدفن وغيره كيف ولو جاز البذل على الخصوصية مطلقا لم يشذ واجب تعييني عن جواز المعاوضة عليه ولو باعتبار خصوصية من خصوصيات التشخص واقتصر المنع حينئذ على التعبدي من الواجبات كما تقدم عن الفخر وغيره ولا كذلك في الكفائي لأن صيرورة العمل فيه مستحقا لله انما هو بعد قيام المكلف بالفعل وصدوره منه فتأمل. وفي لحوق التخيير الشرعي بالتخيير العقلي والكفائي وجهان ولعل الثاني هو الأقرب.

هذا مع إمكان دعوى منع المنافاة بين أخذ الأجرة والوجوب العيني أيضا بالفرق في الملكية بين الخالق والمخلوق والممتنع فيه طرو الملك ثانيا انما هو الثاني دون الأول ، فإن الأرض - كما ورد في بعض النصوص كلها بل المملوكات بأسرها - مملوكة لله تعالى مع تملك العباد لها.

وفيه أن المراد بالمملوكية لله المانع عن تملك الغير ، هو كونه مستحقا لله تعالى مطلوبا إيجاده منه بطلبه الحتمي فلا يتعلق حق بإيجاده والا فما سوى اللّه مملوك لمالك السموات والأرض. وبالجملة ، فهذه الجهة المانعة التي مرجعها الى انتفاء الشرط الثالث من الشروط المتقدمة في الواجب العيني واضح كما اعترف به المستدل أيضا ووجودها في الكفائي ممنوع كما عرفت مما بيناه.

وهنا وجوه استدلوا بها للقول بالمنع مطلقا كلها مزيفة تركناها خوفا من التطويل.

وأما سند القول بقصر المنع على التعبدي من الواجبات فهو قصر النظر منه على جهة المنافاة بينه وبين الإخلاص من الجهات المانعة عنه كما أن من اقتصر في المنع على الواجبات الذاتية كجدنا في (الرياض) لما رأى من جواز المعاوضة بالضرورة والإجماع في الحرف والصنائع التي هي من الواجبات

الغيرية اقتصر في المنع على ما وجب بالذات.

وفيه - مضافا الى عدم الفرق في المنع بين ما وجب لذاته وما وجب لغيره كتحصيل الطهور والساتر للصلاة كما ستعرف - انه يظهر منه منع الأجرة على حمل الأموات ، بل هو مندرج فيما ادعى هو عليه عدم الخلاف مع أن حمل الموتى من الواجب الغيري ، بل حفر القبر أيضا مقدمة للدفن فيه ، ولا يقول بجواز أخذ الأجرة عليه بل ينقض عليه بانقاذ الغريق وإطفاء الحريق مع انه مقدمة للنجاة من الهلكة بل وبكل ما يجب لإقامة الدين وحفظ شريعة سيد المرسلين مع انها من الواجبات الغيرية. كما ان القول بالتفصيل بين المنع فيما كان الغرض الأهم منه الآخرة والجواز فيما كان الغرض الأهم منه الدنيا كما تقدم من مفتاح الكرامة منقوض أيضا بالانقاذ والإطفاء المتقدمين إذا كان الغرض دنيويا فتأمل (1).

مع أنه لا يكاد ينضبط بميزان معلوم يرجع اليه عند الشك والاختلاف.


1) تقدمت عبارة السيد في مفتاح الكرامة نقلناها بنصها ص 11 ويمكن ان يقال : أن السيد في مفتاح الكرامة لم يجعل المناط في جواز أخذ الأجرة مطلق ما كان للغرض فيه الدنيا ، وان كان شخصيا لينقض عليه بالانقاذ والإطفاء فيما لو كان الغرض فيه دنيويا - كما ذكره سيدنا المصنف - قدس سره - بل الظاهر أن مراده ما كان الغرض النوعي فيه الدنيا يجوز أخذ الأجرة فيه بخلاف ما كان الغرض فيه الآخرة فلا يجوز أخذ الأجرة عليه والغرض من إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق - نوعا - حفظ النفوس والأموال المحترمة وهو غرض أخروي يقصد به الأجرة والثواب نوعا ، ولعل أمر سيدنا المصنف بالتأمل إشارة الى عدم تمامية النقض المذكور.

فإذا الأقوى هو ما ذكرناه من المنع عن ذلك في غير التوصلي من الواجبات الكفائية مطلقا - ذاتيا كان الواجب أو غيريا - لانتفاء ما هو المعتبر في صحة المعاوضة وقابليتها لترتب الأثر عليها من الشروط الثلاثة المتقدمة المفقود جميعها في بعض الواجبات وبعضها في جميعها. وأما الكفائي التوصلي ، فلا مانع من صحة تعلق الإجارة به بعد وجود المنفعة فيه للمستأجر ، ولو بسقوط التكليف عنه بفعله ، فيشمله عمومات أدلة العقود.

وكيف كان فالمدار في صحة تعلق الإجارة وغيرها من العقود على اجتماع تلك الشروط المتقدمة وعدمه وحيث لا مانع من جهتها في التوصلي من الفروض الكفائية جاز أخذ العوض عليها كما عليه جدنا (في المصابيح (1)تبعا لغير واحد ممن تقدم عليه غير أن بعض الفروض الكفائية ربما يستفاد من أدلة وجوبها صيرورة ذلك العمل حقا للغير يستحقه من المكلف كما يدعى :

أن الظاهر من أدلة وجوب تجهيز الميت أن للميت حقا على الأحياء في التجهيز فكل من فعل شيئا منه في الخارج فقد أدى حق الميت ، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه وكذا تعليم الجاهل أحكام عباداته الواجبة عليه وما يحتاج إليه كصيغة النكاح ونحوها لكن تعيين هذا يحتاج الى لطف قريحة.

وان أبيت ذلك فنقول : ان مقتضى القاعدة جواز أخذ الأجرة على الواجب الكفائي إذا كان توصليا مطلقا الا ما قام الدليل من إجماع أو غيره على المنع عنه كتجهيز الأموات الذي لم ينقل فيه جواز أخذ الأجرة عليه الا ما يحكى عن المرتضى رحمه اللّه ولعل خلافه كما حكى عنه في وجوب التجهيز على غير الولي بناء منه على الترتيب في الوجوب بين الولي وغيره لا في حرمة أخذ الأجرة على تقدير الوجوب عليه.


1) كما مر آنفا ما نقلناه عنه في المصابيح ص 12.

ثم ان ها هنا إشكالات نقضية يرد بعضها على القول بمنافاة اعتبار الإخلاص لأخذ الأجرة عليه ذاتا وبعضها على القول بمنع الأجرة في الواجبات مطلقا بل وعلى القول بقصر المنع على العيني منها.

فمن القسم الأول النقض بالعبادات المأتي بها للأغراض الدنيوية كسعة الرزق وحصول الولد وغير ذلك سيما بالنسبة إلى العبادات الموظفة لذلك ، وما كان مشروعا لأجلها كصلاة الحاجة وغيرها ، فإن العلة الغائية لإيجادها هي تلك الأغراض الدنيوية المترتبة عليها دون محض الإخلاص المعتبر فيها مع حكمهم بصحتها كذلك.

والجواب بالفرق بين نيل المقصود من اللّه بواسطة الإطاعة له بفعله لأنه الموظف له عليه وبين نيله بدون واسطة الإطاعة بالفعل بل لنفس كونه فاعلا له بحذف الواسطة ، فالمصحح هو امتثال الأمر بالموصل دون الفعل للتوصل به.

وبذلك يجمع بين ما ذهب اليه غير واحد من الأصحاب من بطلان العبادة المقصود بها نيل الثواب والنجاة من العقاب ، بل نسب ذلك العلامة (في المهناويات) الى إنفاق العدلية وعن الشهيد في (القواعد) الى قطع الأصحاب ، وهو المحكى عن السيد رضي الدين ابن طاوس وبين ما هو المشهور بل المقطوع به من صحتها مع رجاء المثوبة أو النجاة من العقوبة ، مع تضافر النصوص عليه من الكتاب والسنة الواردة في الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والتعزير والتحذير وليس الا لما ذكرناه من الفرق وان الذي يقتضي فساد العبادة بقصده هو ما إذا كان الداعي للفعل والمحرك له عليه ليس إلا النتيجة المجعولة للفعل : من الثواب والعقاب على وجه لولاها لما وقعت منه العبادة ، كالأجير الذي يفعل الفعل لمحض الأجرة بحيث لو أريد الفعل منه مجانا لم يفعله. وإتيان العبادة بهذا الوجه لا يستبعد فساده دون ما كان الداعي

له عليه هو أمر اللّه تعالى وإرادته وان تجرد عن المثوبة والعقوبة غير انه لما كان هو الموظف لهذه الوظائف على هذا الأفعال لطفا منه تعالى ، قصدها والتمسها منه معرضا لنفسه بعمله لله تعالى سبحانه الى نيل الثواب لأنه الموظف له بلطفه وكرمه على هذا الفعل ، فلا أظن أحدا ينكر صحة العبادة على هذا الوجه ولتفصيل الكلام محل آخر.

وهذا هو الذي وعدناك به من بطلان القياس بين الطلب من الخالق والمخلوق.

ومنها : النقض بأخذ الأجرة على القضاء عن الميت والحج عنه مع انها عبادات يعتبر فيها الإخلاص (1)

وأما ما يقبل النيابة منها ـ بحسب ما يستفاد من الدليل ـ : اما عن خصوص الميت أو الأعم منه ومن الحي كالحج بالنسبة إلى العاجز عنه ، فإنه لا إشكال فيما لو تبرع النائب عن المنوب عنه في امتثال أمره المتوجه اليه ، وفي سقوطه عنه بامتثال نائبه عنه. إنما الإشكال في صورة استيجار النائب على إتيان ما وجب على المنوب عنه وامتثاله الأمر الموجه اليه بفعله ، وأنه كيف يمكن تحقق الخلوص في العبادة من النائب مع كون داعيه استحقاق الأجرة ، ولو مشوبا بداعي القربة ، وهو مناف للخلوص المعتبر فيها.

وربما يقال : إن تضاعف الوجوب بسبب الإجارة على العبادة يؤكد الإخلاص المعتبر فيها ، لا أنه ينافيه ، ولعل وجهه : أن الأجير على عبادة الغير حيث كان في مقام امتثاله قاصدا التقرب الى اللّه تعالى في امتثال الأمر العبادي الموجه الى المنوب عنه ليكون تقربه تقربه ، وقاصدا ـ أيضا ـ امتثال الأمر الإجاري المتوجه اليه ، والتقرب به ـ وهو أمر «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» وأنه ـ وان كان توصليا لا يعتبر قصد التقرب به ، ولكن يمكن للنائب الأجير أن يقصد التقرب الى اللّه بامتثاله كالأمر الأول العبادي ، فيتأكد تحقق الإخلاص وقصد التقرب من الأجير.

هذا ، ولكن يمكن أن يقال : إن تأكد الخلوص إنما يتجه في المتبرع بنيابته عن الغير في أداء عبادته ، حيث أنه لا يبتغي بنيابته أجرا من غير اللّه تعالى على امتثال الأمر المتوجه الى المنوب عنه ، فيمكنه قصد التقرب الى اللّه بنيابته وتبرعه وإحسانه إلى المنوب عنه بأداء ما وجب عليه من العبادة والتقرب به عنه. وأما الأجير الذي يبتغي بعمله ونيابته استحقاق الأجرة من المستأجر له على النيابة وأخذها منه عند امتثاله أمر المولى المتوجه إلي المنوب عنه ، فإنه لا يتحقق منه الخلوص في العمل وعدم كونه مشوبا بقصده استحقاق أجر من غير تعالى عليه ، فالوجه المذكور لا يدفع غائلة الإشكال.

وقد يقال ـ في التخلص عن الاشكال ـ : إن أخذ الأجرة على العمل عن الغير من قبيل الداعي على الداعي ، فإن الأجير ينبعث نحو الإتيان بما وجب على المنوب عنه بداعي امتثال أمر اللّه تعالى المتوجه الى المنوب عنه وهو داع قربى ، والداعي له على داعي الامتثال استحقاقه الأجرة من المستأجر له على ذلك ، فداعي الأجرة في طول داعي القربة لا في عرضه كي ينافي الخلوص المعتبر في العبادة ، فهو من هذه الجهة نظير من قصد بعبادته امتثال أمر اللّه تعالى المتوجه اليه ، وكان داعيه على الامتثال المذكور نيل الأجر والثواب من اللّه تعالى على امتثاله. ومن الواضح : إن ذلك لا ينافي الخلوص المعتبر في العبادة.

وفيه : إنه لو كان المصحح لعبادية العبادة مجرد وجود الداعي الإلهي فيها ، وكان الإتيان بها بمجرد داعي أمر اللّه وتوسيطه في الامتثال كافيا في عبادية العبادة وتحقق العبودية والخلوص وان انتهت سلسلة دواعيه الى داع غير إلهي ـ لكان ذلك وجهان في التخلص عن الاشكال ، لكنه بمعزل عن تحقق العبودية والخلوص ، فان من كان داعيه الى امتثال أمر اللّه تعالى المتوجه نحو المنوب عنه استحقاق الأجرة من المستأجر له وأخذها منه ، كيف يكون مخلصا في عبادته في حين أن داعيه وتحركه نحو الامتثال لو لم يكن أخذ الأجرة ليس إلا ، فلا شبهة في كون ذلك دخيلا في الداعي الإلهي ولا وجه لتنظيره بمن كان داعيه الى امتثال أمر اللّه تعالى نيل الثواب المجعول منه تبارك وتعالى على التقرب إليه بالعبادة ، وكم فرق بين انتهاء الدواعي المتسلسلة الى اللّه تعالى ، وبين انتهائها إلى غيره ، فإن الإتيان بالعبادة لله تعالى راجيا منه لطفه واجره وثوابه وتوسعة رزقه ونحو ذلك هو من حقيقة العبودية ومرتبة منها ، وان لم يكن أعلاها ، بخلاف الإتيان بها لله تعالى ليستحق بذلك الأجرة المجعولة له من المستأجر على ذلك ، فإنه ليس بعبادة لله تعالى ، إذ ليس حقيقتها صرف قصد العامل كون العمل لله تعالى ما لم يكن باعثه ومحركة نحو العمل أمر اللّه تبارك وتعالى ، ولو لنيل ما هو مجعول منه لطفا من أجره وثوابه على ذلك ، بخلاف ما لو كان المحرك له على ذلك نيل الأجر والثواب من مخلوق مثله ، فان ذلك ليس عبادة للخالق ـ جل وعلا ـ وهو من الوضوح بمكان.

وقد يقال ـ في مقام التخلص عن الاشكال ـ : إن قصد المستأجر التقرب الى اللّه تعالى في استيجاره للنائب في عبادة المنوب عنه ـ كاف في عباديته ، وان لم يتقرب النائب بعمله ، فان فعل النائب فعل تسبيبي للمستأجر وحاصل هذا الوجه. ان مقتضى دخول النيابة في عمل كون الواجب على المكلف إيجاده بنفسه مباشرة أو التسبيب اليه باستئجار الغير عليه أو طلبه منه ـ إيجاد العمل نيابة عنه بنحو يصح استناد الفعل اليه ، ويقال عليه :

إنه فاعل التسبيب ، وعليه ، فيكفي في عبادية العمل قصد التقرب من المسبب له ، ولا يعتبر التقرب ممن صدر منه العمل ، وهو النائب ، فيصح منه ، وان كان داعيه الى ذلك أمر غير إلهي وقصده غير قربى.

وفيه : ان باب التسبيب أجنبي عن تصحيح عمل النائب والأجير. توضيح ذلك : ان التسبيب قد يكون في ضمان التالف : فإنه كما يثبت بمباشرة الضامن للتلف ، كذلك يثبت بتسبيبه اليه بنحو يستند التلف الى فعل المسبب فيما إذا لم يتوسط بينه وبين موجب الضمان فعل فاعل مختار. فمن حفر بئرا في طريق وممر للناس ولم يجعل لها غطاء أو غطاها بشي‌ء يسير من الحشيش والتراب مثلا ، فمر بها إنسان أو حيوان ، فوقع فيها ومات ، فإنه يضمن ديته أو قيمته ، وكذا لو أجج نارا في ريح عاصف ولم يتخذ لها حافظا أو واقيا ، فأحرق بسببها مال للغير ، فإنه يضمنه ، ونحو ذلك.

أما لو توسط بين فعل المسبب كحفر البئر ـ مثلا ـ وموت الواقع فيها فعل فاعل مختار ، كما لو أوقع شخص نفسه في البئر المذكورة ، أو أوقعه فيها غيره بمباشرته بأن ألقاه فيها أو سبب الغير الوقوع فيها ، كما لو طلي نواحي البئر المذكورة بمزاق حيث لا يطلع المار بها على ذلك ، فزلقت رجله ووقع فيها ومات ، ففي الصور المذكورة ونحوها مما توسط بين موجد السهب وموجب الضمان فعل فاعل مختار ـ لا يستند التلف الى موجد السبب ، بل يكون فعل الموجد من المعدات ويستند التلف الى الفاعل المختار ، ويكون هو الضامن لما تلف.

نعم ، لو توسط بينهما فعل فاعل غير مختار ، كما إذا كان وقوعه فيها بمزاحمة حيوان له أو صبي غير مميز أو نحو ذلك ، فالظاهر استناد التلف الى المسبب والحافر : وحاصل معنى التسبيب ـ على هذا الوجه ـ استناد الفعل الى المسبب حقيقة ، كما لو كان هو المباشر له ولا تسبيب بالمعنى المذكور في ما هو محل الكلام من عبادة النائب ، فإنه : إما متبرع أو أجير وهو إما أجير عن الولي أو عن المتبرع في صورة كون المنوب عنه ميتا أو أجير على المنوب عنه الحي ليعمل لنفس المستأجر ، كما في الأجير عن العاجز في الحج ، والتسبيب بمعنى عدم توسط الفاعل المختار وإسناد الفعل الى المسبب حقيقة دون الفاعل ، منتف في الصور المزبورة ، فإن صدور العمل من النائب بإرادته واختياره.

نعم فيما لو استأجر المكلف غيره في إتيان ما وجب عليه نيابة عنه ، وكان المورد مما نصح فيه النيابة عن الحي كالحج بالنسبة إلى العاجز عنه يمكن أن يقال : إنه من التسبيب واستناد فعل الأجير إلى المستأجر ولكن بنحو من المجاز والمسامحة ، وأين ذلك من كون باب النيابة ـ مطلقا ـ من باب التسبيب ، فالوجه المذكور غير تام أيضا.

وربما يقال : إن المصحح لعمل الأجير : هو إتيانه بالعمل بداعي الأمر الإجاري المستفاد من الأمر بوفاء عقد الإجارة بقوله ـ تبارك وتعالى ـ «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».

ولكنه ـ أيضا ـ غير تام ، ولا صلاحية له لتصحيح عمل الأجير ، فإن الأمر الإجاري توصلي لا يعتبر في سقوطه قصد امتثاله ، وإن صحة عمل الأجير تتوقف على قصد امتثال الأمر. وعليه ، فلم يكن ملاك عبادية عمله هو الأمر الإجاري ، لأنه متعلق بما هو عبادة في نفسه ، فجهة العبادية مأخوذة فيما هو الموضوع للأمر الإجاري ، ورتبة الموضوع متقدمة على ما تعلق به من الأمر ، فلا يعقل كون الأمر الإجاري ملاكا لعبادية عمل الأجير هذا مضافا الى ان الأجير استوجر للإتيان بما هو عبادة للمنوب عنه وموجب لقربه ، فلو كان ملاك العبادية الأمر الإجاري المتعلق به ، يكون عمل الأجير عبادة له وموجبا لقربه ..

وبالجملة ، فالوجوه المذكورة مخدوشة بجملتها ، وغير صالحة للتفصي بها عن الاشكال ، ان لم تكن موجبة لتأكد الاشكال.

ويمكن أن يقال في التخلص عن الإشكال بأن مقتضى الأصل في الأمر العبادي الموجه الى المكلف عدم سقوطه عنه إلا بامتثاله وإطاعته وعدم الاكتفاء بامتثال غيره عنه. نعم قد يثبت بالدليل في بعض الواجبات سقوط الأمر الموجه نحو شخص بامتثال غيره ، نيابة عنه ، وذلك بحسب مقدار ما يستفاد من الدليل ، وانه يختص بالقضاء عنه بعد موته أو يشمل الإتيان به عنه في حياته لعجزه ، وعليه ، فمرجع دليل قبول العمل للنيابة إلى التوسعة في مرحلة امتثال التكليف وتنزيل فعل النائب منزلة فعل المنوب عنه في إسقاط التكليف الموجه نحو المنوب عنه به.

وما يظهر مما ذكره سيدنا ـ قدس سره ـ : من أن النيابة بعد تحققها وإمضاء الشارع لها موجبة لتوجه التكليف المتعلق بالمنوب عنه إلى النائب فيما استنيب فيه بعد تنزيل الذات منزلة الذات ـ الى آخر كلامه ـ ومحصله أن النائب بعد تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه في مقام الإتيان بما وجب عليه وإمضاء الشارع ـ بدليل قبول ذلك الواجب للنيابة ـ التنزيل المذكور ـ يتوجه أمر المنوب عنه إلى النائب ويكون امتثال النائب امتثالا لأمر المنوب عنه وتقربه تقربه ـ هذا حاصل ما ذكره سيدنا.

ولكنه غير واضح ، فان تنزيل النفس منزلة الغير ليس هو امرا واقعيا ليكون النائب بعد تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه هو هو ليتوجه أمر المنوب عنه اليه ويكون فعله فعله وتقربه تقربه وإنما هو محض تقريب للنيابة في العمل وأن مرجعها جعل النائب نفسه عند امتثال أمر المنوب عنه نازلا منزلته وقائماً مقامه في امتثال أمره المتوجه اليه ، وأما توجه أمر المنوب عنه إلى النائب ، فإن رجع الى كون شخص أمر المنوب عنه متوجها الى النائب بنحو يكون ذلك الأمر متعلقا بالمنوب عنه وبنائبه عند موته أو عجزه فالظاهر استحالته فإنه كيف يمكن توجه أمر شخصي من الآمر نحو مكلف ومع عجزه عن امتثاله أو موته يتوجه شخص ذلك الأمر الى من ينوب عنه في الامتثال ، نعم يمكن أن يكون النائب مأمورا بأمر آخر ، مثل أمر المنوب عنه ، ولكنهما أمران تعلق أحدهما بالمنوب عنه ، والآخر بالنائب ولكل منهما امتثال على‌حدة ، وكيف يكون امتثال النائب أمره الموجه اليه امتثالا لأمر المنوب عنه ، وموجبا لإسقاطه.

فما يمكن أن يقال : هو ما ذكرناه : من ان دليل قبول الواجب للنيابة مقتضاه التوسعة في مقام الامتثال ، وكون الأمر الموجه نحو المنوب عنه قابلاً للامتثال منه وممن يأتي بالفعل نيابة عنه. وعليه ، فالمتبرع عن الغير في نيابته عنه امتثال ما وجب عليه ، إنما يأتي بالعمل بداعي تفريغ ذمة المتبرع عنه عما توجه اليه من التكليف ، فيكون في عمله وامتثاله قاصدا امتثال الأمر الموجه الى المنوب عنه ، وهو المحرك والباعث له نحو العمل والملاك لعباديته ، دون الأمر الندبي المتوجه إليه ، إذ يمكن أن لا يقصد امتثاله والتقرب به ـ أصلا ـ ومع فرض قصد امتثاله لا يقع عن المتبرع عنه ما لم يقصد امتثال الأمر المتوجه الى المتبرع عنه ، فلو لم يأت بالعمل بداعي أمر المتبرع عنه لم يرتبط عمله به ليكون امتثالا لأمره وموجبا لتفريغ ذمته ، وهذا الفعل الخارجي من المتبرع وإتيانه بالعمل بداعي تفريغ ذمة المتبرع عنه عما توجه اليه من التكليف مصداق للنيابة عنه بلا حاجة إلى تنزيل نفسه منزلة نفس المنوب عنه ثم الإتيان بما وجب عليه بعد التنزيل نعم ، الشارع بدليل قبول ذلك الواجب للنيابة ـ نزل ما يصدر من النائب بداعي تفريغ ذمة المنوب عنه عما وجب عليه من العبادة منزلة ما يصدر عنه وجعل امتثاله للأمر المتوجه نحوه عند نيابته عنه بمنزلة امتثاله في سقوط الأمر به ، وليست التوسعة المذكورة من الشارع في امتثال التكليف من قبيل التعميم للمباشرة والتسبيب ، فان ما يصدر عن المتبرع لم يكن بتسهيب من المتبرع عنه لإمكان التبرع فيه عن الميت ، ومن الواضح عدم تعقل التسبيب فيه ، وفي ما لو أمكن التسبيب ربما يصدر العمل من المتبرع بلا اطلاع من تبرع عنه ، وقد لا يرضى بالتبرع عنه ، ولربما ينهي عنه ، كما لو نهى الولد الأكبر الذي وجب عليه قضاء ما فات عن أبيه غيره بالتبرع عنه في العمل فلم ينته المتبرع وأتى به بداعي تفريغ ذمة الميت ، فإنه يصح وتحصل به براءة ذمة الميت وبراءة الولد الأكبر. مع أنه ليس في هذه الصورة تسبيب ـ أصلا ـ لا من الميت ولا من الولد الأكبر ـ وهذا كاشف عن أن المناط في صحة العمل ليس هو التسبيب ، بل المصحح له ما ذكرناه من كونه قاصدا في إتيانه بالعمل تفريغ ذمة الغير المتوقف على قصده امتثال الأمر المتوجه الى الغير.

ثم إن الفعل الخارجي الصادر من المتبرع بعنوان كونه عن الغير محقق لعنوانين طوليين : أحدهما ـ كونه نيابة عن الغير المتوقف على قصده الفعل عنه ، فما لم يقصد كونه عن الغير لا يقع عنه ، وإن قصد امتثال الأمر المتعلق بالغير ـ ثانيهما ـ كونه عبادة واجبة على الغير ، وهو متوقف على قصده امتثال الأمر المتوجه الى الغير ، وهو ملاك عبادية عمل المتبرع عنه. وأما كون العمل عن الغير المحقق لعنوان النيابة المتقدم في الرتبة على العنوان الثاني فهو أجنبي عن ملاك عبادية العمل المأتي به عن الغير ، فان المقصود كون العمل مقربا للغير المنوب عنه ، والنيابة عمل للنائب ، فلو كان قصدها ملاكا لعبادية عمله لكان منشأ لتقربه لا لتقرب المنوب عنه.

ثم إن النائب يمكن أن يقصد بنيابته التقرب ، ويمكن أن لا يقصده فان قصده كان عمله مقربا له ـ أيضا ـ إذ هو متبرع بإتيان عبادة الغير قربة إلى اللّه تعالى ، فيحصل ـ حينئذ ـ تقرب للمنوب عنه لإتيان عبادته بفعل النائب ، وتقرب للنائب لقصده التقرب بنيابته ، ولو لم يقصد التقرب بنيابته بل قصد إتيان العبادة عن المنوب عنه يكون عمله موجبا لتقرب المنوب عنه ، لا لتقرب نفسه ، حيث أنه لم يقصد التقرب بنيابته ، وهو غير قادح ، إذ النيابة ليست عبادية ، وإنما هي توصلية ، فلا يقدح عدم قصد التقرب بها ، بل تصح ـ مطلقا.

والحاصل ، إن عنوان كون العمل نيابة عن الغير وعنوان كونه عبادة الغير عنوانان طوليان ، ثانيهما متوقف على الأول ، وهو ـ أي الأول قصدي مضاف إلى النائب ، وليس عباديا متوقفا على قصد القربة به ، بل يصح ، ولو لم يقصد به التقرب ، والعنوان الثاني مضاف الى المنوب عنه لكونه عبادة عنه ، ويتوقف تحققه على قصد امتثال الأمر المتوجه الى المنوب عنه وبكون موجبا لقربه دون النائب ، كما لو كان المنوب عنه هو المباشر لكان قصده كذلك ، فيكون اجتماع هذين العنوانين أعني عنوان النيابة وعنوان العبادة عن الغير في الفعل الخارجي الصادر عن النائب ـ كاجتماع عنواني الصلاة والغصب في الفعل الخارجي وهو الصلاة في الدار المغصوبة ـ مثلا ـ سوى أن الصلاة والغصب عنوانان عرضيان ، وهذان العنوانان طوليان ، الثاني منهما في طول الأول.

إذا عرفت ذلك ، فنقول فيما هو محل الكلام من عبادة الأجير ـ : ما هو متعلق الإجارة وتقع الأجرة بإزائه عنوان النيابة في عمل الغير وقد عرفت أنه توصلي ، فيصح أن يقصد به استحقاق الأجرة من المستأجر وليس مرتبطا بملاك عبادية العبادة عن الغير كي يكون أخذ الأجرة منافيا لها بل الذي ينافي أخذها كون النيابة عبادة المفروض عدمها ، فعدم استحقاق الأجير الأجر والثواب بنيابته لا ينافي تحقق عبادة الغير عنه وصيرورة المنوب عنه مستحقا للأجر والثواب ، والمفروض دخول النيابة في عمل المنوب عنه بمعنى حصول القرب له بالأعم من عمل نفسه وعمل نائبه عنه.

وبالجملة ، إن متعلق الإجارة عمل مباشري للنائب ، وهو إتيانه بالعمل بقصد نيابته عن المنوب عنه ، والباعث له على ذلك بذل المستأجر له الأجرة على نيابته وملاك عباديته العمل هو الأمر المتوجه إلى المنوب عنه ، وتعنون العمل بكونه عبادة المنوب عنه في طول إتيان النائب بالعمل بقصد النيابة عن الغير ، فأحد العنوانين محقق لنيابة النائب ، والعنوان الآخر محقق لعبادة المنوب عنه ، وما يتوقف صحته على قصد الامتثال هو الثاني منهما ، وما يقع بإزاء الأجرة أو لهما.

هذا محصل ما أفاده شيخنا الأستاذ ـ قدس سره ـ ولا أظنك بعد هذا التقريب تتوهم مما ذكره سيدنا المصنف ـ قدس سره ـ بقوله : «فالنيابة التي هي من فعل القلب هي المأخوذ عليها الأجرة» وقوله ـ رحمه اللّه ـ : «فهنا فعلان : أحدهما ـ فعل قلبي وهو النيابة ، والآخر من أفعال الجوارح وهو الفعل» إلخ.

فتقول : إن الإجارة لا بد أن تقع على عمل ، ولا يكفي في متعلقها صرف فعل القلب ، وذلك لما ذكرنا : من أن متعلق الإجارة : النيابة وهو العمل عن الغير ، وكونه قصديا منوطا بقصد النائب النيابة لا يقتضي كونه عبارة عن نفس القصد الذي هو مجرد فعل القلب ، بل هو فعل خارجي له جهة اضافة الى النائب وهي جهة الإصدار بالمعنى المصدري ، وله جهة أخرى بالمعنى الاسم المصدري التي هي جهة العبادية وكونه امتثالا للأمر المتوجه الى الى المنوب عنه بفعل نائبه ، والجهة الأولى توصلية محضة ، والجهتان طوليتان وليس تعددهما بمحض الاعتبار ، كما يتوهم ذلك.

وبالجملة فهذا الوجه خير الوجوه في مقام دفع الاشكال ، وما سواه مما دفع به الاشكال غير خال عن الخدشة ، واللّه تعالى هو العالم.


1) الواجبات العبادية : ما لا يقبل النيابة منها - لاعتبار المباشرة ممن وجب عليه - : فان عدم صحة تعلق الإجارة بها واضح. إذ الواجب المعتبر فيه المباشرة ممن وجب عليه ، وكونه ملزما بفعله - شرعا - مسلوب الاختيار في تركه ، لا يتصف بكونه مملوكا لفاعله لتصح المعاوضة عليه ، فان حقيقة ملكية العمل : كونه تحت اختيار عامله وقدرته : وبالجملة فأكل المال بإزائه أكل له بالباطل.

ويدفعه أن الأجرة في أمثال ذلك مأخوذة على النيابة التي هي عبارة

عن تنزيل الإنسان نفسه منزلة غيره في الأمر الخاص ، عكس الوكالة التي

هي عبارة عن تنزيل الغير منزلة نفسه فيه ولذا يتوقف حصولها على التوكيل

بخلاف النيابة ، فإنها لا تتوقف على الاستتابة وان توقف ترتب أثرها في

بعض الموارد عليها ، فالنيابة التي هي من فعل القلب هي المأخوذ عليها

الأجرة دون الفعل المنوب فيه المعتبر فيه الإخلاص الذي هو من أفعال الجوارح. فهنا فعلان : أحدهما فعل قلبي وهو النيابة ، والآخر من أفعال الجوارح وهو من الفعل المنوب فيه ، وما يعتبر فيه الإخلاص هو الثاني دون الأول الذي هو من التوصلي الذي مرة يكون راجحا واخرى يكون مرجوحا وثالثة مباحا ، والراجح قد يكون واجبا ، وقد يكون مستحبا ، فيختلف حكمها بحسب ما يقتضيه موجبه. ومتعلقها أى الفعل المنوب فيه قد يكون توصليا أيضا وقد يكون تعبديا يعتبر فيه الإخلاص.

ثم ان النيابة بعد تحققها وإمضاء الشارع لها موجبة لتوجه التكليف

المتعلق بالمنوب عنه إلى النائب فيما استنيب فيه بعد تنزيل الذات منزلة الذات الذي من آثاره الوضعية صيرورة فعله فعله وتقربه تقربه ، فالإجارة - وان تعلقت بإيجاد الفعل عن المنوب عنه ومعناه إيجاده نيابة عنه وتنزيل فعله منزلة فعله - إلا أن التنزيل المذكور مسبب عن تنزيل ذاته منزلة ذاته ، ومن آثاره الوضعية المترتبة عليه ، فهو مقدور له بواسطته ، فلا تعدد في الجعل والتنزيل من النائب ، بل الحاصل منه جعل واحد وهو قيام ذاته مقام ذات غيره فيه وصيرورة فعله فعل غيره من آثار هذا الجعل غير موقوف على جعل آخر فمرجع الإجارة - في الحقيقة - الى هذا الجعل الذي هو فعل قلبي ، وان تعلقت بفعل الجوارح من العبادة وغيرها ، فافهم فإنه دقيق ثم ان النيابة المستحبة ان كان إيجادها لامتثال الأمر الاستحبابي أثيب النائب عليها ، وان كان متعلقها توصليا ، غير أن متعلقها : ان كان عبادة كان ثواب فعل المنوب فيه للمنوب عنه وثواب النيابة للنائب.

وبالجملة فإن كان الفعل المنوب فيه مما يثاب عليه - كما لو كان عبادة - كان ثوابه للمنوب عنه ، وان كان صادرا من النائب لأنه هو هو بعد الجعل والتنزيل سواء كانت النيابة مما يثاب عليها النائب أم لا كما ان ثواب النيابة حيث يثاب عليها للنائب أثيب المنوب عنه بالمنوب فيه أم لا كما لو كان من التوصليات ، فقد يخلوان من الثواب ، وقد يترتب عليهما الثواب ويختص - حينئذ - كل من النائب والمنوب عنه بما يرجع اليه من ثواب النيابة وثواب متعلقها المنوب فيه ، وقد يخلو أحدهما عنه دون الآخر.

واما صلاة الهدية التي تضافرت النصوص على استحباب التبرع بها ومنها صلاة ليلة الدفن لرفع الوحشة عن الميت في القبر - فلا يجوز الاستيجار عليها بناء على منافاة الإخلاص لأخذ الأجرة لأن بذل العوض إن كان بإزاء العمل فالمفروض اعتبار الإخلاص فيه المنافي له ، وان كان

بإزاء الثواب المترتب عليه ، فمع أنه غير معلوم تحققه لاحتمال وجود ما يمنع عن قبوله مع جهالة مقداره على فرض تحققه ، لا سنخية له مع الأموال والأعمال الدنيوية التي تصح المعاملة عليها لعدم احتسابه من المتمولات عرفا ولا شرعا.

كيف ولو كان ثواباته مما تصح المعاوضة عليها لاستغنى الفقير ببيع مثوباته ، وربما يكون به مستطيعا.

اللّهم إلا أن يكون البذل بإزاء الإهداء الذي هو فعل من أفعال المهدي كما ذكرنا في الأجرة على النيابة ، إلا أن الإهداء بعد فرض انسلاخ المالية عن متعلقة لا معنى لبذل المال عليه.

فاذا ما هو المتعارف من الاستيجار على صلاة الوحشة ، ولو بالإجارة المعاطاتية لا يخلو من اشكال ، بناء على المنافاة المزبورة.

نعم يصح ذلك بناء على تأكد الإخلاص بالإجارة ، وحينئذ فالمتخلص عنه اما بالبذل بنحو العطية وتبرع المصلي بالصلاة ، أو باستنابته والاستيجار على النيابة عن نفسه فيكون المستأجر المستنيب هو المهدي للثواب دون النائب إلا أن يناقش في مشروعية النيابة هنا ، إذ ليس كلما يصح التبرع به تصح النيابة فيه ، نعم كل مورد تصح النيابة متبرعا فيه يصح الاستيجار عليه.

ومن القسم الثاني

النقض بالحرف والصنائع المتوقف عليها النظام ، فإنها لذلك من الواجبات الكفائية مع جواز أخذ الأجرة لها والمعاملة عليها ، بل حتى مع تعيينها على واحد مخصوص بسبب الانحصار فيه.

ويدفعه ان وجوب الصنائع انما هو لحفظ النظام وانما يستقيم النظام

بالتكسب بها وأخذ العوض عليها لأن لزوم التبرع بها يوجب الإخلال به دون حفظه ، فيلزم من وجوب التبرع بها نقض الغرض من وجوبها (1)

وهذا وان كان وجها ويحصل به دفع الاشكال عن جواز أخذ الأجرة على الواجب النظامي وقد سبق من سيدنا الأعظم طاب ثراه في (المصابيح) التوجيه به أيضا ، ولكن ما ذكرناه من الوجه فيما سبق من تعليقتنا ، وأوضحناه بما لا مزيد له لعله أوضح ، وحاصله أن الواجب النظامي لم يكن كغيره مما تعلق به تكليف شرعي إلزامي ليكون المكلف ملزما ومقهورا على الإتيان به ومسلوب القدرة شرعا عن تركه المقتضى ذلك عدم ملكيته وسلب ماليته وعدم صحة تعلق الإجارة به والمعاوضة عليه ، بل هو اي الواجب النظامي من العمل اقتضى وجوبه وإلزام العامل به ، ضرورة توقف انتظام العيش عليه ولزوم اختلاله بعدمه وحيث أن الضرورة إنما تقدر بقدرها ، فاللازم على العامل بذله لمن احتاج اليه ، والممنوع حبسه عنه ، ومجرد ذلك لا يقتضي لزوم التبرع به وسقوط ماليته وعليه فله أخذ الأجرة عليه ممن عمل له ومع إعساره له احتسابها دينا عليه واستحصالها عند يساره أو غير ذلك من وجوه الاستحصال عند عدم اليسار.

والحاصل أن ما لا يستقيم النظام الا به من الأعمال ويلزم من عدمه اختلال العيش لنوع الإنسان بمنزلة ما لا يستقيم الا ببذله من أعيان الأموال فكما ان غاية ما يقتضيه ضرورة نظام العيش عند شحة الطعام مثلا وقلته لزوم بذله لمحتاجة وحرمة حبسه واحتكاره على تجارة ومالكية زائدا على مقدار حاجتهم اليه ولا يقتضي ذلك لزوم التبرع به ومجانية بذله بل لمالكه أخذ عوضه والمعاوضة عليه مع من احتاج اليه ، هكذا مثل الخباز والبناء والنساج والخياط ونظائرهم ممن لا يستقيم النظام الا بأعمالهم إنما يلزمهم تهيئة أنفسهم للعمل المطلوب منهم عند الاحتجاج اليه ولا يلزمهم بذله لمن احتاجه بنحو التبرع والمجان بل للعامل أخذ الأجرة عليه واستحقاقها منه عند عدم تبرعه بعمله له ، وهو منشأ السيرة الجارية على أخذ الأجرة على العمل مع عدم استقامة النظام الا به.


1) محصل ما ذكره سيدنا من الوجه في جواز أخذ الأجرة على الواجبات النظامية أن السبب الموجب لما يتوقف عليه عيش الإنسان ويلزم من عدمه اختلاله ، هو استقامة النظام به وارتفاع الاختلال بوجوده ، وهو متوقف على جواز أخذ الأجرة عليه ، فإنه لو لا جواز ذلك ولزوم التبرع به لا يستقيم النظام ، بل يحصل الاختلال لعدم الاقدام نوعا على ذلك مجانا ، فلا مناص عن جواز أخذ الأجرة عليه.

ومن ذلك أخذ الأجرة على الطبابة التي هي أيضا من الواجبات الكفائية بل يجوز ذلك حتى مع تعيينها على الطبيب بالانحصار ، ضرورة أن الانحصار يوجب انقلاب ذلك الوجوب الكفائي إلى الوجوب العيني والواجب كفاية هو التكسب بها ، فيتعين عليه مع الانحصار ، فمعنى التكسب هو أخذ الأجرة بإزاء العمل ، فيجب على الطبيب مع التعيين عليه - معالجة المريض - ببيان الدواء بعد تشخيص الداء وأخذ العوض منه مع قصده ، وعلى المريض أو وليه بذل العوض له ، ومع الامتناع يجبره الحاكم على البذل ان كان له مال وإلا فله في ذمته ، فان مات فيستوفيه من بيت المال من الزكاة أو غيرها ومثله العمل لتحصيل النفقة الواجب عليه لنفسه ولمن يجب عليه نفقته فان المتوقف عليه حصول النفقة هو العمل المأخوذ عليه الأجرة وهو الواجب عليه مقدمة دون العمل المجاني.

وهنا مسلك آخر لجواز أخذ الأجرة على الطبابة وان تعينت عليه للانحصار سلكه شيخنا المرتضى في (مكاسبه) حيث قال : «ومن هذا الباب أخذ الطبيب الأجرة على حضوره عند المريض إذا تعين عليه علاجه

فان العلاج وان كان معينا عليه إلا أن الجمع بينه وبين المريض مقدمة للعلاج واجب كفائي بينه وبين أولياء المريض ، فحضوره أداء للواجب الكفائي كإحضار الأولياء إلا أنه لا بأس بأخذ الأجرة عليه» انتهى ، ومقتضاه : التفصيل وعدم جواز أخذ الأجرة فيما لو تعين الجمع أيضا على الطبيب لعدم إمكان نقل المريض اليه ، وهو خلاف إطلاق كلامهم في جواز ذلك له وان تعينت المعالجة عليه ببيان الدواء بعد تشخيص الداء.

وما ذكرناه هو الوجه في جواز أخذ الأجرة على الصنائع مع كونها من الواجبات الكفائية.

لا ما ذكره شيخ مشايخنا في (شرحه على القواعد) من دعوى كونها من الواجب المشروط لا المطلق ، حيث قال - بعد ذكر ما يدل على المنع عن أخذ الأجرة على الواجب - ما نصه «أما ما كان واجبا مشروطا فليس بواجب قبل حصول الشرط ، فتعلق الإجارة به لا مانع منه ، ولو كانت هي الشرط في وجوبه ، فكل ما وجب كفاية من حرف وصناعات لم تجب إلا بشرط العوض بإجارة أو جعالة أو نحوهما ، فلا فرق بين وجوبها العيني للانحصار ووجوبها الكفائي لتأخير الوجوب عنها وعدمه قبلها» انتهى ، لان الصناعات انما تجب مقدمة لحفظ النظام الذي هو من الواجب المطلق دون المشروط فيتبع وجوبه في الإطلاق والتقييد.

اللّهم إلا أن يرجع كلامه - ولو بالتكليف - إلى ما ذكرناه.

ولا ما قيل في دفعه بأن المتوقف عليه النظام هو مطلق العمل الأعم من العمل بالأجرة ، لا خصوص المتبرع به حتى لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه إذا فرض وجوب العمل من حيث هو ولو للغير امتنع أخذ العوض عليه بناء على عموم المنع عن أخذ العوض على الواجبات مطلقا.

ولا ما قيل من الالتزام بجواز أخذ الأجرة على الواجبات الغيرية وقصر

المنع على ما كان واجبا بالذات - كما تقدم من جدنا في الرياض - وقصر المنع على الواجبات التعبدية - كما تقدم عن فخر المحققين انه لما عرفت من عموم المنع أولا وعدم التفصي بهما عن الاشكال على القول المشهور بالمنع مطلقا ثانيا.

ولا ما قيل بالالتزام بخروج ذلك بالإجماع والسيرة القطعية لقيامها على ما اقتضته القاعدة وإلا فالمانع عقلي - كما عرفت - لا يمكن الخروج عنه بالدليل الشرعي.

ولا ما قبل كما عن جامع المقاصد باختصاص جواز الأخذ بصورة قيام من به الكفاية ، فلا يكون حينئذ واجبا ، لان الظاهر من فتواهم جواز الأخذ ولو مع بقاء الوجوب الكفائي ، بل ومع وجوبه عينا للانحصار كما هو صريح بعضهم.

فالوجوه المذكورة كلها عدا الأول منها ما بين مزيف في نفسه أو غير ناهض لدفع الاشكال ، بناء على القول بعموم المنع كما هو المشهور ، فالوجه هو ما ذكرناه في دفع الاشكال فافهم.

وأما النقض بوجوب بذل الطعام للمضطر مع جواز أخذ العوض منه ففيه ان المأخوذ منه عوض المبذول دون البذل الواجب ، مضافا الى أن البذل انما يجب لدفع الضرر عن المضطر ، والبذل مجانا ضرر على الباذل ولا يدفع الضرر بالضرر ، مع ان طريق الجمع بين احترام المال ودفع الضرر عنه هو البذل بالعوض دون المجاني.

ومنه يظهر الجواب عن النقض برجوع الام المرضعة بعوض إرضاع اللبإ (1)مع وجوبه عليها ، بناء على توقف حياة الولد عليه ، فان المأخوذ


1) اللبأ - بالكسر فالفتح - كعنب أول اللبن في النتاج ينزل من ثدي الأم ينزل من ثدي الأم عند أول يوم من ولادتها ، بلون أصفر وبشكل لزج ، تسميه الأمهات (الصمغ) وقد اشتهر لدى الأطباء - قديما وحديثا - ان هذه المادة ضرورية للطفل في نشاطه وسلامته من الآفات الجسمية والعقلية

عليه العوض شي‌ء والواجب شي‌ء آخر ، فلا يحتاج في الاستدلال عليه الى التمسك بعموم آية «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (1)

وأما النقض بجواز أخذ الوصي الأجر على عمل الوصاية مع وجوبه عليه عينا ، فلعله من قبيل الوكالة أو النيابة عن الموصى ، ولو بتنزيل الشارع له منزلته حيث لا يعلم بالوصية ، وقلنا بوجوب قبولها عليه أو دخوله فيما يتوقف عليه النظام أيضا لمسيس حاجة عموم الناس في أمورهم الى من يقوم مقامهم بعد موتهم ، ولو لا استحقاق الأجرة ولزوم العوض لاختل أمر الناس في وصاياهم.

هذا وأورد بعضهم على المشهور : النقض بالجهاد الواجب كفاية مع جواز النيابة فيه وأخذ الأجرة عليه ، حتى ان شيخنا في (الجواهر) نسبه الى ظاهر الفتاوى ، حيث قال : «بل ظاهر الفتاوى عدم الفرق في النائب بين كونه قادرا بنفسه على الغزو من دون حاجة الى الجعل وغيره ممن لم يكن قادرا ، ولا ينافي ذلك كونه واجبا على الأول بعد ان كان مخيرا بين فعله لنفسه وبين فعله عن غيره ، كما ان الجاعل مخير بين فعله بنفسه وبين النائب عنه ، ومن ذلك يعلم ما في تقييد بعضهم النائب في المسألة السابقة بكونه غير واجب الجهاد لفقره» انتهى.

وفيه ان المسلم عند الأصحاب - حتى ادعى الإجماع عليه كما في (المنتهى) وغيره - تخيير من وجب عليه الجهاد بين أن يجاهد بنفسه أو يستنيب غيره عنه ، وأما تخييره بين الجهاد لنفسه أو نيابته عن غيره فممنوع. وبعبارة أخرى


1) سورة الطلاق آية : 6.

من وجب عليه الجهاد له استنابة غيره ، وليس له أن يصير نائبا عن غيره ومبني الأول على عدم وجوب المباشرة وهو كذلك لكونه كفائيا ، والمقصود منه دفع العدو ، ومبني الثاني : جواز أخذ العوض على الواجب ولو كفاية وعدمه ، وهو غير جائز بناء على المشهور ، ولذا قيد جماعة كما اعترف به في (الجواهر) في النائب أن لا يكون ممن يجب عليه الجهاد كالمعسر والذمي ونحوهما ، بل صرح بذلك في (التحرير) و (والمنتهى) قال في الأول : «.. ولا يجوز لمن وجب عليه الجهاد ان يجاهد عن غيره بجعل ، فان فعل وقع عنه ووجب رد الجعل الى صاحبه» وقال في الثاني : «لا يجوز لمن وجب عليه الجهاد أن يجاهد عن غيره ، فان فعل وقع عنه ووجب رد الجعل الى صاحبه لأنه قد تعين عليه ، فلا يجوز أن ينوب عن غيره فيه كالحج» انتهى.

ومما ذكرنا يظهر لك مواقع النظر في كلام (الجواهر) (1)

ومن مواقع النظر : قوله : «ولا ينافي ذلك (أي أخذ الجعل عليه) كونه واجبا على الأول (يعني به القادر بنفسه على الغزو والجهاد من دون حاجة الى جعل ليساره) بعد ان كان مخيرا بين فعله لنفسه وبين فعله عن غيره» ووجه النظر : أنه لم يثبت التخيير للقادر بين الجهاد لنفسه ، وبين فعله عن غيره. نعم الذي ثبت هو أن من وجب عليه الجهاد لقدرته عليه يتخير بين أن يجاهد بنفسه أو يستنيب غيره بان يجاهد عنه فيما إذا كان نائبه لم يجب عليه الجهاد بنفسه ولو وجوبا كفائيا فله استنابته بأجرة أو بمجرد طلبه منه الجهاد عنه.

ومنها : اشكاله على من قيد النائب بمن لم يجب عليه الجهاد لفقره :

هذا ولكن الظاهر انه لا ينبغي الإشكال في جواز أخذ الأجرة على الجهاد عن الغير ولو كان النائب ممن وجب عليه كفاية ، ولا موجب للتقييد بمن لم يجب عليه لإعساره بعد فرض قابليته للنيابة وعدم اشتراط المباشرة فيه ممن وجب عليه وعدم النيل على اشتراط كون النائب ممن لا يجب عليه الجهاد ولو كفاية سوى ما اشتهر من عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب مطلقا ولو كفاية.

وما ذكره سيدنا من تصريح العلامة (قده) بذلك في التحرير والمنتهى بقوله فيهما : «ولا يجوز لمن وجب عليه الجهاد ان يجاهد عن غيره بجعل فان فعل وقع عنه ووجب رد الجعل الى صاحبه».

غير واضح شموله لما وجب كفاية واحتماله الاختصاص بما وجب عليه عينا ، ويشهد لذلك تعليله في المنتهى بقوله (قده) : لأنه قد تعين عليه فلا يجوز أن ينوب عن غيره فيه كالحج ، فتأمل.

كما أن ما ذكره من التعليل لتخيير من وجب عليه الجهاد بين أن يجاهد بنفسه أو يستنيب غيره عنه بكونه كفائيا والمقصود منه دفع العدو.

صالح للتعليل به على عدم لزوم من وجب عليه الجهاد كفاية ـ أن يجاهد لنفسه ، بل له النيابة عن الغير وأخذ الأجرة عليها.

وبالجملة : لم يتضح الوجه في عدم جواز أخذ الأجرة على مطلق ما وجب على الشخص ولو كفاية ، نعم ما وجب عليه عينا عبادة كان أو غيرها ، فالوجه في عدم الجواز واضح كما ذكرناه.


1) من مواقع النظر : نسبته جواز أخذ الأجرة على الجهاد الى ظاهر الفتاوى - مطلقا - مع ان المشهور عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب وان كان كفائيا نعم يجوز أخذ الأجرة عليه مع حاجته إليها لعسره وعدم تمكنه من الجهاد الا بما بذل له من الأجرة.

والعجب من الفاضل الجواد في (شرح اللمعتين) حيث تفصى عن النقض بالجهاد بوقوع البذل على المقدمات الموصلة إلى الجهاد دون نفس الجهاد

الواجب على الأجير ، وهو كما ترى.

هذا كله بالنسبة إلى أخذ الأجرة على الواجبات.

وأما المستحبات ، فما كان منها عبادة لا يجوز أخذ الأجرة عليها بناء على المنافاة بينها وبين الإخلاص ، وغير العبادة منها ، فلا مانع من أخذ الأجرة عليه حيث يكون مشتملا على منفعة يصح بذل المال بإزائها بحيث لا تعد المعاملة عليها من المعاملات السفهية وأكل المال معها أكلا بالباطل ، فيجوز أخذ الأجرة على تثليث الغسلات في غسل الميت وتكفينه بالقطع المستحبة ، بل والزيادة على القدر الواجب في حفر القبر ، أو يفصل في الأخير بين حصوله دفعة أو بالتدريج. واللّه العالم بحقاق الأمور.

رسالة : في بيع المعاطاة

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مسألة

(في المعاطاة التي كثر تعاطى عموم الناس في أغلب معاملاتهم بها)

ولنبدأ بنبذة من الكلام مما له ربط تام بالمقام ، وهي : انه هل للفظ في مورد العقود أثر مختص به بحيث لا يترتب إلا عليه ، أم لا؟ وعلى الأول فهل هو حصول الملك ، أو لزومه؟ وعلى التقديرين ، فهل المتوقف عليه هو مطلق اللفظ ، أو لفظ مخصوص وصيغة خاصة؟

اختلفت كلماتهم في ذلك : فبين من لم يعتبر اللفظ في ترتيب الأثر المقصود من البيع ، وهو لزوم الملك واكتفى في تحققه بالفعل المجرد عن الصيغة مطلقا ، وهو المنسوب الى المفيد في (المقنعة) وإطلاق كلامه المحكي عنه يوهم ذلك (1)

ويمكن ان يكون تركه لذكر الصيغة إنكالا على وضوح اعتبارها فيه كتركه في (المقنعة) على ما نقل اعتبار ذلك في النكاح والطلاق مع وضوح اعتبارها فيهما.

وبالجملة فالكلام المحكى عن المقنعة لم يكن واضح الدلالة على عدم اعتبار صيغة العقد في البيع صحة ولزوما كما نسب اليه ذلك.

وتبعه على ذلك المقدس الأردبيلي رحمه اللّه والفاضل الكاشاني والمحقق السبزواري.

1) فإنه (قدس سره) قال على ما حكى عنه - : وينعقد البيع على تراض بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعا وتراضيا بالبيع وتقابضا وافتراقا بالأبدان ، فإنه من المحتمل كونه في مقام بيان انعقاد أصل البيع وشرائطه صحة ولزوما فعدم ذكره لصيغة العقد من جملتها واعتبارها فيهما دليل على عدم الاعتبار أصلا لا في الصحة ولا في اللزوم.

وبين قائل باعتباره فيه غير أنه لم يعتبر في اللفظ أن يكون بصيغة خاصة ، بل يكفي عنده مطلق اللفظ الدال على التراضي ، وهو المحكي في المسالك عن بعض مشايخه المعاصرين وفي الحدائق - مع اختيار له - نسبه الى جماعة.

وبين قائل باعتبار الصيغة الخاصة في إفادة الملك أو لزومه وعليه فتعم المعاطاة كل ما كان بغير الصيغة الخاصة ، سواء كان التراضي مدلولا عليه بالفعل أو بالقول كما انه يختص على الثاني بما كان مدلولا عليه بالفعل دون القول ، ويدخل المدلول عليه بالقول في العقود القولية. ولعل مبني الاختلاف في ذلك ، هو أن يقال : ان البيع بعد ان لم يكن له حقيقة شرعية ولم برد نص من الشارع في معناه فان لم يتحقق له - مع ذلك - معنى في العرف أو في اللغة بحيث يتبادر منه عند الإطلاق ، فلا بد حينئذ في ترتب الأحكام الشرعية من الاقتصار على القدر المتيقن وتحققه بإيجاد كل ما هو محتمل اعتباره شطرا أو شرطا فيه ولعله الوجه في اعتبار المشهور الصيغة الخاصة في تحققه واعتبارهم فيه العربية والماضوية ، وتقديم الإيجاب على القبول والموالاة بينهما وغير ذلك.

وان قلنا بوجود معنى له في العرف أو اللغة بحيث يتبادر منه ذلك عند الإطلاق ، غير ان الشارع اعتبر في ترتب الأثر عليه شرطا اقتصر على ما علم اعتباره فيه شرعا بإجماع ونحوه ، وما شك في اعتباره وشرطيته فالأصل عدمه ، والمرجع فيه هو المفهوم العرفي لأنه بحكم المطلقات عند

الشك في تقييدها ، ولعله محط نظر القائلين باعتبار كون الدال على التراضي مطلق القول دون لفظ مخصوص بناء على أن القدر الثابت اعتباره شرعا هو ذلك.

وان قلنا بعدم اعتبار شي‌ء فيه زائد على ما هو المتعارف عند العرف فلا بد من ترتب الأحكام الشرعية على ما يطلق عليه البيع عرفا ، الا ما ثبت النهي عنه شرعا كبيع الملامسة والمنابذة وبيع الحصاة ولعله الوجه فيما اختاره المفيد (ره).

إذا عرفت ذلك فنقول : ثبوت معنى للبيع عند العرف العام بحيث يتبادر منه عند الإطلاق ويتعاطونه في معاملاتهم الجارية بينهم قديما وحديثا عند ارادة التمليك والتملك بعضهم مع بعض حتى ممن لم يتطرق سمعهم أغلب الأحكام الشرعية - مما لا شك فيه وإنكاره مكابرة ، فلا بد حينئذ من ملاحظة ثبوت مقدار ما اعتبره الشارع فيه على تقدير تحققه بالنسبة إلى ترتب الأثر عليه والقدر الثابت بالإجماع هو اعتبار القول الدال على التراضي صريحا فيه لقصور الأفعال عن الدلالة على المقاصد بخلاف الألفاظ ، ولان القول بكفاية الأفعال في اللزوم لم ينسب إلا الى المفيد منا وبعض العامة ، بل قد يتأمل في صحة النسبة اليه ، وان أوهمها إطلاق عبارته حيث قال في (المقنعة): «والبيع ينعقد على تراض بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعا وتراضيا بالبيع وتقابضا وافترقا بالأبدان» لقوة احتمال إرادته من ذلك بيان الشرائط لصحة البيع ولزومه ، لا ان المراد تحققه بذلك من دون صيغة وان تركه لذكر الصيغة اتكال منه على معلومية اعتبارها فيه ، والمفروغية عنه كتركه المنقول عنه في الكتاب المزبور لاعتبار الصيغة في النكاح والطلاق المعلوم اعتبارها فيهما من غير خلاف ولذا قال في (المختلف): «وللمفيد قول يوهم الجوار» وساق كلامه المتقدم ، ثم قال : «وليس

هذا تصريحا بصحته إلا انه موهم» بل يرشد الى ذلك ما في (كشف الرموز) للابى في باب الفضولي من نسبة اعتبار اللفظ المخصوص في البيع اليه ، والى الطوسي ، وان تبعه في هذا القول المقدس الأردبيلي في (مجمعه) والمحدث الكاشاني في (مفاتيحه) ونفى عنه البعد - بعد نقله - السبزواري في (كفايته) والنراقي في (مستنده) وان كان الأول منهم لم يعض عليه بضرس قاطع وان انتصر له واستدل عليه بأدلة كثيرة وبالغ في الانتصار له وقواه إلا انه مع ذلك قال بعد ذكره ان افادة اللزوم هو الظاهر من المفيد للأدلة التي ذكرها ما نصه : «ويحتمل عدم اللزوم لأن الأصل عدم اللزوم والملك أعم ولان الملك واللزوم متغايران وما كان ، وقد دلت الأدلة على حصول الأول وبقي الثاني على نفيه إذ لا دليل وما لزم من الأدلة المذكورة إلا الأول فتأمل» (1)بل ومال إليه في (المسالك) في موضعين ، وان استجود في الأول موافقة المشهور ، وقال في الموضع الثاني : «وما أحسنه وأمتن دليله ان لم ينعقد الإجماع على خلافه» (2)

قال في المسالك : هذا هو المشهور بين الأصحاب ، بل كاد أن يكون إجماعا ، غير أن ظاهر المفيد ـ رحمه اللّه ـ يدل على الاكتفاء في تحقق البيع بما دل على الرضا به من المتعاقدين إذا عرفاه وتقابضاه. وقد كان بعض مشايخنا المعاصرين يذهب الى ذلك أيضا ، لكن يشترط في الدال : كونه لفظا ، وإطلاق كلام المفيد أعم منه ، والنصوص المطلقة من الكتاب والسنة الدالة على حل البيع وانعقاده من غير تقييد بصيغة خاصة يدل على ذلك ، فانا لم نقف على دليل صريح في اعتبار لفظ معين ، غير أن الوقوف مع المشهور هو الأجود مع اعتضاده بأصالة بقاء ملك كل واحد بعوضه الى ان يعلم الناقل فلو وقع الاتفاق بينهما على البيع وعرف كل منهما رضاء الآخر بما يصير اليه من العوض المعين الجامع لشرائط البيع غير المخصوص لم يفد اللزوم إلخ.

ثم انه بعد ذلك في شرح قول المصنف : سواء كان في الحقير أو الخطير. قال في (المسالك) : رد به على بعض العامة حيث اكتفى بالمعاطاة في المحقرات وأقامها فيه مقام البيع : واختلفوا في تحديدها فقال بعضهم : ما لم يبلغ نصاب السرقة ، وأحالها آخرون على العرف كرطل خبز وغيره مما يعتاد فيه المعاطاة وهو تحكم ، والذي اختاره متأخر والشافعية وجميع المالكية انعقاد البيع بكل ما دل على التراضي وعده الناس بيعا ، وهو قريب من قول المفيد ، وشيخنا المتقدم : وما أحسنه وامتن دليله ان لم ينعقد الإجماع على خلافه.


1) لعله إشارة الى أن ما ذكر من الأدلة على حصول الملك بالمعاطاة إن تمت فاللزوم هو مقتضى الأصل فيه لا عدمه ، فان مقتضى الاستصحاب وبقاء ما كان : عدم خروج ما حصل بها من الملك بمجرد رجوع المالك الأول به ، وسيأتي توضيح : أن مقتضى الأصل في الملك اللزوم وان اختار سيدنا - قده - أصالة الجواز.

2) في شرح قول المصنف : الفصل الثاني في عقد البيع وشروطه وآدابه : العقد هو اللفظ الدال على نقل الملك الى مالك آخر بعوض معلوم ولا يكفي التفابض من غير لفظ وان حصل من الأمارات ما يدل على ارادة البيع انتهى.

قلت والظاهر : تحقق الإجماع - بقسميه - على خلافه إذ لم ينسب القول بكفاية الفعل في لزوم المعاطاة قبل الجماعة إلا الى المفيد الذي قد عرفت ما في النسبة اليه ، مع انه كما قبل مسبوق بالإجماع وملحوق به وان كان وقوع التعبير بنحو المشهور والمعروف - في كلام بعض - بل والأشهر والأكثر - في كلام بعض آخر - يعطى وجود قائل به غير المفيد ممن يعتد به

إلا اني لم أجده منقولا عن غيره.

هذا مضافا الى الأصل المقرر بوجوه (1)

ويمكن تقرير أصالة عدم اللزوم بناء على إفادتها الملك أيضا بتقريب أن مرجع اللزوم في الملك الى انقطاع علقة المالك الأول عنه بتاتا ، والجواز الى بقاء علقة للمالك الأول فيه وعليه فاذا انتقل الملك من المالك الأول الى الثاني بالمعاطاة وحصل الشك في كون الحاصل بها الملك اللازم أو الجائز ، فمقتضى الاستصحاب وأصالة بقاء علقة المالك الأول جواز الرجوع بها.

ويمكن تقرير أصالة عدم اللزوم بأن أصل الملكية ليس فيها إباء لجواز الرجوع بها للمالك الأول نعم ربما يكون فيها جهة شدة. وقوة بها يتحقق الإباء عن الرجوع للمالك الأول ، وهو منشأ اتصافها باللزوم والأصل عدمها عند الشك بوجودها.

هذا ولكن سيأتي أن المختار تبعا لشيخنا الأستاذ (قده) أصالة اللزوم في الملك ، ويأتي تقريب ذلك.

.

نعم لم يثبت عندنا إجماع على اعتبار الصيغة الخاصة ، وان كانت دعوى الشهرة عليه غير بعيدة.

وبالجملة القدر الثابت بالإجماع اعتباره في لزوم البيع ، هو كون الدال على التراضي لفظا ، واما اعتبار الصيغة الخاصة فلا دليل عليه ، وحينئذ فيقتضي الاكتفاء في اللزوم بمطلق ما دل على التراضي باللفظ كما عليه جمع


1) يعني به أصالة عدم اللزوم بالمعاملة الحاصلة بالمعاطاة ، فإنه يمكن تقرير الأصل أولا باستصحاب بقاء العين المأخوذة بالمعاطاة على ملك المعطى وعدم خروجها عن ملكه بمجرد التعاطي ، وغاية ما يحصل به اباحة التصرف فيها ، وأما الملك فمقتضى الأصل عدم الحصول به وعليه فعدم اللزوم لعدم الملك.

من المتأخرين ، منهم صاحب (الحدائق) حاكيا عن جماعة من المحدثين وقد تقدم حكاية (المسالك) عن بعض مشايخه المعاصرين وهو لا يخلو من من قوة. ويؤيده بل يدل عليه قوله : (صلی اللّه عليه وآله وسلم) «انما يحلل الكلام ويحرم الكلام» (1)

المراد على الظاهر : ان مجرد المقاولة والمراضاة على شراء ما تشتريه من مالكه بربح كذا لا يترتب عليه اثر من تحليل أو تحريم ، إنما المحلل والمحرم الكلام الذي ينشأ به بيع الثوب من مشتريه الثاني والمدار في التحليل والتحريم عليه فان كان الكلام المنشأ به بيع الثوب من المشتري الثاني صادرا من المشتري الأول له بعد اشترائه من مالكه الأول ، فالكلام محلل ، وان كان صادرا قبل اشترائه فالكلام المنشأ به البيع محرم ، إذ هو من مصاديق بيع العزر المنهي عنه ، فان مالكه قد لا يبيعه الثوب ، فالمبيع مجهول الحصول للمشتري ، والغرر فيه أعظم من الجهل بالمقدار.

وبمقتضى إطلاق محللية الكلام وعدم التقييد بصيغة خاصة منه وشمول عموم «أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ» و «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» لما إذا كان إنشاء المعاملة بغير الصيغة الخاصة يثبت ما قواه المصنف (قده) أولا من الاكتفاء في لزوم المعاملة بمطلق ما دل على التراضي من اللفظ ، ويخرج به عن أصل عدم اللزوم المقرر لديه بالوجوه ، وان عدل عن ذلك أخيرا إلى أقوائية ما عليه المشهور من اعتبار الصيغة الخاصة في اللزوم بعد ذكره وجه العدول عنه.

فيرجع فيما دل عليه بغير الصيغة الخاصة من اللفظ الى عموم

1) هذا الحصر إنما ذكر فيما رواه الشيخ في (التهذيب في باب النقد والنسيئة.) عن ابن أبي عمير عن يحيى ابن الحجاج عن خالد ابن الحجاج ، قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : الرجل يجي‌ء فيقول : اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا؟ قال : أليس ان شاء ترك وان شاء أخذ قلت : بلى ، قال : لا بأس به ، إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام» انتهى ثم ان سيدنا (قده) لما استظهر تحقق الإجماع - بقسميه - على عدم لزوم المعاملة الحاصلة بالمعاطاة وأضاف إلى الإجماع أصالة عدم اللزوم بالوجوه المقررة المشار إليها في التعليقة السابقة ، قوي الاكتفاء في تحقق لزوم المعاملة بمطلق ما دل على التراضي من اللفظ ، نظرا منه الى أن القدر المتيقن من الإجماع على عدم لزوم المعاملة صورة خلوها من اللفظ ، وغايته اعتبار مطلق اللفظ في تحققه لا خصوص الصيغة الخاصة منه ، وأيد ما قواه من الاكتفاء بمطلق اللفظ بمفاد الحصر المذكور في الرواية المزبورة ، بل استفاد منه الدلالة على ذلك ، وحاصل ما ذكره من التوجيه لها ان خالدا لما سأل الإمام عليه السلام عن حكم المقاولة الخاصة بينه وبين الرجل بان يشتري خالد الثوب من مالكه ويشتريه الرجل منه على الربح المعين قال له الامام عليه السلام : أليس ان شاء ترك وان شاء أخذ ، يعني أليس الذي كان بينكما من الكلام والمقاولة مجرد مواعدة على اشتراء الثوب منك بربح كذا بعد ما تشتريه من مالكه ، ولم يكن الكلام التزاما فعليا يبيع الثوب منه واشترائه له قبل الشراء من مالكه؟ قال : بلى يعني : لم يكن اشتراء فعلي ، بل صرف مواعدة على الشراء. فقال عليه السلام : لا بأس به ، إنما يحل الكلام ويحرم الكلام.

«أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ» «و ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) » لكونه حينئذ منها كالعقد بالصيغة الخاصة ، وبه يخرج عن الأصل المتقدم.

اللّهم إلا ان يقال ان اعتبار الشرط في الموضوع العرفي شرعا انما استفيد من دليل لبى ، وهو الإجماع المحصل من فتاوى الأصحاب على عدم كفاية الفعل في لزوم المعاطاة على اختلاف منهم في اعتبار الصيغة الخاصة أو كفاية مطلق القول ولكن المعتبر فيه لم يعلم خصوص أحدهما ، فيكون الشرط المعتبر من هذه الحيثية مجملا ، فيسري الإجمال الى العام المانع من

التمسك به في مورد الإجمال وان كان حجة في غيره ، ويساوي وجود العام المجمل في مورد الإجمال عدمه الذي قد عرفت - فيما تقدم - في مبني الاختلاف من لزوم الاقتصار فيما خالف الأصل حينئذ على القدر المتيقن وهو ما اشتمل على الصيغة الخاصة دون مطلق اللفظ. ولعله بل هو الوجه في اعتبار المشهور لها ، مع ان تحقق الموضوع العرفي وعموم «أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ» ونحوه بمري‌ء منهم ومنظر.

لا يقال : ان مرجع الإجمال حينئذ إلى الشك في تقييد القول بالصيغة الخاصة بعد معلومية اعتبار أصله وحينئذ فالأصل عدمه ، ومقتضاه الاكتفاء بمطلق القول.

لأن الشك فيما هو المجعول من الشرع لا في نفس الجعل منه وبعبارة أخرى : مآل الشك الى الترديد في كيفية الجعل الدائرة بين المتباينين دون الإطلاق والتقييد ، إذ لا معقد للإجماع حتى يؤخذ بإطلاقه عند الشك بعد ان كان الإجماع متصيدا من فتاويهم المختلفة في التعبير عما هو المعتبر في الموضوع العرفي فافهم. فاذا ما عليه المشهور من اعتبار الصيغة الخاصة في اللزوم هو الأقوى ، وعليه فالحصر في قوله «انما يحلل الكلام» إضافي

ثم ان المعاطاة - بعد ما عرفت موضوعها في الجملة : من أنها إما التعاطي بمجرد الفعل الدال على التراضي وأما التعاطي بمطلق ما دل عليه غير الصيغة الخاصة ، بناء على الاختلاف المتقدم - تتصور بحسب قصد المتعاطيين على وجوه أربعة ، ذكرها شيخنا في الجواهر : أحدها - قصد الإباحة بالأفعال ونحوها مصرحا بذلك ولو بالقرائن الدالة على إرادة الإباحة المطلقة. ثانيها - قصد البيع بذلك على ارادة النقل البيعي من غير تعرض للزوم وعدمه أو مع قصد عدمه ، ثالثها - ارادة التسليط المطلق المجرد عن قصدي الإباحة والتمليك بل يعطى للبقال شيئا ليتناول عوضه فيدفعه اليه. رابعها - قصد الملك المطلق

والمعاوضة بالعينين من غير نظر الى عنوان البيع.

وهناك وجوه أخر يمكن تعقلها الا أن الأربعة المذكورة أصولها.

وجملة صورها ، هي انه : أما ان تكون المعاطاة يقصد التمليك من الجانبين أو الإباحة بالتصرف كذلك ، وكل منهما يتصور على وجهين ، أحدهما تمليك المعوض بتملك العوض على أن بكون المقابل لتمليك المعرض هو ملكية العوض كملكية الثمن في البيع من غير توقف على تمليك جديد. الثاني تمليك المعوض المقابل بتمليك العوض على أن يكون التمليك بإزاء التمليك كالهبة المعوضة ، فيتوقف تملك العوض على تمليك جديد له وفي الإباحة أيضا كذلك يتصور على وجهين : أحدهما - إباحة التصرف المعوض بالإباحة بالمعنى المصدري بمعنى كون العوض مباحا له. الثاني - الإباحة المقابلة بالإباحة بالمعنى الفعلي كالتمليك بإزاء تمليك جديد.

هذا مع تساوى القصد المتعلق بالمالين كالإباحة بالإباحة أو التمليك بالتمليك ومع فرض اختلافه كالإباحة بالتمليك أو التمليك بالإباحة ، فيتصور أيضا على أربع صور ، فالحاصل من المجموع صور ثمان ، ويزيد عليها لو ضمت إليها صور انقسام الإباحة إلى الكلية أو الجزئية لأن متعلقها : اما مطلق التصرف حتى التصرفات المتوقفة على الملك ، أو بعض التصرفات وهو غير المتوقف عليه كما هو أحد الأقوال في المعاطاة كما ستعرف وتزيد أيضا بملاحظة القسمين الأخيرين من التسليط المطلق ومطلق التمليك بناء على إمكان تحقق الأول وأعمية الثاني من البيع. وعليك بتصويرها ، إلا أن أغلبها بل عدا الأربعة المتقدمة منها محض فرض ومجرد تصوير عقلي.

وأما الصورة الثالثة من الأربعة المتقدمة ، وهي قصد التسليط المطلق فقد ناقش فيه شيخنا المرتضى في (المكاسب) بما يرجع محصله الى امتناع خلو الدافع في دفعه عن قصد عنوان من العناوين الخاصة.

ووجهه ان التسليط الذي هو القدر المشترك بين الإباحة والتمليك بمنزلة الجنس فيمتنع عقلا تحققه في الخارج من غير فصل لان الجنس لا يتقوم الا بالفصل.

وقد يجاب عنه بان التسليط المجرد عن قيدي الإباحة والتمليك موضوع عرفي يمكن تحققه في العرف كدفع المغصوب ماله الى الغاصب من اللصوص وقطاع الطريق وغيرهما ، فان المالك في دفعه مسلط للغاصب على ماله من غير قصد منه الى كون التسليط بنحو الإباحة أو التمليك ، بل قد يقصد عدمهما لحصول الغرض من دفع الضرر عن نفسه بمجرد الدفع المجرد عن قصد شي‌ء زائد عليه ، وهو من الأمور الوجدانية ، ولعل إنكاره لا يخلو عن مكابرة.

وان أبيت ذلك فلا يمكنك التأبي عن إمكان وقوعه عند الغفلة عن العناوين الخاصة من التمليك والإباحة بأقسامهما بحيث لا يكون شي‌ء منها ملتفتا اليه وحينئذ فاما ان يتحقق التسليط بهذا الدفع أولا ، والثاني باطل لتحققه بالوجدان المغني عن اقامة البرهان والأول اما ان يتحقق معه الإباحة والتمليك أولا يتحقق شي‌ء منهما ، والأول باطل لعدم قصد شي‌ء منهما ، فتعين الثاني وهو المطلوب فلا يكون محالا كيف وأدل دليل على إمكان الشي‌ء وقوعه ، ومتى أمكن فرض وقوعه في صورة الغفلة أمكن ذلك في غيرها لعدم مانع الاستحالة ولزوم محذور تحقق الجنس بلا فصل ، يدفعه منع تحققه كذلك غير أن فصل التسليط المطلق أمر عدمي وهو عدم فصلى الإباحة والتمليك ، فهو كالمطلق المقيد بالإطلاق ، فللتسليط أقسام ثلاثة اثنان منها فصلهما أمر وجودي وهما الإباحة والتمليك ، والثالث فصله أمر عدمي والقدر المشترك بين الثلاثة وهو مطلق التسليط جنس لها كالمطلق المجرد عن جميع القيود حتى عن قيد الإطلاق ، وهو المعبر عنه بالماهية المرسلة

المعراة عن جميع القيود التي ليست هي إلا هي.

هذا ويمكن الخدشة في الجواب المذكور بان يقال : التسليط المطلق ان كان اضطراريا كدفع المغصوب ماله الى الغاصب ، فنمنع صدق التسليط عليه ، بل هو من تسلط الغاصب بواسطة المغصوب منه دون تسليطه فان التسلط وان كان لازما للتسليط إلا أنه لازم أعم يجتمع معه مرة ويفترق عنه أخرى كما لو كان بدون واسطة المالك ، بل ولا بدرايته ، فدفع المغصوب منه واسطة لتسلط الغاصب وطور من أطوار تسلطه وليس هو إلا بمنزلة الآلة له لحصول غرضه من التسلط كالرشاء والغواص لإخراج المال من البئر أو البحر ، ومثله ما لو كان الدفع منه مع الغفلة عنه كدفع النائم الغافل عن نفس

الدفع ، وان كان اختياريا فلا بد وان يكون منبعثا عن ارادة فعلية مسببة عن تصوره وتصور ما يترتب عليه من المصلحة المحركة للميل والشوق المحرك لتلك الإرادة المحركة للأعضاء على العمل كما هو الشأن في صدور جميع الأفعال الاختيارية ، فلا ينفك ذلك التصور والملاحظة عن الجهة الباعثة عن كيفية مخصوصة من العناوين الخاصة ، وان وقعت الغفلة عنها عند العمل أو في أثنائه لأنها محفوظة في الخزانة تجري الأفعال على منوالها كما نشاهد من أنفسنا بالنسبة إلى أفعالنا الاختيارية الواقعة في الخارج من الغفلة في أثنائها أو عند ابتدائها بعد التشاغل بمقدماتها عن وجوه الفعل ومشخصاته ولذا اكتفينا بالاستدامة الحكمية في نية العبادات.

ومما ذكرنا يظهر الجواب عن النقض بالغفلة ، لأنها ان كانت عن نفس الدفع مع تحققه ، فكونه تسليطا ممنوع ، بل هو كدفع النائم من واسطة التسلط ، وان كانت الغفلة عن قصدي الإباحة والتمليك ، فهو جار على منوال ما في الخزانة مما أضمره من المشخصات عند وجود الداعي المحرك عليه ، فالفرق بين التسليط المطلق ومطلق التسليط ، هو أن الأول غير متحقق في

الخارج لعدم تحقق الجنس بدون الفصل ، والثاني موجود بوجود أنواعه المتمايز بعضها عن بعض بالفصول نحو البيع والهبة والعارية وغير ذلك كالكلي الموجود في ضمن أفراده أو أنواعه ، فافهم هذا والمسألة بعد محتاجة إلى تأمل.

وأما الرابعة منها وهي قصد التمليك المطلق دون خصوص البيع ، فقد أورد عليه شيخنا المتقدم أيضا بقوله : «والثاني بما تقدم في تعريف البيع من أن التمليك بالعوض على وجه المبادلة هو مفهوم البيع لا غير» ومرجع كلامه الى منع أعمية التمليك المطلق اى تمليك العين بالعوض من مفهوم البيع حتى يمكن فيه فرض قصد غير النقل البيعي منه ويكون قسيما له.

قلت وأقصى ما يمكن ان يوجه به القول بالأعمية هو أحد أمرين.

الأول - دعوى اختصاص البيع بما كان التمليك حاصلا باللفظ ، فهو معاوضة خاصة وبعبارة أخرى : دعوى مدخلية اللفظ مطلقا أو الألفاظ الخاصة في تحقق مفهوم البيع ، فيكون التمليك بغيره تمليكا بغير البيع ومعاوضة مستقلة ، ومنه المعاطاة الممكن فيها حينئذ قصد التمليك البيعي منها أو قصد معاوضة مستقلة.

ويشهد له بل يدل عليه ما في (الغنية) من دعواه الإجماع على ان المعاطاة ليست ببيع.

وفيه - مع ان منع كون المعاطاة بيعا أول الكلام ، كيف والكركي في (جامعه) نسبه مرة إلى المعروف ، واخرى إلى الاتفاق ، وانه لا يحسن التقسيم مع كون النزاع صغرويا أيضا وانما يتجه بعد الفراغ عن ثبوت الصغرى وتحققها من الأعمية انه لا يتم على التقديرين ، لأن المعاطاة ان كانت بيعا فلا يكون قصده التمليك بها قسيما للنقل البيعي لتحققه بها قهرا إذ لا ينفك

قصد التمليك فيها عن قصده ، وان لم تكن بيعا كانت معاوضة مستقلة قهرا من غير مدخلية للقصد فيها ، فلا يكون قصد نقل البيع قسما منها فتأمل.

مضافا الى ما يمكن ان يقال : ان الملكية وان اختلفت بالنوع اما بحسب اختلاف متعلقها من العين أو المنفعة ، واما بحسب المجانية والعوض أو غير ذلك الا ان النوع الخاص منها وهو تمليك العين بالعوض على وجه المبادلة لا تختلف ذاته وحقيقة معناه ، وان اختلفت أسباب تحققه بالفرض لأنه من الاختلاف في السبب الموجد والمسبب شي‌ء واحد واختلاف السبب لا يوجب اختلاف ذات المسبب ، نظير الحدث الأصغر الحاصل بأحد أسبابه : من النوم أو الريح أو الخارج من أحد السبيلين ، فان المسبب في جميع ذلك حقيقة واحد ، والاختلاف انما هو في السبب الموجد لها وحينئذ فلا تغاير في الملكية بين القصدين ، ولا تخالف بين المقصودين حتى يصلح أن يكون أحدهما قسيما للآخر ، فتأمل وهذا بخلاف قصد الإباحة والتمليك ، بل وقصدي الإباحة المطلقة أو الخاصة لتحقق المغايرة الذاتية في المقصود من ذلك.

الثاني - دعوى اختصاص البيع الذي من الأفعال التوليدية بين الاثنين بما إذا كان بالنسبة إلى أحدهما بنحو الأصالة ، وهو المعبر عنه بالبائع ، وبالنسبة إلى الآخر المعبر عنه بالمشتري بنحو التبعية ، لأن المشتري قابل لإيجاب البائع ، فكأنه تابع له في قبوله فعله.

توضيح ذلك : ان عقد البيع مركب إضافي من عقد ، وهو لغة الشد الوثيق بين الطرفين حقيقيين أو نسبيين كني به عن الربط بين شيئين الحاصل بقرار من المتعاقدين ، وبيع ومعناه لغة وعرفا تمليك عين بعوض على وجه المبادلة والمفاعلة في البدلية لاقتضاء المعاوضة بدلية كل من المرتبطين عن الآخر لأن البدلية مرة تكون من جانب واحد كضمان بدل التالف

ويسمى بالتعويض ، ومرة تكون من الجانبين وتسمى بالمعاوضة ، وعلقة البدلية الحاصلة بالبيع وان كانت من حيث هي بسيطة إلا أنها تنحل الى بدليين لتحقق بدلية كل منهما عن الآخر بالضرورة ، غير أن بدلية أحدهما - وهو المعوض - مضمحلة بالنسبة إلى بدلية الآخر وهو العوض ، فالمعوض متمحض للتبديل والعوض للبدلية وان صدق العكس عليهما في الحقيقة وهذه العلقة من حيث التحقق والتكوين فعل توليدي بين اثنين نسبته من حيث التكوين والعلية في الإيجاد الى كل من الفاعلين البائع والمشتري بالسوية إلا أنه من حيث الاستقلال بالانشائية والتبعية فيها ينسب الى من كان مستقلا بها لأنه الأصل في النسبة ، فيقال له : البائع ويقال للآخر : المشترى لكونه تابعا للبائع في قبول إنشائه فكأن البائع أصيل فيه والمشترى تابع له ولاختلاف الحيثيتين المزبورتين اختلفت نسبة البيع مرة إلى الموجب والقابل كليهما ، واخرى إلى الأول منهما مع صدق المبيع على المبذول من البائع خاصة والعوض على المبذول من المشترى كذلك وليس الا لتمحض الأول بالتبديل ، والثاني بالبدل لما عرفت من ملاك ذلك من الاستقلالية والتبعية في الإنشاء ولذا كان تعدى الفعل اليه بالباء المسماة عند النحويين بباء البدلية والباء الداخلة على الأعواض والأثمان.

ولتنقيح الكلام فيه محل آخر ، وعليه فالملكية للعين بالعوض أعم من البيع لافتراقه فيما لا يوجد فيه الملاك المزبور. وفيه - بعد تسليم عدم صدق البيع إلا على ما كان كذلك ومع الغض عما تقدم إنما يتم ما ذكره فيما لو وقعت المعاطاة من المتعاطيين لا بنحو الإيجاب والقبول الفعليين بل بنحو الاستقلالية في الإنشاء لكل منهما كالتفاسخ الحاصل من المتعاقدين بقول كل منهما :

تفاسخنا ، وهو على تقدير تحققه من الفروض النادرة ان لم نقل بكونه مجرد فرض امكانى لا يمكن تنزيل كلمات الأصحاب عليه وجعله محط أنظارهم في

هذا النزاع العظيم ولبس الاختلاف بينهم إلا فيما يليق بالبحت عنه من حكم ما هو المتعارف بين الناس من معاملاتهم بالمعاطاة الجارية على منوال عقود المعاوضات إلا في تحقق العقد اللفظي فإنه الجدير بالبحث عن حكمه لا ما يمكن فرض وقوعه في الخارج وهذا مما اشكال فيه كما لا اشكال ظاهرا في ان قصد المتعاطيين التملك بالمعاطاة غالبا كالبيع العقدي دون الإباحة المطلقة مع بقاء العين على ملك مالكها خلافا لشيخنا في (الجواهر) ولعل نظره مضافا الى التخلص عن المحاذير الآتية الى عدم الفرق في نظر العرف العام ولا سيما عند العوام بين الإباحة المطلقة ، وبين ملك الرقبة في النتيجة والغرض المقصود من صحة جميع التصرفات حتى المتوقفة على الملك سواء كان منبعثا عن ملكية العين والإباحة المطلقة ويتضح ذلك في المحقرات كدفع الدرهم من الشارب لحصول الغرض به من شرب الماء من غير تعلق غرض له بكون التسلط عليه منبعثا عن ملكية الماء دون إباحته ويشهد لذلك معاطاة من لا يقول بإفادتها الملك ، بل مفادها الإباحة اجتهادا أو تقليدا في المحقرات فكيف يقصد التمليك والتملك بمعاملته مع العلم بعدم وقوع المقصود منها مع وقوع المعاملات المعاطاتية في أغلب معاملاتهم؟ إلا ان الإنصاف دعوى وقوع معاملات الناس غالبا ، وما هو المتعارف بينهم بقصد الإباحة دون الملك مكابرة مما يشهد بخلافه الوجدان ، بل الذي عليه الناس عموما وخصوصا وهو قصد الملك في معاملاتهم المعاطاتية.

وكيف كان فالكلام الى هنا في موضوع المعاطاة.

وأما حكمها فجملة الأقوال فيها عدا ما هو منسوب الى المفيد (ره) من اللزوم كما تقدم - : أربعة ، لأن القول بكفاية مطلق اللفظ في اللزوم كما تقدم عن بعض متأخري المتأخرين ليس في الحقيقة (قولا) في حكم المعاطاة ، بل هو خلاف في موضوعها. وبالجملة (قول) وقيل : انه المشهور

بإفادتها الإباحة المطلقة لجميع التصرفات حتى المتوقفة منها على الملك مع بقاء كل من العينين على ملك مالكه ، غير انه يحصل الملك بتلف احدى العينين وما بحكمه ، بل (عن المسالك) : «ان كل من قال بالإباحة يسوغ جميع التصرفات (وقول) بإفادتها لذلك الا ما يتوقف على الملك كالوطء والعتق وإخراجه في خمس أو زكاة وغير ذلك ، وهو المحكى عن حواشي الشهيد على القواعد ، يوافقه ما عن (المبسوط) من المنع عن وطء الجارية المهداة بالهدية المجردة عن الإيجاب والقبول و (قول) بلحوقها بالبيع الفاسد من عدم الملك وعدم جواز التصرف فيه ، وهو المحكى عن العلامة في (نهايته) وان حكى الرجوع عنه في كتبه المتأخرة ، بل قيل بعدم موافق له ومسبوق بالإجماع وملحوق به و (قول) بإفادتها الملك المتزلزل ويستقر بالتلف وما بحكمه ، وهو صريح الكركي في شرحه على القواعد والمحكى عنه في تعليقه على الإرشاد ، حتى أنه نزل الإباحة في كلام الأصحاب على ارادة الملك المتزلزل ، مع أن عباراتهم بين ظاهرة وصريحة بخلافه وعدم تحقق الملك بها وحملها على عدم اللزوم في غاية البعد : وعليك بالرجوع الى عباراتهم ليتضح لك حقيقة الحال ، وانما تركناها خوفا من الإطالة. وتبعه على هذا القول غير واحد ممن تأخر عنه وهو العمدة من الأقوال في المسألة بعد الأول منها ، بل هما - اى القول بالإباحة المطلقة والقول بالملك المتزلزل قد يدعى تكافؤهما في الشهرة بين متأخري المتأخرين.

قيل : ويبعد كل من القولين :

أما الأخير فيبعده ان حصول الملك وكون المعاطاة من النواقل له مما يتوقف على جعل أو إمضاء من الشارع ، وليس عليه دليل ، مع أن مقتضى الأصل هو العدم الا دعوى السيرة الممنوع قيامها على أزيد من جواز التصرف الذي هو قدر مشترك بين الملك والإباحة وفيه ما ستعرف من الدليل

على الملك وقيام السيرة على ترتب آثاره على المأخوذ بالمعاطاة.

ويبعد الأول أيضا مخالفته للقواعد المسلمة التي منها قاعدة تبعية العقود للقصود ، لان الملك المقصود حصوله بالتعاطي غير واقع بالفرض والواقع وهو الإباحة المجردة غير مقصودة إذ الإباحة ان أريد بها الإباحة المترتبة على الملك ، فمع كونه خلاف الفرض يدفعه انها معلولة للملك ، والمعلول عدم عند عدم العلة ، وان أريد بها المقابلة للملك وما هو قسيم له فلم تكن مقصودة بالتعاطي حتى تكون واقعة بناء على ما عرفت من قصد المتعاطيين التمليك بالمعاطاة ، ومنها ما هو مسلم عندهم من عدم جواز التصرف في المقبوض بالبيع الفاسد الذي هو بمعنى عدم ترتب الأثر عليه شرعا بل مطلق المعاملات الفاسدة التي منها المعاطاة لعدم ترتب الأثر المقصود من الملك عليها ، وهو الوجه لما ذهب إليه العلامة في (نهايته) من المنع عن التصرف في المعاطاة ، ومنها ما هو المعلوم من ان العين المضمونة بالمسمى إذا لم يسلم ضمانها به كانت مضمونة ببدلها الواقعي من المثل أو القيمة ، ولذا كان المقبوض بالعقد الفاسد عندهم مضمونا بذلك دون المسمى ، وعليه فكيف يكون تلف احدى العينين موجبا لدخول الأخرى في ملك من هي في يده بل القاعدة تقتضي حينئذ بناء على الإباحة المجردة جواز الرجوع على العين الموجودة لمالكها ويغرم لصاحبه بدل التالف من المثل أو القيمة ، وهو خلاف ما هو كالمتفق عليه عندهم من اللزوم وعدم جواز الرجوع بالتلف وما بحكمه هذا كله مضافا الى استبعادات أخر ذكر لزومها على أهل هذا القول شيخ مشايخنا (كاشف الغطاء) في شرحه على القواعد ، تركناها جملة اقتصارا على ذكر العمدة منها.

هذا ويمكن الجواب عن ذلك :

إما عن الأول فبان مخالفة المقام لقاعدة تبعية العقود للقصود ، وان

كانت مخالفة لكنا الكليتين الإيجابية منهما والسلبية ، لعدم وقوع المقصود هو الملك ووقع غير المقصود ، وهو الإباحة المجردة ، لكن الإيجابية الكلية انما تتم بعد اعتبار العقد وترتب الأثر عليه شرعا ، والا فعدم وقوع المقصود من العقود غير عزيز كالعقود الفاسدة ، فالعمدة هي المخالفة للكلية السلبية ، إذا العقد انما يتقوم بالقصد ووقوع غير المقصود منه غير معقول ، الا أن من المعلوم ان قاعدة التبعية لا تقتضي وقوع غير المقصود ، بل هو باق على حكم الأصل فيه ، لا أنها تقتضي عدمه بحيث لو فرض ثبوته بدليل كان معارضا لها ولو بنحو معارضة العموم والخصوص المطلق ، بخلافه على الأول - وحينئذ - فنقول : الواقع اما أن يكون مباينا للمقصود أو يكون جزء منه والثاني اما : ان يكون جزء خارجيا بأن يكون المقصود مركبا خارجيا والواقع جزء منه أو يكون جزء ذهنيا من مركب ذهني - وحينئذ - فإن كان الواقع مباينا للمقصود ، فلا ينافي ثبوته لو دل الدليل عليه ، لما عرفت من عدم المعارضة بينه وبين مفاد القاعدة ومنه ثبوت ضمان بدل التالف بالمثل أو القيمة لعموم «على اليد» عند بطلان المسمى ، وليس ذلك نقضا لعموم القاعدة ، ولا تخصيصا له ونسبة الضمان بذلك الى العقد عند بطلان المسمى لا يخلو من تسامح ، إذ الموجب له انما هو القبض عند العقد دون العقد نفسه ، وان كان جزء فان كان خارجيا كان مقصودا ولو بالتبع لان قصد الكل متضمن لقصد جميع أجزائه ، ولذا صح بيع ما يملك من الدار وما لا يملك صفقة فيما يملك بالاتفاق وان انجبر ضرر التبعض بالخيار ، وليس الا لكونه مقصودا - ولو ضمنا - ضرورة أن بيع الدار ينحل الى بيع كل جزء جزء منها ، فلا نقض من جهته - أيضا - وان كان ذهنيا كالمعاملة المشروطة بشرط فاسد وبيع الموصوف الشخصي مع انتفاء الوصف ، أمكن الحكم بالصحة مع انتفاء الشرط أو القيد

لو استفيد من الدليل تعدد المطلوب دون الوحدة ، ولعل نظر من بنى على الصحة في نحو ذلك اليه وان انجبر أيضا بالخيار ، لكن الشأن في ثبوت الصغرى ، وهي كونه من التعدد في المطلوب وعليه ، فذات المطلق أو المشروط مقصودة أيضا ولو في ضمن المقيد ومنه يظهر - أيضا - عدم نقض القاعدة بذلك على القول به.

وأما النقض ببيع الغاصب لنفسه بناء على وقوعه للمالك مع أجازته كما عن كثير ، فلعله أجنبي عن المرام ، وليس نقضا على القاعدة أصلا لأن التبعية إنما هي بالنسبة إلى الأمور الداخلة في قوام العقد التي لا يتقوم بدون قصدها ، فقصد كونه لنفسه أو لغيره خارج عن مفاد العقد ، وقصد البيع لنفسه أو للمالك لا يضر في الأول ، كما لا ينفع في الثاني ، فإذا قاعدة (تبعية العقود للقصود) قاعدة مستقيمة سليمة عما أورد عليها من النقوض المتقدمة شيخنا المرتضى في (مكاسبه).

إذا عرفت ذلك ، فنقول : فيما نحن فيه ان الإباحة المجردة التي هي مفاد المعاطاة عند الأكثر يحتمل أن تكون من القسم الأول ، وهو كون الواقع مباينا للمقصود ، غير أنه ثبت بالدليل الخاص من قيام السيرة القطعية عليه ، ولكن يندفع بمنع قيامها على خصوص الإباحة المجردة - كما عرفت - أولا ولزوم كون الإباحة حينئذ شرعية مع ظهور كلماتهم في كونها مالكية - ثانيا - وكون الإباحة حاصلة عند المعاطاة لأنها مع تصريحهم بأن المعاطاة تفيد الإباحة - ثالثا - ويحتمل ان تكون من ثاني قسمي الثاني من باب تعدد المطلوب بتقريب : أن المعاطاة تسليط للغير على ماله قاصدا به الملك ، والتسليط المجرد عن الملك مفيد للإباحة بحكم العرف ، ولا ينافي قصد التمليك معه إن لم يكن مؤكدا له ، فهو قاصد للتمليك بما هو تسليط من الفعل وليست الإباحة المقصودة هي القسيمة للملك بل المجامعة معه التابعة له

المقصودة ضمنا وبالتبع الا انها باقية مع عدم الملك أيضا بناء على التعدد في المطلوب ويشهد لذلك ما ذكره في (المسالك) من قوله : «وانما حصلت الإباحة باستلزام إعطاء كل منهما الآخر سلعته مسلطا له عليها الاذن في التصرف فيها بوجوه التصرفات» انتهى.

ولا كذلك في العقود الفاسدة لعدم التسليط فيها لا بالقول ولا بالفعل أما القول فلان الصيغة فيها لا تدل بمدلولها المطابقي الا على التمليك واباحة التصرف قد يدعى انها من الأحكام الشرعية المترتبة على الملك غير مقصودة للمالك بل هي مترتبة على الملك وان قصد عدمها ولو سلم كونها مقصودة فهي مقيدة بالملكية بنحو الوحدة في المطلوب دون تعدده ، فلا تسليط بالقول بوجه أصلا. وأما الفعل وهو دفع العين الى صاحبها ، فإنما هو أداء لمالكها بالعقد ولو بزعمه الفاسد ، فلا تسليط فيه على مال الدافع بقصد التمليك للمدفوع له ، ضرورة أن الملكية المقصودة المتخيل وقوعها حاصلة بالعقد سابقة على الدفع المقصود به دفع ملك الغير الى مالكه ، لا تسليط للغير على ماله بقصد التمليك له وهذا بخلاف المعاطاة فإن الملكية فيها متأخرة عن التسليط بالدفع طبعا وان اقترنت معه في الزمان.

توضيح الفرق بين المعاطاة والعقود الفاسدة مع تساويهما في قصد الملك وعدم إنشاء مستقل للإباحة : هو ان تبعية الإباحة للتمليك في العقد الفاسد كاد أن ينعكس أمرها في المعاطاة لسبق الملكية المفروضة على الدفع وعدم التسليط به لكونه من أداء المال الى مالكه في العقد الفاسد وسبق التسليط على الملكية المقصودة بالذات في المعاطاة فالملكية فيها يوشك ان تكون تابعة للتسليط لا متبوعة له كما في العقد الفاسد ، وبذلك ينقدح الوجه في تعقل التعدد في المطلوب في المعاطاة وعدم إمكانه في العقد الفاسد.

هذا أقصى ما يمكن أن يجاب به عن مخالفة قول المشهور لقاعدة التبعية

ولكن مع ذلك لا يخلو عن تأمل لما عرفت سابقا من أن التسليط المقصود به التمليك في المعاطاة لا يبقى مع انتفاء الملك لذهاب الجنس بذهاب فصله ، فالإباحة الضمنية للملك منتفية والقسيمة له غير مقصودة - أصلا - وليست الإباحة هنا كالمطلق المقيد بقيد أو المشروط بشرط حتى يمكن فيه فرض تعدد المطلوب ، وان هو الا كالعقد الفاسد في وحدة المطلوب وان فرض الفرق بينهما في سبق الملك على الفعل ولحوقه به.

اللّهم الا ان يتشبث للقول بإباحة التصرف بوجه آخر ، وهو إحراز الرضا من المالك بالتصرف وان لم يتحقق الملك بشاهد الحال الذي قد يدعى تحققه في خصوص المعاطاة المبنية على التسامح بخلاف العقود المبنية على المداقة من ضبط الألفاظ واجتماع الشروط وفقدان الموانع الكاشفة عن المداقة وعدم التسامح فيها ، فإحراز الاذن بالتصرف حينئذ - مع عدم سلامة المقصود من الملك - مفقود ، ويكفي في صحة التصرف إحراز الرضا القلبي من المالك ، وان بطل العقد أو المعاطاة في إفادة المقصود من الملك ويشهد لذلك قول العلامة في هبة (التحرير) بعد ان اعتبر الإيجاب والقبول فيها ما لفظه : «وهل يستغنى عن الإيجاب والقبول في هدية الأطعمة؟ الأقرب عدمه نعم يجوز التصرف عملا بالاذن المستفاد من العادة».

وأما الجواب عن الثاني وما فيه ، فيظهر مما ذكرنا في الجواب عن الأول إذ القاعدة الثانية ليست هي بنفسها قاعدة مستقلة بل هي من فروع قاعدة (تبعية العقود للقصود) ضرورة أن الوجه في عدم إفادة العقود الفاسدة للإباحة انما هو عدم كون الإباحة مقصودة الا في ضمن الملكية على وجه التبعية والفرعية فمتى لم يقع الملزوم بمقتضى فساد العقد لا يقع ما كان لازما له متفرعا عليه أيضا ، فلا يقتضي العقد جواز التصرف بل يبقى التصرف في مال الغير على حرمته الأصلية. واما المخالفة للقاعدة الثالثة فلا

يكاد ينطبق معها قول الأكثر بوجه أصلا اللّهم الا بدعوى ان بطلان الضمان بالمسمى من حيث البدلية بين العينين في الملك لا يستلزم بطلان الضمان به من حيث بدلية التسليط بالتسليط بمعنى بدلية السلطنة التي له على ماله بالسلطنة على مال صاحبه وكذا لصاحبه بالعكس ، وليس الإباحة المجردة على القول بها اباحة مجانية ، بل هي اباحة بعوض اباحة وسلطنة بإزاء سلطنة مع صحة البدلية المذكورة ، وتماميتها هنا في مقام البدلية ، وان لم تتم البدلية بين العينين ، ومن المعلوم جواز الرجوع بأحد البدلين وانتزاع السلطنة من صاحبه على ماله موقوف على إرجاع بدله المتعذر عند تلف العين التي هي بمنزلة الموضوع لتلك السلطنة ، والتبديل عنه بالسلطنة على المثل أو القيمة تبديل ببدل آخر غير بدله المسمى الذي تمت بدليته. ولعله هو مراد من استدل على اللزوم بالتلف من أهل هذا القول بعدم إمكان التراد معه.

