ghaemiyeh.com
شرح نهج البلاغه لابن أبي الحديد المعتزلى
رؤية إعتزالية عن الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)
دراسة وتحقیق
انتشارات ذوى القربى
نام کتاب:
مؤلف: جواد کاظم منشد النصر الله
إشراف: الدكتور خلیل هاشم عباس الزویني
ناشر: ذوي القربى
نوبت چاپ: الأولى
تاریخ چاپ: ١٣٨٤
تیراژ: ۱۲۵۰
چاپخانه: فاضل
شابک: 4- 91- 7997 -964
مرکز پخش: قم - پاساژ قدس - الطابق الاول - پ ٥٩ - تلفن: ٧٧٤٤٦٦٣ - ٩٨٢٥١
عراق - نجف الأشرف - سوق الحويش - همراه: ۰۷۸۰۱۰۰۳۵۷۲
محرر الرقمي: ولي رادمرد
شرح نهج البلاغه لابن أبي الحديد المعتزلي
رؤية إعتزالية عن الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)
شرح نهج البلاغه لابن أبي الحديد المعتزلي
رؤية إعتزالية عن الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)
اطروحة تقدم بها جواد كاظم منشد النصر الله
الى مجلس كلية الآداب - جامعة البصرة وهي جزء من متطلبات نيل درجة دكتوراه فلسفة في التاريخ الاسلامي
اشراف الاستاذ الدكتور خليل هاشم عباس الزويني
انتشارات ذوى القربى
نام کتاب:
مؤلف: جواد کاظم منشد النصر الله
إشراف: الدكتور خلیل هاشم عباس الزوینی
ناشر: ذوي القربى
نوبت چاپ: الأولى
تاریخ چاپ: ١٣٨٤
تیراژ: ۱۲۵۰
چاپخانه: فاضل
شابک: 4- 91- 7997 -964
مرکز پخش: قم - پاساژ قدس - الطابق الاول - پ ٥٩ - تلفن: ٧٧٤٤٦٦٣ - ٩٨٢٥١
عراق - نجف الأشرف - سوق الحويش - همراه: ۰۷۸۰۱۰۰۳۵۷۲
رؤية اعتزالية عن الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ النبأ: ١- ٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا الهي و سيدي ومولاي منك واليك
ان واجب الاقرار بالحق يتوجب علي بان ابتهل الى الله جلت قدرته شاكراً لا نعمه. فلولا فضله ولطفه - تقدست الآنه - لما آن لهذا البحث أن يكون شيئاً مذكوراً.
بدءاً أتقدم بالشكر والتقدير الى أ.د محمد النعيمي رئيس جامعة البصرة و.أ.م.د عصام السالم عميد كلية الآداب و أ.م.د طارق المناصير رئيس قسم التاريخ على الاهتمام المتواصل واللا محدود بالمسيرة العلمية.
ان من مصاديق لطفه تعالى بنا، ان قيض لى استاذاً مشرفاً وسنداً وابداً، وقد لمست أثر ذلك اللطف منذ بواكير كتابة الاطروحة، فلقد كان لي استاذاً مشرفاً وأباً ناصحاً وعوناً ظهيراً، حيث كان يتفقدنى على الدوام تفقد الوالد الحنون لولده ولم يكتف بالسؤال عن نتاجي العلمي بل يردف ذلك بالسؤال عن احوالي الشخصية، فكان له اكبر الاثر فى تذليل أي صعوبة مهما كان نوعها ولم يتوقف الأمر على شخصه الكريم، بل فتح لي بيته جاعلاً اياي كأحد افراد اسرته الكريمة، التي ابدت من الاهتمام ما يقصر لساني عن بيانه فلأستاذي المشرف ولعائلته الكريمة اسمى معاني العرفان والاجلال والثناء والتقدير، وفقهم الله وسدد خطاهم.
ومن مصاديق لطفه تعالى ايضاً أن وفقنى لشرف التلمذة على يد أ.د محمد جواد الموسوي ولمراحل ثلاث الاولية الماجستير الدكتوراه ـ فكان من
لطف الله تعالى ان اقتبست قبساً من نير علمه ترك أثره الواضح في توجهاتي العلمية، وما هذه الاطروحة الا اثراً من اثاره وقبساً من قبساته.
ويشرفني ان اتقدم بخالص التقدير الى عيلم الكوفة أ.د حسن الحكيم على ما ابداه ويبديه من اهتمام تربوي وعلمي بطلبة العلم وخاصة طلبة البصرة حيث فتح لهم قلبه قبل مكتبه وبيته فكان لآرائه القيمة اثر كبير في مسيرتهم العلمية. ولابد من ان انوه بكل تقدير واجلال بذكر أ.د حميد التميمى على ما أولاه من اهتمام وما قدمه من مساعدات جمة للطالب ابان تسنمه رئاسة قسم التاريخ ومنصب معاون عميد كلية الآداب.
واغتنم هذه المناسبة لا تقدم بفائق العرفان لكل من كان لي شرف التلمذة على يديه من معلمين ومدرسين واساتذة، وبالخصوص اساتذتي في السنة التحضيرية.
ولابد من بيان تلك الجهود التي قدمتها تلك العقول النيرة، التي كان لها الدور في تأهيل الاطروحة للمناقشة، تتقدمها جهود أ.د تحسين حميد مجيد الذي ابدى آرائه العلمية القيمة حول الاطروحة، ثم ذلك الموقف المبدئى الذي أبدته.أ.م.د سلمى الهاشمي مشكورة على موافقتها على تقيم الاطروحة فكرياً، ولا يسعني الا ان ابتهل الى الله ان يسدد خطاها في مسيرتها العلمية. ثم كان ذلك الجهد الذي قدمه.د. عادل عبد الجبار بإبداء ملاحظاته حول الاطروحة لغوياً. فللجميع مني عظيم التقدير والثناء.
وبعظيم الامتنان اتقدم الى أ.م.د رعد الموسوي الذي كان لي شرف التلمذة على يديه طوال مراحل الدراسة الاولية والماجستير والدكتوراه وكانت معه الباكورة الاولى لاول انتاج علمي في الماجستير شاكراً له تشجيعه المتواصل في الاستمرار في موضوع الدراسة واذكر باعتزاز ذلك الدور الذي قدمه أ.د جاسم ياسين و د. عادل مالك و د. هشام الربيعي و د. شاكر الحواني ود. زينب العلي
على ما ابدوه من مساعدة كان الباحث بحاجة ماسة اليها.
وبخالص الوفاء اذكر الموقف النبيل الذي أبدته طالبتي الآنسة انتصار عدنان عبدالواحد بكتابتها اصل الاطروحة. اسأل الله ان يوفقها في مسيرتها العلمية.
ولابد من الاشارة لما ابداه طلبتي في قسم اللغة العربية والتاريخ في الدراستين النهارية والمسائية من مواقف متنوعة كان بالتأكيد لها الاثر في مسيرة الاطروحة، ولا يسعنى الا ان ابتهل الى الله ان يأخذ بأيديهم لما يحبه ويرضاه.
ولابد من بيان ذلك الاهتمام المنقطع النظير الذي أبدته عائلتي الكريمة بتوفير الجو الملائم للدراسة حفظهم الله جميعاً من كل سوء ومكروه.
واتقدم بشكر مفعم بالامتنان الى جميع مسئولي وموظفي المكتبات التي استعان بها الباحث في مدن العراق المختلفة لما ابدوه من تسهيلات للباحث. واخيراً اتقدم الى كل من كان له يد في مساعدتي اياً كان نوع المساعدة الشكر والثناء سائلاً الله جلت قدرته ان يوفق الجميع لما فيه الصلاح والنجاح.
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنتهدي لولا ان هدانا الله والصلاة والسلام على من كان نبياً وآدم بين الماء والطين وعلى ذوي قرباء الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وعلى الخيرة من اصحابه المنتجبين.
شهدت الحركة الثقافية في الدولة العربية الاسلامية منذ بواكير نشأتها نشاطاً ملحوظاً في شتى صنوف المعرفة (1). ولما كانت امة العرب هي امة الشعر والبلاغة منذ ما قبل الاسلام، وجاء الدين الاسلامي بكتابه المقدس القرآن الكريم والذي تحدى بلاغة فصحاء العرب، وبما جاء عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وهو أفصح من نطق بالضاد، لذا نجد اهتماماً اهتماماً كبيراً بالادب حيث تناثرت في مؤلفات التراث وعلى مختلف انواعها اللغوية والادبية والتاريخية والكلامية والفقهية الخطب والرسائل وقصار الكلمات البلغاء العرب سواء قبل الاسلام او بعده.
بل لقد خصصت بعض الكتب لهذا الغرض ككتاب البيان والتبين للجاحظ ت ٢٥٥ هـ، وعيون الاخبار لابن قتيبة ت ٢٧٦هـ، والكامل في اللغة والادب للمبرد ت ۲۸۵،والاغاني لابي الفرج الأصفهاني ت ٣٥٦هـ.،
1) انظر عبد الخضر حمادي: الحركة الفكرية في القرن الأول الهجري رسالة ماجستير الجامعة المستنصرية، بغداد، ١٩٨٤.
وما ان جاء القرن الرابع الهجري وهو قمة الابداع العربي الاسلامي (1)في مختلف صنوف المعرفة حيث انجب الكثير من فطاحل العروبة ومنهم محمد بن الحسين المعروف بالشريف الرضي (2)الذي نبغ بالادب شعراً ونثراً، اً ونثراً، ففى اطار الشعر ترك لنا ديواناً لا زال مثار اهتمام الباحثين (3). اما في مجال النثر فقد وضع سلسلة من المؤلفات التي تميزت بالطابع البلاغي.
فقد نظر في ما اثر عن النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من كلام فاقتبس منه قبسات اودعها كتاباً اسماء المجازات النبوية، وقد تميز ما اقتبسه بأسلوب المجاز وهو اسلوب بلاغى.
ثم نظر في ما اثر من كلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ما توافر لديه من كتب اللغة والادب والتاريخ وغيرها، فانتقى منه ما كان في قمة الفصاحة فاودعها في كتاب اسماه نهج البلاغة.
هذا يعني ان ما جاء في نهج البلاغة لا يمثل إلا نزراً يسيراً مما أثر عن الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونظرة متفحصة في كتب التراث تؤكد ذلك.
وقد قسم الشريف الرضي كتابه هذا لثلاثة اقسام خطب الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)،
1) انظر آدم متز الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري.
2) عن الشريف الرضي انظر: ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة ٣١/١ - ٤١ وسيرد باسم الشرح الثعالبي يتيمة الدهر ١٥٥/٣ - ١٧٨. الخطيب، تاريخ بغداد ٢٤٦/٢ - ٧ ابن الجوزي المنتظم ۲۷۹/۷ - ۲۸۳. القفطي انباه الرواة ١١٤/٣ - ١١٥ ابن خلكان وفيات الاعيان ٤١٤/٤ - ٢٠. الصفدي: الوافي بالوفيات ٣٧٤/٢ - ٣٧٦ ابن عنبة: عمدة الطالب ص 2٠٧ -۲۱۱.
3) خصصت مجلة آفاق عربية، ع۷، ۱۹۸۵ للشريف الرضى في ذكراه الالفية فنشرت فيه المقالات التالية: شلش من صور البطولة في شعر الشريف الرضـ ۷ - ۲۲ الشبي: حجازيات الشريف الرضى ص ٢٣ - ٦٢. الصفار المؤثرات العامة في شعر الشريف الرضى ص ٦٣ - ٩٣. الجادر: الرؤى الاجتماعية والاخلاقية في شعر الشريف الرضي ص ٩٥ - ١٤٠. مطلوب: الشريف الرضي ناقداً ص ۱۵۹ - ۱۹۲. غزوان: بناء القصيدة عند الشريف الرضي ص ١٩٣ -٢٤٦. الصائغ الصورة الفنية في شعر الشريف الرضي ص ٢٤٧ - ٣١٠ الجنابي: لغة الشريف الرضي ص ۳۱۱ - ۳۲۸. عواد الشريف الرضي في اثار الدارسين ص ٣٢٩ - ٣٥٣. وانظر العطية الشريف الرضي الشاعر الأبي والاديب العبقري مجلة ثقافة الهند ص ٤٠ - ٦٢.
الثاني: رسائله، الثالث: قصار كلماته.
وقد ترك نهج البلاغة وقعاً في النفوس اذ تلاقفته اقلام وعقول المفكرين شرحاً وتعليقاً منذ ايام الشريف الرضى والى يومنا هذا، حتى بلغت شروحاته (۳۷۰) شرحاً (1).
وقد تباينت هذه الشروحات في احجامها، فمنها الكبير كشرح حبيب الله الهاشمي المسمى منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (ط)، والمتوسط كشرح ميثم البحراني (ط)، والصغير كشرح صبحي الصالح(ط).
و تباينت ايضاً في موضوعاتها، فهناك من غلب عليه الطابع البلاغي كشرح ميثم البحراني (2)، او السياسي كشرح محمد جواد مغنية (ط) أو اللغوي كشرح محمد عبده (ط).
و من بين هذه الشروحات كان شرح ابن ابي الحديد ت ٦٥٦ هـ وهو من رجالات الاعتزال، وقبل الحديث عن هذا الشرح لابد ان نوضح ما المقصود بالاعتزال؟
الاعتزال:- تيار فكري ظهر في اطار الفكر العربي الأسلامي متمثلاً بفرقة المعتزلة التي اتخذت من علم الكلام موضوعاً لها (3).
فعلم الكلام (4)هو الجانب النظري في الفكر الاسلامي، فالمعروف ان الدين
1) انظر الاميني: الغدير ٢٥٧/٤ - ٢٦٥. الخطيب: مصادر نهج البلاغة واسانيده ٢٤٧/١ -٣١٤.
2) قال أحد الباحثين: «يكاد يكون شرحاً بلاغياً لولا لغة ابن ميثم القريبة من المنطق والجدل والكلام انظر: الفحام: التصوير الفني في خطب الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ). ص2.
3) عن فكر المعتزلة انظر: الناشيء الاكبر: مسائل الامامة. الخياط: الانتصار. وانظر موسوعة القاضي عبد الجبار: المغني في التوحيد والعدل وهي في عشرين جزءاً، وكتابه الآخـر شـرح الاصول الخمسة. وكتاب التذكرة لابن متويه، وكتاب مسائل الخلاف بين البسصريين والبغداديين لأبي رشيد النيسابوري.
4) عن علم الكلام انظر: الجاحظ: رسالة صناعة الكلام ٤٩ - ٥٨ احمد محمود صبحي: في علم الكلام ۱/۱ -۱۰۱ بدوي: مذاهب الاسلامبين 1/7 -32.
الاسلامي جاء عقيدة وعملاً، فالعمل هو ما يقوم به الفرد من اعمال في اوقات محددة كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها لذا سميت بالاعمال، وهو ما اطلق عليه اصطلاح (فروع الدين)، والعلم الذي يهتم به يسمى علم الفقه، والشخص الذي يهتم به يسمى الفقيه.
اما القسم الاول وهو العقيدة، فهو ما عقد في القلب دون القيام بعمل كالاعتقاد بان الله،واحد وان بعث الانبياء واجب، وان الله يبعث من في القبور فهذه المسائل تسمى أصول الدين والعلم الذي يهتم بها هو علم الكلام. وقد ظهر في نطاقه فرق متعددة كالمعتزلة والخوارج، والاشاعرة وغيرها.
لقد واجهت المجتمع العربي الاسلامي مشكلات فكرية منذ اواخر القرن الأول الهجري، وقد طرح بعض المفكرين اجابات لهذه المشكلات، فازاء مسألة هل الانسان حر في افعاله ام مقيد؟ طرح غيلان الدمشقي (1)فكرة حرية الارادة وازاء كنه الله سبحانه وتعالى طرح الجعد بن درهم (2)مسألة نفى الصفات وكانت مسألة مرتكب الكبيرة تشغل بال الكثيرين فطرح واصل بن عطاء مسألة المنزلة بين المنزلتين.
هذه الاراء التي كان التوصل اليها عقلاً اخذ يعتنقها فيما بعد تـيـار عــرف بالاعتزال بدأ بالبصرة ثم بغداد مكوناً مدرستين.
1) هو غيلان بن مسلم الدمشقي ظهر ايام عمر بن عبد العزيز حيث ولاه الخزائن ولما جاء هشام بن عبد الملك صلبه ابن قتيبة المعارف ص ٤٨٤ القاضي: فرق وطبقات المعتزلة ص ۳۸ -٤١ ابن نباته سرح العيون ص ۲۰۱ -۲۰۳ ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ٢٥ -٢٧.
2) هو من الموالى كان يسكن الجزيرة الفراتية واتصل بمروان بن محمد لما تولى الاخير الجزيرة لهشام بن عبد الملك وكان الجعد مؤدباً لمروان، قتله خالد القسري لنفيه الصفات. انظر: الأثير: اللباب ۲۳۰/۱ ابن نباته سرح العيون ص ٢٠٣ ابن تغري النجوم الزاهرة.۳۲۲/۱ الحفني موسوعة الفرق ص ۱۹۸ -۱۹۹.
وتميز الاعتزال بميزات ثلاث الأولى انه اعتبر العقل هو المصدر المعرفي الوحيد، حيث أنّه سابق للشوائع، لان الشرائع موجهة لاناس عقلاء، فلا تأتي الشريعة للصبي، ولا المجنون لانهما بلا عقل، بل حتى السكران والنائم يرتفع عنه تكليف الشريعة مادام فاقداً للعقل.
الثانية: التأويل: ان فهم الشريعة يكون بالعقل، لذا يجب ان تكون الشريعة مطابقة للعقل، ولكنه احياناً نجد ظاهر الشريعة يخالف العقل، هنا اضطر المعتزلة لصرف ظاهر النص الشرعي إلى معنى مجازي أي القول بالتأويل معتمدين على قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (1). ولذا قالوا: «إذا تعارض ظاهر النص مع العقل، فان العقل هو المرجح» (2).
الثالثة: حرية الارادة: ان الله سبحانه وتعالى اعطى الانسان العقل وهو امتياز عن باقي المخلوقات مقابل تكليفه. إذاً فالانسان مسؤول عن عمله، وهذه المسؤولية تقتضي ان يكون الانسان حراً في ارادته (3).
اذن فهذه المشكلات الفكرية ادت الى ظهور تيار فكري عرف بالاعتزال تمثله مدرستان الاولى في البصرة، والثانية في بغداد. وقد تميزت معتزلة بغداد عن البصرة:
١) الميل الى الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
۲) الرغبة بتطبيق الاعتزال عملياً (4)
وقد انتعشت المعتزلة ايام الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق ولكنها
واجهت تحدياً قوياً منذ عهد المتوكل، حتى جاء الصاحب بن عباد (1)فأحيا الفكر الاعتزالي مرة اخرى (2).
ولكن المعتزلة واجهت تحدياً من الاشاعرة والمتصوفة منذ القرن الخامس الهجري، هذا دفعهم للبحث عن أصول لهم فادعوا ان واصلاً تتلمذ على يد ابي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وابى هاشم تلميذ ابيه،محمد و محمد تلميذ ابيه الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).
والملاحظ ان جذوة الاعتزال قد خفت منذ اواخر القرن الخامس الهجري فلم نعد نسمع بشخصيات اعتزالية لها أثر في الفكر الاعتزالي حتى ان ابن المرتضى ت ٨٤٠هـ لما وضع كتاب (طبقات المعتزلة) توقف في القرن الخامس الهجري (4).
وفي القرن السابع الهجري ظهر ابن ابي الحديد المعتزلى (5)٥٨٦ -٦٥٦ هـ الذي ولد ونشأ في المدائن ثم انتقل الى بغداد فدرس علوم اللغة والادب والكلام والفلسفة حتى اصبح من كبار علماء عصره، وبرز بشكل واضح في الادب والكلام، ففي الادب وضع كتابه (الفلك الدائر على المثل السائر) وهو رد على
1) هو الوزير البويهي اسماعيل واول من لقب بالصاحب (٣٢٦ -۳۵٨) انظر: ابن الجوزي: المنتظم ۱۷۹/۷ -۸۱. القفطي: أنباه الرواة ۲۰۱/۱ -۳. الحموي: معجم الادباء ١٦٨/٦ -٣١٧. الخوانساري: روضات الجنات ١٩/٢ -٤٣.
2) زهدي جار الله: المعتزلة ص ١٥٨ -٢١٣.
3) الشرح 17/1، 371/6. القاضي: فرق وطبقات المعتزلة ص 17 - 18. ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص 5 -7.
4) ص ١١٦ -١١٩.
5) انظر ترجمته: الحوادث الجامعة لمؤلف مجهول ص ٣٦٦. الكتبي فوات الوفيات ۲۵۹/۲-٢٦٢. این کثير: البداية والنهاية ۱۹۹/۱۳ -۲۰۰، ولمزيد من التفاصيل والتحليلات انظر: رسالة الماجستير الموسومة ابن أبي الحديد سيرته وآثاره الادبية والنقدية لعلي جواد محي الدين.
کتاب المثل السائر لابن الاثير (1)، اما في الكلام فقد وضع عدة مؤلفات ولكنها فقدت ولم تصل الينا ومن كتبه الكلامية (النقيضين)، و(نقض السفيانية) وهو رد على كتاب السفيانية للجاحظ، و (شرح الغرر) وهو شرح لكتاب الغرر للمرتضى.
ومن بين كتبه كان كتاب (شرح نهج البلاغة) الذي يقع في عشرين جزءاً، وهو كتاب موسوعي ضم اللغة والادب والتاريخ والكلام وغيرها من نوادر المعرفة ولذا اعتبره «كتاب ادب لا نظر» (2).
وياتي التساؤل: لماذا شرح ابن ابي الحديد نهج البلاغة؟ وما الذي اراد ان يقوله من خلال شرحه هذا؟
أولاً: الملاحظ ان المعتزلة واجهوا نقداً شديداً في هذه الفترة وما سبقها منذ القرن الخامس الهجري حول اصل الاعتزال لذا اراد رجال المعتزلة تأصيل الفكر الاعتزالي بارجاعه الى مصدر موثوق من قبل الجميع الا وهو الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك عن طريق اتصال واصل بابي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية. وقد ساعدهم على ذلك ما اثر عن الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كلام حول التوحيد والنبوة والمعاد وخلق الافعال وغيرها من المسائل الكلامية، مما لا يوجد مثيله لدى أحد من الصحابة.
ولذا نجد ابن ابي الحديد في شرحه للنهج يشرحه شرحاً اعتزالياً ليقول بعد ذلك بان عقائد المعتزلة مأخوذة من كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ثانياً: ان الميزة التي ميزت معتزلة بغداد قاطبة هو القول بالتفضيل (3)، لذا نجد ابن ابي الحديد يفتتح شرحه بالقول بالتفضيل ثم يؤكد على هذه المسألة في
اجزائه العشرين اينما سنحت له الفرصة.
ومثلما وجدنا الزمخشرى يقول ان مدة تفسيره للكشاف استمرت سنتين وثلاثة اشهر وهي مدة خلافة الخليفة أبي بكر (1)نجد أبن الحديد يقول ان مدة اكماله شرح نهج البلاغة استمرت اربع سنوات واربعة اشهر وهي مدة خلافة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)فالزمخشري يؤكد على رؤية معتزلة البصرة القائلة بافضلية الخليفة. ابي بكر وكأن ابن ابي الحديد رد على ذلك برؤية معتزلة بغداد القائلة بافضلية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتقدم لنا صورة عن رؤية اعتزالية إلا وهي مسألة التفضيل أي تفضيل الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) التي جاءت عند المعتزلة من جانبين:
بكونه الاكثر ثواباً.
الاكثر مناقباً.
لم تكن هذه الدراسة هي الاولى حول شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد بل سبقتها دراسات متعددة منها:
اولاً: الكتب
ان الذي يؤخذ على الكتاب:
٢. ذكره لمجموعة من المصادر ليست من مصادر ابن ابي الحديد، وإنما هي من مصادر مصادر ابن ابي الحديد. (2).
۳. لم يقم بدراسة للمصدر الذي اعتمده ابن ابي الحديد، من حيث نوعية الاستفادة، والموضوع الذي استقى منه ابن ابي الحديد.
ومع ذلك تبقى لهذا الكتاب أهمية خاصة لمن يريد القيام بدراسة شاملة لمصادر ابن ابي الحديد المتنوعة.
ثانياً: المقالات:
١. د. مصطفى جواد بعض مستندات ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة (3)مقال ذكر فيه مجموعة من مصادر ابن ابي الحديد في الشرح مكتفياً بذكر اسمائها دون التعليق عليها.
۲. د. صفاء خلوصي: الكنوز الدفينة في شرح نهج البلاغة (1)يتحدث عن بعض المصادر التي اعتمدها ابن ابي الحديد، حيث ضم بين أجزائه العشرين مادة واسعة لمصادر فقدت ولم تصل الينا لحد الان اذ يقول: «ان كثيراً من الكتب التي اصبحت في عداد التراث العربي المفقود لا تزال عناوينها ومقتبسات منها محفوظة فيه» (2)ولكن بعضاً من هذه الكتب قد اكتشفت الان وحققت (3)بالاضافة البعض الموضوعات التي اسهب ابن ابي الحديد في الحديث عنها كالخوارج وصاحب الزنج والتتار.
٣ د. صفاء خلوصي: مصادر شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد (4)، وهو مقال يتضمن جرداً بالاسماء فقط لطائفة من مصادر الشرح وليس كلها.
٤. د. صفاء خلوصي: شكوك الرضي وابن أبي الحديد في بعض نصوص نهج البلاغة (5)أنه حول بعض تلك النصوص التي اشار الشريف الرضي هل هي للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ام للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (6)، اما بالنسبة لابن ابي الحديد، فقد توقف في بعض النصوص الذي اضطر الى تأويلها او التوقف فيها (7).
5 ـ د. مصطفى جواد عبد الحميد ابن ابي الحديد شارح نهج البلاغة (8). مقال في حدود الصفحتين وهو تعريف موجز بابن أبي الحديد وشرحه للنهج.
1) مجلة المعلم الجديد، مج ٢٤، ح ٣ -٤، س ١٩٦١، ص ١ -٢٢.
2) ن. م. ص ١.
3) مثل كتاب صفين للمنقري وكتاب الغارات لابي هلال الثقفي وكتاب الموفقيات لابن بكار ٣ وكتاب الخراج لقدامة بن جعفر وغيرها.
4) مجلة المجمع العلمي العراقي، مج ۹، س ١٩٦١، ص ٣٤٠ -٣٤٨.
5) مجلة الاستاذ كلية التربية، مج ١٠، س ١٩٦٢.
6) انظر مثلاً الشرح : ۳۱۱/۱۸ نهج البلاغة ص ٤٩٠.
7) انظر مثلاً الشرح : ۸۷/۹ - ۱٥٦/١٦،۳۰۷،۸۸ -۷.
8) مجلة المعرفة (بغداد)، س،۲، ع۲۹، ١٩٦٢، ص 4 - 6. 34.
٦. ابراهيم الابياري: شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد (1)، وهو تعريف بسيط بابن ابي الحديد وبشرحه للنهج.
ثالثاً: الرسائل الجامعية:
۲. حامد الظالمي: ابن ابي الحديد جهوده النقدية والبلاغية رسالة ماجستير ناقش فيها الباحث جهود ابن ابي الحديد في النقد الأدبي.
٤. عبد الجبار سالم عبد الكريم شعر عبد الحميد بن هبة الله المدائني رسالة دكتوارة جمع فيها الباحث شعر ابن ابي الحديد من شرح نهج البلاغة او القصائد السبع العلويات او القصائد المستنصريات لابن ابي الحديد، او من مؤلفات اخرى.
ه. حسن حميد فياض: ابن ابي الحديد ناقداً، وهي رسالة تتحدث عن النقد الادبى عند ابن ابيالحدید و خاصة فى كتابه الفلك الدائر على المثل السائر.
وجاءت هذه الرسالة لتتناول جانباً معيناً من فكر ابن ابي الحديد المعتزلي حيث تقدم لنا رؤية معتزلة بغداد إلى الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ).
اقتضت الدراسة البدء بمدخل يبين رؤية المعتزلة عموماً للامامة، ومسألة الافضل وجواز امامة المفضول ام لا؟ ثم أوضحنا رؤية معتزلة بغداد قاطبة القائلة
1) مجلة تراث الانسانية، مج ۲، ص ۱۲۵ -۱۳۹.
بالتفضيل مبينين ادلتهم في هذا الاطار، ثم موقف ابن ابي الحديد الذي ارجع التفضيل إلى عصر الصحابة.
ولأجل ايضاح هذه الرؤية قسمت الرسالة لخمسة فصول اختص الفصل الاول منها بدراسة تفصيلية لعراقة نسب الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث ينتسب لبني هاشم الذين وصفهم الجاحظ بانهم ملح الارض فكان لهاشم الجد الاكبر للقبيلة صاحب الايلاف الذي جعل من مكة مركزاً دينياً واقتصادياً، ثم جاء ولده عبد المطلب والذي تزامن عصره مع سلسلة احداث مهمة كحفر زمزم وفشل حملة الفيل و استحداثه جملة اعمال اقرها الاسلام فيما بعد حتى سمي بابراهيم الثاني. وقد ترك عشرة من الاولاد وصفهم احد المعاصرين لهم بان الله اذا اراد ان ينشأ دولة اوجد لها مثل هؤلاء (1)، وقد أوصى إلى ابي طالب، ومن جملة وصاياه اوصاه بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) تلك الو تلك الوصية صية التي استمرت لخمسين سنة حيث كان لابي طالب الدور الرائد في حماية النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واستمراره للدعوة لعشر سنوات بحيث لما توفى ابو طالب اخذ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يبحث عن اماكن اخرى لنشر الدعوة الاسلامية.
وكان الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد ولد لابوين هاشميين فأمه ايضاً من بني هاشم. مضافاً لذلك كان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يفتخر نسباً بعمه حمزة واخيه جعفر.
اما الفصل الثاني فقد اوضحنا فيه رؤية المعتزلة لنشأة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) والتي عدوها من اسس تفضيله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فبدء اً كانت ولادته في الكعبة الشريفة، ثم انتقاله لبيت الرسالة، حيث كان له شرف التربية على يد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فكان لذلك اثر في نشأته الروحية، حيث كان في مقدمة من آمن بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ثم ما لبث أن اصبح له وزيراً يوم الانذار واستمر في المؤازرة طيلة وجودهما في مكة، وكان
هو الذي نام في فراش الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ليلة الهجرة ليموه على المشركين.
1) اليعقوبي تاريخ۱۱/۲.
وبعد الهجرة المباركة زوجه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بأمر السماء من السيدة فاطمة
الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) سيدة نساء العالمين، فكان ذلك من أعظم فضائله حتى ان كبار الصحابة كعمر وسعد كانا يغبطانه على ذلك.
ومن زواجه هذا جاء ولداه الحسن والحسين سبطا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وسيدا شباب اهل الجنة، وقد تكون من هذه الاسرة ما عرف باهل البيت النبوي الشريف الذين خصهم القرآن بعدد من الآيات كآية التطهير والمباهلة.
كان للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجملة من الخصائص الخلقية، والسجايا النفسية فاق بها الاقران والمعاصرين واسدل الستار على من سبقه وتلاه فيها.
هذه الخصائص خصص الفصل الثالث لبيان رؤية المعتزلة فيها، سواء في الشجاعة أو الحلم او الصبر او الزهد او العبادة او غيرها. والشيء الذي يلفت النظر في خصائصه الله هو جمعه بين المتناقضات حيث كان ذلك مثار اعجاب الشريف الرضي وابن ابي الحديد.
اما تفسير المعتزلة لرؤية الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) النظام الحكم، فقد تناولها الفصل الرابع، اذ يرى معتزلة بغداد ان الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى نفسه الاحـق ليس بالنص، وانما بالافضلية. ولكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما رأى ان الامة أجمعت على بيعة الخليفة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان فقد بايع لهم.
ويتخذ معتزلة بغداد مواقفهم من موقف الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اذ لما قبل بخلافة من سبقه اعتبر المعتزلة خلافتهم صحيحة، ولكنهم خطأوا من خرج عليه ايام خلافته، وحكموا بتوبة ام المؤمنين عائشة وطلحة والزبير وانهم من اهل الجنة.
وقد أوضح ابن ابي الحديد الرؤية الاعتزالية التي قدمها الجاحظ والاسكافي والجبائي والقاضي حول كثير من الشبهات التي أثيرت حول سياسة الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سواء قبل خلافته او بعد توليه الخلافة.
في حين جاء الفصل الخامس والاخير ليوضح الرؤية الاعتزالية حول الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) والفكر العربي الاسلامي، إذ اثبت المعتزلة أن الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الوحيد الذي بان في العلم الالهي، ومن خلال ما جاء في كلامه عن التوحيد والعدل والنبوة والمعاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وخلق الافعال وغيرها استمد المعتزلة آرائهم الكلامية، وكان ابن أبي الحديد يؤكد على ذلك في شرحه اینما سنحت له الفرصة.
ان كثيراً مما ورد في فكر المتصوفة مأخوذ من الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذا ما اشار إليه ابن ابي الحديد في اثناء شرحه لكلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) جه لكلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واكد انتساب المتصوفة للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
اما في علم الفقه فقد اكد. ابن ابي الحديد ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مصدر الخلفاء والصحابة والمذاهب الفقهية الاربعة، حيث أثر عن الخليفة عمر قوله: «لا ابقاني الله لمعضلة ليس لها ابو الحسن».
وكذلك الحال في علوم القرآن وعلوم اللغة العربية وخاصة البلاغة حيث ترك الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) كنزلا من الخطابة اصبح مصدراً ومورداً للادباء والشعراء ينتقون منه ويوشون به خطبهم واشعارهم.
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقد اشار لبعض الحوادث التاريخية والمسائل الفلكية، وما يخص علم الحيوان بالاضافة لاشارته لبعض الغيبيات التي اعتبرها ابن ابي الحديد من اسس تفصيله.
وختمنا هذه الفصول بخاتمة اوضحنا فيها اهم ما تم التوصل إليه من خلال البحث، منوهين بالمواضع التي يمكن ان تكتب عن ابن ابي الحديد وكتابه شرح نهج البلاغة والتي لا زالت لم تحظ باهتمام الباحثين.
تحليل المصادر
لقد اعتمدت الدراسة على جملة من المصادر والمراجع ياتي في مقدمتها - شرح نهج البلاغة - لابن ابي الحديد المعتزلي، اذ هو المحور الذي دارت حوله الدراسة.
لقد صنفه ابن ابي الحديد على عشرين جزءاً، اودع فيه الكثير من جوانب المعرفة سواء في اللغة او الادب او التاريخ أو الكلام وغيرها لذا اعتبره کتاب ادب وليس نظراً، ولما كانت موضوعات نهج البلاغة متنوعة جاءت موضوعات شرح نهج البلاغة متنوعة ايضاً.
قال باحث معاصر في وصفه: «كتاب ولا كالكتب، بل بوسعي ان اقول انه من الكتب القليلة النادرة التي تجمع بين المتعة والفائدة إلى اقصى حدودهما مع نصاعة فى الديباجة، وحلاوة فى اللغة، وسلامة في التعبير، وسلاسة فى البيان فانت حین تقرأ الكتاب تشعر كأنك تطالع انسكلوبيديا او دائرة معارف تزودك بمعلومات لغوية وأدبية وتاريخية وفلسفية على صعيد واحد ضمن اطار نهج البلاغة للامام علي... وتستشف من وراء الكتاب كله عقلية نيرة غير متعصبة وتحليلات منطقية والمعية في التفكير وابتكاراً في التعليل، قل ان تجد له نظيراً في الكتب الحديثة بله القديمة. وبوسع القارىء المطالع له ان يقتبس شيئاً جديداً من كل فصل من فصوله ان لم اقل من كل صفحة من. فهو الكتاب القديـ الجديد دائماً وابداً» (1).
ويخلص للقول: «وهكذا نجد بوجه عام ان ابن ابي الحديد قد جعل شرح نهج البلاغة اطاراً جميلاً لصورة رائعة تزدحم فيها الوقائع التاريخية والبحوث
1) خلوصى: الكتوز الدفينة ص ۱ - ۲.
الادبية والمناقشات الفلسفية فهو بحق منجم لكنوز دفينة لا تقوم بثمن» (1).
وقد شرح ابن ابي الحديد نهج البلاغة شرحاً اعتزالياً ليؤكد رؤية المعتزلة القائلة بان مصدر عقيدتهم هو الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولكنه كان يتوقف عند بعض النصوص التي لا تتفق والرؤية الاعتزالية لذا يضطر لتأويلها او التوقف عندها وعدم اصدار حكم فيها (2).
وهنا فان ابن ابي الحديد عامل كلام الامام معاملة النص القرآني او الحديث النبوي الذي يؤول إذا خالف ظاهره العقل عند المعتزلة.
لقد حاول ابن ابي الحديد وهو من معتزلة بغداد المتأخرين ان يسدل الستار على الخلاف ما بين مدرستي الاعتزال وان يقدم صورة موحدة للفكر الاعتزالي وان كان احياناً يشير لمواضع الخلاف ويحاول تبريرها.
ولم يظهر منه تحامل على معتزلة البصرة، بل اعتمد كثيراً من مؤلفاتهم كمؤلفات الجاحظ ت. ٢٥٥هـ الذي كان يقف عند ارائه قائلاً «رحم الله أبا عمرو لقد غلبت عليه البصرة وطينتها...» ولما اتهم ابراهيم بن سيار النظام وهو من معتزلة البصرة الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتدليس في الحديث، رد عليه ابن ابي الحديد مستغفراً له.
وقد استخدم ابن ابي الحديد في اثبات ما يراه ونفي ما لا يراه صحيحاً، الآيات القرآنية التي ياخذها على ظاهرها، أما إذا تعارض ظاهرها مع العقل فانه يؤولها. وكذا الحال بالنسبة للسنة النبوية الشريفة، مع أنّه يرى ان هناك الكثير من الاحاديث النبوية موضوعاً، وكذلك كان يستخدم الروايات التاريخية ونجده لا يقف سلبياً إزاءها بل يناقشها فيقبل ما يراه صحيحاً ويرفض العكس.
ووصل الينا من مؤلفاته ايضاً سبع قصائد في مدح الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) سميت بالقصائد السبع العلويات، اوضح فيها رؤيته للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وتأتي مؤلفات علم الكلام بعد شرح نهج البلاغة كمصدر للرسالة، ومنها مؤلفات المعتزلة كرسائل الجاحظ الكلامية ومنها العثمانية التي أوضح فيها وجهة نظر القائلين بعدم افضلية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرد عليه الاسكافي ت ٢٤٠هـ وهو من معتزلة بغداد بكتاب (نقض العثمانية) الذي استفدنا منه في بيان رؤية معتزلة بغداد في تفضيل الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وللناشيء الاكبرت ۲۹۳ھ احد رجال المعتزة كتاب (مسائل الامامة) افاد الرسالة في بيان رؤية المعتزلة للامامة من حيث وجوبها؟ ثم رؤيته للامام هل يجب ان يكون الافضل؟ ام تجوز امامة المفضول؟ ومن هو الافضل؟
وللخياط ت ٣٠٠هـ احد معتزلة بغداد كتاب (الانتصار) اثبت فيه افضلية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). وجاءت مؤلفات القاضي عبد الجبارت ٤١٥ه وخاصة كتابه (المغني في ابواب العدل والتوحيد) الذي صنفه على عشرين جزءاً، أوضح فيه تفصيلاً الفكر الاعتزالي، حيث استفدنا من الجزء العشرين الذي يقع في قسمين خصصهما للامامة، وقد افرد فصلاً عن التفضيل مبيناً اراء المعتزلة فيه كالاسكافي وابي علي وابي هاشم الجبائيان. اما كتابه فضل الاعتزال فقد أفادنا في دراسة تراجم رجالات المعتزلة قبل القاضي، وقد نشر النشار كتاباً بــاسـم ـ فـرق وطبقات المعتزلة اخذه من كتاب المنية والامل لابن المرتضى (1).
و من المؤلفات الكلامية مؤلفات الاشاعرة، كمقالات الاسلاميين لابي الحسن الاشعري ت ٣٢٤هـ، والتمهيد للباقلاني ت ٤٠٢هـ، والفرق بين الفرق للبغدادي ت ٤٢٩هـ. ومن كتب الامامية،الكلامية تنزيه الانبياء للشريف المرتضى
1) انظر رأي البطاط في هذا الكتاب: قاضي القضاة عبد الجبار ص 42 - 43.
ت ٤٣٦ هـ والذي استفدنا منه في رؤيته لرواية خطبة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) جويرية بنت ابي جهل، وكتابه (الشافي في الامامة) وهو رد على كتاب المغني للقاضي عبد الجبار، وقد اعتمده ابن ابي الحديد كثيراً في معرض المقارنة بين اراء القاضي عبد الجبار والشريف المرتضى. ويلاحظ على ابن ابي الحديد عدم الميل نحو القاضي لانه معتزلي مثله بل تارة يؤيد هذا وتارة يؤيد ذاك حسبما يراه صحيحاً.
لقد اعتمد ابن ابي الحديد في شرحه لنهج البلاغة على جملة من المصادر التاريخية بعض منها وصل الينا، لذا آثرنا من باب التوثيق التاريخي الرجوع إلى هذه المصادر كسيرة ابن اسحق ت١٥١هـ، ومغازي الواقدي ت ٢٠٩هـ، وتاريخ الرسل والملوك للطبري ت ٣٦٠هـ، ومروج الذهب للمسعودي ت ٣٤٦هـ، والكامل في التاريخ لابن الأثيرت ٦٣٠ هـ وغيرها.
وهناك من المصادر التاريخية لم يعتمدها ابن ابي الحديد ولقد رجعنا في مواضع من البحث كتاريخ اليعقوبي ت بعد ٢٩٢هـ الذي قدم لنا رؤية لبني هاشم قبل الاسلام خاصة موقف عبد المطلب في حملة ابرهة وانعكاس ذلك الموقف في رؤية العرب له، واشارته إلى ما سنه من سنن اثبتها الاسلام فيما بعد.
اما كتب التفسير فقد اعتمدت الدراسة في تفسير بعض الآيات على جامع البيان للطبري، والتبيان في تفسير القرآن للطوسى ت ٤٦٠هـ، والجامع لاحكام القرآن للقرطبي (٦٧١هـ)، والكشاف للزمخشري ت ٥٢٨هـ. ويعد الزمخشري من معتزلة البصرة، لذا افدنا منه كثيراً في بيان رؤية معتزلة البصرة في الآيات الخاصة بالامام على ال
اما كتب الحديث؛ فقد استفاد البحث من عدد من كتب الصحاح كصحيح البخاري ت ٢٥٦هـ ومسلم ت ٢٦٣هـ وكتب السنن كسنن ابن ماجه (۲۷۳) والترمذي (۲۷۹) وابي داود (۲۷۵) والنسائي (۳۰۳) والبيهقي (٤٥٨) ومن
المسانيد مسند احمد بن حنبل ت ٢٤٠هـ. ومنها المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ت ٤٠٥ هـ الذي استفدنا منه في مواضع متعددة، ومنها تأكيده على ولادة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الكعبة اذ يقول: «وتواترت الاخبار ان فاطمة بنت اسد ولدت عليا كرم الله وجهه في جوف الكعبة». واستفدنا منه في مسألة رواية خطبة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجويرية اذ قدم روايات اقرب للموضوعية.
اما كتب الصحابة فقد رجعنا إلى الطبقات الكبرى لابن سعدت ۲۳۰ھ الاستيعاب لابن عبد البرت ٤٦٣هـ، وصفة الصفوة لابن الجوزي ت ٥٩٧هـ، واسد الغابة لابن الاثير ت ٦٣٠هـ، والاصابة في تمييز الصحابة لابن حجرت ٨٥٢هـ، وغيرها.
ومن كتب التراجم رجعنا لكتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ت ٤٦٣هـ، ووفيات الاعيان لابن خلكان ت ٦٨١هـ، ومعجم الادباء لياقوت الحموي ت ٦٢٦هـ، وقوات الوفيات للكتبي ت ٧٦٤هـ، والوافي بالوفيات للصفدي ت ٧٦٤هـ، ومرآة الجنان لليافعي ت٧٦٨هـ.
اما كتب الادب فقد رجعنا لكتاب البيان والتبيين للجاحظ ت ٢٥٥هـ، الكامل فى الادب الادب للمبرد ت ٢٨٥هـ، وعيون الاخبار لابن قتيبة ت ٢٧٦هـ، والاغاني لابي الفرج الاصفهاني ت ٣٥٦هـ، وربيع الابرار للزمخشري ويلاحظ ان كثير من نصوص الشرح ربما منقولة عنه ولكنه لم يشير لذلك.
واعتمد البحث على كتب الجرح والتعديل لمناقشة بعض الروايات ككتاب الجرح والتعديل لابن ابي ابي حاتم ت ۳۲۷هـ، والكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ت ٣٦٥ هـ، والضعفاء لابي زرعة ٢٥٦، وميزان الاعتدال للذهبي ت ٧٤٨هـ وتقريب التهذيب، وتهذيب التهذيب، ولسان الميزان لابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢هـ.
ورجعنا لعدد من الدواوين الشعرية لتوثيق كثير من الابيات الشعرية كديوان امرؤ القيس، وأميه بن أبي الصلت والمتنبي، والبحتري وابي تمام وغيرها.
فضلاً عن اعتماد الدراسة على اعتماد الدراسة على مجموعة من الكتب الحديثة والرسائل الجامعية وبعض المقالات، حيث اقتبست الرسالة آرائهم اما للتأييد واما للمناقشة.
لما كانت الدراسة حول كتب شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد لذا آثرنا اذا تعددت المصادر في الهامش الواحد الاشارة اولاً اليه ثم الى المصادر الاخرى حتى وان كنت اسبق منه زمنياً، واقتصرنا في الاشارة اليه بكلمة الشرح
ولغرض عدم اثقال الهوامش بالمعلومات لذا اقتصرنا على الاشارة لاسم المؤلف وكتابه والجزء ان وجد والصفحة اما باقى المعلومات فسيجدها القارىء في فهرس المصادر والمراجع.
تجدر الاشارة أن تقيد الباحث بنص ابن ابي الحديد كان سبباً في تباين عدد صفحات فصول الاطروحة، وذلك لتباين كمية المادة العلمية التي قدمها ابن ابي الحديد حول موضوعات الشرح
وختاماً لابد من القول ان الله سبحانه وتعالى ابى ان يكون هناك صحيحاً الا كلامه المقدس، ولذا فأن هذه الدراسة المتواضعة لا تخلو من الهنات، وما أحرى كاتبها بالقول:
وما ابريء نفسي انني بشر *** اسهو واخطئ ما لم يحمن قدر
ولا ترى عذراً اولى بذي زلل *** من ان يقول انني بشر
فان كنت اصبت الذي اردت فهذا من جزيل نعم الله تعالى فله الحمد والشكر مبلغ رضاه، وان كنت لم ابلغ ذلك فيكفيني نيتى التى اسأل الله ان يجعلها
خالصة لوجهه الكريم... ونية المرء خير من عمله.
وآخر دعوانا ربي توفني مسلماً والحقني بالصالحين واجعلني من ورثة جنة النعيم... والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
الباحث البصرة رمضان ١٤٢٣هـ
كانون الاول ۲۰۰۲م
اقتضت الحكمة الالهية تكليف الانسان للقيام ببعض الاعمال والانتهاء عن اعمال اخرى وسيقابل هذا الانجاز بثمرات دنيوية واخروية على ان ذلك لن يكون إلا بوجود بوجود ضمانات له توجه الانسان للقيام به. ومن هنا فأن الاسلام لم يطرح النظرية فقط، بل وضع لها اسس التطبيق العملي حيث اوجد نظاماً سمي «الامر بالمعروف والنهي عن المنكر» مهمته حماية المجتمع والنظام، مما يساعد على تحقيق ما كلف به الانسان على الوجه الافضل ويقف على رأس هذا النظام – الحاكم - الذي وصل لهذا المنصب بناء على شروط معينة (1).
لقد عد المعتزلة - الامر بالمعروف والنهي عن المنكر - اصلاً من اصولهم الخمسة (2)، وهو الاصل العملي الوحيد، اذ باقي الاصول نظرية (3)، وهذا الاصل واجب عند المعتزلة ووجوبه شرعي بدليل قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
1) د. عبد الكريم عثمان قاضي القضاة ص ۲۲۷ -۲۲۸.
2) وهي - التوحيد – العدل - الوعد والوعيد - المنزلة بين المنزلتين - الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكل من قال بهذه الأصول مجتمعة فهو معتزلي انظر الخياط: الانتصار ص ٩٣. وقد شرح هذه الاصول القاضي عبد الجبار بكتاب اسماء شرح الاصول الخمسة وهو مطبوع.
3) صبحي: في علم الكلام ۱۷۴/۱ -۱۷۷.
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (1). بالاضافة لوجوبه العقلى (2). فهو يجب إلى درجة استخدام القوة، ومن هنا اجاز المعتزلة الخروج على الامام الجائر، وبهذا فهم يماثلون الخوارج (3)، لكنهم اكتفوا بالقول دون الفعل لذا سموا مخانيث الخوارج (4). ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عند المعتزلة على كلّ مكلف وفق شروط (5)، وهو فرض كفاية إذا قام به من به الكفاية سقط عن الآخرين (6).
وفى مقدمة من يجب عليهم القيام بهذا الاصل هو الامام، لذا اصبح موضوع الامامة من موضوعات هذا الاصل «ووجه اتصاله بهذا الباب ان اكثر ما يدخل في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقوم به إلا الائمة» (7).
وقبل التحدث عن موضوع الامامة لابد من الاشارة إلى أن التطور التاريخي للمعتزلة بشير لمدرستين للاعتزال، الاولى نشأت في البصرة واشارت الروايات إلى ان اول من قال بالاعتزال هو واصل بن عطاء وزميله عمرو بن عبيد وسميت بمدرسة البصرة لنشوئها في البصرة، وقد وضع رجالات هذه المدرسة القواعد والاصول الاساسية للاعتزال، وبرز فيها كبار رجالات المعتزلة كأبى الهذيل العلاف وابراهيم بن سيار النظام والجاحظ، والجبائيين، والقاضي عبد الجبار، وابن متويه، وأصبح كل من يحمل اراء هذه المدرسة يعد بصريا بغض النظر عن بلدته (8).
1) سورة آل عمران الآية ۱۱۰.
2) القاضي عبد الجبار شرح الأصول الخمسة ص ١٤٢، ٧٤١ -٧٤٦.
3) ابن ابي الحديد الشرح ۷۸/۵.
4) البغدادي: الفرق بين الفرق ص ۷۱.
5) القاضي شرح الاصول ص ١٤٢ - ١٤٤.
6) القاضي: شرح الاصول ص ١٤٨.
7) القاضي: شرح الأصول الخمسة ص ٧٤٩.
8) عن مدرسة البصرة انظر: صبحي: في علم الكلام ١٠٥/١ - ٣٩٣ الراوي: ثورة العقل ص ۲۳ - ۷۷. النعيمي: مدرسة البصرة الاعتزالية ص ٧ وما بعدها.
اما بالنسبة لمعتزلة بغداد فهي التي ينسب تأسيسها إلى بشر بن المعتمر الذي تتلمذ على يد معتزلة البصرة، ثم جاء لبغداد مؤسساً فرعاً جديداً للاعتزال عرف بمعتزلة بغداد، فاصبح كل من ياخذ بآراء هذه المدرسة يعد من معتزلة بغداد بغض النظر عن بلدته. ومن رجالات هذه المدرسة بشر بن المعتمر، والجعفريان والاسكافي، واحمد بن أبي دؤاد (1)، والخياط، والكعبي، وابن ابي الحديد (2).
والذي يميز مدرسة بغداد عن مدرسة البصرة:
اولاً: ميل مدرسة بغداد قاطبة إلى الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ثانياً انها طبقت عملياً رؤية معتزلة البصرة فى التوحيد حيث الغت القول بالصفات وقالت بخلق القرآن، فكان ما عرف تاريخياً بالمحنة، حيث كان معتزلة بغداد القائمين بها (3).
ثالثاً: النزعة العملية حيث لما اتسم الاعتزال البصري بالسكونية والنظرات التجريدية، وجعل البحث النظري حواراً وجدلاً طابعه العقائدي، نجد معتزلة بغداد تسعى لايجاد بعد عملي لفكرها على نحو تحقيق رغبتها بإقامة دولة اعتزالية.
رابعاً: اقتضاهم عصر النهضة الفكرية، وقرائتهم للفلسفة، تعميق و وتطوير
1) هو احمد بن أبي دؤاد فرح بن جرير القاضي، والمتولي لمهمة القول بخلق القرآن فيما عرف بالمحنة انظر: الملطي التنبيه والرد ص ۳۹ ابن النديم الفهرست ص ٣ - ٤ (تراجم ملحقة باخر الكتاب). أبن الأثير: اللباب ٤۲۷/۱. الصفدي: الوافي بالوفيات.۳۳/۲ ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص 123 - 6.
2) عن مدرسة بغداد انظر: صبحي في علم الكلام ۲۸۳/۱ - ۳۱۷. الراوي: ثورة العقل ص 81 – 299.
3) صبحي في علم الكلام ۲۸۳/۱ - ۲۸۷، الراوي: ثورة العقل ص ٩٥. وعن مسألة خلق القرآن انظر: الجاحظ: رسالة في خلق القرآن ص ١٦٣ - ١٧٥ الازدي: تاريخ الموصل: ٤١٢ - ٤١٤.
مباحث العدل الالهى (1)، بعد ان شرحها معتزلة البصرة، كالقول بالتوليد (2)، واللطف (3)، الالهى.
خامساً: تصدى معتزلة بغداد للمباحث الدقيقة في الكلام، كمسألة الجوهر (4).
سادساً: الزهد كانت هذه الصفة غالبة على اكثرية معتزلة بغداد كبشر بن المعتمر، وتلميذه ابو موسى والاسكافي وغيرهم، ولشياع هذه الصفة فيهم عرفوا بـ «نسك بغداد» (5).
لقد ناقش المتكلمون على اختلاف توجهاتهم موضوع الامامة من حيث وجوب نصب الامام او لا؟ وهل ان الامامة واجبة عقلاً ام شرعاً؟ وهل يجب ان يكون الامام افضل الامة؟ ام تجوز امامة المفضول مع وجود الافضل؟ (6)
1) العدل: ما يقتضيه العقل من الحكمة، أو صدور الفعل على وجه الصواب والمصلحة ويناقش المعتزلة تحت هذا الاصل موضوعات (نفي صدور القيح عن الله، اللطف الالهي حرية الارادة) انظر الشهرستاني: الملل والنحل ٥٥/١ - ٥٦ صبحي: في علم الكلام ١٤٨/١ - ١٦٥.
2) هو الفعل الذي يتولد من فعل الانسان، فاذا ضرب انسان انساناً، فالضربة من فعل الضارب وهو مسؤول عنها، ولكن ماذا عن الالم المتولد، او اذا فعل الانسان فعلاً عن غير قصد. انظر الخياط الانتصار ٦٠ - ٦١، الباقلاني: التسهيد ٢٩٦/١ - ٣٠٢، الشهرستاني: الملل والنحل ۸۸۱ - ۹۰، بدوي: مذاهب الاسلاميين 1/ 192 – 7.
3) هو كل ما يوصل الانسان إلى الطاعة ويبعده عن المعصية. انظر القاضي عبد الجبار شرح الاصول الخمسة ص ٥١٨ -٥٢٥، الباقلاني: التمهيد ٣٣٨/١ -٤٠، الشهرستاني: الملل والنحل - ۸۲/۱ -۸۳ بدوي: مذاهب الاسلاميين 1/ 293 – 7.
4) هو الجزء الذي لا يتجزأ واول من قال به ابو الهذيل العلاف، انظر الخوارزمي مفاتيح العلوم ص،۱۷ ابو رشيد المسائل في الخلاف ص ٢٨ -١٠٤، الجرجاني: التعريفات ص ١٣ کشاف اصطلاحات العلوم،٢٠٧/٦، ابن مستويه التذكرة ص ٤٧ -١٤٥ بينس مذهب التهانوي الذرة عند المسلمين ص 1 - 16.
5) الراوي ثورة العقل ص ٩٤ -١٠٠.
6) افرد المتكلمون مؤلفات لهذا الغرض. انظر: الناشيء الاكبر مسائل الامامة وخصص القاضي عبد الجبار الجزء العشرون من كتابه (المغني) في قسميه الاول والثاني لمسائل الامامة ووضع الشريف المرتضى الشافي في الامامة ص ٣ وما بعدها الطوسي: تلخيص الشافي 1/ 63 -190، 207 – 242.
قال ابن حزم «اتفق جميع اهل السنة اهل السنة وجميع المرجئة، وجميع المعتزلة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الامامة... حاشا النجدات (1)من الخوارج» (2).
واوضح - الناشيء الاكبر - وجهة نظر المعتزلة فقال: «المعتزلة صنفان: صنف أوجبوا الامامة وزعموا ان نصب الامام فرض على الامة في عقد الدين، وصنف انكروا وجوب الامامة، وزعموا ان للمسلمين أن يقيموا اماماً، ولهم أن لا يقيموه، وليس احد الامرين باولى من الآخر» (3).
بينما اشار ابن ابي الحديد إلى المعتزلة جميعهم قالوا بالوجوب ما عدا ابا بكر الاصم (4)الذي يرى انها غير واجبة اذا تناصفت الامة ولم تتظالم». وهذا الرأي عدة متأخر و المعتزلة قولاً بالوجوب، وذلك لان في العادة لا تستقيم امور الناس من دون رئيس يحكم (5).
وقد تباينت وجهة نظر المعتزلة حول طريق وجوب الامامة، هل هو شرعي؟ ام عقلي؟ فالبعض من معتزلة البصرة يرى ان طريق وجوبها الشرع. اما معتزلة بغداد وبعض من معتزلة البصرة كالجاحظ، وابو الحسين البصري، وكذلك الامامية (6)فيرون ان طريق وجوبها العقل (7).
1) اصحاب نجدة بن عامر الحنفي، أنظر الاشعري مقالات الاسلاميين ١٦٢/١ -٤. الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص ۱۹ البغدادي: الفرق بين الفرق ص ٥٢ -٥٤. الشهرستاني: الملل 1/ 165 – 9.
2) الفصل في الملل ١٤٩/٤.
3) مسائل الامامة ص ٤٩.
4) هو ابو بكر عبد الرحمن بن كيسان الاصم من معتزلة البصرة، يعد من الطبقة السادسة انظر: الملطي: التنبيه ص ۳۹، القاضي: فضل الاعتزال ص ٢٦٧، الشهرستاني: الملل ٩٣/١ ابن المرتض. طبقات المعتزلة ص ٥٦ -57 الداوودي: طبقات المفسرين ٢٧٤/١.
5) الشرح ۳۰۸ /۲. انظر رأي الاصم: الاشعري مقالات الاسلاميين ۱۳۳/۲.
6) ان كل الفرق الاسلامية قالت بالامامة، ولكن لفظ (الأمامية) إذا ذكر ينصرف إلى تلك الفرقة التي حددت عدد المتها واسمائهم بلا زيادة ولا نقصان. وهم المعروفون بالاثني عشرية. فيما لم تحدد باقي الفرق الاسلامي عدد أئمتها انظر الاشعري مقالات الاسلاميين ۸۷/۱ -۸. الفياض تاريخ الأمامية ص ٧٣ -٨٥.
7) الشرح 2/308.
واذا كانت المعتزلة ترى ان الهدف من وجوب الامامة لان فيها مصالح دنيوية ودفع مضار دنيوية، فأن الامامية يوجبونها على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لان فيها لطف وابعاد للمكلفين عن مواقعة القبائح العقلية (1).
وناقش المتكلمون هل يجب ان يكون الامام هو الافضل؟ ام تجوز امامة المفضول؟ (2)يرى الباقلاني (3)«انه واجب ان يكون الامام افضل الامة». وقد رد عليه ابن حزم قائلاً: «هذا خطأ متيقن لبرهانين احدهما: انه لا يعرف الافضل الا بالظن في ظاهر امره وقد قال تعالى وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًاً (4).
والثاني: ان قريشاً انتشرت في مشرق الارض وغربها وجنوبها وشمالها، ولا سبيل لمعرفة الافضل. ويكفى بطلان قول الباقلاني ان الصحابة الذين أدركوا أمامة الحسن ومعاوية قالوا بها مع ان فيهم من هو افضل من الحسن ومعاوية كسعد، وسعيد بن زيد و ابن عمر» (5).
اما المعتزلة فقد انقسموا لقسمين؛ الأول يرى عدم جواز عقد الامامة إلا للافضل لانهم يرون انه ليس بعد النبوة منزلة افضل من الامامة، فكما كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أفضل الناس فكذلك الامام لان الامام هو الذي يؤدب الامة ويعرفها
1) الشرح ۳۰۸/۲ عن الامامة انظر: الناشيء الاكبر مسائل الامامة ص ٤٩. الشريف المرتضى الشافي ص ٤ -5. الطوسي تلخيص الشافي ٦٣/١ -١٩٠.
2) الاشعري: مقالات الاسلاميين ١٣١/٢ وما بعدها.
3) ابو بكر محمد بن الطيب ولد بالبصرة ثم سكن بغداد وهو من كبار رجالات الاشاعرة ت ٤٠٣هـ انظر السمعاني الانساب ٢٦٦/١ ابن الأثير: اللباب ٥١/١ -٥٢ النباهي تاريخ قضاة الاندلس ص ٣٧ -٤٠. الصفدي: الوافي.۱۷۷/۳ محمد عبد الله رمضان الباقلاني ص ٩٦ وما بعدها بدوي مذاهب الاسلاميين ٥٦٩/١ -٦٣٣.
4) سورة يونس: الآية.۳۶.
5) الفصل فى الملل ١٧٩/٤ -١٨٠.
معالم دينها، فلا يجوز ان يكون المؤدب افضل من المؤدِّب، وإلى هذا المذهب يذهب عمرو بن عبيد (1)، وابراهيم النظام (2).
اما القسم الثاني فيرى جواز امامة المفضول مع وجود الافضل حيث يرون ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولى المفضول على الافضل كما في تولية عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل (3)على جيش فيه ابو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، وهم افضل منه، وتولية اسامة بن زيد على جيش فيه أبو بكر وعمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) (4)، ويرون «إذا رأينا رجلاً تجمع عليه الكلمة ولم يكن ساقط العدالة، وكان معه علم بالكتاب والسنة، وليناه امر الامة، وان كان فيهم من هو افضل منه واوسع علماً. والقائلون بهذا القول واصل بن عطاء (5)، وقاطبة معتزلة بغداد (6).
1) هو صاحب واصل بن عطاء ولد في البصرة ٨٠ هـ وتوفي سنة ١٤٠هـ. انظر: البلخي: باب المعتزلة ص ۸٦ -۹. القاضي: فضل الاعتزال ص ٢٤٢ -٥٠. الشهرستاني: الملل: ٦٢/١. ابن خلكان وفيات الاعيان ٤٦٠/٣ -٢. ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ٣٥ -٤١ ا المقريزي: الخطط ٣٤٦/٢.
2) أحد معتزلة البصرة، سمى بالنظام لاشتغاله بنظم الخرز له اراء ومؤلفات فلسفية ويعدفيلسوف المعتزلة انظر الخياط الانتصار ص ۱۹، ۲۱ -٤٧ البلخي: باب ذكر المعتزلة ص70 - ۱ القاضي فضل الاعتزال ص ٢٦٤ -٥ ابن النديم الفهرست ص ٢ (تراجم ملحقة بآخر الكتاب البغدادي الفرق ص ۷۹ -۹۱ الشهرستاني: الملل ٦٧/١ -٨١، ابن نباته: ۸۱، ص ۱۳ -١٥٧. ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ٤٩ -٥٢. ابن تغري النجوم الزاهرة ٢٣٤/٢. بدوي: مذاهب الاسلاميين.۱۹۸/۱ - ۲۷۹.
3) كانت فى السنة السابعة للهجرة. انظر الشرح ٣١٩/٦ -٣٢٠ ابن سعد الطبقات ۱۳۱/۲ البخاري: الصحيح ٦٨/٥ الطبري: تاريخ:٣٢/٣ الحاكم المستدرك ٤٥/٣. الشهرستاني: الملل ٢١٩/١.
4) في مرض الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الشرح ١٥٩/١، ١٨٣/١٧،٥٢/٦. ابن سعد: الطبقات: ٢٤٩/٢. اليعقوبي: التاريخ ١٠٣/٢. أبو هلال العسكري: الاوائل ص ۱۳۷
5) ينسب إليه تأسيس الاعتزال. وكان الشخ بالراء ومع ذلك كان يلقي الخطب البليغة الخالية من الراء. وهو أول من قال بالمنزلة بين المنزلتين. انظر: ابن عطاء الخطبة الخالية من الراء نوادر المخطوطات ١١٨/٢ -١٣٦ البلخي: باب ذكر المعتزلة ٦٤ -٨ ابن النديم الفهرست ص ۱۰ (تراجم ملحقة بآخر الكتاب). البغدادي الفرق ص ۷۰ -۷۲ الشهرستاني الملل ٥٧/١ -٦٢. ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ٢٨ -٣٥ بدوي: مذاهب الاسلاميين 1/73 – 96.
6) الناشيء الاكبر مسائل الامامة ص ٥١ -٥٢. انظر الاشعري: مقالات الاسلاميين ١٣٤/٢. ويوافقهم الزيدية الشهرستاني الملل ۲۰۸/۱ ١.
وناقش المتكلمون من هو الافضل بعد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، قال ابن حزم: اختلف المتكلمون فيمن هو افضل الناس بعد الانبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فذهب بعض السنة وبعض المعتزلة، وبعض المرجئة (1)، وجميع الشيعة إلى ان افضل الامة بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد روينا هذا القول نصاً عن بعض الصحابة (رضي الله عنهم) وعن جماعة من التابعين والفقهاء.
وذهبت الخوارج كلها وبعض اهل السنة، وبعض المعتزلة، وبعض المرجئة، إلى ان افضل الصحابة بعد الرسول ابو بكر ثم عمر، وروينا عن أبي هريرة ان افضل الناس بعد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) جعفر ثم حمزة. وروينا عن نحو عشرين من الصحابة اكرم الناس على الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علي والزبير (2).
ثم قال: «والذي نقول به وندین الله تعالى به ونقطع على انه الحق عند الله عزّ وجلّ: ان افضل الناس بعد الانبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) نساء رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ثم أبو بكر » (3). حيث يرى ان افضل الناس بعد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هم الصحابة لان فضيلة الصحبة لها فضل عظيم، ولما كانت نساء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، قد اشتركن في الصحبة، وزدن بفضيلة الامومة (امهات المؤمنين)، ثم كونهن زوجات الرسول الله، وهذا يعنى انهن معه في الدنيا والآخرة، لذا اصبحن من الافضل (4).
واوضح البغدادي رؤية الاشاعرة الذين «قالوا بتفضيل ابي بكر وعمر على من بعدهما وانما اختلفوا في التفاضل بين علي وعثمان رضي الله عنهما» (5).
اما بالنسبة إلى المعتزلة فقد تعددت وجهة نظرها بتعدد مدارسها فمدرسة البصرة تنقسم لعدة اقسام:
القسم الاول: يرى افضلية الخلفاء الراشدين حسب تسلسهم بالخلافة.
القسم الثاني: يرى افضلية ابي بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ).
القسم الثالث يرى افضلية ابي بكر ثم عمر ثم عبد الرحمن بن عوف ثم عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ).
القسم الرابع: يتوقف في القول بالافضلية بين ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) والامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ).
القسم الخامس: يرى افضلية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ).
فبالنسبة إلى القسم الاول دليلهم «ان اصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قدموه (ابو بكر) في الامامة على سائر الناس قالوا: ووجدنا المفضول لا يتولى على الفاضل الا باحدى خصلتين: اما بان يغلب المفضول الامة على امرها، ويتولى على الفاضل والناس لذلك،كارهون، واما بأن يكون الذين يتولون اختيار الامام غير مناصحين للامة ولا ناضرين ولا محتاطين في حسن الاختيار لامام يرعاها فينحرفون عن الفاضل البارع إلى المفضول الناقص، وقالوا كما وجدنا امامة أبي بكر قد زال عنها هذان الامران وذلك انه لم يستكره الامة، ولم يغلبها على الامامة، ولو كان ذلك لجاءت الاخبار به، وكان الذين عقدوا امامته خيار الخلق والحجة وهم الذین الرسول،لآدابه وباجتماع منهم عليه، وقد قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): ولم تكن امتي لتجتمع على ضلالة (1). علماً ان ابا بكر انما عقد المسلمون الامامة لانه افضلهم عندهم. وقالوا مثل ذلك فى عمر انه افضل الناس بعد بيعة ابي بكر، وان عثمان افضل
1) أخرجه أبو داود السنن ۹٨/٤. أبن الطيب المعتمد ٤۷۱/۲، ٤٧٥- 6، 480، 483 -4، ٤٩١- 2، 496، ٤٩٩، ۵۰۲، ٥۱۵. الشهرستاني: الملل ۳۷/۲.
الناس بعد عمر في الوقت الذي ولي إلى سنة ست من خلافته... واثبتوا امامة على فقالوا: كان افضل الناس في الوقت الذي عقد له الخلافة...» (1).
أما القسم الثاني فهو رأي واصل بن عطاء حيث قدم الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عثمان بالافضلية لتوقف واصل في احداث الفتنة (2).
وانفرد ابو بكر الاصم في القسم الثالث باثباته افضلية عبد الرحمن بن عوف بعد ابي بكر وعمر، وتقديمه على عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لانه يرى ان عبد الرحمن ازهد الناس، فيما لم يثبت أي امامة للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك «ان بيعته عن غير شوري، وان اكفائه ونظرائه في الفضل نازعوه وابوا ان يسلموه الامامة فحاربهم قال: والامامة لا تعقد بالسيف وانما تعقد لمن تمد اليه الاعناق طوعاً بعد النظر والتشاور ورضى الامة، واجتماع الكلمة. وصوب معاوية في حر حربه علياً ومنعه من الشام لان عمر ولى معاوية ثم اثبته عثمان وهما.امامان. فلما قتل عثمان كان على معاوية الا يسلم الشام الا إلى امام مفترض الطاعة. فاذا اراد ذلك الامام ان ياخذ الشام بالقوة وجب على معاوية محاربته.. (3)».
اما القسم الرابع فقد توقفوا في القول بالتفضيل بين ابي بكر وعمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وبين الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و من هؤلاء ابي الهذيل العلاف (4)الذي يعد المؤ المؤسس الثانى لاعتزال بعد واصل، والذي وان توقف بين ابي بكر وعمر والامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فانه يقطع
1) الناشيء الاكبر مسائل الامامة ص 52 – 53.
2) الشرح ۸/۱:القاضي شرح الاصول الخمسة ص ٧٦٧ المغني ١١٤/٢/٢٠.
3) الناشيء الاكبر مسائل الامامة ص ٥٩ -٦٠.
4) هو محمد بن الهذيل العلاف (١٢٥ - ۲۳٥) لقب بالعلاف لان داره في العلاقين بالبصرة. انسظر ترجمته الخياط الانتصار ص ١٥ -٢١، ٥٦ -۹، ۸۰ -3، 90 -2، 13 – 3، 115 – 7، 20 – 21، البلخي: باب ذكر المعتزلة ص ٦٩ - ٧٠ السلطى: التنبيه ص ۳۸ - ۳۹ القاضي فضل الاعتزال: ص ٢٥٤ - ٢٦٣ ابن النديم الفهرست ص ۱ - ۲ (تراجم الحقت في اخر الكتاب). البغدادي: الفرق ص ۷۳ - ۷۹ الشهرستاني: الملل ٦٢/١ - ٦٧. ابن خلكان وفيات ٢٦٥/٤ - 7، اليافعي مرآة الجنان ١١٦/۲. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص ٤٤ - ٤٩. ابن حجر: لسان الميزان ٥/ 41، 414.
بتفضيل الامام علياً على عثمان (1).
ومن الذاهبين إلى التوقف أيضاً ـ ابو هاشم عبد السلام بن ابي علي الجبائي (2)(247 – 321 هـ) وهو من متأخري معتزلة البصرة، وقد عده عده القاضي فى الطبقة التاسعة من طبقات المعتزلة.
كان يرى فى التفضيل بأنه لو صح خبر الطائر (3)لوجب القطع بافضلية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولكنه لما لم يصح، لذا لم يعلم فضل احدهما لان الاعمال لا تبنى على فضل الانسان إذا لم يعلم المغيب من حالة، فإذا فقدنا الدلالة حالة، فإذا فقدنا الدلالة وجب التوقف (4).
ومن المتوقفين ايضاً ابو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري، كان سن العبارة العبارة غزير المادة، وله تصانيف في أصول الفقه منها المعتمد (5)وهو.
1) الشرح ٨/١ ابن حجر لسان الميزان ٤١٣/٥ -٤١٤.
2) انظر ترجمته: المسلطي: التنبيه ص ٤٠. القاضي: فضل الاعتزال ص ٣٠٤ - ٨ الهمذاني تكملة تاريخ الطبري ص ۲۷۸ - ۹ ابن النديم: الفهرست ص ٢٤٧ البغدادي: الفرق بين الفرق ص ۱۱۱ -۹. الشهرستاني ۹۸/۱ -۱۰۸ السمعاني: الانساب ۱۸۷/۳ -۸. ابن الاثير اللباب: ١٥٧/١ أبن المرتضى طبقات المعتزلة ص ٩٤ -٩٦. المقريزي: الخطط ٣٤٨/٢ ابن حجر: لسان الميزان ١٦/٤.
3) اشارت كتب الحديث انه اهدي للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) طائر مشوي فقال: اللهم اثتنى باحب الخلق اليك يأكل معـ هذا الطائر فجاء على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). اخرجه: الجاحظ: رسائل الجاحظ السياسية ص ۲۲۰، ۲۳۱ - ۲ الترمذي صحيح /۱۷۰/۱۲ البلاذري، انساب ١٤٢/٢ النسائي:. خصائص ص ۵۱ - ۵۲ ديوان الصاحب بن عباد ص ٣٥ - ٤٤ ابن اخي تبوك مناقب علي بن أبي طالب ص ٤٣٥ الحاكم المستدرك ١٤٢/٣ ٣. الخطيب: تاريخ بغداد ۱۷۱/۳، ايسن المغازلي: المناقب ص ١٥٦ - ١٧٥ الخوارزمي: المناقب ص ٥٩ - ٦٥. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۳۸ - ۳۹ محب الدين: الرياض النظرة ۲۱۱/۲ - ۲ الجويني: فرائد السمطين 209/۱ – 215، 322، ابن تيمية: منهاج السنة ١٣/٣ ابن كثير: البداية والنهاية ٣٥١/٧ - ٤. وقال في نهاية حديثه عنه: «وقد جميع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة منهم أبو بكر بن مردويه والحافظ ابو طاهر بن محمد بن احمد بنحمدان، فيما رواه شيخنا ابو عبد الله الذهبي ورأيت فيه مجلداً في جمع طرقه والفاظه لابي جعفر بن جرير الطبري المفسر صاحب التاريخ، ثم وقفت على مجلد كبير في رده و تضعيفه سنداً ومتناً للقاضي أبي بكر الباقلاني المستكلم. وبالجملة ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر، وان كثرت طرقه والله أعلم». البداية والنهاية ٣٥٤/٧.
4) القاضي: المغني.۱۱۹/۲/۲۰ -۱۲۰.
5) طبع بجزأين فى دمشق ١٩٦٤.
كتاب كبير، واصبح هذا الكتاب مع كتاب المستقصى للغزالي (1)مصدراً لفخر الدين الرازي (2)في تأليفه لكتاب المحصول (3)وتوفي سنة ٤٣٦هـ (4).
اما القسم الخامس من معتزلة البصرة فهم الذاهبون لتفضيل الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسنشير اليهم فيما بعد (5).
اما بالنسبة لمعتزلة بغداد فقد اجمعت على القول بافضلية الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على سائر الامة بعد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). ومن أشهر رجالاتها:
اولاً: بشر بن المعتمر الهلالي (6)ت ٢١٠هـ: يعد مؤسس مدرسة بغداد المعتزلية كانت ولادته ونشأته في الكوفة، ثم انتقل للبصرة لدراسة الاعتزال على يد رجالات معتزلة البصرة، ثم ذهب لبغداد مؤسساً الاعتزال البغدادى، وقد تتلمذ على يديه كبار معتزلة بغداد كأحمد بن أبي دؤاد الذي كان له الدور الاكبر في مسألة المحنة (7).
كان بشر اول من قال بالتفضيل ومنه سرى القول إلى معتزلة بغداد وبعض
1) كتاب في علم الاصول وقد طبع بجزأين في بيروت سنة ١٣٢٢.
2) ٥٤٤ - ٦٠٦هـ أحد كبار المفسرين وصاحب مفاتح الغيب. انظر ترجمته: ابن خلکان وفسيات ٢٤٨/٤ -٥٢. الذهبي: العبر ١٤٢/٣. السبكي: طبقات الشافعية ٣٣/٥ -٤٠. ابن كثير: البداية والنهاية ٥٥/١٣ -٥٦.
3) كتاب في علم اصول الفقه وقد طبع في جده سنة ۱۳۹۹ هـ انظر: صالحية: المعجم الشامل ۲۱/۳.
4) الشرح ٩/١. الخطيب: تاريخ بغداد ١٠٠/٣ الحاكم الطبقتان الحادية عشرة والثانية عشرة من كتاب سرح العيون، ص ۸۳۷. ابن خلكان: وفيات ٢٧١/٤. الصفدي: الوافي ١٢٥/٤ اليافعي مرأة ٥٧/٤.
5) الشرح ۷/۱ - ۸، وانظر رؤية الزيدية القائلين بافضلية الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ايضاً: الجاحظ: استحقاق الامامة ص ١٨٤. الملطي: التنبيه ص ٣٤. الصاحب بن عباد نصره ص 84 – 129.
6) انظر ترجمته: البلخي: باب ذكر المعتزلة ص ۷۲ - ۷۳. المسلطي: التنبيه ص ۳۸. القاضي: فضل الاعتزال ص ٢٦٥ – ٦. البغدادي: الفرق ص ٩٤ – ٩٦. ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ٥٢ – ٥٤. المقريزي: الخطط ٣٤٦/٢. ابن حجر لسان الميزان ۳۳/۲. الداوودي: طبقات المفسرين ۱۱۷/۱.
7) أنظر تفاصيل المحنة: الراوي: ثورة العقل ص ۲۰۳ - ۲۳۸.
من معتزلة البصرة (1).
يقول الناشيء الاكبر: «قال بشر بن المعتمر ومن قال بقوله: كان على افضل بعد النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وكان أبو بكر يليه في الفضل إلا ان قريشاً كانت اميل إلى أبي بكر منها إلى علي لان علياً كان قد وتر منها وقتلها في غزوات النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فكره اصحاب محمد ان يولوا علياً فتختلف الكلمة. فولوا ابا بكر وكان دونه في الفضل غير ان تخلفه عنه لم يكن يقعد به عن ان يكون مضطلعاً بالامامة. قالوا: وكان ابو بكر في تلك الحال أصلح للامة على هذه العلة» (2).
وأضاف: «واحتجوا في ذلك ان علياً كان افضل الناس بعد النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بأن قالوا: انا وجدنا الفضل فى الدين انما ينال بالعلم والعمل، فلما اعتبرنا علم اصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وعلمهم على ما تناهت به الاخبار الينا عنهم وجدنا علياً ارجحهم علماً وافضلهم عملاً، وذلك انا إذا قلنا: من كان أقدم المسلمين اسلاماً؟ قالوا: علي. وقال قوم: ابو بكر. وقال قوم: زيد. وقال قوم: خباب فقلنا لا اقل من ان نجعل علياً واحداً من هؤلاء. فلا نقضي له بانه اقدمهم اسلاماً، ولا عليه بــان اسلامه متاخر عنهم. وان كانت الاخبار فى أن علياً كان أقدمهم اسلاماً اشهر واكثر.
واذا قلنا من كان اعظم اصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) جهاداً واقتلهم للاكفاء واشدهم بذلاً لمهجته في الحرب؟ فالقائلون: علياً والزبير وعمر وابو دجانة والبراء بن مالك، غير أنهم قد اجمعوا ان لعلي من الاكفاء والاقرآن ما ليس لاحد منهم. فقلنا: لا اقل من ان نجعله رجلاً من هؤلاء ولا يحتسب بما له من الفضل عليهم وإذا قلنا من كان اعلم اصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)؟ قال قوم: معاذ معاذ بن جبل وعمر وعبد الله بن مسعود وعلى غير انهم اجمعوا ان علياً يُسأل ولا يَسأل، فقلنا:
لا اقل من ان نجعله كأحدهم في العلم، ولا يحتسب بما جاء من الاخبار في فضله عليهم. وإذا قلنا: من كان از هدهم في الدنيا؟ قال قوم: ابو ذر او عمر وسلمان او ابو الدرداء أو على غير انهم اجمعوا ان علياً ملك رقاب العرب والعجم وبيوت الاموال، فكان إذا اتى المال قسمه في الناس، ولا يدخر شيئاً منه، ثم يكنس بيت المال،ویرشه ويقول: يا صفراء، و يا بيضاء (1)غري غيري (2). وكان يقول إذا قسم الاموال بين الناس:
هذا جناي وخياره فيه *** اذ كل جانٍ يده إلى فيه (3)
فقلنا: لا اقل من ان يكون على كأحدهم. قالوا: فلما راينا علياً شارك كل ذي فضل من اصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وبان هو بفضائل لم يشركوه فيها علمنا انه افضل الناس بعد النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فوجب علينا أن نفضله على سائر أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (4).
ويؤكد بشر ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اشجع واسخى الصحابة لذلك استحق التفضيل (5).
وكان بشر بن المعتمر قد الف كتاباً في الرد على أبي بكر الاصم، حيث
1) الصفراء (الذهب) أي الدنانير، والبيضاء (الفضة) أي الدراهم.
2) ابن قتيبة عيون الأخبار٥٣/١. الشريف الرضي: نهج البلاغة ص ٤٨٠. البلوى: ألف باء ٢٢/١. الثعالبي: التمثيل والمحاضرة ص ٣٠. ابن الجوزي: صفة الصفوة ٣١٤/١ - ٥. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۱۱۰.
3) انشده عمرو بن عدي الذي كان يخرج مع خدم خاله الملك جذيمة الابرش، لاجتناه الكمأة، فكان الاخرون إذا وجدوا كماه جيدة اكلوها، أما هو فلا، وحين يعود يردد هذا البيت.:انسظر: ابن قتيبة عيون الأخبار.٥٣/١. ابن عبد ربه العقد الفريد ٣١٢/٤. ابن عبد البر: الاستيعاب:١١١٤/٣. الميداني: مجمع الامثال.۳۹۷/۲ ابن الجوزي: صفة الصفوة ٣١٤/١.
4) الناشىء الأكبر: مسائل الاسامة ص ٥٦ – ٥٧. وانظر الجاحظ: رسالة استحقاق الامامة ص ۱۷۹ - ۱۸.
5) الشرح 3/ 288 – 289.
يخطىء الاخير الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ). ولا يرى له امامة اصلاً (1).
ثانياً: ابو موسى عيسى بن صبيح ت ٢٢٦هـ (2). اخذ الاعتزال عن استاذه بشر بن المعتمر، حتى ان ارائه تحاكي اراء استاذه، وتولى رئاسة معتزلة بغداد بعد وفاته، وقد تخرج على يديه الجيل التالي من كبار معتزلة بغداد كجعفر بن حرب (3)و جعفر بن مبشر، وقد انتشر الاعتزال البغدادي في ايامه بكثرة، وكان ابو موسى يتميز بالورع والزهد حتى سمي الناسك وعرف «براهب المعتزلة» وكان على نسق معتزلة بغداد في القول بأفضلية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).
ثالثاً: جعفر بن مبشر بن احمد بن محمد الثقفي ت ٢٣٤هـ (5)كان تلميذ ابيموسى مع زميله جعفر بن حرب حتى عرفا بالجعفريان، وكان يرتزق ببيع القضب لذا كعرف بالقصبي، عاش عيشة زهد كاكثر معتزلة بغداد، وكان من القائلين بافضلية الامام على(عَلَيهِ السَّلَامُ) (6)
رابعاً: ابو جعفر الاسكافي (7)ت: ٢٤هـ: هو محمد بن عبد الله، عده القاضي
1) الراوي: ثورة العقل ص ١٠٦،
2) انظر تـ:نه الخياط الانتصار ص ٥٣ -٦، ٧٣،٥٩ -٤. البلخي: باب ذكر المعتزلة ص ٧٤. الملطي: التنبيه ص ۳۸. القاضي: فضل الاعتزال ص ۲۷۷ -۹. البغدادي الفرق ص ۱۰۰ - ۱. الشهرستاني: الملل ۸۸/۱ -۸۹. ابن المرتضى طبقات المعتزلة: ص ۷۰ – ۷۱. المقريزي: الخطط ٣٤٦/٢. ابن حجر لسان الميزان ٣٩٨/٤.
3) انظر ترجمته البغدادي الفرق ص ۱۰۱ - ۱۰۲. ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ٧٣ – ٧٦. ابن حجر لسان الميزان ۱۹۳/۲.
4) الشرح ٧/١.
5) انظر: الخياط: الانتصار ص ٦٣-4، ٦٧ - ٧٣،٦٨ – ٧٤، القاضي: فضل الاعتزال ص ۲۸۳. البغدادي: الفرق ص ۱۰۱ -۱۰۲. الخطيب: تاريخ بغداد ١٦٢/٧. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص ٧٧ – ٧٦. ابن حجر لسان الميزان ۱۲۱/۳.
6) الشرح ٧/١. وانظر الملطى التنبيه ص ٣٤.
7) انظر ترجمته: الملطى التنبيه ص ٣٤٢. الخياط: الانتصار ص ١٩، ٦٨-9، , ٧٦،٧٤، 103، البغدادي الفرق ص ۱۰۲ -١٠٣: السمعاني: الانساب ٢٣٤/١ – ٥. ابن الاثير: اللباب ٤٥/١. أبن المرتضى طبقات المعتزلة ص۷۸. الراوي: ثورة العقل ص ١٥٥ – ١٦٧. المقريزي: الخطط ٣٤٦/ ٢. ابن حجر لسان الميزان ۲۴۱/۵. محمد السيد ابو جعفر الاسكافي: ص ٧. وما بعدها.
في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة، درس على يد جعفر بن حرب حتى بلغ مبلغاً من العلم في الاعتزال، وكان من أشهر معتزلة بغداد في الميل إلى تفضيل الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث «يبالغ في ذلك، وكان علوي الرأي، محققاً منصفاً، قليل العصبية» (1).
هذه الرؤية جاءت في كتابه «نقض العثمانية» (2)الذي وضعه رداً على كتاب «العثمانية» للجاحظ، وفيه اثبت الاسكافى افضلية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث كان «من المتحققين بموالاة علي(عَلَيهِ السَّلَامُ)، والمبالغين في تفضيله، وان كان القول بالتفضيل عاماً شائعاً في البغداديين من أصحابنا كافة، إلا ان ابا جعفر كان اشدهم في ذلك قولاً واخلصهم فيه اعتقاداً » (3).
والمقصود بالافضل عند الاسكافي «اكرمهم عند الله واكثرهم ثواباً وارفعهم في دار الجزاء منزلة» (4)
والطريقة التي استخدمها الاسكافي في التوصل للافضل هي الموازنة في الاعمال بين الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيره من الصحابة وقد وضع كتاباً باسم المعيار والموازنة (5).
قال القاضي: «فان شيخنا ابو عبد الله (الاسكافي) فانه يقطع على ان علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) افضل الاخبار يقطع بصحتها، ثم يذكر مع ذلك موازنة الاعمال، ويبين ان لفضائل أمير المؤمنين مزية» (6).
1) الشرح ۱۲۲/۱۷ -۱۳۳.
2) ورد هذا الكتاب فى شرح نهج البلاغة، وقد نشر ملحق بكتاب العثمانية للجاحظ حيث اخذه المحقق من الشرح انظر الجاحظ: العثمانية ص ٢٨١ -٣٤٢، وقارن الشرح ٢١٥/3 - 295.
3) الشرح ٦٣/٤.
4) الشرح ١٢٠/١١.
5) القاضي: المغني ١١٢/٢/٢٠، ابو حيان التوحيدي: الامتاع والمؤانسة ۹۸/۱. ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ٨٤.
6) القاضي: المغني ۱۲۰/۲/۲۰.
ومن جملة الامور التي استدل بها الاسكافي على أفضلية الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
أولاً: حديث الطائر حيث اهدي للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) طائراً مشوياً فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللهم أتني باحب الخلق اليك ليأكل معي هذا الطائر. فجاء الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وقد استدل الاسكافي على صحة هذا الحديث بطريقين:
الأول: ان هذه الاخبار كانت مشهورة في الصحابة، ولم يختلفوا في قبولها مع وقوع الكلام في التفضيل ولم يقع من احدهم الرد والنكير، ولم يجروه مجرى اخبار الاحاد.
الثاني: ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) انشد اهل الشورى هذا الخبر مع سائر الفضائل فأقروا به فدل على صحة الخبر.
ثم اوضح دلالته على ان الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) انا افضل فهو لان المحبة إذا اضيفت إلى الله تعالى لم يحتمل إلا الفضل فى باب الدين فهو مخالفة للمحبة التي تضاف إلى من يجوز خلاف ذلك عليه» (2).
ثانياً: حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» (3).
1) القاضي: المغني ۱۲۲/۲/۲۰.
2) القاضي: المغني ١٢٢/٢/٢٠- ١٢٥.
3) اخرجه أحمد المسند ٣٤٧/٥، ٣٦٦. الجاحظ. رسائل الجاحظ السياسية البلاذري انساب ۱۰۸/۲۷ - ۱۱۲. ابن ماجه: الصحيح ٣٦/١ الترمذي: صحيح ١٦٥/١٢. النسائي: خصائص ص ٦٤. أبن عبدربه: العقد الفريد ٣١١/٤. الملطي: التنبيه ص ٢٥. الحاكم.. المستدرك 3/ 109/ 116/ 118 – 9، ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۰۹۹/۳. ابن المغازلي: مناقب علي بن ابي طالب ص ١٦ – ٢٧. البلوي: ألف باء ۲۲۳/۱. الخوارزمي: المناقب ص ٧٩،٧٤ ابن الجوزي: صفة الصفوة.۳۱۳/۱. النووي: تهذيب الاسماء ٣٤٧/١/١. محب الدين: الرياض 2/٢٢٢ - ٥. ابن تيمية: منهاج السنة ١٣/٣. ابن كثير: البداية والنهاية ٣٣٥/٧، ٣٣٩، ٣٤٤ – ۳۱۵، ابن حجر الاصابة ٥٠٩/٢. السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٩٦. وقد استعرض عبد الحسين الاميني هذا الحديث ومصادره التاريخية والادبية واثاره في كتاب اسماه الغدير في أحد عشر جزءاً.
قال الاسكافي: «وثبوته مثل ثبوت الخبر المتقدم بل اولى. وقد ثبت أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جمع الناس لاظهار هذا الامر فلابد من ان يفيد فائدة تليق بالحال ولابد من ان يعرف بها، ما لم يكن معروفاً من قبل. وقد ثبت له أنه لا يجوز ان يراد به الامامة على ما قاله بعضهم وثبت انه لن يرد به استحقاق الولاء على ما روي من ان منافرة وقعت بين علي وزيد بن حارثه في ذلك... فكيف يحمل عليه وقد قال له عمر: أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن. وفى بعض الاخبار هنالك اصبحت مولي كل مؤمن ومؤمنة. حتى روي عن جماعة من الانصار كأبي أيوب وغيرهم انهم عند ذلك سلموا عليه وقالوا له: يا مولانا وبطل ان يراد بذلك النص والموالاة لان ذلك كان معروفاً لامير المؤمنين من قبل، فيجب حمله على ان المراد به انه يليه في الفضل وافضلهم عنده، لان ذلك ما يجوز أن يجمع له الناس لما فيه من التشريف العظيم الذي يبين به من غيره» (1).
ثالثاً: قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لعلى: «انت منى بمنزلة هرون من موسى الا انه لا نبي إلى بعدي» (2)قال الاسكافي: «أما أريد به في باب الامامة، وقد علمنا خلافه او في
1) القاضي: المغني ١٢٥/٢/٢٠ -١٢٦.
2) اخرجه أبن حنبل: المسند (١٧٣/١، ٣٦٨/٤، رسائل الجاحظ السياسية ص ٢٣٤،٢٢٠-۹ البخاري: الصحيح٩٧٥. البلاذري، انساب ٩٦/٢. ابن ماجه: صحيح ٢٥/١ - ٢٧،الترمذي: صحيح /۱۷۱/۱۲، ۱۷۵ النسائي: خصائص ص ٤٨ - ٥٠ البيهقي: المحاسن والمساوىء ص ٤٤. ابن عبد ربه العقد الفريد ٣١١/٤ السلطي التنبيه ص ٢٥ الطبراني المعجم الكبير ۷۸/۱۲ الحاكم المستدرك ١١٧/٣، ١٤٤ ابن حزم: الفصل ٢٢/١٥٩/٤ ابن يد البسر: الاستيعاب ۱۰۹۷/۳ - ۸ المغازلي: مناقب ص ۲۷ - ۳۷ سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۱۸ - ۲۰، ۲۳ النووي: تهذيب الاسماء ٣٤٦/١/١ الخوارزمى: المناقب ص ۱۹، ۵۹ محب الدين ذخائر العقبى ص ۷۳ الرياض ٢١٤/٢ - ٦ الجويني: فرائد السمطين ص ١١٦، ۱۲۲، ۱۲۶، ۳۱۷، ۳۲۹ ابن كثير: البداية والنهاية،۳۳۵/۷، ۳۳۹ - ٣٤٢ الهيثمي: مجمع الزوائد ۱۲۰/۹ ابن حجر: الاصابة ٥٠٩/٢ تهذيب التهذيب ۳۳۷/۷ لسان الميزان ٣٢٥/٢:السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٦٨ الهيتمي: الصواعق ص ۱۱۸ -۹. تجدر الاشارة إلى أن هناك حديثاً مشابهاً مضمونه «ابو بكر مني بمنزلة هارون من موسى». ولقد اعتبره الذهبي موضوعاً. انظر میزان الاعتدال ۱۲۲/۳.
باب انه خلفه على قومه على ما روي في غزاة تبوك عند كلام المنافقين وانه اراد ان يزيل الشبهة في أن يبين أنه خلفه على امر اعظم أثراً من اخراجه. اخراجه معه فى الجهاد، او يراد بذلك فى باب المؤازرة والمعاونة على ما كلف وحمل، أو يراد بذلك ان يليه فى الفضل وإذا بطل باب الامامة في ما عداه ان يكون الكل مراداً بالكلام إذ كان يحتمله، لأن جميع ذلك يدخل تحت المنازل » (1).
رابعاً: حديث المؤاخاة آخى الرسول بين الصحابة بعد الهجرة وقال لعلى «انت أخي» (2).
هذا الدليل عدة القاضي من أقوى الادلة التي استدل بها القائلون بأفضلية الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومنهم الاسكافي (3).
خامساً: ما ورد في القرآن الكريم من آيات تشمل الامام علي كقوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (4). وآية المباهلة (5)، وقوله تعالى وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ (6).
1) القاضى المغنى ١٢٦/٢/٢٠.
2) الجاحظ رسائل الجاحظ السياسية ص ۲۲۰ الترمذي: صحيح: ۱۷۰/۱۲. ابن حبیب المحبر ص 70،الحاكم المستدرك: ١٥/٣ -٦. ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۰۹۸/۳ -۹. ابسن المغازلي: مناقب ص ۳۷ -۹. ابن الجوزي ضفة الصفوة ۳۱۲/۱، النووي: تهذيب الاسماء ٣٤۸/۱/۱ محب الدين: الرياض ۲۲۰/۲، الجويني: فرائد السمطين ص ١١٦ -٢١ ابن كثير: البداية والنهاية ٣٣٦/٧. السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ۱٦٦، ۱۷۰. المتقي الهندي كنز العمال ٢٠٠/١٢، ٢٠٣، ٢٠٦ -٧. الهيتمي: الصواعق ص 120.
3) القاضي: المغني ۱۲٦/٢/٢٠.
4) سورة الاحزاب الآية ۳۳ وانظر: الترمذي: صحيح ۲۰۰/۱۲ النسائي: خصائص ص ٤٩.. الطبري: جامع البيان ٥/٢٢ -٨ البيهقي: المحاسن ص ٨٧ الحاكم المستدرك ١٥٨/٣ -١٦٠. الواحدى اسباب النزول ص ۲۳۹ -٤٠. ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۱۰۰/۳. ابن المغازلى: المناقب ص ۳۰۱ -۷. الخوارزمي: المناقب ۲۳ -۷۳ الزمخشري: الكشاف ٣٦٩/١. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص،۱۷ -۲۳۳ ابن تيمية: منهاج السنة ١٢١/٢.
5) وهي قوله تعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابنائنا وابنائكم ونسائنا ونسائكم وانفسنا وانفسكم ثم نيتهل فيجعل لعنت الله على الكاذبين. سورة آل عمران الآية ٦١ الترمذي: صحيح ۱۲٦/١١، ۱۷۳ الطبري: جامع ٢٩٩/٤ -٣٠١. البيهقي: المحاسن ص ٤٢ الحاكم المستدرك ١٦٣/٣ الواحدي اسباب النزول ص ٦٧ -٦٨. المغازلى المناقب ص ٣٦٣ الزمخشري: الكشاف ٣٦٨/١ -٩ النووي تهذيب، ٣٤٧/١/١، محب الدين: الرياض ٢٤٨/٢ ابن كثير: البداية ٣٤٠/٧ ابن حجر الاصابة،٥٠٩/٢ السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٦٩ الهيتمي: الصواعق ص ١١٣، ١٥٥,١٤٣.
6) سورة الانسان: الآية ٨ الواحدي: أسباب النزول ص ٢٩٦. الزمخشري: ربيع الأبرار ۳/١٤٧ - ١٤٨. الكشاف.٦٧٠/٤ الخوارزمي: المناقب ص ۱۹۲ محب الدين الرياض ٣٠٢،٢٧٤/٢. ابن كثير: البداية والنهاية ٣٥٩/٧.
اشار ابن أبي الحديد انه وقع بيده كتاب للاسكافي يذكر فيه عقيدته في التفضيل إذ يقول: «ثم وقع بيدي بعد ذلك كتاب لشيخنا ابي جعفر الاسكافي ذكر فيه أن مذهب بشر بن المعتمر وابي موسى، وجعفر بن مبشر، وسائر قدما البغداديين ان افضل المسلمين علي بن ابي طالب، ثم ابنه الحسن، ثم الحسين، ثم حمزة بن عبد المطلب ثم جعفر بن ابي طالب، ثم أبو بكر بن أبي قحافة، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان» (1).
سادساً:- ابو الحسين الخياط (2)ت ٣٠٠هـ. هو عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط، تولى زعامة معتزلة بغداد وكان قد تصدى لاحد الخارجين على الاعتزال إلا وهو ابن الراوندي (3)، فالف ضده کتاب الانتصار.
كان الخياط ممن يقول بتفضيل الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ اثر عنه انه قال: «الاقتصاد في التشييع حق، وهو ديننا، وهو وضع علي بن ابي طالب حيث وضعه
1) الشرح ۱۱۹/۱۱.
2) انظر ترجمته: القاضي: فضل الاعتزال ص ٢٩٦ -٧ البغدادي: الفرق ص ۱۰۷- ۱۰۸ الشهرستاني: الملل والنحل ۹۷/۱ -۹۸. ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ۸۵ -۸۸ ابن:حجر: لسان المیزان ٨/4 – 9.
3) ابو الحسين أحمد بن يحيى اسحق الراوندي، عد من الطبقة الثامنة للمعتزلة ثم خرج عليهم والف كتاب فضيحة المعتزلة رد به على كتاب فضيلة المعتزلة للسجاحظ، فرد عليه الخياط بكتاب ا الانتصار. الخياط الانتصار ص۱۱، ۷۸ ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ٩٢. الخوانساري روضات الجنات ١٩٣/١ -٥.
الله» (1).
ولما سئل عن افضل الصحابة قال: «أمير المؤمنين علي بن ابي طالب، لان الخصال التي فضل الناس بها متفرقة فى الناس وهى مجتمعة فيه، وعد الفضائل فقيل: فما منع الناس من العقد له بالامامة؟ فقال: هذا باب لا علم لي به إلا بما فعل الناس وتسليمه الامر على ما امضاه عليه الصحابة لأنى لما وجدت الناس قد عملوا ولم اره انكر ذلك ولا خالف علمت صحة ما فعلوا» (2).
و عقب باحث معاصر على موقف الخياط هذا قائلاً: (وفي ظل هذا التفسير يسقط الخياط كل الدعوات المتطرفة التي حاول اصحابها خلق ثغرة مذهبية ضيقة في صفوف المسلمين او احداث الانشقاق داخل المجتمع العربي الاسلامي تحت ستار من الشعارات المحرضة.. وبهذا التفسير ايضاً يثبت ابو الحسين عقلانية الاتجاه الثوري وحيويته الذي يتجه بحركته الواعية إلى ما هو موجود وإلى ما ينبغي أن يكون بدراية نقدية تلتقط وتبوب تحلل وتركب وتستخلص نتائج تجربتها الفكرية داخل التاريخ وفي عمق حركته، لتنتفى فيما بعد كل الاتجاهات المذهبية والعنصرية المريضة، التي لم تستطع أن تنفذ إلى الحياة الاجتماعية فعاشت متطفلة على محيطها) (3).
سابعاً: ابو القاسم الکعبي ت ۳۱۹ھ (4): عبد الله بن احمد بن محمود البلخي،
1) الانتصار: ص ۱۱۲.
2) ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص 86.
3) الراوي: ثورة العقل ص 180- 181.
4) أنظر ترجمته الهمذاني: تكملة تاريخ الطبري ص۲۷۱ القاضي فضل الاعتزال ص ۲۹۷ البغدادي: الفرق ص ۱۰۸ -١٠. الخطيب: تاريخ بغداد ٣٨٤/٩ ابن الجوزي: المنتظم ٢٣٨/٦، این خلكان وفيات الاعيان ٤٥/٣. الذهبي: العبر،٤/٢ أبسن كثير البداية /١٦٤/١١، المقريزي: الخطط،٣٤٨/٢، ابن قطلو بغا: تاج المتراجم ص ۳۱ ابن حجر لسان الميزان ٢٥٥/٣٦. القرشي: الجواهر المضية،۲۷۱/۱، المشهداني: فلسفة ابو القاسم الكعبي: رسالة دكتوراه غير منشورة.
ولد في بلخ ثم انتقل إلى بغداد و درس على يد الخياط حتى اصبح من المتحمسين لاراء معتزلة بغداد والمدافعين عنها وكان له دور فى اسلام كثير من اهل خرسان.
يزى الكعبي ان مسألة وجوب نصب الامام عقلية وليست سمعية أي حتى لو لم ينص على نصب امام فانه يجب على المسلمين ان ينصبوا اماماً لان مصلحة المسلمين الدينية تقتضي ذلك (1).
اما في التفضيل فيذهب إلى ان الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لو نازع عقيب وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وسل سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه كما حكمنا بهلاك من نازعه حين اظهر نفسه، ولكنه مالك الامر وصاحب الخلافة إذا طلبها، وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، وإذا امسك عنها وجب علينا القول: بعدالة من اغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، لانه قد ثبت عنه في الاخبار الصحيحة أنّه قال علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما داره (2)وقال غير مرة حربك حربي، وسلمك سلمي (3)) (4).
أن القول بالتفضيل لدى معتزلة بغداد نجده قد سرى فيما بعد إلى متأخري معتزلة البصرة فممن قال بالتفضيل منهم:
اولاً: ابو على الجبائي (۲۳۵- ۳۰۳هـ) (5)محمد بن عبد الوهاب ولد في
1) القاضي: شرح الاصول الخمسة ص ۷۵۸ -۹.
2) اخرجه الترمذي: صحيح ١٦٦/١٢. الحاكم المستدرك ١٢٤، ١١٩/٣، ١٣٥ ابن الطيب:.945/2-٦، الخطيب تاريخ بغداد ٣٢١/١٤ الخوارزمي: المناقب ص ٥٦ - ٥٧ الزمخشري: ربيع الابرار ۸۲۸/۱. الجويني: فرائد السمطين.۱۷۷/۱: الهيثمي مجمع الزوائد ۲۳۶/۷ ۳.
3) ابن حسنبل المسند ٤٤٢/٢. الطبراني: المعجم الكبير ٤٠/٣. الحاكم المستدرك ١٦١/٣ الخطيب تتاريخ بغداد ۱۳۷/۷ ابن المغازلي: مناقب ص ٦٣ -٤ الخوارزمي المناقب ص ٧٦ -۹۱ محب الدين الرياض النظرة ٢٤٩/٢ ابن تيمية منهاج السنة ۲۳۱/۲. ابن كثير: البداية والنهاية ٣٦/٨ ابن حجر: الصواعق ص ١٤٢.
4) الشرح : ۲۹٦/٢ -۲۹۷.
5) انظر ترجمته الملطي: التنبيه ص ٣٩ -٤٠. ابن النديم الفهرست ص ٦ (تراجم ملحقة باخر: الكتاب) الهمذاني: تكملة تاريخ الطبري ص ۲۰۸ -۹، القاضي: فضل الاعتزال ص ٢٨٧ -٩٦. البغدادي: الفرق ص ۱۱۰ - ۱. الشهرستاني: الملل والنحل ۹۸/۱ - ۱۰۸، السمعاني: الانساب ۱۸۷/۳ ابن الاثير اللباب: ۲۰۸/۱. ابن خلكان وفيات ٢٦٧/٤ - ٩. الصفدي: الوافي ٧٤/٤ - 5 ابن كثير: البداية ١٢٥/١١. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص ٩٤ – ٦. المقريزي: الخطط ٣٤٨/٢. ابن حجر لسان الميزان ۲۷۱/۵.
جبا (1)، ثم رحل إلى البصرة والتقى بابي يعقوب الشحام (2)الذي انتهت اليه رئاسة معتزلة البصرة، وبعد وفاة الشحام ترأس الجبائي معتزلة البصرة وبغداد، وقد القاضي عرفت بغزارة انتاجه العلمي سواء في التفسير او الفقه او الكلام، وقد عده في الطبقة الثامنة من طبقات المعتزلة.
كان في البدء متوقفاً في تحديد الافضل وهذا يتضح مما جاء به القاضي (3)وان (كان يميل إلى التفضيل ولا يصرح به، وإذا صنف ذهب إلى الوقف في مصنفاته، وقال في كثير من تصانيفه: ان صح خبر الطائر فعلي افضل، ثم ان قاضي القضاة (رَحمَةُ اللّه) ذكر في شرح المقالات (4)لابي القاسم البلخي، ان ابا لعلي يا الله ما مات حتى قال بتفضيل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال: انه نقل ذلك عنه سماعا ولم يوجد في شيء من مصنفاته وقال أيضاً: ان ابا على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم مات استدنى ابنه ابا هاشم اليه، وكان قد ضعف عن رفع الصوت فالقى إليه اشياء من جملتها القول بتفضيل على (عَلَيهِ السَّلَامُ)) (5).
وقال القاضى ان البعض لجهلهم بابي على الجبائي يرمونه بالنصب (وكيفوقد نقض كتاب عباد (6)في تفضيل ابن بكر ولم ينقض كتاب الاسكافي المسمى
1) تقع جنوبي عربستان یاقوت الحموي: معجم البلدان ۹۷/۲.
2) يوسف بن عبد الله أحد معتزلة البصرة، توفى سنة ٢٦٧هـ، انظر الملطى التنبيه ص ٣٩ القاضي: فضل الاعتزال ص ۲۸۰ - ۱، البغدادي: الفرق ص ١٠٧ ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ۷۲ - ۷۱.
3) المغني ١١٤،/٢/٢٠، ١١٧ - 8، ۱۳۳ - ۱۲٥.
4) الفسه سنة ٢٧٩هـ، وطرح فيه وجهة نظر الاعتزال، انظر ابن المرتضي طبقات المعتزلة.(ص ۸۹ حاجي خليفة كشف الظنون ۱۷۸۲/۲.
5) الشرح : ٧/١٨.
6) عباد بن سليمان من تلامذة هشام الفوطي، وله كتاب الابواب الذي نقضه ابو هاشم الجبائي وكتاب تفضيل أبو بكر ورد عليه الجبائي ايضاً السلطي التنبيه والرد ص ٣٩ ابن النديم: الفهرست ص ٢٤٧، ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ۷۷- 78، ٨٤، 101. ابن حجر: لسان الميزان ۲۲۹/۳ -۲۳۰.
المعيار والموازنة في تفضيل على على ابى بكر) (1).
ثانياً: الشيخ المرشد ابو عبد الله الحسين بن علي البصري (2)ت ٣٦٧هـ: من فقهاء ومتكلمي مدرسة معتزلة البصرة وهو من تلامذة أبي هاشم الجبائي وعده القاضى فى الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة، وكان يميل إلى الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ميلاً عظيماً، وصنف كتاب التفضيل واحسن فيه غاية الاحسان (3).
قال ابن أبي الحديد: كان متحققاً بتفضيله ومبالغاً في ذلك، وصنف فيه كتاباً مفرداً (4).
ولما سئل: أتجد في النصوص ما يدل على تفضيل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بمعنى كثرة الثواب لا بمعنى كثرة مناقبه، فان ذلك امر مفروغ منه؟ فذكر حديث الطائر المشوي، إذ ان المحبة من الله ارادة الثواب، فقيل له: قد سبقك الشيخ ابو علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعالى إلى هذا فهل تجد غير ذلك؟ فقال: نعم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ. (5)فإذا كان اصل المحبة لمن ثبت كثبوت البنيان المرصوص فكل من زاد ثباته زادت المحبة له، ومعلوم ان العليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما فر في زحف قط، وفر غيره في غير موطن (6).
1) ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ٨٤.
2) انظر ترجمته ابن النديم الفهرست ص ٢٤٨. القاضي: فضل الاعتزال ص ٣٢٥ -٨ ابو حيان الامتاع والمؤانسة ١٤٠/١ ابن الجوزي، المنتظم ۱۰۱/۷. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص ١٠٥ - ١٠٧. ابن حجر لسان الميزان ۳۰۳/۲ اللكنوي: الفوائد البهية ص ٦٧. الداوودي طبقات المفسرين ١٥٩/١.
3) ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ١٠٧.
4) الشرح : ۸/۱.
5) سورة الصف آية4.
6) الشرح : ٢٦٤/٣.
ثالثاً: قاضي القضاة ابو الحسن عبد الجبار بن احمد الهمداني (1)ت ٤١٥ هـ «وهو الذي فتق علم الكلام، وتكلم في دقيقة وجليلة، وإليه انتهت رئاسة المعتزلة وصار المعتمد على كتبه ومسائله» (2).
و من خلال ما جاء في كتاب المغني يتضح انه كان متوقفاً (3)ويقول ما نكديم تلميذ القاضي (وقد كان قاضي القضاة يتوقف في الافضل من هؤلاء الاربعة كالشيخين إلى ان شرح هذا الكتاب (شرح الاصول الخمسة) فقطع على ان افضل الصحابة امير المؤمنين على (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).
وقال ابن ابي الحديد: (ذكر ابن متويه في كتاب الكفاية (5)في علم الكلام انه كان من المتوقفين بين على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وابى بكر ثم قطع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) تفضيل على بكامل المنزلة) (6).
رابعاً: ابن متويه أبو محمد الحسن بن احمد بن متويه (7)ت ٤٦٩هـ من معتزلة البصرة تتلمذ على يد القاضي عبد الجبار وله عدة مؤلفات في الكلام اكد في كتابه الكفاية على تفضيل الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (واحتج لذلك واطال في
1) انظر ترجمته: الجشمي: الطبقتان الحادية عشرة والثانية عشرة من كتاب سرح العيون ص ٣٦٥ - ٧٥ الذهبي: العبر ۲۲۹/۲ اليافعي: مرآة الجنان ۲۹/۳. ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ۱۱۲ -۱۱۳ ابن: لسان الميزان ٣٨٦/٣ ٧ الداوودي: طبقات المفسرين ٢٦/١ ٣ بدوي: مذاهب الاسلاميين ٣٨٠/١ - ٤٨٤. عثمان: قاضي القضاة عبد الجبار بن احمد الهمداني ص ١١، وما بعدها. الراوي: القاضي عبد الجبار ص ٢٨ - ٦٠، البطاط: قاضي القضاة ص ١٢ - ١٧٦.
2) ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص ۱۱۲ - ۱۱۳.
3) المغني: ١١٢/٢/٢٠ - ١٤٤.
4) شرح الاصول الخمسة ص ٧٦٧.
5) من الكتب المفقودة حيث لم يشر له حاجي خليفة: كشف الظنون ١٤٩٦/٢ - ١٥٠٢. ولا صالحية: المعجم الشامل ٢٤/٥.
6) الشرح : ۸/۱.
7) انظر ترجمته: الجشمي: الطبقتان ص۳۸۹. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص ۱۱۹، صبحي: في علم الكلام۲۷۲/۱.
الاحتجاج) (1).
وبعد هذا الاستعراض نأتي لتوضيح رؤية ابن ابي الحديد والذي نجده يقرّر ان اعتقاده كاعتقاد سائر معتزلة بغداد في اثبات افضلية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويقول: (وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الافضل؟ وهل المراد به الاكثر ثواباً ام الاجمع لمزايا الفضل والخصال الحميدة؟ وبينا انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) افضل على التفسيرين معاً) (2).
والملاحظ ان ابن ابي الحديد افتتح شرحه لنهج البلاغة بالحديث عن القول التفضيل (3)، واخذ يؤكد على هذه المسألة في ثنايا كتابه كلما سنحت الفرصة محاولاً اثبات صحة ما يذهب إليه معتزلة بغداد في القول بالتفضيل وقد كان هذا الاجماع من معتزلة بغداد وكثير من معتزلة البصرة مثار اعجابه وسروره فعد ذلك اعدل المذاهب (4)حيث يقول: (فاعجبني هذا المذهب وسررت به بان ذهب الكثير من شيوخنا اليه ونظمته في الارجوزة التي شرحت بها عقيدة المعتزلة فقلت): -
وخير خلق الله بعد المصطفى *** اعظمهم يوم الفخار شرفا
السيد المعظم الوصي *** بعل البتول المرتضى علي
وابناه ثم حمزة وجعفر *** ثم عتيق بعدهم لا ينكر
المخلص الصديق ثم عمر *** فاروق دين الله ذلك القسور
وبعده عثمان ذو النورين *** هذا هو الحق بغير مين (5)
لقد ارجع ابن ابي الحديد القول بافضلية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مصدر التشريع، اذ يقول: (واقتضت حكمته.... أن قدم المفضول على الافضل لمصلحة
اقتضاها التكليف) (1). وقال ايضاً (وانه لولا ما يعلمه الله ورسوله من ان الاصلح للمكلفين تقديم المفضول عليه) (2).
لكنه من جانب اخر ارجع القول بالتفضيل إلى الصحابة إذ لما نظر الصحابة المصلحة الاسلام وخافوا فتنة لا تقتصر على ذهاب الخلافة فقط، بل وتقضي إلى ذهاب الملة والنبوة، عدلوا عن الافضل الاشرف الاحق لاخر فاضل دونه فعقدوا له بالخلافة (3)، ولما ادرك الامام المصلحة في ذلك ترك حقه لغيره (4).
واكد ابن ابي الحديد ان القول بتفضيل الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما كان معروفاً لدى البعض من كبار الصحابة والتابعين فمن الصحابة عمار بن ياسر والمقداد (5)وأبو ذر الغفاري وسلمان المحمدي وجابر بن عبد الله الانصاري (6)وابي بن كعب (7)وحذيفة بن اليمان (8)وبريده بن الحصيب الاسلمي (9)وابو ايوب الانصاري (10).
1) الشرح : ٣/١.
2) الشرح : ٢٩٦/٢.
3) الشرح : ۱۵۷/۱، ۱۱۱/۱۱.
4) الشرح : 1/٢،١٤٠/295 -٢٩٦.
5) هو المقداد بن عمر و الكندي، هاجر متخفيا بعد الهجرة ونال حضوه لدى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) توفى سنة ٣٣هـ. الطبري: المنتخب ص ٥٠٦ ابن عبد البر: الاستيعاب ١٤٨٠/٤ -٢.
6) لم يشهد بدر لانه صغيراً وشهد سائر المشاهد واشترك في صفين مع الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) توفي سنة ٧٤هـ. الطبري: المنتخب ص ٥٢٦. ابن عبد البر: الاستيعاب ۲۲۰/۱. الكشي: رجال ص ٤٢ - ٤٥.
7) انصاري شهد العقبة الثانية وهو من قراء الصحابة مات في خلافة، الصحابة مات في خلافة عمر او عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) ابن سعد الطبقات ٣٤٠/٣ -١. مسلم: الصحيح ١٩/١٦ الجهشياري: الوزراء والكتاب ص ۱۲. ابن النديم الفهرست ص ٤٠ - ٤١ ابن عبد البر: الاستيعاب ٦٥/١ - ٧ الذهبي: معرفة القراء الكبار ٣٢/١.
8) كان يسمى صاحب سر المنافقين، وهو أحد الانصار مات سنة ٣٦هـ، الطبري: المستتخب ص ٥٧٣ الحاكم المستدرك ٤٢٧/٣ - ٨ ابن عبد البر: الاستيعاب ٣٣٤/١ - ٥. الكشي: رجال ص ۳۷ - ۸.
9) انصاري شهد الحديبية وبيعة الرضوان مات ايام يزيد بن معاوية بمرو ابن عبد البر: الاستيعاب ١٨٥/١ - ١٨٦.
10) خالد بن يزيد انصاري شهد سائر مشاهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وصفين والنهروان مع الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومات على حدود بيزنطة ايام معاوية. الطبري: المنتخب ص ٥١٥ البيهقي: المحاسن والمساوىء ص ١٣٦ - ١٣٧، الحاكم المستدرك ٥١٨/٣ - ٥٢٣. ابن عبد البر: الاستيعاب 4/ 166 – 7.
وسهل بن حنيف (1).
وعثمان بن حنيف (2)وابو الهيثم بن التيهان (3)وخزيمة بن ثابت (4)وابو الطفيل عامر بن وائلة (5)والعباس بن عبد المطلب وبنوه وبنو هاشم كافة، وبنو المطلب كافة بل حتى الزبير بن العوام كان أولاً من القائلين بالتفضيل ثم رجع عنه، وكان من الاسرة الأموية من يقول بالتفضيل مثل خالد بن سعيد بن العاص (6)وعمر بن عبد العزيز (7).
اما من التابعين فمن قال بافضلية الامام عل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذكر ابن ابي الحديد منهم، اويسا القرني (8)وزيد بن صوحان (9)واخاه صعصعة بن صوحان (10)وجندب
1) انصاري من الاوس شهد مشاهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واستخلفه الامام علي على المدينة ايام خلافته توفي سنة ٣٨هـ بالكوفة، رسائل الجاحظ السياسية: ص ٢٤٠. الطبري: المنتخب ص ٥١٢. الحاكم المستدرك ٤٦١/٣ - ٦. ابن عبد البر: الاستيعاب ١٦٢/٢ - ١٦٣.
2) اخو سهل بن حنيف تولى مهمة مسح السواد للخليفة عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وتولى البصرة للامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ). الطبري: المنتخب: ص ۵۳۵ الشريف الرط الرضي: المجازات النبوية ص 1٥٦. ابن عبد البر: الاستعاب ۱۰۳۳/۳.
3) مالك بن التيهان انصارى من الأوس أحد النقباء ليلة العقبة وممن شهد بدر وشهد صفين مع الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتل فيها، الحاكم المستدرك ٣٢٣/٣ - ٤. ابن عبد البر: الاستيعاب ١٧٧٣/٤ ابن الجوزي: صفة الصفوة ٤٦٢/١ – 3.
4) انصاري عرف بذي الشهادتين شهد مشاهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وقتل بصفين مع الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الشرح : ١٠٨/١٠ - ٩. الطبري: المنتخب ص ۵۱۱، ۵۷۲ ابن عبدالبر: الاستيعاب ٤٤٨/٢، ابن الجوزي: صفة الصفوة ٧٠٢/١.
5) اسلم يوم احد وكان اخر من بقي من الصحابة ممن رأى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) شهد مشاهد الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ). توفي سنة ١٠٠هـ: ابن عبد البر: الاستيعاب ١٦٩٦/٤ - ٧.
6) اسلم منذ بواكير الدعوة الاسلامية وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وولاء الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اليمن، وكان ممن دعا لبيعة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) علي الشرح : ٣١/٦ ٣٣. رسائل الجاحظ السياسية. ص ٢٥٢ -٣. الحاكم: المستدرك ۲۷۷/۳ -۲۸۰.
7) الشرح : ٢٢٢/٢٠ - ٢٢٥.
8) اویس بن عامر تابعي شهد صفين مع الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويرجح البعض انه قتل فيها. ابن سعد: الطبقات ۱۳۲/۷ مسلم:الصحيح: ٩٤/١٦ الطبري: المنتخب ص ٦٢٧ - ٨ الحاكم: المستدرك ٤٥٥/٣ - ٤٦١. ابو نعيم حلية الاولياء ۷۹/۲ - ۸۷.
9) اسلم على عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وشارك مع الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معركة الجمل وقتل فيها الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ٤٣٩/٨ - ٤٤٠. ابن عبد البر: الاستيعاب ۵۵۵/۲ - ۷ الكشي: رجال ص ٤٦٣.
10) كان من سادات عبد القيس معروفاً بالفضل والدين والبلاغة، ويسعد من اصحاب الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث شارك معه ك معه فى صفين، ثم نفاه المغيرة إلى البحرين في خلافة معاوية ابن بد البر: الاستيعاب ۷۱۷/۲ الكشی: رجال ص ٦٤ - ٥. ابن حجر: الاصابة ٢٠٠/٢. المرصفي: رغبة الأمل ۱۳۸/۷.
الخير (1)وعبيده السلماني (2)وغيره (3).
واضاف ابن ابي الحديد ولم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر إلّا لمن قال بتفضيله ولم تكن مقالة الامامية... على هذا النحو من الاشتهار فكان القائلون بالتفضيل هم المسمون الشيعة، وجميع ما ورد من الآثار والاخبار في فضل الشيعة وانهم موعودون بالجنة (4)، فهؤلاء هم المعنيون به دون غيرهم، ولذلك قال اصحابنا المعتزلة في كتبهم وتصانيفهم: نحن الشيعة حقاً، فهذا القول هو اقرب إلى السلامة واشبه بالحق من القولين المقتسمين طرفي الافراط والتفريط ان شاء الله) (5).
ان المعتزلة بقولها بالتفضيل لا على اساس النص كما تعتقد الامامية وإنّما على اساس افضلية الامام ذاته لكثرة فضائله ومناقبه (6)ومع القول بافضلية الامام لكن المعتزلة تحكم بصحة خلافة المفضول، فكل من سبق الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)
1) جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي له صحبة، اخذ عنه الحسن البصري وابن سيرين ابن عبد البر: الاستيعاب ٢٥٦/٢ -٧، ابن حجر: الأصلية ٢٤٨/١ -٩.
2) عبيده بن عمرو السلماني اسلم ایام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وعد من اصحاب ابن مسعود الفقهاء، ومن اصحاب الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۰۲۳/۳.
3) الشرح : ٢٢٦/٢٠.
4) انظر مثلاً سبط بن الجوزي: تذكرة ص ٥٤.
5) الشرح : ۲۲٦/٢٠، وانظر الملطي التنبيه ص ٣٥.
6) الشرح : 1/157، 9/305، 307، 254/١٠.
بالخلافة فخلافته صحيحة بلحاظ موقف الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلو نازع الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحكم بتفسيق المنازع له مالم يتب فإذا ثبتت توبته يحكم المعتزلة له بالجنة، وإذا لم تثبت يحكمون له بالنار (1).
وفي الفصول التالية نستعرض الرؤية الاعتزالية في تفضيل الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) باسهاب.
1) الشرح : ١٥٧/١، ٢٩٦/٢، ٧،٣٢٨/٩، ٢٢١/٢٠، ٢٥٥/١٠ - ٢٢٢.
كان امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فى مصاص الشرف ومعدنه ومعانيه لا يشك عدو ولا صديق انه اشرف خلق الله نسباً بعد ابن عمه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (1). فهو ابو الحسن علي بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي (2)، ينتمي إلى قبيلة قريش (3)اصرح القبائل العربية والتي نزل القرآن بلهجتها (4)، وهو من أعرق بطونها واشرفها - بنى هاشم (5).
ولهاشم (6)بن عبد مناف تاریخ معروف وحافل بالامجاد كان اسمه اولاً
1) ابن ابي الحديد: الشرح ٥١/١.
2) لا يكاد يخلو مصدر من مصادرنا الأولية ايا كان نوعها من اشارة إلى سيرة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما ندر لذا لا نجد مسوغاً للاشارة لمصادر ترجمته ومن اراد فعليه بهذه الأطروحة التي حاولنا الالمام قدر الامكان بعدد من مصادر ترجمته.
3) عن قبيلة قريش انظر الجميلي: قبيلة قريش ص ٥ وما بعدها.
4) ابن خلدون: المقدمة ص ١٠٤١ هاشم يحيي الملاح: الوسيط في تاريخ العرب قبل. الاسلام ص ٣٠٤.
5) أن أعداد رسالة جامعية اكاديمية حول قبيلة بني هاشم سيعطي صورة اوضح ليس على نطاق مكة فحسب بل مجمل الجزيرة العربية والعالم القديم يومذاك لذا يلفت الباحث نظر الباحثين الكرام لمثل هكذا دراسات.
6) وقد عقد ابن ابي الحديد فصلاً أوضح فيه افضلية بني هاشم قبل الاسلام وبعده، مبرزا رزاً اهم الانجازات التي تحققت على يد رجالاتهم. الشرح ۱۹۸/۱٥ -۲۹۵، وانظر: الجاحظ: رسالة فضل هاشم على عبد شمس ضمن رسائل الجاحظ السياسية ص ٤٠٧ -٦٠. وكذلك رسالة الأوطان والبلدان ص ۱۰٦ -۱۱۰.
عمراً، ولقب بالقمر لجمالة، ولما اصابت قريش ضائقة اقتصادية اخذ يهشم لهم الخبز ثريداً فلقب بهاشم وغلب هذا اللقب عليه ومن اشهر اعماله (الايلاف) حيث كان هاشم كثير السفر والتجارة، ففي الشتاء يتجه إلى اليمن وفي الصيف إلى بلاد الشام، وشاركة في تجارته زعماء القبائل العربية، واخذ عهوداً من ملوك الاطراف، فكانت تجارته تدر الربح الوفير بعد أن تمكن بوساطة هذه العهود من حماية تجارته من مخاطر الطريق، لذلك ازدهرت تجارة قريش حتى قال فيه الشاعر:
ان اخي هاشماً *** ليس اخا واحد
الآخذ الايلاف و *** القائم للقاعد
ولهذا فسر البعض قوله تعالى: وآمنهم من خوف (1).. أي ان تجارتهم اصبحت آمنة من مخاوف الطريق (2).
و تولى هاشم الرئاسة والسقاية والرفادة (3)بعد ابيه من دون اخوته فازدادت مكانة مكة فى زمانه حيث كانت مورداً لجموع الحجاج من ارجاء الجزيرة العربية، لذا دعا هاشم اهل مكة بضرورة الاهتمام بموسم الحج من حيث توفير الامن والطعام والشراب، والظرف اللازم لتأدية مناسك الحج فكان لذلك اثره في ازدهار مكانة مكة فى داخل الجزيرة العربية وخارجها (4).
ان توفير الطعام في بيئة فقيرة يعد من اكبر الفضائل التي يمدح صاحبها، وبسببها ينال الاحترام والمؤاكلة تعد جواراً عند العرب، فاطعام قريش لقبائل
1) سورة قريش الآية،٤ انظر الزمخشري: الكشاف ٨٠١/٤.
2) الشرح ۱۹۹/٥ -۲۰۳ وانظر الجاحظ: رسائل الجاحظ، تحقيق السندوبي ص ٦٨ -٧١. الطبري: تاريخ ۲۵۱/۱۲ -۲. ابو هلال العسكري: الأوائل ص ۲۱ -۲۲.
3) الرفادة: توفير الطعام للحجيج وأول من أوجده قصي. انظر الطبري تاريخ ٢٦٠/٢.
4) الشرح ۲٠٩/١٥ -۲۱۳، وانظر اليعقوبي: تاريخ ٢١٢/١ -٢١٤ الطبري: تاريخ 2/252 -4.
العرب يعني انها تنال احترام القبائل العربية لها وعقداً للجوار من هذه القبائل لذا اصبحت قريش آمنة عند سير ها في اراضيها (1).
ومن مآثر هاشم بن عبد مناف انّه خلفه في الزعامة ولد يحمل سيماه إلا وهو عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد وسيد الوادي بلا مدافع اجمل الناس جمالاً، واظهرهم جوداً، واكملهم كمالاً، وهو صاحب الفيل و صاحب الفيل والطير الابابيل و، الابابيل وصاحب،زمزم وساقي الحجيج وقد اعطاه الله في زمانه واجرى على يديه، واظهر من كرامته ما لا يعرف إلا لنبي مرسل، وهذا ما نجده في كلامه لابرهه وتوعده اياه برب الكعبة وفعلاً تحقق وعيده بقتل اصحاب الفيل بالطير الابابيل والحجارة السجيل حتى تركوا كالعصف المأكول (2). وهذا من اعجب البراهين وأسنى الكرامات وقد يكون ذلك ارهاصاً للنبوة وتأسياً لما ارده الله من الكرامة وليجعل بهاء عبد المطلب متقدماً واشارة لنبوة النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) حتى يكون اشهر في الافاق واجل في صدور الفراعنة والجبابرة والاكاسرة، وان يقهر المعاند ويكشف غباوة الجاهل (3).
يقول الجاحظ: (ولو عزلنا ما اكرمه الله به من النبوة حتى نقتصر على اخلاقه ومذاهبه وشيمه لما وفي به بشر ولا عد له شيء، ولو شئنا ان نذكر ما اعطى الله به عبد المطلب من تفجر العيون وينابيع الماء من تحت كلكل بعيره (4)، واخفافه
1) الملاح: الوسيط في تاريخ العرب قبل الاسلام ص ۳۸۲.
2) اشارة لما جاء في سورة الفيل.
3) الشرح ۲٠٠/١٥ -۲۰۱. وانظر الجاحظ: رسالة في فضل بني هاشم علي بني عبد شمس ص ٤١١ -٤١٢. ابو الفرج: الاغاني ١٥/١ الشهرستاني: الملل والنحل ٢٢٣/٣ ٤. واوضح السيوطي ان عبد المطلب كانت لدية دلائل على ان محمداً نبي مرسل: الخصائص الكبرى ٢٠١/١ -٤.
4) اشارة لقصة زمزم ومنافرة قريش له الشرح ۲۱٥/١٥- ۲۱۷، ۲۲۸ -۲۲۹ وانظر ابن اسحق: السير والمغازي ص ٢٥ ابن هشام السيرة ١٥٢/١ -١٥٣. الازرقي اخبار مكة ٤٢/٢ -٤٨. ابن حبيب المنمق ص ٤١٣ -٤١٦. اليعقوبي: التاريخ ٢١٦/١ -٢٢٠.
بالارض القسي، وبما اعطى من المساهمة وعند المقارعة من الأمور العجيبة) (1).
ان اشهر ما وقع في عهد عبد المطلب هو ما عرف بحملة الفيل (2)، تلك الحملة التي قادها ابرهة الحبشي في محاولة منه لهدم الكعبة وصرف العرب عن الحج اليها، ودفعهم بالتالى إلى التوجه نحو كنيسة بناها في اليمن اسمها (القليس) في محاولة منه لنشر النصرانية.
وقد أفادت المصادر أن مكانة عبد المطلب ازدادت لدى العرب بعد هذه الحملة، وفي ذلك دلالة على أن ما قام به عبد المطلب له اثر في فشل حملة ابرهة فلا يصح ان يقال ان عبد المطلب دعا قريشا للذهاب إلى قمم الجبال حتى لا تصيبهم معرة الجيش، وأنه اكتفى بالمطالبة بأبله التى أخذها جيش أبرهة، اما عن مصير الكعبة فاكتفى عبد المطلب بالقول: أنا رب الابل وللبيت رب يحميه (3).
ان هكذا موقفاً سلبياً لا يمكن ان يصدر من زعيم مكة ازاء الكعبة التي هي عماد حياة مكة على مختلف الاصعدة فمكة ما وجدت ولا قامت فيها الحياة إلّا ببناء الكعبة المشرفة، ومكانة مكة السياسية والاقتصادية والدينية كلها متعلقة بالكعبة، إذا فهل يمكن ان نتصور ان عبد المطلب يترك امر الكعبة بهكذا رؤية (ان للبيت رباً يحميه). وإذا كان هكذا فلماذا اعظمت العرب عبد المطلب بعد هذه الحملة؟!!
والاصح هو ما اشار إليه اليعقوبي (4)بقوله: (لما قدم ابرهة ملك الحبشة
1) الشرح ۲۰۱/۱٥ -۲۰۲. وانظر الجاحظ: رسالة في فضل بني هاشم على بني عبد شمس، ص ٤١٢.
2) انظر: خالد العسلي: عام الفيل صورة من الصراع العربي الحبشي، مجلة دراسات في التاريخ والآثار، بغداد، ع ۲: ۱۹۸۲، ص ۱۷۱ -۹۲.
3) انظر تفاصيل ذلك الازرقي: اخبار مكة ١٤١/١-7، ٤٢/٢- ٤٩. الطبري: تاريخ ١٣٠/٢ -١٣٩.
4) التاريخ ٢٢١/١ -٢٢٢.
صاحب الفيل مكة ليهم الكعبة، فتهاربت قريش في رؤوس الجبال. فقال عبد المطلب: لو اجتمعنا فدفعنا هذا الجيش عن بيت الله فقالت قريش: لابد لنا به فاقام عبد المطلب في الحرم وقال: لا أبرح من حرم الله ولا اعوذ بغير الله فاخذ اصحاب ابرهة أبلاً لعبد المطلب وصار عبد المطلب إلى أبرهة فلما أستاذن عليه، قيل له: قد اتاك سيد العرب وعظيم قريش وشريف الناس. فلما دخل عليه اعظمه ابرهة وجل فى قلبه لما رأى من جماله وكماله ونبله. فقال لترجمانه قل له: سل ما بدا لك. فقال: إبلاً لى اخذها اصحابك فقال: لقد رأيتك فأجللتك واعظمتك وقد تراني حيث تهدم مكرمتك وشرفك فلم تسألني الانصراف وتكلمني في ابلك فقال عبد المطلب انا رب هذا الابل، ولهذا البيت الذي زعمت ترید هدمه رب يمنعك منه، فرد الابل وداخله ذعر لكلام عبد المطلب. فلما انصرف جمع ولده ومن معه ثم جاء إلى باب الكعبة فتعلق به وقال:
لا هم ان المرء يمنع *** رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم *** ومحالهم عدواً محالك
ولئن فعلت فانه *** امر تتم به فعالك
ان كنت تاركهم وقبلتنا *** فأمر ما بدا لك
واقام بموضعه فلما كان من غد بعث ابنه عبد الله ليأتيه بالخبر، ودنا وقد اجتمعت إليه من قريش جماعة ليقاتلوا معه ان امكنهم ذلك، فأتى عبد الله على فرس شقراء يركض، وقد جردت ركبته فقال عبد الله المطلب: قد جاءكم عبد بشيرا ونذيراً والله ما رأيت ركبته قط قبل هذا اليوم فاخبرهم ما صن(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) باصحاب الفيل).
ان هذا النص يوضح لنا الواجب الذي كان على عبد المطلب ان يضطلع لمواجهة اكبر خطر يواجه مدينة مكة، ويتمثل ذلك بـ:
اولاً: ثبات عبد المطلب بعد هروب قريش فى الجبال حينما ادركت أنّه لا
طاقة لها بحرب ابرهة فيما كان هو يدعوها للوقوف بوجهه.
ثانياً: مقابلة لابرهة تلك المقابلة التى كان لها اكبر الأثر فى نفس ابرهة حيث يشير النص إلى أن ابرهة (داخله ذعر لكلام عبد المطلب). وهذا بالتأكيد يوضح لنا حسن استخدام عبد المطلب للحرب النفسية.
ثالثاً: استخدام عبد المطلب لعبارة: (ان للبيت رباً يحميه). لا تعني تركه امر البيت وانما تلقي ضوءً على ايمان عبدالمطلب وتوكله على الله سبحانه وتعالى وكأنه يطبق قوله تعالى: (فاذا عزمت فتوكل على الله) (1)، فالملاحظ ان عبد المطلب بعد توكله على الله قام بالعمل الفعلي حيث جمع اولاده ومن معه ثم ساروا نحو الكعبة مرابطين عازمين على الدفاع عنها.
رابعاً: وضع عبد المطلب ما يسمى (بقوة الاستطلاع) لمعرفة اخبار العدو متمثله بولده عبد الله واختياره لعبد الله قد يعطينا انطباعاً عن كون هذا الابن شخصية مهيأة لهكذا مواقف وهذا لا يعنى ان عبد الله كان لوحده بل ربّما كان قائداً لقوة الاستطلاع.
خامساً: بعد ان علم الله صدق عزيمة عبد المطلب، انزل نصره وأهلك اعداءه وكان عبد المطلب قد اوفد ولده عبد الله، الذي عندما عاد إليه قال عنه: قد جاءكم عبد الله بشيراً او نذيراً. وفى هذا دلالة على ان عبد المطلب:
١. كان لديه اعتقاد بتدخل العناية الالهية.
٢. كان مدركاً لنوايا ابرهة ولذا فسر عودة عبد الله بهذا الشكل بأنه يريد اندارهم من تحرك ابرهة نحو الكعبة.
ونتيجة لهذا أصبح عبد المطلب سيد قريش حيث اعطاه الله ث اعطاه الله من الشرف ما لم يعط احد وسقاه زمزم وحكمته قريش في اموالها واطعم في المحل حتى اطعم
1) سورة آل عمران الآية ۱۵۹.
الطير والوحوش في الجبال. ورفض عبادة الاصنام (1)، حتى اعتبره ابن ابي الحديد من المتألهين البعيدين عن القبائح (2).
وقد سن عبد المطلب سنناً نزل القرآن بأكثرها، واثبتتها السنة الشريفة كالوفاء بالنذر (3)، وجعل الدية مئة من الابل (4)، وحرمة زواج المحارم (5)وان لا تؤتي البيوت من ظهورها (6)، وقطع يد السارق (7)، والنهي عن قتل المؤودة (8)، والمباهلة (9)، وتحريم الخمر (10)، والزنا وفرض الحد عليها (11)، والقرعة، ولا يطوف بالبيت عريان (12)، واستضافة الضيف (13)، وإلا ينفقوا إذا حجوا إلّا من طيب أموالهم (14)، وتعظيم الاشهر الحرام (15)، ونفى ذوات الرايات (16)ولذا عظمته قريش
1) اليعقوبي: التاريخ ٩/٢.
2) الشرح ١٢٠/١.
3) ورد في الشريعة الاسلامية قوله تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا). سورة الانسان آية 7.
4) دية الفرد المسلم في الشريعة الاسلامية مائة من الأبل أو الف رأس من الغنم أو الف متقال من الذهب الشافعي: الأم ١١٢/٦.
5) قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ... سورة النساء: الآية ٢٣.
6) قوله تعالى وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا سورة البقرة الآية ۱۸۹.
7) قوله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. سورة المائدة: الآية ۳۸.
8) قوله تعالى وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ِبأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ. سورة التكوير: الآية ٩.
9) قوله تعالى فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ. سورة آل عمران الآية٦١.
10) قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ. سورة المائدة: الآية ۹۰.
11) قوله تعالى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ. سورة النور: الآية ٢.
12) كان مما أوصى به الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليقرأه على الناس في الحج (إلا يطوف في البيت عريان) البخاري: الصحيح ١٢٣/٦ -٤. الطبري: تاريخ ۱۲۳/۳، ابن كثير: البداية والنهاية 7/٣٥٨ القسطلاني: ارشاد الساري ۲۰۹/۳ -10.
13) قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَليُكرِم ضَيفَةُ.. مسلم: الصحيح ٢٠/٣. الترمذي: صحيح ١٤٥/٨.
14) وهذا أمر طبيعي في الشريعة الاسلامية.
15) قوله تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ.... سورة التوبة الآية 36.
16) اليعقوبي: التاريخ ٩/٢ -١٠.
وكانت تسمية ابراهيم الثاني وقالوا فيه: (ان كنت لعظيم البركة، لميمون الطائر مذ كنت) (1). ولقد عظمت قريش موته فغسل بالماء والسدر ولف في حلتين من حلل اليمن قيمة الواحدة الف مثقال ذهب وحمل على ايدي الرجال اياماً أعظاماً واكراماً له من تغييبه تحت التراب (2)
وقد روي عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انه قال: (ان الله يبعث جدي عبد المطلب امة واحدة في هيئة الانبياء وزي الملوك) (3).
وقد خلف عبد المطلب في الزعامة ولده ابو طالب الذي كان سيداً شريفاً مطاعا مهيباً مع فقره، ولذا قال الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ابي ساد فقيراً ومـا ســاد فـقـير قبله) (4)، وكان عبد المطلب قد أوصى إليه من بين اولاده العشرة، ومن ضمن وصاياه المهمة اوصى إليه بمهمة كفالة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حيث كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وقتها في الثامنة من عمره الشريف. فكان ابو طالب خير كافل (5)، والملاحظ ان ابا طالب كان اخا لعبد الله والد الرسول من ابيه وامه (6)، ونتيجة لمكانة ابي طالب فقد عرف بالشيخ او شيخ البطحاء (7).
لذا كان الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدعى التقدم على الكل، والشرف على الكل بابن
1) اليعقوبي: التاريخ ١٠/٢.
2) اليعقوبي: التاريخ ١٢/٢.
3) الشرح ٦٨/١٤، وانظر: اليعقوبي: التاريخ ۱۳/۲ ابن حجر: الاصابة ۱۱٧/٤ -۱۱۸.
4) الشرح ۲۹/۱، ٧٠/١٤۰، وانظر: اليعقوبي: التاريخ ١٣/٢.
5) الشرح ۲۹/۱، وانظر: اليعقوبي: التاريخ ١٣/٢. الطبري: التاريخ ۲۷۷/۲. ابو نعیم دلائل النبوة ص۱۲۳. سبط بن الجوزي: تذكرة ص ٨،٦. ابن حجر الاصابة ١١٥/٤.
6) الشرح ١٤/١، وانظر: الطبري: التاريخ ۲۷۷/۲.
7) الشرح ۲۲۷/۱۰/۱۸. وانظر الاسكافي: نقض العثمانية ص ۲۸۹ ابن الأثير: اسد الغابة ٤١٤/٣.
عمه وبنفسه وبأبيه ابي طالب (فانه من قرأ علوم السير عرف ان الاسلام لولا ابو طالب لم يكن شيئاً مذكوراً) (1).
والملاحظة ان عبد المطلب كأنما كان ينظر من وراء الغيب لما سيجري على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ولذا فهذه الكفالة لا تقتصر على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) زمن الصبا، بل استمرت حتي بلغ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الخمسين من عمره الشريف، وما انتهت كفالة ابى طالب إلا بنهاية عمره، يقول ابن أبي الحديد: (ابو طالب هو الذي كفل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وحماه وحاطه كبيراً، ومنعه من مشركي قريش ولقى لاجله عننا عظيماً، وقاسى بلاءً شديداً وصبر على نصره والقيام بأمره وجاء في الخبر انه لما توفي ابو طالب اوحي إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقيل له: اخرج منها فقد مات ناصرك) (2).
اذا فخليق بابي طالب الذي درج في حجر والده ان يكون المثل الاعلى في نشأته من حيث الطموح إلى رفيعات المراتب، والتأهب لمستوى فوق مستوى،قومه، وان يخلف اباه في جميع مزاياه في حكمته وتوحده، ومنابذته الخرافات عصره (3).
وكان ابو طالب اول من سن القسامة قبل الاسلام (4)، ولما جاء الاسلام اثبتها (5)والقسامة كلمة مشتقة من القسم وهو اليمين، حيث لما قتل عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف، وأتهم خداش بن عبد الله بن ابى قيس العامري بقتله، طلب ابو طالب ان يحلف منهم خمسون رجلاً بان لا علم لهم بقاتل القتيل ويقال انهم حلفوا بأجمعهم ما عدا حويطب بن عبد العزى، فهلكوا باجمعهم قبل ان يدور
الحول (1).
ان ذلك الدور الذي اداء ابو طالب في حمايته للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ونصرته اياه، مما مكنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من القيام بالدعوة للاسلام عشر سنوات، كان ولا زال مثار نقاش بين الباحثين، فهل كان ذلك الدفاع عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) دليل ایمان من ابيطالب؟ ام انه كان بدافع العصبية القبلية؟
عقد ابن ابي الحديد فصلاً عن الاراء التي قيلت في ذلك، فاوضح ان الامامية وأكثر الزيدية، وبعض من شيوخ المعتزلة كالكعبي والاسكافي يرون أنه ما مات إلّا مسلماً، فيما يرى اهل الحديث والعامة من معتزلة البصرة بانه مات علی دین قومه (2).
وقبل أن يصدر ابن ابي الحديد حكمه في هذه المسألة استعرض ادلة الطرفين. فذكر اولاً ادلة القائلين ببقائه على دين قومه، وهي:-
اولاً:- ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال له عند موته: (قل يا عم كلمة اشهد لك بها غداً عند الله تعالى. فقال: لولا ان تقول العرب ان ابا طالب جزع عند الموت لا قررت بها عينك) (3).
ثانياً: روى ان ابا طالب قال عند موته انا على دين الاشياخ، او انا على دين عبد المطلب) (4).
ثالثاً ـ ان قوله تعالى مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا
1) مصعب الزبيري: نسب قريش ص ٤٢٤ -٥. ابن حبيب المحبر ص ۷ -۳۳۵، المنمق ص ١٤٠ -١٤٢ النسائي: سنن ٣/٦ -٤. ابو هلال العسكري: الاوائل ص ۳٦ -۳۷. ابن حزم جمهرة نسب العرب ص ١٦٨. الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص ١٥.
2) الشرح ٦٥/١٤ -٦٦.
3) الشرح : ٦٦/١٤. وانظر الطبري: جامع البيان ۹۲/۲۰ الثعالبي: الجواهر الحسان /١٦٠/٢. ابن كثير: البداية والنهاية ١٢٤/٣.
4) الشرح ٦٦/١٤، وانظر ابن هشام السيرة ٢٦٤/١ ابن سعد، الطبقات ۱۲۲/۱، الطبري: تاريخ.۳۲۵/۲. الواحدي اسباب النزول ص ۱۷۷ -۲۱۸. ابن كثير: البداية والنهاية ١٢٤/٣.
لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ... (1).)نزلت في ابي طالب لان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ استغفر له بعد موته (2).)رابعاً:- أن قوله تعالى ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (3). نزلت في ابي طالب (4). خامساً:- ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) جاء للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بعد وفاة ابي طالب فقال: ان عمك الضال قد قضي فما الذي تأمرني فيه؟ (5).
سادساً: ـ لم ينقل عن ابي طالب انه راه احد يصلي، والصلاة هي المفرقة بين المسلم والمشرك (6).
سابعاً:- ان الامام علياً وجعفراً لم يأخذا من تركته (7).
ثامناً:- قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): (ان الله قد وعدني بتخفيف عذابه، لما صنع في حقي وانه في ضحضاح من نار) (8).
1) سورة التوبة: الآيات.١١٣ -١١٤.
2) الشرح : ٦٦/١٤. وانظر: أبن سعد: الطبقات.۱۲۲/۱. البخاري: الصحيح ١٣٢/٦ -٣. بري: جامع البيان ٤١/١١ الواحدي: اسباب النزول ص ١٧٦ -١٧٨ القرطبي: الجامع لاحكام القرآن.۲۷۲/۸ ابن كثير: البداية والنهاية ١٢٤/٣.
3) سورة القصص: الآية ٥٦.
4) الشرح : ٦٦/١٤، وانظر ابن سعد، الطبقات ۱۲۳/۱ الطبري: تاريخ.۳۲۵/۲ وايضاً جامع البيان ۹۱/۲۰. الواحدي اسباب النزول ص ۲۲۸. الثعالبي: الجواهر الحسان ۱٦۰/۲، ۱۷۹/۳ -۱۸۰ القرطبي: الجامع ۲۹۹/۱۷ ابن كثير: البداية والنهاية: ١٢٤/٣ السيوطي: الخصائص ۲۱۷/۱.
5) الشرح : ٦٦/١٤، وانظر ابن سعد الطبقات.١٢٤/١ ابن كثير: البداية والنهاية 125/3.
6) الشرح ٦٦/١٤. وهذا الدليل ان ثبت فهو صحيح لان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال بين الكفر والايمان ترك الصلاة. مسلم: الصحيح ٧٠/٢ -٧١ الترمذي: صحيح ٨٩/١٠ ابن ماجة: صحيح ۱۷۷/۱.
7) الشرح : ٦٦/١٤. وانظر: ابن سعد، الطبقات ١٢٤/١. ابن قتيبة: المعارف ص۲۰۳. وانظر رد ابن معد: الحجة على الذاهب ص ١٦٨ -١٦٢.
8) الشرح : ٦٦/١٤. ابن سعد الطبقات ١٢٤/١، مسلم: الصحيح ٨٤/٣ -٥. الطبري جامع البسيان ۹۳/۲۰. الملطى: التنبيه ص ١٦٢ ابن معد: الحجة ص ٨٧ -١٠٣. ابن كثير: البداية والنهاية: ١٣٥/٣. السيوطي: الخصائص الكبرى ۲۱٥/١.
تاسعاً: قيل للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): لو استغفرت لابيك وامك! فقال: لو استغفرت لهما لاستغفرت لابي طالب فانه صنع الى مالم يصنعا وان عبد الله وآمنة وابا طالب جمرات من جمرات جهنم)(1).
بعد طرحه لهذه الادلة، لم يبد ابن ابي الحديد إلا تعليقاً واحداً حول الدليل السادس القائل بانه لم ينقل عن ابي طالب صلاة، حيث قال عنه: (فأما الصلاة وكونه لم ينقل عنه انه صلى، فيجوز ان يكون لان الصلاة لم تكن بعد قد فرضت وانما كانت نفلا غير واجب فمن شاء صلى ومن شاء ترك ولم تفرض إلا بالمدينة) (2).
ثم استعرض ادلة القائلين باسلامه (3):-
اولاً: ـ عن الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ـ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): قال لي جبرائيل: ان الله مشفعك في ستة: بطن حملتك آمنة بنت وهب وصلب انزلك، عبد الله بن عبد المطلب، كفلك ابي طالب، وبيت اواك عبد المطلب، واخ كان لك في الجاهلية، قيل: يا رسول الله: وما كان فعله؟ قال: كان سخيا يطعم الطعام ويجود بالنوال وثدي ارضعتك، حليمة بنت أبي ذؤيب) (4).
1) الشرح : ٦٦/١٤.
2) الشرح : ۸۳ وانظر ابن هشام السيرة ٢٥٩/١ -٢٦١ دحلان: اسنى المطالب ص ۲۷.
3) وضعت قديماً مجموعة من الكتب تناقش مسألة صحة ايمان ابي طالب وقد اوردها بحر العلوم عند تحقيقه لكتاب الحجة على الذاهب الى كفر ابي طالب ص ١٧ -٢٦، لكن هذه الكتب فقدت ولم يصل الينا إلا كتاب أبي نعيم علي بن حمزة البصري اللغوي ت ٣٧٥ هـ والذي لا زال مخطوطاً فى احدى مكتبات سامراء. ن.م ص ۲۷ وكتاب الشيخ المفيد وابن معد وقد طبعا واستخدمناهما.
4) الشرح : ٦٧/١٤، وانظر: اليعقوبي: التاريخ ٣٠/٢ ابن معد: الحجة ص ٤٨ -٥٠، ٥٥. الدين ذخائر العقبى ٩، ومؤلفات السيوطي: الدرج المنيفة ص ٦: مسالك الحنفا ١٤ التعظيم والمسنة ص ٢٥ الخصائص الكبرى،۲۱٦/۱، الحلبي: السيرة الحلبية ۳۸۲/۱. دخلان اسنى المطالب ص ٢٤.
ثانياً:- قول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (نقلنا من الاصلاب الطاهرة إلى الارحام الزكية) (1). فوجب بهذا ان يكون آباؤه كلهم منزهين عن الشرك لانهم لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهرين (2). والظاهر ان هذا الدليل قد تعرض للنقد حيث ان القرآن اشار إلى ان ابراهيم الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مشركاً فقالوا: هذا لا يقدح في مذهبنا الله لان المذكور في القرآن عم ابراهيم (آزر) اما ابوه (تارح) فكان مسلماً، وقد سمى القرآن العم ابا كما في قوله تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ) (3)، ثم عد فيهم اسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) وليس من ابائه ولكنه عمه (4).
وقد احتجوا باسلام الاباء بما رواه الامام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انه قال: ان الله يبعث عبد المطلب يوم القيامة وعليه سيما الانبياء وبهاء الملوك (5).
ثالثاً:- سأل العباس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): يا رسول الله: ما ترجوا لابي طالب؟ فقال: ارجوا له كل الخير من الله عزّ وجلّ (6).
رابعاً:- كتب ابان بن محمود (7)للامام علي بن موسي الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): جعلت فداك انى قد شككت فى اسلام ابى طالب فكتب اليه: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ...) (8)انك ان لم تقر بايمان ابي طالب كان مصيرك إلى النار (9)
1) اخرجه السيوطي: الدرج المنيفة ص ٩ السبل الجلية ص ۱۱. مسالك الحنفا: ص۱۸.
2) الشرح : ٦٧/١٤. وانظر ابن معد: الحجة ص ٥٦ -٥٧.
3) سورة البقرة الآية.۱۳۳.
4) الشرح : ٦٧/١٤، وانظر ابن معد: الحجة ص ٥٨ -٥٩.
5) الشرح : ٦٨/١٤ وانظر اليعقوبي: التاريخ ۱۳/۲. ابن معد: الحجة ص ٥٦.
6) الشرح : ٦٨/١٤، وانظر ابن سعد ١٢٤/١ -١٢٥. المفيد: ايمان ابو طالب ص ٧٦ ابن معد: الحجة ص ۷۱ -۷۲. سبط ابن الجوزي: تذكره ص ٨ السيوطي: الخصائص الكبرى ۲۱٥/١.
7) لم أعثر على ترجمته.
8) سورة النساء أية ١١٥.
9) الشرح : ٦٨/١٤، وانظر ابن معد: الحجة ص ٧٦ -۷۷، ۸۲.
خامساً:- سئل محمد بن علي الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عما يقول الناس: ان ابا طالب في ضحضاح من نار! فقال: لو وضع ايمان أبي طالب في كفة ميزان وايمان هذا الخلق في الكفة الاخرى لرجح ايمانه. ثم قال: ألم تعلموا ان امير المؤمنين عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يأمر ان يحج عن عبد الله وابي طالب في حياته ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم (1).
سادساً:- ان ابا بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) جاء بابيه ابي قحافة إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عام الفتح يقوده، وهو شيخ كبير اعمى، فقال علا اله الا تركت الشيخ حتى نأتيه فقال: اردت يا رسول الله ان يأجره الله! اما والذي بعثك بالحق لانا كنت اشد فرحاً باسلام عمك ابي طالب مني باسلام ابي التمس بذلك قرة عينك فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): صدقت (2).
سابعاً:- سئل الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بن الحسين الا عن اسلام ابي طالب فقال: واعجبا! ان الله تعالى نهى رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ان يقر مسلمة على نكاح كافر وقد كانت فاطمة بنت اسد من السابقات في الاسلام ولم تزل تحت ابي طالب حتى مات (3).
ثامناً:- يروى بعض الزيدية ان ابا طالب حدث عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قائلاً: حدثني محمد ابن اخي ان ربه بعثه بصلة الرحم، وأن يعبده وحده لا يعبد معه غيره، ومحمد عندي الصادق الامين (4)
تاسعاً:- ان معنى قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «انا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» (5)، ان كافل اليتم هو ابو طالب لانه كفل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (6).
1) الشرح : ٦٨/١٤، وانظر ابن معد: الحجة ص ٨٥ -٨٤.
2) الشرح : ٦٤٢ -٦، وانظر ابن معد: الحجة ص ١١٥ -١١٦ -١١٩.
3) الشرح : ٦٩/١٤، وانظر ابن معد: الحجة ص ١٢٣ -١٢٤.
4) الشرح : ٦٩/١٤، وانظر ابن معد: الحجة ص ۱۳۳ -۱۳۷، ابن حجر الاصابة ١١٦/٤: زیني دحلان: اسنى المطالب ص ٦.
5) أخرجه ابن حنبل: المسند ۳۳۳/۵.
6) الشرح : ٦٩/٢، وانظر ابن معد: الحجة ص ١٤٢ -١٤٣.
عاشراً:- ان ما يروى من أن علياً أو جعفر لم يأخذا من تركة ابي طالب شيئاً حديث موضوع حيث ان مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بخلاف ذلك، فان المسلم عندهم يرث الكافر ولا يرث الكافر المسلم (1). ولو كان اعلى درجة منه في النسب، ولذا فسروا قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): لا توارث بين اهل ملتين (2). قالوا: نقول بموجبه لان التوارث تفاعل ولا تفاعل عندنا فى ميراتهما واللفظ يستدعى الطرفين كالتضارب لا يكون إلا من اثنين (3).
حادي عشر:- ان حب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لعمه ابيطالب معلوم مشهور وإذا كان كافرا فكيف يجوز له ان يحبه لقوله تعالى (4). لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (5).
ثاني عشر:- استفاض عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قوله لعقيل: (انا احبك حبين: حبا لك، وحبا لحب ابي طالب فانه كان يحبك) (6).
ثالث عشر:- ان الخطبة التي القاها ابو طالب لما خطب خديجة (7)للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) تدل على توحيده وهي: «الحمد الله الذي جعلنا من ذرية ابراهيم وزرع اسماعيل، وجعل لنا بلداً حراماً، وبيتاً محجوباً، وجعلنا الحكام على الناس
1) روى الترمذي، قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): لا يرث المسلم كافر ولا الكافر المسلم الترمذي: صحيح257/٨ ابن ماجة: صحيح ۱۱۵/۲ ابن حزم الفصل ٢٧٦/٣.
2) اخرجه الترمذي: صحيح ۲۵۹/۸. ابن ماجة: صحيح ۱۱٦/٢.
3) الشرح ٦٩/١. وانظر ابن معد: الحجة ص ١٦٢ -١٦٤.
4) سورة المجادلة: الآية ٢٢.
5) الشرح : ٦٩/١٤ -٧٠، وانظر ابن معد: الحجة ص ١٦٢ -١٦٤.
6) الشرح : ٧٠/١٤، وانظر: الحاكم المستدرك ١٦٧/٣ ابن عبد البر: الاستيعاب ۵۰۹/۲ ابن معد: الحجة ص ۱۷۹ محب الدين: ذخائر العقبي ص ۲۳۲. سبط ابن الجوزي: تذکره ۱۲ الهيثمي: مجمع الزوائد.۲۷۳/۹ ابن عنبة: عمدة الطالب ص ٣١ العامري: بهجة المحافل ۳۲۷/۱.
7) عن سيرة السيدة خديجة. انظر: حسين على الشرهاوي: السيدة خديجة بنت خويلد (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية جامعة البصرة، ۲۰۰۱م.
ثم ان محمداً بن عبد الله اخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه براً وفضلاً وحزماً وعقلاً ورأياً ونبلاً وان كان فى المال قل، فانما المال ظل زائل وعارية مسترجعة وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما اصبتم من الصداق فعلي وله والله بعد نبأ شائع وخطب جليل» (1).
قالوا: افتراه يعلم نبأه الشائع وخطبه الجليل ثم يعانده ويكذبه وهو من أولى الالباب فهذا غير سائغ في العقول (2).
رابع عشر:- روي الامام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال: ان اصحاب الكهف اسروا الايمان واظهروا الكفر فاتاهم الله اجرهم مرتين وان ابا طالب اسر الايمان واظهر الشرك، فأتاه الله اجره مرتين (3).
خامس عشر:- ان جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في الليلة التي مات بها ابو طالب اخرج منها فقد مات ناصرك (4).
سادس عشر:- اما حديث الضحضاح من النار (5)، فهو يروي عن شخص واحد وهو المغيرة بن شعبة المعروف ببغضه لبني هاشم وخاصة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقصته وفسقه غير خاف على احد (6).
سابع عشر:- روي بأسانيد مختلفة عن العباس وابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ): ان ابــا طالب ما مات حتى قال: لا اله إلا الله محمد رسول الله. وهناك خبر مشهور: ان ابا
1) الشرح : ٧٠/١٤، وانظر: ابن هلال العسكري: الأوائل ص۹۱. ابن المغازلي: مناقب ص ٣٣٣ -٤ الزمخشري: ربيع الابرار ٢٩٩/٤ -٣٠٠ ابن معد: الحجة ص ١٨٢ -١٨٦. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ٣٠٢ دحلان: اسنى المطالب ص ٨، ٦٠ -١.
2) الشرح : ۷۰/14، وانظر: ابن معد: الحجة ص ١٨٥ -۱۸٦.
3) الشرح : ٧٠/١٤.
4) الشرح : ۲۹/۱، ٧٠/١٤. وانظر المفيد: ايمان ابو طالب ص ٧٤ ابن معد: الحجة ص 260.
5) الشرح : ٧٠/١٤، وانظر: ابن معد: الحجة ص ۷۷ -١٠٣.
6) انظر تفاصيل ذلك في الشرح ٢٢٧/١٢ -٢٤٦، ابو الفرج الاغاني ۱۰۳/۱٦ -۱۰ الحاكم المستدرك:٥٠٧/٣ -٨.
طالب عند الموت قال كلاما خفيا، فأصغى إليه العباس ثم قال للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): يا ابن اخي والله لقد قالها عمك، ولكن ضعف عن ان يبلغك صوته (1).
ثامن عشر:- قال الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما مات ابو طالب حتى اعطى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من نفسه الرضا (2).
تاسع عشر:- ان اشعار ابي طالب تدل على انه كان مسلماً، حيث لا فرق بين الكلام المنظوم والمنثور إذا تضمنا اقراراً بالاسلام، الأترى ان يهودياً لو توسط جماعة من المسلمين وانشد شعراً قد ارتجله ونظمه يتضمن الاقرار بنبوة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لكنا نحكم باسلامه، كما لو قال: اشهد ان محمد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (3)هذه الاشعار:
وظلم نبي جاء يدعوا إلى الهدى *** وامر اتى من عند ذي العرش قيم (4)
ومن شعره لما كتبت قريش صحيفة المقاطعة:
الم تعلموا انا وجدنا محمدا *** رسولاً كموسى خط في اول الكتب
ومنها:
فلسنا وبيت الله نسلم احمدا *** لعزاء من غض الزمان ولا كرب (5)
وقال:
يرى الناس برهانا عليه وهيبه *** وما جاهل في قومه مثل عالم
1) الشرح : ۷۱/۱٤، وانظر ابن هشام السيرة ٥٨/٢ -٥٩، ابن معد: الحجة ص ١٠٦ -١٠٨. تاریخ ابو الفداء ۱۲۰/۱، وانظر ابن كثير: البداية والنهاية ١٢٣/٣، وما بعدها.
2) الشرح : ٧١/١٤، وانظر: ابن معد: الحجة ص ۱۰۹ -۱۰۸.
3) الشرح : ۷۱/۲، وانظر: ابن معد: الحجة ص ١٨٦ -٣٢٤.
4) من قصيدة في سبعة ابيات الشرح : ۷۱/۱٤ -۷۲ وانظر دیوان ابيطالب ط بحر العلوم ص ۲۹ -۳۱. ابن معد: الحجة ص ۱۸۹.
5) الشرح ۷٢/١٤ -۷۳، وانظر ديوان ابي طالب ط حسن آل ياسين ص ٥٠. ابن هشام السيرة ۳۳۷/۱ -۳۳۹ ابن معد: الحجة ص ۱۹۲ -۱۹۳ السهيلي الروض الانف ۲۲۰/۱ ابن كثير البداية والنهاية،۸۷/۳، البغدادي: خزانة الادب ٢٦١/١ دحلان: اسنى المطالب ص ٧، 17 – 8.
نبي اتاه الوحي من عند ربه *** ومن قال لا: يقرع بهاسن نادم (1)
وقال من قصيدة لما غضب لعثمان بن مظنون الجمحي لما عذبته قريش:
او تؤمنوا بكتاب منزل عجب *** على نبي كموسى او كذي النون (2)
وروي ان ابا جهل اراد ان يرضخ رأس الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وهو ساجد بحجر فلصق الحجر بكفه ولم يستطع فعل شيء فقال ابو طالب:
واعجب من ذاك في امركم *** عجائب في الحجر الملصق
بكف الذي قام من حينه *** إلى الصابر الصادق المتقى
فاثبته الله فـــي کــفه *** على رغمه الخائف الاحمق (3)
وقال المأمون ان ابا طالب اسلم بقوله:
نصرت الرسول رسول المليك *** ببيض تلالاً كلمع البروق
اذب واحـــــــــمي رسول الاله *** حماية حامٍ عليه عليه شفیق (4)
ولما ذهب عمرو بن العاص إلى الحبشة ليحرض النجاشي على تسليم مهاجري الحبشة، كتب أبو طالب قصيدة إلى النجاشي يطلب منه اكرام جعفر والمهاجرين، ومنها:
الا ليت شعري كيف في النأي جعفر *** وعمرو واعداء النبى الاقارب! (5)
وقال في تحريض ولديه علي وجعفر على نصرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ):
1) من قصيدة في ثمانية ابيات الشرح : ٧٣/١٤. وانظر ديوان ابي طالب ط آل ياسين ص ٥٠،۱۱۹. ابن معد: الحجة ص ۲۰۱.
2) من قصيدة في سبعة ابيات الشرح : ٧٣/١٤ -٧٤، وانظر دیوان ابيطالب طآل ياسين ص ۳۰۷ ابن معد: الحجة ص۲۲۲.
3) الشرح : ٧٤/١٤، وانظر ديوان أبي طالب ط آل ياسين ص ١٥٦ ابن معد: الحجة ص ٢٢٤.
4) الشرح : ٧٤/١٤، وانظر دیوان ابي طالب ط آل ياسين ص ٦٦ -٦٧. ابن معد: الحجة ص ٢٢٦ -٢٢٧.
5) الشرح ٧٥/١٤، وانظر ديوان ابي طالب طآل ياسين ص ١٤٥ ابن هشام السيرة ۳۵۷/۱ ابن معد: الحجة ص ۲۳۹ ابن كثير: البداية ٧٧/٣:
ان عليا وجعفراً ثقتي *** عـند ملم الزمان والنوب
لا تخذلا وانصرا أبن عمكما *** اخي لامي من بينهم وابي
والله لا اخـــذل النبي ولا *** يخذله من بنى ذو حسب (1)
ومن شعره يخاطب به اخوه حمزة ويدعوه لنصرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ):
فصبرا ابا يعلى على دين احمد *** وكن مظهراً للدين وفقت صابرا
وحط من اتى بالحق من عند ربه *** بصدق وعزم لا تكن حمز كافرا
فقد سرني اذ قلت انك مؤمن *** فكن لرسول الله في الله ناصرا
وباد قريش بالذي قد اثبته *** جهاراً وقل ما كان احمد ساحراً (2)
وله قصيدة يمدح فيها النبي منها:
انت النبي محمد *** قرم اعز مسود
لمسودين اكارم *** طابوا وطاب المولد
ومنها:
ما زلت تنطق بالصواب *** و انت طفل امردُ (3)
1) الشرح : ٧٦/١٤، وانظر ديوان ابي طالب ط آل ياسين ص ٦٣ -٤. ابو هلال العسكري الاوائل ص ۷۵ المفيد: ايمان ابو طالب ص ۸۲ -۸۳ ابن معد: الحجة ص ۸۲ -۸۳ این معد: الحجة ص ٢٤٩ -٢٥١ جعفر نقدی: زهرة الادباء ص ٦.
2) الشرح ٧٦/١٤ -۷۷ وانظر دیوان ابيطالب ط آل یاسین ص ١٥٣ المفيد: ایمان ابو: ۸۰ ابن معد: الحجة ص ۲۷۷ الحلبي السيرة الحلبية: ۲۸٦/١. جعفر نقدي زهرة طالب ص الادباء ص ٦.
3) الشرح : ٧٧/١٤ ابن معد: الحجة ص ۲۸۱ -۲۸۲.
ومن شعره ايضاً:
لقد اكرم الله النبي محمداً *** فاکرم خلق الله في الناس أحمد
وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا أحمد (1)
وقوله:
یا شاهد الله علي فاشهد *** اني على دين النبي احمد
من ضل في الدين فاني مهتد (2)
ومن شعره قصيدته اللامية التي أورد ابن هشام (3)منها اربعة وتسعون بيتاً - ذكر ابن أبي الحديد سبعة عشر منها فقط، ومنها:
أعوذ برب البيت من كل طاعن *** علينا بسوء او يلوح بباطل
ومنها: كذبتم وبيت الله نبزي محمد *** ولما نطاعن دونه و نناضل
ومنها الم تعلموا ان ابننا لا مكذب *** لدينا، ولا يعباً بقول الاباطل (4)
يرى القائلون بتوحيده ان هذه الاشعار جاءت مجيء التواتر، لانه ان لم تكن احادها متواترة فمجموعها يدل على امر واحد مشترك، وهو تصديق
1) الشرح ٧٨/١٤ وانظر: ابو نعيم: دلائل النبوة ١١/١، ابن معد الحجة ٢٨٤ ابن كثير البداية والنهاية ٣٢٥/٢٠، ٢٢٦/١ ابن حجر: الاصابة ١١٥/٤ القسطلاني: المواهب ۵۱۸/۱:دخلان اسنى المطالب ص ۱۸.
2) الشرح ٧٨/١٤ وانظر ابن معد: الحجة ص ٢٩٤ -٢٩٥.
3) السيرة النبوية ۲۹۱/۱ -۲۹۹. وذكر بعضها المفيد ايمان ابي طالب ص ۷۰ -۷۲.
4) الشرح ٧٨/١٤ -٧٩ وانظر ديوان ابي طالب، ط آل ياسين ص ٨٥ -٩٤ حيث ذكرها في (۱۱۵) بيت الطبري تاريخ ٤٤٦/٢، ٢٢٢/٤. الشهرستاني: الملل والنحل ٢٢٦/٣ ابن معد: الحجة ص ٢٩٦ -٣٠٠ ابن كثير: البداية والنهاية ٥٣/٣ -٧٥. وقد ذكر ابن كثير منها (۹۲) بيتاً وقال: هذه قصيدة عظيمة بليغة جداً لا يستطيع أن يقولها الا من نسبت اليه. من نسبت اليه وهي أفحل من المعلقات السبع، وابلغ في تأدية المعنى فيها جميعها وقد أوردها الاموي في مطولة بزيادات اخر والله اعلم ٥٧/٣. وقال القسطلاني في ارشاد الساري: قصيدة جليلة بليغة من بحر الطويل، وعدة ابياتها مائة وعشرة ابيات ۲۲۷/۲، وذكر البغدادي منها في خزانة الادب (٤٢) بيتاً مع شرحها ٢٥٢/١ -٢٦١، دحلان: اسنى المطالب ٢٦١. دحلان: اسنى المطالب ص ۱۸ -۱۹، السيرة الدحلانية ٩٤/١ -٩٥، وقد شرحها جعفر نقدي في كتابه: زهرة الادباء في شرح لامية شيخ البطحاء ص ٧ -٤١.
محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ومجموعها متواترة، كما ان كل واحدة من قتلات على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفرسان منقولة احاداً، ومجموعها متواتر، ولذا يفيدنا العلم الضروري بشجاعته، كذلك القول بسخاء حاتم، وحلم الاحنف، وذكاء اياس وغير ذلك (1).
عشرون: لما مات ابو طالب جاء الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاعلم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فتوجع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وجعاً عظيماً وحزن حزناً شديداً، ثم قال: امض فتول غسله، فاذا رفعته على سريره فاعلمنی، ففعل فاعترضه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وهو محمول على رؤوس الرجال. فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): وصلتك رحم يا عم وجزيت خير يا عم، وجزيت خيراً: اما والله لاستغفرن لك، ولا شفعن فيك شفاعة يعجب لها الثقلان (2).
قال القائلون بتوحيده والمسلم لا يجوز ان يتولى غسل الكافر، ولا يجوز للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ان يرق لكافر، ولا يدعو له بخير، ولا الاستغفار والشفاعة، وكان سبب توليه الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اغسله، لان طالباً وعقيلاً لم يكونا قد اسلما، اما جعفر فكان بالحبشة، واما بخصوص صلاة الجائز فانها لم تشرع بعد ولذا لم يصل النبي لا على طالب ولا خديجة انما كان تشيع ودعاء (3).
احدى وعشرون ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) استغفر لابي طالب بعد معركة بدر لما ذكر عبيدة بن الحارث (4)شعر ابي طالب:
كذبتم وبيت الله نخلی محمداً *** ولما نطاعن دونه و نناضل
1) الشرح ٧٨/١٤٢.
2) الشرح ٧٦/١٤. وانظر ابن سعد الطبقات ۱۲۳/۱ اليعقوبي: التاريخ ٣٠/٢ المفيد: ايمان طالب ص ٧٥ الخطيب تاريخ بغداد ۱۹٦/١٣. ابن مسعد الحجة ص ٣٦٤ -٥. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ٩ -٨ ابن كثير: البداية والنهاية ١٢٥/٣ ابن حجر الاصابة ١١٦/١٤. الحلبي: السيرة الحلبية ٣٧٣/١.
3) الشرح ٧٦/١٤. وانظر ابن معد: الحجة ص ٢٦٦ -٢٦٧. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ٣٠٤ الشبلنجي: نور الابصار ص ١٣..
4) استشهد في معركة بدر، انظر ترجمته، ابن الاثير اسد الغابة ٣٥٦/٣ -7. ابن حجر: الاصابة ٥٤٩/٢.
ونتصره حتى نصرع حوله *** ونذهل عن ابناءنا والحلائل (1)
اثنتان وعشرون: روي ان اعرابياً انشد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) شعراً لما حــل بـه مـن
جدب، فدعا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) و استسقى، فاستجاب الله له، ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لله در ابي طالب: لو كان حياً لقرت عينه. من ينشدنا قوله فانشد على قصيدته التي منها:
وابيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للارامل
يطيف به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفـــواضــل
ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قائم يستغفر لابي طالب على المنبر (2).
ثالث وعشرون: اما سبـب عدم اظهار ابي طالب لاسلامه فلانه لو اظهره لم يتهيأ له نصرة الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فيكون بذلك كأحد المسلمين نحو ابي بكر وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما، وانما تمكن من نصرته، والدفاع عنه بالثبات ظاهراً علی،دین،قریش وان ابطن الاسلام (3).
هذه الادلة لم يبد ابن ابي الحديد عليها تعليقاً ما عدا الدليل الثاني وهو قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «نقلنا من الاصلاب الطاهرة إلى الارحام الزكية فوجب بهذا ان يكون اباؤه كلهم منزهين عن الشرك لانهم لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهرين».
قال ابن ابي الحديد: هذا الاحتجاج عندي ضعيف لان المراد من قوله: «نقلنا من الاصلاب الطاهرة إلى الارحام الزكية». وهـو تنزيه آبائه واجداده وامهاته عن السفاح لاغير لان العرب كان يعيب بعضها البعض باختلاط المياه،
1) الشرح ٢٥٨ -٩، ۸۰/۱٤، وانظر ديوان ابي طالب.. آل ياسين ص ۸۸ الواقدي: ط. المغازي ٦٩/١ -٧٠ ابن هشام السيرة ٢٩٤/١، ۲۲٤/٣. ابن معد: الحجة ص ٣٠٠ -٣٠٢.
2) الشرح ۸۰/۱٤ -۸۱ انظر: ديوان ابي طالب، ط آل ياسين ص ٨٩ -٩٦ ابن هشام السيرة ٣٠٠/١ اليعقوبي: التاريخ ۲۲/۲ ابن معد: الحجة ص ٣٠٥ -١١. الشهرستاني: الملل ٢٢٥/٣ -٦. ابن حجر: الاصابة ١١٥/٤ السيوطي الخصائص الكبرى ٢١٤/١ الديار بكري: تاريخ الخميس ٣٥٤/١ دحلان: اسنى المطالب ص ١٤، ١٨.
3) الشرح ۸۱/۱٤ -۸۲ ابن معد: الحجة ص ٣٤٠ -٣٤٢.
واشتباه الانساب، ونكاح الشبهة ورد ابن ابي الحديد على قولهم لو كانوا عبدة اصنام لما كانوا.طاهرين قال انه لا منافاة بين طهارة الاصلاب وعبادة الصنم، فلو اراد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ما زعموه لذكر العقائد بدل الاصلاب والارحام. كذلك رد عـلـى قولهم ان ابا ابراهيم كان مسلماً، وان المشرك عمه. قال: ان هذه الآية لا تفيدهم، فان ابا طالب هو عم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولذلك فهذه الآية ليست لهم بحجة في اسلام ابي طالب (1).
موقف ابن ابي الحديد
لقد بنى ابن ابي الحديد حكمه في أبي طالب على أمرين:
الاول: انه قد روى في اسلامه اخبار، وروي في موته علی دین قومه اخبار،اخرى لذا تعارضت الادلة فتعارض الجرح والتعديل ويمكن ان يقول اصحاب الحديث: اذا تعارض الجرح والتعديل، فالترجيح عند اصحاب الاصول لجانب الجرح، لان الجارح قد اطلع على زيادة لم يطلع عليها المعدل.
اجاب ابن ابي الحديد: ان هذا يكون في أصول الفقه في طعن مفصل في مقابلة تعديل مجمل، فعلى سبيل المثال يروي شعبه (2)حديثاً عن شخص ما هو عنده ثقة، ويكفى توثيقه أنه بالنسبة إليه مستور الحال ظاهرة العدالة ولكن الدارقطني (3)يطعن فيه كأن يقول: كان مدلساً (4)او يرتكب الذنب الفلاني فيكون
1) الشرح ٦٧/١٤ -٦٨.
2) شعبه بن الحجاج الازدي بالولاء من ائمة رجال الحديث ٨٢ -١٦٠، انظر ابو نعيم حلية الأولياء ١٤٤/٧ -٢٠٩، الخطيب، تاريخ بغداد ٢٥٥/٩ -٢١٦.
3) على ابن عمر احمد الدارقطني الشافعي (٣٠٦ – ٣٨٥ هـ) من ائمة الحديث واول من صنف ٤. السبكي: طبقات الشافعية ٣١٠/٢ -٢. في القراءات، الخطيب: تاريخ بغداد ٣٤/١٢ -٤٠ السبكي الذهبي: معرفة القراء الكبار ۲۸۱/۱ السمعاني: الانساب ٢٧٣/٥ -٥ مظفر شاكر محمود. الحياني: الامام الدارقطني ص ٣٨ -١٣٠.
4) التدليس: اسقاط الراوي من اسناد الحديث بحيث يكون السقط من الاسناد خفياً، التهانوي كشاف اصطلاحات العلوم ٤٨١/٢.
طعنه فيه مفصلاً فى مقابلة تعديل مجمل.
اما هنا فالروايتان متعارضتان تفصيلاً لا اجمالاً فهؤلاء يقولون: انه تلفظ بكلمتى الشهادة عند الموت والآخرون يرون انه قال عند الموت انا على دين الاشياخ.
وقال: أما من يقول باسلامه فيقول ان روايتنا ارجح لانـا نــوي حكماً ايجابياً ونشهد على اثبات وخصومنا يشهدون على النفي.
قال: ولا شهادة على النفي، وذلك ان الشهادة في الجانبين معاً، انّما هي على اثبات ولكنه اثبات متضاد (1).
الثاني: ما ورد في رسالة محمد ذي النفس الزكية (2)حيث يقول: ويقف فى صدري رسالة النفس الزكية إلى المنصور وقوله فيها: (فانا ابن خير الاخيار و ابن شر الاشرار وانا ابن سيد أهل الجنة وانا ابن سيد اهل النار). فان هذه شهادة منه على ابي طالب بالكفر، وهو ابنه وغير متهم عليه، وعهده قريب من عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ولم يطل الزمان فيكون الخبر مفتعلاً (3).
ان هذين الأمرين جعلا ابن ابي الحديد يتوقف في اصدار حكم ابي طالب حيث يقول: (فتعارض الجرح والتعديل، فكان كتعارض البينتين عند الحاكم، وذلك يقتضي التوقف فانا في امره من المتوقفين) (4).
1) الشرح : ٨٣/١٤.
2) سنترجمه لاحقا.
3) الشرح : ٨٢/١٤.
4) الشرح : ٨٢/١٤، وقد رد يسوسف البحراني ت ١١٨٦هـ على توقف ابن ابي الحديد هذا في کتاب اسماه (سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد) حيث قال يوسف البحـ البحراني في ترجمته لنفسه في كتابه لؤلؤة البحرين في ذكر مؤلفاته ما نصه (ومنها كتاب سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد) والرد عليه في شرحه لكتاب نهج البلاغة الذي رام فيه أن يشرحه على رأى المعتزلة واصولهم ومذاهبهم وقواعدهم، وذكرت في اوله مقدمة شافية فى الامامة تصلح أن تكون كتاباً مستقلاً نقلت كلامه في الشرح المذكور ما يتعلق بالامامة واحوال الخلفاء والصحابة وما يناسب ذلك ويدخل تحته وبينت ما فيه من الخلل والمفاسد الظاهرة لكل طالب وقاصد، خرج منه مجلد ومن المجلد الثاني ما يقرب من ثلث مجلد وعاق الاشتغال بكتاب الحدائق عن اتمامه لؤلؤة البحرين ص ٤٤٦ -٤٤٧ احمد الربيعي: العذيق النضيد ص ۸۰.
والان لنقف عند الادلة التي ذكرها ابن أبي الحديد في مسألة ايمان ابي طالب، او بقائه على دين قومه تلك الادلة التي وقف منها ابن ابي الحديد موقفاً سلبياً فلم يبد رأياً فيها، فلنقف عندها ولنناقشها لنرى مدى مطابقتها للواقع ولنبدأ اولا بادلة القائلين ببقائه على دين قومه
الدليل الاول والثاني: واللذان ينصان على ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، طلب من ابي طالب ان يشهد الشهادتين عند موته فكان رد ابيطالب انه علی دین المطلب.
والسؤال هنا: ما هو دين عبد المطلب؟ المعروف أن المعتقد الاول لاهل مكة هو دين الحنيفية الذي هو بقايا دين ابراهيم الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم جاء عمرو بن لحي بفكرة الاصنام (1)والتي وان انتشرت في مكة الا انه بقي اناس لا يقرون بها عرفوا بالاحناف (2).
اذا نظرنا إلى عبد المطلب فنجد ان الاحداث الهامة في مكة قد ارتبطت بايامه كحفر زمزم والذي يلاحظ انه تم بوحي (3)وحملة ابرهة التي اشار لها القرآن الكريم حيث كان لعبد المطلب الدور الرائد فى افشالها وموقفه فيها دليل على توحيده والا فما معنى قوله لأبرهة: (ان للبيت رباً يحميه) وفيه اشارة لايمان عميق برب هذا البيت وانه لمؤمن بعدم قدرة أياً كان على هدمه، ولقد كان لكلامه اثر في ادخال الرعب في قلب أبرهة، وبالتالي فشل الحملة، ولو لم يكن عبد
المطلب على هذه الدرجة من التوحيد لما اسمته العرب (ابراهيم الثاني) ولما اعظمت موته حتى بقى على رؤوس الرجال اياماً.
ويروى انه كان يؤمن بالمعاد فكان من وصاياه (انه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه و تصيبه عقوبة). فلما هلك احد الظلمة ولم تكن قد اصابته عقوبة قال: والله ان وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن بـاحـسانه ويعاقب المسىء باساءته (1).
ومن الادلة على توحيد عبد المطلب اشادة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) به في موقف من اصعب المواقف التى مرت به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وذلك يوم حنين الذي اعجب المسلمون فيه بكثرتهم ولكنهم ما لبثوا ان انهزموا تاركين الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في عدد قليل ممن ثبت معه، فنزل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) إلى ساحة المعركة يقاتل ويهتف:-
انا النبي لا كذب *** انا ابن عبد المطلب (2)
انه لامر يثير الاستغراب في موقف يدعو النبى فيه المشركين لعبادة الله سبحانه وتعالى ونبذ الوثنية إلى ان وصل به الحال إلى استخدام القوة، وفي مثل هذا الموضع الذي يجدر بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فيه ان يذكر اناساً على خط التوحيد، أما انّه يذكر مشركاً ويفتخر به في موضع يقاتل به الشرك والمشركين ان هذا الشيء عجاب!!
والظاهر ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انما بقوله هذا يعيد إلى الاذهان ذكرى عبد المطلب ومواقفه النبيلة وكأنه يقول لهم: أنا ابن ذلك الانسان الذي اسميتموه ابراهيم الثاني؟ الذي اوجد لكم زمزم والذي رد ابرهة عن البيت الحرام؟ فاذا كان عبد
المطلب بتلك المكانة التي تعرفونها عنه فانا (ابنه انا النبي لا كذب).
وينسحب الكلام حول ابوي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حيث يرى القائلون ببقاء ابي طالب على دين قومه ان ابوا النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (جمرة من جمرات جهنم) وقد اثبت السيوطي ایمان ابوي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في اكثر من كتاب من كتبه ومنها: مسالك الحنفا في والدي المصطفى (1)، والدرج المنيفة في الاباء الشريفة (2)، والمقامة السندسية في النسبة المصطفوية (3)، والتعظيم والمنة في ان ابوي رسول الله في الجنة (4)، ونشر العلمين في احياء الابوين (5)، والسبل الجلية في الاباء العلية (6).
تجدر الاشارة إلى أن قصة فداء عبد الله بذلك الاسلوب الذى اشارت به الكاهنة فاصبح فداؤه مائة بعير (7)، وهذا ما أثبته الاسلام فيما بعد فيه دلالة على ان مسألة تدخل الكهان والاصنام لا صحة لها، اذ كيف يثبت الاسلام حكماً اقرته الاصنام والكهان، وهو الذي جاء للقضاء عليها.
إذا ماذا كان يقصد ابو طالب بقوله: (انى على دين عبد المطلب). فهل يريد التعميه على المشركين الذين يعتقدون ان عبد المطلب على دينهم؟ ام ان ابا طالب اراد تأکید ایمانه بانه کایمان عبد المطلب كما يقول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب (8)
الدليل الثالث: الذي يشير لنزول الآية القرانية مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا
أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ. روي البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب عن ابيه قال: لما حضرت ابا طالب الوفاة جاءه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فوجد عنده ابا جهل وعبد الله بن ابي امية بن المغيرة فقال: أي عم قل: لا اله إلا الله كلمة احاج لك بها عند الله فقال ابو جهل وعبد الله بن ابي امية: اترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يعرضها عليه ويعيدانها بتلك المقالة حتى قال ابو طالب اخر ما تكلم به على ملة عبد المطلب وابي ان يقول: لا اله إلا الله فقال له الله: والله لاستغفرن لك ما لم انــه عنك فنزل قوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ... (1).)والان لنطرح الحيثيات الآتية:-اولاً: المعروف أن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وعلى مدى عشر سنوات كان يدعوا إلى التوحيد تحت مرأى وحماية أبي طالب فاين كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عن أبي طالب؟ ولماذا لم يدعه إلى التوحيد إلا في هذه الساعة الاخيرة من حياته؟ حيث لم نقرأ في الروايات انه دعاه إلا ما كان في يوم الانذار في بدء الدعوة الاسلامية والذي ايد فيه ابو طالب النبي، ودعاه للقيام بأمره وتهد بحمايته (2).)ثانياً: ان قول النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ لاستغفرن لك ما لم انه عنك. فيه دلالة ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كانت الله كانت ماثلة لديه فكرة النهي عن الاستغفار للمشركين، إذا كان الاجدر بالنبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ان يطلب اولا الاذن من ان يطلب اولا الاذن من الله سبحانه وتعالى على الاسغفار قبل المبادرة إلى فعل يشك (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بان الله لا يرخص به.)
ثالثاً: اما الاية اعلاه فهي الآية (١١٤ من سورة التوبة والمعروف ان هذه السورة نزلت في المدينة في السنة التاسعة للهجرة (1)اي بعد وفاة ابي طالب باثنتي عشر سنة فما هو السر في تأخرها ان كانت نزلت في حق ابي طالب؟!!.)رابعاً: حتى لو قلنا انها نزلت في أبي طالب بعد كل هذه السنين ولكن الا تستوقفنا تلك الايات الكثيرة التي نزلت قبلها، والتي تدعو النبي والمؤمنين لعدم الاستغفار للمشركين، ولا المودة لهم ولا اتخاذهم اولياء (2أفما كان بهذه الآيات دليل للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ان لا يستغفر لابي طالب حتى ينتظر كل تلك المدة وهو يستغفر له؟ خامساً: ان هناك مناسبات اخرى لنزول الآية قد تكون أكثر مصداقاً لسبب نزولها ومنها:-
أ. قال الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ): سمعت رجلاً يستغفر لابويه وهما مشركان فقلت: اتستغفر لابويك وهما مشركان؟ قال: أولم يستغفر ابراهيم؟ فذكرت ذلك للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فنزلت الآية (3)
ب. قال ابن عباس: كانوا يستغفرون لابائهم حتى نزلت هذه الاية فلما نزلت امسكوا عن الاستغفار لامواتهم، ولم ينهوا عن الاستغفار للاحياء حتى يموتوا ثم انزل الله تعالى (وما كان استغفار ابراهيم لابيه...) أي أن استغفاره كان ما دام ابوه حيا (4).
1) انظر: الزمخشري: الكشاف ٢٤١/٢، القرطبي: الجامع ٦١/٨..
2) كقوله تعالى ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ). سورة المجادلة: الآية،۲۲، نزلت قبل سورة التوبة بسبع سور السيوطي: الاتقان ۱۷/۱. بالاضافة إلى الـ الآية ۲۸ من سورة آل عمران والايات ۱۳۹، ١٤٤ من سورة النساء وغيرها.
3) الترمذي: صحيح ٢٤٩/١١ -٢٥٢. الطبري: جامع البيان ٤٣/١١. دحلان: اسنى المطالب ص ۳۲.
4) دحلان: اسنى المطالب ص ٤٥.١٨.
ج. عن قتادة: ذكرنا رجالاً من اصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قالوا: يا نبي الله ان من ابائنا من كان يحسن الجوار ويصل الرحم ويفك العاني ويوفي بالذمم افلا نستغفر لهم؟ فنزل قوله تعالى (ما كان للنبي...) (1).
سادساً: ان الاداة (ما) الواردة في الآية تفيد النفى وليس النهى أي ان الاية تفيد نفى استغفار الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) المشركين، أي ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يستغفر للمشركين فاذا كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قد استغفر لابي طالب فهذه الاية تؤكد ان ابا طالب ليس مشركاً لانه لو كان مشركاً لما كان النبي يا ليلا الله سيستغفر له.
سابعاً: ان من احتج على الاستغفار للمشركين لم يحتج بفعل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بل بفعل ابراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولو كانوا يعرفون ان ابا طالب مشرك وان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يستغفر له، لكان الاولى ان يحتجوا بفعل النبي علي والله لا بفعل ابراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
ثامناً: ان مصدر الرواية مطعون فيه، فالراوي هو سعيد بن المسيب وهو المعروف بموقفه السلبي تجاه الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث ذكره ابن ابي الحديد في جملة من اتخذ موقفاً سلبياً من الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).
تاسعاً: المعروف أن النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال لعقيل الذي اسلم قبل فتح مكة: (أحبك حبين حباً لك وحباً لحب أبي طالب) (4)والمعروف أن الايات الكثيرة التي نزلت قبل فتح مكة تؤكد على عدم المودة للمشركين.
الدليل الرابع: نزول الآية إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ سورة القصص ٥٦ في ابي طالب (5).
1) الطبري: جامع البيان ۳۱/۱۱.
2) الطبري: جامع البيان ۳۱/۱۱.
3) الشرح : ١١/٤ -٢. مع أن سعيد بن المسيب موثق عند علماء الجرح والتعديل، ابن حجر: تقريب التهذيب ٣٠٥/١ -٦، تهذيب التهذيب ٨٤/٤ -٨٥.
4) الشرح : ٧٠/١٤، وانظر الحاكم المستدرك ٦٦٧/٣، ابن عبد البر: الاستيعاب ٥٠٩/٢.
5) انظر تحليل الخنيزي: ابو طالب ص ٣١١، ٣٦١ -٣٧٦.
اولاً: ان نسبة الهداية إلى الله سبحانه وتعالى لا تقتصر على هذه الاية وانما هناك ايات كثيرة تشير إلى ذلك فعلى سبيل المثال قوله تعالى لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (1)، وإِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ (2)أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ (3)و مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (4). وغيرها.
غير ان هذه الهداية والضلال لا تأتي بالقوة ولكن الله سبحانه وتعالى اوضح للانسان الطريق الصحيح ومنحه الحرية لاختيار ما يشاء (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (5)فاذا ما اختار طريقالهداية فالله سبحانه وتعالى قادر على ان يضله، ولكن عدله سبحانه وتعالى يابى ذلك وإذا ما اختار طريق الضلال فالله قادر على هدايته ولكنه تعالى لا يستخدم الجبر في ذلك أي ان فحوى الايات ان ایمان الانسان وضلاله ليس خارجاً عن قدرة الله سبحانه وتعالى.
اذن فهناك آيات كثيرة نزلت بهذا المعنى فلا يوجد داع لتخصيص هذه الاية دون غيرها في ابي طالب.
ثانياً: ان قوله تعالى (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) هذا الخطاب لا يعني انه موجه للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقط، بل هو موجه لكل من سار في طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ثم أن لفظه (انك) التي تفيد المفرد قد تفيد الجمع، فالقرآن احياناً يستخدم المفرد ويريد الجمع واحياناً يستخدم الجمع ويريد المفرد وهذا موجود في اللغة العربية (6).
1) سورة البقرة الاية ٢٧٢.
2) سورة النحل: اية ٣٧.
3) سورة النساء: اية ۸۸.
4) سورة الكهف: اية ١٧.
5) سورة الانسان اية ٣.
6) وقد ورد هذا الاسلوب كثيراً في القران الكريم كقوله تعالى الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سورة آل عمران الآية،۱۸۱ نزلت في حي بن اخطب القرطبي: الجامع ٢٩٤/٤. وقوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ سورة البقرة: الآية ٢٠٤ نزلت في الاخنس بن شريق الواحدي: أسباب النزول: ص ۳۹. وقوله تعالى وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ سورة النور: الآية ٣٣. نزلت في غلام حويطب بن عبد العزى الواحدي اسباب النزول ص۲۱۹.
ثالثاً: ان روايات نزول هذه الاية في ابي طالب كلها مروية عن اشخاص لم يشهدوا زمان ابيطالب او معاينته حال الوفاة وهم:
١. رواية مصدرها - ابو هريرة - وهو صحابي من اهل البحرين جاء إلى المدينة واسلم في السنة السابعة للهجرة في فتح خيبر، أي بعد وفاة ابي طالب بعشر سنين ولم تشر الرواية لمصدر ابي هريرة (1).
٢. رواية عن ابي سهل السري بن سهل، عن عبد القدوس، عن أبي صالح عن ابن عباس، والمعروف ان ابا سهل ضعيف الحديث، بل مجهول العين والحال (2). اما عبد القدوس بن حبيب الكلاعي من اهل الشام فلم يكن ابن المبارك يفصح بقوله كذاب إلا لعبد القدوس هذا وقال الفلاس: اجمعوا على ترك حديثه، وقال النسائي: ليس بثقة (3).
ومصدر الرواية ابن عباس الذي كان يوم وفاة ابي طالب رضيعاً (4). فمن الذي اخبره بالرواية (5)؟ هل هو اباء الذي اكد ان ابا طالب قال كلمة التوحيد في اخر لحظات حياته.
1) انظر الرواية لدى السيوطي: الدر المنثور ١٣٣/٥.
2) الذهبي میزان الاعتدال ٥٣٥/٤.
3) ابو زرعة الضعفاء ۸۱٥/٣ الذهبي: ميزان الاعتدال ٦٤٢/٢. ابن ابي حاتم الجرح والتعديل ٠٥٦/١/٣.
4) الطبري: المنتخب ص ٥٢٤ ابن حزم جمهرة ص ١٨ ابن عبد البر: الاستيعاب ۹۳۳/۳ ابن الاثیر اسد الغابة.۱۹۳/۳.
5) انظر الرواية لدى السيوطي الدر المنثور ۱۳۳/٥.
الكذاب ايضاً إلى ان تنتهي إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب والمعروف ان ابن عمر كان عمره وقتذاك سبع سنوات (1)ولا يتصور أنه حضر وفاة ابي طالب فمن الذي اخبره بذلك؟ (2)
فهذه الروايات برواتها الضعفاء والكذابين يمكن القول انها وضعت ونسبت إلى الصحابة.
الدليل الخامس: قول الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): أن عمك الضال قد قضي! فما الذي تأمرني فيه؟
اولاً: هل هذا الكلام الصادر من الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابحق ابيه يتناسب مع خلق الامام الذي هو من خلق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) !!!
ثانياً: اذا كان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ناقماً على ابيه فاين كان عنه؟ فهل سمعنا او قرأنا ان عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ناقش اباه يوماً على الضلالة؟ وينسحب الامر إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حيث لم نقرأ انه دعا عمه ابا طالب إلا في اللحظات الاخيرة من حياته وهـو امـر غـيـر،مستبعد لان تلقين الميت بالشهادتين من السنة المباركة.
ثالثاً: اليس من اغرب الغرائب ان يموت شيخ البطحاء، وهو الذي كان السند والعمود لدعوة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لعشر سنوات والنبي محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بعيد عنه، ثم يموت ولا احد بجواره لدرجة ان الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحتار في امره فيأتي إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يطلب الاذن فيه، يقول له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): اذهب فواره فاين ابناء عبد المطلب العشرة؟ اين بقية بني هاشم؟ اين زعماء قريش؟ أيموت ابو طالب بهكذا وضع وكأنه من عامة الناس.
رابعاً ان سند الرواية مطعون فيه وهو عن سفيان بن عينيه عن ابي اسحاق، عن ناجية ابن كعب قال: قال علي الا: ان عمك...).
اما سفيان بن عينية فمع انه حافظ فقيه، امام حجة، وثقة، وقد اجتمعت الامة على الاحتجاج به لكنه كان يدلس عن الثقات، وقد تغير حفظه واختلط في سنة ۱۹۷هـ (1).
ابو اسحق السبيعي: هو عمرو بن عبد الله الهمداني، يشار إلى أنه كان عابداً ثقة وقد ولد ايام الخليفة عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وراى الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) واسامة، ولكنه في عهد معاوية كان يتقاضى منه ثلاثمائة دينار فى الشهر، وهذا يوجب التوقف فى امره؟ والتساؤل عن سر ذلك؟ ويشار إلى انه اختلط في اخر حياته، واخذ ينسى وتغير حفظه ويقال ايضاً انه افسد حديث اهل الكوفة (2)
اما ناجية بن كعب، فقد توقف ابن حيان في توثيقه ولم يحدث عنه ـه إلّا أبو اسحق السالف الذكر (3).
الدليل السادس: لم ينقل عن ابي طالب انه صلى:
اولاً: اذا كان ابو طالب لم يعلن اسلامه قولاً، اتجده يعلن صلاته فعلاً، فان كان قد تستر على القول فالفعل أولى بالتستر !
ثانياً: ان الصلاة يومذاك لم تكن واجبة (4)، بل نافلة فمن شاء صلى، ومن شاء ترك لان المسلمين كانوا تحت انظار المشركين.
ثالثاً: هل نقل عن جميع ممن اسلم في مكة أنه صلى!
الدليل السابع: عدم اخذ الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) و جعفر من تركه ابيطالب (5).
اولاً ما هي هذه التركة التى تركها ابو طالب؟ او ليس ابو طالب هو ذاك
الفقير الذي ساد مكة وما ساد فقير قبله او ليس ابو طالب هو الذي ترك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والعباس يأخذ ولديه علياً وجعفراً حتى يخففا عنه اثقال المعيشة لانه كان فقيراً؟
ثانياً: ولنفترض انه كان لديه تركة، فاي شيء يبقى منها في ذلك الزمن الصعب؟ بل ما الذي بقى من اموال خديجة وهي من كبار اغنياء مكة، حتى اصبحت في ايام حصار الشعب تجلس على حصير ولا تجد لها طعاماً، حيث انفقت اموالها في خدمة الدعوة الاسلامية (1)، فاذا كان هكذا يؤول حال خديجة فما ظنك بابي طالب !!؟
الدليل الثامن: رواية الضحضاح (2)في النار.
فحوى هذه الرواية ان العباس بن عبد المطلب سأل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): ما اغنيت عن عمك، فانه كان يحوطك ويغضب لك. قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): هو في ضحضاح من النار، ولولا انا لكان في الدرك الاسفل، وفي رواية وجدته في غمرات النار فاخرجته إلى ضحضاح. وفي رواية: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه.
يمكن مناقشة النص اعلاه في الحيثيات الاتية (3).
اولاً: المعروف في العقيدة الاسلامية ان من يموت مشركاً فان له نار جهنم خالداً فيها ابداً، فهو ممن لا يغفر له يقول تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (4).
ثانياً: ان الشفاعة في العقيدة الاسلامية منحصرة باهل التوحيد فقط، اما من
كان ليس بموحد فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (1).
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قيل لي: سل فان كل نبي قد سأل فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله (2)وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (شفاعتي لمن شهد لا إله إلا الله مخلصاً وان محمداً رسول الله يصدق لسانه قلبه وقلبه لسانه) (3)
ثالثاً: اما مسألة التخفيف فى العذاب فقد انكره القرآن الكريم في أكثر من اية، قال تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (4). وقال وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (5)وقال خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (6)وقال وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (7)والعهد هنا شهادة لا إله إلا الله والقيام بحقها (8).
رابعاً: ان الرواية مطعون في سندها فمن رواتها:
سفيان الثوري الذي وان كان ثبتا حجة متفقا عليه، وله نقد وذوق ولكنه كان يدلس عن الضعفاء ويكتب عن الضعفاء ويكتب عن الكذابين (9).
عبد الملك بن عمير بن عمير اللخمي يوصف بانه من اوعية العلم تولى قضاء
1) سورة المدثر: الآية ٤٨.
2) ابن حنبل: المسند ٤٤٤/٢ المنذري: تهذيب الترغيب والترهيب ٥١٩/٤. وهناك ما يماثله في مسلم الصحيح ٧٤/٣ الترمذي: صحيح ٢٩٥/٢.
3) ابن حنبل المسند. ۳۰۷/۲، ۵۱۸.
4) سورة فاطر: الآية ٣٦.
5) سورة النحل: الآية ٨٥.
6) سورة البقرة الآية ١٦٢، سورة آل عمران الآية ۸۸.
7) سورة مر ة مريم الآيات ٨٦ -٨٧.
8) القرطبي: الجامع ١٥٤/١١ تفسير البيضاوي ٤٠/٢. تفسير ابن كثير ١٣٨/٣.
9) ابن أبي حاتم الجرح والتعديل ۲۲۵/۲/۱، الذهبي: ميزان الاعتدال ١٦٩/٢. ابن حجر: تقريب التهذيب ۳۱۱/۱.
الكوفة بعد الشعبي ويقول ابن حجر أنه فقيه ثقة ولكنه تغير حفظه، وربما دلس ومات وله من العمر مائة وثلاث سنين، وقال الذهبي ولكنه طال عمره وساء حفظه وقال ابن ابيحاتم (ليس بحافظ تغير حفظه). وقال احمد ضعيف، يغلط. وقال ابن معین،مخلط وقال ابن خراش كان شعبه لا يرضاه. وذكر الكوسج عن احمد أنّه ضعف جدا ولكن العجلي وثقه، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الذهبي: الرجل من نظراء ابي اسحق السبيعي وسعيد المقري لما وقعوا في هرم الشيخوخة، نقص حفظهم وساءت أذهانهم ولم يختلطوا (1).
عبد الله بن يوسف التنيسي: اختلف علماء الجرح والتعديل فيه، ففي الوقت الذي قال فيه الذهبي انه (الثقة شيخ البخاري) فقد ضعفه ابن عدي واورده في الضعفاء، وشك وشك يحيى بن بكر فى سماعه من الامام مالك، وكان التنيسى من اهل الشام (2).
الليث بن سعد كان احد الاعلام والائمة الاثبات وحجة بلا نزاع عند الذهبي، ولكن ابن معين اشار إلى انه كان يتساهل في الشيوخ والسماع (3).
يزيد بن عبد الله الهادي: هو من ثقات التابعين وعلمائهم عند الذهبي ولكن ابا عبد الله بن الحذاء أورده في باب من ذكر بجرح من رجال الموطأ وكان يروي عن كل احد (4).
عبد العزيز بن محمد بن عبيده الداوردي: قال الذهبي: صدوق من علماء اهل المدينة، ولكن غيره اقوى منه وقال احمد بن حنبل اذا حدث من حفظه ليس هو بشيء واذا حدث من كتابه فنعم، وإذا حدث من حفظه جاء ببواطيل، وفي
الوقت الذي وثقه ابن المديني فقد قال فيه ابن ابي حاتم: لا يحتج به، وقال ابو زرعة سييء الحفظ، فيما ارتقي به معن بن عيسى يصلح الداوردي ان يكون امير المؤمنين (1).
اما بالنسبة إلى ادلة القائلين باسلامه
فقد توقفنا عند الادلة التالية:-
٢. الدليل الرابع: قول الامام علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): (انك ان لم تقر بايمان ابي طالب كان مصيرك إلى النار) الملاحظ ان المقصود هو ممن قامت لديه البيئة على ايمان ابي طالب ومع ذلك انكره لمآرب اخرى كأن يكون البغض للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإلا فلا يؤخذ هذا النص على ظاهره في حالة صحته.
٤. الدليل السادس: قول ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): لانا كنت اشد فرحاً: باسلام عمك أبي طالب مني باسلام ابي، التمس بذلك قرة عينك.
1) ابن ابى حاتم: الجرح والتعديل ٣٩٥/٢/٢ -٦، ابو زرعه الكامل في الضعفاء ٤٢٥/٢. ميزان الاعتدال ٦٣٣/٢ -٦٣٤. ابن حجر: تهذيب التهذيب /٣٥٣/٦ -٥. تقريب التهذيب ٥١٢/١.
اذا كان اسلام ابي طالب في بدء الدعوة الاسلامية فلا معنى لفرح الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، او ابيبکر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لان اسلامه کاسلام أي من المسلمين الاوائل، اما إذا كان اسلامه في لحظات الموت، ولذلك فرح الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) به تبعا لذلك فرح ابو بکر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، فان هذا ما لا يقوله القائلون باسلام ابي طالب، فكيف يعتبرونه دليلاً على،اسلامه بل ان النص اعلاه يفيد عدم اسلام ابي طالب، أي ان ابا بكر كان يتمنى اسلام ابي طالب ولو اسلم لكان اشد فرحاً به من اسلام ابيه.
اما بالنسبة إلى التشريع فهذا كان في المدينة حيث شرعت الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد وغيرها.
٣) قوله تعالى وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (1)هذا خطاب للمسلمين من الرجال باطلاق النساء الكافرات ثم ان الآية نزلت في المدينة (2).
٦. الدليل السابع عشر: حينما حضرت ابا طالب الوفاة تكلم بكلام خفي حبة الله فانصت له العباس، وقال للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): يا ابن اخي والله لقد قالها عمك، ولكنه ضعف أن يبلغك صوته.
إذا صحت هذه الرواية وهذا الموقف من العباس، فلماذا لم يسلم هو، ثم هذا يعني ان ابا طالب اسلم في اللحظات الاخيرة والقائلون باسلامه يقولون: أنّه اسلم منذ يوم الانذار.
والاولى ان يقال في ذلك ان ما قاله ابو طالب في اللحظات الاخيرة لا يعني بدء اسلامه و انما هو التشهد الذي يقوله المحتضر ساعة الاحتضار كما تؤكده السنة المشرفة.
.٧ الدليل التاسع عشر والثالث والعشرون: ان شعر ابيطالب دلیل ایمانه ان من يقرأ شعر ابي طالب او يسمعه يقطع بايمانه اذا يا ترى ما هو موقف مشركي مكة من هذا الشعر، فهل كان ابو طالب يقوله بعيداً عن اسماع المشركين؟ نجد ان بعضه قاله بوجه المشركين وبمسمع منهم؟
والملاحظ أن فترة المقاطعة قد تكون حدا فاصلاً بين فترتين متميزتين من حياة أبي طالب بعد ظهور الاسلام إلا وهي فترة السر وهي الفترة السابقة
للمقاطعة، ولكن حينما ادرك المشركون ان ابا طالب قد امن بدعوة ابن اخيه لذا اصدروا بحقه اقسى العقوبات إلا وهي المقاطعة، حيث كان ابو طالب هو كبير المقاطعين والمحصورين فدعا بني هاشم لنصرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وتأييده واستنكر موقف القريشيين هذا شعراً.
فهل ان شعر ابي طالب جاء بعد المقاطعة؟ خاصة إذا علمنا ان القائلين باسلامه يقولون بان ابا طالب كتم اسلامه بغية حماية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)؟ فكيف يتأتى ذلك مع شعره الصريح بايمانه!!؟
اما بالنسبة إلى موقف ابن ابي الحديد السلبي وعدم اتخاذه قراراً واضحاً معتمداً على الدليلين الاول: تعارض ادلة القائلين ببقائه على دين قومه مع ادلة القائلين باسلامه.
والواقع انه لا يوجد تعارض وذلك لان عدد الادلة التي ساقها لبيان بقائه على دين قومه لا تتجاوز التسع ادلة بينما اورد ثلاثة وعشرين دليلاً على ايمانه وفي هذا نجد موقفاً خفياً لابن ابي الحديد.
الثاني ما ورد في رسالة محمد ذي النفس الزكية إلى الخليفة العباسي ابي جعفر المنصور سنة ١٤٥ هـ وقول ذي النفس الزكية فيها: انا ابن خير الاخيار وانا ابن شر الاشرار)، فان هذه شهادة منه على ابى طالب بالكفر وهو ابنه وغير متهم عليه) واضاف: وعهده قريب من عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولم يطل الزمان فيكون الخبر مفتعلاً.
نظرة فى رسالة محمد ذو النفس الزكية
هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب من كبار رجالات اهل البيت خلقا وعلما حتى سمى بذي النفس الزكية لزهده ونسكه وحينما لاحت علامات ضعف و انحلال الدولة الأموية، اخذ رجالات البيت
الهاشمي بعقد الاجتماعات ومداولة الرأي، وقد عقد في الابواء اجتماعان، كان الاول سنة ١٢٦هـ اما الثانى سنة ۱۲۹ هـ لبيعه ذي النفس الزكية فلم تتم فيهما البيعة لان الدعوة العباسية كانت قد اتت اكلها، وسرعان ما قامت الدولة العباسية فاختفي محمد ولم يبايع لابي العباس السفاح ١٣٢ -١٣٦، وقد اراد الاخير ان يقدم صورة لخلافة هاشمية، فلم يتعرض لابناء عمه العلويين، ولكنه لما جاء أبو جعفر المنصور (١٣٦ -١٥٨)، لم يقتنع إلا ببيعة محمد، متخذاً جملة من الإجراءات التي اضطرت محمداً للخروج في المدينة، وهنا اشارت المصادر إلى ان الخليفة وجدها فرصة للاعلان عن الرؤية العباسية في نظرية الخلافة، فكانت ثلاث رسائل تبودلت بدأها المنصور، واجاب محمد عن الاولى ثم اعاد الخليفة الجواب، فيما لم تشر المصادر لرسائل جوابية ثانية من محمد لتكون اربع رسائل وكان من جملة ما ورد في رسائل محمد عبارة (انا ابن خير الاخيار وانا ابن شر الاشرار) (1).
هنا النظرح عدة حيثيات حول ذلك:-
اولاً: ان هذه الرسائل (2)انما كتبت لاثبات من هو الاحق بمنصب الخلافة، اذن يجدر بمحمد ان يبحث عن أدلة تؤيد احقيته، فهل يعقل ان نجد محمداً يسجل
1) البلاذري، انساب الاشراف ۷۵/۲ -۱۳۵ مؤلف مجهول اخبار العباس وولده ص ٣٨٥ -۶، ۳۸۸ -۹ الطبري: تاريخ ٥١٧/٧ -٦٠٩. ابو الفرج: مقاتل الطالبين ص ۱۵۷ -۲۰۰، مؤلف:مجهول العيون والحدائق ص ۲۳۰ -۳۵۰. القالي ذيل الامالي ص ۱۲۰. ابن عنبه عمدة الطالب ص ١٠٣ -١٠٥.
2) انتظر هذه الرسائل في البلاذري، انساب الاشراف ٩٥/٢ -١٠٢. المبرد: الكامل في اللغة.. والادب ١١٣/٤ -٣٠، الطبري: تاريخ ٥٦٥/٧ -٥٧١ ابن عبد ربه العقد الفريد ٨٥ -٧٩/٥ الازدي: تاريخ اليوصل ۱۸۲ -۱۸۷ مؤلف مجهول: العيون والحدائق ص ٢٤٠ -٢٤١. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۲۲۱ -٢٢٤. القلقشندي: صبح الأعشى ۲۳۱/۱ -۵ صفوة جمهرة رسائل العرب ٨٤ -٩٦ وانظر تحليل لهذه الرسائل، عمر العباسيون الأوائل ١١٨/١ -١٣٤. ٤/٣.
على نفسه وبقلمه عند خصمه هذا الدليل الذي يعد طعنا فيه لاله؟ كيف يجوز لعاقل ان يظن صدور مثل هذا القول من محمد وهو فى وقت مملوء حماساً وافتخاراً؟ وإذا كان محمد ابن شر الاشرار فاي فخر يبقى له؟!! (1)
ثانياً: لو قبلنا بصحة ذلك جدلا فهل هناك من يقول ان انا طالب نشر الاشرار فهل هو شر من ابي لهب الذي صرح القرآن به وأبو جهل فرعون هذه الأمة والوليد بن المغيرة الذي توعده القرآن بسقر (2).
ثالثاً: ولو تنزلنا بعد وقلنا بصدور ذلك من ذي النفس الزكية فما هو الدليل على ان قصد محمد بشر الاشرار هو ابو طالب فقد يكون قصده جده لأمه، عبد العزي، فأم محمد هي هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن اسد بن عبد العزى، وكان عبد العزى من مشيخة قريش ومشركيهم (3)وقد يقصد جده زمعة بن الاسود (4)، احد المناوئين للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
رابعاً: يرى ابن ابي الحديد انه لا يمكن القول بافتعال ذلك على محمد لان عهده قريب من عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فلم يطل الزمان حتى يكون الخبر مفتعلاً.
ان المتتبع لما ورد في شرح ابن ابي الحديد يكاد يقطع بان ابن ابي الحديد لا يقتنع نفسه بهذا الدليل - حيث اكد في مناسبات عدة على أن مسألة الوضع في الحديث قد بدأت في عهد معاوية، حتى أن الاخير وضع اشخاصاً لهذا الغرض (5)مع ان الامام علياً يرى ان الوضع في الحديث قد بدأ في عصر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولذا
نجده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يتوعد أولئك ويقول: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار (1).
فاذا كان الوضع قد افتعل على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في زمانه فمن باب اولی ان نجده في العصور اللاحقة، ولا داعي للافاضة في هذه المسألة فهي من المسلمات.
خامساً: بدأ المنصور بارسال رسالة ممزوجة بالترغيب والترهيب إلى،محمد وكانه اراد استثارته حتى إذا جاءت رسالة محمد الجوابية، نجد الخليفة وكأنه يريد ان يوضح نظرية العباسين في الخلافة، محاولاً ابطال النظرية العلوية إلا اننا بعد ذلك لا نجد رسالة لمحمد للاجابة على النظرية التي طرحها الخليفة؟ فهل هذا يعني أقتناع محمد بما جاء به المنصور؟ او رأى ان الاجابة لا تجدي نفعاً؟ ام ان هناك رسالة ولكن يدا خفية اخفتها؟؟
سادساً: ان محمداً قد قتل وتشتت اصحابه بين القتل والسجن والتشريد فلم يكن لدينا مصدراً عن هذه الرسائل الا بلاط الخليفة العباسي !!؟.
سابعاً: ولنأت الان إلى مصدر هذه الرسائل ورواتها:
۲. مصدرها لدى الطبري: قال الطبري: قال عمر بن شبة: حدثني محمد بن يحيى قال: نسخت هذه الرسائل من محمد بن بشير وكان بشير يصححها وحدثنيها أبو عبد الرحمن من كتاب اهل العراق والحكم بن صدقة بن نزار وسمعت ابن أبي حرب يصححها، ويزعم أن رسالة محمد لما وردت على ابي جعفر قال ابو ایوب دعني اجبه عليها فقال: ابو جعفر لا بل انا اجيبه اذا تقارعنا على الاحساب فدعني واياه.
بدءاً يتضح ان هناك شكوكاً في الرسائل ولذا نجد محمداً بن بشر يصححها، ولا ندري ماذا يقصد بالتصحيح؟ ويذكر لفظه (ويزعم) وهى من الفاظ التمريض والشك.
اما بالنسبة إلى الرواة، فابن أبي حرب، لم نجد شخصا بهذا الاسم، وقد يكون ابن حرب الذي ذكره البلاذري ولاحظنا القول فيه.
الحكم بن صدقة بن نزار: لم اجد في كتب التاريخ او الجرح والتعديل شخصاً بهذا الاسم حيث اطلعت على كتاب الجرح والتعديل لابن ابي الحاتم وميزان الاعتدال للذهبي وتقريب التهذيب وتهذيب التهذيب لابن حجر وغيرها.
ابو عبد الرحمن: ذكر الذهبي سبع اشخاص بهذه الكنية وقد طعن فيهم كلهم.(1).
محمد بن بشر: ذكر الذهبي ستة اشخاص بهذا الاسم ولم يسلم احد من تجريحه (2).
محمد بن يحيى قال فيه محمد ابن ابي حاتم: شيخ وقال السليماني: حديثه منكر، وقال النسائي: ليس به بأس وذكره ابن حيان في الثقات، وقال: ربما خالف وقال عمر بن شبه كان كاتباً وابوه كاتباً وجداه كاتبين وكان عمه كاتباً بينما عده ابن حزم مجهولاً، اما الدار قطنى وابن حجر الدارقطني فقالا فيه ثقة (3).
فبالنسبة إلى عبد العزيز بن عبد الله البصري فقد قال فيه الذهبي (تكلم فيه
ابن عدي وقال: هو القرشي البصري، ثم ساق له احاديث تستنكر، وقال عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات((1).
في حين عجزت كتب الجرح والتعديل ان تجد لها مكاناً تضع فيه عثمان بن سعيد بن سعد المدني، حيث لم اجد له ذكراً في كتاب الجرح والتعديل لابي ابي حاتم ولا الكامل في الضعفاء لابن عدي ولا ميزان الاعتدال للذهبي ولا تقريب التهذيب وتهذيب التهذيب لابن حجر. اذن فهو من مجاهيل الرواة، ان لم يكن مختلقاً.
والان لنطرح سؤالاً:
لماذا قام ابو طالب بنصرة النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)؟
ان أي دارس للدعوة الاسلامية فى مكة المكرمة يجد ان ابا طالب كان عماد هذه الدعوة (2)الذى ما ان زال حتى بان الضعف فيها، فاعطى الاعداء الفرصة لمحاولة الاجهاز عليها.
قبدءا نجد ابا طالب يحتضن الدعوة منذ يوم الانذار (3)، ونجده يجيب
1) ابن عدي الكامل في الضعفاء ٥١١/٦ -۲، الذهبي: میزان الاعتدال.۶۳۰/۲.
2) يقول ابن كثير: (وقد قدمنا ما كان يتعاطاه ابو طالب من المحاباة والمحاجة والممانعة عن الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والدفع عنه وعن أصحابه وما قال فيه من الممادح والثناء، وما اظهره له ولاصحابه من المودة والمحبة والشفقة في أشعاره التي اسلفناها وما تضمنته من العيب والتنقيص لمن خانقه وكذبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التي لا تدانى ولا تسامي ولا يمكن عربياً مقاربتها ولا معارضتها، وهو فى ذلك كله يعلم ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) صادق بار راشد ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه وفرق بين علم القلب وتصديقه كما قررنا ذلك في شرح كتاب الايمان من صحيح البخاري.... كان ابو طالب يصد الناس من أذية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ونفس ومال. ولكن مع هذا لم يقدر الله له الايمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة والحجة الفاطعة البالغة الدافعة التي يجب الايمان بها والتسليم لها ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاسغفرنا لابي طالب وترحمنا عليه). البداية والنهاية ١٢٦/٣.
3) حينما نزل قوله تعالى (وانذر عشيرتك الأقربين). سورة العشراء اية ٢١٤.
النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قائلاً لابي لهب (والله لننصر نه ثم لنعيننه. يا ابن اخي اذا اردت ان تدعو إلى ربك فاعلمنا حتى نخرج معك بالسلاح) (1).
وهنا اخذ النبي يباشر دعوته باسناد عمه، الذي بدوره اسند ولديه عليا وجعفرا ودعاهما لنصرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وخصص علياً للمنام في فراش الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) إذا ما احس بوجود خطر عليه يوما ما (2). ثم اخذ ابو طالب على عاتقه الرد بيد من حديد لكل من تسول له نفسه ايذاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بالقول او الفعل كما فعل مع ابــن الزبعري (3)، ومع أبي جهل (4).
ولما لم تجد قريش من وسيلة لايقاف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عن مواصلة دعوته عن لجأت إلى عمه أبي طالب تقدم الاقتراحات لتسوية الخلافات، وما كان من ابي طالب سوى القيام بدور ذكي وكأنه دور الوسيط فيبعث للنبي علي الله ويعرض عليه اقتراح،قومه، وحينما يرفض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) نجد ابا طالب يعلن تجديده لعهده بحماية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ودعوته اياه لمواصلة منهجه في الدعوة إلى التوحيد (5).
ولما شعر المشركون بان ابا طالب وكأنه شريك للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في دعوته قرروا ان تكون العقوبة شاملة لابي طالب فكانت مقاطعة قريش لبني هاشم جميعاً (6).
وفي الواقع ان المقاطعة انما كانت سلاحاً موجهاً ضد أبي طالب لارغامه على ترك حماية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واما مقاطعة بني هاشم فلعلمهم بانهم تبع لابي طالب فاذا ما تم تني ابى طالب عن عزمه فهنا ينتهى دور بنى هاشم بصورة طبيعية مما
1) اليعقوبي: ٢٤/٢.
2) الشرح 13/ 200،14/53، 64، 75/ 6. ابو نعيم دلائل النـ بوة ٢٢٧/١.
3) أنظر القرطبي: الجامع 6/261.
4) الشرح : ٧٢/١٤، وانظر ابن معد: الحجة ص ٢٢٤.
5) الشرح : ٥٣/١٤ -٥، ٧٤ وانظر الطبري: تاريخ ٣٢٣/٢ -٧. الحاكم المستدرك ٦٦۷/۳. الواحدي: اسباب النزول ص ٢٤٦.١٤٩ -٧. النويري: نهاية الارب ١٩٩/١٦ - ٢٠٢.
6) الشرح : ٥٨/١٤ -٦١. وانظر اليعقوبي: التاريخ ٢٦/٢ -٢٧. الطبري: تاريخ ۳۳۵/۲، ٣٤١ -٣٤٣۔
يسهل عليهم الاجهاز على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
ولكننا نجد ابا طالب يهب داعياً بني هاشم لنصرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وتأييده ولما رأى استجابتهم سره ذلك واعلن ذلك شعراً (1)، ولم يكتف بذلك بل اعلن استنكاره، على قريش فعلهم هذا نظماً ونثراً واعتبره مثلبة لقريش (2).
وعلى مدى ثلاث سنوات عانى ابو طالب الأمرين من اثر الحصار حتى إذا علم النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بان صحيفة المشركين قد اكلتها الارضة إلا ما كان من (باسمك اللهم) جاء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واخبر عمه، الذي سرعان ما ذهب إلى اندية قريش مخبراً اياهم بما اخبره به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وهو على ثقة من كلام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (3). وبذلك اعلن ابو طالب فشل مقاطعتهم وخرج بنو هاشم من الحصار الذي كان تجربه قاسية ومثلاً أمثلة التضحية والاباء.
وما هى الا ايام حتى كان ابو طالب يعيش في اخر ايامه فدعا قريشاً وأوصاهم ومن جملة وصاياه اوصاهم بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) خيراً (4).
ان الملاحظ على ذلك أمران: الاول: ان كان ابو طالب على دين عبد المطلب الذي هو كما يرى البعض دين الوثنية، إذ اليس الاجدر به أن يثأر لابيه صاحب المكانة الكبرى لدى قريش خاصة والعرب عامة؟ كيف يتسنى لابي طالب ان يحمى ابن اخيه حول امر هو اول المدانين عليه؟ فالنبي ع(عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يسفه
1) الشرح : ٥٦/١٤ -٦٤ وانظر: الطبري: تاریخ ۳۲۷/۲ -۳۲۸.
2) الشرح : 14/7۲ -۷۹/۳۰ وانظر: ديوان ابي طالب، ط بحر العلوم ص۱۷.
3) اليعقوبي: التاريخ ۲۷/۲. ابو نعيم دلائل النبوة ص ۲۲۸ -۹ ابن كثير: البداية والنهاية ۳/٩٧ السيوطي: الخصائص الكبرى ٣٧٥/١. النويري: نهاية الارب ۲۵۹/۱٦، الحلبي السيرة الحلبية ٣٧٣/٦ -٤. دحلان: اسني المطالب ص ١٥ -١٦. الشبلنجي: نور الابصار ص ۱۲.
4) سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۸. السهيلي: الروض الانف ٢۵۹/۱ السيوطي الخصائص الكبري ري ٢١٥/١. الديار بكري: تاريخ الخميس ٣٠٠/١ -١ الحلبي: السيرة الحلبية ۳۸۳/۱ دحلان: اسنى المطالب ص ٧ -8،62-63.
احلام المشركين ويطعن في عقولهم علنا وصراحة ويتوعدهم بالهلاك في الدنيا والجحيم في الآخرة فهل كان هذا الوعيد الذي يشمل المشركين لا يشمل ابا طالب ان كان مشركاً؟ وهل يشمل عبد المطلب ام لا؟
المعروف ان العصبية للاباء والاجداد اشد من العصبية للابناء (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (1)إذاً فحري بابي طالب ان كان مشركاً ان يثار لعقيدته وعقيدة ابيه التي سفهها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
الثاني: كان ابو طالب مع بدء الدعوة الاسلامية في قمة مجده فهو شيخ الابطح، واليه المرجع في الاحكام ليس لدى قريش فحسب بل عند العرب عامة حيث عد من الحكام وكان قد استنبط بعض الاحكام وعندما بدأت الدعوة الاسلامية نجد العباس لا يتخذ بشأنها قراراً قائلاً: (ننتظر رأي الشيخ) حيث ان ابا طالب قد حاز مجد ابيه السياسي والاجتماعي.
اذا ليس الاجدر بابي طالب ان يحافظ على هذا المجد ويقف امام أي محاولة للطعن فيه؟ ام انه وجد في دعوة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مجداً اعظم من جداً اعظم من ذلك المجد؟ فياترى ما هو المجد الذي جعل ابا طالب يمضى السنين العشر الأواخر من حياته في صراع مع قريش لفسح المجال للرسول الله لنشر دعوته !!؟.
بعد هذا التحليل يأتي التساؤل حول السر في توقف ابن ابي الحديد في امر اسلام ابي طالب فمن خلال تحليلات اخرى لابن ابي الحديد يتضح أن مسألة توقفه قد تكون مجرد مسألة توفيقية لا اعتقادية ومن هذه التحليلات:-
اولاً: اشار ابن ابي الحديد ان احد الطالبين في زمانه ولم يشر إلى اسمه وضع كتاباً حول اسلام ابي طالب، وقدمه إليه، ليكتب عليه بخطه اما شعراً او نثراً وليشهد بصحة ذلك بوثاقه الادلة عليه. ومن خلال بحثنا قد تبين لنا ان هذا الطالبى
1) سورة الزخرف الآية ۲۳.
هو- شمس الدين فخار بن معد الموسوي (1)احد شيوخ ابن ابي الحديد وقد وصل كتابه هذا الينا باسم (الحجة على الذاهب إلى تكفير ابي طالب) وقد اعتمده ابن ابي الحديد كثيراً في ايراد ادلة القائلين باسلام ابي طالب إلا انه لم يشر لذلك (2).
قال ابن ابي الحديد (فتحرجت ان احكم بذلك حكماً قاطعاً لما عندي من التوقف فيه، ولم استجز ان اقعد عن تعظيم ابي طالب فاني اعلم انه لولاه لما قامت للاسلام دعامة واعلم ان حقه واجب على كل مسلم في الدنيا إلى ان تقوم الساعة فكتبت على ظهر المجلد):
ولولا ابو طالب وابنه *** لما مثل الدين شخصاً وقاما
فذاك بمكة اوى وحاما *** وهذا بيثرب ب جس الحماما
تكفل عبد مناف بأمر *** واودى فكان علي تماما
فقل في ثبير مضى بعد ما *** قضى ما قضاه وابقى شماما
فلله ذا فاتحا للهدى *** والله ذا للمعالي ختاما
وما ضر مجد ابي طالب *** جهول لغا او بصير تعامی
كما لا يضر اياه الصباح *** من ظن ضوء النهار الظلاما
قال ابن ابي الحديد بعد ذلك: (فوفيته حقه من التعظيم والاجلال ولم اجزم بامر عندي فيه وقفه) (3)ولكن لنتساءل عن قول ابن ابي الحديد اعلاه: وما ضر مجد ابي طالب... فاننا لن نقرأ او نسمع ان احدا طعن في ابي طالب في شيء غير اسلامه، اذا فكل من طعن في ذلك عند ابن ابي الحديد هو (جهول لغا او بصير
1) هو النسابة السيد شمس الدين ابو علي فخار بن معد بن فخار بن معد بن احمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن ابراهيم المجاب بن محمد العابد بن الامام موسى الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ). توفي سنة ٦٠٣هـ وله مؤلفات عدة انظر ترجمته: البحراني: اللؤلؤة ص ۲۸۰، الخوانساري: روضات الجنات۲۳/۵، الامين، اعيان الشيعة ٢٦٢/٤٢ -٣. الاميني: الغدير ٤٠١/٧،
2) وقد اعتمده في مواضع اخرى أشار له مثل ٤/١٢،٤١/١، ٨٣/١٤، ٢٣/١٥.
3) الشرح : ٨٣/١٤ -٨٤.
تعامى) وهذا لا يضر مجد ابي طالب ولكن ماذا نقول لابن ابي الحديد إذا كان هو في صف أولئك ام ان هناك امراً خفياً !!!.
ثانياً: في حديثه عن اديان العرب قبل الاسلام قسم ابن ابي الحديد العرب إلى قسمين المعطلة وهم عباد الاصنام والكواكب، و وهم عباد الاصنام والكواكب، وادخل معهم اليهود لقولهم بالتجسيم والنصارى لقولهم بالتثليت. اما القسم الثاني: غير المعطلة: أي المتألهون وهم اصحاب الورع والتحرج عن القبائح وعدّ منهم عبد المطلب وولديه ابا طالب وعبد الله (1).
ثالثاً: عد ابن أبي الحديد أبوة ابى طالب من فضائل الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اذ يقول: (وما اقول في رجل ابوه ابو طالب سيد البطحاء وشيخ قريش ورئيس مكة) (2). وقال ايضاً: ان عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يدعى التقدم على الكل، والشـرف عـلـى الكل، والنعمة على الكل بابن عمه (صلى الله عليه واله) وبنفسه وبابيه ابي طالب فانه من قرأ علوم السير عرف ان الاسلام لولا ابو طالب لم يكن شيئاً مذكوراً) (3).
والظاهر ان هذا الرأي قد واجه نقداً فعقب ابن ابيالحديد قائلاً: (وليس لقائل ان يقول: كيف يقال هذا في دين تكفل الله تعالی با ظهاره سواء كان ابو طالب موجوداً أو معدوماً ! لانا نقول: فينبغى على هذا ان لا يمدح رسول الله (صلى الله عليه واله) ولا يقال انه هدى الناس من الضلالة، وانقذهم من الجهالة، وأن له الحق على المسلمين وانه لولاه لما عبد الله تعالى على الارض وإلا يمدح ابو بكر، ولا يقال: ان له اثر فى الاسلام وان عبد الرحمن وسعدا وطلحة وعثمان وغيرهم من الاولين فى الذين اتبعوا رسول الله (صلى الله عليه واله) لاتباعه لهم وان له يدا غير مجحودة فى الانفاق واشتراء المعذبين، واعتقاهم، وانه لولاه لاستمرت الردة بعد
الوفاة، وظهرت دعوة مسيلمة وطليحة، وانه لولا عمر لما كانت الفتوح ولا، جهزت الجيوش، ولا قوي امر الدين بعد ضعفه ولا انتشرت الدعوة بعد خمولها).
وأضاف: (فان قلتم في كل ذلك: ان هؤلاء يحمدون ويثني عليهم، لان الله تعالى اجرى هذه الامور على ايديهم ووفقهم لها، والفاعل بذلك بالحقيقة هو تعالى، وهؤلاء آلة مستعملة ووسائط تجري الافعال على ايديها فحمدهم والثناء عليهم، والاعتراف لهم انما هو باعتبار ذلك قيل لكم في شأن ابي طالب مثله) (1).
رابعاً: في شرحه الوصية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابنه الحسن بضرورة السير على سنة السلف الصالح، اشار ابن ابي الحديد ان الامامية وكثيراً من المعتزلة يرون ان ابا طالب من السلف الصالح (2).
خامساً عد ابن ابي الحديد ابى طالب من اباة الضيم في قوله عند نصرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)
كذبتم وبيت نخلى محمداً *** ولما نطاعن دونه و نناضل
وننصره حتى نصرع حوله *** ونذهل عن ابنائنا والحلائل (3)
وقد قيض الله تعالى للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أماً تعد من شواخص نساء التاريخ وهي السيدة فاطمة بنت اسد بن هاشم (4). الزوجة الوحيدة لابي طالب فانجبت له اولاده الخمسة طالباً وعقيلاً وجعفراً وعلياً وام هانيء. وهي أول هاشمية تلد لهاشمي، اسلمت بعد عشرة من المسلمين فكانت الحادية عشرة، وهي اول امرأة بايعت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من النساء.
كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يكرمها ويعظمها ويدعوها (امي) لانها هي التي احتضنته صغيراً منذ كان في السادسة من عمره حيث توفت امه امنة بنت وهب، فاوصى عبد المطلب برعايته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لابي طالب.
وقد هاجرت فاطمة إلى المدينة، ولما حضرتها الوفاة أوصت إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقبل وصيتها وصلى عليها، ونزل في لحدها، واضطجع معها فيه، بعد ان البسها،قمیصه فقال له:اصحابه انا ما رأيناك صنعت يا رسول الله باحد ما صنعت بها. فقال: انه لم يكن احد ابر بي منها انما البستها قميصى لتكسى من حلل الجنة واضطجعت معها ليهون عليها ضغطة القبر (1).
تجدر الاشارة إلى أنها من الموحدين قبل الاسلام ولم يؤثر عنها انها سجدت لصنم (2)حتى تشير الروايات انها اتخذت من الكعبة مكاناً لولادة ابنها الاصغر علياً كما سنرى في الفصل القادم.
يخلص ابن ابي الحديد (3)في شأن نسب الامام للقول: (فآباؤه اباء رسول الله وامهاته امهات رسول الله وهو منوط بلحمه ودمه، لم يفارقه منذ خلق الله ادم إلى ان مات عبد المطلب بين الاخوين عبد الله وابي طالب وامهما واحدة فكان منهما سيدا الناس هذا الاول وهذا التالي، وهذا المنذر وهذا الهادي) (4).
وممن كان يفتخر به الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمه (حمزة) (5)الذي اسلم مع بواكير الدعوة
1) الشرح : ۱ ١٣/١ -١٤، وانظر: الصاحب بن عباد عنوان المعارف ص٤٣. ابو الفرج: مقاتل الطالبيين ص ٤ - ٥. الحاكم المستدرك ۱۱۷/۳.
2) الشبلنجي: نور الابصار ص ٧٦.
3) الشرح : ٣٠/١.
4) اشارة لقوله تعالى: (انما انت منذر ولكل قوم هـاد) سورة الرعد: الآية. حيث يشار إلى نزولها في النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) باعتباره المنذر، والامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الهادي انظر الطبري: جامع البيان ۱۰۸/۱۳، الحاكم المستدرك ١٤٠/٣ ابن كثير: البداية والنهاية ٣٥٨/٧ -٩.
5) انظر ترجمته: ابن عبد البر: الاستيعاب ٣٦٩/١ -٣٧٥ ابن الاثير اسد الغابة ٤٦/٢ -٥٠. ابن حجر الاصابة ٣٥٣/١ -٣٥٤.
الاسلامية، وكان لنصرته للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مدعاة لارتياح ابي طالب الذي مدحه.بشعره. وقد تميز حمزة بالشجاعة حتى عرف باسد الله واسد رسول الله، لذلك نجده مع الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و عبيدة بن الحارث أول من يتقدم لحرب المشركين في اول مناجزة عسكرية.
وكان ممن ثبت يوم احد حيث استشهد، وترك مقتله اثراً سلبياً في نفس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (1).
وكان الامام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يفتخر به ويقول:
محمد النبي اخي وصهري *** وحمزة سيد الشهداء عمي (2)
ويرى ابن ابي الحديد (3)انه لو كان حمزة حياً لما بايع علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) بل كــان يدعو إلى نفسه لانه كان جباراً، قوي النفس شديد الشكيمة ذاهباً بنفسه، شجاعاً بهمه، وهو العم والاعلى سناً، واثاره في الجهاد معروفة.
والظاهر ان ابن ابي الحديد اراد ان يعرف وجهة نظر الامامية في هذه المسالة. فتوجه إلى شيخه النقيب ابو جعفر (4)الامامي المذهب فكان رأي النقيب؛ ان هناك من الادلة التي تثبت ان حمزة لو كان حياً لتابع علياً ولبايعه، ومن هذه الادلة:
١. ان حمزة (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) كان صاحب دين متين، وتصديق خالص للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
٢. ان حمزة لو عاش لرأى من احوال الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ما
1) لا زالت سيرة - حمزة بن عبد المطلب - موضع اهمال من قبل الباحثين، حيث انه يمثل أنموذجاً للفروسية عند العرب.
2) الشرح 122/4. وانظر: ابن المغازلي: مناقب ص ٤٠٤. ابن طلحة: مطالب السئول ص ۳۰. الطبرسي: الاحتجاج ۱۱۲/۱ المازندراني: مناقب آل ابي طالب ۱۹/۲، سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۱۰۷. الهيتمي: الصواعق المحرقة ١٣٠.
3) الشرح ١١٥/١١.
4) لمزيد من التفاصيل عنه انظر: مصطفى جواد ابو جعفر النقيب ص ٨ وما بعدها.
يدفعه لمتابعته وبيعته.
٤. اين هيولانية (1)نفس الحمزة، وخلوها من العلوم من نفس علي القدسية التي ادركت بالفطرة لا بالقوة التعليمية، ما لم تدركه نفوس مدققي الفلاسفة الالهيين ! فلو ان حمزة (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) كان قد بقي حياً ورأى من علي ما رأى غيره لكــان اتبع من ظله واطوع له من ابي ذر والمقداد.
٥. اما كون حمزة العم والا على سناً، فكذلك كان العباس، وقد بذل خدماته والاعلى لعلي، ثم ان الاعمام ما زالت تخدم ابن الاخ كما فعل ابو طالب وحمزة والعباس في موقفهم من ابن اخيهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وكما خدم اولاد على العباسي ابن اخيهم ابا العباس السفاح (2).
ويرى ابن ابي الحديد ان لقب «سيد الشهداء» الذي اطلق على حمزة (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)يقصد منه الشهداء في حياة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولا يشمل عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لان علياً افضل من حمزة وسيده، بل هو سيد كل الناس، وهذه المسألة لا خلاف فيها بين المعتزلة (3).
وممن كان يفتخر به الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويعد من فضائله اخوه جعفر بن ابي طالب (4)حيث يقول فيه مفتخراً
وجعفر الذي يضحى ويمسى *** يطير مع الملائكة ابن امي (5)
1) هي القوة القوة في الانسان وهى فى النفس بمنزلة القوة الناظرة فى العين. انظر: الخوارزمي: مفاتيح العلومبنسي مذهب الذرة ص ٤١ -٦. صليبا: المعجم الفلسفي ٥٣٦/٢ -٧.
2) الشرح ١١٥/١١ -١١٦.
3) الشرح ۱۹۳/۱۵ والى هذا الرأي يذهب أيضاً الحسن البصري الشرح ٩٦/٤.
4) انظر ترجمته: الطبري: المنتخب ص ٤٩٤ -٥. ابو الفرج مقاتل الطالبيين ص ٣ -١٠. الحاكم: المستدرك ٢٣٠/٣ -٥. ابن الجوزي: صفة الصفوة ۵۱۱/۱. ابن الاثير أسد الغابة ۲۸٦/١ ابن حجر: الاصابة ٨ -٢٣٧/١،
5) ابن المغازلي: مناقب ص ٤٠٤ الطبرسي: الاحتجاج ۱۱۲/۱ سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۱۰۷ ابن طلحة: مطالب السئول ص ٣٠ الجويني: فرائد السمطين ص ٤۲۷ الهيثمي: الصواعق ص 130.
الذي اسلم منذ بواكير الدعوة الاسلامية، واستجاب لامر والده في نصرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) معاخيه على (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)، ثم اختاره الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) سفيراً إلى الحبشة حيث تزعم مهاجري الحبشة فكانت أول هجرة في الاسلام، حيث بقي هناك حتي السنة السابعة للهجرة (2).
تجدر الاشارة الى ان اختيار (جعفر) لهذه المهمة من بين سائر المسلمين فيه دلالة على مكانته المتميزة لدى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وقدرته على ما اسند اليه من مهام فكان اول سفير في الاسلام (3).
بعد عودته في ايام فتح خيبر سنة ٧هـ، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): لا ادري بايهما أشد فرحاً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ (4)ثم قال له: اشبهت خلقي و خلقي (5).
ثم سير الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) جيشاً لحرب الروم البيزنطيين، رتب له ثلاثة من القادة، اختلف فى الاول هل هو جعفر ام زيد بن حارثه واضاف لهما عبد الله بن
1) كان للامام أخوة اخرين أكبرهم طالب، والذي لا يعرف عنه شيء سوى انه هلك في الجاهلية ولعله شخصية اسطورية، مأخوذة من كنية ابا طالب ليس الا والثاني عقيل الذي اسلم متأخراً وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يحبه حبين حب لحب ابى طالب له وحب له. ويعد عقيل ممن عرف يعلم الانساب عند العرب. وقد اسيء فهم موقفه من الامام على ومعاوية كما سنلاحظ ويشار إلى ان اولاده صرعوا كلهم مع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء. وكان للامام اخت تدعى ام هاني اشاد الرسول بشجاعتها، قائلاً: لو أن أبا طالب اولد كل الناس لولدوا شجعاناً وكان لها ولد يدعى هبيرة كان من المساندين للامام ايام خلافته. انظر: الزمخشري: ربيع الابرار ٨٦٩/١ ابن حجرالاصابة 2/494،4/503.
2) عن الهجرة الى الحبشة انظر الطبري: تاریخ ۳۲۸/۲ - ۳۳۲.
3) لا زالت سفارة جعفر إلى الحبشة بحاجة إلى مزيد من الدراسة لالقاء الضوء على بقائهم لخمس عشرة سنة وما النتائج التي أسفرت عن بقائهم؟.
4) ابن الأثير: اسد الغابة ۲۸۷/۱ محب الدين ذخائر العقبي ص،۲۱۸، ٢٢٤ ابن عنبة: عمدة الطالب ص ٣٥ الهيثمي: مجمع الزوائد ۲۷۱/۹ -۲۷۲.
5) الشرح ۲۹/۱ وانظر البعقوبي: التاريخ ١٠٦/٢ ابو الفرج مقاتل ص ١٠. الحاكم: المستدرك ٢٣٣/٣
رواحة (1)
وقد استنتج ابن ابي الحديد من خلال شعر حسان بن ثابت، وكعب بن مالك ان جعفر هو الاول (2)، حيث جاء في قصيدة حسان:
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا *** بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبد الله حين تتابعوا *** جميعاً واسياف المنية تخطر (3)
أما قصيدة كعب بن مالك الانصاري:
نام العيون ودمع عينك يهمل *** سحاً كما وكف الرباب المسيل
وجداً على النفر الذين تتابعوا *** قتلى بمؤتة اسندوا لم ينقلوا
ساروا امام المسلمين كأنهم *** طود يقودهم الهزبر المشبل
اذ يهتدون بجعفر ولوائه *** قدام اولهم ونعم الاول (4)
تجدر الاشارة ان هناك من الادلة ما تفيد قيادة جعفر للجيش منها:
۱. ان زيداً مولى فلا يعقل ان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يقدم مولى على جعفر الهاشمي، اذ لم يعهد من النبي فعلاً كهذا.
٢. ان المكانة التى تميز بها جعفر تجعله هو المقدم من حيث كونه ها شمياً كما ذكرنا. واول سفير في الاسلام واتصافه بخلق الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وشجاعته المعروفة.
٣. ان الملاحظ لاحداث معركة مؤتة، لا يجد هناك يجد هناك من صدى الا لجعفر،
1) عن تفاصيل غزوة مؤته انظر الشرح ٦١/١٥ -٧٣. الواقدي: المغازي ٧٥٥/٢ -٧٦٧ ابن هشام ۳۷۳/۳ -۳۸۹.
2) الشرح ٦٢/١٥ -٦٤، ٢٤٩/١٠. وانظر: اليـ ٢٤/٦. وانظر: اليعقوبي: التاريخ ٥٥/۲ الطبر: التاريخ ٥٥/٢ الطبرسي: اعلام الورى ص ۱۰۲.
3) الشرح ٦٢/١٥ -٦٣. وانظرها في الديوان۹۹ -۱۰۰. ابن هشام ٣٨٤/٤ -٣٨٥.
4) الشرح ٦٣/١٥ -٦٤. وانظرها في الديوان ٢٦٠ -٣ ابن هشام السيرة 4/ 385 – 6. ابو الفرج: مقاتل الطالبيين ص ۹۸.
فهو الذي قطعت يداه في ساحة المعركة، حيث عوضه الله بجناحين يطير بهما في الجنة، لذا عرف بجعفر الطيار (1). وحينما تستعرض الروايات احداث المعركة لا تفيض في الحديث الا عن موقفه..
٤. نجد ان اصداء موقف جعفر ماثلة لدى الرسول م(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (2)والشعراء، بل كان الاجدر بشعراء الانصار مدح صاحبهم عبد الله بن رواحة، ولكنهم اشادوا بموقف جعفر.
نشأة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيت الرسالة
ولد الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) داخل الكعبة المشرفة، وكرم الله وجهه عن الخضوع والسجود للاصنام، فكأنما كان ميلاده ايذاناً بعهد جديد للكعبة والعبادة فيها. (1)
هذه الفضيلة التي انفرد بها الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حيث الكعبة (2)بيت الله الحرام، اقدس في بيت الوجود، وقد جعله الله سبحانه وتعالى قبلة للموحدين في آخر الزمان رغم وجوده منذ القدم.
اراد الله سبحانه وتعالى ان يضع منهاجه في الارض عن طريق خليفة يتخذه وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، (3)فأوجد سبحانه وتعالى الانسان الذي ادخله في تجربة طويلة، حيث تكفلت السماء برسم المنهج، الدستور، النظام عن طريق ما عرف بسلسلة الانبياء، فكان هناك ١٢٤ ألف نبى،كل ارسل الى قومه وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (4)
اما طريقة الحياة فكان على الانسان ان يدخل في صراع مع الطبيعة، وكان
لذلك الصراع اثره في حصول الانسان على المعرفة حيث اكتشف الزراعة، ثم ثم التجارة، ثم العلاقات الدولية. وما كان ذلك ليتم الا بعد زمن وصراع الصناعة، طويل مع الطبيعة.
وما أن حل القرن السابع الميلادي، وكأن البشرية قد وصلت الى درجة من التكامل في التعامل مع الطبيعة، وتعامل الانسان مع الانسان اينما كان لذا وصل الانسان الى الدرجة التى تؤهله ليكون خليفة الله في الارض، فالمعروف ان الانبياء السابقين كانوا انبياء،قوميين وكل ارسل الى قومه، والكتب السماوية كانت متباينة، وخاضعة لعنصر الزمن ومختصة بقوم دون قوم. فما تلبث أن تنسخ لانها لم تعد ملائمة لتطور الانسان.
فأرادت المساء هنا أن تضع منهاجا واحداً، حيث لا انبياء متعددون بعد الآن ولا كتباً،متعددة، ولا أديان متعددة، فالدين الذي سيسود هو الدين الاسلامي (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (1)والنبى الوحيد الذي سيكون للبشرية اجمع هو النبي محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (2)والدستور الذي ينظم حياة البشرية جمعاء هو القرآن حيث أن أحكامه القرآن حيث أن أحكامه ستتناسب طردياً مع كل متغيرات الزمان والمكان والكل ستتوجه نحو قبلة واحدة هي الكعبة المشرفة، التي أصبحت قبلة للموحدين فهي اليوم القبلة الوحيدة التي تحظى بقبول السماء، قال تعالى (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (3).
وقد كانت هذه القبلة موضعاً لولادة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بن ابي طالب فكانت
هذه الفضيلة مما انفرد به (1)حتى عرف باسم (وليد الكعبة).
وقد تصور ابن ابي الحديد ان رواية ولادته في الكعبة هي رواية امامية والواقع أن مسألة ولادته هي اجماع بين مؤريخي العرب المسلمين بل وشعرائه. واقدم من أشار اليها الشاعر السيد الحميري ت ۱۷۳ هـ (2)- في قصيده له اذ قال:
ولدته في حرم الاله وامنه *** والبيت حيث فناؤه والمسجد
بيضاء طاهرة الثياب كريمة *** طابت وطاب وليدها والمولد
في ليلة غابت نحوس نجومها *** وبدامع القمر المنير الاسعد
ما لف في خرق القوابل مثله *** الا ابن آمنة النبي محمد (3)
وممن ذكرها المسعودي ت ٣٤٦هـ (4)والصدوق ت ۳۸۱ هـ، (5)وقال الحاكم النيسابوري ت ٤٠٥ هـ «تواترت الاخبار ان فاطمة بنت اسد ولدت امير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة». (6)
وقال الشريف الرضي ت ٤٠٦ هـ: لم نعلم مولوداً في الكعبة غيره». (7)
واشار لها المفيد ت ٤١٣ هـ، (8)والشريف المرتضى ت ٤٣٦ هـ (9)والطوسي ت
1) هناك روايات لولادة حكيم بن حزام في الكعبة، لكنها روايات مراسیل انظر ابن بکار جمهرة نسب قريش ص ٣٥٣ ابن حبيب المحبر ص ١٧٦.
2) هو اسماعيل بن محمد بن يزيد المعروف بالسيد الحميري، شاعراً ظريفاً وله ديوان شعر مطبوع انظر ترجمته ابن المعتز طبقات الشعراء ص ٣٢ -٦ ابو الفرج: الاغاني: ٢٤٨/٧ -٩٧. الطوسي:الفهرست ص ۱۰۸ الكشي رجال ص ٢٤٢ -٥. الخوانساري: روضات الجنات ١٠٣/١ -۱۱.
3) دیوانه ص ١٥٥.
4) مروج الذهب ٣٥٨/٢.
5) الامالى ص ١١٦، علل الشرائع ١٣٥/١. معاني الاخبار ص ٦٢.
6) المستدرك على الصحيحين ٥٥٠/٣.
7) خصائص الائمة، ط مجمع البحوث الاسلامية ص ٣٩.
8) الارشاد، ص7. المقنعة ص ٤٦١. مسار الشيعة ص ٥٩.
9) القصيدة المذهبة ص ۱۱۹.
٤٦٠ هـ، (1)وابن المغازلي ت ٤٨٣ هـ. (2)والفتال ت ٥٠٨هـ (3)والطبرسيت ٥٤٨ هـ، (4)وعماد الدين الطبرسيت بعد ٥٥٣ هـ (5)والمازندرانى ت ٥٨٨ هـ. (6)
ونوه بها ابن طلحة الشافعي ت ٦٥٢ هـ، (7)وسبط ابن الجوزي الشافعي ت ٦٥٤ هـ (8)والكنجى الشافعى ت ٦٥٨هـ، الذي قال «ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه اكراماً له بذلك، واجلالاً لمحله من التعظيم».(9)
وقال الحسن بن محمد الهادي الى الحق احد ائمة الزيدية في اليمن:
وكان في البيت العتيق مولده *** وامه اذ دخلت لا تقصده (10)
واشار لها الاربلى ت ٦٩٣ هـ (11)والعلامة الحلى ت ٧٢٦هـ (12)والجوينى ت ۷۳۰ هـ،(13)واكدها الذهبي ت ٧٤٨ هـ في تلخيصه للمستدرك، (14)واشار لها الشاعر السيد عبدالعزيز بن محمد السريحي الاوالي (15)في حدود ٧٥٠ هاذ قال:
من كان في حرم الرحمن مولوده *** وحاطه الله من باس وعدوان (16)
وذكرها أيضاً في شعره ابو الحسن علاء الدين الشيخ علي بن الحسين من
1) الأمالي ط دار الثقافة الثقافة ص ٧٠٦. مصباح.٧٠٦ مصباح المتهجد، ص ٨٠٥.
2) مناقب على بن ابي طالب، ص ۷.
3) روضة الواعظين ٧٦/١.
4) اعلام الوری ص ١٥٣.
5) بشارة المصطفى ص ٧٨.
6) مناقب آل ابيطالب ۲۳۲۲/۲.
7) مطالب السئول ص 29.
8) تذكرة خواص الامة، ص ١٠.
9) كفاية الطالب. ٩ م ٤٠٦ -٤٠٧.
10) الاميني: الغدير ٦٥٣/٥. وعن الحسن بن محمد انظر: ن م ٦٥٣/٥ -٦٠.
11) كشف الغمة ٦٠/١٦١.
12) كشف اليقين: ص ۱۷.
13) فرائد السمطين ٤٢٥/١ -٦.
14) تلخيص المستدرك ٥٥٠/٣.
15) نسبة الى اوال جزيرة في البحرين. الحموي: معجم البلدان ٢٧٤/١.
16) الاميني: المدير ٣٤/٦. وعن الشاعر انظرن. م ٤٣٣/٦ -٥٨.
رجالات القرن الثامن الهجري اذ قال:
ام هل ترى في العالمين باسرهم *** بشراً سواه ببيت مكة يولد
في ليلة جبريل جاء بها مع *** الملأ المقدس حوله يتعبد
فلقد سما مجداً كما علا *** شرفاً به دون البقاع المسجد (1)
وذكرها من المتأخرين ابن عنبه ت ۸۲۸هـ، (2)والدیلمي ت ٨٤١هـ (3)و ابن الصباغ المالكي ت ٨٥٥هـ، (4)والصفوري الشافعي ت ٨٩٤هـ، (5)والسكتواري ت ۱۰۰۷ هـ، (6)وعلي القاري الحنفي ت ۱۰۱٤ هـ، (7)والحلبي الشافعي ت ١٠٤٤هـ، (8)والدهلوي الحنفي ت ١١٧٦ هـ، (9)والشاعر العمري ت ۱۲۷۸ بقوله:
انت العلى الذي فوق العلى رفعا *** ببطن مكة عند البيت اذ وضعا (10)
وقال الالوسي ت بعد ۱۲۷۰ هـ في شرحه البيت اعلاه: «وفي كون الامير كرم الله وجهه ولد في بيت امر مشهور في الدنيا... واحرى بأمام الائمة ان يكون وضعه في موضع هو قبلة للمؤمنين. سبحان من يضع الاشياء في مواضعها وهو احكم الحاكمين». (11)
ونوه بها الشبلنجي، (12)والشنقيطي ت ١٣٦٣هـ (13)والفيروز آبادي. (14)
1) الامينى الغدير ٥٠٨/٦. وعن الشاعر انظر: ن. م ٥٠٣/٦ -٥٥٦.
2) عمدة الطالب ص 58-59.
3) ارشاد القلوب..۲۱۱/۲.
4) الفصول المهمة، ص ۱۳.
5) نزهة المجالس ٢٠٤/٢ -٢٠٥.
6) محاضرة الاوائل، ص ۱۲۰.
7) شرح الشفا ١٥١/١ تقلاً من الاميني: الغدير، ص 6/27.
8) السيرة الحلبية ٤٠٥/٣، ١٥٤/١.
9) ازالة الخفاء ٢٥١/٢. نقلاً من الزنجاني: عقائد الامامية ص ۱۲۸ -۱۲۹.
10) دیوانه، ص ۹۷.
11) سرح الخريدة الغيبية بشرح القصيدة العينية ص ٧٥.١٥.
12) نور الابصار، ص 36.
13) كفاية الطالب ص 37.
14) فضائل الخمسة من الصحاح الستة ١٧٦/١.
مضت فترة على ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لينتقل من بيت الله الى بيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فمن الفضائل التي لم يحظ بها سواه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هو شرف تربيته في بيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، منذ كان عمره ست سنوات، حيث تروى الروايات ان قريشاً اصابتها ازمة اقتصادية فاقترح الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) على عمه العباس التخفيف عن أبي طالب، فقال ابو طالب أن تركتما لي عقيلاً افعلا ما شئتما، فاختار العباس جعفراً واختار الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عليا (1)وقال «قد اخترت من اختاره الله لي» (2)
فكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يسدي لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الاحسان والشفقة وحسن التربية حتى رسول بعث (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)،(3)لذا كان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «وقد علمتم موضعي من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره، وانا وليد يضمني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرقه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه وما وجد لي كذبة في قول ولا غلطة في فعل» (4)
ان ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الكعبة وتربيته في بيت الرسالة الكعبة وتربيته فى بيت الرسالة تعنى انه كاد ان يولد مسلماً، بل ولد مسلماً على التحقيق اذا نظرنا الى ميلاد العقيدة والروح، لانه فتح عينه على الاسلام، ولم يعرف عبادة الاصنام (5)حيث يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اني ولدت على الفطرة» (6)
هنا نتسائل: ان كل مولود يولد على الفطرة، يقول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «كل مولود يولد
1) أن عدم ورود (طالب) بن ابى طالب في هذه الحادثة فيها دلالة على انه لا وجود له، وأن ايا طالب كنية او اسما لابي طالب. وقد اشار لذلك الحاكم: المستدرك ١١٦/٣.
2) الشرح ١٥/١ وانظر: البلاذري، انساب الاشراف ٩٠/٢ أبو الفرج مقاتل الطالبيين ص ١٥ الحاكم: المستدرك ٦٦٧/٣. الخوارزمي: المناقب ص ١٧.
3) الشرح : ١٥/١.
4) الشرح :۱۹۷/۱۳.
5) العقاد: عبقرية الامام ص ٤٣.
6) الشرح : ٥٤/٤.
على الفطرة وانما ابواه يهودانه وينصرانه». (1)فماذا يقصد الامام بذلك؟.
هنا ابن أبي الحديد يطرح عدة اراء في تفسير الفطرة:
اولا: ان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يولد في الجاهلية، حيث كانت ولادته قبل البعثة بعشر سنوات، وهذه السنوات العشر يعدها ابن ابي الحديد مقدمة للاسلام وارهاصات للنبوة، حيث يقول: «وقد جاء في الاخبار الصحيحة انه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مكث قبل الرسالة سنين عشراً يسمع الصوت ويرى الضوء، ولا يخاطبه احد وكان ذلك ارهاصات لرسالته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فحكم تلك السنين العشر حكم ايام رسالته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فالمولود فيها اذا كان في حجره وهو المتولي لتربيته مولود في أيام كأيام النبوة وليس بمولود في جاهلية محضة». وهذا هو وجه المقارنة بمعنى ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الفطرة، وولادة غيره من الصحابة، حيث اكد ابن ابي الحديد ان هذه السنة لا اثر في حياة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وذلك:
١). أن السنة التي ولد فيها الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي السنة التي بدء فيها برسالة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، حيث سمع الهتاف من الاحجار والاشجار، وكشف عن بصره، فشاهد انواراً، واشخاصاً، ولم يخاطب فيها بشيء.
٢. في هذه السنة ابتدأ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بالتبتل، والانقطاع والعزلة في جبل حراء، فلم يزل به حتی کوشف بالرسالة، ونزل عليه الوحی.
٣. وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يتيمن بتلك السنة وبولادة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما فيها، ويسميها سنة الخير والبركة ؛ وقال لاهله ليلة ولادته، وقد شاهد فيها ما شاهد من الكرامات والقدرة الالهية، ولم يكن من قبل شاهد ذلك: «لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح الله علينا به أبواباً كثيرة من النعمة والرحمة». وقد اكد ابن أبي الحديد صحة ذلك بقوله: وكان كما قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان ناصره والمحامى عنه، وكاشف الغمـاء عـن
1) اخرجه مسلم الصحيح ٢٤٠ -٢٠٧/١٦. البيهقي: سنن ۲۰٢/٦ الترمذي: صحيح ٣٠٣/٨ ٤. ابن حزم الفصل ١٦٨/٣، ١٣١/٤ -١٣٤.
وجهه وبسيفه ثبت دين الاسلام ورست دعائمه و تمهدت قواعده (1)
ثانياً: معنى ولادته على الفطرة أى الفطرة التى لم تتغير، ولم تحل وذلك ان معنى قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «كل مولود يولد على الفطرة». أن كل مولود فان الله تعالى قد هيأه بالعقل الذى خلقه فيه، وبصحة الحواس والمشاعر، لان يعلم التوحيد والعدل، ولم يجعل فيه مانعا يمنعه من ذلك، ولكن التربية والعقيدة في الوالدين، والالف لاعتقادهما وحسن الظن فيهما، يصده عمّا فطر عليه، وامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دون غيره، ولد على الفطرة التي لم تحل، ولم يصد عن مقتضاها،مانع لا من جانب الابوين ولا من جهة غيرهما، وغيره ولد على الفطرة، ولكنه حال عن مقتضاها،وزال عن موجبها». (2)
ثالثاً: انه اراد بالفطرة –العصمة- وانه منذ ولد لم يواقع قبيحاً، ولا كان كافراً طرفة عين، ولا مخطئاً ولا غالطاً في شيء يتعلق بالوالدين وقال ابن ابي الحديد «وهذا تفسير الامامية». (3)ولكنه لم يعلق عليه لا سلباً ولا إيجاباً.
وما ان بزغ نور الاسلام حتى كان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقدمة معتنقيه، حيث يقول: «وسبقت الى الايمان». (4)ولكن كيف يتفق هذا مع ان هناك من يقول باسبقية أبي بکر و زید (رَضِيَ اللهُ عَنهُ). (5)
اشار ابن ابيالحديد ان اكثر اهل الحديث يرون ان الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو اول من اسلم، حيث استعرض روايات ابن عبد البر الذي أورد احدى وعشرين
رواية تفيد اسبقية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) للاسلام، ويقول في نهايتها «انه لا شك عندنا ان علياً أولهما اسلاماً ». (1)لذا يقول ابن ابي الحديد: «ان شيوخنا المتكلمين لا يكادون يختلفون في ان اول الناس اسلاماً علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) » الا من عساء خالف في ذلك من اوائل البصريين، فاما الذي تقررت المقالة عليه الان فهو القول بانه اسبق الناس الى الايمان لا نكاد نجد اليوم في تصانيفهم وعند متكلميهم والمحققين منهم خلافاً في ذلك. (2)
واضاف «ان امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما زال يدعي ما زال يدعى ذلك لنفسه، ويفتخر به، ويجعله في افضليته على غيره، ويصرح بذلك، وقد قال غير مرة: «انا الصديق الاكبر والفاروق الاول، اسلمت قبل اسلام ابي بكر وصليت قبل صلاته».(3)وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:
سبقتكم الى الاسلام طراً *** غلاماً ما بلغت اوان حلمي (4)
وخلص للقول: «والاخبار الواردة في هذا الباب كثيرة جداً، لا بيتسع هذا الكتاب لذكرها، فلتطلب من مظانها ومن تأمل كتب السير والتواريخ عرف من ذلك ما قلناه». (5)
ثم اشار ان هذا يطابق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «لقد عبدت الله قبل ان يعبده أحد من هذه الامة سبع سنين». وقوله «كنت اسمع الصوت، وابصر الضوء سنين سبعاً».
1) الشرح ١١٦/٤ -١٢٢. وانظر ابن قتيبة المعارف ص ١٦٨ -٩ ابن عبد البر: الاستيعاب 3/1090-1096.
2) الشرح ١٢٢/٤. وانظر القاضي: المغني ١٣٨/٢/٢٠ -١٤١.
3) الشرح : ١٢٢/٤، وانظر: الاسكافي: نقض العثمانية ص ٢٩. بن قتيبة: المعارف ص ابو هلال العسكري: الاوائل ص ۱۰۷ -۱۱۰.
4) الشرح ١٢٢/٤ وانظر: ابن المغازلي: مناقب ص ٤٠٤ المازندرانی مناقب ۱۹/۲. الحموي معجم الادباء ٤٨/١٤ سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۱۰۸، الحلبي: السيرة الحلبية ٢٩٤/١ ابن طلحة: مطالب السئول ص ۳۰ الجويني فرائد السمطين ص ٤٢٧. الهيتمي: الصواعق ص ۱۳۱.
5) الشرح : ١٢٣/٤.
والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حينئذ صامت ما اذن له في الانذار والتبليغ؛ وذلك لانه اذا كــان عمره يوم اظهار الدعوة ثلاث عشرة سنة، وتسليمه الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من أبيه وعمره ست سنوات، فقد صح انه كان يعبد الله قبل الناس باجمعهم سبع سنين، وابن ست تصح منه العبادة اذا كان ذا تمييز على أن عبادة مثله هي التعظيم والاجلال، وخشوع القلب، واستخذاء الجوارح اذا شاهد شيئاً من جلال الله سبحانه وتعالى، وآياته الباهرة، ومثل هذا يوجد عند الصبيان. (1)
ويرى اكثر المعتزلة ان عمر الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم اسلم كان ثلاث عشرة سنة، (2)وقد سبق ذلك ارهاصات، حيث كان يسمع رنة الشيطان (3)وان الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال له: لولا انى خاتم الانبياء لكنت شريكاً في النبوة، فان لا تكن بياً، فانك و وصي نبي ووارثه بل انت سيد الاوصياء وامام الاتقياء. (4)
ولما كان رسول الله محمد الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) نبياً، فقد اصبح الامام على وزيراً، وذلك يوم الانذار بعد نزول قوله تعالى: (وانذر عشيرتك الأقربين)، (5)فدعاية (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بني هاشم وابلغهم، وطلب منهم مؤازرته، فلم يؤازروه الا على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، (6)
واستدل ابن ابي الحديد «على انه وزير رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من نص الكتاب والسنة، قول الله تعالى: واجعل لي وزيراً من أهلي * هارون أخي * اشدد به ازري * وأشركه في أمري، (7)وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الاسلام «انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي«.
فاثبت له جميع مراتب هارون من موسى فإذن هو وزير رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وشاد ازره، ولولا انه خاتم النبيين لكان شريكاً في امره».(1)
و اكد الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على سبقه حتى في الهجرة اذ يقول: «وسبقت الى الايمان والهجرة». (2)ولكن المعروف ان الامام لم يكن اول من هاجر بل سبقه الكثيرون لانه بات في فراش الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كما هو معلوم.
ويفسر ابن ابي الحديد كلام الامام علي بانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يقل سبقت كل الناس، وانما سبق المهاجرين اذ ان سيل الهجرة استمر حتى قبيل فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة. (3)
واضاف: «ان اللام في الهجرة يجوز ان لا تكون للمعهود السابق، بل تكون للجنس، وامير المؤمنين لها مسبقا ابا بكر وغيره الى الهجرة التي قبل هجرة المدينة، فان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هاجر من مكة مراراً يطوف على احياء العرب، وينتقل من ارض قوم الى غيرها، وكان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) معه دون غيره«. (4)
لقد كان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذا صلة وثيقة بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حيث انهما ذوا اصل واحد «فآباؤه اباء رسول الله، وامهاته امهات رسول الله، وهو منوط لحمه ودمه، لم يفارقه منذ خلق الله آدم الى ان مات عبد المطلب بين الاخوين عبد الله وابي طالب، وامهما واحدة، فكان منهما سيدا الناس؛ هذا الاول وهذا التالي و، وهذا المنذر وهذا الهادي». (5)
ومما يؤكد هذه الانطلاقة المشتركة نحو الهدف الواحد المنشود ما رواه الزمخشري - احد معتزلة البصرة - في حق الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اهلي والزمخشري حسبما
يصفه ابن أبي الحديد: «مذهبه في الاعتزال ونصرة اصحابنا،معلوم وكذلك في انحرافه عن الشيعة، وتسخيفه لمقالاتهم - ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال: «لما اسري بي، اخذني جبريل، فأقعدني على درنوك من درانيك الجنة، ثم ناولني سفرجلة، فبينما انا اقلبها انفلقت فخرجت منها جارية لم ار احسن منها، فسلمت فقلت من انت؟:قالت انا الراضية المرضية، خلقني الجبار من ثلاثة اصناف؛ اعلاي من عنبر واوسطي من كافور، واسفلي من مسك. ثم عجنني بماء الحيوان وقال لي كوني كذا، فكنت خلقني لاخيك، وابن عمك علي بن ابي طالب».(1)
ولذا كان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنسبة للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) «شعاع من شمسه، وغصن من غرسه، وقوة من قوى نفسه، ومنسوب اليه نسبة الغد الى يومه واليوم الى امسه فما هما الاسابق ولاحق وقائد وسائق وساكت و ناطق، ومجل ومصل، سيفا لمحة البارق، وانارا سدنة الغاسق صلى الله عليهما ما استخلب خبير وتناوح حراء و ثبير (2)». (3)
وكان الامام يفتخر بهذه العلاقة ويقول:
محمد النبي اخي وصهري *** وحمزة سيد الشهداء عمي (4)
هذه القرابة القريبة بينهما سببها كونه في حجره، ثم حامي عنه ونصره عند اظهار الدعوة دون غيره من بني هاشم، ثم ما كان بينهما من المصاهرة التي أفضت إلى النسل الاطهر دون غيره من الأصهار». (5)
بل وصل الامران شبه ابن ابي الحديد و معاصريه سياسة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والظرف
الذي عاشه بسياسة الامام والظرف الذي عاش فيه، اذ يقول: «واذا تأملت احواله في خلافته كلها وجدتها هي مختصرة من احوال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في حياته، كأنها نسخة مستنسخة منها، فى حربه وسلمه وسيرته واخلاقه، وكثرة شكايته من المنافقين من اصحابه والمخالفين لامره واذا اردت ان تعلم ذلك علماً واضحاً، فاقرأ سورة براءة ففيها الجم الغفير من المعنى الذي اشرنا اليه». (1)
ولما كان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن عم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فى النسب واخاه ولحمه ودمه، وفضائله مشتقة من فضائل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وهو قبس من نوره، وثانيه على الحقيقة ولا ثالث لهما. لذا نجد سيرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) جارية نفس مجرى سيرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).(2)
وحينما شرح كلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اقسام اصحابه، قال ابن ابيالحدید: «ان حاله كانت مناسبة لحال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ومن تذكر أحوالهما وسيرتهما، وما جرى لهما الى أن قبضا، علم تحقيق ذلك». (3)
ولذا نجده (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول لاصحابه: «والله ما اسمعكم الرسول شيئاً، الا وها انا ذا اليوم مسمعكموه، وما أسماعكم اليوم بدون اسماعكم بالامس ولا شقت لكم الابصار ولا جعلت لهم الافئدة في ذلك الزمان، الا وقد اعطيتم مثلها في هذا الزمان، ووالله ما بصرتم بعدهم شيئاً جهلوه، ولا اصفیتم به وحرموه و لقد نزله يكم البلية جائلاً حطامها....». (4)
ولقد علق ابن ابي الحديد على كلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: «... المخاطبون وان كانوا نوعاً واحداً متساوياً، الا ان المخاطب مختلف الحال، وذلك لانك وان
كنت ابن عمه في النسب واخاه ولحمه ودمه وفضائلك مشتقة من فضائله، وانت قبس من نوره، وثانيه على الحقيقة، ولا ثالث لكما الا انك لم ترزق القبول الذي،رزقه ولا انفعلت نفوس الناس اليك حسب انفعالها له، وتلك خاصية النبوة التي امتاز بها عنك». (1)
هذه الرؤية في توافق السيرتين اكدها ايضاً شيخ ابن ابي الحديد وهو أبو جعفر النقيب ثم قال: «انظر الى اخلاقهما وخصائصهما، هذا شجاع وهذا شجاع هذا فصيح وهذا فصيح هذا سخي جواد وهذا سخي جواد، وهذا عالم بالشرائع والامور الالهية وهذا عالم بالفقة والشريعة والامور الالهية الدقيقة الغامضة، وهذا زاهد فى الدنيا غير نهم ولا مستكثر منها، وهذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتع بلذاتها، وهذا مذيب نفسه في الصلاة والعبادة، وهذا مثله. وهذا غير محبب اليه شيء من الامور العاجلة الا النساء وهذا مثله. وهذا ابن عبد المطلب بن هاشم وهذا في قعدده، ابواهما اخوان لاب واحد دون غيرهما من بني عبد المطلب، وربي محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في حجر والد هذا ابي طالب، فكان جاريا عنده مجرى احد أولاده. ثم لما شب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وكبر استخلصه من ابي طالب وهـو غلام، فربى في حجره مكافأة لصنيع ابي طالب به، فامتزج الخلقان، وتماثلت،السجيتان، وإذا كان القرين مقتدياً بالقرين، فما ظنك بالتربية والتثقيف الدهر الطويل!». (2)
واردف قائلاً: «فواجب ان تكون اخلاق محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) کاخلاق ابيطالب، وتكون اخلاق على (عَلَيهِ السَّلَامُ) كأخلاق أبي طالب أبيه، ومحمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) مربيه، وأن يكون الكل شيمة واحدة، وسوساً واحداً، وطينة مشتركة ونفساً غير منقسمة ولا متجزئة. والا يكون بين بعض هؤلاء وبعض فرق ولا فضل لولا ان الله تعالى اختص
محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) برسالته، واصطفاه لوحيه لما يعلمه من مصالح البرية في ذلك، ومن ان اللطف به اكمل والنفع بمكانه اتم واعم، فامتاز برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بذلك عمن سواه، وبقي ما عدا الرسالة على امر الاتحاد والى هذا المعنى اشار (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «اخصمك بالنبوة فلا نبوة،بعدي، وتخصم الناس بسبع». (1)وقال له ايضاً: «انت مني بمنزلة هارون من موسى، الا انه لا نبي بعدي» فأبان نفسه منه بالنبوة، واثبت له ما عداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركاً بينهما». (2)
هذه العلاقة الوثيقة بين النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نجدها تتمثل أيضاً في الايام الاخيرة من عمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حيث كان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى جواره حيث لم يرسله ضمن سرية اسامة بن زيد الى الشام، ثم هو الذي تولى غسله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وكفنه ودفنه.
فلما مرض (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) دعا اسامة بن زيد بن حارثة، وقال له: سر الى مقتل ابيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك على هذا الجيش. وكان ضمن الجيش وجوه المهاجرين (3)ولكن اختلف في ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) هل موجود ضمنه او لا؟ فقد اشار موسى بن عقبة (4)والواقدي (5)والطبري (6)لعدم وجوده في الجيش بينما ذكره اليعقوبي (7)وابو هلال العسكري (8)والجوهري (9)ضمن الجيش الخارج للشام (10)
1) أخرجه: أبو نعيم، حلية الاوليساء ٦٥/١ -٦٦. ابن طلحة الشافعي: مطالب السئول ص ٣٤. الكنجي: كفاية الطالب ص ۱۳۹ محب الدين الرياض النظرة ٢٩٢/٢.
2) الشرح : ٢٢٢/١٠.
3) الشرح : ۱۵۹/۱، وانظر: البخاري: الصحيح ٣٩/٦ -٤٠. الطبري: تاريخ ١٨٤/٣.
4) الشرح : ١٨٣/١٧.
5) تاریخ: ١٨٤/٣.
6) المغازي: ۱۱۱۸/۳ -۱۱۲۰.
7) التاريخ: ١٠٣/٢.
8) الاوائل ص ۳۳۷.
9) الشرح : ١٥/١٢، ١٨٣/١٧،٥٢/٦.
10) انظر تفاصيل حملة اسامة وآراء المعتزلة فيها الشرح : ١٥٩/١-62، ١٧٥/١٧،-٩٤. القاضي: المغني ٣٤٣/١/٢٠ -٩.
فيما لم يذكر أي مصدر ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو كان ضمن الجيش وهذا فيه دلالة على مدى اختصاصه بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
وقد اكد هذه الحقيقة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله مخاطباً الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بعد وفاته «وفاضت بين نحري وصدري نفسك». (1)
ولكن روي عن السيدة عائشة (رضي الله عنها) انها قالت: «توفی رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بين سحري ونحري». (2)لذا حاول ابن ابي الحديد التوفيق بين الروايتين بقوله «الله اعلم بحقيقة هذا الحال، ولا يبعد عندي ان يصدق الخبران معاً، بأن يكون رسول لله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وقت الوفاة مستنداً الى على وعائشة جميعاً، فقد وقع الاتفاق على انه مات وهو حاضر لموته، وهو الذي كان يقلبه بعد موته، وهو الذي كان يعلله ليالى ضه فيجوز ان يكون مستنداً الى زوجه وابن عمه، ومثل هذا لا يبعد وقوعه في زماننا هذا، فكيف في ذلك الزمان الذي كان النساء فيه والرجال مختلطين، لا يستتر البعض عن البعض، فان قلت: فكيف تعمل بآية الحجاب، وما صح من استتار ازواج الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عن الناس بعد نزولها؟ قلت قد وقع اتفاق المحدثين كلهم على ان العباس كان ملازماً للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ايام مرضه في بيت عائشة، وهذا لا ينكره احد، فعلى القاعدة التي كان العباس ملازمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ملازمه، وذلك يكون باحد أمرين اما بأن نسائه لا يستترن من العباس وعلى لكونهما هل الرجل وجزءاً منه او لعل النساء كن يختمرن، باخمرتهن ويخالطن الرجال فلا يرون،وجههن، وما كانت عائشة وحدها في البيت عند موته، بل كان نسائه كلهن في البيت، وكانت ابنته فاطمة عند رأسه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). (3)
ومن خلال استعراضه لاحداث وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ومراسيم تجهيزه ودفنه لاحظ ابن أبي الحديد ان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان المتصدي لكل ذلك، اذ يقول: «من تأمل هذه الاخبار علم ان علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان الاصل والجملة والتفصيل في امر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وجهازه، الاترى ان اوس بن خولی (1)لا يخاطب احداً من الجماعة غيره، ولا يسأل غيره في حضور الغسل والنزول في القبر ثم انظر الى كرم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسجاحة اخلاقه وطهارة،شيمته كيف يضن بمثل هذه المقامات الشريفة عن أوس؛ وهو رجل غريب من الانصار، فعرف له حقه واطلبه بما طلبه فكم بين هذه السجية الشريفة، وبين قول من قال: لو استقبلت من امري ما استدبرت ما غسل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الا انساؤه، ولو كان في ذلك المقام غيره من اولى الطباع الخشنة وارباب الفظاظة والغلظة، وقد سأل اوس ذلك لزجر وانتهر ورجع خائباً». (2)
وبعد وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) شديد الورع فـي مـا يرويه عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حيث بلغ من تعظيمه له، واجلاله لقدره واحترام حديثه، الا يرويه الا بألفاظه، لا بمعانيه، ولا بأمر يقتضي فيه الباساً وتعميه، ولو كان مضطراً الى ذلك ترجيحاً للجانب الذي على جانب مصلحته في خاص نفسه. (3)
ولقد اثار ذلك التساؤل لدى ابن ابي الحديد فتوجه نحو شيخه ابي جعفر قائلاً: قد وقفت على كلام الصحابة وخطبهم فلم أر فيها من يعظم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واله تعظيم هذا الرجل، ولا يدعو كدعائه، فأنا قد وقفنا من نهج البلاغة ومن غيره على فصول كثيرة مناسبة لهذا الفصل، تدل على جلال عظيم، وتبجل شديد منه
لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
فاجاب ابو جعفر: ان علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان قوي الايمان برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والتصديق له، ثابت اليقين، قاطعاً بالامر متحققاً له، وكان مع ذلك يحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لنسبته منه، وتربيته له، واختصاصه به من دون اصحابه وبعد فشرفه له لأنهما نفس واحدة في جسمين الاب واحد والدار واحدة؛ والاخلاق متشابهة فاذا عظمه فقد عظم نفسه واذا دعا اليه فقد دعا الى نفسه، ولقد كان يود ان تطبق دعوة الاسلام مشارق الارض ومغاربها، لان جمال ذلك لاحق به، وعائد عليه فكيف لا يعظمه ويبجله ويجتهد في اعلاء كلمته. (1)
ونتيجة لكل ذلك اصبح الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وريثاً للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في كل شيء حتى فيما كانت العرب تعتقده من ثارات حيث ان كل دم اراقه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بسيف على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبسيف غيره، فان العرب بعد وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عصبت تلك الدماء بعلى بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحده، لانه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم وسنتهم وعاداتهم ان يعصب به تلك الدماء الا بعلى وحده، وهذه عادة العرب اذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل فان مات او تعذرت عليها،مطالبته طالبت به امثل الناس من اهله... ومن نظر في ايام العرب ووقائعها ومقاتلها عرف ما ذكرناه». (2)
ومما امتاز به الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على سائر الامة، وعد من فضائله؛ زواجه من فاطمة بنت النبي محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (3)حيث كان لا يفتخر بذلك قائلاً: «ومنا خير نساء
1) الشرح : ١٧٤/٧ -١٧٥.
2) الشرح : ۳۰۰/۱۳ -۳۰۱.
3) روي ان عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) او سعد بن أبي وقاص قال: لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة احب الى من حمر النعم زواجه بفاطمة، وسكناه في المسجد، واعطائه الراية يوم خيبر. الترمذي: الصحيح ۱۷۱/۱۲ -۲. الحاكم: المستدرك ۱۳٥/٣، ۱۱۷، ١٢٦ الخوارزمي: المناقب ص ۲۳۸. سبط ابن الجوزي تذكرة ص ۱۲۸ الذهبي: تلخيص المستدرك ١٣٥/٣. ابن كثير: البداية والنهاية ٣٤١/٧ -٣. الهيثمي: مجمع الزوائد ١٢٠/٩. الهيتمي: الصواعق ص125.
العالمين». (1)
قال ابن ابيالحدید: «یعنی فاطمة(عَلَيهَا السَّلَامُ): نص رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) على ذلك، لا خلاف فيه. وقد تواتر الخبر عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انه قال: فاطمة سيدة نساء العالمين، (2)اما بهذه اللفظ بعينه، او لفظ يؤدي هذا المعنى. روي انه قال وقد رآها تبكي عند موته: الا ترضين ان تكوني سيدة نساء هذه الامة. (3)وروي انه قال: سادات نساء العالمين اربع خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران» (4). (5)
وناقش ابن ابي الحديد ايهما شرف بالاخر الامام علي ام فاطمة؟ تسائل ابن ابي الحديد اولاً: ما المقصود بالافضل؟
۱). ان اريد بالافضل الاجمع للمناقب التي تتفاضل بها الناس نحو العلم و. الشجاعة ونحو ذلك، فعلى افضل.
2). وان اريد بالافضل الارفع منزلة عند الله، فالذي استقر عليه رأي: المتأخرين من اصحابنا، ان علياً ارفع المسلمين كافة عند الله تعالى بعد رسول
1) الشرح : ١٨٢/١٥.
2) ابن سعد: الطبقات ٢٤٨/٢۲. النسائي: خصائص ص ١١٤ -١٢٠. البيهقي: المحاسن ص ۸۰ -۲. الطحاوي: مشكل الآثار ٥٠/١. الحاكم المستدرك ۱۷۱/۳- ١٧٤،۲. أبو نعيم حلية الأولياء: ٤٢/٤٠/٢. ابن عبد البر:الاستيعاب ۱۸۹۳/٤ -٥ النووي: تهذيب الاسماء ۱۸/۱/۱، ٣٤٤ محب الدين ذخائر العقبى ص ٣٦، ٤٩ -٥٠ ابن تيمية: منهاج السنة ١٦٩/٢. المتقى الهندي: كنز العمال ۹۳/۱۳ -۹۵ ابن حجر: الصواعق ص ۱۱۸ -۱۸۹.
3) ابن سعد: الطبقات ٢٤٨/٢ النسائي خصائص ص ۱۱۸ -۲۰ الطحاوي مشكل الآثار ٤٩/١. أبو نعيم: حلية الأولياء ٤٠/٢.
4) ابن زبالة: متتخب من كتاب أزواج النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ص ٤٩.الترمذي: الصحيح ٢٥٥/١٣ الطحاوي: مشكل الآثار ٥٠/١ الحاكم المستدرك ۱۷۲/۳ ابن عبد البر: الاستيعاب ١٨٩٥/٤ -٦. الحافظ العراقي: طرح التشريب ١٤٩/١ -٥٠.
5) الشرح : ۱۹۷/۱۵ وانظر أيضاً الشرح ٢٦٥/١٠٣٠/١٦.
الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من الذكور والاناث، وفاطمة امرأة من المسلمين، وان كانت سيدة نساء العالمين ويدل على ذلك انه قد ثبت انه احب الخلق الى الله تعالى بحديث الطائر، وفاطمة من الخلق واحب الخلق اليه سبحانه اعظم ثواباً يوم القيامة على ما فسر المحققون من اهل الكلام.
٣). وان اريد بالافضل الاشرف نسباً، ففاطمة افضل لان اباها سيد ولد ادم من الاولين والآخرين، فليس في اباء على (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثله ولا مقارنه.
٤). وان اريد بالافضل: من كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اشد عليه حنواً، وامس به رحماً، ففاطمة أفضل لانها ابنته، وكان شديد الحب لها والحنو عليها جداً، وهى اقرب اليه نسباً من ابن العم لا شبهة في ذلك. (1)
ثانياً: تساءل ابن ابي الحديد هل علي شرف بفاطمة ام فاطمة شرفت به؟
فأجاب: «ان علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانت اسباب شرفه وتميزه على الناس متنوعة، فمنها ما هو متعلق بفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، ومنها ما هو متعلق بابيها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ومنها ما هو مستقل بنفسه فاما الذي هو مستقل بنفسه، فنحو شجاعته وعفته، وحلمه وقناعته، وسجاحة،اخلاقه وسماحة نفسه، واما الذي هو متعلق برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فنحو علمه، ودينه وزهده، وعبادته وسبقه الى الاسلام واخباره بالغيوب واما الذي يتعلق بفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فنكاحه لها، حتى صار بينه وبين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الصهر المضاف الى النسب والسبب، وحتى ان ذريته منها صارت ذرية لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، واجزاء من ذاته (عَلَيهِ السَّلَامُ): وذلك لان الولد انما يكون من مني الرجل ودم المرأة، وهما جزءان من ذاتي الاب والام ثم هكذا ابدأ في ولد الولد ومن بعده من البطون دائماً. فهذا هو القول في الشرف و علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بفاطمة فأما شرفها به فانها وان كانت ابنة سيد العالمين الا ان كونها زوجة على افادها نوعاً من شرف آخر زائداً على ذلك الشرف
1) الشرح ۱۹/۱٦ -۲۰.
الاول؛ الا ترى ان اباها لو زوجها أبا هريرة أو انس بن مالك لم يكن حالها في العظمة والجلالة كحالها الان كذلك لو كان بنوها وذريتها من أبي هريرة و انس بن مالك، لم يكن حالهم فى انفسهم كحالهم الان». (1)
لذا لم يتزوج الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) على فاطمة طيلة حياتها الشريفة شأنه شأن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بعدم زواجه في حياة خديجة (عَلَيهَا السَّلَامُ). الا ان هناك رواية تفيد ان الامام عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) اراد ان يتزوج على فاطمة حيث خطب جويرية بنت أبي جهل.
ففي استعراض ابن ابي الحديد لما جاء به ابو - جعفر الاسكافي - قال الاخير ان ابا هريرة روى الحديث «الذي معناه ان علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فأسخطه، فخطب على المنبر، وقال لاها الله! لا تجتمع ابنة ولى الله وابنة عدو الله ابى جهل! ان فاطمة بضعة منى يؤذيني ما يؤذيها، فان كان على يريد ابنة ابى جهل فليفارق ابنتي، وليفعل ما يريد». أو كلاما هذا معناه، والحديث مشهور من رواية الكرابيسي» (2)واضاف (3)ابن أبي الحديد: «هذا الحديث ايضاً مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور بن مخرمة الزهري، وقد ذكره المرتضى فى كتابه المس مى تنزيه الانبياء والائمة، وذكر انه رواية حسين الكرابيسي، وانه مشهور بالانحراف عن اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، و عداوتهم والمناصبة لهم فلا تقبل روايته». (4)
ثم قال: «وعندي ان هذا الخبر لو صح لم يكن على امير المؤمنين فيه
1) الشرح : ٢٠/١٦ - ٢١.
2) هو أبو على الحسين بن على بن يزيد المهلبي الكرابيسي كان من المجبرة، وعارفاً. بالحديث والفقه، وله كتاب المدلسين في الحديث، وكتاب الامامة وفي الاخير غمز على (عَلَيهِ السَّلَامُ). انظر ابن النديم: الفهرست ص ٢٥٦. الخطيب: تاريخ بغداد ٦٦/٨. ابن حجر: لسان الميزان ٣٠٣/٢ - ٥.
3) الشرح : ٦٤/٤.
4) الشرح : ٦٥ -٦٤/٤.
غضاضة، ولا قدح، لان الامة مجمعة على أنه لو نكح ابنة ابي جهل، مضافاً الى نكاح فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) لجاز، لانه داخل تحت عموم الاية المبيحة للنساء الاربع؛ فابنة ابي جهل المشار اليها كانت مسلمة، لان هذه القصة كانت بعد فتح مكة واسلام اهلها طوعاً وكرهاً، ورواة الخبر متوافقون على ذلك، فلم يبق الا انه ان كان هذا الخبر صحيحاً فان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، لما رأى فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) قد غارت وادركها ما يدرك النساء، عاتب عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عتاب الاهل، وكما يستثبت الوالد رأي الولد ويستعطفه الى رضا اهله وصلح زوجته، ولعل الواقع كان بعض هذا الكلام فحرف وزيد فيه». (1)
واضاف: «لو تأملت احوال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مع زوجاته، وما كان يجري بينه وبينهن من الغضب تارة، والصلح اخرى والسخط تارة والرضا اخرى حتى بلغ الامر الى الطلاق مرة، والى الايلاء مرة، والى الهجر مرة والقطيعة مرة وتدبرت ما ورد في الروايات الصحيحة مما كن يلقينه (عَلَيهِ السَّلَامُ) به، ويسمعنه،اياه لعلمت ان الذي عاب الحسدة والشانئون عليا الا به بالنسبة الى تلك الاحوال قطرة من البحر المحيط، ولو لم يكن الا قصة مارية، وما جرى بين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وبين تينك الامراتين من الاحوال والاقوال حتى انزل فيه قرآن يتلى في المحاريب ويكتب في المصاحف، وقيل لهما ما لا يقال للاسكندر ملك الدنيا لو كان حياً، منابذاً لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ، (2)ثم اردف ذلك بالوعد والتخويف عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ، (3)الآيات بتمامها. ثم ضرب لهما مثلاً امرأة نوح وامرأة لوط اللتين خانتا بعليهما، فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وتمام الآية معلوم، فهل ما روي
في الخبر من تعصب فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيرتها من تعريض بني المغيرة له لها بنكاح عقيلتهم، اذا قويس الى هذه الاحوال وغيرها مما كان يجري الاكنسبة التأفيف الى حرب البسوس! ولكن صاحب الهوى والعصبية لا علاج له». (1)
والان لنستعرض الروايات التاريخية التي اشارت لخطبة الامام جويرية واراء بعض الباحثين فيها، ثم نحاول ان ندلى برأي في ذلك.
