ghaemiyeh.com
علم الاجتماع
في
نهج البلاغة
هاشم حسين نَاصِر المحنك
جامعة الكوفة
دار أنباء للطباعة والنشر
النجف الأشرف - العراق
محرّر الرقمي: محمّد رادمرد
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
دار أنباء للطباعة والنشر
Dar - Anbaa
For Printing Publishing
بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائفِ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فوق بِبَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبلُوكُمْ فِي مَا أتَاكُمْ إِنَّ رَبِّكَ سَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيم (165) سورة الأنعام
صدق الله العلي العظيم
قال أمير المومين علي في أبي طالب (عليه السلام)
وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ : فَمِنْهَا جُنُودُ اللهِ، وَمِنْهَا كُتَّابُ العَامَّةِ وَالخَاصَّة وَمِنْهَا قُضَاةُ العَدْلِ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الإِنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الجِزْيَةِ وَالخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التَّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الحَاجَةِ وَالمَسْكَنَةِ، وَكُلٌّ قدْ سَمّى اللهُ لَهُ سَهْمَهُ، وَوَضَعَ عَلى حَدِّهِ فَرِيضَةً فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ – (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً.
ورد عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام):
(حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه ؛ ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معارض كلامنا ؛ وإنّ الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين، لنا من جميعها المخرج)،
(أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، إن الكلمة لتنصرف على وجوه، فلوشاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب)،
(معاني الأخبار)
إلى مَنْ قدّم للمجتمعات البشرية جمعاء، سبيلا للإنقاذ الدنيوي، ليكون المنقذ الأقوم للعالم الأبدي.. مَنْ هو نور الله في أرضه وعروته الوثقى.. مَنْ غمرني بعظيم الشرف، لدعوته أن أكون مجتمعاً مع أهل البيت (عليهم السلام)،،
هاشم المحنك
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
للضرورات التي تتطلبها الأبعاد المختلفة لأنشطة الحياة، وسبل تنميتها وتطويرها، جعلت من ضرورة تلاحق الدراسات التي تمت بصلَتِها مع التطورات الحاصلة في أروقة التقدم الحضاري والانبعاثات المتنوعة التي تؤازر بعضها البعض..
وعلم الاجتماع Sociology أحد الروافد الحيوية الرامية إلى تحقيق مضامين متعددة واستيعابات، منها ما يتعلق بالجوانب الفردية والجماعية والمجتمعية - الإنسانية، ومحاولة لفهم المجتمع، واتجاهات بناء وعلاقات وسلوك واستقرار المجتمعات، وبالأساليب الموضوعية، ومنها المتجهة بالنسق الفكري الاستنباطي والاستقرائي، بوقائعها وتنظيماتها وتوقعاتها، وبالجوانب الكمية وغير الكمية المختلفة، المادية وغير المادية..
وما قدمته النظريات الاجتماعية المختلفة، إلا خير دليل على مبتغى ومحاولة الوصول إلى التفهم العلمي والإنساني بالتعددية والعقلانية، من خلال الأفكار والحقائق المتنوعة والمختلفة والأحكام المتخذة اتجاه المرحلة التي يمر بها المجتمع..
وما الأيديولوجيات التي ينتجها الرأي Opinion العقائدي وبمختلف الاتجاهات، إلا للتعبير عن الأسلوب الذي تضعه لتصل به العلاجات التي تراها انسب للوصول إلى تكامل الأفكار وأبعاده وتهيئة النهج، لتسيير المجتمع بحسب ما تراه من منظور أخلاقي وعلائقي وعقائدي وإنساني تخطه لمسيرتها..
والدليل القاطع على ضرورة هذا العلم وحيويته، وبصرف النظر عن الدراسات التي وضعت ومنحاها واتجاهاتها وميولها ونتائجها، وما تحمله من مؤشرات جنسياتها وقومياتها، ومنبع المجتمعات والأديان الذي ينتمون إليها، ومنها ما نراه يتحدد بالمناهج الحديثة للعلماء المتخصصين مثل : كومت، هو بهوس، أميل، دورکهایم، کارل مارکس، ماكس فيبر، جورج زيمل، بارستو... وغيرهم..
فإنّ منبعه ومبتغاه وهدفه وتصوره، هو معرفة الاستقرار الأفضل المجتمعاتهم وتقاربها، والاتجاه للحد من المشاكل والصراعات التي تولّدها الحضارات المادية الوضعية، وما تحدثه مختلف التغيرات
الاجتماعية، ولاسيما الاهتمامات المعاصرة التي اتجهت نتيجة نزاعات قومية ودينية ومذهبية ودولية، لحو محاور؛ علم الاجتماع الدولي International Sociology وعولمة علم الاجتماع Globalization Of Sociology وعلم اجتماع العولمة Sociology Of Globalization أو عليم الاجتماع الكوني Goal Sociology، وهذه الاتجاهات منبثقة من صلة علم الاجتماع بالمشكلات الاجتماعية، ومبدأ العولمة المتمثل بالحرية الجامحة، ومنه ما يرتبط أسبابه بمشكلات اللا مساواة الكونية Global Inequality، وما يرتبط بالقضايا المجتمعية Societality..
ومن منطلق ما تقدم، واتجاه وخصوصية هذه الدراسة، ورغم كل الصعاب، تم التوجه في ضوء أرقى ما جادت به العقول البشرية والمستقاة من وحي الرسالة السماوية والمدرسة النبوية المحمدية الشريفة، وخطها الأسمى لرفعة الإنسانية جمعاء، والانطلاق منها بأقوم ما اختط من الحق والعدل والمساواة والهداية العظيمة، لتماسك المجتمعات وبناؤها برصانة من الدواخل الأخوية – الإنسانية..
وما هذه الدراسة إلا الفيض اليسير من الكثير، المستمدة مما جاء في نهج البلاغة لإمام الهدى والتقى أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)..
آملاً من الله تعالى أن تكون هذه الدراسة وما سبقها وما لحقها، إضافة نوعية وسبيل الرشاد، لدراسات علمية مستقبلية مستفيضة، سواءاً حصل لي الشرف بإنجاز جانب منها، أو يحمل هذا الشرف العظيم بإمكانيات من تخصص، ليسهم بموضوعية في تحديث الفكر، ووعي الأمة والإنسانية، والاستزادة بتواصل مما جادت به بطون كتب تراثنا الإسلامي الجليل المتجدّد أبداً..
وبالله الاستغاثة والهداية..
هاشم حسين نَاصِر المحنك
النجف الأشرف
1993
يختلف مصطلح علم الاجتماع Sociology عن العلوم الاجتماعية Social Sciences ؛ لكون الأخير يستعمل لوصف العلوم التي تهتم بدراسة الإنسان ومجتمعه، وتعني تطبيق الطرق العلمية على دراسة شبكة العلاقات الإنسانية المعقدة وأنواع النظم الاجتماعية التي تمكن الأفراد من العيش سوية على شكل جماعات تنتمي لمجتمعات مختلفة.. (1)
وأيضا راجع : د، محمد أحمد الزعبي / التغيير الاجتماعي بين علم الاجتماع البرجوازي وعلم الاجتماع الاشتراكي / دار الطليعة للطباعة والنشر / بيروت - لبنان / ط 1 / 1978 ص 20 - 27.
ويتطلب قبل الخوض في دراسة مفهوم علم الاجتماع، أن تبدأ بمعرفة مفهوم مصطلح المجتمع Society والذي هو مجاميع من الموارد البشرية المتكونة من التراكيب والمؤثرات المعقدة ؛ المادية وغير المادية، والمتفاعلة بعلاقات رسمية وغير رسمية، والتي تبنى من خلال التصورات والانعكاسات، ظواهر ونتائج إنسانية معينة ولحياة معينة، وضمن موقع جغرافي وظروف محددة..
أمّا علم الاجتماع ؛ فسيتم التوجه باستعراض بعض من تعرض له، حيث يراه أحدهم ؛ العلم الذي يهتم بدراسة المجتمع الإنساني والسلوك الاجتماعي.. (2)
وآخر بشاطره الرأي مع شيء طفيف من التغيير، حيث يكون بمنظوره دراسة نظامية عن السلوك الاجتماعي والمجاميع الإنسانية.. (3)
ولم يستعرض لنا التعريفين، إلا الجهد اليسير، لهذا العلم الواسع بمضامينه ومفاهيمه، حيث كان كل من التعريفين عبارة عن جملتين محدودتين وغير واضحتين بشكل مناسب، فبينا أن هذا العلم يتعلق بمجتمع إنساني وسلوك اجتماعي، وجهديهما لم يصل إلى الدقة المطلوبة التي يتطلبها هذا المفهوم
الخطير والمهم.. وآخر يرى علم الاجتماع بأنه يدرس الأهداف من السلوك الإنساني بقدر ما هو يكون متأثراً بحقيقة عيش الناس في المجاميع... (4)
وكان في تعريفه هذا أكثر توضيحاً في خطه لما يعنيه هذا العلم، فقد وضح بأنه :
1) دينكن ميشيل / معجم علم الاجتماع / ترجمة د. إحسان محمد الحسن / دار الحرية للطباعة / بغداد - العراق / 1980 / ص 300 – 303.
2) Robertson, Iam "Sociology" Worth Publish Inc., America, 1977, P:3.
3) Schaefer, Richard T., " Sociology " McGraw-Hill Inc., 1983, P:4
4) . Sugarman, Barry "Sociology" Heinemann Educational Books Lted., Newdelhi, 1973, P: 1
يدرس أهداف السلوك الإنساني..
يكون بمقدار تأثره بحقيقة عيش الناس..
أن عيشهم يكون بمجاميع، والدراسة تكون ضمن هذه المجاميع..
ونطالع في تعريف آخر بأنّ علم الاجتماع : الدراسة التي تخص الكائن البشري وصورة منه إقامته للعلاقات مع الكائنات البشرية الأخرى، أو الدراسة التي تخص المجاميع البشرية. (1)
وفي التعريف المنقدّم والأخير الآنف الذكر، قد أخذ جوانب مما سبق من التعاريف، ولم يضف إلا ما تضمنه من إقامة العلاقات..
ولعلم الاجتماع في منظور آخر يتمثل ؛ بأنه الدراسة التي تخص الكائن البشري، كإقامة العلاقات الكائنات البشرية الأخرى، أو الدراسة التي تخص المجاميع البشرية. (2)
فنری منظوره بواقع فردي أو مذهب فردي تنشد من خلاله الشمول الجماعي للمجتمع، وهو منظار قاصر لرؤية إنسانية تعتني بالفرد - المجتمع،
ومن كتابنا العرب الأكارم، يرى علم الاجتماع : بأنه يدرس عملية تبادل العلاقات Intersections وهي عملية متغيرة متحركة تتأثر بعوامل متعددة منها ما ينجزه الأفراد وما يبذلونه من جهود وما يتصفون به من أخلاق وما يتمتعون به من شخصية ودين وعلم وتربية.. إلخ، د. علي محمد شلتوت، (3)
وبلا ريب إن رؤى هذا المفهوم مختلفة لعلم الاجتماع وأوسع وأكثر تفصيلاً مما سبقه، حيث يبين ما يتضمنه من دراسة العلاقات والشخصيات التي تتعامل أو تتبادل بها.
ويضع آخر مفهومه لعلم الاجتماع فيرى بأنه (العلم الذي يدرس النظم والعلاقات الاجتماعية والتغيرات التي تطرأ عليها وأسبابها ونتائجها وآثارها على المجتمع بهدف معرفة طبيعة المشاكل والظواهر الاجتماعية والارتباطات القائمة بينها للوصول إلى نظريات وحقائق علمية عن المجتمعات) (4).
وهو المفهوم الأكثر دقة من سابقيه، لكونه وضع من دراسة النظم والعلاقات والتغيرات ؛ مع أخذها بعين الاعتبار للأسباب والنتائج والآثار.. وصولاً إلى نظريات وحقائق علمية عن المجتمعات، لكنه في هذا الجانب حدد بعض الأبعاد دون شمول الجوانب الأخرى التي تكون ضرورية بالنسبة لعلم الاجتماع وعالم الاجتماع والمجتمع...
1) Perry, John Erna " The Social Web; An Introduction To Sociology", 2ed, -' Adepartment of Harrper Row, Publishers, Inc., New York, 1976, P: 39.
2) Dressler, David Carns, Donald " sociology ; The Study Of Human Interation " 2ed, Alfred A. Knopf, Inc., New York, 1973, P: 3.
3) د. عبد الجليل الطاهر / علم الاجتماع / ط 1 / مطبعة الشاعر / ص 9.
4) د، صلاح العبد / علم الاجتماع التطبيقي وتنمية المجتمع العربي / مطابع مؤسسة دار التعاون للطبع والنشر / 1985 / ص 15.
و عموماً أرى بشكل مختصر وشامل، أن علم الاجتماع ؛ هو الذي يحلل ويدرس بموضوعية الأشكال المتفاعلة لمجموعة التراكيب المعقدة ؛ المادية وغير المادية والنفسية والبشرية المترابطة بعلاقات رسمية وغير رسمية، والتي تولّد ظواهر ونتائج اجتماعية – إنسانية معينة ولحياة محددة..
وعلم الاجتماع يهتم بدراسة الجماعات والمجتمعات والنظم الاجتماعية والتاريخية، ويهتم بالعالم الخارجي للفرد وعلاقته بالآخرين وتفاعله معهم وعلاقته بالجماعات والنظم الاجتماعية والثقافية، وبصفته العضو في جماعة وطبقة وطائفة وتنظيم وحزب وسياسي ومشارك في مجتمع تاريخي ومشارك في ثقافة معينة..
وبالتوازي معه يتجه علم النفس بدراسة الفرد بوصفه شخصية أو كيان سيكولوجي متميز، ويهتم بالجزء الداخلي للفرد ؛ كالتخيل والتذكر والانفعال، وبالعمليات العقلية والنفسية، وما يتعلق بها من المظاهر المرضية لهذه العمليات الداخلية، وتفهم السلوك أو الشخصية الفردية ذاتها في تكونها ونموها وارتقائها بمعزل عن الظروف الاجتماعية والحضارية المحيطة أو تطور الشخص في إطارها... (1)
ويتجه علم الاجتماع في دراسته إلى التفاعل الإنساني Human Interaction من خلال التأثيرات بالمشاعر والاتجاهات والفاعلية والأفعال والعلاقات المتبادلة، وكون البشر كائنات اجتماعية، يجمعها النشاط - العلاقات وما ينبثق عنها من أشكال الترابط والعلاقات والتغيرات الاجتماعية.. (2)
ولا يغيب عنا، ما للحضارة الإسلامية من اهتمامات متعددة ومتشعبة وإنسانية مستدامة وأخلاقية تستقيم بها الحياة بكل تفاصيلها، وبه يتم التوجية والتوجه، وبالتزامن والتوازي معه ومع غيره من الاتجاهات العلمية، يتم الاهتمام بالجوانب الاجتماعية وعواملها المستقلة والتابعة، وما عدته من أنه المسهم الفاعل في بناء الحضارة الإنسانية،
ومرتكز كل ذلك ومرشده للحقائق الثابتة هو ؛ القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة (عليهم السلام)، ومنها المضامين الواضحة في نهج البلاغة لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ومن اهتدى بهداهم كل عالم وباحث..
وما التطبيقات التي انتهجت نهجهم، ووضعت بصماتها العلمية في مجال الاجتماع وعلم والاجتماع، إلا الدليل الواضح لهذه الاهتمامات الإنسانية - الأخلاقية، والحقائق الراسخة في خُطى المجتمع بالانفتاح على العالم وبانتظام وتوازن..
ويُضاف إلى ما تقدّم ؛ إنه لابد من الإشارة إلى ضرورة الوعي والإفادة، لما آلت إليه الدول المتقدمة، بالتأثيرات والنتائج السلبية، ويتضح بصورة جليّة من خلال التفحص الموضوعي للمختبرات
الميدانية الكبيرة، المتمثلة بالمجتمع والبيئة الغربية وثقافاته الوضعية وحضاراته المادية، والدراسات المختلفة بهذا الخصوص، وما تُعانيه من تحمل أعباء تلك الحضارات المادية الطوبائية..
وأدق ما يمكن الإفادة منها، أن نتجنّب بتشخيص الأمراض والأوبئة الاجتماعية المتفشية بين المجتمعات، وتظهر أمام العيان بلا مجهر فاحص، وبوضوح مؤشرات خطورتها المستفحلة، لتتعدى بذلك أخطر الأمراض والأوبئة البيولوجية والفيروسية..
وابسط مؤشر عليه، هو ما كشفته الدراسات والإحصائيات لتفكك الأسرة والمجتمع من دواخلها وذواتها، وضياع أفرادها حتى الوصول للطفل، بسلطوية قوانين الدولة وما يسمى بحقوق المرأة وحقوق الإنسان وحقوق الطفل، التي لا تمت للحقوق بصفة عند التطبيق، بل تهدر الحقوق بهدر التربية الأسرية الصالحة، وتزيك التوجه والتوجيه السليم والقويم، وهو ما انتقلت عدواه إلى الدول العربية والإسلامية والشرقية والنامية والمتخلفة، للانبهار بالحضارة الغربية ونقلها بلا ملائمة واعية، ودراسة حقيقية وتربوية وأخلاقية فاعلة..
وبذات الوقت يكون مؤشر ومؤثر على المستقبل الأخلاقي - الإنساني، ومؤداه إلى فقدان التوازن بين مختلف الماديات واللا ماديات المسعورة، وما تحمله من عواقب خطرة على مسيرة الإنسان والمجتمع وبيئته وحتى على تنظيم الأعمال ومجتمع العمل المتنوعة
وتتشعب وتتنوع موضوعات علم الاجتماع وفروعه بما فيه ما تتضمنه من نظريات ومذاهب ومدارس محددة لاتجاهات الأفكار ومكوناتها..
ولذا فإنّ هناك الاتجاهات والمداخل المختلفة لتفسير الظواهر الاجتماعية Social Phenomena ؛ كالمدخل البيولوجى الذي يدرسه بحسب المنظور والمؤثرات والتحليلات والتوجيهات البيولوجية، وما يتجه الميكانيكي بنظرته إلى العوامل الآلية، والسيكولوجي بعوامل نفسية، والجغرافي بتحليل ومنظور وتأثير البيئة والطبيعة والعمران، والمادية التاريخية بالتركيز على الظروف الاقتصادية والصراع الحضاري بسببها ومن أجلها، والعامل الاقتصادي الأوحد ومحدداته لتشكيل النظم السياسية والاجتماعية والأخلاقية.. إلخ، واتجاه نظم العلاقات الاجتماعية، واتجاه الانثربولوجي التي تدرس المجتمعات البدائية وتطور الأجناس البشرية وخصائصها، واتجاه القوة المدخل الذي يركز على نظرية الارتقاء والبقاء للأصلح في التطبيق.. وغيرها من المداخل واتجاهاتها التي تأخذ على وفقها الظواهر الاجتماعية، وبالأساليب الكمية وغير الكمية، الرياضية والإحصائية منها.. (1)
وأيضاً راجع د. قباري محمد إسماعيل / قضايا علم الاجتماع المعاصر : دراسة تحليلية نقدية / منشأة المعارف بالإسكندرية / 1976 / ص 84 - 106.
1) المصدر السابق / ص 13 – 14.
مما يجعل للمجتمع خصوصياته وعمومياته من حيث الدور والتأثير والتغير الاجتماعي Social Change والتطور Evolution، وما يدفع بالتماسك الاجتماعي Social Conesion والبناء الاجتماعي Social Structure ومدى حمايته من تهديدات المشكلة الاجتماعية Social Problem وما ينذر بالتفكك الاجتماعي Social Disorganization
ومما يدرس علم الاجتماع : (1)
التفاعل بين الذات (أو الفرد) والجماعات.
التفاعل داخل الجماعات وبعضها البعض.
مدى تأثر الذات في الجماعة ؛ ومن ثم المجتمع، وربما تتأثر وتؤثر بهذه الجماعة.
يسهم في فهم الناس حياتهم بشكل أفضل.
توضيح العلاقات بين الخبرات الشخصية والوقائع الخارجية، أو بين الذات والمجتمع.
محاولة لفهم مم يتكون المجتمع، وكيف يقوم بأداء وظائفه، وأسباب قوة جماعات دون أخرى داخل المجتمع، والسبب في التغير الاجتماعي، ومدى ظاهرة تفشي الصراع أو التوازن داخل المجتمع، والعلاقات واتجاهاتها بشكل عام، وعلاقة الفرد بالمجتمع، وما هو يسهم في تذليل الصعوبات وعوائق الاتصالات
ويمكن وضع صورة لتقسيمات المجتمعات بحسب الاتجاهات العقائدية :
مجتمعات دينية تؤمن بوحدانية الله، متعددة الاتجاهات الدينية والعقائدية..
مجتمعات دينية كتابية تشرك بالله، بشكل واع وعلى أسس عقائدية خاصة بها، أو بشكل غير،واع، مجرّد فهم من مستقى أفكار عشوائية أو موروثة..
مجتمعات إسلامية متعددة المذاهب، قد يختلط على بعضها، لتشرك أو تجسد الخالق..
مجتمعات لا تؤمن بالله وبوجوده ووحدانيته وبما أرسل، وهى مجتمعات ملحدة، وتكون على أشكال متعددة، تعبد أوثان، أو تعبد جبابرة، أو تعبد ذاتها، أو تعبد الأعضاء، وقد لا تعبد كل صور العبادة..
مجتمعات أو جماعات متذبذبة ومتخبطة بين هذه المحاور، لعدم الاستقرار الفكري والنفسي والمجتمعي والسلوكي...
1) راجع : د. مصطفى خلف عبد الجواد / قراءات معاصرة في نظرية علم الاجتماع /.kotobarabia.com،
ويمكن بيان عمومية علم الاجتماع بالمعادلة المبسطة الآتية :
علم الاجتماع = دراسة التنظيمات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية + العدالة الاجتماعية + المجتمع وانتماءاته ووحداته الإقليمية + التوزيع السكاني داخل كل وحدة + تأثير العوامل الجغرافية الفيزيقية على النظم الاجتماعية + التأثير على البقاء الاجتماعي + التكيف الاجتماعي مع البيئة + المجتمعات الصناعية + الظواهر البيئية وبقية أنساق البناء الاجتماعي + القيم الخلقية وتقاليد المجتمع + المشكلات الصحية بظروف البيئة ومشكلات التنمية + المخلفات الصناعية وتأثيرها على المجتمع + علاقات علم الاجتماع بالعلوم الأخر..
وعموماً يتطلب وضع ضمن هذا المدخل، بعض المفاهيم في علم الاجتماع، وهو لا يعني القطع بتكامل ودقة هذه المفاهيم، لكن بعموميتها يكون المرشد لفهم محتوى الدراسة، ومنها الآتي : (1)
نخبة من الأساتذة المصريين والعرب المتخصصين / معجم العلوم الاجتماعية / مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب / مصر / 1975.
هاشم حسين ناصر المحنك / موسوعة العلوم الإدارية والإجتماعية والأعمال التجارية / مكتبة لبنان ناشرون / لبنان،
انتوني غدنز / علم الاجتماع / ترجمة : د. فايز الصياغ / المنظمة العربية للترجمة / بيروت – لبنان.
د. قباري محمد اسماعيل / علم الاجتماع والإيديولوجيات / المكتب العربي الحديث للطباعة والنشر / الاسكندرية.
د. خليل أحمد خليل / علم الاجتماع وفلسفة الخيال / دار الفكر اللبناني / بيروت - لبنان / ط 1 / 1996.
د. كمال التابعي، د. علي المكاوي / علم الاجتماع العام / دار النشر الالكتروني /.kotobarabia.com
د. محمود عودة / أسس علم الاجتماع / المرجع نفسه.
المنهج العلمي :
ما يتمثل مجموع القواعد والمبادئ العامة التي يسترشد بها الباحث في دراسة الظواهر الكونية الفيزيقية (الجامدة)، والبيولوجية (الحية)، والاجتماعية (الإنسانية)، بمحددات الإجراءات العملية (الملاحظة الدقيقة وكيفية تسجيلها)، والعمليات العقلية (كالاستنباط والاستقراء) التي يقوم بها من أجل الوصول إلى المعرفة الصادقة بين الظواهر..
النظرية العلمية :
نسق فكري استنباطي متسق، يتعلق بظاهرة أو ظواهر متجانسة، لها دلالاتها ومعانيها، وبها توضح بين الوقائع وتنظيمها، وتعتمد على الواقع والمعطيات، وبالتوجيهات التوقعية أو التنبؤية ومن خلال استيعاب المستقبل..
ومن شروط النظرية : الوضوح بالألفاظ والمعاني والمضامين والإيجاز والشمول والاقتصاد، ولها اتجاهاتها الواقعية، ومنها المستمدة من الملاحظات والدراسات، ولا تستعصي على الاختبار، ولها قدرة دقة التوقع أو التنبؤ، ويعني لها أهمية التفسير - التنبؤ المستقبلي..
1) راجع في ذلك فضلا عن ما تقدم من مراجع وما يلحق، مثلا :
الأسرة Family
الجماعة التي تربط أفرادها بعضهم بالبعض الآخر رابطة القرابة، وتختلف أوضاع الأسرة باختلاف المجتمعات، حتى أن مدرسة علم الاجتماع الفرنسية ترى الأسرة ظاهرة اجتماعية لا بيولوجية، تكونت عن حقوق وواجبات..
نظام الأسرة : Family Institution
مجموع القواعد والأسس الاجتماعية التي لها الأهمية الجوهرية في تكوين المجتمع وتحقيق متطلباته ووجوده الاجتماعي بحسب خصائصه المتميزة ويشكل النسق من الأدوار الاجتماعية المترابطة والمعايير المتعلقة وبتنظيم العلاقات الجنسية بالزواج وتربية الأبناء وبناء العلاقات القرابية..
تنظيم الأسرة: Birth Control
الجزء المكمّل لنظام الأسرة والمحدّد بموجبه حجم الأسرة والتخطيط لها على وفق الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والبيولوجية.. ويشمل علاج العقم أو ارتفاع أو انخفاض عدد المواليد وبمختلف الأساليب المبتعدة عن الشرائع والقوانيين..
القرابة : Kinship
العلاقة الرابطة للأفراد بالدم أو الزواج أو التبني، وتمتد بشكل أوسع في صلة الزواج والأسرة، وما يترتب عليها من التزامات اجتماعية مرتبطة وممتدة بعلاقات خارج الأسرة النواة في المجتمعات الحديثة، وربما تتوسع ثقافة القرابة بأهميتها وحيويتها في الحياة الاجتماعية وفاعلياتها المتنوعة داخل المجتمع..
أمة Nation
مجتمع بشري ذو نظم وتقاليد معينة وخصائص وأهداف، ويتقارب أفراده بالتعاون والتواد والتراحم، وتنتمي - الأمة - إلى وطن واحد تحقق وحدته، وفي الغالب يكون امتداد للأسرة.
نظريات الصراع : Conflict Theories
وتركز على التوترات والنزاعات والمصالح المتنافسة القائمة في المجتمعات البشرية، ويرى منظروا الصراع ذلك لاسباب منها اقتصادية، وندرة الموارد وقيمتها في المجتمع والاتجاه للوصول والسيطرة عليها، وبهذا يكون في طليعتهم ؛ كارل ماركس..
الملائمة الاجتماعية Social Adaptation
ملائمة الفرد وتطويعه لسلوكه وطباعة لمتطلبات البيئة التي يعيش فيها...
نظريات الفعل الاجتماعي : Social Action Theories
وتركز على المعاني والمقاصد المنطوي عليها الفعل البشري، وبالأسلوب والنظرة القائم عليها البشر بتفسير العالم من حولهم، بصورة نشطة ومبتكرة، بعيداً عن الآثار وما تخلفها القوى الخارجية على توجيه الفعل البشري أو فرض التغير عليه..
نظرية الضبط: Control Theory
وتعد الجريمة نتيجة الاختلال وعدم التوازن بين الدوافع التي تقود الفرد إلى النشاط الإجرامي من جهة، والضوابط الرادعة من جهة أخرى، وإن المجرمين كائنات عقلانية راشدة تسعى إلى تعظيم ما قد تحصل عليه من مكاسب ما لم تقف الضوابط الاجتماعية والجسدية حائلا دونه،
الخيال السوسيولوجي : Sociological Imagination
قدرة الباحث الفكرية على فهم الصورة لتطوير الرؤيا التاريخية ؛ من الكشف، والتوقع أو التنبؤ والتجارب... ويمكن وضعها ضمن معادلة وكالاتي :
فهم الصورة التاريخية الكلية للفرد والمجتمع = دلالات داخلية للأفراد + الظروف الخارجية والبيئة المؤثرة في سلوكهم وعلاقاتهم بالبناء الاجتماعي
علم الاجتماع البنائي : Structural Sociology
هو بالأساس يعتني بكيفية تأثير المجتمع في السلوك الفردي والجماعي، بدلاً من كيفية تأسيس المجتمع بوساطة الأفراد والجماعات
علم اجتماع التنمية :
وهو أحد فروع علم الاجتماع، والذي يهدف لفهم وتحليل قضية التخلف والتنمية في البلدان النامية، وما يسهم في مجال تحليل وتفسير قضية التخلف والتنمية في المجتمعات، وما هى التنمية وجوانبها الرئيسية وتحدياتها البنائية والثقافية والتخطيطية، والتأثيرات التبادلية بين التنمية وكل مكونات البناء الاجتماعي..
التنشئة الاجتماعية :
تبدأ التنشئة الاجتماعية من الأسرة النواة، وما يدخل ضمنها من تنشئة الطفل، واحتواء كل ما تتطلبه من حاجات وإشباعها، والاتجاه في دراسة وفهم ومعالجة ما يتطلبه من البناء النفسي - الاجتماعي، وما يتعلق من جوانب تربوية متكاملة البناء..
مؤثرات التنشئة الاجتماعية : Agencies Of Socialization
الجماعات والسياقات الجارية في عملية التنشئة الاجتماعية، كما هو عليه في العائلة أو الأسرة والأقران ووسائل الإعلام والمدارس وأماكن العمل..
الانثروبولوجيا الاجتماعية :
وهي تدرس النظم الاجتماعية للإنسان وتكون أقرب من العلوم الاجتماعية والإنسانية لعلم الاجتماع، وتختلف عن الانثروبولوجيا الحضارية، باختلاف المجتمع والحضارة، والانثروبولوجيا Anthropology هو يعني علم الإنسان،
تدرج : Stratification
ظاهرة من الظواهر الاجتماعية المتلخص في تفاوت الأفراد وتقسيمهم إلى مراتب يتميز بعضها من البعض، وعوامل التفاوت منها ما يتعلق بالتدرج العمري والتدرج التخصصي وتدرج المهارات، وما يترتب عليه من حقوق وواجبات، وصور من التدرج نظام الطوائف ونظام الطبقات..
تدرج اجتماعي :
ظاهرة تتحدد ضمن تدرج الأفراد والفئات في أوضاع المراكز والأدوار والوظائف الاجتماعية داخل البناء الاجتماعي وما يترتب من تباين، والتدرج الاجتماعي من نتاج التفاعل الاجتماعي وتنوع حاجات المجتمع وتتكامل عند الغايات والأهداف : كما هو عليه تدرج وتكامل أداء العمل الزراعي والصناعي والعسكري والتجاري، بمختلف مستويات أنشطته ووظائفه..
تكامل اجتماعي : Social Integration
تكيف الجماعات والأفراد بطريقة مؤدية لتكوين مجتمع منظم، وبدورهم يؤدي أداء أوجه النشاط بادنى حد من التوتر والنزاع..
الفعل الاجتماعي Social Action
السلوك الاجتماعي ولاسيما ما يهدف إلى تغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية
التنمية المستدامة : Sustainable Development
اتجاه يستهدف من خلال التنمية، الحفاظ على مختلف الحقوق المباشرة وغير المباشرة، والمنظورة وغير المنظورة، كما هو عليه إمكانية إعادة استعمال الموارد الطبيعية بدلاً من إنضابها، وحماية البيئة المستمرة من التلوث، وحماية حقوق الأجيال في كل مكونات الحياة المستقبلية
الدين : Religion
بشكل عام ؛ منظومة من المعتقدات، يعتنقها أفراد المجتمع، وتنطوي على رموز يُنظر إليها بالهيبة والإجلال، فضلاً عن ما يمارسه أفراد المجن ما يمارسه أفراد المجتمع من طقوس، وهناك أديان رسالية مرسلة لتوحيد المعبود بالله تعالى، وهناك ديانات وضعية لا صلة لها بالخالق ووحدانيته..
تحديد الموقف : Definition Of The Situation
ما يتحقق من إدراك الفرد وتفسيره لموقف معين، وربما يتحدد بالمستوى الثقافي – الحضاري..
تجمع : Aggregate
وحدة اجتماعية تكونت بشكل عابر ومؤقت، وربما لا وجود في هذه الوحدة لروابط بين الأفراد إلا كون وجودهم في مكان واحد بالصدفة، كتجمع على حادث، وهو يختلف عن الجماعة..
جماعة : Group
بعموميتها تعني ؛ هي التي يرتبط الأفراد فيها بعادات وتقاليد واحدة وتاريخ طويل أو قصير ينفعلون بأحداثه جميعاً وبصورة واحدة، وتربطهم أمان وآمال يرغبون تحقيقها مسقتبلاً بنظم أو وسائل تحددها الجماعة..
الفئة الاجتماعية : Social Category
وهي قطاع من أفراد المجتمع يتميز أعضاؤه أو أفراده خارجياً بميزات تسودهم جميعاً، كما هم أرباب المعاشاة، أو أبناء عمر معين..
الاتفاق الاجتماعي : Social Consensus
نوع مما يلتقي من الشعور العام يسود الأفراد المكونين للوحدة الاجتماعية، بروابطهم ومصالحهم المشتركة المؤدية للتلاقي والتضامن، ويُطلق عليه أحياناً (الشعور بالنوع أو العقل الجمعي)..
الدور الاجتماعي : Social Role
السلوك المتوقع من الفرد الشاغل للوضع الاجتماعي المحدد، وبهذا يقوم أفراد المجتمع كافة، بعدد من الأدوار الاجتماعية المختلفة، بالموافقة مع سياقات الأنشطة التي يُزاولونها..
الثقافة المؤسسية : Corporate Culture
ومن خلالها يتم يتم تعزيز الانتاجية والتنافسية بإيجاد سبل التميز بالثقافة التنظيمية الدينامية أو الحركية المواكبة لكل تطور وتنمية البيئة والمحيط الخارجي، ويكون لكل فرد في المشروع، ما يحقق ولاء
المنتسب، ومنه ما يتم تشجيع التضامن الاجتماعي والتقارب الحسي بين المنتسبين، كما هو عليه أداء جماعي للطقوس والاحتفالات بالمناسبات.
الرأي العام: Public Opinion
آراء يُبديها الجمهور اتجاه بعض أحداث الساعة، وله السلطة على الناس، وخاصة اتجاه الحكام، مع التفاوت في المواقف والأحداث والظروف الزمانية والمكانية، وينبثق الرأي عن النظر بالعين أو بالعقل، والترجيح والاعتقاد، وربما سبقه التأمل واتخاذ الموقف والقرار..
المجتمع المدني : Civil Society
أو الثقافة المدنية ؛ وتُعد من المكونات الجوهرية للمجتمعات الديمقراطية الحية، وهو مجال النشاط الواقع بين الدولة والسوق، بما فيه العائلة والمدارس وجمعيات المجتمع المحلي والمؤسسات غير الاقتصادية..
الكابح الاجتماعي : Social Constraint
التأثير الفعال وموجه الجماعات والمجتمعات على ما يسهم في تشكيل السلوك، وهو أحد الخصائص المميزة للظواهر الاجتماعية عند (دوركهايم).
البينة : Environment
مما يتم تعريفها ؛ بأنها العوامل الخارجية التي يستجيب لها الفرد أو الجماعة أو المجتمع، استجابة فعلية أو احتمالية ؛ كالجغرافية والمناخية، والثقافية وخصوصياتها الاجتماعية المؤثرة بالفرد – المجتمع..
البيئة الاجتماعية :
المتمثلة بالمجتمع وما يسوده من عادات وتقاليد ونظم، ويختلف مفهومها تبعاً لنظرة الباحث، وجدير بالذكر أنّ العلماء نظروا لعاملي البيئة والوراثة لبيان السلوك البشري أو الإنساني..
ويمكن إجمال واختصار مشاكل النظام البيئي - الاجتماعي بالمعادلة الآتية :
مشاكل النظام البيئي - الاجتماعي = مشاكل تقليدية + مشاكل حديثة ومعاصرة
وفي هذه الدراسة المرتكزة على مضامين علم الاجتماع ومفرداته الأساسية، والمستقية من فيض إشعاع النصوص المباركة في نهج البلاغة، والمستمدة بنورها من فكر أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعمق علاجاته الممتدة بآثارها الدنيوية - الأخروية، وما يمثله من طليعة تراث أمتنا الإسلامية الإنسانية الزاخرة، وهو ضمن سلسلة دراسات نهج البلاغة العلمية المتكاملة..
سيكون بادئ الدراسة هذه الخائضة في علم الاجتماع، جانب من الآفاق الواسعة، وما يعني بالخالق والمخلوق والوضع الاختياري لسبيل الرشاد، وما يحقق من نظام اجتماعي مستقر ؛ بأمن وأمان المجتمع، ونشر الاستقرار والطمأنينة، المنظورة وغير المنظورة، والظاهرية والباطنية، الدنيوية وامتدادها الأخروي الأبقى والأبدي، وبهدي ما ورد في نهج البلاغة، وستتضمن مباحث هذا الفصل الآتي :
المبحث الأول : الخالق والمخلوق.
المبحث الثاني : مكانة الإنسان بين المخلوقات.
المبحث الثالث : الأنبياء والرسل والحياة الاجتماعية.
المبحث الرابع: الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) والحياة الاجتماعية.
المبحث الخامس : القرآن الكريم والكتب السماوية والمجتمع.
المبحث السادس: دور أهل البيت (عليهم السلام) في التماسك الاجتماعي.
المكانة التي وضعها الخالق عز وجل لمخلوقه الإنسان، سواء كان بمثابة الفرد أو المجتمع، تنبع أبرزها من الجوانب الآتية :
المكانة والثقة بالنفس لذات الإنسان ؛ فرد أو مجتمع..
المكانة التي جعلها أو وضعها سبحانه وتعالى للإنسان بين مخلوقاتها، وأقربهم إليه جل جلاله ألا وهم الملائكة..
المكانة التي جعلها أو وضعها سبحانه وتعالى للإنسان مع أخيه الإنسان، الاجتماعية بما فيها العلاقات الاجتماعية - الإنسانية المتبادلة، وبكل خاصيتها وتعدد خصائصها المنظورة وغير المنظورة..
المكانة والتعايش بين ؛ الفرد والجماعة، الجماعات والمجتمع والمجتمعات، والأمة والأمم الأخر والشعوب، كشخصية مستقلة وتابعة، بعد أن أصبحت الحياة الإنسانية بوصلة قبائل وأمم، لا يكون أكرمهم عند الله إلا أتقاهم..
المكانة من خلال إتباع النظام المنزل من قبل الخالق عز وجل ؛ للتنظيم بالدين للدنيا، ومنه يرشد لمكانة الإنسان الحقيقية، وهو ما يجب أن يدفعه لاحترام ذاته، بإتباع النظام الإلهي، والعمل بحسب ما جاءت به شرائعه تعالى..
المكانة الجليلة لما بعد الدنيا وطبيعة الاختبار الدنيوي.. واحترام مكانته من خلال قويم أعماله الحياتية المختلفة..
ويرشدنا نهج البلاغة إلى فيض من العلاقات بين الخالق والمخلوق وتنظيم الوضع الاجتماعي، ومنه ما جاء في قوله (عليه السلام) :
(مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ) (1).
1) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) / نهج البلاغة / ضبط النص والفهارس ؛ د. صبحي الصالح / دار الكتاب اللبناني / ط 1 / بيروت - لبنان / 1967 / ص 483.
و (أصلح) ؛ محور واسع وعميق ودقيق بفلسفته وإستراتيجية وأبعاده الأوسع التي تبدأ من جعله التكويني والمقابل للجعل التشريعي الجامع بين أمور عديدة منها ما يدخل ضمن تفاصيل :
البناء الفكري النقي ؛ وهو أعظم رأس مال لإدامة الحياة..
الاستعدادات النفسية السوية ؛ المؤدية لتماسك ذات الإنسان ؛ كفرد وجماعة ومجتمع..
التطبيق الذاتي السلوكي القويم ؛ بما يحمله من أولياته ومكوناته وأهدافه..
النتائج وفاعلياتها ومنافعها، وامتداد تماسك مكوناتها الذاتي والموضوعي..
امتداداتها المستدامة وتنمية الإمكانيات في إعادة هندسة منظومة الأداء العالي على أدق الأسس والبناء، ومبدأ إصلاح اليوم خير من هدم كيانات المنظومات في الغد، وخير من فقدان الذات والآخر والمحيط..
وأدق وأعمق الأعمال والسلوك الواعي والواعد، حينما يؤدي الإنسان الله تعالى الذي يعرف الخفايا والكوامن والمبتغى والأهداف، فالإصلاح والصلاح ما بين الخالق والمخلوق يتبين بحقيقة وجوهر الأعمال القويمة..
و (أصلح) ؛ فعل من مضامينه المحتوى الاجتماعي، به يتحقق مستوى قدرة المسائلة - المشاركة التي تبدأ من الذات الإنسانية الإصلاحية الفعلية، وحتمية التأكيد الاستيعابي منه يُحقق امتداداته ونتائجه وآثاره المنظورة وغير المنظورة ؛ الآنية والمستقبلية، إنّ الأعمال القويمة حيمنا تتوجه بالأداء الله عز وجل، بطبيعة قنواتها وانسيابياتها، ستصب وتصلح ما بين الإنسان وأخيه الإنسان، إن لم يكن على المدى القريب، فإنه يقع على المدى البعيد..
وأيضاً ينطبق ذلك على ما يُصلح بين الإنسان وذاته ودنياه، وما هو موصول بآخرته، والاتجاه المثمر بكل ما كان الله تعالى، وبالتأكيد ما كان الله ينمو وينفع للبشر والحجر، بمعنى آخر يحمي كل الحقوق وأداء دقة الواجبات ومستوى المشاركة والشراكة والتضامنية – المجتمعية..
ومحاسبة النفس لها وصلها بين الذات البشرية ورفيع الذات الإلهية، والزمن والمساحة اللا محدودة من الرحمة الإلهية مع فاعلية الموقف التقويمي - الإصلاحي، وانتظام العلاقة بالشريعة الإلهية لرسوخ عمل الإنسان والفرص الاجتماعية المستثمرة والمثمرة وعلاقاتها وتماسكها، (الفَقِيهُ كُلُّ الفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُؤيسهُمْ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ) (1).
وجدير بالبيان البلاغي أن نتلمس وتتأمل عمق الهندسة، ومنها الهندسة الاجتماعية وإعادة هندستها في ؛ (يُقنِّطِ النَّاسَ) (مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)، وهنا ؛ (الناس)، لا يقتصر على المسلم بل لعموم
1) المرجع نفسه / ص 483.
الناس ومن كل الاتجاهات الإنسانية، وهو ما نراه في خطاب أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، لسعة الرحمة الإلهية اللا محدودة لمخلوقاته، ومنه الوقوف والتأمل بين اليأس والأمن باختيار الأعمال والأداء العالي المستدام وتحسينها بحسب فقه الحياة المواكب لكل تطور..
والرحمة الإلهية سبقت كل شيء، (وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) من الآية 87 / سورة يوسف، وبالرحمة الإلهية قيام الكيانات والمنظومات الإنسانية ونظمها وانتظامها وتحسينها ودعمها، سواء كانت تتمثل في أفراد أو مجتمع أو أمم أو شعوب أو حضارات..
وعدم اليأس بذاته هو مفتاح تجدد الحياة، ومفتاح إعادة البناء الهندسي للحياة، وما بين الرحمة الإلهية وعدم اليأس بوابة الإنسانية المشرعة أمام استدامة الإنسان - الحضارة والنتاج أقوم المتنوع، وتواصل صلته بالخالق عز وجل..
وهو سبحانه وتعالى مَنْ ؛ (قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ، وَدَبَّرَهُ فَالْطَفَ تَدْبِيرَهُ، وَوَجْهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ، وَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الإنْتِهَاءِ إِلى غَايَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَصْعِبُ إِدْ أُمِرَ بِالمُضِي عَلَى إِرَادَتِهِ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ ؟ المنشئ أصناف الأشياء بلا رَوِيَّةِ فِكْرِ آلَ إِلَيْهَا، وَلَا قَرِيَحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا، وَلا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ، وَلا شَرِيكَ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الأُمُورِ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، وَأَجَابَ إِلى دَعْوَتِهِ، لَمْ يَعْتَرِض دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئ، وَلا أَناةُ المُتَلَكِّئ، فَأَقَامَ مِنَ الأَشْيَاءِ أَوَدَهَا، وَنَهَجَ حُدُودَهَا، وَلَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادُهَا، وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا، وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الحُدُودِ وَالأَقْدَارِ، وَالغَرَائِزِ وَالهَيِّئَاتِ، بَدَايَا خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا، وَفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَابْتَدَعَهَا !) (1).
وهنا مما يظهر، الخط الجميل الرائع الجامع المانع، الجامع بين الجعل التكويني للمخلوق، والمانع التشريعي، المحقق التعلم والعمق الامتدادي التربوي - التعليمي، وبالاتجاه الأخلاقي والإنساني، وبحرية الاختيار في ضوء منافعه المستدامة..
وعنده ؛ (قَدَّرَ) ؛ بدقة القدرة الإلهية العظيمة التي لا يعرف مداها إلا هو سبحانه، ومن (قدر مَا خَلَقَ)، يكون الجعل التكويني المتكامل : (فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ)، (وَدَبَّرَهُ) : (ودبَّرَ الأَمْرَ وتَدَبَّره : أي نظر في عاقبته، واسْتَدْبَرَه : رأى في عاقبته ما لم ير في صدره ؛ وعَرَفَ الأَمْرَ تَدَبَّراً أَي بأَخَرَةٍ) (2)، النيجة بالدقة في التدبير، (فَأَلْطَفَ تَذييرَهُ) ؛ و (اللطيف هو الذي اجتمع له الرّفق في الفعل والعلم بدقائق المصالح وإيصالها إلى من قدرها له من خلقه، يقال : لطف به وله، بالفتح، يَلْطُف لطفاً إذا
رفق به) (1)، ومنه (وَوَجَهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ)، وهي دقة انسيابية الأمر والجعل التكويني وما يُقابلها من تشريعات تنظم الحياة، واستدامة الاتجاه لتكاملها المطلوب..
والدليل عند ؛ (وَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الإنْتِهَاءِ إِلى غَايَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَصْعِبُ إِنْ أُمِرَ بِالمُضِي عَلَى إِرَادَتِهِ)، لكونه تعالى ؛ المَنْشِئُ أَصْنَافَ الأَشْيَاء :
بلا رَوِيَّةِ فِكْرِ آلَ إِلَيْهَا.
لَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا.
لا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ.
لا شَرِيكَ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعَ عَجَائِبِ الْأُمُورِ.
والنتيجة الفعلية للخلق ؛ (فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ)، (وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ)، (وَأَجَابَ إِلى دَعْوَتِهِ)، فلا يمكن أن تكون (الإجابة) بدون (إذعان) ؛ والإذعان في اللغة الإسراع مع الطاعة، تقول : أذعن لي بحقي، معناه طاوَعَني لما كنت ألتمسه منه وصار يُسرع إليه، وقال الفراء : مُذْعِنين مطيعين غير مستكرهين، وقيل : مذعنين منقادين، وأذْعَنَ لي بحقي : أقرّ، وكذلك أمْعَنَ به أي أقرّ طائعاً غير مستكره، والإذعان : الانقياد، وأذعَنَ الرجلُ : انقاد وسَلس، وبناؤه ذَعِن يَذْعَن ذَعَنَاً.. (2)
ولا يمكن أن يكون (الإذعان) بدون (إتمام الخلق)، بمعنى آخر ؛ لابد من تحقيق القاعدة ؛ أطلب المستطاع لكي تُطاع، فلا إذعان بلا محقق له من الجعل التكويني للمخلوق، وهو ما يتمم العلاقة بين الخالق والمخلوق من جهة، والمخلوق مع المخلوق ؛ كفرد وجماعة ومجتمع..
وتكون الحتمية والإرادة الإلهية تتضح عند ؛ (لَمْ يَعْتَرِض دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِيُّ، وَلا أَناةُ المُتَلَكِّي)، وتكاملية واستدامة النتيجة المتحققة ؛ (فَأَقَامَ مِنَ الأَشْيَاءِ أَوَدَهَا، وَنَهَجَ حُدُودَهَا، وَلاَءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادّهَا، وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا)..
ومما يتضمنه الخط الجامع بين تكوين المخلوق والتشريع الفاعل هو ؛ (وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُختَلِفَاتٍ فِي الحدُودِ وَالأَقْدَارِ، وَالغَرَائِزِ وَالهَيْئَاتِ، بَدَايَا خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا، وَفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَابْتَدَعَهَا !)..
وبيان بلوغ البلاغة، توضح جانب من المكانة وا- والعظمة الإلهية، وباتجاهه محتوى المنطلق وتنمية الاستيعاب الفكري ؟ (عِظَمُ الخَالِقِ عِنْدَكَ يُصَغّرُ المَخْلُوقَ فِي عَيْنِكَ) (3).
وعظمة النظام والتنظيم الإلهي في مختلف الأمور ومنها ما يخص التشريعات الاجتماعية، بل التشريعات الشاملة للحياة جمعاء ووضوحها وانسيابية وإمكانية تنفيذها، وجميعها لمنفعة ودعم مسيرة
الإنسان، بمنظور أعمق وأوسع وأبعد من كونه استراتيجي وهادف، وفيها تتجلّى مِن ؛ (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ، وَأَحَلَّ حَلالاً غَيْرَ مَدْخُولٍ، وَفَضَّلَ حُرْمَةَ المُسْلِمِ عَلى الحَرَمِ كُلّهَا، وَشَدَّ بالإخلاص وَالتَّوْحِيدَ حُقُوق المُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا، " فَالمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" إلا بالحق، ولا يجلُّ أدى المسلم إلا بما يجب.
بَادِرُوا أَمْرَ العَامَّةِ وَخَاصَّةٌ أَحَدِكُمْ وَهُوَ المَوْتُ، فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ، وَإِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ، تَخَفّفُوا تَلْحَقُوا، فَإنَّمَا يُنتظرُ بأوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ.
اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ البَقَاعِ وَالبَهَائِمِ، أَطِيعُوا اللَّهَ وَلَا تَعْصُوهُ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ) (1).
وتبدأ من المنظومة المعلوماتية الواضحة المعالم والممكنة المنفعة منها باستدامة الحياة والتنمية المستدامة، المتمثل بكونه غير مجهول، ومتوازن مترتبات الحقوق الواضحة الممكن الأداء، والواجبات بكل مستوياتها ما تتطلبه من خطط وتنفيذ ومردوداته وآثاره..
فما حرم الخالق عز وجل الحرام، إلا للتفع العام بالنظام والتنظيم والانتظام والانسيابية، ومنه تعدد وتشعب المنافع للفرد والمجتمع، وحماية النظام وحقوق الإنسان، وما أحل الحلال إلا للانطلاق ضمن حدود وحماية الحريات الخاصة والعامة، وأعظم عظمة لائحة ونظام حقوق الإنسان المسلم في الدستور الإسلامي حينما : (فَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الحَرَمِ كُلَّهَا)..
وحتى حقوق الله على خلقه وعلاقته مع خلقه، تصب في مصلحة النظام الكوني والتنظيم الاجتماعي وحقوق وعقد حقوق الإنسان المسلم، كفرد ومجتمع ؛ (شَدَّ بالإخلاص وَالتَّوْحِيدَ حُقُوق المُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا)..
والمُخلِص الذي أخْلَص العبادة لله تعالى، والمخلص الذي أخلصه الله عزّ وجلّ، والتوحيد : الإيمان بالله وحده لا شريك له، والله الواحِدُ الأحَدُ : ذو الوحدانية والتوحد (2).
ومما يتضمنه وبالإخلاص، وحدة ووحدانية جهة الحساب، ووحدة اللوائح التشريعية وتطبيقاتها في العدل والمساواة، ومنه وحدة النظام، واتجاه وحدة النظام الاجتماعي ما يؤهله للبناء الكوني الإنساني الفاعل وبفعالية الانقياد الطوعي، ليتحقق ؛ (شَدَّ بالإخلاص والتَّوْحِيدَ حُقُوق المُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا)، وكلُّ ما أُحْكِمَ وضُبط نظامه، فقد شَدَّ وشُدِّدَ..
وهنا الإحكام وضبط حقوق المسلمين في معاقدها بالإخلاص والتوحيد، على اعتبارها منظومة متكاملة التشريع ووحدة الشريعة الإسلامية الموجة..
وعندما تنظر وتستقرأ في ؛ (اتَّقُوا الله في عِبَادِهِ وَبِلادِهِ)، ما ترى إلاّ أعظم الهندسة وإعادة الهندسة وصيانة وصون حقوق الإنسانية، وأمن الدولة وأمن المجتمع، وأمن البيئة بكل مكوناتها ومنظوماتها ونظامها، وتتمثل أمامك تقبة عباد الله في حماية العباد والبلاد التضامني بالوعي المتفاعل بثقافة التنظيم والنظام والأداء العالي، وهو ما يبدأ من أعلى سلطات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية ومضامين العقد الاجتماعي غير الرسمي أو غير المدون، حتى انتهاءه بأصغر مسؤول رسمي أو غير رسمي، وبما يربطه من علاقات بين العباد، ومنه كل فرد بمختلف المواقع والقطاعات والمفاصل وأنشطة الدولة والمجتمع الجماعات..
والأبعد مدى ومحتوى والأعمق من كل هذا وذاك ؛ ما يتمثل في الحماية الشاملة والممتدة إلى حماية حتى البيئة، بما فيها من النبات والحيوان والحجر وحتى الفضاء بكل تكويناته واستثماراته، وواسع امتداد المعلومات وتداخلها اللا متناهية، والواضح بعظمة النظام والتوجيه والتنظيم والتنسيق ؛ (فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ البَقَاعِ وَالبَهَائِمِ)، وهو أعمق ما يتمثل في لائحة الحقوق الإنسانية التضامينة للحفاظ على سلامة وحقوق البيئة والحيوان..
وفي اللغة ؛ البهيمةُ كلُّ ذاتِ أربع قوائم من دَوابَ البرِّ والماء، والجمع بَهائم، والبَهمةُ : الصغير من أولاد الغنم الضأن والمعز والبقر من الوحش وغيرها، الذكر والأنثى في ذلك سواء، وقل : هو بهمةٌ إذا شب، والجمع بَهم وبهم وبهام، وبهامات جمع الجمع (1).
وآلية الاختيار Choice العقلاني والسلوك الفردي والجمعي (السلوكيات الاجتماعية) المتأثرة بوجود الآخرين وفاعليتهم في سلوك جماعي، ومنه ما يسيطر عليه المجتمع، يقود بـ (أطِيعُوا الله وَلا تَعّصُوهُ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ، وَإذَا رَأَيْتُمُ الشَّرِّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ)، وهنا يبرز أهمية بناء منظومة الثقافة والوعي الاجتماعي Social Consciousness
والجعل التشريعي الإلهي هو الموجه والواضح المعالم بحلاله المتجه بالخير والأخذ به، وحرمة حرامه المتجهة بالشر والحيلولة دون وقوعه أو فعله، وما يترتب من الجعل التنظيمي بالحقوق والواجبات، والقدرات والإمكانيات والتكوينات والأدوات وما متوافر اتجاهه، ومنه يعمل المجتمع ككيانات فردية وجماعية، ورسمية وغير رسمية، كلَّ حسب مكانته وقدراته التكوينية وتحمل المسؤوليات، ومنه ما يتم إنجازاته، يعني الحقوق، والواجبات اتجاه هذه الحقوق..
والتنظيم الاجتماعي كان أساسه البناء الداخلي للفرد - المجتمع ؛ (ما يخفي)، والبناء الخارجي للفرد- المجتمع والعلاقات الاجتماعية المتنوعة ؛ (ما يظهر)، وانتظام حفاظ مكانة بعضهم البعض
1) المرجع نفسه / ضمن كلمة (بهم).
الاجتماعي ؛ بالحضور والغياب، وهو ما ينشأ من عمق العلاقات والتماسك الاجتماعي ويصب فيها، وأساسه انتظام ما يسبقه من علاقة المخلوق بالخالق عز وجل في تأدية ما أوضحته الشريعة السمحاء، وما يتطلب من تطبيق شرائعه..
ومنظومتها الإنسانية وتنظيمها الاجتماعي مبينة بعمقها ضمن قوله (عليه السلام) :
(إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ فَرَائِضَ، فَلا تُضَيّعُوهَا، وَحَدَّ لَكُمْ حُدُوداً، فَلا تَعْتَدُوهَا، وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ، فَلا تَنتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَلَمْ يَدَعْهَا نِسيَانًا، فَلا تَتَكَلَّفُوهَا) (1).
وهنا تتمثل عظمة الرحمة الإلهية على الفرد والمجتمع والبناء الاجتماعي، حتى يشمل ذلك حينما يتلائم شروع الجعل التكويني للإنسان مع ما يمكن تشريعه، إلا إن الله عز وجل خفف من الواجبات وعبء العمل والأداء على الإنسان ؛ (وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَلَمْ يَدَعْهَا نِسيَاناً، فَلا تَتَكَلِّفُوهَا)، بالتوازي مع انتظام النظام وآلياته من خلال ؛ (حَدَّ لَكُمْ حُدُوداً)، ومن أجل حماية المجتمع ببيان وانتظام الهيكلية وانسيابية المنظومة ؟ (فَلا تَعْتَدُوهَا)، وتكامل فاعليتها بالثقافة الوقائية ؛ (وَنَهَاكُمْ عَنْ أشياءَ)، ولوضوح الحقوق والواجبات في الشرع الإلهي ؛ (فَلا تَتَهكُوهَا)، بما فيه النظام الاجتماعي وتنظيمه، وما تضمنت الشريعة من الفرائض والحدود..
وامتداده التكاملي : (لا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاستصلاحِ دُنْيَاهُمْ إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ) (2)، وذلك نتيجة الإخلال بنظام الحياة والنظام الاجتماعي، والإخلال بالتماسك الاجتماعي والقيم الاجتماعية - التشريعية، وبالأساس التعدي على الحقوق الخاصة وربما العامة والإخلال بها وتهديد مسيرة الحياة ومنها الاجتماعية..
ومن أبواب الأنظمة الفرعية للنظام العام للحياة ؛ ما يجمع بين المخلوق بخالقه عند ؛ شكر المخلوق على نعم الخالق تعالى والدعاء والتوبة على ارتكاب المعاصي، و (مَا كَانَ اللهُ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدِ بَابَ الشُّكْرِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الزِّيَادَةِ، وَلا لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ الدُّعَاءِ وَيغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الإِجَابَةِ، وَلَا لِيَفْتَحَ لِعَبْدِ بَابَ التَّوْبَة وَيُغْلِقُ عَنْهُ بَابَ المَغْفِرَةِ) (3)..
ومنها المضامين المتعلقة بالعلاقات الروحية والعقائدية بين الخالق والمخلوق المنقية للأنفس البشرية والأجواء والمناخات الإنسانية، وما الشكر إلا العالم الرحب، فمنه ما يتمثل بالتفكير واستثمار المعلومات والعلوم والمعارف، ومنه ما يتمثل باتجاهات بناء النفس السوية النافعة للذات والآخرين وبالنوايا الحسنة، ومن الشكر ما يكون في السلوك القويمة والأعمال الخيرة لكل الناس، وتدفع به نحو
الإفادة والانتفاع المشترك وحماية كل شيء في البيئة الداخلية والخارجية، وعنده يتحقق تطبيق الشرائع والنظام الإلهي فيؤدي بانتظام الحياة المستدامة والزيادة، وبخلافه يكون لكل انحراف له عواقبه وضرائبه التي تدفع من مستقبل الإنسان والحضارة واستدامتها وتواصلها..
وبهذا الاتجاه يكون الدعاء بشرطه وشروطه في الاستجابة، وتبدأ من كل ما هو حلال طيب لتصفية الأجواء والمناخات والفضاءات بين الخالق والمخلوق، وكذلك باب التوبة والمغفرة، فجميعها تتوجب نقاوة الفكر ونقاوة النفس ونقاوة مصدر العيش والمأكل والمشرب، وتأدية الحقوق والواجبات المتبادلة لتحقيق العدالة والمساواة، ومنه ما يتحقق تحديد طبيعة البناء الاجتماعي..
وأيضاً منالعلاقات البنائية بين الخالق والمخلوق هي العبادة، وتتعدد اتجاهاتها باختلاف الوعي والاستيعاب، ويختلف تنظيمها وتنظيم الدواخل البشرية، فنرى ميدانياً ؛ (إِنَّ قَوْمَاً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةٌ فَتِلْكَ عِبادَةُ التَّجَارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبادَةُ العَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْمَاً عَبَدُوا اللهَ شُكْرًا فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأَحْرَار) (1)، وقد جعل الخالق عز وجل عباده أحراراً وبمفهومه الإنساني،
ويمكن بيان ما يتضمنه القول المبارك بالمخطط الآتي :
مخطط (1) يبين أنواع العبادات وفلسفاتها واستراتيجياتها
ولكل اتجاه عبادي، أثره المنظور وغير المنظور، المنبثق من البناء الفكري ومنه المؤثر على النفس واتجاهاتها وتوجيهاتها للسلوك وتنفيذ وأداء الأعمال..
فحينما تدخل (الرغبة) وتكون المحرك والموجّه الفاعل للإنسان، تتحول العبادة وتتجه بمنظور مادي عند مؤدِّيها، فيتحول بسلوكه وطلبه وميوله بصفة التاجر الذي يجعل المنافع المادية هي المتقدمة ومحورها الأساسي..
1) المرجع نفسه / ص511.
وحينما تكون بتوجيه نوع من الثقافة الفكرية المربكة، وبمنظور نابع من (الرهبة)، تتحول العبادة إلى مناخ لا يُشعر مؤديها بمحتوى العبادة الروحية العظيمة وما يثمر ويؤثر بها، فيكون اتجاهه بثقافة العبيد النابعة من الضغوط والتخويف والرقابة المُقيّدة، وليست الرقابة التقويمية الهادفة بإنسانيتها..
ولا يُقابل النعمة عند الكفء من الأحرار إلا باستدامة الأداء العالي) للشكر)، وتتعاظم أخلاقيات الشكر عنده في كل ما يؤدي من أشكال العبادات، وكل ما يتجه في وحدانية الخالق عز وجل، حتى في تحقيق ما يُسهم في البناء العلائقي والتماسك الاجتماعي وخير الناس، ولا يراه يفي بالشكر على النّعم، (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (7) سورة إبراهيم، لأنَّ الله تعالى يُحب الإنسان ؛ كفرد ومجتمع، أن يكونوا من الأحرار، فيتحقق البناء الاجتماعي الحقيقي المستدام..
و (لا يُقِيمُ أَمْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلا مَنْ لا يُصَانِعُ، وَلا يُضَارِعُ، وَلا يَتَّبِعُ المَطَامِعَ) (1)، وأثره وحتمية مردوداته القويمة نابع من منطلق الاستقامة الفكرية، ومنه ما يدعم المنظومة التربوية – الاجتماعية..
وضرورة العمل بمعرفة الفرد - المجتمع بثقافة المبدأ الفعلي القائم على قوله (عليه السلام) :
(فَإِنَّ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - خَلَقَ الخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيًّا عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لأنهُ لا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيا مواضعَهُمْ) (2).
وهنا مما يتبين، تكاملية مجمعية ومجتمعية، والمنحى الفلسفي للخلق ؛ (خَلَقَ الخَلْق)، وعظيم الخالق ؛ (غَنِيًّا عَنْ طَاعَتِهِمْ)، والبيان العظيم ؛ (آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ)، والميدانية الاجتماعية ؛ (لا تَضُرُّهُ) السلبية الفعلية (مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ)، (وَلا تَنْفَعُهُ) الإيجابية الفعلية (طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ)، باتجاهات انسيابية المنظومات الحياتية، ومما يكون عمومية دورته : تكوينات، تشريعات، حقوق، واجبات، توازن، أفعال، توازن، نتائج، استدامة حتى قيام الساعة، من أجل قيام كيان اجتماعي متكامل نافع ومثمر..
ويبقى رضى وسخط الخالق عز وجل، ينبع من حماية الإنسان وبيئته الداخلية، وما يُحيط به وبيئته الخارجية، وما تحتاج استقامة المنظومة من آليات ؛ الترغيب والترهيب، ليتحقق استقامة اتجاه المنهج النظامي القويم والمصلح لشأن النظم الاجتماعية، لذا يقول (عليه السلام) :
(وَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنْ يَحْسُنَ ظُنُّكُمْ بِهِ، فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ العَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنّهِ بِرَبِّهِ عَلى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنَّا بِاللهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً الله) (3)..
وتأمل الخوف الطبيعي القائم على النظام والتنظيم، النابع خوف العبد من الله تعالى، وعمقه البنائي العامل الله باتباع السلوك الأقوم، وشدته له، وتحسس منه الجانب الإنساني العميق، الذي يحقق قويم السلوك ؛ (وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنَّا بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفًا للهِ)، هذا الخوف على تكاملية ما يتوجب من دقة أداء العمل، والخوف على تكاملية ما يتوجب من دقة الإخلاص فيه الله عز وجل..
و (إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللهُ وفِّقَ، وَمَنْ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِي " لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ "، فَإِنَّ جَارَ اللهِ آمِنٌ، وَعَدُوَّهُ خَائِفٌ ؛ وَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةُ اللهِ أَنْ يَتَعَظُمَ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَن يَتَوَاضَعُوا لَهُ، وَسَلامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ) (1).
وكما يتضح مما سبق، أنّ الخوف في كل أبعاده ؛ ومنه الاجتماعية والفكرية والنفسية والسلوكية والأخلاقية، الشكل الآخر في النص الأخير عن ما سبقه، من أنّ عدو الله لا يخافه بشكل تحسسي واثق وجمعي مع من شاكله، إلا يوم الجمع، لما غمره وأصمه التمادي في الفكر الملوث، والتمادي في ملذات الدنيا، وما صوّر له إغواءه الشيطاني، وبقاءه في طغيانه فيها..
أما الخوف الدنيوي الحقيقي المثمر لمنفعة الإنسان، لا يكون تفهمه إلا عند ذوي المعرفة والعرفان بالخالق جل جلاله، وما يترتب من تفهم حقيقة وجود الحياة الدنيوية ؛ وأرفعه مستوى يكون لدى الرسل والأنبياء والأوصياء والعلماء، ومنه يتدرج عند باقي مستويات الناس..
وترى الطمأنينة والوثوق بصورته الواضحة، تظهر حتى اجتماعياً، كلما ارتفع في مستوياته الفكرية والثقافية النقية، والمستقية من مصادرها الإلهية العظيمة، لكون انطباعاتهم الدنيوية وتعزيزاتها الفكرية الراسخة، تقرُّ بحتمية وأبدية القادم الأخروي الأبقى، الممتد من طبيعة الأعمال والسلوكيات والمترتبات الفكرية والنفسية الدنيوية ؛ المنظورة وغير المنظورة، ومدى وطبيعة الاستقامة النفعية للنفس (الذات) والناس (المجتمع) والبيئة وحتى الفضاء الدنيوي، بما فيه الابتداء مما تكنه الصدور والسريرة أو خفايا النفس البشرية..
ولذا فكلما ارتفع مستوى جودة ونقاوة الفكر ودقة بناء الأداء الفكري، الداعم لسوي النفس وقويم السلوك والتطبيقات العملية، ارتفع مستوى الاستقامة، وكان الأمان والطمأنينة في يوم الجمع العظيم، يوم الحساب الأخروي العظيم، يوم الثواب العظيم لعمل الفرد والجماعات والمجتمعات والشعوب والقبائل بحسب العمل، بانفرادهم واجتماعهم، ويكون الجزاء والمكافآت الحقيقية لمحددات وطبيعة وآثار الأداء الدنيوي، وهو بدوره يُشجع على عمل كل ما يتجه بالخير للناس..
1) المرجع نفسه / ص 205.
وليتصور الإنسان ما سيكون مصير وانعكاسات الفكر والنفسية والسلوكيات والأعمال، وبالذات مع عدوّ الله، وبالاتجاه الآخر ؛ ما يناقضه مما هو ملتسق بعمق الفكر والتفكير والتفكر والعمل بكل عقلانية مرشدها التوجيه الإلهي على وفق الشريعة السمحاء..
و(إِنَّ شَرَّ الدَّوَاب عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) سورة الأنفال، و (إِنَّ شَرِّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) سورة الأنفال..
لذا فالاستقامة تتضح عند أقوال وأفعال المستنير والمتجه بتوجيهات وأدوات وآليات التشريع الإلهي الأقوم، وفي ضوء ما سنّه الرسول الأعظم (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ومن بعده ما واصله الأئمة الكرام (عليهم السلام) والعلماء الأعلام..
وبطبيعة الحال، فإن مستوى دقة الاهتداء وفهمه العملي، يتبين من جودة الأداء على مستوى الاستقرار واستمراريته واستقامته واستقامة المجتمع، ومنه مدى مفعول وعظمة العلاقة بين الخالق والمخلوق، وما ينتهج المخلوق قويم الفكر بانتظام النفس والأعمال، وتواصله بخشوع العبادة ومنه العمل المنتج الممثل للجهاد الأكبر، والمرتقي بجهاد النفس الأبية، وعندها ؛ (كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ : غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ، وَعِزٌّ كُلِّ ذليل، وقُوَّةُ كُلِّ ضَعِيف، وَمَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ، مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطقَهُ، وَمَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ، وَمَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَمَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ) (1).
والخشوع لا يتحقق إلا برفع مستوى العلاقة بين المخلوق والحق بوعي وانقياد، فالله جل جلاله هو الحق، والتمسك بالحق يعني الوصول إلى مرحلة عمق وعي العلاقة بين الفرد والمجتمع مع كل قويم متواصل بكل ما هو مثمر ونافع بامتدادات الإستراتيجية الدنيوية، ولرحمته سبحانه وتعالى على الإنسان ومسيرته الاجتماعية - الحضارية المستدامة، فـ (هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ، وأَتَّسَعَت رَحْمَتُهُ لأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ، قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ، وَمُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ، وَمُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ، وَغَالِبُ مَنْ عَادَاهُ، مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ، وَمَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ، وَمَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ) (2).
ويتبين عظيم العلاقة بين الخالق والمخلوق، منها : (اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ)، (عَلَى أَعْدائِهِ)، (فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ)، هذا التوازن العظيم الرحمة بالإنسان، لو أخذ الإنسان جانب منه لبناء العلاقة بينه وبين أخيه الإنسان، واستقامتها بين القائد والرعية، لعظمت الدنيا بنعيمها، ولاسيما حينما بكامله ؛ (وأتسعت رَحْمَتُهُ)، (لأَوْلِيَاتِهِ)، (فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ)، مع قدرته العظيمة سبحانه وتعالى على كل شيء مما خلق ؛ (قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ)، (وَمُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ) ، (وَمُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ) ، (وَغَالِبٌ مَنْ عَادَاهُ)..
ووضع انسيابية نظامه البالغ الدقة في علاقته سبحانه وتعالى مع المخلوق، فهو ؛ (مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كفاه)، (وَمَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ)، (وَمَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ)، (وَمَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ)، وهنا يبرز حلقات النعمة الإلهية المتمثلة في ؛ (تَوَكَّلَ عَلَيْهِ) يُقابله ؟ (كَفَاهُ) ، (سَأَلَهُ) يُقابله ؛ (أَعْطَاهُ)، (أَقْرَضَهُ) يُقابله : (قَضَاهُ)، (شَكَرَهُ) يُقابله ؛ (جَزَاهُ)..
و (هُوَ الأَوَّلُ وَلَمْ يَزَلْ، وَالبَاقِي بلا أَجَلٍ، خَرَّتْ لَهُ الجِبَاهُ، وَوَحدَتْهُ الشَّفَاهُ، حَدَّ الأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إبَانَةٌ لَهُ مِنْ شبهها، لا تُقَدِّرُهُ الأَوْهَامُ بِالخُدُودِ وَالحَرَكَاتِ، وَلا بِالجَوَارِحِ وَالأَدَوَاتِ، لا يُقَالُ لهُ : "مَتَى ؟ " وَلا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ " بحتَّى "، الظَّاهِرُ لا يُقَالُ : " مِمَّ ؟ " وَالبَاطِنْ لا يُقَالُ : " فِيمَ ؟ " لا شبَحٌ فَيُتَقَصَّى، وَلا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى، لَمْ يَقْرُبُ مِنَ الأَشْيَاءِ بِالبَصَاقِ، وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عَبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ، وَلا كُرُورُ لَفْظَةٍ، وَلا ازْدِلافُ رَبَّوَةٍ، وَلا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ، في لَيْل دَاجٍ، وَلا غَسَقٍ سَاجٍ، يَتَقَيَّاً عَلَيْهِ القَمَرُ المبيرُ، وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النور في الأقول والكُرُور، وَتَقَلب الأَزْمِنَةِ وَالدُّهور، مِنْ إقبال لَيْل مُقبل، وَإِدْبَارِ نَهَارِ مُدبر، قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَمُدَّةٍ، وَكُلِّ إِحْصَاءِ وَعِدَّةٍ، تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ المُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الأَقْدَارِ، وَنِهَايَاتِ الأَقْطَارِ، وَتَأثُلِ المَسَاكِنِ، وَتَمَكَّنِ الأَمَاكِنِ، فَالحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ، وَإِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ) (1).
والعميق في أمره سبحانه وتعالى : (خَرَّتْ لَهُ الجِبَاهُ، وَوَحَّدَتْهُ الشَّفَاهُ)، وبهذا يُرشدنا نهج البلاغة لعلاقة الخالق بعبادات الخلق، ومنه ما يدخل ضمن علم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع الفلسفي والتنظيمي، (وحَدَّ الأشياء عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةٌ لَهُ مِنْ شَبَهِهَا)، (لا تُقَدِّرُهُ الأَوْهَامُ بِالحُدُودِ وَالحَرَكَاتِ، وَلَا بِالجَوَارِحِ وَالأَدَوَاتِ)..
البالغ عز وجل بدقة دقائق خلقه التكويني - التشريعي والأدائي ؛ (لَمْ يَخْلُقِ الأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولِ أَزَلِيَّةٍ، وَلا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقامَ حَدَّهُ، وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ، لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ امْتِناعٌ، وَلا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ انْتِفَاعٌ، عِلْمُهُ بالأَمْوَاتِ المَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالأحْيَاءِ البَاقِينَ، وَعِلْمُهُ بمَا فِي السَّمَاوَاتِ العُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى) (2).
ومما ترى لأعظم في عظيم النص المبارك ؛ (خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقامَ حَدَّه)، ويتعدد بتكامله الحد فهناك الحد في التكوين والحد في القدرات والحد في الإمكانيات والحد في الامتدادات الزمنية والمكانية والموقفية، ومنه مستويات الحد في العمر الزمني والعمر العقلي، وما يُقابله في الحد من التشريعات الإلهية التي لا تتعدى تكوينات المخلوق، ليطلب المستطاع ليطاع، ولقاءاتها وتقاطعها في حدود عمر
الإنسان الزمني، وعنده (وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ)، صوّر في الشكل والمضمون المادي والمعنوي والنفسي، وما يترتب عليها من السلوك والأداء..
ومن عمق المحتوى الفلسفي للكون، ومنه الخلق وما يكون عليه المحور الجامع بينهم، ألا وهو الحاجة، وما يترتب عليها من حقيقة الحاجة للمخلوق، وانفراد المخلوق بالحاجة والإشباع Gratification وتجدد واستمرارية دورة الحاجة وحلقاتها، بالاتجاهات المادية وغير المادية والنفسية، ونموها وتخصصها واتساعها وتطورها مع تطور الحضارات – الإنسان..
وثقافة الحاجة - الإشباع عند المخلوق، ثقافة تشريع وفقه، ومنه ثقافة وعمل في ضوء فقه الحلال والحرام، وهو حلقة من حلقات طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق، وما يختص المخلوق بحتمية الحاجة وإلحاحها ومرونتها وفاعليتها ومستوى إشباعاتها ومحدوديتها، هو مما يظهر صوره ضمن محتوى ومكونات ودينامية أو حركية المنظومة الاجتماعية - الاقتصادية، وما يترتب من قوة وضعف تكوينها البنيوي..
لذا ؛ (مَنْ فَقَدْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِينا فَقَدْ أَصْبَحَ قَضَاءِ اللهِ سَاخِطَاً، وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بهِ فَقَدْ أَصْبَحَ يَشكُو رَبَّهُ، وَمَنْ أَتَى غَنِيًّا فَتَوَاضَعَ لَهُ لِعْنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ، وَمَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَهْوَ مِمَن كَانَ يَتَّخِذُ آيَاتِ اللهِ هُزُواً، وَمَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا الْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلاثَ : هَمّ لا يغبه، وحرص لا يَتْرُكُهُ، وَأَمَل لا يُدْرِكُهُ) (1).
ومما يتضمنه عظيم النص المبارك، جانب آخر من العلاقات بين الخالق والمخلوق، والعلاقات بين المخلوق والمخلوق (المجتمع)، والمخلوق وذاته وما يحيطه، ومنه ما يترتب من علاقات بين المخلوقات ومؤثراتها وامتداداتها طبيعة العلاقة مع الخالق تعالى، وبينهم وبين الدنيا، ومما يتضمنه من إشارات على خطورة الخلل في هذه العلاقات وما يترتب عليها من فهم وأداء وحدود للحقوق، حتى يصل بالخطورة على الذات ؛ (وَمَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا السَّاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلاثٍ : هَمَ لا يُغبه، وَحِرْص لا يَتْرُكُهُ، وَأَمَلٍ لا يُدْرِكُهُ)...
لكون حب الدنيا غير السوي، يُنمّي خطورة الأنا والخطايا، ويُفقده الجانب الإنساني، ومنه فقدان التوازن حتى مع الذات، كما هو عليه مثلاً ؛ مَنْ يموت دون مال الحرام باتجاهات أعمال الحرام، كالمقامر والعامل بالمحرمات، يكون كسبه حرام وحرصه على الحرام ويَقْتُل ويُقْتَل على الحرام..
والاستهانة بمبادئ النظام الإنساني، استهانة بالذات الإنسانية وامتداداتها الأخلاقية، والله تعالى غني عن العالمين.. لذا يقول الإمام علي (عليه السلام) في خطبة له :
1) المرجع نفسه / ص 508.
(انتَفِعُوا ببَيَانِ اللهِ، وَاتَّعِطُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ، وَاقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالجَلِيةِ وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الحَجَّةَ، وَبَيَّنَ لَكُمْ مَحابَّهُ مِنَ الأَعْمَالِ، وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا، لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ، وَتَجْتَنِبُوا هَذِهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - كَانَ يَقُولُ : " إِنَّ الجَنَّةَ حُفّتْ بِالمَكَارِهِ، وَإِنَّ النَّارَ حُفّت بالشَّهَوَاتِ ") (1).
وما الحياة الدنيوية - الأخروية الحقة، إلا التي تغمرها الرحمة الإلهية، وتطبع عليها بصمات السكينة والأمن والطمأنينة والسلام والاستقرار، الفردي منها والجمعي والمجتمعي، حتى ترد النفس البشرية موردها، وهي متزودة بخير الزاد التقوى، ولا يكون إلا من خلال الاتجاه بمعرفة الخالق ببيان حق معرفته، أو على أقل تقدير صيانة العلاقات وما يرتبط بها بين المخلوق وخالقه، وأداء المخلوق يجعله التكويني بحسب ما شرعه الخالق عز وجل، وبه يؤدي الإنسان ما مطلوب اتجاه ذاته والمجتمع وكل ما يُحيط به، ليكون التماسك الاجتماعي بالنظام والتنظيم..
ولحماية انتظام وإعادة النظر بانتظام الذات البشرية وانتظام المجتمع، وأمن الدولة والناس، يُنبه ويُحذر الإمام علي (عليه السلام) من خلال قوله التقويمي :
(يابنَ آدَمَ، إِذا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنتَ تَعْصِيهِ فاخذرْهُ) (2).
فالحذر يبدأ من التوجه وانتقاء وتنظيم وهندسة وإعادة هندسة الفكر Thought ؛ بنقاوته وسلامة مصادره المعلوماتية والعلمية والمعرفية، والارتقاء بالحكمة الحسنة، وسلامة قنواتها، وتلقيه وتنميته وتطويره، وتلبية متطلبات العصر، وما يتطلب من الحصانة ومواكبة التطور العالمي..
واتجاه المجتمع - الدولة بما تمتلكه من قدرات وقابليات، وبنظرة تشريعية - فقهية، للحيلولة دون ظهور الفجوة الرقمية ؛ المعلوماتية والعلمية والمعرفية، ومنه استقامة الأنفس وسويها، وتأدية الأعمال والسلوكيات بأقومها، والحفاظ على الحقوق وتأدية الواجبات على أكمل وجه وأتمها..
وما تتجه رسالتها وأهدافها وغاياتها نحو رضى الله والمجتمع وا ترام الذات الإنسانية، وإن كان بخلاف ذلك، فنرى الآية الكريمة تقف بالمرصاد ؛ (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِنَّمَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) سورة آل عمران..
بعد ما اتضح في ضوء ما تقدم من مضامين النصوص المباركة المقتبسة من نهج البلاغة، وبيان مختصر ما احتاجته الدراسة بهدي النصوص المباركة، والخاصة بالخالق والمخلوق، يتحتم علينا أن نرى ما مكانة الإنسان بين الخلق أو المخلوقات، لتكون لنا فكرة عن الأهمية التي جعلها الخالق عز وجل لآدم (عليه السلام)، وامتدادات ذرته من المجتمعات البشرية، وما وضع له الخالق تعالى من بالغ التكريم،
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدَّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلّها ثم عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَوْلَاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلا ما علمتنا إنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبئهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلْهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حِينِ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَلون (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) سورة البقرة.
ومن مضامين هذه الصور القرآنية العظيمة، ومما يتبين لنا بخصوص الدراسة :
بيان ما قبل خلق آدم (عليه السلام)، أبو البشر،
إخبار الخالق عز وجل بهذا الخلق العظيم، لأرفع خلقه الملائكة (عليهم السلام)، وموقف ورأي الملائكة، وما كان من المحاورة البليغة، ومساحة للرأي ورأي آخر، رغم قصور رأي المخلوق..
ما تبين من الجعل التكويني لآدم (عليه السلام)، وما امتلك مما رزقه الله جل جلاله من العلم بحسب جعله التكويني، ومنه تكوينه العقلي والنفسي، واستقلالية رأيه..
يتبين ما كان عليه الملائكة (عليهم السلام) من مستوى العلم والرأي، مقابلهم ما اكتسب آدم (عليه السلام) من العلم، هذا المخلوق الحديث العهد، وما أصبح بإرادة وأمر الخالق سبحانه وتعالى المعلّم للملائكة بموجب ما علّمه سبحانه وتعالى، وهو ما لا يعلمه الملائكة وما أعظم هذا التكريم..
والتكريم الآخر، سجود الملائكة لعظمة الخالق في خلقه آدم (عليه السلام)، ولو استوعب البشر هذا التكريم، لامتثلوا لأوامر الله تعالى وأطاعوه وهو بذاته ما يكون نفع للحياة ولهم، وشكروه بحق وبتعدد مضامين الشكر، ومنه بكل أشكال قويم الأعمال المنظورة وغير المنظورة..
اعتراف الملائكة أمام الخالق عز وجل، بقصور ما يعلمونه وما يمتلكونه من قدرات وأدوات و آليات للتوقعات المستقبلية..
عصيان إبليس لخالقه، لخطأ وقصور ما اتجه به وما امتلكه أبليس من أداة أو آلة قياس ومقارنة بما تم به خلق إبليس، وما خلق منه الإنسان، وما أمتلكه من الحسد على مكانة آدم (عليه السلام).
للظالم والعاصي جولة طويلة في غيّه، ويمتد به حتى يصل مطافه إلى نهاية العالم..
هناك الجزاء والثواب والمكافئة للأعمال، بالامتثال لأوامر الخالق سبحانه وتعالى..
ظهور الأسرة النووية، أي الأسرة النواة، المتكونة من الزوج والزوجة..
التجربة ما قبل الدنيا في الجنة، وما يشمل عليه من علم النفس الفلسفي والاجتماعي، والميتافيزيقي، وما تحقق من العصيان وخطيئة المخلوق، والمغفرة الإلهية..
تواصل عبر الأجيال والشعوب والأمم ؛ التذكر والتقويم والمكافآت الدنيوية والأخروية..
يتضح شتان مابين مَنْ امتثل للهدى واهتدى به، ومَن امتثل للطغيان والانحراف وسار في ركبه..
هذه جوانب من الدروس البليغة العميقة في علومها الفلسفية وفلسفة العلوم التي تحتاج بلا ريب إلى بحور من مداد العلوم، للارتقاء إلى وعيها واستيعابها، ودراسات الأجيال المتواصلة، بما فيه مستوعب العلوم الاجتماعية، ومنه ما يتضمنه علم الاجتماع، حتى انقضاء العالم..
ويمتد القول في الاستيعاب، وما يتطلبه منا استيعاب ما يمكن استيعابه من نهج البلاغة في التحليل البلاغي من البيان والمعاني والبديع، وتوظيفها العلمي والتحليلي للوصول إلى ما يمكن الوصول إليه من دقائق الأمور والمعلومات وحقائق العلوم، وغزير علومه المستمد من القرآن الكريم والمدرسة النبوية
الشريفة، وانظر مكونات الجعل التكويني وتكامله بهذا الخصوص في بلاغة خطبة من خطب أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ : من حَزْنِ الأَرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا، تُرْبَةٌ سَنَّهَا بِالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطهَا بالبَلْةِ حَتَّى لَزَبَتْ، فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةٌ ذات أَحْنَاءٍ وَوُصُول، وَأَعْضَاءِ وَفُصُول : أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَأَمَدٍ مَعْلُومٍ ؛ ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَت إنسَاناً ذا أدْهَان يُجيلُهَا، وَفِكَر يَتَصَرُّفُ بهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَأَدَوَاتٍ يُقلبُهَا، وَمَعْرفةٍ يَفْرُقُ بها بَيْنَ الحق والباطل، والأذواق والمشام، والألوان والأجناس، مَعْجُوناً بطينة الألوان المختلفة، وَالأَشبَاهِ الْمَؤْتِلِفَةِ، وَالأَضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ، وَالأخْلاطِ الْمُتَبَايَنَةِ، مِنَ الحَرِّ وَالبَرْدِ، وَالبَلّةِ وَالجُمُودِ، وَاسْتَأْدَى الله سُبْحَانَهُ المَلائِكَةَ وَدِيعْتَهُ لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهِمْ، فِي الإِدْعَان بالسُّجُودِ لَهُ، وَالخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ، فقَالَ سُبْحَانَهُ : " اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ "، اعْتَرَتْهُ الحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقْوَةُ، وَتَعَزّزَ بخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتَمَاماً لِلْبَلِيَّةِ، وَانجَازاً لِلْعِدَةِ، فَقَالَ : " إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ، إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعلُوم "، ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِيهَا عَيْشَهُ، وَآمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ، وَحَذَّرَهُ إبْلِيسَ وَعَدَاوَتَهُ، فَاغْتَرَهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ، وَمُرَافَقَةِ الأَبْرَارِ، فَبَاعَ اليَقِينَ بشكّه، والعزيمة بوَهْنِهِ، وَاسْتَبْدَلَ بالجَذْلِ وَجَلاً، وَبِالاغْتِرَارِ نَدَماً، ثمَّ بَسَطَ اللهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ، وَلَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ، وَوَعَدَهُ المَرَدَّ إلى جَنَّتِهِ، وَأَهْبَطَهُ إلى دَارِ البَليَّةِ وَتَناسُلِ الذُّرَّيَّةِ) (1).
وبإضافة ما تقدّم بيانه من مضامين الآيات المباركات، يتضح من بين ما يتضح، ومنه ما بخص الحياة المجتمعية والبيئة الاجتماعية، وما يشمل على مضامين السلوك الاجتماعي Social Behavior من خلال محتوى البناء الاجتماعي واستقراره، وأساسه في البناء الهندسي بكل التفاصيل الدقيقة ؛ (ثمَّ نفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثْلَتْ إِنْسَاناً ذا أذهان يُجيلُهَا، وَفِكَرِ يَتَصَرَّفُ بهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَأَدَوَاتِ يُقَلِّبُهَا، وَمَعْرفةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالبَاطِلِ..)، وما ينبع من أنّ الحياة الدنيوية هي اختبار واختيار للإرادة البشرية، وامتدادها نتائج ما تكون عليه الحياة الدنيوية للحياة الأخروية الأبقى، وبمقتضاه يكون البناء الحضاري وتتم العلاقات الاجتماعية - الإنسانية، بعد أن هبط آدم (عليه السلام) وزوجه حواء ؛ (وَأَهْبَطَهُ إلى دار البَلِيَّةِ، وَتَناسُل الذُّرِّيَّةِ)، وما امتدّ منه ومن بعده الأجيال، وبشكل عام مكانة الإنسان بين المخلوقات..
ويضيف (عليه السلام) في مناسبة أخرى :
1) المرجع نفسه / ص 42.
(لَقَدْ عُلِّقَ بِنَيَاطِ هذا الإنْسَانِ بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ : وَذلِكَ القَلْبُ، وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ مَوَادٌ مِنَ الحكمَةِ وَأَضَدَاداً مِنْ خِلافِها ؛ فَإِنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءُ أَذلَّهُ الطَّمَعُ، وَإِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الحرْضُ، وإن مَلَكَهُ اليَأْسُ قَتَلَهُ الأَسَفُ، وَإِنْ عَرَضَ لَهُ الغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الغَيْظُ، وَإِنْ أَسْعَدَهُ الرِّضَى نَسِيَ التَّحَفّظَ، وَإِنْ غَالَهُ الخَوْفُ شَغَلَهُ الحَذرُ، وَإِنْ اتَّسَعَ لَهُ الأمْرُ اسْتَلَبَتْهُ الغِرَّةُ، وَإنْ أَفَادَ مَالاً أَطْغَاهُ الغِنَى، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ الجَزعُ، وَإِنْ عَضَّتْهُ الفَاقَةُ شَغَلَهُ البَلاءُ، وَإِنْ جَهَدَهُ الجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ، وَإِنْ أَفْرَطَ بهِ الشبعُ كَظتْهُ البطنه، فَكُل تقصير به مُضرٌ، وَكُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ) (1).
وبذلك مما تضمنه القول المبارك من تكوين وخلق الإنسان ؛ بالمنظور منها وغير المنظور، وما يجمع بين المضامين البيولوجية والفسلجية ؛ (لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ هذا الإِنْسَان بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ : وَذَلِكَ القَلْبُ)، وما يتعلق بالمؤهلات والاستعدادات والرغبات في التعلم والتربية والتعليم، وما يترتب عليه من أمور فكرية ومعرفية ؛ (وَذلِكَ أَنَّ لَهُ مَوَادَّ مِنَ الحِكْمَةِ وَأَضْدَاداً مِنْ خِلافِها)، وما يشمل على المضامين ؛ النفسية السوية وغير السوية، والسلوكية القويمة وغير القويمة، بالفعل والنتيجة ومردوداتها على الإنسان والمحيط والبيئة الخارجية..
والآلية بين الجعل التكويني للإنسان والجعل التشريعي وما يتوسطهما من نتائج ومؤثرات التعلم والتربية والتعليم، ومؤثراتها النفسية واتجاهاتها السلوكية من الفعل ونتيجته ؛ (فَإِنَّ سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءُ) والنتيجة الحتمية ؛ (أذلُهُ الطَّمَعُ)، (وَإِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ) والنتيجة ؛ (أَهْلَكَهُ الحِرْصُ)، (وَإِنْ مَلَكَهُ اليَأْسُ) التنيجة ؛ (قَتَلَهُ الأَسَفُ)، (وَإِنْ عَرَضَ لَهُ الغَضَبُ) النتيجة ؛ (اشْتَدَّ بِهِ الغَيْظُ)، (وَإِنْ أسْعَدَهُ الرِّضَى) النتيجة ؛ (نَسِيَ التَّحَفُّظَ)، (وَإِنْ غَالَهُ الخَوْفُ) النتيجة ؛ (شَغَلَهُ الخَمْرُ)، (وَإِنْ لَهُ الأمْرُ) النتيجة ؛ (اسْتَلَبَتْهُ الغِرَّةُ)، (وَإِنْ أَفَادَ مَالاً) النتيجة : (أَطْغَاهُ الغِنَى)، (وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ) والنتيجة ؛ (فَضَحَهُ الجَزَعُ)، (وَإِنْ عَضَتْهُ الفَاقَةُ) والنتيجة ؛ (شَغَلَهُ البَلاءُ)، (وَإِنْ جَهَدَهُ الجُوعُ) والنتيجة ؛ (قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ)، (وَإِنْ أَفْرَطَ بهِ الشَّبَعُ) والنتيجة ؛ (كَظَّتْهُ البَطْنَةُ).
والحتمية الناجمة عن عدم التوازن ؛ (فَكُلُّ تَفْصِيرِ بهِ مُضِرٌ، وَكُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ)، وبالتقصير والإفراط، الأضرار والإضرار والمفسدة، وبخلافه توازن النظم، فيما تحققه الوسطية في الحياة، ومنه ما يتعلق بمستقبل المخلوق، ومستقبل واستدامة بيئته والبيئة المحيطة به وربما الفضاء الخارجي والمحيط بالكرة الأرضية..
وكل ذلك يدلل على عظمة الخالق عز وجل، ومنه عظمة الخالق في دقة المخلوق، وما جعل للإنسان من المكانة بين مخلوقاته من خلال العقل والعلم والمعرفة والحكمة، وبناء الحياة وهندستها
1) المرجع نفسه / ص 487.
وتواصلها مع التطور والتنمية في إعادة هندستها للاتجاه نحو بناء الحضارات، ومنه ما يحقق تواصلها باستدامتها...
وتواصلاً للومضة المختصرة، والكيفية المبنية على وفقها بين الخالق والمخلوق، بأبعاده الدنيوية والمنتجه الأخروي، وعلاقته بالجوانب المتعددة منها الاستقرار والأمان والطمأنينة والأمن الاجتماعي، وما لحقه من مكانة تشرف بها المخلوق (الإنسان) بين الخلق..
تطلب دراسة جوانب لقنوات الاتصال بين الخالق والمخلوق من البشر، وإسهاماتهم في التنظيم الاجتماعي Social Organization، بما فيه البناء الاجتماعي والإصلاح الاجتماعي Social Reform والعلاقات الاجتماعية Social Relations.. إلخ، لإيصال التشريع الإلهي الهادف حماية الإنسان وثقافته وتواصل تقدمه ونمو وتطور حضارته، بالجوانب المادية وغير المادية والنفسية، وبالبناء النفعي للذات والآخرين، وخلق التماسك الاجتماعي والاستقرار والطمأنينة والأمان، وما يرى ويتحسس حقيقة ذلك، إلا مَنْ يُعاني خلافها أو يفقدها..
ومنذ أن هبط آدم (عليه السلام) على الأرض، وتناسل الذرية، (وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وِلدِهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلى الوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهُ إِلَيْهِمْ فَجَهلُوا حَقَّهُ، وَاتَّخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَاقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أنبَيَاءَهُ، لِيَسْتَأدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، ويُذكِّرُوهُمْ مَنْسِي نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بالتبليغ، ويُثيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ العُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ المَقْدِرَةِ : مِنْ سَقْف فَوْقَهُمْ مَرْقُوعِ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُقْنِيهِمْ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاتٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُخْلِ الله سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبي مُرْسَلِ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لازِمَةٍ، أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ : رُسُلٌ لا تُقَصِّر
بهِمْ قِلْةُ عَدَدِهِمْ، وَلا كَثرَةُ المُكَذِّبِينَ لَهُمْ : مِنْ سَابق سمي لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ : عَلَى ذلِكَ نَسَلَتِ القُرُونُ، وَمَضَتِ الدُّهُورُ، وَسَلَفَتِ الآباء، وَخَلَفَتِ الأَبْنَاءُ) (1).
وقبل بيان ما نستوعبه من النص المبارك وبحسب ما يحتاجه المبحث، لابد من حتمية ؛ أنّ النبي والرسول، مَنْ اصطفاه وفضله الخالق عز وجل لأداء مهام وواجبات نشر التشريع الإلهي، والتي تبدأ بالتوحيد ونبذ الإشراك بالله، وهذا التحول بقويم الفكر واستقامة وسوي النفس، ومنه قويم السلوك والأعمال، بعقلانية ورشد، وبهداية ما أنزله الخالق سبحانه وتعالى، وإحياء الفطرة بنقاوتها، وإدامتها بالفكر والثقافة الراسخة، لصالح بناء المجتمعات الإنسانية.. وعموماً ليس كل نبي هو رسول، لكن كل رسول هو نبي..
أمّا ما يخص الدراسة من النص المبارك المتقدّم، وبما نستوعبه كبشر وكإمكانيات محدودة، ومختصرها بالآتي :
1 - لم تكن الأنبياء والرسل (عليهم السلام)، إلا بعد ما احتاجتهم المجتمعات للتقييم والتقويم والتوجيه والموازنة والتوازن، بعد الانحراف وفقدان التوازن والاتزان..
2- هناك فكر مقوم للمجتمعات، وأشخاص من البشر يصطفيهم ويفضلهم الخالق عز وجل على سائر خلقه، لما يمتلكون من الجعل التكويني الذي يفوق على أقرانهم لتحمل أعباء المسؤوليات الجسام، وما يتصفون به من ميزات تفوق البشر، يبقيها الله تعالى فيهم بنقاوة الفكر والاستعدادات والقدرات، وما يكونون عليه من النفس السوية الرفيعة، والسلوك والأعمال القويمة..
3 - الفكر الذي ينتهجونه لتقويم المجتمعات هو فكر توجيهي منزل، بمعنى أشمل وأدق ؛ هو التشريع الإلهي الذي حباه الله تعالى لعبادة، من شأنه أن يرفع من شأنهم ومكانتهم وبناء شخصيتهم الحضارية الرفيعة، بكل أبعادها، فالخلل في الإنسان، إن لم يفلح في يُعَم تشريعات الله تعالى العظيمة..
4 - بقي التواصل بالأنبياء والرسل، وبالكتب المنزلة عليهم، والحجة اللازمة لهم، وبسلوك الطريق الواضح والقويم..
5 - على الرغم من قلة أعداد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام)، وكثرة المكذبين لهم من البشر، ولاسيما في مقتبل أمرهم الرسالي، إلا أنّ الحق والخير التي تستنهضه
1) المرجع نفسه / ص 43 – 44.
الرسالات السماوية لكل المخلوقات والإنسانية هو الظاهر، فلا يعلى على قيادة الحق، لا يمكن أن يشوبها أي شائبة بما أوضحته هدى الرسالات المعلن..
6 - هدف وغايات الرسالات السماوية المباركة، هو الإصلاح Reform ؛ ومنه الإصلاح الاجتماعي وحماية الإنسان من شرور ذاته ومن الآخرين ومن بعضهم البعض، الممهدد لأمن وسلامة ومستقبل الناس والدولة والحضارة الإنسانية، بكل أشكال الحماية المنظورة وغير المنظورة، المادية وغير المادية وحتى الفكرية والنفسية والسلوكية..
والخالق عز وجل قد (خَلَقَ الخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَاسْتَعْبَدَ الأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ، وَسَادَ العُظَمَاءَ بِجُودِهِ ؛ وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وبعث إلى الجن والإنس رُسُلَهُ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وليحذرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمثالُهَا، وَلِيبصُرُوهُمْ عُيُوبَهَا، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعتبَر مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا، وَحَلالِهَا وَحَرَامِهَا، وَمَا أَعَدَّ اللهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالعُصاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ، وَكَرَامَةٍ وَهَوَانِ) (1).
وبذلك يكون النظام والتنظيم الاجتماعي، هدفه وتوجهه الخالص لخير المخلوقات، بما فيهم البشر، والتوجيه بحماية الحقوق من التعرُّض لها، وما ترتب من وضوح الواجبات، ووجوب جودة أداء الواجبات والمسؤوليات على أتم وجه وأحسنه، اتجاه الخالق والذات والناس (المجتمع)..
والنظرية والتوجه لما تتضمنه من الحقائق المكانية والزمانية والموقفية والإنسان، ومنه ما يتعلق بالإسكان ؛ يعني الطمأنينة والأمن وبناء الحضارات، في داخل دولة محددات القوانين وبناء ما تتطلبه من المؤسسات، بتوجيهات سلطاتها التشريعية والقضائية والتنفيذية، وتوافر سبل العيش والكرامة وحقوق الإنسان، وإلا كيف يصل إلى مرحلة ؛ (أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ)، التي يعقبها بالنظام والتنظيم العام والخاص، بما فيه الاجتماعي والاقتصادي، وبما فيها كل مفردات أو عموميات وخصوصيات الحياة : (وَبَعَثَ ِإلى الجِنِّ وَالإنْس رُسُلَهُ)، وسبقه التمهيد بانسيابية ومجريات توازن النظام : (اسْتَعْبَدَ الأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ، وَسَادَ العُظَمَاءَ بِجُودِهِ)..
وما كان مبعث الرسل، إلا لتحقيق أمور مختلفة منها :
لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا..
وَلِيُحَدِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا..
وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا وَلِيُبَصِرُوهُمْ عُيُوبَهَا..
1) المرجع نفسه / ص 265.
وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصاحهَا وَأسْقَامِهَا، وَحَلَالِهَا وَحَرَامِهَا..
ومَا أَعَدَّ اللهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالعُصاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ، وَكَرَامَةٍ وَهَوَان..
فالكشف والتحذير والتوجيه والبصيرة والتبصر، مفردات مما تدخل ضمن إستراتيجية بناء الدولة وحتى الوصول إلى أصغر تكوين نظامي ومنظوماتي داخل الدولة، والعلاقات المبنية بين هذه الأنظمة والمنظومات التي تختزلها وتجمعها الدولة بمجتمعاتها (الناس) مع الدول والمجتمعات الأخر، وما المؤسسات الحكومية والمدنية التي تصل بتدرجها على المستوى التنظيمي والتعاون الدولي، إلا مصداق ودقته ودقة نجاح تكاملية التنظيم، ومنه الاجتماعي، وما تعلق بالاقتصادي، والبناء الثقافي والتربوي والتعليمي، وبمفهوم حضاري واسع باستدامته..
وأصبحت بهذه الاتجاهات النظامية والتنظيمية، مؤسسات بمستوى الأداء العالي، للوقوف بوجه التحديات والمخاطر والتهديدات العالمية، وحماية الشعوب من ضعف ما تمرُّ بُناها الداخلية، لتصل لمرحلة استثمار الفرص والقوى، ومنها القوى الإبداعية وما تمتلكه من المواهب، المتمثلة بصفتها رؤوس الأموال المعرفية التي تدعم كل اتجاهات التنمية المستدامة والتطور العالمي وبحسب الخطط وتعدد مدياتها، وما يتحقق من تنفيذها وانعكاساتها المستقبلية، بما فيها الاجتماعية وتفاصيلها واتجاهاتها..
وكانت وستبقى الاتجاهات التنظيمية، تُبنى على أساس النظام والمنظومات التي لا تتجزأ، بإنسانية التوجيه، ومنه عدم تقادم التعدي على الأنظمة، ومنه ما يترتب من مؤجل المكافآت والجزاء والثواب ؛ (وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحَهَا وَأَسْقَامِهَا، وَحَلالِهَا وَحَرَامِهَا، وَمَا أَعَدَّ اللهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالعُصاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ، وَكَرَامَةٍ وَهَوَانٍ)..
بعد أن يكون التوجه ؛ (لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وَلِيُحَذَرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِرُوهُم عُيُوبَهَا)...
ويضيف (عليه السلام) في ذات المضمار :
(بَعَثَ الله رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ، وَجَعَلَهُمْ حَجَّةٌ لَهُ عَلى خَلْقِهِ لِئَلا تَجِبَ الحَجَّةُ لَهُمْ بتَرْكِ الإعْذَارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إلى سَبِيلِ الحَقِّ، ألا إِنَّ الله تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الخَلْقَ كَشْفَةً لا أنّه جَهِلَ مَا أَحْقَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ : " وَلكِنْ لِيَبْلُوهُمْ : أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً، وَالعِقَابُ بَوَاءً) (1).
1) المرجع نفسه / ص 200 – 201.
والتكليف بالرسل ؛ (خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحيه)، وبناء الجعل التشريعي : (حُجَّةٌ لَهُ عَلى خَلْقِهِ)، والاتجاه والتوجه لحماية النظام والأمن على المستوى المحلي وامتداده حتى المستوى العالمي ؛ (لئلاً تَحِبَ الحُجَّةُ لَهُمْ يَتَرْكِ الإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ)..
والمنظومة الأخلاقية الاجتماعية - المعلوماتية ؛ (فَدَعَاهُمْ ِبلِسَانِ الصَّدْقِ إلى سَبِيلِ الحَقِّ)، لبناء قويم الفكر الفردي والجماعي، لتماسك المجتمع، والمنطلق من بناء النظام الأسري - الاجتماعي، لبناء الدولة الحضارية، وحماية الحقوق بكل أشكالها..
وبيان (أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، فهناك العمل المنظور وغير المنظور، ومنه أحسن العمل، ونظام المكافات ؛ (فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً، وَالعِقَابُ بَوَاءٌ)، بمنهج حماية الإنسان بالرقابة التقييمية والتقويمية ؛ الذاتي والآخر من الناس، يعني حماية تقييمية وتقويمية لأصغر وحدة نظامية ومنظوماتية حتى أكبر تجمع اجتماعي، للانتفاع من محتوى وجود الإنسان على ما توجه به التشريعات الإلهية..
وبهذا (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاؤُوا بِهِ، ثُمَّ تَلا : " إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا " الآيةَ، ثمَّ قَالَ (عليه السلام) : إنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ، وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى الله وَإنْ قَرَبَتْ قَرَابَتُهُ !) (1)..
والمؤشر الواضح، هناك سبق علم، وعلم إلهي منزّل، وفهم ذلك العلم الإلهي المنزل، وأعلم مَنْ يحمل العلم بشرطه وشروطه الإنساني، ومنهم ما يحمل الفكر النقي، هم أولى من غيرهم بهذا العلم، لاستيعابهم له وتنميته بصورة التنمية المستدامة، وما تحققه للدولة والمجتمع أفضل وأنسب الانتفاع والإشباع بمختلف مناحيه ومديات ظهور الحاجة Want، سواء كان قبل الإشباع أو بعد الإشباع، فربما كان ظهور حاجة الفرد أو الجماعة أو المجتمع، قبل الإشباع ؛ وهو بمنظور تقليدي، أو النظر للحاجة بمنظور حديث ومعاصر، المرهونة بالتطورات والابتكارات والاختراعات المفاجئة التي تظهر ثم تظهر الحاجة بظهورها، يعني بعد علم بمكونات الحاجة ومديات إشباعها للذات والمجتمع..
وهو ما يعمله بتوازن وعدم إرباك المجتمع ونظامه وانتظامه ؛ (أولى النَّاسِ بِالأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بمَا جَاؤُوا بِهِ)، فالقيادي الحقيقي من يعرف كيف السبيل والعمل بالمشاركة والتضامن على وضع الخطط أو اتخاذ القرارات ومنها ما تخص النظم الاجتماعية، والعمل بدقة وفاعلية ومسؤولية ووعي في تنفيذ ما مخطط له كفرد وجماعة، كلّ على ما يتطلبه التنفيذ بالتنسيق والتنظيم، وبتعضيده الرقابي التقييمي والتقويمي الأنجع استراتيجياً..
1) المرجع نفسه / ص 484.
والمبدأ الأخلاقي الرقابي التوجيهي النافع والإنساني، وما يترتب عليه مما يتضح من نتائج الأعمال وما يُقابلها : (إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ الله وَإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ، وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللَّه وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ !)، لكون التشريع أولى بالمثول أمام وحدة وتضامن المجتمع والعمل الجماعي على ما يوجه من الحقوق والواجبات، ومنها الحقوق والواجبات الاجتماعية، والاجتماعي - الحضاري المتواصل بعطاء الثواب حتى ما بعد عالمنا الدنيوي..
وانظر للقرابة الذي جاء بمنظور الإسلام، تتحدد أولاً في طاعة الله عز وجل وتشريعاته، يعني نظام وانتظام الحياة ومنه المجتمع أو الناس، والدليل أن لا حاجة الله بما يعمله خلقه، ولا يضره أو ينفعه عمل العامل إذا عمل، والله غني عن مخلوقاته، وهذه فلسفة البناء الاجتماعي في الإسلام، وبانتفاع خلق الله من بعضهم البعض، ومن خلال الحقوق والواجبات وما تأمر به الشريعة الإلهية، مؤداها طاعة الله والثبات على طاعته، ومؤداها قويم الحياة والحياة الاجتماعية واستقرارها..
وهنا، وبتوجيه التشريع الإسلامي، يكون بناء الرفض الداخلي لكل ما هو منحرف، وهو ما يأمر به الخالق سبحانه وتعالى على أساس النفع الشامل المترتب على النفع الجمعي، بلا نقصان نفع الذات، وما يترتب عليه من سلوك جمعي اجتماعي نافع، مؤداه إلى البناء والتماسك الاجتماعي..
لكون أمامنا مؤشر خلق الله جل جلاله لخلقه، وما كان عليه خلقه من أحسن تقويم، لذا يتوجب عدم تشويه هذا الخلق الأحسن المنظور وغير المنظور، وجانب منه غير المنظور المتمثل بالنظام والتنظيم للحياة، فلا يشوه الإنسان الظاهر والباطن مما أحسن خلقه..
وبما تبين من عموم دور الأنبياء والرسل (عليهم الصلاة والسلام) في توجيه وبناء الحياة، ومنها الحياة الاجتماعية واستقرارها، وبث روح الوعي والاستيعاب والاستعدادات بالقدرات، والعمل الفعلي بثقة معرفية كاملة بالمستوى الإنساني، ما يعوّل عليه من الخير بالخير والاستقامة، وبشكل اتساع الآفاق، بلا قيود وبلا حدود وبلا اختلال، وبذات الوقت تحجيم انحرافات الأعمال والعمل
على علاجها، وتحجيم النظرة الدنيوية المادية ومع هدية الجامدة، وعلاجها بالرؤى الدينامية أو الحركية لها، الهادفة برسالة واضحة ومتكاملة ومخطط لها، وتتجه بخطى إستراتيجية لكل الأنشطة والعلاقات الاجتماعية، باتجاه يكون المحتوى مستمر ومتتابع الحلقات ومتواصل ومستدام...
واستكمالاً لموضوع مجريات ما يكون من تواصل بين الخالق عز وجل والمخلوقات، علينا أن نستر شد و نتابع الدور الرسالي للرسول الأكرم محمد بن عبد الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) في الحياة العامة : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثر السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثْلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزَّرَّاعَ لِيَغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (29) سورة الفتح.
و (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (40) سورة الأحزاب.
ويبرز جانب منه ما يخص الدراسة : وما يتحدد من انسيابية وانتظام الحياة الاجتماعية، ونستقي تفاصيل جانب حيوي منه من قول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(أَرْسَلَهُ وَأَعْلامِ الهُدَى دَارِسَةٌ، وَمَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ، فَصَدَعَ بِالحَقِّ ؛ وَنَصَحَ لِلْخَلْقِ، وَهَدَى إلى الرُّشْدِ، وَأَمَرَ بالقَصْدِ، (صَلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (1)، و (بَعَثَهُ حِينَ لا عَلَم قَائِمٌ، وَلا مَنَارٌ سَاطِعٌ، وَلا مَنْهَجٌ وَاضح) (2).
ومما يبرز بأهمية بالغة ؛ النظام - المجتمع والبيئة بكل اتجاهاتها ومكوناتها وتفاصيلها المتفاعلة، بمنظور : (الهدى) و (الدين) و (الحق)، و (قائم) و (ساطع) و (واضح)، وهي من الحلقات التكاملية لبناء المجتمع الواضح المعالم من جهة، والسبق المنتظم بوضوح النظام الحق الموجه للإنسان وحمايته وحماية دواخله وكل ما يُحيط به بالحق الموازن لكل تفاصيل الحياة..
ولهذا وغيره، فإنّ حماية كل ما خلقه عز وجل، واستمرارية الحياة على أسس الحق القويم المقوم ؛ (إِنَّ اللهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بكتاب نَاطِقِ وَأَمْرٍ قَائِم، لا يَهْلِكُ عَنْهُ إِلا مَالِكَ، وَإِنَّ المبتدَعَاتِ المُشبِّهَاتِ هُنَّ المُهْلِكَاتُ إِلا مَا حَفِظَ الله مِنْهَا : وَإِنَّ فِي سُلْطَانِ اللهِ عِصْمَةً لأمْرِكُمْ، فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَلا مُسْتَكْرَه بِهَا، وَاللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ الله عَنكُمْ سُلْطَان الإسلام، ثم لا ينقله إلَيْكُمْ أَبداً حَتَّى يَأرزُ الأَمْرُ إلى غَيْرِكُمْ) (3).
ويظهر عمق الأهمية التشريعية، والانطلاق من التشريعات الإلهية التي تراعي الجعل التكويني للإنسان والمخلوقات، ومنه كل ما يترتب وما يتعلق بالتشريعات الاجتماعية، وما يتعلق بفقه المجتمع، وفقه نظام وتنظيم الأفراد والمجتمعات، وما يطرأ من مستجدات فقهية، نتيجة تحوّل وتطور ونمو الحياة بخصوصياتها وعمومياتها، ومنها ما يُعزز مؤشرات وركائز هذه التشريعات، ابتداءاً مما يسبق وضع الخطط، ووصولاً إلى التوجيه والتنسيق والتنظيم والتنفيذ بالحقوق والواجبات، وما يتحتم من النصح والإرشاد بالهدى، وما يترتب من توجيه الرقابة التقييمية والتقويمية للوصول إلى تحقيق تكاملية الأهداف الإنسانية - الاجتماعية المرسومة..
ويتجه بشرطه وشروطه بناء المنهج الواضح، ليكون (رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَأَمْرٍ قَائِم)، والناطق مما يمثله بثقافة الشريعة والتشريع وآلية التفاعل والعمل بتوجيهاتها، ليتكامل مع الأمر القائم بتوجيهاته، والناطق بدخوله لتفاصيل الحياة، ومنها الجوانب الاجتماعية..
وحين الإعراض عن تطبيق الشريعة، والإعراض عن ما تُنظم به وتصون الحقوق والواجبات العامة والخاصة وتعويق مسيرتها، يكون نتيجته هلاك للإنسان كفرد، ويمتد حتى يصل الهلاك إلى تجمعه المتمثل بالأمم والشعوب وحضاراتهم، وذلك مما يظهر من الخلط بين الحق والباطل، واستفحال الظالم بظلمه، فيجرُّ بجريرته الجمعية (الجماعية) إلى الضعف والهوان واستفحال التحديات والمخاطر والتهديدات المحيقة بالناس..
ويحمل التوجيه الخطابي والبيان التوجيهي الكثير الكثير، منه ؛ (وَإِنَّ فِي سُلْطَانِ اللَّهِ عِصْمَةٌ لأَمْرِكُمْ)، لكون سلطان الله يتمثل في طاعة ما جاء به رسوله من الدين العظيم وشرائعه الإلهية التي تصون وتحمي وتحفظ الناس والنظام وأمن الدولة والمجتمع في ظل العدالة والمساواة الفعلية الفاعلة، فيصبح في سلطانه تعالى، الضعيف قوي بحقوقه، والقوي ضعيف بظلمه واغتصاب حقوق الآخرين..
وآلية عصمة الأمور بالنبي تتمثل عند ؛ (فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَلا مُسْتَكْرَه بهَا)، والطاعة الطوعية هنا قوة استثمار الحق والخير من الإنسان وإلى الإنسان، باستثمار فرص الأداء، لكون الطاعة لله عز وجل، والامتثال لشريعته بالعمل الصالح القويم النافع، باستمرار واستقامة دورة الحاجة والإشباع المتوازنة بالحق، وبمنظورها الجامع بين الدنيا والآخرة، يعني ضمان حماية الناس (الفرد - المجتمع) من شرور الذات والآخر، وانعكاساته على البيئة، ومنظومة البيئة الاجتماعية الداخلية والخارجية، وبمختلف العوامل الداخلة ضمنها..
فإن لم يكن ؛ (سُلْطَانِ اللهِ عِصْمَةً لأَمْرِكُمْ)، بانتهاج الحق والعمل بالحلال، انقلبت الموازين، وتم فقدان مقومات التوازن الاجتماعي Social Equilibrium، وفقدان السيطرة على البلاد والخلق
من البشر والحجر والبيئة وفضاءاتها، وضاعت وتككت الدولة، وضاع وتفكك تماسك المجتمع، ودبت التفرقة والصراعات والدمار وسفك الدماء بغير حق..
ولذا ولحماية الحقوق الإنسانية، بما فيها حقوق الإنسان في كل مكان وزمان وموقف قويم، وحماية النظام ومنظومة الناس والبيئة، بكل تفاصيلها وعواملها ومكوناتها المنظورة وغير المنظورة، وللضرورة هذه ترى الله سبحانه وتعالى بعث رسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) ؛ (.. بالحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الإِنْقِطَاعُ، وَأَقْبَلَ مِنَ الآخِرَةِ الإطْلاعُ، وَأَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقِ، وَقَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ، وَخَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ، وَأَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ، فِي القِطَاعِ مِنْ مُدَّتِهَا، وَاقْتِرَابِ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَتَصَرُّم مِنْ أَهْلِهَا، وَانفِصَامٍ مِنْ حَلَقَتِهَا، وَانْتِشَارِ مِنْ سَبَبهَا، وَعَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا، وَتَكَشُفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا، وَقِصَرٍ مِنْ طُولِهَا.
جَعَلَهُ الله بَلاغاً لِرِسَالَتِهِ، وَكَرَامَةً لأُمَّتِهِ، وَرَبيعاً لأهْلِ زَمَانِهِ، وَرِفْعَةً لأَعْوَانِهِ، وَشَرَفَاً لأَنْصَارِهِ)(1).
وضرورة الحضور الذي تحتم أن يكون لها مقوم، يتمثل في قيام المبعوث بالرسالة السمحاء، بمهامه التوحيدية - الإنسانية، لإعادة المجتمع إلى فطرته وطبيعته الاجتماعية الحقيقية ونظامها وتنظيمها بالشكل الذي يعيده إلى إنسانيته وأخلاقيته المنبعثة من الفطرة..
وإصلاح الخلل الاجتماعي Social Disorder، وإعادته إلى هندسة المنظومة الفكرية النقية الحركية المتطورة مع كل تطور في المنظومة الحياتية القويمة، والاتجاه صوب سواء السبيل الميداني، فالإسلام يتوجب أن يكون بسلامه وسلامته ضمن السلوك والفعل والعمل الإنساني ؛ السياسي منه والاقتصادي، والتوجه الثقافي والاجتماعي، والبناء التربوي والتعلمي والتعليمي..
وقد تطلب تتابع الأنبياء والرسل، وحضورهم الرسالي الفاعل، عند الحاجة القصوى لحماية النظام الكوني، بكل أدوات وآليات السلام والمحبة، وهكذا تواصل (.. إلى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحمَّداً رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لإِنْجَازِ عِدَتِهِ، وَإِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ، مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُ : مَشْهُورَةٌ سِمَاتهُ، كَرِيماً ميلادُهُ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلَ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاهُ مُنتشِرَةٌ، وَطَرَائِق متشتتة، بيْنَ مُشَبِّهِ اللهِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ فِي اسْمِهِ، أَوْ مُشير إلى غَيْرِهِ، فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وَانقَذهُمْ بمَكانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ) (2).
ويظهر أبعاد عديدة لوجوب إرسال الرسول (صلى الله عَليْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ومن بين أبرزها :
وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ ؛ وهنا الحاجة لإعادة هندسة النظام الاجتماعي..
وَأَهْوَاءٌ مُنتظِرَةٌ ؛ وهنا مما يتطلبه إعادة هندسة الفكر وانتظام النفس وسويها..
وكانت آلية إعادة هندسة حياتهم ونظمها واستقرارهم وسلامتهم وأخلاقيات كل ما يتجهون لأدائه، الأخلاقية الموجهة بالفكر الأقوم لكل مناحي وأنشطة الحياة، ومنها الحياة الاجتماعية المدعومة بالأبعاد التربوية والتعليمية، والآلية بلا عنف ولا قتل ولا تدمير، بل الآلية بالقيم الإنسانية ؛ (فَهَدَاهُمْ بهِ مِنَ الضَّلالَةِ)، ونتائج الأداء والتعزيز البنائي الأعمق ؛ (وَأَنْقَذَهُمْ بمَكانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ)، هو مؤشر على أهمية العلم والمعرفة لقيام المجتمع الحقيقي..
ولا بد من الانتباه والتوجه بالتفكير لما اقترنت ؛ (الضّلالَةِ بالجَهَالَةِ)، والاتجاه بالوقاية والعلاج ؛ (فَهَدَاهُمْ وَأَنْقَذَهُمْ)، أي الهداية والإنقاذ، بمحتوى الرسالة الإلهية العظيمة الأقوم، الهادية للتي هي أقوم في تفاصيل الحياة، ومنها :
الحكم التكليفي ؛ وما يترتب عليه من الحلال والحرام..
الحكم الوضعي ؛ وما يترتب عليه من البيع والشراء ومدى سلامة عقوده من الفساد..
هذه البوصلة المتوجه بها الفكر الإنساني لتقويم وقويم كل شيء، يعني إستراتيجية البناء المعرفي للمجتمع بامتداداتها المستدامة، ومما يعني هندسة وإعادة هندسة رأس المال المعرفي، ورأس المال الفكري، والاقتصاد المعرفي، المتمثل بخصوصية فاعلية وحماية مجتمع الموارد البشرية المبدع، وبه مستقبل الحياة لإطلاق وانطلاق المواهب والإبداعات..
والإشارة والمضامين العميقة تعزز فكرة ؛ مستقبل الدول، بل كل الحياة مرهونة بمستقبل العقول العلمية والمعرفية، وما يدخل ضمنها كشف الخيال العلمي، وما يتوجب من تنميته وتطويره بالتدريب وصقيل ما تمتلكه من قدرات عقلية، وهو ما تؤكد وتخطط له أحدث التوجهات والتوجيهات التعليمية والتربوية المتقدمة، ومنها التنمية المستدامة التي تُراعي مستقبل الأجيال وذات الأجيال القادمة، ومستقبل البيئة والموارد الطبيعية والموارد البشرية واستعداداتها.
ولا يكون لفهم المفاهيم وما تتجه بدلالاتها، وما يحدث من تطور المعاني والدلالي المفاهيمي، وكونها الأسس الداعمة للخروج من مخاطر وتهديدات الجهل المستحدث مع كل تطور، ولغة الخطاب والتطبيق والتنفيذ الميداني المخطط له..
ولا نغفل ما أهمية أمن المجتمع ووحدته من خلال التربية والتعليم، ولذا كان بعد هذا الاضطراب والتفكك السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتربوي، والتفكك الثقافي والحضاري لا يواجهه ويقابله كعلاج ووقاية بقويم الفكر الإصلاحي المواكب لكل زمان ومكان ومواقف وبلورة فكر الإنسان،
والمتمثل معجزة الرسالة، والمعجزة الدستورية الإلهية المنقذة بالحق للشعوب والأمم من كل أشكال الجهالة والتدمير الفكري..
وللحاجة التشريعية، والوقاية - العلاج للعوامل المسببة لخطورة ما يمر الإنسان به ؛ (ابْتَعَثهُ بالنُّور المضيء، وَالبُرْهَانِ الجَلِيٍّ، وَالمنْهَاج البَادِي، وَالكِتَابِ الهَادِي) (1)..
ويمكن وضع مخطط ما جاء به القول المبارك من منهج تربوي وتعليمي ووقائي وإصلاحي عظيم، يجمع بين المنهج وسبل التنظيم، وكالآتي:
مخطط (2) يبين الرسول وما يحمله من أبعاد الرسالة لبناء الإنسان - الحضارة المستدامة
ويقابله صورة من صور ما كان عليه الناس (المجتمع) : (.. ابْتَعَثَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ، ويَمُوجُونَ فِي حَيْرَةِ، قَدْ قَادَتْهُمْ أزمةُ الحَيْنِ، وَاسْتغلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَفَقَالُ الرَّين) (2)..
والغمرة ؛ أمواج الجهل المتلاطم، والأزمةُ ؛ ما تُقاد به الدابة، والحين ؛ الهلاك، والرَّيْن ؛ حجاب الصلالة، وبهذا كان الناس في تهديدات ومخاطر أمواج الجهل المتلاطم، وأمام تحديات قد تنهي وجودهم وشخصيتهم، بحيث أصبح هذا الجهل يقودهم كما تُقاد الدابة، يعني الانقياد الأعمى وبلا تفكير وبلا تنوير فكري وبلا هداية، ومن هذا الضعف والهوان على ما هم عليه، كان حجب الضلالة والتياه في الجهل والتراجع الأخلاقي والفكري، ومنه التراجع النفسي والسلوكي وانحرافاته..
وفي خضم هذه الأجواء، انبثق الإنقاذ الإصلاحي، ما حمله الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من محتوى الرسالة المنطلقة من توحيد الخالق، يعني توحيد الفكر والهدف، ومنه والحدة الدستور والمتجه القيادي الهادف بكل معنى الإنسانية، وما تحمله الحماية الحقوق المتكاملة للخلق، بلا استثناء، وما يتعلق بالتعامل مع الإنسان على مبدأ ؛ (إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الخَلْقِ) (3)..
ورسالته حتى في بيان سلوكه الأقوم، فالرسول الكريم (صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، امتثل فيه قسم النقاء الفكري وسوي النفس وقويم السلوك والأعمال، لكون خُلُقه القرآن، يعني حتى خلقه ؛ الدستور الثابت الذي لا يتغير بمبادئه على مدى الدهور مع استقراء ما يتطلبه كل عصر،، ليكون تفاصيل العصر باستقامة تطوره، موافقاً ومتفقاً مع كل ما تركه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لنا من التراث العظيم ؛ الأحاديث النبوية الشريفة..
ومنه ما يكون لتنظيم أرقى القيم، وما يتمثل في القيم الاجتماعية Social values، لذا يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(فتَاسٌ بَنَبيِّكَ الأطيب الأطهر – (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - فَإِنَّ فِيهِ إِسْوَةٌ لِمَنْ تَأسى، وَعَزَاءٌ لِمَنْ تَعَزَّى، وَأَحَبُّ العِبَادِ إلى اللهِ المتَأْسِي بِنَبِيِّهِ، وَالْمُقْتَصُّ لأثرِهِ، قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً، أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً، وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ الله سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئًا فَأَبْغَضَهُ، وَحَقّرَ شَيْئًا فَحَقَرَهُ، وَصَغَرَ شَيْئًا فَصَغَّرَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلا حُبنا ما أَبْغَضَ اللَّه وَرَسُولُهُ، وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ، لَكَفَى بِهِ شِفَافًا للهِ، وَمُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَلَقَدْ كَانَ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - يَأْكُلُ عَلى الأَرْضِ، وَيَجْلُسُ حِلْسَةَ العَبْدِ، وَيَخْصِفُ يَدِهِ نَعْلَهُ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الحِمَارَ العَارِيَ، وَيُرْدِفَ خَلْفَهُ..) (1).
ومما يُجمل (عليه السلام) ببلاغته لعظيم البناء الاجتماعي : (وَأَحَبُّ العِبَادِ إلى اللهِ المَتَاسِي بِنَبِيهِ، وَالمقْتَصُّ لأثره)، هذا أعظم المنهج الكامل المتكامل، ومنه المرشد للحياة الاجتماعية - الأخلاقية بالمعايير والقوى الداعمة للتماسك، باتباع مضامين الشريعة الإسلامية السمحاء، وما يؤدي بانسيابية المكونات وفاعلية الأدوات والآليات، بلا مضاعفات تضعف الأمة، وهي تحمي مسيرة الإنسان الحضاري - المعرفي، بوضوح معالجاته الفقهية، بما فيه ما يظهر على الساحة من مستجدات..
وبشر الرسول الأكرم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) بما جاء به الرحي لخير الإنسانية ؛ (فَصَدَعَ بِمَا أمر بهِ، وَبَلغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ، فَلَمُ الله بهِ الصَّدْعَ، وَرَتقَ بهِ الفَتْقَ، وَأَلّفَ بِهِ الشَّمْلَ بَيْنَ ذوِي الأَرْحَامِ، بَعْدَ العَدَاوَةِ الوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ، وَالضَّغَائِنِ القَادِحَةِ فِي القُلُوبِ) (2).
ووضوح الأمر بتنوير الناس، والتفرقة بين الاستقامة والانحراف، فرق بين الحق والباطل، ليجتمع الناس على موارد الحق ؛ (فَلَمَّ الله بهِ الصَّدْعَ، وَرَتَقَ بهِ الفَتْقَ)، الداعم لبناء وتواصل الحضارة : (وَأَلّفَ بِهِ الشِّمْلَ بَيْنَ ذَوِي الأَرْحَامِ)، وهو أدق وأعمق ما يكون عليه اركان البناء الاجتماعي، وذلك ؛) ب-، وذلك ؛ (بَعْدَ العَدَاوَةِ الوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ، وَالضَّغَائِنِ القَادِحَةِ فِي القُلُوبِ)..
و لاستيعاب جانب مما ورد في النص المبارك، يمكن بيانه من خلال المخطط الآتي:
مخطط (3) يبين فاعلية الرسالة في الإصلاح والبناء والتماسك الاجتماعي
والفاعلية الرسالية المدعمة بعظمة شخص الرسول القيادي، وما يمتلكه من الجمل التكويني، وبقوى وقدرات استثنائية، لحمل هذه المهمة العظيمة، المنطلقة من إصلاحها الوقائي والعلاجي، وتقويم السلوكيات المنصبة في مصلحة وحدة الأمة، والمنطلقة من تكاملية ووحدة الرسالة، والانطلاق بتجمع الناس على كلمة الحق وقويم الفكر، وإصلاح حال المجتمع بعد معرفة الكيفية للعلاج الواقي، ومنه العلاج لمشاكل وأزمة المجتمع، وإدارة تلك الأزمة بخططها الواضحة والمستمرة العطاء، كمؤسسة اجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، وحينما تحتاج أن تكون بهذه الصفة وبحسب ما جاءت به الشريعة التي تحمي الإنسان، أو تحمي المسيرة الاقتصادية، أو اتجاه المسيرة السياسية.. وهكذا، حتى الوصول إلى قمم العلاقات الإنسانية والاجتماعية المثمر، لتحقق على أرض الواقع، تكاملية المرحلة العظيمة : (ألْفَ بهِ الشَّمْلَ بَيْنَ ذَوِي الأَرْحَامِ)..
ومما يعني توافق العلاج في القضاء على الأمراض الاجتماعية، ومخاطر تفشي هذا الوباء، وجعل فاعلية العلاقة والتآلف الاجتماعي بكل التفاصيل الإنسانية، وبعالجة التفكك الاجتماعي، و (بعد العَدَاوَةِ الوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ، وَالضَّغَائِنِ القَادِحَةِ فِي القُلُوبِ)، وهو ما يمثل تكامل المنظومة العلاجية للفكر والنفس والسلوك والفعل..
وكان منهاج مسيرة الرسول الكريم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بالرحمة الرسالية، ولذا أصبح التماسك الاجتماعي بالتأليف بين القلوب، أي كان الإصلاح التوافقي نابع من صدق الأعماق وسلامة الفكرية، وسوي الدواخل النفسية، ومتوافقة مع حركة الظاهر السلوكي، بعد الشقاق والتناحر والعداوة والبغضاء بين المجتمع الواحد..
وأصبحوا بنعمة الله جل جلاله ونعمة دينه الإسلامي من صدق الدواخل متألفين متحابين متآخين، يفرحوا بما يُفرح بعضهم البعض، ويواسي بعضهم البعض فيما يجري من اختبار الدنيا ومؤشر مآسيها، يعني جعلهم (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) كتلة واحدة موحدة بالأحاسيس والشعور والسلوك المجتمعي الأبعد والأوسع والأعمق من السلوك الجمعي (الجماعي)..
والرسول الكريم (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) : (قَدْ حَقّرَ الدُّنْيَا وَصَغْرَهَا، وَأَهْوَنَ بِهَا وَهَوَّنَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِبَاراً، وَبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً، فَأَعْرَضَ عَن الدُّنْيا بقلبهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشَاً، أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً، بَلغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً، وَنَصَحَ لأُمَّتِهِ مُنْذِراً، وَدَعَا إلى الجَنَّةِ مُبَشِّراً، وَخَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحَذِّراً) (1).
ومن نِعم الله تعالى التي أسداها (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) في نشر الإسلام ومن خلال تطبيق الرسالة السمحاء حتى بعد تلبية نداء الخالق عز وجل، يبين أطرافها قوله (عليه السلام) :
(فَانْظُرُوا إِلى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ، وَجَمَعَ عَلى دَعْوَتِهِ أَلْفَتَهُمْ : كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا، وَالْتَفْتِ الملّة بهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ، وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ، قَدْ تَرَبَّعَتِ الأمُورُ بهِمْ، فِي ظِلَّ سُلْطَان قَاهِرٍ، وَآوَتْهُمُ الحَالُ إلى كَنَفِ عِزّ غَالِبٍ، وَتَعَطَّفَتِ الأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي دُرَى مُلْكِ ثابت، فَهُمْ حُكّامٌ عَلى العَالَمِينَ، وَمُلُوكَ فِي أَطْرَافِ الأَرَضِينَ، يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، وَيَمْضُونَ الأحْكامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ! لا تَعْمزُ لَهُمْ قَنَاةٌ، وَلا تُقْرَعُ لَهُمْ صفاة!) (2).
وتبين النصوص المباركات المتقدمة، ما للرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) من دور واهتمام بعمق العلاقة مع بناء الحياة الاجتماعية، لكونها الأرضية والمنطلق لبناء الإنسان الاجتماعي الحضاري المتوجه بقويم بناء وحماية الدولة ومؤسساتها الحكومية والمدنية..
ومما يظهر في النص المبارك الأخير، ومنه ؛ (فَانظُرُوا إلى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً :
عَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ..
وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ الْفَتَهُمْ..
توافر البنى التحتية الحتمية العظيمة الناجمة عن بركات الرسالة والرسول :
وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِها..
وَالْتَفْتِ اللَّهُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا..
والنتيجة الحتمية لا تقامة المجتمعية :
أَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ..
وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ..
ومجريات الأمور وانسيابيتها للمجتمع :
قَدْ تَرَبَّعَتِ الأُمُورُ بِهِمْ..
فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ..
وآوَتْهُمُ الحَالُ إِلى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ..
وتعطَّفَتِ الأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكٍ ثابتٍ..
وبعظيم النظام الإسلامي ونعمته، كان البناء الاجتماعي والبناء السياسي والحكومي وبناء الدولة المترتبة على ما تقدّم، ومنه ما يدخل ضمن علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي :
فَهُمْ حُكّامٌ عَلى العَالَمِينَ..
وَمُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الأَرَضِينَ..
وبالبناء الإستراتيجي السياسي - الاجتماعي والاقتصادي والعقائدي، انبثق البناء السياسي الجغرافي، فهم ببركة الله ومبعثه للرسالة والرسول :
يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ ؛ ومما يشمل السيادة على رقعة جغرافية واسعة وشعوبها أو مجتمعاتها، والملك يتضمن الجانب الاقتصادي والجغرافي، بما فيها الموارد الطبيعية والموارد البشرية والصناعات والتجارة ورفع المستوى المعاشي للفرد والمجتمع، ورفع مستوى الدخول، فضلاً عن البناء المحقق للتماسك والتضامن والضمان الاجتماعي..
ويَمْضُونَ الأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ ! ؛ ويتكامل من المقطع السابق في مجالات السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وما يكاملها لحماية أمن الدولة والناس (المجتمع)، والسلطات في أيدي المسلمين بعد أن كان يتحكم بموجبها القوى الفاعلة بالقهر والاستبداد في المنطقة من بلاد الافرنجة وبلاد فارس...
حتی كان :
لا تَعْمَرُ لَهُمْ قَناةٌ..
ولا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ..
ومن خلال النص المبارك ؛ وما يوضح جوانب من نعمة الله عز وجل، بتطبيقات مضامين رسالته العظيمة، وقيادة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم، واتجاهاته في بناء الحياة الاجتماعية وامتداداته الفكرية، ومن النص المبارك، يمكن وضع مخطط يبين جوانب من تواصل النعمة وتماسك المجتمع.. وكالآتي :
مخطط (4) يبين النعم الإلهية - الرسالية ومنها نعمة البناء والتماسك الاجتماعي
وجملة (وَالْتَفْتِ اللَّهُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا)، تجمع بين المضامين الحياتية ومنها ؛ الاجتماعية والعقائدية والاقتصادية، وتبين مدى الوعي للترابط العلائقي بين المجتمع، الوعي الجامع لهم بالعقيدة والشريعة والدين والمدرسة النبوية الشريفة واتجاهاتها في الوحدة والبناء ؛ (وَالْتَفَّتِ اللَّهُ بهِم)..
والعوائد شاملة وجامعة بين الأبعاد الفكرية والثقافية ومُترتباتها الإنسانية، وبقوتها الاقتصادية والحضارية.. وذلك يظهر (فِي عَوَائِدِ بَرَكَتهَا)، ومنه البناء والتكامل الاقتصادي والاجتماعي، وحتى يدخل ضمن التوزيع للعوائد والتماسك والعقد الاجتماعي على وفق ما جاءت به الشريعة الإسلامية الحقة..
هذه هي من بركات الرسالة المباركة، ومكارم الرسول الأعظم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) وأنفاسه الشريفة، وامتداد بركاتها من خلال الأئمة الأطهار (عليهم السلام) واتجاهاتهم في توحيد الأمة الإسلامية ومسيرتها، وكلما عادوا إلى نسمته المباركة الكريمة، وظله الدائم والقائم بكلمات
الخالق عز وجل ورسالته السمحاء، عادوا إلى ألفتهم ينعمون، ومن الخير الذي لا ينضب يستمدون وبتماسك البناء الاجتماعي يدحرون كل من يتعرض لهم ولو عدتهم..