هذا ولكن الدعوى المذكورة على عهدة مدعيها والمسألة عندي بعد لا تخلو عن اشكال.

ومما ذكرنا ظهر مستند قول العلامة في (النهاية) وهو قوي ، لولا قيام الإجماع بقسميه على اباحة التصرف ، وعدم جواز الرجوع عند التلف ونحوه ، وكذا مستند القول بالإباحة إلا فيما يتوقف على الملك كما تقدم عن حواشي الشهيد. ولكن الأقوى من الأقوال المتقدمة ، هو القول بإفادتها الملك المتزلزل ، ويستقر بالتلف وما بحكمه - كما عليه الكركي وجماعة ممن تأخر عنه - بل وهو ظاهر العلامة في (التحرير) حيث قال : «والأقوى عندي ان المعاطاة غير لازمة بل لكل منهما فسخ المعاوضة ما دامت العين باقية لظهور نفي اللزوم في ثبوت الملك مع ظهور التعبير بفسخ المعاوضة فيه أيضا ، ووجهه يتضح بعد بيان مقدمة متكفلة لبيان معنى الملك ومراتب الملكية.

فنقول : ان من الاعراض ما لا يكون الخارج ظرفا لعروضه بل هو ظرف للاتصاف به وهذا هو المعبر عنه بالاعتبارى ووجوده انما هو بوجود منشأ انتزاعه على نحو ينتزع هذا العرض منه فمن ذلك المالية ، فإنها قد تدور مدار ما في الشي‌ء من الجهات الذاتية أو من الجهات الخارجية ولو بجعل جاعل بحيث يتعلق به ولو من تلك الجهة أغراض عموم الناس ، ويبذلون بإزائه الأموال ، ولا يعتبر في المنشأ كونه ذاتيا للشي‌ء وصفة من أوصافه الذاتية كالجواهر والمعادن وأمثال ذلك ، بل المدار في تحقق المالية للشي‌ء تعلق أغراض الناس عموما به والسعي في تحصيله لنيل الأغراض المقصودة منه ، ولو كان المنشأ امرا خارجيا ، ولعل من ذلك ما هو المتعارف في عصرنا من جعل السلاطين الأوراق المطبوعة المعبر عنها بالنوط والاسكناس المعدودة بحكم الأثمان في إجراء المعاملات بها فيما بينهم كالنقود المسكوكة فإن لها من حيث هي كذلك مالية متعلقة بها أغراض عموم العقلاء ولو كان ذلك بجعل السلاطين دون جهة في ذاتها ويحتمل قويا ان يكون حكم تلك الأوراق حكم (البروات والسجلات) فإنها لا مالية لها بنفسها وانما مطلوبيتها ليست الا لكونها وسيلة إلى تحصيل مال آخر وكم من فرق واضح بين كونها مالا وبين كونها وسيلة إلى تحصيل مال آخر وثمرات مرتبة عليه ، ومن ذلك الملكية أيضا وهي ربط خاص بين المالك والمملوك موجب لسلطنته عليه أو نفس السلطنة الحاصلة له عليه ، فبين المالية والملكية بحسب المورد عموم وخصوص من وجه ، يفترق الأول عن الثاني في الأموال المباحة ، والثاني عن الأول في مثل الحبة من الحنطة ، فإنها لا مالية لها مع بقائها على الملكية.

ثم ان للملكية بحسب اختلافها قوة وضعفا مراتب ثلث أضعفها ملكية الانتفاع ، وأقوى منها ملك المنفعة ، وأقوى منهما ملك الرقبة لأن

السلطنة إنما تتعلق بالعين غير انها إن أحاطت بجميع جهاتها عبر عنها اصطلاحا بملك الرقبة وملك العين ، وان اختصت بجهة من جهاتها مع الاستقلالية فيها من تلك الجهة عبر عنها كذلك بملك المنفعة لاختصاص تعلق السلطنة بها من تلك الجهة الخاصة فالعين المستأجرة مملوكة للمستأجر من حيث تلك المنفعة ، وان كانت مملوكة للمؤجر بالملكية التامة ، وان كانت لا مع الاستقلالية فيها عبر عنها بملك الانتفاع كحق المارة والصلاة في الأراضي المتسعة مما كانت الإباحة فيه شرعية ، فإن العين فيها مملوكة للمباح له من جهة الانتفاع الخاص بها ، لا ان الانتفاع مملوك في الحقيقة وان وقع التعبير بذلك اصطلاحا ، أو كانت مالكية كالعارية فإن العين المستعارة مملوكة للمستعير من جهة المنفعة المباحة له بالملكية الضعيفة التي لا ينافيها كونها مملوكة للمعير بالملكية التامة ، وللاستقلالية في السلطنة الخاصة وعدمها افترقت في جواز النقل وعدمه ملكية المنفعة عن ملكية الانتفاع وبذلك دخل وطء الأمة المحللة في ملك اليمين إذ ليس من التزويج قطعا مع الحصر في قوله تعالى «إِلّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ» بل الزوجة أيضا مملوكة للزوج من جهة الانتفاع ببعضها ، وان وقع التعبير عنه يملك البضع ، الا أن المقصود ملكيتها من جهة الانتفاع بالبضع ، فلا تنافي الحرية ، وإلا فلا معنى لملكية نفس البضع ويحتمل أن تكون ملكية البضع من قبيل ملكية المنفعة ، وان فارقته في بعض الآثار كعدم جواز النقل فأشبهت ملك الانتفاع لأن الملكية تدور مدار عنوان الزوجية الحاصلة بالعقد ، فالزوجة واسطة العروض يدور مدارها وجودا وعدما ، بخلاف المستأجر فإنه محل للملكية الحاصلة بالعقد يمكن فيه النقل والانتقال.

هذا ولا ينافي السلطنة القوية البالغة للمرتبة القصوى من الملكية : عدم نفوذها لمانع من أسباب التحجير كالصغر والسفه ونحو ذلك ، كما لا ينافي

تماميتها في مرحلة الملكية القوية نقصانها من جهة أخرى كالشركة التي معناها ملك كل من الشريكين أو الشركاء كل المال ملكية ناقصة بالنسبة إلى التمام وانبساطها على الكل بحيث لو تم نقصانها من هذه الجهة بالقسمة عبر عنه بأحد الكسور التسعة ، كالنصف والثلث ، وغير ذلك من غير حدوث ملكية جديدة ، وليس النقصان الا من جهة المتعلق وهو الكل والنسبة اليه ، ولذا كانت قسمة المشاع عندنا إفراز حق وتمييز حصص كما طفحت بذلك عباراتهم في تعريفها خلافا للعامة حيث ذهبوا الى أن القسمة معاوضة لانتقال شطر من حصة كل من الشريكين مثلا الى الآخر بعوض ما انتقل منه اليه ، وهذا هو الوجه للتخلص عن الاشكال الوارد على تعريف القسمة عندنا ، وانها ليست بمعاوضة ، لا ما ذكروا له من الوجوه المقررة في محله (1)

وقد تصدى بعض للجواب عنه بما يرجع ملخصه الى أن معنى الشركة في المال بالإشاعة هو أن لكل من الشريكين نصفه مثلا على وجه البدلية فالمملوك لكل منهما النصف الكلي على وجه ينطبق على أفراد الإنصاف المتصورة له بحسب اختلاف الاجزاء والكيفية ، فالصبرة المشاعة بين الاثنين بالسوية مثلا تختلف قسمتها نصفين كيفية بحسب اختلاف اجزائها تبديلا وتتكثر إفراد الإنصاف بحسب ذلك الاختلاف ، فالمملوك لكل منهما كلي النصف المنطبق على كل واحد من تلك الإنصاف انطباق الكلي على الفرد فالمقبوض بالقسمة هو مصداق ما كان مملوكا له من الكلي ، غير انه تعين بعد ان كان لا على التعيين وهو معنى القسمة المفسرة بتعيين الحصص أيضا.

وفيه ـ مع ان ذلك ينافي الشركة بالإشاعة إذ الإشاعة في الكل لا بد وان تنتهي أجزائه إلى الجزء اللايتجزأ بناء على وجوده فذلك الجزء أما أن يكون لهما أو لأحدهما أولا لهما ولا لأحدهما ، لا سبيل إلى الأخيرين لمنافاتهما الملكية والشركة في الملكية ، فتعين الأول وحينئذ لا نصف له حتى يملك النصف منه والنصف الموهوم بناء على عدم وجوده لا تتعلق به الملكية.

أن ذلك يستلزم ان يختص كل واحد من النصفين المفروضين لا على التعيين بأحدهما دون الآخر وكذا للآخر النصف الآخر كذلك وهو ينافي الإشاعة التي معناها الشركة وعدم الاختصاص في كل ما يفرض جزء.

وآخر قد تصدى له بوجه آخر وهو ان الإشاعة من أشاع بمعنى انتشر ومعناه ان الملكية منتشرة في جميع اجزاء المال بحيث لو جزأت الكل فلا بد أن تنتهي أجزائه إلى الجزء اللايتجزأ بناء على وجوده متعلقة به ملكية واحدة قائمة بالشريكين فلكل منهما نصف الملكية لا ملكية النصف إذ لا نصف له بالفرض حتى يكون مملوكا وليس الكل الا عين تلك الأجزاء مجتمعة ولا فرق في الملكية بين ملكية الكل وملكية الجزء لان التفريق والاجتماع لا يوجبان الفرق في معنى الملكية ، واما بناء على عدم وجوده فما كان دونه فهو موجود وهمي لا تتعلق به الملكية وقسمته قسمة وهمية وتلك الأجزاء الوهمية يفرض اجتماعها حتى إذا بلغت جوهر الفرد تعلقت به الملكية ، وحينئذ فيجري فيه الكلام المتقدم ، وعليه فمعنى الشركة هو ملكية واحدة متعلقة بالمال قائمة بالشريكين بمنزلة مالك واحد.

وفيه بعد تسليم فرض معنى لنصف الملكية انه لا يجدي ذلك فرقا في تحقق المعاوضة بين نصف الملكية وملكية النصف لتحقق التبديل فيهما معا اللّهم الا ان يرجع ولو بتكلف الى ما نذكر.

فالأحسن في الجواب هو ان يقال ان الملكية في الشركة وان كانت تامة في مرحلة نفسها قوية في مرتبتها لكنها ناقصة من جهة نسبتها الى تمام المال بحيث لو تمت من هذه الجهة لكانت كسرا من الكسور ، وعليه فكل واحد من الشركاء مالك لتمام المال ملكا ناقصا يعبر عنه بالكسور كالنصف والثلث مثلا ، والغرض أن هذا الناقص على تقدير التمامية نصف أو ثلث والقسمة عبارة عن تتميم الملك في جزء خاص فملك رقبة المال مرتبة من السلطنة لا نقص فيها مطلقا والضعف الذي في الشركة ليس في نفس المرتبة وانما هو في تعلقها بتمام المال ولهذا تتم بالقسمة مع ان المالك لم يتغير ولم يحدث بالقسمة سلطنة جديدة والجوهر الفرد غايته لا تتم فيه الملكية من جهة الضعف الحاصل من الشركة لعدم إمكان القسمة فيه فافهم واغتنم (منه عفي عنه)

.

1) توضيح الاشكال وحلة ، هو أن قسمة المشاع مطلقا - ولو الغير المشتمل منها على الرد لا تنفك عن تحقق المعاوضة فيها لأن بها تختص الحصة بأحدهما بعد ان كانت مشاعة بينهما مملوكة لكل منهما بعوض ما انتقل منه الى شريكه ، وهل المعاوضة إلا ما كان كذلك مع ان الأصحاب عرفوها بأنها تمييز الحصص وافرازها لا معاوضة نعم المشتملة منها على الرد لا تنفك عن المعاوضة بين المردود وعوضه.

وكيف كان إذا تبين ذلك ظهر لك ان الإباحة المطلقة من جميع وجوه التصرف التي هي مفاد المعاطاة عند الأكثر ترادف الملكية التي تجامع عدم اللزوم وجواز الرجوع من آثار بقاء العلقة للمالك الذي قد يقال هو مقتضى الأصل عند الشك فيه ، لا ما قيل : من ان الأصل يقتضي اللزوم في الملك ، فتأمل. غير أن من صرح بعدم الملك مع ذلك فمقصوده الملك اللزومي الذي لا يجوز فيه الرجوع دون مطلق الملكية ومن ذلك قولهم عليهم السلام : «ما هو لنا فقد أبجناه لشيعتنا» ولذا صح جميع التصرفات فيه حتى

المتوقفة على الملك ، بل ملك الشيعة لما أباحوه لهم كالجواري المغنومة بالغزو بغير اذن الامام ، بناء على الأقوى : من كونها من الأنفال ، وخمسهم في المغنومة بنحو الغيلة والسرقة كاد أن يكون من الضروريات ، وليس الا لليد على ما أباحه المالك إباحة مطلقة كما ستعرف.

ومنه أيضا الإباحة المستفادة ولو بالقرائن من إعراض المالك عموما

أو خصوصا كنثار العرس فإنه يملكه الأخذ باليد بعد إعراض المالك عنه.

وحيث انجر الكلام إلى مسألة الاعراض ، فلا بأس بالتعرض لها ببيان حكمه ولو بنحو الإجمال.

فنقول : الاعراض بما هو إعراض حيثما يتحقق ويوجد هل يكون سببا لخروج المال عن ملك المعرض ، وبعبارة أخرى : هل يخرج المعرض عنه بمجرد الاعراض عن ملك المعرض أم لا؟ وعلى الثاني : فهل يملك بالقبض ووضع اليد عليه مع كونه معرضا عنه أم لا؟ وعلى الثاني فهل يجوز للآخذ التصرف فيه مطلقا أم لا كذلك ، أو يفصل بين التصرفات المتوقفة على الملك كالبيع ونحوه وغير المتوقفة عليه؟ احتمالات ، بل لعلها أقوال ذهب الى الأول جماعة منهم الشيخ في محكي المبسوط والقمي في (أجوبة مسائله) بل في (الكفاية) نسبته إلى الأشهر ، حيث قال «ولو أطلق الصيد من يده لم يخرج عن ملكه إذا لم ينو قطع ملكه عنه وان نوى ذلك ، ففي خروجه عن ملكه قولان : أشهرهما الأول ولعله الأقرب» ...» انتهى كلامه. وذهب غير واحد الى بقاء الملك وعدم الخروج عنه بمجرد الاعراض بل في (المسالك) نسبه الى الأكثر حيث قال في مسألة ما لو أطلق الصيد ما لفظه «وان قطع نيته عن ملكه» ففي خروجه عنه وجهان : أحدهما - وهو الذي اختاره المصنف والأكثر - عدمه لأنه ملك. وزواله يتوقف على أسباب شرعية ، فلا يحصل بمجرد الإرادة ، والأعراض عن الملك لم يثبت شرعا أنه من الأسباب الناقلة عنه والقول بخروجه بذلك عن ملكه للشيخ في (المبسوط)» وقال أيضا في مسألة غرق السفينة «والأصح ان جواز أخذ ما يتخلف مشروط باعراض مالكه عنه مطلقا ، ومعه يكون اباحة لآخذه ولا يحل أخذه بدون الاعراض مطلقا عملا بالأصل» انتهى.

ووجه القول بجواز التصرف ، هو ظهور حال المعرض في الرضا به وقيام شاهد الحال عليه ، ووجه التفصيل هو توقف تلك التصرفات على الملك المفروض عدمه في المقام ، ووجه المنع مطلقا عدم الملك وعدم إحراز الإباحة المتوقفة على إنشائها منه ، مع منع قيام شاهد الحال عليه على وجه الكلية مع اقتضاء الأصل العدم في الجميع عند الشك فيه.

والأظهر عندي عدم الخروج عن الملك بمجرد الاعراض ، ولكن يملك بالقبض ووضع اليد عليه بقصد التملك : اما الأول ، فلعدم الدليل على خروجه من الملك بمجرد الإعراض إذ الخروج عنه كالدخول فيه متوقف على سبب شرعي ، ولم يقم دليل على سببية الاعراض له ، مع أن مقتضى الأصل هو البقاء على الملكية ، واما الثاني وهو التملك بالقبض فلصيرورة المعرض عنه بالاعراض ورفع اليد عنه بحكم المباح ، فيدخل تحت عموم «من سبق الى ما لم يسبق إليه أحد» الحديث (1)وقوله عليه السلام : «لليد ما أخذت وللعين ما رأت» (2)خرج عنه الملك الغير المعرض عنه والمزاحم فيه المالك فتأمل ، فيبقى الباقي تحت العموم ، فاليد سبب للملك ما لم يسبق بيد وملكية مزاحمة ، سواء كان المال الموضوعة عليه اليد من المباحات الأصلية أو ما هو بحكمها ، مضافا الى صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه


1) سبق الكلام على هذا الحديث النبوي في الجزء الأول من هذا الكتاب

2) في خبر السكوني : في رجل أبصر طائرا فتبعه حتى سقط على شجرة فجاء رجل آخر فأخذه فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) للعين ما رأت واليد ما أخذت (كذا في الجواهر) هذا وفي استفادة سببية اليد للملكية ما أخذته من هذه الفقرة من الخبر بنحو الإيجاب الكلي وكون ذلك بنحو القاعدة تأمل ، فإنه مضافا الى خروج ما خرج منها يمكن كون الحكم المذكور منه عليه السلام من قبيل الحكم في واقعة خاصة لا عموم فيها ، ولعله لذا أمر بالتأمل.

السلام قال : «من أصاب مالا أو بعيرا في فلاة من الأرض قد كلت وأقامت وسببها صاحبها لما لم تتبعه فأخذها غيره فأقام عليها وأنفق نفقة حتى أحياها من الكلال ومن الموت فهي له ولا سبيل له عليها ، وانما هي مثل الشي‌ء المباح» وليس المماثلة في الخروج عن الملكية ، بل مثله في التملك بالقبض وذكر البعير على جهة المثال سيما مع عطفه على المال. والى رواية الشعيري قال : «سئل أبو عبد اللّه عليه السلام عن سفينة انكسرت في البحر وفيها مال فأخرج بعضه بالغوص ، وأخرج البحر بعض ما غرق فيها؟ فقال : اما ما أخرجه البحر ، فهو لأهله اللّه أخرجه لهم ، واما ما أخرج بالغوص فهو لهم وهم أحق به» وقال في (السرائر) بعد ذكر الرواية - «قال محمد بن إدريس : وجه الفقه في هذا الحديث : أن ما أخرجه البحر ، فهو لأصحابه ، وما تركوه آيسين منه ، فهو لمن وجده وغاص عليه لأنه صار بمنزلة المباح ، ومثله من ترك بعيره من جهد من غير كلاء ولا ماء ، فهو لمن أخذه ، لأنه خلاه آيسا منه ورفع يده عنه فصار مباحا ، وليس هذا قياسا لأن مذهبنا ترك القياس ، وانما هذا على جهة المثال والمرجع فيه الى الإجماع ، وتواتر النصوص ، دون القياس والاجتهاد وعلى الخبرين إجماع أصحابنا منعقد.

قلت : تنزيل الرواية على تحقق الاعراض عن البعض باليأس - وهو ما اخرج بالغوص وعدمه في البعض الآخر وهو ما أخرجه البحر كما يظهر من عبارة السرائر تفكيك ركبك وحينئذ تشكل الرواية لأن الاعراض : ان كان متحققا ، فما أخرجه البحر كما اخرج بالغوص يملكه من سبق اليه ، وإلا فما اخرج بالغوص أيضا لمالكه ، وحملها على إرادة المال للمالك في الصورتين ، والتفصيل انما هو في المخرج ، والمقابلة بين ما أخرجه الغواص لهم وما أخرجه اللّه كما احتمله في (الجواهر) ضعيف جدا. فالأولى عندي بل هو المتعين حمل الرواية على الغالب من حصول الاعراض بالغرق وصيرورة المال بعده بحكم المباح ، يملكه من سبق اليه ولذا

ما أخرج بالغوص ملكه الغواص ، غير أن ما أخرجه البحر لم يحرز بقاء الاعراض مع كونه ملقى في الساحل ، بل الظاهر رجوعه عنه ، فلا يملكه من سبق اليه لخروجه عن حكم المباح عند وضع اليد عليه ، وهو شرط في التملك باليد ويكفي في التوقف الشك فيه بعد منع جريان الاستصحاب في المقام (1)ويؤيد ما ذكرنا من التملك باليد رواية على بن ميمون الصائغ ، قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عما يكنس من التراب ، فأبيعه ، فما أصنع به؟ قال : «تصدق به ، فاما لك أو لأهله» الخبر. ومثله خبره الآخر : «سألته عن تراب الصواغين وإنا نبيعه؟ قال : أما تستطيع ان تستحله من صاحبه؟ قال قلت لا إذا أخبرته اتهمني ، قال : بعه ، قلت : فبأي شي‌ء نبيعه؟ قال بطعام ، قلت فأي شي‌ء نصنع به؟ قال تصدق به : إما لك أو لأهله» بناء على إرادة (اما) هو لك بالاعراض فالصدقة بملكك أو لصاحبه ، فالصدقة بملكه والأمر بالصدقة أخذ باطراق الاحتياط ، وتضمن الأخير لما لا يقول به أحد : من تسويغ خوف التهمة للتصدق بمعلوم المالك لا يضر في الاستدلال بفقرته الأخرى : واما على ارادة : لك ثواب الصدقة لو ظهر المالك ولم يرض بها ، أو هو له لو رضي بها كما هو أحد الاحتمالين فيهما بل لعله الظاهر منهما - فهي أجنبية عن مسألة الاعراض ، وضعف سند خبر الشعيري ، منجبر بما تقدم من كلام الحلي (في السرائر).

وكيف كان ، فالأظهر هو التملك باليد مطلقا سواء كان الاعراض اختياريا أو قهريا ، كما في صورة اليأس ، وفي المحقرات وغيرها ، والقول به في خصوص الاعراض القهري أو في المحقرات بالخصوص ، تفصيل من


1) فان موضوع تملك ذي اليد لمال الغير كونه معرضا عنه ومباحا من مالكه عند وضع اليد عليه واستصحاب بقاء الاعراض منه وعدم رجوعه لا يثبت به موضوع التملك.

غير دليل. ولعل نظر من اقتصر في الحكم على الأخير إلى دعوى عدم الدليل على تملك المعرض عنه الا السيرة الممنوع قيامها إلا في المحقرات كجلات الانعام والسنابل المتخلفة من الزرع وحطب المسافر ونحو ذلك من المحقرات التي يعاملون مع ملتقطها معاملة المالك من البيع والشراء وفيه ما عرفت من قيام الدليل عليه من النصوص المعتضدة بدعوى الإجماع المتقدم من السرائر عليه نعم ، يتحقق الاعراض فيهما - غالبا - فاليأس أو الحقارة محقق لموضوع الاعراض غالبا لا شرط في حكمه فافهم.

هذا ولو نوى المعرض الرجوع عن إعراضه فاما أن يكون ذلك قبل قبض الغير له أو بعده ، وعلى التقديرين ، فأما أن نقول بخروجه عن ملك المعرض بالاعراض أولا ، وعليه فاما أن نقول بتملك الغير بالقبض أولا وان جاز التصرف فيه ، فان نواه قبل القبض وقلنا بالخروج لم يرجع الى ملكه بالنية ، لأن الدخول فيه متوقف على سبب كالقبض مفقود في المقام بالفرض ، فلو تسابق المعرض وغيره على قبضه فهو لمن سبق اليه بالقبض بلا اشكال ، كما لا إشكال في جواز الرجوع عليه مع بقاء العين وان قبضه الآخر بناء على بقائه في ملكه وعدم تملك الغير له بالقبض. وأما بناء على التملك به فان كان الرجوع قبله ، فلا إشكال أيضا في عدم تملك القابض له لان المدار في التملك بالقبض على كون المال بحكم المباح عند القبض ووضع اليد عليه حتى يكون المحل قابلاً لتأثير اليد فيه بالملكية ، ولعله تشعر به بل ترشد إليه رواية الشعيري المتقدمة الحاكمة بان ما أخرجه البحر فهو لأصحابه ، بناء على ما ذكرنا من رجوع المعرض عن الإعراض حينئذ بحكم العادة.

وأما لو نوى الرجوع بعد قبض الغير له بناء على التملك به ، ففي جواز الرجوع على العين مع بقائها وعدمه وجهان : قد يقال : انهما مبنيان

على أن الأصل في الملك هل هو اللزوم أو الجواز (1)

ومنشأ الخلاف : هو أن اللزوم والجواز منوعان للملك ، فالملكية اللازمة حقيقة ، والجائزة حقيقة أخرى. أو ان الملك حقيقة واحدة ، واللزوم والجواز حكمان يعرضان لسببه ، فالبيع المجعول فيه الخيار بالأصل أو بالشرط جائز جوازا حقيا بمعنى أن الشارع المقدس بدليل الخيار أو دليل الشرط جعل أمر العقد إقرارا وفسخا ـ بيد العاقد مثلا ، وحقا من حقوقه ، ان شاء أقره وان شاء فسخه ، والهبة المجانية لغير ذي الرحم جائزة جوازا حكميا ، لحكم الشارع بجواز الرجوع فيها ، بخلاف الهبة لذي الرحم أو المشروط فيها العوض ، فإنها لازمة لا يجوز الرجوع فيها ، فاللزوم والجواز حكمان شرعيان مجعولان نسبب الملك ، فاذا تحقق وشك في زواله للشك في أن سببه المقتضى له مما يجوز فسخه والرجوع فيه ، فمقتضى الاستصحاب وإبقاء ما كان على ما كان هو الحكم ببقاء ما تحقق من الملك وعدم تأثير رجوع مالكه السابق المنتقل منه الملك حتى يعلم أن سببه مما يجوز فسخه والرجوع به.

وبالجملة ، فالمدعى ان الملكية العرفية والجدة الاعتبارة لها حقيقة واحدة ، وهي إضافة خاصة وعلقة تامة بين المالك والمملوك حاصلة بأحد أسبابها الشرعية ، وهذه الإضافة إذا انتقلت من شخص الى آخر بأحد أسباب النقل تنقطع بكلها عن الأول وتثبت للثاني.

ما يذكره سيدنا ـ رحمه اللّه ـ فيما سيأتي من كلامه في تقريب ما يختاره من أصالة الجواز وعدم اللزوم من قوله : «بل الأصل يقتضي بقاء العلقة للمالك الأصلي ، وان انتقل الملك عنه» إن أراد بها العلقة المالكية كما يظهر من جعل استصحابها حاكما على استصحاب الملك للمالك الثاني ، فهو غير واضح ، فإن منشأ اتصاف الملك باللزوم أو الجواز هو حكم الشارع على بعض أسبابه بجواز الرجوع به جوازا حكميا أو حقيا.

وعليه فلو ثبت الجواز الحكمي أو الحقي بمعنى الخيار ، فدليله يكون حاكما على أصالة اللزوم أي استصحاب الملك عند الشك في زواله وارتفاعه كما أن دليل الخيار مخصص لعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».

وأما مع الشك في الجواز ، فمقتضى الأصل في الملك اللزوم ، سواء كانت الشبهة حكمية أم موضوعية.

والحاصل ، إن مناقشة سيدنا المصنف أصالة اللزوم في الملك مرجعها أحد أمرين :

أما كون الملك اللازم مباينا للجائز حقيقة وانهما حقيقتان فاذا كانا كذلك لا وجه لجريان استصحاب الملك بعد رجوع المالك الأصلي به ، فإنه يدور المستصحب بين كونه مقطوع الارتفاع ان كان الملك هو الجائز ، وبين كونه مشكوك الحدوث ان كان هو اللازم. وفي مثله لا يجري الاستصحاب.

والمناقشة الثانية : هي انه لو فرض جريان استصحاب الملك في نفسه لكن استصحاب بقاء علقة المالك الأصلي الذي هو استصحاب سببي يحكم عليه.

هذا ولكن الظاهر عدم تمامية المناقشتين :

أما الأولى فلما ذكرنا من ان اللزوم والجواز ليسا منوعين للملك بل هما حكمان شرعيان يعرضان لسبب الملك. وعليه فلو شككنا في سبب من أسباب الملك. أنه محكوم شرعا باللزوم أو الجواز لشبهة حكمية أو موضوعية ، يكون الشك المذكور منشأ للشك في بقاء الملك للمالك الثاني أو ارتفاعه بعد رجوع المالك الأول فيستصحب الملك ويحكم ببقائه للثاني ، والشاهد على كون اللزوم والجواز من أحكام السبب لا من خصوصيات المسبب ، هو أن تخصص الملك بإحدى الخصوصيتين : ان كان المدار فيه إنشاء المنشئ بحيث إذا قصد بإنشائه الملك كونه لازما يكون لازما ولو قصد كونه جائزا ، يكون جائزا ، فهما تابعان لقصد المنشئ وعليه فلو قصد في الهبة لذي الرحم أو المعوضة الجواز تكون جائزة ، وفي الهبة المجانية لغير ذي الرحم لو قصد لزومها تكون لازمة ، فهو واضح البطلان وان كان التخصص بإحدى الخصوصيتين بجعل من الشارع بان قيد المنشأ في كل مورد بإحدى الخصوصيتين كأن أخذ اللزوم في الهبة لذي الرحم مثلا قيدا في الملك ، والجواز في الهبة لغير ذي الرحم قيدا له ، وعليه فلا بد للمنشى‌ء ان يقصد المنشأ بتلك الخصوصية حيث أنها حينئذ من القيود المقومة للمنشإ لا بد من قصدها عند الإنشاء ، فلو أهملها وقصد الملك المطلق ولم يقيده باللازم أو الجائز ، فمقتضاه بطلان إنشائه إذ لم يكن قاصدا إحدى الحقيقتين والخصوصيتين ، ولا يمكن الالتزام بذلك ، فان الوجدان أصدق شاهد على أن المنشئ في التمليكات ـ معاوضية كانت أو مجانية لازمة كانت أو جائزة ، حكميا كان الجواز أو حقيا ـ لا يقصد سوى التمليك المعاوضي أو المجاني ـ على اختلاف فيها ـ ولا يقصد لزوما ولا جوازا.

كما ان المناقشة الثانية لأصالة اللزوم في الملك وهي كون استصحاب بقاء الملك بعد رجوع مالكه الأصلي محكوما باستصحاب بقاء العلقة للمالك الأصلي لأن الشك في بقاء الملك للمالك الثاني بعد رجوع المالك الأول مسبب عن الشك في بقاء علقة المالك الأول فيما انتقل منه اليه ، فمقتضى استصحاب بقاء علقته زوال ملكية الثاني بعد رجوع الأول لكون الاستصحاب السببي حاكما على الاستصحاب المسببي.

مدفوعة بما ذكرناه سابقا : من أن العلقة المالكية للمالك الأول والإضافة التي كانت له بالنسبة الى ما انتقل منه قد انقطعت بالانتقال الى الثاني ، وعلقة أخرى ـ حكمية أم حقيقة ـ مرجعها جواز رجوعه بما انتقل منه ، وإعادته إلى ملكه ـ على فرض وجودها ـ فإنما تحدث بعد الانتقال وانقطاع الأولى ، إذ لا معنى لوجودها حين وجود الأولى ـ كما لا يخفى – وهي مشكوكة الحدوث ، والأصل عدمها ، فلا حاكم على أصالة اللزوم.

.

ذهب الى الأول جماعة ، منهم (شيخنا المرتضى) في مكاسبه ونظره مضافا الى كفاية استصحاب الكلي بالنسبة إلى الآثار المترتبة عليه لو سلم كون الاختلاف باللزوم والجواز من الاختلاف في ماهية الملك ، وحقيقته أن جواز الرجوع وعدمه باعتبار حكم الشارع له بذلك ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف حقيقة السبب المملك لا اختلاف حقيقة الملك.


1) توضيح ذلك : أن المختار لجماعة من الأصحاب ، - ومنهم شيخنا الأنصاري - كون الأصل العملي في الملك اللزوم ، وذهب سيدنا المصنف - قدس سره - الى أن الأصل فيه الجواز حتى يقوم دليل على اللزوم.

وأنت خبير بان دعوى أصالة اللزوم في الملك بمعنى استصحابه للشك في زواله بمجرد رجوع مالكه الأصلي لا تتم بناء على اختلاف حقيقة الملك

بحسب اللزوم والجواز ، مع منع جريان الاستصحاب في القدر المشترك بينهما فثبوت الأصل يتوقف على أحد أمرين : اما ثبوت الوحدة في ماهية الملك أو جريان الاستصحاب في الكلي لو فرض تعددها.

مع ان كلا منهما في حيز المنع :

أما الأول فقد يقال : ان أسباب الملك مختلفة بحسب الماهية والحقيقة واختلاف ماهية السبب موجب لاختلاف ماهية المسبب أما الصغرى فوجدانية لما نرى من اختلاف سبب الملك اللازم والملك الجائز كالبيع والهبة بحسب الماهية والحقيقة ، وأما الكبرى فلانة يستحيل أن تكون ماهية واحدة مسببة عن ماهيتين مختلفتين إلا ان يكون بينهما قدر جامع يكون هو السبب لما هو المعلوم من اعتبار الارتباط والسنخية بين العلة والمعلول فالملكية اللازمة

والجائزة مختلفتان نوعا أو صنفا بسبب اختلاف أسبابهما كذلك ، ولا يجدي التعدد الفردي في رفع الاستحالة المذكورة ، لأن الخصوصيات الفردية غير مأخوذة في حقيقة المسبب بعد ان كان السبب سببا للطبيعة الكلية ، فالملكية الحاصلة من البيع - مثلا - طبيعة واحدة ، وان تعددت إفرادها بحسب تعدد أفراد البيع. وكذا الملكية الحاصلة من الهبة طبيعة واحدة ، وان تعددت أفرادها بحسب تعدد أفراد الهبة ، فليس تعددها الا تعددا بحسب الإفراد ، بخلاف الطبيعتين المزبورتين المختلفتين بحسب النوع أو الصنف دون الفردية نعم قد يجدي تعدد المسبب فردا في الأحكام التكليفية كما في وجوب سجدتي السهو للكلام والسلام وغيرهما من أسباب وجوبهما ، فإنها تتعدد بتعدد أسبابها الموجبة لها مع كونها في الجميع ماهية واحدة.

ودعوى وجود القدر الجامع بين الأسباب المختلفة - وهو السبب في تحقق المسبب - فمع أنها ممنوعة بل الأصل عدمه ، لا بد من إحرازه حتى يحكم باتحاد المسبب ليجري الاستصحاب فيه عند الشك في بقائه نعم إذا علم اتحاد طبيعة المسبب من الخارج كشف ذلك عن وجود الجامع بين أسبابه المختلفة كالملك المسبب عن البيع والصلح ونحوهما أو يقال بتقريب آخر ، وهو أن اللزوم والجواز من آثار الملك أو من أحكامه ضرورة انقسام الملك شرعا إلى الجائز واللازم واختلاف الأثر أو الحكم كاشف عن اختلاف المؤثر أو الموضوع ، والفرق بين التقريبين : ان اللزوم والجواز بأنفسهما من المشخصات النوعية بمعنى ان اختلاف الملك نوعا أو صنفا بنفس اللزوم والجواز على الأول ، وكاشف عن وجود ما به يختلفان نوعا بحسب الواقع من غير جهة اللزوم والجواز على الثاني ، ضرورة أن أثر الشي‌ء أو حكمه لا يوجب تمييزه نوعا إلا بحسب الاعتبار والانتزاع اللّهم إلا أن يدفع الأخير بمنع كونهما من أثر الملك أو حكمه وان اتصف بهما مسامحة ، بل هما - اى

اللزوم والجواز - اثر العقد الذي هو سبب الملك أو حكمه فيرجع حينئذ إلى التقريب الأول. هذا مع إمكان ان يقال : ان اختلاف الملك باللزوم والجواز من الاختلاف في مرتبة الملكية شدة وضعفا ، فللملكية مرتبتان أضعفهما الملكية الجائزة وأقواهما الملكية اللازمة.

واما الثاني أعني استصحاب الكلي ، فقد يقال بالمنع منه مطلقا من غير فرق بين ما كان الشك فيه في المقتضى كالحيوان المردد بين ما كان يعيش سنة مثلا وما لا يعيش الا يوما ، أو كان الشك في قدح العارض مع اقتضائه البقاء لولاه كالحدث المردد بين ما لا يزول الا بالغسل وما يزول بالوضوء إذا توضأ بعده ، والمقام من قبيل الثاني ، إذ الملكية مقتضاها البقاء ووجه المنع عنه مطلقا : انه لا بد في الاستصحاب من يقين سابق وشك لاحق موجودين عند جريانه ، وليس في المقام ، إذ الكلي مردد بين فردين أحدهما معلوم البقاء على تقدير حدوثه ، والآخر مع كونه مشكوك الحدوث معلوم الزوال على تقديره ، والمفروض عدم وجود الكلي في ضمن فرد ثالث إلا أن الإنصاف ان الكلي من حيث هو كلي ومشترك متيقن الحدوث مشكوك البقاء ولو من جهة الترديد بين الفردين ، فلا مانع من استصحابه وترتب آثاره الشرعية عليه وان كان لا يثبت به خصوص أحد الفردين لأنه من الأصل المثبت ففي ما نحن فيه بعد الرجوع يستصحب كلي الملك الذي أثره جواز تصرف من انتقل إليه ، ضرورة أن جواز التصرف من آثار مطلق الملك الأعم من الجائز واللازم كما يستصحب كلي الحدث المردد بين الأصغر والأكبر بعد الوضوء ويترتب عليه المنع عن الدخول في الصلاة ومس كتابة القرآن ولا يحرم عليه الاجتياز في المسجدين واللبث في المساجد لأنهما من آثار الحدث الأكبر لا مطلق الحدث.

هذا أقصى ما يمكن أن يقال أو قيل في اقتضاء الأصل في الملك اللزوم

ولكن مع ذلك لا يبعد أن يكون الأقوى هو العدم بل الأصل يقتضي بقاء العلقة للمالك الأصلي وان انتقل الملك عنه إذ لا ملازمة بين زوال الملك وزوال علقة المالك بالكلية ، بل قد تبقى بعده كما هو في الملك الجائز.

توضيح ذلك : ان من الأسباب المملكة ما يوجب قطع سلطنة المالك بالكلية بحيث يكون كالأجنبي بعد إيجاده السبب ، ومنها ما لا يوجب قطعها بالكلية بل يكون زمام المال وناصية الملك بيد المالك كالعقود الجائزة ، فإذا شك في تأثير السبب ، فالأصل يقتضي بقاء العلقة ولذا كان جواز الرجوع من الأحكام لا من الحقوق لأنه من آثار السلطنة السابقة لا إحداث سلطنة جديدة للمالك ، ولا يعارضه استصحاب الملك لو سلم جريانه في المقام لان الشك فيه مسبب عن الشك في بقاء العلقة والأصل في السبب حاكم على الأصل في المسبب وعليه فالأقوى هو جواز الرجوع بالأصل إلا انه مع ذلك ينبغي الخروج عن حكم الأصل في مسألة الاعراض بحكم صحيحة ابن سنان المتقدمة النافية للسبيل عليها وقد تقدم دعوى الحلي في (السرائر) الإجماع على مضمونه نعم أصالة عدم اللزوم وبقاء العلقة للمالك الأصلي يوافقها الدليل في المعاطاة بعد ما عرفت من الإجماع البسيط أو المركب على عدم اللزوم وخلافا لما هو المنسوب الى المفيد كما تقدم - فالأصل يخرج عنه بالدليل في مسألة الاعراض ويؤكده الدليل في مسألة المعاطاة.

هذا ولتذيل المسألة بفرع ، وهو :

لو نبتت السنابل المعرض عنها في المزرعة حتى صارت زرعا فلا يخلو اما أن يكون الحب مختصا بغير صاحب الأرض أو مشتركا بينه وبين غيره وعلى التقديرين : فاما أن يكون بسقي من السماء ، أو بسقي من صاحب الأرض وعلى التقادير فاما أن نقول بخروجه عن الملك بالإعراض أو ببقائه فيه مع تملكه باليد أو إباحته له.

فعلى القول بالخروج عن الملك بمجرد الاعراض يملكه صاحب الأرض لأنه مباح نما في أرضه فهو نماء ملكه.

وعلى القول بالعدم مع بقائه على الإباحة مطلقا فهو لمالك البذر وعليه أجرة الأرض لصاحبها كلا - ان كان مختصا بغيره - وبالنسبة ان كان مشتركا بينهما.

وعلى القول بالتملك بالاستيلاء فلمالك الأرض ، ان كان بسقي منه مع قصده الملكية ، وان لم يكن بقصده أو كان بسقي من السماء ، فالأقوى العدم والبقاء على ما كان عليه ، لعدم وجود سبب الملك من اليد ونية التملك إذ ليس مجرد الكون - بل النمو في الملك - مملكا ، ولذا لا يملك الصيد المباح بمجرد التوحل في أرضه إلا أن يوحل الأرض للتوحل فيه ، فيكون كشبكة الصياد يملك بالاصطياد.

هذا تمام الكلام في مسألة الاعراض قد تعرضنا لها استطرادا ، فلنرجع إلى أصل المسألة من ترجيح القول بإفادة المعاطاة الملك.

فنقول يدل عليه أمور :

الأول - ان المعاطاة بيع لغة وعرفا ولم تثبت له حقيقة شرعية لا بالوضع التعييني ولا التعيني حتى يحمل عليه في كلام الشارع ، وكل بيع محكوم عليه بالصحة إلا ما خرج بالدليل ، لعموم قوله تعالى «أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا» بناء على ظهور تعلق الحل بنفس البيع الذي هو في معني الحمل عليه في إرادة الحكم الوضعي لا مجرد الحكم التكليفي ، فتكون الصحة مدلولا عليها بالمطابقة عرفا أو بإرادة حلية التصرف ، نحو قوله تعالى : «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ» أي وطؤهن. وحلية جميع التصرفات مستلزمة لصحة البيع ، فتكون الصحة مدلولا عليها بالالتزام وعلى التقديرين ، فمعني صحة البيع هو حصول النقل والملك المترتب عليه جواز التصرف فيه.

وبالجملة فالدليل مركب من صغرى وجدانية ، وكبرى برهانية وهي عموم الآية.

هذا وقد يناقش فيه يمنع صغرى الدليل أولا وكبراه ثانيا.

اما الأول ، فقد يمنع كون المعاطاة بيعا لأن البيع بحسب ما تقتضيه تعاريفهم من كونه : هو عقد يدل على الإيجاب والقبول أو هو اللفظ الدال عليه ونحو ذلك أو انه النقل أو التمليك أو المبادلة وأمثال ذلك يدور أمره بين كونه اما اسم اللفظ أو اسم المعنى وهو المعنى النفسي القائم بالنفس المعبر عنه بالكلام النفسي المفسر بمدلول الكلام اللفظي وعلى التقديرين فلا تكون المعاطاة بيعا : اما على الأول فواضح ، وأما على الثاني فلان الإنشاء النفسي الذي هو المعنى القائم بنفس المنشأ هو مدلول الإنشاء اللفظي من الأمر أو النهي الذي هو عبارة عن الطلب الخاص وهو الطلب بالقول أو القول الدال على الطلب الكاشف عن الإرادة نعم ربما يلحق بالقول مطلق ما يكشف عن الإرادة حكما لا موضوعا كالكتابة والإشارة من الأفعال الدالة عليها في وجوب الامتثال وترتب الثواب والعقاب على الموافقة والمخالفة الا أنه ليس بأمر ولا نهي حقيقة وموضوعا بل ملحق بهما حكما في ترتب الأحكام المذكورة عليه ومثل الإنشاء - موضوعا وحكما - الاخبار أيضا وبالجملة فالإنشاء وقسيمه من الاخبار قسمان من الكلام ولا يتقوم شي‌ء منهما بدون اللفظ ، فاذا جعل معنى البيع هو الإنشاء النفسي فلا مناص عن القول بتوقف صدق عنوانه على وجود اللفظ المفقود في المعاطاة.

والجواب عنه أولا بمنع كون الكلام النفسي والمعنى القلبي لا بد وأن يكون اللفظ كاشفا عنه ومظهرا له ، ولو سلم فهو محض اصطلاح لا مشاحة فيه ، بل يكفي في المظهر له مطلق ما يدل عليه - لفظا كان أو فعلا - كيف وهو في مرتبة التحقق والحصول مقدم على تحقق الكاشف وحصوله

فالمتحقق في الإنشاء الفعلي فعلان : أحدهما - فعل النفس والآخر - فعل الجوارح ، فالأول هو الإنشاء النفسي ، والثاني هو الإنشاء الفعلي وحصر الكلام في الخبر والإنشاء لا يدل على حصرهما في الكلام وهذا المعنى متحقق في المعاطاة كما هو متحقق في العقود القولية.

وثانيا بمنع كون البيع اسما لذلك المعنى وانما هو من العناوين الثانوية المنتزعة من العناوين الأولية ، وليس هو إلا كسائر الأفعال الاختيارية الصادرة من الفاعل المختار بسبب دواعيها والأغراض الموجبة لها المترتبة عليها ، غير أن بعضها لم يكن المقصود منها إلا ذوات تلك الأفعال من حيث هي لأغراض خاصة ، وبعضها لم يكن المقصود منها الا عناوينها الثانوية كالقيام للتعظيم والضرب للتأديب والشتم للإيذاء ونحو ذلك من الأفعال التي لم يكن الغرض منها إلا كونها آلة ومحققة لما يترتب عليها من العناوين الثانوية ، وليس البيع إلا من هذا القبيل ، وما ذكرنا من الوجه الأول انما هو مع التنزل والمماشاة ، والا فهو غير مرضي عندنا من أصله خلافا للاشاعرة.

نعم إنما التأمل في كون البيع اسما لنفس السبب الذي هو العنوان الاولى من حيث ما يترتب عليه من العنوان الثانوي على وجه يكون التقييد داخلا والقيد خارجا ، أو هو اسم لنفس العنوان الثانوي المنتزع دون منشأ الانتزاع كما يظهر من تعريفه بالنقل ، والأظهر هو الأول لظهور كون النقل أثر البيع دون حقيقته ، وعلى تقدير كونه اسما للعنوان الثانوي كما يظهر من تعريف من عرفه بالنقل أو الانتقال فلا يخلو من تسامح : اما الثاني فلان الانتقال من عوارض المبيع لا نفس البيع واما الأول فقد يمنع اطراد حصوله في موارد البيع كلها ، فان منها ما لا يتحقق النقل فيه (1)

أما بيع الدين فلا استحالة لنقله الى من هو عليه ، فان ما للدائن على المديون ليس هو الكلي المتخصص بخصوصية كونه على المديون ، وبما هو في ذمته للدائن ، فإنه بالنحو المذكور من التقييد يستحيل استيفاؤه من المديون حيث لا يمكن تطبيقه على الخارج ليتحقق استيفاؤه منه ، بل ما يملكه الدائن على المديون منا من الحنطة ـ مثلا ـ كليا ، وعليه فتكون ذمة المديون مشغولة به وظرفا له ، فيمكن للدائن أن ينقل الى المديون منا من الحنطة كليا ـ أيضا ـ بالبيع منه ، فتشتغل ذمته للمديون بما اشتراه منه من المن الكلي ، فتكون ذمة كل منهما مشغولة لصاحبه بمثل ما في ذمة الآخر له من الكلي. وفي مقام التطبيق يطبق البائع ما يستحقه المديون من الكلي الذي اشتراه منه على ماله عليه من الكلي ، فتبرأ ذمة كل منهما مما لصاحبه عليه من المن الكلي ، فيكون ـ على هذا ـ حقيقة بيع الدين على من هو عليه نقل كلي من المال الى من عليه للناقل كلي مثله. وليس معناه نقل خصوص المال الذي هو في ذمة المديون بما هو في ذمته للدائن إلى المديون حتى يستحيل ذلك ، فإنه التزام بلا إلزام ، نعم اتصاف ما نقله للدائن إلى المديون بالبيع منه بكونه دينا للمديون على الدائن بنفس البيع ، بخلاف ما للمديون عليه ، فان الاتصاف بكونه دينا للدائن على المديون سابق على ذلك ، ولا ضير فيه بعد ما كان المبيع دينا لا عينا خارجية. ولا ملزم في صدق بيع الدين أن يكون اتصافه بكونه دينا قبل بيعه ، بل يكفي صدق الدين عليه بنفس البيع في قبال العين الخارجية.

والحاصل : إن ما اشتغلت به ذمة المديون للدائن من المال الكلي تارة ـ يلحظ بما هو على المديون وفي ذمته للدائن ، وهو بهذا اللحاظ غير قابل إلا للإسقاط عن المديون ولا يقبل للنقل والبيع الى غير من هو عليه ، فضلا عمن هو عليه ، بل لا يمكن استيفاؤه من المديون ، فإنه بهذا التقييد لا يمكن تطبيقه على ما في الخارج ليمكن تسليمه لمن اشتراه وأداؤه لمن هو له. واخرى ـ يلحظ بما هو كلي مجرد عن التقييد بكونه في ذمة المديون وهو بهذا اللحاظ كما يصلح لنقله وبيعه الى غير من هو عليه بلا اشكال وتطبيقه على ماله في ذمة المديون من الكلي واحالة المشتري عليه فكذا لا ينبغي الإشكال في صلاحية نقله الى المديون وتطبيقه على ماله من الكلي في ذمته ، فتبرأ ذمة المديون مما للدائن عليه من الكلي.

وأما شراء العبد تحت الشدة من الزكاة ، فتحقيق ذلك يتوقف على بيان المدرك في الحكم المذكور. وهو ما رواه الكليني ـ قدس سره ـ في (الكافي) : عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن عمرو عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال : «سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة والستمائة يشتري بها نسمة ويعتقها؟ فقال عليه السلام : إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم ثم مكث مليا ثم قال : إلا ان يكون عبدا مسلما في ضرورة ، فيشتريه ويعتقه» وهذه الرواية رواها الشيخ في (التهذيب) عن الكافي عن عمرو ابن أبي نصر عن أبي عبد اللّه عليه السلام وعلى كل يقول الامام عليه السلام فيها : الا ان يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه ويعتقه. وظاهرها : أن عتق العبد المشترى بالزكاة إنما يكون بعد اشترائه من مالكه فهو قبل أن يعتق ملك لا بد له من مالك ، فاما أن يكون مالكه من عليه الزكاة باعتبار أن ثمنه الذي ابتيع به خرج من ملكه الى ملك بايعه ، ومقتضى المعاوضة والمبادلة دخول المعوض في ملك من خرج العوض من ملكه ، وعليه فينتقل العبد الى ملك من عليه الزكاة ، ويكون أداؤها بعتقه ، واما ان يكون مالكه بعد الاشتراء وقبل العتق مستحق الزكاة وأربابها بناء على أن ما اشتري به العبد هو من زكاة ماله خصوصا إذا كان قد عزله عن بقية أمواله أو من زكاة غيره دفعه اليه من وجبت عليه ليصرفها في سبلها ـ وعلى كل فالمال المشترى به العبد ملك المستحق للزكاة غاية الأمر ، لم يكن من قبيل ملك شخص أو أشخاص معينين ، بل هو نحو خاص من الملك يعبر عنه بملك الجهة ، ومرجعه لزوم الصرف فيها ، فهو مضاف إليها وهي المالكة له ، فاذا اشتري به العبد تحت الشدة والضرورة ليعتق فمقتضى المبادلة بين المالين كون العبد بعد الاشتراء ملكا لمن ملك بدله وهو المستحق للزكاة فيعتق عنهم ، وقد كان قبل الشراء ملك سيده. وهل النقل الا تحويل الملك من مالك الى آخر ومما يشهد لكون العبد بعد الشراء ملك أرباب الزكاة : ما عن الكليني والشيخ ـ قدس سرهما ـ في الموثق : عن عبيد بن زرارة قال : «سألت أبا عبد اللّه عن رجل أخرج زكاة ماله الف درهم فلم يجد موضعا يدفع ذلك اليه ، فنظر الى مملوك يباع فيمن يريده ، فاشتراه بتلك الألف درهم التي أخرجها من زكوته فأعتقه ، يجوز ذلك؟ قال عليه السلام : نعم لا بأس بذلك ، قلت : فإنه لما أعتق وصار حرا اتجر واحترف فأصاب ما لا ثم مات وليس له وارث ، فمن يرثه إذا لم يكن له وارث؟ فقال عليه السلام يرثه الفقراء المؤمنون لأنه انما اشتري بما لهم.» فإنه عليه السلام نزل العبد المشترى من الزكاة المعتق بمنزلة العبد المعتق من مالكه في كون ولائه له.

ثم ان نية الزكاة من مشتري العبد بها هل هي عند دفع الثمن إلى البائع لأنه وقت صرف الزكاة في عتق العبد ـ كما اختاره الفقيه الهمداني (قده) في مصباحه ـ أو أنها مقارنة للعتق ـ كما عن الشهيد (قده) في المسالك ـ وقواه الشيخ في (الجواهر) قال (قده) : «لأن دفع الثمن خصوصا إذا كان بعد إجراء الصيغة لكونه مقتضى البيع ومن هنا ينتقل العبد الى أهل الصدقة ولذا كان ولاؤه لهم ـ الى قوله ـ فيكون إبصاله الى الفقراء يعتقه عنهم.» قال سيدنا الحجة المعاصر دام ظله في (المستمسك) : وما ذكره (قده) في محله لأن الشراء بالزكاة سواء كان بعد العزل والتعيين كما هو ظاهر مورد النص أم بالذمة بعنوان الولاية يوجب تبديل الزكاة بالعيد ومقتضى البدلية صيرورة العيد زكاة وليس ذلك دفعا للزكاة ولا أداء لها كما لو بدل الزكاة بعين أخرى لا يكون أداء لها ، بل الأداء بإخراجها عن يده ، وذلك انما يكون بالعتق في المقام فهو مورد النية لا أداء الثمن إلى البائع إذ بمجرد المعاملة تكون العين ملكا للبائع فاداؤها أداء لمال البائع إليه فلاحظ وتأمل» انتهى.

ولكل من القولين وجه ، ومن هنا احتاط شيخنا الأستاذ ـ قدس سره ـ بالاستمرار بالنية من حين الدفع الى حين الإعتاق.

وعلى كل فعدم تحقق النقل في العبد المشترى من الزكاة غير واضح اللّهم إلا أن يقال : انه بعد الشراء قبل العتق لم يكن مملوكا لأحد لا لمن اشتراه ولا للمستحق للزكاة بل هو في طريقه الى الانعتاق فتأمل.

وأما الشراء بغلة العين الموقوفة فما يمكن أن يقال فيه : ان الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها ـ كما في الخبر ـ فأراضي الزراعة والبساتين تارة توقف على أن ما يحصل من غلتها هو ملك للموقوف عليهم كسائر أملاكهم وعليه ما يباع من الغلة ويشترى بثمنه ما يحتاج الوقف اليه فما يشترى به ملك طلق للموقوف عليهم يجوز بيعه وإبداله بغيره ، فإنه بدل ما اشتري به المفروض كونه ملك الموقوف عليه ، واخرى توقف المزرعة أو البستان مثلا على أن ما يحصل من غلتها يصرف مقدار منه فيما يحتاج الوقف اليه من آلات وحيوانات وغير ذلك ، والباقي يعطي للموقوف عليهم.

ولعل سيدنا يريد هذه الصورة حيث يقول : فإنه (يعني المشتري بالغلة) لا ينتقل إلى المشتري بل يكون وقفا لأن بدل الوقف وقف ، انتهى أقول الوقف على أقسام : الأول ـ وقف المشاعر كالمشاهد والمساجد ونحوها ، والوقف في هذا القسم ليس بتمليك وانما هو فك ملك وتحرير فعدم جواز بيعه من حيث عدم كونه ملكا لأحد كالحر لا لدليل خاص على عدم جواز البيع ومن هنا لو غصبه غاصب لا يضمنه.

الثاني ـ ما يلحق بالأول كالقناطر والشوارع العامة ونحو ذلك مما يكون وقفه لانتفاع كل أحد به ، فيكون كالمباحات لمن سبق اليه الانتفاع به بالمرور والاستطراق وهذا القسم كالأول في عدم كونه تمليكا بل هو إعدام للملكية ينتفع به من شاء. والظاهر أن وقف المقبرة من هذا القسم أيضا. نعم إذا كان الواقف لها مسلما لا يدفن فيها غير المسلم فان ظاهر حال المسلم إيقافها لخصوص دفن المسلم فيها ، ولكونها تعد مقبرة للمسلمين ، فلا يدفن فيها غير مسلم. كما أن الظاهر أن وقف الخانات المبنية للمسافرين وكتب الأدعية والزيارات والأشجار الموقوفة لانتفاع المارة وسائر ما قصد بوقفه انتفاع عامة الناس من هذا القسم أيضا.

الثالث ـ الوقف على الجهة كالعلماء والطلاب ـ مثلا ـ والظاهر كون هذا القسم تمليكا للجهة لا كالقسمين الأولين في كونه تحريرا وإعداما للملكية ، ومن هنا لو غصبه غاصب يضمن للجهة.

الرابع ـ الوقف الخاص على البطون ، وهو المسمى بالوقف الذري ، وهو كالقسم الثالث يملكه البطون بطنا بعد بطن ، وهو تابع لجعل الواقف من كونه تشريكيا أو ترتيبيا وتسميته خاص في قبال القسم الثالث مما كان الموقوف عليهم جهة عامة كالعلماء والطلاب.

القسم الخامس ـ الوقف على الوقف كوقف فرش أو سراج أو أثاث على مسجد أو مشهد وكوقف على مدرسة ونحوها.

هذه جملة أقسام الوقف ، وقد ذكرنا أن عدم جواز بيع القسمين الأولين ليس من جهة قيام الدليل على عدم جواز بيع الوقف بل لعدم كونهما من الملك والبيع تبديل الأموال بعضها ببعض واما الأقسام الثلاثة الآخر ، فمقتضى القاعدة الأولية جواز بيعها فإنها نحو من الملك ، إذ القسم الثالث ملك الجهة والرابع ملك البطون ، والقسم الخامس ـ وهو الوقف على الوقف ـ فمرجعه تمليك الجهة أو المسلمين حسب اختلاف ما وقف على الوقف في كونه لمدرسة أو لمسجد ـ مثلا ـ هذا ما تقتضيه القاعدة الأولية ، ولكن ثبت بالدليل أن الوقف لا يجوز بيعه فمقتضى القاعدة الثانوية عدم جواز بيعه ، نعم استثنى الأصحاب موارد يجوز بيع الوقف فيها على اختلاف فيما بينهم فيما يجوز بيعه منها ـ كما هو محرر في باب بيع الوقف.

هذا ولكن بقي أمر ينبغي التنبيه عليه وهو أن الدليل الدال على عدم جواز بيع الوقف إلا في موارد خاصة انما هو أصل الوقف وما جرت عليه صيغته من الواقف كالمزرعة والبستان والفرش والسراج والباب للمسجد والمدرسة ـ مثلا ـ وأما غلة الموقوفة وعائداتها ، فلو بيعت واشترى بثمنها شي‌ء فيه نفع للوقف أو الموقوف عليه ثم رأى متولي الوقف تبديله بما هو أصلح جاز له البيع والتبديل به مع ملاحظة شرط الواقف.

والحاصل ان أصل الوقف ثبت بالدليل عدم جواز بيعه وتبديله إلا في موارد استثناها الشارع من عموم عدم الجواز فلا بد من الاقتصار عليها وعدم التعدي عنها ، فلو قلنا بأن الوقف لا يجوز بيعه إلا إذا سقط عن عن الانتفاع المعتد به لا يجوز بيعه وتبديله بما هو أصلح ما دام فيه نفع معتد به بخلاف ما إذا اشترى بغلته شي‌ء للوقف أو الموقوف عليه فاقتضت المصلحة تبديله بالأصلح ، جاز للمتولي بيعه وتبديله به ، وان كان في الأول نفع معتد به وكذا لو عرض بعض المجوزات لبيع الوقف فبيع واشتري بثمنه مال آخر يجوز تبديله بما هو أصلح للموقوف عليه أو للوقف وبالجملة انما يتقيد بنصوص جواز بيع الوقف في نفس الأعيان الموقوفة دون غيرها من ثمراتها ونمائاتها وإبدالها. وما يقال من أن بدل الوقف وقف فإنما يراد به على الظاهر كونه في حكم الوقف في عدم جواز صرفه إلا في سبيل الموقوف عليه.

إذا تبين ذلك فنقول : ان المتولي للوقف إذا اشترى بغلته ما ينتفع به للعين الموقوفة فيما اشتراه بالغلة ينتقل بشرائه إلى الموقوف عليه بالوقف العام أو الخاص ، إذ هو بدل ثمرة المزرعة والبستان مما هو ملك للجهة أو البطون بنحو من أنحاء الملك ولو اشترى بغلة وقف على مسجد أو مشهد فبمقتضى أن مرجع الوقف المذكور كونه وقفا على المصلين في المسجد ـ مثلا ـ أو الزائرين للمشهد ، فاشتري من الفرش ونحوه مما يحتاج اليه المسجد أو المشهد يكون ملكا للمصلين فيه أو الزائرين له بنحو من الملك فما اشتري بالغلة ينتقل إليهم بالبيع. وما ذكرناه من أن وقف المسجد والمشهد تحرير ، لا يلزم منه كون ما وقف عليه من المزرعة والبستان كذلك ويشهد لذلك ما ذكرناه من أنه لو غصب المسجد غاصب لا يكون ضامنا لأحد فإنه ليس بملك ولكنه لو غصب المزرعة أو البستان الموقوفة عليه يضمن ما غصبه له ، وكأن سيدنا ـ قدس سره ـ حيث يقول في الشراء بغلة الوقف للعين الموقوفة أنه لا ينتقل إلى المشتري بل يكون وقفا لأن بدل الوقف وقف يعتبر في النقل والملك بالنسبة إلى المبيع كونه لشخص أو أشخاص فما كان للنوع أو الصنف لا يعتبره ملكا له ولا نقلا اليه ، وهو التزام بلا إلزام نعم هو لا ينتقل إلى المشتري بما هو هو كالمتولي ـ مثلا ـ وانما ينتقل الى مالك المبدل من النوع ، أو الصنف ، ويكون نحو ملكهم للبدل نحو ملك المبدل نوعا أو صنفا هذا ، وأما شراء العمودين بناء على سببيته للانعتاق قهرا من دون تحقق الملك أصلا ـ كما يقوله سيدنا ـ قدس سره ـ فان روايات الباب ، وان كان بعضها كما يقوله ـ قدس سره ـ تنفي أصل الملك بالنسبة إلى العمودين وبعض المحارم كرواية عبيد بن زرارة المروية في (التهذيب) قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عما يملك الرجل فقال عليه السلام : لا يملك والدية ولا ولده ولا أخته ولا عمته ولا خالته وهو يملك ما سوى ذلك من الرجال من ذوي القرابة ، ولا يملك أمه من الرضاعة» وفي (التهذيب) أيضا عن أبي جعفر عليه السلام قال : «لا يملك الرجل والدية ولا ولده ولا عمته ولا خالته ، ويملك أخاه وغيره من ذوي قرابته» وفيه أيضا : «عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : الرجل يملك أخاه إذا كان مملوكا ولا يملك أخته» وفيه ـ أيضا ـ : «عن أبي حمزة الثمالي قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن المرأة ما تملك من قرابتها؟ قال عليه السلام كل أحد الا خمسة : أباها وأمها وابنها وابنتها وزوجها».

هذا ولكن بعض الروايات الأخر تدل على الملك ثم العتق ، منها ما روي في (التهذيب) : عن الرجل يتخذ أباه أو امه أو أخاه أو أخته عبدا فقال : «أما الأخت فقد عتقت حين يملكها ، وأما الأخ فيسترق واما الأبوان فقد أعتقا حين يملكهما» قال : «وسألته عن المرأة ترضع عبدها أتتخذه عبدا؟ قال : تعتقه وهي كارهة» ومنها ما روي عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال : «إذا ملك الرجل والدية أو أخته أو عمته أو خالته أعتقوا ، ويملك ابن أخيه وعمه وخاله ويملك عمه وخاله من الرضاعة» ومنها ما روي عن كليب الأسدي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يملك أبويه وأخوته؟ فقال : ان ملك الأبوين فقد عتقا وقد يملك اخوته فيكونون مملوكين ولا يعتقون» ومنها ما روى عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : «وسمعته يقول : لا يملك (يعني الرجل) ذات محرم من النساء ولا يملك أبويه ولا ولده ، وقال إذا ملك والدية أو أخته أو عمته أو خالته أو بنت أخيه ـ وذكر هذه الآية من النساء ـ عتقوا ، ويملك ابن أخيه وخاله ولا يملك امه من الرضاعة ولا يملك أخته ولا خالته إذا ملكهم أعتقوا» ويعني بالآية قوله تعالى : «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ» إلخ. ومنها ما روي عن أبي بصير وأبي العباس وعبيد كلهم عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : «إذا ملك الرجل والدية أو أخته أو عمته أو خالته أو بنت أخيه أو بنت أخته ـ وذكر أهل هذه الآية من النساء ـ عتقوا جميعا ، ويملك عمه وابن أخيه والخال ولا يملك أمه من الرضاعة ولا أخته ولا عمته ولا خالته من الرضاعة إذا ملكهن عتقن ، وقال : يملك الذكور ما عدى الولد والوالدين ولا يملك ذات محرم ، قلنا : وكذلك يجري في الرضاع؟ قال : نعم ، وقال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، ومنها ما روي عن عبد اللّه ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : «إذا اشترى الرجل أباه أو أخاه فملكه فهو حر الا ما كان من قبل الرضاع ولا ينافي الحكم فيها بحرية الأخ والتفرقة بين النسب والرضاع في الحكم بحرية الأب إذا اشتراه ، فملكه لسقوطهما بالمعارضة لغيرهما هذا ما وجدته في (التهذيب) من روايات الباب ويؤيدها أو يدل عليها أخبار أم الولد وانها تعتق من نصيب ولدها والإنصاف أن الناظر في الاخبار المذكورة بضم بعضها الى بعض ، مضافا الى مناسبات للحكم والموضوع وقرائن فيها يستظهر ما استضعفه سيدنا ـ قدس سره ـ مما ينسب الى المشهور من القول بدخول المملوك في ملك المشتري ثم يعتق فان ظاهر قوله عليه السلام ـ : إذا ملك الرجل والدية أو أخته ـ إلى آخر ما ذكر في الآية الشريفة ـ عتقوا جميعا ، وقوله عليه السلام : ان ملكهن عتقن وما كان بهذا التعبير من الروايات مضافا الى ما رواه في (الكافي) عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : «لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك» وفي رواية أخرى : «قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : لا عتق الا بعد ملك» ان الانعتاق انما يكون بعد تحقق الملك المسبب عن أحد أسبابه الاختيارية أو غيرها كالإرث ، غاية الأمر أنه ملك آني لا يترتب عليه شي‌ء من آثاره سوى الانعتاق المتوقف على سبق الملك ، وأما عدم تحقق الملك أصلا وتنزيل الملك على الشراء وكون التعبير عنه بالملك تسامحا ـ كما ذكره سيدنا وقواه ـ مع انه لم يرد في الروايات ذكر للشراء وجلها عبر فيها : إذا ملك الرجل والدية إلخ وإذا ملكهن وإذا ملكن نعم في رواية ابن سنان : «إذا اشترى الرجل أباه أو أخاه فملكه فهو حر» وهي ـ أيضا ـ ظاهرة فيما ذكرناه : من ترتب الحرية على الملك المترتب على الشراء.

وما ذكره ـ قدس سره ـ بعد التنزل : من كون الترتب على الملك وتقدمه على الانعتاق بالطبع بدعوى كون الشراء ـ مثلا ـ سببا للملك والانعتاق معا غير ان الأول مقدم على الثاني بالذات ، لا بالزمان ، ولعله لما قد يقال من أن التأخر في الزمان مستلزم لتأخر المعلول عن علته ، ولو بمقدار آن ولكنه ـ مع ذلك ـ هو خلاف المتفاهم العرفي المنزل عليه كلامهم عليهم السلام.

والظاهر أن سيدنا إنما عدل عن ثالث الوجوه واستضعفه لتصريح الروايات الأول بعدم الملكية أصلا بالنسبة إلى مواردها ، مضافا الى أن مقام الأبوين لا يناسب التملك ، وكذا المحارم ، ولكن الظاهر أن المنفي في الروايات الملك المقتضى للاسترقاق واتخاذ العبودية نحو سائر المماليك مما لا يناسب مقام الأبوين ، والذي لا يتناسب مع المحارم اتخاذهن إماء له وسراري كغيرهن من الإماء. كما ان مالا يناسب الولد رقيته وعبوديته لأبويه.

والحاصل ان روايات الباب على طائفتين ، فطائفة تنفي أصل الملك بالنسبة إلى الأبوين والولد والمحارم ، وتثبته لما سواها من الأرحام ، وطائفة تثبت الملك لهم ولكنه المتعقب للعتق والتحرر بالنسبة الى ما تنفيه الاولى ، ومقتضى الجمع رفع اليد عن ظهور إحدى الطائفتين لأظهرية الأخرى ، والمدعى أظهرية الطائفة الثانية في تحقق الملك بالنسبة إلى مواردها ، ولكنه المتعقب للتحرر ، فلتكن هي القرينة الصارفة لظهور الطائفة الأولى في نفي تحقق الملك.

وبالجملة ، لم يتضح مورد من الموارد التي ذكرها سيدنا ـ رحمه اللّه ـ لم يطرد فيها تحقق النقل الاعتباري في البيع.


1) يمكن أن يقال : إن البيع كيف ما كانت حقيقته لا يخلو مورد من موارده عن نقل وانتقال ، وما ذكره سيدنا ـ قدس سره ـ من الأمثلة مطرد فيها ذلك :

كبيع الدين على من هو عليه بناء على جوازه ، بل يستحيل ذلك فيه وشراء العبد تحت الشدة من الزكاة المفروض كونه مصرفا لها في الآية كغيره من السهام والشراء بغلة الوقف للعين الموقوفة ، فإنه لا ينتقل إلى المشتري بل يكون وقفا لان بدل الوقف وقف كما أن بدل الملك ملك ، وشراء

أحد العمودين بناء على سببيته للانعتاق قهرا من دون تحقق الملك أصلا كما يدل عليه بعض الأخبار ، وان دل بعضها الآخر عليه كقوله «إذا ملك الرجل والدية أو أخته أو عمته عتقوا» وقوله : «إذا ملكهن عتقن»

المنزل ذلك على الشراء وان عبر بالملك تسامحا على الأقوى في تلك المسألة بناء على عدم شمول «لا عتق إلا في ملك» للانعتاق أو إرادة عدم تحققه إلا في المملوك ويتلوه في القوة ترتب الانعتاق على الملك وتقدمه عليه طبعا لا بالزمان ، بدعوى سببية الشراء للملك والانعتاق معا ، غير أن

الأول مقدم على الثاني بالذات لا بالزمان ، أو ضعف منه القول بدخوله في الملك آنا ما ، ثم ينعتق ، جمعا بين ما دل من الاخبار على الملك وقاعدة «لا عتق إلا في ملك» وبين ما دل على الانعتاق قهرا وتربته على نفس الشراء بإرادة المستقر من الثاني وغيره من الأول.

وبالجملة فتحقق النقل والدخول في ملك المشتري غير معلوم في جميع موارد البيع ، فالأحسن في التعبير عن العنوان الثانوي في البيع بالمبادلة لو قلنا بكونه اسما له حتى يكون مطردا في جميع موارده ، ولعل التعبير عنه بالنقل في كلام من عرفه به منزل على الغالب.

وأما الثاني وهو المناقشة في الكبرى ، فقد يقال بانا نعلم ان الشارع اعتبر - قطعا - في هذا الموضوع العرفي مطلق اللفظ أو الألفاظ الخاصة غير أنه لم يعلم اعتباره فيه شرطا في الملك أو في اللزوم ، ومع ذلك كيف يستدل بعمومه مع كونه مخصصا بما اعتبره فيه ، والخاص المجمل يوجب سريان إجماله إلى العام.

والجواب عنه بان ذلك : ان كان معتبرا في أصل الملك وجب تخصيص العام به ، ولا كذلك ان كان معتبرا في اللزوم ، فالأمر دائر بين

التخصيص وعدمه ، بل يتعين كونه شرطا في اللزوم بأصالة العموم التي من الأصول اللفظية لأن مرجعها إلى أصالة الحقيقة ، فيثبت بها جميع

اللوازم الشرعية والعقلية ولو بواسطة بعيدة ، بل يجري ذلك في كل خاص مجمل مصداقي مردد بين فردين : أحدهما داخل في العموم يوجب تخصيص العام به على تقدير إرادته ، والآخر خارج عنه لا يوجب ذلك لو كان مرددا ، فبأصالة العموم يتعين كونه الفرد الخارج مثال ذلك ما لو قال : أكرم العلماء

ثم قال : لا تكرم زيدا ، وكان زيدا مرددا بين فردين أحدهما عالم والآخر جاهل ، فبأصالة العموم يتعين كون المنهي عن إكرامه هو الجاهل ، ففي ما نحن فيه يتعين كون ما اعتبره الشارع شرطا اعتبره في اللزوم بحكم أصالة العموم عند الشك في تخصيص العام.

لا يقال : ان الآية الشريفة من حيث حلية أفراد البيع لا عموم لها ، بل هي مهملة من هذه الحيثية ، سبقت لمحض بيان مشروعية البيع وحليته في الجملة ، نحو «أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ» والعموم الناشي من الحكمة فرع إحراز كونه في مقام البيان ، وهو غير معلوم في المقام ، ويكفي في التوقف الشك فيه.

لأنا نقول : نمنع أولا كون العموم فبها عموم الحكمة حتى يتوقف على إحراز ذلك ، بل هو عموم سرياني بالوضع ، بناء على الأقوى من تعلق الأحكام بنفس الطبائع السارية في جميع مصاديقها وأفرادها لأنها من حيث وجودها ولا بالطبائع الموجودة ، وثانيا نمنع الإهمال ، كيف والأصل في كلامه هو البيان ، بل هو الظاهر هنا بقرينة المقابلة للربا سيما مع تمسك العلماء بعمومها في موارد عديدة ، فظهر لك تمامية صغرى الدليل وكبراه وصح الاستدلال بالآية الشريفة على المدعى من إفادة المعاطاة الملك.

الثاني من الأدلة قوله تعالى : ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) بتقريب أن المعاطاة تجارة لغة وعرفا فتدخل في حكم المستثنى ، وهو الجواز والإباحة وقرأ عاصم وحمزة والكسائي - على ما حكى عنهم - بالنصب على ان (كان) ناقصة ، والتقدير : الا أن تكون التجارة تجارة عن تراض ، وأموالكم أموال تجارة حذف المضاف وأقيم

المضاف اليه مقامه ، والباقون بالرفع على ان (كان) تامة بمعنى أن تقع تجارة ، وعلى التقديرين فالظاهر كون الاستثناء منقطعا ، لأن المستثنى - وهو التجارة عن تراض - ليس من جنس الباطل الذي هو المستثنى منه المشعر بعليته للحكم وهو الإباحة ، والنهي عن الأكل كناية التصرف عبر به لكونه من أعظم التصرفات ، والحكم التكليفي مستلزم للحكم الوضعي ، فالصحة مدلول عليها بالالتزام وجواز مطلق التصرف مدلول عليه بالعموم المستفاد

من حذف المتعلق ، والحكم بالإباحة المطلقة يعم جميع أقسام التجارة عن تراض التي منها المعاطاة والا لكان بعضها باطلا داخلا في المستثنى منه وكان من جنسه والمفروض كونه خارجا عنه ، فالتجارة عن تراض بجميع أقسامها التي منها المعاطاة صحيحة وكان أكل المال بها أكلا بالحق لا بالباطل إلا ما خرج بالدليل.

لا يقال : ان هذا النحو من الاستثناء مسوق لإفادة شرطية المستثنى نحو : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، ولا صلاة إلا بطهور ، المستفاد منه عموم حكم المستثنى منه دون حكم المستثنى ، ضرورة عدم صحة الصلاة بمجرد الطهور أو الفاتحة بل مسوق لبيان بطلان كل صلاة فاقدة لهما لا صحة كل صلاة مشتملة عليهما وبالجملة لا عموم في المستثنى حتى يتمسك به في المقام بل هو مهمل لا إطلاق فيه وانما ذكر لإفادة محض الشرطية وعموم حكم المستثنى منه.

لأنا نقول : لا يتم ذلك بناء على ما هو الظاهر من كون الاستثناء منقطعا - كما قيل - لأن مغايرة المستثنى للمستثنى منه بالجنسية في المنقطع لا يستلزم كون ما عدا المستثنى من جنس المستثنى منه كلية حتى يؤخذ بعموم الحكم فيه ، بل غايته ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى ولو لمغايرته له في الموضوع والجنسية ، فيكون الكلام حينئذ مسوقا لبيان حكم المستثنى فقط وانما ذكر المستثنى منه توطئة لذلك ، فهو نظير قولك : لا تأكل الحرام الا ما كان كدا باليمين ، المسوق لبيان حلية ما حصل بالكد لا حصر الحلال فيه وحرمة ما عداه. نعم لو كان التعبير لا أكل بالحق إلا ما كان تجارة عن تراض ، لكان قياسه بنحو لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، في إفادة الشرطية وعموم المستثنى منه وإهمال المستثنى حسنا.

هذا ويمكن تمامية ذلك على القول بكون الاستثناء متصلا - كما عن بعض - بإضمار شي‌ء ، والتقدير : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وان تراضيتم

فالمستثنى منه حينئذ يعم التجارة وغيرها مع التراضي وغيره ، وكان كل ذلك أكلا بالباطل إلا ما كان تجارة عن تراض.

الا انه يضعفه - مضافا الى لزوم الحذف والإضمار حينئذ - الالتزام بالنسخ أو كثرة التخصيص المستهجن لعدم حصر أسباب حل الأكل والجواز بالمستثنى وهو التجارة عن تراض ، ضرورة انه - كما يحل بذلك - يحل بالهبات والوقوف والصدقات والوصايا وأروش الجنايات وسائر النواقل الشرعية والإباحات بقسميها الشرعية والمالكية ، فكيف يكون مطلق غير التجارة عن تراض أكلا بالباطل ، ولا كذلك على المنقطع لرجوعه الى ذكر السبب الخاص لا حصر الأسباب به ، فتبين بذلك ظهور الاستثناء في المنقطع وعليه يتم الاستدلال بالآية على المدعى ، نعم ربما يخدش الدليل بوجه آخر وهو ان الإباحة المستفادة من الحل في المستثنى مرددة بين معنيين الإباحة المسببة عن الملك التي هي من آثاره والإباحة المجردة عنه المقابلة له وان عمت سائر التصرفات حتى المتوقفة على الملك ، والاستدلال انما يتم على ارادة المعنى الأول وهو موقوف على قرينة معينة مفقودة في المقام ، فيكون مجملا لا يصلح الاستدلال به على المدعى.

ودعوى ان حلية ما يتوقف على الملك كالبيع والعتق ونحوهما كما هو المفروض من كون الإباحة مطلقة تصلح أن تكون قرينة لإرادة الإباحة المسببة عن الملك.

يدفعها لزوم الملك عند التصرف الخاص لا تحققه من الأول.

والجواب عنه - مضافا الى ما عرفت من أن الإباحة المطلقة المحيطة بجميع جهات التصرف في العين ترادف ملكية الرقبة - لزوم التخصيص وعدم جواز التصرف المتوقف على الملك لو أريد بالإباحة المجردة ، لأن عمومها المستفاد من حذف المتعلق يعارضه ما دل على توقف هذه التصرفات الخاصة كالبيع

والعتق والوقف والوطء على الملك تعارض العام والخاص المطلق فيجب تخصيص العام به ، ولا يلزم ذلك لو أريد بها الإباحة الناشئة عن الملك وحيثما دار الأمر بين ما يلزم تخصيصه لو أريد وما لا يلزم تخصيصه ، تعين الثاني بحكم أصالة العموم الكاشفة عن المراد والرافعة للإجمال نظير ما تقدم في الخاص المجمل المصداقي حيث يرتفع الإجمال عنه بأصالة العموم.

ودعوى الفرق بينهما بأن المقام من الدوران بين العامين أحدهما مخصص والآخر غير مخصص وهذا بخلاف الخاص المردد بين ما يوجب تخصيص العام به وما لا يوجب ذلك ، وبعبارة أخرى مرجع الشك في المقام الى نفس العموم لا الى تخصيص العام.

يدفعها ان ذلك ، وان كان مسلما وليس في كونه من الشك في التخصيص بدرجة الوضوح مثل الخاص المجمل المصداقي ، إلا انه يرجع اليه بعد التأمل فتأمل ، فيصلح حينئذ ان تكون أصالة العموم قرينة معينة للمعنى المراد من الإباحة المستفادة من حكم المستثنى في الآية الشريفة.

ان قلت : ان المشهور من أهل القول بالإباحة المجردة بل جلهم - عدا من شذ منهم كالمحكي عن الشهيد في تعليقه على القواعد - يقولون بجواز جميع التصرفات حتى المتوقفة على الملك ، ولا يقولون بتخصيص عموم الإباحة بتلك التصرفات حتى يدور الأمر بين التخصيص وعدمه ، ويقولون بدخوله آنا ما قبل ذلك التصرف في الملك للجمع بين ما دل على جواز تلك التصرفات من الإجماع والعموم المستفاد من حذف المتعلق وما دل على توقفها على الملك وأصالة عدم الملك بالقبض والتعاطي حينئذ فلا قرينة على إرادة أحد المعنيين من الإباحة ان لم نقل بظهورها في المجردة عن الملك.

قلت : ضرورة الجمع والالتجاء الى الدخول في الملك آنا ما قبل التصرف متوقف على ثبوت مقدمات لا دليل لهم على بعضها ، لأن التزامهم بجواز

تلك التصرفات : ان كان من جهة عموم حذف المتعلق فيلزمهم تخصيصه بما دل على توقفه على الملك لا خصيته منه مطلقا وان كان من جهة الإجماع على جوازها فلا يعلم تحققه ممن يقول بالإباحة المجردة بل لعله من جهة الإباحة المسببة عن الملك ، نعم لو كان عدم الملك عند القبض والتعاطي مدلولا عليه بدليل اجتهادي معتبر لكان الالتجاء الى الملك آنا ما قبل التصرف حسنا ولكن ليس عليه دليل إلا الأصل المأخوذ في مجراه الشك ويرتفع الشك بظهور العموم المستفاد من حذف المتعلق المعتضد بالإجماع والشهرة المحققة على جواز التصرفات المتوقفة على الملك في إرادة الإباحة المسببة عنه من حكم المستثنى فتكون الآية الشريفة بمعونة ما ذكرنا واردة على استصحاب عدم الملك بالقبض مؤيدا بلزوم ما يستبشع منه العقل من الدخول في الملك بمجرد الإرادة للتصرف وان الإرادة من المملكات والنواقل فافهم.

الثالث - قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» والاستدلال به على المدعى مبني أولا - على شمول العقد للمعاطاة اما بناء على تفسيره بمطلق العهد - كما وقع في صحيحة ابن سنان وتفسير بعض أهل اللغة به الشامل حينئذ للمعاطاة قطعا أو بناء على كفاية مطلق التوثيق الشامل للتوثيق القولي والفعلي بناء على تفسيره كما عن أكثر أهل اللغة بالعهد الوثيق أو المشدد احترازا عما لا وثوق فيه أصلا كالعهود القلبية التي من المعلوم عدم وجوب الوفاء بها ، بل لا بد من كون العهد القلبي منكشفا بما يوجب الوثوق به من الكواشف مطلقا ولو كان الكاشف فعلا ومنه المعاطاة ، وحمل ما ورد في تفسيره بمطلق العهد على بيانه في الجملة ، وثانيا - على ارادة وجوب العمل على طبق ما يقتضيه العقد ، ان لازما فلازما وان جائزا فجائزا - كما عن بعض - فجواز الرجوع في العقود الجائزة وحرمة التصرف في العين بعده هو مقتضى العقد الجائز فيجب الوفاء به بناء على ذلك والحكم التكليفي المستفاد من الأمر بالوفاء مستلزم للصحة ، إذ الفاسد لا يجب الوفاء

به. واما بناء على اختصاصها بالعقود القولية ، إما بدعوى انصراف العقد اليه ، أو بدعوى ظهور الوثوق والتشديد المقيد بهما العقد في اللغة والوثوق التام لا في الجملة الغير الحاصلة إلا بالقول لعدم المجال معه إلى الإنكار ولا مسرح لإبداء عذر معه ربما يكون مسموعا عند العقلاء لو كان الكاشف عما في القلب هو الفعل فالعهد الفعلي اى الكاشف عما في الضمير بالفعل ربما لا يحصل منه الوثوق التام بإمكان إبداء عذر مخالف له مقبول عند العقلاء ، لعدم صراحة الأفعال في الكشف عن الباطن بخلاف الأقوال التي هي صريحة في ذلك مع بناء العقود على المداقة حسما للعناد وقطعا لمثار الفساد فلا يشمل المعاطاة قطعا ، كما لا يشملها أيضا لو قلنا باختصاصها بالعقود اللازمة كما عن الأكثر بدعوى ظهورها في لزوم الوفاء بما جرى عليه العقد وعدم جواز نقضه بفسخ ونحوه لان المدعى جواز الملك دون لزومه ، فالاستدلال به موقوف على إحراز مقدمتين كل منهما في حيز المنع : شمول العقد للمعاطاة ، وتعميمه للعقود اللازمة والجائزة ، كيف وظاهر الأكثر استفادة اللزوم منها ولذا يستدلون بها على أصالة اللزوم في العقود كما يظهر ذلك لمن راجع كلماتهم في موارد عديدة.

لا يقال : انا نمنع ابتناء الدليل وتوقفه على المقدمة الثانية لأن التفكيك بين اللزوم المستفاد من الآية وبين الصحة المدلول عليها بالملازمة ممكن في الحجة ان لم ينفكا في الوجود ، وبعبارة اخرى : انا نلتزم بتخصيص اللزوم المستفاد منها بغير المعاطاة لما دل على عدمه فيها ونقول بالصحة فيها أيضا ، وما الآية إلا كالرواية المشتملة على ما لا يقول به أحد فإنها لا تسقط عن الحجية في غيره من مداليلها ، وبالجملة ليست آية «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» إلا كآية «أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ» و «تِجارَةً عَنْ تَراضٍ» في إفادتها اللزوم والصحة بالملازمة معا وانتفاء اللزوم لدليل لا يوجب انتفاء الصحة

اللازمة - كما في الآيتين - حيث استدللنا بهما على الصحة في المعاطاة ولم نقل باللزوم فيهما مع كون اللزوم مستفادا منهما أيضا ولذا استدل بهما أيضا على أصالة اللزوم في البيع.

لأنا نقول : جهة مفاد الصحة في الآيتين غير جهة مفاد اللزوم فيهما لأن الصحة مستفادة فيهما من الحكم بالحل والأمر بالأكل الدال هنا على الإباحة واللزوم ولو بعد الرجوع بفسخ ونحوه مستفاد من العموم في الأحوال أو الأزمان ، فجهة مفاد الصحة غير جهة مفاد اللزوم يمكن التفكيك بينهما في الحجة ، ولا كذلك آية «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» فإن الصحة فيها مستفادة من نفس الأمر بالوفاء الدال على اللزوم ولا يمكن التفكيك بينهما في الحجة أيضا لوحدة جهة الإفادة فانتفاء اللزوم المستفاد من الأمر بالوفاء ابتداء لدليل مستلزم لانتفاء الصحة المستفاد منه بالتبع والملازمة فافهم فإنه دقيق

الرابع - قوله عليه السلام : «الناس مسلطون على أموالهم» والتقريب فيه : ان المراد بتسلط الإنسان على ماله هو القدرة عليه بمعنى نفوذ تصرفاته فيه ، ومقتضى عموم السلطنة نفوذ جميع التصرفات التي منها المعاطاة إذ المنع عنه سلب للقدرة عليه من هذه الجهة وهو ينافي العموم المستفاد من الحكمة أو حذف المتعلق.

وناقش في ذلك شيخنا المرتضى (في مكاسبه) بما يرجع ملخصه الى أن غاية ما يستفاد من الرواية هو عموم السلطنة بالنسبة إلى أنواع التصرفات بحيث لو شك في قدرته على نوع خاص منها حكم بالعموم ، وأما بالنسبة إلى كيفية حصوله وسبب تحققه ، فلا عموم فيها لأنها لم تكن مسوقة لبيان الأسباب الموجبة لها ، فهي مهملة من هذه الحيثية وان كانت مطلقة من حيثية أنواع التصرف ، وبالجملة ، فالقدر المسلم من العموم هو العموم بحسب الكم لا بحسب الكيف.

وهو كلام حسن متين لولا ظهورها بحكم التبادر في إمضاء ما هو المتعارف عند الناس في أنحاء تصرفاتهم في أموالهم كما وكيفا ، فهي ناظرة الى ما هو المتعارف عندهم الذي منه المعاطاة كيف ولو كان المقصود منها خصوص الأنواع الثابتة شرعا لكان ذلك تأكيدا لأدلة تلك الأسباب للاكتفاء بها حينئذ عنه ولذا لو لم تكن أدلة تلك الأسباب لوجب حمل الرواية على الإمضاء لما هو المتعارف بينهم وهو واضح بحكم الوجدان والتبادر ، فالرواية وافية في إثبات المدعى.

الخامس - السيرة القطعية الجارية بين الناس من العوام والخواص خلفا عن سلف في معاملاتهم بالمعاطاة بقصد التمليك والتملك عند التعاطي وترتب جميع التصرفات عليه حتى المتوقفة على الملك ، مع بنائهم على حلية ذلك وجوازه ، لا أنها منبعثة عن عدم المبالاة منهم.

فلا وجه للمناقشة فيها أولا بمنع قيامها على الموضوع من قصد التمليك بالمعاطاة كما ذهب اليه شيخنا في (الجواهر) حيث جعل محل النزاع في المعاطاة هو ما كان منها بقصد الإباحة لا بقصد التمليك ، وثانيا بمنع ترتب التصرفات المتوقفة على الملك عليه - كما تقدم عن الشهيد في تعليقه على القواعد - وثالثا بمنع كونها الكاشفة بل هي كبعض سيرهم الناشئة عن قلة المبالاة في الدين والتسامح في أحكام سيد المرسلين - كما احتمله شيخنا المرتضى في (مكاسبه).

إذ السيرة في المقام تنحل بالتحليل إلى الأمور الثلاثة قائمة على كل واحد منهما بحكم الوجدان ، ومن نظر الى ذلك بعين الإنصاف وجانب طريق الاعتساف وجدها أوضح من الشمس وأبين من الأمس غنية عن البيان غير محتاجة إلى البرهان.

نعم قد يناقش في السيرة بوجه آخر وهو أن اعتبارها انما هو من

حيث كشفها عن تقرير الامام وإمضائه ، وإلا فعمل الناس من حيث هو عملهم ليس بحجة ، وإحرازه يتوقف على شروط : منها - عدم الردع لهم مع تمكنه منه وهو غير معلوم في المقام اما بناء على الاكتفاء بما دل على توقف تلك التصرفات على الملك عن الردع ، فتكون تلك الأدلة كافية في الردع أو لاحتمال وجود مانع عنه يكون بسببه غير متمكن من الردع ، وإحراز عدم المانع بالأصل لا يجدي فيما كان اعتباره من حيث القطع بالكشف وليس هو من الدليل الظني حتى يكون الأصل فيه معتبرا.

لا يقال : على الأول لا تعارض بين أدلة تلك التصرفات نحو «لا عتق إلا في ملك» «ولا وطء إلا في ملك» وبين السيرة المفيدة للملك حتى تصلح تلك الأدلة للردع بل هي محققة لشرط صحة التصرف وهو الملك ، لأنا نقول : الحكم بصحة التصرف موقوف على إحراز الملكية قبله والمفروض كونها مستفادة من السيرة على التصرفات فاستفادة الملكية من السيرة متأخرة في المرتبة عن التصرف ، فكيف يكون شرطا لصحته نعم المتيقن تحققه منهم قبل التصرفات هو اعتقاد الملكية والمتوقف عليه التصرفات نفس الملكية لا اعتقادها ، وبعبارة أخرى : الحكم بصحة التصرف موقوف على ثبوت الملك فلو توقف ثبوت الملك على صحة التصرف لزم الدور المحال ان قلت : ان الردع المعتبر عدمه في كشف العمل عن الإمضاء انما هو الردع عن خصوص ما عليه العمل والسيرة ولذا لا يكتفى في ردع من شرب الخمر - مثلا - بعمومات الكتاب والسنة الدالة على حرمته بل يجب ردعه وزجره عنه بالخصوص ان جوز عليه الارتداع مع ان العمومات أظهر دلالة في المنع عن العمل الشخصي من تلك الأدلة في مورد المعاطاة فكيف تصلح ان تكون رادعة عنه.

قلت ما ذكرته حسن ، ان كان وجوب الردع من باب الأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر واما ان كان من باب الإرشاد الواجب بيانه على سفراء اللّه - سبحانه وتعالى - لما دل على أن التكاليف ألطاف واجبة كما فيما نحن فيه فتكفي العمومات ونحوها في الإرشاد وبيان الأحكام الإلهية ، وان استدل على اعتبار السيرة بوجوب الأمر بالمعروف وجوب الإرشاد أيضا إلا أن بين مورديهما عموما من وجه وما نحن فيه من مورد الإرشاد الذي تكفي في بيانه العمومات ونحوها حينئذ فتكفي تلك الأدلة نحو «لا عتق إلا في ملك ولا وطء إلا في ملك» إرشادا للمنع عن نحو هذه التصرفات في المأخوذ بالمعاطاة.

والجواب عنه : اما عن الأول فقد يقال أولا : ان تلك الأدلة غير ناظرة الى ما عليه السيرة من المعاطاة لتصلح ان تكون ردعا لهم بل ليست مسوقة الا لإفادة مجرد الشرطية وبيان الحكم الكبروي وأين ذلك من مفاد السيرة الذي هو من الحكم الصغروي وبمنزلة الموضوع من الكبرى وثانيا مع التنزل لنا ان نمنع كفاية ذلك للإرشاد بعد قيام احتمال تحقق الملك بالمعاطاة على حسب معتقدهم لكونه بيعا عرفا فيكون السكوت عن ردعهم حينئذ لتحقق الشرط وبعبارة أخرى السكوت عن ردع من أعتق المأخوذ بالمعاطاة كما يحتمل ان يكون للاكتفاء عنه بقوله (لا عتق إلا في ملك) يحتمل أيضا ان يكون لتحقق شرط العتق وهو الملك ، ومع قيام الاحتمالين يكون مجملا لا يصلح للإرشاد والبيانية.

واما عن الثاني وهو الشك في التمكن منه الذي مرجعه الى الشك في وجود المانع دون أصل المقتضى فاجراء الأصل فيه وفي أمثاله مما لا شك فيه ، وهو من الأصول العقلائية لا ينافي قطعية الكشف عن الإمضاء بالعمل وإلا لم يبق محل للسيرة ومورد للتمسك بها أصلا ، كما لا ينبغي الاعتناء باحتمال كون السكوت عن الردع لمصلحة اقتضت إخفاء الحكم الإلهي

وتأخير بيانه - كما توهم - فان ذلك ونحوه من الاحتمالات الوهمية والخيالات السوداوية لا ينبغي الاعتناء بها ولا الإصغاء إليها.

وبما ذكرنا ظهر لك تحقق السيرة وحجيتها للكشف عن إمضاء المعصوم وتقريره.

فاذا القول بإفادة المعاطاة الملك المتزلزل دون الإباحة المجردة هو الأقوى ، للأدلة المذكورة التي مقتضاها - وان كان لزوم الملك كما نسب الى المفيد - الا أنه يخرج عنه بالخصوص بالإجماع الظاهر المصرح به في جملة من العبائر ، بل عن بعض دعوى الاتفاق على عدم اللزوم : إما لعدم الملكية فيكون من السالبة بانتفاء الموضوع على القول بالإباحة أو لتزلزلها بناء على الملكية ، فالقول بإفادتها الملك اللازم احداث قول ثالث.

هذا وتظهر الثمرة بين القول بالملك المتزلزل والقول بالإباحة المجردة في أمور : وليعلم ان ما نذكره من الثمرات انما هو بحسب اقتضاء القاعدة ، والا فقد يخرج عنها لدليل يكون منها بمنزلة التخصيص لها ، إذ القاعدة بمنزلة الدليل العام فتكون الثمرة في مورد التخصيص خارجة عنه حكما لا موضوعا :

الأول - نماء العين المأخوذة بالمعاطاة (1)

والكلام فيه ـ وفي المنافع مما لم يكن حسيا في الخارج كسكنى الدار ـ تارة ـ على المختار من إفادة المعاطاة الملك الجائز ، واخرى ـ بناء على إفادتها الإباحة.

فأما بناء على إفادتها الملك الجائز ، فالحكم فيما هو غير قابل للانفصال واضح ، فإنه يتبع العين في الملك ، إذ هو جزء منها غير قابل للانفكاك عنها ، وأما ما كان قابلاً للانفصال ، فالمنفصل منه لا ينبغي الإشكال في عدم تبعيته للعين في تزلزل الملك ، إذ هو نماء ملك ملكه : بتبع ملك الأصل بعد المعاطاة ، والأصل فيه اللزوم ، وما ثبت بالإجماع على الجواز فإنما هو بالنسبة إلى أصل العوضين ، فلا وجه لرجوعه الى المالك الأصلي بتبع العين لو رجع بالمعاوضة ، وهو واضح. وأما ما كان من النماء القابل للانفصال متصلا بالعين حين الرجوع بالمعاوضة فربما يقال : انه بتبع العين بالرد الى المالك الأصلي عند الرجوع بالمعاوضة ، ولكنه على إطلاقه مشكل. نعم لا يبعد ذلك في مثل الصوف والشعر ، وان بلغ أو ان جزهما ، بل اللبن في الضرع وان استحلب ، ونحو ذلك مما يعد في العرف بمنزلة الجزء من العين. أما مثل ثمر الشجر ـ خصوصا عند أو ان الاقتطاف ـ وحمل الدابة فالحكم بتبعيته للعين في الرجوع الى المالك بالرجوع بالمعاوضة مشكل ، بل قوى سيدنا ـ قدس سره ـ فيما سيأتي من كلامه عدم التبعية في مثل ذلك ، وبالجملة كل ما لم يتضح كونه بمنزلة الجزء من العين فالأصل بقاؤه على ملك مالكه المنتقل إليه الأصل بالمعاوضة وعدم عوده الى المالك الأصلي بتبع العين عند الرجوع بها هذا بناء على إفادة المعاطاة الملك الجائز ، وأما بناء على إفادتها الإباحة دون الملك فربما يقال ـ كما يظهر من سيدنا الخال ـ ان النماء مملوك لمالك العين مباح التصرف للأخذ مع القول بكونها مالكية للاذن الضمني أو يشاهد الحال ، وأما ان قلنا بكونها شرعية وقلنا بها لخصوص الدليل ، فيشكل لتعلق الإباحة بالعين وقصور دليلها بالنسبة إلى الإباحة النماء ، وعليه فلا يجوز التصرف فيه وان جاز في الأصل اللّهم إلا أن يقوم إجماع أو سيرة قطعية فتأمل. انتهى.

هذا ولكن الذي يظهر مما ذكره الشيخ الأكبر كاشف للغطاء في مقام استبعاد القول بالإباحة من استلزام التفكيك بين العين والمنفعة بالقول بالإباحة في العين والملك في المنفعة ـ التسالم على عدم الفرق بين القول بالملك والقول بالإباحة في ملكية المنافع والنماءات لمن انتقل المال اليه وعدم تبعيتها للعين في مجرد الإباحة.

ولكن حكى شيخنا الأنصاري ـ قدس سره ـ عن بعض تبعية النماءات للعين في الارتجاع الى المالك على القول بالإباحة. وعلى كل فالظاهر عدم الفرق بين القولين في ملكية النماء لمن انتقل المال اليه وعدم تبعيته للعين في الرجوع الى المالك ولو قلنا بالإباحة ، وذلك للنبوي المعتبر «الخراج بالضمان» وان ناقش شيخنا الأنصاري في سنده.

ولكن الذي يظهر من المحكى عن (مبسوط الشيخ) ـ قدس سره ـ من البحث عن مقدار دلالته : هو الفراغ عن اعتبار سنده ، فالظاهر كونه من النبويات المتلقاة بالقبول لدى الفريقين.

فالمحكي عن الشافعي في (مختلف الحديث) وعن ابن ماجة في (صحيحه) وعن أبي داود في (سنته) أنهم رووا ـ جميعا ـ من طريق مسلم ابن خالد مسندا عن عائشة أن رجلا ابتاع عبدا فاستعمله ثم ظهر على عيب ، فقضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله برده بالعيب ، فقال المقتضى عليه : قد استعمله فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : الخراج بالضمان ، انتهى.

والمحكى عن (غوالي اللئالي) أنه روي عنه صلى اللّه عليه وآله : أنه قضى بأن الخراج بالضمان ، ومعناه : أن العبد مثلا يشتريه المشتري ، فيغتله حينا ثم يظهر على عيب به فيرده بالعيب ، انه لا يرد ما صار اليه من غلته وهو الخراج ، لأنه كان ضامنا له لو مات ، انتهى.

وقد استند اليه أبو حنيفة ـ في قضية ـ أبي ولاد عند اكترائه بغلا من الكوفة إلى قصر بني هبيرة في طلب غريم له فخالف وركبه الى النيل ثم منه الى بغداد ثم منها إلى الكوفة وأرجعه بعد خمسة عشر يوما ، فخاصمه صاحب البغل في كراه وتراضيا بأبي حنيفة ، فقضى لهما بسقوط الكرى بعد إرجاع البغل سليما. فان مستند قضاء أبي حنيفة استفادته من قوله صلى اللّه عليه وآله : «الخراج بالضمان» أن ضامن مال الغير والمتعهد به ـ ولو كان غاصبا له ـ فخراجه ومنافعه غير مضمونة عليه لمالكه ، وانما يضمن له نفس المال خاصة ، فإن أربعة إليه سليما لا يضمن له منافعه المستوفاة فضلا عن الفائتة تحت يده.

هذا ولكن الاستناد إلى النبوي ـ في عدم ضمان الغاصب خراج المغصوب لمالكه ـ غير صحيح ، فإنه مضافا الى عدم المناسبة بين ضمان العين بحكم الشارع وجعله بعموم «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» وبين مجانية المنافع رد الصادق عليه السلام عند ما حكى له أبو ولاد قضاءه بقوله عليه السلام :

في مثل هذا القضاء تحبس السماء ماءها والأرض بركاتها. فالمتعين كون المراد بالضمان في النبوي المذكور هو بمعناه المصدري الحاصل يجعل واختيار من الضامن بمبادلة ومعاوضة. وعليه فالمراد أن من تعهد بمال وضمنه بعوضه باختياره وجعله ، فخراجه وما يتحصل منه من منافعه ونمائه له مجانا ، فلو حصل فسخ للمعاوضة بخيار للفاسخ أو تفاسخ منهما لا يضمن كل منهما لصاحبه ما تحصله من المنافع والنماء ، وذلك ما تقتضيه مناسبة الحكم للموضوع فان الغرض المهم والغاية من الاقدام على ضمان العين بعوضها كون خراجها له مجانا ، وعليه فيختص ذلك بالضمان المعاوضي ، ولا يشمل ما سواه من ضمان اليد ونحوه مما لم يكن يجعل من الضامن.