أولاً: ابن سعدت ۲۳۰هـ: قال في ترجمة جويرية بلا سند (وجويرية هذه هي التي خطبها علي بن ابي طالب، فجاء بنو المغيرة الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يستأمرونه في ذلك، فلم يأذن لهم ان يزوجوه وقال: انها فاطمة بضعة مني يسؤني ما ساءها» (2)
ثانياً: الزبيري ت٢٣٦هـ: قال بلا سند: «خطب علي بن ابي طالب جويرية بنت ابى جهل فشق ذلك على فاطمة، فارسل اليها عتاب (بن اسيد) انا اريحك منها: فتزوجها». (3)
وقال أيضاً: «وكان على بن ابى طالب قد خطب جويرية بنت أبي جهل قبل عتاب، وهم بنكاحها، فكره ذلك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وقال: اني لاكره ان تجمع بين بنت ولي الله وبين بنت عدو الله، فتركها على وتزوجها عتاب». (4)
ثالثاً: ابن بكارت ٢٥٦هـ: اورد رواية مرسلة الى ابن عباس تحكى محاورة بين ابن عباس والخليفة عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) بشأن الامام. فقال ابن عباس یا المؤمنين ان صاحبنا ما قد علمت انه ما غير ولا بدل، ولا سخط رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ايام صحبته.له فقطع علي الكلام فقال ولا في ابنة أبي جهل لما اراد ان يخطبها
على فاطمة! قلت: قال الله تعالى: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (1)وصاحبنا لم يعزم على سخط رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ولكن الخواطر التي لا يقدر احد على دفعها عن نفسه وربما كان من الفقيه في دين الله العالم العامل بامر الله» (2)
رابعاً: البخاري ت ٢٥٦هـ: -عن المسور بن مخرمة قال: ان علياً خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فاتت النبي علي واله، فقالت: يزعم قومك انك لا تغضب لبناتك، وهذا على ناكح بنت ابى جهل فقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فسمعته حين تشهد يقول: اما بعد فاني انكحت ابا العاص بن الربيع، فحدثني وصدقني وان فاطمة بضعة مني واني اكره ان يسوؤها. والله لا تجتمع بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وبنت عدو الله عند رجل واحد، فترك على الخطبة، وزاد محمد بن عمرو بن حلحلة عن ابن شهاب عن علي عن مسور سمعت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ذكر صهراً له من بني عبد شمس، فاثنى عليه في مصاهرته اياه فاحسن قال: فصدقني ووعدني فوفى لي». (3)
وقال أيضاً عن المسور «ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال: فاطمة بضعة مـنـي مـن اغضبها أغضبني« (4)
خامساً: مسلم ت ٢٦٣ھ: اورد اربع روایات:
۱) عن المسور: «انه سمع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) على المنبر، وهو يقول: ان بني هشام بن المغيرة استاذنوني ان ينكحوا ابنتهم علي بن ابي طالب. فلا آذن، ثم لا آذن ثم لا آذن الا ان يحب ابن ابي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فانما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما اذاها». (5)
۲). «عن المسور قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): انما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما:
آذاها» (1)
۳). «عن ابن شهاب: ان علي بن الحسين حدثه انهم حين قدموا المدنية من عند يزيد بن معاوية (بعد) مقتل الحسين بن علي (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لقيه المسور بن مخرمة فقال له: هل لك لى من حاجة تامرني بها؟ قال: فقلت له: لا، قال له: هل انت معطى سيف رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فاني اخاف ان يغلبك القوم عليه. وايم الله لئن اعطيتنيه لا يخلص اليه ابداً، حتى تبلغ نفسي ان علي بن ابي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فسمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وانا يومئذ محتلم فقال: ان فاطمة مني وانا اتخوف ان تفتن في دينها. قال: ثم ذكر صهر له من بني عبد شمس، فاثنى عليه في مصاهرته اياه فاحسن قال حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي واني لست احرم حلالاً، ولا احل حراماً. ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد ابداً». (2)
٤). عن المسور: «ان علي بن ابي طالب خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فلما سمعت بذلك فاطمة، اتت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقالت له: ان قومك يتحدثون انك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكحا ابنة ابي جهل قال المسور: فقام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فسمعته حين تشهد ثم قال اما بعد فاني انكحت ابا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني، وان فاطمة بنت محمد مضغة منى وانما اكره ان يفتنوها والله لا تجتمع بنت رسول الله، وبنت عدو الله عند رجل واحد ابداً. فترك على الخطبة)). (3)
سادساً: الترمذي ت۲۷۹هـ: ذكر روايتين الاولى سبق وأوردها مسلم، اما الثانية: عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير: «ان علياً ذكر بنت أبي جهل فبلغ
ذلك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقال: ان فاطمة بضعة مني يؤذيني ما اذاها وينصبني ما انصبها. قال ابو عيسى (الترمذى) هذا حديث حسن صحيح هكذا قال ایوب عن ابن ابى مليكة عن ابن الزبير، وقال غير واحد عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة. ويحتمل ان يكون ابن أبي مليكة روى عنهما جميعاً «. (1)
سابعاً: الحاكم النيسابوري ت ٤٠٥هـ ذكر اربع روايات:
1). عن المسور: أنه بعث اليه حسن بن حسن يخطب ابنته. فقال له: قل له فليلقاني في العتمة. قال: فلقيه فحمد الله المسور واثنى عليه ثم قال: واما بعد وايم الله ما من نسب ولا سبب ولا صهر احب الي من نسبكم وسببكم وصهركم ولكن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، قال: فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها، ويبسطني ما يبسطها. وان الانساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري وعندك ابنتها. ولو زوجتك لقبضها ذلك. فانطلق عاذراً له». (2)
2). عن سويد بن غفلة: «خطب علي ابنة أبي جهل الى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقال: اعن حسبها تسألني؟ قال علي قد اعلم ما حسبها. ولكن اتامرني بها، فقال: لا! فاطمة مضغة منى، ولا احسب الا وانها تحزن او تجزع فقال على: لا أتى شيئاً تكرهه». (3)
3). عن ابي حنظلة رجل من اهل مكة: «أن علياً خطب ابنة ابى جهل فقال له اهلها: لا نزوجك على ابنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). فبلغ ذلك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فقال: انما فاطمة مغضة مني فمن اذاها فقد آذاني».(4)
٤). الرواية اعلاه التي اشار لها الترمذي.
ثامناً: الشريف المرتضى ت ٤٣٦هـ: طرح رؤية مغايرة لما جاءت به هذه الروايات حيث عدها موضوعة قائلاً: «هذا خبر باطل موضوع غير معروف ولا ثابت عند اهل النقل، وانما ذكره الكرابيسي طاعنا به علی امیر المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومعرضاً بذكره لبعض ما يذكره شيعته من الاخبار في اعدائه وهيهات ان يشبه الحق الباطل ولو لم يكن في ضعفه الارواية الكرابيسى له، واعتماده عليه وهو من العداوة لاهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، والمناصبة لهم، والازراء على فضائلهم وما ثرهم على ما هو مشهور لكفى». (1)
واضاف: «على ان هذا الخبر قد تضمن ما يشهد ببطلانه، ويقضى على كذبه من حيث ادعى فيه ان النبي ذم هذا الفعل، وخطب بانكاره على المنابر. ومعلوم أن امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولو كان فعل ذلك على ما حكى لما كان فاعلاً لمحظور في الشريعة لان نكاح الاربع حلال على لسان نبينا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، والمباح لا ينكره الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ويصرح بذمه، وبأنه متأذ به؛ وقد رفعه الله عن هذه المنزلة، واعلاه من كل منقصة ومذمة، ولو كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) نافراً من الجمع بين بنته وبين غيرها بالطباع التي تنفر من الحسن والقبيح لما جاز أن ينكره بلسانه، ثم ما جاز أن يبالغ في الانكار، ويعلن به على المنابر وفوق رؤوس الأشهاد، ولو بلغ ايلامه لقلبه كل مبلغ فالذي اختص به (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الحلم والكظم ووصفه الله بأنه من جميل الاخلاق، وكريم الادب، ينافي ذلك ويحيله، ويمنع من اضافته اليه، وتصديقه عليه واكثر ما يفعله مثله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الامر، اذا ثقل على قلبه ان يعاتب عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) سراً، ويتكلم فى العدول عنه خفياً على وجه جميل وبقول لطيف». (2)
ثم ضرب المرتضى مثلاً بالمأمون لما زوج ابنته من أبي جعفر محمد بـن على الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخذها معه الى المدينة، ثم تزوج عليها فكتبت شاكية لا بيها
فأجابها المأمون انا ما انكحناه لنحظر عليه ما اباحه الله له». ولذا يرى المرتضى ان «المأمون اولى بالامتعاض من غيره ابنته وحاله اجمل للمنع من هذا الباب والانكار له». (1)
واكد المرتضى ان الطعن في هذا الخبر على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هو اعظم من الطعن على الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذا وصف واضع هذا الطعن بأنه «لا يبالي ان يشفي غيظه بما لا يرجع على اصوله بالقدح والهدم». (2)
ثم قال «على انه لا خلاف بين اهل النقل ان الله تعالى هو الذي اختار امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لنكاح سيدة النساء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) رد عنها جلة اصحابه وقد خطبوها، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): اني لم ازوج فاطمة علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى زوجها الله في سمائه، ونحن نعلم ان الله سبحانه لا يختار لها من بين الخلائق من غيرها ويؤذيها، فان ذلك من اول دليل على كذب الراوي لهذا الخبر» (3)
وقدم دليلاً آخر على وضع الخبر وبعد؛ فان الشيء انما يحمل على نظائره، ويحلق،بامثاله، وقد علم كل من سمع الاخبار انه لم يعهد امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلافاً على الرسول، ولا كان قط بحيث يكره على اختلاف الاحوال، وتقلب الازمان وطول الصحبة ولا عاتبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على شيء من افعاله، مع ان احداً من اصحابه لم يخل من عتاب على هفوة وتكبير لاجل زلة فكيف خرق بهذا الفعل عادته وفارق سجيته وسنته لولا تخرص الاعداء وتعديهم». (4)
و ختم کلامه بآخر دليل «فاين كان اعداؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ)... من هذه الفرصة المنتهزة، وكيف لم يجعلوها عنواناً لما يتخرصونه من العيوب والفروق، وكيف تحملوا
الكذب، وعدلوا عن الحق، وفي علمنا بأن احداً من الاعداء متقدماً لم يذكر ذلك، دليل على انه باطل موضوع». (1)
تاسعاً: ابن حزم ت ٤٥٦هـ: قال في اشارته لبني مخزوم «وولد أيضاً ابو جهل الحنفاء، أراد على ان يتزوجها؛ فكره ذلك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فتزوجها عتاب بن اسید)». (2)
والظاهر ان ابن حزم قد وهم لان ابن سعد ذكر ان الحنفاء وهي بنت ثانية لابي جهل غير جويرية تزوجها سهيل بن عمرو ثم اسامة بن زيد. (3)
عاشراً: ابن حجرت ٨٥٢هـ: اورد ترجمتين لابنة أبي جهل:
الاولى تحت اسم «جميلة بنت أبي جهل بن هشام ابن المغيرة المخزومية.
روت عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، روى عنها زوجها، اخرج حديثها ابن منده من طريق سماك بن حرب عن عبدالله بن عمره عن زوج بنت أبي جهل، واسمها جميلة. قالت: مر بنا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)فاستسقى فسقيناه. وقال: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم... وقيل انها هي التي خطبها علي. والمحفوظ انها جويرة». (4)
الثانية: جويرية بنت أبي جهل التي خطبها علي بن ابي طالب فقال رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد ابداً. فترك على الخطبة... وقصتها في الصحيحين من حديث المسور بن مخرمة من غير ان تسمى». (5)
حادي عشر: ان الروايات اعلاه وظفها المستشرق - امیل در منغم - للطعن في شخص الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اذ يقول: «ولكن محمداً مع امتداحه قدم علي في
الاسلام ارضاء لابنته كان قليل الالتفات اليه، وكان صهرا النبي الامويين عثمان الكريم وابي العاص اكثر مداراة للنبي من علي، وكان علي يالم من عدم عمل النبي على سعادة ابنته، ومن عد النبي له غير قوام بجليل الاعمال، فالنبي كان يفوض اليه ضرب الرقاب، وكان يتجنب تسليم قيادة له، وقد أراد على يوماً ان يتزوج على فاطمة فغضب النبي واحتج على ذلك، جهراً من فوق المنبر، وهذا لان علياً كان غير لبق في ميله للزواج من ابنة ابي جهل وجمعه تحت سقف واحد بنت رسول الله وبنت اشد اعدائه ومما آلم منه علي عدم اذن النبي له في الزواج من اخرى مع فاطمة كما صنع مع صهريه الآخرين». (1)
ثاني عشر: بنت الشاطئ: استفادت من هذه الروايات لتصوغ لنا هذه الحادثة باسلوب ادبي اضفت عليه شيئاً من خيالها فقالت: «لكنه (الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما كاد ياتى - غير متعمد - شيئاً تكرهه فاطمة اشد الكره، وتالم منه أفدح الالم... واي شيء ابغض الى زوجة كالزهراء من ان يأتيها زوجها وابن عمها بضرة؟ لقد هم على بالزواج على فاطمة، وفى حسبانه انه انما يجري على مألوف عادة قومه فى الجمع بين زوجتين واكثر، ويفعل ما اباحه له الاسلام من تعدد الزوجات دون أن يخطر بباله ان في هذا ما تنكره بنت نبي الاسلام! لكن الامر جرى على غير ما قدر علي... فما كاد يهم بالزواج... حتى راعه أن يرى ابا الزهراء يقبل على المسجد مغضباً، ويخطب فى الناس منكراً على ابن ابي طالب أن يتزوج على فاطمة». (2)
ثم تساءلت: «ولكن كيف والاسلام يبيح تعدد الزوجات، والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كان يجمع في بيته يومئذ بين زوجات ثلاث او اربع فيهن عائشة بنت ابي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب الذي اعز الله به الاسلام؟ كيف يحرم النبي
ما احله الله، وينكر على ابن عمه ما لم ينكره على نفسه؟ ليكن هذا الزواج مؤذياً الفاطمة، افلم تتعرض لمثله بنتا ابي بكر وعمر؟ وهل يأبى النبي ان يجوز على ابنته ما يجوز على كل مسلمة... وهل استثنى الاسلام من تعدد الزوجات بنات نسبيه الذي بلغ رسالته؟ ياله من موقف بالغ الدقة والصعوبة والحرج، فالنبي يعلم حق علي في الزواج ولو على فاطمة... ومحمد في ابوته الرحيمة وبشريته السوية، يؤذيه ان تروع احب بناته بضرة، ويشفق عليها من تجربة قاسية كهذه، يعلم انه لا قبل لها باحتمالها.... الاليت علياً قد صبر على واحدة اسوة بابن عمه حين اكتفى بخديجة زوجة مدى ربع قرن من الزمان اذن لأعفى الاب النبي من الحرج، واغناه من ذلك الموقف الشائك الصعب... واني لا تمثله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يرنو إلى بنته الغالية وهي تترقب المحنة في خوف وقهر، فتكاد لفرط اساها وقلقها، تذوب من ضعف وكمد، ويود بكل ما استطاع ان يدفع عنها ما تكره، وان يحميها من الخوف الذي يقرح اجفانها ويروع امنها، ويؤرق لياليها، لكن الامر يبدوا معقداً، فما كان لنبي ان يحرم ما احل الله وفي ظلمات الحيرة، يلوح شعاع من الضوء ينير السبيل ان علياً ذكر بنت عمرو بن هشام المخزومي فهل يرضى الله ان يجمع بيت علي بين بنت رسول الله، وبنت عدو الله؟ فعمر و هذا هو ابو الحكم بن هشام ابو جهل، الذي لم ينس الرسول والمؤمنين ما اقترف من آثام في اضطهاد الدعوة الاسلامية...» (1)
ثم اخذت تعدد مواقف أبي جهل من الدعوة الاسلامية، واردفت قائلة: «اتكون بنت هذا الرجل ضرة لفاطمة بنت النبي؟ يأبى الرسول ذلك... ويأباه الاسلام! وانطلق (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الى المسجد مغضباً حتى بلغ المنبر فخطب في صحبه: ان بني المغيرة استأذنوني... ثم ذكر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) صهره ابا العاص، وهو من بني عبد شمس، لا
1) بنات النبي ص ١٧٦ -١٧٧.
من بني عبدالمطلب كعلي فاثنى عليه في مصاهرته اياه احسن الثناء... وقد ورد هذا الحديث في الكتب الستة الامهات ولكن احداً من الرواة لم يذكر لنا وقعه على المسلمين وصداه في المدينة. فهل ترى يعيننا أن نتصور مدينة الرسول، وقد باتت ليلتها ساهرة، تؤمن على قول النبى، وترى فيه مظهراً جميلاً من مظاهر بشريته التي طالما أصر على الاعتراف بها. وآية ناطقة بابوته الرحيمة التي كانت مضرب الامثال، ودليلاً جديداً من ادلة حبه لبناته، هذا الحب الذي شاء الله ان يملا به قلب النبي المختار في بيئة وأدت بناتها؟ أو هل يقصر خيالنا عن متابعة علي وهو ينصرف من المسجد اثر سماعه خطبة صهره النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ويأخذ طريقه الى بيته بطيء الخطو، مثقل القلب، يفكر فيما كان؟ اتراه حقاً قد اراد الزواج على فاطمة من بنت عدو الاسلام؟... كيف هان عليه جهاده الطويل الباسل في سبيل الدعوة المحمدية؟ بل كيف هان عليه ان يروع امن الحبيبة بنت الحبيب، ويكسر قلبها بزواج كهذا لا يمكن ان يؤول الا بالرغبة في متاع حسي مادي لا يجده لديها».(1)
ثم اوضحت بنت الشاطيء ان زواج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) المتعدد له لمتعدد له مبرراته الخاصة وظروفه والا فما باله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قد اكتفى بخديجة خمسة وعشرين سنة، فلم يتزوج عليها حتى ماتت وقد بلغ الخمسين. ثم ان الامام كان يشغله الجهاد في سبيل الدين الجديد اذن «فلتكن بنت ابى جهل من حظ غيره أما هو فليس بالذي يحبط جهاده الباسل، فيستبدل بالنبي ابا جهل بن هشام صهراً... وليس هو بالذي يؤذي نبيه واباه وابن عمه في احب بناته اليه، ولن يكون أبو العاص بن الربيع قبل اسلامه ابر منه ببنت محمد ابن عمه عبد الله بن عبد المطلب ولا ارعى في مصاهرته للنبي ذماماً». (2)
ثم اختلقت - بنت الشاطيء - اعتذاراً من على للزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) فقالت: «واذ
رآها تبكي، همس معتذراً: هبيني اخطأت في حقك يا فاطمة، فمثلك اهل للعفو والمغفرة، ومضت قطعة من الليل قبل أن تجيب غفر الله لك يا ابن عم». (1)
وختمت كلامها بالسؤال:
متى هم علي بالزواج على الزهراء؟
قالت: «صمت المؤرخون ورجال الحديث فلم يشيروا الى موعد الخطبة على ما لذلك من اهمية وخطر، لكنا نطمئن الى انها كانت في الفترة الأولى من زواجها. وهو اطمئنان لا يسنده دليل نقلي، وانما يغرينا به فهمنا لطبيعة الموقف وتقديرنا انه اقرب احتمالاً قبل ان يرزقا الولد، حين كانت فاطمة وعلي في مستهل حياتهما الزوجية، لم تألف بعد شدته وصرامته، ولم يروض هو نفسه على احتمال ما كانت لاتزال تجد من حزن لفقد امها وشجو لفراق بيتها الاول وبهذا الاطمئنان نميل الى توقيت الحادثة على وجه التقريب بالعام الثاني من الهجرة، قبل ان يأتيهما العام الثالث باولى الثمرات المباركة للزواج... انقشعت السحابة التي ظللت افق الزهراء حيناً لا نحدد مداه، وعاد البيت اصفى جواً مما كان قبل ان يمتحن بتلك التجربة القاسية، وضمت الحياة تسير بالزوجين الكريمين على ما يرجوان من تعاون ومودة؛ فاطمة في الدار تقوم على خدمة زوجها ما وسعها وتتخلص شيئاً فشيئاً مما كان يعتادها من شجن و انقباض، وعلى الى جانبها يبذل لها من الحب والرعاية ما يعينها على مشقة العيش الكادح في جو المدينة الذي لم تسعفها صحتها على ان تألفه بسرعة عة كما الفه كثير من المهاجرين ويحاول قدر ما اطاق ان يترفق بها ويروض نفسه على شيء من اللين واليسر. ثم شاء الله ان يقر عين الزهراء وعيون من يحبونها فوضعت بكرها الحسن بن علي في السنة الثالثة
1) بنات النبي ص ۱۸۱.
من الهجرة». (1)
ثالث عشر: وردد - توفيق ابو علم - ما جاء عن بنت الشاطيء واضاف «ليس علي هو الذي يؤذي نبيه واباه وابن عمه في احب بناته اليه والتي قال لها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): ان الله غير معذبك ولا احد من ولدك» (2)وهى التى قال فيها ايضاً «اذا كان يوم القيامة جم(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الاولين والآخرين في صعيد واحد، ثم ينادي مناد ان الجليل جل جلاله يقول: نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم فان هذه فاطمة بنت محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) تريد ان تمر على الصراط، (3)وعن ابي سعيد الخدري (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) انه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مر في السماء السابعة. وقال: فرأيت فيها لمريم ولام موسى ولاسية امراة فرعون ولخديجة بنت خويلد قصوراً من ياقوت، ولفاطمة بنت محمد سبعين قصراً من مرجان احمر باللؤلؤ ابوابها واسرتها من عود واحد (4)، (5)
واضاف: «هذه هي الزهراء التي يحبها الرسول كما رأينا فيما سبق وتكرر انه لم يكن من المعقول أن يجمع بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وبنت عدو الله بيت واحد. وعن يحيى بن سعيد القطان قال: ذاكرت عبد الله بن داود الحرثي قول النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لا آذن الا ان يحب علي بن ابي طالب ان يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، قال ابن داود: حرم الله على على ان ينكح على فاطمة حياتها لقول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. (6)فلما قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): لا آذن لم يكن يحل لعلي ان ينكح على فاطمة الا ان يأذن رسول الله. قال: وسمعت عمر بن داود
1) بنات النبي ص ۱۸۲ -۳.
2) اخرجه الطبراني: المعجم الكبير ٢١٠/١١، الهيتمي: الصواعق ص ١٥٨، المتقي الهندي: كنز العمال ٦۹/۱۳ الشبلنجي: نور الابصار ص 45. الصبان اسعاف الراغبين ص 109.
3) أخرجه الطبرانی: المعجم ۱۰۸/۱. الهيتمي: الصواعق ص ۱۸۸، المتقى الهندي: كنز العمال ۱/۱۳ - ۹۳ الشبلنجي: نور الابصار ص ٤٦. الحاكم: المستدرك ١٦٦/٣، ١٧٥.
4) الشبلنجي: نور الابصار ص ٤٦.
5) اهل البيت: ص 155- 156.
6) سورة الحشر: الآية 7.
يقول: لما قال الرسول فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها حرم الله على على ان ينكح على فاطمة، اذ انه بنكاحه عليها يؤذي الرسول، والله تعالى يقول وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ (1)، (2)
رابع عشر: الحسني: اذا رأينا منغم وبنت الشاطيء وتوفيق ابو علم، وكذلك كحاله (3)اعتمدوا المنهج الحرفي (النقلي) في التعامل مع الروايات لذا أكد و اصحة الحادثة، فان هاشم معروف الحسني قد انتهج نهج الشريف المرتضى، و ابن ابي الحديد وهو النهج العقلي في التعامل مع النصوص لذلك حكم بعدم صحة الروايات. حيث جاء فى معرض مناقشته للحادثة:
«واما حديث زواجه (على) من غيرها، فقد جاء في بعض المرويات انه کادان یاتی شيئاً تكرهه سيدة النساء، ولا تتمكن من التغاضي عن نتائجه ويشير اليه الرواة، أنه هم ان يتزوج من جويرية... وأن أهلها استشاروا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فانکر عليهم، ولم يأذن لهم بذلك، واضاف الرواة لهذه الاسطورة: ان الزهراء ذهبت الى ابيها باكية تقول له: ان الناس يزعمون بأنك لا تغضب لبناتك، وان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قام من ساعته، واقبل الى المسجد مغضباً، وصعد المنبر، وقال على ملأ من المهاجرين والانصار الا وان بني هشام... الى غير ذلك مما جاء حول هذه الاسطورة التي تصور النبي وكأنه انسان تستبد به العاطفة الى الخروج من المألوف ومحاباة ابنته على حساب حكم من احكام الله وتصور الزهراء، وكأنها أقل حظاً من الدين والصبر من سائر النساء، وان النبي يتخوف عليها ان تتعدى حدود ما انزل الله لو تم هذا الامر.
«ان الذين وضعوا هذه الاسطورة ارادوا ان يسيئوا الى النبي لا الى علي
وحده، لان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كما جاء في الرواية، أراد ان يمنع علیاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) مما اباحة الله لجميع الناس، وما فعله هو وجميع المسلمين او اكثرهم، ومع المسلمين او اكثرهم، ومع ذلك فهل يجوز على النبي ان يقف هذا الموقف المتصلب، ويحابي ابنته الزهراء في حكم من احكام الله، ومع العلم انه كان يقول لفاطمة «اعملي فلن اغني عنك من الله شيئاً». (1)وقال لمن جاء يستشفع في امرأة من الانصار قد سرقت: والله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. (2)
«هذا بالاضافة الى ان قوله المزعوم: اخاف ان تفتن ابنتي عن دينها، هذا القول على تقديره، يعني أنها كغيرها من النساء اللواتي يخرجن عن المألوف، ويتجاوزن احكام الله في مثل هذه الحالات، في حين انه قال أكثر من مر ة: «ان الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك»، (3)وبلا شك فانها لم تبلغ هذه المرتبة الا لأن جميع اعمالها وتصرفاتها واقوالها في حدود ما أراد الله. واذا صح كما يزعم الراوي ان تفتن في دينها لامر قد اباحه الله لعلى وغيره من سائر الناس فكيف يربط النبي رضاها برضى الله وغضبها بغضبه. هذا بالاضافة الى انها احد المعنيين اية التطهير بلا شك في ذلك عند احد من المسلمين، ومع ذلك فكيف تفتن فى دينها وقد اذهب الله عنها الرجس وطهرها من الذنوب وجعلها السيدة الاولى النساء العالمين.
«ان الذين رووا هذه الاسطورة ونسبوا الى النبي هذا الموقف المتصلب،
1) مسلم: الصحيح ۸۰/۳. الطبري: جامع البيان ۱۱۸/۱۹ -۱۲۰ الهيتمي: الصواعق ص 155-6.
2) البيهقى: المحاسن ص ٣٦٨. ابن تيمية: منهاج السنة ١٧/٣.
3) الطـبرانی: المعجم الكبير ۱۰۸/۱، الحاكم: المستدرك ١٦٧/٣، ابن حجر: الاصابة ۳۷۸/۴ الهيثمي: مجمع الزوائد ۲۰۳/۹. المتقي الهندي: كنز العمال ٩٦/١٣. وقد اعتبر ابن تيمية هذا الحديث موضوعاً بقوله «ما ورد هذا من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولا يعرف هذا من شيء من كتب الحديث المعروفة ولا الاسناد معروف عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لا صحيح ولا حسن منهاج السنة ۱۷۰/۲.
وتلك المقالة البعيدة عن منطقة قد رووا الى جانبها انه اذا كان يوم القيامة يجم(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الاولين والآخرين على صعيد واحد، ثم ينادي مناد الجليل جل جلاله نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم فان فاطمة بنت محمد تريد ان تمر على الصراط. واذا كانت بهذا المستوى فكيف تفتن عن دينها لامر متاح ومألوف بين المسلمين، وفي بيت ابيها سید المسلمين أكثر من اربع من النساء.
«على ان المتتبع لتاريخ على (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تلك الفترة من تاريخ الاسلام سواء كان منها في حياته مع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وهو الى جانبه يجاهد في سبيل الدعوة، أو بعد زواجه من سيدة النساء لا يتردد في ان جميع ما روي عنه في محاولة زواجه من ابنة أبي جهل، ومن اختياره لنفسه بعض الجواري في احدى غزواته الناجحة (1)كما تحدث بذلك بعض المؤلفات فى السيرة من موضوعات....
«والغريب في المقام ان اكثر المؤرخين يذهبون الى ان خطبة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجويرية... كانت في السنة الثانية التي تزوج بها من فاطمة الزهراء، وقبل ان يأتيهما العام الثالث باولى الثمرات المباركة لزواجهما... ووجه الغرابة في ذلك ان ابا جهل وبني المغيرة كانوا في مكة، وابو جهل كان من اقطاب المشركين، والدّ اعداء الاسلام ومن اكثرهم تحريضاً واساءة الى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واتباعه... وقد قتل ابو جهل في بدر وظل بنوه على شركهم في مكة الى السنة الثامنة حيث فتح مكة فاسلموا، فكيف يجتمع هذا مع قول النبى في مطلع السنة الثالثة للهجرة، وقبل ولادة الحسن: الا ان بني المغيرة قد استأذنوني ان يزوجوا ابنتهم علياً. وخلص للقول: «ومهما كان الحال فلو افترضنا ان علياً فكر فى غير فاطمة من النساء، وان فاطمة لم تكن طيبة النفس بهذا التفكير، فذلك لا يوجب تجريحاً، ولا يبيح لاحد
1) عندما ولاه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الیمن.انظر الترمذي: الصحيح ١٦٤/١٢ - ٥، ١٧٢ - ٣. الحاكم: المستدرك ۱۱۹/۳.
ان ينال من قداستها شيئاً». (1)
خامس عشر: العقاد: قال بصددها ولا نعلم نحن من شأن هذه الخطبة غير ما جاء فى رواياتها المختلفة. ولكنا نعلم ان هذه الفتاة (جويرية) اسلمت وبايعت النبى وحفظت عنه، فلعلها قد خيف عليها الفتنة ان تتزوج بغير كفء من المسلمين، واهلها هم من هم في المكانة والحسب لا يرضيهم من هو دون علي بن ابي طالب من ذوي قرابتها. أو لعلها غضبة من غضبات على انفة من انفات فاطمة او لعلها نازعة من نوازع النفس البشرية لم يكن في الدين ما يأباها وان اباها العرف حالة المودة والصفاء». (2)
سادس عشر: الشرهاوي: وآخر من علمنا انه كان له رأي في هذه الحادثة زميلنا - حسين الشرهاوي - الذي قال بصددها:
«والرواية التي أوردناها تحمل ضعفها بين طياتها وهي متناقضة الى درجة كبيرة لا يمكن قبولها وهي تحمل اساءة الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أولا قبل الامام على وفاطمة الزهراء (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ووجه اعتراض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حبه لابنته فاطمة... ولو افترضنا جدلاً أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قدم على هذه الخطبة بالفعل، فانه لم يأت بشيء محرم في الشريعة لان الاسلام اباح الزواج بأربع، فكيف يقف رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) على المنبر و امام كل المسلمين ويحرم شر(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الذي أتى به من عند ربه، وذلك لمحبته لابنته فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)! وهو ينادي بالمساواة والعدالة وعدم التفضيل وكون فاطمة كأي امرأة من نساء المسلمين من منطلق المساواة، ثم يصعد على المنبر ويعرض باحدى المسلمات وهى جويرية بنت أبي جهل، ويعيرها بأبي جهل، على الرغم من اسلامها فهل تحاسب بذنب ابيها».
«وقد روي ان عكرمة بن أبي جهل عندما أسلم هاجر الى المدينة بعد فتح
مكة فجعل عكرمة كلما مر بمجلس من مجالس الانصار قالوا هذا ابن أبي جهل وسبوا أبي جهل فشكا ذلك الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقال: لا تؤذوا الاحياء بسبب الاموات (1)فاذا كان هذا حال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فى مراعاة مشاعر المسلمين فكيف يصعد على المنبر امام المسلمين ويهجم على هذه المرأة المسلمة وينهى عن شر(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وحتى ان كان قد كره هذا الامر بقلبه المحبة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) كما تذكر الرواية وبلغ به الغيض والغضب اليس هو الموصوف بكظم الغيض وعدم التسرع بالاحكام). وقد وصفه الله بجميل الاخلاق، وكريم الآداب فلماذا لم يعاتب علياً سراً وينهاه. دون ان يجرح مشاعره ومشاعر المسلمين». (2)
والآن لنأت لمناقشة الحادثة في الحيثيات الآتية:
اولاً: من هم بنو المغيرة؟
ثانياً: من هي ابنة ابي جهل؟
ثالثاً: مناقشة تناقضات الروايات؟
رابعاً: موقف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)؟
خامساً: موقف فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)؟
سادساً: موقف الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
سابعاً: من هو راوى الرواية؟
ثامناً: تحليلات بعض الباحثين؟
اولاً: من هم بنو المغيرة؟
هو المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم من الاسـ بن عمر بن مخزوم من الاسر التي اتخذت مو موقفاً سلبياً من الدعوة الاسلامية في مكة او فيما بعد في المدينة، فقد قتل في بدر منم ابو قیس بن الفاكة بن المغيرة وابو جهل واخوه العاصي بن هشام، واسر عثمان بن عبدالله بن المغيرة ومعبد بن هشام بن المغيرة، اما فى الخندق فقد قتل نوفل بن عبدالله بن المغيرة. (1)
ومن أشهر رجالاتهم الوليد بن المغيرة وهو اول من خلع حذائه عند الدخول للكعبة اعظاماً لها، (2)واول من بدأ بتهديمها لما ارادت قريش اعادة بنائها وكانت تخشى ذلك، (3)ولذلك عُرف بعظيم قريش، وفيه نزل قوله تعالى وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم. (4)
والوليد هو الذي اتهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بالسحر لذا نزل فيه قوله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهوداً * ومهدت له تمهيداً * ثم يطمع ان ازيد * كلا انه كان لآياتنا عنيدا * سأرهقه صعوداً * انه فکر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم ادبر واستكبر * فقال ان هذا الاسحر يؤثر * ان هذا الا قول البشر * سأصليه سقر * وما ادراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر * لواحة للبشر * عليها تسعة عشر (5. وقد قتل)
1) ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص ١٤٤ -١٤٥.
2) الازرقى. اخبار مكة ١٧٤/١، البيهقي: المحاسن والمساوئ ص ١٦٥ السيوطي: الوسائل ص ۳۳ -۳۲.
3) الطبري: تاريخ ۲۸۸/۲ -۹.
4) سورة الزخرف: الآية.۳۱ انظر: الطبري: جامع البيان ٩٥/۲٥، القرطبي: الجامع ٨٣/١٦،ابن کثیر: تفسیر ۳۹۵/۷.
5) سورة المدثر: الآيات.۱۱ -۳۰. انظر: الطبري: جامع البيان ١٥٢/٢٩ -١٥٣، الواحدي: اسباب النزول ص ٢٩٥ -٢٩٦.
ابنه ابو قيس يوم بدر مع المشركين فيما اسلم ابنه خالد بن الوليد قبيل فتح مكة. (1)اما باقي بنو المغيرة فقد دخلوا في الاسلام يوم فتح مكة ومن ضمنهم الحارث بن هشام اخو ابي جهل الذي اصبح من الطلقاء ثم من المؤلفة قلوبهم ولذلك اعطاه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ من غنائم هوازن مائة بعير. (2)ويشارانه هو الذي اشار على الخليفة عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) بوضع ديوان العطاء. (3))ويأت هنا التساؤل: من بنى المغيرة استأذن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ؟ هل هو الحارث بن هشام عم جويرية؟ ام خالد بن الوليد؟ ام عكرمة بن أبي جهل؟)ثانياً: من هي ابنة ابى جهل؟انها جويرية او جويرة او جميلة او الحنفاء هكذا على اختلاف الروايات ابنة ابي جهل عمرو بن هشام المخزومي المعروف قبل الاسلام بأبى الحكم، (4وكان لاتخاذه موقفاً سلبياً من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والدعوة الاسلامية ان لقبه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بابي جهل، وذلك لبعده عن استيعاب مفاهيم الاسلام ورفضه لاتباعها، فالجاهلية حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدى الله. (5))وابو جهل هو صاحب فكرة اغتيال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ ليلة الهجرة (6)ثم كان (اس) البلاء على قریش یوم بدر حتی اوردها المهالك، فكان ان قتل يوم بدر وقد لاقي)
1) ابن حزم جمهرة انساب العرب ص ١٤٧.
2) ) ابن هشام السيرة ٤١٣/٤، ٤٩٣، الطبري: تاريخ ٩٠/٣.
3) البلاذري فتوح البلدان ص٤٢٦. الجهشياري: الوزراء والكتاب ص ١٧. ذكر اسمه الوليد بن هشام.
4) . ابن سعد: الطبقات٦٢/٨. ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص ١٤٥. ابن حجر: الاصابة ٢٦٥ -٢٦٢/٤.
5) لدينا بحث سينشر قريباً ان شاء الله تحت عنوان (الجاهلية فترة زمنية ام حالة نفسية؟).
6) الطبري: تاريخ ۲ -۳۷۰/۲.
خبر مقتله سروراً لدى النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ واصحابه. (1)فيما بقيت اسرته حتى السنة الثامنة من الهجرة، حيث فتح مكة فكان ولده عكرمة بن أبي جهل من هل من الدعاة لقتال المسلمين وعدم السماح لهم بالدخول لمكة، ولما فتحت مكة هرب الى البحر، فلحقته زوجته بعد ان اخذت له الامان من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فعاد واعلن اسلامه. (2))ومن اسرة أبي جهل ابنته التي اختلف في اسمها أعلاه، وقد كان لها موقف لما دخل المسلمون مكة فلما أذن بلال وقال: اشهد ان محمداً رسول الله قالت جويرية: (قد لعمري رفع لك ذكرك، اما الصلاة فسنصلي، ووالله ما نحب من قتل الاحبة ابداً، ولقد جاء الى ابي الذي كان جاء الى محمد من النبوة فردها ولم يرد خلاف قومه (3)) اذن كانت من مسلمة الفتح، وبفتح مكة ختمت الهجرة، فلا هجرة بعد انه لا هجرة بعد ذلك للمدينة الالاغراض خاصة فاين يا ترى الفتح) هذا يعني (4)كانت خطبة الامام لجويرية هل في مكة ام المدينة؟ وبعد عدم تحقق الخطبة سواء الرفض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟ (5)او رفض بنو المغيرة انفسهم؟ (6)او تدخل عتاب الذي خطبها فتزوجها، (7)ويأتي هنا التساؤل: اين كان عنها عتاب بن اسيد وهو ايضاً من مسلمة الفتح، وقد ولدت لعتاب ولده عبد الرحمن بن عتاب الذي كان ضمن اهل الجمل ضد الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان ان قتل في هذه المعركة. (8)
1) الطبري: تاريخ ٤٥٤/٢ -٦.
2) الطبري: تاريخ ٤٤/٢، ٤٨، ٥٧ -٦٠، ٦٣، المستتخب ص ٥٠١ -٢ ابن حجر: الاصابة 2/416-7.
3) الازرقي: اخبار مكة ٢٧٤/١ -٢٧٥.
4) حديث للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اخرجه ابن حنبل: المسند ٢٢/٣، 401، ١٨٧/٥.
5) ابن سعد: الطبقات ۲٦٢/٨، الزبيري: نسب قريش ص ۳۱۲ البخاري: الصحيح ٩٥/٥ – 96.
6) الحاكم: المستدرك ۱۷۳/۳.
7) الزبيري: نسب قريش ص ۱۸۷.
8) الشرح : ١٢٣/١١ -٤، الزبيري: نسب قريش ص ۱۹۳. ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص: 133.
وبعد وفاة عتاب تزوجها ابان بن سعيد بن العاص بن أمية فلم تلد له شيئاً. (1وتشير الروايات انها روت عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).، وروى عنها زوجها: «عن عبدالله بن عميرة عن زوج بنت أبي جهل». فأبن عميرة هنا لا يعلم زوج ابنة ابي جهل؟ ومن هي؟ والملاحظ ان كتب الصحاح لم تذكر اسمها. (2))ثالثاً: تناقض صيغ الرواياتتشير بعضها أن بنى المغيرة هم الذين استأذنوا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ في تزويج ابنتهم للامام، (3)فيما تشير روايات اخرى ان الخبر كان شائعاً، وان الناس قد تحدثوا به، فلما بلغ ذلك فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) ذهبت للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واخبرته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (4)فيما تأتى رواية لدى الحاكم لتشير ان الامام هو الذي طلب الاذن من النبي له فرفضه (5)وتذهب رواية اخرى لعلم النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بالامر دون تحديد من الذى اخبره (6)اما السبب في عدم تحقق الخطبة فهذا ايضاً موضع تناقض بين الروايات فأكثر الروايات تعزوه للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، (7)فيما تأتي رواية لتشير الى رفض بني المغيرة منذ البدء لان ذلك يؤذي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) برأيهم، (8)ولكن رواية الزبيري تشير الى تدخل عتاب بن اسيد الذي حسم الموقف بخطبته جويرية؟ (9)ولكن اليس خطبة المؤمن على اخيه)
1) ابن سعد: الطبقات ٢٦٢/٨.
2) ابن حجر: الاصابة ٢٦٥/٤.
3) ابن سعد الطبقات ٢٦٢/٨. مسلم: الصحيح٢./١٦. الترمذي: الصحيح ٧ -٢٤٦/٣.
4) البخاري: الصحيح ٩٥/٥ -٩٦. مسلم: الصحيح ٤/١٦.
5) المستدرك: ۱۷۳/۳.
6) المستدرك: ۱۷۳/۳.
7) ابن سعد، الطبقات ٢٦۲/۸. الزبيري: نسب قريش ص۳۱۲. البخاري: الصحيح ٩٥/٥ – 96.
8) الحاكم: المستدرك: ۱۷۳/۳.
9) الزبيري نسب قريش ص ۳۱۲.
المؤمن حراماً؟!!(1)رابعاً: موقف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ؟)أشرنا إلى تناقض الروايات في من الذي اخبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ بخطبة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجويرية.)۱. فبعضها يشير ان بني هشام بن المغيرة استأذنوا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فهذا يعني انه رفض ذلك، اذن لماذا يصعد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) المنبر معلناً ان بنى هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا اذن ثم لا اذن ثم لا اذن لهم) (2)فلماذا لا يرسل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) للامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويدعوه لترك الخطبة؟ فما معنى هذا الموقف المتشدد من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حيال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) و امام الناس؟ فهل يريد النبي ان يقول ان علياً أتى بأمر خطير؟ ام ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اراد ان يسمع من تسول له نفسه ولو مستقبلاً تزويج علي كما فعل بنو المغيرة؟)ولكن رواية الحاكم تفيد ان الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ هو الذي طلب الموافقة من النبي منذ البدء ولكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يوافق فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا اتى شيئاً تكرهه، (3)اذاً ما معنى صعود النبي المنبر واستنكاره، فهل هذا يعني ان عليا عاود الخطبة رغم نهي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) له !!)٢. فيما تأتي رواية اخرى تشير ان فاطمة هي التي ابلغت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «فلما سمعت فاطمة اتت النبى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالت: ان قومك يتحدثون انك لا تغضب لبناتك». (4))
اذن فالقوم يرون ان فعل الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ غير صحيح، ولذلك اشيع بين الناس واخذوا يتحدثون به فبلغ مسامع فاطمة لذا اتت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لتخبره بمقالة الناس. فلماذا ياترى هذا التصور لدى الناس؟ والمعروف ان العرب قبل الاسلام وفى ظل عصر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كانوا يتزوجون لاكثر من واحدة ولا نكاد نقرأ عن موقف متوتر حيال زواج ثاني اذن لماذا يستنكر قوم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ذلك الى درجة انهم يقولون: ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لا يغضب لبناته، فمن سبقه وقد غضب لبناته حتى يؤخذ على النبي عدم غضبه لبناته.)٣. ان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ بموقفه الاستنكاري هذا عرض بعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مقارناً اياه ن بموقف احد اصهاره من بني عبد شمس، اذ يقول: (فأنى انكحت ابا العاص بن الربيع، فحدثني فصدقني) وفي رواية أخرى: (حدثني فصدقني، ووعدني فاوفى لي). (1)فمن هو ابو العاص هذا؟.)هو ابو العاص بن الربيع من بني عبد شمس وامه هالة بنت خويلد، أي اخت السيدة خديجة (عَلَيهَا السَّلَامُ تزوج زينب بنت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قبل الاسلام، ورغم ان الروايات تشير الاسلامها في بدء الدعوة الاسلامية لكنها بقيت في مكة ثلاث عشرة سنة عند زوجها وهو مشرك، ومع ذلك فلم تشر الروايات لاي موقف سلبي لاحدهما تجاه الاخر رغم تناقضهما في العقيدة، وقد بقيت حتى بعد الهجرة واشترك زوجها ابو العاص في معركة بدر مشركاً، فكان ان وقع اسيراً بيد المسلمين فارسلت زينب قلادة كانت امها قد أهدتها لها ليلة زفافها، فرق النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لها واعادها عليها واطلق سراح زوجها بعد أن شرط عليه ان يبعث زينب له، ففعل، واستمر ابو العاص مشركاً، حتى السنة السادسة للهجرة حيث خرج في قافلة فاعترضها المسلمون واخذوا ما فيها وفر أبو العاص الى المدينة حيث استجار بزينب)
1) البخاري: صحيح ٩٦/٥ مسلم: الصحيح ٣/١٦ -٤.
فاجارته واعاد عليه المسلمون كل ما اخذوه من اموال فمضى الى مكة واعاد الاموال لاصحابها ثم جاء الى المدينة فأعلن اسلامه وتشير الروايات ان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ اعاد اليه زينب بالعقد الاول، وبقيت معه سنتان حيث توفيت في السنة الثامنة من الهجرة، فيما عاش بعدها ابو العاص حتى توفي في عهد الخليفة ابى بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ). (1))ان ملاحظة سيرة ابي العاص ومقارنتها بسيرة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ التقطع عقلاً بانه لا يمكن ان تكون هناك ادنى مقارنة عند عامة الناس، فكيف بالنبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولا داعي لبيان سيرة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهي معروفة للخاص والعام كمعرفة البلد الحرام، اما ابو العاص فلا وجود له الا في بطون الكتب، وقل من يعرفه حتى من المتخصصين وليس ذلك الا لانه شخص من عامة الناس.)والملاحظة ان الرواية تشير لقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ: حدثني فصدقني، ووعدني فاوفي لي، والسؤال: متى حدثه؟ ومتى صدقه؟ ابعد ثلاثة عشر سنة والرسول في مكة يدعو للاسلام، فلم يؤمن به؟ ابعد تضيقه على ابنة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) التي اسلمت وبقيت عنده؟ أبعد خروجه مع المشركين في بدر ثم وقوعه في الاسر؟ ابعد ست سنين من الهجرة؟ ولما رأى واقع الجزيرة العربية يتجه لصالح النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) جاء معلنا اسلامه؟)ثم ان القول المنسوب للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ: (فحدثني فصدقني، ووعدني فاوفي لي). هل هذا الكلام لا نجد له مصداقية لدى الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟!!)ثم لنتساءل عن سر بقاء زينب لدى ابو العاص؟ والمعروف ان قريشاً سعت لولدي ابي لهب لتطليق بنات النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وهما من بني هاشم وابناء عمه؟ فلماذا لم)
1) ابن سعد: الطبقات ٣٠/٨ -٣٦ الطبري: المنتخب ص ٤٩٩ -٥٠١ ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص ۷۷ -۷۸ ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۷۰۱/٤. ابن الأثير: اسد الغابة ٢٣٦/٥ -8.ابن حجر: الاصابة ١٢١/٤- ٣،١٢٣ -٣.
تسع بالنسبة لابي العاص؟ وإذا كانت قد سعت ورفض ابو العاص؟ فما هو سبب رفضه؟ هل اعتزاز بمصاهرته النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ؟ اذاً لماذا لم يقبل دعوته؟ ام اعتزاز بابنته؟ فهي قد دخلت الاسلام طاعنة فى ما يعتنقه من الشرك؟ ثم ما سر بقاءها: هل برضاها؟ فهذا لا يجوز شرعاً؟ ام رغماً عنها؟ فاذا كان كذلك فكيف يقول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انه وعدنى فاوفى لى؟ وان شرط النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ارسال زینب مقابل اطلاق سراحه دليل على ان بقائها عنده رغماً عنها.)٤. ان السر في منع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من زواج على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما هو «ان فاطمة بضعة مني وانما اكره ان يفتنوها» (1)نعم... أن فاطمة قطعة من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بلا شك، رسول ولكن ماذا يقصد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بفتنة فاطمة؟ هل يقصد انه يصيبها ما يصيب النساء، وان هذا سيدعوها للانحراف فى التعامل مع زوجها ومع ضرتها؟)ان مثل هذا التصور يقوله شخص غير مدرك لحقيقة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وابنته فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) التي صرح القرآن الكريم بطهارتها من الرجس، فلا يمكن بحال من الاحوال ان تشعر بأي شيء يحرمه الاسلام، والمعروف ان غيرة المرأة محرمة في الاسلام، (2)ولهذا قطعاً ففاطمة سوف لن ينتابها من هذا شيء.)٥. يخلص الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ للقول: (الا ان يحب ان ابي طالب أن يطلق ابنتى وينكح ابنتهم). (3))المعروف ان قول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وفعله وتقريره سنة واجبة الاتباع، فاذا ما حدث ان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مطلق ابنته لان زوجها أراد الزواج عليها، فهذا يعني انه تشريع ستسير عليه الامة، فيصبح احدنا اذا اراد شخص ان يتزوج على ابنته ان يطلب منه طلاقها مقتدياً بالنبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).)
ثم ما هو علاج الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ للمسألة؟ انه الطلاق، والمعروف أن الطلاق شرع كعلاج للفساد الاسري، وهو من ابغض الحلال عند الله تعالى.)فاذا صح وطلقت (عَلَيهَا السَّلَامُ اليس الذي سيواجهه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هو مشكلة من سيتزوجها؟ اذ المعروف ان كثيراً من الصحابة خطبوها فردهم النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لانه ينتظر امر السماء، وقد جاء امر السماء بتزوجها من على (عَلَيهِ السَّلَامُ). (1))يقول اليعقوبي: «وقدم علي بن ابي طالب الله (عَلَيهِ السَّلَامُ بفاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)وذلك قبل نكاحه اياها... ثم زوجها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد قدومه بشهرين، وقد كان جماعة من المهاجرين خطبوها من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فلما زوجها عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالوا في ذلك، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): ما انا زوجته، ولكن الله زوجه). (2))فهل شرطت السماء على عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ يتزوج على فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)؟ وأنى للنبي ان يطلقها من علي والسماء هي التي زوجته!!)(٦ ثم يقول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ: «وانها والله لا تجتمع بنت رسول الله، وبنت عدو الله عند رجل واحد ابداً».)هل يعقل ان هذا التصور وهذا الكلام يصدر من ابي هذه الامة؟ هل يعقل ان يصدر من رحمه الله ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ؟ (3)هل يعقل ممن وصفه القرآن وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)ووَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (5)و لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (1) فهل هذه المواصفات القرآنية تنطبق على هذا الشخص، وهو يفرق بين ابناء امته!!؟ ويعلن بلسان العصبية بان ابنته لا تجتمع مع ابنة عدو الله اليس هذا تشريعاً؟! وما هو ذنب جويرية المسلمة ان كان ابوها كافراً؟ أليس في هذا طعن لها وايذاء !! والله سبحانه نهى عن ايذاء المؤمن.
7). ان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هو الذي جاء عن الله مشرعاً للمسلمين فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ (2)وهذه الآية عامة لجميع المسلمين فهي تضم علياً وغيره، فكيف يحرمها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) «واني لست احرم حلالاً ولا احل حراماً».
قال ابن العربي: (واذية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لا تغفر، فان قيل: فيكف منع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علياً من النكاح ولا يقضي ذلك عقد النكاح، قلنا قد بين النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ذلك غاية البيان، فقال: انه ليس في تحريم ما احل الله الا اذا اراد علي بن ابي طالب ان يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم، فبين له أن ذلك ليس بحرام، وبين له انه لا عليه أن يطلق على فاطمة، فاما الزواج عليها فانه يؤذيه، وما اذاه كان حراماً من جهة اذايته لا مــن جهة تحريم النكاح في الاصل... هذا الامر يختص به النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وحده، فاذی غيره مأذون فيه مباح لا حرج على احد ان يفعله). (3)والشيء الذي يلفت النظر هو سكوت القرآن الكريم ازاء هذه الحادثة لا تأييداً لموقف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولا نقداً له.
ولكن يا ترى لماذا لم يغضب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لرقية او ام كلثوم على اختلاف الروايات في زواج عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) عليها، فيروى ان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في ساعة الدفن شرط ان لا يدخل القبر من قارف زوجته تلك الليلة فلم يدخل عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)
القبر (1)ولهذا فصاحب الرواية جعل على لسان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ان يحتج بابي العاص مع انه مشرك، ولم يحتج بعثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لان الاخير قد تزوج على رقية او ام كلثوم.
المتتبع السيرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يجد لديه اهتماماً بفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) يفوق بكثير اهتمامه يباقي بناته فزينب التي تزوجت من أبي العاص والذي استمر على شركه لاحدي وعشرين سنة قضت معه اكثر من خمسة عشر سنة وحينما هاجرت الى المدينة بقيت لاربع سنوات حتى اسلم ابو العاص فاعادها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اليه. ولم يعرف لماذا لم تتزوج بعد عودتها للمدينة؟!! وكانت قد ولدت له ولدين (علي) وقد مات صغيراً، و(امامة) التي تزوجها على بعد فاطمة وبعده تزوجت نوفل بن المغيرة ولم تلد لاى منهما. (2)
اما رقية فقد تزوجت من ابن ابي لهب والذي طلقها حال بدء الدعوة الاسلامية فتزوجها عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) الذي هاجر بها الى الحبشة ثم عاد لمكة ولا تعرف اسباب عودته، وتوفيت فى المدينة في السنة الثانية من الهجرة وقد ولدت لعثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) ولدا اسمه عبد الله مات صغيرا حيث نقره الديك. (3)
اما بالنسبة الى ام كلثوم فقد أشار الرواة لزواجها من الابن الثاني لابي لهب الذي اقتفى اثر اخيه فطلقها، ولكنها لم تجد زوجاً فبقيت ثم غابت عن الرواة لخمس عشرة سنة حتى ماتت رقية فظهرت من جديد في الروايات حيث تزوجها الخليفة عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) ولكنها لم تطل معه حيث توفيت في السنة الثامنة من الهجرة
1) ابن سعد الطبقات ۳۸/۸. الطبري: المنتخب ص ٤٩٨. ابن عبد البر: الاستيعاب ١٨٤١/٤، ۱۹۵۲. ابن حجر: الاصابة ٤۸۹،۳۰٤/٤.
2) ابن سعد: الطبقات ٣٠/٨ -٣٦ الطبري: المنتخب ص ٤٩٤، ٥٩٤ -٥. ابن عبد البسر: الاستيعاب ١٨٥٣/٤ -٤. ابن الاثير: اسد الغابة ٤٦٧/٥- ٨ ابن حجر: الاصابة ٣١٢/٤ -٣.
3) ابن زبالة: منتخب ص ٤٢ -٣. ابن سعد، الطبقات.٣٦/٨ -٣٧ الطبرى المنتخب ص ٥٩٤ ابن عبد البر: الاستيعاب ٤/ ۱۸۳۹ -٤٣. ابن الأثير: اسد الغابة ٤٥٦/٥ -٧ ابن حجر الاصابة ٣٠٤/٤ -٥.
دون أن تلد له ولداً. (1)
ان كتب السيرة والحديث لتخلو من الاشارة الى فضائل بنات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ما عدا فاطمة التي أفردت لها كتب الصحاح باباً في ذكر مناقبها (2)
ص: ٤٤ -٤٧.
بالاضافة الا انه لم يكن للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) نسل من بناته الا من فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) ولم يبق لبناته الآخر من الذكر الا في بطون الكتب في الوقت الذي اصبحت فيه فاطمة الوعاء الوحيد الذي ينتسب اليه الملايين ممن ينتسب الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).خامساً: موقف فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ):
تصور الرواية فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وكانها المرأة الضعيفة القليلة الحنكة شأنها شأن سائر النساء، فتنفعل، وتستغل سلطة ابيها لتذهب اليه قائلاً: ان قومك يتحدثون انك لا تغضب لبناتك).
ان المرأة الاصيلة هي التي تعالج مشاكلها مع زوجها وبدون تدخل احد حتى اهلها، اما اذا لجأت لتدخل الآخرين فهذا دليل على عدم اصالتها، وهذا كما هو معروف لا ينطبق على فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) التي ارتقت لتكون سيدة نساء هذه الامة، (3)
1) این زبالة: منتخب ص ٤٣. ابن سعد الطبقات ۳۷/۸ -۹ الطبري: المنتخب ص ٤٩٨ ابن عبد البسر: الاستيعاب ١٩٥٢/٤ -٣ ابن الاثير اسد الغابة ٦١٢/٥ -٣ ابن حجر الاصابة: ٤٨٩/٤ -٤٩٠.
2) انظر البخاري: الصحيح ۹۱/٥ -١٠٥/۲. مسلم: الصحيح ٢/١٦ -٧. الترمذي: الصحيح ٢٤٦/١٣ -٢٥١. النسائي: خصائص ص ١١٦ -۱۲۲ الطحاوي مشكل الآثار ٤٧/١ -٥٢. الحاكم: المستدرك ١٦٤/٣ -١٧٩. ابو نعيم: حلية الاولياء ٣۹/۲ -٤٣ سبط ابن الجوزي تذكرة ص ٣٠٦ -٣٢٢ الحافظ العراقي طرح التثريب ١٤٩/١ -١٥١ الهيتمي: الصواعق ص ۱۸۸ -۹. المتقي الهندي كنز العمال ۹۱/۱۳ -۷ الصبان اسعاف الراغبين ص104-121، ۱۷۰ -۱۷۳ الشبلنجي: نور الابصار
3) الحاكم: المستدرك ۱۷۰/۳. مسلم: الصحيح ٦/١٦ -٧. سبط ابن الجوزي تذكرة.ص ۳۰۹ الحافظ العراقي: طرح التثريب ١٤٩/١.
أو سيدة نساء الجنة، (1)او سيدة نساء العالمين، (2)
اننا لم نقرأ في متون الكتب ولم نسمع ان الله سبحانه وتعالى يغضب لغضب امرأة، ويرضى لرضاها امرأة سوى فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) (3)فهل التي تتوصل الى هذه الدرجات العلية تقف هكذا موقفاً !!
سادساً: موقف الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)
تصوره كافة الروايات ما عدا رواية للحاكم، وكأنه الجندي المجهول فالكل يتجاهله، بنو المغيرة يتجاهلونه ويذهبون النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ليستأذنوه فى ان يزوجوا علياً ابنتهم، وفاطمة تتجاهله وتذهب للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) شاكية اياه! والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بدوره يتجاهله ويقف مندداً به بدون ذکر اسمه (ان اراد ابن ابيطالب) ومعرضاً به بابيالعاص بن الربيع، وكأن العليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) شخص عادي لا تقل له.
وكأن الراوي يريد القول ان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) تناسى من هو على (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ وأين تربي؟ ومتى أسلم؟ ومن هو الذي بات في فراش النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ليلة الهجرة؟ ومن هو صاحب السيف في سائر غزوات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)؟ وهو الذي لم يجد لفاطمة نـدا سواه؟ والذي جاء التشريف من السماء بتزويجه اياها؟ وهو الذي حفظ نسل الرسول الاكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فلا نسل له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الا من الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و...و...و.
كل ذلك يريد الراوي ان يسدل الستار عليه، وقد روى ابن ابي الحديد اربعة وعشرين حديثاً في امهات كتب الحديث في فضل الامام علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) (4)
والان لنتساءل: أحقاً كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرغب بالزواج في حياة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)؟ يمكن القول ان اكثر الرجال لديهم الرغبة بان يتزوجوا ثانياً، ولكن يكون ذلك بدافع، وهذا الدافع يكمن في مسألتين:
الأولى: ان لا توفر الزوجة الاولى الاحتياجات اللازمة للزوج.
الثانية: ان يجد الزوج امرأة اسمى من زوجته.
فيا ترى هل كانت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) مقصرة او قاصرة عن تلبية متطلبات زوجها؟ اكان في نسبها بعض الطعن؟ اليست هي من اصرح العرب نسباً؟ ومن اشهر قبائل قريش (بنو هاشم)؟ وابنة سيد المخلوقات؟ أليس هى (فاطمة بضعة مني) والبضعة هي القطعة من اللحم ففاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) علي قطعة من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عند على (عَلَيهِ السَّلَامُ) روحاً ودماً وعقلاً، اليست هي سيدة نساء العالمين؟ والتي لم تحض ابداً فكانت في قمة الطهارة الروحية والجسدية؟ اليست هي التي ولدت لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) القمرين، الحسن والحسين، سيدي شباب اهل الجنة؟ اليست هي التي كانت تنهل من علوم ابيها الى درجة ان اصبح لديها كتاب كبير سمي بمصحف فاطمة فيه الكثير مما اخذته عن الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من الاحكام الشرعية؟ لذا كانت في مكانة تؤهلها لتوازي مكانة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) العلمية. الى غيرها من الفضائل التي أهلتها لان تكون زوجة مثالية العليا الا اذا فلماذا يبحث عن زوجة ثانية؟
ثم من هي هذه التي اختارها؟ فاذا ما قورنت بفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) هل هناك وجه مقارنه في النسب والايمان والعلم؟ انها ابنة أبي جهل المعروف بعدائه للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) و الاسلام، وفاطمة بنت رسول الاسلام، وتلك عاشت مشركة حتى بعد الاسلام لاحدى وعشرين سنة، وحينما فتحت مكة وسمعت بلال يقول: (اشهد ان محمد رسول الله) قالت: «قد لعمري رفع لك ذكرك اما الصلاة فسنصلي ووالله ما نحب من قتل الاحبة ابداً، ولقد جاء ابي الذي كان جاء الى محمد بالنبوة، فردها
ولم يرد خلاف قومه» (1)اما فاطمة فهي التي فتحت عينها على الاسلام ولم تعرف للشرك معنى بل يقال ان صحت الرواية ان نطفتها من تفاحة من الجنة. (2)
وتلك من الطلقاء، وفاطمة سيدة نساء العالمين، وتلك تزوجت عتاباً بن اسيد الحد الطلقاء وفاطمة تزوجت من الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي كان من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بمنزلة هارون من موسى.
وتلك ولدت عبد الرحمن بن عتاب الذي قاتل علياً يوم الجمل وقتل، وفاطمة ولدت الحسن والحسين سيدي شباب اهل الجنة وولدي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)حيث لا يعرف له نسل الا منهما وتلك نهايتها مجهولة، وفاطمة لما توفيت ندبتها الرجال قبل النساء.
سابعاً: مصدر الحادثة:
ارجع الرواة مصدر الحادثة لخمسة اشخاص وهم المسور بن مخرمة، عبد الله بن الزبير، ابن عباس، سويد بن غفلة، ابي حنظلة.
اولاً: المسور بن مخرمة: (3)هو الذي ترجع اليه اكثر الروايات فمن هو؟
انه المسور بكسر الميم وسكون السين بن مخرمة بن نوفل الزهري، وامه عاتكة بنت عوف اخت الصحابي عبد الرحمن بن عوف.
ولد بمكة بعد الهجرة الى المدينة بسنتين وفي عام ٨ هـ فتحت مكة، ودخل اهلها الاسلام فكان عمره ست سنوات وفي ذي الحجة من هذه السنة ٨ هـ قدم الى المدينة وهو ابن ست سنوات ولا تعرف اسباب مقدمه ومع من؟ والظاهر انه قدم
مع والده الذي اسلم يوم الفتح، فكان من الطلقاء ثم من المؤلفة قلوبهم. (1)
روي المسور روايتين ايام وجوده في المدينة الاولى: «مر بي يهودي والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يتوضىء وانا خلفه، فرفع ثوبه فاذا خاتم النبوة في ظهره فقال لي اليهودي: ارفع رداءه عن ظهره فذهبت افعل فنضح في وجهي كفاً من ماء».
الثانية: «أقبلت بحجر احمله ثقيل وعلى ازار خفيف فانحل فلم استطع ان اضع الحجر حتى بلغت به موضعه فقال لي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): ارجع الى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة». (2)
فالروایتان اعلاه تدلان على صغر سنة يوم جاء الى المدينة!! ثم انه يتصور ان خاتم النبوة هو كالخواتم المعروفة ولان هذا الخاتم لا يعرفه الا اليهود لان لديهم العلم الاول كما يزعمون لذا كان ذلك الشخص الذي اعلمه بالخاتم يهودياً، مع ان اليهود قد اجلاهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عن المدينة منذ معركة الخندق سنة ٥ هـ.
وتشير الروايات لملازمته الخليفة عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وكان مع خاله عبدالرحمن بن عوف يوم الشورى، فاقام بالمدينة حتى قتل الخليفة عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) ثم سار الى مكة حتى وفاة معاوية، فكره بيعة يزيد وايد عبد الله بن الزبير في مكة، وبقي معه حتى حصار الحصين بن نمير حيث اصابه حجر من حجارة المنجنيق فمات على اثره، فصلى عليه ابن الزبير ودفنه وأشار ابن سعد ان عبد الله بن الزبير ادعى الخلافة لنفسه بعد وفاة المسور، اذ كان سابقاً يدعى انها شورى بينه وبين المسور ومصعب بن عبد الرحمن (3)فاذا كان المسور بن مخرمة ابن ست سنوات فهل بالامكان ان يعِ ما يحدث بتفاصيله؟ ومن الغرابة ان تلك الحادثة التي جعلت
النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يغضب ويصعد المنبر ويندد بعلي، وبكل من تسول له نفسه تزويج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعلت المدينة تعج باهلها والناس يتحدثون بل وينتقدون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لانه لم يغضب لبناته.
نعم... تلك الحادثة لا يرويها الا طفل في السادسة من عمره وهو قريب عهد وبلدته بالاسلام، ولا تعرف اسباب مجيئه الى المدينة في هذا السن؟ وقد احجم المهاجرون والانصار عن روايتها، فلا يعرف هل نسوها و تذكرها هذا الطفل الصغير ام انهم رأوها غير ذات بال.
والملاحظ ان المسور واجه نقداً من علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) حيث تشير احدى الروايات للقاء المسور بعلي بن الحسين بعد رجوع الأخير من الشام فاراد المسور ان يقدم له المساعدة، والتي تتمثل بان يحتفظ بسيف الامام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خوفا أن يؤخذ منه ولا ادري من الذي سيأخذه والامام قد عاد من الشام حيث يزيد، فاذا لم يأخذه الاخير فمن يأخذها هذا ان قلنا ان الامام بقى لديه سيف والمعروف ان سيوف الامام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلها قد اخذت في ساحة المعركة.
ولما لم يجد المسور تجاوباً من الامام على بن الحسين انطلق فجأة بتلك الرواية، رواية خطبة الامام الجويرية، ولا يعرف ما الربط بين طلبه السيف وبين ایراده خطبة الامام لجويرية، وأورد قوله «وانا يومئذ محتلم» فهل في هذا اشارة لشك الامام في ما يقوله، فاكد المسور بقوله انه يومها قد بلغ الحلم، قال ابن حجر: «وهذا يدل على انه ولد قبل الهجرة، ولكنهم اطبقوا انه ولد بعدها» (1)
ويلاحظ ايضاً أن علياً بن الحسين انكر على المسور لان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هو الذي جاء بتشريع تعدد الزوجات فقال المسور حاكياً عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «و انی
1) ابن حجر: الاصابة.٤۱۹/۳.
لست احرم حلالاً ولا احلل حراماً».
ولكي يدعم موقفه رفض المسور تزويج ابنته من الحسن بن الحسن بدعوى: (ما سبب ونسب وصهر احب الي من نسبكم وصهركم، ولكن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال: فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها، ويبسطني ما يبسطها، وان الانساب يوم القيامة تنقطع الا نسبي وسببي وصهري، وعندك ابنته، ولو زوجتك لقبضها ذلك). (1)
فما الذي يريد المسور ان يقوله؟!! هل ان ذرية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من البنات يكره الزواج عليا؟!!
ثانياً: عبدالله بن الزبير: هو الابن الاكبر للزبير بن العوام وكان اول مولود للمهاجرين بعد الهجرة، ولد في السنة الاولى للهجرة فعمره يوم فتح مكة ثمان سنوات، ولم تذكر الارواية واحدة تنتهى اليه عن اسماعيل بن علية عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير». وقد شك الترمذي فى ذلك قائلاً: «هكذا قال أيوب عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير وقال غير واحد عن ابن أبي مليكة عن المسور ثم حاول الترمذي التوفيق فقال: ويحتمل ان يكون ابن أبي مليكة روي عنهما جميعاً». (2)
ان حادثة خطبة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجويرية لم يروها ابن أبي مليكة الا عن المسور بن مخرمة، فاذا صحت روايته هذه عن ابن الزبير فيحتمل أن الاخیر اخذها عن المسور، خاصة وان المسور وابن الزبير اتخذوا من مكة مكاناً لرفض بيعة يزيد وانهما كانا يرشحان انفسهما للخلافة، حتى قتل المسور في حصار مكة الاول على يد الحصين بن نمير.
ثالثاً: ابن عباس: رواية واحدة أوردها الزبير بن بكار مرسلة عن ابن
عباس، ولا تعدو ان تكون ضمن تلك الروايات التي اصبغت طابعاً خاصاً عـلـى ابن عباس في مجادلاته ومناظراته مع الخليفتين عمر وعثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ). (1)
رابعاً: سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي: مخضرم قيل ولد في عام الفيل واسلم في حياة النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ولكنه لم يدخل المدينة الا بعد دفن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) سنة ۱۱ هـ وعاش طويلاً حتى مات سنة ٨٠ او ۸۰ او ۸۲ وله اكثر من مائة وثلاثين سنة. (2)
فاذا كانت خطبة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجويرية في السنة الثامنة من الهجرة فمن این علم بذلك سويد وهو لم يدخل المدينة الا بعد ثلاث سنوات، واذا كان هناك شخص،اخبره، فمن ذلك الشخص؟ على أنها الرواية الوحيدة التي تسند الى سويد هذا، وقد يكون اخذها من المسور، ولكنه تغافل عن اسنادها اليه، بعد أن بلغ من العمر عتياً.
خامساً: ابي حنظلة: روى الحاكم رواية واحدة تعود لشخص يدعى أبو حنظلة قال عنه: أنه رجل من اهل مكة ولا يعرف عنه شيء سوى هذه الكنية، وقد بخلت كتب الصحابة والتراجم، وعجزت ان تجد لها مكاناً تضع فيه ترجمة لابي حنظلة هذا.
ثامناً: تحليلات بعض الباحثين:
وطبقاً للفهم الخاطئ لشخصيتي الامام علي وفاطمة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ولعدم تطبيق مبدأ الجرح والتعديل والاعتماد على المنهج الحرفي النصي، لذا بنى البعض آراءهم
حول تلك الحادثة فقد قالت بنت الشاطئ: «انقشعت السحابة التي ظللت افق الزهراء حينا لا نحدد مداه، وعاد البيت اصفى جواً مما كان قبل ان يمتحن بتلك التجربة القاسية، ومضت الحياة تسير بالزوجين الكريمين على ما يرجوان من تعاون ومودة: فاطمة في الدار تقوم على خدمة زوجها ما وسعها، وتتخلص شيئاً فشيئاً مما كان يعتادها من شجن وانقباض، وعلي الى جانبها يبذل لها من الحدب والرعاية ما يعنيها على مشقة العيش الكادح في جو المدينة الذي لم تسعفها صحتها على ان تألفه بسرعة كما الفه كثير من المهاجرين، ويحاول قدر ما اطاق ان يترفق بها ويروض نفسه على شيء من اللين واليسر». (1)
ان هذه الرؤية لشجن الزهراء وانقباضها، وشدة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وضراوته هي وليدة تلك الدراسات الاستشراقية (2)التي تناولت جانباً من السيرة النبوية و شواخص الامة معتمدة على ما جاء في بعض الروايات الضعيفة، لتصوير وضعاً سلبياً لبيت الرسالة ولاعلام الامة فلننظر الى ما جاء لدى (منغم) احد المستشرقين: «وكان للنبي ابنة غير متزوجة وكانت في العشرين من عمرها اسمها فاطمة، وقد توفيت ابنته رقية منذ زمن غير قليل، وكانت رقية متزوجة بعثمان وكانت فاطمة نحيفة طويلة القامة مع الشحوب، وكانت فاطمة عابسة ودون رقية جمالاً ودون زينب ذكاءاً ولم تدر فاطمة حينما أخبرها أبوها من ور ها أبوها من وراء الستار ان علي بن ابي طالب ذكر اسمها، وكانت من عادة البنت اذا وافقت على الزواج سكتت والا حركة الستر، فلما أخبرت فاطمة بذلك صمتت فكان ذلك عن حياء او حيرة، ما دامت قد قالت لا بيها ذات يوم انه زوجها فقيراً، وكانت فاطمة تعد علياً دميماً محدوداً مع عظيم شجاعته، وما كان علي اكثر رغبة فيها من رغبتها
فيه». (1)
وقال ايضاً: «وكان علي غير بهي الوجه لعينيه الكبيرتين الفاترتين وانخفاض قصبة انفه وكبر بطنه وصلعه، وذلك كله. الا ان علياً كان شجاعاً تقياً صادقاً، وفياً، مخلصاً صالحاً، مع توان و تردد.. وكان علي ينهت فيستقي الماء لنخيل احد اليهود في مقابل حفنة تمر فكان اذا ما عاد بها قال لزوجته عابساً: كلى واطعمي الاولاد.... وكان علي يحرد بعد كل منافرة، ويذهب لينام في المسجد وكان حموه يربته على كتفه ويعظه ويوفق بينه وبين فاطمة الى حين ومما حدث ان رأى النبي ابنته في بيته ذات مرة، وهي تبكي من لكم علي لها». (2)
واضاف «ولكن محمدا مع امتداحه قدم على في الاسلام ارضاءاً لابنته كان قليل الالتفات اليها، وكان صهراً النبي الامويان عثمان الكريم وابي العاص اكثر مداراء للنبى من على، وكان على يألم من عدم عمل النبي على سعادة ابنته ومن عد النبي له غير قوام بجليل الاعمال، فالنبي كان يفوض اليه ضرب الرقاب وكان يتجنب تسليم قيادة له، وقد اراد على يوماً ان يتزوج على فاطمة، فغضب النبي واحتج على ذلك جهراً من فوق المنبر، وهذا لان علي كان غير لبق في ميله للزواج من ابنة أبي جهل، وجمعه تحت سقف واحد بنت رسول الله، وبنت اشد اعدائه، ومما آلم منه علي عدم اذن النبي له في الزواج من اخرى مع فاطمة كما صنع مع صهريه الآخرين. (3)
ان النصوص اعلاه فيها من الجناية والتحامل على صاحب الرسالة وعلى ابن عمه وابنته مما يجعلنا نتوقف عندها قليلاً.
ان وصف السيدة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بالعبوس جاء من تصور البعض انه السبب في
تأخر زواجها حتى بلغت العشرين اذا صحت رواية ولادتها قبل البعثة بخمس سنين بينما تقدم زواج اخواتها وهن دون العاشرة، (1)والسبب في تأخر زواجها لانها اصبحت المسؤولة عن ابيها بعد وفاة امها خديجة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فتكفلت برعاية ابيها، (2)اما بعد الهجرة فقد اصبحت محط انظار الصحابة قال ابن سعد ان ابا بكر خطب فاطمة من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقال له: يا ابا بكر انتظر بها القضاء. فذكر ذلك ابو بكر لعمر، فقال له:عمر ردك يا ابا بكر، ثم ان ابا بكر قال لعمر اخطب فاطمة الى النبى فخطبها فقال له مثل ما قال لابي بكر، انتظر بها القضاء» (3)الى ان جاء الامر من السماء بتزويجها من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما مر.
والان لنلقي نظرة على ما جاء في حديث النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بخصوص فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) لنرى الى أي مدى يصدق كلام منغم؟!!.
قال: (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): فاطمة حوراء أنسية، كلما اشتقت الى الجنة قبلتها. (4)
و قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): ابنتي فاطمة حوراء آدمية. (5)
وقالت ام انس بن مالك: «كانت فاطمة كالقمر ليلة البدر، أو الشمس كفر غماماً ـ اذا خرج من السحاب - بيضاء مشربة حمرة لها شعراً اسود، من اشد الناس برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) شبها». (6)ويكفى فى الاشارة لجمالها لقبها بالزهراء.
اما وصفها بقلة الذكاء مقارنة بزينب فاي وجه للمقارنة بين الاثنتين بلا طعن في زينب؟ فهل ذكاء الاخيرة يكمن في بقاءها تحت مشرك يحارب اباها
1) للتفاصيل انظر الشرهاوي: خديجة بنت خويلد ص 113-132.
2) الشرح : ۲۸٢/٦. انظر البخاري: الصحيح ١٢٧/٤ المتقي الهندي: كنز العمال ۸۹/۲ – 90.
3) الطبقات ۱۹/۸. وانظر المنقى الهندي: كنز العمال ۹۷/۱۳.
4) الحاكم: المستدرك ١٦٩/٣. الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ۸۷/٥.
5) الهيتمي: الصواعق ص ١٥٨ الصبان: اسعاف الراغبين ص ۱۷۲ المتقي الهندي: كنز العمال ٩٤/١٣.
6) الحاكم المستدرك ١٧٦/٣.
ويقع في الاسر مرتين، بينما فاطمة تسهر على راحة ابيها حتى سميت بأم أبيها (1)ولكن – منغم - لم ينظر لدعوة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كدعوة سماوية بل تصور انها مجردة مسألة دنيوية لطلب السلطة، لذلك نظر لبقاء زينب عند زوجها دليل ذكاء، وانها لم تصدق بدعوة ابيها.
ولننظر ما جاءت به السنة فيما يخص ذكاء فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ):
عن السيدة عائشة (رضي الله عنها): ما رأيت احد اشبه سمتاً ودلا وهدياً وحديثاً برسول الله في قيامه وقعوده من فاطمة، وكانت اذا دخلت على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قام اليها فقبلها ورحب بها وأخذ بيدها وأجلسها في مجلسه. (2)
اما وصف الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالدمامة، فليته دلنا على مصدره وهلا نظر في مصادرنا العربية الاسلامية وهى تصف الامام بأنه حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر وكأن عنقه ابريق فضة، (3)ضحوك السن، (4)فأن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم (5)
وكم ناقض – منغم - الحقيقة بوصفه الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتردد والتوان، ويكفي ان نحيل القارئ الى ما كتبناه في فصل خصال الامام وسجاياه.
اما عن تلك المنافرات بين الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفاطمة والتي كان مصدرها تلك الرواية التي تفيد ان علياً اغضب فاطمة ثم خرج الى المسجد، فجاءه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وجده نائماً وقد سقط التراب على جسمه، فقال له اجلس انما انت
1) الطبریي: المنتخب ص ٤٩٩. لما كانت الام هي الاصل ولولاها لم يكن الولد، لذا لما كانت ذرية النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انحصرت بفاطمة فكانت السبب في ذلك الامتداد للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لذلك سميت بأم أبیها.
2) الترمذي: الصحيح ٢٤٩/١٣. ابسن عبد ربه العقد الفريد ۲۳۰/۳ -٣. الحاكم: المستدرك ١٦٧/٣. ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۸۹٦/٤. محب الدين: ذخائر العقبي ص ٥٠ -٥١. الحافظ العراقي: طرح التشريب ١٥٠/١ الصبان اسعاف الراغبين ص 171.
3) ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۱۲۳/۳. محب الدين الرياض النظرة ٢٠٥/٢ الصفوري نزهة المجالس ٢٤/٢.
4) النووى: تهذيب الاسماء واللغات ٣٤٩/١/١،
5) البيهقي: المحاسن والمساوئ ص ٤٦ -٤٧. ابو نعيم: حلية الأولياء ٨٤/١.
ابو تراب. (1)
ان من يقرأ سيرة امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويستطلع تلك الاحاديث النبوية هي ممن وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (2)ليستبعد هذا التصوير المعاملة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ).
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لعلى: «الشبهت خلقي وخلقي وانت من شجرتي التي انا منها».(3)
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «علي خير امتي، أعلمهم علماً وافضلهم حلماً » (4)
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لفاطمة: «زوجتك اقدم امتي سلماً، واكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً». (5)
فهل يمكن تصور الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يلكم فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) كما ادعى منغم وهو يسمع قول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لفاطمة «ان الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك»، وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني». كما مر.
ولقد ناقض منغم نفسه، فتارة يقول ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يمدح علياً ارضاء لابنته وتارة يقول ان علياً كان يتألم من النبي لعدم اهتمامه بابنته والاغرب من ذلك ان النبي الذي كان لا ينطق عن الهوى يمدح علياً ارضاء لابنته وكأن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقدم للاسلام شيئاً، ويكفى هنا ان نذكر قول احمد بن حنبل حيث يقول «ما جاء
1) اين هشام: السيرة ٢٣٦/٢ ابن سعد، الطبقات ۱۰/۲ البخاري: الصحيح ۸۸۵ -۸۹. الحاكم: المستدرك ١٥١/٣ -٢ ابن عبد البر: الاستيعاب.۱۱۱۸/۳ ابن كثير: البداية والنهاية۲٤٧/٣ الهيثمي: مجمع الزوائد ۱۳٦/٩. الهيثمي: الصواعق ۱۲۳. یوسف محمد عمرو أبو تراب ص ۳۱ -۱۵.
2) سورة النجم: الآية.۳.
3) الخطيب تاریخ بغداد ۱۷۱/۱۱.
4) الطبراني المعجم الكبير ١٩٤/١ الهيثمي: مجمع الزوائد ۱۰۲/۹، المتقي الهندي كنز العمال 6/153، 392، 398.
5) الاسكافي: نقض العثمانية ص ۲۸۹ -٦٠. محب الدين: ذخائر العقبي ص ۸۸ الرياض النظرة ٢٤٠/٢، ٢٥٥ الجويني: فرائد ۹۲/۱ الهيثمي مجمع الزوائد ۱۱٤ -۱۰۱/۹ المتقي الهندي: كنز العمال ۲۰۵/۱۲.
لاحد من الصحابة من الفضائل بقدر ما جاء لعلي بن ابي طالب». (1)
ولعدم الالمام بحوادث التاريخ وقعت بنت الشاطئ وتبعها ابو علم في الخطأ حينما ارخوا وقت هذه الحادثة في السنة الثانية من الهجرة، وقد اتضح لدينا انها فى السنة الثامنة بعد فتح مكة المكرمة.
وختاماً ما هو هو تفسير هذه الحادثة؟
هل هي مجرد فكرة طرحها الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولكن النبي كره ذلك، لذا عزف عنها الامام كما صورتها احدى روايات الحاكم (2)بدون ذلك التهويل الذي صورته الروايات الاخرى؟
ام انها فكرة بنى المغيرة، ولا علاقة للامام بذلك، وقد تكون تلك الفكرة من باب خلق اشكال بين النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) و الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولكنها لم تنجح؟
ام ان الرواية موضوعة لتكون مصداق لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ): فاطمة بضعة مني من اغضبها فقد أغضبني؟ كما أدلى بذلك ابن تيمية. (3)
١). معرفة حقيقة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بصفته نبياً مرسلاً وانه ما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى، والوحي لا يضاد الوحي.
٢). معرفة طبيعة العلاقة التى تربط النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بالامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) من جهة والامام علي بفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) من جهة اخرى وهي طبيعة ايجابية.
۳). اقتصار مصدر الرواية على طفل في السادسة من عمره أو شخص لم يدخل المدينة الا بعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) او شخص مجهول.
٤. عدم استغلال خصوم الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الحادثة للتشنيع به.
كل ذلك دليل على ان الحادثة قد بولغ فيها كثيراً ان لم نقل انها موضوعة. ارض فدك (1)
ارض لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب فاصبحت خالصة للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فاعطاها لفاطمة (عَلَيهِا السَّلَامُ) و بعد وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اعادها الخليفة ابو بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لتكون صدقة لجميع المسلمين مستنداً الى حديث رواه عن النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) مفاده: انا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة. (2)
هذه المسألة اولاها ابن ابي الحديد اهمية حيث عقد فصولاً ثلاثة لمناقشتها:
الفصل الاول: (3)مصدر حوادث مسألة فدك، اذ يقول: «فيما ورد من الاخبار والسير المنقولة من افواه أهل الحديث وكتبهم، لا من كتب الشيعة ورجالاتهم، لانا مشترطون على انفسنا الا نحفل بذلك، وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب ابي بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري (4)في السقيفة وفدك، وما وقع من الاختلاف والاضطراب عقب وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وابو بكر الجوهري هذا
1) قرية بالحجاز تبعد عن المدينة المنورة يومين، فتحت صلحاً على ان يعطوا نصف ثمارها فأصبحت خالصة للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). انظر البلاذري: فتوح البلدان ص ٤٢ -٤٧ الحموي: معجم البلدان ٢٣٨/٤ -٤٠.
2) اخرجه ابن سعد، الطبقات ٣١٤/٢ -٥ البخاري: الصحيح ۹۱/٥ البلاذري: فتوح البلدان ص ٤٤. الطحاوي: شرح معاني الاثار ٣٠٧/٣ مشكل الآثار ٤٧/١. ابن حزم الفصل ١٥٥/٤ ابن الطيب المعتمد فى أصول الفقه ٦٤٦/٢.
3) الشرح : ٢١٠/١٦ -٢٣٧.
4) هو الشيخ المتقدم البارع ابو بكر بن عبد العزيز الجوهري من رجالات القرن الرابع الهجري وله مؤلفات تاريخية اعتمدها ابو الفرج وابن ابي الحديد. انظر: الشرح ٥٩- ٤٤/٢ الاغانى ١٣٥/٥-9، ١٤١- ١٥٣،٨، وانظر ترجمته الطوسي: الفهرست ص ٦١ المازندرانی: معالم العلماء ص۲۲، الخوانساري: روضات الجنات ٤٨/٢ الربيعي: العذيق النضيد ص ١٦٣-4.
عالم محدث كثير الادب، ثقة،ورع، اثنى عليه المحدثون ورووا عنه مصنفاته».
واضاف: ونحن لا تنصر مذهباً،بعينه، وانما نذكر ما قيل واذا جرى بحث نظري قلنا ما يقوى في انفسنا عنه».
الفصل الثاني: (1)ناقش فيه هل ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يورث ام لا؟ موضحاً ذلك من خلال ما جاء في كتاب المغني للقاضي حسب الرؤية الاعتزالية ورد الشريف المرتضى في كتابه الشافي في الامامة حسب الرؤية الامامية، وقد وقف ابن ابي الحديد ناقداً ومحللاً ومؤيداً هذا وذلك حسبما يراه اقرب للصحة برأيه.
الفصل الثالث: (2)ناقش فيه هل ان فدك نحلة من الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لفاطمة (عَلَيهِا السَّلَامُ) ام لا؟ وقد تناول هذا الفصل من خلال طرحه ما جاء لدى القاضي في كتابه المغني (3)
ورد المرتضى في كتابه الشافي، ومعلقاً ومناقشاً لهذا أو ذاك وخلص للقول: «فاما انا فالاخبار عندي متعارضة، يدل بعضها على ان دعوى الارث متأخرة، ويدل بعضها على انها متقدمة، وانا فى هذا الموضع متوقف». (4)
واضاف: «وما ذكره المرتضى من ان الحال تقتضى ان تكون البداية بدعوى النحل فصحيح، واما اخفاء،القبر، وكتمان الموت وعدم الصلاة وكل ما ذكره المرتضى فيه فهو الذي يظهر ويقوى عندي لان الروایات به اکثر واصح من غيرها، وكذلك القول فى موجدتها وغضبها فأما المنقول عن رجال اهل البيت فانه يختلف فتارة وتارة وعلى كل حال فميل اهل البيت الى ما فيه نصرة ابيهم وبيتهم». (5)
واردف: «لقد كان التكرم ورعاية حق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وحفظ عهده يقتضي
ان تعوض ابنته بشيء يرضيها، ان لم يستنزل المسلمون من فدك وتسلم اليها تطيباً لقلبها، وقد يسوغ للامام ان يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين اذا رأى المصلحة فيه، وقد بعد العهد الآن بيننا وبينهم، ولا نعلم حقيقة ما كان و الى الله ترجع الامور ». (1)
كانت فاطمة (عَلَيهِا السَّلَامُ) وحيدة يوم وفاة ابيها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لذلك كان ثقل فراقه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عظيماً عليها، فكانت تندبه قائلة: «يا ابتاه جنة الخلد مثواه يا ابتاه عند ذي العرش مآواه يا ابتاه كان جبریل !يغشاه یا ابتاه لست بعد اليوم اراه»! ويشار الى أنها «كانت تشوب هذه الندبة بنوع من التظلم والتألم لامر يغلبها». (2)
ويذكر انها تحاملت نحو القبر الشريف، والقت بنفسها عليه مغشياً عليها فلما افاقت اخذت حفنة من تراب القبر، وادنتها من عينيها اللتين قرحهما البكاء وراحت تشمها وتقول
ماذا على من شم تربة احمد *** الا يشم مدى الزمان غواليا
صبت عليّ مصائب لو انها *** صبت على الايام عدن لياليا (3)
ولم تطل حياتها بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الا اشهرا حيث توفيت وهي في الثامنة والعشرين من عمرها وكان لوفاتها ومن قبل وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وقع عظيم في نفس الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لذا قال:
ارى علل الدنيا على كثيرة *** وصاحبها حتى الممات عليل
لكل اجتماع من خليلين فرقة *** وكل الذي دون الفراق قليل
وان افتقادي فاطماً بعد احمد *** دليل على ان لا يدوم خليل (4)
1) الشرح : ٢٨٦/١٦.
2) الشرح : ٤٣/١٣. ابن عبد ربه العقد الفريد ٢٣٨/٣. الحاكم: المستدرك ۱۱/۳، ۱۷۸ ابن الجوزي: صفة الصفوة.۲۲۷/۱.
3) الشبلنجي: نور الابصار ص ٤٦ العقاد: فاطمة الزهراء ص ٤٩.
4) الشرح : ۲۸۸/۱٦، وانظر المبرد: الكامل ٣٠/٤ ابن عبد ربه العقد الفريد ٢٤١/٣. الحاكم المستدرك ١٧٩/٣. سبط ابن الجوزي تذكرة ص ۳۱۹ ابن كثير: البداية ۱۱/۸. الشبلنجي نور الابصار ص 47.
ونختم كلامنا عن فاطمة الزهراء بكلمة للعقاد جديرة بالتأمل اذ يقول: «ان كأنما هي في كل دين صورة للانوثة الكاملة المقدسة يتخشع بتقديسها المؤمنون آية الله من ذكر وانثى فاذا تقدست في المسيحية صورة مريم العذراء، ففي الاسلام لا جرم ان تتقدس صورة فاطمة البتول. ولقد اخذت الزهراء مكانها الرفيع بين اعلام النساء في التاريخ واقترن اسمها بمئات الشهداء، وظل اسم المنتسبين اليها يقض مضاجع الحكــام.... وكان لاكبر دولة اسلامية شرف الانتساب اليها خلال ثلاثة قرون او تزيد بل كان الانتساب اليها من اقوى الدعائم، ليس لانها بنت نبي وزوجة امام وام لآلاف الشهداء الذين استشهدوا في سبيل الضعفاء والمحرومين والمعذبين فحسب بل لأنها رافقت دعوة ابيها منذ بدايتها، وتأصلت في نفسها حتى اصبحت وكأنها جزء من كيانها وطبيعتها تمدها بالثبات على الحق والدفاع عن المظلومين مهما كان الثمن غالياً... وظلت تكافح وتناضل الى ان فارقت الدنيا تاركة صورة للانوثة الكاملة المقدسة يقدسها مئات الملايين من البشر، وكأنها من اقدس آيات الله التي خلقها فيما خلق من بنى الانسان منذ بداية الخليقة وحتى نهايتها». (1)
الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
ومن فضائل الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه رزق بولدين كان لهما الاثر الاكبر في تاريخ الامة العربية الاسلامية من زوجته فاطمة الزهراء (عَلَيهِا السَّلَامُ) وهما الحسن والحسين اللذين قال فيهما رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انهما سيدى شباب اهل الجنة. (2)لذا
1) انظر العقاد: فاطمة الزهراء ص ٦٨ الحسيني: سيرة الائمة ۱۳۷/۱- ۱۳۸.
2) الشرح : /1/30،15/182. وانظر ابن ماجة: صحيح سنن ٢٦/١. البيهقي: المحاسن، والمساوئ ص ۷۸، ۸۰، ۹۳ ابن عبد ربه: العقد الفريد ٣١٢/٤. الطبراني: المعجم الكبير: ٣٥/٣ -٤١ الحاكم المستدرك ۱۸۲/۳. ابو نعيم حلية الأولياء ١٣٩/٤ -١٤٠ ابن عبد البر: الاستيعاب ۳۹۱/۱ النووي تهذيب الاسماء ١٦٠/١، ١٦٣، ابن الاثير: أسد الغابة ۹/۲، ۱۸ ابن حجر: الاصابة ٣٣٠/٢. ابن حجر لسان الميزان.٣٤۳/۲ الهيتمي: الصواعق ص ١٣٥- ١٨٩. المتقي الهندي كنز العمال ۹۳/۱۳، ۹۷- ۱۰۰،۸.
كان الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يفتخر بهما ويقول:
وسبطا احمد ولداى منها *** فايكم له سهم كسهمي (1)
وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يدعوهما ولداه ويقول: «لكل بني انثى عصبة ينتمون اليها الا ولد فاطمة فانا وليهم وانا عصبتهم»، (2)وقال ايضاً «ان الله تعالى جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب علي بن ابي طالب». (3)
وقد ناقش ابن ابي الحديد مسألة: هل يجوز ان يقال ان الحسن و الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وولدهما ابناء رسول الله وذرية رسول الله ونسل رسول الله؟
قال «نعم، لان الله تعالى سماهم (ابنائه) في قوله تعالى نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ، (4)وانما عني الحسن والحسين ولو أوصى لولد فلان بمال دخل فيه اولاد البنات وسمي الله تعالى عيسى ذرية ابراهيم في قوله ومن ذريته داود وسليمان الى ان قال ويحيي وعيسى (5)ولم يختلف اهل اللغة في ان ولد البنات من نسل الرجل».
وفسر ابن ابي الحديد قوله تعالى مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ (6)
بان ذلك يعني به زيد بن حارثة لان العرب كانت تقول (زيد بن محمد) على
1) الشرح : ١٢٢/٤. وانظر الطبرسي: الاحتجاج ۱۱۲/۱، المازندراني ١٩/٢. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص۱۰۸. الهيتمي: الصواعق ص 131.
2) الحاكم المستدرك ۱۷۹/۳ الهيتمي: الصواعق ص ١٥٤ الصبان: اسعاف الراغبين ص 133.
3) الجويني فرائد.٣٢٤/١ المتقي الهندي: كنز العمال ۲۰۱/۱۲. الهيتمي: الصواعق ص ۱۲۲،١٥٤ الصيان: اسعاف الراغبين ص 132.
4) سورة آل عمران الآية ٦١.
5) سورة الانعام: الآية 84 وبهذه الآية احتج يحيى بن معمر على الحجاج في اثبات بنوه الحسن والحسين للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). الحاكم: المستدرك ١٨٠/٣.
6) سورة الاحزاب: الآية ٤٠.
عادتهم في تبنى العبيد، فابطل الله تعالى ذلك، ونهى عن سنة الجاهلية وقال: «ان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ليس ابا لواح من الرجال البالغين المعروفين بينكم ليعتزي اليــه بالنبوة، وذلك لا ينفى كونه ابا للاطفال الذين تطلق عليهم لفظة الرجال كابراهيم والحسن والحسين». (1)
وتسائل ابن أبي الحديد: هل ان ابن البنت ابن على الحقيقة ام المجاز؟ فقال: «لذاهب ان يذهب الى انه حقيقة اصلية لان اصل الاطلاق الحقيقة، وقد يكون اللفظ مشترك بين مفهومين وهو في احدهما،اشهر، ولا يلزم من كونه اشهر في احدهما الا يكون حقيقة في الآخر، ولذاهب ان يذهب الى انه حقيقة عرفية وهي التي كثر استعمالها، وهي في الاكثر مجاز، حتى صارت حقيقة في العرف كالراوية للمزادة، والسماء للمطر، ولذاهب ان يذهب الى كونه مجاز قد استعمله الشارع، فجاز اطلاقه في كل حال، واستعماله كسائر المجازات المستعملة».
«ومما يدل على اختصاص ولد فاطمة دون بني هاشم كافة بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انه ما كان يحل له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ان ينكح بنات الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ولا بنات ذريتهما، وان بعدت وطال الزمان ويحل له نكاح بنات غيرهم من بني هاشم من من الطالبيين وغيرهم وهذا يدل على مزيد من الاقربية وهي كونهم أولاده، لانه ليس هناك من القربي غير هذا الوجه لانهم ليسوا اولاد اخيه ولا أولاد اخته، ولا هناك يقتضي حرمتهم عليه الاكونه والداً لهم وكونهم اولاداً له فان قلت قد قال الشاعر:
بنونا بنو ابنائنا وبناتنا *** بنوهن ابناء الرجال الاباعد (2)
وقال حكيم العرب اكثم بن صيفي (1)في البنات يذمهن انهن يلدن الاعداء ويورثن البعداء.
قلت: انما قال الشاعر ما قاله على المفهوم الاشهر وليس في قول اكثم ما يدل على نفي بنوتهم، وانما ذكر انهن يلدن الاعداء وقد يكون ولد الرجل لصلبه عدواً، قال الله تعالى ان من ازواجكم واولادكم عدواً لكم، (2)، ولا ينفى كونه عدواً كونه ابناً. (3)
ولذلك جعل الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الولاية في التصرف بامواله الى الحسن
والحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ) لشر فهما من الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وقد عد ابن ابي الحديد ذلك (رمــز وازراء بمن صرف الامر عن اهل بيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مع وجود من يصلح للامر أى كان الاليق بالمسلمين والاولى ان يجعلوا الرئاسة بعده لاهله قربة الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وتكريماً لحرمته وطاعة له وانفة لقدره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ان تكون ورثته سوقه يليهم الاجانب ومن ليس من شجرته واصله. الا ترى ان هيبة الرسالة والنبوة في صدور الناس اعظم اذا كان السلطان والحاكم في الخلق من بيت النبوة وليس يوجد مثل هذه الهيبة والجلال في نفوس الناس للنبوة اذا كان السلطان الاعظم بعيد النسب من صاحب الدعوة (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).
وقد عقد ابن ابي الحديد فصلاً عن الامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5)وقال في تحليله لصلح الحسن مع معاوية بان السبب يكمن في فقدان الحسن للانصار، فلا حيلة له
1) احد حكماء العرب قبل الاسلام وهو تميمى ادرك الاسلام، وحث قومه على الدخول فيه. الثعالبي: التمثيل والمحاضرة ص ٣٦ ابن نباتة سرح العيون ص ١٤ – ١٦، الالوسي: بلوغ الارب 1/308، 3/172-3. ابن حجر: الاصابة ١١٠/١ -٢.
2) سورة التغابن: الآية ١٤.
3) الشرح : ۲۷/۱۱ -۲۸، وانظر القرطبي: الجامع ١٠٤/٤.
4) الشرح : ١٤٩/١٥.
5) الشرح : ٩/١٦ -٥٢.
ثم قال: «والذي خاضها (الغمرات) مع عدم الانصار هو الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولهذا عظم عند الناس قدره، فقدمه قوم كثير على الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ». (1)
واكد ابن ابي الحديد ان مكانتهما عند المعتزلة هي التساوي في الفضيلة «اما الحسن فلوقوفه مع قوله تعالى الا ان تتقوا (2)واما الحسين فلأعزاز الدین ». (3)
اما الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد اعتبره ابن ابي الحديد من اباة الضيم فقال «سيد اهل الاباء، الذي علم الناس الحمية والموت تحت ظلال السيوف اختياراً له على الدنية، ابو عبدالله الحسين بن علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عرض عليه الامان واصحابه، فانف من الذل وخاف من ابن زياد ان يناله بنوع من الهوان ان لم يقتله فاختار الموت على ذلك».
حتى كأن ابيات ابى تمام ما قيلت الا في الحسين
وقد كان فوت الموت سهلاً فرده *** اليه الحفاظ المر والخلق الوعر
ونفس تعاف الضيم حتى كأنه *** هو الكفر يوم الروع او دونه الكفر
فاثبت في مستنقع الموت رجله *** وقال لها من تحت اخمصك الحشر
تردي ثياب الموت حمراً فما أتى *** لها الليل إلا وهي من سندس خضر (4)
واشار ابن ابي الحديد لوصف رجل شارك في حرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشيراً للجانب البطولى لدى الحسين واصحابه فقال: «قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد ويحك اقتلتم ذرية رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقال: عضضت بالجندل، انك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ثارت علينا عصابة ايديها في مقابض سيوفها، كالاسود الضارية، تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقى انفسها على الموت لا تقبل الامان ولا ترغب في المال، ولا يحول له حائل بينها، وبين الورود على حياض المنية، أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويداً لاتت على نفوس العسكر بحذافيرها فما كنا فاعلين لا ام لك». (1)
النص اعلاه وان كان يمثل تبريراً لاولئك الذين قتلوا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكنه يشير الى انهم رفضوا السلامة المشوبة بالذل والاموال، وقبلوا الموت لانهم رأوا عزهم فيه، وقد انتقد ابن أبي الحديد الجاحظ لتجاهله ما حدث بكربلاء قائلاً: «هذا ايضاً تحامل منة أبي عثمان (الجاحظ) هلا ذكر قتلى الطفوف وهم عشرون سيداً من بيت واحد، قتلوا في ساعة واحدة، وهذا ما لم يقع مثله في الدنيا لا في العرب ولا في العجم، ولما قتل حذيفة بن بدر يوم الهباءة (2)وقتل معه ثلاث او اربعة من اهل بيته ضربت العرب بذلك الامثال واستعظموه، فجاء يوم الطف جرى الوادي فطم على القرى (3)». (4)
وقد فسر ابن ابي الحديد موقف الجاحظ هذا بقوله: «لقد غلبت البصرة
1) الشرح : ٢٦٣/٣.
2) الهباءة ماء بأعلى ارض نجد كان فيه يوم الهباءة بين عبس و ذبيان قتل فيه حذيفة بن بدر انظر ابن حبيب المحبر ص ٣٤٩ ابن رشيق العمدة ۲۰۲/۲ -۳. الميداني: مجمع الامثال 1/252، 2/115-119، النويري: نهاية الارب ٢٣٦/١٥-2.
3) أي جرى سيل الوادي فدفن القرى والقرى هي مجاري المياه الصغيرة، أبو هلال العسكري: جمهرة الامثال،۳۲۲/۱، الميداني: مجمع الامثال ۱۵۹/۱.
4) الشرح : ٢٥١/١٥.
وطينتها على اصابة رأية». (1)
اهل البيت
لقد عرفت تلك الاسرة التي تكونت من علي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) باسم اهل البيت ووصفوا بأنهم عترة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أي اهله الادنين ونسله ولا تشمل رهطه وان بعدوا وعقب ابن ابي الحديد على قول ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) يوم السقيفة: نحن» عترة رسول الله وبيضته التي فقئ وبيضته التي فقئت عنه» انه على سبيل المجاز لانهم بالنسبة الى الانصار عترة له لا في الحقيقة كما يفاخر العدناني القحطاني بانه ابن عم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وهو ليس ابن عمه حقيقة وانما مجازاً اذا قورن بالقحطاني. (2)
والعترة التي بينها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هي ما اشار اليها في قوله «اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي حبلان ممدوان من السماء الى الارض، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض».(3)
وبين في مقام اخر اهل بيته لما طرح عليهم كساءاً فنزل قوله تعالى انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا، (4)فقال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «اللهم هؤلاء اهل بيتي فأذهب الرجس عنهم» وهم علي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) (5)
1) الشرح : ٢٤٧/١٥.
2) الشرح : ٣٧٥/٦.
3) الشرح : ۱۳۳/۹، اخرجه الحاكم المستدرك ١١٨/٣، ١٦٣. النووي: تهذيب الاسماء 1/1/159،347، الخوارزمي: المناقب ص ٩٣، سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 322-3، الهيتمي: الصواعق ص ١٤٧،١٢٤ -8.
4) سورة الاحزاب الآية ٣٣.
5) الشرح : ١٦9/٦، ٣٧٥ -٦. وأخرجه الحاكم المستدرك ۳/۱۱۷/14۳، ۱۵۸ -٦۰. ابن تيمية: منهاج السنة ١٢١/٢.
وقد نعت الامام العترة بانها السبب، (1)وانها راية الحق (2)قال ابن ابي الحديد (أن الامام يشير هنا الى نفسه وولديه والاصل في الحقيقة نفسه، (3)حيث وصف نفسه (دليلها مكيث الكلام) اي بطيئة (4)اما ولداه فهما تابعان له ونسبتهما له كنسبة الكواكب المضيئة مع طلوع الشمس المشرقة وقد اشار لذلك النبي بقوله لهما وابوكما خير منكما». (5)
و عند الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا اهل البيت «ازمة الحق، واعلام الدين، والسنة الصدق، فانزلوهم منزلة القرآن». ان تحت قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): فأنزلوهم منزلة القرآن، سر عظيم، وذلك لانه امر المكلفين بأن يجروا العترة في الاجلال والاعظام والانقياد لها والطاعة لأوامرها مجرى القرآن. (6)
هذه الرؤية الا تشعر بعصمة العترة؟ اشار ابن أبي الحديد لرؤية ابن متويه العصمة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانه لم يكن واجب العصمة حيث ان العصمة ليست شرطاً في الامامة، عند المعتزلة، الا ان «ادلة النصوص قد دلت على عصمته، والقطع على باطنة ومغيبه، وان هذا امراً اختص هو به دون غيره من الصحابة، والفرق ظاهر بين قولنا (زيد معصوم) وبين قولنا (زيد واجب العصمة)، لانه امام ومن شروط الامام ان يكون معصوماً فالاعتبار الاول مذهب المعتزلة، والثاني مذهب الامامية. (7)
ثم ان آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هم (ابواب الحكم) وهي الشرعيات والفتاوي وهم
ضياء الامور، اي العقليات والعقائد، وهذا المقام العظيم لا يستطيع ان يجسر احد من المخلوقين على ادعائه الا الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلو ادعاه غيره لكذب وكذبه الناس. (1)
وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نحن مختلف الملائكة» (2)و لذا دعا الامام على الناس الى «ورودهم ورود الهيم العطاش»، أي الحرص على اخذ العلم والدين منهم، (3)ووصف امرهم بانه «صعب مستعصب لا يحتمله الا عبداً امتحن قلبه للايمان». «والمعنى أنهم صبر على التقوى اقوياء على احتمال،مشاقها، ويجوز أن يكون وضع الامتحان موضع المعرفة لأنه تحققك الشيء انما يكون باختياره... ويجوز أن يكون المعنى: ضرب الله على قلوبهم بانواع المحن والتكاليف الصعبة لاجل التقوى... ويجوز ان يكون المعنى انه اخلص قلوبهم للتقوى من قولهم امتحن الذهب، اذا اذابه فخلص ابریزه من خبثه و تفاه». (4)
وفي شرحه لقوله(عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا يقاس بال محمد من هذه الامة احد، ولا يسوي بهم من جرت نعمتهم عليه ابدا»، قال: «لا شبهة أن المنعم أعلى وأشرف من المنعم عليه، ولا ريب أن محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واهله الادنين من بني هاشم - لا سيما علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) - انعموا على الخلق كافة بنعمة لا يقدر قدرها، وهي الدعاء الى الاسلام والهداية إليه، ومحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وان كان هدى الخلق بالدعوة التي قام بها بلسانه ويده ونصرة الله تعالى له بملائكته وتأييده، وهو السيد المتبوع والمصطفى المنتجب، الواجب الطاعة الا ان لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الهداية ايضاً وان كان ثانياً لأول ومصلياً على اثر سابق، ما لا يجحد ولو لم يكن الاجهاده بالسيف اولا وثانياً، وما كان بين
الجهادين من نشر العلوم، وتفسير القرآن وارشاد العرب الى ما لم تكن له فاهمه، ولا متصوره، لكفى في وجوب حقه و سبوغ نعمته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فان قيل:... في نعمه له عليهم؟ قيل:نعمتان: الأولى منهما، الجهاد عنهم وهم قاعدون فان من انصف علم انه لولا سيف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاصطلم المشركون.... وقد علمت اثاره في بدر واحد والخندق وخيبر وحنين، وان الشرك فيها فغرفاه، فلولا ان سده بسيفه لالتهم المسلمين كافة، والثانية: علومه التي لولاها لحكم بغير الصواب في كثير من الاحكام وقد اعترف عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) له بذلك، والخبر مشهور، لولا علي لهلك عمر». (1)
واضاف: «ويمكن ان يخرج كلامه على وجه آخر، وذلك لان العرب تفضل القبيلة التي منها الرئيس الاعظم على سائر القبائل، وتفضل الادنى منه نسباً، فالادنى على سائر احاد تلك القبيلة، فان بني دارم يفتخرون بحاجب واخوته وبزرارة ابيهم على سائر بني تميم... (2)فكذلك لما كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) رئيس الكل والمنعم على الكل جاز لواحد من بني هاشم ولا سيما مثل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يقول هذه الكلمات). (3)
ومن مميزات اهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) ان الصلة وصدقة التطوع والزكاة الواجبة
محرمة عليهم وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، وأما غيرهم فتحرم عليهم الزكاة الواجبة ولا تحرم صدقة التطوع ولا الصلة. وتسائل ابن أبي الحديد كيف يقال ان الصلة محرمة عليهم مة عليهم وقد اخذ الحسن والحسين (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) الصلات من معاوية؟ فاجاب: «كلا! لم يقبلا صلته ومعاذ الله أن يقبلاها وانما قبلا
منه ما كان يدفعه اليهما من جملة حقهما من بيت المال فان سهم ذوي القربى منصوص عليه في الكتاب العزيز ولهما غير سهم ذوي القربي سهم آخر للاسلام من الغنائم» (1)
ولما اشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى اختصاص آل البيت بخصيصة بعد الموت «أيها الناس خذوها عن خاتم النبيين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انه يموت من مات منا وليس بميت، ويبلى من بلی منا وليس ببال». حمل ابن ابي الحديد هذا الكلام على وجهين «الاول: ان يكون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وعلي ومن يتلوهما من أطايب العترة أحياء بابدانهم التي كانت في الدنيا باعيانها، قد رفعهم الله تعالى الى ملكوت سماواته، وعلى هذا لو قدرنا ان محتفراً احتفر تلك الاجداث الطاهرة عقب دفنهم لم يجد الابدان في الارض وقد روي في الخبر النبوي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مثل ذلك، وهو قوله «ان الارض لم تسلط على وانها لا تأكل لى لحماً، ولا تشرب لى دماً ». (2)نعم، يبقى الاشكال في قوله: «ويبلى من بلي منا وليس بال». فانه ان صح هذا التفسير في الكلام الاول وهو قوله: «يموت من مات منا وليس بميت». فليس يصح في القضية الثانية وهي حديث البلاء، لانها تقتضي ان الابدان تبلى وذاك الانسان لم يبل، فاحوج هذه الاشكال الى تقدير فاعل محذوف، فيكون تقدير الكلام يموت من مات حال موته وليس بميت فيها بعد ذلك من الاحوال والاوقات، ويبلى كفن من بلى منا وليس هو بيال فحذف المضاف كقوله والى مدين (3)أي والى اهل مدين، ولما كان الكفن كالجزء من الميت لاشتماله عليه عبر باحدهما عن الآخر للمجاورة والاشتمال كما عبروا عن المطر بالسماء وعن الخارج المخصوص بالغائط وعن الخمر بالكأس، ويجوز
ان يحذف الفاعل كقوله تعالى حتى توارت بالحجاب (1)و فلولا اذا بلغت الحلقوم (2)وقول حاتم اذا حشرجت. (3)
الثاني: ان اكثر المتكلمين ذهبوا الى ان للانسان الحي الفعال اجزاء اصلية في هذه البنية المشاهدة وهي اقل ما يمكن ان تأتلف منه البنية التي معها يصح كون الحي حياً، وجعلوا الخطاب متوجهاً نحوها، والتكليف واردا عليها، وما عداها من الاجزاء فهى فاصلة ليست داخلة في حقيقة الانسان واذا صح ذلك جاز أن ينتز(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) تلك الاجزاء الاصيلة من ابدان الانبياء والاوصياء فيرفعها اليه بعد ان يخلق لها من الاجزاء الفاضلة عنها نظير ما كان لها في الدار الاولى، كما قاله من ذهب الى قيامة الانفس والابدان معاً، فتنعم عنده وتلتذ بضروب اللذات الجسمانية ويكون هذا مخصوصاً بهذه الشجرة المباركة دون غيرها؛ ولا عجب فقد ورد في حق الشهداء نحو ذلك في قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً بل احياء عند ربهم يرزقون. (4)
«وعلى الوجه الاول لو ان محتفراً احتفر أجداثهم لوجد الابدان فيها، وان لم يعلم ان اصول تلك البنى قد انتزعت منها ونقلت الى الرفيق الأعلى، وهذا الوجه لا يحتاج الى تقدير ما قدرناه اولا من الحذف، لان الجسد يبلى في القبر الا قدر ما انتزع منه ونقل الى محل القدس، وكذلك ايضاً يصدق على الجسد انه ميت وان كان اصل بنيته لم يمت، وقد ورد في الخبر الصحيح (أن ارواح الشهداء من المؤمنين فى حواصل طيور خضر تدور فى افناء الجنان، وتأكل من ثمارها
وتأوى الى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش) (1)فاذا جاء هذا في الشهداء فما ظنك بموالي الشهداء وساداتهم». (2)
ان الخصائص الخلقية والسجايا النفسية التي امتاز بها الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على سائر الامة جعلته أفضل شخصية بعد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فان فضائله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)بلغت من العظم، والجلالة، والانتشار مبلغاً يسمج (2)منه التعرض لذكرها والتصدي التفصيلها، فصارت كما قال ابو العيناء (3)لعبيد الله بن يحيى بن خاقان (4): «رأيتني
1) يروي عن الامام احمد بن حنبل انه قال ما جاء لاحد من صحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) من الفضائل ما جاء لعلي ابن ابي طالب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)» الحاكم المستدرك ١٦٦/٣ السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٦٨. ووضع النسائي احد اصحاب السنن والصحاح الستة كتاباً في فضائل الامام اسماء «خصائص امير المؤمنين». والكتاب مطبوع وافرد ابن عساكر في تاريخ دمش ترجمة وافية للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ). هذه الترجمة نشرها محمد باقر المحمودي في كتاب مستقل وخرج الفيروز آبادی فضائل الامام من كتب الصحاح الستة ونشرها في كتاب اسماه «فضائل الخمسة من الصحاح الستة» في ثلاثة اجزاء.
2) سمج: قبح الرازي مختار الصحاح ص ۳۱۲.
3) محمد بن القاسم الهاشمي بالولاء، اديب مشهور بالكتابة والترسل توفي سنة ۲۸۳. انظر ترجمته: الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ۱۷۰/۳ -۱۷۹. الشابشتي: الديارات ص ٥٢ -٦٠ الذهبي ميزان الاعتدال ١٣/٤ ابن حجر لسان الميزان ٣٤٤/٥ -٣٤٦.
4) 209 -٢٦٣ هـ: هو وزير المتوكل والمعتمد الطبري التاريخ ۱۷۱/۹، ۱۸۵، ۲۰۰، ٢١٤-7، 222-3،228، 234، 236، 258، 336، 342، 354، 357-8، 474، 507، 517، 532، ابن عبد ربه: العقد الفريد 816/٤، ١٢٢/٥، ٤٠٦ الشابشتي الديسارات ص ۸۲ الذهبي: دول الاسلام ١١٦/١.
فيما اتعاطى من وصف فضلك، كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر الذي لا يخفى على الناظر؛ فايقنت اني حيث انتهى بي القول منسوب الى العجز مقصر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك الى الدعاء لك، ووكلت الاخبار عنك الى علم الناس بك». (1)
هذه المناقب التي بلغ من الشهرة والتفرد بها فرضت على اعدائه الاعتراف بها فاقروا له بالفضل، ولم يمكنهم جحد،مناقبه، ولا كتمان فضائله، (2)رغم ان بعض الخلفاء الأمويين اجتهدوا في اطفاء نوره، والتحريض عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر وتوعدوا مادحيه بالحبس والقتل ومنعوا من رواية الاحاديث المتظمنة لفضائله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حتى وصل الأمر بمنعهم التسمية باسمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولكن كل ذلك لم يزده الا رفعة وسمواً، «وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه وكلما كتم تضوع نشره وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار ان حجبت عنه عين واحدة ادركته عيون كثيرة». (3)
كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخصائص الخلقية، والفضائل النفسانية ابن جلاها وطلاع ثناياها (4)
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا *** متى أضع العمامة تعرفوني
وابن جلا: جلا أي النهار. والمقصود: الامر الواضح، وطلاع الثنايا: كناية عن السمو الى معالي الامور: والثنايا الثنية وهي الطريق فى الجبل.
انظر: الميدانى: مجمع الامثال.۳۱/۱ ابن منظور: لسان العرب ١٦٥/١٨. الفيروز آبادي القاموس المحيط ٣١٣/٤.
- فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) من لطافه الاخلاق، وسجاحة الشيم على قاعدة عجيبة1) الشرح ١٦/١. وانظر الزمخشري: ربيع الابرار ١٥٧/٤.
2) انظر وصف ضرار للامام علي الى معاوية وبكاء الاخير. الشرح ٢٢٤/١٨. انظر الشريف الرضى: نهج البلاغة ص ٤٨٠ -٤٨٦. ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۱۰۷/۳ -۸ البلوي: الف باء ۲۲۲/۱ -۳ الزمخشري: ربيع الابسرار ۹۷/۱، ۸۳۵ -٦. ابن الجوزي: صفة الصفوة ٣١٥/١ -٦. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۱۱۸ -۹ محب الدين: الرياض ۲۸۱/۲ -۲ ابن الصباغ الفصول المهمة ص ۱۱۱.
3) الشرح ۱٦/۱ ۱۷. وقد اعتبر المفيد ذلك من باب المعجزات الخارقة للعادة الارشاد ص 116.
4) مأخوذ من بيت شعر قاله سحيم بن وثيل الرياحي -وهو:
جميلة. (1)
ففي – الشجاعة - فانه انسى فيها ذكر من كان قبله ومحا اسم من يأتي بعده حيث لما سئل خلف الاحمر (2): ايهما اشجع عنبسة وبسطام ام علي بن ابي طالب؟ فقال: انما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة فقيل له: فعلى كل حال؛ قال والله لو صاح في وجههما لما تا قبل ان يحمل عليهما. (3)
تجدر الاشارة الى ان بسطاماً وعنبسة هما من مشاهير فرسان العرب قبل الاسلام وبعده، فالاول هو بسطام بن قيس بن مسعود الشيباني، سيد شيبان، ومن اشهر فرسان العرب قبل الاسلام وبه يضرب المثل فى الفداء فيقال: «اغلى فداء من بسطام بن قيس»، (4)وكان قد ادرك الاسلام الا انه لم يعتنقه، وتوفى في حدود السنة العاشرة للهجرة(5)
اما عنبسة بن سحيم الكلبي فهو من فرسان العرب المسلمين في الاندلس تولى الاندلس للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وكان من الغزاة الشجعان والفاتحين توفى سنة ١٠٧ هـاثر جرح اصابه في حروبه في الاندلس (6).
وقد يتصور البعض ان كلام خلف الاحمر فيه غلواً، ولكننا لو تأملنا مقاماته
1) الشرح ٢٤٨/١١.
2) ابو محرز بن المعروف بالاحمر ت نحو ۱۸۰ هـ راوية واديب وشاعر بصري وله ديوان ومقدمة في النحو وهو معلم الاصمعي. انظر: ابن قتيبة الشعر والشعراء ٦٧٣/٢ -٤. ابن النديم: الفهرست ص ٧٤ الحموي: معجم الادباء ٦٦/١١ ٧٢- السيوطي: بغية الوعاة ص ٢٤٢.
3) الشرح ١٤٦/١٦.
4) انظر الميدانى ٦٦/٢.
5) ابن حبيب المحبر ص ٢٥٠. المبرد الكامل في اللغة والادب ۱۰۹/۱. ابن الاثير: الكامل في التاريخ ٢٢٤/١. مهدي عربي الدخيلي: بسطام بن قيس ذي الجدين، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة البصرة.
6) الحميدي: جذوة المقتبس 1/318، 2/507 ابن عذاري: البيان المغرب ۳۷/۲.
في الحروب التي اصبحت مضرب الامثال، حيث كان الشجاع الذي ما فرقط، ولا ارتاع من كتيبة، (1)بل كان يقول بأنه «آنس بالموت كأنس الطفل بثدي امه». (2)والمعروف عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه ما بارز احداً الاقتله، ولا ضرب ضربة فاحتاجت الاولى الى ثانية بل «كانت ضرباته وتراً». (3)
ويشار الى ان الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) دعا معاوية في صفين للبراز بدلاً من ارساله لاصحابه الذين جدلهم الامام في ساحة المعركة، وكان قصده (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يستريح الناس من الحرب بقتل احدهما، وحينما استشار معاوية وزيره عمراً بن العاص لعله يجد عنده حيلة للتخلص من هذه المشكلة لكن عمراً بن العاص قال له: لقد انصفك. فادرك معاوية نوايا عمرو بن العاص فقال له: ما غششتني منذ نصحتني الا اليوم، كيف تأمرنى بمبارزة ابي الحسن وانت تعلم انه شجاع المطرق (4)اراك طمعت في امارة الشام بعدي!. (5)
وقد كانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته، يشار الى ان عبدالله بن الزبير مازح معاوية قائلاً له: يا اميرالمؤمنين لو شئت ان افتك بك لفعلت فقال معاوية لقد شجعت بعدنا يا ابا بكر واستغرب ابن الزبير من عدم اقرار معاوية بشجاعته وقدم الدليل على ذلك وهو: وما الذي تنكره من شجاعتي، وقد وقفت الصف ازاء على ابن ابى طالب فقال معاوية: لا جرم! انه قتلك وأباك بيسرى
1) الشرح ٢٠/١.
2) الشرح ۲۱۳/۱،۲۱۵. وانظر الشريف الرضي: نهج البلاغة ص ۵۲. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۱۲۸.
3) الشرح ٥٠/١. قال ابن فارس في المجمل: كانت ضربات علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحرب ابكاراً، ان اعتلى قد وان اعترض قط. المجمل ۱۳۳/۱.
4) اطرق الرجل يرخي عينيه ينظر الى الارض لا يتكلم الرازي: مختار الصحاح. ص۳۹۱.
5) الشرح 1/20، 5/217، وانظر المنقري: صفين ص ٢٥٧. ابن قتيبة الامامة والسياسة ص 80.
يديه، وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها. (1)
وكان ذوو قتلاه يفتخرون بقتله اياهم، ويعتبرون ذلك شرفاً لهم، حيث قالت اخت عمرو بن عبدود الذي قتله الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الخندق:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله *** بكيته ابداً ما دمت في الأبد
لكن قاتله من لا نظير له *** وكان يدعى أبوه بيضة البلد (2)
لكن قاتله من لا يعاب به *** وكان يدعى قديما بيضة البلد.
انظر: الحاكم المستدرك ٦/٣. المفيد: الارشاد ص:٦/٣ المفيد: الارشاد ص ٤٣ ابن منظور: لسان العرب ۳۹۵/۸.
وقد وظف الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) شجاعته في الجهاد في سبيل الله، حتى اصبح معروفاً لدى اعدائه واوليائه أنه سيد المجاهدين، (3)وكانت علائم شجاعته الواضحة في مبيته فى فراش الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ليلة الهجرة فى الوقت الذي اجمعت فيه قريش على ضرب الرسول على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ضربة واحدة من قبل أربعين شخصاً ينتمون لاربعين قبيلة فلم يعبأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك، ولم يكتف بهذا الدور، بل قام بارجاع كل الودائع والامانات التي كانت عند الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لاهلها، ثم هاجر علناً. (4)
والى ذلك اشار –الاسكافي- احد معتزلة بغداد بأنه لما علم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بخطة قريش بقتله «دعا اوثق الناس عنده، وامثلهم في نفسه وابذلهم في ذات الله لمهجته وأسرعهم اجابة الى طاعته، فقال له ان قريشا قد تحالفت على ان تبيتني هذه الليلة، فامض الى فراشي، ونم في مضجعي، والتف في بردي الحضر مي ليروا
اني لم اخرج، واني خارج ان شاء الله، فمنعه اولا من التحرز واعمال الحيلة وصده عن الاستظهار لنفسه بنوع من انواع المكايد والجهات التي يحتاط بها الناس لنفوسهم، والجأه ان يعرض نفسه لظبات السيوف الشحيذة من ايدي ارباب الحنق والغيظة، فأجاب الى ذلك سامعا مطيعا طيبة بها نفسه، ونام على فراشـ صابرا محتسبا واقيا بها بمهجته ينتظر القتل، ولا نعلم فوت بذل النفس درجة يلتمسها صابر، ولا يبلغها طالب ؛ والجود بالنفس اقصى غاية الجود»؛ ولولا ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علم انه اهل لذلك، لما اهله، ولو كان عنده نقص فى صبره أو فى شجاعته او في مناصحته لابن عمه، واختير لذلك، لكان من اختاره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) منقوصاً فى رايه مضرا فى اختياره، ولا يجوز ان يقول هذا احد من اهل الاسلام و مجمعون وكلهم على ان الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) عمل الصواب واحسن الاختيار. (1)
كانت معركة بدر الكبرى (٢هـ) هي من اعظم غزوات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واشدها نكاية بالمشركين، وقد قتل منهم سبعون رجلا قتل الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) نصفهم بينما قتل المسلمون والملائكة النصف الاخر. (2)قال ابن ابي الحديد يمدح الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موقفه يوم البدر:
رمي الله منه يوم بدر خصومه *** يذي فذذ في آل بدر مبادر
وقد جاشت الارض العريضة بالقنا *** فلم يلق الا ضامر فوق ضامر
فلو نتجت ام السماء صواعقا *** لما شج منها سارح رأس حاسر
فكان وكانوا كالقطامي ناهض *** البغاث قصرى شلوه في الاظافر
1) الشرح ۲۵۹/۱۳. وانظر الاسكافي: نقض العثمانية ص ٣٢٢. وقد حاول البعض التنقص من فضيلة المبيت هذه، وتصدى للرد عليهم الاسكافي في كتابه اعلاء. انظر: الشرح ٢٥٨/١٣ -٢٦٤. الاسكافي: نقض العثمانية ص ٣٢٦ -٣٢١ الجاحظ: رسائل الجاحظ السياسية ص ۱۵۳ -١٥٥. العثمانية ص ٤٤.
2) الشرح ۲٤/١، ۱۸۱/۱۰ -۱۸۲، وانظر الواقدي: المغازي ١٤٧/١ -١٥٢. البلاذري: انساب الاشراف ٢٩٦/١ -٣٠٤.
سری نحوهم رسلا فسارت قلوبهم *** من الخوف وخداعوه في الحناجر
كأن ضبات المشرفية من كرى *** فما يبتغي الا مقر الحناجر
فلا تحسبن الرعد رجس غمامه *** ولكنه من بعض تلك الزماجر
ولا تحسبن البرق نارا فأنه *** وميض اتى من ذي الفقار بقاقر
ولا تحسين المزن تهمي فانها *** انامله تهمي با وطف هامر (1)
اما موقفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الخندق فقد أجاد في وصفه ابن ابيالحدید اذ قال: «فاما الخرجة التي خرجها يوم الخندق الى عمرو بن عبدود، فانها أجل من ان يقال جليلة، واعظم من ان يقال عظيمة، وما هي الاكما قال شيخنا ابو الهذيل وقد سأله سائل: ايما اعظم منزلة عند الله... فقال: والله لمبارزة على يوم الخندق تعدل اعمال المهاجرين والانصار وطاعتهم كلها وتربى عليها». (2)
رؤية ابو الهذيل اعلاه سبق وان اشار اليها الصحابي حذيفة بن اليمان حينما قال: «والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع اعمال امة محمد في كفة ميزان منذ بعث الله تعالى محمد الى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من اعمال على في الكفة الاخرى لرجح على اعمالهم كلهم». فاعتبر احد السامعين هذا الكلام اسرافاً فاجابه حذيفة: «يا لكع، وكيف لا يحمل، واين كان المسلمون يوم سلمون يوم الخندق، وقد عبر اليهم عمرو واصحابه فملكهم الهلع والجزع، ودعا الى المبارزة فاحجموا فبرز اليه علي فقتله والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم اعظم اجراً من اعمال امة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الى هذا اليوم والى ان تقوم الساعة». (3)
وقد علق ـ ابو الخير مصدق بن خير النحوي (4)- شيخ ابن ابي الحديد على
1) ابن ابي الحديد القصائد العلويات السبع ص ۳۳-۳۲.
2) الشرح ٦٠/١٩.
3) الشرح 60/١٩ -٦١ وانظر المفيد: الارشاد ص ٤١. الطبرسي: اعلام الوری ص ١٩٣ -٤.وانظر نفس المعنى على لسان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). الحاكم: المستدرك ٣٤/٣.
4) الاديب البارع ولد في قرية دوران احدى قرى الصلح من سواد شرقي واسط سنة ٥٣٥ هـ وتوفي في بغداد سنة ٦٠٥. وانظر ترجمته الحموي: معجم الادباء ١٤٧/١٩ -١٤٨: ابن الأثير: الكامل ۲۸۲/۱۲. القفطي: انباه الرواة ٢٧٤/٣ -٥. ابي شامة: ذيل الروضتين ص ٦٦. ابن الساعي: الجامع ۲۷۳/۹ -٤ المنذري: التكملة ٢٣٩/٣ -٢٤٠ السيوطي: بغية الوعاة ص ۳۹۱.
قول عمرو بن عبدود للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) « لقد كان ابوك نديماً لي وصديقاً، فارجع فانى لا احب ان اقتلك» فقال ابو الخير: «والله ما امره بالرجوع ابقاء عليه، بل خوفاً منه، فقد عرف قتلاه ببدر،واحد وعلم انه ان ناهضه قتله، فاستحيا أن يظهر الفشل فاظهر الابقاء والرعاء، وانه لكاذب فيهما ». (1)
ويخلص ابن ابي الحديد للقول في ان قتلي الامام في معارك الاسلام الاولى لا معنى للاطناب فيها لانه من المعلومات الضرورية كالعلم بوجود مكة ومصر. (2)
تجدر الاشارة الى ان خصوم الامام قللوا من شأن عمرو بن عبدود العامري وانكروا ما يقال من شجاعته، وقد رد عليه الاسكافي في كتابه نقض العثمانية بالادلة التى تؤكد فروسية عمرو بن عبد ود قبل الاسلام وبعده. (3)وقد ثمن ابن ابي الحديد موقف الامام يوم الخندق قائلاً:
يا هازم الأحزاب لا يثنيه عن *** خوض الحمام مدجج ومدرع (4)
ان جهاد الامام هذا اعتبره ابن ابي الحديد من نعم الامام على الصحابة «وان من أنصف علم انه لولا سيف على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاصطلم المشركون، من اشار اليه وغيره من المسلمين (كذا)، وقد علمت آثاره في بدر واحد والخندق وخيبر وحنين، وان الشرك، فيها فغرفاه، فولا سده بسيفه لالتهم المسلمين كافة»، (5)ولذا
يقول ابن ابيالحديد في شعره
الا انما الاسلام لولا حسامه *** عـنز او قلامة حافر (1)
ويقول أيضاً:
يا قاتل الابطال مجدك العدى *** من غرب مخدمك المهند اقتل
بذباب سيفك قر قارع طوره *** بعد التاود واستقام الاميل
لولاك اصبح ثلمة لا تتقى *** اطرافها ونقيصة لا تكمل
کم جحفل للجزء من اجزائه *** يوم النزال يقل قولك جحفل
اثوابه الزرد المضاعف نسجه *** لكنه بالزاغبية مخمل
یحیی المنية منه طعن ابخل *** برح محاجره وضرب اهذل
تهنهت سورته بقلب قلب *** ثبت يحالفه صقيل مصقل (2)
وكان لا يفتخر بشجاعته، ويوظف اسمه الاول – حيدرة- لارهاب الخصم، وهو
الاسم الذي اسمته به امه اولاً، والمعروف ان - حيدرة ـ من اسماء الاسد، وفيه اشارة الى الشجاعة، (3)وقد أصبح هذا الاسم فيما بعد اسماً على مسمی، فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما برز يوم خيبر ارتجز قائلاً:
انا الذي اسمتني أمي حيدرة (4)
1) ابن ابي الحديد القصائد السبع العلويات ص ۳۲.
2) القصائد السبع ص ٥٥ -٥٦.
3) الشرح 12،1 -۱۲۷/۱۹. وانظر محب الدين: الرياض النظرة ٢٠٥/٢ الدميري: حياة الحيوان الكبرى ٣/١.
4) الشرح ۱۲/۱. وانظر: مسلم الصحيح ۱۸۵/۱۲، أبو الفرج مقاتل الطالبيين ص 14. الحاكم المستدرك ٤١/٣- ١١٦. المفيد: الارشاد ص ٥٠ الطوسي: الأمالي ط النجف ٣/١ ابن المغازلی: مناقب ص ۱۷۸، ۱۸۲ الخوارزمي: المناقب ص ١٠٤،٦. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ٣- 4،26 الكنجي: كفاية الطالب ص ۱۰۲.
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) تكتنفه الملائكة (1)في حملاته الجهادية فكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يبعثه، وجبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، ولذلك شهد جبريل للامام يوم احد حينما نادى:
لا سيف الا ذو الفقار *** ولا فتى الا علي (2)
والظاهر ان هناك شكوكاً أثيرت حول ذلك حيث يقول ابن ابي الحديد: «وقد روي هذا الخبر جماعة من المحدثين وهو من الاخبار المشهورة، ووقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن اسحق، (3)ورأيت بعضها خالياً منه، وسألت شيخى عبد الوهاب بن سكينة (4)رحمه الله عن هذا الخبر، فقال: خبر صحيح فقلت: فما بال الصحاح لم تشتمل عليه؟ قال: او كلما كان صحيحاً تشتمل عليه كتب الصحاح؟ كم قد أهمل جامعوا الصحاح من الاخبار الصحيحة!». (5)
ولم يقتصر جهاده (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وانما كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قاتل على
1) انظر تحليل ابن الحديد لنزول الملائكة. الشرح ١٥٧/١ -١٦٤. وانظر ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۱۰۱/۳. محب الدين: الرياض ٢٥١/٢ الجويني: فرائد ۲۲۲/۱.
2) الشرح ۲۱۹/۷.
3) لم أجده فى القطعة التي حققها سهيل زكار. وقد ورد في سيرة ابن هشام ۱۰۰/۳. وانظر المفيد: الارشاد ص ٣٥ ابن المغازلى: مناقب ص ۱۹۷ -۹. الخوارزم ۱۹۷ -۹ الخوارزمي: المناقب ص ١٠٣،٦ سبط ابن الجوزي تذكره ص ٢٦ الكنجي: كفاية الطالب ص ۲۷۷ -۸۱ محب الدين الرياض النظرة.۲۵۱/۲. ابن تيمية منهاج السنة ١٣/٣. الجويني: فرائد 1/ 252، 257-8.
4) ابو احمد عبد الوهاب بن أبي مضر علي البغدادي الصوفي المعروف بابن سكينة وهي جدته أم أبيه، ولد في ٥١٩ هـ ودرس علوم عصره، ورافق السمعاني صاحب الانساب، وحدث في مكة والمدينة وبغداد والشام ومصر. وتوفي في بغداد في ٦٠٧ هـ انظر ابن الاثير الكامل ٢٩٥/١٢. المنذري: التكملة ٣٢٤/٣ -٦ الذهبي: معرفة القراء ٤٦٤/٢ -٦. الصفدي: الوافي ١٦٧/١ -٨ ابن كثير: البداية والنهاية ۱۱/۱۳، الجزري: غاية النهاية ٤٨٠/١ ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ۲۰١/٦ الحنبلي: شذرات الذهب ٢٥/٥ -٢٦.
5) الشرح ٢٥١/١٤. يشار الى أن الامام البخاري ومسلم وضعا شروط لتخريج الأحاديث الصحيحة ولكنهما لم يخرجا كل الاحاديث حسب هذه الشروط، فاستدرك الحاكم النيسابوري ذلك في كتاب اسماء المستدرك على الصحيحين حيث خرج الاحاديث الصحيحة وفق شروط الشيخين ولم يخرجاها.
التنزيل، فعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاتل على التأويل، (1)لذلك كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) اول من سن قتال اهل القبة، وكان المسلمون قبله يتحاشون ذلك حتى قال الامام الشافعي ما عرفنا قتال اهل البغى الا من على. (2)
ان هذه الشجاعة جعلت من الامام يأنف ان يموت حتف انفه، بل القتل عنده اهون من الموت حتف انفه، وذلك على مقتضى ما منحه الله تعالى من الشجاعة الخارقة لطبيعة البشر، ولذا نجده (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحرض اصحابه ليجعل من طبائعهم موافقة الطباعه واقدامهم على الحرب كأقدامه، وهو بهذا يفعل كما يفعل الامراء في حث جندهم، فهو هنا كما قال المتنبي:
يكلف سيف الدولة الجيش همه *** وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم
ويطلب عند الناس ما عند نفسه *** وذلك ما لا تدعيه الضراغم (3)
ويفسر ابن ابي الحديد (4)سبب ذلك: «ليست النفوس كلها من جوهر واحد ولا الطباع والامزجة كلها من نوع واحد وهذه خاصية توجد لمن يصطفيه الله تعالى من عباده في الاوقات المتطاولة، والدهور المتباعدة؛ وما اتصل بنا من بعد الطوفان؛ فان التواريخ من قبل الطوفان - مجهولة عندنا ـ ان احداً ان اعطي من الشجاعة والاقدام ما اعطيه هذا الرجل من جميع فرق العالم على اختلافها من الترك والفرس والعرب والروم وغيرهم؛ والمعلوم من حاله انه كان يؤثر الحرب
1) روي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انه قال: «ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله فاستشرف لها القوم، وفيهم ابو بکر و عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ). قال ابو بكر انا هو قال: لا، قال عمر: انا هو. قال: لا، ولكن خاصف النعل يعنى علياً. فأتيناه فبشرناه، فلم يرفع رأسه كأنه قد كان سمعه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). ۷/۳ -۲۰. وانظر المنقري: صفين ص١٤٨. الملطى التنبيه ص ٢٥. الحاكم المستدرك ۱۳۲/۳ الطوسي: الامالي، ط النجف ٢٦٠/١. محب الدين: الرياض ۲۵۲/۲. ابن كثير: البداية والنهاية ٣٠٥/٧، ٣٦١ المتقى الهندى: كنز العمال ۲۱۱/۱۲.
2) راجع فصل سياسة الامام. وانظر الشرح ٣٣٦/٩ وينسب القاضي هذا القول للامام ابي حنيفة: شرح الاصول الخمسة ص ١٤١.
3) الشرح ۳۰۱/۷. وانظر ديوان المتنبي ص 289.
4) الشرح ۳۰۱/۷.
على السلم، (1)والموت على الحياة والموت الذي كان يطلبه ويؤثره انما هو القتل بالسيف، لا الموت على الفراش كما قال الشاعر:
لو لم يمت بين أطراف الرماح اظلمات -اذ لم يمت- من شدة الحزن (2)
وقال آخر:
يستعذبون مناياهم كأنهم *** لا ييأسون من الدنيا اذا قتلوا(3)
بل كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى ان الف ضربة بالسيف اهون عليه من ميتة على الفراش في غير طاعة الله. وهنا يأتى التساؤل هل الالف ضربة بالسيف اهون الماً على المقتول من موتة واحدة على الفراش بالحقيقة ام هذا قول قاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) على سبيل المبالغة والتجوز، ترغيباً لاصحابه في الجهاد؟
يقول ابن ابي الحديد في جواب التساؤل: «الحالف يحلف على احد امرین احدهما ان يحلف على ظنه واعتقاده؛ نحو ان يحلف أن زيداً في الدار، او اني اعتقد كون زيد في الدار اي أنا حالف ومقسم على انى اظن ان زيداً في الدار، او اني اعتقد كون زيد في الدار والثاني: ان يحلف لا على ظنه بل يحلف على نفس الامر فى الخارج فان حملنا قسم امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المحمل الأول فقد اندفع السؤال؛ لانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد كان يعتقد ذلك؛ فحلف انه يعتقد وانه يظن ذلك؛ وهذا لا كلام فيه. وان حملناه على الثاني فالامر في الحقيقة يختلف، لان المقتول بسيف صارم معجل للزهوق لا يجد من الالم وقت الضربة ما يجده الميت دون النزع من المد والكف. نعم قد يجد المقتول قبل الضربة الم التوقع لها، وليس كلامنا في ذلك، بل الم الضربة نفسها، والف سيف صارم مثل سيف واحد، اذا فرضنا سرعة
الزهوق. واما في غير هذه الصورة نحو ان يكون السيف كالا، وتتكرر الضربات،به والحياة باقية بعد؛ وقایسناه بينه وبين ميت يموت حتف انفه موتاً سريعاً، اما بوقوف القوة الغازية كما يموت الشيوخ؛ او باسهال ذريع تسقط معه القوة، ويبقى العقل والذهن الى وقت الموت، فأن الموتها هنا اهون واقل الماً، فالواجب ان يحمل كلام امیرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اما على التحريض؛ فيكون قد بالغ كعادة العرب والخطباء في المبالغات المجازية، واما ان يكون اقسم على انه يعتقد ذلك، وهو صادق فيما اقسم؛ لانه هكذا كان يعتقد بناء على ما هو مركوز في طبعه من محبة القتال، وكراهية الموت على الفراش». (1)
ولكن اذا كان الامام طامعاً فى الشهادة فهلا خرج الى معاوية وحده من غير جيش؟ ان ذلك في رؤية المعتزلة غير جائز لأنه القاء النفس الى التهلكة، وللشهادة شروط متى فقدت فلا يجوز ان تحمل احدى الحالتين على الاخرى. (2)
كان للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جملة من الآداب التي يستخدمها في حروبه منها:
اولاً: الدعوة للسلم
كانت الدعوة الى السلام هو ديدن الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سواء مع المشركين او مع الخارجين على خلافته، فكان يحث المقابل على ترك الحرب كما فعل مع عمرو بن عبد ود العامري يوم الخندق، (3)ومع اصحاب الجمل وصفين والنهروان ايام خلافته. (4)
ثانياً: - كراهية الغدر:
ومن آدابه العسكرية الا انه كان يكره الغدر في حروبه، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «والله ما معاوية بأدهى منى، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من ادهى الناس ولكن كل غدره فجره، وكل فجره،كفره، ولكل غادر لواء يعرف به م القيامة. والله ما استغفل بالمكيدة، ولا استغمز بالشديدة». (1)فلما استأذنه مالك يوم الاشتر فى معركة صفين أن يبيت (2)معاوية، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) نهى ان يبيت المشركون. وفي الواقع أن هذا الخلق قد توارثه بنوه من بعده، (3)اذ كانوا اصحاب،دین وليسوا من الدنيا بسبيل، وانما يطلبونها ليقيموا عمود الدين بالامرة فيها، فلم يستقر لهم، والدنيا الى أهلها أميل» (4)
ثالثاً: - لا يدعو الى المبارزة:
كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يدعو للمبارزة، ولكنه يستجيب اذا إذا دعي اليها والسبب لان) الداعي اليها باغ، والباغ مصر وع». (5)فقد ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الحكمة والعلة ومن خلال استقصاء السيرة الشريفة اله(عَلَيهِ السَّلَامُ) لم نجده يوما يدعو الى مبارزة وانما كان يدعى لها، ففى معركة بدر الكبرى دعا بنو ربيعة بن عبد شمس بنو هاشم للبراز، فخرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتل الوليد بن عتبة (6)، واشترك مع حمزة في قتل عتبة بن ربيعة، (7)اما
1) الشرح ۲۱۱/۱۰.
2) بيت العدو: اوقع به ليلا وبيت امرا دبره لیلا. انظر بن فارس: المجمل ص ١٤٠ الرازي: مختار الصحاح ص ۷۰.
3) انظر مواقف ابراهيم بن عبدالله بن الحسن مع المنصور ابو الفرج مقاتل الطالبين ص 221-223.
4) الشرح ٣١٣/٢ -٣١٤.
5) الشرح ٦٠/١٩. وانظر نهج البلاغة ص 509.
6) حاول البعض التقليل من شأن الوليد بن عتبة وشجاعته، وتصدى لتفنيد ذلك. الاسكافي المعتزلي: انظر الشرح ۲۹۲/۱۳. الجاحظ: العثمانية ص ٥٩ الاسكافي: نقض العثمانية ص ٣٣٩.
7) الشرح ١٣٠/١٤ -١. وانظر الواقدي: المغازي.٦٩/١. ابن هشام السيرة ۲۷۷/۲ الطبري / تاريخ ٤٤٥/2.
في معركة احد، فقد دعا طلحة بن أبي طلحة للبراز، فخرج له الامام وقتله، (1)وكذلك يوم الخندق، دعا عمر بن عبد ود العامري للبراز فخرج له الامام وقتله، (2)وفي يوم خيبر (3)فدعا مرحب اليهودي للبراز فخرج اليه فقتله (4)
رابعاً: -التأكيد على الروح القتالية:
حيث يقول لولده حسن(عَلَيهِ السَّلَامُ): « يا بني اذا بارزت احدا فحدث نفسك بقتله» والامام هنا يشير الى جانب الروح المعنوية، فان المقاتل اذا برز لخصمه وهو يتصور انه سيتغلب عليه فأنه سيزداد حماسة اما اذا تصور، بأن العدو سيقتله، فان قواه ستنهار، وما يلبث أن ينهزم أو يقتل. ولذلك كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «ما لقيت احدا الا واعانني على قتله». (5)وهنا يشير الامام الى ان الخصم يخشى الامام ويخافه لذلك يزداد ضعفا مما يمكن الامام من قتله.
خامسا: عدم الاهتمام بالجانب المادي (الغنيمة):
كان هم الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو التخلص من العدو دون الاهتمام بما يخلفه من غنائم، ففي معرض اشارهته - لمبارزة سعد بن ابي وقاص لابي سعد بن أبي طلحة،
1) الشرح 235/١٤ - 6، وانظر: الواقدي: المغازي ٢٢٥/١ -٦ ابن هشام السيرة 127/3، 151.
2) الشرح ٦٠/١٩ -٦٤. الواقدي، المغازي ٤٧٠/٢ -١ ابن هشام السيرة ٢٢٤/٣ -٥. ابن حبيب المحبر ص ۱۷۵.
3) انظر الواقدي: السغازي.٦٥٥/٢ الطبري: تاريخ ۱۲/۹. وقد نسب ابن اسحق مقتل مرحب لمحمد بن مسلمة الانصاري انظر ابن هشام السيرة ٣٣٣/٣ -٤. الطبري: تاريخ ١٠/٣-١١. الحاكم: المستدرك ٣٩٤/٣.
4) الشرح ٦٠/١٩. وللتفصيل عن مواقف الامام في حروب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انظر: المفيد: الارشاد ص ٢٨ -٦٤.
5) الشرح ۲۲٦/١٩. وانظر: نهج البلاغة ص ۵۳۱.