ويقول الإمام علي (عليه السلام) وهو يلي غسل وتجهيز رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) عند استجابته لدعوة الله تعالى :
(بأبي أنت وأمي يا رَسُولَ اللهِ ! لَقَدْ انْقَطَّعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِع بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالأَنباء وَأَخبَارِ السَّمَاءِ، خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ، وَعَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَوَاءٌ، ووَلَوْلا أَنَّكَ أَمَرْتَ بالصَّبْرِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الجزع، لأَنْفَذْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشَّؤونِ، وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلاً، وَالكَمَدُ مُحَالِفاً، وَقَلّاً لَكَ) (1).
وبالتوضيح المقتضب المتقدم، ومنه الخاص بالرسول الأكرم (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) موجه العلاقة مع بناء الحياة ومنها الحياة الاجتماعية، تحتم أن تتضمن الدراسة، دور الفكر القويم القائم بهدي الرسالة والرسول الأعظم (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم)، وما حملته الكتب السماوية من ذات المصدر التوحيدي، والفاعلية الواسعة، المنطلقة من عمق شمولية المضامين الدستورية للحياة الإنسانية الرفيعة..
والرسالات السماوية (المتمثلة بالكتب المباركة)، وخاتمها وفي مقدمتها القرآن الكريم ؛ المعجز بما جاء فيه على مد الدهور، وبقي معجزته على الرغم مما امتلكته البشرية من القدرات الواسعة والمتنامية والمتطورة، كما هو في غز الفضاء واتساع العولمة والهيمنة بالاتصالات، واتساع الفضاء المعلوماتي والعلمي والمعرفي، وتعاظم التطور المادي والتقني..
1) المرجع نفسه / ص 355.
واختار الخالق عز وجل قنوات إيصال أمينة لرسالاته، والمتمثلة بالرسل والأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، وما امتلكوه من جعل تكويني لشخوصهم الكريمة، المتوافقة مع ثقل المهمة العظيمة، ظيمة، وما يترتب عليه من الجعل التشريعي الذي حملوه من أنقى مصادره العظيمة، وما وضعوه ضمن السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وما يُكاملها من جوانب فقهية، تُعالج كل ما يظهر من ابتكارات واختراعات وقدرات وتطورات ونمو على مستوى الحياة، ومستوى الحياة الاجتماعية
ومن المخاطب والمستهدف ببركة وخيرات هذه الرسالة (القرآن الكريم) هو الجن والإنس كأفراد ومجتمع وشعوب وقبائل وأمم، (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِن اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانِ) (33) سورة الرحمن
الجماعة،
ومما تتضمنه الآية الكريمة العظيمة التشريع الفضائي ؛ المخاطبة بكلمة ؛ المَعْشَرُ : وهم متخالطين كانوا أو غير ذلك، والإشارة إلى جواز الانفتاح الفضائي - الحضاري اللا محدود للجن والإنس، ولكن عند امتلاك أسباب الجواز للفضاء الخارجي..
فهى بحق هندسة العلاقات بكل الاتجاهات، وتبتعد لعمقها الأوسع من الإستراتيجي والجغرافي والكوني والعلمي والمعرفي، بقيادة وتنظيم مخطط ومنفذ ومقيم ومقوم من المخلوق العاقل الممتلك لآفاق الخيال المجتمعي المبدع والمثمر، بما يمتلكه من قدرات (تكوينية) وتنمية وتطوير تلك القدرات، بطريقة الشكر المستدام الذي يشمل كل آفاق الحياة الحضارية..
وما ترمي توجيهه بالوجهة الصحيحة والمناسبة له، ولعلاقاته ضمن ؛ البيئة الداخلية، والبيئة الخارجية، والفضاء الخارجي الواسع، وما تشمله من موارد طبيعية ومخلوقات، وما يتطلب من حماية مختلف الحقوق، وما يترتب عليها، وما يُقابلها من مختلف الواجبات، وما يحققه قويم الأداء العالي وامتداداته وتنوعها..
والمعلومات المرتدة ؛ ولاسيما في عهد وحياة الرسول (صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم)، لها أهمية استثنائية، لما تنفع الناس، بالتقييم واستيعاب الوظيفة الرسالية، وبتقويم مسيرة الأداء المتطابق مع التوجيهات الرسالية - التشريعية، وما يترتب من التوجيهات والاستفتاءات الفقهية، والعلاج والوقاية المباشرة من توجيهات الرسول الكريم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم)..
وبلا تعصب، وبلا أدنى شك، إنّ القرآن الكريم هو الدستور الإلهي الذي لم يُمس، المعالج بتكامله، والكامل لامتداد حياة مستدامة أسمى، بأحكامه ومكوناته التشريعية، وباستمرارية حلول ودعم الاتجاهات الفقهية المستنبطة والاجتهادية، المستوعبة لكل مكان وزمان ومواقف، ولكل أشكال التطورات، مع دينامية أو حركية وتطور وسلامة النسيج الاجتماعي..
ولذا كان حتمية استيعاب الدين الإسلامي خاتم الأديان والرسالات المنزلة، كل امتدادات وحركية واستراتيجيات الحياة والمجتمعات المستمرة، ليواكب المتطلبات، وصياغة ما يوافق حل مشاكلها، بما فيه مشاكل الإنسان والحقوق والواجبات المتعاقبة والمرتبطة بحقيقة وجوده وكرامته واستمراريته الحضارية، وباستيعاب اليوم والمستقبل، دون إغفال منفعة التجارب ومتطلبات استمرارية التغيير، ومنه التغيير الاجتماعي، واستمرارية الدراسة - الفهم، واستمرارية الصياغة - التخطيط، واستمرارية الدقة في التنفيذ والأداء العالي ونتائجها والإفادة الاجتماعية من الإيجابيات والسلبيات والأخذ بنظر الاعتبار المواقف والزمان والمكان والتغير والتغيير الجزئي والكلي، لتواصل العطاء..
ومتطلبات المجتمع المتجه بنظام الاستدامة المثمرة، هو الحيلولة دون تلوث الفكر البشري، والحيلولة دون التأثير على سويّ النفس، والحيلولة دون انحراف السلوك وأداء الأعمال، والحيلولة دون انقطاع المجتمع عن العقل الفردي والجمعي والمجتمعي القويم النافع، وما يحمله من جوانب اجتماعية ومحتوى إنساني وأخلاقي.. (1)
وأعظمه خطورة على مستقبل الكون، هو تلوث الفكر الريادي والفكر القيادي والفكر الاجتماعي Social Thought، وتأثيراتها على المعرفة الاقتصادية - الجمعية والاجتماعية..
وحينما نقتبس اليسير مما تشرق به خطب وأقوال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) من جوانبه الواسعة، وبتحليلاته البلاغية العميقة، وما تشمل عليه من رؤى واضحة لثقافة فهم القرآن الكريم ککتاب معجز ومبارك وعظيم، والنظرة والتعامل من خلاله مع الكون والمخلوقات، والتأمل في عظمة الخالق جل جلاله، والدليل عليه جانب مما نسترشد به في الدراسة الخاطفة من إحدى خطبه (عليه السلام) :
(إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً بَيْنَ فِيهِ الخَيْرَ وَالشَّرَّ ؛ فَخُذُوا نَهْجَ الخَيْرِ تَهْتَدُوا، وَاصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا) (2)، (وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِق لا يَعْيَا لِسَانُهُ، وَبَيْتٌ لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَعِزّ لا تُهْزَمَ أَعْوَانَهُ) (3).
فهو الهادي لانتهاج الخير والأخذ به بكل وعي وتفكر، ولابد للعاقل من استرشاد، لمعرفة مدى عمق ؛ (وَاصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا)، وهو الإعراض عن مؤدى وجهة الشر، والحد من دورته الفكرية والميدانية لتحقيق الاستقامة في عواقب الأعمال والأمور، واستقامة نظام الفرد والمجتمع يهدي القرآن الحكيم،
وكذلك بوضوح وبيان الخير من الشر، فلا مجال لجمع كلا الاتجاهين، وإنكار الوظيفة والنتائج، ومردودهما وانعكاسهما على الناس (المجتمع) ومستقبلهم، والتوجه بوعي واستيعاب لما يحققه محتوى ؛ (وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهَرَكُمْ :
نَاطِق لا يَعْيَا لِسَانُهُ..
وَبَيْت لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ..
وَعِزٌ لا تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ..
وبين بيان الناطق، وأمن الموقع، وقوة وتماسك الأعوان، تكمن القدرة المستدامة على البناء الفكري والعمل به، والبناء الاجتماعي وتماسكه الحتمي، والبناء الحضاري النموذجي المشرف بوجوده الكوني، والمتلاحم الذي لا تُفرقه التهديدات والتحديات، ولا يُفرقه أعوان الشر والجبروت..
فالمعرفة والحكمة، يتكامل معهما ثبات الأركان العبادية، فمن دخل هذا العز وحصانته وقوته بإنسانيته الكريمة الجامع لكل مخلوق، لا يُهزم، وعنده يضعف الشرك والباطل والشيطان وأعوانه..
فالدين الواضح المُشرع بيانه، مؤشره من خلال ؛ (كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ : مُبَيِّناً حَلالَهُ وَحَرَامَهُ، وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثَالَهُ، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ، وَمُبَيِّناً عَوَامِضَهُ، بَيْنَ مأْخوذ مِيثَاقَ عِلْمِهِ، وَمُوَسْعِ عَلى العِبَادِ فِي جَهْلِهِ، وَبَيْنَ مُثبت في الكِتَابِ فَرْضُهُ، وَمَعْلُومٍ فِي السُّنَّةِ نَسْخُهُ، وَوَاحِب فِي السُّنَةِ أَخْذَهُ، وَمُرَخَّص فِي الكِتَابِ تَرْكُهُ، وَبَيْنَ وَاحِبٍ بِوَقْتِهِ، وَزَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ، وَمُبَايَنٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صَغيرِ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ، وَبَيْنَ مَقْبُولٍ فِي أَدْنَاهُ، مُوَسَّعٍ فِي أَقْصَاهُ) (1).
وفي كل ما يُبينه كتاب الله تعالى، هو الداعم لمجريات الحياة، ومنه الداعم للنظم الموجهة للناس، وربما كان العقد الاجتماعي، جانب مما يتأثر به للتقريب بين الناس وفهم اتجاهاتهم وعلاقاتهم، ويتضح أيضاً في مجال العبادات، والمعاملات وسلامة عقودها، وما يحققه من الائتمان والأمن..
وكتاب الله العزيز، (مُبَيِّناً حَلالَهُ وَحَرَامَهُ) ؛ ولهذه المنظومة الرادعة، وبواسع ثقافتها الفقهية حماية الإنسان من الانحراف وارتكاب الجرائم المختلفة والضياع، وتنظيم العلاقات داخل المجتمع والمحيط به (وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ) ؛ انتظام حياة الإنسان، والحيلولة دون ضياع الجهود بلا هدف..
(وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوحَهُ) ؛ ومنه بيان الموقف والتوقيت والمكان، وربما عدم المطابقة في أحكام دون أخرى، والعمل بما هو ناسخ دون المنسوخ، وغير ذلك مما يدخل ضمن العلوم القرآنية، وما يتجه من خلالها ضمن الاتجاهات الاجتماعية..
1) المرجع نفسه / ص 44 – 45.
ولا يمكن بالنظام والتنظيم هذا، إلا أن يصول الإنسان ببيانه وشرائعه، (وَاعْلَمُوا أَنَّ هذا القُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُ، وَالهَادِي الذي لا يُضِلُّ، وَالْحَدّث الذي لا يَكْذِبُ، وَمَا جَالَسَ هذا القُرْآنَ أَحَدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ : زِيَادَةٍ فِي هُدًى، أَوْ نُقْصَانِ مِنْ عَمَى، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلى أَحَدٍ بَعْدَ القُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ، وَلا لأحَدٍ قَبْلَ القُرْآنِ مِنْ غِنى ؛ فَاسْتَشفُوهُ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ على لأوَائِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءُ مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ : وَهْوَ الكُفْرُ وَالنّفَاقُ، وَالغَيُّ وَالضَّلالُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بحُبِّهِ، وَلا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ، إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ العِبَادُ إلى اللهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفعٌ، وَقَائِلٌ مُصَدَّقَ، وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ القُرْآن يَوْمَ القِيَامَةِ شَفَعَ فِيهِ، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ القُرْآنَ يَوْمَ القِيَامَةِ صدقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ القِيَامَةِ : " أَلا إِنَّ كُلَّ حَارث مُبْتَلَى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ، غَيْرَ حَرَيْةِ القُرْآنِ "، فَكُونُوا مِنْ حَرَيْتِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَاسْتَدِلُوهُ عَلى رَبِّكُمْ، وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَأَتَّهمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ، وَاسْتَغِشُوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ) (1).
ويمكن وضع مخطط من غُرر كلماته البلاغية، تبين ما لهذا القرآن الكريم من نعم التربية والتعليم والتعلم، والمعارف والعلوم، فيتجلّى به مع كل تطور أحكامه التقويمية، ومنها حماية الإنسان ومستقبله والتنمية الاجتماعية المستدامة التي تنظر للأجيال والبيئة الاجتماعية، بعين الرعاية المستقبلية والمنفعة المتبادلة والمتكاملة، والمخطط المبسط، مختصر البيان :
مخطط (5) يبين فاعلية علوم القرآن داخل المجتمع الإسلامي - الإنساني :
مجالس القرآن :
زيَادَةٍ فِي هُدًى
نقصان مِنْ عَمَى
والقرآن فيه الشفاء من أمراض الدنيا وامتدادتها المادية والمعنوية، وبتنقية الأجواء والمناخات الفكرية، والوقاية النفسية من المس بها، وحمايتها من الانقياد لمنحرف السلوك، ومنه ما يتعلق بالأمراض المجتمعية المختلفة التي تنخر في بناءه الاجتماعي، (فَاسْتَشفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ على لأَوَائِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءٌ مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ :
وَهْوَ الكُفْرُ والنِّفاق ...
وَالغَيُّ وَالضَّلالُ..
1) المرجع نفسه / ص 252.
وآلية هذا الشفاء الاجتماعي ؛ (فَاسْأَلُوا الله بهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بحُبِّهِ، وَلا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ، إِنَّهُ مَا تَوَجَّهُ العِبَادُ إلى اللهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ)، لكونه :
النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُ..
وَالهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ..
وَالمُحَدِّثُ الَّذِي لا يَكْذِبُ..
ومنه ما يدعم ويبني النسيج الاجتماعي بكل مقومات دينامية التوجيه الفكري القويم (النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُّ)، كما هو عليه الاستشارة والتوفيق المستمر لاتجاهات الحياة الاجتماعية، ليحقق حلة كونه (الهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ)، ومنه ما يصب في التخطيط التنموي وتطوير اتجاهات المجتمع، والتحوّل الحضاري ليشمل كل مستويات الدولة ومؤسساتها، ويحقق التآلف والتواد والتماسك والتعاون الاجتماعي، وتطوير آلياته مع تطور الزمان والمكان والمواقف والإنسان والبيئة..
(وَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظ أَحَداً بمثل هذا القُرْآنِ، فَإِنَّهُ " حَبْلُ اللهِ المَتِينُ "، وَسَبَبُهُ الأَمِينُ، وَفِيهِ ربيعُ القَلْبِ، وينابيعُ العِلْمِ، وَمَا لِلْقَلْبِ جَلاهُ غَيْرُهُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَب للتذكرُونَ، وَبَقِيَ النَّاسُون أو المُتَناسُونَ) (1).
وتأمل امتداد ما يضعه أمير المؤمنين (عليه السلام) من مضامين القمم الفكرية المستقاة من القرآن الكريم والمدرسة النبوية الشريفة، للكشف عن مكنونه ؛ (كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وَلا يَخْتَلِفُ فِي اللهِ، وَلا يُخَالِفُ بصَاحِبِهِ عَن الله) (2).
فالإبصار بين النظر والرؤيا والتكوين المعلوماتي والبلورة المعرفية، والدليل النطق المحقق لنقل المعلومة والتحوّل لمرحلة العطاء المنتج والسمع به، هذا العطاء المجتمعي المثمر ليصل لمرحلة ؛ (وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْض)، ومما يعني الوصول لمرحلة عطاء علمي ومعرفي متقدم باتجاه مؤشر حضاري خصب، ليكون مردوداته المتعاظمة في خطوطه الثلاثة :
يَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ..
لا يَخْتَلِفُ فِي اللهِ..
لا يُخَالِفُ بصَاحِبِهِ عَنِ اللهِ..
فإذا ما تواصل في انسيابية العطاء هذا، ستتحقق الطفرات الحضارية - الاجتماعية، ومن الأدلة على ذلك ؛ (يَشْهَدُ) ؛ المطابقة، (لا يَخْتَلِفُ) ؛ التوافق، (لا يُخَالِفُ) ؛ الانسجام والاستقرار،
ومنه القبول الاجتماعي المحقق للفهم الإدراكي والوفر بالتصورات وما يتجه بأحكامهم العامة وما يتلائم مع القيم الاجتماعية، ونتاجه انسجام الرأي العام..
وفاعليته التوعوية داخل المجتمعات الواعية والواعدة، يكون مؤشر تأثيره واضح باتجاه ؛ (فَالقُرْآنُ آمرٌ زَاجِرٌ، وَصَامِت نَاطِقٌ، حُجَّةُ اللهِ عَلى خَلْقِهِ، أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُمْ، وَارْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ، أَتَم ثورهُ، وَأَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ، وَقَبَضَ نبيه – (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - وَقَدْ فَرَع إلى الخَلْقِ مِنْ أَحْكام الهُدَى به) (1).
ومن النعمة الإلهية على المجتمع أو الناس، بكيانها غير المنظور، هي ؛ (حُجَّةُ اللهِ عَلى خَلْقِهِ)، هذا الفهم والتناغم الموضوعي والمعلوماتي القابل للتنظير والتطبيق المجتمعي، فلابد أن تكون حتمية الحجّة ومحتواها واضح وقابل للتشريع والفهم والتفاعل مع سوي النفس ومعالج لغير سويها، وللمضامين التكوينية المتطابقة مع التشريعية - التنفيذية، شخوص عظيم البناء الاجتماعي - الحضاري بعقل جماعي - مجتمعي، بمواقفها الاجتماعية وعلاجاتها، كحجة وخالق وخلق..
وعظيم دوران ودورة نمو وتطور العلم فيه الذي لا نهاية له، ولا يتقادم بتقادم الأزمان والعصور ؛ (ذلِكَ القُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَلَنْ يَنطِقَ، وَلَكِنْ أخبرُكُمْ عَنْهُ : ألا إن فيه عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَالحَدِيث عَنِ الماضي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ) (2).
ويمكن وضع جانب منه في المخطط الآتي :
مخطط (6) يبين تكاملية منظومة البناء القرآني ومنه ؛ المعرفي والتشريعي والفقهي والنظم الاجتماعية
واستمرار العطاء القرآني المتوافق مع كل الأبعاد المنظورة وغير المنظور، وبالأساس المنتفع، هو الإنسان ؛ كفرد ومجتمع، مع مراعاته للتنمية المستدامة، بكل ما تحتوي البيئة، وبكل المديات المختلفة والمستقبلية، وهو جانب مما يظهر في قوله (عليه السلام) :
(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ نُوراً لا تُطْفَأ مَصَابِيحُهُ، وَسِرَاجاً لا يَخْبُو تَوَقْدُهُ، وَبَحْراً لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ وَمِنْهَاجاً لا يُضِلُّ نَهْجُهُ، وَشُعَاعاً لا يُظْلِمُ ضَوْؤُهُ، وَفُرْقَانَاً لا يُخْمَدُ بُرْهَانَهُ، وَتِبْيَاناً لا تُهْدَمُ أَرْكَانَهُ وَشِفَاءٌ لا تُخْشَى أَسْقَامُهُ، وَعِزَّا لا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ، وَحَقًّا لا تُخذَلُ أَعْوَانَهُ، فَهُوَ مَعْدِنُ الإِيمَانِ وبحبوحتُهُ، وينابيعُ العِلْمِ وَبُحُورُهُ، وَريَّاضُ العَدْلِ وَغُدْرَانُهُ، وَأَثافِي الإسلام وبنْيَانَهُ، وَأَوْدِيَةُ الحق وَغِيطَانُهُ، وَبَحْرٌ لا يَنْزِفُهُ المُسْتَنْزِفُونَ، وَعُيُون لا يُنْضِبُهَا المَاتِحُونَ، وَمَنَاهِلُ لا يَغِيضُهَا الوَارِدُون وَمَنَازِلُ لا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ، وَأَعْلامٌ لا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ، وَآكام لا يَجُوزُ عَنْهَا القَاصِدُونَ. جَعَلَهُ اللهُ رِيًّا لِعَطَشِ العَلَمَاءِ، وَرَبيعاً لِقُلُوبِ الفُقَهَاءِ، وَمَحَاجٌ لِطُرُقِ الصَّلَحَاءِ، وَدَوَاء لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ، ونوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ، وَحَبْلاً وثيقاً عُرُوتهُ، وَمَعْقِلاً مبيعاً دَرُوتُهُ، وَعِزا لِمَنْ تَوَلاهُ، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وَهُدًى لِمَنْ ائتَمَّ بِهِ، وَعُذْراً لِمَنْ انْتَحَلَهُ، وَبُرْهَانَا لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ، وفلجاً لِمَنْ حَاجٌ بِهِ، وَحَامِلاً لِمَنْ حَمَلَهُ، وَمَطيَّةٌ لِمَنْ أَعْمَلَهُ، وَآيَةً لِمَنْ تَوَسمَ، وَجُنَّةٌ لِمَنِ اسْتَلأمَ، وَعِلْماً لِمَنْ وَعَى، وَحَدِيثًا لِمَنْ رَوَى، وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى) (1).
وبهذا فهو رشاد لكل العصور والناس، وبمضامين حقائقه يكون ؛ (لا يُدْرَكَ قَعْرُهُ)، وبه يتجسّد السر الإلهي المعجز الملائم لكل زمان ومكان ومواقف، ومنه ؛ (وَفُرْقَاناً لا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ)، (وَحَقًّا لا تُخذَلُ أَعْوَاتُهُ)، (وَيَنَايِيعُ العِلْمِ وَبُحُورُهُ)، (وَمَنَاهِلُ لا يَغِيضُهَا الوَارِدُونَ)..
وجميعه يصب في الاتجاه والتوجه والبناء الاجتماعي والنسيج الاجتماعي والمعرفي، ولاسيما محتوى ومضامينه : (جَعَلَهُ اللهُ رِيًّا لِعَطَشِ العُلَمَاءِ، وَرَبيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ، وَمَحَاجَ لِطُرُقِ الصَّلَحَاءِ، وَدَوَاء لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءً، وَنُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ)..
ومنه ما يكمن بين العلم والمعرفة والتشريع وانسيابية الحياة، وهذا الجعل العظيم هو من مؤشرات القوة المضافة والمستمرة العطاء للدولة والمجتمع، والمؤسسات الإنتاجية الخدمية والسلعية والمعلوماتية، الحكومية وغير الحكومية، وجانب منه ما يدخل ضمن علم الاجتماع التنظيمي وعلم الاجتماع المعرفي وعلم الاجتماع المعلوماتي..
لذا (فإنّ هذا القُرْآن إنَّمَا هُوَ خَط مَسْتُورٌ بَيْنَ الدَّقتَيْنِ، لا يَنطِقُ بِلِسَانِ، وَلا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانِ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ) (2)...
ومما يعني ولابد منه، هو تفعيل واستثمار رأس المال العلمي والمعرفي الذي لا ينضب من انماط التفكير والتصورات وتغييرها، وما يضفي من ملامح وتمايز الشخصية، وما يواكبه من حلول الفقه وتذليل صعاب الحياة ومستجداتها ومهامها ومستجداتها المتنوعة، بالتوازي مع تنمية المجتمع وتطوره،
ومن الأهمية الواسعة، كان التنبيه والتأكيد على الدستور الإلهي : (وَاللهُ الله فِي القُرْآنِ، لا يَسْقُكُمْ بِالعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ)(1)، وبين القرآن والعمل يكمن مستوى الاستيعاب والفهم والذكاء التطبيقي الناجم من مرشدات فقهية يتعاظم بها صدق التفاعل والعمل والعطاء الاجتماعي، ويكون المجتمع بمنظوره، مصدر للأخلاقيات والقيم.
ويتضح من بين ما نستوعبه، مضافاً لما تقدّم ذكره، وما يخص الدراسة الآتي :
1 - القرآن الكريم ؛ دستور الحياة الإنسانية والأخلاقية، وهو المصدر الذي لا بديل عنه، ويؤكده الواقع، حيث استمدت التشريعات الدولية والأوربية منه، لما رأته من منافع لا يمكن إغفالها، كما هو ما يكون عليه من نظام وتنظيم اجتماعي وتربوي، ومنه البناء الاجتماعي وتماسكه، ومنه مستمدات أخلاقيات العمل Ethics Work والمعرفة والعلوم، والأبعاد الاقتصادية.. ولولا الانتفاع من ذلك، لما اتجهت بصمت، لحلول مشاكلها عن طريق الدراسات الإسلامية، وما تسهم استنتاجات الباحث أو الكاتب الإسلامي أو الباحث المستشرق..
2 - الخالق عز وجل حفظ القرآن الكريم وما جاء ضمنه من سلامة التشريعات، وحفظ ما بين دفتي كتاب الله جل جلاله من المس به، وما كانت من محاولات فاشلة لتحريفه، حيث جاء في الذكر الحكيم : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (9) سورة الحجر..
3 - يُعد المرشد والهادي للخير، وبثقافة فقه الوقاية من الشر، لما يكشفه من جوانب لها علاقة بالمجتمع ونظامه وتطوره وتقدمه وتماسكه وبناء روح التعاون، و التضحية Sacrifice من أجل العمل الطيب، وهدفه الإنسان وتكويناته الفكرية وبلورة النفس السوية، والدفع بتنامي الإقدام الطوعي على قويم السلوك والأعمال، وبالأساس ما تجمعه كلمة التوحيد في وحدة الاتجاه والذات الإنسانية..
4 - بناء ثقافة وقابلية التمييز بين ؛ الحق واتباعه، والباطل واجتنابه، لكون جانب منه محرك لما يحدث بين المجتمع أو الناس بصفتهم أو وصفهم كائنات اجتماعية عاقلة تؤدي منوع من الأنشطة، وما يُبنى من نظم وتنظيم أسري - اجتماعي ونموه وتطوره، والوعي لما يحققه تأثير ذلك على استقرار المجتمعات، وعلاقاتها الفردية والجماعية، وزرع الطمأنينة والأمان في الأنفس، والتحذير مما للظالم من عواقب دنيوية وأخروية، ويبقى المظلوم وما يتحمله مما يجري عليه بالصبر والثبات، له أجره الدنيوي والأخروي، وفرز الظالم
1) المرجع نفسه / ص 422.
ونبذه اجتماعياً، عاجلاً أو آجلاً، حتى وإن ظهر سلطانه على الأرض وتعدد واتسع أعوانه البشرية..
5- تتبين عقيدة التوازن وتوازن العقيدة، ومنه ما يُبنى من روابط اجتماعية، لما تتطلبه الدنيا والآخرة من استقامة السلوك، والفرز عن ما هو أبقى، مما هو زائل من هذه الدنيا، وهو بدوره وما يحمله من فلسفة وعمق إنساني وحضاري، وما يسترشد بالعقلانية والإقبال على الأنشطة والفعاليات الاجتماعية، وبنظامه وتنظيمه يحقق الاستقرار، إذا ما يتخطى ماديات الحياة والحيلولة دون التفاني من أجل تلك الماديات والحيلولة دون الاتجاه بشكل أعمى صوبها..
6 - فلسفة الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وما تمييز الشرع بينهما، إلا لحماية الإنسان والمجتمع، أساليب المحافظة على مجريات الأمور التربوية - الاجتماعية، ومنه ما يضع من مؤشرات أساسية للفرز بينهما، والاتجاه بالمجتمع لثقافة تعزيز ما للفرد وما للجماعة وما يتطلبه توجيه إشباع حاجاته بالحلال الطيب، والتوجه باتجاه جودة العمل وأدائه، بسلوك طريق الحلال، وبه ما يتحقق من حماية لحقوق الفرد والمجتمع حتى تمتد لحماية المخلوقات والبيئة، وعقلانية ورشد حماية كامل النظم، ويكون بأحكامه وحدوده، صيانة وركن تنظيمي للمجتمعات..
7 - استقامة منهج ونظام الثواب والعقاب، ومنه الاتجاه بالمشاركة الاجتماعية داخل النشاط الرسميوغير الرسمي، والعمل على التدريب المجتمعي على الانتاج المثمر، وبه يحقق توازن الإنسان والمجتمع ومجريات الحياة، ومعرفة مبدأ النعمة الإلهية ؛ (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (60) سورة الرحمن، ويشمل الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي، ومن النّعم الإلهية على البشرية ؛ أن جعل رصيد جزاء الثواب مفتوح، وجزاء السيئة محدود بسيئة ؛ (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (160) سورة الأنعام، و (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِنَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (261) سورة البقرة..
8 - سبقت رحمته سبحانه وتعالى في الدنيا نقمته، ووسعت رحمته جل جلاله كل شيء وبهذا جاء في كتابه الكريم ؛ (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَدَابًا
ألِيمًا) (18) سورة النساء، فالتوبة جاءت لتأخذ مداها حتى في أحرج أوقات أو لحظات الإنسان الحاسمة والفاصلة بين الحياة الدنيوية والحياة الأخروية، ومدى تعلقه وعلاقته بالله عز وجل، ومنه ما يترتب عليه الموقف والعبرة، لإعادة الأمور إلى نصابها، وعلى مستوى فردي وجماعي ومجتمعي، وربما على مستوى أوسع، ولاسيما حينما يكون الشخص في موقع حساس داخل الدولة ومراكزها وأدوارها التنظيمية والوظيفية، ومما يظهر ذلك في مواقع السياسة مختلف مساحاتها، والاقتصاد بمختلف مضامينه في تعاظم المنفعة والإشباع، والمواقع الاجتماعية وبمختلف أدوارها ومدى ملائمة تبادل تلك الأدوار.. فيجعل للحياة طعمها الاجتماعي المتماسك، وموازينها التقييمية والتقويمية، ومنها إعادة هندستها المجتمعية والاجتماعية النافعة المنتجة والمثمرة..
9 - الانسيابية التقويمية التوازنية بالعودة إلى القرآن الكريم، يعني عودة التوازن ومنه التوازن الاجتماعي، ولنصطلح مصطلح ومفهوم كمي للعلوم الحديثة ؛ مطابقة الخط البياني لمسيرة المجتمع مع الخط البياني المنتهج والمسترشد بالقرآن الكريم، بما وضعه من تشريعات تحرص على الإنسان والإنسانية، منطلقات واتجاهات ونتائج أعمق وأوسع من كونها إستراتيجية، ومختلفة ومتنوعة ومتكاملة للحياة، بنظرته الدنيوية - الأخروية.. وبذات الوقت فإنّ القرآن الكريم لا تتفاوت أخباره، والمستوى العالي المعجز المواكب لكل موقف ومكان وعصر، ومهما تقدّم خط الحضارات والثقافات والعلوم والمعارف، لأنّ الإنسان يبقى هو الإنسان بخلايا عقله وجسده وطاقاته وشخصه، مع فارق طبيعة التربية والتعليم والتدريب وتطوير القدرات، والعقل يبقى هو العقل، كعقل فردي وعقل جمعي، وامتثال نظرياته، وآلية تطبيقاته وفنونها وإبداعاته ومواهبه، وتبقى الأخلاق لا تتجزأ والبناء الأخلاقي مرتبط بالجمال غير المصنّع أو المصطنع..
10 - مجالسة القرآن الكريم ؛ أي البحث في تعدد جوانب علومه والوصول إلى التفهم بموضوعية، وتطبيقاته بالمواكبة مع كل تطورات الحياة وإقامتها وتقويمها، ومنه ما يحقق الزيادة والنقصان ؛ الزيادة بفتح وانفتاح الآفاق الواسعة أمام الفكر الذي جعله الخالق عز، بلا حدود، إذا ما استثمر حق استثماره باتجاه الخير والنفع الإنساني، والنقصان وجل ومنه نقصان ما يجهله بحسب قدراته وإمكانياته..
11 - والقرآن المجيد فيه شفاء من كل داء، ومنها داء سلبيات الحياة والتوجهات والانحرافات المتعددة الاتجاهات، فإذا تمثل في شخص الإنسان الكفر والعزة في الإثم، عندها يكون
لا رادع له ليقومه، وعندها يتجه به صوب النفع الأعمى، ويكون عرضة لمختلف الانحرافات، وهو ما يُولّد الخلل الاجتماعي Social Disorder وتعدد الأمراض الاجتماعية، وتتعدد وتتعاظم مخاطرها، والواقع الاجتماعي هو المؤشر الحقيقي له..
12 - باستيعاب الإنسان الدينامي أو الحركي لمستجدات المعلومات والعلوم والمعارف بالتوازي من أدوات وآليات وكل متطلبات الاجتهاد للاستنارة من القرآن مع دقة ما يتم امتلاكه الكريم، بمعنى آخر كيفية معالجة الفقه لكل مناحي الحياة : يعني الاستبصار والاستحداث والسماع والنطق به أو من خلال ما ورد به من تشريعات وأحكام الحق، ومنه يُجار المظلوم بالحق على الظالم..
13 - القرآن الكريم : (فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَالحَدِيثَ عَن المَاضِي، وَدَوَاء دَائِكُمْ، ونظم ما بَيْنَكُمْ)، وتتابع حلقات ؛ (علم، وحديث، ودواء، ونظم)، يدلل على مدى انسيابية ودقة المعالجة والوقاية، وأسبقية القول بعلم ما يأتي، فهو خير دليل على اهتمام الإسلام الكبير والراسخ بالمستقبل الحضاري الأوسع من الإستراتيجي، وإرساء حجر الأساس العلمي والمعرفي المشرق، والنظرة له بعمق حضاري، وهو مما جعل القرآن الحكيم يواكب وتتحقق معالجاته الشاملة في كل زمان ومكان ومواقف..
14 – (وَفِيهِ رَبيعُ القَلْبِ، وَيَنابيعُ العِلْمِ، وَمَا لِلْقَلْبِ جَلاءٌ غَيْرُهُ)، ومما يتضمنه ؛ هو قمم النشاط الفكري والعقلي، ومصادر العلم الأصيل النقي، المستمد منه كل ما تتطلبه مستويات البنى التربوية - التعليمية، وعمادها ونتاجها الفكري - السلوكي، ومدى وجوب الثقافة الان الثقافة الاستيعابية ومنها الثقافة الاجتماعية - الفقهية، والتنظيمية الاجتماعية، ليتحقق التشخيص والعلاج الاجتماعي ؛ (دَوَاء دَائِكُمْ، وَنَظْمُ مَا بَيْنَكُمْ)، المنظور منها وغير المنظور، والانتفاع الحياتي من العلم ومستقبل العلم، وتجارب الماضي بكل اتجاهاتها (فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَالحَدِيثَ عَنِ المَاضِي)، وهنا مما يخص موضوعنا ومستقبل الإنسان كفرد ومجتمع ودولة، وفاعليتهم يتم في الاهتمام بالعلم والتاريخ، بما فيه ؛ الاهتمام بتاريخ العلم وعلم التاريخ، ومنه علم الاجتماع السياسي والتاريخي، وتكامل أنماط وتعدد أساليب واستقامة التفكير والفهم الوقائي والعلاجي، للماضي والحاضر ومستقبل الواقع الاجتماعي والتاريخ الاجتماعي - الحضاري، ويعني كذلك أهمية الجوانب المعلوماتية في هذه الحلقات الزمانية والمكانية والموقفية، ليكون إسهام
الدواء فاعل ومناسب ودون أعراض جانبية، والسيطرة على المرض وأعراضه، ومنه الأمراض الاجتماعية ومخاطرها المتعددة، ومعالجتها الفاعلة..
والدليل على إنه يهتم بمعالجة الأمراض ومعرفة ومعالجة آثارها، ولاسيما الأمراض الاجتماعية والنفسية، الذي يهتم أبها، (علم النفس الاجتماعي وعلم النفس التنظيمي وعلم الاجتماع التنظيمي) : (وَنَظمَ مَا بَيْنَكُمْ)، هذا العالم المتشعب العميق المتماسك، القادم من واسع أبواب آفاقه بانسيابيته، والتجارب السابقة والمعارف والعلوم، ليتحقق (نَظمَ مَا بَيْنَكُمْ)، ومنه يعني ما يتحقق من النظام والتنظيم الاجتماعي الرصين..
10 - وتكاملاً ؛ القرآن الكريم، المنبع الصافي لمنهاج الهدى والمسيرة والاستقرار والطمأنينة ومنه الوصول إلى الأهداف الأسمى، يعني النظرة الدقيقة والفاعلة والنافعة والمثمرة الدنيوية - الأخروية التي تحقق التوازن حتى في دواخل النفس البشرية، ومؤثرات القدرات والرغبات والدوافع والحوافز، وكبح جماح كل ما يضر الذات والمحيط بها، وكبح كل ما لا امتداد له باتجاه رضى الله تعالى..
وما فقه العبادات والمعاملات في الإسلام، إلا الجانب الرسالي المهم في القرآن الكريم، لبناء منظومة اجتماعية متواصلة وراسخة ومستمرة بنظمها الإنسانية، والفاعلة بتماسكها الاجتماعي والعبادي والاقتصادي، وما يترتب من مؤثراتها على الجانب السياسي من جهة، والتربوي والثقافي من جهة أخرى، وما يتأثر بها، وما يحققه من مستوى استقرار المجتمعات وأمنها وأمن بلدانها وسلطانها ولاسيما ما يحققه الجانب الوقائي – الإصلاحي..
ومما تقدّم، وما استشفّينا باليسير من الكثير، يتضح جوانب من أهمية التشريع الإلهي لرعاية ك-ل ما خلقه عز وجل من الخلق، وخطط وبرامج وتوجيهات واضحة ومتكاملة لرعاية حقوقهم ومنه الاجتماعية المتبادلة، وما يتضمنه أنجح النظم الإستراتيجية التي لا تقتصر على الدنيا فحسب، بل تمتد مهام منظوماتها الإستراتيجية للوضوح والتكامل بتنظيماتها الدنيوية - الأخروية، ورفع مكانة ومصاف الدولة والمجتمع والفرد والبيئة، وبهدي القرآن العظيم..
تواصلاً للمباحث المتقدمة، والمكانة والدور البالغ الأهمية والعمق، وما يتطلبه من استمرار مسيرة وتقويم الفكر والنفس والسلوك الاجتماعي، واستكمالاً للمتقدّم ذكره، فإن تحمل أعباء الرسالة ومهامها العظيمة، لابد من أن يكون لها الأشخاص أصحاب المواصفات المتقدمة في الجعل التكويني ؛ المتميز والمتوافق، وما يمتلك من قدرات يجعل من الآخر، ملتسق أو يستقبل الرسالة بكل صفاء ومرونة وفاعلية ووضوح وتقبل وإصغاء مثمر..
وبلا أدنى شك، وكما يقولون (بأنّ أهل مكة أدرى بشعابها)، وكذلك أهل البيت (عليهم السلام) هم أدرى بما أنزل من دقائق الأمور وتفاصيل الرسالة الإسلامية العظيمة، وأدرى على الإطلاق بتطبيقاتها، ومن دينامية مضامين الدستور المرشد للحياة ؛ القرآن الكريم، والجعل التكويني في منتهى تفاصيل الإدراك، وما يعرفون المكنونات الإنسانية لها، وهم أصحاب وامتدادات المدرسة الرسالية النبوية الشريفة، ومعلميها الأوائل بلا منازع، وهم أهل سفينة النجاة الدنيوية – الأخروية..
ومن هذا المنطق والمنطلق، والواقع الحقيقي والموضوعي، يتضح فيه الأهمية والحاجة لدور أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، الذين صبروا وضحوا بكل ما تعنيه الكلمة من الصبر والمعاناة والفداء والتضحية من أجل استمرارية واستقامة الرسالة المحمدية في تنزيلها وتأويلها، وبقويم وقوام أصالتها الربانية، وكذلك من أجل حماية ما تم نشره من الرسالة الإلهية، وما يجري من تحليله ودراسته بالمفاهيم الحقة، وبالتالي حماية الإنسانية من مخاطر امتهانها واستعباد الناس..
وقد ورد في الذكر الحكيم ؛ (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) من الآية 33 / سورة الأحزاب
ومنه ما نسترشد من هذه الإرادة الإلهية الطاهرة المطهرة، وتفاصيلها وهداها ودقتها، مما يظهر في خطبة من خطب أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَمَحْطُ الرِّسَالَةِ، وَمُخْتَلَفُ المَلائِكَةِ، وَمَعَادِنُ العِلْمِ، وَيُنَابِيعُ الحكم، نَاصِرُنا وَمُحِبُّنا يَنتَظِرُ الرَّحْمَةَ، وَعَدُونَا وَمُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ)(1).
1) المرجع نفسه / ص 162 – 163.
وَمُخْتَلَفُ المَلائِكَةِ ؛ أي أحدهما يخلف الآخر بوروده، فهذه الشجرة التي أرادها الله جل جلاله لتكون هي أصالة العلم وينابيع المتعدد المراتب وعاليها في الفكر والحكمة، وما استفاه الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) من العلم الحضوري الإلهي، ليودعه في صدور أهل بيته الكرام (عليهم السلام، وبالذات الأئمة الأطهار أصحاب العصمة (عليهم السلام)..
وعموماً ؛ فالحكمة نتاج وخلاصة المعرفة، والمعرفة نتاج وخلاصة العلم والفكر، والعلم والفكر نتاج وخلاصة المعلومات والبيانات الخام والمصنعة، والمعلومات والبيانات المرتدة من المصادر والتجارب والتطبيقات السابقة مع عدم إغفال البيئة الداخلية ومكوناتها المادية والمعنوية والنفسية والبشرية، والمواهب والقدرات والابتكارات والإبداعات، والبيئة الخارجية بما فيها عواملها ومكوناتها الأخر..
ومنه يمكن وضع مخطط مبسط يبين المراحل الإنسانية للوصول إلى مرحلة الحكمة وبالآتي
مخطط (7) يبين مراحل بلورة الحكمة للبناء الحضاري الإنساني
الحكمة - المعرفة - الفكر - المعلومات والبيانات
ويضيف (عليه السلام) بيان مكانة ودور أهل البيت (عليهم السلام) في التماسك الاجتماعي والفكري والاستيعابي والوعي العقائدي، حتى تنطبق عليه وصف ومواصفات :
(لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ الْمُؤْمِنِ بِسَيْفِي هذا عَلى أَنْ يُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي ؛ وَلَوْ صَبَيْتُ الدُّنْيَا بِجَمَّاتِهَا عَلى المُنافِقِ عَلى أَن يُحبني ما أحبَّنِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ قُضي فانقَضَى عَلى لِسَانِ النبي الأُمِّيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) : أَنَّهُ قالَ : يَا عَلِيُّ، لا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ، وَلا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ) (1).
وهنا يبين أهمية الاستعدادات والاستيعابات والثبات والثقة بمحتوى الفكر أو العقيدة - النفس، والمحتوى والمكون الفكري الفردي والجمعي، والبناء التربوي - الاجتماعي السليم، للفرز بين ؛ الحق واتباعه كثقافة وعقيدة وسلوك، والباطل واجتنابه كثقافة وعقيدة وسلوك، ومنه كداعم للحركة الاجتماعية في كل اتجاهاتها وتفاصيلها..
1) المرجع نفسه / ص 477.
وصراع بين ؛ بناء العقيدة الراسخة باستقامتها ومنحها الدنيوي - الأخروي، والنفاق بشوائب وانحرفات الانغماس أو الاتجاه نحو الملذات الدنيوية ومغرياتها، ودون مراعاة الحقوق العامة والخاصة، هنا يكمنان ضمن طبيعة ومجريات الفلسفة الاجتماعية بين ؛ الحب، والبغض، وبين الماديات وغير، الماديات، بين الحب الدنيوي والحب الأخروي، وإلا كيف يكون : (مَا أَبْغَضَنِي)، (مَا أَحَبَّنِي)، وعند الحق :
لا يتغير الشخص العقائدي المتمسك بالشريعة الحقة، وعندها لا تتغير الشخصية، ويكون ؛ (لا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ)..
والباطل يتغير عنده الشخص المربك بعقيدته، وتتغير الشخصية ليتجه بمفردات حياته بالنفاق والدجل، وعندها ما تضمره النفس بموجه الاتجاه الفكري، (وَلا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ)،
وبنقاوة الفكر واستقامة التفكير يكون اتجاه النفس والسلوك والعمل، ومنه ما يتضمنه قوله (عليه السلام) :
(مَنْ أَحَبُنَا أَهْلَ البيت فليستعد للفقر جِلْبَاباً) (1)
وهو ما يشمل الكثير من الجوانب المنظورة وغير المنظورة، ومنه ما لا يستطيع تحمله وحمله المنافق، وإنما يحمله المؤمن الثابت العقيدة، والصبور الغيور على مستقبل الأمة، ولأن المنافق ملتسق بملذاته الدنيوية المنحرفة، ولا يتحمل أن يلبس رداء الفقر، فهو ألعوبة ضمن شكليات الدنيا وبهرجتها الزائلة الزائفة القصير الأمد، وسرعان ما يستفيق على آلام الدنيا بعد فقدان زيف ملذاتها، ويلبس تبعات أعماله ومعاناتها..
ومن الفقر ما يُقابله في الكفّة الأخرى، المتاعب والصعاب والأعباء وظهور المشاكل الشخصية والاجتماعية، ولا يتوازن عندها الشخص إلا من يصل للمرحلة الاستيعابية والاستعدادية لمترتبات حكم الحياة والحياة الاجتماعية الدنيوية وفلسفتها، وما يمتد من حاجاتها المتعاظمه عند جموحها والمنفذ لإشباعها، أو الحد منها بتعطيلها الوقائي، والحيلولة دون الانجرار وراء تماديها، والحيلولة دون تعاظم كوارث الانزلاق الاجتماعي في هوة الباطل وانحرافاته..
ويواصل (عليه السلام) في معالجته الموضوعية بالاتجاهات الوسطية وما يتطلبه من التوازن الفكري والنفسي والسلوكي، وذلك يظهر بشكله التقريري الواضح عند مناسبة أخرى حيث يقول :
(نَحْنُ النَّمْرُقَةُ الوُسْطَى، بهَا يَلْحَقُ التَّالِي، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الغَالِي) (2).
وهم (عليهم السلام) قطب النور المرشد والمعيار المنفذ الذي يهتدي بهم الناس، ويلتقي ويتلاحم حولهم عند الهداية وشكر الأحرار، عندهم مؤشر المنهج الواضح، وسبيل للقوة المثمرة، وتوازن وتماسك البناء العقائدي والاجتماعي والإنساني، والدليل ؛ (نَحْنُ النُّمْرُقَةُ الوُسْطَى)، وَالنُّمْرُقَةُ، ما يُستند عليه، السند المأمون، وعنده تكون الطمأنينة للهداية والاقتداء..
ومؤشر الضعف والهلاك، حينما ينتهج الإنسان سلوك التطرُّف في كلا الوجهتين أو الاتجاهين فالاعتدال سمة الموضوعية الحضارية المستدامة، وسمة التجرد من التعصب في حيثيات كل مفردات الحياة الحقيقية، ومنه يجتمع عليه رأي وتلاحم الناس مختلف مشاربهم ومذاهبهم وقومياتهم،
ولذا يقول (عليه السلام) عند مؤشر ومعيار الحق :
(هَلَكَ فِيَّ رَجُلانِ : مُحِب غَالِ، وَمُبْغِضٌ قَال) (1)
والتوازن والاتزان والاعتدال، هو منحى سلامة الأبدان والأديان، وهم بهذا يكونون (عليهم السلام) مجمع الحق، ومنطلق وطريق الحق، والمنار المرشد لِمَنْ تاه عن سواء السبيل، وبهم (عليهم السلام) تُقدّم معايير المجتمعات وترشد إلى سواء السبيل، فلا انحياز وانحراف عن طريق الحق وشريعته العظيمة، المصان به الحقوق..
وبهذا الحرص القيادي الوقائي - العلاجي المجتمعي، يكون حماية لهم والمستقبلهم المستدام، بكل ما تتطلبه أمورهم، والدليل الإشارة إلى الهلاك عند : (مُحِب غَالِ)، (وَمُبْغِضٌ قَال)، ومما يتضمنه مدى الاهتمام بثقافة الوعي العقلاني، والهداية بثبات توجيههم باتجاه الشريعة والتشريع الإلهي والابتعاد عن الجهل الأعمى في الأحكام، والابتعاد عن الاستماتة في الأهواء..
لذا يظهر الموجه التربوي - التعليمي : كظاهرة حياتية - عقائدية، مبنية على أسس متينة وثبات موضوعي يتجه باتجاه هداية العلم والمعرفة والحكمة، حيث يقول (عليه السلام) :
(انظُّرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمتَهُمْ، وَاتَّبِعُوا أَثرَهُمْ، فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى، وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدّى، فَإِنْ لَبَدُوا فالبُدُوا، وَإِنْ نَهَضُوا فانْهَضُوا، وَلا تَسْقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَلا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا) (2).
السَّمْتُ : حُسْنُ النَّحْو فِي مَذْهَبِ الدِّينِ، والفعلُ سَمَت يَسْمُتُ سَمْتاً، وإِنه لَحَسَنُ السَّمْت أي حَسَنُ القَصْدِ والمَدْهَب في دينه ودنياه، قال الفراء : يقال سَمَت لهم يَسْمِتُ سَمْتاً إِذا هَيَّأ لهم وَجْهَ
العَمَل ووَجْه الكلام والرأي، وهو يَسْمِتُ سَمته اي ينحو نَحْوَه، وقال خالد بنُ جَنْبةَ : السَّمْتُ اتِّباعُ الحَقِّ والهَدْيِ، وحُسْنُ الجوارِ، وقِلةُ الأَذِيَّةِ (1).
ولذا فالمبدأ يكمن تفاصيله بين النظرية والتطبيق المثمر على مدى الحياة وقيادتها، ومنه ما يتجه باتجاه مناهج وتحليل الواقع الاجتماعي والتعامل المسهم لمعالجة البيئة المواكبة للأداء والتغيير، بنظم إعادة هندسة الاتجاه الاجتماعي والإنتاج والنتاج الاجتماعي، ومنه بناء الأسرة والتوازن في الضبط الاجتماعي..
ومدى تحقيق رسوخ وجود المجتمع بالبناء وحركيته المستدامة بالتغيير والبناء والتماسك، ومنها ما يتعلق بالنظم الاجتماعية، كما هو عليه نظام الأسرة والقربى ونظام الدين ونظام التربية ونظام الأخلاقيات والنظام السياسي والنظام الاقتصادي، وما يشملها من عمليات اجتماعية ؛ كالاتصال والتعاون والتوافق والضبط الاجتماعي والتكامل الاجتماعي والصراع الاجتماعي والتغير الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية..
ومتجهه صوب قيام الحق بأهله كأفراد ومجتمعات، ما دام للحق منهج وشخوص هداية وبناء إنسان وبلاد ومواقف، للنهوض بالمجتمع، بوعي واستيعاب متكامل، وتنسيق وتنظيم وأداء بين قيادة الحق وجنوده، بالتداخلاته الدنيوية والأخروية، (وَإِنَّمَا الأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللهِ عَلى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ عَلى عِبَادِهِ ؛ وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ) (2).
والعظيم الدقة في النظام والتنظيم الاجتماعي الكامن في ؛ (وَإِنَّمَا الأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللهِ عَلى خَلْقِهِ)، ومنه ما يكون في القيادة والمحافظة والإصلاح والصلاح، وهو مما يتمثل في كلمة ؛ (قُوَّامُ)، ومنه ما يشمل بعموميته ؛ (عَلى خَلْقِهِ)..
(وَعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ) ؛ والعَريفُ : القيم والسيد المعرفته بسياسة القوم، وهنا يتمثل بالخصوصية ؛ (عَلَى عِبَادِهِ)، والعبد : الإِنسان، حراً كان أو رقيقاً، يُذهَبُ بذلك إلى أنه مربوب لباريه، جل وعز، والعِبادَةُ : الطاعة (3). ومما يتضمن شموليته على علم الاجتماع التنظيمي، وعلم الاجتماع السياسي، ومنه يتحقق طبيعة البناء الاجتماعي..
ويبرز من بين ما يبرز ضمن المتقدّم من النصين المباركين، التأكيد على الأهمية الكبيرة والبالغة للتوعية والثقافة العقائدية - الفقهية وإصلاح المجتمع، والعمل على بناء ما يجعل منه كتلة متماسكة متعاونة ضمن مكونات الحق والخير، والحيلولة دون الصراع وتفكك المجتمع، والحيلولة دون انهيار
أركانه التربوية والثقافية والحضارية، والعمل على بناء الكيان الشاخص للمجتمع بالمعارف والعلوم، والحد من الجهل والأهواء التي تولّد الصراعات والمحدار الحضارات..
ولذا يكون بتوجيهاتهم (عليهم السلام) المؤشر والمعيار واهتداء المجتمع، لكونهم ؛ (هُمْ عَيْشُ العِلْم، وَمَوْتُ الجَهْلِ، يُخبرُوكُمْ عِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، وَصَمْهُمْ عَنْ حِكم مَنْطِقِهِمْ، لا يُخَالِفُونَ الحَقَّ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَهُمْ دَعَائِمُ الإسْلامِ، وَوَلَائِجُ الاِعْتِصَامِ، بهِمْ عَادَ الحَقُّ إلى نِصَابِهِ، وَانْزَاحَ البَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ، وَانقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْيَتِهِ، عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَة، لا عَقْلَ سَمَاعِ وَرِوَايَةٍ. فَإِنَّ رُوَاةَ العِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ) (1)..
والتركيز مما يتوجب التركيز عليه، النظر بعمق في؛ (لا يُخَالِفُونَ الحَقَّ وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ)، وهو مما يُدلل على أنّ الحق تشريع وعمق وتواصل واستمرارية..
والحق هو الله وأحد أسماءه الحسنى القائم بذاته، وعندها لا يكون الحق بمخالفة ولا يتمثل في أهواء شخوص، وليس الحق حكم وعقيدة أهواء سرعان ما تتغير بتغير المنافع، وسرعان ما تتغير عندما تضرب المصالح الشخصية والمنافع الدنيوية العقيمة البغيضة، ويترتب عن تبعات الأهواء وأباطيها حتى على ذات الشخص..
وبهذا (بهم :
عَادَ الحَقُّ إلى نصَابِهِ..
وَانْرَاحَ البَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ..
وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْتِهِ..
وذلك لم يكن إلا بمؤهلاتهم واستعداداتهم لتحمل مسؤولية حماية الدين الإسلامي، ويعني حماية المسلمين، وحمايتهم من الجهل والفقر والمرض بكل أشكاله المنظورة وغير المنظورة، بل يتعدى الحماية كل الناس بلا تفرقة، ما داموا في ركب البناء وتماسك المجتمع وسلامتهم..
وبهذا الجعل التكويني المستثمر في سبيل الله تعالى، جاهدوا في نشر الدين الإسلامي لمرحلة التنزيل ومرحلة التأويل، وبهم حُفِظَ الدين من التحريف والتسييس، ولا عجب فهم (عليهم السلام) قد تخرجوا من المدرسة النبوية الشريفة بكل ما تحمله من رسوخ العقيدة، وهم بحق ؛ (عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وعاية ورعاية، لا عَقْلَ سَمَاع وَرِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ العِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ)..
وبالحق ما بين العلم والجهل، مساحات من الحياة والموت، ومنه ما يتحدد الحياة أمة وموتها، ومنه ما يترتب على مدى الاستقرار الفكري ضمن نقاوة الأجواء والمناخات، ومنه الاستقرار النفسي
1) نهج البلاغة / ص 357 – 358.
للاتجاه بسوي النفس صوب قويم فاعلية الأعمال والسلوك، ودورتها التكاملية المتعاظمة نحو العلم واتباعه، أو الجهل بمخالفته ومعالجته واجتنابه، وفرّقوا بين اتجاه الطريق نحو الفضيلة ومنهج الحياة الدنيوي - الأخروي، والتحذير من الاتجاه نحو طريق الرذيلة والموت، وما يجري من انحرافاتها وارتكاب المعاصي التي تهدد استقرار المجتمعات الإنسانية..
وبهذا ومنه متجه الإرشاد، لكونهم ؛ (هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَلَجَا أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَمَوْتِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالُ دِينِهِ، بِهِمْ أَقَامَ انْحِنَاءَ ظَهْرِهِ، وَأَدْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ) (1).
وعيبة علمه ؛ يعني وعاء علمه، والمؤل ؛ المرجع، والمحور العظيم منحى العلم ومستودعه والتقاء وروده ومُستقاه، وتبقى الكيفية الموضوعية هي الحد الفيصل للحكمة عند موثل أو ملجاً أو مرجع حكمه، بهندسة وإعادة هندسة استقامة البناء القويم والقائم على أسس التقوى، ومنه ما يتجه تماسك المجتمع والحضارة، ببناء قوة الشخصية الحضارية القائمة على العلم والمعرفة وآفاقه الواسعة..
وعند مقتضيات بناء ثقافة الحجة الراسخة، يقول (عليه السلام) :
(أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي العِلم دوننَا، كَذِباً وبَغْياً عَلَيْنَا، أَن رَفَعَنَا اللَّه وَوَضَعَهُمْ، وَأعْطَانًا وَحَرَمَهُمْ، وَأَدْخَلَنَا وَأَخْرَجَهُمْ بِنَا يُسْتَعْطَى الهُدَى، وَيُستجلى العمى، إِنَّ الأَئمَةَ مِنْ قُرَيْشٍ غُرِسُوا في هذا البَطْنِ مِنْ هَاشِم ؛ لا تصلح على سِوَاهُمْ، ولا تصلح الولاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ)(2)، (ألا إن مثل آل مُحَمَّدٍ، (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، كَمَثَل نُجُوم السَّمَاءِ : إذا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكامَلَتْ مِنَ اللهِ فِيكُمْ الصَّنَائِعُ، وَأَرَاكُمْ مَا كُنتُمْ تَأْمُلُونَ) (3).
ومن بين ما يتضح مما تقدّم، بأن أهل الحق وكل سائر في ركب الحق، ومن جعل منهجه نقي الفكر وسوي النفس وقويم السلوك والأعمال، هو من يتمسك بأهل الكرامة أهل البيت (عليهم السلام)، لأنهم : (عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَة)، و (إذا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ)، (وَلا تُصْلُحُ الولاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ)، لكونهم ؛ (لا يُخَالِفُونَ الحَقَّ وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ)..
وهم الموارد العذبة وملتقى ما احتفظ على نقاوته مما أنزله الخالق عز وجل، وبهم الدور الأساسي الإصلاحي والتقويمي، والبناء والتماسك الاجتماعي بكل مستجداته، وبهم (عليهم السلام) استمرارية منهج الحياة ووحدة الناس بكل مكوناتهم وأطيافهم، بما فيه مكوناتهم الاجتماعية، وما يتطلبه العيش بالتسامح الديني وعلى المحبة الإنسانية والسلام..
بعد النظرة الخاطفة لما سبق تناوله من موضوع الخالق عز وجل، والنظم الاجتماعية التي جعلها الله سبحانه وتعالى، فيما أنزل في شرائعه، لاستقرار خلقه والاتجاه بالبناء الحضاري.
تطلب استكماله بدراسة الحياة الاجتماعية قبل الإسلام، وما كان عليه المجتمع، وما أصبح عند وبعد انتشار الإسلام في ضوء ما ورد في نهج البلاغة..
وسيتم دراسة ذلك بصورة مختصرة من خلال المبحثين الآتيين :
المبحث الأول : الحياة الاجتماعية قبل الإسلام.
المبحث الثاني : الحياة الاجتماعية عند وبعد انتشار الإسلام.
لا بد من التطرق لجانب من التاريخ الاجتماعي في منظوره التحليلي، لمعرفة الوسط البيئي الاجتماعي وتطوره وتأثيره في التغير الاجتماعي، ومنه ما يتحقق بدراسة موضوعية للنظم الاجتماعية والظواهر الحياتية للفرد - المجتمع، وما كانت من العلاقات الناشئة بينهم، والنظم والقواعد المنظمة لعلاقاتهم، والوقوف على التراث الاجتماعي وعناصره والمعتقدات ومظاهر الحضارة والفنون ومعايير الأخلاق وأساليب العمل والتقسيم الطبقي ومظاهر التخلف والتغيير والتقدم والتنظيم الاجتماعي... (1)
وما مضى من مؤثرات الضبط والضغط الاجتماعي Social Pressure في اتجاهات الظواهر أو الخصائص الاجتماعية والتنشئة الاجتماعية والبيئية، ومعالجتها للبناء النفسي الاجتماعي، وما يكون عليه من نتيجة تفاعل الأفكار والآراء وتقارب وتقابل وجهات النظر، وما يؤثره العقل الجمعي على اتجاهات الأفكار الاجتماعية والعواطف والشعور، ومستوى اتجاهاتها المادية وغير المادية، والإنسانية الفطرية والمكتسبة، الطوعية والملزمة، والقيم المترتب عليها، واتجاهاتها فيما يترتب من العقد الاجتماعي في ضوء السياق الاجتماعي والتاريخي للمجتمعات..
وتدل الدراسات المختلفة، بأنّ الحياة الاجتماعية، ولاسيما منطقة الجزيرة العربية وما يجاورها كانت قبل الإسلام إما تتصف بالتخلف أو تتصف بالتبعية، وليس الهدف هنا استعراض ودراسة تاريخية بل هو نظرة في مضامين التاريخ الاجتماعي، ودراسة مختصرة محورها المضامين الاجتماعية، وإشارة منها ونظرة في ضوء ومنظور قرآني، وكذلك منظور وخصوصية ما جاء في نهج البلاغة..
ومما ورد في الذكر الحكيم ؛ (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِدْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَانقَذَكُمْ مِنْهَا كذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (105) سورة آل عمران.
1) راجع بهذا الخصوص : سامية الخشاب / المدخل إلى علم الاجتماع / القاهرة / 1996/ ص 16 - 19.
والآيات الكريمات تبين الكثير من الإشارات علي كان عليه المجتمع الجاهلي قبل الإسلام، والإسلام أعاد هندسة المجتمع والذي يظهر في قوله تعالى : (إذ كُنتُمْ أَعْدَاءً)، ويقابله في إعادة هندسة المجتمع ؛ (فَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)، والنتيجة ؛ (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)، وجانب منه ما يمثل التماسك والتآلف الاجتماعي..
أما المخاطر والتهديدات ؛ (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ)، وقابله في الوقاية والعلاج للأمراض الاجتماعية والنفسية، والاتجاه بأرقى منظومة البناء التربوي ؛ (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، وهذه المقارنة للمجتمع قبل الإسلام وبعد ظهور الإسلام وانتشاره، وهو ما يحتاج إلى دراسة خاصة، سيتم بعون الله إنجازها بكتاب مستقل..
أما ما يخص الدراسة، وبحسب ما جاء في نهج البلاغة، ومنه الحقبة التي يصورها لنا أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في إحدى خطبه :
(إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) نَذِيراً للعالمين، وأميناً على التنزيل، وأَنتُمْ مَعْشَرَ العربِ عَلى شَرِّ دِينِ، وَفِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشَنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمْ، تَشْرِبُونَ الكَدِرَ وَتَأْكُلُونَ الجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالآنَامُ بكُمْ مَعْصُوبَةٌ) (1).
ولو تتبعنا المناخ والبيئة الاجتماعية في الجزيرة العربية قبل الإسلام، وما يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) تلك الحقبة ؛ (أَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلى :
(شَرِّ دِينِ) ؛ مما يعني شر عقيدة وشريعة تجمعهم، وما تتضمنه الصورة، ما كانوا عليه قبل الإسلام من محتوى فكري، ينساق له و به الإنسان بلا كرامة تذكر، وبلا ثقافة اجتماعية، وبلا حقوق تصان بها الحريات..
(وَفِي شَرِّ دَارٍ) ؛ ومما يحتوي من ضعف مقومات البيئة الداخلية – الاجتماعية للإنسان، وضعف المحتوى الاجتماعي وتفككه، وتفكك نظام الدولة والمؤسسات المختلفة..
(مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمٍّ) ؛ ومما يحتوي الجانب البيئي، ومنه فقدان أبسط مقومات هندسة الحضارة والتحضر التي تنهض بالإنسان واستقراره وتنميته وتطوره وحماية مستقبله، وفقدان الوعي الإنساني والاجتماعي للحاجات، وفقدان أبسط نظام ومكسب طيب لإشباع الحاجات، ومنه حتى في متطلبات وإشباع الحاجات الأساسية، وهنا ما يدلل على بدوية المرحلة التي يعيشونها، أو ما يمرون به من التمدن المنقوص..
1) المرجع نفسه / ص 68.
(وتَشْرَبُونَ الكَدِرَ وَتَأْكُلُونَ الجَشِيبَ) ؛ ومما يدل على عدم وجود أبسط متطلبات الحياة، ومنها الحياة الاقتصادية والاجتماعية الكريمة، وفقدان أبسط مراحل والرعاية الصحة العامة، المدعمة بما يحقق القوة والتنمية الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية Social Welfare..
(وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ) ؛ ومما فيه يصوّر هدر لحقوق الإنسان وذاته الإنسانية وانحدار وتفك-ك العلاقات الاجتماعية، وتسلَّط القوي على الضعيف، وفقدان الأمن الاجتماعي، وأمن ومقومات الدولة ونظامها، وفقدان الأصول القانونية لتنظيم الدولة والمجتمع..
(وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ) ؛ ومما يدل على جوانب عديدة ضمن النظم الاجتماعية والتي تبدأ بفقدان النظام والتنظيم الأسري والاجتماعي، وفقدان تواصل القربي على أساس إنساني تضامني، وفقدان ما يحقق الأمن والاستقرار والدفاع المشترك على أساس البناء المؤسساتي للمجتمع والدولة المدنية..
(الأصنامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ) ؛ وهو دليل على فقدان الناس أو المجتمع فلسفة الرسوخ العقائدي العقلاني المبني على أساس الوعي والبناء التشريعي ووحدة الخالق، وهنا تعددية الأهواء العبادية، وتتعدد اتجاهات العبادات ووجهتها وتوجهاتها..
(والآثامُ بكُمْ مَعْصُوبَةٌ) ؛ ومما يعني فساد البيئة الفكرية والبيئة الاجتماعية، وفقدان النفس لأبسط مقومات التوازن الأخلاقي، ومنعكسه المؤدي إلى انحراف السلوك ووعدم استقامة الأعمال المنجزة، وبدوره يعني المخاطر المحيقة والتهديدات الرهينة بما يقترفه الفرد والمجتمع، ولا رادع قانوني أو شرعي أو غرفي يحد من ارتكاب الجرائم المنظمة وغير المنظمة، ولا رادع حتى في ارتكاب الجنح والجنايات..
والإسلام وما أحدثه للانتقالة من هذا الجو أو المناخ الاجتماعي العاصف بمخاطر وتهديدات الانحرافات والصراعات والتلوث، والفاقد بشكل عام لكل أنواع حماية الإنسان، وفاقد لأبسط حقوق الإنسان..
وما أشرقت عليه الشمس الإنسانية الإسلامية العظيمة التي حققت أنقى مناخ لأقوم هندسة مناخية فاعلة، وشملت بذلك من اعتنق الإسلام كدين وعقيدة، ومَنْ كان على غير عقيدة وغير دين..
واتجه الإسلام بالتغيير الاجتماعي إلى أرقى علاقات إنسانية اجتماعية، انطلقت بالبناء المتماسك، لبناء الألفة الحميمة التي ذابت من خلالها كل الفوارق الطبقية ببودقة الإنسانية..
ومن جهة أخرى، كان التشخيص المرضي للإنسان، وما يُعانيه من مشاكل، ودراستها ووضع الحلول والمعالجات المناسبة لها، وإدارة الأزمات فيها، ومنها الاجتماعية كما هو عليه حينما : (بَعَثَهُ
وَالنَّاسُ ضَلالَ فِي حَيْرَةٍ، وَخاطِبُونَ فِي فِتْنَةِ، قَدِ اسْتَهْوَتهُمُ الأَهْوَاهُ، واستنزلتهم الكبرياء، وَاسْتَخَفّتهُم الجَاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ ؛ حَيَارَى فِي زَلْزَالِ مِنَ الأَمْرِ، وَبَلاءِ مِنَ الجَهْلِ..) (1).
وهنا مما يظهر، شخاطر تلوث المناخ الاجتماعي - التربوي بين التياه والحيرة والفتن، وامتداده في الضياع بين الأهواء والكبرياء، والإفساد والتشويش..
(وَاسْتَخَفْتْهُمُ الجَاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ) ؛ الحَقَّةُ والحقةُ : ضِدُّ الثّقل والرُّجُوحِ، يكون في الجسم والعقل والعمل (2)، وهنا الحد البالغ في التهديدات والمخاطر، مركب ومضاعفة : (الجَاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ)، وهو ما يدخل ضمن فلسفة التراجع الحضاري للمجتمعات، باتجاه :
(حَيَارَى فِي زَلْزَالِ مِنَ الأمْرِ) : والزلازل هي الشدائد والحركة ومنها ما يخص الأمر الاجتماعي والتفكير الجمعي، هذه الصورة المرعبة والمؤثرة بعدم السيطرة عليها أو بعدم التحكم بها أو الحد منها..
(وَبَلاءِ مِنَ الجَهْلِ) ؛ وبين البلاء والجهل بون واسع، يجتمع عند المخاطر والتهديدات والضياع، ويكون الإنسان كفرد ومجتمع هو الضحية في ظلمتها وظلمها، وهو ما يدخل مضامين منه في علم الاجتماع التربوي، كما هو باتجاه علم النفس التربوي، والدليل هو الاقتران بين البلاء والجهل، ومخاطر هذه التجربة الاجتماعية والنفسية والتربوية التي تجر على المجتمع ؛ الفقر والمرض، وبمؤثراتهما تتراجع الحضارات والأمم وتنذر بالهلاك الاجتماعي وصور أخرى للعصر الجاهلي ؛ (.. ابْتَعَثَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ، وَيَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ، قَدْ قَادَتْهُمْ أَزمّةُ الحَيْن، وَاسْتَغْلَقَتْ عَلى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرين) (3).
ومعنى الغمرة : شدة الفتن والجهل، ومما يعني كان المجتمع الجاهلي قبل البعثة في جو اجتماعي أخطر وأعظم من الصراعات، وما كان عليه المجتمع من الحركة في الفتن والجهل، ويُكامل هذه الصورة حركتهم المضطربة وغير المنتظمة وغير المسيطرة عليها واللا إرادية، وما يدخلهم في تحير من أمرهم..
والأزمة ؛ ما يُقاد به، وجانب منه يبين مدى الانقياد الاجتماعي بالمسببات المتعددة، وما يجعلهم في صراعات وتفكك اجتماعي يُنذير بتدمير مقومات المجتمع الإنساني..
والحين ؛ الهلاك، والرين ؛ وهو حجاب الضلال، ويقع الهلاك وحجاب الضلال بين الغفلة والقيادة، وهو مما يشمل على علم الاجتماع التنظيمي والإداري والقيادي..
وبخلاف هذه الحواجز من الجهل والانقياد وما شاكلها، تظهر وتتحقق حماية ووقاية الإنسان الدينامي أو الحركي صوب عقلانية التطور والتنمية الأخلاقية، ويكون الإنسان بتوجيهات الشريعة السمحاء ؛ الهدف والغاية والنتيجة، بمعنى الهدف في حمايته وحماية كل ما يُحيط به، والغاية تقييمه الوظيفي وتقويمه الأدائي المثمر بمنافعه لذاته وللآخرين وللبيئة الداخلية والمحيط الخارجي بكل مكوناته، والنتيجة رفعته وجودة ثمرته المنظورة وغير المنظورة على المستوى الدنيوي وامتدادات و آثار ما عمله، وما يترتب عليه من المكافئة والجزاء الأخروي..
ولذا كان أساليب الإصلاح يتجه صوب ما يُناسب من الإصلاح التدريجي والإصلاح الفجائي للحياة، ومنه الإصلاح والتحديث والبناء الاجتماعي والتربوي والتعليمي المستمر على وفق الزمان والمكان والموقف، وبما يحتاجه بناء الإنسان والبيئة، بمنظوره العلاجي والوقائي ؛ الآني والمستقبلي..
ومما تعني البعثة في الإسلام، هو إعادة هندسة وصياغة الحياة بالعمل والإصلاح والتحديث والبناء والتغيير والتآلف وتقليص الفجوات بين الطبقات الاجتماعية، والاتجاه باتجاه الحياة الإنسانية الكريمة الفضلى التي تُصان بها الحقوق والكرامات، ومنه رسوخ تنظيم الحياة، بما فيه الاستراتيجيات والنظم الاجتماعية التي تبدأ من الأسرة لتلتقي ببناء الدولة ومؤسساتها..
وحري بنا بيان اختلاف منظور الإستراتيجية في الإسلام عن الاستراتيجية بالمفاهيم الوضعية الأخرى، كون الإستراتيجية الإسلامية مما تكون عليه، كونها أخلاقية باتجاه إتمام مكارم الأخلاق الشاملة والمستمرة والممتدة بامتدادات الإنسان وكل تفاصيل أعماله الدنيوية - الأخروية، ومما يعني عدم تقادم نتائج وآثار كل الأعمال والأنشطة والسلوكيات الفردية والجماعية والمجتمعية والاجتماعية، وتمتد لحساب وعقاب أخروي..
وعلى سبيل تحديد وكشف ومعاينة المعاناة والمشاكل والأزمات، وبتفاصيل تحليلية للسبب والنتيجة، كوقاية للفرد والمجتمع والدولة، وبذات الوقت هو علاج للمشاكل الاجتماعية والتربوية والتعليمية، عندما يظهر ذلك في مستقبل الإنسان والحضارة، وأسلوب توعوي لعدم خلق بيئة تعود بالإنسان إلى الوراء وإلى التخلف والتراجع الحضاري وجهل التخندق
وبذا يضيف (عليه السلام) بيان ما كان عليه المجتمع قبل الإسلام :
(.. وَالنَّاسُ فِي فِتَنِ انْجَدَمَ فِيهَا حَبْلُ الدِّينِ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي اليَقِينِ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ، وَتَشَتَّتَ الأَمْرُ، وَضَاقَ المَخْرَجُ، وَعَمِيَ المَصْدَرُ، فالْهُدَى خَامِلٌ، وَالعَمَى شَامِلٌ، عُصِيَ الرَّحْمَنُ، وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ، وَخُذِلَ الإِيمَانُ، فانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ، وَعَفَتْ شُرُكُهُ، أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ، بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ، فِي
فتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بأَخْلافِهَا، وَقامَتْ عَلى سَنَابِكِهَا، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ، فِي خَيْرٍ دَارٍ، وَشَرِّ جيرَانِ، نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بِأَرْض عَالِمهَا مُلْجَمٌ، وَجَاهِلُها مُكْرَم) (1).
ومخاطر الأمر حينما تشرع الفتن لتدمر البناء الاجتماعي ؛ (في فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بأظلافِهَا)، وتخرق اليقين بالاختلاف المشتت لوحدة الناس بتشتت وحدة الرأي، فلم يكن إلا ضيق المخرج، وهو ما يُصطلح عليه في عالمنا اليوم، الوصول إلى عنق الزجاجة والنفق المظلم بلا بصيص النور وبلا هداية..
وهو ما يدلل على ظهور وتهديدات المشكلات والأزمات والمخاطر ؛ (فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ)، ومما لها من مضامين تجمع بين بيان التياه والحيرة والجهل والفتنة، وأعظم المخاطر المدمّرة للمجتمع - الدولة، بمحرك الفساد المهدد للقيم والأخلاقيات الاجتماعية - السياسية، وهو مما يدخل ضمن معالجات علم الاجتماع التربوي والمعرفي، والدليل حينما يكون الثقل الأكبر ؛ (بأرض عالمها مُلْجَمٌ، وَجَاهِلُها مُكْرَمٌ)..
ومما يعني مؤشر عصيان الله سبحانه وتعالى في شريعته، الخلل في المنظومة الاجتماعية، والخلل في العقل الجمعي، والخلل في منظومة الثقافة والفكر، ومنه عن طريق الجهل باستراتيجيات القيم والأخلاقيات والمنافع، وفقدان توازن النظام أو النظم الاجتماعية، فكان نتائجه السلوك الجمعي :
(أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُّوا مَنَاهِلَهُ)؛ والطاعة هي الامتثال من غير امتناع، واتباع الأمر من غير إكراه، وبهذا تبدأ المخاطر وتأثيراتها على البناء الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية واتجاهاتها، والأخطر حيتما تلتقي هذه القوى المنحرفة في بيئة موبوءة لتكون مجتمع تتفشى فيه الأمراض الاجتماعية، وتهدر وتضيع عندها الحقوق..
(بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ) ؛ وهو مما يمثل هدر كل الطاقات الإنسانية، ومن مخاطره تظهر في حيثيات وبيان علم الاجتماع السياسي، وتهديد أمن المجتمع ومستقبل البلاد والعباد..
0 (قَامَ لِوَاؤُهُ، فِي فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بأَخْفافِهَا) ؛ وهنا مما يظهر انحدار المجتمعات عندما تأخذ لغ-ة هدر الحقوق وتفشي الظلم وتهديد الحضارات الإنسانية..
1) المرجع نفسه / ص 46 - 47.
(قامَتْ عَلى سَنَابكها) ؛ ومما يمثله الآلة ومستويات ما تقوم عليه المجتمعات - الأخلاقيات، وما تحمله وما يحيط بها من مخاطر
والنتيجة الحتمية القائمة عليه ؛ (فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ، فِي خَيْرِ دَارٍ، وَشَرٌ جيران)، ومركب المخاطر والتهديدات لمستقبل المجتمع ووحدته، والمتجسد في ضبابية الصورة ؛ (تَائِهُونَ)، (حَائِرُونَ)، (جَاهِلُونَ)، (مَفْتُونُونَ)، وكما سبق الإشارة إليه..
والمحتوى الاجتماعي وظواهره، والهيئة المشتركة التي تأخذها المجتمعات لطبيعة ومستوى العلاقات والبناء الاجتماعي، المتقاطع مع المبادئ والقيم والأخلاق، ومستوى ما يخالف وحدة المجتمع..
وربما اجتمع الناس أو المجتمع على الباطل والمنحرف من الأمور، واتفاقهم عليه، لذا حينما يظهر الحق ويعود بعضهم أو المجاميع منهم، يتفرق المجتمع، لتتعدد الطوائف والمذاهب، ويكون الشقاق والصراع والضحايا وسفك الدماء وهدر وضياع الحقوق..
ويقف البعض في حيرتهم واجمين في ظل جهلهم وما يتكشف أمام أعينهم، وما يجهر القول أمام عقولهم ورشدهم، وحينها الاتجاه للعودة إلى سلامة التفكير الجمعي السليم، والعودة إلى الالتقاء من جديد، لكن موقفها الجمعي هنا على الحق والخير والمحبة لبناء الإنسان والحضارة..
وعموماً ؛ فإن صورة المجتمع ونظامه، كان قبل الإسلام كشريعة الغاب، يأكل القوي الضعيف، وياكل الباطل بعضه بعضاً، وحتى وصل بهم الغزو بين الجوار من القبائل والأخوة..
وهو لا يمنع من أن يكون هناك العدل والحق ينشط في زوايا الحياة الضيقة، وله أنصاره المحدودي القوة والإرادة، لكن الغالب والراسخ، طغيان الظلم والباطل والصراع والتفكك والأمراض الاجتماعية المختلفة..
بين هذه الأجواء، لابد من الظهور والدعوة لانبثاق فكر يهتم بتوظيف الأبعاد الإنسانية والأخلاقية وسلطة الشريعة والقانون، ولإزاحة الظلم والظلمة عن صدور الناس، ومنها ما يتجه ببث مكارم الأخلاق، ومنه ما يكون بعقائد واتجاهات دينية – إنسانية..
وما انبثاق الفكر الإسلامي، إلا العلامة الفارقة والواضحة والمنقذة من قسوة الظلام والضلال الأليم والعبودية، وما اتجه بتوجيهاته للأخذ باتجاه بناء وحدة المجتمعات الإنسانية، والحيلولة دون ما يُفرّق ويخلق الخلل ومرض التفكك الاجتماعي..
وما تقدّم من القول، هو إشارة لما يتطلب دراسته بشكل موسع وشامل، ضمن مقتضى ما يحتاجه الناس أو المجتمعات..
بعد الومضة الخاطفة والمركزة، لما جاء في نهج البلاغة بخصوص الحياة التي كان يحياها المجتمع قبل انبثاق الإسلام، وضرورة استكمال الدراسة لما بعد ظهور الإسلام، ولحتمية ظهور فكر قويم يقوم ويسهم في تغيير وتحديث وإصلاح Refarim مسيرة المجتمعات من الانحراف Deviance، كان الأمر الملح لإنهاء الاضطرابات والصراعات ومضاعفاتها السلبية..
والفكر الإسلامي المتمثل الموجه له الشرع الإلهي، وما أنزل من الرحمة الإلهية، وقد ابتعث الدين لتحمُّل هذه المهمّة العظيمة، واستنهاض كل جوانب الحياة الإنسانية والأخلاقية ؛ المادية..
وغير المادية ورغم الصراع Conflict بين النور والظلام بكل اتجاهاته، لكن التغيير، ومنه ما أحدثه الفكر الجديد من الوعي الاجتماعي والسلوكي لإزالة مساوئ ومنحرف الأخلاق، والحيلولة دون أن تعود لإرباك مسيرة المجتمع، والاتجاه بتشريع كل ما يحققه من تنمية وترسيخ مكارم الأخلاق في دواخل النفوس الإنسانية، وما يتطلب من أخذه الحيز الواسع لحياة المجتمع وعقولهم الفردية والجماعية، رغم التفاوت في الاستعدادات والاستيعابات والتجاوب المتواصل..
(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اختَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُم وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَاب) (19) سورة آل عمران، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (85) سورة آل عمران.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (7) سورة الصف، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرُ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) من الآية 3 / سورة المائدة.
ويدوّن لنا أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) هذه المرحلة، ولحظة انبثاق الفكر المنور وما امتد بالتحولات النوعية، بأدق الصور الفكرية الإنسانية وأعمقها إحساساً.. حيث يقول :
(فَانْظُرُوا إلى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ، وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ الْفَتَهُمْ : كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا، وَالْتَفْتِ الله بهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ، وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ، قَدْ تَرَبَّعَتِ الأُمُورُ بهِمْ، فِي ظِلٍّ سُلْطَان قَاهِرٍ، وَآوَتْهُمُ الحَالُ إلى كنف عِزّ غَالِبٍ، وَتَعَطَّفَتِ الأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذرَى
مُلكِ ثابت، فَهُمْ حُكّامٌ عَلى العَالَمِينَ، وَمُلُوكٌ فِي أَطرَافِ الأَرَضِينَ، يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، وَيَمْضُونَ الأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ ! لا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ، وَلا تُقْرَعُ لَهُمْ صفاة !) (1).
ولا نغفل عن محتوى مصطلح (نعم) المساحة الواسعة التي تشمل النّعم الفكرية المحققة لأقوم سبل الحياة التربوية والتعليمية والمعرفية من جهة، وتكاملها عند الجوانب التنموية والتغيرات والتطورات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ومنه ما تتضمنه نعمة الأمن والأمان والصحة، إلا المتجه المحقق للبناء الاجتماعي الحضاري..
وانتظام الحياة السوية وتوازنها، ظهرت عند انتشار الإسلام، وعنده تم إعاد هندسة الحياة بشكلها العقلاني المتنامي والحضاري، والاتجاه نحو مدنية المجتمع، وهو ما نتحققه في دراسة مستقلة إن شاء الله تعالى، والذي يظهر في جانب من مضامين ؛ (كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ :
(جَنَاحَ كَرَامَتِهَا) ؛ وهو مما يشمل كل ما تحمله إنسانية الحضارة..
(وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِها) ؛ ومنه ما يشمل التنمية المستدامة، ومنها التنمية الاجتماعية والاقتصادية واستثمار المعلومات والعلوم والمعارف إلى جانب الموارد الطبيعية وحمايتها..
(وَالْتَفَّتِ الملّة بهمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا) ؛ وهو ما يمثل العمق الإستراتيجي وتواصله الاستثماري وعوائده المنظورة وغير المنظورة، ودعمها للنظم الاجتماعية - الاقتصادية ونتائجها ومنها ما يتعلق بالجوانب الاجتماعية :
(فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ) ؛ ومما يأخذ المضامين والاتجاهات الاقتصادية – الاجتماعية..
(وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ) ؛ ومنه ما يشمل على سلامة التوزيع وانسيابيته، والرفاهية الاقتصادية والاجتماعية والحضارية، ومنه ما يدخل ضمن الأمن الاجتماعي وأمن المجتمع...
وتحقق الاتجاه صوب هندسة الحضارة الإسلامية الرفيعة، ومنها بناء استقلالية وبلورة وتكاملية شخصيتهم، وما تشمله من بناء شخصية المجتمع، (قَدْ تَرَبَّعَتِ الأمُورُ بهم، فِي :
(ظِلٍّ سُلْطَان قَاهِر) ؛ بناء الدولة وتكاملية سلطاتها التشريعية ؛ كما هو في سن القوانيين واللوائح، والقضائية ؛ كما هو ما يتعلق بنشر العدل وإحقاق الحق، والتنفيذية ؛ ومما يتطلبه من وضع الخطط واتخاذ القرارات بكل أشكالها والوصول إلى تحقيق الأهداف من خلال مؤسساتها وأنشطتها، وفاعلية ما يُكامل هذه السلطات، وجميعها وغيرها مما يصب في قضايا المجتمع والحياة الاجتماعية..
1) نهج البلاغة / ص 298.
(وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إلى كنَفِ عِز غالب) ؛ ومما هو متعلق بهذا الجانب، الأمن والأمان للفرد والمجتمع، وسلامة وصون حقوقهم بالمساواة والعدالة والانتماء للأرض والمواطنة، ومكانة سياسية دراية مؤثرة في القرار الدولي والعلاقات الدولية ببركة الإسلام ورسالته ورسوله..
(وَتَعَطَّفَتِ الأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكِ ثابت) ؛ ومما يتضمنه، كونهم ملتقى النعم والحضارات والحياة الكريمة، وسلامة وانسيابية التنمية والتطور ومنه معرفة كيفية استثمار رأس المال المعرفي والعلمي، وبأقصى استثمار الجانب الدولي ؛ الريادي والقيادي، وما ياخذ طريقه للاهتمام بالمجتمع وتنميته المستقبلية، وحمايته في ظل دولة عظمى ثابتة ومستقرة بكل اتجاهاتها ودستورها الإسلامي البالغ التأثير، وفي أجواء ؛ (دُرَى مُلْكِ ثابت)، توجهت موارد الخيرات والنعم عليهم..
وعند ترسيخ وإدامة حيثيات آثار الرسالة الإسلامية وانتشارها على مستوى العالمي :
(فَهُمْ حُكّامٌ عَلى العَالَمِينَ) ؛ مما يتضمن، كونهم وصلوا لمكانة القطب المحرك للعالم والدينامي أو الحركي بإنجازاته المستدامة، وفاعليتهم في الاتجاه البنائي والحركي للحياة وهندستها الحضارية، المتصلة بعامل ؛ (ذُرَى مُلْكِ ثَابِتٍ)..
(وَمُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الأَرَضِينَ) ؛ ومنه وصولهم لعالمية الملك والسياسة، حتى لو افترضنا كان ذلك ضمن الحدود الإقليمية وبالاتجاه المدروس والصحيح، وأخذ موقعهم العالمي المؤثر بنتاجاتهم الفكرية والمعرفية القيادية والريادية، فكيف وهم ببركة الرسالة الإسلامية (في دُرَى مُلْكِ ثابت)، وهو مما يدخل ضمن العلوم السياسية - الاجتماعية الفاعل بإنتاجاته ونتاجاته، وتأثيرهم على وضع السياسات والاستراتيجيات العالمية، وإن شاء الله هناك وقفة تحليلية أوسع في كتاب مستقل يتعلق ؛ بالعلوم السياسية في نهج البلاغة
وبقوّة ما امتلكوه من الفكر الإسلامي والعلمي والمعرفي، والخبرة والتجربة في المناحي الشريعة والتشريع، ومنه المناحي الفقهية ؛ السياسية والإدارية والقيادية والتنفيذية والاقتصادية والاجتماعية.. فهم أصبحوا :
(يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ) ؛ ومنه مضمون امتلاك الإرادة الحرة الوطنية وعالمية القيادة السياسية والاقتصادية، والاتجاه بأخذ المجتمع الإسلامي مكانته الحقيقية المؤثرة في القيادة والريادة، والمسك بزمام مقدراتهم الاقتصادية وبناء قوة اجتماعية - اقتصادية..
(وَيَمْضُونَ الأَحْكامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ !) ؛ ومما يعني بالمفهوم الحديث، أصبحوا أصحاب قرار وطني ودولي مؤثر في المنظومة العالمية بل يقودوها بفضل الإسلام، فكما كانوا
يُقادون، أصبح زمام أمورهم بيدهم، وهم يقودوا العالم بثقلهم الاستراتيجي العلمي والمعرفي واتجاهات النظم الإسلامية الاجتماعية - السياسية والاقتصادية، وما يدعم مواقفهم كقوة متصدّرة ولها عمقها الإستراتيجي داخل المنظومة العالمية
ويضيف (عليه السلام) في مناسبة أخرى :
(فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَبَلّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ، فَلَمَّ اللَّهُ بِهِ الصَّدْعَ، وَرَتَقَ بِهِ الفَتْقَ، وَأَلّفَ بِهِ الشَّمْلَ بين ذوي الأَرْحَامِ، بَعْدَ العَدَاوَةِ الوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ، وَالصَّغَائِنِ القَادِحَةِ فِي القُلُوبِ) (1).
وبالهدي البلاغ الإسلامي، بلغ الرفعة الاجتماعية العظيمة ومنها المتمثلة :
(وَرَتَقَ بِهِ الفَتْقَ) ؛ الرَّتْقُ : إلحام الفتق وإصلاحه، والرَّتق : ضد الفتق، وهنا مما يتضمن، ما حققته الشريعة الإسلامية ونظمها من النّعم الواسعة، وينظمها تم معالجة الفجوات الواسعة المفرقة للأمة أو الناس أو المجتمع، وما تم معالجة مشاكلها لتكون كتلة واحدة متماسكة، فإدارتها ومعالجتها للأزمات والمشاكل وما وضعت لها من حلول ناجعة، مما حققت بانسيابية العلاقات الإنسانية - الاجتماعية، وبها تم تحقيق وحدتها، وبذلك مما تتضمنه المعالجات في مجال علم الاجتماع، وعلم الاجتماع السياسي والنفسي والتنظيمي..
(وَأَلْفَ بِهِ الشَّمَلَ بَيْنَ ذَوِي الأَرْحَامِ، بَعْدَ العَدَاوَةِ الوَاخِرَةِ فِي الصُّدُورِ، وَالضَّغَائِنِ القَادِحَةِ القُلوبِ) ؛ وكان منهاج الرسالة السمحاء، أن اهتمت بتنظيم العلاقات الاجتماعية والإنسانية، ومعالجة البناء الطبقي والقبائلي، ومنه ما تحقق لتوجيه القلوب على المحبة والتآلف، بعد أن كانت الأمة متفرقة القلوب والسلوك، ومشغولة بأزماتها ومشاكلها، وامتد ذلك حتى بين ذوي الأرحام..
1) المرجع نفسه / ص 353.
وكان الدعم والدعامة العظيمة، هي أوامر وتوجيهات الشريعة الإسلامية ؛ (فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَبَلْغَ رِسالاتِ رَبِّهِ)، وصدع أي جهر ؛ بإعلان كرامة الإنسان بالإسلام، وما بلغه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) رسالات الخالق عز وجل لبناء شخصية الإنسان في ظل الكرامة وحمايتها بالنظم الحياتية، ومنها النظم الاجتماعية..
ولا نغفل ما كانت عليها الحقبة السابقة لانبثاق نور الإسلام، وما واكب جانب من العصر النبوي الشريف، وبها يقول (عليه السلام) :
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً، (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ العَرَب يَقْرَأ كتاباً، وَلا يَدَّعِي نُبُوَّةً وَلا وَحْياً، فَقَاتَلَ بمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ، يَسُوقُهُمْ إلى منجاتِهِمْ : وَيُبَادِرُ بهِمْ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ، يَحْسِرُ الحَسِيرُ، وَيَقِفُ الكَسِيرُ، فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ، إِلا هَالِكاً لا خَيْرَ فِيهِ، حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَبَوَّأهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ، وَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ، وَايْمُ اللهِ، لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بحَذَافِيرهَا، وَاسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا..) (1).
ونقطة التحول الاجتماعي والحد الفيصل، والاتجاه بالمجتمع نحو بناء الدولة، بالعدالة والحق والأمن وبناء الكيان الاجتماعي - السياسي، حينما اقتضى الأمر للدفاع عن وجود الإنسان والإنسانية بالإسلام، (فَقَاتَلَ بمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ)، والقتال يشمل على أمور عديدة، منها عسكرية، وفكرية وعقائدية، ونفسية وسلوكية، وعموم العبادات والمعاملات والقيم والأخلاقيات، والدليل على ذلك : (يَسُوقُهُمْ إلى مَنْجَاتِهِمْ)، (حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَبَوَّاهُمْ مَحَلَّتَهُمْ)، فكان البناء الإنساني ؛ بالنظم الاجتماعية - الحضارية وبناء الدولة الإسلامية..
فكانت غايات وأهداف متعددة لبعثته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بالنور والهدى الإسلامي، كما يوضحه قوله (عليه السلام) :
(فَبَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً، (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، بِالحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إلى عِبَادَتِهِ، وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَان إلى طَاعَتِهِ، يَقُرْآن قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ، لِيَعْلَمَ العِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهَلُوهُ، وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ، وَلِيَثبتُوهُ بَعْدَ إِذ أَنْكَرُوهُ، فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ، وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالمَثَلاتِ، وَاحْتصَدَ مَن احْتَصَدَ بِالثَّقَمَاتِ !) (2).
وهنا يظهر وضوح ما تحقق من إعادة هنسة النظام الحياتي، وإعادة هندسة فكر الإنسان، والحياة الاجتماعية، ومنها التحول من اللاعقلانية إلى العقلانية، ومن الظلام والضلال إلى النور والهداية،
وذلك كان ؛ (يَقُرْآن قَدْ بَيْنَهُ وَأَحْكَمَهُ)، ومما يعني : ان هناك جعل لنظم اجتماعية وتطلع فكري ينعم بنقاوته وصفاء مناخه الناس أو المجتمع الإنساني - الإسلامي، فكانت وحدة كيانهم تنبع من وحدانية التوجه والتوجيه لوحدانية الخالق، والبناء الأخلاقي المتميز به الإسلام، لبناء شخصية المجتمع بالقيم الواضحة المعالم، والدليل ؛ (يقُرْآن قَدْ بَيْنَهُ وأَحْكَمَهُ)..
والنتيجة ؛ (أَضَاءَتْ بهِ البلادُ بَعْدَ الضَّلالَةِ المُظْلِمَةِ، وَالجَهَالَةِ الغَالِبَةِ، وَالجَفْوَةِ الخَافِيَةِ ؛ وَالنَّاسُ يَسْتَحِلُونَ الحَرِيمَ، وَيَسْتَذِلُونَ الحَكِيمَ؛ يَحْيَوْنَ عَلى فَتْرَةٍ، وَيَمُوتُونَ عَلى كَفْرَةِ !)(1).
والعبادة والطاعة، الزمام الذي توجهه التشريعات الإسلامية، وركنها الداعم والدستور القائم متمثل بالقرآن الكريم، والمنطلق من وحدانية الخالق عز وجل ؛ كمبدأ وقاعدة عامة، وتحدي الظلمة والجهالة والجفوة، ومنه يعني مدى التركيز على الوعي، والوعي الثقافي الاجتماعي، وقيام بناء المؤسسات التربوية والتعليمية، وبناء رابطة المحبة والألفة الاجتماعية وإرساء التماسك الاجتماعي..
ومن فضائل نِعم الخالق عز وجل بالإسلام على المجتمع الإسلامي - الإنساني، أن جعل... (إنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَلَ بِهِ الْمُتَوَسَلُونَ إلى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، الإيْمَانُ بهِ وَبَرَسُولِهِ، وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الإِسْلامِ ؛ وَكَلِمَةُ الإخلاص فَإِنَّهَا الفِطْرَةُ ؛ وَإِقَامُ الصَّلاةِ فَإِنَّهَا اللهُ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاحِبَةٌ ؛ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ العِقَابِ ؛ وَحَجُّ البَيْتِ وَاعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَان الفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ الذُّنْبَ ؛ وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مثْرَاةٌ فِي المَالِ، وَمَنْسَأَةٌ فِي الأَجَلِ ؛ وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ ؛ وَصَدَقَةُ العَلانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ ؛ وَصَنَائِعُ المَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الهَوَانِ)(2).
وحلقات هذه النظم المتواصلة والمستمرة من أخلاقيات وعبدات ومعاملات، ونظم وعلاقات اجتماعية هدفها تماسك الفرد - المجتمع، ولاسيما ما يتضمنه :
(صِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي المَالِ، وَمَنْسَأَةٌ فِي الأَجَلِ) ؛ ولو تفحصنا مضامينها، ولاسيما المضامين الاجتماعية، وبين صلة الرحم والتحفيز لأهم منبه ومحرك السلوك ألا وهو المال والعمر، وبين المثراة وامتداد الأجل، أمل في انتظام الحياة الاجتماعية، بوتيرتها الإنسانية المشفوعة بالرفاهية والعلاقات الحميدة، وهو هدف الإسلام لوحدة وتماسك المجتمع وتواده وتراحمه..
(صَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ) ؛ وحتميتها بالخير تعود بكل أشكالها على النظم الاجتماعية الفاعلة بانسيابية الأداء وما يُحققه الجانب المادي في الجوانب المنظورة وغير المنظورة، ومنه في علاجات أزمات ومشاكل المجتمع، كما هو عليه بين سر الصدقة
والابتعاد عن ما يُرائي الناس من جهة وما يذل به الأخ في الإسلام أو النظير في الخلق، ورفعة العلاقات الإنسانية وتربيض النفس على امتلاكها عند المقدرة وعند الحاجة..
(صَدَقَةُ العَلانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ)؛ شكل آخر لتربيض النفس – الإنسان على العطاء وأخلاقيات العطاء المادي والمعنوي، وحوافزها وآثارها المتنوعة والإنسانية، المنظورة وغير المنظورة، فكما تكون الصدقة في الأموال، كذلك تكون في الكلمة الطيبة والعلاقات الإنسانية والإسهام في الدعم غير المادي والنفسي، وحتى قد تصل إلى النظرة الرحومة المتعاطفة مع المحتاج، وعدم استصغاره، وعدم إذلاله عند الحاجة، والابتعاد عن كل أشكال ما يجر عليه الأذى..
(صَنَائِعُ المَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الهَوَانِ) ؛ وما صنائع المعروف، إلا العمق المعالج للفجوات بين الناس، ولاسيما عندما يكون دقة أداء عمل المعروف إلى أهله، لينتج قوة إضافية للمجتمع وعلاقاته، والعون على تواصل واستمرارية الخير والعطاء، وهو ما يحقق تماسك المجتمع وتضامنه وتكافله عند الحاجة والأزمات..
وهذا جانب من فلسفة النظام الا. فلسفة النظام الاجتماعي الإسلامي العظيم الدال على عظمة باعثه ومبعوثه إلى البشرية التي لها السمع والفؤاد والبصر..
فتعي ما ما به من كنوز الدنيا والآخرة، فتقوم مسيرتها به، والخالق سبحانه وتعالى قد ؛ (أَرْسَلَهُ بالضّياءِ، وَقَدَّمَهُ فِي الإِصْطِفَاءِ، فَرَتَقَ بِهِ الْمَفَاتِقَ، وَسَاوَرَ بِهِ الْمَغَالِبَ، وَذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ، وَسَهَّلَ بِهِ الحزونَةَ، حَتَّى سَرَّحَ الضَّلالَ، عَنْ يَمِينِ وَشِمَالِ) (1)..
وضمن تنقية مناخ البيئة، وما تتطلبه البيئة الاجتماعية من إعادة هندستها وتنظيمها، وذلك لحاجة المجتمع للنظم الاجتماعية القويمة والمقومة بنقي الفكر والتشريعات، كان ضرورة توجيه الرسالة الإلهية للناس ، حيث : (أَرْسَلَهُ عَلى حِينٍ فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الأُمَمِ، وَاعْتِزَامٍ مِنَ الفِتَنِ وَانتِشارِ مِنَ الأُمُورِ، وَتَلَظِّ مِنَ الْخُرُوبِ، وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الغُرُورِ : عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَاغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلامُ الرَّدَى، فَهْيَ متَجَهَّمَةٌ لِأَهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبهَا، ثَمَرُهَا الفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا الجِيفَةُ، وَشُعَارُهَا الْخَوْفُ، وَدِثارُهَا السَّيْف) (2)..
وبالمحتوى التشريعي الإلهي العظيم والدقيق الموافق للجعل التكويني للمخلوقات، والمتوافق بانسيابيته والمتطابق بين التوصيف (الأجواء والمحتوى)، والوصف (الوظيفي)، والمواصفات (الشخص
المتوافق مع تلك الأجواء والوظائف والمهام والأدوار)، لبناء كل ما هو داعم وقويم ومتكامل، ومنه العلاقات والأنشطة الاجتماعية، وبهذا وغيره ؛ (أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيّةٍ، وَمَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ، وَدَعْوَةٍ مُتلافِيَة، أظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ المَجْهُولَةَ، وَقَمَعَ بِهِ الْبَدَعَ الْمَدْخُولَةَ، وَبَيَّنَ بهِ الأَحْكامَ المَفْصُولَةَ، فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام ديناً لتحقق شِقوتُهُ، وَتَنفَصِمْ عِرُوتُهُ، وَتَعْظُمْ كَبُوتَهُ، وَيَكُن مابه إلى الحزن الطويل وَالعَذَابِ الوَبيلِ) (1).
وذلك لما يعود به إلى الجاهلية التي تفقد الأمم إنسانياتها، أو الوثنية التي تعمي البصيرة وتهلكهم بتخبطهم في الظلمات، وما نعاصره اليوم في عالم ملؤه التناقضات والمبني في كل أنشطته على منظومة الصراعات، فالقوي يأكل الضعيف، والمنحرف يُشوِّه القويم، وما شاكله، ومخاطره تظهر ميدانيا بوضوح، خصوصاً في الدول المتقدّمة مادياتها الحضارية البراقة، والهالكة لحقيقة الحضارة الإنسانية..
ويتواصل البيان الرسالي للبناء الإنساني ؛ (ثمَّ إِنَّ هذا الإِسْلامَ دِينُ اللهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَاصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ، وَأَصْفَاهُ خِيرَةَ خَلْقِهِ، وَأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلى مَحَبَّتِهِ، أَذلَّ الأدْيَانَ بِعِزَّتِهِ، وَوَضَعَ المَلَلَ بِرَفْعِهِ، وَأَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ، وَخَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ، وَهَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلالَةِ بِرُكْنهِ، وَسَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ، وَأَتاقَ الحَيَاضَ بِمَوَاتِحِهِ)(2).. ويعني ؛ وأَتاق : ملاه، مَوَاتِح : إستخراج..
ومنحى التغيير والتغير الاجتماعي في الإسلام، بدأ من التوحيد ووحدة الدين والمصدر والعقيدة والاتجاه ودستور الحياة، والابتعاد عن عبادة وثنية الذات ووثنية الآخر وعبادة الأصنام والضلالة وما شاكلها، (وَهَدَمَ أَرْكَانَ الصَّلالَةِ بِرُكْنِهِ)، (وَأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلى مَحَبَّتِهِ)، لحماية وبناء الإنسان وبيئته وكل ما يُحيط به..
فلا تغيب الحقائق والعلوم والمعارف والحكم ؛ (وَفِي القُرْآنِ نَبَأ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ) (3)، وبه تم جمع الماضي والحاضر والمستقبل، بكل ما تحتويه الإستراتيجيات، ومنها إستراتيجية التخطيط والتنمية والتطوير والتغير الاجتماعي، وما تبني بالنظم الاجتماعية، وما يدخل في مضامين النظام والتنظيم الاجتماعي، وهو من الفضائل العظيمة لنهج الإسلام، وما يترتب عليه بناء المجتمع الإنساني المتماسك والمتوازن، لكن يبقى العيب بالإنسان ونظرته القاصرة، وما يهدد كيانه بقصور نظرته واتباع خلاف ما ينفعه من عظيم الدستور الإلهي ومعجزته..
وجمع النص المبارك بين ما ورد في القرآن الكريم من ؛ النباً، والخبر، والحكم، وما تضمنه العظيم في القول، بما فيه ما يخص المضامين الاجتماعية، وَفِي القُرْآن :
(نبأُ مَا قَبْلَكُمْ) الجمع بين النبا والماضي، والمخاطبة مع الناس (المجتمع)، ليكون بصوره التاريخية والآثارية، وآثارها الاجتماعية، وما يترتب عليه في البناء الاجتماعي المستقبلي على مستوى الفرد والمجتمع، والخطط والأدوار والتطورات والنمو الاجتماعي، والإفادة والانتفاع من الإيجابيات والسلبيات السلوكية الاجتماعية مع مراعاة الزمان والمكان والمواقف والإنسان والحضارة والثقافة وطبيعة التربية والآليات المتوافرة والمنظومات الفاعلة والقنوات الملائمة والسليمة، وما يتطلب من علاجات ووقايات إنسانية وبيئية..
(وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ) ؛ والجمع بين الخبر والمستقبل، للحماية من كل ما يُربك مسيرة الحياة، ومنها مسيرة المجتمع المستدامة، والدليل محتوى المخاطبة (مَا بَعْدَكُمْ) ؛ كمجتمع وتنظيمات اجتماعية ومجتمعية، وبالتأكيد يشمل مضامينه كدولة وحكومة ومجتمع، للإفادة منها في جوانب تنفع كل الأطراف، وبالتالي تصب في نفع المجتمع وكيانه وطبيعة بناءه وتشريعاته..
(وحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ) ؛ والجمع بين الحكم والحاضر وربما للمستقبل، ومنها منظومات السلطات التشريعة والقضائية والتنفيذية وما يُكاملها، وما يكون عليه هدفها ومحورها الإنسان ؛ كفرد ومجتمع، والمخاطب (مَا بَيْنَكُمْ)، كعلاقات وأدوار وتبادل أدوار، وأنشطة وقيم وأخلاقيات ومراكز وحقوق وواجبات ومهام ومسؤوليات، ومنه يعني كخطط وإلى جانبه صنع واتخاذ القرارات وتنفيذها وآثارها الآنية والمستقبلية، وبذات الوقت لا نغفل المحتوى والمستوى الردعي للحكم ؛ كردع العرف والتقاليد الاجتماعية والردع القانوني وردع الشرع الإلهي، وما يتقدمه ردع الشرع الإلهي الذي يبني بوعي ثقافته القويمة الرصينة، الرقيب والمانع من دواخل الفرد والجماعة، المانع والواقي من كل اتجاهات الرذيلة والخطيئة وكل ما يتجه نحو أذى الآخرين، وهو ما يستهدف الإسلام نشر ثقافته وعقائده الوقائية..
وبهذا يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) : (وَاعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللهِ المُستَحْفَظِينَ عِلْمَهُ، يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَيُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ، يَتَوَاصَلُونَ بالوِلايَةِ، ويتلاقون بالمحبة، ويتساقون بكأس رَوِيَّة، وَيَصْدُرُونَ برِيَّةٍ، لا تَشُوبُهُمُ الرَّيْبَةُ، وَلَا تُسْرِعُ فِيهِمُ الغِيبَةُ، عَلى ذلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخْلاقَهُمْ، فَعَلَيْهِ يَتَحَابُونَ، وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ، فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ البَذْرِ يُنتَقَى، فَيُوْحَدْ مِنْهُ وَيُلْقَى، قَدْ مَيَّزَهُ التَّخْلِيصُ وَهَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ) (1).
وبيان مدى التطابق بين الجعل التشريعي للرسالة السمحاء التي تستهدف بناء الحضارة والإنسان، والجعل التكويني للإنسان المؤهّل لتلك المهام التي تعود ؛ (عَلى ذلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخْلاقَهُمْ)..
1) المرجع نفسه / ص 331.
وجانب من النص المبارك، يتجه صوبه كل مالتو مريم في علم الاجتماع المعاصر، واهتماماته في ثقافة الوعي ووعي الثقافة، فمثلاً ؛ كم ممن يحملون العلم، التغيير والبناء الاجتماعي، وما يترتب من وبالمقابل كم منهم مَنْ يستعمل ويُطبّق العلم في الحياة الاجتماعية، للانتفاع منه وبناء منهج للعلاقات والتماسك الاجتماعي، وما تحمله تلك العلاقات واستراتيجياتها من عمق الأخلاقيات ليصلوا إلى مرحلة سمو الكلمة فيما ؛ (يَتَوَاصَلُونَ بِالوِلايَةِ، وَيَتَلاقَوْنَ بِالمَحَبَّةِ)، (عَلى ذلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وأخلاقهم)..
ومن النص المبارك، يمكن وضع مخطط توضيحي وكالآتي :
مخطط (8) يبين البناء الفكري والعلمي والاجتماعي في الإسلام
والبناء المعلوماتي والفكري الإسلامي للعلم، باتجاهاته الدنيوية - الأخروية ؛ يبدأ من المستحفظين المتصفين باكتسابه بالتعلم والتربية والتعليم، وحماية العلم (يَصُوتُونَ مَصُونَهُ)، والإبداع فيه، وتنميته واستثماره، وتطويره (يُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ)، ليظهر بالفقه والتشريعات والأخلاقيات الميدانية، وضمن تفاصيل أعمالهم وتواصل عطاء ثمارها..
وأساسه ومنهجه ومنحاه البنائي الواضح ؛ وكما سبق ذكره من أنّ الجعل التكويني للإنسان المتمثل في (خَلْقَهُمْ)، والجعل التشريعي المتمثل في (أخلاقَهُمْ)، فالناتج عن المطابقة والتوافق بالجعل التكويني - التشريعي، ما تم انسجام وانسيابية فاعلة، (عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخْلاقَهُمْ)، وأصبحوا عنده ؛
(يَتَحَابُونَ) و (يَتَوَاصَلُونَ)، وحتى في العمل يتوجب المحبة والتواصل من أجل البناء للوصول إلى المبتغى، وبذلك البناء السلوكي القويم يحقق :
يَتَوَاصَلُونَ بالوِلايَةِ..
وَيَتَلاقَوْنَ بالمحبة..
وَيَتَسَاقَوْنَ بكأس رَوِيَّة..
ويَصْدُرُون برية..
والنتيجة لبناء المجتمع الإسلامي العلمي السليم السوي :
لا تَشُوبُهُمُ الرَّيِّبة..
وَلا تُسْرِعُ فيهم الغيبة..
لا بالصراع والحسد والتدمير للمجتمع العلمي والعملي للوصول إلى المبتغى، وهنا لابد من وقفه لما يحصل اليوم في عالمنا داخل الأوساط العلمية، لكسب وتعلم وتعليم العلم والتربية على موازين بناء خطرة ومادية ولا تعتني ولا تهتم بشكل مناسب بثقافة أخلاقيات العلم والعمل، وعندها يبدأ الصراع والحسد والأحقاد المريرة..
ويمكن وضع جانب مما تقدّم وما يخص الدراسة وبما نستوعبه الآتي :
1 - سبق ظهور الفكر الإسلامي، موجات من الانحدار الأخلاقي والسلوكي المنحرف، مما أدى إلى ظهور فجوات وخلل وانحرافات اجتماعية، وأدى بتعاقبها إلى الانحرافات والسلبيات الآخر، وخلق الصراعات والضحايا الفكرية والتصفيات الجسدية، للبشرية الفاقدة الجوانب مهمة وإستراتيجية من إنسانياتها، وبذا ظهرت فلسفة على خلفيات ذلك داخل المجتمع..
2 - الاستسلام البشري لهذا الواقع المرير، الغالب عليه طابع قانون الغاب أو العنف، والأقوى هو ما يسود ويُعمل به..
3 - شعور الطليعة المقاومة للتغيير السلبي، بضرورة تواصل الوقوف بوجه مثل هذا التغيير التدميري، وبشتى الوسائل المتوافرة السلمية والسليمة، ودعم ما يحقق كل إيجابي في منظومة الحياة الاجتماعية والمناخ المناسب لذلك..
4 - في خضم الصراعات المريرة ومخاطر العنف والمتناقضات العميقة والعقيمة، كان المجتمع بحاجة إلى الإنقاذ من هذا الانحدار، والحد لذلك المد الخطر من الصراعات، ما جاء به التوجيه الرسالي الإنقاذي للإنسانية، وضمن التشريعات الإلهية في الدين الإسلامي..
5 - محتوى الرسالة الإسلامية، النهوض بالمهام التغييرية - الإصلاحية الشاملة والواسعة والعميقة التي أزالت كل الحصون والأسوار لقوى الاضطهاد والظلم والظلام والقهر والاستبداد، وزوال ما يدعمهم ويدعم مصالحهم، والاتجاه بتحرير الإنسان من كل أشكال الاستعباد، مما أدى إلى تجمعها وتكالبها ضد الرسالة السماوية، والاتجاه نحو القضاء على مكتسباتها وأسسها، ومنها البناء الاجتماعي..
6 - بناء الحزم والقوة الإستثنائية المستمدة من التشريعات الإسلامية العقائدية، التي كشفت قبح الظلم والظالمين، وجعلت هناك ثقافة الوعي وكشف زيف ما كان عليه المجتمع من خرافات تجعله يستسلم للقوى الغاصبة لأبسط حقوق الإنسان..
7 - الوصول لمرحلة توقف المجتمع عن مقاومة التغيير الإيجابي، لشعورهم بإنصاف حقوقهم المشروعة وما يترتب عليه من دفع عجلة تقدّم ونمو وتطور حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، والتحوّل إلى الإسهام في التغيير والبناء التربوي – الاجتماعي..
8 - لا يمكن الغفلة عن ظهور التيارات الدنيوية على الساحة الإسلامية، ولا يمكن إغفال العصبية القبلية ونعرتها، والعزة في الإثم، وروح الجمود والرفض وعدم الاستعداد وعدم الرغبة في التعاون وتكامل وتبادل الأدوار، ومنها الاجتماعية، وما تفعله من عرقلة التواصل والبناء الاجتماعي السليم..
9 - أفرزت الحياة والبناء الإسلامي عن اتجاهات وتيارات مختلفة متمثلة في ؛ التيار الدنيوي، والتيار الدنيوي - الأخروي، والتيار الأخروي الزاهد عن الدنيا وملذاتها والبعيد عن الاتكالية على الغير، وبناءه القائم على العلم والعمل والوعي، المختلف عن التيار المنغلق والمتصوف والمنعزل عن الدنيا ويتجه بشكل وبآخر نحو الاتكالية في العيش والاعتماد في موردة المعاشي على الآخرين.
10- اختلف تنامي التيارات والقوى، تبعاً لدعم القوى الداعمة لمراكزها السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية، والتلاعب بالثقافة والأفكار والاستراتيجيات ومستوى التفاف القوى المتوافقة بمادياتها ومصالحها مع التيارات الدنيوية، لذا تم بناء الدولة القوية الداعمة لتنمية وتطوير اتجاهات المجتمع الدنيوية الحضارية، ويُخاطر من تعارض مع هذا الاتجاه، ولاسيما بعد خلافة أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)..
11 - على الرغم من الخلافات والاختلافات الكبيرة، المتجهة بها مختلف التيارات، إلا إنها بشكل وبآخر، تتجه لوحدة الدولة ووحدة اتجاهاتها على توسيع رقعة الدولة الإسلامية ونشر الإسلام، وتوضح ذلك معالمه المستقبلية لبناء الدولة والمجتمع..
12 - هناك ثقافة جاهلية فيما قبل الإسلام، ومنها النظرة الأسرية والاجتماعية للمرأة، وكونها في عرفهم أنها تجلب العار على قبيلتها عند أسرها في الحروب.. واجهه الإسلام عند ظهوره و انتشار، ونشر ثقافة احترام المرأة، مما جعل للمرأة مكانة متطابقة مع جعلها التكويني ؛ البيولوجي والنفسي والاجتماعي، بحيث لا تفقد صفتها الجميلة التي حباها الله سبحانه وتعالى بها، ومنه البناء الروحي والنفسي والفكري والعقائدي وتربية الأجيال، وما ارتهن مستقبل الأسرة والمجتمع الإسلامي بأداء واجبها الشرعي والاجتماعي، وما أعقبه من تنامي مكانة المرأة الرفيعة، وما ترتب عليه من الحقوق والواجبات والمسؤوليات داخل المجتمع الإسلامي وداخل الأسرة، مما جعل لها مكانتها وبصمتها الواضحة في بناء الأسرة، وما يترتب للأسرة عليه من مستقبل.
13 - وبشكل عام وخاص، وضع الإسلام النظام والتنظيم والمنظومات المؤسساتية للحياة، الحكومية وغير الحكومية، والاهتمام بالاتجاهات المدنية والتفاعل الحضاري المواكب للانفتاح على العالم والفتوحات، والاهتمام بالجوانب المادية وغير المادية والنفسية والبشرية وتنمية قدراتها لدعم بناء الدولة وقوتها، وقيام المجتمع بكل مكوناته، وبمختلف المتطلبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والثقافية والحضارية..
جانب آخر يظهر أهميته لتنظيم الحياة الاجتماعية، والنظرة إليه بعمق وتفحص، وما يتطلبه من بناء فكري ونفسي وسلوكي ميداني، وانعكاساتها، ولاسيما المستقبلية منها ونتائجها، وما يتطلبه أن يكون الهدف والغاية، وما يتطلب في ضوءه أن يكون وسيلة، والنظر لمشروعية الوسائل، وما يترتب عليها من متطلبات القيم الإنسانية والأخلاقية..
وجعل الخالق عز وجل الحياة الدنيوية، دار ممر للإنسان ومنفذ الحياة مستقبلية أبقى وعظيمة الثواب والجزاء، لا يسلك اتجاهها في الدنيا ويتحسسها بالقرآن الكريم إلا من كان نقي الدواخل وقوي الإيمان والإقدام، ومَنْ لا تثني استقامة مسيرته الله تعالى بطيب الأعمال والنيات لومة لائم وحدود..
(فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأَعَذِّبَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (57) سورة آل عمران
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (134) سورة النساء،
(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (32) سورة الأنعام.
فلو تفحصنا وتأملنا التأثير العميق لتلك الرؤى والحقائق النقلية والعقلية التعبدية في كل تفاصيل الأعمال، ومنه على نفسية وسلوكيات الفرد والمجتمع وحتى سلوكيات من تربع على قمة هرم الدولة التنظيمي، وما تخلفه، وما تخلفه من استقرار وطمأنينة وأمان، لرأينا أن لا بديل لاختيار السبيل القويم إلا
باستيعاب ما قامت عليه الدنيا، ولو كان استيعاب جوانب من الحياة الدنيوية، وجوانب من الحياة الأخروية، لتستقيم الأفكار والنفوس واستقامة الاتجاهات والأعمال المختلفة، ومنه ما يتضمنه بدعم فقه العبادات والمعاملات والعلاقات المتنوعة والسياسات وسبيل تكاملية نظام تسيير البلاد والعباد..
ويصبح من خلاله بالانفتاح والتطلعات والثمار المستدامة، باتجاه البناء والتماسك الاجتماعي الأعمق والاستراتيجي الأبعد بقواه وفرصه الممتدة، وبأرقى التعامل الإنساني، ولبناء أرقى حضارة حقيقية لا تقوّض بانتهاء الحياة الدنيوية والإنسان..
ومن منطلق هذه النظرة، ستكون الدراسة مقتضبة برؤى نهج البلاغة والتطلعات العلمية الاجتماعية والأخلاقية الحديثة، وكالآتي :
المبحث الأول : الحياة الدنيوية والمجتمع.
المبحث الثاني : الحياة الأخروية والمجتمع.
تأخذ الحياة الدنيوية أبعاد عديدة منها ؛ الأول يخص الفرد أو الإنسان، ومن خلال النبض الأول له حتى لحظة النبض الأخير، والثاني يخص الأسرة النووية المتمثلة بالأب والأم وما تلد الأم، من تكوينها حتى تكوين أسرة منبثقة منها بزواج أحد الذكور أو الإناث وبلورتها والانفصال أو الاستقلال عنها، وكل ما يخص دورة حياة الأسرة، والثالث يخص الجماعة أو الجماعات، وما تشمله من تكوينات ومكونات وسلوكيات، ودورة حياة هذه الجماعة أو الجماعات، والرابع ما يخص المجتمع بمكوناته واللحظة الأولى لوجوده بكل مكوناته العرقية والقومية والدينية والمذهبية والقبلية، وحضارته إلى آخر مطاف وجوده بنبض الحضارة الأخيرة أو نهاية انحدار الحضارة الأخير، أو ما يدخل ضمن دورة حياة المجتمع والحضارة، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13) سورة الحجرات..
والخامس ما يخص البيئة ومكوناتها من جهة، وتفاعلها مع مكوناتها من جهة أخرى، وتفاعلها واستثمارها بوجود الإنسان ؛ كفرد وجماعة ومجتمع، وتفاعلها واستثمارها بتفاعل الإنسان، والنتائج وآثارها ومخلفاتها الإيجابية والسلبية وتواصلها وإصلاحها وتحديثها المستدام الفاعل..
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذِلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (34) سورة الأعراف.
(وَهُوَ الَّذِي مدّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَار وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون)َ (3) سورة الرعد.
هذه الهندسة التشريعية والتكوينية المتكاملة، ومنها ما تدخل ضمن دورة الحياة الدنيوية الحضارية الرهينة بقوام الأمة ونبض فاعلياتها ومُضيّها في مسيرة الحياة كموارد بشرية مجتمعية، وأفول وقيام ونشوء حضارة، ومحورها الوعي الثقافي المتكافئ والرغبة والقدرة..
وثبات وجود الدولة بمؤسساتها الحكومية وغير الحكومية، والمستمدة قوتها ووجودها من وجود مجموع ما تقدّم ذكره، مع قدرات الإدارة والتنظيم المناسب ومكانتها وبناء سلطاتها التشريعية والقضائية والتنفيذية، ووجودها الأساسي والهامشي أو الثانوي، ومراحل دورة حياتها الفعلية أو تصاعد رُقيّها الحضاري والثقافي، وانحدارها بسبب مختلف العوامل المادية وغير المادية والنفسية والبشرية والمجتمعية، مع عدم إغفال قواها وعلاقاتها الداخلية وبين الأقاليم أو المدن التابعة لها، وعلاقاتها الخارجية بكل أشكالها وأبعادها وامتداداتها..
ويُعد وجود الإنسان من خلال النظرة الإسلامية وتوجيهاتها وتشريعاتها، بحسب ما يتضمنه القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والأقوال المأثورة المباركة للأئمة الأطهار (عليهم السلام)، بالإرادة الاختيارية، بعد وضع أمامه ثقافة الفكر القويم والتشريعات، وترغيبه بالوعي والإدراك واتباعه كمنهجاً، واجتنابه للفكر غير القويم لما له من آثار آنية ومستقبلية غير مرغوب فيها على المجتمع..
والمبدأ الاختياري الموجه بنقي ووضوح الفكر والتوعية البالغة من خلال ما جاء في الذكر الحكيم ومنه قوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (3) سورة الإنسان، وما يترتب عليه من آثار السلوكيات والأعمال الدنيوية – الأخروية..
ويمكن أن يتضح من دقة المنطق وبيان الفكر، إذا ما تطلعنا على جوانب مما ورد في نهج البلاغة حول وصف البيئة الدنيوية، ومنها التفكير الفلسفي المتجه بإثراء الفكر القويم والقيم الأخلاقية،
واتجاهات العلاقات الاجتماعية ومجريات سلوكيات الفرد والجماعات والمجتمعات، وما يتطلب للحماية من مخاطر الدنيا وتحدياتها وتهديداتها ومغرياتها، حيث يقول (عليه السلام) :
(مَا أَصِفُ مِنْ دَارِ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاء! فِي حَلالِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ، مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنْ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَأَتَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بصرتُهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتَهُ) (1).
ولذا يتوجب أن تكون نظرة الفرد - المجتمع من خلال منظور الوعي ومنهاج الثقافة الإسلامية، وبأبعاد دينامية متنامية مع النمو والتطور الفكري والعلمي والمعرفي، لئلا تظهر الفجوات والثغرات ضمن مكونات قوى البيئة الداخلية، ومنه فيما يؤثر ويدخل ضمن الخطط والقرارات الإستراتيجية، وما يخص المجتمع والعلاقات والبناء الاجتماعي والتربوي، والأنشطة ونتائجها، وما يتداخل بمنظومته مع العوامل الأخر..
وأخطر ما يمر بالمجتمع ومستقبله، حينما يتسلط الجهل ويتحكم، ليخطأ في طريقة استخدام أو استثمار ما يمتلك من قدرات وإمكانيات وموارد و معارف وعلوم، لينطبق عليه ؛ (وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتَهُ)، يعني لا يعرف أبسط مجريات الأمور والإفادة منها، كما لو ينظر إلى مصدر الضوء فيعمي بصره وربما بصيرته..
بدلاً من أن يكون ضمن ؛ (وَمَنْ أَبْصَرَ بهَا بَصَّرَتْهُ)، يعني أن يضع الأمور في مواقعها ومواقيتها وموازينها، ويعرف كيفية التعامل مع الدنيا ما هي عليها وما يسهم في تنمية وتطوير خيراتها ومواردها الطبيعية، فيتقي كل ما يتضمنه العناء، ويستعد للفناء بالأعمال القويمة النافعة للمجتمع، ويبتعد عن سلوك حرامها، ويكون بذلك كالذي ينظر بهداية ما يكشفه الضوء ليكون مبصراً في طريقه ومسيرة الواضحة الخطى، فلا يتخبط عندها..
وكل ذلك يتجه ويجمع بين الهداية والبصيرة، ويبني العلاقات والاتجاهات الاجتماعية الواعية بهداية العلوم والمعارف، ومنه بناء الروح الإنسانية، والحيلولة دون ظهور الانحرافات والمشكلات والصراعات الاجتماعية، ومنه ما يترتب من خلال مشكلات الأنظمة السياسية للدولة والخطط التربوية والتعليمية وتنفيذها ونتائجها الآنية والمستقبلية، ومنه ما يتلازم مع الاتجاه الدنيوي المادي للتعامل مع التفاصيل الحياتية للفرد والمجتمع..
ولترسيخ القيم والأخلاقيات، يتطلب استمرارية الوعي واستيعاب المجتمع للتعامل والتعاون ضمن متطلبات قيام وبناء الحياة على أساس فهم حتمية ما تكون عليه الدنيا من أنها :
1) نهج البلاغة / ص 106.
(دَارٌ بِالبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ، لا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلا يَسْلَمُ نَزَّالُهَا.
أحوَالَ مُخْتَلِفَةٌ، وَتَارَاتٌ مُتَصَرَفَةٌ، العَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالأمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ، وَإِنَّمَا أهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضَ مُسْتَهْدَفَةٌ، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا، وَتُفْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا.
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا عَلى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ، مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً، وَأَعْمَرَ دِيَاراً، وَأَبْعَدَ آثاراً ؛ أصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةٌ، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً، فَاسْتَبْدَلُوا بِالقُصُورِ المُشَيَّدَةِ، وَالنَّمَارِقِ المُمَهَّدَةِ، الصُّخُورَ وَالأحْجَارَ الْمُسَنَّدَةَ، وَالقُبُورَ اللاطِئَةَ الْمُلْحَدَةَ، الَّتِي قَدْ بُنِي عَلَى الْخَرَابِ فِنَاؤُهَا، وَشُيِّدَ بالتُّرَابِ بَنَاؤُهَا ؛ فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ، بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ، وَأَهْلِ فَرَاغِ مُتَشَاغِلِينَ لا يَسْتَأْنِسُونَ بالأَوْطَانِ، وَلا يَتَوَاصَلُونَ تَواصَلَ الجِيرَانِ، عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الجَوَارِ وَدُنُو الدَّارِ، وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ، وَقَدْ طَحَتَهُمْ بِكَلْكَلِهِ البَلَى، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى !،
وَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلى مَا صَارَ إِلَيْهِ، وَارتَهَنكُمْ ذلِكَ المَضْجَعُ، وَضَمَّكُمْ ذلِكَ المُسْتَوْدَعُ، فَكَيْف بكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الأُمُورُ، وَبُعْثِرَتِ القُبُورُ : " هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ، وَرُدُّوا إلى الله مَوْلاهُمُ الحَقِّ، وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ") (1).
وما يترتب عليها من عمليات الحدث بين البلاء والغدر، منه ما يكمن المجتمع بين حتمية ؛ (لا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلا يَسْلَمُ نُزَّالُهَا)، ومما يعطي من مدلولات :
حتمية استمرارية التغير والتغيير ومتطلبات إدارتها باستيعاب وتخطيط اجتماعي – إنساني..
حتمية تقلب الأحوال، وعندها يُعرف اتجاهات الإنسان كفرد ومجتمع، وما يتطلبه من انسيابية الحياة بلا تعقيد وبلا هدر لكل أشكال الطاقات..
لابد من فاعلية إدارة وتنظيم الوقت واستثمار المجتمعات له، ومنه متطلبات البناء الفلسفي للعلاقات بشكلها المبسطة المثمر على الامتداد الدنيوي، برادع لا يتوقف عند حدود الدنيا.
البيئة الاجتماعية الداخلية والبيئة الخارجية وتداخلاتها وبلورتها لمستوى ؛ قوة وضعف، وفرص وتهديدات، وما يُقابلها من استثمارات ونتائج، بكل المكونات والقدرات..
الاحتياجات المستمرة لإعادة الهندسة في كل مناحي الحياة، ومنه إعادة هندسة الحياة الاجتماعية، وما يتطلبه من المجتمع من استمرارية استيعاب التغيير والبناء الهندسي التكاملي..
الحيلولة دون تراجع المجتمعات، يعني الحيلولة دون تراجع الحياة وتراجع الحضارات، ويعني لابد من الاهتمام بالخطط والتخطيط المدروس القائم على منظور دنيوي - آخروي مستدام،
1) المرجع نفسه / ص 348 – 349.
والعبرة بالخبرة ومدى دقة وملائمة استمارها، بالتوازي مع كل ما يدور في الحياة الاجتماعية، وما يُنتفع منه لليوم والمستقبل، وما يكون عليه من ظاهرة التهديدات والمخاطر في الدنيا، وما يكون معرّض لها الإنسان، هناك حياة وممات، ومنه ما تتطلبه الاستعدادات بتوجيهات طبيعة الثقافات التربوية وقوى الحزم والإرادة والصبر..
ومترتبات طبيعة اختيار الأدوار، وتبادل الأدوار بالتوقيت المناسب والملائم، ومنها الأدوار الاجتماعية والحيلولة دون تأثير مغريات الأنشطة والأعمال، على أساس امتداد منظورها وما تقتصر عليها في مجال الدنيا وفلسفتها ومستوى الاستيعاب الادخاري للآخرة، ومنه النفع على المستوى الشخصي والاجتماعي، ومُترتبات الجزاء، فكما فيها الشر والحرام والظلم وكل ما هو مهدد لاستقامة الحياة الشخصية والاجتماعية العامة، فيها فرص عمل الخير والحلال الطيب والعدل والحق، وفيها الاستعدادات والحزم والصبر على البلوى ومناحي الحياة..
والاستعراض الاجتماعي التاريخي - الآثاري وعبرته للانتفاع منه في هندسة الفكر والثقافة والنفس
والسلوك وهندسة البناء الحضاري ؛ من البنى التحتية أو الارتكازية Infastructure، وامتداداً حتى قمم البنى الفوقية، بهرميتها وتسطحها وعلاجاتها ووقاياتها من خلال عمق الخطط والتنفيذ الصالح المتواصل باستراتيجياته وما يشمله على الأبعاد التكتيكية - التنفيذية، ومحتوى الخطط والعمق الإنساني التنفيذي - الأدائي بالمبدأ المقوم للحياة، ومنها الاجتماعية..
والدليل تداخل مسؤولية الأنشطة الدنيوية حتى في التفكير الجماعي والإبداعي، ووصولاً للأداء بمبدأ أن لا تقادم في الحقوق، والآخرة ويوم الحساب هو الحد الفيصل، ليشمل فيه حتى حقوق النفس على ذات الشخص، وهذا بطبيعة الحال مردوده على طبيعة الحقوق والواجبات وحماية الحقوق المشروعة بكل أشكالها للناس، وتكفى العبرة من الواقع الدنيوي ؛ (اسْتَبْدَلُوا بِالقُصُورِ المُشَيَّدَةِ، وَالنَّمَارِقِ المُمَهَّدَةِ
الصُّخُورَ وَالأحْجَارَ المُسَنّدَةَ..
وَالقُبُورَ اللاطقة الْمُلْحَدَةَ..
وصورة هذه القبور :
قَدْ بُنِي عَلى الخَرَابِ فِنَاؤُهَا
وشيد بالتراب يناؤُهَا
وبيانه الاستعراضي الوصفي للبيئة الواقعة والموقع الانتقالي المجتمع الأموات :
ويكون ذلك ؛ (بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ، وَأَهْلِ فَرَاغِ مُتَشَاغِلِينَ)..
وصور من بناء العلاقات الاجتماعية وما تكون عليه :
لا يَسْتَأْنِسُونَ بالأَوْطَان..
وَلَا يَتَوَاصَلُونَ تَواصل الجيران..
وذلك يكون (عَلى مَابَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الجِوَارِ، وَدُنُو الدَّارِ)..
ومستقى العلاقات الإنسانية للمجتمع، وطبيعة نظرتهم لحتمية فناء الدنيا وفاعليته ضمن حلقات السلوك الاجتماعي، يضعهم على مفترق طرق للاختيار العقلاني، ومحتوى استيعابي واسع، وحماية الذات والآخر ؛ الفردي والجمعي والمجتمعي بكل تفاصيله وظروفه، واستعدادات فكرية جماعية، قد تصل بتطبيقاتها إلى بناء سلوكي مجتمعي، يتشعب ببيانه عند توصيف ؛ (وَالنَّاسُ عَلى أَرْبَعَةِ أَصْنَافِ : مِنْهُمْ مَنْ لا يَمْنَعُهُ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِلا مَهَانَةُ نَفْسِهِ، وَكَلالَةٌ حَدِّهِ، وَنَضِيضُ وَفْرِهِ، وَمِنْهُمُ المُصْلِتُ لِسَيْفِهِ، وَالْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ، وَالْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَرَحِلِهِ، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ، وَأَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطامٍ يَنْتَهِرُهُ، أَوْ مِقْنَب يَقُودُهُ، أَوْ مِنْبَرِ يَفْرَعُهُ، وَلَبِئْسَ المُتجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللهِ عِوَضاً ! وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَلا يَطْلُبُ الآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا، قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ، وَقَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ، وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ، وَزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلأَمَانَةِ، وَأَتَّخَذَ سِتْرَ اللهِ ذَريعَةٌ إلى المَعْصِيَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ المُلْكِ ضُؤُولَةٌ نَفْسِهِ، وَانْقِطَاعُ سَبَيهِ، فَقَصَرَتْهُ الحَالُ عَلى حَالِهِ، فَتَحَلَّى باسْمِ القَنَاعَةِ، وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذلِكَ فِي مَرَاحٍ وَلَا مَغْدَّى) (1).
ويمكن وضع معادلة توضيحية لأصناف الناس المربكة اتجاهاتهم الفكرية والنفسية والسلوكية، من أجل أن تتركز الفكرة العميقة للنص المبارك وفهم جوانب منها، وتكون كالآتي :
أَصْنَافِ النَّاسِ = مِنْهُمْ مَنْ لا يَمْنَعُهُ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِلا مَهَانَةُ نَفْسِهِ + مِنْهُمُ المُصْلِتُ لِسَيْفِهِ + مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ + مِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ المُلْكِ ضُؤُولَةٌ نَفْسِهِ
ومن أسبابه ؛ حينما لا تكون توجيهات الإنسان على أسس محتوى قيم الثقافة الفكرية والأخلاقيات والقناعة، وما لا تكون بمستوى استقرار النفس والحاجات وظهورها والإشباعات وتوالدها وتعاظمها وما ينجم عنها من السلوك الفردي والجمعي والاجتماعي، وتبدأ بذلك من أعلى سلطة في هرم الدولة ؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية، وربما شمل الاتجاهات الإدارية والتنظيمية، وما
1) المرجع نفسه / ص 74 - 75.
له علاقة بالمجتمع وتجمعاته، وامتدادا حتى أدنى شخص في الهرم التنظيمي الرسمي وغير الرسمي، وما يؤثر عليهم بكل أشكال التأثيرات..
ومن المخاطر والتمديدات على المجتمعات، حينما يتجه الإنسان بمعايير حساباته المادية النفعية الجامدة ؛ (وَلَبِئْسَ المَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللهِ عِوَضاً!)، وبين النفس والثمن يكمن مستقبل المجتمع واستدامته، والأداء الدنيوي وأهدافه وغاياته وحدوده وآفاقه وسقفه الزمني والمكاني والموقفي..
وانظر مدى تعاظم المخاطر على الفرد ذاته، ومدى استنقاص كيانه الإنساني - المجتمعي، وربما تسري وتتعاظم المخاطر لتهدد المجتمع باتجاهات موقفية معينة، ومن فكرة مختصرها تبدأ من المعادلة :
الدنيا = الإنسان
في حين دخول الموجه العقلاني الواعي بمنظور العوض الأخروي، يحد من الاتجاه في ارتكاب الأخطاء والجرائم مختلف أشكالها من الجنح والجنايات، ومختصرها يبدأ من المعادلة :
الإنسان ؛ كفرد ومجتمع = أعمال خير مثمرة ومستدامة = المكانة في الآخرة
ولكونها تُبنى على أساس الخير والحلال الطيب المستدام، فخصوصية وعمومية النتيجة :
الإنسان = نتائج ما يؤديه من المخطط وغير المخطط له
وبالعمومية ؛ حينها وبموجب نتائج جودة الأداء، ومنه موجهات أخلاقيات الأداء العالي الاجتماعي المنظور وغير المنظور، وما يتحدد ويتبلور ضمن بناء الشخصية الثقافية الإنسانية، بالتوازي مع قيام البناء الحضاري :
الإنسان = أعلى مراتب الإنسانية في الحياة الدنيوية
وللبنى التي انبثقت منها وأظهرت أصناف الناس، وما يترتب من البناء الاجتماعي - الفكري والنفسي والسلوكي، والمسؤولية الاجتماعية، وما تبلورت مؤثرات البيئة الداخلية من قوة وضعف، بقيم ومضامين البناء والسلوك الأخلاقي، والبيئة الخارجية بعواملها وفرصها وتهديداتها ومخاطرها، وما يترتب عنه من انقلاب الموازين والأبعاد الاستيعابية والتصورية والموقفية، والإرباك الصوري ومستوى التلوث الفكري وفساده، حتى قال (عليه السلام) عنه في ديباجة ذات الخطبة :
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُودٍ، وزمن كنودٍ، يُعَدُّ فِيهِ المُحْسِنُ مُسيئاً، وَيَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُوا، لا تَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، وَلا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، وَلا نَتَخَوَّفُ فَارِعَةٌ حَتَّى تَحُلَّ بِنَا) (1).