ثم ان صاحب (الوسيلة) ـ قدس سره ـ عمم الحكم باستحقاق الضامن الخراج لما إذا كان الاقدام على الضمان بالعقد الفاسد أيضا كالصحيح قال فيها ـ على ما حكى عنه ـ في ذيل فصل عقده لبيان البيع الفاسد ما هذا لفظه : «فاذا باع أحد بيعا فاسدا وانتفع به المبتاع ولم يعلما بفساده ، ثم عرفا واسترد البائع المبيع لم يكن له استرداد ثمن ما انتفع به أو استرداد الولد ان حملت الام عنده وولدت لأنه لو تلف لكان من ماله ، والخراج بالضمان فان غصب إنسان أو سرق مال غيره أو أمة غيره أو حيوان غيره وباع من آخر ثم استخرج مالكه من يده شرعا وكان المبتاع عارفا بالحال لم يكن له الرجوع على البائع وان لم يكن عارفا كان له الرجوع عليه بالثمن وما عزم للمالك ، انتهى. وظاهره وان كان الاختصاص بالضمان الاختياري بالمعاوضة وعدم التعميم لما إذا كان الضمان يحكم الشارع وجعله ولكنه عمم الضمان المعاوضي لما إذا كان بعقد صحيح ممضى أو فاسد ملغى.

هذا ولكن الأقوى ما ذهب اليه المشهور من الاختصاص بصورة ما إذا كان الاقدام على الضمان بمعاوضة صحيحة ممضاة من الشارع وهو الذي تقتضيه مناسبة الحكم للموضوع على ما ذكرنا فان مجرد الاقدام على الضمان بمعاملة فاسدة غير ممضاة من الشارع وجودها كالعدم كيف يمكن ان يكون فيه اقتضاء لملكية المنافع والنماءات للضامن مجانا ، والحاصل ، اختصاص القاعدة بالضمان المعاوضي الصحيح مما لا ينبغي الريب فيه.

ثم ان قاعدة «الخراج بالضمان» تختص ـ بمقتضى مناسبة الحكم للموضوع ـ بالضمان المعاوضي الذي أقدم عليه المتعاقدان وتعهد به كل منهما لصاحبه في أصل المعاوضة ، فإنه المناسب لكونه سببا لملك الخراج ، أو كونه عوضا عنه على ما هو مفاد باء الجر في قوله عليه السلام : الخراج بالضمان ، ولزوم ذلك وعدم رجوعه للمالك الأصلي لو حصل فسخ أو انفساخ للعقد. وأما ما تفرع على ذلك وكان تبعا له الثابت بالتعبد أو من ناحية الشرط الضمني في العقد وهو ضمان ما انتقل المال منه المستفاد من قاعدة التلف قبل القبض ، فلا مناسبة لكونه مشمولا لقاعدة الخراج بالضمان.

فما يحكى عن الشيخ ـ قدس سره ـ في (المبسوط) : من حكمه بأن نماء المبيع المردود بخيار العيب قبل القبض للبائع مستدلا عليه بحديث الخراج بالضمان ومفسرا للخراج بالفائدة والضمان بمن يكون المال يتلف من ملكه والأصل قبل القبض في ضمان البائع بالمعنى المذكور فالخراج له. انتهى.

فإنه مبني على استفادة كون قاعدة الخراج بالضمان شاملة للضمان التبعي أيضا. والحاصل ان الضمان الأصلي في المعاوضة والضمان التبعي متنافيان في المفاد بالنسبة إلى ملك الخراج ولزومه ، فالاصلي يقتضي بقاءه على ملك من انتقل المال اليه بالعقد ، وعدم انتقاله الى من انتقل المال منه بانفساخ للعقد للتلف قبل القبض ، والتبعي مقتضاه عكس ذلك وكون الخراج للمنتقل منه بعد الانفساخ ، وحيث قلنا باختصاصها بالضمان الأصلي وانه لا مناسبة لشمولها للتبعي فلا اشكال ، كما ان القاعدة موردها الضمان المنجز فالمعلق مثل : أعتق عبدك عنى أو تصدق بمالك عنى وعلي ضمانه بكذا أو نحو ذلك مما يكون الضمان فيه معلقا على تحقق المضمون ولم يكن فعليا ، لا يكون مشمولا للقاعدة ، فلا وجه لكون الضامن مالكا لمنافع العبد بضمانه التعليقي.

إذا عرفت ذلك فنقول : الكلام في المعاطاة انما هو مبني على كون موضوعها ما قصد المتعاطيان فيها حصول الملك ، وانها معاوضة صحيحة ممضاة من الشارع المقدس بعموم آية (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) وآية «التجارة عن تراض» وأنها لازمة كما نسب الى المفيد ـ قدس سره ـ أو جائزة مفادها الملك الجائز اللازم بأحد الملزمات ـ كما هو المختار ـ أو انها مفيدة ـ للإباحة وانما يحصل الملك بأحد الموجبات ـ على ما هو المشهور ـ وعلى كل فالضمان فيها معاوضي ممضى فان كلا من المتعاطيين أقدم على ضمان ما أخذه من صاحبه بما دفعه اليه من العوض على كل من المباني المذكورة ، غاية الأمر بناء على المشهور ما حصل بالتعاطي لكل منهما هو الإباحة المطلقة فيما أخذه من صاحبه وحصول ما قصده من الملك يتوقف على أحد الموجبات له ، وهو لا ينافي كون الضمان معاوضيا ، فهي مشمولة لقاعدة (الخراج بالضمان) ولا وجه لعدم الشمول لها بناء على الإباحة كما لا يخفى.

وبيان حكمه على كل من

1) النماء : هو ما يحصل في العين من الزيادات الحسية ، سواء كان متصلا بها غير قابل للانفصال عنها كالسمن في الحيوان والنمو في الأشجار أم كان قابلاً للانفصال عنها ، وكانت له حالتان : اتصال في حال وانفصال في أخرى كاللبن والهيض والنتاج في الحيوان ، والثمر في النخيل والأشجار.

القولين في موضوعها من قصد المتعاطيين التمليك أو الإباحة وعلى كل من القولين في الأول أيضا من إفادتها الملك أو الإباحة ، المجردة.

وجملة صورها : هو أن النماء : اما ان يكون منفصلا عن العين ، أو متصلا بها ، وعلى الأول فأما أن يكون تالفا حقيقة أو حكما أو موجودا وعلى التقادير ، فالكلام فيه مرة مع عدم رجوع المالك بالعين وأخرى مع الرجوع بها.

فنقول : لا إشكال في أنه يترتب على ملكية العين النماء لأنه نماء ملكه فيكون مملوكا له كنماء المبيع في زمن الخيار ، بل لعله اولى منه لوجود القول فيه بتوقف الانتقال على مضي زمن الخيار وفي رجوع المالك به لو رجع بالعين وجهان ، والأقوى : العدم ، لان التزلزل في الأصل : اما للإجماع على عدم اللزوم فيه ، أو لأصالة عدم اللزوم في الملك ، وكل منهما منتف في النماء. أما الإجماع فإنا لم نحققه على جواز الرجوع بالنماء لو رجع بالعين

لا محصلا ولا منقولا ، وأما الأصل فإن قلنا باقتضائه اللزوم في الملك وان خرجنا عنه في الأصل بالإجماع فواضح ، وان قلنا باقتضائه الجواز فإنما نقول به في الأصل لاستصحاب بقاء العلقة للمالك الأول الحاكم على استصحاب الملك للثاني لكونه مسببا عنه كما عرفت سابقا والنماء لم يكن مملوكا للأول وانتقل عنه حتى يستصحب بقاء العلقة فيه ، فيبقى استصحاب الملك فيه سليما عن المعارض ومقتضاه اللزوم.

نعم ربما يتوهم المناقشة فيه بدعوى أن ملكية النماء متفرعة عن ملكية الأصل ومنبعثة عنه فيكون النماء تابعا له في كيفية الملك من التزلزل.

وليس بشي‌ء بعد اقتضاء الدليل للاختلاف بينهما في الكيفية من التزلزل في الأصل واللزوم في النماء ، ومحض التبعية والتسبيب في الملك لا يصلح دليلا للاتحاد في الكيفية.

نعم ربما يمكن صحة دعوى التبعية بناء على تعدد ماهية الملك اللازم والمتزلزل لاستحالة تولد ماهية من ماهية أخرى تخالفها ، ضرورة اعتبار السنخية بين العلة والمعلول ، وأما بناء على وحدتها وانما الاختلاف في المرتبة شدة وضعفا

كما قويناه - فلا ، لانتفاء ما يوجب ضعفه في النماء من استصحاب العلقة للمالك الأول.

هذا ولا ينقض بنماء المبيع الخياري مع كونه في الأصل متزلزلا بالخيار وفي النماء لازما ، لان التزلزل فيه انما هو من جهة الشرط ، لقوله صلى اللّه عليه وآله «المؤمنون عند شروطهم» أو من دليل خارج كخيار العيب ونحوه ، لا من سببية البيع التي مقتضاها اللزوم لولا الشرط ونحوه ، بخلاف سببية المعاطاة للملك المتزلزل فان السبب بنفسه سبب له ، وأما على القول بكون مفادها الإباحة فالنماء مملوك لمالك العين مباح التصرف للأخذ ، ان

قلنا بكون الإباحة مالكية للاذن الضمني ، أو بشاهد الحال - كما تقدم - وإن قلنا بكونها شرعية وقلنا بها لخصوص الدليل ، فيشكل لتعلق الإباحة بالعين وقصور دليلها بالنسبة إلى إباحة النماء وعليه فلا يجوز التصرف وان جاز التصرف في الأصل اللّهم الا أن يقوم عليه إجماع أو سيرة قطعية فتأمل.

هذا مع وجود النماء ، وأما مع التصرف فيه بتلف ونحوه فلا رجوع عليه ببدله وكذلك لا رجوع له ببدل المنافع المستوفاة أيضا. ويجري الكلام مثله فيه على القول بكون المعاطاة ما كان بقصد الإباحة كما تقدم من شيخنا في (الجواهر) في موضوع المعاطاة.

هذا كله واضح بالنسبة إلى النماءات المنفصلة عن العين ، وأما المتصلة بها ، فقد قوى التبعية فيها للعين في جواز الرجوع شيخنا (في الجواهر) حيث قال : «واما المتصلة كالسمن والصوف والشعر الباقيين على الظهر واللبن الباقي في الضرع فتتبع العين على الأقوى».

قلت : ويحتمل قويا لولا السيرة الممنوع تحققها الاقتصار في التبعية على ما يصدق عليه أنه جزء منها كالسمن والشعر والصوف وان بلغ أو ان

جزهما دون ما لا يصدق عليه إلا كونه نماء لها كثمار الأشجار ، سيما عند أو ان اقتطافها ، بل ويقوى عدم التبعية أيضا في التزلزل فيما كانت العين له كالوعاء نحو الحمل في بطن امه ، ولذا لا يدخل الجنين في بيع الأمهات إلا بالشرط على الأشهر خلافا للشيخ في (محكي مبسوطه) وأما اللبن فهو من الاجزاء الداخلة في المبيع حيث انه ينشخب من عروق في الضرع الشخاب الدم من العرق ، وليس الضرع وعاء له حتى يكون نسبته اليه نسبة الحمل الى الحامل.

هذا بناء على ما قويناه في العين من الملك المتزلزل وفي النماء باللزوم وعدم التبعية لها في التزلزل. وأما بناء على التبعية في الملك المتزلزل أو الإباحة المجردة فالحكم بها في المتصلة أوضح منها في المنفصلة.

الثاني - في التصرفات المتوقفة على الملك وهي أمور :

منها - البيع ، فيصح على القول بالملكية ويقع باطلا أو فضوليا على القول بالإباحة فإن كان هناك إجماع على الجواز ، فلا بد على القول بها من الالتزام بدخوله آنا ما في ملك البائع ، للجمع بين الأدلة وهو التزام بخلاف القواعد المقررة إلا انه يمكن تطبيق الصحة على القاعدة ، وان قلنا بالإباحة غير أنه يقع للمالك دون البائع لتحقق الإذن الضمني أو بشاهد

الحال منه ، لوقوع التسليط منه عليه ، وهو وان كان بقصد التمليك إلا أن الملكية منتفية بعدم الإمضاء ، فيبقى الاذن المطلق ، وهو كاف في الصحة ، ويخرج البيع عن كونه فضوليا لسبقه بالاذن.

وبالجملة الحكم بالصحة عن المالك لا مانع عنه الا ما يتوهم أولا - انتفاء الاذن المقيد بانتفاء قيده ، وهو قصد التمليك ، والمفروض عدم الوكالة منه عليه ، وثانيا - انما يصح وقوعه عن المالك والمفروض وقوعه من البائع لنفسه ، فما وقع لم يصح والصحيح غير واقع لان العقود تابعة للقصود.

وليس بشي‌ء.

أما الأول - فمع كون الفرض تحقق الإباحة المالكية ، إذ الكلام على تقدير القول بها إمكان دعوى الإذن الضمني بناء على تعدد المطلوب أو بشاهد الحال كما تقدم فيخرج به عن كونه فضوليا (1)

ولا يقال : إذا أمكن نفوذ البيع واستناده الى المالك بالإجازة المتأخرة عن البيع فينبغي ان يصح بالإذن الضمني السابق بل هو أولى بالصحة منه وعليه فيمكن القول بعدم الاحتياج في نفوذ البيع المذكور للمالك إلى إجازته المتأخرة عنه والاكتفاء بالاذن السابق.

لأنا نقول : هذا انما يصح فيما إذا تعلق الاذن السابق بنفس ما تتعلق به الإجازة المتأخرة كما إذا باع الوكيل لموكله بيعا هو مأذون فيه منه ، فإنه لا يحتاج نفوذ بيعه للموكل إلى إجازة منه بعد البيع ، ويكفي في ذلك الاذن السابق منه لكونه تعلق بنفس ما وقع من الوكيل أما فيما نحن فيه مما كان الاذن الضمني السابق على البيع المستفاد من التعاطي بقصد الملك متعلقا بغير ما يمكن صحته بالنسبة إلى المالك ، فلا يكفي في صحته للمالك الاذن السابق ، بل لا بد من اجازة المالك بعد ذلك البيع ليصح بالنسبة اليه وذلك لكون الإذن الضمني من المالك المستفاد من المعاطاة بقصد الملك انما تعلق بالبيع لنفس البائع لا بالبيع له ، وما يمكن تصحيحه بالإجازة هو البيع للمالك ، فما وقع من البائع المتعلق للاذن الضمني لا يمكن تصحيحه للمأذون بناء على الإباحة لكونه خلاف حقيقة المعاوضة ، وما يمكن تصحيحه بناء عليها لا بد فيه من الإجازة لكونه غير ما أذن المالك فيه ضمنا.


1) الظاهر : أن مراده من عدم كون البيع المذكور فضوليا ، عدم احتياجه - في الاستناد الى المالك - الى اجازة ، وكفاية الإذن الضمني السابق منه ، بناء على تعدد المطلوب أو بشاهد الحال ، ولكنه غير واضح إذ الإذن الضمني المستفاد من التعاطي بقصد التمليك انما هو بالبيع لنفس البائع القاصد كون البيع له وكون الثمن داخلا في ملكه عوضا عما يخرج منه الى المشتري ، وهب أن البيع المذكور قابل لان ينفذ ، ويصح للمالك كبيع الغاصب لنفسه القابل للتصحيح بالنسبة إلى المالك ، فان الغاصب الظالم حيث انه يرى نفسه مالكا للمال وبناء على الادعاء المذكور يوقع المعاملة على المغصوب كما يوقعها على سائر أمواله ، فهو لدى التحليل يبيع للمالك ، ويقصد دخول الثمن في ملك مالكه ، وحيث كان بناؤه لا أساس له بل هو صرف ادعاء ، يلغو ، ولا يلزم من ذلك لغوية أصل البيع المقصود كونه لمالك المبيع ، فيصح للمالك بإجازته. وكذا نقول هنا في بيع المأخوذ بالمعاطاة بقصد التمليك فإن البائع حيث كان بانيا على ملكية المبيع بالمعاطاة يقصد البيع لنفسه باعتبار كونه مالكا للمثمن اعتقادا ، فهو لدى التحليل يقصد كون البيع لمالكه ، وحيث كان اعتقاده خلاف الواقع بناء على عدم إفادة المعاطاة سوى الإباحة تلغو جهة مالكيته ، ولا يلزم من ذلك بطلان جهة كون البيع لمالكه الواقعي ، ولكن انما يصح ويستند البيع للمالك إذا أجاز البيع له بعد معرفة كون المعاطاة مفادها صرف إباحة التصرف.

وأما الثاني فلعدم اعتبار القصد لمن له البيع في صحته ، وهو غير مأخوذ

في ماهيته وقوامه (1)

وعلى كل فالوجه في صحة بيع المأخوذ بالمعاطاة ووقوعه لمالكه مع أجازته بناء على الإباحة هو ما ذكرناه : من أن البائع ، وان قصد كون البيع له لتخليه واعتقاده كون المبيع له وأن المعاطاة المقصود بها حصول الملك لكل منهما بالنسبة الى ما أخذه من صاحبه تقتضي الملك وانما ينشأ البيع على ما تحت يده لنفسه بما انه مالك للمبيع فهو لدى التحليل قاصد كون البيع لمالكه ، وحيث كان اعتقاد كونه مالكا للمبيع ملغى إذ كان مبنيا على كون المعاطاة مفادها الملك مع انها على الإباحة لا تقتضي سوى اباحة التصرف ، فالغاء بنائه واعتقاده لا يقتضي عدم صحة البيع للمالك الحقيقي مع أجازته.

وعلى هذا فإشكال صحة بيع المباح له مال المبيح بأنه انما يصح وقوعه عن المالك والمفروض وقوعه من البائع لنفسه فما وقع لم يصح لكونه خلاف حقيقة المعاوضة المقتضية لدخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه وقد خرج من ملك المبيح ، فكيف يدخل الثمن في ملك البائع المباح له ، والصحيح غير واقع لان العقود تابعة للقصود.

مندفع فان ما وقع من المباح له من البيع لنفسه لا بما هو هو وأنه زيد بن عمرو ـ مثلا ـ ليقال : ان ما وقع لم يصح بل بما انه هو المالك للمبيع لاعتقاده كونه له وان المأخوذ بالمعاطاة ملك لآخذه فهو انما يقصد وقوع البيع لمالك المبيع تحليلا ، فما وقع منه صحيح مع اجازة المالك الحقيقي نعم تطبيق المالك على نفسه خطأ واشتباه ، فهو الملغى ولا ملازمة بين إلغائه وبطلان البيع وعدم قابليته للتصحيح بالإجازة من المالك : وبهذا التقريب يندفع اشكال المستشكل.

وأما ما ذكره سيدنا ـ قدس سره ـ بقوله : وأما الثاني فلعدم اعتبار القصد لمن له البيع في صحته وهو غير مأخوذ في ماهيته وقوامه ولذا قلنا بصحة بيع الغاصب لنفسه ووقوعه للمالك مع الإجازة انتهى.

فظاهره دعوى ان المناط في صحة وقوع البيع لشخص أو الاشتراء له مجرد مالكيته للمثمن أو الثمن وعليه فمن قصد بيع ماله لغيره اي قصد خروج المال من ملكه الى ملك المشتري ودخول ثمنه من المشتري في ملك الغير فالثمن يدخل في ملك البائع ويصح البيع له قهرا نظرا لمالكيته للمثمن ويلغى قصده دخول الثمن في ملك الغير ولو اشترى بماله متاعا للغير كذلك بان قصد باشترائه المتاع دخوله في ملك الغير عوضا عما يخرج الى صاحب المتاع من ثمنه الخارج من ملكه اليه يدخل المتاع في ملك المشترى نظرا لمالكيته لثمنه ويلغى قصد كون الاشتراء للغير كما ان الغاصب للعين إذا أوقع المعاوضة عليها بيعا أو شراء تصح المعاوضة للمغصوب منه بإجازته لكونه المالك للمعوض أو العوض وان قصد الغاصب كونها لنفسه.

وبالجملة فقصد المعاوضة على المال بيعا أو شراء كاف في وقوعها لمالك المال ، ولا حاجة الى انضمام قصد كونها له كما لا يضر في ذلك قصد كونها لغيره وقد صرح ـ قدس سره ـ بذلك فيما سيأتي منه في رسالة بيع الفضولي في جواب احتجاج المفصل بين ما لو قصد الفضولي البيع لنفسه وبين قصده البيع للمالك بالبطلان في الأول لوجود ما يمنع عن الصحة فيه من عدم القصد إلى المعاوضة حقيقة ، قال : ـ قدس سره ـ وفيه ان قصد البيع متضمن لقصد نقل المال عن مالكه ، وهذا القدر كاف في تحقق ماهيته وتعيين المالك غير معتبر في تحقق حقيقة البيع كما نص عليه غير واحد من الأصحاب فكما لا يجب تعيينه لا يضر الخطأ فيه ، وبالجملة لما كان قصد البيع مستلزما لقصد نقل المبيع عن مالكه تحققت المعاوضة حقيقة وان انضم اليه قصد وقوعه عن نفسه أو لنفسه بعد ما عرفت من خروج قصد المنتقل عنه بل المنتقل إليه أيضا عن حقيقة البيع وماهيته انتهى.

ولكن قد يقال : ان حقيقة المعاوضة جعل كل من العوضين مكان الآخر وسد فراغه به في مرحلة الإنشاء ، وعليه فكما ان أصل وقوع المعاوضة بين المالين يتوقف على كون الموقع لها قاصدا إنشاءها بالعقد فلو كان هازلا أو غالطا لم تقع ولم تصح ، فكذلك وقوعها على حقيقتها يتوقف على كون المنشئ لها قاصدا حقيقتها ، فلو لم يقصدها كذلك لم تصح ولا وجه لصحتها على غير ما قصده. وعليه فنقول : هب ان قصد الشخص بيع ماله من المشتري لتضمنه لقصد نقله اليه من مالكه بعوض منه كاف في تحقق ماهية البيع وصحته بلا حاجة الى قصد كون البيع له ويتحقق بذلك المعاوضة الحقيقية وكذا قصد بيع مال الغير من المشتري فإنه لتضمنه لقصد نقله عن مالكه بعوض من المشترى يتحقق به حقيقة البيع ويصح بإجازة مالكه. ولكن هذا انما يتم فيما لو لم ينضم الى قصد البائع بيع ماله أو بيع مال الغير ما ينافي حقيقة البيع. أما في صورة تحقق المنافي لذلك كما لو قصد البائع بيع ماله للغير بان قصد خروج المبيع من ملكه الى ملك المشتري ودخول العوض في ملك الغير أو قصد بيع مال الغير لنفسه بان قصد دخول الثمن في ملكه بدلا عما خرج الى المشتري من مال الغير ، ففي كون ذلك قصدا لحقيقة البيع وماهيته إشكال ، بل منع ، إذ ليس حقيقته مجرد نقل المبيع من مالكه بعوض مطلقا بل البيع إنشاء نقل المال من مالكه الى مالك الثمن بعوض منتقل منه الى مالك المبيع.

فقول سيدنا ـ قدس سره ـ : وبالجملة لما كان قصد البيع مستلزما لقصد نقل المبيع عن مالكه تحققت المعاوضة حقيقة ، وان انضم اليه قصد وقوعه عن نفسه أو لنفسه إلخ.

لم يتضح المراد منه ، فان كان المراد تحققها على ما قصده البائع من كون البيع في الصورة الأولى الغير المستلزم لدخول العوض من المشتري في ملك الغير بدلا عما خرج من البائع إليه من المعوض ، وفي الصورة الثانية لنفسه المستلزم لدخول العوض في ملك نفسه بدلا عما خرج الى المشتري من ملك الغير ، فهو ليس من المعاوضة الحقيقية وان كان المراد وقوع المعاوضة وتحققها لمالك المبيع الذي استلزم قصد البيع قصد النقل عنه ـ على ما يقوله سيدنا ـ ويلغى ما قصده البائع من كون المعاوضة لغير مالك المبيع ، ففي صورة ما لو باع المالك ماله قاصدا دخول عوضه من المشتري في ملك غيره يصح البيع ويدخل العوض في ملك مالك المعوض وان كان خلاف ما قصده البائع ، كما انه لو باع الفضولي مال غيره لنفسه بان قصد دخول عوضه من المشتري في ملكه بدلا عما خرج اليه من مال الغير يصح البيع لمالك المبيع بإجازته ويلغى قصد البائع كون المبيع لنفسه ، فالالتزام بذلك على إطلاقه مشكل بل ممنوع ، فان العقود صحة وفسادا تتبع قصد المتعاقدين فاذا كان المالك عند بيع ماله وقصده إخراجه عن ملكه الى ملك المشتري وإدخال عوضه في ملك غيره لم يقصده على حقيقته ، أعني إدخال الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه الى ملك المشتري ، فبأي وجه يلغى ما قصده من كون البيع للغير ويقع البيع له ويدخل العوض في ملكه لمجرد كونه مالكا للمعوض وان لم يكن المقصود له إنشاء البيع لنفسه بل لغيره.

وبالجملة ان ما أنشأه البائع مبادلة خارجية شخصية مفادها كون المبيع للمشتري وعوضه لغير البائع وصحتها كذلك يدور مدار شمول دليل الإمضاء للمبادلة المذكورة على ما أنشأت وصحة مبادلة أخرى لم تكن منشأة للبائع ، وهي كون الثمن له بدلا عما خرج منه الى المشتري لا يقتضي صحتها على ما أنشأت ، نعم فيما لو باع الفضولي مال الغير لنفسه يمكن تصحيح. البيع لمالك المبيع بإجازته وان قصد الفضولي كون البيع له عند إنشائه للعقد ، ولكن ذلك انما هو فيما لو كان البائع من الغصاب المتغلبين وأهل النهب والغارات وأمثالهم ممن يرون ادعاء ان ما تحت أيديهم من الأموال المنهوبة مالا لهم وعند إنشاء المعاوضة على ذلك يقصدون إنشائها على ما هو لهم فالبايع منهم لما تحت يده من مال الغير ينشأ البيع عليه بما هو مال له فهو لدى التحليل يوقع البيع لمالك المبيع ويطبقه على نفسه ادعاء منه انه المالك له فالغاء التطبيق المذكور ـ لكونه صرف ادعاء منه لا واقع له ـ لا يقتضي إلغاء ما أنشأ من البيع للمالك المبني على الادعاء ، فيصح البيع للمالك بإجازته. وبالجملة ، هو بناء على ادعائه قاصد للمعاوضة الحقيقية تحليلا وكون العوض داخلا في ملك مالك المعوض ، وليس كمن باع مال نفسه للغير في كونه غير قاصد حقيقتها. ونظير الغاصب المذكور من باع مال الغير لنفسه مشتبها ومعتقدا كون المال له فإنه عند إنشاء البيع يوقعه لمالك المبيع حقيقة فخطأه في كونه المالك لا في البيع للمالك فيصح البيع بإجازته.

هذا ولكن ما ذكرناه من إمكان تصحيح بيع الغاصب بإجازة المالك انما هو فيما إذا كان متغلبا ويبيع مال المغصوب منه بما انه مال له ادعاء وأما الغاصب الذي يبيع مال المغصوب منه لا بما هو مالك له بل بما انه غاصب له وبايع له عدوانا فإنه يقصد إخراج المال من مالكه المغصوب منه وإدخال عوضه في ملك نفسه ، فهو غير قاصد للمعاوضة على حقيقتها ولا وجه لتصحيحها على ما قصده وان أجازها المالك.

ثم ان ما ذكرناه في هذه التعليقة والتي قبلها بناء على ما لم يستبعده سيدنا ـ قدس سره ـ من أن بيع أحد المتعاطيين ما تحت يده من المال المأخوذ بالمعاطاة بناء على الإباحة يصح ويقع للمالك المبيح ، ولكنا قربنا في بعض تعاليقنا وقوعه عن المباح له وذلك للإقدام المعاوضي من كل من المتعاطيين على ضمان المأخوذ بالمعاطاة بعوضه الذي دفعه لصاحبها عند تلفه أو إتلافه أو ما هو بمنزلة الإتلاف مما لا يمكن لصاحبه الرجوع به على كل من القول بافادتها الملك أو الإباحة ، ففيما هو محل الكلام من بيع المباح له ما تحت يده من مال المبيح مقتضى الضمان المعاوضي الذي أقدم عليه المتعاطيان انتقال عوضه الذي هو تحت يد صاحبه اليه عند البيع الذي هو بمنزلة إتلاف مال المبيح عليه لعدم إمكان رجوعه به بعد فرض كون البيع بإذن منه وتسليط عليه وانتقال العوض الى ملك المبيح مستلزم لانتقال مال المبيح الى المباح له حين البيع لئلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض في الملك ، وعليه فيخرج المبيع من ملك المباح له الى ملك المشتري ، ويدخل عوضه من المشتري في ملكه ، وهو معنى وقوع البيع عن المباح له ولعله يأتي في بعض تعليقاتنا زيادة توضيح لذلك.

ولذا قلنا بصحة بيع الغاصب لنفسه ووقوعه للمالك مع الإجازة. ولا أرى وجها في المقام بناء على الإباحة المجردة لوقوعه عن البائع حتى يلتزم بدخوله آنا ما في ملكه.

وكيف كان فلا يبعد أن يقال - بناء على الإباحة - صحة البيع ووقوعه


1) بناء على ما تقدم - في بعض تعاليقنا من أن حقيقة البيع تبديل البائع العين التي هي طرف إضافة مالكية بطرف اضافة مثلها لآخر في عالم الإنشاء - عند قبول المشترى ذلك التبديل يلزم ان يكون البائع قاصدا بإنشائه خروج المثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك مالك الثمن وخروج الثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك مالك المثمن بدلا عما خرج من ملكه اليه من غير فرق بين كون البائع أصيلا أو وكيلا أو وليا أو فضوليا قاصدا كون البيع لمالك المبيع أو كونه لنفسه لكونه غاصبا أو معتقدا كون المال له ففي جميع الصور المزبورة البائع حيث كان قاصدا دخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه الى مالك الثمن عوضا عما خرج من ملكه إليه ، فإنه قاصد لمن له البيع فالأصيل لما قصد دخول الثمن في ملكه بدلا عما خرج من ملكه الى مالك الثمن ، فهو قاصد كون البيع له ، والوكيل لما قصد دخول الثمن في ملك موكله الذي خرج المثمن من ملكه الى مالك الثمن بدلا عما خرج من ملك موكله ، اليه فهو قاصد كون البيع لموكله وكذا الولي بالنسبة إلى المولى عليه فإنه قاصد كون البيع له ، وأما الفضولي فتارة - يقصد كون البيع للمالك فقصده من له البيع واضح ، واخرى - يقصد كون البيع له لادعائه كون المبيع له كالظالم المتغلب الباني على كون ما تحت يده من مال الغير مالا له ، فينشى‌ء البيع عليه بما أنه مالك له ادعاء ، فهو لدى التحليل قاصد كون البيع للمالك ، ولما كان ادعاء كونه مالكا ملغى ، إذ لا واقع له بل هو صرف ادعاء فيصح البيع للمالك ولكن بإجازته ، ومنه ما نحن فيه فإنه لو باع أحد المتعاطيين ما تحت يده من المال المأخوذ بالمعاطاة مع قصد المتعاطيين حصول الملك بها بناء على كون الحاصل بها مجرد الإباحة في التصرف دون الملك ، فإن البائع إنما يقصد البيع له بناء منه على كونه مالكا لما باعه اشتباها فهو كمن اعتقد كون المبيع له فباعه لنفسه بناء على اشتباهه ، سوى أن ذاك اشتباهه من ناحية الموضوع ، وهذا منشأ اشتباهه تخلية ان المأخوذ بالمعاطاة حكمه الملك لا اباحة التصرف ـ فقط ـ ومن هنا يبيعه لنفسه بما أنه مالك له ، فهو لدى التحليل يبيع العين لمالكها فيصح البيع للمالك ان اجازه بعد معرفته ان المبيع له وان المعاطاة حكمها مجرد الإباحة دون الملك.

للمالك غير أن ثمنه المملوك له يقوم مقام المثمن في جواز التصرف فيه مطلقا ولو ببيعه أيضا ، فيقوم ثمنه كذلك مقامه ، وهكذا وهلم جرا في جميع سلسلة التعويضات بقيام البدل مقام المبدل في الحكم وكونه للمالك مباح التصرف لمن هو في يده بالمعاطاة اللّهم إلا أن يكون هناك إجماع على صحة البيع ووقوعه للبائع دون المالك وحينئذ فلا مناص عن الالتزام بدخوله آنا ما في ملكه.

ومنها - العتق فإنه يصح عتق المأخوذ بالمعاطاة على الملكية ، ويقع باطلا

بناء على الإباحة المجردة (1)

فما ذكره سيدنا ـ : من بطلانه على الإباحة المجردة ، لقوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «لا عتق إلا في ملك» ـ غير واضح ، كما ان ما احتمله ـ : من الحكم بالصحة والوقوع عن المالك بناء عليها ، وان قلنا ببطلان الفضولية في العتق لخروجه منه ، لسبق الإذن الضمني أو مشاهد الحال ـ غير واضح ـ أيضا ـ فإن محل الكلام في المعاطاة المقصود بها لكل من المتعاطيين تمليك ما أعطاه لصاحبه ، فالإذن الضمني أو مشاهد الحال من المعطي المستفاد من الإعطاء بقصد التمليك بالتصرف فيما أخذه وما كان بمنزلته كالعتق ونحوه من النقل اللازم بما انه مملوك له بالأخذ منه ، لا الأعم من ذلك ، ومما فرض كونه مباحا له ، فما تعلق الاذن به ، وهو عتق المملوك لمعتقه ، بناء على كون المعاطاة مفادها الإباحة لم يحصل على الفرض ، وما حصل ـ وهو العتق عن المالك ـ لم يكن متعلقا للاذن الضمني.

وما ذكرناه من الوجه في إمكان وقوع بيع المأخوذ بالمعاطاة عن المالك بناء على الإباحة ، لا يجري في عتقه ، إذ البيع صالح للفضولية ـ يمكن تصحيحه بإجازة المالك ، بناء عليها ، بخلاف العتق غير الصالح للفضولية على الفرض. وبالجملة ، ما احتمله سيدنا ـ قدس سره ـ من الحكم بصحة وقوع العتق عن المالك بناء على الإباحة ، بعيد. والأقرب ما ذكرناه من وقوعه عن المباح له.

لقوله : «لا عتق إلا في ملك» مع احتمال أن يقال فيه من الحكم بالصحة ووقوعه عن المائك بناء على الإباحة - كما تقدم في البيع - وان قلنا ببطلان العتق الفضولي على الأشهر ، لخروجه عنه بسبق الإذن الضمني أو بشاهد الحال - كما تقدم - إلا أن ذلك مبني على عدم اعتبار القربة في صحة العتق بتنزيل ما دل عليه من قوله : «لا عتق إلا ما أريد به وجه اللّه» وغير ذلك على نفي الكمال دون الصحة : وأما بناء على اعتبارها فيشكل لان المالك غير متقرب به والمعتق غير مالك فلا وجه حينئذ لصحته ان قام الدليل عليه الا دخوله آنا ما في ملك المعتق ويقع حينئذ عنه لا عن المالك.

ومنها - وطي الأمة المأخوذة بالمعاطاة ، فيجوز على الملكية ولا يجوز


1) يمكن أن يقال : إن الكلام في العتق - كما قربناه فيما سبق من البيع : من صحته ووقوعه عن المعتق لما ذكرناه : من أن مقتضى الاقدام المعاوضي من المتعاطيين وكون كل من العوضين مضمونا بالآخر عند الإتلاف وما هو بمنزلته انتقال العهد عند عتقه الى المباح له وينعتق عنه لانتقال عوضه الى ملك المبيح المستلزم لانتقاله الى المباح له ـ نحو ما ذكرنا في بيعه.

على الإباحة بناء على اعتبار الصيغة في التحليل كما هو أحد القولين فيه ، فتظهر الثمرة بينهما اللّهم إلا ان يكون هناك إجماع على الحل فلا بد حينئذ من الالتزام بدخوله آنا ما في الملك فتنعدم الثمرة حينئذ حكما لا موضوعا الا

ان المنع عنه محكي عن الشيخ والشهيد في تعليقه على القواعد.

وبالجملة فالجواز على القول بالإباحة مبني اما على دخوله آنا ما في الملك أو على كفاية الإباحة المطلقة في التحليل وعلى التقديرين فتنعدم الثمرة حكما لا موضوعا.

الثالث - في وجوب الخمس والزكاة وتعلقهما بالعين المأخوذة بالمعاطاة إذا اجتمع فيها شرط الوجوب فيتعلقان بها فيجب على الأخذ بناء على القول بالملكية وان كانت متزلزلة بناء على عدم شرطية استقراره في الوجوب ولا يجب على القول بالإباحة مع احتمال الفرق بين الخمس والزكاة فيجب الأول مطلقا ولو قلنا بان مفادها الإباحة المجردة لصدق الغنيمة عليه بالمعنى الأعم فيدخل في عموم الآية بناء على الاكتفاء فيه بمجرد صدق الفائدة التي هي أعم من الملكية بعد ان كانت الإباحة فيها مطلقة فتنعدم الثمرة فيه موضوعا لا حكما بخلاف الزكاة المشروط وجوبها بالملك اللّهم الا أن يقال : بتعلق الزكاة بها على القولين ووجوبها على التقديرين غير انه يجب على الأخذ إذا اجتمعت عنده شرائط الوجوب على القول بالملكية ويجب على المالك على القول بالإباحة وان سقط عنه بدفع الأخذ لها زكاة اللّهم إلا ان يقال بعدم تمكن المالك غالبا من التصرف في ملكه المأخوذ منه بالمعاطاة اما لغيبة الأخذ أو لمجهوليته فلا يجب عليه لذلك ولا على الأخذ لعدم تملكه بالمعاطاة. وحينئذ فإن قام إجماع على وجوب الزكاة على الأخذ فلا بد من الالتزام بدخوله آنا ما في ملكه.

هذا وحيثما تعلق الخمس أو الزكاة بالعين المأخوذة بالمعاطاة ، فغير بعيد تحقق اللزوم بذلك على القولين لكونه بحكم تلف بعض العين أو نقله فلا يجوز الرجوع بالباقي بناء على أن تلف البعض من الملزمات أيضا ، مع احتمال دعوى اللزوم بذلك في الخمس فقط ، لكونه بحكم تصرفه وتلفه

عنده بخلاف الزكاة حيث قلنا بوجوبها على المالك والدفع إسقاط عنه فإنه حينئذ بحكم رجوعه بالبعض الذي لا ينافي جواز رجوعه بالباقي.

هذا ما تطرق اليه الخيال على تشتت البال بحسب ما تقتضيه القاعدة وعليك بالتأمل فيه فإنه لا يخلو من الحاجة اليه والى مراجعة كلمات الأصحاب ،

الرابع - فيما لو مات المتعاطيان فينتقل كل من العينين الى وارث من كانت بيده بالإرث على الملكية والى وارث المالك بناء على الإباحة (1)

وبالجملة فكما ان الرجوع بالمعاطاة موضوعه الرجوع بنفس العين فلو تلفت ليس لكل منهما الرجوع على صاحبه بمثل التالف أو قيمته وتلزم المعاطاة بذلك ، فكذا لو مات المتعاطيان أو أحدهما ليس للوارث لهما أو الموجود منهما الرجوع بالمعاطاة الواقعة بين المورثين أو الواقعة بين أحدهما ومورث الآخر وتلزم المعاطاة بذلك.

هذا بناء على إفادتها الملك الجائز وأما بناء على إفادتها الإباحة فالذي يظهر من سيدنا - قدس سره - تبعا لغيره بطلانها بالموت حيث يقول : فينتقل كل من العينين الى وارث من كانت العين بيده بالإرث على الملكية والى وارث المالك بناء على الإباحة انتهى. والوجه في ذلك جعلها على الإباحة من قبيل العقود الإذنية كالعارية - مثلا - التي قوامها مجرد الاذن في التصرف ، فتبطل بموت كل من الآذن والمأذون ، ويفتقر جواز التصرف إلى إذن جديد ممن له الاذن.

هذا ولكن بمقتضى ما ذكرناه فيما سبق من انها من المعاوضات على كل من القول بالملك أو الإباحة وانها مبادلة بين الملكين على راي وبين السلطنتين على رأي آخر ، فلا وجه لبطلانها بالموت بل تلزم بذلك للسيرة القطعية على عدم البطلان بالموت فان وارث الميت من المتعاطيين لو رجع الى الحي منهما بما في يده من أحد العوضين وأخذه منه قائلاً : ان الاذن انما كان من مورثه وبطل بموته ينكر عليه ذلك وكذا لو رجع الحي على وارث الميت منهما وأخذ ما في يده من العوض ، وهو كاشف عن عدم البطلان بالموت ولو كان الاذن في المعاطاة نظير الاذن من المعبر للمستعير بالتصرف بما تحت يده من العارية ، لما كان للإنكار وجه.

ويشهد لعدم البطلان أيضا : ان كاشف الغطاء ـ قدس سره ـ في مقام استبعاد ما ذكره المشهور من الإباحة ذكر من جملة المبعدات ترتيب آثار الملك على ما ليس بملك حيث قال : «ومنها ان الأخماس والزكوات ـ الى أن يقول ـ والمواريث والربا والوصايا تتعلق بما في اليد الى ـ قوله ـ فتكون متعلقة بغير الاملاك» فيظهر من ذكر ذلك في مقام الاستبعاد ان إرث الوارث ما في يد مورثه من مسلمات الفقه حتى عند القائلين بالإباحة ، وشيخنا الأنصاري ـ قدس سره ـ اعترف له بالاستبعاد حيث قال : «وأما ما ذكره من تعلق الأخماس والزكوات» الى آخر ما ذكره ـ فهو ، استبعاد محض ولو كان موت أحد المتعاطيين بناء على الإباحة موجبا لبطلان المعاطاة لم يلزم تعلق الإرث بغير الملك إذ الوارث حينئذ يرث ما يملكه مورثه لا ما في يد مورثه المباح له ، فلا وجه لاستبعاد الشيخ كاشف الغطاء الإرث ، ولا لاعتراف الشيخ الأنصاري ـ قدس سره ـ ذلك الاستبعاد.

هذا وأما لزوم المعاطاة بالموت فلما ذكرناه من ان الثابت والمتيقن من الجواز في باب المعاطاة رجوع كل من المتعاطيين على صاحبه وأخذه العين منه ، فلو تلفت العين أو مات صاحبه لم يمكن تحقق ما هو الثابت في قبال أصالة اللزوم في المعاوضة من أخذ العين من صاحبه فإنه في صورة موت صاحبه وان أمكن إرجاع العين ولكنه من وارثه لا منه والأصل اللزوم في المعاوضة بلا فرق بين القولين لما ذكرناه من انها معاوضة على كل من المسلكين الملك أو الإباحة ، فكما ان الأصل عدم رجوع الملكين الى المالك الأصلي ما لم يثبت جوازه فكذا الأصل عدم عود السلطنتين الى المالك الا بعد تحقق الرجوع ونفوذه.

هذا تحرير الكلام في ما ذكر في التنبيه المذكور ومنه تعرف وجه المناقشة فيما ذكره سيدنا ـ قدس سره ـ :

وعليه

1) تحرير الكلام في التنبيه المذكور هو انه لا إشكال في لزوم المعاطاة بموت المتعاطيين بناء على الملك فان جواز الرجوع الثابت في المعاطاة انما هو من قبيل الأحكام الثابتة لموضوعاتها التي لا تقبل الإرث نظير جواز الرجوع بالهبة وليس من سنخ الحقوق التي تورث بحكم النبوي المشهور : «ما ترك الميت من حق فهو لوارثه» وكذا لو مات أحدهما فليس لوارثه الرجوع بها بل ليس للحي منهما الرجوع إذ الظاهر أو المتيقن من الجواز في المعاطاة رجوع كل من المتعاطيين على صاحبه وأخذ العين منه لا الأعم من ذلك والرجوع الى وارثه.

فلا يجوز التصرف لكل من ورثة الطرفين إلا بإذن جديد من المالك الوارث ان كان الإباحة أو بتجديد المعاملة بينهما لعدم تأثير اذن المورث في إباحة الوارث ان كان الإباحة مالكية ، وكذلك ان كانت شرعية لقصور دليلها بالنسبة الى غير المتعاطيين

ولو مات أحدهما ، فينتقل الى وارثه بالإرث على الملكية. وغير بعيد الحاقة بالنقل الاختياري في إيجابه اللزوم ، ويجوز لكل من الحي وورثة الميت التصرف فيما انتقل اليه لكونه ملكا له. وأما بناء على الإباحة فلا يجوز للحي التصرف فيما بيده لتوقفه على الاذن من وارث المالك ان كانت الإباحة مالكية أو شمول دليلها لهذه الصورة ان كانت شرعية - كما عرفت - وأما تصرف ورثة الميت فقد يقال بجوازه ان كانت الإباحة مالكية لتحقق الاذن أو بشاهد الحال من المالك الموجود الظاهر في شموله لجميع طبقات الطرف الآخر ، اللّهم إلا أن يمنع ظهور الحال في رضائه بالتصرف في ماله مع كونه ممنوعا عن التصرف فيما هو بيده.

وبالجملة فالمدار على القول بالإباحة في جواز التصرف على تحقق

الاذن من المالك الفعلي أو من المالك الحقيقي وهو غير مندرج تحت قاعدة كلية

هذا بحسب ما تقتضيه القاعدة من الفرق بين القولين فان قام دليل من إجماع أو سيرة على جواز التصرف في صورة موتهما أو موت أحدهما من غير توقف على اذن جديد ، فهو خروج عن القاعدة وتخصيص لها بدليل خاص.

الخامس - لا يرجع بالنفقة لو رجع بالعين على الملكية لأنه بذلها في ملكه فلا يستحق الرجوع بها على غيره ويرجع بها على الإباحة لو رجع عليه مع عدم التبرع بالإنفاق على الأظهر.

ثم ان ههنا أمورا ينبغي التعرض لها والتنبيه عليها.

منها ما ذكروه في ملزمات المعاطاة : من تلف العينين أو إحديهما - كلا أو بعضا - أو نقلهما أو إحديهما كذلك بنقل لازم أو جائز أو مزج بغيره بحيث لا يتميز عنه أو تصرف مغير للصورة.

فنقول اما التلف ، وهو : إما أن يكون من الجانبين أو من جانب واحد وعلى التقديرين ، فالكلام فيه مرة على القول بالملكية واخرى على القول بالإباحة. أما مع تلف العينين ، فالتالف من مال من انتقل اليه على القول بالملك لأنه تلف في ملكه ولا معنى لضمانه ملك نفسه ، فلا رجوع لأحدهما على صاحبه ببدله الواقعي من المثل أو القيمة لو أراد الرجوع لانقطاع استصحاب علقة المالك في العين بعد تلفها (1)

ونحوها صورة بقاء العينين.

لا يقال : ثبت في الأصول أنه لو ورد عام وورد مخصص له ولم يكن له عموم زماني ، ففي مقام الشك يتمسك باستصحاب المخصص لا بعموم العام ، وما نحن فيه من ذلك ، فان عموم آية التجارة عن تراض ونحوه مما هو مدرك أصالة اللزوم المقتضى لعدم جواز إرجاع كل من المتعاطيين ما ملكه لصاحبه بالمعاطاة وإعادته إلى ملكه إلا بالتجارة عليه وكسبه منه عن رضا به ، قد خصص بالإجماع على جواز المعاطاة ، فعند الشك في جواز الرجوع بها بعد تلف العين ينبغي التمسك باستصحاب جواز الرجوع فيلزم من تلف المال عنده دفع مثله أو قيمته لطرفه لو رجع بها.

لأنا نقول : هذا يتم فيما لو كان الجواز ثابتا بدليل الخيار مما كان موضوعه العقد فان مرجعه إلى سلطنة لذي الخيار على حل العقد وإقراره فلو شك في بقاء الخيار للشك في كونه دائرا مدار بقاء العين أو أنه باق مع تلفها أيضا ، ففي مثل ذلك يكون المورد من قبيل استصحاب حكم المخصص المقدم على أصالة العموم ويجرى استصحاب بقاء السلطنة على حل العقد عند تلف العين ويلزم من تلفت عنده مع الفسخ البدل الواقعي من المثل أو القيمة لطرفه. أما ما نحن فيه مما كان الجواز فيه ثابتا في قبال أصالة العموم واللزوم بالإجماع الذي هو دليل لبي ولا معقد له فكما يمكن أن يكون مفاده ثبوتا جواز الرجوع بالمعاوضة الحاصلة بالمعاطاة القابل للبقاء مع تلف العين كذلك يمكن أن يكون هو جواز الرجوع بالعين التي وقع التعاطي بها الغير القابل للبقاء مع التلف ومع الشك يقتصر على القدر المتيقن من الجواز ، وهو صورة بقاء العين. والحاصل : ان المقام ليس من قبيل استصحاب حكم المخصص ، بل هو من موارد التمسك بعموم العام وأصالة اللزوم.

ثم ان هذا بناء على حصول الملك بالمعاطاة. وأما بناء على القول بإفادتها الإباحة فكذلك لا يمكن إحراز جواز الرجوع بعد تلف العين لان الجواز الثابت قبل التلف بناء على الإباحة هو مقتضى سلطنة المالك على ماله فانا قلنا بأن المعاطاة بناء على الإباحة مبادلة بين المالين مفادها سلطنة كل من المتعاطيين على ما تحت يده من مال الآخر سلطنة مطلقة مع بقاء كل منهما على ملك مالكه ، وبما أن أصل الملك لكل منهما فيما دفعه الى طرفه باق على ما كان عليه فلكل منهما إبطال المعاوضة وإرجاع ما حصل بها من السلطنة المطلقة لطرفه اليه بمقتضى سلطنة الناس على أموالهم ، كما كان أصل المعاوضة بمقتضاها ، ولكن حيث كان تلف مال المالك المبيح موجبا لخروجه عن ملكه ودخوله في ملك المباح له قبل التلف آنا ما بمقتضى كون الضمان فيها معاوضيا وان ما بيد كل منهما مضمون بعوضه الذي هو في يد الآخر فيدخل العوض عند التلف في ملك المبيح ولازمه خروج المباح عن ملكه ودخوله في ملك المباح له قبل التلف آنا ما ، والا لزم الجمع بين العوض والمعوض في الملكية ، فالسلطنة التي كانت للمالك على ماله المباح لطرفه ارتفعت بدخوله في ملك طرفه ، والإجماع القائم على جواز الرجوع لكل من المتعاطيين ظهر حاله وان القدر المتيقن منه ما كان قبل التلف ، فلا وجه لضمان كل منهما لصاحبه البدل الواقعي من المثل أو القيمة والأصل عدمه.

هذا حكم ما لو كان التالف كلا العينين ومنه يظهر حكم ما لو تلف أحدهما أو بعضه لما ذكرناه من إمكان كون موضوع الجواز في المعاطاة بناء على الملك بقاء العينين على حالهما فيتلف أحدهما أو تلف بعضه يرتفع موضوع الجواز ، والمتيقن من الجواز تلك الصورة على نحو ما ذكرنا : من أن المورد من موارد التمسك بعموم العام لا باستصحاب حكم المخصص.

هذا على القول بإفادتها الملك ، وقد سبق ان الحكم بناء على الإباحة لا يخالف القول بالملك ، فان تلف العين إذا كان كاشفا عن سبق ملكها لمن تلفت عنده الملازم لملكية طرفه للعين الباقية بحسب ما يقتضيه الضمان المعاوضي فالحكم بجواز إرجاع العين الموجودة ممن هي بيده وضمانه بدل العين التالفة أو القيمة له يحتاج الى دليل مفقود ، والأصل عدمه والحاصل : انا ذكرنا فيما سبق أن محل الكلام والنزاع الواقع في كلمات الأصحاب من الفقهاء هو في المعاطاة التي قصد بها المتعاطيان حصول الملك لكل منهما بنحو يكون كل من العينين عوضا عن الأخرى ، وهي المعاطاة الدائرة بين الناس عرفا وعمدة ما قيل في حكمها قولان : أحدهما ـ كونها مفيدة للملك الجائز ، ويلزم بأحد الملزمات ، وهو المختار للمحقق الكركي ـ قدس سره ـ ومن تبعه على ذلك ، وهو أقوى القولين. والقول الآخر ما ينسب الى المشهور من أنها تفيد الإباحة المطلقة في التصرفات ويحصل الملك بتلف العين أو بالتصرف المتوقف على الملك. وعلى كل هي معاوضة عرفية مشمولة لآية التجارة عن تراض والضمان فيها معاوضي والتعاطي بينهما بالقصد المذكور مصداق للتكسب غاية الأمر بناء على ما يستفاد من ظاهر المشهور أن الملك لم يتحقق حين التعاطي كما هو المختار للمحقق الكركي ومن تبعه ، وانما الحاصل ابتداء اباحة التصرف المطلق والملك متوقف على التلف أو التصرف المتوقف على الملك ، وهو غير مانع عن صدق التجارة عليها كما لا يخفى. ولو نوقش في صدقها بناء على الإباحة فيكفي في مشروعيتها وان الضمان فيها معاوضي : إجماع الأصحاب على ذلك ، فان ما يحكى عن العلامة ـ قدس سره ـ في نهايته من القول بفسادها يحكى أيضا رجوعه عنه في الكتب المتأخرة عنها وبالجملة لا ينبغي التشكيك في كون الضمان فيها معاوضيا ، ومقتضى ذلك كون كل من العوضين مضمونا بالآخر فيتلف احدى العينين تتعين الأخرى للبدلية فاستشكال سيدنا ـ قدس سره ـ في ما سيأتي : ـ منه من الحكم باللزوم في صورة تلف العينين بناء على الإباحة بل جزمه بعدمه في صورة تلف احدى العينين ، وان مقتضى القاعدة جواز الرجوع بالعين الموجودة لمالكها والغرامة لصاحبه عن التالف عنده ببدله الواقعي ـ آخر ما قال ـ غير واضح.

وهو معنى اللزوم

1) ليس منشأ اللزوم وعدم جواز رجوع أحدهما على صاحبه بالبدل الواقعي : هو انقطاع استصحاب علقة المالك بتلف العين ، لما ذكرناه سابقا من أنه بعد انتقال المال الى الطرف بالتعاطي وملكه له ، لم يبق لمالكه الأول علقة فيه أصلا حتى يتصور استصحابها وينقطع ذلك بتلف العين ، بل الوجه في اللزوم وعدم جواز الرجوع بعد التلف هو ان المتيقن من الجواز الثابت بالإجماع في قبال أصالة اللزوم الثابتة بآية التجارة عن تراض.

فيه. ومنه يظهر الفرق بينه وبين تلف المبيع في زمن الخيار الذي يرجع فيه يبدل التالف من المثل أو القيمة لكون الرجوع فيه من أحكام العقد الخياري بخلاف المقام.

وأما على القول بالإباحة ، فلا إشكال في اللزوم بذلك ، بل ذهب غير واحد الى عدم الخلاف فيه ، بل عن بعض دعوى الإجماع عليه وانما الكلام في ان ذلك هل هو على وفق القاعدة ، أو على خلافها ، خرج عنها بالإجماع؟ ذهب بعض إلى الأول ، نظرا إلى أصالة البراءة عن بدل التالف للمالك لو أراد الرجوع بالبدل الواقعي من المثل أو القيمة مع عدم ما يوجب ضمانه لان الموجب له : اما الأصل ، وهو استصحاب جواز الرجوع قبل التلف ، وقد عرفت انقطاعه بانتفاء متعلق العلقة المستصحبة من العين ، واما اليد لعموم حديث «على اليد» الممنوع شموله للمقام لان اليد لم تكن يد ضمان عند وجود العين ولا بعد تلفها ، مع عدم ارادة الرجوع وجواز الرجوع فرع كون اليد يد ضمان قبله. وذهب جماعة الى الثاني نظرا الى كون العين عند المعاوضة بالتعاطي مضمونة على قابضها بالبدل الجعلي ، فإذا لم يسلم ولم يلزم المسمى المجعول بقرار المتعاطيين رجع الى البدل الواقعي من المثل أو القيمة فاليد يد ضمان من أول الأمر.

قلت : المرجع في الضمان للبدل وعدمه الى كون الإباحة هل هي مجانية أو بعوض إذ لا معنى لغرامة البدل مع كون الإباحة مجانية التي معناها لا غرامة عليه أصلا ، وحيث كانت المعاطاة معاوضة فلا جرم كانت العين مضمونه ببدلها على من قبضها ، وقياسه بنثار العرس المبذول مجانا كما في الجواهر قياس مع الفارق نعم يمكن أن يقاس به بناء على مذهبه في موضوع المعاطاة من قصد الإباحة بالإباحة ، فإن العوضية إنما هي بين الاباحتين لا بين العينين فتكون الإباحة حينئذ بالنسبة إلى متعلقها مجانية من الجانبين وان وقعت الإباحة بإزاء الإباحة ولعله مثله أيضا في المجانية لو فرض قصدهما التمليك بالتمليك كما هو أحد الاحتمالات المتقدمة في تصوير المعاطاة بإرادة التسليط التمليكي بإزاء التسليط التمليكي فالملكية حينئذ مجانية وان قوبلت بالملكية الأخرى كذلك نظير الهبة المشروطة بالهبة على وجه يكون أحدهما كالداعي للآخر نعم بناء على فرض قصد التمليك بالتمليك اي تمليك العين بتملك الأخرى على نحو التمليك البيعي كما هو أحد الاحتمالات المتقدمة أيضا بل هو الغالب من قصد المتعاطيين كما نشاهده بالوجدان فيشكل الحكم باللزوم بناء على القول بالإباحة فيه ضرورة كون المعاوضة في هذه الصورة انما هي بين العينين ومقتضاه الضمان ، والمسمى وان وقع القرار بينهما عليه الا ان الالتزام به مع كونه غير البدل الواقعي موقوف على ثبوت ملزم شرعي وهو مع كونه ممنوعا عين الدعوى ومصادرة وهذا بخلاف البدل الواقعي فإن دفعه بعد عرفا دفعا للتالف ولا حق للمالك

أزيد من ذلك وعليه فيكون اللزوم في هذه الصورة على خلاف القاعدة خرج عنها بالإجماع اللّهم الا ان يوجه تطبيقه عليها بما سيأتي.

هذا مع تلف العينين وأما مع تلف إحديهما وبقاء الأخرى ففي صورة ما لو كان من قصد المتعاطيين الإباحة بالإباحة فلمالك العين الموجودة الرجوع بها لأنها ملكه بالفرض وان أباح التصرف لغيره ولا رجوع عليه ببدل التالف لان المفروض فيها كون الإباحة مجانية ولا يتوهم استلزامه الجمع بين العوضين إذ لا معاوضة بين العينين بل هي بين الاباحتين وقد حصل التصرف فيهما من الجانبين. وأما مع قصدهما الملكية على نحو الإيجاب والقبول القولي فعلى القول بالإباحة مقتضى القاعدة جواز الرجوع بالعين الموجودة لمالكها لكونها باقية على ملكه والغرامة لصاحبه عن التالف عنده ببدله الواقعي لكون يده يد ضمان لعموم حديث «على اليد» بعد ان كانت المعاوضة بين العينين ، وليس المسمى بدلا عنه وان وقع القرار عليه لعدم الدليل على وجوب الالتزام به بعد أن لم تتم البدلية بينهما بالفرض إلا أن يقوم إجماع عليه ، وهو ان ادعى فعلى عهدة مدعية. وأما بناء

على الملكية فعلى القول بأصالة اللزوم في الملك لا رجوع لأحدهما على صاحبه لأنه مقتضى الأصل الذي خرج عنه بالخصوص الرجوع مع بقاء العينين وأما بناء على المختار من أصالة الجواز في الملك لاستصحاب بقاء العلقة السابقة ، فيشكل تطبيق الحكم فيه باللزوم على القاعدة كما عليه المشهور ، بل ادعى عدم الخلاف فيه وان احتمله (في المسالك) احتمالا إذ مقتضى استصحاب بقاء العلقة بالنسبة إلى العين الموجودة لمالكها جواز الرجوع بها فان رجع بها رجع صاحبه عليه حينئذ ببدل التالف من المثل أو القيمة لكون العين التالفة كانت مضمونة عليه قبل التلف.

اللّهم إلا ان يوجه تطبيق الحكم باللزوم على القاعدة حينئذ بأحد وجهين : (الأول) ان المعاطاة بناء على إفادتها الملكية تقتضي صحة بدلية كل من العينين عن الأخرى ، ومقتضاها تعيين الغرامة بالبدل الجعلي دون الواقعي غير أن كلا من المتعاطيين بحكم الاستصحاب له إبطال المبادلة الذي معناه الرجوع بما كان له وإرجاع بدله الى صاحبه ، وهو غير ممكن مع التلف فيتوقف الرجوع على التراد الغير الممكن إلا مع بقاء العينين (الثاني) ان ملكية المعاطاة استفيدت من عمومات «أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ» «و ( تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) » ونحو ذلك التي مقتضى عمومها الأزماني اللزوم خرج عنها صورة بقاء العينين بالدليل ، فيبقى غيرها مندرجا تحت العموم المنقطع به الاستصحاب اللّهم الا ان يخدش فيه بدعوى ان الزمان ليس من المشخصات الفردية بحيث يكون الفعل بحسب اجزائه المساوية افرادا متعددة للعام حتى لا ينافي خروج فرد منه جريان أصالة العموم في غيره لكونه من الشك في التخصيص بل هو ظرف للفعل

الملحوظ في مجموع اجزائه بنظر الوحدة ولا يوجب صيرورته به افرادا متعددة بل هو فرد واحد فاذا فرض خروجه في جزء من اجزاء الزمان وثبت الحكم بالجواز فيه انقطع حكم العام واستصحاب حكم المخصص إذ لا يلزم من ذلك زيادة تخصيص حتى تنفى بالأصل فتأمل ويلحق بتلف العين تلف بعضها في الحكم ودليله.

هذا كله في التلف ، وأما النقل الشرعي ، ففي لحوق نقل العينين أو إحديهما كلا أو بعضها منهما أو من أحدهما بالتلف حكما مطلقا سواء كان بنقل لازم أو جائز أولا كذلك أو التفصيل بالأول في الأول والثاني في الثاني مطلقا على القول بالملكية أو الإباحة أو يفصل بينهما - وجوه واحتمالات ، بل لعل بعضها أقوال.

وبالجملة النقل : أما بعقد لازم أو جائز وعلى التقديرين ، فالكلام مرة بناء على الملكية وأخرى على الإباحة.

أما النقل اللازم ، فلا إشكال في عدم جواز رجوع كل منهما الى صاحبه بناء على الملكية لانقطاع استصحاب جواز الرجوع بعدم إمكان التراد المأخوذ في موضوع الحكم بالجواز اما رجوع الناقل على صاحبه بالعين الباقية ، فلتوقفه على إرجاع بدلها له وهو ممتنع عليه شرعا بنقله اللازم ، والممتنع الشرعي كالممتنع العقلي ، وأما عدم رجوع صاحبه بالعين المنتقلة فلكونها منتقلة بنقل صحيح لازم لا رجوع له فيه ، فامتنع التراد المعلق على إمكانه الحكم بالجواز.

هذا مع مضي النقل ، ولو فرض عود المنقول بفسخ أو تقابل ففي جواز الرجوع لإمكان التراد حينئذ وعدمه وجهان : أقواهما الثاني :

إما بناء على أصالة اللزوم في الملك فظاهر لأن المتيقن من التراد الجائز معه الرجوع هو ما كان قبل النقل إذ لم يثبت في مقابلة أصالة اللزوم في الملك إمكان التراد بقول مطلقا ، فالموضوع غير محرز ، بل وكذا بناء على أصالة الجواز فيه لتحقق اللزوم بالنقل ، فيستصحب وينقطع به استصحاب الجواز وليس إمكان التراد علة للحكم بالجواز حتى يدور الجواز مداره وجودا وعدما بل هو موضوع للحكم به وقد زال بعروض المنع الشرعي بالنقل ، وأما بناء على الإباحة المطلقة فكذلك بناء على أن صحة ما يتوقف على الملك كالبيع مثلا يكشف عن سبق الملكية آنا ما ، فينقطع الاستصحاب بامتناع التراد أيضا بل ، لعله هنا أولى ، لتبدل عنوان الإباحة الذي من المحتمل كونه مناطا لجواز الرجوع بعنوان الملكية التي لم يعلم تعلق جواز الرجوع به حتى يستصحب ، وأما بناء على عدم الكشف عن سبق الملكية بل يقع البيع عن المالك المبيح ، فان قلنا بوقوعه فضوليا يتوقف على الإجازة منه فيجوز الرجوع لإمكان التراد مع عدم الإجازة لعدم تحقق النقل المتوقف عليها ، وان قلنا بخروجه عن الفضولي لسبق الاذن منه ووقوع البيع له ورجوع العوض اليه غير انه مباح التصرف للناقل كما تقدم جاز الرجوع للناقل على العين الباقية ، والا لزم الجمع بين العوض ويدل المعوض الذي هو بمعنى الجمع بين العوضين وبعبارة أخرى : يلزم من البناء على كون العوض للمالك المبيح مباح التصرف للناقل كون العين الموجودة باقية على ملك مالكها مباحة التصرف لمن هي في يده ، وإلا لزم الجمع بين العوضين ، ومقتضى ذلك جواز رجوع كل منهما على الآخر أيضا.

هذا ولو عادت العين بفسخ ونحوه مع كون البناء على الإباحة فلا رجوع مع سبق الملكية ، بل هو اولى منه بناء على الملكية كما عرفت ، نعم لو قلنا

بان الكاشف عن الملك هو العقد (1)

هذا ولكن لقائل أن يقول : ان المعاوضة الواقعة بين المتعاطيين ـ المفروض صحتها ـ مقتضاها ضمان كل منهما لصاحبه ما أخذه منه عند تلفه أو إتلافه بعوضه ، والتصرف المذكور المفروض صحته ولزومه من المباح له فيما أخذه بمنزلة الإتلاف له على المالك المبيح ، لكونه موجبا للخروج عن ملكه بعقد لازم ، ومقتضى الاقدام المعاوضي الحاصل بالمعاطاة الموجب لضمان العين لمالكها بعوضها عند عدم إمكان إعادتها إليه كون العوض منتقلا الى المالك المبيح حينئذ أي حين التصرف الملازم لانتقال العين الى المباح له لكون الضمان معاوضيا وعليه فيكون الموجب لانتقال العين الى المباح له هو الإقدام المعاوضي الحاصل بالمعاطاة المقتضي لضمان كل من العينين بالأخرى.

واما العقد الناقل فإنما هو موجب لانتقال المال من المباح له إلى المشتري ، فارتفاعه بالفسخ لا يوجب رجوع العين الى ملك المبيح بل رجوعها الى ملك المباح له ، فان انحلال العقد انما يوجب ارتفاع مقتضاه ، وهو انتقال المال من المباح له إلى المشتري دون ما يقتضيه الاقدام المعاوضي الحاصل بالمعاطاة.

وبالجملة بناء على أن محل الكلام انما هو في المعاطاة التي قصد المتعاطيان بها حصول الملك لكل منهما فيما أخذه من صاحبه بدلا عما دفعه اليه فكل منهما عند بيع ما أخذه بقصد كون البيع له ودخول عوض المبيع في ملكه بدلا عما خرج من ملكه وصحة البيع على ما قصده تتوقف على ملكيته للمبيع بسبب ناقل له اليه سابق على بيعه ونقله إلى المشترى وهو ما ذكرنا من انه هو الاقدام من المتعاطيين على كون كل من العوضين مضمونا بعوضه عند إتلافه أو ما هو بمنزلته من النقل اللازم المستلزم ذلك انتقال العين الى المباح له بدلا عما انتقل حينئذ إلى المبيح من عوضها.

وعليه فالعقد الصادر من المباح له يتمحض لنقل العين من ملكه الى ملك المشتري ، فلو عرض له فسخ بالخيار أو تفاسخ بتقايل تعود العين الى ملك من انتقلت منه الى المشتري وهو المباح له ولا وجه لعودها الى المالك الأصلي ، إذ الفسخ انما يوجب نقض ما عقده العاقد وهو انما قصد نقل العين منه الى المشتري لا نقلها من مالكها اليه ثم منه الى المشتري ليكون الفسخ موجبا لعودها الى مالكها الأصلي.

الناقل ، فاذا فرضنا ارتفاعه بالفسخ عاد الملك الى المالك الأول وان كان مباح التصرف لغيره ما لم يسترد عوضه

1) حاصل ذلك وتقريبه : أن العقد الصادر من المباح له المفروض صحته ولزومه مقتضى لانتقال المال من المالك المبيح اليه ، ثم منه الى الثالث ومقتضى ذلك أن فسخه موجب لعود المال بالفسخ من الثالث الى المالك الأول ، فتعود سلطنته السابقة عليه ، ومقتضاها جواز رجوعه به.

كان مقتضى قاعدة السلطنة جواز التراد لو فرض كون العوض الآخر باقيا على ملك مالكه الأول أو عائدا إليه بفسخ. وكذا لو قلنا بأن البيع لا يتوقف على سبق الملك ، بل يكفي فيه اباحة التصرف والإتلاف ويملك الثمن بالبيع - كما عن القطب والشهيد في باب بيع الغاصب - : ان تسليط المشترى للبائع الغاصب على الثمن والاذن في إتلافه يوجب جواز شراء للغاصب به شيئا ، وأنه يملك الثمن بدفعه اليه ، فليس للمالك اجازة هذا الشراء ويظهر أيضا من المحكي عن (المختلف) حيث استظهر من كلامه فيما لو اشترى جارية بعين مغصوبة : أن له وطء الجارية مع علم البائع بغصبية الثمن ، ومقتضى ذلك أن يكون تسليط الشخص لغيره على ماله وان لم يكن على وجه الملكية يوجب جواز التصرفات المتوقفة على الملك ، إلا أنه يضعف الأول بأن العقد ان لم يؤثر النقل من حينه فلا معنى لعود

العين بفسخ ونحوه كما هو الفرض وان أثر ذلك فقد أوجب اللزوم المنقطع به الاستصحاب بل هو المستصحب ، والثاني بامتناع كون العوض لغير من له المعوض (1)

هذا ولكن ذكرنا سابقا ان مقتضى المعاوضة الواقعة بين المتعاطيين ضمان كل منهما لصاحبه ما أخذه منه بعوضه عند تلفه أو إتلافه والتصرف المذكور من المباح له فيما أخذه من المبيح من حيث كونه بالعقد اللازم بمنزلة الإتلاف له على مالكه المبيح لكونه موجبا لخروجه عن ملكه وانتقاله إلى المشتري وارتفاع سلطنته على إعادته اليه ، ومقتضى ضمان العين لمالكها حينئذ بعوضها : انتقال عوضه الى المالك المبيح ولازمه انتقال العين الى المباح له لكون الضمان معاوضيا وعليه فخروج العين إلى المشتري انما هو من ملك المباح له ، لا المبيح ، فعودها بالفسخ اليه لا الى المبيح ، فلا سلطنة له على الرجوع حتى على مبني القطب والشهيد ـ قدس سرهما ـ وبالجملة لا فرق في لزوم المعاطاة وعدم إمكان الرجوع بها عند نقل العينين أو أحدهما بالنقل اللازم بين القول بإفادتها الملك وبين القول بإفادتها الإباحة ، كما لا فرق في ذلك بين مبني المشهور ومبني القطب والشهيد ـ قدس سرهما.

كيف ومقتضى العوضية قيام العوض مقام المعوض ، فلو فرض كون العوض ملكا للبائع كشف ذلك عن سبق ملكية المعوض له جزما.

1) المختار للمشهور وان كان هو القول بان مقتضى المعاوضة دخول العوض في ملك من خرج المعوض من ملكه كما يقوله سيدنا - قدس سره - ولكن على فرض القول بإمكان تحقق المعاوضة بخروج أحد العوضين من ملك شخص ودخول العوض الآخر في ملك غيره - كما هو المحكى عن القطب والشهيد - قدس سرهما - في باب بيع الغاصب ، لا يمكن القول بعود سلطنة المبيح على الرجوع بالمعاطاة لو انحل بيع العين التي باعها المباح له بفسخ أو تقايل ، إذ غاية ما يمكن أن يقال على هذا المبنى : إن صحة البيع من المباح له لا تتوقف على ملكيته للمبيع بل يكفي فيها تسليط المالك له عليه المفروض تحققه في المعاطاة بناء على كونها معاملة صحيحة ، وعلى المبنى المذكور فالعين التي باعها المباح له لنفسه تخرج عن ملك المبيح الى ملك المشتري وثمنها يخرج من ملك المشتري الى ملك البائع ، فإذا حصل فسخ أو انفساخ ورجع كل من العوضين الى ملك مالكه السابق عادت العين المبيعة إلى ملك المبيح وعادت سلطنته على الرجوع بالمعاطاة.

هذا كله في النقل اللازم ، وأما في النقل الجائز فليس لمن بيده العين الباقية الرجوع على الناقل بناء على الملكية وإلزامه بالرجوع على ما نقله - بمعاوضة كان النقل أو مجانا - لعدم حصول إمكان التراد فعلا ، وتحصيله - ولو كان مقدورا بواسطة الرجوع - غير واجب لأن إرجاع ما أخذه بعد الرجوع عليه لم يعلم كونه من الواجب المطلق حتى يجب تحصيل مقدماته بل الظاهر انه من الواجب المشروط للأصل حيث كان الوجوب مستفادا من دليل لبى لا من اللفظ حتى يتمسك فيه بأصالة الإطلاق ولا له الرجوع أيضا بنفسه على من انتقلت العين إليه إذ لا خيار له فيه ولا سلطان له عليه.

واما بناء على الإباحة فقد فصل فيه شيخنا المرتضى في (مكاسبه) بين ما لو كان النقل بمعاوضة أو مجانا (1)

هذا ولكن قد يقال ان الهبة الصادرة من المباح له لم تكن عن المالك المبيح بوكالة سنة أو بإذن منه في الهبة عنه لتكون الهبة هبته وهو الواهب حقيقة حتى يتحقق حكم جواز الرجوع بالنسبة اليه ، وانما وهب المباح له مال المبيح عن نفسه ، والمفروض أن التصرف المذكور ـ أعني الهبة عن نفسه ـ بإذن من المالك ضمنا ، وكما هو مقتض لانتقال المال الى المنهب كذلك يوجب انتقال عوضه الى المالك بمقتضى الضمان المعاوضي الحاصل من المتعاطيين إذ الهبة المذكورة ـ وان كانت غير لازمة ـ يجوز الرجوع بها لكنها بالنسبة إلى المالك كالنقل اللازم الذي هو بمنزلة الإتلاف عليه كما ذكرنا فإن الهبة المذكورة لم تكن عنه ليكون هو الواهب حقيقة فله الرجوع بهبته ، وانما هي للمباح له ، ومجرد الإذن الضمني من المالك المبيح بالهبة لا يجعلها هبة عنه مالك يقصد الواهب كونها عن المالك فلا مناص عن الالتزام بكون المال المذكور منتقلا من المبيح الى المباح له بموجب الضمان المعاوضي ثم منه الى المتهب ، وعليه فالهبة هبته ، فحكم جواز الرجوع انما هو بالنسبة إليه لا الى المالك ففسخها بالرجوع فيها مقتض لعود المال اليه لا الى المالك المبيح ، ثم ان ما ذكرناه يختلف عما ذكره سيدنا ـ قدس سره ـ في مقام الاشكال على التفصيل الذي ذكره شيخنا الأنصاري ـ قدس سره ـ

فالحق الأول بالأول في اللزوم ، وحكم

1) قال ـ قدس سره ـ فيها : «نعم .. لو كان (يعني الناقل الجائز) غير معاوضة كالهبة ، وقلنا بأن التصرف في مثله لا يكشف عن سبق الملك إذ لا عوض فيه حتى لا يعقل كون العوض لواحد وانتقال المعوض الى الآخر بل الهبة ناقلة للملك عن ملك المالك الى ملك المتهب ، فيتحقق حكم جواز الرجوع بالنسبة إلى المالك لا الواهب ، اتجه الحكم بجواز التراد مع بقاء العين الأخرى أو عودها الى مالكها بهذا النحو من العود إذ لو عادت بوجه آخر كان حكمه حكم التلف ..» انتهى.

بالجواز في الثاني للكشف في الأول عن سبق الملك آنا ما حتى لا ينافي كون العوض له إذ العوض لا يكون إلا لمن له المعوض ولا عوض في النقل المجاني حتى يستلزم الكشف عن ذلك ، بل يقع النقل عن المالك المبيح فيجوز الرجوع بقاعدة بقاء السلطنة ولكن في النفس من هذا التفصيل شي‌ء لأن النقل الجائز المجاني

كالهبة مثلا ان كان بحكم التلف لم يفرق فيه بين البناء على الملكية أو الإباحة فإن كان اللزوم في الأول لحصول النقل من المالك ، فقد حصل النقل عنه بالفرض بناء على الإباحة أيضا غير انه في الأول كان بمباشرة المالك وفي الثاني بمباشرة الناقل عنه ، فان كان نقل المالك قاطعاً للاستصحاب لأن الموضوع معه غير محرز - كما تقدم - فهو حاصل على التقديرين ، وإلا فلا كذلك وان لم يكن بحكم التلف فهو كذلك ولو مع البناء على الملكية.

وبعبارة أخرى كما لا يجب على الناقل الرجوع على الثالث بناء على الملكية لو رجع عليه صاحبه ودفع اليه العين الباقية لما تقدم ، فكذا لا يجب على المالك الذي وقع النقل عنه بناء على الإباحة الرجوع لو رجع الناقل عليه بالعين الباقية في يده لاتحاد المناط في الصورتين ، والتفرقة بينهما بوقوع النقل من المالك في الأول وعنه بمباشرة الناقل في الثاني لا يجدي في المناط. اللّهم إلا ان يفرق بين النقلين بان النقل الموجب لقطع الاستصحاب هو ما كان أثره محالفا للاستصحاب لا ما كان مؤكدا له إذ الحكم فيه بالجواز يكون مسببا عن سببين فتأمل (1).

هذا ولو نقل ثالث فضولا فاما أن يقع الرد أو الإجازة من أحد المتعاطيين أو منهما وعلى الثاني فأما أن يتفقا في الإجازة أو يتفقا في الرد أو يختلفا فيهما وعلى التقادير فاما أن يتحد زمانهما أو يختلف بتقديم زمان الرد أو زمان الإجازة وعلى التقادير كلها فالكلام مرة - بناء على الملكية واخرى بناء على الإباحة.

إذا عرفت ذلك فاعلم أولا : ان الإجازة تصح من كل واحد من


1) وجه التأمل إمكان دعوى ان جواز الرجوع في المعاطاة من آثار بقاء العلقة السابقة المنقطعة بتصرف النقل دون القدرة الحاصلة عليه بالعقد الجائز فتأمل (منه قدس سره).

المتعاطيين على كل من القولين : الملك والإباحة فلو وقعت من الأول فعلى القول بالإباحة واضح لأنه مالك ، وعلى القول بالملك فلتضمنها الرجوع الموجب للفسخ فتكون مستلزمة للزوم الفضولي ووقوعه عنه ورجوع الثمن اليه كما لو فسخ أولا ثم أجاز للفضولي. كيف ولولا تضمنها الرجوع للزم لغوية الإجازة لكونه حينئذ أجنبيا ، فالرجوع كما يحصل بالفعل كذلك يحصل بالقول الدال عليه بالمطابقة أو بالالتزام ، ولو وقعت من الثاني - وقلنا بالملكية - أثر في الفضولي صحة لوقوعها من المالك وفي المعاطاة لزوما لحصول النقل الموجب له بها ، وكذا على القول بالإباحة لكونها كالبيع كاشفة عن سبق الملك آنا ما لكون الإجازة تصرفا والمفروض له أنحاء التصرفات بناء على الإباحة ، فالإجازة حينئذ واقعة من المالك في الصورتين على كل من القولين وهو واضح.

هذا ومن كانت له الإجازة كان له الرد أيضا غير انه يؤثر في الفضولي بطلانا مطلقا (1)وفي المعاطاة فسخا لو وقع من الأول وقلنا بالملك


1) الظاهر ان الرد من المالك الأول بالنسبة إلى نقل الفضولي ليس كإجازته في كونه رجوعا بالمعاطاة فإن الإجازة منه لكونها توجب استناد نقل الفضولي اليه والاستناد غير ممكن من الأجنبي عن المال فصحة الإجازة وعدم لغوية الاستناد اليه تستلزم كون نقل الفضولي المجاز من المالك بمنزلة نقله وبيعه في إيجابه الرجوع بالمعاطاة وفسخها ورجوع المال الى ملكه وأما رده لعقد الفضولي فيمكن القول فيه بان المالك الأول انما ثبت له جواز رد المال الى ملكه ممن انتقل إليه بالمعاطاة واما رد عقد الفضولي بمعنى رد المال من الثالث الى مالك العين فعلا فلم يثبت جوازه للمالك الأول وعلى فرض الجواز لا يتحقق به الرجوع بالمعاطاة اللّهم إلا ان يقال ان إنشاء الرد من المالك الأول بما انه من شئون ملكيته السابقة وتمسكه بها فهو دال بالدلالة الالتزامية على ارادة الرجوع بالمعاطاة به اما رد المالك للعين حال العقد فلا إشكال في نفوذه منه ولكن لا يتحقق به الرجوع بالمعاطاة كما يقوله سيدنا ـ قدس سره ـ هذا بناء على حصول الملك بالمعاطاة. وأما على الإباحة فلا إشكال في نفوذ اجازة المبيح لكونه مالكا للعين فتنفذ أجازته لبيع الفضولي لها وحيث ان أجازته بمنزلة بيعه بنفسه لها ولازمه خروج العين عن ملكه إلى المشتري لها ودخول ثمنها في ملكه بدلا عنها فمقتضى ذلك تحقق الرجوع بالمعاطاة الواقعة بينه وبين طرفه فيها فتبطل. واما إجازة المباح له لبيع الفضولي فمقتضى كونها كبيع العين بنفسه والمفروض كون التصرف المذكور من المباح له بإذن ضمني من المالك وكونه كاشفا عن ملكه آنا ما قبل التصرف أو به ، فغير بعيد لزوم المعاطاة بذلك واما الرد من المبيح أو المباح له فلا إشكال في تأثيرهما في بطلان بيع الفضولي ولكنهما لا يوجبان الرجوع بالمعاطاة وهو واضح بالنسبة إلى رد المباح له وكذا المبيح على الظاهر ويحتمل كون رده كإجازته رجوعا بها نظرا الى ان المعاطاة بناء على الإباحة وان لم يكن مفادها المبادلة بين الملكين. كما هي كذلك على الملك ولكنها مبادلة بين السلطنتين فكان كلا من المتعاطيين بدل سلطنته المالكية على ماله بسلطنته على مال الآخر فكل منهما وان بقي ملكه ولم ينتقل إلى الآخر ولكن شئونه وآثاره انتقلت اليه. وعليه فكما ان اجازة المالك لعقد الفضولي الواقع على ما تحت يد طرفه فيه اقتضاء للرجوع بالمعاطاة لكونه تمسكا بشأن من شئون الملك واعادة لسلطنته المنقولة لطرفه بالمعاطاة فكذا رده لذلك ولا يخلو ذلك من وجوه.

لتضمنه الرجوع الموجب له والا لزم لغويته لكونه حينئذ أجنبيا كما لو وقعت الإجازة منه على القول بالملك ، ولا تأثير له في المعاطاة لزوما لو وقع من الثاني لعدم النقل منه الموجب له ولا يتوقف الرد على الملك حتى يكشف

عن سبقه آنا ما بل يكفي في صحة إبطاله للفضولي كونه من التصرفات المباحة له.

هذا لو وقعت الإجازة أو الرد من أحدهما ولو وقع منهما معا وكان الواقع منهما الإجازة فإن اتحد زمانهما (ففي) سقوط الإجازتين معا بالكلية لأنه من تعارض السببين المتضادين في الأثر الموجب للتساقط بعد أن كان ترجيح أحدهما على الآخر ترجيحا بلا مرجح ، أو تأثيرهما في الفضولي صحة عملا بالقدر المشترك منهما وسقوط أثر كل منهما في المعاطاة من الفسخ واللزوم للتعارض ، أو تقديم إجازة المالك سواء كان الأول بناء على الإباحة أو الثاني بناء على الملكية إما لان مالك العين أقوى من مالك التصرف بالرد والإجازة ، أو تقديم ذلك بناء على الكشف لأن اجازة المالك حينئذ كاشفة عن صحة الفضولي من حين العقد والإجازة الأخرى كاشفة من حينها فوقعت حيث لا مورد لها لسبق أثر اجازة المالك فسخا ولزوما ولا كذلك بناء على كون الإجازة ناقلة ، أو تقديم إجازة الأول مطلقا ولو بناء على الملكية لما ستعرف : (وجوه واحتمالات).

أقواها الأخير لأن الوجوه المتقدمة عليه كلها مزيفة.

اما الأول ، فلما يتضح لك من أن تقديم إجازة الأول ليس من الترجيح بلا مرجح وأما الثاني ، فلان أثر صحة الفضولي المسبب عن إجازة الأول الموجب لكون البيع له والثمن عائدا إليه أثرها. المسبب عن إجازة الثاني الموجب لوقوع الفضولي عنه والثمن له وتغاير الأثر يكشف عن مغايرة المؤثر ، فلا جامع بينهما حتى يكون هو المؤثر.

وأما الثالث ، فيمنع الأقوائية بهذا المعنى نعم لو سلم بمعنى ان نفوذ الإجازة من المالك هو المتيقن ومن غيره يمكن المنع عنه ، ولكن هذا المقدار

لا يجدي في المقام بعد فرض نفوذها مطلقا ولو من غير المالك ممن له التصرف.

واما الرابع - وهو دعوى سبق الأثر ولحوقه بناء على الكشف ، ففيه أنه يشترط في كشف الإجازة عن ترتب الأثر من حين العقد عدم وجود مانع عنه الى حين وقوعها ، والمفروض هنا وجود ما يمنع عنه ، فلا فرق هنا بين القول بالكشف والقول بالنقل في ذلك.

وأما ما يدل على تقوية الأخير : من تقديم إجازة الأول مطلقا ، فوجوه :

الأول - ان مرتبة اللزوم المسبب عن النقل الحاصل بإجازة الثاني للفضولي متأخرة طبعا عن مرتبة الرجوع بإجازة الأول وان اقترنت معه في الزمان ضرورة أن الإجازة من الثاني تؤثر في صحة الفضولي أولا ، وبصحته يتحقق النقل وبتحققه يتحقق اللزوم ، وهذا بخلاف الإجازة من الأول فإنها متضمنة للرجوع أولا ، وتؤثر في صحة الفضولي ثانيا ، فالرجوع الموجب للانفساخ مقدم على النقل الموجب للزوم في المرتبة طبعا وبالذات.

الثاني - ان الشك عند تقارن الإجازتين بالنسبة إلى لزوم إجازة الثاني شك في وجود سبب اللزوم وهو النقل والأصل عدمه ، وبالنسبة إلى إجازة الأول شك في قدح العارض عن تأثير ما يقتضي الفسخ وهو الرجوع فالمقتضي محرز والشك إنما هو في قدح العارض والأصل عدمه بناء على جريان الأصل فيما كان من قبيل المقتضى والمانع مطلقا من غير فرق بين ما لو كان الشك في وجود المانع أو مانعية الموجود لأنه من الأصول العقلائية.

الثالث - ان نفوذ الإجازة من الثاني وتحقق النقل بها مشروط بكون العين مباحة التصرف حين الإجازة ولا اباحة مع رجوع الأول ومنعه عن تصرف الثاني وان كان مقارنا له ، إذ المدار على المنع حين التصرف سواء كان حدوثه قبله أو مقارنا له ، وكما لا ينبغي التأمل في بطلان الإجازة لو صرح

الأول بالفسخ عند إجازة الثاني فكذلك فيما كان متضمنا للفسخ بعد فرض كون الإجازة متضمنة له لعدم الفرق بين الدلالة عليه بالمطابقة أو بالالتزام فافهم وتأمل ، ويتلوه من الاحتمالات في القوة الأول.

هذا ولو اختلف زمان الإجازتين فالتأثير للسابق منهما في الفضولي صحة مطلقا سواء كان من الأول أم الثاني على القول بالملك أو القول بالإباحة في المعاطاة ، فسخا ان كان من الأول مطلقا على القولين لتضمنها الرجوع الموجب لذلك ، وفيها لزوما ان كان من الثاني كذلك على القولين لحصول النقل به الموجب له.

ولو وقع الرد منهما واتحد زمان الردين ، بطل الفضولي قطعا ، وفي فسخ المعاطاة برد الأول وجه مبني على القول بالملك وكون الرد كالإجازة متضمنا للرجوع وعدم تحقق النقل برد الثاني حتى يتوهم المعارضة لرجوع الأول كالإجازة منه. نعم في تضمن رد الأول الرجوع على الإباحة نوع خفاء.

ومع اختلاف زمانهما فالتأثير للسابق منهما في بطلان الفضولي وفي فسخ المعاطاة به ان كان من الأول وجه مبني على ما عرفت ، ولا موجب للزوم المعاطاة ان كان السابق من الثاني لما عرفت أيضا من عدم تحقق النقل منه برده حتى يوجب ذلك.

هذا ولو وقع من أحدهما الرد ومن الآخر الإجازة في زمان واحد فان كانت الإجازة من الأول صح الفضولي وانفسخت المعاطاة بها قطعا لعدم توهم معارضة رد الثاني لها كما عرفت ، وان كان الرد منه والإجازة من الثاني فحكمه على الملكية حكم تزاحم الإجازتين في ورود الاحتمالات المتقدمة ، وان اختلفا مع ذلك في الزمان أثر السابق منهما في صحة الفضولي مطلقا ان كان هو الإجازة غير أنه تنفسخ المعاطاة بها ان كانت من الأول وتلزم

ان كانت من الثاني لحصول النقل الموجب له وان كان السابق هو الرد بطل الفضولي مطلقا غير انه ان سبق الرد من الأول أثر في المعاطاة فسخا بناء على الملك أو مطلقا على تأمل فيه ، ولا تأثير له في لزوم المعاطاة ان سبق الرد من الثاني ، فلا تأثير في الإجازة اللاحقة من الأول حينئذ في المعاطاة فسخا إلا إذا أمكن فيها تصور ارادة الرجوع بها كما لو فرض جهله بالرد السابق من الثاني حكما أو موضوعا ، بل ومثله في تضمن رد الأول الرجوع لو سبق رد الثاني عليه مع جهل الأول به ، فهذا حكم جميع الصور المتصورة في المقام.

هذا ولو وقع التصرف في العين منهما أو من أحدهما بما يوجب تغيير الصورة كطحن الحنطة وقطع الخشبة وتفصيل الثوب ، ففي لزوم المعاطاة به مطلقا أولا كذلك أو التفصيل وجوه ، بل أقوال. ولعل الأول منها لا يخلو من قوة ، لامتناع التراد المقصود منه رد كل من البدلين الى صاحبه ، ضرورة أن نقض المبادلة موقوف على إرجاع البدل والبدل بما هو بدل مركب من جزء مادى وجزء صوري ، وكما ينتفي المركب بانتفاء جزئه المادي كذلك ينتفي بانتفاء جزئه الصوري بعد ان كان ملحوظا في عنوان البدلية. نعم ان لم يكن ملحوظا فيه بل كان المجعول بدلا هو ذات الشي‌ء باجزائه المادية فقط ، كان إرجاعه إرجاعا لعين البدل وان تغيرت الصورة لعدم كونها ملحوظة في عنوان البدلية ، مضافا الى لزوم الضرر - غالبا - سيما مع عدم كونه مضمونا على الضار بل لم ينفك ذلك عنه لاختلاف الأغراض وتفاوت الرغبات والإلزام بقبول ذلك حكم ضرري منفي في الشرع بالاية والرواية الحاكمة على استصحاب الملك بناء على الإباحة وعلى استصحاب بقاء العلقة بناء على الملك لو سلم جريان الاستصحاب في المقام مع إمكان منع جريانه فيه لانتفاء الموضوع ولا أقل من الشك في بقائه للشك في كون الموضوع عرفيا أو حقيقيا.

وفصل شيخنا المرتضى في (مكاسبه) في اللزوم وعدمه بين القول بالملكية والإباحة حيث قال : «ولو تصرف في العين تصرفا مغيرا للصورة كطحن الحنطة وفصل الثوب فلا لزوم على القول بالإباحة ، وعلى القول بالملك ، ففي اللزوم وجهان مبنيان على جريان استصحاب جواز التراد ، ومنشأ الاشكال أن الموضوع في الاستصحاب عرفي أو حقيقي» انتهى.

قلت : ولعل نظره في عدم اللزوم بناء على الإباحة إلى أنه لا دليل على خروج العين عن ملك المالك بهذا التصرف المأذون فيه (1)

والمتيقن من ذلك هو ما قبل حصول التغير واستصحاب سببية رجوعه ومؤثريته في عود سلطنته الى ما بعد حصوله من قبيل الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول به ، فأصالة عدم عودها وبقاء السلطنة لمن بيده المال بعد تغيره لا اشكال فيها ومقتضاها لزوم المعاطاة بذلك.

والحاصل بناء على ما ذكرناه من كون المعاطاة على الإباحة مبادلة بين السلطنتين المطلقتين لا مجرد اباحة التصرف ، فلا فرق بين المسلكين : القول بالملك والقول بالإباحة في لزومها بالتغير الموجب لذهاب صورة ما وقع عليه التعاطي فإن استصحاب ملكية من بيده المال بناء عليها أو سلطنته المطلقة عليه الحاصل ذلك بالمعاطاة عند الشك في زوالهما وعودهما للمالك الأصلي أو المبيح بعد التغير مما لا ينبغي الإشكال فيه.

(فالجزم) بنفي اللزوم على الإباحة ، نظرا لعدم الدليل على خروج العين عن ملك المالك بالتصرف المأذون فيه بل التشكيك في اللزوم على الملك ، نظرا لاحتمال كون الموضوع في الاستصحاب حقيقيا لا عرفيا (غير) واضح.

ثم ان ما ذكرناه من تقريب اللزوم بالتغير المذهب للصورة يطرد فيما سيأتي من صورة الامتزاج ، والكلام فيها هو الكلام فيما ذكرناه ، والمختار هو المختار هنا.

وقياسه بالنقل

1) سبق منا القول : بأن المعاطاة بناء على الإباحة مبادلة بين السلطنتين المطلقتين ، وعليه فلا فرق بينهما وبين القول بإفادتها الملك سوى انها عليه توجب خروج المعوض عن ملك مالكه ودخوله في ملك مالك العوض وخروج العوض عن ملك مالكه ، ودخوله في ملك مالك المعوض وعلى الإباحة ، فالمكان باقيان بعد التعاطي على ما كانا عليه قبله ، غير أن التبديل بين المتعاطيين انما كان في شئون الملك وآثاره فان كلا منهما سلط صاحبه على كافة التصرفات في ماله عوضا عن تسلطه على مال صاحبه ومن هنا قيل : ان الإباحة بالمعنى المذكور مرجعها الملكية وعلى كل فعلى الوجه المذكور للإباحة التي قال بها المشهور الذي هو أحسن الوجوه لم تبق لمالك العين سلطنة عليها بعد المعاطاة. نعم له إعادة السلطنة التي أعطاها لطرفه لنفسه بالرجوع بالمعاطاة. وعليه فليس الكلام في خروج العين عن ملك المالك بالتصرف المغير للعين حتى يقال : لا دليل على خروجها به فيستصحب ملكه ولا الشك في جواز الرجوع بالعين تكليفا ، ليقال : قبل التغير كان جائزا فيستصحب الجواز بل الشك في جواز الرجوع وضعا من المالك ومؤثريته بعد التغير في عود سلطنته المعطاة لطرفه اليه.

والتلف قياس مع الفارق. أما الأول فلكشفه عن سبق الملك ولو آنا ما ، والثاني لكون التالف وان كان مباحا إلا انه مضمون بالبدل الجعلي بعد فرض صحة المعاوضة ولا كذلك بناء على الملكية بل هو مبني على ما ذكره من مبني الوجهين من الفرق بين الموضوعين الذي يحتمل أن يريد به ، كما لعله الظاهر أن الموضوع ان كان حقيقيا فلا يجرى الاستصحاب مع التصرف المغير للصورة مطلقا لتبدل الموضوع معه حقيقة وتلزم به المعاطاة مطلقا وان كان

عرفيا فيدور استصحاب الجواز وعدمه مدار الصدق العرفي ، وقد يصدق على المتغير انه هو عرفا وان كان غيره حقيقة ويحتمل ان يريد بالفرق ان الموضوع ان كان حقيقة الشي‌ء فيجري استصحاب الجواز ما دامت ذات العين باقية لعدم تبدل الذات بتغير الصفات كالملكية المتعلقة بالعين التي لا تزول بزوال أوصافها ، فلا تلزم المعاطاة بتغيير الصفات مطلقا بخلاف ما لو كان الموضوع عرفيا فإنه قد يصدق على المتغير انه غير الأول فلا يجرى الاستصحاب فيه لتبدل الموضوع حينئذ ومقتضاه اللزوم لعدم التراد عرفا وان تحقق الرد حقيقة.

وكيف كان ففيه : ان ما ذكره من التفصيل انما يتوجه على مبناه من أصالة اللزوم في الملك وكون جواز الرجوع من الأحكام التعبدية الثابتة بالإجماع ونحوه. وأما على ما قويناه : من أصالة الجواز فيه ، فلا يتم ما ذكره من التفصيل لأن متعلق العلقة على القول بالملك هو عين متعلق الملك على القول بالإباحة ، فإن كان هذا النحو من التصرف مخرجا للعين عن تعلق العلقة بها كان مخرجا عن تعلق الملكية بها ، أيضا ، وإلا فلا فيهما كذلك لأن العلقة للمالك الأول على الملكية ليست إلا أثرا من آثار الملكية السابقة ومرتبة من مراتب السلطنة الأولية ليست سلطنة جديدة حدثت للأول ، فالأقرب هو الأول ، ويتلوه في القرب الوجه الثاني ، لما عرفت من الأصل وعدم ثبوت الخروج عنه بهذا النحو من التصرف مطلقا من غير فرق بين القول بالملك والقول بالإباحة. وعليه فيصح دعوى إمكان التراد حينئذ إلا إذا استلزم التراد ضررا حيث لا نقول بتعميم الضرر واطراده في أنواع التصرف لحكومة قاعدة الضرر على الأحكام التكليفية والوضعية. وعليه فيتجه التفصيل بين ما يوجب الضرر وما لا يوجبه فيحكم باللزوم في الأول لقاعدة الضرر الحاكمة على الأصول ، وبالجواز في الثاني للاستصحاب ، وتكون المسألة

حينئذ رباعية الأقوال.

(وتوهم) عدم تأثير الضرر بسبب الاقدام عليه (يدفعه) مع ان الاقدام من مسقطات الضمان لا من المسوغات للاحكام - منع جريانه في المقام لان مجرى قاعدة الإقدام هو الاقدام على موضوع يكون حكمه الشرعي جواز الرجوع ، فلا بد أولا من إحراز كون الجواز حكما شرعيا في المقام حتى يكون الاقدام عليه اقداما على موضوع الضرر وهو أول الكلام ، فأشبه ذلك بالدور لان ثبوت جريان الاقدام يتوقف على ثبوت كون الحكم ، الشرعي هو جواز الرجوع ، والمفروض ان ثبوت الحكم بالجواز لعدم تأثير الضرر انما هو بقاعدة الإقدام ، فظهر بذلك ضعف ما قيل : من ان الضرر مستند الى تقصيره في التحفظ بإيجاب البيع واما لو امتزج العينان أو إحديهما بالغير بحيث لا يتميز ، فالأقوى فيه اللزوم مطلقا بناء على الملك أو الإباحة امتزجت بالأجود أو بغيره من المساوي أو الأردى ، لامتناع التراد حينئذ مطلقا ، ضرورة أن رد العين على الوجه الأول متعذر بالفرض ورد الجميع مقدمة مع كونه ضررا فيه المنة التي لا يجب تحملها ، وبعد القسمة ففرد المقسوم مشتمل على بعض منه وبعض من غيره وهو غير الأول فرده ممتنع وقد عرفت ان نقض المبادلة موقوف على رد البدل بعينه.

لا يقال : إن استنادهم في اللزوم هنا الى امتناع التراد ينافي كلامهم في القسمة أنها إفراز حق وتمييز حصص ، فاذا كان المقسوم هو عين المملوك من دون اشتمال على المعاوضة أمكن الرد بعد القسمة.

لأنا نقول : إن المقسوم عين المملوك بالاشتراك والإشاعة لا عين المأخوذ بالمعاطاة ، ومناط الرجوع رد الثاني دون الأول فافهم.

وفصل شيخنا المرتضى في (مكاسبه) بين القول بالملك والإباحة بما لفظه : «ولو امتزجت العينان أو إحداهما سقط الرجوع على القول بالملك

لامتناع التراد ، ويحتمل الشركة وهو ضعيف : أما على القول بالإباحة فالأصل بقاء السلطنة على ماله الممتزج بمال الغير فيصير المالك شريكا مع مالك الممتزج به نعم لو كان المزج ملحقا له بالإتلاف جرى عليه حكم التلف ..» انتهى.

وهو لا يخلو من تأمل لأن التراد حينئذ ان كان ممتنعا كما اعترف به على الملكية - سقط الرجوع به على الإباحة أيضا لتوقف الرجوع مطلقا على رد البدل الممتنع بالفرض ، وان فرض إمكان التراد فلا يسقط الرجوع ولو قلنا بالملك ، مضافا الى لزوم الضرر بالشركة الموجبة لعدم استقلالية المالك.

ونسب الى (المسالك) احتمال التفصيل بين المزج بالأجود وغيره وهذه عبارته :

«لو اشتبهت بغيرها أو امتزجت بحيث لا يتميز فان كان بالأجود فكالتلف وان كان بالمساوي أو الأردى احتمل كونه كذلك ، لامتناع التراد على الوجه الأول ، واختاره جماعة ويحتمل العدم في الجميع لأصالة البقاء ..» انتهى مستشعرا ذلك من اختصاص الأجود بالذكر في الاحتمال الأول.

وفي (شرح القواعد) لكاشف الغطاء : «والحق به أي بالتلف طحن الحنطة ومزجها مطلقا أو بالأجود دون الأدنى والمساوي - الى ان قال - واما المزج على وجه لا يتميّز ، فلا يمكن رده بعينه وقبول الجميع فيه منة ، ودخول مال الغير في ماله من غير فرق بين الأجود ومقابلاته ..» انتهى وعبارة (المسالك) غير صريحة في ذلك.