وقتله اياه، ثم تأسفه على عدم قدرته على سلبه، حيث نهض سبيع بن عبد عوف، ونفر معه، فحالوا دون،سعد، ودون سلبه، وكان سلبه اجود سلب رجل من المشركين على حد تعبير سعد بن ابي وقاص (1)ـ علق ابن ابي الحديد قائلا: «شتان بين علي وسعد هذا يجاحش على السلب ويتأسف على فواته، وذلك يقتل عمرو بن عبد ود يوم الخندق، وهو فارس قريش وصنديدها و مبارزه فيعرض عن سلبه وهو أنفس سلب فيقول كرهت ان ابز السبى ثيابه، (2)فكأن حبيبعناه بقوله:
ان الاسود اسود الغاب همتهيلوم الكريهة في المسلوب لا السلب (3)وبالاضافة لهذه الروح القتالية لدى الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نجده يتميز بقوة جسدية يضرب لها المثل، حيث يقول ابن قتيبة (4): «ما صارع احدا قط الا صرعه»، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد قلع باب خيبر الذي اجتمع عليه عدد من الناس ليقلبوه فلم يستطيعوا. (5)وقد اشار لذلك ابن ابي الحديد في شعره:
يا قالع الباب الذي عن هزها *** عجزت اكف اربعون واربع (6)
وبعد فتح مكة المشرفة صعد اعلى الكعبة حيث اكبر الاصنام – هبل - فاقتلعه والقاه
1) الشرح ٢٣٧/١٤ وانظر: الواقدي: المغازي ۲۲۷/۱.
2) الشرح ۲۳٧/١٤ -۸ وانظر الحاكم المستدرك ٣٥/٣، المفيد: الارشاد ص ٤١ البيهقي: السنن ۱۸/۸.
3) الشرح ۲۳۸/۱٤. وانظر ديوان ابي تمام حبيب بن اوس الطائي ص 17.
4) المعارف ص ۲۱۰.
5) قال اليعقوبي: «واقتلع باب الحصن، وكان حجارة طوله اربع اذرع في عرض ذراعين في سمك ذراع، فرمی به علي بن ابي طالب خلفه ودخل الحصن ودخله المسلمون» تاريخ اليعقوبي.٤٧/٢ وانظر ابن هشام السيرة ٣٣٥/٣. السفيد: الارشاد ص ٥٠، ١٢٤ الخوارزمي: المناقب ص ١٠٦. الطبرسي: أعلام الورى ص ۱۸۱ الشهرستاني: الملل ٢٠٤/١ سبط ابنالجوزي: تذكرة ص ۲۷ محب: الدين الرياض النظرة.٣٤٧/٢ السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٦٧ الصبان اسعاف الراغبين ص ١٥٠.
6) ابن ابي الحديد القصائد السبع العلويات ص ٤٣.
الى الارض. (1)وفي ايام خلافته اقتلع الصخرة العظيمة بيده بعد عجز الجيش كله عنها، وقد انبط الماء من تحتها. (2)
ولذا فقد هدد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بني وليعة (3)قائلا: «لتنتهين يا بني وليعة، أو لأبعثن عليكم رجلا عديل نفسي، يقتل مقاتلكم، ويسبي ذراريكم» (4)
ونتيجة لذلك كانت الشعوب تتيمن بالامام خيرا «وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها، وبيوت عبادتها حاملا سيفه، مشمرا لحربه، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على اسيافها كان على سيف عضد الدولة بن بوية، (5)وسیف ابيه ركن الدولة (6)صورته، وكان على سيف الب ارسلان (7)وابنه
1) انظر: ابن اخي تبوك: مناقب علي بن ابي طالب ص ٤٢٩ الحاكم: المستدرك ٦/٣. الخوارزمي: المناقب ص 71. ابن طلحة: مطالب السئول ص ٣٤ سبط ابن الجوزي تذكرة ص ٢٧، ٤ محب الدين الرياض النظرة ٢٦٥/٢ -٦. ابن تيمية منهاج السنة ٧/٣ الجويني: فرائد السمطين ص ٢٤٩ -٢٥٠.
2) الشرح ٢١/١، ٢٠٤/٣. وانظر المنقري: صفين ص ١٤٤ -٥ المفيد: الارشاد ص ١٢٤-125. المرتضى القصيدة المذهبة للسيد الحميري ص ۱۱۱ -۹ الطبرسي اعلام الوري ص ١٧٦. الاربلى: كشف الغمة ٢٨٢/١٣.
3) بطن من بطون كندة، وهي من القبائل القحطانية. الجوهري: الصحاح ١٣٠٤/٣. ابن منظور: لسان العرب ۲۹۳/۱۰ الفيروز آبادي: القاموس المحيط.۹۷/۳ كحالة: معجم قبائل العرب 1253/٣.
4) الشرح ٢٩٤/١. وانظر سبط ابن الجوزي: تذكرة حس ٣٩ -٤٠.
5) هو فنا خسرو بن الحسن بن بوية الديلمي المكني ابو شجاع احد الامراء البويهيون عرف بالادب وصنفت له بعض الكتب فى اللغة والادب والتاريخ. توفي ببغداد سنة ٣٧٢هـ. انظر: الشعالبي: يتيمة الدهر ٢٥٧/٢ ابن الأثير: الكامل ٦٦٩/٨ -٧١١ (متفرقه) ۵/۹ -۱۸ ابن الطقطقي: الفخري ص ٤٠ اليافعي: مرآة الجسنان.۲۹۸/۲ -۳۹۹ ابن كثير: البداية والنهاية: 299/۱۱ -۳۰۱ السيوطي: الوسائل ص 78.
6) والد عضد الدولة ولد في ٢٨٤ وتوفي ٣٦٦هـ حكم الدولة البويهية (٤٤) سنة. انظر ابن الاثير الكامل ٣٦٠/٨ -٦٦٩ (متفرقه). ابن كثير: البداية والنهاية.۲۸۸/۱۱.
7) السلطان السلجوقي ابن جفري يك تولى السلطة بعد عمه، طغرلبك، وكانت له معارك مع البيزنطيين اهمها معركة مانز كرت. قتل سنة ٤٦٥ هـ. انظر ابن كثير: البداية والنهاية ١٠٦/١٢ -۱۰۷. عبد القادر احمد اليوسف: الامبراطورية البيزنطية ص ص:141-3.
ملكشاه (1)صورته، كأنهم يتفائلون به النصر والظفر». (2)
واضاف ابن ابي الحديد قائلا: «ما اقول في رجل احب كل واحد اين يتكثر، به وود کل احد اين يتجمل ويتحسن بالانتساب اليه حتى الفتوة (3)التى احسن ما قيل في حدها الا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك، فان اربابها نسبوا انفسهم اليه، وصنفوا في ذلك كتباً، وجعلوا لذلك اسناداً انهوه اليه، وقصر وه عليه، (4)وسموه سيد الفتيان ، وعضدوا مذهبهم اليه بالبيت المشهور المروي، انه سمع من السماء يوم احد:
لا سيف الا ذو الفقار *** ولا فتى الا على (5)
واخيراً اصبح الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) موضعاً لنسبة كثير من الوقائع والمشاهد الحربية، فكان ما يدعي له العامة من الشجاعة، وقتل الابطال حتى يقال انه حمل على سبعين الفاً فهزمهم، (6)وقتل الجن في البئر، (7)وقتل الطوق الحديدي في عنق احد الاشخاص (8)
ويخلص ابن ابي الحديد للقول: «وجملة الامر ان كل شجاع في الدنيا اليه ينتهى، وبأسمه ينادي في مشارق الارض ومغاربها». (9)
1) جلال الدين والدولة أبو الفتح ابن السلطان الب ارسلان امتدت مملكته من اقصى بلاد الترك الى اليمن، توفي سنة ٤٨٥هـ. اليافعي: مرآة الجنان ۱۳۹/۳ ابن كثير: البداية والنهاية 12/142- 143.
2) الشرح ۲۸/۱ -۲۹.
3) اسمه الخليفة العباسى الناصر لدين الله سنة ٥٧٨ هـ وهدفه اعداد الفتيان للصيد والرياضة والحرب، وقد عممه الناصر على سائر الاقاليم. انظر الدسوقي: الفتوة عند العرب ص ٢٤.
4) انظر هذا السند في الدسوقي: الفتوة عند العرب ٢٤٠ -٢٤٣.
5) الشرح ۲۹/۱ وانظر مصادره في ما مضى من هذا الفصل.
6) ربما يقصد حملات الامام فى صفين.
7) انظر المفيد: الارشاد ١٢٦ -١٢٧ الطبرسي: اعلام الوری ص ۱۸۰ -۱۸۱ وينسب للامام شعر في هذا الباب. انظر ديوان الامام علي ص ١٤.
8) الشرح ١٠٦/١٨.
9) الشرح ۲۱/۱.وسع كل هذه الادلة على شجاعة الامام نجد البعض قد حاول التمويه على ذلك واعتبار ذلك تهوراً وليس شجاعة وللتفاصيل انظر الشرح ٢٨٤/٣ -٦. الجاحظ: العثمانية ص ٤٧ الاسكافي: نقض العثمانية ص 333-334.
ان من مميزات البطل الشجاع -الصفح والحلم- فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) احلم الناس عن ذنب، واصفحهم عن مسيء، وقد ظهر صحة ذلك في معاركه، فبعد معركة الجمل ظفر بمروان بن الحكم، (1)وكان من أكثر الناس عداوة له، واشدهم بغضاً فصفح عنه، عبدالله،له وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد، وخطب يوم البصرة فقال: قد اتاكم الوغد اللئيم علي بن ابي طالب، وكان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: ما زال الزبير رجلاً منا اهل البيت حتی شب عبدالله (2)فظفر به يوم الجمل واخذه اسيراً، وصفح عنه قائلاً «اذهب فلا ارينك» لم يزده على ذلك. وظفر الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسعيد بن العاص بعد معركة الجمل في مكة، (3)وكان له عدواً فاعرض عنه ولم يقل له شيئاً ». (4)
وتجلى حلمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موقفه من ام المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)، حيث أكرمها وبعثها الى المدينة بصحبة عشرين امرأة من بنى عبد القيس عممهن بالعمائم وقلدهن السيوف، (5)فلما وصلت المدينة القى النساء العمائم وقلن لها: انما نحن نسوة. (6)
وظهر حلمه و صفحه تجاه من حاربه من اهل البصرة، وشتموه ولعنوه فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه في اقطار العسكر: «الا يتبع مول، ولا
1) ان الدراسة المتمعنة لاحداث الفتنة تشير الى ان مروان هو المسؤول عن النهاية الأليمة للخليفة عثمان بن عفان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ). الشرح ١٤٢/٢ -١٥٦. وانظر الطبري: التاريخ ٣٣٩/٤ -۲۹٦.
2) عقد ابن ابي الحديد فصلاً عن سيرة عبد الله بن الزبير. الشرح ١٠٢/٢٠ -١٤٩.
3) لم يعرف عن الامام انه ذهب الى مكة بعد توليه الخلافة حتى استشهاده (عَلَيهِ السَّلَامُ).
4) الشرح ٢٢/١ -٢٣.
5) هل ياترى اكتفى الامام بهذا العدد من. النسباء، لكى يسرن مع يسرن مع ام المؤمنين عبر الصحراء من البصرة الى المدينة؟ وما الضير من أرسال الامام للرجال بصحبة النساء؟ وهو الأولى؟ ثم كيف لم يكتشف وضع النساء طوال الطريق، واحوال النساء معروفة؟
6) الشرح ٨٣/١.
يجهز على جريح، ولا يقتل مستأسر، ومن القى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز الى عسكر الامام فهو آمن» ولم يأخذ اثقالهم ولا سبي،ذراريهم، ولا غنم شيئاً من اموالهم ولو شاء ان يفعل كل ذلك لفعل، ولكنه ابى الا الصفح والعفو، وتقبل سنة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يوم فتح مكة، فانه عفى والاحقاد لم تبرد والاساءة لم تنس. (1)
وقبيل معركة صفين سيطر معاوية على شريعة الفرات فاغتنمها فرصة للقضاء على الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجنده بالعطش، ولما سألهم الماء قال: لا والله ولا قطرة حتى تموت ضمئاً، فادرك انه لا مناص من استخدام القوة، لذا حمل على عسكر معاوية وازاحه عن الفرات، واصبح الماء باكمله لدى اصحاب الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هنا قال اصحابه له امنعهم الماء يا امير المؤمنين كما منعوك، ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذهم قبضاً بالايدي فلا حاجة بك الى الحرب فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا والله، لا اكافئهم بمثل فعلهم افسحوا لهم عن بعض الشريعة ففي حد السيف ما يغني عن ذلك، «فهذه ان نسبتها الى الحلم والصفح فناهيك بها جمالاً وحسناً، وان نسبتها الى الدين والورع فاخلق بمثلها أن تصدر عن مثله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ». (2)
لقد كانت الدعاية المضللة التي يبثها معاوية واتباعه في اهل الشام، لتشوية سمعة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمكان والا فهذا الموقف منه كفيلاً بأن يفتح بصائر اهل الشام عن حقيقة الامام وبطلان دعاوى معاوية.
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) الغاية في –الصبر- فالذي يقرأ احواله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند وفاء الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وما جرى من احداث الى ايام خلافته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم ما مني به من خروج بعض الصحابة عليه وتخاذل اصحابه حتى عاد البطل الضرغام يقف
حائراً امام اعدائه الذين أخذوا يغيرون على المدن كغارات الثعالب. (1)
وبعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وقف على قبره فقال: ان الصبر لجميل الا عنك، وان الجزع لقبيح الا عليك، وان المصاب بك لجليل، وانه قبلك وبعدك لجلل. (2)
ويؤثر عنه قوله بعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ):
ذكرت ابا اروی فبت كأنني *** برد الهموم الماضيات وكيل
لكل اجتماع من خليلين فرقة *** وكل الذي دون الفراق قليل
وان افتقادي فاطما بعد احمد *** دليل على ان لا يدوم خليل (3)
وروي انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عالما مر على قبر فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)فقال:
مالي مررت على القبور مسلماً *** قبر الحبيب فلم يرد جواب
يا قبر مالك لا تجيب منادياً *** امللت بعدي خلة الاحباب
قال الحبيب وكيف لي بجوابكم *** وأنا رهین جنادل و تراب
اكل التراب محاسني فنسيتكم *** وحجبت عن اهلي وعن اترابي
فعليكم مني السلام تقطعت *** مني ومنكم خلة الاحباب (4)
اما في –التواضع- فكان اشد الناس تواضعاً لصغير وكبير، والينهم عريكة واسمحهم خلقاً، وابعدهم عن الكبر، واعرفهم بالحق، هذه الصفات كانت ماثلة لديه قبل توليه الخلافة وبعدها «لم تغيره الامرة، ولا احالت خلقه الرياسة، وكيف تحيل الرياسة خلقه وما زال رئيساً وكيف تغير الامرة سجيته وما برح اميراً لم يستفد بالخلافة شرفاً، ولا اكتسب بها زينة بل هو كما قال ابو عبدالله احمد بن حنبل: «ان علياً لم تزنه الخلافة ولكنه زانها» هذا يعني أن غيره قد ازدان بالخلافة واكملت نقصه، اما الامام فلم يكن فيه نقص يحتاج الخلافة لاتمامه بل كانت الخلافة ذاتها فيها نقص فتم نقصها بولايته اياها» (1)
كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيراً ما يتحدث عن نعم الله تعالى عليه، انطلاقاً من قوله تعالى: واما بنعمة ربك فحدث، (2)فنسبه البعض عن قصد أو غير قصد للتيه والزهو (3)والفخر. حيث لما قيل لعمر بن الخطاب ول علياً أمر الجيش والحرب قال: هو اتيه من ما ذلك. وكان زيد بن ثابت يقول: ما رأينا از هى من علي واسامة بن زيد. (4)
قال ابن ابي الحديد: «ان من قيل في وصفه ما قيل لو رقي الى السماء وعرج في الهواء، وفخر على الملائكة والانبياء، تعظماً وتبجحاً؛ لم يكن ملوماً؛ بل كان بذلك جديراً؛ فكيف وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يسلك قط مسلك التعظيم والتكبر في شيء من اقواله ولا من افعاله، وكان الطف البشر خلقاً، واكرمهم طبعاً، واشدهم،تواضعاً واكثرهم احتمالاً، واحسنهم بشراً، واطلقهم وجهاً، حتى نسبه من نسبه الى الدعابة
1) الشرح 1/ 51-52.
2) سورة الضحى: الآية ۱۱.
3) التيه والزهو هو التكبر الرازي: مختار الصحاح ص ۲۷۷،۸۱.
4) الظاهر ان نسبة التيه الى اسامة جاءت من تعيينه من قبل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أميراً على الجيش الاسلامي الخارج لمحاربة الروم. وفيه عدد من كبار الصحابة. الشرح ۱۸۲/۱۷ وما بعده انظر الواقدي: المغازي ۱۱۱۸/۳. ابن هشام: السيرة ۲۹١/٤ -۲۹۹. اليعقوبي ۱۰۳/۲. الطبري: التاريخ ١٨٤/٤. القاضي عبد الجبار: المغنى 20/1/343-9.
والمزاح، وهما خلقان ينافيان التكبر والاستطالة». (1)
ولقد اوضح ابن أبي الحديد (2)الدافع الذي يدفع الامام لذكر نعم الله عليه وهو «انما كان يذكر احياناً ما يذكره من هذا النوع، نفثة مصدور، وشكوى مكروب وتنفس مهموم، ولا يقصد به اذا ذكره الاشكر النعمة، وتنبيه الغافل على ما خصه الله به من الفضيلة فان ذلك من باب الامر بالمعروف والحض على اعتقاد الحق والصواب فى امره والنهي عن المنكر، الذي هو تقديم غيره عليه في الفضل فقد نهى الله سبحانه عن ذلك بقوله: أفمن يهدي الى الحق احق ان يتبع امن لا يهدي الا ان يهدى فما لكم كيف تحكمون. (3)
ان النص اعلاه يشير الى مسألة تقديم المفضول على الافضل والملاحظ ان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعتبر ذلك من باب المنكر لذا ينهي عنه، ويذكر الامام فضائله التي هي «اعتقاد الحق والصواب» بكونه الافضل مستشهداً بالنص القرآني الذي يؤكد على تقديم الافضل. اذن اذا كان تقديم المفضول على الافضل برؤية الامام التي ادلى بها ابن ابيالحدید شيئاً منكراً لذلك كان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينهى عنه اذا ما معنى اعتقاد ابن ابي الحديد بجواز امامة المفضول مع وجود الافضل؟ اخــذيـن بــنـظـر الاعتبار رؤية ابن ابي الحديد، ومن سبقه من معتزلة بغداد بأن مصدرهم الاول هو الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). (4)
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) معروفاً في السخاء والجود، فنراه سخياً في اشد الحالات صعوبة حيث نجده صائماً، يؤثر بزاده و يبقى طاوياً، حتى نزل به قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً
وَلَا شُكُورًا. (1)ونزل فيه ايضاً: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً (2)حيث روى المفسرون انه كان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يملك اربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلاً وآخر نهاراً، وبالثالث سراً، وبالرابع علانية. (3) وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسقي بيده نخل قوم من اليهود حتى مجلت (4)يداه، ويتصدق بالاجرة، ويشد على بطنه حجراً. ولقد قال فيه الشعبي: كان علي اسخى الناس كان على الخلق الذي يحبه الله السخاء والجود: ما قال لسائل: لا قط. (5)وقال معاوية وهو عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه لمحفن بن ابي محفن الضبى، (6)قال الاخير: جئتك من عند ابخل الناس. فقال معاوية: ويحك! كيف تقول أبخل الناس لو ملك بيتاً من تبر وبيتاً من تبن لانفد تبره قبل تبنه. (7)
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) - سيد الزهاد وبدل الابدال (8)- فاليه في هذا الباب تشد الرحال، وعنده تنفض الاحلاس. (9)فهو الذي ما شبع من طعام قط، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) اخشن
1) سورة الانسان الآيات.۹ -۱۰ انظر:القاضي: المغني ٦٢/٢/٢٠. الطوسي: التبيان ۲۱۱/۱۰. الزمخشري: الكشاف.٦٧٠/٤ القرطبي: الجامع ۱۲۸/۱۹ -۱۳۳. ابن كثير: البداية والنهاية ٣٥٩/٧.
2) سورة البقرة: الآية ٢٧٤.
3) انظر الواحدي اسباب النزول ص ٥٨ الطوسي: التسبيان ٣٥٧/٢. الثعالبي: الجواهر الحسان ۲۲۳/۱ الزمخشري: الكشاف.۳۱۹/۱. القرطبي: الجامع ٣٤٧/٣. وانظر الاسكافي: تقض العثمانية ص ۳۱۹. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ١٣ -١٤ ابن تيمية منهاج السنة ٦٣/٤. الجويني فرائد ٣٥٦/١ القسطلانی: ارشاد الساري ٢٦/٣.
4) المجل: ان يكون بين الجلد واللحم ماء، أو هي قشرة رقيقة يجتمع فيها ماء من اثر العمل. ابن فارس: المجمل ۸۲۳/۳ الفيروز آبادي القلموس ٤٩/٤.
5) الشرح 1/21-22.
6) لم أجد له ترجمة.
7) الشرح ۲۲/۱ وأنظر ابن قتيبة: الامامة والسياسة ص ٨٦.
8) الابدال قوم صاحلون لا تخلو الدنيا منهم فاذا مات احدهم استبدله الله باخر. الرازي: مختار الصحاح ص 44.
9) حلس البيت: كساه ببسط تحته حر الثياب. ابن فارس: المجمل ٢٤٨/١. الرازي: مختار الصحاح ص ١٤٩.
الناس ملبساً ومأكلاً، دخل عليه احد اصحابه يوم عيد فقدم اليه جراباً (1)مختوماً فيه خبز شعير يابس مرضوض، فأكل (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه، فقال له: يا امير المؤمنين، فلماذا تختمه فقال: خفت هذين الولدين ان يلتاه (2)بسمن او زيت وكان ثوبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرقوعاً تارة بجلد واخرى بليف ونعلاه من ليف، ويلبس الكرباس (3)الغليظ، فاذا وجد كمه طويلاً قطعه،شفره، ولم يخطه، فكان لا يزال متساقطاً على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمةٌ له. وكان يأتدم اذا أئتدم بخل او ملح، فان ترقى عن ذلك فبعض نبات الارض، فان ارتفع عن ذلك فبقليل من البان الابل وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأكل من اللحم الا قليلاً، حيث يقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان. ومع ذلك كان اشد الناس قوة، وأعظمهم ابداً، لا ينقض الجوع قوته ولا يخون الاقلال منته. وهو الذي طلق الدنيا، وكانت الاموال تجبى اليه من جميع بلاد الاسلام ما عدا الشام، فكان يفرقها (4)ويقول:
هذا جناي وخياره فيه *** اذ كل جان يده الى فيه
ولما سئل (عَلَيهِ السَّلَامُ): لم ترقع قميصك؟ قال: ليخشع القلب، ويهتدي بي المؤمنون. (5)
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ان يوزع الاموال يصلي في بيت المال، ويقول: يا صفراء يا بيضاء غري غيري، وهو الذي لم يخلف ميراثا، (6)وكانت الدنيا بيده ما عدا
1) هو المزود او الوعاء. الفيروز آبادي القاموس ٤٥/١.
2) اللت هو الدق والشد والفت والسحق واللات سمي بالذي كان يلت عنده السويق بالسمن الفيروز آبادي القاموس ١٥٦/١.
3) ثوب من القطن الابيض، والبائع له يدعى الكرابيسي وهو لفظ معرب ابن منظور لسان العرب ٧٨/٨ -9.
4) الشرح ٢٦/١.
5) الشرح ٢٣٥/٩ -٦ الشريف الرضي: نهج البلاغة ص ٤٨٦ وانظر البلاذري، انساب الاشراف۱۲۹/۲. الزمخشري: ربيع الابرار ١٢٨/٤. ابن الجوزي: صفة الصفوة ٣١٨/١.
6) قال الحسن بن علي بعد استشهاد الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لقد قبض في هذه الليلة رجل ما خلف صفراء ولا بيضاء الا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد ان يبتاع بها خادما لاهله ابوالفرج: مقاتل الطالبيين ص ٣٢ -٣٣.
الشام. (1)
وفي شرحه لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله لدنياكم هذه اهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم. قال ابن ابي الحديد لعمري لقد صدق وما زال صادقا ـ حيث ان تأمل سيرته في حالتي خلوه من العمل وولايته الخلافة عرف صحة هذا من القول. (2)
ويخلص ابن ابي الحديد للقول في امر الاموال: ان امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكن يذهب في خلافته مذهب الملوك الذين يصانعون بالاموال ويصرفونها في مصالح ملكهم، وملاذ انفسهم، وانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن من اهل الدنيا وانما كان رجلا متألها صاحب حق، لا يريد بالله ورسوله بدلا. (3)
ويروى انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) علم بأن قاضيه -شريح بن الحارث (4)ـ اشترى دارا بثمانين دينارا، فنظر اليه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) نظر مغضب وقال: «يا شريح، اما انه سيأتيك من لا ينظر في كتابك، ولا يسألك عن بيتك، حتى يخرجك منها شاخصا، ويسلمك الى قبرك خالصا، فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك، أو نقدت الثمن من غير حلالك فاذا انت قد خسرت دار الدنيا ودار الآخرة. أما أنك لو كنت اتيتني عند شرائك ما اشتريت لكتبت اليك كتابا على هذه النسخة...». (5)
وبعد ان اورد ابن أبي الحديد نص الصيغة التي كتبها الامام الى شريح علق قائلاً: وموضع الاستحسان من هذا الفصل -وان كان كله حسنا- امران: احدهما:
1) الشرح ٢٢/١.
2) الشرح ٦٧/١٩. انظر نهج البلاغة ص ٥١٠.
3) الشرح ٢٠٢/٢ -٢٠٣.
4) هو شريح بن الحارث بن قيس الكندي، تولى قضاء الكوفة في خلافة عمر وعثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعاوية، توفي سنة ٧٨هـ. انظر ابو نعيم حلية الأولياء ١٣٢/٤ -١٤١ ابن حجر: الاصابة ١٤٦/٢.
5) الشرح ۲٧/١٤. وانظر سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ١٤٩ -١٥٠.
انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) انظر اليه نظر مغضب انكارا لابتياعه دارا بثمانين دينارا. وهذا يدل على
زهد شديد في الدنيا عند الامام واستكثار للقليل منها، ونسبه هذا المشتري للاسراف، وخوف من ان يكون ابتاعها بمال حرام.
الثاني: انه املى عليه كتابا زهديا،وعظيا مماثلا لكتب الشروط التي تكتب في ابتياع الاملاك. (1)
ان زهد كهذا آثار اعجاب ابن ابيالحدید فسبحان من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة... وخرج ازهد الناس في الدنيا، وأعفهم، مع ان قريشا ذوو حرص ومحبة للدنيا...». (2)
ولكن اذا كان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هذه الدرجة من الزهد، فما معنى قوله: «وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر»، اليس هذا الكلام يدل على ترقبه الفرصة التولى الخلافة وهذا لا يطابق كلامه فى طلاقه للدنيا.
والواقع انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلق الدنيا لا يقبل منها حظاً دنيوياً، وهذا لا يعني ان لا ينهي عن المنكر واقامة الدين، ولا سبيل لذلك الا بتولي الخلافة. (3)
وقد عابت العثمانية (4)على الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنه خلف عقاراً كثيراً، أى نخلاً بينما مات أبوبكر ولم يخلف ديناراً ولا درهماً.
هذه الرؤية فندها ابن ابي الحديد بقوله: «قد علم كل احد أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) استخرج عيوناً ناً بكديده بالمدينة، وينبع، (5)وسويعة، (6)واحيا بها مواتاً (7)كثيراً، ثم
1) الشرح ٣٠/١٤ -٣١.
2) الشرح ١٤٦/١٦.
3) الشرح ١٥٢/٩ -١٥٣. انظر نهج البلاغة ص ٢١٢.
4) هم المناصرون لقضية الخليفة عثمان بن عفان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) والمؤيدون لمعاوية. وقد وضع الجاحظ رسالة باسم العثمانية فصل فيها اراء العثمانية. وقد رد عليه الاسكافي في كتاب اسماء نقض العثمانية. والكتابان مطبوعان. انظر رسائل الجاحظ السياسية ص 192- ۳ وانظر: بلقاء بلقاسم الغالي: الجانب الاعتزالي عند الجاحظ ص ٣٢٨ -٣٣١.
5) تقع بين مكة والمدينة ذات نخل وزروع وعيون وماء عذبة غزيرة. انظر عـرام بـن الاصبغ السلمي: اسماء جبال مكة وتهامة، منشور ضمن نوادر المخطوطات ۳۹۷/۲ -۸:الحموي معجم البلدان ٤٤٩/٥ -٤٥٠.
6) موضع قرب المدينة يسكنه آل علي بن ابي طالب زمن ياقوت الحموي: انظر الحموي: معجم البلدان ٢٨٦/٣.
7) الارض الموات هي الارض المتروكة والتي يحتاج زرعها الى استصلاح مالك ابن انس: الموطأ ۲۸۷/۲ -۸. البلاذري فتوح البلدان ص ٤٥٣. الشريف الرضي: المجازات النبوية 255 الجرجاني: التعريفات ص ۱۲۳.
اخرجها من ملكه وتصدق بها على المسلمين ولم يمت وشيء منها في ملکه، الاترى الى ما تضمنته كتب السير والاخبار من منازعة زيد بن على (1)وعبد الله بن الحسن (2)في صدقات علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، (3)ولم يورث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنيه قليلاً من المال ولا كثيراً الا عبيده وامائه وسبعمائة درهم من عطائه (4)تركها ليشتري بها خادماً لاهله قيمتها ثمانية وعشرون ديناراً على حسب المائة اربعة دنانير، وهكذا كانت المعاملة بالدراهم اذ ذاك، وانما لم يترك ابوبكر قليلاً ولا كثيراً لانه ما عاش ولو عاش لترك. الاترى ان عمراً اصدق ام كلثوم اربعين الف درهم، (5)ودفعها اليها! وذلك لان هؤلاء طالت اعمارهم، فمنهم من درت عليه اخلاف التجارة (6)ومنهم
1) هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب، قتل في الكوفة سنة ١٢١ هـ على يد والى الكوفة يوسف بن عمرو أيام هشام بن عبد الملك ويعرف بزيد الشهيد، وتنسب اليه الفرقة الزيدية انظر الیعقوبی: تاریخ ۷۳/۲ -٧٥ ابو الفرج: مقاتل الطالبيين ص ٨٦ -١٠٢.
2) عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب المعروف بالمحض لانه اول من ولد من الحسن والحسين وعرف بالفضل والحسن والمنطق، مات في حبس الهاشمية حيث حبسه المنصور بسبب تغيب ولده محمد ذوالنفس الزكية. الطبري ٥٣٩/٧ -٥٥١. ابو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 86- 102.
3) ابو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 90.
4) ابوالفرج مقاتل الطالبيين ص ۳۳.
5) انظر: أيسن عبد البر: الاستيعاب ۱۹٥٥/٤ ابن الأثير: اسد الغابة ٦١٥/٥. ابن حجر: الاصابة ٤٩٢/٤.
6) مثال ذلك عبد الرحمن بن عوف. انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب ٨٤٧/٢ ابن حجر: الاصابة ٤١٧/٢. وكانت تركة الزبير (مائة الف وسبعمائة الف الف وكان له اربع نسوة حصة احداهن من الميراث الف الف ومائة الف) انظر أبن سعد: الطبقات ۱۰٩/٣ -۱۰. ابن عبد ربه: العقد الفريد ٣٢٤/٤. اما الطيري فيرى أنها قسمت على اربعين الف الف المستتخب ص ٥٠٧، وانظر امثلة اخرى في: نجمان ياسين: تطور الأوضاع الاقتصادية ص ٢٥٨ -٢٦١.
من كان يستعمر الارض ويزرعها، (1)ومنهم من استفضل من رزقه من الفىء. (2)
مضافاً لذلك ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فضلهم لانه كان يعمل بيده، ويحرث الارض ويستقى الماء، فيغرس النخل كل ذلك يباشره بنفسه الشريفة، ومع ومع ذلك فانه لم يستبق لا لنفسه ولا لا ولاده قليلاً ولا كثيراً، وانما جعلها صدقة. (3)
والمعروف ان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قد توفي وله ضياع كثيرة في خيبر وفدك وبني النضير، وكان له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وادي نخلة وغيره بالطائف، فصارت بعد موته صدقة بالخبر الذي رواه ابوبکر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، (4)فاذا كان على معاباً فى تركه ضياع فكذلك صدقه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وهذا كفر والحاد؛ ثم اذا كان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ترك تلك الضياع صدقة، فذلك لم يروه الا شخص واحد من المسلمين اما ترك الامام على ضياعه صدقه فقد رواه جميع المسلمين بالمدينة. فالتهمة في هذا الباب ابعد على حد تعبير ابن أبي الحديد. (5)
وفيما يخص سجاحة الاخلاق، وبشر الوجه وطلاق المحيا والتبسم فهو المضروب به المثل. قال صعصعة بن صوحان واصفاً الامام: «كان فينا كأحدنا، لين جانب وشدة،تواضع وسهولة قياد وكنا نها به مهابة الاسير المربوط للسياف الواقف على رأسه». وقال معاوية لقيس بن سعد (6): «رحم الله ابا حسن، فلقد كان هشاً بشاً ذا فكاهة فعلم قيس مراد معاوية فقال: نعم، كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يمزح
1) وكان للزبير خطط بالاسكندرية والكوفة والبصرة وغلات بالمدينة ابن سعد الطبقات ۱۱۰/۳. انظر نجمان ياسين تطور الاوضاع الاقتصادية ص ٢٥٢ -٢٥٨.
2) الشرح ١٤٦/١٥.
3) الشرح ١٤٧/١٥.
4) انظر مسألة فدك في الفصل الثاني.
5) الشرح ١٤٧/١٥.
6) قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي من أصحاب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والامام علي واحد دهاء العرب. ابن عبدالبر الاستيعاب ۱۲۸۹/۳ -۱۲۹۳. ابن حجر: الاصابة ٢٤٩/٣.
ويبتسم الى اصحابه: واراك تسر حسواً في ارتغاء، (1)وتعيبه بذلك! اما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة، اهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى؛ تلك هيبة التقوى، وليس كما يهابك طعام اهل الشام». (2)
هذا الخلق بقى متوارثاً فى محبى الامام واوليائه في الوقت الذي بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر، حتى أن من له ادنى معرفة باخلاق الناس يعرف ذلك. (3)
وعد ابن ابي الحديد موافقة الامام على مشاركة - اوس بن خولي - وهو من الانصار في تجهيز الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ودفنه دليلاً على كرم الامام وسجاحة اخلاقه وطهارة شيمته، حيث لم يضن بهذا المقام الشريف عن اوس بن خولي الانصاري فكم بين هذه السجية الشريفة وبين قول القائل: لو استقبلت من امري ما استدبرت ما غسل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الا نساؤه ولو كان في ذلك المقام غير الامام من ذوي الطباع الخشنة وارباب الفظاظة والغلظة، وقد سأل اوس عن ذلك- لزجر وانتهر ورجع خائباً (4)
ان الدعابة من مميزات كثير من الحكماء والعلماء، وهي دعابة مقتصدة لا فة لأن الاسراف يخرج صاحبه الى الخلاعة، (5)ولكن هذه الفضيلة التي امتاز بها الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اعتبرت من قبل البعض منقصه، حيث جعلها عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) السبب الذي يمنعه من ان يعهد بالخلافة للامام قائلاً له: لله انت،
1) مثل يضرب لمن يقول شيئاً ويريد غيره. انظر الميداني: مجمع الامثال ۸۹/۱ ابن منظور: لسان العرب ٤٦/١٩ مادة (رغا) النويري: نهاية الارب ٦٠/٣.
2) الشرح ٢٥/١.
3) الشرح ٢٦/١.
4) الشرح ٤٠/١٣٤١.
5) الشرح ١٦/١٩. وقد كتب روكس العزيزي مقالاً رائعاً أوضح فيه أن الدعابة من الصفات الطيبة المطلوبة في رجال المجتمع. انظر الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقديسه ص ۱۷۸ -۱۸۲.
لولا دعابة فيك. (1)
وقد وظف - عمرو بن العاص - رؤية عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) هذه في صراعه مع الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قال لاهل الشام: ان الامام ذو دعابة شديدة يعافس ويمارس النساء، مما دعا الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) للرد عليه قائلاً: عجباً لابن النابغة! يزعم لاهل الشام ان في دعابه، واني امرؤ تلعابه اعافس وامارس! لقد قال باطلاً ونطق آثماً. (2)
لقد اوضح ابن ابي الحديد السبب الذي دفع عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لاعتبار دعابة الامام منقصة قائلاً: «واعلم ان الرجل ذا الخلق المخصوص، لا يرى الفضيلة الا في ذلك الخلق الاترى ان الرجل يبخل فيعتقد ان الفضيلة في الامساك والبخيل يعيب اهل السماح والجود وينسبهم الى التبذير، واضاعه الحزم، وكذلك الرجل الجواد يعيب البخلاء وينسبهم الى ضيق النفس وسوء الظن وحب المال والجبان يعتقد ان الفضيلة في الجبن، ويعيب الشجاعة، ويعتقد كونها خرقاً وتغريراً بالنفس كما قال المتنبي:
يرى الجبناء ان الجبن حزم (3)
والشجاع يعيب الجبان وينسبه الى الضعف ويعتقد ان الجبن ذل ومهانة! وهكذا القول في جميع الاخلاق والسجايا المقتسمة بين نوع الانسان» (4)
واضاف قائلاً «ولما كان عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) شديد الغلظة، وعر الجانب خشن الملمس دائم العبوس، كان يعتقد أن ذلك هو الفضيلة، وان خلافة نقص، ولو كان سهلاً طلقاً مطبوعاً على البشاشة، وسماحة الخلق، لكان يعتقد ان ذلك هو الفضيلة
وان خلافة نقص، حتى لو قدرنا ان خلقه حاصل لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و خلق علی حاصل له، لقال في علي: لولا شراسة فيه، فهو غير ملوم عندي فيما قاله ولا منسوب الى انه أراد الغض من علي، والقدح فيه، ولكنه اخبر عن خلقه، ظانا ان الخلافة لا تصلح الا لشديد الشكيمة، العظيم الوعورة، ولمقتضى ما كان يضنه من هذا المعنى تمم خلافة أبي بكر بمشاركته اياه في جميع تدابيراته وسياسته وسائر احواله. (1)لرفق وسهولة كانت في اخلاق ابي بكر، وبمقتضى هذا الخلق المتمكن عنده، كان يشير على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في مقامات كثيرة، وخطوب متعددة، بقتل قــوم كــان يــرى قتلهم، وكان النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) یری استبقائهم واستصلاحهم، فلم يقبل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشورته على هذا الخلق». (2)
كان الخليفة عمر صعباً، عظيم الهيبة، شديد السياسة، لا يميل الى احد ولا يراقب شريفاً او مشروفاً، ولذا فأكابر الصحابة كانوا يتفادون لقائه. (3)وكان في اخلاقه والفاظه خشونة ظاهرة، يحسبه السامع لها انه اراد بها ما لم يكن قد اراد ويفهم من تحكى له انه قصد به ظاهراً ما لم يقصده كالكلمة التي قالها في مرض الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (4)ومعاذ الله ان يقصد بها ظاهرها ولكنه ارسلها على مقتضى خشونة غريزته، ولم يتحفظ منها، وكان الاحسن ان يقول مغموراً او مغلوباً بالمرض، و حاشاه ان يعني بها غير ذلك. (5)
وفي تعقيبة على وصف عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لبيعة ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) بأنها فلتة وقى الله
1) ان استقراء الروايات التاريخية توضح أن عمر بن الخطاب كان بمثابة الوزير للخليفة ابي بكر، ومن بين ذلك طلب الخليفة من اسامة بن زيد امير الجيش الخارج لحرب الروم البيزنطيين يسمح الى عمر بن الخطاب بالبقاء مع الخليفة. انظر الشرح ١٧٥/١٧ -٦.
2) الشرح ٣٢٧/٦ -٣٢٨.
3) الشرح ۱۷۳/۱ -۱۸۳.
4) البخاري: الصحيح ٦٦ -٦٥/١.
5) الشرح ۱۸۳/۱.
شرها (1)قال ابن أبي الحديد: «اعلم ان هذه اللفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلظ الطينة، وجفاء الطبيعة، ولا حيلة له فيها لانه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها، ولا ريب عندنا انه كان يتعاطى ان يتلطف، وان يخرج الفاظه مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطبع الجاسي والغريزة الغليظة، الى امثال هذه اللفظات، ولا يقصد بها سوءاً، ولا يريد بها ذماً، ولا تخطئه، كما قدمنا من قبل في اللفظة التي قالها في مرض الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وكاللفظات التي قالها عام الحديبية (2)وغير ذلك، والله تعالى لا يجازي المكلف الا بما نواه، ولقد كانت نيته من اطهر النيات واخلصها الله سبحانه وللمسلمين، ومن انصف علم ان هذا الكلام حق». (3)
لما وقع بعض المشركين اسری یوم بدر اشارت الروايات ان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) استشار المسلمين في أمرهم، فكان رأي ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) الفداء، فيما اشار عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) بالقتل (4)قال ابن ابي الحديد فكان الصواب مع عمر ونزل
1) الشرح ٢٦/٢ -٢٧، ٢٢٤/١٣. الاسكافي: نقض العثمانية ٢٨٦. القاضي عبد الجبار المغني ۳۳۹/۱۱/۲۸. وقد نسب الجوهري هذا القول للخليفة أبي بكر نفسه. الشرح ٤٧/٦.
2) قال ابن هشام: «فلما التأم الامر ولم يسبق الا الكتاب وتب عمر بن الخطاب فأتى ابا بكر:قال یا ابا بكر الیس برسول الله؟ قال بلى قال اولسنا بالمسلمين؟ قال بلى قال: اولیسوا بالمشركين؟ قال بلى قال فعلام نعطي الدنيه في ديننا؟ قال ابو بكر العمر الزم غرزه فاني اشهد انه رسول الله قال عمر وأنا اشهد انه رسول الله، ثم اتى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقال: يا رسول الست برسول الله؟ قال بلى قال: اوليسوا بالمشركين؟ قال بلى قال فعلام نعطى الدنيه في ديننا؟ قال: انا عبد الله ورسوله لن اخالف أمره، ولن يضيعني ! قال: فكان عمر يقول: ما زلت اتصدق واصوم واصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرا» السيرة النبوية ۳۱٧/٣ صحیح مسلم ١٤۱/۱۲. السلطي: التنبيه ص 8. ابن الجوزي: مناقب عمر بن الخطاب ص ٤٤ -٤٥.
3) الشرح ٢٧/٢.
4) الشرح ۱٧٣/١٤ -۱۷۵ وانظر الواقدي: المغازي ١٠٧/١. الحاكم: المستدرك ٢٤/٣. الطوسي: الامالي، ط النجف ٢٧٣/١ -٢٧٤.
القرآن بموافقته. (1)
اما في الحديبية فقد اشار عمر بالحرب وكره الصلح، فنزل القرآن بضد ذلك، (2)اذ ليس كل وقت يصلح لتجريد السيف، والسياسة لا تجري على منهاج واحد ولا تلزم نظاماً واحداً (3)
وعلق ابن ابي الحديد على موقف عمر يوم الحديبية بأنه صحيح ولكنه غير مستهجن ولا مستقبح، لانه سأل من باب الاسترشاد والتماس الطمأنينة كما يفعل الصحابة مع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، حيث لما عزم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يوم الخندق على مصالحة اليهود ببعض تمر المدينة، قال له سعد بن عبادة، وسعد بن عبادة، وسعد بن معاذ الانصاريان اهذا من الله ام رأي رايته من نفسك؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): بل من نفسى قالا: لا والله لا نعطيهم منها تمرة واحدة وايدينا في مقابض سيوفنا (4)
وفي يوم بدر قال الانصار للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وقد نزل نزلاً لم يستصلحوه: انزلت هذا المنزل من رأي رأيت ام بوحي اوحي اليك؟ قال: بل من رأي رأيته، فقالوا انه ليس لنا بمنزل ارحل عنه فانزل بموضع كذا. (5)
ثم أوضح ابن أبي الحديد ان مراد ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) في قوله لعمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) «الزم غرزه فوالله انه لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انما هو تأكيد وتثبيت على عقيدته التي في قلبه، ولا يدل ذلك على الشك، فقد قال تعالى: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ
1) يقصد قوله تعالى مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ سورة الانفال: الآيات ٦٧ -٦٨، وانظر الطبري: جامع البيان ٤٣/١٠ -٤٤ الزمخشري: الكشاف ٢٣٦/٢ ابن حزم: الفصل ١٢/٤.
2) يقصد قوله تعالى انا فتحنا لك فتحاً مبينا سورة الفتح آية1. انظر مسلم: الصحيح ١٤٣/١٢ الطبري: جامع البيان ٧٠/٣٦.
3) الشرح ٣٢٨/٦.
4) الشرح ۱۸۰/۱۰ ابن هشام السيرة ٢٣٤/٣.
5) الشرح ۱۸۱/۱۰. انظر الواقدي: المغازي ٥٣/١. بن هشام السيرة ۲۷۲/۲.
إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (1)فما من احد يستغنى عن زيادة اليقين والطمأنينة، وقد ظهر. من عمر بن الخطاب احوال أقل من ذلك تسرع فيها: كقوله للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في ابي سفيان دعني اضرب عنق ابي سفيان»، (2)وقوله: «دعني اضرب عنق عبدالله بن ابي»، (3)وقوله «دعني أضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة»، (4)وقد نهى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وجذب توبه لما قام على جنازة ابن سلول يصلي قائلاً له: كيف تستغفر لرأس المنافقين. (5)وليس في ذلك جميعه ما يدل على وقوع القبيح منه، وانما كان عمر مطبوعاً على الشدة والشراسة والخشونة، وكان يقول ما يقول على مقتضى السجية التي طبع عليها. (6) وبعد أن أوضح ابن أبي الحديد سجية الخليفة عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) علق قائلاً: »واعلم انا لا نريد بهذا القول ذمة (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وكيف نذمه، وهو أولى الناس بالمدح ليمن نقيبته وبركة خلافته، وكثرة الفتوح في ايامه، وانتظام امور الاسلام على يده ولكنا اردنا ان نشرح حال العنف والرفق، وحال سعة الخلق وضيقه، وحال البشاشة والعبوس، وحال الطلاقة والوعورة فنذكر كل واحد منهما ذكراً كلياً، لا نخص به انساناً بعينه. فاما عمر فانه وان كان وعراً شديداً خشناً، فقد رزق من التوفيق والعناية الالهية ونجح المساعي، وطاعة الرعية ونفوذ الحكم، وقوة الدين وحسن النية وهمة الرأي، وما يربي محاسنه ومحامده على ما في ذلك من نقص، وليس الكامل المطلق، الا الله تعالى وحده» (7)
1) سورة اسراء: الآية ٧٤.
2) حينما خرج ابوسفيان قبيل فتح مكة. ابن هشام السيرة ٤٥/٤. الطبري: تاريخ ٥٣/٣.
3) في غزوة بني المصطلق ابن هشام السيرة ۳۰۳/۳.
4) قبيل فتح مكة: ابن هشام ٤١/٤ البخاري: الصحيح ١٢٩/٦ -٣١ الحاكم المستدرك ٣٤١/٣ المفيد الارشاد ص ٢٥.
5) ابن هشام: السيرة ١٩٦/٤ -١٩٧.
6) الشرح ۱۸۱/۱۰.
7) الشرح ٣٤٣/٦ -٣٤٤.
ولذلك يخلص ابن ابي الحديد في تحليله لمقولة الخليفة عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) في الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للقول «وجملة الامر انه (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لم يقصد عيب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا كان عنده معيباً، ولا منقوصاً، الاترى انه قال في آخر الخبر: «ان احراهم ان وليها ان يحملهم على كتاب الله وسنة رسوله لصاحبك». ثم اكد ذلك بان قال: «ان وليهم ليحملهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم. فلو كان اطلق تلك اللفظة، وعني بها ما حملها عليه الخصوم لم يقل في خاتمة كلامه ما قاله» (1)
ان ملاحظة احوال الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تنفي اتهام عمرو بن العاص اياه بالدعابة سواء فى عصر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) او عصور الخلفاء من بعده، حيث لا نجد حديثاً يمكن او ان يتعلق به الخصوم في دعابته ومزاحه «فكيف يظن بعمر انه نسبه الى امر لم ينقله عنه ناقل ولا ندد به صديق ولا عدو، وانما اراد سهولة خلقه لا غير، وظن ان ذلك مما يفضي به الى ضعف ان ولي امر الامة لاعتقاده ان قوام هذا الامر انما هو بالوعورة، بناء على ما قد الفته،نفسه وطبعت عليه سجيته... و من تأمل كتب السير عرف صدق هذا القول وعرف ان عمراً بن العاص اخذ كلمة عمر، اذ لم يقصد بها العيب فجعلها عيباً، وزاد عليها أنه كثير اللعب، يعافس النساء، ويمارسهن، وانه صاحب هزل». (2)
ثم اقسم ابن أبي الحديد: ولعمر الله لقد كان علي ابعد الناس من ذلك، واي وقت يتسع له حتى يكون على هذه المواصفات؟ حيث ان از مانه كلها في العبادة والصلاة والذكر والفتاوي والعلم واختلاف الناس اليه في الاحكام وتفسير القرآن، اما نهاره فكان كله او معظمه مشغول بالصوم وليله كله او معظمه بالصلاة في ايام السلم، اما في ايام الحرب فالسيف الشهير والسنان الطرير وركوب لخيل، وقيادة الجيش ومباشرة الحرب. ولقد صدق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله: «اثني ليمنعني
من اللعب ذكر الموت». (1)
ثم اوضح ابن أبي الحديد سبب التهمة بان الرجل الشريف النبيل الذي لم يتمكن اعداؤه أن يجدوا له عيباً ياخذوا بالاحتيال في تحصيل عيب وان كان ضعيفاً ليجعلوه عذراً لانفسهم في ذمه، ويتوسلون به الى اتباعهم في تحسينهم لهم مفارقته، والانحراف عنه كما كان يفعل المشركون والمنافقون مع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فيبرأه الله من العيوب التى برأه الله منها، فغير منكر ان يعيب عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمرو بن العاص وامثاله من اعدائه بما اذا تأمله المتأمل علم انهم باعتمادهم عليه وتعلقهم به قد اجتهدوا في مدحه والثناء عليه، لانهم لو وجدوا عيباً غير ذلك لذكروه، ولو بالغ اميرالمؤمنين وبذل جهده في ان يثني اعدائه وشانئوه عليه من حيث لا يعلمون لم يستطع الى ان يجد الى ذلك طريقاً الطف من هذه الطريق التي اسلكهم الله تعالى فيها، وهداهم الى منهاجها، فظنوا انهم يغضون منه، وانما اعلوا شأنه، ويضعون من قدره وانما رفعوا منزلته ومكانه». (2)
اما في العبادة فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) اعبد الناس واكثرهم صلاة وصوماً حيث تعلم الناس منه صلاة الليل وملازمة الأوراد، وقيام النافلة، وبلغ من محافظته على الاوراد ان بسط له نطعاً في صفين ليلة الهرير واخذ يصلي، والسهام تقع بين يديه وتمر على جانبيه فلا يرتاع منها، ولا يقوم حتى يفرغ من ورده، ولكثرة سجوده اصبحت جبهته كثفنة البعير واذا تأملت دعواته ومناجاته، (3)ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه واجلاله، وما يتضمنه من الخضوع لهيبته، والخشوع لعزته، والاستخذاء،له عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص وفهمت من أي قلب
خرجت، وعلى أي لسان جرت. وقد قيل لعلى بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)وكان الغاية في الله العبادة: اين عبادتك من عبادة جدك؟ قال: «عبادتي من عبادة جدي كعبادة جدي من عبادة رسول الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ». (2)
والشيء الذي يثير التعجب في مزايا الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو ذلك التضاد في الصفات فكان ذلك من عجائبه التي انفرد بها وامن المشاركة فيها، واصبح من فضائله العجيبة وخصائصه اللطيفة، حيث جمع بين الاضداد، والف بين الاشتات وهذا ما كان يثير عجب الشريف الرضى فيتحدث به الى معاصريه فيثير اعجابهم وهي موضع العبرة والفكرة فيها، (3)ومن هذه الصفات المتضادة:
اولاً: يقول الشريف الرضي (4):« ان كلامه الوارد في الزهد والمواعظ، والتذكير والزواجر؛ اذا تأمله المتأمل، وفكر فيه المفكر، وخلع من قلبه انه كلام مثله من عظم قدره ونفذ امره واحاط بالرقاب ملكه، لم يعترضه الشك فى انه كلام من لاحظ له فى غير الزهادة، ولا شغل له بغير العبادة، قد قبع في كسر بيت او انقطع الى سفح جبل، لا يسمع الاحسه، ولا يرى الا نفسه ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب، مصلتاً سيفه، فيقط الرقاب، ويجدل الابطال، ويعود به ينطف،دماً، ويقطر مهجاً، وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد وبدل الابدال».
1) على بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) غنى عن التعريف من انجازاته انه اوفد ولده محمد الباقر إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ليشرح له طريقة ضرب عملة عربية اسلامية انظر البيهقي: المحاسن والمساوي ص٤٦٧ -٧٠. كثير البداية والنهاية ١٠٤/٩، الدميري: حياة الحيوان الكبرى ٦٢/١٨ -٦٤. وانظر تحليلاً تفصيلياً في رسالتنا للماجستير المقريزي ص ۱۳۹ -١٤٨. وعرف (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمناجاته حيث وصلت الينا الصحيفة المعروفة باسمه والمشتملة على ادعيته ومناجاته. انظر الشرح ۱۷۸/٦ -۱۸۷. امالي الطوسي ط النجف ١٤/١ -١٨. الصحيفة السجادية ص ١٦ وما بعدها. وعن الصحيفة السجادية انظر دراسة تحليلية على حسين محفوظ: الصحيفة السجادية ص ٢ وما بعدها.
2) الشرح ٢٧/١.
3) الشرح ٤٩/١ الشريف الرضي: نهج البلاغة ص ٣٦.
4) الشرح ٤٩/١ نهج البلاغة ص ٣٥ -٣٦.
ان الذي اشار له الشريف الرضى امر صحيح لان الغالب على اهل الشجاعة والاقدام والمغامرة والجرأة ان يكونوا ذوي قلوب قاسية، وفتك وتمرد وجبرية، والغالب على اهل الزهد ورفض الدنيا وهجران ملاذها، والاشتغال بمواعظ الناس وتخويفهم المعاد، وتذكيرهم الموت ان يكونوا ذوي رقة ولين، وضعف قلب وخور طبع، فهاتان حالتان متضادتان، وقد اجتمعا له (عَلَيهِ السَّلَامُ).(1)
يقول ابن أبي الحديد (2): «اني لاطيل التعجب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدل على ان طبعه مناسب لطباع الاسود والنمور وامثالها من السباع الضارية، ثم يخطب في ذلك الموقف بعينه، اذا اراد الموعظة بكلام يدل على ان طبعه مشاكل لطباع الرهبان لابسى المسوح الذين لم يأكلو الحماً، ولم يريقوا دماً ! فتارة يكون في صورة بسطام بن قيس الشيباني، وعتبة بن الحارث اليربوعي (3)وعامر بن الطفيل العامري، (4)
اني وأن كنت ابن سيد عامر *** وفارسها المندوب فى كل موكب
فما سودتني عامر عن قرابة *** ابى الله ان اسموا بام ولا أب
ديوان عامر بن الطفيل ص ۱۳. السيوطي شرح شواهد المغنى: ٩٥٣/٢ -٤.
وتارة يكون فى صورة سقراط الحبر اليوناني، (5)1) الشرح ٥٠/١.
2) الشرح ١٥٣/١١.
3) عتبة بن الحارث بن شهاب،التميمي فارس تسميم قبل الاسلام وكان يلقب «سم الفرسان» و «صياد الفوارس»، ويضرب به المثل في الفروسية. الشرح ۲۷۹/۳. انظر أبو هلال جمهر:الامثال ۱۱۱/۲. ابن حزم جمهرة النسب ٢٢٤ المرصفى: رغبة الامل ١٥٥/٢ -١٥٦.
4) عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر من بني عامر بن صعصعة، ولد في حدود ۷۰ ق م وهو فارس قومه، واحد فتاك العربي وشعرائهم وساداتهم قبل الاسلام وفـد عـلـى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ولم يسلم الا بشروط رفضها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، توفي سنة ١١هـ انظر الجاحظ: البيان والتبيين ٥٤/١. ابن قتيبة الشعر والشعراء ص ۱۱۸. ابن حبيب المحبر ص،۱۱۸، ۱۳۵، ۳۰۳ ،٤۷۲، ٤٧٣ ابن حجر الاصابة251/٢ البغدادي خزانة الادب ٣٣٨/١، ٤٧٣،٤٩٢/٣. المرصفي: رغبة الامل ١٧٦/٢، ١٦٥/٨، ٢٤٣. الالوسي: بلوغ الارب ۱۲۹/۲، ١٢٨/٣. وعامر هو القائل:
5) فيلسوف یونانی من اثينا (٤٦٩ -٣٩٩ ق.م) لم يترك اثراً مكتوباً، ولكن قام تلاميذه بتسجيل آرائه، وكان يتزل الى العامة ويتحدث عن الفضيلة والعدل والتقوى، فأنهم بافساد عقول الشباب فحكم عليه بالاعدام الشهرستاني: الملل والنحل ١٨٥/٣ -١٩٠. القفطي: تاريخ الحكماء ۱۹۷ -۲۰۷. الموسوعة الميسرة ٨٥/١٨ ٩٨٦.
ويوحنا المعمدان الاسرائيلي، (1)والمسيح (2)بن مريم الالهي».
ولقد اوضح ابن ابي الحديد (3)ذلك في شعره اذ يقول:
الضارب الهام المقنع في الوغى *** بالخوف للــبهم الكماة يقنع
والمهرية تستقيم وتنحني *** فكأنها بین الاضائع اضلع
والمترع الحوض المدعدع حيث لا *** واد يفيض ولا قليب يترع
ومبدد الابطال يث تألبوا *** ومرفق الاحزاب حيث تجمع
والحبر يصدح بالمواعظ خاشعاً *** حتى تكاد لها القلوب تصدع
حتی اذا استعر الوغي متلضياً *** شرب الدماء بغلة لا تنقع
مـتجليباً ثوباً من الدم قانياً *** يعلوه من نقع الملاحم برقع
1) هو النبي يحيى (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي بشر بالسيد المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذا اصبحت له مكانة لدى المسيحيون، وكان متقشفاً في البرية يأكل الجراد، وانكر زواج هيروس بأخت امرأته (هر ودیاد) فنقمت عليه وحرضته على قتله، فاعدم انظر الانجيل متى ص ۱۲- ۱۳- ٢٥- ٢٦. مرقس ص ٦١- ٦٢، ٧١- ۷۲ لوقا ۱۵، ۹۷ -۸، ۱۰- 1. 109 -١١٠، ١١٤. يوحنا ١٠٥ -151،154. محمد شقيق غربال: الموسوعة الميسرة ۱۹۸۹/۲.
2) المسيح: مأخوذ من المسح وهو امرار اليد على الشيء السائل أو الملطخ لاذهابه. والمسيح هو المبارك. الفيروزي آبادي القاموس ٢٤۹/۱.
3) القصائد السبع العلويات ص ٤٢.
زهد المسيح وفتكه الدهر الذي *** اودی به کسرى وفوز تبع
ثانياً: ان الغالب على ذوى الشجاعة واراقة الدماء ان يكونوا ذوي اخلاق سبعية وطباع حوشية، وغرائز وحشية، اما اهل الزهادة فيغلب عليهم ان يكونوا ذوي انقباض في الاخلاق، وعبوس فى الوجوه، ونفار من الناس واستيحاش لان هدفهم رفض الدنيا والتذكير بالاخرة. (1)
ولكن الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي كان اشجع الناس وأعظمهم اراقة الدم، وهو ايضاً ازهد الناس، وابعدهم عن ملاذ الدنيا، وأكثرهم وعظاً وتذكيراً بايام الله ومثلاته، ثم هو من هو من اشد الناس في العبادة اجتهاداً، واداباً في المعاملة لنفسه، مع كل ذاك فهو الطف العالم،اخلاقاً، واسفرهم وجهاً، واكثرهم بشراً، وأوفاهم هشاشة، وابعدهم عن انقباض موحش او خلق نافر او تجهم مباعد أو غلظة، وفظاظة تنفر معها نفس او يتكدر معها قلب حتى عيب بالدعابة، بعد أن لم يجدوا فيه مغمزاً ولا مطعناً، واعتمدوا في التنفير عنه عليها. (2)
وتلك شكاه ظاهر عنك عارها. (3)
ثالثاً: ان المعروف على من يكون من اهل بيت السيادة والرياسة ان يكون ذاكبر وتيه وتعظم وتغطرس، خاصة اذا اضيف الى شرفه من جهة النسب شرف من جهات اخرى.
هذا الحال لا نجده عند امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمع انه في مصاص اشرف و معدنه لا يشك عدو ولا صديق انه اشرف خلق الله نسباً بعد ابن عمه صلوات الله
عليهما، مضافاً الى الشرف الذي حصل عليه من جهات شتى، فكان من اشد الناس تواضعاً لصغير او كبير والينهم عريكة واسمحهم خلقاً، وابعدهم عن الكبر واعرفهم بالحق، وحاله هذا واحداً سواء قبل توليه الخلافة أو بعدها وذلك لانه لم يزل اميراً فلم يستفد بالخلافة شرفاً، ولا اكتسب بها زينة، بل هو الذي زانها (1). وكانت في نقص فاتمت نقصها بتوليه اياها (2)
رابعاً: ان الصفة التي تغلب على ذوي الشجاعة وقتل الانفس واراقة الدماء ان يكونوا قليلي الصفح بعيدي،العفو، لان اكبادهم واغرة، قلوبهم ملتهبة، والقوة العصبية عندهم شديدة، وهذا لا يتفق مع ما يتميز به امیرالمؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، فمع شجاعته نجده في الحلم والصفح بمكان، ونجد لديه القدرة على مغالبة هوى النفس، كما لوحظ تماماً في ايام خلافته الذي احسن مهيار الديلمي وصف حاله فيها (3): -
حتى اذا دارت رحى بغيهم *** عليهم وسبق السيف العذل
عاذوا بعفو ماجد معود *** للعفو حمال لهم على العلل
فنجت البقيا عليهم من نجا *** واكل الحديد منهم من اكل
اطت بهم أرحامهم فلم يطع *** ثائره الغيظ ولم يشف الغلل (4)
خامساً: قد لا تتفق الشجاعة مع الجود، حيث كان الزبير شجاعا، ولكنه عرف بالشح، حتى اعتبر ذلك عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) من الصفات التي لا تؤهله
1) قال ابو عبدالله احمد بن حنبل ذكر ذلك الشيخ ابو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي تاريخه المعروف بالمنتظم، تذاكروا يوما عند احمد خلافة أبي بكر وعلى وقالوا فاكثروا، فرفع رأسه اليهم، قال: قد أكثر تم «ان عليا لم تزنه الخلافة! ولكنه أنها الشرح ٥٢/١.
2) الشرح ٥٢ -٥١/١.
3) الشرح ٥٢/١.
4) من قصيدة في (۱۱۱) بيت، يذكر فيها مناقب امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهذه الابيات موجودة في الديوان المطبوع ما عدا البيت الاخير انظر ديوان مهیار ١۰۹/۳ -١١٦.
للخلافة قائلا (1): لو وليتها لظلت تلاطم الناس في البطحاء على الصاع (2)والمد.(3)ولما اراد الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يحجز على اموال عبد الله بن جعفر لتبذيره اياها، شارك الزبير في امواله وتجاراته، فقال الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اما انه قد لاذ بملاذ، ولم يحجز عليه كذلك كان طلحة بن عبيد الله شجاعا، ولكنه شحيحا امسك عن الانفاق حتى خلف من الاموال ما لا يأتى عليه الحصر. (4)وكان عبد الله بن الزبير شجاعا، لكنه كان ابخل الناس، (5)كذلك عبد الملك بن مروان الذي ضرب به المثل في الشح، وسمي -رشح الحجر- لبخله. (6)
وكان امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الشجاعة بحال معروفة في الشجاعة والسخاء وهذه من اعاجيبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7)
1) الشرح ١٨٥/١.
2) الصاع اربعة امداد عند اهل المدينة، وثمانية عند أهل الكوفة. الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص ۱۱.
3) المد: مكيال وهو رطل وثلث في الحجاز، ورطلان عند اهل العراق الرازي: مختار الصحاح ص ٦١٨ الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص ۱۱
4) ابن سعد الطبقات ٢٢١/٣ -٢.
5) الشرح ۱۰۳/۲ انظر ابن عبد البر: الاستيعاب ٩٠٦/٣
6) انظر الزمخشري: ربيع الابرار ٣٦٥/٢.
7) الشرح ٥٢/١٥٣.
ضمت بعض خطب الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ورسائله، وقصار كلماته الشريفة، اشارات الى الامامة، (1)فوظفها ابن ابي الحديد لكي يقدم رؤية الامام من خلالها ا للامامة، وقد تباينت طريقة ابن ابي الحديد في شرحه لتلك الاشارات، فتارة يأخذ كلام الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ظاهره، وتارة يستخدم التأويل، (2)ويصرف كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ظاهره الى معنى اخر ليلائم وجهة نظر المعتزلة.
فبدءاً يقرر ابن ابي الحديد ان الامامة من اصول الدين (العقائد)، (3)ثمّ هی واجبة انطلاقاً من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخوارج لما قالوا: «لا حكم الا الله»، فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ):
1) الامامة لغة مأخوذة من أم القوم تقدمهم. والامام كل من انتم به قوم سواء كانوا على. الصراط المستقيم ام ضالين قال تعالى يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ سورة الأسراء: الآية ۷۱ وامام كل شيء قيمة فالقرآن امام المسلمين، والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) امام الائمة، والخليفة امام الرعية ابن منظور، لسان العرب ٢٨٩/١٤ -٢٩٠.
2) التأويل: صرف الكلمة عن معناها الظاهري الى معنى مجازي الجرجاني: التعريفات، ص ۲۸.
3) الشريح ٣٦٧/١٨.
«كلمة حق يراد بها باطل: نعم انه لا حكم الا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا امرة الا اله وانه لابد الناس من امير بر او فاجر يعمل في امرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الاجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، و تأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح،بر، ويستراح من فاجر». (1)
ان القول بوجوب الامامة امر اجمع عليه المعتزلة ما عدا أبي بكر الاصم الذي يرى أنها غير واجبة: اذا تناصفت الامة، ولا تتظالم». وهذا الرأي عده متأخروا المعتزلة قولاً بالوجوب، وذلك لانه في العادة لا تستقيم أمور الناس من دون رئيس يحكم بينهم. (2)
وقد وظف ابن ابي الحديد الكلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) التقرير صحة رؤية المعتزلة «والظاهر من كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يطابق ما يقوله اصحابنا، الا تراه كيف علل قوله: «لابد للناس من امير بر او فاجر يعمل فى أمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الاجل، ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي»! وهذه كلها من مصالح الدنيا». (3)
وتجدر الاشارة الى أن الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يرى أن الامارة مسألة ضرورية لاي مجتمع، وذلك لان فيها:
١. يعمل المؤمن فيصلي ويصوم ويتصدق، وان كان الامير فاجراً فى نفسه.
٢. يستمتع الكافر بمدته، كما قال تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ. (4)
المضروبة فيها تنتهى الى الاجل المؤقت للانسان.
٤. يجمع في امارة الفاجر الفيء، ويقاتل العدو، وتأمن السبل، ويؤخذ للضعيف من القوي، يقول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «ان الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». (1)
ويخلص ابن ابي الحديد للقول: «اتفقت المعتزلة على ان امراء بني امية كانوا فجارا عدا عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وعمر بن عبدالعزيز، ويزيد بن الوليد، وكان الفيء يجمع بهم، والبلاد تفتح في ايامهم، والثغور الاسلامية محصنة محوطة والسبل امنة والضعيف منصور على القوي الظالم، وما ضر فجورهم شيئا في هذه الأمور». (2)
فاذا كانت الامامة واجبة، فهل ان وجوبها يتعين ان يكون الامام بالاختيار ام بالنص؟ استنتج ابن ابي الحديد من خلال كلام الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الامامة بالاختيار (3)وليس بالنص، وهذا ما يذهب اليه المعتزلة، وقد وظف ابن ابي الحديد نصين من كلام الامام لاثبات ذلك:
الاول: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): « ولعمري لئن كانت الامامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس ما الى ذلك سبيل؛ ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب ان يختار ». (4)
اذن فهنا الامام يرى ان الامامة لا يشترط فى صحة انعقادها حضور كل الناس لان ذلك يعنى عدم انعقاد امامة مطلقا لتعذر اجتماع الناس وانما ينعقد بعقد العلماء واهل الحل والعقد الحاضرين، واذا عقدت فلا يجوز الرجوع عنها الا
لسبب يقتضي ذلك، أما الغائب فهو ملزم بعقد الحاضرين ولا يجوز له الاحتجاج وعلى هذا جرت بيعة ابي بكر وعمر وعثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، «وهذا الكلام تصريح بصحة مذهب اصحابنا في ان الاختيار طريق الى الامامة، ومبطل لما تقوله الامامية من دعوى النص ..». (1)
الثاني: جاء في كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى معاوية «انه بايعني القوم الذي بايعوا ابابكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب ان يرد، وانما الشورى للمهاجرين والانصار، فان اجتمعوا على رجل وسموه اماما كان ذلك الله رضا، فان خرج عن أمرهم بطعن او بدعة ردوه الى ما خرج عنه، فان ابيقاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى». (2)
عد ابن ابي الحديد هذا النص صريحاً في ان الاختيار طريق الى الامامة كما يذكره المعتزلة، لان الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) احتج على معاوية ببيعة اهل الحل والعقد له، ولم يراع اجتماع المسلمين، كما تمت بيعة ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) فانه ما روعي فيه اجماع المسلمين لان سعد بن عبادة واهل بيته لم يبايعوا، والامام وبني هاشم ومن انضوى اليهم لم يبايعوا في مبدأ الامر، ولكن لم يتوقفوا في تصحيح بيعة بي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وتنفيذ احكامه على بيعة من لم يبايع و هذا دليل على صحة الاختيار وكونه طريقاً الى الامامة، وانه لا يقدح في امامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، امتناع معاوية من البيعة واهل الشام». (3)
ورد ابن ابي الحديد على حمل الامامية كلام الامام لمعاوية –اعلاه- على التقية لان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) برأي الامامية لم يمكنه التصريح بالنص عليه لان ذلك يؤدي للطعن في من تقدمه، ثم يؤدي لفساد وخروج من بايعه عليه، قال ابن ابي
الحديد: «هذا القول من الامامية دعوى لو عضدها دليل لوجب أن يقال بها، ويصار اليها ولكن لا دليل لهم على ما يذهبون اليه من الاصول التي تسوقهم الى حمل هذا الكلام على التقية». (1)
ويرى المعتزلة أنه لما كان الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد حصل على الامامة بالاختيار، لذا فقد وجبت طاعته فلا يعذر احد من المكلفين فى الجهل بوجوب طاعته، وهذا مصداق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «عليكم بطاعة من لا تعذرون في جهالته». (2)
ويجدر بنا أن نوضح هنا كيف تم اختيار ابو بکر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) للخلافة طبقاً لمبدأ الاختيار الذي يراه المعتزلة.
بعد وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) انكر عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وفاته قائلاً: «ما مات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله وليرجعن، فليقطعن ايدي رجال وارجلهم ممن ارجف بموته لا اسمع رجل يقول: مات رسول الله الا ضربته بسيفي. فجاء ابو بكر وكشف عن وجه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وقال: بابي وامي: طبت حياً وميتاً، والله لا يذيقك الله الموتتين ابداً، ثم خرج والناس حول عمر وهو يقول لهم: أنه لم يمت ويحلف، فقال له ايها الحالف على رسلك ثم قال: من كان يعبد محمداً فان محمداً قد مات. ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت قال الله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. (3)وقال: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ (4)قال عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) فوالله ما ملكت نفسي حيث سمعتها ان سقطت الى الارض، وعلمت ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قدمات» (5)
وقبل ان يطرح ابن ابي الحديد رؤيته لهذا الموقف من عمر الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) طرح لنا رؤيتين: الرؤية الاولى: رؤية اعتزالية قال بها القاضي عبدالجبار المعتزلي احد كبار رجال الاعتزال، حيث يرى القاضي ان عمراً (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لم يمنع من جواز موت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وانما تأول قوله تعالى: هو الذي ارسل رسوله﴿ ِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، (1)ولذلك فقد استغرب عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) كيف يموت الرسول الله ولم يظهر على الدين كله فهنا قال له ابو بکر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) اذا ظهر دينه فقد ظهر هو، وسيظهر دينه بعد وفاته. (2)
الرؤية الثانية: رؤية امامية قال بها الشريف المرتضى (3)الذي تسائل عن انکار عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لموت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) هل انكاره كلياً او في ذلك الوقت فقط؟ ثم كيف دخلت هذه الشبهة على عمر دون المسلمين؟ وكيف لم يوقن بوفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لما رأى ما على المسلمين من اعتقاد موته؟ ثم كان يجب عليه ان يقول للمسلمين في مرض الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وقد رأى جزعهم عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): ما هذا الجزع والهلع، وقد امنكم الله من موته؟ الى غيرها من التساؤلات؟؟ (4)
وقدم ابن ابي الحديد اجابتين الأولى تتصف بالرد على ما جاء لدى الشريف المرتضى من شبهات التي يرى ابن ابي الحديد انه يمكن تبريرها، مع انه لا يرى وقوعها الثانية: تحليله لموقف عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) حسبما يراه.
الاجابة الاولى: ان عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) انكر ان يموت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الى يوم
1) سورة التوبة: الآية ٣٣.
2) الشرح ١٩٥/١١/٢ -٦. وانظر القاضي: المغني ٩/٢/٢٠ -١٠.
3) هو من كبار علماء الامامية في القرن الخامس الهجري، وممن له باع كبير في الأدب والكلام، ومن اشهر مؤلفاته: الأمالي، الشافي في الامامة، انظر: الثعالبي: تتمة اليتيمة ص ٦٩ -۷۲ الجشمي: الطبقتان ص ۳۸۳. ابن الجوزي: المنتظم ١٢٠/٨ -١٢٦ اليافعي: مرآة الجنان ٥٥/٣ -٧ السيوطي بغية الوعاة ص ٣٣٥ -٦. محي الدين: ادب المرتضى ص ٣ وما بعدها.
4) الشرح 41/۲ -۲، ۱۹۷/۱۲۸ -8.
القيامة، واعتقد فيه كما يعتقد كثير الناس في الخضر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما حاجه ابو بكر بقوله تعالىإِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وبقوله أفان مات أو قتل رجع عن ذلك الاعتقاد، فعمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) ما كان يعتقد استحالة الموت عليه كاستحالة الموت على البارى تعالى أي الاستحالة الذاتية. بل اعتقد استمرار حياته الى يوم لقيامة، مع كون الموت جائزاً في العقل، وهذا لا تناقض فيه، فابليس يبقى حياً إلـى يــوم القيامة مع كون موته جائزاً في العقل. ولكن عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وقف مع شبهة اخرى اقتضت عنده أن موته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يتأخر، وان لم يكن الى يوم القيامة، حيث تأول قوله تعالى: هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وهو فجعل الضمير عائداً على الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وليس على الدين، ولما كان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يظهر بعد على الاديان، لذا فان حياته تستمر الى ان يظهر عليها، فحاجه ابو بكر مبيناً أن المقصود هو ظهور الدين وليس الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ). (1)
اما مسألة ورود الشبهة على عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) دون سائر الخلق فهكذا تكون الشبه والاعتقادات تسبق الى ذهن واحد دون غيره، والا فكيف دخلت الشبهة على مانعى الزكاة، او اصحاب الجمل وصفين والنهروان وغيرهم. (2)
اما بالنسبة الى عدم ایمان عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) بموته حينما رأى من كآبة الناس وحزنهم فلأن الناس يبنون على ظاهر الامور، اما هو فقد نظر في أمر باطن دقيق، فاعتقد ان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يمت وانما القى شبهته على غيره كما القى شبهة عيسى على غيره فصلب، ورفع عيسى الى السماء. (3)
في حين رد على عدم قول عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) للناس في حال مرض الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) والناس يبكون ويجزعون، أن لا تجزعوا فان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يمت الآن يرى ابن
ابي الحديد أن الشبهة لا يجب ان تخطر بالبال في كل الاوقات، فلعله كان وقتها
غافلا مشغول الذهن بغيرها. (1)
أما الاجابة الثانية: وهى تحليل ابن ابي الحديد لموقف عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وننقله بالنص : ان عمر كان اجل قدرا من ان يعتقد ما ظهر منه في هذه الواقعة؛ ولكنه لما علم ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قد مات، خاف من وقوع الامامة، وتغلب اقوام عليها، اما من الانصار او غيرهم وخاف ايضا من حدوث ردة، ورجوع عن،الاسلام فانه كان ضعيفا لم يتمكن وخاف من ترات تشن ودماء تراق فان اكثر العرب كان موتورا في حياة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لقتل من قتل اصحابه منهم، وفي مثل ذلك الحال تنتهز الفرصة، وتهتبل الغرة، فاقتضت المصلحة عنده تسكين الناس بان اظهر ما أظهره من كون رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يمت واوقع تلك الشبهة في قلوبهم، فكسر بها شره كثير منه وظنوها حقا، فتناهم بذلك عن حادث يحدثونه، تخيلا منهم ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ما مات؛ وانما غاب كما غاب موسى عن قومه، وليعودن فليقطعن أيدي قوم ارجفوا بموته». (2)
واضاف ابن ابيالحديد «ومثل هذا الكلام يقع فى الوهم فيصد عن كثير من العزم الاترى ان الملك اذا مات في المدينة وقع فيها اكثر الامر نهب وفساد و تحريق، وكل من في نفسه حقد على اخر بلغ منه غرضه، اما بقتل او جرح او نهب مال الى ان تتمهد قاعدة الملك الذي يلي بعده، فاذا كان في المدينة وزير حازم الرأي، كتم موت الملك، وسجن قوما ممن ارجف نداء بموته، واقام فيهم السياسة، واشاع ان الملك حي، وان اوامره وكتبه نافذة ولا يزال يلزم ذلك الناموس الى ان يمهد قاعدة الملك للوالي بعده وكذلك عمر اظهر ما اظهر حراسة للدين والدولة الى ان جاء ابو بكر - وكان غائبا بالسنح، وهو منزل بعيد عن المدينة- فلما اجتمع
بابي بكر قوی به جاشه واشتد به ازره وعظم طاعة الناس له وميلهم اليه، فسكت حينئذ عن تلك الدعوى التي كان ادعاها، لانه قد امن بحضور ابي بكر من خطب يحدث، أو فساد يتجدد، وكان ابو بكر محبباً الى الناس، لا سيما المهاجرين». (1)
واردف قائلاً: «ويجوز عند الشيعة وعند اصحابنا ايضاً ان يقول الانسان كلاماً ظاهر الكذب على جهة المعاريض، فلا وصمة على عمر اذا كان حلف ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يمت ولا وصمة عليه في قوله بعد حضور ابي بكر وتلاوة ما تلا: كأني لم اسمعها، أو قد تيقنت الان وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، لانه اراد بهذا القول تشييد القول الاول، وكان هو الصواب، وكان من سيء الرأي وقبيحه ان يقول انما قلته تسكيناً لكم، ولم اقله عن اعتقاد، فالذي بدأ به حسن وصواب، والذي ختم به احسن واصوب». (2)
بعد طرحنا لهذه الرؤى حول موقف عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) نتسائل حول الادلة التي استند اليها أولئك في رؤاهم خاصة اذا علمنا ان مصادرنا التاريخية تخلو من ذلك، ولذا فان اصحاب الرؤى اكتفوا بطرح رؤاهم دون الاشارة لمصدرها؟ فما الذي جعل القاضي عبدالجبار يفسر موقف عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) استناداً الى قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ثم اوجد محاورة بين ابي بكر وعمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لم تشر لها المصادر مطلقاً؟
اما ابن أبي الحديد فهو مع عدم اعتقاده بما اورده القاضي، فأنه اندفع لرد تساؤلات الشريف المرتضى، وخلق المواقف التي يعلن بنفسه عن عدم وجودها ولكنه لم يستبعد ان توجد في فكر عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ).
ثم تأتي اجابته الثانية عن موقف عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) والتي توضح كونه كان محتاطاً على الاسلام ويخشى أن يستغل اعداؤه الفرصة، لذلك اعلن ما اعلنه
لالقاء الشبهة في نفوس من في قلبه مرض حتى جاء ابو بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) فعند ذلك علم عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) ان الخطر بعد لا يؤثر. اذن اين كان علي بن ابي طالب الذي هو بنظر المعتزلة افضل شخص بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)؟ ما موقفه من مقولة عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)؟ وما موقف باقى الصحابة؟ اتراهم كانوا مقتنعين بعدم وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حتى جاء ابو بکر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)؟ وهل كان تفسير ابو بکر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لموقف عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) يتطابق مع تفسير القاضي ام مع تفسير ابن ابي الحديد؟ وما الذي جعل الخليفة ابى بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) يتغيب تلك الساعة الحرجة والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ينازع سكرات الموت؟
وحسب ما فسره ابن ابي،الحديد، فأن حدس عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) قد وقع، حيث اجتمع الانصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار سعد بن عبادة، وهنا أسرع اثنان من الانصار وهما «عويم بن ساعدة» (1)و «معن بن عدي» (2)فأخبرا عمراً الذي اخبر بدوره ابا بکر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) فسارا نحو السقيفة. ويفسر ابن أبي الحديد موقف الانصاريان لانهما ذوي حب لابي بكر في حياة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، واتفق مع ذلك بغض وشحناء كانت بينهما وبين سعد بن عبادة». (3)
وبعد مداولات بين كبار الانصار من جهة وبين أبو بكر وعمر وابي عبيدة بن الجراح (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) من جهة اخرى، واثر ضعف موقف الانصار اقترح الحباب بن المنذر (4): «منا امير ومنكم امير، انا والله ما ننفس هذا الامر عليكم أيها الرهط
1) انظر ترجمته الحاكم المستدرك ۷۳۲/۳ ابن عبد البر: الاستيعاب 1248/٣ ابن حجر: الإصابة ٤٤/٣ -٥.
2) انظر ترجمته الحاكم المستدرك ٢٥٤/٣ ابن عبدالبر الاستيعاب ١٤٤١/١ -٢. ابسن:حجر الاصابة ٤٤٩/٣ -٤٥٠.
3) الشرح ١٩/٦ واشار ابن ابي الحديد ان هذا السبب مذكور في كتاب القبائل لابي عبيدة معمر بن المثنى، الا ان ابن ابي الحديد لم يذكر السبب الشرح ١٩/٦.
4) أحد كبار الانصار. انظر ترجمته ابن عبد البر: الاستيعاب.۳۱٦/١ ابن حجر:الاصابة ٣٠٢/١ -٣. العبادي: ذو الرأي الحباب بن المنذر الخزرجي ص ١٤٩ -١٨٣.
ولكنا نخاف ان يليه بعدكم من قتلنا ابناءهم واباءهم واخوانهم». (1)
وبعد مداولات فى الرأي تمت البيعة لابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) باقتراح من عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وضعف جانب الانصار، (2)واختلف في اول من بايع من الانصار هل هو بشير بن سعد الخزرجي (3)ام اسيد بن حضير الاوسى؟ (4)الاختلاف لان الفريقين تدافعوا ذلك تفادياً لسعد بن عبادة، وكراهية كل حي ان يكون نقض امر سعد جاء من جهة صاحبه، فالخزرج اهله وقرابته لا يقرون ان بشير بن سعد هو أول من بايع ابا بكر، وابطل امر سعد، ويحيلون ذلك على اسيد بن حضير لانه من الاوس خصوم الخزرج. اما الاوس فتكرة نسبه ذلك اليها حتى لا ترمى بالحسد للخزرج، لان سعد بن عبادة خزرجي فيحيلون انتقاض أمره على قبيلته الخزرج ويدعون أن أول من بايع لابي بكر هو بشير بن سعد، والذي ثبت عند ابن ابي الحديد ان اول من بايع لابي بكر عمر، ثم بشير بن سعد، ثم أسيد بن حضير، ثم ابو عبيدة ثم سالم (5)مولى أبي حذيفة. (6)الا ان ابن ابي الحديد لم يشر الى دليله الذي استند اليه.
1) الشرح ٥٣/٢. وقد علق شيخ ابن أبي الحديد وهو ابو جعفر النقيب على كلام الحباب قائلاً لقد صدقت فراسة الحباب، فان الذي خافه وقع يوم الحرة، واخذ من الانصار ثأر المشركين يوم بدر الشرح ٥٣/٢. اما يوم الحرة، فبعد استشهاد الامام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء. اننتفض اهل المدينة المنورة، فارسل يزيد بن معاوية اليهم مسلم المري فاوقع بهم. انظر اليعقوبي: تاريخ ۲۳٦/٢ -۲۳۷. الطبري: تاريخ ٤٨٢/٥ -٤٩٥.
2) انتظر تفاصيل احداث السقيفة الشرح ٢١/٢ ٦٠، ٥/٦ -٥٢. الزبير بن بكار: الموفقيات ٦٠٢ -۵۷۷. اليعقوبي: التاريخ ١۱۲/۲ -١١٦. الطبري: تاریخ ۲۱۸/۳ -۲۲۳.
3) انظر ترجمته: ابن عبدالبر: الاستيعاب ۱۷۲/۱ -۳. ابن حجر الاصابة ١٥٨/١.
4) انظر ترجمته ابن عبدالبر الاستيعاب ۹۲/۱ -٤. ابن حجر الاصابة ٤٩/١.
5) هو الذي قال في حق عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لما طعن «لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته، فان قيل لي: قلت سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يقول: ابو عبيدة امين هذه الامة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته، فان قيل لي قلت: سمعت رسول الله يقول: أن سالم شديد الحب الله تعالى انظر الطبري تاريخ ٢٢٧/٤.
6) الشرح ١٨/٦، وانظر: الزبير بن بكار الموفقيات ص ۵۷۸.
وتجدر الاشارة الى ان حجة الانصار اعلاه قد فندها الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) سئل ما قالت الانصار؟ قالوا: قالت منا امير ومنكم امیر؛ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وصى بان يحسن الى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم:قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ فقال: لو كانت الامامة فيهم لم تكن الوصية بهم. (1)
ان ملاحظة موقف الانصار في السقيفة وما بعدها من مناداتهم: «لا نبايع الا عليا» (2)تعطى انطباعا الى ان تأخير بيعة الامام لابي بكر لها علاقة بموقف الانصار.
هذا الموقف الذي استغل للتشنيع بهم من قبل متأخري الاسلام من قريش، مما ولد رد فعل لدى بعض من كبار الصحابة كالامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وخالد بن سعيد بن العاص، ضد كل من اتخذ موقفا سلبيا من الانصار. (3)
قد بايع الانصار بعد ذلك كلهم ما خلا سعد بن عبادة، الذي رفض بيعة ابي بكر ثم عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، وترك المدينة الى الشام ومات هناك مقتولا، وقد القيت تبعة قتلة على الجن ولكن ابن أبي الحديد يستهزىء بفكرة قتل الجن لسعد قائلا: «لا اعتقد ان الجن قتلت سعدا، ولا أن هذا شعر،الجن، (4)
نحن قتلنا سيد الخز ** رج سعد بن عبادة
ورميناه بـسهمیـ *** ـن فلم نخط فؤاده
الشرح ۲۲۳/۱۷، وانظر: ٣٥٩ ظر ابن قتيبة المعارف ۲۵۹ الحاكم المستدرك ٢٨٣/٣.
ولا ارتاب ان البشر قتلوه ، وان هذا الشعر شعر البشر. ولكن لم يثبت عندي ان ابا بكر امر خالدا...» (5)1) الشرح ٣/٦. انظر النص في نهج البلاغة ص ۹۸ -۹۷.
2) الطبري: تاريخ ۲۰۲/۳، ابن الاثير: الكامل ۳۲۵/۲.
3) الشرح ٤/٦ -٤٥ وانظر: الزم بن بكار الموفقيات ص 577-602. الیعقوبی: تاریخ 2/117-118.
4) حيث قيل انه سمع هاتف يقول بعد قتل سعد بن عبادة
5) الشرح ٢٢٣/١٧ -٤. ولكن قتل سعد بن عبادة كان ايام الخليفة عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنهُ). انظر: ابن عبد ربه: العقد الفريد ٢٦٠/٤.
اما بالنسبة الى الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد اتخذ اولا موقفا سلبيا من بيعة ابي بکر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، وابدى احتجاجه في أكثر من مورد «وقد روي كثير من المحدثين انه عقيب يوم السقيفة تألم وتظلم، واستنجد واستصرخ، حيث ساموه الحضور والبيعة وانه قال وهو يشير الى القبر يا ابن ام ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني (1)وانه قال: واجعفراه ولا جعفر لى اليوم واحمزتاه ولا حمزة لي اليوم.!». (2)
وقد اشارت بعض المصادر لموقف الصحابة السلبي من الامام وفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وقد وقف ابن ابي الحديد موقفا وسطا بين قبول البعض ورفض البعض الاخر حيث قال: «فأما امتناع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) من البيعة حتى اخرج على الوجه الذي اخرج عليه، فقد ذكره المحدثون ورواه اهل السير، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب، وهو من رجال الحديث، ومن الثفات المأمون الثقات المأمونين، وقد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثره، (3)فاما الامور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من ارسال قنفذ الى بيت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وانه ضربها بالسوط فصار في عضدها كالدملج وبقى اثره الى ان ماتت وأن عمرا اضغطها بين الباب والجدار فصاحت یا ابتاه یا رسول الله، والقت جنيناً ميتا، وجعل في عنق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حبل يقاد به وهو يعتل، وفاطمة خلفه تصرخ وتنادي بالويل والثبور وابناه حسن وحسين معهما يبكيان، وان عليا لما احضر سألوه البيعة فامتنع فتهدد بالقتل فقال: اذن تقتلون عبدالله واخا رسوله فقالوا: اما عبد ه فنعم واما اخو رسول ا فلا، وانه طعن فيهم في اوجههم بالنفاق، وسطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها
وبأنهم ارادوا ان ينفروا ناقة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ليلة العقبة. فكله لا اصل له عند اصحابنا، ولا يثبته احد منهم، ولا رواه اهل الحديث، ولا يعرفونه، وانما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله». (1)
ونحن نذهب الى ما ذهب اليه ابن ابي الحديد في عدم صحة هذه الامور التي وصفها بالمستهجنة وان طابع المبالغة واضح فيها، تجدر الاشارة الى ان مصدر هذه الامور هو كتاب سليم بن قيس الهلالي وهو من اجلاء اصحاب الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد وضع كتابا يتحدث فيه عن احداث الصدر الاول وفي اثناء امارة الحجاج توفي سليم مختفيا لدى ابان بن أبي عياش (2)لذا سلم للاخير هذا الكتاب. وقد اكدت المصادر المتقدمة على وجود هذا الكتاب ومن بينها الفهرست لابن النديم ولكن الملاحظ ان النسخة الاصلية لهذا الكتاب فقدت او آنها حرفت وزيد عليها، وهى النسخة المتداولة في المكتبات الآن وقد اخضع المحققون هذا الكتاب للدراسة قديما وحديثا وخرجوا بنتائج متباينة، (3)وكانت رؤية ابن ابي الحديد له تتمثل بـ «فأما رواية سليم بن قيس الهلالي، فليست بشيء، وسليم معروف المذهب، ويكفى في رد روايته كتابه المعروف بينهم المسمى كتاب سليم على انى قد سمعت من بعضهم من يذكر ان هذا الاسم غير مسمى، وانه لم يكن في الدنيا احد يعرف بسليم بن قيس الهلالى، وان الكتاب المنسوب اليه منحول
1) الشرح ٥٩/٢ -٦٠، ٣٤/٢٠ وانظر كتاب سليم ص ١١٠- ۳۳۰،۱۷۹،۱۱٦ -۳۳۵، القاضي عبد الجبار: المغني ٢٩/٢/٢٠.
2) انظر ترجمته الطوسي: الرجال ص ١٠٦،٨٣، ١٥٢.
3) انظر ابن النديم: الفهرست ص ۳۰۷ -۸. النجاشي: الرجال ص ٣٤٣ -٦، الطوسي: الرجال ص ٤٣، ٦٨، ٧٤، ١٢٤، وايضا له الفهرست ص ۱۰۷ الكشي: الرجال ص ٩٦ -٧ المازندراني معالم العلماء ص ٥٨ الحلي الرجال ص ۸۲ -۸۳ ابن داود الرجال ص ۱۷۸ البرقي الرجال ٤، ٧ -٩. ابو القاسم الخوئي: معجم رجال الحديث.۲۱۸/۸ -۲۲۹ الخوانساري: روضات الجنات ٦٥/٤ -٧٣.
موضوع لا اصل له وان كان بعضهم يذكره في اسم الرجال». (1)
على اننا لا نؤيد ابن ابي الحديد فى انكاره هذا فالمصادر المتقدمة اكدت،وجوده والمحققون اثبتوا صحة كتابه، ولكن الاشكال في صحة نسبة النسخة الموجودة الان اليه.
ان الطريقة التي تمت بها بيعة الخليفة أبي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) وصفت من قبل عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) بانها «فلتة وقى الله شرها»، (2)والفلتة هي الامر يقع بغتة بلا سابق روية او مشاورة، (3)واكد ابن ابي الحديد ان عمرا (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لم يقصد الطعن في بيعة ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) كما فهم البعض، وانما هذه اللفظة مناسبة لاسلوب عمر حيث كان ولا على ذلك، مع انه كان يحاول ان يتلطف فى الفاظه، ولكن طبعه يغلب عليه، ثم اكد ان عمرا اراد من اللظفة معناها في اللغة حيث ان الفلتة الامر الذي يعمل فجأة من غير تردد ولا تدبر، وهكذا كانت بيعة ابو بكر، لانها لم تكن عن شورى بين المسلمين وانما وقعت بغتة لم تمحص فيها الاراء، ولم يتناظر فيها الرجال. (4)
اما مسألة –النص- فقد انكر ابن ابي الحديد وجود –نص- سواء كان على ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) او الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث يقول: «ان الخبر المروي في ابي بكر في صحيحي البخاري ومسلم (5)غير صحيح، وهو ما روي عن قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة في مرضه: ادع لي اباك، حتى اكتب لابي بكر كتابا، فاني اخاف ان يقول قائل او يتمنى متمن، ويأبي الله والمؤمنون الا ابا بكر » (6)
1) الشرح ۲۱٦/۱۲ -۲۱۷.
2) الشرح ۲۳/۲. انظر: البلاذري، انساب الاشراف ١٥/٥. اليعقوبي: تاريخ ١٤٦/٢. الطبري: تاريخ ٢٠٥/٣.
3) الجوهري: الصحاح ٢٦٠/١.
4) الشرح ٢٦/٢ -٣٧، وانظر: القاضي: المغني ۳۳۹/۱/۲۰.
5) صحيح البخاري ٢١٤٥/٥. ح ٥٣٤٢ صحیح مسلم ١٠/٥ ح ۱۱.
6) الشرح ١٣/٦. وانظر الصاحب بن عباد نصرة المذاهب الزيدية ص ٥٩ -٦١. الحاكم المستدرك ٥٤٢/٣. ابن حزم الفصل ۱۰۸/٤، ۱۷۸ المتقي الهندي: كنز العمال ۱۵۹/۱۲.
أن بيعة ابى بكر عند المعتزلة بيعة صحيحة شرعية بالاختيار، وليس بالنص وهذا الاختيار قد ثبت سواء بالاجماع او بغير الاجماع لانه طريق الى الامامة. (1)
اما النص على الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد انكره ابن ابيالحدید مرارا موظفا كلام الامام للاستدلال على عدم صحته ومن هذه النصوص :
اولاً: في شرحه لكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة». قال ابن ابي الحديد ان الولاية هي الامرة، واذا كان الامامية يحملونها على نص النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) على علي واولاده فان المعتزلة يرون ان لال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) خصائص حق ولاية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) على الخلق (2)وهذا. التفسير من ابن ابي الحديد غامض، فولاية الرسول على الخلق معروفة، واذا كانت ولايتهم هي ذات خصائص حق ولاية الرسول فاذن ولا يتهم كولاية الرسول على الخلق.
ثانياً من خلال تأمل ابن ابي الحديد فى كتب الاخبار وجد انه لم يكن هناك نص صريح ومقطوع به لا تختلجه الشكوك، ولا تتطرق اليه الاحتمالات كما تزعم الامامية، فانهم يقولون، ان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) نص على اميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نصا صريحاً جليا ليس بنص يوم الغدير (3)ولا خبر المنزلة (4)ولا ما شابهها من الاخبار الواردة من طرق العامة وغيرها، بل نص عليه بالخلافة، وبامرة المؤمنين وامر المسلمين ان يسلموا عليه بذلك، فسلموا عليه بها، وصرح لهم في كثير من
1) الشرح ٧/١.
2) الشرح ١٣٩/١ -١٤٠.
3) هو يوم ۱۸ من ذي الحجة من العام العاشر للهجرة، حيث قال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) للمسلمين من كنت مولاه فهذا علي مولاه، انظر مصادره في المدخل ص 33.
4) فى العام التاسع للهجرة خرج الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)الى تبوك وترك عليا واليا على المدينة بعد ان قال له: «انت منى بمنزلة هارون من موسى» انظر مصادره المدخل ص ٢٤.
المقامات بانه خليفة عليهم من بعده، وأمرهم بالسمع والطاعة له». (1)لكن ابن ابي الحديد يرى ان المنصف اذا ما لاحظ احوال الصحابة بعد وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يقطع بعدم وجود النص «ولكن قد سبق الى النفوس والعقول انه قد كان هناك تعريض وتلويح، وكناية وقول غير صريح، وحكم غير مبتوت، ولعله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كان يصده عن التصريح بذلك أمر يعلمه، ومصلحه يراعيها، او وقوف مع اذن الله تعالى في ذلك». (2)
ثالثاً: من خلال احتجاج الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) استدل ابن ابي الحديد انه لا وجود للنص، لانه لو كان هناك نص صريح لاحتج به وانما كان احتجاج بعضهم على الاخر بالسوابق والفضائل والقرابة ولو كان هناك نص على ابيبكر لاحتج به على الانصار ولا حتج به الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ابى بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) خاصة وان الامام قد «كاشفهم، وهتك القناع بينه وبينهم، الا تراه كيف نسبهم الى التعدي عليه،وظلمه وتمنع من طاعتهم، واسمعهم من الكلام اشده واغلظه فلو كان هناك نص لذكره.. وهذا هو نص مذهب المعتزلة». (3)
رابعاً: علي وفي تحليله الدخول الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الشورى يرى ابن ابي الحديد في هذا الدليل على عدم وجود النص، اذ كيف يدخل الشورى ان كان نصوصاً عليه لان الشورى مبنية على الاختيار وعدم النص اليس في هذا ايهاماً ظاهراً لاكثر المسلمين خاصة ضعفائهم ومن لا نظر له؟ فكيف يجوز له اضلال المكلفين، ويوقع في انفسهم عدم النص؟ واضاف ابن ابي الحديد مؤكداً عدم وجود النص بانه كان على الامام ان يكنى كناية لطيفة فيقول لهم قد كان من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بالامس في حقي ما تعلمون!» وتسائل قائلاً: «اتراهم كانوا فــي
جواب هذه الكلمة يقتلونه ما اظنهم يجتمعون على ذلك، ولا بد لو عرض بشيء ذلك كان من كلام يدور بينهم في المعنى نحو أن يقولوا ان ذلك النص رجع عنه من الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، أو يقولوا رأى المسلمون تركه للمصلحة، أو يجري بينه وبينهم جدال ونزاع، ولم يكن هناك خليفة يخاف جانبه، وانما كان مجلس مناظرة،وبحث ولم يستقر الامر لاحد» (1)
خامساً: وفي معرض كلامه في تحليله لمحاججته يوم الشورى يقول انه لو كان هناك نص لكان اقل كلفة وأسهل طريقاً، وايسر لما يريد تناولاً (2)ان يذكرهم بان العهد لم يطل، وان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) امرهم بطاعته، وانه استخلفه عليهم، وان يذكرهم بانه لم يقع من الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ما نسخ النص عليه، ولا رفعه اذن فما الموجب الذي يدفعهم لتركه، والعدول عنه، واذا كان السبب في عدم إشارته هذه هو خوف القتل كما يرى البعض، اذا لماذا لم يخف وهو يمتنع من مبايعتهم ويستصرخ بالحمزة وجعفر والانصار، ويجمع الجموع في داره والبيعة قد عقدت لمن عقدت له». (3)
انه اذا كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) منصوصا عليه، وان هذا النص خولف طلبا للرئاسة الدنيوية، فان حال المخالفين لا تعدو احد أمرين اما الكفر او الفسوق، ولكن قرائن الاحوال وإماراتها لا تدل على ذلك، وانما تشهد بخلافه. (4)
السادس: والظاهر ان هناك من احتج بأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قد نص على الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله لعائشة (رضي الله عنها) لما سألته: من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم؟ فقال خاصف النعل. فنظرت السيدة عائشة (رضي الله عنها) ولم تر الا عليا فقالت: يا
رسول الله! ما ارى الا عليا! فقال هو ذاك. (1)
نفى ابن ابي الحديد ان يكون في هذا النص دلالة على النص لانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لم يقل: قد استخلفته وانما قال لو استخلفت وذلك لا يقتضي حصول الاستخلاف، ويجوز ان تكون مصلحة المكلفين متعلقة بالنص عليه، لو كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مأموراً بأن ينص على امام بعينه من بعده، وأن يكون من مصلحتهم ان يختاروا لانفسهم صلى الله من شاؤا اذا تركهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وارائهم ولم يعين احدا. (2)
السابع: وعند شرحه لكتاب الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعاوية «انه بايعني القوم الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان...».
استدل على كون الاختيار هو طريق الامامة، وانتقد الامامية في حملهم هذا الكتاب على التقية مراعاة لاصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يرون صحة امامة المتقدمين، وقال: «هذا القول من الامامية دعوى لو عضدها دليل لوجب أن يقال بها، ويصار اليها، ولكن لا دليل لهم على ما يذهبون اليه من الاصول التي تسوقهم الى حمل هذا الكلام على التقية». (3)
الثامن: وبعد مقتل الخليفة عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) طالبه كبار الصحابة بالبيعة فقال لهم: «دعوني والتمسوا غيري». هنا اخذ المعتزلة كلام الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ظاهره، فالإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وان كان أولى الناس بالامامة واحقهم بمنزلتها فان كلامه هذا فيه دلالة على انه لا منصوص عليه. (4)
وانتقد الامامية لصرفهم الكلام عن ظاهره قائلا: «ان ما ذكروه ليس ببعيد ان يحمل الكلام عليه لو كان الدليل قد دل على ذلك، فاما اذا لم يدل عليه دليلا،
فلا يجوز صرف اللفظ ظاهره، ونحن نتمسك بالظاهر الا ان تقوم دلالة على عن مذهبهم تصدنا عن حمل اللفظ عن ظاهره ولو جاز ان تصرف الالفاظ عن ظواهرها لغير دليل قاهر يصدف ويصد عنها، لم يبق وثوق بكلام الله عز وجل وبكلام رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)». (1)
التاسع: عند شرحه للكلامه(عَلَيهِ السَّلَامُ): «حتى اذا قبض الله رسوله رجع قوم على الاعقاب، وغالتهم السبل واتكلوا على الولائج، ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته، ونقلوا البناء عن رص اساسه، فبنوه في غير موضعه» (2)
اوضح ان المعتزلة يحملون بكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على انه قصد اعداءه الذين حاربوه في صفين، فهم الذي نقلوا البناء، وهجروا السبب، ووصلوا غير الرحم واتكلوا على الولائج، وغالتهم السبل ورجعوا على الاعقاب كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبه، ومروان بن الحكم والوليد بن عقبة، وحبيب بن مسلمة وبسر بن ارطاه وسعيد بن العاص، وحوشب وذي الكلاع، وشرحبيل بن السمط، وابي الاعور السلمي وغيرهم، اذ ان هؤلاء نقلوا الامامة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى معاوية. (3)
ان لفظ كلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اعلاه يشير الى خلاف تأویل ابن ابيالحدید، فعليه السلام يشير الى ان الرجوع على الاعقاب لما قبض الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وما ذكره ابن ابيالحدید اعلاه وقع بعد اكثر من عشرين سنة، فكيف ذهب الى هذا التفسير؟
اشار ابن ابي الحديد الى انه ربما رجع هؤلاء على الاعقاب بعد وفاة الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، واضمروا في انفسهم مشاقة الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) واذاه، حيث كان هناك من يؤذيه ويتعرض اليه ايام ابي بكر وعمر وعثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، وقد يقصد (عَلَيهِ السَّلَامُ)
برجوعهم ارتدادهم عن الاسلام بالكلية، فان كثيراً من المعتزلة يطعنون في ايمان بعض مما ذكر أعلاه، ويعدونهم من المنافقين، وكان سيف الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يقمعهم عن اظهار ما في انفسهم من النفاق، اما بعده فاظهر وانفاقهم خاصة مع الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لي الذي ورد فى حقه «ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله الا ببغض على ابن ابي طالب». (1)
الهيثمي: مجمع الزوائد ۱۳۲/۹ السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ۱۷۰. الهيتمي: الصواعق ص ۱۷۲،۱۲۰.
واكد ابن ابي الحديد ان هذا الخبر محقق ووارد في كتب الصحاح. (2)ولقد تعرض ابن ابي الحديد للنقد في تأويله هذا «يمنعك من هذا التأويل قوله: «ونقلوا البناء عن رص اساسه، فجعله في غير موضعه» وذلك لان «اذ» ظرف، والعامل فيها قوله «رجع قوم على الاعقاب» وقد عطف عليه قوله «ونقلوا البناء»؛ فاذا كان الرجوع على الاعقاب واقعاً في الظرف المذكور وهو وقت قبض الرسول، وجب أن يكون نقل البناء الى غير موضعه واقعاً في ذلك الوقت ايضاً، لان احد الفعلين معطوف على الآخر، ولم ينقل احد وقت قبض الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) البناء الى معاوية عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانما نقل عنه الى شخص آخر، وفي اعطاء العطف حقه اثبات مذهب الامامية صريحاً». (3)
فكان جواب ابن ابي الحديد اذا كان الرجوع على الاعقاب واقعا وقت قبض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فقد قمنا بما يجب من وجود عامل في الظرف، حيث لا يجب ان يكون نقل البناء الى غير موضعه واقعا في تلك الحال ايضا، بل يجوز ان يكون اقعا في زمان،آخر اما بأن تكون الواو للاستئناف لا للعطف او ان تكون للعطف
في مطلق الحدث، لا في وقوع الحدث في عين ذلك الزمان المخصوص، كقوله تعالى: (1)حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ. (2)
عاشرا: في اثناء دراسته على يد شيخه الامامي ـ أبي جعفر النقيب ـ سال ابن ابى الحدید شیخه قائلا «ان نفسى لا تسامحنى ان انسب الى الصحابة عصيان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ودفع النص». وهو هنا يؤكد الرؤية الاعتزالية.
فكان جواب النقيب «وانا فلا تسامحنى ايضا نفسي ان انسب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الى اهمال امر الامامة، وان يترك الناس فوضى سدى مهملين، وقد كان لا يغيب عن المدينة الا ويؤمر عليها اميرا وهو حي ليس بالبعيد عنها، فكيف لا يؤمر وهو ميت لا يقدر على استدراك ما يحدث». ثم أوضح ان الدعوة التي جاء بها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) كانت سببا في سفك دماء البعض على يد الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اذن فعلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ضرورة حقن دمه واهل بيته وهذا يدعوه لتأمين مستقبلهم وذلك بالنص على الامام عل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)
وقال له مرة أخرى «انه لم يثبت النص عندنا بطريق يوجب العلم وما تذكرونه انتم صريحا فانتم تنفردون بنقله، وما عدا ذلك من الاخبار التي نشارككم فيها، فلها تأويلات معلومة». فاجاب النقيب: «لو فتحنا باب التأويلات لجازان يتناول قولنا: لا اله الا الله محمد رسول الله دعنى من التأويلات الباردة التي تعلم القلوب والنفوس أنها غير مراده، وان المتكلمين تكلفوها وتعسفوها». (4)
ان ابن ابي الحديد مع انكاره للنص لكنه يلمح الى امور اخرى كان
النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) يراها في على (عَلَيهِ السَّلَامُ) «فرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اخبره ان الامامة حقه، وانه اولى بها من الناس اجمعين». (1)ولذلك كان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول لي في آل البيت «ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة» فالولاية هى الامرة، ولكنها ليست اشارة للنص كما تقول الامامية، بل تعنى ان لهم خصائص حق ولاية الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) على الخلق. اما الوصية «فالا ريب عندنا ان عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان واوصيا رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وان خالف فى ذلك ممن هو منسوب عندنا الى العناد، ولسنا نعنى بالوصية النص والخلافة، ولكن امورا اخرى لعلها -اذا لمحت- اشرف واجل». (2)
ولذا دعى الامام بعد وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) بانه وصي رسول الله، لوصايته اليه بما اراد «واصحابنا لا ينكرون ذلك، ولكن يقولون أنها لم تكن وصية بالخلافة بل بكثير من المتجددات،بعده أفضى بها اليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ». (3)
ولقد أورد ابن ابي الحديد الكثير من الشعر الذي قيل في صدر الاسلام وفيه اشارة الى ان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لي ووصى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): (4)فمنها قول عبد الله بن ابيسفیان بن الحارث: (5)
وصي النبي المصطفى وابن عمه *** فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه
وقال عبد الرحمن بن جعيل: (6)
عليا وصي المصطفى وابن عمة *** اول من صلى اخا الدين والتقي
وقال ابو الهيثم بن التيهان احد اصحاب بدر:
ان الوصي امامنا وولينا *** برج الخفاء وباحت الاسرار
وقال رجل من الازد في معركة الجمل:
هذا علي وهو الوصي *** آخاه يوم النجوة (1)النبي
وقال سعيد بن قيس الهمدانی: (2)
قل للوصي اقبلت قحطانها *** فأدع بها تكفيكها همداتها
وقال زياد بن لبيد الانصاری: (3)
ولا نبالي في الوصي من غضب *** وانما الانصار جد لا لعب
وقال حجر بن عدي الكندي: (4)
فيه فقد كان له وليا *** ثم ارتضاه بعده وصيا
وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين:
يا وصي قد اجلت الحرب *** الاعادي وسارت الاضعان
وقال خزمية ايضاً مخاطباً السيدة عائشة (رضي الله عنها):
وصي رسول الله من دون اهله *** وانت على ما كان من ذلك شاهدة
وقال زحر بن قيس الجعفي (5)في الامام علي:
من زانـه الله وسماه والوصي *** ان الولي حافظ ظهر الولي
وبعد ايراده لهذه الابيات قال ابن أبي الحديد ذكر هذه الاشعار والاراجيز
1) يقصد بالنجوة ما روى عن ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) دعا الامام علي وانتجاه، واطال نجواه يوم الطائف، فتكلم بعض الناس، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): ما انتجيته ولكن الله انتجاه، الترمذي: صحيح /۱۷۳/۱۲ ابن تيمية منهاج السنة ١٣/٣ ابن كثير: البداية والنهاية ٣٥٧/٧.
2) من الدهاة والاجواد: ومن خواص الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الطبري: تاريخ ٥٤/٥. الهمداني: الاكليل ٤٦/١٠ -٥٠.
3) الحاكم: المستدرك ٦٨١/٣. ابن عبد البسر: الاستيعاب ٥٣٣/٢ ٤. ابن حجر: الاصابة 1/558-559.
4) احد ابرز الصحابة الذي قتل ايام معاوية بتهمة الخروج عليه وكان قتله من ضمن المأخذ الكبرى على معاوية. ابن عبد البر: الاستيعاب ۳۳۹/۱ ابن حجر الاصابة ٥ -٣١٤/٣.
5) كان رسول الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى الخوارج وارسله ايضا الى الري. رجال ابن داود ق ۱ ص ١٥٥ ابن حجر: الاصابة ٥٧٦/١.
باجمعها ابو مخنف لوط بن يحيى(1)في كتاب وقعة الجمل. وابو محنف من المحدثين، وممن يرى صحة الامامة بالاختيار ولبس من الشيعة ولا معدود من رجالها». (2)
ثم عزز ابن ابي الحديد رؤيته في الوصية بما اورده نصر بن مزاحم المنقري في كتاب وقعة صفين الذي قال فيه بانه من رجال الحديث (3)وابن ابي الحديد باستخدامه مصطلح –المحدثين- ورجال الحديث انما يعني المؤرخين.
قال الاشعث بن قيس: (4)
رسول الوصي وصي النبي *** السبق والفضل فى المؤمنينا (5)
وقال الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم صفين:
يا عجبا لقد سمعت منكرا *** كذبا على الله يشيب الشعرا
ماكان يرضي احمدا لو اخيرا *** ان يقرنوا وصية والابترا (6)
وقال جرير بن عبدالله البجلي: (7)
وصي ر سول الله من دون اهله *** وفارسه الحامي به يضرب المثل (8)
وقال النعمان بن عجلان الانصاري: (9)
1) احد رواة الاخبار في القرن الثاني للهجرة، ت ١٥٧ هـ ومن مدرسة العراق التاريخية المزيد من التفاصيل عسنه انظر كفاية طارش العلي ابو محنف ودوره في التدوين التاريخي. رسالة ماجستير غير منشورة، البصرة، ۱۹۹۷.
2) الشرح ١٤٧/١.
3) الشرح ١٤٧/١.
4) امير كنده اسلم في عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ثم امتنع عن تأدية الزكاة في عهد الخليفة ابي بكر ارض)، فعفى عنه الخليفة بعد ان طلب الامان وزوجه اخته ام فروة. انظر الشرح ۲۹۱/۱ -٣٩٧ الطبري ٣٣٥/٣ -٣٣٩.
5) الشرح ١٤/۱۸. المنقري: صفين ص 23.
6) الشرح ١٤/۱۰ المنقري: صفين ص 43.
7) انظر ترجمته ابن عبد البر: الاستيعاب ٢٣٦/١ -٢٤٠ ابن حجر الاصابة ۲۳۲/۱.
8) الشرح ١٤٩/١ المنقري: صفين ص ٤٨ -٤٩.
9) احد الانصار وشاعرهم شهد صفين مع الامام وتولى البحرين. الشرح ١٤٧/١٦. ابن عبدالبر الاستيعاب ١٥٠١/٤ -٢ ابن حجر الاصابة ٥٦٢/٣.
كيف التفرق والوصي امامنا *** لا كيف الا حيرة وتخاذلا (1)
وقال عبد الرحمن بن ذؤيب الاسلمي (2)في معاوية:
يسقودهم الوصي اليك حتى *** يردك عن ضلال وارتياب (3)
وقال المغيرة بن الحارث بن عبدالمطلب (4)
فيكم وصي رسول الله وقائدكم *** صهره وكتاب الله قد نشرا (5)
وقال عبدالله بن العباس:
وصي رسول الله من دون اهله *** وفارسه ان قيل هل من منازل (6)
وخلص ابن ابي الحديد للقول: «والاشعار التي تتضمن هذه اللفظة (الوصى) كثيرة جداً، ولكنا ذكرنا منها هاهنا بعض ما قيل في هذين الحربين (الجمل وصفين)، فأما ما عداهما، فانه يجل عن الحصر، ويعظم عن الاحصاء والعد، ولولا خوف الملالة والاضجار لذكرنا من ذلك ما يملأ اوراقاً كثيرة». (7)
واستمراراً لرؤية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فأن الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى نفسه احق بالامر، ليس على أساس النص، وانما على اساس الافضيلة والقرابة والسابقة والجهاد وغيرها من الفضائل، (8)ففي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «واعجبا ان تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكن بالصحابة والقرابة». يشير الامام هنا الى قول عمر لابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) في السقيفة: انت صاحب رسول الله في المواطن كلها شدتها،ورخائها، فامدد انت يدك، فهنا
1) الشرح ١٤٩/١. المنقري: صفين ص ٣٦٥.
2) لم اهتد الى ترجمته.
3) الشرح ١٤٩. المنقري: صفين ص ۳۸۲.
4) احد ابطال وشعراء الجاهلية والاسلام، اسلم في فتح مكة، ومات في خلافة عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ).ابن عبدالبر الاستيعاب ١٤٤٥/٤.
5) الشرح ١٤٩/١ -١٥٠ المنقري: صفين ص 385.
6) الشرح ١٥٠/١ المنقري: صفين ص ٤١٦ -٧.
7) الشرح ١٥٠/١.
8) الشرح ٢٥٤/١٠.
يرى الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اذا احتج عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) على استحقاق ابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) الخلافة بالصحابة، فهلا سلم عمر ذلك الى من شارك ابي بكر في ذلك وزاد عليه بالقرابة. (1)
ولكن الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «ان الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم». لقد واجه ابن ابي الحديد اشكالاً في شرحه لهذا النص، فالمعروف أنه شرح نهج البلاغة طبقاً لقواعد المعتزلة، وهذا النص يفيد ما تذهب اليه الامامية، لذا قال: «هذا الموضع مشكل ولي فيه نظر: وان صح ان علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله قلت كما قال، لانه ثبت عندي ان النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) قال: «انه الحق، وان الحق يدور معه حيثما دار»، ويمكن ان يتأول ويطبق على مذهب المعتزلة فيحمل على ان المراد به كمال الامامة كما حمل قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): « لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد» (2)على نفني الكمال لا على: نفني الصحة».(3)
كان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى ان الامامة لا يتولاها الفاسق ولابد للامام من صفات مخصوصة، منها «انه لا ينبغي ان يكون على الفروج والدماء والمغانم والاحكام وامامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته ولا الجاهل فيظلمهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف (4)للدول فيتخذ قوماً دون قوماً. ولا المرتشي في الحكم، فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع ولا المعطل للسنة، فيهلك الامة». (5)
فلما كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) م اول،السابقين، وجب أن يكون اقرب المقربين، حيث يقول
تعالى: والسابقون السابقون اولئك المقربون (1)ولما كان اقرب المقربين، وجب ان تنتفى عنه الموانع الستة اعلاه التي جعلها سبباً في عدم استحقاق صاحبها الامامة، وهي البخل والجهل والجفاء أي الغلظة والعصبية، تقديم قوم على اخرين والارتشاء في الحكم، وتعطيل السنة، فاذا ما انتفت هذه الموانع الستة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) توجب ان يكون هو الامام لان شروط الامامة موجودة فيه بالاتفاق فاذا كان موانعها عنه منتفية، ولم يحصل لغيره اجتماع الشروط وارتفاع الموانع، وجب ان يكون هو الامام لانه لا يجوز خلو العصر من امام سواء كانت هذه المسألة عقلية أو سمعية. (2)
تجمع فيه ما تفرق في الورى *** من الخير فاحصوه فأني اعدد
ديوان الصاحب ص ٣٤.
ويضع الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) شرطين آخرين لمن يتولى الامامة اذ يقول: «ان احق الناس بهذا الامر اقواهم عليه، واعلمهم بامر الله فيه». والفرق بين الاقوى والاعلم ان الاقوى هو الاحسن سياسة، اما الاعلم فهو الاكثر علماً واجراء للتدبير بمقتضى العلم، وبينهما فرق واضح، فقد يكون سائسا حاذقا، ولا يكون عالما بالفقه، وقد يكون سائسا فقيها، ولا يجرى التدبير على مقتضى علمه وفقهه. (3)
ولذا كان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى ان العدول بالامامة عنه الى غيره اخراج لها الى جهة الاستحقاق، لذلك شبه ذلك بادلاء الانسان بماله الى الحاكم، فانه اخراج للمال الى غير وجهه. (4)
وطبقا لهذه الرؤية فسر ابن ابي الحديد كلام الامام الجاري في هذا المعنى،
ففي شرحه للخطبة الشقشقية (1)قال: «انه لما كان امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو هو الافضل والاحق، وعدل عنه الى من لا يساويه في فضل، ولا يوازيه في جهاد وعلم، ولا يماثله في سؤدد و شرف، ساغ اطلاق هذه الالفاظ وان كان من وسم بالخلافة قبله عدلا تقيا، وكانت بيعته بيعة صحيحة». (2)
وفى احتجاجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على اهل الشورى: «انما اطلب حقا لي وانتم تحولون بيني وبينه وتضربون وجهي دونه« قال ابن أبي الحديد ان المعتزلة تحمل هذا الكلام على ادعائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الامر بالافضلية والاحقية وهو الحق والصواب، لان حمله على الاستحقاق بالنص يعني تفكير او تفسيق وجوه المهاجرين والانصار، وانتقد الامامية والزيدية لاخذهم هذه الالفاظ على ظاهرها «ولعمري أن هذه الالفاظ موهمة مغلبة على الظن ما يقوله القوم؛ ولكن تصفح الاحوال يبطل ذلك الظن ويدرأ ذلك الوهم، فوجب ان يجري مجرى الايات المتشابهات الموهمة مالا يجوز على البارىء، فانه لا نعمل بها، ولا نعول على ظواهرها، لانا لما تصفحنا ادلة العقول اقتضت العدول عن ظاهر اللفظ، وان تحمل على التأويلات المذكورة في الكتب».(3)
وكذلك حمل المعتزلة كلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) «اللهم اني استعديك على قريش ومن أعانهم فانهم قد قطعوا رحمي؛ واكفئوا انائي واجمعوا على منازعتي حقاكنت اولى به من غيري، وقالوا: الا ان في الحق ان تأخذه وفي الحق
1) احدى خطب الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي أوضح فيها رؤيته الى نظام الحكم بعد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وقد أثيرت الشكوك حولها، ولكن ابن ابي الحديد اكد صحة وجودها وصدورها عن الامامة مصادر غير الشريف الرضي الشرح ١٥١/١ -٢٠٦. وانظر: سبط ابن الجوزي الذي قال عنها: «ذكر بعضها صاحب النهج، واخل بالبعض، وقد اتيت بها مستوفاة اخبرنا بها شيخنا ابو القاسم النفيسي الانباري باسناده عن ابن عباس...». ثم ذكر نص الخطبة. تذكرة ص ١٢٤ -٥. الشهرستاني: ما هو نهج البلاغة ص 23-40.
2) الشرح ١٥٧/١.
3) الشرح ٣٠٧،٣٠٥/٩.
ان تمنعه، فاصبر مغموما، او مت متأسفا». هذا الكلام حمله المعتزلة على تألمه وتظلمه منهم اذ تركوا الاولى والافضل. (1)
ولكننا لاحظنا ان ابن ابي الحديد (2)في ايضاحه للدافع الذي دفع الامام لذكر نعم الله عليه انما الله عليه انما هو من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو تقديم غيره عليه في الفضل، فقد نهى الله سبحانه عن ذلك بقوله: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. (3)
اذن هنا ابن ابي الحديد يؤكد على ان الله سبحانه وتعالى نهى عن تقديم المفضول على الافضل فكيف يعتقد ابن ابي الحديد بجواز ذلك؟
اذا كان الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو من اراده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لتولى قيادة الامة من بعده ليس بطريق النص انما بالافضلية، اذن لماذا اختار المسلمون ابا بكر للخلافة؟ وما هو موقف الامام من هذا الاختيار حسب الرؤية الاعتزالية؟.
لدى المعتزلة قاعدة تقول بجواز امامة المفضول مع وجود الافضل، (4)فامامة أبي بكر وعمر وعثمان صحيحة مع وجود الافضل وهو الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولكن ابن أبي الحديد يشير الى تعدد مصادر هذه القاعدة:
المصدر الاول: الله سبحانه وتعالى اذ يقول: «واقتضت حكمته ان... قدم المفضول على الافضل لمصلحة اقتضاها التكليف». (5)
المصدر الثاني: الله والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «وانه لولا ما يعلمه الله ورسوله من ان
الاصلح للمكلفين تقديم الفضول عليه». (1)
المصدر الثالث الصحابة: «فاصحابنا رحمهم الله لما احسنوا الظن بالصحابة وحملوا ما وقع منهم على وجه الصواب وانهم نظروا الى مصلحة الاسلام وخافوا فتنة لا تقتصر على ذهاب الخلافة فقط، بل وتفضى الى ذهاب النبوة والملة فعدلوا عن الافضل الاشرف الاحق، الى فاضل آخر دونه فعقدوا له». (2)
ان الصحابة هنا اما ان يكونوا عدلوا عن الافضل لعلة ومانع الافضل، او لا لمانع، فان كان لا لمانع كان ذلك عقداً للمفضول بالهوى، فيكون باطلاً وان كان لمانع فكان على الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يعذرهم في العدول عنه، ويعلم ان العقد لغيره كان مصلحة للاسلام فكيف حسن منه ان يشكوهم بعد ذلك ويتوجد عليهم وايضاً فما معنى قوله «فطفقت ارتأي بين ان اصول بید جذاء»، فان ترك الاولى لا يصال عليه بالحرب. (3)
اوضح ابن ابي الحديد الرؤية الاعتزالية حول هذه التساؤلات في انه يجوز ان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يغلب على ظنه ما غلب على ظنون الصحابة من الشغب وثوران الفتنة، حيث ان الظنون تختلف باختلاف الامارات، فنجد انسان يغلب على ظنه،امر، اما غيره فيغلب على ظنه خلافة، وتفسير المعتزلة لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «ارتأي ان اصول» يجوز انه اراد بها صيال الجدال والمناظرة وليس الحرب، فلو كان جادلهم فربما خصموه بان يقولوا له: قد غلب على ظنوننا ان الفساد يعظم ويتفاقم ان وليت الامر، ولا يجوز مع غلبة ظنوننا لذلك ان تسلم الامر اليك، لذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
طفقت ارتأي بين ان اذكر لهم فضائلي عليهم، واحاجهم بها، فيجيئوني بهذا
الجواب، الذي تصبح به حجتي جذاء مقطوعة، ولا قدرة لي على تشييدها ونصرتها وبين أن أصبر على ما آل اليه الامر. (1)
اذا كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يغلب على ظنه وجود العلة والمانع، وكان قد استراب الصحابة وشكاهم لعدولهم عن الافضل الذي لا علة فيه عنده أذن فقد ظلم،الصحابة ونسبهم الى غصب حقه، فما الفرق بين ذلك وبين ان يستظلمهم لمخالفة النص؟ وكيف هرب المعتزلة من نسبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) الهم الى الظلم لدفع النص، ووقعوا في نسبته الى الظلم لخلاف الاولى من غير علة في الأولى، ومعلوم ان مخالفة الاولى من غير علة فيه كتارك النص لان العقد في كلا الموضعين يكون فاسداً. (2)
أوضح ابن ابي الحديد رؤية المعتزلة بان هناك فرقاً ظاهراً بين الامرين لان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو نسبهم الى مخالفة النص، لوجب وجود النص، ولو كان موجوداً لكانوا كفاراً أو فساقاً لمخالفته، واما اذا نسبهم لترك الأولى من غير علة في الاولى، فقد نسبهم الى امر يدعون فيه خلاف ما يدعي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واحد الامرين لازم وهو أما ان يكون ظنهم صحيحاً أو غير صحيح، فان كان صحيحاً فالمسألة لا كلام فيها. وان لم يكن صحيحاً كانوا كالمجتهد اذا ظن واخطأ فانه معذور، ومخالفة النص امر خارج عن هذا الباب لان مخالفه غیر معذور بحال. (3)
وأشار ابن ابي الحديد ان الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان اولاً يظن ان العقد لغيره كان عن غير نظر فى المصلحة، وانه لم يقصد به الا صرف الأمر عنه او الاستئثار عليه فظهر منه ما ظهر من الامتناع والقعود في بيته الى ان صح عنده وثبت في نفسه انهم اصابوا فيما فعلوه، وأنهم لم يميلوا الى هوى، ولا ارادوا الدنيا، وانما فعلوا
الاصلح في ظنونهم. (1)
المصدر الرابع: الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ادرك المصلحة لذا ترك حقه لغيره، (2)ولكن ما هي هذه المصلحة؟ ومن الذي او عز للامام بذلك؟، هنا يقدم لنا ابن ابي الحديد اربع حيثيات:
الاولى: ان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) امر الامام بذلك، ففى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فنظرت في امري، فاذا طاعتي قد سبقت بيعتي واذا الميثاق في عنقي لغيري».(3)
هذه الخطبة اوضح فيها الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حالة بعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وانه كان اليه الا ينازع في الامر ولا يثير فتنة، بل يطلبه بالرفق، فان حصل له والا امسك، «هكذا كان يقول الله وقوله الحق، وتأويله هذه الكلمات فنظرت في امري فاذا طاعتي لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أي وجوب طاعتي، فحذف المضاف واقــام المضاف اليه مقامه، قد سبقت بيعتي للقوم، أي وجوب طاعة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) علي، ووجوب امتثالی امره سابق على بيعتي للقوم، فلا سبيل لى الى الامتناع من البيعة لانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أخذ علي الميثاق بترك الشقاق والمنازعة فلم يحل لي، ان اتعدى امره، او اخالف نهيه». (4)
واضاف ابن ابي الحديد ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) اخبار الامام بان الامامة حقه وانه اولى بها من كل الناس، واعلمه ان في تقديم غيره وصبره على التأخر عنها مصلحة للدين راجعة الى المكلفين، وأنه يجب ان يمسك عن طلبها، ويغضي عنها لمن هو دون مرتبته، فامتثل ما امره به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ولم يخرجه تقدم من تقدم عليه من كونه الافضل والاولى والاحق. (5)
الثانية: ان الامام ترك حقه لما لاحظ من حسد البعض له وكراهيتهم اياه. (1)وانحرافهم عنه، وميلهم عليه، ولاحظ ثورات الاحقاد التي كانت في انفسهم واحتدام نيران قلوبهم وتذكروا تراته التي وترهم بها، ثم أوضح ابن أبي الحديد الاسباب التي دفعت العرب للعدول عن الإمام عن الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي:
.١ صغر سنه، واستهجان البعض تقديم الشباب على الكهول والشيوخ.
٢. يرى البعض كراهية الجمع بين النبوة والخلافة في بيت واحد، فيجحفون على الناس.
۳. استصعاب قوم شكيمته وخوفهم،شدته وعلمهم بانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يحابي ولا يداجى ولا يراقب ولا يجامل في الدين وان الخلافة تحتاج الى من يجتهد برأيه ويعمل بموجب استصلاحه.
٤. حسد البعض اياه منذ عهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لشدة اختصاصه بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وتعظيم الرسول اياه وما قال فيه من الفضائل الدالة على رفعة شأنه، وعلو مكانه، وما اختص به من مصاهرته واخوته، وغيرها من احواله معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ).
٥. تنكر البعض له ناسبين له العجب والتيه، حيث اتهموه باحتقاره البعض واستصغاره الناس، «وان كانوا عندنا كاذبين، ولكنه قول قيل وامر،ذكر، وحال نسبت اليه واعانهم عليها ما كان يصدر منه من اقوال توهم مثل هذا، نحو قوله «فانا صنائع ربنا، والناس بعد صنائع لنا». (2)
ولذا فان الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) صح عنده ان الامر لم يكن ليستقيم له يوما واحدا، ولا ينتظم ولا يستمر وانه لو ولي الامر لفتقت العرب عليه فتقا يكون فيه استئصال شأفة الاسلام وهدم اركانه فاذعن بالبيعة، وجنح الى الطاعة وامسك عن طلب الخلافة، وان كان على مضض. وهذه الرؤية هي رؤية متأخري معتزلة
بغداد. (1)
واكد ابن ابي الحديد ان حال الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) اشهر من ان يحتاج للايضاح حيث لوحظ انتقاض العرب عليه لما بويع للخلافة بعد خمس وعشرون سنة من وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وفي اقل من وفى اقل من هذه المدة تنسىا لاحقاد، وتموت الترات، وتبرد الاكباد الحامية، وتسلو القلوب الواجدة، ويمضي جيل من الناس، ويأتي جيل جديد، ولا يبقى من ارباب تلك الشحناء والبغضاء الا القليل، ومع كل ذلك فأن حاله مع قريش كانت كأنها حالة بعد وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حيث ظهر ما في النفوس، وهاج ما في القلوب حتى ان الابناء والاحفاد الذين لم يشهدوا وقائعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفتكاته في اسلافهم وأبائهم فعلوا به ما لو كان الاباء موجودين لقصروا عن فعلهم اذن ياترى كيف يكون حاله لو تولى الخلافة بعد وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مباشرة، اذن كانت تندرس اعلام الملة وتنعفى رسوم الشريعة، وتعود الجاهلية الجهلاء، ويفسد ما اصلحه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فكان من عناية الله بهذا الدين ان الهم الصحابة ما فعلوه. (2)
ولكن ابن ابي الحديد ناقض رأيه هذا في رده على قول معاوية للامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لو وليتها حينئذ (بعد وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)) لفسد الامر، واضطرب الاسلام». قال ابن أبي الحديد: «لعله لو وليها حينئذ استقام الامر وصلح الاسلام و تعهد، فانه ما وقع الاضطراب عند ولايته بعد عثمان الالان امره قد هان عندهم بتأخره عن الخلافة وتقدم غيره عليه، فصغر شأنه في النفوس، وقرر من تقدمه في قلوب الناس انه لا يصلح لها كل الصلاحية، والناس على ما يحصل في نفوسهم، ولو كان وليها ابتداء وهو على تلك الحالة التي كان عليها ايام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وبتلك المنزلة الرفيعة، والاختصاص الذي كان له لكان الامر غير الذي رأيناه عند
ولايته بعد عثمان». (1)
الثالثة: ان المصلحة في ترك نزاع القائمين بالامر حيث لما وقعت بيعة ابي بکر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) لاحظ الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الاصلح للاسلام ترك النزاع لانه يخاف منه حدوث فتنة تحل معاقد الملة، وتزعزع اركانها، فحضر الامام وبايع طوعاً. (2)
وكذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاهل الشورى: «لقد علمتم أني احق بها من غيري ووالله لاسلمن ما سلمت امور المسلمين، ولم يكن فيها جوراً الا علي خاصة التماساً لاجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفة وزبرجة». يفسر ابن ابي الحديد هذا الكلام، بان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى بان الصحابة يعلمون بأنه احق بالخلافة، ومع ذلك فهو يقسم بأنه سيسلمن ويتركن المخالفة اذا كان في تسليمه ونزوله عن حقه سلامة امور المسلمين، ولم يكن الجور والحيف الا عليه، وهذا الكلام طبقة الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لانه اذا علم او غلب على ظنه ان نازع وحارب دخل على الاسلام وهن وثلم لم يختر له المنازعة حتى وان كان حقه، واذا ما علم او غلب على ظنه بالامساك عن طلب حقه انما يدخل الثلم والوهن عليه خاصة، ويسلم الاسلام من الفتنة وجب عليه ان يغضي ويصبر على ما اتوا اليه من اخذ حقه، وكف يده، حراسة للاسلام من الفتنة. (3)
اذا كان هذا هو التفسير لموقف الامام فلماذا لم يسلم الامر لاصحاب الجمل أو معاوية، ويغضى على اغتصاب حقه حفظاً للاسلام من الفتنة؟
ان الجور الداخل عليه هنا من اصحاب الجمل ومعاوية لم يكن مقتصراً عليه، بل كان يعم المسلمين جميعاً، لانهم لم يكونوا عنده ممن يصلح لرياسة الامة وتحمل أعباء الخلافة، فلم يكن الشرط الذي اشترطه متحققاً وهو قوله:
«ولم يكن فيه جور الاعلى خاصة» وهذا الكلام يدل على انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن يذهب الى ان خلافة عثمان كانت تتضمن جوراً على المسلمين والاسلام وانما عليه فقط، وأنها وقعت على جهة مخالفة الاولى لا على جهة الفساد الكلى والبطلان الاصلي. (1)
ويخلص للقول أن ما جرى من عبد الرحمن وغيره يوم الشورى وان كان لم يقع على وجه الافضل، فانه معفو عنه مغفور لفاعله، لانه لو كان فسقاً غير مغفور، لم يقل الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ): عفا الله عما سلف.(2)
الرابعة: ان السبب الذي دفع الامام لترك الامر هو عدم وجود من ينصره حيث يقول: «لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر»، اشار ابن ابي الحديد ان الامام هنا يشير الى ان الذي دفعه للقيام بالامر بعد عثمان هو وجود الناصر. (3)
اذن لما اقتضت المصلحة تقديم المفضول على الافضل فما هو موقف المعتزلة من بيعة المفضول؟
صحيح ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الافضل، ولكن العدول عنه الى من لا يساويه في فضل، ولا يوازيه في جهاد،وعلم، ولا يماثله في سؤدد وشرف فان بيعة المفضول ايضا صحيحة، ويضرب ابن ابي الحديد مثالا انه قد يوجد في بلد ما فقيهان احدهما اعلم من الآخر، فيجعل السلطان الاقل علما قاضيا، مما يؤدى بالاخر الى التوجد والتألم والشكوى، ولكن ذلك لا يكون طعنا في القاضي الاقل ولا تفسيقا له، ولا حكمنا فيه بأنه غير صالح. (4)
ان هذا المثال الذي ضربه ابن ابي الحديد لا يماثل موضوع الامامة، فالامامة وهي رئاسه دينية ودنيوية لشتى مناحي الحياة تختلف عن القضاء الذي لا تتعدى مهمته الفصل بين الخصوم، وان تعدت فإلى الاشراف على بعض المسائل المالية.
ومع ان الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يرى ان الاحق بالامامة هو الاقوى والاعلم فهذا لا ينافي صحة امامة المفضول لانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يقل ان امامة غير الاقوى فاسدة، ولكنه يرى ان الاقوى،احق، والمعتزلة تعترف بانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) احق ممن تقدمه مع قولهم بصحة امامة المتقدمين لانه لا منافاة بين كونه احق وبين صحة امامة غيره. (1)
ولكن بيعة المفضول يحكم بصحتها بلحاظ موقف الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حالة عدم تنازعه، اما لو نازع الامام لحكم بتفسيق هذا المنازع.
يقول ابو القاسم البلخي الكعبي، احد كبار معتزلة بغداد: لو نازع عقيب وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وسل سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه كما حكمنا بهلاك من نازعه حين اظهر نفسه. ولكنه مالك الامر وصاحب الخلافة اذا طلبها، وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، واذا امسك عنها وجب علينا القول بعدالة من اغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) لانه قد ثبت عنه في الاخبار الصحيحة انه قال: «علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار» وقال غير مرة: «حريك حربي وسلمك سلمي». (2)
ان المعتزلة تحمل كلام الإمام على ا(عَلَيهِ السَّلَامُ) على ما يقتضيه سؤدده الجليل، ومنصبه العظيم ودينه القويم، من الاغضاء عما سلف ممن سلف حيث صاحبهم بالمعروف،دهرا فاما ان يكون ما كانوا فيه حقهم او حقه فتركه رفعا لنفسه عن المنازلة أو لمصلحة رآها وعلى كلا التقديرين رأى المعتزلة ان يطبقوا بين آخر
اقواله وأفعاله وأولها فاذ ما بعد تأويل ما يتناول من كلامه، فهو ليس با بعد من تأويل المعتزلة للايات المتشابهات حيث لم يمنع بعدها من الخوض في تأويلها محافظة على الاصول المقررة (1)لذا وجب على المعتزلة بعد مبايعته لابي بكر ورضاه به ان يرضون ويطيعون لانه الامام القدوة وافضل من تركه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، (2)حيث ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند المعتزلة بمنزلة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في تصويب قوله والاحتجاج بفعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووجوب طاعته، واذا ما صح عن الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) براءته من شخص ما، فان المعتزلة تبرى من هذا الشخص كائنا من كان بعد التأكد من صحة براءة الامام منه لانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أكثر من الكذب عليه، وولدت العصبية احاديث لا أصل لها، ولذلك فان براءة الامام من المغيرة وعمرو بن العاص ومعاوية من الامور المعلومة لدى المعتزلة والمتواترة، ولذا فالمعتزلة لا تتولاهم، ولكن حاشا للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يكون ذكر من سلف من المهاجرين الا بالجميل والذكر الحسن بموجب ما تقتضيه رئاسته في الدين واخلاصه في طاعة رب العالمين «ومن احب تتبع ما روى عنه مما يوهم في الظاهر خلاف ذلك فليراجع هذا الكتاب اعني شرح نهج البلاغة، فانا لم نترك موضعا يوهم مذهبنا الا واوضحناه، وفسرناه على وجه يوافق الحق وبالله التوفيق». (3)
ويرى المعتزلة أيضا أن الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) افضل الخلق في الآخرة، واعلاهم منزلة في الجنة، وافضلهم في الدنيا، وأكثرهم خصائص ومزايا ومناقب، وكل من عاداه او حاربه او ابغضه، فانه عدو الله سبحانه وخالد في النار مع الكفار والمنافقين، الا ان يكون ممن ثبتت توبته ومات على توليه وحبه أما بالنسبة الى الافاضل من المهاجرين والانصار الذي تولوا الخلافة قبله فلو انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) انكر
خلافتهم وغضب عليهم، وسخط فعلهم، أو شهر،السيف، او دعا الى نفسه لحكم المعتزلة بهلاكهم، كما لو غضب عليهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وهو دليل المعتزلة على ذلك قوله: «حربك حربي وسلمك سلمي». وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «اللهم وال من والاه وعــاد مـن عاداه وقوله: «لا يحبك الا مؤمن، ولا يبغضك الا منافق». (1)ولكن المعتزلة لما رأته (عَلَيهِ السَّلَامُ) رضى بامامة من كان قبله، وبايعهم، وصلى خلفهم، وانكحهم واكل من فيئهم، فلم يكن لهم ان يتعدوا فعله أو يتجاوزوا ما علم عنه، ولذا لما برئ من معاوية ولعنه، برئ المعتزلة منه ولعنوه ولما حكم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بضلال اهل الشام ومن فيهم من بقايا الصحابة كعمرو بن العاص وابنه عبد الله وغيرهما حكم المعتزلة بضلالهم والحاصل انا لم نجعل بينه وبين النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) الارتبة النبوة، واعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه ولم نطعن في اكابر الصحابة الذين لم يصح عندنا انه طعن فيهم وعاملناهم بما عاملهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) به». (2)
ولذا فأن طاعة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) واجبة عند المعتزلة سواء بالاختيار ام بالنص كما عند الامامية «و على التحقيق فلا فرق بيننا وبينهم في هذا المعنى لان من جهل امامة على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنكر صحتها ولزومها فهو عند اصحابنا مخلد فى النار، لا ينفعه صوم ولا صلاة لان المعرفة بذلك من الاصول الكلية التى هى اركان الدين، ولكن لا نسمى منكر امامته كافراً بل نسميه فاسقاً وخارجياً ومارقاً ونحو ذلك». (3)
1) اخرجه: مسلم: الصحيح ٦٤/٢ الترمذي: صحيح،۱۶۸/۱۲، ۱۷۷. ابن ماجه: صحیح ۱۲/۱٦، ۱۷۷ ابن ماجه: صحيح ٢٥/١ ابن حزم الفصل ٢٢٤/٤،٣٠٠/٣. الحاكم المستدرك ١٤٥/٣ ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۱۰۰/۳، البلوي: ألف باء ۲۲۳/۱ أبن الجوزي: صفة الصفوة ۳۱۲/۱. ابن تيمية منهاج السنة ١٣/٣ ابن كثير: البداية ٣٥٥/٧. ابن حجر: الاصابة ٥٠٩/٢ السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 170.
2) الشرح : ٢٢١/٢٠ -٢٢٢.
3) الشرح ۳۷۳/۱۸.
وقد اختص معتزلة بغداد الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بين سائر الامة بالصلاة عليه شأنه في ذلك شان النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، فهم يكرهون اذا ذكروه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يقولوا: (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ولا يكرهوا ان يقولوا: صلوات الله عليه فجعلوا اللفظة الاولى مختصة بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، والثانية مشتركة بينه وبين الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ولم يطلقوا لفظ الصلاة الا عـلـى الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ). (1)
وتذهب المعتزلة على عدم عصمة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حيث يجد ابن ابي الحديد في نهج البلاغة نصاً يستدل به على ذلك، اذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الا لا يرعين مدع على نفسه، شغل من الجنة والنار امامه، ساع مجتهد ينجو، وطالب يرجو، ومقصر في النار؛ ثلاثة واثنان ملك طار بجناحيه، ونبي اخذ الله بيده ـ لا سادس». (2)
اشار ابن ابي الحديد ان تقدير هذا الكلام «المكلفون على اقسام خمسة:
ساع مجتهد، وطالب راج، ومقصر هالك. ثم قال ثلاثة أي فهؤلاء ثلاثة اقسام وهذا ينظر الى قوله سبحانه ثم اور ثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم نفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله، (3)ثم ذكر القسمين: الرابع والخامس فقال: هما ملك طار بجناحيه ونبي اخذ الله بيده؛ يريد عصمة هذين النوعين من القبيح، ثم قال: «لا سادس». أي لم يبق في المكلفين قسم سادس، وهذا يقتضى ان العصمة ليست الا للانبياء والملائكة ولو كان الامام يجب ان يكون معصوماً لكان قسماً سادساً، فاذن قد شهد هذا الكلام بصحة ما تقوله المعتزلة في نفي اشتراط العصمة في الامامة، اللهم الا ان يجعل الامام المعصوم داخلاً فى القسم الاول، وهو الساعي المجتهد، وفيه بعد وضعف». (4)
وفي شرحه لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «فأني لست في نفسي بفوق ان أخطىء» قال: «هذا اعتراف منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدم العصمة فاما ان يكون كلامه على ظاهره او على سبيل الهظم لنفسه كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «ولا انا الا ان يتداركني برحمته». (1)، (2)
ولكن -ابن متويه- احد معتزلة البصرة. ومن القائلين بالتفضيل يرى ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معصوم، وان لم يكن واجب العصمة، كذلك يرى ان العصمة ليست شرطا في الامامة، ولكن ادلة النصوص دلت على عصمة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والقطع على باطنه ومغيبه، وان ذلك امر اختص به دون الصحابة، ويرى ابن ابي الحديد ان هناك فرق بين قولنا زيد معصوم وقولنا زيد واجب العصمة لانه امام ومن شرط الامام ان يكون معصوماً، فالاعتبار الاول هو ما يذهب اليه المعتزلة والثانى ما تذهب اليه الامامية. (3)
اذن حسب الرؤية الاعتزالية فالامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اذا امسك عن طلب الخلافة -فمن يتولاها يحكم المعتزلة بصحة خلافته - اما اذا طلب الخلافة ونازعه منازع فهنا يحكم المعتزلة بتفسيق الخارج عليه، طبقاً لذلك لنرى رؤية الاعتزال لاحداث خلافة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
اثر مقتل الخليفة عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) اجتمع بعض المهاجرين والانصار في المسجد النبوي وتداولوا الرأي فيمن يلى الأمر، فاتجهت الانظار صوب الإمسام عليها الا فأقبلوا الى بيته، ودعوه للبيعة، وبعد مداولات معهم قرر الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن تكون بيعته في المسجد، فتمت البيعة في ظرف من أحلك الظروف التي مرت بالدولة العربية الاسلامية حيث اختلف الناس في هذه البيعة، فالذي عليه اكثر الناس، وجمهور ارباب السير ان طلحة (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) والزبير (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) بايعا الامام طائعين غير مكرهين (1)
اما المناصرون لال الزبير كعبد الله بن مصعب و الزبير بن بكار، ومن وافق قولهم من بني تيم بن مرة الذين لهم رغبة في طلحة فاشاروا الى أن طلحة والزبير بايعا مكرهين (2). في الوقت الذي نجد ابا مخلف يؤكد اجماع المهاجرين والانصار بعد اجتماعهم في مسجد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) ما عدا البضاعة اشخاص إعتزلوا (3)
وهم عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص واسامة بن زيد، وان الامام لم يكرههم
على البيعة، ويرى المعتزلة ان هؤلاء لم يتخلفوا عن البيعة، وأنما تخلفوا عن الاشتراك بحرب الجمل (1).