والعنود : الجائر، والكنود : الكفور، وبانقلاب الموازين، أصبح منهج هذه الأصناف من الناس تنظر : (المُحْسِنُ مُسيئاً)، وبهذا الظالم يطغى بظلمه، وعند الجهل، لا يُنتفع من العلم والعلماء، وبضياع المعرفة والعلم، بات الجهل يستشري بين الناس، فلا علم ارتقى بعلوم السؤال وفتونه وسبر غوره ومنحاه العلمي، ولا جهل تم السيطرة عليه وعلاجه والاتجاه للحد منه ومن مسبباته، وعنده تتخلف البلاد والعباد، وينجر حتى على مستوى تراجع نقاوة البيئة واتساع مسببات ملوثاتها، ومنها البيئة الاجتماعية التي تفقد تماسكها بتفاعل وأداء الخير..
(وَبَقِيَ رِجَالٌ غَضٌ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرِ المرجع، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ المحشرِ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيد ناد، وَخَائِف مَقْمُوعِ، وَسَاكِتٍ مَكْعُومٍ، وَدَاعِ مُخلِص، وَثكَلانَ مُوجَعِ، قَد احتلتهم النقيه، وشملتهم أَحْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ وَشَمِلَتْهُم اللله، فَهُمْ فِي بَحْرِ أجَاج، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِرَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ قَرحَةٌ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُوا، وَقَهِرُوا حَتَّى دلوا، وَقُتِلُوا حَتَّى قَلوا.
فلتكن الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حثالَةِ الفَرَةِ، وَقُرَاضَةِ الجَلم، وَاتَّعِظُوا بمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قبل أن يَتَّعِظُ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَارْفُضُوهَا ذَمِيمَةٌ، فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بهَا مِنْكُمْ) (2).
و (غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرِ المَرْجِعِ)، ومما يتضمنه من عمق الوعي والتمسك بما أنزل الله سبحانه وتعالى، جعل نظرتهم لعمران وبناء حضارات الدنيا على أساس إنها ؛ دار ممر، لا دار مستقر، ويعني ذلك التوجيه والتوجه منهجه الحلال كثقافة وأخلاق وتشريع وعمل وأداء مُتقن ونتائج مستدامة، ومنه الحيلولة دون خلق الفجوات، والحيلولة دون ظهور ما يؤدي لتهديدات البناء والتماسك الاجتماعي والحيلولة دون تدمير جنة الدنيا والآخرة بالحرام وتجاوزاته وتهديداته الآنية والمستقبلية..
واتجهوا صوب الهدف والغاية المجردة عن الدنيا وغرورها وضلال محبيها، ولذا (غَضٌ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرِ المَرْجِعِ، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ المَحْشَرِ)، فلا أصحاب لهم بين مثل أصناف الناس الأربعة المتقدم ذكرهم..
والنتيجة الميدانية ؛ فَهُمْ بَيْنَ :
(وَخَائِف مَشْمُوع) ؛ والقمع : الكير و الكثل والردع والكف، والدخول فراراً وخوفاً ومستخفياً دون أن تُتاح لهم الفرص، وأن يحققوا عمل ما لديهم من الخير والصدق، ولذا تراهم بين كونهم في خوف وقمع، بسبب تمسكهم بالحق والإيمان وكل ما هو ينفع بتواصله لمواصلة الحياة الحضارية الحقيقية، لذا في هذا الجو المحفوف بالمخاطر، تراهم لا استقرار لهم بين المجتمع، ولا يقف خوفهم على ذاتهم، بل يتعدى خوفهم على المجتمع ومستقبله وما يلحق به، وما يلحق من قمع صدق الحديث والقول ونشر الحق والعمل به..
(وَسَاكِتِ مَكْفُومٍ) ؛ وهم مع السكوت قد شدّت أفواههم، وكونهم لا يسع لرأيهم سمع، وليس لهم مَنْ يسمع منهم قول الحق والصدق وما يُوصلهم لبر الخير، وفوق كل ذاك وهذا شدّت أفواههم، ولا يستطيعوا بل لا يُسمح لهم بقول ما يُصلح أحوال الناس ويوجههم إلى سبيل الرشاد وإحقاق حقوقهم.
(وَدَاعٍ مُخلِص) ؛ وذلك حينما تتاح لهم الفرص، فهم يتجهون بإخلاص للأمر بما ينفع الناس وما يضمن لهم خير الدنيا والآخرة..
(وَثَكَلانَ مُوجَع) ؛ وهو ما يتضمن ثقل الفقدان المشوب بالوجع، ومنه ما يُفقد المناخ الاجتماعي الإصلاحي والإنسان المنتفع مما يُصلح أمور الدنيا والآخرة، وذلك بتقويم الحياة الدنيوية، وباتجاه الجهاد بالنفس بكل أشكاله، والتضحية بها..
وبعد التحليل المنهجي البالغ الدقة، وما ترتب عليه من الاستنتاجات الميدانية ضمن هذه الأجواء المثقلة، كانوا في وضع اجتماعي : (قَدْ أَحْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ، وَشَمِلَتْهُمُ الذَّلهُ، فَهُمْ فِي بَحْرِ أجَاج، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِرَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ قَرحَةٌ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُوا، وَقَهَرُوا حَتَّى ذَلُّوا، وَقُتِلُوا حَتَّى قُلُوا).
وبعد هذا التحليل الموضوعي والتشخيص والمعاينة للشخوص، وجانب منه ما تبين في مكونات النص : (وَالنَّاسُ عَلى أَرْبَعَةِ أَصْنَافِ...)، وتشخيصه (عليه السلام) للأمراض الاجتماعية، وذلك ضمن المناخ الدنيوي النذير بمخاطره ؛ الفردية والجماعية، وربما المجتمعية عند تفاقمه وانتشاره كظاهرة اجتماعية..
عندها لا يتحقق علاج أمراضه الاجتماعية، إلا بتطبيق التوصيات المتمثلة في : (فَلْتَكُنْ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حثَالَةِ القَرْظِ، وَقُرَاضَةِ الجَلَم، واتّعِظُوا بمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَبْلَ أَن يَتَّعِظُ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَارْفُضُوهَا ذَمِيمَةً، فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ)..
وعندما نستعرض المنظور الحديث في علم الاجتماع، نرى من بين ما يظهر هو ؛ هندسة وإعادة هندسة المجتمع، وهندسة وإعادة هندسة الجوانب والمكونات الاجتماعية والبيئية، بما فيها البيئة النفسية
والاجتماعية وسلوكيات المجتمع، بل يمتد بجوانب من الحيثيات الدنيوية - الأخروية التي يفقدها البحث العلمي الحديث المنصب على الأمور الدنيوية، فضلاً عن تكاملية النص المبارك في اتجاهات ومضامين أصول البحث العلمي الميداني الحديث، ومنه الاجتماعي ؛ من مقدمته وامتداداته في تحديد المشكلة وأهداف البحث والتحليل والدراسة، وحتى الوصول إلى الاستنتاجات والتوصيات والعلاجات، وهو ما سيتم دراسته ببحث مستقل مستقبلاً بعون الله..
والاهتمام بعمران الإنسان والبيئة، بل عمران الحياة بكاملها بمنظور إنساني وبحسب نمو وتطور كامل القدرات والتوقعات، هو مؤشر واضح في المنظور الإسلامي، وطبيعة ومستويات العلاقة بين الفرد - المجتمع مع النظر للدنيا وبلورة ووضوح الرؤيا فيها، وما يترتب عليها من مستوى النظرة المتوازنة والعقلانية بين أسبقية واتجاهات المصالح ورضى الله تعالى، وبناء ثقافة فقهية تعزز من استقامة الأعمال والسلوكيات والأخلاقيات، ومنه ما تكون عليه الحياة الدنيوية، بكل عمقها ومكوناتها المادية وغير المادية والنفسية والبشرية، وما يتبين من المنهج وطبيعة اتجاهاته القويمة والمنحرفة، وما تفعل فعلته الأمراض الاجتماعية، وما يتطلبه من الوقاية والعلاج..
والموعظة لا تأخذ مداها الاجتماعي العملي - الوقائي للذات والآخرين، إلا حينما يتطلق الإنسان كما في مبدأ ؛ مَنْ كان في الدنيا وتزود منها وهو ليس منها، يعني فضلاً عن حتمية فناء الدنيا، لا ترتقي الدنيا عنده سوى كونها وسيلة للوصول إلى المبتغى والهدف والغاية الأسمى ؛ ألا وهي الآخرة..
عندها يتجه بمنهج النفع من وجوده الدنيوي، وما يترتب عليه من الادخار الآخروي، ويعني النفع للذات والمحيط به، بلا حدود الزمان والمكان والمواقف، وهو بذلك يمسك العصا من وسطها، ويتجه بالوقاية من شرور ما في الدنيا، ومنه الحماية من شرور الذات وشرور كل متسلط وحاكم على رقاب الناس، أين ما كان في الخريطة التنظيمية ؛ الرسمية وغير الرسمية، وما يتطلبه من رسوخ الوعي الثقافي والمعرفي والتربوي، واستيعاب دروسها الميدانية المتنوعة ومنها ؛ (كَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ، وَذي طُمَأْنِينَةٍ إِلَيْها قَدْ صَرَعَتْهُ، وَذي أبهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيرًا، وَذِي نَحْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذَليلاً !) (1).
وفاجعة الذات الاجتماعية، حينما يصل الإنسان كفرد ومجتمع إلى الوثوق بالدنيا، فيُهدد النظام الاجتماعي، ويجهل ما تتصف به الدنيا من حكم طبيعتها غير المستقرة على حال، كونها لا ترتقي للطمأنينة بها، وكذلك حتمية وطبيعة وجود الإنسان، وطبيعة مترتبات الأعمال والانتفاع منها، وما يترتب من متطلبات المجتمع لاستثمار إنساني للزمان والمكان والمواقف في الدنيا للوصول إلى أفضل الأعمال وأعلى مستوى ومرتبة الأداء، المحدد والموجه بتوجيهاته ونتائجه المستوى مكارم الأخلاق..
1) المرجع نفسه / ص 165.
وأيضاً يتوجب اتجاه المجتمع بين معرفة الدنيا وحقيقة وجودها ووجوده فيها، والانتفاع منها بأطر عقلانية مخطط لها، ومحققة للاستقرار الاجتماعي، مما يُعزز الاتجاه صوب أرقى بعد استراتيجي للبناء الاجتماعي، بدلاً من أن تأخذ الدنيا الإنسان ؛ كفرد ومجتمع : بموجه غرورها والتمادي في ملذاتها، وما يترتب عليها من توصيف مكوناتها ووصف ما يتطلب من أعمال وفعاليات وأنشطة، ومواصفات ما يكون عليه الإنسان بقدراته..
وهنا تظهر أهمية الدقة بين القدرات والرغبات والتشريعات، أو الجعل التكويني للبيئة والإنسان، وكيفية الاستثمار الأمثل في ظل مؤثرات المتغيرات والثوابت، والعوامل المستقلة والتابعة، والتكامل المخطط له بين المعرفة والأداء وما يترتب من خطورة ؛ (.. فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، حُفَّتْ بالشَّهَوَاتِ، وَتَحَبَّبَتْ بالعَاجِلَةِ، وَرَاقَتْ بالقَلِيلِ، وَتَحَلَّتْ بالآمَالِ، وَتَزَيَّنَتْ بالغُرُورِ، لا تَدُومٌ حَبْرَتُهَا، وَلَا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا، غَرَارَةً ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ زَائلهُ، نَافِذَةٌ بَائِدَةً، أكّالَةٌ غَوالَهُ) (1).
وثقافة استيعاب ووعي فقه هذه العلاقة السببية الفلسفية بين الإنسان والدنيا، وكونها ؛ (غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ)، (لا تَدُومٌ حَبْرَتُهَا، وَلا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا)، مما يتوجب جعل منهجها وسيلة وليست غاية، عندها تبعد الإنسان من أن يستميت فيها من أجلها، وإنما يستميت فيها من أجل الأسمى منها ألا وهي الآخرة الحياة الأبدية..
حتى ولو كان هذا المنظور بعيدا عن الغيبيات والعقائديات، فإن متجهه وتوجيهه المتعدد في اتجاهاته النفسي - الاجتماعي والسلوكي وامتداداته وارتباطاته وتأثراته وتأثيراته، يعني باستدامته على أقل تقدير، هو حماية المجتمع من النزعات الإجرامية، والحد من شرور السلوك المنحرف للأفراد والتحول للاتجاه ببناء إنسانية الحضارة..
وبذلك الوعي الإنساني - الحضاري للاتجاه الأخروي، البعيد عن التطرف، تبني قوة الشخصية الفردية والشخصية الجماعية والمجتمعية، وتمتد حتى على المستوى المؤسساتية والعلاقات الإنسانية والعلاقات الرسمية وغير الرسمية، وبناء الإنسان والدولة..
وليس ما تقدّم من باب ذم الدنيا، كما يعتقد الكثير، وإنما هو وصف حقيقة الدنيا وفلسفتها وما يترتب منها وفيها، وهناك فرق بين أن تذم وبين أن تستكشف وتكشف الحقائق للوقاية والعلاج، ليتوافق الدور مع الشخصية، والتوازن بين العطاء والنتائج والأعراض الجانبية والمستقبلية، والحيلولة دون أن تتسبب بشقوة ما نقترفه، ويدعم ذلك الاتجاه، الوعي والثقافة الفقهية المعتدلة والمتوازنة وغير المتطرفة، للحماية من مخاطر عدم استيعاب وجود الدنيا وغاياتها والانصياع لملذاتها وكل ما يزول..
1) المرجع نفسه / ص 164.
(وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعَهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ، وكل شيءٍ مِنَ الآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ العِيَانِ السَّمَاعُ، وَمِنَ الغَيْبِ الخَبَرُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ فِي الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآخِرَةِ وَزَادَ فِي الدُّنْيَا : فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ !) (1).
وتنبع دقة هذه المعادلة من بين ما تجمع بين السماع والعيان، بين أن تسمع وبين تسمع وبين أن ترى، وما أعظم مستوياتهما بين الدنيا والآخرة، (فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ العِيَانِ السَّمَاعُ، وَمِنَ الغَيْبِ الخَبَرُ)، وما أعظم نتائجهما بين الجزاء الدنيوي والأخروي..
وما يترتب من العلاقات والتماسك الاجتماعي - الأخلاقي، فضلاً، فضلاً عن ما تقدم وما سيعقب، هو قانون ؛ (فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ !)، ومنه ما يتمثل إستراتيجياته وتوازنه في ؛ الحلال والحرام، والحق والباطل، والخير والشر، وما يُحقق من نتائج وآثار منظورة وغير منظورة..
ووجهة فلسفية إسلامية أخرى، تتمثل في قانون متفرد به الإسلام عن القوانين الوضعية الدنيوية هو ؛ (أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ فِي الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآخِرَةِ وَزَادَ فِي الدُّنيا)، وهنا :
فلسفة وأخلاقيات الزيادة والنقصان = الأعمال المنظورة + الأعمال غير المنظورة
وما يترتب على مضامين هذه المعادلة من مستوى هذا النفع والآثار التنظيمية والمديات في الخير والشر، والحلال والحرام، ومستوى الحد من الجرائم بجنَحِها وجناياتها، بل ربما تظهر آثارها حتى على مسيرة الحياة وتفاصيلها، ومنه على مستقبل بناء العلوم والمعارف والثقافات والحضارات والمجتمعات، وربما منه ما يترتب على مدى استقلالية الدول، والعلاقات الدولية، والقوانين الدولية العامة والخاصة، ومضامين حقوق الإنسان، ومنه ما يترتب على مستوى تبعياتها للدول العظمى، ومنه ما يترتب على أمن وأمان المجتمع ومستقبله ومستقبل أفراده ونشاطاتهم وأفعالهم وسلوكياتهم..
ويتجه بيان وكشف الدنيا ؛ (بتوصيف) حقيقة ماهيتها، و (الوصف) الوظيفي لها كبيئة متعددة الاتجاهات، وما تشمله على البيئة الاجتماعية وفعاليتها، و (المواصفات) كل ما يدخل فيها من كائنات حية، ضمن هذه البيئة ليشغل ويؤدي دوره فيها..
وهو من الأدلة على أنّ الإمام علي (عليه السلام) لا يذم الدنيا، وإنما يصفها ويُحذر بالوقاية مما فيها، وذلك بالكشف عن حقائقها، والاحاطة منها لاجتناب ما يُقترف فيها من منحرف الأعمال ذلك عندما (.. قال (عليه السلام) : وقد سمع رجلاً يذم الدنيا : أَيُّهَا الذَّامُّ للدُّنْيا، المُغْتَرُّ ويتضح بغُرُورِهَا، المَخْدُوعُ بأباطيلها : أَتَعْتَرُّ بالدُّنْيَا ثُمَّ تَذمُّهَا ؟ أَنْتَ المُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا، أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَهُ عَلَيْكَ ؟
1) المرجع نفسه / ص 170.
مَتَى اسْتَهْوَتْكَ، أَمْ مَتَى غَرَّتُكَ ؟ أَيمَصارع آبائِكَ مِن البَلَى أَمْ بمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى ؟ كَمْ عَللْتَ بِكَفِّيكَ، وَكُمْ مَرَّضَتَ بيَدَيْكَ! تَبْتَغِي لَهُمُ الشَّفَاءَ، وَتَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الأَطِبَّاءَ، غَدَاةَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ، وَلا يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكاؤُكَ، لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ، وَلَمْ تُسْعَف فيهِ بِطِلْبَتِكَ، وَلَمْ تَدْفَعْ عَنَّهُ بقُوَّتِكَ! وَقَدْ مَثَلَتْ لَكَ بِهِ الدُّنْيَا نَفْسَكَ، وَبِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ) (1).
ولأنّ الدنيا تستدعي الإنسان العاقل للكشف عنها وعن مكنوناتها وما يجري فيها، ليستوعب علة وجوده وما يتطلب منه العمل فيها، وما تكون عليه، فإنّ (دَارُهَا هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا، فَخَلَطَ حَلالَهَا بحَرَامِهَا، وَخَيْرَهَا بِشَرِّهَا، وَحَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا، وَحُلُوهَا بِمُرِّهَا، لَمْ يُصْفِهَا الله تَعَالَى لأَوْلِيَائِهِ، وَلَمْ يُضِنَّ بهَا عَلَى أَعْدَائِهِ) (2).
فَمَنْ عرف ما حقيقة وجودها ووجوده فيها، يتضح له ما اختلط بين تناقضاتها، ليختار الصالح منها والقويم من الأعمال فيها ويعمل ما يُصلحها ويُصلحه، فيتجه بخير الأعمال ويرى ؛ (إنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنِّى لِمَنِ تَزَوَّدَ مِنْهَا، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنْ اتَّعَظَ بِهَا، مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللَّهِ، وَمُصَلَّى مَلائِكَةِ اللهِ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللهِ، ومَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، اكتسبوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَرَبحُوا فِيهَا الجَنَّةَ، فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بَيْنَهَا، وَنَادَتْ بِفِرَاقِهَا، وَنَعَتْ نَفْسَها وَأَهْلَهَا ؛ فَمَثّلَتْ لَهُمْ ببَلائِهَا البَلاءَ، وَشَوَّقَتْهُمْ بسُرُورِهَا إلى السُّرُورِ ؟ ! رَاحَتْ بِعَافِيةٍ، وَابْتَكَرَتْ بفجيعَةٍ، تَرْغِيباً وَتَرْهِيباً، وَتَخويفاً وَتَحْذيراً، فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ، وَحَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، ذَكِّرَتْهُمُ الدُّنْيَا فَتَذكُرُوا، وَحَدَّثتْهُمْ فَصَدَّقُوا، ووَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا) (3).
والدنيا حينما تكون بالعمل دار صدق وعافية وغنى وموعظة، يعني عقلانية الاتجاه وروح إنسانية الحضارة، وكما لعود الثقاب مثلاً تعدد الاستخدامات في مجالات الخير والشر..
كذلك ينطبق على التطور التكنولوجي وتطور الاتصالات، ومنه ما يُحققه الانترنت واستخداماته وما ينجم عنه من نفع وضرر بحسب اتجاهات وميول المستخدم..
وأيضاً ينطبق ذلك على استخدامات الطاقة النووية في مجالات الخير والشر، والنفع والضرر ؛ وكما تُستخدم في تدمير حضارات وشعوب بشكل لا يُصدّق من البشاعة، ممكن استخداماتها في مجالات صناعية متنوعة وتوليد الطاقة، وتطوير ونمو حضارات وشعوب بشكل مذهل..
وهنا تبرز طبيعة الاستخدامات الدنيوية، وطبيعة نظرة وفلسفة استخدامات المستخدم لها ؛ كشخص حقيقي يتمثل بالأفراد، أو شخص معنوي يتمثل بالمؤسسات والدول..
كذلك الدنيا والمجتمعات والشعوب فيها الخير والشر، والنفع والضرر، وهذه الأفكار السلمية والتدميرية واستعمالاتها، ويكون جزء منها ومحورها المحرك هو الإنسان، ومنه ما يحدد التوجه والاختيار بمؤثرات مستوى الوعي والأخلاق والاستيعاب وسلامة الأفكار وسوي النفس وسلامة العقل والسلوك، وطبيعة مَنْ يُوجهها وميوله ومستوى مركزه ودوره القيادي وتأثيره في صنع واتخاذ القرارات وما يدخل بديناميته من محددات الزمان والمكان والمواقف، ومستوى ما يحمله من مضامين إنسانية..
ومحور وعامل تلوث الفكر البشري ومستواه، هو من المحددات الأساسية والرئيسية في الاختيار والأداء والتنفيذ.. لذا يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب له :
(أَمَّا بَعْدُ، فإنَّما مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الحَيَّةِ : لَيِّنٌ مَسُّهَا، قاتِل سُمِّهَا، فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا، لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا ؛ وَضَعْ عَنْكَ هُمُومَهَا، لِمَا أَيْقَنَتَ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا، وَتَصَرُّفِ حَالاتِهَا ؛ وَكُنْ آنَسَ مَا تَكُونُ بهَا، أَحْذَرَ مَا تَكُونَ مِنْهَا، فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِيهَا إِلى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ عَنْهُ إلى محذورٍ، أو إلى إيناس أَزَالَتْهُ عَنْهُ إلى إيحاشٍ! والسلام) (1).
ومنه مستوى الوعي والإيمان والموجه الأخلاقي، هو الحد الفيصل بين :
العمل في الدنيا للدنيا، ويكون الإنسان ممن يغتر بها، وحتمية كلاهما إلى الزوال..
العمل فيها لما بعدها، ومنعكساتها على اتجاه الفرد والمجتمع، وعلى المستقبل بكل أشكاله وأبعاده..
والاتجاه بحلالها يُحقق النعيم والسلامة، وبحرامها يتحقق الضرر والندامة، فكما جعل الخالق عز وجل في هذه الدنيا الوعي للحرام لنجتنبه، جعل الوعي للحرام لنجتنبه، جعل الوعي للحلال لتكسب مغائمه في الدنيا والآخرة، وهو طريق الشكر الله، وتكون السعادة في الدارين الدنيوية والأخروية، وبه يُبنى المجتمع، وتتوازن الحياة الدنيوية، ومنه يعرف كل ذي حق حقه، ولا يأكل الناس بعضهم بعضاً في الشدائد والرخاء، فتتحدد الحقوق وتترتب المسؤوليات والواجبات..
ويظهر مؤشر توازن الحياة الإنسانية - الاجتماعية، ألا وهو مبدأ : (لا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاسْتِصْلاحِ دُنْيَاهُمْ إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ) (2).
وهي بذات الوقت قاعدة فقهية لتنظيم المجتمعات، ومنها يتحدد مستوى توازن الدنيا وتوازن الإنسان بمكارم الأخلاق، وتوازن أعماله وما تترتب على الحياة من الحقوق والواجبات، وما يرفده من الدعم الداعم المتوجه من مستوى الإيمان والوعي الديني الحقيقي وموازينه الرادعة، لتصبح بطبيعة الحال الردع الرادع من الأعماق الإنسانية
والحكمة النابعة من استصلاح الدين كداعم ومرة الحماية الدنيا، يختلف عن استصلاح الدنيا على حساب توازن الحقوق والواجبات التي يضعها الدين لحماية الحياة ومنه الإنسان، ومستوى ما يخل ويُضعف البناء الحضاري ومستقبله، ويُخل ويُضعف التماسك الاجتماعي ومستقبل المجتمع، والنتيجة الحتمية كمعادلة كونية ومجتمعية ؛ (فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ)، كما هو عليه في معالجة مرض بدواء، يسفر بعد حين عن آثار جانبية ومضاعفات وأمراض أخطر من ذلك المرض الذي تم علاجه، وربما يودي بحياة المريض، ومنه ما ينطبق على معالجات الأمراض الاجتماعية بما يتعارض مع القيم والنظم التربوية والأخلاقية باسم حقوق الإنسان، فيتهدد مستقبل المجتمعات وأمنها واستقرارها..
وبأخلاقية الإسلام الإنسانية، ومسؤولية حماية المجتمع، يُخاطب أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) معاوية محدّراً وواعظاً ومنبها :
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئًا إِلا فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَيْهَا، وَلَهَجاً بهَا، وَلَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْهَا، وَمِنْ وَرَاءِ ذلِكَ فِرَاقَ مَا جَمَعَ، وَنَقْضُ مَا أَبْرَمَ ! وَلَوِ اعْتَبَرْتَ بمَا مَضَى حَفِظْتَ مَا بَقِيَ، وَالسَّلامُ)(1).
وعند الوقوف على ؛ (وَمِنْ وَرَاءِ ذلِكَ فِرَافُ مَا جَمَعَ، وَنَقْضُ مَا أَبْرَمَ !)، يُقابله في العلاج الموضوعي ؛ (وَلَوِ اعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَفِظْتَ مَا بَقِيَ)، ومنه مما يعني التوجه في إصلاح وبناء الدواخل الإنسانية، ومنه إعادة هندسة المثلث الفكري والنفسي والسلوكي، بالموعظة من خلال استقراء ما انتكس به الإنسان - الحضارة..
ويضيف (عليه السلام) في مناسبة أخرى :
(... وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا : " مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً " : حُمِلُوا إلى قُبُورِهِمْ فَلا يُدْعَونَ رُكْبَاناً، وَأُنْزِلُوا الأَجْدَاثَ فَلا يُدْعَوْنَ ضيفاناً، وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيح أجْنَانٌ، وَمِنَ التَّرَابِ أَكْفَانٌ، ومِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانٌ، فَهُمْ جيرَةٌ لا يُجيبُونَ دَاعِياً، ولا يمنعُونَ ضَيْماً، وَلا يُسألُونَ مَنْدَبَةً، إن جيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا، وَإِن تُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا، جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ، وَجِيرَةً وَهُمْ أَبْعَادٌ، مُتَدَانُونَ لا يَتَزَاوَرُونَ، وَقَرِيبُونَ لا يَتَفَارَبُونَ، حُلَمَاءُ قَدْ ذهَبَتْ أضغانهُمْ، وَجُهَلاءُ قَدْ مَاتَت أَحْقَادُهُمْ) (2).
وقسوة ما في هذه الدنيا تنبع من آثار الأعمال، وما يجري الامتحان فيها باليسير العسير، والحد الفيصل، حينما يكون الاستيعاب الحقيقي والعقلاني وما يتولّد بالاختيار، ومنه ما يترتب على العلاقات الاجتماعية الحميمة، والاتجاهات المعرفية السلوكية القويمة النافعة ؛ وتربوية (.. إِنَّمَا الدُّنْيا دَارُ مَجَازِ، وَالآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرَكُمْ لِمَقَرِّكُمْ، وَلا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ
أَسْرَارَكُمْ، وَأَخْرِجُوا مِنْ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبل أو تحريج مِنْهَا أَبْدَانَكُمْ، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ، وَلِغَيْرِهَا خلِقْتُمْ - إِنَّ المَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ : مَا تَرَكَ ؟ وَقَالَتِ المَلائِكَةُ : مَا قَدَّمَ ؟ اللهِ آبَاؤُكُمْ ! فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً، وَلا تُخْلِفُوا كُلاً فَيَكُونُ فَرْضاً عَلَيْكُمْ) (1).
وحين يتم فهم طبيعة وحقيقة الدنيا، باتجاه بناء نظم تربوية - اجتماعية، تتقوم بها الأعمال والسلوك من دواخل الفرد والجماعة والمجتمع، وتُبنى الشخصية الواثقة مما تحمله ؛ كشخصية فردية أو شخصية جماعية يستمد منها بناء المجتمع، وبناء الخير فيه، وبناء حضارته الإنسانية المتحاورة مع الآخر وحضارته، والغوي في الدنيا حينما يُقدِّم غروره في الدنيا على أعماله، فيرتكب المحرمات، يعني الإضرار بالمجتمع والإضرار بحقوقه، ويمتد على البيئة والجماد والمخلوقات، فيُربك توازن الحياة بفسق أعماله وانحرافاتها ومؤثراتها الآنية والمستقبلية، فيجور بظلمه على كل شيء تطوله أعماله.
وعند استراتيجية الاختيار التربوي والأخلاقي الهادف لصلاح الإنسان والإنسانية ؛ (فَعَلَيْكُمْ بِالجِد وَالإجْتِهَادِ، وَالْتَأَهبِ وَالإِسْتِعْدَادِ، وَالتَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ، وَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مِنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ المَاضِيةِ، وَالقُرُونِ الخَالِيَةِ، الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا، وَأَصَابُوا غِرَّتَهَا، وَأَفْنَوْا عِدَّتَهَا، وأَخْلَقُوا جدّتها، وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَانَا، وَأَمْوَالُهُمْ مِيرَاثاً) (2).
والاستيعاب والتأهب والإستعداد في الدنيا، منفذ مُمهد وواضح ومأمون للجد والاجتهاد، يجمع بين الاهتمام والعزم والمضي في بذل الوسع والجهود، وما يتوجب من الإبداع وإظهار المواهب، وكما هو التكامل بين النظرية والتطبيق، وهو ما يتحقق في أوجه المجتمعي الحضاري، باتجاه الوقاية والعلاج من الانحراف الحضاري، بتهيئة مؤهلات وآلية ؛ (وَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيا)، ويظهر مؤشر التجربة والاستقراء في ؛ (كَمَا غَرَّتْ مِنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ الماضية)، ولا يقف بالاستقراء الموضوعي وفعل الإنسان وحدثه عند حيثيات هذا الجانب الزماني - الجغرافي والموقفي، بل يتعداه بالمحتوى إلى ؛ (وَالقُرُون الخَالِيَةِ)، والمتمثل في :
(الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا) ؛ ومنه ما يدخل ضمن القصور وعدم الاهتمام والأخذ بعين الاعتبار ما تتطلبه الخطط في تنمية وتطوير الاستدامة المجتمعية في البناء الحضاري..
(وَأَصَابُوا غِرَّتَهَا) ؛ وهو مما يمثل، ظاهرة ما يُخدع بالباطل المتفشي بين المجتمع، وما يمتد به إلى الخداع والعصيان والضياع والظلم والإغراق الاجتماعي فيما يلقونه في الدنيا، وما يتعرض للمخاطر والهلاك..
وشتان ما بين مَنْ يبيع نفسه بالثمن البخس وين مكي الدنيا والآخرة، وبين من يشتريها فيعتقها يوم لا ينفع المال والبنون، إلا مَنْ أتى الله بقلب سليم ونقي من كل الموبقات والملوثات المادية وغير المادية والفكرية والنفسية والسلوكية..
وحتمية الاستقامة بهذا الفكر والمنهج، يُحقق نتائجه للذات الفردية والمجتمعية والاستقرار والطمأنينة والأمان، وبناء أسلم العلاقات ونقاوة البيئة والمناخ الاجتماعي المحقق للتواد والتراحم والتماسك الاجتماعي..
وعموماً وبمنظور ما تقدّم، يتبين مدى الدقة الهندسية بين الجعل التكويني والجعل التشريعي الإلهي، وما يُقابله من الجعل الوضعي للحياة الدنيوية، وتواصل إعادة هندسة هذه الحياة، بكل أشكال الإعادة التي سنتناولها في كتاب ودراسة مستقلة، إن شاء الله، ومنها ما يتعلق بالمجتمع والحياة الاجتماعية والبيئة الاجتماعية، وما يتعلق وما يؤثر بها، ومنه على ما يتأثر ويؤثر على أساس استدامة الحياة والمجتمع والعامل الاجتماعي والبيئة الاجتماعية، وتداخل التأثيرات وتبادلات لهذه التأثيرات وتحديث واستحداث ما يوازي تطور الحضارات..
وهذا مما يعني مدى متطلبات مدى متطلبات الحضارات لهندسة وتصميم الهياكل الحياتية، ومنها هياكل المجتمعات والهياكل الاجتماعية، بتداخلاتها الأفقية والعمودية، ومنه ما يدخل ويتداخل في معادلة التنمية التي غالباً ما تخص بداية الشيء، ومعادلة التطوير الذي غالباً ما يخص كل ما يعقب نجاح أو ربما مواكبة التنمية المستدامة..
ولربما يتسائل البعض عن كيفية ذلك، وعلى الرغم من تعقيد وشائكية الأمور، ممكن إجابة المتخصص الحقيقي والدقيق في فلسفة العلوم، ومنها اتجاهات التجمعات المجتمعية والاجتماعية، وامتداده حتى على ذات المجتمع وبناءه بشكل عام، وبخصوصية بناءه التربوي - التعليمي والأخلاقي.. ولكي لا تتوسّع الدراسة أكثر مما مخطط لها وما ينبغي، لابد من الإشارة بشكل خاطف إلى ما يجيب على عمومية ذلك، ألا وهو ما يتعلق بتنمية وتطوير الطبقات والطبقية في المجتمع، يعني البدأ من التكامل التزامني البيئي الموقفي الإنساني الحضاري المخطط له، والاهتمام بالاستراتيجيات والسياسات المتكاملة، وعند الإسلام ؛ تكاملية ذلك يمتد بتفاصيله بمنظور دنيوي - أخروي، نظري مخطط له ممتد للتنفيذ وما يعقبها من دورة متكاملة، الموصولة بالعامل الاقتصادي - الاجتماعي وسياسة الدولة، المستمد والموجه من مكونات تشريع ركنه الأساسي القرآن الكريم..
بعد ما تقدّم ذكره عن العلاقات بين الحياة الدنيوية والفرد والمجتمع والموجه الديني الإنساني، يطالعنا موضوع حيوي آخر، أكثر التصاقا بما يترتب فيه على الفرد والمجتمع، وبذات الوقت هو مكمل للمتقدّم، فإنّ التجرد أو الانقطاع عن هذا المضمون المقر النفوس، قد ينتج عنه إرباك النظام ومنه النظام الاجتماعي، وارتكاب أبشع الجرائم من الجنح والجنايات، وارتكاب الفساد بكل أشكاله المنظورة وغير المنظورة من أجل الوصول بالاستغلال إلى ما يُتصوّر أنه ذروة التمتع بالدنيا، واستغلال كل فرصة مواتية لاغتصاب حقوق الناس، والتحول إلى كتلة من غريزة الأنا على حساب الآخرين، لأنه لا يكون بالحسبان هناك الرقيب الإلهي والحساب الأخروي، وفقدان الوعي في الاحتساب والتفكير والتفكر..
ولابد من عدم الغفلة عن العمل بموضوعية بحسب مبدأ أو قاعدة عامة وشاملة دنيوية - أخروية ؛ (عدم تقادم الحقوق في التشريع الإسلامي)..
فالشعور بأنّ هناك الحياة الأخروية والجزاء الأخروي، يعقر بشكل وبآخر، هذا المد الإجرامي بحق الذات والآخرين وحتى باقي المخلوقات والبيئة، وخير ما يثبت ذلك، ما نراه من خلال معايشتنا للحياة والعالم المحيط، وآخر تجربة تتبادر للذهن وما نتجت عنها من أمور متعددة ومتشعبة، انهيار قطب من أقطاب القوى العظمى في العالم ؛ الاتحاد السوفيتي، فتناثر أوصالها إلى مقاطعات ودول تنحر بعضها البعض الآخر، وما نجم عنها من المعاناة الاجتماعية المعاناة الاجتماعية، فضلاً لِما يُعاني مجتمع القطب الآخر، ألا وهي أمريكا، وما تعانيه من موجة الجرائم الخطرة، وما يجري من تواصل الترقيع في النظام وأنظمته الفرعية فيها ومنظوماتها، وما الهزة الاقتصادية العالمية ببعيدة، وما أثرت على واقع المجتمعات المرتبطة بهذا العالم المعولم..
ومن أسباب ذلك بشكل رئيسي، عدم وجود الرادع الفاعل والكافل بإنهاء الصراعات الناجم عن التمادي في الملذات المادية الدنيوية، والانقطاع إليها بتمادي وانغماس، والابتعاد عن فكرة الحساب والجزاء الأخروي الرادع للكثير من جموع النفس الأمارة بالسوء ومخاطرها...
وليس هنا بصدد دراسة فكرة دينية مجردة، وإنما التطرق إلى البعد الإنساني الاجتماعي، وتأثيره على المجتمع وسلوكياته الأخلاقية ونظامه وتنظيمه، وبالمنظور الموضوعي العلمي..
وجدير بالذكر ؛ متاع الحياة وما يُملي الخافقين سعادة، حينما يتوائم إنسانية الإيمان بالله، لينتج السلم والمحبة والتماسك الاجتماعي، والاتجاه بقويم الإنسان وأعماله، ويثمر الجزاء الوافر واستمراريته بتواصل العمل الدنيوي الهادف وجه الله جل جلاله والذخر الأخروي، برصانة بناء البيئة الاجتماعية وإستراتيجيات وامتدادات أخلاقياتها، ومنه مراعاة حقوق ومصالح كل من تطول الأعمال حياضه، سواء كان بصفة فردية أو جماعية أو مجتمعية، وما يترتب على البيئة الداخلية والمحيط الخارجي، (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلُ بِهِ سُلْطَانًا وأن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (33)، و (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (32) سورة الأعراف..
ولم يخلق الله عز وجل الإنسان والدنيا منغلقة على ذاتها، ولا هي منغلقة على الآخرة، وإنما الآخرة هي جزاء لثمار أعمال وإعمار واستثمار الدنيا وعطاء امتداداتها، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) من الآية 17 / سورة الرعد
ونهج البلاغة العمق المستثمر لما ينفع الناس، ويهدي بهداية الرسالة السماوية العظيمة للتي هي أقوم وأبقى، والتأثير بما يتطلبه الفرد والمجتمع، يمنحى عجيب، يجمع ما بين ما يجمع من الاتجاهات النفسية - الاجتماعية والتربوية المشتركة ؛ بالتعلم والتعليم، للوصول إلى أرقى حياة دنيوية مستقرة، وما يترتب على مجتمعاتها وعلاقاتها بذات مكوناتها وكياناتها ونظمها..
ومنه تنظيم وانسيابية نظم العلاقات بين المجتمعات وكل مكونات البيئة، وصورة ناصعة من صور أنقى السلوكيات والأعمال، ما يتميز بعمله أولياء الله، وبفاعلية أداء الخير بلا حدود مصطنعة، (إنَّ أوْلِيَاءَ اللهِ هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلى بَاطِنِ الدُّنْيَا إِذا نَظَرَ النَّاسُ إلى ظَاهِرِهَا، وَاشتَغلُوا بِآجَالِهَا إِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا، فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ، وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ، وَرَأَوُا اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا اسْتِقلالاً، وَدَرَكَهُمْ لَهَا فَوْتاً، أَعْدَاءُ مَا سَالَمَ النَّاسُ، وَسَلْمُ مَا عَادَى النَّاسُ ! بهِمْ عَلِمَ الكتابُ وَبهِ عَلِمُوا، وَبِهِمْ قَامَ الكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، لا يَرَوْنَ مَرْجُوا فَوْقَ مَا يَرْجُونَ، وَلا مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ) (1).
ويتبين مدى عمق العلاقة السببية للعمل بين الدنيا والآخرة، ومنه ما يترتب رؤى الظاهر والباطن، وما تُبنى من رسالة إنسانية، ومنها ما تتضح الأهداف والغايات، وما يجري من استدامة التحليل الاستراتيجي Strategic Analysis من استدامة المسح إستراتيجي، لتوضع المناحي للخطط البيانية
1) نهج البلاغة / ص 552.
الإستراتيجة، ومنه ما يكون حينها ؛ (واشتَغَلُوا بِآجَالِهَا إِذا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا)، والتقييم والتقويم المحقق لأرفع مستوى أداء، أولاً بأول : (فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَن يُمِيتَهُمْ)، (وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا؛ عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ)،، بين أماتوا وتركوا، الوقاية والعلاج المتحقق من الخشية، والحماية بما علموا وعملوا به للوصول إلى استدامة الإستراتيجيات على أساس امتداداتها وما تؤول إليه أجالها..
لذا يُحذّر (عليه السلام) ما قد يُصيب المجتمعات، وما يتطلب من وضع تجارب الآخرين وما آلو إليه المجتمعات السالفة، لتكون المنار التقويمي مع مراعاة الظروف والمواقف والشخوص :
(وَاعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ القُرُونِ قَبْلَكُمْ : قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ، وَزَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ، وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَعِزُّهُمْ، وَانْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ، فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الأَوْلادِ فَقْدَهَا، وَبِصُحْبَةِ الْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا، لا يَتَفَاخَرُونَ، وَلا يَتَنَاسَلُونَ، وَلا يَتَزَاوَرُونَ، وَلَا يَتَحَاوَرُنَ، فَاحْذَرُوا، عِبادَ اللهِ، حَدَرَ الغَالِبِ لِنَفْسِهِ، وَالمَائِعِ لِشَهْوَتِهِ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ ؛ فَإِنَّ الأَمْرَ وَاضِحٌ، وَالعَلَمَ قَائِمٌ، والطَّرِيق جَدَدٌ، وَالسَّبِيلَ قَصد) (1).
ويمكن توضيح جانب من عظيم القول، وبما يخص مخاطر وتهديدات منحرف الجانب الاجتماعي والتأثير على منظومته وعواقبها وإستراتيجياتها، وبالمخطط التالي :
مخطط (9) يبين الإفادة من التجارب السالفة الخطط المجتمع واستراتيجيات المجتمعات وحضاراتها
وفي مناسبة أخرى، يضيف أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
1) المرجع نفسه / ص 230 – 231.
(حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الأُمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وَازِفَ النُّشُورُ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ القُبُورِ وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ، وَأَوْجِرَةِ السَّبَاعِ، وَمَطَارِحِ المَهَالِكِ، سِرَاعاً إلى أَمْرِهِ، مُهْطِعِينَ إلى مَعَادِهِ، رَعِيلاً صُمُوتاً، قياماً صُفُوفاً، ينفذهُمُ البَصَرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، عَلَيْهِمْ لَبوس الإستِكانَةِ، وَضَرَعُ الإستسلامِ وَالذَّلَّةِ، قَدْ ضَلَّتِ الحِيَلُ، وَانْقَطَعَ الأَمَلُ، وَهَوَتِ الأَفْئِدَةُ كَاظِمَةٌ، وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ مُهَيْمِنَةٌ، وَأَلْجَمَ العَرَقِ، وَعَظُمَ الشَّفَقُ، وَأَرْعِدَتِ الأَسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلى فَصْلِ الخِطَابِ، وَمُقَايَضَةِ الجَزَاءِ، وَنِكَال العِقَابِ، وَنَوَالَ الثَّوَابِ.
عباد مخلوقون اقتداراً، وَمَرْبُوبُونَ افْتِسَاراً، وَمَقْبُوضُونَ احتضاراً، وَمُضَمَنُّونَ أَجْدَاثاً، وَكَائِنُونَ رفاتاً، ومَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً، وَمَدِينُونَ جَزَاءً، وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً، قَدْ أَمْهِلُوا في طلب المخرج، وَهُدُوا سَبيلَ المَنْهَج ؛ وَعُمِّرُوا مَهَلَ المُسْتَعْتِب، وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّيبِ، وَخُلُّوا لِمِضْمَارِ الحَيَادِ، وَرَوِيَّةِ الإِرْتِيَادِ، وَأَنَاةِ الْمُقْتَبسِ الْمُرْتَادِ، فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ، وَمُضْطَرَبِ الْمَهَلِ.
فَيَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً، وَمَوَاعِظَ شَافِيَةٌ، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةٌ، وَآرَاءُ عَازِمَةً، وَأَلْبَاباً حَازمَةً !) (1).
ومن مضامين النص المبارك، ما يهتم بالمعلومة كبيئة استيعابية تجمع بين القلب والسمع والرأي والعقل، ومما يعني ؛ مركز الوعاء الأداة، والاستقبال والتحليل والدراسة، والمحاورة المثمرة، والتفكر العقلاني، وتنميتها وتطويرها ضمن بيئة ملائمة، لتكون بطيبها نامية، وبها واعية لما يجري في جانب من البيئة الدنيوي وما يجري على الدنيا، وبالعزم والحزم تقوم وتقوم الحياة الدنيوية المجتمعية بسلامتها وصيانتها الأخروية..
(ورثي عليه إزار خَلَق مرقوع فقيل له في ذلك، فقال (عليه السلام) :
يَخْشَعُ لَهُ القَلْبُ، وَتَذِلُّ بِهِ النَّفْسُ، وَيَقْنَدِي ِبهِ الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وَسَيلان مُخْتَلِفَان ؛ فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَتَوَلاهَا أَبْغَضَ الآخِرَةَ وَعَادَاهَا، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَاشٍ بَيْنَهُمَا ؛ كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعْدَ مِنَ الآخَرِ، وَهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ !) (2).
ويخشع، وتذل، ويفندي ؛ مراحل لبناء القلب والنفس ضمن منظومة كل مؤمن، الجامعة بين الدنيا القويمة والزهد فيها، والآخرة الحاضرة بأخلاقيات أداء الأعمال..
وتظهر للآخرة صور أخرى عظيمة الهول، وذلك في خطبة له (عليه السلام) حيث يقول فيها :
(حَتَّى إذا بَلَغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ، وَالأَمْرُ مَقَادِيرَهُ، وَالْحِقَ آخِرُ الخَلْقِ بِأَوَّلِهِ، وَجَاءَ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ، أَمَادَ السَّمَاءَ وَفَطَرَهَا، وَأَرَجَ الْأَرْضَ وَأَرْجَفَهَا، وَقَلَعَ حِبَالَهَا وَنَسَفَهَا، وَدَكّ
بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلالَتِهِ وَمَخُوفِ سَطْوَتِهِ، وَاخْرَجَ مَنْ فِيهَا، فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاقِهِمْ، وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ، ثُمَّ مَيّزهُمْ لِمَا يُرِيدُهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الأَعْمَالِ وَخَبَايَا الأَفْعَالِ، وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ : أَنْعَمَ عَلى هؤلاءِ والدَّمَ مِنْ هؤلاءِ، فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ حِوَارِهِ، وَخَلَدَهُمْ فِي دَارِهِ، حَيْثُ لا يَطْعَنُ النَّزَّالُ، وَلا تَتَغَيَّرُ بهِمُ الحَالُ، وَلا تَنُوبُهُمُ الأَفْزَاعُ، وَلا تَنَالُهُمُ الأَسْقَامُ، وَلا تَعْرِضُ لَهُمُ الأَخْطَارُ، وَلا تُشخِصُهُمُ الأَسْفَارُ، وَأَمَّا أَهْلُ المَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ، وَغَلَّ الأَيْدِيَ إلى الأَعْنَاقِ، وَقَرَنَ النَّوَاصِيَ بالأَقْدَامِ، وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ القَطِرَانِ، وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ، فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ وَبَابٍ قَدْ أَطْبَقَ عَلى أَهْلِهِ، فِي نَارِ لَهَا كَلْبٌ وَلَجَبٌ، وَلَهَبٌ سَاطِعٌ، وَقَصِيفٌ هَائِلٌ، لا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَلا يُفَادَى أسيرُهَا، وَلا تُفْصَمُ كَبُولُهَا، لا مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى، وَلَا أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى)(1).
وبين العمل وخفاياه، والفعل وخباياه، هذا الامتداد الدنيوي - الأخروي، وتواصل الأعمال والأفعال ؛ بين أعمال يُجزى عليها، وأعمال يتمتع بها، هي المقر الحقيقي للاستقرار النفسي والاجتماعي وانعكاساته على عمق الحضارة الإنسانية - الأخلاقية، وهي الحمد الفيصل بين أن يعيش بحياة راضية مرضية، أو بعيشة الضنك الجزائي، والمؤشر الأساسي على العمل القويم من غيره، كما يتضح من قوله (عليه السلام) :
(وَعَظّم اسْمَ اللهِ أنْ تَذكُرَهُ إِلا عَلى حَقٍّ، وَأَكْبَرْ ذِكْرَ المَوْتِ وَمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَلَا تَتَمَنَّ المَوْتَ إلا بِشَرْطٍ وَثِيقٍ، وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ لِعَامَّةِ المُسلِمِينَ، وَاحْذَرُ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بهِ فِي السِّرِّ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي العَلانِيَةِ، وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ أَوْ اعْتَذَرَ مِنْهُ)(2).
ولو ينظروا علماء الاجتماع الأكارم إلى العمق الاجتماعي، وما يُستوعب منه حقاً، ما ستولّده هذه المعادلات من انعكاساته على المناخ الاجتماعي ومستوى تنقيته، عندما يكون الحذر محور التفاعل والوقاية والأداء الرفيع، وذلك الحذر من عمل يرضاه الإنسان للأنا ويكرهه للآخرين، والعمل الذي يُحدر منه، لما يُستحى منه في العلن ويُعمل به في السر، أو ينكره صاحبه أو يعتذر منه..
وبهذا يتوجب دراسة مضامينها الاجتماعية، ومنه تنظير ما يرفد المجتمع لبنائه وتماسكه الإنساني الخلاق، ولا يقتصر على هذا النص المبارك، بل هناك نصوص أخر، يمكن أن تأخذ طريقها لصالح تنقية الأجواء ومناخ المجتمعات المختلفة، إن استوعبت حقاً..
وعموماً ؛ يمكن تحديد جوانب مما نستوعبه من فياض النصوص المباركة المتقدّمة الذكر وما يماثلها في نهج البلاغة، ومنها الآتي :
1 - الترابط العضوي والمفصلي والتشريعي بين الحياة الدنيوية والمستقبل الدنيوي - الأخروي المحدد للإنسان وأعماله، وترابطه الوثيق بحسب المفهوم والفكر الإسلامي، (حَتَّى إذا تَصَرَّمَتِ الأُمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وَأَزِفَ النُّشُورُ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ القُبُورِ)..
2 - الآثار المترتبة على الجزاء الأخروي، وغالباً ما يكون الدنيوي أيضاً، الرادع للسلوكيات الاجتماعية المنحرفة، للفرد والمجتمع ؛ وعظيمها الجزاء الأخروي، ومنه : (فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بحِوَارِهِ، وَخَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ..)، (وَأَمَّا أَهْلُ المَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ، وَغَلَّ الأَيْدِيَ إلى الأعناق..)..
3 - ليس كل البشرية تُردع بالجانب المعنوي أو بجوانب أخر غير مادية، وقد يصل لدى بعضهم إلى ارتكاب الجريمة حتى بحق ذاته، وبعضهم تتفاقم حالته النفسية – الاجتماعية إلى أن يصل مرحلة السادية Sadism (بالقسوة على الآخرين لإشباع رغبته..)، أو يكون على وفق ما تمليه الحالة المازوخية Masochism (وذلك يجعل قسوة الآخرين منصبة عليه لإشباع رغبته..)، لذا تفاوت الردع الدنيوي والأخروي في الفكر الإسلامي..
4 - خُلِقت الدنيا للبشرية، اختباراً وليس جزاء بحد ذاتها، مما جعل الاستيعاب والوعي لذلك، قوة مضافة للمجتمعات الإنسانية، إذا ما تم استثمارها بشكل مناسب وسليم ومخطط له، و (مَا أُصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ ! فِي حَلالِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ)..
5 - في الدنيا هناك الملذات السلبية والإيجابية، فالسلبية حرمها الشرع لحماية الإنسان كفرد وجماعة ومجتمع، والإيجابية تم إباحتها والتمتع بها بعقلانية واستثمار إنساني دون التعدي فيها على حقوق الآخرين، ودون الهدر والتبذير والتقتير والبخل، (وَاحْذَرُ كُلَّ عَمَل يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي العَلانِيَةِ، وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ أَوْ اعْتَذَرَ مِنْهُ)..
6 - لبناء الإيمان Faith الأهمية البالغة للإنسان، (فَرَضَ الله الإيمَانَ تَطْهِيرًا مِنَ الشِّرْكِ) (1)، ومنه بناء المبادئ والقيم والفكر القويم الأخلاقي المحقق للعلاقات الإنسانية والاجتماعية العميقة، مما يؤدي إلى البناء الاجتماعي والتماسك الرصين واستمراريته..
1) المرجع نفسه / ص 512.
7 - المبادرة إلى تقديم كل ما هو خير للمجتمع وتقدمه وتماسكه، دون أن ينتظر المقابل لها، وهو ما تفقده المجتمعات المادية، (فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً)، وبين الدنيا والآخرة مؤشر العمل ما ينفع الناس والذات..
8 - استيعاب الدنيا على حقيقتها وامتداداتها الأخروية، يحقق التخفيف من الصراعات الاجتماعية، أو التخفيف من كل ما يفكك المجتمعات، ويحقق الحضارة الإنسانية العميقة ؛ (وَاعْتَبرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ القُرُونِ قَبْلَكُمْ)..
9 - تتصف الدنيا بالعناء والتناقضات والفناء، (ولَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا) (1)، والبناء أعقد بكثير من الفناء، والأعظم منه حينما يكون الإبتداع..
10 - ومن الفلسفة أو الحكمة الإلهية العظيمة ودقة النظام وتطوره يتجلى عند ؛ (ثم هُوَ يُفنيها بَعْدَ تَكْوِينِهَا، لَا لِسَامٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَتَدْبِيرِهَا، وَلَا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ، وَلَا لِثقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ، لا يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوهُ إلى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وَأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وَأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، وَلا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا، وَلا لانصراف مِنْ حَالِ وَحْشَةِ إِلى حَالِ اسْتَئنَاسِ، وَلا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَعَمِّى إلى حَالِ عِلْمٍ وَالْتَمَاسٍ، وَلَا مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ إلى غِنَى وَكَثرَةٍ، وَلا مِنْ ذُلُّ وَضَعَةٍ إلى عِزّ وَقدْرَةٍ) (2).
11 - حتمية الحياة الأخروية هي جزاء لأعمال الإنسان الدنيوية، فإمّا جنّة لقويم الأعمال، أو تار لمنحرف الأعمال، والبيئة الاجتماعية - النفسية للجنة يُبلور جانبا منها ؛ (دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاتٌ، وَمَنَازِلُ مُتَفَاوِنَاتٌ، لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا، وَلا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا، وَلَا يَهْرَمُ خَالِدُهَا، وَلا يَيْأَسُ سَاكِنُهَا) (3)..
12 - العيش في غيبيات ما وراء الطبيعة، هذه البيئة الرائعة بمناخها البيئي - الاجتماعي، العظيمة بنعيمها : (فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إلى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا، وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَلَذهِلَتْ بِالفِكْرِ في اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثبَانِ المِسْكِ عَلى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا، وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِس اللؤلؤ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيحِهَا وَأَفْنَانِهَا، وَطُلُوع تِلكَ الثَّمَارِ مُختلفة في غلف
أكْمَامِهَا، تُجنِّى مِنْ غَيْرِ تَكَلَّف فَنانِي على ميةِ مُجْتَنِيهَا، وَيُطَافُ عَلَى نُزّالِهَا فِي أَفْنيَةٍ قُصُورِهَا بِالأَعْسَالِ الْمُصَفّقَةِ، وَالْخَمُورِ الْمُرَوَّقَةِ، قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ القَرَارِ، وَأَمِنُوا نُقلَةَ الأسْفَارِ، فَلَوْ شَغَلْت قَلْبَكَ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ بالوصول إلى ما يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ المَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ، لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا، وَلَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هذا إلى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ القُبُورِ اسْتِعْجَالاً بهَا، جَعَلْنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إلى مَنَازِل الأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ) (1).
13 - لا يدوم لهذه الدنيا أي مخلوق، لشخوص حتمية الموت والفناء الواضح أمام الإنسان العاقل والسليم نفسياً وعقلياً، وبهذا خاطب إمامنا (عليه السلام) : (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ المَنَايَا، مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ! لا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلا بفِراقِ أُخْرَى، وَلا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إلا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ، وَلَا تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلا يَنفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ ؛ وَلا يَحْيا لَهُ أَثرٌ، إلا مَاتَ لَهُ أَثرٌ ؛ وَلا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ، وَلا تقُومُ لَهُ ثابتة إلا وتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ، وَقَدْ مَضَت أصول نَحْنُ فُرُوعُهَا، فَمَا بَقَاءُ فَرْع بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ !) (2)..
وتواصلاً لما تقدّم، ولتقويم الحياة الاجتماعية وتنقية الأجواء والمناخ الاجتماعي، بما فيه الروح الإنسانية، تبرز أمور عديدة تجعل له بناء داخلي متماسك لحمايته من ارتكاب الانحرافات والجرائم، وما يترتب عليها من تضحية مادية وغير مادية، وربما تصل بامتدادات تحدياتها ومخاطرها وتهديداتها إلى الأرواح البشرية..
والحماية أو الدرع الواقي لا يكون إلا بإعادة النظر المستمر، وعدم إغفال أو إعطاء الفرصة المناسبة للنفس الأمارة بالسوء، وبطبيعة الحال يكون للمجتمع نصيب من هذه الحماية، وبناء علاقة اجتماعية بين أفرادها، تحمي هيكليته من الداخل والخارج، وكما هو عليه فريضة الصلاة ووقعها العميق، واتجاهاتها الحقيقية الرادعة، ولاسيما إذا ما يترتب عليها بناء الالتزامات على أسس الوعي والاستيعاب..
وعندما يحتاج الإنسان للتفاعل مع وجوده والآخرين، والإحساس بوجوده كجزء من المجتمع، مهما كان عليه من مستوى اجتماعي، وما يحقق له المساواة مع الآخرين في محيطه من حيث الالتزام وملذات الحياة المشروعة وتمحيص النفس وترويضها والعلاقات بكل ما تعنيه الكلمة اتجاه الخالق عز وجل، وجانب منه ما يتجسّد في الأداء الجمعي لفريضتي الصلاة والصيام..
وكذلك احتياجات الإنسان من أن يكون له حقوقه ودوره في أداء واجباته بعدالة ومساواة، وعدم الاستهانة والإفراط والتفريط فيه، وما ينحى بمدلولات ومعايير التشريع في الحلال والحرام، وبوجو الإحساس بالآخرين من المجتمع، ومنه ما يتطلب المبادرة أو ما يتوجب أدائه اتجاه كل محتاج، والحقوق المترتبة عليه، ودون أن يتبع عطاءه المن والأذى، فيتم أدائه بما فرضته الشريعة، كما هو عليه ما يتم عن طريق أداء الخمس والزكاة والصدقات..
(وَعَنْ ذلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصَّيَامِ فِي الأَيَّامِ المَفْرُوضَاتِ، تَسْكِيناً لأَطْرَافِهِمْ، وَتَخشيعاً لأبْصَارِهِمْ، وَتَدْلِيلاً لنفوسهم، وتخفيضاً لِقُلُوبهمْ، لِنُفُوسِهِمْ وَإذْهَاباً لِلْخَيَلاءِ عَنْهُمْ، وَلِمَا فِي ذلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَالْتِصَاقِ كَرَائِم الجَوَارِح بالأَرْضِ تَصَاغُراً، وَلُحُوقِ البُطُون بالمتون من الصيام تذللاً ؛ مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الأَرْضِ وَغَيْرَ ذلِكَ إلى أَهْلِ المَسْكَنَةِ وَالفَقْرِ) (1).
وكلٌّ له استراتيجياته وفلسفته أو حكمته الإلهية العظيمة، ما ظهر منها وما بطن، وبهذا ستكون لنا وقفة قصيرة، وبمحدودية الدراسة، وبحسب مقتضيات ومتطلبات المباحث الآتية :
المبحث الأول : الصلاة والمضامين الاجتماعية.
المبحث الثاني : الصيام ومضامينه الاجتماعية.
المبحث الثالث : الصدقة والزكاة والمضامين الاجتماعية.
المبحث الرابع: الحج ومضامينه الاجتماعية.
1) المرجع نفسه / ص 294.
تدخل عوامل وأنشطة عديدة لإصلاح وبناء الفرد والمجتمع، وهدفه الأمان والتماسك والاستقرار الاجتماعي Social Stability، وعند فقدان المناخ الاجتماعي لذلك، يؤدي إلى تهديد ونذير وتحدي للمجتمع وحاضره ومستقبله الحضاري..
فالحضارة لا تقوم ويمتد كيانها الراسخ المستدام، إلا بوجود أساسياتها، والعوامل الداعمة المستقلة والتابعة، وآثارها في الاستقرار والأمان وبناء الثقافة الإنسانية - الأخلاقية المتميزة والمتحققة ميدانياً، باتجاهاته العقلانية ورشد الفكر القائم عليه البناء النفسي والسلوكي والعلائقي، والمتميز والبعيد عن شريعة الغاب..
وتنبثق من قويم المنطق والأداء والتنفيذ المثمر، المنطلق من حيث الجوانب المادية وغير المادية والنفسية والروحانية، ولها الأهمية الفاعلة للقيم المولّدة لتحقيق التوازن في دواخل النفس البشرية وقويم السلوك الاجتماعي وصدقه مع النفس..
والمتابعة الشخصية، أهم دافع ورافع ومنفذ آمن لقيامه، لأنّ الفرد بشكل عام قد لا يصدق، إلا ذاته وبالمواجهة الواضحة، لكون الأمور جميعها مكشوفة أمام الضمير Conscience المتماسك الرصين، ويتلاشى أو يتجه باتجاه الغفلة، حينما تحجب الذنوب Delicts ووقعها يحول بين الضمير وطبيعة أداء الأعمال والأنشطة..
وبهذا يتحقق ظهور جانب من فلسفة الصلاة وتوقيتاتها وضرورة وجوبها الملح للإنسان العاقل، لاستدامة وبقاء وتعزيز الضمير لدى الإنسان السوي، على المستوى الفردي والجماعي والمجتمعي الفاعل والمتفاعل، ودون أن يحول بينه وبين ذات الإنسان، وما يحمله من غريزة Instinct، وما يكون من أي استخدامات منحرفة لها..
والصلاة فرع من فروع الدين الواجبة في الشريعة الإلهية، والقائمة مع بقاء الحياة ؛ (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) من الآية 103/ سورة النساء، لكون الصلاة قناة الوصل بين الخالق والمخلوق، والسبيل الأمثل للاستدامة وتنقية الأجواء النفسية للإنسان السوي العاقل، بكل توجيهات الاتجاهات الشخصية - السلوكية، وبالعلاقة القويمة مع الذات، وغير الشخصية لبناء
العلاقات الإنسانية الواعية والواعدة لحضارة قائمة على بناء سلامة أخلاقية الحقوق - الواجبات، بآثارها الفردية والجماعية والمجتمعية..
ومن فلسفة الصلاة وبتعزيزها الزماني والمكاني والموقفي، تنهياً أجواء الحد من ارتكاب المحرمات، والحد من تفاقمها وتراكم وتفاقم الذنوب بأشكالها وأنواعها واختلافاتها، وما يسهم في إدامة وإعادة هندسة ثقافة الوعي وتحسس الانحرافات السلوكية للفرد والجماعة، وتعزيز الإرادة على عمل الخير وكل ما هو نافع ؛ (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) من الآية 45 / سورة العنكبوت..
ويكفي بالتوقيت الجمعي والنظامي والانتظامي، الوقوف في ساحة الحساب الدنيوي، كترييض لتحسس الدور لموقف أعظم في حسابه ؛ (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ) (31) سورة إبراهيم.
وبالصلاة يكون التوقف عند مؤشر عند مؤشر الخط البياني للأعمال المنظورة وغير المنظور، ووضعها في ميزان التقويم البنائي، فكما يؤشر مستوى التلوث البيئي للموقع الجغرافي حتى يصل إلى النظر وما يتمثل أمامه من الشكل والبناء، كذلك يؤشر عند القيام بالصلاة، مستوى الحقوق والواجبات وخط الأداء الفعلي بمعايير الخير والشر، واقتراف الذنوب بصغائرها وكبائرها..
وهنا يلعب الضمير، الدور الكبير في منع الأعمال المنحرفة، كما يلعبه مستوى قوة جهاز المناعة في جسد الإنسان، وما هو إلا الموجه لمنع اقتراف الأخطاء والذنوب أو منع تكرارها، ومن صوره العملية التفعيلية هو ما يمثل في وضع الخطط للأعمال وخطها البياني، والخط البياني لما يتم لما يتم تنفيذه وتقييمه وتقويمه على أرض الواقع، ومُتجهه إما شاكراً وإما كفورا..
والصلاة بهذا وبغيره تولّد منظومة حماية المجتمع من بعضهم البعض، وحماية استقامة العلاقات الاجتماعية وتماسك المجتمع، والتي تبدأ من ترويض وحماية الإنسان لذاته من الانحراف، وما يجرُّ عليه وعلى غيره من جريرة أعماله، وهنا توجيه الصلاة المتتابع بصيانته للنفس وعقلنة ميولها وحسابها على أساس ؛ أن لا توقف ولا تقادم للحقوق عند عتبة الدنيا..
ومما ورد في نهج البلاغة بخصوص الصلاة، ومأخذها البالغ الأهمية في النفس، والمستقاة من بحور علوم المدرسة القرآنية الكريمة والمدرسة النبوية الشريفة، حيث يقول (عليه السلام) :
(الصَّلاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِي..) (1)
فالاغتسال الروحي المستمر على مدى حياة الإنسان، يتم عن طريق الصلاة التي تبعد الإنسان عن الموبقات وكل ما يضر، ويأخذ بعده إلى ما بعد الحياة الدنيوية، لذا يقول (عليه السلام) :
1) المرجع نفسه / ص 194.
(تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا، وَتَقَرَّبُوا بِهَا، فَإِنَّهَا " كَانَتْ عَلَى المؤمِنينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً "، ألا تَسْمَعُونَ إلى جَوَابِ أَهْل النَّارِ حِينَ سُئلُوا : " مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ؟ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ "، وَإِنَّهَا لَتَحْتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الوَرَقِ، وَتُطْلِقُهَا إطلاق الرِّبَقِ، وَشَبَّهَهَا رَسُولُ اللهِ – (صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - بِالحَمّةِ تَكُونُ على باب الرجُلِ، فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَا عَسَى أَن يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَن ؟ وَقَدْ عَرَفَ حَقْهَا رِجَالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا تَشْغُلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ، وَلَا قُرَّةً عَيْنٍ مِنْ وَلَدٍ وَلا مَالٍ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ : " رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ "، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - نَصِباً بالصَّلاةِ بَعْدَ التبشير لَهُ بِالجَنَّةِ، لِقَوْل اللهِ سُبْحَانَهُ : " وَآمُرُ أَهْلَكَ بالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا "، فَكَانَ يَأْمُرُ بِهَا أَهْلَهُ وَيَصْرُ عَلَيْهَا نَفْسَهُ) (1).
فالحفاظ على الصلاة والاستكثار منها والأمر بها ولها، هو استقرار النفس البشرية والمجتمعية والاجتماعية بشكل عام، لما تولّده من طمأنينة واستقرار وإصلاح وبناء الدواخل النفسية، وما يتحقق من مكاسب دنيوية وأخروية..
وتتضاعف صلاة الجماعة في خصوصياتها وعمومياتها ومدلولاتها وتوجهاتها بوحدة الهدف ووحدة روح الفرد والجماعة والمجتمع الإسلامي، ولذا يترتب على صلاة الجماعة الأفضلية على الصلاة المنفردة، ولها أصول ونظامها وما يتوجب على إمام الجماعة، ليحقق أهدافها وآثارها الروحية، الذي يبينها (عليه السلام) من خلال قوله :
وَإِذا قُمْتَ فِي صَلاتِكَ لِلنَّاسِ، فَلا تَكُونَنَّ مُنَفّراً وَلا مُضيّعاً، فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بهِ العِلْةُ وَلَهُ الحَاجَةُ، وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ – (صَلَّى اللَّه عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - حِينَ وَجَّهَنِي إلى اليَمَنِ كَيْفَ أَصَلِّي بِهِمْ ؟ فَقَالَ : " صَلِّ بِهِمْ كَصَلاةِ أَضْعَفِهِمْ، وَكُنْ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ") (2).
ويضيف (عليه السلام) :
(صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا المَوَقْتِ لَهَا، وَلَا تُعَجِّلْ وَقتَهَا لِفَرَاغِ، وَلا تُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقُتِهَا لاشتغال، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعْ لِصَلاتِكَ) (3)، (والله الله في الصَّلاةِ، فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ) (4)..
وللصلاة أهمية تربوية بالنسبة للفرد والمجتمع، حيث يُعد عملها الفعلي، رسوخ وقوة الردع الداخلي، ومن متطلباتها أن تكون لدى مؤديها بهكذا توجه وفاعلية ومؤثر على النفس فترتدعها عن المنكر، ومن آثارها ومترتبات ما تستنهض به من الطاقات الخيرة في فضاءات المعروف، فلا فاعلية
للصلاة إن لم تكن بهذا التوجه، لأنها تنهي عن كل والاشتراكات، وتأمر وتوجه إلى كل الأعمال أو الأنشطة القويمة الخيّرة والنافعة والمثمرة المستدامة، ومن جوانب حكمتها التربوية أن ؛ (فَرَضَ الله الإيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلَاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الكَبْرِ..) (1).
والإيمان ذلك الاتجاه في التصديق وسلامة الاعتقاد الفكري المؤدي لسوي النفس ومنه لقويم السلوك، وبهذا فالإيمان الموجه الأسلم المسالم المؤدي للرسوخ وعقلانية الرسوخ والاستيعاب الفكري، وهو يعني وحدة الاتجاه بوحدة الربوبية، وبه وحدة المصدر واستقاء التعليمات والتوجيهات، ووحدة المرجع في كل صغيرة وكبيرة للوقاية والعلاج من كل منحرف، يعني ضمان التوجيه والتوجه القويم بوضوح السبل والمسيرة الآنية والمستقبلية، بالاختيار الواعي والعقلاني بحسب ما جاءت به الشريعة السمحاء، وهنا مدى التلازم بين الإيمان والتطهير ليكون ؛ (الإيمانَ تَطهيراً)، وتحديداً يكون التطهير (مِنَ الشِّرْكِ)، يعني النتيجة الحتمية إزالت كل الشوائب والجراثيم المنظورة وغير المنظورة، وحماية وتقارب وتماسك المجتمع ومسيرته المستقبلية، بما فيه التنمية الاجتماعية والبناء الحضاري..
وتكاملاً للإيمان هي الصلاة التي توقف الشخص في ظل أوامر ربه تعالى، لمراجعة الذات والفكر والنفس والسلوك بكل الاتجاهات والمواقف والأزمان والمواقع، ومنه ما يتحقق في حماية الإنسان من شرك الكبر، لكون استيعاب الفكر وتربيض النفس على سويها العقلاني، لتكون (وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً)، وبالمقدمة ما يكون التنزيه من أخطر عاهة نفسية يمكن تخطيها بالعلاج النفسي، ألا وهو التنزيه من مخاطر ما يترتب ومنه تحديداً يكون التنزيه ؛ (عَنِ الكبر)، هذا الإخطبوط المهدد للإنسان وما يُحيط به من أخيه ونظيره وكل مكونات بيئته الداخلية والخارجية..
وجميع نتائجها الحتمية، حماية الذات والآخرين في البيئة الأسرية والبيئة الاجتماعية، ويعني حماية الفرد والأسرة والجماعة والمجتمع من كلّ ما يولّد الحواجز بين الفرد وعقلانيته، ويزيل كل ما يولد التكابر على الأخطاء والظلم والكفر، ويبعد الإنسان عن آفة العزة آفة العزّة في الإثم، ويبني سلامة العلاقات الإنسانية، ويحقق بالاستقامة بناء الكيان الإنساني النبيل، وبناء قويم المجتمع والبناء الاجتماعي وتماسكه وديمومته، وبالصلاة منه ما ينجم من هندسة الذات من الدواخل، و إعادة الهندسة Reengineering المستدامة، وهكذا يمتد فعل وفاعلية الصلاة، ومنه ما يتعلق بالمضامين الاجتماعية، (وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً عن الكثير)..
1) المرجع نفسه / ص 512.
توجه آخر لفريضة لها من المضامين الجمعية العميقة، وما تحمله من مضامين متعددة منها ؛ اجتماعية بالأداء، واقتصادية بالسلوك، وتربوية وأخلاقية بالنظام، وصحة نفسية ورياضة روحية بالصبر والتحمل، وجسدية بالمعاناة، وعقلية بالتطلع لما يُعانية الغير..
ومنه ما يتضمن دقة هندسة بناء دواخل الفرد والمجتمع، وما يمتد بتنظيمها لمؤسساتها ومؤسسات الدولة - الحكومية، وما تتطلبه دورتها من إعادة هندسة البنساء لاستيعاب التغيير في الحياة، وتنقية الأجواء لوحدة الاتجاه والتوجه القويم المنتج لمجتمع أخلاقي يتحسس بحاجات بعضه بعضاً، لتهيئة الأجواء والسبل في أمثلية الإشباع والبناء، وما يمتد بالتضامن والتكافل، وما يتحدد بوحدة التوجه والتوجيه، وجمعية الإحساس والمساواة..
ومنه ما يتطلب من وجوب السيطرة على الجوانب المادية وغير المادية والنفسية للإنسان، وامتداد تأثيرات على الجوارح، وبناء نظام دوري إنساني متجدد للسيطرة على الشهوات بكل أشكال تعددها وتنوعها وحركيتها، بظروفها ومواقفها..
وجميع ما تقدّم وغيره ما تشمله الآيات الكريمات ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (185) سورة البقرة..
وبهذا التوجه والتوجيه لمتطلبات فريضة الصيام وآدابها، يوضح الإمام علي (عليه السلام) أهمية هذه الفريضة، ويُحدر من عدم استيعابها الفكري والنفسي والسلوكي في الأداء، حيث يقول :
(كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الجُوعُ وَالظُّمَأ، وَكَمْ مِنْ قَائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلا السَّهَرُ وَالعَنَاءُ، حَبَّذَا نَوْمُ الأَكْيَاسِ وَإفْطَارُهُمْ !) (1).
1) المرجع نفسه / ص 495.
وذلك عندما ينطبق على المستحبات وليس بالواجبات، لأن فلسفة الصلاة والصيام أسمى مما تعنيه الحركات والجوع والأداء بلا وعي والتصوّر بلا نظام، فهما يبنيان صروح النفس البشرية النقية الجامعة بين الروح الإنسانية القائمة على الإخلاص وحب الخير وعمله للغير كما هو للذات، بل أكثر في التواد والتراحم، وضمان الحقوق والواجبات، فتراهم يتسابقون لتحقيق وحدة الصف الإنساني والتآزر : بكل الاتجاهات والجوانب وما يعنيه..
والمتقين بوعيهم واستيعاباته، يحرصون على صدق العبادة بكل تفاعلها ونتائجها وعواقبها، وبكل ما تحقق النفع الاجتماعي، فهم (مُرْهُ العُيُونِ مِنَ البُكَاءِ، خمْصُ البُطُونِ مِنَ الصَّيَامِ، ذُبُلُ الشَّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الأَلْوانِ مِنَ السَّهَرِ)(1)..
فلا يكونوا إلا من القوم الذين عبدوا الله سبحانه وتعالى عبادة الأحرار، وليس عبادة التجار ولا عبادة العبيد، ولا الذين يكونوا ثقلاً وعالة على المجتمع، ولا من الذين جمحت بهم الأنا والأنانية، وأخذ مأخذه ومدياته الجامحة السلبية..
وهو ما يبلغ مدياته ودلالالته وبديعه ومعانيه البالغة البليغة في قول (عليه السلام) :
(إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا الله رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبادَةُ التَّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبادَةُ العَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْمَاً عَبَدُوا الله شكراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأحْرَارِ) (2)، وأبلغهم عبادة الأحرار، وما تجعل من المجتمع بصفوفه المرصوصة الثابتة من الدواخل، فتشعر بالذات والآخر ؛ الفردية والجماعية والمجتمعية..
وأثر كل عبادة، ومنها الصيام، تظهر مستوى مضامينها النقية على الجوارح، ويمكن أن نتحسس من وقع التعامل مع العبادة، والمبنية على طبيعة الثقافة العبادية، وكما يأتي :
مخطط (10) يبين العمق الدنيوي - الأخروي للعبادة وتأثيرها المجتمعي
وما الصلاة والصيام إلا من أعمدة العبادة وفروع الدين الإسلامي، فحينما يكون الأداء لهما منطلق من الشكر، فلابد أن يكون ثمارهما الصدق وضمان الحقوق على مستوى الفرد أو المجتمع، والمنافع عامة، كما هو عليه من منافع الصلاة تنهى عن المنكر وتأمر بالمعروف، والصيام له منافع على المستوى الشخصي والمجتمعي، وما الإحساس بمعاناة الفقير والمحتاج والجائع وصاحب الحاجة إلا منطلقاً للتكافل والتضامن بين مكونات المجتمع..
وفي شهر الصيام الفضيل، إعادة هندسة الإنسان المسلم والمؤمن العاقل البالغ بكل مكوناته ؛ المادية وغير المادية والنفسية والروحية والصحية والفكرية والعقائدية والسلوكية، وعند العقلاء التعمق في منافع الصيام وفلسفته ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينِ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) سورة البقرة..
(وَلِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةً، وَزَكَاةُ البَدَن الصيام..)(1)، وكما تطيب الأموال بالزكاة، تطيب الأبدان وما ينضمُّ في طياته الصيام، فتنجلي وتزول الحواجز وتغفر عند حق الأداء الذنوب، ويتساوى فيها الكل، بما فيهم الفقير والغني، والشاب والهرم، وتتحدد الأجور الإلهية على قدر التحسس والمشقة..
(وَصَوْمُ شَهْرٍ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ العِقَابِ..)(2)، والجنّة ؛ الدرع وكل ما يقي، وبهذا يكون الصوم الدرع الواقي من العقاب، ويعني مضامينه الكثير، يبدأ من المعلومة وامتدادها الفكري والنفسي والسلوكي، وانعكاسات كل ذلك على العلاقات والاستقرار الاجتماعي والتماسك الاجتماعي، والحيلولة دون الأداء المنحرف والمهدد لأمن المجتمع والدولة، ويعني بناء الاستقامة في دواخل الإنسان وما يكشفه العمل والسلوك والنتائج الآنية والمستقبلية..
(وَالصَّيَّامَ ابْتِلاءٌ لإخلاص الخَلْقِ) (3)؛ ومما يعني الاختبار الجماعي والمجتمعي في الطاعة وتطويع النفس على القويم والتقويم، لمعرفة مدى أو مستوى دقة الإخلاص والعمل بسعة ظله المبارك..
ونتيجة للإخلاص في كل مجالات الطاعات، وتكون المكافئة، لذا يقول (عليه السلام) في بعض الأعياد : (إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبلَ اللهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّ يَوْمٍ لا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ)(4)، وبالبلاغة هذه أعطى (عليه السلام) للعيد مضمونه الفلسفي والأخلاقي، وما ينضوي العيد تحت منظومة الحوافز، لكونه العلامة المثمرة بالسرور والسعادة لأداء العمل بتمامه الفردي والمجتمعي..
استكمالاً لما سبق ذكره في المباحث، وما تم دراسته ضمن هذه السلسلة العلمية في نهج البلاغة، وبالذات في المضامين الاقتصادية له، وكون الزكاة Zakat لها فاعليتها الاقتصادية - الاجتماعية، وما يترتب عليها من الحقوق والواجبات المفروضة، والتأثيرات والمردودات بهذا الخصوص على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع والدولة..
وهنا تحتم دراسة ما يترتب على الزكاة والصدقات من مضامين اجتماعية، ومؤثراتهما على التقارب والتواصل والتآلف الاجتماعي، ومنه ما يتوجب على الميسور الحال المالي، اتجاه ذوي الحاجة والفاقة والعوز، وما فرضه الخالق عز وجل على الإنسان العاقل كواجب الأداء، ليضع الإنسان المحتاج في مكانة تحفظ به كرامته وسط المجتمع، وحمايته بنظام التضامن والتكافل، وما يقابله من تنزيه النفس البشرية عن الانحرافات، ورفعها إلى المستوى الإنساني، وبناء دواخله بالأقوم..
وما وضع الشرع الإلهي من فروض مالية، وبنسبة معينة من الزكاة على أموال الأغنياء، والتطوّع في عطاء الصدقات، وما يُكملها من فروض مالية آخر، إلا ليجعل الروح الإنسانية بأرفع مستوى من طيب العطاء، لما يولّده من سماحة العطاء، والحيلول دون سلوك البخل على الصعيد الشخصي والصعيد الجماعي، لبناء الترابط الاجتماعي بكل اتجاهاته ومحتوياته المنظورة وغير المنظورة، ومنه بناء مجتمع إسلامي، لا تُفرّقه الأعراق ولا الطوائف ولا المستويات ولا اختلاف الطبقات الاجتماعية ؛ لا بفقيره ولا بغنيه، ولا بضعيفه ولا قويه، وبث العمق الإنساني البنائي المستمد من التواد والتراحم والابتعاد عن كل صور الصراع المتباغض والحاقد والمتنافر، كما هو عليه في الفكر الاشتراكي والفكر الرأسمالي والفكر المختلط، وكل ما نحى منحى الفكر الوضعي الخطير القائم على مبدأ التغيير والبناء الحضاري بالصراع، والمؤدي بهدر الطاقات البشرية والإمكانيات والطاقات وتشتتها وتنميتها وتطورها وتواصلها..
وفلسفة الضريبة أو فروض نسبة على الأموال في النظام الإسلامي، هدفه بث روح المسؤولية والتضامن والتكافل داخل المجتمع، ولأن (المالُ مَادَّةُ الشَّهَوَاتِ) (1)، فقد يمتنع الإنسان بغريزة حب التملك أو ضعف إيمانه من أداء هذا الفرض، حتى وإن استخدمت شتى الأساليب معه والفروض
1) المرجع نفسه / ص 478.
وبتجرد الإنسان من البخل والشح والهدر والتبذير، يجعل الأسبقية في العطاء انبثاقه من دون المن والأذى والذل للآخرين..
ولكونه واجب الأداء والعطاء، لذا تكون المخاطبة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذِى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانِ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابل فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضاةِ اللهِ وتثبيتا مِن الفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ برَبُوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلَ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلُّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (265) سورة البقرة..
فالإنفاق له مدلولاته التي تتعدى الإستراتيجية الوضعية المحدودة والمحددة، فلا تحدده إستراتيجية زمانية ومكانية وموقفية دنيوية، ولا منظور بشري محدود يوجهه، فهو منظور الإسلام للإنفاق، إنفاق أعمق من الاستدامة، يشمل مترتباته الدنيوية - الأخروية التي لا تتقادم..
لذا لم تقتصر العطاءات على منظور دنيوي مادي ضيق، بل يترتب عليها مضامين فلسفية متعددة المرامي الإنسانية - الاجتماعية التي لا تتوقف عند عتبة الاقتصاد والمال وزوالهما، وويبقى أثر الدنيوي متواصل حتى ؛ (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أتى اللهَ بِقَلْبِ سَلِيمٍ (89) وَأزْلفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) (90) سورة الشعراء..
والبناء الفلسفي والمحتوى الإنساني - الاجتماعي، يحقق مدلولاته وبيانه، قوله (عليه السلام) :
(ثمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلاةِ قُرباناً لأهْلِ الإسْلامِ، فَمَنْ أَعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْسِ بِهَا، فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كُفَّارَةً، وَمِنَ النَّارِ حِجَازاً وَوِقَايَةً، فَلا يُتبعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ، وَلا يُكْثِرَنَّ عَلَيْهَا لَهَفَةً، فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَيْرَ طَيِّبِ النَّفْسِ بِهَا، يَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا، فَهْوَ جَاهِلْ بِالسَّنَّةِ، مَغْبُونَ الأَجْرِ ضَالُ العَمَلِ، طَوِيلُ النَّدَم) (1).
وأحد ما يعني القربان في اللغة بأنه ؛ جَليس الملك وخاصته، لقربه منه، وهو واحد القرابين ؛ تقول : فلانٌ من قُرْبان الأمير، ومن يُعْدائِه، وقرابينُ المَلِكِ : وُزَرَاؤُه، وجُلساؤُه، وخاصته، والقُرْبانُ ما قَرَّبْتَ إلى الله، تبتغي بذلك، تبتغي بذلك قُرْبةٌ ووسيلة... (2)
وطيب النفس عنوان العطاء وما يترتب عليه من الأجر، بمؤشراته الدنيوية الأخروية، وبهذا فإن أهل الإسلام أو المجتمع الإسلامي الحق، لهم المكانة المتقدّمة والمرموقة بصحبة القربان الجامع بين الزكاة والصلاة، ويمكن بيان جوانب من تأثير ذلك بالمخطط الآتي :
مخطط (11) يبين الفلسفة الإنسانية - النفسية والاجتماعية والأخلاقية للعطاء في الإسلام
وشتان ما بين عطاء طيب النفس ومردوده على الذات والمجتمع، وعطاء بغير طيب النفس و مردوده على الذات والمجتمع، وآثاره وامتداداته على المدى الدنيوي - الأخروي..
وبطبيعة الزكاة هي تزكية للنفس من شرور الجشع والبخل وحب الأموال، والحد من هذا السلوك المنقوص، والاتجاه صوب تنمية روح العطاء وحب الخير في العطاء، لأن عطاء الخالق عز وجل دائم لا ينفد، و (مَنْ أَيْمَنَ بِالخَلَفِ جَادَ بِالعَطِيَّةِ)(1).
ومحتوى ومضامين العطاء يتعدد بتعدد أشكاله وفاعليته، ومنه ما يتضمنه الزكاة والصدقات، والرزق مرتهن بآثارهم، لأنّ في الأموال حقوق متعددة، ومن جملة تلك الحقوق الواجب إيفاؤها من الزكاة والصدقات، حتماً تصب في منافع المجتمع، ورفع من مستوى القدرة الشرائية، وأساليب إشباع الحاجات وأنواعها المتعددة المستويات المنافع ومستوى مرونتها، ومنه ما يترتب على مستوى استقرار
1) المرجع نفسه / ص 494.
المجتمع في الأمن والأمان، وشعور الإنسان السوي بمدى شعور الآخر به ومعاناته، ومدى قدرة بناءه الأسري، وتجاوز صعاب الظروف والمعاناة..
وأيضاً الإيمان رحفظ الإيمان، لا يكون منبعه إلا من جملة مقومات، منها ما تتعلق بالتواد والتراحم بلا تفرقة بين مكونات المجتمع، والإدامة هذه العلاقات حفظ الحقوق وأداء الأمانة، ومنها الزكاة والصدقات، فهي حصنه الحصين، ولذا يقول (عليه السلام) :
(سُوسُوا إِمَانَكُمْ بالصَّدَقَةِ، وَحَصَنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَادْفَعُوا أَمْوَاجَ البَلاءِ بِالدُّعَاءِ) (1)وكما للدولة سياسة ونظام، وللمؤسسات سياسة ونظام، فاتجاه الإيمان وحمايتهيكون بما يساس به بالصدقة، وحماية الأموال بدفع الحقوق ومنه الزكاة، مرة يؤثر ذلك على ذات المال وصاحبه، وأخرى على البيئة الداخلية والأسرية، ومنه ما يؤثر على البيئة الخارجية، ومنه ما يتعلق بالمجتمع والسلوك الجماعي والمجتمعي، والحد من التحسس بالفرق الطبقي، وما يتحقق من إشباع الحاجات، والحد من الانحرافات، والحد وعلاج الجرائم المتسببة من جراء الحاجة والعوز المصدر العيش وإشباع حاجات الإنسان الأساسية بأولوياتها..
وتظهر فاعلية العطاء، حينما يتجه الإنسان في معرفة ما وجدت من منافع ملموسة وغير ملموسة، فتظهر أمور متداخلة مع العطاء، وتمتد لتصل إلى اتجاهات، يمكن استيعاب بعضها بما نراه، ولا يمكن استيعابه إلا من خلال الثقافة والعلم والمعرفة، وبعضها لا يمكن تفسيرها إلا بالغيبيات، وكل ذلك يظهر في قوله (عليه السلام) :
(اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ) (2).
كحركية فعل الصدقة في المجتمع، وحركيته في إشباع الحاجات، وما يترتب على حركة السوق والاقتصاد ودوران وحركة الأعمال وسوق العمل، وما ينصب في تواد وتضامن وتكافل واستقرار المجتمع وتماسكه، فتكون الحركة الإنسانية المتكاملة، الجامعة بأخلاقياتها بين الاقتصاد والمجتمع والاستقرار البيئي - المجتمعي، ومنه ما هو في الغيبيات، كأمد الأعمار وتسهيل الأعمال والاسترزاق حيث لا يكون في الحساب والخطط، أو لا تحتويه دراسة ولا يحتويه تخطيط وتنفيذ ونتائج معهودة، كأن تأخذ رؤوس الأموال المعرفية فعلتها في المجال الريادي والقيادي في الاقتصاد الوطني وفي المجتمع، فترتفع المدخولات والمبيعات والأرباح واتساع سوق العمل، وما يترتب من مكاسب اكتشاف ما لم يكن مكتشف من الموارد الطبيعية، وما يدخل في مجال عدم الهدر فيها، وربما تدخل في مجالات التنمية والتطوير والرفاهية Welfare التي لها خصوصياتها وعمومياتها الاقتصادية - الاجتماعية،
ومن جانب آخر، يظهر آثار نفسية - سلوكية في الحد من مستوى العطاء المجتمعي، وهو يحذر (عليه السلام) أحد ولاته بالقول :
(وَلا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَن الفَضْلِ، وَيَعِدُكَ الفَقْرَ..)(1)
ومنه ما يتضمن حماية الفرد والمجتمع والدولة، ومؤسساتهم ومشاريعهم القائمة والمستقبلية والإستراتيجية، فالتنمية الاقتصادية - الاجتماعية، لا تتحقق إلا بحمايتها من الاجتماعية، لا تتحقق إلا بحمايتها من العاهات والمعوقات التي تولدها مشورة الإنسان المشوش والملوث الفكر وغير السوي، وسيؤثر في البناء وتماسكه والتعاون المسهم في التواد والتراحم بين الأفراد والأسرة والمجتمع..
وهو ما يؤثر على العائدية والعطاء وتأدية الحقوق وما فرضه الشرع الإلهي، لإدامة واستدامة الإنسان وممتلكاته وبيئته وسلامتهم جميعاً..
ويؤكد (عليه السلام) بوجوب أداء الزكاة إلى حيث حددها الخالق عز وجل، وكونها أحد فروع الدين، وفرض على كل من يشمله سالف الذكر، لكونها تحمي انسابية النظم الاجتماعية ضمن أرقى بيئة اجتماعية - إنسانية وأخلاقية، والحيلولة دون توالد فجوات كفيلة بتراجع وتفكك المجتمع بطبقاته الاجتماعية، المتساوية بما مفروض من الحقوق والواجبات، كلّ حس حسب الإمكانيات المادية وغير المادية والنفسية..
والتكامل بين الزكاة والصدقات، جعل انعكاساً تكاملياً في وحدة المجتمع، فالزكاة تحدد بنسبة وشروط، والصدقات لا تحدد بنسبة ولا شروط، هذه المعادلة الإسلامية العظيمة العطاء الإنساني، المواكبة والمراعية لكل الظروف الزمانية والمكانية ومحدداتها الموقفية..
لذا فأداء الزكاة يختلف عن أداء الصدقات، بوجوب وفرض أداء الأولى على ميسور الحال المالي وبالنسبة المئوية المحددة والشروط المفروضة وجهة مستحقيها، أما أداء الصدقات فسقفها المالي غير محدد وتشمل بشكل طوعي بالعطاء، كل طبقات المجتمع لمساعدة بعضهم البعض، حتى وإن كان المبلغ بسيطاً، وحتى صدوره من ذوي الدخول المحدودة والبسيطة، ومن حكمة هذا العطاء المعلوم وغير المعلوم، ما يولد في دواخل النفس البشرية من الشعور والتفاعل الانتمائي للمجتمع الإنساني..
وهو بحق ذلك التمرين النفسي المولد والمعزز لدى الإنسان حب العطاء والإسهام حتى ولو كان اليسير من المال، والإس- المال، والإسهام في تسهيل أمور الناس، أو حتى الإسهام بالكلمة الطيبة والعلاقات الاجتماعية والإنسانية، وهو ما تعجز باختلاف تطبيقاته وبيانه وتحقيقه أعمق النظم الوضعية، بنظرياتها ومدارسها الاجتماعية ؛ التقليدية والحديثة والمعاصرة..
1) المرجع نفسه / ص 430.
ومنه العطاء بطيب النفس للأسرة والأقربة بقربه و باء بقربها وبعدها، (وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي المَالِ، ومنسأة في الأجل ؛ وَصَدَقَهُ السِّرِّ فَإنَّهَا لكَفِّرُ الخَطِيئَة ؛ وَصَدَقَةُ العَلاتِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ ؛ وَصَنَائِعُ المعرُوفِ فَإِلَهَا تَقِي مَصَارِعَ الهَوَانِ)(1).
ويمكن بيان مُبسط لخلاصة منظومة الصدقات بالمخطط الآتي :
مخطط (12) يبين الامتدادات الدنيوية - الأخروية للصدقات
ومما يجمع القول المبارك بين ؛ مستوى القربى، والعلاقات الأسرية والاجتماعية - الإنسانية، والجانب المالي وصفته، والمديات الزمانية والموقفية، والسلوك الإنفاقي، وطبيعته ومدياته التأثيرية وما يترتب عليه من انعكاساتها، وطبيعة العطاء في علنه وسره، وآثاره المنظورة وغير المنظورة، وصفته التعاملية والتعاونية، وما ينجم من منافع آنية ومستقبلية، وما يصب جميعها في البيئة وخدمة المجتمع، لتتحسّن الأجواء والمناخات، بما فيه المناخ التنظيمي المجتمعي للفرد والجماعة والأسرة والمجتمع..
وكما تبين مما تحمله من تشعبات فلسفة الجانب الوجوبي وفريضة الأداء، منه ما يدخل ضمن البناء الروحي للعطاء الجامع بين مختلف ما تتطلبه إدامة العلاقات والتماسك الأسري والاجتماعي، وتتفاعل بهذا وبغيره لتكون ؛ (وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَجحِبَةٌ).. (2)
فيما تقدّم وضمن هذه السلسلة العلمية في نهج البلاغة، واتجاهات ما تم دراسته من مضامين متنوعة للحج، هذا الفرع من فروع الدين، واستكمالاً له ما سيتم في هذا المبحث من دراسة الجانب الاجتماعي لفلسفة أو حكمة فريضة الحج وتوجهاتها ومناسكها..
حيث تُعد فريضة الحج Pilgrimage للكعبة المشرفة، الحدث السنوي العظيم الذي يحتفي بوجوبه كل من استطاع إليه سبيلا، ويكون اجتماع المسلمين من كل بقاع العالم ومن مختلف الأجناس والأعمار والجنسيات والألوان ومستوياتهم وطبقاتهم ومذاهبهم الإسلامية، وذلك لأهداف ظاهرة وباطنه، وما يتمثل فيها من مضامين الحكمة الإلهية العظيمة وأسرار مكنونات هذه الفريضة ومنافعها..
فلا يقتصر الحج على المسلمين، بل يتعداه لليهود والمسيح مع اختلاف بقاع الحج لكل دين، واختلاف الأزمان والأهداف والحكمة، فاليهود يتوجهون في حجهم إلى القدس في عيد الفصح والمسيح يحجون أماكن كثيرة منها في روما بإيطاليا، ولورد في فرنسا، وبطبيعة الحال ؛ فإنّ الحج يكون عند المسلمين لبيت الله الحرام في مكة المكرمة، لكنه يبقى بيت المقدس من البقاع المقدسة للمسلمين والمسيحيين واليهود، الديانات السماوية الثلاث، لدى الجميع مع اختلاف تصوراتهم وتطلعاتهم ومعتقداتهم الجمعية... (1)
وفي اللغة ؛ الحَجُ : القصدُ. حَجَّ إلينا فلانٌ أَي قَدِمَ ؛ وحَجَّه يَحُجُّه حَجَاً : قصده، وقال ابن السكيت : يقول يُكْثِرُونَ الاختلاف إليه، هذا الأصل، ثم تُعورف استعماله في القصد إلى مكة للنُّسُكِ والحج إلى البيت خاصة ؛ تقول حَجَّ يَحْجُ حَجَاً، والحج قصدُ التوجه إلى البيت بالأعمال المشروعة فرضاً وسنّة ؛ تقول : حَجَجْتُ البيت أحُجُه حَجّاً إذا قصدته، وأصله من من ذلك، وذو الحِجةِ: شهرُ الحَجِّ، سمي بذلك لِلحَجِّ فيه، والجمع ذواتُ الحِجَّةِ... (2)
أبو الحسن علي بن محمد بن علي الجرجاني (المعروف بالسيد الشريف) / التعريفات / دار الشؤون الثقافية / بغداد. العراق / ص 50.
لويس معيوف اليسوعي / المنجد في اللغة والأدب والعلوم / طه / المطبعة الكاثوليكية / بيروت - لبنان / ص 133.
ومما ورد في الذكر الحكيم قوله تعالى :
(إن أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاس للذي ببكة مروى العَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ أَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (97) سورة آل عمران..
(وَأَذَنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا منَافِعَ لَهُمْ وَيَدْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطُوفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (29) سورة الحج..
(الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (197) سورة البقرة.
كثير من مضامين المنافع، ومنها المضامين الاجتماعية الواضحة المعالم، كما هو عليه ما يتعلق بالتعارف والعلاقات ومكارم الأخلاقيات والتواد والتراحم والتماسك الاجتماعي وأمن وأمان واحترام النفس الإنسانية، بل ويمتد لعدم التعدي على كل المخلوقات، ولاسيما ما تتصف به من موقع محدد وأيام معلومات فيها يكون وجوب الحج من استطاع إليه سبيلا، ومنه ما يتولد من تنوع منافع الناس المنظورة وغير المنظورة، الآنية والمستقبلية..
وتفاصيله البلاغية، هو ما نستقرءه مما ورد في نهج البلاغة، المستقاة مما ورد في القرآن الكريم والمدرسة النبوية الشريفة، حيث يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الحَرَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةَ لِلأَنامِ، يَرِدُونَهُ وُرُودَ الأَنْعَامِ، وَيَأْلَهُونَ إِلَيْهِ وَلُوة الحَمَامِ، وَجَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلَامَةٌ لِتَوَاضْعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ، وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ، وَتَشَبَّهُوا بِمَلائِكَتِهِ الْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ، يُحْرِزُونَ الأرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالى للإسْلامِ عَلَماً، وَلِلعائِذِينَ حَرَماً، فَرَضَ حَقَّهُ، وَأَوْجَبَ حَجَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وَفَادَتْهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ")(1).
ومما يتضح من النص المتقدم الآتي :
1- يُعد الحج فرض قد فرضه الخالق عز وجل على عباده المسلمين، لتأدية مناسكه بحسب منهج الشريعة الإسلامية السمحاء، والحج يكون الموقع معلوم، المتمثل بقبلة المسلمين بيت الله الحرام والكعبة المشرفة..
1) نهج البلاغة / ص 45
2 - الفريضة تشمل المسلم البالغ العاقل، ومن التطع بحسب ما جاء في الذكر الحكيم والسنة النبوية الشريفة، وما يضمن ويكفل تفاصيله الفقه المستمد من الشريعة السمحاء، بغض النظر عن ألوان المسلمين وجنسياتهم ومستوياتهم الثقافية والتربوية والحضارية والاقتصادية والاجتماعية.. فالجميع سواسية أمام الخالق عز وجل، ولا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى، بما فيه كل ما يترتب من مناسك الحج..
3 - الحج وأداء مناسكه، علامة تواضع المسلم لعظمة الله تعالى، والانقياد لعزّته جل جلاله، وتلبية الدعوة للخالق سبحانه لأداء الفريضة وأداء فرع من فروع الدين، وهو جزء من الامتثال لأوامره تعالى، ومصداق لكلمته..
ولكون شعيرة الحج من شعائر الله جل جلاله، ويمكنون حكمته تعالى جعله مما يعز به المسلمين، وبه يتجه بتقابهم ووحدتهم ووحدة توجهاتهم لأداء مناسكه، لذا مما يحث ويقول (عليه السلام) :
(وَالله الله فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، لا تُخَلُوهُ مَا بَقِيتُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا) (1)
وبوعي التوجه واستيعاب مدركات الأمور التي تتطلب من الناس، ولأجل أن تكون الأعمال بعقلانية وتفكر ورشد، يضع (عليه السلام) ضمن إحدى خطبه المباركة، تحليلاً بليغاً لفلسفة الحج ووجود الكعبة المشرفة ومضامين فلسفتها الاجتماعية بالقول :
(أَلا تَرَوْنَ أَنَّ الله، سُبْحَانَهُ، اخْتَبَرَ الأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، إلى الآخَرِينَ مِنْ هذا العالم ؛ بِأَحْجَارِ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلا تُبْصِرُ وَلا تَسْمَعُ، فَجَعَلَهَا بَيْنَهُ الحَرَامَ " الذي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً، ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بقَاعِ الأَرْضِ حَجَراً، وَأَقَلَّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الأَوْدِيَةِ قُطْراً، بَيْنَ جَبَالِ خَشِنَةٍ، وَرِمَال دَمِثَةٍ، وَعَيُون وَشِلَةٍ، وَقُرًى مُنْقَطِعَةٍ ؛ لا يَزْكُو بهَا خُفٌ، وَلا حَافِرٌ وَلا ضلْفٌ، ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ (عليه السلام) وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةٌ لِمُلْتَقَى رِحَالِهِمْ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ، حَتَّى يَهْزُوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً يُهَلِّلُونَ اللَّهِ حَوْلَهُ، وَيَرْمُلُونَ عَلى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبراً لَهُ. قَدْ نَبذُوا السَّرَائِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَوَّهُوا بِإعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمْ، ابْتِلاءٌ عَظِيماً، وَامْتِحَانَا شَدِيداً، وَاخْتِبَاراً مبيناً، وَتَمْحِيصاً بليغاً، جَعَلَهُ اللهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَوُصْلَةٌ إلى جَنَّتِهِ، وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الحَرَامَ، وَمَشَاعِرَهُ العِظَامَ، بَيْنَ جَنَّاتٍ وَأَنْهَارٍ، وَسَهْلٍ وَقَرَارٍ، جَمَّ الأَشْجَارِ دَانِيَ الثَّمَارِ، مُلْتَفَّ البنَى، مُتَّصلَ القُرَى، بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ، وَرَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَأَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ وَعِرَاصِ مُغْدِقَةٍ، وَرِيَاضِ نَاضِرَةٍ، وَطُرُقٍ عَامِرَةٍ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبٍ ضَعْفِ البَلاءِ
1) المرجع نفسه / ص 422.
وَلَوْ كَانَ الإِمَاسُ المَحْمُولُ عَلَيْهَا، وَالأَحْجَار المرفوع بها، بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَنُورٍ وَضيَاءٍ، لَخَفِّفَ ذلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكَ فِي الصُّدُورِ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ القُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبَ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ المَجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بضُرُوبِ المَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلْتَكَبَرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَانَا لِلْتَذلَّلِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلِيَجْعَلْ ذلِكَ أَبْوَاباً فُتحاً إلى فَضْلِهِ، وَأَسْبَاباً ذللاً لِعَفْوه) (1).
وجوانب مما يتضح من النص المبارك المتقدم الآتي
1 - للكعبة والحج ومناسك الحج، تتضمن أمور غيبية لا يعلمها إلا الله تعالى، وأمور وأهداف جعلها الله تعالى ؛ ظاهرة وباطنه، وجعلها بحكمته جل وتعالى، وجعل منها ولأمور غيبية أحجار لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، وموضعها بأوعر أرض، ولو أراد الخالق جل جلاله أن يجعلها بين أرقى الجنان لكان ذلك، وهو سهل يسير..
2 - الكعبة شاخصة المعالم منذ زمن آدم (عليه السلام) وولده، وأمره سبحانه وتعالى التوجه لجني ثمار بركتها وخير العمل فيها..
3 – (جَعَلَهُ اللهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَوَصْلَةٌ إلى جَنَّتِهِ)، هذه العلامة الفارقة، والمنفذ الرفيع لرحمة الله تعالى للإنسان، الضامن له المغفرة بصدق توجهه واتجاهه، والحرص على بناء الهدف الأخروي الأسمى الذي يليق بالإنسان وكرامته، إن أراد الإنسان اختيار سبيل الكرامة الدنيوية - الأخروية..
وهنا فتح باب رحمته تعالى لمخلوقاته عن طريق هذه الشعيرة التعبدية، وسبل تذليل الصعاب، وبها تكون العودة للتفكر العقلاني، يعني إعادة هندسة البناء الفكري والعقائدي والعبادي والتنظيمي، ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان، وبناء روح التعاون بين المجتمع الإنساني والتماسك الاجتماعي - الحضاري، بثقافة التقارب والمحاورة والعطاء، وتوجيهها تضحية بوعي مثمر من أجل الذات - الآخر، كفرد وجماعة ومجتمع، وإعادة النظام بهندسته لنصابه، والمنظومة إلى تلاحمها ونتاجها الإنساني..
4 - جمع تعالى بين ؛ الاختبار، والتوازن والتكامل بين الجعل التكويني للمخلوق، وعلى أساسه ما يُقابله من الجعل التشريعي الذي هو بذاته رحمة للبشرية، فما يكون من وصف ومواصفات المكانة والمخلوق، هو المعوّل عليه في التشريع، بمعنى آخر لا وجوب ولا
1) المرجع نفسه / ص 292 – 294.
حساب فوق حقيقة ما يتحمّله المخلوق، ويتم تكليفه بموجبها ومستوى الطاقة، وكما يقول العقلاء ضمن المبدأ التكليفي والتنظيمي والإداري ؛ (أطلب المستطاع لكي تُطاع)..
5 – (ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ (عليه السلام) وَوَلَدَهُ أَنْ يَتْلُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةً لِمُلْتَقَى رِحَالِهِمْ)، وهو ما خفف عبء الترحال وأداء ما توجب عليهم، وهو أعمق وأوسع التقاء للمجتمعات الإنسانية ومن جميع بقاع العالم بصدق مشاعرهم، وبوضوح الغايات والأهداف، وما يترتب عند هذه البقعة من أن تذوب الفوارق، ويتساوون في تأدية الحقوق والواجبات..
6- بناء أجواء وبيئة ملائمة وخصبة العطاء، لا يأس معها من رحمة الله، ولا قطيعة وتقاطع بين الإنسان وأخيه الإنسان، وجعل سبحانه وتعالى البيت الحرام مُلتقى مستدام بين الأجيال على مد الدنيا، تؤتي ثمارها كل حين، وباب لتنقية الأجواء الفكرية والنفسية والسلوكية، الفردية والمجتمعية للمسلمين..
7 - بناء فكرة جهاد النفس الهادف والمخطط له، ومنبعث من الرؤيا والرسالة الصادقة والمتكاملة بين ما جعل سبحانه الإنسان وما شرعه له من منهج لصدق الأداء والشكر..
8 - استقامة الاختيار بمواقفها المتوافقة، وأجواء بيئتها ومحتواها، وموقع الاتجاه الواحد الموحد للأرواح، بالتوقيت المعلوم الذي لا يتغيّر مهما تغيرت الظروف والإنسان، وهي وقفة لإعادة النظر بالذات وحقيقتها وما تخفي، وما تكون عليه الآن، وما يُنتظر منها مستقبلاً من العطاء اللا محدود، حتى على المستوى المجتمعي والعالمي، وعندها تتجلى الصورة الواضحة للنفع الذي يتعدى الذات والحدود المحلية..
9 - وسبحانه وتعالى : (يَخْتَبرُ عِبَادَهُ) (بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ)، (يَتَعَبدُهُمْ) (بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ)، (يَبْتَلِيهِمْ) (بِضُرُوبِ المَكَارِهِ)، وبهذا اقترن الاختبار بالشدائد، والتعبد بالمجاهد، والابتلاء بالمكاره، وفلسفته أو حكمته سبحانه وتعالى :
(إخْرَاجاً لِلْتَكَبَرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ) ؛ وتُمثل آفة التكبر، أكبر آفة تدميرية للفرد والمجتمع والبيئة..
(وَإِسْكَانَا لِلْتَذلَّلِ فِي نُفُوسِهِمْ) ؛ وما يحمله من علاجات فكرية - نفسية فردية وجماعية ومجتمعية واستقرارها نحو متجه السلوك الهادف..
(وَلِيَجْعَلْ ذلِكَ أَبْوَاباً فتحاً إلى فَضلِهِ) ؛ والجعل يجمع ؛ ما قبل التشريع، وما يوافق ويتزامن مع التشريع، وما بعد التشريع، وتطبيقاته، ونتائجه المتنوعة، بآفاق فتح أبوابها، وبالتحديد يكون الفتح العظيم، المفتوح على مصراعيه ؛ (إلى فضله)..
وتتعدد مناهج تذليل الصعاب، ومنها نشر وعي وثقافة الأداء العالي والدقيق للأعمال، كما هو ما يوجه (عليه السلام) به أحد ولاته على مكة، حيث يقول في كتابه :
(أَمَّا بَعْدُ، فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الحَج، وَذَكِّرْهُمْ بأَيام اللهِ، وَاجْلِسَ لَهُمُ العصرين، فَأَفْتِ المُستفتي، وَعَلْم الجَاهِلَ، وَذَاكِرِ العَالِمَ، وَلا يَكُن لَكَ إلى النَّاسِ سَفِيرٌ إلا لِسَالكَ، وَلا حَاجِبٌ إلا وجهك..
{حتى يقول (عليه السلام) } :
وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلا يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِن أَجْراً، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : " سَوَاءٌ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ " فَالعَاكِفُ : المُقِيمُ بهِ، وَالبَادِي : الَّذِي يَحُجُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَفّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ لِمَحَايِّهِ، وَالسَّلام) (1).
ومهما يتضح، ما للحج من متطلبات مفصلية التنظيم - المجتمع، بما فيه إعادة هندسة مفصلية المعلومات - الفكر، وما يعني من أهمية الوعي والتوعية والاستيعاب الثقافي واستيعاب الآخر، والدليل الواضح يظهر عند ؛ (فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ)، وقناته تكون ما يقوم به الوالي من تنظيم اجتماعي فقهي، وآليته :
(فَأَفْتِ المُسْتَفْتِيَ) ؛ تمثل التربية الثقافية والثقافة التربوية في الفقه الإسلامي، وبطبيعته ما يشمله من فقه الحج وما له علاقة به..
(وَعَلمِ الجَاهِلَ) ؛ منه التعليم في مجال الفقه، ولاسيما فقه الحج، لكون ما يتطلب تعزيزه من التعليم الموجه لأداء مناسك الحج بأكمل صورة..
(وَذَاكِرِ العَالِمَ) ؛ هنا مما يشمله عليه الجانب التربوي، وما يتوجبه من الاستعداد واستمرارية تعزيز التعليم والتعلم، وإذابة الحواجز بين العالم والمتعلم لرفد المجتمع، وتبادل المعلومات الفقهية، وما يُستجد منه، والفتاوي الفقهية الدقيقة التي ترتكز على المدرسة القرآنية، وامتداداتها الشرعية، وما تتقدّم من توجيهات الأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة الكرام (عليهم السلام)، وهنا للعالم مكانته المتقدمة في إسداء المشورة الفقهية ومستجداتها للمجتمع ومنه الحجاج لبيت الله الحرام..
وهو دليل واضح، ووجه من وجوه فلسفة أو حكمة فريضة الحج في بناء الوعي لما يعمله الإنسان بحسب طاقته الاستيعابية، وبناء الروح النقية المتماسكة لمختلف المجتمعات الإنسانية الإسلامية المناهضة للجهل والانحرافات، والعمل على كل ما هو أقوم..
1) المرجع نفسه / ص 457 – 458.
وأيضاً دليل على وجوب وأهمية تحمل السلطات الحكومية للمسؤولية العبادية اتجاه المجتمع، ولاسيما في موقع الحدث الديني وتأدية فرائضه وشعائره، ودليل على مدى ضرورة التعاون بين القيادة الحكومية أو مهام الدولة وبين العامة أو المجتمع..
ومدى تحمُّل ما يتطلبه من رفع مستوى الثقافة الفقهية على مستوى الدولة، ولاسيما في موقع وتوقيت الحدث، وتعاون الدولة مع المجتمع لتحقيق أفضل سبل الإرشاد والتوجيه والتوجه الديني، دون حدود بين الدولة والحكومة والعالم والمجتمع، ولاسيما الحجاج منهم..
ومدى وجوب بناء علاقات رسمية وغير رسمية بين الدولة والقادة والمجتمع، ومنه ما يتطلبه في المحافل الدينية، والحيلولة دون وضع الحجب بينهم كدولة وكمتعلم وكعالم، وما يرتبط بين التعليم والمجتمع بكل مستوياته، وتسهيل مهامهم..
وعنده يتم وضوح إذابة الحواجز المجالسة كل شريحة وفي مقدمتها العلماء، وهو ما يُشجع على فتح القنوات دون ظهور الخلل في أداء الفرائض، ودون التمايز بين الناس إلا بالتقوى ومؤشرات قويم الأعمال ومنافعها، ومنها المنافع الاجتماعية المستدامة..
وبه يتحقق إذابة الفوارق بكل أشكالها، ومنه بناء وحدة الروح الإنسانية، بفاعلية فريضة الحج واستقامة الأداء، والتحسس بالعقل والروح الجماعي، وعمق الانتماء والتماسك الاجتماعي..
يحتاج المجتمع إلى نظام وتنظيم ومنظومة داعمة، بانسيابية المكونات الفردية والجماعية، ويمنوع التكوينات البنائية، والبناء الفاعل وذات المرونة في كيانه الشامل، وما يفعله ذلك من قنوات تبادلية بين العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وما تفعله المنظومات التربوية والثقافية والحضارية..
والبناء الاجتماعي Social Structure بشكل عام، يُظهر الشخصية المتكاملة ؛ للفرد والجماعة والمجتمع، ومنه ما يؤثر على البناء الاجتماعي - الحضاري..
فمثلاً ترى نظرية روبرت ريدفيلد R Rebfield. تنصب وتؤكد على العلاقات الدائمة والعلاقات الثنائية وبحسب التحليل الرأسي Vertical Analysis والتحليل الأفقي Horizontial Analysis، ونحى منحاه راد كلف براون wn.، وركز على العلاقات الثنائية - Dyadic Relationships فضلاً عن لفيف من علماء الاجتماع، أما إيفانز بریتشارد Evans Pritchard فقد ركز على العلاقات الدائمة للبناء الاجتماعي..
وركزت نظرية إميل دورکهایم Emile Durkheim على الجانب المادي، وبالذات على التضامن العضوي Gaganic Solidarity والتضامن الآلي Mechanical Solidarity لمعالجات الظواهر الاجتماعية..
وبشكل مختصر لو نظرنا إلى الاتجاهات المختلفة للنظريات الحديثة، وتسائلنا من خلالها كيف يكون البناء الاجتماعي، لتوجه الوصول إلى الفكرة المناسبة بالشكل المختصر المفيد بالآتي : (1)
محمد سعيد فرج / البناء الاجتماعي والشخصية / دار المعرفة الجامعية / الإسكندرية - مصر / 1989 / ولاسيما ص 237 – 312.
ولكون هذه التقسيمات تفي غرض المبحث وبالشكل المطلوب، تم الاعتماد على 4 د. حسين عبد الحميد أحمد رشوان / الفلسفة الاجتماعية والاتجاهات النظرية في علم الاجتماع / المكتب الجامعي الحديث / الإسكندرية - مصر / ط- 2 / 1988 - 1989.
راجع على سبيل المثال، فضلا عن ما تقدم من المصادر والمراجع وما سيلحقه :
1) راجع سونیا هانت جينيفر / نمو شخصية الفرد والخبرة الاجتماعية / ترجمة : د. قيس النوري / دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد - العراق / 1988.
1- الاتجاه الوضعي ؛ والذي ينطلق من خلال العلوم الطبيعية لتفسير الظواهر الاجتماعية كالرياضية والميكانيكية والطبيعية والكيميائية.. وكان ابرزهم في هذا الاتجاه ؛ أوجست كونت، ماكيفر، وليام أو جبرن..
2- الاتجاه التطوري التاريخي ؛ والذي يعتمد على المراحل التاريخية المتعاقبة للتطور الاجتماعي، ومن رواد هذا الاتجاه ؛ سان سيمون، الكسيس دي توكوفي، تشارلس داروین، هربرت سبنسر، ادوارد تایلر، مورجان، شبنجلر، کارل مانهایم –
3 - الاتجاه التحليلي ؛ وينقسم إلى تحليل عقلي و تحليل تجريبي (امبيريقي)، ففي التحليل العقلي يكون الانتقال من المجهول إلى المعلوم من خلال الدراسة الهادفة الوصول إلى بعض المعاني الجزئية.. والتحليل التجريبي ؛ ويدخل بمفهومها من ظاهرة مجهولة إلى ظاهرة معروفة، أو مما يجهله إلى ما يعرفه بشكل دقيق ومن خلال العناصر التي تتألف منها، وكان من بين رواد هذا الاتجاه ؛ جورج زيمل الذي رفض النظريات العضوية والوصف التاريخي، وانتقد فلسفة ماركس وتحليله الاقتصادي، على الرغم من تأييده إلى ملامح النظرية المادية التاريخية.. وفي ذات الاتجاه التحليلي كان ؛ فلفريد و باريتو، الذي اعتبر المجتمع الإنساني، كنسق الأسرة ونسق الاقتصاد الذي يتضمن النسق المهني، ونسق الدين، والسياسة، والتعليم.. وممن كانوا بهذا الانسياق في الاتجاه التحليلي ؛ فرديناند توينز.. وبحسب هذا الاتجاه وبالتحليل العقلي والتجريبي للمشكلة موضوع الدراسة، تقسم إلى مجموعة متغيرات أو عناصر أو قضايا، أكثر بساطة..
4 - الاتجاه النفسي ؛ وقد تم تفسير المجتمع في ضوء علم النفس الاجتماعي، وذلك بالتركيز على الذات واتجاهات الفرد وعواطفه ودوره في الفعل الاجتماعي، وكان من بين رواد هذا الاتجاه ؛ سيجموند فرويد، مارجريت مید، جابرييل تاد، جون ستيوارت ميل، وليام جراهام سمتر، جورج هربرت مید ماكس فيبر، تشارلس كولي، وليام ماكدوجال، جاكوب مورينو، كيمبول يانج، جون ديوي..
5 - الاتجاه الوظيفي ؛ ويبين ضرورة تكامل الاجزاء في ذلك الكل المعقد، ومن بين رواد هذا الاتجاه ؛ أميل دورکهایم، رادكليف براون، تالکوت بارسونز، جيمس بيرنهام، ايفانز ريتشارد ؛ (وقد أظهر البناء الاجتماعي والوظيفة الاجتماعية في إحدى دراساته)..
6- الاتجاهات المختلفة المتمثلة في :
الحتمية الاقتصادية ؛ وهو التركيز على الجانب الاقتصادي كدافع للتغيير الاجتماعي دون الأخذ بنظر الاعتبار للعوامل الأخر، ومن رواد هذا الاتجاه ؛ كارل ماركس، وقد أخذ هذه الحتمية على أساس تاريخي، ما قبل الإقطاع ثم الإقطاع، والرأسمالية، والاشتراكية..
النظرية السكانية (على الأساس السكاني)، ومن رواد هذا التحليل هو ؛ توماس مالتس، والمعروف بدراسته للزيادة السكانية إلى الإنتاجية، وعد الزيادة السكانية تكون على أساس متوالية هندسية (2، 4، 16، 156،...)، والإنتاج (المواد الغذائية) على أساس متوالية حسابية (2، 4، 8، 16،...)، ونبه بخطورة ذلك..
الاتجاه الإحصائي ؛ الذي يُعد الأسلوب الكمي في التحليل هو الأساس في بناء النظرية، والعلاقات الاجتماعية من الزواج والطلاق وغيرها، تُبنى على أساس إحصائي، والدلالة الوصفية تنبثق من خلاله، ومن رواد هذا الاتجاه ؛ أدولف كيتيلية..
اتجاه بحث الحالة، ويكون على وفق هذا الاتجاه، دراسة الحالة، المنهج للكشف والتحليل سواء كان شخصاً معيناً أو أسرة أو جماعة أو نظام أو ميادين أو مجتمع محلي.. إلخ، وأخذ العينات التي تمثل حالة الدراسة، وهو بديل عن أسلوب أو منهج المسح الذي يتطلب من خلاله دراسة كل الحالة المطلوبة، ومن أبرز رواده ؛ فردريك لو بلاي..
الاتجاه الايكولوجي (علم البيئة) ؛ وما يؤثر على الفرد أو المجتمع وتطوره وبناءه الاجتماعي من حيث التوزيع السكاني والنظم، مثلاً في البيئة الحضرية والبيئة الريفية والبيئة الصحراوية، ومن رواده ؛ روبرت از را بارك..
علم اجتماع المعرفة ؛ وهو اتجاه آخر، من رواده ؛ بتريم سوروکن، واهتمامه بالإحصائيات الاجتماعية والثقافية التي تسهم في توضيح الحقيقة العلمية وتوجد الروابط العلمية بين عناصر الثقافة الحسية ونمو النظرية..
ومهما كانت المدارس والنظريات، وبلا شك، فقد أخذت عليها مآخذ، لما تحمله من هفوات ونواقص وتناقضات، وقد لاحقتها الدراسات، بالتحليل والنقد والتفنيد، وعلى الرغم من ذلك، فإنّ للسلب والنقص في المدارس والنظريات المذكورة، شيء وارد، لذا لا تنتفي الحاجة والفائدة من دراسة
كل الاتجاهات، بدراسة منهجية وعلمية، بعيده عن التعصب واللا علمية، لأن العلم يتحجم في البيئة المتطرفة الاتجاهات المبنية على الأسس التعصبية، فالتحليل والمحاورة بتجرد من الهلوسة العقلية والتعصب لها، أمر يحقق الغايات العلمية واتجاهاتها الإبداعية المثمرة، فإما علم بفضاء عطاءاته، أو تعصب يذر اليابس والأخضر، والأخطر حينما يقترن التعصب بجهالة والابتعاد عن العقلانية...
ولذا يتطلب البناء العلمي المثمر، الاتجاه بطروحات البحث العلمي، وتداول الأفكار البعيدة عن السلبية، وما يلحق من تدمير وتلوث الفكر البشري، الجمعي والمجتمعي..
وعموماً فإنّ البناء الاجتماعي، سواء كان ينطلق من شخصية الفرد أو المجتمع، أو بمعنى آخر ؛ المبني بحسب الفلسفة الرأسمالية أو الفلسفة الاشتراكية أو المختلطة، فإنّ له سلبياته كما له إيجابياته، لما يتخذ أحادية التركيز، وبناءه على رؤية ضيقة، ومحدد بالفرد أو المجتمع، للانطلاق منها نحو البناء الاجتماعي والتحكم بشكل متطرف في علاجات التماسك الاجتماعي، وكأن المجتمع مادة تدخل في العمليات الإنتاجية الميكانيكية، لتكون مخرجات ومنتوجات استهلاكية..
وبطبيعة الحال ومن البديهي، فإنّ التشريعات الإلهية غير التشريعات الوضعية للإنسان، فحينما يضع الخالق عز وجل التشريعات، يضعها بمنظور الجعل التكويني للمخلوق العاقل وغير العاقل، والمتحرك والساكن، والمتغير والثابت، والمنظور والظاهر، وغير المنظور والباطن..
ومصداق ذلك محتوى القرآن الكريم اللا محدود، وما أوضحته الأحاديث النبوية الشريفة، وما أوضحته أقوال الأئمة الأطهار (عليهم السلام، وما يجود به علوم القرآن الكريم والاستنباط الفقهي، وفقه الحياة الشاملة والواسعة في التشريع الإسلامي، ومنه الفقه الاجتماعي وكل ما له علاقة به،، وكل ما يتبع الصراط المستقيم على مدى الحياة وتطوره..
وما جاء في نهج البلاغة، إلا مُستقى من أنقى وأرقى ثمار الشجرة الطيبة ؛ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أَكَلَهَا كُلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (25) سورة إبراهيم..
وثمرها لبناء الحياة الدينامي (الحركي) المواكب لكل متطوّر، بالوقاية والعلاج ووضع الحلول لكل موقف، ولاسيما في مقدمته معالجة معضلات التكوين والبناء الاجتماعي والإنساني
وجانب منه ما سنتناوله في هذا الفصل، وبالمحاور الآتية :
المبحث الأول : بناء الفرد والمضامين الاجتماعية.
المبحث الثاني : بناء الفرد – المجتمع.
المبحث الثالث : الصداقة وفلسفتها الاجتماعية – الإنسانية.
المبحث الرابع : بناء وتماسك المجتمع ودور الاحتجاج فيه.
المبحث الخامس : التغيير الاجتماعي.
المبحث السادس : التخاط والتنمية الاجتماعية.
المبحث السابع : السياسة الاجتماعية وأثرها على مسيرة المجتمع.
المبحث الثامن : التغيير السياسي والمجتمع..
أخطر ما يمر به الإنسان (الفرد)، هو التكوين والبناء الذي يتطلب تأدية الواجبات والحقوق اتجاه الذات والآخر، وما يُقابله عمل الآخر ؛ كفرد وجماعة ومجتمع، وبالشكل المترتب على صالح الأعمال المؤداة أو المطلوبة الأداء..
وما يتطلبه من دقة تفاصيل هندسة البناء المادي وغير المادي والنفسي والروحي والمجتمعي والعلمي والمعرفي والإبداعي وكل ما يُكامل الحياة وحضارتها الإنسانية، و امتداد متطلبات سلامة بناء النظام المفتوح واستدامته في إعادة هندسة أنشطة ومكونات الحياة، المواكب لكل نمو وتطوير وتغيير قويم، وعقلانية الإنسان واكتساب الخبرة والعبرة للعمل على الإفادة من التاريخ والآثار، ولاسيما ما يتجه نحوه علم الاجتماع واهتمامه ودراسته للمجتمع - التاريخ، وهو ما نستقرأ مضامينه والإشارة إليه في الذكر الحكيم : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) سورة محمد..
وجعل الخالق عز وجل الإسلام هو الحياة النابضة بالسلام وسلامة الإنسان وفكره وإنسانيته، ومنه ما يترتب على سلامة الحياة الاجتماعية التي لا تتوقف إلا عند وقت يشاءه تعالى، لتبدأ الحياة الحقيقية العظمى والرفيعة، الحياة الأخروية، امتثالاً لمكانة الإنسان الحقيقي عند الخالق الأعظم..
ويأخذ المضمون أو البعد الاجتماعي Social Distance الدور الفاعل في بناء الفرد من خلال ثقافة الفهم والاستيعاب والتفاهم ومعرفية المحاورة ومحاورة المعرفة، وانطلاقاً من محتوى ؛ التعلم والتربية
والتعليم، والتأثير البيئي وبلورته، بما فيه الوسط العائلي والأسري وموقع الفرد في خريطته وأنشطته وإسهاماته المتنوعة، وما يصل إليه من وعي مطلوب واستيعاب يحقق الاستقرار والأمان والتفاهم وتواصل الفهم المتبادل والاستعداد Aptitade للاستجابة Response، والاتجاه بعقلانية ورشد، وتعزيزه الفردي والمجتمعي، والحيلولة دون أن يكون المسبب في توالد الخلل الاجتماعي Social Disorder المربك والمهدد للبناء والتطور الاجتماعي، والحد من الدور الخطر المؤدي لتفاقم المشاكل الاجتماعية والتفكك الاجتماعي..
والأخذ بنظر الاعتبار، أن لا يُستبعد بأن يكون أحد أفراد المجتمع، وبالجريرة التي يقترفها، يُسبب مشاكل، ربما تتعدى بآثارها ذلك المجتمع، لتصل إلى مجتمعات أخر، ولا سيما حينما يكون الشخص بمستوى صاحب أو صانع القرارات أو السياسي القيادي، مما يطراً على العلاقات المتبادلة بين المجتمع الواحد أو يتعداه بين المجتمعات ؛ بالسلبية والصراع وهدر الطاقات والأرواح البشرية، أو على الأقل ما يطراً من عدم الاستقرار والطمأنينة، أو قد يؤدي إلى انحراف أفراد آخرين أو جيل من الشباب المعول عليهم لبناء مستقبل الحضارات..
ويظهر التوجه والتوجيه الإنساني والحضاري الإسلامي، مما احتواه نهج البلاغة منذ قرون، وهو المستمد أصوله من المدرسة الرسالية القرآنية - النبوية الشريفة، ومما يكشف عن أهمية المعالجات الفكرية والمعرفية ومتطلبات قويم المناهج لبناء الفرد بأعمق أسسه الإنسانية - الحضارية، ونبدأ لنقف عند هذه المضامين والمحتوى البيئي والبيولوجي والنفسي، ونستقي منه بالخصوص ما يمتلكه من المضامين الاجتماعية، وهو اتجاه الدراسة.. حيث يقول (عليه السلام) :
(أم هذا الَّذِي أَنشَاهُ فِي ظلماتِ الأَرْحَامِ، وَشُغف الأستار، نُطْفَةً دِهَاقاً، وَعَلَقَةً مِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً ويَافِعاً، ثمَّ مَنَحهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِسَاناً لافِظاً، وبَصَراً لاحظاً، ليفهم مُعتبراً، ويُقصِّر مُزْدَجِراً ؛ حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالَهُ، وَاسْتَوَى مِثَالُهُ، نَفَرَ مُسْتَكبراً، وَخَبَطَ سَادِراً، مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ، كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ، فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ أَرَيهِ، ثُمَّ لا يَحْتَسِبُ رَزِيَّةٌ، وَلا يَخْشَعُ تَقِيَّة ؛ فَمَات فِي فِتْنَتِهِ غَرِيزاً، وَعَاشَ فِي هَفْوَتِهِ يَسِيرًا، لَمْ يُفِدْ عِوَضاً، وَلَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً، دَهِمَتَهُ فَجَعَاتُ المَنيَّةِ فِي غَيْرِ جِمَاحِهِ، وَسَنَنِ مِرَاحِهِ، فَظَلَّ سَادِراً، وَبَات سَاهِراً، فِي غَمَرَاتِ الآلامِ، وَطَوَارِقِ الأَوْجَاعِ وَالأَسْقَامِ، بَيْنَ أَخِ شَقِيقٍ، وَوَالِدٍ شَفِيقٍ، وَدَاعِيَةِ بالوَيْلِ جَزَعاً، وَلَادِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً؛ وَالمَرْءُ فِي سَكْرَةٍ مُلهِثةٍ، وَغَمْرَةٍ كَارِئةٍ، وَآلةٍ مُوجِعَةٍ، وَجَذبَةٍ مُكْرِبَةٍ، وَسَوْقَةٍ مُتْعِبَةِ، ثمَّ أَدْرج في أكفانِهِ مُبْلِساً، وجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً..) (1).
1) المرجع نفسه / ص 112 - 113.
وبمنظور تحليلي اجتماعي، يبدا تكوين النشأ ضمن الجو البيئي الدقيق الواسع بمحدوديته و خصوصية عالمه واجتماعيته ؛ (أنشأهُ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ، وَشُغفِ الأَسْتَارِ)، والجميل بعظمة وخصوصية البيئة، الشاملة للمخلوق الجنين وأمه، حيث خَلَقه الله عز وجل بالشمول البيئي على أعمق وأدق الاتجاهات الغريزية والفطرية الأمومية، وما يتحقق من حتمية الإشباع، ومما يحتويه من عمق الطمأنينة والحنان والألفة والمحبة والانتظار..
تبدأ من الأمومة وتطورها البيئي - البيولوجي والفسلجي والنفسي، والمتمثلة نبضها من التزاوج والاتصال الجنسي بين الأم والأب، وتكون عند مستودع رحم الأم والأمومة : (نُطْفَةً دِهَاقاً، وَعَلَقَةً محاقاً)، وحلقة الوصل بين عالم محدود وعالم محدود عند ؛ (وَجَنِيناً وَرَاضِعاً)، ليلتحق ويتواصل بنموه داخل البيئة وتطوراتها وامتداداتها الأوسع، حتى تتحقق بلورة البيئة الأسرية – الاجتماعية..
وبعدها تتحوّل لمرحلة أخرى معززة بمدلولات أسرية - اجتماعية، وامتدادها الزماني والمكاني والموقفي، وجانب من هذه الامتدادات النضوج النفسي - الفسلجي ؛ (وَوَلِيداً وَيَافِعاً، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِسَاناً لافِظاً، وَبَصَراً لاحظاً)، وعندها يتأمّل ويتهيأ، بنضوج وبلوغ تكاملية الجعل التكويني للإنسان، ومنه ؛ القلب والحفظ، واللسان واللفظ ببيانه ودلالاته، والبصر والملاحظة ودقة تحديد اللحظ، المواكب بنموه وتطوراته لمثلث بيئة النضوج العقلي والعلمي والمعرفي المتمثل ؛ بالتعلّم التربية، التعليم..
ومنه ما يدعم آليه الجعل التكويني للإنسان، المتواصل بجعله المتلائم والمتوافق مع التشريعات الإلهية والوضعية ؟ (لِيَفْهَمَ مُعتبراً، َويُقَصِّرَ مُزدَجِراً)، ويكون عند عتبة برنامج الطفولة والأمومة، وما يترتب عليه ويكتسب ويتأثر بالمكون والمحيط البيئي، ومحوره الفهم، بالمخطط وغير المخطط له، والمنظور وغير المنظور، وضمن العوامل التابعة والمستقلة، والاتجاه ببلورة وبناء الشخصية، ومنها تكوين وبلورة شخصيته الاجتماعية من كونه رضيعاً حتى انتهاء آخر نبض في عروقه..
وتظهر حتمية البناء الأسري - المجتمعي، كبيئة وكفكر، وبيئة نفسية عامة وخاصة، واتجاهات سلوكية متنوعة، بين الاختبار والاختيار والضغوطات الأسرية والضغوطات الاجتماعية والضغوطات العقائدية والتشريعية بمختلف أشكالها واتجاهاتها، وضغوطات حتمية الموت وحتمية عدم البقاء أو زوال الدنيا، متأثراً ومؤثراً بنسب متفاوتة، بين ما يترتب من علاقات اجتماعية منها ما يتمثل في :
العلاقات الاجتماعية العمودية Vertical Social Relations.
العلاقات الاجتماعية الأفقية Horizontal Social Relations.
العلاقات الاجتماعية الرسمية Formal Social Relation.
وما يشترك بين هذه العلاقات، وربما غيرها من العلاقات الاجتماعية الجانبية والموقفية المشتركة، وبمختلف الظروف ومتغيراتها وثباتها، وما مخطط وغير مخطط لها، المتوقعة وغير المتوقعة النتائج..
ويظهر في كل الأحوال الخطوط العامة لما قبل الحياة ومروراً بها، واستعمالاتها الاجتماعية، حتى الانتقال إلى عالم، عنده تفقد فيها الأعمال أساس الحساب الدنيوي، وهنا المؤشر الدنيوي عموماً يقوم على الاستيعاب، منها الثقافية والعقائدية، بكل مكوناته ؛ الفردي والجماعي والمجتمعي، والتعامل معها بمنظور ؛ اللا إيمان، والإيمان، واليقين، ولكلّ له انطباعاته وتعزيزاته ومدى تفاعل الاستجابة له، وما يحقق من السلوك الوظيفي والأدائي، وأعلاه المؤثر على المجتمع..
وغالباً ما يتأثر بناء العلاقات الفردية وعقلنتها الاجتماعية على منظومة متعددة الأطراف والاتجاهات ومنها ما يتعلق بمعايير العمر والمكان والموقف، وهو ما يشمل عليه النص المبارك، وبطبيعته يبدأ من عمر الفرد وما يترتب على كل مرحلة من مراحل النضج العمري - العقلي، كالطفولة والشباب والكهولة، ومنها اتجاهات المترتبات والمسؤوليات والالتزامات الاجتماعية - الأخلاقية..
وربما يظهر محرك الحاجة للقوة Need for Power، وما يترتب عليه من مستوى الحاجة إلى إقامة علاقات ودية مع الآخرين Need for Affiliation، ولشغل المواقع المناسبة للطموحات، تظهر الحاجة للتحصيل Need for Achievement
وربما يكون الموجه حسب ما يتأثر بالتغيرات الاجتماعية المتنوعة، كما هو عليه بشكل عام :
التغير الاجتماعي التطوري Inevitable Social Change.
التغير الاجتماعي الانتشاري Diffusional Social Change.
التغير الاجتماعي الدائري Circular Social Change.
التغير الاجتماعي المخطط Planned Social Change وغير المخطط له..