وكيف كان فلا أرى وجها للتفصيل بين المزج بالأجود وما يقابله من الأردى أو المساوي إلا ما عسى أن يوجه بلزوم الضرر في الأول بناء على الشركة بحسب الكم وبنسبة القيمة للزوم نقصان المال عما أخذه أولا في الكم ، وهو ضرر ، ولا كذلك لو امتزج بالمساوي للمساواة فضلا عن

الأردى لما فيه من الزيادة الكمية ، وهو فاسد ، لان ضرر الأول في الأول بالكم مع كونه مجبورا بالكيف وهو الجودة معارض بضرر الثاني كما في المزج بالأردى ، فالقول باللزوم مطلقا هو الأقوى. ويلحق بما لا يتميز في الحكم ما لا يمكن الافراز وان تميز لوحدة المناط من امتناع التراد.

هذا ولو اختلفا في حصول سبب اللزوم ففي تقديم قول مدعى اللزوم أو الجواز نظر : ينشأ من ان مدعي اللزوم يدعي أمرا حادثا يقتضي الأصل عدمه ، ومن أنه ملك التصرف فيملك الإقرار به ، لان من ملك شيئا ملك الإقرار به ، وهو الأقرب لحكومة قاعدة (من ملك) على استصحاب جواز الرجوع ، ولا كذلك لو ادعى بعد الفسخ حصوله قبله لأنه حينئذ لم يملك التصرف حتى يملك الإقرار به ، ولعله الوجه فيما ذكره شيخ مشايخنا في (شرحه على القواعد) في هذه المسألة حيث قال : «ففي تقديم قول مدعى اللزوم أو الجواز إشكال».

ولو ادعى تصرفا أو إتلافا بعد الفسخ فالقول قول منكره مع يمينه ولكن العجب من شيخنا في (الجواهر) حيث استند في مسألة نفوذ دعوى الوكيل على الموكل فيما وكل عليه إلى القاعدة المزبورة أيضا بل جعلها من أصول المذهب وقواعده ولم يستند إليها هنا ، وبنى على تقديم قول مدعى الجواز للاستصحاب ، ولعل ذلك منه غفلة عن مجراها هنا وأعجب من ذلك قوله بعد ذكر مختاره : «وكون بعض أفراده لا يعلم إلا من قبله لا يسقط حق الغير ، لكن في شرح الأستاد : ان في تقديم قول أحدهما اشكالا» انتهى ، ضرورة أن بعض الأسباب لو سلم كونه مما لا يعلم إلا من قبله ، فلا إشكال في قبول قول مدعيه ، وان استلزم سقوط حق الغير لتخصيص عمومات «البينة على المدعى» بما دل على قبول قوله فيما لا يعلم إلا من قبله ولا مجرى لموازين القضاء فيه لتعذر إقامة البينة عليه وعدم

إمكان توجه اليمين على المنكر لكونه لا يعلم إلا من قبله فلا بد من قبول قوله ،

ولو تداعيا فادعى كل واحد منهما وقوع ما هو له من الفسخ وسبب اللزوم ، فلا يخلو : اما أن يعلم بوقوعهما أو بوقوع واحد منهما أولا يعلم بوقوع شي‌ء منهما ، فان لم يعلم شي‌ء من ذلك فكل منهما وان ملك ما يدعيه إلا أن جريان قاعدة (من ملك) في حقه معارض بالمثل في حق الآخر مع أن بعض صورها مما يشك في كونه من موضوع القاعدة وهو الملك لاحتمال وقوعه منه حيث لا محل له لسبق الآخر إذ التأثير للسابق منهما واستصحاب جواز الرجوع - مثلا - الى وقوع الفسخ منه مع أنه لا يثبت وقوع الفسخ في وقت الملك معارض باستصحاب جواز التصرف الملزم الى وقت وقوعه منه أيضا وحينئذ فمقتضى القاعدة في المقام التحالف لان كلا منهما منكر لما يدعيه الآخر ، وبعد التحالف يبنى على ما كان عليه أولا قبل التداعي ولو علم وقوع أحدهما الغير المعين فالحكم كذلك وان استلزم مخالفة العلم الإجمالي لان مخالفته في مورد التداعي غير عزيزة ، وكذلك لو أقاما بينة لتساقط البينتين بالتعارض ولو أقام أحدهما حكم له بها فسخا كان أو لزوما لثبوت المقتضى وعدم تحقق المانع إذ المانع سبق فعل الآخر عليه ويحتمل في غير الصورة الأولى الابتناء على القول بالإباحة أو الملك ، إذ مرجع الشك على الأول إلى خروج العين عن ملك المالك المبيح والأصل بقاؤه ، وعلى الثاني فالأصل بقاء الملك للثاني أما بناء على أصالة اللزوم في الملك فواضح لخروج المورد عن المتيقن الخارج عن حكم الأصل المزبور وأما على أصالة الجواز فلاستصحاب الملك للثاني : بعد سقوط استصحاب الجواز وبقاء العلقة الذي هو الأصل السببي بسبب الابتلاء بالمعارض فيبقى الأصل في المسبب سليما.

ومنها أى ومن الأمور التي ينبغي التنبيه عليها - أنه هل تجري المعاطاة في غير البيع مطلقا عقدا كان أو إيقاعا ، والعقد بأقسامه مجانيا كان أو معاوضيا فيعم العقود التمليكة بقسميها والعقود الإذنية ، وبعبارة أخرى : هل تجري المعاطاة في العقود بأنواعها وفي الإيقاعات بأقسامها أو تختص بصنف خاص من نوع المعاوضات وهو البيع أو تجري في بعض منها دون بعض؟

فنقول ولنبدأ أولا بذكر جملة من كلمات الأصحاب في هذا الباب توطئة لبيان ما هو الحق والصواب.

قال في (جامع المقاصد) : «إن في كلام بعضهم ما يقتضي اعتبار المعاطاة في الإجارة والهبة وذلك انه إذا أمره بعمل على عوض معين عمله واستحق الأجرة ولو كانت هذه إجارة فاسدة لم يجز له العمل ولم يستحق اجرة مع علمه بالفساد ، وظاهرهم الجواز بذلك ، وكذا لو وهب بغير عقد فان ظاهرهم جواز الإتلاف ، ولو كانت هبة فاسدة لم يجز بل منع من مطلق التصرف وهو ملحظ وجيه» انتهى.

قلت : عدم جواز العمل حينئذ انما هو فيما يستلزم التصرف في مال الغير والا فلا دليل على منعه مطلقا ، وان لم يستلزم ذلك. ثم الاستشهاد به على جريان المعاطاة فيه مبني على ارادة لزوم المسمى دون اجرة المثل.

وقال في (كتاب الرهن) «قال : في (التذكرة) الخلاف في الاكتفاء فيه بالمعاطاة والاستيجاب والإيجاب عليه المذكور بالبيع بجملته آت هنا ، ويشكل بأن باب البيع ثبت فيه المعاطاة بالإجماع بخلاف ما هنا أما الاستيجاب والإيجاب فنعم» انتهى.

وقال في (كتاب الهبة) : «ولا يكفي المعاطاة والأفعال الدالة على الإيجاب ، نعم يباح التصرف ، أي لا يكفي في حصول الملك المعاطاة أعني إعطاء الواهب وأخذ المتهب أو إعطاء أحدهما الهبة والآخر الثواب ، وكذا

الأفعال الدالة على الإيجاب اقتصارا على الأسباب الشرعية التي يثبت نقلها للملك وهي العقود دون الأفعال ، نعم يباح التصرف بذلك كما يباح أكل الضيف الطعام بوضعه بين يديه وأخذ نثار العرس» انتهى.

وقال في (كتاب القرض) «ظاهر عباراتهم : أنه لا بد من الإيجاب القولي» وعبارة التذكرة أدل على ذلك ، ويرد عليه أنه قد سبق في البيع الاكتفاء بالمعاطاة التي هي عبارة عن الأخذ والإعطاء ، فإذا اكتفى في العقد اللازم بالإيجاب والقبول الفعليين فحقه أن يكتفي بهما هنا بطريق اولى ، وليس ببعيد أن يقال : انتقال الملك الى المقترض بمجرد القبض موقوف على هذا لا اباحة التصرف إذا دلت القرائن على ارادتها» انتهى.

وفي (المسالك) : «العاشر ، ذكر بعض الأصحاب ورود المعاطاة في الإجارة والهبة بأن يأمره بعمل معين ويعين له عوضا ، فيستحق الأجرة بالعمل ، ولو كان إجارة فاسدة لم يستحق شيئا مع علمه بالفساد بل لم يجز له العمل والتصرف في ملك المستأجر مع إطباقهم على جواز ذلك واستحقاق الأجرة ، انما الكلام في تسميته معاطاة في الإجارة وذكر في مثال الهبة ما لو وهبه بغير عقد فيجوز للقابض إتلافه وتملكه به ولو كانت هبة فاسدة لم يجز ، ولا بأس به إلا أن في مثال الهبة نظرا من حيث ان الهبة لا تختص بلفظ بل كل لفظ يدل على التمليك بغير عوض كاف فيها كما ذكروه في بابه وجواز التصرف في المثال المذكور موقوف على وجود لفظ يدل عليها فيكون كافيا في الإيجاب ، اللّهم إلا ان يعتبر القبول القولي مع ذلك ولا يحصل في المثال فيتجه ما قاله» انتهى.

وفي (التحرير في كتاب الهبة) : «.. وهل يستغنى عن الإيجاب والقبول في هدية الأطعمة؟ الأقرب عدمه ، نعم يجوز التصرف عملا بالاذن المستفاد من العادة» انتهى.

وقال في (كتاب الوقف) منه : «لا يحصل الوقف بالفعل المقترن بما يدل عليه مثل أن يبنى مسجدا ويأذن للناس للصلاة فيه أو مقبرة وبإذن بالدفن فيها أو سقاية ويأذن في دخولها وانما يصير وقفا بالقول الدال عليه» انتهى.

وفي (كتاب العتق منه) قال : «.. يشترط في العتق الإتيان باللفظ الصريح مع النية فلا يقع بمجرد النية منفكة عن اللفظ ولا باللفظ الذي ليس بصريح وان نوى العتق ، ولا باللفظ الصريح مجردا عن النية» انتهى.

وقال في (الدروس) : «فرع لو قال : جعلت هذا للمسجد ، قال الفاضل : هذا تمليك لا وقف ، فيشترط فيه قبول القيم ، ويصح وكأنه أجراه مجرى الوصية للمسجد إلا انه لا يشترط في الوصية هنا القبول» انتهى.

وقال في (المبسوط في أحكام المساجد) : «وإذا بنى مسجدا خارج داره في ملكه ، فان نوى به ان يكون مسجدا يصلي فيه كلما اراده زال ملكه عنه فان لم ينو ذلك فملكه باق عليه سواء صلى فيه أو لم يصل» انتهى.

وقال في وقفه - : «إذا بنى مسجدا واذن لقوم فصلوا فيه أو بنى مقبرة فاذن لقوم فدفنوا فيها لم يزل ملكه حتى يقفه لفظا على ما بيناه فيما مضى. وقال قوم : يزول ملكه إذا اذن وصلوا فيه ودفنوا في المقبرة والأول أصح» انتهى والى غير ذلك من كلماتهم المحررة في الأبواب المتفرقة وبالجملة فالمسألة غير منقحة في كلماتهم ، وتنقيحها يتوقف على توزيع الكلام في الإيقاعات مرة وفي العقود بأقسامها أخرى ، وبيان ما هو الضابط لجريان المعاطاة وعدمه حتى يكون ميزانا يتميز مجراه عن غيره.

فنقول : اعلم إن مقتضى الأصل الاولى في الجميع هو الفساد بمعنى

عدم ترتب الأثر المقصود من المعاطاة عليها ، غير ان بعض الموارد مما يصدق على المعاطاة فيه أسماء المعاملات المعلق عليها الأحكام مع قيام السيرة على المعاطاة فيه التي هي عمدة الأدلة الدالة على صحتها فيحكم بالخروج عن الأصل المزبور بالسيرة والاخبار الخاصة بتلك المعاملة الشاملة بإطلاقها للمعاطاة أيضا بعد صدق الاسم عليها وما شك في ذلك فضلا عما لو علم عدمه بقي تحت حكم الأصل من الفساد.

إذا عرفت ذلك فنقول : أما الإيقاعات ، فمنها ما لا يصدق الاسم على المعاطاة منه كالطلاق والظهار واللعان والإيلاء والعتق ونحو ذلك مما يختص الاسم بما وقع منه بالصيغة الخاصة ضرورة أن إخراج الزوجة من الدار مثلا بقصد البينونة وإطلاق العبد عن الخدمة بقصد العتق لا يسمى طلاقا ولا عتقا ، وهذا النحو منها مما لا شك في اعتبار الصيغة في صحته وعدم ترتب الأثر على المعاطاة منه.

ومنها ما يشبه العقود كالأوقاف العامة والوصية للجهة العامة كبناء المساجد وتعمير المشاهد والقناطر والمدارس والخانات والرباطات وما يعين لها ويوضع فيها كالحصر والبواري للمساجد وفرش المشاهد وما يعلق فيها من المعلقات للزينة أو التعظيم بل وما يدخر لها من الجواهر الثمنية والأموال النفيسة مما يصنع لحفظها خزانة خاصة فقد يقال : يصدق الوقف على ما كان منها بالافعال وان تجردت عن الصيغة ، بل ادعى قيام السيرة عليه بل تحققها مما يشهد به الوجدان وإنكاره مكابرة ومقتضاه تأثير المعاطاة فيه صحة وخروجه عن حكم الأصل المزبور بالسيرة القطعية التي قد عرفت أنها العمدة في أدلة صحة المعاطاة ، مضافا الى إطلاقات أدلة الوقف بعد صدق الاسم عليه ، ولكن قد يشكل مع ذلك بمعارضة السيرة لظهور الإجماعات المحكية المعتضدة بدعوى غير واحد الوفاق والإطباق على اعتبار الصيغة في الوقف ، وأنه

لا يصح بالفعل فالسيرة موهونة بذلك منبعثة عن عدم المبالاة والإطلاقات مقيدة به.

ودعوى وهن الإجماع بالسيرة موهونة باشتراط حجيتها بعدم الردع ومن المحتمل الاكتفاء بذلك ردعا في المقام ، ولكن حمل عمل الناس من العوام والخواص من التصرفات المترتبة على الوقف على التسامح مما يقطع بعدمه.

والسيرة الكاشفة محققة ، إلا ان المنكشف بها يدور بين أحد وجوه ثلاثة : البقاء على الملك للأصل مع الإباحة المالكية للجهة الخاصة - كما عليه جماعة - أو التمليك لها - كما تقدم في عبارة الدروس - أو الوقف - كما هو المحكي عن المبسوط ، والمحتمل من الذكرى واختاره الأردبيلي وبعض المعاصرين في (عناوينه) فالمنكشف بها أعم من الوقف والعام لا يدل على الخاص بخصوصه.

إلا أن الوجوه المذكورة كلها مخدوشة :

أما الأول فلاستلزامه التوقف عن التصرف مع الشك في الاذن من المالك سيما مع انتقال العين الى الوارث المحتمل فيه مع ذلك الصغر والجنون وغير ذلك من الأسباب المانعة عن التصرف مع عدم الالتزام به قطعا ، اللّهم إلا أن يلتزم بلزوم الإباحة مطلقا لعموم ما دل على عدم جواز الرجوع فيما أريد به وجه اللّه.

وأما الثاني ، فبعد تصحيح الملك للجهة بإرادة الملك للمسلمين أو طائفة منهم وان تعين صرفه في الجهة الخاصة موقوف على السبب المملك المفقود في المقام اللّهم إلا أن يكون من الهبة لهم بالمعاطاة ان قلنا بجريانها فيها.

هذا ويمكن ان يوجه الحكم بالوقفية عند صدور الفعل في أمثال المقام بدعوى ثبوت الوقف بالفعل الظاهر فيه تقديما للظاهر على الأصل بالسيرة

وبناء العقلاء فيكون ظهور الأفعال في أمثال ذلك معتبرا في مفادها كظهور الألفاظ في مداليلها فيخرج عن الأصل بظهور الفعل كما يخرج عنه بظهور اللفظ في مدلوله.

وبالجملة هذه الأفعال وان لم نعتبرها سببا للوقف كالعقد ولكن تعتبرها كاشفة عن ثبوته وتحققه كالبينة والإقرار والسيرة دليل على حجية الفعل من باب الكاشفية دون السببية ، وحينئذ فلم يبق تحت حكم الأصل إلا ما علم علما قطعيا بعدم إجراء الصيغة فيه وهو فرض نادر نمنع قيام السيرة عليه وهذا الوجه لم نجد من تنبه له وهو حسن متين.

واما الشفعة ، فالظاهر جريان المعاطاة فيها ويملك الشفيع بمجرد دفع الثمن إلى المشترى وأخذ المبيع منه فبيع الشريك للأجنبي سبب شرعي لتحقق حق الشفعة للشفيع ، وبالدفع والأخذ يملكه لأنه يصدق عليه بذلك انه شفع فيما هو حقه فتشمله إطلاقات أدلة الشفعة مع قيام السيرة عليه أيضا ولزومها بالمعاطاة مع كون حكمها الجواز مستفاد من كون الحق ثابتا له بالقهر على المشتري المناسب معه اللزوم لا التوقف على رضاه ، ولعل مثلها أيضا في جريان المعاطاة الإقالة والفسخ بدفع العوض وأخذ المعوض مع قصد أحدهما للصدق العرفي مع دعوى السيرة عليه أيضا ، ويؤيده ما قيل من ان تعريض المبيع للبيع مسقط للخيار.

وأما القسمة المشتملة على الرد فلكونها متضمنة للمعاوضة تجري المعاطاة فيها على الظاهر كما في (المسالك).

ومثلها بل أقوى منها في جريان المعاطاة تحققها في الإجازة التي مرجعها الى الاذن في البيع وان جرى الاصطلاح على تسمية الإذن اللاحق بالإجازة ، وكذا البذل الموجب لتحقق الاستطاعة يصدق بمجرد دفع المال الى المبذول له ووضعه بين يديه إذا قبله منه بالأخذ والتناول من دون توقف على اللفظ

في إيجابه وقبوله.

وأما جريانها في الإسقاط والإبراء ففيه تأمل بل منع للشك في السقوط والبراءة بمجرد الفعل الكاشف عن المقصود للشك في صدق الاسم عليه مع الشك في تحقق السيرة عليه أيضا فيبقى تحت حكم الأصل من الفساد مع استصحاب شغل الذمة.

وأما الكلام في العقود :

فمنها ما لا يتحقق موضوع المعاطاة فيه لعدم القبض والإقباض‌و الفعل المقصود به إنشاء التمليك فيه كالضمان والكفالة والحوالة بل لا نصرف فيها حتى يقال بنحو الإباحة أو التمليك ، ومثل ذلك لا إشكال في خروجه عن محل الكلام ، واما غيره : فاما ان يكون من العقود المجانية أو المعاوضة ، والأول : اما ان يكون من العقود التمليكية أو الإذنية أما الإذنية منها كالعارية والوديعة والوكالة بغير جعل ، فلا ينبغي التأمل في صحتها بالمعاطاة وترتب الأثر المقصود منه عليها لتحقق ما هو ملاك الصحة فيه من الاذن فيجوز التصرف فيه ، بل ويترتب الأثر المعلق على عناوينها الخاصة كنفوذ تصرف الوكيل قبل العلم بالعزل على الموكل لتحقق المسمى المتعلق عليه الحكم بالافعال كما يتحقق بالألفاظ ، فتشمله إطلاقات اخبارها الخاصة ، مضافا الى قيام السيرة القطعية على معاطاتها نعم لو لم نقل بتحقق المسمى بالعناوين الخاصة بالافعال في ذلك ، اقتصر في ترتب الآثار على ما يتوقف على مجرد الاذن المستفاد بشاهد الحال دون ما يتوقف على تحقق العنوان الخاص.

واما العقود التمليكية فمنها ما تجري المعاطاة فيه بل الغالب وقوعه بها كالصدقة والهدية والهبة الغير المعوضة ، ضرورة أن المتعارف بين الناس قديما وحديثا خلفا عن سلف التصدق بالافعال والتهادي بينهم بالإرسال إلى البلدان ومن مكان الى مكان على أيدي المماليك والصبيان وترتب آثار

الملكية على تلك الأعيان ، والاقتصار على الصحة في بعض التصرفات دون بعض يكذبه الوجدان ، (فما) عن بعض : من إفادة الهدية المجردة عن الصيغة الإباحة دون التمليك فلا يجوز وطئ الأمة المهداة كذلك ، ومثلها الهبة في ذلك (ضعيف) جدا محجوج بالسيرة القطعية الكاشفة عن تقرير الحجة ، وان قلنا باللزوم فيما كان منها معوضا بالقربة كالصدقة مع وقوعها بالمعاطاة لعموم ما دل على عدم الرجوع فيما أريد به وجه اللّه ومنها ما يشك في جريان المعاطاة فيه كالوقف الخاص والتحبيس والسكنى والعمرى والرقبى ، للشك في صدق الاسم عليه بمجرد الفعل مع عدم معلومية السيرة عليه بل يمكن دعوى السيرة على عدمه فيبقى تحت حكم أصالة الفساد.

واما عقود المعاوضات وما يشبهها كالنكاح فنقول : اما النكاح ، فلا شك في عدم جريان المعاطاة فيه. ويدل عليه - بعد أصالة الفساد في المعاملات وأصالة الحرمة في الفروج والإجماع بقسميه على اعتبار الصيغة فيه ومنافاة حكم المعاطاة من الجواز للزوم علقة النكاح التي لا تنقطع إلا بسبب مخصوص كالطلاق ولزوم عدم تحقق الزنا إلا في مورد الإكراه مع كون الغالب أو الأغلب وقوعه مع التراضي من الطرفين - عدم تعقل سببية المعاطاة للحل في النكاح لأن المعاطاة انما تكون سببا لصحة ما يترتب عليها من الملك أو التصرفات وجواز التصرف أو الملك متأخر في التحقق عن مرتبة السبب ، وحينئذ فالفعل وهو الوطي المقصود به الحلية هو أيضا محتاج الى سبب محلل له ، فان كان هو بنفسه سببا لحلية نفسه لزم اتحاد السبب والمسبب في مرتبة واحدة ، مع امتناع كون الشي‌ء مؤثرا في نفسه وان كان هو التمكين فلا يصدق عليه اسم النكاح حتى يكون مشمولا لإطلاقات اخباره وبذلك ظهر لك خروج معاطاة النكاح عما ذكرنا ميزانا لصحة المعاطاة من صدق اسم المعاملة المقصودة على معاطاتها لان المشهور

على ما قيل : ان النكاح حقيقة في العقد فلا تدخل المعاطاة في مسماه بل ولو قلنا بالاشتراك بينه وبين الوطء كان مجملا لم يصح معه التمسك بالإطلاقات على معاطاته أيضا بل لا يصح التمسك بها وان قلنا بكونه حقيقة في الوطء لما عرفت من ان الوطء الأول متوقف على سبب محلل له والتمكين وسائر المقدمات الفعلية لا يصدق عليه النكاح على جميع الأقوال حتى يكون مشمولا لإطلاقات اخباره.

وأما الإجارة فالأقوى صحة المعاطاة فيها (1)

وأما عمل الحر بناء على ما هو المشهور من عدم دخول الحر تحت اليد شرعا ومن هنا لا تضمن منافعه بحبسه وغصبه ، فصحة وقوع الإجارة المعاطاتية بالنسبة اليه وإمكان تحقق مصداق خارجي فعلي يحمل عليه عنوان الإجارة لتشمله أدلتها ، وتثبت له أحكامها مشكل ، فانا لا نتصور فعلا خارجيا يمكن أن يكون سببا لتمليك عمل الحر للغير وآلة لإنشائه ، والعمل الصادر منه لا يمكن أن يكون سببا لتمليك نفسه لاعتبار المغايرة بين السبب والمسبب نعم لو فرض ان ما يملكه المستأجر للحر بإزاء الأجرة نتيجة عمله وما يترتب عليه من الأثر كمخيطية الثوب ـ مثلا ـ أمكن أن يقال : ان العمل الصادر من الأجير سبب ومحصل له ، لكنه بعيد فإن المستأجر عليه نفس العمل لا أثره التوليدي ، فتحقق عنوان الإجارة بالمعاطاة في عمل الحر غير واضح وان وجهه بعض سادتنا المعاصرين طاب ثراه في تعليقته على (العروة الوثقى) في (كتاب الإجارة) قال (ره) : «لكن المعوض فيها وهو العمل أو المنفعة لما كان مندرج الوجود كان إيجابها من المؤجر بإعطاء بعضه إنشاء لما تساوما عليه من المعاملة على الكل كما قد يتفق نظيره في البيع أيضا فيكون في المتقدرة بالزمان بتسليم العين في أوله قصدا إلى إجارتها في جميعه» انتهى.

ولكن يمكن أن يقال : إن منشأ الاشكال ان السبب المملك والآلة التي ينشأ بها ملكية الغير للمنفعة أو العمل لا بد من كونه مغايرا لمسببه وما أنشأ به ، فالإجارة المنشأة بالعقد المشتمل على الإيجاب من المؤجر والقبول من المستأجر السبب المنشأ به تمليك المنفعة أو العمل هو العقد فيملك المستأجر المنفعة المتدرجة بحسب الزمان أو العمل المتدرج الوجود من العامل بالإيجاب والقبول الصادرين من المؤجر والمستأجر وأما المعاطاة من الإجارة فالسبب المملك لمنافع الأموال تسليط المؤجر للمستأجر على العين المستأجرة وتسليمه إياها بقصد تمليكه منفعتها مدة الإجارة فيصدق الإيجار والاستيجار ، بدفع العين للمستأجر بقصد تمليك منفعتها في المدة المذكورة بالأجرة المقررة في المقاولة وأخذ المستأجر لها بقصد تملك المنفعة على ما قرر ويحمل على هذا الإعطاء والأخذ بالقصد المذكور عنوان الإجارة وتشمله أدلتها.

وأما عمل الحر وإيجاره نفسه له فلا نتصور فيه فعلا صادرا من العامل سوى نفس عمله الخارجي ولا يمكن أن يكون هو السبب في تمليكه للغير والآلة لإنشائه لاعتبار المغايرة بين السبب والمسبب وآلة الإنشاء وما أنشأ بها وبعبارة أوضح : إن عمل الحر قبل وجوده وتحققه مملوك له وتحت سلطانه وبعد تحققه من العامل في الخارج ينعدم ، ولا محصل لملكية الغير له. نعم ربما تبقى لبعض الأعمال بعد تحققها آثار يملكها المستأجر بتبع ملكيته للعمل وتكون هي المناط لماليته كالخياطة والنجارة والصياغة وأمثالها ، وذلك لا يقتضي كون تلك الآثار هي المتعلقة لإجارة الأجير والعمل سبب لتحققها.

فما يقوله سيدنا المعاصر ـ قدس سره ـ «.. كان إيجابها من المؤجر بإعطاء بعضه إنشاء لما تساوما عليه من المعاملة على الكل ، غير واضح.

وأما ما احتمله سيدنا الخال ـ قدس سره ـ بقوله : «.. ويحتمل أن يملك المستأجر العمل على المؤجر بالمعاطاة لو دفع الأجرة قبل العمل بناء على تحقق المعاطاة بالدفع من جانب واحد لحصول القبض والإقباض له» انتهى.

فإنه مشكل أيضا ، فانا وان قربنا تحقق عنوان المعاوضة والمعاطاة بالقبض والإقباض من جانب واحد بقصد التمليك والتملك بالعوض ولكن حيث يكون التسليط والتسلط الخارجي على المعوض. واما ما كان منه بالنسبة إلى العوض كالأجرة والثمن في الإجارة والبيع ، فصدق عنوان الإجارة بتسليم الأجرة من المستأجر وتسلمها من المؤجر مشكل غايته. وكذا تحقق عنوان البيع بتسليم الثمن وتسلمه ، إذ ليس معنى تحقق عنوان المعاملة بالفعل تحققها بكل فعل خارجي ما لم يصدق عليه عنوانها عرفا وما يتحقق بدفع الأجرة وأخذها عنوان التسليط والتسلط عليها لا عنوان الإيجار والاستيجار وتمليك المنفعة أو العمل وتملكها الذي هو حقيقة الإجارة والفرق بين تسليم المعوض وتسلمه حيث ذكرنا إمكان تحقق عنوان البيع أو الإجارة به ، وبين تسليم الثمن أو الأجرة وتسلمهما : هو ان ما ينشاه البائع تمليك المبيع للمشتري بعوضه وما ينشأه المشترى تملك ذلك به وقبول ما أنشأه البائع ومطاوعته عليه باشترائه ، وكذا بالنسبة إلى الإجارة فإن المؤجر ينشأ تمليك المنفعة للمستأجر بالأجرة والمستأجر يتملكها بقبوله ومطاوعته لما أنشأه المؤجر فحقيقة إنشاء البائع أو المؤجر تمليك العين أو منفعتها بالثمن أو الأجرة ومرجع ذلك التسليط المطلق على العين أو المنفعة ، وان شاءت فقل : ذلك اثر إنشائه لا عينه وما هو حقيقة إنشاء المشتري أو المستأجر تملك ما ملكه البائع والمؤجر من العين أو المنفعة وقبول ما أنشأه كل منهما بعوضه ومطاوعتهما على ما أنشأه من تمليك العين بالعوض أو المنفعة بالأجرة ، وعليه فالمالك للعين إذا دفعها لغيره قاصدا بدفعه تمليكها له أو تمليك منفعتها مدة معينة بعوض معين تساوما وتقاولا عليه قبل الدفع وأخذها طرفه قاصدا تملك العين أو المنفعة المعينة بما تساوما عليه من العوض ، ينطبق على فعلهما الخارجي الإقباض بقصد التمليك للعين أو المنفعة والقبض بقصد التملك عنوان البيع والشراء أو الإيجار والاستيجار. وأما صدق عنوان الشراء بمجرد دفع المشترى الثمن لمالك العين وقبضه له من غير تسليط منه لها بقصد تمليكها بالثمن فإنه مشكل غاية الاشكال. ومثله صدق عنوان الاستيجار بمجرد اقباض الأجرة لمالك العين وقبضها على ما احتمله سيدنا ـ قدس سره ـ فان الاشتراء أو الاستيجار انما يتحقق بإنشاء تملك العين أو المنفعة بالعوض عقيب إنشاء تمليكهما به فإنه مفهوم مطاوعي فعليته بتأخره عن إنشاء التمليك. وسيأتي من سيدنا ـ قدس سره ـ في مقام بيان كفاية تحقق الإعطاء من جانب واحد قوله : «وفي صدق إنشاء تمليك المثمن بقبض الثمن تأمل ولعل الوجدان يشهد بخلافه» انتهى.

نعم ما احتمله أخيرا وقربه بقوله : «ويحتمل عندي قريبا أن السبب في استحقاق العامل العوض على من أمره بعمل على عوض معين بناء على عدم كونها من الإجارة هو امره بالعمل مع قصد العامل بعمله كونه مضمونا عليه ، فيكون أخذ العوض من قبيل الجعالة لا من باب الإجارة ..» ـ إلى آخر كلامه ـ تقريب موجه.

وتوضيحه : ان كل من استوفى من غيره مالا أو عملا محترما بأمر معاملي ولم يقصد المأمور التبرع والمجانية بما بذله لأمر الآمر له بل قصد استحقاق عوض ما بذله على الآمر به فإنه يستحق عوض ما بذله لأمره سواء عينه له كأن قال له : أعتق عبدك عنى أو تصدق بمالك عنى ، أو أمره بحمل متاعه الى مكان كذا أو خياطة ثوبه مثلا ونحو ذلك من الأموال والأعمال المحترمة المبذولة لأمره ، بل لو أمره بإلقاء متاعه في البحر حيث يكون في ذلك غرض عقلائي فإنه يستحق على الآمر ما عينه له من العوض ولو لم يعين له ـ بان قال له : وعلى ضمان ذلك ، فإنه يستحق قيمة المال المستوفى أو مثله أو اجرة مثل العمل بضمانه لما بذله بل بمجرد استجابة المأمور لأمر الآمر غير قاصد للتبرع والمجانية بما بذله لأمره وان لم يصرح الآمر بضمانه له فإنه يستحق عليه المثل أو القيمة أو اجرة مثل العمل بحسب اختلاف ما استوفاه من كونه مثليا أو قيميا أو عملا محترما. نعم مع تصريح الآمر بالتبرع والمجانية ـ فيما طلبه من الأمور أو كان في طلبه قرينة على ذلك ، لا أثر لقصد المأمور عدم المجانية والتبرع.

ثم ان الضابط فيما يصح استيفاؤه ، بالأمر المعاملي : هو كل ما يصح التبرع به من الغير ، فأمر الآمر انما يكون مصححا لرجوع المأمور عليه بما ضمنه له مع عدم تبرعه وبذله مجانا كما انه لا تشتغل ذمة الآمر بالعوض إلا بعد الاستيفاء وحصول المطلوب من المأمور فإن الأمر المعاملي مقتضاه الرجوع عليه بما يخسره للمضمون له ويؤديه ومن هنا في الضمان العقدي لو رضي المضمون له من الضامن بأقل مما في ذمة المضمون عنه لا يرجع عليه الا بمقدار ما أداه اليه.

والذي يظهر من سيدنا : جعل باب الاستيفاء بالأمر المعاملي على إطلاقه من قبيل الجعالة حيث يقول : «وهو من الأسباب الموجبة للضمان شبه الجعالة بل هو منها ـ الى ان يقول ـ : ولعل منه غرامة ثمن العبد في نحو : أعتق عبدك عني ، لأن العتق من المالك بقصد وقوعه للآمر باستدعائه لنفسه عمل متمول باعتبار متعلقة : «مبذول لا بنحو المجانية فغرامة مالية عمل العتق بقدر مالية المعتق الى قوله بل يمكن أن يقال : من هذا الباب أيضا غرامة المتاع فيما لو قال : ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه ، فان عمل الإلقاء المتمول باعتبار الملقى محترم مبذول للآمر باستدعائه لنفسه مضمون عليه بأجرته المساوية لقيمة المتاع» انتهى.

وحيث ان سيدنا ـ قدس سره ـ جعل باب الاستيفاء بالأمر المعاملي على إطلاقه من قبيل الجعالة ولو كان المستوفى عينا متمولة وحقيقة الجعالة بذل المال على المحترم من الأعمال التجأ إلى جعل مثل : أعتق عبدك عني وألق متاعك في البحر ، من باب بذل الجعل على عمل محترم باعتبار متعلقة وهو المعتق أو المتاع ـ مثلا ـ ولعله يلتزم بذلك في مثل أد ديني وتصدق بمالك عني وعلي ضمانه ، ونحو ذلك مما كان المستوفى بالأمر المعاملي مالا محترما. والالتزام بذلك في غاية الإشكال ، فإن الإجارة على العمل كالجعالة عليه قد تستوجب بذل شي‌ء من مال الأجير أو العامل ، ولكن حيث لم يكن ذلك قوام مالية العمل ومناط بذل الأجرة له والجعل عليه ، فلا يصح اجارة الشخص نفسه لعتق عبده عن المستأجر أو إلقاء ماله في البحر فيما لو كان الملقى مناط مالية الإلقاء وقوامه وما كان من قبيل ذلك ، والجعالة على العمل كالاستيجار عليه في اعتبار كون العمل بنفسه له مالية واحترام هذا مضافا الى اعتبار جماعة في مال الجعالة تعيينه جنسا ونوعا وقدرا كمال الإجارة والمضمون فيما يستوفي بالأمر المعاملي غالبا لم يتعين كذلك والحاصل جعل باب الاستيفاء بالأمر المعاملي من قبيل الجعالة على إطلاقه لا يتم. واما إمكان جعل مثل الق متاعك في البحر وعلي ضمانه ، من باب الضمان لولا تضمنه التعليق على الشرط ـ وهو الإلقاء المنافي للتنجز المعتبر في صحة الضمان كما يقوله سيدنا ـ قدس سره ـ فهو أيضا غير واضح. وقد تأمل في آخر كلامه في إمكان كون المورد منه ، وذكر وجه التأمل في حاشية (منه).

ويمكن ان يقال : لا ملزم لجعل باب الاستيفاء بالأمر المعاملي مطلقا من قبيل الجعالة على الأعمال حتى يتكلف له بما لا يخلو عن اشكال : من عد مثل : أعتق عبدك عنى ، وتصدق بمالك عنى ، ونحو ذلك مما كان المستوفى للأمر من المأمور مالا محترما ، وجعل ذلك من قبيل الأعمال المتمولة باعتبار قيمة متعلقها كما يقوله سيدنا ، ولا لاحتمال كون مثل : الق متاعك في البحر وعلي ضمانه من باب الضمان لولا مانعية التعليق.

ثم التأمل في ذلك بما ذكر وجهه في الحاشية ، فلم لا نقول : انه على إطلاقه معاملة مستقلة لا ينبغي التأمل في مشروعيتها طرفاها الآمر والمأمور وانها من قسم المعاوضات وان استبعده سيدنا ـ قدس سره ـ عوضاها ما بذله المأمور من ماله أو عمله لأمر الآمر ، وما ضمنه له الآمر من عوض على ما بذله لأمره ، وأنها مشمولة لعموم آية : «التجارة عن تراض» فالضامن يكسب من المأمور ما استوفاه من المال أو العمل بدلا عما يضمنه له من الغرامة ، والمضمون له يكسب ما ضمنه الضامن له وتعهد به من الخسارة فإن الضمان ربما يكون حكما شرعيا ناشئا عن سببه المقتضى له من غصب مال الغير أو إتلافه أو قبضه بالسوم ونحو ذلك من أسباب كون المال في عهدة الضامن شرعا يلزمه خسارته وغرامته لمالكه ، وفي مثله لا يدخل شي‌ء في ملك الضامن قبال ما يخسره للمضمون له من الغرامة. وقد يكون الضمان اختياريا من الضامن وتعهدا منه بمعناه المصدري بدفع غرامة للمضمون له بدل ما يستوفيه منه من مال أو عمل محترم ، وفي مثله يكون التعهد المذكور من الضامن واستدعائه من المضمون له بذل ماله أو عمله له وفي سبيله واستجابة المضمون له لما استدعاه الضامن منه غير قاصد التبرع بما بذله له وفرض إمضاء الشارع لذلك وكونه مشمولا لآية «التجارة عن تراض» مقتضيا لدخول ما استوفاه منه في ملكه عوضا عما ضمنه له من بدله ، ولا حاجة الى قصد المضمون له إدخاله في ملكه بعد ما كان طبع المعاملة المذكورة يقتضي ذلك فان ما تعهد به الضامن للمضمون له من العوض لما لم يكن بعنوان التبرع والمجان بل بإزاء ما استوفاه من ماله أو عمله ، فلا ملزم للقصد المذكور حتى يقول سيدنا ـ قدس سره ـ في مثل : أعتق عبدك عني : «فلا يحتاج في صحته عنه الى تكلف دعوى تضمن ذلك الرخصة في إدخاله في ملكه والوكالة عنه في عتقه لعدم القصد إلى شي‌ء من ذلك بالوجدان» انتهى.

وعليه ففي مثل : أعتق عبدك عني وعلي ضمانه باستجابة المالك لما استدعاه الآمر يدخل العبد في ملك الأمر ملكية آنية استطراقية ثم ينعتق عنه فولاؤه له وكذا مثل أد ديني وعلي ضمانه يدخل المال المؤدى به الدين في ملك الآمر ثم يتحقق به وفاء الدين ، وكذا كل مال استوفى من مالكه بالأمر المعاملي بل وكذا مثل : الق متاعك في البحر وعلي ضمانه ، مع فرض صحته وتوقف النجاة من الغرق على الإلقاء يدخل المتاع في ملك الضامن له بإلقائه ويتلف منه كل ذلك لاقتضاء نفس الاستيفاء بالأمر المعاملي وكون الضمان معاوضيا ذلك ، ولا ارى وجها لاستبعاد سيدنا ـ قدس سره ـ له سوى ما ذكره من عدم القصد إلى شي‌ء من ذلك بالوجدان وحيث ان الضمان اختياري وكون استيفاء الأموال والأعمال بالأمر يقتضي وقوع ما استدعاه الآمر من المأمور في ملكه فلا حاجة الى قصد ذلك. نعم يبقى شي‌ء وهو ان المعاملة المذكورة بناء على كونها على إطلاقها من المعاوضات غالبا لم يتعين فيها العوض المضمون له عند المعاملة فتدخل بذلك في المعاملات الغررية المنهي عنها. ويمكن ان يقال : ان دليل النهي عن الغرر ليس من العمومات الآبية عن التخصيص ، وبناء على تسالم الأصحاب على صحة المعاملة المذكورة وعدم استشكال أحد فيها من ناحية الغرر ، يمكن تخصيص دليل النهي عن الغرر بالإجماع الثابت على صحتها ـ مطلقا.

هذا بناء على أن الوارد عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : هو النهي عن مطلق المعاملة الغررية ـ بيعا كانت أم غيره ـ وأما بناء على كون الوارد عنه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) النهي عن بيع الغرر ـ كما يظهر ذلك من كثير ممن ذكر النبوي المذكور ـ فالأمر أوضح ـ فتدبر.

لدخولها في مسماها عرفا فتشملها إطلاقات اخبارها مع قيام السيرة القطعية عليها ، وبذلك يخرج عن

1) المناط في إمكان إنشاء المعاملة بالفعل : كون الفعل الخارجي مصداقا عرفيا لتلك المعاملة المنشأة به بحيث يحتمل عليه بالحمل الشائع الصناعي عنوان تلك المعاملة ، ولا اثر لمجرد قصد عنوانها بالفعل إذا لم يكن ذلك مصداقا عرفيا لها ، فإن الأفعال والأقوال في باب المعاملات آلات لإنشاء حقائقها ، والمنشأ إنما ينشأ بما هو آلة لإنشائه ، وان الإجارة تمليك منفعة أو عمل بأجرة وتبديلهما بها في عالم الإنشاء والاعتبار ، ففي مثل منافع الأموال يمكن إنشاء تمليكها للمستأجر بتسليطه على العين المستأجرة بقصد تمليك منفعتها مدة معينة بأجرة مقررة ، فيتحقق إنشاء تمليك المنفعة من المؤجر بدفع العين للمستأجر بذلك القصد ، ويتحقق تملك المستأجر لها بأخذه العين منه بالقصد المذكور بناء على تحقق حكم المعاطاة بالإعطاء من جانب وأخذ الجانب الآخر فيحمل على الإعطاء والأخذ المذكور عنوان الإيجار والاستيجار أو ذلك مع إعطاء الأجرة من الجانب الآخر ، بناء على عدم تحققها بمجرد أخذ الجانب الثاني هذا في تمليك منافع الأموال. واما تمليك الأعمال فعمل المملوك إنسانا كان أو حيوانا الكلام فيه هو الكلام في منافع الأموال ، فإنه منها فيتحقق التمليك والتمليك والإيجار والاستيجار بدفع المملوك وأخذه بقصد تمليك عمله ومنفعته وتملكها في المدة المعينة بالأجرة المعينة أو ذلك مع دفع الأجرة من المستأجر. وأما عمل الحر فإمكان تحقق إنشاء تمليكه وإيجار الحر نفسه للعمل بالفعل مشكل فإنه قبل إيجاده لم يتحقق من العامل سوى قصد وأقدام على العمل ، وبعد وجوده وتحققه في الخارج لا معنى لكونه مملوكا للمستأجر على الأجير وحال الاشتغال به انما هو تحت سلطان موجده فلا وجه لكونه تحت سلطنة الغير والحاصل ان الملكية جدة اعتبارية واضافة بين المالك والمملوك حاصلة بأسبابها ومن أسبابها الإجارة ، ولا إشكال في إمكان إنشائها بالعقد المشتمل على الإيجاب من المؤجر والقبول من المستأجر سواء كان متعلقها منفعة مال أو عملا وأما إنشائها بالمعاطاة والفعل المقارن لقصد التمليك والتبديل ، فبالنسبة إلى منافع الأموال ، ومنها عمل المملوك يمكن ذلك بتسليط المؤجر للمستأجر على العين المستأجرة والتسلط عليها من المستأجر ويكون ذلك تسليطا له على منافعها المتدرجة الوجود ، ويحمل عليه عنوان الإجارة بالحمل الشائع الصناعي ، وتشمله أدلتها ، فيملك المستأجر منفعة المال في المدة المعينة بالأجرة المقررة.

حكم الأصل في المعاملات من الفساد - كما عرفت من الميزان المتقدم على على صحتها - وحينئذ يملك الأجرة بتسليم العين للمستأجر لأن قبضها قبض لمنفعتها عرفا ملكا متزلزلا ان تعلقت الإجارة بالأعيان لتمليك منافعها.

وان تعلقت بالأعمال فإنما يملك الأجرة بعد تمام العمل إذ لا قبض قبله ولا تسليم إلا في عمل المملوك بعد قبضه بخلاف الإجارة العقدية المتعلقة بالأعمال فإنها تملك بالعقد وان كان لا يستحق المطالبة إلا بعد العمل. ويحتمل ان يملك المستأجر العمل على المؤجر بالمعاطاة لو دفع الأجرة قبل العمل بناء على تحقق المعاطاة بالدفع من جانب واحد لحصول المعاطاة بينهما بالقبض والإقباض له.

وبالجملة فالمعاطاة جارية في الإجارة. ويؤيده ما تقدم من عبارتي (المسالك) (والمحقق الكركي) من ظهور الاتفاق على استحقاق الأجرة لو أمره بعمل على عوض معين عمله واستحق الأجرة بناء على ارادة المسمى من الأجرة بجعل الالف واللام للعهد دون الجنس نعم قد تكرر في كلام بعض دعوى الإجماع على اعتبار الصيغة في العقود اللازمة ، وهو - مع كونه ممنوعا من أصله وموهونا بذهاب جمّ غفير على صحة المعاطاة في أغلبها محمول على ارادة اعتبارها في اللزوم دون الصحة.

هذا ويحتمل عندي قريبا ان السبب في استحقاق العامل العوض على من أمره بعمل على عوض معين بناء على عدم كونها من الإجارة هو أمره بالعمل مع قصد العامل بعمله كونه له مضمونا عليه ، فيكون أخذ العوض

من قبيل الجعالة لا من باب الإجارة.

توضيح ذلك : إن العمل كما يمكن وقوعه للعامل يمكن وقوعه لغيره

ما لم يمنع عنه دليل خاص ، غير أن وقوعه له مشروط بقصده واستدعاء

من الغير لنفسه فلا يتحقق العمل له إلا بتحقق الأمرين ، وهو محترم غير مبذول بنحو المجانية ، ولذا التزام بالأجر من لم يقل بجريان المعاطاة في الإجارة ، وهو من الأسباب الموجبة للضمان شبه الجعالة ، بل هو منها. ومن ذلك رجوع الضامن على المضمون عنه بما دفع الى المضمون له إذا لم يكن متبرعا وكان الضمان بأمره. بل ولعل منه أيضا غرامة ثمن العبد في نحو أعتق عبدك عني ، لأن العتق من المالك بقصد وقوعه للأمر باستدعائه لنفسه عمل متمول باعتبار متعلقة محترم مبذول لا بنحو المجانية فغرامة مالية عمل العتق

له بقدر مالية المعتق ، فلا يحتاج في صحته عنه الى تكلف دعوى تضمن ذلك الرخصة في إدخاله في ملكه والوكالة عنه في عتقه لعدم القصد إلى شي‌ء من ذلك بالوجدان. نعم ربما يشكل ذلك من جهة القربة المعتبرة فيه إذ المتقرب هو المعتق دون من كان العتق له فكيف يقع منه

مع فرض عدم النيابة عنه؟ اللّهم إلا أن يرجع إليها ولو بنوع من التكلف.

بل يمكن أن يقال من هذا الباب أيضا غرامة المتاع فيما لو قال : ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه ، فان عمل الإلقاء المتمول باعتبار الملقى محترم مبذول للأمر باستدعائه لنفسه مضمون عليه بأجرته المساوية لقيمة المتاع ويشهد لذلك ما في (الجواهر) عن محكي (التذكرة) في هذا الفرع ، حيث قال : «ولو قلنا انه جعالة خلصنا من الإلزام» انتهى ، وعليه فالضمان بالقيمة وان كان المتاع مثليا ولولا تضمنه التعليق على الشرط ، وهو الإلقاء

المنافي للتنجز المعتبر في صحة الضمان ، لقلنا به من باب الضمان لا من باب الجعالة وليس المانع عنه إلا ذلك ، لا ما قيل : انه من ضمان ما لم يجب نظرا الى أن ضمان الأعيان معناه ضمان ما تشتغل به ذمته بعد التلف وهو غير متحقق حين الضمان ومقتضاه البطلان إلا أن صحته في المقام بالإجماع المستفيض بل في (الخلاف) دعوى إجماع الأمة عليه عدل الثوري الواجب فيه الاقتصار على القدر الثابت منه وهو في صورة الخوف لا مطلقا ، لان ضمان الأعيان من ضمان ما وجب لا من ضمان ما لم يجب ، إذ الضمان معناه التعهد ودخول الشي‌ء في عهدة الضمان ، غير أن التعهد ان تعلق بمال في الذمة كان معناه التحويل من ذمة إلى أخرى وان تعلق بالعين كان معناه كونها متداركة مرجوعة ودفع المثل أو القيمة مرتبة من مراتب رد العين وتداركها وشأن من شئونه مندرج في التدارك الذي هو معنى كون العين في العهدة ، فالمضمون

هو العين وهو متحقق عند الضمان. نعم لو ضمن العين حين عدمها كان من ضمان ما لم يجب ، ومقتضى الوجه المذكور هو الضمان مطلقا مع الخوف وعدمه دون التفصيل بينهما كما تقدم فتأمل (1)الى غير ذلك من الموارد التي يستحق بالعمل له العوض المعين عليه ان كان من الجعالة ، وإلا فأجرة المثل.


1) وجه التأمل ان ما ذكر ان تم فإنما يتم حيث ما يتحقق القبض ليدخل به المقبوض في العهدة واما مع عدمه فلا ضمان إلا في خصوص المورد لدليله المخرج له عن القاعدة الموجب لقصر الحكم فيه على صورة الخوف اللّهم إلا أن ينزل عبارة الأمر على القبض عنه ثم الإلقاء بعده فيكون الإلقاء عنه بعد القبض كذلك الا انه احتمال بعيد جدا كاحتمال كونه من المعاوضة ببدله فيكون من قسم المعاوضات وان خرج عن القواعد لدليله الخاص.

وأما ما ذكره (في جامع المقاصد) و (المسالك) في الفرع المتقدم من أنه لو كانت هذه إجارة فاسدة لم يستحق اجرة كما في الأول أو شيئا كما في الثاني ، ففيه ان الإجارة الفاسدة مضمونة أيضا ، لأن صحيحها مضمون وما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

وأما الجعالة فجريان المعاطاة فيها اولى من جريانها في الإجارة لتوسعها وعدم اندراجها في العقود اللازمة التي ادعى الإجماع على اعتبار الصيغة الخاصة فيها مع قيام السيرة عليها.

وأما الرهن فلا مانع من جريان المعاطاة فيه بعد الصدق العرفي وقيام السيرة عليه (1)

ويمكن ان يقال : ان الوجه فيما اتفق عليه الأصحاب من عدم لزوم ما أنشأ بالمعاطاة هو عدم وجود المقتضى للزوم فيها وهو العقد الواقع بين المتعاقدين الدال بالدلالة الالتزامية على التزام كل منهما لصاحبه بالثبات والبقاء على ما تعهد به له ، وآية «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» انما تلزم بالوفاء بالعقد باعتبار التعهد الالتزامي فيه المفقود في المعاملة المنشأة بالفعل. ولكن هذا غاية ما يقتضي الحكم بالجواز فيما أنشأ بالمعاطاة من جهة القصور في المقتضي ، وهو الفعل المنشأ به المعاملة ، وقد يوجد فيما أنشأ بالفعل ما يقتضي لزومه ، وأنه إذا صح لزم وهو موجود في الرهن فان الاستيثاق والتطمين للمرتهن بعدم ذهاب دينه الذي هو له على الراهن وإمكان استحصاله من العين المرهونة لا يحصل له مع جواز الفسخ ورجوع الراهن بالعين المرهونة.

وبالجملة فكون طبع المعاطاة الجواز وعدم اللزوم لا ينافي وجود جهة تقتضي اللزوم في بعض ما أنشأ بها ، وقد سبق من سيدنا ـ قدس سره ـ القول باللزوم في الصدقة الواقعة بالمعاطاة لعموم ما دل على عدم الرجوع فيما أريد به وجه اللّه تعالى.

الا ما قيل من منافاة حكم المعاطاة : من جواز الفسخ للتوثيق المأخوذ في قوام الرهن ولزومه النقض للغرض. ويدفعه عدم انحصار فائدته بالوثوق : من خوف الرجوع حتى يكون الرهن بالمعاطاة لغوا ، بل

1) الظاهر تسالم الأصحاب على كون الرهن لازما من طرف الراهن ويظهر منهم أن اللزوم مقتضى حقيقته ، فإنه وثيقة على دين المرتهن ولا وثوق مع قدرة الراهن على فسخ الرهن والرجوع بالعين المرهونة ، ومقتضى ذلك عدم صحة إنشائه إلا بالعقد المشتمل على الإيجاب والقبول ، فإنه الذي يجب على العاقد الالتزام بمؤداه بمقتضى قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بخلاف ما لو أنشأ الرهن بالمعاطاة فإن غاية ما يقتضيه صدق الرهن على ما أنشأ بها وقيام السيرة عليه صحة ذلك أما اللزوم مع فرض عدم صدق العقد على المنشأ بالمعاطاة ، فلا مقتضى له كما في غير الرهن مما أنشأ من المعاملات بالأفعال.

جل فائدته اختصاص المرتهن باستيفاء حقه منه مع قصوره عن ديون الراهن وعدم الضرب فيه مع الغرماء مع وثوقه من الراهن بعدم رجوعه عنه ويؤيد ذلك - بل يدل عليه - : ان اعتبار القبض فيه انما هو للوثوق مع عدم اعتبار استدامته بالإجماع مع انا نمنع كون اللزوم من قوام الرهن ، بل هو من فوائده وقد تقدم من العلامة في (التذكرة) مساواة الرهن للبيع في جريان الخلاف في معاطاته.

وأما القرض فالمتداول بين الناس انما هو بالمعاطاة دون الصيغة ، فالسيرة فيه أتم منها في غيره.

والعجب من الكركي في المحكي عنه في صيغ العقود حيث فرق بين المعاطاة في القرض وبينها في البيع بإفادتها الإباحة في الأول والملك في الثاني حيث قال في القرض : «.. لا يكفى الدفع على جهة القرض من غير لفظ في حصول الملك نعم يكون ذلك في القرض كالمعاطاة في البيع فيثمر

اباحة التصرف ، فاذا تلفت العين وجب العوض ، والذي ينساق اليه النظر أن المعاطاة في البيع تثمر ملكا متزلزلا ، ويستقر بذهاب أحد العينين أو بعضها ومقتضى هذا أن النماء الحاصل في المبيع قبل تلف شي‌ء من العينين يجب أن يكون للمشتري بخلاف الدفع للقرض ، فإنه لا يثمر الا محض الاذن في التصرف وإباحته ، فيجب أن يكون نماء العين للمقرض لبقائها على الملك ، انتهى. ولذا قال شيخنا في (الجواهر) بعد ذكر كلامه وهو صريح في الفرق بين المعاطاة فيهما - «ولا يخفى عليك صعوبة إثبات ذلك عليه ضرورة اشتراك الجميع في الأدلة كما عرفته». انتهى.

اللّهم إلا أن يوجه الفرق بقيام الإجماع عنده على اعتبار الصيغة في العقود اللازمة التي منها القرض الظاهر في كونها معتبرة في الصحة دون اللزوم الموجب لجريان حكم العقد الفاسد على المجرد عنها وان كان بالمعاطاة غير انه في البيع يصرف الظهور في شرط الصحة إلى كونه شرطا في اللزوم بالإجماع على صحة المعاطاة في البيع وإفادتها الإباحة الشرعية المقصود بها عنده الملك المتزلزل ولا إجماع كذلك في غيره من العقود اللازمة حتى يصرف ظهور اعتبار الصيغة في صحتها الى اعتبارها في اللزوم ، غير ان الإباحة المالكية في القرض مستفادة من شاهد الحال.

وفيه : ان الإجماع ليس منعقدا في كل عقد مستقل حتى يمكن صرف ظاهر بعض وإبقاء غيره على ظاهره ، بل هو معقد واحد لاعتبار الصيغة في الجميع وارادة شرطيتها للصحة في بعض واللزوم في بعض آخر أشبه باستعمال اللفظ الواحد في المعنيين.

لا يقال : ان ما ذكرته من الوجه للفرق مع قطع النظر عما أوردته عليه مبني على كون القرض من العقود اللازمة حتى يكون مندرجا تحت معقد الإجماع على اعتبار الصيغة فيها مع أن غير واحد من الأصحاب ذهب الى كونه من

العقود الجائزة ، بل ادعي الإجماع على كونه منها.

لأنا نقول : المراد بكونه من العقود الجائزة جواز المطالبة بالوفاء متى شاء ولو في المجلس وان كان مؤجلا ، وشرط التأجيل فيه غير ملزم إلا إذا كان في ضمن عقد لازم غيره.

ويدل على ارادة ذلك من الجواز : ذهاب الأشهر - بل المشهور - الى عدم التزام المقترض له بإلزام المقرض له برجوع العين المقبوضة منه لو كانت باقية ، وليس ذلك إلا لتمليك العين ملكا لازما بالقرض الذي مفاده تمليك العين مضمونة عليه ، فوجوب البدل فيه من باب الغرامة والتعويض لا من باب المعاوضة ، ولو كان من العقود الجائزة كان له استرداد العين مع بقائها نعم للمقترض ردها بنفسها لكونها أحد مصاديق الكلي الواجب عليه مخيرا بين أفراده التي هي منها ، بل لعله اولى من غيره. (وتوهم) جواز امتناع المقرض عن قبولها بالخصوص لأنه بالقرض يستحق عليه المثل وليس العين منه لأن الشي‌ء لا يكون مماثلا لنفسه بل هو هو لا مثله وان كان مثليا (توهم) فاسد لان الثابت في الذمة هو الكلي المسمى باسمه كالدرهم والدينار والحنطة والشعير لا خصوص عنوان المثل بما هو مثل وان وقع التعبير به ، فلانطباق الكلي عليه. نعم لو قلنا بالقرض في القيميات كما هو الأقوى وقلنا بثبوت القيمة في الذمة من أول الأمر ، كان للمقرض الامتناع عن قبول العين لو ردها المقترض لأنه غير حقه المستحق عليه ولا كذلك لو قلنا بالانتقال إلى القيمة عند الوفاء لا قبله لصدق الوفاء برد العين حقيقة بل هو أحق بالصدق من رد القيمة.

وأما المزارعة والمساقاة فتجري فيهما المعاطاة أيضا لتحقق الصدق العرفي مع قيام السيرة عليها فيهما.

هذا تمام الكلام في جريان المعاطاة في غير البيع من العقود والإيقاعات

وقد عرفت أن المناط فيه دخوله في اسم المعاملة واندراجه تحت إطلاق اخبارها مع قيام السيرة عليها (ودعوى) كون المطلقات من حيث شمولها للمعاطاة مهملة أو منصرفة إلى غيرها من العقود القولية (ممنوعة) مردودة على مدعيها.

ومنها : انه هل يعتبر في المعاطاة الواردة مورد العقد ما يعتبر فيه وبعبارة أخرى : هل يشترط في المعاطاة كونها جامعة لشرائط العقد إلا الصيغة ، فيعتبر في معاطاة البيع ما يعتبر في عقده وفي معاطاة الإجارة ما يعتبر في عقدها ، وهكذا في كل معاملة تقع المعاطاة فيها أم لا؟ اختلفت كلماتهم في ذلك ولنقدم ذكر جملة منها.

قال في (المسالك) : «فلو وقع الاتفاق بينهما على البيع وعرف كل منهما رضاء الآخر بما يصير اليه من العوض المعين الجامع لشرائط البيع غير اللفظ المخصوص لم يفد اللزوم» انتهى.

وقال في (الحدائق) : «المشهور بين القائلين بعدم لزوم بيع المعاطاة هو صحة المعاطاة المذكورة إذا استكملت شروط البيع غير الصيغة المخصوصة وانها تفيد اباحة تصرف كل منهما في ما صار اليه من العوض المعين من حيث اذن كل منهما للآخر في التصرف بتسليطه على ما دفعه اليه إلا انه لا يفيد اللزوم ما دامت العين باقية بل لكل منهما الرجوع في ما دفعه للآخر ونقل عن العلامة في (النهاية) القول بفساد بيع المعاطاة وانه لا يجوز لكل منهما التصرف فيما صار اليه» انتهى.

ومقابل المشهور في كلامه ما نقله عن العلامة.

وفي (شرح القواعد) لشيخنا كاشف الغطاء ما لفظه : «ومنها أنها هل هي داخلة في اسم المعاملة التي جاءت في مقامها فتجري فيها شرائطها وأحكامها؟ الظاهر من جماعة من الأصحاب اختيار ذلك ، فتجري فيها قائمة

مقام البيع أحكام الشفعة والخيار والسلم وبيع الحيوان والثمار وجميع شرائطه سوى الصيغة ولم يقم على ذلك شاهد معتبر من كتاب أو سنة أو إجماع والأقوى انها قسم آخر بمنزلة الصلح والعقود الجائزة يلزم فيها ما يلزم فيها فتصح المعاطاة على المشاهد من مكيل أو موزون من غير اعتبار مكيال أو ميزان وبنحو ذلك جرت عادة المسلمين» انتهى.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن تنقيح المسألة لا بد فيه من الكلام على كل من القولين في موضوع المعاطاة من قصدهما الإباحة المعوضة بالإباحة ، أو كان من قصدهما التمليك. وعلى الثاني ، فالكلام مرة بناء على إفادتها الإباحة ، واخرى بناء على الملك المتزلزل ، وعلى الثاني ، فتارة بناء على كونها بيعا في مورد البيع واجارة في مورد الإجارة وهكذا ، واخرى بناء على انها سبب مستقل يفيد مفاد العقد الواردة مورده :

فنقول : اما على القول بأن موضوعها الإباحة العوضية - كما ذهب اليه شيخنا في (الجواهر) - فالمرجع فيه هو ما دل على صحة هذه المعاوضة : فإن استدل عليها بعموم «الناس مسلطون على أموالهم» فمقتضاه عدم اعتبار ما شك في اعتباره فيه ، وان استدل عليها بالسيرة أو الإجماع ، فينعكس الأمر لأن المتيقن منهما هو ما كان جامعا للشرائط.

وكذا على القول بكون موضوعها ما إذا كان بقصد الملكية ، ولو قلنا بإفادتها الإباحة الشرعية - كما نسب الى المشهور - فإنه القدر المتيقن من الإجماع المنقول على سببيتها للإباحة الشرعية.

وأما على القول به مع القول بإفادتها الملك ، فمبني على كون اعتبارها من جهة دخولها في اسم المعاملة الخاصة أو كونها معاوضة مستقلة أو سببا خاصا.

أما على الأول فيعتبر فيها ما يعتبر في تلك المعاملة الواردة في موردها

من الأحكام والشرائط مطلقا. ويحتمل - غير بعيد - التفصيل بين ما ثبت اعتباره بدليل لفظي أو بدليل لبى فيختص اعتباره في الثاني بالعقد اللفظي بناء على ان المتبادر عند الفقهاء والمتصرف إليه في لسانهم هو العقد اللفظي دون الفعلي والإجماع متصيد من فتاويهم ، فتأمل.

واما على الثاني وهو كونه سببا خاصا ، فلا يعتبر فيه إلا ما قام الدليل عليه من سيرة أو إجماع ولا يقاس بالعقد الواردة مورده فيما اعتبر فيه لعدم اندراجه بالفرض في اسم المعاملة الخاصة وان وقع في موردها حتى يعتبر فيه ما يعتبر فيها والأصل يقتضي العدم في كل ما شك في اعتباره وهو مما لا ريب فيه ، وانما الإشكال فيما يصلح أن يكون وجها للحكم بكونها سببا مستقلا يفيد الملك وليس إلا سببية اليد له بعد تسليط المالك عليه كتملك المتناول لنثار العرس باليد لتسليط المالك مطلقا كالنثار في الطرق والشوارع العامة أو لجماعة مدعوين للتفرج والاستيناس يملكه من سبق منهم بالأخذ دون غيرهم ، فيكون التسليط عاما فيهم وخاصا بالنسبة إلى غيرهم ، ويعبر عن الأول بالإعراض وعن الثاني بالتسليط ، وان تضمن الاعراض بالنسبة إليهم أيضا ، وليس منه تقديم الطعام للضيف - كما توهمه بعض الفحول - إذ لا تسليط فيه على الغير إلا بأكله ، فهو من إباحة الإتلاف بالأكل لا من التسليط على التملك باليد.

وبالجملة كما ان اليد سبب لحدوث الملك في المباحات الأصلية وما بحكمها من الاعراض العام بل ولو الخاص بعد صيرورة المحل به قابلاً للتملك باليد ، فكذا تسليط المالك شخصا خاصا على ماله يصيره قابلاً لتملكه له باليد فالملك في المعاطاة للبدلين معلول لليد المنبعثة عن تسليط كل من المالكين لصاحبه على ماله بقصد التبديل بين المالين ، والسيرة حجة عليه كاشفة عن إمضاء الشارع له ، والتعبير بالبيع فيما وقع التمليك والتبديل

بين العينين ، وبالإجارة فيما وقع بين العين والمنفعة وغير ذلك من التسامح في التعبير عرفا للمشابهة التامة بينهما ، وهو وجه حسن إلا أن ثبوته على عهدة مدعيه.

ومنها أيضا : انه يعتبر التقابض في ماهية المعاطاة فلا تتحقق المعاطاة مع كون كل من المالين بيد صاحبه ، وهذا مما لا كلام فيه ، وانما الكلام في انه هل يعتبر فيها حدوث القبض وان اكتفينا باستدامته فيما يعتبر فيه القبض كالرهن وغيره ، أو يكفي فيها استدامته؟ الظاهر هو الأول ، وان قلنا بعدم بقاء الأكوان واحتياج الباقي الى المؤثر فلو كان مال كل منهما بيد صاحبه أمانة ووقعت المعاملة بينهما بالمعاطاة عليهما ، توقف تحقق موضوع المعاطاة على الرد وحدوث الإعطاء من الجانبين أو من أحدهما على رأى.

ومنها : ان القدر المتيقن من المعاطاة في إفادتها الملك أو الإباحة هو حصول الإعطاء من الجانبين ، فلو حصل من جانب واحد ففي لحوقه بها حكما وعدمه وجهان : مبنيان على القول بالملك أو الإباحة ودليلهما ، فعلى الثاني يشكل الحكم به لخروجه عما ثبت بالإجماع إفادته الإباحة بخلافه على الأول لوجود ما دل على الملك فيه أيضا : من السيرة القطعية وصدق اسم المعاملة الخاصة عليه ، فيدخل في بيع النسية ما لو كان المعطى هو المبيع وفي بيع السلم ما لو كان المعطى هو الثمن ، ولم يقع لفظ المعاطاة في متن رواية أو معقد إجماع حتى يجب الجمود عليه ، بل في (مكاسب) شيخنا المرتضى - قدس سره - بعد ذكر نسبة القول باللحوق الى ظاهر جماعة من متأخري المتأخرين تبعا للدروس قال ما لفظه : «ولا ريب انه لا يصدق معنى المعاطاة لكن هذا لا يقدح في جريان حكمها عليه بناء على عموم الحكم لكل بيع فعلي فيكون اقباض أحد العوضين من ماله تمليكا له بعوض أو مبيحا له به وأخذ الآخر له تملكا له بالعوض أو اباحة له بإزائه ، فلو كان المعطى

هو الثمن كان دفعه على القول بالملك والبيع اشتراء وأخذه بيعا للمثمن به فيحصل الإيجاب والقبول الفعليان بفعل واحد في زمان واحد» انتهى.

وفي قصد إنشاء تمليك المثمن بقبض الثمن تأمل. ولعل الوجدان يشهد بخلافه. بل قد يدعى انعقاد المعاطاة بمجرد إيصال العوض وأخذ المعوض من غير توقف على إعطاء أصلا ، فضلا عن التعاطي ومثّل لذلك شيخنا المتقدم في (المكاسب) بما تعارف من أخذ الماء مع غيبة السقاء ووضع الفلس في المكان المعد له إذا علم من حال السقاء الرضا بذلك ، وكذا غير الماء من المحقرات كالخضروات ونحوها. ثم قال : «ومن هذا القبيل دخول الحمام ووضع الأجرة في كوز صاحب الحمام مع غيبته» انتهى.

وظاهره كون ذلك في الحمام من الإجارة المعاطاتية ، ولازمه - كما يظهر من غيره - كون ما هو المتعارف بين الناس من وضع الحمام والدخول فيه داخلا في قسم الإجارة من عقود المعاوضات. وحينئذ ففي المقام وأمثاله مما استلزم من تعلق الإجارة به تلف العين كاستئجار المرضعة وفحل الضراب والصباغ والكاتب والمنحة والبئر وحدها ونحو ذلك بالنسبة إلى اللبن والنطفة والصبغ والمداد والماء اشكال ، حيث يعتبر في صحة الإجارة تعلقها بالمنفعة مع بقاء العين ، بل ادعى الإجماع عليه كما في محكي (التذكرة) وغيره ، ومقتضاه بطلان الإجارة في هذه الموارد مع ان صحتها في البعض مورد اتفاق النص والفتوى بل السيرة قائمة في الجميع وان منع بعض عن صحتها في البئر المستقلة كالعلامة وغيره. ولذا اعترف غير واحد بجريان الإجارة في أمثال ذلك على خلاف الأصل ، وقد تعرضوا لها في إجارة المرضعة المدلول عليها بنص الكتاب لقوله تعالى «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» بناء على ظهور الأجر في الإجارة كالثمن في البيع والجعل في الجعالة.

وحيث انجر الكلام الى هذا المقام ، فلا بأس بالإشارة الى ما يرفع به الاشكال.

قال العلامة في (القواعد) : «وهل يتناول العقد اللبن أو الحمل ووضع الثدي في فيه ويتبعه اللبن كالصبغ في الصباغة وماء البئر في الدار؟

الأقرب الأول لاستحقاق الأجر به بانفراده دون الباقي بانفرادها والرخصة سوغت تناول الأعيان ، انتهى.

وقال في (المسالك) : «واعلم ان حكم الاستيجار للإرضاع ثابت على خلاف الأصل لأن متعلق الإجارة الأعيان ليستوفى منها المنافع والركن الأعظم في الرضاع اللبن ، وهو عين تالفة بالإرضاع فتكون المعاوضة عليه بالإجارة خارجة عن موضوعها ، ومثلها الاستيجار للصيغ والبئر للاستقاء ومن ثم ذهب بعضهم الى ان المنفعة المستحقة هنا التي هي متعلق الإجارة المرضعة من حيث حملها للولد ووضعه في حجرها ووضع الثدي في فيه ونحو ذلك من الأعمال الصادرة عنها لا نفس اللبن. ويضعف بان المقصود بالذات هو اللبن وهذه الأمور تابعة أو مقدمة والأجود ان المقصود مجموع ما ذكر من المنافع مع عين اللبن وجوازه حينئذ مع ان بعض متعلقها عين ذاهبة للنص وهو قوله تعالى «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» وفعل النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ومن بعده من الأئمة (عليهم السلام). ويمكن ان يقال : على تقدير كون المراد المجموع ان اللبن يكون تابعا لكثرة قيمة غيره من المنافع وقلة قيمته وان كان اللبن مقصودا من وجه آخر ، ويثبت للتابع من الحكم المخالف ما لا يثبت للمتبوع ومثله القول في الصبغ» انتهى.

قلت : كون اللبن هو الركن الأعظم لا ينافي جعل الأجرة بإزاء نفس العمل المقصود به التوصل الى غيره فان العمل المستأجر عليه مرة يكون بنفسه مقصودا ، وأخرى من جهة ما يترتب عليه من الثمرات والفوائد

بحيث يكون العمل مقدمة لحصولها ووسيلة إلى تحققها ، والأجرة على التقديرين مجعولة بإزاء نفس العمل غير ان تسليم العمل الواجب بالإجارة ان استلزم عقلا تلف عين للأجير كان ذلك عليه وفائتا منه وإلا فعلى المستأجر بذل ما يتوقف عليه حصول المقصود ان كان خارجا عن العمل دون المؤجر إلا بالشرط عليه أو بقضاء العادة ، فمن استأجر كاتبا للكتابة كان عليه المداد لقضاء العادة به وان لم يشترط ذلك عليه ، ولا كذلك القرطاس فإنه على المستأجر إلا إذا اشترطه على الأجير.

إذا عرفت ذلك فنقول : الأجرة للمرضعة مبذولة بإزاء الإرضاع الذي هو عبارة عن إيصال لبنها من باطن الثدي إلى معدة الصبي وهو عمل منها يصح لها أخذ الأجرة عليه وان لم تقع منها حضانة إلا أن إيجاد هذا العمل في الخارج الذي هو بمنزلة التسليم للوفاء مستلزم عقلا لتلف لبنها وأين ذلك من كون اللبن بإزاء الأجرة مستقلا أو بضميمة ومثل ذلك الأجرة لنزو الفحل الذي هو لإيصال مائة الى حرم الأنثى وكذا الأجرة لسقي الزرع من بئر الأجير وأمثال ذلك مما استلزم الإيفاء بالعمل إتلاف العين عليه.

وأما الكاتب ، فقد عرفت : أن عمله المستأجر عليه - وهو الكتابة - لا يستلزم عليه تلف المداد منه إلا ان العادة جرت بكونه عليه ، فأغنت عن اشتراطه ودخل بالشرط على المستأجر ، وحيث لم تجر العادة في القرطاس كان ذلك على المستأجر إلا إذا اشترط هو على المؤجر ، وفي كون الخيوط على الخياط تردد ينشأ من التردد في قضاء العادة وعدمه. ولو اختلفت العادة باختلاف البلدان جرى في كل بلد حكمه.

وأما الحمام فالأجرة مبذولة بإزاء الدخول والاستحمام والانتفاع به - غسلا أو غسلا - وما يتوقفان عليه من الماء قد جرت العادة بكونه على

صاحب الحمام مبذولا منه مجانا لكونه مستحقا عليه بالعادة كالمستحق بالشرط في عقد الإجارة ، وهذا هو الوجه في صحة إجارته لا ما قيل كما عن (التذكرة) وغيره : من أن بعض الأعيان قد يتناولها عقد الإجارة لمسيس الحاجة والضرورة أو يكون مشمولا بالتبع ، أو عسى ان يقال - ولو بتكلف - كون الجميع منافع حتى استعمال الماء وان استلزم ذلك إتلاف بعض اجزاء الماء ضرورة كونه كإتلاف بعض أجزاء الثوب مثلا بالاستعمال ومرجعه إلى ملحوظية ماء الحمام جملة بلحاظ وحداني ، وما يستعمل ويتخلف في البدن ونحوه من اجزائه كأجزاء الثوب التالفة باندراسه للاستعمال. وفيه : انه لو سلم ذلك فإنما يتم بالانغماس فيه لا بالاستعمال صبا في الغسل أو الغسل. هذا وتعيين مدة اللبث ومقدار الماء موكول الى ما جرت به العادة وما زاد عليه مشروط بالرضاء المحرز غالبا بشاهد الحال.

وأما البئر فلا أرى وجها لصحة إجارتها منفردة للاستقاء ، وان صحت إجارتها تبعا للدار ، ولذا حكى عن موضع من (التذكرة) و (القواعد) و (جامع المقاصد) بعد الاشكال ان الاولى والأقوى المنع. نعم حكى عن (الإيضاح) وموضع آخر من (التذكرة) الجواز. ولا وجه له يستند اليه إلا ما عسى ان يتوهم أن الأجرة في مقابل منفعة البئر من تصرف الاستقاء وغيره وبذل الماء لاقتضاء العادة كالحمام وفيه أن منفعتها المبذول في في مقابلها الأجرة انما هي استعمال مائها ، فهي كإجارة الشجرة لا كل ثمرها المعلوم بطلانها ، أو عسى ان يقال : كما في (أجوبة مسائل القمي) مستشعرا ذلك من الحلي في (السرائر) أنه بإجارتها امتنع المالك عن التصرف في مائها باختياره ، فأشبه بالاعراض الموجب للخروج عن ملكه ، فيدخل في ملك المستأجر بالحيازة ، فهو من التسليط الخاص المملوك باليد والحيازة وفيه - مع ان الامتناع الاختياري شرعا موقوف على صحة الإجارة ومتأخر

عنها في المرتبة فكيف يكون وجها لها - انا نمنع ان يكون الممنوع عن التصرف ولو بالاختيار معرضا عنه وأن مجرد الامتناع عنه بحكم الاعراض ، مضافا الى أنه على القول بصحة الإجارة فالماء مملوك للمستأجر بعقدها لا باليد ومثل إجارة البئر في الاشكال إجارة المنحة وهي الشاة لشرب لبنها ، وان قلنا بصحة عاريتها ، للإجماع المنقول في كلام بعض ، وهو الدليل ان تم لا بعض النصوص الضعيفة سندا ودلالة فالعمدة هو الإجماع وهو المخرج لها ان تم عن الأصل في العارية لأنها كالإجارة في اعتبار الانتفاع بها مع عدم تلف العين ولذا وجب الاقتصار عليها دون غيرها من الانعام ذوات الألبان ولبنها دون غيره من أعيان منافعها كالصوف ونحوه ولا يتوهم صحة إجارتها لشرب لبنها بعد صحة إعارتها لذلك بقاعدة : كلما صح عاريته صحة إجارته لأن القاعدة الكبروية - لو سلم كليتها بحيث تشمل الصحة المستفادة من دليل خاص على خلاف الأصل في العارية - معارضة بما دل على اعتبار عدم استلزام تلف العين في صحة الإجارة بنحو العموم من وجه وتخصيص الثانية بالأولى ليس بأولى من العكس ، بل العكس أولى لقوة ظهورها في إرادة التساوي بينهما من حيث المنفعة والتسليط عليها مع بقاء العين غير انه في الإجارة تمليك لها وفي العارية اباحة : ومثلهما في الاشكال أيضا اجارة آجام السمك لاصطياد ما فيه منه إذ لا منفعة فيه تتعلق الإجارة بها إلا صيد السمك المملوك لصاحبه نعم لو كان مباحا وان كان في المحل المملوك لعدم قصد الحيازة به صح إجارته للدخول فيه للاصطياد.

هذا والقول بكون ما هو المتعارف بين الناس في البئر وأمثالها من المنحة وغيرها مما دلت السيرة على صحتها من الإباحة العوضية دون الإجارة المعاطاتية لا يخلو من قوة ان تم قيام السيرة عليه.

هذا ومن جملة الأجوبة عن الإشكال في هذه الموارد : ما أجاب به

المحقق القمي في (أجوبة مسائله) بما يرجع محصله الى ان الشرط المذكور غير مأخوذ في مفهوم الإجارة بل انما هو ثابت بالإجماع فليقتصر على مورد ثبت به اعتباره فيه ويبقى كل مورد اختلف في اعتباره فيه تحت إطلاقات أدلة الإجارة القاضية بالصحة.

وفيه : ان لإجماع المحكي على اعتباره في صحة الإجارة انما هو منعقد على نحو الكلية ، الشاملة لجميع الموارد الموجب لتقييد المطلقات بها فلا يخرج عنها إلا بالدليل لا انه منعقد على اعتباره في كل مورد مورد بخصوصه حتى يكون المختلف فيه خارجا عنه فافهم واغتنم ما ذكرناه في حل الاشكال

ومنها - انه بناء على اندراج المعاطاة في أسماء المعاملات فان صرح فيها بواحدة منها بالخصوص بنى عليه وإلا كان البيع أصلا في نقل الأعيان مقدما على الصلح والهبة المعوضة والإجارة أصلا في نقل المنافع مقدمة على الصلح والجعالة.

ومنها انه بناء على اعتبار الألفاظ المخصوصة في صحة العقد لو أوقع العقد بغيرها ، فالأقوى حرمة التصرف لبطلان المعاملة عقدا أو معاطاة لفساد الأول بانتفاء ما اعتبر في صحته ، وفساد الثاني لانتفاء الفعل المقصود به الإنشاء والواقع من التقابض مقصود به الوفاء دون التمليك فما قصد به التمليك غير مجد والمجدي غير مقصود به التمليك. نعم لو حصل الإنشاء الفعلي بعد العقد الفاسد بالتقابض وما بحكمه بقصد التمليك والتملك كان ذلك من المعاطاة والعقد السابق وجوده كعدمه.

هذا تمام الكلام فيما أردنا بيانه في مسألة المعاطاة

واللّه العالم بحائق أحكامه

رسالة : في عقد الفضولي وفيها مسألة الضمان

اشارة

بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) خاتم النبيين وعترته الأطهار المنتجبين وخلفائه الراشدين المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين.

(مسألة)

لو عقد الفضولي على ما لا يملك التصرف فيه ففي صحته وتوقف نفوذه على الإجازة مطلقا أو بطلانه كذلك أو التفصيل بين سبق المنع من المالك فالثاني ، وعدمه فالأول ، أو بين ما لو قصد وقوعه للمالك فالأول أو لنفسه فالثاني : وجوه ، بل أقوال.

ولنبدأ أولا بذكر معنى الفضولي. وهو لغة كما في المصباح والقاموس :

المشتغل بما لا يعني ، قال في الأول : «وفضل من باب قتل زاد ، وخذ الفضل أي الزيادة والجمع فضول مثل فلس وفلوس وقد استعمل الجمع استعمال المفرد فيما لا خير فيه. ولهذا نسب اليه على لفظه فقيل : فضولي لمن يشتغل بما لا بعينه لأنه جعل علما على نوع من الكلام فنزل منزلة المفرد وسمى بالواحد» انتهى. ولو لا تنزيل الجمع منزلة المفرد لكان القياس ان يقال فضلي لا فضولي ، واصطلاحا - كما عن الشهيد - هو الكامل غير المالك للتصرف وعن بعض العامة العاقد بلا إذن من يحتاج الى اذنه. ومقتضى التطابق بين العرفين كونه صفة للعاقد دون العقد ، فالعقد فضول والعاقد فضولي ، فتوصيف العقد به لا يخلو من المسامحة. وبين التعريفين ظاهرا عموم مطلق لأن الثاني يعم الصغير والمجنون دون الأول لخروجهما عنه بقيد الكمال اللّهم إلا أن يرجع إليه بإرادة المنع من جهة عدم الاذن ممن له الاذن ، فيكون قيد الكمال مطويا فيتساويان في النسبة.

وكيف كان فيدخل في الفضولي العقد الصادر من الباكرة الرشيدة بدون اذن الولي ومن المالك إذا لم يملك التصرف لتعلق حق الغير بالمال كبيع الراهن العين المرهونة والمحجور عليه لفلس ونحوه ، ويخرج عنه عقد الصغير والمجنون ونحوهما ممن لا أهلية له لذلك.

وبالجملة فالمنع عن تأثير العقد تارة - من جهة عدم أهلية العاقد لنقصان فيه الراجع الى عدم المقتضى له ، وأخرى - إلى وجود مانع عن تأثيره ولو من جهة ثبوت ولاية أو حق الغير عليه أو في ماله ، فيكون لذلك ممنوعا عن التصرف ، فالأول خارج عن الفضولي والثاني مشمول له ، والأقوى في السفيه كونه من القسم الثاني - كما عليه المشهور - وان احتمل كونه من الأول لرجوع المنع فيه الى نقصانه.

وكيف كان استدل للأول بوجوه :

منها : عمومات «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» «و ( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) » و «تِجارَةً عَنْ تَراضٍ» بناء على شمولها للفضولي بعد لحوق الإجازة ، لأن مرجع الشك فيه الى الشك في اعتبار مباشرة المالك شرعا أو اقتران رضائه بالعقد وكل منهما تقييد للمطلقات أو تخصيص للعمومات من غير دليل منفي بالأصل فبحكم أصالة الإطلاق أو العموم يخرج عن حكم الأصل في المعاملات وهو الفساد. ولعل الى ذلك يرجع استدلال من استدل على الصحة - كما في المختلف وغيره - بأنه عقد صدر من أهله في محله ، ضرورة أن تحقق الأهلية بمعنى البالغ العاقل الرشيد بمجرده لا يثبت الصحة إلا بضميمة مقدمة كبروية ثابتة بالعمومات ، فيكون الدليل مركبا من صغرى وجدانية مذكورة ، وكبرى برهانية مطوية ، وهي : ان كل عقد صدر من أهله في محله صحيح شرعا بحكم العمومات المتقدمة كيف ولولاها لا يتجه الرد عليه بأنه مصادرة - كما عن الشهيد في غاية المراد - لان تحقق الأهلية التامة بمعنى الجامعة لما

يعتبر شرعا هو عين الدعوى ، وجعلها دليلا أو جزء دليل مصادرة محضة ولا يخرج عنها إلا بالرجوع الى ما ذكرنا ، ومقتضاه - وان كان افادة اللزوم وان لم تلحقه الإجازة - إلا أن ذلك خارج عن العمومات بالإجماع ، فيبقى الملحوق بها مندرجا فيها ، ويلزم من لزومه بالإجازة صحته قبلها بالصحة التأهلية.

اللّهم إلا أن يدعى عدم شمول العمومات للفضولي لأن المخاطب بها اما العاقد الفضولي أو المالك لا غيرهما ، ولا سبيل الى كل منهما. أما العاقد الفضولي فلعدم وجوب الوفاء عليه بعقده قطعا ، وأما المالك فقبل أجازته كذلك وإلا لوجبت عليه الإجازة. وأما بعدها فهو مجيز لا عاقد ، مضافا الى إمكان دعوى انصرافها الى غير الفضولي. وعليه فيتجه الاشكال بالمصادرة لأن المقدمة الكبروية لا دليل عليها بالفرض ، والصغرى بنفسها لا تثبت المطلوب إلا بإرادة الأهلية التامة ، وهي عين المصادرة. ويمكن الجواب عنها بكون المخاطب بها هو المالك المجيز وهو بها بحكم العاقد عرفا فيشمله الخطاب ، أو يقال بشمول الخطاب له بعد الإجازة وان لم يتلبس بالمبدء لعدم الدليل على اعتبار التلبس به في توجه الخطاب عليه.

واما دعوى الانصراف فلو سلمت فهو من الانصرافات البدوية منبعث عن ندرة الوقوع التي لا عبرة بها مع إمكان منع ندرة وقوعه من الفضولي كيف وقد قيل بشيوعه وغلبة وقوعه بل وقيام السيرة عليه كما ستعرف.

ومنها : خبر عروة البارقي الذي أغنت شهرته عن النظر في سنده ، وقد تضمن : أن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) دفع اليه دينارا ليشتري به شاة للأضحية ، فاشترى به شاتين وباع إحديهما في الطريق بدينار ورجع الى النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بشاة ودينار ، فقال له النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : بارك اللّه لك في صفقة يمينك.

وتقريب الاستدلال به على صحة الفضولي بكل من فعلي عروة اشترائه

لشاتين بدينار الخارج عما وكل عليه : من اشتراء الواحدة به. واحتمال توقف اشتراء الواحدة المأمور بها على ضميمة الثانية لعدم رضائه بالتبعيض بعيد جدا وبيعه لواحدة منهما بدينار مع أنه لم يوكله على البيع أصلا ، وقد أقره النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) على ذلك ودعا له بالبركة.

(ودعوى) خروج الأول عن الفضولي : اما بدعوى دخوله في الوكالة بالفحوى أو باحتمال اشترائه لنفسه ودفع الدينار وفاء عما في الذمة كما هو الغالب في المعاملات حتى النقدية منها.

(يدفعها) أما الأولوية فهي لو سلمت فبالنسبة إلى شراء الواحدة بدينار لا شرائها بنصفه ، والدخول في الوكالة عرفا - لو سلم - فهو في جانب نقيصة الثمن دون الزيادة في المثمن إلا مع فرض تعذر حصول الواحدة بالأقل وهو غير معلوم ، بل ومع التعذر فغايته إحراز الرضا بشراء الشاتين به ، ولا يدخل بمجرد ذلك في عنوان الوكالة. وأما احتمال كون الشراء لنفسه ، فمع أن ظهور غلبة كون الثمن كليا في الذمة بمجرده لا يتعين كونه في ذمته حتى يكون الشراء لنفسه بل يتبع قصده في ذلك - أنه لا يحتاج وقوعه للنبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) الى قصد كونه له ، لكفاية أمره به الداعي له عليه ، وان غفل عن القصد حين الشراء مطلقا. وكونه أحدث القصد لنفسه منفي بالأصل ، ومع التنزل وفرض كون الاشتراء للنبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لا على جهة الفضولي فيكفي بيعه للشاة مع تقرير النبي دليلا على صحة الفضولي.

هذا وقد نوقش في الخبر بأنه قد تضمن وقوع التصرف قبضا وإقباضا من الفضولي ، وهو محرم لعدم جواز تصرفه قبل لحوق الإجازة ، وهو ينافي تقرير النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والدعاء له بالخير ، فلا بد في دفع المناقشة من تنزيله على علم (عروة) برضاء النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بذلك. وحينئذ فيدور الأمر بين أمور ثلاثة : اما استثناء صورة العلم بالرضا ولحوق الإجازة عما دل على

عدم جواز التصرف في الفضولي قبل الإجازة ، أو خروج الفرض عن الفضولي بناء على كفاية الرضا المقارن من المالك في انعقاد المعاملة وترتب الأثر عليها : أو صحة إقباضه المبيع لعلمه برضاء النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) له وتنزيل قبضه الثمن على كونه أمانة في يده من المشترى بعد تنزيله على علم المشتري بالفضولي ليمكن تصحيح القبض بالأمانة وإلا فلا يجوز قبضه للثمن مع جهل المشتري بالفضولي ، وان صح إقباضه للعلم بالرضا.

هذا ولكن قد يخدش في الوجوه المذكورة : أما خروج المعاملة المقرونة برضاء المالك عن الفضولي فهو خلاف ظاهر اتفاقهم على كونها منه ، وأما الوجهان الآخران ، فمبنيان على خروج الشراء عن الفضولي ودخول الشاتين في ملك النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) من غير توقف على أجازته حتى يصح تصرفه في إقباض المبيع لعلمه برضاء النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وإلا فلا يجدي رضاءه قبل التملك في جواز التصرف في المبيع بإقباضه.

وبعبارة أخرى : ان قلنا بكفاية العلم بالرضاء ولحوق الإجازة في جواز التصرف فلا ريب في اعتبار كونه مالكا حين التصرف حتى يكتفى برضائه ، وبناء على ما قويناه من وقوع الشراء فضوليا لم يكن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قبل الإجازة مالكا للشاة المبيعة ، وان قلنا بكونها كاشفة حكما فلا محيص عن ورود الاشكال على الخبر بناء على فضولية الشراء ، اللّهم إلا أن يصحح تصرفه في إقباض المبيع بعلمه برضاء من يعتبر رضاه فيه وهو من كان مالكا في الواقع الدائر بين كونه النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ان لم يكن الشراء فضوليا أو البائع الأصلي ان كان فضوليا لأنه بعدم الإجازة ترجع إليه الشاة مجانا ولو قلنا بالمنع من تصرف الفضولي قبل الإجازة مطلقا ولو مع العلم بلحوقها تعين الحمل على الوجه الأخير من تنزيل قبض الثمن على الامانة واقباض المبيع على العلم برضاء من يعتبر رضاه في التصرف.

وكيف كان ، فالرواية كافية في إثبات المطلوب ، بل هي أحسن من غيرها في الدلالة عليه لولا انها حكاية فعل وقضية في واقعة.

ومنها : مصححة محمد بن قيس عن أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام) قال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاستولدها الذي اشتراها فولدت منه ، فجاء سيدها فخاصم سيدها الآخر وليدتي باعها ابني بغير اذني ، فقال (عليه السلام) : الحكم ان يأخذ وليدته وابنها ، فناشده الذي اشتراها ، فقال له : خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ البيع لك ، فلما رآه أبوه قال أرسل ابني قال : لا واللّه لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه ..». الحديث وتقريب الاستدلال به من وجهين قوله (عليه السلام) في معالجة فك الولد بعد المناشدة خذ ابنه حتى ينفذ البيع لك ، وقول الباقر (عليه السلام) في مقام الحكاية ولما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه. وهي وان اشتملت على ما لا يمكن الالتزام به : من تأثير الإجازة المسبوقة بالرد لظهور المخاصمة فيه في نفوذ البيع للإجماع المنعقد على بطلان الإجازة الواقعة كذلك إلا أنه يجب صرف ما هو ظاهر في الرد عن ظاهره بالحمل على التردد دون الرد بقرينة ظهور تنفيذ البيع وإجازته في كلاميهما عليهما السلام في الإمضاء لما سبق من البيع وحملهما على تجديد المعاملة بعيد جدا. وحيث كان التعارض بين الظاهرين لعدم إمكان العمل بهما بالإجماع من تعارض الظاهر. والأظهر تعين صرف الأول بقرينة الثاني دون العكس ، كما يتعين صرف الظاهر بقرينة النص عند التعارض بينهما.

هذا وما يقال من وجوه استظهار الرد من الرواية زيادة على جهة ظهور المخاصمة فيه من إطلاق حكم الامام (عليه السلام) بأخذ الوليدة وابنها مع وجوب تقييده باختيار الرد لو لم يكن رادا إذ لا معنى لأخذها مع الإجازة

ومناشدة المشتري للإمام (عليه السلام) والحاجة عليه في فك ولده وقوله (حتى ترسل ابني) الظاهر في انه حبسه لما يغرمه من قيمة الولد ولو يوم الولادة فإنه مغرور به ، والمغرور يرجع على من غيره ، وإرجاع الوليدة وإمساك ولدها لقيمته يوم الولادة وحمل إمساكه الوليدة لقبض ثمنها (ينافيه) قوله (عليه السلام) فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه ، إذ المناسب لذلك إسقاط القيمة لا اجازة البيع فيكون الظهور في الرد ولو بمعونة مجموع ما ذكر من الوجوه أقوى من ظهور تنفيذ البيع وإجازته في الإمضاء فينعكس الأمر في صرف الظاهر ، وتسقط الرواية حينئذ عن الحجية على المطلوب.

يدفعه إمكان المناقشة في الجميع : أما إطلاق الحكم بأخذ الجارية فلانة يجتمع مع الرد والتردد لبقاء الملك ما لم تتحقق الإجازة واما ابنها فلاستحقاق القيمة على أبيه إلا إذا أجاز ، وقلنا بأن الإجازة كاشفة فيكون القبض في حال التردد للقيمة على تقدير اختيار الرد ، وأما مناشدة المشتري له فلتعجيل الفك حبا لولده وإلا فولده مردود عليه على كل حال وان رد البيع غير انه مع الرد له القيمة على أبيه ، وأما أخذ الجارية فقد عرفت انه له ذلك رد أو تردد بل ومع الإجازة لأجل ثمنها لأن إجازة البيع غير اجازة قبض الثمن والفرض وقوع كل من البيع وقبض الثمن فضولا.

هذا ومع التنزل وفرض التساوي في الظهور بحيث يكون صرف أحدهما بالخصوص عن ظاهره ترجيحا بلا مرجح ، فغاية سقوطها عن الحجية - لو استدل بها من جهة الإجازة الشخصية الواقعة في مورد الرواية بناء على قاعدة اشتراك جميع القضايا المتحدة نوعا في الحكم الشرعي حيث لا يمكن التعدي الى غير موردها للإجماع المتقدم المانع عن الاستدلال بها الموجب للاقتصار على موردها ولو بحمل المورد على علم الامام (عليه السلام) بكون مالك الوليدة كاذبا في دعواه عدم الاذن للولد فاستعمل ما به يصل الحق الى

صاحبه مع مراعاة ميزان الدعوى والقضاء في مرحلة الظاهر ، وهو لا ينافي الاستدلال بظهور قوله حتى ينفذ لك البيع وقوله : فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه ، في ان للمالك أن يجيز العقد الواقع على ملكه.

وبالجملة فالرواية وان كانت في قضية شخصية لا يمكن التعدي منها الى مثلها بالإجماع - إلا أنها يستنبط منها تأثير اجازة المالك في العقد الواقع على ملكه فضولا ولو في الجملة في غير مورد الإجماع على البطلان ، وهو الإجازة المسبوقة بالرد ، فالرواية تنهض لإثبات المطلوب من صحة الفضولي بالصحة التأهلية ، وما أورد عليها من الموهنات غير ما ذكرنا من امره (عليه السلام) بأخذ ابن الوليدة ولو على قيمته يوم الولادة مع انعقاده حرا على الأقوى بل ولو انعقد مملوكا يجب فكه بقيمته لوجوب الأمر بدفع القيمة أو فكه بها أولا مع خلو الرواية عنه ، وكذا أمره بحبس ابن السيد المعلوم حريته اما لما يغرمه من قيمة ولده ، أو لثمن الوليدة الذي أخذه منه أولهما معا فإنما يجوز الرجوع عليه بعد التغريم والأخذ منه لا قبله وبعد المطالبة والامتناع عن الغرامة مع كونه مليا يجوز حبسه لا أمره بالحبس ابتداء - كلها موهونة لا توجب السقوط عن الاستدلال بها حسب ما ذكرنا مع كونها قضية شخصية لعلها كانت محفوفة بقرائن حالية أو مقالية سقطت من الرواية :

ثم ليعلم أولا انه يفرق في إجازة السيد بعد تحققها بين كونها كاشفة وبين كونها ناقلة في استحقاقه قيمة الولد على أبيه وعدمه فلا يستحق على الكشف مطلقا ولو حكميا لكشفه عن كون الوطء في ملكه ويستحق على النقل وان أجاز لخروجها عن ملكه من حين الإجازة لا قبلها ، وثانيا انه له الرجوع في ثمن الوليدة لو أجاز بيع ابنه على كل واحد من المشتري وابنه البائع لو كان البيع بثمن شخصي ، ويتعين الرجوع على المشتري خاصة لو كان الثمن كليا في الذمة مع إجازته البيع فقط ، لعدم تعيين المقبوض ثمنا

إلا بعد اجازة القبض المفروض عدمه في الرواية كما يتعين الرجوع به على ابنه مع اجازة القبض أيضا ، وهو اشكال آخر في الرواية لأن ظاهرها الاكتفاء في السقوط عن المشتري بمجرد إجازته البيع ، وقد عرفت انه لا يستلزم اجازة القبض مع خلو الرواية عنها.

ومنها : فحوى النصوص المعتبرة والإجماعات المحكية على صحة الفضولي في النكاح مع ما دل على تأكد الاحتياط في الفروج وانه يكون منه الولد المناسب لشدة الاهتمام في الاحتياط فيه ، فاذا جاز ذلك فيما كان الاحتياط فيه أشد جاز فيما كان الاحتياط فيه أضعف بطريق اولى ، وقد تمسك بها جماعة منهم الشهيد في (غاية المراد) والسيد جدنا في (الرياض) بل فيه بعد ذكر الأولوية : «ولعمري انها من أقوى الأدلة ولولاها لأشكل المصير الى هذا القول لحكاية الإجماعين الآت‌يين» انتهى.

ورد بكون الأولوية موهونة بما روي عن الصادق عليه السلام في تزويج الوكيل المعزول قبل بلوغ خبر عزله اليه ، ردا على العامة المفرقين بين بيعه وتزويجه بالصحة في الأول والبطلان في الثاني ، قائلاً : سبحان اللّه ما أجور هذا الحكم وأفسده فان النكاح اولى وأجدر أن يحتاط فيه لأنه الفرج ومنه يكون الولد» الخبر ، الظاهر في كون الصحة والنفوذ هو الموافق للاحتياط دون البطلان فاذا حكموا بما يوافق الاحتياط في مورد الأضعف ، وهو البيع» يلزمهم الحكم به فيما كان الاحتياط فيه أشد وهو النكاح بطريق أولى.

وبالجملة إذا ثبت الحكم بما يوافق الاحتياط في مورد الأضعف ثبت ذلك في مورد الأقوى بالأولوية ، كما ان رفع اليد عن الاحتياط في مورد يكون فيه الاحتياط أقوى يستلزم رفع اليد عنه في مورد الأضعف بالأولوية ، ولا يلزم من العمل بالاحتياط فيما كان الاحتياط فيه أقوى العمل به فيما

كان الاحتياط فيه أضعف ، فالحكم منهم بالصحة الموافقة للاحتياط في البيع يلزم الحكم بها في النكاح بطريق اولى ولا يلزم من الصحة في النكاح الصحة في البيع.

نعم يبقى السؤال عن وجه الحكم بكون الصحة أوفق بالاحتياط من البطلان. ولعل الوجه انه لو بني على البطلان وتزوجت بغيره وفرضت الصحة في الواقع كان نكاح الثاني لها زنا بذات البعل ولو بنى على الصحة وفرض البطلان في الواقع كان من الزنا بالخالية عن المانع ، ومتى دار الأمر بين المحذورين كان الاحتياط في التجنب عن الأشد منهما وهو الحكم بالصحة.

ويجرى مثل ذلك في نكاح الفضولي حرفا بحرف ، لوحدة المناط ، وان كان مورد النص هو تزويج الوكيل المعزول دون الفضولي فظهر أن الصحة في النكاح ولو كان فضوليا لا تستلزم الصحة في البيع لان الاحتياط في البيع أضعف منه في النكاح.

وفيه - مع ان أولوية الصحة من البطلان في تزويج الوكيل المعزول موهونة بمثلها عكسا في طلاقه حرفا بحرف - أنه ليس الاحتياط في ذلك بل الاحتياط في الفروج حينئذ : اما بالطلاق أو بتجديد العقد أو الإجارة ، لأنه يكون فضوليا على تقدير العزل في الواقع وصحته ثابتة في النكاح بالنص والإجماع ويمكن أن يكون ذلك من الامام عليه السلام في مقام الرد عليهم جريا على مذاقهم.

نعم يمكن المناقشة في الأولوية التي استدلوا بها بوجه آخر ، وهو أن تأثير الأسباب في إيجاد مسبباتها دائر مدار تحققها في الواقع بحسب ما تقتضيه ذواتها في السببية من غير مدخلية ما وراء ذاته فيه ، فلا اعتبار في سببية السبب بكثرة الاجزاء أو الشرائط وقلتها وكون النكاح مبنيا على الاحتياط في معرفة سببه وما به يتحقق السبب لا اعتبار الكثرة في اجزائه وشرائطه.