ان اضطراب الاوضاع، ومقتل الخليفة عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، ثم قبول الامام بالخلافة كان موضع طعن للبعض في قبول الامام للخلافة لانه بمقتضى رأيهم، ان على الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد مقتل الخليفة ان يغلق بابه، ويمنع الناس من الدخول عليه، وعند ذلك ستضطرب العرب ثم تعود اليه، فهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) حسب رأيهم ـ قد تعين للامر بحكم الوضع الحاضر انذاك ولكن الامام فتح بيته، وبسط يده، لذلك أنتقض عليه.(2).
هذا الرأي يرى المعتزلة خلافه، فالامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يرى ان القيام بالامر واجب عليه يومذاك لعدم من يصلح في ظنه للخلافة، وكيف يغلق بابه، وهناك من يدعى ان عثمان عهد اليه بالخلافة كعبد الله بن الزبير وكان مروان يطمع بها بشبهه انه ابن عم الخليفة المقتول، ومعاوية لانه من بني اميه وابن عم الخليفة المقتول وامير الشام لعشرين سنة سابقة، وكيف يسوغ للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الدين ان يمتنع عن الخلافة اذا طلبه المسلمون، ويعلم أنه لو امتنع فانها ستصير الى من لا يصلح لها، ولذلك فهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) امتنع اولاً امتناع من يريد ان يعلم ما في قلوبهم ولما رأى منهم لتصميم وافق لوجوب الموافقة عليه (3)، اذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر وما اخذ الله على العلماء الا يقاروا على كظة ظالم، ولا سعب مظلوم لالقيت حبلها على غاربها، ولسقيت اخرها بكاس اولها» (4).
عد الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصوله للخلافة عودة للحق الى نصابه اذ يقول: «الآن
رجع الحق الى اهله ونقل الى منتقله» وقد اضطر المعتزلة لتأويل النص، بان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان الاولى والاحق بالامر ليس بالنص وانما بالافضلية كما لاحظنا وجائز لمن كان أولى بشيء فتركه ثم استرجعه ان يقول: «قد رجع الامر الی اهله» (1)
وبعد بيعته اتخذ جملة اجراءات:
الاجراء الاول:
توزيع الاموال بالتساوي بين جميع المسلمين
حيث قام بعد البيعة مباشرة فالقى خطبة جاء فيها: «الا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار، وفجروا الانهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الروقة، فصار ذلك عليهم عارا وشنارا؛ اذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم الى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك، ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا الا وايما رجل من المهاجرين والانصار من اصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) واله يرى ان الفضل له على من سواه لصحبته، فان الفضل النير غدا عند الله، وثوابه واجره على الله، وايما رجل استجاب الله وللرسول، فصدق،ملتنا ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا، قد استوجب حقوق الاسلام وحدوده؛ فانتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، لا فضل فيه لاحد على احد، وللمتقين عند الله غدا احسن الجزاء، وافضل الثواب، وما عند الله خير للابرار، واذا كان غدا ان شاء الله فاغدوا علينا، فان عندنا ما لا نقسمه فيكم، ولا يتخلفن احد منكم عربي ولا اعجمي، كان من أهل العطاء، أو لم يكن الا حضر اذا كان مسلما حرا» (2).
كان توزيع الاموال بالتساوي مدعاة لتذمر بعض كبار الصحابة وغيرهم (1)لذا لم يستلموا العطاء، لان الإمام خالف طريقة الخليفة عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) القائمة على التفضيل فى العطاء حسب القرابة والسابقة والغناء والحاجة فى الاسلام. لذا قالوا للامام «انك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا وسويت بيننا وبين من لا يماثلنا فيما أفاء الله تعالى علينا باسيافنا ورماحنا، وأوجفنا عليه بخيلنا ورجلنا، وظهرت عليه،دعوتنا، واخذناه قسرا قهرا ممن لا يرى الاسلام الاكرها» (2).
اوضح الامام في اجابته ان التساوي في العطاء امر حكم به الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ونطق به القرآن، واما مسألة ما افاء به الله «باسيافنا و رماحنا» فاكد الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سبق الى الاسلام قوم نصروه بسيوفهم ورماحهم فلم يفضلهم الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، لان الله سبحانه موف السابق والمجاهد يوم القيامة (3).
تجدر الاشارة ان سياسة التساوي في العطاء كانت من جملة سياسة الخليفة ابو بکر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، والتي سار بها محتذيا سياسة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ولم تكن تقابل بالتذمر، اذن لماذا قوبلت سياسة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتذمر؟
في الواقع ان الخليفة ابا بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) قسم محتذيا بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فلما تولى عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) الخلافة، وفضل قوما على آخرين الفوا ذلك، ونسوا القسمة الاولى وقد طالت خلافة عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) عشر سنوات، فاعتادت القلوب على الاموال وكثرة العطاء، ولم يكن يخطر بالبال تغير الحال فلما تولى عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) الخلافة لاثنتى عشرة سنة أجرى الأمر على ما كان عليه عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، فازداد وثوق الناس بذلك، ومن الف شيئا شق عليه فراقه، فلما جاء الامام وارجع الامر الى ما كان ايام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وابي بكر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، وقد نسي ذلك وتخلله اثنتان وعشرون سنة، شق
ذلك عليهم، وانكروه واكبروه. (1)
الاجراء الثاني: اعادة القطائع الى بيت المال:
اتخذ الامام موقفا مشددا ازاء القطائع التي اقطعت لافراد الاسرة الاموية وكان رأيه ان تعاد ملكيتها لبيت المال اذ يقول: «والله لو وجدته قد تزوج به النساء، وملك به الاماء؛ لرددته، فأن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل، فالجور عليه اضيق». وقد كان الخليفة عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) اقطع بعضا من افراد الاسرة الاموية واصحابه قطائع من ارض الخراج فاذا كان الخليفة عمر (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) قد اقطع لارباب الغناء في الحرب والجهاد ثمنا لما بذلوه من مهجهم في طاعة الله سبحانه، فان عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) اقطع صلة لرحمه عن غير غناء في الجهاد، لذا امر الامام باعادة كل ذلك لبيت المال (2).
الاجراء الثالث عزل الولاة:
صور الامام ان الدين كان عند الولاة فى عهد عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) اسيرا، لانهم لم يقضوا بالحق وانما بالهوى لطلب الدنيا، لذا اتخد قرار عزلهم باجمعهم. (3)
هذه الاجراءات زادت من حدة موقف الاسرة الأموية من الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد استغل عمرو بن العاص ذلك، فابرق الى معاوية برسالة يحذره من نوايا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانشد الوليد بن عقبة بن أبي معيط شعرا عده الخليفة العباسي المنصور السبب في التفريق بين بني عبد مناف، حيث ندد بسياسة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).
والملاحظ ان الوضع الذي آل اليه المسلمون الى درجة مقتل الخليفة دعا الإمام لاحداث تغير جذري في السياسة العامة للدولة، من مسألة توزيع الاموال والقطائع، والولاة، ما دامت هذه المسائل من الامور التي اججت الوضع.
ان هذه السياسة دفعت الناقمين عليها للخروج على الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستغلين قميص عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) ورقة سياسة للوصول الى غاياتهم، لذا وجهت للأمام تهمة مقتل الخليفة او التواطؤ مع قتلته، وكان ذلك هو المبرر لمعارك الجمل وصفين وباقي احداث خلافة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فياترى ما هو موقف الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مقتل الخليفة عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) حسب الرؤية الاعتزالية؟
من خلال بضعة نصوص وردت في كلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) استنتج ابن أبي الحديد براءة الإمام مما نسب اليه، فالامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يرى أن عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) ضعف عن تدبير أمر الخلافة، وأن أهله غلبوا عليه واستبدوا بالامر دونه واستعجزه المسلمون، واستسقطوا رأيه، لذا صار حكمه حكم الإمام اذا عمي او اسره العدو فانه ينخلع من الإمامة (1).
واضطر ابن ابي الحديد لتأويل كلام الإمام في عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ): «لو امرت به، لكنت قاتلا، أو نهيت عنه لكنت ناصرا، غير أن من نصره لا يستطيع ان يقول: خذله من انا خير منه، ومن خذله لا يستطيع ان يقول: نصره من هو خير مني؛ وانا جامع لكم امره، استأثر فاساء الاثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع والله حكم واقع في المستأثر والجازع».
هنا لم يحمل ابن ابي الحديد الكلام على ظاهره لسببين: الاول: ثبوت عصمة دم عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ). الثاني: ثبت في السير والاخبار انه كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينهي الناس
1) الشرح ١٥٢/٩ -١٥٤.
عن قتله.
اذن يجب ان يحمل لفظ (النهي) على المنع، كما يقال: الامير ينهى عن نهب اموال الرعية، أي يمنع، فحينئد يستقيم الكلام لانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما امر بقتله ولا منع عن قتله لانه ينهى باللسان ولیس،بالید، ولكن النهي عن المنكر واجب، فهلا منع من قتله باليد؟
ترى المعتزلة «ان المنع باليد يجب اذا كان حسنا، وانما يكون الانكار حسنا اذا لم يغلب على ظن الناهي عن المنكر ان نهيه لا يؤثر، فان غلب على ظنه ان نهيه لا يؤثر قبح انكار المنكر، لانه ان كان الغرض تعريف فاعل القبيح ما اقدم عليه، فذلك حاصل من دون الانكار ؛ وان كان الغرض الا يقع المنكر، فذلك غير حاصل لانه قد غلب على ظنه ان نهيه وانكاره لا يؤثر، لذلك لا يحسن من الانسان الانكار على اصحاب المآصر ما هم عليه عليه من اخذ المكوس لما غلب على الظن ان الانكار لا يؤثر، وهذا يقتضي أن يكون امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد غلب علي ظنه ان انكاره لا يؤثر فلذلك لم ينكر » (1).
واشكل على ابن أبي الحديد تأويل كلام ورد في كتاب الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاهل مصر لما ولى عليهم مالكا الاشتر اذ وصفهم بانهم (غضبوا الله حين عصي في ارضه، وذهب بحقه)، فقال ابن أبي الحديد: «هذا الفصل يشكل علي تأويله، لان اهل معـ مصر هم الذي قتلوا عثمان، وإذا شهد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) انهم غضبوا لله حين عصی في ارضه، فهذه شهادة قاطعة على عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) بالعصيان، واتيان المنكر ويمكن أن يقال وان كان متعسفا ان الله تعالى عصي في الأرض لا من عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)؛ بل من ولاته وأمرائه وأهله وذهب بينهم بحق الله وضرب الجور سرداقة بولايتهم، وأمرهم على البر والفاجر والمقيم والظاعن فشاع المنكر، وفقد
1) الشرح 2/۱۲٦ -۱۲۹. وانظر نص كلام الامام المحمودي: نهج السعادة 219/١.
المعروف» (1).
ولكن هؤلاء الذي غضبوا الله قد آل امرهم أنهم قطعوا المسافة من مصر إلى المدينة فقتلوا الخليفة: فلا تعدوا حالتهم أمرين:
ان يكونوا اطاعوا الله فيكون عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) عاصيا، أو يكونوا اسخطوا الله بقتل عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ)، فعثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) على حق وهم فساق، فكيف يبجلهم الإمام ويخاطبهم خطاب الصالحين؟ هنا يرى ابن ابي الحديد ان اهل مصر لما غضبوا الله وجاءوا الى المدينة، وأنكروا على عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) تأميره الأمراء الفساق وحصروه في داره طلبا ان يدفع لهم مروان على ما كتبه في امرهم، فلما حصر الخليفة طمع فيه مبغضوه واعدائه من اهل المدينة، وصار معظم الناس البا عليه، فهنا اصبح عدد المصريين قليلا بالنسبة إلى ما اجتمع في المدينة من الناس الذي يطالبون الخليفة بعزل نفسه وتسليم مروان، وعزل الولاة، ولم يكونوا يطلبون الخليفة نفسه، ولكن البعض تسوروا داره فرماهم عبيد الخليفة، وجرحوا بعضهم، فدعاهم الحال للنزول والاحاطة بالخليفة فتسرع اليه احدهم فقتل الخليفة وتمكن عبيد عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) من قتل القاتل، فلا يلزم من فسق ذلك القاتل أن يفسق الباقون لانهم ما انكروا الا المنكر، وأما القتل فلم يقع منهم، فجاز للامام ان يقول أنهم غضبوا الله، وان يثني ويمدحهم (2).
وكذلك اضطر ابن ابي الحديد لتأويل كلام الإمام الذي يرويه قيس بن ابيحازم اذ يقول: سمعت علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «يا ابناء المهاجرين، انفروا الى أئمة الكفر، وبقية الاحزاب واولياء الشيطان، انفروا الى من يقاتل على دم حمال الخطايا، فوالله الذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، انه ليحمل خطاياهم الى يوم القيامة لا ينقص من اوزارهم شيئا».
اولاً: طعن ابن ابي الحديد في الراوي وهو قيس بن ابي حازم لانه قال في حق الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) «فا بغضته، فدخل بغضه في قلبي». والمعتزلة ترى بان من يبغض الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا تقبل روايته (1).
ثايناً: يرى أن الاشهر في الرواية صدر الحديث، واما عجزه فليس بمشهور.
ثالثاً: اذا صحت الرواية يحملها المعتزلة على ان الإمام يقصد معاوية وسمى ناصريه مقاتلين على دمه لانهم يحامون عن دمه، ومن حامي عن دم انسان فقد قاتل عليه (2).
لقد استغل الساخطون السياسة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ـ دم الخليفة- وسيلة لتحقيق غاياتهم، فاتهموا الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقتله، أو التواطؤ مع قتلته، وقد استغرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اتهامه بذلك من قبل الامويين قائلاً: «او لم ينه بني امية علمها بي عن قرفي! او ما وزع الجهال سابقتي عن تهمتي ولما وعظهم الله به ابلغ من لساني». قال ابن ابي الحديد في شرحه أن الإمام يرى أن معرفة حاله ومنزلته تفرض على بني امية عدم اتهامه بدم الخليفة، فمنزلته (عَلَيهِ السَّلَامُ) التى لا يوجد اعلى منها كالذي نطق به القرآن من طهارته، وطهارة ابنائه وزوجته فى قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، وقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ): «انت مني بمنزلة هارون من موسى» وهذا يقتضى عصمته عن الدم الحرام؛ كما ان هارون معصوم عن مثل ذلك، ثم ان ترادف اقوال وافعال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) في حقه تضطر الحاضرين لها والمشاهدين اياها الى ان مثل الإمام لا يجوز ان يسعى فى اراقة دم مسلم، لم يحدث حدثاً يستوجب به احلال دمه (3).
رؤية الإمام هذه اكد ابن ابي الحديد صحتها وذلك ان من يظهر ناموس الدين ويواظب على العبادات، ويتصف بالورع والتقوى، يتقرر في نفوس الناس استشعاره الدین و اعتقاده،آیاه مما يدفع الناس لئلا تقرفه بالعيوب الفاحشة، واستبعاد من يطعن فيه، فكيف ساغ لاعداء الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع علمهم بمنزلته العالية في الدين والتي لم يصل اليها احد من المسلمين اطلاق السنتهم فيه ونسبته لقتل الخليفة او الممالأة عليه، لاسيما وقد ثبت لديهم انه كان من المدافعين عنه قولاً وفعلاً، ويخلص المعتزلة الى براءة الإمام من دم الخليفة (1).
يرى البعض أن من بين الاسباب التي دفعت مناوئي الإمام لاتهامه بدم الخليفة هو بقائه في المدينة في الوقت الذي حصر فيه الخليفة، فيرى هؤلاء أنه كان على الإمام مغادرة المدينة فلا يكون عذراً للطاعنين فيه.
في الواقع ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان لم يكن يخطر بباله مع براءته من دم الخليفة، ان يتهم به، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى ان مقامه بالمدينة في مصلحة الخليفة، حيث حضر مراراً وابعد المحاصرين عنه وارسل ولديه وابن اخيه عبد الله بن جعفر يحملان له الماء، ولولا حضور الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المدينة لما تأخر مقتل الخليفة، وكان لمقام الإمام دور في تراخي الناس عنه (2)، ويخلص المعتزلة الى الحكم ببراءة الامام من دم الخليفة، وقد صرح الإمام بذلك مراراً ومنها قوله: «والله ما قتلت عثمان، ولا مالات على قتله» (3).
اما رؤية المعتزلة لموقفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قتلة الخليفة، فيشار الى انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما بويع بالخلافة قيل له: لو عاقبت قوماً ممن اجسلب على عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ) فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«يا اخوتاه! اني لست اجهل ما تعلمون ولكن كيف لي بقوة والقوم المجلبون على
حد شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم وهاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، والتفت اليهم اعرابكم، وهم خلالكم يسمونكم ما شاءوا؛ وهل ترون موضعاً لقدرة على شيء تريدونه ان هذا الامر امر جاهلية؛ وان لهؤلاء القوم ماده ان الناس من هذا الأمر اذا حرك على امور فرقة ترى،ماترون وفرقة ترى ما لاترون، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا. فاصبروا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها. وتؤخذ الحقوق مسمحة. فاهدوا عني وانظروا ماذا يأتيكم به امري ولا تفعلوا فعلة تضعضع قوة، وتسقط منه، وتورث وهناً وذلة».
من خلال هذا النص استنتج ابن ابي الحديد ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يرى عقاب الذين حصروا الخليفة، والاقتصاص من قتلته ان كان بقي ممن باشر قتله، ولكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) اعتذر بعدم التمكن وذلك لوجود عالم كثير جاء من الامصار مضافاً لاهل المدينة، والبادية، فاصبح الامر امر جاهلية كما وصفه، ولو حرك ساكناً لاختلف الناس، فمنهم من يرى فعل الإمام هو الصواب، ومنهم من يراه خطأ، ومنهم من يقف لا مصوباً ولا مخطئاً، لذا فالإمام يخشى من تجدد فتنة كالاولى او اعظم، فكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى ان الاصواب بالتدبير، والذي يوجبه الشرع والعقل هو الامساك الى حين سكون الفتنة وتفرق تلك الشعوب، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يؤمل ان يطيعه معاوية وغيره، وان يحضر بنو الخليفة المقتول عنده يطالبون بدم ابيهم ويعينون المتهمين فبعض للقتل واخر للحصار وثالث للتسور، وحينها يتمكن الإمام العمل بحكم الكتاب، ولكن الامر لم يقع هكذا، اذ امتنع معاوية واهل الشام، ولجأ ورثة عثمان اليه، وفارقوا الإمام متهمين اياه ولم يطلبوا القصاص بصورة شرعية، وانما طلبوه مغالبة، وجعلها معاوية عصبية الجاهلية، وسبق معاوية خروج اصحاب الجمل عليه، فكان ذلك مما منع الإمام عن التصدي للقصاص، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعاوية «فأما طلبك قتلة عثمان، فادخل في الطاعة، وحاكم القوم الي احملك واياهم على كتاب الله وسنة رسوله». وهذا هو ما يراه المعتزلة «لانه يجب دخول
الناس في طاعة الإمام، ثم تقع المحاكمة اليه، فان حكم بالحق استدیمت امامته وان حكم بالجور انتقض امره وتعين خلعه» (1).
ولكن يجدر التساؤل اذا كان القصاص من قتلة الخليفة موقوفاً على ما ذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) اما كان يجب عليه من باب النهي عن المنكر الذي هو واجب على العامة فكيف على الإمام؟
ترى المعتزلة أن النهي عن المنكر يجب قبل وقوعه حتى لا يقع، فاذا وقع، فلا معنى للنهي بعد، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد نهى اهل الامصار عن قتل الخليفة قبل قتله مراراً، ونابذهم بيده ولسانه، وباولاده دون فائدة، حتى تفاقم الامر الى قتل الخليفة، ولا يجب بعد القتل الا القصاص، فاذا ما امتنع أولياء الدم من طاعة الإمام لم يجب عليه ان يقتص من القاتلين، فالقصاص حق اولياء الدم، وقد سقط ببغيهم على الإمام، واكدت المعتزلة ان القصاص على من باشر القتل والذين باشروا القتل قتلوا يوم قتل الخليفة وهما قتيرة بن وهب، وسودان بن حمران (2)، وكلاهما قتلا يوم الدار على يد عبيد الخليفة اما الاخرون فلم يباشروا القتل وانما حصروا الخليفة، واجلبوا عليه وتوعدوه، ومنهم من تسور الدار وحضر محضر قتلة أو لم يحضر، فهؤلاء عند المعتزلة لا قصاص عليهم (3).
لم تلاق السياسة التي اتبعها الإمام قبولاً لدى طلحة والزبير، فخرجا من المدينة بعد بيعة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى مكة بعد أن سمعا بالموقف السلبي للسيدة
عائشة (رضي الله عنها) من الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن هناك تحركا صوب البصرة، حيث تمت لهم السيطرة التامة عليها، فاضطر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخروج الى البصرة داعياً اهل الكوفة للخروج معه، وبعد وصوله للبصرة دخل في مفاوضات مع طلحة والزبير لم تسفر الا عن حالة الحرب، والتي انتهت بمقتل طلحة في ساحة المعركة، فيما خرج الزبير من المعركة فاغتاله ابن جرموز - في وادي السباع (1)، وبعد ذلك القى اهل البصرة السلاح، وتمت اعادة السيدة عائشة (رضي الله عنها) الى المدينة (2).
هذا الحدث التاريخي المهم في تاريخ المسلمين، والذي كان فاتحة للحروب الاهلية في الاسلام يا ترى ما هي رؤية المعتزلة له؟ ولنناقش هذه الرؤية في المباحث الاتية:
١ - بيعة طلحة والزبير للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
٢- مدى اهلية طلحة والزبير للخلافة.
٣ - موقف الإمام علي تجاه اصحاب الجمل قبل وبعد المعركة.
٤ - رؤية الاعتزال لاصحاب الجمل.
اولاً : بيعة طلحة والزبير للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)
تناقضت الروايات بشأن بيعة طلحة والزبير للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هل كانت طوعاً ام كرهاً؟ فقد «اختلف الناس في بيعة امير المؤمنين (عليه السلام)، فالذي
1) وادي السباع بين البصرة ومكة وعلى بعد خمسة امل عن البصرة، قيل سمي باسماء اخوة يحملون اسماء السباع الحموي : معجم البلدان ٣٤٣/٥ - ٤. الحميري: الروض المعطار ص ٦٠٣ - ٤.
2) انظر تفاصيل ذلك متناثرة في الشرح : ۹/۱۰، ۲۰۱، ٢٢۵ – ٧، 130 - ٢٤٣،٦-٦٦، 305 – 311، 2 / 166 -170، 187 – 8، 4 / 6 - 11، 128 - 229، 7 / 35 - 46، 9 / 39، 109 - 115، 162، 190 - 200، 293 - 4، 310 - 27، 10 / 4 - 9، 247 - 8، 11 / 10 - 20، 121 - 6، 14 / 8 - 25، 17 / 254 – 255. وانظر الطبري: تاريخ ٤٤٤/٤ - ٥٤٦.
عليه اكثر الناس وجمهور ارباب السير ان طلحة والزبير بایعاه طائعین غیر مكرهين، ثم تغيرت عزائمهما... قال الزبيريون منهم عبدالله بن بن مصعب والزبير بن بكار وشيعتهم ومن وافق قولهم من بني تيم بن مرة، ارباب العصبية لطلحة : انهما بايعا مكرهين؛ وان الزبير كان يقول: بايعت واللج على قفى واللج سيف الاشتر» (1).
فيما صورت روایات ابي هلال العسكري (2)وابي مخنف دور عمار والانصار في انجاح بيعة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)، والظاهر ان هذا النجاح حمل طلحة والزبير على البيعة. ولذا كان الزبير يقول: «بايعت بيدى لا بقلبي، وكان يدعى تارة انه اكره، ويدعي اخرى أنه ورى في البيعة، ونوى دخيلة واتى بمعاريض لا تحمل على ظاهره»(4).
وقد رد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ادعاءات الزبير قائلاً: «يزعم انه بايع بسيده ولم يبايع بقلبه، فقد اقر بالبيعة، وادعى الوليجة فليأت عليها بأمر يعرف، والا ا فليدخل فيما خرج منه». فالزبير هنا اقر بالبيعة، وادعى أمراً اخر لم يقم عليه دليل، فاما ان يقيم دليلاً على فساد البيعة الظاهرة والا فليعود للطاعة» (5).
والظاهر ان الإمام كان مدركاً لنوايا الزبير لذا قال له وقت البيعة: «اني لخائف ان تغدر بي وتنكث بيعتي، قال: لا تخافن فان ذلك لا يكون مني ابدا فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلي الله عليك بذلك راع وكفيل، قال نعم الله لك علي راع وكفيل» (6).
اذا كان هكذا فلماذا أذن الامام لطلحة والزبير بالخروج من المدينة الى مكة لما استئذناه لاداء العمرة؟
في الواقع ان الرواة اختلفوا في خروج طلحة والزبير من المدينة: هل كان باذن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ام لا ؟ فان كان الجواب بغير اذنه، فالسؤال اعلاه لا معنى له واذا كانا خرجا باذنه، فالمعروف انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لهما : والله ما تريدان العمرة، وانما تريدان الغدرة، وخوفهما بالله من التسرع الى الفتنة وماكان يجوز للامام لا في الشرع ولا في السياسة ان يحبسهما، ففي الشرع كان محظوراً عليه معاقبة شخص بما لم يفعل بعد وربما لا يقع هذا الفعل واما في السياسة فلأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو اظهر التهمة لهما - وهما من المهاجرين السابقين، لكان في ذلك من التنفير عنه ما لا يخفى ويؤدي الى الطعن فيه، كأن يقال: انه ليس على ثقة من امامته فلذلك يتهم الرؤساء ولا يأمن الفضلاء، ولاسيما وطلحة اول من بايعه والزبير لم يزل معروفاً بنصرته، فلو حبسهما واظهر الشك فيهما لم يسكن احد الى جهته، والتفرق الناس عنه (1).
أذن لماذا لم يستصلحهما ويوليهما، ويرتبطهما بالاجابة لاغراضهما ؟ قال ابن ابي الحديد في جواب هذا التساؤل: «فحوى هذا انكم تطلبون من امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يكون في الإمامة مغلوباً على رأيه، مقتاتاً عليه في تدبيره، فيقر معاوية على ولاية الشام غصباً، ويولي طلحة والزبير مصر والعراق كرهاً وهذا شيء ما دخل تحته احد ممن قبله؛ ولا رضوا ان يكون لهم من الإمامة الاسم ومن الخلافة اللفظ، ولقد حورب عثمان وحصر على ان يعزل بعض ولاته فلم يجب الى ذلك. فكيف تسومون عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يفتتح امره بهذه الدنية ويرضى بالدخول تحت هذه الخطة وهذا ظاهر» (2).
ثانياً: مدى اهلية طلحة والزبير للخلافة؟
ان المعتزلة يرون عدالة اكثر الصحابة ومنهم طلحة والزبير - كما سيتضح فيما بعد - ولكن الإمام عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اشارته لطلحة والزبير اكد عدم اهليتهم للخلافة اذ يقول: «لقد اتلعوا اعناقهم الى امر لم يكونوا اهله فوقصوا دونه» (1). فكيف ياترى يتم التوفيق بين كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا وبين رؤية الاعتزال المخالفة لكلامه، خاصة اذا علمنا ان ابن ابي الحديد يعد ان كل ما جاء في نهج البلاغة هو من كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
هنا يشير ابن ابي الحديد لرؤية الاعتزال الى اهلية طلحة والزبير للخلافة في حالة عدم طلب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخلافة، اما اذا طلبها فلم يكونا لا هما ولا غيرهما اهلاً لها، ولولا طاعته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لمن تقدمه بالخلافة، ورضاه بهم، لم يحكم معتزلة بغداد بصحة خلافتهم (2). كما مر بنا.
ثالثاً: موقف الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اصحاب الجمل
قبل المعركة وبعدها :
عد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خروج طلحة والزبير نكثاً للبيعة، لكنه اثر الامساك عن حربهم أولاً، «وسأمسك الامر ما استمسك، واذا لم اجد بدأ فآخر الدواء الكي». امسك نفسي عن محاربة هؤلاء ما امكنني وادفع الايام بمراسلتهم، وتخويفهم وانذارهم، واجتهد في ردهم الى الطاعة ترغيباً وترهيباً، فاذا لم اجد بداً من الحرب، فاخر الدواء الكي، أي الحرب، فهي الغاية التي اليها ينتهي امر الخارجين (3).
لكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجد ان الواجب الشرعي يحتم عليه استخدام القوة لارجاعهم الى الطريق الصحيح «فما وجدتني يسعني الا قتالهم او الجحود بما جاء به محمد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، فكانت معالجة القتال أهون من معالجة العقاب، وموتات الدنيا اهون على من موتات الاخرة» (1). ولكن كيف يكون تارك الواجب جاحداً لما جاء به النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)؟
ترى المعتزلة انه في حكم الجاحد لانه مخالف وعاص، لاسيما معتزلة بغداد التي ترى ان تارك الواجب مخلد في النار حتى ولو لم يجحد النبوة، وترى المعتزلة ان جهاد الخارجين عن طاعة الإمام واجب على الإمام في حالة اذا وجد انصاراً. فاذا اخل بذلك يكون قد اخل بواجب، فيستحق العقاب (2).
والملاحظ ان الإمام عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يستند في قتاله على شرعية حكمه بل على احاديث تنسب للنبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) (3)وهذا من دلائل نبوته (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) لانه اخبار صريح بالغيب لا يحتمل التمويه والتدليس، كما تحمله الاخبار المجملة (4).
ان ما حدث من خروج طلحة والزبير امراً غير مألوف مسبقاً عند المسلمين لذلك كان من الصعب اتخاذ موقف بصددهم، وهنا كان موقف الإمام العالي لعل الله : «فاني فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجتري، عليها احد غيري بعد ان ماج غيهبها، واشتد كلبها» (5).
1) الشرح ٦/٤. ورد معنى النص عند الحاكم المستدرك ١٢٤/٣ - ١٢٥ - القاضي: المغني ٧٥/٢/٢٠.
2) الشرح ٦/٤.
3) انظر: البيهقي : المحاسن والمساوي، ص ٤٥. الحاكم: المستدرك ١٥٠/٣ القاضي المغني ٧٤/٢/٢٠. الخطيب: تاریخ بغداد ۱۳٤٠/٨، ۱۸۷/۱۳ ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۱۱۷/۳ الشهرستاني: الملل ۱۵۸/۱ الخوارزمي : المناقب ص ۱۱۰ الجويني : فرائد السمطين ١٥٠/١. ابن كثير: البداية والنهاية ٣٦١/٧.
4) الشرح ٢٠٠/١ - ٢٠١.
5) الشرح ٤٤/٧. وانظر: ابي :هلال الغارات ص ٥.
ان الناس قبل معركة الجمل كانوا يهابون قتال اهل القبلة، ولا يعلمون كيف يقاتلونهم؟ هل يتبعون موليهم ام لا ؟ وهل يجهزون على جريحهم ام لا؟ وكيف يتعاملون مع غنائمهم؟ وكانوا يستعظمون قتال من يؤذن بآذان المسلمين، ويصلي بصلاتهم، وكذلك استعظموا حرب ام المؤمنين وطلحة والزبير لمكانهم في الاسلام، وتوقف جماعتهم عن الدخول في هذه الحرب كالاحنف بن قيس وغيره.
فلولا ان الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اجتراً على سل السيف ما أقدم احد على الحرب (1)حيث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «قد فتح باب الحرب بينكم وبين اهل القبلة ولا يحمل هذا العلم الا أهل البصر والصبر والعلم بمواقع الحق، فامضوا لما تؤمرون به، وقفوا عندما تنهون عنه، ولا تعجلوا في أمر حتى تتبينوا فأن لنا مع كل امر تنكرونه غيراً». فهنا الإمام يشير لهيبة الناس من قتال أهل القبلة، حتى ان الشافعي يقول: «لولا علي لما عرف شيء من احكام البغي:، واكد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان مثل هذا الحال لا يعرف مواقع العمل به الا من خصه الله بالبصيرة والعلم (2)، ولذا قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لو لم اك فيكم لما قوتل اهل الجمل وأهل النهروان». وذلك لان الشبهه كانت في اهل الجمل ظاهرة الالتباس فالزبير وطلحة موعودان بالجنة، وأم المؤمنين زوجة رسول الله في الدنيا والآخرة، وحال طلحة والزبير في السبق والجهاد معروفة، وكان اهل النهروان في حالة من العبادة والزهد العبادة والزهد، وهم قراء العراق، في حين كان معاوية، مشهوراً بقلة الدين وكذاك من ناصره وهو عمرو بن العاص، ومن تابعهم من اهل الشام واعرابهم فاولئك كان حالهم معروفاً في الانحراف فلا يستحرمون
قتالهم (1).
اما عن موقف الإمام بعد المعركة فالمعروف أن الزبير خرج منهـ منها أثر احتجاج الإمام عليه، فاتبعه ابن جرموز - فاغتاله وجاء برأس وسيف الزبير للإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وادرك الإمام ان ابن جرموز لم يقتل الزبير مبارزة وانما غدراً حيث قال له: «والله ما كان ابن صفية جباناً ولا لئيماً. ولكن الحين ومصارع السوء: ثم اخذ سيف الزبير وقال: «سيف طالما جلى به الكرب عن وجه رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)»، فقال ابن جرموز الجائزة يا امير المؤمنين فقال (عليه السلام): اما اني سمعت رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) يقول : بشر قاتل ابن صفية بالنار» فخرج ابن جرموز خائباً، وقتل في النهروان مارقاً (2).
اما طلحة فقد قتل في ساحة المعركة، وأتهم مروان بن الحكم بقتله، بل كان مروان يصرح بذلك، حيث لما ضعف اصحاب الجمل قال مروان: «لا اطلب ثأر عثمان من طلحة بعد اليوم فانتحى له بسهم فاصاب ساقه» (3).
اما عن موقف الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه، فترى المعتزلة انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما مر بساحة المعركة ومر على طلحة قال: اجلسوه ثم قال: «اعزز علي يا ابا محمد ان اراك معفراً تحت نجوم السماء، وفي بطن هذا الوادي ابعد جهادك في الله، وذبك عن رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، فجاء اليه انسان فقال: اشهد يا امير المؤمنين، لقد مررت عليه بعد ان اصابه السهم وهو صريع فصاح بي، فقال من اصحاب من انت؟ فقلت: من اصحاب امیر المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : امدد يدك لا بايع امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمددت اليه يدي فبايعني لك. فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ابي الله ان يدخل طلحة الجنة الا وبيعتي في
عنقه» (1).
اننا لا نستعبد موقف الإمام من طلحة (رضي الله عنه)، فتأسيه وتألمه لهذه العاقبة مسألة طبيعية ! كيف وهو زميله في درب الجهاد منذ ان كان الاسلام لازال بذرة مكة مروراً بتلك الايام الصعاب حتى اصبح الاسلام يرفرف على انحاء الجزيرة وحواليها. ان ذلك قطعاً سيثير الشجون لدى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو الذي تألم لاشقى الآخرين - ابن ملجم كيف لا يتألم لاحد ابرز الصحابة الكرام.
اما بالنسبة الى ام المؤمنين (رضي الله عنها) فقد اوكل امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) امرها لاخيها محمد بن ابي بكر، ثم اعادها الى المدينة بصحبة اربعين من نساء بني عبد القيس (2).
اما عن باقي الناس فقد «اتفقت الرواة على أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبض ما وجد في عسكر الجمل من سلاح ودابة ومملوك ومتاع وعروض فقسمه بين اصحابه وانهم قالوا له: اقسم بيننا اهل البصرة فاجعلهم رقيقاً، فقال: لا، فقالوا: فكيف تحل لنا دماؤهم وتحرم علينا سبيهم! فقال : كيف يحل لكم ذرية ضعيفة في دار هجرة، و اسلام اما ما اجلب به القوم في معسكرهم عليكم فهو لكم مغنم، واما ما وارت الدور واغلقت عليه الابواب فهو لاهله، ولا نصيب لكم في شيء منه، فلما اكثروا عليه قال فاقرعوا على عائشة لا دفعها الى من تصبيه القرعة فقالوا: نستغفر الله يا أمير المؤمنين: ثم انصرفوا» (3).
رابعا: رؤية المعتزلة لخاتمة اصحاب الجمل
تحكم المعتزلة لكل فاسق مات على فسقه بالنار، ويعدون الباغي على
الإمام الحق، والخارج عليه بشبهة أو بغير شبهة فاسق (1)ومن خلال حديث للنبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) يرويه الصحابي حذيفة بن اليمان ذكر فيه خروج ام المؤمنين فقال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ): «تقاتل معها مضر مضرها الله في النار، وازد عمان سلت الله اقدامها، وان قيساً لن تنفك تبغي دين الله شراً، حتى يركبها الله بالملائكة فلا يمنعوا ذنب تلعة» (2)اشار المعتزلة ان هذا الحديث يؤكد مذهب المعتزلة في فسق اصحاب الجمل الا من ثبتت توبته وهم الرؤساء فقط - طلحة والزبير وعائشة (3)ـ وهذه التوبة كانت بعد المعركة وان الإمام شهد لهم بالجنة بعد حرب الجمل (4).
وفي معرض نقده لطعن معاوية على الإمام لحربه طلحة والزبير وعائشة قال ابن ابي الحديد: «واصحابنا يذهبون الى انهما تابا، وفارقا الدنيا نادمين على ما صنعا، وكذلك نقول نحن؛ فان الاخبار كثرت بذلك، فهما من اهل الجنة لتوبتهما، ولولا توبتهما لكانا هالكين كما هلك غيرهما، فان الله تعالى لا يحابي احداً في الطاعة والتقوى (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (5)، وأما الوعد لهما بالجنة فمشروط بسلامة العاقبة والكلام في سلامتهما، واذا ثبتت توبتهما فقد صح الوعد لهما وتحقق ؛ وقوله «بشر قاتل ابن صفية بالنار» فقد اختلف فيه، فقال قوم من ارباب السير وعلماء الحديث، هو كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير مرفوع، وقوم منهم جعلوه مرفوعاً، وعلى كل حال فهو حق لان ابن جرموز قتله مولياً خارجاً من الصف، مفارقاً للحرب، فقد قتله على توبة
وانابة ورجوع من الباطل وقاتل من هذه حاله مستحق للنار» (1).
وفي دعائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على طلحة والزبير «وارهما المساءة فيما املا وعملا عد ابن ابي الحديد هذه المساءة مساءة الدنيا لا الاخرة، لان الله وعدهما على لسان رسوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بالجنة التي استوجباها بالتوبة (2).
اما بالنسبة الى ام المؤمنين (رضي الله عنها) فانها عند المعتزلة قد ندمت وخاصة بعد استشهاد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث يرى المعتزلة انها اعترفت يوم الجمل بالخطأ لامير المؤمنين، وسألته العفو، وان الاخبار تواترت باظهارها الندم، وانها كانت تقول: ليته كان لي من رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بنون عشرة، كلهم مثل عبد الرحمن بــن الحارث بن هشام (3)- وثكلتهم، ولم يكن يوم الجمل وانها كانت تقول: ليتني مت قبل يوم الجمل وانها كانت اذا ذكرته تبكى حتى قبل خمارها (4).
ان الاخبار الواردة في توبتها أكثر من الواردة في توبة طلحة والزبير لانها عاشت بعدهما زماناً، فالذي جرى كان خطأ منها، وليس على امير المؤمنين ذنب، على انه أكرمها وصانها وعظم من شأنها (5).
ولكن كلام الإمام «ولها بعد حرمتها الأولى، والحساب على الله» يدل على
1) الشرح ٢٥٤/١٧.
2) الشرح ٣٨/٩ - ٣٩.
3) هو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي اسلم ابوه يوم فتح مكة، وكان صغيراً لما توفى الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وامه فاطمة بنت الوليد اخت خالد ولما توفى ابوه تزوج عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) امه فنشأ في حجر عمر، ثم تزوج مريم بنت عثمان بن عفان، وكان احد الاربعة الذين عهد اليهم عثمان (رضي الله عنه) بنسخ المصاحف، خرج مع طلحة والزبير في الجمل، توفي سنة ٤٣ هـ انظر مصعب الزبيري نسب قريش ص ۳۰۳، ۳۰۸ الطبري 4 / 112، 471، 507، 513، 5 / 67، 278، 528. الحاكم المستدرك ۳۱۳/۳. ابن عبدالبر الاستيعاب /٤٢٦/٢. ابن حجر: الاصابة ٣٩٤/٢، ٦٦/٣.
4) الشرح ٢٤/١٤. البيهقي: المحاسن ۲۹۷ - ۸ الحاكم المستدرك ۱۲۸/۳ - ۹. القاضي: المغني - ۸۹/۲/۲ - ۹۱ سبط ابن الجوزي: تذكرة: ص ۸۱.
5) الشرح ٢٥٤ - ٢٥٥/١٧.
توقفه في أمرها، فكيف الجمع بين كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومذهب الاعتزال؟
هنا يرى ابن ابي الحديد انه يجوز ان كلامه هذا كان قبل تواتر الخبر بتوبتها (1)فان المعتزلة يرون انها تابت بعد مقتله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و ندمت وقالت لوددت ان (عَلَيهِ السَّلَامُ) عشرة بنون من الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، وكلهم ماتوا، ولم يكن يوم الجمل، وانها كانت بعد مقتله تثني عليه، وتنشر مناقبه، مع ان المعتزلة ايضاً روت انها بعد الجمل كانت تبكي حتى تبل خمارها، وتستغفر الله. ولكن لم يبلغ لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حديث توبتها بعد الجمل بشكل يقطع العذر ويثبت الحجة، والذي شاع من ندمها وتوبتها بعد مقتله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى ان ماتت وهي على ذلك، والتائب عند المعتزلة مغفور له، وقبول التوبة واجب عند المعتزلة من باب العدل الالهي، والمعروف انه ثبت أنها زوجة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) في الدنيا والآخرة، اذن فيجب عند المعتزلة تكلف اثبات التوبة لها اذا لم يكن هناك ما يدل عليها، كيف وقد اكدت الروايات والادلة على توبتها (2).
وايضاً استفاد ابن ابي الحديد في اثبات توبتها من قوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : «ایتكن صاحبة الجمل الادبب تنبحها كلاب الحواب يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثيرة، كلهم في النار، وتنجو بعد ماكادت» (3).
حيث يحمل المعتزلة قوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : (وتنجوا) على نجاتها من النار، لان لفظة «في النار» اقرب من لفظة «القتل»، والقرب معتبر في هذا الباب وان نحاة البصريين اعملوا اقرب العاملين، نظراً الى القرب(4). ويخلص ابن ابي الحديد في امر ام المؤمنين ان المعتزلة ترى في انها اخطأت فيما فعلت، ثم تابت وماتت تائبة
وانها من أهل الجنة (1).
اما توبة الزبير فانه رجع عن الحرب معترفاً بالخطأ لما ذكره علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما مضى من حديث الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ). في حين ان طلحة مر به ـ وهو صريح - فارس فقال له قف، فوقف قال: من أي الفريقين انت ؟ قال من اصحاب امير المؤمنين، قال اقعدني، فاقعده، فقال: امدد يدك ابايعك لامير المؤمنين، فبايعه (2).
هذه الروايات وان كانت احاداً، فان التوبة يحكم بها للمكلف على غالب الظن في جميع المواضع، وليس على القطع (3).
بعد انتهاء الإمام من معركة الجمل في البصرة توجه نحو الكوفة بدلاً من المدينة لان الواقع يفرض عليه اعتماد قوة الامصار، ازاء الاخطار المحدقة بخلافته حيث رفض معاوية بن ابي سفيان والى الشام بيعة الإمام مستغلاً مقتل الخليفة كورقة سياسة ومستفيداً من الموقف السلبي لطلحة والزبير وام المؤمنين من الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكانت وقعة صفين سنة ٣٧ هـ والذي احرز فيها الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نصراً عسكرياً، ولكن معاوية وباشارة من عمر و بن العاص تمكنا مــن ايقاف الحرب بخدعة المصاحف، والدعوة الى الاحتكام الى كتاب الله تعالى وكان ذلك سبباً في انشقاق اتباع الإمام بين داع للاستمرار بالحرب، وبين من
1) الشرح ٢١٤/٦.
2) الشرح ٢٤/١٤.
3) الشرح ٢٥/١٧. وأوضح البغدادي رؤية الإشاعرة بقوله (وقالوا الاشاعرة) بتصويب علي في حروبه بالبصرة وبصفين وبالنهروان وقالوا: بأن طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال على لكن الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع بعد منصرفه من الحرب، وطلحة لما هم بالانصراف رماه مروان بن الحكم وكان مع اصحاب الجمل بسهم فقتله، وقالوا ان عائشة رضي الله عنها قصدت الاصلاح بين الفريقين فغلبها بنو ضبة والازد على رأيها وقاتلوا علياً دون اذنها حيث كان من الامر ما كان الفرق بين الفرق ص ۲۱۱ – ۲۱۲.
انهكه القتال ورأى في رفع المصاحف عذراً له، وازاء ذلك اضطر الإمام للقبول بالتحكيم، حيث مثل ابو موسى الاشعري اهل العراق تلبية لطلب الداعين لوقف القتال، وان كان الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير راض عنه. اما اهل الشام فرشحوا عمرو بن العاص، وانتهى الأمر بفشل التحكيم (1).
وسنناقش تحليل ابن ابي الحديد لاحداث صفين في المحاور الآتية:
اولاً: دعوة الإمام معاوية للدخول في البيعة.
ثانياً: الاسس التي اعتمدها معاوية في حربه للامام.
١. نسبه.
٣. مقتل الخليفة.
٤. الطعن في سيرة الإمام.
٥. موقف الإمام من عائشة وطلحة والزبير.
ثالثاً: معركة صفين
٢. احداث المعركة.
رابعاً: رؤية الاعتزال لاهل صفين.
اولاً: دعوة الإمام معاوية للدخول في البيعة:
بعد انتهاء معركة الجمل، ولو مسير الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى الكوفة كتب العماله
1) انظر تحليل ابن أبي الحديد في الشرح 1 / 9، 2 / 206 – 260، 3 /70 - 118، 166 - 188، 202 - 215، 312 - 338، 4 / 13 - 32، 5 / 119 - 131، 175 - 258، 6 / 302 - 317، 8 / 9 - 102، 9 / 293 - 4، 14 / 38، 40، 15 / 120 - 124، 16 / 133 - 7.
بخبر اهل الجمل، ومنهم جرير بن عبد الله البجلي والى همدان، الذي بايع للامام ثم جاء الى الكوفة فارسله الإمام رسولاً إلى معاوية، بكتاب جاء فيه «انه بايعني القوم الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهدان يختار، ولا للغائب أن يرد، وانما الشورى للمهاجرين والانصار، فان اجتمعوا على رجل وسموه اماماً كان ذلك لله رضاً، فإن خرج من امرهم خارج بطعن او بدعة ردوه الى ما خرج منه، فأن ابي قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولی»(1).
ولما قرأ معاوية الكتاب اغتم بما فيه، وذهبت به افکاره کل مذهب و طاول جرير الجواب حتى كلم اناساً من اهل الشام في مسألة الطلب بدم عثمان (رضي الله عنه) فاجابوه، ووثقوا له واحب الزيادة في الاستظهار، فاستشار اخاه عتبة بن ابی سفیان فاشار عليه بالاستعانة بعمرو بن العاص «فانه من قد علمت من دهائه ورأيه، وقد اعتزل عثمان في حياته، وهو لامرك اشد اعتزالاً، الا ان تثمن له دينه فيتبعك فانه صاحب دنيا» (2).
كان عمرو بن العاص والياً على مصر للخليفة عمر (رضي الله عنه)، ثم لعثمان (رضي الله عنه)، وبعد ذلك عزله فاتخذ منه موقفاً سلبياً، قفا سلبيا، وتشير، وتشير بعض الروايات لمجاهرته بنقد الخليفة عثمان (رضي الله عنه) واعلانه الصريح بانه من وراء قتله (3). ولما جاءه کتاب معاوية استجاب لدعوته بعد طول تفكير ومناقشة مع ولديه وغلامه (4)، مع ان هناك اشارة تفيد ان عمرو بن العاص كان المحرض الأول لمعاوية على الإمام بعد مقتل عثمان قائلا له: «ما كنت صانعاً فاصنع، اذ قشرك ابن أبي طالب من
كل ما تملكه كما تقشر عن العصا الحاها» (1).
وبعد وصوله لمعاوية تداول معه الرأي بخصوص الموقف من الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال عمرو: «والله يا معاوية: ما انت وعــلـي بـحـملـي بـعير، ليس لك هجرته، ولا سابقته، ولا صحبته، ولا جهاده، ولا فقهه، ولا علمه ووالله ان له مع ذلك لحظاً في الحرب ليس لاحد غيره، ولكني قد تعودت من الله تعالى احساناً و بلاءاً جميلاً، فما تجعل لي ان انا شايعتك على حربه، وانت تعلم ما فيه من الغرر والخطر ؟ قال : حكمك، فقال مصر طعمه، فتلكأ عليه معاوية، ثم قال: يا ابا عبدالله اني اكره لك ان تتحدث العرب عنك انك انما دخلت في هذا الامر لغرض الدنيا قال عمرو: لا لعمر و الله ما مثلي يخدع لأنا اكيس من ذلك. قال معاوية: ادن مني اسارك، فدنا منه عمر و ليساره فغض معاوية اذنه، وقال: هذه خدعة هل ترى في البيت احداً؟ ليس غيري وغيرك» (2).
واوضح الجاحظ السر في مطالبة عمرو بن العاص بمصر، لانه هو الذي افتتحها في خلافة عمر (رضي الله عنه)، فكان لعظمها في نفسه وجلالتها في صدره، وماقت عرفه من أموالها وسعة الدنيا، لا يستعظم أن يجعلها ثمناً لدينه (3).
وبعد مداولات وتدخل عتبة بن ابي سفيان وافق معاوية على اعطاء مصر طعمه لعمرو بن العاص وكتب بذلك كتابا جاء فيه: «على الا ينقض شرط طاعه». فكتب عمرو على الاتنقض طاعه شرطاً». فكايد كل واحد منهما صاحبه، وتفسيره ان معاوية قال للكاتب اكتب «على الا ينقض شرط طاعه». يريد يد اخذ اقرار عمر و له ان قد بايعه على الطاعة بيعة مطلقة غير مشروطة بشيء. وهذه مكايدة له؛ لانه لو كتب ذلك لكان لمعاوية أن يرجع في اعطائه مصر، و، ولم يكن
لعمرو أن يرجع عن طاعته، و يحتج عليه برجوعه عن اعطائه مصر، لأن مقتضى المشارطة المذكورة، ان طاعة معاوية واجبة عليه مطلقاً سواء كانت مصر مسلمة اليه ام لا، ولكن عمر و انتبه للمكيدة فقال للكاتب : بل اكتب: «على الا تنقض طاعه شرطاً» يريد اخذ اقرار معاوية له بانه اذا كان اطاعه لا تنقض طاعته اياه ما شارطة عليه من تسليم مصر اليه، وهذا ايضاً مكايدة من عمر و لمعاوية، ومنع له من أن يغدر بما اعطاه من مصر (1).
ثم بدأ العمل حيث استشار معاوية عمراً في امور ثلاثة: الأول: خروج محمد بن أبي حذيفة (2). الثاني: تحرك قيصر الروم (3). الثالث: الموقف من الإمام، علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وكان رأي عمرو أن يرسل مالك بن هبيرة الكندي لمحمد بن أبي حذيفة فانفذه اليه وقتله، واما القيصر فان يوادعه بالهدايه والاموال. في حين قال في حق الإمام: «انه قد اتاك في طلب البيعة خير اهل العراق ومن عند خير الناس في انفس الناس، ودعواك اهل الشام الى رد هذه البيعة خطر شديد، ورأس اهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي (4)، وهو خصم لجرير رسول علي، «فابعث اليه ووطن له ثقاتك، فليفشوا في الناس ان عليا قتل عثمان وليكونوا اهل رضا عند شرحبيل فانها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب، وان تعلقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشيء أبدا» (5).
1) الشرح ٦٧/٣ - ٦٨ المنقري : وقعة صفين ص ٤٠ - ٤١.
2) هو حمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان ممن اتخذ موقفاً من الخليفة عثمان (رضي الله عنه)، ثم سيطر على مصر في أواخر ايام الخليفة عثمان (رضي الله عنها)، وقد تم قتله على يد معاوية الطبري تاريخ ۲۹۱/4 - ۲، ۳۵۳، ۳۵۷- 8، 399، 421، ٥٤٦ - 7. ابن حزم جمهرة انساب العرب ص ۷۷.
3) الطبري ٤٤١/٤.
4) انظر ترجمته ابن عبد البر : الاستيعاب ۲۹۹/۲ - ۷۰۰. ابن حجر: الاصابة ١٤٣/٢ - ١٤٤.
5) الشرح ٧١/٢ المنقري : وقعة صفين ص ۷۱/۲ ص ٤٤.
وفعلاً ارسل معاوية الى شرحبيل، وتمكن من اقناعه وفق الخطة، التي رسمها عمرو في رمي مسؤولية قتل الخليفة عثمان على الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونتيجة لذلك اتحدت الشام في تأييدها لمعاوية (1)، بعد استخدامه سياسة تقريب رؤسا القبائل «أن معاوية... كان يعطى رؤسا القبائل من اليمن وساكني الشام الاموال الجليلة، يستعبدهم بها، ويدعو اولئك الرؤساء اتباعهم من العرب فيطيعونهم فمنهم من يطيعهم حمية، ومنهم من يطيعهم لاياد وعوارف من أولئك الرؤسا عندهم، ومنهم يطيعهم ديناً، زعموا للطلب بدم عثمان، ولم يكن يصل الى هؤلاء الاتباع من اموال معاوية قليل ولا كثير» (2).
وبعد حصول معاوية على تأييد اهل الشام عاد الجواب معلنا رفضه للبيعة، ومطالباً اياه بدم الخليفة: «اما بعد، فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وانت بريء من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان؛ ولكنك اغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الانصار، فاطاعك الجاهل، وقوى بك الضعيف. وقد ابى اهل الشام الاقتالك حتى تدفع اليهم قتلة عثمان، فان فعلت كانت شورى بين المسلمين، ولعمري ليس حججك على كحججك على طلحة والزبير لانهما بايعاك، وما حجتك على اهل الشام كحجتك على اهل البصرة، لان اهل البصرة اطاعوك، ولم يطعك أهل الشام. فاما شرفك في الاسلام، وقرابتك من النبي (صلى الله عليه)، وموضعك من قریش فلست ادفعه» (3).
يلاحظ على هذا الكتاب ان معاوية يجعل نقطة الفـصـل هـي مسألة عثمان (رضي الله عنه)، فلامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وان لم يكن القاتل، فهو الذي اغرى المهاجرين
وخذل الانصار، اذن فهو مطالب أولاً بتقديم قتلة عثمان وبعد ذلك تلغى خلافة الامام ويعاد الامر شورى ولكن اين يا ترى تكون الشورى، فهل في المدينة التي اتخذت موقفاً سلبياً حيال مقتل الخليفة ام في العراق، وهذا ما لا يقبل به معاوية، إذن فمعاوية لا يقصد من الشورى الا في الشام، وهو ما يعني توليه الخلافة، ثم اكدت ان الامام ليست لديه حجة على معاوية كما كانت لديه حجة على طلحة والزبير لأنهما بايعاه، ولا له حجة على اهل الشام كما كانت له حجة على اهل البصرة، لانهم استجابوا لامره بعزل الوالي القديم وتولية والي جديد وبايعوا للإمام.
ثانياً: الاسس التي اعتمدها معاوية في حربه للامام
الملاحظ ان معاوية استند في صراعه مع الإمام على نسبه المكافىء لنسب الإمام، اذ يقول له في احد كتبه: «فأنا بني عبد مناف، لم نزل ننزع من قليب واحد ونجري في حلبة واحدة، ليس لبعضنا على بعض فضل ولا لقائمنا على قاعدنا فخر كلمتنا مؤتلفة، والفتنا جامعة، ودارنا واحده، يجمعنا كرم العرق، ويحوينا شرف النجار، ويحنو قوينا على ضعيفنا ويواسي غنينا فقيرنا، قد خلصت قلوبنا من وغل الحسد، طهرت أنفسنا من خبث النية، فلم نزل كذلك حتى كان منك ما كان من الاذهان في أمر ابن عمك...» (1).
والظاهر ان معاوية اراد التغطية على تاريخه في ظل الاسلام، فالتجأ الى ما قبل الاسلام مؤكداً على مسألة النسب التي هي من ضرورات الجاهلية، مدعياً أنه لا يوجد فضل لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لانهما من أصل واحد لكن الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) انكر
1) الشرح ٢٥١/١٧.
التساوي في الفضل حيث قال: «كذلك نحن، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا ابوسفيان كابي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحق كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل ولبئس الخلف خلفاً يتبع سلفاً هوى في نار جهنم» (1).
كان الترتيب يقتضي ان يجعل الامام هاشماً بازاء عبد شمس لأنهما اخوه في قعدد، وكلاهما ولد عبد مناف لصلبه، وأن يكون امية بازاء عبد المطلب، وان يكون حرب بازاء ابي طالب، وان يكون ابو سفيان بازاء امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لان كل واحد منهم في قعدد صاحبة الا ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما كان في صفين بازاء معاوية اضطر لجعل هاشم بازاء امية بن عبد شمس (2).
ان ترتيب الإمام هو ما يلائم الواقع فعلاً، فأمية هو الذي نافر هاشماً واضطر للرحيل الى الشام بعد أن غلبه هاشم، وحرب نازع عبدالمطلب، اما ابو سفيان فموقفه بالنسبة للدعوة الاسلامية بالضد من موقف أبي طالب، ثم جاءت أقف معاوية المقابلة المواقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ان الإمام وهو يضع نفسه مقابلاً لمعاوية في تأكيده على مسألة الايمان له ونفيها عن معاوية، وقد سبق ان قابل بین اجداده و اجداد معاوية، والملاحظ ان المقابلة حول نفس المسألة وهي الايمان، فمثلما كان الإمام مؤمناً فكذلك اسلافه ومثلما نفي الإمام الايمان عن معاوية فكذلك عن اسلافه، لذلك خلص الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) للقول: «ولبئس الخلف خلفاً يتبع سلفاً هوى في نار جهنم».
واضاف الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وفي ايدينا بعد فضل النبوة التي اذللنا بها العزيز، ونعشنا بها الذليل، ولما ادخل الله العرب في دينه افواجاً، واسلمت له هذه الامة طوعاً وكرها، كنتم ممن دخل في الدين». أي اذا فرضنا تساوي الاقدام في
مآثر اسلافكم كان في ايدينا بعد الفضل عليكم بالنبوة التي نعشنا بها الخامل واخملنا به النبيه (1).
ان تفسير ابن ابي الحديد الاخير لا يتفق مع كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بل انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ان ذكر فضائله قبل الاسلام اضاف لذلك ماثرة جديدة وهي النبوة.
ورد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ما جاء في كتاب معاوية في مسألة توحدهما وكونهما من أصل واحد فقال: «أنا كنا نحن وانتم على ما ذكرت من الالفة والجماعة، ففرق بيننا وبينكم امس ان آمنا وكفرتم، واليوم انا استقمنا وفتنتم وما اسلم مسلمكم الا كرهاً وبعد ان كان انف الاسلام كله لرسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) حرياً» (2).
ولكن لماذا لم يقل الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعاوية: ولا انا كأنت؟ قال ابن ابي الحديد: قبيح ان يقال ذلك، كما يقال: السيف أمضى من العصا، بل قبيح به ان يقولها مع احد من المسلمين كافة، نعم قد يقولها لا تصريحاً، بل تعريضاً، لانه يرفع نفسه على ان يقيسها باحد (3).
ثم أكد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أن معاوية من الطلقاء، والطليق هو: كل من دخل عليه الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) مكة عنوة فملكه بالسيف، ثم من عليه عن اسلام او غير اسلام كصفوان بن امية الذي لم يسلم ومعاوية الذي اعلن اسلامه وكذلك من اسر في حرب الرسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) فمن عليه بفداء أو غير فداء فهو ايضاً طليق، فممن امتن عليه بفداء كسهيل بن عمر و وبغير فداء مثل ابي عزة الجمحي، ومن امتن عليه معاوضة مقابل اطلاق اسير من المسلمين عمر و بن أبي سفيان اخو معاوية، فهؤلاء
كلهم من الطلقاء (1).
وفي وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعاوية اطلق عليه لفظة اللصيق، فهل في نسب معاوية شبهة ؟ ان الإمام هنا لم يقصد النسب وانما اراد بالصريح بالاسلام ويعني نفسه، فهو ممن اسلم اعتقاداً واخلاصاً، اما اللصيق فهو من اسلم تحت السيف، أو رغبة في دنيا، وقد جاء في احد كتبه لمعاوية كنتم ممن دخل في هذا الدين اما رغبة واما رهبة» (2).
وختم الإمام كلامه «ولبئس الخلف خلفاً يتبع سلفاً هوى في نار جهنم». فالإمام يعيب معاوية على اسلافه لانه اتبع،آثار هم و احتذى حذوهم، فهنا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يعبه لان سلفه كفار، بل لانه كان متبعاً لهم (3).
واشار الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان معاوية ممن لم يسلم حتى رضخت له الرضائخ والرضيخة شيء قليل يعطاه الانسان يصانع به عن شيء يطلب منه كالاجر، وذلك لانه من المؤلفة قلوبهم الذين رغبوا في الاسلام والطاعة، بجمال وشاء دفعت اليهم، وهم قوم معرفون كمعاوية واخيه يزيد وابيهما أبي سفيان وحكيم بن حزام وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام بن المغيرة، حيث «كان اسلام هؤلاء للطمع والاغراض الدنياوية، ولم يكن عن اصل، ولا عن يقين وعلم»(4).
وكان الإمام يؤكد على الموقف السلبي الذي اتخذه معاوية من الاسلام في بدء الدعوة الاسلامية «ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية، وولاة أمر الامة بغير قدم سابق، ولا شرف باسق». وهذا ينبغي ان يحمل على نفي كونهم سادة في الاسلام وليس قبله بدليل:
۲. قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) « ولاة أمر الامة» يفيد انه يقصد ذلك في الاسلام، لان لفظة الامة - تعني العرب في ظل الاسلام (1).
ولذا انكر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على معاوية دخوله في المفاضلة بين كبار الصحابة لانه من الطلقاء «وما انت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس وما للطلقاء وابناء الطلقاء، والتمييز بين المهاجرين الاولین و ترتيب درجاتهم و تعريف طبقاتهم هيات لقد حن قدح ليس منها (2)، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها الا تربع أيها الانسان على ضلعك، وتعرف قصور ذرعك وتتأخر حيث اخرك القدر! فما عليك غلبة المغلوب، ولا ظفر الظافر، فانك لذهاب في التيه رواغ عن القصد» (3).
ثم اكد (عَلَيهِ السَّلَامُ) قتال معاوية واهل بيته للاسلام «فانا ابو الحسن قاتل جدك واخيك وخالك شدخاً يوم بدر، وذلك السيف معي، وبذلك القلب القى عدوي ما استبدلت ديناً، ولا استحدثت نبياً واني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين، و دخلتم فيه مكرهين» (4).
وكتب له في مناسبة اخرى «فانا ابن عبدالمطلب صاحب السيف، وان قائمه لفي يدي، وقد علمت من قتلت من صناديد بني عبد شمس، وفراعنة بني سهم، وجمح وبني مخزوم، وايتمت ابناءهم وايمت نسائهم واذكرك مالست له ناسياً، يوم قتلت اخاك حنظلة، وجررت برجله الى القليب، واسرت اخاك عمراً، فجعلت عنقه بين ساقيه رباطاً، وطلبتك فقررت ولك حصاص؛ فلولا اني لا اتبع فاراً لجعلتك ثالثهما، وانا اولي لك بالله اليه برة غير فاجرة، لئن جمعتني واياك جوامع الاقدار لا تركنك مثلاً يمتثل به الناس ابداً، ولأجعجعن بك في مناخك حتى يحكم الله بيني وبينك»(1).
وفي محاوره له مع شيخه النقيب سأله ابن ابي الحديد عن معاوية هل شهد بدراً؟ قال: نعم شهدها ثلاثة من اولاد ابي سفيان حنظلة وعمرو ومعاوية، قتل احدهم واسر الثاني، وافلت معاوية هاربا على رجليه، فقدم مكة، وقد انتفخت قدماه وورمت ساقاه. ثم قال الشيخ أما سمعت نادرة الاعمش ومناظرة؟ سأل رجل الاعمش وكان قد ناظر صاحباً له: هل معاوية من أهل بدر ام لا؟ فقال له: اصلحك الله هل شهد معاوية بدراً؟ فقال: نعم من ذلك الجانب (2).
وقد اعتبر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معاوية عدواً للنبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ): «فأنه لا سواء، امام الهدى وأمام الردى وولي النبي وعدو النبي». فالإمام هنا يشير الى نفسه كامام للهدى، والى معاية كامام للردى وسمى معاوية اماماً من قوله تعالى (وجعلناهم صل الله ائمة يدعون الى النار) (3)ثم نعته بصفة اخرى الا وهي عداوته الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، لقوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) لعلي: «عدوك عدوي وعدوي عدو الله» (4).
1) الشرح ٨٤/١٥ ان اسلوب هذه الرسالة لا يتناسب مع سجايا الامام وخصاله وبلاغته فطابع التحريف واضح عليها بدليل انها لم ترد في نهج البلاغة.
2) الشرح 15 / 85 - 86.
3) سورة القصص: الآية ٤١.
4) الشرح ۱۷۰/۱۵ - ۱۷۱، والحديث أخرجه الحاكم المستدرك ۱۳۸/۳، والخطيب: تاريخ بغداد ٤١/٤ محب الدين الرياض ۲۲۰/۲. الذهبي : تلخيص المستدرك ۱۳۸/۳ الفيروز آبادي: فضائل الخمسة ۲۰/۲.
وخلص الإمام للقول: «واعلم انك من الطلقاء الذين الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تفرض بهم الشورى» (1).
اذن كان قتل الإمام لجد واخ وخال معاوية سبب في خلق كراهيته للامام فكان «على اس الدهر مبغضاً لعلي (عليه السلام) شديد الانحراف عنه، وكيف لا يبغضه، وقد قتل اخاه حنظلة يوم بدر، وخاله الوليد بن عتبة وشرك عمه في جده. وقتل من بني عبد شمس نفراً كثيراً من اعيانهم واماثلهم، ثم جاءت الطامة الكبرى واقعة عثمان، فنسبها كلها اليه بشبهة امساكه عنه، وانضواء كثير من قتلته اليه (عليه السلام) فتأكدت البغضة، وثارت الاحقاد وتذكرت تلك الترات الاولى، حتى افضى الامر الى ما افضى عليه» (2).
٢. ولايته للشام :
اعتمد معاوية ولايته الطويلة للشام - عذراً في صراعه مع الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان قد تولاها بعد وفاة اخيه يزيد بن ابي سفيان منذ خلافة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) سنة ١٨ هـ واستمر حتى وفاة الخليفة ولما جاء عثمان (رضي الله عنه)، اقره طوال خلافته، ورغم تعرض اكثر الولاة للعزل في عهد الخليفتين، فانه لم يعزل. ولذا لما جاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان معاوية قد امضى سبعة عشر عاماً في ولايته للشام وفي هذه الفترة اجهد نفسه على الاهتمام باقليم الشام، وكسب ود اهله. واخذ يميل نحو الترف والبذخ رغم نهي الخليفة عمر الخليفة عمر اياه، لكنه كان يعتذر بانه في ثغر، ولذا فهو بحاجة للظهور بمظهر خاص أمام الروم (3). ولما تولى الخليفة
عثمان (رضي الله عنه) ازدادت مكانة معاوية، ومع بواكير ظهور الفتنة كانت الشام المكان المناسب لنفي المتمردين والذين دخلو في مناقشات مع معاوية الذي احتج عليهم قائلاً: «ليس في زماني احد اقوى على ما انا فيه مني، ولقد رأى عمر بن الخطاب ذلك فلو كان غيري اقوى مني لم يكن عند عمر هواده لي ولا لغيري». ولما وثب عليه هؤلاء اخذين برأسه ولحيته قال لهم:
«مه ان هذه ليست بارض الكوفة، والله لو رأى اهل الشام ما صنعتم بي وانا امامهم ما ملكت ان انهاهم عنكم حتى يقتلوكم» (1). وفي هذا اشارة لمدى تمكنه من قلوب اهل الشام.
كان معاوية من اكبر ولاة عثمان (رضي الله عنه) ومستشاريه، وهو الذي اشار عليه بالخروج معه الى الشام ايام الفتنة، وقد اظهر ما في نفسه مستخدماً التهديد ضد كبار الصحابة فيما اذا حصل حادث للخليفة (2)، و«من هذا اليوم انشب معاوية اظفاره في الخلافة؛ لانه غلب على ظنه قتل عثمان، ورأى ان الشــام بــيـده، وان اهلها يطيعونه وان له حجة يحتج بها عليهم، ويجعلها ذريعة الى غرضه؛ وهي قتل عثمان اذا قتل وانه ليس في أمراء عثمان (رضي الله عنه) اقوى منه ولا اقدر على تدبير الجيوش واستمالة العرب، فبنى امره من هذا اليوم على الطمع في الخلافة الا ترى الى قوله لصعصعة «انه ليس أحد اقوى مني على الامارة، وان عمر استعملني ورضی سیرتی! او لا ترى الى قوله للمهاجرين الأولين ان شرعتم في اخذها بالتغالب، وملتم على هذا الشيخ، اخرجها الله منكم الى غيركم، وهو على الاستبدال قادر، وانما كان يعني نفسه، وهو يكني عنها، ولهذا تربص بنصرة عثمان لما استنصره ولم يبعث اليه احدا» (3).
وكان معاوية - مع عظم قدر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في النفوس، واعتراف العرب بشجاعته، وانه البطل الذي لا يقام له - يتهدده وعثمان (رضي الله عنه) بعد حي بالحرب والمنابذة، ويكاتبه من الشام برسائل شديد اللهجة، حتى قال له مرة في وجهه «اني أقسم بالله ان لم تتركوا شيخكم يموت على فراشه لا اعطيكم الا هذا السيف» (1).
وقد وصف ابن أبي الحديد في امارته «انه كان كثير الهزل والخلاعة صاحب جلساء وسمار، ومعاوية لم يتوفر، ولم يلزم قانون الرياسة الا منذ خرج على امير المؤمنين واحتاج الى الناموس والسكينة والا فقد كان في ايام عثمان شديد التهتك موسوماً بكل قبيح، وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلاً خوفاً منه الا انه كان يلبس الحرير والديباج ويشرب في آنية الذهب والفضة، ويركب البغلات ذوات السروج المحلاة بها، وعليها جلال الديباج والوشي، وكان حينئذ شاباً وعنده نزق الصبا واثر الشبيبة، وسكر السلطان والامرة... ولا خلاف في انه سمع الغناء وطرب عليه، واعطى ووصل عليه» (2).
۳. مقتل الخليفة عثمان (رضي الله عنه)
لما بويع الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالخلافة كتب الى معاوية: «أما بعد فان الناس قتلوا عثمان عن غير مشورة مني، وبايعوني عن غير مشورة منهم واجتماع، فاذا اتاك كتابي فبايع لي واوفد الي اشراف الشام قبلك» (3).
كان معاوية ينتظر الفرصة المناسبة للوصول الى الحكم، حيث لم يزل «ذا همة عالية، يطلب معالي الامور، ويرشح نفسه للرياسة» وجاءت الفرصة أثر مقتل
عثمان (رضي الله عنه)، خاصة وان الذي تولى من بعده، ممن يكن له معاوية اشد العدا حيث كان على اس الدهر مبغضا لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
وقد اتخذ الإمام قرار عزل معاوية مباشرة بعد البيعة، ذلك القرار الذي جوبه ينقد من قبل البعض كأبن عباس والمغيرة، واعتبره البعض من اخطاء الإمام لانه «لو كان حين بويع له بالخلافة في المدينة اقر معاوية على الشام الى ان يستقر الامر له ويتوطد ويبايع معاوية واهل الشام ثم يعزله بعد ذلك؛ لكان قد كفي ما جرى بينهما من الحرب» (2).
فى الواقع ان امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) علم من قرائن الاحوال ان معاوية لا يبايع له حتى لو اقره على ولاية الشام، بل ان اقراره اقوى لحال معاويه، وأكد في امتناعه عن البيعة لان على الإمام اما ان يطالب معاوية بالبيعة ويقرن ذلك بتقليده الشام، او يطالبه بالبيعة فقط، أو يتقدم منه الاقرار على الشام وتتأخر المطالبة بالبيعة الى وقت اخر، فان كان الأول، فمن الممكن ان يقرأ معاوية كتاب التقليد على الناس فيؤكد حاله عندهم، ويقرر في انفسهم لولا انه اهل لذلك لما اعتمده علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم يماطله بالبيعة، وان كان الثاني فهو عين ما فعله الإمام، وان كــان الثالث فهو كالقسم الأول بل اكد لما يريده معاوية من الخلاف والعصيان. اذ كيف يتوهم من يعرف السير أن معاوية كان يبايع له لو اقره على الشام وبينه وبينه ما لا تبرك الابل عليه من الترات القديمة والاحقاد وهو الذي قتل حنظلة اخاه، والوليد خاله وعتبه جده في مقام واحد، ثم ما جرى بينهما في ايام عثمان، حتى اغلظ كل واحد منهما لصاحبه، وحتى تهدده معاوية وقال له: اني شاخص الى الشام، وتارك عندك هذا الشيخ - يعني عثمان - والله لئن انحصت منه شعرة
واحدة، لاضربنك بمائة الف سيف» (1).
ولذا عد ابن ابي الحديد رؤية الإمام في عزل معاوية اصح من رؤية ابن عباس والمغيرة، فالإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كان اعلم بحاله مع معاوية، وانها لا تقبل العلاج والتدبير، وكيف يخطر ببال عارف بحال معاوية ونكره ودهائه، وماكان في نفسه من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قتل عثمان (رضي الله عنه)، ومن قبل قتل عثمان وانه يقبل اقرار علي (عليه السلام) على الشام، وينخدع بذلك، ويبايع ويعطي صفقه يمينه ان معاوية لادهى من ان يكاد بذلك، وأن عليا (عليه السلام) لاعرف بمعاوية ممن ظن إنه لو استماله با قراره لبايع له، ولم يكن عند علي (عليه السلام) دواء لهذا المرض الا السيف؛ لان الحال اليه كانت تؤل لا محالة، فجعل الآخر اولاً».
ان مسألة انجذاب معاوية لعلي واعطائه البيعة أمراً مستحيلاً، اذ ان مباينتة لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كمباينة السواد للبياض لا يجتمعان ابداً، وكمباينة السلب للايجاب فانها مباينة لا يمكن زوالها اصلاً (2).
لقد احسن معاوية استخدام مقتل الخليفة كورقة سياسية، بل كان يمهد لها قبل مقتل الخليفة، اذ لما وصله كتاب مروان يخبره بحصار الخليفة، ارسل معاوية جيشاً امره بالاقامة في مكان حدده له ريثما تأتيه اوامره (3)، ولما جاء كتاب مروان الثاني يعلمه بمقتل الخليفة، أوعز للجيش بالانسحاب الى الشام، واكد ابن ابي الحديد ان معاوية كانت له يد في خروج طلحة والزبير، حيث ابرق لكل واحد
1) الشرح 10 / 232 - 233.
2) الشرح ۲۳۳/۱۰.
3) الشرح ۲ / 151، 16 / 154، البلاذري: انساب الاشراف 7١/٥ - ٧٢. الط بري: تاريخ ٣٦٨/٤، وقد حمل ابن عباس مغاوية مسؤولية تربصه وخذلانه لعثمان اذ قال: (فاقسم بالله لانت المتربص بقتله والمحب لهلاكه، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من امره ولقد اتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ فيما حفلت به حتی بعثت اليه معذراً بآخره انت تعلم انهم لن يتركوه حتى يقتل فقتل كما كنت أردت...) الشرح ١٥٤/١٦-١٥٥.
منهما بكتاب يدعوه للسير نحو العراق بعد الالتقاء بوالي عثمان المعزول لليمن يعلي بن منيه - في مكة لان الاخير اخذ اموال اليمن وسار الى مكة، حيث وظفها الصالح الجيش الخارج للبصرة وفي رسالته الى طلحة والزبير اكد معاوية انه ضمن لهما الشام، حيث بايع لاحدهما بالخلافة، والثاني من بعده، دون تحديد من هو الاول ومن الثاني (1). وهكذا اشغل معاوية الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فترة من الزمن حيث معركة الجمل.
ولم يكتف معاوية بذلك، بل راسل كبار الشخصيات الاموية او المتضررة من خلافة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم - مروان بن الحكم (2)، وسعيد بن العاص (3)، وعبدالله بن عامر الحضرمي (4)، والوليد بن عقبة (5)، ويعلى بن منيه (6). يوضح لهم الوضع المأساوي الذي آل اليه الخليفة والمستقبل المجهول الذي ينتظرهم، لذا دعاهم الى رص الصفوف، والوقوف بوجه الخليفة الجديد، مؤكداً عليهم بانهم سيقعون تحت طائلة الحساب على اعمالهم السابقة، حيث كتب لعبد الله بن عامر: «واعلم انك غير متروك ولا مهمل» وحذر الوليد بن عقبة «وعن قليل يجتث اصلك»، اما یعلی بن منيه فكتب اليه «ان القوم قاصدوك بادئ بدء لاستنطاق ما حوته يداك من
1) الشرح 1 / 231، 10 / 235 - 236، 340.
2) كان مستشار الخليفة عثمان وتشير الروايات أنه يتحمل المسؤولية الكبرى عن مقتل الخليفة: الطبري: تاريخ ٣٣٩/٤ وما بعدها.
3) کسان والي الخليفة عثمان على الكوفة، فرفضه اهلها، وتم تولية ابو موسى الاشعري الطبري: تاريخ ٢٧٨/٤ وما بعدها.
4) والي الخليفة عثمان على مكة وهو الذي ايد اصحاب الجمل و جمعهم في مكة ووحد صفوفهم. الطبري تاريخ ٤ / ٤٤٨ - ٥٠.
5) والي الخليفة عثمان على الكوفة، وقد عزل وجلده الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اثر شربه الخمر: الطبري تاريخ ۲٥١/٤ - ۲۷۷ ابو الفرج: الاغاني ١١٤/٥ - ٩.
6) والي الخليفة عثمان على اليمن، اخذ اموالها ووضفها حرب الجمل الطبري: تاريخ ٤٤٣/٤. الفيروز أبادي تحفة الابية في من نسب الى غير أبيه ۱۱/۱.
المال، فاعلم ذلك واعمل على حسبه» (1)وقد تركت هذه الكتب اثرها فيهم فكتبوا لمعاوية يحرضونه ويغرونه، ويحركونه ويهجونه ما عدا سعيد بن العاص الذي كتب له بخلاف ذلك (2).
اذن اجتمع الى معاوية فضلاً عن طموحه في الملك والرياسة، وعلو همته، اجتمع له تحريض المحرضين، ولو لم يكن الاشعر الوليد بن عقبة:
فو الله ما هند بأملك ان مضى***النهار ولم يشار بعثمان ثائر
أيقتل عبد القوم سيد اهله ***ولم تقتلوه، ليت امك عاقر
ومن عجب ان بت بالشام وادعاً ***قريراً وقد دارت عليه الدوائر
اذاً فكيف لمعاوية الطاعة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبيعته، وتسليم نفسه اليه، وهو نازل في الشام وسط قحطان «ودونه حره لا ترام؛ وهم اطوع له من نعله والامر قد امكنه الشروع فيه، وتالله لو سمع هذا التحريض أجبن الناس واضعفهم نفسا وانقصهم همة لحركه وشحذ من عزمه؛ فكيف معاوية، وقد ايقظ الوليد بشعره من لا ينام» (3).
فيما يرى ابن ابي الحديد واعلم ان حقيقة الجواب هـو ان علياً (عليه السلام) كان لا يرى مخالفة الشرع لاجل السياسة سواء كانت تلك السياسة دينية او دنيوية. اما الدنيوية فنحو ان يتوهم الإمام في انسان انه يروم فساد خلافته من غير ان يثبت ذلك عليه يقيناً فان عليا (عليه السلام) لم يكن يستحل قتله ولا حبسه ولا يعمل بالتوهم وبالقول غير المحقق واما الدينية فنحو ضرب المتهم بالسرقة، فانه ايضاً لم يكن يعمل به، بل يقول ان يثبت عليه باقرار او بينة أقمت عليه الحد والا لم اعترضه وغير علي (عليه السلام) قد كان منهم يرى خلاف هذا الرأي،
ومذهب مالك بن انس العمل على المصالح المرسلة (1)، وانه يجوز للامام ان يقتل ثلث الامة لاصلاح الثلثين، ومذهب اكثر الناس انه يجوز العمل بالرأي وبغالب الظن، واذا كان مذهبه (عليه السلام) ما قلناه، وكان معاوية عنده فاسقاً، وقد سبق عنده مقدمة اخرى يقينه، وهي ان استعمال الفاسق لا يجوز، ولم يكن ممن يرى تمهيد قاعدة الخلافة بمخالفة الشريعة، فقد تعين مجاهرته بالعزل، وان افضى ذلك الى الحرب» (2).
رابعاً: الطعن في سيرة الإمام :
استخدم معاوية الحرب الدعائية ضد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك بتشويه سمعته، ومن هذه الطعون:
١. اظهار ان الإمام اتخذ موقفاً سلبياً من الخلفاء السابقين حيث جاء في احد كتبه للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) «لقد حسدت ابا بكر والتويت عليه ورمت افساد امره وقعدت في بيتك، وأستغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته، ثم كرهت خلافة عمر وحسدته واستطلت مدته و سررت بقتله واظهرت الشماتة بمصابه انك حاولت قتل ولده لانه قتل قاتل ابيه (3)، ثم لم تكن اشد منك حسداً لابن حتى عمك عثمان؛ ونشرت مقابحه، وطويت محاسنه وطعنت في فقهه، ثم في دينه، ثم في سيرته، ثم في عقله؛ واغريت به السفهاء من اصحابك وشيعتك، حتى قتلوه بمحضرتك، لا تدفع عنه بلسان ولايد، وما من هؤلاء الا من بغيت عليه، وتلكأت
1) هي الوصف المناسب لتشريع الحكم الذي يترتب على ربط الحكم به جلب نفع او دفع ضرر، ولم يدل شاهد من شارع على اعتباره او الغائه البهادلي : مفتاح الوصول ١٦٠/٢. ولمزيد من التفاصيل انظر مذكور مناهج الاجتهاد ص 280 – 307.
2) الشرح 10 / 346.
3) كان الرأي الامام علي قتل عبيد الله بن عمر لانه قتل الهرمزان وهو ليس قاتل الخليفة عمر (رضي الله عنه). البلاذري، انساب ٢٤/٥ الطبري: تاريخ ٢٣٩/٤.
في بيعته، حتى حملت اليه قهراً، تساق بخزائم الاقتسار، كما يساق الفحل المخشوش، ثم نهضت الان تطلب الخلافة، وقتلة عثمان خلصاؤك وسجراؤك والمحدقون بك، وتلك من اماني النفوس، وضلالات الاهواء» (1).
ان الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موقفه مع من سبقه بالخلافة كان يرى انه احق بالامر طبقاً للافضلية (2). هذا الموقف استغله معاوية لتصويره كموقف سلبي للامام من الخلفاء السابقين فاخذ يندد به عسى ان يتفوه الإمام بكلمة او تصرف يستعملها معاوية للتنديد به ليس امام اهل الشام فحسب بل حتى امام اهل العراق (3).
وكان الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدرك النوايا السلبية لمعاوية لذا رد عليه منكراً دخوله في الفاضل والمفضول لانه من الطلقاء الذين ليس لهم الحق في التمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم، ودعاه الإمام لمعرفة نفسه وقصور ذرعه عن الوصول الى مكانه المهاجرين (4)واستنتج ابن ابي الحديد ان كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينقض ما يقوله من يطعن في السلف لانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) انكر عليه المفاضلة بين المها. المهاجرين الأولين اصحاب الدرجات والطبقات الرفيعة، وان قدر معاوية يصغر في ان يدخل نفسه في مثل ذلك، فهذه شهادة قاطعة على علو شأنهما، وعظم منزلتهما (5).
وندد معاوية بمواقف الإمام من الخليفة عثمان (رضي الله عنه) واتخذ من دمه ورقة سياسة ضده. حيث كتب له «.. كان منك ماكان من الادهان في أمر ابن عمك والحسد له، ونصره الناس عنه، حتى قتل بمشهد منك لا تدفع عنه بلسان ولا يد،
فليتك اظهرت نصره حيث أسررت خبره، فكنت كالمتعلق بين الناس بعذر وان ضعف والمتبرئ من دمه بدفع وان وهن ولكنك جلست في دارك تدس اليه الدواهي، وترسل اليه الافاعي، حتى اذا قضيت وطرك اذا قضيت وطرك منه، اظهرت شماتة وابديت طلاقة، وحسرت للامر عن ساعدك، وشمرت عن ساقك، ودعوت الناس الى نفسك واكرهت اعيان المسلمين على بيعتك» (1).
وقد انكر الإمام على معاوية دخوله في أمر عثمان، لان من يحق له المطالبة بدم عثمان انما هم ابناؤه الصلبه فاذا زعم معاوية انه الاقوى، فعليه أن يدخل فيما دخل به المسلمون، ثم يحاكم قتلة عثمان الى الإمام علي (عَلَيه السَّلَامُ) (2). وانكر ابن ابي الحديد اتهامات معاوية للامام فيما يخص مواقفه من الخلفاء واظهار الشماتة وانه دعا الناس لقتل عثمان وكراهة طلحة والزبير على البيعة «فكله دعوى والامر بخلافها، ومن نظر في كتب السيرة عرف انه قد بهته، وادعا عليه ما لم يقع منه» (3).
ومما عاب به معاوية الإمام اتهامه بالزهو والاستطالة على الاخرين «انك الشامخ بانفه الذاهب بنفسه المستطيل على الناس بلسانه ويده». وقد أسرف معاوية بما وصفه به ولا شك أن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان عنده زهو، ولكن ليس كما وصفه معاوية، فكان مع زهوه الطف الناس خلقاً (4).
وندد بالإمام كونه ترك المدينة المنورة واختار الكوفة: «ثم تركك دار الهجرة التي قال رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) عنها: ان المدينة لتنقي خبثها كما ينقي الكير خبث الحديد (5). فلعمري لقد صح وعده وصدق قوله، لقد نفت خبثها، وطردت عنها من
ليس باهل ان يستوطنها، فاقمت بين المصرين، وبعدت عن بركة الحرمين ورضيت بالكوفة بدلاً من المدينة، وبمجاورة الخورنق والحيرة عوضاً عن مجاورة خاتم النبوة» (1).
انه لا مانع ولا عيب على الخليفة اذا انتقضت عليه اطراف الاسلام الخروج من المدينة، اذ ليس كل من يخرج منها كان خبثاً، فقد خرج عمر (رضي الله عنه) مراراً الى الشام، وكذلك معاوية قد خرج من المدينة فهل يعد هذا نفياً له وكذلك طلحة والزبير وعائشة (رضي الله عنها) وغيرهم من الصالحين والواجب على الإمام أن يقدم الاهم على المهم، فالاقامة في الحرمين ومجاورة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) مهمة، ولكن مصالح الاسلام وقتال اهل البغي أولى من ذلك (2).
خامسا: موقف الإمام من طلحة والزبير وام المؤمنين
من الطعون التي وجهها معاوية للامام قتاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لطلحة والزبير باعتبارهما من شيوخ الاسلام وقتلهما، وتشريد ام المؤمنين واحلالها مبتذلة بين الاعراب وفسقة الكوفة، «ترى ابن عمك بهذه لو رآه راضياً اما كان يكون عليك ساخطاً، ولك عنه زاجرا ان تؤدي اهله وتشرد حليلته، وتسفك دماء اهل ملته» (3).
اجاب ابن ابي الحديد «ان طلحة والزبير قتلا انفسهما... وأما كونهما شيخين من شيوخ الاسلام فغير مدفوع، ولكن العيب يحدث، واصحابنا يذهبون الى انهما تابا... وأما الوعد لهما بالجنة فمشروط بسلامة العاقبة والكلام في سلامتهما، واذا ثبتت توبتهما فقد صح الوعد لهما وتحقق». واما قوله «لو عاش رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) فبربك هل كان يرضى لك ان تؤذي حليلته». فعلى (عليه السلام) ان
يقلب الكلام عليه، فيقول افتراه لو عاش أكان يرضي لحليته أن تؤذي أخاه ووصيه وايضاً اتراه لو عاش اكان يرضي لك يا ابن سفيان ان تنازع علياً الخلافة وتفرق جماعة هذه الامة! وايضاً أتراه لو عاش كان يرضي لطلحة والزبير ان يبايعا، ثم ينكثا لا لسبب، بل قالا: جئنا نطلب الدراهم، فقد قيل لنا: أن بالبصرة اموال كثيرة هذا كلام يقوله مثلهما» (1).
بعد هذه السلسلة من الطعون هدد معاوية الإمام على الطعون هدد معاوية الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحرب: «وها انا سائر اليك في جمع من المهاجرين والانصار، تحفهم سيوف شامية ورماح قحطانية، حتى يحاكموك الى الله». ولكن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) انكر على معاوية أي وجود للمهاجرين والانصار معه قائلاً له: «قد انقطعت الهجرة يوم اسر اخوك». فالإمام يريد ان يقول له انه ليس معك الا من الطلقاء وابنائهم الذين اسلموا بعد فتح مكة، والنبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) يقول : لا هجرة بعد الفتح، وعبر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن يوم الفتح بعبارة فيها تقريع لمعاوية واهله بالكفر، وانهم ليسوا من اهل السوابق فقال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : « وقد انقطعت الهجرة يوم اسر اخو»ك أي يزيد بن ابي سفيان الذي اسر يوم فتح مكة في باب الخندمة (2)، وقد خرج في عدد من قريش لمحاربة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، فقتل بعضهم واسر يزيد اسره خالد بن الوليد، فخلصه ابو سفیان منه، وادخله داره، فاصبح آمنا (3).
ان هذه السلسلة من المراسلات كانت موضع استياء من ابن ابي الحديد «وأعجب واطرب ما جاء به الدهر - وان كانت عجائبه وبدائعه جمة ان يفضي امر علي (عليه السلام) الى ان يصير معاوية نداً له ونضيراً مماثلاً، يتعارضان الكتاب
والجواب، ويتساويان فيما يواجه به احدهما صاحبه ولا يقول له علي (عليه السلام) كلمة الا قال مثلها واخشن مساً منها، فليت محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان شاهداً ذلك؛ ليرى عياناً لا خبراً ان الدعوة التي قام بها، وقاسى اعظم المشاق في تحملها وكابد الاهوال في الذب عنها، وضرب بالسيوف عليها لتأييد دولتها، وشيد اركانها، وملأ الآفاق بها خلصت صفواً عفواً لاعدائه الذين كذبوه لما دعا اليه واخرجوه عن اوطانه لما حض عليها، وادموا وجهه، وقتلوا عمه واهله، فكأنه كان يسعى لهم، ويدأب لراحتهم، كما قال ابو سفيان في ايام عثمان وقد مر بقبر حمزة وضربه برجله وقال یا ابا عمارة! ان الامر الذي اجتلدنا عليه بالسيف امسى في يد غلماننا اليوم يتلعبون به (1)! ثم آل الامر الى ان يفاخر معاوية علياً كما يتفاخر الاكفاء والنظراء
اذا عير الطائي بالبخل مادر*** وقرع قسا بالفهاهة باقل
وقال السها للشمس: أنت خفية ***وقال الدجى يا اصبح لونك حائل
وفاخرت الارض السماء سفاهة*** وكاثرت الشهب الحصاد الجنادل
فیاموت زر ان الحياة ذميمة*** ويانفس جدي ان دهرك هازل (2)
ثم اقول ثانياً لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليت شعري: لماذا فتح باب الكتاب والجواب بينه وبين معاوية ! وإذا كانت الضرورة قد قادت الى ذلك، فهلا اقتصر في الكتاب اليه على الموعظة من غير تعرض للمفاخرة والمنافرة ! واذا كان لابد منهما فهلا اكتفى بهما من غير تعرض الامر اخر يوجب المقابلة والمعارضة بمثله. وباشد منه، (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (3). وهلا
دفع هذا الرجل العظيم الجليل نفسه عن سباب هذا السفيه الاحمق هذا مع انه القائل: من واجه الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون أي افتروا عليه، وقالوا فيه الباطل.
ايها الشاتمي لتحسب مثلي*** انما أنت في ظلال تهيم
لا تسببني فلست بسبي*** ان سبي من الرجال الكريم (1)
وهكذا جرى القنوت واللعن، قنت بالكوفة على معاوية، ولعنة في الصلاة وخطبة الجمعة، واضاف اليه عمرو بن العاص وابا موسى، وابا الاعور السلمي و حبیب بن مسلمة، فبلغ ذلك معاوية بالشام، فقنت عليه ولعنه بالصلاة وخطبة الجمعة، واضاف اليه الحسن والحسين وابن عباس الاشتر النخعي ولعله (عليه السلام) قد كان يظهر له من المصلحة حينئذ ما يغيب عنا الآن ولله امر هو بالغه» (2).
بعد ان ادرك الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه لا فائدة من مراسلة معاوية بعد ان قدم الادلة ورد ادعاءاته في مسألة مقتل الخليفة عثمان (رضي الله عنه)، رأى (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه لا مناص من اللجوء للقوة، ولم يكن (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستند في ذلك المشروعية حكمه فحسب وانما ايضاً لما اثر عن الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بانه سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، «واما الطائفة الفاسقة فاصحاب صفين وسماهم رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) والقاسطين... وهذا الخبر من دلائل نبوته (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) لانه اخبار صريح بالغيب لا يحتمل التمويه والتدليس كما تحتمله الاخبار المجملة، وصدق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ).... واما اصحاب صفين فانهم عند
اصحابنا رحمهم الله مخلدون في النار لفسقهم فصح بهم قوله تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) (1)، (2)
ولقد تمكن جيش معاوية من الوصول الى شريعة الفرات قبل جيش الإمام على لذا كانت فرصة ذهبية لمعاوية ان يحرمهم من الماء ولكن السيطرة على الشريعة ما لبثت ان تحولت الى الإمام على وجيشه فلذا طلب اصحاب الإمام منه معاملتهم بالمثل، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : « لا افعل كما فعله الجاهلون». وسمح لهم باستخدام شريعة الفرات (3).
ان سيطرة الإمام على الماء، وازاحته لاهل الشام، ثم سماحه لهم باستخدامه كانت من ضمن الطعون التي أثيرت ضد سياسة الإمام حيث قالوا: هلا اذا ملك شريعة الفرات على معاوية، وبعد ان كان معاوية ملكها عليه، ومنعه واهل العراق منها، منع معاوية واهل الشام منها : فكان يأخذهم قبضاً بالايدي فأنه لم يصبر على منعهم من الماء، بل فسح لهم في الورود، وهذا يخالف ما يقتضيه تدبير الحرب» (4).
هذه الرؤية فندها ابن ابي الحديد وقدم الادلة على السبب الذي دفع الإمام لذلك حيث قال: «انه (عليه السلام) لم يكن يستحل ما استحله معاوية من تعذيب البشر بالعطش؛ فان الله تعالى ما امر في احد من العصاة الذين اباح دماءهم بذلك، ولا فسح فيه في نحو القصاص، او حد الزاني المحصن، أو قتل قاطع الطريق، او قتل البغاة والخوارج، وماكان امير المؤمنين ممن يسترك حكم الله وشريعته ويعتمد ما هو محرم فيها لاجل الغلبة والقهر والظفر بالعدو، ولذلك لم يكن يستحل
البيات ولا الغدر ولا النكث وايضاً فمن الجائز أن يكون (عليه السلام) غلب على ظنه ان اهل الشام ان منعوا من الماء كان ذلك ادعى لهم الى الحملات الشديدة المنكرة على عسكرة، وان يضعوا فيهم السيوف، فيأتوا عليهم، ويكسروهم بشدة حنقهم وقوة داعيهم الى ورود الماء، فان ذلك من اشد الدواعي الى ان يستميت القوم ويستقتلوا ومن الذي يقف بين يدي جيش عظيم عرمرم حنق قد اشتد بهم العطش، وهم يرون الماء كبطون الحيات، ولا يحول بينهم وبينه الا قوم مثلهم، بل اقل منهم عدة واضعف عدة، ولذلك لم حال معاوية بين اهل العراق وبين الماء وقال: لا منعهم وروده فاقتلهم بشفار الظمأ قال له عمر و بن العاص خل بين القوم وبين الماء، فليسوا ممن يرى الماء ويصبر عنه، فقال: لا والله لا اخلى لهم عنه. فسفه رأيه وقال أتظن ان ابن ابي طالب واهل العراق يموتون بازائك عطشاً، والماء بمعقد الازر، وسيوفهم في ايديهم فلج معاوية، وقال: لا اسقيهم قطرة، كما قتلوا عثمان عطشاً، فلما مس اهل العراق العطش اشار علي (عليه السلام) الى الاشعث ان احمل والي الاشتر ان احمل فحملا بمن معهما فضر با اهل الشام ضربا أشاب الوليد، وفر معاوية ومن رأى رأيه وتابعه على قوله عن الماء كما تفر الغنم خالطتها السباع، وكان قصاری امره ومنتهى همته ان يحفظ رأسه، وينجو بنفسه، وملك اهل العراق عليهم الماء، ودفعوهم عنه فصاروا في البر القفر، وصار علي (عليه السلام) واصحابه على شريعة الفرات مالكين لها، فما الذي كان يؤمن عليا (عليه السلام) لو عطش القوم ان يذوق هو واصحابه منهم مثل ما اذاقهم وهل بعد الموت بالعطش امر يخافه الانسان وهل يبقى له ملجأ إلا السيف يحمله به فيضرب خصمه الى ان يقتل احدهما » (1).
ولم يكتف الإمام بذلك الموقف؛ بل عقبه بعدة مواقف كان من خلالها الإمام
1) الشرح ٢٥٧/١٠ - ٢٥٨.
يريد ان يتوصل لحل سلمي، ويهدف ان يستبصر اهل الشام بصحة موقف الإمام وبطلان موقف معاوية حيث قال لاصحابه لما استبطأوه في اذنه بالقتال «... فوالله ما دفعت الحرب يوماً الا وانا اطمع ان تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشوا الى ضوئي، فهو احب الي من ان اقتلها على ضلالها، وان كانت تبؤ بآثامها» (1).
فكانت معركة صفين التي ادت لسقوط عدد من القتلى من كلا الطرفين فيهم عدد من كبار الصحابة، ولما ادرك معاوية ان النصر بات وشيكاً لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلب فرسا لينهزم، ثم اشار عمرو بن العاص على اهل الشام برفع المصاحف، ودعوة اهل العراق الى الاحتكام الى كتاب الله تعالى فهنا انقسم اصحاب الإمام على أقساماً: «فمنهم من دخلت عليه الشبهة برفع المصاحف، وغلب على ظنه ان اهل الشام لم يفعلوا ذلك خدعة وحيلة، بل حقاً ودعاء الى الدين وموجب الكتاب، فرأى ان الاستسلام للحجة أولى من الاصرار على الحرب، ومنهم من كان قد مل الحرب، وآثر السلم، فلما رأى شبهة ما يسوغ التعلق بها في رفض المحاربة وحب العافية اخلد اليها ومنهم من كان يبغض علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) بباطنه، ويطيعه بظاهره، كما يطيع كثير من الناس السلطان في الظاهر، ويبغضه بقلبه، فلما وجدوا طريقاً الى خذلانه وترك نصرته، اسرعوا نحوها، فاجتمع جمهور عسكره عليه، وطالبوه بالكف وترك القتال فامتنع امتناع عالم بالمكيدة، وقال لهم: انها حيلة وخديعة واني اعرف بالقوم منكم انهم ليسوا اصحاب قرآن ولا دين قد صحبتهم وعرفتهم صغيراً وكبيراً، فعرفت منهم الاعراض عن الدين والركون الى الدنيا، فلا تراعوا برفع المصاحف، وصمموا على الحرب، وقد ملكتموهم، فلم يبق منهم الاحشاشة ضعيفة، وذمار قليل. فأبوا عليه والحوا وأصروا على القعود والخذلان وامروه بالانفاذ الى المحاربين من اصحابه. وعليهم الاشتران يأمرهم بالرجوع، وتهددوه
1) الشرح ١٢/٤.
ان لم يفعل باسلامه الى معاوية. فارسل الى الاشتر يامره بالرجوع وترك الحرب فأبى فقال: كيف ارجع وقد لاحت امارات الظفر ! ليمهلني ساعة واحدة. ولم يكن علم صورة الحال كيف وقد وقعت. فلما عاد اليه الرسول بذلك. غضبوا وتفروا وشغبوا وقالوا انفذت الى الاشتر سراً وباطناً، تأمره بالتصميم وتنهاه عن الكف وان لم تعده الساعة والاقتلناك كما قتلنا عثمان فرجعت الرسل الى الاشتر فقالوا له: أتحب ان تظفر بمكانك وامير المؤمنين قد سل عليه خمسون الف سيف فقال: ما الخبر؟ قال: ان الجيش يأسره وقد احدق به، وهو قاعد بينهم على الارض تحته نطع وهو مطرق، والبارقة تلمع على رأسه، يقولون: لئن لم تعد الاشتر قتلناك ! :قال ويحكم فما سبب ذلك؟ قالوا: رفع المصاحف. قال: والله لقد ظننت حين رأيتها رفعت انها ستوقع فرقة وفتنة، ثم كر راجعاً على عقبيه فوجد امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت الخطر، قد ردده اصحابه بین امرين اما ان يسلموه الى معاوية، أو يقتلوه، ولا ناصر له منهم الا ولداه، وابن عمه ونفر قليل لا يبلغون عشرة. فلما رآهم الاشتر سبهم وشتمهم وقال ويحكم ابعد الظفر والنصر صب، عليكم الخذلان والفرقة يا ضعاف الاحلام يا اشباه النساء يا سفهاء العقول فشتموه وسبوه وقهروه، وقالوا: المصاحف، المصاحف! والرجوع اليها لا يرى غير ذلك! فاجاب امير المؤمنين لها الى التحكيم، دفعاً للمحذور الاعظم بارتكاب المحظور الاضعف، فلذلك قال: كنت اميراً فاصبحت مأموراً، وكنت ناهياً فصرت منهياً» (1).
ان قبول الامام التحكيم وايقاف الحرب بعد ما لاحت علائم النصر ولم يبق الا ان يأخذ معاوية ثم ترك ذلك، واخلد الى التحكيم، وان تحكيمه عده البعض دليلاً على شك في امره، وضعفاً في سياسته.
1) الشرح ٢٩/١١ - ٣١. وانظر الطبري: تاريخ ٤٨/٥ - 50.
ان اهل الشام لما رفعوا المصاحف انخذع بها اهل العراق وقالوا: لا يحل لنا التصميم على حربهم ولا يجوز لنا الا وضع السلاح والرجوع لحكم المصاحف فاشار الإمام بانها خديعة وكلمة حق يراد بها باطل ودعاهم للصبر ولو ساعة، فأبوا قائلين: ارسل الى الاشتر، وبعد أخذ ورد عاد الاشتر وجرى بينه وبين اهل العراق المتخاذلين من السب والشتم «فاذا كانت الحال هكذا فاي تقصير وقع من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهل ينسب المغلوب على امره المقهور على رأيه الى التقصير او فساد تدبير ! اما قولهم ان التحكيم يدل على الشك في امره لانه انما يدل على ذلك لو ابتدا هو به فاما اذا دعاه الى ذلك غيره، واستجاب اليه اصحابه، فمنعهم وأمرهم ان يستمروا على وتيرتهم وشأنهم، فلم يفعلوا، وبين لهم انها مكيدة فلم يتبينوا، وخاف ان يقتل او يسلم الى عدوه، فانه لا يدل تحكيمه على شكله، بل أنه يدل على انه وقع بذلك ضرراً عظيماً عن نفسه، ورجا ان يحكم الحكمان بالكتاب، فتزول الشبهة عمن طلب التحكيم من اصحابه» (1).
ولما قبل الإمام التحكيم، ووضعت صيغة الصلح رفض معاوية كتابه لفظة (امير المؤمنين) للإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) برفعها، فأصبح ذلك من المطاعن التي وجهت الى سياسته حيث قالوا: ان الإمام اخطأ حيث محا اسمه بالخلافة من صحيفة الحكومة، لان ذلك مما وهنه عند اهل العراق وقوى الشبهة لدى اهل الشام.
في الواقع انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) اقتدى في ذلك بفعل الرسول (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صلح الحديبية حيث محا (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) اسمه من النبوة كما طلب سهيل بن عمر و الذي قال للرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) لما حاربناك، ولا منعناك البيت. وقد قال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) يومها لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان الكاتب بصلح الحديبية: ستدعى الى مثلها فتجيب. وهذا من علائم نبوته (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، ودلائل صدقه، وقد جرى للإمام ما جرى للرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)حذو القذة (2)بالقذة (3).
واختير ابو موسى الاشعري حكماً عن اهل العراق، وعمرو بن العاص عن اهل الشام وكان ذلك ما اثار الطعن في سياسة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اذ كيف يرضى بحكومة أبي موسى وهو فاسق عنده بتثبيطه اهل الكوفة عنه ؟ وكيف رضى لتحكم عمرو بن العاص وهو افسق الفاسقين؟
ان ابا موسى كرهه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) واراد ان يجعل بدله ابن عباس فقال اصحابه: لا يكون الحكمان من مضر، فرشح الامام الاشتر، فقال: وهل أضرم النار الا الاشتر! وهل جر ما ترى الا حكومة الاشتر فابوا الا ابا موسى، ومدحوه فاضطر الإمام للقبول على مضض. واما تحكيمه عمراً فانه لم يرض به وانما رضاه خصمه، وقد اجاب ابن عباس حينما قال للخوارج اليس قد قال الله تعالى: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) (1)! أرأيتم لو كانت المرأة يهودية، فبعثت حكماً من اهلها اكنا نسخط ذلك (2).
وكانت نتيجة التحكيم ان خدع عمرو بن العاص ابا موسى، وذهب للشام وبايع للمعاوية، فيما هرب ابو موسى الى مكة، واصبحت خديعة عمرو له مضرب المثل (3).
كانت فلسفة الإمام في التحكيم مفادها: «انا لم نحكم الرجال وانما حكمنا القرآن هذا القرآن انما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولابد له من ترجمان، وانما ينطق عنه الرجل ولما دعنا القوم الى ان نحكم بيننا القرآن ولم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله سبحانه وتعالى؛ وقد قال الله تعالى عز من
قائل: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (1). فردوه إلى الله ان نحكم بكتابه وردوه الى الرسول أن نحكم بسنته، فاذا حكم بالصدق في كتاب الله، فنحن أحق الناس به، وان حكم بسنة رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، فنحن احق الناس واولاهم بها» (2).
ان الإمام هنا يقول: لما دعينا الى تحكيم الكتاب لم نكن القوم الذين قال الله تعالى فيهم (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) (3)، بل اجبنا الى ذلك، وعملنا بقول الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). ومعنى ذلك ان نحكم بالكتاب والسنة، فاذا عمل الناس بها بالحق واطرحوا الهوى والعصبية، كنا احق بتدبير كنا احق بتدبير الامة، وبولاية الخلافة من المنازع لنا عليها. وقد رفع (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه ان يصرح بذكر الخلافة فكنى عنها، وقال : نحن اذا حكم بالكتاب والسنة اولى بهما، ويلزم من كونه اولى بهما من جميع الناس ان يكون أولى بالخلافة من جميع الناس، فدل على ما كني عنه بالامر المستلزم له (4).
ولكن يمكن التساؤل : اذا كان الرجال الذي يترجمون القرآن ويفسرونه وقد كلفوا ان يحكموا في واقعة اهل العراق واهل الشام، بما يدلهم القرآن عليه يجوز ان يختلفوا في تفسير القرآن وتأويله، فيدعي صاحب اهـل العــراق مــن تفسيره ما يستدل به على مراده ويدعي وكيل اهل الشام ما يقابل ذلك ويناقضه بطريق الشبهة التي تمسكوا بها من دم عثمان ومن كون الاجماع لم يحصل على بيعة امير المؤمنين (عليه السلام) احتاج الحكمان حسينئذ الى ان يحكم بينهما
حكمان آخران والقول فيها كالقول في الاول الى ما لا نهاية له؛ وانما كان يكون التحكيم قاطعاً للشغب لو كان القرآن ينص بالصريح الذي لا تأويل فيه، اما على امير المؤمنين (عليه السلام) واما علي معاوية، ولا نص صريح فيه، بل الذي فيه يحتمل التأويل والتجاذب فما الذي يفيد التحكيم والحال تعود لا محالة!؟
ان اجابة ابن ابي الحديد عن هذا السؤال تكمن في «ان الحكمين لو تأملا الكتاب حق التأمل، لوجدا فيه النص الصريح على صحة خلافة امير المؤمنين (عليه السلام) لان فيه النص الصريح على ان الاجماع حجة، ومعاوية لم يكن مخالفاً في هذه المقدمة ولا اهل الشام واذا كان الاجماع حجة، فقد وقع الاجماع لما توفى رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، على ان اختيار خمسة من صلحاء المسلمين لواحد منهم وبيعته توجب لزوم طاعته وصحة خلافته، وقد بايع امير المؤمنين خمسة من صلحاء الصحابة، بل خمسون؛ فوجب ان تصح خلافته، واذا صحت خلافته نفذت احكامه، ولم يجب عليه ان يقيد بعثمان، الا اذا حضر أولياؤه عنده، طائعين له، مبايعين ملتزمين لاحكامه، ثم بعد ذلك يطلبون القصاص من اقوام باعيانهم يدعون عليهم دم المقتول، فقد ثبت ان الكتاب لو تأمل حق التأمل، لكان الحق مع هل العراق، ولم يكن لاهل الشام من الشبهة ما يقدح في استنباطهم المذكور» (1).
رابعاً: رؤية الاعتزال لاهل صفين:
ترى المعتزلة هلاك اهل صفين لاصرارهم على البغي وموتهم عليه سواء الرؤساء او الاتباع لذا صح فيهم قوله تعالى: «وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا» (2)، ولكن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و وصف اهل صفين بانهم اخوان بقوله: «ولكسنا أنما أصبحنا نقاتل اخواننا في الاسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج».
في حين لا يصف المعتزلة المحاربين للامام من اهل صفين بالمسلمين، فكيف التوفيق في ذلك؟
في الواقع ان المعتزلة وان كانت تذهب الى ان صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمناً، ولا مسلماً، ولكنهم يجيزون اطلاق لفظ الاسلام عليه اذا قصد به تمييزه عن اهل الذمة وعابدي الاصنام، فيطلق مع قرينة حالة او لفظة تخرجه عن ان يكون مقصوداً به التعظيم والثناء والمدح لان لفظة «مسلم» و «مؤمن» تستعمل في اكثر الاحوال كذلك، والإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يقصد بذلك الا تمييزهم من كفار العرب وغيرهم من اهل الشرك، ولم يقصد مدحهم بذلك، لذا لا ينكر اطلاق لفظ المسلمين عليهم بهذا القصد (1).
ولذا فكبار قادة صفين كمعاوية وعمرو بن العاص والمغيرة لا يتولاهم المعتزلة ولا يثنون عليهم، وهم لدى المعتزلة في مقام غير محمود اما رؤية المعتزلة لمعاوية خاصة، فهو «مطعون في دينه عند شيوخنا رحمهم الله... وقد ذكرنا في «نقض السفيانية» (2). على شيخنا ابي عثمان الجاحظ ما رواه في كتبهم الكلامية عنه..... ولو لم يكن شيء من ذلك، لكان في محاربته الإمام ما يكفي في فساد حاله، لاسيما على قواعد اصاحبنا، وكونهم بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير الى النار والخلود فيها ان لم تكفرها التوبة» (3).
وقال في معرض مقارنته بين معاوية والخوارج: «وقد طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية... ونقلوا عنه في فلتات كلامه وسقطات الفاظه ما يدل على ذلك». وقد استشهد ابن ابي الحديد بما رواه الزبير بن بكار فی کتابه
الموفقيات (1)من موقف معاوية من النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) اثناء خلافته. وقــد ايــد ابن ابي الحديد صحة الرواية بقوله بخصوص الزبير بن بكار وهو متهم على معاوية ولا منسوب الى اعتقاد الشيعة، لما هو معلوم من حالة معلوم من حالة من مجانبة على (عليه السلام) والانحراف عنه (2).
واكد ابن ابي الحديد صحة رؤيته من خلال التأكيد على افعال معاوية المجانبة للعدالة الظاهرة من لبسه الحرير، وشربه في آنية الذهب والفضة، حتى انكر عليه ذلك ابو الدرداء، حيث قال له: اني سمعت رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) يقول: ان الشارب فيهما ليجرجر في جوفه نار جهنم (3)فرد معاوية اما انا فلااري بذلك : بأسا. فقال ابو الدرداء من عذيري من معاوية: انا اخبره عن رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) هو يخبرني عن رأيه: لا اساكنك بارض ابدا (4). وأكد ابن ابي الحديد ان هذا الخبر اخرجه المحدثون والفقهاء في كتبهم في باب الاحتجاج على ان خبر الواحد معمول به في الشرع، وهذا الخبر يقدح في عدالته، كما يقدح في عقيدته، لان من قال في مقابلة خبر قد روى عن الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : اما انا فلاارى باسا فيما حرمه عل الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، هذا ليس بصحيح العقيدة (5).
واضاف ابن ابي الحديد: «ومن المعلوم أيضا من حاله استئثاره بمال الفيء وضربه من لاحد عليه، واسقاط الحق عمن يستحق اقامة الحد عليه، وحكمه برأيه في الرعية، وفي دين الله، واستلحاقه زيادا، وهو يعلم قول رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (6). وقتله حجر بن عدي واصحابه ولم يجب عليهم القتل،
1) الاخبار الموفقيات ص 576 - 577.
2) الشرح ١٢٩/٥ - ١٣٠.
3) اخرجه ابن ماجة صحيح 2 / 248.
4) رواه مالك: المؤطأ ٥١٢/٢. النسائي: سنن ۲۷۹/۷ البيهقي: السنن ۲۸۰/۵.
5) الشرح ١٣٠٥، وانظر: الجاحظ: رسالة في الثابتة ص ٢٤١ - ٢.
6) اخرجه: الجاحظ: رسالة في الحكمين ص ٣٦٨. رسالة في النابتة ص ٢٤١. مسلم: الصحيح ۳۷/۱۰. أبن ماجه: صحيح ٣٣٩/١ - ٤٠. ابي داود: سنن ٣٣٨٢/٢ الطبري: تاريخ ۲۷۹/5. الشريف ريف الرضي: المجازات النبوية ص ۱۳۹ البيهقي السنن ٤٠٢/٧ ٤١٢. ابن :الأثير: النهاية ٢٣/١ - ٤.
ومهانته لابي ذر الغفاري وجبهه وشتمه واشخاصه الى المدينة على قتب بغير وطاء لانكاره عليه، ولعنه عليا وحسنا وحسينا وعبد الله بن عباس على منابر الاسلام وعهده بالخلافة الى ابنه يزيد مع ظهور فسقه وشربه المسكر جهارا، ولعبه بالنرد ونومه بين القيان المغنيات وصطحابه معهن، ولعبه بالطنبور بينهن وتطريقه بني امية للوثوب على مقام رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وخلافته حتى افضت الى یزید بن عبد الملك والوليد بن يزيد المفتضحين الفاسقين، صاحب حبابه وسلامة والاخر رامي المصحف بالسهام، وصاحب الاشعار في الزندقة والالحاد» (1).
ويرى ابن ابي الحديد انه اذا كان الخوارج قد بريء منهم اهل الدين والحق لانهم فارقوا الإمام وبرئوا منه، وما عدا ذلك من عقائدهم كالقول بتخليد الفاسق في النار والخروج على أمراء الجور (2)وغيرها.
فالمعتزلة تعتقد بها، فلم يبق ما تقتضى البراءة منهم الا برائتهم من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد كان معاوية يلعنه على رؤوس الاشهاد على المنابر في الجمع والاعياد، سواء في المدينة او مكة او سائر الامصار، اذن فقد شارك الخوارج في الأمر المكروه فيهم، وامتازوا عليه باظهار الدين والالتزام بقوانين الشريعة، والاجتهاد في العبادة، وانكار المنكرات وكانوا احق بأن ينصروا عليه من ان ينصر عليهم، فاتضح بذلك قول الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) «لا تقتلوا الخوارج بعدي»، أي في ملك معاوية ومما يؤيد هذا المعنى ان عبد الله بن الزبير استنصر بالخوارج على يزيد بن معاوية وقال: لو شايعني الترك والديلم على محاربة بني أمية لشايعتهم، وانتصرت بهم.
حتى قال فيه الشاعر:
يا ابن الزبير اتهوى فتية قتلوا ***ظلماً اباك ولما تنزع الشكك!
ضحوا بعثمان يوم النحر ضاحية ***يا طيب ذاك الدم الزاكي الذي سفكوا (1)
وقد وصف الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معاوية بأنه عدو النبي، وقد اوضح ابن ابي الحديد ذلك لان دلائل النفاق كانت ظاهرة عليه من فلتات لسانه، ومن افعاله ولقد اكد المعتزلة على هذه المسألة خاصة في مؤلفات ابي عبد الله البصري، وابي جعفر الاسكافي وأبي القاسم البلخي (2).
وفي اشارته لمفاوضات معاوية وعمرو بن العاص حول كيفية التعاون ضد الامام، فطلب عمرو اقليم مصر طعمه له، فقال معاوية: «اني اكره لك ان تتحدث العرب عنك انك انما دخلت في هذا الامر لغرض الدنيا». فقال عمرو بن العاص: دعني عنك. قال ابن ابي الحديد: «قال شيخنا ابو القاسم البلخي (رَحمهُ اللّه)، قول عمر وله: «دعني عنك» كناية عن الالحاد، بل تصريح به، أي دع هذا الكلام، لا اصل له فان اعتقاد الآخرة، وانها لا تباع بعرض الدنيا من الخرافات. وقال (رَحمهُ اللّه) : وما زال عمرو بن العاص ملحداً، ما تردد قط في الالحاد والزندقة، وكان معاوية مثله، ويكفي من تلاعبهما بالاسلام حديث السرار المروي، وأن معاوية عض اذن عمرو. اين هذا من سيرة عمر ؟ واين هذا من اخلاق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وشدته في ذات الله ؟ وهما مع ذلك يعيبانه بالدعابة». (3)ويخلص للقول ان المعتزلة ترى فساد عقيدة معاوية. (4)
وفي شرحه لكتاب الامام إلى عمرو بن العاص «فانك قد جعلت دينك تبعاً لدنيا امرئ ظاهر غيه مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته فاتبعت اثره وطلبت فضله؛ اتباع الكلب للضرغام، يلوذ بمخالبه، وينتظر ما يلقي إليه من فضل فريسته فاذهبت دنياك وآخرتك، ولو بالحق اخذت ادركت ما طلبت» قال ابن ابی الحدید: ان كل ما قاله الامام هو الحق الصريح بعينه، فالإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يحمله بغضه وغضبه منهما للمبالغة في ذمهما، كما يبالغ الفصحاء عند سورة الغضب «ولا ريب عند احد من العقلاء ذوي الانصاف ان عمراً جعل دينه تبعاً لدنيا معاوية وانه ما بايعه وتابعه الا على جعالة جعلها له وضمان تكفل له بايصاله، وهي ولاية مصر مؤجلة، وقطعة وافرة من المال معجلة، ولولديه وغلمانه ما ملأ اعينهم». اما وصفه لمعاوية بانه ظاهر غيه، فان ظهور ضلاله وبغيه لا ريب فيه فكل باغ غاو. اما مهتوك ستره فانه كان كثير الهزل والخلاعة، صاحب جلساء وسمار، وهو لم يتوفر ويلزم قانون الرئاسة، الا بعد خروجه على الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاحتاج إلى الناموس والسكينة، واما قبل ذلك فكان شديد التهتك موصوفاً بكل قبيح، وكان في أيام عمر يستر نفسه خوفاً منه، لكنه كان يلبس الحرير والديباج ويشرب في آنية الذهب والفضة، ويركب البغلات ذوات السروج المحلاة بها، وعليها جلال الديباج والوشي، وكان حينئذ شاباً وعنده نزق الصبا، واثر الشبيبة وسكر السلطان والامرة. وأما بعد وفاة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستقرار الامر له فلا خلاف في انه سمع الغناء وطرب عليه واعطى ووصل عليه، وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته»، فلأنه لم يكن في مجلسه الاشتم بني هاشم وقذفهم، والتعرض بذكر الاسلام والطعن عليه، حتى وان اظهر انتماءه اليه واما طلب عمرو فضله واتباعه اثره اتباع الكلب للاسد، فامر ظاهر ولم يقل (عَلَيهِ السَّلَامُ)
الثعلب، غضاً من قدر عمرو، وتشبيها له بما هو ابلغ في الاهانة والاستخفاف. (1)
وعد ابن ابي الحديد معاوية وعمراً بن العاص من ائمة الضلالة الذين اشار لهم الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله: «فتقربوا الى ائمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الاعمال، وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس». وذكر بعض الاحاديث الموضوعة على لسان النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) كحديث في حق معاوية «اللهم قه العذاب والحساب وعلمه الكتاب» (2)وكرواية عمرو بن العاص تقرباً إلى قلب معاوية، ان الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) قال: «ان آل ابی طالب ليسوا لي بأولياء، انما ولي الله وصالح المؤمنين».(3)وكرواية آخرين في ايام معاوية موضوعات في فضائل عثمان تقرباً لمعاوية (4).
ويؤكد ابن أبي الحديد ان معاوية ممن اسلم رهبة لذلك كان من المؤلفة قلوبهم (5)الذين رغبوا في الاسلام والطاعة بجمال وشاء دفعت اليهم، فكان اسلامهم للطمع والاغراض الدنيوية. ولم يكن عن اصل ولا علم ويقين. (6)
اما رؤية المعتزلة لعمرو بن العاص، فعند استعراضه السيرته قال ابن أبي الحديد: ان المعتزلة تحكم على كل من شهد صفين بما يحكم به على الامام الباغي الخارج على الامام العادل، فمذهبهم في صاحب الكبيرة اذا لم يتب الحكم بالنار. ولكن عمراً بن العاص تلفظ بالفاظ في ساعاته الاخيرة فلم لا تكون دليلاً على توبته لقوله «اللهم خذ مني حتى ترضی» وقوله «امرت فعصيت ونهيت فركبت»
1) الشرح: ١٦٠/١٦ - ١٦٢.
2) رواه الهيثمي : تطهير اللسان والجنان بذكر سيدنا معاوية بن ابي سفيان ص ١٦.
3) اخرجه مسلم صحیح ۸۷/۳ الهيثمي : الصواعق ص 156.
4) الشرح: ٣٩/١١ - ٤٢.
5) الذين اسلموا رهبة أو رغبة بحطام الدنيا وجعل لهم القرآن نصيب من الزكاة كما ورد في آية الصدقات الآية ٦٠ من سورة التوبة. انظر الطبري: جامع البيان: ١٦۱/۱۰ - ١٦٣.
6) الشرح : ۲۲٦/۱۷.
وقوله «ولا مستكبر بل مستغفر» فهي الفاظ تفيد الاعتراف والندم وهو معنى التوبة. يستدل ابن ابي الحديد من قوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (1)بأن هذه الآية تمنع من كون ما بدر من عمرو توبة، لان شروط التوبة معلومة، وليس هذا الاعتراف والتأسف منها في شيء. (2)فالتوبة عند المعتزلة لها شروط ثلاثة:
الاول: الندم على ما مضى من فعل قبيح.
الثاني: العزم على عدم العودة إليه.
الثالث: اللجوء إلى الذنوب السابقة فان كانت بين العبد وربه سواء كانت في الاعتقادات او المسائل العملية كالصلاة والصوم فعليه تأديتها، وان كانت بين العبد والناس فعليه ارجاع كل حق إلى صاحبه (3).
يرى ابو عبد الله البصري احد شيوخ المعتزلة: أن أول من قال بالارجاء المحض معاوية وعمرو بن العاص، كانا يزعمان انه لا يضر مع الايمان معصية، ولذلك قال معاوية لمن قال له: حاربت من تعلم وارتكبت ما تعلم فقال وثقت بقوله تعالى: (ان الله يغفر الذنوب جميعاً) (4). والى هذا المعنى اشار عمرو بن العاص لابنه (5)بقوله: تركت افضل من ذلك شهادة أن لا اله الا الله. (6)
وفي تعقيبه على قول عمرو بن العاص يوم صفين: «كم من رجل احسن في الله عظيم الحال لم ينج من قتله فلان وفلان» قال ابن ابي الحديد: «ليت شعري لم برأ نفسه! وكان رأساً في الفتنة بل لولاه لم تكن؛ ولكن الله تعالى انطقه بهذا الكلام
واشباهه، ليظهر بذلك شكه، وانه لم يكن على بصيرة من امره». (1)
وقال في الاسلام عمر و انه مدخول أيضاً، الا انه لم يكن عن رضيخة، وانما لمعنى آخر. (2)ولم يحدد ابن ابي الحديد الواعز الذي دفع عمراً للاسلام.
وحينما أورد ما ذكره الواقدي في غزوة بدر حول ما كان يرويه عمرو بن العاص بعد اسلامه حول رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب في ان شخصاً اخذ صخرة من جبل ابی قبیس (3)وارسلها تهوى، فما بقي بيت في مكة الا ودخلها منه فلقة. فكان عمرو بن العاص يقول: لقد رأيت كل هذا، ولقد رأيت في دارنا فلقة من الصخرة التي انفلقت من أبي قبيس، ولقد كان ذلك عبرة، ولكن الله لم يرد أن نسلم يومئذ لكنه اخر اسلامنا إلى ما اراد. (4)
قال ابن أبي الحديد معلقاً: «كان بعض اصحابنا يقول: لم يكف عمراً ان يقول: رأيت الصخرة في دور مكة، فيخرج ذلك مخرج الاستهزاء باطناً على وجه النفاق، واستخفافه بعقول المسلمين. زعم حتى يضيف إلى ذلك القول بالجبر الصراح فيقول: ان الله تعالى لم يكن اراد منه الاسلام يومئذ» (5).
اما ابو موسى الاشعري فهو عند المعتزلة من ارباب الكبائر، لذا حكمه عندهم حكم من واقع كبيرة ومات عليها بلا توبة قال فيه ابن متويه - احد معتزلة البصرة: «اما ابو موسى الاشعري فانه عظم جرمه بما فعله وادي ذلك إلى الضرر الذي لم يخف حاله، وكان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقنت عليه وعلى غيره فيقول: اللهم العن معاوية أولاً، وعمراً ثانياً، وابا الاعور السلمي ثالثاً، وابا موسى الاشعري رابعاً.
روي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه كان يقول في ابي موسى صبغ بالعلم صبغاً وسلخ منه سلخاً. وابو موسى هو الذي روى عن النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) انه قال : كان في بنی اسرائیل حکمان ضالان.
وسيكون في امتى حكمان ضالان ضال من اتبعهما وأنه قيل له الا يجوز ان تكون احدهما ؟ فقال: لا - او كلاما ما هذا معناه - فلما بلی به قيل فيه: البلاء موکل بالمنطق. (1)ولم يثبت في توبته ما ثبت في توبة غيره، وان كان الشيخ ابو علي (الجبائي) قد ذكر في آخر كتاب الحكمين انه جاء إلى امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في علي، فقال له: أجنتنا عائداً ام شامتاً ؟ فقال: بل عائداً، وحدث بحديث في فضل العبادة. وهذه امارة ضعيفة في توبته». (2)
بعد ان اضطر الامام للقبول بالتحكيم تحت تخاذل اصحابه، وتم كتابة صحيفة الهدنة بين اهل العراق والشام وتعيين الحكمين واذا بطائفة من اصحابه ينادون «لا حكم إلا لله». ويطالبون الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالاستمرار في الحرب ولما اوضح لهم الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان ذلك غير جائز، كفروه وخرجوا عليه معسكرين في النهروان (3)وبعد مناظرات له (عَلَيهِ السَّلَامُ) معهم دون فائدة كانت المعركة الثالثة وهيى معركة النهروان التي تمكن الامام من استئصال الخوارج فيها، لكنهم تفرقوا في
1) قول للرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) اصبح يضرب كمثل ابو هلال العسكري جمهرة الامثال ۲۰۷/۱. ابن منقذ : لباب الاداب ص ۳۳۲.
2) الشرح: ٣١٥/١٣ - ٣١٦. القاضي: المغني ۹۲/۲/۲۰. وقد أوضح البغدادي رؤية الاشاعرة لاهل صفين: «وقالوا في صفين أن الصواب كان مع علي (رضي اللّه عنه)، وأن معاوية واصحابه بغوا عليه بتأويل اخطئوا فيه ولم يكفروا بخطأهم. وقالوا: أن علياً اصاب في التحكيم غير ان الحكمين اخطئا في خلع على من غير سبب أوجب خلعه وخدع احد الحكمين الآخر». الفرق بين الفرق ص ۲۱۲.
3) النهروان :نسبة إلى نهر يسمى النهروان البكري: معجم ما استعجم ١٣٣٦/٤ - ٧. الحميري: الروض ص ٥٨٢ - ٣.
البلاد. (1)فياترى ما هو تحليل ابن ابي الحديد والمعتزلة لاحداث النهروان؟
المعروف عن سياسة الامام الحربية انتهاجه اولاً الدعوة إلى السلم، وفتح باب الحوار، اما الحرب فهي آخر الدواء، فبعد ان اكد لهم انه لابد للناس من امير بر او فاجر يعمل في امرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر كما اوضحنا ذلك في بدء الفصل اوفد ابن عباس لمناظرتهم موصياً اياه: «لا تخاصمهم بالقرآن فأن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون ولكن حاججهم بالسنة، فانهم لن يجدوا عنها محيصاً». (2)اعتبر ابن ابي الحديد وصية الامام هذه «كلام لا نظير له في شرفه وعلو معناه». حيث ان القرآن يضم الآيات المحكمة والمتشابهة، والتي يغلب على ظن البعض انها متناقضة نحو قوله تعالى (لا تدركه الابصار) (3)وقوله : (إلى ربها ناظرة) (4)ونحو قوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) (5)وقوله (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (6)ونحو ذلك، وهو كثير جداً، واما السنة فليست كذلك، وذلك لان الصحابة كانت تسأل رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وتستوضح منه الاحكام في الوقائع، وما عساه يشبه عليهم من كلامه؛ يراجعونه فيه، ولم يكونوا يراجعونه في القرآن الا فيما قل؛ بل كانوا يأخذونه منه تلقفاً، واكثرهم لا يفهم معناه، لا لأنه غير مفهوم، بل لانهم ما كانوا يتعاطون فهمه، اما اجلالاً له او لرسول الله ان يسألوه عنه، أو يجرونه مجری
1) عن احداث معركة النهروان انظر الشرح ٩/١، ٢٠١ - ١٩١/٢ - ٧، ٢٦٥ - ٨٣، ٣٠٧ - ١١، 3 / 127 - 50، 5 / 78 – 131، 6 / 129 - 32، 7 / 292 - 3، 9 / 37، 10 / 249، 251، 18 / 27، 72 - 3، 8 / 113 - 8 وانظر الطبري: تأريخ ۷۲/۵ - ۹۲.
2) الشرح: ۷۱/۱۸. وانظر مؤلف مجهول اخبار العباس ص ٣٩ - ٤٠. ابن عبدالبر جامع بيان العسلم ١٠٣/٢ - ٤. البيهقي : السنن ۱۷۹/۸ - ۸۰ سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۹۹ محب الدين: الرياض ۳۲۰/۲.
3) سورة الانعام: الآية ۱۰۳.
4) سورة القيامة: الآية ۲۳.
5) سورة يس: الآية ۹.
6) سورة فصلت: الآية ۱۷.
الاسماء الشريفة له التي انما يراد منها بركتها لا الاحاطة بمعناها؛ فلذلك كثر الاختلاف في القرآن، وايضاً فان ناسخه ومنسوخه اكثر من ناسخ السنة ومنسوخها وقد كان بعض الصحابة يسأل النبي علي الله عن معنى كلمة وردت في القرآن فيفسرها له تفسيراً مقتضباً، فلا يستوعب فهمها، حيث لما نزلت آية الكلالة، (1)وقال تعالى في آخرها (يبين الله لكم ان تضلوا) (2)سأل عمر (رضي الله عنه) النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) عن آية الكلالة، فاجابه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) يكفيك منها آية الصيف، لم يزد على ذلك، فسكت عمر ولم يراجعه ولم يفهم مراد الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) حتى مات عمر، وكان يقول بعد ذلك: اللهم مهما بينت فان عمراً لم يتبين يشير لقوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)، ولكنهم في السنة كانوا على خلاف ذلك من مخاطبة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وفهم الفاظه لذا دعا الامام ابن عباس المحاججتهم بالسنة.
ولكن ابن عباس حاججهم بالقرآن كقوله تعالى: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا). (3)وقوله (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ). (4)
ولذلك لم يرجعوا فالتحمت الحرب. وكان غرض الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المحاججة بالسنة هو ما أثر عن الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) من احاديث بحق الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كقوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار» وقوله «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله». «ونحو ذلك من الاخبار التي كانت الصحابة قد سمعتها من فلق فيه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، وقد بقي ممن سمعها جماعة تقوم الحجة وتثبت بنقلهم، ولو احتج بها على الخوارج في انه لا يحل مخالفته والعدول عنه بحال لحصل من ذلك غرض امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في
محاجتهم، واغراض أخرى ارفع واعلى منهم، فلم يقع الامر بموجب ما اراد وقضي عليهم بالحرب، حتى اكلتهم عن آخرهم، وكان أمر الله مفعولاً». (1)
ويروي ان الامام عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) تمكن قبل معركة النهروان من اقناع الخوارج حينما قالوا له : انا اذنبنا ذنباً عظيماً بالتحكيم، وقد تبنا، فتب إلى الله كما تبنا نعد لك. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): انا استغفر الله من كل ذنب فرجعوا معه وهم ستة الاف لكن الاشعث جاء للامام فقال له: يا أمير المؤمنين ان الناس قد تحدثوا انك رأيت الحكومة ضلالاً والاقامة عليها كفراً، فقام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال: من زعم اني رجعت عن الحكومة فقد كذب، ومن رآها ضلالاً فقد ضل، فخرجت حينئذ الخوارج من المسجد فحكمت (2).
عد ابن ابي الحديد ان كل فساد في خلافة الامام، وكل اضطراب فاصله الاشعث، فلولا محاقته الامام في معنى الحكومة هذه المرة لما كانت معركة النهروان ولكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) نهض باصحابه لمعاوية، وملك الشام، فانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حاول ان يسلك معهم مسلك التعريض والمواربة طبقاً للمثل النبوي «الحرب خدعة». وذلك انهم لما قالوا له : تب إلى الله مما فعلت كما تبنا تنهض معك إلى حرب الشام، فقال لهم كلمة مجملة مرسلة، يقولها الانبياء وهي قوله: استغفر الله من كل ذنب فرضوا بها واعتبروها اجابة لسؤالهم وصفت له نياتهم واستخلص بها ضمائرهم من غير ان تتضمن تلك الكلمة اعترافاً بكفر او ذنب، فلم يتركه الاشعث، وجاء إليه مستفسراً وكاشفاً عن الحال وهاتكاً ستر التورية والكناية، ومخرجاً لها من ظلمة الاجمال وستر الحيلة إلى تفسيرها بما يفسد التدبير، ويوغر الصدور، ويعيد الفتنة ولم يستفسره (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنها الا بحضور من لا يمكنه ان يجعلها معه هدنة على دخن (3)
ولا ترقيقاً من صبوح (1)والجأء بتضييق الخناق عليه إلى ان يكشف ما في نفسه، ولا يترك الكلمة على احتمالها، ولا يطويها على غرها، فخطب بما صدع به عن صورة ما عنده مجاهرة، فانتقض ما دبره، وعادت الخوارج لشبهتها الاولى وهكذا الدول التي تظهر فيها امارات الانقضاء والزوال، يتاح لها امثال الاشعث من اولي الفساد في الارض (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (2). (3)
لم يكن الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستند في قتاله للخوارج على سلطته الشرعية فحسب وانما ايضاً إلى ما أثر عن الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) في قتال الامام لهؤلاء حيث قال له (عَلَيهِ السَّلَامُ): ستقاتل بعدى الناكثين والقاسطين والمارقين والمعروف ان المارقين هم الخوارج، وقال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ): في وصفهم بالمارقين «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (4). (5)
وبعد أن اشتبك معهم الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يرفع رأسه إلى السماء تارة ثم يطرق للارض تارة اخرى ويقول: «ما كذبت ولا كذبت»، هذا الموقف من الامام كان موضع طعن من - ابراهيم بن سيار النظام - احد معتزلة البصرة، الذي عده ايهاماً من الامام اما بنزول الوحي عليه او انه موصى عليه من قبل بشأن
1) مثل يضرب لمن كنى عن شيء ويريد غيره الميداني: مجمع الامثال ۲۱/۲ ابو هلال العسكري: جمهرة الامثال ۳۹/۱. الثعالبي : التمثيل والمحاضرة ص ٣٧ الزمخشري : الفائق ٥٠٠/١. ابن الأثير : النهاية ٢٥٣/٢.
2) سورة الأحزاب: الآية ٦٢.
3) الشرح: ۲۷۹/۲ - ۲۸۰.
4) اخرجه مسلم الصحيح ١٥٩/٧ السلطي : التنبيه ص ۱۸۲ - ۳. البيهقي: السنن ١٦٩/٨ - ۷۱. محب الدين الرياض ۳۱۸/۲ السيوطي الخصائص: ١٦/٣ - ١٧. الطبرسي: اعلام الورى ص ۱۹۸ الفيروز آبادي فضائل الخمسة ٤٠٠/٢ - ٤١٠.
5) الشرح: 1 / 201، 18 / 27.
الخوارج بامر. واشار النظام لسؤال الحسن لابيه اكان رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) تقدم اليك في أمر هؤلاء بشيء؟ فقال: لا، ولكن رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) أمرني بكل حق، ومن الحق ان اقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. (1)
علق ابن ابی الحديد على طعن النظام قائلاً: «ان النظام اخطأ عندنا في تعريضه بهذا الرجل خطأ قبيحاً، وقال قولاً منكراً، نستغفر الله له من عقابه، ونسأله عفوه عنه، وليست الرواية التي رواها عن الحسن وسؤاله لابيه وجوابه له بصحيحه ولا معروفة، والمشهور المعروف المنقول نقلاً يكاد يبلغ درجة المتواتر من الاخبار، ما روي عن رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) في معنى الخوارج باعيانهم، وذكرهم بصفاتهم، وقوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «انك مقاتلهم وقاتلهم وان المخدج ذا الثدية منهم (2)وانك ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين» فجعلهم اصنافاً ثلاثة حسب ما وقعت الحال عليه. وهذا من معجزات الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، واخباره عن الغيوب المفصلة. فما اعلم من اي كتاب نقل النظام هذه الرواية ولا عن أي محدث رواها، ولقد كان (رَحمهُ اللّه) بعيداً عن معرفة الاخبار والسير منصباً فكره مجهداً نفسه في الامور النظرية الدقيقة كمسألة الجزء، ومداخلة الاجسام وغيرها، ولم يكن الحديث والسير من فنونه ولا من علومه؛ ولا ريب أنه سمعها ممن لا يوثق،يقوله، فنقلها كما سمعها». (3)
واما سبب نظر الامام تارة إلى السماء واخرى الارض وقوله «ما كذبت ولا كذبت»، فهذا اشارة لاستبطائه وجود المخدج (ذا الثدية) مع القتلى، وخشي (عَلَيهِ السَّلَامُ) دخول الشبهة على اصحابه لانه اخبرهم بأنه سيقتل فاخذ يكرر قوله «ما كذبت
ولا كذبت» أي ان الامام لم يكذب على الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، ولا ان الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) كذب فيما اخبر به الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ). فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين يرفع رأسه إلى السماء يدعو ويتضرع إلى الله في تعجيل الظفر بالمخدج وحينما يطرق إلى الارض يغلبه الهم والتفكير (1).
وعد النظام قول الامام «اذا حدثتكم عن رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) فهو كما حدثكم، فو الله لان آخر من السماء احب الي من ان اكذب على رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، واذا سمعتموني احدثكم فيما بيني وبينكم، فانما الحرب خدعة» يجري مجرى التدليس في الحديث، فلو لم يحدثهم عن الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بالمعاريض، وعلى طريق الايهام لما اعتذر من ذلك. ولكن ابن ابي الحديد يرى ان النظام قد وهم ولم يفهم مقصد الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فالامام لشدة ورعه اراد ان يميز للسامعين ما بين سامعين ما بين ما يخبر به عن نفسه، وما يرويه عن الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، وذلك لان الضرورة ربما تدعو لاستعمال المعاريض، لا سيما في الحرب القائمة على الخديعة، والرأي، فأخبرهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان ما يقوله لهم بلفظ قال رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) فهو سليم من المعاريض، خال من الرمز والكناية، لانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يستجيز ولا يستحل الالغاز في حديث النبي، اما ما يحدثهم به عن نفسه فلربما يستعمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه المعاريض لان الحرب الخدعة. (2)
وعد ابن ابي الحديد كلام الامام هذا كلام من استعمل التقوى والورع في جميع اموره حيث بلغ من تعظيم امر الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، واجلال قدره و احترام حديثه الا یرويه الا بالفاظه لا بمعانيه، ولا بأمر يقتضي فيه الباساً وتعمية، حتى لو كان مضطراً لذلك؛ ترجيحاً للجانب الذي على جانب مصلحته في خاص نفسه، اما اذا قال كلاماً من نفسه فيجوز استعمال المعاريض اذا اقتضت الحكمة والتدبير، كما
كان يفعل الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، في فتحه لمكة قال لاصحابه كلاماً يقتضي انه يقصد بني بكر بن عبد مناة من كنانة، ولم يعرفوا الحقيقة حتى شارفوا مكة، وقال لاعرابي لما سأله ممن انت ؟ قال من ماء. فتحير الاعرابي وقال من ماء فلان أو فلان وكان النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) يقصد انه من نطفة. (1)
وذهب النظام إلى ان الامام لو لم يحدث عن الرسول اله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بالمعاريض لما اعتذر من ذلك، فأنكر ابن ابي الحديد وجود اعتذار للامام وانما الامام نفى ان يدخل المعاريض في الروايته عن الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) و اجازها بالنسبة لنفسه، وهذا لا يتضمن اعتذاراً، واستدل بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لان اخر من السماء» دليل على انه لا ما فعله ولا يفعله. (2)
ومن شبهات الخوارج «نهيتنا عن الحكومة، ثم أمرتنا بها، فما ندري أي الامرين ارشد». ومعنى ذلك انك نهيت عن الحكومة اولاً ثم امرت بها ثانياً، فان كانت قبيحة كنت بنهيك عنها مصيباً، وبامرك فيها مخطئاً، وان كانت حسنة، كنت بنهيك عنها مخطئاً وبأمرك بها مصيباً، فلا بد من خطىء على كل حال.
يرى ابن ابي الحديد ان للامام ان يعمل حسبما يغلب على ظنه المصلحة، فهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما نهاهم اولاً كان نهيه مصلحة، ولما أمرهم بها كانت المصلحة في ظنه قد تغيرت فامرهم على حسب ما تبدل وتغير في ظنه. (3)
وكان الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد رد على قول الخارجي اعلاه: «هذا جزاء من ترك العقدة» أي الرأي الوثيق وقد استنتج ابن أبي الحديد من هذا الكلام ان الامام قد ظهر له فيما بعد ان الرأي الاصلح كان هو الاصرار والثبات على الحرب، وان كان
مكروهاً فالله تعالى يجعل فيه الخير أي أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يرى حملهم على الحرب وترك الالتفات لمكيدة معاوية وعمرو من رفع المصاحف، فاذا ما استقاموا له فقد اهتدوا واذا لم يستقيموا فسينقسموا الى قسمين الاول اعوجاجهم وعصيانهم وفتور همتهم وقلة الجد في الحرب. والثاني: التأني والامتناع المطلق عن الحرب فاذا كان الاول فسيقوم الامام بتقويمهم بالتأديب والارشاد وارهاق الهمم والعزائم بالتصبير والوعظ والتحريض والتشجيع وان كان الثاني تدارك الامر بالاستنجاد بغيرهم من قبائل العرب واهل خراسان والحجاز، فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى انه لو فعلى ذلك لكانت هي العقدة الوثقى أي الرأي الاصوب والاحزم. ولكن هذا لا يعني ان الامام أخطأ بمعنى الاثم وانما فعل ما غلب على ظنه انه المصلحة، وليس الواجب عليه الا ذلك، ولكنه ترك الرأي الاصوب، فالاثم لا يلحق من غلب على ظنه في حكم السياسة امر فاعتمده، ثم بان له ان الاصوب كان خلافه، وقد قيل انه اشار لهذا المعنى بقوله:
لقد عثرت عشرة لا تنجبر ***سوف أكيس بعدها واستمر
واجمع الرأي الشتيت المنتشر (1)
ولقد اوضح الامام السبب الذي دعاه لعدم استخدام هذا الرأي وهو لعدم وجود من يطيعه فالذين معه قد عصوه وخالفوه، اما الغائبون في البلاد البعيدة. فالى ان يصلوا اليه يكون العدو قد بلغ منه غرضه(2).