ويؤثر مستوى ما يتحسب له الفرد والمجتمع من الحتمية التكنولوجية Technological Determinism ومستوى سرعة التغييرات، والاتجاه المادي وغير المادي والنفسي، ومنه ما ينجر على التغيرات الاجتماعية، فضلا عن ما ينظر الفرد في عملية البناء بمؤثرات النظر لمؤثرات البناء للحتمية الاجتماعية Social Determinism
والا ما كانت تجمع في دنياه مراحلها ؛ (ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِسَاناً لافِظاً، وَبَصَرَاً لاحظاً)، ونتيجته المترتبة ؛ (لِيَفْهَمَ مُعْتَبراً، ويُقَصِّرَ مُزْدَجِراً)، وما يتعاقب من مراحل النمو ؛ (حَتَّى إذا قَامَ اعْتِدَالَهُ، وَاسْتَوَى مِثَالُهُ)، يتمثل في أمور متعددة منها ما يتعلق بالمحرك الاجتماعي ومؤثراته وتعزيزاته
السلوكية الشخصية؛ (نفر مستكبراً، وخبط سادراً ماتحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ، كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ، فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ أَرَبهِ)، ومنه ما يتجه ؛ (ثم لا يَحْتَسِبُ رَزِيَّةٌ، وَلا يَخْشَعُ تَقِيَّة)، والحتمية المفرغ منها : (فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِياً، وَعَاشَ في هَفْوَتِهِ يَسيراً، لَمْ يُفِدْ عوضاً، وَلَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً)..
والخطورة بين الحياة والموت، حينما لا تكون للموعظة، ولا للخبرة، ولا للتجارب، ولا للملاحظة، ولا للعلم والمعرفة، أي مؤشر للامتثال والانتفاع منها وبناء شخصية الإنسان، وتقويم السلوك والأداء الفردي والجمعي ؛ (لَمْ يُفِدْ عِوَضاً، وَلَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً)..
ولابد من بناء ثقافة حتمية الحياة والموت وفلسفتها ومحركاتها وحراكها الاجتماعي، بمؤشر ما يترتب على الرؤيا والرسالة، ومنهما ما ترسم من الأهداف والغايات المعوّل عليها في وضع طبيعة البناء الفردي المخطط له، وما يترتب عليه من أداء، بمنظور ؛ (.. فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَاً، وَلَمْ يَتْرُكُكُمْ سُدًى، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ وَلَا عَمَى، قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ، وَعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ، وَكَتَبَ جالَكُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ " الكتاب بياناً لِكُلِّ شَيْءٍ "، وَعَمرَ فِيكُمْ نبيه أَزْمَاناً، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ - فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ - دِيْنَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْهَى إِلَيْكُمْ - عَلى لِسَانِهِ - مَحَابَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ، وَنَوَاهِيَهُ وَأَوَامِرَهُ، وَأَلْقَى إِلَيْكُمُ المَعْذِرَةَ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الحُجَّةَ، وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بالوَعِيدِ، وَأَنْدَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ، وَاصْبرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ، فإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِير الأيام التي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الغَفْلَةُ، وَالشَّاغُلُ عَنِ المَوْعِظَةِ، وَلا تُرَخُصُوا لأَنْفُسِكُمْ، فَتَذعَبَ بكُمُ الرُّخَصُ مَذاهِبَ الظُّلَمَةِ، وَلا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الإدْهَانُ عَلى المَعْصِيَةِ، عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ، وَإِنَّ أَغشَهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ، وَالمَغْبُونَ مَنْ غَيْنَ نَفْسَهُ، وَالمَغبوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ، " وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ "، وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ " يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكَ "، وَمُجَالَسَةَ أهْلِ الهَوَى مَنْسَاة للإيمان، وَمَحْضَرَةٌ لِلشيطان) (1).
ويظهر الجعل التكويني للمخلوق، وما يُقابله من توافق الجعل التشريعي بالبناء الأعمق والأبعد من الإستراتيجي الدنيوي والهادف، ووضوحه ؛ (فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثًا، وَلَمْ يَتْرُكُكُمْ سُدًى، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ وَلا عَمِّى)، ومنه ما يتحقق من دقة استدامة هذا النظام، ومنه النظام الاجتماعي المستدام ؛ (قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ، وَعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ، وَكَتَبَ آجَالَكُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ " الكِتابَ تبياناً لِكُلِّ شَيْءٍ "، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبيَّهُ أَزْمَاناً، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ - فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ - دِيْنَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ)..
(*) هناك للمؤلف جزء مستقل في هذه السلسلة العلمية، والموسوم بـ (البيولوجيا في نهج البلاغة)..
1) نهج البلاغة / ص 117.
ومؤشر بناء الفرد - المجتمع واضح في النص المبارك ؛ وكما يبينه النص اللاحق من توجيهات و تعزيزات نفسية - سلوكية ؛ (مَحَابَهُ مِنَ الأَعْمَال وَمَكَارِهَهُ)، (وَتَوَاهِيَهُ وَأَوَامِرَهُ)..
والحلقات المتتابعة التوجيهات للحفاظ على بناء الفرد - المجتمع ونظامه ؛ (وَأَلْقَى إِلَيْكُمُ المَعْذِرَةُ)، (وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّةَ)، (وَقَدَّمَ إلَيْكُمْ بِالوَعِيدِ)، (وَأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)، ومما يظهر مضامينه بوضوح، هو الاهتمام بخطط ثقافة الوعي وطواعية انتظام بناء ونظم الحياة الاجتماعية..
ومنه حماية محتوى البناء والمضامين الاجتماعية، واتجاه النظام والتنظيم والمنظومة باتجاهها في البناء الفردي - الاجتماعي ؛ كما هو عليه في ؛ (لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبثاً، وَلَمْ يَتْرُكُكُمْ سُدًى، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ وَلا عَمّى)، واستدامة وسلامة بناء الفرد موقعه بين ؛ الخلق، والتعلم والتربية والتعليم..
وظهور النفس مُشرعة في النص المبارك لأمير المؤمنين (عليه السلام)، لكون الفرد والجماعة والمجتمع يتوجهوا بما يمليه مستوى استيعابات وتفهم ؛ النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، والنَّفْس اللوَّامَة، والنَّفْسَ الأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ، ولكون النفس تتوسط بين ؛ الفكر ومحتواه، والسلوك وطبيعته وأدائه، وهي منتجع لنقاوة وملوث الفكر وسيطرته وتوجيهاته ؛ (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَد أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (10) سورة الشمس..
وبهذا : (إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ، وَإِنَّ أَغَشَهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ)، وتبدأ من الناس مَنْ هو أنصحهم، والأنصح يتضمن ؛ مستوى محتوى فكري واستيعاب وفهم، ومستوى مرونة التعامل وفاعلية التوقيت والموقع والموقف وانسيابية الأداء والعطاء
والنتيجة الحتمية القائمة على ذلك، هو مستوى ومدى تفاعل الفرد، وطبيعة بناء ونظام الفرد ومؤثرات الغريزة ومستوى الانجراف في تيارها : (وَالمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ، وَالمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ " وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ "، وَالشَّقِيُّ من انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ)..
ومما يتعلق بالمحتوى والمضامين البيئية، وما له علاقة بالبناء والنظام التربوي، فإن لهما تأثيراتهما على الفرد – المجتمع ؛ (أنَّ " يَسير الرِّيَاءِ شِرْكٌ "، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الهَوَى مَنْسَاةٌ لِلإيمانِ، وَمَحْضَرةٌ للشيطان)، وعليه ما يكون كيفية وطبيعة قيام البناء والنظام..
وعند الرياء والهوى في اتجاهات البنائية للفكر والنفس والسلوك، يكون الجذب البيئي، والحاضنة المناسبة وما يتحقق ليكون محضرة الشيطان، كحضور او مرجع وتوجيه وسيطرة وقرار وأداء..
ويتجه بناء الفرد ومضامينه الاجتماعية، حينما تكون الاستعدادات والتعزيزات والاستيعابات والسلوكيات والأعمال، ومنه قوة مكوّن السلوك الثقافي، وما يتحقق من منظور ميداني ؛ (مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ رَبَّحَ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِيرَ، وَمَنْ خَافَ أَمِنَ، وَمَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ، وَمَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ،
وَمَنْ فَهِمْ عَلِمَ) (1)، والبناء ونظام الفرد - المجتمع يكمن بين ؛ الحساب والغفلة، ومستوى الأمن والبصيرة والفهم والعلم في البناء والنظام..
ومنه ما يُحدد اتجاه ومدى ومستوى التعاطف التعاطف مع مطابقة ظاهرة أو حالة ؛ (الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ، وَعَلى كُلِّ دَاخِل فِي بَاطِلِ إِثْمَانِ : إِثْمُ العَمَلِ بِهِ، وَإِثْمُ الرِّضَى بِهِ) (2)..
وبهذا يكون بناء الفرد الاجتماعي، بموجه ثقافي تعلمي وتربوي وتعليمي، ومنه مستوى التمسك بصالح الأعمال، والرفض من دواخل الإنسان لكل ما هو لا يتطابق مع القيم الإنسانية – الأخلاقية..
ومما يظهر في مضامين النص المبارك، مدى خطورة التعاطف أو الانصياع للباطل، ومدى أهمية سلامة البناء الفكري وفلسفته المتطابقة مع المنحى الصحيح المتمثل بالرضى اتجاه الحق وإحقاقه، والحيلولة دون سيطرة الباطل وعمله، وما يجر من مخاطر وتهديدات على الفرد وبناء شخصيته المميزة والمتميزة، والمخاطر تكمن بين طبيعة واتجاه وآثار العمل الباطل والرضى به..
ووجه آخر لمحتوى فكري للبناء والعلاقات والنظم الاجتماعية، حينما يكون الشخص الغيور على عرضه وبذات الوقت لا يرتكب المحرمات مهما كانت صغيرة أو كبيرة، ومؤشر التزامه الميداني والسلوكي يكون على قاعدة ؛ (مَا زَنَى غَيُورٌ قَطُّ) (3)..
ولا يجتمع الشخص الغيور مع فعل الزنى ودوافعه وكل ما ينضوي تحت الفواحش وارتكاب ما حرم الله من مهددات قويم البناء الاجتماعي - الأسري، لكون أسس بناء الفرد ونظامه يكون يقويم المضامين الأخلاقية - الاجتماعية، والموجه والفاعل لمكونات السلوك وآثاره الآنية والمستقبلية..
ويتبع ذلك من آليه بناء منظومة فكرية إصلاحية، تبدأ أسسها من الذات ؛ (مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ الله عَلانِيَتَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ الله أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَحْسَنَ الله مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ) (4)، ومؤشر قوة الأسس، قيام قويم البناء وتوجيهات النظام التطبيقي للشخص..
والسر والعلانية، والدين والدنيا، الفرد والخالق والناس، جميعها حلقات حركية تجمعها المنظومة والبناء الفكري للفرد - الناس (المجتمع)، ومنه مستوى سلامة السلوك والأداء، والمنبثق من مستوى القناعة والتعزيز والاستعداد والعمل والنتائج على أسس الخطط المستدامة المرسومة وغير المرسومة..
واتجاه منهجيته (عليه السلام) في منظومة البناء - النظام للفرد، تكون حسب توجيهات الانفتاح النظامي على الناس أو المجتمع ؛ (أَلا وَإِنَّ اللّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ المَالِ يُورِثُهُ مَنْ لا يَحْمَدُهُ) (5).
وبموجبه يكون المحتوى أو المكوّن لبناء الفرد، بما فيه بناء علاقات ونظم الفرد مع المجتمع، والبناء الروحي وبما يُمليه المنطق الإنساني والأخلاقي لتماسك المجتمع، وما يتطلب البناء المادي وسلامته، والابتعاد عن كل ما يُهلك الإنسان من جموح الجشع والتشبث بالحياة الزائلة على حساب العمل الصالح والدين والآخرة، وربما يتجاوز بتفاقمه للمساس بالمجتمع وتهديد أمنه واستقراره وتماسكه، والإخلال ببناءه ونظمه ومستقبله ومستقبل حضارته..
ويُخاطب (عليه السلام) العقول بالخطاب الجمعي، وبالحث على سلسلة البناء الفردي - الجمعي والمجتمعي، وباتجاه وتعزيز الاستعدادات الفكرية والنفسية للسلوك، المجسّدة لطبيعة بناء الشخصية وبلورتها، واتجاه العمل الفاعل والتماسك الواعي، حيث يقول :
(عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادَ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ الله عَلى نَفْسِهِ، فاستشعَرَ الحُزْنَ، وَتَجَلْبَبَ الخَوْفِ ؛ فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الهُدَى فِي قَلْبِهِ، وَأَعَدَّ القِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بهِ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ البَعِيدَ، وَهوَّنَ الشَّدِيدَ، نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ، وَارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهْلاً، وَسَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً، قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ، وَتَخَلَّى مِنَ الهُمُومِ، إِلا هَمّاً وَاحِداً الْفَرَدَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ العَمَى، وَمُشارَكَةِ أَهْلِ الهَوَى، وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحَ أَبْوَابِ الهُدَى، وَمَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى، قَدْ أَبْصَرَ طَريقَهُ، وَسَلَكَ سَبيلَهُ، وَعَرَفَ مَنَارَهُ، وَقَطَعَ غِمَارَهُ، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ العُرَى بِأَوْثَقِهَا، وَمِنَ الحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوءِ الشَّمْسِ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ اللهِ - سُبْحانَهُ - فِي أَرْفَعِ الأمور، مِنْ إصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيهِ، وَتَصْيرِ كُلِّ فَرْع إلى أَصْلِهِ) (1).
وبكل مستويات البنى من أدناها حتى أعلاها، يكون البناء التقويمي للفرد على مبدأ إستعدادات الشخص وبها يتعزز ؛ (أَعَانَهُ اللهُ عَلى نَفْسِهِ)، والتحسس على فاعلية الإعانة ؛ (فَاسْتَشْعَرَ الحَزْنَ، وَتَجَلْبَبَ الخَوْفَ)، وتتعدد معالجات النظم بتعدد المواقف والرؤى والقرارات وتتقوم بسوي الحزن والخوف على مستقبل نظم الحياة، المقابل لتنوع الحراك الوقائي والعلاجي المستدام، وتفاعله الإنساني والأخلاقي، ومنه مؤشرات النجاح ؛ (فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الهُدَى فِي قَلْبِهِ)، بالتوازي مع ؛ (وَأَعَدَّ القِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بهِ)، وصور النتائج وآثارها الميدانية ومنها الفاعلية الاجتماعية وثمار فعله ؛ (فَقَرَّبَ عَلى نَفْسِهِ البَعِيدَ)، بالتوازي مع ؛ (وَهوَّنَ الشَّدِيدَ)، ليتحقق عامل رفع المعنويات الفردية والجمعية والمجتمعية لتعزيز الإقدام للأداء بكل ثقة بالنفس على أسس وبناء مخطط له..
ومن اتجاهات بلورة وعي وقوة بناء الشخصية، هو الشعور والتفاعل مع الآخر، والتفاعل العلاجي والوقائي مع ملمات الحياة وما تؤول إليه، وما يوجه به الفرد التوجيه الواضح المعالم والقويم،
1) المرجع نفسه / ص 118.
وما يتحقق له من تماسك ما يمتلكه من قوى داخلية كامنة، حين تظهر مكنوناتها المتفاعلة الأداء باتجاه ما يحقق الخير والنفع، وهو ما يجعله في الرؤى والأجواء والحركة ؛ (أبصر، وسلك)، (وعرف، وقطع)، وبالبدائل ؛ استمسك (بأوثقها، وأقواها)..
ويكون مع الآخرين في التآزر والبناء والتماسك، منطلقاً من ثقافة كما يحب لنفسه يحب لغيره، وما يكره لها يكره لغيره، كما يعرف ما يؤثر في غيره، وعندها تتجه معرفة نظم وسبل بناء ما يترتب من منوّع العلاقات الاجتماعية والإنسانية ؛ بمختلف اشتراطات العلاقات ؛ الحضورية والغيابية والانقطاعية، وأن : (لا يَكُونَ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثلاث : فِي نَكْبَتِهِ، وَغَيْبَتِهِ وَوَفاتِه) (1).
ومما يدعم التوجه للصداقة، أمور ومقومات عديدة منبثقة من العاطفة والإحساس والميول، وربما تشترك النظرة الموضوعية والذاتية والتعاطف الإنساني والعمر ونوع جنس الإنسان وما يُكاملها..
ومنه ما يتحقق الجانب الداعم لروابط الصداقة الفردية والجماعية، وما يتعلق بالظروف والمواقف الطارئة من النكبة والغيبة والوفاة، والتعاطف معها، إلا المنفذ لمصداقية تحسس روابط الصداقة، وهو عامل إستراتيجي فاعل في بناء الفرد واتجاهاته وتفاعله الجمعي، وهو منهج تربوي يتطلب أن تأخذه المؤسسات التربوية بنظر الاعتبار في خططها ومناهجها..
وكذلك هو في طليعة وأولويات التوجه لبناء دواخل الفرد، ولذا لابد من أن يبدأ تأهيل البرامج التربوية من التوجه في معرفته وتجربته ومزاولته التطبيقية للمنهج التقويمي التحسسي أو الشعوري من الذات بالتوازي مع الآخر حتى يتوجه لتقويم الآخرين وحثهم على الطاعة وأخلاقياتها، ومنه منطلقاً للإسهام في بلورة تماسك المجتمع، ولذا يقول (عليه السلام) :
(أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي، وَاللهِ، مَا أَحْثُّكُمْ عَلى طَاعَةِ إلا وأسيفُكُمْ إلَيْهَا، وَلا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ إلا وَأَتْنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا) (2).
ونجاح القيادي وتماسك القيادة، ومنها القيادة الاجتماعية، تبدأ من السبق للأمر ثم المطالبة للحث على الطاعة، والرافد للتناهي هو ثقافة النهي قبل وقوع المعصية، وهو ما يُجسد تنمية الإفادة من التجربة والحدس والتحسس والشعور الذاتي، ومستوى مصاديق الوعي والثقافة التنظيمية الراسخة للفرد - المجتمع، وهو مما يُدلله على مدى قوة الإحساس التضامني لمستقبل المجتمع وتقدمه، ومتطلبات المراحل الإصلاحية المستدامة لبناء الفرد، وما يكون الحاضر في دواخله، وما يتطلب أو ما يجب أن يكون عليه المجتمع لبناء مستقبله، وما يستطيب من نقي الفكر المحقق لسوي النفس وقويم السلوك..
بهذا تبرز أهمية توازن الفرد وسلوكياته، للاتجاه المتزامن مع التوازن الاجتماعي Social Equilibrium وما يتطلبه من سلامة البناء الفكري والمعرفي، ومنه سلامة الملاحظة والتشخيص بالحواس التقليدية والحديثة الاكتشاف، وما يتوالد من الجانب التربوي والتعليمي، وما يتطلب من النظرة المعرفية، كما هو عليه الانتفاع من أصناف المعرفة ؛ كالمعرفة التقريرية Declarative knowledge، والمعرفة الإجرائية Procedural knowledge، والمعرفة الشرطية Conditional knowledge
ومنه ما يتبادر بدعمه أثر التعلم والتربية والتعليم، وهو جانب مما يظهر في البناء التعلمي والتربوي والتعليمي، وما قبل وأثناء وبعد الاستقاء العلمي والمعرفي، بالدافعية والإدراك والكفاءة والفاعلية، وتحليل المحتوى، ومستوى البناء للمنظومة المعلوماتية - المعرفية، وما يتجه ببناء الاستراتيجيات والفلسفة التربوية، ومدى الاندماج في الأنشطة التربوية - التعليمية في قوله (عليه السلام) :
(فَمَا طَابَ سَقْيُهُ، طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَمَا خَبُثَ سَقْيَهُ، خَبُثَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ) (1).
ويمكن القول بان جانب من مضامينه هو ما يتعلّق بعلم الاجتماع التربوي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس التربوي، وعلم نفس الطفل، وعلم النفس المقارن، وجميعها وغيرها تشترك في انسيابية منظومة ؛ التربية، النفس، الإنسان ؛ (كفرد وجماعة ومجتمع)، وتتركز يسقيها عند طبيعة المحتوى العلمي والمعرفي، وحلقاتها المخطط لها وما يتم تنفيذه ونتائجه..
فحينما يجمع (طَابَ) بين ؛ (سَفْيُهُ) و (غَرْسُهُ)، تكون النتيجة (ثَمَرَتُهُ) وما تتصف به من جودة عالية مؤشرها (حَلَتْ)، وحينما يجمع (خَبُثَ) بين (سَفْيُهُ) و (غَرْسُهُ)، تكون النتيجة الميدانية (ثَمَرَتُهُ) وما تتصف بانخفاض الجودة ومؤشرها (أُمَرَّتُ)، وهو مما يُبين العوامل المستقلة والتابعة، والبيئة الداخلية والبيئة الخارجية، وخطورة التلوث بكل أشكاله..
وتتضح أمور متعددة، منها ما يتعلق بجوانب النظم والبناء التربوي - التعليمي، وما يتعلق بالعطاء الإبداعي الريادي، أو ما خالفه أو يعترضه ويعيق انسيابيته المتمثل بطبيعة التحديات والتهديدات، ومنه ما يتحقق من مستوى الاستيعاب والتفاعل الحضاري، وما يشمله من بناء شخصية الفرد، نمرد، بالتعلم والتربية والتعليم، وبمحتوى ما يتلقاه في بيئته، وما يتمثل من الرغبات والاستعدادات والتعزيزات والقدرات وما يُكاملها، ومنه ما يتجسد من مستوى العطاء وثماره، والمخطط المبسط الآتي، يُقرب جانب من محتوى النص المبارك والفكرة والمنظومة التربوية ونتائجها :
1) المرجع نفسه / ص 216.
مخطط (13) يبين منظومة البناء التربوي الحضاري على مستوى الفرد والمجتمع
ويُحذّر الإمام علي (عليه السلام) من التناقض والازدواجية في الكلمة والرؤيا والتصور والرسالة المؤثر على بلورة الأهداف والغايات، وربما يمتد للتناقض والازدواجية مع البيئة والتخطيط والتنفيذ وطبيعة الأداء والمستقبل، مؤثراً فيه على الذات الفردية والجماعية وعلى طبيعة البناء الاجتماعي ومضامينه، وذلك يتضح عندما سأل أحدهم الموعظة، قال (عليه السلام) :
(لا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيُرجي التوبة بطول الأمل، يَقُولُ فِي الدُّنْيا يقول الزَّاهِدِينَ، وَيَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغبِينَ، إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ ؛ يَعْجِرُ عَنْ شكْرِ مَا أُوتِيَ، وَيَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ ؛ يَنْهَى وَلَا يَنْتَهِي، وَيَأْمُرُ بِمَا لا يَأْتِي ؛ يُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ، وَيُبْغِضُ المُذْنِبينَ وَهُوَ أَحَدُهُمْ، يَكْرَهُ المَوْتَ لِكِثْرَةِ ذُنُوبِهِ، وَيُقِيمُ عَلَى مَا يَكْرَهُ المَوْتَ مِنْ أجْلِهِ، إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً، وَإِنْ صَحَ أَمِنَ لاهِياً ؛ يُعْجَبُ بنَفْسِهِ إذا عُوفِيَ، وَيَقْنَطُ إِذا ابْتُلِيَ ؛ إنْ أَصَابَهُ بَلاء دَعَا مُضْطَرًا، وَإِنْ نَالَهُ رَخَاءٌ أَعْرَضَ مُغْتَرًا ؛ تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلى مَا يَظُنُّ، وَلا يَغْلِبُهَا عَلى مَا يَسْتَيْقِنُ : يَخَافُ عَلى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِهِ، وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ بأكثرَ مِنْ عَمَلِهِ : إِن اسْتَغْنَى بَطِرَ وَفُتِنَ، وَإِن افْتَقَرَ قَنِطَ وَوَهَنَ ؛ يُقَصِّرُ إِذَا عَمِلَ، وَيُبَالِغُ إِذَا سَأَلَ ؛ إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ المَعْصِيَة، وَسَوْفَ التَّوْبَةَ، وَإِنْ عَرَتْهُ مِحْنَةٌ الفَرَجَ عَنْ شَرَائِطِ المِلَّةِ، يَصِفُ العِبْرَةَ وَلا يَعْتَبِرُ، وَيُبَالِعُ فِي المَوْعِظَةِ وَلا يَتَّعِظُ ؛ فَهْوَ بِالقَوْلِ مُدِلٌ، وَمِنَ العَمَلِ مُقِلٌ، يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى، وَيُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى، يُرَى الغُنْمَ مَغْرَماً، وَالغُرْمَ مَغْنَماً ؛ يَخْشَى المَوْتَ، وَلا يُبَادِرُ القَوْتَ ؛ يَسْتَعْظِمُ مِنْ مُعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِل أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ، فَهُوَ عَلى النَّاسِ طَاعِنٌ، وَلِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ ؛ اللهوُ مَعَ الأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْر مَعَ الفُقَرَاءِ، يَحْكُمُ عَلى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ؛
يُرْشِدُ غَيْرَهُ وَيُغْوِي نَفْسَهُ، فَهُوَ يُطَاعُ وَيَعْصي، ويستوفِي وَلا يُوفِي، وَيَخْشَى الخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ وَلا يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ)(1).
وما مخاطر البناء البعيد عن أصول المحتوى الاجتماعي السليم إلا صادر عن اتجاه وميول ورغبات وعمل الفرد، وكاتجاه فردي وجمعي ومجتمعي، يتوجه بين النظرة الدنيوية والأخروية..
ومستوى ما يظهر من التوازن بين الرجاء والأمل، خطوة وسطية، ترفد البنى التحتية لمستقبل الفرد - المجتمع، وما يترتب على هذا وغيره من مستوى تطابق الخطط والتصور مع القدرات والدوافع والرغبات والحاجات والأداء والإشباع، وهكذا مضامين الموعظة المباركة، وما تحمله من دروس تُجْمِل الوقاية والعلاج الفكري والنفسي والسلوكي الفردي والمجتمعي..
وبهذا يمكن الإفادة منها في مجالات الخطط التربوية، كغيرها مما تقدّم وما سيلحق، ومن أدلة ذلك، الإفادة مما يحمله من مضامين ؟ (لا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُول الأمل)، فهي تعطي الدفع الراسخ لمستقبل التنمية المستدامة ومنه ما تتطلبه مراحل التطوير، ومؤشر وأهمية وضوح مكونات الحلقات الإستراتيجية، ذات النظرة الدنيوية - الأخروية، حتى وإن توقفت عند زمن معين، فلا تتقادم آثارها بالمفهوم الإسلامي..
وبذات الوقت يكون مستقبل بناء الدواخل الفردية والجماعية، بإعادة هندسة الذات وبكل تفاصيلها، ويتضح محورها عند مضامين النص المبارك ؛ (لا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ، ويرجي التَّوْبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ)..
وتتجه الموعظة بمضامين متعددة، منها ما تكون ضمن علم الاجتماع، وأخرى تتعلق في مجال علم الأخلاق، المبني على أساس سوي النفس وقويم السلوك، وستكون دراسة مستقلة للأخلاقيات وعلم الأخلاق ضمن هذه السلسلة العلمية في نهج البلاغة، إن شاء الله تعالى.. (2)
فإذا تجاوز الفرد هذه الازدواجية والتناقضات التي تؤثر على بناء شخصية الفرد وسلوكياته وقراراته وآثاره، وانعكاسات ذلك على الدولة والمجتمع الآنية والمستقبلية، فيكون عندها ؛ (الخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَ) (3).
وضمن البناء التربوي والأخلاقي للذات الفردية المنتجة، أن يكون بحسب قوله (عليه السلام) :
(كَفَاكَ أدَباً لِنَفْسِكَ اجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْركَ) (4)
1) المرجع نفسه / ص 417 – 419.
2) كما أن هناك دراسة للمؤلف شارك بها في مؤتمر نهج البلاغة الدولي لجامعة الكوفة / مركز دراسات الكوفة، ومنشورة ضمن وقائع بحوث المؤتمر بشكل كامل، والدراسة موسومة بـ : (أخلاقيات العدالة في عهد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ) للأشتر النخعي (رضي الله عنه).
3) نهج البلاغة / ص 305.
4) المرجع نفسه / ص 548.
ومؤشر الحماية الوقائية - العلاجية، ومؤشر الاستشعار والتحسس بالذات وبالتزامن مع الآخر الفرد - المجتمع، وربما يتعدى لحماية الآخر قبل الذات، والتحديد والتمييز بين موقع وبيئة الرغبة وبيئة اللا رغبة، وبيئة الميول وبيئة اللاميول، وبيئة التحسس والاستشعار وبيئة اللا تحسس واللا إستشعار، وبيئة الحاجة والرغبة والإشباع المستدام، وما يُخالف ذلك..
وبفكرة وحقيقة ممكن تطبيقها بتعدد وتكاملية أفرادها على المستوى المجتمعي، للوقوف النظامي والبنائي اتجاه التحديات والتهديدات والمخاطر، واستثمار كل الفرص المواتية لخدمة الإنسانية وتنميتها وتطويرها في دواخل الإنسان، وتنمية وتطوير القدرات والقوى الكامنة والظاهرة، ومنه الحماية ومعالجة كل حيثيات الضعف، أو على الأقل الحد منها ومن تناميها..
وهو ما لم تصلها أفضل النظريات والتطبيقات الإنسانية، واستيعاباتها تنبثق من ؛ مستوى ثقافة الاستشعار والتحسس، والمتزامن معه ؛ مستوى المحتوى الفكري والعلمي والمعرفي..
ويعني هناك تمارين داخل هذه المنظومة تظهر بدقتها بالتجربة والخبرة والتعلم والتربية والتعليم، ليكون فاعلية وعمل وحركة مفرغة دائرية وانفتاحها على المحيط والبيئة الخارجية، ومنه ما يدلل على اعتبار شخص المجتمع متكامل في مؤثرات الأداء الإيجابي والسلبي والشعور بوعي وثقافة عالية، واختيار النافع والمثمر على أساس الاستشعار بالذات والآخر في آن واحد متكامل..
وبهذه النظرة الإسلامية، وما أولاه الإسلام من أهمية بالغة، ركز على مبدأ الاستشعار والتحسس والشعور بالآخرين، وعندها يكون اتجاه النظرة والاستثثار ؛ دنيوية - أخروية، وحقوق وحلال وحرام، لكون هذا المبدأ سيكون مقوم للأعمال وموجه لها على أساس الثقافة التحسسية التنظيمية ومنه المجتمعية والبناء التربوي الاجتماعي الرصين الذي يحقق سلامة الفرد والمجتمع..
ونرى في الدول المعاصرة المتقدّمة : تم تطبيق بعض مضامين هذا التوجه، داخل المجتمع المؤسساتي ولاسيما المجتمع الصناعي وورش الأعمال، وبالرغم من جني ثماره المتعددة والرائعة، وما حققه من علاقات اجتماعية - إنسانية، وما رفع من المستوى الكمي والنوعي للمنتوج، وما كان مردّه على مكانة المشروع وتطوره، وما جلب للمستثمرين من ارتفاع لمستوى الأرباح، إلا إن اتجاه نظرته تقتصر ولا تتعدى الحدود الدنيوية..
وأيضاً منهج تربوي أخلاقي - سلوكي آخر لبناء دواخل الفرد، وما يلحقه من سوي العلاقات الإنسانية ونقي الأجواء الاجتماعية، وذلك من خلال التحذير التقويمي الوقائي : (وَإِيَّاكَ وَمُصَاحَبَةً الفُسَّاقِ، فَإِنَّ الشَّرِّ بالشَّرِّ مُلْحَقِّ).. (1)
1) المرجع نفسه / ص 460.
وتحذيره (عليه السلام) من مصاحبة مَنْ يرتكب المعاصي، الدرع الواقي من الانجراف والانحراف عن سواء السبيل، لكون مصادر التربية تتعدد، منها ما يتعلق بالبيئة والأصدقاء، وطبيعة السلوك وآثاره على الصاحب والقرين، عندها حتى وإن لم يصدر الفُسق والسلوك المنحرف منه وصدر من صاحبه، نظر إليه المجتمع بنظرة الريبة وما يشوه صورته أمامهم، أو ربما جرّ عليه، المصاحب له والمرتكب الجرم، جانب مما أجرم بحق المجتمع..
وعموماً وبخصوص موضوع الدراسة، بناء الفرد والتنشئة والمضامين الاجتماعية، يمكن أن نجمل من بين أهم ما نستوعبه مما تقدّم من النصوص المباركة، الآتي :
1 - للتطور والتكامل البيولوجي، أهمية كبيرة في تكوين الفرد اجتماعياً، لما يحققه من استيعاب روعي إنساني من خلال مسببات ذلك من القلب الحافظ، واللسان اللافظ، والبصر اللاحظ، والاستيعاب والتفهم باعتبار ذلك..
2 - يكون سلوك وعلاقات الفرد الاجتماعية، يُبنى على أسس النضج الفكري - الاجتماعي الذي يؤهله لاستيعاب ما حوله، بمستوى معين من العقلانية والرشد الفاعل..
3 - يتفاوت الاستيعاب والنضج والتعامل العقلاني الرشيد بين ؛ فرد وآخر، وجماعة وأخرى، ومجتمع وآخر، بين الفهم والاستعاب الفردي والجمعي والمجتمعي، بمحددات التوقيت والمكان والموقف الاجتماعي، وبلورة الفرد بكل معنى بلورة الشخصية - الأدوار داخل المجتمع والمحيط..
4 - إنّ الخالق عز وجل، لم يخلق الإنسان عبثاً، وبذات الوقت، لم يتركه بلا نظام وتوجيه، بل جعل - سبحانه وتعالى، منفذ الإنسان التكويني وانفتاحه على التعلم والتربية والتعليم، والبناء العلمي والمعرفي، و مرشد الإنسان العاقل بهدى الكتب السماوية، بتوجيهاتها لنظام وتنظيم وهندسة الحياة، وبضمنها التنظيم الاجتماعي، والأنبياء والرسل والأوصياء (عليهم السلام) الوسيلة والمنهج لإيصال ذلك..
5 - عرف الخالق عز وجل مخلوقه بمنهجه القويم، وعلمه الاستقامة ونتائجها، والانحراف ونتائجه آثاره، ومن خلال الاختيار والانتهاج، يكون الثواب والعقاب، و يتوقف مستقبله على ذلك..
6- العلاقات والأنشطة الاجتماعية، لهما ما يُقابلهما في الحياة الاجتماعية الدنيوية، إما تكون منظورة أو غير منظورة، وامتداداتها وتكاملها مع ما يلحقها من الحياة الأبقى الأبدية..
7 - كل ما أنزله سبحانه وتعالى من شرائع وتعاليم وقيم وأخلاقيات نظام وتنظيم الحياة الدنيوية، وصالح الفرد والمجتمع، وحقيقة شاخصة ؛ بغنى الخالق عز وجل عن خلقه وأنشطتهم، وحاجة الخلق لله تعالى، لذا فإنّ أنصح الناس لنفسه، أطوعهم لربه، لكون التقويم يبدأ من الذات وقبل وبعد التخطيط والتنفيذ والأداء والنتائج وآثارها..
8 - الاختلافات التي تحدث بين أفراد المجتمع، وانقياده لظلمات الفكر وملوثه، يسبب تباه الأفراد وضلالهم عن سواء السبيل، وحتمية تفرقهم وبغضهم وشقوتهم، واردة الحدوث..
9 - متابعة الفرد لسلوكياته الاجتماعية، ومحاسبة النفس وتقويم سلوكياته، يحقق ما يمسك به على زمام الحياة الدنيوية وامتداداتها الأخروية، فالخوف من العواقب واجتناب المنحرف من الأعمال، هو صمام أمان للإنسان، فالاعتبار بالتجارب الخاصة بالفرد وتجارب الآخرين، الاستيعاب والوعي والمرشد لاجتناب المخاطر والتحديات والتهديدات البيئية، وعواملها المتغيرة والثابتة..
10 - جعل الخالق عز وجل التحذير وإنارة مناهج الحياة، كسبيل ردعي وقائي، واختيار الأقوم من بين البدائل، والرضى عن منحرف الأعمال والسلوك، عقوبته الردعية كالعامل بها، فضلاً عن الراضي بها، وهو ما لا تحمله النظريات الوضعية للثواب والعقاب، وفلسفته حماية الفرد - المجتمع من تدمير الذات الاجتماعية ؛ الفردية والجمعية، وبذات الوقت هو جانب تقويمي لسلوكيات الفرد الاجتماعية، والمؤدّي بقويمه لوحدة وتماسك المجتمع ومنع الانحراف قبل وقوعه..
11 - جعل الله تعالى لِمَنْ أخلص وأصلح دواخله وسريرته، إكراماً له، أن تكون علانيته صالحة، لأنها نبتت في الأرض الصالحة للخير، وهو ما يحقق بطبيعته لقويم العلاقات الاجتماعية، لكونها تنبع من استقامة العلاقة بين الخالق والمخلوق والبيئة، وجميعها لا تقوم على صحيح السلوك الاجتماعي إلا بإصلاح الفرد لدواخله..
12 - للمنطق حضوره الفاعل في العلاقات الاجتماعية، فينبعث صلاحه من صلاح المنطق، وبقاء الذكر لا ينبعث من امتلاك الحياة المادية الدنيوية، وإنما مما يتركه من المنطق المتكامل مع الجانب اللا مادي، بالكلمة الطيبة والعلم وآثاره : (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ) من الآية 17 / سورة الرعد..
13 - من أجل ان يكون الفرد بمنهج قويم الأعمال، لابد من استيعابات ووعي واستعدادات وتعزيزات داعمة، يتقدّمها الاستعانة بالله تعالى على أمور الدنيا، والاستقاء من المصادر النقية، والتفكير والعمل فيما يكتسبه من بقاء الأعمال..
14 - يتطلب من أجل أن يكون الفرد منتهجاً قويم الأعمال، لابد من أن يبتعد عن كل ما هو منحرف، ويبتعد عن كل ما يميل به إلى الضلالة، والحد منها بالبصيرة والتبصر، والابتعاد عن كل المضللات الدنيوية..
15 - اتجاه الفرد ما يستر شد به من معايير تقويمية وقويمة لبناء شخصيته الاجتماعية، والحيلولة دون التداخل بين النفاق والدجل في العلاقات الاجتماعية الإنسانية، للوصول بانسيابية وفاعلية مثمرة إلى المبتغى، والابتعاد عن كل سلبيات ومخاطر ما يُتجه في عالمنا العولمي المعاصر..
16- الابتعاد بالوعي الأخلاقي عن انتهاج الازدواجية في الشخصية، أو الابتعاد عن منهج القول الذي يُخالف الفعل، فعند افتضاح سلوكه هذا بين المجتمع الملتزم بالقيم والأخلاق، سينحدر بشخصيته نحو عدم احترام الآخرين له، والاحترام هو ما يُعد من الحاجات المتقدمة للإنسان..
17 - ضرورة تنمية وتطوير عامل التحسس والاستشعار في النظم التربوية، وحمل الفرد أن يكون بهذا النظام الإنسان الفاعل والنافع بكل ما تعنيه الكلمة، وما تترتب عليها من مواقف إنسانية..
ما تقدّم ذكره، هو جانب مما تحمله النصوص المباركة المتقدمة، وما يتبيّن من خلالها، ما ضرورة بناء الفرد بدعم العوامل الذاتية والموضوعية في رصانة الشخصية، وما يشترك من عوامل تكوينية وغريزية واجتماعية وتربوية وبيئية، مدعمة بالاستعدادات وسلامة الوعي، وما يدخل من المضامين الاجتماعية المتفاعلة معها..
بعدما تقدّم، وما تم التوصل إليه من ضرورة الاستعداد الذاتي في تعزيز البناء الداخلي للفرد، وبلورة الشخصية المتماسكة، وما تدخل في مضامينها الاجتماعية، واستكمالاً له يتطلب أن نعرف التفاعل المطلوب لهذا النظام والتنظيم الفرعي، وتواصله بالتكامل مع النظام الرئيسي، لبناء مجتمع يضع منهج لتعزيز قوته الإضافية المستمدة من مكانة الفرد وبناء ذاته وكيانه وتكوينه الإنساني – الأخلاقي، ومنه تماسكه حسب مقتضيات الأدوار وامتداداتها وتغيير الأدوار..
وما يثمر من جعل الشخص المناسب في المكان والتوقيت والموقف المناسب، وهو جزء من تحقيق إسهام المجتمع والفرد في رصانة البناء، وما ثقافة الأدوار وتبادل الأدوار بين أفراد المجتمع، إلا جانب آخر حيوي ومتفاعل في منظومة بناء الفرد - المجتمع..
ومحددات النظم والبناء وما يسفر سه من البناء الاجتماعي المحقق لتماسك المجتمع Social Cohesion وبأعمق ما يتطلبه من وعي وثقافة اجتماعية..
وبلا ريب إن بناء الرسالة السماوية، قائم على تحقيق كل ما يصب في مصب كرامة الإنسان ؛ الفرد والمجتمع، وتبدأ من تكوين بناءه المتكامل المعزز بالتشريع الإلهي، ومنه يستمد تنظيم الحياة بكل جوانبها، لتؤهله أن يكون وحدة واحدة للانطلاق بتماسك نحو البناء الحضاري الإنساني، وما يشعره کونه الإنسان المتفاعل مع عمق إنسانيته، وما يحمل من رسالة أخلاقية يسعى لتحقيقها على سواء الصراط المستقيم..
ومن منطلق تكوين وبناء شخصية الفرد المتماسكة التي لا تنفصل عن قويم تكوين وبناء شخصية المجتمع المنتجة للحضارة، وما يترتب علية وسط البيئة الاجتماعية، وما يقتضيه التماسك الاجتماعي، يكون جانب متقدم من منحى ما يصفه (عليه السلام) بالقول :
(.. وَإِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لا تَأْخُذْهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِم، سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ، وَكَلامُهُمْ كَلامُ الأَبْرَارِ، عُمَّارُ اللَّيْلِ وَمَنَارُ النَّهَارِ، مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ القُرْآنِ ؛ يُحْيُونَ سُنَنَ اللَّهِ وَسُنَنَ رَسُولِهِ ؛ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَلا يَعْلُونَ، وَلا يَغْلُونَ وَلا يُفْسِدُونَ، قُلُوبُهُمْ في الحنان، وَأَجْسَادُهُمْ فِي العَمَل !) (1).
وهنا يظهر مدى الترابط بين مكونات روحية التكوين الفكري الجمعي، المبني على الاسترشاد بما ؛ (لا تَأْخُذُهُمْ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ) في الحق، وما تضمره القلوب، تظهره سمات وهيئة بناء تكامل الشخصية الفردية والجمعية ؛ (سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ)..
وما تحمله الشخصية من أخلاقية عملية تظهر في الأداء المكاني والزماني والموقفي، والدليل المنطقي والأخلاقي الواضح للعيان ؛ (وَكَلامُهُمْ كَلامُ الأَبْرَارِ)، وهم في نظام وتنظيم ومنظومة اجتماعية معطاءة بما ترسم لها من عطاء واسع ومؤثر على مستوى الفرد - المجتمع، بما فيه كونهم ؛ (عُمَّارُ اللَّيْلِ وَمَنَارُ النَّهَارِ)، ومُرشدهم :
1) المرجع نفسه / ص 302.
وأعظم التوازن السلوكي المنبثق منه ؛ (لا يَسْتَكْبِرُونَ وَلا يَعْلُونَ)، (وَلا يَغْلُونَ وَلا يُفْسِدُونَ)، ومنه يتحقق انسيابية وفاعلية البناء الاجتماعي، وعنده يكون ؛ (قُلُوبُهُمْ فِي الجِنَانِ)، سعيدة بقويم الأعمال والنتائج، واستدامة المردودات الإنسانية..
ولذا لذا استمرارية الثبات والثقة بالعقيدة، والأنفس الراسخة والمطمئنة بالعقيدة الإسلامية المعطاءة للبشرية، تحقق نتائجها واستمرارية العطاء ؛ (وَأَجْسَادُهُمْ فِي العَمَلِ)، وهو ما يجمع بين العمل الدنيوي والتطلع الأخروي، وما يتحقق من سعادة تحمل أعباء الأعمال، وما يترتب عليه ؛ لكل حادث حديث، ولكل مسعى جديد ومستجد ونافع..
وبهذا يُعزز الدوافع الإنسانية لديهم عند فاعلية التشريع الإسلامي، وعندها تكون السعادة المتكاملة بين الفعل الرصين والأداء العالي الدنيوي، وتحقيق العطاء المستمر، ومحوره رضى الله تعالى الذي لا يمسه كل محتال ومنافق ودجال في هذه الحياة، أين ما كان من خريطة الحياة والتنظيمات الرسمية وغير الرسمية، لذا لا ينظر الإنسان إلى الوراء كجانب مُحبط للعمل والتقويم، بل ينظر برؤى وأهداف واضحة، ويعمل بمسيرة متواصل ونافعة ومعطاءة الاستدامة ومستمرة الفاعلية..
ويضع (عليه السلام) المنهج التوجيهي لثقافة المنطق والأخلاق، بما يحقق تماسك بناء الفرد - المجتمع، وما يجمعهما مع المجتمعات الحضارية الأخرى المحيطة، وما ينتهج الآفاق الإنسانية لأخلاقية العلاقات وتهذيب الأحكام مع الذات والآخر، والدليل ما يُظهره وضوح القول وتوجيهاته :
(إنّي أكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابينَ، وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي القَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي العُذْرِ، وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ أَيَّاهُمْ : اللَّهُمَّ احْقِنُ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنَنَا وَبَيْنِهِمْ، وَهْدِهِمْ مِنْ ضَلالَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ الحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِيَ عَنِ الغَيِّ وَالعُدْوَانِ مَنْ لهج به) (1).
والسب وسيلة من الوسائل المعبرة عن السخط والرفض وما يُعبّر عن بدأ مرحلة العنف الكلامي المدمّر للعلاقات، وربما كان مرحلة من مراحل فقدان ما يسد فجوة التقويم، واليأس من إصلاح الطرف الآخر..
1) المرجع نفسه / ص 323.
لذا يضع (عليه السلام) معالجة لسد هذه الثغرة المهددة للاستقرار الاجتماعي عند ؛ (إنّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَن تَكُونُوا سَبَّابينَ)، والتحوّل إلى مرحلة التأني في اتخاذ القرار في لحظة الغضب، وكموقف تعبيري عن الآخر العد، لابد من أن يُعبر عن ما يُظهر الإنسان الفرد - المجتمع بموقف القوة الفكرية وما يعكسه من انطباع تماسك الشخصية، ومدى سلامة البيئة والتنشئة الاجتماعية..
ومنه ما يتجه نحو انسيابية حل المشكلة قبل أن تتفاقم وتتحول إلى أزمة، وعندها يظهر في محتوى البناء الإعلامي المجتمعي لنقل صور الحقائق وأخلاقياتها :
(وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ)، والوصف يقترن بالعمل والمواصفات تقترن بالإنسان المؤدي ذلك العمل، وهنا يظهر المستوى الوظيفي للبناء الإنساني والاجتماعي للحلول، ويعني الفرز بين العمل وتوقيتاته وثغراته، والشخص المؤدي له، وأخلاقيته تعني للعقلاء، الوصف الوظيفي ونتائجه، يختلف عن المواصفات الإنسانية..
ونتائجه ؛ (كَانَ أَصْوَبَ فِي القَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي العُذْرِ)، يكشف عن أساس ميداني، وما يتوجب من توضيح صورة خبرية لما يكون عليه أعداء الإنسانية وأعداء الحضارة الإسلامية الحقة، وكسب الجولة السلمية بالكلمة وما تتطلبه المرحلة الإعلامية المجتمعية، وهو مما يشمل على علم النفس الاجتماعي وعلم النفس الإعلامي، وما يدخل ضمن التمييز بين الحق والباطل والأخذ بزمام المبادرة، للكشف عن ضعف عدو المجتمع والحضارة الحقيقية، والكشف عن خطورة أهدافه..
فضلاً عن كون جانب منه يتجه صوب منهجية الطروحات، وما يترتب عليه من بيان سياسة نظام قائم على أساس منطقي وأخلاقي وإنساني بالغ لكشف الحقائق، وحلوله الموضوعية ؛ (وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ : اللَّهُمَّ احْقِنُ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنَنَا وَبَيْنِهِمْ، وَهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ)، والنتيجة العملية لاتجاه الرأي العام تتمثل في :
(حَتَّى يَعْرِفَ الحَقِّ مَنْ جَهِلَهُ) ؛ عند كشف وتوضيح مكونات الصورة الحقيقية، ليتصل بالحقائق العقلانية وما يتصل من قناعات مثمرة ومتميزة..
(وَيَرْعَوِيَ عَنِ الغَيِّ وَالعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ) ؛ وهو يمثل العلاج والوقاية من انحراف البناء، وبذات الوقت تقويمه على أسس اجتماعية ومحتوى وتكوينات وسلوكيات إنسانية..
هو ما يبني يبني عمق العلاقات الاجتماعية والأخلاقية التي تهدف الإصلاح والصلاح بدون إراقة الحقوق والدماء، وبلا حقد وضغينة، ويمثل نقطة التقاء وتحول داخل استقامة البناء وسلامة مكونات النظم السياسية – الإنسانية..
ومما يستمد منه المجتمع، بما فيه الفرد وأنشطته، القوة والمقدرة والأخاء والمحبة، استقامة ووضوح التوجه في قوله (عليه السلام) :
(أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آباط الإبل لَكَانَتْ لِذلِكَ أَهْلاً : لا يَرْجُونَ أحَدٌ مِنكُمْ إلا ربه، وَلا يَخَافَنَّ إلا ذَنْبَهُ، وَلا يَسْتَحِينَ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذا سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَمُ أَن يَقُول : لا أَعْلَمُ، وَلا يَسْتَحِيَنَّ أحَدٌ إِذا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيْء أَنْ يَتَعَلَّمَهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، وَلا خَيْرَ فِي جَسَدِ لا رَأْسَ مَعَهُ، وَلَا فِي إِيمَانِ لا صَبْرَ مَعَهُ) (1).
وإستراتيجية البناء التربوي للفرد - المجتمع الذي يجمع بين ؛ الوحدانية والقدرة والتوجه، كرؤيا ورسالة هادفة، والقوة حينما تكون الوقاية من الانحراف في اتجاهات الأداء، وهو يمثل السيطرة على الضعف وتعاظم ثبات القوة المنتجة الفاعلة بالوعي والعقلانية : (وَلا يَخَافَنَّ إِلا ذَنْبَهُ)، وحينها يتطلب أن يكون على أقل تقدير :
مستوى الخوف = مستوى الذنب
وربما يكون مستوى الخوف الصحي والسوي، عندما يكون السبيل للحد العلاجي الآني للمشكلة أو الأزمة والحيلولة دون تفاقم الذنب وآثاره، والوقائي المستقبلي للحد من تكرار الذنب أو الحد من الثغرات والفجوات التي تؤدي للذنب أو الحيلولة دون ظهور حواضن أو بيئة لتكاثر الذنوب، وهو بذاته يخدم بناء الفرد - المجتمع، وما يتعلق بالجانب التكويني والتشريعي..
والعمليات الفاعلة والمثمرة، حين يكون دقة اختيار المعلومات ومصادرها ومعرفة القدرات الذاتية على المستوى الفردي والجماعي والمجتمعي، لبناء القدرات الفعلية بما يمتلك الإنسان من سلامة العلوم والمعارف، وسلامة استثماراتها على السبيل الريادي المجتمعي، وهي منظومة يدعمها مبدأ التعلم والتربية والتعليم ؛ (وَلا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إذا سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَمُ أنْ يَقُول : لا أَعْلَمُ، وَلا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ)، وهو مما يشمل على مبدأ ؛ تعلم كيف تتعلم، وتوقف عند حدود ما تعلم، وهو اتجاه تربوي عظيم، يجمع ما بين العلم وحدود آداب العلم والتعلم والتعليم، والجُرأة في وضوح ما عليه الإنسان، لكي لا يقع في مشاكل طبيعة الأداء من جهة ومستوى احترام
1) المرجع نفسه / ص 482.
وتصديق الآخر له، ومما يمثل أعمق بناء فلسفي للفرد - المجتمع، وعنده يتطابق الوصف الوظيفي مع مواصفات الشخص القائم على تنفيذ وتأدية وظيفته، بمكانه وتوقيته وموقفه، ومنه ما يتحقق حركية ومستوى الأداء واستدامته..
ووجه آخر يتمثل بالصبر والمثابرة، ويكون المسك بزمام أمور التنمية المستدامة والتطور، ومنها التنمية الاجتماعية وبناء شخصية متكاملة للفرد - المجتمع المدعم بالإيمان العقائدي : (فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ)، ولذا جودة كل أداء لا يتحقق إلا بالصبر مع مثابرة التنفيذ..
وتكاملية الحقيقة القائمة على تماسك الشخصية، أن تجعل مبداً اجتماعي - حضاري ؛ (وَلا خَيْرَ جَسَدٍ لا رَأْسَ مَعَهُ، وَلا فِي إيمان لا صَبْرَ مَعَهُ)، لتوليد بيئة اجتماعية فاعلة، تستوعب الحقائق والمبادئ والقيم، وبالصبر يتحقق عدم التسرع والتعدي على حقوق الآخرين، وبالصبر يحمي الفرد والمجتمع من الانحرافات المقصودة وغير المقصودة وارتكاب الجرائم بحقهم..
ومنهج آخر يضعه (عليه السلام) لبناء دواخل الفرد - المجتمع، حيث يقول :
(بِكَثَرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الهَيِّبةُ، وبالنَّصَفَةَ يَكْثُرُ المَوَاصِلُونَ، وَبِالإفْضَالِ تَعْظُمُ الأَقْدَارُ، وَبِالتَّوَاضُعِ تَتِمُّ النِّعْمَةُ، وَبِاحْتِمَالِ المؤَنِ يَجِبُ السُّوْدَدُ، وَبِالسِّيرَةِ العَادِلَةِ يُقْهَرُ الْمَنَاوِيُّ، وَبِالحِلْمِ عَنِ السَّفِيهِ تَكْثُرُ الأَنْصَارُ عَلَيْهِ)(1).
ورُبِّ قول كان جناية على صاحبه، ورب قول ذهب ليُربك مكانة الإنسان العالم أو صاحب المكانة المرموقة في المجتمع، والعلاقات تُبنى بالإنصاف بين المجتمع، والمكانة تعظم بآثار ما يُقدِّمه الشخص ، وبها وبالتواضع الذي يُلغي الحواجز بين المستويات المتقدّمة على غيرها.. وهكذا..
وهو ما لا تشتمل عليه حتى النظريات الاجتماعية الحديثة، وتأثيرات المنظور السمعي والبصري والسلوكي المجتمعي، وتآزر القوى الخيرة..
وليست على الدوام تكون القوة الداعمة للمجتمع هي بالعدد والعتاد المادي، بل يكون أبلغ عدد وعُدة وعتاد، يتمثل في انتهاج النظم التربوية فيما يوحد الأمة على الخير والمحبة، ووحدة الكلمة الصادقة الطيبة على الحق، وجانب منه تتجلى صورته عندما يكون ؛ (الحِلْمُ عَشِيرَةُ) (2)، لِما يُحققه من استقرار وما يتخطى الحواجز والعواصف، لتتجلى الأمور وتستقر في نصابها الحقيقي، لتتجه مسيرة الحياة بوجهتها الصحيحة، وبذا الأخلاق وفاعلية الكلمة الطيبة، تجمع الفرد إلى جانب الآخر ليكون بناء المجتمع، ويجعل من الفرد بالتقارب والعلاقات الطيبة، المجتمع المتكامل بأهدافه المشتركة، مما يسري في عروقه وحدة الكلمة والاتفاق عليها لوحدة الناس، ليكونوا العشيرة الكريمة المتماسكة..
والارتقاء لبناء ثقافة المحاورة والمودّة بين الناس، لتعزيز النظم والبناء الحضاري، ومنه إستدامة تماسك الفرد - المجتمع، وأحد العوامل الداعمة لذلك، مضامين قوله (عليه السلام) :
(عَاتِبْ أَخَاكَ بِالإحْسَانِ إلَيْهِ، وارْدُدْ شَرَّهُ بِالإنْعَامِ عَلَيْه) (1)
ودليل رقيّ الأخوة، حين يكون العتاب بالإحسان إليه، ولا يكون معالجة ما يواجه رد الشر إلاّ بالإنعام عليه، وهو أرفع مستوى تنظيمي لتفهم الحياة والعلاقات الإنسانية على مختلف المستويات الاجتماعية والتنظيمية..
وعند الوقوف على بناء نظام الأسرة المتماسكة، لابد من رسم اتجاهات ثقافية تنظيمية، لتتحقق أدق الأواصر بين أفرادها، ومحددات الوسط البيئي التربوي، وما يترتب من إسهاماته في بناء التماسك الأسري - المجتمعي على أساس الحقوق المتبادلة، وما يوازيها من الواجبات المترتبة عليها، حيث تبدأ الحقوق من قوله (عليه السلام) :
(إِنَّ لِلْوَلَدِ عَلى الوَالِدِ حَقّاً، وَإِنَّ لِلْوَالِدِ عَلَى الوَلَدِ حَقًّا، فَحَقُّ الوَالِدِ عَلى الوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إلا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ؛ وَحَقُ الوَلَدِ عَلى الوَالِدِ أَنْ يُحْسَنَ اسْمَهُ، وَيُحَسِّنَ أَدَبَهُ، وَيُعَلِّمَهُ القُرآنَ) (2).
ومما يتضمن التركيز على الوالد والولد، وهما جانب من مكونات الأسرة من جهة، ومكون من بناء الفرد - المجتمع من جهة أخرى، وما يجمعهما من حقوق وواجبات، فإنه خير دليل على المسؤولية الكبير الملقاة على عاتقهما في تكوين وبناء الشخصية ومنه بناء وحماية نظام الأسرة وتنظيمها
ورصانتها التربوية والأخلاقية وتماسكها، لتكون منطلقاً لمستقبل الأسرة والمجتمع والدولة والحضارة.
وبمستوى تنظيم الحقوق العملية ودقة تكاملية الأداء، يُبنى عمق النظام الأسري المرتبط بعمق النظام الاجتماعي، وبمراعاة البناء الفكري والتربوي والتعليمي على أسس أخلاقية تحمي سلامة الشخصية، أين ما كان موقعها الأسري والاجتماعي، وطبيعة الدور وتبادله المستقبلي..
ولابد من عدم الاستهانة بالدور والتنظيم والنظام، مهما كان بسيطاً، ومهما كان الفعل يسيراً أو مهما صغر عمل الخير، فلا يستهان به، فربما وقع الخير في موضعه المناسب وتعاظم بتراكمه وتأثيراته، ليفعل فعلته العظيمة في الفرد والمجتمع، فربما كان أول الغيث قطرة، ولذا يقول (عليه السلام) :
(افْعَلُوا الخَيْرَ وَلا تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئًاً، فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَقَلِيلَهُ كَثِيرٌ، وَلا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : إِنَّ أَحَداً أولَى بِفِعْلِ الخَيْرِ مِنِّي، فَيَكُونَ وَاللَّهِ كَذلِكَ، إِنَّ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَهْلاً، فَمَهمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَمَا كُمُوهُ أهْلُهُ) (3)، و (احْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ) (4)..
وهنا تتمثل الاستعدادات والتعزيزات الفردية وتعاظمها الجماعي والمجتمعي، والتمرين النفسي والتربوي والاجتماعي المؤهل لتطبيقاته المستقبلية، وآثار التجربة وتراكم الخبرة، ومدى التحسس بالغير وصراعات التغيير، ومدى القابليات على التطاول في علاج ما يصعب علاجه، وهو ما يجعل تنمية القدرات بمعرفة الذات وإدارة الذات وإدارة التغيير، فالإنسان أعرف من غيره بنفسه وما يكته وما يترتب على العزّة في الإثم، ليكون الإنسان كفرد ومجتمع يواجه مخاطر وتهديدات الشر..
والمشكلة والخلاف، جانب آخر يتعرّض الفرد والمجتمع إلى مخاطره وتهديداته، ومنه ما يرتبط بالرأي وتماسكه، ولا،، ولاسيما حين يحتاج الأمر لوحدة الرأي، وخطورة الصراع وتهديداته حينما يفرق وحدة الناس، و (الخِلافُ يَهْدِمُ الرَّأْيَ) (1)، والخلاف بمختلف أشكاله السلبية الذي يختلف عن الاختلاف، يولد الشر والضغينة بين أفراد المجتمع، فتضيع الحقوق وتهدر الكرامات..
وللسيطرة على وحدة المجتمع، لابد أن تؤخذ الأمور ببساطتها، لكي لا تتعاظم الصغار من سوء الفهم، المهدد لتماسك بناء المجتمع، وبهذا المنحى يقول (عليه السلام) :
(لا تَظُنُّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءًا، وَأَنتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيْرِ مُحْتَمَلاً) (2)
وهنا أيضاً يدخل الرأي والرأي الآخر، واستقبال الأمور بحسن النية، وتجاوز ضيق الكلمة إلى رحابة إنسانيتها ودلالاتها المتغيرة من الأسوء إلى الأحسن، فربما تجاوزت العبارة غير مواضعها، أو كانت في غير محلّ التعبير عنها وأداء ما يُحسنها، فكما يرغب الشخص أن تؤخذ الأمور بمقاديرها، يتطلب الاتجاه بذات المنحى القويم..
ومستوى ومؤشر العلاقات الإنسانية، هو جانب مهم مما يمتاز به الاتجاه الحضاري، وهو ما يوجّه به أمير المؤمنين (عليه السلام) لتوظيف السلوكيات الاجتماعية، دون الهدر في طاقاتها، فإدارة المجتمع لا يتحقق نجاحها إلا بسلامة العلاقات الاجتماعية - الإنسانية، ومدى دقة وفاعلية نظم العدالة وتحقيق المساواة، وشعور الإنسان بإنسانيته المتبادلة، وما يتطلبه من المرونة Flexibility والانسيابية الكفيلة، لتصل مرحلة التنمية الاجتماعية المستدامة إلى مستوى تحمل أعباء الأدوار كل من هو معني بالمسؤولة، لتأدية المهام والواجبات، والحيلولة دون ظهور المشاكل وتحولها إلى أزمات ومنطلقاً للصراعات الاجتماعية، والحلول الكفيلة بذلك تحقق فاعلية مبدأ ؟ (مَنْ لانَ عُودُهُ كَثفَتْ أَغْصَانُهُ) (3)، وهو ما يُمثل السبيل القويم للسلامة التربوية وبناء العلاقات والتماسك الاجتماعية
والمرونة المناسبة هي مصدر من مصادر الملائمة والتوافق المستمر، للانطلاق بانسيابية وفاعلية للبناء الاجتماعي، وباتجاه بعضهم يبني بعضاً، وامتلاء الشخص بالعلم والعمل به، هو يأتي مصداق العلم ومحتوى الخطط والتنفيذ والأداء الاجتماعي العالي الإستراتيجية، والثقة بالقدرات العادلة : (لَيْسَ مِنَ العَدْلِ القَضَاءُ عَلى الثَّقَةِ بالظَّنِّ) (1).
ومحدد العلاقة في مجال الظن الواقع بين العدل والثقة، هو مدى سلامة الجانب الثقافي للمفاهيم وتطلعات الإنسان مع أخيه الإنسان..
وحينما يكون الظن بمستوى الفساد والإساء، ولا موضع للصلاح، عندها تكون بحسب ما ورد في معالجات قوله (عليه السلام) :
(إذا اسْتَوْلَى الصَّلاحُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلٌ الظَّنَّ يَرَجُلِ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ حَوْيَةٌ فَقَدْ ظَلَمَ ! وَإِذا اسْتَولَى الفَسَادُ عَلى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ، فَأَحْسَنَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلِ فَقَدْ غَرَّرَ !) (2).
فتوجهات الظن، وما يترتب عليه لدى الفرد والمجتمع، يحدده الموقف ومستوى الصلاح والفساد، وما يترتب عليه من حسن الظن من عدمه، وبيئة الفساد هي المعززة لاتخاذ منحى الظن لدى الناس، وعدم الثقة ببعضهم البعض..
ويحذر (عليه السلام) من ضعيف الرأي، أو مِمّنْ لا يمتلك أدوات ومؤهلات صنع واتخاذ القرارات أو ما تتطلبه المشورة، والخطورة هو الأخذ من لا مؤهلات له بذلك، حتماً سيؤثر به على بناء الفرد والمجتمع وأنشطته ومشاريعه المتنوعة، ومستوى ما يتجه نحو بناء العلاقات الاجتماعية والإنسانية، حيث يقول إمامنا (عليه السلام) :
(وَاحْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَفِيلُ رَأَيْهُ، وَيُنْكَرُ عَمَلُهُ، فَإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ، وَاسْكُنِ الأَمْصَارَ العِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْذَرْ مَنَازِلَ الغَفْلَةِ وَالجَفَاءِ وَقِلَّةَ الأَعْوَان عَلى طَاعَةِ اللهِ، وَاقْصُرْ رَأيَكَ عَلى مَا يَعْنِيكَ..) (3).
والحذر من تقلبات وضعف وخطأ الرأي، الدال على عدم إتقان إبداء الرأي، لأسباب متعددة منها ما يكون بذات العقل وقدراته التكوينية أو في التفكير والاستنتاجات، أو ما يتعلق بالخبرة ومزاولة الأعمال وربما عدم امتلاك القدرات التخصصية، أو ما يتعلق بعدم امتلاك الأدوات العلمية والعملية، وقد يكون في أحسن أحواله، هو عدم تآزر ووحدة التنفيذ ودقة الأداء، وربما الوصول لمرحلة تكران مؤدي العمل لعمله..
ويكون؛ (في تَقَلب الأَحْوَالِ، عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَال) (1)، فالموقف وشدة وضغوطات ما يمر به الفرد والجماعة، وكيفية علاجاتهم وتخطيهم للمشكلة أو الأزمة، هو ما يُدلل على جوهر الإنسان وما يمتلكه من قدرات وقابليات، وكما هو الثبات في ساحة السياسة والعلم والحرب وصنع واتخاذ القرار، هو المحدد لمستوى الثبات، والموجه لمستقبل المجتمع وتوجهاته التنموية..
وصفحة أخرى من صفحات طبيعة وإستراتيجية بناء الفرد - المجتمع، يتحدد بالرأي والمشورة واتخاذ القرار الصائب ؛ و (مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأيهِ هَلَكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا) (2).
وهذا ما يتحقق من خلال طبيعة البناء التربوي والتعليمي والمبادرة التعلمية، فالانفراد بالسلطة، شكل من أشكال الاستبداد السياسي، واتخاذ لغة القوة التدميرية، وما يترتب عليها من السطوة والجبروت والدكتاتورية، وهو ما يدخل ضمن علم الاجتماع السياسي، وعلم الاجتماع الإداري والتنظيمي، وعلم النفس الاجتماعي، وهو ما تم تناوله في مباحثه..
والمشاركة طابع يولد، وأول ما يولد قبول الآخر، وقبول الرأي والرأي الآخر، والثقة المتبادلة، والكفء المتوازن والمساواة والعدالة، لتكافؤ القدرات والفرص النابعة مما يمتلك الأفراد من القدرات والأدوات والآليات المتوافرة والتي ستتوافر، والثقة بذات النفس، والشعور والتعزيزات المشتركة، وما شابه و کامل هذا، لكي يتحقق مبدأ : (وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِها)، المشاركة الحقيقية المبنية على الثقة المتبادلة، وبدورها المبنية على علمية وخبرة وطاقات وإمكانيات وما تمتلكه رؤوس الأموال المعرفية – الاجتماعية..
وأقصد بمصطلح رؤوس الأموال الاجتماعية ؛ التي تصنع ما يحقق التنمية الاجتماعية المستدامة، وتكون القطب الموازن لإعادة هندسة المجتمع واستقامة مسيرته الحضارية المتميزة، وما تحقق من بناء الفرد - المجتمع، الممثلة للقوة غير المنظورة، وما يمكن من استمرارية تحقيق الأهداف الإستراتيجية المرسومة ضمن الخطط وما تنفّذه القدرات الإبداعية الريادية والقيادية..
وهو ما يولد انطباع تعاوني بين القوى العقلية والقوى البدنية والقوى المعلوماتية والقوى التقنية في تأدية الواجبات والحقوق، وحماية الحقوق الإنسانية للإنسان كفرد ومجتمع، وبالتوازي مع حقوق المخلوقات، بما فيها البيئة والبيئة الاجتماعية..
والأدوار والمراكز والقيم، من جملة ما تحمله العلاقات والتماسك والبناء الاجتماعي واستقراره على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع، بما فيه الأسرة ومكوناتها ونظامها وتنظيمها..
فمن يعرف دوره في المجتمع، والمجتمع يعينه ويتعاون معه على أداء دوره، وما يشغله من المركز الملائم والمؤهل نفسياً وجسدياً له، وما يعينه المجتمع على تحمل أعباء مسؤولية المركز، وما يتطلبه من أداء عال للواجبات، وما يكمله مما يحمل من قيم ومبادئ وأخلاقية وإنسانية، والدعم الاجتماعي في تقويم الأعمال..
وعندها يحقق تأدية الحقوق والواجبات، وتبادل المنفعة لتنمية القدرات ومنها القدرات في التنمية الاجتماعية، لتحقيق الأهداف المرسومة للدور، ومنه ثقافة تبادل الأدوار والمسؤوليات، ودوره في تحقيق تواصل البناء والتماسك للفرد - المجتمع..
لا يمكن أن تفقد أو تستغني أي دولة أو مساحة جغرافية حضارية جماعية ومجتمعية وبمختلف مكوناتها الديموغرافية عن الصداقة وعن العلاقات الإنسانية النبيلة وما تشمله من تضحيات، ومرتكزاتها في تنمية قوة الأواصر، ومتطلبات تناميها الذي يحقق مناخ من الأخوة والمحبة، بطعمها الخاص، وبرفعتها الأخلاقية تتعدّى كل الروابط الاجتماعية..
فكم من صديق حفظ بصداقته القويمة المرصوفة والمعبدة بالفكر واستيعاب الآخر، حفظ الناس من سفك الدماء والتعدي على الحقوق الإنسانية، والصداقة تشترك باتجاهاتها عبر مختلف العصور مع العنصر البشري وفكره العقلاني وميوله وعواطفه وغرائزه ونفسيته وسلوكه..
وحركية واختلاف دلالات مفاهيم وتطبيقات الصداقة بين الماضي والحاضر، الصداقة القابعة بين ورقة الأمس وطبيعة ومحتوى الكلمة عبر كل أشكال الإرسال البريدي، وفاعلية أداء الكترونيتها اليوم، كما هو عليه ما يتم إرسال الرسائل والمخاطبات الرسمية وغير الرسمية عبر الانترنت..
وربما اشتركت أو اختلفت الامتدادات المستقبلية وحركاتها وتطوراتها ضمن المساحات المادية وغير المادية والنفسية والسلوكية، وما يتحقق من الرغبات والميول، وما تحمله من الأهداف والغايات، وما
يترتب عليها من هندسة وإعادة هندسة بناء الشخصية والرؤى وتكوينها لمحتوى الرسالة - الفكر الواضح والفاعل والمؤثر، وربما كان الموجه العقائدي والديني الفاعل في بناء روابط الصداقة، لتحفظ القيم ومكارم الأخلاق والتعاون والتفاني..
وفي اللغة ؛ الصَّداقة والمصادقةُ : المخالة، وصَدَقَه النصيحة والإخاء : أَمْحَضه له، وصادقته مُصادقة وصداقاً : خاللته، والاسم الصَّداقة، وتصادقا في الحديث وفي المودّة، والصَّداقة مصدر الصديق، واشتقاقه أنه صَدَقَه المودة والنصيحة، والصَّدِيقُ : المُصادِق لك، والجمع صُدقاء وصُدْقان وأصدقاء وأصادق.. (1)
والصداقة في الإسلام تبنى على منظومة وأسس منها ما تكون اجتماعية وأخلاقية وإنسانية، بلا أهداف ومصالح و منافع سرعان ما تزول تزول الصداقة، وربما تصل الصداقة في سلامة منظومتها ومبناها إلى أن تتعدى وتشمل صفة الأخوة الأسرية، وربما بصدق الصداقة المتبادلة الصادقة، يفتدي الصديق صديقه بكل ما يملك..
وعادة ما تبنى الصداقة بين شخصين وأكثر، فيتفانى أحدهما من أجل الآخر في الحق والتقييم والتقويم دون حساب، وربما ضاعت الصداقة بوجود فجوة أو ثغرة بين صداقة الصديقين، ومن الفجوة ينفذ من خلالهما شخص لا يحمل من أخلاقية ومكارم الأخلاق الإسلامية، فتضيع الصداقة في كلمة تعكر صفوها، وربما عاد الأصدقاء لصداقتهم بعد تصدع، وربما لم تعد الصداقة لمجاريها، أو ربما تتحوّل إلى بغضاء وحقد وضغينة، أو ربما سفك دماء وضحايا..
وبهذا يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(مَنْ أَطَاعَ التَوَانِي ضَيَّعَ الحقوق، وَمَنْ أَطَاعَ الوَاشِي ضَيّعَ الصَّدِيقَ) (2)
وبين ضياع الحقوق وضياع الصديق، إرباك الجانب من النظام الاجتماعي، وتعاظمها تهديد مستقبل العلاقات ومسيرة التقدم الحضاري..
وبذات الاتجاه الخطر والمهدد للمجتمع، يقول (عليه السلام) :
(حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ المَوَدَّةِ) (3)
ووجهة أخرى تكاملية تجمع بين الفكر والجسد والميول والمضامين التربوية - النفسية والمجتمعية، ومدى دقة مستوى المنحى التبادلي للعلاقات، ومستوى السلامة والمودة، بما فيه ما يتحقق من جراءه، الخطوات المتعاقبة، وما يؤدي إلى خلل استيعاب العلاقات الإنسانية، وما ينجم عنه من فجوات تسبب
اختراق الفيروس الجسد المجتمع الذي يؤدي الإصابة بالأمراض الاجتماعية، وربما انبثق من أفة الحسد، ولذا ؛ (العَجَبُ لِغَفْلَةِ الحَسَّادِ، عَنْ سَلَامَةِ الأَجْسَادِ !) (1)..
لكون المرض الاجتماعي - النفسي المتمثل بالحسد، يُهدد أواصر العلاقات الإنسانية، وما يمتد من تهديدات الانحرافات الفكرية بموجه ومؤثرات الجهل وامتداداته الخطرة في بناء شخصية الإنسان المتحضّر، وما يُقابله بحدود عقلانية الوقاية والعلاج من كل معوقات استمرارية الصداقة ونبلها..
وباتجاهات آفاق العلاقات الأوسع، يقول إمامنا (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) :
(يَا بُنَيَّ، احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً، وأَرْبَعاً، لا يَضُرُّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ : إِنَّ أَغْنَى الغِنَى العَقْلُ، وَأَكْبَرَ الفَقْرِ الحُمْقُ، وَأَوْحَشَ الوَحْشَةِ العُجْبُ، وَأَكْرَمَ الحَسَبِ حُسْنُ الْخُلُقِ.
يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الأَحْمَقِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ البَخِيلِ، فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ ؛ وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الفَاجِر، فَإِنَّهُ يَبيعُكَ بالتَّافِهِ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الكَذَابِ، فَإِنَّهُ كَالسَّرَاب : يُقَرِّبُ عَلَيْكَ البَعِيدَ، ويُبَعدُ عَلَيْكَ القريب) (2).
ولتقريب بلاغة وفلسفة الفكرة وعمق تفاعلها الميداني، يمكن رسم المخطط الذي يبين مخاطر وتهديد منحرف بناء الشخصية الاجتماعية من زاوية منظور الصداقة بالآتي :
مخطط (14) يبين فلسفة واستراتيجيات الصداقة - بناء الشخصية
والنظر للصداقة ضمن منظومة تكوين الإنسان كفرد ومجتمع، وما يهدد تكونه وتطلعاته الإستراتيجية، الدنيوية - الأخروية.. وفي ذات الوصية المبارك لابنه الحسن (عليهما السلام) يقول :
(احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصَّلَةِ، وَعِنْدَ صَدُودِهِ عَلَى اللّطف وَالْمُقَارَبَةِ، وَعِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبذْلِ، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنْوِّ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى الدِّينِ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ، وَكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ.
لا تَتَّخِذَنَّ عَدُوٌّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ، وَامْحَضُ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ، حَسَنَةٌ كَانَتْ أَوْ قبيحةً، وَتَجَرَّعِ الْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَة، وَلا أَلَذَّ مَغَبَّةٌ، وَلِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ، وَخذ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَينِ، وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةٌ يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذلِكَ يَوْماً مَا وَمَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقَ ظَنَّهُ، وَلَا تُضِيعَنَّ حَقٌّ أخيكَ اتّكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بأخ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ، وَلا يَكُنْ أَهْلُكَ أشْفَى الخلق بكَ، وَلا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ عَنْكَ، وَلا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ، وَلا تَكُونَنَّ عَلَى الإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الإِحْسَانِ، وَلَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ، فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَتِهِ وَنَفْعِكَ، وَلَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ) (1).
وبناء المنظومة التربوية الأسرية - الاجتماعية، تسهم في بناء الشخصية وتداخلاتها مع مكونات الشخصيات الأخرى، ومنها ما يحمل من دقة التحسس الإنساني المتمثل عند ؛ (وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةً أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةٌ يَرْجِعُ إِلَيْهَا)..
واتجاه وامتداد تربوي آخر يرتبط بالحقوق الإنسانية المتبادلة ؛ (وَلا تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخِ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ)، وامتداداتها التكاملية لبناء الشخصية الأسرية الإنسانية ؛ (وَلا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ)، وهي تمثل مجموعة مبادئ، تلتقي وتصب في مجرى العلاقات - الحقوق المتنوعة..
وتتصل حلقات العلاقات - الحقوق وأشكالها البنائية والأخلاقية عند ؛ (وَلا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ)، ومنه ؛ (وَلا تَكُونَنَّ عَلَى الإساءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الإِحْسَانِ)..
ومن المبادئ الأخرى الموجهة للصداقة والأخوة : (وَإِيَّاكَ أنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَوْ أَن تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ)، وهنا يبرز الوعي والعقلانية في التوصيف التشريحي للوظيفة والوصف الوظيفي المتكامل والمواصفات لشاغل تلك الوظيفة، والموضع والموقف والظروف البناء العلاقات – الحقوق..
ويقول (عليه السلام) في مؤشرات الصداقة واتجاهاتها :
1) المرجع نفسه / ص 403 – 404.
(لا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثلاث : فِي نَكْبَتِهِ، وَغَيْبَتِهِ، وَوَفَاتِهِ) (1)
واقتران الصديق بالأخوة، لم تأتي من فراغ ضمن المفاهيم الإسلامية، وإنما جاءت لبناء مجتمع متكامل بإنسانيته ومنحاه الحضاري ؛ و (مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ، وَالصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ، وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبه..) (2).
والمصاحبة شكل آخر له خصوصياته في العلاقات الإنسانية والمجتمعية، (وَاحْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَفِيلُ رأيهُ، وَيُنْكَرُ عَمَلُهُ، فَإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِيهِ) (3).
ومما تحمله المصاحبة أو المعاشرة من صفات الآخر، وربما نبعت من المصاحبة، الصداقة وامتدت بهذا الاتجاه التبادلي، لذا يتطلب مصاحبة مَنْ يكون قوله يُطابق سلوكه وعمله، ولا ينكر ما قام به من سلوكيات اتصفت بالسوء والإضرار بالآخرين أو بصاحبه، وقد يُقرن بصفات صاحبه، عند الاتجاهات المنكرة والمنحرفة، مما يؤدبي إلى ما يُشوه سمعة الآخر مِمَّنْ يُصاحبه..
ومما يصب في مجال الوقاية وصلاح العلاقات الإنسانية يقول (عليه السلام) :
(عَاتِبٌ أَخَاكَ بالإِحْسَانِ إلَيْهِ، وارْدُدْ شَرَّهُ بِالإنْعَامِ عَلَيْهِ)(4)
ولكون الصديق الصدوق الذي يحفظ غيبة صديقه، وما يتطلب من علاجات ملائمة للظروف الطارئة على العلاقات المتبادلة، الجماعية والمجتمعية، فالاتجاه الأنفع والأنمى لبناء العلاقات واستمراريتها وديمومتها داخل المجتمع، يكون التوجه ؛ (جَانِبُوا الكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِب للإيمان، الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ وَكَرَامَة، وَالكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاهُ وَمَهَانَة) (5).
وباستيعاب فلسفة الصداقة القائمة على البناء الإسترتيجي الدنيوي - الأخروي، فإنه سيسهم بتعاظمه في الاتجاهات الفكرية والتعاونية الاجتماعية والحضارية المثمرة، وربما أسهمت هذه العلاقات غير الرسمية وتحولت بصرحها ومجراها لتصب بالمجرى الرسمي، وتسهم بتماسكه المؤسسي، الحكومي وغير الحكومي، ومنه ما يتم حماية الدولة وأمنها وأمن المجتمع..
ولاستيعاب وتعزيز اتجاه العلاقات، يقول (عليه السلام) :
(أصْدِقَاؤُكَ ثلاثة، وَأَعْدَاؤُكَ ثلاثة، فَأَصْدِقَاؤُكَ : صَدِيقُكَ، وَصَدِيقُ صَدِيقِكَ، وَعَدُوُّ عَدُوِّكَ، وَأَعْدَاؤُكَ : عَدُوُّكَ، وَعَدُوُّ صَدِيقِكَ، وَصَدِيقٌ عَدُوِّكَ) (6).
ويمكن بيان ما يترتب من هندسة منظومة العلاقات وتفروعاتها واستراتيجياتها بالمخطط الآتي :
مخطط (15) يبين هندسة منظومة العلاقات واستراتيجياتها
وهذا المفهوم البلاغي والفلسفي المجتمعي للعلاقات، يحقق بتناميه واتساع مساحته، جانب مهم للاتجاهات السياسية والعلاقات الدولية الواضحة مع مراعاة الاتجاه والتوجه بدقة صنع واتخاذ القرارات الموقفية، وما يتطلب من دراسة الظروف على أرض الواقع..
جانب آخر لما تتطلبه الحياة الاجتماعية للبناء القويم، وما يحققه للمجتمع من التماسك الاجتماعي، حينما يضع بناءه الاجتماعي على الأرضية الملائمة والأسس والمناخ والبيئة المدروسة، لاتخاذ كافة الاحتياطات لما يتوقع أن يحدث، والإفادة مما سبق وما حدث، يعني الإفادة من المعلومات الإستراتيجية، ليكون للمجتمع رصيده وحضوره الثقافي - الحضاري المتميز..
وللتقويم يظهر دور الاحتجاج التصحيحي لما هو منحرف، أولاً بأول، والسير حسب ما يتطلب بالاتجاه الصحيح والمناسب، وما هو عقلاني رشيد يدعم كل القوى المعروضة للعطاء ضمن عقد المواطنة، وعقد قبول الآخر، وعقد الفكر الآخر، وعقد الأداء الآخر، والعقد الاجتماعي الأخلاقي، والوصول لمستوى الأداء العالي في ظل التماسك الاجتماعي..
ومنه ما يتجه بطواعية حماية الحقوق الإنسانية، وما يُقومه القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وما يتوجّه في ضوءه أقوال الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، والبوصلة الموجهة من أجل أن لا يحدث ما يسبب الخلل والانحراف وتلوث المناخ الاجتماعي، ومنه ما يؤثر على نظم العلاقات والبناء والتماسك الاجتماعي..
وانطلاقاً من هذا المنطق والرؤية والأداء، تتوجه الدراسة في رصد المضامين مما نستوعبه وما سلّط عليه الضوء الإمام علي (عليه السلام) للتوجه الاجتماعي الإسلامي الإنساني، المنطلق من الأرضية والبناء القرآني والنبوي الرسالي المواكب لكل زمان ومكان وموقف، والتوجه الاجتماعي من خلال الوعي والاستيعاب وكشف الحقائق الغامضة على عامة الناس، أو كشف المتلابس على محدودي الثقافة وتنمية البناء الثقافي الواعي، لرشادهم إلى ما هو خير لهم والمستقبلهم، وما هو قويم الأساس..
والخطوات الأولى أو بداية ما يتطلبه التوجيه، هو التحذير بالوعي والاستيعاب وثقافة المحاورة وفن الاستماع والإصغاء المثمر والتفاوض، لبناء وحدة المجتمع والإبقاء عليه.. ويقول (عليه السلام) :
(أَلا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ دَمَّرَ حِزْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ، لِيَعُودَ الجُوْرُ إلى أَوْطَانِهِ، وَيَرْجِعَ البَاطِلُ إلى نِصَابِهِ، وَالله مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصِفا) (1).
وما يفعله السلوك الاجتماعي المنحرف من تهديد الاستقرار والأمن ؛ (وَإِنَّ البَغْيَ وَالزُّورَ يُوتِغَان المَرْءَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، ويُبْدِيَان خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ يَعِيبُهُ..) (2).
والبغي ؛ العدل عن الحق والاستطالة، ويوتغ يعني ؛ يُفسد ويُهلك ويُؤثم، ويُوتغ ؛ الهلاك في الدين والدنيا، وأيضاً الإثم وفساد الدين..
وما يتطلبه تصحيح الانحراف من خلال كشف الحقائق بالاحتجاج والحوار، يعني إعادة هندسة ما تبعثر من المفاهيم والفكر، بما يمتلكه من أدوات إنجاح المحاورة، وصدق النية للوصول لفهم الحقائق، والحيلولة دون تأثير تهديدات ومخاطر النفاق والمنافق والمغرض من الناس، والهادف بمآرب شيطانية منكرة للتفرقة بين الناس، وبالتوجه الوقائي يقول الإمام علي (عليه السلام) :
(وَلَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - : " إِنِّي لا أَخَافُ عَلى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَلا مشركاً : أمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنعُهُ الله بإيمَانِهِ، وَأَمَّا المشركُ فَيَقْمَعُهُ الله بشركِهِ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ منافق الجنان، عَالِمِ اللَّسَانِ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ، وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ ") (3).
مخطط (16) يبين مصادر التهديدات والمخاطر الفعلية على الأمة ومحتوى التفكير والاحتجاج
لذا فأسير النفاق، أسير الفكر والتصورات غير السوية، الموجه لسلوكياته بتعزيزات نفسية ومنطقية خطرة، يقبع بهما وراء أدائه واحتجاجاته الماكرة والخبيثة والمدمرة التكتيكية والإستراتيجية، العابرة من خلال الفرد إلى الجماعة والمجتمع والدولة، وأعمقها خطورة وتهديد، حينما يتسلل المنافق ليكون صانع القرارات أو المؤثر بها، بشكل مباشر وغير مباشر، وحينما يتسلّق ويتقدم في الوظائف الإستراتيجية والمتقدمة في الدولة ومؤسساتها..
وخطورته حينما يختفي بوجهه وفعله الخبيث، وراء منطق الشريعة والدين، والتلاعب بالألفاظ والدلالات والمفاهيم، فيقول بما يعرفه المؤمنون حقاً، ويعمل بما يُنافيه وما ينكره المسلم والمؤمن..
ونموذج متقدّم للنفاق، ما أشار إليه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) وكان له بالمرصاد، ويكشفه في كتابه (عليه السلام)، لمعاوية، بالاحتجاج والمقارنة حيث يقول (عليه السلام) :
(أَمَا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللهِ مُحَمَّداً (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لِدِينِهِ وَتَأيِيدَهِ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ؛ فَلَقَدْ خَبَّأ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً ؛ إذ طَفِقْتَ تُخيرُنَا بِبَلاءِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا، فَكُنْت فِي ذلِكَ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إلى هَجَرَ، أَوْ دَاعِي مُسَدّدِهِ إِلى النِّضَالِ، وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الإِسْلامِ فُلانٌ وَفُلانٌ، فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَلَكَ كُلُهُ، وَإِنْ نَقص لَمْ يَلْحَقِّكَ ثلْمُهُ، وَمَا أَنتَ َوالفَاضِلَ والمَفْضُولَ، وَالسَّائِسَ وَالمَسُوسَ! وَمَا لِلطَّقَاءِ وَأَبْنَاءِ الطَّلَقَاءِ، وَالتَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، وَتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ، وَتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ! هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ
مِنْهَا، وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الحَكْمُ لَهَا ! الا تربع أَيُّهَا الإِنْسَانُ عَلَى ظِلْعِكَ، وَتَعْرِفُ قُصُورَ دَرْعِكَ، وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَرَكَ القَدَرُ ! فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ المَغْلُوبِ، وَلا ظَفَرُ الظَّافِر.
وَإِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التّيهِ، رَوَّاعٌ عَنِ القَصْدِ، أَلا تَرَى - غَيْرَ مُخبرٍ لَكَ، وَلَكِنْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أُحَدِّثُ - أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَلِكُلِّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ : سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ، وَخَصَّهُ رَسُولُ اللهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صلاتِهِ عَلَيْهِ ! أَوَ لا تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطَّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَلِكُلِّ فَضْلُ - حَتَّى إِذَا فُعِلِ بِوَاحِدِنَا ما فُعِلَ بوَاحِدِهِمْ، قِيلَ : " الطَّيَارُ فِي الجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ : " وَلَوْلا مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنْ تَزكيَةِ المَرْءِ نَفْسَهُ، لَدْكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةٌ، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا تَمُجُّهَا آذانُ السَّامِعِينَ، فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبَّنَا، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا، لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزّنَا وَلَا عَادِي طُولِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بِأَنْفُسِنَا ؛ فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنَا، فِعْلَ الأَكْفَاءِ، وَلَسْتُمْ هُنَالِكَ ! وَأَنَّى يَكُونَ ذلِكَ وَمِنَّا النَّبِيُّ وَمِنْكُمُ المُكَذِّبُ، وَمِنَا أَسَدُ اللهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الأَخْلافِ، وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ، وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ العَالَمِينِ، وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الخَطَب، فِي كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وَعَلَيْكُمْ !
فَإِسْلامُنَا قَدْ سُمِعَ، وَجَاهِلِيَّتُنَا لا تَدْفَعُ، وَكِتَابُ اللهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَدَّ عَنَّا، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى " وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَولَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ " وَقَوْلُهُ تَعَالَى : " إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَالله وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ "، فَنَحْنُ مَرَّةً أَولَى بِالقَرَابَةِ، وَتَارَةً أَوْلَى بالطَّاعَةِ، وَلَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلى الأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِرَسُولِ اللهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - فَلَجُوا عَلَيْهِمْ، فَإِن يَكُن الفَلَجُ بهِ فَالحَقُ لَنا دُونَكُمْ، وَإِن يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ.
وَزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الخُلَفَاءِ حَسَدْتُ، وَعَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ، فَإِنْ يَكُنْ ذلِكَ كَذلِكَ فَلَيْسَتِ الجِنَايَةُ عَلَيْكَ، فَيَكُونُ العُذْرُ إِلَيْكَ.
وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا
وقلت : إلى كُنتُ أقادُ كَمَا يُقَادُ الجَمَلُ المخشوش حَتَّى أَبايع ؛ وَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ أَردت أن تذم فَمَدَحْتَ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ ! وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شاكًا فِي دِينِهِ، وَلا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ ! وَهَذِهِ حُجَّتِي إلى غَيْرِكَ قَصْدُهَا، وَلكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا.
ثُمَّ ذكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ، فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ، وَأَهْدَى إلى مَقَاتِلِهِ ! أَمَنْ بذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفَّهُ، أَمْ مَنْ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ
وَبَثَّ المنُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ، كَلَّا وَاللَّهِ لَـ " قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً".
وَمَا كُنْتُ لأعنذر منْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثَا ؛ فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ ؛ فَرُبَّ مَلُومٍ لا ذَنْبَ لَهُ.
وَقَدْ يُستفيد الظنّة المتنصُحُ
وَمَا أَرَدْتُ " إلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَمَا تَوْفِيقِي الا باللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ".
وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلا السَّيْفُ، فَلَقَدْ أَصْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارِ ! مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الأَعْدَاء ثَاكِلِينَ، وَبِالسَّيْف مُخَوَّفِينَ ؟!
ف لبّث قَلِيلاً يَنْحَقِ الهَيْجَا حَمَلْ
فَسَيَطلُبُكَ مَنْ تَطلبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَستَبْعِدُ، وَأَنا مُرْقِل نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ، سَاطِع قَتامُهُمْ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ المَوْتِ ؛ أَحَبُّ اللَّقَاءِ ِإلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ، وَقَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسَيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ " وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ ببَعِيدٍ ") (1).
ومما نستوعبه من النص المبارك المتقدم، وحسب ما يخص المبحث، يمكن إجماله بالآتي :
1 - لابد من حد رادع، لكل مَنْ يدّعي الصلاح والقوام ويعمل بخلافه، وذلك من خلال ما يتناسب من كشف زيفه أمام الناس، لئلا يغرر بالجهلة ومحدودي النظر والتفكير، ومنه بطريقة الاحتجاج..
2- اتخذ الإمام علي (عليه السلام) الاحتجاج، وسيلة للكشف عن الحقائق، وما يؤدي بمضامينه العامة والخاصة، والصالح العام والخاص للناس، وحمايتهم من مؤثرات تزييف الحقائق والأفكار وتلويثها، والحد من خطورة وتهديدات التزويق الكلامي المنافق، ووضع الحقائق والأمور في نصابها، ليتضح ويُفرز الادعاء من غيره..
3 - بالمعرفة والعلم تكون الآليات والأدوات المواتية للاحتجاج، وحماية الناس من الفكر المضاد والملوث بمنهج النفاق والدجل، ومحاولة كشف الحقائق وإرشاد المغرر بهم، للعودة إلى سواء السبيل..
4 - يكشف الاحتجاج، اتجاهات الشخصية وسلوكياتها وأفكارها على حقيقتها، ويأخذ الشخص مكانه الحقيقي، وتتبيّن الحقوق، ويرجع لكل حق حقه حتى ولو كان بعد حين..
5 - الاختيار الموضوعي والتحليلي الموقفي للاحتجاج ؛ (وَقُلْت : إلى كُنتُ أقَادُ كَمَا يُقَادُ الجَمَلُ المَخشُوسُ حَتَّى أبَايِعَ ؛ وَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذمَّ فَمَدَحْتَ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَاقْتَضَحْتَ ! وَمَا عَلَى
1) المرجع نفسه / ص 385 - 389.
المُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يكن شاكا فِي دِينِهِ، وَلا مُرْتَاباً بيَقِينِهِ ! وَهَذِهِ حُجَّنِي إلى غَيْرِكَ قَصْدُهَا، وَلكِنِّي أطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا).
6- يتم الاحتجاج بما ورد في منهل المسلمين النقي، والمصدر والمرجع العظيم الإلهي الأنقى الذي لا يحده زمان ولا مكان ولا موقف، وكذلك حضور مرجعية الأحاديث النبوية الشريفة.
7 - ومن عظيم الاحتجاج قوله (عليه السلام) ؛ (فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا)، وحاشا لله جل جلاله، أن يكون نقص في صنائع ربنا تعالى..
ويضيف (عليه السلام) في كتاب آخر له، موجّه إلى أبي موسى الأشعري، ومما جاء في الكتاب المبارك :
(وَلَيْسَ رَجُلٌ - فَاعْلَمْ - أَحْرَصَ عَلى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَأُلْفَتِهَا مِنِّي، أبتغي بذلك حُسْنَ الثَّوَابِ، وَكَرَمَ المَآبِ، وَسَافِي بالذِي وَأيْتُ عَلى نَفْسِي، وَإِن تَغَيَّرت عن صالح ما فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشَّقِيُّ مَنْ حُرمَ تَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ العَقْلِ، وَالتَّجْرِبَةِ، وَإنّي لأعبدُ أنْ يَقُول قَائِل بباطِلِ، وَأَنْ أَفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ الله، فَدَعْ مَا لا تَعْرِفُ، فَإِنَّ شِرَارَ النَّاسِ طَائِرُونَ إِلَيْكَ بأقاويل السُّوءِ، وَالسَّلامُ) (1).
فمن الأهداف الإستراتيجية للإحتجاج الإسلامي، هو الحرص على جماعة أمة الإسلام والاتجاه نحو توحيد الكلمة والمحبة والألفة، و (حُسْنَ الثَّوَابِ، وَكَرَمَ المَآبِ)، وهو يمثل الدرس الأسمى للدوافع الإنسانية وحب الإنتماء للإسلام والأمة الإسلامية وصالح تقدم الأمة، يتجرد من التعصب، (فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ العَقْلِ، وَالتَّجْرِبَةِ)..
والعقل والتجربة، هذا التكامل العظيم العقلاني الداعم للبحث والتقصي، وما يثمر من النتائج والآثار، المؤدي للتنمية، ومنها التنمية الاجتماعية العقلانية المستدامة، وباستمرارية مسؤولية الأداء ؛ الدنيوي - الأخروي، ومنه الأداء الاجتماعي ونتائجه الآنية والمستقبلية، النفعية والحركية، وامتداداته للفرد والمجتمع والمؤسسات، ومنه الحرص الإنساني ؛ (وَإنِّي لأعْبَدُ أنْ يَقُولَ قَائِلٌ ببَاطِلِ، وَأَنْ أَفْسِدَ أمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ الله)..
(فَدَعْ مَا لا تَعْرِفُ) ؛ فالمعرفة لها مستويات، وتخصصات المنظورة وغير المنظورة، ومتداولة وغير متداولة، ولها خصوصياتها وعمومياتها، وما يتم الحصول عليها بالتعلم والتربية والتعليم، وبالدراسة والاكتساب النظري والتطبيقي والتجريبي من خلال الفرد ذاته أو ما يدور حولة، و (نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ العَقْلِ، وَالتَّجْرِبَةِ)، وكل ذلك وغيره، الأدوات والوسائل والآليات الداعمة للاحتجاج وسلامته،
1) المرجع نفسه / ص 466.
وهو ما يحقق الحرص على سلامة الفرد والجماعة والمجتمع، وربما المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، ومنه المؤسسات الاجتماعية أو مؤسسات المجتمع المدني..
وهذا التوجه فيه وجوب العقلانية والاتجاه التجريبي والخبرة في إدارة الاحتجاج لإظهار الحق، والعمل الفعلي على عدم التناقض والعزة في الإثم، ولابد من هدف وحدة الأمة المشرع على الحق والحقائق الواضحة، ووحدة البناء والتماسك الاجتماعي، ولابد من الإصلاح الاجتماعي الواعي، المدعم بالعقل والتجربة..
ومما يقوله (عليه السلام) في كتاب له موجه إلى معاوية، ورد فيه :
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الأُلْفَةِ وَالجَمَاعَةِ، فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَا آمَنَّا وَكَفَرْتُمْ، وَاليَوْمَ أَنَا اسْتَقَمْنَا وَفُتِنتُمْ، وَمَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلا كَرْهاً، وَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الإِسْلامِ كُلَّهُ لِرَسُول الله (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، حِزْباً) (1).
والاتجاه نحو الحق والباطل، حدود الإيمان والكفر، والاستقامة والفتنة، والإرادة والإكراه، ووحدة الاتجاه والقيادة الموحدة وما يكون خلافه، ومنهما تنبثق الإيديولوجيات والدفاع عنها بشتى السبل والمبررات الفلسفية والبلاغية، وإذا ما اتجه محور الخلاف والتفكير نحو الصراع الفكري والتعصب والمصالح، أصبح التنظير بين صراع العقلانية واللاعقلانية، وصراع بين نقي الفكر وملوث الفكر فينفرط عقد الألفة والجماعة، وقد يتحول الاحتجاج والرأي والرأي الآخر في دائرة العبثية، ويصبح عندها الدين على توجيه ملوكها لوعاظ السلاطين والملوك والانتهازيين المنفادين لأصحاب النفوذ والقرار وتقلباتهم بين أروقة عبثية الباطل من أجل المصالح والسيطرة والسلطات..
وعند ضياع موضوعية الاحتجاج وتبادل الآراء لاتباع الحق ومضامينه في السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وامتداداتهم، تكون النتيجة ما يُربك انتظام ونظام المجتمع ومنظوماته المتنوعة، ويربك التآلف والتماسك الاجتماعي، وإرباك صفوف المجتمع في ظل الحق ومتبعيه..
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَار فَانْهَارَ بهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إلا أن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) سورة التوبة..
1) المرجع نفسه / ص 454.
لو تتبعنا مسيرة الحياة الاجتماعية على مد العصور وآثارها في كل مكان من بقاع المعمورة، لتبين لنا، عدم إمكانية استمرار المجتمع من غير مراعاة ودراسة ما يجري من تغيرات مفاجئة وسريعة أو بطيئة ومتعاقبة، وما يترتب عليها من أمور يقتضي منها النجاح في وضع خطط مدروسة ومواكبة للتغيرات، ومنه ما يتعلق بتغيرات المجتمع ومنهجيته في التغيرات الاجتماعية، واستمرار دعم نقاط القوة ورصانتها في بيئة يتحقق فيها إحقاق الحق والعدالة والمساواة، وعقلانية وترشيد خطواتها بالبحث ووضع الحلول برؤى واضحة تتناسب مع الرسالة الاجتماعية - التربوية والأخلاقية، والعلاقات والنظم الاجتماعية..
ويتضح في عالمنا الحديث الطاغي عليه العولمة وتعاظم الانفجار المعلوماتي وسرعة واستمرارية تطور تكنولوجيا المعلومات، وبشكل وبآخر ما أفرزته العولمة في فضاءاتها المنقطعة النظير، واتصالاتها التي حجمت العالم وحدوده الافتراضية بالتبعية السياسية والاقتصادية من جهة، وما جرّ على الشعوب من التبعية الاجتماعية والأخلاقية، والتربوية والتعليمية، وما جرّ من مخاطر وتهديدات الفراغات والفجوات المتسارعة الاتساع، ومنه الفجوات الرقمية والتكنولوجية - الاجتماعية، وعدم انتظار الركب للتفكير بشكله المعقول والعقلاني..
ولذا كانت التهديدات تنبع من مستوى التغيير وعولمة التغيير والتغير، ومنه التغير الاجتماعي Social Change وما يرتبط من خطط تنموية اجتماعية، وعندما يكون تأثير برامجه الإيجابية، يوم دينامية للفرد والأسرة والمجتمع، ومنه ما يؤثر على أساسيات وسياسات واستراتيجيات الدولة وخططها وقراراتها وبرامجها وسياساتها المتنوعة..
والتغير الاجتماعي لا يُحدده الفرد، ولكنه ثمرة ناتجة عن عمليات متفاعلة ومستمرة بين الأفراد ومكونات المجتمع، والذي يبدأ من مستوى التنظير Thoerizing وما يترتب عليه من طبيعة الحركة الدينامية وما يشمل كل الأطر وما يطرأ على المجتمع، وما يتجه بشكل إيجابي أو سلبي موقع وزمان وموقف، متأثر ومؤثر بما يحيط به من عوامل مستقلة وتابعة، ومن خلال مؤثرات الاختلافات والتفاعلات والعلاقات المتبادلة، والتحولات والتقدّم، ومنه التقدّم الاجتماعي Social Progress والحركية الاجتماعية، وبما يُمليه مناخ التطوير والتطور الاجتماعي Social Evolution، وما يطرأ من التغير البنائي Structural Changer والتغير الثقافي Cultural Change ضمن أخلاقيات معينة
تستقي هيكليتها ومعالمها وامتداداتها من طبيعة واتجاهات ومصادر التشريع والتنفيذ، وربما لا يمكن السيطرة على هذا التغير بسبب مؤثرات العولمة وعولمة الاتصالات والمعلومات دون إمكانية حجبها بسهولة عن المتلقي، وما يضع له منها الاتجاهات البنائية والثقافية والتطوري.. (1)
وقد اهتم في دراسته علماء الاجتماع ومنهم ؛ ماكس فيبر، ولويس موركن.. إلخ، وكان لكل واحد منهم نتائجهوتفسيراته الخاصة واقتناعاته الفكرية لتحليل ذلك، وما يترتب عليه من منظور النظريات التطورية للتغير الاجتماعي، المبني على أسس الصراع الاجتماعي ومنه ما يترتب من المراحل الحضارية، والذي انتقد فيها (فيبر (أفكار (ماركس)، ونظريته المادية التاريخية، والمبني بدراسته على اتجاهات الرأسمالية وفلسفتها الفردية وسلبياتها، بينما يرى علماء الاجتماع المعاصرون، بأن التغيير الاجتماعي، حالة طبيعية.. (2)
P: 124 - 184.
وهناك اتجاهات للتغير الاجتماعي، تغير تراجعي، تغير دائري، تغير متذبذب، تغير ذو نطاق محدود، وتغير ارتقائي.. ويتجه بحسب السرعة، إما أن يكون نمطها ؛ تغير بطيء، أو تغير طبيعي تدريجي، أو تغير مفاجيء عنيف..
ومن عوامل التغير الاجتماعي ؛ العامل الجغرافي، العامل السكاني، العامل الاقتصادي، العامل التكنولوجي، العوامل الفكرية، وما تؤثر الثورات والحروب، القادة الزعماء، الانفتاح على المجتمعات الأخرى، وهناك معوقات عديدة للتغير ؛ داخلية وخارجية، مادية وغير مادية ونفسية..
والتغير يكون إما شكلي أو جوهري، ويتم ضمن ظروف محددة، تحدثها حالة معينة، ويحتاج إلى مستوى لتعديله أو تحويره أو تكوين جديد له أو بلورته أو إعادة هندسته مع مراعاة ما يطرأ على التنظيم والعلاقات الاجتماعية.. (3)
Jr., Robert O. Blood, "The Family", The Free Pess, New York, 1972, P : 220،
راجع مثلاً : د. محمد سعيد فرجع / ما... علم الاجتماع / رمضان وأولاده للطباعة / الإسكندرية - مصر / 1987 / ص 41.
ويرتبط غالباً بالمنبه والإدراك والدوافع والمحرك وما يتجه لتكاملها وبلورتها، فلذا تختلف تفاصيل التغير من مجمتع أو شعب إلى آخر، ومن جيل إلى آخر، ومن فرد إلى آخر داخل الأسرة الواحدة، وربما يختلف حتى لدى الفرد الواحد بالمواقع والأزمنة والمواقف وطبيعة المشاكل والأزمات.. (4)
P: 535 - 539.
1) راجع : د. صلاح العبد / المرجع نفسه / ص 299، وأيضا : د. كمال التابعي، د. علي المكاوي / علم الاجتماع العلم / دار النشر الالكترونية /.kotobarabia.com، - دينكن ميشيل / المرجع نفسه / ص 274 - 277.
2) Bex, John " Discovering Sociology: Studies In Sociological Theory And Method : ", Roultledge Kegan Paul, London, 1973,
3) راجع : د. صلاح العبد / المرجع نفسه / ص 299 – 331.
4) Popence, David, "Sociology", 34, Prentice - Hall , Inc., New Jersey, America, 1977,
وللتغير والتغيير تاريخه ومناهجه واتجاهاته، وهو حتمية وسنة من سنن الحياة، وامتداداته عبر المنظومات الإنسانية، ومؤشرات مناحيه واتجاهاته العقادية والفلسفية، ومضاءه في التغير الاجتماعي ؛ الجوهري منه والموضوعي والشكلي، بإيجابيانه أو سلبياته، ومستوى ما يمتلك المجتمع من قوة وضعف داخل بيئته، ومستوى ما تتوافر له من فرص وما يواجهه من تهديدات أو تحديات أو مخاطر..
وحينما يكون التغير مع السلامة التنموية والتطورية والتطويرية، وما توضع من خطط تتبنى الأهداف والغايات، وما يتجه بتنفيذها بالاتجاه الصحيح والمناسب، وما يترتب عليها من سبل تفعيل الجانب التقييمي والتقويمي للمستوى الحضاري ؛ كوظيفة وأداء ونتائج و آثار آنية ومستقبلية، وما يواكب احتواء واستثمار الإبداعات والتطورات الحضارية، وبناء الإنسان الحقيقي الهادف للبناء والمحبة والسلام والتقدّم الواعي والمدروس..
وخَط الإسلام منظومة الحياة الكونية بدستوره القرآن العظيم، ومنه كان تطبيقات الرسول الكريم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ومنه ما واصله الأئمة الأطهار الكرام (عليهم السلام)..
وأعقبه في المسيرة التطبيقية، العلم والنص والاجتهاد في الإسلام، ليواكب كل تطور ونمو وتغير وتغيير مستدام، لئلا يكون هناك فراغ وفجوات وضعف المجتمع الإسلامي في مسيرته، فكان هناك الفقه المتخصص الذي يضع علاجاته وحلوله، ووقاياته وعلاجاته، لحماية الإنسان وما يُحيط به، فيه الکائنات والفضاء الخارجي، بما فيه، ومنه حماية الإنسانية من مخاطر الانحراف المدمّر أو المهدد الحركة الحياة الصحيحة القويمة، بآفاقها الإستراتيجية الممتدة والمستمرة، ومناحيها وآثارها ومترتباتها الفردية والجمعية والمجتمعية ؛ الدنيوية والأخروية..
ونرى حتى في عالمنا المعاصر، إزداد اهتمام الإسلام بالتغيير والتغير وسبله ومناهجه وما يجري فيه ومن خلاله، وبشكل مباشر وغير مباشر، فهناك الفقه المعالج لمختلف ومنوّع الجوانب ؛ كالسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والتربوية والتعليمية والتعلمية والثقافية وكل مناحي الحياة والحضارية، المادية وغير المادية والنفسية والروحية..
ولعوامل التغيير أهمية بالغة، منها ؛ البيئية والاقتصادية والاجتماعية، والمحتوى الفكري والديني والعقائدي، والديمغرافية السكانية، والتقدّم العلمي والمعرفي وسرعته وآلياته وتعقيداته، ومستوى انفتاح المجتمعات الإنسانية وتفاعلها الثقافي والحضاري، وسبل تفهم الذات والآخر، وتقبل الآخر وآراءه على أساس المحاورة والعدل والمساواة، وما يترتب من مسؤوليات وحقوق وواجبات..
ومستوى دعائم التغير الاجتماعي منها ما يدخل ضمن ؛ الوعي الاجتماعي Social Consciousness وهو ثقافة الاحساس بالذات وبالآخر الجماعي والمجتمعي بالقول والفعل، وما
يؤثر فيه من العرف الاجتماعي Social Code ما تشمله من تنظيمات رسمية وغير رسمية الحاكمة للمجتمع، والعرف الاجتماعي Social convention وتشمل على التقاليد الاجتماعية، والعادات الاجتماعية Social Habit وتشكل آلية تلقائية وثابتة نسبياً للمواقف الاجتماعية، والنضج الاجتماعي Social Maturity الممثل لمستوى نضج مرحلي مناسب للمهارات والعادات للجماعة الواسعة، وطبيعة العقل الاجتماعي Social Mind محتوى الآراء التي تسود الجماعة - المجتمع، ومستوى الذكاء الاجتماعي Social Interaction الممثل للقدرة على مستوى الجماعة والمجتمع لاستيعاب الواقع بكل تفاصيله وتواصله مع ما يتوجب أن يكون مثمر، والفعل الاجتماعي Social Action هو من بين ما يهدف لتغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية.. (1)
ويعمل بفاعلية عامل الوعي العقائدي في الإسلام، المبني بشكل عام على أساس التوازن العقلاني والوسطية والاعتدال البعيد عن التشدد والبعيد عن العنف..
ويقوم على أساس حماية ووقاية الإنسان ؛ الذات والأخ في الدين والنظير في الخلق، لبناء إنسان حضاري متوجه بسلامة واستقامة العقل وسلامة الفكر وسوي النفس وقويم السلوك، ويعمر الأرض بشكلها المستدام الذي يحافظ على حقوق البيئة والأجيال القادمة وما يتطلبه من حركية وامتداد البناء والاستثمار Investment للطاقات المختلفة والمتنوعة، ليكون بامتداداته ؛ بعضه يبني بعض، بالتواد والتراحم والألفة والمحبة، ويتجه لوضع تجارب الحضارات ونتائجها وعواقبها في خدمة الإنسان، للانتفاع منها في مسيرته الحضارية، ومدياتها العلمية والمعرفية..
والإسلام منهجه وثوابته وحلوله، حركي مع الزمان والمكان والمواقف، ومع كل تغير، ولاسيما التغير الاجتماعي، لوضع الحلول الإنسانية لجميع المشاكل، قبل أن تتفاقم وتصبح أزمات، وبالشكل البعيد النظر، وبمؤثراته ومستقبله وأعراضه الأساسية والجانبية، ومستقبل النظم الاجتماعية، بالوظائف والتركيبات والأبنية المتكاملة، بالقيم والمعايير والأخلاقيات، وما يترتب على الحالات والظواهر الاجتماعية، بمختلف تجاربها ونتائجها..
ونبدأ بمنهج التغير والتغيير في الإسلام من قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بأنفسهم) من الآية (11) سورة الرعد، (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيرُوا مَا بأنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (53) سورة الأنفال، وما يتحقق من حتمية السبب والنتيجة..
واتجاه الإسلام على أساس ؛ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (256) سورة البقرة..
1) راجع مثلا : هاشم حسين ناصر المحلك / موسوعة العلوم الإدارية والاجتماعية والأعمال التجارية / المرجع نفسه وأيضا : د. عبد المنعم الحفني / المرجع السابق / ولاسيما ص 306 - 317.
والمنبثق من أسبقية الوعي الاجتماعي ومحتوياته، والاستيعاب الثقافي الفقهي والحكمي وما يضفيه الإيمان Faith من جمالية السعادة الممتدة بآثار الأعمال لما بعد الدنيا، مما يجعل من الفكر الفردي والجمعي باستدامة التغير على قويم الاختيار والتنمية التطوير..
وكان الدليل النظري والتطبيقي ينبع من القرآن العظيم والأحاديث النبوية الشريفة وتوجيهات وتطبيقات الرسول الأكرم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، والاستيعاب الثقافي على أساس المبدأ : (لِلّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (26) سورة لقمان..
ومن هذا المنهج والمنحى الدقيق، كانت مسيرة الإمام علي (عليه السلام) في مناهجه وتطبيقاته وبث نقاوة الثقافة الفكرية والاستقامة التنظيمية، حيث يتبين فيه الخلق والاصطفاء والبيئة والفكر :
(وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وِلْدِهِ - أي من ولد آدم (عليه السلام) - أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهُ إِلَيْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ، وَاتَخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَهُ وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَاقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبَيَاءَهُ..) (1).
وبهذا يعتني الإسلام بالتغير الاجتماعي وثقافة الثوابت والمتغيرات، والبناء الأقوم والتغير والتغيير الأقوم النافع للإنسان وكل اتجاهاته الكريمة والأخلاقية، بما فيه البيئة الداخلية والخارجية..
وما يترتب على التغير الاجتماعي والتحول من الحياة الطوبائية إلى الحياة النظامية وبناء المؤسسات والمنظومات، وما يترتب من العلاقات الإنسانية، بما فيها العلاقات الرسمية وغير الرسمية، وما يترتب على مجريات التنظيم والنظام والإيديولوجية والسياسة والتربية والتعليم والتعلم..
وانعكاسات ذلك التغير على النظام الاقتصادي - الاجتماعي ومنظوماته وأنظمته الفرعية، الموجه والمسير لها بالأساس، الفقه الاقتصادي والاجتماعي من توضيح ما هو يدخل ضمن الحلال والحرام، يعني الحد مما يدخل ضمن الظلم، والاستعدادات السلوكية لاستبعاد كل أشكال الظلم عن كل الأعمال والأطراف الفردية - المجتمعية، ومنها الداخل ضمن العملية التجارية والاقتصادية، بمعاملاتها المختلفة وعقودها المبرمة بين أطراف البيع والشراء، ومؤثر دورانه يمر بالتالي على النظام والتنظيم والمنظومة الاجتماعية، وهو مما يدخل ضمن مهام علم الاجتماع، وفروعه ومنها ؛ علم الاجتماع التنظيمي وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس التربوي، ويظهر في جانب من قوله (عليه السلام) :
(عِبَادَ اللَّهِ، زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا، وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقٍ الخِنَاقِ، وَانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السَّيَاقِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظُ وَزَاجِرٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لا زَاجِرٌ وَلا وَاعِظُ) (2).
وضرورة بناء الشخصية والتغير في زنتها واتزانها، يبدأ من الذات وبتقويم ذاتي، والتغير الفردي والجمعي والاجتماعي يتبلور من دقة الدراسة والتحليل والتخطيط والتنفيذ بالعمل الواعي من :
(زِلُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَن تُوزَنُوا) ؛ ومنه مؤشره باطن وظاهر النفس، أي ما يخفي ويختفي وراء النفس، وما يظهر وما لا يظهر للإنسان، وما يظهر أمام العيان للجميع، ومنه الشعور واللا شعور، والسوي واللا سوي، المحدود والممدود، المنظور وغير المنظور، ومضامين النفس الفردية والجمعية والمجتمعية، بزمانها ومكانها ومواقفها، وما يترتب من محاور ؛ النفس الأمارة، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة، وما يتضمنه من مجالات وآثار دنيوية وأخروية، والوزن والاتزان يبدأ من هذا وغيره، ومنه ما يعني ؛ الرؤى والتحسس والنظم والنتاجات المثمرة والاستدامة، ومنه ثقافة التحسس المدروس بمؤثرات الماضي والحاضر والمستقبل، والتغيرات المقروءة والمتوقعة بحسب المناخ التنظيمي - الاجتماعي، ومنه المجتمعي للبيئة الفردية والجماعية وأداء الأعمال وثمارها ؛ وما يتحقق في الدنيا قبل فوات الأوان، وهو مما يحقق استقامة التغير الاجتماعي : الآني والمستقبلي..
(وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَحَاسَبُوا) ؛ واستدامة نظام الحساب الذاتي الدنيوي وعلى الصعيد الفردي - الجماعي، وتحاسبوا يشمل حساب الآخرين في الدنيا، وبالأساس ما يعقبه من حساب الخالق عز وجل الأخروي، وهنا يسهم في الحماية من كل تغير وردود الأفعال..
(وَتَنَفْسُوا قَبْلَ ضيق الخناق) ؛ فلا يكون ضيق الخناق إلا بعد فوات الأوان، فعلى سبيل المثال ؛ التجار إذا ما أُريد لها استمرارية الأداء القيادي والريادي بعالم التجارة، لابد أن من مطابقة المخطط له مع ما يتم تنقيذه، ويتم مراجعة السجلات والنشاطات والتغييرات والتغيرات في المزيج التسويقي كمنتوج وأسعار وما شابه، وبخلافه حتماً لا تنفعه المراجعة، إلا بحدود معينة، بعد ما يصل لمرحلة الأزمة والضيق والتغيرات في السوق والإستراتيجيات، ومنه الإستراتيجيات المجتمعية بين ما قبل مرحلة المعلوماتية والاتصالات المتطورة وما رسمته نظم الانترنت واستثمارات رأس المال العلمي والمعرفي وما بعدها، وما يتعلق بالمنافسة والتراجع التنافسي للمنتوج، وكذلك ما يترتب على كل إنسان في مجال عمله، وكذلك في تفاقم المشاكل لتصبح أزمات، وكذلك ما يتم على مستوى الأعمال الدنيوية ونتائجها وتغيراتها، وما يعقبه من المترتبات الأخروية وحساباتها وضيق وحتمية الجزاء..
(وَانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السَّياق) ؛ ومما يتمثل التوازن بالأعمال القويمة في الدنيا، هو الانقياد العقلاني بالجعل التكويني للإنسان المتوازن بالجعل التشريعي الإلهي، ومنه الانقياد الراقي
للخير والواعد بنتائج الأعمال الدنيوي، وآثارها وتبعاتها الأخروية، وبشكله الاجتماعي الواسع، ما يتطلب من استعدادات عند بداية ما يطرأ من التغير ومنه التغير الاجتماعي المحلي والعالمي، وما يتطلبه مستجداتها من دراسات وإحاطات فقهية، ووضع المعالجات الفقهية المناسبة أولاً بأول، قبل اكتساح موجة التغير والتغيير فتدمر كل شيء، بما فيه وفي مقدمته المنظومة الأخلاقية والإنسان، والإحاطة المتسارعة قبل اتساع المستحدث من الأمور، يجعل الإنسان المسلم بمستوى الحدث والتغير والرؤى وعوامل الاحتفاظ بالشخصية المتوازنة الاندماج، وهو بذلك يكون المواكب والفاعل مع التغير الحضاري المادي وغير المادي، وبذات الوقت الاحتفاظ بخصوصياته والانفتاح على العالم والعولمة التي لا خلاص منها بسبب شجرة التبعية المتشعبة التي لا خلاص منها، ولكن يمكن الحد منها وبرمجتها بالنتاج المعرفي والأخلاقي، وثقافة الاحتواء الأخلاقي للتكنولوجيا والمعلومات والاتصالات المتعاظمة، وبشمولية الإفادة من إيجابياتها العقلانية الواعي للجانب الميداني والواعد للثمرة الدنيوية المقومة بمنظور التبعات الأخروية..
والدليل على ذلك وما يترتب على الآليات العملية المستدامة، وهو مما يظهر بشكل واضح في مضامين ؛ (وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظُ وَزَاجِرٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لا زَاجِرٌ وَلا وَاعِظُ)..
فالإعانة على النفس، مما تعنى السيطرة على النفس الأمارة بالسوء، والسيطرة على كل منحرف من السلوك، (وَاعِظُ وَزَاحِرٌ)، يعني ثقافة وفكر وتفكر، وخطوط حمراء الحماية الإنسان ؛ كفرد ومجتمع فاعل ومثمر، وهما يعني استدامة الدواخل البيئية بالقوة النافعة المنتجة للخير، واستدامة المحيط بعقلانية فضاءات الحريات الاجتماعية المنتجه مع الآخر، يعني حلقة وصل بين القوة المنتجة للخير وفرصها المنتجة للخير مع الآخر ؛ الأخ والنظير، بصفته الفردية والجماعية والمجتمعية والمؤسساتية بكل أشكالها النظامي والبنائي الأخلاقي..
ومما يعني من خلال معادلة مبسطة :
مستوى ثقافة الإعانة على النفس = مستوى ثقافة الواعظ والزاجر = مستوى ثقافة أخلاقية الحضارة
وهو مما يحقق للمجتمع مستقبل المنظومة القيادية والريادية الحضارية - الأخلاقية، ومما يتمثل فيها من بصمات ثقافة مفاهيمية عميقة، وهو أحد العوامل الميدانية الرئيسية الفاعلة في الوسطية الإسلامية
ومنظومتها المجتمعية الإنسانية ؛ (إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الخَلْقِ) (1)، بنقاوة مناخها واستقامة ورصائة مفصلية المجتمع - الدولة، الهادفة والجامعة بين التطلعات الدنيوية والتطلعات الأخروية بلا تقاطع وحدود..
ولذا (.. فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْصِمُ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلا بَعْدَ تَمْهِيلِ وَرَخَاءِ ؛ وَلَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ الا بَعْدَ أَزَلِ وَبَلاء..) (2)، (وَلَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَقُوتَ أَخْذَهُ، وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ، وبموضع الشَّجَا مِنْ مَسَاغَ رِيقِهِ) (3).
وبهذا يتطلب النظر إلى الرفاهية الاجتماعية وثقافتها واستقامتها، بكل دقة ووعي، والتعامل بعقلانية معها على أساس استقامة الفكر والنفس والسلوك والأعمال، والحيلولة دون تأثير سلبية التغير، ومنه التغير الاجتماعي وتطلعات المجتمع ورؤاه وآفاقه المستقبلية..
ولابد من ضرورة الوعي لحركية بناء النظام والتنظيم الاجتماعي، وما علم الاجتماع الإداري والتنظيمي، وعلم الاجتماع السياسي، الذي يتجه بدراسة المجتمع وكل تفاصيله بالتزامن أو ضمن مؤثرات المنحى الإداري والتنظيمي والنفسي والسياسي، وما هو إلا منفذ لقيام مجتمع على أسس راسخة بحسب الفلسفة والإستراتيجية المستوعب لها، إن كان اتجاهه موضوعي، أو بمنظور مصالحه الشخصية بفرديتها وجمعينها، فيكون بموجبه تعزيز المتجه العقائدي..
وهنا يظهر الموجه الديني بتشريعاته وقيمه وأخلاقياته ومستوى تأثيراته، وبالاستعابات الوسطية الدقيقة، يأخذ مأخذه الإيجابي ؛ إن كان الدين الإلهي المحرك والمعزز لاتجاهاته..
وبخلافه عندما تدخل الأهواء والمصالح، سيكون سلبي ؛ إن كانت الشخوص هي الدين، فيكونوا أرباباً من دون الله، ويكون الفرق واضح بالبناء والتغير ومستوى الاتجاه الدنيوي - الأخروي..
ولذا يتحكم في التغير الاجتماعي، ما سبق ذكره وما سيلحق، على مستوى تحقيق جودة الأداء العالي High Performance للفرد وتكامله داخل المجتمع..
فلذا كان وما زال اتجاه المجتمعات في مقامة التغيير، وقد تكون مقاومة التغيير عشوائي أو مدروس أو بوعي، وتلعب الثقافة ورصانتها، ورصانة الحضارة وقوتها من نقاوة المعلومات والمنظومة المعلوماتية والعلمية والمعرفية، والدعائم التربوية والأخلاقية والتعليمية، وهو ما ينشده الإسلام والرسالة الة القائم باستقامتها، وبما يُمليه الوعي والاستيعاب والتوجه والأداء..
والاستقامة في كل شيء، يبدأ من الوحدانية وحدة التوجيه والتوجه، وما يحقق الاطمئنان لمصدر المعلومات ونقاوتها وسلامة اتجاه التغيير والتغير.. ويقول (عليه السلام) :
(فَبَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً، (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ إلى عِبَادَتِهِ، وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلى طَاعَتِهِ، بقُرْآن قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ لِيَعْلَمَ العِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَلِيُقِرُّوا بهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ، وَلِيُثبتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ، فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ، وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالمَثَلاتِ، وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقَمَاتِ !) (1).
وما يُقابل أسس التغيير ؛ (لِيَعْلَمَ العِبَادُ رَبَّهُمْ)، (وَلِيُقِرُّوا بِهِ)، (وَلِيُثبتُوهُ)، ودعم الثقافة مصدر التغيير ؛ (فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ)، ومصدر التشريع (في كتابه)، وأثر التغيير : (أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ)، (وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ)، (وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بالمثلات)، (وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بالنَّقَمَاتِ)..
ومن بين ما يُمثّله النص المبارك هو كيفية ؛ هندسة وإعادة هندسة التغيير والتغير، ومنه الغيير والتغير الاجتماعي وفلسفته واستراتيجياته المتواصلة بتكاملية المحتوى الدنيوي - الأخروي..
ويمكن أن يسهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اتجاه التغيير والاستقامة، وذلك بثقافة الوقاية والعلاج من خلال الاستيعاب والفهم، وهو ما تم مناقشته في مبحث، وهنا يتوجب الثقافة الفقهية والحضارية المواكبة لكل تغيير، والمطلوب تكاملية الأداء والنتائج، وبهذا المنحى يقول (عليه السلام) :
(لَعَنَ الله الآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنكَرِ العَامِلِينَ بِهِ !) (2)
وقيام اللعن على ما يترتب عليه من آثار دنيوية - أخروية، ومخاطر ما يتم عمله ن المنكر كسبب وأداء ونتيجه وما يترتب من إرباك للمجتمع، باتجاه التغيير غير السليم..
وتظهر أهمية التمييز بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبما تمليه ثقافة الكلمة - الأداء، والآثار المترتبة ؛ الآنية والمستقبلية، المنظورة وغير المنظورة، ومستوى استقامة الحياة وأنظمتها وطبيعة الاتجاه نحو حتمية التغير الاجتماعي..
ولا فرق في أن يكون بصفة فردية أو جماعية أو مؤسسية، لكون مسؤولية التغيير أو التوجيه، تبدأ من وبذات الشخص وبتوجيهات الآمر بالمعروف، فإذا لم يكن العمل بالمعروف والحد من المنكر، فلا يمكن لفاقد الشيء أن يُعطيه، وينبع ذلك من مدى رصانة التربية والتعليم، وما تمليه مؤثرات الثقة بالنفس وبالأدوات الممتلكة والآليات والقدرات والخبرات..
والتغير وحتميته بشكل عام، والتغير الاجتماعي وحتميته بشكل خاص، يركز على العقلانية والثقافة والإرادة والتطور والنظام والبناء والوظائف والأدوار والتضامن والمسؤوليات والضبط الاجتماعي، ويحتاج إلى الإيمان بالرسالة الموجهة وسلامتها، وسلامة قنوات إيصال المعلومة، وسلامة المتلقي، وما يحق-، وما يحققه الضبط والدور الاجتماعي، لتأخذ مسؤولية الكلمة دورها الفاعل في تغيير المجتمع، وإمكانية تغيير وتغير المراكز والأدوار، وما تمليه من ثقافة تبادلها بمفهوم المسؤولية والأداء، والحقوق والواجبات، وأعمق وأدق ما يتجه به النظام السلوكي للتغيير، ما يتضمنه قول أمير المؤمنين الإمام علي (علیه السلام) :
(أَيُّهَا النَّاسُ، إلى، وَاللهِ، مَا أَحْثُّكُمْ عَلى طَاعَةِ إلا وأسْبقَكُمْ إلَيْهَا، وَلا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ إلا وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا) (1).
ومما يتضمنه القول المبارك ؛ أهمية ثقافة التطبيق على الذات، لفاعلية نظام التغيير والسلوك التنظيمي المنطلق من الذات، وما يتطلبه من الاستعدادات لدى الاستعدادات لدى الشخص الرسالي القيادي، ومدى أهمية تطبيق ثقافة التحسس والشعور بالآخر الفردي والجمعي والمجتمعي، وما يترتب من الأعباء واستمرارية تحمل المسؤولية وامتداداتها الاجتماعية، والدور التضامني لنجاح وسلامة التغيير الأقوم، والحث المقابل له، رسوخ ثقافة الطاعة (طاعة الله تعالى)، وحتمية ما تصب في منافع و مصالح وتماسك الإنسان وما يُحيط به من فرص، لتكون طاقة مضافة وفاعلة ومحركة ومثمرة للخير، والنهي بالملائم مما يتطلب من المعالجة والوقاية، المؤدي لعلاج أو الحد من اتساع منطقة الضعف المتمثل بالمعصية، وأسبقية الاستعداد والأداء المطلوب لاستثمار الفرص والحماية من المخاطر..
فالمبدأ أن يجمع التغيير بين مستوى معين من الجوانب الذاتية والجوانب الموضوعية، وما يتطلبه الموقف وظروفه من العلاجات، وما يُناسب أو ما يتناسب مع التغييرات الحاصلة أو التي ستحصل، وبما يسهم من المتغير والثابت، والمستقل والتابع..
لذا يُخاطب (عليه السلام) العقول للإسهام في نجاح التغير الاجتماعي وتماسك المجتمع والدولة، ومنه ما يتجه ويحول دون التفكك الاجتماعي، كعامل قوة، يُقابله الفرص في نجاح استقامة التغير ومنافعه واستدامته.. وبالخطاب الواضح، البالغ لمرامي التغيير الإصلاحي والوقائي يقول :
(أَيُّهَا النَّاسُ، أَلْقُوا هذِهِ الأزمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ، وَلَا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَائِكُمْ فَتَذمُّوا غِبٌ فِعَالِكُمْ. وَلَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الفِتْنَةِ، وَأَمِيطُوا عَنْ سَنَنهَا، وَخَلُوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا : فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبهَا المُؤمِنُ، وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ المُسلِم) (2).
والأزمة كل ما يحمله الفكر من الآراء المنحرفة والحوثة التي تهدد الناس أو المجتمع، لكونها رهينة بالأداء وآثاره على المدى القريب والبعيد، ومخاطر امتداده على التغير الاجتماعي يتم من جراءه، ومنه ما يُهدد المؤسسات والدولة والنظام ومستقبل البلاد والعباد..
ويتجه التغيير الاجتماعي الإيجابي المثمر، فحينما تظهر مشكلة، فيبدأ تقويم مسارها من تحديد المشكلة، ومعرفة أسبابها، ووضع البدائل والحلول الكفيلة بعلاجها، والاتجاه بها باتجاه إنساني وأخلاقي فاعل من شأنه أن يجعل حركية روح العلاقات الاجتماعية، وبتماسك يكفل للمجتمع الحياة الكريمة، البعيدة عن المشاكل الاجتماعية، ومنه ما يحقق فيها المكانة الاجتماعية لكل عضو في المجتمع، وجعل الدعامة والمنهجية المناسبة لكل ما هو قويم..
ويضيف (عليه السلام) في مناسبة أخرى، الدلالة الخطابية وفاعلية العودة للتاريخ، وما آلت إليه الأمم والحضارات، وما كان من أسباب الانحدار الحضاري المنعكس من سلبية وانتكاسة التغير الاجتماعي، والمحرافه واستمرارية الامتداد المنحرف.. حيث يقول عن تلك الحقبة التاريخية :
(أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الأَرَضِينَ، وَمُلُوكاً عَلى رِقَابِ العَالَمِينَ ! فَانْظُرُوا إِلى مَا صَارُوا إِلَيْهِ في آخِرِ أُمُورِهِمْ، حِينَ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ، وَتَشتَّتَتِ الألْفَةُ، وَاخْتَلَفَتِ الكَلِمَةُ وَالأَفْئِدَةُ، وَتَشَعَّبُوا مختلفِينَ، وَتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ، قَدْ خَلَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ، وَسَلَبَهُمْ غَضَارَةً نِعْمَتِهِ، وَبَقِيَ قَصَصُ أخبارهِمْ فِيكُمْ عِبراً لِلْمُعْتَبِرينَ) (1).
ومما تُظهر الخطبة أو تُظهره مضامين النص المبارك :
ضرورة وأهمية الوعي الثقافي واتجاهاته في التغير الاجتماعي، لما يخص مضامين متنوعة، ومنه كجانب ردعي، دون الانحراف في التغير، أو استيعاب التغير لهدف الإسهام في عدم انحرافه، إذا كان استيعاب التغير لصالح المجتمع وتنميته وتطوره واللحاق بركب الحضارة الإنسانية، واستيعاب ووعي تجارب الآخرين مع عدم إغفال الجانب الموضوعي والظروف والمواقف المحيقة بها، لجعلها العبرة التي يمكن الإفادة من إيجابياتها وسلبياتها..
تظهر عدم بقاء القوة والدولة واستمرارها، لأسباب يُعزى مجملها للسلطان وكيفية التغير الاجتماعي وما يتحدد منه مستوى الضبط والتماسك الاجتماعي، ومدى صلاحيته للمجتمع ومسيرته..
أهمية التماسك الاجتماعي والالتفاف حول ما يتمثل فيه الحق، وما يتوجبه من حضور فاعل التغير الاجتماعي التضامني الأداء والنتائج..
1) المرجع نفسه / ص 297.
تظهر أهمية عواقب التغير الاجتماعي لوحدة الاتجاه الفكري، ووحدة الكلمة وتماسك البناء لاستمرارية الاتجاه الحضاري المتفاعل للمجتمع..
النسيج الاجتماعى والألفة والمحبة بين الأفراد والمجتمع، عندما يكون هناك تغير بلا صراعات و بلا عواقب سلبية مؤثرة على التكوين الحضاري..
قد يتفاقم الأمر بالمجتمع، واتجاهه التصعيدي وربما نشوب الحروب، بسبب التغير غير المسطر عليه وغير المبرمج وغير المخطط له، وتوقيت اتخاذ القرار له غير مناسب، لأسباب كأن تكون بذات الأفراد أو بثقافتهم، أو بآلية التنفيذ وأدواته..
ضرورة انتهاج التوازن بالإيمان، كحلقة فاعلة في إنجاح الخطوات التنموية والتغير الاجتماعي المثمر والمستدام، ويخطط ملائمة ومدروسة، توافق الظروف الراهنة والمستقبلية، وبمختلف السياسات التغييرية ؛ كالفجائية والتدريجية، وبالتغير الكلي أو الجزئي.. وهكذا.
ومما نرى من المتقدم وما له علاقة، بأنّ التغير في كل الاتجاهات الفاعلة، تبدأ من العلاقات المفصلية المجتمعية - الاجتماعية ؛ بين المثقف المنتج للثقافة والفكر والمعارف والعلوم، والمثقف المستهلك للنتاج الثقافي والفكري والمعرفي والعلمي، وطبيعة وأبعاده واستراتيجياته وثماره واستثماره، وبمنظور المستقبل والتطور والتنمية المستدامة، النظرية والتطبيقية..
و عموماً فالنظر للتغير الاجتماعي، أحد الاستراتيجيات الرئيسية، بل أعمق وأوسع الآفاق في المنهج الإسلامي، لكون نظرته وعمله ونتائجها، ممتدة الاتجاهات الدنيوية الأخروية، والمؤثرة بتأثيرها المتبادل في مسيرة الحضارة الإنسانية، وبمستوى المؤثرات يكون مستوى البناء والاستمرار والتماسك التنموي..
وبخلافه يتجه المجتمع وحضارته بالتفكك والانحلال والتراجع والنكوص الحضاري، لذا فإن التخطيط والتنمية الاجتماعية، أحد المؤشرات المتعاقبة بالكيفية التي يكون عليه التغيير الاجتماعي ومستقبل تماسك المجتمع والدولة..
بعد أن أطلعنا على الضرورة البالغة للاهتمام بجانب التغير الاجتماعي، ولاكتمال ووضوح بعض الجوانب الأخرى الضرورية للموضوع، تطلب أن ندرس الجانب العقلاني للتغير الاجتماعي، وذلك عن طريق التخطيط والتنمية الاجتماعية، للحيلولة دون الانحراف الاجتماعي Social Deviance..
فالتخطيط Planning يعني وضع السبل الكفيلة للوصول إلى الأهداف ومن خلال الدراسات والأساليب الكمية وغير الكمية، المستفيضة والمتعلقة بالموضوع، والتنبؤ لها.. (1)
اص - هاشم حسين ناصر المحنك / موسوعة العلوم الإدارية والإجتماعية والأعمال التجارية / المرجع نفسه.
د. محمد لبيب البخيحي / الأسس الاجتماعية للتربية / الشركة المتحدة للنشر / القاهرة - مصر / ط 6 / 1976 / ص 287 - 309.
أما التطوير Development فهو التحول المخطط له، واتجاه استثماره وتحوله من مرحلة أو مستوى أدنى إلى مرحلة أو مستوى أعلى وأفضل، أو التقدم فيه، وجانب معين، وهناك التطوير الجزئي والجانب معين، والتطوير الشامل ؛ كالاجتماعي والاقتصادي والسياسي..
ولابد من الإشارة إلى ضرورة التوجه وعدم الخلط بين التطوير والتنمية بالرغم من أنهما يتداخلان ويُكمِّل أحدهما الآخر، فالتنمية Growth هي الزيادة والاتساع والتكثير وتكبير الحجم، كما يحصل
للنبات والشجر والأجسام والأموال والمشاريع، فتكون التنمية أفقية أو عمودية، أو اشتراكهما..
والتنمية تأخذ مجالات معينة، كأن تكون مثلاً : تنمية سياسية، وتنمية اقتصادية، وتنمية اجتماعية، ولكلِّ اتجاهه وأهدافه، وهناك التنمية الشاملة للدولة، وتُستثمر فيها كل الطاقات والخبرات والمؤهلات الوطنية المتوافرة، ويتم الإفادة من الطاقات والخبرات والمؤهلات الأجنبية..