وبعبارة أخرى : معنى الاحتياط المؤكد فيه ان لا يعتمد في الطرق الموصولة إلى معرفة السبب أو تحققه على ما يعتمد عليه في غيره من الظنون أو الأصول ، فمورد الاحتياط انما هو في الشبهات الحكمية أو الموضوعية كما لو شك في شرطية شي‌ء أو جزئيته في عقده أو شك في كونها المعقودة أو غيرها ، لا في كثرة الاجزاء وشرائط السبب وقلتها ، فالضيق والتوسعة في الأسباب لا مدخلية لهما في الاحتياط وعدمه فالتوسعة والتخفيف في سبب النكاح لا ينافي الاحتياط المؤكد فيه ، بل لعل المناسب لحفظ الفروج من الزنا التوسعة في أسباب حليتها حذرا من الوقوع فيه ولعله الحكمة في تحليل المتعة وملك اليمين وتحليل الأمة وحكمة حياء المرية المسوغ لتقديم القبول على الإيجاب في عقده ، فليس التخفيف الثابت في النكاح من حيث صحة الفضولي فيه بالنص والإجماع رفعا لليد عن الاحتياط فيه حتى يستلزم رفع اليد عنه في غيره بالأولوية ولذا لم بتمسك بها جل الفقهاء مع وضوحها لو كانت متحققة فافهم.

ومنها : ما ورد بطرق معتبرة في تزويج العبد نفسه بغير اذن سيده من إرجاع الأمر إلى مشيئة السيد بين التفريق والإجازة ، معللا فيه بأنه لم يعص اللّه وانما عصى سيده فان شاء فرق بينهما وان شاء أجازه وهو صريح في الصحة على تقدير الإجازة ، ولا يقدح في الاستدلال به مطلقا اختصاص مورده بالنكاح المعلوم صحة الفضولي فيه بالإجماع والنصوص المستفيضة والتمسك في التعدي منه الى غيره بالأولوية - مع كونها ممنوعة كما عرفت - قد تقدم الاستدلال بها أيضا لأن الاستدلال به من جهة عموم العلة المنصوصة فيه المستفادة من مقابلة عصيان اللّه بعصيان سيده بتقريب : أنه لم يعص اللّه حتّى لا يرجى زوال المعصية بلحوق رضاه لأن حرام اللّه حرام الى آخره ، بل عصى سيده المحتمل في حقه تعقب الرضا له ، فيكون حاصل الفرق : إمكان لحوق الرضا وعدمه ،

فيصح في الأول بشرط اللحوق لزوال المانع حينئذ ويبطل في الثاني لدوامه وامتناع رفعه ، ومقتضاه الصحة حيث ما كان المانع مرجو الزوال - نكاحا كان أو غيره عبدا كان العاقد أو غيره لنفسه كان عقد العبد أو لغيره - غير أنه في الأخير يحتمل التوقف على اجازة مولاه أيضا لأن العبد بجميع جوارحه مملوك لمولاه يتوقف التصرف فيه ولو من نفسه على اذنه أو إجازته بعد حمل ما ورد من سلب قدرته على شي‌ء وأنه ( كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ) في قوله تعالى «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ - وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ» على ارادة سلب الاستقلالية عنه وانه بنفسه لا يقدر على شي‌ء حقيقة وان كان مقدورا له بواسطة اذن مولاه لا على سلب القدرة عنه بالكلية بمعنى عدم القابلية له على شي‌ء كالصغير والمجنون لان عدم القدرة أعم من عدم القابلية ، كيف وهذه الروايات مع ما دل على صحة تجارة العبد المأذون دليل على ثبوت القابلية له وانه ليس مسلوب العبارة ، فتكون قرينة على ارادة ما ذكرناه من الآية ، ويحتمل قويا عدم توقف نفوذه على اجازة مولاه بل يتوقف على اجازة من وقع الفضولي عنه فقط مطلقا وان منع عنه المولى لعدم معلومية مملوكية العبد لمولاه بهذا القدر الذي يتوقف إنشاؤه وتكلماته حتى في المباحات التي لا تزاحم حقوق مولاه على إذنه وإحرازه ولو بشاهد الحال ، ولو سلم فغايته الإثم بمعصيته وهو لا يدل على الفساد في المعاملة وبطلانه في الرواية برد السيد بسبب معصيته انما هو من جهة مزاحمته فيما يترتب على نفوذ عقده من الآثار المترتبة عليه ، والتعبير بالمعصية ربما يكون لذلك ولو مسامحة ، وإلا فكون العقد بنفسه معصية أول الكلام والمناقشة بالتفكيك بين المعصيتين فيه مع أنه يلزم من معصية السيد معصية اللّه أيضا فهو عاص لله بمعصية السيد :

مدفوعة باختلاف الحيثية من جهة الأولية والثّانوية ، فإنه لم يعص

اللّه أولا وبالذات وان عصاه بمعصية السيد ثانيا وبالعرض ، ضرورة ان النكاح من حيث هو ولو للعبد مأمور به شرعا وان كان فيه مشروطا بإذن السيد.

ومنها : ما ورد في عامل مال المضاربة لو خالف ما شرط عليه من تعيين سلعة مخصوصة فاشترى غيرها : أنه يضمن المال والريح بينهما على الشرط وهو لا يتم إلا على صحة الفضولي وان الإجازة كالإذن السابق لتصح المضاربة ويكون الريح على الشرط والا فالريح كله للمالك ، وان قلنا بكونه فضوليا يصح بلحوق الإجازة ، لكن غير بعيد بل يحتمل قويا دعوى ان ذلك ليس من الفضولي حتى يصلح أن يكون دليلا على صحته ، لأن الغرض الأصلي من المضاربة انما هو الاسترباح بتقلب المال ولم يتعلق غرض بخصوص الأعيان إلا من جهة التحفظ عن الخسران وسلامة رأس المال عن النقصان ، ولعل الشرط لذلك لأنه بمخالفته يدخل المال في عهدة العامل وضمانه فيحصل المقصود وهو السلامة عن الخسران ، وإلا فاطلاقات النصوص الواردة في المقام تقضي بصحة المضاربة والريح على الشرط من غير توقف على الإجازة وليس إلا لتحقّق الاذن الكلي بما يوجب الريح فهي موافقة للقواعد جارية على مجراها ، وعليه فلا اثم على العامل بالتصرف فيه كما يشعر به خلو النصوص عن التعرض له مع كونه مقام بيانه أيضا وهو مؤيد لما ذكرناه.

نعم لو قلنا بمخالفة النصوص القواعد وجب الاقتصار على موردها والتعدي منه الى غيره ، وان أمكن بالحمل على الفضولي ، إلا انه يجب تقييدها بالإجازة والرضاء بها مضاربة أو تنزيلها على الغالب من تحقق الإجازة بظهور الريح ، وبالجملة فالنصوص اما محمولة على ما ذكرناه أو على الفضولي مع التقييد بالإجازة - كما عن بعض - أو على التعبد بظاهرها المخالف للقواعد مع الاقتصار على موردها ، وتفصيل الكلام فيه موكول الى محله. فهي لا تصلح

لان تكون دليلا في المقام الا على الاحتمال الثاني.

ومنها : ما ورد في استرباح الودعي الجاحد للوديعة من ردها بربحها للمالك المودع ، فعن مسمع ابن ابي سيار قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : إني كنت استودعت رجلا مالا فجحد فيه وحلف لي عليه ثم جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته إياه ، فقال : هذا مالك فخذه وهو أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك ، فهي لك مع مالك واجعلني في حل ، وأخذت المال منه وأبيت أن آخذ الربح ، وأوقفت المال الذي كنت استودعته وأتيت حتى أستطلع رأيك فما ترى؟ قال فقال عليه السلام خذ الريح وأعطه النصف وأحله ، ان هذا الرجل تائب ، واللّه يحب التوابين ..» الخبر وأخذ الريح الظاهر في الاستحقاق مبني على صحة الفضولي والا فلا شي‌ء له من الربح ، وهو منزل على الغالب من لحوق الإجازة ليستحق الربح ، ومن وقوع المعاملة بالمعاطاة لا بالعقود حتى يقال بغلبة الأثمان فيها كليا في الذمة فغلبة العقود في كون الثمن كليا في الذمة لا شخصيا معينا لا تنافي غلبة وقوع المعاملات بالمعاطاة التي يكون الثمن فيها مشخصا خارجا وإعطاء النصف له للنصف لا بالاستحقاق رعاية لاحترام عمله بعد التوبة وان كان مهدورا من أصله لأن اللّه يحب التوابين.

ومنها : ما ورد مستفيضا - وفيه الصحيح والمعتبر - فيمن اتجر بمال الطفل لنفسه بغير اذن وليه : أنه يضمن المال والريح للطفل أو اليتيم.

والتقريب فيه : ما تقدم حرفا بحرف وكون الريح له مطلقا وان لم تلحقه الإجازة نظرا إلى إطلاقها ، يدفعه ورود الإطلاق مورد الغالب - كما عرفت من لحوق الإجازة من الولي - أو منه بعد البلوغ بظهور الريح فلا يفيد تخصيصا لما دل على اعتبار الإجازة في صحة الفضولي وكذا لا حاجة الى ما قيل من تحقق الإجازة الإلهية في أمثال المقام.

ومنها : مصححة الحلبي عن الرجل يشتري ثوبا ولم يشترط على صاحبه شيئا فكرهه ثم رد على صاحبه فأبى أن يقبله إلا بوضيعة؟ قال : لا يصلح له أن يأخذ بوضيعة ، فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه يرد على صاحبه الأول ما زاد.

والتقريب فيه ما تقدم من التنزيل على الغالب بإجازة البيع الواقع بالزيادة على الثمن المطلوب له برده بل هو مطلوب له بالأولوية.

ومنها : ما روى من بيع عقيل دور النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بمكة ثم أخبر به النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فأجازه.

ومنها : رواية ابن أشيم عن أبي جعفر عليه السلام «عن عبد لقوم مأذون له في التجارة : دفع اليه رجل الف درهم ، فقال : اشتر بها نسمة وأعتقها وحج عني بالباقي ، ثم مات صاحب الالف فانطلق العبد فاشترى أباه فأعتقه عن الميت ودفع إليه الباقي للحج عن الميت ، فحج عنه وبلغ ذلك موالي أبيه ومواليه وورثة الميت جميعا ، فاختصموا جميعا في الألف ، فقال موالي العبد المعتق : انما اشتريت أباك بمالنا ، وقال الورثة : إنما اشتريت أباك بمالنا وقال موالي العبد : أنما اشتريت أباك بمالنا فقال : أبو جعفر عليه السلام : أما الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد ، وأما المعتق فهو رد في الرق لموالي أبيه وأى الفريقين بعد أقاموا البينة على انه اشترى أباه من أموالهم كان له رقا». الحديث وتقريب الفضولية فيه وتصويرها بالنسبة إلى ورثة الدافع مبني على كون الدفع منه بعنوان الوكالة ووقوع الاشتراء بعد موته الموجب لبطلانها وانتقال المال الى الوارث ، فيكون التصرف فيه على تقديره فضوليا وبالنسبة إلى مولى المأذون باختصاص الأذن منه بالتجارة التي ليس الواقع منها بناء على ظهور الاذن في التجارة بما فيها الاسترباح فيكون الشراء بماله على تقديره تصرفا فيه بغير اذنه وإلا بان كان الاذن بمطلق التكسب الشامل للاسترباح وغيره ، كان الفضولي مختصا بورثة الدافع وعلى كل حال

فهو ظاهر في الصحة بناء على انه لولا كفاية الاشتراء بعين المال في تملك المبيع بعد المطالبة المتضمنة لإجازة البيع لم يكن مجرد دعوى الشراء بالمال ولا إقامة البينة عليها كافية في تملك المبيع (وحمل) الدفع على الوصية - كما احتمله في الجواهر - مع انه يأباه صريح ذيل الخبر من قوله : وأي الفريقين الى قوله : كان له رقا ، لان دعوى الورثة على تقديره دعوى للحرية دون الرقية (يدفعه) أنه لا تتوجه الدعوى حينئذ منهم بذلك لعدم المدخلية لهم فيه حينئذ وكيف كان فإن أقام واحد منهما بينة حكم له بها وان أقامها كل واحد منهما بنى على تقديم بينة الداخل أو الخارج بناء على ان يد العبد وان كان مأذونا يد مولاه.

وبالجملة فالرواية - وان أمكن الاستدلال بها على صحة الفضولي بناء على ما قررناه فضلا عن التأييد بها إلا انها لضعف سندها بجهالة الراوي أو غلوه وان سبق عليه بعض أصحاب الإجماع - كما قيل - ومخالفتها للقواعد من جهة اشتمالها على صحة تصرف المأذون بالتجارة في غير ما اذن له أولا ، وصحة استيجار أبيه للحج مع ظهور الأمر في ان يحج عنه بنفسه ثانيا ، وصحة الحج مع كونه رقا بغير اذن سيده ثالثا ، وتقديم قول مولى الأب المدعى لفساد البيع على المدعيين للصحة من مولى المأذون وورثة الدافع رابعا ، وان تخلص عنه في القواعد بحمل كلام موالي الأب على إنكار البيع من أصله وانه المعني بقولهم انما اشتريت أباك بمالنا ، وهو كما ترى من التكلف المخالف لصريح الخبر ، وعدم تقديم قول ذي اليد وهو مولى المأذون وتقديم قول مولى الأب على قوله مع كونه خارجا خامسا ، وعود العبد رقا الى مولاه مع اعترافه بالبيع وان ادعى فساده : سادسا - يجب طرحها وان كانت مشهورة ، رواية لا فتوى ، وان حكى العمل بها عن الشيخ في (النهاية) والقاضي وحينئذ فالذي تقتضيه أصول

المذهب وقواعده - بعد طرح الخبر - : هو ان يقال ان المأذون : ان كان مأذونا بالتجارة وغيرها لمولاه ولغيره نفذ إقراره في عمله فيصح عتقه وحجه عن الدافع ان وقع ذلك منه في حياته ، وان وقع بعد موته كان المعتق رقا لورثة الدافع لثبوت كون الاشتراء بمالهم بإقراره بعد بطلان الوكالة بموت الدافع وانتقال المال الى ورثته لكون يد المأذون حينئذ مشتركة بين مولاه وغيره ممن له مال عنده أو عمل كلفه به وانه كالحر في الامانة. وما قيل من عدم قبول قول المأذون لغير مولاه ، انما هو فيما كان الاذن مختصا بالتجارة لنفسه ، وان كان الاذن له مقصورا على التجارة لنفسه أو مشكوكا تعميمه قدم قول مولى المأذون لكونه ذا يد على عبده وما في يده حتى يعلم انتفاؤه عنه ويرد المعتق رقا لمولاه المأذون حتى تقوم بينة على خلافه ، فإن أقامها كل من ورثة الدافع ومن موالي الأب قدمت بينة الورثة لترجيحها بدعوى الصحة ويحتمل تقديم بينة مولى الأب لكونها كالخارجة بالنسبة إلى بينة الورثة لأنها بينة أقيمت على خلاف الأصل والظاهر وهو الفساد ، ومع انضمام بينة مولى المأذون الى البينتين بنى تقديمها على تقديم بينة الداخل على الخارج وعدمه ، وعلى الثاني ، ففي تقديم احدى البينتين الخارجتين على الأخرى ما تقدم من الاحتمالين.

ومما ذكرناه ظهر ضعف ما قواه في (الدروس) حيث قال : «وقد يقال بأن المأذون بيده مال المولى الأب وغيره وبتصادم الدعاوي المتكافئة يرجع الى أصالة بقاء الملك على مالكه ولا يعارضه فتواهم بتقديم دعوى الصحة على الفساد لان دعوى الصحة مشتركة بين متقابلين متكافئين تساقطا ، وهذا واضح لا غبار عليه ..» انتهى.

لما عرفت من الترجيح ومنع التكافؤ على كل من تقديري عموم الاذن وخصوصه. ومع فرض تسليم التكافؤ فقد يمنع التساقط بالكلية لتوافقهما على

الصحة ونفى الثالث. هذا وتمام الكلام فيه موكول الى محله.

ومنها : ما ربما أيد به القول بالصحة موثقة عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «عن السمسار يشتري بالأجر فيدفع اليه الورق فيشترط عليه أنك تأتي بما تشتري فما شئت أخذته وما شئت تركته ، فذهب ليشتري المتاع فيقول : خذ ما رضيت ودع ما كرهت؟ قال لا بأس ..» الخبر بناء على قيام احتمالات متكافئة في اشتراء السمسار يكون على أحدها فضوليا عن صاحب الورق مع نفي البأس عنه في الجواب القاضي بحكم ترك الاستفصال مع إجمال السؤال بعموم الحكم بالصحة بجميع محتملاته لان اشتراء السمسار يحتمل أن يكون لنفسه بماله أو في ذمته ويكون المدفوع له قرضا عليه يستوفي منه صاحب الورق بما يشترى من المتاع. ولا ينافي هذا الاحتمال فرض السمسار في الرواية ممن يشتري بالأجر ، لان توصيفه به بملاحظة صناعته وحرفته لا بملاحظته هذه القضية الشخصية. ويحتمل ان يكون وقوعه منه بنحو الوكالة عن صاحب الورق على ان يكون الاشتراء له مشروطا له الخيار على بايع المتاع بتوسط السمسار ما شاء أخذه وما كرهه رده وعليه وان كان الأنسب بل المناسب التعبير عن الرد بالفسخ إلا انه يعبر به كناية عنه أيضا.

ويحتمل ان يكون الاشتراء من السمسار وقع بعين الورق لا بإذن صاحبه حتى يخرج به عن الفضولي ويكون دفع المال منه اليه بنحو الامانة وحصول الاطمئنان له بوصول ثمن ما يشتريه منه ويكون فائدة الشرط عليه من أخذ ما يريده ورد ما يكرهه عدم مطالبة الأجر منه على عمله أو حذرا من إبائه وامتناعه عن ذلك ، فترك الاستفصال مع الإجمال بقيام الاحتمال في السؤال يقتضي بعموم الحكم في جميع المحتملات التي منها احتمال الفضولي عنه.

وفيه : ان احتمال الفضولي - مع كونه بعيدا في نفسه موهون بغلبة تسليم الثمن الشخصي الواقع عليه العقد فضلا عن غلبة وقوع المعاملة بالمعاطاة المستلزمة لذلك. وتسليم الورق قبل اجازة صاحبه محرم - ينافيه وجوب حمل فعل المسلم على الصحيح واحتمال الاذن يدفعه ثمنا ودعوى عدم منافاته للفضولي من الأغلاط الفاحشة.

نعم هنا احتمال رابع يكافأ الاحتمالين الأولين ، وهو وقوع الاشتراء بالمساومة وإطلاقه عليه إطلاق شائع أو مجاز بالمشارفة ويكون دفع الورق لطمأنينة السمسار وهو كثير الوقوع سيما مع الدلال والسمسار ، وهو عندي أظهر الاحتمالات ، ويتلوه في الظهور الاحتمال الأول ، وأضعفها بل لا يلتفت اليه الاحتمال الثالث ، فلا تصلح الموثقة للاستئناس بها على الصحة فضلا عن التأييد بها.

ومنها : ما ورد من صحة الاشتراء مما فيه الخمس ممن لا يخمس من غيرنا مع كونه من المعاملة على مال الامام (عليه السلام) من غيره وهو فضولي صح بإجازة الإمام (عليه السلام) بحكم أخبار الإباحة والتحليل.

ومنها : ما ورد من الأمر بالتصدق بالمظالم ومجهول المالك مع تخيير المالك بين الرد فيأخذ العين أو بدلها مع التلف ويكون الأجر للمتصدق وبين الإجازة فيكون له الثواب.

والجواب عنه وعما قبله بخروجهما عن الفضولي للاذن منهم بذلك لشيعتهم المستفاد من أخبار الإباحة والتحليل في الأول ، وللأمر بالتصدق شرعا عن المالك لأنه من أقرب طرق الإيصال إليه عند تعذر الحقيقة في الثاني ، وان قلنا بتخيير المالك بعد ظهوره بين الرد ، فيرجع ببدل التالف من المثل أو القيمة وبين الإمضاء فله الفوز بالثواب.

وهذه الأدلة المذكورة للقول بالصحة ، وان أمكن المناقشة في أغلبها

إلا أنه لتراكم بعضها مع بعض ربما يشرف الفقيه على القطع بإفادتها الصحة فضلا عن الظن الاطمئناني بها.

واحتج للقول بالبطلان بعد الأصل بالأدلة الأربعة.

أما الكتاب فقوله تعالى «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» بناء على استفادة حصر الحل في المستثنى من الاستثناء أو من مفهوم القيد ، والفضولي خارج عنه داخل في المستثنى منه لأنه عقد على مال الغير بغير رضاه ، فيكون من التجارة لا عن تراض أو من غير التجارة عن تراض.

وفيه منع إفادة الحصر في المستثنى مع ظهور كون الاستثناء منقطعا لأن التجارة عن تراض ليس من أفراد الأكل بالباطل حتى يكون داخلا فيه موضوعا خارجا عنه حكما وحينئذ فيكون ذكر المستثنى منه توطئة لبيان سببية المستثنى للحل لا حصر سببية الحل في المستثنى ، فهو من قبيل إثبات حكم لموضوع ونقيضه لموضوع آخر ، وقد تقدم الكلام فيه مفصلا في المعاطاة فراجع.

واما استفادته من مفهوم القيد ، فقد أجيب عنه مرة بإنكار كونه قيدا بل هو خبر بعد خبر على قراءة النصب ، واخرى بمنع تحقق المفهوم له لوروده مورد الغالب كما في قوله تعالى «وَرَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ» وفيه : اما الأول فيدفعه ما هو مسلم عندهم : من أن الجمل والظروف بعد النكرات أوصاف وبعد المعارف أحوال. واما الثاني - فيدفعه - مضافا الى كون الأصل في القيد أن يكون احترازيا - أن القيد انما ينزل على الغالب حيث يكون حكم المقيد به والمجرد عنه واحدا ، ومن المعلوم أن التجارة المجردة عن التراضي بالمرة الذي هو من أفراد المفهوم غير صحيح وهو من الأكل بالباطل ، فيكون خروج الفرد من المفهوم المعلوم خروجه

عن حكم المقيد قرينة مؤكدة لأصالة الاحتراز في القيد.

فالأحسن في الجواب أن يقال (1)

إلا أن تكون بينكم تجارة عن تراض ، على قراءة الرفع ، أو إلا أن تكون الأموال المأكولة والمتملكة بتجارة عن تراض ، على قراءة نصب (تجارة) فيكون النصب بنزع الخافظ ، أو يكون التقدير : إلا أن تكون الأموال أموال تجارة عن تراض ، على حذف المضاف وإقامة المضاف اليه مقامه.

وعلى كل فسواء كان الاستثناء متصلا أو منقطعا فالتجارة عن تراض لم تكن من الباطل ، والاستدلال بالآية على صحة الفضولي لا يتوقف على كون الاستثناء متصلا ، بل يتوقف على بيان أن التجارة الصادرة من الفضولي على مال الغير ، وان لم تكن بمعناها المصدري ـ وهي جهة الإنشاء بالعقد الصادر منه عن رضي ممن ينفذ رضاه ، ولكنها بمعناها الاسم المصدري المنشأ بإنشاء الفضولي ، أعني : انتقال مال المالك الى الغير بعوضه المجاز من قبل المالك ـ هي تجارة له أي للمالك عن رضي منه بها وبمفادها ، فتشملها الآية الشريفة.

والحاصل : ان حقيقة التكسب ونتيجة إنشاء الفضولي ـ والعقد الصادر منه ـ وهي المبادلة بين المالين القابلة للاستناد الى المالك بإجازته ـ هي تجارة للمالك لا للفضولي ليقال : إنها لم تكن عن رضي ممن له الرضا والاختيار ولم تكن مشمولة للاية الشريفة.

ان التجارة التي هي بمعنى التكسب هنا كناية عن السبب الناقل ، وهو في الفضولي مركب من العقد والإجازة ، بناء على النقل أو منه معقبا بلحوقها أو مراعى به بناء على الكشف كما سيأتي وبلحوق الإجازة يصدق عليه أنه تجارة عن تراض ، وقبلها لا تجارة ،

1) وببيان آخر : إن الخطاب في الآية الشريفة لمالكي الأموال ، والأكل كناية عن التملك لا مجرد التصرف ، إذ هو غير متوقف جوازه على التجارة عن تراض. ويمكن أن يكون الاستثناء في الآية متصلا ، وان المراد : لا يأكل بعضكم أموال بعض بالنهب والغصب والسرقة والمقامرة وغيرها من الوجوه الواقعة عن غير رضا من مالكي الأموال ، فإنه باطل فقوله «بِالْباطِلِ» بيان لوجه التحريم وعلته وهو المستثنى منه في الآية :

لا أنه تجارة لا عن تراض.

وأما السنة ، فأخبار : منها - النبوي المروي مستفيضا «لا تبع ما ليس عندك» بناء على إرادة السلطنة من الظرف المضاف ، فيكون النهي عن بيع ما هو خارج عنها الذي منه الفضولي ولا ينقض ببيع الولي والمأذون لتحقق السلطنة لهما عليه.

وفيه - مع كونه مرميا بضعف السند لكونه عاميا ومعارضا بما هو أقوى منه سندا ودلالة من النصوص المعتبرة المستفيضة المجوزة لبيع ما ليس عنده المعربة عن كون المنع عنه مذهب العامة ، ففي الصحيح : عمن باع ما ليس عنده؟ قال : لا بأس ، قلت : ان من عندنا يفسده قال ولم قلت :

باع ما ليس عنده ، قال ما يقول في السلف قد باع صاحبه ما ليس عنده (1)

(منه دام ظله)

الخبر (محمول) على بيع ما يتعذر عليه تسليمه أو يتعسر إرشادا إلى دفع كلفة التسليم ، وليس منه الفضولي مع اجازة المالك أو ينزل على البيع عن نفسه قبل أن يملك ، ثم يمضي ليشتريه من مالكه كما عن (التذكرة) مستدلا عليه بقوله ، لأنه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ذكره جوابا لحكيم بن حزام حيث سأله عن ان يبيع الشي‌ء فيمضي ويشتريه ويسلمه فان هذا البيع غير جائز ولا نعلم فيه

1) وبه يظهر ما في كلام شيخنا المرتضى في (مكاسبه) في الجواب عن النبوي قائلاً : ان الظاهر من الموصول هي العين الشخصية للإجماع والنص على جواز بيع الكلي لأنه منه كالاجتهاد في مقابل النص.

خلافا للنهي المذكور وللغرر لان صاحبها قد لا يبيعها» انتهى. ولعله يأتي منا مزيد بيان للمنع عن مثل هذا البيع.

ومنها : النبوي الآخر : «لا بيع إلا فيما يملك» بعد قوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) «لا طلاق إلا فيما يملك ولا عتق إلا فيما يملك» الظاهر بقرينة السياق في إرادة الأعم من ملك العين وملك التصرف والعاقد الفضولي ليس بمالك لا للعين ولا للتصرف.

وفيه - مع قوة احتمال (1)ارادة نفي البيع عما لا يملك بالبناء للمجهول أو للمعلوم بإرادة نفي المملوكية دون الملك كالحر ونحوه ، أو احتمال نفي البيع قبل أن يملك ثم ملك كالخبر السابق ، أو منزل على ارادة البيع الموجب لترتب الآثار عليه - لا تكافئ ما تقدم : من أدلة الصحة من وجوه عديدة.

ومع الغض عما ذكرنا في الخبرين ، ان هما إلا كالعام المخصص بما تقدم من أدلة الصحة لأنها بالنسبة إليها كالخاص بالنسبة إلى العام.

ومنها : صحيحة محمد بن الحسن الصفار : «انه كتب الى أبي محمد العسكري (عليه السلام) في رجل باع له قطاع أرضين وعرف حدود القرية الأربعة ، وانما له في هذه القرية قطاع أرضين ، فهل يصلح للمشتري ذلك وانما له بعض هذه القرية وقد أقر له بكلها؟ فوقع (عليه السلام) لا يجوز بيع ما ليس يملك وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك» الخبر بناء على إرادة الفساد من عدم الجواز


1) الظاهر ان احتمال ارادة نفي البيع عما لا يملك - بالبناء للمجهول أو المعلوم بإرادة نفي المملوكية دون الملك كالحر ونحوه - بعيد ، فإن النفي في النبوي المذكور لبيان نفي صحة مدخولة وترتب الأثر عليه بلسان نفي حقيقته ، فهو نفي للحكم بلسان نفي الموضوع لا نفي للموضوع ، وما لا يملك كالحر غير قابل للبيع والعتق ، كما ان غير الزوجة غير قابله للطلاق ، إذ البيع مبادلة مال بمال ، والعتق فك رقبة المملوك ، والطلاق حل ربقة الزوجية.

الظاهر في التحريم وإرادة الوجوب الشرطي بمعنى الصحة من قوله : وجب الشراء من المالك على ما يملك.

وفيه - مع أنها مكاتبة ويحتمل قريبا ارادة النفوذ من الجواز المنفي كما فهمه الأصحاب وبنوا عليه فيمن باع ما يملك وما لا يملك صفقة بالنفوذ في الأول وتوقفه في الثاني على اجازة المالك ، وإطلاقه عليه شائع في كلامهم ومنه قولهم : إقرار العقلاء على أنفسهم جائز أي نافذ - أنها محمولة على إرادة الصلاحية التي توجب النقل والانتقال وترتب الآثار على ذلك.

ومنها : صحيحة محمد بن القاسم بن الفضيل قال : «سألت أبا الحسن الأول عليه السلام عن رجل اشترى من امرأته من آل فلان بعض قطائعهم ، وكتب عليها كتابا بأنها قد قبضت المال ولم تقبضه ، فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال : قل له ليمنعها أشد المنع ، فإنها باعت مالا تملكه» الخبر

ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال فيه : «سأله رجل من أهل النيل عن أرض شراها بفهم النيل ، وهل الأرض يقولون : هي أرضهم وأهل الأسنان يقولون : هي أرضنا؟ قال لا نشترها إلا برضاء أهلها» الخبر.

ومنها : موثقة سماعة قال : «سألته عن شراء الخيانة والسرقة؟ قال إذا عرفت أنه كذلك فلا» الخبر.

ومنها : ما رواه في الاحتجاج مما خرج من الناحية المقدسة في توقيعات محمد بن عبد اللّه ابن جعفر الحميري في السؤال عن ضيعة السلطان فيها حصة مغصوبة ، فهل يجوز شراؤها من السلطان أم لا؟ فأجاب (عليه السلام):

«الضيعة لا يجوز ابتياعها إلا من مالكها أو بأمره أو برضا منه» الخبر

ومنها : ما عن (الفقيه) بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في حديث

المناهي قال : «ومن اشترى خيانة فهو كالذي خانها» الخبر.

ومنها ما رواه الشيخ عن أبي بصير قال : «سألت أحدهما (عليهما السلام) عن شراء الخيانة والسرقة؟ قال لا» الخبر

ومنها - ما رواه عن جراح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا يصلح شراء الخيانة والسرقة إذا عرفت» الخبر

ومنها - ما عن قرب الاسناد بسنده عن علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : سألته عن رجل سرق جارية ثم باعها يحل فرجها لمن اشتراها؟ قال : إذا أنبأهم أنها سرقة فلا تحل وان لم يعلم فلا بأس».

والجواب عن هذه الطائفة من الأخبار التي أوردها في (الحدائق) مستدلا بها على مختاره من بطلان الفضولي حتى كأنه عثر على ما لم يعثر عليه من قبله متبجحا بها عليهم : أنها ظاهرة بقرينة السياق في إرادة التملك من الابتياع المذكور ولزومه وترتب الآثار عليه على حد الابتياع من المالك لمن نظر إليها بعين الإنصاف وجانب طريق الاعتساف ، مضافا الى أن صحيحة ابن فضيل انما تضمنت السؤال والجواب عن إعطاء المال للفضولي وهو ممنوع عنه حتى على القول بالصحة أيضا : والى أن صحيحة محمد بن مسلم مفروض فيها التنازع بين أهلها الظاهر في الرد وعدم الإجازة ممن لم يقع الاشتراء منه (ودعوى) ظهور حصر الجواز في المستثنى في الجواب على سبق الاذن دون لحوقه (مردودة) على مدعيها ، وابن ذلك من من محل النزاع في قابلية عقد الفضولي وتأثيره بلحوق الإجازة وعدمها.

وأما الإجماع فهو محكي عن الشيخ في (الخلاف) وابن زهرة في (الغنية) مؤيدا بدعوى الحلي في مضاربة (السرائر) عدم الخلاف في بطلان شراء الغاصب بعين المغصوب.

وفيه - مع أنه موهون بمصير المعظم ، بل المشهور على الخلاف ، بل

الشيخ هو أفتى بالصحة في (نهايته) الذي قيل : إنها آخر كتبه ولعل فتواه بها فيها تعطى كون الإجماع منه منقولا لا محصلا له ، بل لم تنسب الفتوى بالبطلان الى غير مدعيه ، والحلي من القدماء ، بل المحكي عنهم القول بالصحة بل عن ظاهر (التذكرة) دعوى الإجماع عليه - أنه لا يكافئ ما تقدم من أدلة الصحة ، وان ذهب اليه بعض متأخري المتأخرين على ما حكى عنهم كالفخر والسيد الداماد والمقدس الأردبيلي والحر في (وسائله) والبحراني في (حدائقه) وقواه جدنا في (مصابيحه).

وأما العقل فتقريره - على ما قيل بتوضيح منا - هو : ان الفضولي متصرف في مال الغير بالعقد عليه بغير اذنه ، والتصرف في مال الغير كذلك قبيح عقلا ونقلا ، ففي التوقيع المروي عن الاحتجاج «لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره إلا بإذنه».

بيان ذلك : ان العقد حسب ما عرفت معناه الربط بين العوضين بالتبديل بينهما غير أنه ان كان من غير المالك ومن بحكمه كان ذلك الربط ناقصا وضعيفا يتم ويقوى بإجازة المالك وان كان منه كان قويا تاما بحيث يترتب عليه أثره من النقل والانتقال ، وهذا الأمر الحادث في مال الغير تصرف فيه في الواقع لا بالتسامح العرفي وهو محرم منهي عنه ، والنهى يقتضي الفساد فالقول بالصحة الموجبة لما يقتضي الفساد يستلزم القول بعدمها ، فهو من قبيل ما يلزم من وجوده عدمه وما كان كذلك كان باطلا بالضرورة.

وبهذا التقرير يتضح لك بطلان قياسه بالاستضائة والاصطلاء بنور الغير وناره لأن المقيس عليه من الانتفاع بمال الغير المجرد عن التصرف فيه بخلاف المقيس الذي هو من التصرف فيه حقيقة - كما عرفت - ولا ملازمة بينهما وأن إحراز الإذن بهذا النحو من التصرف من الحال أو المقال لا يخرجه عن الفضولي بالاتفاق وأنه محرم وان لم يقصد ترتب الأثر عليه لكونه بنفسه

تصرفا ولا يعترف به القائل بالصحة.

ومنه يظهر لك مواقع التأمل - بل النظر - في كلام شيخنا في (المكاسب) حيث قال - في الجواب عنه ما لفظه - «والجواب ان العقد على مال الغير متوقعا لإجازته غير قاصد لترتيب الآثار عليه ليس تصرفا فيه - الى أن قال - ثم لو فرض كونه تصرفا فمما استقل العقل بجوازه مثل الاستضائة والاصطلاء بنور الغير وناره مع انه قد يفرض الكلام فيما إذا علم الاذن في هذا من المقال أو الحال بناء على أن ذلك لا يخرجه عن الفضولي ، مع أن تحريمه لا يدل على الفساد ، مع أنه لو دل لدل على بطلان البيع بمعنى عدم ترتب الأثر عليه وعدم استقلاله في ذلك ولا ينكره القائل بالصحة» انتهى فالأحسن أن يجاب عنه - كما ذكروه في طي أجوبتهم - أولا - بعدم الدليل على حرمة هذا النحو من التصرف ، لا عقلا لعدم حكمه بحرمته ، ولا نقلا لعدم انصراف التصرف فيه الى مثل ذلك ، وثانيا - بعدم دلالة النهي التحريمي على الفساد وإن تعلق بذات المعاملة مطلقا سواء كان لمبغوضية ذاته بذاته ، ومن حيث كونه فعلا من الأفعال كعقد المحرم أو المعتكف على الأجنبية أو لاستلزامه العنوان المحرم كالبيع وقت النداء المستلزم لتفويت الجمعة أو لمبغوضية أثره المترتب عليه كبيع المصحف أو المسلم من الكافر بناء على تملكه وجبره بالخروج عن ملكه بخلاف ما كان منه إرشادا الى عدم ترتب الأثر عليه ، فان النواهي الإرشادية تقتضي الفساد قطعا بعد أن كان معنى الفساد في المعاملة عدم ترتب الأثر عليها ، وأكثر ما ورد من النواهي في المعاملات من القسم الأخير ، ولذا قيل بالحمل عليه عند الشك فيه ، لان الظن بالشي‌ء يلحق بالأعم الأغلب وان كان حقيقة في التحريم ، وتفصيل الكلام فيه موكول الى محله وكيف كان فلو سلم التحريم فلا نسلم اقتضاءه الفساد هذا.

وقد استدل بعض (1)للقول بالبطلان بوجهين آخرين :

الأول - ان القدرة على التسليم شرط في صحة البيع بالإجماع المستفيض وهي مفقودة في الفضولي ، لأنه فعل المالك دون العاقد الفضولي.

وفيه - أولا أنه مبني على شرطية القدرة لا مانعية العجز ، وهو غير معلوم ، وان طفحت بالأول عباراتهم واشتملت عليه معاقد إجماعاتهم إلا أنه من المحتمل قويا - كما في الجواهر - إرادة مانعية العجز منه ولو بقرينة تمثيلهم لما لا يكون مقدورا ببيع السمك في الماء ، والطير في الهواء ونحوهما مما يوجب الياس من حصوله ، واختلافهم في صحة بيع الضال والضالة ونحوهما مما يرجى حصوله مع عدمها حال البيع وتظهر الثمرة في المشكوك فيه ، فيبطل على الأول ، ويصح على الثاني ومنه الفضولي المتوقع للإجازة والمقصود من مانعية العجز مانعية أثره الحاصل من العلم به وهو اليأس الذي هو أمر وجودي لكونه من الصفات النفسانية تحدث بحدوث سببه وبذلك يظهر ضعف ما قيل في الرد عليه : من أن العجز الذي معناه عدم القدرة أمر عدمي لا يصلح لصدق المانعية عليه بعد ان كان المانع ما يلزم من وجوده العدم.

وثانيا - لو سلمنا شرطية القدرة فلا نسلم اعتبارها في مطلق العاقد ، وإلا لبطل أغلب الوكالات وهي الواقعة على مجرد العقد وإجزائه دون لوازمه ، وانما المعتبر فيها قدرة الموكل دون العاقد الوكيل ، وليس الا من جهة عدم مدخلية الوكيل في لوازم العقد من التسليم ونحوه ، فعدم اعتبار القدرة في الوكيل المزبور لعدم مدخليته في التسليم لا لوكالته على العقد وهذه الجهة السلبية مشتركة الورود بين الوكيل والفضولي (ودعوى)


1) المقصود به جدنا الأعلى - قدس سره - السيد بحر العلوم ، ذكره في (مصابيحه) الذي لا يزال مخطوطا.

اختصاص تأثير قدرة الموكل بما لو بنى عليها عقد الوكيل (ضعيفة) بل ممنوعة بل هي المعتبرة في الصحة مطلقا ، لأنه المأمور بالوفاء به إلا إذا بنى العقد على قدرة الوكيل على التسليم ، كضعف دعوى الفرق بينهما : بأن عقد الوكيل عقد الموكل بعد تنزيل ذاته منزلة ذاته بالوكالة أو فعله منزلة فعله ولا كذلك الفضولي ، كيف ولو كان الوجه ذلك لكان الأحسن أن يستدلوا على الاكتفاء بقدرة الموكل في نحو ذلك بأنه العاقد ، لا بأنه المأمور بالوفاء هذا مع ان الظاهر من عباراتهم كون المعتبر في الصحة وجود القدرة في الواقع دون القدرة المعلومة ، خلافا لجدنا في (المصابيح) فاعتبر القدرة المعلومة في الصحة والظاهر أن العلم بها شرط للحكم بالصحة دون نفس الصحة وحينئذ فاما أن يعلم بها أو يعلم عدمها أولا يعلم. وعلى التقادير الثلاث ، فاما ان يصادف وجودها في الواقع أو يصادف عدمها.

فان علم بها وكانت موجودة في الواقع صح على التقديرين كما أنه يبطل كذلك لو كانت مفقودة لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه.

وان علم عدمها وكانت مفقودة في الواقع بطل أيضا لانتفاء الشرط على القولين وان صادف وجود المانع أيضا وهو اليأس الحاصل من العلم به على ما قويناه من احتمال مانعية العجز غير أن الحكم بالبطلان حينئذ مسبب عن عدم الشرط دون وجود المانع.

وان كانت موجودة في الواقع مع العلم بعدمها بطل عندنا لوجود المانع وهو اليأس ، لا لانتفاء الشرط وهو القدرة لانكشاف وجوده ، وعند جدنا ، لانتفاء الشرط ولو بانتفاء جزئه وهو وصف العلم.

وان كان لا يعلم وصادف عدمها في الواقع بطل على القولين لانتفاء الشرط ولو بانتفاء جزئه على التقديرين ، وان صادف وجودها بطل لانتفاء الشرط بناء على أنه القدرة المعلومة. وصح عندنا لوجود الشرط وهو القدرة في الواقع وعدم المانع وهو اليأس.

ثم ان المدار في وجود الشرط على وجوده عند استحقاق التسليم لكونه مقدمة له لتوقفه عليه لا حال العقد ، فلو تجددت القدرة بعد العقد قبل زمان التسليم صح العقد ما لم يعلم عدمه حال العقد ، وإلا بطل لوجود اليأس المانع عن الصحة حين الاقدام على العقد لدخوله معه في السفه الموجب لبطلانه ، بل هو المتيقن إرادته من الغرر المنهي عنه في النبوي المشهور بين الفريقين ، لا مطلق ما كان فيه خطر كما يظهر من تفسير بعض له بالخطر لانتقاضه بصحة جملة من الموارد الخطرية على ما صرح بها غير واحد من الأصحاب فالظاهر كون المراد من الغرر المنهي عنه الخطر المفضي إلى السفه أو التخاصم.

هذا وبعد الإحاطة بما ذكرنا في الجواب عن الدليل المذكور يتضح لك مواقع التأمل في كلام جدنا - قدس سره - (في المصابيح) عند ترجيحه لبطلان الفضولي ما لفظه : «تكميل القدرة على التسليم التي هي شرط في البيع هي القدرة المعلومة للمتبايعين حال العقد دون القدرة الواقعية لأن الغرر لا يندفع بمصادفة الواقع وانما يرتفع بالعلم ، فلو باع ما لا يعلم حصولها فيه بطل البيع وان قدر عليه بعده ولو باع ما يعتقد تمكنه منه صح وان تجدد العجز والمعتبر في العلم الوثوق بالتمكن فلا يشترط اليقين ولا يكفى فيه مطلق الظن ، ثم القدرة المعتبرة هي قدرة العاقد إذا كان مالكا ووليا أو وكيلا في البيع ولوازمه ، اما إذا كان وكيلا على خصوص العقد وإجراء الصيغة فالشرط قدرة الموكل لأنه المطالب بالتسليم دون الوكيل. وتظهر الفائدة فيما إذا قدر أحدهما على التسليم دون الأخر ، فإنه ان كان الموكل صح البيع ، والا بطل ، ولو كان أحد المتعاقدين وكيلا على البيع وما يتبعه من اللوازم وعلم الآخر بذلك ورضي بتسليم الموكل كفى في صحة البيع قدرة أحدهما إذا رضي الموكل برجوعه عليه فلو عجزا معا بطل البيع. وأما الفضولي

فهذا الشرط غير متحقق فيه. ومن ثم نرجح بطلانه ، وذلك لان اجازة المالك غير معلومة الحصول إذ قد لا تحصل القدرة على التسليم مطلقا وقد تحصل لكن بالقياس الى نفس العقد دون لوازمه ، فلا تحصل من العاقد ، وقدرة المالك انما تؤثر لو بنى عليها العقد وحصل التراضي بها حال البيع لما عرفت أن بيع المأذون لا يكفى فيه قدرة الآذن مطلقا ، بل مع الشرط المذكور وهو غير متحقق في الفضولي ، والبناء على القدرة الواقعية باطل إذ القدرة المشروطة هي القدرة المعلومة دون الواقعية - كما سبق بيانه - والقدرة الواقعية انما تتحقق حال الإجازة لا قبلها ، ضرورة أن الإجازة اللاحقة لا تؤثر القدرة السابقة ، والمعتبر من القدرة - على ما ستعرفه - ما كان حال البيع أو قريبا منه في البيع الحال وعند حلول الأجل وما يقرب منه في المؤجل ، ولا ريب أن ذلك غير حاصل في بيع الفضولي ، والتأجيل بالإجازة غير مأخوذة في العقد ولو اشترط لم يصح لجهالة الأجل والحاصل ان القدرة قبل الإجازة لم توجد وبعدها ان وجدت فلا تنفع» انتهى.

الثاني من الوجهين - : أن الفضولي غير قاصد حقيقة إلى مدلول اللفظ كالمكره كما صرح به في (المسالك).

وفيه - انه قاصد للإنشاء وان علم بعدم ترتب الأثر على إنشائه ما لم تلحقه الإجازة ، وهذا القدر من القصد كاف في الصحة التي هي بمعنى القابلية ، فهو كبيع المكره الذي لا إشكال في كونه قاصدا لمعنى الإنشاء حقيقة من الكلام الإنشائي ، غير أنه لم يكن مريدا لوقوع أثره في الخارج فاذا تعقبه الرضا الذي هو شرط الصحة بحكم قوله «تِجارَةً عَنْ تَراضٍ» وغيره ، صح على المشهور ، وليس إلا لتحقق الإنشاء المقصود أولا وتحقق الرضا المعتبر في الصحة بعده ، واعتبار المقارنة بينهما منفي بالأصل حسبما تكرر بيانه.

وبذلك يظهر ضعف ما ذكره الشهيدان وغيرهما : من أن المكره قاصد للفظ دون مدلوله.

اللّهم إلا أن يؤول كلامهم - ولو بالتكلف - الى ما ذكرناه ، كيف والهازل الذي هو دونه قاصد الى اللفظ ومدلوله لكن بإرادة صورية ، وبذلك امتاز الهازل عن الملقن كالصبي ونحوه القاصد الى اللفظ دون المعنى وامتاز الملقن عن الغالط الذي لا قصد له الى اللفظ أيضا ، فمراتب الكلام مع القصد وعدمه متعددة ، وهي مرتبة الغالط وهو الذي لا قصد له للفظ ولا للمعنى ومرتبة الملقن ونحوه وهو القاصد للفظ دون المعنى ، ومرتبة الهازل وهو القاصد للفظ والمعنى قصدا صوريا ولذا لو تعقب الرضا بعد الهزل لا يجدي في الصحة لعدم الإنشاء حين الهزل حقيقة ، والرضا ليس بإنشاء ، والأثر مترتب على الإنشاء ، ومرتبة المكره وهو القاصد الى اللفظ والمعنى الإنشائي قصدا حقيقيا إلا انه لم يكن ذلك منه عن طيب ورضاء ، فإذا رضي بالإنشاء المتقدم اجتمعت فيه شرائط الصحة ، ويشهد لما ذكرنا إخراجهم بيع المكره بقيد الاختيار في شرائط المتعاقدين دون القصد ، وبه أخرجوا الملقن والهازل والفضولي كالمكره في تحقق قصد الإنشاء منه حقيقة ، بل مع الرضا أيضا إلا أن المعتبر رضا المالك دون رضاه ولذا أخرجوه بقيد الملك في شرائط المتعاقدين ، فإذا أجاز المالك الإنشاء المقصود من الفضولي اجتمعت في عقده شرائط الصحة الفعلية.

فقد ظهر مما ذكرنا فساد ما استدلوا به على البطلان مطلقا ولم يبق إلا الأصل المخرج عنه بما ذكرنا من أدلة الصحة.

احتج من فصل بين سبق المنع وعدمه فحكم بالبطلان في الأول وبالصحة في الثاني بما يرجع محصله في الأول مرة - الى عدم الدليل على الصحة بعد أن كان مقتضى الأصل هو الفساد بناء على عدم الدليل المخرج

عنه الا حديث عروة البارقي المختص بغير المقام ، وأخرى - إلى وجود الدليل على البطلان ، وهو بقاء المنع الى ما بعد العقد ولو بآن ما ، فيكون ردا بعد العقد الموجب لسقوط الإجازة عن التأثير في نفوذه بالاتفاق.

والجواب : أما عن الأول ، فبقيام تلك الأدلة المتقدمة من العمومات والإطلاقات الشاملة له بإطلاقها بل بعموم ترك الاستفصال في بعضها ، مع ان جملة منها كالصريحة بعدم الرضا بذلك كرواية جحود الودعي وما تضمن صورة تعدى عامل مال المضاربة عما عينه وأمر به رب المال فتأمل ، الكافي بعضها للخروج به عن الأصل فضلا عن مجموعها.

وأما عن الثاني فبمنع كون الباقي بعد العقد هو المنع وانما هو مجرد عدم الرضا بعد أن كان الرد معناه حل العقد وإبطال ما حصل به من الربط فهو بمعنى الفسخ وهو ليس برد غير أنه جرى الاصطلاح في تسمية ما كان منه بعد العقد المؤثر للربط التام فسخا ، وتسمية ما كان منه بعد العقد المؤثر للربط في الجملة ردا فالرد كالفسخ محتاج في تحققه إلى إنشاء مفقود بالفرض بعد العقد ، فالباقي وهو الكراهة غير الرد ، والرد غير موجود بعد العقد حتى لا تؤثر الإجازة فيه لزوما.

واحتج المفصل بين ما لو قصد البيع لنفسه أو للمالك بوجود ما يمنع من الصحة في الأول من عدم القصد إلى المعاوضة حقيقة لأن المعاوضة التي هي بمعنى المبادلة بين المالين المستلزمة لدخول أحدهما في ملك مالك الآخر غير مقصودة للعاقد ، والمقصود له من وقوع البيع لنفسه غير معاوضة بين المالين بل هو من التسليط بإزاء التسليط وليس مطلق التسليط المقابل بمثله من المعاوضة حقيقة.

وفيه - ان قصد البيع متضمن لقصد نقل المال عن مالكه (1)

إذا تبين هذا ، فالفضولي إذا قصد ببيعه كونه للمالك فقد قصد حقيقة البيع والمبادلة فلو قبل المشتري بيعه وتعقب ذلك بإجازة المالك تتم المبادلة لمالك المثمن وتستند اليه ، وأما لو قصد البيع لنفسه بأن قصد بإنشائه خروج المثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك مالك الثمن وخروج الثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك نفسه لا في ملك المالك للمثمن ، فلم يكن قاصدا حقيقة المعاوضة بإنشائه ، فلو قبل المشترى ما أنشأه وتعقب ذلك اجازة المالك لتلك المبادلة ، فإن أجازها على ما قصده الفضولي لم تكن اجازة للبيع على حقيقته ، وان أجازها لنفسه لم يكن اجازة لما أنشأ الفضولي.

هذا حاصل ما ذكره المفصل من التفرقة بين صورة قصد الفضولي البيع لنفسه وبين قصده البيع للمالك وان البائع في الصورة الأولى لم يقصد البيع على حقيقته واجازة المالك لما قصده البائع الفضولي على ما قصده لم تكن اجازة للبيع على حقيقته ، وأجازته البيع لنفسه لم تتعلق ببيع الفضولي وانما هي اجازة مبادلة لم تقع من الفضولي. وهو تفصيل موجه. وما يقوله سيدنا ـ قده ـ في دفع احتجاجه وتفصيله : بأن قصد البيع متضمن لقصد نقل المال عن مالكه وهذا القدر كاف في تحقق ماهيته وتعيين المالك غير معتبر في تحقق حقيقة البيع ، لا يدفع غائلة إشكال المفصل ، إذ ليس الكلام في قصد نقل المال عن مالكه حتى يقال بان قصد البيع متضمن له ، وهو كاف في تحقق ماهيته ولا في اعتبار تعيين المالك حتى يقال بعدم اعتباره في تحقق حقيقة البيع وكل ذلك مسلم بلا كلام ، انما الكلام في أن البيع بناء على ان حقيقته تبديل طرف اضافة مالك المثمن بطرف إضافة مالك الثمن وجعل كل منهما مكان الآخر لا مطلق تبديل اضافة بإضافة أخرى ، وهو من الإنشائيات التي لا تتحقق الا بالقصد لا من الواقعيات التي يمكن تحققها بلا قصد إليها. وعليه فتحقق البيع انما يكون بقصد البائع نقل المثمن من ملك مالكه الى ملك مالك الثمن ونقل الثمن من ملك مالكه الى مالك المثمن بدلا عما دخل في ملكه من المثمن ، فمع تحقق هذا المعنى بإنشاء البائع الفضولي وقبول المشتري الأصيل لما أنشأ البائع يتحقق البيع على حقيقته ، فاذا تعقبه اجازة المالك للمبيع واستند البيع اليه بها ، تم البيع له بناء على صحة بيع الفضولي بإجازة المالك ، وأما لو قصد البائع الفضولي نقل المثمن من مالكه الى ملك المشترى ونقل الثمن من مالكه الى نفسه لا الى مالك المثمن وقبل المشترى ما أنشأه فلو أجاز المالك بيع الفضولي على ما قصده لم يكن إجازة للبيع على حقيقته ، وان اجازة لنفسه لم يكن اجازة لبيع الفضولي.

هذا محصل اشكال المفصل. وما ذكره سيدنا ـ قده ـ غير دافع له ، وعليه فينحصر دفع اشكال بيع الفضولي لنفسه بما ذكره شيخنا الأنصاري ـ قده ـ وحاصله : ان الفضولي القاصد نقل مال المالك لنفسه اما أن يكون معتقدا كون المال له اشتباها أو يعلم كونه للمالك ولكنه غاصب له ، وهذا على قسمين : فتارة ـ يكون من الظلمة والسراق وذوي النهب والغارات ممن يرى ادعاء أن المال له ولا يفرق بين مال نفسه وبين ما تحت يده من المال المغصوب ، وبناء على ذلك الادعاء يوقع التصرفات المتوقفة على الملك عليه كما يوقعها على ماله الحقيقي بلا فرق بينهما ، واخرى ـ لا يكون من أولئك بل يرى أن المال الذي تحت يديه لغيره وانه غير مستحق له ولا للتصرف فيه ولكنه مع ذلك يتصرف فيه بالبيع والشراء عدوانا وعصيانا.

هذه صور بيع الفضولي لنفسه. أما في الصورة الاولى ، بل وكذا الثانية ، فيمكن دفع إشكال المفصل بأن يقال : ان المعتقد اشتباها أن المال له يوقع المعاوضة عليه بما أنه ماله ففي مقام البيع بقصد المعاوضة على حقيقتها بإخراج المال عن ملكه بما هو مالك له الى ملك المشتري فيدخل الثمن في ملك مالك المثمن عوضا عما خرج من مالك المثمن الى مالك الثمن ، وكذا يقال في الغاصب الذي غصب الإضافة من مالكها بغصبه للمال وادعاء أنه له كسائر أمواله فيوقع المعاوضة عليه كما يوقعها على سائر أمواله المملوكة له فإنه لما بنى على كون مال المغصوب منه مالا له ادعاء وتجبرا فعند إيقاع المعاوضة عليه لنفسه يقصدها على حقيقتها فيخرج المثمن من مالكه الى مالك الثمن ويدخل بدله في ملك مالك المثمن بما انه مالك له ادعاء ، فهو ـ كما ذكرنا في سابقه لدى التحليل ـ قاصد لكون المعاوضة للمالك ، فالغاء جهة مالكيته المدعاة لكونها خلاف الواقع لا يمنع من صحة المعاوضة للمالك الحقيقي لو قبلها الأصيل وأجازها المالك له لا للغاصب. ثم ان البناء المذكور من هذا الغاصب وجعل نفسه مالكا ادعاء انما يكون عند غصبه واستيلائه على المال بلا حاجة الى الجعل عند المعاوضة والالتفات اليه ، فلا يقال : ان الغالب وقوع البيع من الغاصبين مجردا عن سبق التنزيل بالوجدان.

وبالجملة ففي الصورتين المزبورتين يمكن تصحيح المعاوضة للمالك بإجازته كما لو قصدها الفضولي ابتداء له وأما الصورة الثالثة وهي : قصد الغاصب إخراج المال من ملك المغصوب منه وإدخال ثمنه في ملك نفسه فلا يمكن تصحيحها بوجه. نعم بناء على القول بإمكان تحقق المعاوضة بخروج المعوض من ملك شخص ودخول العوض في ملك آخر ـ كما هو المحكى عن القطب والشهيد ـ قدس سرهما ـ في باب بيع الغاصب ـ يتجه ذلك ، لكنه خلاف ما بنينا عليه من مذهب المشهور.

وهذا

1) منشأ إشكال المفصل : هو ان حقيقة البيع تبديل طرف إضافة المالك للمثمن بطرف إضافة المالك للثمن ، وهو معنى المبادلة بين المالين المستلزم لدخول كل منهما في ملك مالك الآخر فقصد حقيقة البيع انما يتحقق بقصد البائع خروج المثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك مالك الثمن. وخروج الثمن من ملك مالكه ودخوله في ملك مالك المثمن ، فيكون كل من المثمن والثمن بدلا وعوضا عن الآخر.

القدر كاف في تحقق ماهيته وتعيين المالك غير معتبر في تحقق حقيقة البيع كما نص عليه غير واحد من الأصحاب ، فكما لا يجب تعيينه لا يضر الخطأ فيه.

وبالجملة لما كان قصد البيع مستلزما لقصد نقل المبيع عن مالكه تحققت المعاوضة حقيقة وان انضم اليه قصد وقوعه عن نفسه أو لنفسه - بعد ما عرفت من خروج قصد المنتقل عنه بل المنتقل إليه أيضا عن حقيقة البيع وماهيته.

هذا وما ذكرناه اولى مما أجاب عنه شيخنا المرتضى في (مكاسبه) بما لفظه : «ان قصد المعاوضة الحقيقية مبني على جعل الغاصب نفسه مالكا حقيقيا وان كان هذا الجعل لا حقيقة له ، لكن المعاوضة المبنية على هذا

الأمر غير الحقيقي حقيقة ، نظير المجاز إلا دعائي في الأصول ، نعم لو باع لنفسه من دون بناء على ملكية المثمن ولا اعتقاد له كانت المعاملة باطلة

غير واقعة له ولا للمالك لعدم تحقق معنى المعاوضة ، ولذا ذكروا : انه لو اشترى بماله لغيره شيئا بطل ولم يقع له ولا لغيره» انتهى (1)

إذا عرفت ذلك فإشكال بيع الغاصب لنفسه يكون من جهتين :

الاولى إن المعاملة الصادرة من الغاصب مخالفة لحقيقة البيع على ما ذكرنا من ان حقيقته تبديل طرف الإضافة من ناحية المال المملوك ، ومقتضاه دخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه وهو المالك له ومقصود الغاصب دخول الثمن في ملكه بإزاء خروج المثمن من مالكه ، فهو غير قاصد لحقيقة البيع الجهة الثانية المتفرعة على الجهة الاولى ـ أن الإجازة الصادرة من المالك للمعاوضة المقصودة للغاصب. ان كانت اجازة لما قصده الغاصب من دخول الثمن في ملكه بدلا عما خرج من ملك المغصوب منه الى مالك الثمن فهي ـ بالإضافة إلى انها ليست اجازة للبيع على حقيقته ، فكيف تكون مصححة لبيع الفضولي ـ تقتضي دخول الثمن في ملك الغاصب في قبال خروج المثمن من ملك المغصوب منه ، وهو خلاف ما هو المتسالم عليه بينهم من دخول الثمن في ملك المالك بإجازته البيع ، وان كانت الإجازة من المالك موجبة لنقل الثمن من المشتري إليه في قبال خروج المثمن من ملكه إلى المشتري ، فهذه الإجازة لم تكن اجازة لما وقع من الفضولي بل هي معاملة مستقلة بينه وبين المشترى ولا ربط لها بما وقع من الفضولي.

هذا ويمكن دفع الاشكال من جهتيه بأن يقال : الفضولي القاصد بيع مال الغير لنفسه : اما أن يكون معتقدا كونه له اشتباها ، وأما أن يكون غاصبا له أما في صورة جهله واشتباهه باعتقاده أن المال له فلا ريب في تحقق المعاوضة الحقيقية منه فإنه قاصد خروج المال من ملك مالكه الى ملك المشتري ودخول ثمنه في ملك مالك المثمن عوضا عنه غير أنه لما اعتقد خطأ كونه المالك للمثمن قصد المعاوضة لنفسه فهو لدى الحقيقة قاصدها لمالك المثمن ونظرا لاشتباهه وتطبيق المالك على نفسه قصدها لنفسه فيلغو اشتباهه وتصح للمالك الحقيقي بإجازته. وانما الإشكال في تحقق قصد المعاوضة الحقيقية من الغاصب فيمكن ان يقال : ان غالب الغصاب ـ لا سيما الظلمة والسراق وأهل النهب والغارات البناء والادعاء على ملكيتهم لما غصبوه ، ومرجع ذلك الى غصب الإضافة الكائنة بين المال والمالك ، وكأن الغاصب يقطع حبل الملكية بين المالك وملكه ويشده بنفسه ، وبعد هذا يرى نفسه ذا اضافة وجدة اعتبارية فيبيع ما يملكه بالادعاء كسائر أمواله التي هي تحت سلطانه وبهذا الاعتبار تصدر المعاوضة منه على حقيقتها فيوقعها على الملكين. للمالكين ثم ان البناء والادعاء المذكور من الغاصب ورؤية نفسه مالكا الذي هو لا يبتني على أساس صحيح لا يضر بالمعاوضة الواقعة منه ولا يوجب فسادها كسائر مواضع صحة العقد ، بل هو كسائر العقود الصادرة من الفضولي من ناحية الصحة التأهلية ، فهو اي الغاصب نظير من امتثل بصلاته الأمر الواقعي الصادر من الشارع المقدس المتصف بالاستحباب بانيا على وجوبه تشريعا ، فان الظاهر صحة فعله وامتثاله ولغوية بنائه ، وكذا هنا نقول بصحة بيعه ومبادلته ولغوية بنائه وادعائه من حيث أنه لا واقع له. ثم ان البناء المذكور وغصب الإضافة وقطع حبل الملك ووصله بنفسه الموجب لقصده المعاوضة الحقيقية بين المالين حاصل للغاصب المذكور من حين الغصب والاستيلاء على مال الغير عدوانا ولا يلزم أن يكون حاصلا حين إنشاء المبادلة حتى يقال ـ كما في كلام سيدنا ـ قده ـ : ان الغالب وقوع البيع من الغاصبين مجردا عن سبق التنزيل المذكور بالوجدان (انتهى) ، إذ الوجدان شاهد بان الغاصب المذكور والسارق والناهب مال غيره يوقع المعاملة على ما غصبه كما يوقعها على مال نفسه بلا تفاوت ، وما ذلك الا من حيث سبق ذلك التنزيل وغصب الإضافة المالكية وجعلها لنفسه وليس المدعى ان كل معاوضة تصدر من الغاصب فيما لو قصدها لنفسه قابلة للتصحيح بالإجازة ولو لم تكن مسبوقة بالادعاء والبناء المذكور. ويكفي القائل بالتصحيح الإيجاب الجزئي واختصاصه بالمعاوضات الصادرة من الظلمة والسراق وأهل النهب والغارات ومن كان من قبيلهم ولا مضايقة عن البطلان وعدم قابلية التصحيح بالإجازة في المعاملات الصادرة من غير هؤلاء من الغصاب ممن يقصد دخول الثمن في ملكه في قبال خروج المثمن من مالكه المغصوب منه المال. ثم ان الإجازة من المالك لبيع الغاصب فيما لو باع لنفسه إمضاء لنفس المبادلة بين المالين الواقعة منه دون ما قارن ذلك من البناء والادعاء غير المبنى على أساس شرعي فتكون على هذا كالإجازة الصادرة من المالك لبيع الفضولي المعتقد اشتباها كون المال له. وعلى هذا فالإجازة تقتضي دخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه وهو المالك دون ما قصده الفضولي اشتباها أو بناء وادعاء الملغى ذلك شرعا. فاتضح الأمر وارتفع الاشكال من ناحية الإجازة كما ارتفع من ناحية قصد المعاوضة الحقيقية.

هذا حكم من باع مال غيره لنفسه مع اجازة المالك البيع له وانه انما يصح فيما لو اعتقد البائع ان المال له اشتباها وفيما لو بنى على كونه له ادعاء دون ما إذا لم يسبق منه اعتقاد أو بناء وادعاء ، وأما من اشترى بماله لغيره شيئا ، فتارة يكون الداعي والباعث للمشتري في اشترائه المال ان يجعله للغير بعد الشراء بنقله إليه بمعاوضة أو هبة مجانية فهو باشترائه المال قاصد للمعاوضة الحقيقية إذ هو قاصد نقل الثمن منه الى ملك مالك المثمن عوضا عما يدخل في ملكه من مالك المثمن ، ولا إشكال في ذلك واخرى يقصد المشترى باشترائه خروج الثمن من ملكه الى ملك مالك المثمن عوضا عما يخرج من مالك المثمن الى ملك الغير ، فهو غير قاصد للمعاوضة على حقيقتها فإنه قصد خروج المثمن منه الى البائع ودخول المبيع في ملك الغير بدلا عن الثمن الذي خرج منه اليه ، ولا وجه لتصحيحه لا للغير ولا لنفس المشتري اما للغير فلانة خلاف مقتضى حقيقة المعاوضة ، وأما لنفس المشتري فلعدم قصده الشراء لنفسه ، بل قصد الغير به ، ومجرد كون الثمن الذي اشترى به الشي‌ء ملكا للمشتري لا يجعل الاشتراء له قهرا ـ كما يظهر من سيدنا ـ قده ـ فان العقود صحة وفسادا تتبع القصود ، وما ذكره ـ قده ـ من خروج قصد المنتقل عنه والمنتقل اليه عن حقيقة البيع : ان كان المراد به عدم اعتبار قصد البائع المنتقل عنه والمنتقل اليه وتعيينه في حقيقة البيع وأنه يكفي في ذلك قصد خروج المبيع من مالكه الواقعي إلى مالك الثمن وخروج الثمن من مالكه الواقعي إلى مالك المثمن وان لم يعلمهما البائع فعلا ـ كما لو كان وكيلا ـ ولم يعلم بنحو التعيين الموكل له ، فهو مما لا اشكال فيه. ولكنه بحسب الظاهر لا يريد ذلك ، بل مراده كفاية وقوع البيع أو الشراء لشخص وصحته له كون المثمن أو الثمن له واقعا وبلغو قصد البائع أو المشتري خلافه فمن قصد كون البيع أو الشراء لزيد مثلا مع كون المثمن أو الثمن لغيره يلغو قصد كونهما لزيد ، ويقع لمالك المثمن والثمن ، فهو ما ذكرناه من عدم إمكان الموافقة عليه ، ولم يتضح ما نسبه لشيخنا الأنصاري ـ قده ـ : من اختياره في مسألة تعاقب العقود صحة شراء شخص بماله شيئا لغيره ووقوعه لنفسه وان قصده للغير.

وعلى كل فالأقوى بطلان الشراء المذكور فيما لو قصد المشتري بالشراء خروج الثمن من ملكه الى مالك المثمن وخروج المثمن من مالكه البائع إلى الغير بناء على ما اخترناه من مذهب المشهور. نعم بناء على ما ذكره القطب والشهيد ـ قده ـ من إمكان تحقق المعاوضة بخروج المال من ملك شخص ودخول عوضه في ملك آخر ، فلصحته وجه. وحكم الأصحاب بالبطلان فيما لو دفع شخص مالا للغير ليشتري به لنفسه شيئا فاشتراه لنفسه وجهه كون الاشتراء المذكور خلاف مقتضى حقيقة المعاوضة واحتمال إرادتهم من البطلان عدم وقوعه للمشتري المأمور بالاشتراء دون الآمر ـ كما احتمله سيدنا ـ قده ـ خلاف الظاهر من حكمهم البطلان.

(فما قواه) سيدنا ـ قده ـ من الحكم بوقوعه للآمر بقوله : وأما وقوعه للأمر فهو محل الكلام بل الأقوى فيه ذلك بل لا حاجة فيه للإجازة لوقوع الاذن منه بل الأمر وان قصد به للغير للغوية القصد المزبور (غير) واضح فان ما وقع من المأمور مصداق خارجي من المبادلة قصد به المأمور اشتراء شي‌ء له بمال الآمر ومرجعه الى كون الثمن الخارج من ملك الآمر الى ملك البائع بدلا وعوضا عما يخرج من ملك البائع إلى ملك المأمور بالاشتراء وإذا كانت المبادلة الخارجية الصادرة من المشترى المأمور باطلة لكونها خلاف حقيقة المعاوضة إذ المعوض فيها لم يقصد دخوله في ملك من خرج العوض من ملكه وهو الآمر بل قصد دخوله في ملك المأمور عوضا عما خرج من ملك الآمر الى مالك المعوض فمع فرض بطلانها على ما قصده المتبايعان كيف يمكن أن تقع وتصح للأمر بإذنه أو إجازته في حين ان موقعها لم يقصدها له وانما قصدها لنفسه ، وهل هي إلا معاملة واحدة خارجية باطلة ، ولا وجه لمقايستها ببيع الغاصب أو المشتبه مال الغير لنفسه أو اشترائه به شيئا لنفسه حيث قلنا : ان تلك المبادلة وان لم تصح على ما قصدها موقعها الفضولي ولكنها قابله للتصحيح بالنسبة إلى المالك بإجازته لها ، وذلك للفرق بين المعاملة التي يوقعها الغاصب أو المشتبه وبين هذه المعاملة الصادرة من المأمور باشتراء شي‌ء لنفسه بمال الآمر أو اشترائه لنفسه بلا أمر من مالك الثمن ، وذلك لما ذكرنا سابقا ان الغاصب المتسلط على مال الغير بالنهب والغارة أو السارق له أو نحو ذلك ممن يرى ادعاء ان مال الغير له كسائر أمواله المملوكة له أو المشتبه المعتقد ان مال الغير له نظرا لسبق بنائهما على كون المال لهما وانهما المالكان له فعند إنشائهما المبادلة على ذلك المال يوقعان المعاوضة على حقيقها بعد التنزيل والادعاء أو الاعتقاد والاشتباه فيقصد ان خروج المال من ملكهما بما هما مالكان له الى ملك الطرف ودخول عوضه في ملكهما بدلا عما خرج من ملكهما الى ملكه ، فهي على هذا معاوضة حقيقية مرجعها وتحليلها مبادلة بين مالين لمالكيهما ولما كان بنائهما السابق على العقد لا واقع له ولا أساس له شرعا فيلغو ، ولا يقتضي إلغائه بطلان المبادلة المذكورة المبتنية على البناء المذكور ، وعدم قابليتها للتصحيح من مالك العين بإجازته لها ، فتصح له شأن غيرها من المعاوضات الفضولية.

وهذا بخلاف ما هو محل الكلام وهو اشتراء شخص شيئا لنفسه بمال الغير بأمر منه أو بلا أمر أو اشتراء شي‌ء لغيره بثمن مملوك للمشتري ، فإن المعاملة المذكورة في الصورتين المزبورتين على خلاف مقتضى المعاوضة الحقيقية حيث لم يقصد بها دخول المثمن في ملك من خرج الثمن من ملكه الى مالك المثمن ، فهي على ما قصدها المتعاملان باطلة لما ذكرناه من كونها خلاف حقيقة المعاوضة ولم تكن صالحة للتصحيح بالنسبة إلى المالك للثمن واقعا بإذنه أو إجازته ـ كما قلناه في بيع الغاصب والمشتبه ـ والحاصل ان الغاصب المتغلب والمشتبه انما يبيعان مال الغير لنفسهما بما هما مالكان له ادعاء أو اعتقادا فهما لدى الحقيقة يبيعان مال الغير لمالكه غاية الأمر هما مخطئان في تطبيق المالك على نفسهما فيلغو ما أخطئا فيه من التطبيق ويصح البيع للمالك الحقيقي بإجازته ، وهذا بخلاف من اشترى لنفسه بمال غيره شيئا فسواء كان الشراء بإذن من مالك الثمن أو بدون اذن منه انما يشتري المشتري ذلك الشي‌ء لنفسه بما هو هو لا بما هو مالك للثمن الذي اشترى به الشي‌ء حتى يكون الشراء لدى التحليل لمالك الثمن ، فيصح بإجازته أو يكتفي باذنه فيما لو كان الشراء باذنه ـ كما يقوله سيدنا ـ قده ـ وإذا لم يصح الشراء لمالك الثمن لكونه غير مقصود بالشراء ولا لنفس المشتري لعدم إمكان دخول المثمن في ملكه عند كون الثمن ملك غيره فلا محالة يقع باطلا غير صالح للتصحيح وكذا من اشترى لغيره شيئا بثمن مملوك له لا للغير فإنه يقع باطلا ولا قابلية لتصحيحه لا لمن قصد الشراء له لكونه غير مالك للثمن ولا لنفس المشتري لكونه غير مقصود بالشراء.

ومنشأ الأولوية غلبة وقوع البيع من الغاصبين مجردا عن سبق التنزيل المذكور بالوجدان ، اللّهم إلا ان يرجع كلامه - ولو بالتكلف - الى ما ذكرناه

1) قد اتضح مما ذكرناه - في التعليقة السابقة - الجواب عن إشكال بيع الغاصب ، لكن لا بأس بتكرار الكلام لما في ذلك من زيادة التوضيح فنقول : الإشكال في بيع الغاصب لنفسه مبني على أن حقيقة البيع تبديل طرف الإضافة ، أعنى المبيع بالثمن وسد فراغه به ، وليس هو تبديل مطلق إضافة بإضافة أخرى ، توضيح ذلك : إن الملكية التي هي جدة اعتبارية واضافة بين المالك والمملوك لها طرفان : أحدهما يرتبط بالمالك والآخر بالمملوك ، نظيرها خارجا حبل طرف منه بيد شخص والآخر مشدود برقبة حيوان مثلا ، فكما أن هذا الحبل الخارجي تارة يحل من الحيوان المعين ويشد بآخر ويبقى طرفه الذي بيد الشخص على حاله ، واخرى يبقى طرفه المشدود بالحيوان على حاله ويؤخذ الحبل من يد الشخص ويسلم الى آخر ، فكذلك الملكية الاعتبارية تارة يكون التبديل فيها بطرفها المتصل بالمملوك بحله وشده بآخر مع بقاء الربط بالنسبة إلى الطرف المتصل بالمالك وهو معنى البيع وحقيقته ومن هنا قالوا : البيع مبادلة مال بمال ، مما كان مفاده تبديل مملوك بآخر مع بقاء المالك على مالكيته ، وعليه فلا بد من أن يكون العوض في البيع وهو الثمن داخلا في ملك من خرج المعوض عن ملكه الى ملك من خرج الثمن من ملكه الى مالك المثمن بدلا عنه ، وتارة أخرى يكون التبدل في الإضافة بطرفها المتصل بالمالك بترك المال لآخر يقوم مقامه في تسلمه له وذلك هو الإرث. والثاني ـ وهو قيام شخص مقام آخر في تسلمه للمال ـ حكم من الشارع المقدس لا يناط باختيار ، والأول منهما جعل الشارع زمام التبديل واختياره بيد المالكين بحكم قاعدة تسلط الناس على أموالهم اللّهم إلا في موارد خاصة تسلب السلطنة من المالك وتجعل لآخر حسب ما هو مذكور في موارده.

ولذا صح - على الأقوى - فيما لو اشترى بماله لغيره شيئا وقوعه لنفسه وان قصده للغير كما اختاره هو - رحمه اللّه - في مسألة تعاقب العقود.

والعجب منه مع ذلك نسبة البطلان رأسا إلى فتوى الأصحاب هنا ، مع أنه

لم نعثر على ذلك في كلامهم ، بل الذي وجدناه حكمهم بالبطلان فيما لو دفع مالا للغير ليشتري به لنفسه. ولعل المراد بالبطلان عدم وقوعه للمشتري المأمور بالاشتراء. واما وقوعه للأمر فهو محل الكلام ، بل الأقوى فيه

ذلك بل لا حاجة إلى الإجازة بعد لوقوع الاذن منه بل الأمر وان قصد به للغير بعد ما عرفت من خروج قصد المنتقل عنه والمنتقل اليه عن حقيقة البيع.

وبالجملة لا فرق بين ما لو اشترى بماله لغيره أو اشترى لنفسه بمال غيره في دخول المثمن في ملك مالك الثمن ، غير أنه في الثاني يتوقف على الإجازة لكونه من الفضولي بخلاف الأول لوقوعه من المالك وان قصد به للغير للغوية القصد المزبور (1)

وبما ذكرنا ظهر الجواب عما لو قرر المنع بوجه آخر وهو أن الإجازة انما هي إمضاء لمضمون العقد ومضمونه غير متحقق بل غير مقصود ، فالمجاز غير واقع والواقع غير مجاز ، وذلك لان الإجازة وان تعلقت بما اشتمل


1) مقتضى ما سبق في التعليقة انه في الصورة الثانية وهي ما لو اشترى لنفسه بمال غيره يمكن تصحيح الشراء لمالك الثمن بإجازته وإلغاء قصد المشتري كون الشراء لنفسه وذلك فيما لو كان المشترى بانيا على كونه المالك للثمن تغلبا وعدوانا أو اشتباها واعتقادا بنحو ما ذكرناه سابقا : من أن اشترائه لدى التحليل يكون لمالك الثمن وقصد نفسه لكونه على غير أساس شرعي يكون لاغيا فمع اجازة مالك الثمن ذلك الشراء يقع له. وأما الصورة الأولى وهي ما لو اشترى المشتري بماله لغيره بان قصد بمعاملته خروج الثمن من ملكه الى مالك المثمن وخروج المثمن من مالكه الى الغير (فدخول) المثمن في ملك المشتري المالك للثمن قهرا وإلغاء قصده كون الشراء للغير (غير) واضح بل الظاهر بطلان المعاملة المذكورة أصلا.

عليه العقد غير أنها تؤثر فيما يمكن تأثيرها فيه من وقوع نقل الملك عن مالكه ، ولا تؤثر فيما لا يمكن ذلك فيه من وقوعه لنفسه لقاعدة دخول أحد العوضين في ملك مالك الآخر قهرا ، فالإجازة تؤثر في بعض مضمون متعلقها لا انها لا تتعلق إلا بذلك البعض كما توهم.

هذا ولو أجاز المالك بيع الفضولي لنفسه حسبما قصده ، ففي وقوعه له وجه احتمله شيخ مشايخنا في شرحه على (القواعد) ووجهه - كما عن بعض تلامذته - مبني إما على دخوله آنا ما في ملك الفضولي لاستلزام وقوعه له مع استحالة دخول أحد العوضين في ملك غير مالك الآخر لذلك نظير قوله : أعتق عبدك عنى ، أو على تنزيل الإجازة اللاحقة منزلة الإذن السابق مع إنكار لزوم دخول أحد العوضين في ملك مالك الآخر - كما عن بعض - وفي كلا الوجهين نظر لثبوت الملازمة عقلا بعد فرض المعاوضة بين المالين وعدم الدليل على وقوعه له حتى يلتزم بمحذور دخوله آنا ما في الملك كيف ، والدخول في الملك بدلالة الاقتضاء فرع ثبوت المقدمتين الممنوعة إحديهما في المقام ، ضرورة ان وقوع المقصود بالإجازة حسبما قصد أول الكلام بل محل منع.

ثم ان هيهنا اشكالا على القول بصحة الفضولي (1)

وبالجملة فمن البعيد التزام قائل بعدم جواز رجوع المشتري على الغاصب بالثمن مع وجوده عند رد المالك وعدم تنفيذه المعاملة إذ هو لا يرجع الى وجه وجيه ولا بد من تأويل كلام القائل به لو فرض وجوده نعم القول بعدم ضمان الغاصب بدل الثمن لو تلف عنده بلا تفريط وانه ليس للمشتري تغريمه كما نسب الى بعض موجه إذ هو من صغريات : ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده ، فإن المشتري مع علمه بكونه غاصبا وأنه غير مالك للمثمن حقيقة سلطه على الثمن تسليطا مجانيا لكونه عالما بان عوضه لا يخرج عن ملكه بل من المالك على تقدير الإجازة وتسليطه إياه وان كان معاوضيا كما ذكرنا ، ولكن لما لم يكن عوضه من الغاصب بل من المالك ، فهو بالنسبة إلى الغاصب تسليط مجاني والحاصل أنا وان قلنا ان تسليط مالك الثمن للغاصب على ماله تسليط معاوضي ومن هنا قلنا بجواز استرداده لو كان موجودا عند ردّ المالك المعاملة وعدم إمضائها ، ولكن حيث لم يضمن الغاصب الثمن لمالكه الا بان يدفع اليه عوضه المملوك له ادعاء وهو مال المغصوب منه حقيقة فهو لم يضمنه على ان يدفع اليه عوضه من ماله الحقيقي فهو بالنسبة إليه تسليط مجاني. وليس كسائر المعاوضات الفاسدة مما يكون تسليط المشتري للبائع على الثمن بإزاء عوضه المجعول له عند إنشاء المعاوضة من ملك البائع فهو ضامن للثمن لكون ذلك من صغريات أصل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

وهو ان بيع

1) لو باع الغاصب ما غصبه : فبناء على ما ذكرناه من الوجه في بيعه وقابليته للحوق الإجازة من المالك فلا اشكال مع اجازة المالك في انتقال الثمن اليه ولغوية قصد الفضولي كما ذكرنا : انما الكلام أورد البيع ولم يمضه ، فهل للمشتري استرجاع الثمن من الغاصب مع علمه بكونه غاصبا ربما يقال بعدم جواز الرجوع به عليه ولو كان موجودا عنده يتوهم أن المشتري ملكه إياه تمليكا مجانيا مع علمه بكونه غاصبا للمبيع ولكنه توهم فاسد إذ المشتري إنما ملك الثمن للغاصب بما هو مالك للمثمن ادعاء وسارق للإضافة وبان على انه مالك له فيكون تمليكه الثمن له عوضا عن ملكيته للمثمن ولم يكن تمليكه له بما انه زيد بن عمرو مثلا بل بما انه مالك للمثمن ، فتمليكه معاوضي ومن هنا لو أجاز المالك المعاوضة ينتقل الثمن اليه بإزاء ما يخرج من ملكه إلى المشتري من المثمن ، وكيف يمكن الجمع بين كون تمليك الثمن للمالك بعنوان المعاوضة على تقدير إجازتها وللغاصب مجانا مع فرض ردها. وهل هي إلا معاملة واحدة وإنشاء بسيط غير صالح لكونه معاوضيا على تقدير ومجانيا على تقدير آخر. ثم لو فرضنا صحة الدعوى المذكورة وان الثمن ملك للغاصب مجانا على تقدير الرد من المالك ، فلا يخرج عن كونه هبة مجانية يجوز للواهب الرجوع بها ما دامت العين باقية ولا يزيد حكمه على حكمها.

الغاصب مطلقا ولو لنفسه يعد من الفضولي عند الأكثر ، ومقتضاه على القول بالصحة وقوعه للمالك بالإجازة ومع الرد للمشتري استرداد ما دفعه ثمنا للبائع الغاصب لو رجع المالك عليه بسلعته مطلقا حتى مع علمه بالغصب وبقاء العين بيد الغاصب ، مع ان المنسوب الى ظاهر الأصحاب - بل الى نصهم كما في الإيضاح - عدم جواز الاسترداد في الصورة المزبورة.

لا يقال : ان الاشكال انما يرد على القول بأن الإجازة ناقلة ، وأما على الكشف فلا

لأن الإجازة على تقديره تكشف عن تقدم سبب تملك المجيز وهو العقد على التسليط الموجب لتملك البائع فيكون التسليط منه للبائع من التسليط على مال الغير ولا كذلك على القول بالنقل لسبق التسليط حينئذ على الإجازة التي هي سبب النقل أو جزء السبب فهو حينئذ من التسليط على مال نفسه.

لأنا نقول : ان المعاوضة ان لم تكن مقصودة فلا صحة حتى تؤثر الإجازة في عقدها لزوما فلا يجدي حينئذ في تملك المجيز سبق العقد على التسليط ، وان كانت مقصودة لم يكن التسليط للبائع مجانا ، بل تسليط بعوض ، ومقتضاه جواز الاسترداد على تقدير الرد حتى على القول بالنقل. ولعله

يأتي تمام الكلام فيه - إن شاء اللّه تعالى - في مسألة تعاقب الأيدي.

ثم ليعلم انه لا فرق في صدق الفضولي وصحته - على القول بها - بين كون المعقود عليه عينا خارجية للغير أو كليا في ذمة الغير - ثمنا كان أو مثمنا - غير أن تعيين الذمة وتشخيصها كما يكون بالإضافة كقوله : بعتك قفيزا من الحنطة في ذمة زيد بكذا أو بعتك كذا بدرهم في ذمة زيد كذلك يتعين مع عدمها لمن قصد العقد له لتوقف ذلك على كون الثمن أو المثمن في ذمته حتى يتحقق المعارضة له ، ومع اختلاف القصد والإضافة كما لو قصد البيع لنفسه بمال في ذمة الغير أو للغير بمال في ذمة نفسه وقع لمن أضيفت الذمة إليه دون من قصد البيع له تقديما للتعيين بالإضافة على التعيين بالقصد لكون المعاوضة بينهما من تعارض النص والظاهر لصراحة النسبة بالإضافة وظهورها بقصد الوقوع له الناشئ من استحالة دخول أحد العوضين في ملك غير مالك الآخر فيلغو هنا قصد المنتقل عنه والمنتقل اليه ، كما عرفت لغويته لو كان شخصيا مع قصد المعاوضة لغير مالكه ، حينئذ فإن أجاز صاحب الذمة وقع العقد له وان رد بطل رأسا مطلقا سواء كان تعيين الذمة بالإضافة أو بالقصد خلافا لبعض في الأخير (1)

والحاصل انهم فرقوا بين اسناد العقد الى الغير صريحا ، فيحكم بالصحة مع الإجازة ، وبالبطلان مع الرد ، وبين صرفه الى الغير بالنية ، فيحكم بصحته على كل تقدير عند عدم تصديق طرفه بنيته ، فيصح من الغير ، ويلزم بمضمونه مع أجازته للعقد ومن المباشر له مع رده للعقد ، ويكون لازما من ناحية المباشر واقعا حينئذ لا الحكم بنفوذه من المباشر ظاهرا لإطلاق الذمة الظاهر في ذمته مع عدم إضافتها إلى الغير ليخدش فيه بأنه مما لا يعلم الا من قبله فالقول قوله بيمينه ، ومقتضاه البطلان يرد من قصد له لا وقوعه للعاقد ـ الى آخر ما ذكره سيدنا الخال.

نعم يمكن ان يخدش في ذلك بأن نية الغير : ان كانت مؤثرة في صرف العقد اليه فلا وجه للفرق بينها وبين الإضافة إلى الغير صريحا ، وان لم تكن مؤثرة في ذلك فلا وجه لصلاحية اسناد العقد الى الغير المنوي لكون المفروض إلغائها وعدم تأثيرها في شي‌ء.

هذا ويمكن توجيه ما افادوه بما ذكرناه في بعض تعليقاتنا من ان البيع الذي هو تبديل طرف الإضافة بمثله من إضافة أخرى لآخر ، إذا أنشأ بالعقد الواقع من المتبايعين فالمنشأ به معنيان : أحدهما ـ بالمطابقة وهو تبديل المبيع بالثمن وثانيهما بالالتزام وهو التزام كل من المتبايعين لصاحبه بما أوجده من التبديل. ومن هنا سمي إنشاؤهما عقدا ، فإنه العهد المؤكد نظوا لالتزام كل منهما وتعهده لصاحبه بخروج ما يملكه من المثمن أو الثمن عن ملكه ودخوله في ملك الآخر بإزاء ما يخرج من ملك صاحبه اليه ، وبالعقد الواقع منهما يملك كل منهما التزام الآخر ويتسلط عليه بنحو لا يجوز لكل منهما رفع اليد عن التزامه الا برضا صاحبه ومنه تطلق الإقالة التي هي رفع كل منهما يده عما يملكه من التزام صاحبه فيرجع كل من التزامه وليست الإقالة بيعا كما ربما يتوهم وانما هي رفع الالتزام من كل من المتبايعين ومنه يظهر أيضا وجه الخيار المجعول شرعا أو من المتعاقدين لأحدهما أو لكل منهما فإنه ملك من له الخيار التزام نفسه والتزام الآخر فيما لو كان الخيار لأحدهما فيصح له الرجوع عما التزمه لصاحبه المعبر عنه بالفسخ وما لو كان الخيار لكل منهما فان كلا منهما يملك التزامه فله حله فتنفسخ المعاملة حينئذ ويرجع كل من العوضين الى ملك مالكه الأول. ثم ان المشتري للسلعة لو نوى حال الشراء كونه لثالث فمقتضى اسناد الالتزام الى نفسه وكونه طرفا للالتزام العقدي مع البائع كون الشراء له وذمته المشغولة بالثمن إذا كان كليا ولا اثر لصرفه الشراء الى الثالث بالنية ما لم يضفه اليه صريحا.

هذا ولكن يمكن ان يقال : ان الفقهاء في مقام تقسيم البيع بالنسبة الى رأس المال إلى مساومة ومرابحة ومواضعة ذكروا قسما رابعا سموه : بيع التولية ، وهو اشتراء شخص سلعة بثمن في ذمته ثم إعطاء ما اشتراه من البائع للغير برأس مال ما اشتراه به بان يقول له بعد علمه بالثمن وما يتبعه من الشرط : وليتك العقد ، فاذا قبل الغير لزمه مثله جنسا ووصفا وقدرا وما يتبعه من شرط فالمشتري للسلعة المالك لالتزام بائعها بالاشتراء منه ينقل ما ملكه بالعقد من الالتزام الى من ولاه العقد ، فيصير هذا الثالث مالكا لالتزام البائع والبائع مالكا لالتزامه كما لو كان هو بنفسه مشتريا من أول الأمر فتشتغل ذمته للبائع بالثمن ويضمنه له في طول ضمان المشتري للسلعة ، فلو رجع البائع عليه بالثمن لا يرجع على المشتري. ولو رجع البائع على المشترى بالثمن يرجع به على من ولاه العقد لان ذمته مخرج لذمته.

إذا تبين ذلك ، فقد يقال : ان مجرد نية الغير في اشتراء السلعة من بائعها وان لم تؤثر في صرف الالتزام الى الغير بل هو الملزم به لطرفه البائع لها ولكن قصد الغير باشترائه يصلح بان يكون بمنزلة إيجاب بيع التولية المفتقر الى قبول الغير فان تعقبه ما هو قبول له من اجازة ذلك الغير لذلك العقد حسب ما لواه انصرف العقد وصح إسناده إلى الغير فيلتزم بما يلتزم به القابل في بيع التولية. وبالجملة فالصادر عن المباشر بقصد الغير له نسبة فعلية الى المباشر وقابلية التحويل الى الغير بواسطة قصده المتوقف على قبوله بإجازته وان رد من قصدت المعاملة له وقعت لنفس المباشر واقعا فما ذكره البعض من الفرق بين اسناد المعاملة إلى الغير صريحا من الصحة مع الإجازة والبطلان مع الرد وبين ما إذا قصد كونها للغير من صحتها على كل تقدير فمع الإجازة تنفذ عن المجيز ومع الرد عن المباشر واقعا له وجه وجيه.

وهو مشكل إن

1) بيع الكلي في ذمة الغير فضولا أو الاشتراء له كذلك يكون : تارة بإسناد البيع أو الشراء اليه صريحا كقول الفضولي للأصيل : بعتك منا من الحنطة في ذمة زيد - مثلا - بكذا أو اشتريت منك منا بكذا درهم في ذمة زيد ، واخرى يكون صرف ذلك الى الغير بمجرد القصد والنية من دون ذكر لذلك باللفظ في متن العقد. أما في صورة الإضافة إلى الغير صريحا ، فلا إشكال في كونه من الفضولي فيصح مع اجازة من أضيف اليه ويبطل مع رده وأما في صورة مجرد القصد والنية ، فالمنقول عن جماعة من أصحابنا - قدس سرهم - ان العقد المذكور يصلح ان يكون للمنوي من حيث القصد والنية فيصير عقدا له ، ويلزم به بعد الإجازة منه ولو رده يقع عن المباشر واقعا ، ويلزم به ما لم يصدقه طرفه بنيته ، والا فيبطل ولا يلزم المباشر الالتزام به لا واقعا ولا ظاهرا.

أريد وقوعه له في الواقع. وان أريد به الحكم الظاهري لإطلاق الذمة مع عدم إضافتها للغير كان له وجه ، وان أمكن الخدشة فيه لأنه مما لا يعلم إلا من قبله فالقول قوله بيمينه ومقتضاه البطلان رأسا برد من قصد له لا وقوعه للعاقد ولا ظهور اللفظي فيه حتى يكون متبعا في إفادة مدلوله : بل هو من ظهور حال المعاملة ولا دليل على اعتباره والتعبد به فتأمل.

هذا وقد يختلج بالبال في المقام اشكال ، وهو ان تعيين الذمة في الثمن الكلي من مشخصات الثمن يختلف باختلافها ولذا يبطل لو باع بدرهم في ذمة ما أو في ذمة من يجيز وحينئذ فإن قصد البائع ذمة المشترى وقصد المشتري ذمة غيره اختلف الثمن باختلاف الذمة وهو يقتضي البطلان مطلقا وان أجاز من قصده المشتري ، وانه كما لو قصد البائع البيع بالثمن الشخصي وقصد المشترى وقوع غيره ثمنا مع أنهم بنوا - هنا وفي فروع المضاربة - على وقوعه للغير إن أجاز وإلا فللمشتري مع ان القاعدة تقتضي في ذلك بطلان العقد.

ولكن يدفعه : ان تعيين الذمة انما يعتبر لتحقق معنى الملك لا لتشخيص الثمن الذي هو الدرهم الكلي ، وليس معرفة من عليه الثمن إلا كمعرفة من له الثمن الذي قد عرفت خروجه عن حقيقة البيع لان صاحب الذمة هو

المالك للثمن في الحقيقة نعم لو كان الثمن الكلي دينا لم يلزم البائع القبول على من قصده المشتري لتفاوت الرغبات بين الذمم في الدين ، وهل يجبر البائع بالخيار دفعا للضرر ، أو يبطل العقد رأسا : وجهان. ولعل الأخير هو الأقوى لرجوعه الى اختلاف الثمن حينئذ ولو باختلاف وصفه فكما ان وصف النقد والنسية موجب لاختلاف الثمن وان كان كليا فكذا يختلف باختلاف من عليه الدين فافهم.

تذنيبان (1)

وأما بناء على إفادتها الملكية. فيقال ذكرنا سابقا ان البيع الذي هو تبديل طرف إضافة مالكية بطرف اضافة مثلها لآخر تارة ينشأ بلفظ دال على مفهومه ومعناه كبعت مثلا مما ورد فيه هيئة الماضي على مادة البيع ، واخرى ينشأ بفعل خارجي معنون بعنوان العطاء وبما ان قصد المعطى تمليك ما أعطاه للغير بعوض ما يأخذه منه يتعنون هذا الفعل الخارجي بعنوان البيع ، ويكون مصداقا له ويحتمل عليه البيع بالحمل الشائع الصناعي وتشمله أدلة صحته كآية : أحل اللّه البيع ، ونحوها أما في صورة إنشاء البيع بالقول فيمكن أن يلحظ المنشأ فيه باللحاظ المصدري يعنى المبادلة الخاصة من حيث صدورها من فاعلها بحيث تكون جهة الإصدار ملحوظة ويمكن لحاظها بما هي هي بلا جهة إسنادها إلى فاعلها وهي اللحاظ الاسم المصدري والمنشأ بالقول صالح لكلا اللحاظين. ثم ان المعاملة الكذائية لو أنشأها الفضولي فالجهة الصالحة لإسنادها إلى المالك بإجازته هي نفس المبادلة بين المالين من حيث هي هي وهي الجهة الثانية المعبر عنها بالمعنى الاسم المصدري. واما الجهة الأولى الملحوظ فيها حيثية الإصدار من الفضولي ، فهي قائمة به وواقعة منه والإصدار القائم بالفضولي والمضاف اليه لا يصلح إسناده وإضافته إلى غيره ولو كان ذلك الغير مالكا وأجاز. نعم الحيثية الثانية الاسم المصدرية وهي حيثية الوجود والصدور بما أنها مبادلة بين المالين للمالكين تصلح للإسناد إلى المالك بالإجازة وتضاف اليه بها. هذا فيما لو أنشأ البيع بالقول وأما إنشاءه بالمعاطاة فالفعل الخارجي أعني إعطاء المال المقرون بقصد تمليكه للغير بالعوض إذا كان من مالكه كما ذكرنا يتعنون بكونه بيعا ويكون مصداقا خارجيا للبيع ، ويشمله دليل حلية البيع واما العطاء من غير المالك فحيث لم يتحقق به إنشاء بمفهوم البيع ومعناه كالقول ليتصور فيه المعنى المصدري والاسم المصدري فإن إنشاء المعاني والمفاهيم انما يكون بالأقوال لا بالافعال بل لم يكن في المعاطاة إلا فعل خارجي مضاف الى فاعله وموجده وغير قابل لان ينتقل عن موجده الى غيره ، ويستند إليه بالإجازة منه وبالجملة فلا يتصور في المعاطاة موضوع قابل لتعلق اجازة المجيز واستناده اليه بها ، فالحكم بجريان الفضولية في المعاطاة في غاية الإشكال.

لا يقال : المعاملة المعاطاتية مما لا ريب في صحتها من الوكيل ويصح إضافتها واستنادها الى الموكل بوقوعها من الوكيل فالبيع المعاطاتي الصادر من الوكيل المفوض هو بيع للموكل بتوكيله ، فلم لا يكون البيع المعاطاتي الصادر من الفضولي بيعا للمالك بإجازته؟ وما الفرق بينهما؟

فإنه يقال : ليس حكم الإجازة حكم التوكيل ، ولا يقاس أحدهما بالآخر ، فان الموكل إذا وكل شخصا في بيع متاعه وفوض الى الوكيل اختيار المصداق فباعه فمن حين إيجاد البيع بالفعل الذي هو مصداق ـ له كما ذكرنا ـ استند البيع للموكل وصار بيع الوكيل بيعه ، وهذا بخلاف الفضولي إذا أنشأ البيع بالمعاطاة ، فإن الفعل الخارجي فعله وصادر عنه ومضاف اليه وليس له استناد الى المالك وليس له جهة اسم مصدرية يمكن باجازتها إسناده إلى المالك ، فهو فعل الفضولي وبيعه ولا أثر لإجازة المالك فيه. نعم لو قلنا بأن الإجازة من المالك هي السبب المؤثر في الملكية كما قلناه ـ بناء على إفادة المعاطاة إباحة التصرف فتكون الإجازة بيعا مستقلا لا ربط له بعمل الفضولي ، لكنه بعيد عن الصحة.

الأول انه هل يجري الفضولي في المعاطاة ، كما يجرى

1) قد يقال ان في جريان الفضولية في المعاطاة إشكالا بل منعا أما بناء على إفادتها للإباحة فلكون سهبها المؤثر التسليط المالكي لا تسليط الغير ، فاجازة المالك تسليط الغير هو تمام المؤثر في الإباحة وليس لتسليط الفضولي اى مدخلية في ذلك ، فإن الفضولية إنما هي في مورد يكون فعل الفضولي هو السبب المؤثر واجازة المالك من قبيل الشرط لفعلية الأثر ليتصور النزاع في كونها كاشفة أو ناقلة وأن الأثر المقصود بناء على كون المعاطاة مفيدة للإباحة إنما يترتب على اجازة المالك وهي السبب التام في إباحة التصرفات في العين للأصيل ، ولا يكون لإعطاء الفضولي أثر في ذلك أصلا. وعليه فجريان الفضولية في المعاطاة بناء على الإباحة لا معنى له.

في المعاطاة ، كما يجري في العقود القولية أم لا؟

وتنقيح المسألة موقوف على بسط الكلام فيها على جميع الأقوال في

المعاطاة وحينئذ ، فنقول : اما على القول بإفادتها الملك المتزلزل فالظاهر جريان الفضولي فيها بناء على عدم كونها معاملة مستقلة بل هي مندرجة في المعاملات الخاصة لشمول ما يقتضي صحته في العقد القولي من عمومات : «أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ» و «تِجارَةً عَنْ تَراضٍ» و «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بناء على أعمية العقود للعقد الفعلي ، بل وجملة الأخبار الخاصة المحمولة على ما هو الغالب من وقوع المعاملات بنحو المعاطاة ولا مانع منه إلا ما يتوهم من حرمة السبب ، وهو الإقباض لكونه تصرفا في مال الغير فلا يترتب عليه الأثر.

مع أنه أخص من المدعى لإمكان فرض تحققها بدون التصرف كما لو كان دينا في الذمة وفرض تحقق الرضا من المالك بناء على أن مجرد الرضا المقارن لا يخرجه عن كونه فضوليا - كما هو مذهب غير واحد من الأصحاب لا ملازمة بين الحرمة والفساد كما تقدم وحينئذ فالمقتضي للصحة موجود والمانع مفقود واما على القول بإفادتها الإباحة فالظاهر عدم جريانه فيها لقصور ما دل على صحتها المخالفة للقواعد من إجماع أو سيرة عن شمول الفضولي منها إذ القدر الثابت منهما إفادة المعاطاة الواقعة بقصد التمليك للإباحة المجردة إذا كان من غير الفضولي ومثله الكلام على القول بكونها معاملة مستقلة اللّهم إلا ان يستدل عليه هنا بما استدل به على صحة أصل الفضولي من السيرة مع غلبة المعاطاة في معاملاتهم.

الثاني في جريان الفضولي في غير المعاوضات من العقود كالوقوف

والصدقات وغيرها والعبادات المالية كالأخماس والزكوات والكفارات ، ففي (شرح القواعد لكاشف الغطاء قدس سره) ما لفظه : «وفي جري الفضولي فيما جرت فيه الوكالة من العبادات كالأخماس والزكوات وأداء النذر والصدقات ونحوها من مال من وجب عليه أو من ماله وفيما قام من الأفعال مقام العقود ونحوه ، وكذا الإيقاعات مما لم يقم الإجماع على المنع فيها وجهان : أقويهما الجواز ويقوى جريانه في الإجازة واجازة الإجازة ، انتهى.