ونوه ابن ابي الحديد برؤية احد كبار معتزلة البصرة الا وهو الجاحظ حول الامام من التحكيم وهي: «من عرفه عرف أنه غير ملوم في الانقياد معهم الى التحكيم فانه مل من القتل وتجريد السيف ليلاً ونهاراً، حتى ملت الدماء من
اراقته لها، وملت الخيل من تقحمه الاهوال بها، وضجر من دوام تلك الخطوب الجليلة، والارزاء العظيمة، واستلاب الانفس وتطاير الايدي والارجل بين يديه واكلت الحرب اصحابه واعدائه، وعطلت السواعد، وخدرت الايدي التي سلمت من وقائع السيوف بها، ولو ان اهل الشام لم يستعفوا من الحرب ويستقيلوا من المقارعة والمصادمة، لادت الحال الى قعود الفيلقين معاً، ولزومهم الارض والقائهم السلاح، فان الحال افضت بعظمها وهو لها الى ما يعجز اللسان عن وصفه». (1)
ان رؤية الجاحظ هذه تبدو عليها ميوله الخاصة انه تناسى أن معاوية طلب فرساً لينهزم، وهذا ما كان الا بعد ان ادرك حلول الهزيمة، وتناسى الجاحظ عبقرية عمرو بن العاص ودهائه واستخدامه المصاحف للاغراض الحربية الشخصية بدلاً من الاغراض الربانية، وتناسى انه بعد ان القيت الشبهة على اهل العراق انسحب اكثرهم ما خلا الاشتر وثلة معه وهو يتقدم شبراً شبراً وفى هذا دلالة على هزيمة واضحة لاهل الشام فاين يا ترى هذا من رؤية الجاحظ انه لو لم يطلب اهل الشام ايقاف الحرب للجىء الطرفان للجلوس على الارض والقاء السلاح، دلالة على تساويهما بالقتال، ان هذا الرأي من الجاحظ يفسره میله کاحد شخصیات معتزلة البصرة.
ان الخوارج تذهب الى تكفير مرتكب الكبيرة وقد عدوا التحكيم من الكبائر لذا كفروا الامام عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكل من قبل التحكيم، وقد رد الامام على اعتقادهم هذا بأن النبي هذا بأن النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) لم يكفر مرتكب الكبيرة، فقد رجم الزاني ثم صلى عليه، وورثه اهله وقتل القاتل وورث ميراثه اهله وقطع يد السارق وجلد الزاني غير المحصن ثم قسم لهما من الفيء وزوجهما من المسلمات واحتجاج الامام
1) الشرح ٢٩٣ - ٢٩٤. وانظر. الصاحب بن عباد نصرة مذاهب الزيدية ص ۷۱ - ۸۳.
هذا لازم وصحيح لانه لو كان مرتكب الكبيرة كافر لما صلى عليه الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، ولا ورثه، ولا زوجه المسلمات ولا اعطاه من الفيء، ولا خرجه من لفظ الاسلام (1).
ولكن الامام أوصى بعدم قتال الخوارج من بعده قائلاً: «لا تقاتلوا الخوارج من بعدي، فليس من طلب الحق فاخطأه، كمن طلب الباطل فادركه». فمراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الخوارج ضلوا بشبهة دخلت عليهم مع انهم كانوا يطلبون الحق، ولهم تمسك في الدين ومحاماة عن عقيدة اعتقدوها وان كانوا مخطئين فيها، في حين أن معاوية «لم يكن يطلب الحق، وان كان ذا باطل، ولا يحامي عن اعتقاد قد بناه على شبهة، واحواله كانت تدلل على ذلك، فانه لم يكن من ارباب الدين، ولا ظهر عنه نسك ولا صلاح حال، وكان مترفاً يذهب مال الفيء في مآربه؛ وتمهيد ملكه ويصانع به عن سلطانه، وكانت احواله كلها مؤذنة بانسلاخه من العدالة، وأصراره على الباطل، واذا كان كذلك لم يجز ان ينصر المسلمون سلطانه، وتحارب الخوارج عليه، وان كانوا اهل ضلالة لانهم احسن حالاً منه فانهم كانوا ينهون عن المنكر ويرون الخروج على أئمة الجور واجباً». (2)
والمعتزلة تتفق مع الخوارج في وجوب الخروج على ائمة الجور وان الفاسق المتغلب بغير شبهة يعتمد عليها لا يجوز نصره على من يخرج عليه ممن الى الدين، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل يجب ان ينصر الخارجون عليه، وان كانوا ضالين في عقيدة اعتقدوها بشبهة دينية دخلت عليهم، لانهم اعدل منه واقرب للحق، والمعروف ان الخوارج ملتزمون بالدين، وعلى العكس من معاوية. (3)
وبعد سرده لاحداث وسير رجالات الخوارج (1)قال ابن ابي الحديد فهذا يسير مما هو معلوم من حال هذا الطائفة في خشونتها في الدين، وتلزمها بناموسه وان كانت في اصل العقيدة على ضلالة، وهكذا قال النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : «تستحقر صلاة احدكم في جنب صلاتهم، وصيام احدكم في جنب صيامهم». (2)ومعلوم أن معاوية من بعده من بني امية لم تكن هذه الطريقة طريقتهم؛ ولا هذه السنة سنتهم، وانهم كانوا اهل دنيا واصحاب لعب ولهو وانغماس في الملذات وقلة مبالاة في الدين ومنهم من هو مرمى بالزندقة والالحاد» (3).
ولذلك قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولو لم اك فيكم لما قوتل اهل الجمل والنهروان ولم يقل اهل صفين لان الشبهة كانت في اهل الجمل والنهروان ظاهرة الالتباس فكان اهل النهروان اهل قرآن وعبادة واجتهاد، وعزوف عن الدنيا واقبال على امور الاخرة، وهم كانوا قراء العراق وزهادهم، واما معاوية «فكان... مشهور بقلة الدين.... وكذلك ناصره ومظاهره على امره عمرو بن العاص؛ ومن اتبعهما من طعام اهل الشام واجلافهم وجهال الاعراب، فلم يكن امر هم خافياً في جواز محاربتهم واستحلال قتالهم، بخلاف حال من تقدم ذكره». (4)
ويخلص ابن ابي الحديد في ايضاحه لرؤية المعتزلة الى الخوارج للقول: «واما الخوارج فانهم مرقوا على الدين بالخبر النبوي المجتمع عليهم، ولا يختلف اصحابنا في انهم من اهل النار». (5)
تجدر الاشارة الى ان الخليفة عمر بن الخطاب استشار الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخروج لغزو الروم فكان جواب الامام: «انك متى تسر الى هذا العدو بنفسك، فتلقهم فتنكب لا يكن للمسلمين کهف دون اقصی بلادهم ليس بعدك مرجع يرجعون اليه فابعث اليهم رجلاً محرباً، واحفز معه اهل البلاء والنصيحة، فان اظهر الله فذاك ما تحب، وان تكن الاخرى كنت ردءاً للناس ومثابة للمسلمين». فهنا الامام يشير على الخليفة بعدم الخروج حذراً من ان يصاب، فيذهب المسلمون كلهم لذهاب الرأس، بل يبعث اميراً ويقيم بالمدينة ردءاً لهم وفسر ابن ابي الحديد سبب خروج الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بالحروب لانه كان موعداً بالنصر، وآمنا على نفسه بالوعد الالهي في قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) (1)وليس عمراً كذلك، اذاً فما بال الامام شارك بالحرب بنفسه في الجمل وصفين والنهروان ولم يبعث اميراً محرباً واقام هو بالمدينة ردءاً ومثابة هنا قدم ابن ابی الحدید جوابان الاول: انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان عالماً من جهة النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بالا يقتل في هذه الحروب، ويشهد الذلك قوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين، والثاني: قد يكون غلب على ظنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان لا يقوم أحد بمقامه، فلم يجد أميراً محارباً من اهل البلاء والنصيحة، فمن كان في اصحابه محرباً لم يكن من اهل النصيحة له، ومن كان من اهل النصيحة لم يكن محرباً، فدعاه ذلك لمباشرة الحرب. (2)
ان ملاحظة سير حوادث خلافة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) منذ البدء مروراً بحروبه الثلاث ثم ما آل اليه حاله بعد معركة النهروان من تخاذل اصحابه وفرار بعضهم الى معاوية، أو من ترك ولاياته بعد اخذ أموالها ثم ما قام به معاوی من شن
الغارات على المدن الموالية للامام حتى فتح مصر والامام من جانبه يستصرخ اصحابه دون جدوى (1).
هذا الحال دفع البعض للاعتقاد بان السبب يمكن في حسن سياسة معاوية، وسوء تدبير الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يقول ابن ابي الحديد: ان قوماً ممن لم يعرف حقيقة فضل امیرالمؤمنین (عَلَيهِ السَّلَامُ)، زعموا ان عمر كان اسوس منه، وان كان هو اعلم من عمر، وصرح الرئيس ابو علي بن سينا بذلك في الشفاء في الحكمة، (2)وكان شيخنا ابو الحسين (البصري) يميل الى هذا، وقد عرض به في كتاب الغرر، (3)ثم زعم اعداؤه ومباغضوه ان معاوية كان اسوس منه، واصح تدبيرا» (4).
و من خلال مقارنته بين سياسة الامام وسياسة معاوية، أورد ابن ابي الحديد اسباباً ادت الى تغاير السياستين وما نتج عنهما، وهي:
اولاً: ان الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اعتمد في سياسته السير على كتاب الله وسنة رسوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) في الوقت الذي اعتمد معاوية سياسة الحيل والمكايد، وقد اوضح ذلك في طرحه لرؤية الجاحظ (5)وهو من كبار معتزلة البصرة، حيث يقول الجاحظ: «ربما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل والتحصيل والفهم والتمييز وهو من العامة ويظن انه من الخاصة - يزعم أن معاوية كان ابعد غوراً، واصح فكراً، واجود رؤية، وابعد غاية، وادق مسلكاً وليس الامر كذلك، وسأرمي اليك بجملة تعرف بها موضع غلطة والمكان الذي دخل عليه الخطأ من قبله...». ثم أبان الجاحظ الاشكال الذي وقع فيه هؤلاء اذ قال: «كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يستعمل في حربه الا
1) انظر تفاصيل خلافة الامام عند الطبري: تاريخ ٤٢٧/٤ - ٥٧٦، ٥/٥-١٥٧.
2) لم يتسنى لى وجود هذا الرأي في كتاب الشفاء.
3) احد كتبه الكلامية، وقد شرحه ابن ابي الحديد بكتاب شرح مشكلات الغرر علي جواد محي الدين ابن ابی الحدید ص ۲۳۸.
4) الشرح ۲۱۲/۱۰. وانظر رؤية العثمانية. رسائل الجاحظ السياسية ص ١٩٠ - ١٩٢.
5) رسالة في الحكمين ضمن رسائل الجاحظ السياسية ص 365 – 368.
ما وافق الكتاب والسنة وكان معاوية، يستعمل خلاف الكتاب والسنة؛ كما يستعمل الكتاب والسنة، ويستعمل جميع المكايد حلالها وحرامها، ويسير في الحرب بسيرة ملك الهند اذا لاقى كسرى و خاقان اذا لا في رتبيل. (1)وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لا تبدؤهم بالقتال حتى يبدؤكم، ولا تتبعو مدبراً، ولا تجهزوا على جريح ولا تفتحوا باباً مغلقاً، وهذه سيرته في ذي الكلاع، وفي ابي الاعور السلمي وفي عمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة، (2)وفي جميع الرؤساء كسيرته في الحاشية والحشو والاتباع والسفلة. واصحاب الحروب ان قدروا على البيات بيتوا وان قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم نيام فعلوا، وان امكن ذلك في طرفة عين لم يؤخره الى ساعة، وان كان الغرق اعجل من الحرق لم يقتصروا على الغرق ولم يؤخروا الحرق الى وقت الغرق، وان امكن الهدم لم يتكلفوا الحصار، ولم يدعوا ان ينصبوا المجانيق، (3)والعرادات (4)والنقب والتسريب والدبابات (5)والكمين، ولم يدعو دس السموم، ولا التضريب بين الناس بالكذب، وطرح الكتب في عساكرهم بالسعايات، وتوهيم الامور وايحاش بعض من بعض، وقتلهم بكل آلة أو حيلة؛ كيف وقع القتل، وكيف دارت بهم الحال» (6).
وقد أوضح الجاحظ اين من يقتصر تدبيره على الكتاب والسنة يكون قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير وما لا يتناهى من المكايد لان «الكذب
1) خاقان لقب ملوك الترك. اما رتبيل فهو اسم ملوك الترك ايام الحجاج، الخوارزمي : مفاتيح العلوم ص 73. ابن نباتة سرح العيون ص 11.
2) كل هؤلا، كانوا في صف معاوية صد الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
3) آلة ترمى الحجارة. الشرح ۲۲۸/۱۰.
4) من الالات الحربية، واصغر من المنجنيق تستخدم لرمي الحجارة نحو الاماكن البعيدة. الشرح ۲۸۸/۱۰.
5) آلة حربية تتخذ للحصار، يدخل فيها الرجال ثم تدفع داخل الحصن، ويعمل الرجال على تنقيبه. الشرح ۲۲۸/۱۰.
6) الشرح ۲۲۸/۱۰ - ۹. وانظر الجاحظ رساله في الحكمين ص ٢٦٠ - ٣٦٦.
اذاً لما كان الامام ملجماً بالورع عن جميع القول الا ما هو رضا الله و ممنوع اليدين من كل بطش الا ما هو رضا الله، ولا يرى الرضا الا فيما يرضاه الله ويحبه، وما دل عليه الكتاب والسنة، دون ما يعتمده اصحاب الدهاء والنكراء والمكايد، لذا لما ابصرت العوام كثرة نوادر معاوية في المكايد، وغرائبه في الخداع، وما حصل عليه يده، ولم يجدوا ذلك لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ظنوا - بقصر عقولهم وقلة علومهم - ان ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). فانظر بعد هذا كله هل يعد له من الخدع الا رفع المصاحف ثم انظر هل خدع بها الا من عصى رأي علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وخالف امره!» (2).
ثم أكد الجاحظ ان ما ناله معاوية من اختلاف اصحاب الامام لا يعود الى ضعف سياسة الامام وانما الى «غرارة اصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعجلتهم وتسرعهم و تنازعهم». (3)
ويرى الجاحظ ان الصالحين لا يوصفون بالدهاء والمكر، ولذا لا نقول ما كان انكر ابا بكر بن أبي قحافة وما كان انكر عمر بن الخطاب ولا يقول احد عنده شيء من الخير كان رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ادهى العرب والعجم، وانكر قريش وامكسر كنانة؛ لان هذه الكلمة انما وضعت في مديح اصحاب الارب ومن يتعمق في الرأي
في توكيد الدنيا وزبرجها وتشييد خالق البشر، فان هؤلاء لا يمدحون بالدهاء والنكراء، ولم يمنعوا هذا الا ليعطوا افضل منه، وضرب الجاحظ مثلاً في وصف المغيرة لعمر بن الخطاب قائلاً فيه: «كان عمر اعقل من ان يخدع، وافضل من ان يخدع». ولم يصفه المغيرة بالدهاء والنكراء، لانه علم انه اذا اطلق على الائمة الالفاظ التي لا تصلح في اهل الطهارة، لكان ذلك غير مقبولاً. (1)
ثم اشار الجاحظ لعذر معاوية: «اخرجوا الينا قتلة عثمان، ونحن لكم سلم». فتسائل: فاجهد كل جهدك، واستعن بمن شايعك الى ان تتخلص الى صواب رأي في ذلك الوقت اضله علي حتى تعلم ان معاوية خادع، وان عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان المخدوع.. واكد الجاحظ ان نجاح معاوية يمكن في ابتلاء الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) باصحابه ودهره «بما لم يستحن امام من الاختلاف والمنازعة، والتشاح من الرياسة والتسرع والعجلة وهل اتى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الا من هذا المكان». وضرب الجاحظ مثلاً بمؤامرة الخوارج على قتل علي ومعاوية وعمراً، «فكان من الاتفاق او من الامتحان ان كان علي من بينهم هو المقتول» (2).
وعلق ابن ابي الحديد انه من تأمل كلام الجاحظ بعين الانصاف، ولم يتبع الهوى علم صحة جميع ما ذكره وان الذي وقع للامام نتيجة اختلاف اصحابه وسوء طاعتهم له، ولانه لزم سنن الشريعة، ومنهج العدل في الوقت الذي خرج معاوية وعمرو بن العاص عن قاعدة الشرع في استمالة الناس اليهم رغبة أو رهبة. ويخلص للقول: «فلولا انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان عارفاً بوجوه السياسة وتدبير أمر السلطان والخلافة، حاذقاً في ذلك، لم يتجمع عليه الا القليل من الناس وهم اهل الآخرة خاصة؛ الذي لا ميل لهم الى الدنيا، فلما وجدناه دبر الامر حين وليه واجتمع عليه من العساكر والاتباع ما يتجاوز العد الحصر، وقاتل بهم اعداؤه الذي حالهم
حالهم، فظفر في اكثر حروبه، ووقف الأمر بينه وبين معاوية على سواء، وكان هو الاظهر والاقرب الى الانتصار علمنا انه من معرفة تدبير الدول والسلطان بمكان مكين» (1).
ويرى ابن أبي الحديد ان السائس لا يتمكن من السياسة البالغة الا اذا كان يعمل برأيه، وبما يرى فيه صلاح ملكه، سواء وافق الشريعة ام لا، واذا لم يعمل بذلك، فبعيد ان ينتظم امره او يستوثق حاله، ولما كان الامام مقيداً بالشريعة ومتبعاً لها ورافضاً ما يصلح اعتماده من اراء الحرب والكيد والتدبير اذا لم يكن للشرع موافقاً، لذا لم تكن قاعدته في الخلافة كقاعدة غيره.(2)
وفي معرض مقارنته سياسة بين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وسياسة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال ابن أبي الحديد: «كان (عمر) مجتهداً يعمل بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة ويرى تخصيص عمومات النص بالآراء وبالاستنباط من اصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص ويكيد خصمه، ويأمر أمراءه، بالكيد والحيلة، ويؤدب بالدرة والسوط من يتغلب على ظنه أن يستوعب ذلك، ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقون به التأديب، كل ذلك بقوة اجتهاده وما يؤديه اليه نظرة» (3).
هذا المنهج يرى ابن ابي الحديد لا يطابق منهج الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لانه: «كان يقف مع النصوص والظواهر، ولا يتعداها الى الاجتهاد والاقيسة، ويطبق امور الدنيا على أمور الدين، ويسوق الكل مساقاً واحداً، ولا يضع ولا يرفع الا بالكتاب والنص، فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة، وكان عمر مع ذلك شديد الغلظة والسياسة، وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثير الحلم والصفح والتجاوز، فازدادت
خلافة ذاك قوة، وخلافة هذا لينا؛ ولم يمن عمر بما مني به علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من فتنة عثمان؛ التي احوجته الى مداراة اصحابه وجنده ومقاربتهم، للاضطراب الواقع بطريق تلك الفتنة : ثم تلا ذلك فتنة الجمل وفتنة صفين وفتنة النهروان وكل هذه الامور مؤثرة في اضطراب الوالي وانحلال معاقد ملكه، ولم يتفق لعمر شيء من ذلک، فشتان بين الخلافتين فيما يعود الى انتظام المملكة وحتى تدبير الخلافة». (1)
ولكن اذا كان السير على النصوص هو السبب في ما عاناه الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلماذا انتظمت سياسة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وهو ايضاً ممن كان يعمل بالنصوص ولا يتعداها ؟
اكد ابن أبي الحديد انه لا يمكن المقارنة بين سياسة النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وغيره لانه معصوم لا تتطرق الغفلة الى افعاله ولا واحد من هذين الرجلين بواجب العصمة عندنا. وايضاً فان كثيراً من الناس ذهبوا الى ان الله اذن للرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) للحكم بالشرعيات برأيه وحتى اذا كان الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) مجتهداً كما يرى البعض، فان اجتهاد الامام لا يرقى الى اجتهاده. (2)
ويخلص ابن ابي الحديد للقول: «فقد بان بما اوضحنا فساد قول من قال: ان تدبيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسياسته لم تكن صالحة، وبان انه اصح الناس تدبيراً واحسنهم سياسة وانما الهوى والعصبية لا حيلة فيهما !». (3)
ثانياً: الاموال ان سياسة توزيع الاموال كانت سبباً في ابتعاد الناس عن الامام وانجذابهم الى معاوية، حيث أن سياسة الامام قائمة على اساس توزيع الاموال بالتساوي وذلك بالرجوع الى سياسة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وابي بكر (رضي الله عنه). في حين ان سياسة معاوية قائمة على دس الاموال لرؤساء القبائل لكسب ودهم ففي
شرحه لكلام الامام «أ وليس عجباً أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير معونة ولا عطاء، وانا ادعوكم وانتم تريكة الاسلام وبقية الناس الى المعونة أو طائفة من العطاء، العطاء، فتتفرقون عني، وتختلفون علي».
اوضح ابن أبي الحديد ان معاوية لم يكن يعطي جنده على وجه المعونة والعطاء، وانما كان يعطى رؤساء القبائل اليمنية، وسكان الشام من الوجهاء الاموال الجليلة، يستعبدهم بها، ثم يقوم أولئك الرؤساء بدعوة اتباعهم فيطيعونهم اما حمية، أو لاياد وعوارف من اولئك الرؤساء عندهم، ومنهم من يطيعهم تديناً بدعوى الطلب بدم عثمان (رضي الله عنه) الا انه لا يصل لهؤلاء الاتباع من اموال معاوية لا قليل ولا كثير. في الوقت الذي يقسم فيه الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) العطاء والارزاق على وجه المساواة بين الرؤساء والاتباع، ولا يرى شرفاً لشريف على مشروف «فكان من يعقد عنه بهذا الطريق أكثر ممن ينصره ويقوم بامره، وذلك لان الرؤساء من اصحابه كانوا يجدون في انفسهم من ذلك. اعني المساواة بينهم وبين الاتباع فيخذلونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) باطناً، وان اظهر واله النصر، واذا احس ابتاعهم بتخاذلهم وتواكلهم تخاذلوا وتواكلوا ايضاً، ولم يجد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما اعطى الاتباع من الرزق لان انتصار الاتباع له وقتالهم دونه لا يتصور وقوعه، والرؤساء متخاذلون، فكان يذهب ما يرزقهم ضياعاً» (1).
ان مسألة سبب تقاعد العرب عن نصرة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو امر المال، لان الامام لم يكن يفضل شريفاً على مشروف ولا عربياً على اعجمي ولا يصانع الرؤساء وامراء القبائل كما يفعل الاخرون، ولا يستميل احداً لنفسه كما يفعل معاوية، لذا ترك الناس علياً والتحقوا بمعاوية، وقد شكا الامام ذلك لمالك الاشتر احد المقربين اليه فقال :الاشتر یا امیرالمؤمنين انا قاتلنا اهل البصرة باهل
1) الشرح 6۷/۱۰، ۷۱/۷۰.
البصرة واهل الكوفة، ورأي الناس واحد، وقد اختلفوا بعد وتعادوا وضعفت النية، وق العدد وانت تاخذهم بالعدل، وتعمل فيهم بالحق، وتنصف الوضيع من الشريف فليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع، فضجت طائفة ممن معك من الحق اذ عموا فيه، واغتموا من العدل اذ صاروا فيه، ورأو صنائع معاوية عند اهل الغناء والشرف، فتاقت انفس الناس الى الدنيا، وقل من ليس للدنيا بصاحب واكثرهم يحتوي الحق ويشتري الباطل، ويؤثر الدنيا، فان تبذل المال يا امير المؤمنين تمل الك اعناق الرجال، وتصف نصيحتهم لك وتستخلص ودهم صنع الله لك يا أمير المؤمنين وكبت اعدائك، وفض جمعهم. فكان جواب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل فان الله عزوجل يقول: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)»، (1)وانا من اكون مقصراً.اخوف. وأما ما ذكرت من ان الحق ثقل عليهم ففارقونا لذلك، فقد علم الله انهم لم يفارقونا من جور، ولا لجاؤا اذا فارقونا الى عدل، ولم يلتمسوا الادنيا زائلة عنهم، وكأن قد فارقوها، وليسألن يوم القيمة اللدنيا ارادوا ام الله عملوا؟ واما ما ذكرت من بذل الاموال، واصطناع الرجال، فانه لا يسعنا ان نؤتي امرءاً من الفيء اكثر من حقه، وقد قال الله سبحانه وتعالى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). (2)وقد بعث الله محمداً (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وحده ؟ فكثرة بعد محمداً القلة، واعز فئته بعد الذلة وان يرد الله أن يولينا هذا الأمر بذلك لنا صعبة، ويسهل لنا حزنه». (3)
ويخلص ابن ابي الحديد للقول ان امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن يذهب في خلافته كالملوك الذين يصانعون بالاموال، ويصرفونها في مصالح ملكهم وملاذ
انفسهم، ولم يكن (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اهل الدنيا وانما كان رجلاً متألها صاحب حق، لا يريد بالله ورسوله بدلاً. (1)
ثالثاً: الاصحاب: لقد ابتلي الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) باصحاب يدعوهم فلا يستجيبون، ويكلمهم فيكذبونه، في الوقت الذي كان فيه معاوية لا يجد من اصحابه الا السمع والطاعة، فيصدقونه اذا قال، ويطيعونه اذا امر، ويصور لنا الجاحظ موقف الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بانه قد امتحن في اصحابه وفي دهره بما لم يمتحن امام قبله من اختلاف اصحابه ونزاعهم. وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يريد من طاعة اصحابه الا نصرة دين الله والقيام بحدوده، وحقوقه، لا يريدهم لحظ نفسه اما هم فيريدونه لحظوظ انفسهم من العطاء والتقريب والاسباب الموصلة لمنافع الدنيا ولذا كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «اني اريدكم الله وانتم تريدونني لانفسكم». (2)
وكان الامام مدركاً ان اصلاحهم لا يكون الا بالسيف «واني لعالم بما يصلحكم، ويقيم اودكم ولكني والله لا ارى اصلاحكم بافساد نفسى». لانه لا يستحل من دماء اصحابه ما يستحله من يريد الدنيا وسياسة الملك، (3)ويتسائل ابن ابي الحديد اليست نصرة الامام واجبة ؟ فلم لا يقتلهم اذا اخلوا بهذا الواجب ؟ ترى المعتزلة انه ليس كل اخلال بواجب عقوبته القتل كالحج مثلاً، ولربما تكون عاقبة القتل فسادهم عليه وشغبهم الذي يفضي لقتلهم اياه وقتل اولاده او تسليمه لمعاوية، واذا علم ذلك او غلب على ظنه لا يجوز ان يسوسهم بالقتل، فلو ساسهم والحال هذه لكان آثماً ومواقعاً لقبيح وفي ذلك افساد لدينه. (4)
ونتيجة لهذه المعاناة منهم اشار الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى انه لم يأتهم اختياراً
وانما اضطراراً لانه لولا يوم الجمل لم يحتج للخروج من المدينة الى العراق استنجاداً باهل الكوفة على اهل البصرة لان جيشه الحجازي لم يكن وافياً باهل البصرة، فخروجه من المدينة وهي دار الهجرة ومفارقته لقبر الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وقبر فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) ليس عن ايثار ومحبة، ولكن الاحوال تحكم وتسوق الناس الى ما لا يختارونه ابتداء. (1)
واشار الامام لنكتة لطيفة فقال: «ولقد اصبحت الامم تخاف ظلم رعاتها، و اصبحت اخاف ظلم رعيتي» حيث من تأمل احواله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خلافته، علم انه كان كالمحجور عليه، ولا يتمكن من بلوغ ما في نفسه لان العارفين بحقيقة حالة اقلية اما السواد الاعظم فلا يعتقدون فيه الامر الذي يجب اعتقاده فيه، ويرون تفضيل من تقدمه من الخلفاء عليه، ويظنون ان الافضلية بالخلافة ويرون أنه لو لا ان الاوائل علموا فضل المتقدمين عليه لما قدموهم، ولا يرونه الا بعين التبعية لمن سبقه، وأنه كان رعية لمن سبقه، وكان اكثرهم يحارب معه حمية وبنخوة العربية لا بالدين والعقيدة، نتيجة لذك اضطر المداراتهم ومقاربتهم؛ ولم يكن قادراً على اظهار ما عنده الاترى الى كتابه الى قضاته في الامصار. وقوله: «فاقضوا كما كنتم تقضون حتى تكون للناس جماعة، واموت كما مات اصحابي» (2)وهذا الكلام لا يحتاج الى تفسير ومعناه واضح، وهو انه قال لهم اتبعوا دعاتكم الان بعاجل الحال في الاحكام والقضايا التي كنتم تقضون بها الى ان يكون للناس جماعة، أي الى ان تستقر هذه الامور والخطوب عن الاجتماع وزوال الفرقة وسكون الفتنة وحينئذ اعرفكم ما عندي في هذه القضايا والاحكام التي قد استمررتم عليها... الاترى الى قوله على المنبر في امهات الاولاد «كان رأيي ورأي عمر الا يبعن وانا أرى الان بيعهن». فقام اليه عبيدة السلماني، فقال له: رأيك مع الجماعة احب
الينا من رأيك وحدك، فما عاد عليه حرفا، فهل يدل هذا على القوة والقهر، ام على الضعف في السلطان والرخاوة! وهل كانت المصلحة والحكمة تقتضي في ذلك الوقت غير السكون والامساك!». واضاف ابن ابي الحديد مثالاً اخر على ان الامام كان يصلي صلاة الصبح جماعة، فقراً احدهم رافعاً صوته مخالفة لقراءة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)، (1)فلم يضطرب الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولو لم يقطع صلاته، ولم يلتفت ورائه، بل قرأ معارضاً على البديهة (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) (2)وهذا صبر عظيم واناه عجيبة وتوفيق بين. (3)
وبهذا وامثاله استدل المعتزلة على حسن سياسة الامام وصحة تدبيره لان من مني بهذه الرعية المختلفة الاهواء، وهذا الجيش العاصي له والمتمرد عليه، ثم کسر بهم الاعداء، وقتل الرؤساء، فليس يبلغ احد في حسن السياسة وصحة التدبير مبلغة ولا قدره، ويرى بعض المعتزلة ان سياسة الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اذا تأملها المنصف متدبراً لها بالاضافة الى احواله التي دفع اليها مع اصحابه، فانها جرت مجرى المعجزات لصعوبة الامر و تعذره لان اصحابه كانوا فرقتين الاولى تری ان الخليفة عثمان قتل مظلوماً - وتتولاه وتبرأ من اعدائه - والثانية وهم جمهور اصحاب الحرب وأهل الغناء والبأس، فيعتقدون ان عثمان قتل لاحداث او جبت قتله، وكل من هاتين الفرقتين تعتقد انه يتفق معها في الرأي، وتطالبه بادباء رأيه قتل الخليفة عثمان (رضي الله عنه)، فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلم انه متى ما وافق احدى الفرقتين تركته الاخرى، وخذلته، فاخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعتمد في كلامه ما تظن كل واحدة انه يوافقها
في الرأي كقوله: «الله قتله وانا معه». وقوله: «ما امرت به ولا نهيت عنه».. وقوله: «لو امرت به لكنت قاتلاً، ولو نهيت عنه لكنت ناصراً». واخذت كل فرقة تؤول كلامه بما يوافق توجهها، واستمر على هذا الحال حتى وفاته «فلو لم يكن له من السياسة الا هذا القدر - مع كثرة خوض الناس حينئذ في امر عثمان والحاجة الى ذكره في كل مقام - لكفاه في الدلالة على أنه اعرف الناس بها، واحذقهم فيها واعلمهم بوجوه مخارج الكلام وتدبير احوال الرجال». (1)
ونتيجة لهذا التخاذل من اصحابه تنبأ بان اهل الشام يتغلبون على اهل العراق، ليس لان اهل الشام على حق، وانما لانهم اطوع لاميرهم، ومدار النصرة في الحرب هو طاعة الجيش وانتظام امره، لا اعتقاد الحق، فانه ليس يغني في الحرب أن يكون الجيش محقاً في العقيدة اذا كان مختلف الاراء غير مطيع لامر المدير له. (2)
وقد تباينت وجهة نظر الامام لاهل الكوفة بين المدح والذم، فلما حقق بهم الانتصار على اهل البصرة مدحهم مدحاً ليس باليسير ولا بابلمستصغر، وقال في الكوفة واهلها: أهلاً بك وبأهلك، ما ارادك جبار بكيد الا قصمه الله ويثنى عليها وعلى اهلها حسب ذمه للبصرة وعيبه لها، ودعائه عليها وعلى اهلها، ولكن لما خذله أهل الكوفة يوم التحكيم، وتقاعدوا عن نصرته، وخرج منهم الخوارج واستنفرهم فلم يخرجوا معه، ورأى منهم دلائل الوهن وامارات الفشل انقلب المدح ذماً وذلك الثناء استزاده تقريعاً وتهجيناً. فقال لهم «يا اهل الكوفة، لقد ضربتكم بالدرة التي اعظ بها السفهاء فما اراكم تنتهون! ولقد ضربتكم بالسياط التي أقيم بها الحدود، فما اراكم ترعوون!!! فلم يبق الا ان اضربكم بسيفي واني
لا علم بما يقومكم، ولكني لا احب ان آلي ذلك منكم». (1)
ولقد فسد حال اهل الكوفة اواخر خلافته، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمر بمنازل قبيلة اخرى وينادي باسم قبيلته يقصد الشر والفتنة، فيتآلب عليه فتيان القبيلة التي يمر بها ويهتفون باسم قبيلتهم، فيضربوه، وتسل السيوف وتثار الفتن، وهي لا اصل لها سوى تعرض الفتيان بعضهم لبعض. لذا خطب بهم الامام قائلاً: «فان كان لا بد من العصبية، فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحامد الافعال ومحاسن الامور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب، ويعاسيب القبائل، بالاخلاق الرغيبة والاحلام العظيمة، والاخطار الجليلة، والاثار المحمودة». (2)
ان سياسة الامام في السير على احكام الكتاب والسنة، والشدة على الولاة بضرورة السير عليها، ومعاملته للجميع بالتساوي وخاصة في توزيع الاموال، دفع البعض من اصحابه لتركه والالتحاق بمعاوية، أو الخروج على طاعته مستغلين الظرف السلبي له، لذا كان من جملة الانتقادات الموجهة لسياسته «أن جماعة من اصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فارقوه؛ وصاروا الى معاوية، كعقيل ابن ابي طالب اخيه والنجاشي شاعره؛ ومصقلة بن هبيرة احد الوجوه من اصحابه ولو لا انه كان يوحشهم، ولا يستميلهم لم يفارقوه ويصيروا الى عدوه، وهذا يخالف حكم السياسة، وما يجب من تألف قلوب الاصحاب والرعية». (3)
ان الذي يرغب في حطام الدنيا وزخرفها، ويحب العاجل من ملاذها وزينتها فلا ينكر ميله لمعاوية الذي يبذل من الدنيا كل مطلوب، ويسمح بكل مأمول، ويطعم خراج مصر لعمرو بن العاص، ويضمن لذي الكلاع، وحبيب بن
مسلمة، ما يوفي على الرجاء والاقتراح والامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يعدل فيما لا يعدل فيما هو امين عليه من مال المسلمين عن قضية الشريعة وحكم الملة، حتى قال خالد بن معمر السدوسي (1)لعلباء بن الهيثم (2)وهو يريده على مفارقته الامام واللحاق بمعاوية اتق الله يا علباء في عشيرتك، وانظر لنفسك ولرحمك ماذا تؤمل عند رجل اردته على ان يزيد في عطاء الحسن والحسين دريهمات يسيرة ريثما يرأبان ظلف عيشهما فابى وغضب ولم يفعل. (3)
عقيل بن ابي طالب :
وهو الابن الثاني لابي طالب اذا صح وجود طالب وهو اكبر من الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعشرين سنة، خرج في بدر مع المشركين، ووقع اسيراً فاطلقه الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بفداء، ثم اسلم قبيل فتح مكة، يعد من نسابي العرب، وقد قال في حقه الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) اني احبك حبين حب لك وحب لحب ابي طالب لك. (4)
تشير الروايات ان عقيلاً كان يرتاد مجلس معاوية فسأله ذات مرة قائلاً: «يا ابا يزيد: اخبرني عن عسكري وعسكر اخيك، فقد وردت عليهما، قال: أخبرك، مررت والله بعسکر اخی، فاذا ليل کلیل رسول الله علي الله ونهار کنهار رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، الا ان رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ليس في القوم، ما رأيت الا مصلياً، ولا سمعت الا قارئاً ومررت بعسكرك فاستقبلنى قوم من المنافقين ممن نفر برسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ليلة
1) هو احد قادة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معركة صفين انظر الطبري: تاريخ ٥٧٤/٤، ٣٣/٥ - ٥.
2) هو من أهل الكوفة وأشترك مع الامام في حرب الجمل وقتل فيها. انظر: الطبري: تاريخ 4 / 493 - 4، 513، 542.
3) الشرح ٢٥٠/١٠ وانظر الجاحظ: رسالة في الحكمين ضمن رسائل الجاحظ السياسية ص 350.
4) انظر ترجمته: ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۰۷۸/۳۰ - ۹. ابن حجر الاصابة ٤٩٤/٢.
العقبة». ثم اخبر معاوية وجلساءه كل واحد منهم حول نسبه. (1)
ولكن هل كان هذا الالتحاق بمعاوية في خلافة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) او في خلافة معاوية، فهناك من يرى انه في خلافة الامام، وان معاوية قال يوماً وعقيل عنده هذا ابو يزيد لو لا علمه اني خير له من اخيه لما اقام عندنا وتركه. فقال عقيل اخي خير لي في ديني وانت خير لي في دنياي، وقد آثرت دنياي، اسأل الله خاتمة الخير». (2)
وهناك من يرى انه التحق بمعاوية بعد وفاة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واستدلوا على ذلك بالكتاب الذي كتبه اليه عقيل في آخر حياته، وجواب الامام عليه حول غارة الضحاك على نواحي الكوفة كما سنرى، (3)حيث جاء في كتاب عقيل: «فأف لحياة في دهر جرأ عليك الضحاك وما الضحاك ؟ فقع بقرقر! وقد توهمت حيث بلغني ذلك أن شيعتك وانصارك خذلوك، فاكتب الي يا ابن امي برأيك فان كنت الموت تريد، فحملت اليك ببني اخيك، وولد ابيك، فعشنا معك ما عشت، ومتنا معك اذا مت فوالله ما احب ان ابقي في الدنيا بعدك فواقاً، واقسم بالاعز الاجل ان عيشاً نعيشه بعدك في الحياة لغير هني ولا مري ولا نجيع». فاجابه الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اما ما عرضت به من مسيرك الي ببنيك، وبني ابيك، فلا حاجة لي في ذلك، فاقم راشداً محموداً، فوالله ما أحب ان تهلكوا معي ان هلكت، ولا تحسبن ابن امك - ولو اسلمه الناس - متخشعاً ولا متضرعاً». (4)
1) الشرح ١٢٤/٢ - ١٢٥.
2) الشرح ۲۵۲/۱۱.
3) الشرح ۲۵۲/۱۱. وقد سها ابن ابي الحديد اثناء شرحه لكتاب الامام اعلاه لعقيل قائلاً: «قد تقدم ذكر هذا الكتاب في اقتصاصنا ذكر حال بسر بن ارطأة، وغارته على اليمن في أول الكتاب». والصحيح أنها غارة الضحاك وفعلاً اشار لها ابن ابي الحديد الشرح ۱۱۸/۲ – ۱۲۵، 16 / 148.
4) الشرح ۱۱۹/۲ - ۱۲۰، ١٤٨/١٦. وانظر ابن قتيبة الامامة والسياسة ص ٤٣ - ٥ الزمخشري: ربيع الابرار ۵۲۷/۲.
واشارت الروايات ان عقيلاً جاء للكوفة في خلافة الامام وقد كف بصره، فانتظر الامام عطاءه، فاعطاه اياه ولكنه لما التحق فيما بعد بمعاوية اعطاه معاوية مائة الف دينار. (1)
ويخلص ابن ابي الحديد للقول: «الصحيح الذي اجتمع ثقات الرواة عليه انه لم يجتمع مع معاوية الا بعد وفاة امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولكنه لازم المدينة، ولم يحضر حرب الجمل وصفين، وكان ذلك بأذن امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد كتب عقيل اليه بعد الحكمين يستأذنه في القدوم عليه الكوفة بولده وبقية اهله، فأمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمقام، وقد روي خبر مشهور، أن معاوية وبخ سعيد بن العاص على تأخيره عنه في صفين فقال سعيد: لو دعوتتي لوجدتني قريباً، ولكني جلست بمجلس عقيل وغيره من بني هاشم ولو او عبنا لا وعبوا» (2).
النجاشي الشاعر:
السبب الذي دفعه لترك الامام والتحاق بمعاوية أنه شرب الخمر في رمضان، فقام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحد عليه، وزاده عشرين جلدة، فقال النجاشي ما هذه العلاوة؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجرأتك على الله في شهر رمضان، فهرب الى معاوية. (3)
صقلة بن هبيرة : (4)
ارتد بنو ناجية (5)وحاربوا الامام، وقد تمكن قائد الامام من القضاء عليهم وسبيهم، فاشترى مصقلة السبي وعتقهم، ولما طالبه الامام بالاموال هرب الى
معاوية، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فعل فعل السادة وابق اباق العبيد. (1)
قال ابن ابي الحديد وليس تعطيل الحدود واباحة حكم الدين، واضاعة مال المسلمين من التآلف والسياسة. لمن يريد وجه الله تعالى، والتزم بالدين، ولا يظن بعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) التساهل والتسامح في صغير من كبير. (2)
و توقف ابن ابي الحديد في اصدار حكم بحق شخص من اقرب المقربين للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي استغل الظرف السيء للامام فاخذ اموال ولايته وتركها فكتب له الامام: «اما بعد فاني كنت اشركتك في امانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن في اهلي رجل اوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي واداء الامانة الي؛ فلما رأيت الزمان علي ابن عمك قد كلب، والعدو قد حرب، وامانة الناس خزيت، وهذه الامة قد تنكبت وشغرك قلبت لابن عمك ظهر المجن، ففارقته مع المفارقين وخذلته مع المتخاذلين وخنته مع الخائنين فلا أبن عمك آسيت ولا الامانة اديت وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك، وكأنك لم تكن على بينة من ربك وكأنك انما كنت تكيد هذه الامة عن دنياهم، وتنوي غرتهم عن فيئهم فلما امكنتك الشدة في خيانة الامة اسرعت الكرة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لاراملهم واتباعهم اختطاف الذئب الازل دامية المعزى الكبيرة، فحملته الى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من اخذه، كأنك ــ لا ابا لغيرك ـ حدرت الى اهلك تراثك من ابيك وامك فسبحان الله ! اما تؤمن بالمعاد! او ما تخاف نقاش الحساب ايها المعدود كان عندنا من أولى الالباب كيف تسيغ طعاماً وشراباً، وانت تعلم انك تأكل حراماً، وتشرب حراماً، وتبتاع الاماء، وتنكح النساء من اموال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين، الذين أفاء الله عليهم هذه الاموال، واحرز
بهم هذه البلاد! فاتق الله واردد الى هؤلاء القوم أموالهم؛ فانك ان لم تفعل ثم امكنني الله منك لا عذرن إلى الله فيك، ولا ضربنك بسيفي الذي ما ضربت به احداً الا دخل النار، ووالله لو ان الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ماكانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا مني بارادة، حتى آخذ الحق منهما، وازيح الباطل عن مظلمتهما، واقسم بالله رب العالمين، ما يسرني ان ما اخذته من أموالهم حلال لي اتركه ميراثاً لمن بعدي فضح رويداً، فكأنك قد بلغت المدي، ودفنت تحت الثرى، وعرضت عليك اعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة ويتمنى المضيع فيه الرجعة ولات حين مناص». (1)
لقد انقسمت الاراء في المكتوب اليه الى قسمين قسم يرى انه ابن عباس وقسم لا يرى ذلك. وقد استدل القائلون بانه ابن عباس بالادلة :
اولاً الفاظ الكتاب، فأنها تشير الى شخص مقرب من الامام وهي تنطبق على ابن عباس، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اشركتك في امانتي، وجعلتك بطانتي وشعاري وانه لم يكن في اهلي رجل اوثق منك». وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «على ابن عمك قد كلب». وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قلبت لابن عمك ظهر المجن». وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فلا ابن عمك آسيت». وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا ابا لغيرك» وهذه كلمة لا تقال لمثله، فاما غيره من افناء الناس فان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقول له : لا ابا لك. وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أيها المعدود كان عندنا من اولي الالباب». وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لو أن الحسن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)»، وهذا يدل على ان المكتوب اليه هذا الكتاب قريب من ان يجري مجرى الحسن والحسين عند الامام.
ثانياً: استدل القائلون بانه ابن عباس بوجود روایات تشير لتبادل رسائل بين الامام وابن عباس، حيث كتب ابن عباس للامام: «قد اتاني كتابك تعظم على ما اصبت من بيت مال البصرة، ولعمري أن حقي في بيت المال اكثر مما اخذت
1) الشرح ١٦٧/١٦ - ١٦٨، وانظر: الكشي : رجال ص ٥٨ - ٦٠.
والسلام». فرد الامام: «ان من العجب أن تزين لك نفسك ان لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر من رجل واحد من المسلمين، فقد افلحت ان كان تمنيك الباطل، وادعائك ما لا يكون ينجيك من المآثم، ويحل لك المحرم انك لانت المهتدي السعيد اذا! وقد بلغني انك اتخذت مكة وطناً، وضربت بها عطناً، تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف تختارهن على عينك، وتعطي فيهن مال غيرك فارجع هداك الله الى رشدك، وتب الى الله ربك، واخرج الى المسلمين من اموالهم، فعما قليل تفارق من الفت، وتترك ما جمعت، وتغيب في صدع من الارض، غير موسد ولا، ممهد، قد فارقت الاحباب، وسكنت التراب، وواجهت الحساب غنيا عما خلفت فقيرا الى ما قدمت». فكتب اليه ابن عابس: «قد اکثرت على ووالله لأن القى الله قد احتويت على كنوز الارض كلها، وذهبها وعقيانها ولجينها، احب الى من القى الله بدم امريء مسلم». (1)
اما القسم الثاني وهم الاقل فانكروا وقوع ذلك من ابن عباس واكدوا انه لم يفارق الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا خالفه، وانه لا زال اميرا على البصرة حتى قتل الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واستدلوا بما رواه ابو الفرج في كتابه مقاتل الطالبيين (2)بأن ابن عباس كتب لمعاوية وهو في البصرة كتابا بعد استشهاد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واستدلوا ايضا بان معاوية قد خدع أكثر اصحاب الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجذبهم اليه بالاموال، فما باله وقد وقد علم النبوة بين الامام وابن عباس لم يجذب الاخير اليه ثم ان الروايات التاريخية تؤكد مشاقة ابن عباس لمعاوية بعد وفاة (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما كان يلقاه به من قوارع الكلام وشديد الخصام، وكان يمدح الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) امام معاوية، ويذكر فضائله، ويمدح بمناقبه «فلو كان بينهما غبار او كدر لما كان الامر كذلك، بل كانت الحال تكون بالضد لما اشتهر به من امرهما» وقد ايد ابن ابي الحديد اراء هذا
الفريق.
ويرى قطب الدين الراوندي (1)احد شراح نهج البلاغة ان المكتوب له هو عبيد الله بن عباس وليس عبدالله، وقد رد ابن ابي الحديد على ذلك لأن عبيد الله كان والي الامام على اليمن وفي سنة ٤٠ هـ غزا بسر بن ارطاة (2)اليمن، وهرب منها الله، ولم ترد رواية أو خبر تفيد ان عبيد الله اخذ اموالا او خالف الامام (3)عبيد ويلخص ابن أبي الحديد للقول: «وقد أشكل على أمر هذا الكتاب، فان انا كذبت النقل، وقلت: هذا كلام موضوع على اميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خالفت الرواة، فانهم قد اطبقوا على رواية هذا الكلام عنه. وقد ذكر في اكثر كتب السير وان صرفته الى عبدالله بن عباس صدنى عنه ما اعلمه من ملازمته لطاعة امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في حياته وبعد مماته وان صرفته الى غيره، ولم اعلم الى من أصرفه من اهل امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والكلام يشعر بان الرجل الخاطب من اهله وبني عمه فانا في هذا الموضع من المتوقفين». (4)
ان هذا الموقف من ابن عباس قد اشارت له المصادر الاخرى فقد اورد كل من البلاذري (5)والطبري (6)نص الرسائل المتبادلة بين الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وابن عباس وتفاصيلها، فبعد معركة الجمل ولي الامام ابن عباس البصرة، وولى ابا
1) هو سعيد بن هبة الله أحد اعلام الامامية ت ٥٧٣ هـ انظر مصادر ترجمته الزركلي :١٠٤/٣.
2) من الصحابة الذين وقفوا الى جانب معاوية ضد الامام انظر ترجمته: ابن حجر: الاصابة ١٤٧/١ - ٨.
3) الشرح ۱۷۱/۱٦ - ۱۷۲.
4) الشرح ١٧٢/١٦ وانظر: ابراهيم الخوئي: الدرة النجفية ص 328.
5) انساب الاشراف ١٦٩/٣ - ۱۷۱ وانظر: التوحيدي: البصائر والذخائر 1 / 490 – 493. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۱۰۷.
6) الطبري ١٤١/٥ - ٢. وايدها من المسحدثين: يوليوس: تاريخ الدولة العربية العربية. ص ۹۵ - ۱۰۵. طه حسين علي وبنوه ۱۳۳/۲ - ١٤۲. علي الوردي: مهزلة العقل البشري ص ٥٧ - ٨٥.
الاسود الدؤلي على بيت المال فمر ابن عباس ذات مرة عي ابي الاسود وقال له: «لو كنت من البهائم كنت جملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت من المرعى واحسنت مهنته في المشتى». فكتب أبو الاسود الى الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «اما بعد، فان الله جل وعلا جعلك والياً مؤتمناً، وداعياً مسؤولاً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الامانة، ناصحاً للرعية، توفر لهم فيئهم وتظلف نفسك عن دنياهم فلا تأكل أموالهم ولا ترشي في احكامهم، وان عاملك وابن عمك قد اكل ما تحت يده بغير علمك، ولا يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما قبلنا من أمرك، واكتب الى برأيك ان شاء الله والسلام».
فاجابه الامام: «قد فهمت كتابك، ومثلك نصح الامام والامة ووالي على الحق، وفارق الجور، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت الي فيه من امره ولم اعلمه بكتابك الي فيه فلا تدع اعلامي ما يكون بحضرتك مما النظر فيه للامة صلاح، فانك بذلك محقوق، وهو عليك واجب، والسلام».
وكتب الامام لابن عباس: «قد بلغني عنك امر ان كنت فعلته فقد اسخطت ربك. واخزيت امانتك، وخنت المسلمين، بلغني انك جردت الارض واكلت ما تحت يديك فارفع الي حسابك، وأعلم ان حساب الله اشد من حساب الناس. والسلام».
فكتب ابن عباس: «ان الذي بلغك عني باطل، واني لما تحت يدي اضبط واحفظ فلا تصدق علي الأضناء، والسلام».
فكتب له الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «انه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما اخذت من الجزية؟ ومن اين اخذته، وفيما وضعت ما انفقت منه، فاتق الله فيما أئتمنت عليه، واستر عيتك حفظه، فان المتاع بما أنت رازي، منه قليل وتباعه ذلك شديد والسلام».
فلما رأى ابن عباس ان الامام لا يعفيه كتب اليه: «قد فهمت تعظيمك علي
مرزأة مال بلغك اني رزأته من اهل هذه البلاد، ووالله لان القى الله بما في بطن هذه الارض من عقيانها ولجينها وبطلاع ما على ظهرها احب الي من ان القاه وقد سفكت دماء الأمة لأنال بذلك الملك والامارة، فابعث الى عملك من احببت فانی ضاعن عنه والسلام».
قال البلاذري والطبري: (1)
«ولما اراد ابن عباس الخروج، دعا اخواله من بني هلال بن عامر ليمنعوه فجاء الضحاك بن عبدالله الهلالي، وهو كان على شرطة البصرة، وعبد الله بن رزين الهلالي، وقبيصة بن عون الهلالي وغيرهم من الهلاليين فقال الهلاليون: لا غناء بنا عن اخواننا من بني هوازن ولا غناء بنا عن اخواننا من بني سلیم فاجتمعت قیس كلها، وصحب ابن عباس أيضاً سنان بن سلمة بن المحيق الهذلي، والحصين ابن ابي الحر العنبري، والربيع بن زياد الحارثي، فلما رأى عبد الله من معه حمل المال وهو ستة الاف الف في الغرائر (2)ثم سار، واتبعه أخماس البصرة كلهم فلحقوا (3)على بالطف على اربع فراسخ (4)من البصرة، ارادة اخذ المال منه، فقالت :قيس والله لا يصلون اليه ومنا عين تطرف. فقال صبرة بن شيبان بن عكيف الحداني وهو رأس الازد يا قوم ان قيسا اخواننا وجيراننا في الدار واعواننا على العدو، ولو رد عليكم هذا المال كان نصيبكم منه الاقل فانصر فوا. وقالت بكر بن وائل الرأي والله ما قال صبرة بن شيبان، واعتزلوا ايضا فقالت بنو تميم والله لنقاتلهم عليه. فقال لهم الاحنف: انتم والله احق ان لا تقاتلونهم، وقد ترك قتالهم من هو ابعد منهم
1) انساب الاشراف ۱۷۱/۲ - ٤ تاریخ ١٤٢/٥.
2) جمع غرارة وهي الجوالق التي يوضع فيها التين ابن منظور : لسان العرب ٣٢١/٦.
3) وهي ما اشرفت من ارض العرب على العراق، وسمي لقربه من الريف انظر الزمخشري: كتاب الأمكنة ص ۱۲۵ :الحموي : معجم البلدان ٣٥/٤ - ٣٦ الحميري: الروض ٣٩٦.
4) الفرسخ هو ثلاثة أميال أو ستة. ابن منظور: لسان العرب ١٠٧٢/٢ - ٤. ماده (فرسخ).
رحما. فقالوا: والله لنقاتلهم عليه. فقال الاحنف والله لا اساعدكم وانصرف عنهم. فرأسوا عليهم رجلا يقال له ابن المجاعة وهو من بني تميم، فحمل عليهم الضحاك بن عبدالله الهلالي فطعن ابن المجاعة فصرعه وحمل سلمة بن ذؤيب على الضحاك فطعنه، فاعتنقه عبدالله بن رزين الهلالي فسقطا الى الارض يعتركان... وكثرت الجرحى بينهم، ولم يقتل من الفريقين احدا فقال من اعتزل من الاخماس والله ما صنعتم شيئا حيث اعتز لتموهم، وتركتموهم يتناحرون فجاؤا حتى صرفوا وجوه بعضهم عن بعض، وحجزوا بينهم وقالوا لبني تميم: والله لنحن اسخى انفسا منكم، وتركنا لبني عمكم شيئا انتم تقاتلونهم عليه، فخلوا عن القوم، وعن ابن ختهم، ففعلوا ذلك... ومضى عبدالله بن عباس ومعه وجوههم نحوا من عشرين سوى مواليهم ومواليه ولم يفارقه الضحاك بن عبد الله، وعبدالله بن رزين حتى وافاه مكة.. وكان ابن عباس يعطى في طريقه من سأله ومن لم يسأله من الضعفاء حتى قدم مكة. ويقال انه كان استودع حصين بن الحر مالا فاداه اليه. قالوا: ولما قدم ابن عباس مكة ابتاع من حبيرة مولى بني كعب من خزاعة ثلاث مولدات حوراء وفنور وشادن بثلاثة الاف دينار فكتب اليه علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أما بعد، فاني كنت اشركتك في امانتي ولم يكن في اهل بيتي رجل...». نص الكتاب الذي ذكرناه في صدر الموضوع. ثم اشار البلاذري لرد ابن عباس ثم رد الامام عليه الذي ذكرناه سابقا (1).
فيما يرى آخرون ان ابن عباس لم يغادر البصرة حتى صلح الحسن فذهب الى الكوفة، وشهد الصلح ثم رجع الى البصرة فحمل اثقاله ومالا قليلا من بيت المال ادعى بانها ارزاقه. (2)
وقد ذكر ابو الفرج انه بعد تخاذل عبيد الله بن عباس (1)وميله لمعاوية - وكان قائد جيش الحسن الموجه لحرب معاوية - قام قيس بن عبادة (2)خطيباً في اصحابه قائلاً: أيها الناس لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع أي الجبان، ان هذا واباه واخاه لم يأتوا بيوم خير قط، ان اباه عم الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) خرج يقاتله ببدر فاسره ابو اليسر كعب بن عمرو الانصاري (3)فأتى به رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، فاخذ فداه فقسمه بين المسلمين وان اخاه ولاه علي امير المؤمنين على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين فاشتری به الجواری وزعم ان ذلك له حلال. وان هذا ولاه اليمن فهرب من بسر بن ارطأة وترك ولده حتى قتلوا، وصنع الان هذا الذي صنع». (4)
تجدر الاشارة الى ان عبد الله بن عباس كان ذا علاقة وثيقة جداً بالامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى درجة أنه يعتبر تلميذ الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولما سئل عن مقدار علمه من علم الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاكد ان نسبة علمه الى علم الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كالقطرة الى البحر المحيط، (5)وكان ابن عباس الناطق باسم الهاشميين جميعاً، والإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خاصة في مناظراته مع الخليفتين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، (6)وعثمان بن عفان (رضي الله عنه)، (7)حيث تظهره الروايات بمظهر المدافع والمثبت لحق الهاشميين في الامامة. ولما تولى الامام الخلافة كان لابن عباس دور مشهور في احداث
1) انظر ترجمته ابن عبدالبر، الاستیعاب ۱۰۰۹/۳. ابن حجر: الاصابة ٤٣٧/٢ - ٨.
2) من اشد اصحاب الامام اخلاصاً له. الشرح ٥٧/٦ - ٦٥. وانظر ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۲۸۹/۳ - ۱۲۹۳. ابن حجر الاصابة ۲٤٩/٣.
3) انظر ترجمته ابن حجر: الاصابة ٣٠٠/3.
4) مقاتل الطالبيين ص ٤٢.
5) الشرح ١٩/١.
6) الشرح ٢٠/١٢ - ٤٦،١، ٥٠ -٥٥٠، ۷۸ - ۸۲ وانظر اخبار العباس، ص ۳۳، ۱۲۸ - ۹، البلاذري: انساب ١٦/٥ - ٧ اليعقوبي: تاريخ ١٤٦/٢ - ٧. ابن عبدالبر: الاستيعاب ۱۱۱۹/۳ - ۲۰ الجويني: فرائد ٣٣٤/١ - ٦.
7) الشرح ۸/۹ - ۲۲.
خلافته، فهو رسول الامام الى كل من طلحة والزبير (رضي الله عنهما)، (1)ثم ام المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)، (2)وبعد نهاية معركة الجمل اصبح والياً على البصرة للامام (3)واشار الطبري (4)انه تولاها طيلة ايام خلافة الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واذا ما طلبه الامام فكان يعين بدله والياً من قبله. وان الامام قد عين على قضاء البصرة وبيت المال ابــا الاسود الدولي.
اما في معركة صفين، فمسألة وجوده فيها معروفة، فكان هو الذي اشار على الامام أن يكون ممثله في التحكيم، الا ان الاشعث واصحابه لم يوافقوا عليه قائلين للامام: كأنك تبعث نفسك، اذ لا يجدون فرقاً بين الامام وابن عباس، وكان ضمن الوفد الذي ارسل للتحكيم برئاسة أبي موسى الاشعري وانه كان ينصح ابا موسى ويحذره من مكيدة عمرو بن العاص. (5)
ثم كان رسول الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى الخوارج، حيث اوصاه بان يناظرهم بالقرآن لا بالسنة وقد أوضحنا ذلك من قبل. وبعد ذلك عاد ابن عباس الى البصرة.
وفي سنة ٣٨هـ تمت لمعاوية السيطرة على مصر وتم تسليمها الى عمر و بن العاص حسب الاتفاق المبرم، وقد قتل واليها من قبل الامام محمد بن ابي بكر، (6)والواضح من الروايات ان الامام خص ابن عباس باهتمام كبير اذ كتب له رسالة بخبره بمقتل محمد بن ابي بكر موضحاً اثر ذلك في نفس الامام. مما دعا ابن عباس لاعادة الجواب معزياً الامام بقتل محمد الذي هو ابن الامام من صلب ابي
1) الشرح ١٦٦/٢ - ١٧٠.
2) الجاحظ: رسائل الجاحظ السياسية ص ٢١٥ - ٦. مؤلف مجهول: اخبار العباس وولده ۱۲5 - ۱۲۷. ابن عبد ربه العقد الفريد ٣٢٨/٤ - ٩.
3) الطبري ٥٤٣/٤.
4) تاریخ ١٣/٥، ١٣٢، ١٥٥.
5) الشرح ٢٤٦/٢ وانظر: مؤلف مجهول اخبار العباس ص ٣٦ - ٧ الطبري: 5 / 51، 67، 70 – 71.سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۱۰۲ - ۳.
6) الشرح ٦٥/٦ - ١٠٠، وانظر: الطبري: تاريخ ١٤/٥ - ١٠٥.
بكر، (1)ولم يكتف ابن عباس بذلك بل سار الى الكوفة بنفسه لتعزية الامام تاركاً زیاد بن ابيه في البصرة لادارة شؤونها، فاستغل انصار معاوية ذلك فارسلوا الى معاوية يدعونه لاستغلال الفرصة، فارسل معاوية ابن الحضرمي مما دعا زياداً المراسلة ابن عباس الذي اطلع امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهنا لا نجد الروايات تشير لاي دور لابن عباس، فهو لم يرجع الى البصرة بل ان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يكاتب زياد وزياد يشرح له الحال وارسل الامام من جانبه رسولين لمعالجة الوضع حتى تم قتل ابن الحضرمي بجهود زياد (2).
وفي نفس السنة ٣٨ هـ خرج الخريت بن راشد في بني ناجية (3)على سلطة الامام وتشير الروايات ان ابن عباس كان والياً على البصرة، فكتب له الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بان يرسل من قبله رجلاً صليباً ومعه الفي رجل لمساندة قائد الامام معقل بـر قيس الذي تمكن من تصفية تمرد الخريت. (4)وكان معقل قد اسر و سبى اناساً كانوا على دين النصرانية فاشتراهم والي الامام مصقلة بن هبيرة واعتقهم، فطالبه الامام بالمال، فجاء مصقلة الى البصرة، فطالبه ابن عباس بالاموال، لان عمال البصرة كانوا يحملون الاموال لابن عباس الذي يقوم بدوره بحمل الاموال الى الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وثم سيره للامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).
وأشار الطبري ان خلافة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) واجهت تحدياً واضطرابات داخلية بعد معركة النهروان في بلاد فارس حيث اخرجوا والي الامام سهل بن حنيف فاشار ابن عباس على الامام بأن يرسل زياد بن ابيه، حيث يقول: فقال ابن عباس لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اكفيك فارس بزياد، فأمره على ان يوجهه اليها، فقدم ابن عباس
1) الشرح ٥٣/٦، ۹۲ - ٣، ١٤٥/١٦. الطبري: تاریخ ۱۰۹/۵ ابی هلال: الغارات ص ١٩٦.
2) الشرح ٣٤/٤ - ٥٣. وانظر الطبري ۱۱۰/۵ - ۱۱۳. ابي هلال: الغارات ٢٥٥ - ٢٨٤.
3) الشرح ١٢٧/٣ - ١٤٨. وانظر الطبري ۱۱۳/۵ - ۱۲۹. ابي هلال الغارات ٢١٩ - ٢٤٥.
4) الشرح ١٣٦/٣. وانظر الطبري ۱۲۱/٥.
5) الشرح ١٤٣/٣ - ١٤٨. وانظر الطبري ١٢٩/٥.
البصرة ووجه ابن زياد الى فارس في جمع كثير تمكن من تصفية التمرد في سنة ٣٩هـ (1).
واوضح الطبري ان ابن عباس في سنة ٣٩هـ لم يكن في البصرة «كان شخص عن عمله بالبصرة، فاستخلف زياداً على الخراج، وابــا الاسود على القضاء» (2)ولكن الطبري لم يوضح سبب شخوص ابن عباس وربما طلبه الامام للمشاورة في امر الاضطرابات في بلاد فارس وغيرها.
ثم تأتي السنة الاخيرة من خلافة الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ٤٠ هـ وهي السنة التي اشارت الروايات لاخذ ابن عباس أموال البصرة، والتي ادت لتلك المراسلات الشديدة اللهجة بين الطرفين والتي لا تناسب علاقتهما مع بعضهما البعض، وتترك الروايات هذه العلاقة بهذا الوضع السلبي دون ان تضع لها نهاية، لكننا نجد روايات ابو الفرج توضح انه بعد استشهاد الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان ابن عباس ممن غسل الامام (3)ورثاه (4)ودعا الى بيعة الحسن (5)وقد يكون هذا تصحيفاً وربما الذي قام بذلك هو اخوه عبيد الله، لأننا نجد ابن عباس يكتب رسالة الى الامام الحسن يدعوه للقيام بالامر (6)ورسالته فيها دلالة على ان ما جاء في الرسائل المتبادلة بين الامام و ابن عباس امر مبالغ فيه، وأوضحت الروايات أن معاوية لما تولى الخلافة كتب لابن عباس برسالة يهدده، فرد عليه ابن عباس برسالة مماثلة. (7)
واشار ابو الفرج ان معاوية دس جواسيساً في خلافة الحسن الى الكوفة
والبصرة، فقبض على الجواسيس وكتب ابن عباس من البصرة الى معاوية يندد بفعله هذا (1).
وذكر الطبري ان ابن عباس شخص الى الكوفة وشهد الصلح بين الحسن ومعاوية ثم رجع للبصرة، فحمل اثقاله وبعضاً من مال بيت المال وارتحل للحجاز. (2)
وهنا نطرح الحيثيات التالية :
اولاً: ما طبيعة العلاقة بين أبي الاسود الدولي وابن عباس؟ ان الوقوف عليها قد يكون فيه اضاءة للموضوع؟ وهذا ما لم نجده.
ثانياً: ما هي ميول رواة تلك المراسلات وخروج ابن عباس وترك ولايته؟ ثالثاً ان من يقرأ الالفاظ التي تبودلت بين الامام وابن عباس سيجد أنها لا تتطابق مع تلك العلاقة الودية والحميمة وذلك الاعتقاد الذي يحمله ابن عباس للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فهل يعقل ان يكتب ابن عباس للامام: «والله لان القى الله بما في هذه الارض من عقيانها ولجيتها وبطلاع من على ظهرها احب الي من ان القاه وقد سفکت دماء الامة لانال بذلك الملك والامارة».
اذا كان ابن عباس يرى هذا الرأي، فلماذا نجده العضد الايمن للامام في معاركه الثلاثة، وفي مناظراته مع خصوم الامام كان يحاول بما أوتي من قوة جدال اثبات صحة مواقف الامام و امامته والتأكيد على خطأ خصومه ولذلك نجد الامام يرشحه ليمثله في التحكيم، ويرسله للخوارج، ومن قبل الى طلحة والزبير وام المؤمنين، وكل ذلك يشير الى مدى الثقة التي يكنها الامام لابن عباس.
ثم ان ابن عباس يجعل سر حروب الامام هو الوصول الى الحكم والملك وهذا أمر لم يفعله خصوم الامام فاني لأبن عباس ان يعتقده، واذا كان الامام يريد الوصول الى الحكم بأية طريقة، ولو بسفك الدماء، فما باله رفض شرط عبدالرحمن بن عوف وهو يقول له: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين (1).
وقد علق المحمودي على ذلك قائلاً: «الظاهر ان هذا الكتاب وضعه بعض اتباع الاموية كي يكثروا سواد معاوية وامثاله ممن باع الاخرة بالدنيا واذهب طيباته في نيل الارذل والادنى، ويلقوا في روع الناس واذهانهم ان حروب امير المؤمنين وقيامه بالامر لم تكن دينية، وانما كانت دنيوية محضة كي ينفرد بالملك وينال السلطة والرئاسة وكيف يمكن ان يكتب ابن عباس هذا الى امير المؤمنين ويعتقده مع احتجاجاته الكثيرة على النواصب والخوارج مشحونة بتبرير عمل امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانه كان في جميع اعماله على الحق وأن اعداءه على الباطل». (2)
ثم كتب الامام لابن عباس «فلما رأيت الزمان على ابن عمك كلب... الى نهايته» فيه من المبالغات مما لا يتناسب مع شخصية الامام ونظرته لابن عباس منها قوله «فاتق الله واردد الى هؤلاء القوم أموالهم، فأنك ان لم تفعل ثم امكنني الله منك لأعذرن الى الله فيك، ولا ضربنك بسيفي هذا الذي ما ضربت احدا الا دخل النار».
هب ان ابن عباس اخذ الاموال فهل عقوبته القتل، ثم ان الروايات لا تشير لاعادة ابن عباس الاموال فهل هذا يعني ان الامام يقول بان ابن عباس من اهل النار ؟
رابعاً: ان طريقة خروج ابن عباس من البصرة حسبما توضحه الروايات تشير الى سلوك غير طبيعي لا يتناسب مع ابن عباس وانه طلب حماية الآخرين للخروج، واذا فهو مقتنع بان تصرفه غير صحيح، ولذا طلب معونة الآخرين من اخواله، وقد بالغت الروايات في امر المال المأخوذ وهو ستة ملايين، دون ان تحدد دراهم او دنانير، وهذا شيء لا يمكن ان يقع من ابن عباس، ولم تترك الروايات خروج ابن عباس حتى جعلته وكأنه رغماً على اهل البصرة وبالقوة، رغم محاولات بني تميم الحيلولة دون ذلك.
خامساً: لماذا تصور الروايات ان بني تميم فقط اخذوا موقفاً متشدداً من ابن عباس فهل هذا يعود لتشدده مع بني تميم أبان ولايته الى درجة ان كتب له الامام ينهاه عن ذلك لان بني تميم كلما غاب منهم نجم ظهر لهم آخر حسب تعبير الامام (1).
سادساً: لم تترك الروايات ابن عباس وامواله دون ان تحدد موارد صرفها والتي لم تتجاوز (الجواري)، وكأن الروايات تريد ان تؤكد على دنيوية ابن عباس وميله للنساء، فأشارت لاسماء الجواري (حوراء وفنور وشادن) الا انها لم تشر الا الى صرف ثلاثة الاف دينار فقط.
سابعاً: تجدر الاشارة الى ان معاوية كان يفتعل الكتب، وينشر الاخبار غير الصحيحة على السن اصحاب الامام في محاولة منه اما لجذبهم اليه او تشويه سمعتهم، أو لادخال الشك في نفس الامام منهم، كما فعله كما فعله مع قيس بن مع قيس بن سعد، (2)والاشتر، وغيرهما، اذن ياترى ما باله لم يوظف هذا الشرخ الكبير الذي ظهر من ابن عباس خاصة وان ابن عباس هو الساعد الايمن للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاننا لم نجد أي اشارة لا في خلافة الامام ولا بعده، ونحن نعلم بان ابن عباس کان لسان
الهاشميين في مجلس معاوية (1)ولم يتردد يوماً في الثناء على الامام والطعن على معاوية بل الأكثر من ذلك أن معاوية اشرك ابن عباس في اللعن مع الامام والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) وجعل ابن عباس رابعهم. (2)
ثامناً: أن رسالة ابن عباس للامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد استشهاد (3)الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) توضح ان عباس كان يحمل ذلك الاعتقاد الراسخ والمعروف عن الامام، خاصة وان رسالته جاءت بعد اشهر من مسألة اخذ الاموال ان صحت.
تاسعاً: اننا لا نستبعد أن يكون ابن عباس قد اخذ الاموال فهو ليس معصوماً من الخطأ، ولا نستبعد موقف الامام هذا، فالمعروف عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شدته في تطبيق الاحكام، ولو كان مع اقرب المقربين اليه كأولاده مثلاً، ولكن هل ان غلظة الامام وشدته على ولاته توجب عليهم مفارقته، فلماذا لم يفارقه عثمان ابن حنيف واليه على البصرة الذي حاسبه على استجابته لمأدبة طعام (4)، وقاضيه شريح القاضي الذي ندد به لشراءه داراً بثمانين ديناراً (5)اذن اذا كان الامام قد تشدد مع ابن عباس وهذا ما لا نستبعده فهذا لا يعني أنه قد فارق الامام (6).
ان قراءتنا لما جاء لدى اليعقوبي حول هذه المسألة التي اطلنا الحديث فيها تعطينا انطباعاً الى أي مدى بولغ في هذه المسألة ؟ ولماذا بولغ؟ فلنقرأ ما جاء لدى اليعقوبي: «وكتب ابو الاسود الدئلي (كذا) كان خليفة عبدالله بن عباس بالبصرة الى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلمه ان عبد الله اخذ من بيت المال عشرة الاف درهم فكتب اليه يأمره بردها فامتنع، فكتب يقسم له بالله لتردنها، فلما ردها عبدالله او رد اكثرها،
كتب اليه على (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اما بعد فان المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه فما اتاك من الدنيا، فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها، فلا تكثر به جزعاً واجعل همك لما بعد الموت، والسلام». فكان ابن عباس يقول: ما اتعظت بكلام قط اتعاظي بكلام امير المؤمنين». (1)
والظاهر ان ابن عباس كان يعتقد ان له الحق في أخذ المال ولا ندري بالضبط ما هو طبيعة اعتقاد ابن عباس هذا، حيث نجده يبرر للإمام أسباب اخذه المال بقوله: «ان حقي في بيت المال لاعظم مما اخذت» (2)فهل اعتقاد ابن عباس من باب العاملين عليها ؟ ام من باب ذوي القربي؟ ام شيء آخر؟
هذا التخاذل من اصحاب الامام دفع معاوية لاستغلال الفرصة ومهاجمة عدد من الولايات اثارة للشغب والفتنة، كما فعل في ارساله دعاة الى مكة يدعون الى طاعته، وتثبيط الناس عن نصرة امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويوقعون في انفسهم انه قاتل لعثمان او خاذل، وان الخلافة لا تصلح فيمن قتل او خذل، وينشرون عندهم محاسن معاوية واخلاقه وسيرته، فكتب الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعامله على مكة قتم بن العباس (3)ينبهه لذلك ليعتمد فيه ما تقتضيه السياسة. (4)
وبعد معركة النهروان اراد الامام السير باصحابه صوب الشام اثر فشل التحكيم ولكنهم تقاعسوا وتخاذلوا، وعادوا للكوفة فلما علم معاوية بذلك ارسل الضحاك بن قيس (5)للاغارة على نواحي الكوفة، فتمكن من نشر الخوف، فدعا
1) التاريخ ۱۹٣/٢، وانظر ابن الجوزي: صفة الصفوة ۳۲۷/۱ ابن الاثير المثل السائر ۱/۳۹٤. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۱۵ محب الدين: الرياض ٢٩٥/٢.
2) البلاذري انساب الاشراف ۱۷۵/۲.
3) انظر ترجمته ابن الاثير: اسد الغابة ۱٩٧/٤ - ۸ ابن حجر: الاصابة ٢٦٦/٣ - ٧.
4) الشرح ١٣٨/١٦ - ١٣٩.
5) هو من خواص معاوية حيث شارك في صفين وتوالي الكوفة في ايامه ثم صلى على معاوية بعد وفاته واصبح صاحب شرطة يزيد ثم قتل في مرج راهط بعد وفاة يزيد الطبري: ١٢/٥، 71، 98، 135، 298، 300 - 323 - 327 - 530 - 7.
الامام اصحابه للخروج لكنهم تثاقلوا وخرج اخيراً حجر بن عدي الذي اضطر الضحاك للهرب. (1)
وبعدها ارسل معاوية - النعمان بن بشير الانصاري (2)الى عين التمر (3)فاستصرخ الامام اصحابه للخروج لنجدة واليها مالك بن كعب الارحبي (4)دون جدوى، ولكن سالك تمكن بعد ذلك من صد غارة النعمان الذي عاد دون ان يحقق اهدافه (5).
ومن الغارات التي ارسلها معاوية مستغلاً تخاذل اصحاب الامام غارة سفيان بن عوف الغامدي (6)على الانبار، الذي تمكن من دخولها وقتل اميرها وحمل اموالها. ورغم دعوة الامام اصحابه الا انه لم يجد نفعاً وسار بعد ذلك سعيد بن قيس الذي لم يدرك سفيان. (7)
ثم كان فتح مصر ومقتل محمد بن ابي بكر على يد عمرو بن العاص والمعروف ان مصر هي الشرط الذي اشترطه عمرو مقابل دخوله مع معاوية الصراع مع الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فتمكن من اثارة الشغب في مصر، ثم دخولها، ومقتل
1) الشرح ١١٣/٢ - ١٢٥. وانظر اليعقوبي : تاريخ ۱۲/۲ - ۱۸۳ الطبري: تاريخ ١٣٥/٥.
2) هو أول مولود للانصار في الاسلام بعد الهجرة، وهو الذي حمل قميص عثمان مخضباً بدمه الى معاوية، وقد تولى الكوفة لمعاوية ويزيد، ثم عزل ايام يزيد في امر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتل بعد وفاة یزید. الطبري 2 / 401، 4 / 430، 562، 5 / 133 - 4، 315، 338، 359، 462، 481، 531، 539.
3) حصن في العراق افتتحه خالد بن الوليد وهو قريب من الانبار الهمذاني: مختصر كتاب البلدان ص ۱۳۵، ١٦٥ الحموي : معجم البلدان ۱٧٦/٤ - ۱۷۷ - الحميري : الروض ص ٤23.
4) من أهل الكوفة شارك في القادسية وشهد صفين مع الامام علي ثم تولى له عين التمر. الطبري: تاريخ 4 / 9، 5 / 54، 107 - ١٣٣،٨.
5) الشرح ۳۰۱/۲ وأنظر اليعقوبي: تاريخ ١٨٢/٢. الطبري ۱۸۲/۲. الطبري ١٣٣/٥ - ٤. ابي هلال: الغارات ص 311 – 7.
6) انظر ترجمته الطبري : تاريخ ١٣٤/٥، ٢٣٤ الحاكم: المستدرك ٥٠٥/٣.
7) الشرح ۸۵/۲ - ۹۰. وانظر الطبري : تاريخ ١٣٤/٥.
واليها محمد بن ابى بكر (1)وكان الامام قد ولى مصر اولاً قيس بن سعد ثم عزله وولى محمد بن ابي بكر، فائار عزله انتقاداً لسياسة الامام، فاجاب عنه بن ابي الحديد قائلاً: «ان ليس من الممكن ان يقال: ان محمد رحمه الله لم يكن باهل لولاية مصر، لأنه كان شجاعاً زاهداً فاضلاً، صحيح العقل والرأي، وكان مع ذلك من المخلصين في محبة امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و المجتهدين في طاعته، وممن لا يتهم عليه ولا يرتاب بنصحه وههو ربيبة وخريجه ويجري مجرى اولاده (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لتربيته له واشفاقه عليه». (2)
واضاف: «كان المصريون على غاية المحبة له والايثار لولايته، ولما حاصروا عثمان، وطالبوه بعزل عبدالله بن سعد بن ابي سرح عنهم اقترحوا تامير محمد بن ابي بكر عليهم فكتب له عثمان بالعهد على مصر وصار مع المصريين حتى تعقبه كتاب عثمان الى عبدالله بن سعد في امره وامر المصريين بما هو معروف (3)فعادوا جميعاً، وكان من قتل عثمان ما كان، فلم يكن ظاهر الرأي ووجه التدبير الا تولية محمد بن ابي بكر على مصر لما ظهر ميل المصرين اليه وايثارهم له، واستحقاقه لذلك بتكامل خصال الفضل فيه، فكان الظن قوياً باتفاق الرعية على طاعته وانقيادهم الى نصرته واجتماعهم على محبته فكان من فساد الامر واضطرابه عليه حتى كان ما كان». (4)
واردف قائلاً: «ليس ذلك بعيب على اميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأن الامور انما
1) الشرح ٦٥/٦ - ١٤٢/١٦/١٠١ - ١٤٢ - ١٤٣. وانظر الطبري ٤/٥ - ١٠٥ ابو هلال الغارات ص ١٨٤ - ٧.
2) الشرح ٢٤٨/١٠ - ٢٤٩.
3) اشارة الى الكتاب المفتعل على الخليفة عثمان بقطع ايدي وارجل المصريين الشرح. ١٤٩/٢ - ١٥١، البلاذري : انساب ٦٥/٥- ٧ الطبري: تاريخ ٣٧٣/٤ الجهشياري : الوزراء الكتاب ص 21 – 22.
4) الشرح ٢٤٩/١٠.
يعتمدها الامام على حسب ما يظن فيها من المصلحة، ولا يعلم الغيب الا الله تعالى، وقد ولى رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) في مؤته جعفراً فقتل وولى زيداً فقتل وولى عبدالله بن رواحة فقتل وهزم الجيش، وعاد من عاد منهم الى المدينة باسوء حال فهل لاحد ان يعيب رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بهذا ويطعن في تدبيره». (1)
واستغل انصار معاوية في البصرة غياب والى البصرة - عبد الله بن عباس - الذي ذهب للكوفة لتعزية الامام بمقتل محمد بن ابي بكر - فكتبوا لمعاوية، الذي ارسل ابن الحضرمي - لاثارة البصرة ضد الامام، الا انه اخفق في تأدية مهمته حيث قتل». (2)
وافضع الغارات التي ارسلها معاوية هي غارة - بسر بن ارطأة - على المدينة ومكة والطائف واليمن، وكانت في السنة الاخيرة من خلافة الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حيث تشير الروايات لعدد كبير من القتلى الذي طال حتى الاطفال (3)وادخل الرعب والخوف في قلوب الناس، وقد وصف ابن ابي الحديد علاقة بسر بمعاوية: «کان مسلم بن عقبة ليزيد، وما عمل بالمدينة في وقعة الحرة (4)كما كان بسر لمعاوية، وما عمل بالحجاز واليمن، ومن اشبه اباه فما ظلم» (5)، (6)
ومع حالة التخاذل هذه، والتي نجم عنها التصعيد الذي قام به معاوية من شن الغارات على الولايات الموالية للامام لكن الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يتخل عن فكرة ضم بلاد الشام وأعادتها الى حضيرة الدولة، لذا تشير الروايات انه في اواخر
1) الشرح ٢٤٩/١٠.
2) الشرح ٣٤/٤ - ٥٣. ابي هلال: الغارات ص ٢٥٥ – ٢٨٤.
3) انظر قصة طفلي عبيد الله بن عباس الشرح ١٣/۲ الطبري: تاريخ ٥ / ١٤٠.
4) وقعت في ايام يزيد بن معاوية في اهل المدينة لما رفضوا بيعته، انظر تفاصيلها الطبري: التاريخ ٤٨٢/٥ - ٤٩٤.
5) أي لم يضع الشيء في غير موضعه الميداني مجمع الامثال ٣٠٠/٢.
6) الشرح ٣٤٠/١، ۳/۲ - ۱۸ وانظر اليعقوبي ۱۸٤/٢ - ۱۸۷، الطبري: تاريخ ١٣٩/٥ - ٤٠. ابي هلال الغارات ص ٤٠٤ - ٤٢٨.
خلافته تمكن من اعداد جيش كبير لاستعادة الشام، الا ان استشهاده المفاجيء حال دون ذلك. (1)
ان اعداد هذا الجيش فيه دلالة على ان ما تشير اليه بعض الروايات من ان الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يهادن معاوية ان يكون العراق له، والشام لمعاوية (2)ليس له من الصحة شيء.
كانت تربية الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيت الرسالة البداية لتفتح ذهنيته وقدرتها على استيعاب حقائق الكون واسراره وبعد الهجرة المباركة حيث كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) مخصوصاً بخلوات يخلو بها مع رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، ولا يطلع احد من الناس على ما يدور بينهما، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيرا ما يسأل النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) عن معاني القرآن ومعاني كلامه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) واذا لم يسأل ابتدأه النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بالتعليم والتثقيف (1)وروي انه قال :«كنت اذا سألت رسول الله اعطاني، واذا سكت ابتدأني». (2)
ولم يكن احد من اصحاب النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) كذلك، اذ كانوا اقساما:
١. منهم من يهاب الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ان يسأله وهم الذين يحبون ان يأتي الاعرابي او الطاري، فيسأله وهم يسمعون.
منهم من كان بليداً بعيد الفهم قليل الهمة في البحث والنظر.
منهم من كان مشغولا عن طلب العلم.
٤. منهم المعاني اما بعبادة أو دنيا.
٥. منهم المقلد الذي يرى أن فرضه السكوت وترك السؤال.
٦. منهم المبغض الشانىء الذي ليس للدين عنده من الموقع ما يضيع وقته وزمانه بالسؤال عن دقائقه وغوامضه. (1)
واضيف الى اختصاص الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) «ذكاءه وفطنته، وطهارة طينته واشراق نفسه وضوئها، واذا كان المحل قابلا متهيئا، كان الفاعل المؤثر موجودا، والموانع مرتفعة، حصل الاثر على اتم ما يمكن فلذلك كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما قال الحسن البصري رباني هذه الامة وذا فضلها، ولذا تسميه الفلاسفة امام الائمة وحكيم العرب». (2)
فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيد اهل النظر كافة وامامهم حيث لم يكن (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقتصرا على اوائل الادلة في تكليفه بالعقليات، وقد اشاد النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بمكانته العلمية اذ قال: «انا مدينة العلم وعلي بابها، فمن اراد المدينة فليأتها من بابها».(3)
ومن هنا كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يؤكد على ضرورة اخذ العلم من مصدره الا وهو نفسه
1) الشرح ٤٨/١١.
2) الشرح ٤٨/١١. وانظر ما جاء لدى جورج جرداق: الامام علي صوت العدالة الانسانية ص ۱۰۳ - ۱۰۸.
3) الترمذي : صحيح : ۱۷۱/۱۲. الملطى التنبيه والرد ص ٢٥. الطبراني: المعجم الكبير ٥٥/١١. ابن اخي تبوك مناقب ص ٤٢٧. الحاكم: المستدرك: ۱۳۷/۳ - ۸ الخطيب: تاريخ بغداد 2 / 377، 4 / 348، 7 / 173، ٤٩/١١. ٢٠٤ ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۱۰۲/۳. ابن الاثير : اسد الغابة ٢٢/٤ البلوي : الف باء ۲۲۲/۱. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ٤٧ - ٤٨. النووي: تهذيب الاسماء ٣٤٨/١/١ الكنجي : كفاية الطالب ص ٢٢٠ - ٣ ابن طلحة مطالب السئول ص ٣٥. محب الدين: ذخائر العقبي ص ۷۸ الرياض ٢٥٥/٢. الجويني: فرائد السمطين ۹۸ - ۱۰۰ الذهبي : تذكرة الحفاظ ۱۲۳١/٤. ابن كثير: البداية والنهاية ٣٥٩/٧ الهيثمي: مجمع الزوائد ١١٤/٩ الدميري: حياة الحيوان ۵۵/۱ ابن حجر: تهذيب التهذيب ۳۳۷/۷. السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ۱۷۰ الجامع الصغير ٤٦/٣ المتقي الهندي: كنز العمال ۲۰۱/۱۲ - ۲۱۲ الهيثمي : الصواعق ص ۱۲۰، المحمودي: ترجمة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) 2 / 457 - 499.
الشريفة، اذ يقول: «فالتمسوا ذلك من عند اهله فانهم عيش العلم وموت الجهل هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم وظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صادق، وصامت ناطق». وهذا القول كناية عن نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيرا ما يسلك هذا المسلك ويعرض هذا التعريض وهو الصادق الامين العارف بالاسرار الالهية. (1)
ولذا نجده الوحيد الذي تجرأ وقال: «سلوني قبل ان تفقدوني (2)فلأنا بطرق السماء اعلم مني بطرق الارض». وقد تأول البعض كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا «اراد انــا بالاحكام الشرعية والفتاوي الفقهية اعلم مني بالامور الدنيوية، فعبر عن ذلك بطرق السماء، لانها احكام الهية، وعبر عن هذه بطرق الارض لانها من الامور الارضية». (3)
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «نحن شجرة النبوة ومحط الرسالة ومختلف الملائكة ومعادن العلم، وينابيع الحكم..» أي الحكم الشرعي، فانه وان عني بها نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذريته، فان الامر فيها ظاهرا جدا كما نجده في حديث الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) اعلاه «انا مدينة العلم وعلي بابها». وقوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ): «اقضاكم علي» (4). والمعروف ان الفضاء
1) الشرح ۱۰٦/٩ - ۱۰۷.
2) ابو نعيم حلية الأولياء ٦٧/١ - ٨ ابن عبد البر: جامع بيان العلم ١١٤/١ الخوارزمي :المناقب ص ٤٦ - ٤٧. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۲۷ محب الدين: ذخائر العقبى ص 93. ابن تيمية : منهاج السنة ١٥٩/٤ الجويني: فرائد ٣٤١/١ ابن حجر: الاصابة ٥۰۹/۲. تهذيب التهذيب ۳۳۸/۷ السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٧١ - ١٨٥.
3) الشرح: ١٠٦,١٠١/١٣
4) ابن سعد : الطبقات ٣٣٨۸/۲ - ٩. الحاكم المستدرك ١٤٥/٣ ابن عبدالبر الاستيعاب ۱۱۰۲/۳. الخوارزمي : المناقب ص ٣٩ - ٤١ الشهرستاني : الملل ۲2۱/۱ النووي: تهذيب الاسماء واللغات ٣٤٦/١/١ الجويني : فرائد ١٦٦/١ ابن كثير: البداية والنهاية ٣٦٠/٧ ابن حجر: تهذيب التهذيب ۳۳۷/۷ السيوطي : تاريخ الخلفاء ۱۷۰، الهيتمي : الصواعق ص 121.
يستلزم علوماً عدة. (1)
واشار ابن ابي الحديد (2)الى عدد من الايات القرآنية النازلة في حق الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المجال كقوله تعالى: (وتعيها اذن واعية). قال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : سألت الله ان يجعلها اذنك ففعل (3)وقوله تعالى: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أنها نزلت في الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما خص به من العلم (4). وقوله تعالى : (افمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) ان الشاهد هو الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). (5)
واكد هذا المعنى بعدد من الاحاديث النبوية كقوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) لفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ): «زوجتك اقدمهم سلما، وأعظمهم حلما، واعلمهم علما». وقال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : «من ارادان ينظر الى نوح في عزمه، وموسى في علمه، وعيسى في ورعه، فلينظر الى علي بن ابي طالب» (6).
والى هذا المعنى كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشير بقوله: (وعندنا (اهل البيت) ابواب الحكم وضياء الامر». فالحكمة هنا الشرعيات والفتاوى، وضياء الامر هي العقليات والعقائد (وهذا مقام عظيم لا يجسر احد من المخلوقين أن يدعيه سواه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولو
1) الشرح: ۲۱۸/۷ - ۲۱۹.
2) الشرح : ۲۲۰/۷. ۲۳۵/۱۸.
3) سورة الحاقة: الآية ۱۲. الطبري: جامع البيان ٥٥/۲۹. الواحدي اسباب النزول ص ٢٩٤. الطوسي التبيان ۹۸/۱۰ الزمخشري: الكشاف ٦٠٠/٤. القرطبي : الجامع ٣٦٤/١٨. الخوارزمي: المناقب. ص ۱۹۹ الكنجي: كفاية الطالب ص ۱۰۸ - ۹. ابن تيمية منهاج السنة ٤٦/٤ ١٤٠ السيوطي : الدر المنثور ٢٦٠/٦.
4) سورة النساء: الآية ٥٤ الطوسي التبيان ۲۲۷/۳ - ۸ محمد الصبان: اسعاف الراغبين ص ۱۰۹.
5) سورة هود الآية ۱۷. الطبري: جامع البيان ١٥/١٢ الطوسي: التبيان ٤١٦/٥.
6) الشرح ۲۲۰/۷، ١٦۸/۹ الخوارزمي: المناقب ٤٠ – ٤١، ۲۲۰ ابن المغازلي: مناقب ص ٢١٢. الكسنجي : كفاية الطالب ص ۱۲۲. محب الدين: الرياض ٢٩٠/٢. الجويني: فرائد السمطين ۱۷۲/۱ - ۳. ابن كثير: البداية ۳٥٧/٧ الصفوري: نزهة المجالس ٢٤٠/٢. المحمودي: ترجمة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ٥٠٦/٢.
اقدم احد على ادعائه لكذب (1)وكذبه الناس) (2).
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) على درجة من اليقين اذ يقول: «وما شككت في الحق منذ أريته». فالامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هنا يشير لنعمة الله عليه في انه لم يشك بالله منذ عرفه او منذ عرف الحق في العقائد الكلامية، والاصولية والفقهية (وهذه مزية له ظاهرة على غيره من الناس فان اكثرهم او كلهم يشك في الشيء بعد ان عرفه وتعتروه الشبه والوساوس ویران على قلبه وتختلجه الشياطين عما ادي اليه نظره). (3)لذا نجده (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «بل اندمجت على علم لو بحت به، لاضطربتم اضطراب الارشية (4)في الطوى البعيدة». (5)
وقد انكر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ادعاء البعض العلم دونه بقوله: «این الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا ان رفعنا الله ووضعهم، واعطانا وحرمهم وادخلنا واخرجهم بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى». وهذا الكلام كناية وإشارة لمن ينازعه الفضل فهناك من يقال عنه انه افرض او اقرء، او اعرف بالحلال والحرام، (6)مع تسليم الكل له (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولكنه لم يرض بذلك وعد هذا الكلام موضوعا حسدا (7).
لذا كان للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) نعمتان على الصحابة نعمة الجهاد ونعمة (علومه التي لولاها حكم بغير الصواب في كثير من الاحكام، وقد اعترف له عمر (رضي الله عنه)
1) انظر بعض ذلك في الشرح ۱۰۷/۱۳ - ۹. الخطيب: تاريخ بغداد ١٦٣/١٣ - ١٦٦. الذهبي: تذكرة الحفاظ ٧٥٥/٢.
2) الشرح ۲۸۹/۷.
3) الشرح : ٢٧٤/١٨.
4) الارشية هي الحبال والطوى البعيدة البئر البعيدة القعر. الشرح ٢١٥/١.
5) الشرح ۲۱۳/۱. وانظر سبط بن الجوزي تذكرة ص ۱۲۸ ابن طلحة مطالب السئول ص ۳۹.
6) ابن ماجة: صحيح ٣١/١. الحاكم: المستدرك ٣٠٥/٣ - ٦. البيهقي : السنن الكبرى ۲۱٠/٦ الشهرستاني: الملل ۲۲۱/۱ الهيثمي: مجمع الزوائد ١٣٥/١.
7) الشرح: 9 / 84. 86.
بذلك، والخبر المشهور، (لولا علي لهلك عمر) (1).
واجمالا فحاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) حال رفيعة لم يلحقه احد ولا قاربه، لذا حق له (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يصف نفسه بانه معادن العلم وينابيع الحكم، فلا احد احق بها منه بعد الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ). (2)
لذا اخذت كل فرقة تنتسب اليه وتتجاذبه كل طائفة لانه رئيس الفضائل وينبوعها وابو عذرها، وسابق مضمارها، ومجمل حليتها، فكل من بزغ فيها بعده فمنه اخذ وله اقتفى وعلى مثاله احتذى. (3)
هو العلم الذي يختص بدراسة الذات الالهية وصفاتها، لذا يعد اشرف العلوم لان شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومة أشرف الموجودات فكان هو اشرف العلوم (1).
يعد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) امام المتكلمين، ولم يعرف علم الكلام (2)ممن سبقه من العرب، ولا نقل في ما جاء من الاكابر والاصاغر منه شيء، وهو فن انفرد به اولا اليونان، اما من العرب فأول من خاض به منهم هو الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولهذا نجد المباحث الدقيقة في التوحيد والعدل مبثوثة عنه في فرش كلامه وخطبه ولا نجد في كلام احد من الصحابة والتابعين كلمة واحدة من ذلك، ولا ينصورونه بل حتى لو فهموه لم يفهموه. (3)
وهذا الفن هو الذي بان به امیرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن العرب في زمانه قاطبة ولذا استحق التقدم والفضل عليهم اجمعين (وذلك لان الخاصة التي يتميز بها الانسان عن البهائم هي العقل والعلم الاترى انه يشاركه غيره من الحيوانات في اللحمية والدموية والقوة والقدرة والحركة الكائنة على سبيل الارادة والاختيار
فليس الامتيار الا بالقوة الناطقة، أي العاقلة العالمة، فكلما كان الانسان اكثر منها كانت انسانيته أتم ومعلوم أن هذا الرجل انفرد بهذا الفن، وهو اشرف العلوم لان معلومه اشرف المعلومات، ولم ينقل عن احد من العرب غير ب غيره في هذا الفن حرف واحد ولا كانت اذهانهم تصل الى هذا، ولا يفهمونه بهذا الفن فهو منفرد فيه وبغيره من الفنون، وهي العلوم الشرعية مشارك لهم وراجح عليهم، فكان اكمل منهم لانا قد بينا ان الاعلم ادخل في صوره الانسانية وهذا هو معنى الافضلية). (1)
وفي شرحه للخطبة رقم ٩٠ عقب ابن الحديد لو سمع النظر بن كنانة (2)هذا الكلام لقال لقائله ما قاله علي بن العباس بن جريج (3)لاسماعيل بن بلبل (4).
قالوا ابو الصقر من شيبان قلت لهم*** كلا، ولكن لعمري منه شيبان
وكم اب قد علا بابن ذرا شرف*** كما علا برسول الله عدنان(5)
اذ كان يفخر به على عدنان و قحطان بل كان يقر به عين ابيه ابراهیم خلیل الرحمن، ويقول له انه لم يعف ما شيدت من معالم التوحيد، بل اخرج الله لك من ظهري ولدا ابتدع من علوم التوحيد في جاهلية العرب ما لم تبتدعه انت في جاهلية النبط، بل لو سمع هذا الكلام ارسطو طاليس،(6)القائل بأنه تعالى لا يعلم الجزيئات لخشع قلبه ووقف شعره واضطرب فكره الاترى ما عليه من الرواء
1) الشرح: ٢٥٦/٩ - ٢٥٧.
2) النظر بن كنانة بن خزيمة احد اجسداد النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وسمي بالنظر لجماله، انظر ابن حبيب: المحبر ص ٥٠ الطبري: تاريخ ٢٦٤/٢ - ٥ النويري : نهاية الارب ١٣/١٦ – ١٥.
3) هو الشاعر (ابن الرومي). ۲۲۱ - ۲۸۳ هـ انظر ترجمته المزباني: معجم الشعراء ص 289.الخطيب: تاریخ بغداد ٢٣/١٣ - ٦. ابن خلكان: وفيات ۳۵۸.
4) هو كتاب الموفق العباسي سنة ۲۷۲ هـ الطبري: تسايخ ۱۰/۱۰، الهمذاني: تكملة تاريخ الطبري ص ۲۳۱.
5) الشرح: ٢٣/٧. ولم اجد الابيات في ديوان ابن الرومي.
6) ارسطو طاليس انظر ترجمته: ابن النديم: الفهرست ص ٣٤٥ - ۳۵۲ الشهرستاني : الملل والنحل ۳۷ - ٥٣. القفطي: تاريخ الحكماء ص ٢٧ - ٥٣. ابن ابي أصيبعة: عيون الانباء ص ٨٦ - ١٠٥ ابن نباته سرح العيون ص ١٤١ - ١٤٤.
والمهابة، والعظمة والفخامة والمتانة والجزالة مع ما قد اشرب من الحلاوة والطلاوة واللطف والسلاسة، لا ارى كلاما يشبه هذا الا ان يكون كلام الخالق سبحانه، فان هذا الكلام نبعه من تلك الشجرة وجدول من ذلك البحر، وجذوة من تلك النار وكأنه شرح قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (1).(2)
ويخلص ابن ابي الحديد للقول (ان التوحيد والعدل والمباحث الشريفة الالهية، ما عرفت الا من كلام هذا الرجل، وان كلام غيره من اكابر الصحابة لم يتضمن من ذلك اصلا ولا كانوا يتصورونه ولو تصوروه لذكروه، وهذه الفضيلة عندي أعظم فضائله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) (3).
وقد اثار ذلك استغراب ابن ابي الحديد فعلق قائلا: فسبحان من منح هذا الرجل هذه المزايا النفسية والخصائص الشريفة! أن يكون غلام من ابناء عرب مكة، ينشأ بين اهله لم يخالط الحكماء وخرج اعرف بالحكمة ودقائق العلوم الالهية من افلاطون (4)وارسطو، ولم يباشر ارباب الحكم الخلقية والاداب النفسانية، لان قريشا لم يكن احد منهم مشهورا بمثل ذلك وخرج اعرف بهذا الباب من سقراط). (5). (6)
1) سورة الانعام: الآية ٥٩.
2) الشرح: ٢٣/٧ - ٢٤.
3) الشرح: ٣٤٦/٦.
4) هو أفلاطون بن ارسطن من فلاسفة اليونان درس على يد سقراط وفيثاغورس وتتلمذ على يديه ارسطو طاليس. انظر ابن النديم: الفهرست ص ٣٤٣ - ٤. الشهرستاني الملل ١٩٠/٢ - ١٩٣. القفطي: تاريخ الحكماء ص ۱۷ - ۲۷ ابن ابي اصبيعة عيون الانباء ص ٧٩ - ٨٦ ابن نباته سرح العيون ص ١٤٠ - ١٤١. ابن منقذ لباب الاداب ص ٤٤٧-٤٦٧.
5) من اهالي اثينا: ومن أوائل من تكلم بالفلسفة وقد قتله اليونانيون بسبب ارائه انظر ابن النديم: الفهرست ص ٣٤٣ الشهرستاني : الملل ۱۸۵/۲ - ۱۹۰. القفطي: تاريخ الحكماء ص ١٩٧ - ٢٠٦ ابن ابي أصيبعة: عيون الانباء ص ٧٠ - ٩.
6) الشرح: ١٤٦/١٦.
ولهذا انتسب المتكلمون الذين لججوا في بحار المعقولات اليه خاصة دون غيره، وسموه استاذهم ورئيسهم، واجتذبته كل فرقة من الفرق الى نفسها (فالمعتزلة الذين هم اهل التوحيد والعدل وارباب النظر، ومنهم تعلم الناس هذا الفن تلامذته واصحابه، لان كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ ابي هاشم عبدالله بن محمد بن الحنيفة، وابو هاشم تلميذ ابيه وابوه تلميذه (عَلَيهِ السَّلَامُ)). (1)
وقد اشار الحاكم الجشمي (2)الى سند المعتزلة واتصاله بالإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وبیان اتصاله (سند معتزلة) بواصل وعمرو، انه اخذه القاضي عن أبي عبد ابي عبد الله البصري وابو عبد الله اخذه عن أبي اسحق بن عياش (3)وابو اسحق اخذه عن هاشم وطبقته، وابو هاشم اخذه عن أبيه ابي علي الجبائي، وأبو علي اخذه عن أبي يعقوب الشحام والشحام اخذه عن ابي الهذيل وابو الهذيل اهـذه عن عثمان الطويل، (4)وطبقته، وعثمان اخذه من واصل وعمرو، وهما اخذاه عن عبد الله بن محمد وعبد الله اخذه عن أبيه محمد بن علي (ابن الحنيفة)، ومحمد اخذه عن أبيه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) اخذه عنه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وما ينطق عن الهوى).(5)
واما الاشعرية الذين ينتمون لابي الحسن الاشعري (6)الذي هو تلميذ ابي علي الجبائي احد كبار رجال المعتزلة، وابو علي تلميذ ابي يعقوب الشحام والشحام تلميذ ابو الهذيل وابو الهذيل تلميذ ابو عثمان الطويل، وابو عثمان تلميذ
1) الشرح: ۱۷/۱. ٤٧/١٣.٦٠/١٠.٣٧١/٦.
2) هو من متأخري المعتزلة انظر: ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص ١١٦.
3) انظر ترجمته القاضي: فرق طبقات المعتزلة ص ۱۱۳.
4) انظر ترجمته: ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ٤٢.
5) ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص ٧.
6) كان معتزلياً ثم ترك الاعزال مؤسساً مذهباً توفيقياً حيث اخذ افكار التيار السلفي واثبتها بادلة التيار العقلي محاضرات القاها د. محمد جواد الموسوي على طلبة الدكتوراه عام ۱۹۹۹ - ۲۰۰۰ وانظر ترجمته السمعاني : الانساب ٦٦/١ - 7 حسمودي غرابة : ابو الحسن الاشعري ص ٢ وما بعدها الحفني موسوعة الفرق ص ٦٦ - ٦٨.
واصل فعاد الامر الى انتهاء الاشعرية الى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
واما الامامية (2)والزيدية (3)والكيسانية (4)فانتماؤهم اليه ظاهر، وكذلك الخوارج مع طعنهم فيه لانهم كانوا اصحابه وانحرفوا عنه بعد ان تعلموا منه وهم انصاره في الجمل وصفين، ولكن الشيطان ران على قلوبهم واعمى ابصارهم (5).
وتنتهي مقالة الكرامية (6)الى الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن طريقين: الأول: انهم يسندون اعتقادهم عن شيخ بعد شيخ حتى ينتهون الى سفيان الثوري وهو من الزيدية.
والثاني: ان مشايخ الكرامية ينتهون الى علماء الكوفة من اصحاب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهم سلمة بن كهيل (7)وحبه العرني (8)وسالم بن الجعد (9)والفضل بن دكين (10)وشعبة والاعمش (11)وعلقمة (12)و هبيرة بن بريم (13)و ابي اسحق السبيعي (14)
1) الشرح: 1 / 17. 6 / 371.
2) هم القائلين بامامة اثني عشر اماماً من الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى محمد بن الحسن العسكري: انظر الاشعري مقالات الاسلاميين ۸۷/۱ - ۸۸ البغدادي: الفرق بين الفرق ص ٤٠. الشهرستانی الملل والنحل ۲۱۸/۱ - ٢٢٤. 2 / - ٥ الحفني : موسوعة الفرق ص 89 - 95.
3) هم القائلون بامامة زيد بن علي بن الحسين. انظر الملطي: التنبيه والرد ص ۳۳ البغدادي: الفرق ص 22 - 23. الشهرستانی: الملل 1 / 207 - 218.
4) هم القائلين بامامة محمد بن الحنيفة، انظر مؤلف مجهول اخبار العباس ص ١٦٥ البغدادي: الفرق ص ٢٦ - ٣٤ الشهرستانی الملل ۱۹٦/١-۷.
5) الشرح: 1 / 17. 6 / 371 - 372.
6) اصحاب محمد بن كرام: الاشعري مقالات الاسلاميين ٢٠٥/١ - ٢١٥ البغدادي الفرق ۱۳۰ - ۱۳۷. ابن حزم الفصل،٥/٢، ۱۱۱ ۲۸۸/۳۰، ۲۳۳، ٣٦٠. الشهرستاني : الملل حسن والنحل ١٤٤/١ - ١٥٤. الحفني : موسوعة الفرق ص ٥٣٠ – ٥٣٢.
7) انظر ترجمته: الطبري : المنتخب ص ٦٤٤. الكشي: رجال ص ۲۰۵.
8) هو حبة بن جوين بن علي بن عبد تميم العرني. يعد من الصحابة البرقي : رجال ص ٦. ابن حجر: الاصابة ٣٧٢/١ – 3.
9) سالم بن الجعد الاشجعي الكوفي ابن داود رجال ص ١٦٦ البرقي : رجال ص ٣٣.
10) هو من محدثي الكوفة ومن شيوخ البخاري ومسلم. الخطيب تاريخ بغداد 12 / 346 – 57. الذهبي : تذكرة الحفاظ ۳۷۲/۱ – 3.
11) هو سلیمان بن مهران الاعمش: الطبري : ٦٥٢ ابو نعيم: حلية الأولياء٤٦/٥ - ٦٠ الذهبي: تذكرة الحفاظ ١٥٤/١.
12) علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الكوفي ت بين ٦١ - ٧٣ هـ ابو نعيم: حلية الأولياء ۹۸۲ - ۱۰۲. الخطيب: تاريخ بغداد ۲۹٦/۱۲ - ۳۰۰ ابن الجوزي: صفة الصفوة ۲۷/۳ - ۸ الذهبي تذكرة الحفاظ ٤٨/١ - ٩.
13) هبيرة بن مريم أو بريم الحميري البرقي: رجال ص ٦.
14) انظر ترجمته الطبري المنتخب ص ٦٤٧. ابو نعيم: حلية الأولياء ٣٣٨/٤ - ٣٥٠. الذهبي: تذكرة الحفاظ ١١٤/١.
وغيرهم. وهؤلاء كلهم اخذوا عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو رئيس الجماعة واقوالهم منقولة عنه ومأخوذة منه (1).
1) الشرح: ۳۷۱/۹ - ۲.
من خلال ما ورد في نهج البلاغة من اشارات الى احوال التصوف (1)حيث (بين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مقامات العارفين التي يرمز اليها في كلامه ما لا يعقله الا العالمون ولا يدركه الا الروحانيون) (2)لذا عد ابن ابي الحديد الامام عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) مصدر التصوف الاسلامي اذ يقول: (ان أرباب هذا الفن في جميع بلاد الاسلام اليه ينتهون وعنده يقفون وقد صرح بذلك الشبلي (3)والجنيد (4)وسرى (5)وابو يزيد البسطامي (6)وابو محفوظ معروف الكرخي (7)وغيرهم، ويكفيك دلالة على ذلك
1) عن معنى التصوف انظر عمر فروخ: تاريخ الفكر العربي ص ٤٧٠ - ٤٧١. السامرائي: تاريخ الفكر العربي ص ٢٧٧ - ٨.
2) الشرح: ٥/١.
3) ابو بكر دلف بن جحدرت ٣٣٤هـ نشأ في بغداد وتفقه على مذهب مالك. السلمي : طبقات ٣٣٧ - ٣٤٨. ابو نعيم حلية الأولياء ٣٦٦/١٠ - ۳۷٥. ابن الجوزي: صفوة الصفوة الصوفية ٤٥٦/٢ - ٤٦١. ابن فرحون الديباج المذهب ص ١١٦ -١١٧.
4) ابو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز اصله من نهاوند ت ۲۹۷ هـ السلمي: طبقات الصوفية ص ١٥٥ - ١٦٣. ابو نعيم: حلية الأولياء ٢٥٥/١٠ - ٢٨٧ ابن الجوزي: صفة الصفوة ٤١٦/١٢ - ٢٤ السبكي طبقات الشافعية ٢٨/٢ - ٣٧.
5) سرى بن المفلس السقطي من مدرسة بغداد الصوفية وامامها في وقته ت ٢٥١هـ السلمي: طبقات الصوفية ص ٤٨ - ٥٥ ابو نعيم حلية الأولياء ۱۱٦/۱۰ - ۱۲۷ ابن الجوزي: صفة ١١٦/١٠ الصفوة ۳۷۱/۲ – ٣٨٦.
6) طيفور بن عيسى من اهل بسطام بلده بقومس ت ٢٦١هـ السلمي : طبقات الصوفية ص ٦٧ - ٧٤ أبو نعيم حلية الأولياء ۳۳/۱۰ - ٤٠. ابن الجوزي: صفة الصفوة ١٠٧/٤ - ١١٤.
7) معروف بن علي من كبار المتصوفة وهو استاذ السري. وكان قد اسلم على يد علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) توفي وقبره معروف ببغداد السلمي طبقات الصوفية ص ٨٣ - ٩٠. ابو نعيم حلية الاولياء ٣٦٠/٨ - ٨ ابن الجوزي: صفة الصفوة ٣١٨/٢ - ٣٢٤.
الخرقة (1)التي هي شعارهم الى اليوم وكونهم يسندونها باسناد متصل اليه (عَلَيهِ السَّلَامُ)) (2).
وقال في شرحه لكلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الشعب الايمان والكفر : (3)(هذا الفصل اخذت منه الصوفية واصحاب الطريقة والحقيقة كثيرا من فنونهم في علومهم، ومن تأمل كلام سهل بن عبد الله التستري (4)وكلام الجنيد والسري وغيرهم رأى هذه الكلمات في فرش كلامهم تلوح كالكواكب الزاهرة). (5)
و من خلال قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ان من احب عباد الله اليه عبدا اعانه الله على نفسه فأستشعر الحزن، وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه واعد القرى ليومه النازل به فقرب على نفسه البعيد، وهون الشديد».
من هذا الكلام اخذ اصحاب علم الطريقة والحقيقة علمهم، وهو تصريح بحال العارف ومكانته من الله تعالى والعرفان درجة حال رفيعة شريفة جدا مناسبة للنبوة ويختص الله تعالى بها من يقربه اليه من خلقه، والعارف هو الواصل الى الله سبحانه بنفسه لا يبدنه. والباري سبحانه متمثل في نفسه تمثل المعشوق في ذات العاشق ويستلزم ان يكون العارف زاهدا حيث لا يمكن تصور العرفان مع تعلق النفس بملاذ الدنيا. وقد يحصل بعض العرفان لبعض العلماء والفضلاء مع تعلقهم بشهوات الدنيا، لكنهم لا يكونون كاملين في احوالهم، لان الحالة الكاملة قد تحصل لمن رفض الدنيا، والتي تسلتزم ان يكون العارف عابدا عبادة ما، ولكن
لا يشترط في حصول العرفان أن يكون على قدم عظيمة من العبادة، بل الاكثار من العبادة حجاب لكن لابد من القيام بالفرائض وقليل من النوافل، والعارف هو العارف بالله تعالى وصفاته وملائكته ورسله وكتبه وبالحكمة المودعة في نظام العالم لاسيما الافلاك والكواكب وتركيب طبقات العناصر والاحكام وفي تركيب الابدان الانسانية. (1)
واكد ابن ابي الحديد ان هذه الصفات والشروط التي ذكرها في شرح حال العارف انما یعنى بها نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهذا من الكلام الذي له ظاهر وباطن فظاهره ان يشرح حال العارف المطلق، وباطنه ان يشرح حال عارف معين، وهو نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ). ثم ذكر ابن ابي الحديد هذه الصفات وهي ستة عشر آخرها العدالة وهي ملكه تصدر بها عن النفس الافعال الفاضلة خلقا لا تخلقا، وهذه العدالة لها اقسام ثلاث هي الاصول وما عداها تعد من الفروع الاولى الشجاعة ويدخل فيها السخاء لانه شجاعة وتهوين المال كما ان الشجاعة الاصلية تهوين للنفس فالشجاع بالحرب جواد بنفسه، والجواد بالمال شجاع في انفاقه. ولهذا يقول ابو تمام الطائي:
أيقنت أن من السماحة شجاعة*** تدمي وان من الشجاعة جودا (2)
والثانية : الفقه ويدخل فيها القناعة والزهد والعزلة، والثالثة: الحكمة وهي اشرفها. (3)
يعد ابن ابي الحديد العدالة الكاملة لم تحصل لاحد من البشر بعد الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) الا للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (و من انصف علم صحة ذلك فان شجاعته وجوده، وعفته وقناعته وزهده يضرب بها الامثال واما الحكمة والبحث في
الامور الالهية، فلم يكن من فن احد من العرب، ولا نقل في جهاد اکابرهم واصاغر هم شيء من ذلك أصلا، وهذا فن كانت اليونان واوائل الحكماء و واساطين الحكمة ينفردون به واول من خاض فيه من العرب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولهذا تجد المباحث الدقيقة في التوحيد والعدل مبثوثة عنه في فرش كلامه وخطبه ولا تجد في كلام احد منالصحابة والتابعين كلمة واحدة من ذلك ولا يتصورونه ولو فهموه لم يفهموه واني للعرب ذلك !). (1)
واكد ابن ابي الحديد من خلال شرحه خطبة للامام اشار فيها الى اولياء الله بان الامام هو مصدر التصوف اذ يقول: (اعلم ان الكلام في العرفان لم يأخذه اهل الملة الاسلامية الا عن هذا الرجل، ولعمري لقد بلغ منه اقصى الغايات وابعد النهايات والعارفون هم القوم الذين اصطفاهم الله تعالى، وانتجبهم لنفسه واختصهم بأنسه واحبوه فاحبهم وقربوا منه وتقرب منهم). (2)
وقد اشار الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى مقامين من مقامات الصوفية وهما الولاية والمحبة بقوله: «يتواصلون بالولاية ويتلاقون بالمحبة». (3)
واشار ابن ابي الحديد ان مسألة (البروق اللامعة) التي يقول بها الحكماء والمتصوفة اخذوها عن الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ففي قوله: (قد احيا عقله، وامات نفسه، حتى دق جليله ولطف غليظه وبرق له لامع كثير البرق فابان له الطريق، وسلك به السبيل وتدافعته الابواب الى باب السلامة، ودار الاقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الامن والراحة بما استعمل قلبه، وارضي ربه).(4)
فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): « وبرق له لا مع كثير البرق» هو حقيقة مذهب الحكماء وحقيقة
قول الصوفية اصحاب الطريقة والحقيقة، وقد صرح به الرئيس ابو علي بن سينا فقال في ذكر السالك الى مرتبة العرفان: (انه اذا بلغت به الارادة والرياضة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق اليه لذيذة كأنها بروق تومض اليه ثم تخمد عنه وهي التي تسمى عندهم اوقاتا، وكل وقت يكتنفه، وجد اليه، ووجد عليه... ثم انه لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينة فيصير المخطوب مألوفا والوميض شهابا بيناً، ويحصل له معارف مستقرة، كانها صحبة مستمرة، ويستمتع فيها ببهجته، فاذا انقلب عنها انقلب حيران اسفاً). (1)
قال ابن ابی الحدید: (فهذه الفاظ الحكيم ابي علي بن سينا في الاشارات وهي كما تراها مصرح فيها بذكر البروق اللامعة للعارف). (2)
واضاف: (وقال القشيري في الرسالة (3)لما ذكر الحال والامور الواردة على العارفين قال: هي بروق تلمع ثم تخمد، وانوار تبدو ثم تخفي، ما احلاها لو بقيت مع صاحبها ثم تمثل بقول البحتري
خطرت في النوم منها خطره ***خطره البرق بدا ثم اضمحل
أي زور لك لو قصدا سرى ***وملم بك لو حقا فعل (4)
فهو كما تراه يذكر البروق اللامعة حسبما ذكره الحكيم وكلاهما يتبع الفاظ امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لانه حكيم الحكماء، وعارف العارفين، ومعلم الصوفية، ولولا اخلاقه وكلامه وتعليمه للناس هذا الفن تارة بقوله وتارة بفعله لما اهتدى احد من هذه الطائفة ولا علم كيف يورد ولا كيف يصدر). (5)
وبعد ان أورد نصوصا للقشيري (1)علق في اخرها (افلاترى كلام القوم كله مشحون بالبروق واللمعان). (2)
وقال ابن ابي الحديد في شرحه لاحد خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان ظاهر كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شرح حال القصاص وارباب المواعظ في المجامع والطرقات والمتصدين لانكار القبائح، اما باطنه فهو شرح حال العارفين الذين هم صفوة الله تعالى من خلقه وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) دائماً يكنى عنهم ويرمز اليهم على أنه في هذا الموقع قد صرح بهم في قوله «حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون». وقد ذكر من مقامات العارفين في هذا الفصل مقام الذكر، ومحاسبة النفس، والبكاء والنحيب والندم والتوبة والدعاء والفاقة، والذلة، والحزن وهو الاسى الذي ذكرانه جرح قلوبهم بطوله. (3)
الفقه لغة: فهم غرض المتكلم من كلامه (1)قال تعالى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ). (2)
اصطلاحا العلم بالاحكام الشرعية العملية المكتسبة من ادلتها التفصيلية وهو علم يستنبط بالرأي والاجتهاد ويحتاج فيه الى النظر والتأمل ولهذا لا يسمى الله فقيها لانه لا يخفى عليه شيء (3).
كان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اصل عالم الفقه واساسه، وكل فقيه في الاسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقه (4)وقد بدأ بواكير ذلك في عهد الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) حيث ارسله الى اليمن داعيا له: «اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه». فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين» (5)ولذا قال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : « اقضاكم علي»، كما مر بناء
1) الرازي: مختار الصحاح ص ۵۰۹ الجرجاني: التعريفات ص ۹۰.
2) سورة هود الآية ۹۱.
3) ابن خلدون: المقدمة ص ٨٠٤ الجرجاني: التعريفات ص ۹۰. البهادلي مفتاح الوصول ٢٢/١ - ٢٤.
4) الشرح: ۱۸/۱ وانظر: رد أبن تيمية على ذلك منهاج السنة ١٤٣/٤ - ٤.
5) الشرح: ۱۸/۱. ۲۸۹/۷، واخرجه ابن سعد الطبقات ۳۳۷/۲. ابن ماجة: صحيح ٣٣/٢ ابو داود: سنن ۳۰۱/۳ الحاكم : المستدرك ١٤٦/٣. ابن عبد البر : الاستيعاب ۱۱۰۰/۳. الخوارزمي : المناقب ص ٤١ سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ٤٤ الجويني: فرائد السمطين ابن حجر التهذيب.۳۳۷/۷ السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ۱۷۰. المتقي الهندي كنز العمال ۲۲۰/۱۲. الهيثمي : الصواعق ص 121.
والقضاء يحتاج صاحبه لان يكون ملما بالفرائض والقرآن والحلال والحرام وغيرها. (1)
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «فلأنا اعلم بطرق السماء مني بطرق الارض». أي انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) اعلم بالاحكام الشرعية والفتاوي الفقهية من الامور الدنيوية فعبر عن تلك بطرق السماء لانها احكام الهية، وهذه بطرق الارض لانها من الامور الارضية. (2)
واكد (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الاحكام الشرعية لا يجوز ان تنقض باجتهاد (3)او قياس (4)بعد ثبوت الادلة عليها عن طريق النص (القرآن والسنة) حيث (كل ما ورد به النص تتبع مورد النص فيه، فما استحللته عام اول، فهو في هذا العام حلال لك، وكذلك القول في التحريم). اذ يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ان ما احدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرم عليكم، أي ما احدثوه من القياس والاجتهاد، حيث يمنع من تقديم القياس على النص». (5)
واشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الشرعيات مصالح للمكلفين، فاذا فعل سبحانه بنا مـا فـيه صلاحنا فقد احسن الينا ومن جملة صلاحنا تعريفنا من الشرعيات ما فعله لطف ومفض الى الثواب وهذا ابلغ ما يكون من الاحسان والمحسن يجب تعظيمه وشكره، والله سبحانه وتعالى لم يترك شيئا إلا وجعل له نصا ظاهرا يدل عليه او علما يستدل به علیه اما منصوص عليه صريحا أو يمكن استنباط حكمه من
القرآن اما بذكره او بتركه فيبقى على البرائة الاصلية (1)وحكم العقل، اما اذا لم ينص عليه صريحا، بل هو في محل النظر فليس يجوز للعلماء ان يجتهدوا فيه فيحله بعضهم ويحرمه اخرون مع ان رضا الله واحد، وكذلك سخطه، فلا يجوز ان يكون شيء يفتى فيه البعض بالحل وآخرين بالحرمة، وهنا كأن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول بتحريم الاجتهاد ثم ان الله لا يرضى من عباده الاختلاف في الفتاوي والاحكام، كما اختلفت الامم السابقة، فسخط الله اختلافهم (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (2)،(3)
وقد استنتج ابن ابي الحديد من كلام للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)(4)انه يرد على اهل الاجتهاد في الاحكام الشرعية وافساد قول من قال كل مجتهد مصيب. ويتلخص احتجاجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خمسة وجوه
الاول: لما كان الاله واحداً، والرسول ا(صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) واحداً والكتاب واحداً وجب ان يكون الحكم في الواقعة واحداً.
الثاني: لا يخلو الاختلاف الذي ذهب اليه المجتهدون ان يكون مأمورا به او منهيا عنه. والاول باطل حيث ليس في الكتاب والسنة ما يشير لذلك، والثاني حق ويلزم منه تحريم الاختلاف.
الثالث : اما ان يكون دين الاسلام ناقصا او تاما فان كان ناقصا فان الله سبحانه استعان بالمكلفين لاتمامه سواء على سبيل النيابة او المشاركة، وهذا كفر وان كان تاماً فاما ان يكون الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) قصر عن تبليغه او انه بلغه على كماله وتمامه والاول كفر وان كان الثاني بطل الاجتهاد لان الاجتهاد انما يكون فيما لم
يتبين.
الرابع: الاستدلال بقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (1)وقوله: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (2)وقوله: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (3)ففيها دلالة على اشتمال الكتاب على كل الاحكام فكل ما ليس في الكتاب وجب ان لا يكون في الشرع.
الخامس: قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (4)فجعل الاختلاف دليلا على انه ليس من الله تعالى، لكن القرآن من عند الله بالادلة القاطعة الدالة على صحة النبوة فوجب ان لا يكون فيه اختلاف.
وخلص ابن ابي الحديد للقول: (ان هذه الوجوه هي التي يتعلق بها الامامية ونفاة القياس والاجتهاد في الشرعيات، وقد تكلم عنها أصحابنا في كتبهم وقالوا: ان امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يجتهد ويقيس، وادعوا اجماع الصحابة على صحة الاجتهاد والقياس ودفعوا صحة هذا الكلام المنسوب في هذا الكتاب الى امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقالوا: انه من رواية الامامية، وهو معارض بما ترويه الزيدية عنه وعن ابنائها في صحة القياس والاجتهاد ومخالطة الزيدية لائمة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) كمخالطة الامامية لهم، ومعرفتهم باقوالهم واحوالهم ومذاهبهم كمعرفة الامامية لا فرق بين الفئتين في ذلك، والزيدية قاطبة جاروديتها (5)وصالحيتها (6)تقول بالقياس والاجتهاد، وينقلون في ذلك نصوصا عن اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) واذا
1) سورة الانعام: الآية ۳۸.
2) سورة النحل الآية ۹۹.
3) سورة الانعام: الآية ٥٩.
4) سورة النساء: الآية ٨٢.
5) اتباع أبي الجارود زياد بن أبي زياد احدى فرق الزيدية. الملطي: التنبيه ص 23 – 24. البغدادي: الفرق ص ٢٢ - ٢٤ الشهرستاني: الملل والنحل ٢١١/١ - ٤.
6) أتباع الحسن بن صالح بن ي احدى فرق الزيدية الشهرستاني: الملل والنحل ۱/۲۱٦ - ۸ الجرجاني: التعريفات ص ٦٩.
تعارضت الروايتان تساقطتا وعدنا الى الادلة المذكورة في هذه المسألة وقد تكلمت في اعتبار الذريعة للمرتضى (1)على احتجاجه في ابطال القياس والاجتهاد بما ليس هذا موضع ذكره). (2)
واضطر ابن ابي الحديد إلى تخصيص كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما اختلفت دعوتان الا كانت احداها ضلالة». فقال: (ولا يحمل اصحابنا كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عمومه لان المجتهدين في فروع الشريعة، وان اختلفوا وتضادت اقوالهم ليسوا ولا واحد منهم على ضلال). ولذا خصص ابن أبي الحديد كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هنا باختلاف الدعوة في اصول الدين. (3)
كان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرجع الصحابة في كثير من الاحكام الفقهية ومنهم الخليفة عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس (رضي الله عنه)، فاما الخليفة عمر (رضي الله عنه) فتواتر عنه رجوعه اليه في كثير من المسائل التي اشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة حتى قال مرارا (لولا علي لهلك عمر) (4)وقوله (لا بقيت لمعضلة ليس لها ابو الحسن). (5)
1) كتاب الذريعة الى اصول الشريعة للشريف المرتضى. شرحه ابن ابي الحديد في ثلاث مجلدات. انظر محي الدين ابن ابي الحديد ص 239.
2) الشرح: ۲۸/۱ - ۲۹۰.
3) الشرح : ٣٦٧/١٨.
4) انظر القاضي: المغني ۱۳/۲/۲۰. ابن عبدالبر، الاستيعاب ۱۱۰۳/۳ الخوارزمي : مناقب ۳۹. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ١٤٧ ابن تيمية منهاج السنة ١٦٠/٤. الجويني: فرائد السمطين ص ۳۳۷ - ۳۵۱ ابن الصباغ الفصول المهمة ص ۱۷ المناوي : فيض القدير ٣٥٧/٤.
5) انظر: ابن سعد الطبقات ۳۳۹/۲ ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۱۰۳/۳. البلوي: الف باء ۲۲۲/۱. ابن الجوزي: صفة الصفوة ٣١٤/١. الاربلي : كشف الغمة ١١٦/١. الجويني : فرائد ص ٣٤٤ - ٥. ابن كثير: البداية والنهاية ٣٥٩/٧ - ٣٦٠. ابن حجر: الاصابة ٥٠٩/٢. تهذيب التهذيب ۳۳۷/۷ ابن الصباغ: الفصول المهم ص ١٧ السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 171. الهيثمي : الصواعق ص ۱۲۵ القسطلاني: ارشاد الساري ١٩٥/٣. قال ابن المسيب ولهذا القول سبب وهو ان ملك الروم كتب الى الخليفة عمر (رضي الله عنه) يسأله عن مسائل فلم يجد جوابا الا عند علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). انظر نص المسائل في سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ١٣٣ - ١٤٧.
وقوله (لا يفتين احد في المسجد وعلي حاضر). (1)
ومن فتاويه المشهورة فتواه في المرأة التي ولدت لستة اشهر فاراد الخليفة رجمها وقد استنبط الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من النص القرآني صحة الحمل حيث يقول تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) (2)ثم جاءت اية اخرى حددت مدة الفطام (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) (3)أي اربعا وعشرين شهرا، فيبقى ستة اشهر مدة الحمل (4).
وايضا فتواه في الحامل الزانية التي اراد رجمها فقال له الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها فتركها حتى ولدت ثم رجمها. (5)
واراد الخليفة عمر (رضي الله عنه) اخذ حلى الكعبة لتوظيفها في الجهاد واستشار الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ان هذا القرآن انزل على محمد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) والاموال اربعة: اموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض والفيء وقسمه على مستحقيه والخمس فوضعه الله حيث وضعه، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها، وكان حلي الكعبة فيها يومئذ، فتركه الله على حاله ولم يتركه نسيانا، ولم يخف عنه مكانا فاقره حيث اقره الله ورسوله».
هذا الاستدلال قال المعتزلة بصحته اذ يمكن ان يورد بوجهين :
1) الشرح: ٢٤٧/١٥.
2) سورة الاحقاف: الآية ۱٥.
3) سورة البقرة: الآية ۲۳۳.
4) الشرح: ۱۸/۱ - ۱۹، وانظر: المفيد: الارشاد ص ۸۰ ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۱۰۳/۳ البيهقي: السنن ٤٤٢/٧. الخوارزمی: مناقب ص ۵۰ الصنعاني: المصنف ٢٤٩/٧ - ٣٥١، سبط بن الجوزي: تذكرة ص ١٤٨. محب الدین ذخائر العقبي ص ۹۲ الرياض النظرة ٢٥٦/٢. الجويني: فرائد ص ٣٤٦ - ٧ السيوطي : الدر المستثور ۲۸۸/۱. ٤٠/٦. ابن الديبغ: تيسير الوصول ۲/۲.
5) الشرح: ۱۸/۱ - ۱۹. وانظر: المفيد: الارشاد ۸۰ الخوارزمي: مناقب ص 39. القرطبي : الجامع ١٩٣/١٦. ابن طلحة: مطالب السئول ص ٣٦ - ٧ الاربلي: كشف الغمة ۱۱۰/۱ محب الدين: ذخائر العقبى ص ۹۱ الجويني : فرائد ص ۳۵۰ - ۳۵۱.
الاول: اصل الأشياء الحظر والتحريم كما هو مذهب اكثر معتزلة بغداد فلا يجوز التصرف في شيء من الأموال والمنافع ألا بآذن شرعي، ولم يوجد آذن شرعي في حلي الكعبة، فبقيت على الأصل.
الثاني: ان حلي الكعبة مال مختص بها، ويجري مجرى ستورها وبابها، فكما لا يجوز التصرف في الستور والباب الابنص، فكذلك حلي الكعبة والجامع بينهما الاختصاص الجاعل كل واحد من ذلك كالجزء من الكعبة. (1)
ويشار الى ان الخليفة عمر (رضي الله عنه) خاطب الحجر الاسود (أني لاعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا اني رأيت رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) الله قبلك واستلمك لما قبلتك ولا استلمتك). فقال له الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «انه ليضر وينفع، ولو علمت تأويل ذلك من كتاب الله لعلمت ان الذي اقول لك كما اقول قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (2)فلما اشهدهم و اقرواله انه الرب عزوجل وانهم العبيد كتب ميثاقهم في رق ثم القمه هذا الحجر، وان له لعينين ولسانا وشفتين تشهد لمن وافاه بالموافاة فهو امين الله عزوجل في هذا المكان فقال عمر: (لا ابقاني الله بارض لست بها يا ابا الحسن)» (3).
اما ابن عباس فهو تلميذه واكثر علمه مأخوذ عن الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سواء في الفقه او تفسير القرآن. (4)
وكان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يذهب الى مخالفة الصحابة في بعض الاحكام الشرعية كقطع يد السارق من رؤوس الاصابع، وبيعه امهات الاولاد، الا ان الذي
يمنعه من تغييرها انشغاله بالحرب ايام خلافته، ولذا كان يقول لقضاته: «اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون للناس جماعة». (1)ولفظة (حتى) تعني انه اباح لهم اتباع عادتهم في القضايا والاحكام التي يعهدونها الى ان يصير للناس جماعة (وحدة) وما بعد (الى وحتى) ينبغي ان يكون مخالفا لما قبلها ويرى المعتزلة ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما كان مجتهدا في احكامه ويجور لغيره من المجتهدين مخالفته. (2)
ومن فتاويه (عَلَيهِ السَّلَامُ)م المسألة المنبرية (3)حيث سئل وهو على المنبر عن حصة امرأة معها ابوين وابنتين فقال: صار ثمنها تسعا. (وهذه المسألة لو فكر فيها الفرضي طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب فما ظنك بمن قاله بديهة واقتضبه ارتجالا) (4).
ومما يؤثر من أحكام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان العبد التابع الى بيت المال اذا سرق
علي لا تقطع يده، واما البعيد عنه فتقطع، وهذا مطابق لرؤية الامامية في ان عبد المغنم اذا سرق من المغنم لا تقطع يده، اما العبد الغريب اذا سرق منه فتقطع اذا كان ما سرقه زائدا عما يستحقه من القيمة بمقدار النصاب الذي يجب فيه القطع، وهو ربع دينار، وكذلك الحر اذا سرق من المغنم حكمه هذا الحكم بعينه فوجب أن يحمل
1) البخاري: الصحيح ٩٢/٥.
2) الشرح: ١٦١/١٩.
3) سأل رجل الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو على المنبر : ان ابنني قد مات زوجها ولهـا مـن تركته الثمن وقد اعطوها التسع. فاسألك الانصاف. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : خلف صهرك بنتين. قال نعم قال وابواء باقیان. قال : نعم. قال: قد صار ثمنها تسعا. فلا تطلب سواه أرثا. انظر ابن الاثير: النهاية ۱۳۹/۳. الاربلی : كشف الغمة ۱۳۰۱. ابن منظور لسان العرب ٥١٢/١٣ - ٥١٣ التوحيدي: البصائر والذخائر ١٤٨/١/٢ - ٩، سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ۱۲۱. ومن فتاويه ايضا المسألة الدينارية حيث قالت له امرأة يا امير المؤمنين أن اخي مات وخلف ستمائة دينار. وقد دفعوالي من ماله دينارا واحدا. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلف اخوك بنتين قالت نعم قال لهما الثلثان اربعمائة. وخلف اما: قالت: نعم. قال: لها السدس مائة. وخلف زوجة. قالت: نعم. قال: لها الثمن خمسة وسبعون. وخلق معك اثني عشر أخا قالت: نعم. قال: لكل اخ ديناران ولك دينار واحد. فقد اخذت حقك فأنصر في فسميت بالمسألة الدينارية، أنظر الاربلي: كشف الغمة ۱۳۰/۱.
4) الشرح: 1 / 18 - 19.
كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ان العبد المقطوع كان قد سرق أزيد من حقه من القيمة بمقدار النصاب المذكور او اكثر. (1)
ومن خلال كتابه لقاضيه شريح القاضي (2)اوضح فيه كيفية بيع الاملاك اشار ابن ابي الحديد ان طريقته تطابق ما موجود في عصر ابن ابي الحديد (وهذا يدل على ان الشروط المكتوبة الآن قد كانت في زمن الصحابة تكتب مثلها أو نحوها الا انا ما سمعنا من احد منهم انه نقل صيغة الشرط الفقهي الى معنى اخر، كما قد نظمه هو (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولا غرو فما زال سباقاً الى العجائب والغرائب). (3)
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجيز اقامة وكيلا عن الشخص في الخصومة وهو شاهد (4)ویری (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه لا قربة بالنوافل اذا اضرت بالفرائض، حيث لا يصح التنفل ممن عليه قضاء فريضة فاتته لا في صلاة ولا في غيرها (5).
وبذلك اصبح الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصل المذاهب الفقهية، فان اصحاب الامام ابي حنيفة كابي يوسف (6)ومحمد بن الحسن (7)اخذوا عن ابي حنيفة والشافعي
1) الشرح: ١٦٠/١٩.
2) شريح ابو امية القاضي ادرك الجاهلية، ويعد من التابعين تولى القضاء في الكوفة منذ عهد الخليفة عمر وحتى ايام الحجاج توفي سنة ٨٧هـ انظر ابن عبد البر: الاستيعاب ۲۷۰۱/۲. ابن : الاصابة ١٤٦/٢. وانظر الدوري القاضي شريح واراؤه الفقهية رسالة ماجستير ص ٥ – ٣٢٤.
3) الشرح: 14 / 27. 31.
4) الشرح: ۱۰۷/۱۹.
5) الشرح: ١٥٨/١٨.
6) هـو يعقوب بن ابراهيم الانصاري (۱۱۳ - ۱۸۲هـ) تلميذ الامام ابي حنيفة واول من نشر مذهبه. تولى القضاء حتى وفاته واشتهر بكتابة الخراج انظر ابن النديم الفهرست ص القرشي الجواهر المضية ٢٢٠/٢ - ٢. ابن قطلو بغا: تاج التراجم ص ۸۱. اللكنوي: الفوائد البهية ص ٢٢٦.
7) تلميذ الامام ابو حنيفة وممن نشر مذهبه (۱۳۱ - ۱۸۹) تولى القضاء ومات في الري ابن النديم: الفهرست ص ۲۸۷ - ۸ الخطيب: تاريخ بغداد ۱۷۲/۲ - ۱۸۲ القرشي : الجواهر المضية ٤۲/۲ - ٤٤ اللكنوي: الفوائد البهية ص ١٦٣.
قرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه لابي حنيفة، اما احمد بن جنبل فقرأ على الشافعي، فيرجع ايضا لابي حنيفة، وابو حنيفة قرا على الامام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والصادق قرأ على ابيه محمد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى ينتهى الامر الى الامام علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، اما مالك بن انس فقد قرأ على ربيعه الرأى (1)وربيعه قرأ على عكرمة (2)وعكرمة قرأ على ابن عباس والمعروف ان ابن عباس هو تلميذ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكذلك فان الشافعي، درس من طريق اخر على مالك ومالك يرجع فقهه للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واما فقه الشيعة فرجوعه اليه واضح. (3)
هذه الاضاءات القليلة تنبىء على أن نهج البلاغة يعد مصدر للفقيه الذي يرغب في أن يكون نافذ الفكر مستنير البصيرة. (4)
1) ربيعة بن فروخ التيمي ت ١٣٦ هـ لقب بربيعه الرأي لانه يقول برأيه اذا لم يجد حديثا. ابن النديم: الفهرست ص ۲۸۵ ابن الجوزي: صفة الصفوة.۱۷۷/۲ الخطيب: تاریخ بغداد ٤٢٠/٨. ابن خلكان، وفيات الاعيان ۲۸۸/۱ - ۹۰ الذهبي : تذكرة الحفاظ ١٥٧/١ - ٨.
2) عكرمة بن عبد الله البربري موسى ابن عباس (٢٥ - ١٠٥) من التابعين طاف البلدان. واستقر فترة في المغرب حيث الخوارج هناك ثم عاد ومات بالمدينة ابن سعد: الطبقات ٣٨٥/٢ أبو نعيم حلية الأولياء ٣٢٦/٣ - ٣٤٧.
3) الشرح: ۱۸/۱ طرحت العثمانية فكرة مغايرة لذلك وانتقدت القائلين بأسبقية الامام في علم الفقه. انظر رسائل الجاحظ السياسية ص ۱۸۵ - ۱۹۰. وقال ايضاً برأي العثمانية ابن تيمية: منهاج السنة ١٤٣/٤ - ٤.
4) العزيزي الامام علي اسد الاسلام ص ۲۲۵.
كان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المنظور اليه في هذا الباب، حيث اتفق الكل على حفظه للقرآن على عهد النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وهو أول من جمعه بعد وفاة النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) حيث يرى اهل الحديث انه تشاغل بجمع القرآن، وهذا يدل على انه اول من جمعه لانه لو كان مجموعا في حياة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) لما احتاج ان يتشاغل بجمعه. (1)
لقد اولى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) القرآن الكريم عنايته في التأكيد عليه، وايضاح اهميته ومكانته فمن اقواله فيه: «ان الله سبحانه وتعالى انزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر، فخذوا نهج الخير تهتدوا واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا ». (2)
وقال ايضاً: «واعلموا ان هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش والهادي الذي لا يضل والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن احدا الاقام عنه بزيادة أو نقصان زيادة في هدى او نقصان من عمى، واعلموا انه ليس على احد بعد القرآن من فاقة ولا لاحد قبل القرآن من غنى فاستشفوه من ادوائكم واستعينوا به على آرائكم فان فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق، والغي والضلال، فأسالوا الله به، وتوجهوا اليه بحبه، ولا تسألوا به خلقه انه ما توجه العباد إلى الله بمثله، واعلموا انه شافع ومشفع، وقائل ومصدق، وانه من شفع له
القرآن يوم القيامة شفع فيه، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه، فانه ينادى منادي يوم القيامة: الا ان كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله، غير حرثه القرآن فكونوا من حرثته واتباعه واستدلوه على ربكم، واستنصحوه على انفسكم، واتهموا عليه ارائكم واستشفعوا فيه اهوائكم». (1)
وقال ايضاً: «القرآن آمر زاجر وصامت ناطق، حجة الله على خلقه، اخذ عليهم ميثاقهم، وارتهن عليهم انفسهم اتم نوره و اکرم به دینه و قبض نبیه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وقد فرغ الى الخلق من احكام الهدى به». (2)
وقال بعد تلاوته لقوله تعالى (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) (3)و «ان الله سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاء للقلوب تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة» (4).
وقال ايضا: «وكتاب الله بين اظهركم ناطق لا يعيا لسانه وبيت لا تهدم اركانه، وعز لا تهزم أعوانه» (5).
وقال: «كتاب الله تبصرون به، و تنطقون به، و تسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض، ولا يختلف في الله، ولا يخالفه بصاحبه عن الله» (6).
هذه الملامح فيها اشارة الى مدى العلاقة الوثيقة بين الامام والنص القرآني وقد اتضحت في خصوصية فهمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى درجة يصورها في قوله لمن سأله: (هل) عندكم شيء من الوحي ؟ فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، الا ان يعطي الله
عبدا فهما في كتابه). وانعام النظر في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يثبت ان اقل ما يدل عليه أن ما نقل عنه من أعاجيب المعارف الصادرة عن مقامه العلمي الذي يدهش العقول مأخوذ من القرآن الكريم، لذا اصبح (عَلَيهِ السَّلَامُ) دائرة معارف القرآن (1).
ومن خلال ملاحظة ما جاء في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن القرآن، نجد فيه احسن ما رد فی تعظيمه واجلاله (2)وقد شهد النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بتلك العلاقة الوثقى، بين القرآن والامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله: «علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض». (3)
لذا نجد الامام عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) اصبح مصدرا لعلوم القرآن كعلم القراءات حيث ان أئمة القراءات يرجعون اليه مثل أبي عمرو بن العلاء (4)وعاصم بن أبي النجود (5)وغيرهما لأنهما يرجعون لابي عبد الرحمن السلمي (6)القارىء، وهو تلميذ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعنه اخذ القرآن فصار فن القراءات من الفنون التي تنتهي الى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).
أما في علم التفسير فكان المعول عليه، حيث عنه اخذ ابن عباس (وقد علم
1) الاعرجي: منهج المتكلمين في فهم النص القرآني ص ۱۸ - ۱۹.
2) الشرح: ٢/١٠.
3) أخرجه الحاكم المستدرك ١٣٤/٣ الخوارزمى المناقب صر ۱۱۱۰ - ۱۱۱ الذهبي تلخيص المستدرك ١٣٤/٣ السيوطي: تاريخ الخلفاء ۱۷۳. السيوطي : الجامع الصغير ٣٥٦/٤ المتقي الهندي: كنز العمال ۲۰۳/۱۲. الهيثمي : الصواعق ص 122، 124.
4) هو زبان بن العلاء المازني أخذ عنه مشايخ البصريين انظر ابن النديم: الفهرست ص ٤٢ - ٤٦. الذهبي : معرفة القراء الكبار ٨٣/١.
5) الكوفي الاسدي بالولاء ت ۱۲۷ او ۱۲۸ هـ يعد في التابعين انظر ابن النديم الفهرست. س ٤٣. الذهبي : العبر ۱۲۸/۱ الذهبي معرفة القراء الكبار ۷۳۱ میزان الاعتدال ۸ - ۳۵۷/۲. الجزري: غاية النهاية ٣٤٦/١.
6) عبد الله بن حبيب الكوفي تصدر الاقراء أيام عثمان بن عفان (رضي الله عنه) حتى توفى سنة ٧٣ هـ ابو نعيم حلية الأولياء ١٩١/٤ - ١٩٥ السمعاني: الانساب ۱۸۱/۷ الذهبي: تذكرة الحفاظ ٥۸/۱ الذهبي معرفة القراء الكبار ٤٥/١.
7) الشرح: ۲۷/۱ - ۲۸.
الناس حال ابن عباس في ملازمته له وانقطاعه اليه وانه تلميذه وخريجه، وقيل له این علمك من علم ابن عمك ؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر الى البحر المحيط). (1)
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «لقد علمت تبليغ الرسالات، واتمام العدات، وتمام الكلمات...» والمقصود بعلم تمام كلمات الله تعالى أي تأويلها وبيانها الذي يتم به لان في كلامه تعالى المجمل الذي لا يستغني عن متم ومبين يوضحه. (2)
ولما كان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ملما بأساليب القرآن لذا نصح رسوله للخوارج (ابن عباس) بان لا يحاججهم بالقرآن (لان القرآن حمال ذو وجوه) حيث انه كثير الاشتباه، فهناك آيات تفيد رؤية الله (3)واخرى تنفيها (4)و آیات تشير الى ان الهداية والضلالة من الله (5)واخرى تنسبها للانسان. (6)ثم ان القرآن ناسخ ومنسوخ، ومن اجل ذلك دعا الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ابن عباس للمحاججة بالسنة النبوية لخلوها من هذه الاشكالات (7).