وغالباً ما تقترن التنمية بالدول النامية والمتخلفة، ويهدف لمعالجة مشاكلها وأزماتها، وتحويلها إلى برامج إصلاحية وتقويمية، ومنه اتساع الاستثمارات بكل أشكالها بما فيه ما يخص التنمية الاجتماعية، ومن جهة أخرى يقترن التطور والتطوير بالدولة المتقدمة والمتطورة في مختلف مناحي الحياة والحضارة..
وبسبب خطوات أو قفزات التغير المتسارع في العالم، وما يتحقق من التعاظم المعلوماتي وسعة الفضاء المعلوماتي المتوالي الكبير مع الزمن، والتطور التكنولوجي المتسارع، وما يترتب عليه من الأثر
1) راجع على سبيل المثال : د. بشير عباس العلاق / معجم مصطلحات العلوم الإدارية الموحدة / الدار العربية للموسوعات / ط1 / 1983 / ص 425 - 426.
البالغ على كل الاتجاهات ومنها الاجتماعية والجوانب التنموية فيها، ومتطلبات إدارة هذه التنمية بشكل يستوعب التطور العالمي المتسارع، أو على الأقل المحاولة لاستيعاب الجانب الإستراتيجي منه، وتحويله في خدمة ما ينصه التخطيط والتنمية الاجتماعية المستدامة..
وما يتطلب من المجتمعات واتجاهاتها الحضارية القويمة، هو النجاح في هندسة وإعادة هندسة دورة حياتها وبالتوازي مع استقامة التغير، وما يحقق استيعاب ومواكبة العولمة الإيجابية والوقاية من اتجاهاتها السلبية، ويسهم بذلك ما تقوم بمهامه هندسة التنمية ؛ للتجديد والتحديث والإبداع في مواكبة التطورات المادية وغير المادية، وما تأخذ الهندرة (الهندسة - الإدارة) دورها الفاعل في التنمية، وما ينصب من خلال أنشطتها في دورة التخطيط وإعادة هندسة التنمية، ورفع مستوى الدخل مع فاعلية ووضوح التخصص وتقسيم العمل، لرفد انسيابية ومرونة وفاعلية العمليات والأداء والتنفيذ والنتائج ومردوداتها على المدى القريب والبعيد..
ويتطلب في مجال التنمية الاجتماعية، هندسة التنمية الاجتماعية وهندرتها، وإعادة هندسة التنمية الاجتماعية، لتواكب كل تطوّر دون توقف، فيسبق فيه دعم المجتمعات للنظم الاجتماعية التنموية والحضارية، بالتزامن مع هندسة وإعادة هندسة ؛ الإدارة والاقتصاد والسياسات والاستراتيجيات والجوانب التربوية والتعليمية.. وما إليها، والاهتمام بالتخطيط لها وتقييمها وتقويمها، بمطابقة الخط البياني للخطط والخط البياني للتنفيذ ونتائجه الكمية وغير الكمية والتنمية البشرية – الاجتماعية..
والمزج بين التفكير العام والتخصصي، وتصميم العمليات، وما يهدف من تحقيق التحسينات المستمرة للأداء وحركية المعايير، وما يتطلب من استخدام التقنيات والخبرات والمؤهلات، وما يدخل ضمنه من مهنية التطور والتطوير والأداء التنموي، فضلاً عن الطرق والأساليب، وما يتم الخوض في جوهر الأعمال التنموية، باتجاهات تتعدى الروتين الهرمي إلى العمل الفاعل على استيعاب المواقف ومتطلباتها، بما فيه التفكير الاستقرائي والاستنتاجي، وتقنية المعلومات وتطورها، والأفادة من كل ذلك وغيره في التخطيط والتنمية الاجتماعية، والحد من اتساع الفجوات التنموية، ومعالجة الفجوات القائمة، ومنها الفجوات الرقمية من ؛ اتصالات ومعلومات وتقنياتها..
ولابد من التكاملية بين التخطيط والقرارات الناجمة عنه في مجالات التنمية الاجتماعية، وما يدخل ضمن استراتيجياتها، والعمل على بيان وتوصيف ؛ (تشريح وظيفي - موظف)، ووصف المهام البسيطة والأعمال المركبة (للوظيفة)، للسيطرة على المواصفات (القائم بالعمل) والأداء، وما يتوجبه من تحسينه للأداء ليكون بمستوى الأداء العالي في تنفيذ ما مخطط له، والإفادة من انعكاساتها المستقبلية الريادية والقيادية للتنمية الاجتماعية..
وتظهر هنا فلسفة الإدارة Management Philosophy واستراتيجياتها في التخطيط والتنمية الاجتماعية، التي تشمل مثلاً ؛ التربية والتعليم والتدريب وتنمية وتطوير القدرات والمواهب والتفكير الإبداعي، بما فيه التفكير الإبداعي القيادي والريادي للخبرة – التدريب..
وكل ذلك وما يتعلق به، يسهم في رفع المستوى المعاشي والرفاهية الاقتصادية - الاجتماعية، وبناء بيئة اجتماعية - تقنية من شأنها أن تواكب كل تطورات العولمة ومدياتها اللا محدود..
وممكن أن يكون التخطيط والتنمية الاجتماعية ؛ يدعم دراسة وتحليل ووضع السبل الممكن تنفيذها على ما هو مرسوم وما تم تصميمه، لتحقيق الأهداف الاجتماعية، والتحوّل من مستوى وحجم اجتماعي معين إلى ما هو أفضل وأوسع، بما فيه المؤسسات والمنظمات المتنوعة، ويكون ذلك بكل الاتجاهات ؛ المحلية والإقليمية والوطنية والعالمية.. (1)
د. السيد محمد الحسيني وآخرون / دراسات في التنمية الاجتماعية / دار المعارف بمصر / ط 2 / 1974 / ص 149 - 200.
وجدير بالذكر أن الإسلام قد اهتم بشكل كبير وواسع بكل جوانب الحركة ؛ بزمانها ومكانها ومواقفها، وما تمتد بحيزها في التنمية وتطوير الحياة بكل اتجاهاتها ؛ (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِيهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) سورة الملك، (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم (22) سورة الملك، (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) من الآية 9 / سورة الزمر..
ومنها ما يتعلق بالتخطيط والتنمية الاجتماعية، ومصدر الاسترشاد والآلية من خلال ما خطه القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وما انبثق منهما أقوال الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وما يكشفه من سلامة الفهم والتوفيق والتطبيق وأهمية الجانب الميداني..
ويقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) : (وَالعَامِلُ بالعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلى الطَّرِيقِ الوَاضِحِ) (2)و (.. أنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ، وَمَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ) (3).
ومحور ما يتبين أهمية التخطيط للتنمية والتطوير ليتحقق ؛ (الطَّرِيقِ الواضح)، وحركيته التنفيذية والتطبيقية أو الميدانية ؛ (كَالسَّائِر)، ومفصليته الواضحة ؛ العلم - العمل، ومفتاحها رؤوس الأموال
البشرية والمجتمعية والعلمية والمعرفية، بريادتها وقيادتها، ومدى وضوح رؤيا ؛ الظاهر - الباطن، وما يترتب عليه من توقعات أو تنبؤات، ومستوى التنمية وتطوير مستقبل الحياة والحضارات..
والطريق الواضح لا يكون إلا بمعالجات جوهرية وموضوعية، تتم في هداية وتوجيه الشريعة، وما يستقي منها الفقه أدواته وآلياته لعلاج مشاكل وأزمات كل مناحي الحياة وحركيتها، واتجاهات العلم ومنظومة المعرفة، ومستوى الوامل التابعة والمستقلة، وما يكون عليه داخل المجتمع من مستوى وحركية رأس المال البشري - المعرفي، ومنحى مستوى استقراره واتجاهاته داخل أو خارج البيئة، المحدد لهروب ما هو الداعم للتنمية والتطوير الاجتماعي..
وتظهر هنا ضرورة الاستيعاب والدراسة والتحليل المستفيض للأمور وتقييمها وتقويمها، وما يترتب عليه من تغييرات على مستوى الفرد والمجتمع، وبدقة محتواه يؤدي بوضوح الطريق ومعرفة تصورات أو تنبؤات أو توقعات عواقبه، ومستوى الظن والتوقعات والاستقرار والطمأنينة، ووضوح ما يُستمد من المعلومات المناسبة، هو دعم آخر للتوقعات ووضع الخطط..
وتغير الفرد أو المجتمع من غير رسم خطط مدروسة ودقيقة ومناسبة وواضحة، يؤدي في الغالب الأعم إلى ظهور أعباء ومشاكل وأزمات، ربما تتحمله حتى الأجيال اللاحقة، ومنه ما يؤثر على مستوى تماسك النسيج الاجتماعي..
لذا يتطلب أن توضع دراسة مستفيضة ومتكاملة من شأنها بالتغير المناسب أن تقود المجتمع صوب التطور والتنمية المناسبة بمادياتها ولا مادياتها على المدى القريب والبعيد، وبحسب ما يكون عليه ظاهرها وباطنها ومطابقة ذلك..
ويتطلب دراسة التغير والتخطيط له، والاهتمام بالاحتمالات، بنظرة تنموية شاملة لمستقبل اجتماعي متطور، بالرؤى والأبعاد، والأدق ما تكون عليه السُّنة الصالحة أو المنهج أو الفكر القويم الذي أخذ مأخذه في الواقع الحياتي التطبيقي ودواخل النفوس ومكوّن النسيج الاجتماعي، وبهذا الخصوص يقول (عليه السلام) :
(وَلا تَنْقُصْ سُنَّةٌ صَالِحَةٌ عَمِلَ بهَا صُدُورُ هذهِ الأُمَّةِ، وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْألفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ، وَلا تُحْدِثنَّ سُنَةٌ تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا، وَالوِزْرُ عَلَيْكَ بمَا نَقَضَتَ مِنْهَا)(1).
ومجراه يكون على أساس التغير الاجتماعي، وما يؤول إليه مستوى التماسك الاجتماعي والتطور الاجتماعي Social Evolution، ولا يحدث ويُستثمر ذلك إلا من خلال خطط للتنمية الاجتماعية،
1) المرجع نفسه / ص 431.
تتصف بإمكانية التطبيق والتوقعات الإيجابية والمردودات، مع الأخذ بنظر الاعتبار جاني الرقابة التقويمية والإصلاح..
ولضرورة التوضيح لهذه الفكرة الحساسة والدقيقة، المتعلقة بالتشريعات والعقد الاجتماعي، وما يشترك بين الدولة - المجتمع، الموجهة لقويم الاتجاه والسلوك والعمل، وما سيتضح الجانب آخر في مبحث لاحق عن الشخصية القيادية والتماسك الاجتماعي، وللأهمية يمكن وضع المخطط الآتي :
مخطط (17) يبين استراتيجيات التنمية والتطوير الاجتماعي
والنهي هذا قائم على حماية ؛ (السنة الصالحة) التي هي أساس المنظومة المشتركة في البناء التكويني والتشريعي لحماية الناس بمختلف شرائحهم ومكوناتهم، وحماية لاستمرارية واستدامة التنمية والتطوير القائم على ؛ عمل واجتمع وصلح، مقابل ؛ الأمة والألفة والرعية، وهدفه وغايته الإنسان ؛ الفرد والجماعة والمجتمع في البيئة الجامعة - الصالحة للمستقبل الحضاري المتميز والمثمر..
ويضيف (عليه السلام) :
(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ، وَلَنْ تَأخُذُوا بِمِيثَاقِ الكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ، وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَدَهُ) (1).
ويبرز مما يتضمنه النص المبارك، أهمية الوعي واتضاح الرؤى وبلورة الأفكار واستقراء الأجواء والمناخ وما يدور وما يعترض مسيرة الحياة من المخاطر والتهديدات والتحديات، ومترتبات ما فعله الشخص ونتائج ما حدث له، يعني معرفة السبب والنتيجة والآثار المترتبة عليه وما يحيط به، وما تبينه من المعايير، ومنه ما يتوجبه من استقراء :
1) المرجع نفسه / ص 205.
وبذات الاتجاه السابق الذكر، عندما ؛ تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَ مِيثَاقِ الكِتَابِ، من حيث دراسة وتحليل الأجواء والبيئة والشخصية، وما يحمله الشخص من فكر، وما تحمله نفسيته ومنحى سلوكه، تكون النتيجة ؛ تَأخُذُوا بميثاق الكتاب..
وفضلاً عن ماسبق ذكره، عندما ؛ تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَ مِيثَاقِ الكتاب، من حيث بناء الشخصية والمحتوى النفسي وخلفيته الفكرية، وما ينجم عنه من سلوك ومؤثراته الآنية والمستقبلية، تكون النتيجة ؛ تَمَسَّكُوا بِمِيثَاقِ الكِتَابِ..
والمعرفة والرشد وميثاق الكتاب والأخذ والتمسك به من خلال استيعاب ووعي، بما فيه من ضمان سلامة التطبيق لدستور الحياة، وما يترتب عليه من الحقوق بشكل عام، ومنه حقوق الإنسان کفرد ومجتمع، ومنه يتم قويم البناء الإنساني، والمحتوى اللا محدود للإيمان العميق ما ورد فيه من قوة العمل، وقد ورد كلمة (تعرفوا)، كمؤشر وشرط محوري فاعل للوعي والاستيعاب والعمل..
ومن جهة أخرى فإنّ الأول يبدأ من البناء المعرفي - الاجتماعي من ؛ (وَاعْلَمُوا)، والتوجه المفصلي، والمخاطب لكل زمان ومكان، الفرد والمجتمع ؛ (أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا)، موجه برامج تنمية وتطوير النظم التربوية والتعليمية وتنفيذها، بما في محتوى (الرُّشد)، والتوجه الحتمي ونتائج البرامج التربوية - التعليمية ؟ (حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ)، وهو استقراء ما يتضمن علم النفس التربوي، وعلم الاجتماع التربوي، ومنه ما يتعلق في مضامين التخطيط والتنمية الاجتماعية..
وتعزيزه المعرفي التكاملي الآخر أو الثاني يكون : (وَلَنْ تَأْخُذُوا بميثاق)، ومصدره التشريعي المتكامل الموجه (الكِتَابِ)، والتوجه الحتمي التربوي - التعليمي ؛ (حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ)..
والتعزيز المعرفي الثالث : (وَلَنْ تَمَسَّكُوا يه)، والتوجه الحتمي التربوي - التعليمي ؛ (حتّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ)..
والاستنتاجات ناجمة عن ما يولده الفكر التحليلي ودراسة المجتمع لرسم الخطة Plan الكفيلة بالتنمية الاجتماعية، وفاعليتها تظهر من خلال مضامين علم الاجتماع المعرفي التنموي، والخطة التي بالإمكان تنفيذها مع مراعاة كل مستلزماتها المادية وغير المادية والنفسية والبشرية، وبالسبل المتعددة منها التربوية والثقافية..
وأيضاً يتطلب لوضع الخطط التنموية الفعلية المدروسة، أن تكون بحسب الدراسات المستفيضة، وما لها من الخصوصية والعمومية في التكوين النظامي البنائي، وبوعي شروط الدراسة من ؛ اقتصادية الدراسة والقدرة الزمنية المحددة لها، واختيار الكادر، ودقة المعلومات والبيانات المستقاة من مصادرها المطلوبة، ومدى وضوحها واختزالها وانسيابيتها، ومدى موافقتها مع الاستراتيجيات، ومدى توافر
البدائل مما يتوافر من المعلومات والبيانات المتنوعة، وما يتطلبه من تناسب تلك المعلومات بين كلفتها وجدواها وأهميتها واستثماراتها.. (1)
ولذا يقول (عليه السلام)، بهذا التوجه التخطيطي - التنموي المدروس :
(وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ) (2)
ومما تبينه دلالة الكلمة والقول المبارك، وحركيتهما بين متعدد الغايات ومنها ما تتضمنه :
ما يقابل الاتجاه الاقتصادي والاستثماري المخطط وغير المخطط له، وأهمية التوفيت، ومخاطر الضياع، وجودة المنتوج، وملكية الأرض واستثمارها، والموقف والنتائج، والمعلومات المرتدة من إيجابياتها وسلبياتها، ومدى الإفادة من المعلومات، والاتجاه صوب ما يحقق الخطط الإستراتيجية، بمتطلبات التنفيذ والأداء المناسب، وما يترتب عليها من المردودات الآنية والمستقبلية وتبعاتها..
ما يقابل الاتجاه السياسي، التخطيط الإستراتيجي وما ينبثق منه القرارات ومنها القرارات السياسية - الإستراتيجية، ومدى النضج السياسي ونضج الحكومات والسلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويظهر بشكل بارز منها ما يتعلق بالسياسات والأتجاهات والمضامين السياسية - التنفيذية ؛ (وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِبْنَاعِهَا)، ومنه ما يتعلق بالجيو سياسية واتخاذ القرارات وطبيعتها..
ما يقابل الاتجاه الاجتماعي، ومدى عمق ومعالجات إستراتيجيات التخطيط الاجتماعي، ومدى النضج الاجتماعي، والإنضاج الاجتماعي للتغيرات ومكاسبها، بالتوقيت والموقع والمواقف، ومنها ما يدخل ضمن علم النفس الاجتماعي، وعلم النفس التربوي والتعليمي وعلم الاجتماع الإداري والتنظيمي، وما يتعلق بالجانب التخطيطي - التنموي..
وهكذا يتضح موضوعية البحث العلمي التنموي، وعمق ودقة التخصص ومدى فاعلية المستوى الثقافي، بل أوسع من هذا وأكثر تفصيلاً، ولو تفحصنا الدقة البلاغية في اختيار الموضوع ودلالة الكلمة وتعدد وتكاملية مضامينها، وعمق ألفاظها واتجاهاتها، ووحدة وتوازن حركة قطبها، والمكوّن من ؛ (وَمُجْتَنِي)، (الثَّمَرَةِ)، (لِغَيْرِ وَقْتِ)، (ابْنَاعِهَا)، (كَالزَّارِعِ)، (بِغَيْرِ أَرْضِهِ)..
وعنده يظهر ما أهمية التخطيط واستراتيجياتها للتنمية الاجتماعية، وما أهمية الدقة والتوقيت والعمل بهذا الاتجاه التنموي الداعم للتقدّم التنموي الشامل والحضاري، ومنه :
ما يجب أن تكون عليه قبل الخطة، والتهيئة لها..
ما يجب أن يكون للخطة..
ما يجب أن يكون للتنفيذ، والاستثمار الفعلي..
وما سيكون عليه من جراءه..
؛ لتكون المردودات تكاملية، وبالذات ؛ الاقتصادية والاجتماعية وما مخطط لها، وما يحقق تنمية فعلية للمجتمع، بكل الاتجاهات ؛ الأفقية والعمودية، والبناء التحتي وامتداداته حتى الفوقي منه، لقيام المجتمع على أسسه أنظمته المناسبة..
ويتطلب أن تكون الخطط وتنفيذها على وفق المصالح العامة، ثم المصالح الأخرى ذات المحدودية والخصوصية والفردية والمصلحية، وما يتعلق بالأنانية وامتلاك الغير وما يعمله، وعلاج ذلك والوقاية منه، يتبين من قوله (عليه السلام) :
(وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ) (1)
ويضيف (عليه السلام) في مناسبة أخرى :
(وَإِيَّاكَ وَالعَجَلَةَ بالأمور قَبْلَ أَوَانِهَا، أَوْ التَسَقَطَ فِيهَا عِنْدَ إمْكَانِهَا، أَوْ اللُّجَاجَةَ فِيهَا إذا تَنَكَّرَتْ، أوِ الوَهْنَ عَنْهَا إِذا اسْتَوْضَحَتْ فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ)(2).
والاتجاه لما يحتاجه التطوّر الاجتماعي، وما تتطلبه تنميته وتقييماته وتقويماته المتشعبة المتنوعة والمتكاملة، ومنه الخطط الكفيلة القيام بالمهام التنموية للمجتمع..
لذا فإنّ العجلة في الأمور دون النضج ودون الرؤيا الواضحة وتكامل الرسالة، ومنه وضوح الأهداف والغايات، وما يؤثر على مستقبل المجتمع وأنشطته..
وأيضاً التهاون والاستهانة فيه يؤثر كما تؤثر العجلة فيه، وتهديد توجهات الإصرار على النحرافات معينة، وما لا يُعرف فيها أوجه الصواب، أو الضعف عند وضوحها، وما تتطلبه من وضع الأمور في مواضعها بظروفها ومكوناتها، ومواقع ما يتحقق فيها التقدم والتنمية الحضارية للمجتمع..
وتحذيره (عليه السلام) لِمَنْ يكون بموقع صنع واتخاذ القرارات، وما يترتب عليه من الحقوق والواجبات والمسؤوليات اتجاه المجتمع ومواقع تنميته الحقيقية، حيث يقول :
(وَإِيَّاكَ الإِسْتِئْثَارَ بمَا النَّاسُ فِيهِ أَسْوَةٌ، وَالتَّغَابِيَ عَمَّا تُعنى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ، فَإِنَّهُ مَأْخوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ) (3).
وهنا الجانب التوازن في مضامين التنمية الاجتماعية، بما فيها من خطط وتنفيذ تلك الخطط وبأفضل وجه وأنسبه، يكفل حماية المصلحة العامة والحقوق العامة للمجتمع، والابتعاد عن الجانب الشخصي، لِما يُحدثه من الخرافات، قد تؤثر بعمق تماسك المجتمع وبناءه..
وتواصلاً لما تقدّم وما سيلحق، فإنّ السياسة الاجتماعية Social Policy لها الأهمية البالغة في توجيه مسيرة المجتمع، لكونها تضع سياق تنظيمي في كيفية التعامل مع محتوى ؛ توصیف (تشريحي)، ووصف (وظيفي)، ومواصفات (مجتمعية)، لما يتم من الاستيعاب والإسهام في تحليل سياسة الدولة ومؤسساتها المتنوعة، ومنها ما يتعلق باستخدام السياق الاجتماعي للقوة، وتوازن السلوك السياسي والنظام السياسي في توزيع القوة بين السلطة Authority والنفوذ Influences، ومنه ما يتم السيطرة على توالد العنف ضمن البيئة الاجتماعية..
وما يكون بشأن الخدمات الاجتماعية وتنظيماتها وإدارتها، كالتعليمية منها والصحية والأمنية والضمان الاجتماعي والإسكان، وما هو يُكاملها، والغاية هو الوصول إلى نظم وبناء اجتماعي، بمستوى العلاقات وما تمليه من الوعي والتماسك والتفاعل، وبموجب خطط مدروسة من شأنها أن تحقق تقدّم المسيرة بقويم السبل على وفق العقلانية والرشد.. (1)
دينكن ميشيل / المجع نفسه / ص 293 - 294.
وقدّم الإسلام من خلال دستوره الإلهي العظيم، نظم تكاملية، منها ما تتعلق بالسياسة الاجتماعية التي تسهم من خلالها الدولة بالتعاون مع المجتمع والأسرة والأفراد، ويكون كالبنيان المرصوص في السراء والضرّاء، والضيق والرخاء، وتوجهاته الواسعة لحماية الإنسان ونظمه من خلال مبنى الحلال والحرام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآثارها الدنيوية - الأخروية التي لا تتقادم..
1) ينظر مثلا إلى : د. محمد عاطف غيث / قاموس علم الاجتماع / دار المعرفة الجامعية / الإسكندرية / 1989 / ص 432 - 433.
وبطبيعة الحال، يختلف الإسلام في نظم السياسة الاجتماعية عن ما يضعه الفكر الرأسمالي والفكر الاشتراكي، لما للدولة والمجتمع والأسرة والأفراد من تفاعل في الإسلام، وذلك بتنسيق مختلف الأنشطة والجهود، وانصباب نتائجها كوحدة واحدة يبني بعضه بعضاً، والبعيد بذلك عن فلسفة الصراعات والتضحيات وبناء الحضارات..
وما ورد في الكتاب الموجه من أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) لواليه على مصر مالك الأشتر النخعي (رضیَ اللّهُ عنهُ)، إلا مصدر نابع من ؛ أعظم دستور ألا وهو القرآن الكريم، وما انبثق عن المدرسة النبوية الشريفة، وهو محتوى مستمر الفاعلية، وشامل ومعالج للحياة، وبه ما يحقق بناء الدستور الإنساني المتكامل للناس، وبه تحقيق المواطنة بمنهج إسلامي لا يقف عند قصور العقول البشرية، بل له عمقه في حقوق الإنسان والإنسانية جمعاء، وخصوصية عمق أخلاقيات العدالة والمساواة، بما فيها السياسة الاجتماعية الرصينة التي تنهض بمستقبل الناس، لتشمل بتفاصيل الحقوق، مختلف الشرائح الاجتماعية، ومما جاء فيه :
(وَإِيَّاكَ وَالمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ، أَوْ التَّزَيَّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فتتبعَ مَوْعِدَكَ خلْقِكَ، فَإِنَّ المَنَّ يُبْطِلُ الإِحْسَانَ، وَالتَّزَيَّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الحَقِّ، وَالخُلْفَ يُوجِبُ المَقْتَ عِنْدَ اللَّهِ وَالنَّاسِ، قَالَ الله تَعَالَى : " كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ") (1).
إذن فأساس بناء السياسة الاجتماعية ؛ قيام المسؤولية وتحمل المسؤولية بشكل تضامني، وما يترتب عليه من مستوى دقة وجودة الأداء، ووجوبيته على تماسك عقد سياسي تشريعي وقانوني، وتلبية حقوق إنسانية - اجتماعية، وبه يتحقق الآليات على أرض الواقع :
(وَإِيَّاكَ وَلَمَنَّ عَلى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ)، وفلسفته أو حكمته في إنسانية وأخلاقيات الشريعة الإسلامية ؛ (فَإِنَّ المَنَّ يُبْطِلُ الإِحْسَانَ)..
(أَوْ التَّزَيَّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ)، ومما يتضمنه ثقافة العمل - الأداء العالي، ولا سيما المجتمعي منه، بحيث لا يقوم بإظهار الزيادة في الأعمال، المبني على الأساس المرائي والافتخار المنقص للعمل والسياسة الاجتماعية، وفلسفته ؛ (وَالتَزَيَّدَ يَذهَبُ بِنُور الحَقِّ)، لئلا تختلط الأمور، وتنحرف اتجاهات الفكر وميول النفس والسلوك..
(أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتَتبعَ مَوْعِدَكَ بِخَلْفِكَ)، وهو ما يحمل على ضرورة الاهتمام بأخلاقية الضبط الإستراتيجي والاهتمام بثقافة الموعد لدى الدولة، وتعزيزه على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع، وتحقيقه الميداني والتطبيقي في جميع بناء نظم العلاقات البعيدة عن إخلاف الموعد،
1) نهج البلاغة / ص 444.
ومما يعني أنه لابد من تطابق بين الخطط والتنفيد، وتحقيق الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع وتحقيق مكاسب اجتماعية، وفلسفته التنموية والتطويرية، وحماية الاستراتيجيات المتعددة، ومنها ما تتعلق بالسياسية - الاجتماعية والتنظيمية والإدارية ؛ (وَالخُلْفَ يُوحِبُّ المَقْتَ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ)..
ويتبين باتجاه تكاملي أخلاقي آخر، ومنه ما يتعلق بمستوى السلوك - الأداء، وذلك ما ورد في الذكر الحكيم : (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) سورة الصف، فلابد من أن يكون أثر للقول على الفعل، وما يتحقق بموجه الشرع الإلهي، والمحتوى والنفع الاجتماعي، وبناء السياسة الاجتماعية..
وبه يتضح ما أهمية الاهتمام باتجاهات السياسة الاجتماعية والتخطيط لها، ومدى أهمية التطابق بين التخطيط والتنفيذ والنتائج والآثار المستقبلية، ومنه ما يتعلق ببرامج التكافل والضمان الاجتماعي، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(وَتَعَهَّدْ أَهْلَ اليُتْمِ وَذَوِي الرَّقِّةِ فِي السِّنِّ مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ، وَلا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَة نَفْسَهُ..) (1)
ولابد من الدولة ومؤسساتها ومؤسسات المجتمع المدني من اتجاهها نحو المنحى الإنساني، وشمول مختلف الأعمار ببرامج الضمان الاجتماعي، وكل حسب متطلباته وحساسيته وقدراته، ولاسيما الضعيف والمحتاج وذوو الحاجات..
لأنّ عدم الاهتمام بهذه الشريحة، وعدم تحقيق الحماية والضمان المناسب لهم، ربما يسبب صدع كبير في البناء الاجتماعي وتماسكه، وفجوة في تكاملية العناية بكل شريحة اجتماعية، وحماية المجتمع من الانحرافات، والحيلولة دون تفاقمها للوصول إلى الإضرار وارتكاب الجرائم، وهو أخطر ما يواجهه المجتمع، وما يواجه إستراتيجيات السياسة الاجتماعية..
ويضيف (عليه السلام) في مناسبة أخرى بالقول :
(وَإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصيباً مَفْرُوضاً، وَحَقاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَ ذوي فاقةٍ، وَإِنَّا مُوَفّوكَ حَقَّكَ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وإلا تَفْعَلْ فَإنَّكَ مِن أكثر الناس خصوماً يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُؤْسَى لِمَنْ - خَصْمُهُ عِنْدَ اللهِ - الفُقَرَاءُ وَالمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ وَالمَدْفُوعُونَ، وَالغَارِمُونَ وَابْنُ السبيل)(2)...
وبين النصيب المفروض والحق المعلوم وما كاملها، توضع الخطط الكفيلة ببناء السياسة الاجتماعية المستدامة، وهندستها على أسس كفيلة بحماية كل شرائح المجتمع بحسب تكامل أداء الحقوق..
ولبناء السياسة الاجتماعية بمقتضى ما تقدّم، وقبل كل شيء، الانطلاق من توجهات مخافة الله تعالى، والعواقب المترتب عليها مستقبل الإنسان ؛ كفرد ومجتمع، وهو الردع الداعم لبناء استقامة الدواخل لكل فرد، ولمختلف المستويات الاجتماعية، ليكون بمنهجه حسب المسؤوليات والمواقف : وبقويم الأعمال وأنقاها، وما يترتب عليها من مردودات على المجتمع..
والضمان الاجتماعي المخطط له، يُلبي إشباع الحاجات الأساسية، وبهذا لابد من أن يكون محتواه إنساني - أخلاقي، يحفظ كرامة الإنسان، وانتظام تربوية مكارم الأخلاق..
ولا تنسى بأنّ السياسة الاجتماعية وتوجيهاتها وخططها وتحمل مسؤولية التنفيذ والنتائج ولمختلف الأمور وعواقبها، تتحملها الدولة أولاً، وامتداده التكاملي الداعم هو التكافل الاجتماعي هما ؛ المجتمع والأفراد، وما يحمل من الخصوصيات والعموميات، ومؤثرات العوامل المستقلة والتابعة للوصول إلى الأهداف المنشودة المستقبل واستراتيجيات المجتمع والأجيال، وبناية وحماية الحضارة الإنسانية..
ولا ننسى أن كل الأموال التي تُجبى، لها أهداف أخلاقية منظورة وغير منظورة، ولها الفلسفة المالية العامة في الجباية والإنفاق، وهو ما تتضمنه السياسة الاجتماعية وخططها المتعمقة والمجسدة لسياسة الدولة
لذا يؤكد (عليه السلام) أن يكون من غايات وأهداف جباية الخراج لبناء المجتمع وحمايته من خلال الخطط المرسومة، وما تتطلبه حاجات المجتمع بحسب تلك السياسة الاجتماعية العقلانية الرشيدة، ليكون سمة إمكانية التنفيذ وبأفضل مردوداتها وأنسبها، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(وَتَفَقَدْ أَمْرَ الخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وَصَلاحِهِمْ صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إلا بهِمْ، لأنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ عِيالٌ عَلَى الخَرَاجِ وَأَهْلِهِ، وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمارَةِ الْأَرْضِ ابْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجَلابِ الخَرَاجِ، لأنَّ ذلِكَ لا يُدْرَكُ إلا بالعِمَارَةِ ؛ وَمَنْ طَلَبَ الخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ البَلادَ، وَأَهْلَكَ العِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلاً) (1).
وتنطلق دقة هندسة السياسة الاجتماعية من صلاح وإصلاح بين الخراج وجباية الدولة للخراج من المصدر المتوجب عليه هذا الأداء المالي، واعتناء الدولة بالنظر ومراعاة معايير ؛ الظروف الاعتيادية وغير الاعتيادية، ولكل ظرف اتجاهاته الخاصة في النظام الضريبي الذي لا ينقل كاهل الناس، وتعدد التوزيع من خلال المنافذ الواجبة الإنفاق عليها، وتكاملية دورة السياسة المالية مع السياسة الاجتماعية، وإنسانية وأخلاقية بناء النظام الضريبي في الإسلام، لتقليص فجوة الضعف داخل المجتمع، وذلك بإشباع حاجات مختلف شرائح المجتمع من خلال الخطط المالية - الاجتماعية المدروسة..
1) المرجع نفسه / ص 436.
والدورة الاقتصادية - الاجتماعية وفلسفتها في نظر الإسلام : (النَّاسَ كُلّهُمْ عِمَال عَلى الخَرَاج وَأَهْلِهِ)، المقابل لدقة وعظيم منظومة الإعمار - الحضارة : (وَلْيَكُن نَظَرُكَ فِي عِمِارَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَركُ فِي اسْتِجَلابِ الْخَراجِ)..
وعمق فلسفته و استراتيجيته بما تحمله من علة ومعلول : (لأنَّ ذلِكَ لا يُدْرَكُ إلا بالعِمَارَةِ ؛ وَمَنْ طَلَبَ الخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةِ أَخْرَبَ البلادَ، وَأَهْلَكَ العِبَادَ، وَلَمْ يَستَقِمْ أَمْرُهُ إِلا قَلِيلاً)...
والعجيب بمحتوى ما تحمله هذه النظرة الجامعة الشاملة حتى تمتد لتشمل أصحاب رؤوس الأموال وحمايتهم، وبهم حماية المجتمع من خلال سلامة الدورة الاقتصادية، يعني سلامة دوران العمل وحماية كل العاملين في القطاعات الاستثمارية من تسريحهم من أعمالهم، وحماية مصادر دخولهم، ويعني حماية الأموال المستثمرة من هروبها خارج البلاد، ويعني الحماية من الفساد الإداري والمالي..
و من عظيم ما يعني ويتضمنه النص المبارك : هو حماية الدولة من انحرافاتها السلوكية والتنظيمية العامة، والاتجاه بالتخطيط وإعادة التخطيط الدقيق بظروفه الحماية استقامة هندسة وإعادة هندسة سلوك الدولة - المجتمع العمراني والحضاري المستدام الذي لا يقف عند حد معين من الإنسانية، ومنه الاتجاه بما يتم وضع معايير دقيقة له، مراعية فيه بناء توازن الحياة ومتطلباتها، ومنها الحياة والسياسة الاجتماعية المؤثرة بطبيعتها على المجتمع ومستقبله..
ويعني الكثير الكثير الذي لا يسع ولا يمكن تغطيته في سطور ومجلدات، لكونها متشعبة وجامعة بين أخلاقيات العدالة الإسلامية وبناء نظام المساواة من جهة، وبين النظر فيها للمحتوى الحركي للعمران والمجتمع والاقتصاد والأخلاق وما يتكامل معها، وما يترتب من حقوق لا تقف عند نقطة محددة..
بل أيضاً تمتد هذه الأخلاقية - الإنسانية لتشمل الدولة والأفراد والمجتمع، بكل المعايير والاتجاهات الدولة بأنظمتها وسياساتها ومنها السياسة الاجتماعية، والأفراد والمجتمع بكل شرائحه وطبقاته الاجتماعية التي تتضامن وتتكافل لتبني بعضها البعض، وما يربط بين وجوب اهتمام الدولة بنظرتها الإنسانية والاجتماعية في جباية الأموال التي لها الأثر البالغ بمدياتها المتعددة على مسيرة المجتمع، وما من العمق الإستراتيجي والدقة في سمة السياسة الاجتماعية والنظام الضريبي للدولة، والكفيلة بمراعاة. كل الاتجاهات الفاعل في الدورة الاقتصادية - الاجتماعية، وما يُلازمها في حماية المنظومة العمرانية - الحضارية المستدامة بكل المعايير الخلافة..
التغير كمصطلح يعني انتقال الشيء من حالة إلى حالة أخرى، والتغيير هو إحداث شيء لم يكن قبله، وبهذا المعنى يتجه التغير السياسي تحول رئيسي في البنية السياسية كالانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، والتغير الاجتماعي هو تحول رئيسي في البنية الاجتماعية وبذات الاتجاه كالتحوّل الاجتماعي من الاستبداد الدكتاتوري بالشعوب إلى الديمقراطية والحرية الاجتماعية.. (1)
والسياسة هو النشاط الاجتماعي القاضي بتحقيق الأمن الخارجي والوفاق الداخلي لوحدة سياسية معينة، ضامناً النظام وسط الصراعات الناشئة عن تنوع وتباعد الآراء والمصالح، بواسطة القوة المرتكزة عامه على القانون.. (2)
وجانب آخر تتأثر المجتمعات الإنسانية به بشكل بالغ وعميق، وذلك يكون بالمضامين والتغيرات السياسية ومدى استقرارها، ويتم من خلالها، وبما يتحدد من مستوى وسبل حماية المجتمع وعلاقاته ونظمه ونموه وتطوره..
ومما يؤشر عليه مستوى ما يكون عليه من ؛ مواقع القوة واستثماراتها، وتنظيم السلطة، وطبيعة النفوذ، وما يترتب من توزيعاتها المثمرة ؛ كقوة وسلطة ونفوذ، فأي تغير في التوازن السياسي، يُربك عملية صنع واتخاذ القرارات وتنفيذها وما تتطلبه من الأداء المناسب، وما تتطلبه من التقييم والتقويم، ومناهجها الانسابية في حماية المجتمع وأمنه وحقوقه..
وما يحققه النظام السياسي من التوازن في توزيع القوى، وما تكون عليه طبيعة السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وما يتطلب من الاتجاهات الرقابية الرسمية وغير الرسمية، ومدى فاعلية مؤسسات أو منظمات المجتمع المدني التي تُراعي بدورها أمن وحماية الدولة وتماسكها، وهنا لابد التفريق بين الدولة والحكومة، فالدولة قائمة بمقوماتها وجغرافيتها ومنها الجغرافية السياسية، أما الحكومة فهي متغييرة مهما امتد عمرها وتعددت اتجاهاتها وطبيعة أنظمتها وإيديولوجياتها..
ومنه ما يترتب عليه من العلاقات بين الأنظمة السياسية واتجاهاتها وأنشطتها، والنظم والبنية الاجتماعية والاقتصادية، وما يظهر عنه من الصراعات السياسية على السلطة، وما ينجم عنها من
أنظمة مستبدة وغير مستبدة، ومدى استمرارية وتغير ذلك، وما يترتب من شكل النظام السياسي، وشكل المجتمع من حيث كونه متمدن وغير متمدن، وما يتحقق من نمو وتطور المجتمع، بكل توجهاتها المجتمعية الزراعية والصناعية والتجارية والعسكرية، وفي وقتنا المعاصر ظهر المجتمعات المعلوماتية، ونمو وتطور النظام السياسي واتجاهاته، ونمو وتطور الدولة والبناء الحضاري وتطوره..
ويرتبط التغير السياسي بمختلف التغيرات الحياتية، ومنها ما يرتبط بالحركات وسبل التغيير والتغير الاجتماعي، وتوجهات ذلك يُحدد مستوى خطورة الصراعات الحتمية وغير الحتمية، ومنها الصراعات السياسية - الاجتماعية، وما يرتبط بهما من الاتجاهات الاقتصادية، وتعاقب ما تمليه الظروف والمواقف، وما يتم من مستوى توزيع القوة والسلطة والنفوذ، وما يقوم من علاقات داخل المجتمع والوظائف والأغراض والانتظام ضمن آلية المتغيرات الاجتماعية، وما يؤشر على حتمية النتائج ضمن جوانب من مكوناتها، والعلاقة الجدلية بين المجتمع والدولة... (1)
وعموماً ربما يمكن أن يكشف جوانب من طبيعة النظام السياسي واتجاهات التغير السياسي في الدولة من خلال المعادلات الآتية :
مستوى توزيع القوة والسلطة والنفوذ = مستوى طبيعة صنع واتخاذ القرارات وتنفيذها استخدامات القوة والسلطة والنفوذ = حقيقة النظام السياسي وجوهره الإيديولوجي طبيعة توزيع وعمل وفاعلية السلطات = طبيعة النظام السياسي القائم
وما جاءت به الإيديولوجيات من نظرية صراع المجتمعات وصراع الحضارات، لقيام شكل بناء النظام السياسي - الحضاري، وهو ما لا يقرّه الإسلام بشكله المطلق، وربما يكون مؤثر مما يؤثر في العملية البنائية، ويرى الإسلام بطبيعة وواقع البناء الحضاري الحقيقي وامتداداته، ومنه ما يكون المجتمع قائم على أسس العدالة والمساواة في الحقوق وما يترتب عليه من واجبات ومسؤوليات، وبالتضامن والتكافل يبني بعضه البعض الآخر على منهج إنساني، بكل مكونات المجتمع وطبقاته وتوزيع الأدوار : وما تتطلبه من تبادل تلك الأدوار، وتجمعهم محاورة الحضارات والبناء الحضاري المستدام، وهو ما لا تحمله كل الإيديولوجيات الوضعية..
لذا إنّ هذا التوجه كان له حضوره الفاعل في القرآن الكريم وضمن تنظيم البيئات والمخلوقات والحياة العامة ؛ (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلْف
1) راجع مثلاً : د. عصام سليمان / مدخل إلى علم السياسة / دار النضال للطباعة والنشر والتوزيع / بيروت - لبنان / ط 2 / 1989، د. محمود عودة / المرجع نفسه / ص 237 - وما بعدها، - د. إحسان محمد الحسن / المدخل إلى علم، الاجتماع / دار الطليعة للطباعة والنشر / بيروت - لبنان / ط1 / 1988.
بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المفلحُونَ (104) سورة آل عمران.
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) سورة النحل.
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وأثاروا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) سورة الروم.
(ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) سورة الأنفال.
واستقى من هذا المنهل العذب، الرسول الأكرم (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) المناهج التنظيمية حسب ما تمليه الرسالة السماوية، ومنه سار الإمام علي (عليه السلام)، ومهما استهدف منه، تحقيق الحق والعدل والمساواة.. وبهذا الخصوص يقول :
(وَلَقَدْ أَصْبَحَتِ الأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا، وَأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتي) (1)
وجانب من مضمون النص المبارك ؛ الاتجاه السلوكي الرئيسي للتغير السياسي من حيث ارتكاب الظلم فيكون :
الأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا ؛ حينما يستبد القائد بحكم الناس، ومنه ما ينفرد بالسلطة وصنع واتخاذ القرارات والتمادي في التلاعب بالأدوار وتضييع الحقوق وثقلهم بأعباء المسؤوليات والواجبات، فتكون القوة لغة السلطة والنفوذ، أو رفع من مستوى الضرائب التي تثقل كاهل الناس، أو توقيت الضرائب في غير توقيتها أو مكانها أو شخوصها، أو يتم استيفاء الضريبة في الأزمات، أو اتخاذ القرارات التي تنفع السلطة وأصحاب النفوذ، وتكون إضرارها في الناس، ولاسيما الفقراء والمحتاجين.. وهكذا ما يتصل بالتغير السياسي..
الرُّعَاةِ تَخَافُ ظُلْمَ الأُمَم ؛ وعندها يستبد الناس بالقائد، وذلك الجهل الناس، أو التمادي في سلب الحقوق، أو أخذ أدوار ليس لهم الحق فيه، أو يجهلون أو يتجاهلون الحقوق المتبادلة بين القائد ورعيته، أو التعامل مع المحيط الخارجي ليكونوا الثغرة أو الفجوة التي يدخل من خلالها العدو لتدمير العلاقات الوطنية ومستقبل البلاد والعباد، أو كل فرد يعمل بترجيح
1) المرجع نفسه / ص 141.
المآرب الخاصة على العامة، وربما كان عدم التعاون مع قائدهم فيخذلونه عند الشدائد التي بها الدولة والناس، أو عدم دفع ما يترتب عليهم من الضرائب التي تسهم في علاجات المشاكل وأزمات الدولة والناس.. وما شاكل ذلك من الظلم..
وأيضاً مما يتضح ويتضمنه النص المبارك، مدى الاطمئنان القاطع لمصدر التشريعات التي لا تضيع عنده الحقوق، ولا تخفى الواجبات من العبادات والمعاملات والتنظيمات..
لكن الخوف الطبيعي والاستقرائي والموضوعي، نابع من طبيعة ومستوى ثقافة الانتماء والتنظيم والفهم الاستيعابي والامتثال للتشريعات الإلهية التي تصب أولاً وأخيراً في مصب صالح الأمة والإنسانية جمعاء، ومنه ما يكون خوفه (عليه السلام) عليهم من مخاطر هذا الجهل والقصور عن الحق، وبذات الدقة والحذر، كانت تطبيقاته (عليه السلام)، من أجل حماية الإنسان ؛ كفرد وجماعة ومجتمع، وحماية ما يُحيط به، وحماية ما يمكن حمايته من تماسك المجتمع وسياسة الدولة ومتطلبات التغير والتغيير وما يرتبط به أو يلازمه..
وله رأي علاجي ووقائي في موقف التغير السياسي الآخر والذي يتمثل في مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وما أعقبه من مبايعة أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) حيث يقول :
(دَعُوني وَالتَمِسُوا غَيْرِي ؛ فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ ؛ لا تَقُومُ لَهُ القُلُوبُ، وَلا تَثبتُ عَلَيْهِ العُقُولُ، وَإِنَّ الآفاق قَدْ أَغَامَتْ، وَالمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ، وَاعْلَمُوا أَنّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُصْغِ إلى قَوْلِ القَائِلِ وَعَتّبِ العَاتِبُ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ؛ وَلَعَلّي أَسْمَعُكُمْ وأطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنا لَكُمْ وَزيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَمِيراً !) (1).
والنص المبارك البليغ المختصر بكلماته، العظيم مكوناته، يشتمل على الكثير من المعالجات المتنوعة والمتكاملة، فهو يجمع بين التغير السياسي وبناء النظام الواضح، وثقافة الحماية من مخاطر التغير السياسي، المتمثل في جانب من مضامين ؛ (فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ)، فهو استقراء التغير السياسي الواقع، وتوقعات وحتمية مؤثرات هذا التغير على مستقبل البلاد، بالتزامن بين إرادة التغيير وعدم تحمل الناس أعباء هذا التغيير الواسع، والدليل ما يوضحه (دَعُوني وَالتَمِسُوا غَيْرِي)..
والنص المبارك يوضح ما يمثل إرادة الناس أو المجتمع للتغيير، بأسبابه ومسبباته الموضوعية، وما يتطلبه من الشخص القيادي من كشف الحقائق المستقبلية وحتمية سلامة النظم الأخلاقية الواضحة في البناء السياسي - الاجتماعي، وما يتطلبه من دقة النسيج الاجتماعي - القيادي، والمؤهلات القيادية، ويعني الكشف عن حتمية ما يؤثره الخلل الاجتماعي على مستقبل بناء الدولة، ولذا يتطلب بناء سلامة
1) المرجع نفسه / ص 136.
نظم الحقوق والواجبات : (وَاعْلَمُوا أني إن أجبتُكُمْ رَكِبْتُ بكُمْ ما أَعْلَمُ، وَلَمْ أَصْغ إلى قَوْلِ القَائِل وَعَتْبِ العَاتِب)، لكون الحق والعدالة والمساواة، لا تتجزّأ.
ومن جهة أخرى، ضرورة ما يتطلبه من تضامنية وإسهام العقد الاجتماعي - السياسي المتوازن لتحمل أعباء المسؤولية المشتركة، ولثقافة الوعي المجتمعي أهمية بالغة في حقيقة التوجهات الإسلامية، ومنه ما ينبثق العقد الاجتماعي - القيادي، وهو أحد اتجاهاته يُدلل على أن تفاعل الناس أو المجتمع لدعم خطط السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية.
وربما يُريد أمير المؤمنين (عليه السلام)، أن يجعل شخصية معنوية اجتماعية تنظر وتستقرأ الأحداث والمعلومات، لتضع نصب أعينها الشخص المرشح للقيادة والزمن والمكان والموقف، لتضع الشخص المناسب في المكان والتوقيت والموقف المناسب، وتكون منها القرار الجمعي والمجتمعي قبل تحمل أعباء المسؤولية السياسية، ليعقبه القرار السياسي - القيادي..
فهم القيادة الجمعية والمجتمعية قبل أن تكون القيادة السياسية والإدارية والتنظيمية، ومنهم وبوعيهم تنبثق وتشخص القيادة، ليتجاوزوا بذلك مرحلة الديمقراطية المزيفة، والوصول إلى مراحل متقدمة في سلوك مجتمعي قيادي، وتسيير قيادي - مجتمعي تضامني مستمر ومستدام..
وبذات الوقت يتم بناء ثقافة تجاوز الأنا القيادية، وبناء ثقافة الوعي للبدائل بين القيادة والقائد، لتحقيق الذات المجتمعي التضامني في الاختيار وتحمل الناس المسؤولية التنفيذية، بما فيه التنمية السياسية الاجتماعية القويمة والمقومة من الناس..
وهناك ربط آخر يتمثل بضرورة الاستشارة المتقدمة على القيادة لبيان دقة مسارها على منهج واضح من الخطط، والخصوصية ما هم عليه من عدم النضج الثقافي للحقيقة الجامعة بين القيادة والإدارة والتنظيم، ولزوم تحقيق ما لا يحتملونه من تطبيق مرارة الحق ؛ (وَإنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ؛ وَلَعَلّي أسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلْيَتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَمِيراً!)..
وهو ما يحقق التوازن بين إلقاء الحجة عليهم، وبث جانب من الوعي المطلوب والبدائل للمرحلة الراهنة من التغير السياسي الشامل، وما استجابة الإمام علي (عليه السلام) لبيعة الناس الخلافته، إلا بعد التثبت من توحيد اتجاهاتهم لمرحلة خطرة وعصيبة، وقبل كل ذلك، فهو بلا ريب وبلا منازع، الأجدر والأحق بالخلافة لإحقاق الحق..
وبذات البيان والتوجه التوعوي، والاستيعاب المطلوب لمرحلة التغير السياسي، وما يتطلب من الناس أو المجتمع إتباعه من أجل الوصول إلى حالة استقرار الرأي العام المناسب، والحيلولة دون إرباك المجتمع ونسيجه بالتزامن مع التغير والتغيير السياسي، وآلية التحول وتخطي الصعاب والمخاطر
والتهديدات، وما يتمثل في الانتقال التحولي نحو قويم الاتجاه، وما يُمليه ويُحتّمه متطلبات التغير والتغيير :
(فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأُ النَّاسُ، وَتَقَعَ القُلُوبُ مَوَاقِعَهَا، وتُؤخَذ الحُقُوقُ مُسْمَحَةٌ ؛ فَاهْدَؤُوا عَنِّي، وانظُرُوا مَاذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي، وَلا تَفْعَلُوا فَعْلَة تضعضعُ قُوَّةً، وتسقط منة، وثورث وهنا وذلة، وسأمسِكُ الأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ، وَإِذا لَمْ أَجِدْ بُدا فَآخِرُ الدَّوَاءِ الكَي) (1).
والثبات يبدأ من طبيعة الصبر ووضوح الرؤيا، وتأثيره على وقع التغيير والتغير وقوته على الفكر والنفس ؛ كأفراد وجماعات ومجتمع، ومؤثراتها الآنية والمستقبلية، وهنا يظهر ما يتطلب من المستوى الثقافي والحضاري للمجتمع، ومنه ما يتمثل في كيفية التعامل مع الحدث، والتعامل مع ظهور المشاكل والأزمات، والسيطرة عليها بدقة متطلبات التخطيط والتنفيذ، وإدارتها بشكل واع، ويمكن توضيح آلية إدارة المجتمع مع الدولة للأزمات، بالمخطط المبسط الآتي :
مخطط (18) يبين آلية إدارة المجتمع للأزمات
صبر المجتمع على الأزمات وإدارتها = يَهْدَأُ النَّاسُ = تَقَعَ القُلُوبُ مواقعها = تؤخذ الحقوق مُسْمَحَةُ
ويعني ما أهمية وضرورة الصبر، كعامل فكري وتعزيز نفسي وحيوي، داعم لمختلف الأنشطة ومنه الثبات على المبادئ ودقة التركيز واستقراء التغير واستمرارية التغير، والقدرة والثبات والعزيمة بشكل موضوعي تفصيلي وواضح الرؤيا والمعالم ؛ ومنه ما يتعلق بالتغير السياسي، بالدراسة والتحليل ووضع الحلول الكفيلة وعلى وفقها تُبنى وتقوم الخطط على أسسها الصحيحة، ويتم التنفيذ والأداء العالي في معالجة الأمور..
والعودة لدليل مضامين ما يُطلق بشكل يحقق تفوق الذكاء الإبداعي المجتمعى للتغير الكائن بما سبق وما لحق وامتداد ما يكون بشكل متحسس وتفاعلي اجتماعي ؛ (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأُ النَّاسُ، وَتَقَعَ القُلُوبُ مَوَاقِعَهَا، وتُؤخَذ الحَقُوقُ مُسْمَحَةً)، والتركيز الدلالي واستمراريته بين التغير والصبر ؛ (حَتَّى
1) المرجع نفسه / ص 243.
يَهْدَأُ النَّاسُ)، (وَتَقَعَ) (القُلُوبُ مَوَاقِعَهَا)، (وتُؤخَذ) (الحَقُوقُ مُسْمَحَةٌ)، وهو مما يجمع بين التغير ووضوح الرؤيا وتحديد مواطن الحقوق والتعاون بالمسامحة وبناء العلاقات وتماسك المجتمع..
وبث ثقافة الحقوق والواجبات والتضامن في أداء متطلبات المسؤولية، ومنه ما يتطلبه استقرار الوضع داخل الدولة، وما يتحقق من الاستقرار داخل المجتمع، واستكماله يتم بالمرجعية المعرفية وسلامة التوجه والتوجيه، وثبات وحدة المرجع المتمثل بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وعند عتبة الموضوعية يتحقق التقارب والمحاورة والتفاهم وإعادة الحقوق إلى نصابها..
والتحقق من سلامة التغيير والتغير والفاعلية والآثار المستدامة، واستكمالاً يتضح في موطن آخر، قوله (عليه السلام) :
(وَارْدُدْ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الخُطُوبِ، وَيَشْتَبهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُور ؛ فَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى يقوم أحبُّ ارْشَادَهُمْ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ " فالرَّد إلى الله : الأخذ بمُحكم كتابهِ، وَالرَّدُّ إلى الرَّسُولِ : الأخْذُ بِسُنَّتِهِ الجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ) (1).
(وَارْدُدْ)، فهي تعني الكثر في مجال التغير والتغيير، المقابل للتقييم الوظيفي وتقويم الأداء، ويكون مدى مطابقة الشيء محددات التشريع، وتعني هندسة وإعادة هندسة محتوى التغيير بحسب المعايير المعمول بها..
والسبيل في ذلك يتم ردها ؛ (إلى اللهِ وَرَسُولِهِ)، ومما يعني معرفة رأي التشريع الإلهي، أو مدى مطابقة الأعمال مع ما جاء في الشريعة ومنها محددات ومترتبات الحلال والحرام، وموجز بيانه ؛ (فالرَّدُّ إلى الله : الأخذ بمُحْكَم كِتَابِهِ، وَالرَّدُّ إلى الرَّسُولِ : الأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الجَامِعَةِ غَيْرِ المُفَرِّقَةِ)..
وأسبابه الوقائية والعلاجية الموجبه : (مَا يُضلعُكَ مِنَ الخُطُوبِ، وَيَشْتَبُهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ)، ليتحقق الاتجاه نحو أقوم السبل في التغيير والتغير، ومنه السياسي والاجتماعي، بأقوم وأنقى الفكر المؤدي إلى الاستقرار النفسي وسويها الجمعي والمجتمعي، والاتجاه بسلوك وأعمال أخلاقية منتجة..
ولو تم الاتجاه بجانب من ذلك نحو الاستراتيجيات، وأخذت بمنظور إسلامي تكاملي متوازن بين الدنيا وامتداداتها الأخروية الغير قابلة للتقادم، لتم دقة وتكاملية بناء الصياغة الإستراتيجية الشاملة، ومنه ما يتجه نحو تكامل محتوياتها التي تجمع ما بين ؛ المدخلات من المعلومات الدقيقة، ومطابقة البيئة الداخلية من قوة وضعف، مقابل البيئة الخارجية وما يكون فيها من فرص ومخاطر، وكل ما هو يسهم ويؤثر في صنع وتبلور اتخاذ القرارات، والأخذ بالمقتضيات الوقائية والعلاجية المطلوبة، وما يتطلب من
1) المرجع نفسه / ص 434.
التنفيذ الإستراتيجي، ويواكبه بالمطابقة المعيارية للنتائج، وما يوجهه التقييم والتقويم الرقابي، بكل أشكاله ومعالجاته..
وهو ما يحقق الاتجاه نحو وحدة المرجع التشريعي، والتأكد من سلامة الشخوص وسلامة التغير والتغيير ونتائجه، ومنه سلامة المجتمع من التهديدات والمخاطر المحيقة به..
وفي موضع وموقف آخر بذات التغير السياسي - القيادي ومتطلباته، وما يتطلبه من اختيار مراجع هذا التغير، حيث يقول (عليه السلام) :
(وَاللهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الخِلافَةِ رَغْبَةٌ، وَلا فِي الوِلايَةِ إرْبَةٌ، وَلَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا وَحَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إلى كِتَابِ اللهِ وَمَا وَضَعَ لَنَا، وَأَمَرَنَا بالحكم بهِ فَاتَّبَعْتُهُ، ومَا اسْتَنَّ النَّبِيُّ، (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فَاقْتَدَيْتُهُ..) (1).
وحينما يكون لا وجود ؛ (رَغْبَة، وإربَة)، بمعنى آخر لا محرّك ومحفز ودافع ؛ للرغبة والحاجة، وعند وحدة المرجع التشريعي وسلامته، عندها وبسوي النفس، تتحوّل الأمور لمواضعها الحقيقية، ويكون رؤية الموقف والحدث والتغير بوضوح موضوعيته، وحيثيات ما جرى من تغير وما مطلوب من البدائل المستدامة..
ولكونه المبدأ النابع من المسألة اتشريعية والعقائدية بالقرآن الكريم، ومما يتمثل فيه من الحق والعدل والمساواة والأخلاق.. لذا يقول (عليه السلام) :
(واللهِ مَا مُعَاوِيَةُ بأذهَى مِنِّي، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، وَلَوْلا كَرَاهِيَةُ الغَدْر لَكُنتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلكِن كُل غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كَفَرَةٌ، " وَلِكُلِّ غَادِر لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمِ القِيَامَةِ ".
وَالله مَا أَسْتَغْفَلُ بالمَكِيدَةِ، وَلَا أَسْتَغْمَزُ بالشَّدِيدَةِ) (2).
وتظهر أخلاقيات وقيم ومبادئ الإسلام السياسة وإدارة الفكر وإدارة الدولة والمؤسسات، ومدى الترابط بين أخلاقيات السياسة والتغيير السياسي، والتأثير المرتبط والمترتب على المجتمع، وهو يمثل البناء العقائدي - التشريعي أو الفقهي، ولا يتحدد تأثيره وثوابه وعقابه على مستوى الدنيا، بل يتعداه إلى ما بعد الدنيا..
ويتجه المضمون السياسي من المنطلق الإنساني والاتجاه الأخلاقي في ظاهره وباطنه، وما يضمره الشخص، وما يصل من مستوى الأمن وأمان وحماية المجتمعات..
ويتطلب أن يكون التغير السياسي - الأخلاقي، وما يُبنى عليه من توصيف ووصف وظيفي متوافق مع المواصفات الوظيفية في اختيار الشخص المناسب في التوقيت والمكان والموقف المناسب، وهو من
فضليات ما يضمن للمجتمع من مستقبل يحقق مرحلة التنمية والتطوير، ومنه ما يخص التنمية الاجتماعية، وما تدعمها فاعلية المنظومة التربوية والتعليمية والأخلاقية وخططها، ويظهر ذلك في جانب مما يوجّه به إمامنا (عليه السلام) :
(ثمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لا تَضيقُ بهِ الأُمُورُ، ولا تُمَحكُهُ الخُصُومُ، وَلا يَتَمَادَى فِي الزَّلْةِ، وَلا يَحْصَرُ مِنَ الفَيْءِ إلى الحَقِّ إِذا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعِ، وَلا يَكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ؛ وأَوْقَفَهُمْ فِي الشَّبُهَاتِ، وأخذهم بالحجج، وأقلهم تبرُّماً بمراجَعَةِ الخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلى تَكَشف الأمور، وَأَصْرَمَهُمْ عِند الضاح الحكم، مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إطراء، وَلا يَسْتَمِيلُهُ إغْرَاء، وَأُولئِكَ قَلِيلٌ) (1).
لكون فلسفة الاختيار ينصب في توازن تمثيلهم بين المجتمع والدولة والسلطات، والسلوكيات التنظيمية، وما يتضمنه من سياسات وعلاقات إنسانية، ومنه ما ينى عليه من أخلاقيات حماية حقوق الإنسان، بل حماية حقوق الناس ؛ الأخ في الدين والنظير في الخلق..
وللتغيرات السياسية، مؤثرات منها ما تتعلق بالسمات القيادية وسلوكياتها، كما هو عليه صنع القرار واتخاذه، وما يدخل الرأي المؤثر من خلال المشورة، وما يسبقها من سلامة ودقة المعلومات والبيانات، والمتطلبات العلمية والمعرفية والخبرات..
ومحاور الجانب الاجتماعي - التنظيمي والإداري في النص المبارك ؛ الناس، والنفس، والحكم الذي من دلالاته هنا، صنع واتخاذ القرار السياسي والإداري ومدياته الاجتماعية البنائية، وتحسس واختيار الأفضلية من بين البدائل والنفس والمسؤولية، ويمكن تقريب المفهوم الاجتماعي وإستراتيجيته وفلسفته، وهو مما يتضمنه علم الاجتماع التنظيمي وعلم النفس الاجتماعي والتنظيمي والسلوكي، وما لا يمكن للتغير السياسي واتجاهاته، أن يتجاهل تأثيراتها على المجتمع..
وفضلاً عن ما تقدّم ذكره، يبدأ الحكم ومما يتضمنه، إدارة شؤون الناس أو المجتمع، والاستنباط من الأصول بالأدوات والآليات وما كاملها، فالتوجه للتغيير والتغير السياسي وسياسة الدولة والاختيار الموضوعي يكون : (ثمَّ اخْتَرْ لِلْحُكُم بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ)، وذلك :
1) المرجع نفسه / ص 434 - 435.
ومما يظهر منه بخصوص الموضوع ؛ الخلافات والصراعات بين أفراد المجتمع ؛ المادية وغير المادية، وبأي مستوى كان، وكيفية استيعابها وتحجيمها للحد منها ووضع الحلول لها، بالرأي السديد المحقق للتماسك الاجتماعي والبناء التنظيمي..
(لا يَتَمَادَى فِي الزَّلْةِ)، وهنا يتضح مدى أهمية المرونة والوعي القيادي – الاجتماعي، وعدم الانجرار وراء العزة في الإثم الذي يُخرج أصحاب القرار عن مواضعهم في المسؤولية ومنها المسؤولية الإنسانية والاجتماعية..
(لا يَحْصَرُ مِنَ الفَيْءِ إِلى الحَقِّ إِذا عَرَفَهُ)، ومنه البناء الأخلاقي وتوزيع المال العام، والاتجاهات السلوكية والاجتماعية والسياسية ووضع الأمور في مواضعها، بكل تفاصيل ودقة الحق ومعرفته..
(لا تُشْرِفْ نَفْسُهُ عَلى طَمَعِ)، والطمع هذا الثقل الكبير الذي تضيع فيه الحقوق، وتهدر فيه المواهب والطاقات الاجتماعية، ومنها الطاقات المبدعة والخلاقة، فتجيّر الجهود وما يمتلكه الغير، لصاحب الشأن والسلطة والهيمنة السطوة..
(لا يكتفي بأدْنَى فَهُم دُونَ أَقْصَاهُ) ؛ وجانب منه يمثل مدى أهمية الإفادة من التكاملية العلمية والمعرفية، وما يترتب من حقوق دنيوية - أخروية، وما يتوافر من الأدوات المادية وغير المادية والفكرية والفقهية، ليكون :
• أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ..
• آخذهم بالحجج..
• أَقَلُّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الخَصْمِ..
• أَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشفِ الأُمُورِ..
• أَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتَّضَاحِ الحُكْم..
• مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إطْرَاءٌ..
• لا يستميله إغْرَاء، وأُولئِكَ قليل..
1) ابن منظور / لسان العرب / ضمن (محك)..
وهو ما يحقق انسيابية الحياة الاجتماعية في ظل أي تغيير وتغير، بما فيه التغير السياسي، لكونه سيحقق الموائمة بين التوقيتات والمواقع والمواقف في ظل الاسترشاد بالتشريعات الإسلامية والفقهية لحماية المجتمع أو الناس وحقوقهم المنظورة وغير المنظورة..
واتجاه آخر يدعم نجاح وتطوّر التغير، بما فيه التغير السياسي وبرامجه وخططه واتخاذ قراراته واستراتيجياته ومؤثراته على المجتمع، وذلك من مجموعة عوامل مستقلة وتابعة، وما يترتب من الأمور الوقائية والعلاجية، ولاسيما ما يتعلق بالاستشارات الموجهة لصنع القرارات والسياسات واتجاهاتها المؤثرة من البخل والجبن والحرص، وجميعهم يتجهون بالآراء نحو حب الدنيا والأنانية وظلم الناس وإرباك مستقبل التنمية الاجتماعية، ولذا يقول (عليه السلام) :
(وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الفَضْلِ، وَيَعِدُكَ الفَقْرَ، وَلا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الأُمُورِ، وَلا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَة بالجُورِ، فَإِنَّ البخْلَ وَالجُبْنَ وَالحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظن بالله) (1).
ومما يعني كمعادلات سلوكية ونفسية واجتماعية واقتصادية استثنائية مؤثرة في اتجاهات التغير والتغيير، ومنه التغير السياسي :
البخيل = يَعْدِلُ بِكَ عَن الفَضْل + يَعِدُكَ الفَقْرَ
الجبان = يُضْعِفُكَ عَنِ الأُمُور
الحريص = يُزينُ لَكَ الشرة بالجور
والنتيجة الجامعة للسلوك النفسي - الاجتماعي وخطورته على البنية التنظيمية – الاجتماعية وتأثيراتها المتبادل في التغيير والتغير، ومنه التغير السياسي - النفسي وفاعلية غريزية :
البخْلَ وَالجُبْنَ وَالحِرْصَ = غَرَائزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ
وفلسفة واستراتيجيات هذا النهي لحماية واستقامة التغير السياسي - الاجتماعي الواعي بقدرات وفهم وذكاء، لا يحده ولا يهدده العوق النفسي والمجتمعي وعوق الشخصية القيادية – السياسية، وهو يبين الموقف الإسلامي لحماية المواقع القيادية من القيادات المعوقة والمعوّقة لقوة مسيرة التغيير والتغير بميزاته التنموية والتطويرية، ومنه حماية المجتمع باتجاهات التغير السياسي، وحماية التغير المبدع من المعوقات المستقلة والتابعة، وهو حماية مواقع القوة ومواقع استثمار تفوق إبداعي للفرص المواتية..
1) نهج البلاغة / ص 430.
وأيضاً جانب آخر معوق ضمن موقع قيادي متقدم، يتأثر ويؤثر به التغير السياسي وما تكون عليه مواقع السلطات التنفيذية بشكل مبدئي حتى يؤثر على الاستراتيجيات والقرارات وسياسات الدولة وتوجه المجتمع، ومنه ما يمكن التوجه لحماية المجتمع عن طريق ثقافة التغيير والتغير المثمر وتنميتها وتطويرها على أسس الخير والوقاية وعلاج الشر، وحماية استغلال نفوذ السلطات ومنها السلطة التنفيذية، حيث يقول (عليه السلام) :
(إِنَّ شَرَّ وَزَرَائِكَ مَنْ كَانَ للأَسْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الأَيَّامِ فَلا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظُّلَمَةِ، وَأَنتَ وَاحجدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلى ظُلْمِهِ، وَلا آثِماً عَلى إِثْمِهِ : أُولئِكَ أَخَفٌ عَلَيْكَ مَؤُونَةٌ، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إلْفاً..) (1).
واستقامة التغير السياسي، حينما يُستبعد مَنْ كان للأشرار وزيراً، ولاسيما الوزير المشارك في آثامهم وظلمهم، وهو ما يعني حماية السلطة التنفيذية ومراكز صنع واتخاذ القرارات من كل شخص له الدور والإسهام في ظلم الناس، بكل أشكال الظلم وهدر الحقوق..
وعماد التغيير والتغير ؛ بناء ثقافة سلامة المجتمع وسلوكيات الأفراد والجماعات، وموقف الدولة والحكومة التنفيذية وسلوكياتها بمنحى التغير والتغيير والبناء والضبط والضغط، والحيلولة دون تحويلها إلى مرحلة التغيير باتجاه العنف والتضحيات، وما يمتد بالمخاطر والتهديدات للتأثير على منحى التغيير البنائي أو البناء الاجتماعي - السياسي، ولذا يقول (عليه السلام) :
(إِيَّاكَ وَالدَّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْنَى لِنِقْمَةٍ، وَلا أَعْظَمَ لِتَبعَةٍ، وَلا أُخْرَى بزَوَالِ نِعْمَةٍ، وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقَّهَا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِى بِالحُكْمِ بَيْنَ العِبَادِ، فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ ؛ فَلا تُقَوِّينَ سُلْطائِكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّ ذلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ ويُوهِنهُ، بَلْ يُزيلُهُ وينقله)(2).
وهناك معادلة مما تجمع بين الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني، صيانة وحماية الحقوق العامة والخاصة، ومحورها العظيم يتمثل في حماية أرواح الناس، وعدالة السلطان ؛ المتمثل في اختيار مكونات السلطات ؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية، ودقة توصيفها؛ (تشريح مكونات الوظائف)، ووصفها ؛ (البناء الوصفي للوظائف على أسس دقة التشريح الوظيفي)، ومواصفاتها ؛ (ما يتحقق في ضوء ما يحمله الوصف الوظيفي في اختيار ووضع الشخص المناسب في المكان والتوقيت والموقف)، وتوازنه يتحقق بالتقييم والتنويم الرقابي، ومدى مطابقة الهياكل التنظيمية والدليل التنظيمي للمؤسسات..
(وَرَفَعنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْريًا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) من الآية 32 / سورة الزخرف
سبق وإن تتم معالجة ودراسة موضوع الطبقات والطبقية من منظور اقتصادي، دون إهمال المنظور الاجتماعي، وتواصله وتكامله سيتم معالجة الدراسة الطبقية بمنظور اجتماعي، دون إغفال أو إهمال المنظور الاقتصادي له.. (1)
ولابد من القول بأنّ المسميات ودلالاتها قد تتغير، وتبقى النظرة والحتمية الطبقية شاخصة على مد العصور، لتأخذ مضامينها واتجاهاتها بين الصراع والبناء في ظل مختلف الأنظمة القائمة والفاعلة..
وبديهي بانّ حتمية الفوارق الطبقية لا تذوب، ولا يمكن أن يكون هناك مجتمع لا طبقي ؛ بواقعه وحقيقته، مهما تم من بذل رؤوس الفلسفة وما يرسمونه من الإيديولوجيات وتفاصيل تنظيراتهم، وما يتم وضع خطط وسبل تطبيقاتها المختلفة، وتبقى مهما بذلت المجتمعات الإنسانية بجهودها الاستثنائية للقضاء أو إلغاء الفوارق، لما لها من عمق فلسفي وحياتي ضروري وفاعل، داخل التكوين النفسي والفكري والعلمي والمعرفي، ومنه ما يؤثر على العمل والحقيقة الطبقية الإنسائية بمختلف المستويات..
1) راجع: هاشم حسين ناصر المحنك / علم الاقتصاد في نهج البلاغة / دار أنباء للطباعة والنشر / النجف الأشرف - العراق / ط 1.
ولابد من الإشارة إلى أنّ الطبقية الاجتماعية Social Stratification تشمل الأنظمة الطبقية منها ؛ النظام الطبقي الطائفي Caste System والنظام الطبقي القانوني Estate System والنظام الطبقي المفتوح (الطبقات الاجتماعية) Social Classes.. (1)
-Dressler, David Carns, Donald " Op. Cit., "P; ( 363 - 368). - Sugarman, Barry " Op, Cit., " P : (52 - 63)،
وعلى الرغم من أن هذا الموضوع متشعب ويحتاج إلى مجلدات لتغطيته، لكن ما سيتم التطرق له من نظرة سريعة، لتغطية أهم الجوانب الضرورية للدراسة وبشكل مقتضب جداً على الرغم من صعوبة الإحاطة به وبهذا الاختصار، وهدفه إعطاء جزئية للقارئ الكريم، فضلاً عن ما أسلفنا الإشارة له... (2)
ولابد من تحديد بداية، للإحاطة بالفكرة، والاتجاه نحو ما يمكن تحقيق وضوحها وشموليتها وكالاتي :
د. عاطف غيث وآخرون / مجالات علم الاجتماع المعاصر ؛ أسس نظرية ودراسات واقعية / دار المعرفة الجامعية / الإسكندرية / 1989 / ص 250 - 255.
اندرو ويسنر / المرجع نفسه / ص 91 - 96.
د. حسين عبد الحميد أحمد رشوان / المرجع نفسه / ص 225 - 233.
د مليحة عوني القصير، د. معن خليل الغمر / المدخل إلى علم الاجتماع / مطبعة جامعة بغداد / بغداد - العراق / 1981 / ص 429 - 335.
اللا طبقية ؛ ومدى إمكانية تحقيقها من عدمه داخل الدولة وفلسفة البناء السياسي - الاجتماعي، والسياسي - الاقتصادي، والاجتماعي – الاقتصادي..
التركيز على طبقة اجتماعية، واعتمادها كاتجاه صاعد أو نازل، أو فكرة الاتجاه من الأعلى إلى الأسفل، أو الاتجاه من الأسفل إلى الأعلى، كقاعدة طبقية هرمية، واتجاه الحركية التفاعلية الطبقية، ومستوى السيطرة على مختلف السبل والقرارات، وما يترتب عليها من بناء استراتيجي – اجتماعي..
جانب التضحية، والاعتماد بها للتوازن الاجتماعي والضبط والضغط الاجتماعي..
الفردية والجماعية والمجتمعية، ومنه قيام البناء والكيان ؛ كالسياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والثقافي..
ارفنج زايتلن / النظرية المعاصرة في علم الاجتماع / ترجمة : د. محمود عودة، د. إبراهيم عثمان / مطبعة ذات السلاسل / 1989 ص 177 - 331.
وهذه من بين أهم الجوانب التي تشترك أو تتباين فيها الأنظمة السياسية، واتجاهاتها في الاهتمام بالجانب الاجتماعي وفلسفته..
وبطبيعة الحال تختلف كل الأنظمة عن النظام الإسلامي، وما جاء في ظل ما تضمنه اتجاه الفكر العربي الإسلامي، وخصوصية وعمومية ما تضمنه دستور الإسلام ؛ القرآن الكريم، وما تضمنته الأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وما ورد في نهج البلاغة..
ولنبدأ، مصطلح الصراع ؛ فلا يُنكر بأن الصراع، مثلما له السلبيات له الإيجابيات، فهو قبل كل شيء يحدث من جراء تناقض أو اختلاف أو خلاف أفكار أو تطبيقات معينة، ويكون بغض النظر عن النتائج فيما إذا كان القويم أو المنحرف سيكون هو السائد
وبطبيعة الحال ؛ ينجم عن الصراع، ضحايا وتضحيات، مادية وغير مادية ونفسية، وأخطرها حينما تصل التضحية، لمرحلة التصفية البشرية أو الجسدية..
فلو استطردنا أفكار ونظريات وتطبيقات الرأسمالية والاشتراكية، ومَنْ ركب ركبهم، ومنظريهم ومفكريهم في مجال علم الاجتماع، نرى منهم ؛ هنري بايرن، وماكس فيبر، وسمبارت، وسان سيمون، وأوكست كومت، والبيون سمول، وكارل ماركس، وكارل منهايم، وهيكل، ولدويك فيوباخ، وفردريك انجلز.. وغيرهم، لرأينا، بشكل مباشر وغير مباشر، أن الأفكار قد تناولت الطبقات والطبقية على أساس الصراع واتجاه الغلبة والسيطرة والبناء وتحمل المسؤولية، بالتزامن مع القيام بمسيرة تنموية تتوافق مع التوجهات والخطط، سواء كانت على مستوى فردي أو جماعي، أو على مستوى الدولة وتنميتها الشاملة، أو التوجيهات والخطط المركزية..
حتى وصل الأمر في الدول الرأسمالية إلى تقسيم الطبقات الاجتماعية إلى ؛ الطبقة العليا، والطبقة الوسطى، والطبقة الدنيا، وبدورها تم تقسيمها إلى :
الطبقة العليا العليا، الطبقة العليا الوسطى، والطبقة العليا الدنيا..
الطبقة الوسطى العليا، الطبقة الوسطى الوسطى، والطبقة الوسطى الدنيا..
الطبقة الدنيا العليا، الطبقة الدنيا الوسطى، الطبقة الدنيا الدنيا..
وتستمر الرأسمالية في تقسيماتها الطبقية، ولم تقف عند هذا الحد، بل جعلت من الصراع مفتاح للتنمية والتطوير، حتى وإن كان الصراع عشوائي، ربما يصل بتنظيراتهم للإمبريالية، وتلتقي الاشتراكية في محور الصراع، لكنها ترى منتهاه انتصار الطبقة العاملة، حتى تصل لمرحلة الشيوعية..
وبهذا المنحى اتجهت فلسفة وتطبيقات ونتائج وواقع الرأسمالية، وفلسفة وتطبيقات ونتائج وواقع الاشتراكية، المتحكم الأساسي في طبيعة الملكية وسيطرة وتحكم طبقة اجتماعية معينة، واتجهت بالمعترك الهرمي بين رأس الهرم وقاعدته، فكانت نتائجه ؛ إتباع اتجاه المسيرة الحضارية من الأعلى إلى الأسفل، والاتجاه المعاكس اتجه بمسيرته من الأسفل إلى الأعلى، وكلاهما تحكّم به الصراع وما نجم من مستوى سيطرة وتضحيات معروفة، ومردوداتها على طبيعة وحركية مستوى التنمية والتطوير..
وكلاهما في الظروف الاقتصادية المعاصرة، أثبت فشله التطبيقي أو الميداني، فالاشتراكية والنظام الاشتراكي - الشيوعي، ونظرية العامل الواحد أو الأحادي، المتمثل بالعامل الحضاري - الاقتصادي، أعلن إفلاسه والتفكك إلى دويلات، وما خلف من مشاكل ومصائب وأزمات، وضعف وهوان، بعد أن كان يُهدد استقرار وانسيابية النظام العالمي بأفكاره وقوته..
والرأسمالية والنظام الرأسمالي، أخذ منهج ونظام الترقيع لعلاج نتائج الصراع الطبقي المرير، فسلك العولمة حتى في المعلوماتية والعلوم والمعارف ليتحول العالم إلى بقعة صغيرة بين مخالب عالم الاتصالات وضاع المجتمع والفرد بين الفجوات الرقمية - الدولية، وضاعت الطبقية في دوامتها بين ضياع الذات الفردية وضياع الذات الجماعية أو الجمعية، وضياع الذات المجتمعية، وضياع ذات الدولة..
وكانت النتيجة ضباع الفرد - المجتمع وإنسانيته واتجاهاته الأخلاقية، وضياع استثماراته وتنميته في عالم الانتكاسات الاقتصادية - الاجتماعية، وصدمة الاقتصاد العالمي وأزماته وتذبذبات نموه، وعندها قلب موازين القوى لدى الدول والشعوب ومشاريعها ومؤسساتها المختلفة، وانقلبت الطبقية وتفاقمت الصراعات، واختلفت أساليب الترقيع العلاجي والوقائي بين الدول..
ولا نغفل الفكرة المفصلية المتمثلة بالصراع - الحضارة، وبمعنى آخر ؛ عَدّ مختلف الأنظمة الوضعية المتقدّمة الذكر، بأنّ التقدّم والتنمية والتطوّر والحضارة، مبنية على أساس الصراع وانتظار حصيلة نتائجه، وتختلف التفاصيل بين نظرية تقليدية ونظرية حديثة ونظرية معاصرة، والتغيرات الطبيعية والآلية، والطارئة وغير الطبيعية، في إيجابياتها وسلبياتها ومؤثراتها وتعزيزاتها ونتائجها و آثارها الداخلية والخارجية كبيشة متفردة ومشتركة، ومتعاونة وغير متعاونة، باتصالات وعلاقات رسمية واتصالات وعلاقات غير رسمية، كمجتمع طبقي داخل العمل، ومجتمع طبقي خارج العمل، وخارج العمل مجتمع مشترك من داخل وخارج العمل، ولكلّ انطباعاته وأحاسيسه وتعزيزاته واتجاهاته وتفاعلاته وتعاونه..
وهناك أفكار ونظريات تبين إمكانية إلغاء أو إذابة للفوارق الطبقية، بحيث يصل إلى حد توليد أو خلق المجتمع اللا طبقي، ومن البديهي لا يمكن ذلك حتى في الدولة الفاضلة، وليس من العدالة
والإنصاف، أن يكون جزاء الأعمال والمواقع والتفكير والنتاج بالتساوي، وبشكل عام فإن طبيعة السعي والعمل ومستوى الأداء والتقييم والتقويم، هو المولد للطبقات الاجتماعية..
وورد في الذكر الحكيم :
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) سورة الأنعام..
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) من الآية 9 / سورة الزمر..
(وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتذَكُرُونَ (58) سورة غافر..
(وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (132) سورة الأنعام..
(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (19) سورة الأحقاف..
وفي كل الأحوال، تكون البيئة والمناخ الاجتماعي، وبيئة ومناخ التنظيم والبناء الاجتماعي، ولابد من أن يكون بديل لتحاشي التضحيات والضحايا من خلال التشريع الإلهي المتمثل ؛ بالقرآن الكريم، وما جاء في ضوءه من الأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وما ورد في نهج البلاغة..
ومنه التخطيط والتوجه والأداء القويم، وبه يواكب كل جديد ومُستجد، لبناء الفرد والجماعة والمجتمع والدولة، ومختلف المؤسسات، ومنها المؤسسات الاجتماعية، فالدين الإسلامي دين يضمن حقوق الإنسان والإنسانية، كما يضمن التطور والعطاء الفكري والعلمي والمعرفي، ولبناء وتماسك الطبقات الاجتماعية والتعايش السلمي، بلا انحرافات ولا سلبيات، وعلى كل المستويات..
ومن البديهي ؛ فالتوازن الاجتماعي الصحي والقويم، لا يمكن قيامه إلا بنظم وبناء الطبقية المعتدلة الاتجاهات، المحققة للعدالة وإحقاق الحقوق، والمتجهة نحو التماسك الاجتماعي، المدعوم بالفهم الطبقي المثمر، والمساواة في الفرص والحماية من التهديدات والمخاطر، وما يصب في المجالات التخطيطية ومواقع تنفيذها ومتابعة الأداء والنتائج، الداعم لحقوق الطبقات..
والبناء الطبقي في الإسلام، فضلاً عن كل ما تقدم ذكره، مبني على أساس الاستيعاب والفهم والتعاون والجهود المبذولة بمستوى المسؤولية والاستحقاق للتنمية الاجتماعية، وبالعمل رفع الله تعالى الإنسان النافع المنتج المنتظم على ما هو عليه من مستوى طبقي، ورفع الله عز وجل بعضهم فوق بعض بالسعي والإقدام على قويم الأنشطة والأعمال ؛ (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (15) سورة الملك..
وبهذا كان من بين مضامين الآية المباركة ؛ الدينامية أو الحركية الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، وما تدعم توجه تحسين المكانة الاجتماعية - الطبقية، وعمق الحضارة بمقوماتها الإنسانية التي لا يحدها موقع جغرافي معين..
(أهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سخْرِيًّا وَرَحْمَةً رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (32) سورة الزخرف..
وإشارة لما يجمع (نَحْنُ قَسَمْنَا) بين ؛ الجعل التكويني للإنسان وقواه العقلية والجسدية وتوجهاتها والحركية والفهم والخبرات وتراكمها، بالتوازي مع الولاية التكوينية، وبمقتضاه يتم أداء كل الأنشطة بحسب ما يوجهه الجعل التشريعي والولاية التشريعية، وما يتحقق من المنظومة الأخلاقية الفقهية المواكبة لكل ما يطرأ من تطور الحياة، ومن دليل ما يُميز ذلك التوازن في معيشتهم، كونه بأخلاقيته يتفاعل ويؤدى بمستوى جودة الأداء ضمن الحياة الدنيا وبمنظور ما يلحقه من حساب أخروي لا يتقادم..
وبما يتحقق مما يترتب من المسؤولية والتوافق التكاملي بين التكوين والتشريع والتطبيقات ؛ (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)، وفلسفته العملية الحياتية ؛ (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا)، وهو مما يمثل التآلف والتناغم والتحسس الإستراتيجي المتكامل والمستدام للانسيابية الاقتصادية - الاجتماعية، وإنسانية وأخلاقية المنظومة الطبقية الميدانية للحياة الدنيوية وامتداداتها الأخروية..
والدليل الميداني في الاستقراء التاريخي - الآثاري لمخاطر الظلم الاجتماعي والطبقي ؛ (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِتَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) سورة يونس..
وتوجه وتوجيه الإسلام على قيام الناس بعضهم مع ما يكامل البعض الآخر، كالبنيان المرصوص، وبتفاوت مواقعهم ومسؤولياتهم، وتكامل قدراتهم وإمكانياتهم بالمعرفة والتخطيط والأداء، وما يتوجبه من التعاون المثمر واستثمار الفرص بقدراتهم مقابل الحد من المخاطر، والسيطرة على فجوات ومواقع الضعف..
وبهذا التنظيم الإلهي ودقته المتناهية يكون ؛ (كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ : غِنَى كُلِّ فقير، وعِزّ كُلِّ ذليل، وقُوَّةُ كُلّ ضَعِيف، وَمَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ، مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطقَهُ، وَمَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ، وَمَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَمَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ) (1)، وعنده يقوم كيان ودقة النظام الطبقي بموازين العدالة والمساواة، واتجاه وتوجه ؛ (الغِنَى وَالفَقْرُ بَعْدَ العَرْضِ عَلى الله) (2)، ومما يعني مدى ذوبان الحواجز الطبقية في فلسفة الأسلام، وقيام محله مستوى الأداء وامتدادات منافع الأداء..
وبهذا لا مكان للصراع في الإسلام، لكون الصراع يستند على تلوث وانحراف منظومة ؛ الفكر والنفس والسلوك والأعمال، والاتجاه الدنيوي المادي اللا إنساني، لذا يقول إمامنا (عليه السلام) :
(.. وَإِنَّمَا أَنْتُمْ : إتَرَانٌ عَلى دِينِ اللهِ، مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلا خَبْتُ السَّرَائِرِ، وَسُوءُ الضَّمَائِرِ، فَلا تَوَازَرُونَ وَلا تَنَاصَحُونَ، وَلا تَبَادَلُونَ وَلا تَوَادُّونَ) (1).
وانحراف الصراع ينبع من لا أخلاقيات ولا إنسانية وخُبث وملوث الفكر، وما ينم عنه في دواخل النفس الفردية والجمعية، ومنه توالد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، وذلك بسوء ما تضمره الصدور وما تخفيه الدواخل، ومنه الابتعاد عن كل ما يُقارب الجماعة ويوحدها على الخير والمحبة، والابتعاد عن كل ما يحقق البيئة الاجتماعية المستدامة..
ومن بين ما يظهر، خطورة ما يواجهه المجتمع ومكوناته الطبقية الاجتماعية، ومنه اتباع الأفكار المنحرفة، والمسيرة في ركب الماديات المولدة في دواخل النفس ؛ الخبائث وغشاوة الضمير Conscience، بما يؤثر على التنشئة الاجتماعية والتدرج الاجتماعي ومستقبل المجتمع..
والحصيلة هو الابتعاد عن كل ما يحقق التعاون والتماسك الاجتماعي، والاتجاه منحرف البناء الاجتماعي، وما يؤدي إلى التفكك الاجتماعي والابتعاد عن التواد والتراحم وحب الآخر كما هو عليه حب الذات، ومنه الحيلولة دون الاستعدادات النفسية للإصلاح الاجتماعي المتجه نحو الاستقرار الاجتماعي والطمأنينة المستدامة، وخطورة إرباك وتفكك النسيج الاجتماعي ممنوعه الطبقي..
(وَمِنَ العَنَاءِ أَنَّ المَرْءِ يَجْمَعُ مَا لا يَأْكُلُ وَيَيْنِي مَا لا يَسْكُنُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلى اللهِ تَعَالَى لا مَالاً حَمَلَ، وَلا بِنَاءً نَقَل !) (2).
ولا تقف الطبقية على الجانب الاقتصادي - الاجتماعي، بل تتعداه اتجاهات الطبقية الطبيعية إلى مستوى العلمي - الاجتماعي، واستيعابات وفهم المجتمع والاستعدادات له، ومنه ما يكون بطبيعته على مراتب وطبقات، لاختلاف ميولهم ورغباتهم وحاجاتهم وإشباعاتهم، فمنهم من يواصل مسيرته العلمية بحق وثبات، ومنهم مَنْ يتجه لميدان الأعمال المختلفة، ويأخذ كلّ منهم دوره المناسب في مستوى التماسك والبناء والتقدم الحضاري..
ولذا تظهر الاتجاهات المجتمعية المتنوعة والمتفاوتة في طبقاتها العلمية والمعرفية والفكرية والسلوكية والنفسية والمجتمعية، لينقسم الناس كما يقول (عليه السلام) :
النَّاسُ ثَلاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيِّ، وَمُتَعَلَّمٌ عَلى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَنْبَاعُ كُلِّ نَاعِقِ، يَمِيلُونَ معَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضيئُوا بِنُورِ العِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَؤُوا إِلى رُكْنٍ وَثِيق) (3).
وطبقات أو مستويات المجتمع المدني الحضاري يبدأ من المؤشر العلمي والمعرفي ونتاجاتهما، وما يعقبه دون ذلك، و مؤشرات النسبة العلمية لا تتحدد بالشهادات الورقية، بل تُبلورها النتاجات الإبداعية والمواهب الأصيلة وما تؤثره على الساحة الميدانية، ومدى استيعاب وفهم واستثمار هذه الطاقات التي تعدُّها الدول المتقدّمة مؤشر الحضارات ورأس المال المستدام، ولتوضيح جوانب مما يهدفه تحليل النص المبارك، يمكن وضع المخطط الآتي :
مخطط (19) يبين مستويات النَّاسُ أو طبقات الناس من منظور علمي – معرفي..
وتمنظور النص المبارك، يمكن بناء معادلة، لبيان المستويات أو الطبقات الاجتماعية في ضوء المحتوى العلمي والمعرفي، وجانب مما يتضمنه هو علم الاجتماع المعرفي، وكالآتي :
النَّاسُ = عَالِمٌ رَبَّانِي + مُتَعَلَّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ + هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ
ومؤشر فاعلية مضامين هذه المعادلة وغيرها، وما لها علاقة بها، هو بيان مستوى التقدّم العلمي والمعرفي والحضاري، ومحدداته النسب الداخلة ضمن المعادلة، فكلما ارتفعت نسبة الطبقة الأولى أو نسبة عدد العلماء، يعني أنّ هناك رأس مال معرفي قيادي وريادي مستدام ومؤهل للنتاج العلمي والمعرفي، ويعني أن هناك توقعات معوّل عليها لمستقبل الحضارات، ويدلل على مؤشر واعد للمجتمع، وعلى إن الدولة ومؤسساتها توعد بأن تكون ريادية وقيادية بين المجتمعات والدول، ويوعد باستقلالية الدولة وعدم تبعيتها، ونتائجه الاستثمارية هو ارتفاع مستوى الدخل والاكتفاء الذاتي وظهور فرص عمل بشكل واسع، ويؤدي باستقامته إلى دوران استثماري متصاعد، ويعني أن هناك تدرج اجتماعي ووظيفي واعد لمستقبل اقتصادي متين، ويوعد بازدهار الدولة وتعدد مهامها الإنسانية وبناء دولة
المؤسسات والمواطنة، ويكون لها مركز فاعل في استقطاب الأرقى بالتنافس الإبداعي، ومنه استقطاب رؤوس الأموال واستثمارها بأرقى مستويات الاستثمارات، ويدلل على أن هناك تكاملية وتحول تنموي المستقبل متطور، وموسه على أن هناك تنوع في الإستراتيجيات وتعدد أقطابقها وتكاملها الواعد ويعني مفهوم إسلامي بهذا وغيره، سلامة الدين والدنيا.. وهكذا.
وحينما ترتفع في المعادلة نسبة الاتجاه نحو التعلم وما يُقابلها ويُكاملها من انسيابية وفاعلية الخطط التربوية - التعليمية وسلامة تنفيذها، يعني أنّ هناك تنمية وتطوير حقيقي للمجتمع وطبقاته ومستقبله الوظيفي واستثماراته العلمية الواعدة، ويدلل على أنّ هناك استدامة وتواصل للتقدم الحضاري، ويعني هناك اتجاه الدولة القيادية وامتداداتها المثمرة الواعدة بريادتها..
والمخاطر المهدّدة المستقبل المجتمعات والحضارات، هو عندما ترتفع نسبة الهمج الرعاع التي تنذر بعدم استقرار المجتمع والتدرج الاجتماعي، وتذبذب مناخها وبيئتها الصحية، ويعني تهديد للمناخ البيئي المجتمعي المتماسك، ونتائجه عدم استقرار الدولة ومنه تهديد أمن وأمان المجتمع واستقراره، ويعني انحدار المستوى العلمي والمعرفي والأخلاقي وضياع الحقوق، وانحدار مستوى الطبقية وتصدع تكاملها البنائي، ويعني ازدياد الجهل والصراعات والجرائم، ونذير على هلاك الدولة والمجتمع، ويكون عندها القوي يأكل الضعيف، ويعني هلاك العلماء والعلوم بين مجتمع الهمج الرعاع..
ويمكن من خلال هذه المعادلة، الفهم والتحقق من معرفة مستوى تماسك الدولة - المجتمع وانسيابية الكيان الطبقي الاجتماعي، ومستقبل ثقافة الاتجاهات المعرفية، وحقيقة تعداد انتماء الناس لكل طبقة منها، واستعداداتهم وتفاعلهم مع الرؤى والرسالة والغايات والأهداف..
ولأهمية هذه المعادلة، وتعدد مضامينها واتجاهاتها، وتعدد الاستعانة بها، فقد تتكرر ضمن هذه السلسلة العلمية، فضلاً عن ما تقدّم ذكره، ويمكن إضافة الآتي :
مؤشر رأس المال المعرفي داخل المشروع أو المؤسسة، وداخل الدول وعلى مستوى عالمي، مقابل تعداد السكان، ومدى إمكانية دعمها للتنمية ؛ والتنمية الاجتماعية، لرفع مستوى دخل الطبقات الاجتماعية..
عدد السكان الداخلين ضمن الخطة التربوية والتعليمية على مستوى المناطق والدولة..
عدد السكان ومقارنتهم بين المتعلمين وغير المتعلمين، ونسبة أصحاب العقول والفهم والشهادات والقدرات وتخصصاتهم، ومدى الاحتياجات الآنية والمستقبلية منهم على مستوى المناطق الجغرافية والدولة، ومدى الإفادة منها في التنمية، ومدى إمكانية تطويرها..
الجانب الإنساني والحضاري، وما يتطلبه من وضع خطة تربوية وتعليمية، لرفع المستويات التعليمية والمعرفية للطبقات الاجتماعية، والبناء الطبقي على أساس المساواة والعدالة والمواطنة التنموية والحضارية..
نسبة الطبقة الدنيا غير المتعلمة والتي لا تحمل مستوى ثقافي، فكلما ارتفعت هذه النسبة وانخفض مستوى السيطرة عليها، يعني هناك شخوص مخاطر وتحديات وتهديدات على حركة التنمية والتطور الحضاري والاجتماعي والاقتصادي، وحتى يمند تأثيره على المستوى السياسي للدولة ومدى إمكانية الاستثمارات وما تتطلبه من النظرة الإستراتيجية، وما يتطلب من وضع خطط إستراتيجية بوعى وثقافة تنظيمية، لتحقيق الدورات القويمة لكل مفاصل الحياة داخل الدولة، كما هو عليه ضمان سلامة الدورة الاقتصادي التنموية، وسلامة الدورة الاجتماعية السليمة والداعمة بعدد السكان إلى نسبة أصحاب الشهادات، وبالذات أصحاب الكفاءات التي تسهم في بناء كل مستويات البنى القائمة عليها الدولة - الطبقات الاجتماعية من البنى التحتية حتى الوصول إلى البنى الفوقية..
البرامج التربوية والتعليمية ومستوى التغير الاجتماعي - الطبقي، المنظور منه وغير المنظور، والمادي والمعنوي والإنساني، وفي مقدمته ما يدخل من أدوات تعليمية، وأبرز ما يتمثل في البرامج التعليمية، سلامة المحتوى التربوي والتعليمي، وتكاملية محتوى الكتاب التربوي والتعليمي المدروس والمخطط له وسلامة انسيابية المعلومات فيه وعدم تشتت أفكار المتلقي أو المتعلّم من خلاله، ومدى تعزيز كل ما يمكن من رفع قدراته ووعيه وثقافته التخصصية والعامة، وتكاملية القائم بالتخطيط والتنفيذ، والقائم بالحركة التربوية والتعليمية، وبالذات القائم بإيصال المعلومات، ودقة وطريقة أو أسلوب إيصالها، فالمعلومة واضحة المعالم لدى الشخص التربوي، لكن إيجابية أو سلبية طريقة إيصال المعلومة وتفاصلها هي الحد الفيصل في التنمية التربوية والتعليمية وطريقة استثمار التفكر والذكاء الإبداعي والذكاء التنافسي المنتج وهو بذاته قد يؤدي إلى مستوى ومدى سلامة انسيابية وفاعلية ومرونة الطبقات والطبقية وتعاونها، والتحسين الطبقي، ومنه التعاون الإصلاحي، وعدم الاستغناء عن بعضهم البعض في الحق والعدالة والمساواة والتكامل البنائي للطبقية..
وبعد أن تبين ما عليه الناس من قدرات ومستويات وما يترتب عليهم طبقياً واجتماعياً، وانطلاقاً ومما يُكامله، يظهر طبيعة وفاعلية الرعية وطبقاتها، بمنظور إسلامي ومبدأ إنساني، حيث يقول (عليه السلام) :
(وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلا يَبَعْضٍ، وَلا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ : فَمِنْهَا جُنُودُ اللهِ، وَمَنْهَا كُتَابُ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ العَدْلِ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الإِنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الجُزْيَةِ وَالخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التَّجَّارُ وَأَهْلُ الصَّنَاعَاتِ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الحَاجَةِ وَالمَسْكَنَةِ، وَكُلُّ قَدْ سَمَّى اللهُ لَهُ سَهْمَهُ، وَوَضَعَ عَلى حَدِّهِ فَرِيضَةً فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبيِّهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ) - عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً) (1).
وتواصلاً مع المضامين الاقتصادية في دراسة مستقلة ؛ (علم الاقتصاد في نهج البلاغة)، لهذا النص المبارك، تتطلع من خلاله إلى المحتوى الاجتماعي الخاص بالطبقات، والبناء المتقدم والرفيع في التعامل مع الإنسان ككيان وحضارة إنسانية عظيمة، والمبني على أساس :
الحتمية الطبقية للمجتمع ؛ (وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ)، فلا يمكن أن يكون مجتمع ذات حضارة ومكانة، وأن يكون منتج، وبالخطط يكون متكامل الإنتاج Production، إلا أن يكون المجتمع متكون من طبقات لها حقوق وعليها واجبات ومسؤوليات، وحتى منه الاختلاف في استثمار العقول والعلوم والمعارف..
الحتمية الحضارية لهذه الطبقات، هو الإصلاح الذي لابد منه، وإنسانيته وأخلاقية وجوده ؛ (لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلا يَبَعْض)، وهنا الغالب على هذا النص، المضمون الاجتماعي الذي يتعدى بقيمه وإنسانيته وأخلاقيته وشخصيته الاجتماعية، كل ما وضعه النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي والنظام المختلط الذي مزج بين النظامين من نظريات، وجانب منه ما يُبنى ويقوم على الصراع الطبقي والتضحيات وانتصار طبقة على أخرى وطبيعة تبنيها التطوّر والحضارة، بمثابة مفتاح التقدم، والإسلام بطروحاته التي يكشف عنها القول المبارك، لا مكان لنظرية الصراع الطبقي، بل هناك حتمية قيام الطبقات على أسس إسلامية إنسانية مثمرة، وحتمية بناء الدولة والمجتمع بأداء الدور ليصلح الناس بعضهم البعض، وذلك بكل تفاصيلهم وبلا تمايز عنصري ومذهبي وديني..
الحتمية الأخرى المتكاملة مع سابقتها، ألا وهي سابقتها، ألا وهي حتمية عدم استغناء الناس البعض عن البعض الآخر ؛ (وَلا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض)، وهنا يجعل (عليه السلام) المجتمع، يتجه نحو تكاملية مسيرته الهيكلية والوظيفية ؛ ومنه البناء الاقتصادي - الاجتماعي، وتكاملية خبراته ونهضويته الحضارية والإنسانية، والمسؤولية القائمة بين الإصلاح وعدم الاستغناء، بعيداً عن منطق الصراع الطبقي وما يهدره من الطاقات والخبرات، وبعيداً عن منطق حتمية
1) المرجع نفسه / ص 431 - 432.
العامل الاقتصادي الأوحد، لقيام حضارة وأفول حضارة، وبهذا يُفنّد (عليه السلام) نظريات الصراع الطبقي والعامل الاقتصادي الأوحد والفردية المطلقة لقيام حضارة، وذلك قبل تكوينها التنظيري وقيامها بعشرات القرون..
ضرورة وجود الطبقات الاجتماعية، ولابد من الطبقات والطبقية وذلك لسلامة وقوام البناء والتماسك الاجتماعي، لتباين الطاقات والخبرات والمواهب والإبداعات وطريقة استثماراتها وفرصها، ليكون كمنبعث حضاري وإنساني فاعل ومتطور..
وجانب مما وضع (عليه السلام) ؛ دورة متكاملة لهندسة المجتمع والاقتصاد، وإعادة هندسة المجتمع والاقتصاد الهيكلي والوظيفي من خلال بيانه الإنساني - الحضاري : (أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلا بِبَعْضٍ، وَلا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض)، لكون الرعية أدرى بحالهم وحاجاتهم وطبيعة وطريقة إشباع حاجاتهم وأولوياتها، وما يُصلح حالهم وحضارتهم..
تكاملية الهيكلية والوظيفية وتعدد الأدوار وتبادلها من خلال طبيعة نظام الطبقات الاجتماعية :
• (فَمِنْهَا جُنُودُ اللهِ).
• (وَمِنْهَا كُتَابُ العَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ).
• (وَمِنْهَا قُضَاةُ العَدْلِ).
• (وَمِنْهَا عُمَّالُ الإِنْصَافِ وَالرَّفْق).
• (وَمِنْهَا أَهْلُ الجِزْيَةِ وَالخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ).
• (وَمِنْهَا التَّجَارُ وَأَهْلُ الصَّنَاعَاتِ)،.
• (وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالمَسْكَنَةِ).
• تكاملية السلطات مع تكاملية البناء الاجتماعي الطبقي مع تكاملية التوزيع Distribution، والدليل : (وَكُلّ قَدْ سَمَّى الله لَهُ سَهْمَهُ، وَوَضَعَ عَلى حَدِّهِ فَرِيضَةً فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ – (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ) - عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنا مَحْفُوظاً)..
السعي المشروع والأخلاقي للكسب ومنه الحصول على المكانة والمستوى الاجتماعي..
بحدود الجهود المبذولة والقدرات، وما تحققه الجهود العقلية والجسدية، يتم الوصول الطبيعي للأهداف المرسومة والمخطط لها، بواقعها وشمولها واستمرارتها في التجدد والتوازن والتنسيق والتنظيم والتنفيذ، وما يواكبه من التقييم والتقويم بالعدالة والمساواة..
وعندها تكون المسؤولية الاجتماعية تضامنية في التخطيط وتنفيذ الأنشطة، لذا بالمنظور الإسلامي، أي انحراف يحدث، لابد أن يُقابله تقويم وإصلاح اجتماعي Social Reform والبناء والتماسك
الاجتماعي، البعيد عن الهيمنة والصراع والتضحية المادية وغير المادية والنفسية والبشرية، وبدلاً من الصراع، يكون الإصلاح والبناء والتماسك، ولا يمكن استغناء المجتمع عن بعضه البعض، ولاسيما في رسم الخطط وتنفيذها، والقيام بتنمية اجتماعية مستدامة وشاملة، ليكون التوازن، بما فيه التوازن الاجتماعي، وما يتجه بإيجابياته وقويم الأداء، ومنه الأداء الطبقي الخلاق، بحقيقة ؛ (لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إلا يَبَعْضٍ، وَلا غِنَى بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ)، ليتحقق التغير الاجتماعي القويم، وتكون معرفية وثقافة وتنظيم الطبقات الاجتماعية على أساس طبقات بناء وتماسك، وبناء حضاري إنساني، وبمبادئ وقيم وأخلاقية تضع الحقوق والواجبات والمسؤوليات في موازينها..
وبطبيعة الحال، لايتم ذلك إلا بالاستعدادات، ومنه ما يتحقق بالوعي والاستيعاب الفكري المطلوب، والتوازن والتكامل بين الطبقات الاجتماعية، وهو ما لا تمتلكه مختلف النظريات في هذا المجال، ولا أفضل التطبيقات الوضعية والمادية..
لكون الإسلام وضع القيم والأخلاقيات، وامتداد الثواب والعقاب الخاص والعام، بنظرة تفاعلية دنيوية وأخروية، والإسلام يرفض أن يكون قيام وامتداد طبقة على حساب طبقة أخرى، بل بناء بعضهم البعض، وهندسة الأسس والبناء الطبقي - الاجتماعي، وإعادة هندسة البناء على أسس نافعة ومنتجه ومتعاونة ومعطاءة ومستمرة، وأبرزه الإصلاح وعدم استغناء البعض عن الآخرين، وضمن مكونات المجتمع الإنساني ؛ (إمَّا أَخ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الخَلْقِ) (1)، ولا فرق إلا بالعمل والتقوى والعطاء والنفع المستدام..
وأهمية وفاعلية الوظائف والأعمال في المشاريع والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، بمنتوجاتها الخدمية والسلعية والمعلوماتية، تدفع بحركة دقة التنمية الاجتماعية - الطبقية المنتجة، وآلية الأداء التخصصي - الطبقي المتكامل، والبناء الهيكلي - الوظيفي يظهر بدقة وتكامل تخصصاته؛ (فالجنود، بإِذْنِ اللهِ، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَيْنُ الوَلاةِ، وَعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الأمْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلا بِهِمْ، ثمَّ لا قِوَامَ ِللجُنودِ إلا بمَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الخَرَاج الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ، وَيَكُونَ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ، ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهدَينِ الصَّنْفَيْنِ إِلا بالصنفِ الثَالِثِ مِنَ القُضَاةِ والعُمَّال وَالكُتَابِ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ، وَيَجْمَعُونَ مِنَ المَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصٌ الأُمُورِ وَعَوامِّهَا، وَلَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إلا بالتجارِ وَذَوي الصناعَاتِ، فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ، ويُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهم، ويكفونَهُمْ مِنْ التَّرَفق بأَيْدِيهِمْ مَا لا يَبْلُغه رفقُ غَيْرِهِمْ، ثمَّ الطبقة السفلى من أهْلِ الحَاجَةِ وَالمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقّ رفدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ، وَفِي اللهِ لِكُلِّ سَعَةٌ، وَلِكُلِّ عَلى الوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ
1) المرجع نفسه / ص 427.
ما يُصْلِحُهُ، وَلَيْسَ يَخْرُجُ الوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ الله مِنْ ذلِكَ إلا بالاهتمام وَالإسْتِعَانَةِ بالله، وَتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلى لُزُومِ الحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيمَا خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ تَقُلَ) (1).
هذا ما يكون بين الطبقات الرسمية وغير الرسمية، والحكومية وغير الحكومية، وهنا أقصد بالطبقة الرسمية ؛ كل ما ينضوي أوامره ضمن القطاع العام Public Sector (أنشطة الدولة ومؤسساتها)، والطبقة غير الرسمية ؛ كل ما ينضوي ضمن المؤسسات والمشاريع التابعة للأفراد والمجتمع، أو خارج أنشطة الدولة المتنوعة، وأمّا تنظيمهم فسيكون في ضوء ما جاء في ذات كتاب أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) العامله الأشتر النخعي (رضیَ اللّهُ عنهُ) حين ولاه على مصر، وتدور ضمن النصوص، وما يتم الإشارة إلى بعضها بالآتي :
1 - الجنود : ولكون من واجباتهم حماية الرعية، ويمثلون مستوى قوة الدولة وضبطها وأمنها وأمن الرعية أو المجتمع وحماية الدين وقوام الرعية، لذا يتطلب من الجهة العليا ذات التكليف أو المسؤولية، البداية من تركيبة الحكومة وما يترتب عليها من المسؤولية بالاختيار المناسب للسلطات التنفيذية وامتداداتها الإدارية والتنظيمية والأمنية، فالتوجه موضوعي شامل ومتوازن ودقيق، كما يقول (عليه السلام) :
(فَوَلٌ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ اللَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلإِمَامِكَ، وَأَنْقَاهُمْ جَيْباً وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً، مِمَّنْ يُبْطِيءُ عَنِ الغَضَبِ، وَيَسْتَريحُ إلى العُذْرِ، ويَرْأَفُ بالضَّعَفَاءِ وَيَنْبُو عَلى الأَقويَاءِ، وَمِمَّنْ لا يُثيرُهُ العُنْفُ، وَلا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ)(2).
2 - أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، وما تُجبى من الإيرادات للدولة والتي تسهم في قوة الدولة للجهاد والإصلاح والخدمات المتنوعة، وعمارة الأرض ومنه الزراعي - الصناعي، وإعانة الدولة والرعية أو المجتمع والأفراد على إحقاق الحق والتواصل في مسيرة البناء والتنمية والتطوير بحسب الخطط المرسومة، والسير للتماسك الطبقي على أسس سليمة حتى في جباية الأموال، والدليل ؛ جباية الأموال، والدليل ؛ (وَتَفَقَدْ أَمْرَ الخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ،فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وَصَلاحِهِمْ صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إلا بهم، لأن الناس كلهُمْ عِيالَ عَلى الخَرَاجِ وَأَهْلِهِ، وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمارَةِ الأَرْضِ أبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ في استجلاب الخراج، لأن ذلِكَ لا يُدْرَكُ إلا بالعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلبَ الخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ البلادَ، وَأَهْلَكَ العِبَادَ، وَلَمْ يَستَقِمْ أَمْرُهُ إِلا قَلِيلاً) (3).
وجانب مما يُبينه النص المبارك ؛ الأهمية البالغة في العقلانية والدراسة والتخطيط لكل اتجاهات التنمية الشاملة، وما يدعم إستراتيجية الطبقات والطبقية بكل المستويات وتنمية المجتمع، وحمايتهم من الأزمات الاقتصادية المؤدية للأزمات الاجتماعية، وربما جرت إلى الانحراف وارتكاب الجرائم المختلفة، وهو جانب مهم من جوانب حماية المجتمع بالبناء والإصلاح..
3 - القضاة والعمّال والكتاب :
لأن استقامتهم والحيلولة دون ظهور الفساد الإداري والمالي والقضائي، يحقق الاستقرار والطمأنينة، وما يولون المجتمع من إحقاق الحق ونشر العدل وتطبيقه حتى على المتقدّم بالسلطة، وزرع الثقة لدى كل طبقات المجتمع بالسلطة القضائية واستقلاليتها..
(ثُمَّ انظُّرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلُهُمُ اختباراً، وَلا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَمْرَةً، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالخِيَانَةِ، وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلِ التَّجْرِبَةِ وَالحَياءِ، مِنْ أَهْلِ البُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقَدَمِ فِي الإسلام المُقَدَّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلافاً، وَأَصَحُ أَعْرَاضاً، وأقل في المطامع إشراقاً، وأَبْلَغ في عَواقِبِ الأُمُورِ نَظَراً) (2).
وبالاستقامة فيما يكمل دور الطبقات الاجتماعية، وما يتحقق من استقرار المجتمع والدولة، لما يُحققونه من السلامة والأمان والإسهام في تقديم الخدمات من خلال مؤسسات الدولة..
(.. فَوَلٌ عَلى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَاخْصُصُ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الأَخْلاقِ مِمَّنْ لا تُبْطِرُهُ الكَرَامَةُ، فَيَجْتَريءَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلافِ لَكَ بحَضْرَةِ مَلإٍ، وَلا تَقْصُرُ بِهِ الغَفْلَهُ عَنْ إيْرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ، وَإِصْدَارٍ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَاب عَنْكَ، فِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلا يُضْعِفُ عَقداً اعْتَقَدَهُ لَكَ، وَلا يَعْجِزُ عَنْ إطلاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ، وَلا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الأُمُورِ، فَإِنَّ الجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ) (1).
ولابد من الإشارة، بأنّ النص المبارك المتقدّم، له مضامين تكاملية متنوعة الاتجاهات، منها إدارية وأخرى تنظيمية واقتصادية وسياسية وأخلاقية، وحماية الطبقات الاجتماعية وحقوقها..
4 - التجار وذوي الصناعات : وما تقدّم من الطبقات التكاملية ؛ (وَلا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إلا بالتَّجَارِ وَذوي الصَّنَاعَاتِ، فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنْ التَّرَفُقِ بِأَيْدِيهِمْ مَا لا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ)..
وربما أسهم بتكامل، رأس المال السياسي ورأس المال الاجتماعي ورأس المال الاقتصادي في التكوين الطبقي للمجتمعات، وبذات المنحى ما يدعمه ويحقق أو يساعد على إعادة هندسته من رأس المال الإداري والتنظيمي، بالتوازي مع أو يقوده رأس المال المعرفي والعلمي والمعلوماتي، ويظهر صحة هذا التثبت في جانب مما ورد في قوله (عليه السلام) :
(ثُمَّ اسْتَوْصِ بالتُجَارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً : المُقِيمِ مِنْهُمْ وَالمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَالْمُتَرَفْقِ ببَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ المَنافِعِ، وَأَسْبَابُ المَرَافِقِ، وَجُلابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالمَطَارِحِ، فِي بَرِّكَ وَبَحْركَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لا يَلْتَئمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا، وَلا يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لا تُخَافُ بَاثِقَتُهُ، وَصُلْحٌ لا تُخْشَى عَائِلَتْهُ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بِلادِكَ) (2).
وفيها يتبين جانب آخر من البناء الاجتماعي، وما يأخذ مأخذه في الإصلاح، وما يتطلبه من التماسك الاجتماعي، وتوجيهات النص المبارك التي تناولناه في مواضع متعددة..
5 - الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة : الذين يستحقون المساعدات الخاصة والصلات والإعانات وتجاوز الصعوبات وضائقة الحياة، ولذا يحث ويؤكد (عليه السلام) لواليه :
(ثمَّ الله الله فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ المَسَاكِينِ وَالمحتاجينَ وَأَهْلِ البُؤْسَى وَالزَّمْنَى، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانعاً وَمُعْتَراً، وَاحْفَظْ اللهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وقِسْماً مِنْ غَلَاتِ صَوَافِي الإِسْلامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ، فَإِنَّ لِلأَقْصَى
مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلأَدْنَى، وَكُلٌّ قَدِ اسْتَرْعِيتَ حَقَّهُ، فَلا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ، فَإِنَّكَ لا تُعْذَرُ بتضييعِكَ التَّافِة لإحْكامِكَ الكَثِيرَ المهم، فَلا تُشخص هَمَّكَ عَنْهُمْ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ، وَتَفَقَدْ أمورَ مَنْ لا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ العُيُونُ، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ ؛ فَفَرِّغْ لِأُولئِكَ ثقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الخَشْيَةِ وَالتَّوَاضِعِ، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ، ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بالإغدَارِ إلى اللهِ يَوْمَ تَلْقَاهُ، فَإِنَّ هؤلاء مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إلى الإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكُلَّ فَأَعْذِر إلى اللهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ، وَتَعَهَّدْ أَهْلَ اليُتمِ وَذَوِي الرَّقْةِ فِي السِّنُ مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ، وَلا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَة نَفْسَهُ، وَذِلِكَ عَلى الولاة ثقِيل، وَالحَقُ كُلُّهُ ثَقِيلٌ ؛ وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا العَاقِبَةُ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَثقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللهِ لَهُمْ) (1).
وبلا ريب ؛ يشمل ما تقدّم، أمور ومضامين متعددة منها ؛ ما يخص الإصلاح والبناء والنظام الاجتماعي والطبقي، وما يتعلق بمسؤولية الضمان الاجتماعي، والأهمية البالغة لذلك، وما يترتب من حقوق مضاعفة وملائمة، (وَاحْفَظ اللهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ) : (وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ)، (وقِسْماً مِنْ غَلَاتِ صَوَافِي الإِسْلامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ)، لحماية المجتمع وبالذات الطبقة التي تعاني من الحاجة والفاقة، (وَتَعَهَّدْ أَهْلَ اليُثْمِ وَذَوِي الرَّقِّةِ فِي السِّنَّ مِمَّنْ لا حِيلَةً لَهُ)، وما يهدد حياتها مخاطر الحاجة والانحراف..
لذا فإنّ تعدد مواقع المسؤولية وتحملها، لابد من أن يكون تضامني وتكاملي، ممنوع طبقاتهم وأنشطتهم المتعددة، (وَالحَقُّ كُلَّهُ ثَقِيل)، وعلى كل مستويات ؛ الدولة والمجتمع والأفراد، وذلك لبناء مجتمع يحمل أرقى القيم والمبادئ الإنسانية الفاعلة، ويتجه بوعي اجتماعي واستيعاب وفهم مثمر، لتوليد استعدادات مناسبة، لمبادرة تحمُّل المسؤولية ومعالجة مواقعها الخطرة، بكامل ما تعنيه من المبادرة التضامنية، لتكون الطبقات والطبقية إنسانية العطاء..
ويتطلب أن يكون المعوّل الأساسي لبناء الوعي الطبقي وفلسفته داخل المجتمع، للانطلاق نحو مجتمع تذوب فيه حواجز الطبقات الاجتماعية، وتذوب عُقدة الطبقية، والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى الصراعات والتفكك الاجتماعي..
وهنا يظهر الجانب المادي المحرك للقيم المجتمع، إن كان المجتمع بلا وعي وبلا إيمان وأخلاقية وإنسانية، وليس له الرادع المناسب، للحيلولة دون إرباك وتفكك مقومات التماسك الاجتماعي، وبهذا يُحدّر من تهديدات الانجراف وراء ماديات الحياة، حيث يقول (عليه السلام) :
(وَصَنيعُ المَالِ يَزُولُ بزْوَالِهِ) (2)
فَمَنْ كان صنيع المال : والمتقدّم في طبقته الاجتماعية بالمال، وأخذ بالمال مكانته واحترام الآخرين، واكتسب القوة والمناعة والتفاف الناس من حوله بالمال، فربما كل ذلك وغيره سرعان ما يزول بزوال المال، أي إن أحواله تتقلب مع تقلب العامل الاقتصادي ومع دوران وتقلبات الظروف الاقتصادية وقوانينها الاستثمارية، وموازين الربح والخسارة والإفلاس، فلا أمان للمال مع تحكمه بالطبقة الاجتماعية، وحتمية الزوال بحتمية التغيرات..
ويمتد هذا القانون حتى على مستوى الدول والحكومات والحضارات، فكم من دولة بتوجيهات العامل الواحد، قد زالت واندرست، وكم من حكومة سقطت وتلاشت، لكن العوامل المتعددة تبقى هي القائمة بها الحكومات والدول والحضارات، وذلك بالدعم والتضامن والتكافل الاجتماعي..
وبالنظرة الخاطفة والمختصرة، يتبين ما يحققه البناء والإصلاح الاجتماعي، والتماسك بين الطبقات الاجتماعية، وتحقيق استمرارية قيام الحضارات الإنسانية..
ولا يمكن أن يقوم مجتمع بلا التفاوت الطبقي، ولكن المشكلة في الكيفية التي يحقق من خلالها، وحدة الصف الاجتماعي وانسيابية بطبقاته المتنوعة، فإذا ما تحقق البناء والإصلاح، يكون التفاوت الطبقي عامل صحي، والطبقية نعمة وليست نقمة على المجتمعات..
ومن جهة أخرى، نتطلع إلى الدور الإنساني الفاعل لمكونات المجتمع وطبقاته، وتخصصه وتقسم عمله، ومواقعه الوظيفية وأداء ونتائج الأداء، وما يتطلب من تأديته وتحقيق دوره في المنافع..
ومما تقدّم من النص المبارك، يمكن وضع المخططات التي تبين الدور التخصصي وتقسيم العمل - الوظيفي، وتأثير ذلك بالتوصيف ؛ (تشريح الوظيفة أو العمل وفوائدها)، وبالوصف ؛ (ما تكون عليه الوظيفة أو العمل ومكوناتها ومتطلباتها)، وبالمواصفات ؛ (وما تتطلبه الوظيفة أو ما يتطلبه العمل من الشخص الشاغل للوظيفة المناسبة وللمكان المناسب والتوقيت المناسب والموقف المناسب)، ومؤثرات كل ذلك وما يكامله على المركز والطبقية – الاجتماعية ؛ والمخططات تكون كالآتي :
1 - الجنود : (وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إلا بهم)..
مخطط (20) يبين المهام الرئيسية لطبقة الجنود
2 - الخراج - الجنود ؛ لا قِوَامَ للجُنودِ إِلا بِمَا يُخْرِجُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الحَرَاج، ويتمثل في طبيعة مصادر الخراج وجبايتها، وكما يبيه المخطط الآتي :
مخطط (21) يبين العلاقة الإستراتيجية المفصلية بين الخراج - الجنود
3 - القُضَاةِ وَالعُمَّال والكتاب : لا قِوَامَ لِهدَيْنِ الصَّفَيْنِ (الخراج والجنود) إلا بالصنف الثَّالِثِ مِنَ القُضَاةِ وَالعُمَّال والكتاب، وكما في المخطط الآتي :
مخطط (22) يبين علاقة ومهام طبقة القُضَاةِ وَالعُمَّال والكتاب
4 - التَّجَّارِ وَذَوي الصَّنَاعَاتِ ؛ وَلَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً، (الجنود، الخراج، القُضَاةِ وَالعُمَّال وَالكُتَّاب)، إلا بالتَّجَارِ وَذَوي الصَّنَاعَاتِ، والمخطط الآتي يوضح ذلك :
مخطط (23) يبين مهام طبقة التجار وذوي الصناعات
5 - الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْل الحَاجَةِ وَالمَسْكَنَةِ الذِينَ يَحقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعونتهم.
ومما تم استيعابه وبحسب ما يخص الدراسة، يتبيّن إنّ الإسلام، يُصنّف بدقة الطبقات بالهيكلية والوظيفية، وتهتم بكل من يعمل، وتجعلهم بمستوى طبقة مُتقدّمة ومنتجة وداعمة للاقتصاد والأمن وبناء الدولة والمجتمع، وداعمة ومعالجة لظروف الطبقة السفلى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالمَسْكَنَةِ دون استنقاص منهم، لكون التشريعات الإسلامية تضع لكل من يعمل له المكانة والضمانات والحقوق والكرامة في عمله وحق العيش في كل الظروف الاقتصادية وبدخل مناسب يتوافق مع ما يُقدِّمه ويبذله من قدرات عقلية وجسدية..
وهذا يعني، إن الإسلام جعل مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالمَسْكَنَةِ : لهم الحقوق والعناية المنفردة والخاصة، لكونهم جزء من المجتمع والإنسانية، ولهم وجودهم وما يوافقهم من الجعل التشريعي الإسلامي، والدقيق في الأمر، جعلهم الإسلام كيان قائم بذاته مما يجعل لهم كل الحق والكرامة، وليس المنّة عليهم والتفضل عليهم، وإنما من نعم الله تعالى أن يتحقق الأداء في إحقاق حقوقهم وصون كرامتهم التي تبدأ من الأسرة، وتمتد للبيئة الاجتماعية والمجتمع والدولة..
6 - (وَفِي اللهِ لِكُلِّ سَعَةٌ، وَلِكُلِّ عَلى الوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ، وَلَيْسَ يَخْرُجُ الوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ الله مِنْ ذلِكَ إلا بالاهْتِمَامِ وَالإِسْتِعَانَةِ باللَّهِ، وَتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلى لُزُومِ الحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيمَا خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ)..
وجعل الخالق عز وجل، لكلِّ طاقاته وقدراته واستيعاباته وحركياته، وما يطور ويُنمّي ويصقل مواهبه وإبداعاته، ومقابله كان الجعل التشريعي الذي حدد له ما يحفظه ويحفظ مكانته وكرامته وإنسانيته اتجاه ذاته واتجاه الآخرين، وما يترتب من الحقوق والواجبات، المنطلق من القدرات والتكاملية مع ما يُحيطه، وما يتوافق بين الطبقات المتوالدة من جراء ذلك..
وحتى في تباين طاقاتهم وتحملهم، فإنه يحقق جانب نفعية آخر، وتكاملية إنتاج ونتاج الطبقية والطبقات الاجتماعية المتنوعة، ويبدأ من دقة رأس الهرم أو قيادية الناس، والدليل ؛ (وَلِكُلِّ عَلى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ)، هكذا هي أخلاقية وإنسانية وحتمية وجود الطبقية، وهو (حق بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ)، وما يوازنه من ؛ (لُزُومِ الحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ)..
وبهذا تتعاظم الجهود ضمن مفصلية البناء - الإصلاح، وعدم استغناء المجتمع عن بعضهم البعض، ولذا من أجل أن تتجه الطبقية بانسيابية وتحقيق ما يتطلبه من حقوق ومسؤوليات وواجبات وأعباء وأدوار واختيار وتبادل أدوار ودقة أداء وتكافؤ، وهو جانب من مضامين قوله (عليه السلام) :
(ثُمَّ جَعَلَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ حُقُوقِهِ حَقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْض النَّاس عَلى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تتَكَافَأ فِي وُجُوهِهَا، وَيُوحِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلا يَبَعْضِ، وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ تِلْكَ الحُقُوقِ حَقُّ الوَالِي عَلى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلى الوَالِي، فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا الله – سُبْحَانَهُ - لِكُلِّ عَلى كُلِّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لأُلْفَتِهِمْ، وَعِزًّا لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلا بِصَلاحِ الوِلاةِ، وَلا تصلُحُ الولاةُ إِلا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ، فَإذا أدَّتِ الرَّعِيَّةُ إلى الوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الوَالِي إِلَيْهَا حَقّهَا عَزَّ الحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ العَدْلِ، وَجَرَتْ عَلى أَدْلالِهَا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ ببَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الأَعْدَاءِ، وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الوَالِي برعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الجَوْرِ، وَكَثَرَ الإِدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالهَوَى، وَعُطِّلَتِ الأحْكَامُ، وَكَثَرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمٍ حَقٍّ عُطِّلَ وَلَا لِعَظِيمٍ بَاطِلٍ فُعِلَ ! فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الأَبْرَارُ، وَتَعِزُّ الأَشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ العِبَادِ، فَعَلَيْكُمْ بالتَنَاصُحِ فِي ذلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ - وَإِنِ اسْتَدَّ عَلَى رِضَى اللَّهِ حِرْصُهُ، وَطَالَ فِي العَمَلِ اجْتِهَادُهُ - ببَالِغِ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ، وَلَكِنْ مِنْ وَاحِبٍ حُقُوقِ اللهِ عَلى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلى إِقَامَةِ الحَقِّ بَيْنَهُمْ، وَلَيْسَ امْرُؤٌ - وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ - بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ الله مِنْ حَقِّهِ، وَلا امْرُقٌ - وَإِنَّ صَغّرَتْهُ النُّفُوسُ، وَاقْتَحَمَتَهُ العُيُونُ - بدُون أَنْ يُعِينَ عَلَى ذلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ) (1).
1) المرجع نفسه / ص 333.
ويمكن بيان مواقع ومصادر الحقوق الرئيسية في مخطط، قبل تناول مختصر لذلك وعلاقته بالطبقية في الإسلام، وكالآتي :
مخطط (24) يبين بشكل مختصر مكونان الحقوق في الإسلام
والحق، هذا الدعم الداعم العظيم، الواسع بلا حدود، له وقعه الإنساني على الفرد وفي كل طبقة من طبقات المجتمع، والطبقية لا تمنع من كسب الحقوق بأشكالها واتجاهاتها، بما تمليه العدالة والمساواة والمواطنة، فالتشريعات الإلهية في الدين الإسلامي، لا تُفرّق بين الطبقات الاجتماعية، بل اتجه الجعل التشريعي بدقته إلى جعل حقوق الضعيف والمحتاج عظيمة الوجوب والأداء الدنيوي، وما يُقابله من الآثار والامتدادات الأخروية المتمثلة بالثواب والعقاب..
والجعل - الحقوق وتخصصاته، ومنه ما يتمثل ويترتب من الجعل الاجتماعي - الإنساني، وما يُقابله من الجعل التشريعي - الحقوق، ولعظمة محورية الحقوق وما يترتب من واجبات ومسؤوليات، فإنّ هندسة منظوماتها ودقتها تبدأ من ؛ (جَعَلَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ).
ولعظمة الحقوق وتأثيرها على موازين الحياة، ومن رحمته عز وجل أن جعل من حقوقه، أي انبثقت منها حقوق، وهذه الحقوق التي وضحتها الشريعة، افترضها لبعض الناس على بعض، والأدق عظمة في التنظيم ؛ فَجَعَلَهَا :
تَتَكَافَأ فِي وُجُوهِهَا..
وَيُوحِب بَعْضُهَا بَعْضاً..
وَلا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ..
وأولويات ومصادر وتبويب الحقوق وتبادلها على مراتب أسري - مجتمعي، ودولة - حكومة أو
قيادة ؛ (وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ تِلْكَ الحَقُوق :
الحقوق بين الراعي والرعية حق الوالي على الرعية :
وَحَقُ الرَّعِيَّة على الوالي :
• فَرِيضَةٌ فَرَضَها الله - سُبْحَانَهُ - لِكُلِّ عَلَى كُلِّ.
• جَعَلَهَا نِظاماً لأُلْفَتِهم.
• عزا لدينهم.
• فلَيْسَت تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية
• عَزَّ الحَقُّ بَيْنَهُمْ.
• قَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ.
• اعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ العَدْلِ جَرَتْ عَلى أَدْلالِهَا السُّنَنُ.
• صَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ طمع يبقَاءِ الدُّولَةِ.
• يَئسَتْ مَطَامِعُ الأَعْدَاءِ.
• اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الكَلِمَةُ.
• ظَهَرَتْ مَعَالِمُ الجَوْرِ.
• كثر الإدْغَالُ فِي الدِّينِ.
• تُرِكَتْ مَحَاجُ السُّنَنِ.
• فَعْمِلَ بالهَوَى.
• عُطِّلَتِ الأحكام.
• كثرَتْ عَلَى النُّفُوسِ.
• فَلا يُسْتَوْحَشُ لِعَظيمٍ حَقٌّ عُطِّلَ وَلَا لِعَظِيمٍ بَاطِل فَعِل !
• تَذِلُّ الأَبْرَارُ.
• تَعِزُّ الأَشْرَارُ.
• تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ العِبَادِ.
والعلاج والوقاية ما يحمله النص المبارك من الناحية الاجتماعية - الأخلاقية مواقعها الطبقية :
فَعَلَيْكُمْ بِالتَّناصُحِ فِي ذلِكَ.
حُسْن التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ - وَإِن اشْتَدَّ عَلى رِضَى اللهِ حِرْصُهُ، وَطَالَ فِي العَمَلِ اجْتِهَادُهُ - ببَالِغِ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ.
وَلَكِنْ مِنْ وَاجب حُقوق اللهِ عَلَى عِبَادِهِ :
النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ جُهْدِهِمْ.
التَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الحَقِّ بَيْنَهُمْ.
والحقيقة الواقعة : (وَلَيْسَ امْرُؤٌ - وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ - بِفَوْق أَنْ يُعَانَ عَلى مَا حَمَّلَهُ اللهُ مِنْ حَقّهِ، وَلا امْرُؤٌ - وَإِن صَغَرَتْهُ النَّفُوسُ، وَاقْتَحَمَتْهُ العُيُونُ - بدون أنْ يُعِينَ عَلى ذلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ)..
هذه الحقوق المترامية الاتجاهات والمواقع والمواطن، وما يترتب عليها من الهيكلية والوظيفية، وما ينبثق عنها من الواجبات والمسؤوليات القائمة ضمن النظام والبناء الاجتماعي - التنظيمي للحياة الدنيوية، وتعزيز سلامة أداء الحقوق ومن أحقيتها تستقر الأفكار والأنفس والعقول والسلوك والأعمال المتنوعة والمختلفة، أين ما كانت مواقعها على الخريطة الطبقية، لتتحقق العدالة والمساواة..
وبهذا الاتجاه للحقوق والواجبات، يتوجب شروع أدوات وآليات تحقيق الحقوق والواجبات على أكمل وجه، داخل المجتمعات وطبقاتها الاجتماعية، بسلطاتها المتنوعة والمتكاملة، ومنها دعائم السلطة التنفيذية والقضائية التي تكون جزء من توجهات وأداء منظوماتها المؤسساتية..
مجال آخر تأخذ فيه الأموال والجوانب الاقتصادية، بشكل عام، الدور الكبير والفاعل، ضمن مجموعة عوامل أخرى في نظم وبناء المجتمعات والطبقات، مع الأخذ بنظر الاعتبار، المستوى التوعوي والثقافي والحضاري الشاخص..
وتبقى التنمية الشاملة، ليست ذات فاعلية ومسيرة مستمرة، بمثل ما تكون عليه في حالة دقة تخطيط القوة الاقتصادية وعقلانية استثمارها، والعمل على استيعاب ما يتزامن أو يعقبها من تطورات بما فيه ما يبذله الفرد والمجتمع والدولة من جهود، واحتواء واستثمار ما يُحيط بهم من القوى البيئية والموارد الطبيعية، وذلك بوضع خطط مستدامة شاملة ومتكاملة وكفيلة للقيام بدور البناء المباشر وغير المباشر، وبمكوناته المادية وغير المادية، فضلاً عن تكاملية المحور النفسي – البشري..
لذا كان من الضروري أن يتم دراسة دور الاقتصاد في نظم وبناء المجتمع، وإن كان بشكل مختصر، وستكون المحاور كالآتي :
المبحث الأول : الجانب الاقتصادي والمجتمع.
المبحث الثاني : المضامين الاجتماعية الجباية الأموال على مستوى الدولة.
المبحث الثالث : العمل وبعده الاجتماعي.
المبحث الرابع : العلم وأهميته الاجتماعية والاقتصادية.
المبحث الخامس : البخل وتأثيره الاجتماعي.
استكمالاً لما تقدّم، وما تم دراسته ضمن هذه السلسلة العلمية ومنها ؛ علم الاقتصاد في نهج البلاغة، لابد من دراسة وبيان الجانب الاقتصادي وتأثيره على المجتمع..
وقوة الاقتصاد أحد العوامل الرئيسية التي تسهم في قيام كيان وقوة حضارية، وتقوم إلى جانبه وفي ظله النظم والرفاهية الاجتماعية، وبه تُدعم خطط التنمية والتطوير الاجتماعي، والداعم للدورة الاقتصادية البسيطة والأحادية، وللدورة الاقتصادية المركبة أو المتعددة الاتجاهات والاستثمارات : وصورة من صورة الدخل الوطني أو القومي وطبيعة الصادرات وتعدد مصادر التمويل وتعدد أغراض الاستثمارات، وتعدد واستمرارية الاستثمارات..
ووجه آخر، ما تكون عليه الظواهر الاقتصادية داخل وخارج حدود الدولة، وما يترتب عليها من علاقات اقتصادية، بدورها تحقق مؤثرات على المجتمع واتجاهاته التنموية والتغيير والتغير الاجتماعي، وما تحققه من مستوى عوامل الجذب الإستثماري من داخل وخارج الدولة، وبذاته يُشجع المجتمع على استثمار طاقاته المتعددة وفي المقدّمة تنمية وتطوير رأس المال المعرفي المحقق للاتجاه في توليد استمرارية الرفاهية الاجتماعية والاهتمامات التطويرية للإبداعات والمواهب والخبرات المستدامة..
وما اقتصاديات العمل Labour Economics وتطور النظريات الاقتصادية إلا صورة اقتصادية أخرى، يمكن أن تكون داعمة لاتجاهات المجتمع والدولة، ومنه مجتمع الأعمال والأنشطة المتنوعة، كأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين وكل مستويات المجتمع الصناعي وما يلحقه من ظروف العمل، وبناء شبكة العلاقات بين كل مستويات الأنشطة، والتوازن بين قوانين العمل وما يترتب عليه من الظروف الاجتماعية للعمل وسوق العمل والتوزيع، وما يمتد ذلك ويؤثر على المجتمع بمستوى مشكلات السياسات الاقتصادية – الاجتماعية..
وبهذا الخصوص تظهر الرؤيا والرسالة والأهداف والغايات والحلول والتوجيهات الإسلامية لمعالجات الاقتصاد ومجتمع العمل وحركيته واتجاهاته المتعددة ؛ الدنيوية - الأخروية كمستوى المكانة وقيمة الإنسان التي يضعها (عليه السلام)، لبيان الثمن - أخلاقية وإنسانية العمل في قوله :
(وَلَبِئْسَ المَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَمِمَّا لَكَ عِندَ اللهِ عِوَضاً !) (1)
1) المرجع نفسه / ص 75.
وتظهر دقة الصورة في النص المتقدّم، ومنها ما تعدد المكونات والمضامين الاقتصادية والاجتماعية، بتعدد مناحيه من ؛ المتجر، الدنيا، النفس - الشخصية، الثمن، مستوى العوض، ليأخذ العمق الإنساني والأخلاقي، والابتعاد عن ماديات الحياة، أو الانغماس في الملذات الدنيوية، وهو ما يمثل أرفع مستوى لقانون العمل وحقوق العامل والذي يبدأ مؤشر ثقافته من الفرد - المجتمع، والابتعاد وإنسانيته ومستقبله للزائل الرخيص، فماديات الحياة ومنها الأموال قد تكون بالإنسان عن بيع نفسه بعدها والانغماس بها، الحاجب للرؤيا وسواء السبيل بين العمل والثمن والعوض..
(وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ المُؤْمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةٌ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمُ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ، وَمَا تُؤَخِّرْهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ) (1).
وجانب من مضامينه يبين معايير ومستوى الالتقاء بين التركة والسلوك الاقتصادي والنفسي والعلاقات الاجتماعية والإنسانية، والعلاقة بين الذات والأسرة والمال، والتضحية والإنفاق المثمر في الدنيا والآخرة، جانب من محددات طبيعة إمكانيات واتجاهات الاقتصاد - المجتمع..
و (إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفْقَةٌ، وَأَخَيْبَهُمْ سَعْياً، رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنْهُ فِي طَلَبِ مَالِهِ، وَلَمْ تُسَاعِدَهُ المقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ، وَقَدِمَ على الآخِرَةِ يَتَبِعَتِهِ) (2).
ومؤشر الخسارة مقرونة بالصفقة، والخيبة مقرونة بالسعي، وما يُقابله من تضحيات العمر دون إشباع الحاجات والتمتُّع بما أحل الله تعالى، ومنه عدم الوصول إلى الرفاهية الاقتصادية - الاجتماعية، وعدم وضوح الأهداف من الكسب والعيش، ومنه لا يحقق ما يتطلب من توازن الدخل Income بين الدنيا والآخرة، فيضيع بين طلب الدنيا بضياعها دون الإفادة واستثمار ما يمكن استثماره..
و (إِنَّ أَعْظَمَ الحَسَرَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَسْرَةً رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً فِي غَيْر طَاعَةِ اللهِ، فَوَرثهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَدَخَلَ بهِ الجَنَّةَ، وَدَخَلَ الْأَوَّلُ بِهِ النَّارَ) (3).
ومؤشر عدم التوازن بين ما للدنيا وأهدافها وغاياتها، وما للآخرة والآثار التي لا تتقادم والمترتبة على أعمال الدنيا، وعدم التخطيط لمسيرة الحياة الشخصية والأسرية والمجتمعية وتكاملها، وأسلوب التفاعل والتعامل الاقتصادي وتنظيمه، وما يُقابله من البرامج والخطط المؤدية بتنفيذها للرفاهية الاجتماعية، ولتحقيق استقرار المجتمع..
وسلامة وجود الجانب الاقتصادي، يُعد الوسيلة لحماية الإنسان وإنسانيته، والغاية هو ذات الإنسان وبناءه، سواء كان بصفة فردية أو جماعية أو مجتمعية..
والتعاون والتنسيق بين المجتمع، والاتجاه بمبدأ وجود الأموال وتنميتها لخدمة الإنسان، وما يترتب من حقوق وواجبات، والاتجاه الإنفاقي - الاجتماعي بثقافة تستوعب فلسفة الوجود والحياة..
والسلوك الإنفاقي - الإنساني، الهدف الأسمى لمعالجة الحاجات وإشباعاتها، وهو جانب مما يتضمنه قول الإمام علي (عليه السلام) :
(الصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ، وَأَعْمَالُ العِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ، نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجَالِهِمْ) (1)
لأن الثقافة السلوكية القويمة، هي الموجه الأخلاقي، فكما تُعالج الأموال أمور متعددة كاجتماعية واقتصادية وتنموية وإشباع الحاجات، فإنها تُعالج دواخل الإنسان ومبادرة عطاء الخير، وتنمية علاقات واتجاهات الأفراد والمجتمع في البناء والتماسك الاجتماعي..
ولا يتم الشكر الله تعالى على نعمه إلا بإيفاء الحقوق المترتبة على الشخص ومسؤولياته وأمواله، وما تأخذه من اتجاهات مختلفة تنعم بالرحمة الإلهية وشمولية تبادلها بين الإنسان وأخيه الإنسان، بل تتعدى إلى حماية البيئة والمخلوقات، وبها يصل الشخص إلى الإيفاء بجانب من الشكر واستدامته، وهو جانب مما يظهر في قوله (عليه السلام) :
(إذا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ النّعم فَلَا تُنَفَرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشكر) (2)
والنّعم واسعة الأطراف والمرامي والغايات والأهداف، منها ما تكون فردية وجمعية ومجتمعية، ويقابل النّعم الشكر بمختلف أشكاله المادية وغير المادية، ومنه ما يتضمن الشكر، سلامة وأخلاقية الأداء الاقتصادي - الاجتماعي، وتتعدد أشكال الشكر :
فمن الشكر ما يكون عيني أو منظورة كما يحصل عند الإنفاق في مواضعه المتعددة، ومنه الإنفاق على المحتاجين والفقراء والمساكين وأبناء السبيل..
والشكل الآخر للشكر هو غير عيني وغير منظور، كما يحصل عند مشورة أصحاب الدراية والعلوم والمعارف والخبرات، ومنه ما يتعلق بالحكم وصنع القرار.. وما شابهه من منوّع الخدمات، ولاسيما حينما تصل منافعه لأوسع شريحة أو طبقة اجتماعية، وبلا مقابل والهدف التقرب بالعمل هذا إلى الله تعالى..
وتوزيع النّعم الإلهية تتوافق وتكون بالتوقيت المرهون بأسبابها ومسبباتها والسعي لها، وتتوافق مع الجعل التكويني للإنسان وطاقاته واستيعاباته وخبراته، بأن لا يتعارض من الجعل التشريعي..
وتظهر حقيقة النّعمة، حينما يُكاملها الشخص بقويم سلوكه مع ما يستثمرها وينعم بشكرها، بكل ما يعنيه الشكر، ومنه الإنفاق الاستثماري والإنفاق الاستهلاكي، وشمولية هذا الإنفاق الهادف
وبالذات للمعالجة أو الإسهام في معالجة الأزمات الاقتصادية Economic Crises، وهو جانب مما يُعالجه قوله (عليه السلام) :
(إِنَّ اللَّهِ عِبَاداً يَخْتَصُّهُمُ اللهُ بالنَّعْم لِمَنافِعِ العِبَادِ، فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذلُوهَا، فَإِذا مَنعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ حَوْلَهَا إِلى غَيْرِهِمْ) (1).
وما النّعم إلا منفذ للدخل وقناة الحماية كرامة وحقوق الإنسان، وما الدورة الإنفاقية وسلامتها، إلا سبيل لتحقيق منافع وسلامة البيئة والمناخ الإنساني والاجتماعي، ولابد من سلامة الموجه والمخطط وما يتكامل مع اهتماماته اهتماماته في استتباب أمن وأمان المجتمع، ومنافع البلاد والعباد بالتنمية والتطوير المستمر والمستدام...
ومما يتضمنه القول المبارك ؛ هندسة وإعادة هندسة النّعم، وهندسة النّعم تبدأ من ؛ (فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذلُوهَا)، وللتغير في هذا النظام الهندسي الاقتصادي - الاجتماعي وأخلاقياته، تبدأ المرحلة الانتقالية المتمثلة عند ؛ (فَإِذا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ)، لتصل إلى مرحلة إعادة هندسة النعم التي تتمثل عند ؛ (ثُمَّ حَوَّلَهَا إلى غَيْرِهِمْ)، بالزمان والمكان والموقف والهيكلية والوظيفية، بتوصيفها التشريحي، ووصفها الوظيفي، ومواصفاتها بالقائم الجديد على النّعم، وبهذا فهو شامل التحويل..
ويمكن توضيح جانب مما تقدّم من هندسة وإعادة هندسة النّعم بالمخطط الآتي :
مخطط (25) يبين هندسة وإعادة هندسة النعم الإلهية
وتتعدد أساليب التحويل ومنافذها، فمنها تتجه للفقدان بالخسارة والتبذير والتبديد، ومنها تضيع مشاريع يرتفع فيها المخاطر، ومنها الخسارة عن طريق الظروف الطارئة غير المتوقعة، أو عن طريق
1) المرجع نفسه / ص 551.
التخطيط غير الدقيق، وما يعقبه من عدم دقة التنفيذ والتنظيم والإدارة والجدوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وربما يتم التحويل للنّعم بموت مالكها، وهو ما يخص فاقد النعمة، وهو ما ينطبق على الفرد والجماعة والمجتمع والدولة والحضارة..
وبالمقابل مكتسب النّعمة، فقد تتعدد أساليب الكسب، فمنه يُكتسب عن طريق الميراث، أو يُكتسب عن طريق رؤوس الأموال واستثماراتها وتعاظم الأرباح، أو استثمار المواهب ورؤوس الأموال المعرفية والعلمية والإبداعية، وبشكل أوسع عن طريق الموارد الطبيعة، ومنوّع ثروات ما يتم استخراجها من باطن الأرض، وما يتحقق من استثمار الثروات أو استثمار عائداتها، وتحويلها إلى مسبب للرفاهية الاجتماعية، وتعدد مسببات للشكر لإدامة النعم..
والاستصلاح الجوهري والصميمي الشامل، شكل آخر لإعادة هندسة النعم بالآليات الملائمة والمستدامة، وأدوات مرنة وتتحمّل التحديث والتطوير، ويظهر الاتجاه والمنهج عند ؛ (وَاسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللهُ عَلَيْكَ، وَلَا تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَكَ، وَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثرُ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكَ)(1).
ويأخذ الاستصلاح، العمق الفلسفي والاتجاهات الإستراتيجية، وتكون التنمية الفكرية والعلمية والمعرفية، والاتجاه بأساليب التربية والتعليم والتدريب واكتساب الخبرات التطبيقية وتطوير القدرات، وهو الداعم الإستراتيجي لتنمية وتطوير الاقتصاد العقلي Rational Economic، وجانب منه رأس المال العقلي والمعرفي، وتكامليته الاقتصادية - الاجتماعية تبدأ وتتكامل وتكون مثمرة ومنتجة من :
(وَلَا تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَكَ)، وعدم هدر وضياع النّعمة وجودتها، هو ما يعقب أو يتزامن مع (اسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ)، فالنشاط الاقتصادي Economic Activity الحقيقي يُبنى على رؤيا ورسالة وأهداف وغايات مثمرة واستراتيجية، وامتداداته تكامل الدورة الاقتصادية Economic Cycle والدورة التجارية Business Cycle وتكون الدعامة
1) المرجع نفسه / ص 459.
للاقتصاد الوطني، والمستقبل المجتمع - الدولة، وكذلك مما يشمل على عدم ضياع نعمة الوقت واستثمارها، بالتخطيط وإدارة الوقت المناسب، وعدم ضياع المواقع الجغرافية واستثماراتها، بكل ظروفه وبيئته، ولابد من استيعاب وفهم خواص النعمة المنظورة وغير المنظورة وحمايتها أين ما كانت، وعدم ضياع المواقف والفرص والإنسان والاستثمارات التنموية المستدامة، ومنه ما يتحقق من استثمار الكفاءة الاقتصادية Economic Efficacy العالية، والابتعاد بالتخطيط والتنفيذ المناسب عن كل ما يسبب أو يسهم في ظهور المشكلة الاقتصادية Economic Problem، والحيلولة دون تفاقمها لتصبح أزمة..
(وَلْيَرَ عَلَيْكَ أَثرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ)، وهنا تظهر أهمية الرفاهية الاقتصادية Economic Welfare في البناء الهندسي، وما تحققه من الرفاهية الاقتصادية - الاجتماعية وشرعيتها وبما لا يتعارض مع الشرع الإلهي، وهو ما يعقب ويتكامل مع الاستصلاح وعدم ضياع النعمة..
ويمكن بيان هذه الدورة الاقتصادية - الاجتماعية، وما تحققه من إعادة هندسة هذه الدورة وتكاملها المستدام، بين ؛ استصلح، ولا تضيعن، والأثر، ومحوره ؛ النعمة المستدامة، وكيفية هندستها وإعادة هندستها لخدمة المجتمع وبيئته والأجيال القادمة :
مخطط (26) يبين هندسة وإعادة هندسة وإعادة هندسة النعمة التنمية الاجتماعية - الاقتصادية
ويتبين جانب آخر عند القول المبارك ؛ (مَنْ يُعْطِ باليد القصيرَةِ يُعط باليَدِ الطُّوِيلَةِ) (1)، فربما العطاء أو الإنفاق اليسير والقليل في مواضعه الدقيقة، يحقق تراكم مستقبلي عظيم يمتد لما بعد الدنيا بمنافعه، وربما اليسير في التنمية المستدامة القويمة، يحقق الكثير المستقبلي، وربما عمل الخير للناس، يحقق الكثير، وربما قدّم شخص ما هو يسير مما يستطيعه للناس أو لبعضهم من الخير، فتتعاظم مردوداته بالقدرات الجماعية على الشكر له، وعطاء الله تعالى أوسع..
1) المرجع نفسه / ص 509.
وإذا ما تم أخذ القول على عمل الخير الدنيوي ومحدودية الإنسان في العطاء، وما يُقابله من عطاء الله تعالى الدنيوي والأخروي اللا محدود، فهو أعظم تنامي للنّعم المستدامة..
وبالمعايير الدنيوية والأخروية يأخذ الخير مضامين واتجاهات متعددة، فاليسير في الدنيا، ينفع الكثير في الآخرة، والاتجاه بالتفكير وعمل الخير، بطبيعته هو ما يُنمّي الخير داخل النفس الفردية والجماعية، ويحقق تنامي الخير داخل المجتمع..
وعلى مستوى الدولة والحكومة وانتظام النظام، يُخاطب أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) الأشعث بن قيس، وكان عامله على أذربيجان، ويُحدّره من الغفلة عن أموال العامة، وما يتوجب من مراعاة توزيعها وإنفاقها، لكونها الأمانة الثقيلة، حيث يقول (عليه السلام) :
(وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعَى لِمَنْ فَوْقَكَ، لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفتَاتَ فِي رَعِيَّةٍ، وَلا تُخَاطِرَ إلا بوَثِيقَةٍ، وَفِي يَدَيْكَ مَالَ مِنْ مَالِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلّمَهُ إليَّ، وَلَعَلّي ألا أكونَ شَرَّ وُلاتِكَ لَكَ، وَالسَّلامُ)(1).
ومن بين ما يتضح من النص المبارك، ما يرتبط بين مسؤولية الأموال العامة وإدارتها، والاهتمام بقيادة الإدارة المحلية لإحدى ولايات الدولة الإسلامية، وبين الأمانة وثقلها وسلامة منحى إنفاق الأموال العامة، وبناء وتماسك المجتمع والدولة في ظل إحقاق الحق والعدالة والمساواة، لابتغاء القيم الإسلامية وسبله القويمة التي تهدف حماية الإنسان والإسهام في إرشاده وتوجيهه الوجهة الصحيحة والمناسبة، ومنه ما يتعلّق بالفقه المالي والاقتصادي والاجتماعي..
ولكون فلسفة الأمور لا قياس لها، بل هناك معايير ترشدنا لدقة النظرة واتخاذ القرار أو الموقف من جانب معين، كما هو مؤشر رضى الله جل جلاله وسخطه في توزيع النّعم، كقوله تعالى :
(وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِنَّمَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهينٌ) (178) سورة آل عمران..
وبهذا يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(فَلا تَعْتَبِرُوا الرّضَى وَالسُّخط بالمالِ وَالوَلَدِ جَهْلاً بمَوَاقِعِ الفِتْنَةِ، وَالاخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ الغِنَى وَالإِقْتِدَارِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : " أَيَحْسَبُونَ أَنَّ مَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ ؟ بَلْ لا يَشْعُرُونَ " فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ يَخْتَيرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أعينهم) (2).
والنعم بين الرضى والسخط ؛ اختبار وبيان فهم واتجاه الفكر، وميول النفس وتعزيزاتها، وقويم السلوك بين مضامينه الأخلاقية الاقتصادية - الاجتماعية، ومدى تقارب وتطابق الجعل التكويني للإنسان، والجعل التشريعي الإلهي لحماية ذلك الإنسان وما يُحيطه، والانطلاق به صوب الأمان والتماسك الأخلاقي من الدواخل، دون أزمات عقدة المال والعقدة الاقتصادية - الاجتماعية، ودون امتداداتها السياسية والثقافية والحضارية..
ويترتب على النعم، حقوق وواجبات ومسؤوليات، منها ما يتعلق بالجدوى، وآخر يتعلق بالإنسانية والأخلاقية والأداء وطبيعة ذلك الأداء والنتائج، وتتعدد مصادر الأموال وتبعاتها، لتأخذ صبغة الأموال العامة والأموال الخاصة والأموال المشتركة، وما يترتب عليه من الملكية والتصرف وحريتها حسب الاسترشاد بالشريعة والفقه الإسلامي، وما يتطلب من الأداء، والنفع الإنساني، و آثاره الدنيوية الأخروية، حيث يقول (عليه السلام) :
(فَمَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ القَرَابَةَ، وَلْيُحْسِنْ مِنْهُ الضَّيَافَةَ، وَلْيَفُكَ بِهِ الأَسِيرَ وَالعَانِي، وَلْيُعْطِ مِنْهُ الفَقِيرَ وَالغَارِمَ، وَلْيَصْرُ نَفْسَهُ عَلى الحَقُوقِ وَالنَّوَائِب، ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ : فَإِنَّ فَوْزاً بهذِهِ الخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، وَدَرْكُ فَضَائِلِ الآخِرَةِ ؛ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) (1).
فالصلة أداة تستثمرها اتجاهات الأموال، ويعني أنّ هناك العلاقة والترابط بين المال والاقتصاد وما يمكن استثمار مضامينه الإنسانية - الاجتماعية، فمنها :
ما يصل بهِ القَرَابَةَ ؛ وهي، أي الأموال، ما تولّد التقارب والتواصل والتواد والمحبة بين الأقرباء، يعني مدى إسهام الأموال في البناء والتماسك الأسري والقربي..
يُحْسِنُ مِنْهُ الضيافة ؛ ومنه يكون السلوك الاقتصادي للأموال المولد للعلاقات الاجتماعية بالضيافة والتعارف وحب الخير والألفة الاجتماعية والتقارب الاجتماعي، بلا هدف مادي ولا غريزة حب الذات..
يَفُك بِهِ الأَسِيرَ وَالعَانِي ؛ ويمثل ما تسهم به الأموال في علاجات الحاجة إلى الحرية والعودة للمجتمع بصلاح وحب الخير وبناء العلاقات الإنسانية، وبه تعزيز وتنمية العطاء والخير للآخرين دون مقابل، والهدف مرضاة الله تعالى..
يُعْطِ مِنْهُ الفَقِيرَ وَالغَارِمَ ؛ وجانب آخر تسهم به الأموال، وذلك مما يحقق أداء الحقوق والواجبات والعطاءات، والعناية بالإنسان وحقوقه المشروعة بلا المن والأذى، وبلا مقابل والهدف هو مرضاة الخالق عز وجل، وإعانة المحتاج لإشباع حاجاته، وتحسين ظروفه، وهو
1) المرجع نفسه / ص 198.
ما يحقق حماية الإنسان من الانحراف والحد من الاتجاه نحو ما يسبب في ارتكاب المحرمات والرذيلة والجرائم، ومنها الجرائم الاقتصادية - الاجتماعية بسبب الحاجة وإلحاحها وأسلوب ومصادر الإشباع..
وينصب كل ذلك وغيره ويحقق ؛ (فَإِنَّ فَوْزاً بِهِذِهِ الخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، وَدَرْكُ فَضَائِل الآخِرَةِ ؛ إنْ شَاءَ الله)..
وهي معالم واضحة لنظام وهدف توجيه الأموال في الإسلام، فالأموال وسيلة لدعم إنسانية الإنسان وأهدافه، وبتوافر الأموال تتحقق مؤشرات السلوك المالي داخل المجتمع، وبيان مستوى الجانب الإنساني للاقتصاد في المفهوم الإسلامي، حيث يقول (عليه السلام) :
(ألا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ ! وَمَا يَصْنَعُ بِالمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيل يُسْلَبُهُ، وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبعَتُهُ وحِسَابُهُ !) (1)، (فَإِنَّ الأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إلى الْأَرْضِ كَقَطَرَاتِ المَطَرِ إِلى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ لَهَا مِنْ زيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ، فَإِنْ رَأى أحدُكُمْ لأخِيهِ غَفِيرَةً فِي أَهْلِ أَوْ مَالِ أَوْ نَفْسٍ فَلا تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةٌ ؛ فإنَّ المَرْءَ المُسلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةٌ تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَهَا إِذا ذُكِرَتْ، وَيُغْرَى بِهَا لِقَامُ النَّاسِ، كَانَ كَالفَالِجِ اليَاسِرِ الَّذِي يَنتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ المَغْنَمَ، وَيُرْفَعُ بِهَا عَنْهُ المَغْرَمُ، وَكَذلكَ المَرْءُ المُسلِمُ البَرِيء من الخِيانَةِ يَنتَظِرُ مِنَ اللهِ إحْدَى الحُسنَيَيْنِ : إِمَّا دَاعِيَ اللهِ فَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللهِ فَإذا هُوَ ذُو أَهْلِ وَمَالٍ، وَمَعَهُ دِينُهُ وَحَسَبُهُ، وَإِنَّ المَالَ وَالبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، وَالعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لأقْوَامٍ، فَاحْذَرُوا مِنَ اللهِ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاخْشَوْهُ خَشْيَةٌ لَيْسَتْ بتَعْذِيرٍ، وَاعْمَلُوا فِي غَيْرِ رِيَاءٍ وَلَا سُمْعَةٍ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللهِ يَكِلْهُ اللهُ لِمَنْ عَمِلَ لَهُ، نَسْأَلُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَمُعَايشَةَ السُّعَدَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الأَنْبِيَاءِ.
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ - وَإِن كَانَ ذَا مَالِ - عَنْ عِتْرَتِهِ، وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ والسنتهم، وهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةً مِنْ وَرَائِهِ، وَالمُهُمْ لِشَعَثهِ، وَأَعْطَفَهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذا تَزَلَتْ بِهِ. وَلِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللهُ لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ المَالِ يَرِثهُ غَيْرُهُ) (2).
ومما جعل الخالق عز وجل النعم، واتجاه الفهم والاستيعابات والقدرات والاستثمارات، بما فيه مختلف الأموال ومصادرها، وكل ما يترتب على اتجاهات الفلسفة والإستراتيجيات والسلوكيات الاقتصادية في الإسلام، وفلسفة كل ما احتوته نعم الحياة واستعمالاتها واستثماراتها، رحمة للإنسان والإنسانية وتسيير أمور الدنيا بمنظور أخلاقي لجني الثمار الأخروية..
فالمشكلة ليست فيما خلق وأنزل الله تعالى، بل المشكلة في ذات شخص الإنسان ؛ الفردي والجمعي والمجتمعي والمؤسساتي للدولة وفلسفتها، وما يغلبه بين المصلحة الشخصية والفردية والمصلحة العامة والجمعية الشاملة، وما يرفده استيعابات العامل العقلي المبني على الفكر والعلم والمعرفة وما بعده وقبله، ويجعل كل وسيلة في مقامها، والحيلولة دون تحوّل الوسائل إلى أهداف وغايات، فيتم استعباد الإنسان لذاته أو للآخرين دون الله عز وجل..
والنظرية الاجتماعية - الاقتصادية تتجه بالقويم القائم على حركية الإنسان، نحو قويم البناء والنظام والتماسك، ومنه وفي مقدمته البناء والتماسك الاجتماعي، بالاستيعاب والتفاعل مع حالة وجود كل شيء ومكانته، والحد من سلوك استفحال الماديات والأموال في النفوس، وبه ينذر بهلاك الإنسان وبيئته الداخلية والخارجية..
وخير مثال على ما تعانية الشعوب، ما نراه اليوم من تفاقم الأزمات الاقتصادية - الاجتماعية وحتى السياسية، بسبب تحول أهداف الناس للأموال والاقتصاد وعولمتها باتجاه سلبي مُدمّر للإنسان المجتمعي والاجتماعي وتنميته المستدامة، والابتعاد عن أسس التنمية الحماية الحقوق والاستعداد للواجبات، ومنها حق البيئة ومستقبلها، وحق الأجيال المستقبلية في هذه البيئة ومواردها الطبيعية وغير الطبيعية، وحق العلوم والمعارف في استقامة أخلاقية الأعمال، وفي مقدمتها الإبداعية واستثمار المواهب وتنميتها، والحيلولة دون ارتكاب التحولات في اتجاهاتها للإضرار بالذات والمحيط بكل التفاصيل، سرعان ما يتحوّل إلى ثقل على كاهل الناس، كما حصل في الأزمات الاقتصادية العالمية، وما أربك حتى الإنسانية في دواخل الناس..
لذا يتوجب أن يأخذ الاقتصاد والتنمية الاقتصادية، المجرى القويم الخدمة المجتمعات الإنسانية، وما يتضمنه التشريع الإسلامي ودعمه لسلامة الانسياق في التنمية المستدامة وهندسة وإعادة هندسة التنمية الممتدة بثمارها، وكما يتضمنه قوله (عليه السلام) :
(أَلا وَإِنَّ إعْطَاءَ المَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافَ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهينُهُ عِنْدَ اللهِ، وَلَمْ يَضَعَ امْرُلٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقَّهِ وَلا عِندَ غَيْر أَهْلِهِ إلا
حرَمَهُ اللهُ شُكْرَهُمْ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ، فَإِن زَلْت به النعل يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ وَالامُ خَدِين !) (1).
والحق قطب كل الأمور لتحقيق العدالة في مكانها، والمساواة في مكانها، ومنه ما يترتب على الأموال وأصحابها من حقوق وواجبات، وامتدادات آثاره الدنيوية ؛ كآثار دنيوية، وامتدادها كآثار آخروية، وذلك عند ؛ (إعْطَاءَ المَمالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافَ)، والنتيجة في عدم إحقاق الحق هذا آن ؛ (يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ)..
والمحدودية الدنيا ولتقلبات ما فيها ؛ (لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثقَ بخِصْلَتَيْنِ : العَافِيَةِ وَالغِنَى، بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافَى إِذْ سَقِمَ ؛ وَبَيْنَا تَراهُ غَنِيًّا إذِ افْتَقَرَ) (2).
والغفلة بين الانغماس في غفلة المال وغفلة النفس والعافية، فيغفل الناس جمعهم ويفقدوا التماسك الاجتماعي، فتنهار الحضارة بضياع الثقافة من وجودهم وضياع النّعم، كنعمة الوحدة والتماسك، ونعمة الأمن والأمان، ونعمة العافية، ونعمة غنى النفس، لذا (بَيْنَا تَرَاهُ مُعَانِّى إِذْ سَقِمَ ؛ وَبَيْنَا تَراهُ غَنِيًّا إذِ افْتَقَرَ)..
ووجه آخر لمرارة الانحراف أو عدم الاتجاه بالاتجاه المناسب والصحيح، أو عدم مداراة النّعم، لذا يقول (عليه السلام) :
(اخذروا نِفَارَ النّعم فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بمَرْدُودٍ) (3)
لأنّ لكل نعمة فيها حقوق وواجبات ومسؤولية أخلاقية، واجبة الأداء، فبتأدية الأمانة الشرعية، تدوم النعم بأداء حقوقها، وبتحليل علمي بسيط، وبتتبع جانب من الحلقات الرئيسية للدورة الاقتصادية - الاجتماعية، والأخلاقية - الإنسانية، ليتضح حينما تنطلق النّعمة فاقدة سلامة التخطيط والتنفيذ وسلامة الأداء، سيؤدّي بنتائجها إلى حتمية فقدان النعم..
والنفار أو هروب الأموال على أشكال متنوعة، فمنه ما يكون الهروب من الأشخاص، ومنه ما يكون من المناطق أو الأقاليم أو الدول، ومنه ما يكون بعدم معرفة اتجاهات استثمارها وتنميتها، ومنه ما يكون بسبب توالد المشاكل والأزمات الاقتصادية، ومنه ما يكون بعدم معرفة السلوك الإنفاقي فيتجه نحو الإنفاق الاستهلاكي على منهج التبذير أو الإسراف أو الهدر أو الإتلاف أو وضعها في غير مواضعها، ومنه ما يدخل ضمن الإنفاق الاستثماري، وعدم معرفة الجدوى الاقتصادية أو الجدوى الاجتماعية أو عدم معرفة التوقيت أو استثمار واستيعاب الموقع الاستثماري والاقتصادي..
وربما باتجاه البخل والتقتير والشح، تنفر النعم بعدم اتجاهها نحو الثوابت الاستثمارية والإستهلاكية والادخارية، وعدم توازنها مع الدخل الفردي والدخل الوطني، والبعيد عن المنافسة الاقتصادية Economic Competition، فيؤدي إلى الهدر والتلف في السلع وتقادم المعلومات وتقادم طريقة
تقديم حتى الخدمات، كل هذا وغيره، يؤثر على الاقتصاد، وبدوره يؤثر على المجتمع..
بمعنى آخر ؛ تبدأ المخاطر حينما لا يكون النظر إلى الندرة Sarety على إنها المؤثر على التنمية المستدامة، ولا يُنظر إلى العقلانية الفعالة Workable في التوازن بين الدخل Income والاستهلاك Consumption والادخار Saving والاستثمار Investment على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع والدولة، ويستمد نتائجه السلبية أو الإيجابية، وبذات الوقت الكيفية في النظر والتعامل وما يكون عليه عناصر الإنتاج Factors Of Production ومدى فاعلية المشروع الحر Free Enterprise بنظرة الاقتصاد وعلم الاقتصاد Economics، وانعكاسات كل ذلك على المجتمع..
وجانب آخر له علاقة بما تقدّم، وما يتعلّق بالنظام الإنفاقي للدولة، ومنه الضمان الاجتماعي الذي يتحمل أعباءه المجتمع وحاجاتهم، وهو ما يختلف عن التكافل الاجتماعي الذي يسهم به المجتمع والأفراد والمبادرات الشخصية، وما يترتب من أخلاقية المسؤولية الاقتصادية – الاجتماعية..
ولذا عند مواقع مسؤولية الدولة والحكومة، يقول (عليه السلام) :
(وَانْظُرْ إِلى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللَّهِ فَاصْرِفْهُ إلى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذُوِي العِيَالِ وَالمَجَاعَةِ، مُصِيباً به مَوَاضِعَ الفَاقَةِ وَالخَلاتِ، وَمَا فَضَلَ عَنْ ذلِكَ فَاحْمِلُهُ إِلَيْنَا لِنَقْسِمَهُ فَيمَنْ قِبَلَنَا) (1).
وهو ما يتمثل ضمن الواجبات والمهام الرسمية لتحقيق التوازن الاجتماعي ورفاهية المجتمع، ولاسيما منهم : (ذَوِي العِبَالِ وَالْمَجَاعَةِ)، وذلك حينما يكون ؛ (مُصيباً بِهِ مَوَاضِعَ الفَاقَةِ وَالخَلَاتِ)..
وعندها تكون سياسة جغرافية الرفاهية الاجتماعية - الاقتصادية تبدأ من الأقرب، ثم تتدرج إلى الأبعد حتى تغطية الحاجة للفرد والأسر والمجتمع، والدليل قوله (عليه السلام) : (وَمَا فَضَلَ عَنْ ذلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَفْسِمَهُ فَيمَنْ قِبَلَنَا)..
ومن الجوانب المهمة في جباية الأموال لدى الدولة هو الحتمية الإنفاقية، وأن تجعل الدولة الرفاهية الاقتصادية في خدمة الرفاهية الاجتماعية المستدامة، والحفاظ على كرامة الإنسان، وتماسك المجتمع..
وهذه الثقافة الإسلامية للحكومية في الإنفاق والتوزيع، لها أعمق الأدلة الإنسانية - الحضارية في الحقوق والواجبات والتضامن الاجتماعي - الحكومي، فما اجتمع من أموال، منوّع ما يسلك من قنوات الإيراد - الإنفاق، فلا يُرسل إلى خزينة الدولة المركزية من الأموال إلا بعد الاكتفاء والإتفاقي
1) المرجع نفسه / ص 457 - 458.
على ذات الولاية أو الإقليم أو المنطقة الجغرافية، وفالا بدى مما يُجبى من الأموال هم الناس أصحاب الشأن، وعندها التوجه في تغطية وإشباع حاجات ؛(ذَوِي العِيَالِ وَالمَجَاعَةِ، مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ الفَاقَةِ وَالخَلاتِ)، وتقديم الخدمات والبناء والتنمية والرفاهية الاجتماعية، ويعني مدى متطلبات الاهتمام الحكومي للتوافق بين علاقات السلوك الاقتصادي ودخول المجتمع، ويتبين الترابط الجدلي بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وذات سياسة الدولة الإنفاقية..
والاتجاه نحو الخريطة الاجتماعية المتكاملة بين السياسة والاقتصاد والتربية والتعليم والثقافة والحضارة الإنسانية المنتجة، والمتجهة للتكامل بين البناء المالي للحكومة المركزية، والبناء المتماسك للرفاهية الاجتماعية التي تتبناها خطط الحكومة المحلية، للولاية الإسلامية اللامركزية..
ولذا لا يقف الاقتصاد والمال في الإسلام عند هذا الحد، بل وضع حقوق متنوعة، ومنها الحقوق المالية، وما يترتب عليها من وجوب الدفع، وهو ما يتبين من قوله (عليه السلام) :
(إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الأغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الفُقَرَاءِ : فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إلا بمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ، وَالله تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ) (1).
وهو ما يعني أن هناك تعدد مصادر وقنوات دعم الفقراء والمحتاجين في المجتمع، وأحد محاورها وقنواتها غير الحكومية، ما فرضه التشريع الإسلامي على أموال الأغنياء، وكان من بين الضمانات الإسلامية للفقراء، أن (فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الفُقَرَاءِ)، والفقراء في الشريعة الإسلامية هم الذين لا يملكون قوت سنتهم، ولذا أقل ما يترتب على الفقراء، أن لا فرض مالي عليهم..
وبذات الوقت المسؤولية الاقتصادية والمالية والاجتماعية والأخلاقية تترتب على مبدأ (فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إلا بمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ)، وهي مسؤولية عظيمة على أصحاب الأموال من الأغنياء، والدليل عليه ؛ (وَاللهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ)، وهو دليل على كون الأموال في الإسلام تحويل أو توكيل وحقوق ومسؤولية وأداء الأمانة إلى أهلها بدون إذلال، وبما يترتب عليه من مضامين إنسانية..
والشكوى جانب آخر لبيان الظروف، ومنها الاقتصادية - الاجتماعية، يعنى كشف الضعف في جسد الأسرة والمجتمع، والاعتناء بهذا الكشف عن الضعف، يعني التعويض والحماية من التعرُّض لموجات التهديدات والمخاطر على المجتمع والبنى التحتية والفوقية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية، ويعني ظهور تحدّي إغراء العدوّ لضعاف النفوس والإيمان، بدلاً من وضع الحلول الكفيلة لعلاج المشاكل ومنها المشاكل المالية وظهور الحاجات ومتطلبات الإشباع، والمشاكل الاجتماعية وخطورة الصراعات المتعددة الأوجه والأشكال، وتوالد الثغرات واتساعها التي بالإمكان الدخول عن طريقها
1) المرجع نفسه / ص 533.
لأي شخص أو إيديولوجية أو فكر يهدم البناء الاجتماعي ويُمزّق النسيج والتماسك الاجتماعي، ومنه ما تتعاظم المصائب، لينتهي بتدمير الحضارة..
ولذا جاءت توجيهات الإسلام الوقائية، لحماية المسلمين والإسلام، وما وضعه الإسلام وجاء بيان منهجه عند الإمام علي (عليه السلام) :
(مَنْ شَكَا الحَاجَةَ إلى مُؤْمِنٍ، فَكَأَنَّهُ شَكَاهَا إلى الله ؛ وَمَنْ شَكَاهَا إلى كَافِرِ، فَكَأَنَّمَا شَكَا الله) (1)
ولو نظرنا في كل زمان حتى يومنا المعاصر لرأينا مصداق هذا التحذير، وما يترتب من مخاطر کشف مواقع الضعف ؛ (شَكَاهَا إلى كافر)، وهو يؤدي لنخر جسد الأمة الإسلامية وتشتتها إلى مذاهب متفرقة، ونفوذ أعداء الإنسانية من خلال فجوته، وسبل خطروته لتهيئة مناخ الخلافات الأمة وما يعمل على توسيع الشقاق ويهدد بناء ومكونات الكيان الحضاري الإنساني المعاصر بحلته الجديدة، وأخوته الأصيلة، وما الفقر والجهل والتفرقة والتشتت وتكفير البعض للبعض الآخر، إلا نتاج هذا التوجه من الشكاية وفسح المجال لأعداء الأمة في التدخل بالخصوصيات، وأحد العوامل الرئيسية في تأجيج الروح العدائية الخبيثة التي ترغب في تشويه حقيقة الإسلام ومنهجه الإنساني وفطرة الإنسان..
في حين ؛ (مَنْ شَكَا الحَاجَةَ إلى مُؤْمِنٍ) في موقع الشكاية العلاجية والوقائية، فيكون المؤمن أو المسلم إلى جانب أخيه المسلم في علاج مواقع الضعف ليزيلها أو يحد منها لتدعم مواطن القوة في الجسد الإسلامي، فقوة المسلم قوة مضافة للمجتمع والاقتصاد الإسلامي - الإنساني وعلاقاته الاجتماعية وتطور نظمه وتطوره وتماسك يناءه، وانسجام وانتظام نسيجه المجتمعي للوقوف في حماية الناس والجسد الإسلامي، وحماية مصادر أفكاره النقية، وتماسك روحيته ووحدته على الخير ونتاج المحبة المستدامة، أمام تحديات ومخاطر وتهديدات التغير والتغيير العالمي للوجه السلبي العولمي..
وعموماً يمكن إجمال من بين ما ورد، ومما تقدّم من النصوص الجليلة، بالآتي :
1 - تعد الأموال في الإسلام، ليست الغاية، وإنما الوسيلة الهادفة إلى تحقيق ما يُذلل الصعاب والحاجات والظروف التي يواجهها الناس أو المجتمع..
2 - البناء الاجتماعي وما يترتب عليه من مستوى ومسؤولية الفرد والجماعة والمجتمع وحتى الدولة، يتطلب أن لا يُبنى على أسس مادية مطلقة ؛ بالفكر والتطبيق، لأن ذلك يؤدي إلى اقتصار الفكر على المحتوى أو المضمون الدنيوي المنفرد بخطورته، مما يُسبب إلى السباق والصراع والجشع وتدمير البنى الاجتماعية وتمزيق النسيج الاجتماعي والأنساق
1) المرجع نفسه / ص 551.
الاجتماعية من أجل تحقيق غريزة الذات والكسب المادي بمشروعيته وعدم مشروعيته..
3 - إنصباب فكر الإنسان الذي ينحى منحى ملتزم، أن يحقق في الحياة الدنيوية، أقصى ما يمكن تحقيقه من خير وصالح الأمة الإسلامية والإنسانية ولأوسع أرضية شعبية، هي بأمس الحاجة لذلك، وكل ما يُشعره الضمير بتحقيق أحسن الأداء، واستقرار سريرته هذا العطاء، وما يهدفه لرضى الخالق جل جلاله، ومدى انساع فاعليته على مستوى المجتمع، ومنه لاستقراره واستقرار الدولة، وتحقيق الأمن الاجتماعي والأمان، والتخفيف عن أعباء المجتمع ومتطلبات حاجاته، وبناء التعاون التضامني واتجاهاته المؤدية للتماسك الاجتماعي الحقيقي، المحقق للاستقرار والطمأنينة، واستمرارية وتواصل البناء الاجتماعي المستدام..
4 - الإرث في التشريع الإسلامي له حسراته ؛ و (إنَّ أَعْظَمَ الحَسَرَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَسْرَةً رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ، فَوَرِثهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَدَخَلَ به الجَنَّةَ، وَدَخَلَ الأَوَّلُ به النَّارَ)، وهو ما يمثل الحد من محاطر أحادية النظرة الدنيوية المادية، وردع لانحراف السلوك الاجتماعي – الاقتصادي..
5 - للدنيا حرث وللآخرة حرث ؛ (وَإِنَّ المَالَ وَالبَنينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، وَالعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا الله تَعَالَى لأَقْوَامٍ)، وثمار الحرث ما يشمل الجانب الأسري والمال والعمل، وهو دليل على الترابط بين حركية الإنسان، وحركية المال، وحركية العمل، ويقف الإنسان بين الدنيا والآخرة في عمله، والفلاح في العمل، لكونه أشمل وأوسع، فتتوزع منافعه بين الفرد والجماعة والمجتمع والدولة، وخير يعم العمل ما يصل الدنيا بالآخرة، والعمل أحد عوامل الإنتاج في الاقتصاد والاجتماع، فبمردوداته المنظورة وغير المنظورة يخدم أبرزها الجوانب الاقتصادية - الاجتماعية..
6 - تأثير النشاط والوضع الاقتصادي على المجتمع، فكلما تعددت فرص التعاون في أساليب وأنشطة المجتمع، كلّما تحققت المنافع الاجتماعية، واتجهت نحو قويم سبل الرفاهية الاقتصادية - الاجتماعية، واتجاهاتها نحو البناء الاجتماعي ونظمه المثمرة..
7 - تتعدد أساليب الشكر لإدامة النّعم الإلهية، ويبدأ الشكر من الفرد ذاته وأسرته والجماعة والمجتمع والبيئة، وانتظام الأداء العالي لمنظومة الحقوق والواجبات وما يترتب من مسؤوليات، وما يتوجب من إحقاق الحقوق لأصحابها..
8 - جعل الخالق عز وجل للأعمال المختلفة التي تهدف خير للإنسانية، الجزاء الدنيوي والأخروي، كلٌّ على وفق ما يتناسب مع الأعمال..
9 -حيازة الأموال وباقي النّعم الإلهية، هي بمثابة أمانة الخالق عز وجل يودعها عند عباده، وفيها تعدد أشكال الحقوق، بما فيها حركتها الاقتصادية - الاجتماعية، ومنها ما يتوجب توزيع نسب محددة، كما هو فيما يترتب من الحقوق لذوي الحاجات والفقراء والمساكين.. دون المساس بكرامتهم وإنسانيتهم، والرحمة بهم..
10 - يتوجب معرفة المنافذ المناسبة والصحيحة والمخطط لها، وبذات الوقت اختيار أسلم السبل التي تسهم في حماية المجتمع، لذا فإنّ الإنفاق في غير مواضعها هدر الجانب من الحقوق المتمثلة بالهدر والتبذير والإسراف، (إِنَّ الْمُبَذَرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (27) سورة الإسراء، ولابد من التفريق بين مصطلح البخل والتقتير والإسراف والتبذير، وما يكون معتدلاً كالكرم والجود والاقتصاد..
11 - متطلبات سلامة الجوانب والأنشطة الاقتصادية، بجاني : الإنفاق الاستهلاكي والإنفاق الاستثماري، والتوازن الاجتماعي من خلال التوزيع والدخل والادخار، وما يكون حلقة الوصل الاجتماعي، وعلاج الخلل والفجوات الاجتماعية، وما يناسبه من الدعم الداعم للبناء الاجتماعي ونظمه، والعمل بمتطلبات التنمية المستدامة وسبل التطوير، ومنها التنمية والتطوير الاجتماعي..
ومواصلة لما تقدّم، فقد تتعدد أهداف وغايات واتجاهات وأساليب استقرار الدولة والمجتمع والحماية بكل محتويات الكلمة، بما فيه ما تتطلبه الجوانب المادية ومنافعها ومضامينها الاجتماعية، فجباية الأموال لم تأخذ الحدود والمضامين الاقتصادية والمستويات الاقتصادية للمجتمع فحسب، بل تتعداه إلى مجالات أخر ؛ كدعم النظم والعلاقات والخطط والبناء والتنمية والتطوير الاجتماعي..
ويخصنا في هذه الدراسة ؛ ما يتعلق بالجوانب والتأثيرات الاجتماعية، ومنه متطلبات الحقوق والمساواة والعدالة الاجتماعية المتحققة، وما يترتب من وسائل إسهامات الأموال في حل المشكلات والأزمات وتأدية الخدمات الاجتماعية والاستثمارات الإستراتيجية المتعددة الأهداف، وما يعيش المجتمع بكل مضامينه وعوامله المستقلة والتابعة، والثابتة والمتغيرة، فضلاً عن المحاولات للتقريب بين للتقريب بين الطبقات الاجتماعية، أو على الأقل الإسهام أو الإعانة على المعالجة والسيطرة على ما يُعاني المجتمع من ظروف قد تكون طارئة، أو دائمة لأسباب صحية أو لعامة بدنية، والمؤثرة على الاتجاهات الإنسانية - الاجتماعية، وما يتطلبه من الحقوق والواجبات الطبيعية، المفروض تأديتها كفرض عيني وكفائي، وحقوق إنسانية، وبرسوخ طابعها الأخلاقي والذي لابد منه..
والأخلاقية تبدأ من ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذِى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانِ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (264) سورة البقرة..
وحينما تتبع الصدقة أذى للمتصدق عليه، يتحقق بطلانها، لفقدانها إنسانية وأخلاقية الصدقة وسماحة العطاء، ولذا تتوجه التربية الإسلامية إلى بيان الأفضلية ؛ (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (263) سورة البقرة..
ومن هذا المنطلق المتشبع بثقافة التحسس حتى باستدامة المشاعر، والرفق بالأحاسيس الإنسانية يكون العطاء، وبالوجه الآخر تكون جباية الأموال في الدولة الإسلامية، التي تبدأ بفرضها على الميسور اقتصادياً ومالياً ومن الأغنياء، لجبايتها وإنفاقها على بنود وفقرات الميزانية العامة للدولة، وتقديم الخدمات المختلفة والمطلوبة الأداء والواجبة على الدولة تقديمها للناس أو المجتمع بأحكام الشريعة في العدالة والمساواة، لتحقيق الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار، وبالتعاون المثمر في كل الظروف وبالنسب المترتبة عليه، بين الدولة والمجتمع والجماعات والأفراد..
وما يتجسّد من إنسانية المنطلق الفكري - التطبيقي، عند الوقوف لقراءة مضامين وصيته (عليه السلام) لِمَنْ يستعمله على الصدقات، ومما يتضمنه من جوانب اجتماعية واقتصادية وإنسانية في جبايتها، وذلك يظهر عند :
(انْطَلِق عَلى تَقْوَى اللهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَلا تُرَوِّعَنَّ مُسلِماً وَلا تَجْتَازَّنَّ عَلَيْهِ كَارِها، وَلا تأخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقٍّ اللَّهِ فِي مَالِهِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلى الحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ، ثم امض إلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ والوقار ؛ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَلا تُخدِج بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ، ثُمَّ تَقُول : ثُمَّ عِبادَ اللَّهِ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللَّهِ وَخَلِيفَتُهُ، لَآخُذ مِنْكُمْ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ للَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ
حَق فَتَؤَدُّوهُ إلى وَلِيهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لا، فَلا تراجعه، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِم فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْر أَن تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ فَخُذ ما أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبلٌ فَلا تَدْخُلْهَا إلا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلا تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلّطٍ عَلَيْهِ وَلَا عَنِيفِ بهِ، وَلَا تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةً وَلا تُفْزِعَنَّهَا، وَلا تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا، وَاصْدَعِ المَالَ صَدْعَيْنِ ثُمَّ خَيِّرَهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ، ثُمَّ اصْدَعِ البَاقِيَ صَدْعَيْنِ، ثُمَّ خَيْرَهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ، فَلا تَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفَاء لِحَقِّ اللَّهِ فِي مَالِهِ ؛ فَاقْبِضْ حَقَّ اللهِ مِنْهُ، فَإِنِ اسْتَقَالَكَ فَأَقِلّهُ ثُمَّ اخلِطْهُمَا ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوْلاً حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللَّهِ فِي مَالِهِ، وَلَا تَأْخُذَنَّ عَوْداً وَلا هَرمَةً وَلا مَكْسُورَةٌ وَلا مَهْلُوسَةً، وَلا ذَاتِ عَوَارٍ، وَلا تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ تَثِقُ بدِينِهِ، رَافِقاً بِمَالِ المُسْلِمِينَ حَتَّى يُوصَلَهُ إلى وَلِيْهِمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ، وَلا تُوَكِّل بها إلا ناصحاً شفيقاً وأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعْنِفٍ وَلا مُجْحِفٍ، وَلا مُلْعِب وَلا مُتْعِب، ثُمَّ احْذُر إِلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ نُصَيّرَهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ بِهِ، فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصيلها، وَلا يَمْصُرَ لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذلِكَ بِوَلَدِهَا ؛ وَلا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذلِكَ وبَيْنَهَا، وَلْيُرَفِّهُ عَلى اللّاغب، وَلْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ، وَلْيُورِدُهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ الغُدُرِ، وَلا يَعْدِلُ بِهَا عَنْ نَبَتِ الأَرْضِ إِلى جَوَادُ الطَّرُقِ، وَلْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ، وَلْيُمْهِلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ وَالأَعْشَابِ، حَتَّى تَأْتِينَا بِإِذْنِ اللهِ بُدَّنَا مُنْقِيَاتٍ، غَيْرَ مُتَعَبَاتٍ وَلا مَجْهُودَاتٍ، لِنَفْسِمَهَا عَلى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - فَإنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لأجْرِكَ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ الله) (1).
والتقوى منطلق المؤمن، وعند تقوى الله تعالى، تتركز الأهداف على كل ما يحقق الوصول إلى (رضی الله تعالى)، وعندها لا حاجة لتناقض ما يضمر ويظهر الإنسان، وتُبنى الطمأنينة النفسية، مما ينتظم الفكر وتستقر الأنفس وتتقوّم الأعمال والسلوك..
هذه الدورة النظامية للنظم الاجتماعية والاقتصادية المتعاظمة بسلامتها، وحينها يكون الأداء بصورته الدقيقة والإنسانية، وهو ما يترتب على : (وَلا تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً وَلا تَجْتَازَّنَ عَلَيْهِ كَارِها، وَلا تَأخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقٌّ اللَّهِ فِي مَالِهِ)..
ويظهر مدى ترابط العلاقات الإنسانية في الإسلام، ومنه ما يجمع بين جباية الأموال من العامة، والاستقرار النفسي للمستوفى منه المستحقات الضريبية للدولة من جهة، والابتعاد عن أسلوب الإكراه في ذلك، لئلا يكون عن غير طيب النفس، ومنه ما يتبين مدى العلاقة الصميمية الإنسانية بين الدولة
1) نهج البلاغة / ص 380 - 382.
والمجتمع، حتى في جباية مستحقات الدولة على الفرد والمجتمع، والأعمق والأدق في حقوق المجتمع أن لا يُستوفى منهم أكثر من حق الله تعالى في أموال الناس أو المجتمع..
ويتضمن الترابط بين السلوك الوظيفي وإنسانية وأدب وثقافة جباية الدولة للأموال، ويمتد دقته العلاقات بين موظف الجبايات وجهة استيفاء الجباية منه، وأصول العلاقة التي ترتبط وتبدأ من أداء التحية مفتاح الكلام عند هذا الموقف البالغ الحساسية، وما يجري من الإخبار بتخويل المسؤول الأعلى في الدولة ؛ (أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللَّهِ وَخَلِيفَتُهُ، لَآخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ اللَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَق فَتَوَدُّوهُ إلى وليه).
وتتجلّى المهنية عند ما شرعه الإسلام، وما بين العامل الاقتصادي - الاجتماعي، وما يقع ضمن وجوب ما هو فرض لأداء حقوق الله تعالى : (فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لا، فَلا تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ فَخُذ ما أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إبلٌ فَلا تَدْخُلْهَا إِلا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ، فَإِذا أَتَيْتَهَا فَلا تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلّط عَلَيْهِ وَلَا عَنِيف بِهِ).
وعند التحقق من النص المبارك، يتضح الأعمق، وذلك عندما يتضمن ثقافة أداء الحقوق الطوعية مع جوانب متعددة للحقوق، منها ما تدخل حتى ضمن مهارة الحفاظ على حقوق الحيوان في الجباية ؟ (وَلا تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَة وَلا تُفْزِعَنَّهَا، وَلَا تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا)..
وتبدأ مهارة أخرى في جباية الأموال ؛ (وَاصْدَعِ المالَ صَدْعَيْنِ ثُمَّ خَيِّرْهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ، ثُمَّ اصْدَعِ البَاقِيَ صَدْعَيْنِ، ثُمَّ خَيْرَهُ، فَإِذا اخْتَارَ فَلا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ، فَلا تَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفَاء لِحَقِّ اللهِ فِي مَالِهِ ؛ فَاقْض حَقٌّ اللَّهِ مِنْهُ).
ولم يقف بيان النص وتعليماته عند هذا الحد، بل يصل بتعليماته عند أصول بناء العلاقة وثقافة الصدق في العطاء، لكونها ستعود بالنفع المضاعف عليه، لما سيتواصل به سلامة الحركة والدورة الاقتصادية، وما يدعم به الميزانية العامة للدولة وما مخطط له من الأنشطة والمشاريع، وسلامة وقوة إنفاق الدولة، وتغطية متطلبات وحاجات وخدمات المجتمع، و به كيفية استيفاء ما يُفرض من أموال على دافع الضريبة ؛ (فَإِن اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ ثُمَّ اخْلِطْهُمَا ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللهِ فِي مَالِهِ).
أما أصول ومسؤولية الجباية، عينة الضريبة، فهي تعود بنفع الأموال، وكما تبين، للدولة وبالتالي الخدمة المجتمع وحاجاته، فلذا يواصل استعراض النص ؛ (وَلا تَأْخُذَنَّ عَوْداً وَلا هَرِمَةً وَلا مَكْسُورَةٌ وَلا
مَهْلُوسَةً، وَلا ذَاتِ عَوَارٍ، وَلَا تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا الا من تثق بدينه)، والسبب في ذلك ؛ (رَافِقاً بِمَال المُسْلِمِينَ حَتَّى يُوَصَّلَهُ إِلى وَلِيِّهِمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ)..
أما فيما يخص المضامين الاجتماعية والاقتصادية، وما يخص الجباية فيها، عندها يأخذ مطابقة الوصف الوظيفي مع مواصفات الشاغل لها، مجاله الإنساني - التنظيمي على مستوى الدولة ؛ (ولا تُوَكَّلْ بها إلا ناصحاً شَفِيقاً وَأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعْنِفٍ وَلا مُجْحِفٍ، وَلا مُلْغِب وَلَا مُتْعِب، ثمَّ احْذُر إلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ)..
ودقته لم تقف عند هذه الآلية في الجباية وتحمل المسؤولية، بل يتواصل في حماية نظم الحقوق والواجبات ؛ (فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِرُ إِلَيْهِ :
ألا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصيلها..
وَلا يَمْصُرَ لَبَنَهَا فَيَضُرُّ ذلِكَ بِوَلَدِهَا..
وَلَا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً..
وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذلِكَ وَبَيْنَهَا..
وَلْيُرَفِّهُ عَلى اللاعب..
وَلْيَسْتَأن بالنَّقِب والظَّالِع..
وليوردها ما عمر بهِ مِنَ الغُدْرِ..
وَلا يَعْدِلُ بهَا عَنْ نَبَتِ الْأَرْضِ إِلى جَوَادُ الطرق..
وَلْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ..
وَلْيُمْهَلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ وَالْأَعْشَابِ..
حَتَّى تَأْتِينَا بإذن اللهِ بُدَّنَا مُنْقِيَاتٍ، غَيْرَ مُتْعَبَاتٍ وَلا مَجْهُودَاتٍ..
وعند اكتمال آلية الجباية ونقل الأمانة ؛ (لِنَقْسِمَهَا عَلى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ – (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لأَجْرِكَ، وَأَقْرَبُ لِرُشدِكَ، إن شاء الله)..
هكذا العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومنظومة الجباية الإسلامية التي تبدأ من توجيهات وتفاصيل السلوك الإنساني، والتعاون بين ؛ جهة جباية الأموال والضرائب، والمجتمع، وما تؤول إليه الخدمة المجتمع، وإعانة المحتاجين، وتقديم الخدمات للعباد والبلاد، وأصولها وأصول بناء الدولة المدنية..
ومن الأموال التي تُجبى وما تأخذ مجراها ومأخذها في مجال التوزيع الإصلاحي والبناء التنموي الشامل الاجتماعي - الاقتصادي، وما ينتج عنه من تطوير الدولة ومؤسساتها، وذلك مما يظهر في قوله (عليه السلام) :
(وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وصَلاحِهِمْ صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلا بِهِمْ، لأنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ، وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمِارَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجَلابِ الخَرَاج، لأن ذلِكَ لا يُدْرَكُ إلا بالعِمَارَةِ ؛ وَمَنْ طَلَبَ الخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ البلاد، وَأَهْلَكَ العِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلا قَلِيلاً، فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالْةٍ، أَوْ إِحَالَةَ أَرْضِ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ، أَوْ أَجْحَفَ بهَا عَطَسٌ، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ ؛ وَلا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بهِ الْمَؤونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ وتَزيين وَلايَتِكَ، مَعَ اسْتِجُلابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ، وَتَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ العَدْلِ فِيهِمْ، مُعْتَمِداً فَضْلَ قوتِهِمْ، بِمَا ذخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إحْمَامِكَ لَهُم، والثَّقَة مِنْهُمْ بمَا عَوَّدَتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَرِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةٌ أَنْفُسُهُمْ بِهِ ؛ فَإِنَّ العُمْرَانَ مُحْتَمِل مَا حَمَّلْتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إعْوَازِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِسْرَافِ أَنْفُسِ الوُلاةِ على الجَمْعِ، وَسُوءِ ظَنْهِمْ بِالبَقَاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بالعِبَرِ) (1).
وجانب من النظام والبناء الإستراتيجي يجمع بين حلقات (الخراج)، (بمَا يُصْلِح)، (أَهْلَه)، ويُحتم الفقه الاقتصادي الإسلامي، الخراج لأهله بِمَا يُصلحهم، وبهذا :
صلاح الخراج = صلاح مصادر الخراج = صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ
والمضامين الاجتماعية لجباية الخراج وترابطها وعلاقاتها صريحة وواضحة في ؛ (وَلا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلا بِهِمْ، لأنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ عِبَالٌ عَلَى الْحَرَاجِ وَأَهْلِهِ)، وهو ما يرتبط مع العدالة والمساواة وإحقاق حقوق الدولة والناس، والمسؤويات الشاملة لكل من يعنيهم الأمر..
ولذا ما يتم جبايته من الأموال للدولة، له مضامينه المتعددة، منها ما يكون اجتماعي - إنساني، و اجتماعي - اقتصادي، وما يتكامل في خططه وتنفيذه ومستقبله بين دقة التوزيع والإنفاق الاستهلاكي والإنفاق الاستثماري، بالاتجاهات المحققة للجدوى الإنسانية قبل تفاصيل الجدوى الاقتصادية المادية، لوجود الأموال وحركتها الاقتصادية حسب ما مخطط لها..
وجانب آخر في غاية الدقة والحساسية، ألا وهو ؛ (وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمِارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ في استجلابِ الخَراجِ)، ويدل على مدى دقة النظرة الحقيقية لتواصل واستمرارية أنظمة الإستراتيجيات، والنظام الضريبي والجبائي لا يتعارض ولا يسبق (عمارة الأرض)، وفلسفة هندسة الاقتصاد والاستمرارية تكمن في قوة عِمارَةِ الأرْض..
1) المرجع نفسه / ص 436 - 437.
والعلة والمعلول في قوة ورفع مستوى دار الدولة وجباية الضرائب بالتوازي مع الرفاهية الاجتماعية : (لأنَّ ذلِكَ لا يُدْرَكُ إلا بالعِمَارَةِ)، وآثاره المستقبلية الخطرة : (مَنْ طَلَبَ الخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ) ؛ نتيجته في التنمية والتطوير : (أخْرَبَ البلادَ، وَأَهْلَكَ العِبَادَ، وَلَمْ يَستَقِمْ أَمْرُهُ إِلا قَلِيلاً)، لكون حتمية استمرارية سلامة الدورة الاقتصادية، ومنها جباية الضرائب والبناء الاجتماعي، ينبثق من مستوى قوة عمارة الأرض، والدليل ما يظهر ضمن حلقاتها الرئيسية من مستوى ؛ التوزيع والدخل، والاستهلاك والادخار والاستثمار، وتواصل توسيع وقيام المشاريع الاقتصادية.. وهكذا تتواصل في النص المتقدم، مدى، مدى أهمية نظام الجباية الحكومية الفرعي من النظام الضريبي للدولة وخططه مع مراعاة عِيارَةِ الأَرْض مع عوامل مؤثرة في الحركة الاقتصادية - الاجتماعية : (وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا)..
وحركية العامل الإنساني والأخلاقي ؛ وجه تكاملي آخر في نظام الجباية والإنفاق والتوزيع الهادف للتوازن وسلامة قويم السلوك الاقتصادي وسوي الميول النفسي للانفاق الاستهلاكي - الإستثماري، وما يحققه من إستراتيجية الإنفاق الحكومي - المجتمعي ؛ (وَانْظُرْ إلى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللهِ فَاصْرِفُهُ إلى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي العِيَالِ وَالمَجَاعَةِ، مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ الفَاقَةِ وَالخَلَاتِ، وَمَا فَضَلَ عَنْ ذلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَقْسِمَهُ فَيمَنْ قِبَلَنَا)(1)..
وما يواصله من وضوح الترابط بين جباية الأموال والنظام والبناء الاجتماعي، وما يُكامله من العلاقات الإنسانية النظامية بين الدولة والناس ؛ (فأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنفُسِكُمْ، وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ، فَإِنَّكُمْ خُزّانُ الرَّعِيَّةِ، وَروكَلاءُ الأُمَّةِ، وَسُفَرَاءُ الأَئِمَّةِ، وَلا تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ، وَلا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ، وَلا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الخَراجِ كِسْوَةً شِتَاءٍ وَلا صَيْفِ، وَلا دابَّةٌ يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا، وَلا عَبْداً، وَلا تَضْرِهُنَّ أَحَداً سَوْطاً لمكان درهم، وَلا تَمَسُّنْ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، مُصَلِّ وَلا مُعاهد، إلا أن تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سلاحاً يُعْدَى بهِ عَلى أَهْلِ الإِسْلامِ، فإِنَّهُ لا يَنبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذلِكَ فِي أَيْدِي أعداء الإسلام، فَيَكُون دَوكَةٌ عَلَيْهِ) (2).
ولابد من بيان أمر مهم وحيوي في فلسفة الإسلام، وهو يتجاوز في إنسانيته كل النظم الوضعية، ألا وهو جانب جانب من منظور الإستثمار الإسلامي، بنظرته الدنيوية - الأخروية، ربما يدخل وينقل بنود عديدة من الإنفاق الإستهلاكي إلى الإنفاق الإستثماري، ويظهر عند الجدوى الاقتصادية - الاجتماعية لعمارة الإنسان وأمنه في إشباع حاجاته، وربما يدخل بشكل غير مباشر ضمن دعم رؤوس الأموال العلمية والمعرفية، وظهورها في دقة تطبيق العدالة والمساواة عند إشباع الحاجات الضرورية للمجتمع..
والشراكة بمفهومها الإسلامي الواسع والعظيم، وما ترتبط الشراكة بالأمانة، هو الوجه الآخر لبناء العلاقة الصميمية بين الدولة كسلطات، ومنها السلطة التنفيذية، مع الناس أو المجتمع بكل شرائحه، وما يتطلبه النظام الضريبي للدولة، ومنه نظام جباية الأموال المخطط له، وما يترتب على الأموال من شركاء، وهو ما يظهر في جانب من مضامين ؛ (وَإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقاً معلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ، وَإِنَّا مُوَفُوكَ حَقَّكَ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ القِيَامَةِ، وَبُؤْسَى لِمَنْ - خَصْمُهُ عِنْدَ اللهِ - الفُقَرَاءُ وَالمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ وَالمَدْفُوعُونَ، وَالغَارِمُونَ وَابْنُ السَّبِيلِ ! وَمَنِ اسْتَهَانَ بالأَمَانَةِ، وَرَتَعَ فِي الحَيَانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهَ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ الذُّلَ وَالخِزْيَ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَذلُّ وَأُخْرَى) (1).
ومن مضامين النصوص المباركة في هذا المبحث، والمبينة لأهمية المضامين الاجتماعية والصالح العام والحق العام، وما له علاقة أو الداخل ضمن منظومة جباية الدولة للأموال بكل صفاتها ودوافعها وجدواها وسلوكياتها الاقتصادية، وفضلاً عن ما تقدّم، يمكن إجمال بعضها بالآتي :
1 - التنظيم Organization الوظيفي لجباية الأموال في الإسلام، يتجه بمنهج الحلال الأخلاقي - الإنساني في جباية الأموال ومنها الضرائب، ومنه ما يتضمنه التوزيع والإنفاق على مستوى الدولة والمجتمع والأفراد..
2 - يُراعى النظام الضريبي، وجانب منه نظام جباية الأموال، حاجات المجتمع من جهة، والظروف التي تتعرض لها البلاد، الآنية والمستقبلية، وما يتوافق مع مسيرة التنمية وخطط الدولة، وما يتطلب من دقة صنع واتخاذ القرارات الخاصة والعامة على مستوى المجتمع – الدولة..
3 - عامل التوازن بين متطلبات البناء والتنمية والعمران الاقتصادي - الاجتماعي، وما يترتب عليها من أسبقية بينها وبين جباية الأموال من الضرائب والرسوم، فيتوجب أن لا يكون تقاطع بين التنمية والتطوير العمراني للبلاد، وما يحد منها مما تفرض الدولة من الضرائب والرسوم..
4 - رفع مستوى الروح المعنوية Morale بشكله الفردي والجماعي، وذلك عن طريق التشجيع على الاستثمارات وجذب رؤوس الأموال، وبدورها حتماً ستحقق إستراتيجية مستقبلية ناجحة لجباية الضرائب والرسوم، وبتحقيق العمران، يرتفع مستوى جباية الأموال وتعاون المعني بالأمر..
1) المرجع نفسه / ص 382 - 383.
5 - الابتعاد عن أسلوب الترهيب في جباية الأموال، وهو ما يدلل على ضرورة نشر الثقافة الوظيفية والمجتمعية، والتوعية المناسبة لفلسفة الضرائب والرسوم للمعني بهما من أجل دفعهما عند الجباية طواعية دون ضغوط نفسية وعملية، ومن جهة أخرى بيان قنوات صرف هذه الأموال في المجالات الاستهلاكية والاستثمارية..
6 - يتضح من فلسفة عدم الإكراه على دفع الضرائب لئلا يدخل موضوع الغصب، وهو ما يحتاج برنامج توعوي للمجتمع، وهو مؤشر على الضبط الاجتماعي، فيما يظهر من النصوص المباركة المتقدمة، ومنه (فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لا، فَلا تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقَ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ فَخُذ ما أَعْطَاكَ..).
7 - هناك حق لله حدده الشرع الإلهي، والدليل ما ورد في النص المبارك ؛ (وَلا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقٌّ اللَّهِ فِي مَالِهِ)، وهو يحقق المساواة والعدالة في مواضعها من جباية الأموال بعمومياتها وخصوصياتها..
8 - ضرورة بناء الثقة المتبادلة، وتنمية العلاقات والاحترام بين العاملين على جباية الأموال والأشخاص المعنيين بالدفع الضريبي، ومنه حماية هذه المؤسسة من الفساد الإداري والمالي والأخلاقي وما له علاقة به..
9 - يمكن أن تكون جباية الأموال على شكل نقدي أو عيني من المستحق الدفع عليهم على أن لا تكون من المواد المحرمة، أو على شرط عدم وجود عيب أو خلل فيها، لكونها أموال عامة، وما تتطلبه من الحفاظ عليها أو نقلها أو توزيعها مع سلامتها..
10 - آلية جباية الأموال من الحقوق ولاسيما ما تتمثل بالسلع عن طريق قسمتها إلى نصفين، وتخيير المجبى منه النصف، وتقسيمه.. وهكذا حتى يصل إلى مقدار الحقوق المترتبة على صاحب الشأن..
11 - الحماية الأموال من الاختلاس والسرقة والفساد المالي وما شاكله، جاء النهي ؛ (وَلا تُوَكّل بها إلا ناصحاً شفيقاً وَأمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعْنِف وَلا مُجْحِف، وَلا مُلْغِبٍ وَلا مُتعِب)، ويتوجب أن يكون المسؤول عنها وعن جبايتها أهلاً للأمانة، (وَمَنِ اسْتَهَانَ بالأَمَانَةِ، وَرَتَعَ فِي الخِيَانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهُ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ الذُّلَّ وَالخِزْيَ في الدُّنْيَا، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَذلُّ وَأَخْزَى)..
12 - هناك أصول لنقل أموال الدولة بعد جبايتها، سواء كانت على شكل نقد أو مسلح، فلكل يتوجب ما يناسبه من الحفظ والنقل والتسليم..
13 - لتوزيع الأموال أو الحقوق المتراكمة، الشروط المفروضة في الشريعة الإسلامية، وذلك لصون حق كل فرد في المجتمع، بالضمان الاجتماعي، والتكافل الاجتماعي، لحماية المجتمع واستقراره وأمنه..
14 - صلاح المجتمع عن طريق بعضهم البعض، ولا يكون الصلاح إلا ببناء ثقافة الإصلاح التضامني الإنساني، على مبدأ متقدّم وغاية في الرُّقيّ، ألا وهو (لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إلا بِبَعْضٍ، وَلا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ)، وبالعمل به داخل المجتمع، يدعم جباية الأموال وتوزيعها بإصلاح حال المجتمع، وتقديم الخدمات اللائقة..
15 - يدخل ضمن منظومة الصلاح، جباية الأموال من العامل عليه حتى أبسط معني به من دافعي هذه الأموال للدولة، لذا كان التوجيه ؛ (وَتَفَقَدْ أَمْرَ الخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وَصَلاحِهِمْ صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلا بهم، لأَنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلى الخَوَاجِ وَأَهْلِهِ)، لكونها حلقات متوصلة تستحق العناية والحفاظ عليها..
16 - إنسانية وأخلاقية جباية الأموال المتمثلة في : (وَلا تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ، وَلا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ، وَلَا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الحَرَاجِ كسْوَةَ شِتَاءٍ وَلا صَيْفِ، وَلا دابَّةيَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا، وَلا عَبْداً، وَلا تَضْرِينَ أَحَداً سَوْطاً لِمَكانِ دِرْهَمٍ..).
17 - وتمتد الرحمة في النظام الإسلامي إلى مبدأ غاية في الإنسانية والأخلاقية في جباية الضرائب ومنه : (وَلا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، مُصَلِّ وَلا مُعاهِدٍ، إلا أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سلاحاً يُعْدَى بهِ عَلى أَهْلِ الإِسْلامِ، فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الإسلام، فَيَكُونَ شَوْكَهُ عَلَيْهِ).
18 - مما يدخل ضمن النظام الضريبي في الإسلام، علم النفس الضريبي، ومنه ما يُراعى الدقة في الوصف الوظيفي ومواصفات الموظف القائم على الجباية، كما هو في ؛ (وَلا تُوَكِّل بهَا إلا ناصحاً شَفِيقاً وأميناً حفيظاً)، لحماية الأموال والحقوق، والاهتمام بحقوق الإنسان وحقوق الحيوان في جباية الضرائب وتوزيعها وإنفاقها، كما هو عليه في جبايتها ؛ (وَلا تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً وَلا تَجْتازَنَ عَلَيْهِ كَارهاً)، وهو ما كان بشكل واضح في النصوص المباركة المتقدمة الذكر، وبذاته يحقق المضامين الاجتماعية الراسخة في جباية الأموال على مستوى الدولة، وهو عامل حضاري لا تحتويه النظم الوضعية في عصرنا الراهن..
العمل Labour أحد عوامل أو عناصر الإنتاج، والعمل Work مضمونه الاقتصادي ؛ هو المجهود الاختياري المبذول النافع للوصول إلى غرض أو هدف محدد، وبمضامينه الاجتماعية ؛ يمثل كل ما يكون عليه الفرد داخل النشاط، ليأخذ به مكانته وتقديره بين المجتمع..
والعمل كل ما يتحقق من أداء بصفة أدائه العقلي أو الجسدي، تخطيطي أو / و تنفيذي، ونتائجه منظورة وغير منظور، أو تكون على شكل سلع أو خدمات أو معلومات، وباتجاهاته الأخلاقية - الإنسانية..
والعمل ضمان وكرامة واستقرار وطمأنينة ومستقبل الفرد والمجتمع، وشخصية الإنسان تتجسد وتتميز من طبيعة العمل، وبجودته يتحقق انتظام شرفية وأخلاقية العمل..
وللمزيج التوافقي الاقتصادي - الاجتماعي وتفاعله مع العوامل الأخر كالسياسية وما يترتب من تشريعات، له الأهمية البالغة والمؤثرة على العمل، ويمكن بيان جانب منه ضمن مكونات المخطط الآتي :
المخطط (27) يبيين جانب من دينامية العمل الداخلة في المزيج الاقتصادي - الاجتماعي
وبالاتجاه الآخر، فالعمل ومستوى التواصل الاجتماعي وفرص بناء العلاقات الإنسانية، وما يحققه من توسيع مجالات تبادل الآراء الشخصية والعامة، وكل ما له من تأثير على مستوى العمل وتطويره الرسمي، هي سمة من سمات بيئة العمل، وربما يكون نتاج العمل إبداعي واستثماري للإبداعات، أو استثمار رؤوس الأموال العلمية والمعرفية، فضلاً عن ما يترتب من بناء بصمات وخصوصية الهوية الاجتماعية ومستوى استقرارها، وتلبية الحاجات الاجتماعية - الأسرية..
ومنه تظهر عناصر العمل الفاعلة باتجاهاتها الاجتماعية، وبهذا يمكن وضع مخطط لتوضيح جانب مما تحقق عناصر العمل في بناء المنظومة الاجتماعية بالآتي :
مخطط (28) يبين دور عناصر العمل في بناء المنظومة الاجتماعية
ومنه يظهر فاعلية الاقتصاد الرسمي وما تسهم بيئة العمل، فربما للاقتصاد غير الرسمي له فاعليته وتأثيره في الاقتصاد الرسمي المخطط له، كما هو عليه نشاط اقتصادي رسمي تواجهه معوقاته واختناقاته وفجواته، وما يحول دون دقة الأداء له..
وبالاتجاه التكاملي مع الاقتصاد غير الرسمي، ممكن أن يُعالج الكثير من الأزمات، بما فيه ردم الفجوات وحل مشاكل الاختناقات والمعوقات، وبطبيعة الحال فإن الاقتصاد غير الرسمي ينتج عن العلاقات الاجتماعية - الإنسانية، وما يترتب من التواصل الاجتماعي، وربما دخل الفعل الاجتماعي في شرعنة السلوك الاقتصادي، بأدق السبل التي لا تتعارض مع ثوابت الشرع واستيعاباته..
وبهذا تصبح علاجاته الاقتصادية عن طريق ما تحققه فاعلية النظم الاجتماعية - الشرعية في دفع عجلة التنمية والإنتاج، وأيضاً ما يتم تجاوز المجتمعات التقليدية باستيعاب مختلف التغييرات المثمرة والنافعة، وتلبية الحاجات الأسرية – المجتمعية..
وما أصول المنافع المتبادلة وما يسهم في حلها التشريع الإسلامي، إلاّ الدعم الداعم للحركة التنموية الاجتماعية - الاقتصادية، بما فيه العمل، وما تسهم به الجهود المبذولة ؛ العقلية والجسدية والنفسية
وبهذا يكون للعمل مفعوله الراسخ في النسق الاجتماعي - الاقتصادي بالتوازي مع اتجاهات النسق المهني، وبناء المشاريع والمؤسسات المتنوعة داخل الدولة أو الإقليم، وربما يتعدى ذلك إلى التعاون المثمر بين المؤسسات والمشاريع الوطنية والأجنبية..
والعمل بذلك يتعدى حدود المجتمعات التقليدية والنمطية لزيادة الكفاءة الإنتاجية وتفاعلها مع تقنيات أو تكنولوجيا المعلومات، وما جرى لظهور النظام الاجتماعي المعاصر بآليات معلوماتية تتجمع مع غيرها في منظومة الاقتصاد المعرفي، ويمكن أن تكون منظومة اجتماعية - اقتصادية معرفية، وما يتضمنه من إنتاج أو نتاج غير منظور..
وجعل الإسلام للعمل والعامل في ثقافته المكانة والتقدير، ولا يقتصر العمل وما يُقابله من أجر وثواب على الحياة الدنيوية، بل تعداه للحياة الأخروية..
فلا تقادم للعمل وأثره في الإسلام، وللعمل وجه خير ونفع ومستقبله مثمر ومستدام، وما يُقابله من أجر دنيوي وأخروي..
واتجاه آخر للعمل وشخصية عامله وأفكاره غير الإنسانية وغير الأخلاقية، هو الشر والضرر وما ينتجه من مخاطر وتهديدات ونتائجه العقيمة، وقد تنجر عواقب سلبية للعمل على عامليها لمدى الحياة وما يلحقه من عواقب أخروية..
والعمل بالتحديد، يأخذ مجالاته الدنيوية وأهدافه المنظورة وغير المنظورة، أو المادية وغير المادية، وتبعاته الدنيوية أو عدم تبعات له، وكله من :
العمل الخالص لله، وهو يعمله خاصة الناس وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، والمنتخب من الناس، وذلك تبعاً للجعل التكويني وستثماراته بهداية الجعل التشريعي..
العمل الذي يحمل اتجاهاته الدنيوية - أخروية، تتغير نسبته بين الدنيوية والأخروية بحسب عامله وخلاصة اتجاهاته وثبات مواقفه، وربما كان مصدره التوجيه الفكري المؤثر على النفس والسلوك، وربما كانت الحاجة والإشباع وقناعة الشخص.. وربما غيرها، مغيرة النسبة وتذبذبها والميول والتعزيز، وربما يؤثر عليه طريقة التعلم والتربية والتعليم والبيئة الداخلية والبيئة الخارجية، والعوامل الثابتة والمتغيرة، وربما كان البارز العامل الاجتماعي وتأثيرات الجماعات والمجتمع والمجتمعات الآخر، وربما دخل التدريب وتنمية القدرات والمواهب والإبداعات، وربما للغرائز مفعوله الخطر، وربما دخلت التطورات التكنولوجية في التوجه..
العمل الذي يحمل اتجاهاته وفعله، لأهداف دنيوية
والعمل قد يتجه بموجه ميول وأمور إيمانية وعقائدية ودينية، كما هي لو كان العامل باتجاه إسلامي، أو من الكتابيين أو من غير الكتابيين، وهو ما يُحدد المنطلق من مؤهلات القبول وعدم القبول الدنيوي - الأخروية، ودقة ما يحمله من أمور عقائدية ومصادر هذه العقائد..
والعمل ربما يتبع طبيعة ومستوى التعصب الذي يلحق بالإنسان.. وهكذا.
وجميع الأعمال بلا استثناء، لها تأثيراتها الدنيوية، المنظورة وغير المنظورة، وتعدد اتجاهات ومستوى التأثير على الفرد والجماعات والمجتمع والدولة، وكذلك لها امتداد تبعاتها التي لا تتقادم ؛ التبعات الأخروية، وما يكون عليها من الحساب والثواب والعقاب : بمستوى نفعها وعدم نفعها وضررها، وبمختلف المستويات وامتداداتها الزمانية والمكانية والموقفية..
وربما عَمَل يسير، جرّ على الناس الكثير من إيجابيات أو سلبيات، ومنها ما يسن الإنسان من السنة الحسنة وغير الحسنة، ومؤثره في العمل حسب موقعه الاجتماعي والقيادي..
إذن يأخذ العمل في الإسلام، فضلاً عن ما تم ذكره، اتجاهات وما يتعلّق بذات العمل ومكوناته وأبعاده وتأثيراته، وبذات نيّة العمل به، وتكتيك وإستراتيجية العمل ؛ الدنيوي - الأخروي، وطبيعة العمل وامتداداته المستدامة..
وتأخذ الأعمال في البيانات الواردة بالكتب السماوية، منها ما يتعلق بالأعمال العبادية، وأعمال المعاملات المتمثلة بالأنشطة والفعاليات الاقتصادية وغير الاقتصادية التي لها المساس من قريب أو بعيد بصميم المجتمع والبيئة والحياة الاجتماعية، ومنه على مستوى الدولة والمجتمع والفرد..
والعمل وطبيعة المعاملات ونقاوتها، تبدأ من ذات العمل والداخل في معلوماته وتخطيطيه وقراره ومصادر تمويله ومردوداته، ونقاوته من مؤديات الفساد المالي والإداري، وغسيل أو غسل الأموال، و مستوى عمق واتساع الأداء والنتائج الآنية والمستقبلية..
وجعل الخالق عز و جل العمل شخصية الإنسان العبادية والجهادية، وإذا لم يسترشد بالشريعة ومعالجات فقهها، ربما تحولت العبادة للذات أو توجه هذه العبادة للآخر وللناس، وربما كان أداء العباد باتجاه الإشراك بين الخالق تعالى والناس، أو الأقوم الخالص بتوجهه الله عز وجل، فلكلِّ جُعِل له ثوابه وعقابه، فضلاً عن كون الأعمال بطبيعتها، جانب مما تحمله برؤى اقتصادية برؤى اقتصادية – اجتماعية..
وما جاء به الفقه من حلول، إلا لبيان موقف الشريعة من أسس وطبيعة الأعمال، وهو يضع السبل الكفيلة بتنظيم الحياة واتجاهات الإنسان، والسبل التنظيمية النقية والبناء السلوكي القويم والواضح للأعمال لتكون بحد ذاتها عبادة، ومنه ما يحمي الحقوق وتأدية الواجبات وتحمل أعباء المسؤوليات، وترجمتها من خلال تأدية الأعمال والمعاملات..
كما هو عليه الأسس والمبادئ، والمو نه والمرشد الفقهي التشريعي، وآلية الثقافة الفقهية، وما يظهر عند قول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(مَنِ اتجَرَ بِغَيْرِ فِقْهِ فَقَدِ ارْتَطْمَ فِي الرِّبَا) (1)
و به وجه (عليه السلام) بوجوب بناء نظم تجارة ذات أصول ومرشد وقواعد فقهية، وعند ذلك تكون هندسة وإعادة هندسة الأنشطة التجارية والمالية بالمرشد الثقافي الفقهي، ومنه حماية كل الطبقات الاجتماعية، ويتم من خلالها عدم ضياع الحقوق والواجبات ؛ لكل ما يعنيه الأمر، ولكل الداخل في منظومة الاتجار، ويتقدّمهم التجار، ومنه استراتيجيات ما يتمثل في سلامة ؛ قنوات الاتصالات والتوزيع، والأسواق وطبيعتها، والمزيج التسويقي وآلية السوق والتخطيط للسوق والمنتج للسلع الاستخراجية والتحويلية والزبون والمستهلك..
والإدارة والتنظيم ؛ وهندسة وإعادة هندسة الإدارة والتنظيم، لا يتحقق بدورته السليمة والشاملة وبالمؤثرات الاجتماعية، إلا بالقواعد والمبادئ الأخلاقية التي يضعها الفقه، وبما يتوصل إليه أولاً بأول الفقيه العارف بكل محتويات وتطورات التجارة والاقتصاد والاجتماع والظروف البيئية وتغيراتها وتغيرات العوامل المستقلة والتابعة..
وما يطرأ من اتجاهات حديثة على المعاملات التجارية والمالية، المتمثلة بالمعاملات الإلكترونية وعولمتها، وما ينجم عنها من تهديدات ومخاطر بخصوص الحقوق والواجبات، والحلال والحرام، وما تحدثه من صراعات اعات بين مختلف بقاع العالم، وسرعة حركتها ومؤثراتها الاجتماعية، وموقف الفقه الإسلامي منها، وبكل هذه الاتجاهات وما يرتبط بها..
وبذلك أوجب الله تعالى الوعي والفهم لمتطلبات الأعمال وثقافة تنظيمها الفقهي، وأداء الأعمال على سلامة الأسس والمبادئ الفقهية التي هي المنفعة الناس من قريب وبعيد، بزمانها ومكانها وموقفها واستدامتها، وسلامة النية، ليكون السبيل الرحمة البشرية ؛ الدنيوية والأخروية، ومفتاح للنفع والإشباع الدنيوي، والأجر بعواقبها، والعبرة ليس بمن يقول لك هذا حلال ينفعك، وهذا حرام يضرك حسب، بل العبرة في إتباع أقوم ذلك والانتفاع منه بشكل فردي وجماعي ومجتمعي..
ويبرز في النص المبارك، مدى أهمية الجانب التوعوي والثقافة التنظيمية لمشروع حياة المجتمعات والشعوب والأمم، فلا تتوقف الدورة النفعية المستدامة عند حد التجارة، بل تكامل منظومتها المنظومات الآخر للمجتمع والحياة، ومنه المواكبة الفكرية - الفقهية والتنظيمية، لكل جديد ومستجد ومستحدث، وهو ما ينعكس على النفس والسلوك الفردية والجماعية والمجتمعية..
1) المرجع نفسه / ص 555.
ونطالع في نهج البلاغة ؛ أنواع الأعمال ومختلفها، ومنها ما أعدّها الخالق عز وجل العمل به بحكم الجهاد، ويصل طلب العلم بأعظم الجهاد في الشريعة الإسلامية، وبالعلم تقام المجتمعات والأمم وحضاراتها وتصان به كرامة الإنسان..
ولذا منطلق الخطاب من العمل العبادي ؛ (فَاعْمَلُوا وَالعَمَلُ يُرْفَعُ، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ، وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ وَالحَالُ هَادِئَةٌ، وَالأَقْلامُ جَارِيَةٌ، وَبَادِرُوا بالأَعْمَالَ عُمُراً نَاكِساً، أَوْ مَرَضاً حَابساً، أَوْ مَوْتاً خَالِساً فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَدَاتِكُمْ، وَمُكَبِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ) (1).
اعْمَلُوا ؛ هذا التوجيه والتوجه الأكثر قوام للعطاء، وبه الحث على النفع المستدام بالعمل المنتج لذات الإنسان وما يُحيط به، ولعظمة وبصمة العَمَل فهو ؛ يُرْفَعُ، وآلية العمل الممهدة لاستقامته وانعكاساته على المجتمع من خلال ؛ التَّوبة، لأنها تَنْفَعُ على مستوى الفرد والمجتمع، لكون الإنسان سيتجاوز الضرر وما يُعكّر صفو الحياة..
ومضمون روحي آخر حينما تضيق الأمور والسبل بالإنسان، فيكون منفذه الواسع بالدُّعَاء من قادر على الإجابة، وبذات الدعاء ربما يُؤثر في داخل الإنسان ليُقوِّم فكره ونفسيته وسلوكه واتجاهات أعماله، لتكون الحال هَادِئَةٌ، والأقلام جاريَةٌ، بكل ما يتحقق به ذات الفرد والمجتمع
ومن طبيعة وجودة الأعمال ما يتحقق من خلالها خير الادخار عند ؛ بادِرُوا بالأَعْمَال، وفلسفة هذه المبادرة ومردودها ادخاري – إنساني في يوم يكون فيه ؛ عُمُراً نَاكِساً، أَوْ مَرَضاً حَايساً، أَوْ مَوْتاً خَالِسا..
والموت الحتمية التي لا مناص منها، وتنطبق هذه المعادلة على الإنسان ومشاريعه وحضاراته، والموت نذير على حتمية نهاية الحياة، فهو ؛ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ، وكل ذلك يحتاج لاستدامة متواصلة بالعمل، ومنه مستدامة للأجيال، ومنه مستدامة للبيئات، وجميعها تصب في بحرى أعمال وحضارات الشعوب والأمم، الذي يجملها عمل الناس..
وصالح الأعمال، وما تتطلبه من جودة مستدامة، للارتقاء باستقرار الدعائم والأسس من الدواخل الفردية - المجتمعية، بالمديات والآثاره الدنيوية وامتداداتها، والتحسس الروحي - النفسي بقدرات مزاولة السلوكيات والأعمال ونتائجها الآنية والمستقبلية ؛ (فَلْيَعْمَلِ العَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامٍ مَهْلِهِ، قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ، وَفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغلِهِ، وَفِي مُتَنَفْسِهِ قَبْلَ أَن يُؤْخَذ بكَظَمِهِ، وَلْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَقَدَمِهِ، وَلْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ) (2).
و (إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَحَبْسِ البَرَكَاتِ، وَإِغْلاقِ خَزَائِنِ الخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرْ، وَيَزْدَحِرَ مُزْدَجِرٌ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ الإِسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرزق وَرَحْمَةِ الخَلْقِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : " اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بأَمْوَالِ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً "، فَرَحِمَ الله امْرَأَ اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ، وَبَادَرَ مَنِيَّتَهُ) (1).
ومما تقدّم من القول المبارك، يمكن وضع مخطط توضيحي لمخاطر آثار الأعمال، وكالآتي :
مخطط (29) يبين مخاطر آثار الأعمال المجتمعية وعلاجاتها
وعندما يتطلب استيعاب قدرات العمل وآثاره، لابد أن نعرف أسسه القائم عليه، أو ما هو الدعامة له، وببلاغة النسب وعمقه الفلسفي - الاستراتيجي، وامتداداته بين الإسلام والعمل، يمكن إجماله من خلال قوله (عليه السلام) :
(لأَنسُبَنَّ الإِسْلامَ نِسْبَةُ لَمْ يَنسُبُهَا أَحَدٌ قَبْلِي، الإِسْلامُ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ اليَقِينُ، وَاليَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الإِقْرَارُ، وَالإقْرَارُ هُوَ الأداء، وَالأَدَاءُ هُوَ العَمَلُ) (2).
فلنتابع ولنتفحص كيف يكون مفعول ذلك في المجتمع وعلاقاتهم الاجتماعية وأنشطتهم المتنوعة، ومدى تماسكهم الاجتماعي بمنظور أدق، وأصدق بناء اجتماعي - إنساني، وبعمقه الأخلاقي والمنطقي الحقيقة الإنسان وحقيقة النشاط الملاصق له، والمحقق له كرامته..
وحينما ترجع الأمور إلى انسيابياتها ومرونتها وفاعليتها من التسليم بالإسلام، لابد من الاتجاه بمعرفة ما التسليم فيُترجم باليقين، ونرى نسيج اليقين هُوَ التَّصْدِيقُ، ليرشدنا التَّصْدِيق بهدى الإقْرَار، وترجمة الإقرار بالأداء، وتجسيد الأداء بالعمل، وبهذا تكون حركية الإسلام ليتجلى وجه حامله ؟ بالعمل ودقة الأداء وما يحققه، وحماية بيئته ونقاوة مناخه المستدام، فنتائج الأداء والعمل الرصين بجودته وفاعليته وإشباعاته، يعني مستوى ما يكون عليه الإنسان والإسلام..
ويمكن وضع معادلة بسيطة (1)، لها علاقة بالمجتمع ومستقبله ومستقبل حضارته، وكالآتي :
العمل = الأداء
مستوى الأداء = مستوى الحضارة
مستوى الحضارة = مستوى قدرات ؛ الفرد + المجتمع + الدولة + البيئة
لذا ؛ (مَنْ قَصَّرَ فِي العَمَل ابْتُلِي بالهم، ولا حَاجَةَ اللهِ فِيمَنْ لَيْسَ اللَّهِ فِى مَالِهِ وَنَفْسِهِ نَصِيبٌ) (2).
ونتائج التقصير، ربما يوعز لأسباب نقص الخبرة والمهارة والموهبة، أو لأسباب نفسية وما شاكل ذلك، ويُقابله مستوى أداء منخفض وعمل ناقص، ويعني ظهور ثغرة أو فجوة في نسيج وبيئة العمل وبدورة الأنشطة يتولد ضعف الإنسان - العمل، وبذات الوقت تتعدد أشكال الهموم، فمنها ما تُسببه ظهور ؛ الحاجة، التخلف، الجهل، إنخفاض مستوى الجودة، خلل بالفرد وقدراته، وربما يتعدى مستواه الجمعي إلى خلل في مكوّن المجتمع وثقافته وحضارته ومستقبله، بما فيه البيئة والمناخ التنظيمي والحياتي.. وبهذا وغيره تكون العقوبة الإلهية..
واتجاهات العمل وطبيعته وأهدافه، ينبع من مكونات الإنسان الفكرية والنفسية والجسدية، المنظورة وغير المنظورة، ولذا ؛ (النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلانِ : عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا، قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ، يَخْشَى عَلى مَنْ يَخْلُفُهُ الفَقْرَ، وَيَأْمَنُهُ عَلى نَفْسِهِ، فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ ؛ وَعَامِلَ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا، فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَأَحْرَزَ الحَظِّيْنِ مَعاً، وَمَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً، فَأَصْبَحَ وَجيهاً عِنْدَ اللهِ، لا يَسْأَلُ اللهَ حَاجَةً فَيَمْنَعُهُ) (3).
والأعمال بكل أشكالها واتجاهاتها واستهدافاتها ونتائجها وانعكاساتها، يتم فيها بذل مختلف الجهود والطاقات والقدرات، ولكن شنان ما بين :
(عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيا)، ومثل هكذا عمل نتائجه التضليل للذات والآخر، وما يوجهه، وما يؤدي به، وما يولد من شتى أشكال الصراعات المدمّرة، وتعاظم فضاءاتها غير المرئية، الآنية والمستقبلية، وتنمية الأنا المنحرفة اللا سوية المقيتة..
(وَعَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا)، ومما يتمثل فيه تحقيق أدق النظم والبناء الاجتماعي والأعمال القويمة، وطبيعة النتائج واستدامتها ومستوى الأداء العالي والنفع المجتمعي، وبعظيم الأعمال : (أَخْرَزَ الحَظَّيْنِ مَعاً، وَمَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً)..
ومن اتجاه وقائي آخر، يرشدنا (عليه السلام) لآلية المنهج الذي بالإمكان أن يتم من خلاله أقوم الأعمال، وامتلاك مناطق أنقى الأفكار، وبسوي النفس وطمأنينتها، وبموجه السلوك العقلاني الهادف لخدمة الإنسان والإنسانية، وبناء النظام المجتمعي، وما يثمر عنه أفضل وأجود النتائج، حيث يقول :
(وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ لِعَامَّةِ المُسْلِمِينَ، وَاحْدَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي العَلانِيَةِ، وَاحْذَرُ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ أَوْ اعْتَذَرَ مِنْهُ) (1).
والتدقيق في هكذا معادلة ؛ جامعة للوقاية والعلاج، مانعة للاختراق والصراع، وما يبنيه من نظام إنذار مبكر، خطواته الوقائية، متزامنة بالحذر المخطط له، بعمق التوقعات المعلومة، ودقة الأوليات المعلوماتية، وبتحديد مؤثرات مخاطر حب الأنا، المنافي لأحكام الشريعة، ومخاطر مؤشره ؛ (عَمَل يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ لِعَامَّةِ المُسْلِمِينَ)، وما يُكامله خطورة هو عندما يصل به إلى ؛ (عَمَل يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي العَلانِيَةِ)، وامتداده اهتزاز الشخصية ومصاديقها، حينما يصل الأمر إلى (عَمَلِ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ أَوْ اعْتَذَرَ مِنْهُ)..
ويضيف (عليه السلام) في ذات الكتاب الذي بعثه إلى الحارث الهمداني، بالقول :
(وَاحْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَفِيلُ رَأَيْهُ، وَيُنْكَرُ عَمَلُهُ، فَإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرُ بِصَاحِبهِ) (2)
وعنده يصل العمل إلى الإضرار المنبثق من القرائن، ليكون أفراد المجتمع هم الضحية، لعدم تطابق العمل مع صدق الأداء وتحقيق أهدافه..
وأثر آخر يتمثل عند الداعي إلى أنشطة معينة، بلا عمل فعلي نافع، بما فيه منحاه الاجتماعي، وما يتبعه تخبط بالأداء، ويكون منطلقه بلا خطط مرسومة، ولا تكامل بالأدوات والآليات المطلوب توافرها للأداء أو التنفيذ، فهو (الدَّاعِي بِلا عَمَل كالرَّامِي بلا وَتَرٍ) (3)..
والرامي بلا وتر، تكون رميته تتصف بالضعف وقصر المدى الذي لا يصل إلى الهدف المطلوب، ويعني لا إستراتيجية واضحة لعمله، ولا يمكن أن يحقق الأهداف المرجوة، وما يتحقق فهو منقوص، وتنعكس تبعاته على الذات والآخرين،
وجانب آخر يعترض الأعمال، المتمثل بالنفس الأمارة بالسوء التي تمنع أو تؤدي إلى عرقلة أو انحراف في تنفيذ الأعمال وعدم تحقيق الأهداف المرسومة، وبالنفس الأمارة بالسوء تقتصر النظرة على الدنيا ومردوداتها ومتعتها الزائفة الزائلة، لذا فإنّ (أَفْضَلُ الأَعْمَالِ مَا أَكْرَمْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ) (4)، وتطويع القدرات من تطويع النفس والسيطرة عليها، وسلامة اتجاهاتها ونتائجها ومردوداتها على
الذات والمجتمع، و (شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ : عَمَلٍ تَذهَبُ لذَّتهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ، وَعَمَلٍ تَذهَبْ مَؤونَتُهُ وَيَبْقَى أَجْرُهُ) (1)..
ويضيع العمل عندما يقتصر على محدودية النظرة والإشباع والماديات الدنيوية، ويفقد العمل خصائصه وعلاقاتها والنظم والعمليات الاجتماعية المستمرة وتطورات العمل الأساسية والوظيفية على الصعيد الفردي والجماعي، وتوالد المشاكل والأزمات المباشرة وغير المباشرة.
واتجاه الإسلام ونظرته للعمل التنموي، يتجاوز الاستراتيجيات الدنيوي، ليكون للعمل استراتيجيات ممتدة ومستدامة، ويستقي العمل أو النشاط شخصيته من شخصية العامل والخطط المرسومة، ونتائجه وآثاره تتحدد بطبيعة ذات العمل وجودة نتائجه، لذا (مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بهِ نَسَبُهُ) (2)، فالأعمال هي المحددة لنتائجها، كما هو صورة العلوم والمعارف أولاً، فكما تكون الموضوعية تغلب على الذاتية في مختلف الأمور، فثمرة العمل هي المؤشر والمحدد الأساسي..
وعندها يتلازم العلم والعمل أينما وجد ثمرة العطاء، وانفصال أحدهما عن الآخر، يؤدي تراجع الإبداعات والمواهب، والمؤدي للنكوص وتراجع الحضارات، ومؤثراته على مستقبل الأمة أو المجتمع وتخلفه، لذا يقول (عليه السلام) :
(العِلْمُ مَقْرُونٌ بالعَمَلِ : فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ ؛ وَالعِلْمُ يَهْتِفُ بالعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلا ارْتَحَلَ عَنْهُ) (3)
ويتجه الوعي والفهم والاستعدادات والخبرات والمهارات ومستوى دقة الاستدامة، لبيان مدى قوة العلاقة بين العلم والعمل، ونذير ارتحال العلم، باستشراء الجهل وفقدان العمل به، وتعاظم التهديدات والمخاطر، وعندها ضياع المجتمعات وحضاراتها، وتحوّل الشعوب أو المجتمعات إلى تابع ضعيف لا قوة لها، ولا شخصية مستقلة ولا حضارة متميزة..
(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إنَّ اللهَ عَزِيرٌ غَفُورٌ) من الآية 28 / غافر
بعد أن تم الاطلاع على ما أهمية العمل، وما أهمية مضامينه الاجتماعية، وما نظر إليه الإسلام من العمق والسعة، وما يولد من أجواء ومناخات وبيئات تتمثل بقوة أدائه ومحكم نتائجه واستمرارية عطاءه الأخلاقي والإنساني، وما يضفي العمل على شخصية الفرد والمجتمع والدولة..
ولاستكمال الموضوع، تطلب أن نتعرف وندرس أهمية العلم وما يضفي عند الاهتمام به من حقائقه ونظرياته وعظمة كيانه المستقلبي وآفاقه الراسخة والشاخصة، وتحديد جانب مما ينظر الإسلام للعلم على إنه الحركة الجهادية العظيمة المحققة انتظام وبناء الشخصية المعنوية للدولة والمجتمع والفرد، وما تضعه في موقع ريادي متقدّم..
ويكفي أن نقول بأنّ العلم يرفع من الشعوب الساعية والداعمة والمستثمرة والمتواصلة التطور له، ويخفض شعوب عند التخاذل في طلبه والابتعاد والتراجع عنه ومحاربة حامل العلم..
والعلم وطن واسع بخياله العلمي وعلم الخيال الخصب، والعلم رأس المال الذي لا ينضب من توليد المعلومات والبيانات والحقائق ومنهج الفهم للعالم الحضاري، وبه لا يُذل شخوصه، وبه تُنقذ الشعوب والدول من الذل والتبعية والاضطهاد والتخلف والظلم، وتتحقق تكاملية الحياة بالعلم والعمل، ومنه ما يتحقق الخير والبناء والتقدم، بل يتحقيق الخير كله..
ونذير المخاطر والتهديدات، عندما يصبح العلم أسير بيد الظالم، فيتحول إلى سوط يقرع به الإنسانية، ويضطهد به الناس، ويحجب نوره ليحول ضياء يومه الظلام، وساحاته إلى سجون ومعتقلات، ولا يرى إلا نظامه الأوحد يحكم وإلا فلا حياة لغيره..
والوعي وثقافة ملكية العلم واستثماره وتنميته وتطويره، واستثمار مضامينه في الخيال العلمي، واستثمار العلم كرأس مال مستدام، تحيى في ظله الأمم والشعوب والدول، والحيلولة دون قيام العلم في حده السلبي، فيكون الركود العلمي في ثنايا الجهل، وهو ما يؤدي إلى كارثة تهدد التنمية الاقتصادية - الاجتماعية التي يستعصى حلها، وتفكك النسيج والبناء الاجتماعي ومستقبل الدول بشعوبها أو مجتمعاتها، ولذا يُحدّر (عليه السلام) بالقول :
(لا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً، وَيُقِينَكُمْ شَكا، إذا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا، وَإِذا تَيَقّنتُمْ فَأَقْدِمُوا) (1)
وعند تهديد العلم واليقين بالجهل والشك، تتحجم وتضمحل وتتراجع الحضارات، وما توقف اقتران العلم بالعمل، أو الحيلولة دون استثمار رؤوس الأموال العلمية والمعرفية، وعدم جعلها ضمن البيئة والأجواء الصحية المناسبة لها..
والحد من كل ما يولّد مشاكل ومعوقات، والتوجه لما يحقيق فعالية وانسيابية ومرونة استدامة دورة الحياة الحضارية المزدهرة، ليكون التقارب والتعاون المجتمعي ووضوح الأدوار وتوزيعها بموضوعية ومسؤولية الأداء وتحقيق الأهداف والغايات المخطط لها بدقة الأسلوب النافذ بالعلم والمعرفة..
فالدراسات النظرية والحقائق العلمية وتطبيقاتها بالإدارة والاقتصاد والاستيعاب الاجتماعي له، وعدم الاستهانة بصغيرها وحتى كبيرها، هو شكل من أشكال إبعاد الجهل وإبعاد الشك بمنظور الجدوى بكل تفاصيلها مع وجود العلم وحلوله..
وكذلك لا يُستدام العلم ودورة حياته إلا بمواكبة إيجابيات العولمة، وما يواكب تعاظم مساحة الفضاء المعلوماتي اللا محدود، والحد من تعاظم الفجوات الرقمية، المربكة لمستقبل المجتمع والدولة، بما فيه المؤسسات والمشاريع الفردية والجماعية والمجتمعية والحكومية..
وكذا تنطبق التهديدات على ما يُقابلها من حماية المجتمعات والدول، وحماية كل المشاريع والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، الصغيرة منها وحتى الوصول إلى الكبيرة، الثقيلة والمتوسطة والخفيفة والإستراتيجية، حينما لا تضع جُلّ اهتمامها في خدمة التنمية والتطوير ومواكبة كل تغير لدراستها المسبقة والمواكبة واللاحقة..
وما يتطلب من ملاحقة كل ما يواكب التنمية والتطوير بالعلم والمعرفة والتدريب والتربية والتعليم، وتخصيص بيئة اجتماعية - علمية تستوعب وتغير وتقوم بإدارة الأزمات وإدارة المشاكل ومنها مشاكل المجتمع ومشاكل الاقتصاد ومشاكل التقادم المتسارع في العالم، وسرعة عجلة التغير والمنافسة الريادية والقيادية واستعمالاتها للتقويم والبناء والعمران والحضارة، وما تتطلبه من بناء ثقافة تنظيمية - علمية مستوعبة لكل القدرات ومنه حمايتها..
ولابد من عدم الاستهانة مما لا يُعقل تحقيقه، فربما تحول الغريب أليفا بمرور الزمن، وهو ما نرى أدلته واضحة عبر تاريخ العلوم، فما ثورة التكنولوجيا والتغير الاجتماعي، وما عصر الفضاء، وعصر الانفجار والاتساع المهول لفضاء المعلومات، وما هندسة وإعادة هندسة الحياة، إلا شكل من أشكال مواكبة العلم - التغيير والتغير، ومنه مواكبة التغير العلمي - التغير الاجتماعي..
1) المرجع نفسه / ص 524.
وهو جانب مما يظهر في النص المبارك المتقدّم الذكر، للعناية بالموثوقية، بكل تفاصيل العلم ومكوناته وتطبيقاتة، والحماية من تقادمه، لكون في تقادمه، تقادم الحياة ومنها النظم الفكرية والاجتماعية والتغير الاجتماعي، ويهدد تماسكه، وتوالد الصراعات، بدلاً عن الاتجاه البنائي للمجتمع وحماية نسيجه، وتكاملية انسيابية منظوماته..
وأخلاقية العلم وتطبيقات هذه الأخلاقية الدقيقة المتمثلة بأمور عديدة منها الخير في استثماراته، هو ما يخدم تطلعات المجتمع ومستقبله، ولذا يكون ؛ (أَوْضَعُ العِلْمِ مَا وُقِف عَلى اللّسَانِ، وَأَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي الجَوَارِح وَالأَرْكَان) (1).
فأدنى العلم الذي لم يظهر أثره في الفكر والنفس والأفعال والأعمال والسلوكيات، ولا يحقق إنسانية وأخلاقية العلم، ولا خير في علم لا يمنع الشر والانحراف، ولا يمنع ما يهدد المجتمعات الإنسانية واستقراراتها وتماسكها وبناء مستقبلها المستدام المحقق للأهداف الحضارية..
ووجه آخر لأخلاقية تعلم العلم ونشره ؛ (.. وَلا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَمُ أَنْ يَقُول : لا أَعْلَمُ، وَلا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ..) (2).
وهو تعزيز لأخلاقية العلم والتعلم، وذلك من أجل أن تكون الأفكار المجتمعية بأقوم ما تتعامل مع العلم، ومنه ما يتمثل في علم النفس التربوي والاجتماعي، بتعلمه وتعليمه ونشره وما يترتب عليه من بناء تربوي - اجتماعي، وبأدق ما ينفع المجتمع..
فلا عيب في مَنْ يجهل شيئاً، وإنما العيب في التعالي على العلم ووضع حواجز عند تعلمه، والادعاء بما ليس عنده من العلم وهو في جهله، أو في واقع الأمر، تأخذه العِزّة في الإثم والجهل..
والتحذير من الجهل ومصائبه، هو بذاته وقاية وحماية للإنسان من الوقوع في مخاطر جهله، وحماية المجتمع من تعاظم عدم إدراك المخاطر والتهديدات..
وحينما يكون للعلماء موقعهم المناسب، ويُحافظون على مكانتهم من خلال سلامة العلم ونشره وتعليمه على أسس أخلاقية وإنسانية، ومنه سلامة صنع واتخاذ القرارات المناسب لحماية المجتمع واحترام خصوصياته وكيانه، لاحترام النعمة الإلهية الرافدة لاستدامة مستقبل المجتمع، والحيلولة دون الانجرار وراء ما يخفض من مكانتهم العلمية وأهدافها النبيلة، وهنا يقول (عليه السلام):
(وَاعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللَّهِ المُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ، يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَيُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ، يَتَوَاصَلُونَ بِالوِلايَةِ، ويتلاقون بالمحبَّةِ، وَيَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ، وَيَصْدُرُونَ برِيَّةٍ، لا تَشُوبُهُمُ الرِّينَةُ، وَلَا تُسْرِعُ فِيهِمْ
الغِيبَةُ. عَلى ذلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخْلاقَهُمْ، فَعَلَيْهِ يَتَحَابُونَ، وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ، فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ البَذْرِ يُنتَقَى، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُلْقَى، قَدْ مَيَّزَهُ التّخليص، وَهَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ) (1).
وفضلاً عن ما يحتويه النص المبارك المتقدّم من جوانب اجتماعية، وأهمية العلم، وأهمية العلماء و آفاقهم الإبداعية وأصالتها في تنمية وتطوير العلوم وتطبيقاتها المتنوعة، بالتقييم والتقويم، والعلاقات المترتبة بين العلم والعلماء وأخلاقيتهما، وما يتوجب أن يتحلى به العلماء..
وستكون هناك وقفة، إن شاء الله، ضمن هذه السلسلة العلمية في نهج البلاغة، الخاصة بعلم الأخلاق وعلم المنطق، ومواضيعه الخاصة بفضائل العلوم والعلماء الأخلاقية والمنطقية، فضلاً عن المحتوى الواسع للمناحي السلوكية وقويمها وتقويم ما يحتاج لتقويمها عن طريق النصوص المباركة التي تعالج الموضوع، أسأل الله تعالى الإعانة والشرف الكبير لاستكمال فتح أبواب للدراسات على هذا المنهج العلمي لمنوّع آفاق العلوم في نهج البلاغة الواسعة المرامي والفاعلة..
ولمكانة العلوم والمعارف الرفيعة التي جعلها الخالق عز وجل، ومنه ما جعله حلية العلماء، وحماية ورفعة الإنسان كفرد وجماعة ومجتمع، لما يحمله من إنسانية وأخلاقية تسير في ركبها الأمم، لذا يقول (عليه السلام) :
(إذا أرذل الله عبداً حَظَرَ عَلَيْهِ العِلْمَ) (2)
الرَّذْل والرَّذِيل والأرذل : الدُّون من الناس، وقيل : الدُّون في منظره وحالاته، وقيل : هو الدون الخسيس، وقيل : هو الرَّديء من كل شيء، والرذيلة : ضد الفضيلة. (3)
ولا يمكن أن يدخل أو حتى يصل لفضاء العلم من اقترن بالرذيلة، فللعلم أخلاقية الوجود، وأخلاقية الدراسة والبحث، وأخلاقية آلية الانتفاع منه والعمل به ونشره، والسابق لكلِّ ذلك هو مَنْ يحمله، ومَنْ يكتسبه، وما يكون عليه حامل العلم وطالبه، إلا أن يتجه بمنظور أخلاقيته وأخلاقية فلسفتة وأخلاقية إنسانيته، وتتجه أخلاقيته بمستوى فردي وجماعي ومجتمعي، ويتقدمهم العلماء..
ويرفع الله تعالى بالعلم والعلماء المجتمعات الحضارية والإنسانية، ويتجهون به بمختلف الرؤى الأخلاقية وفلسفاتها، وما يجري ويتواصل من رؤوس الأموال العلمية والمعرفية..
وبالجهل في كل معنى الكلمة والمصطلح وما يتجه به تكون الرذيلة للإنسان كفرد وكمجتمع، وبالجهل فقدان الهدى ووضوح السبل وأدوات وآليات التنمية والتقدم والتطوّر، ومنها الاتجاهات الاجتماعية..
والحرمان من العلم إما أن يكون بشكل خاص أو بشكله الأعم، ومخاطر وتهديدات الحظر، حينما تتوسع قاعدته وتعم الرذيلة بالجهل والتراجع الثقافي والحضاري، ومنه ما يؤدي إلى تفكك المجتمع والدولة، وبالجهل إذلال الشعوب والأمم..
والعدل ؛ الركن القائم عليه العلم والأمن الاجتماعي، والركن القائم عليه بناء وهندسة الحياة وتماسك المجتمع، وهو أحد أركان الإيمان : (وَالعَدْلُ مِنْهَا عَلى أَرْبَعِ شَعَبٍ : عَلَى غَائِصِ الفَهْمِ، وَغَوْرِ العِلْمِ، وَزُهْرَةِ الحَكْمِ، وَرَسَاحَةِ الحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ ؛ ومَنْ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ صَدَرَ عَنْ شرَائِع الحكم ؛ وَمَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطُ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً) (1).
وجانب من مفهوم الفهم Understanding العملية التي يتم من خلالها إدراك الموقف أو الموضوع الخارجي وربطه في علاقة محددة، وبهذا فهو نتاج عوامل النضج والتعلم والتربية والتعليم، ويعتد الفهم على سوي خلق الفرد ومستوى قدراته وخبراته والاستعدادات والرغبات، لذا يختلف الفهم بين الأفراد بشكل فهم فردي أو جمعي.. والفهم كظاهرة اجتماعية يبين ما لدى الناس من العلوم والمعارف والثقافات، ومنه ما يتعلق بالاشتراك في فهم سلوك الآخرين المتبادل والمشتركة، وما يتعلق بتوفعاتهم أزاء الموضوعات المشتركة والشائعة والمتعارف عليها، وما يتعلق بعوامل الفهم، ومنه العواطف والميول والاتجاهات، وما يترتب على المعرفة من دلالات صحيحة على الفهم، وما يتضمن من التعاطف اتجاه موضوع خارجي، لتحديد التقدير والتسامح والتفهم الجماعي والمجتمعي.. (2)
وما أعظم هذه البلاغة في شعب العدل، ويمكن أن يتبين جانب من عظمة القول المبارك بالمعادلة الآتية :
شعب العَدْلِ = غَائِصِ الفَهْمِ + غَوْرِ العِلْمِ + زُهْرَةِ الحُكْمِ + رَسَاخَةِ الحِلْمِ
ويمكن إجمال نتائجه وآلياته بالآتي :
مَنْ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الحُكْمِ ؛ ومن قناة وأسس البناء العلمي من (علم عمق العلم)، وهو مقدم وأول شرائع الحكم
وعدل العدل أن يكون في الإنسانية، التوازن بين الشعوب بالعلم وما يُكافئ بعضهما البعض، لكي لا تكون أحداهما عالة على الأخرى، ولا يظلم أحدهما الآخر، ولا يصيب الحرمان أحدهما، أو على الأقل يمكن المحاورة والتفاهم بين الشعوب ليعم السلام والوئام والتماسك لخدمة الكلمة الطيبة الفاعلة في العلم، وبالهدف الإنساني الرفيع للعلم يكون الاتجاه للبناء الاجتماعي والاقتصادي..
وعندما يكون العلم بين الاستهلاك والنتاج السوسيولوجي، يأخذ مضامينه النسبية في مستوى الاستثمار الإبداعي، المحدد للرؤى والاستيعاب والفهم، وهو جانب مما يعالجه قوله (عليه السلام) :
(فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ فَاحْمِلُهُ عَلَى جَهَالَتِكَ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بهِ جَاهِلاً ثم علّمْتَ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الأمْرِ، ويَتحَيَّرُ فِيهِ رَأَيْكَ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ !) (1).
ومن مضامين القول المبارك وتبيانه، يظهر منه ما يتعلق بعلم الاجتماع المعرفي Sociology Of Knowledge الذي يعتمد على التطور الفكري للإنسان وما يُحيط به والتطوّر العام، وهذا بشكل مبسط ومفيد، يكون بادئ ذي بدأ يحمله على الإشكالات والقصور وجهل الفرد لما يُحيط به، والاتجاه نحو التواصل المعرفي للمجتمع، وعدم التحير في الرأي وبيئة محدودية المعرفة، وقد يصل به محدودية المعرفة والجهل إلى متاهات أو ضلال، سرعان ما تنكشف على حقيقتها، ويتجه بالأجواء العلمية الصحية بالتوسع والاطلاع المعرفي عبر الزمن..
وما علم النفس الحضري، إلا السبيل المتضمن للاستعدادات والتعزيزات الحضارية، ومنها التعزيزات العلمية الداعمة للطلب العلمي الفردي والجمعي، بخصائصها الجوهرية النافعة المستدامة بين التنمية العلمية وامتداداتها التطويرية وما يتطلبه من تحديث Modernisation وما ترفد العمليات الاجتماعية في المجال الحضري والتقدّم العلمي والتحول الاجتماعي وتفاعلاتها في المجال الاجتماعي، ويمكن للعلم أن يأخذ مكانته من خلال الضمير العلمي المجتمعي، ومنه ما يعني بناء أخلاقية العلم..
لذا فإنّ من الأجدى للإنسان أن يكون العلم، الدعم الداعم والحماية الشاخصة له وللمجتمع وتقدمه، ويقول (عليه السلام) :
(.. فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، ولا يُنتَفَعُ بِعِلْمٍ لا يَحِقُ تَعلَمُهُ) (2)
وبين علاجات المشكلة والأزمة بكل أشكالها، تنمو المعلومة ومستوى عملياتها النفعية، ومدى اجتماعيتها النافعة بالعلم الاستهلاكي والاستثماري، ومدى نجاحها ضمن قويم التنشئة الاجتماعية واستدامة تواصل عملياتها الاجتماعية بين العلم والمعرفة وتطبيقاتها..
وحينما يتداخل أشباه العلم وأشباه العلماء مع العلم الحقيقي وخُلّص العلماء، يتحول العلم حسدا، وتتحول البيئة الاجتماعية والحضارة إلى رُكام، والنور إلى ظلام، وتتحول المنفعة من ثمار العلم إلى تلوث بيئة ومناخ العلم وفساد ثماره، وتسمم غاياته النبيلة والإنسانية، ويتحول العلم إلى جحيم، ويحترق فيه النسيج الاجتماعي، وتفكك المجتمع وتراجع علاقاته..
ومما يعني مفهوم النفع في الإسلام، الخصوصية الأخلاقية الإسلامية النابعة عن المصدر الموحد ؛ القرآن الكريم، بحلاله ومنع حرامه، ونفعه ومنع ضرره، والمعروف ومنع المنكر، وما ماثله، وإتمام وعي فيه وتنامي وظائفه وهياكله، ومنه الانتظام مع التطوير العالمي، وما يجري من تغيرات عالمية، ويتم بوضوح الرؤى والتخطيط الشامل الذي يحتوى الرسالة الإنسانية، وما يحققه التنفيذ من استقامة الأداء العالي ؛ التحسسي الاجتماعي..
ومن هذه المثبتات والثوابت والركائز، وما اتسع له المبحث، يظهر جوانب من أهمية العلم للمجتمع ومستقبله المنظور وغير المنظور، واستقلاليته ورسوخ البناء الحضاري..
وتواصلاً مع ما تقدّم، وما تم دراسته ضمن هذه السلسلة العلمية من مضامين البخل ما يدخل ضمن علم النفس، العلوم الإدارية والقيادية، وعلم الاقتصاد، وما سيتم دراسته هنا في ظل مضامينه في علم الاجتماع، وتأثيرات البخل الاجتماعية بمنظور ما ورد من معالجاته في نهج البلاغة..
وعند تطلعنا لمعرفة البخل والبخيل وتأثيراته الاجتماعية المختلفة، نبدأ من عظيم الذكر الحكيم ؛ القرآن الكريم، وعلاجاته لهذا السلوك المُربك من أصوله النفسية غير السوية، وعقده التراكمية، كما تبينه الآيات البينات :
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بالبخل ويَكْتُمُونَ مَا أَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عذابًا مُهينا (37) سورة النساء..
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَحْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24) سورة الحديد..
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بمَا أَتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) سورة آل عمران
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا أَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) سورة التوبة..
هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلُ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) سورة محمد..
فيتضح من عظيم الذكر، ومن فيض نوره المقدّس المرسل والرسالة الكريمة، ما للبخل والبخيل من مكانة الدرك الأسفل في الدنيا والآخرة، لكون الإنسان ابتداءاً هو موكل على هذه الأموال وسلوكها الاقتصادي، وله حق التصرف بحدود الشرع، ومنهجه التنموي في كل اتجاهات التنمية، ومنها تنمية الخير والأخلاقيات، بما فيها الأخلاقيات والسلوك الأخلاقي الاقتصادي – الاجتماعي..
والإنسان ذلك الموكل على الأموال، له حق التصرُّف المعتدل بما ينفعه وينفع أسرته والناس، بنشاطاته الإنفاقية الاستهلاكية والاستثمارية - الارتكازية، ومؤثراته على البيئة والحياة، بكل معنى النفع - الحقوق، فضلاً عن الحقوق الواجبة الأداء على الأغنياء ومن تم فرض الحقوق عليهم بدفعها، لبناء توازن اجتماعي تضامني وتكافلي..
وبذات الوقت ؛ الدولة والأغنياء، كأفراد وجماعات، قناة وسبب من أسباب التوزيع المردودات عوامل الإنتاج، وأي خلل في المسيرة الاقتصادية التنموية، واتجاهات التغير - التطور، مردوداته حتماً ستكون سلبية على الدولة - المجتمع..
وبتراكم وتوسيع السلوك الاقتصادي السلبي للبخلاء، يكون في مقدمة من يُربك العلاقات والتنمية الاجتماعية، وعندما لم يتم التوازن والتخطيط المناسب لاستثمار وتوزيع ما يُقابل عوامل الإنتاج وعائدياتها، ومنه ما سيكون وبالاً على المجتمع ومستقبله..
وسلوك الشخص البخيل بأي صفة كان ؛ معنوية أو حقيقية، وبأي موقع من الحركة السياسية والاقتصادية والإدارية، يؤدي إلى الخلل في الدورة الاقتصادية والحركة الاقتصادية من جهة، وما يؤثر في المجتمع والتوازن الاجتماعي Social Equilibrium لعدم تأدية الانسيابية والتوازن الاقتصادي Economic Equilibrium، المؤدي بدوره مضاعفات مخاطره..
ويتم عن طريقه عدم تأدية الحقوق والواجبات المفروضة، بمثابة كتمان النعم الإلهية وحجزها بالبخل وتراجعها ومنه لا تكون إلى جانب تنميته، التنمية والتماسك الاجتماعي، ويبدأ البخيل بتهديد ذاته أولاً، وتراجع فيها، ولذا مما يظهر في المعالجات ومنها المجتمعية، قوله (عليه السلام) :
(عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ الفَقْرَ الَّذِي مِنْه هرب، ويَفُوتُهُ الغِنَى الذِي إِيَّاهُ طَلَبَ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الفُقَرَاءِ، وَيُحَاسَبُ فِي الآخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ..) (1).
فلا يرفع من مستوى رفاهيته ورفاهية أسرته بشكل متزن، ولا يسهم في رفع مستوى رفاهية مَنْ كان حوله من العباد والبلاد، فلا يتمتع فيما امتلكه في دنياه بما يُرضي الخالق عز وجل، وبذات الوقت لا يُرضي من كان حوله، ويكون في دنياه قد عطّل المسموح به، وفتح جحيم المحذور، فضاع في دنياه وآخرته بين سوء فهم الاقتصاد الاجتماعي..
وهو ما ينطبق أيضاً على أصحاب المراكز السياسية والإدارية، فيظلمون يبخلهم، مَنْ كان في إدارتهم، ويهدرون حقوقهم، ولا يثمنون ما يبذلوه من جهود، فيكونون سواسية مع المقصرين في أداء واجباتهم، ولذا يُحدّر (عليه السلام) وينهي منظور الشرع الإسلامي وفقه الإدارة، بالقول :
(وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لا يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ الوَالِي عَلى الفُرُوجِ وَالدَّمَاءِ وَالمَغَائِمِ وَالأَحْكَامِ وَإِمَامَةِ المُسْلِمِينَ البخيلُ، فتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ..) (2).
لكون البخيل يشوه كل جميل، ويرى بخل الأنا المرضي فوق كل شيء، فيهلك المجتمع، ويُهدد استقرار البلاد، ويتجه بسياساته وخططه في تضييق الحياة عليهم، وعند فلسفة (لا ينبغي) التي تتعلق بالبخيل : (فتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ)، وهدف المنع والنهي في الفقه الإداري، لكي لا يتحكم البخيل بالقرارات المتعددة الأهداف بالشكل الميداني - الاجتماعي ؛ (الفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالمَغَانِمِ وَالأَحْكامِ وَإِمَامَةِ المُسْلِمِينَ)..
والعقدة الاقتصادية - الاجتماعية في مضامينها النفسية - السلوكية، تُنمّي قوة تفكير وترسيخ أو تعزيز البخل في هرمية الحاجات والاشباع، والشعور بالنقص الحاد والمستمر، والامتثال المرضي لشهوة الحيازة والامتلاك والاكتناز، مما تجعل سلوكه نهم الامتلاك مع القنوط من رحمة الله تعالى، فيتراجع لديه الخط البياني للإيمان، وتمتلكه وسوسة الشيطان، وما تملي عليه النفس الأمارة بالسوء، وربما تتحول شهوة الامتلاك إلى الظلم الواسع وهدر حقوق الناس، وباتجاهه هذا يتصور تمتعه ببخله ومبالغته في حرصه، وهو ما يُرهق به من حوله ويُرهق به المجتمع..
لذا حتى مخاطر وتهديدات أفكاره وسلوكياته تنجر على طبيعة وظيفته الاستشارية وما يُبديه من آراء وتوجيهات، وهنا يتوجب شرعاً الاستغناء عن آراء البخيل، وفلسفة ذلك يضعه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(وَلا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الفَضْلِ، وَيَعِدُكَ الفَقْرَ) (3)
وهذا التحذير والنهي والتوجيه الإسلامي، من عواد ما يؤثر به أداء البخيل على مستوى الوظيفة الاستشارية للأنشطة من تراجع ونكوص وما يتجاوز به الحرص غير المبرر، وما يؤدي بمخاطره وتهديداته على كل المستويات، وتتعاظم الخطورة عندما يدخل بمشورته ضمن صناعة القرار واتخاذه، وامتداداته في التنفيذ ومستوى واتجاهات الأداء ونتائجه، وتأثيره على ما يخص التخطيط والتنمية..
وليتصوّر الإنسان ما سيحل مجتمع، لو تولّى البخيل مركز مؤثر أو كان في مشورة مستويات إدارية أو سياسية أو تنموية متقدمة ومؤثرة في مستقبل بلد ومجتمع وحضارة، بل حتى ينجر على ثقافة الأخلاقية واستراتيجياتها، وما يلحق بالعلاقات والعمليات الاجتماعية والأنشطة الإنسانية..
ويضع (عليه السلام) المرآة أمام البخلاء، وتوبيخهم بالقول :
(فَلا أَمْوَالَ بذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا، وَلا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا، تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلا تُكْرِمُونَ الله في عِبَادِهِ ! فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَانقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ !) (1).
لأنّ هناك مبدأ عظيم جعله الله عز وجل للإنسانية، ولحماية المجتمع ومصالحه، والحماية العظيمة، أن لا يُذل الإنسان في النعم الإلهية وحقوقه فيها، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(إِنَّ للهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقًّا، فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهِ خَاطَرَ بِزَوالِ نِعْمَتِهِ) (2)
هكذا جعل الله تعالى الموازين وتوازن بناء الشخصية ونظم الحياة بدقة أداء الحقوق والواجبات، وما يتحقق من نتائج العدالة والمساواة، لكن هناك من يخل بها، ومنهم البخيل الذي يعيق ويُعطّل دورة نظم الحياة، وحركة واستقرار وفاعلية المجتمع وتنميته وتقدمه..
واستكمالاً ؛ لابد من الإشارة إلى أنّ الاكتناز بصفة البخل، معوّق الحركة وسلامة السلوك الاقتصادي - الاجتماعي، ومقابله وضع الخالق عز وجل العقاب الدنيوي والأخروي، لما يؤثر على سلامة حركة الحياة وتطبيق ثقافة الرفاهية المتوازنة للفرد والأسرة والمجتمع، وما يترتب عليها من حقوق المجتمع الاقتصادية، وقد ورد في الذكر الحكيم :
(.. وَالَّذِينَ يَكْبَرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتَكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنزُونَ) من الآية 35 / سورة التوبة..
وكلا الحالتين في البخل والاكتناز اللاعقلاني المجمد للأموال، والمعوق لحركة الاقتصاد والعجلة التنموية، يختلف ذلك عن السلوك الادخاري، لما للادخار من أهداف وغايات تنموية، ومنه قد يوسع في الأنشطة القصة والمخطط لقيامها، ويوسع في حركة العرض والطلب في سوق العمل، ومنه تطوير القدرات والمهارات والمواهب والإبداعات، وسلامة الحركة الاجتماعية وتوسيع مجتمع الأعمال المتنوعة، وتوسيع تنوع استثمارات المدخرات، أو على الأقل الإسهام في معالجة ظروف العيش، أو الإسهام في مساعدة حل المشاكل والأزمات على الصعيد الفردي أو الأسري والمجتمعي، وقد تكون مردوداته الجمعية على مستوى المجتمع، وضمان المستقبل بالادخار البعيد عن الحرص والبخل والتقتير، سلامة الدورة التنموية في تأجيل منفعة الأموال لزمان لاحق، وتطوير البلاد والعباد..
لا يتحقق انتظام وقيام الأمم والشعوب والمجتمعات وحتى القبائل على امتداد التاريخ وحتى الآن والمستقبل، إلا بحتمية قيام العدالة والحق، لتكون النتائج، تطبيق حق المساواة بين أفراد المجتمع على مستوى الدولة وعلى مستوى عالمي..
وما حقيقة سلامة قيام المؤسسات والمنظمات الإنسانية والحقوقية والاجتماعية وما ماثلها في المجتمع المدني، المحلية والوطنية والعالمية، الرسمية وغير الرسمية، المعترف بها وغير المعترف بها، إلا المنفذ الصحي لقيام الحق والعدالة، وما يحققه من المتابعة والرقابة التقييمية للوظائف والتقويمية للأداء، لانتظام الأعمال وتنظيمها وإدارتها وانسيابية وفاعلية المجتمع والإنجاز..
ولذا سيكون محور الدراسة في هذا الفصل يتمثل بالآتي :
المبحث الأول : أهمية العدالة لاستقرار المجتمع
المبحث الثاني : الحق ومستقبل المجتمع.
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) سورة الأنعام
وامتداداً للسابق الذكر، وما تضمنته المباحث، ولتكامل الدراسة، فإن العدالة Justice بشكل عام، تأخذ مضامينها المتنوعة التي تصب في المجرى الإنساني، وذلك لتحقيق الطمأنينة وسلامة الاستقرار على مستوى الفرد والمجتمع، بمكوناته المادية والمعنوية، وإحقاق ما تحققه العدالة، وبمختلف المستويات والشرائح الاجتماعية، وبمختلف مشاربهم واتجاهاتهم، لوضع ميزان العدالة في نصابه الحقيقي، وإعطاءه القوة المستمدة من ستمدة من السلطات الإلهية أولاً، وما تكسبه من السلطات الدنيوية وامتداداتها الجزائية الأخروية، ويدخل مبدأ العدالة ضمن الشرائع والقوانين والعادات والتقاليد والأعراف الأخلاقية..
وما العدالة إلا الركن الداعم والحيوي للسلطات المنظورة وغير المنظورة، كما هو عليه السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وما يترتب عليها، ليكون قيام البلاد والعباد بالاستقرار والطمأنينة والعطاء في ظل المساواة في الحقوق وما يترتب عليها من الواجبات والمسؤوليات والأدوار، وتنفيذها في ظل القوانين والتعليمات واللوائح..
ولذا يتطلب للانسيابية ومرونة التفاعل مع العدالة، بث الثقافة التنظيمية - الاجتماعية للعدالة، وذلك لدعم العدالة، ودعم كل من يقوم بنشرها وتطبيقها، كما هو عليه في الهيئات أو السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية..
وعَدٌ أفلاطون العدالة، أحد الفضائل الأربعة، فكان عنده أساس الحكمة هو العقل، والشجاعة القلب، والاعتدال العفة في الجوانب الشهوانية، والعدل أساسه العقل والقلب والعفّة.. فضلاً عن ذلك، فقد تعددت الدراسات الخاصة بها.. (1)
نخبة من الأساتذة المصريين والعرب المتخصصين / المرجع السابق / ص 384 - 385.
جمهورية أفلاطون / نقلها إلى العربية : حنا الخباز / مطبعة بابل / بغداد - العراق / 1986.
1) راجع بخصوص العدالة والحق على سبيل المثال :
وجاء بخصوص العدالة في الذكر الحكيم :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) سورة النحل.
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) سورة الحجرات..
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبُ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يأبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبُ وَلْيُمْلِل الذي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسُ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكَّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا ترتابُوا إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ألا تكتبوها واشهدوا إِذا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارٌ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بكم والقوا الله ويُعَلِّمُكُمُ الله وَاللهُ بكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) سورة البقرة.
إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بهِ إنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) سورة النساء.
وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) سورة النحل.
وبهذا جعل الإسلام، قوام كل مناحي الحياة بالعدل ومنظومته، والعدل قبل كل ذاك وهذا هو اسم من أسماء الله الحسنى، والعدل هو الملك وأساس البناء الفكري النقي، ومنه يتحقق الاستقرار النفسي السوي، والاتجاه السلوكي القويم..
وجانب من العدالة هي العدالة الاجتماعية Social Justice، ومُجمل ما تعنيه يتجه ضمن ؛ البيئة الخارجية وعلى مستوى عالمي، وبيئة وسطية تتمثل في بيئة الدولة والإقليم، وبيئة داخلية على مستوى مجتمع وجماعات وأفراد، وما تكون عليه التركيبات والأوضاع الاجتماعية، وفرص تطبيق العدالة فيه وعدم التمييز الاجتماعي..
والعدالة على مستوى بيئة اجتماعية إسلامية داخلية، وما يُحيط بها من بيئة خارجية على مستوى عالمي، وبشكل أوسع بيئة تكون على مستوى محيط الكون، أو على مستوى البيئة الكونية، بما فيه الفضاء الخارجي للكرة الأرضية، وبهذا تشمل العدالة ؛ الدنيا والآخرة، الدنيوية ما يُحققه الإنسان ومشروع الدولة والتنظيم التشريعي وما تتوجه به سلطة القضاء، وما يترتب من تنفيذ حكومي، ما يترتب من دمج أو استقلالية السلطات، وما الدستور إلا الخريطة الشاملة لحركة هذه السلطات، وما يتم الاحتكام من خلال مكونات بنوده و مواده..
ومهما تباين الأمر، فالعدالة واحدة لا تتجزء بكل ما تعنيه الكلمة من أهداف واتجاهات ومحتوى ومضامين وعمق أخلاقي - إنساني، لكن ربما تختلف رؤى ومشارب ومصادر استقاء العدالة، ولاسيما إذا استفحلت الفلسفات الأحادية بفرديتها أو مجتمعيتها، وما تمليه المصالح الدنيوية والمصالح الشخصية والفئوية والمذهبية والقومية، ومستوياتها الوظيفية دون مراعاة الجانب الموضوعي وحقيقة و فلسفة وجود العدالة..
وقد احتوى الفكر الإسلامي الجليل وما تضمن عمق روحيته نهج البلاغة، وما مستمد بمحتواه واستر شد بهداه من مدرسة القرآن الكريم الجامعة والمدرسة النبوية الشريفة الجامعة، ومنه ما يتعلق بالعدالة والعدالة الاجتماعية، والكيفية التي يتعامل معها والمواقف، حيث يقول (عليه السلام) ؛ في قوله تعالى : " إِنَّ الله يأمرُ بالعَدْلِ وَالإحْسَان "، العَدْلُ : الإِنْصَافُ، وَالإِحْسَانُ : التَّفَضُلُ) (1).
ولذا يقول (عليه السلام) :
(.. وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةٍ عَيْنِ الوُلاةِ اسْتِقَامَةُ العَدْلِ فِي البِلادِ، وَظُهُورُ مَوَدَّ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّة) (2)
فاستقامة العدل، مما يعني ويُستدل به، هو مدى دقة استقامة الفكر المستمد من نقي المصادر، وهو يحقق الاستقرار النفسي للعباد واستقامة السلوك والأعمال، والاستقرار الأمني للبلاد..
ومنه ما تحتاج الحكومات من مودّة الرعية، ومما تعني المودة وتؤدي إليه هو التقارب والتماسك النسيجي الاجتماعي الفاعل المثمر للعطاء المتكامل مع العدالة واستقامتها..
ومنه ما يتحقق من إشباع الحاجات الإنسانية، وسلامة واستمرارية الانسيابية، ومدى توافر الشعور بالاحترام وحتى تحقيق الذات المستدام لدى الأفراد والجماعات والمجتمعات، فضلاً عن تحقيق أو إشباع الحاجات الأساسية المستدامة للإنسان، منها المتمثلة بالطمأنينة والاستقرار النفسي والاستقامة، وهو منطلق أو أرضية الانطلاق نحو عدالة الحضارة الإنسانية
وعندما سئل (عليه السلام) عن التوحيد والعدل قال :
(التَّوْحِيدُ ألا تَتَوَهُمَهُ، وَالعَدْلُ ألا تتّهمه) (1)
والوهم : من خَطَراتِ القلب، والجمع أَوْهامُ، وللقلب وَهُم، وتَوَهَّمَ الشيءَ : تَخَيَّله وتمثله، كان في الوجود أو لم يكن، والوهم : الغفلة، والله عز وجل لا تُدْرِكُه أَوْهامُ العِبادِ. (2)
وكل موهوم محدود، والله جل جلاله ليس محدود، لذا لا يمكن أن يجتمع التوحيد مع التوهم والظنون، وما زال وسيبقى الإنسان لم يفقه كُنه نفسه، وما بالك بما حوله مما خلق الله تعالى..
وبذا أن لا يُتهم العدل بما لا يكون فيه، فلربما جرى العدل على أمر، فاتهمه الجاهل، ولا ينجو من توهماته واتهاماته، لذا (لا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الحُكْمِ، كَمَا أَنَّهُ لا خَيْرَ فِي القَوْلِ بِالجَهْلِ) (3)، لما قد يكون الحق باطلاً والباطل بمثابة الحق، وتضيع العدالة بين الجهلاء والظالمين..
والسعة مرهونة بما يُمليه الحق من المساحات المتنوعة، ولولا هذه السعة وشغلها بالعدالة، لما تحقق التوازن في داخل المجتمع، ولَما تمكن الحد من الفوضى، (فَإِنَّ فِي العَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ، فالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضَيقُ !) (4)..
ووجوب الرّد بمقتضى العدل هو يحد من التعدي على الحقوق الخاصة والعامة، وفيه قوام الأمور بالنظام، وباسترداد الحقوق وتحقيقه في مواطن المساواة وجه من وجوه العدالة، ومما يبرز بشكله الواضح في تطبيق العدالة عند توزيع الأموال العامة بين الناس، والجور ينقلب على صاحبه، ليضيق الحال الذي يكون فيه..