قلت : وقد يشكل القول بصحة الفضولي فيما يعتبر في صحته القربة كالصدقات والوقوف بناء على اعتبارها فيها لأن المتقرب : ان كان هو العاقد فكيف يتقرب بالتصدق بمال الغير ، وان قصد بها تقرب المالك بجعل نفسه نائبا عنه في قصد القربة ، فهو مبني على قبول قصد القربة للنيابة وهو غير معلوم بل معلوم العدم وان قصد النيابة في الإنشاء المتقرب به لقبوله الوكالة بناء على ان ما يصح فيه الوكالة تصح فيه النيابة ففيه منع ثبوت الملازمة ، فإن النيابة منها ما تتوقف صحتها على الاستنابة ومنها ما لا يتوقف على سبق الاستنابة وما نحن فيه من القسم الأول ، فلا تصح فيه النيابة إلا بعد سبق الاستنابة المفقود في المقام

وإلا لخرج عن كونه فضوليا وان كان هو المالك عند الإجازة ، فمع ان اجازة الوقف غير الوقف المعتبر فيه القربة لا يجدي قصدها مع تجرد السبب أو شطر منه عنها لان معنى اعتبارها في صحة الوقف اعتبار كونها الداعي له ، فلا بد من اقترانه بأول العمل حتى يكون إيجاده منبعثا عنها فلا يجدي تحققها في أثناء العمل أو بعده بخلاف شرط الرضا فان الشرط تحققه ويكفي في الصحة تحققه متى وجد اللّهم إلا ان يدعى انه بالإجازة يصير كالوقف المستأنف كما استحسنه في الشرائع ضرورة ان معنى الوقف وحقيقته انما يتحقق بالإجازة فيكفي اقترانها بالقربة.

هذا وربما يتوهم ان اللازم حينئذ الاكتفاء بنية القربة عند القبض بناء على اعتباره في صحة الوقف لتحقق معناه حينئذ عنده مع معلومية عدم الاكتفاء بها حين القبض إذا تجردت الإجازة عنها. الا انه يدفعه ان القبض ليس مأخوذا في ماهية الوقف وحقيقة معناه وان اعتبر شرطا في صحته بمعنى ترتب الأثر عليه ضرورة ان معنى الوقف هو التمليك بنحو تحبيس العين وتسبيل المنفعة والقبض خارج عنه بالبداهة وان قلنا بتوقف تحقق أثره في الخارج على القبض.

توضيح ذلك : ان معنى الوقف له مراتب في الوجود لأنه : مرة يوجد بالوجود الذهني ، واخرى بالوجود الإنشائي الذي هو أخص من مجرد الوجود اللفظي ، وثالثة أو رابعة بالوجود الخارجي الذي به يتحقق مصداقه ونعني بالوجود الخارجي الوجود الاستقراري المتحقق به أثره ، وإلا فما عدا الذهني منه خارجي أيضا بالمعنى الأعم والموجود الإنشائي هو السبب للموجود الخارجي إذا وجد من مالك الإنشاء بمباشرته أو اذنه أو إجازته وهو الذي يعتبر وقوعه بقصد القربة لا الموجود بالمعنى الأخير والقبض معتبر فيه بالمعنى الأخير.

وبالجملة فما يوجب منع جري الفضولي في ذلك أو التوقف فيه هو اعتبار القربة في صحة الوقف لا ما قيل : من ان الفضولي على خلاف الضوابط فيقتصر فيه على خصوص ما ورد فيه دليله المفقود في الوقف لشمول عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» له ، وهو العمدة في ثبوت المقتضي للصحة فيه ، لا ما قيل : انه قسم من الصدقة التي ثبت بالنص جوازها من الفضولي في مثل مجهول المالك ونحوه لمنع كون التصدق بمجهول المالك من الفضولي بعد أمر الشارع وإعطائه له ولاية التصدق وانه في الحقيقة نوع إيصال للمال الى مالكه بعد تعذر إيصال العين اليه وان قلنا بالخيار للمالك لو ظهر بين القبول والرجوع على المتصدق ببدله دون المتصدق عليه مطلقا ولو مع بقاء العين عنده. ثم لا فرق بين الوقف بناء على اعتبار القربة فيه وغيره من الصدقات منعا وجوازا للفضولي فيه.

نعم يفرق بين الوقف بعد الإجازة والصدقة بعدها على القول بالبطلان أنه يبطل في الوقف رأسا ولا ينتقل المال عن ملك مالكه بخلاف الصدقة فإنها تبطل صدقة وتصح هبة لاشتراكهما في التمليك المجاني وتمتاز الصدقة بكون التمليك فيها بداعي القربة كما هو الشأن في كل مشترك بين أمرين يكون فصل أحدهما التجرد عن فصل الآخر.

ثم الظاهر ان الإجازة على القول بصحة الفضولي في المقام ناقلة وان قلنا بها كاشفة في البيع ونحوه.

وأما جري الفضولي في الخمس فتصويره فيه : مرة ممن وجب في ماله الخمس ، وأخرى من الأجنبي ، وعلى الثاني ، فمرة يدفعه من مال المالك وأخرى من مال نفسه عنه ، وعلى الأول فمرة يدفعه فضولا قبل العزل واخرى بعده.

وحينئذ فنقول أما الأول فتصويره فيما دفع المالك سهم الإمام إلى مستحقه

فضولا عن الإمام أو نائبه في زمن الغيبة ، وحكمه حكم الفضولي في الصدقات بناء على ان الدفع إليهم من الصدقة عن الامام (عليه السلام) فيجري الخلاف المتقدم هنا صحة وفسادا لأنه فرد منها ، وأما بناء على انهم المصرف لهذا المال فلا مانع عن صحة الفضولي هنا وان قلنا ببطلانه في الصدقات لخروجه عنها بالفرض. وحينئذ فإن أجاز الإمام عليه السلام أو نائبه صح وإلا رجع به الامام عليه لكونه مضمونا عليه بالإتلاف.

وأما الثاني وهو ما لو كان الفضولي أجنبيا : فإن كان المدفوع الى مستحقه من مال المالك وكان ذلك قبل العزل ، فيكون فضولا عن المالك من حيث دفعه عنه من ماله وعن الامام من حيث صرف نصيبه من غير اذنه ، وان كان في مصرفه. وحينئذ ان أجازا معا صح المدفوع خمسا وبري‌ء المالك منه ، وان رد المالك فقط لم يتحقق موضوع لإجازة الإمام عليه السلام لعدم تعيين المدفوع خمسا ، وان انعكس الأمر بأن أجاز المالك ورد الامام (عليه السلام) ففي تعيين المدفوع خمسا بالإجازة ، فيرجع الامام على الدافع أو المدفوع له دون المدفوع عنه وعدمه الموجب لبقاء المالك تحت العهدة وجهان مبنيان على شمول دليل التعيين للمالك الى هذا النحو من التعيين الحاصل بالإجازة بعد الدفع الموجب لعرضة المال للتلف بل هو في بعض الصور من تعيين التالف وعدمه ، وعليه فعلى المالك دفع سهم الامام له لبقائه في عهدته ويتخير المالك ، وان أجاز في الرجوع على الفضولي أو المدفوع له لكون الخمس عنوانا للمدفوع لا داعيا للدفع فالحيثية تقييدية لا تعليلية كما لو دفع مالا للغير بعنوان الوفاء له عن دينه فانكشف عدم الدين فلا يتوهم في المقام انه يبطل خمسا ويصح هبة كما في الصدقة ، مع احتمال عدم رجوعه على الدافع بناء على سقوط الضمان عنه بالإجازة ، كما لا يدخل بالإذن في ضمانه ، وان كان بعد العزل فلا رجوع للإمام على

المالك لتعيين المعزول خمسا ويده عليه أمانة ، بل يتخير الامام بين الرجوع على الدافع الفضولي أو المدفوع له ، فان رجع عليه رجع هو على الدافع للغرر ، على الأقوى ، كما انه لو رجع على الدافع لم يرجع الدافع على المدفوع له مع تلف العين لكونه غارا على القواعد في مسألة تعاقب الأيدي ، وان كان الفضولي أجنبيا ودفع من مال نفسه خمسا عن المالك لم تبرأ ذمة المالك وان دفعه الى الحاكم لان ذلك من العبادات المالية التي لا يتحقق امتثالها بدفع المتبرع إلا أن يكون بالوكالة عنه ، وقياسه بالدين الذي وفاؤه من التوصليات قياس مع الفارق.

نعم ربما يظهر (من المسالك) في زكاة الفطرة في تبرع الموسر عن الضيف الصحة مع توقفه على اذنه الظاهر في إرادة الإجازة منه حيث قال : «ولو تبرع الموسر بإخراجها عنه ، ففي الإجزاء قولان وجزم الشهيد بعدمه ، وهو حسن مع عدم اذن الضيف ، وإلا فالإجزاء أحسن» انتهى ، مع قوة احتمال إرادة الإذن السابق على الدفع بحمل بالاذن عند ارادة التبرع كقوله تعالى «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ» من (إذا قرأت القرآن) مؤيدا بظهور لفظ الاذن فيه ، وإلا فالإذن اللاحق يعتبر عنه في كلامهم بالإجازة.

هذا كله في الخمس ويجرى مثله الكلام في الزكاة والكفارات.

وأما جريانه في الوصية ففي (الدروس) ما لفظه : «ولا تصح الوصية بملك الغير ولو أجاز الغير احتمل النفوذ». انتهى وفي (جامع المقاصد) في شرح قول مصنفه : ولو أوصى بالمشترك صح في نصيبه لاختصاصه به قال : «لا فرق في ذلك بين أن يوصي بجميع المشترك أو بقدر نصيبه في انه إنما يصح في نصيبه لاختصاصه به بخلاف البيع ، فإنه لو باع الجميع وقف في ملك الغير على الإجازة ،

ولو باع قدر نصيبه ففي انصرافه الى ما يملكه وجهان : أصحهما انصرافه اليه ، وقد سبق ، والفرق تأثير الإجازة في بيع الفضولي دون الوصية إلا على احتمال الدروس» انتهى. وعن (التذكرة) احتمال صحة الوصية بملك الغير إذا قيده بتملكه.

قلت : الوصية عقد جائز ، والأقوى جريان ، الفضولي في العقود الجائزة التمليكية التي منها الوصية ، فضلا عن العقود الإذنية التي يكفي إباحتها متى تحقق الاذن لعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بناء على ارادة الوفاء بمقتضى العقد ، ان لازما فلازما وان جائزا فجائزا ، مضافا الى اقتضاء الصحة بلحوق الإجازة في كل ما تصح فيه الوكالة لعدم اعتبار المباشرة للعقد بالفرض مع أصالة عدم وجوب اقترانه برضاء المالك فتأمل (1)فما احتمله في (الدروس) من صحة الفضولي في الوصية هو الأظهر لما ذكرنا لا لما قبل من قيام الدليل على صحته في الوصية بما زاد على الثلث موقوفا على اجازة الوارث ، لان ذلك في الحقيقة ليس من الفضولي الا على تقدير انتقال الموصى به الى الوارث والنقل منه بالإجازة الى الموصى له وليس كذلك بل يتلقى الموصى له المال من الموصي دون الوارث ، بل هي منه إنشاء تمليك لملكه وان توقف التملك على الموت فلا تعليق في الإنشاء بل هو منجز والتعليق في الأثر وان الإجازة من الوارث تنفيذ للتمليك بالوصية لا تمليك منه بالإجازة ولذا نفذت الوصية بإجازته في حياة الموصي على الأشهر الأظهر وليس كما توهم من إسقاط ما لم يجب حتى يشكل لزومه ، بل مرجعه في الحقيقة إلى رضاء الوارث بعدم الإرث من المال المخصوص الموصى به ، وتأثير ذلك بالرضا المذكور ثابت بدليله المخصص لعموم الإرث في التركة ، وتنقيح


1) ستعرف وجه التأمل فيما بعد. (منه قدس سره)

ذلك موكول الى محله وليس ذلك من الفضولي بشي‌ء وان وقع التعبير في كلامهم بالتوقف على الإجازة.

وبما ذكرنا من صحة الفضولي حيث ما تصح الوكالة مع الأصل المتقدم يتضح وجه جري الفضولي في الإيقاعات إلا ما قام الدليل على عدمه فيه ان لم يقم إجماع على المنع عنه مطلقا اللّهم إلا أن تمنع الكلية المتقدمة وهي صحة الفضولي حيث ما تصح الوكالة ، فلا يستكشف بصحة الوكالة صحة الفضولي ، بل غايته بثبوت الوكالة يثبت الاكتفاء بالمباشرة الحكمية عن المباشرة الحقيقية بعد تنزيل الوكيل منزلة الموكل ، فلا يقاس عليه ما لا مباشرة فيه أصلا لا حقيقة ولا حكما كالفضولي.

وأما إجازة الإجازة فالظاهر الاكتفاء بها في الصحة لشمول ما دل على اللزوم بالإجازة لها لأنها اجازة في الحقيقة ولو بالواسطة ، وعلى الكشف يترتب الأثر من حين العقد لا من حين الإجازة الأولى ، كما انه على النقل يترتب من حين الثانية.

وأما الفسخ والاسقاط والإبراء فقد يقال بنفوذ الإجازة فيها مع كونها من الإيقاعات وان قلنا ببطلان الفضولي فيها مطلقا بناء على أن إجازة الفسخ واجازة الإسقاط أو الإبراء إسقاط وإبراء لعدم اعتبار ألفاظ مخصوصة فيها. وتظهر الثمرة بين كونها فسخا أو اجازة للفسخ في النماء الحاصل بينهما على القول بكاشفية الإجازة ، فإنها من حين الفسخ على الإجازة ومن حين الإجازة على الفسخ فافهم.

بقي الكلام في مسألة الإجازة والرد.

والأول منهما يقع تارة في موضوع الإجازة ، واخرى في حكمها وما يشترط في تأثيرها ، فنقول :

أما موضوعها فالظاهر ان الإجازة هي القول الدال على الرضا بالعقد أو ما بحكمه من الأفعال الدالة عليه بحيث يصح بذلك استناد العقد اليه ،

فيدخل في عمومات الأمر بالوفاء ، والتجارة عن تراض ، وأحل اللّه البيع وتشمله الإطلاقات الواردة في المعاملات الخاصة ، فلا يكفى مجرد الرضا غير المنكشف بقول أو فعل في تحققها بعد أن كان اعتبارهما من باب السببية لا من باب الكشف عن السبب - كما ذهب اليه بعض مستدلا عليه - أولا بما يظهر من تعليلهم لعدم تحقق اجازة المالك بسكوته مع علمه بوقوع العقد بأن السكوت لا يدل على الرضا لأنه أعم منه الظاهر في أنه لو كان دالا عليه لكان كافيا في تحقق الإجازة ، ولو لا كفاية الرضا في تحققها لكان التعليل بعدم الكاشف الوجودي أولى من التعليل بعدم دلالة السكوت على الرضا ضرورة انه حينئذ لو كان دالا عليه لم يكن مجديا أيضا.

وثانيا بما هو العمدة عندهم : من أدلة الفضولي ، وحديث (عروة) المتقدم المتضمن لتصرفه في تسليم المبيع فضولا مع تقرير النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) له عليه مع اتفاقهم على عدم جواز التصرف في الفضولي ، ولا يتم ذلك إلا بالإجازة المتحققة برضاء النبي المحرز بشاهد الحال ، وثالثا بما دل على كفاية سكوت البكر في تزويجها وأنه إقرارها ، وليس الا للاكتفاء به كشفا عن رضائها توسعة للحياء.

ورابعا بما ورد من المعتبرة المستفيضة المتضمنة لصحة نكاح العبد المتزوج بغير اذن سيده ان سكت مع العلم به ، وكذا لو قال لعبده : طلق فإنه إجازة منه لنكاحه.

وخامسا بما حكى عن جماعة من أنه إذا أنكر الموكل الأذن فيما أوقعه الوكيل من المعاملة فحلف انفسخت لان الحلف يدل على كراهتها.

وسادسا بما عن صريح غير واحد : من أنه لو رضي المكره بما فعله صح.

وسابعا بما يظهر من استدلالهم على كون الإجازة كاشفة بأن العقد

مستجمع للشرائط عدا رضي المالك فاذا حصل عمل السبب التام عمله.

هذا هو عمدة ما استدلوا به على تحقق الإجازة بمجرد الرضا.

وفي الكل نظر : أما التعليل بعدم دلالة السكوت على الرضا فلعله من التعليل بالقدر المتيقن على عدم تحقق الإجازة لأنها اما مجرد الرضا أو الرضا المنكشف بكاشف وجودي فعدم الرضا مستلزم لعدم الإجازة على كل من القولين وليس كذلك لو علل بعدم الكاشف الوجودي لإمكان المناقشة فيه بعدم اعتباره في تحققها.

وأما تصرف عروة بتسليم الشاة فيكفي في جوازه إحراز الطيب من النبي ولو بشاهد الحال كسائر التصرفات في أموال الغير ولا يكفي ذلك في تحقق ماهية الإجازة.

وبعبارة أخرى : الرضا بالتصرف يستلزم الحلية لا تنفيذ المعاملة وإمضائها الذي هو معنى الإجازة وكلامهم بعدم جواز التصرف قبل الإجازة مسوق لبيان التوقف على الرضا المحرز بالإجازة لا التوقف على الإجازة حتى لو أحرز الرضا بدونها.

وأما سكوت البكر فالذي يكشف منه عن الرضا انما هو السكوت عن الرد والنهر للخاطب لا السكوت عن النطق بالقبول أو اجازة العقد أو التوكيل عليه فإنه أعم من الرضا كغيره من عقود المعاملات. نعم الحياء يمنع عن النطق بذلك لا ان السكوت عنه دال على الرضا به.

وبالجملة : السكوت عن الرد الذي هو مقتضى الحياء الموجب له لولا مانع الرضا هو الكاشف عن الرضا دون السكوت عن إظهار القبول ، نعم الرضا مقتض لإظهار القبول لولا مانع الحياء فالسكوت الكاشف عن الرضا بالكف عن الرد أمر وجودي منزل منزلة القول في الكشف عنه.

وان أبيت عن ذلك ، فنقول : السكوت عن إظهار القبول في مورد

يقتضي الرد عنه متضمن لفعل وجودي يكشف عن الرضا فهو نظير قولهم : السكوت في مورد البيان وعدم الردع في مورد يقتضيه لو كان محله تقرير.

لا يقال : انه يلزم ذلك الاكتفاء بسكوت غير البكر أيضا إذا أحرز الحياء منها كالبكر وهو ينافي الاقتصار منهم على البكر في كفاية السكوت لأنا نقول : كشف المورد عن الكف انما هو ظني اكتفى به دليله الخاص في البكر وان كان لحكمة الحياء فيها نوعا فلا يقاس غيرها بها وان ساواها في الحكمة فالكف وان كان كافيا في الكشف عن الرضا مطلقا لكونه فعلا وجوديا إلا أن ثبوته بالكاشف الظني وهو المورد مخصوص بالبكر لدليله الخاص بها.

وأما سكوت المولى مع العلم بتزويج عبده فمع إمكان ان يقال فيه ما قلنا في سكوت البكر ، يمكن ان يقال أيضا ان المستفاد من الرواية هو مانعية معصية السيد المنبعثة عن مزاحمة حقوقه لنفوذ العقد وهي ترتفع بمجرد الرضا لانتفاء المعصية بانتفاء المزاحمة معه ، كيف والعبد يملك إنشاءه وينفذ لو عقد للغير على الأظهر من غير توقف على اجازة سيده وان استحق الأجرة على من عقد له على رأي ضعيف لعدم معلومية مملوكية العبد بهذا القدر مما لا يزاحم حقوق مولاه كما تقدم.

وبعبارة أخرى : يكفي في رفع معصية السيد طيب نفسه المحرز بسكوته وليس ذلك من الإجازة بشي‌ء وان عبر بها.

وأما قول السيد لعبده : طلق ، فمع كونه يأتي فيه ما تقدم من سكوته يمكن دعوى دلالة الأمر به على الرضا بعقده بدلالة الاقتضاء لتوقف الطلاق على سبق النكاح فيكون الرضا حينئذ مدلولا عليه بالقول ، إذ لا يعتبر في الكشف به لفظ خاص ولا دلالة مخصوصة ، بل لعل الكتابة كافية في ذلك

أيضا كما يشعر به قوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في حديث عروة : «بارك اللّه في صفقة يمينك».

وأما إيجاب الكراهة المدلول عليها بظهور الحلف فيها للرد الموجب للفسخ ، فمع أنه ممنوع في نفسه ولعله ذهب اليه من يرى كفاية مجرد الرضا في تحقق الإجازة ، يمكن ان يجرى فيه ما تقدم في أمر السيد لعبده بالطلاق فتأمل (1)وأما قولهم بصحة بيع المكره بلحوق الرضا ، فلو سلم ، يدفعه أن الطيب والرضا شرط مستقل معتبر في نفوذ العقد ولو مع وقوعه من المالك وهو منتف في بيع المكره فاذا حصل تم السبب وأثر أثره ، وأين ذلك من الإجازة المصححة لعقد غير المالك المنتفى فيه شرط الملك حتى يستدل به عليه ولذا عدوا من الشرائط الاختيار والملك ، فاحترزوا بالأول عن بيع المكره وبالثاني عن بيع الفضولي. وبالجملة ، لا مانع من نفوذ بيع المكره إلا عدم الرضا المرتفع بحصوله والمانع في الفضولي غير ما هو مانع في المكره.

وأما استدلالهم بما تقدم في كون الإجازة كاشفة ، ففيه أن كلامهم مسوق لبيان شرطية حصول الرضا وتمامية العقد به ، وأما كيفية الحصول فهي قضية مهملة غير سوق لبيانها وهو واضح.

وأما شروط تأثير الإجازة فهي (2)

وبالجملة فالحكم ببقاء محل وموقع لإجازة عقد الفضولي واستناده اليه بها ليضاف العقد اليه ويكون عقدا له ليلزمه الوفاء به بعد رده في غاية الإشكال لا يقال : طاهر صحيحة محمد بن قيس الواردة في بيع الوليدة تأثير الإجازة بعد الرد.

لأنا نقول : الرد كالفسخ من ذي الخيار لا بد من إنشائه بقول يدل عليه أو فعل يكون مصداقا له ومجرد أخذ المالك الجارية الوليدة بعد مخاصمته للمشتري لا يكون ردا فعليا لإمكان كون ذلك لأجل أخذ الثمن لا لرده البيع. وبالجملة فلم يظهر من الصحيحة قابلية العقد للحوق الإجازة بعد تحقق الرد من المالك له.

أمور :

1) وجه التأمل إمكان دعوى الفرق بان الحلف غايته الاشعار بالكراهة دون الدلالة عليها.

2) وبتعبير أوضح لا ينبغي الريب في انه حصل بفعل الفضولي وإنشائه اضافة شأنية لطرفه بالنسبة الى مال المالك ، وهذه الإضافة - وان كانت تأهلية صرفة - لم تبلغ مرتبة الفعلية ، ولكن لها نحو من الوجود والثبوت بالنسبة الى العدم المحض ، فهي قابلة لصيرورتها إضافة فعلية بإجازة المالك لعقد الفضولي. ولكن الكلام في أن غاية ما يقتضيه دليل سلطنة الناس على أموالهم بالنسبة إلى فعل الفضولي سلطنة المالك على إقراره وتثبيته ، فهو مخير بين الإجازة وعدمها ولا سلطان له على الرد وإبطال فعل الفضولي وإنشائه فلا اثر لرده وله الإجازة بعده ، فتلك الإضافة التأهلية لطرف الفضولي بالنسبة الى مال المالك بعد الرد باقية لها شأنية البلوغ إلى مرتبة الفعل بإجازته العقد بعد الرد ، وهو المختار لبعض الأصحاب ، فإنهم حكموا بعدم بطلان عقد الفضولي بالرد من المالك وقابليته للحوق الإجازة منه. ومقتضى ما ذكروه أن المالك غاية ما تقتضيه سلطنته على ماله تثبيت تلك الإضافة الشأنية للطرف وإيصالها إلى مرتبة الفعلية ، وليس له إعدامها وإذهابها عن صفحة الوجود هذا ولكن يمكن ان يقال : ان ذلك قصر لسلطنة المالك ونقص لها ، بل الذي ينبغي اختياره ـ ولعله المشهور بين القائلين بصحة الفضولي ـ أن دليل سلطنة المالك على ماله مقتضاه تسلطه على إمضاء عقد الفضولي وإبلاغ تلك الإضافة الشأنية الحاصلة للطرف به مرتبة الفعلية بإجازته العقد وعلى رده وإبطال ما حصل به من أهلية الإضافة وإعدامها برده العقد ، فلم يبق بعده شي‌ء قابل للإجازة. وربما يتأمل في كون فعل الفضولي منشأ لحصول اضافة لطرفه بالنسبة الى مال المالك بدعوى أن الإجازة منه مما لا إشكال في دخلها في تحقق الملك إذ العقد الصادر من الفضولي يتوقف تأثيره على استناده الى المالك ، وهو انما يحصل بالإجازة فقبلها لم توجد اضافة للطرف بالنسبة الى مال المالك ، لكي يكون سلب قدرته عن رفعها منافيا لتمام سلطنته. والدعوى المذكورة ـ وان كان لها وجه معقول دقة ـ فإن حصول الإضافة ينافيه دخل الإجازة في حصول الملك ـ ولكن يمكن القول بان العرف يرى وجود إضافة شأنية تأهلية لطرف الفضولي بالنسبة إلى المال في قبال العدم المحض غاية الأمر فعليتها تتوقف على حصول الإجازة. وعليه فهذا الوجود العرفي صالح للرد من المالك كما هو صالح للإجازة ونفي سلطنته عن رده وإعدامه قصر لها مناف لعموم دليل السلطنة.

الأول : ان لا يسبقها رد فلو تخلل الرد بينها وبين العقد بطل تأثيرها لأن الرد إبطال لما أحدثه الفضولي من ربط البدلية بين العينين ولو ناقصا ، فهو بمعنى الفسخ الذي لا شك في عدم تأثير العقد بعده غير أن الربط الحاصل في المردود ضعيف وفي المنفسخ شديد فليكن تأثير الرد في الإبطال أولى من الفسخ فيه. مضافا الى دعوى الإجماع الصريح. والظاهر

من بعض معتضدا بدعوى الاتفاق من جماعة وان كان ظاهر خبر الوليدة المتقدم يعطى عدم اعتبار هذا الشرط وتأثير الإجازة المسبوقة بالرد بناء على ظهور المخاصمة فيه وإطلاق حكم على (عليه السلام) بأخذ الوليدة مع لزوم تقييده باختيار الرد لو لا ظهوره فيه واسترداد الجارية ومناشدة المشتري للإمام (عليه السلام) برد ولده - حسبما تقدم ذلك كله - إلا انه يجب بمعونة ما تقدم من الإجماع والقاعدة صرفه الى ما لا ينافي اعتبار هذا الشرط بالحمل على التردد دون

الرد مع الجواب عما يستظهر منه الثاني بالوجوه المتقدمة. نعم لو كان الوجه في اعتباره ليس إلا عدم استناد العقد الى المالك برده وان أجاز بعده أمكن دفعه بمنع ذلك وصحة الاستناد إليه بالإجازة عند تحققها وعدم الاستناد حين الرد قبل لحوق الإجازة منشأه عدم الإجازة لا وجود الرد. و (دعوى) إخراج المورد بالرد عن قابلية الاستناد ولو بلحوق الإجازة (عين) المصادرة ، إلا انك قد عرفت أن الموجب لاعتبار هذا الشرط إبطال العقد بالرد وزوال الربط به فلا يبقى بعده ما تلحقه الإجازة.

الثاني - يشترط في تأثير الإجازة كون المجيز مالكا حين الإجازة فلو عقد فضولا على مال ثم انتقل المال الى الوارث قبل الإجازة من المورث ملك الإجازة بناء على جواز مغايرة المجيز والمالك حال العقد كما سيجي‌ء في مسألة : من باع ثم ملك ، لأنها من آثار ملك المال ، وليست بنفسها موروثة لأنها من الأحكام لا من الحقوق ، ومع تعدد الوارث لكل واحد منهم الإجازة في ما يملكه من التركة دون غيره منها ومع التبعض للأصيل خيار تبعض الصفقة ولا كذلك لو كانت الإجازة بنفسها موروثة بناء على انها من الحقوق فإنه حينئذ لكل واحد منهم اجازة ما وقع عليه العقد جملة ومن كان له الإجازة كان له الرد ، وحينئذ ، فلو اتفقا على أحدهما أو اختلفا وكان على التعاقب كان الحكم واضحا ، وان اختلفا واتحد زمانهما ففي سقوط كل منهما بتصادم الآخر ، فيلغو عن السببية ويرجع الى ما يلحق بعدهما من الرد أو الإجازة أو سقوط إجازة الثاني عن التأثير لصدق تخلل الرد بينها وبين العقد أيضا ، فيشمله إطلاق ما دل على بطلان الإجازة المسبوقة بالرد من معقد الإجماع مع احتمال دعوى عدم إطلاق المعقد له أو انصرافه لو سلم الى غير الرد المعارض بالإجازة - : احتمالات ، ويحتمل الفرق أيضا بين إرث الإجازة وتبعيتها للمال الموروث فيما لو تعلق عقد الفضولي بعين يختص

بها وعلى الإرث كان لمن يرثها مطلقا مع احتمال اختصاص إرثها بمن يرث متعلقها ضرورة أن حقيقتها باعتبار حقيقة متعلقها.

هذا ولكن لا ثمرة في هذه الفائدة بعد معلومية كون الإجازة من الأحكام لا من الحقوق بالبداهة كما تقرر في محله.

الثالث - هل يعتبر في تأثير الإجازة مطابقتها للعقد مطلقا كما وكيفا أو لا يعتبر كذلك أو يفصل فيعتبر في الثاني دون الأول؟ وجوه ، بل لعلها أقوال. وجملة صورها بحسب الاختلاف فيهما أو في أحدهما من حيث النقيصة أو الزيادة كثيرة ، أصولها أربعة بمعرفة أحكامها تعرف أحكام غيرها ضرورة أن الاختلاف اما بحسب الكم أو بحشب الكيف ، وكل منهما : إما أن تقع الإجازة على بعض ما وقع عليه العقد أو عليه مع الزيادة.

فنقول : إحداها لو أوقع العقد على صفقة فأجاز المالك بيع بعضها ، والأقوى فيها الجواز بناء على جريان الفضولي في مسألة تبعض الصفقة لوجود المقتضى وعدم المانع من غير فرق بين كون المبيع لمالك أو لمالكين فأجاز أحدهما دون الآخر غير أن ضرر المشترى بالتبعض مجبور بالخيار ، وأما على القول ببطلان التبعض مطلقا كما عن بعض لان الواقع غير مقصود والمقصود غير واقع أو في خصوص الفضولي لكونه مخالفا للأصل ، فيقتصر على موارد دليله التي ليس المفروض منها فيعتبر المطابقة في تأثير الإجازة إلا أن كلا من المقدمتين مع كونه خلاف المشهور في حيز المنع جدا.

ثانيتها عكسها ، كما لو عقد على البعض وأجاز بيع الكل فلا إشكال في عدم نفوذها في الزائد ، وان رضي به المشتري لأن مرجع نقله حينئذ إلى النقل بمجرد التراضي ومن غير سبب يوجبه وفي نفوذها فيما وقع عليه العقد وجهان ، أقربهما العدم لعدم إحراز الإجازة في البعض بعد قيام احتمال مدخلية الضميمة في الرضا.

ثالثتها لو أوقع العقد على شرط فأجازه المالك مجردا عن الشرط (1)

أما ما كان فيه الشرط قيدا ومشخصا للمبيع فإن أهل العرف بنظرهم العرفي يرون المباينة بين الواجد للشرط أو الوصف وفاقده كما لو فرض ان الفضولي باع منا من الأرز في ذمة المالك من نوع العنبر ، مثلا فاجازة المالك ، ولكن ألغى العنبرية وأمضى المعاملة على طبيعة الأرز ، ففي هذه الصورة تسقط الإجازة عن التأثير في إمضاء المعاملة الواقعة من الفضولي وتصحيحها فان ما وقع من العقد مباين لما اجازه المالك عرفا. نعم لو لم ير العرف مباينة بين الواجد للقيد والفاقد له بان كان القيد الذي أخذه الفضولي في متعلق العقد صفة كمال فيه وألغى المالك تلك الصفة عند الإجازة كأن عقد الفضولي على جارية للمالك موصوفة بصفات من جملتها كونها كاتبة مثلا ، والمالك أجاز عقده ، ولكن ألغى جهة الكتابة ، فالظاهر تأثير تلك الإجازة في تصحيح العقد وان كان للأصيل خيار تخلف الوصف.

هذا إذا كان الشرط الذي أخذه الفضولي في العقد ولم يمضه المالك بإجازته قيدا في المبيع ومن مشخصاته الذي قلنا إن مرجعه التوصيف.

وأما إذا كان الشرط من قبيل الالتزام في الالتزام كاشتراط خياطة الثوب أو صيغة مثلا في ضمن عقد بيعه فأجاز المالك أصل البيع ولم يجز الشرط المأخوذ فيه ، فالظاهر صحة إجازته لأصل البيع والتزامه به وان ألغى جهة الشرط ولم يمضها. نعم حيث لم يلتزم الأصيل بالعقد الا مقرونا بالشرط ولم يجزه المالك فلم يسلم له شرطه فبتخيير بين إمضاء العقد وإسقاط شرطه وبين فسخ العقد وإبطال أصل المعاوضة.

والحاصل ان الفقهاء في مسائل تشبه مسئلتنا فيما التزم العاقد من الشرط في ضمن العقد ولم يسلم الشرط للمشروط له لم يلتزموا ببطلان العقد ، بل قالوا بان المشروط له يتخير بين إمضاء العقد وفسخه ، منها صورة ما لو تعذر الشرط المأخوذ في العقد بعد ان كان غير متعذر ، ومنها صورة فساد الشرط فيما لم يسر فساده الى فساد العقد كما إذا كان منافيا لمقتضاه فان المشهور عدم بطلان العقد بفساد الشرط بل يثبت للمشروط له الخيار ومنها قرين مسئلتنا مما كان العقد من الفضولي على الكل والمالك أجاز البعض ، فان مرجع بيع الكل الى بيع كل جزء بشرط انضمامه الى الجزء الآخر غاية الأمر ان الشرط ضمني غير مصرح به فإنهم قالوا بصحة البيع في البعض المجاز وان ثبت للمشتري خيار تبعض الصفقة بل لو التزم البائع بنفسه للمشتري في ضمن العقد بشرط ولم يف به اختيارا ، فإنهم قالوا : يثبت للمشتري خيار تخلف الشرط ولم تبطل أصل المعاوضة والسر في ذلك أن الشرط لم يكن قيدا وعنوانا للمعقود عليه حتى يكون تخلفه موجبا للبطلان أصل المعاوضة وانما هو التزام بشي‌ء خارج عن أصل المعاوضة التزم به العاقد في ضمن عقدها للمشروط له ونظرا لارتباط الالتزام المعاوضي بالالتزام به فللمشروط له ترك الالتزام بالمعاوضة عند تخلفه وعدم حصوله وتسلطه على فسخ المعاوضة أو الالتزام بها ورفع اليد عن حقه المجعول له بإسقاط شرطه وحقه الذي التزم به العاقد.

هذا لو التزم العاقد الفضولي بشرط للأصيل على المالك ، وأما في صورة العكس والتزام الفضولي يشرط في ضمن عقده للمالك على الأصيل فالأمر أوضح إذ لا ينبغي الريب فيه.

والأقوى هنا سقوطها عن التأثير حيث يكون الشرط قيدا للمبيع ومن مشخصاته لعدم قابلية العقد للتبعيض من حيث الشرط إذا كان كذلك وان كان قابلاً للتبعيض من حيث الجزء.

توضيح الفرق بينهما مع كون الشرط جزء عقليا : هو ان الكل في الخارج ليس إلا عبارة عن مجموع الأجزاء الخارجية القابل كل منها لتعلق البيع به مستقلا فبيع الكل ينحل الى بيع كل جزء بنحو التعاطف ، وأما


1) توضيح ذلك : ان الشرط الذي وقع عليه العقد الفضولي واجازة المالك مجردا عنه تارة يكون قيدا للمبيع ومن مشخصاته الذي مرجعه الى التوصيف بمعنى أخذ المبيع عند إنشاء المعاوضة معنونا ومتصفا به ، سواء ذكر بنحو الشرط أو بنحو الوصف واخرى يكون الشرط في ضمن العقد من قبيل الالتزام في الالتزام كما لو اشتراط في ضمن بيع الثوب صبغه أو خياطته :

الجزء العقلي فغير قابل لتعلق البيع به والقابل في الفرض إنما هو المشروط به من حيث كونه مشروطا به أو المجرد عنه من حيث هو كذلك ، والأول غير مجاز ، والثاني لم يكن بعضا من المشروط وان كان مجازا ، ضرورة أن المطلق بشرط الإطلاق مباين للمقيد لا بعض منه والذي هو جزء منه المطلق المعرّى عن قيدي الإطلاق والتقييد المعبر عنه اللابشرط ، وأين ذلك من مسألة التبعض. نعم يقوى صحة المجاز كذلك إذا لم يكن الشرط من المشخصات بل كان مجرد التزام به في ضمن عقد البيع بناء على عدم فساد العقد بسقوط الشرط من المالك أو لفساده شرعا. ومنه يظهر الإشكال في إطلاق كلام شيخنا في (مكاسبه) حيث قال : «ولو أوقع العقد على شرط فأجاز المالك مجردا عن الشرط فالأقوى عدم الجواز بناء على عدم قابلية العقد للتبعيض من حيث الشرط وان كان قابلاً للتبعيض من حيث الجزء ولذا لا يؤثر بطلان الجزء بخلاف بطلان الشرط» انتهى.

رابعتها عكسها بأن عقد الفضولي وأجاز المالك مشروطا ورضي الأصيل به ففيه احتمالات : أقواهما البطلان (1)

وبالجملة العقد الصادر من الفضولي لم يجزه المالك وما أجازه المالك ليس هو عقد الفضولي فكيف يصح والحال هذه؟.

مطلقا لعدم الالتزام بالشرط الواقع

1) لا يقال : مقتضى ما ذكرناه وهو المشهور من أن فساد الشرط لا يسري الى فساد العقد بل يصح العقد وان فسد ما تضمنه من الشرط فلتكن الإجازة من المالك المتضمنة للشرط الذي لا يلزم الأصيل الوفاء به بمنزلة الشرط الفاسد المشتمل عليه العقد ، فكما ان فساده لا يسري الى فساد العقد فكذا هنا فان فساد الشرط وعدم لزوم الوفاء به لا يسرى الى فساد الإجازة فلم لا تصح ويختص الفساد بالشرط؟ قلنا فرق بين اشتراط العقد بالشرط الفاسد وبين تقييد الإجازة بشرط لا يجب على الأصيل الوفاء به لعدم ذكره في متن العقد فان العاقد المتضمن عقده لشرط فاسد التزم بعقدة التزامين أحدهما ـ بأصل المعاوضة بين المالين ، والالتزام الآخر بالشرط الذي تضمنه عقده غاية الأمر أحد الالتزامين مرتبط بالآخر ، وعليه يمكن التفكيك بين الالتزامين فيصح أحدهما وهو الالتزام بأصل المعاوضة ويبطل الآخر وهو الالتزام بالشرط ، ونظرا لارتباط أحدهما بالآخر يثبت الخيار للمشروط له وهذا بخلاف المجيز الذي قيد أجازته بشرط لا يجب الوفاء به بل هو ملغى فإنه لم يلتزم الا بالتزام بسيط ولم يتحقق منه التزامان ليمكن التفكيك بينهما بالصحة وعدمها.

خارج العقد والمجرد عنه غير مجاز لتعلقها به مشروطا ، لا مطلقا.

الرابع - هل يشترط في تأثير الإجازة علم المجيز تفصيلا بالعقد وحقيقته وجميع ما يعتبر في صحته أم يكفي العلم الإجمالي بوقوع عقد على ماله قابل للإجازة؟ وجهان : والأول هو الأقوى لعموم النهي عن الغرر مضافا الى لحوق كل إجازة إلى عقدها في الغرر المنهي عنه فيه. وقياسها بالوكالة المغتفرة فيها الجهالة في الجملة اتفاقا كما (في المسالك) وغيره ، قياس مع الفارق لان مرجع إطلاق الوكالة إلى تفويض الأمر إلى الوكيل وتعيين الأمر بيده كعامل القراض وهو الوجه في اغتفار الجهالة فيها لا ما ذكره (في المسالك) من أن الغرر مندفع بمراعاة الوكيل مصلحة الموكل لان المصالح بنفسها

تتفاوت وان تساوت في الزيادة والنقيصة فلا يندفع الغرر بمراعاتها أيضا فيعتبر في المجيز علمه بكل ما لولاه لكان غررا تكون المعاملة معه سفها أو منجزا معه الى التخاصم كما تقدم من معنى الغرر ، ولا دليل على اعتبار أزيد من ذلك (1)

بقي شي‌ء ينبغي التنبيه عليه ، وهو أنه هل يعتبر في الإجازة التنجيز والعلم بتحقق المجاز أم تصح الإجازة معلقة على فرض وجوده؟ ربما يقال باعتبار العلم بوجود المجاز في صحة الإجازة إذ هي من الإيقاع الغير القابل للتعليق ولو فرض القول بصحة التعليق في العقود ، ويمكن ان يقال بعدم اعتبار العلم بوجود المجاز وصحتها مع الجهل بوجوده سواء قلنا بأنها إيقاع أو انها من العقود باعتبار ان التعاهد الحقيقي بين المالكين انما يتحقق بالإجازة فأحد ركني العقد انما يتحقق بها ولكن حيث ان التعليق المفسد للعقد أو الإيقاع انما هو فيما إذا لم يكن المعلق عليه مما يتوقف عليه تحقق المعلق فمثل تعليق البيع على مالية المبيع والطلاق على زوجية الزوجة مما هو تعليق على ما يقتضيه حقيقتهما ونظيره ما نحن فيه من تعليق الإجازة على وجود المجاز ليس من التعليق الواقع محلا للكلام والنزاع بين الأصحاب في إمكان تحققه أو مبطليته على ما فصل في بحث شرطية التنجيز في العقود والإيقاعات وان شئت فقل لا تعليق في هذا ونحوه.


1) المراد أنه لو علم المالك إجمالا بوقوع عقد على ماله وتردد بين أن يكون بيعا أو إجارة أو صلحا أو علم بكونه بيعا مثلا وجهل المبيع وتردد بين كونه داره أو دكانه أو دابته مثلا أو علم بشخص المبيع وتردد في ثمنه الذي باعه الفضولي به فجهل عينه أو مقداره ، ففي جميع الصور المذكورة ونظائرها مما تكون فيه المعاملة الواقعة من الفضولي مجهولة عند المالك ، فلا يصح - والحال هذه - إجازتها على إبهامها فإن ذلك من الغرر المنهي عنه ومقايسة باب الفضولي بباب التوكيل قياس مع الفارق ، فان المالك المسلط على ماله له تفويض شئون سلطنته الى الوكيل بالتصرف في أمواله كلا أو بعضا كمية أو كيفية ومنه عامل باب القراض. وعليه فكل معاملة تصدر من الوكيل المذكور ماضية على الموكل ويلزمه تنفيذها ولم يكن في ذلك شي‌ء من السفه والغرر المنهي عنه. وهذا بخلاف المعاملة الخارجية الصادرة من الفضولي التي يجهل المالك نوعها أو شخصها فان إجازتها على إبهامها وإجمالها وترددها بين أنواع أو إفراد سفه وغرر مؤد إلى التشاجر والتنازع منهي عنه في النبوي المشهور.

الخامس - هل يعتبر في تأثير الإجازة بقاء اجتماع الشروط المعتبرة في صحة العقد الى زمان الإجازة أولا يعتبر (1)

لا يقال : لم لا يكون الفضولي كالوكيل في البيع ، فإنه لا يشترط فيه العلم بمقدار العوضين وأوصافهما بل يكفي علم الموكل بذلك ، بل يمكن أن يقال : لا يعتبر فيه البلوغ إذا كان مميزا وكان الموكل كاملا.

لأنا نقول : ذلك إنما يصح أن يقال بالنسبة إلى الوكيل في إجراء الصيغة الذي هو بمنزلة الآلة لسانه لسان الموكل ، وأما الوكيل المفوض اليه جميع شئون المعاوضة كالوكيل في باب المضاربة فإنه يعتبر فيه ما يعتبر في العاقد من الشروط والفضولي بمنزلته من هذه الجهة فإنه الذي تقوم به المعاملة وتصدر منه ، والإجازة من المالك موجبة لاستناد المعاملة الصادرة منه اليه ، فلا بد من واجديته للشرائط المعتبرة في المعاملة كما انها تشترط بالنسبة إلى الأصيل بلا اشكال. وهل يعتبر بقاؤها الى حال الإجازة أو يكفي تحققها حال العقد فقط. ثم هل هي معتبرة في المجيز أيضا ، وعلى تقدير اعتبارها فيه ، فهل يعتبر استمرارها من حين العقد الى حال الإجازة أو يعتبر وجودها حال العقد وحال الإجازة معا وان لم يتحقق الاستمرار ، أو يكفي وجودها في المجيز حال الإجازة فقط ولا يعتبر تحققها فيه حال العقد فضلا عن الاستمرار الى حال الإجازة ..؟ احتمالات تتصور في شرائط العوضين من المعلومية ونحوها وشرائط المتعاقدين من الكمال ونحوه. وأما شرائط الصيغة فلا يتصور فيها ذلك لأنها شروط للمنشى‌ء حال الإنشاء ، وكذا القدرة على التسليم وإسلام المشتري للمصحف والعبد المسلم فإنهما معتبران فيه حال استحقاق التسلم ووضع يده عليهما نعم بالنسبة إلى شرائط العوضين والمتعاقدين ربما يتصور ذلك.

اما الكلام من ناحية اعتبار الشرائط في الفضولي وطرفه فالظاهر كفاية تحققها حال العقد ، ولا وجه لاعتبار استمرارها الى حين الإجازة. نعم يشكل ذلك في الصورة التي ذكرها سيدنا ـ قدس سره ـ وهي ما لو فسد أحد العوضين لطول المدة وقبل الإجازة بنحو تعد إجازة المعاملة بعد هذا من السفه ، وكذا لو خرج عن المالية ثم عاد إليها حين الإجازة ، كما لو صار العصير خمرا ثم انقلب خلا عند الإجازة ، فإن الحكم بصحة إجازة البيع الواقع عليه حال كونه عصيرا حينئذ مع تخلل حالة الخمرية وخروج العقد عن قابلية تأثير الإجازة فيه في تلك الحال وان عاد إلى صلاحية التأثير حالها مشكل غايته. أما لو لم تعد القابلية والملكية بان بقي على خمريته فالظاهر عدم الإشكال في عدم تأثير إجازة البيع الواقع عليه حال العصيرية وانفساخه بلا فرق في ذلك بين الكشف والنقل ويلحقه حكم التلف قبل القبض.

هذا ما كان من أمر الفضولي واعتبار واجديته للشرائط. وأما ما كان من ناحية اعتبار واجدية المجيز أيضا للشرائط المذكورة ، فيمكن أن يقال بأن مقتضى ما ذكرنا من أن الفضولي هو الذي تقوم به المعاوضة وهو بمنزلة الوكيل المفوض الذي تعتبر الشرائط المذكورة بالنسبة إليه دون الموكل. وعليه فلا تعتبر في المجيز كالموكل الذي هو بمنزلته.

هذا ولكن مقايسة أحدهما بالآخر من هذه الجهة غير صحيحة فإن الوكيل المفوض المفروض صحة وكالته جميع شئون المعاملة المفوض فيها قائمة به وجميع شرائطها انما تعتبر بالنسبة اليه ، وهو الملتزم بها وليس شي‌ء من أمورها مرتبطا بالموكل أصلا. نعم الذي عليه إمضاؤها والالتزام بمقتضاها فالوكيل المفوض من هذه الناحية بمنزلة ولي القاصر العاقد له على ماله كل الشرائط تلحظ بالنسبة اليه ، وليس شي‌ء منها مرتبطا بالمولى عليه سوى ان العقد ماض عليه ، وهذا بخلاف الفضولي. وإنا وان ذكرنا أنه كالوكيل المفوض تعتبر شرائط المتعاقدين بالنسبة اليه ، وكذا معلومية العوضين وليس كالوكيل في إجراء الصيغة فقط لا تعتبر إلا صحة إنشائه ، وليس معنى ذلك أن الفضولي هو المستقل في جميع شئون المعاوضة والمالك المجيز منعزل عن جميع ما يمكن اعتباره فيه من الشرائط ، كيف وهو الركن الركين فيها والمستند اليه العقد بإجازته وهو الملتزم بمفاده بعدها وان شئت فقل : ان العقد قائم بالفضولي مع المالك من طرف وبالأصيل من طرف آخر فشرطية الكمال ومعلومية العوضين معتبرة فيه كاعتبارها في الفضولي وطرفه الأصيل نعم الظاهر اعتبارها فيه عند الإجازة فقط ، ولا تعتبر فيه حال العقد فضلا عن استمرارها من حاله الى حالها.

الظاهر أن ما يرجع الى صفات المتعاقدين من العقل والرشد ونحوهما لا يعتبر أزيد من تحققه حين الإنشاء وأما ما يرجع الى العوضين فكذلك بعد العلم به ما لم تدخل الإجازة بسبب زواله في المعاملات السفهية كما لو فسد أحد العوضين لطول المدة وقبل الإجازة سيما على القول بكونها ناقلة ولو زال وصف الملك بعد العقد ثم عاد اليه قبل الإجازة ففي نفوذ الإجازة حينئذ وعدمه وجهان ، مبنيان على

1) لا اشكال ولا كلام في أن العقد الصادر عن الفضولي يعتبر فيه جميع ما يعتبر في صحة العقد لوضوح أن الإجازة من المالك ليست عقدا مستأنفا ، وانما هي تنفيذ وإمضاء لعقد الفضولي فيعتبر فيه القابلية للتنفيذ والإمضاء بكونه جامعا لشرائط الصحة ، إذ العقد الفاسد في نفسه كيف يتصور أجازته واستناده الى المالك بها ، وهو واضح بالنسبة إلى شرائط العقد ، وكذا شرائط المتعاقدين من البلوغ والعقل وشرائط العوضين.

سقوط العقد عن الصحة التأهلية بزوال الملك فلا تأثير للإجازة بعده أو بقائها وان زال التعلق لزوال وصف المتعلق فيتعلق بعد عود الوصف اليه فتنفذ الإجازة فيه ، ولعل الأول هو الأقرب ، ومع عدم العود إليه الذي يكون الشي‌ء معه بحكم التلف تلغو الإجازة قطعا لخلوها عن الفائدة حينئذ ، وهو على النقل واضح وعلى الكشف كذلك بناء على القاعدة المسلمة : من ان كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه ، ولولاها لأمكن ظهور الثمرة في كون التالف من المشترى على القول بالكشف دون البائع نعم لو وقع القبض قبله وتعلقت الإجازة به أيضا أمكن دعوى ظهور الثمرة المتقدمة فيها على الكشف ولو انعكس الأمر بأن زال الملك قبل العقد ثم عاد بعده قبل الإجازة فالظاهر بطلان الإجازة لبطلان العقد الواقع على محل غير قابل للتأثير فيه وان تجددت القابلية بعد ، إذ لا قابلية حين العقد ولا عقد عند القابلية.

السادس - هل يعتبر في صحة عقد الفضولي لنفوذ الإجازة وجود مجيز له في الحال أو لا يعتبر؟ قولان ، استقرب الأول منهما العلامة في

(القواعد) وفاقا للمحكي عن الإسكافي منا ، وأبي حنيفة من العامة. والأقرب العدم وفاقا لما عن ابن المتوج البحراني والمحقق الثاني وثاني الشهيدين ، بل وكل من تعرض للمسألة من المتأخرين حتى قيل : إن القول بالأول من خصائص العلامة فلو باع مال الطفل بما لا مصلحة فيه أو بما يكون خلاف المصلحة ثم بلغ وأجاز صح ونفذت الإجازة لشمول ما دل على صحة الفضولي بالإجازة لذلك مضافا الى ما ورد في تزويج الصغار فضولا ، الشامل بإطلاقه لما لو أهمل الولي الإجازة إلى بلوغهم ولم يكن لهم ولي إجباري وقلنا بعدم ولاية الحاكم على الصغير في النكاح وبطلان ما استدل به على البطلان : من ان صحة

العقد في زمان عدم المجيز له ممتنعة ، وإذا امتنعت في زمان ما امتنعت دائما لأن بطلان العقد في زمان يقتضي بطلانه مطلقا ولما فيه من التصرف على المشتري لامتناع تصرفه في العين لإمكان عدم تحقق الإجازة ولعدم تحقق المقتضى وفي الثمن لإمكان تحققها فيكون قد خرج عن ملكه وهو منفي بقوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «لا ضرر ولا ضرار» لضعف الأول بمنع امتناع الصحة ان أريد بها الصحة التأهلية ، كيف وتوقفها عليه باعتباره فيها عين الدعوى وان أريد بها الفعلية فمسلم إلا انها غير الصحة المبحوث عنها في الفضولي

وضعف الثاني مضافا الى النقض ببيع مال الغائب النائي المتوقف أجازته على مضى زمان طويل بتدارك الضرر مع الجهل بالخيار ومع العلم - فبأنه أقدم عليه.

هذا والمراد بالمجيز من يملك الإجازة سواء كان مالكا أو وليه أو الحاكم أو عدول المسلمين ولذا ينذر فرض عدم المجيز أصلا وفرضنا عدمه للإجازة الشخصية حيث لا يكون في البيع مصلحة للطفل تسوغ الإجازة أو كان على خلاف المصلحة.

السابع - لا يشترط في المجيز كونه مالكا للتصرف حين العقد بلا إشكال كما لو كان محجورا عليه من غير فرق بين كون الحجر لنقصان فيه لصغر مثلا أو لتعلق حق الغير به كالرهن غير انه في الأول يختص الجواز بما لو كان العاقد غيره لكونه مسلوب العبارة فينفذ لو بلغ وأجاز مطلقا على الأقوى أو مع وجود المجيز حين العقد وإهماله الإجازة بناء على اعتباره كما تقدم وفي الثاني مطلقا سواء كان هو المباشر للعقد أو غيره فضولا مع رفع الحق المتعلق به بفك ونحوه ، غير أنه في الثاني يتوقف على اجازة المالك

وفي الأول غير محتاجة إلى إجازته بعد رفع المانع لوقوع العقد من أهله غير ان نفوذه كان متوقفا على رفع الحق المتعلق به المفروض رفعه بفك أو إسقاط وفي اشتراط كونه اى المالك المجيز مالكا للعين حين العقد بان يكون المالك حين الإجازة هو المالك حين العقد وجهان ، بل قولان.

وفي المسألة صور متعددة وجملتها : هو أن البائع لمال الغير فضولا إما أن ببيع لنفسه أو للمالك وعلى التقديرين فاما ان ينتقل الملك اليه أو الى غيره ، وعلى التقادير فاما ان ينتقل قهرا بالإرث أو اختيارا بأحد النواقل.

ولكن الذي وقع عنوانا للمسألة في كلامهم هو ما لو باع مال الغير ثم ملكه (1)

ثم الكلام في المسألة : تارة بناء على كون الإجازة ناقلة ، وأخرى بناء على كونها كاشفة. اما في صورة بيع الفضولي مال الغير لنفسه بان قصد خروج المبيع من ملك الغير ودخول الثمن في ملك نفسه فالظاهر فساد بيعه وعدم قبوله الإجازة لا من مالكه الأصلي ولا ممن ملكه بعد ذلك لما ذكرناه سابقا : من أن حقيقة البيع تبديل طرف اضافة بطرف اضافة لآخر وعليه فيعتبر في إنشائه قصد دخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه الى مالك الثمن وليس هو تبديل اضافة بإضافة أخرى حتى لا يعتبر في إنشائه ذلك ويتحقق مفهومه بقصد دخول الثمن في ملك شخص والمثمن خارج من غيره الى مالك الثمن. وبالجملة فالمعاملة المذكورة غير قابلة للتصحيح بالإجازة لا من قبل المالك حين العقد ولا من قبل المالك حين الإجازة. ولا يمكن مقايسة المسألة ببيع الغاصب لنفسه فإنه كما ذكرنا غير مرة بادعائه وبنائه على ملكية المغصوب واغتصابه وسرقته الإضافة من مالكها ورؤية نفسه المالك للعين ادعاء وإيقاع المعاملة عليها بانيا على ذلك كما يوقعها على سائر أمواله المملوكة له يمكنه قصد المعاوضة الحقيقية بعد الادعاء المذكور وان كان البناء على غير أساس ، ولكنه صالح لتحقق البيع منه على حقيقته أعنى دخول الثمن في ملك من خرج المثمن من ملكه والادعاء والبناء المذكور لم يتحقق من البائع الفضولي فيما نحن فيه ، فإنه في مقام إيقاع المعاوضة بقصد تمليك مال الغير بإزاء ما يدخل في ملكه من العوض بما هو هو لا بما هو مالك للمال المذكور ادعاء ، وربما يدعي إمكان تحقق المعاوضة الحقيقية من الفضولي المذكور ، فيقال : إنه إذا كان عند المعاملة عازما على تملك العين المبيعة من مالكها بالاشتراء منه ونحو ذلك فهو مالك لها بالمشارفة فيتحقق منه المعاوضة على حقيقتها (ولكن) الدعوى المذكورة مضافا الى اختصاصها بصورة عزمه التملك للعين عند إيقاع المعاملة وتهيئة جميع المقدمات للتملك بحيث لم يبق منها سوى العقد الذي يريد إنشاءه بينه وبين مالك العين (عهدتها) على مدعيها.

والحاصل : إنا ذكرنا ان المعاوضة الواقعة فضولا إنما يمكن تصحيحها بالإجازة حيث تكون واجدة لجميع ما يعتبر فيها سوى جهة استنادها الى المالك الحاصل ذلك بالإجازة ، والمعاملة المذكورة فاقدة لما به قوامها.

هذا لو باع الفضولي مال الغير لنفسه. وأما لو باعه لمالكه فلا اشكال فيه من هذه الناحية فإنه قصد المعاوضة على حقيقتها لأنه أنشأ تبديل طرف اضافة المالك الاعتبارية أعنى المثمن بطرف إضافة المشتري الأصيل أعني الثمن وطرفه الأصيل قبل ذلك منه باشترائه ، ونظرا لقصده كون البيع للمالك وقصد دخول الثمن في ملك مالك المثمن عوضا عما يخرج من ملكه الى مالك الثمن فالمعاوضة المذكورة من هذه الجهة على حقيقتها صالحة للاستناد الى المالك لو تعقبها الإجازة منه. ولكن لو تعقبها نقل وانتقال من المالك الأصلي للعين المبيعة فضولا إلى الفضولي بنفسه أو الى شخص آخر بان اشترى الفضولي أو الشخص الآخر العين من المالك ، فهل يمكن للمالك الجديد اجازة العقد الأول الصادر فضولا عن المالك واسناد تلك المعاوضة اليه أو لا وقع لإجازته بعد وقوع العقد الثاني من المالك وطرفه؟ الظاهر عدم الأثر للإجازة لما ذكرناه من أن العقد الفضولي انما يصح بإجازة المالك إذا لم يتخلل رد من المالك له سواء كان بإنشاء قولي منه أو بإيجاد عمل يكون منافيا لمفاد ذلك العقد ومقتضاه بحيث يصدق عليه أنه رد وإبطال للعقد الصادر من الفضولي وبيع المالك للعين المعقود عليها فضولا لغير من اشتراها من الفضولي مناف للعقد الصادر من الفضولي ، ومقتضى ذلك كونه إبطالا وردا من المالك للعقد السابق وعليه فهو غير صالح للحوق الإجازة بعد الرد.

وما يقوله سيدنا الخال ـ قدس سره ـ تبعا لشيخنا الأنصاري ـ قدس سره ـ من أن العقد الثاني إنما يكون ردا موجبا لعدم صلاحية العقد السابق للإجازة بالنسبة إلى المالك الأول وذلك لا ينافي بقاء الصلاحية للمالك الجديد.

لا يخلو عن اشكال بل منع ، توضيح ذلك : ان الملكية كما ذكرنا هي جدة اعتبارية وإضافة لها طرفان : طرف يتعلق بالمضاف وهي العلقة المملوكية وطرف يتعلق بالمضاف اليه وهي العلقة المالكية وذكرنا أيضا أن حقيقة البيع هو إنشاء تبديل طرف اضافة المالك للمثمن وعلقته المملوكية بطرف اضافة المالك للثمن في ظرف قبوله. ثم ان المنشئ للبيع إذا كان هو المالك أو وكيله أو وليه نفذ بيعه ولزم عند عدم الخيار. وأما إذا كان فضوليا توقف نفوذ ما أنشأه على إمضاء المالك فان اجازه تم ذلك ونفذ وان رده المالك يقول أو بما ينافي ما أنشأه الفضولي كما لو كان المنافي فعلا خارجيا كإتلافه المبيع مثلا أو كان إنشاء إيقاع منه كما إذا كان المبيع عبدا فأعتقه مالكه بل ولو كان المنافي إنشاء عقد من المالك عليه مغاير لعقد الفضولي كما لو باعه من مشتر آخر فإنه يبطل ما أنشأه الفضولي ولم تبق فيه صلاحية للإنفاذ لا من المالك الأصلي ولا ممن ملكه منه بعد إنشاء الفضولي. اما من ناحية المالك الأصلي فإنه بعد إخراج المبيع عن ملكه الى ملك من اشتراه منه مثلا ، سواء كان هو الفضولي أو شخص آخر ببيعه منه صار أجنبيا عن المبيع غير مرتبط به فلا تنفذ أجازته للمعاملة الواقعة عليه من الفضولي. وأما من ناحية المالك الفعلي للعين المشتري من المالك الأصلي فلأن المفروض ان الفضولي باع مالا خاصا لمالك خاص من مشتر خاص بثمن خاص فهي معاملة شخصية بجميع شئون التشخص ومن كان زمامها بيده وتمضي أجازته لها وهو المالك الأصلي لم يمضها بل ردها ببيعه العين لغير من اشتراها من الفضولي. وأما المالك الفعلي المشتري لها من المالك الأصلي فبحسب سلطنته عليها فعلا بعد الاشتراء لكونها مالا له يتسلط على اجازة ما يقع من العقد عليها فضولا بعد ملكيته بالاشتراء. وأما العقد الواقع على ذلك المال ضولا حينما كان ملكا للمالك السابق المتشخص ذلك العقد بتلك الخصوصيات التي من جملتها كون مفاد العقد ونتيجته للمالك السابق ، فلا تصح إجازته من المالك الثاني.

والحاصل ان الفضولي أنشأ تبديل مال زيد بمال عمرو وطرفه الأصيل قبل ما أنشأه وهذه المبادلة الخاصة صالحة للنفوذ لو أجازها مالك المبيع فعلا وهو زيد الذي كانت المبادلة مقصودة من الفضولي له ، وبمقتضى إجازتها ، تخرج العين من ملك زيد الى ملك عمرو ويخرج الثمن من ملك عمرو الى ملك زيد ولو ردها بان باع العين المبيعة فضولا لعمرو من شخص آخر كان هو الفضولي أو غيره فمقتضى كونه ضدا ومنافيا للمبادلة التي أوقعها الفضولي ليس لزيد بعد ذلك اجازة عقد الفضولي وذلك واضح لا ريب فيه وأما من اشترى المال منه وهو المالك الثاني فمن يقول بنفوذ البيع الفضولي له انما يقول به مع أجازته للبيع إذ لا وجه للنفوذ بلا اجازة كما لا وجه لإجازة البيع المذكور على ما قصده الفضولي من كون المعاوضة للمالك الأول بمعنى خروج المثمن من ملك زيد الى ملك عمرو والثمن بالعكس ، ولا يقول به القاتل وانما الذي يقوله. ان المعاملة الكذائية التي قصد الفضولي كونها للمالك الأول تمضى وتنفذ للمالك الثاني بإجازته العقد الأول الصادر فضولا. وهذا الذي قلنا لا يتم أيضا إذ المعاملة الشخصية على ما قصدها الفضولي ذكرنا أنه لا وجه لإجازتها. وأما على ما يريدها المالك الثاني من كونها تنفذ له فلم تقع مبادلة كذائية من الفضولي وانما الواقع غيرها فما وقع لم يجز ممن له الإجازة وما أجيز لم يقع من الفضولي والإجازة ليست بعقد مستأنف وانما هي إمضاء لما وقع.

لا يقال : ان ما باعه الفضولي لمالكه لو انتقل الى آخر بالإرث فلا اشكال ولا خلاف في بقاء قابلية العقد الفضولي الواقع عليه للإجازة من الوارث فيستند البيع المذكور إليه بالإجازة منه ، وما الفرق بين انتقال المال الى الوارث بموت المورث وبين انتقاله إلى المشتري من مالكه ببيعه منه حتى يفرق بينهما ببقاء القابلية في أحد الانتقالين دون الآخر.

لأنا نقول : ذكرنا فيما سبق ان الملكية اضافة اعتبارية لها طرفان : يتعلق أحدهما ـ بالمضاف المنتزع عنه عنوان المملوكية والطرف الآخر يتعلق بالمضاف اليه المنتزع عنه عنوان المالكية ، فالتغيير الحاصل بالموت انما هو في المالكية فإن دليل الإرث جعل الوارث قائماً مقام المورث في مالكيته للمال ، وأما المملوكية التي كانت للمورث فلم يحصل فيها تغيير وتبديل بالموت وليس المراد ان مال المورث باق على حاله وانه مملوك له بعد الموت فإنه غير معقول بقاء المملوكية وانتقال المالكية للوارث فإنهما متضائفان وانما المراد ان المملوكية التي كانت للمورث بعينها انتقلت الى الوارث غير ان زمامها كان بيد المورث حال حياته وبعد موته انتقل ذلك الزمام الى الوارث وهو معنى انتقال المالكية اليه. وعليه فعقد المعاوضة الصادر من الفضولي على مال المورث الصالح للإجازة منه حال حياته بملاك مالكيته لزمام ذلك الملك صالح للإجازة من الوارث بعين ذلك الملاك فان الملك لم يتغير ولم يتبدل بموت المورث وانما التغير والتبدل في المالك ، فاجازة الوارث لعقد الفضولي على مال المورث بدل عن إجازته صالحة لانفاذ ذلك العقد وإمضائه كما لو كانت صادرة عن المورث ، وهذا بخلاف التغير والتبدل في الملك بأن باع المالك المال الذي عقد عليه الفضولي من مشتر آخر فان البيع بما انه تبديل طرف اضافة المالك بطرف إضافة المشتري فالتغير والتبدل الحاصل بسببه انما هو في جانب الملك دون جانب المالك. توضيح ذلك : ان الملكية الاعتبارية ـ كما ذكرنا ـ مثالها الخارجي حبل متعلق أحد طرفيه بالمال وتلك العلقة علقة المملوكية والطرف الآخر بيد إنسان وتلك علقة المالكية والبيع خارجه حل الحبل من جانب المملوك وشده بمملوك لآخر. ثم ان التبديل بالحل والشد في البيع : تارة يكون من مالكه الأصيل أو من وكيله أو من وليه ، واخرى يكون من فضولي. فبناء على ان العقد من الفضولي فعلا له قابلية التأثير أن تعقبه اجازة المالك الأخذ بزمام الحبل ، وهو تارة يمضي فعل الفضولي وإنشائه بإجازته فلا إشكال في ترتب الأثر عليه كما لا إشكال في بطلانه وعدم ترتب الأثر عليه لو ردّه ، وأخرى لم يجز الى أن يهلك ويترك المال لمن يرثه منه ويتسلم زمام ذلك المال ، ولا إشكال أيضا في نفوذ بيع الفضولي وترتب الأثر عليه بإمضاء الوارث وأجازته لعقده فإنها اجازة ممن ملك زمان المال للعقد الواقع عليه فضولا قبل الرد المبطل له ، وانما الإشكال فيما لو لم يتحقق من المالك الأصلي رد لمعاملة الفضولي ولكن صدر منه عمل مناف لعمل الفضولي بنحو لا يمكنه بعد صدوره منه تصحيح عمل الفضولي بإجازته كأن باع العين التي باعها الفضولي لمشتر آخر فهل يصح لمن اشترى تلك العين من مالكها الأصلي بعد صدور العقد عليها فضولا بإجازته وتصحيحه لنفسه فربما يقال بالصحة كما يظهر من سيدنا الخال تبعا لشيخنا الأنصاري ـ قدس سرهما ـ يقول سيدنا : «بيع المالك يخرج العقد عن التأثير بالإجازة بالنسبة إليه لا مطلقا حتى بالنسبة إلى المشترى منه ودعوى السقوط به عن التأثير مطلقا مصادرة لأنها عين الدعوى». انتهى

ولكن قد يقال : ان العقد الأول ـ وهو عقد الفضولي حسب الفرض ـ انما وقع للمالك الأول فإذا سقط عن التأثير له بسبب العقد الثاني الصادر من المالك وطرفه فلم يبق له صلاحية التأثير بالنسبة إلى المالك الثاني حتى يصح بالإجازة منه ويؤثر فإن الفضولي الذي ينشأ تبديل مال الغير بالعوض اما يقصد كون المبادلة المذكورة لمالك المعوض فعلا فيقصد بإنشائه إخراج المال من مالكه وإدخاله في ملك المشتري وبالنسبة إلى العوض يقصد إخراجه من مالكه المشتري وإدخاله في ملك المالك للمعوض فعلا ، واما يقصد كون المبادلة المذكورة لنفسه ، وهو تارة يعتقد أن المال له اشتباها منه ، واخرى يرى كون المال له ادعاء كالغاصب المتغلب على مال الغير الذي يرى أن المال المغصوب كسائر أمواله المملوكة له. وفي جميع الصور المذكورة تصح المبادلة التي أنشأها الفضولي بإجازة المالك الحقيقي بناء على ما ذكرناه :

من أن بيع الغاصب المتغلب مرجعه وتحليله البيع لمالك المبيع بعد البناء منه أنه المالك له ادعاء وأنه بمنزلة المعتقد كون المال له في قصده المعاوضة الحقيقية ـ كما أوضحناه فيما سبق ـ فتصح إجازة بيعه من المالك الحقيقي له ويلغوا بناؤه الادعائي كما في المعتقد اشتباها. نعم لو لم يسبق هذا البناء والادعاء من الغاصب للمال بان قصد بيعه خروج المثمن من المغصوب منه الى مالك الثمن وخروج الثمن من مالكه الى نفسه يكون بيعه باطلا غير قابل للتصحيح بإجازة المالك لكونه غير قاصد للمعاوضة الحقيقية ، اللّهم إلا على مذهب القطب والشهيد ـ قدس سرهما ـ من إمكان تحقق المعاوضة الحقيقية بإخراج المثمن من ملك شخص وإدخال ثمنه في ملك غيره.

هذه صور العقود الصادرة من غير المالك فضولا القابلة للتصحيح بالإجازة بناء على مذهب المشهور. وكلها قصد فيها تبديل مملوك المالك فعلا بعوضه الذي هو حقيقة البيع ، وفي جميعها حيث نقول بالتصحيح ، فإنما هو بإجازة المالك الفعلي للمال وكون المناط أجازته ورده. وأما المعاملة التي قصد فيها كونها للمالك للمال المردد بين كونه هو المالك الفعلي أو من ينتقل ذلك المال اليه بالاشتراء منه والحكم بصحتها بإجازة كل من المتعاقبين في الملك ، وان رد الأول بما ينافيها ، انما يبطلها بالنسبة إليه دون صاحبه الذي اشترى ذلك المال منه فله إجازتها واسناد تلك المبادلة إليه ـ كما يقوله سيدنا تبعا لشيخنا الأنصاري ـ قدس سرهما ـ فالحكم بذلك في غاية الإشكال بل هو ممنوع فان البيع الذي حقيقته : تبديل طرف اضافة المالك للمبيع بطرف إضافة المالك للثمن كيف يمكن إنشاؤه لمالك مردد بين المالك الفعلي له وبين من يتجدد ملكه للعين بالاشتراء من مالكها بأن يقصد الفضولي خروج المبيع أما من مالكه الفعلي إلى ملك المشترى ودخول الثمن في ملك مالك المبيع أو خروجه من ملك مالكه الجديد إلى المشترى ودخول ثمنه في ملك مالكه الجديد على سهيل الترديد. والحاصل لو كانت حقيقة البيع مجرد التبديل بين المالين بلا اعتبار قيام العوض مقام المعوض بمعنى دخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه الى مالك العوض أو قلنا بكون الإضافة صالحة للتعلق بالمالك المردد بين المالك الفعلي وبين من يتجدد ملكيته للعين أمكن القول بصحة المبادلة المذكورة الصادرة من الفضولي للمالك الأول بإجازته لها فان لم يجزها بل باع العين لمشتر آخر غير الأصيل صح له إسناد المبادلة المذكورة اليه بإجازته لها ، وأما بناء على ما قويناه من ان حقيقة البيع تبديل طرف اضافة بطرف إضافة أخرى مع اعتبار تعلق الإضافة يشخص خاص هو المالك الفعلي للعين المبيعة ولو كانت ملكيته لها بادعاء أو اشتباه وعدم معقولية تعلقها بالمالك المردد بين الفعلي والمتجدد ، فلا ريب في كون المبادلة المذكورة للفضولي غير صالحة للإجازة حينئذ من المالك الأصلي لخروج العين عن ملكه ببيعها فلا تؤثر إجازته ولا رده وكذا المالك الثاني المشترى من الأول من حيث ان المبادلة الخاصة المنشأة من الفضولي هو أجنبي عنها فلا تؤثر إجازته ولا رده ومبادلة اخرى واقعة على ما ملكه بالاشتراء لم تتحقق. وعلى ما ذكرنا ، فجميع صور المسألة غير قابلة للتصحيح بإجازة المالك الثاني الا صورة إرثه من المالك الأول.

هذا كله بناء على كون الإجازة ناقلة واما بناء على كونها كاشفة فإمكان تصحيح العقد بإجازة المالك الثاني أشكل فإنا لو سلمنا وجود القابلية في عقد الفضولي لإجازة المالك الثاني وتصحيحه بالنسبة إليه بناء على النقل وكون الإجازة ممن له إمضاء العقد تقتضي إمضاءه وتنفيذه من حين صدورها ، لكن بناء على طريقة الكشف وكونها مقتضية لنفوذه وترتب الأثر عليه من حين صدور العقد لو قلنا بصحة العقد من الفضولي بإجازة المالك الثاني المشتري من الأول يلزم خروج المبيع عن ملك المالك الأول إلى طرف الفضولي قبل دخوله في ملك الثاني بالاشتراء منه ويلزم كون المبيع مملوكا لمالكين بنحو الاستقلال في وقت واحد لأن مقتضى كشف الإجازة عن تأثير العقد من حين صدوره كون المبيع في ذلك الحين منتقلا الى طرف الفضولي فهو مملوك له ، ومقتضى اشتراء المالك الثاني من الأول كونه في حال الاشتراء مملوكا للأول ولا يمكن الالتزام بذلك.

(وما ذكره) سيدنا تبعا لشيخنا الأنصاري ـ قدس سرهما ـ : من التزام كون الإجازة هنا تكشف عن صحة عقد الفضولي وتأثيره من حين انتقاله الى المالك المجيز لا من حين العقد فلا محذور (فيمكن) أن يورد عليه بأنه انما يتم ذلك لو قام دليل خاص على صحة العقد الفضولي بالنسبة إلى المالك الثاني بإجازته لكي ترفع اليد به عن عموم ما تقتضيه الإجازة على طريقة الكشف اعني تصحيح العقد من حين صدوره ونحكم بصحته ونفوذه من حين انتقال المبيع الى المالك الثاني بالاشتراء من الأول.

وبالجملة فعموم صحة عقد الفضولي ونفوذه بإجازة المالك سواء كان هو المالك حال العقد أو من اشتراه منه وعموم اقتضاء الإجازة صحة العقد من حين صدوره بناء على كونها كاشفة متنافيان لا يمكن العمل بظاهر كل منهما ، فلا بد من الأخذ بظاهر أحد العامين وترك العمل بظاهر الآخر وليس الأخذ بظاهر العموم الأول ـ والحكم بكون الإجازة من المالك الثاني تكشف عن صحة العقد ونفوذه من حين انتقال المبيع الى ملكه ببيع المالك الأول له لا من حين صدور العقد ـ بأولى من الأخذ بظاهر العموم الثاني والحكم بكون الإجازة من المالك حيثما تتحقق تقتضي تصحيح العقد من الفضولي والحكم بمضيه من حين صدوره. وعليه فلا تصح الإجازة من المالك الثاني لعدم إمكان اقتضاء أجازته مضى العقد من حين صدوره ، بل المتعين عدم صحتها أصلا من المالك الثاني ، لا أنها تصح وتقتضي نفوذ العقد من حين ملكه. وتوضيح ذلك ان اجازة بعض ما وقع عليه عقد الفضولي وقسط منه وان أمكن كما لو باع الفضولي مال زيد ومال عمرو بعقد واحد وثمن واحد فأجاز أحدهما دون الآخر فإنه يصح العقد بالنسبة الى مال المجيز منهما بقسطه من الثمن ويبطل بالنسبة الى مال الراد منهما بالقسط الآخر. ومثله لو آجر الفضولي دارا سنة مثلا وكان المالك لمنفعتها شخصان بنحو التعاقب فأجاز أحدهما دون الآخر ، فتصح الإجارة بالنسبة إلى ملك المجيز بقسط من الأجرة دون الآخر ، ونحو ذلك مما يمكن فيه التبعيض بالإجازة والرد من حيث تعدد متعلق البيع أو الإجارة بخلاف ما إذا كان المتعلق واحدا لا يتصور فيه التعدد كما في مسئلتنا فان العين التي باعها الفضولي وان تعاقب عليها مالكان بحسب الزمان ولكن المنشأ بعقد الفضولي ليس الا تمليك العين ملكية مستمرة في الزمان وتعدد الزمان لا يوجب تعدد المنشأ في البيع إذ هو تبديل طرف اضافة المالك للمبيع بطرف اضافة المالك للثمن تبديلا واحدا مستمرا باستمرار الزمان. وتعدد الزمان لا يوجب تعدد ملكية العين المنشأة بعقد البيع. نعم في الإجارة التي حقيقتها : تمليك المنفعة للعين يتعدد متعلقها بتعدد الزمان فمن آجر داره شهرا مثلا بأجرة معينة فقد ملك المستأجر منافع أيام الشهر بتلك الأجرة.

ومما يشهد للتعدد في الإجارة دون البيع : أنه في الإجارة يلزم تحديد مدة الإجارة بخلاف البيع فلا تحديد فيه بل لو حدد لبطل. ويشهد لذلك أيضا : ان الفضولي إذا آجر دارا يملك منفعتها شخصان كل منهما ستة أشهر بنحو التعاقب سنة كاملة بأجرة معينة فأجاز أحدهما دون الآخر ، فإنه رد صحت الإجارة في النصف الذي للمجيز بنسبة حصته من الأجرة وبطلت في النصف الآخر بتلك النسبة ولم تكن الإجارة من أحدهما منافية لرد الآخر لتعدد ملك كل منهما ونحو ذلك مما يمكن فيه التبعيض في المتعلق للعقد.

ويمكن اجتماع الإجازة والرد نظرا لتعدد المتعلق اما ما لا يمكن فيه ذلك كبيع الفضولي مال غيره لمالكه فإنه إنشاء لملكية. واحدة لطرفه بالنسبة إلى المبيع لها شأنية الاستمرار الى حين خروج المال عن ملكه باختياره ببيع ونحوه أو بغير اختياره بموت ونحوه ، ولا إشكال في كون رضا المالك للعين وأجازته له الدخل في نفوذ تلك الملكية المنشأة بإنشاء الفضولي وانما الإشكال في مبدء تلك الملكية الواحدة المستمرة ، فهل هو حال الإجازة وهو معنى كونها ناقلة ، أو حال العقد بناء على كونها كاشفة؟ وجهان ، بل قولان لا ثالث لهما ، فالقول في مسئلتنا بأن المالك الثاني المشتري للعين من الأول له اجازة العقد وكون إجازته كاشفة عن تأثير العقد من حين انتقال العين اليه بالاشتراء ، احداث قول ثالث ، فإن الإجازة ان كانت جزء المؤثر بمنزلة قبول القابل فمبدء التأثير للعقد وحصول تلك الملكية المستمرة حال حصولها وان كانت الإجازة بوجودها المتأخر تحدث التأثير للعقد السابق بأحد وجوه الكشف فمبدء ذلك حال حصول العقد ، فالقول بان المالك الثاني المشتري من المالك الأول له اجازة العقد والحكم بأن أجازته إنفاذ للعقد من زمان تملكه للمال المتعلق للعقد لا من حين العقد على طريقة الكشف ولا من حين الإجازة على طريقة النقل الذي مرجعه تجزئة ما أنشأه العاقد الفضولي من الملكية الواحدة المستمرة وإنفاذ العقد بالنسبة إلى قطعة منه ، فإنه ـ مضافا الى منافاته لكلا الطريقين ـ لا دليل عليه بالخصوص ولا قاعدة تقتضيه.

و (دعوى) ان الإجازة انما تصح من المالك وعلى الكشف انما تنفذ العقد الصادر فضولا بما يملكه المجيز وقبل الاشتراء لا ملكية له بالنسبة إلى المعقود عليه فلا مناص عن كونها انما تكشف عن تأثير العقد من حين ملكه لا من حين العقد مضافا الى مالا يمكن الالتزام به على تقدير كونها كاشفة عن التأثير من حين الصدور من المحذورين اللذين مر الكلام عليهما.

(يدفعها) : انه لا موجب للقول بصحة الإجازة من المالك الثاني حتى تقع في مشكلة لا يمكن التخلص منها الا بالقول بكون الإجازة انما تكشف عن تأثير العقد من حين ملك الثاني لا من حين الصدور ، فلم لا تقول : ان الإجازة انما تصح من المالك حال العقد دون المالك حال الإجازة فقط ، ولم يقم دليل بالخصوص مفاده صحة العقد الفضولي بالنسبة إلى المالك الثاني بإجازته ، بل يمكن أن يقال : لا دليل يستفاد من عمومه أو إطلاقه صحة ذلك بالنسبة إليه ، فإن الروايات المستدل بها على صحة عقد الفضولي بالإجازة موردها الصحة والنفوذ بإجازة المالك حال العقد ولا عموم ولا إطلاق فيها بالنسبة إلى المالك حال الإجازة فقط.

هذا بناء على ان صحة عقد الفضولي بإجازة المالك على خلاف القاعدة وانما استفيدت من روايات الباب ، وأما على القول بكونها على طبق القاعدة بمقتضى عموم آية (حل البيع) وآية (التجارة عن تراض) منضما الى دليل اعتبار طيب النفس في حلية مال المسلم لغيره ، فالقاعدة مقتضاها النقل لا الكشف ، والكلام مبني عليه.


1) المسألة المذكورة لها صور : فإن الفضولي إذا باع ملك غيره ثم ملكه وأجاز البيع الصادر منه حين كونه فضوليا : اما ان يبيع لنفسه أو يبيع للمالك وعلى التقديرين فانتقال المال اليه أما بالشراء من مالكه الأصلي أو بالإرث منه.

وقد اختلفوا فيه على قولين : فمنهم من ذهب الى صحة العقد كما لو اتحد المالك بل احتمل بعضهم هنا عدم التوقف على أجازته بعد تملكه ومنهم من ذهب الى بطلان العقد وخروجه عن حكم الفضولي من الصحة والتوقف على الإجازة.

وليعلم أولا ان إطلاق عنوان من باع مبني على عدم اعتبار قصد المنتقل عنه والمنتقل إليه في صحة البيع كما تقدم ، وإلا فلا بد في الصحة من تقييد العنوان بما لو باع للمالك.

وثانيا لا بد من فرض كون المبيع عينا خارجية للغير أو كليا في ذمة الغير ، ضرورة أنه لو باع كليا في ذمة نفسه موصوفا بما يطابق ما هو عند

الغير ثم اشتراه كان خارجا عن المسألة قطعا بل هو خارج عن موضوع

الفضولي كذلك لأنه باع ما يملكه مما هو متعلق بذمته والذي اشتراه انما

يدفعه وفاء عما في ذمته وليس هو من بيع ما ليس عنده المنهي عنه كما نبه

عليه في الدروس ، كيف ومن ذلك بيع السلم والنسية.

إذا عرفت ذلك ، فنقول : الأقرب هنا أيضا هو الصحة لعموم ما دل

على صحة عقد الفضولي الشامل لصورتي ما إذا اتحد المالك أو تعدد غير انه في الثاني يكشف عن النقل بناء على الكشف من حين التملك لا من حين العقد لان القدر الثابت من دليل الكشف هو النقل من حين استجماع الشرائط المعتبرة التي منها الملك إلا رضا من يعتبر رضاه وليس الملك إلا كالقبض

في العقد المتوقف صحته عليه (1)

وبالجملة ليس المدعى ان الإجازة ـ على طريقة الكشف ـ لا بد من كشفها عن النقل من حين العقد مطلقا حتى فيما يعتبر التقابض أو القبض في صحته وترتب الأثر عليه كالصرف والسلم ، بل المقصود إنها على الكشف تقتضي حصول النقل والانتقال عند وجود العقد بما هو سبب ناقل فلو لم يكن العقد بنفسه هو السبب بل بانضمامه الى قبض أو تقابض فكون الكشف فيها انما هو عن النقل والانتقال عند القبض أو التقابض غير صالح للانتصار به على ما هو محل الكلام من صحة اجازة المالك الثاني وكشفها عن النقل من حين تملك المبيع فضولا باشترائه من المالك الأول كما يظهر من سيدنا ـ قدس سره ـ ما لم تقتضه قاعدة أو يساعده دليل بالخصوص.

فلو أجاز بعد مضي زمان عن القبض المتأخر كذلك فيه فإنما تكشف الإجازة عن النقل من حين القبض لا من حين العقد لعدم إمكان النقل من حينه بعد ان كان القبض معتبرا في صحته ، فمرجع القول بالكشف الى الكشف من حين الإمكان لا من حين العقد مطلقا حتى فيما لا يمكن.

وبما ذكرنا ظهر الجواب عن المحاذير التي أوردوها على القول بالصحة فيما لو باع شيئا ثم ملكه : من أنه يلزم كون الملك لشخصين في زمان واحد لأن الإجازة من المالك الجديد على الكشف تكشف عن ملك المشترى من حين العقد وهو من حينه للمالك الأول ، ولذا صح بيعه للثاني ومن أنه يلزم من صحة عقد الفضولي بطلانه لأن صحة عقد الأول مستلزمة لبطلان


1) قد يقال : انه لا إشكال في أن إجازة المالك لها الدخل في ترتب الأثر المقصود على العقد الصادر من الفضولي وطرفه الأصيل. إنما الكلام في أن الإجازة بمنزلة الجزء من السبب المؤثر وعليه فلا يترتب الأثر إلا عند حصولها وهو معنى كونها ناقلة ، أو أن السبب المؤثر في النقل والانتقال هو ما صدر من الفضولي وطرفه من العقد الواقع بينهما فيما لا يتوقف ترتب الأثر المقصود منه الا على الإيجاب والقبول من الطرفين كسائر البيوع أو العقد وتقابض العوضين في مجلسه أو قبض الثمن فيه كما في بيع الصرف والسلم. وعليه فالإجازة من المالك بوجودها المتأخر شأنها تنفيذ ذلك السبب الصادر من الفضولي وطرفه وجعله ماضيا ومؤثرا عند حصوله ، وهو معنى كونها كاشفة. وعليه فعدم كشف الإجازة عن النقل من حين العقد فيما يعتبر في صحته التقابض أو القبض في مجلسه كالصرف والسلم انما هو من حيث كونهما في مثل ذلك جزء للسبب الناقل ، وشأنها ـ كما ذكرنا على طريقة الكشف ـ جعل السبب بما هو سبب ماضيا ومؤثرا عند حصوله.

عقد الثاني ، لانكشاف وقوعه على مال الغير ، وبطلان الثاني مستلزم لبطلان الأول ، لأنه بالإجازة الصحيحة تنكشف صحته من حين العقد ، والمفروض بطلانها لبطلان عقدها ومن لزوم خروج المبيع عن ملك المجيز قبل دخوله في ملكه لأنه بإجازته ينكشف الخروج عن ملكه من حين العقد الأول السابق على تملكه بالعقد الثاني ومن لزوم توقف كل من العقدين على اجازة الآخر ضرورة توقف صحة عقد الأول على إجازة الثاني لانتقال الملك اليه

وصحة العقد الثاني على إجازة المشتري الأول لوقوع العقد في ملكه بعد الكشف بالإجازة عن الصحة من حين العقد لان ورودها مبني على الكشف الحقيقي من حين العقد مطلقا ولو مع تغيير المالك ، فيلزم : إما تخصيص ما دل على صحة الفضولي بما إذا اتحد المالك من حين العقد الى زمان الإجازة ، أو تخصيص ما دل على كون الإجازة كاشفة بذلك ، وانها ناقلة من حينها فيما لو تعدد المالك.

وأما بناء على الكشف الحكمي كما يأتي أو الكشف من حين ما يمكن مع تنزيل كلام أهل الكشف من حين العقد عليه في مقابل أهل القول بالنقل من حين الإجازة ، فلا يرد محذور بالمرة.

هذا ويعرف حكم باقي صور المسألة بعد معرفة حكم هذه الصورة منها.

ثم اعلم ان (العلامة في القواعد) ذكر في المقام عبارة ربما توهم ما لا يمكن الالتزام به من جعل صورة ما لو باع ثم ملك مثالا لعدم وجود المجيز حين العقد ، كما مثل له بما لو باع مال الصبي ثم بلغ وأجاز حيث قال فيه : «فبيع الفضولي موقوف على الإجازة على رأى وكذا الغاصب وان كثرت تصرفاته في الثمن الى ان قال : والأقرب اشتراط كون العقد له مجيز في الحال ، فلو باع مال الطفل فبلغ وأجاز لم ينفذ على إشكال ، وكذا لو باع مال غيره ثم ملكه وأجاز» انتهى.

وجعل (في جامع المقاصد) قول مصنفه : «وكذا لو باع ..»

عطفا على حكم مثال بيع مال الطفل ، غير أنه تردد في كون الحكم المعطوف عليه لا ينفذ بنحو الجزم أولا ينفذ على اشكال ، وتكلف لكل منهما وجها فراجع كلامه. وعليه فيرد على مصنفه : أنه كيف جعل ذلك مثالا لعدم المجيز في الحال مع وجود المجيز حين العقد غير أن المجيز حين العقد غير المجيز حين الإجازة وهو شرط آخر على تقدير اعتباره ، فالظاهر كونه معطوفا على قوله : وكذا الغاصب

بتقدير : وكذا يصح أو باع - كما في كنز الفوائد - وعليه فيكون العلامة في القواعد ممن يرى صحة بيع من باع مال الغير ثم ملكه وأجاز لا بطلانه كما توهم هذا وقد بقي في المقام محذور آخر ربما يتوهم من أجله لغوية الإجازة ، وهو أن بيع المالك ولو من الفضولي اما رد لعقده كما ان التصرف بالنقل ونحوه في زمن الخيار فسخ ، وفي الهبة ونحوها من العقود الجائزة رجوع بتقريب أن مريد الشي‌ء كاره لأضداده التي منها عقد الفضولي ، ولا نعني بالرد إلا الكراهة المنكشفة : إما بالقول أو بالفعل ، كما أن الإجازة هي الرضا المنكشف بأحدهما ، وأما بحكم الرد في سقوط العقد عن التأثير ولو بالإجازة كالعتق والوقف ونحوهما مما يوجب خروج المحل عن قابلية تأثير الإجازة فيه ، وبذلك يظهر وجه التفصيل بين النقل الاختياري والانتقال بالإرث.

وفيه ان الضد لبيع المالك انما هو صحة عقد الفضولي بالصحة الفعلية دون الصحة التأهلية لان الضدية المانعة عن تحقق ضده انما هي بفعلية تأثيره لا بشأنيته ، وأما القياس بالعتق ونحوه قياس مع الفارق لان المقيس عليه مما يوجب خروج المحل عن قابلية تأثير الإجازة فيه وفي المقيس انما يخرج اجازة المالك عن التأثير في المحل لا خروج المحل عن تأثير الإجازة فيه.

وبعبارة أخرى ببيع المالك يخرج العقد الأول عن التأثير بالإجازة بالنسبة إليه لا مطلقا حتى بالنسبة إلى المشترى منه. ودعوى السقوط به عن التأثير مطلقا مصادرة ، لأنه عين الدعوى. وأما كون التصرف الناقل في زمن الخيار فسخا وفي العقود الجائزة رجوعا ، فلظهور الفعل في الصحيح المحمول عليه بحكم أصالة الصحة في فعل المسلم وهو مستلزم للفسخ أو الرجوع والا لبطل لكونه حينئذ تصرفا في مال الغير ، فصحة التصرف موقوفة على الملك المتوقف حصوله على الفسخ أو الرجوع ، وتصرف المالك بالبيع هنا تصرف في ملكه ولا تتوقف صحته على سبق الرد منه حتى يقال : ان البيع

رد منه أو متضمن للرد فينفذ تصرفه فيه ما لم تسبق منه الإجازة ، فلا يقاس ذلك بالتصرفات الناقلة في زمن الخيار أو في العقود الجائزة.

نعم هنا أخبار استدلوا بها على المنع في المقام بعضها بنحو العموم كالنبوي المستفيض : «لا تبع ما ليس عندك» والآخر «لا بيع إلا فيما يملك» لشموله ما لو باع ثم ملك ، فإنه حين البيع بيع ما ليس عنده ولما لا يملك.

وفيه ما تقدم فيهما من الجواب عنهما عند الاستدلال بهما على البطلان رأسا (1)

فالمناقشة من هذه الناحية بعيدة جدا ، وحينئذ فنقول : لا إشكال في دلالة النبويين على فساد بيع ما ليس عند البائع وما لم يملكه إنما الكلام في أن المراد فساده وعدم ترتب الأثر عليه بالنسبة إلى خصوص البائع ولعله الظاهر ، كما يشهد بذلك كون النبوي الأول ، كان جوابا لحكيم بن حزام حيث سأله عن بيع شي‌ء لم يملكه ثم اشترائه وتسليمه للمشتري. وعليه فلا يقتضي فساده بالنسبة إلى البائع الفضولي عدم صحته بالنسبة إلى المالك الأصلي بإجازته البيع وإسناده إليه بها ، أو ان المراد فساد البيع المذكور أصلا وعدم قابليته للتصحيح حتى بالنسبة إلى المالك الأصلي بإجازته البيع وإسناده إليه بها قبل أن يبيعه من شخص آخر ، الظاهر من النبويين هو الوجه الأول وأن البيع من الفضولي انما لا يصح ولا يؤثر بالنسبة إلى خصوص البائع ، ولا ينافي ذلك تأثيره وصحته بالنسبة إلى المالك إذا أجاز ذلك البيع فإن السائل ـ وهو حكيم بن حزام في النبوي الأول ـ سأله عن بيع الشي‌ء ثم اشترائه من مالكه وتسليمه الى المشترى منه ، فسؤاله عن صحة البيع لنفسه لا عن صحته مطلقا ولو للمالك. والنبي ـ صلى اللّه عليه وآله ـ نهاه عن ذلك بقوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) «لا تبع ما ليس عندك» بناء على أن النهي منه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إرشاد الى عدم ترتب الأثر المقصود من ذلك البيع عليه ، فالمستفاد من النبوي بعد إلغاء خصوصية السائل وكون النهي وضعيا لا مجرد تكليف : أن كل من باع شيئا قبل تملكه ثم اشتراه من مالكه وسلمه الى المشترى منه فبيعه باطل لا يترتب عليه الأثر المقصود للبائع وهو تملكه الثمن بإزاء تمليكه مال الغير وأما صحة البيع المذكور بالنسبة إلى المالك للعين المبيعة فضولا مع إجازته أو عدم الصحة فلا السائل في مقام السؤال عنه ولا إطلاق الجواب من النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في مقام بيان ذلك ، فيرجع في حكمه إلى سائر أدلة صحة العقد الفضولي أو عدم صحته ، وكذا النبوي الثاني : «لا بيع إلا فيما يملك» فان مفاده حصر صحة البيع بمعنى ترتب الأثر عليه فيما يملكه حال إيجاد البيع وإنشائه لا مطلق ما يملك ولو بعد الاشتراء من مالكه. ولو كان هذا الظهور مستفادا من قرينة السياق : «لا طلاق فيما يملك ، ولا عتق إلا فيما يملك» ان لم تكن القضية بنفسها ظاهرة في ذلك.

وبالجملة فلا ينكر ظهور النبويين في عدم صحة البيع بمعنى ترتب الأثر عليه فيما لو باع ما لا يملكه ثم اشتراه من مالكه وأجاز ، ولو فرض القول بصحة البيع المذكور بالنسبة إلى البائع فضولا فلا حاجة الى إجازته بعد الشراء وإنما احتج الى اجازة المالك الأصلي في تصحيح البيع له ليحصل بذلك الاستناد اليه ويكون البيع بيعه ، وفي المقام البيع المذكور هو بيع الفضولي ومستند اليه ، ولا يتوقف استناده إلى إجازة منه لما أنشأه حال البيع وقبل الاشتراء كما لا يخفى.

وأما الأخبار الخاصة فدلالتها على بطلان البيع قبل الاشتراء وتملكه المبيع منه تكاد تكون صريحة منها : رواية يحيى ابن الحجاج ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقول لي : اشتر لي هذا الثوب وهذه الدابة وبعنيها أربحك كذا وكذا؟ قال (عليه السلام) : لا بأس اشترها ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها» فإنه ـ مضافا الى أن ظاهر قول القائل : اشتر لي كذا وبعنيه : أنه طلب منه الاشتراء من الغير ثم البيع منه بعد الاشتراء والامام (عليه السلام) أجابه عن حكم ذلك بقوله : لا بأس ـ : أن الامام (عليه السلام) في مقام الجواب قال : ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها. فإنه (عليه السلام) دفعا لما ربما يتوهم السائل انه لا مانع من أجابه القائل ولو بان ببيعه العين قبل ان يشتريها من مالكها ثم يشتريها ويسلمها اليه ، فقال (عليه السلام) : لا بأس ان تجيبه الى ذلك ولكن لا تواجبه إلخ يعني (عليه السلام) لا تقل بعتك العين الكذائية قبل أن تقول لمالكها : بعينها فيقول : بعتكها أو يقول البائع ابتداء منه : بعتك العين الكذائية فتقول : اشتريتها. والحاصل : لا تبعها قبل أن تتملكها ـ فدلالة الجواب على فساد البيع قبل الشراء من المالك واضحة بالنسبة إلى السائل ، وهو يحيى ابن الحجاج ـ سواء أجاز البيع بعد تملكه المبيع باشترائه من مالكه أم لم يجزه ـ نعم الظاهر أن الامام ـ عليه السلام ـ ليس في مقام بيان حكم هذا البيع الفضولي بالنسبة إلى مالك العين الأصلي ، فيرجع في حكمه إلى سائر أدلة صحة البيع الفضولي مع اجازة المالك حال العقد : من العمومات مع إضافة دليل اعتبار طيب نفس المالك ، أو الأدلة الخاصة الدالة على الصحة مع اجازة المالك ، ومنها رواية خالد ابن الحجاج قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرجل يجيئني ويقول : اشتر هذا الثوب أربحك كذا وكذا؟ فقال عليه السلام : أليس ان شاء أخذ وان شاء ترك؟ قلت : بلى قال (عليه السلام) : لا بأس به إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام». وقد ذكر شيخنا الأنصاري ـ قدس سره ـ احتمالات ثلاثة لقوله : «انما يحلل» إلخ أهل أظهرها هو الاحتمال الأخير يعني ان الكلام الذي وقع قبل الشراء إن كان صرف مقاولة ومواعدة بينهما على أنه يشتريه منه بعد شرائه بربح كذا وكذا يحلل ، وان كان إنشاء بيع للثوب قبل اشترائه من مالكه فإنه محرم. وعلى كل فمقتضى إطلاق حرمة العقد سواء أجاز العقد بعد اشترائه للثوب أم لم يجز فساد البيع بالنسبة إلى العاقد وان أجاز بعد الشراء والكلام بالنسبة إلى مالك الثوب المبيع فضولا قبل اشترائه هو الكلام في الرواية السابقة وأن الامام عليه السلام ليس في مقام بيان الحكم بالنسبة اليه والمرجع سائر أدلة الفضولي ، ومنها : صحيحة ابن مسلم قال : «سألته عن رجل أتاه رجل فقال له : ابتع لي متاعا لعلي أشتريه منك بنقد أو نسيئة فابتاعه الرجل من أجله؟ قال : ليس به بأس ، انما يشتري منه بعد ما يملكه» والظاهر أن المتاع الذي طلب القائل ابتياعه له هو متاع معين والتنكير من السائل ، إذ من البعيد أن يقول شخص لآخر : ابتع لي متاعا اي متاع شئته لعلي أشتريه منك. كما ان الظاهر أنه متاع خارجي لا كلي في الذمة. وعلى كل فتعليل عدم البأس في الجواب بقوله : انما يشتريه منه بعد ما يملكه ، يدل على أن الاشتراء إذا كان قبل التملك والابتياع فيه بأس ، يعني ليس بصحيح. وبمضمونها ـ سؤالا وجوابا ـ صحيحة منصور ابن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السلام ومنها : صحيحة معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام يجيئني الرجل فيطلب منى الحرير فيقاولني عليه وأقاوله في الربح والأجل حتى نجتمع على شي‌ء ثم أذهب لأشتري الحرير فأدعوه إليه؟ فقال : أرأيت إن وجد هو مبيعا أحب إليه مما عندك أيستطيع أن يصرف اليه ويدعيك ، أو وجدت أنت ذلك أتستطيع أن تصرف عنه وتدعه؟ قلت : نعم ، قال : لا بأس» ، وظاهر هذه الرواية أيضا كون الكلام الذي دار بينهما صرف مقاولة على الشراء منه بعد ما يشتري ولم يقع بينهما بيع وشراء فعلي.

ثم ان النهى في هذه الروايات يحتمل أن يكون إرشاديا إرفاقا بالمطلوب منه الشراء ثم البيع ، لا شرعيا مولويا وانه إرشاد للسائل بعدم بيع ما طلبه القائل قبل أن يشتري المتاع من صاحبه وجعل الكلام بينهما مجرد مساومة ومقاولة ، فإنه لو باعه قبل الشراء يلزمه اشتراء ما باعه بكل قيمة يسومها صاحب المتاع لأنه ملزم بشرائه وتسليمه من جهة البيع السابق وربما لا يكون ذلك من مصلحته نظرا الى كون الثمن الذي يشترى به المتاع أكثر من الثمن الذي باعه به ، وربما يدفع له شخص آخر غير صاحبه الذي قاوله على البيع ربحا يزيد على ربح المقاول بكثير فيخسر الزيادة لو باعه سابقا أو يكون بقاء المتاع عنده بعد الشراء أصلح من دفعه الى المشتري بالثمن الذي قاوله عليه أو نحو ذلك ، فيكون النهي من قبيل نهي الناصح لمن ينصحه فيقول له : لا تقيد نفسك بالبيع قبل الشراء ، بل اجعل نفسك في فسحة بمجرد مقاولة بينكما الى ان تشتري المتاع وترى رأيك ومصلحتك وعند ذلك بعه منه.