وفي علم اسباب النزول اشار الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى ان اول آية من سورة العنكبوت وهي (الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ...). انها نزلت بعد معركة بدر، في الوقت الذي اشار المفسرون أنها مكية، (8)والملاحظان هذه الاية ربما تكون وحدها نزلت بعد معركة بدر وكذا الحال في سورة
1) الشرح: 1/١٥.١٩/247.
2) الشرح : ۲۸۹/۷.
3) كقوله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، سورة القيامة: الآية ۲۳.
4) كقوله تعالى : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) سورة الانعام: الآية ١٠٣.
5) كقوله تعالى: (فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) سورة ابراهيم الاية ٤.
6) كقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) سورة الزلزال: الآيات ٧-٨.
7) الشرح: ۷۱/۱۸ – ۷۳.
8) انظر: الطوسي: التبيان ١٨٥/٨ القربطي : الجامع ۳۲۳/۱۳.
النحل (1)التي هي مكية ما عدا الآيات الثلاث الاخيرة التي نزلت بالمدينة بعد معركة احد. (2)
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يؤكد على معرفته باسباب النزول بقوله: «سلوني عن كتاب الله والله ما من آية الا انا اعلم انها بليل نزلت ام بنهار ام بسهل نزلت ام بجبل» (3).
1) انظر الطوسي: التبيان ٣٥٧/٦ القرطبي : الجامع ٦٥/١٠
2) الشرح: ٢٠٧/٩.
3) انظر ابن سعد : الطبقات ۳۳۸/۲ الازرقي : اخبار مكة ٥٠/١ البلاذری، انساب ۹۹/۲ ابن عبد البر: الاستيعاب ۱۱۰۷/۳۰. جامع بيان العلم وفضله ١١٤/١ الخوارزمي : المناقب ص ٤٩ البلوي الف باء ۲۲۲/۱. محب الدين: الرياض النظرة ٢٦٢/٢. ابن حجر الاصابة ۵۰۹/۲. تهذيب التهذيب ۳۳۸/۷ السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ۱۸۵ الهيثمي : الصواعق ص ١٢٦.
البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، والمقصود بالمطابقة ان يكون الكلام مناسباً لحال السامع حيث ان الناس طبقات ولذلك تختلف اساليب الكلام تبعاً لاختلاف حال السامع اما الفصاحة فهي ان تكون الالفاظ سهلة واضحة عذبة خفيفة الحركات جارية على القياس الصرفي، وليس هناك تنافر بين حروفها، وان يكون التركيب (الكلام المؤلف) خالياً من الغموض والتعقيد والتكرار. (1)
كان الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الفصاحة بمكان فهو امام الفصحاء وسيد البلغاء وفي كلامه قيل «دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين». ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة حيث حفظ عبد الحميد بن يحيى الكاتب (2)سبعيناً من خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ). وحفظ ابن نباتة (3)(كنزاً لا يزيده الانفاق الاسعة وكثرة حيث حفظ
1) انظر معاني متعددة في ابن رشيق العمدة ٢٤١/١ - ٢٥٠ الجرجاني: التعريفات ص : ٢٦. الحلاوي: البلاغة والتطبيق ص 7 - 8.
2) هو عبد الحميد بن يحيى بن سعد العامري بالولاء اختص بمروان بن محمد وقتل معه، وكان يضرب به المثل في البلاغة انظر الجهشاري: الوزراء والكتاب ص ۷۲ - ۸۳ ابن خلکان الوفيات ۲۲۸/۱۳ - ۲۳۲ ابن نباته سرح العيون ص ١٦٢ – ٥.
3) عبد الرحيم بن محمد بن اسماعيل بن نباتة الفارقي (٣٣٥ - ٣٧٤هـ) ولد في ميافارقين وسكن حلب ودخل في خدمة سيف الدولة الحمداني وكان الاخير كثير الغزوات فاكثر ابن نباتة من الخطب الجهادية. انظر ابن خلكان الوفيات ١٥٦/٣ - ٨ الذهبي : العبر ١٤٣/٢.
مائة فصل من مواعظه (عَلَيهِ السَّلَامُ)). (1)
وقد شهد معاوية له بهذا الامتياز فلما دخل عليه محفن بن ابي محفن قائلاً له : (جئتك عند اعيا (2)الناس. فقال معاوية : ويحك ! كيف يكون اعيا الناس فو من الله ما سن الفصاحة لقريش غيره) (3).
ويكفي كتاب نهج البلاغة في الاشارة على انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يجاري في الفصاحة ولا يبارى في الفصاحة، حيث لم يدون لاحد من فصحاء الصحابة (4)العشر ولا نصف العشر مما دون له، وقد حفظ الجاحظ احد معتزلة البصرة، في كتابه البيان والتبين (5)الكثير من خطبه (6).
فلما أورد الجاحظ قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قيمة كل امرئ ما يحسن» علق قائلاً: (لو لم نقف من هذا الكتاب الا على هذه الكلمة لوجدناها شافية، ومجزئة مغنية، بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، وغير مقصرة عن الغاية. وأحسن الكلام ماكان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهره لفظه، وكان الله عز وجل قد البسه من الجلالة وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله. فاذا كان المعنى شريفاً، واللفظ بليغاً، وكان صحيح الطبع بعيداً من الاستكراه ومنزهاً عن
1) الشرح: ٢٤/١ - ٢٥.
2) العي ضد البيان أي ليست لديه القدرة على الكلام الفصيح الرازي: مختار الصحاح ص ٤٦٧.
3) الشرح: ٢٤/١ - ٢٥، ٢٤٧/١٥.
4) قال المدائني : كان ابو بكر خطيباً وكان عمر خطيباً وكان عثمان خطيباً وكان علي أخطبهم. انظر الجاحظ: البيان والتبين ٣٥٣/١.
5) 1 / 83، 202، 256، 297، 2 / 14، 20 - 22، 50 - 56، 77 - 78، 88، 99، 101، 106، 172، 190، 200، 274، 279، 285، 311، 316، 350، 3 / 98، 141، 148، 155، 211، 260، 274 - 5، 285، 301، 4 / 8، 93.
6) الشرح: ٢٥/١.
الاختلال، مصوناً عن التكلف، صنع في القلوب صنع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة اصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد ما لا يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة. (1)
لقد كان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) افصح من كل ناطق بلغة العرب من الاولين والاخرين، الا كلام الله سبحانه وكلام رسوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : (وذلك لان فضيلة الخطيب والكاتب في خطابته وكتابته تعتمد على امرين هما: مفردات الالفاظ ومركباتها. اما المفردات، فان تكون سهلة سلسة غير وحشية ولا معقدة، والفاظه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلها كذلك، وأما المركبات فحسن المعنى وسرعة وصوله الى الافهام واشتماله على الصفات التي باعتبارها فضل بعض الكلام على بعض، وتلك الصفات هي الصناعة التي سماها المتأخرون البديع من المقابلة والمطابقة، وحسن التقسيم، ورد اخر الكلام على صدره، والترصيع (2)والتسهيم (3)والتوشيح (4)والمماثلة، والاستعارة، ولطافة استعمال المجاز، والموازنة، والتكافؤ، والتسميط (5)والمشاكلة).
ان هذه الاساليب كلها موجودة في خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكتبه مبثوثة ومتفرقة في فرش كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وليس يوجد هذان الامران في كلام احد غيره فان كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد تعلمها، وفكر فيها، واعمل رويته في رصفها ونثرها، فقد اتى بالعجب العجاب، لذا وجب ان يكون امام الناس في ذلك لانه المبتكر له، ولم يعرف من قبله، اما اذا
1) البيان والتبين ٨٣/١ وانظر كلمة الامام لدى سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ١٥٤.
2) هو ان تكون الالفاظ مستوية الاوزان متفقة الاعجاز كقوله تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ). وقوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ). انظر ابن رشيق العمدة ٢٦/٢ الخوارزمي : مفاتيح العلوم ص ٤٧. الجرجاني: التعريفات ص 30.
3) هو أن يكون معنى البيت مقتفياً وشاهداً بها دالاً عليها ابن رشيق العمدة ٣٢/٢ - ٣٤.
4) هو نفس التسهيم ابن رشيق العمدة ۳۱/۲.
5) هو تصيير كل بيت أربعة اقسام ثلاثتها على سجع واحد مع مراعاة القافية في الرابع حتى تنقضي القصيدة، الخوارزمي : مفاتیح العلوم ص ٦١. الجرجاني: التعريفات ص ۳۱، ۷۰۰.
كان قد اقتضبها ابتداء، وفاضت على لسانه مرتجلة، وجاش بها طبعه بديهة من غير روية، ولا اعتمال فاعجب واعجب! وعلى كلا الامرين فلقد جاء مجليا والفصحاء تنقطع انفاسهم على اثره (واعلم ان تكلف الاستدلال على ان الشمس مضيئة يتعب، وصاحبه منسوب الى السفه وليس جاحد الامور المعلومة علماً ضرورياً، باشد سفهاً مما رام الاستدلال بالادلة النظرية عليها) (1).
لقد اطلق على بعض خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) اسماء لشهرتها، كخطبة الاشباح أي الملائكة، التي اثارت اعجاب ابن ابي الحديد فقال عنها: «هذا موضع المثل (اذا جاء نهر الله بطل نهر معقل)». (2)اذا جاء هذا الكلام الرباني واللفظ القدسي بطلت فصاحة العرب، وكان نسبة الفصيح من كلامها اليه كنسبة التراب الى النضار الخالص، وحتى لو افترضنا ان العرب تقدر على الالفاظ الفصيحة المناسبة او المقاربة لهذه الالفاظ لكن من اين لهم المادة التي عبرت هذه الالفاظ عنها ومن این تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون للرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) هذه المعاني هذه المعانى الغامضة السمائية، ليتهيأ لها التعبير عنها اما الجاهلية فانهم انما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بغیر او فرس او حمار وحش او ثور فلاه، أو صفة جبال او فلوات ونحو ذلك. اما بالنسبة للصحابة، فالمذكور منهم بفصاحة انما كان منتهى فصاحة احدهم كلمات لا تتجاوز السطرين او الثلاثة، اما في موعظة تتضمن ذكر الموت او ذم الدنيا، او ما يتعلق بحرب او قتال ترغيباً او ترهيباً).(3)
في حين ان الكلام في الملائكة وصفاتها وصورها وعباداتها، وتسبيحها ومعرفتها بخالقها وحبها له وولهها اليه وما جرى مجرى ذلك لما يتضمنه كلام
الامام في هذه الخطبة، فاذا لم يكن معروفاً عند الجاهلية ولا الصحابة بهكذا تفصيل وقد يكونوا علموه جملة غير مقسمة هذا التقسيم ولا مرتبة هذا الترتيب بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم (1).
اما من كان له علم بهذا الموضوع كعبد الله بن سلام (2)_ احد اليهود - وامية بن أبي الصلت (3)فلم تكون لهم هذه العبادة، ولا قدروا على هذه الفصاحة. اذن ثبت ان هذه الامور الدقيقة في مثل هذه العبادة الفصيحة، لم تحصل الا للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحده «واقسم ان هذه الكلام اذا تأمله اللبيب، اقشعر جلده، ورجف قلبه واستشعر عظمة الله في روعه وجلده، وهام نحوه وغلب الوجد عليه، وكاد ان يخرج من مسكه شوقاً، وان يفارق هيكله صبابة ووجدا». (4)
كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) على درجة من التمكن في استخدام الألفاظ في ما يناسبها، فيعطى المتباعدات لفظة (مقرب)، لأن البعد بازاء القرب ويعطى المتباينات لفظة (مقارن) لأن البينونة بازاء المقارنة، واعطى المتعاديات لفظة (مؤلف) لان الائتلاف بازاء التعادي.(5)
و وقف ابن ابي الحديد معجباً بأسلوب كتاب ارسله الامام لابن عباس بعد مقتل محمد بن ابي بكر قائلاً «انظر الى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها، و تملكه زمامها، واعجب لهذه الالفاظ المنصوبة، يتلو بعضها بعضاً كيف تواتيه
1) الشرح: ٤٢٦/٦.
2) هو عبد الله بن سلام بن الحارث ممن اسلم من اليهود في عصر النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) توفي سنة ٤٣هـ. انظر: ابن سعد الطبقات ٣٥٢/٢ - ١. مسلم: صحيح ٤١/١٦ الحاكم المستدرك ٤٦٧/٣ - ٤٧١. ابن عبد البر: الاستيعاب ۹۲۱/۳. ابن حجر: الإصابة ٣٢٠/٢ – ٣٢١.
3) امية بن عبدالله أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، كان ممن نبذ عبادة الأصنام، وحرم على نفسه الخمر، وأدرك الاسلام ولم يسلم. ت ٥ هـ ابن قتيبة الشعر والشعراء ٣٦٩ - ٣٧٢. النووي تهذيب الاسماء ۱۲٦/۱/۱ الالوسي : بلوغ الارب ۲۱/۲۵۳، 3 / 21.
4) الشرح: ٤٢٦/٦.
5) الشرح ٧٤/٦ - ٧٥.
وتطاوعه، سلسة سهلة، تتدفق من غير تعسف ولا تكلف حتى انتهى إلى اخر الفصل فقال «يوماً واحداً ولا التقى بهم أبداً وانت وغيرك من الفصحاء اذاشر عوا في كتاب او خطبه، جاءت القرائن او الفواصل تارة مرفوعة وتارة منصوبة، فان ارادوا قسرها باعراب واحد. ظهر منها في التكلف اثر بين وعلامة واضحة». (1)
هذا الصنف من البيان هو احد انواع الاعجاز القرآني، (انظر الى سورة الناس وبعدها سورة المائدة الأولى منصوبة الفواصل والثانية ليس فيها منصوب اصلاً ولو مزجت احدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا، وظهر اثر التركيب والتأليف بينهما). (2)
ثم ان هذه الفواصل في كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا حسب الصناعة التكليفية. «ثم انظر الى الصفات والموصوفات في هذا الفصل كيف قال: (ولداً ناصحاً) و (عاملاً كادحاً) و(سيفاً قاطعاً) و (ركناً دافعاً) ولو قال: (ولداً كادحاً) و (عاملاً (ناصحاً وكذلك ما بعده لما كان صواباً، ولا في الموقع واقعاً».(3)
ان هذه البلاغة جعلت من ابن أبي الحديد يتعجب قائلاً (فسبحان من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ان يكون غلام من ابناء عرب مكة، ينشأ بين اهله... وخرج أفصح من سحبان (4)وقس (5)ولم تكن قريش
1) الشرح: ١٥٤/١٦-١٤٦.
2) الشرح: ١٤٦/١٦.
3) الشرح: ١٤٦/١٦
4) سحبان بن زفر بن ایاست ٥٤هـ احد خطباء العرب، خطب امام معاوية من الظهر حتي العصر ابو هلال العسكري: جمهرة الأمثال ٢٤۸/۱ - ٩. ابن : ١٠٩/٢. الاصابة ۱۰۹/۲ الالوسي : بلوغ الارب ١٥٦/٣.
5) قس بن ساعدة الايادي أول من خطب على عصات ۲۳ ق. هـ. الجاحظ البيان والتبين : 1 / 42 – 3. 45، 52، 308 - ۳۰۹ ابو هلال العسكري: جمهرة الأمثال ٢٤٩/١. المرزباني: معجم الشعراء ص ۳۳۸.
بافصح العرب، كان غيرها افصح منها، قالوا افصح العرب جرهم، وان لم تكن لهم نباهة... ولا غر... ولا غرو فيمن كان محمد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) مربيه و مخرجه والعناية الالهية تمده و ترفده ان يكون منه ماكان). (1)
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) ايضاً مقتدراً على التصرف في المعنى فعلى سبيل المثال نجده دائماً يذم الدنيا ولكنه ايضاً أحياناً يمدحها، وهو صادق في المدح والذم (2).
وقد لاقى كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استحساناً لدى من كان له باع مشهود في البلاغة حيث يقول الشريف الرضي عن الخطبة الحادية والعشرون : (ان هذا الكلام لو وزن بعد كلام الله سبحانه، وبعد كلام رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بكل كلام لمال به راجحاً وبرز عليه سابقاً) (3)ووصف الخطبة رقم ٤٨ بان فيها (من غيرب العبارات وعجيبها)، (4)وقد خصص الشريف الرضي آخر كتابه نهج البلاغة. (5)لقصار كلمات الامام والتي كانت على ايجازها في منتهى الفصاحة، وقد وصف ابن ابي الحديد هذا الباب :بانه (كالروح من البدن والسواد من العين وهو الدرة المكنونة التي سائر الكتاب صدفها). (6)لذا نجده يعلق على بعض من هذه الكلمات بالثناء ومنها:.
كلام الامام / تعليق ابن ابي الحديد / الصفحة
ملكتني عيني / من فصيح الكلام يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ) غلبني النوم. 6 / 12
ونسأله المعافاة في / لقد اظرف (عَلَيهِ السَّلَامُ) وابدع، وذلك لان الاديان كما نسأله للاديان سقماً وطباً وشفاء، كما أن 7 / 81
المعافاة في الابدان / للابدان سقماً وطباً وشفاءً
افأعبد ما لا أرى / مقام رفيع جداً لا يصلح ان يقوله غيره ٦٤/١٠
العار امامكم والجنة امامكم / هذا كلام شريف جداً. 9 / 303
فان البخل والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله / هذا كلام شريف من كلام الحكماء 17 / 41
المرء مخبوء تحت لسانه / هذه اللفظة لا نظير لها في الايجاز والدلالة على المعنى وهي من الفاظه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المعدودة ٣٥٣/١٨
تكلموا تعرفوا، فان المرء مخبوء تحت لسانه / هذه احدى كلماته التي لا قيمة لها، ولا يقدر قدرها. ٣٤٠/١٩
هلك امرء لم يعرف قدره / هذه الكلمة من كلماته المعدودة ٣٥٥/١٨
ما اكثر العبر واقل الاعتبار / ما أوجز هذه الكلمة وما اعظم فائدتها ! ۲۰۳/۱۹
الناس أعداء ما جهلوا / هذه من الفاظه الشريفة التي لا نظير لها. ٨٦/٢٠
او تعتدل على عقول اهل الدنيا / هذا كلام لطيف فصيح غامض، ومعناه ان غمرات الموت واهو اله عظيمة جداً، لا 11 / 167 – 8 تستقيم على العقول، ولا تقبلها اذا شرحت لها ووصفت كما هي على الحقيقة بل تنبو عنها ولا تصدق بما يقال فيها فعبر عن عدم استقامتها على العقول بقوله: (أو يعتدل) كأنه جعلها كالشيء المعوج عند العقل فهو غير مصدق به
واحياناً يكون كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس بحاجة لتفسير، كما في كلامه ۲۱۹ حيث ان معانيه ظاهرة والفاظه الفصيحة تعطيها وتدل عليها بما لو اراد المفسر ان يعبر عنه بعبارة غير عبارته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكان لفظه (عَلَيهِ السَّلَامُ) اولى ان يكون تفسيراً لكلام ذلك المفسر (1). وكذلك كلامه ذو الرقم ۱۸۳ الذي هو من فصيح الكلام، ونادره ويتضمن من توحيد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه ما يشهد لنفسه. (2)
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستخدم الالفاظ المناسبة لبعضها البعض، بحيث لو ذكر غيرها لما انطبقت عليها، ولا استقرت في قرارها. (3)وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكرر المعنى، ولكن بالفاظ مختلفة وذلك لاقتداره على العبارة وسعة مادة النطق عنده. (4)
ومن اساليبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجواب الاقناعي (وهي اجوبة اذا بحث عنها لم يكن وراءها تحقيق وكانت ببادئ النظر مسكتة للخصم صالحة لمصادمته في مقام المجادلة). (5)فلما سئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كم بين السماء والارض ؟ اجاب: دعوة مستجابة. وسئل ايضاً : ما بين المشرق والمغرب؟ فقال: مسيرة يوم للشمس. (6)
وهي أجوبة صحيحة لا ريب فيها لان السائل سأل بحضور العامة تحت المنير فلو اجابه الامام بمقدارها عددا لربما طالبه السائل بالدليل، والدليل يصعب حصوله على البديهة، وحتى لو حصل لشق ايصاله الى فهم السائل والحاضرين ولصار فيها خلاف وربما فتنة، لذا عدل الامام الى جواب اجمالي صحيح اسکت السائل واقتنع السامعون به واستحسنوه، وهذا من نتائج حكمته (عَلَيهِ السَّلَامُ). (7)
ولما كان كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) متميزاً عمن سواه، لذا لم يجد ابن ابي الحديد مشقة في تمييزه عن غيره، ففي شرحه لخطبة الامام الرابعة قال (هذه الكلمات والامثال ملتقطة من خطبه طويلة منسوبة اليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد زاد فيها قوم اشياء حملتهم عليها اهواؤهم، لا توافق الفاظها طريقته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطب، ولا تناسب فصاحتها فصاحته ولا حاجة الى ذكرها فهي شهيرة، ونحن نشرح هذه الالفاظ لانها كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يشك في ذلك من له ذوق ونقد ومعرفة بمذاهب الخطباء والفصحاء في خطبهم ورسائلهم ولان الرواية لها كثيرة، ولان الرضي (رَحمهُ اللّه) قد التقطها ونسبها اليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصححها وحذف ما عداها). (1)
ولما نسبت بعض خطبه وكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للغير تمكن علماء البيان من اعادة نسبتها للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمثلاً الخطبة رقم ٣٢ التي نسبها من لا علم له الى معاوية مع انها من كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي لا يشك فيه، اذ اين الذهب من الرغام واين العذب من الاجاج! وقد دل على ذلك الخريت، ونقده الناقد البصير، عمرو بن بحر الجاحظ حيث ذكرها في كتابه البيان والتبين، (2)واشار الى ان هناك من نسبها لمعاوية ثم انكر ذلك قائلاً : (وهذا الكلام بكلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) انا اشبه، وبمذهبه في تصنيف الناس، وفي الاخبار عما هم عليه من القهر والاذلال ومن التقية والخوف اليق ومتى وجدنا معاوية في حال من الاحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد، ومذاهب العباد). (3)
ونسب الجاحظ خطبة الامام رقم ۱۱۰ الى قطري بن الفجاءة (4)والمعروف
1) الشرح: ۲۰۸/۱.
2) 2 / 59 - 61.
3) الشرح : ١٧٥/٢٢ - ١٧٦، ونسبها لمعاوية ايضاً الابي: نشر الدرر ١٩/٣ - ٢١.
4) هو قطري بن الفجاءة بن مازن التميمي من رؤساء الازارقة من الخوارج، وتولى امرة الخوارج ثلاث عشرة سنة، وقتل في حروبه. الجاحظ: البيان والتبين: ٣٤١/١ - ٢، 9 / 310 - 1.ابن قتيبة تيبة المعارف ص ٤١١ الطبري تاريخ ١٢٦/٦ - ٧، ١٦٩، ٢٥٩، 300 - 310 / 318.
انها للامام حيث رواها المرزباني في كتابه (المونق) (1)وهي بكلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، اشبه وليس يبعد عند ابن ابي الحديد ان يكون قطري خطب بها بعد ان اخذها من اصحاب الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذين صاروا فيما بعد خوارج. (2)
ومما يؤثر عن الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله : «لا تظنن بكلمة خرجت من احد سوءاً، وانت تجد لها في الخير محتملاً» الا ان هناك من رواها للخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). (3)
ونسب (ابو حامد الغزالي) (4)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «من هوان الدنيا على الله انه لا يعصى الا فيها، ولا ينال ما عنده الا بتركها». الى أبي الدرداء، (5)والصحيح أنها من كلام الامام على حيث ذكر ذلك الجاحظ (6)وهو اعرف بكلام الرجال. (7)
وذكر المبرد (8)خطبة لاعرابي بالبادية (واكثر الناس يرون انها من كلام الامام الله ويجوز ان يكون الاعرابي حفظها واوردها كما يورد الناس كلام غيرهم) (9).
ووجد ابن ابي الحديد كلمة الامام «نفس المرء خطاه الى اجله» منسوبة الى
1) لم اعثر على هذا الكتاب.
2) الشرح : ٢٣٦/٧. وانظر الجاحظ: البيان والتبين ۱۲٦/٢ - ۹. ابن قتيبة: عيون الاخبار ٢٥٠/٢ - ١ النويري: نهاية الارب ٢٥٠/٧ - ٣. القلقشدي : صبح الأعشى 1 / 223 - 5.
3) الشرح: ۲۷۷/۱۹.
4) لم اهتد اليها في كتابه احياء علوم الدين.
5) عويمر بن مالكبن قيس بن امية الانصاري الخزرجي أحد الصحابة الذين عرفوا بالعبادة تولى القضاء للخليفة عمر (رضي الله عنه) في دمشق توفى سنة ٣٢هـ ابو نعيم حلية الأولياء ۲۰۸/۱ - ۲۲۷. ابن عبد البر: الاستيعاب ١٦٤٦/٤ - ٨ الذهبي : معرفة القراء الكبار ۳۸/۱ ابن حجر: الاصابة ٤٥/٣ – ٤٦.
6) لم اهتد اليها في أي من مؤلفات الجاحظ.
7) الشرح: ٣٢٦/١٩.
8) الكامل في اللغة والادب ۱۰٨/٤. ٨.
9) الشرح: ٣/١١ - ٤.
عبد الله بن المعتز (1)فعلق قائلاً: (فلا ادري هل هي لابن المعتز ام اخذها من امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ! والظاهر انها لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فانها بكلامه اشبه ولان الرضي قد رواها عنه، وخبر العدل معمول به) (2).
اساليب البيان
البيان: هو النطق الفصيح المعرب، أي اظهار المعنى وايضاح ما كان مستوراً قبله، ليتم اظهار المراد للسامع (3)وموضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة (4)ويجب على صاحب علم البيان الالمام بعلوم تسمى (ادوات علم البيان) وهي لنحو والتصريف والفاظ اللغة وامثال العرب وايامهم (التاريخ) والاحاطة بالمؤلفات السابقة التي كتبت في علم البيان والاحكام السلطانية وحفظ القرآن الكريم والسنة النبوية. (5)
لقد تنوعت أساليب البيان التي استخدمها الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ثنايا كلامه ومنها:
اولاً: الاستعارة:
نقل المعنى من لفظ لمشاركة بينهما مع طي ذكر المنقول اليه (6)وقد استخدم
1) هو عبد الله بن محمد المعتز بالله بن الخليفة العباسي المتوكل كان شاعراً وله مجموعة من الكتب الادبية. تولى الخلافة بعد المقتدر يوم وليلة ثم عزل وتوفي سنة ٢٩٦هـ مخنوقاً، الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ٩٥/١٠ - ١٠١. القفطي : المحمدون من الشعراء ص ۲۵۵ الكتبي فوات الوفيات ٢٣/٢ - ٢٤٦.
2) الشرح: ۲۲۱/۱۸.
3) ابن رشيق: العمدة ٢٥٤/١ الجرجاني: التعريفات ص ٢٦، ٨٣.
4) ابن الاثير المثل السائر ٥١/١.
5) ابن الاثير المثل السائر ٥٧/١ - ٨٦.
6) ابن رشيق العمدة ٢٦٨/١ الخوارزمي : مفاتيح العلوم ص ٤٧. ابن الاثير: المثل السائر ۸۸/۱ الجرجاني: التعريفات ص ۱۳.
الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الاسلوب على نطاق واسع.
واكثر الامام من الاستعارة في خطبه له يصف اصحاب القبور اذ يقول «سلكوا في بطون البرزخ سبيلاً سلطت الارض عليهم فيه، فاكلت من لحومهم، وشربت من دمائهم فاصبحوا في فجوات قبورهم جماداً لا ينمون، وضماراً لا يوجدون، لا يفزعهم ورود الاهوال، ولا يحزنهم تنكر الاحوال ولا يحفلون بالرواجف ولا يأذنون للقواصف، غيباً لا ينتظرون وشهوداً لا يحضرون، وانما كانوا جميعاً فتشتتوا، والافاً فافترقوا، وما عن طول عهدهم ولا بعد محلهم، عميت اخبارهم وصمت دیارهم، ولكنهم سقوا كأساً بدلتهم بالنطق خرساً، وبالسمع صمما، وبالحركات سكوناً، فكأنهم في ارتجال الصفة، صرعى سبات، جيران لا يتأنسون واحياء لا يتزاورون بليت بينهم عرا التعارف وانقطعت منهم اسباب الاخاء، فكلهم وحيداً وهم جميع وبجانب الهجر وهم اخلاء». (2)
قال ابن ابي الحديد: (هذه كلها استعارات لطيفة مستحسنة). فأشارته
للبرزخ أي الحاجز ويجوز ان يقصد به القبر لانه حجز بين الميت واهل الدنيا ويجوز أن يقصد به الوقت الذي بين حال الموتى الى حال النشور. ولفظتا (اكلت الارض من لحومهم وشربت من دمائهم). مستعارتان والمقصود بالفجوة أي الفرجة المتسعة بين الشيئين. (وجماداً لا ينمون) أي خرجوا عن صورة الحيوانية الى صورة الجماد الذي لا ينمى ولا يزيد وقوله : (لا يحفلون بالرواجف) أي لا يكترثون بالزلازل، وقوله: (ولا يأذنون للقواصف) أي لا يسمعون الاصوات الشديدة، وقوله: (غيباً لا ينتظرون) أي شهود في الصورة وغير حاضرين في المعنى، وقوله: (وبالسمع صمما) أي لم يسمعوا فيها نداء المنادي ولا نوح النائح او لم يسمع في قبورهم في قبورهم صوت منهم. وقوله: (كانهم صرعى سبات) وهو النوم حيث لا فرق في الصورة بين الميت حال موته، والنائم المسبوق). (1)
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وبادروا للموت وغمراته وامهدوا له قبل حلوله» فامهدوا له اتخذوا مهاداً وهو الفراش (2).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وانا اطمع ان تلتحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشوا الى ضوئي». شبه به (عَلَيهِ السَّلَامُ)من يلتحق به من اهل الشام بمن يعشوا ليلا الى النار، وذلك لان بصائرهم ضعيفة، فهم من الاهتداء بهداه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كمن يعشو ببصر ضعيف الى النار في الليل. (3)
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخفافيش: «يقبضها الضياء الباسط لكل شيء، ويبسطها الظلام القابض لكل حي، وكيف عشيت أعينها من أن تستمد من الشمس المضيئة نوراً تهتدي به في مذاهبها، وتتصل بعلانية برهان الشمس الى معارفها، وردعها بتلؤلؤ ضيائها، عن المضي في سبحات اشراقها». فعبارة (و تتصل بعلانية برهان
الشمس) كلام جيد في مذاهب الاستعارة. (1)
قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «من احد سنان الغضب الله قوي على قتل اشداء الباطل» وهذه الكلمة تتضمن استعارة تدل على الفصاحة. (3)
وقوله في الخطبة اعلاه: «وانت الله لم تتناه في العقول فتكون في مهب فکرها مكيفا». فعبارة مهب فكرها استعارة حسنة. (5)
قال ابن أبي الحديد في نهاية شرحه لهذه الخطبة: (لما تأمل العلماء شعر امرء القيس وجدوا فيه من الاستعارة بيتا أو بيتين نحو قوله يصف الليل :
فقلت له لما تمطى بصلبه ***واردف اعجازاً وناء بكلكل
وقوله:
وان يك قد ساءتك مني خليقة*** فسلی ثیابی من ثيابك تنسلی
ولم ينشدوا مثل ذلك في اشعار الجاهلية، حكموا له بأنه امام الشعراء
ورئيسهم، وهذا الفصل من كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد اشتمل من الاستعارة العجيبة، وغيرها من ابواب البديع على ما لو كان موجوداً في ديوان شاعر مكثر او مترسل مكثر لكان مستحق التقديم بذلك. ألا تراه كيف وصف الامواج بأنها مستفحلة وأنها ترغو رغاء فحول الابل، ثم جعل الماء جماحاً، ثم وصفه بالخضوع وجعل للارض كلكلا، وجعلها واطئة الماء به، ووصف الماء بالذل والاستخذاء لما جعل الارض متمعكة عليه كما يتمعك الحمار او الفرس وجعل لها كواهل، وجعل للذل حكمة وجعل الماء في حكمه الذل منقاداً أسيراً وساجياً مقهوراً، وجعل الماء قد كان ذا نخوة وبأو واعتلاء فردته الارض خاضعاً مسكيناً، وطأطأت من شموخ انفه وسمو غلوائه وجعلها كأعمة له، وجعل الماء ذاكظة بامتلائه، كما تعتري الكظة المستكثر من الاكل، ثم جعله ها مداً بعد ان كانت له نزقات ولا بدا بعد ان كانت له وثبات، ثم جعل الارض اكتافاً وعرانين وانوفاً وخياشيم، ثم نفى النوم عن وميض البرق وجعل الجنوب مادية درد السحاب، ثم جعل للسحاب صدراً وبوانا، ثم جعل الارض مبتهجة مسرورة مزدهاه، وجعل لها ريطاً من لباس الزهور وسموطاً تحلى بها) (1).
واردف ابن ابی الحديد قائلاً: (فيا لله وللعجب من قوم زعموا ان الكلام انما يفضل بعضه بعضا لاشتماله على امثال هذه الصنعة فاذا وجدوا في مائة مائة ورقة كلمتين او ثلاثاً منها، اقاموا القيامة ونفخوا في الصور وملئوا الصحف بالاستحسان لذلك والاستطراف ثم يمرون على هذا الكلام المشحون كله بهذه الصنعة على الطف وجه وارصع وجه، وارشق عبارة وادق معنى واحسن مقصد ثم يحملهم الهوى والعصبية على السكوت عن تفضيله اذا اجملوا واحسنوا ولم يتعصبوا لتفضيل غيره عليه على انه لا عجب فانه كلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحظ الكلام حظ
1) الشرح: ٤٥١/٦ - ٤٥٢.
المتكلم وأشبه امرؤا بعض بزه (1)). (2)
ثانياً: التجنيس :
هو ان يتفق اللفظ ويختلف المعنى ولا يكون احدهما حقيقة والاخر مجازاً، بل يكونان حقيقيين، وهو سبعة أقسام.
منها التجنيس الحقيقي ويسمى (الجناس التام) وهو الذي تتساوى حروف الفاظه في تركيبها ووزنها كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) (4). (5)
ومما ورد من هذا النوع في كلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقوله: «فالبصير منها علي شاخص والاعمى اليها شاخص». فهو من مستحسن التجنيس فالشاخص الاول الراحل والشاخص الثاني من شخص بصره بالفتح اذا فتح عينيه نحو الشيء مقابلا له، وجعل لا يطرق. (6)اما الاقسام السنة الاخرى فهي من متشابه التجنيس ولم
اجد لها نماذجاً في شرح ابن ابي الحديد الكلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
ثالثاً : البديع:
المطابقة بين المعاني وهو الجمع بين الشيء و وضده كالسواد والبياض والليل والنهار واسماه ابن الاثير مقابلة لانه لا يخلو الحال فيه من وجهين اما يقابل الشيء بضده أو يقابل بما ليس ضده. والاول مقابلة الشيء بضده كالسواد والبياض ينقسم الى قسمين، أحدهما مقابلة في اللفظ والمعنى والآخر مقابلة في المعنى دون اللفظ. فمثال المقابلة في اللفظ والمعنى قوله تعالى (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا) (2)وقول الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ان الحق ثقيل مري، والباطل خفيف وبي وانت رجل ان صدقت سخطت وان كذبت رضيت». فقابل الحق بالباطل والثقيل المري بالخفيف الوبي والصدق بالكذب والسخط بالرضا، وهذه خمسة مقابلات في هذه الكلمات القصار (3)وكذلك قوله الالها للخوارج: «كلمة حق يراد بها باطل» (4)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة الغراء: «الحمد لله الذي علا بحوله ودنا بطوله مانح كل غنيمة وفضل وكاشف كل عظيمة وازل احمده على عواطف كرمه و سوابغ نعمه و او من به اولا بادیا، و استهديه قريباً هاديا واستعينه قاهراً قادرا واتوكل عليه كافياً ناصرا». (5)
هذه الخطبة التي اعتبرها الشريف الرضي من خطب الامام العجيبة فيها ضروب من البديع، فمنها أن لفظة (دنا) في مقابلة (علا) لفظا ومعنى، وكذلك (حوله) و (طوله) ووجه المقابلة بين الحول والطول، لان الحول هو القوة و
مشعرة بالسطوة والقهر ومنه منشأ الانتقام، والطول الافضال والتكرم وهو نقيض الانتقام والبطش، ومنها ان (مانحا) في وزن (كاشف) و (غنيمة) بازاء (عظيمة) في اللفظ، وضدها في المعنى، وكذلك (فضل) و (ازل) ومنها ان عواطف) بازاء (سوابغ) و (نعمة) بازاء (كرمه). ومنها وهو الطف ما يستعمله ارباب هذه الصناعة. انه جعل قريباً هادياً مع قوله (استهديته) لان الدليل القريب منك اجدر بان يهديك من البعيد النازح، ولم يجعله مع قوله (واستعينه) وجعل مع الاستعانة (قاهراً قادراً) لان القادر القاهر يليق ان يستعان ويستخدم به ولم يجعله قادراً قاهراً مع التوكل عليه، وجعل مع التوكل (كافياً ناصراً) لان الكافي الناصر اهل لان يتوكل عليه(1).
وفي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اتقوا الله تقاة من شمر تجريداً، وجد تشميرا» فلو قال: (وجرد تشميرا) لكان قد اتى بنوع مشهور من انواع البديع لكنه لم يحفل بذلك، وجرى على مقتضى طبعه من البلاغة الخالية من التكلف والتصنع. (2)
واشتملت خطبته الرقم ٢٣٦ على الكثير من صناعة البديع الرائقة المستحسنة البريئة من التكلف ما لا يخفى (3).
ومن انواع البديع (لزوم ما لا يلزم) وهو من اشق هذه الصناعة مذهباً، وابعدها مسلكاً، وذلك لان مؤلفه يلتزم ما لا يلزم فان اللازم في هذا الموضع وما جرى مجراه انما هو للسجع الذي هو تساوي اجزاء الفواصل من الكلام المنثور قوافيها، وهذا فيه زيادة على ذلك وهو ان تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفاً واحداً. (4)
وفي ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «احمده استتماما لنعمته... فانه ارجح ما وزن وافضل ما خزن» فلفظتي وزن وخزن بلزوم الزاي من باب لزوم ما لا يلزم (1).
ويخلص ابن ابي الحديد للقول على ان فن البديع لا يوجد منه في كلام غير الامام ممن تقدمه الا الفاظاً يسيرة غير مقصودة، ولكنها واقعة بالاتفاق كما وقع التجنيس في القرآن العزيز اتفاقاً غير مقصود كقوله تعالى: (يا اسفا على يوسف) (2)وقوله تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان) (3)على انها ليست مقابلة في المعنى بل في اللفظ فقط (4).
ويقول باحث معاصر عن موقف ابن ابي الحديد من البديع عند الامام علي: (يبدو ان موقفه من الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جعله امام ارباب صنعه البديع، موقف نقدی انفرد به عمن سبقه من النقاد) (5).
رابعاً: الكناية :
هي من اقسام المجاز، وهي ابدال لفظة عرض في النطق بها مانع بلفظة لا مانع من النطق بها (6)كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخوارج «أنهم نطف في اصلاب الرجال وقرارات النساء» فانه لما وجد الناس قد تواضعوا على استهجان لفظة (ارحام النساء) استخدم لفظة قرارات النساء كناية عن الارحام. (7)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فالتمسوا
ذلك عند اهله» كناية عن نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيراً ما يسلك هذا المسلك ويعرض هذا التعريض وهو الصادق الامين العارف بالاسرار الالهية (1)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «احمده استتماماً لنعمته، واستسلاماً لعزته واستعصاماً من معصيته» فالفاظ (استتماماً، استسلاماً، استعصاماً) من لطيف الكناية وبديعها، فسبحان من خصه بالفضائل التي لا تنتهي السنة الفصحاء الى وصفها، وجعله امام كل ذي علم وقدوة كل صاحب خصيصة. (2)
خامساً: الاعتراض
هو كل كلام ادخل فيه لفظ مفرد أو مركب لو سقط لبقي الاول على حاله. (3)كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الا وفي غداً ـ وسيأتي غد بما لا تعرفون ـ يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوي اعمالها». فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (الا وفي غد) تمامه (يأخذ الوالي). وبين الكلام جملة اعتراضية وهي قوله (وسيأتى غد بما لا تعرفون) والمراد تعظيم شأن الغد الموعود بمجيئه (4).
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يتنافسون في دنيا دنية، ويتكالبون على جيفة مريحة، وعن قليل يتبرأ التابع من المتبوع، والقائد من المقود، فيتزايلون بالبغضاء، ويتلاعنون عند اللقاء، ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف، والقاصمة الزحوف...»(5).
لما ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) تنافس الناس على الجيفة المنتنة وهي الدنيا، اراد ان يقول بعدها بلا فصل (ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف) لكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما تعجب من
تزاحم الناس وتكالبهم على تلك الجيفة، اراد ان يؤكد ذلك التعجب، فجاء بجملة اعتراضية بين الكلاميين لتأكيد معنى تعجبهم منهم، فقال: انهم على ما قد ذكرنا من تكالبهم عليها، عن قليل يتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضا، وذلك ادعى لهم لو كانوا يعقلون - الى ان يتركوا التكالب والتهارش على هذه الجيفة الخسيسة، ثم عاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى نظام الكلام فقال: (ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف). (1)
سادساً: التخلص :
هو ان يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني، فبينما هو فيه اذ اخذ في معنی اخر غيره، وجعل الاول سبباً اليه فيكون بعضه آخذ برقاب بعض من غير ان يقطع كلامه ويستأنف كلاماً آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما افرغ افراغاً. وذلك مما يدل على حذق الشاعر وقوة تصرفه من اجل ان نطاق الكلام يضيف عليه، ويكون متبعاً للوزن والقافية، فلا تواتيه الالفاظ على حسب ارادته واما الناثر فهو مطلق العنان يمضي حيث شاء، فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر من الناثر (2).
ومما جاء في كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله في ذكر ملك الموت: «هل يحس به اذا دخل منزلاً، ام هل تراه اذا توفى احداً ! بل كيف يتوفى الجنين في بطن امه ايلج عليه من بعض جوارحها، أم الروح اجابته باذن ربها ام هو ساكن معه في احشائها !». (3)
ثم خرج (عَلَيهِ السَّلَامُ) لامر آخر اعظم واشرف مما ابتدأ به، فقال: «كيف يصف الهه
من يعجز عن وصف مخلوقاً مثله!». والى هذا الغرض كان يترامى واياه كان يقصد وانما مهد حديث الملك والجنين توطئة لهذا المعنى الشريف، والسر الدقيق. (1)
سابعاً : الالتفات
هو الانتقال في الكلام من صيغة الي صيغة كانتقال من خطاب حاضر الى غائب، أو من خطاب غائب الى حاضر او من فعل ماضي الى مستقبل او من مستقبل الى ماضي، ويسمي (شجاعة عربية) لان الشجاعة هي الاقدام والرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، وكذلك الالتفات في الكلام فان اللغة العربية تختص به دون باقي اللغات (2).
ومما ورد في كلام الامام قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): في توحيد الله تعالي: «كل شيء خاشع له، وكل شيء قائم به غنى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، من تكلم سمع نطقه، ومن سكت علم سره، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فعليه منقلبه» ثم انتقل من اسلوب الغيبية الى اسلوب الخطاب، فقال: «لم ترك العيون، فتخبر عنك، بل كنت قبل الواصفين من خلقك». (3)
ثامنا: باب حسن التوصيل بایراد كلام غير مزعج :
عوضا عن لفظ يتضمن جبها وتفريعا، كقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاصحابه: «وقدرأيت جولتكم، وانحيازكم عن صفوفكم» فمراد الامام من جولتكم أي هزيمتكم
فاجمل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اللفظ وكنى عن اللفظ المنفر، عادلا عنه الى لفظ لا تنفير فيه وكذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «و انحيازكم عن صفوفكم» كناية عن الهرب أيضا، وهو مأخوذ من قوله تعالى: (إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ (1)). (2)
تاسعاً: الاستدراج :
هو استمالة واستدراج المقابل الى الاذعان والتسليم، ويرى ابن الاثير ان مدار البلاغة كلها عليه لانه لا انتفاع بايراد الالفاظ المليحة الرائقة، ولا المعاني اللطيفة الدقيقة، دون أن تكون مجلية لبلوغ غرض المخاطب بها. (3)
ومثال ذلك قول الامام لابن عباس لما أرسله للزبير: «يقول لك ابن خالك عرفتني بالحجاز، وانكرتني بالعراق» وهو لطيف جدا من باب الاستمالة والاذكار بالنسب والرحم (4).
عاشرا: السجع :
هو تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد، مثل (الغريب القريب، النسيب)، (5)وقد جاء السجع في كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كقوله: «وفرض عليكم حج بيته الحرام، الذي جعله قبلة للانام، يردونه ورود الانعام ويولهون اليه وله الحمام، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته، واذعانهم لعزته، واختار خلقه سماعاً اجابوا اليه دعوته، وصدقوا كلمته ووقفوا مواقف أنبيائه،
من وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه، ويحرزون الارباح في متجر عبادته
ويتبادرون اليه موعد مغفرته، جعله سبحانه وتعالى للاسلام علما، وللعائدين حرما، وفرض حقه، وأوجب حجه، وكتب عليكم وفادته». (1)
تجدر الاشارة الى ان هناك من عاب السجع، (2)لان الخطب الخالية منه برأيهم هي المستحسنة والخالية من التكلف وهي خطب العرب كخطبة النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) في حجة الوداع. ولكن اذا كان السجع عيبا لكان الله (القرآن) معيبا لانه مسجوع كله ذو قرائن وفواصل، ويكفي هذا دليلا في بطلان ما ذهب اليه هؤلاء، وكذلك فان خطب الرسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) اكثرها مسجوع، كقوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) «ان مع العز ذلا، وان مـع الحياة موتا، وان مع الدنيا اخرة، وان لكل شيء حسابا، ولكل حسنة ثوابا ولكل سيئة عقابا، وان على كل شىء رقيبا، وانه لابد من قرين يدفن معك هو حي وانت ميت، فان كان كريما أكرمك، وان كان لئيما أسلمك ثم لا يحشر الا معك، ولا تبعث الامعه ولا تسأل الا عنه، فلا تجعله الا صالحا، فانه ان صلح انست به وان فسد لم تستوحش الا منه وهو عملك». (3)
فالملاحظ ان كلام النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) اعلاه اکثره مسجوع، اما بالنسبة الي السجع المذموم من التكلف فهو الذي تظهر سماجته وثقله للسامعين، في حين لا عيب في التكلف المستحسن، فالملاحظ ان الشعر لا بد فيه من تكلف اقامة الوزن، وليس يوجد من يطعن في ذلك. وكان مما احتج به عائبو السجع قوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : «اسجعا كسجع الكهان» فقالوا: لولا ان السجع منكر لما انكر (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) سجع الكهان وامثاله والواقع انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) انكر سجع الكهان لا مطلق السجع، وكان (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) قد ابطل الكهانة والتنجيم والسحر، ونهى عنها، ولو كان (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) انكر السجع مطلقا لما قاله كما هو
واضح في خطبته اعلاه. (1)
حادي عشر: الموازنة :
وهي ان تكون الفاظ الفواصل من الكلام المنثور، متساوية في الوزن وان يكون صدر البيت الشعري وعجزه متساوي الالفاظ وزنا والموازنة اخت السجع في المعادلة دون المماثلة، لان في السجع اعتدالا وزيادة على الاعتدال وهي تماثل اجزاة الفواصل لورودها على حرف واحد واما الموازنة ففيها الاعتدال الموجود في السجع، ولا تماثل في فواصلها، فيقال اذا: «كل سجع موازنة وليس كل موازنة سجعا» وعلى هذا فالسجع اخص من الموازنة. (2)والموازنة مطلوبة في الكلام الذي يقصد فيه الفصاحة لاجل الاعتدال الذي هو مطلوب الطبع في جميع الاشياء. (3)
ومثال الموازنة في القرآن قوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (4)وقوله : (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا * أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا * فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (5)) (6).
اما في كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ففي الخطبة رقم (٤٥) جاء بالفاظ (غیر منقوط) موازنا بلفظه (ولا مخلو) فكل واحدة منهما على وزن مفعول ولفظة (ولا ميأوس) علي وزن مفعول، لكنه في الفقرة الرابعة لم يمكنه من الاتيان بلفظه ما امكنه في
الاولى فجاء بلفظه (ولا مستنكف) على وزن مستفعل وهو وان كان خارجا عن الوزن، لكنه غير خارج عن المفعولية لان (مستفعل) مفعول في الحقيقة، كقولك: (زید مستحسن) ثم وازن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين قوله (لا تبرح) وقوله (لا تفقد) وبين (رحمة) و (نعمة) فاعطت هذه الموازنات الكلام من الطلاوة والصنعة ما لا نجده عليه لو قال: «الحمد لله غير مخلو من نعمته، ولا مبعد من رحمته» لان (مبعد) بوزن (مفعل) وهو غير مطابق، ولا مماثل لمفعول، بل هو بناء اخر، وكذلك لو قال: (لا تزول منه رحمة) فان (تزول) ليست في المماثلة والموازنة لـ(تفقد) ك(تبرح) حيث انها معتلة وتلك صحيحة! وكذلك لو قال: (لا تبرح منه رحمة ولا يفقد له انعام) فان (انعام) ليس في وزن (رحمة). (1)
ثاني عشر: التقسيم:
هو ما يقتضيه المعني مما يمكن وجوده من غير ان يترك منها قسم واحد واذا ذكرت قام كل قسم منها بنفسه. ولم يشارك غيره، فتارة يكون التقسيم بلفظة (اما) وتارة بلفظة (بين) كقولنا: (بين كذا وكذا) وتارة بلفظ (منهم) كقولنا (كذا ومنهم كذا) وتارة بان يذكر العدد المراد اولا بالذكر ثم يقسم، كقولنا (فانشعب القوم شعبا اربعا، فشعبة ذهبت يمينا وشعبة ذهبت شمالا وشعبة وقفت بمكانها، وشعبة رجعت الى ورائها) ومما جاء في القرآن من التقسيم (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) (2). (3)
مما جاء في كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله: «طبيب دوار بطبه قد احكم مراهمه واحمي مراسمه، يضع ذلك حيث الحاجة اليه من قلوب عمي، واذان صم، والسنة بكم متتبع بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحيرة».
وهذا التقسيم صحيح حاصر، لان الضلال ومخالفة الحق يكون بثلاثة أمور: اما بجهل القلب أو بعدم سماع المواعظ والحجج، او بالامساك عن شهادة التوحيد وتلاوة الذكر، فهذه الضلال (1).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكر ملك الموت وكيفية قبضه لروح الجنين في بطن امه : «ايلج عليه من بعض جوارحها أم الروح اجابته باذن ربها، ام هو ساكن معه في احشائها».
وهذا التقسيم حاصر لأنه مع فرضنا اياه جسما يقبض الارواح التي في الاجسام، اما ان يكون مع الجنين في جوف امه لقبض روحه عند حضور اجله او خارجا عنها، والقسم الثاني ينقسم قسمين أحدهما ان يلج جوف امه لقبض روحه فيقبضها والثاني ان يقبضها من غير حاجة الى الولوج الى جوفها. وذلك بان تعطيه الروح وتكون مسخرة اذا اراد قبضها امتدت إليه فقبضها. وهذه القسمة لا يمكن الزيادة عليها، ولو قسمها واضع المنطق لما زاد. (2)
ثالث عشر التكرار :
هو دلالة اللفظ على المعنى مرددا وينقسم الى قسمين يوجد في اللفظ والمعنى، كقولك لمن تستدعيه (اسرع اسرع) والثاني يوجد في المعنى دون اللفظ كقولك (اطعني ولا تعصني) فان الامر بالطاعة نهي عن المعصية فحصل التكرار (3).
وقد اشتبه ذلك على البعض وتصوروا انه اطناب او تطويل (1)كما أُخذ على الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكره كلمة الاجل مرتين، والملاحظ انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعمل هذه اللفظة في موضعين مختلفين المعنى، فقوله (استقربوا الاجل) يعني المدة وقوله: (فلاحظوا الاجل) يعني الموت. (2)
رابع عشر الامثال:
المثل هو الشبه، لان المثل يقارن بين الحادثة موضع الكلام وبين الحادثة التي ضرب من أجلها المثل. (3)
اشار ابن أبي الحديد ان الامام عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) سبق لاختراع ثلاثة امثال وان كان قد سبق بمعناها، وهي قوله: «لا تجتمع عزيمة ووليمة» و«ما انقض النوم لعزائم اليوم» «أمحى الظلم لتذاكير الهمم». (4)
اورد الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الغريب (5)من الافاظ في كلماته ولما كان الشريف الرضي لم يورد الا القليل (6)فآثر ابن ابي الحديد ان ينقل ما اثر من غريب كلام الامام من المصنفات السابقة للشريف الرضي ككتاب غريت الحديثين لابي عبيد القاسم بن سلام (7)وكتاب غريب الحديث لا بن قتيبة. (8)فعلى سبيل المثال قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «والله لا أكون كالضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد» والدم صوت الحجر (9)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):
1) ابن الأثير : المثل السائر ٧/٣.
2) الشرح : ٢٥٥/٧.
3) ابن الرشيق العمدة ۲۷۷/۱ - ۲۸۶.
4) الشرح: ١٤٣/١١.
5) كون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال. الجرجاني التعريفات ص ٨٦.
6) نهج البلاغة ٥١٧ - ٥٢٠. الشرح: ۱۱۷/۱۹.
7) غريب الحديثين: ١٢٩/٢ - ١٥٩.
8) غريب الحديث: ٨٨/٢-١٥١.
9) الشرح: ۱۱۷/۱۹. وانظر أبو عبيد : غريب الحديثين: ۱۳۰/۲.
«لاجمعة ولا تشريق الا في مصر جامع». ولا تشرق صلاة العيد لانها بعد شروق الشمس. (1)
وقد حفل كلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكثير من المواعظ (2)الزهدية والزجــوار الدينية، ففي شرحه للخطبة رقم (٢١٦) قال ابن ابي الحديد: «هذا موضع المثل - ملعا يا ظليم والا فالتخوية (3)ـ من اراد ان يعظ ويخوف، ويقرع صفاة القلب ويعرف الناس قدر الدنيا وتصرفها باهلها، فليأت بمثل هذه الموعظة في مثل هدا الكلام الفصيح والا فليمسك، فان السكوت استر والعي خير من منطق يفضح صاحبه، ومن تأمل هذا الفصل علم صدق معاوية في قوله فيه: (والله ما سن الفصاحة لقريش غيره) وينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس وتلي عليهم ان يسجدوا كما سجد الشعراء لقول عدي بن الرقاع قلم اصاب من الدواة مدادها» (4).
فلما قيل لهم في ذلك قالوا: «انا نعرف مواضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن».(5)
وقال ايضا: «واقسم بمن تقسم به الامم كلها، لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة والى الان اكثر من الف مرة، ما قرأتها قط الا واحدثت عندي روعة وخوفا وعظة، واثرت في قلبي وجيبا، وفي اعضائي رعدة، ولا تأملتها الا وذكرت الموت من اهلي واقاربي وارباب ودي وخيلت في نفسي اني انا ذلك الشخص الذي وصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) حاله». (6)
واردف قائلا: «وكم قد قال الواعظون والخطباء والفصحاء في هذا المعنى! وكم وقفت على ما قالوه وتكرر وقوفي عليه فلم اجد لشيء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي، فاما ان يكون ذلك لعقيدتي في قائله او كانت نية القائل صالحة ويقينه كان ثابتا واخلاصه كان محضا خالصا، فكان تأثير قوله في النفوس اعظم، و سریان موعظته في القوب ابلغ». (1)
ولما قرأ ابن ابي الحديد ـ في ايام صباه - وصية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لولده الحسن على ابن الفرج محمد بن عباد (2)حيث كان ابن ابي الحديد يحفظها، وقد تضمنت من المواعظ فلما وصل الى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «رويدا يسفر الظلام كأن قد وردت الاضعان! يوشك من اسرع ان يلحق!» فصاح ابو الفرج صيحة شديدة وسقط، وكان جبارا قاسي القلب. (3)
واستنكر ابن ابي الحديد شغف الناس في المواعظ بابن الشخباء العسقلاني (4)وهو كاتب محدث اورد له ابن ابي الحديد احسن ما وجده له «ليعلم الفرق بين الكلام الاصيل والمولد) وعلق قائلا: (هذه احسن خطبة خطبها هذا الكاتب وهي كما تراها ظاهرة التكلف بينة التوحيد، تخطب على نفسها» (5).
اذن فرجل الوعظ المسلم الذي يريد ان يكون واسع الافاق محتاج الى نهج البلاغة وان لم يفعل فانه ظلام لنفسه قليل الاحترام لعقله. (6)
في الواقع ان كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوارد في النهج ما هو الا شيء قليل جمعه الشريف
الرضي لانه كان يقصد الى النادر من الفصيح من كلام الامام واورد كل كلامه لجاء اضعاف كتاب النهج، (1)وقد اشار البحراني احد شراح النهج: «قال قطب الدين الراوندي (رَحمهُ اللّه) : سمعت بعض العلماء بالحجاز يقول اني وجدت بمصر مجموعا من كلام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نيف وعشرين مجلدا» (2).
لذا حاول ابن ابي الحديد ان يجمع ما استطاع من كلام الامام وخطبه وقصار كلماته في ثنايا شرحه للنهج وفي ختامه للشرح قال : (ونحن الان ذاكرون ما لم يذكره الرضي مما نسبه قوم اليه، فبعضه مشهور عنه، وبعضه ليس بذلك المشهور لكنه قد روي عنه وعزي اليه، وبعضه من كلام غيره من الحكماء، ولكنه كالنظير لكلامه والمضارع لحكمته، ولما كان ذلك متضمنا فنونا من الحكمة نافعة رأينا الا نخلي هذا الكتاب منه لانه كالتكملة والتتمة لكتاب نهج البلاغة وقد عددنا ذلك كله فوجدناه الف كلمة) لكنه اورد ۹۹۸ فقط. (3)
ان هذه الفصاحة اصبحت موضع استشهاد و اقتباس الاخرين لاشتقاق كلام اخر منها، فقد أورد المبرد خطبه لاعرابي هي في الواقع من خطب الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان هذا الاعرابي يحفظها. (4)واقتبس زياد بن ابيه والحجاج بن يوسف من الفاظ الامام في خطبه (5)واخذ عبد الله بن الزبير قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لوددت والله ان معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم». فقال ابن الزبير على هذا المنوال: (فو الله لوددت ان لي بكل عشرة من اهل العراق واحدا من اهل الشام صرف الدينار بالدراهم). (6)واقتبس من كلامه أيضا «اطرح عنك واردت الهم بحسن
الصبر وكرم العزاء» فقال ابن الزبير لما بلغه مقتل مصعب : (لقد جاءنا من العراق خبر احزننا وأسرنا، جاءنا خبر مقتل مصعب فاما سرورنا فلان ذلك كان له شهادة وكان لنا ان شاء الله خيره، واما الحزن فلوعه يجدها الحميم عند فراقه حميمه ثم يرعوي بعدها ذوي الرأي الى حسن الصبر وكرم العزاء). (1)
واخذ الفرزدق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وصار دين احدكم لعقة على لسانه» فقال للامام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) «اما قلوبهم فمعك واما سيوفهم فعليك، والدين لعقة على السنتهم، فاذا محصوا قل الديانون» (2).
واخذ يزيد بن المهلب (3)لفظ الامام: «اعر الله جمجمتك» فقال: «اعيروني سواعدكم ساعة». (4)ونظر الحسن البصري الى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن». فقال في مولود له: «لا مرحباً بمن ان كان غنياً فتنتي وان كان فقيراً أحزنني، وان عاش كدني، وان مات هدنى» (5)واخذ ايضاً قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ولا تسخط الله برضا احد من خلقه، فان في الله خلقاً من غيره، وليس من الله خلق في غيره». فقال لعمر بن هبيرة (6)امير العراق: «ان الله مانعك من يزيد، ولم يمنعك يزيد من الله» (7).
1) الشرح : ١١٧/١٦.
2) الشرح : ٢٤٩/٧.
3) هو أحد الامراء الامويون في العراق والمشرق، ولكنه بعد ذلك ثار على يزيد بن عبدالملك وقتل في حروبة مع مسلمة بن عبد الملك سنة ١٠٢هـ الشرح ١٤٤/٤ - ٢٢٥. انظر: اليعقوبي: تاريخ 3 / ٤٤. الطبري: تاريخ ٣٢٥/٦ - ٦٠٤ صفحات متفرقة.
4) الشرح ٢٤٢/١.
5) الشرح ٢٣٩/٦.
6) هو احد الامراء الاسويون، تولى العراق وخراسان والجزيرة. توفي سنة ١١٠هـ انظر: الطبري: تاريخ ٢٩٦/٦ – ٩، ٥٢٣ – 622، 7 / 10 – 40.
7) الشرح 15 / 167 – 168.
واخذ الخليفة الاموي الوليد بن يزيد بن عبد الملك: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «على اثر الماضي من يمضي الباقي» فقال بعد موت مسلمة بن عبدالملك: «ان عقبي من بقي لحوق من مضى، وقد افتقد بعد مسلمة الصيد لمن رمى واختل الثغر فوهى، وارتج الطود فهوى وعلى اثر من سلف ما يمضي من خلف، فتزودوا فان خير الزاد التقوى». (1)
ومن دعائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «اللهم انا نشكو اليك غيبة نبينا، وكثرة عدونا وتشتت أهواءنا». اخذه سدیف مولی ابو جعفر المنصور فقال: «اللهم انا نشكو اليك غيبة نبينا، وتشتت اهوائنا وما شملنا من زيغ الفتن واستولى علينا من غشوة الحيرة حتى عاد فيئنا دوله بعد القسمة». وقد وجد ابن ابي الحديد هذا الدعاء منسوباً الى علي بن الحسين زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، (2)ولعله من كلامه وكان سديف يدعو به (3).
و من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا مرحباً بوجوه لا ترى الا عند كل سوءة» اخذه المستعين بالله فقال لما دخل عليه ابن ابي الشوارب القاضي ومعه الشهود ليشهدوا عليه انه قد خلع نفسه من الخلافة وبايع للمعتز فقال: «لا مرحباً بهذه الوجوه التي لاترى الايوم سوء». (4)
وأشهر من اقتبس من كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخطيب عبد الرحيم بن نباته الذي قال: «حفظت من الخطابة كنزاً لا يزيده الانفاق الاسعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن ابي طالب» (5)وقد اخذ من خطبة الامام رقم (٢٣٦) الكثير من الفاظها، وأودعها خطبة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «شديد كلبها عال لجبها، ساطع لهبها، متغيظ زفيرها، متأجج سعيرها، بعيد خمودها ذاك وقودها، مخوف وعيدها عم قرارها،
مظلمة اقطارها حامية قدورها فضيعة أمورها». فان هذه الالفاظ كلها قد اختطفها واغار عليها واغتصبها، وسمط فيها خطبه و شذر بها كلامه». (1)
واستفاد ابن نباته من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فلو مثلتهم بعقلك، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك». اخذه وقال: «فلو كشفتم عنهم اغطية الاحداث بعد ليلتين او ثلاث لوجدتم الاحداق على الخدود سائله والالوان من ضيق اللحود حائله وهو ام الارض في نواعم الابدان جائلة، والرؤوس الموسدة على الايمان زائلة ينكرها من كان لها عارفاً، ويفر عنها من لم يزل لها آلفاً». (2)كان ابن نباته ملازماً لسيف الدولة (3)لذا كثرت خطبه في الجهاد، وكانت مشابهة لخطب الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الا ان هناك فرقاً في بلاغة الامام عن ابن نباته فحينما أورد ابن ابي الحديد خطبة ابن نباته في الجهاد (4)علق قائلاً: هذه آخر خطبة ابن نباته، فانظر اليها والي خطبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعين الانصاف، تجدها بالنسبة اليها كمخنث الى فحل، او كسيف من رصاص بالاضافة الى سيف من حديد وانظر ما عليها من اثر التوليد، وشين التكليف، وفجاجة كثير من الالفاظ الا ترى الى فجاجة قوله: «كأن اسماعكم تمج ودائع الوعظ، وكأن قلوبكم بها استكبار على الحفظ». وكذلك ليس يخفى نزول قوله: «تندون من عدوكم نديد الابل وتدرعون له مدراع العجز والفشل». (5)
بالاضافة الى ان خطبة - ابن نباته - يغلب عليها التوليد والتكلف، فأن
1) الشرح ١١٤/١٣.
2) الشرح ١٦٢/١١.
3) هو الامير علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي الملقب بسيف الدولة (303 - ٣٥٦)، عرف بالشجاعة وكثرة وقائعه مع الروم البيزنطيين. انظر الثعالبي : يتميه الدهر ٥٦٣٧/١. ابن خلکان: وفيات الاعيان ١/٣-٤-٤٠٦.
4) الشرح ٨٢٨٠/٢، وقارن خطبته بخطبة للامام. الشرح ٧٤/٢ - ٥ الجاحظ: البيان والتبين 2 / 53 – 55.
5) الشرح ۸۲/۲.
الفاظها مسروقة من كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): (الا ترى الى قوله : «أما بعد فان الجهاد باب من أبواب الجنة». وقد سرقه ابن نباته فقال: فأن الجهاد اثبت قواعد الايمان واوسع ابواب الرضوان وارفع درجات الجنان. وقوله : «من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم». سرقه ايضاً، فقال: صرخ بهم الشيطان الى باطله فاجابوه، وندبكم الرحمان الى حقه فخالفتموه وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم... إلى آخره، سرقه ايضاً فقال: كم تسمعون الذكر فلا تعقلون وتقرعون بالزجر فلا تقلعون، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): حتى شنت عليكم الغارات وملكت عليكم الاوطان سرقه ايضاً وقال: وعدوكم يعمل في دياركم عمله، ويبلغ بتخلفكم عن جهاده امله». (1)
ثم أكد ابن ابي الحديد ان باقي خطب ابن نباته مسروقة ايضاً من خطب اخرى للامام ثم أوضح مقياساً للتمييز بين كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وغيره قائلاً: (نسبه شعر ابي تمام والبحتري وابي نؤاس و مسلم) (2)الى شعر امرؤ القيس والنابغة وزهير والعشى (3)هلا اذا تأملت اشعار هؤلاء واشعار هؤلاء، تجد نفسك حاكمة بتساوي القبيليين وبتفضيل ابي نؤاس واصحابه عليهم ؟ ما اظن ان ذلك مما تقوله انت ولا قاله غيرك، ولا يقوله الا من لا يعرف علم البيان وماهية الفصاحة، وكنه البلاغة، وفضيلة المطبوع على المصنوع، ومزية المتقدم على المتأخر، فاذا اقررت من نفسك بالفرق والفضل، وعرفت فضل الفاضل ونقص الناقص، فأعلم ان نسبة كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى هؤلاء هذه النسبة، بل أظهر، لانك تجد في شعر امرؤ القيس واصحابه من التعجرف والكلام الحوشي واللفظ الغريب المستكره شيئاً
كثيراً، ولا تجد من ذلك في كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيئاً، واكثر فساد الكلام ونزوله انما هو باستعمال ذلك» (1).
واضاف قائلاً: (فان شئت ان تزداد استبصارا فانظر الى القرآن العزيز وأعلم أن الناس قد اتفقوا على أنه في أعلى طبقات الفصاحة، تأملاً شافياً، وانظر الى ما خص به من مزية الفصاحة والبعد عن التقعير والتقعيب، (2)، والكلام الحوشي الغريب، وانظر كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فانك تجده مشتقاً من الفاظه، ومقتضباً من معانيه ومذاهبه، ومحذواً به حذوه ومسلوكاً به في منهاجه، فهو وان لم يكن نظيراً ولا نداً، يصلح ان يقال انه ليس بعده كلام افصح منه، ولا اجزل ولا اعلى ولا افخم ولا انبل، الا ان يكون كلام ابن عمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذه امر لا يعلمه الا من ثبتت له قدم راسخة في علم هذه الصناعة، وليس كل الناس يصلح لانتقاد الجوهر، بل ولا لانتقاد الذهب، ولكل صناعة اهل، ولكل عمل رجال ». (3)
ثم أورد ابن ابي الحديد خطبة اخرى لابن نباته في الجهاد واخذ يقارن بينها وبين خطب الامام داعياً القارىء للتامل حيث ان ابن نباته، وان كان قد اخذ من صناعة البديع بنصيب لكنه بالمقارنة مع بلاغة الامام نجد كلامه في حضيض الارض بينما كلام الامام في أوج السماء، فلو قورن ما جاء في استخدام ابن نباته لزوم ما لا يلزم الذي نجده فيه مقتدراً قوة كتابة نحو قوله "كنز" بازاء "حوز" و"عز" وقوله "مشاهدة " "بازاء" مجاهدة" و"مغالبة" بازاء "محاربة" و"حدوده" بازاء تشييده ". (4)
لكن هذا الكلام اذا قورن بكلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكون كدار مبنية من اللبن
والطين، مموهة الجدران بالنقوش والتصاوير مزخرفة بالذهب من فوق الجص والاسفيداج، قياساً الى دار مبنية بالصخر الاصم الصلد المسبوك بينه عمد الرصاص والنحاس المذاب، وهي مكشوفة غير مموهة ولا مزخرفة حيث بين هاتين الدارين بوناً بعيداً وفرقاً عظيماً، فقد اقتبس ابن نباته من كلام الامام عبارة «ما غزي قوم في عقر دارهم الا ذلوا»، فكانت هذه العبارة «تصيح من بين الخطبة صياحاً، وتنادي على نفسها نداءاً فصيحاً، وتعلم سامعها انها ليست من المعدن الذي خرج باقي الكلام منه، ولا من الخاطر الذي صدر ذلك السجع منه، ولعمر الله لقد جملت الخطبة وحسنتها وزانتها، وما مثلها فيها الاكآية من الكتاب العزيز يتمثل بها في رسالة أو خطبة فانها تكون كاللؤلؤة المضيئة تزهر وتنير وتقوم بنفسها وتكتسي الرسالة بها رونقاً، وتكتب بها ديباجة». (1)
واضاف واذا اردت تحقيق ذلك، فانظر الى السجعة الثانية التي تكلفها لیوانها، بها، وهي قول: «ولا قعدوا عن صوت ديارهم الا اضمحلوا» فانك اذا نظرت اليها وجدت عليها من التكلف والغثاثة ما يقوى عندك صدق ما قلته لك. (2)
على أن بعض من كلام ابن نباته ليس بجید «و حرز طهر الله به اجسادكم» فانه لا يقال في الحرز انه يطهر الاجسام، وكان الاليق أن يقول: «حصن الله بــه اجسامكم». ولكنه ذكر "ظهر" ليكون بازاء "وقر" و"اظهر" فاداة حب التقابل الى ما ليس بجيد. (3)
ولما كان ابن نباته الفائز بقصبات السبق من الخطباء في عصره فكان للناس غرام بخطبه، لذا آورد ابن ابي الحديد فصولاً من خطبه باعتباره الخطيب الذي وقع الاجماع على خطابته وحسنها، وان مواعظه الغاية التي ليس بعدها غاية. وبعد
ايراده لخطبة، قال ابن أبي الحديد: «فلينظر المنصف هذا الكلام، وما عليه من أثر التوليد، اولاً بالنسبة الى ذلك الكلام العربي المحض، ثم لينظر فيما عليه من الكسل والرخاوة، والفتور والبلادة حتى كان ذلك الكلام لعامر ابن الطفيل، مستلئماً شکته راكباً جواده، وهذا الكلام للدلال المديني المخنث (1)آخذ زمارته، متأبطأ دفه»(2)واضاف والمح ما في قوله «بوق الرحيل» من السفسفة واللفظ العامي الغث وأعلم انهم كلهم عابوا على أبي الطيب المتنبي قوله:
فان كان بعض الناس سيفاً لدولة*** ففي الناس بوقات لها وطبول (3)
وقالوا: لا تدخل لفظة «بوق» في كلام يفلح أبداً. والمح ما على قوله: «القهقري القهقري» متكررة من الهجنة واهجن منها (أم حبو كرى) واين هذا اللفظ الحوشي، الذي تفوح منه روائح الشيح والقيصوم وكأنه من اعرابي قح قد قدم من نجد لا يفهم محاورة أهل الحضر، ولا اهل الحضر يفهمون حواره؛ من هذه الخطبة اللينة الالفاظ التي تكاد ان تنثني من لينها، وتتساقط من ضعفها». (4)
«ثم المح هذه الفقرة والسجعات التي أولها «القرى» ثم «المرا» ثم « يفترى» ثم «الكرى» إلى قوله «عبرت لمن يرى» هل ترى تحت هذا الكلام معناً لطيفاً، أو مقصداً وشيقاً ؟ أو هل تجد اللفظ نفسه لفظاً جدلاً فصيحاً، أو عذباً معسولاً وانما هي الفاظ قد ضم بعضها إلى بعض والطائل تحتها قليل جداً. وتأمل لفظة «مرا» فانها محدودة في اللغة فان كان قصرها فقد ركب ضرورة مستهجنة وان اراد جمع مرية، فقد خرج من الصناعة، لأنه يكون قد عطف الجمع المفرد فيصير مثل قول القائل «ما اخذت منه ديناراً ولا دراهم» في انه ليس بالمستحسن في فن
البيان». (1)
وقال في وصفة كلاماً آخر لابن نباته فليتأمل أهل المعرفة بعلم لفصاحة والبيان هذا الكلام بعين الانصاف، يعلموا أن سطراً واحداً من كلام نهج البلاغة يساوي الف سطر منه، بل يزيد ويربى على ذلك، فان هذا الكلام ملزق عليه آثار كلفة، وهجنة ظاهرة يعرفها العامي فضلاً عن العالم. (2)
وقال أيضاً: هل يجد من يتصفح كلام ابن نباته هذا عذوبة أو معنى يمدح الكلام لاجله؟ وهل هو الا الفاظ مضموم بعضها لبعض ليس لها حاصل كما قيل في شعر ذي الرمة (3)، «بعر ضباء ونقط عروس» (4)ويخلص للقول «ان كلام ابن نباته يتميز بالركاكة والتكلف، ولو قاله خطيب من خطباء السواد لم يستحسن منه بل ترك واستر ذل». (5)
ولكن اليس مما يعاب عليه ان نوازن بين كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكلام ابن نباته، وما هذا الا بمنزلة القول: «السيف أمضى من العصا». وفي هذا غضاضة على السيف؟
وفي الواقع انه قد اشتملت كتب المتكلمين على المقايسة بين كلام الله تعالى وبين كلام البشر ليبينوا فضل القرآن، وزيادة فصاحته على فصاحة كــلام العرب، نحو مقايستهم بين قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (6). وبين قول القائل «القتل انفى للقتل». وبين قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ
1) الشرح ٢١٣/٧ - ٢١٤.
2) الشرح ٧ / ٢١٤.
3) هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي (۷۷ - ۸۷) احد الشعراء في العصر الاموي ابن قتيبة: الشعر والشعراء ٢ / ٤٣٧ - ٤٤٧. ابن خلكان وفيات الاعيان ١١/٤ - ١٧.
4) هو وصف جرير لشعر ذي الرمة. انظر ابن قتيبة الشعر والشعراء ٤٣٧/٢.
5) الشرح ٢١٥/٢.
6) سورة البقرة: الآية ۱۷۹.
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (1)وبين قول الشاعر:
فان عرضوا بالشعر قاصفح تكرما*** وان كتموا عنك الحديث فلا تسل (2)
وكذلك عند مقايسة كلام مسيلمة، واحمد بن سليمان المعري، وعبد الله بن المقفع بالقرآن الكريم لبيان انه لا يبلغ كلامهم درجة القرآن، ولا يقاربها. اذن فلا مانع من ذكر كلام ابن نباته مع كلام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لتظهر فضيلة كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بالنسبة إلى هذا الخطيب الفاضل الذي اتفق على انه اوحد عصره في فنه. وهذا أمر لا ينكر ولكن قوم من أهل العصبية والعناد، يزعمون ان كلامه يساوي كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويماثله، وقد ناظر بعضهم في ذلك فاحببت ان ابين للناس في هذا الكتاب انه لا نسبة لكلامه إلى كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانه بمنزلة شعر الابله (3)وابــن المعلم (4)مقارنة بشعر زهير والنابغة». (5)
ويخلص ابن أبي الحديد للقول: «أن معرفة الفصيح والافصح، والرشيق والارشق والحلو والاحلى، والعالي والاعلى من الكلام أمر لا يدرك الا بالذوق (6)، ولا يمكن اقامة الدلالة المنطقية عليه، وهو بمنزلة جاريتين: احدهما بيضاء مشربة بحمرة دقيقة الشفتين، نقية الثغر، كحلاء العينين اسيلة الخد، دقيقة الانف معتدلة القامة والاخرى دونها في هذه الصفات والمحاسن؛ ولكنها احلى في العيون والقلوب منها واليق واصلح، ولا يدرى لاي سبب كان ذلك، ولكنه
1) سورة آل عمران الآية ۱۹۹.
2) لم يتسن لي معرفة قائله.
3) هو محمد بن بختیار بن عبدالله احد شعراء بغداد ت ٥٧٩ هـ، وسمي بالابله لقوة ذكائه. القفطي: المحمدون مسن الشعراء ص ٢٣٥ - ٦. ابن خلكان: وفيات الاعيان ٤٦٣/٤ - ٥. الصفدي: الوافي ٢٤٢/٢ ابن تغري: النجوم الزاهرة ٩٥/٦.
4) هو محمد بن علي بن فارس الهرثي من شعراء واسط (۵۷ - ٥٩٢) ابن خلكان وفيات الاعيان ۹۵/۵ ابن تغري النجوم الزاهرة ١٠٤.١٠٢/٦.
5) الشرح ٢١٥/٧ - ۲۱٦.
6) عن معنى الذوق عند ابن أبي الحديد انظر : حامد الظالمي: ابن أبي الحديد ص ٧٢-٧٦.
بالذوق والمشاهدة يعرف ولا يمكن تعليله، وهكذا.الكلام. نعم يبقى الفرق بين الموضعين أن حسن الوجوه وملاحتها، وتفضيل بعضها على بعض يدركه كل من له عين صحيحة، واما الكلام فلا يعرفه الا اهل الذوق ليس كل من اشتغل بالنحو واللغة أو بالفقه كان من اهل الذوق، وممن يصلح لانتقاد الكلام وانما اهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان، وراضوا انفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر وصارت لهم بذلك دربه وملكه تامة (1)فللى أولئك ينبغي أن نرجع في معرفه الكلام وفضل بعضه على بعض ان كنت عادماً لذلك من نفسك» (2).
من خلال ما اشار اليه ابن أبي الحديد اعلاه يتضح انه ليس باستطاعة أي شخص ان يرجع النص إلى النصوص السابقة عليه، والتي أخذ منها اذ ان مثل هكذا شخص يجب ان يكون واسع المعرفة والاطلاع والحفظ، وامتلاك قابلية ذوق عاليه كي يكشف النصوص المعدلة، وهذا النوع من النقاد هو الذي يتمكن من كشف المصادر التي استعان بها مؤلفو النصوص دون الاشارة اليها، اذ كثيراً ما يسرق بعض المؤلفين نصوصاً كاملة دون التنبيه إلى مصدرها الاصلي ومعرفة هذه النصوص المسروقة من أهم ما يجب على الباحث معرفته لئلا يقع في خطأ الاستنتاج وان الانتباه لهذه النصوص المسروقة يعود اولاً للتطابق التام بين النصوص. ولكنه احياناً يسرق الثاني من الاول نصاً معيناً يحاول اخفاء هذه السرقة بتعديل أو تغيير الالفاظ في النص وقد لاحظنا ابن أبي الحديد قد قارن بين النصوص، واكد على وجود التناص الموجود بينهما، والتناص هو التقاطع والتعديل المتبادل بين وحدات عائدة لنصوص مختلفة وقد استخدم ابن الحديد عدة الفاظ تدل على وجود التناص أو السرقة وهي «سرقة مصاله اخذه، بعينة، اختطفها، اغار عليها، اغتصبها» وهذه الكلمات تطلق على اقبح انواع
السرقات حيث لمح ابن أبي الحديد ان السارق كان ياخذ النص بعينه أو بمعناه. (1)
واخذ الحريري (2)ت ٥١٦ هـ كلمته (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كم من اكلة تمنع اكلات» فقال في المقامات «رب اكلة هاضت الآكل، ومنعته ماكل» (3)واثبت ابن ابي الحديد معنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام» في رسالة كتبها إلى احد اصدقائه يعزيه فقال: «لو تأمل الناس احوالهم، وتبينوا مآلهم لعلموا ان المقيم منهم بوطنه، والساكن إلى سكنه اخو سفر يسري به وهو لا يسري، وراكب بحر يجري به وهو لا يدرى»(4).
اما الشعراء فقد اقتبسوا من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووظفوه في شعرهم فقد نظر الفرزدق ت ۱۱۰هـ إلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وفروا إلى الله من الله» فقال يمدح سعيد بن العاص:
اليك فررت منك ومن زياد ***ولم احسب دمي لكم حلالا (5)
فوا عجباً كيف يعصى الاله*** وفي كل شيء له آية
ام كيف يجحده الجاحد ***تدل على انه واحد (6)
ونظر ابو العتاهية ايضاً لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وقد مضت اصول نحن فروعها فما بقاء
1) حامد الظالمي : ص ٥٦-٥٧.
2) هو القاسم بن علي بن محمد الحريري البصري (٤٤٦ - ٥١٦هـ) صاحب المقامات الحريرية ومؤلفات اخر ابن خلكان وفيات الاعيان ٦٣/٤ - ٦٨. السبكي : طبقات الشافعية ٢٩٥/٤ - ٧. البغدادي خزانة الادب ۱۱۷/۳ – ۱۱۸.
3) الشرح۳۹۷/۱۸. وانظر المقامات ص ٤٣.
4) الشرح ٢٠٩/١٨.
5) الشرح ۳۳۱/۱. وانظر ديوان الفرزدق ۷۰/۲.
6) الشرح ٤١٢/٦. وانظر ديوان ابو العتاهية ص ۱۲۲.
فرع بعد ذهاب اصله» فصوح بنفس معناه قائلاً:
كل حياة إلى ممات ***وكل ذي جدة يحول
كيف بقاء الفروع يوماً ***وقد ذوت قبلها الاصول (1)
وكذلك نظر لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لا جاء يرد ولا ماض يرتد» فقال ابو العتاهية :
فلا انا راجع ما قد مضى لي ***ولا انا دافع ما سوف يأتي (2)
ولابد من جريان القضاء ***اما مثاباً واما اشيما (3)
ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها*** ومما كنت منه فهو شيء محبب (4)
وقال علي في التعازي لا شعث*** وخاف عليه بعض تلك المآثم
اتصبر للبلوى عزاء وحسبه ***فتؤجر ام تسلو سلو البهائم (5)
ونظر البحتري لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «علا» بحوله ودنا بطوله» فقال:
دنوت تواضعاً وعلوت قدراً ***فشاناك انخفاض وارتفاع
كذاك الشمس تبعد ان تسامى***ويدنو النور منها والشعاع (1)
اردت ان تأكل الفراخ ولا*** يأكلك الدهر اكل مضطهد
يا من لذيذ الفراخ اوقعه*** ويحك هلا قنعت بالقدر
كم اكلة خارت حشاشره*** فاخرجت روحه من الجسد (3)
واقتبس المتنبي من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «واكتحلت ابصارهم بالتراب» فقال:
ويدفن بعضنا بعضاً ويمشي*** آواخرنا على هام الاوالي
وكم عين مقبلة النواصي ***كحيل بالجنادل والرمال
ومغض كان لا يغضي لخطب ***وبال كان يفكر في الهزال (4)
وكذلك نظر لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مقاربة الناس في اخلاقهم امن من غوائلهم فقال:
وخله في جليس اتقيه بها ***كيما يرى أننا مثلان في الوهن
وكلمه في الطريق خفت اعربها ***فيهتدي لي فلم اقدر على اللحن (5)
واولنا العناء اذا طلعنا ***الى الدنيا واخرنا الذهاب (6)
وكذلك اقتبس من كلامه «لكل امرئ في ماله شريكان الوارث والحوادث». فقال:
1) الشرح ٢٤٢/٦. وانظر ديوان البحتري ١٢٤٧/٢.
2) هو ابو بكر هبة الله ابن الحسين انظر الثعالبي : يتيمة الدهر 3 / 485 - 7.
3) الشرح ۳۹۷/۱۸. وانظر الزمخشري : ربيع الأبرار 4 / 428 - 9.
4) الشرح 11 / ١٦٣. وانظر دیوانه ص انه ص ٢٠٤.
5) الشرح ۳۰/۲۰ وانظر دیوانه ص ۳٤٩ – ۳۵۰.
6) الشرح ۲۳٨/٦. وانظر دیوانه ۱۰۱/۱.
خذ من ترأتك ما استطعت فانما*** شركاؤك الايام والوراث
لم يقض حسق المال الا معشر*** نظروا الزمان يعبث فيه فعاثوا (1)
واخذ الطغرائي (2)قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «خيار خصال النساء شرار خصال الرجال الزهو والجبن والبخل، فاذا كانت المرأة مزهوة لم تمكن من نفسها، وإذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال بعلها، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيء يعرض لها». فقال الطغرائي:
الجود والاقدام في فتيانهم ***والبخل في الفتيات والاشفاق
والطعن في الاحداث درب رماتهم*** والراميات سهامها الاحداق (3)
دنياك مثل شمس تدني اليك ***الضوء لكن دعوة المهلك
ان انت ابصرت إلى نورها ***تعش وان تبصر به تدرك (4)
لا تسدين إلى ذي اللؤم مكرمة ***فانه سبخ لا ينبت الشجرا
فان زرعت فمحفوظ بمضيعة*** واكل زرعك شكر الغير ان كفرا (5)
1) الشرح ٢٥١/١٩. وانظر دیوانه ۲۲۸/۱.
2) هو الحسين بن علي بن محمد (٤٥٥ - ٥١٣) شاعر ومن الوزراء والكتاب لدى السلاجقة في الموصل. ابن خلكان وفيات الاعيان ١٨٥/٢ - ١٩٠. الاعلام: الزركلي ١٤٦/٢.
3) الشرح ٦٥/١٩. انظر ديوان الطغرائي ص ٢٦١.
4) الشرح ٢٣٩/٦.
5) الشرح ٢٤/١٩ وانظر عبد الجبار سالم عبدالكريم شعر عبد الحميد هبة الله ص ۲۰۲.
ان الاماني اكساب الجهول فلا ***تقنع بها واركب الاحوال والخطرا
واجعل من العقل جهلا واطرح نظرا ***في الموبقات ولا تستشعر الحذرا
وان قدرت على الاعداء منتصرا ***فاشكر بعفوك عن اعدائك الظفرا(1)
ان امرءا امكن من نفسه ***عـــــــدوه يجدع آرابه
لا يدفع يدفع الضيم ولا ينكر الذ*** ل ولا يحصر جلبابه
لفائل الرأي ضعيف القوى*** قد صرم الخذلان اسبابه
انت فكن ذاك فاني امرؤ ***لا يرهب الخطب اذا نابه
ان قال دهر لم يطع اوشحا*** له فم ادرد انيابه
او سامه الخسف ابى وانتضى*** دون مرام الخسف قرضابه
اخزر غضبان شديد السطا ***يقدر أن يترك ما رابه (2)
وكذلك اقتبس من قولين للامام أحدهما: «فاعل الخير خير منه، وفاعل الشرشر عنه» والاخر: «ليس شيء بشر من الشر الا عقابه، وليس شيء بخير من الخبر الا ثوابه». فقال ابن ابي الحديد :
خير البضائع للانسان مكرمة*** تنمي وتزكو اذا بارت بضائعه
فالخير خير وخير منه فاعله ***والشر شر وشر منه صانعه (3)
حياتك لا تصحبن الجهول ***فلا خير في صحبة الاخرق
يظن اخو الجهل ان الظلال*** عين الرشاد فلا يتقي
ويكسب صاحبه حمقه ***فيسرق منه ولا يسرق
واقسم ان العدو اللبيب ***خير من المشفق الاحمق (1)
واشار ابن ابي الحديد إلى اقتباس عدد من الشعراء من كلمات الامام وتوظيفها في اشعارهم، لكنه لم يذكر اسماء الشعراء.
فمن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صقلة بن بن هبير رة احد ولاته حينما هرب لمعاوية: «قبح الله مصقلة ! فعل فعل السادة وفر فرار العبيد فما انطق مادحه حتى اسكته، ولا صدق واصفه حتى بكته، ولو اقام لاخذنا ميسورة، وانتظرنا بما له موفورة». اقتبس احد الشعراء:
يا من مدحناه فاكذبنا ***بفعاله واثابنا خجلا
برداً قشيباً من مدائحنا ***سربلت فاردده لنا سملا
ان التجارب تهتك المستور من*** ابنائها وتبهرج الرجلا(2)
الدهر يومان فيوم مضى ***عنك بما فيه ويوم جديد
حلال يومك حساب وفي*** حرام يومك عذاب شديد
تجمع ما يأكله وارث ***وانت في القبر وحيد فريد
اني لغيري واعظ تارك*** نفسي وقولي من فعالي بعيد
حلاوة الدنيا ولذاتها*** تكلف العاقل ما لا يريد (1)
اموالنا لذوي الميراث نجمعها*** ودورنا الخراب الدهر نبنيها (2)
يا بعيد عني وليس بعيداً ***من لحاقي به سميع قريب
حدت بين الورى غريباً كما*** انك تحت الثرى وحيد غريب (3)
الحرب أول ما تكون فتية***سعى بزينتها لكل جهول
حتى اذا اشتعلت وشب ضرامه***عادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت*** مكروهة للشم والتقبيل(4)
و من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «جديد بلی» اخذ شاعر فقال:
یا دار غادرتي جليل بلاك ***رث الجديد فهل رتبت لذاك (5)
تفنى اللذاذة ممن نال بغيته ***من الحرام ويبقى الاثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها ***لا خير في لذة من بعدها النار (6)
: لقبيح الا عليك وان المصاب بك لجليل وانه «بعدك لقليل». فقال احد الشعراء»
امست بجفني للدموع كلوم*** حزناً عليك وفي الخدود رسوم
والصبر يحمد في المواطن كلها*** الا عليك فانه مذموم(1)
ما بال من اوله نطفه ***وجيفة اخرة يفتخر
يصبح ما يملك تقدير ما ***يرجو ولا تأخير ما يحذر (2)
لقد كان مصدر الامام الاول في هذه القمة من الفصاحة هو كلام الله وكلام رسوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيراً ما يستشهد بالآيات القرآنية والاحاديث النبوية، ويوظفها في خطبه ورسائله، وقد اكد على ذلك الشريف الرضي بقوله: «لان كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الكلام الذي عليه مسحة من العلم الالهي، وفيه عبقة من الكلام النبوى» (3).
فعلى سبيل المثال قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر ببصير». فانه مأخوذ من قوله تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا (4)) (5).
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فاعتبروا بنزولكم منازل من كان قبلكم وانقطاعكم عن اوصل اخوانكم». مأخوذ من قوله تعالى: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (1)) (2).
و من قوله تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) (3)اقتبس (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : «فاعلم أن لكل ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه وما خبث ظاهره خبث باطنه» (4).
أما قوله الله : « وقد ادبرت الحيلة، واقبلت الغيلة، ولات حين مناص». فالعبارة الاخيرة لفظة قرآنية بعينها (5). وكذلك قوله : (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ) (6).
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كن سمحاً ولا تكن مبذراً، وكن مقدراً ولا تكن مقتراً». مأخوذ من قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (7). وقوله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (8)) (9).
اما اقتباساته من كلام الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) فعلى سبيل المثال قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فليعمل العامل منكم في ايام مهله قبل ارهاق اجله وفي فراغه قبل اوان شغله، وفي متنفسه قبل أن يؤخذ بكظمه، وليعهد لنفسه وقدمه، وليتزود من دار طعنه لدار اقامته». فهذا مأخوذ من خطبة للرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ): «أيها الناس ان لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وان لكم غاية فانتهوا إلى غايتكم ان المؤمن بين مخافتين بين اجل
قد مضى لا يدري مالله صانع به واجل قد بقى لا يدري ما الله قاض فيه فليئاخذ العبد قبل الموت، فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار» (1).
ولما تحدث عن الملائكة ذكر «منهم في حظائر القدس» (2)وهي لفظة وردت في حديث النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) (3). وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «اني احذركم الدنيا فانها حلوة خضرة» (4)مأخوذ من قوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : « ان الدنيا حلوة خضرة، وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون!» (5).
وكان من دعاء النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ): «اللهم اني اعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الاهل والمال والولد. اللهم انت الصاحب في السفر وانت الخليفة في الاهل». وقد دعا به لما عزم على المسير إلى الشام، ولكنه اضاف اليه: «ولا يجمعهما غيرك لان المستخلف لا يكون مستصحبا والمستصحب لا يكون مستخلفا» (6).
اما في نطاق الشعر، فقد كان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على معرفة بالشعر والشعراء ففي الله محاورة بينه وبين أبي الاسود الدولي حول اشعر الشعراء، وكان رأي الاخير انه ابو داود الايادي (7). اما الامام فيرى ان اشعرهم هو الذي لم يقل عن رغبة ولا رهبة، الملك الضليل ذو القروح امروء القيس. (8)
1) الشرح ٣٥٠/٦ - ٣٥١.
2) الشرح ٤٢٦/٦.
3) لم اهتد اليه في كتب الحديث.
4) الشرح ٢٢٨/٧.
5) اخرجه الجاحظ: البيان والتبين ٢١/٢. مسلم: الصحيح ۲۰٩٨/٤ اليعقوبي : التاريخ.
6) الشرح ١٦٥/٣ - ١٦٦. وذكر الشـ الشريف الر يف الرضي هذا الدعاء للنبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) المجازات النبوية ص ١٤١.
7) هو جارية بن الحجاج أو حسنظلة بن الشرفي من قبيلة اياد من شعراء قبل الاسلام ابن قتيبة: الشعر والشعراء ١٦١/١-١٦٣.
8) الشرح ١٥٣/٢٠ - ٤. وانظر ابن رشيق العمدة / ٤١ - ٤٢- الزمخشري : ربيع الابرار ٢٧٢/٤.
وقد احتوى شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد على طائفة من الابيات الشعرية، قرر ابن ابي الحديد صحة نسبة بعضها للامام، فيما شكك بالبعض الاخر وبعضها جاء على شكل اراجيز في الحرب.
وسوف نرتب هذا الشعر على اساس القوافي
قافية الباء
لقد اتانا كاشفاً عن نايه*** يهمط الناس على اعتذابه
فليأتنا الدهر بما اتى به (1)
انا علي وابن عبد المطلب ***نحن لعمر الله أولى بالكتب
منا النبي المصطفى غير كذب*** اهل اللواء والمقام الحجب
نحن نصرناه على كل العرب (2)
فان كنت بالشوری ملکت امورهم ***فكيف بهذا والمشيرون غيب
وان كنت بالقربى حججت خصيمهم ***فغيرك اولى بالنبي واقرب (3)
ومن لم يغمض عينه عن صديقه ***وعن بعض ما فيه يمت وهو علتب
ومن يتبع جاهداً كل عشرة ***يجدها ولا يسلم له الدهر صلحب (1)
الم تر قومي ان دعاهم اخوهم ***اجابوا، وان يغضب على القوم يغضبوا
هم حفظوا غيبي كما كنت حافظاً ***لقومي اخرى مثلها ان يغيبوا
بنو الحرب لم تقعد بهم امهاتهم ***وآباؤهم اباء صدق فانجبوا(2)
قافية الدال
اطعن بها طعن ابيك تحمد ***لا خير في الحرب اذا لم توقد
بالمشرفي والقنا المسدد (3)
یا شاهدا لله علي فاشهد*** اني على دين النبي احمد
من شك في في الله فاني مهتد (4)
قافية الراء
من أي يوم من الموت افر ***ايوم لم يقدر ام يوم قدر
1) الشرح ٣٤/١٩.
2) قاله في جواب له على كتاب لمعاوية. الشرح ٣١٤/٣ المنقري : صفين ص 160.
3) قاله لولده محمد ين الحنفية يوم الجمل حيث كان يحمل اللواء الشرح ٢٤٣/١. وانظر: البغدادي: الفرق ص ٢٦ الخوارزمي: المناقب ص ۱۱۹.
4) قاله للخوارج لما طلبوا منه أن يقر بالكفر ويعلن توبته. الشرح ۲۷۸/۲ وانظر المبرد: الكامل ۱۸۹. المرزبانی : معجم الشعراء ص ۲۸۰.
فيوم لا يقدر لا ارهبه ***ويوم قد قدر لا لا يغني الحذر (1)
كنت السواد لناظري*** فبكى عليك الناظر
من شاء بعدك فليمت ***فعليك كنت أحاذر (2)
لقد عثرت عشرة لا اعتذر ***سوف اكيس بعدها واستمر
واجمع الامر الشتيت المنتشر (3)
يا عجباً لقد سمعت منكراً ***كذباً على الله يشيب الشعرا
يسترق السمع ويغشي البصرا*** ما كان يرضي احمد لو اخبرا
ان يقرنوا وصيه والابترا ***شاني الرسول واللعين الاخزرا
كلاهما في جنده قد عسكرا ***قد باع هذا دينه فافجرا
من ذا بدنيا بيعه قد خسرا ***بملك مصر ان اصاب الظفرا!
اذا الموت دنا وحضرا ***شمرت ثوبي ودعوت قنبرا
قدم لوائي لا تؤخر حذرا*** لا يدفع الحذار ما قد قدرا
لما رأيت الموت احمرا*** عبأت همدان وعبوا حميرا
حي يمان يعظمون الخطرا ***قرن اذا ناطح قرن كسرا
قل لابن حرب لا تدب الخمرا ***ارود قليلاً ابد منك الضجرا
1) قاله يوم صفين حينما حمل على اهل الشام الشرح ١٣٢/٥، ٥٥/٨. انظر المنقري وقعة صفين ص ۳۹۲ ابن عبد ربه: العقد الفريد ۱۲۳/۱.
2) قاله يوم وفاة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ). الشرح ۱۹۷/۱۹.
3) قاله بعد أن علم أن الكتاب الذي كتبه لمحمد بن ابي بكر وقع بيد معاوية بعد مقتل محمد بن ابي بكر. الشرح ٧٣/٦. بينما ذكر الطبري انه قاله بعد مبايعته بالخلافة. تاريخ ٤٣٦/٤ - ٤٣٧ :وأنظر ابن تيمية منهاج السنة ١٨٠/٤.
لا تحسبن يا بن هند غمرا ***وســل بـنا بدراً معا وخيبرا
يوم جعلناكم ببدر جزرا*** لو ان عندي يابن هند جعفرا
او حمزة القرم الهمام الازهرا ***رأت قريش نجم ليل ظهرا (1)
فان للحرب عراما شررا ***ان عليها قائداً عشتررا
ينصف من احجر أو تنمرا*** على نواصيها مزجاً زمجرا
اذا ونين ساعة تغشمر (2)
الا ترون قد حفرت حفرا*** اني رأيت امراً منكرا
اوقدت ناري ودعوت قنبرا(3)
انا الذي سمتني أمي حيدرة*** كليث غابات كريه المنظرة
اوفيهم بالصاع كيل السندرة (4)
قافية الزاي
لا تعجلن فقد اتا*** ك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نيةوبصيرة ***يرجو الغداة نجاة فائز
1) قاله بعد ان علم بالاتفاق الذي جرى بين معاوية وعمرو بن العاص على حربه الشرح 1٤٨/١، 69 – 70. وانظر المنقري : صفين ص ٤٣ - ٤٤.
2) قاله في جواب له على كتاب معاوية. الشرح ٣١٤/٣. المنقري : صفين ص ١٥٩.
3) قاله بح بحق الغلاة الذين الهوه الشرح ۵/۵. ۱۹/۸ السلطي التنبيه والرد ص۱۸. ابن تيمية: منهاج السنة ٧/١٢.
4) قاله يو خيبر لما برز إلى مر اليهودي الشرح ۱۲/۱، ۱۲۷/۱۹ وانظر: الطبري تاريخ :۱۳/۳ الحاكم: المستدرك ٤١/٣ المرزباني: معجم الشعراء ص ۲۸۰ ابن المغازلي: مناقب ص ۱۷۸، ۱۸۲. الكنجي : كفاية الطالب ص ۱۰۲.
اني لارجو ان اقيـ***م عليك نائحة الجنائز
من سربة تفنى ويبــ ***قى ذكرها عند الهزاهز (1)
يخوض اناس في الكلام الموحز****ويلي بعض الأحايين اوجز
اذا كنت عن أن تحسن الصفات*** عاجزاً الابلاغ في القول اعجز (2)
قافية الصاد
لاوردن العاصي بن العاصي*** سبعين الفا عاقدي النواصي
مستحقبين حلق الدلاص*** قد جنبوا الخيل مع القلاص
اسود غيل حين لا مناص (3)
قافية العين
اتأمرني بالصبر في نصر اخو***والله ما قلت الذي قلت جازعاً
ولكني احببت ان ترى نصوتي*** تعلم اني لم ازل لك طائعاً
سأسعى لوجه الله في نصر اخبي ***بيد الهدى المحمود طفلاً ويافعاً (4)
قافية الكاف
ان اخاك الحق من كان معك ***و من يضر نفسه لينفعك
1) قاله في معركة الخندق سنة ٥ه لما برز إلى عمرو بن عبد ود العامري الشرح ۲۹۲/۱۳، ٦٣/١٩. وانظر الاسكافي: نقض العثمانية ص ٣٣٨ - ٣٣٩.
2) قاله في معنى الكلام والصمت الشرح ۲٦٥/۱۹.
3) قاله يوم صفين رداً على عمرو بن العاص الشرح ٦٦٩/٣. المنقري : صفين ص ١٣٦ - ١٣٧. الطبري: تاريخ ٥٦/٤.
4) قاله لابيه ابا طالب لما امره اباه بنصرة النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ). والشرح ٦٤/١٤.
ومن اذا ريب الزمان صدعك*** شتت فيك شمله ليجمعك (1)
قافيه اللام
غر جهولاً امله*** يـــمـوت من جا اجله
ومن دنا من حتفه ***لم تغن عنه حيله
ما بقاء آخر ***قد غاب عنه اوله
والمرء لا يصحبه ***في القبر الا عمله(2)
سمحت بامر لا يطاق حفيظة ***وصدقا واخوان الوفاء قليل
جزاك اله الناس خيراً فأنه*** العمرك فضل ما هناك جزيل (3)
يا مرحباً بالقائلين عدلا ***وبالصلاة مرحباً واهلا(4)
یا حار همدان من يمت يرني*** من مؤمن أو منافق قبلاً(5)
قافية الميم
فلو اني اطعت عصمت قومي ***الى ركن اليمامة أو شمام
1) في معنى الاخوة والشرح۱۱۳/۱۸.
2) في اتباع الهوى وصده عن تذكر الآخرة. الشرح ٣٢٠/٤.
3) قاله يسوم صفين إلى عبد العزيز بن الحارث الجمحي. الشرح ٢٤٣/٥ المستقري: صفين ص ٣٠٨.
4) قاله يوم صفين في مدح اصحابه الشرح ١٤/٨ المنقري : صفين ص ۳۳۰.
5) خاطب به الحارث بن عبد الله الهمداني وهو من أصحاب الامام. الشرح ٤٣/١٨.
ولكني متى ابرمت امراً *** منيت بخلف اراء الطغام (1)
دعوت فليأتي من القوم عصبة*** فوارس من همدان غير لئام
فوارس من همدان ليسوا بعزل ***غداة الوغى من شاكر وشام
بكل رديني وغصب تخاله ***اذا اختلف الاقوام شعل ضرام
لهمدان اخلاق کرام تزينهم ***وبأس اذا لاقو وحــــــــد خــــــــصـام
وجد وصدق في الحروب ونجده ***وقوم اذا قالوا بغير انام
متى تأتهم في دارهم تستضيفهم ***تبت ناعماً في خدمة وطعام
جزی الله همدان الجنان فانها ***سمام العدا في كل يوم زحام
فلوکنت بواباً على باب جنة ***لقلت لهمدان ادخلوا بسلام (2)
جزی الله خيراً عصية اسلمية ***صباح الوجوه صرعوا حول هاشم
يزيد وسعدان وبشر ومعبد*** وسفیان وابنا معبد ذي المكارم
وعروه لا يبعد ثناه وذكره ***اذا اخترطت يوماً خفاق الصوارم(1)
افاطم هاء السيف غير ذميم ***فلست برعديد ولا بلئيم
العمري لقد جاهدت في نصر احمد ***وطاعة رب بالعباد رحيم(2)
اخوك الذي أن اجرضتك ملمة ***من الدهر لم يبرح لها الدهر واجماً
وليس اخوك بالذي ان تشعبت ***عليك امور ظل يلحاك لائماً (3)
يا رب ان الحارث بن الصمة*** کان رفيقاً وبنا ذا ذمة
قد ضل في مهامه مهمة ***يلتمس الجنة فيها شمة (4)
1) قاله في قتل هاشم بن عتبة بن ابي وقاص يوم صفين وكان من اصحاب الامام الشرح ۳۵/۸ المنقري وقعة صفين ص ٣٥٦.
2) قاله للسيدة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) بعد معركة احد الشرح.٣٥/١٥ ابن هشام السيرة ١٠٦/٣ الطبري: تاريخ ٥۳۳/۳. الحاكم : المستدرك،۲۷/۳ المرزباني: معجم الشعراء ص ۲۸۰. الخوارزمي: المناقب ص ۱۰۷. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ١٦٤ - ١٦٥.
3) في معنى الاخوة. الشرح ١١٤/١٨.
4) قاله يوم احد بعد أن ذهب الحارث يلتمس حمزة بامر الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ). الشرح ١٦/١٥. انظر: الواقدي: المغازي ۲۸۹/۱.
محمد النبي اخي وصهري*** سمزة سيد الشهدا عمي
سبقتكم إلى الاسلام طرا ***غلاماً ما بلغت اوان حلمي (1)
قافية الياء
اضربهم ولا ارى معاوية*** الاخزر العين العظيم الحاوية
هوت به النار بأم هاوية (2)
هذا هو كل ما جاء في شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة من شعر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والملاحظ ان ابن أبي الحديد كان معجباً بشعر الامام إلى درجة انه لما اورد شعراً فصيحاً نادراً للشريف الرضي علق عليه قائلاً: «لا عجب لان هذه الورقة من تلك الشجرة، وهذا القبس من تلك النار». (3)
الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعلم النحو
علم النحو من علوم اللغة العربية التي ابتدعها الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث المعروف انه املى على ابي الاسود الدؤلي جوامعه واصوله والتي منها الكلام على ثلاثة اقسام: اسم وفعل وحرف والكلمة : اما نكرة أو معرفة. وتقسيم وجوه وه الاعراب من حيث الرفع والنصب والجر والجزم ان هذه الالمام يكاد يلحق بالمعجزات.
1) الشرح ۱۲۲/٤ وانظر: الطبرسي : الاحتجاج ۱۱۲/۱. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص ١٠٧ - ۱۰۸ الحموي : معجم الادباء ٤٨/١٤ الجويني: فرائد السمطين ص ٤٢٧.
2) قاله يوم صفين. الشرح ۵۹/۸ وانظر المنقري: وقعة صفين ص ٤٠٤ الطبري ٤٢/٥. وقد نسبه ابن أبي الحديد في موضع آخر لمجزأة بن ثور. الشرح ٢٤٠/٥. وانظر المنقري : وقعة صفين ص ٣٠٥. المازندرانی: مناقب ۱۹/۲.
3) الشرح ٢٦٦/١١.
لان القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر، ولا تنهض بهذا الاستنباط». (1)
1) الشرح ۲۰/۱. وانظر ابوهلال العسكري: الأوائل ص ٢٩٦ - ٨ الحموي معج الادباء ٤٩/٤٢/١٤. ابن الاثير المثل السائر ٦١/١ ابن تيمية منهاج السنة ١٤٢/٤ السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ۱۸۱.
من خلال شرحه لنهج البلاغة اثبت ابن أبي الحديد ان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سبق الفلكيين في التوصل لبعض المسائل الفلكية كأشارته الى ان منطقة الابلة هي ابعد موضع في الارض عن السماء. فقد جاء في خطبة له عن البصرة انها: «بعيدة عن السماء» فاكد ان الامام يشير إلى ما توصل اليه علماء الفلك في ان ابعد موضع في الارض عن السماء هو «الابلة». ومعنى البعد هنا، هو بعد تلك الارض المخصوصة عن دائرة معدل النهار والبقاع، والبلاد تختلف في ذلك، واكد ابن أبي الحديد ان الالات الفلكية والارصاد دلت على ان ابعد موضع في المعمورة عن دائرة معدل النهار هو الابلة. (1)
ان الاشارة اعلاه تعد من خصائص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لانه أخبر عن امر لا تعرفه العرب، ولا تهتدي اليه وهو أمر خاص بالمدققين من الحكماء، لذا عدت هذه الاشارة من اسراره وغرائبه البديعة (2).
وفي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الحمد لله الذي لا توارى عنه سماء سماء، ولا ارض ارضا». فانه يدل على اثبات ارضين بعضها فوق بعض كالسموات السبع. لكن القرآن الكريم لم يشر لعدد الارضين حيث قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) (1)، ولذا قيل انها ارض واحدة، ولكنها على سبعة اقاليم، فالمثلية التي اشار لها القرآن الكريم من هذا الوجه، وليس من تعدد الارضين وقد يحمل كلام الامام على ذلك، فيقصد (عَلَيهِ السَّلَامُ) انها ارض واحدة، لكنها اقطار واقاليم مختلفة، وهي كروية الشكل، فمن كان على حدبة الكرة لا يرى من تحته، والذي تحت لا يرى من فوق، والذي على أحد الجانبين لا يرى من على الجانب الاخر (2).
ولاحظ ابن أبي الحديد انه لا منافاة بين قول الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سماء ذات ابراج» وبين ما يقوله الحكماء والمتكلمين ان السماء كرة لا زاوية فيها ولا ضلع لان الفلك وان كان كرة لكنها فيه من المتممات ما يجري مجرى اركان الحصن أو السور. فصح اطلاق لفظة الابراج عليه، والمتممات اجسام في حشو الفلك تخف في موضع، ولا مانع من حمل لفظة الابراج على ما يقوله الحكماء ان الفلك يقسم لاثي عشر قسماً كل قسم يسمى برجاً، والامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اخذ اللفظه من القرآن فــي قوله تعالى: ﴿ والسماء ذات البروج) (3). (4)
اما بالنسبة إلى موقفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من التنجيم فهو ذو شقين الاول اذا كان الهدف من التنجيم معرفة الطرق البرية والبحرية فهذا لا باس به الثاني اذا كان لاغراض اخرى فهو محرم، حيث يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اياكم وتعلم النجوم الا ما يهتدي به في بر أو بحر، فأنها تدعو إلى الكهانة المنجم،كالكاهن والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار». واشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه من صدق المنجمين فقد كذب القرآن واستغنى عن الاستعانة بالله، ثم انه سيحمد المنجم بدل الله سبحانه وتعالى. (5)
ابدى الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض الاراء في عدد من الطيور مثل الخفاش الذي يبصر
ليلاً ولا يبصر نهاراً، ثم ان طيرانها باجنحة من لحم وليس من ريش، وهي تحمل ولدها ملاصقاً لها فلا يقع حتى يكبر. وقد اتى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعالم الطبيعي في عدم ابصارها نهاراً، وهو انفعال حاسة بصرها عن الضوء الشديد، وقد يعرض مثل ذلك البعض الناس، وهو المرض المسمى (روز)كور)، أي اعمى النهار، ويكون ذلك عن افراط التحلل في الروح النوري فاذا لقي حر النهار، اصابه قمر، ثم يستدرك ذلك برد الليل فيزول، فيعود الابصار(1).
واشار إلى الطاووس وكيفية لقاحه الانثى مشيراً أن وصفه جاء لمعاينته (عَلَيهِ السَّلَامُ) للطاووس، وقد اثار ذلك طعن البعض اذ أين رأي الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الطاووس ؟
والواقع انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأه بالكوفة وليس بالمدينة حيث كانت الكوفة عاصمة الدولة العربية الاسلامية تجبى لها الاموال والهدايا من الاصقاع. (2)
وقد رد (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قول البعض: «من يزعم انه يلقح بدمعة تسفحها مدامعه فتقف في ضفتي جفونه، وان انناه تطعم ذلك، ثم تبيض لا من لقاح فحل سوى الدمع المنبجس لما كان ذلك باعجب من مطاعمة الغراب». حيث يرى البعض ان الذكر تدمع عينه، فتقف الدمعة بين اجفانه فتاتي الانثى فتطعمها فتلقح من تلك
الدمعة (1). وقد انكر الامام ذلك بالنسبة للطاووس، ولكنه أشار إلى مطاعمة الغراب، حيث يرى البعض ان لقاح الغراب يكون بانتقال جزء من الماء الموجود في قانصة الذكر إلى الانثى عن طريق منقارها (2).
واشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بعض الحشرات كالنملة التي قال فيها: «انظروا إلى النملة في صغر جئتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر كيف دبت على ارضها وصبت على رزقها تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدها في مستقرها تجمع في حرها الى بردها، وفي وردها لمصدرها؛ مكفول برزقها مرزوقة بوقتها، لا يغفلها المنان ولا يحرمها الديان، ولو في الصفا اليابس والجحر الجامس ولو فكرت في مجاري اكلها، وفي علوها وسفلها، وما في الجوف، من شراسيف بطنها، وما في الراس من عينها واذنها لقضيت من خلقها عجباً، ولقيت من وصفها تعبا».(3)
تجدر الاشارة ان للجاحظ تحليل للنملة ربما يكون اخذ فكرته من الامام وزاد في تحليله. (4)
وتطرق الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) للجرادة فقال عنها: «خلق لها عينين حمراوين واسرج لها حدقتين قمراوين، وجعل لها السمع الخفي وفتح لها الفم السوي، وجعل لها الحس القوي ونابين بهما تقرض ومنجلين بهما تقبض يرهبها الزراع في زرعهم، ولا يستطيعون ذبها ولو اجلبوا بجمعهم، حتى ترد الحرث في نزواتها، وتقضي منه شهواتها، وخلقها كله لا يكون اصبعاً مستدمة».(5)
1) الجاحظ: الحيوان ۱۷۷/۳، ٤٦٤. ويرى الدميري ان الغراب يتستر في لقاحه الاثنى حياة الحيوان الكبرى ۱۷۳/۲.
2) الشرح ٢٦٨/٩ - ٢٧٠.
3) الشرح ٥٥/٣. وانظر الزمخشري: ربيع الابرار ٤٨١/٤ - ٤٨٢.
4) الشرح ٥٧/١ - ٦٣٠. وانظر الجاحظ: الحيوان ٥٤٢/٥ – ٥٧٣.
5) الشرح ٥٦/١٣ - ٦٦. وانظر الجاحظ: الحيوان ٥٤٣/٥ - ٥٧٣ الزمخشري: ربيع الابرار ٤٥٩/٤.
كان الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوجه عناية فائقة إلى الاستفادة من التاريخ حتى اصبح التاريخ عنصراً بارزاً في مختلف الموضوعات التي اثارت اهتمامه و عنايته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولكنها ليست كعناية القاص أو السياسي الباحث عن الحيل السياسية واساليب التمويه ليعالج بها تذمر الشعب، وانما هي عناية رجل الرسالة والعقيدة والقائد الحضاري والمفكر المستقبلي. فهو يبحث ليجد في التاريخ جذور المشكل الانساني، وينفض جهود الانسانية على التكامل الروحي والمادي، ويعزز قدرته في تامين قدر من السعادة مع الحفاظ على الطهارة الانسانية. ولذا فهو لم يتوقف عند جزئيات الوقائع الا بمقدار ما تكون شواهداً ورموزاً، وانما تناول المسالة التاريخية بنظرة كلية شمولية والامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس مؤرخاً لذا لا نجد عنده نظرة المؤرخ واسلوبه في سرد الوقائع، وتحليلها والحكم عليها، وانما هو رجل دولة وحاكم، ورجل عقيده ورسالة فهو يتعامل مع التاريخ باعتباره حركة تكون شخصية الانسان الحاضرة والمستقبلية، ولذا فهي تشكل حيزاً هاماً، على درجة كبيرة من الخطورة في عملية التربيه والتحرك السياسي (1).
وتتضح عنايته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتاريخ من خلال وصيته لولده الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) اذ يقول:
1) محمد مهدي شمس الدين: حركة التاريخ عند الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). ص ۳۱ - ۳۲.
«أي بني؛ اني وان لم اكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في اعمالهم وفكرت في اخبار هم وسرت في آثارهم حتى عدت كاحدهم، بل كأني بما انتهى الى من أمورهم قد عمرت من أولهم إلى اخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره»(1).
واوضح (عَلَيهِ السَّلَامُ) الهدف من دراسة التاريخ: «احي قلبك بالموعظة... واعرض علیه اخبار الماضين، وذكره بما اصاب من كان قبلك من الأولين وسر في ديارهم و آثارهم فانظر فيما فعلوا وعما انتقلوا، واين حلوا ونزلوا، فانك تجدهم قد صرت کاحدهم» (2).
ولكن يا ترى من این استقى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معرفته التاريخية؟ من خلال نصوص النهج وسيرة الامام على اللي يتضح ان مصادره كانت متنوعة وهي:
اولاً: القرآن الكريم : حيث تضمن القرآن دعوى لدراسة التاريخ (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كانوا من قبلكم) (3). ثم شمول القرآن لمادة تاريخية مثلت ثلث القرآن حيث اشار القرآن لقصة خمسة وعشرين نبياً، والي عدد من الاقوام السابقة وبعض الشخصيات، ثم اشارته لاحداث العرب قبل الاسلام ولما كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) على علم بالقرآن، حيث قال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : « علي مع القرآن والقرآن مع علي» (4). وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ولا تسألوني عن آية ابليل نزلت ام بنهار ام بسهل ام بجيل» (5).
ولذا نجد التأثير القرآني واضحاً في فكر الامام التاريخي منهجاً
وموضوعاً. (1)
ثانياً: تربية الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيت النبي: كان لها الاثر في ثقافته التاريخية حتى تميز من بين اصحابه بأنه يملك تسعة اعشار العلم (2)، وشارك الآخرون في العشر العاشر، وقد قال فيه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : « انا مدينة العلم وعلي بابها».
ثالثاً: السنة النبوية الشريفة: اشتملت السنة النبوية على مادة تاريخية متنوعة شكلت مصدراً افاد الامام في المعرفة التاريخية.
رابعاً: قراءات الامام لما وجد من مؤلفات سواء باللغة العربية أو بغيرها وخاصة في تنقلاته بين الحجاز والعراق واليمن. (3)
خامساً: الآثار القديمة مر الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تنقلاته بين الاقاليم ببعض الآثار القديمة وهذا واضح من كلامه «وسرت في آثارهم» وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد عاش في اربعة اقاليم، وهي الحجاز واليمن والعراق وسوريا، فالحجاز هو مهده الاول حيث مكة والمدينة وما حواليهما في خيبر والطائف وغيرها من مدن وسط الجزيرة اما اليمن ففي اثناء ولايته قضاءها أيام النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، في حين كان العراق ايام خلافته متنقلاً بين البصرة والكوفة واخيراً سوريا في اثناء حرب صفين. (4)
سادساً : لقاءاته مع علماء الثقافات الاخرى و مناظراته معهم شكلت مصدراً للامام: ففي شرحه لخطبة الامام «ولا همامه نفس اضطرب فيها» قال ابن أبي الحديد: «فيه رد على المجوس والثنوية القائلين بالهمامه، ولهم فيها خبط طويل يذكر اصحاب المقالات، وهذا يدل على صحة ما يقال ان امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يعرف أراء المتقدمين والمتأخرين، ويعلم العلوم كلها، وليس ذلك ببعيد من
فضائله ومناقبه (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (1).
لقد اشار الامام علي الها إلى سنة من سنن التاريخ الالهية «سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا» (2). فاشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الذنب لا يلزم من اقترفه فقط، بل يشمل من رضى به، ولذلك اذا نزل العذاب شمل الجميع كما حصل لقوم ثمود لما عقروا الناقة، فكان العاقر شخصاً واحداً، ولكنهم رضوا به لذا شملهم العذاب، يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) «ايها الناس : انما يجمع الله بالعذاب لما عموه بالرضا» (3).
ومن اشاراته التاريخية الاجمالية، اشار إلى بعض الأقوام القديمة كالعمالقة (4)، والفراعنة (5)، واصحاب مدين (6). وكان هدفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اشاراته هذه العظة والعبرة بحالهم اذ يقول: «وان لكم في القرون السالفة لعبرة ابن العمالقة وابناء العمالقة اين الفراعنة وأبناء الفراعنة اين اصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين واطفئوا سنن المرسلين، واحيوا سنن الجبارین این الذین ساروا بالجيوش، وهزموا الالوف، وعسكروا العساكر، ومدنوا المدائن». (7)
والملح (عَلَيهِ السَّلَامُ) في احدى خطبه لحياة العرب قبل الاسلام. كيف كانوا تحت تسلط الاكاسرة والقياصرة، حيث يبعدون العرب عن الارض ذات الخصب والزرع، فازاح الاكاسرة العرب عن بحر العراق (دجلة والفرات)، وطرد القياصرة عرب الشام عن مراعي ومنتجعات الشام، فالجؤهم إلى منابت الشيح - وهو من
نباتات الصحراء - والى ضيق العيش وقلته، فكان ذلك له اثره في تركهم فقراء ليس لهم الا الاعتماد على الجمل والضأن مما جعلهم «اذل الامم داراً»، وفيه اشارة لعدم وجود معاقل وحصون منيعة فيها، «واجدبهم قرارا» لعدم الزرع والشجر والنخل بها. وعلل (عَلَيهِ السَّلَامُ) سبب فرقة العرب لعدم وجود دعوة دينية أو غيرها ينتمون اليها، ولا هناك «ظل الفه يعتمدون على عزها»، وهذا أدى إلى «الاحوال مضطربة، والايدي مختلفة، والكثرة متفرقة» وهذا ترك آثاراً سلبية كان من جملتها «بلاء ازل واطباق جهل، من بنات مؤودة، واصنام معبودة، وارحام مقطوعة، وغارات مشنونة» (1).
واشار إلى معتقدات العرب قبل الاسلام حيث يقول: «واهل الارض يومئذ ملل متفرقة». فاوضح ابن أبي الحديد (2)مراد الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شرحه لعقائد العرب قبل الاسلام حيث قسمهم إلى العرب المعطلة وغير المعطلة. فكان المعطلة يقسمون الي:
۱ - من انكر الخالق والبعث والاعادة وقالوا: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) (3)، حيث جعلوا الجامع لهم الطبع والمهلك الدهر.
٢ - من اعترف بالخالق وانكر البعث وهم الذين قال عنه القرآن: (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) (4). وقال احدهم :
ايخبرنا ابن كبشه ان سنحيا ***وكيف حياة اصداء وهام
اذا ما الرأس مال بمنكبيه*** فقد شبع الانيس من الطعام
ايقتلني اذا ما كنت حياً ***ويحيني اذا رمت عظامي (1)
٣ - من اقر بالخالق ونوع من الاعادة وانكروا الرسل، وعبدوا الاصنام وزعموا انها شفعاء عند الله في الآخرة، وحجوا لها ونحروا الهدى، وقربوا القرابين، وحللوا وحرموا وهم جمهور العرب الذين قال عنهم القرآن (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) (2)، وكانوا للاصنام ذوي اراء مختلفة فمنهم من يجعلها شريكة لله، فيقولون في التلبية: «اللهم لبيك لا شريك لك، الا شريكا هو لك، تملكه وما ملك». ومنهم من لا يطلق عليه لفظ الشريك، ويجعلها وسائل وذرائع إلى الله سبحانه، وهم الذين قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (3)
٤ - المشبهة والمجسمة ومنهم امية بن أبي الصلت الذي من شعره:
من فوق عرش جالس قد حط رجلـ ***ـه إلى كرسيه المنصوب (4)
٥ - ومنهم من يعتقد بالتناسخ، وتنقل الارواح في الاجساد ومنهم ارباب الهامة، والهامة شيء يخرج من القبر على شكل صوت، وقد انكره الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بقوله: «لا عدوى ولا هامة ولا صفر» (5). وهذا الاعتقاد بقي سارياً حتى العصر الاموي (6).
1) قالها شداد بن الاسود في رثاء قتلي معركة بدر ابن هشام السيرة ٢٩/٣ الشهرستاني : الملل ۲۲۱/۳.
2) سورة الفرقان: الآية 7.
3) سورة الزمر : الآية ٣.
4) الشرح ۱۱۹/۱. وأنظر ديوان أمية بن أبي الصلت ص ١٦٤.
5) اخرجه ابن ماجه صحیح ۲۱/۱، ۲۷۰/۲. الطحاوي: شرح معاني الآثار ٢٠٧/٤ - ٨. الشهرستانی الملل والنحل ۲۲۱/۳.
6) الشرح ۱۱۹/۱۰. وانظر ديوان توبة بن حمير ص ٤٨ السيوطي؛ شرح شواهد المغني ٦٤٤/٣.
٦ - و من العرب من مال إلى اليهودية كجماعة من التبابعة (1)، وملوك اليمن. أو إلى النصرانية كبني تغلب والعبادين رهط عدي بن زید و نصاری نجران ومنهم من مال للصابئة والقول بالنجوم (2).
اما غير المعطلة فهم المتألهون اصحاب الورع والتحرج عن القبائح وهم عبد المطلب وولديه عبدالله وابو طالب، وزيد بن عمرو بن نفيل(3)، وقس بن ساعدة الايادي وغيرهم (4).
واشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى حي من أحياء العرب عرف بالشجاعة وهم «بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة» (5)حيث تمنى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يكون له الف فارس منهم. بدلاً من كل هذه الالوف التي معه. ومن بني فراس كان حامي الضعن حياً وميتاً وهو ربيعة بن مكدم بن حرتان بن جذيمة بن علقمة بن فراس حيث لم يحم الحريم ميتاً غيره، فبعد ان اصيب نصب رمحاً واتكاً عليه، واشار على الضعائن بالرواح، ومات، وتصور اعدائه انه حي فلم يهاجموا الضعائن حتى سلمت (6).
والمح (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بعض من سيرة الاشعث بن قيس، حيث اسر مرتين الاولى قبل الاسلام حيث اسره بنو الحارث بن كعب، وتم فداؤه بثلاثة الاف بعير. والثاني اسر في الاسلام وذلك لما ارتدت بنو وليعة، وهزمو امام زياد بن لبيد والي الخليفة ابوبكر (رضي الله عنه) فذهبوا مستنجدين بالاشعث فابى مساعدتهم الا ان يملكوه عليهم، فملكوه عندها سار إلى زياد فانهزم امام زياد وطلب الامان له ولعشرة من أصحابه، مقابل تسليم الحصن، فقبل زياد وارسله إلى الخليفة الذي
1) المزيد من التفاصيل عن التبابعة انظر: محسن مشكل الحجاج دولة التبابعة ص ٩ وما بعدها.
2) الالوسي بلوغ الارب ۱۹۷/۲ – ۲۵۲.
3) احد الاحناف قبل الاسلام. انظر الشهرستاني : الملل والنحل ٢٣٥/٢٢٧/١٣.
4) الالوسي: بلوغ الارب ٢٢٣/٢ - ٢٢٤.
5) هم أنجد العرب والواحد يعدل بعشرة ابن عبد ربة : العقد الفريد ١٣٦/١.
6) الشرح 1 / 233، 341 - ٢. وانظر المبرد: الكامل ٨٩/٤ ابو الفرج: الاغاني ٦٦/١٦.
عفا عنه وزوجه اخته ام فروة، ولذلك عرف الاشعث بعرف النار وهو اسم للغادر عند قومه (1). وقد قال الامام بحقه «ان امرؤ دل على قومه السيف، وساق اليهم الحتف لحري ان يمقته الاقرب، ولا يأمنه الأبعد» (2).
الغيب لغة: ما غاب عنك (1). والغيبيات هي الحوادث التي تقع في المستقبل. اما علم الغيب فهو العلم الذي يلم به انسان تنقشع من امام عينيه حجب القرون وتنطوي المسافات فيقرأ المستقبل البعيد أو الحاضر المحجوب كما يقرأ في كتاب مفتوح، ويعي حوادثه كأنها بنت الساعة التي هو فيها. (2)
وقد جاء في كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اشارات مستقبلية تنبأ بها؛ اذ ان كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «داخل في باب المعجزات المحمدية لاشتمالها على الاخبار الغيبية وخروجها عن وسع الطبيعة البشرية» (3).
ان معرفة ألامور الغيبية أمر غير مستحيل فبعض الانفس يمكن ان تختص بخاصية تدرك بها المغيبات، ولكن ليس كل المغيبات لان القوة المتناهية لا تحيط بامور غير متناهية، وكل قوة في نفس حادثة فهي متناهية، اذن وجب أن يحمل كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معرفته الغيب لا على انه يريد به العالمية، بل يعلم اموراً محدودة من المغيبات مما اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى تأهله لعلمه، وكذا
الحال بالنسبة إلى الرسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) (1).
ويقول ابن أبي الحديد: «انا لا تنكر ان يكون في نوع البشر اشخاص يخبرون عن الغيوب ولكن كل ذلك مستند إلى البارئ سبحانه با قداره و تمكينه وتهيئة اسبابه، فان كان المخبر عن الغيوب ممن يدعى النبوة لم يجز ان يكون ذلك الا بأذن الله سبحانه وتمكينه وان يريد به تعالی استدلال المكلفين على صدق مدعي النبوة، لانه لو كان كاذباً لكان يجوز ان يمكن الله تعالى الجن من تعليمه ذلك اضلالا للمكلفين وكذلك لا يجوز ان يمكن الله سبحانه الكاذب في ادعاء النبوة من الاخبار عن الغيب بطريق السحر وتسخير الكواكب (2)والطلسمات (3)ولا بالزجر (4)ولا بالقيافة (5)ولا بغير ذلك من الطرق المذكورة لما فيه من استفساد البشر واغوائهم، واما اذا لم يكن المخبر عن الغيوب مدعيا للنبوة نظر في حاله فاذا كان ذلك من الصالحين الاتقياء نسب ذلك إلى انه كرامة اظهرها الله تعالى على يده أبانة له وتمييزا من غيره كما في حق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وان لم يكن كذلك امكن ان يكون ساحرا أو كاهنا أو نحو ذلك، وبالجملة فصاحب هذه الخاصية افضل واشرف ممن لا تكون فيه من حيث اختصاصه بها، فان كان للانسان منها مزية اخرى يختص بها توازيها، أو تزيد عليها، فترجع إلى التمييل والترجيح بينهما،
1) الشرح ١٢/١٠-١.
2) أي ما عرف بعلم احكام النجوم وهو علم يتعرف منه الاستدلال بالتشكلات الفلكية من أوضاعها، على الحوادث الواقعة في عالم الكون والفساد من احوال الجو والمعادن والنبات والحيوان انظر طاش کبری زادة مفتاح السعادة: ۳۳۷/۱.
3) معنى الطلسم عقد لا ينحل، وهو علم يبحث عن كيفية تمزيق القوى السماوية الفعالة بالقوى الارضية المنفعلة في أزمنة مناسبة من مع بخورات مناسبة قوية جالبة لروحانية ذلك الطلسم طاش كبرى: مفتاح السعادة ٣٣٩/١ - ٤٠.
4) الزجر عكس الفأل ويراد منه طلب الهرب عن الامر وهـو تشاؤم الانسان بشيء يراه أو يسمعه. خاصة في سفره أو اقدامه على أمر طاش كبرى زادة مفتاح السعادة: ٣٦٢/١ - ٣.
5) علم يبحث عن تتبع اثار الاقدام أو الاستدلال بهيئات اعضاء الانسان على صحة نسبه. طاش كبرى زادة مفتاح السعادة ١ / 353 – 4.
والا فالمختص بهذه الخاصية ارجح وأعظم من الخالي منها على جميع الاحوال) (1).
كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخبر عن امتلاكه المعرفة بحوادث ومستقبل الايام اذ يقول: (فاسئلونی قبل ان تفقدونی، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة الا انبأتكم بناعقها، وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها، ومحط رحالها، ومن يقتل من اهلها قتلاً، ومن يموت منهم موتاً، ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائه الامور وحوازب الخطوب لا طرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين) (2).
وقال ايضاً : (والله لو شئت ان اخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت، ولكن اخاف ان تكفروا في برسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ولذلك اضطر (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ان يبلغه فقط إلى (الخاصة ممن يؤمن ذلك منه) (3)وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكيل العلم كيلا بلا ثمن ط ولكنه لا يجد حملة لهذا العلم) (4).
قد اسند الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) غيبياته إلى الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) باعتباره المصدر الاصيل له، حيث بعد أن اشار إلى بعض الغيبيات قام اليه احد اصحابه وقال: (لقد اعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب!) وهنا ضحك الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واوضح للسائل ما اشكل عليه، قائلاً: «ليس هو بعلم غيب وانما هو تعلم من ذي علم، وانما علم الغيب علم الساعة، وما عدده الله سبحانه وتعالى بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ...) (5)
1) الشرح: ۱۲/۵-۱۳.
2) الشرح : ٤٤/٧. وانظر المفيد: الارشاد ص 17. الطوسي آمالي الطوسي ط النجف ۵۸/۱ الطبرسي: اعلام الوری ص ١٧٤.
3) الشرح: ١٠/١٠.
4) الشرح ١٣٤/٦٤. وانظر ابن الجوزي: صفة الصفوة ۳۳۰/۲.
5) سورة لقمان: الآية ٣٤ وتكملتها (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه احد الا الله وما سوى ذلك فعلم علمه الله لنبيه فعلمنيه، ودعا لي بان يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي» (1).
ولكن لماذا ضحك الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قول الرجل : لقد اوتيت علم الغيب ؟ الا بعد هذا زهوا في النفس وعجباً بالحال؟
واقعا ان ذلك حدث للنبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) حينما دعا الله سبحانه وتعالى ان يسقيهم فكثر المطر في المدينة، فأخذ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) يشير على السحاب لينساب عن المدينة، فأخذ علي الله يضحك سرورا بنعمة الله سبحانه وتعالى عليه (2)، حيث ان السرور احيانا يؤدي إلى الضحك وذلك ليس بمذموم اذا خلا من التيه والعجب، وقد قال تعالى في صفة اوليائه (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (3). (4)
وكان من جملة الامور الغيبية الخمسة التي اشار لها القرآن: (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) افلا يتعارض هذا بما كان يعلمه النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) من الله تعالى عن امور سيكسبها مستقبلاً كفتح مكة واعلامه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)للامام بقتاله للناكثين والقاسطين والمارقين.
ان المراد بالآية بأنه لا تدري نفس جميع ما تكسبه في مستقبل زمانها، وذلك لا ينفي جواز ان يعلم الانسان بعض ما يكسبه في مستقبل زمانه (5).
لم يُعرف احد قال: «سلوني قبل ان تفقدوني» لا من الصحابة ولا غيرهم سوى الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى ان احد الوعاظ قال ذلك على المنبر فتعرض للسخرية والاستهزاء (6). وقد اكد (عَلَيهِ السَّلَامُ) «فانا اعلم بطرق السماء مني بطرق الارض»
فيه اشارة إلى ما اختص به من العلم بمستقبل الامور لا سيما الملاحم والدول، وقد صدق هذا القول عنه ما تواتر من الاخبار الغيبية لا مرة ولا مائة مرة، حتى زال الشك والارتياب في انه اخبار عن علم وليس اتفاقاً. (1)
ولكن قصور ادراك بعض الناس جعلهم يشكون بل ويكذبون الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد صارحوه بذلك مرارا، فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرد على تكذيبهم فقال: «لقد بلغني انكم تقولون علي يكذب، قاتلكم الله تعالى، فعلى من اكذب اعلى الله فانا اول من امن به، ام علی نبیه؟ فانا اول من صدق به». ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كلا والله، لكنها لهجة غبتم عنها، ولم تكونو من اهلها». ويحتمل ان الامام يقصد لهجة رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بتعليمه اياه، أو يقصد لهجته هو (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيقول: «انها لهجة غبتم عن منافعها، واعدمتم انفسكم ثمن مناصحتها». (2)وقال ايضاً: «لا تتراموا بالابصار عندما تسمعونه مني، فوالذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ان الذي انبأكم به عن النبي الأمي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ما كذب المبلغ ولا جهل السامع». (3)
بل ان وجهات نظر سامعيه قد تناقضت بعد ما سمعوا كلامه فحينما قال: «لو کسرت لي وسادة لحكمت بين اهل النوراة بتوراتهم وبين اهل الانجيل بانجيلهم وبين اهل الفرقان، بفرقانهم، وما من اية في كتاب الله انزلت في سهل أو جبل الا وانا عالم متى انزلت وفيمن نزلت». فقال رجل: يالله والدعوة الكاذبة وقال اخر: اشهد انك انت رب العالمين. وقال قوم: لله ابوه ما افصحه كاذباً. (4)
وبعد ان اوضح (عَلَيهِ السَّلَامُ) مصدر معلوماته قال لهم (ولتعلمن نبأه بعد حين) (5)
وفيه اشارة إلى ان هذه الحقائق التي يخبر بها الامام لا يدرك حقائقها الناس في حياته وانما بعد وفاته. (1)قال ابن ابي الحديد «لقد امتحنا اخباره فوجدناه موافقاً، فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة... وكم له من الاخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى بما لو اردنا استقصائه، لكسرنا له كراريس كثيرة وكتب السير تشتمل عليها مشروحة». (2)
اذن هذه النصوص صريحة بان علمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمغيبات مأخوذ من النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ولكن هل يمكن التصور انه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) افضى للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتفاصيل كل الحوادث فالظرف الزماني الذي جمع النبي بالامام لا يسع ذلك فالامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة، وتظل مائة، الا انبأتكم...» (3)ويقول: «فلأنا بطرق السماء اعلم مني بطرق الارض...» (4)ويقول: «والله لو شئت ان اخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت... » (5)فهذا علم واسع لا يسعه الظرف الزماني الذي قضاه الامام مع النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ولكن الامام يصرح بان علمه مستقى من النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) فكيف التوفيق في ذلك ؟
الظاهر انه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) افضى للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكليات الامور، ثم كان نشاط القوة الخفية المودعة للامام فتكشف له ما محجوب من احشاء الزمان وثنايا المكان لان الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان على درجة من الصفاء العقلي والطهارة الروحية والنقاء الوجداني وهذه القوى انشط في النفوذ إلى المغيب المحجوب، وكان (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بعد ان اوضح للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الكليات هداه للسبل التي تؤدي به إلى ارفع درجات الحالة
الروحية التي تتيح لقواه الخفية ان تعمل عملها الخارق فيعي بسببها تفصيل ما اجمله الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) (1).
وفي تحليله للخطب التي يرد فيها ذكر الامور الغيبية (الملاحم) وجد ابن أبي الحديد ان هناك خطبا تجوز نسبتها للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واخرى لا يجوز لذا لم يوردها (2). ومن هذه الخطب والتنبؤات (3):
اولاً: في خلافته (عَلَيهِ السَّلَامُ)
لما طلب منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناس البيعة بعد مقتل عثمان (رضي الله عنه) قال: «دعوني والتمسوا غيري فانا مستقبلون أمواله وجوه والوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول وان الافاق قد اغامت والمحجة قد تنكرت». فكلامه هذا له باطن وغور عميق ومعناه الاخبار عن غيب يعلمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو ويجهلونه هم، وهو الانذار بحرب المسلمين بعضهم لبعض، واختلاف الكلمة وظهور الفتنة (4).
و خطب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الجمعة الثالثة الجمعة الثالثة من خلافته فقال: «وان محمداً... خلف فينا راية الحق... دليلها مكيث الكلام.... فاذا انتم انتم له رقابكم واشرتم اليه با صابعكم، جاءه الموت فذهب به...». هنا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كنى عن نفسه، واعلمهم بانه سيفارقهم، بعد اجتماعهم عليه وطاعتهم له، وهكذا وقع الامر فان اهل العراق لم يكونوا اشد اجتماعا عليه من الشهر الذي قتل فيه، حيث عقد لابنه الحسن على عشرة الاف ولابي أيوب الانصاري على عشرة الاف حتى اجتمع له مائة الف
1) محمد المهدي شمس الدين دراسات في نهج البلاغة ص ١٣٨ - ١٤١.
2) الشرح ١٤/١٠.
3) لقد نقل الهاشمي اكثر ما جاء لدى ابن أبي الحديد في موضوع المغيبات عند شرح الاول نهج البلاغة كتاب اسماه منهاج البراعة. انظر ٣٤٠/٤ - ٥٠، ٣٧٥٠ - 80، 7 / 82 - ٤، ١٧١ - ٢، ٢١٥ – 44، 298، 8 / 93، ٢١٠.٢٠٤، ٣٤٦ - ٦١، ١٦٥/٩، ١٨٣/١٠ - 7، ٣٤٧.
4) الشرح ٣٣/٧ - ٣٤.
واخرج مقدمته للشام فضربه ابن ملجم فانفضت تلك الجموع (1).
وفي اثناء مراسلاته مع معاوية قبيل معركة صفين كتب الامام قائلاً: «كأني بجماعتك يدعونني جزعا من السيف إلى كتاب الله». وهذا اما ان يكون فراسة نبوية صادقة وهذا عظيم، أو اخبار عن غيب مفصل وهو اعظم واعجب وعلى كلا الامرين فهو غاية العجب (2).
وفد غالب بن صعصعة (3)
وجدي الذي منع الوائدات*** واحيا الوئيد فلم يواد
ديوان الفرزدق ۱۷۳/۱.
على الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعه ولده الفرزدق فقال له - الامام يا ابا الاخطل (4)من هذا الغلام معك ؟ قال : ابني وهو شاعر، قال: علمه القرآن فهو خير له من الشعر.فتحت قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (يا ابا الاخطل) قبل ان يعلم أن ذلك الغلام ولده وهو شاعر، سر غامض، ويكاد يكون اخبارا عن غيب. (5).
1) الشرح ١٣٨٤/٧ - ٩٤.
2) الشرح ٨٣/١٥.
3) هو ابن صاحب المواقف المعروفة في مسألة وأد البنات فكان ابوه صعصعة يشتري البسنت من أبيها لذا قال الفرزدق :
4) الاخطل : هو الخفيف السريع، والمتفوه في القول ابن منظور، لسان العرب ۲۲۱/۱۳ - ۲.
5) الشرح ۲٠/١٠ - ۲۲ وانظر الزمخشري : ربيع الأبرار ۷۸/۲.
6) من السلق وهو شدة القول باللسان، قال تعالى: (سلقوكم بالسنة حداد) سورة الاحزاب الآية 19. الرازي: مختار الصحاح ص۳۱۰. ابن منظور : لسان العرب ٢٥/١٢.
7) هي المرأة التي تترك الحياء وتتكلم بالقبيح. ابن منظور: لسان العرب ٤٠٢/٩.
8) هي المرأة المتكلمة بالفحش والقليلة الحياء. ابن منظور: لسان العرب ۲۱۰/۱۰.
فقال لها : لقد سررت بما كان منك اليوم إلى هذا الرجل فادخلی منزلي حتى اهب لك واكسوك، فلما دخلت منزله امر جواريه بتفتيشها وكشفها ونزع ثيابها لينظر صدق قول الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فبكت وسألته الا يكشفها، وقالت انا والله كما قال لي لي ركب النساء، وانثيان كأنثى الرجال، وما رأيت دما قط. فتركها ورجع للامام واخبره، فقال الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ): ان خلیلی رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) اخبرني بالمتمردين على من الرجال والنساء حتى تقوم الساعة. (1)
ثانياً : مصير اصحابه
كان للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدد من الاصحاب يفضي اليهم باسراره وعلومه لذا كانوا السبيل الوصول بعض معارف الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الينا اولئك الصحابة كانوا موضع انتقام من الدولة الأموية التي استلمت مقاليد الحكم. لذلك كان الامامة قد تنبأ بمصير هم :
1) الشرح ۲۸۸/۲.
2) اسلم بعد الحديبية وهاجر إلى المدينة، وقد شهد حروب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). انظر ابن قتيبة المعارف ص ۲۹۱ الطبري: تاريخ ٣٢٦/٤، ٣٧٢ - 3، ٣٩٣ - ٤، ٥، ١٧٩، ٣٣٦، ٢٥٨ – 9، 265. ابن حجر الاصابة ٥٣٢/٢ - ٣. الكشي : رجال ص ٤٦-٨.
3) الشرح ۲۸۹/۲۰ - ۲۹۰ انظر ابن حبيب: المحبر ص490.بيهقي : المحاسن والمساوئ ص ٣٦٦.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الجويرية بن مسهر العبدي (1): «اما والذي نفسي بيده لتعتلن إلى العتل الزنيم، فليقطعن يدك ورجلك وليصلبنك تحت جذع كافر، قال: فوالله ما مضت الا ايام على ذلك حتى اخذ زياد بن أبيه جويرية، فقطع يده ورجله وصلبه». (2)
وقال لميثم التمار (3): «انك تؤخذ بعدي وتصلب، فاذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دما، حتى تخضب لحيتك، فاذا كان اليوم الثالث طعنت بحربة يقضى عليك فانتظر ذلك، والموضع الذي تصلب فيه على باب دار عمرو بن حريث(4)انك لعاشر عشرة انت أقصر هم خشبة وأقربهم إلى المطهرة - يعني الارض - ولأرينك النخلة التي تصلب على جذعها».
وقد قبض على ميثم ايام ولاية عبیدالله بن زياد الكوفة، فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب دار عمرو بن حریث، فأخذ ميثم يحدثهم بفضائل آل البيت فامر ابن زياد بالجامه، فكان اول مخلوق يلجم في الاسلام فلما كان في اليوم الثاني فاضت منخراه وفمه دما، فلما كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات. (5)
1) انظر ترجمته الكشي رجال ص۹۸.
2) الشرح ۲ / ۲۹۰ - ۲۹۱ و انظر ابن المفيد: الارشاد ص.۱۲۰ الطبري: اعلام الوری ص ۱۷۲.
3) هو ميثم التمار الاسدي كان مولى لامرأة فاشتراه الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) واعتقه واصبح من اخلص اصحابه انظر ابن حجر: الاصابة 3 / 504 - 5.
4) عمرو بن حريث من أهل الكوفة روى عن النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ابن حجر: الاصابة ٥٣١/٢.
5) الشرح ۲۹/۲۰ - ٢٩٤. وانظر ابن المفيد: الارشاد ص ۱۲۰ - ۱۲۱. الطبرسي: اعلام الوري ص ١٧٢ - ١٧٤.
6) رشيد بضم الراء. الكشي: رجال ص ۷۱ - ۳.