وجانب آخر يظهر فيه مؤشر العدالة، حيث ليس من العدالة أن يكون المحسن والمسيء بمنزلة سواء، (وَلا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالمَسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ تَزْهِيداً لأَهْلِ الإِحْسَانِ فِي الإِحْسَانِ، وَتَدْرِيباً لأهْلِ الإِساءَةِ عَلَى الإِسَاءَةِ، وَأَلْزِمْ كُلاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ) (5).
وعند المساواة غير العادلة في مواطن معينة، يبرز جانب الجور، فتعم الفوضى داخل المجتمع وتنقلب الموازين الإنسانية، وقد ينشأ بتفاقمها فجوات مؤهلة لارتكاب الجرائم ؛ بالجنح والجنايات وتؤثر على مستقبل تماسك العائلة أو الأسرة، ويمتد لتهديد تماسك المجتمع..
وربما يكون هذا التفكك الاجتماعي والصراع، انعكاسات تهديداته ومخاطره على طبيعة تماسك النظام السياسي والقيادي والنظام المؤسساتي للدولة، ويتهدد به تطبيق مبدأ العدالة، ما ينجر على النظام الحاكم، ولذا يقول (عليه السلام) :
(.. فَإِنَّ الوَالِيَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذلِكَ كَثِيراً مِنَ العَدْلِ، فَلْيَكُنْ أمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الحَقِّ سَوَاءٌ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ العَدْلِ، فَاجْتَنِبُ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ، وَابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ الله عَلَيْكَ، رَاحِياً ثوَابَهُ، وَمُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ) (1).
والمساواة في تحقيق العدالة، يُبعد المتقدّم في المسؤولية عن الظلم لنفسه وللناس، وحينما يتحقق تحسس المسؤول بما يُرضيه لنفسه وما لا يُرضيه لنفسه بشكله السوي، يتحقق التحسس التنظيمي العادل بالغير وحمايته من الظلم..
وجانب آخر ينذر بخطورته، وذلك عندما يختص القيادي به نفسه ويستبد به على الغير، وينفرد بامتلاك الشيء المادي والمعنوي، وبهذا يُحدّر إمامنا (عليه السلام) بالقول :
(وَإِيَّاكَ والإِسْتِئثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أَسْوَةٌ، وَالتَّغَابِي عَمَّا تُعنى بهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ، فَإِنَّهُ مَأخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ، وَعَمَّا قَلِيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أغْطِيَةَ الْأُمُورِ، وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ) (2).
ومهدد لاستقرار الدولة، الاستثثار أو الاستبداد بما يكون فيه الناس أسوة، فيجري الظلم عليهم، والتأثير بدوره على انسيابية تطبيق العدالة والمساواة بين الناس، فضلاً عن التغافل عما هو واضح أمام العيان، لما قد يلحق بمخاطره على منهج العدالة، وما يكون عواقبه على مستقبل الناس أو المجتمع ومسيرة حياتهم..
وسئل (عليه السلام) : أيهما أفضل : العدل، أو الجود ؟ فقال (عليه السلام) : العَدْلُ يَضَعُ الأُمُورَ مَوَاضِعَهَا، وَالجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا، وَالعَدْلُ سَائِسَ عَامٌ، وَالجُودُ عَارِضٌ خَاصٌ، فَالعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وأَفْضَلُهُمَا) (3).
وحينما يضع العدل الأمور مواضعها، يعني وضع الشيء في نصابه، ويعني إحقاق الحق ودفع الظلم عن الناس، أما السائس هو المتولي الأمور والمتقدم على الرعية لقيادتهم، والمصلح أحوالهم..
و (يَوْمُ العَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الْجَوْرِ عَلى المَظْلُومِ) (4)، لذا فإن في العدالة تحقيق مصالح الفرد والمجتمع والدولة، وتمتد بزمانها ومكانها ومواقفها إلى يوم القصاص الذي لا يتقادم، والعدل بمنظور اجتماعي حافل مستقبل تصان به الكرامات والقيم الإنسانية..
وما القصاص العادل من الظالم، إلاّ حماية لحقوق الإنسان، ومؤداه حماية لحقوق المجتمع، وبه يكون الظالم أشد وقع من المظلوم، الممتد من لحظة وقع الظلم على المظلوم، وما يلحق الظالم من الذل المستمر حتى يوم القصاص، ولا تقادم الجريمة الظالم عندها..
ويأتي العدل ليأخذ مكانته من الإيمان، كونه أحد دعائمه، و (الإيمانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الصبر، واليَقِينِ، وَالعَدْلِ، وَالحِهَادِ وَالعَدْلُ مِنْهَا عَلى أَرْبَعِ شُعَب : عَلَى غَائِصِ الفَهْمِ، وَغَوْرِ العِلْمِ، وَزُهْرَةِ الحُكْمِ، وَرَسَاخَةِ الحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ ؛ ومَنْ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الحُكْمِ ؛ وَمَنْ حَلَمَ لَمْ يُفَرِّطُ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيدَاً) (1).
ويوجه (عليه السلام) زياد بن أبيه، حين ولاه على فارس قائلاً :
(اسْتَعْمِلِ العَدْلَ، وَاحْذَرِ العَسْفَ وَالحَيْف، فَإِنَّ العَسْفَ يَعُودُ بالجَلاءِ، وَالحَيْفَ يَدْعُو إلى السيف) (2).
والعسف هو ما يؤخذ على غير الطريق القويم، وهو ضد الرفق بالشيء، وكل ما يأخذ إلى الجور والظلم، والحيف ما يكون عليه من الجور والظلم، ويقترن العسف بالجلاء عن الوطن، والحيف يقترن بالصراعات والحروب، وكلاهما يُهدد وحدة وتماسك المجتمع وتمزيق نسيجه..
ومن بين ما يمكن أن ندرجه، ومما نستخلصه من المتقدم ؛ بالآتي :
1 - الأهمية العدل وأهمية قيامه ووجوبها، كان هناك آيات قرآنية كريمة، عالجت موضوعه بنظرة جوهرية وعميقة ومستمرة ومستدامة تحقق للمجتمع استقراره وتنميته وتطويره، و بنظرة معالجة تمتد لقيام الحياة المتماسكة بتماسك المجتمع وتعاونه الإنساني..
2 - حتمية العدل لبناء الدولة ونظامها على أسس متينة وحماية المجتمع والأفراد من الجور..
2 - تحقق العدالة أرقى أشكال التحضر، لما له من مضامين إنسانية وأخلاقية تقف من الجميع على مسافة واحدة ومتساوية، ولا يحد العدالة ولا يقف حائلاً بينها وبين الإنسان، إلا الحكم المستبد والمتسلّط على رقاب الناس..
4 - بالعدالة تتحقق الاستقرار والطمأنينة داخل المجتمعات، وبها تتحقق قيام دولة قانون حقيقية تعمل من أجل حماية الحقوق، وسيتناول المبحث اللاحق مسألة الحق..
5 - فلسفة العدل لها وقعها البالغ في مستقبل ونظرة المجتمع - الإنسان، وبهذا تقوم أسمه على استراتيجيات متواصلة وغير متقادمة ومؤثرة دنيوية - أخروية، ويكفي إن العدل من دعائم الإيمان الأربعة
6 - لابد من الابتعاد عن عن اتهام العدل بذاته، فشعبه جديرة بقيام دينامية حضارية مستدامة ؛ (عَلَى غَائِصِ الفَهْمِ، وَغَيْرِ العِلْمِ، وَزُهْرَةِ الحُكْمِ، وَرَسَاخَةِ الحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ)، وما يحققه من استقرار، وبعمق أخلاقي..
7 - لتحقيق العدالة على أرض الواقع، يتطلب التعمق بالعلم وترسيخه، ووضع كل ما يقوم بالحماية من الجهل والجهلاء والحماية مما يشوب العدالة أي شائبة من شأنها أن تؤثر على اتخاذ ما تتوجبه العدالة، كسبيل للاستقرار الاجتماعي وتماسكه على الخير والمحبة والطمأنينة على الحقوق..
8 - بالعدل توضع الأمور في مواضعها، لكون العدل سائس عام، لما يتوجه بالحياة على أساس بنائي دنيوي - أخروي، ولما فيه من نظام وقوام الدولة والمجتمعات به..
9 - بالعدل لا يكون المحسن والمسيء بمنزلة واحدة وفي مساواة، بل لكل منهم المكانة التي يستحقها من خلال أفعاله وأنشطته، وما له من حقوق وما عليه من واجبات، فالعدل يسع برحابه لأهل الحق، ويضيق به كل جائر مهما امتد الزمان واتسعت الدنيا، لذا يكون وطأته على الظالم شديدة..
10 - يتطلب لاستدامة نعمة العدالة، أن تكون هناك ثقافة لاستيعاب مكارم وأخلاقيات العدالة، ويتحقق حينما يكون التعاون السوي والتنسيق المتفاهم عليه بين الدولة والسلطات والمجتمع بأفراده، لتتحقق الانسيابية المتكافئة مع العدالة في بناء مجتمع حضاري قائم على القانون والحقوق المتبادلة والمترتبة على مختلف الأنشطة الحياتية..
11 - أخطر المسؤوليات التي يتحملها الإنسان، حينما يكون بموقع المسؤولية في الدولة ولاسيما في موضوع صنع واتخاذ القرارات، وما يترتب عليه من مسؤولية على البلاد والعباد، ومنه على مسيرة ومستقبل المجتمع، أو مؤسسات الدولة، وفاعلية المجتمع المتعاون بكل اتجاهاته، وتماسك المجتمع الحقيقي لا يتحقق إلا بالعدالة ؛ فـ (العَدْلُ يَضَعُ الأُمُورَ مَوَاضِعَهَا)، (وَالعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌ)..
وبخلاف العدالة، قيام حكومة الجور الدنيوية والمتسترة بالشكلية الدينية، وعندها تبرز التهديدات العميقة والخطرة للأمن الاجتماعي وتهديد المجتمع ومستقبله.. ويقول (عليه السلام) :
(وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ إِمَامُ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةٌ مَأخوذةً، وَأَحْيَا بِدْعَةٌ مَتْرُوكَةً، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - يَقُولُ : " يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِالإِمَامِ الجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصيرٌ وَلا عَاذِرٌ، فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا ") (1).
وهنا يجب أن يكون من بيده زمام أمور المجتمع، أن يتمتع مؤهلات العدالة، ويكون لكل فرد في المجتمع مسؤولية يتمسك بها على أساس الفهم وثقافة أخلاقية تحمل المسؤولية الطوعية، ويسهم بنجاح
1) المرجع نفسه / ص 235.
بناء وتطبيق منظومة عدالة القرارات وتنفيذها، و (رحم الله رَجُلاً رَأى حَقًّا فَأَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ، وَكَانَ عَوْناً بِالحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ) (1).
والرحمة الإلهية تتعدد باتجاهاتها الدنيوية والأخروية، ومما يتمثل في الدنيا، منه ما يتعلق بالاحتواء والاستيعاب والفهم والاستعدادات، وامتداداته آليات الدعم المادي وغير المادي والنفسي ؛ (رَأَى حَقًّا فَأَعَانَ عَلَيْهِ)، ويعني وضع الأمور في نصابها الوظيفي والقيمي والهيكلي والإنساني والبشري، محققاً بذلك الدعم، تعزيز ؛ (قوة العدالة)، ومنها العدالة الاجتماعية، ويُقابله ؛ (استثمار فرص العدالة) أين ما كان في البيئة الخارجية، وتعزيز التواصل البيئي الداخلي مع البيئة الخارجية..
والحد من الضعف وعلاجه يتحقق عند ؛ (رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ)، ومنه على الأقل تقليص فجوات الضعف ووضع الحماية دون اختراقها، ويعني انتظام وتنظيم الخريطة التنظيمية للعدالة، وتحديد البدائل ووضع البديل الأقوى والأفضل والمناسب الداعم لقوة الحق والعدالة، ومنه العدالة الاجتماعية، بمادياتها ولا مادياتها وجوانبها الوظيفية والهيكلية والإنسانية والبشرية، ويُقابلها الحماية من التهديدات والمخاطر من خلال المكونات والتنظيمات وتعزيز القوة في البناء والعمليات والتماسك الاجتماعي وما تعلق بذلك، ويعني منه دعم العقد الاجتماعي وبناء الدولة وعدالة سلطاتها، وما يترتب على كل ذلك من الثواب والعقاب الأخروي، وهي أرفع مراحل وتواصل حلقات استراتيجيات البناء الاجتماعي..
(وَلَا تَلبسُوا الحَق بِالْبَاطِلِ وتَكمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (42) سورة البقرة
بعد أن اتضح ما العدالة وما لها وما يترتب على أسس قيامها، ومنها ما يتبين من الأهمية البالغة لاستقرار وطمأنينة المجتمعات، واستكمالاً له وللأوجه الذي يحملها، وما تم بيانه في الدراسات السابقة بحسب المضامين الخاصة بمواضيعها..
1) المرجع نفسه / ص 322.
نطالع موضوع آخر في هذه الدراسة، ألا وه-و الح-ق Right والتساقه بالاستقرار النفسي والاجتماعي وامتداداته المتعددة، فهو يتحقق من خلال الثوابت والمواقف والأشخاص والظروف وما تدعمه التشريعات والشرائع الإلهية، وما تدعمه القوانين والأعراف والتقاليد الاجتماعية والأخلاقيات، حتى أخذ ترسيخه في اتفاقيات دولية ثنائية ومتعددة، وامتد ليشمل العالم ومنظمات دولية، كما هو عليه هيئة الأمم المتحدة وحقيقة وجودها وقوانينها، والقوانين الدولية لحماية حقوق الإنسان.. (1)
وعدم الالتباس، جانب ضروري لإحقاق الحق دون أن يطراً عليه شائبة تشوبه او تشوب جوهره الإنساني والأخلاقي، إيماناً بما يحمله من مبادئ وأسس نبيلة تنهض بالمجتمعات حتى وإن كلف ذلك أقسى المتطلبات والتضحيات لمستقبل ناهض يماسك بين جزيئيات وأنظمة الحياة الاجتماعية المختلفة، وبناء مجتمع أخلاقي وإنساني حضاري خلاق... (2)
د. محمد عاطف غيث / المرجع نفسه / ص 388.
والإسلام أدق وأفضل مَنْ مثل وجسد وكشف بالدقة ما للإنسان من حقوق وواجبات، وبأدق صورها الأخلاقية والإنسانية والحضارية، وما يجعل في مناهجها، إذابة الفوارق الاجتماعية الطبقية، إن كانت هناك فوارق طبقية، وتذوب كل الصفات والاعتبارات مهما كانت اعتباراتها وقوتها، أي يتساوى أمام الحقوق كل الأفراد داخل المجتمع، وأيضاً في الواجبات وتأديتها..
ويكفي الإشارة إلى أن الحق إسم من أسماء الله الحسنى، ومن جهة أخرى، ميزة الحق كبيئة وممارسة وسلوك اجتماعي يحقق أمور منظورة وغير منظورة، وبالحق وتوازنه تأخذ الأمور مواضعها الحقيقة، وتأخذ مأخذها، وتُنقذ أرواح ضعيفة وبريئة، وتعمل على انسيابية ما للإنسان وما عليه بصورة يهتدي سالكها بها.
ومما قد ورد في القرآن الكريم، وما يخص الحق وأجواءه، يمكن النظر إليه من خلال مضامين :
(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) (119) سورة البقرة.
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (147) سورة البقرة.
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (213) سورة البقرة.
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (71) سورة آل عمران.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ويوم يقول كُنْ فَيَكُونُ قَولُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (73) سورة الانعام.
(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) (9) سورة الأعراف.
(فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (118) سورة الأعراف.
(فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (32) سورة يونس.
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بوَكِيلٍ) (108) سورة يونس.
(وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (81) سورة الإسراء،.
(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) (71) سورة المؤمنون.
(وَبَاعُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِمَاعَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) من الآية 61 / سورة البقرة.
ونهج البلاغة، كما هو المعروف بما يتضمنه من أقوال أمير المؤمنين (عليه السلام)، يستمد وينحى بتوجيهات ومضامين القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة في علاج هذا الموضوع الحيوي للمجتمعا..
ويبدأ الحق من النّعم وتعددها، وما يتوجب عليها من حقوق الأداء الشرعي، وأول حق وفي مقدمتها حق الله في نِعَمِه على الناس، والتي هي بذاتها تتوزّع بمختلف أشكالها ؛ المادية وغير المادية والجسدية والعقلية على مختلف فئات الناس لإعانتهم على حاجاتهم الدنيوية المتنوعة، وتكاملها الإشباعي - الاجتماعي... ومما يقول (عليه السلام) :
(إِنَّ اللَّهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقًّا، فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهِ خَاطَرَ بزَوالِ نِعْمَتِهِ) (1)
والموازين توجّه وتقوم بدقة الأداء، لتترسخ بالمنظور منها وغير المنظور، ومنه ما يتمثل مردوده بالجوانب الاجتماعية - الاقتصادية، فالمجتمع بعموميته مهما كان، تعتريه الطمأنينة من شخص يؤدي الحقوق، فيتجه صوبه في المعاملات والعلاقات والشراء والبيع، وبدورها مع ما يولّده بحسب ما يؤدي من حقوق الله المالية للمعوزين والفقراء والمحتاجين، ومنه بدورهم يُنفقوا ما حصلوا عليه على حاجاتهم
1) نهج البلاغة / ص 511.
وإشباعها، وهو يحقق حركة اقتصادية - تجاريه كة اقتصادية - تجاريه، وحركة الدورة الاقتصادية، ومنها ؛ البيع والشراء والاستثمارات، ويتولّد بذات الوقت ؛ التواد والتراحم والتماسك والتعاون الاجتماعي.. وهكذا.
وأخطر ما يواجهه الإنسان هو أن يفقد الثقة بجهة وآلية إحقاق الحق، وما سيؤول به الأمر إلى أخذ الجانب السلبي الذي يجعل المجتمع متفكك وفي صراع دائم وفوضى وارتكاب جرائم مختلفة..
لذا فإن الحقوق لابد أن يقابلها الواجبات والالتزامات وتحمل أعباء المسؤوليات، وما يتطلب من العلاقات الاجتماعية والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع الواحد ومختلف اتجاهاته، ولاسيما الاجتماعية منها، وما يسهم في الاستقرار والتماسك الاجتماعي..
ومن وجهة أخرى تبدأ من الحالات الفردية للحقوق التي تتجسد في قوله (عليه السلام) :
(الحَجَرُ الغَصِيبُ في الدَّارِ رَهْنٌ عَلى خَرَابِهَا) (1)
لاعتبار مكانة وقوة الحق الذي لا تجعل للمغتصب استقراراً ذاتياً، لكون الحق نذير على مغتصبه، فالحجر يقوم مقام حق الآخرين، سواء كانوا بصفة الفرد أو الجماعة أو المجتمع أو حتى على مستوى حقوق الدولة، فاغتصاب حق الآخر، ووجوده في البيئة الداخلية (الدار)، رهن على خرابها، الخراب المعنوي أو المادي، وما يترتب من الامتداده الأخروي..
و (إِنَّ الحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيءٌ، وَإِنَّ البَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيءٌ) (2)، والحق رغم ثقله إلا أن مؤدى عاقبته تتمثل في الخير على صاحبه، وما الباطل رغم خفته إلا إنّ عاقبته وخيمة، ونذيره الشر على صاحبه، حتى وإن طال الزمان به، ومترتباته عدم الاستقرار والراحة النفسية، فحتمية فناء الدنيا تجعل الباطل له حدوده، وبعد حدوده المرارة بالنتائج، ومنها عدم التعاون واحترام المجتمع لغاصب الحق..
وبالمضمون الاجتماعي للحق وإحقاقه، وخذل الباطل وهزيمته، يتحقق إبعاد كل ما يُهدد تماسك المجتمع بنشر الحق ونُصرته، و (رَحِمَ اللهُ رَجُلاً رَأَى حَقًّا فَأَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ، وَكَانَ عَوْنَا بِالحَقِّ عَلى صَاحِبِهِ) (3).
ولابد من معرفة الحتمية التي لا مناص منها، ألا وهي أن الحق المغتصب مهما يطول الزمان على اغتصابه، فلابد أن يعود لأصحابه، فالحد بين الحق والباطل، الصبر والعمل بما تمليه استقامة السلوك
الجمعي والمجتمعي، فهو السبيل لأقل الضحايا وأنضج الفرص، وربما يكون المنهج لثقافة الحقوق..
وبهذا ؛ (لا يُعَابُ المَرْءُ بتَأْخِير حَقِّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَه) (4)، وهو ما يُحدده ويؤكده ويراه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) على أرض الواقع، بمكانه وزمانه وموقفه وشخوصه..
وتحقيق هذه الحتمية، مبنية على مبدأ ؛ (فَلا تَنْفِرُوا مِنَ الحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الأَجْرَبِ، وَالبَارِي مِنْ ذِي السَّقَمِ) (1)، وهو ما يتوجب أن يكون اتجاهه مجتمعي، ودعم الحق مستمر، وربما يشمل ذلك الفرد والجماعة والمجتمع والدولة..
وما نرى تهديد استقامة الحقوق ودعمها دون خذلانها في عالمنا اليوم، أسسه مهزوزة، فالضعيف يؤخذ والقوي يتهاون في الحق معه، وبهذا هُدرت الحقوق حتى على مستوى شعوب وأمم، وعلى الرغم من ذلك، يبقى الحق شاخصاً، والباطل مهزوز الأعماق..
وللحد من العلاقات والتعاون مع الباطل وأصحابه، والاتجاه نحو قويم السلوك لإحقاق الحقوق، يقول (عليه السلام) :
(مَنْ قَضَى حَقَّ مَنْ لا يَقْضِي حَقَّهُ فَقَدْ عَبْدَهُ) (2)
فقضاء الحق وإحقاقه، دين برقبة الأحرار وكل مُناهض للظلم ومُناهض لاغتصاب الحقوق، لكونه يحمل ابتداءً بالنعمة على الآخر وتعضيده بقضاء حق لا يُقضى، فهو إن كان بالتخفيف ؛ (عبدَهُ) فهو من باب المدح، وإن كان بالتشديد فهو من باب الذم، وبهذا التخفيف يكون من باب المكافئة وأداء ما لا يمكن أدائه..
ومن أجل التخفيف والمواساة والثبات على الصبر، رغم ما يجري في زمان جولة الباطل، واجتياز المعاناة والصعاب والتهديدات والمخاطر.. حيث يقول (عليه السلام) :
(وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ الله أَنَّكُمْ فِي زَمَانِ القَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَاللِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ، وَاللازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ، أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلى العِصيان، مُصْطَلِحُونَ عَلى الإِذْهَانِ، فَتَاهُمْ عَارِمٌ، وَشَائِبُهُمْ آثِم، وَعَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ، وَقَارِنُهُمْ مُمَاذِقٌ، لا يُعَظّمُ صَغِيرُهُمْ كَبيرَهُمْ، وَلا يَقُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ) (3).
وهنا تظهر البيئة الاجتماعية العاصفة بالباطل، وما يُعاني المجتمع من أمراض فكرية - سلوكية، تجمعها النفس المريضة وغير السوية، وما تقوم من ظواهر تؤدي إلى ضعف البنية الاجتماعية التي يتهدد فيها استقرار المجتمع وتماسكه على الحق، والدليل :
(القَائِلُ فِيهِ بِالحَقِّ قَلِيلٌ) ؛ وما يترتب عليه من أمراض اجتماعية وضعف العلاقات الاجتماعية، وخطورة ذلك على مستقبل المجتمع والدولة..
(اللِّسَانُ عَن الصَّدْق كَلِيلٌ)؛ وما يترتب عليه من ضعف وتشويش الاتصالات، وضعف مقومات الرسالة الإنسانية - الأخلاقية الصادقة..
وما يترتب من سمات المجتمع والسلوك الاجتماعي ومخاطر تفكك المجتمع وضياع حقوق الله تعالى التي تصب في مجرى الحقوق الإنسانية، ومواقع الأدوار الاجتماعية، وخطورته حينما تكون طريقة تبادل الأدوار والحقوق على أساس انتكاس حضاري، والنتيجة :
أهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلى العِصيان ؛ وهو يمثل الملازمة والتمرّد على الحقوق والواجبات الصميمية، والمؤدي إلى طابع العصيان الجمعي، وخطورته تكمن في ضياع الحقوق، وإرباك مراكز السيطرة الرسمية وغير الرسمية للدولة والمجتمع، ومما يعني اتفاق وتعاون جمعي على الانحراف الاجتماعي والسلوكي، وهو السير نحو انتكاس في اتجاه المجتمع..
مُصْطَلِحُونَ عَلى الإِذْهَانِ ؛ ومما يعني، عدم تطابق القول بالفعل الجمعي - الاجتماعي، فيكون النفاق والدجل والخداع على السلوك الجمعي ومترتباته على الحق.. ومنه :
• فَتَاهُمْ عَارِمٌ ؛ ومنبعه الشراسة مع الجهل والانحلال والانحراف وضباع الأخلاق، وهو مؤشر على عدم التوازن بموازين الحق والعدل..
• شَائِبُهُمْ آثِمٌ ؛ ومنبعه العامل المشترك المتعاظم، ألا وهو الجهل والغفلة والاندماج الاجتماعي مع الباطل وما هو منحرف، والضعف الثقافي الغير متوازن مع امتداد العمر، وما يُمليه الإثم من جراء انحراف البنى التحتية للمعلومات، والخلل بذات المعلومات المؤثرة على الفكر ومدى رسوخه، وما يتمثل من الذوبان الاجتماعي واللا أبالية، ومنه الخطورة الكارثية المتعاظمة، حينما يكون الشخص بهذه المواصفات في مركز قيادي أو في موقع مؤثر في صنع واتخاذ القرارات، أو حينما يكون محط أنظار الآخرين، كونه يمثل القدوة الاجتماعية، ومنه الخطورة حينما تأخذه العزّة في الإثم، وصعوبة تقويمه أو تغييره، لتصب في تهديد الناس..
• عَالِمُهُمْ مُنَافِقُ ؛ ومنبعه منحرف فكري - معرفي، ومصادر مكونات الثقافة - الحضارة وما يؤمن بفلسفة الحياة المنحرفة، أو ما يتعلق بالخوف من القوة، وجذب محسنات الحياة الاجتماعية بمنظور دنيوي، وعندما يكون عالمهم عالم شهوات ورغبات، والعوبة بيد المغريات الدنيوية دون الاتعاظ، وعندما يكون من مجريات السلاطين، وعندما تضيع لديه الحقوق والأخلاق، وقبل كل ما تم ذكره وغيره، هو فقدانه مخافة الله تعالى..
قارنُهُمْ مُمَاذِق ؛ يقرن الظواهر والشكليات وما يُرائي الناس بالحق واتباع الحق، دون العمل به أو اتباعه، كما هو مَنْ يقرأ القرآن الحق، ويعمل بالخفاء أو المكشوف بالباطل والمنكر..
لا يُعَظْمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ ؛ وحتميتها تنبع من فقدان ثقافة الحقوق ضمن هذا المناخ الاجتماعي والبيئة الاجتماعية، وضباع المكانة الاجتماعية للمتقدّم في العمر، وضعف الثقافة الأخلاقية – الاجتماعية..
وَلا يَعُولُ غَنيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ ؛ لفقدان ثقافة الحقوق التي يتوجّه بها الإسلام، والثقافة الإنسانية التي أمر بها الخالق تعالى في أداء الأمانة ؛ الطوعية منها كما هو عليه الصدقات ومساعدة الفقراء والمحتاجين (بما فيه التكافل الاجتماعي)، وما أمر به الشرع من حقوق كالخمس والزكاة، أو حتى إحقاق الحق ووضع الحق في مواضعه..
ومنحى السلوك الجمعي المنحرف عن الحق وإحقاقه والضياع في ركاب الباطل من أجل الدنيا، الذي يُضيّع الحقوق الاجتماعية الإنسانية، والتحذير من ذلك ما يظهر في كتاب أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) لسهيل بن خنيف الأنصاري، وفيه :
(أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إلى مُعَاوِيَةً، فَلا تَأْسَفُ عَلَى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ، وَيَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ، فَكَفَى لَهُمْ غَيًّا، وَلَكَ مِنْهُمْ شَافِياً، فِرَارُهُمْ مِنَ الهُدَى وَالحَقِّ، وَإيضاعُهُمْ إلى العَمَى وَالجَهْلِ ؛ وَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْيِلُونَ عَلَيْهَا، وَمُهْطِعُونَ إِلَيْهَا، وَقَدْ عَرَفُوا العَدْلَ وَرَأَوْهُ، وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الحَقِّ أَسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إلى الأثرَةِ، فَبُعْداً لَهُمْ وَسُحقاً !!) (1).
و (يَتَسللونَ) ؛ وخطورته مع وجود الآفاق المفتوحة لحرية الرأي والتطلعات المستقبلية والسلوك بلا تعدي على حقوق الآخرين، إنها تمثل خطورة المصالح الشخصية، ومؤداه الخوف من ميولهم وتوجههم في ارتكاب إثم اجتماعي بحق الذات والآخرين، قبل الشعور بارتكاب الإثم السياسي..
والدليل عليه، (فَلا تَأْسَفْ عَلى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ، وَيَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ)، لكون العدد في الخلافات والصراعات يمثل الضعف والفجوات بين المكونات والنسيج الاجتماعي، بل يمثل إحباط للروح كفرد وكمجتمع في التكوين الحقوقي المجتمعي..
والنتيجة ؛ (فَكَفَى لَهُمْ غَيًّا، وَلَكَ مِنْهُمْ شَافِياً)، وهم أسباب مواقع الضعف في الدولة، وتكوينهم الفكري لا يتحرر من الباطل وحب الدنيا وزيف ملذاتها، وفشلهم في فهم الحلقة الموصلة بين التحرر من ماديات الباطل وبناء الروح المجتمعية للحق لدى الفرد - المجتمع
1) المرجع نفسه / ص 461.
و آثار النتيجة الميدانية : (فِرَارُهُمْ مِن الهُدَى وَالحَقِّ، وَإيضاعُهُمْ إلى العَمَى وَالجَهْلِ)، بمؤشرات الابتعاد الأخلاقي، وعدم التوازن الحقيقي والموضوعي في بناء الشخصية، وهو ما يوضحه النص المبارك ؛ (وَإِنَّمَا هم أمَّا دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا، وَمُهْطِعُونَ إلَيْهَا، وَقَدْ عَرَفُوا العَدْلَ وَرَأَوْهُ، وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الحَقِّ أَسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إلى الأَثَرَةِ، فَبُعْداً لَهُمْ وَسُحقاً !!)،
والحق حينما يكشف عن الثغرات والفجوات داخل المجتمع، تنكشف وجوه وشخوص الباطل، فيتجهوا إلى أقطابهم الحقيقية ومواقع الجذب الملائم لميولهم ورغباتهم، وعنده يأخذهم باتجاه ما يلائم اتجاهاتهم، والدليل (وَعَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الحَقِّ أُسْوَةٌ)، فلا تروق لهم هذه البيئة التي تصون الحقوق، وتُبعد تطلعاتهم غير الشرعية وغير المشروعة وغير الإنسانية في أجواء المساواة عند الحق..
والتوازن والاستقرار الاجتماعي يتحقق بصفاء أجواء الحق دون ضياع وجهه الحقيقي، والمسؤولية لحماية الحق العام والخاص، أين ما كان الموقع والشخوص والمهام، وللتوازن والنظر والعمل بسلامة الأجواء والمناخ.. وأيضاً يقول (عليه السلام) :
(وليَكُنْ أَحَبَّ الأُمُور إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخطَ العَامَّةِ يُجْحِفُ يرضى الخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخَطَ الخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى العَامَّةِ) (1).
ومما يتضح من القول المبارك :
1 - تتطلب المرونة في الوصول لمرحلة إحقاق الحق، وما يترتب عليه من أسباب ونتائج وانطباعات مؤثرة في الجو العام، والمؤدى المطلوب لإعمام العدل..
2 - التوازن للوصول إلى بيئة ملائمة لإحقاق الحق والعدل والعموميات المترتبة عليهما، والنظر إلى مراعاة سخط العامة لاحتواء المشاكل والأزمات وإدارتهما بشكل يحقق الحفاظ على وحدة التوجه العام، وما يتلائم للوصول إلى مرحلة رضى العامة في إحقاق الحق والعدالة..
3 - مخاطر سخط العامة على المجتمع بشكل قد يفقد الاستقرار، ويُهدد الأمن الاجتماعي، ومنه اتساع موقع المخاطر والتهديدات، فيضيع الحق، أما سخط الخاصة مُسيطر عليه حتى الوصول لإحقاق الحق ونشر العدالة، وهو بذات الوقت الحماية من اتساع الصراعات الاجتماعية المؤدي إلى إرباك الجو العام، وما يتطلبه من عمومية تعاون الرأي العام..
وبهذا الاتجاه والتوجيه والتوجه لانتظام التوازن، وما هو أوسع في التفصيل الذي يتضمنه النص المبارك المتقدّم، تتجه الدول باتباع مضامينه على الرغم من تعدد تطبيقاته، كما هو عليه ما يحصل للحقوق الدولية والحقوق المدنية..
1) المرجع نفسه / ص 429.
والحرية ثقافة، وبثقافة الحرية للفكر والنفسية والسلوك والعمل، واحترام هذه الحرية بالبناء الأخلاقي على مستوى فردي وجمعي، لكي لا يتعدى حد الفرد على ما يتداخل مع حرية الآخر وهنا جانب مُشرع من الحقوق..
ووضح (عليه السلام)، في خطبة له، ما يترتب من الحقوق المتبادلة بين القائد والرعية بحسب ما تمليه المسؤولية على وفق المنظور التشريع الإلهي، حيث يقول : (.. فَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حقا بولايةِ أمْرَكُمْ، وَلَكُمْ عَلَى مِنَ الحَقِّ مِثلَ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، فَالحَقُّ أَوْسَعُ الأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصف، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّناصُفِ، لا يَجْرِي لأَحَدٍ إِلا جَرَى عَلَيْهِ، وَلا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلا جَرَى لَهُ..
حتى يصل (عليه السلام) في قوله :
ثُمَّ جَعَلَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلا بِبَعْضٍ، وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ تِلْكَ الْحَقُوقِ حَقُّ الوَالِي عَلى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُ الرَّعِيَّةِ عَلى الوَالِي، فَرِيضَةً فَرَضَهَا اللَّهُ – سُبْحَانَهُ - لِكُلِّ عَلى كُلِّ، فَجَعَلَهَا نِظاماً لألفتِهِمْ، وَعِزًّا لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصلُحُ الرَّعِيَّة إلا بصلاح الولاة، وَلا تَصْلُحُ الوِلاةُ إِلا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ، فَإِذا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إلى الوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الوَالِي إِلَيْهَا حَقّهَا عَزَّ الحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ العَدْلِ، وَجَرَتْ عَلى أَذْلالِهَا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ ببَقَاءِ الدَّولَةِ، وَيَئسَتْ مَطَامِعُ الأَعْدَاءِ.
إلى أن يقول (عليه السلام) مما نقتبسه من الخطبة الجليلة :
وَلَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلى إِقَامَةِ الحَقِّ بَيْنَهُمْ. وَلَيْسَ امْرُؤٌ - وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الحَقِّ مَنْزِلَتَهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضيلَتُهُ - بِفَوْق أَنْ يُعَانَ عَلى مَا حَمَّلَهُ الله مِنْ حَقِّهِ) (1).
ومما يأخذ الحق هنا، مضامين عديدة منها ؛ سياسية واجتماعية واقتصادية وإدارية.. وما بخص دراستنا هي المضامين الاجتماعية وتنظيماتها، ومنه الآتي :
1 - الحق على مستوى القائد والرعية بحسب ما تمليه الشريعة الإلهية، وما تعمله من تنظيم اجتماعي Social Organization وبناء اجتماعي Social Structure وإصلاح اجتماعي Social Reform وحتى التوازن الاجتماعي Social Equilibrium..
2 - هناك حقوق متبادلة قد جعلها الخالق عز وجل في شريعته السمحاء، لسلامة البناء الحضاري الإنساني، ومنه ما يكون بين القائد والرعية، بحيث يتجه من خلال مسؤوليته باتجاهاتها..
1) المرجع نفسه / ص 332 - 333.
3 - للحق سعة في التواصف بحيث تستوعب كل أمور الحياة، ولا تتحمّل التلابس والتمايز بين الأفراد، لذا كانت أضيقها عند التناصف وما يتطلبه من المساواة، ولا يحق الحق إلا بالمبادئ التي تحمد تجميعهم سواسية لإحقاقه..
4 - الحق لا يجري لأحد من البشر دون أن يجري عليه، وجعله الخالق عز وجل على العباد بالطاعة، وجعل حقاً له بالجزاء ومضاعفة الثواب تفضلاً منه وسعة على مخلوقاته..
5 - الحقوق المتبادلة بين أفراد الرعية التي افترضها جل جلاله، لتكون الحياة منتظمة ومتوازنة ومتكافئة، وبهذا كان التوازن الاجتماعي من جملة الموازين المثبتة..
6 - من أجل أن يكون نظام، وانسيابية لهذا النظام وتفاعله كداعم لتماسك المجتمع وبناء الحياة الاجتماعية وبمختلف الظروف، تطلب أن يكون صلاح القائد من أجل إستقامة وإصلاح الرعية، ومقابله ما يتطلب من تعزيز استقامة الرعية، وتأدية ما مطلوب من واجب أداء الحق لكلا الجانبين، ويتم تعزيز الحق بينهم، ومن خلاله تتابع التوجه في استقامة مناهج الدين والعدل والسنن، وما يؤدي لصلاح ذلك الزمان، وما يؤول إلى قوة وهيمنة الدولة بشغل الفراغ الأمني، والحماية من مطامع الأعداء، والحيلولة دون ضعف الحق والتماسك المجتمعي، لذا يُخاطب الإمام علي (عليه السلام) الناس بالقول :
(أَيُّهَا النَّاسُ، لَوْ لَمْ تَتَخَاذِلُوا عَنْ نَصْرِ الحَقِّ، وَلَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ البَاطِلِ، لَمْ يَطْمَعْ فيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ، وَلَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ) (1).
ونصر الحق أحد شروط استقامة الأمور واستدامة قوة بناء المجتمع، وحماية استقراره وطمأنينته، والحيلولة دون أن يكون للباطل مكانة، مؤداه التفكك الاجتماعي Social Conflict وما يُحدث من خلال جولة الباطل هوان وهلاك الأمم وانحدار الحضارات وتفاقم الجرائم والانحدار الأخلاقي..
ويحث أمير المؤمنين (عليه السلام) على إسناد ودعم الحق واصحابه، وذلك في قوله :
(وَأَلْزِمِ الْحَقِّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ القَرِيبِ وَالبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ قَرَابتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ، فَإِنَّ مَغَبَّةٌ ذلِكَ مَحْمُودَةٌ) (2).
والمحور الأساسي في الإستراتيجية المتواصلة التكامل، تتدعّم ويقوم كيانها وعملياتها في البناء الأفقي والعمودي عند ؛ (وَأَلْزِمِ الْحَقِّ مَنْ لَزِمَهُ)، حتى الوصول بالصبر إلى المغبة أي العاقبة المحمودة..
ويتطلب أن يكون صاحب الحق هو سيد الموقف، وبهذا الخصوص يقول (عليه السلام) :
(الدِّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخذ الحَقَّ لَهُ، وَالقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الحَقُّ مِنْهُ) (3)
لأنّ المجتمع بلا هذا النظام الدقيق، تصيبه الفوضى، وينقلب رأساً على عقب، وتنقلب الموازين الإنسانية والأخلاقية داخله، لذا فإنّ (إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْ كانَ العَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ - وَإِنْ نَقَصَهُ وَكَرَثهُ - مِنَ البَاطِل وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ) (1).
وسبب ذلك ما يترتب من العواقب المستقبلية على مستوى الفرد والمجتمع، ومهما قصر أو طال الزمان، فإن حبل الباطل قصير على الرغم مما له من جولة، وهو ما تظهره الحقائق والحياة على مد التاريخ، فضلاً عن ما يلحق من عواقب سيئة، ومهما كانت حماية الباطل وأصحابه، فلا تتقادم الحقوق في الأعمال والحياة..
وعند استعراض التاريخ والآثار، واستقراء سر تراجع وهلاك الأمم والحضارات، يتضح سببه استفحال أمر مَنْ منعوا الحق، كما يُخبرنا (عليه السلام) بقوله :
(.. فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنْعُوا النَّاسَ الحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ، وَأَخَذُوهُمْ بِالبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ) (2)
وشتان ما بين حتمية الهلاك الموعود للباطل وأصحابه، ومَنْ لف لفهم، ومَنْ منع الحق لتنظيم مسيرة الحياة ومنظوماتها الإنسانية المتكاملة..
وحتمية ظهور وانتصار الحق على الباطل، ليكون الحق سيد الكون، و (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِل الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرَة الْمُجْرِمُونَ) (8) سورة الأنفال.
والأمر الآخر المواصل لما تقدّم، الجهاد الحق ؛ بشرطه وشروطه، واتجاهاته وسلوكياته ومعطياته و آثاره، المتطابقات مع الشريعة الإسلامية السمحاء..
والجهاد متنوع بأشكاله الذي يبدأ من القلب والفهم وطلب العلوم والمعارف بمكوناتها ومحتوياتها الإنسانية - الحضارية، ويمتد تجسيد الجهاد عن طريق اللسان والكلمة الحق والمؤدية بمجمل المنافع، ثم يُحرك اليد وهو آخر العلاج الكي، لإحقاق الحق..
وربما وصل الأمر لحماية الشعوب، بالاتجاه نحو خيار الحروب بمناحيه المختلفة، منها الحروب عن طريق وسائل الإعلام وبالكلمة وجانب منها ما يتمثل بالحروب الباردة والحروب النفسية، وربما دخل موضوع الصراعات المختلفة التي لا تصل لصفة الحروب الدموية، وما يعقبها من الحروب الطاحنة بقوّة السلاح، وسفك الدماء..
وبهذا سيكون مدار الفصل على الآتي :
المبحث الأول : الجهاد ومضامينه الاجتماعية.
المبحث الثاني: الحرب وتغير المجتمع.
(وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغنِي عَنِ الْعَالَمِينَ) (6) سورة العنكبوت
التغير والتغيير والتهديدات والمخاطر، مؤشرات تتداخل فيها الصراعات، واتجاه الثبات يضع صورة لمستوى الثقافة والمعرفة العقائدية للجهاد، لكون دقة وحساسية الجهاد، يفتح أبواب سلوك جمعي واجتماعي، وتوقيت ومكان ومواقف الحث على الجهاد، وما يتطلب أو يتوجب الأمر لحماية الدولة والمجتمع والاستراتيجيات والمستقبل الحضاري..
فالجهاد اتجاه سلوكي وفعل مقابل موقف أو حدث بموجه الشريعة الإسلامية، وهو منحى عمله مدروس ومخطط له ويشترك فيه الفرد والمجتمع والدولة، وتماسك هذا القرار يستمد من الإيمان بالدعوة للنهوض بهذا الأمر الدقيق ؛ بالقلب واللسان واليد، من أجل حماية قضايا أو مصالح المجتمع وما تتعرض له الأخلاقية والإنسانية والعقائدية، للحيلولة دون الانحراف الذي يسبب الخلل والتفكك الاجتماعي..
والجهاد على وجهين ؛ الجهاد في سبيل العقيدة، والتضحية بكل الممتكات المادية وغير المادية والبشرية، وما يطغى عليه الاستعدادات واستعمال القوة والمعدات، وهدفه الانتصار لنشر الحق والعدالة والمساواة، والحيلول دون تعرُّض الدولة والمجتمع والعقيدة والأخلاق والقيم والتماسك الاجتماعي للمخاطر الداخلية والخارجية..
وفلسفة الجهاد بشرطها وشروطها وما وما يترتب عليها من تضحيات، ومنها ما يتطلب من حماية البناء الإستراتيجي وامتداداته بكل حيثياته ومكوناته البيئية وما يحيط
ومما ورد في القرآن الكريم :
(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (41) سورة التوبة.
(الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (20) سورة التوبة.
(وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ) من الآية 78 سورة الحج.
والرسول الأكرم (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وصف جهاد النفس الجهاد الأكبر، وهدف الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر في الإسلام، هو حماية الإنسان والإنسانية ومسيرتها بقويم السبل، والحماية من الضغوط والتأثيرات الداخلية والخارجية، وآثار ذلك ؛ الآثار الدنيوية والآخروية، وما يحصل من الجزاء المادي وغير المادي..
وبهداية ما جاء بدستور الإسلام ومعجزة الرسول الكريم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، بين (عليه السلام) المكانة العظيمة للجهاد حينما يكون الاختيار الأوحد، (والله الله فِي الجِهَادِ بأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبيلِ اللهِ) (1).
وربما يكون الجهاد بالأموال والتضحية بها، كمقدمات للحرص على ما هو عزيز، (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمَّا) (20) سورة الفجر، ليلحقه التضحية بالنفس أو تضحية الشخص بذاته وما يمتلكه من القوى العقلية والعضلية، وما يعقبه مما يتضمنه التوجيه بالكلام، ومنه ما يكون بالإعلام، كما في فنون وعلوم ومهنية الاتجاه الإعلامي، ومكونات الاتصالات وشبكات ومواقع الانترنت وما شابهها في عالمنا المعاصر..
والجهاد يتمثل فيه منوع من الاستعدادات والاستنفارات وتجنيد كل الطاقات ومستوى القدرات التي يمتلكها الفرد المتطوع بها في سبيل الله تعالى، والمجتمع والدولة..
ومن أجل أن يكون للجهاد إقداماً، يتطلب أن يكون الوعي والاستيعاب والاستعداد عند مرحلة اتخاذ القرار وبما يناسب الموقف، وما يُجاهدوا من أجله، ووضوح حقيقة الهدف المنشود، لتكون التضحية بكل ما يناسب المبدأ العقائدي والإنساني القائم عليه، بما فيه وحدة صفوف المجتمع..
وبهذا يقول (عليه السلام) :
(فَأَقِيمُوا عَلى شَأنِكُمْ، وَالْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ، وَعَضُوا عَلَى الْجَهَادِ بنْوَاجذكُمْ، وَلَا تَلْتَفِتُوا إلى نَاعقٍ نَعَقَ : إِنْ أُحِيبَ أَضَلَّ، وَإِنْ تُركَ ذَلَّ) (2).
وعامل الوعي له ضرورته لتعزيز ماهية الجهاد للحياة، لا من أجل سفك الطاقات والقدرات، بل من أجل كرامة الإنسان وتواصل قويم الحياة، والدليل على أهمية ثقافة الوعي لترسيخ الإيمان، والكشف عن ما هو زائف وما هو أبقى، يقول (عليه السلام) :
(أَيْنَ القَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إلى الإسْلامِ فَقَبِلُوهُ، وَقَرَؤُوا القُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَهِيجُوا إلى الجهَادِ فَوَلَهُوا وَلَة اللقاح إلى أَوْلادِهَا، وَسَلَبُوا السَّيُوفَ أَغْمَادَهَا، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ زَحْفَاً زَحْفَاً، وَصَفا صفا) (3).
وتبدأ دينامية أو حركية الدعوة من تحديد الرؤيا والرسالة، والهدف ؛ (الإسلام)، ليكون القرار والاستعدادات المادية وغير المادية والنفسية والبشرية ؛ (فَقَيلُوه)، والدعم الداعم الجماعي أو الجمعي والمجتمعي كمنهج تربوي عقائدي ؛ (وَقَرَؤُوا)، و كمواد أو محتوى تشريعي وحياتي متكامل، بما فية ما يتعلق بالمضامين التربوية والاجتماعية والعقائدية موجّه يُمثله ؛ (القُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ)..
ليصلوا الى مرحلة النضج العقلاني العالي والواعي والمستوعب لهذه الثقافة المواكبة والمتواصل، والقرار المتكامل والحساس والحاسم لاحتواء المخاطر والتهديدات والتحديات، ألا وهو ؛ (وَهِيجوا إلى الجهَادِ فَوَلِهُوا وَلَةَ اللقاح إلى أَوْلادِهَا)..
وعندما اقتضت الحاجة لتلبية إحقاق الحق، كان مؤداه ؛ (وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا)، وربما كان السيف لا يقتصر على آلة الحرب، بل يمتد للعلوم والمعارف والحكم، ومنها ما يتعلق بالعلوم السياسية والعسكرية والقتالية، ومزاولة القتال في مختلف سوح القتال، وبما يمتد للساحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمعرفية..
ليصلوا إلى مرحلة شغل المكانة المطلوبة بساحة منوّع الحروب بدعائم الفضيلة والأخلاق، ومنه الحفاظ على البناء والنظم وسلامة وتماسك النسيج الاجتماعي، وحينها يأخذون مكانتهم الحقيقية الميدانية ؛ (وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الأَرْضِ زَحْفًا زَحْفَاً، وَصَفًا صَفًا)..
لتكون مصاديقه الواضحة ؛ (فَإنَّ الحِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللَّهِ الحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الوَثِيقَهُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةٌ عَنْهُ أَلْبَسَهُ الله ثَوْبَ الذّلُ، وَشَمِلَهُ البَلاءُ، وَدُيَّثَ بالصَّغَارِ وَالقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلى قَلْبِهِ بالإِسْهَابِ، وَأدِيلَ الحَقُّ مِنْهُ يَتَضييعِ الحِهَادِ، وَسِيمَ الخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ) (1).
ولكل باب من أبواب الجنة مفتاح، وباب الجهاد مفتاحه ما يمتلكه خاصة أولياء الله، وبديهي يبدأ ذلك من من معرا فة الله تعالى حق معرفته، والعمل بهدايته، وما يتحقق من احتواء آفاق العلوم والمعارف التي تكون منافع الدنيا ومفتاح الآخرة، وأعظمه لباس التقوى الذي لا يجعل مقدم الإنسان إلا للخير وعمل كل ما هو خير، ويُجسده بشتى أشكال الجهاد، لما يتطلبه قويم البناء الاجتماعي والحضاري.. والدليل على ذلك، (فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ) :
أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلّ ؛ بهيمنة الباطل واستغلال القدرات في تقوية سطوة الظلم ومنه إذلاله..
وَشَمِلَهُ البَلاءُ ؛ كما يحصل حرمانه من حق العيش بكرامة المواطنة، ومنعه مما يستحقه..
وديِّثَ بالصَّغَارِ وَالقَمَاءَةِ ؛ منه يتعلق بالإذال والهوان ومنع كل شرفية له فيما يحققه الجهاد..
1) المرجع نفسه / ص 69.
وَضُرِبَ عَلى قَلْيهِ بالإِسْهَاب ؛ وهو مما يمثل ضعف في مقومات قيام قويم العلم والمعرفة..
وَأُدِيلَ الحَقُّ مِنْهُ بتَضيعِ الجِهَادِ ؛ فيكون في سطوة الباطل ومآربه..
وَسِيمَ الخَسْفَ ؛ والخسف مما يعني ما يقع من الهوان والمشقة والإهانة والمذلة..
ومنع النَّصَفَ ؛ ومما يشمل، ما يحول بينه وبين العدل والإنصاف، والتعدي على حقوقه..
وما دقة فلسفة مفهوم ذلك الجهاد، والعمل به، إلا نابع من ثقافة الوعي - التقوى، ليكون مرد الجهاد، نفعه مرده على المجتمع، والحفاظ على شخصيته الحقيقية والمعنوية، المادية وغير المادية والنفسية الجمعية أو الجماعية – المجتمعية..
لذا فإن حب الدنيا غير السوي، يحجب عن المرء حقيقة وجوده، وما يترتب عليه وعلى الدنيا من حتمية الزوال، وبالعمى ينصاع لرغباته وترف الدنيا وملذاتها المنحرفة وترك قويم ما فيها من منافع..
ومن منطلق عميق الوعي وعظمته، والثبات على أصول المبدأ الجهادي، يقول (عليه السلام) :
(إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا، فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِيكِ، قَدْ انسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِيكِ، وَأَفَلَتُ مِنْ حِبَائِلكِ، وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِك، أَيْنَ القُرُونُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِيكِ! أَيْنَ الأُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بزَخَارِفِكِ ! فَهَا هُمْ رَهَائِنُ القُبُورِ، وَمَضَامِينُ اللُّحُودِ، وَاللهِ لَوْ كُنْتِ شَخصاً مَرْئياً، وَقَالَباً حِسَّيًّا، لأقَمْتُ عَلَيْكَ حُدُودَ اللَّهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالأَمَانِي، وَأُمَمِ الْقَيْتِهِمْ فِي المَهَاوِي، وَمُلُوكِ أَسْلَمتِهِمْ إلى التَّلَفِ، وَأَوْرَدَتِهِمْ مَوَارِدَ البَلاءِ، إذ لا وِرْدَ وَلا صَدَرَ ! هَيْهَاتَ ! مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ، وَمَنْ ازْوَرَّ عَنْ حَبائِلِكِ وُفِّقَ، وَالسَّالِمُ مِنْكِ لا يُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ، وَالدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ انسَلاخُهُ.
اعزبي عَنِّي! فَوَاللَّهِ لا أَذِلُّ لَكِ فَتَستَذِلّيني، وَلا أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي، وَأَيَّمُ اللَّهِ - يَمِيناً أَسْتَثنِي فِيهَا بمَشيئَةِ اللَّهِ - لأَرُوضَنَّ نَفْسِي ريَاضَةٌ تَهِشُ مَعَهَا إلى القُرْصِ إِذا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً، وَتَقْنَعُ بالملح مادوماً ؛ وَلأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ، نَضَبَ مَعِينُهَا، مُسْتَفْرِغَة دُمُوعَهَا) (1).
وهكذا تكاملية الجهاد الذي يبدأ من جهاد النفس على أسسها المناسبة وما يقوم عليها من البناء الإنساني ونبل تحسس محورها، ونظامية حركتيها في منظومة مشتركة متماسكة، ترفد منظومتها الاجتماعية الفرعية..
من هذا المنطق والمنطلق لتفهم طبيعة الحياة والفطرة القائمة عليها، واستيعاب حقيقة الدنيا التي تنقي بها الدواخل الإنسانية من كل شائبة، منطلقاً من تنقية الأجواء الفكرية ومصادرها من التلوث المادي وغير المادي والنفسي والبيئي، والسير بهداها..
1) المرجع نفسه / ص 419.
لذا فإنّ وجوب الجهاد ينبع من الحاجة والضرورة، وتهديدات الموقف وطبيعته وما يُبنى على أساس ذلك، ليأخذ منحاه الاجتماعي - التربوي والأخلاقي والإنساني، وحماية المجتمع من كل هجمة، تهدف لتغيير قويم المسار..
وتنبع أهمية وحتمية الجهاد من كونه أحد الدعائم الأربعة للإيمان ؛ (الصَّبْرِ، وَاليَقِين، وَالعَدْل، وَالجِهَاد)، (وَالجِهَادُ مِنْهَا عَلى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي المَوَاطِنِ، وَشَنْآنِ الفَاسِقِينَ : فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ ألوف الكَافِرِينَ ؛ وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ ؛ وَمَنْ شَنِئَ الفَاسِقِينَ وَغَضِبَ اللَّهِ، غَضِبَ اللهُ لَهُ وَأَرْضَاهُ يَومَ القِيَامَةِ) (1).
والسبب والنتيجة قائمة على أساس النظرة الشاملة لحماية مختلف المنظومات الحياتية من خلال الجهاد وشعبه ومكوناته المترابطة والمعتمدة بسلامة بعضها على سلامة البعض الآخر، ومدى انسيابية هذه المكونات وفاعليتها بشكل منتج ومحقق للعدالة وإحقاق الحقوق..
ويمكن وضع مخطط على وفق ما تقدّم من النص المبارك وكالآتي :
مخطط (30) يبين فلسفة الجهاد وشعبه ونتائجه
1) المرجع نفسه / ص 473.
و استكمالاً لما تقدّم، يظهر موضوع تكاملي آخر، له عمقه وخطورته وأهميته البالغة، لما له من تأثيرات مادية وغير مادية ونفسية وبشرية، وما يعمل على استنزافها، ألا وهو الحرب..
والحرب War هذا المحرك الخطر، القائم على القرارات الإستراتيجية غير العادية، وليس اتخاذ مثل هكذا قرارات، كباقي القرارات مهما كانت ثقيلة وعميقة وصعبة، لما يُحدد الحرب من مصير شامل بخطورته الآنية والمستقبلية، وخصوصا ما يتعلق بالتضحيات المختلفة والمتنوعة، وما يؤول إليه من علاقات ومستقبل البشرية والإنسانية واستنزاف الطاقات، ومنها الطاقات المادية وغير المادية، وما سيؤول إليه مستقبل الدولة والآثار المجتمعية عبر الأجيال..
وبطبيعة الحال، فقد عُرفت الحروب منذ الخليقة الأولى، وشرارة ما يتمثل الصراع الفكري، ومسألة القناعة والرغبات وتوالد الحاجات وطريقة إشباعها..
وما قصة هابيل وقابيل، إلا صورة مصغرة لحرب عالمية غير متكافئة بالبناء الروحي والفكري ومستوى الوعي والعدوانية والصراع وحب الأنا غير السوي، والأهداف ورغبات التضحية، والسلم والحرب، وكأنها كانت بين دولتين فكريتين متناقضتين وقائمتين على فكرة الخير والشر، وبحركية الحسد في عالم الشر، وما يقوم على كل ذلك وغيره، الفلسفة والإستراتيجيات وآلية ومادية النظرة الآنية والمستقبلية، بما فيها النظرة للدنيا والآخرة، وحتمية الموت على أسس الحق والباطل وما شاكله، وما يقوم في الفكر من فهم فلسفي لمسألة العدالة والإشباع والمساواة..
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا ببَاسِطِ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأَوَارِيَ سَوْأَةَ أخي فأصبحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) سورة المائدة.
وبامتداد الحياة، أخذت الحروب مسميات وفلسفات وطروحات وأطر ومصالح ومناحي متنوعة، وبشكل عام أخذت الحروب صورة الحروب الباردو والحروب الساخنة، والباردة هي قوة التهديد
بالمشادات الكلامية - الإعلامية، وربما تنجم علي الحروب الساخنة، والساخنة كل ما تتمثل فيها من استخدام القوة المنظورة وغير المنظورة، ومنها ؛ قوة العُدة والعدد وإراقة الدماء باستخدام مختلف الأسلحة والعتاد، بحسب ما تمتلكه الدول، واتساع منطقة الحروب، والتطور الحاصل في آلية وآلة الحرب، وتفكير استخدامها، وتوقعات عواقبها، وما تؤول بالقائمين عليها من شدة البأس أو جلادة المغزى من الحرب، ولذا كانت هناك الإبادة الجماعية وجرائم الحروب والجرائم بحق الإنسانية.. (1)
ارثر- مارويك / الحرب والتحول الاجتماعي في القرن العشرين / ترجمة : سمير عبد الرحيم الجلبي / دار الحرية للطباعة / بغداد - العراق / 1990.
براین بوند / الحرب والمجتمع في أوربا (1870 - 1970) / ترجمة : سمير عبد الرحيم الجلبي / دار الحرية للطباعة / بغداد - العراق / 1988.
وشدتها عندما يشترك فيها القتل الحقيقي للبشرية، والقتل المعنوي لهم عن طريق الحروب النفسية، وما يتخللها من فاعلية تنفيذ الخطط التكتيكية والإستراتيجية - الإعلامية، بما فيه القائم على الإعلام والمؤسسات المحركة بخيراتها وسبل تسيير الإعلام على أسس وما يتحدد من مستويات غير إنسانية، حينها تفقد النقل المهني للحدث، والتلاعب بالحقيقة على أهواء مكاسبها حتى ولو كان على حساب الإنسان والإنسانية وتدمير الشعوب والحضارات والدول..
وتحيط بالحروب ؛ الظروف والمسببات والأهداف المختلفة والعديدة، وإجمالها متمثلة بالجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعقائدية والحضارية والإيديولوجية.. وما شاكلها، وما شاكلها، وتأخذ الحروب مرة بين صراع فكري سلبي وفكر إيجابي، أو صراع بين الحضارات، أو بين أفكار متناقضة، أو ما يُطلق عليها بالصراعات الإيديولوجية..
والحروب بشكل عام، تأخذ أو تتجه باتجاهين من التغيير والتغير الاجتماعي، بعد ما تحدثه من دمار مادي وغير مادي ونفسي وبشري، لكلا الطرفين المنهزم والمنتصر، وقد يتعدى تأثيره ودفع ثمنه على مدى طويل ولأجيال متعددة وفي المقدمة المادية والنفسية..
فالاتجاه الأول من التغير الاجتماعي سلبي، والاتجاه الثاني من التغير الاجتماعي إيجابي، فأيهما يتم تنميته أو استغلاله على حساب الآخر، تكون مؤثراته ونتائجه وانعكاساته على المجتمع ومستقبله وبناء حضارته، وربما يتعدى ذلك المستوى وتأثيره على مستوى التقدم الدولي لتلك الدولة، وهو ما نراه على مستوى عالمنا المعاصر
1) راجع حول هذا الموضوع على سبيل المثال :
فالإصلاح يتم بإعادة النظر لما بعد الحرب ومحطة من وضع كل شيء بموقعه والانطلاق منه بحسب الخطط التنموية الشاملة، بما فيها الجانب الاجتماعي الذي له الدور الكبير بين الجوانب السياسية والاقتصادية.. فيُحوِّل الأعباء والاختناقات إلى الرفاهية الاجتماعية Social Welfare بحسب مبدأ إنساني - أخلاقي مبني على المنطق الروحاني العقائدي - الديني الذي يُعالج الفجوات بين مكونات المجتمع واتجاهاته المختلفة، للوصول إلى حالة التوازن الاجتماعي Social Equilibrium، والاستقرار، بما فيه الاستقرار الاجتماعي..
وللاستعداد Aptitude أهمية كبيرة، قبل وأثناء وبعد الحروب، للسيطرة والحيلولة دون وقوع مضاعفات لما يحدث من تراجع وتدمير وتهديد..
وإذا ما أخذت الحروب الاتجاه والمنطلق الإصلاحي، فإنها تعمل على تقدم المجتمع بكل منافذه وأنشطته، وعنده يكون اتجاه التطور على كل المستويات ؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. والحيلولة دون المخاطر المحيقة بالمجتمع، وما يُهدد مستقبل حضارته..
وعالج نهج البلاغة من بين المواضيع المختلفة وبعمق روحية الإسلام، الحروب ومتطلباتها وما تحدثه من تغير وتغيير في اتجاهات وميول واستعدادات المجتمع..
و مما أكده (عليه السلام) للحيلولة دون الوقوع في دائرة الحرب، والتشجيع على تعزيز روح السلم ومساندته إلى آخر لحظة، وبما يحول دون وقوع الحرب، لمعرفته (عليه السلام) بآثاره ومخاطره، وإن كان ولابد منه فالجهاد يأخذ مضامين حماية المجتمع، وكما سبق الإحاطة بموضوعه..
بهذا الخصوص ومن منطلق تعزيز الميول للسلم، وإعطاءه الأسبقية والأولوية له، ويتجلى بشكله الواضح في توجيهاته لعسكره قبل لقاء العدو بصفين، حيث يقول (عليه السلام) :
(لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ، فَإِلَكُمْ بِحَمْدِ اللهِ عَلى حُجَّةٍ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبدَؤُوكُمْ حُجَّةً أخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَتْ الهزيمة بإذن اللهِ فَلا تَقْتُلُوا مدبراً، وَلا تُصِيبُوا مُعْوراً، وَلا تُجْهزُوا عَلى جَرِيحٍ، وَلا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَدّى، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَيْنَ أَمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ القُوَى وَالأَنْفُسِ وَالعُقُول ؛ إن كُنَّا لَنُؤمَرُ بالكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ مُشْرِكات ؛ وَإِن كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ المرأَةَ فِي الجَاهِلِيَّةِ بالفَهْرِ أَوِ الهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ) (1).
وهنا تظهر مسألة مهمة، ألا وهي ثقافة عقلانية الحرب، كحدث إنساني - اجتماعي، ومؤشر نجاحه الانتظام في منظومة عدم اليأس حتى عند اللحظات الأخير، للحفاظ على توازن العلاقات الإنسانية وأخلاقيات الحروب ؛ (لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَدَؤُوكُمْ)، للاتجاه نحو السلم، والبقاء على
1) نهج البلاغة / ص 373.
تماسك المجتمع وعدم إراقة الدماء، مما يولد حماية المجتمع من روحية العنف والقتل والقتال، بالتوازي مع الاستعداد الدفاعي عن الحقوق ؛ كحق وحدة البلاد والعباد على أسس إنسانية..
والأمر التوجيهي ؛ الوقائي للمخاطر والمعالج للمواقف ؛ (لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ)، وهو يمثل قوة روح الدين الإسلامي السلمية، وما تكون عليه الفلسفة البالغة ؛ (فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللهِ عَلى حُجَّةٍ، وتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُوكُمْ حُجَّةً أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ)، وهو مما يتضمن ويُظهر ما للدبلوماسية من أهمية حتى في الحرب، لكون الهدف ليس القتل والاقتتال، وإنما الهدف إنسانية المبدأ وتفاعله التقويمي في الإسلام، فكم من خصومة أو صراع على أرض الواقع، يتم معالجتها ودفع مخاطرها بالأخلاقية ويتحول موقفها إلى المودة والتعاون والتماسك، ويتعاظم مثل هذا الحضور حتى على مستوى دولي..
ولا تقف النظرة الإنسانية عند هذا الحد، بل تتعداه حتى حين وقوع الحرب وبعدها، ووضوح الدليل عند ؛ (فَإِذَا كَانَتْ الهَزِيمَةُ بإذن الله :
فَلا تَقْتُلُوا مُدبراً..
وَلا تُصِيبُوا مُعوراً..
وَلَا تُجْهزُوا عَلى جَرِيحٍ..
والعظيم في خصوصية أخلاقية الحرب في حماية المرأة ؛ (وَلا تَهيجوا النِّسَاءَ بِأَذّى، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَبْنَ أَمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ القُوَى وَالأنفُس وَالعُقُول ؛ إنْ كُنَّا لَتُؤمَرُ بالكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ مُشْرِكَاتٌ ؛ وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالفَهْرِ أَوِ الهِرَاوَةِ فيعيرُ بهَا وَعَقِبَهُ مِن بَعْدِهِ)..
هكذا هو الإسلام في سبل حماية حقوق الناس بشكل عام، ومنه حقوق الإنسان، وحقوق المرأة وما يظهر منه كل حق، حتى في لحظة الانتصار على العدو، فالعدو في الإسلام له حق تقويم الفكر والنفس والسلوك، وتختلف إنسانية لحظة الانتصار كثقافة في الفكر الإسلامي، بعيدة عن العنف والانتقام وكل ما يتعارض مع الأخلاقيات، وهو جانب متقدّم في إعادة هندسة الحياة الإنسانية..
وربما يبدأ هندسة التغيير من التأثير الإيجابي، وداخل مجتمع الخصم، وبمؤشر الهدف الإسلامي الحقيقي في البناء الفكري الجمعي والمجتمعي القويم لحماية الإنسان من ذاته الفردي والجمعي..
وتتجه فكرة القهر، لا على أساس القوة والضعف، والغلبة والجبروت والإجبار، بل على أساس موقفي لمؤشر الحياة والموت الحقيقي، وشتان ما بين البقاء وعدم البقاء المادي والمعنوي ؛ (.. فَالمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَالحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ)(1).
1) المرجع نفسه / ص 88 - 89.
لأنّ قهر العدو والانتصار عليه، بحسب التضحية والعطاء، فلرب قاتل هو مقتول، وينجر ذلك على العطاء والفناء، والآثار المتبقية بمدلولاتها ورسوخها على صفحات التاريخ وبصمات الآثار..
و منحى سلوك الاتجاه الفردي القويم والأخلاقي في الحرب، وضمن ما يحمله من صفة مقاتل وقيادي، حيث يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) :
(لا تَدْعُونَ إِلى مُبَارَزَةٍ، وَإِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ، فَإِنَّ الدَّاعِي إِلَيْهَا بَاعَ، وَالْبَاغِيَ مَصْرُوعٌ)(1)
وهو ما يُدلل على نهي الإسلام للدعوة للعنف والقتل ومبارزة شخص، دون أن يتم دعوته لها، بمعنی ثقافة الدفاع عند الحرب والوعي بها، لكون الإسلام جاء من أجل بناء الإنسان بكل معاني البناء المنظورة وغير المنظورة..
ويعني الباغي هو من يطلب الشيء الضال، والفِئَة الباغية : هي الظالمة الخارجة عن طاعة الإمام العادل : والبَغْيُ : أصله الحسد، ثم سمي الظلم بغياً لأن الحاسد يظلم المحسود جُهْدَه، وإرادة زوال نعمة الله عليه وعنه، (2)ومنه ؛ (فَإِنَّ الدَّاعِي إِلَيْهَا بَاغِ، وَالبَاغِيَ مَصْرُوعٌ)..
ولحماية الناس، فقد حرم الإسلام الصفة العدوانية لسلوك الإنسان، حيث يقول (عليه السلام) :
(بِئْسَ الزَّادُ إلى المَعَادِ، العُدْوَانُ على العِبَادِ) (3)
ويمتد في الإسلام، حماية الناس من مؤثرات التغيير السلبي للحرب وفرضها، وتتعدد مخاطرها على المجتمعات والشعوب، وليس بالشيء البسيط اتخاذ قرار الحرب، لذا يقول (عليه السلام) :
(وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللهِ فَإِنَّهُ لا يَدَ لَكَ بِنَقْمَتِهِ، وَلا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ) (4)
وأخطر المخاطر حينما يصل الإنسان بعداء الله تعالى في خلقه، الشخص الحقيقي المتمثل بالفرد، أو المعنوي المتمثل بالجماعة والمجتمع والدولة والمؤسسات وممثل الدولة وصانع القرارات السياسية وتدبير إدارة أو قيادة الدولة، أو حتى أحد السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية..
ومما يتمثل في حرب الله جل جلاله، عند مخالفة شرائع الله عز وجل التي هي منهاج الحياة الدنيوية ومسيرتها، الممتدة للحياة الأخروية، أو يتمثل حرب الله تعالى، وكل ما يشوه به الفكر المطروح، والاتجاه بمنحرف الفكر وملوثه، أو التوجه نحو مصير شخص أو دولة أو حتى التعدي على حقوق الناس والبيئة والمخلوقات، وربما يتصف بتشويه جودة المنتوج ؛ الفكري والمعرفي والمعلوماتي والسلعي والخدمي، وكل ما يضر بالناس، وكل ما يدخل ضمن العنف وسفك الدماء بغير حلّها..
وجانب إستراتيجي آخر يتمثل في العلاقات ؛ ومنها العلاقات الدولية ونظمها وسياسات التعامل معها، وما يتعلق بالدعوة للصلح الذي يُجنّب البلاد والعباد والبيئة والإنسانية مآسي الصراعات والحروب، لذا فالدعوة للصلح وقبوله، بالغ الحساسية لاتخاذ القرار فيه، ولذا يقول (عليه السلام) :
(وَلَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَاللهِ فِيهِ رِضَى، فَإِنَّ فِي الصَّلْحِ دَعَةٌ لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةٌ مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْناً لبلادِكَ، ولَكِنِ الحَذْرَ كُلَّ الحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ العَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفْلَ. فَخُذْ بِالحَزْمِ، وَانَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ، وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً، فَحُطْ عَهْدَكَ بالوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بالأَمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جَنَّةٌ دُونَ مَا أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً، مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشَتُتِ آرَائِهِمْ، مِنْ تَعْظِيمِ الوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ المُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الغَدْرِ ؛ فَلا تَغْدِرَنَّ بذِمَّتِكَ، وَلا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ، وَلا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ، فَإِنَّهُ لا يَجْتَرى عَلَى اللهِ إِلا جَاهِلٌ شَقِيٌّ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ العِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إلى مَنَعَتِهِ، وَيَسْتَفِيضُونَ إلى جوارِهِ ؛ فَلا إِدْغَالَ وَلا مُدَالَسَةَ وَلا خِدَاعَ فِيهِ، وَلا تَعْقِدْ عَقْداً تَجوِّزُ فِيهِ العِلَلَ، وَلَا تَعُولُنَّ عَلَى لَحْنٍ قَوْلِ بَعْدَ التَأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ، وَلا يَدْعُونَكَ ضِيقُ أَمْرٍ لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إلى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طِلْبَةٌ، لا تَسْتَقْبلُ فِيهَا دُنْياكَ ولا آخِرَتَكَ.
إيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْنَى لِنِقْمَةٍ، وَلا أَعْظَمَ لِتَبعَةٍ، وَلا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ، وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدَّمَاءِ بِغَيْرِ حَقّهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئَ بِالحُكْمِ بَيْنَ العِبَادِ، فِيمَا، تَسَافَكُوا مِنَ الدَّمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ ؛ فَلا تُقَوِّينَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّ ذلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنهُ، بَلْ يُزِيلُهُ وَيَنْقُلُهُ، وَلا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللهِ وَلَا عِنْدِي فِي قَتْلِ العَمْدِ، لأَنَّ فِيهِ قَوْدَ البَدَنِ، وَإِنْ ابْتُليت بخطا وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بالعُقُوبَةِ ؛ فَإِنَّ فِي الوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً، فَلا تَطْمَحَنَّ بكَ نَحْوَةُ سُلْطانِكَ عَنْ أَنْ تُوَدِّيَ إِلى أَوْلِيَاءِ المَفْتُولِ حَقَّهُمْ) (1).
وبين الحرب والسلم رابط التغيير بمنحاه السلبي والإيجابي، والمدروس والمخطط له وغير المدروس وغير المخطط له وما يأخذ منحى ارتجالي وطوبائي، والصلح يأتي دوره ضمن مراحله الدبلوماسية، وقبل وأثناء وبعد الحرب، لكون العلاقات الدولية والمجتمعية قائمة عليه، لإدراك المستقبل وسبل التغير والتغيير المتجه نحوه من الفرد وصعوداً، أو ما يشمل بشكل أوسع ؛ الجماعة والمجتمع والدولة، وصولاً إلى مستوى العلاقات الدولية..
1) المرجع نفسه / ص 442 - 443.
وبالوعي واستيعاب الأمر ودراسة عواقبه يكون : (وَلا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوكَ وَاللَّهِ فِيهِ رضَى، فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةُ لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْناً لبلادِكَ)، والصلح مع مراعاة (ولله فيه رضى)، السمتبارزة لاتجاه صوب التنمية والتطوير والبناء والرفاهية والازدهار، وخطط التغيير هو الموجه والحد الفيصل في اتجاهاته، ولمعرفة فلسفة الصلح واستراتيجياته، يمكن وضع المخطط التوضيحي الآتي :
مخطط (31) يبين فلسفة واستراتيجيات الصلح لتغيير المجتمع
ولا يقف عند هذا ؛ (ولَكِنِ الحَذْرَ كُلَّ الحَذْرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ العَدُوُّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغفل، فَخُذْ بالحزم، وَانّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ)،
واستعمل (عليه السلام) هنا (الحزم) بدلالاته العميقة، لكون مما يعني الحزم هو ضبط الإنسان أمره والأخذ فيه بالثقة، وحَزمَ، بالضم، يَحْزُم حَزْماً وحَزَامَةً وحُزومة، وليست الحزرُومةُ بثبت ورجل حازم وحزيمٌ من قوم حَزَمة وحُزَماء وحُزْمٍ وأحزامٍ وحُزّام : وهو العاقل المميز ذو الحنكة. (1)
ويعني هنا أخلاقية بناء العلاقات ومستوى الثقة المتبادلة، وما يتطلب من محاذيرها، عندما تكون في غير مواضعها، والحذر نابع من مخلفات العداوة ومكر الانتقام والغدر في الأخذ بالثأر، ولاسيما حينما تسفك الدماء بين الطرفين، ولا يكون للتغيير موضعه المناسب، حتى حينما يؤخذ على صعيد الدولة والمجتمع..
وكذا العلاقات الدولية، جانب آخر مهم في بناء العلاقات المجتمعية، وقيامها على مستوى أوسع قد يتعدى حدود الدولة الواحد، وما مؤشر من التغييرات الإيجابية في العادات والتقاليد..
وما العلاقات الاجتماعية والمواطنة والمدنية، إلا عوامل لتغيير وتغير المجتمع واستمراريته البنائية، وهو ما يترتب على نتائج ؛ (وَإِنْ عَقَدْت بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَستَهُ مِنْكَ ذِمَّةٌ، فَحُطْ عَهْدَكَ
1) راجع: ابن منظور / لسان العرب / ضمن كلمة (حزم).
بالوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَتَكَ بالأَمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جنة دون ما أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً، مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشتُّتِ آرَائِهِمْ، مِنْ تَعْظِيمِ الوَفَاءِ بِالعُهُودِ).
ويتكامل به بين العقد والعهد، وكلاهما يصب في العلاقات الدولية والمجتمعية وما يُبنى من قواعد القانون المحلي والإقليمي والدولي، وما المصادقة على ذلك من جهات ومؤسسات دولية وأطراف خارجية محايدة وموثوق بها ولها الوقع الدولي، إلا ثقة وتوثيق العقود والعهود، وهو أيضاً يمكن أن يُبنى ويتوجه على أسس العقد الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية والمدنية من أجل الوحدة والتماسك ووضوح الأهداف واستراتيجيات ومؤشرات سياساتها..
وهذه السياسات والاستراتيجيات والقرارات تتضح بشكل واسع عند ؛ (وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جَنَّةٌ دُونَ مَا أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً، مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشَتُّتِ آرَائِهِمْ، مِنْ تَعْظِيمِ الوَفَاءِ بالعُهُودِ).
والجُنَّةُ، بالضم : ما واراك من السلاح واسْتَتَرْت به منه، والجُنَّةُ : والوقاية. (1)بتواصل العطاء وسماحة النفس ووفاء العهد، ووحدة الاتجاه المجتمعي برؤى واضحة ومستوعبة لأي تغيير، المبني على صدق النوايا وتعظيم الوفاء بالعهود المبرمة بين جميع الأطراف الحقيقية المتمثلة بالأفراد، والمعنوية المتمثلة بالمؤسسات، والابتعاد عن نهج الغدر، وما يجر عَوَاقِب الغَدْر من وبال على مستقبل ما يُبنى من قويم التغيير الخاص والعام، وحماية المجتمع ؛ (فَلا تَغْدِرَنَّ بذِمَّتِكَ، وَلا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ، وَلا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ، فَإِنَّهُ لا يَجْتَرى عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ).
وهو يمثل قمم أخلاقيات العدالة في العهود وسلامتها، (وَقَدْ جَعَلَ الله عَهْدَهُ وَذِمَتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ العِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إلى مَنَعَتِهِ، وَيَسْتَفِيضُونَ إلى جوارِهِ)...
والدعم الداعم في وصف العهد ؛ (فَلا إدْغَالَ وَلا مُدَالَسَةَ وَلا خِدَاعٌ فِيه)، والآلية في توجيه إبرام العقود ؛ (وَلا تَعْقِدْ عَقْداً تَجوِزُ فِيهِ العِلَلَ، وَلا تَعُولُنَّ عَلى لَحْن قَوْل بَعْدَ التَأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ).
لكون المواثيق، لابد من أن تكون صادقة الأهداف، وبعيدة عن العلل، ليمتد بها الزمن في حماية المجتمعات والقيم والعهود ؛ (وَلا يَدْعُونَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ، لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إلى طَلَب انفِسَاخِهِ بِغَيْرِ حقِّ، فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ يكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طِلْبَةٌ، لا تَسْتَقْبلُ فِيهَا دُنْياكَ ولا آخِرَتَكَ).
وتكامله واستراتيجياته العظيمة الجامعة لخير الدنيا والآخرة، بسلامة المجتمعات من توابع العقود والعهود، حينما يُبنى السلوك القيادي باستيعاب مبدا : (إِيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلّهَا)، وفلسفة
1) ابن منظور / المرجع نفسه / (ضمن كلمة ؛ جنتن).
ذلك ؛ (فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْنَى لِنِقْمَةٍ، ولا أَعْظم لتبعةٍ، وَلا أُخْرَى بزَوَالِ نِعْمَةٍ، وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقَّهَا).
وبين التغيير وأداء السلطات، ومنها السلطة التنفيذية وعلاقتها مع الناس أو المجتمع في الحرب والسلم، والنظرة التنفيذية المسؤولة ؛ (وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِى بالحكم بَيْنَ العِبَادِ، فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ ؛ فَلا تُقَوِّينَّ سُلْطائِكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّ ذلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، بَلْ يُزِيلُهُ وينقلة).
والاستقرار الاجتماعي - التنظيمي للدولة، وما يمتد على البيئة والأمن الاجتماعي : (وَلا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللهِ وَلا عِنْدِي فِي قَتْلِ العَمْدِ، لأَنَّ فِيهِ قَوْدَ البَدَن، وَإِنْ ابْتُليت بخط وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بالعُقُوبَةِ ؛ فَإِنَّ فِي الوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً، فَلا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَحْوَةُ سُلْطَائِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إلى أَوْلِيَاءِ المَقْتُول حقهُمْ)...
وبالتوجه والتوجيه بمنهج واضح للعلاقات، وبناء مرحلة مبنية على مستقبلية تعاونية مستمرة لمناخ وبيئة متغيرة، وبتطلعاتها الإنسانية للعصيان والطاعة في ظل الحكم السياسي القائم للدولة، يُراعى فيه آلية معالجة الجانب الموقفي ؛ (فَإنْ عَادُوا إلى ظِلَّ الطَّاعَةِ فَدَاكَ الَّذِي تُحِبُّ، وَإِنْ تَوَافَتِ الأُمُورُ بالقَوْمِ إلى الشَّقَاقِ وَالعِصْيَانِ فَانْهَدْ بِمَنْ أَطَاعَكَ إلى مَنْ عَصَاكَ، وَاسْتَغْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَفَاعَسَ عَنْكَ، فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ) (1).
ومن كتاب له (عليه السلام) لأخيه عقيل بن أبي طالب (رضیَ اللّهُ عنهُ)، يقول فيه :
(وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأيِي فِي القِتَالِ، فَإِنَّ رَأيي قِتَالُ المُحِلِّينَ حَتَّى أَلْقَى الله ؛ لا يَزِيدُنِي كَثرَتْ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةً، وَلا تَفَرَّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً، وَلا تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيكَ - وَلَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ - مُتَضَرِّعاً مُتَخَشَعاً، وَلا مُقِرًّا لِلضَّيْمِ وَاهِناً، وَلا سَلِسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ، وَلا وَطِئَ الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ المُتَقَعِّدِ..) (2).
ومما يتضح من النص المبارك، أهداف الحرب والتغيير المتوازن باستيعاب ورغبة صالح التغيير للمجتمع، وحمايته من الانحراف الذي يبدأ من الذات الفردي والجمعي، والدليل (لا يَزِيدُنِي كَثرَتْ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةٌ، وَلا تَفَرَّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً)، فربما الغربة في الكثرة وذلك لتفرقهم عن الحق وانسياقهم لقطيع أهواء الأنفس الضالة، فلذا لا الكثرة ولا التفرق في هكذا مواطن نفسية - سلوكية تجمع الناس بتفرقهم، والحق شاخص أمامهم..
ولم يدخل (عليه السلام) الحرب أو السلم الا هدفه الإصلاح بأدنى الضحايا، وأعلى تعزيز للحق ونصرته لتماسك الناس ووحدتها، فهو الداعم للتغيير الواعي والواعد المستدام للناس، والدليل قوله :
(فَوَ اللهِ مَا دَفَعْتُ الحَرْبَ يَوْماً إِلا وَأَنَا أَطْمَعُ أنْ تَلْحَقِّ بي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِي بِي، وَتَعْشُوَ إِلى ضَوْلئي وَذلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلى صَلالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثامِهَا) (1).
والحرص الشاخص على الهداية والتغيير المدروس والمستوعب، بلا ضحايا، وبذات الاتجاه وتكامله الإنساني على الحق ونصرته، يقول (عليه السلام) :
(وَوَاللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُ الَّذِي يُتَبَّعُ ؛ وَإِنَّ الكِتَابَ لَمَعِي، مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ : : فَلَقَدْ كُنا مَعَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وَإِنَّ القَتْلَ لَيَدُورُ عَلى الآباءِ وَالأَبْنَاءِ وَالإِخْوَانِ وَالقَرَابَاتِ، فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَشِدَّةٍ إلا إيماناً، وَمُضيَّا عَلى الحَقِّ، وَتَسْلِيماً لِلأَمْرِ، وَصَبْراً عَلى مَضَضٍ الجراح، وَلَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إخْوَانَنَا فِي الإِسْلامِ عَلى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ وَالإِعْوِجَاجِ، وَالشَّبْهَةِ وَالتَّأْوِيلِ، فَإِذا طَمِعْنَا فِي خِصْلَةٍ يَكُمُ اللهُ بِهَا شَعَثَنَا، وَنَتَدَانَى بها إلى البَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا، رَغِبْنَا فِيهَا، وَأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا) (2).
وهذا الوعي البالغ الدقة، والبالغ التحسس بالألم ولوعة الجراح، حينما يكون ذات المجتمع والبيئة في ضياع من أمرهم، والدليل ما يشير إليه (عليه السلام) ؛ (أصبحنا تُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الإِسْلامِ عَلى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ وَالإِعْوِجَاجِ، وَالشُّبْهَةِ وَالتَّأْوِيلِ)..
ولتحقيق التقارب بين التغير والتغيير والتقييم والتقويم، وبناء العلاقات ؛ (فَإِذا طَمِعنَا فِي خِصْلَةٍ يَلُمُ اللهُ بهَا شَعَثَنَا، وَنَتَدَانَى بها إلى البَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا، رَغِبْنَا فِيهَا، وَأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا).
وعندما يصل التقويم العقائدي، وما تغير الناس بمؤثرات ميول النفس المستمدة من المحتوى الفكري لمنحى سلوكي عدواني، يتقدّم ما كان به موقف ومعالجة وثبات الإمام علي (عليه السلام) عند الحق، ويتجلى بما خاطب به معاوية، حيث يقول (عليه السلام) :
(وَقَدْ دَعَوْتَ إلى الْحَرْبِ، فَدَعِ النَّاسَ جَانِبَاً وَاخْرُجْ إِلَيَّ، وَأَعْفِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ القِتَالِ، لِتَعْلَمَ أَيُّنَا المرينُ عَلى قَلْبِهِ، وَالْمُغطى عَلى بَصَرِهِ! فَأَنا أَبو حَسَن قَاتِلُ جَدِّكَ وَأَخِيكَ وَخَالِكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ، وَذلِكَ السَّيْفُ مَعِي، وبذلِكَ القَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً، وَلا اسْتَحْدَثْتُ نَبيا، وَإِنِّي لَعَلَى المِنْهَاج الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ، وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ:
وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائِراً بِدَمٍ عُثْمَانَ، وَلَقَدْ عَلِمْت حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثمَانَ فَاطْلُبُهُ مِنْ هُنَاكَ إِن كُنتَ طَالِباً، فَكَأَنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ الحَرْبِ إِذا عَضَتُكَ صَحِيحَ الحِمَالِ بالأَثْقَالِ)(3).
ولم يكن محرّك ذلك الخطاب، إلا بإصرار معاوية وشخوصه وحرصه على الدنيا، ولا يختار إلا أن يثقل المسلمين بالقتال، ويرفض حقن الدماء أو المبارزة الفردية لإنهاء الخلاف، والحيلولة دون الاتجاه بالتغيير والإصلاح..
وفي موطن آخر يقول (عليه السلام) :
(قَدْ كُنتُ مَا أَهَدَّدُ بالحَرْبِ، وَلا أَرَهَبُ بالضَّرْبِ ؛ وَأَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ، وَاللهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ إِلا خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ، لأَنَّهُ مَظنَّتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي القَوْمِ أَخْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيَلْتَبسَ الأَمْرُ وَيَقَعَ الشَّكُ) (1).
وحينما يكون التغير والتغيير في غير مواقيته ومواطنه، ودون استيعاب الآخر للأمور، ودون الدقة في نظر الآخر بعقلانية لأوجه الاختلاف والخلاف، عندها يحرص على تغيير موجبات الحرب على غير مواضعه، لحماية الأرواح والدماء من سفكها في غير مواطنها وتوقيتاتها.. فيقول (عليه السلام) :
(لا تُقَاتِلُوا الخَوَارِجَ بَعْدِي ؛ فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ البَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ) (2)
وشتان ما بين الوعي للحق، ومن أخطأ في طلبه وأدراكه.. وعموماً فآخر العلاج في الإسلام هو الحرب الدفاعية، ومنه الذي لابد منه للإصلاح والتغيير وبناء علاقات المجتمع على سلامة الأسس، وبهذا مما يتضح من متقدّم القول، وبما يخص المبحث بالآتي:
1 - بادئ ذي بدأ، لابد من الإشارة إلى أنّ أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، مشهود له بمكارم الأخلاق والشجاعة والإقدام في نصرت الحق والعدالة والمساواة، وحب تطبيق المبادئ الإنسانية - الأخلاقية والعمل بها وبكل ما هو قويم وفي كل المواطن والظروف ولا يُفرّق بين كل المستويات البشرية، واعترف بذلك العدو والمبغض والمحب، فلا عجب فهو من طليعة المدرسة النبوية الشريفة المتميز بها..
2 - المبادئ والأولويات هو مناصرته (عليه السلام) للسلم إلى آخر لحظة مشرفة على بدأ القتال، بل يتعدى ذلك حتى في الحفاظ على أرواح أعداءه، وتراه (عليه السلام) يقول : (إِيَّاكَ وَالدَّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْر حِلْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْنَى لِنقْمَةٍ، وَلا أَعْظَمَ لِتَبعَةٍ، وَلا أَحْرَى بزَوَالِ نِعْمَةٍ، وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقَّهَا)، وهو المعروف بصولاته وجولاته، وحتى إنه (عليه السلام) يتواصل في وصاياه لكل من يوليه على الولايات أو قيادة الجيش بالمحاولات المتواصلة والثبات في ساحة السلم، لخير ما تتضمنه الرسالة الإسلامية - الإنسانية، وبذلك فهو (عليه السلام) يبتعد بكل ما أتي به من قوة
لحقن الدماء، ولا يرغب في تحميل الأمة ثقل الحرب وأعباءه وما يتسبب بالإنسان من آلام نفسية وجسدية..
3 - إذا كان لابد من الحرب، فتتواصل وصاياه (عليه السلام) فيما يخص ما قبل الحرب وأثناءه وما بعده، ويُسطّر في ذلك أروع ما يحمله الإسلام من أخلاقية وإنسانية حتى في الحروب وما يتداخل معها وامتداداتها، فنستقرأ وصاياه في الحرب وبعد انطفاء فتيلها، وحماية كل إنسان، ولاسيما من لا يحمل السلاح ويستخدمه ضد الإسلام وجيشه، وعند هزيمة جيش العدو فيوصي (عليه السلام) ؛ (فَلا تَقْتُلُوا مُدْبراً، وَلا تُصِيبُوا مُعوراً وَلا تُجْهِزُوا عَلى جَرِيحٍ..).
4 - عدم البدء بمقاتلة الأعداء، و (لا تَدْعُوَنَّ إِلى مُبَارَزَةٍ)، حتى يبدأ العدو بذلك ؛ (لا تقاتِلُوهُمْ حَتَّى يَدَؤُوكُمْ، فَإلَكُمْ بِحَمْدِ اللهِ عَلى حُجَّةٍ، وَتَرَكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبدَؤُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ)، وهذا الأسلوب الإنساني والأخلاقي، يعطي فرصة للناس في إعادة النظر والتغير في المواقف وإعادتهم إلى رشاد الحق، وهو بذاته تغيير وتعزير التغير الاجتماعي القويم..
5 - وجوب معاملة المرأة والنساء بشكل عام بمعاملة إنسانية مستوعب للخلق الإسلامية وتبل توجيهات الإسلام وما يحمله من القيم، (.. وَلا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأذى، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَيْنَ أَمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ القُوَى وَالأَنْفُسِ وَالعُقُولِ)، وذلك بمراعاة ضعف تحملهنّ المواقف الصعبة، المواقف القائم عليه القتل..
6 - إذا كان صدق مواطن مناشدة العدو للصلح (وَالهِ فِيهِ رِضَى)، فالأولى الاتجاه نحوه بكل استيعاب ودقة، وذلك من أجل استثمار منافع علاج الحرب، والحيلولة دون ضياع فرصة حقن الدماء في صدق مواضعها..
7 - يحقق الصلح حماية الجنود من الضرر، وراحة هموم القائد، وأمن البلاد والعباد، ويجب أن يكون في حذر من جهة الصلح للتأكد من حسن النوايا..
8 - المحافظة على العهد والوفاء به، ورعاية الذمة بالأمانة، والحفاظ بالنفس على العهد الذي تعاهدوا عليه، ومن فرائض الله تعالى هو ما اجتمع عليه الناس من الحق وصالح الأمور، والابتعاد عن الغدر، واجتناب كل ما ينافي الأخلاق..
9 - إبداء وتفضيل ما هو عام على الخاص، لما له من مساس في صميم استقرار وتماسك وقويم بناء المجتمع واستيعابه واستتباب أمنه واستقراءه..
10 - العظيم عند الخالق عز وجل، هو سفك الدماء بغير حق، لما يؤدي إلى قلب موازين الحق والأخلاقية والإنسانية، ويتحول الشخص القيادي إلى جبار في الأرض ويقصم الله جل جلاله قوة كل جبار، بما يمده به من قوة إضافية، تتحول إلى سخط على الطاغية لكبح جماح قوته والانقضاض عليه وعلى ملكه..
11 - استثمار توجه مَنْ عاد إلى رشده واتبع الحق، ليكون مؤشر على تشجيع وتعزيز الرغبات للعودة عن كل باطل، وللتفاعل المنطقي والفكري مع العقل الجمعي والمجتمعي داخل المجتمع، والاتجاه بعامل التغيير الإيجابي الواعي..
12 - يجب أن يكون للحروب فلسفتها وأهدافها العلاجية - الدفاعية، والمنفذ العقلي لما يتطلبه من الإصلاح، وليس للانتقام ولا لسفك الدماء والظلم، لذا نرى في قوله (عليه السلام) السابق الذكر، خير ما يدلل على هذا الاتجاه والتوجه ؛ (فَوَ اللهِ مَا دَفَعْتُ الحَرْبَ يَوْماً إلا وأنا أطْمَعُ أنْ تَلْحَق فِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِي بي)..
13 - للحرب مميزاتها وإيجابياتها في التغيير والإصلاح، فمنها ما يتعلق بالعودة للحق، والاتجاه التقييمي والتقويمي لتغيير المجتمع..
14 - التضحية بالخاص دون العام، وهو ما دعى إليه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) معاوية، والمبادرة بالمبارزة بينهما دون سفك دماء المسلمين، وهو ما رفضه معاوية..
وبهذا المحتوى اليسير من الكثير، يتبين ما كان من الحرب والسلم من دور بالغ في اتجاهات الدولة والمجتمع، فلكل إيجابياته وسلبياته، وإن كان لابد من الحرب فله خاصية الإصلاح، لأن الصراع لا يقوم إلا إذا كان هناك حق وباطل، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، واعوجاج وطلب تقويم، وربما التقويم منفذه السلم أو منفذه الحرب..
وحينما يكون بعد الحرب تغير المجتمع، لابد من إن تدعمه خطط البناء وإزالة آثار الحرب المادية وغير المادية والنفسية، وإلا فسيؤثر ذلك سلباً، وربما يمتد لتفكك المجتمع، وتوالد فجوات اجتماعية، منها ما يتعلق بالصراع الطبقي التدميري، والسباق لكسب الأرباح الفاحشة حتى إذا كان ذلك بالباطل والحرام وعلى حساب الذات والأخلاقيات وامتهان الإنسانية..
و مردودات الحرب العلاجية والإيجابية، حينما توضع الدراسات والخطط التنموية الشاملة، بما فيها ما يتعلق بالتنمية الاجتماعية، وتحقيق الأداء العالي لتنفيذ الخطط، منحى قرارات وسياسات مستدامة، ومتواصلة البناء القويم والإيجابي..
وأهم جانب يجب الاهتمام به والعمل على اسسه ومقتضياته وترسيخه، هو ثقافة الإيمان والثقافة التنظيمية، وكل الدراسات تدلل على إنه التأثير البالغ والفاعل والعميق في النفوس البشرية، وفي علاج الدواخل، والانطلاق بثبات دون خلل ودون ترك الفجوات التي تؤدي لضعف البنية الاجتماعية ودقة عملياتها واستدامتها..
ومؤخراً قد وعت الدول المتقدّمة والتنظيمات والإيديولوجيات، أهمية الإيمان وثقافة الإيمان في الأداء والمتابعة الذاتية، والتغيير والإصلاح والوقاية والعلاج وفي بناء وتماسك المجتمع وملائمة نسيجه، ولاسيما ما أثمرت نتائج ذلك على أرض الواقع، لذا كانت له الحضور الكبير، بشكل مباشر وغير مباشر، في الخطط والاستراتيجيات والأهداف..
وهذا كله وغيره، ينطبق على الحرب والمجتمعات والاتجاهات المترتبة عليه، والذي يبدأ من أخلاقيات الحروب، وأسباب قيام الحروب وأهدافها وآثارها الآنية والمستقبلية..
فرع آخر من فروع علم الاجتماع، ألا وهو علم الاجتماع الإداري Administrative Sociology، ويُدرج بشكل مألوف ومتداخل ضمن دراسات علم اجتماع التنظيم Sociology Orgeniation محاولاً تطوير المدخل في علم الاجتماع، ويختص بدراساته وعلاجاته للظواهر المتعلقة بالإدارة واقتصاديات السلطة والقيادة والسلوك الإداري والوظيفة الإدارية.. إلخ، بحسب التطبيقات المختلفة لنظريات علم الاجتماع، بالمناهج والأدوات والآليات، للوصول إلى النتائج الملائمة Accommodation، وبما يحقق التوافق Adjustment بديناميات السلوك Behavioral Dynamics، بما فيه الاتجاه بالحاجة إلى إقامة علاقات ودية مع الآخرين Need for Affiliation تُسهل المهام الاجتماعية والتماسك الاجتماعي على وفق البناء المطلوب.. (1)
د. محمد علی محمد / علم اجتماع التنظيم / دار المعرفة الجامعية / الاسكندرية / ط- 3 / 1989 / ص 27 - 62.
د. محمد عاطف غيث / المرجع نفسه / 462 - 463.
د. فيصل فخري مراد / التنظيم الإداري ؛ مدخل للنظريات والسلوك / المطبعة الأردنية / 1979.
د. صلاح العبد / المرجع نفسه / ص 261 - 286.
وبناءاً على ما تقدّم من مختصر القول، يمكن وضع محاور المباحث ضمن هذا الفصل بالآتي :
المبحث الأول : البناء القيادي والمجتمع.
المبحث الثاني : الشخصية القيادية والتماسك الاجتماعي.
المبحث الثالث : الحقوق والواجبات المتبادلة بين القائد والمجتمع.
المبحث الرابع : إختيار المجتمع لقائدهم.
1) راجع مثلا : د. قباري محمد إسماعيل / علم الاجتماع الإداري / منشأة المعارف بالاسكندرية / 1981 ص 55 - 111.
تبدأ ضرورة البناء القيادي وتماسكه من الوجوب أو المتطلبات التي تُبنى على مكونات وعمليات وانسيابية النظام المفتوح Open System بكل فروعه، وانعكاساته المتزامنة والمتلاحقة والمؤثرة على استقامة مسيرة التنظيم الإداري وتقدم المجتمع بكل أنشطته وفاعلياته..
وجدير بالإشارة إلى أن هناك اختلاف بين القيادة والرئاسة والزعامة وأثرها على الفلسفة والأسلوب على مستوى الدولة ومؤسساتها ومشاريعها، ومشاريع المجتمعات والجماعات والأفراد..
وتبعاً لذلك تكون النتائج المؤثر، ومنه التأثير على طبيعة ما يحصل على الوضع والاتصالات والعلاقات الرسمية وغير الرسمية، والتماسك الاجتماعي الجماعات المشاريع أو مجتمعاتها، أو المجتمع ككل ککل داخل الدولة، بالرؤى والرسالة المعمول بمنظورها، وما يتضمن من أهداف وغايات، تتوجه محتوياتها وتفاصيلها الإستراتيجيات، وما يدخل ضمنها من التكتيكات..
فهناك أساليب وتطبيقات تكون فيها الديمقراطية هي المعوّل الأساسي لنجاح أنشطة الدولة والمجتمع والأفراد، وأخرى تنجح فيها الأساليب الدكتاتورية أو البيروقراطية أو التسلطية بحسب مراحل استيعاباتها وما يترتب من مستوى ثقافة الوعي والفهم والاستيعاب والتعاون داخل المجتمع..
وميدانياً ربما أعان مجتمع على نجاح تفشي الدكتاتورية وصرامته، ومجتمع آخر بثقافته ووعيه واستعداداته واتجاهاته وتفاعلاته ومستويات تحقيق حاجاته وتطلعاته، لا يُلائم فيه إلا الديمقراطية والنظام الديمقراطي..
وتم دراسة جوانب رئيسية مما تقدّم، كما هو عليه ؛ مدرسة العلوم السلوكية Human Behavior School ومدرسة العلاقات الإنسانية Human Relation School وغيرها من المدارس والنظريات الإدارية والتنظيمية الحديثة والمعاصرة، فضلاً عن ما تم طرحه والتوصل إليه من الطروحات والأفكار والرؤى الخاصة الجديدة.. (1)
وربما مجتمع آخر، تجاوز بآفاقه المفاهيم الديمقراطية، لما يحمله الفرد - الجماعة من الفهم والثقافة التنظيمية العالية، واستيعاب التسيير الذاتي كنظام متماسك وفاعل، داخل مجتمع متقدم في الوعي،
1) راجع مثلا : هاشم حسين ناصر المحنك / فلسفة الإدارة المعاصرة والمجتمع / مطبعة القضاء / النجف الأشرف العراق / 1990.
وقد يتعدّى بثقافته التنظيمية الواعية حدود منصور لما بعد الديمقراطية، بإيجابياته الراسخة وانسياقه نحو تحقيق الأهداف وتماسك المجتمع وبناءه وتطوره الحضاري - التنموي المستدام..
وترى مجتمع رابع ينقسم على ذاته في تفاوته بين سعة وضيق الثقافة التنظيمية وأخلاقياتها وتعاونه معها، وربما كان ذات المجتمع لا يقف عند وتيرة واحدة، فالموقف المحدد وما يمر به تجعله يتذبذب، أو سمات هذا المجتمع وخصوصياته متمرد وصعب المراس..
وربما يجعل المحدد لاتباع نظام معين وأسلوب معين، لأسباب أخرى متعددة، منها ما يتعلق بالتكيف Adaptation وعدم مصداقيته وإيمانه بالمبادئ والأهداف القائمة لدية، وربما بسبب صراع الحضارات والعولمة، واتجاهاته صوب المنحى الزمني بالنظرة القصيرة الأمد، وربما ليس له امتدادات فكرية ونفسية وسلوكية مبنية على النظرة الإستراتيجية المدروسة والمدعومة بالثقافة والوعي المنظم التنظيمي وما يترتب عليه من الالتزام بأخلاقيات العمل وجودة التنفيذ والأداء العالي..
وعلى سبيل المثال ؛ من جملة النظريات التي وضعت في منهجها التطبيقي مراعاة الحدث، النظرية الموقفية التي تعني ببساطة ؛ تطبيق معالجات النظرية الملائمة وما يتطلبه الموقف المحدد وما يُحيط به من الجوانب المادية وغير المادية والنفسية والموارد البشرية وإمكانياتهم..
وبنظرة إسلامية مختصرة، ربما ينطبق كل ما تقدم ذكره، فضلاً عن ما يتعلق بجانبي حركية الإدارة والتنظيمات الإدارية ضمن مؤثرات عديدة يتوجّه بمحرك حتمية الموت وعدم البقاء، وعدم تقادم الأعمال بكل تفاصيلها وتوجيهاتها والنيّة المبنية عليها، ومؤثراتها المقصودة وغير المقصودة، وما شاكل ذلك، وما يترتب عليه من الحساب الأخروي، وهو بدوره يقنن السلوك ويوجه للمنافع والحاجات وإشباعاتها التي تُرضي الله تعالى، مما يحقق بالطواعية أعلى مستوى للأداء وأدقه وأجوده، ولا يقف عند هذا الحد، بل الإيمان الواعي والمعتدل يحقق النظرة المستمرة لامتداد الأداء العالي وتأثيراته الأبعد من الإستراتيجية، أو بمعنى آخر، تحقيق الدقة في الحلقات الإستراتيجية المتواصلة والمثمرة بأقصى ما يمكن، ومواكب لكل التغييرات والتطورات..
ويضع الإمام علي (عليه السلام) الصورة الواضحة في رسالته الموجهة للناس في إحدى الولايات الإسلامية، ومما يتبين في مضامينها ؛ البناء القيادي وأهميته وآلياته وانسيابية عملياته الفاعلة، وأهمية دعم المجتمع له، قائلاً :
(فَقَدْ بَعَثَتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللهِ، لا يَنَامُ أَيَّامَ الْخَوْفِ، وَلا يَنْكُلُ عَنِ الْأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ، أشدَّ عَلى الفُجَّارِ مِنْ حَرِيقِ النَّارِ، وَهَوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أخو مَذْحِج، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا أَمْرَهُ فَيمَا طابق الحَقِّ، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله، لا كَلِيلُ الظَّبَةِ، وَلا نَابِي اضصَّرِيبَةِ : فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا
فَانفِرُوا، وَإِنْ أَمَرَكُمْ أَن تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا، فَإِنَّهُ لا يُقدِم وَلا يُحيمُ، وَلا يُؤَخِّرُ وَلا يُقَدِّمُ إِلا عَنْ أَمْرِي ؛ وَقَدْ اثرتُكُمْ بِهِ عَلى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ، وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلى عَدُوِّكُمْ) (1).
ومما يتضح من النص المبارك الآتي :
1 - يتطلب أن يكون البناء القيادي متعاون لحماية المجتمع بأرضيته ومعلوماته ومكوناته وقيمه وأخلاقياته وأنشطته وما يتداخل معه..
2 - يتطلب أن يتحلى القائد، بسمات الشخصية المتعددة المواهب والسريعة البديهية والحازمة وما تمتلكه صفة الإقدام والثبات أمام الهجمات أو المؤثرات الخارجية دون خوف أو من جبن أو نكوص ؛ (لا يَنَامُ أَيَّامَ الخَوْفِ، وَلا يَنْكُلُ عَنِ الأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ، أَشَدَّ عَلَى الفُجَّارِ مِنْ حَرِيقِ النَّارِ)، وما يتضمنه هذا النص المبارك الكثير الذي لا يسع دراسته، ومن عظيم منحاه القيادي الذي يحد من المشكلة، لكي لا تتحول لأزمة، والعمل ضمن ورشة عمل لعلاج المشاكل والأزمات الإدارية - التنظيمية لحماية المجتمع من عبء الطوارئ، والحد من مضاعفاتها المستقبلية والسهر على راحة المجتمع واستقراره...
3 - يتوجب للقيادة أن تتصف بالوقائية - العلاجية على اختلاف وجميع الأصعدة، فهي الراصدة والحساسة لكل ضعف وتغيير سلبي داخلي، والسيطرة على التهديدات والمخاطر والتحديات الخارجية، بالدراسة والتحليل ووضع الوقاية والعلاج أولاً بأول..
4 - السيطرة على الاتجاهات المنحرفة، بكل استيعاب وحزم، ومنه إدارة الأزمات بكل ما يحقق للمجتمع الاستمرارية والدفاعية عن الحقوق، والاتجاه نحو وحدة التوجه والقيادة على أساس قائم ومبدئي ؛ (فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا أَمْرَهُ)، وبالذات الاتجاه والتوجه (فيما طَابَقَ الحَقِّ)، بكل ما تعنيه من وعي..
5 - وحدة التوجيه القيادي للمجتمع، وانسيابية الهيكل القيادي والوظيفي الفاعل : (فَإِنَّهُ لا يُقْدِمُ وَلا يُحْحِمُ، وَلا يُؤَخِّرُ وَلا يُقَدِّمُ إِلا عَنْ أَمْرِي)، ويتمثل فيه المركزية في التوجيهات، واللا مركزية في التنفيذ والأداء وإدارة المواقف المتغيرة..
6 - هناك تفهم للمستويات القيادية لثقافة استيعاب مفاهيم وسلوكيات الدولة الجيوبولوتيكي والمجتمع ومعالجات طبقياته ؛ (وَقَدْ آثَرَتُكُمْ بِهِ عَلى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ، وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلى عَدُوِّكُمْ)، وما دلالة الاجتماعية المتمثلة في ؛ (آثرتُكُمْ)، و (نَصِيحَتِهِ)، وامتداها في معالجة الأزمات ؛ (وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ)، وبالتحديد ؛ (عَلى عَدُوِّكُمْ)، إلا
1) نهج البلاغة / ص 411.
المؤشر على مؤهلات قيادية تقويميك الحواف، وكما جاء في الذكر الحكيم : (أَشَدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) من الآية (29) سورة الفتح..
7 - يتطلب من المجتمع الحماية كل مكونات الدولة - المجتمع، بما فيه مصالحهم، أن يطيعوا في الحق البنية القيادية - المجتمعية، للاستمرار بتنفيذ ما مخطط له بكل روحية جماعية..
ومن أجل أن يكون البناء القيادي المتفاعل وبالرؤية المشتركة مع البناء الاجتماعي، يوصي الإمام علي (عليه السلام) محمد بن أبي بكر (رضیَ اللّهُ عنهُ)، حينما قلده مسؤولية مصر قائلاً :
(فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَابْسُطُ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ والنَّظْرَةِ، حَتَّى لا يَطْمَعَ العُظَمَاءُ في حَيْفِك لَهُمْ، وَلا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْتورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنتُمْ أَظْلَمُ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ) (1).
وهنا مما يظهر، ما لأهمية البناء القيادي المتلاحم مع صروح التلاحم المجتمعي، وما يتطلبه من مساواة بين الأفراد أين ما كانوا، والحيلولة دون تفضيل بعضهم البعض إلا بالعدل، وهو جانب مما يشمل على دقة السلوك التنظيمي – المجتمعي..
وهذا الأسلوب يكون الداعم للضعفاء، مثلما يكون للأقوياء العظماء، وعنده لا يجرأ العظماء على ظلم وجور الضعفاء وهو ما يحقق التلاحم والاستقرار الاجتماعي من خلال قويم وسلامة البناء القيادي، حيث يقول (عليه السلام) :
(أَيُّهَا النَّاسُ، أَعِينُونِي عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَايْمُ اللهِ لأنصفَنَ المَظْلُومَ مِنَ ظَالِمِهِ، وَلأَقودَنَّ الظَّالِم بِخِزَامَتِهِ، حَتَّى أُوْرِدَهُ مَنْهَلَ الحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِها) (2).
وفي هذا يكون الإصلاح، ويتحقق ذلك بالسيطرة وعلاج الفجوات وما ولده الظلم، والحد مما للفجوات من معوق يحول دون سلامة البناء القيادي - الاجتماعي، والعمل على تلاحم المجتمع المتواصل والمستمر والمستدام على أفضل وأكمل وجه مخطط له.
ومما خاطب (علیه السلام) به بعض ولاته، وما يضع من العمق للأسس والبناء القيادي القويم، وما يتم به حماية المجتمع من بعض السلوكيات المؤثرة عليه، حيث يقول :
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةٌ وَقَسْوَةً، وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةً، وَنظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لأن يُدْنُوا لِشيرَكِهِمْ، وَلا أَن يُقْصَوْا وَيُجْفَوا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَس لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللينِ تَشْوبُهُ
بطَرفِ مِنَ الشَّدَّةِ، وَدَاوِلُ لَهُمْ بَيْنَ القَسْوَةِ وَالرَّافَةِ، وَامْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التقريب والإدْنَاءِ، وَالإبْعَادِ وَالأَقْصَاءِ، إِنْ شَاءَ الله) (1).
ومن بين ما يتضح، مما نستوعبه من النص المبارك الآتي :
1 - التركيز على البناء الإداري والمنهج القيادي بالأفكار والسلوكيات والتطبيقات المتوازنة بين اللين والشدة..
2 - الأسلوب المتطلب سلوكه في التطبيقات القيادية، الوسطية بين الرأفة والقسوة، لكون القسوة وحدها تولّد النفور، والرأفة وحدها تولّد الانحلال والتفكك والتشتت..
3 - ولاعتبارات تتعلق بالتعامل الإنساني مع المشركين، من أجل أن يأخذوا بحالهم ونصيبهم من الحياة الاجتماعية الحرة الكريمة، لذا أمرهم (عليه السلام) التعامل الإنساني معهم والتوازن في تقريبهم، وعقلانية وضعهم بين التقريب والتبعيد، وبما يتطلبه الأمر الإنساني للمواطنة، لكون الإسلام دين الرحمة والإنسانية والسلام ومكارم الأخلاق، والمبتعد بقيمه وأخلاقيته عن سبل الانتقام والإقصاء..
وتواصلاً لما تقدّم من الدراسات السابقة في مجال علم النفس والعلوم الإدارية والاقتصادية، نتطلع إلى موضوع الشخصية القيادية وأثرها البالغ في التماسك الاجتماعي في آفاق الوعي، وما تتطلب المراحل من استيعاب المجتمع لها، والاستعدادات للتفاعل مع بعضهم البعض، وتنمية وتطوير الأنشطة المختلفة، وقوة التأثير القيادي والتفاعل الإنساني بقيم ومبادئ أخلاقية، تبني الصروح الحضارية..
وخير ما يُطالعنا به على الشخصية القيادية، من استقى منهجه من القرآن الكريم والمدرسة النبوية الشريفة، وهو مَنْ زقه الرسول الأكرم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) العلم زقاً من منهل العلم الإلهي المطلق بنقاوته واللانهائي وغير المحدود بسعته، و (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا
1) المرجع نفسه / ص 376.
أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظا (80) سورة النساء، (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ علَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةً يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) سورة آل عمران..
ولا يُشترط بالقائد الحقيقي أن يكون في سدة الحكم والسلطة Authority ليحقق التماسك الاجتماعي Social Contession، بل حتى في وجوده خارج حدود السلطة الرسمية والحكم، فإن دأبه وتطلعاته وأهدافه رؤية تحقيق التماسك الاجتماعي ووحدة الأمة
وهذه الصورة تتجلى وتتسامى في خطبه وكتبه (عليه السلام)، ومنه ما تضمنته إحدى كتبه المرسلة مع مالك الأشتر (رضیَ اللّهُ عنهُ) إلى أهل مصر، ومنها :
(فَوَ اللهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي، وَلا يَخْطُرُ ببَالِي، أَنَّ العَرَبَ تُزعِجُ هَذَا الأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلا أَنَّهُمْ مُنَحُوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فلان يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي - رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الإِسْلامِ، يَدْعُونَ إلى مَحْق دِينِ مُحَمَّدٍ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - فَخَشِيتُ إِنَّ لَمْ أَنْصُرِ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ المَصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلايَتكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلائِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ ؛ فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ البَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهنَة) (1).
وبثبات وثقة القيادي بقدراته على استيعاب الآخر، واستقطاب القوى المجتمعية المثمرة، يتلاشى الضعف في جسد الأمة، مقابل وحدة وتماسك المجتمع على الحق، وهو الهدف الإستراتيجي، والابتعاد كل ما يُفرِّق الناس، وهذا أرفع ما يكون عليه النكران للذات، وما يميز الشخصية القيادية الحقيقية الفاعلة، والمبدأ الإنساني والأخلاقي الذي يحمله، وبالتوجه واستخدام كل الوسائل من أجل استمرارية التماسك الاجتماعي، وهنا لابد من بث وعي فاعل ومناسب، وتوليد التفاني وروح الاستعداد في أدق لحظة الحماية حقوق الناس من مخاطر الصراع على السلطة..
ويشير (عليه السلام) للوعي والحذر من كل ما يُفكك تماسك المجتمع، والعلاج والوقاية من مخاطر وتهديدات ذلك يبدأ من الذات الفردية - الجمعية، ويظهر هذا الحرص الشديد عند القول :
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ : اتَّبَاعُ الهَوَى، وَطُولُ الأَمَلِ، فَأَمَّا اتَّبَاعُ الهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الأمل فينسي الآخِرَةَ) (2).
وعند موجه الحق والآخرة، يتبين ضرورة تواصل قويم الوعي الفكري، والابتعاد عن حالة الانقطاع على التفكير في الدنيا وملذاتها الزائفة، وما تضلل الفكر البشري بما يلوثه ويحجبه عن الحقيقة والنظر لما بعد الدنيا، وهو عامل من العوامل التي تولّد دواعي التماسك الاجتماعي..
وحينما استشار عمر بن الخطاب الإمام علي (عليه السلام) حول الشخوص لقتال الفرس، كان جوابه هادف لوحدة وتماسك المجتمع قبل كل شيء، وبما يتطلب من القائم بالأمر، وبذلك يقول (عليه السلام) :
(وَمَكَانُ القَيمِ بالأمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَيَضَمُّهُ : فَإِنْ انقطَعَ النِّظَامُ تفرَّقَ الخَرَزُ وَذَهَبَ، ثمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بحَذَافِيرِهِ أَبَدأ) (1).
وبتوجيهات التحسس القيادي البالغ الدقة والمثمر في سلوكه ونتائجه للحياة بكل تفاصيلها، يضع (عليه السلام) صور من أصناف المسيئين المؤثرة على تماسك المجتمع واستقامتهم وإرباك النظام الاجتماعي وتنظيمه، وبذلك يضع الوقاية والعلاج عند قوله :
(وَالنَّاسُ عَلى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ : مِنْهُمْ مَنْ لا يَمْنَعُهُ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِلا مَهَانَةُ نَفْسِهِ، وَكَلالَةٌ حَدِّهِ، وَنَضِيضُ وفقْرِهِ، وَمِنْهُمُ المَصْلِتُ لِسَيْفِهِ، وَالمُعْلِنُ بِشَرِّهِ، وَالمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَرَحِلِهِ، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ، وَأَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطامٍ يَنْتَهِزُهُ، أَوْ مِقْنَب يَقُودُهُ، أَوْ مِنْبَرِ يَفْرَعُهُ. وَلَبئْسَ المتجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللهِ عِوَضاً ! وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَلا يَطلُبُ الآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا، قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ، وَقارَبَ مِنْ خَطْوِهِ، وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ، وَزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلأَمَانَةِ، وَاتَّخَذَ سِتْرَ اللهِ ذرِيعَةً إلى المَعْصِيَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ المُلْكِ ضُؤُولَةٌ نَفْسِهِ، وَانْقِطَاعُ سَبَيهِ، فَقَصَرَتْهُ الحَالُ عَلى حَالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ القَنَاعَةِ، وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذلِكَ فِي مَرَاحٍ وَلَا مَغْدِّى) (2).
وخطورتهم تكمن في إرباك الإنسان وفكره ونفسيته وسلوكه، ونظام المجتمع وتفككه، والأخطر أن تكون لهم تأثيرات في إنخفاض مستوى التعاون واتجاه التغير الاجتماعي، أو تأثيرهم الخطر في حالة الوصول إلى الموقع المؤثر على صنع واتخاذ القرار وتنفيذه..
والدرس التربوي للشخصية القيادية - الاجتماعية، المؤهل بالتعلم والتعليم وترويض النفس، للتحسس في مدى أهمية وحدة الذات الفردية والمجتمعية على إحقاق الحق والعدالة والمساواة، ومنه التأهيل والمؤهلات الموضوعية والوظيفية والهيكلية، وما يترتب عليه من مستوى التأثير، ومستوى التماسك الاجتماعي، ويظهر أهمية ذلك بشكل واضح، عند قول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ للنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَا بِتَعْلِيم نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيم غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبَهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بلِسَانِهِ : وَمُعلّمُ نَفْسِهِ وَمُؤدِّبُهَا أَحَقُّ بالإجلال مِنْ مُعلم النَّاسِ وَمُؤَدِّبهِمْ) (1).
ومما يتضمنه النص المبارك، أهمية البنى التحتية للشخص القيادي الذي يتحقق بالتعليم، قبل أو بالتزامن مع تحديد المنصب (الوظيفة)، والمكان المناسب الوظيفي، والهيكلي بمدى تناسب المنصب للشخصية، وبما يتحدد من الموقف والبيئة والمحيط الخارجي، وما يتحدد من الزمان المناسب، وما يتحدد من الناس أو مجتمع النشاط، بمعنى مدى مطابقة الشخصية القيادية مع المعنيين بالقيادة من الناس أو المجتمع، ومدى الأداء الفعلي المؤدي لتماسك المجتمع وتنمية العطاء وتطوير القدرات المستقبلية..
ويضيف (عليه السلام) بهذا الخصوص، من أجل تماسك المجتمع والتحامه بالشخصية القيادية المؤهلة لتحمل المسؤولية بشكل فاعل وواع وبفهم عال يحتوي كل متطلبات التماسك الاجتماعي، ومنه ما يتعلق بوحدة الرأي المجتمعي على الاختيار.. قائلاً :
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بأَمْرِ اللَّهِ فِيهِ، فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اسْتعْتِبَ، فَإِنْ أَبِي قُوتِلَ. وَلَعَمْرِي، لَئِنْ كَانَتِ الإمَامَهُ لا تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ، فَمَا إلى ذلِكَ مِنْ سَبِيلٌ، وَلَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلى مَنْ غَابَ عَنْهَا، ثُمَّ لَيْسَ لِلْشَاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ، وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ، أَلا وَإِنِّي أَقَاتِلُ رَجُلَينِ : رَجُلاً ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ) (2).
ومما يتضح مدى العلاقة بين الشخصية القيادية والقدرات وعبء الأعمال العقلية والجسدية، بمستوياتها ؛ التخطيطية، والتنفيذية، والتقييمية والتقويمية الرقابية، ومدى مطابقة الجانب التكويني للقيادي والجعل التشريعي الإلهي وما يترتب عليه من تشريعات وضعية، ويجمعهم الأعلمية للفهم والتنفيذ والأداء وتماسك النتائج المستدامة، ومنه التماسك الاجتماعي، والدليل عليه ؛ (أَحَقَّ النَّاسِ)، (بهَذا الأَمْرِ)، (أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ)، و (أَعْلَمُهُمْ)، (بأمْرِ اللَّهِ)، (فِيهِ)..
والتحديات والمخاطر والتهديدات على القيادة والتماسك الاجتماعي كنتيجة، (رَجُلاً ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ)، (وَآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ)..
وفي مناسبة أخرى، يؤكد (عليه السلام) على ضرورة التماسك الاجتماعي وتعزيزه، ويضع بخصوصه التحليل وتطبيقاته، يمكن ارصطلاح عليه منهج (هندسة وإعادة هندسة الاقتصاد القيادي)، ويشمل ما يمكن الاصطلاح عليه بمصطلحي (صحة المجتمع القيادي، وصحة المجتمع الاقتصادي)، وكل ما من شأنه أن يضع للشخصية القيادية مكانتها وفاعليتها، للإصلاح وحماية المجتمع.. فيقول :
(فإن النَّاسَ قَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ كَثِير مِنْ حَظِّهِمْ، فَمَالُوا مَعَ الدُّنْيَا، ونطقوا بالهوى، وإنّي نزلت من هذا الأمر منزلاً مُعْجِباً، اجتمع به أَقْوامُ أَعْجَبَتْهُمْ أَنفُسُهُمْ، وَأَنا أَداوِي مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ يَكُونَ عَلَقاً، وَلَيْسَ رَجُلٌ - فَاعْلَمْ - أَحْرَصَ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَألفَتِهَا مِنِّي، أَبْتَغِي بذلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ، وَكَرَمَ المَآبِ، وَسَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلى نَفْسِي، وَإِنْ تَغَيَّرْتَ عَنْ صَالِحٍ مَا فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ العَقْلِ، وَالتَّجْرِبَةِ، وَإِنِّي لأعْبَدُ أَنْ يَقُولَ قَائِل بباطِل، وأن أُفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ الله، فَدَعْ مَا لا تَعْرِفُ، فَإِنَّ شِرَارَ النَّاسِ طَائِرُونَ إِلَيْكَ بِأَقَاوِيل السُّوءِ، وَالسَّلامُ) (1).
وبين العقل والتجربة ؛ يكمن الفهم وتكمن الاستدلالات والمنافع في النتائج، والحد الفيصل حينما يكون ؛ (فَدَعْ مَا لا تَعْرِفُ)، لكي لا تكون فجوة ينفذ من خلالها الباطل ومنه العزة في الإث-، ولا تتوافر للفساد البيئة الحاضنة له، فيتعرض الحق للهلاك، والصلاح للانحراف، ويكون القائد العادل بلا مقومات القيادة، والمجتمع بلا مقومات التعاون والتماسك..
ومشاركة القائد لما يعانيه المجتمع، أمر آخر يتطلبه التماسك الاجتماعي، ويثبت قوة الشخصية القيادية وتعاونها وتأثيرها، والمشاركة وتقمص الدور المجتمعي وما يترتب عليه من التحسس القيادي بالأدنى من الناس، ولذا يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(أَأَقْتَعُ مِنْ نَفْسِي بأن يُقَالَ : هذا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا أَشارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أَسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ العَيْشِ ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالبَهِيمَةِ المَرْبُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَفهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغْلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلافِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا، أَوْ أَتْرَكَ سُدًى، أَوْ أَهْمَلَ عَايشاً، أَوْ أَجرّ حَبْلَ الضّلالَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ المَتاهَةِ ! وَكَأَنِّي بِقَاتِلِكُمْ يَقُولُ : " إِذَا كَانَ هذا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِب، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالَ الأَقْرَان، وَمُنَازَلَةِ الشَّجْعَان "، أَلا وَإنَّ الشَّجَرَةَ البَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالرَّوَاتِعَ الخَضِرَةَ أَرَقُ جُلُوداً، والنابناتِ العِدية أقوَى وَقُوداً، وأبطأ خمُوداً) (2).
وهنا تبرز أهمية وفاعلية التجربة والعقل، ومكانة الشخصية القيادية ونتائج الفاعلية التحسسية بالآخر لمعالجة المواقف بالشكل التضامني، ويمكن تسميته (بالاقتصاد القيادي)، والمعاناة التي يعانيها تنبع من تحسسه بأضعف ما يُعانيه رعيته : (وَلا أَشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أَسْوَةٌ لَهُمْ فِي جشُوبَةِ العَيْشِ)، ومنه كل ما يردع النفس الأمارة بالسوء ؛ (فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ)..
وبالتحسس القيادي لمعاناة الناس، رفض السلوك المؤدي إلى أن يبيت مبطاناً وحوله بطون تتضوع من الجوع والعطش، والرقض النابع من معرفة ما الحقيقية الدنيوية والاستيعاب الإنساني الفلسفي لها..
ولاسيما الرفض العقلي من تقمص دور سلوكي ؛ (كَالبَهِيمَةِ المَرْبُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَفُهَا، أو المُرْسَلَةِ شغْلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلافِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بهَا)، ومما يتضمنه علم النفس المقارن..
وهنا يظهر نظام مبادي تحسسي نموذجي، مرتبط بنظام صحي وغذائي اجتماعي - اقتصادي، بمنحاه المنظور وغير المنظور، والدليل ؛ (أَلا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ البَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالرَّوَاتِعَ الخَضِرَةَ أَرَقُ جُلُوداً، وَالنَّابتَاتِ العِذيَة أَقْوَى وَقُوداً، وَأَبْطَأُ خُمُوداً)..
ويحميها من تقمص دور البشر المسعور الحيواني الذي لا يهمه إلا سلوك منهج التملك والهيمنة والتفرد بالسلطة والاستغلال اللا إنساني والجشع والطمع وخيانة الضمير، ويحميها باتجاه قويم تنمية ثقافة الوعي القيادي - الاجتماعي، النابع من الوعي الفكري والنفسي - السلوكي ؛ (أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأنْ يُقَالَ : هذا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا أَشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ..)..
ومن أجل أن يبقى التماسك الاجتماعي، يوصي (عليه السلام) بأهمية دقة السلوك التنظيمي بقوله :
(وَلا تَنْقُض سُنَّةٌ صَالِحَةٌ عَمِلَ بهَا صُدُورُ هذهِ الأُمَّةِ، وَاجْتَمَعَتْ بهَا الأُلْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ، وَلا تُحْدِثن سنّةٌ تَضَرُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الأجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا، وَالوِزْرُ عَلَيْكَ بمَا نَقَضَتَ مِنْهَا) (1).
فيتوجب الحماية والحرص على عدم تغيير السيرة والطريقة المحمودة والحسنة، وكل ما يهتدي الناس بصالح هديها، لئلا تُربك انسيابية وفاعلية الأنظمة الرئيسية والفرعية للحياة، والحيلولة دون كل ما يؤدي لتفكك وحدة وتماسك المجتمع، وحماية نظام هندسة السلوك والتعاون القيادي – الاجتماعي، وسبل تنظيم العمليات الحياتية والاجتماعية ؟ (وَاجْتَمَعَتْ بهَا الألْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ)، ويمكن وضعها في معادلة حياتية عظيمة، الحركية بمكوناتها وأنظمتها وانتظامها، وكالآتي :
سُنَّةٌ صَالِحَةٌ = عَمِلَ بهَا صُدُورُ هذِهِ الأُمَّةِ + اجْتَمَعَتْ بهَا الأَلْفَةُ + صَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ
والمبدأ الإنساني - الأخلاقي النابع من الفكر ؛ (لا تَنْقُض)، ومحددات التوصيف ومنه الوصف ؛) (سُنَّة صَالِحَة)، والآلية الملائمة ما بين تماسك وتقارب وتوافق التشريع والقضاء والتنفيذ والأداء المتكامل : (عَمِلَ بِهَا)، ومطابقة وصف ومواصفات اجتماعية - قيادية ؛ (صُدُورُ هذِهِ الأُمَّةِ)، والواقع قبل وأثناء وما بعد العمل بها، (اجْتَمَعَتْ بهَا الأُلْفَة) وهذه البيئة الداخلية، وما تواصلت بها في البيئة الخارجية للمجتمع الدولة بكل المقومات والعواملى لها المتفاعلة مع ؛ (وَصَلَحَتْ)، (عَلَيْهَا)، (الرَّعِيَّةُ)، ومحورها المجتمع ؛ العقيدة والآلية والنتائج والآثار الآنية والمستقبلية..
1) المرجع نفسه / ص 431.
وأخطر قراءة مرئية وغير مرئية، وبرؤى إنسانية بالغة الأخلاقية، وما تفرزها الآليات على السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وما ينضوي في ظلها، وما يطرأ من أمور منظور وغير المنظور على الدولة والمجتمع والجماعات والأفراد، المنفردة والمتداخلة، أخطرها هو سفك الدماء الذي لا يُغتفر في داخل الذات الفردية والجمعية والمجتمعية، لذا يُحدّر (عليه السلام) التحذير الشديد لجموح السلطة وسطوتها، وذلك بقوله :
(إِيَّاكَ وَالدَّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْنَى لِنِقْمَةٍ، وَلا أَعْظَمَ لِتَبعَةٍ، وَلا أُخْرَى بزَوَالِ نِعْمَةٍ، وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقَّهَا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئ بالحُكْمِ بَيْنَ العِبَادِ، فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ ؛ فَلا تُقَوِّينَّ سُلْطائِكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّ ذلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ ويوهن، بَلْ يُزِيلُهُ وَيَنْقُلُهُ)(1).
والتحذير مُنْطَلقه من ؛ (إيَّاك)، والمحدد به ؛ (الدِّمَاءَ)، والتحذير من (سَفْكَهَا)، ويعني طبيعة وسلوك فهم الفلسفة الأخلاقية للقيادة - المجتمع في استخدام قوة وسلطة وسطوة، ومنه المحدد الفني والأخلاقي لقوة توجيهات الاستثمار، والاستثمار الاجتماعي ؛ المنظور وغير المنظور، بالمحددات التشريعية والقضائية والتنفيذية ؛ (بغَيْرِ حِلّهَا)، وفلسفة واستراتيجيات بناء المجتمع والدولة والقيادة المتماسكة، وذلك ؛ (فَإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْنى لِنِقْمَةٍ، وَلا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ، وَلا أُخْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ، وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا).
وبمضامينها وتبعاتها الدنيوية - الأخروية ؛ الآنية والمستقبلية، وعظيم السلوك المسرف أو سوء استعمال القوة والسلطة مقابل أرواح الناس والأموال والموارد المتنوعة وبكل أشكالها : (وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِى بالحُكْمِ بَيْنَ العِبَادِ، فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ)..
ونذير بزوال المُلك يتمثل في عدم انتظام الهندسة القيادية أو الإدارية أو الرئاسية، من مستوى أصغر نشاط ووحدة عمل ومؤسسة، وحتى الوصول إلى مستوى أعلى سلطات الدولة، وربما على مستوى عالمي، وذلك في هدر القوى الاجتماعية في غير حلها، وهو جانب من ؛ (فَلا تُقَوِّيَنَّ سُلْطائكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإنَّ ذلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، بَلْ يُزِيلُهُ وَيَنْقُلُهُ)..
كما هو عليه مخاطر جانب من مكونات التنظيم والقيادة ؛ سوء استخدام الحوافز وتحديد كيفية وأسلوب ضبط المخاطر وإدارتها، والهندسة القيادية لذاتها وللمجتمعات بين الفني والأخلاقي للأداء..
وبهذا يضع (عليه السلام) الدرس الإنساني من خلال مكوناته الأخلاقية والتنظيمية والأدائية، والعمق التربوي - الاجتماعي، بفاعلية وآلية القيادي، وهو في قوله :
1) المرجع نفسه / ص 443.
(والله لأن أبيتَ عَلى حَسَكِ السَّعْدَانِ مسهدا، أو أجَرَّ فِي الأغْلالِ مُصَفدًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ العِبَادِ، وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنْ الحَطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إلى البلَى قُفُولُهَا، وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا ؟!) (1).
لأن الشخصية القيادية تبدأ من السيرة الفكرية والنفسية، وأسلوب التعامل مع من هو في مسؤوليته التي تبدأ من الموارد البشرية التي تنفّذ أوامر القيادي أو توجيهاته، ولاسيما ما يتعلق بمستوى وضوح ما يتعلق بالمسؤولية وتقسيم العمل والتخصص، فهو المنفذ المؤهل عملياً، وما يتحدد من طبيعة ومصادر التغذية..
وهنا يتضح الترابط القوي والمفصلي بين مصادر الموارد وتوزيعاتها، وما يترتب عليها من مضامين اقتصادية لها عمق في النظرة والآلية القيادية - الاجتماعية، وما تفرزه من مستوى تحكم الأنا الفردية والجمعية والمجتمعية، وتحسسها عند القيادي الحق، ليندمج الأنا مع النحن الرسمي وغير الرسمي في بودقة واحدة لا تنفصل ولا تتجزأ..
ووجوب تحقيق الثبات المبدئي لدى الفرد - المجتمع، أمر بالغ الضرورة والحساسية، وهو ما يتحمله الشخص القيادي وبرامجه داخل المنظومة الرسمية والمنظومة غير الرسمية، والإقدام والثبات على قويم الأداء العالي لدى القيادي، أمر حاضر وفاعل، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(أَيُّهَا النَّاسُ لا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُها قصيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ) (2).
ويتمثل في القول المبارك، أرفع مستويات الحياة وأخلاقياتها وقيمها، وامتدادات إستراتيجياتها وتكامليتها، وتكاملية مكاسبها المستدامة ؛ الدنيوية – الأخروية..
والتوجيه منبعه الأساسي من الحرص في بث ثقافة المبدأ والتمسك بالحق والعمل به، ومنه حماية المجتمع من الانحرافات والتفكك والانحلال والصراع الاجتماعي المربك للنظام والتنظيم والمنظومة الاجتماعية - القيادية..
وبناء العلاقة بين المبدأ والحق، والحد بالوعي والموضوعية من المؤثر على الاستقرار والطمأنينة والتماسك المجتمعي الراسخ بالوعي لما يتحمله القيادي، وقيادته ضمن التنظيمات المؤسساتية..
العلم الاجتماع علاجاته الجوهرية التي تخص المجتمع وطليعته القيادية المؤثرة، فكلما كان التفهم والاستيعاب والوعي والاستعدادات متوافرة لدى المجتمع وطليعته القيادية، فإنّ الحقوق والواجبات لها عمقها وإسهاماتها في التماسك الاجتماعي، وسلامة تلاحمها مع الأقطاب القيادية، للصالح المشترك وحماية ذاتها وبيئتها الداخلية، وتفاعلياً حماية ذاتها ووجودها وخصوصياتها، مما يُحيطها من البيئة الخارجية ؛ الإقليمية والدولية..
فإذا لم يكن المجتمع قد وضع نصب أنظاره ما له وما عليه من حقوق وواجبات، وما يترتب من التزامات وأداء عال، فسيُهزم من الأعماق، وبكل مكوناته الطبقية والفكرية..
فتتوجه الحقوق بكل تشعباتها ومستوياتها الرسمية وغير الرسمية، وتبدأ من حقوق الخالق عز وجل ومخلوقاته، وتفاصيل الحقوق، وما يترتب لجميع المخلوقات، ومنه حقوق الإنسان، وتمتد لتشمل الحيوان والنبات والطبيعة حتى الوصول للكون والفضاء الخارجي..
والحقوق المبادلة داخل المجتمع بين الأفراد والأسر والجماعات من جهة، والحقوق المتعلقة بالدولة وسلطاتها وقياداتها وتنظيماتها ومؤسساتها وتداخلاتها مع المجتمع، ولا بد من الوعي في ثقافة الحقوق والأداء، حيث يقول (عليه السلام) :
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقًّا، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ : فأَمَّا حَقُكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فيْئكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا، وَأَمَّا حَتَّى عَلَيْكُمْ فَالوَفَاءُ بالبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ فِي المَشْهَدِ وَالمَغيب، وَالإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ) (1).
ويبدأ من : (لِي عَلَيْكُمْ حَقًّا)، لأنّ قيام الدولة والحقوق، لا يمكن أن تقوم إلا من تأدية الناس للحقوق لدعم السلطات وبناء الدولة ومؤسساتها، ثم تأدية الدولة لتحقيق : (وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ)..
والدليل عليه، اللاحق من النص المبارك الذي يكون ؛ (فأَمَّا حَقُكُمْ عَلَيَّ...)، وبعد بيان الحقوق، يأتي دور تعاون الناس مع الشخص القيادي والسلطة التنفيذية في الدولة، المتمثل : (وَأمَّا حقي عَلَيْكُمْ...)، وبه يتحقق الجانب التضامني والواعي، والعطاء الطوعي المستمر من كلا جناحي الدولة - المجتمع لاستدامة البناء الحضاري..