وهذا الاحتمال في عالم التصور ممكن ولعله اليه يرجع ما احتمله شيخنا الأنصاري ـ قدس سره ـ بل قواه : من أن الأخبار المذكورة ـ عامها وخاصها ـ أريد بها الكراهة مستشهدا على ذلك بأن كثيرا منها واردة في بيع الكلي وأنه لا يجوز بيع الكلي في الذمة ثم اشتراء بعض أفراده وتسليمه الى المشتري الأول والمذهب جوازه. ولعل تعبيره بأن كثيرا منها إلخ مبني على استفادته من صحيحة ابن مسلم ، وصحيحة منصور ابن حازم المعبر فيهما في السؤال عن قول القائل : ابتع لي متاعا أن المراد متاع كلي وقد ذكرنا أن التعبير في السؤال : ابتع لي متاعا ليس له ظهور الا في المتاع الشخصي نعم لا يبعد كون صحيحة معاوية بن عمار واردة في بيع الكلي وان المطلوب منه بيع كلي الحرير ، لكن لو سلمنا ظهورها في الكلي من حيث تعبيره بقوله : فيطلب منى الحرير ، وحمل البأس المفهوم من جواب الامام عليه السلام على الكراهة أو الإرشاد بالبيان الذي ذكرناه ، فلا نسلمه في باقي الروايات إذ كيف يمكن حمل قوله صلى اللّه عليه وآله : لا بيع الا فيما يملك ، وقوله (عليه السلام) : انما يحلل الكلام ويحرم الكلام ، على الكراهة أو الإرشاد.

وبالجملة فالاحتمال المذكور وما احتماله شيخنا الأنصاري ـ قدس سره ـ من الحمل على الكراهة خلاف الظاهر. والحمل على التقية أيضا خلاف الظاهر أو الأصل ، فيتعين كون النهي في الاخبار والبأس المفهوم منها أريد به الإرشاد الى أن البيع الواقع قبل الاشتراء فاسد لا يترتب عليه الأثر. وعليه فهل المستفاد منها ان البيع المذكور فاسد بقول مطلق حتى بالنسبة إلى المالك للعين فعلا فلا أثر لإجازته في تصحيح المعاوضة المذكورة ، أم أن غاية ما يستفاد منها فساد البيع وعدم ترتب الأثر عليه بالنسبة إلى البائع الفضولي وان إطلاقها ليس في مقام البيان بالنسبة إلى المالك الفعلي للعين؟ الظاهر هو الثاني خصوصا بقرينة سؤال السائل فيها حيث أنه انما يسأل عن صحة البيع بالنسبة إلى البائع ، وليس في مقام السؤال بالنسبة الى الى المالك أيضا ، فلا إطلاق في الجواب بالنسبة اليه. وعليه فالعقد المذكور له القابلية للإجازة من المالك الأصلي واستناده اليه بها ، انما الكلام في أن المستفاد من الاخبار هل هو فساد البيع قبل الشراء من مالك العين وعدم تأثيره بالنسبة إلى البائع الفضولي ما لم يجزه بعد الاشتراء من مالك العين أما لو أجازه بعده فإنه يصح. وبعبارة أخرى : إن العقد المذكور كما له القابلية للتصحيح والاستناد الى المالك بإجازته كذلك له القابلية للاستناد إلى البائع بإجازته له بعد الاشتراء من مالك العين وخروجه عن الفضولية ، يظهر ذلك من شيخنا الأنصاري ـ قده ـ في بعض كلامه ، وان عدل عنه أخيرا بقوله : «اللّهم إلا أن يقال : ان عدم ترتب جميع مقاصد المتعاقدين على عقد بمجرد إنشائه مع وقوعه مدلول ذلك العقد في نظر الشارع مقيدا بانضمام بعض الأمور اللاحقة كالقبض في الهبة والإجازة في الفضولي لا يوجب النهي إلا مجردا عن لحوق ذلك الشرط ـ الى ان يقول ـ : فالإنصاف أن ظاهر النهي في تلك الروايات هو عدم وقوع البيع قبل التملك للبائع وعدم ترتب أثر الإنشاء المقصود منه مطلقا حتى مع الإجازة ، وأما صحته بالنسبة إلى المالك إذا أجاز فلان النهي راجع الى وقوع البيع المذكور للبائع فلا تعرض فيه لحال المالك إذا أجاز فيرجع فيه الى مسألة الفضولي ـ الى ان يقول بعد كلام له ـ : فالأقوى العمل بالروايات والفتوى بالمنع المذكور» ولكنه يقول بعد ذلك : «ثم ان الواجب على كل تقدير هو الاقتصار على مورد الروايات وهو ما لو باع لنفسه واشترى المشتري غير مترقب لإجازة المالك ولا لإجازة البائع إذا صار مالكا ـ الى أن يقول ـ : فحينئذ لو تبايعا على أن يكون العقد موقوفا على الإجازة فاتفقت من المالك أو من البائع بعد تملكه لم يدخل في مورد الاخبار» انتهى.

ولقائل أن يقول : بناء على ما هو المستفاد من ظاهر هذه الاخبار ـ عامها وخاصها ـ أن البيع قبل الاشتراء فاسد لا أثر له بالنسبة إلى البائع الفضولي وان اجازه بعد الاشتراء كما التزم به الشيخ ـ قدس سره ـ بقوله السابق (فالإنصاف) .. إلخ فما المراد بقوله بعد ذلك : فلو تبايعا على أن يكون العقد موقوفا على الإجازة؟ فإن كان المراد مجرد قصدهما تعليق العقد على الإجازة فأي أثر لذلك مع فرض عدم وقوع البيع للبائع قبل التملك بالاشتراء من المالك وعدم ترتب أثر على إنشاء البيع حتى لو اجازة بعد الاشتراء.

والحاصل ان شيخنا الأنصاري بعد أن ذكر ان الإنصاف : ان ظاهر النهي في الروايات عدم وقوع البيع قبل التملك للبائع وعدم ترتب الأثر عليه حتى مع إجازته بعد التملك يريد ان يضيق دائرة فساد البيع قبل الاشتراء بحسب ما استفاده من الروايات ويحصرها بصورة ما لو تبايع المتبايعان قاصدين تنجز النقل والانتقال وعدم الوقوف على شي‌ء بل وقع البيع على وجه يلزم البائع بعد البيع تحصيل المبيع وتسليمه الى المشتري. اما لو وقع البيع على وجه التعليق على الإجازة من المالك الأصلي أو المالك بعد الاشتراء منه أو تعليق لزومه على ذلك ، فلا يكون مشمولا للأخبار الناهية والقاعدة تقتضي جوازه ، فيقال له : ان كان المراد يتبايعهما على ان يكون العقد موقوفا على الإجازة مجرد تباينهما على ذلك في نفسهما بلا ذكر لذلك عند إنشاء العقد بنحو الاشتراط ، ففيه أن الدواعي والأغراض في باب المعاملات لا تكون منشأ لأثر. وأشكل من ذلك ما لو ذكراه في العقد بنحو الاشتراط إذ هو من قبيل التعليق في العقود المجتمع على بطلانه.

وبالجملة فالظاهر انه لا ينبغي الريب في عدم صحة بيع ما ليس يملكه البائع ثم اشترائه من مالكه وتسليمه المشتري منه بجميع اقسامه وصوره ـ منجزا كان البيع أم معلقا على الإجازة تعقبه اجازة منه للبيع أم لا ـ نعم لو اجازه مالكه الأصلي قبل اشترائه منه وكان البيع السابق له لا لنفس الفضولي صح البيع للمالك ، فيبطل بيعه الفضولي بعد إجازته البيع السابق بمعنى توقفه على إجازة المشتري الأول.

فاصرار سيدنا الخال ـ قدس سره ـ على تصحيح المعاملة المذكورة إذا تعقبها إجازة من المالك الثاني بعد اشترائه من المالك الأول والقول بأن غاية ما يستفاد من الأخبار المذكورة عدم الصحة الفعلية لا الشأنية فيصح البيع مع اجازة المالك الثاني بعد الاشتراء كما يصح من المالك الأول لو أجاز البيع ، والحال ان إطلاق الاخبار المانعة من البيع قبل الاشتراء والحاكمة بعدم الصحة فيما لا يملك وشمولها لصورة تحقق الإجازة من البائع بعد الاشتراء غير قابل للتشكيك والمناقشة.

لم يتضح وجهه. وأما صحته من المالك الأول مع اجازة البيع فلما ذكرنا : من أن إطلاق الاخبار ليس في مقام البيان بالنسبة اليه ، وانما هي في مقام بيان حكم البائع الفضولي. وأما شيخنا الأنصاري ـ قدس سره ـ فلم يبت في المسألة بضرس قاطع ، فتارة يختار الصحة التأهلية ويحكم بكون البيع قابلاً للتصحيح بإجازة المالك الثاني بعد الاشتراء ، وأخرى يعدل عن ذلك ويحكم بدلالة الاخبار على عدم الصحة ولو مع الإجازة منه بعد الاشتراء وثالثة يضيق دائرة الحكم بالبطلان ويحصرها بصورة ما لو تبايعا قاصدين النقل والانتقال منجزا دون ما لو علقا البيع على الإجازة ، والأقوى بطلان جميع صور من باع ثم ملك وأجاز إلا صورة واحدة هي : ما لو باع الوارث مال مورثه للمورث ثم ورثه منه فأجاز فإنه يصح البيع المذكور بإجازته ، سواء قلنا بالنقل أو الكشف ، أما بناء على كون الإجازة ناقلة فهو من الوضوح بمكان فان البيع المذكور من الوارث نظرا لكونه لمورثه فهو قاصد للمعاوضة على حقيقتها ومن حيث انتقال المبيع إليه بالإرث فله اجازة البيع الواقع عليه فضولا حال كون المال لمورثه. وعليه فينتقل المبيع إلى المشترى ويدخل عوضه في ملك الوارث حال الإجازة. وكذا بناء على كونها كاشفة فإنها من الوارث تصحح العقد وتنفذه للمورث ، وبما انه وارثه فينتقل العوض إليه بالإرث ، نعم لو قصد الوارث بيع مال المورث لنفسه فحيث لم يقصد المعاوضة على حقيقتها بل قصد دخول العوض في ملكه بدلا عن ملك مورثه فالمعاملة المذكورة غير قابلة للتصحيح ، بالإجازة بل هي باطلة ، اللّهم إلا إذا كان الوارث من الظلمة والغصاب المتغلبين الذين يرون ادعاء كون مال الغير مالا لهم فيوقع البيع عليه بما انه مالك له فهو لدى التحليل يبيع لمالك المبيع ويطبق ذلك على نفسه ادعاء ، فلغوية ادعائه لا تنافي كون البيع لمالك المبيع حقيقة وعليه فيمكن للوارث تصحيح البيع المذكور لمورثه بإجازته بعد انتقال المال إليه بالإرث ، فتأمل جيدا. وقد أطلنا الكلام في المقام واللّه تعالى هو العالم بالأحكام.

من ضعف سند الأول منهما لكونه عاميا كما يفصح عنه الخبر المتقدم - واحتمال قراءة (لا يملك) بالبناء للمجهول ، وانه محمول على بيع ما يتعذر عليه تسليمه أو يتعسر إرشادا إلى دفع كلفة التسليم المنزل على ارادة البيع الموجب لترتب الآثار عليه ، وبعضها بنحو الخصوص في المورد كرواية يحيى بن الحجاج : قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقول لي : اشتر لي هذا الثوب وهذه الدابة وبعنيها أربحك كذا كذا؟ قال : لا بأس بذلك اشترها ولا تواجبها قبل أن تستوجبها أو تشتريها» ورواية خالد بن الحجاج قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يجيئني ويقول : اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا؟ قال : أليس ان شاء أخذ وان شاء ترك؟ قلت : بلى ، قال : لا بأس إنما يحرم الكلام ويحلل الكلام» بإرادة عقد البيع من الكلام بتقريب : ان الحل والحرمة يدوران مدار الكلام

1) الاستدلال بالأخبار المذكورة على بطلان ما نحن فيه من بيع مال الغير ثم اشترائه منه واجازة البيع : تارة بالأخبار العامة ، وأخرى بالأخبار الخاصة. أما الأخبار العامة كالنبوي الأول والثاني فالمناقشة فيهما بضعف السند ضعيفة ، فإنهما معمول بهما ومتلقيان بالقبول عند أصحابنا ، ويشهد لذلك الاستدلال بهما من البعض على بطلان بيع الفضولي ، وفي مسئلتنا على البطلان أيضا كما أن المناقشة في دلالة الثاني منهما - باحتمال كون (يملك) بصيغة المجهول وأن المعنى لا بيع فيما لا يكون مملوكا لأحد كالحر والمباحات الأصلية ـ ضعيفة ، فإنه مضافا الى ضعف هذا الاحتمال في نفسه ـ لأن مالية المبيع معتبرة في حقيقة البيع وليس النبوي في مقام بيان نفي الحقيقة فيما لا يملك بل في مقام نفي الصحة بلسان نفي الحقيقة ـ ينافيه وحدة السياق فيه بقوله (عليه السلام) : «لا طلاق الا فيما يملك ولا عتق الا فيما يملك» فإنه لا يحتمل ان يكون المراد نفي الطلاق في غير المزوجة ، والعتق في غير مملوك كالحر.

وجودا وعدما ، فالحل يدور مداره نفيا والحرمة إثباتا - كما عن الوافي

في تفسير - وعليه فيكون المراد من العقد المحرم وجوده والمحلل عدمه هو عقد الفضولي ، أو بإرادة عقد المالك من الفضولي فيكون ثبوته محللا ونفيه

محرما فالكلام حينئذ محلل إثباتا ومحرم نفيا كما هو الظاهر في تفسيره : وعلى التقديرين يستفاد منها المنع عن البيع قبل شرائه من المالك ، وصحيحة ابن

مسلم قال : «سألته عن رجل أتاه رجل فقال له : ابتع لي متاعا لعلي أشتريه منك بنقد أو نسية ، فابتاعه الرجل من أجله؟ قال : ليس به بأس إنما يشتريه

منه بعد ما يملكه ، وصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في

رجل أمر رجلا ليشتري له متاعا فيشتريه منه؟ قال : لا بأس بذلك

انما البيع بعد ما يشتريه» وصحيحة معاوية بن عمار قال : «سألت

أبا عبد اللّه (عليه السلام) : يجيئني الرجل فيطلب بيع الحرير وليس عندي شي‌ء

فيقاولني عليه وأقاوله في الربح والأجل حتى نجتمع على شي‌ء ، ثم أذهب

لاشترى الحرير فأدعوه إليه فقال : أرأيت إن وجد هو مبيعا أحب إليه مما عندك أتستطيع أن تصرف اليه ويدعك ، أو وجدت أنت ذلك : أتستطيع أن تصرف عنه وتدعه؟ قلت : نعم قال : لا بأس».

والإنصاف أن هذه الأخبار ، وان كانت صريحة في المنع عن البيع قبل التملك إلا أنها محمولة على البيع الموجب لترتب الآثار عليه من الإلزام والالتزام بمضمونه بحيث للمشتري مطالبة الفضولي بما باعه والتزام الفضولي للشراء من المالك للدفع اليه وفاء لما التزم به كما لعله العادة الجارية عند العرف على وقوع هذا النحو من المعاملة ولو بقرينة قوله في رواية خالد : أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك ، وقوله في صحيحة معاوية : أرأيت إن وجد هو مبيعا .. إلخ ، النافيتين للبأس عما لم يكن فيه إلزام والتزام ، الدالتين بالمفهوم على ثبوته فيما كان كذلك وليس إلا البيع الموجب لترتب الآثار عليه بإرادة الصحة الفعلية منه دون الشأنية المبحوث عنها في المقام ، كيف والصحة التأهلية ثابتة للعقد بالنسبة إلى المالك لان البحث عنها هنا بعد البناء

على صحة الفضولي وعدم العبرة بقصد المنتقل عنه في حقيقة البيع كما عرفت والتبعيض في الصحة بالنسبة الى بعض دون بعض لا وجه له.

لكن رواية حسن بن زياد الطائي قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إني كنت رجلا مملوكا فتزوجت بغير إذن مولاي ثم أعتقني بعد ، فأجدد النكاح؟ فقال : علموا انك تزوجت؟ قلت : نعم ، فسكتوا ولم يقولوا لي شيئا ، قال : ذلك إقرار منهم ، أنت على نكاحك» ظاهرة بل صريحة ولو بمعونة السؤال عن علم السيد واستناد صحة النكاح والبقاء عليه الى سكوته مع علمه المنزل على إقراره - في بطلان عقده أولا ذلك ، وإلا لكان استناد ذلك الى إجازته حين أن ملك نفسه بالتحرير أولى لأن النكاح حينئذ صحيح على كل تقدير عند التحرير مطلقا أو مع أجازته من غير حاجة الى السؤال عن علم السيد وسكوته حتى يكون إقرارا منه.

إلا أنه يمكن الجواب عنه ، بأن سؤال السائل - وان وقع عن لزوم تجديد النكاح وعدمه وعدم التجديد وان كان معلولا لأحد أمرين اما الإقرار السابق أو التحرير اللاحق الموجب لصحته من حينه لا من حين العقد - الا أن فائدة السكوت مع العلم أتم لاستلزامه الصحة من حين العقد فالعدول عن بيان حكم المسؤول عنه إلى السؤال عما يستلزمه لو تحقق انما هو رجاء لتصحيح النكاح والوطء من حين العقد ، فإنه أتم فائدة وأعم نفعا.

هذا وعلى ما نزلنا عليه الأخبار المتقدمة ينزل كلام العلامة في (التذكرة) حيث أفتى في المسألة بالبطلان ، نافيا للخلاف فيه ، مستدلا عليه بنهي النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عن بيع ما ليس عندك ، ولزوم الغرر ، حيث قال فيه :

«فروع - الى أن قال : الثالث ، لا يجوز أن يبيع عينا لا يملكها ويمضى ليشتريها ويسلمها ، وبه قال الشافعي وأحمد ، ولا نعلم فيه خلافا ، لنهي النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عن بيع ما ليس عندك ، ولاشتماله على الغرر فان صاحبها قد

لا يبيعها وهو غير مالك لها ولا قادر على تسليمها» انتهى ، ضرورة أن كلامه لا ينطبق إلا على إرادة الصحة الفعلية من البيع وترتب الأثر عليه حتى يستلزم الغرر باحتمال تعذر التسليم لعدم رضاء صاحبها ، سيما وقد سبق منه في الرد على من استدل على بطلان الفضولي رأسا بعدم القدرة على التسليم : الجواب عنه بأن القدرة على التسليم من المالك موجودة ان اجازه فلو أراد بالصحة هنا الصحة التأهلية كان ما ذكره جوابا عن دليل خصمه - هنا - جوابا له عن دليله في المقام إذ القدرة له على التسليم حاصلة على تقدير تملكه كما ان القدرة على التسليم هناك حاصلة على تقدير اجازة المالك فالقدرة الفعلية منتفية في المقامين والتعليقية موجودة فيهما ولا يمكن التفكيك إلا بإرادة المنع عن الصحة الفعلية هنا والجواز على الصحة التأهلية هناك. ويشهد لذلك أيضا ما هو المحكي عنه في (المختلف) فراجع

وكيف كان فالأقوى في المسألة صحة عقد من باع ثم ملك بالصحة الشأنية التأهلية مطلقا من غير فرق بين ما لو باع لنفسه أو للمالك وبين من ملك العين بنقل أو انتقال بالإرث أو ملك التصرف كما لو باع مال الطفل عاميا ثم صار فقيها له الولاية عليه فأجاز لكن في لزوم البيع بمجرد التملك أو توقفه على الإجازة بعده قولان : اختار أولهما الفخر في (إيضاحه) ولعل وجهه دعوى اجتماع شروط الصحة من الطيب المنكشف : بالإنشاء القولي بالعقد مستمرا الى حصول الملك ولم يكن فاقدا من شروط التنجز إلا الملك المفروض حصوله بالتملك.

نعم لو زال الرضا قبله توقف على حدوثه بعده منكشفا : اما بالقول أو بالفعل ، فيكون التسليم على الأول تسليما وفائيا وعلى الثاني تسليما إجازيا ولا دليل على اعتبار مقارنة الرضا المنكشف للتملك بعد صحة استناد العقد اليه عند التملك بعد إنشائه الكاشف عن الطيب المستمر الى حين التملك

خصوصا فيما لو باع لنفسه فيدخل في عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «تِجارَةً عَنْ تَراضٍ».

ومنه يعلم الجواب عما قيل في رده : من أن الرضا حين العقد لا يجدي لكونه من أجنبي غير مالك وعند التملك لا بد من انكشافه على تقدير تحققه إما بالقول أو بالفعل ، وهو وجيه من حيث كبرى القضية ، سيما في ما لو كان البيع لنفسه. وأما الصغرى وهي ثبوت الرضا مستمرا الى حين التملك المتوقف عليه اللزوم لو شك فيه فالأصل بقاؤه.

اللّهم إلا أن يقال : انه من الأصل المثبت ، ومع ذلك كله فالأحوط - بل لعله الأقوى - قصد الإجازة بالدفع والتسليم بعد التملك لأن المقيد بالانكشاف قولا أو فعلا انما هو الرضاء المعتبر ، وحيث كان منكشفا لم يكن معتبرا وحيث صار معتبرا لم يكن منكشفا فلا بد من الكشف عنه حين كونه معتبرا وهو في زمان التملك فافهم.

ويلحق بالمسألة ما لو باع معتقدا أنه مال غيره ثم بان أنه مال نفسه لكن يتعين هنا التوقف بعد الكشف على الإجازة لعدم إحراز الرضا لو فرض العلم بكونه له ، بل هو في الحقيقة ليس من الفضولي موضوعا لأنه باع ما هو ملكه لكن مثله في الحكم من الصحة والتوقف على الإجازة نعم لو فرض تحقق الرضا منه حين الإنشاء بنقل البيع جزما غير أنه اقترن بخطاء معتقده للواقع أمكن جريان الكلام المتقدم في لزومه بمجرد الانكشاف ، بل هنا أولى لأنه باع ما هو ملكه ، بل يمكن فيه دعوى اللزوم من حين العقد وينكشف له عند الانكشاف بل لعله هو الأقوى. وفي إلحاق العتق ونحوه من الإيقاعات بالعقود في هذه المسألة في الحكم من الصحة والتوقف على الإجازة وجهان : مبنيان على جري الفضولي في الإيقاعات وعدمه ، وقد تقدم الكلام فيه مستوفى فلاحظ.

فظهر مما ذكرنا سابقا ولا حقا : أن قصد ما ليس من مقومات البيع لا يقدح بصحته مخالفته للواقع غير أنه يتوقف على الرضا بالواقع بعد انكشاف مخالفة المعتقد له ان كان مما يقبل التوقيف عليه والا بطل رأسا كالإيقاعات بناء على عدم جريان الفضولي فيها أو فيما لا يقبل منها بإجماع ونحوه ، فلو باع مال نفسه معتقدا للغير فضولا عنه لو باع مال غيره معتقدا لنفسه صح فيهما وتوقف على إجازته في الأول واجازة المالك في الثاني بعد الانكشاف أو أعتق مملوكه بظن انه مملوك الغير فضولا بل ولو أعتقه عن نفسه كما لو دفع اليه الغاصب مع جهله ، وقال : خذ عبدي وأعتقه عنك ، فأعتقه عن نفسه ثم انكشف انه مملوكه ، بطل العتق رأسا لعدم الطيب في الواقع أو توقف على أجازته بعد الكشف إن قلنا بالفضولي في الإيقاعات. ومنه يعلم أنه لو اذن المالك بالتصرف في ملكه معقدا أنه لغيره لا يصح للمأذون العالم بالكيفية التصرف فيه بتلك الاذن لعدم إحرازه على تقدير العلم به بل لو أذن المالك بالتصرف في ملكه معتقدا انه صديقه لم يجز للمأذون التصرف فيه مع كونه عدوا لتقييد الاذن له بالعنوان المشتبه في تطبيقه عليه فيدور مداره واقعا ، فلا اذن مع التخلف. وذلك كله واضح ، وان تأمل بعض في بعضها (1)

إنما الكلام في الصورة الثانية وهي ما لو أذن شخص لآخر بالتصرف في ماله معتقدا أنه صديقه ، وكان عدوا له واقعا ، قيل حيثية الصداقة هنا أيضا تقييدية ، فهو بمنزلة أن يقول له : كل هذا الطعام ، أو تصرف في هذا المتاع إن كنت صديقا لي ، فلا يصح له التصرف مع عدم اتصافه بالصداقة بل بضدها ، فتتحد المسألتان في الملاك والحكم ـ كما يظهر ذلك من سيدنا قدس سره ـ أو ان حيثية الصداقة تعليلية بمعنى كونها من قبيل الداعي لإذن المالك بالتصرف ، فلا يضر تخلفها بجواز التصرف للمأذون ، فمن ذبح شاة وطبخها وهيأ طعاما بداعي أن يدعو لها جماعة من المحتاجين فاعتقد بشخص أنه محتاج فدعاه الى طعامه ، وأذن له بالتناول منه والأكل في حين أن المدعو يعلم بأنه ليس منهم وأن المالك مشتبه في اعتقاده أنه محتاج ، لا يبعد القول بجواز تناوله من ذلك الطعام وعدم ضمانه لما أكله. نعم لو صرح المالك بأن طعامه مباح لمن اتصف بالعنوان الكذائي ـ أي الاحتياج ـ أو أن ذلك الطعام كان منذورا للمحتاجين ـ مثلا ـ لا يجوز لغير المحتاج التناول منه مع علمه بذلك وأن المالك مشتبه في اعتقاده.

والحاصل : يمكن أن يدعى الفرق : بين ما لو صرح المالك في مقام الاذن بالتصرف في ماله بأن المأذون من اتصف بالعنوان الكذائي ، فلا يجوز لمن لم يتصف بذلك العنوان واقعا التصرف بذلك المال ، وبين ما لو اذن المالك لشخص خاص بالتصرف بما له معتقدا بأنه متصف بذلك العنوان وكان ذلك الشخص غير متصف به مع علمه بأن المالك إنما دعاه وأذن له في التصرف لاعتقاده فيه الصداقة ـ مثلا ـ فيمكن أن يقال : إنه يجوز له التصرف وان اعتقاد المالك تعنونه بذلك العنوان داع وباعث لإذنه بالتصرف ولا اعتبار بتخلف الداعي في العقود ـ عهدية كانت أم اذنية ـ وكذا الإيقاعات ، بخلاف ما إذا كان المدعو والمأذون ذا العنوان فان المقيد ينتفي بانتفاء قيده.


1) يمكن أن يفرق بين ما لو أذن المالك لأحد في التصرف في ملكه معتقدا أنه لغيره ، وبين ما لو أذن لشخص بالتصرف في ملكه معتقدا أنه صديقه مع كونه عدوا له في الواقع ، فيقال : ليس للمأذون التصرف في الصورة الأولى مع علمه بالكيفية وأنه إنما أذن له بالتصرف لاعتقاده أن المال لغيره ، فان دليل : عدم حل التصرف في مال المسلم إلا بطيب نفسه إنما يقتضي جواز التصرف في مال الغير إذا طابت نفسه ورضي بالتصرف فيه بما أنه مال له ، ولا يكفي في ذلك مجرد كون المال المأذون بالتصرف فيه مالا له واقعا ما لم يكن عالما بكونه له ، وبعبارة أخرى : إن الحيثية هنا تقييدية والاذن من المالك في هذه الصورة بالتصرف في المال انما كان بما أنه مال الغير لا بما أنه ماله ، فمن جعل متاعا أو طعاما عند الغير ليقدمه إليه إذا حضر ، فقدم له الغير متاعا من أمتعته أو طعاما منه معتقدا أنه هو ذلك المتاع أو الطعام المجعول عنده ليقدمه إليه إذا حضر ، فلا يجوز له مع علمه باشتباه المقدم التصرف فيه والتناول منه بملاك : طيب نفس المالك به ، وهو واضح.

هذا تمام الكلام في موضوع الإجازة وشروط تأثيرها وأما حكمها من حيث كونها ناقلة من حينها أو كاشفة عن النقل من حين العقد ، فقد اختلفت كلماتهم في ذلك على قولين فعن الأشهر - بل المشهور - أنها كاشفة وعن غير واحد - ومنهم كاشف الرموز والفخر في الإيضاح وكاشف اللثام في النكاح وقواه في مجمع الفائدة أنها ناقلة.

وأحسن ما استدل به للأول هو ان الإجازة متعلقة بالعقد فهي رضا بمضمونه وإمضاء له وليس مضمونه إلا نقل العوضين من. حينه ورد بما يرجع

ملخصه الى منع كون زمان العقد قيدا للنقل ومندرجا في مضمونه حتى يكون إمضاؤه إمضاء للنقل من حينه وانما الزمان من ضروريات الإنشاء وظرف له بل مضمون العقد ليس الا مجرد النقل. وترتب الملك عليه جامعا للشرائط انما هو لاقتضاء وجود السبب وجود مسببه والا لاقتضى القبول الملك من حين الإيجاب إذ ليس القبول الا قبول مضمون الإيجاب الذي هو التمليك من حينه وكون العقد مركبا منهما لا يجدي فارقا بينهما بعد جعل ما ذكر ملاكا لزمان الملك. وفيه أن الزمان وان لم يكن مأخوذا على وجه القيدية في النقل إلا أن الإنشاء وان كان من الفضولي يحدث ربطا بين العينين ولو في الجملة المنتزعة منه اضافة كل منهما الى من وقع

له العقد عرفا ولو ضعيفة لم يترتب عليه أثر في الشرع ، وهذا القدر من الربط والإضافة اثر للإنشاء ولو كان المنشئ أجنبيا : وهذا هو المراد من قولهم بصحة الفضولي بالصحة التأهلية ، واستدلال بعضهم على بطلانه رأسا بأنه تصرف في مال الغير كما تقدم بتوضيح منا وإلا فمجرد الأهلية ومحض القابلية لعروض المبادلة بين العينين حاصل قبل الإنشاء أيضا ، إذ ليس الكلام فيه فيما لا قابلية له كبيع مالا يملك من الخمر والخنزير ونحوهما فاذا حدث ربط البدلية والإضافة المنتزعة منه بالإنشاء وعند وقوعه وحصل الإمضاء من المالك له كان ذلك تصحيحا منه لذلك الأثر وتتميما منه للسبب المنتج للصحة من حينه ، فالتصحيح وان كان حادثا بالإجازة إلا ان الصحة متعلقة بالأثر السابق الحادث بالعقد لأنه أمر مجعول شرعي يدور مدار كيفية جعله واعتباره.

وبالجملة فالإجازة محدثة للتأثير في العقد السابق وجاعلته سببا تاما حتى كأنه وقع مؤثرا ، أو للتأثير في أثره الحادث من حينه حتى كأنه وقع الربط قويا موجبا لترتب الأثر عليه وان لم تكن الإجازة بهذا المعنى شرطا اصطلاحيا ليؤخذ فيه تقدمه على المشروط ولا جزء سبب وحينئذ فالتأثير وان كان حادثا بالإجازة ويحدث بحدوثه الملك إلا أنه ينبسط بحدوثه الى حين العقد الذي هو منتهى الانبساط من طرف السابق وحرف الابتداء في قولهم : من حين العقد لبيان مبدء الطرف لا مبدء الحدوث ، فان زمان الإجازة مبدؤه وحين العقد منتهاه وبملاحظة الانبساط المذكور عبر عنها بالكاشفة وامتاز القول : بها عن القول بكونها ناقلة لعدم الانبساط فيه إلا في الطرف اللاحق. وبذلك يظهر الوجه في عدم جواز التصرف فيه قبل الإجازة لعدم الملكية قبلها في الواقع وان علم لحوق الإجازة بأخبار معصوم ونحوه كما التزم به بعض بناء منه على أن الإجازة بنفسها ليست شرطا بل الشرط

هو كون العقد ملحوقا بها وهو شرط مقارن للعقد موصوف به حين وقوعه وانما الإجازة محققة لوصف العقد وشرط للعلم باتصافه به كما ستعرف.

هذا ولكن الوجه المذكور ان تم فإنما يتم بالنسبة إلى خصوص كشف الإجازة عن صحة عقد الفضولي دون كشف سائر الشروط المتأخرة عن صحة مشروطاتها المتقدمة عليها الواقعة كثيرا في تضاعيف أبواب الفقه من العبادات والمعاملات. وبهذا التقرير اتضح لك صحة الاستدلال على كون الإجازة مؤثرة كذلك بعموم « ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) و ( تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) » المتوجه نحو المالك المجيز بعد استناد العقد إليه بالإجازة وتنزيل إنشاء الفضولي منزلة إنشائه بل رضاء العاقد الفضولي المدلول عليه بإنشائه منزلة رضاه حتى كأن رضا العاقد المقارن للإنشاء بعد التنزيل رضا المالك الموجب لسببية العقد وتأثيره عنده مجردا عن ملاحظة قبلية الزمان حتى عن لحاظ ظرفيته ولا يقدح بذلك تبعية الملك للتكليف بالوفاء المتوجه نحو المالك حين الإجازة بعد ما عرفت من الانبساط المذكور.

هذا ولكن مع ذلك كله لو سلم سلامة الوجه بهذا التقرير عن محذور تقدم المشروط على شرطه أو المسبب على جزء سببه فلا يكاد يسلم كما قيل عن محذور كون العقد الموجود على صفة عدم التأثير يستحيل لحوق صفة التأثير بل لا فرق في الاستحالة بين كونه على صفة عدم التأثير أو عدم كونه على صفة التأثير لاستحالة خروج الشي‌ء عما وقع عليه اللّهم إلا ان يرجع بعد قيام الدليل عليه الى الكشف الحكمي من لزوم ترتيب آثار الملك عليه من حين العقد لا نفس الملك وهو قول آخر في المسألة كما ستعرف.

هذا كله بناء على تصحيح الكشف الحقيقي مع كون الإجازة المتأخرة بنفسها شرطا وقيل في تصحيحه لذلك لكن بجعل الشرط كون العقد معقبا بالإجازة وملحوقا بها وهو شرط مقارن للعقد ولحوق الإجازة انما هو شرط

للعلم بتحقق الشرط المقارن فحال العقد في كونه ملحوقا بها في الواقع أولا مستور غير معلوم في مرحلة الظاهر تنكشف واقعيته بالإجازة وعدمها.

ويتضح بهذا الوجه حال كل ما ورد في الشرع من الشرط المتأخر بإرجاعه إلى شرطية الوصف المقارن المنتزع من المتأخر بوصف كونه متأخرا فيكون وجوده كاشفا عن تحقق الوصف العنواني في الواقع المقارن للمشروط به في الزمان فالإجازة تكشف عن سبق تحقق العنوان المشروط به العقد ويكفي في المنع عن التصرف قبلها عدم إحراز شرط الصحة فضلا عن كونه مقتضى الأصل أيضا.

وأما النماء فحيث يدور مدار ملك العين في الواقع كان نماء المبيع للمشتري ونماء الثمن المعين للبائع تبعا لملكية العين فيهما من حين العقد.

نعم يلزم على هذا الوجه جواز التصرف قبل الانكشاف مع العلم به بأخبار معصوم ونحوه كما التزم به بعض مع أن المشهور على المنع عن التصرف ، بل لعل الإجماع محكي عليه إلا أن ينزل إطلاق كلامهم على الغالب من الجهل بالواقع أو يلتزم به ان تم الإجماع عليه وان لزم التفكيك بين الملك وحكمه من جواز التصرف بعد اقتضاء الدليل ذلك كالرهن المملوك للراهن الممنوع عن التصرف فيه والمحجور عليه الممنوع عن التصرف في ملكه.

اللّهم إلا أن يفرق بينهما بوجود المانع عن التصرف في ذلك من تعلق حق الغير به ونحوه لا لعدم اقتضاء الملك لذلك كما في المقام.

ولكن قد يخدش الوجه المذكور بان الوصف العنواني أمر منتزع من المتأخر ، والأمور الانتزاعية حيث لا واقعية ولا تحقق لها الا بواقعية منشأ انتزاعها وتحققه كانت بنفسها غير قابلة للمداخلة في التأثير ، بل لا بد ان يكون مداخلتها بمنشإ انتزاعها والمفروض عدم مقارنته فالمحذور على حاله.

إلا أنه يمكن الجواب عنه بأن الانتزاعي وهو وصف التعقب انما

هو منتزع عن بعدية الإجازة لا عن الإجازة نفسها والبعدية صادقة بمجرد عدم اقترانها بالعقد بعد فرض لحوقها به فالمنتزع وعنوان منشأ الانتزاع معا مقترنان بالعقد ، وهذا القدر كاف في مداخلته في تأثير العقد.

توضيح ذلك : ان الأمر الإضافي : تارة يكون منتزعا من متضايفين متحدين في الوجود زمانا ، وأخرى يكون منتزعا منهما مرتبين فيه بحيث يكون أحدهما مقدما والآخر مؤخرا في الزمان. وبعبارة أخرى منتزع من وجود فعلي ومعدوم يوجد في زمان متأخر ويصح اتصاف الأول من حين وجوده بالتقدم ونحوه من الأوصاف المنتزعة كذلك كالسابقية والملحوقية قبل وجود المتأخر لكونه منتزعا من كونه سيوجد لا مما هو موجود ووجوده حينئذ كاشف عن صحة الاتصاف لا شرط لنفسه والحكم مترتب على الأول من حيث كونه متصفا بالصفة المذكورة من التعقب والملحوقية المأخوذة في مفهومهما تأخر المتأخر ، فالصفة المذكورة موجودة في الواقع والاتصاف بها محقق كذلك لكونها منتزعة من أمر سيوجد لا من أمر موجود. وهذا القدر كاف في إمكان مداخلة الأمر الانتزاعي في التأثير من حين انتزاعه كذلك.

وهذا الوجه للتخلص عن محذور ما ورد في الشرع من الشرط المتأخر بظاهره عندي أحسن الوجوه المذكورة لذلك بل هو المتعين ولعله اليه يرجع ما هو المحكي عن تقريرات شيخنا المرتضى - قدس سره - في تصحيح الشرط المتأخر : من أن الشرط في هذه الموارد ليس بمتأخر ، بل المتأخر بوصف تأخره جعل شرطا ومعه لا تأخر للشرط فيها. فلا يحتاج في التخلص عنه الى ما تكلف له بعض فضلاء المعاصرين : من أن الشرط في هذه الموارد ليس المتقدم أو المتأخر بوجودهما الكوني الزماني كي يلزم المحذور بل بوجودهما الدهري المثالي وهما بهذا الوجود لا يكونان إلا مقارنين للمشروط فان المتفرقات

في سلسلة الزمان مجتمعات في وعاء الدهر.

وكيف كان فالكلام الى هنا في إمكان كون الإجازة كاشفة عن النقل من حين العقد. وأما كونها كاشفة كذلك فيدل عليه مع ذهاب المعظم اليه بعض الأخبار التي : منها - صحيحة أبي عبيدة الواردة في تزويج الصغيرين فضولا الآمرة بعزل الميراث من الزوج المدرك الذي أجاز فمات للزوجة الغير المدركة حتى تدرك وتحلف ، ضرورة أن العزل لها قبل النقل إليها مخالف لقاعدة تسلط الناس على أموالهم فإطلاق الحكم بالعزل منضما الى عموم : الناس مسلطون على أموالهم يفيدان العزل لاحتمال كون الزوجة الغير المدركة وارثة في الواقع فكأنه احتياط في الأموال قد غلبه الشارع على أصالة عدم الإجازة كعزل نصيب الحمل وجعله أكثر ما يحتمل هذا.

وقد بقي الكلام في الثمرات التي ذكروها بين القول بالنقل والقول بالكشف وعلى الكشف بين جميع محتملاته ، وقد سبقت الإشارة إلى بعضها إجمالا ، فنقول :

تظهر الثمرة في جواز التصرف وعدمه من الأصيل حيث يكون أحد الطرفين فضوليا ، والكلام فيه مرة في تصرفه فيما انتقل اليه وأخرى في تصرفه فيما بينهما.

اما الأول فقد قيل : إنه لا كلام في عدم جواز التصرف فيه على كل من القولين بالنقل والكشف بجميع احتمالاته الا على القول بشرطية التعقب مع العلم به على الأقوى من جوازه ظاهرا وواقعا.

وأما الثاني فيجوز التصرف فيه مطلقا على النقل وعلى الكشف الحقيقي أيضا ، بناء على حدوث الملك من حين الإجازة منبسطا الى حين العقد ، لكونه على التقديرين تصرفا في ملكه ظاهرا وواقعا ، ولا يجوز ظاهرا وان جاز في الواقع على الكشف الحقيقي مع كون الإجازة شرطا متأخرا كاشفة عن حدوث والملك من حين العقد لا من حينها أو كون التعقب شرطا مقارنا مع عدم العلم به للأصل فيهما في مرحلة الظاهر ووقوعه في ملكه

واقعا حيث انكشف بلحوق الإجازة ومع العلم بلحوقها جاز التصرف مطلقا على التعقب قطعا كما عرفت. وعلى الشرط المتأخر مع الكشف عن حدوث الملك من حين العقد أمكن دعوى المنع عنه لاحتمال موضوعية الكشف بالإجازة عن حدوث الملك من حين العقد وهو بعيد جدا وان نسب الى ظاهر الأكثر. وقد تقدم إمكان حمل إطلاقهم المنع على الغالب من عدم العلم بلحوق الإجازة والظاهر اتحاد حكم الشرط التعقب أو الإجازة المتأخرة والكشف عن حدوث الملك من حين العقد منعا وجوازا في صورتي العلم باللحوق وعدمه في مرحلة الظاهر والواقع. ويحتمل التفصيل بينهما. بل يمكن دعوى جريان ذلك كله فيما انتقل إليه أيضا لوحدة المناط فيه وفي المنتقل عنه ظاهرا.

واما الثمرة بين الكشف الحكمي الذي مرجعه الى انبساط مجرد الحكم وترتب آثار الملك من حين العقد وان حدث الموضوع وهو الملك من حين الإجازة وبين غيره من الأقوال ، فلا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرنا.

هذا وربما علل منع الأصيل عن التصرف فيما انتقل عنه على القول بالكشف بجميع معانيه بأمور :

الأول لزوم الضر المنفي آية ورواية على من انتقل اليه.

الثاني جعل الأصيل ماله عرضة النقل عنه ولو إلي بدل وكل ما كان كذلك لا يجوز التصرف فيه للقاعدة المستفادة من استقراء الموارد الجزئية التي روعي فيها احتمال استحقاق الغير له من غير ملاحظة أصل العدم في ذلك التي منها العزل لأكثر النصيبين في الحمل ، ومنها عدم دفع تمام المال للوارث مع احتمال وجود وارث أخر معه إلا مع الانحصار المحرز بعد الفحص ، ومنها الوقف المردد بين الترتيب والتشريك بين الطبقات مع ان الأصل عدم استحقاق اللاحقة الزيادة مع الاولى ، ومنها عدم جواز التصرف

في النذر المعلق على شرط قبل وجوده أو تبين حاله الى غير ذلك.

الثالث - ان قضية الوفاء المأمور به الالتزام بكل ما هو من لوازمه التي منها حرمة التصرف فيه كيف والتعاهد بمعاوضة المال ونقله عن ملكه ينافيه التصرف فيه ولا سيما بما ينافيه ، ولا يتوهم استلزام المنع عن التصرف فيما انتقل عنه للأمر بالوفاء جواز التصرف فيما انتقل اليه لعدم تبعيض العقد في الأثر ، فالمنتقل عنه والمنتقل اليه يتساويان في الحكم منعا وجوازا لان عدم التصرف منه فيما انتقل اليه لا يعد نقضا لما أبرم بالعقد بخلاف التصرف ولا سيما المتلف منه في المنتقل عنه فإنه رجوع منه عما تعاهد عليه والتزم به بإنشائه العقد الذي تم من جانبه وان توقف شرعا تأثيره على اجازة الغير وهو أمر خارج عن التزامه.

وفي الكل نظر : أما الضرر فمع أنه يختص ببعض التصرف ممنوع تحققه مع عدم نفوذه إلا بالإجازة الراجعة إلى اختياره ، وأما القاعدة فغير مسلمة لان استفادتها من الموارد الجزئية انما تكون بعد العلم باتحاد مناط الحكم في جميعها مع العلم بوجوده في المشكوك فيحكم به عليه لوجود المناط فيه.

وليس ما نحن فيه من هذا القبيل ، اما في الإرث فلعدم تحقق الانحصار فيه ليدفع تمام المال اليه مع ان الأصل عدم استحقاقه للزائد على نصيبه وكون الشك فيه مسببا عن الشك في وجود وارث غيره والأصل عدمه لا يثبت الانحصار فيه لكونه من الأصل المثبت ، وان ناقش في كونه منه شيخنا في (الجواهر) - قدس سره - مع أن دفع الزائد إليه لو فرض كونه لغيره في الواقع من الإتلاف الموجب لضمان الدافع المستلزم للضرر عليه ولا طريق الى ثبوت الانحصار فيه إلا بالفحص ، ومع ذلك قيل بجواز تضمينه وأخذ الكفيل منه بعد الدفع اليه لدفع الضرر عن نفسه.

وأما الوقف المردد بين الترتيب والتشريك مع عدم إطلاق يشك في

تقييده فمرجع الشك فيه حينئذ وان كان هو الشك في كيفية جعل الواقف وانه بنحو الترتيب أو التشريك وهو حادث ولا يمكن تعيين الحادث بالأصل إلا انه يرجع في الحقيقة إلى الشك في مانعية الموجود من الطبقة الأولى عن استحقاق الموجود من الثانية مع كونه من الموقوف عليه أيضا بعد فرض كون الوقف مسلسلا على أولاده ما تعاقبوا وتناسلوا غير أنه شك في كونه ترتيبا بينهم بمعنى ان وجود السابق يمنع عن استحقاق اللاحق أو تشريكا لا يمنعه عنه ، والمانعية حكم وضعي مشكوك جعله ، والأصل يقتضي عدمه إذ الأحكام الوضعية المجعولة مع الشك في جعلها مقتضى الأصل عدمه من غير فرق بين كون الشرع جاعلا له أو الواقف ، ولا يتوقف استحقاق اللاحق له بعد دخوله في سلسلة الموقوف عليه على ثبوت عنوان الشركة حتى يكون من الأصل المثبت وان كان ينتج بذلك نتيجتها وبالجملة الشك في مانعية الموجود : مرة للشك في كونه مصداقا لما هو معلوم المانعية ، وأخرى للشك في جعل المانعية الذي يكون على تقديره مانعا والشبهة على الأول موضوعية وعلى الثاني حكمية وأصل العدم يجري في الثاني مطلقا وان قلنا برجوعه الى استصحاب العدم ولا يجري في الأول إلا على تقدير القول بكونه أصلا مستقلا والدليل عليه بناء العقلاء إذ المفروض ليس له حالة متيقنة حتى تستصحب واستصحاب عدم وجود المانع لا يثبت عدم مانعية الموجود والشبهة في ترتيب الوقف أو تشريكه من القسم الثاني الذي يجري فيه الأصل قطعا فافهم.

وأما النذر فالكلام فيه كالكلام في الفضولي مع الإجازة ، والخلاف فيه معروف ، والمسألة ذات قولين معروفين ليس المنع عن التصرف فيه قبل تحقق الشرط اتفاقيا بل لعل الأقوى فيه الجواز لكون ثبوت حق للمنذور له متعلق بالمنذور مشروطا بشرط والمشروط ، عدم عند شرطه مع ان الأصل

يقتضي عدمه. نعم لو قلنا بثبوت الحق له في الواقع لتحقق الشرط في علم اللّه ولذا قيل بالتفصيل فيه بين ما لو علم تحققه كالمشروط بوقت وما لم يعلم كان كالإجازة المتأخرة على تقدير القول بكونها كاشفة مع إمكان الفرق بينهما كما قيل بناء على المنع في الفضولي قبل الإجازة لعموم الأمر بالوفاء ولا عموم في النذر المعلق حتى يتمسك به قبل تحقق شرطه مع كون الأصل فيه يقتضي العدم إلا ان الاستناد فيه الى عموم «الأمر بالوفاء» عندي محل نظر - كما ستعرف - واما عزل نصيب الحمل ونصيب الزوجة الصغيرة الى ان تبلغ وتحلف للنص الخاص فلا يتم بهما تأسيس قاعدة كلية يخرج بها عن حكم الأصل.

وأما الثالث وهو التمسك بالأمر بالوفاء ، فمع أنه لو تم لم يفرق بين الكشف والنقل وإلا فلا على القولين ضرورة أن الشبهة موضوعية على تقدير توقف الوفاء على تمامية السبب وحكمية على تقدير كفاية جزء السبب في ذلك. فان قيل بالأول لزم القول بجواز التصرف على الكشف أيضا عملا بالأصل ، وان قيل بالثاني لزم القول بحرمته على النقل أيضا ، والتفكيك بينهما على القولين ركيك - نمنع صدق العقد المأمور بالوفاء به قبل الإجازة ولو قلنا بها كاشفة بعد أن كان مقتضى الأصل العدم سيما على القول بكونها شرطا متأخرا. فظهر مما ذكرنا قوة جواز التصرف فيما انتقل عنه على كل من القول بالنقل والكشف بمعانيه ما لم يعلم لحقوق الإجازة وضعف القول بالتفصيل بينهما حتى جعلوه ثمرة بين القولين مطلقا.

وتظهر الثمرة أيضا على ما قبل في النماء المنفصل الحادث بين العقد والإجازة فنماء المبيع للمشتري ونماء الثمن المعين للبائع على الكشف وكل منهما للمالك الأول على النقل وهو حسن على الكشف مع كون التعقب شرطا أو كاشفا عن حدوث الملك من حين العقد. وأما على الكشف الانبساطي أو الحكمي ففيه تأمل.

هذا مع العلم بتجدد النماء بين العقد والإجازة. وأما مع الشك فيه واحتمال تجدده قبل العقد كالحمل مع كون الحامل مقبوضا للثاني بقبض صحيح كما لو وقع بعد الإجازة وشك فيه مع ذلك فهو محكوم به له لليد الفاضية بملكية ما هو تحت سلطنته إلا ما علم خروجه عن ملكه فيكفي في ملكيته بعد فرض كون اليد عليه احتمال كونه له بحدوثه في ملكه ، بل هو القدر المتيقن من ملكية ما يجده في داره أو صندوقه المختصين به مع عدم مشارك له في التصرف ، فراجع المسألة في محلها ، بل قيل بكونه حينئذ ملكه حتى لو علم أنه لم يكن له لأنه من الرزق الذي ساقه اللّه اليه فمع الشك واستقلال اليد عليه لا إشكال في انه يحكم له في مقام التداعي لكونه ذا يد عليه ، والأول يدعى عليه ما هو خلاف الأصل ولا يحتاج الثاني في تملكه إلى إثبات حدوثه في ملكه حتى ينفى بالأصل أيضا لكونه ذا يد عليه بعد أن كان ذا يد على الحامل بل كان ذلك كذلك حتى في تكليف نفسه فيما بينه وبين ربه.

نعم يشكل الحكم فيما لو ظهر الحمل والحامل المبيع مثلا تحت يد البائع قبل الإجازة وقبض المشتري ، إذ لا يد للمشتري عليه حتى يحكم بكونه له ويد البائع عليه حينئذ على الكشف غير مالكية. ولذا كان مضمونا عليه بالتلف قبل القبض وأصالة عدم حدوثه قبل العقد معارضة بعدم حدوثه بعده إذا كان الأثر مرتبا على التأخر والحدوث في ملكه ولا يثبت الحدوث وعنوان التأخر بأصالة عدم التقدم ، فيكون المورد من التداعي الذي لا يد لأحدهما عليه كالمال المطروح بينهما إلا أن ذلك مبني على عدم اليد للبائع عليه قبل الإقباض ، وفيه تأمل بل لعله ممنوع ، وعليه فينعكس الحكم ويحكم به للبائع باليد ما لم يعلم حدوثه بعد العقد فتأمل ، لكن ذلك مبني على ما هو المشهور - بل الأقوى - من عدم دخول الحمل تبعا للحامل في المبيع إلا

بالشرط خلافا للشيخ - قدس سره - فيدخل بالتبع ، وعليه فهو للمشتري على التقديرين : إما بالتبع أو لكونه نماء ملكه.

وتظهر الثمرة أيضا على ما قيل - فيما لو اشترى عبدا أو مصحفا من الفضولي ثم كفر قبل الإجازة ، صح على الكشف لكونه مسلما حين العقد وان أجبر على بيعه بالكفر ، وبطل على النقل لوجود المانع حين الانتقال وهو حسن ان لم نعتبر في الصحة بقاء قابلية المتعاقدين للمالكية من حين العقد الى حين الإجازة والا بطل على التقديرين. وتنتفي الثمرة حينئذ من البين ، لكن القابلية لو فرض عدم اعتبارها لم يطرد ظهور الثمرة في أنحاء زوالها بين العقد والإجازة الذي منها زوالها بالموت ، ضرورة أنه ان كان من المالك المجيز بأن مات قبل الإجازة وقلنا بكونها موروثة بناء على كونها من الحقوق صح على كل من القول بالكشف أو انتقل ، وان لم تكن موروثة - كما هو الحق لكونها من الأحكام - بطل على القولين أيضا ، فتنتفي الثمرة على التقديرين ، إلا أنه قد مر نفوذها منه لكونه مالكا بناء على عدم اعتبار اتحاد المالك من حين العقد الى حين الإجازة ، وان مات الأصيل وقلنا بعدم جواز الإجازة حينئذ لأن المأمور بالوفاء وهو العاقد المورث لم يكن ، والوارث لم يكن عاقدا ، انتفت الثمرة على القولين أيضا ، وان قلنا بجوازها لكفاية إنشائه في حياته لنقل ملكه معلقا في نفوذه على وارثه وتوجه الأمر بالوفاء عليه ، صح على القولين وانتفت الثمرة أيضا على التقديرين غير أنه على الكشف دخل العوض في ملك المورث ثم منه انتقل الى الوارث ، وعلى النقل انتقل من المجيز اليه بلا واسطة المورث وان كان بسبب إنشائه.

وبالجملة ليس مظهر الثمرة بين القولين مطلق زوال القابلية بين العقد والإجازة بل يختص ذلك بصنف خاص منه نحو الكفر المانع عن تحقق

سلطنة للعاقد على ما انتقل اليه ، ولذا كانت الثمرة مبنية على القول ببطلان بيع المسلم أو المصحف من الكافر ، وأما على القول بصحته وإجباره على البيع فتصح الإجازة على القول بالنقل أيضا وان أجبر بعدها على البيع ، وأما لو انعكس الأمر بأن اشترى كافرا ثم أسلم قبل الإجازة بطل على الكشف قطعا. وعلى النقل يحتمل الصحة لأن المانع عنها ليس إلا نفى السبيل المفروض عدم تحققه إلا عند الإجازة المفروض كونه مسلما حينها كل ذلك حيث يصح على الكشف فإنما هو على الكشف التعقبى أو الحدوثي من حين العقد. وأما الانبساطي أو الحكمي فهما كالنقل على الأظهر حسبما تقدم.

وتظهر الثمرة أيضا على ما قيل - فيما لو زال التمول عن العوضين أو أحدهما قبل الإجازة ، فعلى النقل بطل لعدم التمول حينئذ وعلى الكشف صح لتموله حين الانتقال.

قلت : هو حسن حيثما لا يدخل بزوال التمول الذي هو بحكم التلف تحت قاعدة (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال البائع) كما لو زال التمول عن الثمن المعين ، بناء على أن الضمان بالمسمى دون المثل أو القيمة على خلاف القاعدة فليقتصر على ما قام الإجماع عليه من ضمان المبيع دون الثمن والا فتنتفي الثمرة على الكشف أيضا لو زال التمول على المبيع لكونه حينئذ من التلف قبل القبض الموجب للانفساخ ، إلا أن يفرض فيه كونه مقبوضا من المشتري الفضولي مع تعلق الإجازة به أيضا الكاشف عن صحته حين وقوعه ان قلنا به ، فكما تكشف الإجازة عن صحة العقد تكشف اجازة القبض عن خروج البائع عن الضمان بالقبض المنكشف صحته.

هذا كله حيث لا تعد الإجازة بعد الخروج عن التمول من السفه كما لو استتبع نماء عينا باقيا أو قيمة كالأجرة ، وإلا فيشكل نفوذ الإجازة

على الكشف أيضا كالنقل لكونها حينئذ من المعاملات السفهية الخارجة عن مقاصد العقلاء. وحيث ما تصح الإجازة. فتظهر الثمرة أيضا في جملة من الأحكام المتعلقة بالأموال كحق الخيار والشفعة والخمس والزكاة ، فلو باع معيبا حين العقد ثم زال العيب قبل الإجازة فللمشتري الخيار على الكشف لكونه معيبا حين العقد وان زال في ملكه - على أجود الوجهين فيه - ولا خيار له على النقل لكونه صحيحا عند الانتقال ولو تبدل الشريك في حال العقد بغيره في حال الإجازة فالشفعة للأول على الكشف وعلى النقل للثاني ويحتمل سقوط الشفعة على الكشف مطلقا لأن الأول لم يشفع ما دام كان شريكا ولو لجهله ، والثاني لم يكن شريكا حين تملكه بل الشفعة للمشتري الفضولي حيث انكشف له تملكه قبل تبدل الشريك ولو باع زكويا قبل تمام الحول عليه وأجاز بعده فلا زكاة فيه على الكشف لخروجه عن ملك البائع قبل تمام الحول ، وعلى النقل تعلق به الزكاة غير أن للمشتري خيار التبعض لتبعضه بإخراج الزكاة منه نعم مع علم المجيز به سقط الخيار بالإجازة المتضمنة حينئذ لقبوله البعض بنسبة من الثمن. ولو وهب في أثناء السنة فضولا وأجاز المالك بعد انقضائها ، فعلى الكشف احتسب الموهوب من المؤنة في الخمس ، وعلى النقل تعلق به الخمس فوجب إخراجه منه ودفع الباقي الى الموهوب له.

وتظهر الثمرة أيضا فيما لو تواردت عقود متعددة فضولية على العوضين أو أحدهما مع وحدة المحل أو اختلافه ، كما لو باع الدار فضوليا من زيد وباعها زيد من عمرو وهو من بكر وبكر من خالد وهكذا ، فللمالك إجازة ما شاء منها ، فإن أجاز أحدهما صح فيه وفي ما بعده على الكشف لوقوع البيع من المجاز له حينئذ في ملكه وبطل فيما قبله لعدم الإجازة من المالك وعدم إمكانها ممن ملك بعد لأنه يلزم من صحتها بطلانها إن لم نقل

بأن النقل من المالك رد لما سبق عليه من العقد والا فيبطل بسبب ذلك أيضا وعلى النقل تبنى على ما تقدم في مسألة (من باع ثم ملك) من الأقوال فيها البطلان مطلقا والصحة من غير اعتبار للإجازة منه أو بشرط لحوقها كما هو الأقوى ، ومثله ما لو باع الدار بفرس ثم تواردت العقود على الفرس ، فإن الإجازة تصح فيما أجاز وما بعده وفي الأول منها وهو بيع الدار بالفرس لتوقف صحة ما أجاز على تلك الفرس الموقوف على اجازة بيع الدار بها دون ما يتخلل بين عقد الأول والمجاز. وينعكس الحكم فيما لو تواردت العقود على الأثمان فيصح فيما أجاز وما قبله ويبطل فيما بعده كما لو باع الدار بفرس والفرس بسيف والسيف بقوس والقوس بكتاب وهكذا ، فان تملك الثمن المجاز من هذه الأثمان مستلزم لتملك ما قبله وهكذا حتى ينتهي إلى الثمن الأول دون ما بعد المجاز.

هذا فيما لو تواردت على أحد العوضين. ويظهر لك منه حكم ما لو تواردت عليهما معا.

ولو عقد اثنان أو أكثر على مال دفعة أو بالتعاقب مع اتحاد المتعلق - كما لو باع الدار زيد من شخص وباعها عمرو من آخر مقارنا لبيع الأول أو بعده - فللمالك اجازة ما شاء من العقدين ، فإن أجاز أحدهما لغا الآخر وان أجازهما : فإن كان العقد بنحو التعاقب كان التأثير للسابق منهما ، وان كان المجاز لا حقا ، وان اقترنا في الزمان بطلت الإجازتان للتنافي بين مفاديهما وترجيح إحديهما ترجيح بلا مرجح. وهل يبقى العقدان على الصحة التأهلية بأن يكون وجود الإجازتين كعدمهما أو تكون إجازة كل منهما ردا للآخر فلا ينفع لحوق الإجازة بعده؟ وجهان.

ولو اختلف المتعلق بأن عقد أحدهما على العين والآخر على المنفعة كالبيع والإجارة فإن أجاز البيع خرج عقد الإجارة عن قابلية لحوق أجازته

لخروج العين عن ملكه ، وان أجاز الإجارة لم يبطل عقد البيع رأسا لعدم التنافي ، غير أن المبيع يكون - مسلوب المنفعة مدة الإجارة - موجبا للخيار مع جهل المشتري به لو تأخرت أجازته عن إجازة الإجارة ، وكذا لو أجازهما معا دفعة مع اقتران العقدين أو سبق عقد الإجارة لإمكان العمل بهما لعدم التنافي ، فتصح إجازة الإجارة مطلقا إلا إذا كانت مسبوقة بإجازة البيع ، أو كان عقده سابقا ، فتوقف الصحة على القول بالكشف على إجازة المشتري لانكشاف كونه مالكا حين عقد الإجارة وهو واضح.

ولو باع اثنان من شخص واحد وأجازهما دفعة كقوله : أجزت العقدين ونحوه ، فان اتفقا في الثمن جنسا وكما فواضح ، وان اختلفا في الجنس بأن باع أحدهما بالدرهم والآخر بالدينار ، أو أحدهما بالفرس والآخر بالسيف بطلا قطعا لعدم إمكان العمل بهما وفقد المرجح في أحدهما ، وان اختلفا في محض الكم كأن باع أحدهما بعشرة دراهم والآخر بالأقل صح ولا مانع من استحقاق الزيادة لتداخل السببين في استحقاق القدر المشترك وانفراد أحدهما باستحقاق الزائد لعدم المنافاة مطلقا حتى لو كان أحدهما كليا في الذمة والآخر عينا شخصيا غير انه يتعين حينئذ دفع الثمن المعين فيتعين الكلي في ضمن هذا المصداق كما لو تعين عليه دفع مصداق خاص بسبب من الأسباب.

ولو اختلفا في الإطلاق والتقييد ، ففي صحة كل منهما كالزيادة في الثمن أو بطلانهما معا لتضادهما في الخصوصية وهي الإطلاق والتقييد نظير اختلاف الثمنين جنسا ، أو صحة المطلق دون المشروط لخروج الشرط عن أركان العقد وسقوطه باعتبار التعارض أو صحة ما فيه أثر زائد سواء كان مطلقا أو مشروطا دون غيره كما لو كان أحدهما مع الخيار والآخر بدونه وجوه واحتمالات ، أوجهها الأول.

ثم ان اجازة العقد لا توجب اجازة للقبض ، فلو قبض العوض فضولا بعد العقد على المعوض كذلك وأجاز العقد فقط ، فللمجيز الرجوع بالعوض على المالك بالإجازة ويرجع هو على من قبض منه العوض فضولا ما لم يكن القبض شرطا في صحة العقد كالصرف فان اجازة العقد فيه بعد المجلس متضمنة لإجازة القبض حملا للإجازة على الصحيح ، وان أجازهما معا صح كل منهما ، لا لأن إجازة القبض كاشفة عن صحته من حين وقوعه لان ذلك مبني على القول بصحة الفضولي في القبض ، بل لكفاية الرضا به من حينها في سقوط ضمانه عن البائع ، وعليه فيشكل في قبض الصرف بعد تفرق المجلس لعدم الاعتبار بالقبض من حين الإجازة نعم يصح فيه على القول بصحة الفضولي في القبض وكون إجازته كاشفة عن صحته من حين وقوعه.

هذا تمام الكلام في الإجازة.

وأما الرد الذي يشترط عدمه في تأثيرها ، فالكلام فيه تارة في موضوعه وأخرى في حكمه وتأثيره.

أما الأول فهو إنشاء لإبطال ما أحدثه الفضولي بإنشائه من ربط البدلية وإزالة لقابلية العقد عن التأثير بقول أو فعل صريحين في الدلالة عليه فالأول نحو : فسخت ورددت وأمثال ذلك ، والثاني كما لو تصرف فيه بما يوجب فوات محل الإجازة مطلقا : من تلف العين أو زوال الملك كالعتق ونحوه لانتفاء الموضوع فيهما حينئذ من غير فرق بين علم المالك بعقد الفضولي وجهله. وأما التصرف الموجب لزوال المالكية كالنقل ببيع ونحوه فإنما يفوت محل الإجازة بالنسبة إليه لا مطلقا ، وليس هو صريحا في الرد حتى يحكم بزوال القابلية عن العقد ، فتصح الإجازة من المنتقل اليه بناء على عدم اعتبار كون المجيز مالكا حين العقد غير أنه على الكشف ينكشف نقله من حين التملك بالعقد من المالك لأنه الممكن لا من حين عقد الفضولي لأنه

يلزم من صحتها كذلك بطلانها.

وبالجملة لا تلازم بين النقل عن ملكه والرد حتى يكون دالا عليه ، بل هو أعم منه ، فيبقى ما كان من قابلية العقد على ما كان الى أن تلحقه الإجازة أو الرد المزيل لها ممن له الرد والإجازة. وقياس التصرف الناقل هنا في الدلالة على الرد بالتصرف الناقل الدال على الرجوع في العقود الجائزة قياس مع الفارق لأن صحة النقل في تلك العقود موقوفة على الملك المتوقف تحققه على الرجوع ، فيحكم بالرجوع بمعونة أصالة الصحة في فعل المسلم فالنقل في مثل ذلك رجوع فعلي لا كاشف عن سبق الرجوع كما توهم ، ولا يتوقف صحة النقل هنا على الرد حتى يحكم به عليه ، بل يكفي فيها عدم الإجازة. وبما ذكرنا ظهر لك ما في (مكاسب) شيخنا المرتضى - قدس سره - من التشويش بل المنافاة بين كلاميه هنا ، حيث جعل التصرف بالنقل كالبيع ونحوه كالتصرف المتلف للعين أو المزيل للملك كالعتق في كونه مفوتا للمحل عن قابلية تعلق الإجازة به مطلقا وبين كلامه في مسألة ما لو باع ثم ملك ، حيث بنى على صحة الفضولي للأصل والعمومات وتأثير الإجازة من المالك الجديد ، غير أنه تكشف إجازته عن النقل من حين تملكه لأنه الممكن لا من حين عقد الفضولي لاستلزام صحتها كذلك فسادها وأنه لا دليل على أن الإجازة كاشفة عن الملك من حين عقد الفضولي مطلقا حتى لو تجدد المالك بل من حين الإمكان ، وهو فيه من حين تملكه بالعقد من المالك فراجع.

وبالجملة لو كان بيع المالك مفوتا للمحل عن قابلية تعلق الإجازة به كتلف الملك أو زوال الملكية عنه كيف يصح عقد الفضولي بلحوق الإجازة من المالك الجديد ، مع ان الأقوى فيه الصحة كما عرفت ، فظهر أن التصرف بالنقل ليس كالتصرف بالعتق والإتلاف وأنه أعم من الرد ، وليس بصريح فيه حتى يكون دالا عليه بل هو مجمل بالنسبة اليه. وأما لو تصرف

فيه بنقل المنفعة كالإجارة فالإجازة على تقدير صحتها وكونها كاشفة عن الملك من حين العقد مستلزمة لفساد التصرف لانكشاف كونه حينئذ تصرفا في ملك الغير ، كما ان نفوذ التصرف على تقدير صحته الذي هو مقتضى قاعدة سلطنة المالك مستلزم الإجازة لعدم إمكان كشفها عن النقل من حين العقد بعد ان كان تأثير الإجازة عن الكشف من حين العقد مع اتحاد المالك وصحة كل منهما وان كانت مستلزمة لفساد الآخر لما بينهما من المنافاة إلا أن المدار في مثل ذلك على السابق منهما ، وهو هنا الإجارة ، فلا يبقى محل للإجازة إلا بحملها على ارادة نقل العين مسلوبة المنفعة ، فيكون من مسألة ما لو وقع العقد مطلقا وأجاز المالك مقيدا وهو خلاف الظاهر ، فالتصرف المذكور رد من المالك مع علمه بعقد الفضولي وبحكمه في إبطاله مع جهله به لكون المنافاة بينهما واقعية علم به أو لم يعلم حتى على القول بالكشف الحقيقي مع كون التعقب شرطا لان الشرط تعقب الإجازة الصحيحة دون الفاسدة المفروض ثبوت فسادها بسبق التصرف المذكور وهو كما لو تعقب الإجازة مع تخلل الرد بينها وبين العقد لما عرفت من المدار في مثل ذلك.

ومنه يظهر ما في كلام شيخنا المرتضى - قدس سره - من الاستثناء بعد ذلك بقوله : نعم لو قلنا بأن الإجازة كاشفة بالكشف الحقيقي الراجع الى كون المؤثر التام هو العقد الملحوق بالإجازة كانت التصرفات مبنية على الظاهر وبالإجازة ينكشف عدم مصادفتها للملك فتبطل هي وتصح الإجازة ضرورة كون السبب حينئذ العقد الملحوق بالإجازة الصحيحة.

وأما وطء الجارية واستيلادها فهو رد على الكشف مع العلم بالعقد عليه لظهوره فيه لا مع الجهل به ولا على القول بالنقل.

والحاصل ان الرد كما يحصل بالقول يحصل بالفعل‌الدال عليه صريحا

أو ظاهرا لعموم ما دل على إبطال العقد بالرد من إجماع وغيره غير ان الفعل منه ما هو بحكم الرد كتلف العين أو زوال الملكية ، ومنه ما هو رد كالإجارة حسبما عرفت على الكشف مطلقا - علم به أم لم يعلم - للمنافاة في الواقع ومنه ما يفصل فيه بين العلم بعقد الفضولي والجهل به ، ومنه ما هو أعم منه لا يدل عليه فلا يحكم به إلا إذا كان محفوفا بقرينة تدل عليه.

وأما الثاني وهو حكم الرد فقد عرفت إيجابه لإبطال العقد الموجب لسقوط الإجازة مطلقا عن التأثير إجماعا بقسميه من غير خلاف نجده فيه فلا يصغي الى ما احتمله بعض فضلاء المعاصرين : من أن قابلية العقد من آثاره الوضعية التي لا تزول بالرد فلا تسقط الإجازة عن التأثير بعده إلا أن يقوم إجماع عليه.

هذا وحيثما لم تتحقق الإجازة من المالك - سواء تحقق منه الرد أم لا كالمتردد - جاز له انتزاع عين ماله أو بدله مع التلف ممن هو في يده بإقباض الفضولي ، ويتخير مع تعاقب الأيدي عليه في الرجوع على الكل موزعا عليهم بالتساوي أو بالتفاوت لاقتضاء الرجوع بالكل عليه الرجوع بالبعض بالأولوية فإن رجع على واحد سقط عن الباقين ، غير أنه ان رجع به على السابق رجع هو على اللاحق ما لم يكن غارا له ، ولا يرجع اللاحق لو رجع عليه على من سبقه إلا إذا كان مغرورا له ، ويرجع هو على من تأخر عنه مخيرا فيمن شاء منهم ، وقرار الضمان على من تلف في يده فيرجع السابق منهم على اللاحق دون العكس الا مع الغرور.

وبسط الكلام في هذا المقام يتم في طي مواضع.

الأول - في معنى ضمان العين وكونها مضمونة على من قبضها باقية في يده أو منتقلة عنه الى غيره ، موجودة كانت أو تالفة.

الثاني - في تصوير تخيير المالك في الرجوع على من شاء منهم في تعاقب

الأيدي المتوقف على ثبوت مال له في ذممهم مع كون الثابت له انما هو مال واحد اما العين أو بدلها ، وكيف يجتمع اشتغالات متعددة بحسب تعدد الذمم مع وحدة المال ضرورة انه لو استوفى من أحدهم لم يكن له شي‌ء في ذمة الباقين.

الثالث - في رجوع من رجع المالك عليه غير التالف في يده على غيره فنقول : أما الموضع الأول ، فليعلم أولا أن الضمان والذمة والعهدة هو بمعنى كون الشخص على حالة وصفة توجب التكليف بأداء ما هو في ذمته ومتعهد به وضامن له بسبب من أسبابه ، عقدا كان كعقود المعاملات أو غيره كاليد والإتلاف والتسبب ، فهو نظير الحدث الحاصل للإنسان بأحد أسبابه الموجب للمنع معه عن الدخول في الصلاة والتكليف بالطهارة عنه للدخول فيها.

وان أبيت عن ذلك فلنقرره بتقرير آخر ، وهو : كونه بحيث يكون للغير سلطنة عليه في ماله - مثلا - بسبب من الأسباب فالديان له سلطنة على المديون من حيث ماله ، ولذا يطلق عليه الملك فيقال للديان : انه يملك على المديون كذا ، فإن الملكية التي هي بمعنى السلطنة قد تتعلق بالعين الخارجية محيطة بجميع جهاتها فتضاف إليها ويعبر عنها بملك العين أو من حيث جهة خاصة منها فتضاف الى تلك الجهة لاختصاص التعلق بها كملك المنفعة التي ليس معناها إلا السلطنة على العين من حيث منفعتها مطلقا أو منفعة خاصة كسكنى الدار ولبس الثوب مثلا سواء اعتبرت الخصوصية بالشرط أو بقضاء العادة ، وقد تتعلق بالنفس من حيث هي كملك الرقبة أو بها من حيث ماله ، فيكون له سلطنة عليه في ماله ويعبر عنه بأنه يملك في ذمته لعدم الاختصاص بما له الخاص ، وهذه السلطنة تحدث لصاحبها بأحد الأسباب المتقدمة ، ولعله يأتي مزيد توضيح لذلك في الموضع الثاني.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الضمان قد يطلق على ما يفيد تحويل ما هو ثابت في ذمة أخرى ، ويعبر عنه - غالبا - بضمان المال ، وهو لا يتحقق قبل ثبوت الشي‌ء في الذمة بل هو غير معقول ، لان ثبوت الشي‌ء لشي‌ء فرع ثبوت المثبت له ومنه يظهر الوجه في بطلان ضمان ما لم يجب ، وأنه أمر غير معقول وهذا النحو من الضمان من العقود لان السبب الموجب له انما هو عقد الضمان. وقد يطلق ويراد به التعهد وكون المضمون متداركا عليه ويعبر عنه بضمان العين كضمان الغاصب للعين المغصوبة بل مطلق الأعيان المضمونة على من هي في يده ، ويسمى هذا النحو من الضمان بضمان العهدة ولتحققه أسباب خاصة كاليد ونحوها. والفرق بين الضمانين : أن الأول يتوقف على المضمون عنه ليتحقق نقل المضمون عن ذمته الى الضامن بالضمان على ما هو عند الإمامية : من أنه تحويل ما في ذمة إلى أخرى لا ضم ذمة إلى ذمة كما هو عند الجمهور ، ومن لوازمه عندنا براءة المضمون عنه عن المضمون واشتغال ذمة الضامن به لاقتضاء النقل والتحويل ذلك ، ولا يتوقف الضمان بالمعنى الثاني الا على ضامن ومضمون له إذ لا نقل فيه ولا تحويل بل يحدث بينه وبين المضمون له بسبب خاص كوضع اليد على ماله أو إتلافه وقد يتعدد الضامن لتحقق سبب الضمان من كل واحد منهم كالأيدي المتعاقبة على المال المضمون لان كل واحد منهم في عرض الآخر بالنسبة إلى المالك في إيجاد سبب الضمان.

هذا وفي ضمان الأعيان المضمونة على الغير قبل تلفها بالصيغة خلاف والأظهر عندي بل الأقوى الصحة (1)

والذي يظهر من سيدنا الخال ـ قدس سره ـ عدم الإشكال في أن ضمان المثل أو القيمة وتحويله إلى ذمة الضامن بالعقد قبل تلف العين من ضمان ما لم يجب ، الذي هو غير معقول. ولكنه ـ مع ذلك ـ قال بصحة الضمان قبل تلف العين ، فإنه قال ـ في جملة كلام له ـ : «.. فالذي ينبغي أن يقال : إنه لا دليل على اختصاص الضمان عن الغير بكون الثابت في الذمة مالا ، بل اللازم ثبوت مضمون أعم من كونه حقا أو مالا ، والعين المضمونة ثابتة ، عهدتها في ذمة المضمون عنه ، ومعنى ثبوتها في ذمته كونه بحيث يكون عليه رد العين مع وجودها ودفع بدلها عند التلف وهذا المعنى منتقل من ذمته إلى ذمة الضامن المستلزم لبراءة ذمة المضمون عنه ـ الى أن يقول ـ وبما ذكرنا يتضح أن ضمان الأعيان المضمونة حال وجودها بالعقد ضمان لما يجب لا لما لم يجب وأنه على القاعدة ، انتهى.

هذا ولكن يمكن أن يقال أن الضمان المجعول بدليله من النبوي المشهور :

على اليد ما أخذت حتى تؤدي ، وان لم يكن حكما تعليقيا مرجعه لزوم أداء مثل ما أخذ من مال الغير أو قيمته على أخذه عند تلفه ، وإنما هو هو حكم تنجيزي وضعي حاصل بنفس وضع اليد على المال مرجعه كونه على عهدة آخذه وكونه ملزما بتبعاته من المحافظة عليه عما يرد عليه من الاخطار ورده الى مالكه عند أول أزمنة الإمكان وتدارك منافعه المستوفاة له أو الفائتة تحت يده بأجرة مثلها وتدارك نقصه وعيبه بدفع أرشه وأداء مثله أو قيمته عند تلفه وليست الأحكام المذكورة هي المجعولة بالأصل والضمان منتزع عنها ، بل المجعول ضمان عهدة المال وهو حكم وضعي أصلي وتلك الأحكام التكليفية تبعاته. وعليه فمقتضى دليل على اليد ، أن ذلك الحكم المستلزم للتبعات المذكورة على عهدة آخذ المال المذكور بمجرد وضع يده عليه فهو الملزم بها الى زمان وصول المال لمالكه ، ولا ينتقل ذلك الحكم بتبعاته الى غير ذي اليد عليه ولو كان بتعهد منه لصاحب المال وعقد بينه وبينه الا بدليل شرعي ، فإن الأحكام أمر وضعها ورفعها بيد مشرعها.

والحاصل : ان مقتضى النبوي المتلقى لدى الفريقين بالقبول وهو «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» بناء على ما هو الظاهر : من كون الظرف فيه ظرف استقرار لا ظرف لغو ، نظير قول القائل : عليك دينار مثلا لزيد ، بمعنى يلزمك دفعه اليه ، بل المراد على الظاهر أن ما أخذه ذو اليد من مال الغير عهدته عليه وذمته مشغولة به فوزره وثقله عليه حتى يؤديه إلى مالكه أداء عرفيا بحسب حالتي بقائه وتلفه ، وعند التلف بحسب وجود مثله وتيسره وعدم وجوده أو إعوازه ، وهذا معنى ضمان المال المجعول بالحديث الشريف جعلا أصليا وضعيا ، ومقتضى إطلاق النبوي كون الحكم المذكور بما يتبعه على آخذ المال ومن استقرت يده عليه الى وقت أدائه إلى مالكه بما يصدق عليه أداء عرفا ومقتضى ذلك عدم تحول الحكم المذكور وانتقاله الى غير ذي اليد ولو كان بتعهد منه لصاحب المال الا بدليل شرعي مفاده الانتقال بذلك التعهد ، ودليل تشريع الضمان العقدي الناقل المقيد لإطلاق النبوي المذكور مورده الديون والأموال الكلية التي اشتغلت بها الذمم بأحد أسباب الشغل ، ومقتضى الجمع بينه وبين دليل على اليد المستفاد منه كون غاية ضمان ذي اليد على مال الغير وصوله الى صاحبه هو تقييد إطلاق دليل على اليد بدليل تشريع الضمان الناقل ، وحاصل الجمع بينهما : أن عهدة المال المذكور على آخذه الى زمان أدائه إلى مالكه بما هو أداء عرفا ما لم يضمنه ضامن له بالعقد بينه وبين مالكه المضمون له فتبرء حينئذ ذمة ذي اليد مما عليه ، وتشتغل ذمة الضامن به لمالكه.

وما ذكره سيدنا ـ قدس سره ـ : «من إمكان تحقق الضمان العقدي بالنسبة إلى الأعيان المضمونة بقوله : لا دليل على اختصاص الضمان عن الغير بكون الثابت في ذمته مالا بل اللازم ثبوت مضمون أعم من كونه حقا أو مالا والعين المضمونة ثابتة ، عهدتها في ذمة المضمون عنه ، ومعنى ثبوتها في ذمته كونه بحيث يكون عليه رد العين مع وجودها ودفع بدلها عند التلف وهذا المعنى منتقل من ذمته إلى ذمة الضامن المستلزم لبراءة ذمة المضمون عنه» انتهى.

غير خال عن الإشكال ، فإنه وإن أمكن في مقام الثبوت انتقال ضمان المال المجعول على ذي اليد بجميع شئونه وآثاره الى من يضمنه لمالكه ويتعهد به بتعاقد بينه وبينه ، ولكن لا يكفى مجرد الإمكان في الحكم بفعلية الانتقال وبراءة ذمة ذي اليد واشتغال ذمة الضامن بما اشتغلت به ذمته ما لم يقم على ذلك دليل من الشارع مفاده انتقال الضمان المذكور الى الغير بالتعاقد بينه وبين المضمون له ، وأدلة تشريع الضمان العقدي الناقل موردها ـ كما ذكرنا ـ الديون التي اشتغلت بها ذمة المضمون عنه وأما الأعيان الخارجية المضمونة بضمان على اليد ، فلا دليل على مشروعية ضمانها بالضمان العقدي الناقل والتمسك بعموم النبوي «الزعيم غارم» غير واضح ، فإنه مضافا الى ما قد يقال : ان ما يروى عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : من أن الزعيم غارم ليس من أخبارنا فلا يكون حجة عندنا انتهى.

يمكن المناقشة في دلالته أيضا فإن مادة الغرامة باشتقاقاتها تستعمل فيما يلزم به الشخص من أداء مقدار من المال الى الغير بسبب موجب له من إتلاف ماله أو تلف مال مضمون له بوضع يده عليه أو استدانة مال منه ، ومنه إطلاق الغريم على من عليه الدين والغارمين في آية الزكاة على من علاهم الدين ولا يجدون لها قضاء ، ونحو ذلك من سائر اشتقاقات المادة المذكورة فبناء على كون المراد بالزعيم في النبوي المذكور : المتعهد بالمال الذي اشتعلت به ذمة الغير يكون مفاد القضية أن الكفيل بالمال المضمون على الغير والمتعهد به لصاحبه غرامته عليه فهو مدين بها له ملزم بأدائها ودفعها اليه. وبما أن (غارم) اسم فاعل غرم والمشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدء في الحال لا الأعم منه وممن يتلبس به في الاستقبال ، فظاهر القضية : أن الكفيل المتعهد بالمال ملزم بغرامته عند كفالته وتعهده فاذا كان المتعهدية دينا في ذمة الغير صح القول بان الكفيل غارم له وملزم بأدائه فعلا للمكفول له ، فالحمل على حقيقته وأما إذا كان عينا خارجية مضمونة بضمان الغير فلا يصح أن يقال على ضامنها والكفيل بها للمضمون له انه ملزم بغرامتها وخسارتها فعلا ، بل هو ملزم بها بعد تلفها ، فإطلاق لفظ (الزعيم) في القضية وان كان ظاهرا في العموم لضامن العين الخارجية لمالكها ، ولكن ظهور المحمول في الغارم بالفعل مقدم على ظهور الموضوع فيتعين كون المراد بالزعيم المتعهد بدين الغير لا الأعم منه ومن العين.

هذا مضافا الى احتمال كون المراد بالزعيم في القضية هو المتعهد بمال وجعل لشخص على عمل منه تعهدا ابتدائيا بلا اعتبار كون المال مضمونا على آخر ومسبوقا بضمانه له. وعليه فالمراد : أن الزعيم والمتعهد به ملزم بما تعهد به له على عمله وغارم له والظاهر أن المراد بالزعيم في الآية الشريفة «وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ» هو بهذا المعنى بان يكون المقصود للمؤذن اني كفيل بأداء حمل بعير من الطعام اخسره من مالي لمن جاء بصواع الملك ، لا أن المراد : اني ضامن لما في ذمة الملك من الجعل ليشكل بكونه من ضمان ما لم يجب ، حيث ان العمل من المجعول له بعد لم يتحقق لتشتغل ذمة الملك بالجعل.

ويجاب عن الإشكال تارة بكفاية المقتضي للثبوت في صحة الضمان ومنع اعتبار الثبوت الفعلي والمقتضي قول المؤذن من قبل الملك ولمن جاء به حمل بعير ، وأخرى بثبوت عهدة الجعل في ذمة الملك فيكون الضمان عنه من ضمان العهدة ولعل مرجعهما واحد ، وعلى كل فلم يتضح دلالة النبوي المذكور على صحة ضمان الأعيان المضمونة بضمان اليد قبل تلف العين لو سلم صحة سنده.

وأما دعوى عدم الخلاف في ضمان عهدة الثمن اي دركه للمشتري لو ظهر استحقاق المبيع ، أو بطلان البيع لخلل فيه ، فإنه مضافا الى ما قد يقال : لم يتحقق إجماع على ذلك ، ومجرد عدم الخلاف غير كاف مع قلة المتعرض لذلك من الأصحاب انتهى. وعلى كل فلا بد ان يراد الضمان بعد قبض البائع له وقبل تلفه فان ضمانه قبل القبض من ضمان ما لم يجب ولا خلاف في عدم صحته ، كما ان ضمانه بعد تلفه من قبيل ضمان الدين ولا خلاف في صحته. فما يمكن ان يدعى كونه من محل الكلام ضمانه قبل التلف ولكن لو سلمنا الإجماع على صحته فهو ليس مما نحن فيه ، فان غاية ما يستفاد من من ضمان درك الثمن تعهد الضامن للمشتري والتزامه بإيصاله اليه ولو بإلزامه البائع بدفعة ان كان موجودا أو أخذه منه ودفعه لمالكه ومع امتناع ذلك أو تلفه وامتناع البائع من دفع بدله يخسره الضامن من ماله.

وبالجملة ليس معنى ضمان شخص درك أحد العوضين عند ظهور استحقاق الآخر منهما أو ظهور خلل في المعاوضة هو انتقال الضمان من المضمون عنه الى الضامن بنحو ليس للمضمون له الرجوع الى المضمون عنه ـ حينئذ ـ لبراءة ذمته واشتغال ذمة الضامن بالمضمون بناء على ما هو الحق الذي استقر عليه المذهب من أن الضمان العقدي ناقل لما في الذمة إلى ذمة أخرى لا موجب لضم ذمة إلى ذمة أخرى حتى يجوز للمضمون له الرجوع الى أيهما شاء كما هو كذلك عند العامة فهو عندنا حيث يشرع موجب لانتقال المضمون من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن فتبرء ذمة وتشتغل أخرى ، وفيما هو محل الكلام من ضمان درك الثمن أو المثمن لصاحبه عند ظهور الاستحقاق أو الخلل في المعاوضة لم يظهر ممن تعرض للمسألة أن الثمن مثلا المضمون على البائع عند الاستحقاق أو الخلل بضمان الأجنبي لعهدته ودركه بالعقد مع المضمون له : ينتقل ضمانه من عهدة البائع. إلى عهدة الضامن ، فتشتغل ذمته وتبرأ ذمة المضمون عنه ، أعني : البائع ويشهد لذلك : أنهم في مقام التعبير عن الضمان المذكور قالوا : يجوز ضمان عهدة الثمن أو درك الثمن. والظاهر أن المراد بضمان العهدة أو الدرك أنه عند امتناع أخذه المضمون من البائع أو أخذ بدله عند تلفه يكون عوضه وخسارته على الضامن ، فاشتغال ذمته بالبدل انما يكون بامتناع أخذه أو أخذ بدله عند تلفه من البائع واما في صورة عدم امتناع أخذه أو أخذ بدله عند تلفه فالمكلف بالرد والأداء هو المضمون عنه وغاية ما يمكن أن يقال انه يجب على الضامن إلزامه بالأداء ولا مانع من الالتزام بذلك مع مساعدة الدليل وثبوت الإجماع على ذلك وعلى كل ليس هو من محل الكلام من الضمان الناقل من ذمة إلى ذمة أخرى وبراءة. ذمة وانشغال اخرى.

وحاصل ما ذكرناه من أول المبحث إلى آخره : أنه لم يتضح لدينا دليل على صحة الضمان الناقل بالنسبة إلى الأعيان المضمونة بضمان اليد قبل تلفها بنحو تبرأ به ذمة المضمون عنه وتشتغل ذمة الضامن بها ومقتضى الأصل وبقاء ما كان على ما كان : عدم الانتقال.

وفاقا للمحكي عن (المبسوط)

1) في صحة الضمان العقدي للأعيان المضمونة بضمان اليد كالمغصوب والمقبوض بالعقد الفاسد والأمانات عند التعدي والتفريط وجوازه قبل تلف العين : خلاف. وأما بعد التلف وزمان فعلية الضمان بالمثل أو القيمة فلا اشكال ولا خلاف بينهم في صحة الضمان لما في ذمة الضامن من المثل أو القيمة ، إذ هو من مصاديق الدين ، والضمان العقدي إنما شرع في المذهب لتحويله من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن ، فينحصر الخلاف في ضمان الأعيان المضمونة قبل تلفها ـ كما يظهر ذلك من استدلال المانعين بكونه من ضمان ما لم يجب ، ومن استدلال القائلين بالصحة بكفاية تحقق السبب في ذلك ، وهو اليد ، نظرا منهم بأن المسبب ـ وهو ضمان المثل أو القيمة ـ وان لم يتحقق بعد ، إلا أنه لما تحقق سببه ـ وهو اليد ـ فهو بمنزلة تحقق المسبب.

و (التذكرة) و (التحرير) و (الإرشاد). وفي (الشرائع) بعد التردد قال : «والأشبه الجواز خلافا لثاني الشهيدين والمحققين وغيرهم ، فقووا البطلان ، وتوقف في القواعد حيث قال فيه : والأعيان المضمونة كالغصب والعارية المضمونة والامانة مع التعدي على اشكال ، وفي (الكنز):

منشأ الاشكال هنا كما قلنا في باب الرهن من صحة الرهن عليه وعدمها وهو أنها ليست ثابتة في الذمة فلا يصح ضمانها ومن وجود سبب ضمان القيمة وهو الغصب وأشباهه. انتهى.

قلت هذه المسألة ، وان وقع الخلاف فيها ولعل الأكثر فيها على المنع نظرا منهم الى كونه من ضمان ما لم يجب لان الثابت في الذمة حال وجود العين انما هو وجوب ردها والقيمة انما تثبت بعد التلف وضمانها قبله ضمان لما لم يجب ، إلا أن مصداقا من مصاديق هذه الكلية وهو ضمان الثمن للمشتري عن البائع بعد القبض وقبل التلف مما تكرر نقل الإجماع على صحته ولعله من المسلمات عندهم ، ولذا تخلص بعض عن محذور كونه من ضمان ما لم يجب بالإجماع ومسيس الحاجة اليه. وأنت خبير بأن ضمان ما لم يجب - كما تقدم - أمر غير معقول ، والإجماع لا يصير غير المعقول معقولا

فالذي ينبغي أن يقال : انه لا دليل على اختصاص الضمان عن الغير بكون الثابت في ذمته مالا بل اللازم ثبوت مضمون أعم من كونه حقا أو مالا ، والعين المضمونة ثابتة عهدتها في ذمة المضمون عنه ، ومعنى ثبوتها في ذمته كونه بحيث يكون عليه رد العين مع وجودها ودفع بدلها عند التلف ، وهذا المعنى منتقل من ذمته إلى ذمة الضامن المستلزم لبراءة المضمون عنه إلا ان تجدد الدخول في عهدته انما هو لتجدد السبب بعد الضمان لفرض بقاء العين

في يده بعده ، وإلا فلو فرض زوال السبب كاليد مثلا قبل الضمان عنه بالصيغة كما لو ضمن للمالك برضائه في تعاقب الأيدي ما في ذمة الأول ، التزمنا ببراءة ذمته ولم يتحقق عندنا إجماع على خلافه في هذه الصورة.

فظهر ضعف ما أوردوا على القول بالصحة في كلية المسألة : من أن من لوازم هذا الضمان وخاصيته عندنا براءة المضمون عنه مع كون الغاصب - مثلا - باقيا على الضمان وان ضمن عنه ، فهو ان صح أفاد ضم ذمة إلى ذمة ولا نقول به بل هو مذهب غيرنا ضرورة ان ما كان ثابتا قبل الضمان

لالتزم بانتقاله عن المضمون عنه الى الضامن وانما تجدد ضمانه بتجدد سببه لان اليد المفروض بقاؤها بعد الضمان على مال الغير أيضا سبب للضمان ، وان أريد ببقاء ضمان المضمون عنه مع عدم السبب له بعد ضمان الغير عنه فهو ممنوع أشد المنع ولا إجماع عليه متحقق عندنا ، وعليه فيكون الإجماع المستفيض على الصحة في مورده من ضمان الثمن إجماعا على القاعدة فيتسرى منه الى غيره من مواردها لا على خلاف القاعدة حتى يقتصر على مورده.

وبما ذكرنا اتضح أن ضمان الأعيان المضمونة حال وجودها بالعقد ضمان لما يجب ، لا لما لم يجب ، وأنه على القاعدة. ولعله الى ما ذكرنا من الوجه يرجع ما استدل به على الصحة من وجود سبب ضمان القيمة وهو الغصب وأشباهه بإرادة دخول العين بذلك السبب في العهدة وان كانت

العبارة منهم محتملة لإرادة كون القيمة بعد وجود السبب ثابتة في الذمة بالقوة القريبة وتنزيل المعدوم منزلة الموجود كما صرح به (الكنز) في باب الرهن ، حيث قال : «ومن وجود سبب الضمان ووجود السبب يجرى مجرى وجود المسبب فان كل واحد من هذه سبب في وجوب قيمتها لو تلفت فلها تعلق بالذمة» إلا أنك خبير بما فيه ضرورة توقف النقل والتحويل على الثبوت فعلا ولا تكفي القوة القريبة في دفع محذور المحال ، فهو شرط عقلي فإن أريد من العبارة ما ذكرناه اتجه التفصيل في السبب بين ما يوجب وجوده دخول العين في العهدة وما لا يوجب ذلك كالعيب الموجب للتسلط على الرجوع بعد الفسخ بالخيار لأن سببية العيب ولو كانت قبل العقد لا يوجب دخول الثمن المقبوض للبائع في عهدته قبل الفسخ فلا يصح ضمانه على المختار لكونه من ضمان ما لم يجب ، ويصح بناء على كفاية مطلق السبب لتنزيل المعدوم معه منزلة الموجود فافهم.

وكيف كان فالأقوى صحة ضمان الأعيان المضمونة وأنه على القاعدة وموجب لبراءة المضمون عنه مع عدم سبب لضمانه كاليد ونحوه بعد ضمان

الغير عنه برضاء المضمون له بعقد الضمان لعموم : الوفاء بالعقود ، مؤيدا بقوله تعالى «وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ» حيث أن المورد من الجعل الذي لا يثبت في الذمة إلا بعد العمل ، فالضمان عنه ضمان لما لم يجب ، وليس إلا لثبوت عهدة الجعل في ذمة الملك فيكون الضمان عنه من ضمان العهدة فافهم واغتنم.

هذا ولا بأس بتذبيل المسألة بضمان درك أحد العوضين للبائع أو للمشتري الواقع كثيرا فيما بين الناس حتى قبل بمسيس الحاجة إليه.

فنقول : الضمان : مرة يتعلق بالثمن ، وأخرى بالثمن وعلى التقديرين فتارة يكون متعلقة وهو المضمون عينا شخصية واخرى كليا في الذمة.

وعلى جميع التقادير : فاما أن يكون قبل القبض أو بعده قبل التلف أو بعده أيضا ، وعلى التقادير كلها : فأما أن يكون الضمان للمشتري عن البائع ،

أو بالعكس للبائع عن المشتري. وحينئذ فإن تعلق الضمان بالثمن وكان شخصيا فان كان الضمان للمشتري عن البائع بأن خرج المبيع مستحقا للغير - مثلا - وكان قبل القبض فهو باطل قطعا لكونه من ضمان ما لم يجب ، وان كان بعد التلف فصحيح بلا اشكال لكونه من ضمان المال الموجب للانتقال ، ومقتضاه اختصاص الرجوع على الضامن ، وان كان بعد القبض وقبل التلف فهو المتيقن مما نقل الإجماع على صحته لو انكشف فساد البيع اما لكون المبيع مستحقا للغير أو للإخلال بشرط أو غيره ، وهو مصداق من مصاديق مسألة ضمان الأعيان المضمونة ، فيتخير المشترى في الرجوع على من شاء منهما من الضامن لضمانه ، والبائع لتجدد ضمانه بسبب اليد المتجددة بعد عقد الضمان ، وهو مظهر الثمرة بين الضمان بعد التلف وقبله بعد القبض وان كان الضمان للبائع عن المشتري بأن انكشف فساد البيع : أما لكون الثمن مستحقا للغير ، أو للإخلال بشرط من شروط الصحة ، فالثمن في الأول - وان كان مضمونا على المشتري - إلا انه لمالكه دون البائع ، وفي الثاني غير مضمون عليه لكونه ملكه فضمانه عن المشترى للبائع خروج عما يقتضي الصحة على التقديرين. وان كان كليا وكان الضمان للبائع عن المشتري صح مطلقا قبل القبض وبعده قبل التلف وبعده لكون الثمن كليا مضمونا على كل حال وهو من ضمان المال على كل تقدير. وان كان الضمان

المتعلق بالثمن الكلي للمشتري عن البائع فباطل قطعا لعدم وجود المحل له والمدفوع للبائع مصداقا لو وجب رده ليس متعلقا للضمان.

هذا كله فيما لو تعلق الضمان بالثمن ، ويجرى الكلام مثله فيما لو تعلق بالمثمن حرفا بحرف ، واللّه العالم.

ثم انه قد ظهر مما ذكرنا أيضا وجه عدم صحة ضمان الأجنبي عن البائع أرش ما يحدثه المشترى في المبيع غرسا أو بناء - مثلا - لو ظهر مستحقا للغير واختار المالك قلعه من التفاوت بين القيمتين ثابتا ومقلوعا أو بقاءه بأجرة لعدم ثبوت شي‌ء حتى العهدة حال الضمان في ذمة البائع حتى ينتقل بالضمان إلى عهدة الضامن وان استحق عليه الأرش بعد اختيار القلع للتسبيب والغرور ، بل لا يصح الضمان منه أيضا بالعقد وان كان ضامنا بالبيع بمعنى انه يلتزم بما يغرمه المشتري لو رجع به عليه لا لما قيل من عدم الفائدة في الضمان بعد ان كان البائع ضامنا بهذا المعنى على كل حال لإمكان تصويرها فيما لو أسقط أحدهما الحاصل بسببه بقي الآخر بسببه على تقدير الصحة كذي الخيارين لو أسقط أحدهما وفيما لو شرط على البائع ضمانه بوجه صحيح فان صح هذا كفى في الوفاء بالشرط بل لعدم ثبوت شي‌ء حال الضمان حتى يضمنه أولا وعدم تعقل ضمان الإنسان عن نفسه ثانيا. ومنه يعلم : أنه لو كان شي‌ء

ثابتا فعلا في ذمة البائع لكان صحة ضمان الأجنبي عنه أولى من صحة ضمانه عن نفسه فانقدح بذلك ضعف ما في الشرائع وعن (التذكرة) من التفصيل بين ضمان البائع عن نفسه وضمان الأجنبي عنه بجوازه في الأول وعدمه في الثاني ، اللّهم إلا أن تمنع الأولوية لأنها مسلمة إن أريد بضمان البائع عن نفسه ما يفيد النقل والتحويل فإنه غير معقول لوحدة المحل ، وأما لو أريد به على تقدير ثبوت شي‌ء في ذمته ضمان العهدة ، فهو من تأكد الالتزام الذي قد عرفت فائدته ، وأنه أمر معقول ، وحينئذ فالوجه للبطلان هو عدم ثبوت شي‌ء حتى يتحقق معنى الضمان بأحد معنييه. ويظهر من (اللمعة) القول بالصحة مطلقا. ومال اليه - بل قال به - (في الروضة) بناء على كفاية وجود السبب منه في ثبوته عليه جريا لوجود السبب مجرى وجود المسبب فيصح الضمان عنه مطلقا. وقد عرفت ما فيه.

فظهر أن المسألة ثلاثية الأقوال : قول بالبطلان مطلقا وهو الأقوى لعدم ثبوت شي‌ء حال الضمان حتى يصح ضمانه فهو من ضمان ما لم يجب ، ويزيد - في صورة ما لو كان الضامن هو البائع - ما تقدم من عدم تعقل ضمان الإنسان عن نفسه فتأمل ، وقول بالصحة كذلك سواء ضمن البائع عن نفسه أو ضمن الغير عنه ، وقول بالتفصيل : بين ضمانه عن نفسه

فيجوز ، وبين ضمان الغير عنه فلا وقد تقدم ما يوجب ضعف القولين بزيادة ما يضعف الأخير أيضا.

هذا وقد بقي مورد يظهر منهم الاتفاق على صحة ضمانه وهو ما لو خيف من الغرق وقال لصاحب المتاع في السفينة : ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه وحكاية الإجماع عليها مستفيضة ، مع ما قيل : انه من ضمان ما لم يجب.