ثم قال: ردوه لا نجد شيئا اصلح مما قال لك صاحبك انك لا تزال تبغي لنا سوءاً ان بقيت اقطعوا يديه ورجليه ثم قال اصلبوه خنقا في عنقه، ثم قطعوا لسانه (1).
وكان مزرع (2)، احد اصحاب الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحدث في ايام معاوية؛ ليؤخذن طلا رجل فليقتلن، وليصلبن بين شرفتين من شرف المسجد، فقيل له: انك لتحدث بالغيب. فقال: حدثني الثقة علي ابن ابي طالب - قال: فما انت جمعة حتى اخذ مزرع وقتل وصلب بین شرفتين من شرف المسجد (3).
فكانت الناس تستهزأ به وتقول: هذا من اكاذيب ابي تراب، لانه كان من خواصه، وكان هاني بن عروة قدر مي من قصر طمار (5)
اذا كنت لا تدرين ما لموت فانظري*** إلى هانئ في السوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهه ***واخر يهوي من طمار قتيل
مقاتل ص ۷۲.
لوقوفه مع مسلم بن عقيل سفير الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الكوفة ايام عبيد الله بن زياد ورشيد الهجري قطع وصلب یدالله اما مالك بن ضمرة فمات على فراشه (6).1) الشرح 2 / 294. وانظر ابن المفيد: الارشاد ص ٣٦ الطوسي: الامالي ۱٦٧/١-۱۶۸ الطبرسی اعلام الوری ص ١٧٤.
2) هو مزرع بن عبدالله احد اصحاب الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) المفيدم الارشاد ص ۱۲۱ - ۲.
3) الشرح ٢٩٤/٢ - ٢٩٥. وانظر المفيد: الارشاد.
4) انظر ابن حجر: الاصابة ٣٨٣/٣ - ٤.
5) هــو قصر بالكوفة. البغدادي: مراصد الاطلاع ۹۸۲/۲. والى ذلك يقول الشاعر في مسلم بن عقيل وهاني بن عروة الشيباني :
6) الشرح ٢٩٥/٢.
ثالثاً: الدولة الاموية
تنبأ الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقيام الدولة الأموية من بعده، حيث قال لاصحابه «اما انه سيظهر عليكم من بعدي رجل رحب البلعوم مندحق البطن يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه الا انه سيأمركم بسبي والبراءة مني فاما السب فسبوني، فأنه لي زكاة ولكم نجاة، واما البراءة فلا تتبرؤا مني، فاني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الايمان والهجرة» (1).
والامام هنا يقصد تولى معاوية للحكم، حيث كان موصوفاً بالنهم وكثرة الاكل، وكان بطيناً يقعد بطنه اذا جلس على فخذيه، وكان يحب كثرة الاكل حتى قال فيه الشاعر:
و صاحب لي بطنه كالهاوية ***كأن في احشائه معاوية (2)
هذا التنبؤ قد وقع، حيث لما تولى معاوية الحكم امر في جميع الاقاليم بسب الامام والبراءة منه، واستمر ذلك حتى خلافة عمر بن عبد العزيز (3)، ولذلك مدحه الشريف الرضي :
يا ابن عبد العزيز لو بكت العين*** فتى من امية لبكيتك
غير اني اقول انك قد طبت ***وان لم يطب ولم يزل بيتك
انت نزهتنا عن السب والقذف ***فلو امكن الجزاء جزيتك (1)
واستمر خلفاء بني امية وولاتهم على هذا المنوال (2).
قال الاسكافي - أحد معتزلة بغداد : «ان معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية اخبار قبيحة في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله فاختلفوا ما ارضاه منهم عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير» (3).
ان ما اشار إليه الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد وقع، فمروان وصل للحكم بعد ان بلغ الخامسة والستين، وقد فسر البعض - الاكبش الأربعة - باولاد عبدالملك الاربعة الذين تولوا الخلافة - الوليد، سلیمان، یزید، هشام - فيما يرى ابن ابي الحديد ان الاكبش الاربعة هو اولاد مروان لصلبه وهم عبد الملك، وعبد العزيز، وبشر ومحمد، حيث تولى عبدالملك الخلافة، واما عبد العزيز فتولى مصر، فيما تولى بشر العراق، في حين تولى محمد اقليم الجزيرة (5).
واشتدت شكيمته، وثقلت في الارض وطأته، وعضت الفتنة ابنائها بانيابها، وماجت الحرب بأمواجها، وبدا من الايام كلوحها، ومن الليالي كدوحها فاذا اينع زرعه، وقام على ينعه وهدرت شقائقه، وبرقت بوارقه، عقدت رايات الفتن المعظلة، واقبلن كالليل المظلم والبحر الملتطم» (1).
كلام الامام اعلاه كناية عن الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان (٦٤ - ٨٦هـ)، لان هذه الصفات والامارات فيه اتم منها في غيره لانه قام في الشام حين دعا إلى نفسه، وهو معنى نعيقه وفحصت راياته بالكوفة تارة حين شخص بنفسه إلى العراق، وقتل مصعباً، وتارة لما استخلف الامراء على الكوفة كبشر من مروان اخيه وغيره حتى انتهى الامر إلى الحجاج وهو زمان اشتداد شكيمة عبدالملك وثقل وطأته، وحينئذ صعب الامر جداً، وتفاقمت الفتن مع الخوارج وعبد الرحمن بن الاشعث، فلما كمل امر عبدالملك - وهو معنى «اينع زرعه» هلك، وعقدت رايات الفتن المعظلة من بعده، كالحروب التي دارت بين اولاده وبين بني المهلب وزيد بن على وفتن الكوفة ايام يوسف بن عمرو وخالد القسري وعمر بن هبيرة وغيرهم، وما جرى من استئصال الاموال والانفس (2)
ونفى ابن أبي الحديد ان يكون قصد الامام أعلاه هو معاوية لان الأخير كان في ايام الامام نعق بالشام، ودعاهم لنفسه، والكلام يدل على انسان ينعق فيما بعد، حيث يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كأني انظر إلى ضليل قد نعق بالشام» (3).
واكد ابن ابي الحديد ذلك بكلام اخر للامام اشار به إلى عبد الملك اذ
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كأني به قد نعق بالشام، وفحص براياته في ضواحي كوفان، فعطف عليهما عطف الضروس وفرش الأرض بالرؤوس، قد فغرت فاغرته وثقلت في
الارض وطأته بعيد الجولة، عظيم الصولة والله ليشردتكم في اطراف الارض حتى لا يبقي منكم الا قليل كالكحل في العين فلا تزالون كذلك حتى تؤوب إلى العرب عوازب احلامها» (1).
وهذا اخبار عن عبد الملك بن مروان وظهوره بالشام، وملكه بعد ذلك العراق، وما قتل من العرب فيها ايام عبد الرحمن بن الاشعث ومصعب بن الزبير (2).
ودل كلامه «اما والله ليسلطن عليكم غلام ثقيف الذيال المسيال، يأكل خضرتكم ويذيب شحمتكم اية ابا وذحة على الحجاج فهو غلام ثقيف وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلم من حال الحجاج ونجاسته بالمعاصي والذنوب التي لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشاة، لذا كناه «ابا وذحة»، وهذه الكنية اما لدمامته في نفسه، وحقارة منظره، وتشويه خلقته، حيث كان قصيراً ذميماً نحيفاً، اخفش العينين معوج الساقين، قصير الساعدين، مجدور الوجه، اصلع الرأس، فكناه الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) باحقر الاشياء وهو البعرة (3).
وحينما كان الامام الا يخطب بذكر بعض الملاحم، قال له اعشى همدان (4)«يا امير المؤمنين ما اشبه هذا الحديث بحديث خرافة» (5)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ان كنت ائماً فيما قلت يا غلام فرماك الله بغلام ثقيف، ثم سكت، فقام رجال فقالوا: ومن غلام ثقيف يا امير المؤمنين؟ قال: غلام يملك بلدتكم هذه لا يترك لله حرمة الا انتهكها يضرب عنق هذا الغلام بسيفه، فقالوا : كم يملك يا امير المؤمنين؟
1) الشرح 9 / 46 - 47.
2) الشرح 9 / 47، 89.
3) الشرح ۲۷۷/۷ - 8، 280 - 281.
4) هو عبد الرحمن بن عبدالله بن الحارث يكنى أبا المصبح شاعر من اهل أهل الكوفة فة في العصر الاموي، خرج مع ابن الاشعث فوقع أسيراً بيد الحجاج وقتله صبرا ابو الفرج: الاغاني ٤١/٦ - ٧١.
5) هو رجل من عذرة استهوته الجن، ولما رجع اخذ يكلم عنهم فكذب وسمي حديثه حديث خرافة : الميداني : مجمع لامثال ١٩٥/١.
قال: عشرين ان بلغها، قالوا: يقتل قتلاً ام يموت موتاً؟ قال: بل يموت حتف انفه بداء البطن، يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه». وفعلاً فقد اسر اعشی همدان بعد خروجه مع عبد الرحمن بن الاشعث، وأمر به الحجاج فقتل (1).
وتنبأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قام به عبد الله بن الزبير في الحجاز بعد مقتل الامام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: «حُب صُب، يروم امراً، ولا يدركه ينصب حباله الدين لا صطياد الدنيا، وهو بعد مصلوب قريش» (2).
واشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الوالي الاموي - يوسف بن عمر و الثقفي بقوله:.... يأتيكم صاحب اليمن، حتى يحل بين اظهركم، فيأخذ العمال وعمال العمال، رجل يقال له يوسف بن عمرو، ويقوم عند ذلك رجل منا اهل البيت فانصروه فأنه داع إلى الحق». وقيل ان قصد الامام هذا هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).
وصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) الولاة الأمويين: «اثروا عاجلاً، واخروا اجلاً وتركوا صافياً، وشربوا اجنا، كأني انظر إلى فاسقهم، وقد صحب المنكر فألفه، وبسى به ووافقه، حتى شابت عليه مفارقه، وصبغت به خلائقه، ثم اقبل مزيداً كالتيار لا يبالي مــا غرق أو كوقع النار في الهشيم لا يحفل ما حرق» (4).
1) الشرح ۲۸۹/۲، ابن حبيب اسماء المغتالين ٢٦٥/٧ - ٧ وذكرها ابو الفرج مع الاشعث: مقاتل الطالبين ص ٢٠.
2) الشرح ٤٨/٧.
3) الشرح ۳۰۶/۲ روي الاصفهاني ان الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : يخرج بظهر الكوفة رجل يقال له زيد في ابهة (والابهة الملك) لا يسبقه الاولون ولا يدركه الاخرون الا من عمل بمثل عمله يخرج يوم القيامة هو وأصحابه معهم الطـوامـير أو شبه الطوامير حتى يتخطوا اعناق الخلائق فتلقاهم الملائكة فيقولون هؤلاء خلف الخلف ودعاة الحق، وستقبلهم رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) فيقول: يا بني قد عملتم ما امرتم به فادخلوا الجنة بغير حساب مقاتل ص ۸۸ وانظر الصاحب بن عباد عنوان المعارف ص ۵۰.
4) الشرح ٨٨/٩.
ثالثاً: كربلاء
كانت كربلاء قد شغلت آل البيت كثيراً لانه رغم تعدد الفجائع التي حلت بأل البيت النبوي، لم يشهدوا فاجعة كفاجعة كربلاء، اذ تعرض بيت زعيم الدولة الاسلامية للسبي في دولته، وكأنهم في ذلك يجازون النبي مقابل تبليغة للدعوة (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (1)ومثلما تنبأ النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) بأحداث كربلاء (2)نجد الامام علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) تشغله تلك الفاجعة فيذكرها بمزيد من الالم.
فلما توجه إلى نصفين وقف (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موضع كربلاء وقال: ذات كرب وبلاء. وأومأ بيده إلى مكان فقال: هاهنا موضع رحالهم، ومناخ ركابهم، ثم اوماً إلى مكان اخر فقال هاهنا مراق دمائهم. فسأله رجل وما ذاك يا امير المؤمنين؟ قال: ثقل لال محمد ينزل هاهنا، فويل لهم منكم، وويل لكم منهم، فقال الرجل ما معنى ذلك يا امير المؤمنين؟ قال : ويل لهم منكم تقتلونهم، وويل لكم منهم يدخلكم الله يقتلهم النار (3).
لما نزل الامام كربلاء اخذ من ترابها فشمها ثم قال واهاً لك ياثرى ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب، فسمعه هر ثمة بن سليم، فلما كان ایام ابن زياد كان ضمن الجيش الخارج لحرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما وصل كربلاء عرف المكان وتذكر قول الامام فترك الجيش وانسحب (4).
وفهم ابن أبي الحديد من قول الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) «فالارض لكم شاغرة وايديكم
1) سورة الشورى الآية ۲۳ وأنظر تفسيرها القرطبي : الجامع ۲۱/۱٦ – ۲۳.
2) انظر فسي ذلك المحب الطبري: ذخائر العقبى ص ١٥٦ - ١٥٨. وانظر الحاكم المستدرك ١٩٤/٣، ١٩٦ المتقي الهندي كنز العمال 13 / 108، 111 - 114.
3) الشرح ۱۷۰/۳۰ - ٤٨/٧٠٦ وانظر: المنقري : صفين ٢٤١ - ٢. المفيد: الارشاد ص۱۲۳. ابن طاووس: الملاحم والفتن ص ۹۲ - ۹۳ المحمودي: نهج السعادة ١٣١/١ - ١٣٢.
4) الشرح ۱٦٩/٣ - ۱۷۰، المنقري : صفين ص ١٤٠ - ١٤١. المفيد: الارشاد ص ١٢٣.
فيها مبسوطة وايدي القادة عنكم مكفوفة، وسيوفكم عليهم مسلطة، وسيوفهم عنكم مقبوضة» بأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرمز إلى ما سيقع من قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واهله، وكأنه يشاهد ذلك عياناً، ويخطب عليه ويتكلم على الخاطر الذي سنح له والامر الذي كان اخبر به (1).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) للبراء بن عازب (2): يا براء: أيقتل الحسين وانت حي فلا تنصره! فقال البراء لا كان ذلك يا امير المؤمنين. فلما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان البراء يذكر ذلك: ويقول: اعظم بها حسرة اذ لم اشهده واقتل دونه (3). !
وخطب (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: «سلوني قبل ان تفقدوني، فو الله لا تسألوني عن فئة تضل مئة أو تهدي مائة الا انبأ تكم بناعقها وسائقها، ولو شئت لا خبرت كل واحد منكم بمخرجه ومدخله وجميع شأنه». فقام إليه - تميم بن اسامة بن زهير بن دريد التميمي - فقال: فكم في رأسي طاقة شعر ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اما والله اني لا علم ذلك، ولكن این برهانه لو اخبرتك به؟ ولقد اخبرت بقيامك ومقالك، وقيل لي ان على كل شعرة من شعر رأسك ملكاً يلعنك وشيطان يستفزك وآية ذلك ان في بيتك سخلاً يقتل ابن رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ويحض على قتله.
ان ما اخبر به الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد وقع حيث كان وقتها لتميم ولد يدعى – حصين (4)- طفلاً يرضع اللبن، واصبح فيما بعد صاحب شرطة عبیدالله بن زیاد فارسله الاخير إلى عمر بن سعد إلى عمر بن سعد يأمره بمحاربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
1) الشرح ۱۱۷/۷، ۱۲۰ وانظر النص في نهج البلاغة ص 151.
2) هو من الانصار وبعد من الصحابة، غزا مع الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) اربع عشرة غزوة، وفتح الري، وشهد الجمل وصفين والنهروان مع الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مومسات ايام مصعب بن الزبير الكشي: رجال ص ٤٥ - ٦. ابن حجر الاصابة ١٤٢/١ - ٣.
3) الشرح ١٥/١٠ وانظر المفيد: الارشاد ص۱۲۳. الاربلي: كشف الغمة ۲۸۲/۱.
4) انظر الطبري: تاریخ 5 / 372، 392 – 405، 434، 449 (متفرقة).
صبيحة اليوم الذي ورد فيه الحصين بالرسالة في ليلته (1).
ولما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سلوني قبل ان تفقدوني» قال له انس النخعي: اخبرني ما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «والله لقد حدثني خليلي ان على كل طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك، وان كل طاقة شعر من لحيتك شيطانا يغويك، وان في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) و لقد كان ابنه سنان (2)يومها صغيراً وهو من اشترك في قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).
قال رجل للامام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا أمير المؤمنين اني مررت بوادي القرى (4)فوجدت خالدا خالدا بن عرفطة (5)قد مات فاستغفر له». فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) والله ما مات ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن حمار فقام رجل وقال: یا أمير المؤمنين انا حبيب بن حمار، وأني لك شيعة ومحب. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) انت حبيب بن حمار؟ قال: نعم، فقال له ثانية: والله انك لحبيب بن حمار؟ فقال: أي والله. قال : أما والله انك لحاملها ولتحملنها، ولتدخلن بها من هذا الباب - واشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة. قال الراوي: فوالله ما مت حتى رأيت ابن زياد، وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجعل خالد وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته، وحبيب بن حمار صاحب رايته فدخل بها من باب الفيل(6)
1) الشرح ١٤/١٠ - ١٥ وانظر: الطبرسي : اعلام الورى ص ١٧٤.
2) انظر الطبري: تاريخ ٤٥/٥ - ٤٦٨/٤.
3) الشرح ٢٨٦/٢. وانظر المفيد: الارشاد ص۱۲۳. الطبرسی اعلام الورى ص ١٧٤ - ١٧٥.
4) وادي القرى: بين المدينة والشام وهو من اعمال المدينة الحموي : معجم البلدان ۳۳۸ – ۹، ٣٤٥/٥.
5) هو من بني عذرة وجالف بني زهرة شارك في القادسية الطبري، تاريخ ۱۸۹/۳، ۵۳۰ – ۲، 537، 565، 574، 578، 619، 4 / 53، 5 / 268، 6 / 19، 7 / 84 الحاكم المستدرك ٣١٦/٣ ابن حجر الاسارية ٤١٠/١ .
6) الشرح 2٨٦/٢ - ٧. وانظر المفيد ص ۱۲۲ - ۱۲۳ الطبرسی : اعلام الروى ص ١٧٥ ابن طاووس الملاحم ص ۹۲. ابن حجر الاصابة ٤١٠/١ وذكر الاصفهاني على أنها راية معاوية لما : دخل الكوفة مقاتل الطالبيين ص ٤٦ - ٤٧.
رابعاً: الخوارج
حفل كلام الامام الوارد في نهج البلاغة بالاشارات لمستقبل الخوارج منذ عصره (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى العصر العباسي.
هذا الخبر من الاخبار التي تكاد تكون متواترة بالاشتهار ونقل الناس كافة له الذا اصبح من معجزات الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واخباره المفصلة عن الغيوب، والاخبار، تنقسم إلى قسمين، فهناك الاخبار المجملة التي لا اعجاز فيها كما يفعل الملوك والامراء عادة حيث يعدون اصحابهم بالنصر، فلا يدل وقوع ذلك على اخبار عن غيب يتضمن اعجازا، اما الاخبار المفصلة عن الغيوب مثل هذا الخبر، فانه لا يحتمل التلبيس لتقيده بالعدد المعين في اصحابه وفي الخوارج، وقد وقع الامر بعد المعركة كما اخبر به (عَلَيهِ السَّلَامُ) من غير زيادة أو نقص «وذلك أمر الهي عرفه من جهة رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) وعرفه رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) من جهة الله سبحانه وتعالى والقوة البشريه تقصر عن ادراك مثل هذا، ولقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره» (2).
ما كذبت على رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) ولا كذبني رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) (1).
ولما قال اصحاب الامام بعد النهروان «هلك القوم باجمعهم» فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كلا والله انهم نطف في اصلاب الرجال، وقرارات النساء وكلما نجم منهم قرن قطع حتى يكون اخرهم لصوصاً سلابين» (3).
وهذا اخبار صحيح فان الخوارج لم يهلكوا جميعهم في النهروان وان دعوتهم سيدعو بها قوم لم يخلقوا ايام الامام، وتحققت ايضاً نبؤة الامام بأن اخرهم لصوصاً سلابين، فأن دعوتهم اضمحلت، وفنى رجالهم، حتى انقضى الامر بهم إلى ان صاروا قطاعا للطرق متظاهرين بالفساد والفسوق مثل الوليد بن طريف الشيباني ايام الرشيد (4)، وابن عمر و الخثعمي (5)ايام المتوكل (۲۳۲ - ٢٤٧) الذي ذمه البحتري (6)في احدى قصائده (7).
قال ابن ابي الحديد: «ومن المشهورين برأي الخوارج الذين تم بهم صدق قول امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): (انهم نطف في اصلاب الرجال، وقرارات النساء): عكرمة
1) الشرح ١٣٠/٦ وانظر: الطبرسي: اعلام الوری ص ۱۷۰.
2) الشرح ١٣٢/٤. ولمزيد من التفاصيل الشرح ١٣٢/٤ – 278، 5 / 80 - ١٢٩ وانظر المبرد: الكامل ٤٠٣/٣ - ٤١٤، الطبري التاريخ ۱۱۹/۹ – ۱۲۷، ۱۷4، ۱۹5 - ۱۹۹، ۲۱۱ - ۲۱۵، 216 - ٢٥٦، ٢٥٧ – ٢٨٤، 300 – 311.
3) الشرح ١٤/٥ وانظر المحمودي: نهج السعادة ۳۱٦/٢.
4) الشرح ٤.٧٣/٥ وانظر الطبري : تاريخ ٢٥٦/٨ ابن خلكان وفيات ٣١/٦ – ٣٤.
5) الشرح ٧٤/٥-٧٦.
6) ديوان البحتري ۱۳۷۳/۲.
7) الشرح ٧٤/٥ - ٧٦.
مولى ابن عباس (1)... والمنذر بن الجارود العبدي (2)ومنهم يزيد بن أبي مسلم (3)مولى الحجاج... ومنهم صالح بن عبدالرحمن (4). صاحب ديوان العراق. وممن ينسب إلى هذا الرأي من السلف جابر بن زيد (5)وعمرو بن دينار (6)و مجاهد (7)... وابو عبيدة معمر بن المثنى التميمي(8)، يقال انه كان يرى رأي الصفرية (9)، ومنهم اليمان بن رباب (10)، وكان على رأي البهسية (11)، وعبد الله بن يزيد (12)ومحمد بنحرب (13)ويحيى بن كامل (14)، وهؤلاء أباضية (15). وقد نسب إلى هذا المذهب ايضاً.
1) ذكر الشهرستاني انه من الخوارج الملل ۲۸۵/۱.
2) الشهرستاني : الملل ۲۱۸/۱ الطوسي الفهرست ص الكشي: رجال ص ۱۹۹.
3) هو مولى الحجاج وتولى خراج الكوفة والبصيرة إيهام الوليد بن عبد الملك سليمان سنة ٩٦ وقتل في أفريقيا سنة ١٠2 هـ الطبري: ٢٤/٦.
4) ولاه سليمان بن عبد الملك سنة ٩٦ هـ على خراج العراق الطبري 1 / 506، 508، 522 – 3، 525.
5) الطبري: المنتخب ص ٦٤٦، ٦٧٩ الفلوسي: الفهرست ص 70 ابو نعيم: حلية الأولياء ٨٥/٣ - 91. الذهبي : تذكرة الحفاظ ۷۲/۱.
6) هو راو وفقيه وسمن خرج على الحجاج مع ابن الاشعث الطبري: تاريخ 1 / 115، 225، 344، 366، 2 / 219، 384، 389 – 90، 3، 32، 240، 4، 39، 5، 345، 6، 488.
7) هو مجاهد بن جبر من الرواة في الفقه والتفسير، خرج على الحجاج مع ابن الاشعث، فتحيسه الحجاج حتى مات الحجاج. وشارك في غزوة القسطنطينية عام ٩٨ مع مسلمة. الطبري 6 / 488، 530.
8) هــو صاحب المؤلفات في اللغة والاخبار ابن قتيبة المعارف ص ٥٤٣. الاشعري مقالات الاسلاميين ١٨٤/١ ابن النديم الفهرست ص ۷۹ - ۸۰ ابن خلكان وفيات ٢٣٥/٥ – ٢٤٣.
9) احدى فرق الخوارج تنسب الى زياد بن الاصفر الاشعري: مقالات الاسلاميين ۱٦٩/١. الملطي: التنبيه والرد ص ۵۲، ۱۷۸ الشهرستانی الملل 1 / 183 – 5.
10) هو من زعماء الخوارج وله مؤلفات في ذلك اكثرها ردود على مخالفين. انظر ابن النديم الفهرست ص ٢٥٨. الشهرستانی الملل۱۸٥/١.
11) نسبة إلى ابي بيهس الهيصم بن جابر الذي قتل ايام الوليد الاشعري: مقالات الاسلاميين ۱۷۷/۱ - ۱۸۲. الملطي: التنبيه ص۱۸۰. الشهرستاني : الملل ۱٦٩/١-۱۷۲.
12) هو من الخوارج الاباضية، وله كتب في الرة على المعتزلة ابن النديم الفهرست ص ۲۵۸ الشهرستانی: الملل ۱۸٥/١.
13) هو من متكلمي الخوارج وله مؤلفات ابن النديم الفهرست ص۲۵۸. الشهرستاني : الملل ۱۸۵/۱.
14) كان مرجئيا ثم اصبح خارجيا وله مؤلفات في الرد على المخالفين بن النديم: الفهرست ص.٣٥٨ الشهرستانی الملل ۱۸۵/۱.
15) نسبه إلى عبد الله بن اباض وهي أحدى فرق الخوارج الشهرستاني: الملل: ۱۸۰/۱ - ۱۸۲ الملطي: التنبيه ص 52، 178.
من قبل ابو هارون العبدي (1)، وأبو الشعثاء (2)، واسماعيل بن سميع(3)وهبيرة بن بريم (4)... ونسب ابو العباس محمد بن يزيد المبرد (5)، إلى رأي الخوارج لاطنا به في كتابه المعروف بالكامل - في ذكرهم وظهور الميل منه اليهم (6)».
خامساً: زوال الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية
في أكثر من نص نجد الامام قد اشار إلى أن الدولة الأموية ستزول وتقوم مقامها الدولة العباسية، ومنها:
«ان لبني امية مرودا يجرون فيه، ولو قد اختلفوا فيما بينهم، ثم لو كادتهم الضباع لغلبتهم».
ان الاخبار اعلاه هو عن غيب صريح، فالامويون لم يزل ملكهم منتظما حينما لم يكن هناك اختلاف بينهم، بل حروبهم مع غيرهم كحرب معاوية للامام في صفين، وحرب ب يزيد لاهل المدينة في موقعة (الحرة)، وعبد الله بن الزبير في مكة، وحرب مروان بن الحكم للضحاك، وحرب ب عبد الملك بن مروان مع ابن الاشعث وابن الزبير وحرب يزيد بن عبدالملك لبني المهلب، وحرب هشام بن عبد الملك لزيد بن علي، لكنه لما تولى الوليد بن يزيد وخرج عليه ابن عمه يزيد
1) الشهرستاني: الملل ١٨٥/١.
2) هو جابر بن زيد الطيري ۲۲٤/٥، ۲۳۷، ابو نعيم حلية الأولياء ۸٥/٣ - ۹۱ الشهرستاني الملل ۱۸۵/۱.
3) هو اسماعيل بن سميع. الطبري: تاريخ ٧٣/٥ الشهرستاني : الملل ١٨٥/١.
4) ترجمناه ص ۲۵۳.
5) هو صاحب كتاب - الكامل في الادب - وقد تحدث كثيراً عن الخوارج لذا اعتمده لذا اعتمده ابن أبي الحديد كمصدر عن الخوارج. انظر الكامل ١٦٤/٣ - ٤١٤.
6) الشرح 5 / 76 – 77.
بن الوليد وقتله، اختلفت بنو امية فيما بينها وجاء الوعد وصدق من وعد به فانه منذ قتل الوليد دعت دعاة بني العباس بخراسان واقبل مروان بن محمد من الجزيرة يطلب الخلافة، فخلع ابراهيم بن الوليد، وقتل قوما من بني امية، وكان زوال ملكهم على يد ابي مسلم، وكان في بدايته اضعف خلق الله واعظمهم فقرا ومسكنة، وفي ذلك تصديق قوله الله ثم ولو كادتهم الضباع لغلبتهم (1).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذات المعنى «فاقسم بالله يا بني امية عما قليل التعرفنها في ايدي غيركم وفي دار عدوكم». وقد وقع الامر بموجب ما اخبر به (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فان الخلافة بقيت بايديهم تسعين سنة ثم عادت للهاشميين، وانتقم الله منهم بايدي اشد الناس عداوة لهم (2).
واشار ثالثة : فعند ذلك لا يبقى بيت مدر ولا وبر الا وادخله الظلمة ترحه. وادلجوا فيه نقمة، فيومئذ لا يبقى لهم في السماء عاذر ولا في الارض..ناصر... فاقسم ثم اقسم لتنخمنها امية من بعدي كما تلفظ النخامة، ثم لا تذوقها ولا تتطعم بطعمها ابدا ماكر الجديدان.
وهذا النص ايضاً اخبار عن الدولة الأموية، وزوال أمرهم بعد تفاقم احوالهم (3).
الا نافعا لهم، أو غير ضائر بهم. ولا يزال بلاؤهم عنكم حتى لا يكون انتصار احدكم منهم الامثل انتصار العبد من ربه والصاحب من مستصحبه ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية، وقطعا جاهلية، ليس فيها منار هدى ولا علم يرى نحن اهل البيت منها بنجاة، ولسنا فيها بدعاة، ثم يفرجها الله عنكم كتفريج الاديم، بمن يسومهم خسفا ويسوقهم عنفا، ويسقيهم بكأس مصبرة لا يعطيهم إلا السيف، ولا يحلسهم الا الخوف، فعند ذلك تود قريش بالدنيا وما فيها لو يرونني مقاما واحدا ولو قدر جزر جذور لأقبل منهم ما اطلب اليوم بعضه فلا يعطونيه» (1).
ان كلام الامام اعلاه اشارة إلى ان فتنة بني امية سوف تعم الكل من حيث كانت رياسة شاملة لكل احد، وحظ اهل البيت وشيعتهم من بلاءها اعظم والذين لا يزالون بالناس قتلا حتى لا يتركوا الامن ينفعهم ابقاءه، أو لا يضرهم تركه حتى يكون انتصار الناس منهم كانتصار العبد من مولاه، هذا يعني انهم لا ينتصرون منهم لان العبد لا ينتصر من مولاه ابدا ولا يزال الامر كذلك حتى ينفرج عنكم بمن يسومهم خسفا ويوليهم ذلا، وهذا الكلام اختبار عن ظهور المسودة ورايات بني العباس وانقراض الدولة الأموية، وقد وقع الامر كما اخبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصدق في قوله «لقد تود قريش...» حيث ان الخليفة الأموي الاخير مروان بن محمد قال يوم الزاب لما شاهد عبدالله بن علي بازائه في صف خراسان: لوددت ان علي بن ابي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى (2).
صبرا، فحصد القائم هو قتل المحاربة، وحطم الحصيد هو القتل صبرا، وهكذا وقعت الحال مع عبدالله بن علي والسفاح (1).
سادساً: الدولة العباسية
ويرى بعض المعتزلة ان قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها» في هذا اشارة إلى خلافة أبي العباس السفاح وابي جعفر المنصور، حيث ازالوا الدولة الأموية، وبهم عطفت الدنيا على بني عبدالمطلب عطف الضروس (2).
اخبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عبد الله بن عباس بانتقال الامر لاولاده، حيث لما ولد لعبد الله ولد حنكه الامام بتمرة قد لاكها ثم دفعه لابيه قائلا: «خذ اليك أبا الأملاك» (3).
1) الشرح 7 / 98، 101.
2) الشرح ٢٩/١٩.
3) الشرح ٤٩/٧ - ٥٠. وانظر: مؤلف مجهول : أخبار العباس، ص ١٣٤.
4) احجار الزيت موضع بالمدينة المنورة الحموي : معجم البلدان ۱۰۹/۱.
5) باخمری: موضع بين الكوفة وواسط الحموي : معجم البلدان ۳۱٦/۱.
6) الشرح ٤٨. وانظر ٣٠٧/٣ - ٣١٢. الاصفهاني: مقاتل الطالبيين ١٥٧ - ٢٥٦.
7) طبرستان من أقاليم بلاد فارس فتحت مدنها منذ عهد الخليفة عثمان (رضي الله عنه). الحموي: معجم البلدان ١٣/٤ - ١٦ الحميري : الروض ص ٣٨٣ – ٥.
8) الداعي ناصر الحق الحسن بن علي بن الحسن بن زيد بن عمر بن الحسين بن علي. ابن النديم الفهرست ص ٢٧٣ - ٤ الشهرستاني : الملل ۲۱۸/۱ ابن المرتضى طبقات المعتزلة ص ۱۱۷.
9) هو الحسن بن زيد بن محمد بن اسماعيل بن الحسين بن الحسن بن الحسين بن علي انظر: الهمذاني: تكملة تاريخ الطبري ص ٣٤٤. ابن النديم الفهرست ص ٢٧٤ الشهرستاني: الملل ۳۱۸/۱. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة، ص ۱۱۷.
بقوله: «وان لال محمد بالطالقان (1)كنزا سيظهره الله اذا شاء، دعاؤه حق، يقوم بأذن الله فيدعوا إلى دين الله» (2).
ابو الفرج: الأغاني ٣٣٢/٤ - ٣. ولم يتضح لي المقصود بقتلى وج.
.1) الطالقان بلدتان في خراسان الحموي : معجم البلدان ٦/٤ - ٨ الحميري: الروض ص ۳۸۰ - 1.
2) الشرح ٤٨/٧.
3) اسم يطلق على الطائف قديما، نسبة إلى وج بن عبد الحي من العمالقة، ولما احاطها قسي وهو ف سميت الطائف. انظر: الهمداني: مختصر كتاب البلدان، ص ۲۳ الشريف الرضي ثقيف بطوف المجازات النبوية ص ٦٣. الحموي: ٦٣. الحموي: معجم البلدان 4 / 9، ٣٦١/٥ الحميري: الروض المعطار ص 17، 379، 608.
4) الشرح ٤٨/٧. لم يتسنى لي معرفة قصد الامام، ولم يوضح ابن أبي الحديد مراد الامام مـن قتلى – وج -، وقد ذكر ابو عدي عبدالله بن عمر بن عبد الله العبلي الاموي القرشي ت ١٤٥ وهو شاعر مخضرم في الدولتين الأموية والعباسية، ومن اهل المدينة وكان في أيام الدولة الأموية يذمهم ويسميل لبني هاشم ولما آل الأمر إلى العباسيين أكرموه. وقد ذكر «وج» في شعر له اذ يقول :
وقتلى بوج وباللابتين ***من يثر خير ما انفس
5) المزيد من التفاصيل عنها، وانظر: المقريزي اتعاظ الخلفا بذكر الائمة الفاطميين الخلفا. المقريزي : الخطط ٣٤٨/١ - ٤٩٦. حسن ابراهيم حسن تاريخ الدولة الفاطمية.
6) احدى القبائل المغريبة انظر موسى لقبال: دور كتامة في تاريخ الدولة الفاطمية.
المسجى بالرداء، لان اباه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) سجاه بردائه لما مات وأدخل إليه وجوه اصحابه ليعلموا موته وتزول الشبهة عليهم في أمره (1).
ان ما اخبر به (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد وقع - لان القرامطة قتلت من ال بني طالب عددا كثيرا. ويذكر ان - ابا طاهر سليمان بن الحسن الجنابي (2)- مر بجيشه بارض الغري (3)والحائر (4)، ولم يزر ايا منهما ولا دخل ولا وقف. واشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ما يفعلونه بالحجر الاسود: «كأني بالحجر الاسود منصوبا هاهنا، ويحهم أن فضيلته ليست في نفسه، بل في موضعه واسمه يمكث هاهنا برهة - واشار إلى البحرين - ثم يعود إلى مأواه، وام مثواه» وقد وقع الامر في الحجر الاسود حسبما اخبر به (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).
1) الشرح ٤٨/٧ - ٤٩.
2) هو احد زعماء القرامطة أنظر ترجمته ابن خلكان وفيات الاعيان ١٤٨/٢ - ١٥٠ ابن تغدي : النجوم الزاهرة ٣٢٥/٣.
3) هو القطعة من الجبل، والشيء الحسن، وسمي الموقع الذي فيه مرقد الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالغري. الحموي معجم البلدان ۱۹٨/٤ - ۲۰۰.
4) هو الموضع الذي يتحير فيه الماء. وسمى مرقد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحائر. الحموي : معجم البلدان 2 / 208 - 9.
5) الشرح ١٣/١٠ - ١٤. وعن اخذهم الحجر الاسود ثم ارجاعه انظر: الهمداني: تكملة تاريخ الطبري ص ٢٦٣ - ٤، ٣٧١.
6) لمزيد من التفاصيل انظر الطبري تاريخ ٤١٠/٩ - ٦٦١. ناجي: تاريخ الطبري مصدرا عن ثورة الزنج ص ۳۷ - ۹۲ التنظيم العسكري لجيش صاحب الزنج ص ١١٦ - ١٥٧. صاحب الزنج ص ۱۱ - ۲۳. فوزي: التاريخ الاسلامي ص ۳۲۳ - ۳٦٦.
بأقدامهم كانها اقدام النعام» اشار الشريف الرضي: ان الامام يقصد بذلك حركة الزنج التي ظهرت في العصر العباسي (٢٥٥ - ۲۷۰)، وقد ترك ظهورها اثار ا سلبية ٢٧٠)، على مدينة البصرة حيث يقول الامام: «ويل لسككم العامرة، والدور المزخرفة التي لها اجنحة كاجنحة النسور وخراطيم كخراطيم الفيلة؛ من اولئك الذين لا يندب قتيلهم، ولا يفقد غائبهم» (1).
وقد اختلفت الاراء في طبيعة هذا الجيش، ورأى البعض ان الامام يقصد به حركة الزنج. ولكن ابن أبي الحديد لا يرى ذلك لان جيش الزنج كان ذا حس ورهج خلاق ما وصفه الامام اعلاه، ولانه انذر البصرة بهذا الجيش عند حدوث تلك الفتن، حيث لم يكن قبل خروج صاحب الزنج فتن شديدة على الصفات التي ذكرها الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).
1) الشرح ۱۲۵/۸ ابن طاووس الملاحم ص ۱۰۱، ۱۰۹. تجدر الاشاره إلى ان ابن أبي الحديد، تحدث بالتفصيل عن حركة الزنج واقتبس ما جاء لدى الطبري ولكن يشار إلى انه حذف كثيرا مما جاء لدى الطبري ولم يأت بشي جديد ولم بيد أي تحليل للموضوع لذا فلا فائدة مما جاء به خاصه وأن الطبري موجود لدينا. انظر: الشرح ١٢٦/٨ - ٢١٤، ناجي: تاريخ الطبري ص ٨١ - 82.
2) انظر سنن ابي داود ١١٣/٤ - ٤.
3) الشرح ١٠٤/٧.
كان ابوهم صياد سمك وهي مهنته التي يتقوت منها، فأخرج الله من صلبه ثلاثة ملوك، وانتشرت ذريته ثم اشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لزيادة امر هم « ثم يستشري امرهم حتى يملكوا الزوراء، ويخلعوا الخلفاء». فقال له :قائل: فكم مدتهم يا امير المؤمنين؟ قال: مائة أو تزيد قليلا وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيهم: «المترف ابن الاجذم يقتله ابن عمه على رجله» وفى هذا اشارة إلى عز الدولة بختيار (1)بن عز الدولة ابي الحسين وكان معز الدولة اقطع اليد قطعت يده للنكوص في الحرب، وكان ابنه عز الدولة بختيار مترفاً صاحب لهو وشرب قتله - عضد الدولة فنا خسرو - ابن عمه بقصر الجص على دجلة في الحرب وسلبه ملكه (2). واما خلعهم للخلفاء العباسيين، فقد خلع معز الدولة - الخليفة العباسي المستكفي ورتب بدله المطيع (3)، وبهاء الدولة أبو نصر - بن عضد الدولة خلع الطائع ووضع مكانه القادر، اما مدة حكمهم فكان كما ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلغت مائه سنة وثلاثة عشر (٣٣٤ - ٤٤٧) (4).
1) عن بختیار انظر: ابن الأثير : الكامل ٥٧٥/٨ - ٦، ٦٣١ - ٦٤٣،٦، ٦٥١ - ٦٩١ الثعالبي : يتمية الدهر ٢٦٠/٢ ابو حيان الامتاع والمؤانسة ١٥٧،١٥٤،١٥،٧٨/٣.
2) انظر ذلك في ابن الاثير الكامل ٦۹۱/۸.
3) انظر ذلك في ابن الاثير الكامل ٤٥٠/٨ - ٤٥١.
4) الشرح ٤٩/٧.
5) الشرح ٢١٥/٨. وانظر التفاصيل الشرح ۲۱۸/۸ - ٢٤٣. وورد كذلك في ست ابی داود ۱۱٢/٤. ابن طاوس الملاحم ص ١٠٩. وتجد والاشارة ان ابن أبي الحديد اعتمد في ما جاء لديه عن التتار على ما جاء لدى ابن الأثير في الكامل في التاريخ وان كان ابن أبي الحديد قد أغفل الاشارة عنها في ذلك، وادعى انه لم يسبقه احد للكتابة عن النتار وبعد المقارنة وجدنا ابن أبي الحديد ينقل مادته من ابن الأثير حتى سنة ٦٢٧هـ، اما ما جاء في الفترة (٦٤٣ - ٦٢٧) وهي قليلة جدا فلم يشر للمصادر ويمكن أن يكون هو مصدرها. قارن الكامل في التاريخ ٣٥٨/١٠- 504.
قال ابن أبي الحديد: «واعلم ان هذا الغيب الذي اخبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه قد رأيناه نحن عيانا، ووقع في زماننا، وكان الناس ينتظرونه من اول الاسلام حتى ساقه القضاء والقدر إلى عصرنا وهم التتار»(1). وقد استنتج ابن أبي الحديد من كلام الامام «ويكون هناك استحرار قتل» بأن الامام اتى بالكاف، حيث اذا وقعت عقيب الاشارة افادت البعد، فنقول للقريب هنا وللبعيد هناك كما هو في لغة العرب اذ لو كان لهم استحرار قتل في العراق فلا يقول: هناك، بل المفروض ان يقول : هنا لانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب خطبته هذه في البصرة وهي وبغداد ضمن بلد واحد وهو.العراق. وعلق قائلا: «فليلمح هذا الموضوع فأنه لطيف» (2).
ان ابن أبي الحديد كان وقت احاطة المغول لبغداد يكتب شرح نهج البلاغة، وقد لاحظ ان جند بغداد قد حققوا بعض الانتصارات على المغول مما ادى لانسحاب المغول عن بغداد قبيل عام ٦٤٩ هـ وهي السنة التي انتهى بها من الشرح. وقد تناسى ابن أبي الحديد ان بغداد ايام الامام لم تكن موجودة، وانه لا يمكن استخدام ضمير الاشارة القريب لمكان يبعد حوالي (٦٠٠) كم عن البصرة.
قال ابن ابي الحديد في شرحه: «اما اخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن البصرة تغرق عدا المسجد الجامع بها، فقد رأيت من يذكر ان كتب الملاحم تدل على ان البصره تهلك بالماء الاسود ينفجر من ارضها فتغرق ويبقى مسجدها. والصحيح ان المخبر به قد وقع، فأن البصرة غرقت مرتين، مرة في ايام القادر بالله، ومرة في ايام القائم
بامر الله غرقت باجمعها ولم يبقى منها الا مسجدها الجامع بارزا بعضه كجوجو الطائر، حسب ما اخبر به امیر المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، جاءها الماء من (الخليج العربي)... ومن جهة الجبل المعروف بجبل السنام (1)، وخربت دورها و غرق كل ما في ضمنها، وهلك كثير من اهلها واخبار هذين الغرقين معروفة عند اهل البصرة يتناقلها خلفهم من سلفهم» (2).
و تنبأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لظهور العناصر الاجنبية وكثرتها بعد بناء مدينة بغداد، وما يتبع ذلك من تطور في الجوانب العمرانية اذ يقول: «اذا كثرت فيكم الاخلاط واستولت الانباط، دنا خراب العراق، ذلك اذا بنيت مدينة ذات اثل وانهار، فاذا غلت فيها الاسعار وشيد فيها البنيان وحكم فيها الفساق واشتد البلاء، وتفاخر الغوغاء؛ دنا خسوف البيداء، وطاب الهرب والجلاء، وستكون قبل الجلاء امور يشيب منها الصغير، ويعطب الكبير، ويخرس الفصيح ويبهت اللبيب يعاجلون بالسيف صلتا، وقد كانوا قبل ذلك في غضارة من عيشهم يمرحون فيالها مصيبة حينئذ من البلاء العقيم، وبالبكاء الطويل، والويل والعويل وشدة الصريخ في ذلك امر الله وهو كائن» (3).
واشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ما يجري في مستقبل الزمان مما يكون سبيا في عدم الامان: «ذلك عند تمرد الاشرار، وطاعة أولى الخسار ذاك اوان الحتف والدمار ذاك ادبار امركم وانقطاع اصلكم وتشتت الفتكم وانما كان ذلك عند ظهور العصيان، وانتشار الفسوق، حيث يكون الضرب بالسيف اهون على المؤمنين من اکتساب در هم حلال؛ حين لا تنال المعيشة الا بمعصية الله في سمائه، حين تسكرون من غير شراب، وتحلفون من غير اضطرار، وتظلمون من غير منفعة
وتكذبون من غير احراج بالفسوق، وتبادرون بالمعصية، قولكم البهتان وحديثكم الزور، واعمالكم الغرور، فعند ذلك لا تأمنون البيات فياله من بيات ما اشد ظلمته ومن صائح ما افضع صوته! ذلك بيان لا ينمي صاحبه، فعند ذلك تقتلون، وبانواع البلاء تضربون، وبالسيف تحصدون، والى النار تصيرون، ويعظكم البلاء كما يعض الغارب القتب (1). يا عجبا كل العجب بين جمادي ورجب (2). من جمع اشتات وحصد نبات، ومن أصوات بعدها اصوات... سبق القضاء... سبق القضاء» (3).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) ايضاً : «يأتى على الناس زمان لا يقرب فيه الا الماحل ولا يظرف فيه الا الفاجر، ولا يضعف فيه الا المنصف، يعدون الصدقة فيه عزما، وصله الرحم منا، والعبادة استطالة على الناس، فعند ذلك يكون السلطان بمشورة الاماء
1) الغارب: كاحل البعير والقتب: رحل صغير على قدر السنام ابن منظور / لسان العرب ١٣٦/٢.
2) اول من قالها عاصم بن القشعر. حيث لما قتل الخسفي بن حشرم الشيباني اخو عاصم واسمه ابيده في آخر يوم من أيام جمادي الاخرة، أراد عاصم أن يقتل الخسفي قبل هلال رجب فادركه وقتله وقال المثل الميداني: مجمع الامثال ٢٤/٢.
3) الشرح ١٣٥/٦.
4) الشرح ١٠٠/٧ - ١١٣.
5) الشرح ١٠٤/٩-١٠٥.
وامارة الصبيان وتدبير الخصيان» (1). ـ وتنبأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخروج جيش حتى اذا كان بالبيداء خسف به (2).
سابعاً: الامام المهدي
شغلت فكرة الامام المهدي (3)حيزا في كلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) وان لم يصرح به ولكن اشار له بالرمز، وقد وظف ابن أبي الحديد كلام الامام بما يطابق وجهه نظر الاعتزال واذا ما أشكل عليه يلجأ إلى التأويل أو طرح الاحتمالات. ومن النصوص الواردة في النهج بخصوص الامام المهدي :
«وبنا تختم لا بكم» (4).
«فیا بن حرة الاماء، متى تنتظر ابشر بنصر قريب من رب رحيم الافويل للمتكبرين عند حصاد الحاصدين وقتل الفاسقين، عصاة ذي العرش العظيم، فبابي وامي من عدة قليلة اسمائهم في الارض مجهولة. قد دنا حينئذ ظهورها» (5).
«فانصروا اهل بیت نبيكم فان لبدوا فالبدوا، وان استنصر وكم فانصر وهم، فليفرجن الله الفتنة برجل منا اهل البيت بأبي ابن خيره الاماء، لا يعطيهم الا السيف هرجا هرجا موضوعا على عاتقه ثمانية اشهر، حتى تقول قريش لوكان هذا من ولد فاطمة لرحمنا يغريه الله ببني امية حتى يجعلهم حطاما ورفاتا
1) الشرح ٢٦٠/١٨. وانظر الخوئي : الدرة النجفية ص ٣٦٢.
2) الشرح ٢٩٥/٢ وانظر: ابي داود: سنن ۱۰٨/٤ ابن طاووس الملاحم ص ٥٣.
3) عن فكرة المهدي: انظر ابي داود سنن ۱۰٦/٤ - ۱۰۹ الطبرسي اعلام الورى ص ٤٧٨ سبط ابن الجوزي: تذكرة ٣٦٣ - ٥. ابن طاووس: الملاحم ص ١٣ - ١٥٠ الاربلی کشف الغمة ۲۳۳/۳ - ۲٦۳. ابن كثير نهاية البداية والنهاية ۳۷/۱ - ٤۱ الهيتمي: الصواعق المحرقة ص ١٦٠ - ١٦٧. الصبان: اسعاف الراغبين ص ۱۳۳ - ١٤٨ الشبلنجي: نور الابصار ص ١٦٨ – ۱۷۲.
4) الشرح ۲۸۱/۱.
5) الشرح ١٣٥/٦.
ملعونين اينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد السنة الله تبديلا (1)» (2).
وبعد ان اشار الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى نفسه كناية قال: «فلبثتم بعده ما شاء الله حتى يطلع الله لكم من يجمعكم ويضم نشركم» (3).
«يعطف الهوى على الهدي اذا عطفوا الهدى على الهوى ويعطف الرأي على القرآن، اذا عطفوا القرآن على الرأي» (4).
«يا قوم هذا ابان ورود كل موعود، ودنوا من طلعه ما لا تعرفون الا وان من ادركها منا يسري فيها بسراج منير، ويحذر فيها على مثال الصالحين، ليحل فيها ريقا، ويعتق منها رقا، ويصدع. شعبا ويشعب صدعا، وفي ستره على الناس. لا يبصر القائف (5)اثره، ولو تابع نظره» (6).
«قد لبس للحكمة جنتها واخذها بجميع أدبها من الاقبال عليها، والمعرفة بها، والتفرغ لها، فهي عند نفسه ضالته التي يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها، فهو مغترب اذا اغترب الاسلام، وضرب بعسيب ذنبه، والصق الارض بجرانه، بقيه من بقايا حجته وخليفة من خلائف انبيائه» (7).
«ان الدنيا تسع البر والفاجر حتى يبعث الله امام الحق من ال محمد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)» (8).
1) مأخوذة من قوله تعالى في سورة الاحزاب اية ٦٢.
2) الشرح ٥٨/٧. وأنظر سليم ص ۲۱۱ – ۲۱۲.
3) الشرح ٨٤/٧. وأنظر سليم ص ٢١٢.
4) الشرح ٤/٩.
5) هو الذي يتبع الاثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل باخيه وابيه ابن منظور لسان العرب ٢٠٢/١١.
6) الشرح ١٢٦/٩.
7) الشرح ٩٥/١٠٠.
8) الشرح ٤٥/١٣. وانظر أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ٤٤.
«لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها» (1).
«فاذا كان ذلك ضرب يعسوب الدین بذنبه فيجتمعون الى كما يجتمع فزع الخريف» (2).
من خلال النصوص السابقة يطرح ابن أبي الحديد وجهة نظر المعتزلة في فكرة المهدي، فهو من ولد فاطمة الزهراء(عَلَيهَا السَّلَامُ) اسمه اسم الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، ولكنه لم يخلق بعد كما تقول الامامية (3)- وانما سيخلقه الله اخر الزمان (4). ومن صفاته انه من ولد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانه اجلی (5)الجبين، اقنى (6)الانف ضخم البطن، ازيل (7)الفخذين، أبلج الثنايا بفخذه الايمن شامة (8)، اما امه فهي ام ولد حيث يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) «یابن خيرة الاماء» (9).
ان الفترة السابقة لظهور المهدي تتميز بالفتن والاضطرابات كخروج دابة لارض وفتنة الدجال، وظهور السفياني (10)، ولذا نجد الامام المهدي في بدء امره مستترا فترة من الزمن، وهذا ما يذهب إليه الامامية، ولكن ابن أبي الحديد يرى ان
1) الشرح ۲۹/۱۹ وانظر الزمخشري: ربيع الابرار، ۸۰/۱.
2) الشرح ١٠٤/١٩.
3) عن رؤية الامامية للمهدي انظر المفيد: الارشاد ص ٢٤٠ - ٢٥٤.
4) الشرح 1 / 281، 7 / 59 / 94، 10 / 96، 16 / 45، 19 / 29، 105.
5) الاجلى: الخفيف الشعر والذي انجلى الشعر عن جبهته، ابن منظور لسان العرب ١٦٤/٨ – ١٦٥.
6) هو ارتفاع في اعلى الانف واحد يداب في وسطه وسبوغ في طرفه. ابن منظور، لسان العرب ٦٥/٢٠.
7) الازل: هو الخفيف الوركين، ابن منظور، لسان العرب ۳۲۸/۱۳.
8) الشرح ۲۸۱ - ۲ وانظر: ابن قتيبة غريب الحديث ۱۱۷/۲. ابي دود سنن ۱۰۷/۲. ابن طاووس: الملاحم ص ۱۱۳. ابن منظور لسان العرب ١٦٤/١٨ ابن كثير نهاية البداية والنهاية ٣٩/١.
9) الشرح ۵۸/۷.
10) الشرح ١٣٤/٦ - ۵، ۱۲۸/۹ وانظر ابسي داود: سنن ۱۱۵۱۸/٤ وابن كثير نهاية البداية والنهاية ٥٠/١ - ١٦٥، ١٩٠.
هذا الاستتار يتكون في اخر الزمان بعد ان يخلق اذ يقول: «ليس ذلك بنافع للامامية في مذهبهم أن ظنوا انه تصريح بقولهم، وذلك لانه من الجائز أن يكون هذا الامام يخلقه الله تعالى في اخر الزمان ويكون مستترا مدة وله دعاة يدعون اليه ويقدرون امره ثم يظهر بعد ذلك الاستتار. ويملك الممالك ويقهر الدول ويعهد الارض» (1).
اكد الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)ان المهدي لا يبصره القائف، ولا يعرف اثره حتى لو تابع النظر والتأمل (2).
وفي اشارته إلى ان المهدي سيقضي على الامويين يأتي التساؤل وهل هناك وجود لبني امية اخر الزمان؟ هنا ابن أبي الحديد يطرح رؤيتين:
الاولى رؤية الامامية حيث يقولون بالرجعة (3)، ويرون أنه سيعاد قوم باعيانهم إلى الدنيا من الأمويين وغيرهم اذا ظهر المهدي فيقطع ايدي وارجل البعض ويسمل عيون آخرين ويصلب وينتقم من اعداء آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
الثانية: رؤية الاعتزال: ان المهدي يظهر بعد ظهور السفياني الوارد في الاخبار الصحيحة (4)وهو من ولد ابي سفيان بن حرب بن امية فيسيطر على كثير من ممالك الاسلام، فيظهر المهدي ويقتله ويقتل انصاره، ثم ينزل السيد المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتبدو اشراط الساعة، وتظهر دابة الارض، ويبطل التكليف ويتحقق قيام الاجساد عند النفخ في الصور (5).
ويشير الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ان امر المهدي يكون أولا مضطربا ثم يستقر وفي هذا ما يؤيد رؤية الامامية، الا ان ابن أبي الحديد يرى، «لا يبعد على مذهبنا
ان يكون الامام المهدي الذي يظهر اخر الزمان مضطرب الامر منتشر الملك في اول مرة لمصلحة يعلمها الله تعالى ثم بعد ذلك يثبت ملکه و تنتظم اموره»(1).
وقد اطلق الامام لفظة حجة على المهدي وهو ايضا ما يطابق رؤية الامامية، فيما يرى ابن ابي الحديد أن لفظة (حجة) غير مقتصرة على الامامية، بل يطلقها اهل التصوف على اصحابهم، ويستخدمها ايضا الفلاسفة، اما المعتزلة فيطلقوها على العلماء المؤمنين في كل عصر، لانهم حجج الله (2).
واشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بعض من سياسة المهدي، ومنها العمل بالقرآن وترك الرأي والقياس (3)وقد اتفقت الفرق الإسلامية على ان الدنيا والتكليف لا تنقضي الا ظهور المهدي (4).
تجدر الاشارة إلى أن بعض ما تنبأ له الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفسره ابن ابي الحديد لم يشر إلى مصدر معلوماته، ولم يشر للدليل الذي يثبت قصد الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن هذا عبدالملك، أو الزنج أو التتار.
وبعد هذا العرض لفكر الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخلص ابن أبي الحديد (5)للقول: «ان قيل جهاد وحرب فهو سيد المجاهدين والمحاربين، وان قيل وعظ وتذكير فهو ابلغ الواعظين والمذكرين وان قيل فقه و تفسير فهو رئيس الفقهاء والمفسرين وان قيل عدل وتوحيد فهو امام اهل العدل والموحدين.
ليس على الله بمستنكر ***ان يجمع العالم في واحد (6)
تجدر الاشاره إلى ان هناك رؤية لدى البعض بخصوص كتاب نهج البلاغة فحواها ان هذا الكتاب كلا أو جزء اليس للامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بل هو من وضع الشريف الرضي أو اخوه الشريف المرتضى هذه الرؤية التي اقدم من وجدنا يثيرها هو ابن خلكان ت ٦٨١ هـ اذ قال في ترجمة الشريف المرتضي: «وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الامام علي ابن ابي طالب (رضیَ اللّهُ عنهُ) هـل هـو جمعه؟! ام جمع اخيه الرضي ؟ وقد قيل انه ليس من كلام علي، وانما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه والله اعلم» (1)وقد ذكر اليافعي (2)نص ابن خلكان هذا حرفيا. واشار له ابن كثير (3). وجاء الذهبي فقال في ترجمة الشريف المرتضى: «وهو المتهم بوضع كتاب نهج البلاغة وله مشاركة قوية في العلوم، ومن طالع كتابه نهج البلاغة جزم انه مكذوب على أمير المؤمنين علي (رضیَ اللّهُ عنهُ) فيه... من التناقض والاشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيين الصحابة وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب اكثره باطل» (4). وممن اشار لذلك الصفدي (5)، وابن حجر في لسان الميزان (6).
وقد أيد هذا الرأي من المحدثين بروكلمان (7). وجرجي زيدان (8)وشوقي
1) وفيات الاعيان ٣١٣/٣.
2) مرآة الجنان ٥٥/٣.
3) البداية والنهاية ٥٣/١٢.
4) میزان الاعتدال ١٢٤/٣. ونوه بالفكرة ايضا في كتابة تذكرة الحفاظ ١١٠٩/٣.
5) حيث قال: «والناس يزعمون ان نهج البلاغة من انشاية (الشريف الرضي). سمعت الشيخ الامام العلامة تقي الدين احمد بن تيمية (رَحمهُ اللّه) يقول: ليس كذلك بل الذي فيه من كلام علي بن ابي طالب معروف والذي فيه للشريف الرضي معروف. الوافي بالوفيات ٣٧٥/٢.
6) 4 / 223.
7) تاريخ الادب العربي ٦٤/٢.
8) تاريخ ادب اللغة العربية 1 / 189، 2 / 598 - 9.
ضيف (1). والملاحظ ان هذه التهمة سابقة لابن خلكان، حيث كانت ماثلة لدى ابن أبي الحديد، ولكننا لم نجد في المصادر السابقة له والتي ترجمت للشريف المرتضى من اشار لذلك كتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2)، والمنتظم لابن الجوزي (3)، وانباه الرواة للقفطي (4).
هذه التهمة جوبهت بالنقد الشديد من قبل مجموعة من الباحثين يأتي في مقدمتهم ابن أبي الحديد الذي اتخذ موقفا متشددا حيال القائلين بالتهمة، اذ قال: ان كثيرا من ارباب الهوى يقولون : «ان كثيرا من نهج البلاغة كلام محدث، صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربما عزوا بعضه إلى الرضي ابي الحسن وغيره، وهؤلاء قوم اعمت العصبية اعينهم فضلوا عن النهج الواضح، وركبوا بنيات الطريق، ضلالة وقلة معرفة باساليب الكلام».
ثم قال: «وانا اوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط فاقول: لا يخلو اما ان يكون كل نهج البلاغة مصنوعا منحولا، أو بعضه، والاول: باطل بالضرورة لانا نعلم بالتواتر صحة اسناد بعضه إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد نقل المحدثون كلهم أو جلهم، والمؤرخون كثيرا منه، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك.
والثاني: يدل على ما قلناه لان من قد أنس بالكلام والخطابة وشدا طرفا من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب لابد ان يفرق بين الكلام الركيك والفصيح وبين الفصيح والافصح وبين الاصيل والمولد، واذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء، أو لاثنين منهم فقط، لابد ان يفرق بين
الكلاميين، ويميز بين الطريقتين. الا ترى أن مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفحنا ديوان أبي تمام، فوجدناه قد كتب في اثنائه قصائد أو قصيده واحدة لغيره، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر ابي تمام ونفسه وطريقته ومذهبه في القريض، الاترى ان العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة اليه لمباينتها لمذهبه في الشعر، وكذلك حذفوا من شعر ابي نؤاس شيئا كثيرا، لما ظهر لهم انه ليس من الفاظه، ولا من شعره وكذلك غيرهما من الشعراء، ولم يعتمدوا في ذلك الا على الذوق خاصة».
طبقا لذلك قال ابن ابي الحديد وانت اذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماءا واحدا، ونفسا واحدا، واسلوبا واحدا كالجسم البسيط الذي ليس بعض من ابعاضه مخالفا لباقي الابعاض في الماهية وكالقرآن العزيز، اوله كا وسطه واوسطه كآخره، وكل سورة منه، وكل اية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريقة والنظم لباقي الآيات والسور، ولو كان بعض نهج البلاغة منحولا وبعضه صحيحا لم يكن ذلك كذلك، فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم ان هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ثم اضاف: «واعلم ان قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قبل له به لأنا متى فتحنا هذا الباب، وسلطنا الشكوك على انفسنا في هذا النحو، لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)$ ابدا، وساغ لطاعن ان يطعن ويقول: هذا الخبر منحول، وهذا الكلام مصنوع، وكذلك ما نقل عن ابي بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والادب وغير ذلك كل امر جعله هذا الطاعن مستندا له فيما يرويه عن النبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ)، والائمة الراشدين، والصحابة والتابعين، والشعراء والمترسلين، والخطباء، فلناصري امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان يستندوا إلى مثله فيما
يرونه عنه من نهج البلاغة وغيره وهذا واضح» (1).
هنا يمكن القول بما ان ابن أبي الحديد كان معتزليا يعتمد تحكيم العقل في النصوص، ويعتمد التجربة والممارسة، والذوق في النقد لذا نراه يبعد كل نص يبعده العقل أو التجربة، والذوق المنطلق من الممارسة والمران لا الذوق العادين بل المستند إلى الخبرة. فهو هنا لا يقصد بالذوق الذوق الفطري الساذج، بل الذوق العلمي الذي اصلته الممارسة والدربة، وكثرة الرواية والحفظ. والواضح ان المقياس العقلي والذوقي ليسا في مرتبة المقياس النقلي في درجة اقرب إلى اليقين. وهذا المقياس الذوقي قد اشترك مع المقياس التصنيفي كما في قوله «اما ان يكون كل النهج مصنوعاً أو بعضه، والاول باطل بالضرورة». وذلك بسبب التواتر. اذن المقياس الذوقي هنا استند إلى أساس المقياس العقلي التصنيفي ثم الاستدلال بالمقياس النقلي وجاء فيما بعد دور المقياس الذوقي (2).
وعلينا الان طرح بعض الحيثيات في المسألة اعلاه.
اولا: ان من يستطيع أن يضع مثل هذا الكلام، والذي له هذا القدم الثابت في العلم بالله واياته كيف تطاوعة نفسه أن يحلى بمثل هذا الكلام غيره، ويعطل نفسه، بحيث يبقى هو مهملا في زوايا الخمول، الا ان يكون مصابا في عقله، والمصاب في عقله عن صنع مثل هذا الكلام ووضعه اعجز وعن الورود في شرعة هذه الفلسفة المتعالية ابعد (3).
ثانياً : ان كتاب نهج البلاغة هو مجموعة من الخطب والحكم والمواعظ، الواضح عليها انها قيلت في مناسبات مختلفة، فمنها ما كان جوابا لسؤال أو خطابا للاصحاب أو وصفا للجنة والنار أو موعظه وغير ذلك، فهل تتبع جامعه كل
هذه الحوادث والمناسبات واحصاها ووضع لكل حادثة خطبة أو كلاما يلائمها (1).
ثالثاً : ان تصفحا لمؤلفات الشريف الرضي تعطينا دليلا على ان الشريف الرضي هو الجامع لنهج البلاغة ولا دخل للشريف المرتضى بذلك، وان دور الشريف الرضي هو مجرد تجميع هذه النصوص وترتيبها اخذا بنظر الاعتبار اكثرها بلاغة
ففي كتابه المجازات النبوية. ذكر الرضي كتاب نهج البلاغة خمس مرات وهي:
۱ - عند كلامه على قوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) «اغبط الناس عندي مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة» - قال «وبين ذلك قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلام له: «تخففوا تلحقوا» وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بـ «نهج البلاغة» الذي أوردنا فيه مختار جمیع کلامه» (2).
۲ - في كلامه عن الحديث «اسر عكن لحقا بي اطولكن يدا» قال: ومثل ذلك قول امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) «ومن يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة»... وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم «بنهج البلاغة» (3).
٣ - في قوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : « الا وان الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وان الاخـرة قــد ارتحلت مقبلة». قال: «ویروى هذا الكلام على تغيير في الفاظه لأمير المؤمنين علي ابن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد أوردناه في كتابنا الموسوم بنهج البلاغة وهو المشتمل علی مختار كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جميع المعاني والاغراض والاجناس والاعراض» (4).
٤ - في كلامه عن القرآن: «ان القرآن يتقلب وجـوها، ويحتمل مـن
التأويلات ضروريا كما وصفه أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلام له فقال: «القرآن حمال ذو وجوه» أي يحتمل التصريف على التأويلات والحمل على الوجوه المختلفات، وقد ذكرنا هذا الكلام في كتابنا الموسوم بنهج البلاغة (1).
5 - قوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : «القلوب اوعية بعضها اوعى من بعض». قال «بما نسب هذا الكلام إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على خلاف في لفظه، وقد ذكرنا في جملة كلامه لكميل بن زياد النخعي في كتاب نهج البلاغة» (2).
ومثلما اشار مؤلف المجازات النبوية بأنه مؤلف نهج البلاغة فان مؤلف نهج البلاغة قد اشار إلى أن له كتابا باسم المجازات النبوية (3)، اذا فصاحب المجازات النبوية هو صاحب نهج البلاغة الا وهو الشريف الرضي، ولا دخل للمرتضى هنا.
ومن كتب الشريف الرضي كتاب حقائق التأويل الذي لم يصل الينا منه الا الجزء الخامس، وقد وردت فيه أشارة إلى نهج البلاغة اذ قال في اشارته لعلو بلاغة القرآن: «لو كان كلام يلحق بغباره أو يجري في مضماره بعد كلام رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) لكان ذلك كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، اذ كان منفردا بطريقة الفصاحة، لا تزاحمه عليه المناكب ولا يلحق فيها الكادح الجاهد، ومن اراد ان يعلم برهان ما اشرنا إليه فليمعن النظر في كتابنا الذي ألفناه ووسمناه بـ (نهج البلاغة)، ويشمل على مختار جميع الواقع الينا من كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في جميع الانحاء والاغراض، والاجناس والانواع، من خطب وكتب، ومواعظ وحكم، وبوبناه ابوابا ثلاث تشتمل على هذه الاقسام مميزة مفصلة، وقد عظم الانتفاع به وكثر الطالبون له لعظيم ما ضمنه من عجائب الفصاحة وبدائعها، وشرائف الكلم
ونفائسها...»(1).
وللشريف الرضي كتاب رابع يسمى «الخصائص» وهو خاص بخصائص الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و قد وردت الاشارة لهذا الكتاب مرتين في كتاب نهج البلاغة مما يدل على ان مؤلف الخصائص هو نفسه مؤلف النهج، ففي المرة الاولى قال مؤلف النهج في المقدمة: «فاني كنت في عنفوان السن وغضاضه الغصن ال لغصن ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص الائمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) يشتمل على محاسن اخبارهم، وجواهر كلامهم حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب، وجعلته امام الكلام ولما فرغت من الخصائص التي تخص امير المؤمنين علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعاقت عن اتمام بقية الكتاب محاجزات الايام...» (2).
اما المرة الثانية فقد اشار إليه عند قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «تخففوا تلحقوا» اذ قال فما سمع كلام اقل منه مسموعا ولا اكثر محصولا، وما ابعد غورها من كلمة وانفع نطفتها من حكمة وقد نبهنا في كتاب الخصائص على عظم قدرها وشرف جوهرها (3).
رابعاً: هل ان ما ورد في نهج البلاغة من خطب الامام وكلامه لم يرد في مصادر اخر ؟ في الواقع ان ما ورد في نهج البلاغة ما هو الا يسير مما ورد في مصادر التراث العربي الاسلامي ولذلك قام عدد من الباحثين بجمع خطب الامام وكلماته من هذه المصادر وفي مقدمة اولئك كان ابن أبي الحديد الذي اتخذ منهجا في شرحه للنهج الا وهو ذكر المصدر الذي وردت فيه الخطبة فعلى سبيل المثال بالنسبة إلى الخطبة الشقشقية (4)، فقد قال في اخر شرحها: «حدثني شيخي ابو
الخير مصدقا بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائه، قال: قرأت على الشيخ ابی محمد عبد الله بن احمد المعروف بابن الخشاب (1)، هذه الخطبة... وكان ابن الخشاب صاحب دعابة وهزل، قال: فقلت له: اتقول انها منحولة ؟ فقال : لا والله واني لا علم انها كلامه كما اعلم انك مصدق، قال: فقلت له: ان كثيراً من الناس يقولون انها من كلام الرضي - (رحمة الله تعالى) - فقال: أنى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الاسلوب؟! قد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور وما يقع من هذا الكلام في خل ولا خمر. ثم قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل ان يخلق الرضي بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط اعرفها واعرف خطوط من هو من العلماء واهل الادب قبل أن يخلق النقيب ابواحمد الرضي. قلت (ابن ابي الحديد): وقد وجدت انا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا ابي القاسم البلخي امام البغداديين من المعتزلة. وكان في دولة المقتدر قبل ان يخلق الرضي بمدة طويلة، ووجدت ايضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبة (2)احد متكلمي الامامية وهو الكتاب المشهور، المعروف بكتاب الانصاف، وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي (رحمة الله) ومات في ذلك العصر قبل ان يكون الرضي؛ موجودا» (3). ثم قام مجموعة من الباحثين بالبحث عن مصادر نهج البلاغة كما فعل عبد الزهراء الحسيني الخطيب في كتابة مصادر نهج البلاغة واسانيده والذي صدر في اربعة اجزاء والذي قسم هذه المصادر الاربعة اقسام:
اولا: مصادر الفت قبل سنة ٤٠٠ هـ، وهي سنة صدور نهج البلاغة ولا زالت
موجودة إلى الان.
ثانياً : مصادر الفت قبل سنة ٤٠٠ هـ، ولكنها فقدت، وتم النقل عنها بالواسطة. : ثالثاً : كتب الفت بعد زمان الرضي ولكنها روت کلام الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) باسناد متصل دون المرور بالشريف الرضي ولا على كتابه نهج البلاغة.
رابعاً: كتب صدرت بعد زمان الرضي ولكنها نقلت كلام الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصورة تختلف عما في نهج البلاغة مما يعتقد ان مصدرها غير نهج البلاغة (1).
ثم استدرك مجموعة من الباحثين قديما وحديثا على نهج البلاغة وذكروا خطبا ورسائل وكلاما للامام لم يرد في نهج البلاغة، كما فعل عبد الله بن اسماعيل بن احمد الحلبي (2)في كتابه «التذييل على نهج البلاغة» (3)والشيخ هادي الكاشف الغطاء في كتابه مستدرك نهج البلاغة (4)، والشيخ محمد باقر المحمودي في كتابه - نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، وهو في ثمان مجلدات(5).
خامساً: اما بالنسبة إلى الاشكالات التي أثيرت حول بعض مما ورد في نهج البلاغة فقد تكفل بالاجابة عنه عدد من الباحثين يأتي في مقدمتهم ابن أبي الحديد (6)، ومن المعاصرين عبد الزهراء الخطيب (7)، وحسن ال ياسين (8)والشهرستاني (9)، وهادي آل كاشف الغطاء (10)ومغنية (11)، وحسين بستانة (12)،
1) عبد الزهراء الخطيب: مصادر نهج البلاغة وأسانيده ٢٦/١ ٢٧، 48 92.
2) لم اجد له ترجمة.
3) الشرح ٢٢٥/١٨.
4) ص ٢ وما بعدها.
5) طبع في بيروت ١٩٧٦.
6) انظر مثلاً 1 / 205 - 6، 100 / ١٢٦ - ١٢٩.
7) مصادر نهج البلاغة واسانيده ۱۳۳/۱ - ۲۲۲.
8) نهج البلاغة لمن ؟ ص ٣١ – ٤٩.
9) ما هو نهج البلاغة ص 52 - 61.
10) مدارك نهج البلاغة ودفع الشبهات عنه ص ۱۹۵ - ٢٦۸.
11) فضائل الامام علي ص ۷۳ - ۷۷. وايضاً له في ضلال نهج البلاغة ٨/١ - ١٠.
12) ادب الامام علي بن ابي طالب ونهج البلاغة ص ١٩٥ - ٢٠٣.
من خلال البحث نستنتج ان الرؤية الاعتزالية للامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي القول بافضليته على سائر الامة بعد الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ). وقد قال بهذه الرؤية سائر معتزلة بغداد واكثر معتزلة البصرة المتأخرين.
وكان المقياس الذي اعتمدوا عليه في اثبات ذلك هو ان الافضل هو الاكثر ثوابا والاكثر مناقبا وقد اجتمعا لامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)
فبالنسبة الى الاكثر ثوابا استندوا الى عدد من الآيات القرانية والاحاديث النبوية كآية التطهير والمباهلة وقوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ).
اما الاحاديث فحديث الطائر المشوى، وقول، وقول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : «انت : انت مني مبنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي من بعدي». وقوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله». وغيره.
اما بالنسبة الى المناقب فتمثلت به
۱. عراقة نسبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو من اعرق العرب نسبا اذ يرجع الى بني هاشم الذين كان لهم الاثر في تاريخ العرب ومكة على وجه الخصوص.
٣. شرف تربيته في بيت الرسالة ترك اثرا في توجهاته الروحية مما جعله اول من امن بالدعوة الاسلامية وما لبث ان اصبح وزيرا للرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) يوم الانذار.
٥. ولادته للحسن والحسين سيدي شباب اهل الجنة والسبب في حفظ نسب الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَآلِهِ) حيث لا نسل له الا من الحسن والحسين.
٦. وقد نتج عن زواجه بفاطمة وولادته للحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) ما عرف باهل البيت الذي كان له خصوصية لدى المسلمين حيث نزلت في هذا البيت آية التطهير، والمباهلة، والمودة، والقربى.
۷. امتاز (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخصائص وصفات فاق بها الاقران والمعاصرين واسدل الستار على من سبقه وتلاه كالشجاعة والحلم والصبر والزهد والعبادة.
ومما كان يثير التعجب في خصائصه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو جمعه بين الصفات المتضادة كالشجاعة والزهد والزهد وطلاقه الوجه والتواضع وشرف النسب، والسخاء والجود.
٨. كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) في السياسة مثال السداد والحكمة في معالجته للمشاكل سواء قبل خلافته او اثناءها، وقد اوضح ذلك رجالات المعتزلة كالجاحظ والاسكافي والقاضي وابن ابي الحديد.
٩. كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) مصدراً للفكر العربي الاسلامي، فهو الوحيد الذي بان في العلم الهي، ولم يعرف احد قبله او عاصره انه تكلم به وهذه الفضيلة هي من اعظم فضائله عند ابن ابي الحديد. لذا فقد انتسب اليه المتكلمون وكذا الحال بالنسبة الى التصوف فان كثير من الفاظ التصوف مأخوذ من كلامه الا وقد انتسب اليه المتصوفة.
اما في علم الفقه فقد كان مصدر الصحابة والفقهاء الاربعة، حيث اثر عن الخليفة عمر قوله: (لا ابقاني الله لمعضلة ليس لها ابو الحسن).
وفي علوم القرآن كان المرجع في تأويله ومعرفة اسباب النزول والناسخ والمنسوخ.
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) المتقدم في علوم اللغة العربية، حيث كان يستند اللغويين والنحاة على كلماته، وكان مشرع الفصاحة حيث لم يؤثر عن أحد سواه هذا الكم من الخطب والرسائل البليغة.
ولقد انتقى كثير من الادباء والشعراء كلماته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووشوابها رسائلهم وشعرهم وخطبهم.
ولم يعهد عن احد من الصحابة انه كان يتنبأ غير الامام علي وعد ابن ابي الحديد ذلك من اعظم فضائل الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
هذه هي اهم الاسس التي استدل المعتزلة بها في قولهم بالتفضيل وقد اعتمدوا في اثبات ذلك على الايات القرآنية والاحاديث النبوية والوقائع.
تجدر الاشارة الى ان شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد المعتزلي يعتبر كنزا معرفيا عن الحضارة العربية الاسلامية في مختلف صنوف المعرفة لذا بالاضافة الي ما كتب عنه لا زال بحاجة الى دراسات أخرى سواء في اللغة او الادب او التاريخ او الكلام، وسنقوم ان شاء الله بعد هذه الدراسة باعداد دراسات حول:
اولاً: موارد ابن أبي الحديد في كتاب شرح نهج البلاغة: لقد اعتمد ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة على ما يقارب ثلاثمائة مصدر لغوي او ادبي او حديث او تفسیر او تاریخ او كلام او فلسفة او تصوف.
هذه الكمية من المصادر بعض منها اصبح اليوم في حكم المفقود، لذا فالقيام بدراسة عنها يمكن ان تكشف لنا جانبا من الحركة الفكرية التي لا زالت غير معروفة لدينا.
ثانياً: اراء ابن ابي الحديد الكلامية: رغم ان ابن ابي الحديد اراد من شرحه لنهج البلاغة ان يكون كتاب ادب وليس كتاب نظر ولكنه يمكن استخراج مادة كلامية كبيرة تخص المعتزلة عامة واراء ابن ابي الحديد خاصة. خاصة اذا علمنا ان مؤلفات ابن ابي الحديد الكلامية قد فقدت ولم تصل الينا.
ملحق رقم ۱
قصيدة لابن ابي الحديد (1)مدح الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)
يا رسم لا رسمتك ريح زعزع ***وسرت بليل في عراصك خروع
لم الف صدري من فؤادي بلقعا ***الا وانت من الاحبة بلقع
جارى الغمام مدامعي بك فانثنت ***جون السحائب فهي حسرى ظلع
لا يمحك الهتن الملث فقد محا ***صبري دثورك مذ محتك الادمع
ما تم يومك وهو اسعد ايمن ***حتى تبدل فهو انكد اشتع
شروى الزمان يضيء صبح مسفر ***فيه یشفعه ظلام اسفع
الله درك والضلال يقودني ***بيد الهوى فانا الحرون فاتبع
يقتادني سكر الصبابة والصبا ***ويصيح بي داعي الغرام فاسمع
1) القصائد العلويات السبع ص ٤١ - ٤٥.
دهراً تقوض راحلا ما عيب من*** عقباه الا انه لا يرجع
يا ايها الوادي اجلك واديا ***واعز الا في حسماك فاخضع
واسوف تربك صاغراً واذل في ***تلك الربى وانا الجليد فاخنع
(اسفي على مغناك اذ هو غابة ***على سبيلك وهي لحب مهيع)
ايام انجم قضعب دریة***في غير اوجه مطلع لا تطلع
والبيض تورد في الوريد فترتوي ***والسمر تشرع في الوتين فتشرع
السابقات اللاحقات كأنها ***العقبان تردى في الشكيم وتمزع
والربع انور بالنسيم مضمخ ***الجو ازهر بالعبير مردع
ذلك الزمان هو الزمان كانما ***قيظ الخطلوب به ربيع ممرع
وكانما هو روضة ممطورة ***او مزنة في عارض لا تقلع
قد قلت للبرق الذي شق الدجى ***فكأن زنجيا هناك يجدع
يا برق ان جئت الغري فقل له ***اتراك تعلم من بارضك مودع
فيك ابن عمران الكليم وبعده ***عيسی يقفيه واحد يتبع
بل فيك جبريل وميكال واسـ ***رافيل والملأ المقدس الجمع
بل فيك نور الله جل جلاله ***لذوي البصائر يستشف ويلمع
فيك الامام المرتضى فيك الوصي ***المجتبى فيك البطين الانزع
الضارب الهام المقنع في الوغى*** بالخوف للبهم الكماة يقنع
والسمهرية تستقيم وتنحني*** فكانها بين الاضالع اضلع
والمترع الحوض المدعدع حيث لا ***واد يـــــفيض ولا قليب يترع
ومبدد الابطال حيث تالبوا *** ومفرق الاحزاب حيث تجمع
والحبر يصدع بالمواعظ خاشعا ***حتى تكاد لها القلوب تصدع
حتى اذا استعر الوغى مستلظيا ***شرب الدماء بغلة لا تنقع
متجليبا ثوبا من الدم قانيا ***يعلوه من نقع الملاحم برقع
زهد المسيح وفتكة الدهر الذي ***اودی به کسرى وفوز تبع
هذا ضمير العالم الموجود عن ***عدم وسر وجوده المستودع
هذي الامانة لا يقوم بحملها ***خلقاء هابطة واطلس ارفع
تابى الجبال الشم عن تقليدها ***وتضح تيهاء وتشفق برقع
هذا هو النور الذي عذباته ***كـانت بجبهة آدم تتطلع
و شهاب موسى حيث اظلم ليله ***رفعت له لالاؤه تشعشع
يا من له ردت ذكاء ولم يفز ***بنظيرها من قبل الا يوشع
يا هازم الأحزاب لا يثنيه عن ***خوض الحمام مدجج ومدرع
يا قالع الباب الذي عن هزها ***عجزت اكف اربعون واربع
لولا حدوثك قلت انك جاعل ***الارواح في الاشباح والمتنزع
لولا مماتك قلت انك باسط*** الارزاق تقدر في العطا وتوسع
ما العـــــالم العلوي الا تربة ***فيها لجثتك الشريفة مضجع
ما الدهر الا عبدك القن الذي ***بنفوذ امرك في البرية مولع
انا في مدحيك الكن لا اهتدي ***وانا الخطيب الهبزري المصقع
القول فيك سميدع كلا ولا ***حاشا لمثلك ان يقال سميدع
بل انت في يوم يوم القيامة حاكم*** في العالمين وشافع ومشفع
ولقد جهلت وكنت احذق عالم ***أغرار عزمك ام حسامك اقطع
وفقدت معرفتي فلست بعارف ***هل فضل علمك ام جنابك اوسع
لي فيك معتقد ساكشف سره ***فليصغ ارباب النهى وليسمعوا
هي نفثة المصدور يطفىء بردها ***حر الصبابة فاعذلوني او دعوا
والله لولا حیدر ما كانت ***الدنيا ولا مع البرية مجمع
من اجله خلق الزمان وضوئت ***شهب کنسن وجن ليل أردع
علم الغيوب اليه غير مدافع ***والصبح ابيض مسفر لا يدفع
واليه في يوم المعاد حسابنا *** هو الملاذ لنا غدا والمفزع
هذا اعتقادي قد كشفت غطاءه ***سيضر معتقداً له او ينفع
يا من له في أرض قلبي منزل ***نعم المراد الرحب والمستربع
اهواك حتى في حشاشة مهجتي*** نار تشب على هواك ولذع
و تكاد نفسي ان تذوب صبابة ***خلقا وطبعا لاکمن يتطبع
ورأيت دين الاعتزال وانني ***اهوى لأجلك كل من يتشيع
ولقد علمت بانه لابد ***مهديكم وليومه اتوقع
يحميه من جند الاله كتائب ***کالیم اقبل زاخرا يتدفع
فيها لا ابي الحديد صوارم ***مشهورة ورماح خط شرع
ورجال موت مقدمون كانهم ***اسد العرين الريد لا تتكعكع
تلك المنى اما اغلب عنها فلي ***نفس تنازعني وشوق ينزع
ولقد بكيت لقتل آل محمد ***بالطف حتى كل عضو مدمع
عقرت بنات الاعوجية هل درت ***ما يستباح بها وماذا يصنع
وحريم آل محمد بين العدى ***نهب تقاسمه الئام الرضع
تلك الضغائن كالاماء متى تسق ***يعنف بها والسياط تقنع
من فوق اقطاب الجمال يشلها ***لکع على حنق وعبد الوع
مث السبايا بل اذل تشق من*** هن الخمار ويستباح البرقع
فمصفد في سيده لا يفتدى ***وكـــــــريمة تسبى وقرط يتزع
تالله لا انسى الحسين وشلوه ***تحت السنابك بالعراء موزع
متلفعا حمر الثياب وفي غد ***بالخضر من فردوسه يتلفع
تطأ السنابك صدره وجبينه ***والارض ترجف خيفة وتضعضع
والشمس ناشرة الذوائب تاكل ***والدهـــــــر مشقوق الرداء مقنع
لهفي على تلك الدماء تراق في ***ايدي امية عنوة وتضيع
بابـي ابـو العباس احمد انه ***خير الورى من ان يطل ويمنع
فهو الولي لثارها وهو الحمول ***لعبئها اذ كل عود يضلع
الدهـر طــــوع والشبيبة غضة ***والسيف عضب والفؤاد مشيع
١. القرآن الكريم.
٢. الانجيل دار الكتاب المقدس في الشرق الاوسط، ط،٤، بيروت ١٩٩٣.
٤. اسد الغابة فى معرفة الصحابة، ب. محق، المكتبة الاسلامية، طهران ب.ت.
٦. اللباب في تهذيب الانساب، ب. محق، القاهرة، ١٣٨٦ هـ
۷. المثل السائر في ادب الكاتب والشاعر تح: احمد الحوفي - بدوي طبانة، ط ۲، دار الرفاعي، الرياض، ۸۳- ١٤٠٣/١٩٨٤ -١٤٠٤ هـ
۸. النهاية في غريب الحديث والاثر، تح طاهر احمد الزاوي محمود
الطناحي ، ط ١، القاهرة، ١٩٦٣.
۹. كشف الغمة فى معرفة الائمة، مط النجف، ١٣٨٤ هـ.
۱۰. مناقب علي بن ابي طالب، تح محمد باقر البهبودي المكتبة الاسلامية، طهران، ١٣٩٤هـ
۱۱ تاريخ الموصل تح علي حبيبة، القاهرة ۱۹٦٧.
۱۲ اخبار مكة تح رشدي الصالح،ملحس دار الاندلس مكة المكرمة ١٣٨٥هـ
۱۳ ابن اسحق محمدت ۱۵۱هـ
١٤ السير والمغازي تح سهيل،زکار، دار الفكر للطباعة دمشق، ۱۹۷۸.
١٥. نقض العثمانية، منشور مع كتاب العثمانية للجاحظ، تح محمد عبدالسلام هارون دار الكتاب العربي، مصر، ١٩٥٥.
١٦. مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين تح محمد محي الدين عبد الحمید مصر، ١٩٥٠/١٣٦٩.
۱۷. ابن ابي،اصبيعة، موفق الدين أبي العباس احمد بن القاسم ت ٦٦٨ هـ
۱۸. عيون الانباء في طبقات الاطباء، شرح وتح د. نزار،رضا منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ١٩٦٥.
۱۲۱۷ -1270/1802 -١٨٥٤م.
١٩. سرح الخريدة الغيبية في شرح القصيدة العينية، ب. محق، ط حجرية، شرحها ف ۱۲۷۰ هـ ب مكا. بت.
.۲۰. ديوان امرؤ القيس تح محمد ابو الفضل ابراهيم ط ۲، دار المعارف، مصر، ١٩٥٨.
٢١. الموطأ، تح: د. بشار عواد معروف دار الغرب الاسلامي، ط ۲، بيروت، 1997.
۲۲. دیوان حسان بن ثابت ب،محق، بيروت، ١٩٦٦.
۲۳ دیوان كعب بن مالك دراسة وتح سامي مكي العاني، بغداد، ط1، 1966
۲٥. ديوان البحتري، تح: حسن كامل الصبر في ط ۲ دار المعارف القاهرة، ١٩٦٣.
٢٦. شرح نهج البلاغة، ب، محق، مؤسسة النصر، طهران، ۱۳۷۸ -١٣٨٤هـ
۲۷. لؤلؤة البحرين، تح محمد صادق بحر العلوم مط النعمان، النجف، ب. ت.
۲۸. الصحيح، الطباعة المنيرية، مصر، ب. ت.
٢٩. الرجال، تح السيد كاظم المياموي، طهران، ۱۳۸۳هـ
٣٠. الفرق بين الفرق، تح محمد زاهد الكوثري، ب. مكا، ۱۳۲۷ هـ
۳۱. مراصد الاطلاع، تح علي محمد البجاوي، ط ١، القاهرة، ۱۹۵۵
۳۲. خزانة الادب ولب لباب لسان العرب، ط ١، بولاق ب.ت.
۳۳. جمهرة نسب قريش واخبارها تح محمود محمد شاكر مط المدني، القاهرة، ۱۳۸۱هـ.
٣٤. الاخبار الموفقيات تح سامي مكي العاني، بغداد، ۱۹۷۲.
٣٥. معجم ما استعجم، تح مصطفى السقا، ط ١، القاهرة، ١٩٤٥ -١٩٤٩.
٣٦. انساب الاشراف، ج ۱، تح محمد حميد الله، دار المعارف مصر، ب.ت.
۳۷. انساب الاشراف، ج ۲، تح محمد باقر المحمودي، ط1، مؤسسة الاعلمي، بيروت، ١٩٧٤.
۳۸. انساب الاشراف، ج۳، تح: محمد باقر المحمودي، ط ١، دار التعارف ،بیروت ۱۹۷۷
۳۹. انساب الاشراف، ج ۵، تح: جوتن بریس، ١٩٣٦..
٤٠. فتوح البلدان ط ١ تح على بهجت القاهرة، ۱۹۰۱،
٤١. باب ذكر المعتزلة من كتاب مقالات الاسلاميين تح فؤاد،سید تونس، 1974.
٤٢. الف باء، ب. محق، المطبعة الوهبية، مصر، ۱۲۸۷ هـ
٤٣. تفسير البيضاوي ب. محق دار الكتب العلمية، بيروت، ط ۱، ۱۹۸۸.
٤٤. المحاسن والمساوی،ب،محق،بیروت، ۱۳۸۰هـ / ١٩٦٠م.
٤٥ السنن الكبرى، ب. محق، ط ١، حیدر آباد،الفن، الهند، ١٣٥٢هـ
٤٦. صحيح الترمذي بشرح الامام ابن العربي المالكي، ب. محق، ط 1 المطبعة المصرية بالازهر، ١٩٣١ ١٩٣٤.
٤٧. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تح: احمد زكي العدوي، ط 1 دار الكتب القاهرة، ١٩٥٦- ۱۹۲۹.
٤٨. دیوان ابو،تمام شرح وتعليق د. شاهين عطية، ط ١، بيروت، ١٩٦٨.
٤٩. كشاف اصطلاحات العلوم، بيروت، ١٩٦٦.
٥٠. منهاج السنة النبوية، ط ١، المطبعة الاميرية بولاق، مصر، ١٣٢١ هـ
٥١. تتمة يتيمة الدهر، شرح وتح: د. مفيد محمد قميحة، ط1، بيروت، 1983.
٥٢. التمثيل والمحاضرة، تح. عبد الفتاح محمد الحلو، القاهرة، ١٩٦١.
٥٣. يتيمة الدهر، شرح وتح: د. مفيد محمد قميحة، ط ١، بيروت، ۱۹۸۳.
٥٤. الجواهر الحسان في تفسير القرآن، ب. محق، مؤسسة الاعلمي بیروت، ب. ت.
٥٦. الحيوان: تح: عبد السلام محمد هارون، ط ا، مصر، ۱۹۳۸ -١٩٤٥.
۵۷. رسائل الجاحظ تح السندوبي، ط ۱، القاهرة، ۱۹۳۳.
٥٨ رسائل الجاحظ السياسية، تح علي ابو ملحم، ط ۱، بیروت، ۱۹۸۷.
٥٩. رسائل الجاحظ الكلامية، تح على ابو ملحم، ط ۱، بیروت، ۱۹۸۷..
٦١. رسالة الاوطان والبلدان، ضمن رسائل الجاحظ السياسية، تح على ابو ملحم ط،۱، بیروت ۱۹۸۷.
٦٢. رسالة الحكمين ضمن رسائل الجاحظ السياسية، تح علي ابو ملحم
ط ۱، بیروت، ۱۹۸۷.
٦٣. رسالة صناعة الكلام، ضمن رسائل الجاحظ الكلامية، تح علي ابو ملحم، ط ۱، بيروت، ۱۹۸۷.
٦٤. رسالة العثمانية، ضمن رسائل الجاحظ السياسية، تح علي ابو ملحم ط ۱، بیروت، ۱۹۸۷.
٦٥. رسالة في فضل بني هاشم على عبد شمس ضمن رسائل الجاحظ السياسية، تح علي ابو ملحم، ط ۱، بیروت، ۱۹۸۷.
٦٦. رسالة في فضل بني هاشم علي عبد شمس. ضمن رسائل الجاحظ للسندوبي، ط ۱، ۱۹۳۳، ص ٦٧ -١١٦.
٦٧. رسالة في خلق القرآن ضمن رسائل الجاحظ الكلامية، تح على ابو ملحم، ط ١، بيروت، ۱۹۸۷.
٦٨. رسالة في النابتة، ضمن رسائل الجاحظ الكلامية، تح علي ابو ملحم ط ۱، بیروت، ۱۹۸۷.
٦٩. العثمانية: تح وشرح عبد السلام محمد هارون، دار الكتاب العربي ،مصر، ١٣٧٤ هـ / ١٩٥٥.
۷۰. التعريفات ب. محق، الدار التونسية للنشر، تونس، ۱۹۷۱.
۷۱. غاية النهاية في طبقات القراء، عني بنشره، برجستر اسر، مصر، جستراسر ۱۳۵۲ هـ/۱۹۳۳.
٧٢. الوزراء والكتاب، تح: مصطفى السقا و آخرين، ط ١، القاهرة، ١٣٥٧هـ
۱۹۳۸.
۷۳. صفة الصفوة، تح: محمود فاخوري محمد رواسي قلعة جي، ط ۲، دار المعرفة ۱۹۷۹.
٧٤. مناقب اميرالمؤمنين عمر بن الخطاب، تح زينب القاروط، ط ۱، بیروت ۱۹۸۰.
٧٥. المنتظم في تاريخ الملوك والامم،ب، محقق، الدار الوطنية، بغداد، 1990.
٧٦. الصحاح، تح: احمد عبد الغفور عطار، دار الكتاب العربي مصر ١٩٥٦.
۷۷. فرائد السمطين: تح محمد باقر المحمودي، ط1، بيروت.۱۹۷۸/۱۳۹۸.
۷۸. كتاب الجرح والتعديل، ط ۱، حیدر اياد الدكن، الهند، ١٩٥٢ -١٩٥٣.
۷۹. كشف الضنون عن أسامي الكتب والفنون، تصحیح: محمد شرف الدین بالتقايا -رفعت بيلكة الكلبسى ب مكا، ١٩٤١.
۸۰. الطبقتان الحادية عشرة والثانية عشرة من كتاب سرح العيون، نشر مع كتاب فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة تح: فؤاد،سید تونس ١٩٧٤.
۸۱. المستدرك على الصحيحين دراسة وتحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، ط ۱، بیروت، ۱۹۹۰.
۸۲. اسماء المغتالين من الاشراف فى الجاهلية والاسلام، منشور ضمن نوادر المخطوطات المجموعة السادسة، تح عبد السلام هارون ط ١، القاهرة، ١٩٥٤ ص ١٠٦ -٢٣٥.
٨٣. المحبر، تح: ايلزة ليختن شتير المكتب التجاري للطباعة والنشر بيروت ١٩٤٢.
٨٤ المنمق تح خورشید احمد فاروق ط۱، حیدر اياد الركن الهند ١٣٨٤هـ / ١٩٦٤.
٨٥. الاصابة في تمييز الصحابة، ط ١، مطبعة السعادة، مصر، ۱۳۲۸ هـ اعادت طبعه بالا وفسيت مكتبة المثنى بغداد.
٨٦ تقريب التهذيب، تح عبد الوهاب عبد اللطيف، المدينة المنورة ۱۳۸۲هـ
۸۷. تهذيب التهذيب ط ا، ب:محق حیدر اياد الدكن الهند ۱۳۲۵ -۱۳۲۷.
۸۹. شرح نهج البلاغة تح: محمد ابو الفضل ابراهيم ط ١، دار الجيل، بیروت ۱۹۸۷.
۹۰. القصائد السبع العلويات شرح محمد صاحب المدارك دار الفكر، بیروت، ۱۹۵۵.
۹۱ المقامات تح عيسى سابا، بیروت، ١٩٦٥.
۹۲. جمهرة انساب العرب، تح عبد السلام محمد هارون دار المعارف القاهرة، ۱۹۷۱.
۹۳. الفصل في الملل والاهواء والنحل تح: د. محمد ابراهيم نصر، د. عبد الرحمن عميرة، ط ١، الرياض، ۱۹۸۲.
٩٤. السيرة الحلبية بلا،محق، مطبعة الاستقامة، القاهرة، ۱۹۷۱.
٩٥. رجال العلامة الحلي، تح: السيد محمد صادق آل بحر العلوم، ط ۲، النجف، ١٩٦١.
٩٦. كشف اليقين، ط ١، وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي، ١٤١١هـ
۹۷. معجم الادباء، ط الاخيرة، مكتبة عيسى الحلبي، مصر، ١٩٣٦..
۹۹. جذوة المقتبس في تاريخ علماء الاندلس تح ابراهيم الابياري، ط ۲، بیروت، ۱۹۸۹.
۱۰۰ دیوان: توبة بن حمير، تح: خليل العطية، بغداد، ١٩٦٨.
۱۰۱. ديوان السيد الحميري، جمع و تحقيق شاكر هادي شكر دار مكتبة، الحياة، بيروت، ب..ت.
١٠٢. الروض المعطار في خبر الاقطار، حققه د احسان عباس، بیروت، ۱۹۷۵.
۱۰۳. المسند ب محق، القاهرة، ۱۸۹٦.
*الحنبلي: ابو الفلاح عبد الحي بن العمادت ۱۰۸۹
١٠٤. شذرات الذهب في اخبار من ذهب، ب، محق، مكتبة القدسي ۱۳۵۰ -١٣٥۱هـ
*ابو حيان التوحيدي علي بن محمدت نحو ٤٠٠ هـ
١٠٥. الامتاع والمؤانسة، صححه احمد امين واحمد الزين، بيروت،.۱۹۵۱ -۱۹۵۰.
١٠٦. تاریخ بغداد ب محق مط السعادة، القاهرة، ۱۹۳۱.
ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد ت ٨٠٨هـ / ١٤٠٦م
۱۰۷. العبر وديوان المبتدأ والخبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ١٩٥٩.
۱۰۸. المقدمة ب محق ط ۲، بیروت، ١٩٦١.
۱۰۹. وفيات الاعيان تح د. احسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 68- 1971.
۱۱۰. مفاتيح العلوم ب محق، ط ١، مصر، ١٣٤٢هـ
۱۱۱. المناقب، قدم له محمدرضا الخرسان النجف، ١٣٨٥هـ
۱۱۲. روضات الجنات تح اسد الله اسماعیلیان، بیروت، ۱۳۹۰ -۱۳۹۱هـ
۱۱۳. الانتصار، تصحيح نيبرج، بیروت، ۱۹۵۷. ١٩٥٧.
ابن داود الحلي: تقي الدين الحسن بن علي (فرغ من الكتاب ۷۰۷هـ)
١١٤. الرجال، نشر جلال الدين الحسنی، طهران، ۱۳۸۳هـ
١١٥. سنن ابن داود:تح محمد محي الدين عبدالحمید، دار احیاء التراث. العربي، بيروت، ب، ت.
١١٦. طبقات المفسرين، ط ١، بیروت ۱۹۸۳.
۱۱۷. اسنى المطالب في تجاه ابي طالب، تعليق علي بن الحسين الهاشمي طهران، ۱۳۸۲هـ
۱۱۸. السيرة النبوية والاثار المحمدية بهامش الحلبى السيرة الحلبية، ب. محق، القاهرة، ۱۹۷۱.
۱۱۹. حياة الحيوان الكبرى ب محق، المكتبة التجارية، مصر، ١٩٥٦.
۱۲۰. تاريخ الخميس في احوال انفس نفیس، بیروت، ۱۲۸۳ هـ
۱۲۱. تيسير الوصول الى جامع الاصول، ب،محق، مصر، ١٩٣٤.
۱۲۲. ارشاد القلوب، دار الشريف الرضي، ١٤١٢هـ
۱۲۳. دیوان مهيار الديلمي تح احمد نسيم ط ١، القاهرة، ۱۹۲۵.
١٢٤. تذكرة الحفاظ تح: عبدالرحمن بن يحيى المعلمي، ط ٤، دار الحياء التراث العربي، ١٩٧٤.
۱۲۵. تجريد اسماء الصحابة، ب. محق، دار المعرفة، بيروت، ب. ت.
١٢٦. تلخيص المستدرك على الصحيحين، ط ١، بهامش المستدرك ١، للحاكم، تح مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت ۱۹۹۰.
-دول الاسلام، ب، محق، ط ۲، حیدرآباد الدكن الهند ١٣٦٤هـ
۱۲۷. العبر في خبر من غير تح ابو هاجر محمد السعيد، بيروت، دار الكتب العلمية، ب..ت..
۱۲۸. معرفة القراء الكبار، تح محمد سيد جاد الحق، ط 1، القاهرة ۱۹٦۷/۱۳۸۷.
۱۲۹. ميزان الاعتدال، ح علي محمد البجاوي، ط ١، دار احياء الكتب العربية، ١٩٦٣.
۱۳۰. مختار الصحاح ب محق دار الرسالة، كويت، ۱۹۸۲.
۱۳۱. العمدة، تح: محمد محي الدين عبد الحميد ط٤، دار الجيل بيروت، ۱۹۷۲.
۱۳۲. منتخب من كتاب ازواج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) تح: د. اكرم ضياء العمري، ط ١، المدينة المنورة، ۱۹۸۱.
۱۳۳. ربيع الابرار ونصوص الاخبار، تح.د سليم النعيمي، مط العاني، بغداد، ۱۹۸۲
١٣٤. الفائق في غريب الحديث، على محمد البجاوي محمد ابو الفضل ،ابراهيم، ط 1، القاهرة، ١٩٤٥ -١٩٤٨.
١٣٥. كتاب الامكنة والمياه والجبال تح ابراهيم السامرائي، بغداد، ١٩٤٧.
١٣٦. الكشاف عن حقائق وغوامض التنزيل وعيون الاقاويل دار الكتاب العربي، بيروت، ب. ت.
۱۳۷. نسب قريش تح ليفي بروفنسال دار المعارف، القاهرة، ١٩٥٣.
۱۳۸. الضعفاء دراسة وتح: د. سعدي الهاشمي. ط ١، المدينة المنورة، ۱۹۸۲.
۱۳۹. الصحيفة السجادية، بخط الحاج يحيى سلوم العباسي، بغداد، ب. ت.
١٤٠. الجامع المختصرن تح مصطفی جواد بغداد، ١٩٣٤م.
١٤١. تذكرة الخواص، قدم له محمد صادق بحر العلوم، النجف ١٣٨٣هـ / ١٩٦٤م.
١٤٢. طبقات الشافعية الكبری،ب،محق ط ۲ دار المعرفة، بيروت، ١٣٢٤هـ.
١٤٣. الطبقات الكبرى تح احسان عباس، بیروت، ۱۹۷۸.
١٤٤. محاضرة الاوائل ومسامرة الأواخر ب. محقق، ط ١/ المطبعة العامرية الشرقية ١٣١١هـ.
١٤٥. اسماء جبل تهامة وسكانها، منشور ضمن نوادر المخطوطات المجموعة الثامنة ص ٣٧٤ ۳۸۸، تح عبد السلام هارون، ط ۱، ۱۹۵۵.
١٤٦ طبقات الصوفية تح نور الدين شريبه ط1، دار الكتاب العربي. مصر، ١٣٧٢هـ / ١٩٥٣م.
١٤٧. الانساب، تصحیح عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، ط 1، حیدر آباد الدكن - الهند ۱۹٦۲ -۱۹۷۸.
١٤٨. الروض الانف مط الجمالية، مصر ١٣٣٢هـ / ۱۹۱٤م.
١٤٩. الاشارات والتنبيهات تح.د سليمان،دنیا دار المعارف، مصر،.۱۹۵۸ -۱۹۵۷.
١٥٠. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، ط1، تصحيح محمد امين الخانجي، القاهرة ١٣٢٦هـ..
١٥١. تاريخ الخلفاء، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، ط ۱، بیروت، ط1، 1952.
١٥٢. التعظيم والمنه في ان ابوي رسول الله في الجنة ب محق ط ۲ حیدرآباد الدكن - الهند ١٣٣٤.
١٥٣. الجامع الصغير، شرح محمد عبدالرئوف المناوي، ط ١، مصر، ۱۹۳۸.
١٥٤. الخصائص الكبرى تح محمد خليل هواس مط المدني، مصر 1967.
١٥٥. الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ب. محق، بغداد، ۱۳۷۷ م.
١٥٦. الدرج المنفية في الاباء الشريفة ب محق، ط ۲، حیدرآباد الدكن ـ الهند، ١٣٣٤هـ
١٥٧. السبل الجلية في الاباء العلية، ب. محق، ط ۲ حیدرآباد الدكن - الهند، ١٣٣٤هـ
.١٥٨ شرح شواهد المغني، تعليق احمد ظافر كوجان لجنة التراث العربي، ب.ت
١٥٩. مسالك الحنفا في والدي المصطفى عليين ب،محق ط ۲ حیدرآباد الدكن - الهند، ١٣٣٤هـ
١٦٠. المقامة السندسية في النسبة المصطفوية، ط ۲، حيدرآباد الدكــن - الهند، ١٣٣٤هـ
١٦١. الوسائل الى مسامرة الاوائل تح: اسعد طلس، مطبعة النجاح بغداد ۱۹۵۰.
١٦٢. نشر العلمين المتيقن في احياء الابوين الشريفين، ط ۲، حیدرآباد
الد -كن الهند ١٣٣٤ هـ
١٦٣. الديارات تح كوركيس عواد مط المعارف،،بغداد، ١٩٥١.
١٦٤. ذيل الروضتين تح محمد زاهد الكوثري، ط ١، دار الكتب الملكية، القاهرة، ١٩٤٧.
١٦٥. حقائق التأويل في متشابهة التنزيل، شرح: محمد رضا آل كاشف الغطاء، بيروت، ب. ت.
١٦٦. خصائص الائمة، ب. محق، مجمع البحوث الاسلامية، ١٤٠٦هـ
١٦٧. خصائص الائمة، ب. محق، النجف، ١٣٦٩هـ
١٦۸. ديوان الشريف الرضى ب،محق، بيروت، ١٩٦١.
١٦٩. المجازات النبوية تح طه محمد الزيني، القاهرة، مؤسسة الحلبي، 1967.
١٧٠. نهج البلاغة، ضبط نصه: صبحي الصالح، ط1، بيروت، ۱۹۶۷/۱۳۸۷.
۱۷۱. تنزيه الانبياء والائمة، ط ٣، النجف، ١٩٧٤.
۱۷۲. الشافي في الامامة ب. محق، ط حجرية، ب، مكا ۱۳۰۱هـ
۱۷۳. القصيدة المذهبة للسيد الحميري تح محمد الخطيب، ط ۱، دار الكتاب الجديد، بيروت، ۱۹۷۰.
١٧٤. الملل والنحل، بهامش ابن حزم الفصل في الملل والاهواء والنحل ب. مكا، ب. ت.
١٧٥. ديوان الصاحب بن عباد، تح محمد آل یاسین، ط ١، بغداد، ١٩٦٥. ١٧٦. عنوان المعارف وذكر الخلائف منشور ضمن نفائس المخطوطات، تح: محمد حسن آل یاسین، ط ۲، بغداد، ١٣٨٣/١٩٦٣ هـ ص ٦١ -٦٣.
۱۷۷. نصرة مذاهب الزيدية تح: د. ناجي حسن،بغداد ۱۹۷۵.
۱۷۸. الفصول المهمة، ب. محق، ط ۲، النجف، ب. ت.
۱۷۹. اسعاف الراغبين بهامش نور الابصار للشبلنجي، بيروت، ب..ت.
۱۸۰. الامالي، ب. محق، ط ۱، النجف، ۱۹۷۰م.
۱۸۱. علل الشرائع مكتبة الداودي قم بت.
۱۸۲. معاني الاخبار مؤسسة النشر الاسلامي، قم، ١٤٠٣هـ
۱۸۳. الوافي بالوفيات، ج ۱، ط ۲، باعتناء هلموت ریتر بفيسبادن ۱۳۸۱هـ / ١٩٦١م.
١٨٤. الوافي بالوفيات، ج ۲، باعتناء س. دريد ينغ، مط وزارة المعارف استانبول، ١٩٤٩.
١٨٥. الوافي بالوفيات، ج ۳، باعتناء س. دريد ينغ، مط الهاشمية، دمشق، ۱۹۵۳ .
١٨٦. الوافي بالوفيات، ج ٤، باعتناء س. دريد ينغ، مط الهاشمية، دمشق، ۱۹۵۹.
۱۸۷. نزهة المجالس ومنتخب النفائس.(ب. محق) دار الكتب العلمية، بیروت، ١٣٤٦هـ
*الصنعاني: أبو بكر عبدالرزاق بن همام ت ۸۲۷م/211هـ
۱۸۸. المصنف: تح: حبيب الرحمن الاعظمي، ط ١، بيروت، ۱۹۷۰ -۱۹۷۲.
۱۸۹. دیوان حاتم الطائي، تح كرم البستاني، بيروت، ١٩٦٣.
۱۹۰. مفتاح السعادة ومصباح السيادة، تح كامل كامل بكري عبد الوهاب ابو النور، دار الكتب الحديثة، ب. ت.
۱۹۱. دیوان ابو طالب، جمع: ابي هفان عبد الله بن احمد المهزمي العبدي تصحيح، محمد صادق آل بحر العلوم، النجف ١٣٥٦هـ
۱۹۲. دیوان ابو طالب صنعه: علي بن حمزة البصري، ت ٣٧٥ هـ تح: محمد حسن آل یاسین، ب. مکا، ب. ت.
*ابن طاووس: رضي الدين ابو القاسم علي بن موسى الحسني ت ٦٦٤هـ
١٩٣. الملاحم والفتن، ط،٤ مط الحيدري النجف ۱۹۷۲.
١٩٤. المعجم الكبير نح: حمدي السلفي، ط ۲، دار احياء التراث العربي. الاسلامي الموصل ۱۹۸٦.
١٩٥. الاحتجاج، ب. محق، مؤسسة الاعلمي، بيروت، ب. ت.
١٩٦. اعلام الوری با علام الهدى، قدم له السيد محمد مهدي، ط3، النجف، ۱۹۷۰.
١٩٧. بشارة المصطفى: ط ۲، المكتبة الحيدرية، النجف، ١٩٦٣.
۱۹۸. تاريخ الرسل والملوك، تح: محمد ابو الفضل ابراهيم ط ٤ دار المعارف، ٦١- ١٩٦٨.
۱۹۹. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ب. محق، ط ٣، ١٩٦٨.
۲۰۰. المنتخب من كتاب ذيل المذيل تح محمد ابو الفضل ابراهيم ط ۲ دار المعارف، القاهرة، ۱۹۸۲.
۲۰۱ شرح معاني الآثار، تح محمد زهدي النجار، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت،. ۱۹۷۲.
۲۰۲. مشكل الآثار، ب. محق، ط ۱، حیدر اياد الداكن الهند ۱۳۳۳ هـ
۲۰۳. ديوان الطغرائي، تح: علي جواد الطاهر ـ يحيى الجبوري، بغداد،۱۹۷2.
٢٠٤. ديوان عامر بن الطفيل تح كرم البستاني، بيروت، ١٩٦٣.
۲۰٥. الفخري في الاداب السلطانية والدول الاسلامية، ب. محق، بيروت 1960.
٢٠٦. مطالب السئول فى مناقب آل الرسول، ب. محق، النجف. ب. ت.
۲۰۷. الامالي، قدم له السيد محمد صادق بحر العلوم، مط النعمان النجف ١٩٦٤.
۲۰۸. الامالى، ب، محق، دار الثقافة للنشر، قم، ١٤١٤هـ
۲۰۹. التبيان في تفسير القرآن تح: احمد حبيب العاملي، دار الاندلس بیروت، ب. ت.
۲۱۰. تلخيص الشافي، (تحقيق: السيد حسين آل بحر العلوم، النجف ـ ١٣٨٣هـ /١٩٦٣م).
۲۱۱. الرجال، تح محمد صادل آل بحر العلوم، ط ١، النجف، ١٩٦١م.
۲۱۲. الفهرست صححه وعلق عليه محمد صادق آل بحر العلوم، ط ۲ النجف، ١٩٦٠.
۲۱۳. مصباح المتهجد، ب،محق، بيروت، ١٤١١.
٢١٤. المعتمد في اصول الفقه، تح محمد حمید الله وآخرين، دمشق، ٦٤ – 1965.
۲۱۵. بهجة المحافل وبغية الاماثل، ب. محق، المدينة المنورة، ۱۳۳۱هـ .
٢١٦. الاستيعاب في معرفة الاصحاب، تح على محمد البجاوي، القاهرة، 1960.
۲۱۷. جامع بيان العلم وفضله، ب. محق، المكتبة العلمية، المدينة المنورة، ب. ت.
۲۱۸. العقد الفريد تح احمد امین وآخرون، القاهرة، ١٩٤٠ ١٩٥٣.
۲۱۹. غريب الحديثين ب،محق، ط ١، بيروت، ١٩٨٦.
۲۲۰. ديوان ابي العتاهية، تح كرم البستاني، بيروت، ١٩٦٤.
۲۲۱. الكامل في ضعفاء الرجال، تح: عادل احمد عبد الموجود وآخرين، ط ۱، بیروت، ۱۹۹۷.
۲۲۲. البيان المغرب في اخبار الاندلس والمغرب، تح كولان بوفنسال ط،۲، بیروت، ۱۹۸۱.
۲۲۳. طرح التثريب في شرح التقريب بيروت، دار احياء التراث العربي، ب. ت.
٢٢٤. صحيح الترمذي بشرح ابن العربي، ب. محق، ط ١، الازهر ۱۹۳۱.
۲۲۵. كتاب خطبة واصل بن عطاء، منشور ضمن نوادر المخطوطات تح: عبد السلام هارون المجموعة الثانية، ط ۲، ۱۹۷۳. ص ۱۱۸ -١٣٦.
۲۲٦. شروح سقط الزند، تح مصطفى السقا وآخرين نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب ١٩٦٤م.
۲۲۷ لزوم ما لا يلزم ب،محق، بیروت، ۱۹۶۱.
۲۲۸. ديوان عبد الباقي العمري تصحيح الحافظ عثمان الموصلي الموصل، ١٣١٦هـ
۲۲۹. عمدة الطالب فى انساب آل ابيطالب، دار الاندلس النجف، ١٣٥٨هـ
٢٣٠. المستقصى من علم الاصول، ط ۲، بیروت، دار الكتب العلمية، ب. ت.
۲۳۱ المجمل دراسة وتح: زهير عبد المحسن سلطان، ط ۱، بیروت، ١٩٨٤.
۲۳۲. روضة الواعظين دار الرضی، قم، ب. ت.
۲۳۳. المختصر في اخبار البشر، ب، محق، ط ۲، المطبعة الحسينية، ب. ت.
٢٣٤. الاغانى شرحه: عبد علي، سمیر جابر ط ۲، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٦.
٢٣٥. مقاتل الطالبين ب. محق مط الديواني، بغداد، ١٩٦٥.
٢٣٦. الديباج المذهب في معرفة علماء المذهب، ط ١، مصر، ١٣٥١ هـ
۲۳۷. ديوان الفرزدق تح كرم البستاني دار صادر، بیروت، ١٩٦٦.
۲۳۸. تحفة الابية في من نسب الى غير ابيه منشور ضمن نوادر المخطوطات المجموعة الاولى تح عبد السلام هارون، ط ۲، ۱۹۷۲، ۹۷ -۱۱۰.
۲۳۹. القاموس المحيط، دار الفكر، بيروت، ۱۹۸۳م.
٢٤٠. فضائل الخمسة من الصحاح الستة النجف، ١٣٨٣ -١٣٨٤هـ
٢٤١. شرح الاصول الخمسة حققه وقدم له د. عبد الكريم عثمان، ط ١، القاهرة، ١٩٦٥.
٢٤٢. فرق وطبقات المعتزلة تح د. علي سامي النشار عصام الدين محمد على الاسكندرية ۱۹۷۲.
٢٤٣. فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ومبا ينتهم لسائر المخالفين، تح: فؤاد، سید، تونس ١٩٧٤.
٢٤٤. المختصر في اصول الدين ضمن رسائل العدل والتوحيد) تح: محمد عمارة، دار الهلال، ۱۹۷۱.
٢٤٥. المغني في ابواب العدل والتوحيد تح د. عبد الحليم النجار د. سليمان دينا الدار المصرية، ب. ت.
٢٤٦. ذيل الامالى والنوادر ب محق، دار الفكر، ب. ت.
٢٤٧. الامامة والسياسة (المنسوب)، ب. محق، القاهرة، ب. ت.
٢٤٨. الشعر والشعراء، دار الثقافة ٧ بيروت ١٣٨٤هـ / ١٩٦٤.
٢٤٩. عيون الاخبار، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، ۱۹۲۵ -۱۹۳۰.
٢٥٠. غريب الحديث تح: عبدالله الجبوري، ط 1، بغداد، ۱۹۷۷.
٢٥١. المعارف تقديم وتحقيق ثروت عكاشة، ط ۲، دار المعارف، مصر، القرشي: عبد القادر بن محمدت ١٣٧٣م/ ٧٧٥هـ
٢٥٢. الجواهر المضية فى طبقات الحنفية، حيدر آباد الدكن ۱۳۳۲ هـ
٢٥٤. ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري. ب. محق، بولاق، ۱۲۹۳.
٢٥٥. الرسالة القشيرية في علم التصوف ب،محق بغداد، ب.ت.
۲٥٦. تاج التراجم في طبقات الحنفية، ب. محق، بغداد، ١٩٦٢.
القفطي جمال الدين ابي الحسن علي بن يوسف ت ١٢٤٨م/٦٤٦ هـ
٢٥٧. انباه الرواة على انباه النحاة تح محمد ابو الفضل ابراهيم، القاهرة، ۱۹۵۵ -۱۹۵۰.
٢٥٨. تاريخ الحكماء تح يوليوس ليبرت، لا يبزك، ۱۹۰۳.
٢٦٠. صبح الاعشى في صناعة الانشاء، ب. محق، القاهرة، ١٩٦٣.
٢٦٢. فوات الوفيات تح: احسان عباس ۷ بيروت، ١٩٧٤-۱۹۷۳.
٢٦٣. البداية والنهاية، ط ۲، بیروت، ۱۹۷۷.
٢٦٤. تفسير ابن كثير، ب، محق، دار احياء الكتب العربية، ب. ت.
٢٦٥. نهاية البداية والنهاية، تح الشيخ محمد فهيم، ط ١، الرياض، ١٩٦٨.
٢٦٦. الرجال، تح: السيد احمد الحسيني: مؤسسة الاعلمي، كربلاء، ب. ت.
٢٦٧. كفاية الطالب في مناقب علي بن ابي طالب، تح: محمد هادي. الاميني: ط ۲، النجف ۱۹۷۰.
٢.٦٨. الولاة والقضاة، تصحيح رفن کست، بیروت، ۱۹۰۸.
٢٦٩. صحيح سنن ابن ماجة تح محمد ناصر الالباني، ط1، بيروت، ۱۹۸۶.
۲۷۰. معالم العلماء، ب. محق، ط ۲، النجف، ١٩٦١.
۲۷۱. مناقب آل ابي طالب المطبعة الحيدرية، النجف، ١٩٥٦/١٣٧٦.
۲۷۲. الكامل في اللغة والادب تح: محمد ابو الفضل ابراهيم والسيد شحاتة، دار النهضة للطباعة والنشر، القاهرة، د.ت.
۲۷۳. كنز العمال في سنن الاقوال والافعال ط ۲ حيد آباد الدكن الهند ١٩٦٧.
٢٧٤. ديوان المتنبي، شرح عبود احمد الخزرجي، بغداد، ۱۹۸۸.
ابن متويه: ابي محمد الحسن بن احمد ت، ٤٦٩هـ / ١٠٧٦م.
التذكرة في احكام الجواهر والاعراض، تح د. سامي نصر ـ د. فيصل عون، القاهرة ١٩٧٥.
٢٧٥. اخبار العباس وولده، تح عبدالعزيز الدوري وعبد الجبار المطلبي دار الطليعة بيروت، ۱۹۷۱.
٢٧٦. العيون والحدائق في اخبار الحقائق تح دي غويه، بريل، ۱۸۷۱، اعادة مكتبة المثنى بغداد، طبعة بالاوفسيت.
۲۷۷. كتاب الحوادث وهو الكتاب المسمى وهماً بالحوادث الجامعة والتجارب النافعة والمنسوب لابن الفوطي، تح: بشار عواد معروف عماد عبد السلام رؤوف، ط ۱، دار الغرب الاسلامي، ۱۹۹۷.
۲۷۸. ذخائر العقبى فى مناقب ذوي القربى تقديم ومراجعة جميل ابراهيم حبيب، بغداد، ١٩٨٤.
۲۷۹. الرياض النظرة، تح سليمان حسن عبدالوهاب، ط ۲، مصر..۱۹۵۳/۱۳۷۲.
۲۸۰. طبقات المعتزلة، تح: مؤسسة ديفلد فلزر، استانبول، ١٩٦٠.
۲۸۱. معجم الشعراء، تهذيب سالم الكونكري، القاهرة، ١٣٥٤هـ.
۲۸۲. رغبة الامل من كتاب الكامل، ط ١، مط النهضة، مصر، ۱۹۲۷ -۱۹۳۰.
۲۸۳. مروج الذهب ومعادون الجوهر، تح: محمد محي الدین عبد الحميد، مصر ١٩٦٧.
،۲۸٤ صحیح مسلم تح: محمود توفیق مط مجازي، القاهرة، ب. ت.
ابن المعتز عبد الله ٢٤٧ ٢٩٦هـ.
۲۸۵. طبقات الشعراء. تح عبد الستار احمد فراج دار،المعارف مصر ١٩٥٦.
٢.٨٦ الحجة على الذاهب الى تكفير ابي طالب، تح: السيد محمد بحر العلوم، ط ۲، مكتبة النهضة، بغداد، كانت ط ١، ١٣٨٤هـ / ١٩٦٥م.
*ابن المغازلي: ابو الحسن علي بن محمد الشافعي ت ٤٨٣هـ.
۲۸۷. مناقب علي بن ابي طالب، تح محمد باقر البهبودي المكتبة الاسلامية، طهران، ١٣٩٤هـ.
*المفيد: ابو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ٣٨٨ -٤١٣هـ.
۲۸۸. الارشاد، ط ه، مؤسسة الاعلمي بيروت ۲۰۰۱.
۲۸۹. ایمان ابو طالب تح محمد حسن آل یاسین، منشور ضمن نفائس المخطوطات، ط ۲، بغداد ١٩٦٣، ۱۳۸۳هـ.
۲۹۰. مسار الشيعة ب محق المؤتمر للشيخ المفيد، قم ١٤١٣هـ.
۲۹۱. المقنعة، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، ١٤١٣هـ.
۲۹۲. اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الخلفاء تح: جمال الدين الشيال محمد حلمى احمد، القاهرة، ۶۷ -۱۹۷۱.
٢٩٣. الخطط المقريزية، ب. محق بولاق ١٢٩٤، د. اعادة طبعة بالا وفسيت، بغداد ۱۹۷۰.
٢٩٤. التنبية والرد على اهل الأهواء والبدع، تح محمد زاهد الكوثري بيروت، ١٩٦٨.
٢.٩٥. فيض القدير بشرح الجامع الصغير، ط ١، مصر، ۱۹۳۸.
٢٩٦. تهذيب الترغيب والترهيب، تح: عوني نعيم، الزرقاء، الاردن، ۱۹۹۰.
۲۹۷. التكملة لوفيات النقلة، تح بشار عواد النجف، ١٩٦٨ -١٩٦٩.
۲۹۸. لسان العرب الدار المصرية، القاهرة، ب. ت.
۲۹۹. لباب الاداب تح: احمد محمود شاكر القاهرة، ١٩٣٥.
*المنقري: نصر بن مزاحم ت ۲۱۲هـ.
۳۰۰. وقعة صفين، تح عبد السلام محمد هارون، القاهرة، ۱۲۸۲هـ.
۳۰۱. مجمع الامثال، تح: محمد الدين عبد الحميد، ط ۲، مط السعادة، مصر، ۱۹۵۹.
۳۰۲. ديوان النابغة، تح: كرم البستاني، بيروت، ١٩٥٣.
۳۰۳. مسائل الامامة، تح يوسف فان آس، بيروت، ۱۹۷۱.
٣٠٤. سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون، ط 4، مصر، 1321هـ.
۳۰۵. تاریخ قضاة الاندلس المكتب التجاري، بيروت، ب.ت.
۳۰٦. الرجال، ب. محق تصحيح جلال الدين الاملي ب مكا. ب.ت..
۳۰۷ الفهرست ب محق دار،المعرفة، بيروت، ۱۳۹۸هـ / ۱۹۷۸م.
۳۰۸. خصائص امير المؤمنين على بن ابيطالب حققه محمد هادي الامينى النجف، المطبعة الحيدرية، ١٩٦٩.
۳۰۹. سنن النسائي بشرح السيوطي، المطبعة المصرية بالازهر، ط ١، ١٣٤٨هـ / ١٩٣٠م.
۳۱۰. حلية الاولياء وطبقات الاصفياء، ب، محق، ط ۲، دار الكتاب العربي بیروت، ١٩٦٧.
۳۱۱. دلائل النبوة، ب،محق مكتبة النهضة، بغداد، ۱۹۷۷.
۳۱۲. دیوان ابو نؤاس، تح: احمد عبد المجيد الغزالي، دار الكتب العربي، بیروت ۱۹۵۳.
۳۱۳. تهذيب الاسماء واللغات،ب،محق ب ط دار الكتب العلمية، بیروت، ب.ت.
٣١٤. نهاية الارب تح محمد ابو الفصل ابراهيم، القاهرة، ۱۹۷۷.
٣١٥ منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، تصحیح ابراهيم الميانجي، المكتبة الاسلامية، طهران، ۱۳۷۸هـ / ۱۳۸۳.
٣١٦. السيرة النبوية، تح: مصطفى السقا وآخرين، دار الفكر، ب. ت.
۳۱۷. الغارات، تح عبد الزهراء الخطيب ط ١، دار الكتاب الاسلامي ۱۹۹۰.
۳۱۸. الاوائل تح محمد السيد الوكيل، طنجة، المغرب، ١٩٦٦.
۳۱۹ جمهرة الامثال تح محمد ابو الفضل ابراهيم عبد المجيد قطامش ط ١، القاهرة، ١٩٦٤.
۳۲۰. کتاب سليم بن قيس حرره الحسني، ب. مكا، ب. ت.
۳۲۱. الاكليل تح: محب الدين الخطيب، ج ۱۰، القاهرة، ١٣٦٨هـ.
۳۳۲. مختصر كتاب البلدان، تح دي غوية بريل، ۱۸۸۵.
۳۲۳. تكملة تاريخ الطبري ضمن ذيول تاريخ الطبري، ط ۲ تح محمد ابو الفضل،ابراهيم دار المعارف، ۱۹۸۲.
٣٢٤. تطهير الجنان واللسان، تح: عبدالوهاب عبد اللطيف، القاهرة، ١٣٧٥هـ.
٣٢٥. الصواعق المحرقة، تح عبد الوهاب عبد اللطيف الحسني القاهرة ١٣٧٥هـ.
۳۲٦. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد مكتبة القدسي، القاهرة، ١٣٥٢ -١٣٥٣هـ.
۳۲۷. اسباب النزول ب محق، القاهرة، ١٩٦٨.
۳۲۸. طبقات خرقة الصوفية ب محق، القاهرة، ۱۳۰۵.
۳۲۹. المغازي، تح: مارسدن جونس، اکسفورد، ١٩٦٦.
اليافعي: ابو محمد عبدالله بن اسعد بن علي ت ٧٦٨هـ.
۳۳۰. مرآة الجنان وعبرة اليقظان مؤسسة الاعلمي، بيروت، ۱۹۷۰.
٣٣١. التاريخ تح محمد صادق بحر العلوم، ط ٤، النجف، ١٩٧٤.
۳۳۲. بلوغ الارب في معرفة احوال العرب، تصحيح محمد بهجت الاثري ط ۳، مصر، ١٣٤٢هـ.
۳۳۳. اعيان الشيعة، تح: حسن الامين، بيروت. ب. ت.
٣٣٤. الغدير في الكتاب والسنة والادب مركز الغدير للدراسات الاسلامية، ط ١، ١٩٩٥.
٣٣٥. مذاهب الاسلامين ط،۳، دار العلم للملايين، بيروت، ۱۹۸۳.
٣٣٦. تاريخ الادب العربي، نقله الى العربية د. عبد الحليم النجار دار المعارف مصر مر. ١٩٦١.
۳۳۷. بنات النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، دار الهلال، مصر الجديدة، ١٩٦٣.
۳۳۸. مفتاح الوصول الى علم الاصول، ط ١. بغداد، ١٩٩٤.
۳۳۹. مذهب الذرة عند المسلمين وعلاقته بمذاهب اليونان والهنود. ترجمة: محمد عبد الهادي ابو ريدة القاهرة، ١٣٦٥هـ / ١٩٤٦م.
٣٤٠. العقل السياسي العربی، ط ۲، بیروت، ۱۹۹۱.
٣٤١ المعتزلة، ط ۲، بيروت، ١٩٧٤.
٣٤٢. الامام علي صوت العدالة الانسانية، قدم له ميخائيل نعيمة، بيروت، دار الفكر، ١٩٥٨.
٣٤٣. قبيلة قريش واثرها في الحياة العربية قبل الاسلام،بغداد 2002.
٣٤٤. ابو جعفر النقيب مط الهلال، بغداد، ١٩٤٩.
٣٤٥. تاريخ الدولة الفاطمية، ط ٣، الجيزة، ١٩٦٤.
٣٤٦. سيرة الائمة الاثني عشر، دار التعارف بيروت، ١٩٨٦.
٣٤٧. الفتنة الكبرى علي وبنوه، دار المعارف، مصر، ١٩٥٦.
٣٤٨. موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والاحزاب والحركات الاسلامية، ط ۲، ب. مكا، ۱۹۹۹.
٣٤٩. البلاغة والتطبيق، ط ۱، بغداد ۱۹۸۸.
۳۵۰. روائع الحكم في اشعار الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بغداد، ۱۹۸۸.
٣٥١. مصادر نهج البلاغة واسانيده، ط ١، النجف، ١٣٨٦هـ / ١٩٦٦م.
٣٥٢. ابو طالب مؤمن قريش، ط ۲، بیروت، ١٩٦٤.
٣٥٣. الدرة النجفية في شرح نهج البلاغة، ط حجرية ب مكا، ١٣٢٥هـ.
٣٥٤. الفتوة عند العرب القاهرة، ١٣٧٠هـ /١٩٥١.
٣٥٥. ثورة العقل: دراسة فلسفية في فكر معتزلة بغداد، ط ۲، بغداد، ١٩٨٦.
٣٥٦. العذيق النضيد بمصادر ابن ابي الحديد، مطالعانی، بغداد، ۱۹۸۷.
٣٥٧. الاعلام، ط،۸، دار العلم للملايين، بيروت، ۱۹۸۹.
٣٥٨. عقائد الامامية، ط ۲، مؤسسة الاعلمي بيروت ۱۹۷۳.
٣٥٩. تاریخ اداب اللغة العربية دار مكتبة الحياة، بيروت، ب. ت. السامرائي: خليل ابراهيم.
٣٦٠. دراسات في تاريخ الفكر العربي الموصل.ب. ت.
الشبلنجي: مؤمن بن حسن مؤمن ١٢٥٢ بعد ١٣٠٨ هـ / ١٨٣٦ - بعد ۱۸۹۱م.
٣٦١. نور الابصار، ب،محق دار احياء التراث العربي، بيروت، ب. ت.
٣٦٢. حركة التاريخ عند الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مؤسسة نهج البلاغة، ١٤٠٥.
٣٦٣. دراسات في نهج البلاغة المطبعة العلمية في النجف، ١٩٥٦/١٣٧٦.
٣٦٤. ما هو نهج البلاغة، ط ۲، دار الثقافة النجف، ۱۳۸۰هـ / ۱۹٦١.
٣٦٥. كفاية الطالب لمناقب علي بن ابيطالب تح محمد علي صالح ط 1.الاستقامة، ١٩٣٦.
٣٦٦. على ال بين امه وابيه، بیروت، ١٤٢٢هـ / ۲۰۰۱م.
٣٦٧. المعجم الشامل للتراث العربى المطبوع، معهد المخطوطات العربية القاهرة، ۱۹۹۲ -۱۹۹۵.
٣٦٨. في علم الكلام، ط ۲، دار الكتب الجامعية، ١٩٧٦.
٣٩٦. المعجم الفلسفي، ط ۱، بیروت، ۱۹۷۳.
۳۷۰. جمهرة رسائل العرب، ط ١، القاهرة، ۱۹۳۷.
۳۷۱. الفن ومذاهبه في النثر العربي ط،۹، دار المعارف، مصر، ب، ت.
۳۷۲. على والفلسفة الالهية، الدار الاسلامية، ١٣٤٩هـ.
۳۷۳. شيخ الابطح مط دار السلام، بغداد، ١٣٤٩ هـ.
٣٧٤. قاضي القضاة عبد الجبار بن احمد الهمداني، بيروت، ١٩٦٧.
٣٧٥. الامام علي اسد الاسلام،وقديسه مط النجف ب. ت.
٣٧٦. عبقرية الامام على دار الفکر، بغداد، ب. ت.
۳۷۷. فاطمة الزهراء والفاطميون، دار الهلال، ب. ت.
۳۷۸. التاريخ الاسلامي وفكر القرن العشرين مكتبة النهضة، بغداد، ط ۲ 1985.
۳۷۹. العباسيون الاوائل، ط ۲، بغداد، ۱۹۷۷.
۳۸۰. اهل البيت، ط ١، ب. مكا، ۱۹۷۰.
۳۸۱. الجانب الاعتزالى عند الجاحظ، ط ١ عند الجاحظ، ط ۱، بیروت، ۱۹۹۹.
۳۸۲ ابو الحسن الأشعري، بيروت. ب. ت
۳۸۳. الموسوعة العربية الميسرة، دار نهضة لبنان، ۱۹۸۰.
٣٨٤. تاريخ الفكر العربي الى ايام ابن خلدون، ط٤، بیروت ۱۹۸۳.
۳۸۵. معجم رجال الحديث، ط ۲، النجف، ۱۳۹۸هـ / ۱۹۷۸.
٣٨٦. مدارك نهج البلاغة ودفع الشبهات عند مكتبة الاندلس، بيروت، ب.
۳۸۷. مستدرك نهج البلاغة مكتبة الاندلس، بيروت، ب. ت.
۳۸۸. اعلام النساء، بيروت، ط ۳، ۱۹۷۷.
۳۸۹. معجم قبائل العرب، بيروت، ۱۹۶۸.
۳۹۰. دور كتامة في تاريخ الدولة الفاطمية، الجزائر، ۱۹۷۹.
۳۹۱. الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة: محمد عبد الهادي ابو ريدة، القاهرة ١٩٤٠.
۳۹۲. الصحيفة السجادية، بغداد، ١٩٦٧.
۳۹۳. ابو جعفر الاسكافي و آراؤه الكلامية والفلسفية: دار احياء الكتـب، القاهرة، ۱۹۹۸.
٣٩٤. ترجمة الامام علي بن ابي طالب(عَلَيهِ السَّلَامُ) من تاريخ دمشق لابن عساكر، ط ۱، بیروت، ۱۹۷۵.
۳۹٥. نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، بيروت، ١٩٧٦.
٣٩٦. ادب المرتضى فى ته واثاره، ط ١، مط المعارف،بغداد ۱۹۵۷.
مذکور محمد سلام
۳۹۷ مناهج الاجتهاد في الاسلام، ط ۲، الكويت، ۱۹۷۷.
۳۹۸. فضائل الامام علي، ط ۲، بغداد، ١٩٦٤.
۳۹۹. في ضلال نهج البلاغة، دار العلم للملايين،بیروت، ط ۲، ۱۹۷۸.
٤٠٠. ديوان امير المؤمنين، بغداد، ب. ت.
٤٠١. تشریح شرح نهج البلاغة لابن ابى الحدید بغداد، ١٩٥٤.
٤٠٢. الوسيط في تاريخ العرب قبل الاسلام الموصل، ١٩٩٤.
٤٠٣. حياة محمد، ترجمة عادل زعيتر، دار الكتب العلمية، بيروت، ب. ت.
٤٠٤. مدرسة البصرة الاعتزالية البصرة، ۱۹۹۰.
٤٠٥. زهرة الادباء في شرح لامية شيخ البطحاء، النجف، ١٣٥٦هـ.
٤٠٦. مهزلة العقل البشري، ب. مكا، ١٩٥٦.
٤٠٧. تطور الاوضاع الاقتصادية في عصر الرسالة والراشدين الموصل، 1988.
٤٠٨. الامبراطورية البيزنطية، بيروت، ١٩٦٦.
٤٠٩. تاريخ الدولة العربية، ترجمة: عبدالهادي ابو ريدة، القاهرة، ١٩٥٨.
٤١٠. منهج المتكلمين في فهم النص القرآني اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة الكوفة، كلية الاداب، ۲۰۰۰م.
٤١١. قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي رسالة ماجستير كلية الآداب البصرة، ۱۹۹۹.
٤١٢. دولة التبايعة في اليمن. رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة.۱۹۹۰.
٤١٣. الحركة الفكرية في القرن الأول الهجري، رسالة ماجستير الجامعة المستنصرية، ١٩٨٤.
٤١٤. الامام الدارقطني وجهوده في الحديث وعلومه، رسالة ماجستير، بغداد ، ۱۹۸۸.
٤١٥ بسطام بن قيس ذو الجدين رسالة ماجستير كلية التربية جامعة: البصرة، ۱۹۸۹.
٤١٦. القاضي شريح وارائه الفقهية رسالة ماجستير،بغداد ۱۹۸۸.
٤١٧. القاضي عبد الجبار بن احمد المعتزلي وفكره الاسلامي، اطروحة دكتوراه الاسكندرية، ۱۹۷۷.
٤١٨. الفكر السياسي عند الخوارج رسالة ماجستير، البصرة ٢٠٠٠.
٤١٩. السيدة خديجة بنت خويلد، رسالة ماجستير غير منشورة كلية التربية، جامعة البصرة، ۲۰۰۱.
٤٢٠. ابن ابي الحديد جهوده النقدية والبلاغية، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الاداب، جامعة البصرة، ١٩٩٦.
٤٢١. شعر عبد الحميد بن هبة الله المدائني الشهير بابن ابي الحديد ت ٦٥٦هـ جمع وتح ودراسة رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد.۱۹۹٦.
٤٢٢. الباقلاني وآراؤه الكلامية اطروحة دكتوراه جامعة الازهر، ۱۹۷۸.
٤٢٣. جهود ابن ابي الحديد النحوية في شرح نهج البلاغة، رسالة ماجستير، البصرة، ۱۹۹۷.
٤٢٤. ابو محنف ودوره في التدوين التاريخي رسالة ماجستير، الاداب، البصرة، ۱۹۹۷.
الفحام عباس علي حسين.
٤٢٥. التصوير الفني في طب الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة ماجستير، الكوفة، ۱۹۹۹.
٤٢٦. غرر الفوائد ودرر القلائد للشريف دراسة منهجية، رسالة ماجستير غير منشوة كلية الآداب، جامعة البصرة.۱۹۹۳
٤٢٧. ابن ابي الحديد ناقداً، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية القائد للتربية للبنانت جامعة الكوفة، ١٤١٨هـ ١٩٩٧م.
٤٢٨. التنشئة الاجتماعية عند العرب قبل الاسلام، أطروحة دكتوراه، غير منشورة، كلية الاداب، جامعة البصرة، ۲۰۰۲م.
٤٢٩. ابن ابي الحديد سيرته وآثاره الادبية والنقدية، رسالة ماجستير غيرمنشورة، القاهرة، ۱۳۹۷ -۱۹۷۷.
٤٣٠. فلسفة ابو القاسم الكعبي، اطروحة دكتوراه جامعة الكوفة، ۱۹۹۷.
٤٣١. المقريزي دراسة في سير ته الشخصية وارائه في الازمات الاقتصادية، رسالة ماجستير، كلية الاداب جامعة البصرة، ۱۹۹۸.
٤٣٢. شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد مجلة تراث الانسانية، المؤسسة المصرية، مج ۲، ص ١٢٥ -١٣٩.
٤٣٣. ادب الامام علي ونهج البلاغة مجلة الاعتدال، ع٤، س٥، النجف، ۱۹۳۹، ص ۱۸۹ -۲۰۳.
٤٣٤. الرؤى الاجتماعية والاخلاقية في شعر الشريف الرضي مجلة آفاق عربية، ع7، ١٩٨٥، ص ٩٥ -١٤٠.
٤٣٥. لغة الشريف الرضي مجلة آفاق عربية، ع۷/ ۱۹۸۵ ص ۳۱۱ -۳۲۸.
٤٣٦. بعض مستندات ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة مجلة لغة العرب، مج ٩، ع ٧، ١٩٣١، ص ٥٤٣ -٦.
٤٣٧. عبد الحميد ابن ابي الحديد المدائني شارح نهج البلاغة مجلة
المعرفة، بغداد، س۲، ع۲۹، ١٩٦٢، ص ٤ ٦-، ٣٤.
٤٣٨. مصادر نهج البلاغة لابن ابي الحديد مجلة المجمع العلمي العراقي مج9، س 2/ ١٩٦١، ٣٤٠ -٣٤٩.
٤٣٩. الكنوز الدفينة في شرح نهج البلاغة مجلة المعلم الجديد، مج ٢٤. ج ٣ -٤ س /۱۹٦١، ص ۱ -۲۲.
٤٤٠. حجازيات الشريف الرضى مجلة آفاق عربية، ع ۷، ۱۹۸۵، ص ۲۳ -26.
٤٤١. الصورة الفنية في شعر الشريف الرضي مجلة آفاق عربية، ع7، ۱۹۸۵، ص ٢٤٧ -٣١٠.
٤٤٢. المؤثرات العامة في شعر الشريف الرضي مجلة آفاق عربية، ع۷، ١٩٨٥، ص 63- 93.
٤٤٣. ذو الرأي الحباب بن المنذر المنذر الخزرجي، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، مج ۱۳، ع۷، ١٩٩٨، ص ١٤٩ -١٨٦.
٤٤٤. عام الفيل صورة من الصراع العربي الحبشي، مجلة دراسات في التاريخ والاثار، ع۲، ۱۹۸۲، ص ۱۷۱ -۱۹۲.
٤٤٥. الشريف الرضي الشاعر والاديب العبقري، مجلة ثقافة الهند
(نيودلهي، الهند)، مج ٤٣، ع ٢، ١٩٩٢، ص -٤٠٦٢.
٤٤٦. موقف كبار الصحابة من مقتل عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنهُ). مجلة آداب الرافدين، ع ۲۰۰٢.٣٥م، ص ١٤٩ -١٦٠.
٤٤٧. الشريف الرضي في آثار الدارسين مجلة آفاق عربية، ع۷، ۱۹۸۵. ٣٢٩ -٣٥٣.
٤٤٨. تاريخ الطبري مصدراً عن ثورة الزنج في القرن الثالث للهجرة، مجلة المورد، مج ٧، ع۲، ۱۹۷۸، ص ۳۷ -۹۲.
٤٤٩. التنظيم العسكري لجيش صاحب الزنج، مجلة المؤرخ العربي، ع۷، ۱۹۷۸، ص ١١٦ -١٥٧.
٤٥٠. صاحب الزنج، مجلة المورد مج ١، ع3-4. ١٩٧٢، ص ۱۱ -۲۳.
٤٥١. نهج البلاغة لمن؟ مجلة البلاغ، ع٣ س٥، ۱۹۷۵، ص ۳۱ -٤٩.
٤٥٢. محاضرات القاها على طلبة الدكتوراه عام ۱۹۹۹ ۲۰۰۰م.
الموضوع
الاهداء
شكر وتقدير...1
المقدمة...5
المدخل: التفضيل عند المعتزلة... 27
الفصل الاول:
عراقة النسب...57
الفصل الثاني:
نشأة الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيت الرسالة...117
الفصل الثالث:
خصال الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخلقية وسجاياه النفسية... 199
الفصل الرابع:
الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونظام الحكم...245
المبحث الاول...247
المبحث الثاني...289
معركة الجمل...300
معركة صفين ٣٧ هـ...312
معركة النهروان ٣٨هـ...356
رؤية ابن أبي الحديد لسياسة الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)...365
الفصل الخامس:
الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) المصدر للفكر العربي الاسلامي...403
المبحث الأول...405
المبحث الثاني: الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والعلم الالهي...411
المبحث الثالث: الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مصدراً للتصوف الاسلامي...417
المبحث الرابع: الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الليل ولو علم الفقه...423
المبحث الخامس: الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ن و علوم القرآن.....433
المبحث السادس: الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والبلاغة... 439
المبحث السابع: الامام العليا الا الله وعلم الفلك... 501
المبحث الثامن: الامام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعلم الحيوان...503
المبحث التاسع: الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) و علم التاريخ...505
المبحث العاشر: الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والغيبيات...513
اشكالية نهج البلاغة والوضع...551
الخاتمة...561
ملحق رقم ١ قصيدة لابن أبي الحديد في مدح الامام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).. 565
المصادر...573
اولاً: المصادر الاولية...573
ثانياً: المراجع الثانوية...607
ثالثاً: الرسائل الجامعية...615
رابعاً: الدوريات...618
خامساً: المحاضرات...620
الفهرست...621