ويمكن تصحيحه بأحد وجهين : الأول - دعوى كونه من الجعالة - كما احتمله في (التذكرة) و (التحرير) وعليه فيكون المضمون قيمة المتاع وان كان هو مثليا لأنه مبذول بإزاء العمل الذي هو من القيميات فتأمل الثاني بتقريب أن الممتنع من ضمان ما لم يجب هو ما كان ضمانا عن الغير لتوقف نقله على ثبوته ، وأما مجرد الضمان للمالك الذي هو بمعنى الالتزام له بتدارك ماله ببدله ، فهو أمر معقول غير أن ثبوت الإلزام بهذا الالتزام الذي هو من قبيل الوعد محتاج الى دليل سيما مع عدم كون العقد عليه متعارفا حتى يدخل في عموم «الأمر بالوفاء» وهو موجود في المقام لما عرفت من نقل الإجماع عليه مستفيضا المعتضد بدعوى غير واحد اتفاق الأصحاب عليه إلا ان الواجب فيه حينئذ الاقتصار على مورده من خوف الغرق فهو في الحقيقة من ضمان عهدة المال للمالك الذي هو من ضمان ما يجب بعد قيام الدليل عليه. وقد تقدم في المعاطاة ما يزيدك توضيحا للمسألة فظهر مما ذكرنا : أن ضمان العين حال وجودها ضمان فعلى كما يعطيه ظهور ظهور كلمة على في حديث «على اليد» لا ضمان تعليقي كما توهم وصرح به غير واحد من الأصحاب ، لا لما قيل من عدم الفرق على التعليق بين من كانت العين في يده وغيره في صدق كونه ضامنا على تقدير لوضوح الفرق بين ثبوت المقتضى للضمان كاليد وان توقف على شرط التلف ، وبين عدم ثبوته ، بل لما عرفت من ظهور الفعلي من حديث «على اليد» سيما

مع جعل التأدية غاية لرفعه في حالتي وجود العين وتلفها الموضع الثاني في تصوير ضمان الأيدي المتعاقبة للمالك واشتغال ذممهم له بحسب تعددها بمال واحد (1)

هذا ولكن القول بأن مرجع الضمان الى الحكم التكليفي بوجوب الرد خلاف التحقيق وظاهر دليل «على اليد» فان الضمان بمعنى التعهد بالمضمون وكونه في عهدة الضامن حكم وضعي متأصل بالجعل لدى تحقق سببه بحسب الدليل الدال عليه ، فوجوب أداء المضمون ورده للمضمون له من آثاره وهو تبع للضمان المجعول بالأصل لا أنه هو المتأصل بالجعل والضمان منتزع منه وتبع له كما ، أن ظاهر النبوي الشريف «على اليد ما أخذت حتى تؤدي كون المجعول على ذي اليد والثابت في عهدته نفس ما أخذه من مال الغير ومرجع ذلك الى حكم وضعي تنجيزي وهو ضمان العين المأخوذة وكونها على عهدة آخذها وهذا الحكم الوضعي مستتبع ومستلزم لأحكام تكليفية فعلية أو شأنية توضيح ذلك : ان المجعول والمحمول على الشخص تارة يكون من قبيل الأفعال ، كما يقال : عليه صلاة كذا أو صيام كذا ، فالمراد أنه يجب عليه ذلك الفعل ، وأخرى يكون من قبيل الأعيان والأموال كما يقال عليه كذا من النقود مثلا فالمراد انها في عهدته وذمته وهو كفيل بها لصاحبها فيجب عليه أداءها اليه ودفعها له بما يصدق عليه أنه أداء ودفع عرفا ، فالكون في العهدة من قبيل الوضع والتكليف بالأداء ونحوه متفرع عليه ، وليس هو المجعول بالأصل بالمعنى المذكور من الضمان فمفاد النبوي «على اليد ما أخذت حتى تؤدى» أن ما أخذه ذو اليد واستولى عليه من مال الغير مستقر عليه وثابت في عهدته فهو ناء بثقله وملزم بتبعاته من حفظه عن التلف وما يلحق به وتدارك نقصه الحادث وأرش عيبه واجرة مثل ما استوفاه أو فات من منفعته وأداء مثله أو قيمته عند تلفه حتى يؤديه إلى مالكه هذا ولو تعاقبت الأيدي على مال الغير وأخذه كل لاحق ممن سبقه فربما يشكل تعدد الضمناء للمال الواحد ويقال كيف يمكن خسارة كل منهم لمالكه عند تلفه مع انه لم يستحق إلا غرامة واحدة ولا يمكن الالتزام بنظير ما التزم به سيدنا ـ قدس سره ـ من إرجاع الضمان الى الحكم التكليفي بوجوب رد العين وأدائها عرفا الى مالكها وجوبا مطلقا بحسب حالاتها الطارئة عليها وكونها من قبيل الواجب الكفائي على الجميع فان مرجع ذلك بناء على كون الضمان من قبيل الوضع لا التكليف كما اخترناه واستظهرناه من الدليل : ان كلا من ذوي الأيدي المتعاقبة ضامن ومتعهد بالمال لو لم يكن الآخر متعهدا به وذلك لا يرجع الى معنى محصل ، فان مقتضاه عدم ضمان كل من ذوي الأيدي. ثم ان المتسالم عليه ان المالك له الرجوع على كل من ذوي الأيدي المتعاقبة بغرامة بدل التالف فهو مختار في الرجوع الى من شاء وتغريمه لكن لو رجع الى الأخير منهم ، وهو من تلفت العين تحت يده لا يرجع بما غرمه للمالك على من سبقه ولو رجع المالك الى السابق وغرمه فله الرجوع على اللاحق بما غرمه للمالك وهو يرجع على من لحقه وهكذا حتى يكون قرار الضمان على من تلف المال تحت يده فربما يقال ان كلا من ذوي الأيدي المتعاقبة إذا كان ضامنا للمال الذي استقرت يده عليه بمقتضى دليل على اليد فما الموجب لرجوع السابق بغرامته للمال على اللاحق مع انه مثله في ضمانه للمال الذي كان تحت يده وفي شمول دليل على اليد له أيضا.

والحاصل ان الاشكال من جهتين : الاولى ـ ان كلا من ذوي الأيدي المتعاقبة إذا كان ضامنا ومتحملا غرامة بدل التالف للمالك بمقتضى دليل «على اليد» فاللازم دفع ابدال اليه مع أنه لا يستحق الا بدلا واحدا.

الجهة الثانية ـ إن المالك لو رجع ببدل العين التالفة على السابق ، فلما ذا يرجع بما غرمه للمالك على من لحقه مع أنه مثله في الضمان بسبب اليد ، ثم ان شيخنا المرحوم (صاحب الجواهر قدس سره) تخلص عن الإشكال بأن خطاب من استقر الضمان عليه ـ وهو من تلف المال عنده ـ وضعي ذمي وخطاب غيره ممن استقرت يده على المال تكليفي محض. ولذا يرجع على من تلف المال عنده بغرامته للمالك إذا رجع عليه بها. وعليه فلا تعدد في شغل الذمم بالإبدال مع وحدة المال.

هذا ولكن قبل عليه ـ كما قاله سيدنا ـ قدس سره ـ أيضا ـ : ان ذلك تفكيك بين ضمانات الأيدي مع استفادة الكل من دليل واحد وهو عموم على اليد ولكنه ـ رحمه اللّه ـ تخلص عن اشكال تعدد الشغل مع وحدة المال بما سبق من كلامه من إرجاع الضمان المستفاد من الحديث الى الحكم التكليفي بوجوب الرد الى المالك وجوبا مطلقا غير مقيد ببقاء العين. وعليه فيمكن كون الوجوب على كل من ذوي الأيدي كفائيا مرجعه : أنه يجب عليه الأداء ان لم يؤد غيره ، لكنا ذكرنا ان إرجاع الضمان الى الحكم التكليفي خلاف التحقيق من كونه من قبيل الوضع لا التكليف.

وقد وجه سيدنا ـ قدس سره ـ رجوع السابق من ذوي الأيدي إلى اللاحق دون من سبقه بقوله : فالأحسن في توجيه ذلك هو أن يقال : ان من يدفع البدل الى المالك يرجع به على من انتقل منه إليه لأن العين مقبوضة له منه ولو بالواسطة دون من انتقلت اليه منه لان العين مقبوضة منه ، فكيف يمكن منه مطالبة بدلها مع كون نفس العين مقبوضة منه ، وهل هو بالنسبة اليه الا جمع بين البدل والمبدل ، توضيح ذلك : أن بدفع البدل الى المالك قام الدافع مقام المالك قهرا فيما كان له من الحق قضاء لحق البدلية وان كانت قهرية ، ومقتضاه الرجوع على من أخذ المال منه ولو بالواسطة ، فنسبة الأخذ من الدافع كنسبة الأول من المالك ، فلا يرجع به على من لم يأخذ المال منه كما لا يرجع المالك كذلك انتهى.

ولعل مراده ـ قدس سره ـ أن المالك للعين كان له الرجوع على كل من أخذ العين واستولى عليها بإلزامه بردها اليه مع وجودها ودفع بدلها عند تلفها فمن رجع عليه المالك من ذوي الأيدي المتعاقبة على العين ببدلها عند تلفها فبدفعه للمالك يثبت له ما كان للمالك من حق الرجوع على من أخذ العين منه ولو كان أخذه بالواسطة قضاء لحق البدلية ، وان كانت قهرية فإن دفعه البدل للمالك حكم شرعي ملزم به آخذ العين والمستولي عليها ، وهو وان كان تغريما له من الشارع ولكنه بدل قائم مقام المبدل ، فدافعه يقوم مقام المالك له ويستحق ما كان يستحقه من الرجوع على من أخذ العين ببدلها ، وعليه فلو رجع المالك على السابق ببدل العين التالفة وأخذه منه فله الرجوع على من لحقه لكونه عند دفع البدل للمالك قائماً مقامه فيستحق البدل ممن أخذ العين منه ولو بالواسطة كالمالك قبل أخذه البدل منه بخلاف ما لو رجع المالك على اللاحق وأخذ بدل العين منه ، فإنه لا يرجع بما دفعه للمالك من البدل على سابقه لكونه ، آخذا للمبدل منه فلو أخذ البدل منه يكون جامعا بين البدل والمبدل. نعم لو كان للاحق لاحق آخر أخذ العين منه فله الرجوع عليه بما دفعه للمالك من البدل حتى يستقر الضمان على من تلفت العين عنده ، فليتأمل هذا.

ولعل الأوجه في دفع الاشكال ما ذكره شيخنا الأنصاري ـ قدس سره ـ وأوضحه الأستاد ـ قدس سره ـ وهو مبني على ما هو التحقيق : من ان الضمان المجعول بدليل «على اليد» حكم وضعي متأصل بالجعل وان استتبع أحكاما تكليفية فعليه أو شأنية توضيح ذلك : إن ما يمكن تصوره في ضمان ذوي الأيدي على مال الغير وجوه ثلثه : أحدها اشتراك الكل في ضمانه بنحو المجموع فيضمن كل منهم بعضه ، وهذا انما يتجه فيما لو استولى الكل على المال دفعة واحدة بأن كان تحت يد الكل في زمان واحد فيشترك الكل في ضمانه بمعنى ضمان كل بعضه ولا يتجه ذلك فيما نحن فيه من الأيدي المتوالية على المال بنحو التعاقب وكون المال في كل زمان تحت يد من الأيدي بنحو الاستقلال.

الوجه الثاني ـ أن يكون كل من ذوي الأيدي يضمن المال بتمامه في عرض ضمان الآخر فتكون العين مضمونه لكل منهم في زمان واحد وهذا انما يتجه بناء على ما اختاره سيدنا ـ قدس سره ـ ومن قال بمقالته من إرجاع الضمان الى الحكم ، التكليفي بلزوم رد العين بنحو الإطلاق وعدم التقييد ببقاء العين بل وجوب الرد ولو مع تلفها برد مثلها أو قيمتها مما هو رد للعين عرفا. وعليه فيمكن أن يجب على الجميع أداء العين مطلقا الى مالكها بنحو الواجب الكفائي بمعنى كون كل من ذوي الأيدي يجب عليه الرد والأداء لو لم يؤد غيره ، ولكن بناء على ما اخترناه من أن الضمان حكم وضعي متأصل بالجعل من الشارع بمعنى كون المضمون في عهدة الضامن وذمته فكما لا يعقل كون المال الواحد في زمان واحد في مكانين خارجا عرضا ، فكذا لا يمكن اعتبار كون المال في ذمتين بنحو يكون كل منهما مشغول الذمة بتمامه. نعم يمكن التبعيض في الشغل ، ومن هنا كان الضمان العقدي موجبا لنقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن كما استقر عليه المذهب ، وليس من ضم ذمة إلى ذمة كما هو كذلك عند العامة والأعيان المضمونة باليد انما يصح ضمانها بالضمان العقدي الناقل بعد التلف وعليه فتشتغل ذمة الضامن بما اشتغلت به ذمة المضمون عنه من بدلها مثلا أو قيمة بحسب المضمون وتبرأ ذمة المضمون عنه من ذلك. وأما في مورد بقاء العين المضمونة. فمرجع ضمانها تعهد الضامن للمضمون له بإلزامه ذا اليد بردها اليه كما ان ما يدعى تسالم الأصحاب عليه من ضمان درك المبيع للبائع ودرك الثمن للمشتري ليس من قبيل الضمان العرضي واشتغال ذمتين بمال واحد ، بل مرجع ضمان شخص عن المشتري للبائع عهدة المبيع فيما لو خرج الثمن مستحقا للغير أو ضمانه للمشتري عهدة الثمن فيما لو خرج المبيع مستحقا خسارة الضامن بدل المضمون من ماله للمضمون له عند امتناع أخذه من المضمون عنه مع وجود المضمون أو امتناع أخذ بدله من المثل أو القيمة عند تلفه. وأما مع وجوده وإمكان أخذ المضمون منه أو إمكان أخذ بدله مثلا أو قيمة في صورة تلفه ، فالضامن المكلف بالرد للعين الموجودة أو الملزم بأداء مثلها أو قيمتها في صورة تلفها هو المضمون عنه نعم غاية ما يمكن : أن يقال : أنه يجب على من ضمن عهدة المبيع فيما لو خرج الثمن مستحقا أو عهدة الثمن فيما لو خرج المبيع مستحقا إلزامه الضامن برد العين أو إلزامه بأداء بدلها مثلا أو قيمة في صورة تلفها ولا بأس بذلك مع مساعدة الدليل وقيام الإجماع عليه وليس ذلك من الضمان العرضي الذي قلنا بعدم تعقله بالنسبة إلى ضامنين للمال في زمان واحد.

الوجه الثالث ـ من وجوه ضمان الأيدي المتعاقبة على مال الغير كون ضمان اللاحق في طول ضمان السابق لا في عرضه كما في الوجه الثاني ، ومحصل ذلك كون الأول ضامنا للمالك نفس العين بمعنى كونها في عهدته ، والثاني ضامن لما ضمنه الأول وتعهد به ومقتضاه كون ذمة الثاني مخرجا لما في ذمة الأول وما على الأول من ثقل العين وتبعاتها ملزما به الثاني ، فما يدفعه الأول للمالك من البدل المتدارك به العين التالفة عند رجوع المالك عليه به إنما هو تدارك لما هو في ذمة الثاني ودفع لما هو ملزم به فله الرجوع عليه بما دفعه للمالك لاشتغال ذمته بما اشتغلت به ذمة الأول للمالك وهكذا كل سابق بالنسبة الى ما لحقه.

والحاصل بعد ما ذكرناه من عدم الوجه في اشتراك ذوي الأيدي المتعاقبة على مال الغير بضأن بدله للمالك بنحو التوزيع عليهم لعدم استيلائهم على المال دفعيا وانما كان بنحو التعاقب وذكرنا أيضا عدم الوجه لضمان كل من ذوي الأيدي المتوالية ضمانا عرضيا للمالك لعدم تعقل كون المال الواحد في زمان واحد في ذمتين وكونه ثابتا ومستقرا على عاتق شخصين اعتبارا ، كما لا يتعقل كونه كذلك في مكان واحد خارجا ، فالمتعين كون ضمان ذوي الأيدي للمال طوليا بمعنى كون الأول يضمن العين بماليتها للمالك والثاني يضمن ما ضمنه الأول له بنحو تكون ذمته مخرجا لما في ذمة الأول وما على الأول ثابتا ومستقرا على الثاني ، فإن رجع المالك على الأول ببدل العين التالفة رجع بما اداه للمالك من البدل على الثاني وان رجع به ، أي بالبدل على الثاني لا يرجع بما أداه للمالك على الأول. والوجه في ذلك : أن الأول عند ضمانه العين لمالكها بوضع يده عليها لم تكن مضمونة على أحد قبله فهو يضمنها بماليتها للمالك بخلاف الثاني فإنه يوضع يده عليها بعد الأول ضمنها بما هي مضمونة على الأول يبدلها ، وعليه فهو أي الثاني ضامن للمالك بدل العين نظرا لوضع يده العادية عليها فله الرجوع به عليه وأخذه منه كما أنه ضامن للأول البدل الذي أخذه المالك منه عند رجوعه عليه نظرا لكونه ضامنا ما ضمنه للمالك من بدل العين ، ولكن المالك لو رجع ببدل عينه التالفة على الثاني وأخذه منه لا يرجع بما أداه للمالك على الأول لأنه لم يضمن للثاني ما أخذه المالك منه من بدل العين التالفة ، فإنه أي الأول لم يضمن الا للمالك لو رجع عليه ببدل العين بخلاف الثاني فإنه يوضع يده عليها بعد الأول يضمن العين لمالكها ببدلها لو رجع عليه به كما أنه يضمن للأول بدلها المأخوذ منه للمالك عند رجوعه عليه وأخذه منه فيخسره له : وبالجملة : ان الأول لا يضمن الا العين للمالك والثاني بأخذه العين من الأول يضمنها للمالك بسبب وضع يده عليها ويضمن أيضا للأول بدلها المأخوذ للمالك منه بسبب كونه ضامنا ما ضمنه الأول للمالك من بدل العين التالفة نظرا لأخذه العين منه وضمانه ما ضمنه من بدلها وذلك مقتضى كون ضمان الثاني في طول ضمان الأول لا في عرضه. والحاصل ان الضمان الطولي للايدي المتعاقبة على مال الغير وكون المتأخر يضمن ما ضمنه المتقدم عليه دون المتقدم فإنه لا يضمن ما ضمنه المتأخر عنه بكمال الإمكان ثبوتا ولا يرد عليه ما ورد على الضمان العرضي من الاشكال انما الكلام في وجه دلالة (على اليد) على الضمان بالنحو المذكور فيقال : ان عموم «على اليد» ينحل الى قضايا متعددة بعدد أفراد موضوعاتها فكل يد يخصها فرد من الحكم بالضمان ولا موجب لكونه مراعى بتلف العين بل هو ثابت مع وجودها هي نعم ظرف مطالبة المالك بدلها مثلا أو قيمة انما هو بعد التلف ثم ان مقتضى عموم «على اليد» للايدي المتوالية على مال الغير بنحو التعاقب كون كل حكم من الأحكام المتعددة ثبوته لموضوعه بالنحو الذي اتصف به الموضوع عند الحكم عليه ، فآخذ العين من المالك ضامن لها ومستقر عليه بدلها عند تلفها ، فإن أخذها غيره منه فإنه وان ضمنها للمالك كالأول الا ان نحو ضمانه لها يختلف عن ضمان الأول لها فإن الأول عند ضمانه بأخذ العين من المالك لم يضمنها مضمونة على أحد قبله ، بخلاف الثاني فإنه لما أخذها من الأول ضمنها بما هي مضمونة عليه لكون استقرار يده عليها بعد استقرار يد الأول عليها فهو ضامن لما استقر ضمانه على الأول فتكون ذمته مخرجا لما هو في ذمة الأول وتشتغل بالعين بما هي في ذمة الأول ومستقرة عليه لا بالعين مجردة عن وصف كونها في ذمة أحد قبله كضمان الأول لها ومرجع ذلك الى ضمان الثاني البدل الذي هو على الأول واشتغال ذمته به ومقتضى إطلاق دليل «على اليد» بالنسبة الى الثاني المقتضى لشمول ضمانه للبدل الذي هو على الأول لصورة ما إذا رجع المالك به على الأول وأخذه منه وعدم تقييده بما إذا لم يرجع المالك به على الأول بل رجع عليه : هو تبدل ضمانه واشتغال ذمته بالبدل الذي كان عليه للمالك قبل أداء الأول إلى ضمانه واشتغال ذمته فعلا للأول بما أداه إلى المالك من بدل العين عند رجوعه عليه وأخذه منه فعليه حينئذ أداء يدل المأخوذ من الأول من بدل العين إليه أي إلى الأول ويلزمه دفعه اليه فاتضح بذلك موافقة مقام الإثبات لمقام الثبوت.

ثم ان ما قربناه من الضمان الطولي وما وجهنا به هو مراد شيخنا الأنصاري ـ قدس سره ـ حيث يقول : «فهذا الضمان يرجع الى ضمان واحد من البدل والمبدل على سبيل البدل ـ الى قوله ـ : فما يدفعه الثاني إنما هو تدارك لما استقر تداركه في ذمة الأول بخلاف ما يدفعه الأول» إلخ.

فمراده على الظاهر بقوله (فهذا الضمان) إلخ أن الثاني بأخذه العين من الأول يضمن أحد الأمرين لأحد الشخصين : أما المبدل وهو العين للمالك لو رجع عليه فيضمنها ببدلها ويخسره له ، أو بدلها للأول لو رجع المالك به عليه وأخذه منه فيضمنه الثاني ويخسره للأول ببدله إذا رجع عليه بما اداه للمالك من البدل. وما ذكره ـ قدس سره ـ هو ما وجهنا به إطلاق دليل «على اليد» بالنسبة الى الثاني.

فاندفع بما ذكرناه اشكال تعدد الضمناء للمالك بنحو الاستقلال مع أنه لا يستحق الا بدلا واحدا لما له التالف وظهر وجه رجوع السابق منهم على اللاحق بما دفعه للمالك من البدل عند رجوعه عليه وأخذه منه وعدم رجوع اللاحق على السابق لو رجع المالك بالبدل عليه وأخذه منه.

ثم ان الضمان بالنحو المذكور ـ وهو الطولي ـ كما تصورناه في ضمان الأيدي المتعاقبة على مال الغير كذلك يتصور فيما يكون بالعقد أو الإتلاف والغرور ولكنه ، وان ساوي الضمان بالعقد أو الغرور بالإتلاف في طولية الضمان ، لكنه يختلف عن الضمان فيهما من حيث جواز رجوع المالك الى كل من الضمناء في تعاقب الأيدي وعدم جواز رجوعه الا الى البعض في الموردين الآخرين. ومنشأ ذلك : اختلاف دلالة دليل الضمان ، فدليله في تعاقب الأيدي حديث «على اليد» المقتضى لضمان كل من ذوي الأيدي على المال وكون الجميع في زمان واحد ضامنا مال الغير بنحو الطولية لاستيلاء كل منهم على المال طولا فللمالك الرجوع الى أيهم شاء ولكن يرجع السابق بما اداه للمالك من بدل العين على اللاحق لكونه ضامنا لما ضمنه دون العكس ـ على ما قربناه من طولية الضمان ـ وأما الضمان الذي هو بالعقد أو الإتلاف والغرور فلا يجتمع الضمناء فيهما بالزمان ، فان الضمان العقدي حيث كان مقتضاه عند الإمامية نقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن وليس هو ضم ذمة إلى ذمة كما هو كذلك عند العامة ، فلا اجتماع في الضمان للمالك في المذهب ، بل المال قبل تحقق الضمان بالعقد كان في ذمة المديون وهو المشغول به وبعد الضمان تشتغل به ذمة الضامن وتبرأ ذمة المديون من المضمون والكاشف عن براءة ذمة واشتغال اخرى توقف صحة الضمان ونفوذه على رضا المضمون له وقبوله وعدم كفاية تعهد الضامن له بالمال إذ لو كانت ذمة المضمون عنه وهو المديون بعد ضمان الضامن باقيا اشتغالها ، ومقتضى الضمان ضم الضامن ذمته إلى ذمة المضمون عنه فيصح للمضمون له الرجوع الى أيهما شاء فما الموجب لتوقف ذلك على رضا المضمون له إذ الضامن على هذا لم ينقل الدين الى ذمته من ذمة المضمون عنه وانما أشغل ذمته به وأضافها إلى ذمة المديون ، وذلك لا يقتضي التوقف على رضا المضمون له هذا ولو كان الضمان بالعقد بالتماس المضمون عنه من الضامن فإنه أي المضمون عنه يضمن ما يؤديه الضامن للمضمون له بملاك الاستيفاء فإنه استوفى ما أداه الضامن في وفاء دينه بطلب منه فيضمنه له الا إذا كان الضامن متبرعا بما اداه للمضمون له ولم يكن قاصدا الرجوع به عليه. وهذا ـ اى الضمان بالتماس المضمون عنه ـ أيضا من الضمان الطولي وطوليته أوضح من ضمان الضامن دين المضمون عنه للمضمون له إذ الضامن الذي يضمن الدين للمضمون له يمكن ان يقال : وان كان ذلك خلاف المذهب بان الضامن ضم ذمته إلى ذمة المضمون عنه فالضمان منه في عرض ضمان المضمون عنه ، ولكن هذا ـ أي المضمون عنه الملتمس ـ يضمن ما يؤديه الضامن للمضمون له فتشتغل ذمته بما يؤديه الضامن من الدين بعد أدائه ، فطوليته أوضح.

وأما الضمان الذي سببه اليد على مال الغير فإنه في صورة تعاقب الأيدي عليه وإن كان مقتضى طوليته الضمان وكون اللاحق ضامنا ما ضمنه السابق ينبغي ان يكون من هذه الجهة كالضمان العقدي في اقتضائه براءة ذمة السابق واشتغال اللاحق بما اشتغلت به ذمته ولكنه يختلف عنه من جهة ان ضمان اللاحق ما ضمنه السابق لم يكن بتعاقد وتراض من الضامن والمضمون له ليكون فيه اقتضاء لبراءة ذمة واشتغال اخرى بل هو بجعل من الشارع وحكم منه بسبب يده العادية على المال ، وحيث كانت العين تحت استيلاء كل من ذوي الأيدي بنحو الاستقلال في زمان اقتضى ذلك اجتماع الضمناء في زمان واحد للمالك فان كلا منهم بوضع يده على ماله ضمنه له الى زمان أدائه له وجاز له الرجوع الى أيهم شاء ببدل العين ، إلا أن السابق يرجع بما أداه للمالك على اللاحق دون العكس نظرا لطولية الضمان ، وعلى كل فمنشأ الاختلاف المذكور اختلاف الدليل واقتضاء كل غير ما يقتضيه الآخر.

وأما ضمان الإتلاف والغرور فان الغار وان كان ضامنا في طول ضمان المتلف المغرور من قبله لكنه لما لم يقم الإتلاف به بل بالمتلف خاصة لعدم إمكان تلف شي‌ء بمتلفين على سبيل الاستقلال وان أمكن الاشتراك فيه فليس للمالك الرجوع ببدل العين التالفة الا على متلفها وحيث كان مغرورا يرجع فيما غرمه للمالك من البدل على من غره بحكم النبوي المعروف المنعقد على طبقه الإجماع : «المغرور يرجع على من غيره».

وبالجملة لا اجتماع في الضمان في زمان واحد بحيث يجوز للمالك الرجوع بالبدل على أي الضمناء شاء إلا في تعاقب الأيدي على مال الغير لسببية كل منهم لذلك.

هذا ولو استوفى المالك البدل من أحدهم ذهب حقه باستيفائه وبرئت ذمة الجميع من ناحية المالك السابق واللاحق لوحدة حقه المفروض استيفاؤه نعم يرجع السابق منهم على اللاحق بما أداه للمالك عند رجوعه عليه ما لم يكن غارا للاحقه ، لما ذكرنا من أن ذمته مخرج لما في ذمة السابق مخرجيه مطلقة غير مقيدة برجوع المالك عليه بل هي مخرج لما في ذمة السابق ولو رجع المالك على السابق. أما أصل مخرجية ذمته لما في ذمة السابق فإنه مقتضى طولية الضمان. وأما إطلاق المخرجية فلإطلاق الدليل وهو (على اليد) فان مقتضاه ضمان اللاحق لما في ذمة السابق حتى لو رجع المالك على السابق وأخذ البدل منه فيرجع بما أداه على اللاحق بمقتضى بقاء مخرجية ذمته لما في ذمة السابق الى ما بعد أدائه ، نعم لو كان اللاحق مغرورا من سابقه لا يرجع السابق فيما أداه للمالك عليه إذ لا معنى لرجوعه عليه بما لو أداه يرجع به عليه لكونه مغرورا من قبله. ثم إنه لا يجوز السابق ان يرجع على اللاحق بالبدل قبل أدائه للمالك فان ما في ذمة اللاحق فعلا ليس ملكا للسابق بل هو ملك للمالك فله مطالبته وأخذ حقه منه فلو لم يطالبه وأخذ حقه من السابق انتقل حق المطالبة من المالك الى السابق نظرا الى بقاء مخرجية ذمة اللاحق الى ما بعد أداء السابق بمقتضى إطلاق دليل «على اليد» فيرجع السابق بما أداه إلى المالك على اللاحق فلو ادى بعض بدل العين واكتفى به المالك وعفا عن الباقي فليس له الرجوع الا بما ادى لا بكل البدل فان اللاحق انما يضمن ما يؤديه السابق للمالك ومثله الضمان بالاستيفاء ، فلو ضمن شخص عن المديون دينه للمضمون له بالضمان العقدي وكان ذلك بالتماس من المديون فأدى بعض الدين واكتفى به الدائن لا يرجع على المضمون عنه الملتمس الا بمقدار ما أداه لأنه الذي استوفاه من الضامن لا بكل الدين ، وكذا ضمان الغرور فان المغرور يرجع على الغار بما خسره وغرمه فلا وجه لرجوعه بالكل.

ولو أبرء المالك ذمة أحد الضمناء مما عليه فالظاهر براءة الجميع وسقوط الحق عنه وعن السابق عليه واللاحق له. أما سقوطه عن السابق فلان ذمة اللاحق كانت مخرجا لما في ذمة السابق على ما قربناه من الطولية بنحو لو رجع المالك على السابق بالبدل جاز رجوعه عليه بما اداه ، نظرا لبقاء مخرجية ذمة اللاحق الى هذا الحال ، ولا يعقل بقاء ما في ذمة السابق مع برأيه من ذمته مخرج لما في ذمته فلا بد من سقوط ما في ذمة السابق بذهاب ما هو مخرج لها وهي ذمة من برئت ذمته عن الضمان بإبراء المالك لها ، وأما براءة ذمة اللاحق فلان ذمته انما تشتغل بما في ذمة السابق فكما ان حدوث اشتغالها بما في ذمة السابق موقوف على ثبوت شغلها اي شغل ذمة السابق فكذا بقاء شغلها يتوقف على بقاء شغل ذمة السابق فببراءة ذمة السابق تبرأ ذمة اللاحق أيضا ، فإن ما في ذمة السابق في ذمة اللاحق فاذا ذهب ما في ذمة السابق لم يبق شي‌ء يكون في ذمة اللاحق.

هذا كله بناء على ما هو التحقيق : من طولية الضمان في الضمناء المتعددين ووحدة الحق فبسقوطه لم يبق حق للمالك يطالب به الآخر. وأما بناء على عرضية الضمان وتعدد الحق فسقوط أحد الحقوق بالإبراء لا يقتضي سقوط غير المبرء منها كما هو ظاهر. ولو صالح المالك أحد الضمناء فلا إشكال في سقوط حق المالك كما في الإبراء فليس له الرجوع على السابق على المتصالح معه ولا على اللاحق له. إنما الكلام في رجوع المتصالح على من لحقه ، فهل الصلح كالإبراء فلا يرجع على اللاحق أو ليس كالإبراء واما عدم رجوعه على من سبقه فهو واضح ، فنقول ـ قبل بيان ما هو الحق ـ : ان الصلح عقد ينشأ به التسالم على أمر فإذا ورد على العين بعوض ينتج نتيجة البيع وبلا عوض ينتج نتيجة الهبة وعلى المنفعة بأجرة أو بلا اجرة ينتج نتيجة الإجارة أو العارية ففي مورد كل معاملة يفيد فائدتها لا انه نفسها حتى يكون له حقائق متعددة بعدد المعاملات التي تكون موردا له فالمنشأ بصيغة الصلح في صلح العين بالعوض مثلا ليس تمليك العين بالعوض ليكون معنى صالحتك على ان تكون العين لك بكذا ملكتك العين بكذا. ومن هنا : لا تتعدى الى مفعولها الثاني بنفسها كما في ملكتك بل المنشأ بصيغته التسالم والتباني وما وقع عليه الصلح هو المتسالم عليه ففي صلح العين بالعوض يقع التسالم من الطرفين على ان تكون العين مملوكة للطرف بعوض معين. ومن هنا لم يكن بيعا إذ لم يقع إنشاء على تمليك العين بالعوض ولكنه أفاد فائدته وهو التسالم على تمليك العين بالعوض. ثم انه لو وقع على ما في ذمة شخص يكون كبيعه منه أو هبته له موجبا لانتقاله اليه ثم إسقاطه عن ذمته لعدم تعقل ملكية الإنسان شيئا على نفسه فالفارق بين الإبراء لما في الذمة وبين الصلح عليه : ان الإبراء موجب لإسقاطه ابتداء والصلح موجب لانتقاله الى صاحب الذمة ثم إسقاطه عنه ثانيا ، وكذا الحال في بيع ما في ذمة الشخص وهبته له.

إذا عرفت ذلك ، فنقول : إذا كان في الصلح على ما في ذمة الشخص حيثية الاسقاط مترتبة على حيثية الملك والانتقال ، فمن ناحية الحيثية الاولى وهي تملك المصالح ما في ذمته وان صح له الرجوع على من لحقه نظرا لقيامه مقام المالك ـ حينئذ ـ فله المطالبة ممن لحقه بالبدل ، لكن نقول : مطالبة السابق من اللاحق لقيامه مقام المالك انما تصح فيما إذا أدى السابق البدل للمالك فيرجع بما أداه على اللاحق لكونه ضامنا ما ضمنه. وأما لو صالحه المالك صلحا مجانيا على ما في ذمته بلا عوض فلا وجه لمطالبته من اللاحق البدل. ومجرد تملك السابق ما في ذمته آنا ما بسبب الصلح ملكا غير مستقر لا يترتب عليه سوى براءة ذمته لا يكفي في قيامه مقام المالك إذ لا بقاء للملكية المذكورة ، فلا حق له يطالب به اللاحق ، وان شئت قلت : ان الصلح الذي لا أثر له الا إسقاط ما في ذمة من صالحه المالك هو بمنزلة الإبراء ، وقد ذكرنا أن المالك لو أبرأه أحد الضمناء برئت ذمة الجميع وذكرنا وجهه ، هذا فيما لو كان الصلح بلا عوض ، وأما ما كان بعوض فيرجع المتصالح على من لحقه بمقداره وهو واضح إذ اللاحق يضمن ما ضمنه السابق وما خسره للمالك ، ثم لو عادت العين من اللاحق الى السابق انعكس الحكم لكون السابق صار لاحقا فلو رجع المالك عليه لا يرجع على من كان لاحقا بخلاف ما لو رجع المالك على من كان لا حقا فإنه يرجع على من كان سابقا عليه لكونه لاحقا له فعلا ، وقد ذكرنا أن السابق يرجع بما غرمه للمالك على من لحقه إذا لم يكن غارا له واما مع الغرور فلا يرجع بغرامته عليه إذ لا وجه لرجوعه على من إذا رجع المالك عليه يرجع بما غرمه عليه لكونه غارا له ولو تعدد الغار في سلسلة الأيادي المتوالية فكل مغرور يرجع على من غيره ، لا على غار مغرور آخر.

فنقول : قد عرفت أن اليد ونحوها من أسباب الضمان موجبة

1) الظاهر مما ذكره سيدنا في هذا المقام : جعل الضمان المستفاد من دليل : «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» منتزعا من الحكم التكليفي المجعول على ذي اليد ، وهو وجوب رد العين لصاحبها وجوبا مطلقا غير مقيد بوجودها ودائر مدار بقائها ، بل لزوم الرد في جميع حالاتها وأطوارها التي منها حال تلفها برد مثلها أو قيمتها. وهذا الذي ذكره - قدس سره - أحد الوجوه التي ذكروها للضمان المستفاد من النبوي المذكور ، وحاصله وجوب رد المال الى صاحبه وأدائه إليه حسب ما يمكن من الأداء من رد شخصه الخاص أو نوعه أو ماليته ، وعليه فيمكن الضمان بهذا المعنى على كل من ذوي الأيدي المتعاقبة على مال الغير ، غاية الأمر يكون من قبيل الواجب الكفائي على الكل بمعنى أنه يجب على كل الأداء ان لم يؤد غيره ويسقط الوجوب عن الكل بأداء البعض ويعاقب الكل لو لم يحصل الأداء من أحدهم.

لدخول العين في عهدة من هي في يده التي مرجعها الى وجوب الرد عليه مطلقا وعلى كل حال ، من غير اعتبار له بحال وجودها كالأمانات المقيد ردها بوجودها ، وبالجملة الاستيلاء على مال الغير موجب لرده عليه بقاعدة الاحترام ، غير أن منه ما يكون الالتزام برده مشروطا بوجوده ودائرا مدار بقائه بمعنى كون وجوده شرطا في الالتزام برده كيد الأمانات بقسميها :

المالكية والشرعية ، ومنه ما لا يكون مشروطا بذلك بل يكون الالتزام برده.

ثابتا في جميع حالاته وأطواره التي منها حالة تلفه غير أن رد بدله عند التلف رد له عرفا وطور من أطواره فدفع البدل حينئذ من شئونات دفع العين وردها ويعبر عن هذا النحو من الالتزام المطلق بالضمان والعهدة ، ويطلق على العين بمجرد الاستيلاء عليها : أنها مضمونة وفي عهدة المستولي عليها وان كانت موجودة. ومنه ظهر أن الأصل في اليد بقاعدة الاحترام هو الضمان إلا ما ثبت تقييد الالتزام برده على وجوده كيد الأمانة ، فإذا ترتبت الأيدي على مال الغير دخل في عهدة الجميع وكانت مضمونة عليهم بالمعنى المتقدم الذي مرجعه الى اشتراك الكل في الالتزام برده الى مالكه ولو برد بدله عند تلفه لأنه من شئوناته وليس ثبوت البدل في ذممهم بنحو استقرار المظروف في الظرف حتى يستحيل اشتغال ذمم متعددة بمال واحد بل العين متعلقة بالذمة وداخلة في العهدة في كلتا حالتي وجودها وعدمها الموجب تعلقها كذلك لتعلق بدلها عند التلف بعد تنزيله منزلتها عرفا فالعين متعلقة بالذمة بجميع شئوناتها لا مستقرة فيها كي يلزم المحال والتعهدات المتعددة لشي‌ء واحد أمر معقول وثابت شرعا بالإجماع عندنا في ضمان كل من العوضين عن البائع والمشترى ، بل قد عرفت أنه على القاعدة ، فهو نظير الواجب الكفائي في العبادات ، وفي المعاملات نظير القول بالضمان على مذهب الجمهور من ضم ذمة إلى ذمة مع عدم إنكار أحد منا عليهم بأنه محال ، بل غاية ما قيل عليهم عدم اقتضاء دليل الضمان ذلك ، بل مفاده النقل والتحويل دون الانضمام فالكل مكلفون بالرد بخطاب الوضع أيضا.

إذا عرفت ذلك فاعلم : أن للمالك فيما لو ترتبت الأيدي على ماله الرجوع على كل منهم أو من شاء منهم بالكل أو بالبعض موزعا عليهم

بالتساوي أو بالتفاوت لان الرجوع عليه بالكل يقتضي الرجوع عليه بالبعض بالأولوية ويرجع من رجع المالك عليه بما أدى له على من لحقه دون من سبقه ويستقر الضمان على من تلف في يده فلا يرجع هو على غيره ، وكله مسلم عندنا من غير خلاف يعرف.

وقد ظهر لك وجه الأول مما لا مزيد عليه.

وأما الثاني وهو الموضع الثالث من المواضع الثلاثة وهو رجوع من رجع المالك عليه على اللاحق دون السابق عليه (1)

الأول ـ كونه من قبيل الواجب الكفائي بمعنى أن كلا من ذوي الأيدي يضمن المال لو لم يكن الغير ضامنا له. وهذا الوجه انما يتم بناء على ان المجعول بالأصل في باب الضمان هو الحكم التكليفي والضمان منتزع منه وتبع له وعليه فيمكن كون كل من ذوي الأيدي مكلفا بأداء المال الى مالكه ما لم يؤده غيره فلو ادى البعض سقط الوجوب عن الكل. ولو لم يتحقق الأداء عوقب الكل شأن الواجب الكفائي. واما بناء على ان الضمان من قبيل الوضع لا التكليف وان مرجعه كون عهدة الضامن وذمته محلا وطرفا اعتباريا للمضمون نظير الظرف الخارجي للشي‌ء فكما لا يتصور أن يقال : إن زيدا مثلا في الدار لو لم يكن في غيرها وفي نفس الوقت في غيرها لو لم يكن فيها كذلك لا يمكن اعتبار كون المال في ذمة زيد مثلا لو لم يكن ذمة غيره وفي عين الوقت في ذمة غيره لو لم يكن في ذمته فان مرجع ذلك الى عدم كونه في الذمتين. وبالجملة بناء على كون الضمان من قبيل الوضع لا التكليف لا معنى لكونه كفائيا نعم بناء على كونه من قبيل التكليف وان مرجعه الى لزوم أداء مال الغير اليه على آخذه وتداركه له فكونه من قبيل الواجب الكفائي موجه. ولعله الظاهر من كلام سيدنا ـ قدس سره ـ ولكنه خلاف التحقيق فان ظاهر دليل على اليد كون نفس ما أخذه ذو اليد من مال الغير على آخذه والظرف فيه ظرف استقرار لا ظرف لغو نظير قول القائل :

عليك صلاة كذا وصوم كذا ، مما كان ما على الشخص والملزم به فعلا من أفعال المكلف وكان مرجعه الى وجوب ذلك عليه ، فظاهر النبوي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أن ما أخذه ذو اليد من مال الغير بلا استحقاق ، فذمة آخذه مشغولة به الى وقت أدائه ووصوله الى مالكه فعليه تبعاته من لزوم حفظه وتدارك نقصه وأرش عيبه واجرة ما استوفاه أو فات من منفعته وأداء مثله أو قيمته عند تلفه ، فالتبعات المذكورة انما هي لازمة للضمان وهو ملزوم لها لا انه نفسها ومرجعه إليها.

الثاني ـ من الوجوه المتصورة : كون الضمان من قبيل الوضع لا محض التكليف المتصور فيه الكفائية ، فكل من ذوي الأيدي المتعاقبة على مال الغير مشغول الذمة به ومتحمل تبعاته الى وقت أدائه ووصوله الى مالكه ولازم ذلك استحقاق المالك على كل من ذوي الأيدي بدلا عند تلفه ، كيف وهل يستحق الا بدلا واحدا لما تلف من ماله ، ولا وجه لاشتراك الكل في ذلك بان يكون على كل بعضه إذ المال لم يكن تحت الأيدي في وقت واحد ليتصور فيه الاشتراك في البدل بل أخذه كل ممن سبقه واستقل بالاستيلاء عليه. (وما قد يقال) : من أن خطاب من تلف عنده المال ذمي فذمته المشغولة للمالك يبدل العين وأما من سبقه فخطابه شرعي محض وللمالك باعتبار الغضب إلزامه بأداء ما اشتغلت به ذمة من تلف عنده المال وبالأداء يملك ما للمالك في ذمته قهرا بالمعاوضة الشرعية فله الرجوع عليه بما ملكه بها انتهى (لم يتضح) وجهه أيضا فإن الدليل الدال على ضمان من تلف عنده المال واشتغال ذمته يبدله هو عموم «على اليد ما أخذت حتى تؤدى» وهو الدليل أيضا على لزوم أداء غيره ممن سبقه بأخذ المال وكيف يكون خطاب من تلف عنده المال ذمي وخطاب غيره شرعي محض مع كون دلالة حديث على اليد بالنسبة إليهما سواء مع ان تملك غير من تلف المال بيده لما في ذمة من تلف المال بيده بمجرد دفع البدل لا يعلم له سبب اختياري ولا قهري كما أورده الشيخ الأنصاري ـ قدس سره ـ على التوجيه المذكور ثم ان سيدنا ـ قدس سره ـ بعد ذكر التوجيه المذكور وعدم ارتضائه لما وجهه به قال فالأحسن في توجيه ذلك هو ان يقال : ان من يدفع البدل للمالك يرجع به على من انتقل منه إليه لأن العين مقبوضة له منه ولو بواسطة دون من انتقلت اليه منه لان العين مقبوضة منه فكيف يمكن منه مطالبة بدلها مع كون نفس العين مقبوضة منه وهل هو بالنسبة اليه الا جمع بين البدل والمبدل. توضيح ذلك : ان يدفع البدل الى المالك قام الدافع مقام المالك قهرا فيما كان له من الحق قضاء لحق البدلية وان كانت قهرية ومقتضاه الرجوع على من أخذ المال منه ولو بواسطة فنسبة الأخذ من الدافع كنسبة الأول من المالك فلا يرجع به على من لم يأخذ المال منه كما لا يرجع المالك كذلك انتهى فتأمل جيدا.

ومن الوجوه التي ذكرت في مقام توارد الأيدي على مال الغير : هو ان ضمان ذوي الأيدي المتعاقبة عليه طولي لا عرضي. وحاصله : ان الأول منهم بأخذه المال من مالكه يضمنه له وتشتمل ذمته بالعين بما لها من المالية والثاني بأخذه المال من الأول الضامن له قبله يضمن ما ضمنه وتكون ذمته مخرجا لما في ذمته فيكون ما على الأول من بدله عند تلفه مستقرا على الثاني الأخذ للمال منه حال كونه مضمونا عليه والثالث بالنسبة الى الثاني يضمن ما ضمنه كذلك حتى تنتهي سلسلة الضمناء الى من تلف المال تحت يده ، فكل لا حق تشتغل ذمته بما اشتغلت به ذمة من سبقه بنحو تكون ذمته مخرجا لما في ذمة السابق ويكون ما عليه من بدل ما تلف من المال مستقرا على اللاحق فعليه تداركه له عند رجوع المالك عليه وأخذه منه فالمالك بما انه لا يستحق سوى بدل واحد لما له التالف فله الرجوع به على من شاء من الضمناء فباخذه ممن رجع عليه يسقط حقه عن الكل نعم يبقى معاملة بعضهم مع بعض فان رجع المالك ببدل ما تلف من ماله على السابق وأخذه منه رجع بما غرمه له على اللاحق لكونه ضامنا ما ضمنه وكون ما عليه من البدل مستقرا عليه فإنه بأخذه العين منه حال كونها مضمونه عليه ببدلها يضمنها وبدلها على البدل فان رجع المالك ببدل العين على السابق وأخذه منه رجع بما خسره للمالك على اللاحق لكونه بوضع يده على المال بعد وضع السابق يده عليه ضمن ما ضمنه وكان عليه خسارة ما خسره للمالك له فإنه ضمن مالا مضمونا على من أخذه قبله فيضمن بدله الذي أخذه المالك منه ببدله لكونه ضامنا ما ضمنه فعليه خسارته له وان رجع المالك على اللاحق لم يرجع بغرامته على من تقدم عليه بالضمان ما لم يكن مغرورا فيرجع بها على من غره ، والفرق بين السابق واللاحق :

من حيث رجوع السابق على من لحقه بخسارته دون اللاحق فإنه لا يرجع على من سبقه هو ان اللاحق حيث كان وضع يده على المال الذي هو السبب لضمانه متأخرا عن السابق الضامن له قبله ببدله فقد ضمن المال المضمون على السابق بوصفه الذي هو عليه عند وضع يده عليه وأخذه منه ، وهو كون بدله عليه أي على السابق فيكون ما على السابق من البدل ضمانه وخسارته وتداركه على اللاحق لأنه بأخذ المال منه ضمن ما ضمنه من بدله واشتغلت ذمته بما اشتغلت به ذمته من البدل ، بخلاف السابق فإنه عند وضع يده على المال المقتضى لضمانه لم يكن المال في ضمان اللاحق ليضمن ما ضمنه ويحتمل خسارته فليس الذي عليه سوى ضمان المال لمالكه ببدله ولكن اللاحق بوضع يده على المال بعد السابق يضمن المال لمالكه ببدله بمقتضى وضع يده العادية عليه فيخسره للمالك لو رجع به عليه كما انه يضمن البدل للسابق ببدله لو رجع المالك على السابق وأخذ بدل المال منه فيضمنه للاحق لكونه ضامنا ما ضمنه فيخسره له لو رجع به عليه ولو كان اللاحق لا حق ، فالكلام فيه هو الكلام في السابق واللاحق إذ اللاحق سابق بالنسبة الى من لحقه فيضمن لاحق اللاحق. ما أخذه المالك من اللاحق ولا يضمن اللاحق ما أخذه ممن لحقه لكونه سابقا بالنسبة اليه.

وهذا ما اراده الشيخ الأنصاري ـ قدس سره ـ بقوله (والحاصل ان من تلف المال في يده ضامن لأحد الشخصين على البدل من المالك ومن سبقه في اليد فتشتغل ذمته اما يتدارك للعين) يعني ببدلها للمالك عند رجوعه عليه لكونه ضامنا لها به (واما بتدارك ما تداركها) يعني به البدل المأخوذ من السابق عند رجوعه عليه وأخذه منه فيضمنه من تلف المال بيده ببدله بما انه لاحق للسابق وكونه ضامنا ما ضمنه ومتحملا خسارته بسبب تأخر ضمانه عنه بأخذه المال منه ولو بالواسطة حال كونه مضمونا عليه فيضمن له ما في عهدته من البدل للمأخوذ منه ببدله (وهذا اشتغال شخص واحد) يعنى به من تلف المال بيده (بشيئين لشخصين على البدل) يعني بالشيئين العين وبدلها وبالشخصين على البدل المالك أو السابق فإنه أي اللاحق نظرا لأخذه مال الغير من السابق واستيلائه عليه يضمنه لمالكه ويتداركه له ببدله عند تلفه لو رجع المالك عليه بالبدل أما لو رجع المالك ببدل التالف على السابق وأخذه منه لكون يده على المال يد ضمان فيضمن اللاحق البدل المأخوذ من السابق له اي للسابق ببدله فيتداركه به لكونه ضامنا ما ضمنه السابق ومشغول الذمة بما اشتغلت به ذمته من بدل المال.

والحاصل ان الضمان الطولي بالبيان الذي ذكرناه ممكن ثبوتا ولا يرد عليه ما ورد على الضمان العرضي من اشكال استلزامه استحقاق المالك على كل من ذوي الأيدي المتوالية على ماله بدلالة مع كونه لا يستحق الا بدلا واحدا لماله التالف. انما الكلام في كيفية دلالة (على اليد) على الضمان الطولي بالمعنى المذكور فيمكن ان يقال في بيانه ان الحديث الشريف بعمومه يدل على ضمان كل من ذوي الأيدي المتوالية على مال الغير وتداركه عند تلفه ببدله فالسابق بأخذه المال من مالكه ولو بالواسطة عليه ما أخذه منه بتداركه له عند تلفه ببدله واللاحق بأخذه المال ممن سبقه أيضا عليه ضمانه وتداركه بالبدل ومقتضى إطلاق دليل على اليد بالنسبة إلى اللاحق كونه ضامنا لما أخذه ممن سبقه في الضمان وان أخذ المالك بدله من السابق برجوعه عليه وأخذه منه وحيث ان تدارك المتدارك للمالك لا معنى ولا محصل له فلا بد من كون اللاحق عند أخذ المالك بدل العين التالفة ممن سبقه في الضمان وفرض بقاء ضمانه بمقتضى الإطلاق كونه ضامنا للسابق البدل المأخوذ منه ببدله ، وعليه فالمستفاد من دليل «على اليد» ان السابق ضامن لما أخذه من مال الغير ولو بالواسطة لمالكه ببدله ومشغول الذمة به له واللاحق بأخذه المال ممن سبقه في الضمان ضامن المال لمالكه ببدله ومحتمل خسارته له لو رجع المالك عليه بالبدل لكونه ضامنا لما أخذه من المال ممن سبقه بسبب وضع يده عليه فعليه أداء بدله للمالك عند تلفه وبمقتضى بقاء ضمانه لما أخذه من السابق الى ما بعد رجوع المالك عليه وأخذه بدله منه من حيث إطلاق دليل على اليد كونه ضامنا فعلا للسابق بدله المأخوذ منه لكونه ضامنا ما ضمنه ومتحملا خسارته. فعليه تدارك ما أخذه المالك منه من بدل العين ببدله.

والحاصل مقتضى دليل على اليد كون السابق ضامنا للمالك ما أخذه ببدله واللاحق ضامنا المال للمالك ببدله مع رجوعه عليه بالبدل كما انه ضامن ما أخذه المالك من السابق من بدل العين لو رجع عليه به وأخذه منه فيضمنه اللاحق له ببدله وقد توافق مقام الإثبات ومقام الثبوت.

ولا وجه لما يقال من أن اللاحق إذا كان ضامنا للسابق البدل المأخوذ للمالك منه بمقتضى ضمانه ما ضمنه فالسابق أيضا ضامن ما ضمنه اللاحق من بدل المال ومقتضى ذلك ضمانه البدل له ببدله.

لأنا نقول : ليس المناط في ضمان اللاحق البدل المأخوذ للمالك من السابق كونه ضامنا للعين ليقال ان السابق أيضا مثله في ضمان العين لمالكها ببدلها فمقتضاه ضمانه البدل للاحق بل المناط كون اللاحق ضامنا للعين بأخذها من السابق الضامن لها ببدلها فضمانه لها في طول ضمان السابق المقتضى لضمانه العين للمالك أو بدلها المأخوذ من السابق له ببدله بخلاف ضمان السابق فإنه إنما أخذ العين من مالكها أو ممن سبقه في الضمان ومقتضاه كونه ضامنا بدلها للمالك أو لمن سبقه في الضمان لكونه ضامنا ما ضمنه ، ولا وجه لضمانه لمن لحقه في الضمان فإنه لم يأخذ العين منه ليضمن ما ضمنه من البدل المأخوذ للمالك منه ، وانما أخذها من المالك أو ممن سبقه فيضمن البدل للمالك أو لمن سبقه في الضمان في صورة أخذه المال منه دون ما لحقه في الضمان ، فتأمل في ذلك تعرف.

فقد وجهه شيخنا - قدس سره - (في مكاسبه) بما لفظه : أن السابق اشتغلت ذمته له بالبدل قبل اللاحق فاذا حصل المال في يد اللاحق فقد ضمن شيئا له بدل فهذا الضمان يرجع الى ضمان واحد من البدل والمبدل على سبيل البدل إذ لا يعقل ضمان المبدل معينا من دون البدل والا خرج بدله عن كونه بدلا فما يدفعه

1) إنا ـ وإن ذكرنا فيما سبق كيفية ضمان الأيدي المتوالية على مال الغير ـ وبما انه يحصل بتكرار الكلام في ذلك زيادة وضوح ، فنقول : إن ضمان الأيدي المتعاقبة على مال الغير في عالم التصور يمكن أن يكون على أنحاء.

الثاني فإنما هو تدارك لما استقر تداركه في ذمة الأول ، بخلاف ما يدفعه الأول ، فإنه تدارك نفس العين معينا إذا لم يحدث له تدارك آخر بعد ، فإن أداه إلى المالك سقط تدارك الأول له» انتهى.

وحاصله : ان اللاحق قد قبض عينا موصوفة بكونها مضمونة ومتداركة فيضمن العين وبدلها على البدلية وليس على الأول الا ضمان نفس العين وتداركها بالبدل ، فما يدفعه بدلا عن العين مضمون على اللاحق أيضا ولو بنحو البدلية ، وليس ما يدفعه اللاحق من البدل مضمونا على الأول لأن عليه تدارك نفس العين لا العين وبدلها معا على البدلية.

وفيه أو لا منع اشتغال الذمة بالبدل بعد التلف - فضلا عنه قبله - ضرورة أن قيمة الشي‌ء المفروضة بدلا عنه ليس معناها إلا تعيين مقدار مالية الشي‌ء المنطبق على أنواع مختلفة الحقيقة من النقود وليس لها حقيقة في الخارج حتى يصح وقوعها بدلا بل هو مفهوم منطبق على حقائق مختلفة ، فليس البدل الا ما يدفعه من العين الشخصية المنطبق عليها ذلك المقدار نعم في المثليات يمكن جعل كلي المثل بدلا وما يدفعه من المثل الشخصي مصداق لذلك

الكلي المجعول بدلا ككلي الدرهم والدراهم الشخصية ، الا أن التفكيك بين المثلي والقيمي في اشتغال الذمة وكيفيته مع كونهما مفاد دليل واحد ، غير متصور. وبذلك ظهر لك عدم اشتغال الذمة بعد التلف الا بما كانت الذمة مشغولة به قبله وهو العهدة والضمان ولزوم التدارك الى دفع البدل الموجب للخروج به عن العهدة وحصل التدارك به ، فليس في ذمة السابق إلا عهدة العين لا العين وبدلها ولو بنحو البدلية.

وثانيا : ان تم ما ذكره فإنما يتم في خصوص الأول دون غيره ممن سبق عليه من ذوي الأيدي المترتبة كما لو رجع المالك على الثالث أو الرابع - مثلا - فان غير الأول من السوابق قد قبضها مضمونة وعليه أيضا تدارك العين وبدلها على البدلية فالمدفوع بدلا عن العين للمالك مضمون عليه أيضا ولو على البدلية مع ان اللاحق يختص رجوعه على من لحقه دون من سبقه مطلقا ولو غير الأول منهم فالدليل أخص من المدعى.

ومما ذكرنا ظهر لك أيضا ضعف ما تخلص به شيخنا في (الجواهر) عن محذور تعدد الشغل مع وحدة المال بأن خطاب من لم يستقر الضمان عليه

خطاب شرعي وأنه مجرد حكم تكليفي واختصاص خطاب الوضع بمن كان قرار الضمان عليه وهو التالف عنده ولذا يرجع غيره عليه لو عزم للمالك ولا يرجع هو على غيره لو رجع المالك عليه مضافا الى ما فيه من التفكيك بين ضمانات الأيدي مع استفادة الكل من دليل واحد وهو حديث «على اليد».

فالأحسن في توجيه ذلك : هو أن يقال : ان من يدفع البدل الى المالك يرجع به على من انتقل منه إليه لأن العين مقبوضة له منه ولو بواسطة دون من انتقلت اليه منه لان العين مقبوضة منه فكيف يمكن منه مطالبة بدلها مع كون نفس العين مقبوضة منه ، وهل هو بالنسبة اليه الا جمع بين البدل والمبدل توضيح ذلك : أن يدفع البدل الى المالك ، قام الدافع مقام المالك قهرا فيما كان له من الحق قضاء لحق البدلية وان كانت قهرية ومقتضاه الرجوع على من أخذ المال منه ولو بواسطة ، فنسبة الأخذ من الدافع كنسبة الأول من المالك فلا يرجع به على من لم يأخذ المال منه كما لا يرجع المالك كذلك.

ثم ان ما ذكرنا كله لم يفرق فيه بين ما لو كان المدفوع بدلا عن العين أو عن الحيلولة بعد أن كان بدل العين بدلها ما دامت تالفة ، غير أن عودها بعد التلف لما كان محالا عند العرف بنوا على دوام الحيلولة ، وإلا فلو

فرض عودها بإعجاز - مثلا - رجع البدل أيضا الى مالكه الأول على حد بدل الحيلولة ، وليس ذلك الا لدوام الحيلولة عندهم في صورة التلف دون غيرها بخلاف ما لو صالح المالك على نفس العين فإنها لا نرجع اليه بعد العود لوقوع البدلية حينئذ بين العينين مطلقا لا ما دامت تالفة.

فالمقصود من دفع البدل في الصورتين تدارك ما فوقه على المالك من سلطنته التي كانت متعلقة بعين ماله على حسب ما كان له فيها من السلطنة وحيث أنها لا تتحقق إلا بعد تحقق متعلق لها وجب دفعه مقدمة فهو محقق لموضوع المتعلق ولذا لو عاد المبدل رجع البدل الى مالكه الأول لانتفاء موضوع التدارك حينئذ فيملك بدل الحيلولة ملكا تاما في الملكية ما دامت الحيلولة باقية ولا ينافي ذلك تزلزلها باعتبار التقييد بها. وبما ذكرنا يظهر لك الجواب عما توهم من لزوم الجمع بين العوض والمعوض فتأمل جيدا.

وأما نماء البدل المنفصل عنه فلا يتبع العين في الرجوع وكذا المتصل به ما لم يصدق عليه الجزئية وإلا تبع الأصل فيه وقد مر تفصيله في المعاطاة في نماء العين المأخوذة بها ، فراجع هذا ولو توقف رد العين على مؤنة وجب على الضامن بذلها مقدمة للرد الواجب عليه من غير فرق بين كون المالك مباشرا للاسترداد أو غيره وتحسب المؤنة الى حين الإيصال إلى المالك فصرف الإياب لو توقف على سفر من المؤنة ان كان المباشر غير المالك وخارج عنها ان كان هو المباشر لوصول حقه اليه قبله. ولو لم يقدر على استردادها إلا المالك وطلب عوضا عن الاسترداد غير المؤنة ، ففي وجوب بذله على الضامن مطلقا لوجوب الرد عليه المقدور له بواسطة البذل أولا كذلك تنزيلا له منزلة المتعذر فيغرم بدل الحيلولة ، أو يفصل بين الأجرة المتعارفة للاسترداد وبين الزائد عليها بما يعد إجحافا ، أو يفصل بين ما يتوقف الاسترداد على عمل منه فيأخذ الأجرة عليه بإزاء عمله المحترم بالتراضي وان زاد على أجرة المثل ، وبين ما لا يتوقف عليه .. وجوه أقواها الأول ويتلوه الأخير في القوة ويضعف الثاني بأن دفع البدل ليس في مرتبة دفع

العين بل منوط بعدم التمكن من ردها المفروض تمكنه منه ولو بالعوض. ومنه يظهر ضعف الثالث سيما إذا كان غاصبا لأنه مأخوذ بأشق الأحوال.

هذا وحيثما أخذ المالك العوض عن الاسترداد إما مطلقا ، أو على أحد التفصيلين ، فهل له الاكتفاء بالعوض عن استرداد العين لان المقصود من دفعه هو التوصل الى حقه الراجع أمره إليه ، أولا لأنه مأخوذ عوضا عما لم يفعله فيكون أكله أكلا للمال بالباطل؟ وجهان. ولعل الأخير هو الأقوى ، فيرجع حينئذ بما دفعه للمالك عوضا عن الاسترداد ويغرم له يدل الحيلولة الا أن يقوم بالاسترداد.

هذا ولا يرجع الأول بما دفعه عوضا عن الاسترداد أو مؤنة للرد على من لحقه من الأيدي المتعاقبة لأنه خارج عن عهدة العين وبدله وان وجب عليه من باب المقدمة.

ثم لو رجع المالك على الأول بالقيمة في القيميات بدلا عن العين أو الحيلولة فدفع نقدا خاصا ، فهل يتعين في رجوعه على من لحقه دفع مثل النقد المدفوع بدلا لأنه القابل للبدلية لما عرفت من عدم قابلية وقوع القيمة من حيث هو بدلا بعد ان كان معناها ليس تعيين مقدار المالية ، أوله دفع نقد آخر مما ينطبق عليه مقدار المالية كالأول بالنسبة إلى المالك بعد فرض كونه بالدفع قائماً مقامه؟ وجهان واللّه العالم.

تذييل

لو مزج المشتري المبيع فضولا مع رد المالك بماله ، ثم أودع المجموع عند شخص أمانة ، ففي وجوب رد الجميع اليه مع المطالبة أو القسمة ودفع ما يتعين له بها قولان (1)

المقام الأول فيما تقتضيه القاعدة بالنسبة إلى الحكم من ناحية المزج ، وأن صاحب المال ما ذا يستحق ، وما حكم المسألة من تلك الناحية ، المقام الثاني فيما تقتضيه القاعدة من ناحية الوديعة وما يكون حكم الودعي ، فهل يجب عليه دفع المجموع للمودع عند مطالبته لذلك أو يجب عليه حفظ المقدار الذي يستحقه صاحب المال المضمون له يدفعه اليه ، وأما المودع فيدفع اليه ما يستحقه من مجموع المال فقط ولا يجوز له دفع الكل اليه.

أما الكلام من الناحية الأولى ، فهو إن مزج الغاصب أو من هو بمنزلته مال الغير بماله : تارة ـ يكون بحيث تذهب به صورة مال الغير النوعية حقيقة أو عرفا ، كما لو مزجه بغير جنسه واستهلك فيه ، كمزج مقدار من الحليب بأضعافه من الماء بنحو موجب لذهاب صورة الحليب حقيقة ، وكخلط مقدار من دقيق الحنطة ـ بطحين الشعير ـ مثلا ـ بنحو تذهب صورة الحنطة بالمزج وتنقلب إلى صورة الشعير عرفا ، واخرى ـ لم يستهلك مال المغصوب منه في مال الغاصب ولم تذهب صورته النوعية ، كما لو امتزج بجنسه أو بغير جنسه مع بقاء صورته النوعية كمزج حقة من الحليب بمقداره من الماء.

وبالجملة ، فرض الاستهلاك إنما يتحقق بالامتزاج بغير الجنس مع ذهاب الصورة فلو مزجه الغاصب بجنسه ، فان كان مال الغاصب مساويا لمال المغصوب منه ، من حيث الجودة والرداءة اشتركا في العين شركة حقيقية وأما لو كان مال المالك المغصوب منه أجود من مال الغاصب اشتركا في المالية ، فيباع المجموع ويعطي المغصوب منه مقدار قيمة ماله ، ولا يصح الاشتراك في العين في الصورة المذكورة ، إذ لو أعطى المالك مقدارا من العين زائدا على مقدار ماله بدلا عن وصف الجودة استلزام ذلك الربا بناء على جريانه في غير المعاوضات من الضمانات كما هو الأقوى. وبما أن صفة ماله محترمة فتباع العين ويعطى من القيمة مقدار ماله موصوفا ولو كان مال الغاصب أجود ، فلا مانع من الاشتراك الحقيقي في العين إذ لا احترام لوصف الجودة حينئذ فيستحق المالك من العين مقدار نسبة ماله الى المجموع ووصف الجودة فيما يستحقه موهبة من اللّه تعالى. ولو كان المزج بغير جنسه ففي صورة الاستهلاك وعدم إيجابه زيادة مالية في المزيد عليه لم يضمن الغاصب إلا بدل العين التالفة بالاستهلاك ، ولو أوجب الزيادة في المالية اشتركا من نفس العين بمقدار ماليّة مالهما لعدم لزوم الربا في غير الجنس وبالجملة امتزاج المالين موجب للشركة في العين ما لم يكن محذور في البين وفي غير صورة الاستهلاك حكمه الاشتراك في العين بمقدار مالهما ووصف الجودة لمال المالك مضمون على الغاصب لأنه محترم فيحسب له أرشه بخلاف وصف الجودة لمال للغاصب فإنه لعدم احترامه لا يحسب له أرشه فالزيادة الحكمية للمالك محترمة بخلاف الزيادة الحكمية للغاصب فليس لها احترام.

هذا واما الكلام في المقام الثاني وفيما يجب على الودعي ، فالذي ينبغي أن يقال فيه : أنه في صورة مزج الغاصب مال الغير بماله بنحو تذهب صورته النوعية حقيقة أو عرفا كما إذا كان المزج بغير جنسه بنحو ما مر سابقا بحيث عد مال الغير تالفا بسبب استهلاكه في مال الغاصب ولم يوجب زيادة مالية في ماله ، فيتجه حينئذ ما نسب إلى الأصحاب من الفتوى بوجوب رد الجميع الى الغاصب عند مطالبته للودعي إذ لم يبق للمالك حق في المال الذي أودعه الغاصب بعد أخذ بدله من الغاصب ، بل بلزوم بدله عليه لكونه تالفا ، فتشتغل ذمة الغاصب ببدله ويخلص المال الغاصب ويلزم الودعي رده عند المطالبة. وأما في غير الصورة المذكورة فوجوب رد الودعي جميع ما استودعه الغاصب عليه كما نسب الى الفتوى من الأصحاب بل جوازه مشكل غاية الاشكال : (وما) قد يدعى من الاستدلال على ذلك بما دل على وجوب رد الأمانات (ممنوع) كما يقول سيدنا ـ قدس سره ـ فان تلك الأدلة إنما دلت على وجوب الرد إلى أهلها فلا تشمل ما كان مشتملا على غيرها مما هو أمانة شرعية يجب حفظه لمالكه حيث كان المال مشتركا بين الغاصب والمغصوب منه بالعين أو بالمالية وكيف يجب أو يجوز تسليمه لمن لا يجوز له أخذه والتصرف فيه بدون إذن شريكه وإبقاء المال عند الودعي وعدم تسليمه للمالكين منع لهما عن ملكهما بلا حق ومخالف للزوم رد الامانة لمالكها عند المطالبة والإمكان ، فلا مناص عن قسمة المال وتسليم حصته المودع منه اليه وإبقاء حصة المالك ودفعها اليه عند الإمكان.

وقد يشكل بأن القسمة ربما تتوقف على المعاوضة كما في صورة الحكم باشتراكهما في مالية العين على ما مر من أنه يباع المجموع ويعطي حصة كل منهما من القيمة فالقسمة تتوقف على التراضي من الطرفين ولا شبهة في عدم رضا الغاصب ، فإنه يطالب بالمال كله فكيف يرضى ببيعه وإعطائه حصته من القيمة. والحكم بنفوذ البيع عليه ـ وان لم يتحقق الرضا منه ـ حكم ضرري مرفوع.

ويمكن دفع الإشكال بأن مورد الاشتراك في المالية صورة واحدة من الصور التي ذكرناها فيما تقدم ، وهي صورة ما إذا كان مزج مال المالك بجنسه من مال الغاصب وكان مال المالك أجود من مال الغاصب ، فيقال إذا كان إبقاء المال عند الودعي مع مطالبة مالكه غير جائز. وكذا رده بأجمعه للمودع فإنه بالنسبة إلى مقدار مال المالك منه دفع له الى غير مالكه بدون رضاه وإبقاء مقدار حصة المالك منه من نفس العين لإيصالها اليه بلا تدارك وصف الجودة للمالك ودفع الباقي الغاصب مع كون الوصف مضمونا له عليه ليس إبقاء لما يستحقه المالك فإنه انما يستحق الموصوف بالجودة من المال وتدارك وصف الجودة بمقدار من العين زائد على مقدار ماله ودفعه له مستلزم للربا على ما هو الأقوى ، فلم يبق وجه يمكن المصير اليه الا الحكم بالاشتراك في المالية وبيع المال وإعطاء المالك من القيمة مقدار ماله موصوفا بالجودة وإعطاء الباقي للغاصب فلا بد من المصير اليه. وأما ما ذكر ـ من أن الحكم بنفوذ البيع مع عدم رضا الغاصب به في حين أن المبيع مشترك بينه وبين المالك حكم ضروري مرفوع ـ فيمكن أن يقال ـ مضافا الى انه لا بد منه ان الضرر لم ينشأ من ناحية حكم الشارع بل السبب فيه غصب الغاصب المال ومزجه بماله ولو لم يكن غاصبا كما لو كان معتقدا بأن ما مزجه بماله هو له أيضا فالضرر أيضا لم يكن من ناحية الحكم الشرعي بل منشأه جهله واشتباهه ثم ان القسمة حيث صحت لكونها ضرورية لا مناص منها يرجع بها الى الحاكم الشرعي على الأحوط ، بل الأقوى ، فإنه ولي حصة المالك الغائب. ثم ان هذا يختلف عما ذكره سيدنا ـ قدس سره ـ بعض الاختلاف. واللّه تعالى هو العالم بحقائق أحكامه.

والأول ظاهر الأكثر ، لتصريحهم في مسألة ما لو

1) الذي ينبغي أن يقال في المسألة ونظائرها مما يكون مال الغير تحت يد شخص ضامن له فمزجه بماله ثم أودع المجموع عند آخر - : إن الكلام يقع في مقامين :

مزج الغاصب المغصوب بماله ثم أودعه بأنه يجب على الودعي رد الجميع اليه مع المطالبة ، بل الفتوى بذلك منسوبة إلى الأكثر ، بل المشهور ، بل عليه الإجماع المحكي في (الغنية) و (السرائر) صريحا وفي (الإيضاح) وغيره ظاهرا. وفي (مفتاح الكرامة) : رد «الجميع على المودع خيرة المقنعة والنهاية والمراسم والوسيلة والشرائع والنافع والإرشاد والتنقيح وإيضاح النافع والرياض والغنية والسرائر وفي الأخيرين الإجماع عليه. وهو - أي الإجماع - ظاهر الإيضاح وشرح الإرشاد لفخر الإسلام وجامع المقاصد حيث نسب فيها إلى الأصحاب. وفي إيضاح النافع : إنه المشهور وأنه يشهد له النظر» انتهى. بل وفيه أيضا : «انه أول من تأمل في ذلك المصنف في (التذكرة) فإنه - بعد أن افتى برد الجميع - قال : و «يحتمل عندي رد قدر مال اللص اليه واحتفاظ الباقي لمالكه والقسمة هنا ضرورية المشعر ذلك بإطباق من تقدم عليه على ذلك».

قلت لم أعثر له على وجه في كلماتهم يصلح لذلك ، فالمسألة مشكلة جدا. ولذا اضطربت فيها كلمات متأخري المتأخرين. وقوى بعضهم احتمال القسمة فيه ، بل اختاره.

والذي يمكن أن يكون وجها لهم في ذلك : اما دعوى التلف الحكمي بالمزج أو منع كون المورد من موارد القسمة التي يتولى أمرها غير الشريكين وتنقيح ذلك موقوف على ذكر مقدمة تتكفل لبيان أمرين : الأول بيان معنى الشركة المزجية وسببية المزج لها ، والثاني في بيان القسمة للشركة الحاصلة بالمزج.

فنقول مزج المالين لا يخلو من صور لأنه : إما أن يكون المزج بحيث يتولد منه شي‌ء ثالث ينتفي عنه اسم كل منهما ولا يصدق عليه إلا اسم المركب منهما كالدهن بالدبس واللبن بالعسل - مثلا - مزجا تاما بحيث لا يكاد يدرك جزء منه الا وهو مركب منهما أولا يخرج به عما كان يصدق عليه قبله وكان مع ذلك لا يتحقق جزء إلا وهو مركب منهما كمزج المتساويين جنسا ووصفا نحو الدهن بالدهن والدبس بالدبس ، أو يكون المزج بمثله بما يرتفع التميز بين أجزائه إلا أنه لا تركيب في الاجزاء منهما بل يكون كل جزء

من المال مختصا بأحدهما في الواقع كمزج الحنطة بمثلها ، أو يكون الخلط بين الإفراد المتشابهة على وجه لا يتمايز بعضها عن بعض كالدراهم بالدراهم والدنانير بمثلها والثياب بعضها ببعض من المثليات والقيميات المتشابهة.

إذا عرفت ذلك ، فاعلم أن الذي يقتضيه تحقيق المسألة هو أن يقال ان المزج في الصورة الأولى موجب للتلف حكما وهو واضح بعد أن كان

الدفع من الممتزج دفعا لغير ماله جنسا ووصفا وإلزامه بقبوله حكم ضرري منفي عقلا ونقلا ، فيدفع له المثل دون مقدار ماله من الممزوج ، والمدفوع

هنا بدل العين لا بدل الحيلولة وان كان مقيدا بما دام ممزوجا ، وفي الثانية يحتمل قويا تنزيله منزلة التلف أيضا لتفرق أجزائه المستحبل عادة اجتماعها الموجب لانتفاء مالية كل من المالين وحدوث مالية أخرى قائمة بالموجود المركب ضرورة أن المالية إنما تعرض على الأجسام بوصف اجتماعها لا مطلقا فلا مالية لكل جزء جزء بالانفراد ، ومن حيث هو وحينئذ فعلى المازج غرامة المثل إلا أنه لما كان المثل من الممزوج المركب مشتملا على أجزاء هي من عين ماله وجب الدفع منه بالخصوص لكونه أقرب الى دفع عين ماله من غيره من الأمثال ، بل هو من دفع العين بقدر الإمكان ، فكما ان دفع المثل مقدم في المرتبة على دفع القيمة لكونه أقرب الى دفع العين منها ، ضرورة ان دفع القيمة ليس فيه إلا رعاية مالية المال فقط وفي دفع المثل رعاية للمالية ولمادة المال في الجملة لقربه منه بالمشابهة ، فكان أولى بالتقدم ، فكذا نسبة هذا المثل الشخصي المركب من المالين بالنسبة إلى سائر الأمثال لكونه مشتملا على جملة من نفس أعيان ماله ، فهي مضمونة على المازج بالمزج وفي عهدته بمثل خاص لا بمطلق المثل ، وهو الوجه في الشركة لكونه مضمونا بقدره من الممزوج المركب لا بمطلق المثل الذي لا يتعين بدليته بخصوصه إلا بعد الدفع وغير مضمونة على الودعي ولا داخلة في عهدته بعد أن كان معناها رد العين مع وجودها ورد مثلها بعد التلف غير الممكن في المقام لعدم إمكان رد العين لتفرق أجزائها ولا رد مثلها لأنها مضمونة بالمثل الخاص الذي هو ملك المازج ، لا كلي المثل حتى يدفع الودعي له مصداقا من ماله. وأما مال الغاصب المأخوذ امانة فيجب رده ولو برد الجميع مقدمة بعد أن لم يكن مال المغصوب منه في ضمانه وعهدته.

هذا بناء على تنزيل تفرق الأجزاء منزلة التلف وأما بناء على عدم صدق التلف عليه لا موضوعا ولا حكما ، فاما أن نقول بحصول الشركة

الحقيقية بنحو الإشاعة بدعوى ما عرفت من انتفاء المالية من كل المالين بالمزج وحدوث مالية أخرى قائمة بالموجود المركب مملوكة لكل منهما لأنه أما أن لا يكون مملوكا أو يكون مملوكا لأحدهما دون الآخر والأول باطل لأنها مسببة عن مواد المالين المملوكين ، والثاني ترجيح بلا مرجح ، فتعين الثالث أو نقول بالشركة الحكمية دون الحقيقية لبقاء ذوات أجزاء كل من المالين على ملك مالكه لعدم الدليل على انتفاء الملكية بانتفاء المالية والأصل بقاؤها : فعلى الأول يتعين القسمة ولا مناص عنها. وعلى الثاني فقسمتها مشتملة على المعاوضة جزما كالقسمة الردية المستلزم تعديلها إلى ضميمة خارجية ولعلها خارجة عن ظاهر كلامهم في تعريفها بأنها تعيين حق وإفراز حصص واختصاص التعريف بما كانت الشركة بنحو الإشاعة. وعليه فالقسمة موقوفة على التراضي لاشتمالها على المعاوضة وخارجة عن قسمة الإجبار إلا مع امتناع أحد الشريكين عنها ومطالبة الآخر لها مع عدم الضرر وإذا لم يكن مورد القسمة دار الأمر بين التسليم الى الغاصب أو المغصوب منه ووجوب رد الملك الى مالكه في كل منهما معارض بمثله في الآخر فلا بد من ترجيح أحدهما ولو بأدنى مرجح بعد ان كان الإبقاء عنده منعا للمالكين عن ملكهما ومخالفا للدليل في كليهما. ولعل الترجيح حينئذ في التسليم الى الغاصب بما دل على رد الأمانات بعد تعارض دليل رد الملك من الجانبين وتساقطهما من البين.

هذا أقصى ما يتصور في توجيه قول المشهور

وفيه مضافا الى منع شمول ما دل على رد الامانة لما كان مشتملا على غيرها ، مع كونه لو سلم معارض بمثله في جانب الآخر لكونه أمينا له أيضا بالأمانة الشرعية كيف يجب تسليمه لمن لا يجوز له الأخذ والتصرف فيه بدون إذن شريكه بعد أن كان المال مشتركا بينهما موضوعا أو حكما وما ورد مثله في وجوب دفع الخراج لغير أهله وان حرم عليه الأخذ

فلدليل قوي دل عليه مفقود مثله في المقام. وأما منع كونه مورد القسمة فمكابرة وان تضمنت المعاوضة لوجوب حفظ المال على من هو في يده ولو بتلف بعضه لو توقف عليه ، فاذا وجب حفظه ولو بتلف بعضه فبالتعويض وأخذ بدل التالف يجب بالأولوية ، فالقسمة هنا ضرورية فإذا كان من مواردها تعينت القسمة. وهل له توليتها لأنه أمين وهو المخاطب بالحفظ بحسب الإمكان أو يرجع بها الى الحاكم؟ ولعل الأخير هو الأقوى والأحوط

واللّه العالم بحقائق أحكامه


إلى هنا ينتهي الجزء الثاني ، ويليه الجزء الثالث. وأوله :

فهرس

محتويات الجزء الثاني من الكتاب

(رسالة في أخذ الأجرة على الواجبات) : المشهور عدم جواز أخذها على الواجب مطلقا وعن بعض دعوى عدم الخلاف فيه وعن غير واحد حكاية الاجماع عليه... 3 - 6

بيان إعتبار عدة أمور في صحة الإجارة وسائر عقود المعاوضة لترتب الأثر عليها وتفصيل المسألة في الواجبات 7 - 9

ذكر اختلاف كلمات الفقهاء في المسألة : بين قائل بالمنع مطلقا... وبين مانع في ما يعتبر فيه قصد القربة ، وبين مانع فيما وجب بالذات ، وبين مفصل بين ما كان الغرض منه الآخرة فلا يجوز وما كان الغرض منه الدنيا فيجوز ، وبيان رأي السيد في (المصابيح) وهو التفصيل بين التعبدي والتوصلي بالمنع في الأول مطلقا والتفصيل في الثاني ، بين الكفائي العيني بالجواز في الأول مطلقا والتفصيل في الثاني بين ما كان وجوبه للضرورة وحفظ النظام وغيره فجوز في الأول ومنع في الثاني مطلقا... 10 - 12

استعراض أدلة المانعين مطلقا ومناقشتها... 13 - 20

عرض أدلة قصر المنع على التعبدي ، والقول بالتفصيل بين ما كان الغرض منه الآخرة منها والدنيا ومناقشتها وبيان مختاره في المسألة وعرض بعض الاشكالات على بعض أقوال المسألة ، والجواب عنها وتحقيقه في مسألة أخذ الأجرة على قضاء الصلاة ونيابة الحج وصلاة الهدية 21 - 36

النقض بالحرف والصنايع المتوقف عليها النظام والطبابة والعمل لتحصيل النفقة ، وتوجيه ذلك ، والجواب عنه والنقض بوجوب بذل الطعام للمضطر وبرجوع الأم المرضعة بالعوض وأخذ الوصي الأجر على عمل الوصاية والنقض بالجهاد الواجب كفاية وأخذ الأجرة من قبل النائب والجواب عن ذلك... 37 - 41

بيان مواقع النظر في كلام (الجواهر) والفاضل الجواب في تخلصهم عن الاشكال وبيان ما لا يجوز فيه أخذ الأجرة من المستحبات وما يجوز فيه أخذها... 42 - 44

(رسالة في بيع المعاطاة) : تحقيق في ألفاظ العقود وآثارها... 45 - 48

في تحقق الاجماع على اعتبار القول الدال على التراضي في لزوم البيع وعدم كفاية مجرد التعاطي الفعلي في ذلك ، وبيان الأقوال في المسألة ومناقشتها واستخلاص أن القدر المتيقن من الاجماع هو اعتبار محض القول في اللزوم لا صيغة خاصة ، وتأييد ذلك بقول النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) (انما يحلل الكلام) وتحقيق ذلك وما هو المراد من الحصر... 49 - 54

تصوير المعطاة على أربعة وجوه أصلية وغيرها ، والمناقشة حول بعضها... 55 - 61

ذكر الأقوال في حكم المعاطاة وحصرها في أربعة وترجيح أحدها على الباقي وذكر النقوض على الرأي المختار ، والجواب عنها تفصيلا... 62 - 69

ذكر مراتب الملكية الثلاثة من حيث القوة والضعف وأن الإباحة المطلقة التي هي مفاد المعاطاة ترادف الملكية 70 - 74

تحقيق شامل لموضوع الاعراض عن الملكية وأحكامه وأقسامه وما يفيده وضع اليد بقصد التملك وان الأصل في الملك اللزوم والنقاش حول ذلك من المصنف واختياره أصالة الجواز في الملك خلافا لما اختاره شيخنا الأنصاري في (مكاسبه) وجماعة من الأصحاب من أصالة اللزوم فيه... 75 - 86

رجوع إلى أصل المسألة ، وترجيح القول بإفادة المعاطاة الملك ، وبيان الدليل الأول على ذلك ومناقشته صغرى وكبرى وتوجيه بيع الدين على من هو عليه وعدم استحالة نقله إليه ، وبيان حكم شراء العبد تحت الشدة من الزكاة وعتقه وان نية الزكاة من مشتريه عند دفع الثمن إلى بايعه أو انها مقارنة للعتق واستعراض أقسام الوقف تفصيلا وتحقيق سببية شراء العمودين وبعض المحارم للانعتاق قهرا بلا تحقق أصل الملك كما هو المستفاد من بعض روايات الباب ودلالة بعضها الآخر على الملك ثم العتق وبالآخرة استظهار ما ينسب إلى المشهور من القول بدخول المملوك في ملك المشتري ثم يعتق... 87 - 100

الدليل الثاني على إفادة المعاطاة الملك ومناقشة ذلك والجواب عنها... 101 - 105

الدليل الثالث على ذلك ومناقشته ، والجواب عنها... 106 - 107

الدليل الرابع على ذلك ومناقشته والجواب عنها... 108 - 108

الدليل الخامس على ذلك ومناقشته والجواب عنها... 109 - 111

استظهار إفادة المعاطاة الملك المتزلزل لا الإباحة المجردة ، وبيان ثمرات القولين تفصيلا ومنها النماءات المتصلة والمنفصلة والتصرفات المتوقفة على الملك... 112 - 119

ومنها البيع ، وتحقيق شامل حول حقيقة البيع وشروطه ومنها العتق وبيانه تفصيلا ، استمرار في تحقيقات شاملة حول البيع وتصحيح بيع الغاصب بإجازة المالك ومن الثمرات وطأ الأمة المأخوذة بالمعاطاة... 120 - 131

ومنها تعلق حق الخمس والزكاة في الأعيان المأخوذة بالمعاطاة عند اجتماع شرط الوجوب على الملك ، وعدمه على الإباحة 132 - 132

الرابع من الثمرات انتقال كل من العينين إلى وارث من كانت بيده بالإرث على الملكية ، والى وارث المالك بناء على الإباحة بموت كل من المتعاطيين وتحقيق شامل حول الموضوع... الخامس - عدم الرجوع بالنفقة عند الرجوع بالعين على الملكية والرجوع بها على الإباحة مع عدم التبرع بها... 133 - 135

من ملزمات المعاطاة تلف العينين أو أحدهما أو نقلهما أو أحدهما أو مزجه بغيره... تفصيل حكم الضمان وتطبيق القاعدة على الصور المذكورة... 136 - 142

بيان ان نقل المأخوذ بالمعاطاة إما بعقد لازم أو جائز وعلى التقديرين فالكلام مرة بناء على إفادتها الملك ، وأخرى بناء على الإباحة وتفصيل حكم كل من التقديرين... 143 - 144

بيان حكم التراد بالفسخ بناء على الكشف أو النقل وتحقيق شامل في معنى المعاوضة

... 145 - 147

الكلام في النقل الجائز بناء على الملكية أو الإباحة... 148 - 150

حكم نقل العين المأخوذة بالمعاطاة فضولا وإجازة ذلك ، وبيان صور المسألة ، وترجيح بعضها على بعض واختياره كل ذلك بتحقيق واستدلال... 151 - 155

حكم ما لو تصرف المتعاطيان أو أحدهما بما يوجب تغيير صورة العين أو امتزاجها بغيرها وابتناء ذلك على الملكية أو الإباحة وعرض أقوال العلماء في المسألة... 156 - 161

اختلاف المتعاطيين في حصول سبب اللزوم وعدمه والنظر في تقديم قول مدعي اللزوم أو الجواز وبيان الوجه لكل منهما وأقربية تقديم قول مدعي اللزوم لحكومة قاعدة (من ملك) على استصحاب جواز الرجوع ، وذكر صورة ادعاء التصرف أو الاتلاف بعد الفسخ وحكم صورة التداعي وادعاء كل منهما وقوع ما هو له من الفسخ ، وسبب اللزوم

... 162 - 163

ومن الأمور التي ينبغي التنبيه عليها : جريان المعاطاة في العقود والايقاعات بأقسامها ، أو اختصاص ذلك بصنف خاص من نوع المعاوضات وهو البيع أو تجرى في بعض دون بعض وتحقيق شامل في موارد العقود والايقاعات 164 - 168

جريان المعاطاة في الشفعة والقسمة والإجارة في البيع ، وتفصيل الكلام في العقود والايقاعات 169 - 171

في امكان جريان المعاطاة في الإجارة والبحث حول موضوعها وأقسامها وكيفية استحقاق الأجير الاجرة 172 - 180

في ان الضمان في مثل (أعتق عبدك عنى ، والق متاعك في البحر وعلي ضمانه) واستيفاء الغرامة في نظائره هل هو من قبيل الجعالة على الأعمال أو من سنخ المعاوضات على الأعيان ، ودفع الاشكال من جهة الغرر 181 - 183

جريان المعاطاة في الجعالة والرهن والقرض والمزارعة والمساقات... 184 - 187

ذكر ما يعتبر في عقد المعاطاة واختلاف كلمات الأصحاب في ذلك وذكر جملة منها ، ثم تنقيح المسألة والتكلم فيها على المباني والأقوال وشرح ذلك تفصيلا... 188 - 190

اعتبار التقابض في ماهية المعاطاة ، والكلام في اعتبار حدوث القبض أو كفاية استدامته واستظهار الأول ، وان القدر المتيقن في إفادتها الملك أو الإباحة حصول الاعطاء من الجانبين ، والتأمل في صدق انشاء تمليك المثمن بقبض الثمن وانه قد يدعى انعقادها بمجرد ايصال العوض واخذ المعوض من غير توقف على اعطاء أصلا والتمثيل لذلك بأخذ الماء من قربة السقاء مع عيبته ، ودخول الحمام ووضع العوض في كور ، صاحبه

... 191 - 192

الكلام حول إجارة المرضعة للارضاع والصباغ للصبغ والكاتب للكتابة والمنحة للبنها والحمام للانتفاع به غسلا وغسلا والاستحمام ، والبئر للاستيفاء ، ونظائرها مما استلزم اجارتها تلف عين للمؤجر من حيث منافاتها لحقيقة الإجارة التي هي تمليك المنافع دون الأعيان والتوجيه لذلك وتقوية المصنف عدم كونها من الإجارة... 193 - 197

الكلام في الفضولي والاستدلال على صحته بالآيات وبالروايات ومناقشتهما والجواب عن ذلك 201 - 219

الاستدلال على بطلان الفضولي بعد الأصل بالأدلة الأربعة والجواب عن ذلك ... 220 - 227

استدلال السيد بحر العلوم في مصابيحه على البطلان بوجهين آخرين ، والجواب عنه ... 228 - 231

احتجاج المفصل بين سبق المنع وعدمه بالبطلان في الأول والصحة في الثاني ، والجواب من المصنف عن ذلك ثم احتجاج المفصل بين ما لو قصد البايع الفضولي البيع لنفسه أو للمالك بوجود ما يمنع من الصحة في الأول وجواب المصنف عن تفصيله... ثم الكلام من المعلق حول الجواب وانه غير دافع عن اشكاله وانحصار دفع الاشكال بما ذكره شيخنا الأنصاري وتعليق مفصل في بيانه 232 - 264

بيان ما نسب إلى ظاهر الأصحاب : من أن الغاصب لو باع ما غصبه ورد المالك البيع ولم يجزه ليس للمشتري استرداد الثمن لو كان موجودا عند البايع وأن ذلك لا يرجع إلى وجه وجيه... 247 - 248

في بيان أن بيع الفضولي كليا في ذمة الغير أو اشترائه له إذا كان بتصريح منه بمن له البيع أو الشراء فإنه يصح مع إجازة من له البيع أو الشراء ويبطل مع رده اما لو كان اضافته إلى الغير بصرف العقد بلا تصريح بمن له البيع أو الشراء فإنه يحكم بصحته لمن قصده الفضولي مع اجازته العقد ومع رده العقد يبطل بالنسبة إلى من قصده الفضولي وينفذ من ناحية المباشر ظاهرا مع عدم تصديق طرفه بنيته وفي وجه ينفذ واقعا حينئذ بيان الوجه في ذلك تفصيلا... 249 - 252

الكلام في إمكان جريان الفضولي في المعاطاة وعدم إمكانه ، وما قد يقال من منع جريان الفضولية فيها مطلقا سواء قلنا بإفادتها الملك أو الإباحة... 253 - 255

في جريان الفضولية في غير المعاوضات كالوقوف والصدقات وغيرها والعبادات المالية كالأخماس والزكوات والكفارات : والاشكال من المصنف في صحة الفضولي فيما يعتبر في صحته القربة كالصدقات والوقوف والكلام حول ذلك تفصيلا 256 - 259

اختيار المصنف جريان الفضولية في العقود الجائزة التمليكية ومنها الوصية ، فضلا عن العقود الإذنية التي يكفي تحقق الإذن فيها ممن له الإذن... 260 - 262

الكلام في مسألة الإجازة والرد ، والأول منهما تارة يقع في موضوعها ، وأخرى في حكمها وما يشترط في تأثيرها ، واستظهار المصنف أن الإجارة هي القول الدال على الرضا بالعقد أو ما بحكمه وعدم كفاية مجرد الرضا ما لم ينكف بقول أو فعل في تحققها وان اعتبارها من باب السبيبة لا من باب الكشف عن السبب - كما ذهب إليه بعض - مستدلا على ذلك بأدلة سبعة ذكرها المصنف ، وتنظر فيها وذكر وجه النظر

... 263 - 266

بيان شروط تأثير الإجازة والكلام حولها... 267 - 281

الكلام فيما لو باع الفضولي مالا ثم ملكه ، وذكر اختلاف الأصحاب في صحة العقد مع اجازته بعد الملك واحتمال البعض منهم عدم توقف صحة العقد على إجارة منه بعد التملك وذهاب البعض إلى بطلان العقد وعدم قابليته للتصحيح حتى مع الإجازة بعد الملك وفي المسألة بيان وتفصيل من المصنف والمعلق وذكر أخبار استدل بها على المنع والتكلم فيما هو المستفاد منها ، وبالنتيجة اختلاف بين المصنف والمعلق في حكم المسألة ثم ذكر المصنف ما يلحق بالمسألة المذكورة ، وهي ما لو باع معتقدا أنه مال غيره ثم بان أنه مال نفسه وأن حكمه التوقف على الإجازة ثم ذكره مسألة أخرى وهي ما لو أذن المالك لشخص بالتصرف في ماله معتقدا أنه لغيره فلا يجوز للمأذون العالم بالكيفية التصرف فيه بذلك الاذن كما انه لو أذن لشخص معتقدا أنه صديقه لم يجز للمأذون التصرف فيه مع كونه عدوا له وان المالك مشتبه في اعتقاد الصداقة ، والكلام من المعلق با مكان لفرق بين ما لو أذن بالتصرف في ملكه معتقدا أنه لغيره وبين ما لو أذن لعدوه بالتصرف في ماله معتقدا صداقته وأنه في الصورة الأول لا يجوز للمأذون التصرف بذلك الإذن بخلاف الصورة الثانية وبيان وجه الفرق بينهما... 282 - 310

بيان حكم الإجازة من حيث كونها نافلة أو كاشفة وبيان ما استدل به للكشف ، ورده ، ومناقشة المصنف للرد وتقريبه الكشف بأن التأثير للعقد وان كان حادثا بالإجازة ويحدث بحدوثه الملك الا انه ينبسط بحدوثه إلى حين العقد الذي هو منتهى الانبساط من طرف السابق وحرف الابتداء من قولهم : (من حين العقد) لبيان مبدء الطرف لا مبدء الحدوث فان زمان الإجازة مبدؤه وحين العقد منتهاه ، وبملاحظة الانبساط المذكور عبر عنها بالكاشفة ، وامتاز القول بها عن القول بكونها ناقلة لعدم الانبساط فيه إلا في الطرف اللاحق إلى آخر ما ذكره المصنف من وجوه الكشف والنقاش في بعضها وبيان بعض ثمرات القولين... 313 - 318

الاستدلال على الكشف بصحيحة أبي عبيدة ، وتقريب دلالتها عليه ، ثم ذكر بعض الثمرات بين القول بالنقل والقول بالكشف... وعلى الكشف : بين جميع محتملاته... ثم بيان تعليل منع الأصيل فيما انتقل عنه على القول بالكشف بأمور وذكرها والتنظر فيها ، وبيان وجهه ثم سرد بعض الثمرات الأخر بين القول بالنقل والقول بالكشف وذكرها والكلام حولها ، ومنها ظهور الثمرة فيما لو تواردت عقود متعددة فضولية على العوضين أو أحدهما مع وحدة المحل أو اختلافه... 319 - 327

الكلام فيما لو عقد اثنان أو أكثر على مال دفعة أو بالتعاقب مع اتحاد المتعلق... ثم الكلام فيما لو اختلف المتعلق وفيما لو باع اثنان من شخص واحد وأجازهما دفعة واتفق الثمنان جنسا وفيما لو اختلفا في الجنس أو اختلفا في محض الكم أو اختلفا في الاطلاق والتقييد ، ثم بيان ان إجازة العقد لا توجب إجازة القبض... 328 - 329

الكلام في الرد : تارة في موضوعه ، وأخرى في حكمه وتأثيره ، وبيان الرد هو إنشاء لابطال ما أحدثه الفضولي بقول أو فعل وبيان كل منهما تفصيلا ثم الكلام في حكم الرد وانه موجب لابطال العقد الموجب لسقوط الإجازة عن التأثير وانه لو لم تتحقق الإجازة من المالك - تحقق منه الرد أم لا - جاز انتزاع ماله أو بدله مع التلف ممن هو في يده باقباض الفضولي ويتخير مع تعاقب الأيدي عليه في الرجوع على من شاء منهم وانه لو رجع على السابق رجع هو اللاحق ولا عكس ما لم يكن غارا له ، ويرجع هو أي اللاحق على من تأخر عنه ، وان قرار الضمان على من تلف المال بيده ثم بيان ان بسط الكلام يتم في مواضع : الأول - في معني ضمان العين... الثاني - في تصوير تخيير المالك في الرجوع على من شاء منهم في تعاقب الأيدي على ماله... الثالث - في رجوع من رجع المالك عليه غير التالف في يده على غيره... ثم الكلام في معنى الضمان وتقريره وبيان أنه قد يطلق على ما يفيد تحويل المال من ذمة إلى أخرى وقد يطلق ويراد به التعهد وبيان الفرق بين الضمانين... 330 - 335

الكلام في صحة الضمان العقدي للأعيان المضمونة على الغير بضمان اليد كالمغصوب والمقبوض بالعقد الفاسد والأمانات عند التعدي والتفريط وجوازه قبل تلف العين وبيان الخلاف بين الأصحاب في جوازه وأن الأكثر على المنع وجماعة على الجواز ومنهم المصنف مستدلا على ذلك بعموم «أوفوا بالعقود» مع التأييد بقوله تعالى «ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم» والمناقشة من المعلق ثم تعقيب المسألة بضمان درك أحد العوضين للبايع أو المشتري المجمع عليه والانتصار به للجواز في المسألة ومناقشة المعلق ذلك ، وبيان عدم وضوح دلالته عليه إن تحقق اجماع على ذلك... ثم الكلام فيما يظهر منهم الاتفاق على صحة ضمانه من المتاع الملقى في البحر عند قول الضامن لصاحب المتاع : القه في البحر وعلي ضمانه ، وحكاية الاجماع مستفيضا عليه مع ما قيل إنه من ضمان ما لم يجب ، وامكان تصحيحه بأحد الوجهين ذكرهما المصنف... 13 - 20

الكلام في تصوير ضمان الأيدي المتعاقبة على مال الغير للمالك واشتغال ذممهم بحسب تعددها بمال واحد ، وبيان من المصنف والمعلق في كيفية الضمان المذكور... وتفصيل ذلك وتوجيهه... وبيان الوجه في رجوع السابق من ذوي الأيدي على اللاحق بما غرمه للمالك من بدل العين التالفة عند رجوع المالك عليه وأخذه منه دون اللاحق فإنه لا يرجع بما غرمه للمالك على السابق ما لم يكن مغرورا فإنه يرجع على من غره... 348 - 356

في بيان أن ما وجهنا به ضمان ذوي الأيدي المتعاقبة على مال الغير من طولية الضمان هو مراد شيخنا الأنصاري - قدس سره - حيث يقول (فهذا الضمان يرجع إلى ضمان واحد من البدل والمبدل على سبيل البدل) ثم بيان أن الضمان الطولى كما تصورناه في الأيدي المتعاقبة على مال الغير كذلك يتصور فيما يكون بالعقد أو الإتلاف والغرور وان كان بين ضمان الأيدي وبين الضمان بالعقد أو الإتلاف والغرور فرق ، وبيان وجهه وأن المالك عند استيفائه البدل من أحد الضمناء تبرء ذمة الجميع لوحدة حقه المفروض استيفاؤه  357 - 360

فيما لو أبرء المالك ذمة أحد الضمناء ما عليه تبرء ذمة الجميع ويسقط الحق عنه وعن السابق عليه واللاحق له ، وبيان وجه ذلك وأنه مقتضى طولية الضمان... وانه صالح المالك أحد الضمناء فلا اشكال في سقوط حق المالك كالابراء ، وانه هل يرجع المتصالح على من لحقه أو ليس له الرجوع عليه كالابراء ، وأما عدم رجوعه على من سبقه فهو واضح واستظهار أنه كالابراء والصلح وتوضيح ذلك بعد ذكر حقيقة الصلح وأنه في ورد كل معاملة يفيد فائدتها وان لم يكن نفسها وإنه انما يكون كالابراء فيما لو كان الصلح بلا عوض ، وأما ما كان بعوض فيرجع المتصالح على من لحقه بمقداره ثم تكرار الكلام في بيان كيفية ضمان الأيدي المتوالية على مال الغير لما في ذلك من زيادة وضوح للمطلب... 361 - 375

في ما لو مزج المشترى المبيع فضولا بماله مع رد المالك بيعه ، ثم أودع المجموع عند شخص أمانة ، وبيان حكم المسألة ، وأن الكلام فيها يقع في مقامين : الأول - فيما تقتضيه القاعدة في الحكم من ناحية المزج وأن صاحب المال ماذا يستحق ، والمقام الثاني فيما تقتضيه القاعدة من ناحية الوديعة وما يكون حكم الودعي وأن الواجب عليه دفع مجموع المال للمودع عند مطالبته أو دفع مقدار حصته من المجموع وإبقاء الباقي أمانة عنده للمالك ودفعه إليه لو ظهر... 376 - 383

استدراكات تصويبات الجزء الأول

الصورة

تصويبات الجزء الثاني

الصورة

الصورة

الصورة

انتظروا قريبا

الجزء الثالث من الكتاب

وأوله:

رسالة في منجزات المريض