1) المرجع نفسه / ص 79.
فالحقوق والواجبات بين القائد والمجتمع، كما ينصح، لا تقوم ضمن العمليات الاجتماعية إلا على أساس الطواعية والأداء للصالح العام وضمنه يكون الخاص، ومنه بسلامة العلاقات يتحقق تماسك وبناء المجتمع، حتى حقوق القائد على المجتمع لا تخرج بنفعها عن الصالح والمصلحة العامة، لأن تكوينها وجعلها التشريعي والتنظيمي والبنائي من أجل العامة ورهن لها، ومنه يمكن بيان ذلك بالمخطط الآتي :
مخطط (32) يبين الحقوق والواجبات العامة المتبادلة بين المجتمع والدولة
وبشكل عام ؛ عندما يختار المجتمع أو الناس قائدهم، وهو حق من حقوقهم، يتوجب الوفاء بالبيعة، وعندما لا يتحقق الحق الرئيسي للدولة أو القائد، وهو الوفاء بالبيعة والتآزر معه في السراء والضراء لبناء الدولة المدنية والمجتمع وحضارته، يؤدي بالخلل في النظام والتنظيم، لذا يقول (عليه السلام) :
(وَاللهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الخِلافَةِ رَغْبَةٌ، وَلا فِي الوِلايَةِ إرْبَةٌ، وَلَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا، وَحَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلى كِتَابِ اللهِ وَمَا وَضَعَ لَنَا، وَأَمَرَنَا بِالحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ وَمَا انَّ النَّبِيُّ، (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فَاقْتَدَيه) (1).
وجانب آخر من منظومة الحقوق والواجبات داخل الدولة، أن يكون المسؤول بمستوى المسؤولية وأهلاً لها، ومحط الثقة التي وضعها الناس فيه، هو ما يتمثل في قوله (عليه السلام) :
1) المرجع نفسه / ص 322.
(أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ حقاً عَلى الوَالِي أَلا يُغَيِّرَهُ عَلى رعيّتِهِ فَضل نَالَهُ، وَلا طُول خُصَّ بهِ، وَأَنْ يَزيدَهُ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبادِهِ، وَعَطْفاً عَلى إِخْوانِهِ.
أَلا وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَلا أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِرًّا إِلا فِي حَرْبٍ، وَلا أَطْوِيَ دُونَكُمْ أَمْرًا إلاّ فِي حُكْم، وَلا أُؤَخِّرَ لَكُمْ حَقًّا عَنْ مَحَلّهِ، وَلا أَقِفَ ِبهِ دُونَ مَقْطَعِهِ، وَأَنْ تَكُونُوا عِنْدِي فِي الحَقِّ سَوَاءٌ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذلِكَ وَجَبَتْ اللَّهِ عَلَيْكُمُ النّعْمَةُ، وَلِي عَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ ؛ وَأَلا تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ، وَلَا تُفَرِّطُوا فِي صَلاحٍ، وَأَنْ تَخُوضُوا الغَمَرَاتِ إلى الحَقِّ، فَإِنْ أَنتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلى ذلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنْ اعْوَجَ مِنْكُمْ، ثُمَّ أَعْظِمُ لَهُ العُقُوبَةَ، وَلا يَجِدْ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةً، فَخُذُوا هذا مِنْ أُمَرَائِكُمْ، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَكُمْ، وَالسَّلامُ)(1).
والحقوق والواجبات المشتركة والمتبادلة بين المسؤول والناس في النص المتقدم، يبين مدى محتوى أخلاقية الحقوق وتأدية الواجبات، بكل ما تحتوية من بناء حضاري، وهو ما لا نراه في أرقى الحضارات الإنسانية، بالمحتوى الرسمي وغير الرسمي، واتجاهاته السلوكية - التنظيمية في تماسك الدولة - المجتمع ؛ (فإنَّ حقاً عَلى الوَالِي أَلا يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ :
فَضْلٌ نَالَهُ
لا طُولٌ خُص به..
أَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ ؛ دُنُوا مِنْ عِبَادِهِ، وَعَطْفَاً عَلَى إِخْوَانِهِ ...
وثقل المسؤولية وعظمتها وعظمة توابعها، وما يتوجب من أداء ما مخطط لها، هو الحد الفيصل بين المسؤول والناس أو المجتمع، الهادف الأسمى غاية ؛ رضى الله تعالى..
وأيضاً يظهر من النص المبارك، العلاقة بين المستويات التنظيمية العليا لإدارة الدولة، والحقوق والواجبات المتبدلة، وما يترتب عليها من توزيع المسؤوليات والصلاحيات، ومنه ما يتعلق في مجال التنفيذ ومستوى الأداء والنتائج الأداء والنتائج من جهة، والعلاقات العامة والخاصة والرسمية وغير الرسمية من جهة أخرى، وما يتمثل بين المستويات الإدارية والقيادية وتوزيع المهام، (وَلَا أُؤَخِّرَ لَكُمْ حَقًّا عَنْ مَحَلِّهِ)، والنتائج ؛ (وَأَنْ تَكُونُوا عِنْدِي فِي الحَقِّ سَوَاءٌ)..
وما يترتب في التقييم الوظيفي، وما يحقق تقويم الأداء، واليدليل هو ما يتمثل عند ؛ (وَأنْ تَخُوضُوا الغَمَرَاتِ إِلى الحَقِّ، فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلى ذلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنْ اعْوَجَ مِنْكُمْ، ثُمَّ أَعْظِمُ لَهُ العُقُوبَةَ، وَلا يَجِدْ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةً)..
1) المرجع نفسه / ص 424.
وتتدرج الحقوق المتبادلة بين المسؤول الأعلى المتمثل بالوالي أو كما يسمى اليوم برئيس المقاطعة أو المحافظة في الدولة، وعلاقته بالمجتمع، وحينها يكون استيعاب أخلاقية المسؤولية : (وَإِيَّاكَ وَالمَنَّ عَلى رَعِيَّتِكَ بِاِحْسَانِكَ، أَوْ التَّزَيّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتِبعَ مَوْعِدَكَ يُخَلْفِكَ، فَإِنَّ المَنَّ يُبْطِلُ الإِحْسَانَ، وَالتَّزَيَّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الحَقِّ، وَالخَلْفَ يُوجِبُ المَقْتَ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى : " كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ") (1).
والعلاقات الإنسانية والثقافة التنظيمية الإدارية - المجتمعية، لها مدلولاتها الفاعلة في نصاب الحقوق
والواجبات بين المسؤول والناس، لذا كان توجيهه (عليه السلام) لمحمد بن أبي بكر (رضیَ اللّهُ عنهُ) حين كلّفه بالمسؤولية على مصر :
(فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَابْسُطُ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ والنَّظْرَةِ، حَتَّى لا يَطْمَعَ العُظَمَاءُ في حَيْفك لَهُمْ، وَلا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْتُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّب فأَنتُمْ أظْلَمُ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ) (2).
وأخطر ما يُباعد بين الخالق عز وجل والإنسان هو الظلم، وما يتوجب الأداء من الإنسان، وما يُحيط به من بيئة، ولاسيما العلاقة بين القائد أو المسؤول الأعلى والناس الذين يعرفوا الحقوق والواجبات، وما يتطلب من المسؤول أن يعمل من منطلق المسؤولية.. حيث يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) لأحد ولاته :
(أنصف الله وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوَى مِنْ رَعِيَّتِكَ، فإنَّكَ إِلا تَفْعَلْ تَظْلِمْ ! وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ الله خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ اللهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إلى تغييرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إقامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ، فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بالمِرْصَادِ) (3).
وربما بالمقابل يكون الناس أو المجتمع يظلموا قائدهم، لعدم استيعاب ثقافة الحقوق التبادلة والعمل بها، أو جهل المجتمع وعدم الوعي المناسب لمعرفة الحق والواجب المتبادل، أو يمتلك ثقافة السطوة والأقوى هو الذي يسود، فلا يصح لديه العلاقات الإنسانية وحقوق الإنسان وحقوق الناس، وتعلّم وتدرّج المجتمع على الضغط والشدة والقسوة والظلم والاستعباد والدكتاتورية، ولعاهته أو مرضه، النفسي لا يتقبل السلوك التنظيمي الديمقراطي، وبهذا يحتاج إلى تأهيل فكري ونفسي وسلوكي،
ليستوعب ما حصل عليه من حقوق ليتعاون مع هذا الجو التنظيمي الإنساني، والدليل ما حصل بين أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) والناس في عهده.. حيث يقول :
(كَمْ أَدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى البكَارُ العَمِدَةُ، وَالثَّيَابُ المُتَدَاعِيَةُ ! كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبِ تَهَتّكَتْ مِنْ آخَرَ، كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَناسِرٍ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ، وَانْجَحَرَ انحِجَارَ الضَّبّةِ فِي جُحْرِهَا، وَالضَّبْعِ فِي وِجَارِهَا. الذَّلِيلُ وَاللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ ! وَمَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ ناصلِ، إِنَّكُمْ - وَاللَّهِ - لَكَثِيرٌ فِي البَاحَاتِ، قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ، وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ، وَلكِنِّي لا أَرَى إِصْلاحَكُمْ بِافْسَادِ نَفْسِي، أَضْرَعَ اللَّهُ خُذُودَكُمْ، وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ! لا تَعْرِفُونَ الحَقِّ كَمَعْرِفَتِكُمُ البَاطِلَ، وَلا تُبْطِلُونَ البَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الحَقَّ !) (1).
وهنا تضيع حقوق القائد أو السلطة التنفيذية بين ما تعوّد الناس عليه، وما تعزز في دواخلهم من تراكمات الماضي من سطوة وقوة في الحكم، وعندها هم مَنْ يُضيعوا حقوقهم بسلوكياتهم المجتمعية الخطرة، دون وعي ومسؤولية.
وبهذا لا تقتصر المسؤولية على القائد، بل تتعداه للحفاظ على المكتسبات، والمساعدة على صون حقوقهم، والدليل الواضح المؤلم، عندما يتعامل القائد بكل ما يتطلب من الأخلاقية الإنسانية، وبالمقابل لا يرى استجابة ودعم الحماية حقوقهم ؛ (وَإنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ، وَلكِنِّي لا أَرَى إِصْلاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي)، وأَوَدَكُمْ يعني اعوجاجكم..
والأخطر حينما يستقرأ القائد ما هم عليه من تناقضات ؛ (لا تَعْرِفُونَ الحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ البَاطِلَ، وَلا تُبْطِلُونَ البَاطِلَ كَابْطَالِكُمُ الحَقِّ !)..
وما أعظم قوة شخصية القائد وعظيم أخلاقية المبادئ الإسلامية التي يحملها، حينما يُعالج أمراضهم الاجتماعية ؛ (كُمْ أَدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى البكارُ العَمِدَةُ، وَالثِّيَابُ الْمُتَدَاعِيَةُ)..
وقد سبق ذلك قبل استلامه (عليه السلام) قيادة المسلمين، قوله :
(.. وَإِنَّمَا طَلَبْتُ حَقًّا لِي وَأَنتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ، فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ بِالحَجَّةِ فِي المَلا الْحَاضِرِينَ هَبَّ كَأَنَّهُ بُهِتَ لا يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ!) (2).
وطلب الحق عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا من أجل المصلحة الخاصة والشخصية وحب السلطة والحكم، وإنما التوجه بها من أجل المصلحة العامة وحمايتها، لحماية مبادئ ومكارم الأخلاق الإسلامية، مما يجري عليها من تلاعب وظلم وهدر في الحقوق..
لذا حينما رأى (عليه السلام) الموقف الخطير وغير المناسب، وما كان عليه من مؤشرات عدم الاتفاق والتعاون في نجاح تطبيقاته لإحقاق الحق بكل المستويات والطبقات، ولا يوقفه في الحق لومة لائم، امتنع وقال :
(دعوني وَالتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَالْوَان : لا تَقُومُ لَهُ القُلوبُ، ولا تثبت عَلَيْهِ العُقُولُ، وَإِنَّ الآفاق قَدْ أَغَامَتْ، وَالمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ، وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أصغِ إلى قَوْلِ القَائِلِ وَعَتْبِ العَاتِبُ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ؛ وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَمِيراً !) (1).
وحينما يكون البناء الفكري للمجتمع مُربك وغير مؤهل للاتجاه به صوب قويم الأداء، ومتقدم التطبيقات الإنسانية في الحكم، والأخطر حينما يؤثر بالمجتمع ثقافة العزة في الإثم، و (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) من الآية 11 / سورة الرعد..
ولذا لابد من السبق لنشر وتقبل ثقافة الحقوق والواجبات وتطبيقاتها المتبادلة بين القيادة الحاكمة والناس، بكل وعي واستيعاب وتعاون، لتعزيز بناء دولة مدنية قائمة على الإنسانية وحقوق الناس المستدامة، وصون حقوق ما يُحيط بهم من مخلوقات وبيئة..
واستكمالاً لما تقدّم من القول، فإن اختيار القائد في الدول المتقدمة والحضارية بإنسانيتها، لا يكون إلا من خلال الناس، وهنا يلعب الوعي وثقافة استيعاب الظروف والمواقف والشخصيات، الدور البالغ لاختيار الشخص القيادي، وهذا الاختيار حق من حقوق الناس، لكي لا يتعارض ذلك الصالح العام، ومنه يتم تجسيد إنسانية القيادي وحرية التعبير عن شخصه بالأفعال، ليتحول من مرحلة الأقوال والنظريات إلى مرحلة التطبيقات الفعلية المثمرة..
1) المرجع نفسه / ص 136.
ويصوّر (عليه السلام) الموقف والاختيار مما جرى على أرض الواقع، وما تحقق من حرية التعبير للناس على أسس التحديد الأمثل، فيقول :
(أَمَا وَاللَّهِ مَا أَتَيْتُكُمُ اخْتِيَاراً، وَلَكِنْ جئفْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً) (1).
ويضيف (عليه السلام) صورة أخرى تكميلية لها حيث يقول :
(فَمَا رَاعَنِي إِلا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الصَّبَعِ إِلَيَّ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الحَسَنَانِ، وَشَقّ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبيضَةِ الغَنَمِ) (2)
ومما يعني ؛ وما شعرت إلا والناس ؛ (كَعُرْفِ الصَّبْعِ)، وبيانه بتمثيل الموقف بما هو عليه مما كثر على عنق الضبع من الشعر، وهو تمثيل دقيق لمدى كثرتهم وازدحامهم، وهم يقدمون ويتابعون بازدحام، وبه يصور اصطكاكهم وتكتلهم عليه..
ويتبين مدى دقة الأمر وحساسيته وخطورته، وما مدى دقة الاتفاق والاختيار، للحيلولة دون تفاقم المشاكل والأزمات بقدرات ومؤهلات الشخص القيادي، والاتجاه بدقة العلاج للحدث..
وهنا يظهر مدى دقة الترابط بين إدارة الأزمات والقائد، للحيلولة دون ما يُهدد المجتمع من مخاطر وتحديات، ومتطلبات الاختيار المجتمعي الأمثل للقيادة، ويتضمن النص المبارك، مدى أهمية الاستقطاب وتوافق الآراء في اختيار الناس للكفاءة والقدرة القيادية، ليكون القائد القطب الجامع لكل متطلبات وحقوق الناس، والمانع بإدارته من تفاقم الأزمات، وما يحققه من السيطرة عليها وعلاجها بما يتلائم مع وقع الحدث..
وفي صورة تشبيهية أخرى، يضيف (عليه السلام) :
(فَأَقْبَتُمْ إِلَى إِقْبَالَ العُودِ المطَافِيلَ عَلى أَوْلادِهَا، تَقُولُونَ : البَيْعَةَ البَيْعَةَ! قَبَضَتُ كَلِّي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعْتُكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا) (3).
وفي كتاب له (عليه السلام) إلى طلحة والزبير، مما يقول فيه :
(.. فَقَدْ عَلِمْتُمَا، وَإِنْ كَتَمْتُمَا، أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي، وَلَمْ أُبايِعُهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي، وَإِنَّكُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِي وَبَايَعَنِي، وَإِنَّ العَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَالِبٍ، وَلَا لِعَرَضِ حَاضِرٍ..) (4).
ويمكن بيان من بين أهم ما يتضح مما تقدّم، بالآتي :
1 - ليس من شروط إسهام الشخصية القيادية في علاج أمور المجتمع المختلفة، أن يتسلم سدة الحكم أو السلطة، بما فيه ما يكون على مستوى مشروع أو دولة.
2 - غالباً ما يميل الشخص القيادي إلى الاتجاه اللارسمي في الاتصالات والعلاقات الإنسانية، ليحقق أدق فهم لواقع الإنسان كفرد و كمجتمع، ويتجه لتحاشي استلام السلطة، إلا حينما يتوجب ذلك النفع والاختيار من العام إلى الخاص..
3 - رفض (عليه السلام) تسلُّم القيادة بشكل متواصل، ولابد من التفرقة بين أن يتسلم قيادة أمة وبين الجعل التكويني والتشريعي لتسلم قيادة الأمة، وهو (عليه السلام) وصي رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وبمؤهلاته تكون استقامة وحماية الإسلام والتماسك الاجتماعي وحماية الحق العام للحيلولة دون الوقوع في دائرة الصراعات على السلطة والحكم، بل الهدف القيادي أن يتجه لاستقامة الأمة بفكرها العقائدي وخدمة كلمة ؛ لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وكانت مرحلة القيادة غير الرسمية تتمثل قبل تسلم الخلافة، والدليل الاستشارات من السابقين في الحكم بعد رسول الله (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، لذا قال (عليه السلام) حينما أراده الناس وبايعوه لحماية الأمة :
(دَعُوني وَالتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُستقبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَالْوَان ؛ لا تقوم له القلوب، وَلا تَثبتُ عَلَيْهِ العُقُولُ، وَإِنَّ الآفَاق قَدْ أَغَامَتْ، وَالمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ، وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أصْغِ إلى قَوْلِ القَائِلِ وَعَتْبِ العَاتِبُ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ؛ وَلَعَلّي أسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أميراً) (1).
لأنه (عليه السلام) تحسس بدقة، ما جرى وما يجري من التغيير داخل المجتمع والدولة، وبهذا لا يمكن للمجتمع أن يصبر على الحق، إلا بعد إجراء التغييرات الجوهرية داخل المجتمع والدولة..
فمثلاً كان التيار الدنيوي الذي يقوده معاوية من أخطر ما يكون على استقامة المسيرة العقائدية وبناء الدولة والمجتمع، لما يُحرك الجانب المادي للنفس البشرية، وهو مثال واحد من مجاميع الأمثلة، قد زرعت داخل جسد ونسيج المجتمع الإسلامي..
4- للمجتمع الحق الفعلي لمزاولة اختيارهم للقائد الرسمي، لتحمل مسؤولية الدولة وأنشطتها واستقرار المجتمع، بكل ما يعنيه الأمر من استقرار..
5 - يتهيأ ويتحتّم على القائد اللا رسمي، ليتحمل مسؤوليته كقائد رسمي من أجل استقامة مصالح الناس، لذا لابد من قبول هذه المهمة، وإلا كان إرباك وتهديد مسيرة ومستقبل المجتمع...
1) المرجع نفسه / ص 136.
6 - يبين ما تقدّم من النصوص المباركة، ما أهمية الوعي ومعرفة المجتمع في اختيار وتنصيب القيادة، وهو جزء من مهام الناس وتحملهم الشرعي في الحفاظ على دينهم ودنياهم وأرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم..
7 - وجود وتحقيق الحق والعدالة والمساواة في تفاصيل الحياة وتطبيقاته وحماية مكانته، له العمق الإستراتيجي للتوجيهات والتوجهات الأعمق من الديمقراطية والأوسع بآفاقه من تطبيقات الفكر الغربي الحديث والمعاصر، ولكن ما نفع التنظير بلا وعي وثقافة تطبيقية..
وعموماً ومن خلال مباحث هذا الفصل، يتضح ما أهمية البناء القيادي، والشخصية القيادية القائمة على استقامة التماسك الاجتماعي، وما يترتب عليها من الحقوق والواجبات المتبادلة مع المجتمع أو الناس، وما يتوجب من استدامة إختيار المجتمع لقائدهم، والتعاون وبناء ثقافة الثقة المتبادلة على أرض الواقع، للحيلولة دون ظهور الفجوات التي تضعف العمليات وآلية العلاقات والتماسك والبناء الاجتماعي، وتُضعف الأمة بين الأمم، وتهدر طاقاتها المتعددة، وتجعلها التابع الضعيف والمستهلك لكل مناحي متطلبات الحياة العصرية المستدامة..
وتواصلاً لما تقدّم بيانه وذكره، وما سيكامله لاحقاً، إن شاء الله تعالى، سيكون مدار الفصل محدد بالمباحث الآتية :
المبحث الأول : علم الاجتماع الاقتصادي.
المبحث الثاني : علم الاجتماع الصناعي.
المبحث الثالث : علم الاجتماع التربوي.
المبحث الرابع: علم الاجتماع الجنائي.
المبحث الخامس : علم الاجتماع البيئي.
المبحث السادس : علم الاجتماع الصحي والطبي.
المبحث الأول: علم الاجتماع الاقتصادي(1)
هاشم حسين ناصر المحنك / علم النفس في نهج البلاغة / مطبعة القضاء / النجف الأشرف - العراق / 1990..
فضلا عن ما تقدّم، فإنّ الاقتصاد ؛ يبحث في كيفية دعم إدارة واستثمار الموارد الاقتصادية النادرة لإنتاج أفضل وأنفع لما يتم إنتاجه من السلع والخدمات والمعلومات، وذلك لإشباع الحاجات الإنسانية ومتطلباتها المادية التي تتسم بالوفرة والتنوع في ظل إطار معين من القيم والتقاليد والتطلعات الحضارية للمجتمع، ويبحث الاقتصاد في الطريقة التي يوزعها هذا الناتج الاقتصادي بين كل مشارك في العملية الإنتاجية بصورة مباشرة، ومَنْ يشارك بصورة غير مباشرة، في ظل الإطار الحضاري.. (2)
والنظر لما يُعالجه الاقتصاد الجزئي Micro - Economics المتعلق بالأفراد والمشاريع، وما يتعلق بقوى العرض والطلب، والأسعار، وموقف المستهلك أو الزبون، واختيار سلعة دون أخرى، وما يُقابله من موقف المنتج وما يتجه بمؤشراته المستوى دوافع الانتاج، وما يتطلبه من توازن التحليل الاقتصادي الجزئي..
وأما ما يُعالجه الاقتصاد الكلي Mocro - Economics فيتعلق في تحليله الاقتصادي للإجراءات المالية والنقدية والاستقرار والنشاط ومعدل النمو الاقتصادي، ومشاكل الاقتصاد القومي ؛ كالمستوى العام للأسعار والإنتاج والاستخدام الكلي، وتوازن التحليل الاقتصادي الكلي..
وأهمية معالجة المشاكل المختلفة التي تواجهها الحضارات، ومنها المشكلة الاقتصادية Economics Problem بأسبابها وعناصرها التي تصب وتتفاعل مع معالجة المشكلة الاجتماعية ذات العلاقة، وبما تتضمنه المشكلة المحورية ألا وهي الندرة النسبية Relative scarcity للموارد، وما يُقابله مما ينتج من خلال فاعلية الوسائل الكفيلة لإشباع الحاجات..
وتأخذ المهام الاقتصادية - الاجتماعية اتجاهين ؛ الاتجاه العام والاتجاه الخاص، والإنتاج يكون إما سلع منظورة أو سلع غير منظورة (خدمات ومعلومات)، والصناعات تكون بهذا الشكل إما صناعات خفيفة أو متوسطة أو ثقيلة،
وبهذا فعلم الاقتصاد ؛ هو الذي يحقق من خلاله التخصص، ويتم فيه توجيه الأنشطة الاقتصادية بمواردها النادرة، المادية وغير المادية والموارد البشرية، لغرض تحقيق الأهداف الغايات المتنوعة، بما فيها الانسانية - الأخلاقيه ويحسب ما يحتاجها المجتمع لإشباع حاجاته المنظورة وغير المنظورة، بأفضل وأنسب السبل العقلانية الرشيدة.. (1)
أجانسي ساكس / تيارات رئيسية في علم الاقتصاد / ترجمة د. فاضل عباس مهدي / دار الطليعة للطباعة والنشر / بيروت - لبنان / ص 7 -9.
د. أنور نعيم قصيرة / الاقتصاد السياسي / ط- 3 / مطبعة الوطن / بيروت - لبنان / ص 9 - 36.
د. هوشيار معروف / أزمة علم الاقتصاد وبناء النظرية الاقتصادية / ط 1 / مطبعة مؤسسة المعاهد الفنية / بغداد العراق / 1986 ص 20 - 29.
Culyer, A. J. / Economics /Basil Blackwell Inc. / Glasgow / 1985.
ويمكن أيضاً القول بأنّ علم الاقتصاد : هو الذي يخوض في تفسير دورة الحياة الاقتصادية وما يتعلق بأحداثها وطبيعة ظواهرها، وربطها بما يتحكم بها من الأسباب والعوامل العامة، للوصول إلى أمور متعددة، منها فهم الحاجات وإمكانيات سلوك إشباعها، بأساليب تعاظم نفع الموارد النادرة واستثمارها التكنولوجي الإنتاجي..
والاقتصاد من وجهة نظر علم الاجتماع ؛ هو عامل من العوامل الإستراتيجة لحماية المجتمع من خلال الأساليب المتوافرة والمحققة لخفض وطأة الظروف الاجتماعية من خلال توافر العمل وتحسين وسائله، ورفع المستوى الاجتماعي بالفرص المتواصلة، وبما متاح من خطط، لرفع دخل الفرد والدخل القومي، والحد من البطالة، وزيادة الإنتاج بوتيرة المنظومة الاقتصادية، واستثماره فرص ارتفاع مستوى العرض والطلب والاستهلاك في التوزيع وإعادة التوزيع وإعادة هندسة التوزيع، واستثمار القوانين والنظم التي تخضع لها أو تسهم في تنميتها..
اما علم الاجتماع بالأساس من مهامه التركيز على ماهية المجتمع، وكما تم التوصل إلى مفهومه في مدخل هذا الكتاب، وبشكل مختصر وشامل، بأنّ علم الاجتماع ؛ هو الذي يحلل ويدرس بموضوعية الأشكال المتفاعلة لمجموعة التراكيب المعقدة المادية وغير المادية والنفسية والبشرية، والمترابطة بالعمليات والعلاقات الرسمية وغير الرسمية، والتي تولّد ظواهر ونتائج إنسانية معينة ولحياة محددة..
وفي ضوء ما تقدّم ذكره، يمكن أن أقول بأن علم الاجتماع الاقتصادي، مما يعنيه ؛ هو كل ما يتجه بالاهتمام الاقتصادي - الاجتماعي في ظل علاقاته بالنظم والعمليات الاجتماعية والسياسية والإدارية والنفسية، ومنه يمكن القول بأنه الدراسة العلمية لأمور الاقتصاد بما فيه فاعلية ما يؤثره المجتمع في ميوله على العرض والطلب، ومنه على ما يتعلق بتفاصيل حركة الدورة الاجتماعية - الاقتصادية ونتائجها المستدامة والمستمرة..
1) راجع على سبيل المثال :
ويتجه صوب دراسة وتحليل العوامل الاجتماعية وأهميتها ومدى ارتباطها بالاقتصاد ومكوناته، والسلوك الاقتصادي وعلاقاته بالمشكلات الاقتصادية، وفاعلية العمليات والعلاقات ومنه قوة البناء الاجتماعي واتجاهات وقيم المجتمع، ومدى تأثيره على الأداء الاقتصادي والتطور والنمو الاجتماعي...
وأرى اتجاه وأهمية (علم الاجتماع الاقتصادي) ؛ كونه يدرس تكاملية وجزئية الاتجاه الفردي والجماعي والمجتمعي في ظل الدولة، ومنه على المستوى العالمي، وما يصب في الدواخل الاجتماعية، والتأثيرات الاجتماعية الموجهة والموجهة للسلوك الاجتماعي - الاقتصادي، وما يكون عليه كل شخص ؛ كمستهلك وزبون ومنتج ومروج وبائع ومشتري زبون أو مستهلك، وما يتعلق بالاتصالات والعلاقات الرسمية وغير الرسمية، ومختلف الاتجاهات وقنوات توزيع وتسويق، وما يحمل الفرد - المجتمع من محتوى ثقافي وحضاري وأخلاقي وإنساني، ومؤثرات القدرات المالية - الدخل، ولا نغفل كل ما تتوجه به وتضعه الدولة من تشريعات وقوانين وتعليمات ولوائح..
واجتماعياً ما يترتب من تأثيرات السلوك الاقتصادي ؛ وما يحل ضمن تفاصيل الدخل والاستهلاك والادخار والاستثمار، وما يحدث من تذبذبات فيها، من زيادة أو نقصان، وتضخم وعجز وانتعاش، وحاجات ورغبات وإشباعات، زمانية ومكانية وموقفية، بعقلانيتها أو طوبائيتها، وما يترتب من موجه ومحرك المرونة..
ومن خلال ما يتمثل بالسلوكيات الاجتماعية المؤثرة على المدى القريب والبعيد، وربما بمحرك الانسياق العاطفي أو الذاتي أو الموضوعي التي تتكون من جملة الاتجاهات الاجتماعية للمعلومات والأفكار والمعارف والعلوم، المكتسبة بالتعلم والتربية والتعليم بمستوى مؤثراتها الثقافية والحضارية..
ولا نتجاهل تداخلات البيئة الداخلية والبيئة الخارجية والمناخ التنظيمي الاجتماعي بالمنبهات والظروف الزمانية والمكانية، والمنبثقة من المواقف وطبيعة الاستجابات والدوافع والرغبات والقدرات، وتفاعلها مع الاتجاه الجمعي..
وللسلوك الاقتصادي الفردي والجماعي والمجتمعي وربما يشمل الدولة، وحضوره الفاعل في التأثير على الحركة الاقتصادية، ومنها الانفاق الاستهلاكي والإنفاق الاستثماري، واتساع أو الحد من تفاعل عوامل الإنتاج، وبمختف ملكياتها الفردية أو الجماعية، أو المجتمع أو الدولة، وفاعلية الاقتصاد والعامل الاقتصادي في تطور ونمو وحركية الدولة والمجتمع..
ومما له التأثيرات والتغييرات الاجتماعية الفاعلة والحيوية، ومدى مرونة السلع والخدمات والمعلومات، ومستوى التمسك والتحوّل من ماركة تجارية إلى أخرى، ونوعية التحول المادي وغير المادي والنفسي ؛ الفردي والجماعي، وبالظروف المختلفة ؛ الزمانية والمكانية والموقفية..
وربما تتعدد الاتجاهات الموقفية، ومنه ما يتعلق بالفرد - الجماعة وموجهات المواقف والمشاكل والمعوقات ومدى توافر الحاجات واستمرارياتها..
أما ما يترتب عن الاتجاهات غير الموقفية، منه ما يتعلق بالطارئ وما يحدثه، كإلحاح الحاجة ومتطلبات سرعة إشباعها، وربما لا تحتاج للتفكير والمعاينة والقرار والتخطيط، مثل الغذاء والأمن الاجتماعي – الاقتصادي..
وفي دراسة سابقة، تم بيان جانب مما تحمله الآيات القرآنية :
(وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذرِينَ كَانُوا إِخْوَان الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (30) سورة الإسراء.
وما تبين بخصوص دراستنا هذه من مضامين وأبعاد عظيمة للسلوك الاقتصادي - الاجتماعي والنفسي، فضلاً عن مضامين علم النفس الاقتصادي، وبناءه الاستراتيجي المتواصل، وامتداده حتى نهاية الدنيا، وما يترتب عليه من مسؤولية، وكيفية ما يتفرّد في تحملها الإنسان العاقل..
وبذات الوقت ترى مضامينها تشمل على علم الاجتماع الاقتصادي، وما يتعلق بارتباطات الإنسان وعلاقاته الاجتماعية - الاقتصادية، وما يترتب عليها من الحقوق..
وما تظهره من العلاقات الإنسانية - الأخلاقية إلى جانب العلاقات الاجتماعية - الاقتصادية والائتمان والرفاهية، والأنشطة الاقتصادية بالتوازي مع السلوك الاقتصادي والتوازن الذي يبدأ من الفرد، وينتهي إلى الفرد - الجماعة، ومنه تخطي المشكلة الاقتصادية وتمتد للبناء المؤسساتي والمنظومة الاقتصادية على مستوى الدولة – المجتمع..
والتوازن بين الجعل التكويني للإنسان بقوته العقلية والجسدية والنفسية، والجعل التشريعي المترتب على تلك القدرات والقابليات، وأمور غيبية لا يعلمها إلا الله جل جلاله، ومنها ما يدخل ضمن النفسية - الاقتصادية، والسلوكية – الاقتصادية..
والرحمة الإلهية فيما يُحمّل الإنسان بما لا يتعدى طاقته الاستيعابية ؛ الفكرية والنفسية والسلوكية، وما يترتب عليه من أعباء اجتماعية، ومسؤوليات وأداء وواجبات وحقوق، لذا كانت الرحمة الإلهية ؛ (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)، وما يدلّ على ذلك : (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا)..
ومضامين تنظيمية - تشريعية، لسلوكية اقتصادية - اجتماعية، وما يترتب عليها في الجانب الفقهي من حلال وحرام، وحقوق وعلاقات إنسانية وأخلاقية، وامتداداتها الدنيوية - الأخروية،
ومضامينه تنتجلّى في الآية المباركة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضَ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَانا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا) (30) سورة النساء.
و تواصل الآيات القرآنية المباركة، لبيان مناهج التنظيم السلوكي الاجتماعي - الاقتصادي، وما يترتب من حقوق شرعية، ومنها أداء الحقوق الاجتماعية - الأسرية : (.. لَا تَعْبُدُونَ إِلا الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنتُمْ مُعْرِضُونَ) من الآية 83 / سورة البقرة.
(وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا أَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا) (39) سورة النساء.
وتظهر العلاقات الاجتماعية بالتوازي مع السلوك الانفاقي بموجه ما تبينه الشريعة الإسلامية، ومنه ما يتعلق بالبخل، كسلوك متعدد المخاطر والتهديدات، وبالمقابل ما يترتب من الوجهة الاجتماعي بموجهات الإتفاق النابع من المرض النفسي وأسلوب إشباع الغرائز، كما هو عليه سلبية الإنفاق التفاخري المتمثل فيما يكون رئاء الناس، ومما يهتم بدراسته علم الاجتماع الاقتصادي..
وامتداد النظرة لبناء ثقافة السلوك الاقتصادي - الاجتماعي، وأخلاقية الانتهاج بهدايته، نستشفه من قول أمير المؤمنين إمامنا (عليه السلام) :
(خَلَقَ الخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَاسْتَعْبَدَ الأَرْبَاب بِعِزَّتِهِ، وَسَادَ العُظَمَاءَ بِجُودِهِ ؛ وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وَبَعَثَ إِلى الجِنِّ وَالإِنْسِ رُسُلَهُ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَر مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحُهَا وَأَسْقَامِهَا، وَحَلالِهَا وَحَرَامِهَا، وَمَا أَعَدَّ اللهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالعُصاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ، وَكَرَامَةٍ وَهَوَانٍ) (1).
وجانب من بناء السلوك الاقتصادي السليم، الحذر من ضرّاء ما يواجه الإنسان في الدنيا من مستوى الثقافة والفكر الموجه للفرد والمجتمع، ولتوضيح ما تضمنه النص المبارك، يمكن وضع المخطط الآتي :
1) نهج البلاغة / ص 265.
مخطط (33) يبين بناء ثقافة منظومة السلوك الاقتصادي - الاجتماعي وما يترب من آثار دنيوية - أخروية
ومما يتضمنه النص المبارك ؛ الترابط بين الخلق، وما يترتب من أمور اجتماعية، وما تؤثر الأنشطة الاقتصادية على تطور الحياة، والعلاقة بين الجعل التكويني للمخلوقات وتوازنها بهدى الجعل التشريعي الموجه للعلاقات الاجتماعية والسلوك الاقتصادي والعمل، وما يترتب عن السلوك الاقتصادي للفرد والمجتمع والدولة، وتكامل النتائج وتأثيراتها على البناء الحضاري ومحددات المستقبل..
والعظيم في الإسلام واستراتيجياته الممتدة إلى ما بعد الدنيا، أن جعل لكل نشاط ونتائجه وما يترتب عليه من آثار دنيوية وأخروية، وامتداد المستقبل الإنساني الحقيقي والعقائدي الأخلاقي والذي يتجاوز كل محتويات ومضامين الثقافات الوضعية، ولاسيما البناء الثقافي التنظيمي - الاقتصادي الحديث، ومستوى تفاعل الأفراد والمجتمع والدولة، ومنهم الموارد البشرية أو القوى العاملة ضمن مفاصل هذه الأطراف، لينتج تفاعلات تكاملية للمنظومة الأخلاقية للعمل ومرتكزات الأداء والإتقان والجودة، ومنه البناء الاجتماعي المتواصل..
ومما يتأسس ويُبنى على السلوك الاقتصادي، مؤشر انعكاساته على المجتمع - الدولة ومحددات المستقبل، ومستوى مؤشر عقلنة السلوك ونزع الشهوة المفرطة والمحرمة، والحد من جموح النفس في
اتجاهاتها ورغباتها وبناء قدراتها وطلب حاجاتها، وكيفية ومتى الإشباع، ومواقف السلوك الاجتماعي السليم ؛ (فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى الله تَعَالَى وَهْوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، سَلِيمُ اللّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ، فَلْيَفْعَلْ) (1).
وجانب مهم مما يتبين ضمن أسس وبناء الفكر الثقافي الاقتصادي - الإنساني، الترابط بين حفظ ؛ (دِمَاءِ المُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ)، والأخلاق والمنطق والاجتماع ؛ (سَلِيمُ اللَّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ)، لينتج عنه أقوم السلوك الاقتصادي..
والدليل الموضح لأهمية استقامة السلوك الاقتصادي - الإنساني، المرتبط بالنظام الاجتماعي - السياسي : (وَايْمُ اللهِ، مَا كَانَ قَوْم قَطُّ فِي غَضّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشِ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلا بذْنُوبِ اجْتَرَحُوهَا، لأن الله لَيْسَ " بظَلام لِلْعَبِيدِ " وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ حينَ تَنزِلُ بهِمُ النَّقَمُ، وَتَزُولُ عَنْهُمُ النَّعَمُ، فَزِعُوا إلى رَبِّهِمْ يصدق مِنْ نِيَّاتِهِمْ، وَوَلَه مِنْ قُلُوبِهِمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ، وَأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ) (2).
واهتمام علم الاجتماع الاقتصادي يبدأ في هذا النص المبارك من ؛ (مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشِ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلا بِذُنُوبِ اجْتَرَحُوهَا)، فالتركيز على :
(قوم) ؛ يتمثل في ناس أو شعب أو مجتمع، وكل ما يحملوه من مقومات ومبادئ ومعلومات وعلوم ومعارف، وما يتبلور عنه من نتائج..
(نِعْمَة) ؛ مما يعني موارد طبيعة ومصطنعة ومنتجة، ملازمة العقول والمواهب والإبداعات..
(عيش) ؛ ومهما يشمل البيئة الداخلية والخارجية والعوامل وما شاكلها، وما يترتب من إتفاق ورفاهية وخطط وقرارات وتنفيذ ونتائج في مناخ تنظيمي وتنمية وتطوير..
وتعاظم التهديدات والمخاطر بين { النعمة والعيش }، يعني ما يتوسطه الإنسان بصفته الفردية والمجتمعية من الصراع بين الاقتصاد والبيئة، سببه ؛ (بذنوب اجتَرَحُوهَا)، وتشمل الذنوب كل السلبيات واقتراف الجرائم المنظورة وغير المنظورة، بالجنح والجنايات، والنتيجة (فَزَالَ عَنْهُمْ)، فلا يمكن أن تجتمع النار مع المواد السريعة الاشتعال بلا مخاطر وتهديدات وزوال رؤوس الأموال ونعمة، وربما تهديد الحياة..
والنعمة الاقتصادية - السلوك الاجتماعي، وما يتوجب من شكر النعمة، وذلك بمستوى استقامة السلوك الاقتصادي - الإنساني، وهو المحدد لاستمرارية النعمة من عدمها، والحد الفيصل للعودة بالاستقامة بهداية الشرع الإلهي ؛ (فَزِعُوا إلى رَبِّهِمْ بصدقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ، وَوَلَهِ مِنْ قُلُوبِهِمْ)، وبه يتحقق ؛ (لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ، وَأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ)..
فعندما يستقيم رأس المال المنتج Productive Capital، ويستقيم النشاط الاقتصادي Economic Activity، ويتم حماية جودة ما يتم إنتاجه من انحراف الكفاءة Efficiency Variance، فيكون الاتجاه بجودة المنتوج، وأخلاقية ما يبنى عليه لحماية المجتمع..
ونرى صورة من صور السلوك الاقتصادي، وتنوّع أشكال ما نعاصره، هو الاحتكار والنهج التنافسي المدمر بهذا السلوك للبناء الاجتماعي - الطبقي وللاقتصاد الوطني، وبموجه العولمة السلبية في تدمير الاقتصاد العالمي والمجتمعات..
ولحماية المجتمع من مخاطر اتجاهات السلوك الاقتصادي السلبي، المخطط وغير المخطط له، ومنه ما يتولّد من مخاطر وتهديدات الأنانية المؤدية لارتكاب جرائمه الاقتصادية - الاجتماعية، وتوابعه من ارتكاب جرائمه اللا إنسانية واللا أخلاقية بحق المجتمع والدولة، ولذا ينهى الإمام علي (عليه السلام) هذا السلوك المنحرف، ويظهر ذلك المنع بالقول :
(فامْنَعْ مِنَ الاحْتِكَارِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ – (صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ) - مَنَعَ مِنْهُ، وَلْيَكُن البيعُ بَيْعاً سَمْحاً : بمَوَازِينِ عَدْلٍ، وَأَسْعَارِ لا تُجْحِفُ بالفريقين من البائع والمبتاع، فَمَنْ قارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نهيكَ إِيَّاهُ فَنَكّلْ بِهِ، وَعَاقِبَهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ) (1).
وموازين العدل تصب أولاً وأخيراً في صالح وصلاح الفرد والمجتمع والدولة، وبشكل متبادل ومشترك، والموازين بأشكالها العادلة على وفق ما يحتاجه البيع والشراء، وبالتراضي في ضوء الشرع وما يتوافق معه العرف والقانون غير المنافي للشرع الإلهي، وهو مما يمثل أخلاقيات وعدالة السلوك الاقتصادي - الاجتماعي القويم والمستدام، ومنه ما يدخل ضمن الائتمان التجاري والمزيج التسويقي ومدى فاعليته في التنمية الشاملة..
والجانب الحيوي الآخر في البناء للمزيج الاستراتيجي الاجتماعي - الاقتصادي بشكله الواضح يتمثل في : (وَأَسْعَارِ لا تُجْحِفُ بالفَرِيقَيْنِ مِنَ البَائِعِ وَالمُبتاعِ) ؛ فالحق والعدالة تتحقق لكل طرف داخل عقد الشراء والبيع، العقود المكتوبة أو المدوّنة وغير المدونة، وبالتراضي بين الطرفين، فلا ظالم ولا مظلوم، فلكل حقه العادل، وما يترتب عليه من التراضي بين الأطراف، وبه يظهر مهام علم الاجتماع الاقتصادي واستراتيجياته، والدليل ما يتضمنه من أسعار والبائع والمبتاع، وما يتوسطهما من عدم الإجحاف بحقوق الطرفين ؛ المالي ومتطلبات الجودة وارتباطات الموازين بكل أشكالها وتبعاتها الائتمانية والإنسانية، ودعمها للمستوى العام للأسعار، ومؤداه لمستوى نسب المبيعات والحصة السوفية، وتعاظمها الاستثماري – الاجتماعي..
1) نهج البلاغة / ص 438.
والدليل الآخر على أهمية علم الاجتماع الاقتصادي، ما يترتب من سماحة البيع بواقعه الميداني - التشريعي ؛ (مَوَازِينِ عَدْلٍ، وَأَسْعَارِ لا تُجْحِفُ)، وما تحققه من الأسس الكفيلة لسلوك الأطراف الداخلة بعقود البيع والشراء، وبأقوم السلوك الاقتصادي - الاجتماعي والنفسي السمح المتبادل الحقوق العادلة، والمتوازنة بالمساواة أي كان المتعامل والمتعاقد والمتبادل المنفعة والمحقق لإشباع الحاجات وتدرج ضرورتها، ومستوى المرونة الداخلة بأهميتها وإلحاحها وضرورتها وأسبقيتها ضمن ما يُتفق عليه في تسلسلها ضمن هرميتها، المواكبة والمبنية على حركية عمليات التغيير والبناء..
وكذلك ما يتحقق من بناء الثقة بين الدولة وأصحاب رؤوس الأموال والمشاريع الصناعية، وبناء الاستقرار النفسي - الاجتماعي، ليكونوا الداعم للحركة الاستثمارية والتنموية الاقتصادية والانتعاش الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، وما يحققه من سلوك الجذب الاستثماري من داخل وخارج الدولة، حيث يقول (عليه السلام) :
(ثُمَّ اسْتَوْصِ بالتُجَارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً : المُقِيمِ مِنْهُمْ وَالمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ، وَالمُتَرَفِّقِ يَبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ المَنافِعِ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ، وَجُلابَهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالمَطَارِحِ، فِي بَرَكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا، وَلا يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لا تُخَافُ بَائِقَتُهُ وَصْلح لا تُخْشَى غَائِلَتْهُ. وَتَفَقَدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بلادِكَ، وَاعْلَمْ - مع ذلِكَ - أنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضيقاً فَاحِشَاً، وشحاً قبيحاً، وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ، وَتَحَكُما فِي البَيَاعَاتِ، وَذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الوُلاةِ) (1).
وبهذا تستمد أقوم العلوم الاجتماعية، الحقائق العلمية الرافدة بأخلاقياتها وإنسانياتها للتنمية الاقتصادية - الاجتماعية، وحماية الاقتصاد الوطني والمجتمع والأفراد، للحيلولة دون هروب رؤوس الأموال والعقول التنظيمية للاقتصاد ورؤوس الأموال المعرفية الإبداعية المستدامة، وما يرتبط به من حقوق الإنسان الاجتماعية، ودليله الواضح ؛ (اسْتَوْص بالتَّجَّارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بهِمْ خَيْراً)...
و بظهور قويم السلوك الاقتصادي - الاجتماعي، وتقييمه وتقويمه المستمر، يسيطر على مساحة خطورة التجار وذوي الصناعات والمنتجين، والحيلولة دون إهمال الجانب الاستيعابي الثقافي الاجتماعي في مختلف المعاملات التجارية، والحيلولة دون أن يؤدي إلى سلوك اقتصادي خطر ومربك ومنحرف وفاحش، وما يجر إلى ارتكاب الجرائم الاقتصادية والفساد الإداري والمالي بحق الفرد والمجتمع والدولة : (وَاعْلَمْ - مَعَ ذلِكَ - أنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضيقاً فَاحِشَاً، وَشْحاً قبيحاً، وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ، وتَحَكماً فِي البَيَاعَاتِ، وَذلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلى الوُلاةِ)..
1) نهج البلاغة / 438.
ويتبين وجوب سلامة بناء الأخلاقيات الاقتصادية - الاجتماعية في التشريع الإسلامي، ومنه ما يتجه منهج قويم السلوك الاقتصادي الإنساني الداعم لاتجاهات التنمية المستدامة..
والحيلولة دون الإهدار أو التفريط بكل طاقة تكون داخل الدولة وداعمة لها وللمجتمع ؛ (فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ المَنَافِعِ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ، وَجُلا بَهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالمَطَارِح، فِي بَرَكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ).
وجانب آخر يظهر في السلوك الاقتصادي - الاجتماعي، مما يتمثل بناءه في الاهتمام بالطبقات الاجتماعية، والتوابع الاقتصادية التي تتمثل في ؛ البطالة أو العجز عن العمل أو أي معوق يسبب الحاجة المالية، مع عدم تجاهل الصراع بين الطبقات والشرائح الأخرى، وما يتطلب من ضمان اجتماعي إستراتيجي تتكفل مهامه ومسؤوليته الدولة والمجتمع، وما يدعمه من الاستثمار والادخار والاستهلاك وحركة الإنتاج والتجارة والمال، وهو مما يتضمنه قوله (عليه السلام) :
(ثمَّ الله الله فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ المَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجينَ وَأَهْلِ البُؤْسَى وَالزَّمَنَى، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرًا، وَاحْفَظُ اللَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وقِسْماً مِنْ غَلَاتِ صَوَافِي الإِسْلامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ، فَإِنَّ لِلأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلأَدْنَى، وَكُلٌّ قَدِ اسْتَرْعِيتَ حَقَّهُ، فَلا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ، فَإِنَّكَ لا تُعْذَرُ بِتَضْييعِكَ الثَّانِية لإحْكامِكَ الكثير المهم) (1).
ومن الطبقات الاجتماعية (الطَّبَقَةِ السُّفْلَى)، وما يظهر لديها من الحاجات المختلف والضرورية، والظروف الاقتصادية والمالية الصعبة وغير المنتظمة في الدخل، بمعنى مستوى الدخل - الفرد محدود، والأخطر في الحاجة يتضح عند ؛ (الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ)، وتتحدد فئاتهم في ؛ (المَسَاكِينِ وَالمُحتاجينَ وَأَهْلِ البُوْسَى وَالزَّمْنَى)، والبُؤْسَى ؛ هم الذين يعانون من الفقر الشديد، وَالزَّمنى ؛ هم الذين يعانون من عاهة وتعطيل قواهم والأعضاء بما لا يستطيعون من اكتساب رزقهم، وهو جانب من مهام علم الاجتماع الاقتصادي ومعالجاته للمستويات الطبقية..
وما يترتب على الحاجة من حقوق، وآلية أداء تلك الحقوق ؛ (واجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وقِسْماً مِنْ غَلَاتِ صَوَافِي الإِسْلامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ)، وهما من مصادر تمويل الضمان الاجتماعي ومنه ما يتحقق من السلوك الاستهلاكي - الاقتصادي، مؤثراً بذلك على مستقبل الحركة والسلوك الاقتصادي وإشباع الحاجات، ولاسيما الحاجات الأساسية والضرورية والملحة لدى هذه الطبقة من المجتمع..
1) المرجع نفسه / ص 438.
فضلاً عن ما تم ذكره من فروع علم الاجتماع ؛ بالشكل المباشر وغير المباشر، يظهر علم الاجتماع الصناعي Industrial Sociology والذي يُعد كما أسلفنا ذكره في مبحث علم الاجتماع الإداري، ضمن علم الاجتماع التنظيم، فضلاً عن علاقته مع علم الاجتماع الحضري Urban Sociology والذي يكون ملازماً للتطورات الحضارية، وبالتحديد الصناعية منها، والمجتمع الصناعي بمختلف اتجاهاته والتطورات والتخصصات المتطورة منها..
ويُعد فردريك تايلر ؛ مؤسس هذا العلم بتجاربه وأبحاثه بين عام 1880 - 1884م، ومنها دراسته - (للوقت والحركة) وما أسهمت في زيادة الإنتاج والتقدم الصناعي وتطور المجتمع الصناعي، وما لحقته من دراسات، أضافت بنتائجها الكثير إلى علم الاجتماع الصناعي، ومنه ما يخص جماعات العمل والبيئة الاجتماعية الصناعية، واشتراكه مع علم الاجتماع العام في دراسة الأوضاع والقيم والأخلاقيات والدوافع والاتجاهات الاجتماعية في المجتمع الصناعي.. (1)
باركر وآخرون / علم الاجتماع الصناعي / ترجمة : محمد علي محمد وآخرون / دار المعرفة الجامعية / الاسكندرية - مصر / 1989.
برنار موتيز / سوسيولوجيا الصناعة / ترجمة : بهيج شعبان / مطبعة النجوى / بيروت - لبنان / ط 1 / 1974.
د. محمد عبد الله أبو علي / الصناعة والمجتمع / دار المعارف بمصر / ط 2 / 1974 / ص 19 - 71.
وبشكل عام ؛ فإنّ علم الاجتماع الصناعي، بدراساته وعلاجاته، له التأثير البالغ في فهم واستيعاب ما يتجه به المجتمع، ومما يُطالعنا به نهج البلاغة في إحدى الكتب التوجيهية لأمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) لولاته، ونقتطف منه، مما يخص موضوع المبحث، وما يتبين في مضامينه مما يخص تلاحم المجتمع الواحد وتخصصات المجتمع المصغر الصناعي، أو الموارد البشرية من أفراد المجتمع بما يتضمنه من محتوى وتأثيرات داخلية وخارجية، فضلاً عن ما استقيناه منه في مباحث ودراسات سابقة ضمن هذه السلسلة العلمية، وما أفاضت لنا من الطيب والنفحات المباركة المستقاة من المنبع الإلهي العظيم، حيث يقول (عليه السلام) :
(ثُمَّ اسْتَوْص بالتَّجَارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً : المُقِيمِ مِنْهُمْ وَالمُضْطَرِب بِمَالِهِ، والمترفق ببَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَواد المَنافِع، وَأَسْبَابُ المَرَافِقِ، وَجُلابَهَا مِنَ المَبَاعِدِ وَالمَطَارِح، فِي بَرِّكَ وَبَحْرِكَ،
1) راجع على سبيل المثال : نخبة من الأساتذة المصريين والعرب المتخصصين / المرجع نفسه / ص 412.
وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِها، ولا يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لا تُخَافُ بَائِقَتُهُ، وَصَلْح لا تُخْشَى غَائِلَتْهُ، وَتَفَقَدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بلادِكَ، وَاعْلَمْ - مَعَ ذلِكَ - أنَّ فِي كَثِير مِنْهُمْ ضيقاً فَاحِشَاً، وَشُحّاً قبيحاً، وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ، وَتَحَكُما فِي البَيَاعَاتِ، وَذَلِكَ بَابٌ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الوُلاةِ) (1).
ومن بين أهم ما نستوعبه، ومما يظهر لنا الآتي :
1 - أول ما يتبين من خلال النص المبارك، هو ما يتوجب من الانفتاح بين مكونات المجتمع الواحد، والاهتمام بها على أساس العدل والمساواة وتنمية أخلاقية المجتمع ومستوياته التخصصية، ومضامينه الإنسانية..
2 - هناك ما يمكن علاجه ضمن علم الاجتماع، ألا وهما ؛ علم الاجتماع الصناعي، وعلم الاجتماع التجاري، المتمثل (بالتَّجَّارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ)، هذه البيئة الاجتماعية ؛ التجارية والصناعية، وما يُحيط بها من البيئة الاجتماعية الواسعة المتكونة منها كأفراد، والمتخصصة بأنشطتها..
3 - اهتمام سلطات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية، كمجتمع متخصص داخل المجتمع الواسع والشامل، وهو مجتمع استراتيجي بنشاطاته ومردوداته الآنية والمستقبلية، وبيانه في : (وَأَوْص بهِمْ خَيْراً)، لكونهم يحتاجون إلى تشجيع واهتمام تنموي وتطويري مترابط مع التنمية الاجتماعية، بل هم زمام التنمية الاجتماعية المستدامة، ولهذا الاهتمام مضامينه الاجتماعية - الإنسانية، بنظرة فلسفية وإستراتيجية تخصصية، والدليل ؛ (ثمَّ اسْتَوْص بالتُّجَّارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ)، هذا العمق الحضاري الواسع بنظرته الأخلاقية البنائية والوظيفية والتخصصية..
4 - ولو عدنا وتفحصنا قوله (عليه السلام) : (وَتَفَقَّدْ أمْرَ الخَراجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صلاحه وصلاحهم صلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلا بِهِمْ، لأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ على الخراج وأهْلِهِ، وَليَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمارَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي استجلابِ الخَراجِ، لأنَّ ذلِكَ لا يُدْرَكُ إلا بالعِمَارَةِ ؛ وَمَنْ طَلَبَ الخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ البلادَ، وَأَهْلَكَ العِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلا قَلِيلاً) (2)، لرأينا ما عمق العام والخاص في علم الاجتماع وعلم الاقتصاد، ومنه في علم الاجتماع التجاري وعلم الاجتماع الصناعي..
والدليل مدى تلاحق وتكامل وانسيابية المفردات والجمل ؛ (وَتَفَقَدْ)، (الخَراجِ)، (يُصْلِحُ أَهْلَهُ)، (صَلاحِهِ وَصَلاحِهِمْ)، والنتيجة الحتمية لامتداد استقامة التنمية الاجتماعية - الاقتصادية ؛ (صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ)، وامتداده الاستراتيجي ومنه الاجتماعي : (وَلَا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلا بِهِمْ)، وفلسفته الإسلامية (لأنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِبَالٌ عَلى الخَرَاجِ وَأَهْلِهِ)، ومنه النظرة الشاملة بعمومياتها، وما يخص موضوعنا بشمول خصوصياته ؛ (وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمارَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجَلابِ الْحَرَاجِ)، والجانب الفلسفي الاجتماعي - الاقتصادي، ومنه ما يخص المبحث ؛ (لأنَّ ذلِكَ لا يُدْرَكُ إلا بالعِمَارَةِ ؛ وَمَنْ طَلَبَ الخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ البلادَ، وَأَهْلَكَ العِبَادَ، وَلَمْ يستقم أمره إلا قليلاً) (1).
وبنظرة متخصصة، نرى المضامين الواضحة لإنسانية السلوك الاجتماعي - الاقتصادي وما يترتب من وعلى سلطات الدولة، والمجتمع بطبقاته، وهو ما يتضمن أعمق من سطحية ما ينظره عالم الاجتماع وعالم الاقتصاد بمحتوى علومهم الحديثة وأخلاقياتها، والدليل : (وَمَنْ طَلَبَ الخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ البِلادَ، وَأَهْلَكَ العِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إلا قليلاً)، ومما يشمل على البلاد والعباد والقيادة، ومنه يمكن أن تظهر معادلة :
طلب الخراج = عمارة البلاد + حياة العباد + استقامة السلطات والقيادة
ومما يعني تجاوز هذه المعادلة الواسعة التفاصيل، هو تراجع التنمية بكل ما تحمله من استدامة حتى الموارد البشرية ؛ التجارية والصناعية، وتراجع الحضارة بما فيها، تراجع التجارة والصناعة والتبادل التجاري، حتى يصل (وَأَهْلَكَ العِبَادَ)، وتتعدى التحديات والمخاطر والتهديدات على أرض الواقع لتصل ؛ (وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلا قَلِيلاً)..
5 - اهتمام الدولة، بكل مستويات المجتمع وطبقاته، ومنه نوعية الطبقة وتخصصها الداعم للمجتمع، والذي يبني بعضه بعضاً، بسلوكه الاجتماعي – التجاري الاستثماري التخصصي، وسلوكه الاجتماعي - الصناعي الاستثماري التخصصي ؛ (المُقِيمِ مِنْهُمْ وَالْمُضْطَرب بِمَالِهِ)، وهو ما يشمل المموّل والمستثمر، (وَالْمُتَرَفِّقِ ببَدَنِهِ)، ومما يشمل عليه القوى العاملة أو الموارد البشرية..
1) المرجع نفسه / ص 436.
6 - هذا المجتمع التجاري والصناعي، الذي يعتني به علم الاجتماع التجاري والصناعي، بكل تفاصيله ومكوناته المجتمعية والتخصصية، العقلية والجسدية والموارد المالية واتجاهاتهم التنموية : (فَإنّهُمْ مَوَادُ المَنافِعِ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ، وَجُلابَهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالمطارح، فِي بَرَكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا، وَلَا يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْهَا فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لا تُخَافُ بَائِقَتُهُ، وَصَلْح لا تُخْشَى غَائِلَتْهُ)..
7 - يتضح منه الاهتمام بجماعات العمل والبيئة الاجتماعية وامتداد ما يتعلّق بها ويؤثر عليها، لما لها من أهمية على استقرار واستتباب أمن الدولة والحياة العامة ؛ المادية وغير المادية والنفسية والبشرية، وما يتعلق بالأنظمة الاجتماعية..
8 - ومن جانب آخر، واستكمالاً لما تقدّم بيانه، الأخذ بنظر الاعتبار : الأوضاع والقيم والدوافع والاتجاهات الاجتماعية داخل المجتمع الصناعي، كما في : (ثُمَّ اسْتَوْص بالتَّجَارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ)، وهو ما يشمل التشريعات التجارية والصناعية، وحقوق كل من يشمله هذا المضمون، وهو ما يكون له من العمومية والشمولية داخل كل قطاع.. وأيضاً ما يتضمنه (فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ المَنافِعِ، وَأَسْبَابُ المَرَافِقِ..) وهنا يكمن التفاعل بين العام والخاص، أو العمومية والخصوصية التخصصية والاتجاه التنموي ومنافع فاعلية العمل والحرص على الأداء العالي، الوظيفي والبنائي والمجتمعي، وتبادل المنافع بين الدولة وأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين والعاملين.. وهم يكونون ؛ (وَحَيْثُ لا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا، وَلا يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْهَا)، وهنا نقطة التقاء ليبدأ الاستقرار الاجتماعي، بما فيه ما يتعلق بالبيئة الاجتماعية التجارية - الصناعية، وما يُحدثه من فرص العمل وجماعة العمل وبيئة العمل، وما يلحقه من دوافع وفرص استثمارية، ومنه الاتجاه نحو الاستقرار الاجتماعي، وما يفرز من قيم وأخلاقيات تستوعب تلك التنمية، ومنها التنمية الاجتماعية التي تضع علم الاجتماع الصناعي في بؤرة المسؤولية والمعاينة والدراسات والتحليل، للإسهام في وضع العلاجات والحلول الاجتماعية..
ولكونهم مركز النشاطات التنموية المؤثرة في مستقبل البلاد، بما فيهم المؤسسات والأنشطة الحكومية وسلطاتها، والعباد بما فيهم جماعات العمل وكل من يدخل في بيئة العمل، لذا فالرؤى الداخلة في المضامين الإستراتيجية بكل ما تحتويه من أهداف ومديات وبيئة داخلية وخارجية، فإنه يترتب : (وَلا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إلا بالتجارِ وَذَوي الصناعَاتِ، فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ،
وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ الرفق لديهم لا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ) (1)وهو ما يجمع ويُقابل (التجار) و (ذوي الصناعات)، والبيئة والأنشطة ؛ (مَرَافِقِهم) و (أَسْوَاقِهم).
وكل ذلك وغيره مما يتضمنه علم الاجتماع البشري، وهو ما يُبنى على أحكام المعاملات التي لها علاقة بالجوانب التجارية والصناعية، وعلم الاجتماع الصناعي..
ولعلم الاجتماع فروع حيوية متعددة من بينها ؛ علم الاجتماع التربوي Educational Sociology وقد اهتم به علماء الاجتماع، لأهميته البالغة في تطور المجتمع ومستقبل مسيرته التنموية وقويم سبله وما يقوم عليه من البناء الأفقي والعمودي، وتكوينه الفكري الفردي والجمعي والمجتمعي، النظري والتطبيقي... ودور كايم أحد المهتمين بالتربية، وأحد علماء المدرسة الاجتماعية الفرنسية، ولحقه بالاهتمام في علم الاجتماع التربوي عام 1918م كل من علماء أمريكا، ثم في ألمانيا.. (2)
وتختلف اهتمامات علم الاجتماع التربوي عن اهتمامات علم النفس التربوي Educational Psycology على الرغم من أنهما يكمل أحدهما الآخر في اتجاهاته وأهدافه التربوية..
فعلم الاجتماع التربوي مما يقوم به ؛ هو تحليل النظم والمؤسسات التربوية وبالأدوار التي تلعبه في العلاقة بأجزاء البناء الاجتماعي من سياسية واقتصادية وديمغرافية، ووسائل تطبيع الأفراد بحضارة المجتمع وانفتاحه على المجتمعات الأخر.. (3)
د. محمد عاطف غيث / المرجع نفسه / ص 458.
د. إحسان محمد الحسن / المدخل إلى علم الاجتماع / المرجع نفسه / ص 25 - 27.
أما علم النفس التربوي فمن بين اهتماماته ؛ التعلّم والاستعدادات له، والصحة العقلية، وقياس النمو عند المتعلمين، وتشخيص مشاكل التعلّم، فضلاً عن التوازن الاجتماعي والتقويم والتوجيهات التي يضعها أمام القائم بالعملية التربوية.. (4)
وأيضاً راجع : د. فاخر عاقل / علم النفس التربوي / دار العلم للملايين / بيروت / 6 / 1980 / ص 27.
وبشكل عام، يُعد علم الاجتماع التربوي، أحد فروع علم الاجتماع، بينما علم النفس التربوي، هو أحد فروع علم النفس، والذي يهتم بدراسة السلوك الإنساني في المواقف التربوية، ومن خلاله يمكن الحصول على المعلومات والمفاهيم والمبادئ والطرق التجريبية والنظرية التي تساعد وتزيد في كفاءة التعلم والتعليم.. (1)
أيضاً راجع: هاشم حسين ناصر المحنك / علم النفس في نهج البلاغة / المرجع نفسه / ص 61 - 79.
.ولا يمكن إغفال ما ورد من جانبي علم الاجتماع التربوي وعلم النفس التربوي في مضامين القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وما انتهج نهجهما نهج البلاغة الزاخر بالعلوم ومضامينها..
وأول وأوضح وأبرز استشهاد بهذا الخصوص، أي ما يخص علم الاجتماع التربوي، فضلاً عن علم النفس التربوي وعلم الاجتماع المعرفي وعلم النفس المعرفي.. وغيرها، مما يحتويه من المضامين المتعددة لقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام) ومنها :
(وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ، لِتَسْتَقْبِلَ بحِدٌ رَأيكَ مِنَ الأمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِيَّتَهُ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلاج التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ.
أي بُنَيَّ، إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمَرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ ؛ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ : قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ ؛ فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ ؛ فَاسْتَخَلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ، وَتَوَخَيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَديكَ أَن يَكُونَ ذلِكَ وَأَنتَ مُقْيلَ الْعُمُرِ وَمُقْتَبَلُ الدَّهْرِ، ذو نية سَلِيمَةٍ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ، وَأَنْ أَبْتَدِئكَ بتَعْلِيمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ، وَشَرَائِعِ الإِسْلامِ وَأَحْكَامِهِ، وحلالِهِ وَحَرَامِهِ، لا أَجَاوِزُ ذَلِكَ بكَ إِلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَن يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي التَبْسَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إحْكَامُ ذلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنبيهك لَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلامِكَ إِلَى أَمْرٍ لا آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الْهَلَكَةَ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ) (2).
وبلا أدنى شك، إنّ النص المتقدّم، فيه مضامين متعددة من مجالات علم النفس التربوي وعلم الأخلاق وعلم المنطق، وما يخص دراستنا ألا وهو علم الاجتماع التربوي، وكذلك علم الاجتماع الجنائي، وكما تم مناقشته بشكل مختصر في دراسة سابقة
ويمكن أن ندرج جوانب مما يتضمنه النص المبارك المتقدم وكالآتي :
1 - الأهمية والمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق الجهة التربوية، سواء كانت الجهة التربوية خاصة أو عامة، حكومية أو غير حكومية..
2 - يتوجب الاهتمام بالنظم والمؤسسات التربوية وبرامجها وخططها وسياساتها على وفق متطلبات التعلم والتربية والتعليم..
3 - الاهتمام بالحدث Juvenile، لكون هذه المرحلة العمرية أخطر مرحلة يمر بها الإنسان، وقد حدد بعضهم بالفترة منذ الطفولة إلى أن يتم نضجه الاجتماعي والنفسي وتكامل عناصر الرشد، وقانون الأحداث العراقي رقم 62 لسنة 1972م، حدد الحدث بمن أتم السابعة من عمره الذكر والأنثى، وكما يلي : (1)
• بالنسبة للصبي ؛ مَنْ أتم، ولم يتم الخامسة عشر..
• بالنسبة للفتى ؛ بإتمامه الخامسة عشر، ولم يتم الثامنة عشر..
ولذا تبدأ النظرة التربوية - الاجتماعية من استيعاب علم الاجتماع التربوي بالتزامن مع علم النفس التربوي الحقيقة شاخصة ؛ (وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبلَتْهُ)، وهذا التشبيه البالغ الدقة بين : (قَلْبُ الْحَدَثِ) و (الأَرْضِ الْخَالِيَةِ)، والبرنامج التربوي بما فيه ؛ المعلومة، وبذر المعلومة، في أرض بكر ؛ (مَا أُلْقِيَ)، (فِيهَا)، (مِنْ شَيْءٍ)، وتفاعلها التربوي العميق ؟ (قبلَتْهُ)، ودقة استعمال ؛ (فيها) وليس (عليها)، جانب آخر يبين خطورة التربية في هذه المرحلة البالغة الدقة التي يتوجب على الدولة والمجتمع والأسرة والمدرسة، الاهتمام البالغ بها.. ويمكن أن يكون بيان الأمر كترسيخ فكرة :
قَلْبُ الْحَدَثِ = مَا أُلْقِيَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ قَبْلَه
ويبين مدى خطورة هذه المرحلة من العمر، وما أهمية البرامج والخطط التربوية الملائمة لكل جيل، ومدى استقباله وتقبله لمحتويات البرامج والخطط، بما متوافر من مواد وأدوات وآليات، ولاسيما مستوى قدرات الكادر التعليمي الكفء بكل المعايير التدريبية والتأهيلية ومستوى ما تكون عليه الجودة،
1) راجع : د. أمال أحمد يعقوب / علم النفس التربوي / مطابع التعليم العالي / بغداد - العراق / 1989 / ص 100.
4 - تبدأ وضع البرامج والفلسفة التربوية - التعليمية وخططها الإستراتيجية من ؛ (فَبَادَرْتُكَ بالأدب قَبْلَ أَنْ
• يَقْسُوَ قَلبك، استقبال اتجاهات من الفكر، وما تتوجه بها النفس وميولها وتعزيزاتها، وما يعقبها من سلوك وأداء..
• وَيَشْتَغِلَ لبَكَ ؛ طبيعة وجودة محتوى المعلومات والأفكار التي تأخذ المساحة داخل عقل الإنسان، وتوجيهاتها الفردية والجمعية والمجتمعية، وربما تكون بسيطرتها السلبية، عامل موجه للسلوك المتعصب، وما يُعزز الإثم وارتكاب الجرائم..
5 - وآلية فاعلية الفكر التربوي والتفاعل الاجتماعي القويم يكون من خلال ؛ (لِتَسْتَقبل بجد رَأيِكَ مِنَ الأمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبْتَهُ)، والنتيجة ؛ (فَتَكُونَ قَدْ كُفيت مئونَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلاج التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ) : وهنا آلية بناء الشخصية، والشخصية الحضارية باستعدادات الذات والانطلاق منها، الانطلاق الجمعي - المجتمعي، بما يمليه الجانب الرسمي وغير الرسمي القويم..
ومن بين ما تبدأ فاعلية علم الاجتماع التربوي من بث روح التقصيات وجمع المعلومات والبيات على أسس علمية - تربوية، والبحث وأدواته، وما يترتب من مُعاينة التجارب والنتائج والاستنتاجات من : (إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ ؛ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ؛ بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ : قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ ؛ فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ..).
وهنا تظهر أمور عديدة منها ما يتعلق بالتربية وعلم النفس التربوي وعلم الاجتماع التربوي وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع التاريخي للشعوب، ويتبين أهمية الجانب الاجتماعي - التاريخي الراسخ في تزويد الحضارات، تراكم وتجاوز الزمن - المكان، بالموقف الماضي الحاضر المستقبل، وامتداد مساحة العالم في حضارة، واستيعاب معالم فكرية وحضارية، للعمل باتجاه صرح حضاري مستوعب لكل زمان ومكان ومواقف، بشخصية الأمم في أمة واحدة، لتتفاعل باتجاهات عديدة، ومنها ما يدخل تفاعله ضمن علم الاجتماع التربوي..
وبهذا يكون ؛ (نَظَرْتُ) فِي (أَعْمَالِهِمْ)، وَ (فَكَرْتُ) فِي (أَخْبَارِهِمْ)، وَ(سِرْتُ) في (آثارِهِمْ) ؛ حَتَّى (عُدْتُ)، (كَأَحَدِهِمْ) ؛ بَلْ يتعدى ذلك باستيعاب واختيار، فتكون النتيجة الراسخة : كأني بما (انتَهَى إِلَيَّ) مِنْ (أُمُورِهِمْ) : قَدْ (عُمَّرْتُ مَعَ أَوْلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ)..
والدليل على المعاينة والتفحص والدراسة والتحليل العلمي الدقيق ؛ فَعَرَفْتُ (صَفْوَ) ذلِكَ مِنْ (كَدرِهِ)، و (نَفْعَهُ) مِنْ (ضَرَرِهِ)..
ويمكن بيانه بمخطط توضيحي وكالآتي :
مخطط (34) يبين الترابط بين استراتيجيات الماضي والحاضر والمستقبل ومنه المنظومة الاجتماعية – التربوية المستدامة
بل أعمق من ذلك كانت الاستنتاجات والتوجيهات وبيان الفلسفة - الإستراتيجية التربوية الخالصة بنقاوتها، والدليل ؛ (فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ، وَتَوَخَيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُوله)..
وهندسة التربية بين الأجيال، وحلقات التواصل الحضاري المستدام، وبما يتوالد من جديد، وما تتوجبه من إعادة هندسة التربية على أسس الدراسة والتحليل ووضع الخطط وتطبيقاتها أو تنفيذها، بلا تقاطع مع كل تغيير مستدام، وهو ما يمثله المتقدم ذكره وما يحتوي من ؛ (وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ)، ومنه ما يدلل على العناية التربوية للمؤسسة الأسرية - الأبوية..
والداعم الاجتماعي - الأسري للبناء التربوي للأجيال بكل الأدوات والآليات المتوافرة والمواكبة لكل تطور، والدليل : (وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَيكَ أنْ يَكُونَ ذلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ وَمُقْتَبَلُ الدَّهْرِ، ذو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ)..
ولا يتحقق ذلك إلا بمواكبة كل عصر وآلياته وتطوره الحضاري السليم والقويم، الذي يُبنى بعمومياته وأسسه من ؛ (وَأَنْ أَبْتدِئَكَ بتَعْلِيم :
كِتَابِ اللهِ عَزَ رَجَل وَتَأْوِيلِهِ..
شَرَائِعِ الإِسْلامِ وَأَحْكَامِهِ..
حلاله وحرامِهِ، لَا أَجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ..
وكل مؤشر من الفقرات المتقدمة، يعتمد على تحليلات ودراسات، ومنها وضع برامج وخطط واسعة البيان، وذلك بسعة التطور الحضاري والثقافي والتربوي والتعليمي المتواصل، لبناء الدولة ومشاريعها المتكاملة، المبنية على أسس الفرد - المجتمع، وبدعم التطلعات التربوية الأسرية وبيئتها وعوامل الحفاظ على الفرد داخل الأسرة - المجتمع، للإسهام مع خطط المؤسسات التربوية – التعليمية وتنفيذ برامجها بأعلى مستوى من الأداء المستدام، بمنظور الهندسة التربوية - الإنسانية، وتواصلها بإعادة هندستها الشاملة..
والدليل على أهمية الثقافة التربوية الاجتماعية المتطورة مع تطور الحياة العامة والخاصة، والمستدامة بهندستها الأسرية - التربوية، وسط البيئة الاجتماعية وتغييراتها وتغيرات مكونات عواملها ؛ (ثم أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَيسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الْهَلَكَةَ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ..)
ودراسة هذه النصوص التربوية، يتطلب استيعاباتها بآفاق واسعة ضمن برامج تربوية متكاملة يمكن وضع من خلالها، ما يمكن دراسته وتحليله ووضعه ضمن برامج تخطيطيه، وتنفيذه بأعلى مستوى الأداء من الكوادر التربوية - التعليمية، وفي ضوءه برامج تدريبية وتطويرية لما يمتلكونه من قدرات ومواهب في هذا الاتجاه والتوجه الإنساني - التربوي، ومنه ما يحقق إنسيابية عمليات البناء الاجتماعي - الأخلاقي القائم بدعم التنمية والتطوير المستدام..
ومنه ما يدخل ضمن خصوصيات وعموميات تربوية، واستراتيجيات متكاملة بعضها مع بعضها الآخر، وأجزاء كل إستراتيجية، ومتطلبات تكتيكية تتلائم مع متطلبات أجزاء الإستراتيجية، وتربوي عام وخاص، ودقتها تصب في مجال التنفيذ ومستوى مؤشر تقييمه وتقويمه والنتائج المستدامة..
وبهذا تؤشر النصوص المباركة بالمعاينة والتشخيص والوقاية والعلاج، وما يتطلبه من الاهتمام بالكادر التربوي والتعليمي، وفاعليته وتعزيز دوره في المؤسسة التربوية والتعليمية، والاهتمام مكونات المواد التربوية - التعليمية، وما يتناسب من مستوى تطور الأدوات المستخدمة في المجالات التربوية
والتعليمية، ومنه ما يسهم في أن يجعل المتعلم يصل لمرحلة متقدمة مما انتهت إليه العلوم حتى ينطلق من هذه الأرضية الصلبة، ليعزز لديه تنمية القدرات والمواهب والابداعات، وتنمية وتطوير واستثمار الخيال العلمي، وكل ما هو جديد ومبتكر ومتطور ومستدام...
والاهتمام ببرامج النمو العقلي وبناء الشخصية من الناحيتين النفسية والاجتماعية والتربوية، بأزمنته المتعاقبة والمتواصلة بين حلقات دراسة وتحليل إستراتيجيات الماضي والحاضر والمستقبل، وبهذا ترسيخه يتجه إلى العمل ضمن بيان قوله (عليه السلام) :
(إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمَرْتُ عُمَرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ..).
ولأنه (لا غِنَى كَالعَقْلِ ؛ وَلا فَقْرَ كَالجَهْلِ ؛ وَلا مِيرَاثَ كَالأَدَبِ ؛ وَلا ظَهِيرَ كَامُشَاوَرَةِ) (1)، فإنّ المجتمع يحتاج إلى الأسلوب التربوي المستوعب حقيقة وتشعب دلالات الغنى والفقر من جهة، والميراث والاستشارة من جهة أخرى، واتجاهاتها المادية وغير المادية والنفسية، ومنه ما يدخل ويؤثر بالبيئة التربوية - الاجتماعية، وامتداداتها التربوية – التعليمية..
فاستدامة الغنى بالعقل، وهو ما كشفت عنه أحدث النظريات والحقائق العلمية والمعرفية، فأصبح ما يسمى برأس المال العقلي، ورأس المال المعرفي، ورأس المال العلمي، ورأس المال الاقتصادي.. وما كامله، وجميعها تصب في رفد التنمية الاجتماعية والتربوية، وهو الداعم المستدام للمجتمع والمؤسسات والمشاريع، وجانب منه ما يتعلق باهتمامات علم الاجتماع التربوي، وعلم الاجتماع المعرفي، وعلم النفس التربوي – الاجتماعي..
وما يُقابل ذلك من تحديات وتهديدات ومخاطر الجهل الذي هو هالك المجتمعات - الحضارات، وعند وجود الجهل وعدم وضع برامج وخطط يتم من خلالها، الوصول إلى أنجح السبل في علاجاته المناسبة بالتوقيت والموقع والموقف، والحد من الفقر الثقافي بكل أشكاله المنظورة وغير المنظورة..
والأَدَبُ في اللغة : الذي يَتَأَدَّبُ به الأديب من الناس ؛ سُمِّيَ أدباً لأنه يَأْدِبُ الناس إلى المحامد ويَنْهاهم عن المقايح، والأَدَبُ : أَدَبُ النَّفْسِ والدَّرْس، والأَدَبُ : الطَّرْفُ وَحُسْنُ التَّناوُلِ، وأَدْبَ، بالضم، فهو أديب، من قوم أُدَباءَ (2).
وإن تواصل استدامة هندسة وإعادة هندسة الحياة في الأدب والمُشَاوَرَة، بمنظور الميراث والظهير، فمَنْ يرث هو المحدد لوجهة ما يرثه المحدد لوجهة ما يرثه، والظهير أو العون الداعم هو المستشار، المحدد المستشار، المحدد وجهة ما يُطل- ما يُطلب منه توجيهه بالرأي والمشورة، وسلامة المستشار وأفكاره منفذ السلامة الموقف وسلامة المستقبل
وجميع ذلك يصب في مصلحة المجتمع ومستقبله، وما علم الاجتماع التنظيمي وعلم الاجتماع الإداري وعلم الاجتماع التربوي والمعرفي، إلا مجالات تحقق للمجتمع ما يسهم في اتجاهاته الحضارية والمستقبلية، وما يسهم في الحضارة العالمية، كما هو عليه تأثير أسلوب تنفيذ الأعمال على المجتمع..
ويتطلب اتجاهات المحتوى التربوي، وما يستوعب منظوره الاجتماعي في منهجه وتطبيقاته، بمدلولات حتمية قائمة على أن ؛ (الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٌ لا دَارُ مَقَرِّ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلانِ : رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا، وَرَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا) (1).
وأوبقها : أهلكها أو ذلها أو حجزها أو حبسها أو جعلها ضمن نطاق التبعية والعبودية، وأعتقها : حررها من العبودية والتبعية وأكرمها وأصلها، وهو أفضل ما ينعم به الإنسان من نعمة..
وتبدأ التربية من تكوين البناء الفكري المستوعب لوجود شخصه والآخر في الدنيا، وحتمية النهاية والموت والزوال، واتجاهاته وميوله بين أن يكون قد ؛ (بَاعَ فِيهَا نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا)، (ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا)، واتجاه الأخلاقية التربوية - الاجتماعية، لبناء شخصيته داخل الأسرة والجماعة والمجتمع..
وما المنهج القرآني التربوي، وعمق دلالات ما فيه، إلا سبيل استقامة وحماية المجتمع الذي ينشد الكرامة، ويتجه بأنقى منهج تربوي - إنساني، وامتداداته المؤدية لتماسك المجتمع، وبناء مؤسساته التربوية والثقافية، وهو ما يسهم به علم الاجتماع التربوي، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(وَاعْلَمُوا أَنَّ هذا القُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُ، وَالهَادِي الذي لا يُضِلُّ، وَالمُحَدِّثُ الذي لا يَكْذِبُ. وَمَا جَالَسَ هذا القُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ يَزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ : زِيَادَةٍ فِي هُدًى، أَوْ نُقْصَانِ مِنْ عَمِّى، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ القُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ، وَلا ِلأَحَدٍ قَبْلَ القُرْآنِ مِنْ غِنِّى ؛ فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أدْوَائِكُمْ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلى لأَوَائِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاء مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ : وَهْوَ الكُفْرُ وَالنِّفَاقُ، وَالغَيُّ وَالضَّلالُ، فَاسْأَلُوا الله بهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ، إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلى اللَّهِ تَعَالَى بمثله) (2).
ومما يظهر بشكله الواضح ما يحمله من المضامين الاجتماعية - التربوية والتعليمية ؛ (وَمَا جَالَسَ هذا القُرْآنَ أَحَدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصَانِ : زِيَادَةٍ فِي هُدًى، أَوْ نُقْصَانِ مِنْ عَمّى)..
وينبع المنهج والتوجه التربوي من هذا المنهل النقي، بمنحاه المتكامل لبناء الحياة، بما فيها الاتجاهات الإنسانية - الاجتماعية، ويضيف (عليه السلام) :
(" وَفِي القُرْآنِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَيْرُ ما بَعْدَكُمْ، وحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ") (3)
ويتضح منه، أهمية النظر للتاريخ بمدلولاته السلوك المجتمعي وآثاره، ومؤشر الأعمال والنتائج السلبية والإيجابية له، وما أهمية الجانب التربوي ومؤثراته، ومتعلقاته الخبرية وما يترتب من الحكم..
ومنهج واتجاه وتوجيه آخر لما يخص الجوانب التربوية والتعليمية، وذلك ضمن إطار رغبة التعلم، يقول (عليه السلام) لِسائِل سأله عن مُعْضلَةٍ : سَلْ تَفَقَّهَا، وَلا تَسْأَلُ تَعَنُّتاً، فَإِنَّ الجَاهِلَ المُتَعَلّمَ شَبية بالعَالِمِ، وَإِنَّ العَالِمَ الْمُتَعَسِّفَ شَبيهٌ بالجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ) (1).
وغالباً ما يكون التعصب لشيء، يُخرج الفرد عن الصواب، ويشوه الصور الحياتية أمامه، وينجم عن إرباك منظومة عقله، لما سيعمي البصيرة عن الحقائق الشاخصة، ومآل ما تغشيه الأفكار الملوثة، وربما كان ذلك سبب هلاكه وهلاك الآخرين من الناس..
وجانب تربوي آخر يطالعنا عليه نهج البلاغة ودلالاته، لحماية التماسك الاجتماعي، ومؤسساته المختلفة التي تقوم بمهامها التنموية التربوية - الاجتماعية وتطورها، حيث يقول (عليه السلام) :
(وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِرَضاً، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرًا، وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لا يُنَالُ إِلَّا بِشَر، وَيُسْرٍ لا يُنَالُ إِلا بعسر ؟!) (2).
والنص المبارك المتقدم، يحمل جوانب متعددة ومتكاملة العلوم، للوصول إلى بناء الإنسان، والاتجاه به نحو التكامل التربوي الجامع بين ؛ الجعل التكويني له، والجعل التشريعي الإلهي، وبكل ما يحمله من نظم إنسانية متكاملة وملائمة لكل التطورات..
والانطلاق به بقويم البناء التربوي، وبقويم الأعمال والأنشطة التي تُقدّم للمحيط والبيئة والمناخ الاجتماعي، كل ما يسهم في تقدمه وبناءه وتماسكه، منطلقاً من حقيقة الحرية الشاملة المتكاملة، وما يُقابلها من المسؤولية المترتبة عليها، ومسيرتها العقلانية الرشيدة، وبه إنماء الخير ودفع الشر عن الذات والمجتمع، وما يترتب عليها من علاقات اجتماعية وأخلاقية، وبعمق الرنامج التربوي، وهو جانب مما يظهر في قوله (عليه السلام) :
(إِنَّ لِلْوَلَدِ عَلى الوَالِدِ حَقًّا، وَإِنَّ لِلْوَالِدِ عَلى الوَلَدِ حَقَّاً. فَحَقُ الوَالِدِ عَلَى الوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ؛ وَحَقُّ الوَلَدِ عَلى الوَالِدِ أَنْ يُحَسِّنَ اسْمَهُ، وَيُحَسِّنَ أَدَبَهُ، وَيُعَلِّمَهُ القُرْآنَ) (3).
وهو ما يمثل أعمق منظومة تربوية اجتماعية - أسرية في الحقوق، والواجبات المترتبة عليها، ومنه ما يترتب من عمليات بناء الأسرة ومحركها الآني والمستقبلي، للسلسلة الأسرية الطويلة والمتواصلة إلى ما شاء الله، وتظهر أمور عديدة مما تقدّم من النص المبارك، يمكن إجمالها بالآتي :
1 - هناك حقوق وواجبات تربوية - اجتماعية وأسرية متبادلة بين الوالد وولده للوصول إلى التوازن الاجتماعي والتربوي والإنساني العميق..
2 - الحقوق الواجبة على الولد اتجاه والده، تبدأ من الطاعة وملازمة الإحسان في كل الأمور الحياتية، إلا إنها تقف عند المعصية، (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسنَا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (8) سورة العنكبوت، (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبُهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَتابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنبئكُمْ بمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (15) سورة لقمان.
حتى يصل الأمر الإلهي التربوي للبناء الأسري عند ؛ (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا ربَّيَانِي صَغِيرًا) (24) سورة الإسراء.
3 - الحقوق الواجبة على الوالد اتجاه ولده، هو (أنْ يُحَسِّنَ اسْمَه) ؛ وتحسين الاسم يأخذ اتجاهات متعددة، منها ما يتعلق بذات الاسم، وأخرى تتعلق بذات الولد وما يلصق بالولد من سلوك الوالد، ومنها ما يتعلق بظاهر وباطن الإسم، (وَيُحَسِّنَ أَدَبَهُ) ؛ وذلك نابع من سلامة التربية، بما يتعلق بذات تربية الأب والأسرة، وبما يوجهه من توكيل المؤسسات التربوية والتعليمية المختلفة، (وَيُعَلّمَهُ القُرْآنَ) ؛ وهو أساس كل فضيلة ومكارم الأخلاق وما به من العمليات والعلاقات والبناء الأقوم لهندسة الحياة..
وهكذا يدخل ويسهم علم الاجتماع التربوي، كجانب فاعل في بناء مستقبل المجتمعات وحضاراتها بكل مكوناتها المنظورة منها وغير المنظورة..
ويُكامل الفصل، فرع آخر من فروع علم الاجتماع، ألا وهو علم الاجتماع الجنائي Criminal Sociology ؛ الذي هو يهتم بتحديد ومعالجات الانحراف والجريمة للفرد والجماعات، وتأثيرات ذلك على المجتمع وأنشطته وامتداداته..
وتسهم دراساته في رفد العلوم الأخر كعلم النفس الجنائي وعلم الاجتماع القانوني، بمعرفة أسباب السلوك الانحرافي وفهمها والحيلولة دون تفاعل العوامل المختلفة التي تدفع بعض الناس اقتراف الانحرافات المختلفة، وكذلك كل ما يتم للوصول إلى مبادئ وتعليمات وتشريعات وقوانين عامة، وبيان العوامل الدافعة لذلك الانحراف، والحيلولة دون ارتكابها أو الحماية من حدوثها وعلاجها... (1)
وأيضاً راجع : منير العصرة / انحراف الأحداث ومشكلة العوامل / المكتب المصري الحديث / ص 113 - 117.
وسبق الإمام علي (عليه السلام)، تشخيص أسباب الانحرافات وسبل العلاج والوقاية منها، السابق لما اختطه العلماء في أحدث الدراسات، وابتدأ (عليه السلام) من حماية المعلومات والفكر وسلامتهما من التلوث، وذلك بالوعي الواقي، لكون الانحرافات تبدأ من انحراف وملوث المعلومة والفكر..
وبهذا الخصوص، يبدأ (عليه السلام) بوضع أساليب دقيقة للوقاية من مسبباب الانحرافات والحماية من الوقوع في دائرة إخطبوط ارتكاب الجرائم، حيث يقول :
(وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ) (2)
وضمن الفئة أو المرحلة العمرية، تكون على الغالب، هي المنطلق الأساسي في بناء الشخصية الاتجاه بها نحو سلوك معيّن، ولاسيما مرحلة عمر الحدث، وهو المحدد الإستراتيجي والمنطلق الأساسي لبناء مستقبل المجتمع، بما يحمله من موجه قويم الفكر أو منحرفه..
والبناء الاجتماعي وأسس تماسكه ودقة عملياته البنائية، وحماية المجتمعات من الانحرافات هو الأمر الضروري والفاعل، وجانب مهم من معرفته، يتم بحسب ما تخصص به علم الاجتماع الجنائي، وما يتعرض بعمومياته لأسباب السلوك الانحرافي لحماية المجتمع باتباع ما يُقومه، أو وقاية المجتمع منه، وهو الرافد الدقيق لعلم الاجتماع، بما يحمله من المبادئ والتشريعات والقوانين والأعراف..
لذا اهتم (عليه السلام) بمضامينه، لحماية الناس وبالتوجيه الوقائي والعلاجي، والتحذير من الاتجاه غير المدروس أو غير الواعي لاكتساب مظاهر الحضارة، واستيعاب التطور والنمو والتغيير المتواصل في الحياة على أسس المبادئ الإسلامية، حيث يقول :
(أُوصِيكُمْ يَتَقْوَى اللهِ الَّذِي أعْذَرَ بِمَا أَنذَرَ، وَاحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ، وَحَذّرَكُمْ عَدُوًّا نَفَذ فِي الصُّدُورِ خَفِيًّا، وَنَفَثَ فِي الآذَانِ نَجِيًّا، فَأَضَلَّ وَأَرْدَى، وَوَعَدَ فَمَنَّى، وَزَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ، وَهَوَّنَ مُوبَقَاتِ العَظَائِمِ، حَتَّى إِذا اسْتَدْرَجَ فَرِينَتَهُ، وَاسْتَعْلَقَ رَهِينَتَهُ، أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ، وَاسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ، وَحَذَّرَ مَا أمن) (1).
وبهذا يمكن تحديد جانب مما نستوعبه، وما يخص محتوى ما يتعلق بعلم الاجتماع الجنائي، وكالآتي :
1 - يبدأ الجانب الوقائي من بناء التقوى القائم على الإيمان، والتقوى رأس الأعمال القويمة والمقومة،، فبهذا تكون قويم الأعمال، بما يحمله من أفكار تقيه النفس الأمارة بالسوء، والتوجه فيها نحو السلوك القويم، والحيلولة دون الانحراف والزيغ..
2 - إستخدام الأسلوب المناسب والمطلوب، للكشف عن أسباب الانحرافات الطارئة الوقتية والمتواصلة، وبث روح الوعي باستيعاب أمور الحياة..
3 - التحذير من الظاهر والباطن مما يلحق بالإنسانية أو المجتمعات المختلفة، والحذر مما يؤدي إلى الانحرافات المختلفة، وتنمية الكيفية المطلوبة لدرثها على وفق بناء دواخل الفرد والجماعة والمجتمع، والنهوض بكل ما يطوّره ويُنمِّيه للوصول إلى الأقوم لبناء، المحتوى الحضاري والإنساني..
4 - التأثير مما يؤثر على النفس الفردية والمجتمعية ؛ (نَفَذ في الصُّدُورِ خَفِيًّا)، ويشمل ذلك المحتوى الفكري المقروء والمرئي، وما يكامله من مضامين ؛ (وَنَفَثَ فِي الآذان نجيّا)، المتمثل بالمسموع المؤثر، ومستوى ما يتفاعل به للاتجاه نحو الانحرافات..
5 - تبدأ المخاطر من تمادي الأماني وعواقبها الكاذبة والمغرّرة ببريقها، الزائفة والزائغة لسلوك الإنسان عن سواء السبيل، بعد أن تعمي البصيرة أو تغشيها، وتتجه بمناحي تعزيزية يتمثل منطلقها من :
• أَضَلَّ وَأَرْدَى..
• وَعَدَ فَمَنِّي..
1) المرجع نفسه / ص 112.
• زَيَّنَ سَيِّئَاتِ الجَرَائِمِ..
• هَوّنَ مُوبَقَاتِ العَظَائِمِ..
واتجه بالإنسان ؛ (حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ، وَاسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ)، ليكون : (الكَرَ مَا زَيَّنَ، وَاسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ، وَحَذَّرَ مَا أَمَّنَ)، وكانت النتيجة الحتمية من هذه التوابع، الانحرافات وارتكاب الجرائم اتجاه النفس والآخرين من أفراد و مجتمع، وعواقب ما يتورط به من الجرائم المنظورة وغير المنظور التي تصبح جزء من شخصيته الفردية والجمعية..
ولمستوى تنمية ثقافة الوقاية، وما تتطلبه من حماية الذات، يُحذر (عليه السلام) حتى من مصاحبة الأحمق، لئلا يكون السبب المؤدي لارتكاب المحارم والجرائم والانحرافات السلوكية، وما يهدد به المجتمع، وذلك بقوله :
(لا تَصْحَب المَائِقَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ، وَيَوَدُّ أَن تَكُونَ مِثْلَهُ) (1)
وهذا التوجيه وفلسفة بناء العلاقات ومتطلباتها وما تؤدي إليه، هو جانب من مهام واهتمامات علم الاجتماع الجنائي، ومنه مثول السبب والنتيجة في السلوك، وتفاقمها إلى أن تصبح جريمة ؛ بجناياتها وجنحها المتعدد المستويات، وما تؤثر فيه على المجتمع ومستقبله..
ويرتكز منطلق الانحراف لفعل السلوك المنحرف وما يجرُّ بشخص المتلبس بالجريمة، وما يؤدي لاستمرارية الخوض بالجرائم، وتعزيز الاتجاه الإجرامي، والتصاعد بخطورة المنحرف..
ولا يقف (عليه السلام) عند ذلك التحذير الوقائي وربما امتداده العلاجي، بل يمتد بتحذيره الدقيق حينما يصل التحذير حتى من وسواس ذات الفرد واختلاءه مع ما يتسبب من اكتساب المنحرف من الفكر، والتحذير قائم على أساس نمو وتطور منحرف الأفكار التي تجر بالنفس لارتكاب سيء الأعمال بحق الذات والآخرين، وبهذا يقول :
(اتَّقُوا مَعَاصِيَ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْحَاكِمُ) (2)
ويواصل (عليه السلام) الاتجاه التوعوي والبناء الثقافي للإنسان، لحمايته مما تنحط به کرامته وشخصه، حيث يقول :
(إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٌ مِنَ الشَّرِّ إِلا عِقَابُهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الخَيْرِ إِلا ثَوَابُهُ) (3)
وبين الشر وعقابه، والخير وثوابه، تكمن المخاطر وتفاقمها لتكون باتجاه الجريمة، أو الفرص وما يترتب عليها من توجه ما يملكه الإنسان من قوة وإرادة واثقة، تحد من الضعف بكل أشكاله، وتحدد
مستوى قوة الشخصية والإرادة والإيمان، وتماسك الشخصية بمدلولها الثقافي - الحضاري في طبيعة الأداء ومستواه، وما يترتب عليه من اختيار وتدبير، وإدارة مشكلة وأزمة وعلاجها..
ولا يقف توجيهات علم الاجتماع الجنائي، منظوره الإسلامي عند حدود الدنيا وتوقيت ما ومكان وموقف ما يرتكب الإنسان من جناية، بل يضع مستوى ما يتحقق من ثقافة الإنسان ونظرته لما بعد الدنيا، وحتمية عدم تقادم الأعمال ونتائجها عند حدود الدنيا، فمكسبها أو جريرتها تمتد الحساب أخروي وعقاب على ما اقترفه الإنسان من موبقات وجرائم، بصغيرها وكبيرها..
ويتحول الجانب الوقائي للإنسان حتى يصل به إلى الحيلولة دون الوصول إلى مرحلة الرضى بفعل الآخر من منحرف الأعمال، حيث يقول (عليه السلام) :
(الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ، وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلِ إِثْمَانِ : إثمُ العَمَلِ بهِ، وَإِثْمُ الرضى به) (1)
ويمكن وضع معادلة لتوضيح مخاطر وتهديدات الراضي بفعل قوم وما يُقابله من ما يتحمله من إثم، وذلك كالآتي :
الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ = إِثْمُ العَمَلِ بِهِ + وَإِثْمُ الرِّضَى بِهِ
وهو ما يُدلل على بيان عمق الوقاية حتى قبل وقوع الشخص في دائرة الانحراف وارتكاب الجرائم، بل حتى كونه خارج حدود ارتكاب الجريمة، ويكون مجرد تفكيره ورضاه بعمل الغير المنحرف، ومنه ما يترتب عليه من آثام، وما اتجه نحوه بتفكيره وميوله النفسي..
وفلسفة واستراتيجيات ذلك يكمنان في الحد والحيلولة دون تنمية عامل الرضى بكل ما هو منحرف، وفي ذات الوقت هو الحد من تربيض النفس على قبول فكرة الإثم والخطيئة، والحيلولة دون الهوان وتعزيزها بالرضى، والحيلولة دون التحول إلى مرحلة الاتجاه نحو الجريمة برضى النفس، وربما كان برضى الإنسان ذاته، ويكون مشروع مستقبلي خطر لارتكاب العمل المنحرف والجرائم المختلفة والمتعددة الاتجاهات في الجنح والجنايات، بكل استعداد وشغف وتقبل نفسي..
وما الشرع الإلهي الذي أوصل بلاغته (عليه السلام) في نصوص ما وردت في نهج البلاغة إلينا، بما فيه ما وضع من برامج الردع الوقائي، وثقافة التحسس والوعي، إلاّ لحماية الإنسان من شرور الآخر وتعزيز القويم في نفسيته، والتحول ليكون قبوله جماعي ومجتمعي، وما جزاء ذلك إلا كونه تربوي ووقائي لوقف ارتكاب وتفاقم الخطاً من أن يصبح جريمة تهدد نظام الحياة الاجتماعية..
1) المرجع نفسه / ص 499.
يعود علم الوبائيات Epidemiology إلى أفكار قديمة، كما هو عليه ما عبّر عنه (أبقراط) وآخرون منذ عشرات القرون، وأوعزوا إلى أن العوامل البيئية هي المؤثرة في حدوث الأمراض، وأعقبتها أفكار ودراسات، منها الدراسات والبحوث الحديثة والمعاصر التي بينت ما خطورة تلوث البيئة، كما هو عليه تلوث الأنهار والهواء وحتى يشمل التلوث البصري والسمعي على الصحة العامة، ومنها صحة الإنسان النفسية والعقلية والجسمية، ويرى (لاست Last) علم الوبائيات منطلقاً من دراسة توزع الأحداث أو الأحوال المتعلقة بالصحة ومحدّداتها في جمهرة سكانية نوعية، وتطبيق الدراسة لمكافحة المشاكل الصحية، وبذات الوقت يهتمون الوبائيون بالمرض والتعوق والموت فضلاً عن اهتماماتهم بالحالة الصحية الأفضل وبوسائل التحسين البيئي والصحي والمهني، والاهتمام بدراسة الأمراض السارية Etiology والوقاية منها وعلاجها، وبطبيعة الحال، فإنّ الناس أو الجمهرة السكانية هم هدف الدراسة.. (1)
وأيضا راجع : شارلس هـ، ساوثويك / علم البيئة ونوعية بينتنا / ترجمة د. قيصر نجيب صالح وآخران / مطابع جامعة الموصل - مديرية مطبعة الجامعة / الموصل – العراق / 1984.
وعموماً ؛ فإنّ بيئة الإنسان تتكون من عناصر أساسية المتمثلة بالهواء والماء والطعام والمناخ والفضاء بكل مكوناته، فضلاً عن البيئة الاجتماعية والروحية، الداعمة لصحة الإنسان النفسية والعقلية والجسدية، والعلاقات بين البيئة والصحة والناس، ولاسيما بيئة أو مكان العمل، وما يرتبط بذلك من عوامل وراثية، ويتم دراسة وتحليل تفاصيلها بشكل أحادي أو ثنائي أو متعدد العوامل حسب ما تتطلبه أهداف الدراسة وشموليتها..
وللحروب علاقة كبيرة مع البيئة، وما يطرأ من تلوث البيئة، وما يُسبب عوامل عديدة ومنها التلوث على الصراع بين الدول ومكوناتها البشرية، وما تؤثر به من عدم استقرار، وما يحدث من دمار وقتل وتهديدات وعواقب اجتماعية - بيئية خطيرة، وكثيراً ما كانت الأطماع التوسعية والحاجة إلى الموارد والتنافس بين الجماعات وصراعاتها، ومنها ما يتمثل في اتجاهات القوى المتصارعة على النفوذ السياسي، وجميعها وما يرتبط بها من بعيد وقريب، يؤثر على طبيعة التفاعلات الاجتماعية
1) راجع- مثلا : ر. بيغلهول، ر بونيتا،،ت. کیپلستروم / أساسيات علم الوبائيات / منظمة الصحة العالمية ؛ المكتب الإقليمي للشرق المتوسط / 1997 / ص 13 وما بعدها..
والبيئية والمستوى الاجتماعي والدفاع والسلوك العدواني، عندما تتعرض الجهة المعنية للمخاطر والتهديدات والتحديات، وما تسهم الدراسات ؛ ومنها الدراسات النظامية لعلم البيئة وتحليل النظم في فهم السلوكيات الاجتماعية ذات الارتباطات بالثقافات الإيجابية المحققة للسلم والسلام، والثقافات السلبية المؤدية للصراعات والتهديدات والحروب، بما فيها فهم الموارد اللازمة الأساسية واتجاهاتها الاجتماعية وحاجاتها والبيئة والطموحات الاجتماعية والاقتصادية وأنماط التنافس والتعاون والصراع، وشكل من أشكاله ؛ المعارضة والعنف الجماعي Group Conflict And Violence وما يرتبط بالبيئة، ورد الفعل الاجتماعي على التهديد البيئي والتغير الاجتماعي.. (1)
ولا بد من التفرقة بين البيئة Environment المحيط الذي يعيش فيه الكائنات الحية وأيضاً يسمى بالمحيط الحيوي Biosphere الذي يتضمن بمعناه الواسع العوامل الطبيعية والاجتماعية والثقافية والإنسانية التي تؤثر على أفراد وجماعات الكائنات الحية وتحدد شكلها وعلاقاتها وبقائها، والواسع في مفهومها على ؛ البيئة الطبيعية والاصطناعية الحضرية، والاجتماعية والاقتصادية والجمالية والخلقية، وكعلم يبحث في هذا المحيط، والإيكولوجي (التبيؤ) Ecology المتضمن له البيئة وهو أحد فروع علوم الحياة، ويعطينا قدرة تحمل النظم البيئية الطبيعية المختلفة للتغيرات السلبية الطارئة عليها، كما هو قدرة المياه على التخلص من الملوثات العضوية أو معالجاتها.. (2)
وأعظم وأدق بيئة إنسانية بيولوجية اجتماعية أسرية تتمثل عند قوله تعالى : (أَلَمْ نَخْلُقُكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) سورة المرسلات..
وتتعدد أشكال البيئة - المخلوق في نهج البلاغة، فهناك بيئة تتمثل في الأرحام وبيئة في خارج الأرحام، وبيئة خاصة وبيئة عامة، وبيئة داخلية وبيئة خارجية، ومما يشمل مضامينها وعلاجاتها هو علم الاجتماع البيئي، ومنه يظهر في قوله (عليه السلام) :
(أَيُّهَا المَخْلُوق السَّوِيُّ، وَالمُنشأ المَرْعِيُّ، فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ، وَمُضَاعَفَاتِ الأَسْتَارِ، بُدِئتَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ"، وَوُضِعْتَ فِي قَرَارٍ مَكِين، إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ"، وَأَجَلٍ مَقْسُومٍ، تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لا تُحِيرُ دُعَاءً، وَلا تَسْمَعُ نِدَاءً، ثُمَّ أَخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إلى دَارِ لَمْ تَشْهَدْهَا، وَلَمْ تَعْرِفَ سُبُلَ منَافِعِهَا، فَمَنْ هَدَاكَ لاجْتِرَارِ الغِدَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ، وَعَرَّفَكَ عِنْدَ الحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَإِرَادَتِكَ ! هَيْهَاتَ، إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الهَيْئَةِ وَالأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَرُ، وَمِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ المَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ !) (3).
وتظهر بشكل واضح الحلقات والمساحات والأشكال البيئية (1)، فمنها ما يتعلق :
بمفهوم البيئة البيولوجية – الأسرية : (ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ)، (تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لا تُحِيرُ دُعَاءُ، وَلا تَسْمَعُ نِدَاءً)..
انتظامها ونظامها وتنظيمها وسلامتها يتمثل في المخاطبة ؛ (أَيُّهَا المَخْلُوقُ السَّوِيُّ) ؛ ومنه ما يتضمن تكوين البيئة البيولوجية – النفسية..
منه ما يتعلق بالبيئة الأسرية - الاجتماعية : (ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إلى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا وَلَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا)..
ما يتعلق بالبيئة – الغذاء والنمو ؛ (فَمَنْ هَدَاكَ لاجْتِرَارِ الغِدَاءِ مِنْ تَدْي أُمِّكَ، وَعَرَّفَكَ عِنْدَ الحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَإرَادَتِكَ)، وربما يمتد لطبيعة الغذاء والمستوى الصحي له..
ومنه ما يشمل على المضامين الاجتماعية - البيئية، وجانب منه يصب في مهام ومضامين علم الاجتماع البيئي وجوانب من معالجاته، وما يتطلب من الوقاية والعلاج..
ومما يتضمنه القول المبارك ؛ (بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامَ : وَظُلْمُ الضَّعِيفَ أَفْحَسُ الظُّلْمِ !) (2)هو الجانب المنظور الذي يُعالجه علم الاجتماع البيئي، والجانب غير المنظور المتعلق بمصادر الغذاء ومستوى نقاوة مصادر رزقه من الدخل والتوزيع، وما يتعلق بجانب البيئة الاجتماعية - الاقتصادية الممتدة للبيئة ومكوناتها، وتماسها مع الإنسان وما يتعامل معها بمستوى عقلية وفكر وانطباع دلالي معين، وتلعب الثقافة، ومنها الثقافة البيئية - الاجتماعية، الدور الكبير في التوجهات والتفاعلات والنتائج..
وللبيئة الاقتصادية والسلوك الاجتماعي - الاقتصادي، أهمية بالغة في النفس الفردية المجتمعية وتوليد روح المنافسة والصراع السلبي، ولحماية الفرد - المجتمع من سلبيات ذلك، وما ينجر بآثاره على الاستراتيجيات الاجتماعية، يقول (عليه السلام) :
(یا بنَ آدَم، الرِّزْقَ رِزْقَانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ لَمْ تأتِهِ أَتَاكَ، فَلا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلى هَمِّ يَوْمِكَ! كَفَاكَ كُلُّ يَوْمٍ عَلى مَا فِيهِ، فَإِنْ تَكُن السَّنَةُ مِنْ عُمْركَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ ؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ السَّنةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالْهَمْ فِيمَا لَيْسَ لَكَ ؛ وَلَنْ يَسْبقَكَ إلى رِزْقِكَ طَالِبٌ، وَلَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ، وَلَنْ يُبْطِئَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدْرَ لَكَ) (3).
وتتعدد مضامين القول المبارك، ويمكن أن نرى جانب مما يتضمنه هو علم الاجتماع البيئي، واتجاهات الأنشطة الفردية والجماعية، وثقافة المعرفة والسلوك الاقتصادي للإنسان، يحقق سلامة الفكر
الاقتصادي - النفسي له، وبدوره يحمي البيئة الاجتماعية من الصراعات، ويسهم في حماية البيئة من السباق التنافسي، ويسهم في الذكاء التنافسي - الاستثماري، وثقافة حماية البيئة - المجتمع، وتلعب منظومة الحلال والحرام، دورها في السيطرة والحد من العشوائية والعمى الاستثماري واتجاهات مخاطر الرزق وصراعاته، ومستوى تأثيره على البيئة وتلوثها من خلال طبيعة الرزق أو الكسب، والانصباب على هدف الربحية والدخل دون مراعاة البيئة والتنمية المستدامة..
وأيضاً مما يظهر هو بناء برامج وإدارة عقلانية، نحو مصادر الدخل والتوزيع ومواقعه ضمن البيئة - المجتمع، وهو عامل مهم في تحقيق انسيابية الأنشطة ومدى اتجاهاتها للحرص على البيئة - المجتمع، وهنا لعلم الاجتماع البيئي أهميته في وضع اتجاهات التخطيط والمعايير النوعية الحماية الموارد الطبيعية واستثماراتها وتنميتها المستدامة، وتتقدّم الخطط في المنهج الإسلامي والبناء التنموي على أسس كل ما يتجه نحو الاستدامة التي تحمي كل الحقوق، ومنها الحقوق الاجتماعية والبيئية ؛ الآنية والمستقبلية وما يتعدّى الحياة الدنيوية في الحساب والعقاب..
وبيئة أخرى تدخل ضمنها الجوانب الاجتماعية - العلاقات، ومنه ما يترتب من استقرار بيشي اجتماعي ونفسي، وما يتجه به من مستوى وئام ومحبة أو صراعات تتعدد أشكالها، لذا يظهر مبدأ ضمن العلاقات الإنسانية - البيئية : (سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وَعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ) (1).
وشكل من البناء البيئي - الاجتماعي، محرك اتجاهات الحقوق - الاقتصاد، وهو مما يظهر في قوله (عليه السلام) :
(الحَجَرُ الغَصِيبُ في الدَّار رَهْنٌ عَلى خَرَابِهَا) (2)
وهو أعمق اهتمام مجتمعي - بيثي حتى في غير منظورها، وعندها يتعدد الخراب وأشكاله، وما يتعلق بالبيئة والمجتمع، وبها لابد من أن يشمل معالجاتها علم الاجتماع البيئي، كما هو من جانب تخصصي في مجال العلاقات - البيئة، وهو بجوهره يُعالج جوانب الأخلاق والقيم في العمل - البيئة، الداعم المحتوى البيئة والعلاجات الاجتماعية المتعددة، وما يتعلق بمنظور القوة والضعف للبيئة - المجتمع، وما يُحيط بها من تحديات وتهديدات، ربما تتجاوز على فرص الوئام والملائمة والانسيابية والتعاون والعلاقات بين البيئة الداخلية والبيئة الخارجية..
وبهذا الاتجاه يتعدى إلى الجانب التنظيمي لأعلى مستويات الهرم أو المتقدم القيادي، ليضع علم تنظيم الاجتماع البيئي، ويظهر عند يقول (عليه السلام) :
(أأقنعُ مِنْ نَفْسِي بأن يُقَالَ : هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ العَيْشِ ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالبَهِيمَةِ المَرْبُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَفُهَا، أو المُرْسَلَةِ شُغْلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرسُ مِنْ أَعْلافِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا، أَوْ أَتْرَكَ سُدًى، أَوْ أَهْمَلَ عَابثاً، أوْ أَجْرٌ حَبْلَ الضَّلالَةِ، أَوْ أَعْتَسِيفَ طَرِيقَ المَتَاهَةِ ! وَكَأَنِّي یقَائِلِكُمْ يَقُولُ : " إذا كَانَ هَذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِب، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالَ الأَقْرَان، وَمُنَازَلَةِ الشُّجْعَان "، أَلا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ البَريَّةَ أَصْلَبُ عوداً، وَالرَّوَاتِعَ الخَضِرَةَ أَرَقُ جُلُوداً، وَالنَّابِتَاتِ العِذيَةَ أَقْوَى وَقُوداً، وَأَبْطَأَ خُمُوداً، وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ كَالضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ، وَالذَّرَاعَ مِنَ العَضُدِ) (1).
وبه سبق الأعمق ببناءه الهندسي للقيادة - البيئة بمفهوم اجتماعي تضامني، وضمان لكل مستويات طبقات المجتمع، وعلم الاجتماع البيئي مستمر مع الهندسة التنظيمية المستدامة، وهو ما تفقده أدق معالجات العلوم السياسية - الاجتماعية واحتواء البيئة الصحية التنظيمية - القيادية، فترى أعلى شخص قيادي يتحسس بالجوانب الاجتماعية - الاقتصادية والبيئية، فيكون ضمن التنظيم الإداري تغطية الأحاسيس الاجتماعية - الإنسانية، بحيث لا ينعم بالبيئة، إلا بما ينعم أدنى فرد داخل المجتمع ضمن حدود الدولة والمسؤولية، وما يترتب عليها من بيئة صحية تغذوية، ومنه ما يتحقق من عدالة ومساواة أين ما يتوجب أن يكون كل منهما لتتحقق المواطنة بكل ما تعنيه متطلبات الحقوق الناس والإنسانية..
ولذا يتسائل (عليه السلام) بالقول :
(أَيُّهَا المَعْدُودُ - كَانَ - عِنْدَنَا مِنْ أُولِي الألْبَابِ، كَيْفَ تُسِيعَ شَرَاباً وَطَعَاماً، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تاكُل حَرَاماً، وَتَشْرَبُ حَرَاماً، وَتَبْتَاعُ الإماء وتَنْكِحُ النِّسَاء مِنْ أَمْوَالِ اليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالمُؤمِنِينَ وَالمُجَاهِدِينَ، الَّذِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأَمْوَالَ، وَأَحْرَزَ بِهِمْ هَذِهِ البلاد !) (2).
فعند دراسة وتحليل النص المبارك، يظهر العامل المشترك الاجتماعي - البيئي والنظام الاجتماعي ومحتوى العلاقات التعاونية ومضامين المشاركة الاجتماعية بضوابط المسؤولية وتحملها، والتفاعل المتبادل الإنساني، والعجيب والدقيق، حينما تشمل المنظومة الاجتماعية - البيئية على بيئة - حلال، وبيئة - حرام، لكون موجه الحلال والحرام، والمعروف والمنكر، بنتائجه يؤثر بشكل بالغ على مجمل بيئة الحياة واتجاهاتها، ومنها البيئة الاجتماعية..
ومضمون آخر يجمع بين الإنسان - الاجتماع، ومنه ما يتعلق بالجوانب البيئية والنفسية والسلوكية، وهو مما يظهر في قوله (عليه السلام) :
(إِنَّمَا المَرْءُ فِي الدُّنْيَا غَرَضْ تَنْتَضِلُ فِيهِ المَنَايَا، وَنَهْبٌ تُبَادِرُهُ المَصَائِبُ ؛ وَمَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ، وَفِي كُلِّ أكْلَةٍ غَصَصٌ، وَلا يَنَالُ العَبْدُ نِعْمَةً إِلا بِفِرَاق أُخْرَى، وَلا يَسْتَقبلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلا بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ، فَنَحْنُ أَعْوَانُ النون، وَأَنْفُسُنَا نَصْبُ الحُتُوفِ ؛ فَمِنْ أَيْنَ نَرْجُو البَقَاءَ وَهذَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَمْ يَرْفَعَا مِنْ شَيْءٍ شَرَفاً، إلا أَسْرَعَا الكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنْيَا، وَتَفْرِيقِ مَا جَمَعَا ؟!) (1).
والتحليل لمكونات المجتمع والبيئة، بما فيه ما يتعلق برأس المال الفكري Intellectual Capital الموجه لأنشطة المجتمع، محوره الإنسان - التشريع : (إِنَّمَا المَرْءُ فِي الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا) المحقق لطبيعة ما تكون عليه البيئة - المجتمع، وما حتمية الموت وتوقيته إلا يمثل الحد من طغيان الإنسان كفرد أو مجتمع ؛ (وَلا يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ)، المؤثر على مستقبل ومدى استدامة البيئة ومستوى تلوثها ؛ (إلا أَسْرَعَا الكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنيَا، وَتَفْرِيقِ مَا جَمَعَا)، ومنها مستقبل البيئة الصحية - الاجتماعية ؛(وَلا يَنَالُ العَبْدُ نِعْمَةً إِلا بِفِرَاق أُخْرَى)..
وأيضاً النظر إلى ما تتجه القدرة الإستراتيجية والمعرفية على التطوير والتنمية المستدامة بالكفاءة البشرية - التنظيمية وما يدخل ضمن عملياتها ونتائجها ومخلفاتها البيئية – الاجتماعية..
والتكاملية المعرفية تتجه باتجاه إستراتيجية معرفية، ومنه البنى التحتية والفوقية وامتداداتها بمؤشر الاتجاه الحضاري، ومنه ما يعني الاتجاه المعرفي لاستيعاب الإنسان والبيئة والمستقبل، وما يسهم ضمنه التحليل الإستراتيجي بكل محتوياته المادية وغير المادية والبشرية، ومقدرة توليد - تطبيق المعرفة المنتجة، ولكن : (وَلا يَنَالُ العَبْدُ نِعْمَةً إِلا بِفِرَاق أُخْرَى)، وهو ما ينطبق على كل تطور حضاري ومؤثراته على البيئة - السلوك الاجتماعي، ومنه ما حدث بعد الثورة الصناعية، وغزو الفضاء، وعصر الانترنت، والفضاء المعلوماتي غير المحدود..
وفي البيئة الدنيوية حتمية موت الإنسان كفرد ومجتمع، واتجاهها التطبيقي ؛ (وَلَا يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلا بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ)، يعني تغير المجتمع بمكوناته السلوكية والتطبيقات العملية، وبمكوناته ومستوياته البشرية، والطبقات الاجتماعية بلا تفريق ولا تمييز، وبهذا (فَنَحْنُ أَعْوَانُ المَنُون، وَأَنْفُسُنَا نَصْبُ الحَتُوفِ)، فربما سبقنا موعدنا للموت، وهكذا دوران عجلة الحياة ومكوناته المجتمعية، وهنا يجب التوقف عند التنمية المستدامة واستراتيجياتها لحماية مستقبل البيئة والأجيال والموارد الطبيعية..
وللحد من التسابق والمنافسة العشوائية وعموم ما يؤثر على المجتمع والبيئة في النشاط والنتائج والمستقبل، يتضح أهمية الوعي الثقافي لاستيعاب وجود الإنسان - الاقتصاد في جو بيشي - مجتمعي، وهو مما يتضمنه قوله (عليه السلام) :
1) المرجع نفسه / ص 503.
(يَا بْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فوق قويك، فأنتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِكَ)(1)
وحينما يتوازن الإنسان - النشاط، وتتوازن الخطط التنمية المستدامة، يكون البناء العقلاني للبيئة - المجتمع، وموجهه : (فأنتَ فِيهِ خَازِةٌ لِغَيْرِك)، ببناء هذه الثقافة وفهمها باستيعاب تطبيقي يتم بدوره الحد من تفاقم انتهاك حقوق البيئة - الإنسان، والاتجاه بنقي الفكر وسوي النفس وقويم السلوكية، والعمل ضمن السلوك التنظيمي وسلامة التوجه البيئي، وجانب منه بيئة - مجتمع العمل..
ومحتوى آخر مؤثر على المجتمع - البيئة، ألا وهو محرك الشهوة، حيث يقول (عليه السلام) :
(إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وَإقْبَالاً وَإدْبَاراً، فأتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَإقْبَالِهَا، فَإِنَّ القَلْبَ إِذا أُكْرِهَ عَمِيَ) (2)
ولنظام إدارة المعلومات وتطويرها وتنميتها وتأهيلها للتطبيق المستدام، وما يتطلبه من الظروف والمواقف للنشر المعرفي، أهمية تقويمية بالغة للبيئة - المجتمع، وما يسهم به علم الاجتماع البيئي ؛ (إنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وَإقْبَالاً وَإدْبَاراً)، ومنه يتضمن اتجاهات البيئة المعرفية بالتعلم والتربية والتعليم، وارتباطاتها مكونات البيئة التنموية - الاستثمارية : (فَأْتُوهَا مِنْ قِبل شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِهَا)، وسببها محرك الجعل التكويني وثقافة الجعل التشريعي : (فَإِنَّ القَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِيَ)، وبهذا لابد من اهتمام علم الاجتماع البيئي في اتجاهاته وتوجهاته وتوجيهاته، ما يتطلب الاهتمام بالنظام الاجتماعي وعملياته، والعناية بمعالجات أنماط الحياة الاجتماعية الإنسانية..
وللبيئة الصحية - المجتمع، وما يؤثر على الاتجاهات النفسية والسلوكية، وفاعلية التنظيمات الاجتماعية، حيث يقول (عليه السلام) :
(صحَّةُ الجَسَدِ، مِنْ قِلَّةِ الحَسَدِ) (3)
وهو ما يتضمن أيضاً، علم الاجتماع الصحي، وما يترتب عليه من مستوى سلامة الصحة المجتمعية ؛ العقلية والنفسية والجسدية، المنظورة وغير المنظورة، وما يكون عليها من صحة - جسد وما يُقابلها من بيئة - إنسان، يعني ؛ بيئة تقابل صحة، وجسد يُقابل إنسان، ومؤثرات خارجية متمثلة بمستوى الجسد..
وشكل آخر تكاملي، لبيئة الإنسان، وما يتعلق بكل مكونات الجعل التكويني للإنسان، ومدى توافقه مع البيئة والتشريعات الإلهية وما يترتب عليها من أمور فقهية تسهم في علاجات المبهم والمستحدث أو المستجد منها، لمعرفة الإنسان منحاه القويم الموافق للشريعة الإلهية السمحاء، وبهذا ؛ (جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُو عَنْ عَشَاهَا، وَأَشلاء جَامِعَةٌ لأَعْضَائِهَا، مُلائِمَةٌ
لأَحْنَائِهَا، فِي تَركيب صُوَرهَا، وَمُدَدِ عَمَرهَا، بأَبْدَان قائِمَةٍ بأرفَاقِهَا، وَقُلُوبِ رَائِدَةٍ لأَرْزَاقِهَا في مُجَلاتِ نِعَمِهِ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ، وَحَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ، وَقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ، وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلِكُمْ مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاقِهِمْ، وَمن مُسْتَفْسَحٍ خَنَاقِهِمْ، أَرْهَقَتْهُمُ المَنايَا دُونَ الأَمَالِ، وَشَدَّ بِهِمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الآجَالِ، لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلامَةِ الأَبْدَانِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أَنفِ الأَوَانِ، فَهَلْ يَنتَظِرُ أهْلُ بَضاضَةِ الشَّبَابِ إِلا حَوَانِيَ الهَرَم ؟ وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصَّحَّةِ إِلا تَوَازِلَ السَّقَم ؟ وَأَهْلُ مَدَّةِ البَقَاءِ إلا آونة الفَناءِ ؟ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ، وَأَزوف الإنتقالِ، وَعَلَزِ الفَلَقِ، وألم المَضَضِ، وَغَصَص الجَرْضِ، وَتَلَفتِ الإِسْتِغَاثةِ بِنَصْرَةِ الحَفَدَةِ وَالأَقْرِبَاءِ، وَالأَعِزَّةِ وَالقُرَنَاءِ !) (1).
وهنا مما يظهر أمور بيئية متعددة، تبدأ من الإنسان ذاته بما جعل تعالى له من الأسماع والأبصار والأعضاء ؛ الفاعلة بالفرد والجماعة والمجتمع، وانتهاء أو تراجع صلاحيتها عند لحظة الموت، بالتوازي مع استقراء البيئة التاريخية، لتقويم مسيرة الحياة مع تطورها ونموها واستحداثاتها.
ومن جهة أخرى نتائج ما يجري في بيئة ذات الإنسان وصحته الفردية والمجتمعية، ومنها ما تأخذ أطر من مهام علم الاجتماع البيئي، وما يحصل في العمليات والتغيير والتغير والبناء والنظم وما شاكله والعلاقات بين التبيؤ والبيئة بكل مناحيها، وتعدد تفاعلاتها الاجتماعية - البيئية، كما هو عليه ما تحتويه الاستفسارات لظواهر تحدث باستمرار، يجب التوقف عندها، ألا وهي (فَهَلْ يَنتَظِرُ أَهْلُ بَضاضَةِ الشَّبَابِ إِلا حَوَانِيَ الهَرَمِ ؟ وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصَّحَّةِ إِلا نَوَازِلَ السَّقَم ؟ وَأَهْلُ مَدَّةِ البَقَاءِ إِلَّا آوِنَةً الفَنَاءِ ؟)، ومنها ما يُمثل فلسفة علم الاجتماع البيئي وعلاقاتها مع غيرها من العلوم..
ولحماية وتقويم اتجاهات الإنسان - البيئة، وما يترتب على انتظام وانسيابية البيئة المجتمعية الإنسانية بالقيم ومكارم الأخلاق ؛ (إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ) نَذِيراً للعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلى التَنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينِ، وَفِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشَنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمٌ، تَشْرَبُونَ الكَثِرُ وتَأْكُلُونَ الجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الأَصْنامُ فِيكُمْ مَنصُوبَةٌ، والآثامُ بكُمْ مَعْصُوبَةٌ) (2).
والانتقال من خلال وبهداية الرسالة الإلهية السماوية من مستوى البيئة الاجتماعية المنحرفة إلى بيشة ملؤها الإنسانية المنتظمة والمتماسكة بالقيم والأخلاق وبناء نظام وتنظيم اجتماعي وبيئي مخطط له..
وتظهر صورة لبيئة اجتماعية أخرى، وما يترتب من وصف ومواصفات مكوناتها، لها دلالاتها التحليلية وما يُستثقراً من : (المنظور منها وغير المنظور)، ومنه ما يتضمنه علم الاجتماع البيئي والصحي، حيث يقول (عليه السلام) :
(أَقْبَلُوا عَلى جِيفَةٍ قَدْ افْتَضَحُوا بأكلها، واستحوا على حُبِّهَا، وَمَنْ عَشِقَ شَيْئًا أَعْشَى بَصَرَهُ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَسْمَعُ يأذن غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ، وَأَمَانَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ، وَوَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا، وَلِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا، وَحَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أقْبَلَ عَلَيْهَا، لا يَنزَجِرُ مِنَ اللهِ بزَاجِرٍ، وَلا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظِ، وَهُوَ يَرَى المَأخُوذِينَ عَلى الغِرَّةِ، حَيْثُ لا إقَالَةَ وَلا رَجْعَةً، كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاق الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقَدِمُوا مِنَ الآخِرَةِ عَلى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، فَغَيْرُ مَوْصُوفَ مَا نَزَلَ بهِمْ : اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ المَوْتِ وَحَسْرَةُ الفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ، ثُمَّ ازْدَادَ المَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ يَبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بأَدْنِهِ، عَلى صحةٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاءِ مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمُرَهُ، وَفِيمَ أَذهَبَ دَهْرَهُ! وَيَتَذكَّرُ أَمْوَالاَ جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبهَا، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبهَاتِهَا، قَدْ لَزِمَتُهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا، وَيَتَمَتَّعُونَ بهَا، فَيَكُونُ المَهْنَأُ لِغَيْرِهِ، وَالْعِبْءُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَالمَرْءُ قَدْ عَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا، فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةٌ عَلى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ المَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ، وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بهَا وَيَحْسَدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ ! فَلَمْ يَزَلِ المَوْتُ يُبَالِعُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ : يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ، يَرَى حَرَكَات أَلْسِنَتِهِمْ، وَلا يَسْمَع رَجْعَ كَلامِهِمْ، ثُمَّ ازْدَادَ المَوْتُ الْتِيَاطاً به، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ، وَخَرَجَتْ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ جِيفَةٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، قَدْ أَوْحَشُوا مِن جَانِبِهِ، وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرَيهِ، لا يُسْعِدُ بَاكِياً، وَلا يُجِيبُ دَاعِياً، ثمَّ حَمَلُوهُ إلى مَخَطِّ فِي الأَرْضِ، فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إلى عَمَلِهِ، وَانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ) (1).
وعمق المخاطر والتهديدات بين التبيؤ والبيئة على الحياة الاجتماعية - البيئية، حينما يصل الأمر ؛ (وَاصْطَلَحُوا عَلى حُبِّهَا، وَمَنْ عَشِقَ شَيْئًا أَعْشَى بَصَرَهُ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ)، والتي تبدأ من (أقْبَلُوا عَلى جِيفَةٍ قَدْ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا، وَاصْطَلَحُوا عَلى حُبها)، والمشكلة الكبرى حينما يكون المجتمع في سياق الفكر المضلل، ليصل إلى انتكاس ؛ الحب والعشق، ليصل إلى العشو البصري والبصير والتبصر في الحقيقة، فيتحول الإنسان إلى بيئة مرض القلب، وتكون النتيجة :
فَهْوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ.
يَسْمَعُ بِأُذُنِ غَيْرِ سَمِيعَةٍ.
خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ.
1) المرجع نفسه / ص 159 - 161.
أمَانَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ.
وَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ، فَهْوَ عَبْدٌ لَهَا.
ومخاطر التوجه والتراجع الفكري - المجتمعي : (لا يَنْزَجُرُ مِنَ اللَّهِ يَرَاجِرٍ، وَلَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظُ) وهنا بلا ريب تمتد الخطورة لتهديد البيئة بشكل عام، والبيئة الاجتماعية بشكل خاص..
ولحظة التحول من بيئة دنيوية بحتميتها الزائلة وحتمية الموت فيها، إلى حتمية بيئة دائمة عندها يكون المجتمع بين الحلال والحرام، والجنة والنار، وبين العمل وثمار العمل والجزاء..
ولابد من وقفت تأمل ودراسة لمثل هكذا مناخ مهول، يُدرس بمنظور إسلامي وفي ضوء علم الاجتماع البيئي، وبتوجه عملياته الدنيوية وآثارها الدنيوية - الأخروية، لوضع خطط توعوية مدعمة بالثقافة المتكاملة مع النفس والسلوك وبناء الإنسان، من منطلق مستوعب لصورة عظيمة من التكوين البيئي المتوسط بين البيئة الدنيوية والبيئة الأخروية : (اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ المَوْتِ وَحَسْرَةُ الفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ، ثُمَّ ازْدَادَ المَوْتُ فِيهِمْ وَلُوجاً، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأَذْنِهِ، عَلى صحةٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمُرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ! وَيَتَذكَّرُ أَمْوَالاَ جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِيبَا، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبهَاتِهَا، قَدْ لَزِمَتُهُ تَبعَاتُ جَمْعِهَا، وَأَشْرَفَ عَلى فِرَاقِهَا، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا، وَيَتَمَتَّعُونَ بهَا، فَيَكُون المهنأ لِغَيْرِهِ، وَالْعِبْ، عَلى ظَهْرِهِ).
ويمكن وضع هذه الصورة ضمن المخطط الآتي :
مخطط (35) يبين لحظات التحول من البيئة الدنيوية إلى ما بعدها
وتتوغل في عمق صور اللحظات الأخيرة للإنسان في بيئته الدنيوية - الاجتماعية : (فَلَمْ يَزَل المَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ :
يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلامِهِمْ، ثُمَّ ازْدَادَ المَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ، وَخَرَجَتْ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ جِيفَةٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، قَدْ أوْحَشُوا مِنْ جَانِبهِ، وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ، لا يُسْعِدُ بَاكِياً، وَلا يُجِيبُ دَاعِياً، ثمَّ حَمَلُوهُ إلى مَخَطِّ فِي الأَرْضِ، فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إلى عَمَلِهِ، وَانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ)..
وما أعظم هذا الوصف الملكوتي الرهيب، وتفاعله في عمق دراسات علم الاجتماع البيئي - الصحي، ولذا يُخاطب (عليه السلام) العقل الجمعي والمجتمعي، وباتجاه البناء الثقافي – البيئي..
ولجانب التربية الصحية والكشف عن الظروف والمواقف، كاتجاه لبناء ثقافة صحية مجتمعية وقائية وعلاجية لمخلفات البيشة وتنظيماتها، لتنقية الأجواء والمناخ، والجمع بين متصدر القيادة ومتخذ قراراتها، وبين طبيعة ومواصفات المجتمع ومستوى طاعتهم وتأثيره على قويم الأعمال ومنحرفها، وجميعه يصب في الجانب التنموي وطبيعته ومستقبل ما تكون عليه البيئة وما يكون عليه المجتمع من استقامة وتواصل تنموي، لذا يقول (عليه السلام) :
(وَلا تُطِيعُوا الأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَربتُمْ بِصَفُوكُمْ كَدَرَهُمْ، وَخَلَطْتُمْ بصحتِكُمْ مَرْضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقَّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَهُمْ أَسَاسَ الفُسُوقِ، وَأَخْلاسُ العُقُوق) (1).
هذا الاتجاه التوعوي والتربوي الوقائي، وما جاء النهي محددات انحراف القيادة والتنظيم والأداء والنتائج، من منظور يُحافظ على المجتمع والبيئة والصحة النفسية والجسدية والعقلية، وما يمتد للحقوق والواجبات، ومنها حقوق البيئة الاجتماعية ومنحاها..
ومعالجة أخرى نتائجها البيئية - الاجتماعية تدخل ضمن معالجة اتجاه الفساد الإداري والمالي بموضوعية بالغة، ومن لطائف الأمور الاجتماعية - البيئية، بمفهوم إسلامي، أن يشمل نقاوة وسلامة مصدر الأموال لامتلاك بيئة سكنية صحية، وهو ما لا يمكن أن تتضمنه جميع النظم والتنظيرات والمعايير الإنسانية الوضعية، بمضامينها المنظورة وغير المنظورة..
حيث ورد في كتاب له (عليه السلام) الشريح بن الحارث قاضيه، وروي أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، إشترى على عهده داراً بثمانين دينار، فبلغه ذلك، فاستدعى شريحاً، وقال له :
(بَلَغَنِي أَنَّكَ ابْتِعْتَ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً، وَكَتَبْتَ لَهَا كِتَاباً، وَأَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُوداً).
فقال له شريح : قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، قال : فنظر إليه نظر المغضب ثم قال له :
1) المرجع نفسه / ص 290.
يَا شُرَيْحُ، أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لا يَنظُرُ فِي كِتَابِكَ، وَلا يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ، حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شاخصاً، وَيُسْلِمَكَ إلى قبرك خالصاً، فَانظُرْ يَا شُرَيْح لا تَكُون ابتعتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلالِكَ ! فَإِذا أَنتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الآخِرَةِ ! أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا اسْتَرَيْتَ لَكَتَبْتُ لَكَ كِتَاباً عَلى هَذِهِ النُّسْخَةِ، فَلَمْ تَرْغَبْ فِي شِرَاءِ هَذِهِ الدَّارِ بدِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَ.
والنسخة هذه : " هذا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ، مِنْ مَيِّتِ قَدْ أزْعِجَ لِلرَّحِيلِ، اشْتَرَى مِنْهُ دَاراً مِنْ دَارِ الغُرُورِ، مِنْ جَانِبِ الفَانِينَ، وَخِطَّةِ الهَالِكِينَ، وَتَجْمَعُ هذِهِ الدَّارَ حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ : الحَدُّ الأَوَّلُ يَنْتَهِي إلى دَوَاعِي الآفَاتِ، وَالحَدُّ الثَّانِي يَنْتَهِي إِلى دَوَاعِي المُصيبَاتِ، وَالحَدُّ الثَّالِثُ يَنْتَهِي إلى الهَوَى المُرْدِي، وَالحَدُّ الرَّابِعُ يَنتَهِي إلى الشَّيْطَانِ المَغْوِي، وَفِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ، اشْتَرَى هذا المَغْتَرُّ بالأَمَلِ، مِنْ هذا الْمُزْعَجِ بِالأَجَلِ، هذِهِ الدَّارَ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزّ القَنَاعَةِ، وَالدُّخُولِ فِي دُلُّ الطَّلَبِ وَالضَّرَاعَةِ، فَمَا أَدْرَكَ هذا المشتَرِي فِيمَا اشْتَرَى مِنْهُ مِنْ دَرَكٍ، فَعَلى مُبَليلِ أَجْسَامِ لمُلُوكِ، وَسَالِبِ نُفُوسِ الجَبَابِرَةِ، وَمُزِيلِ مُلْكِ الفَرَاعِنةِ، مِثْلِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَتَبَّعٍ وَحِمْيَرَ، وَمِنْ جَمَعَ المَالَ عَلَى المَالِ فَأكْثرَ، وَمَنْ بَنَى وَشَيَّدَ، وَزَخْرَفَ وَنَجِّدَ، وَادَّخَرَ وَاعْتَقَدَ، وَنَظَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ، إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً إلى مَوْقِف العرضِ وَالحِسَابِ، وَمَوْضِعِ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ : إِذَا وَقَعَ الأَمْرُ بِفَصْلِ القَضَاءِ " وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ " شَهِدَ عَلى ذلِكَ العَقْلُ إِذا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الهَوَى، وَسَلِمَ مِنْ عَوَائِقِ الدُّنْيَا) (1).
وما يتضمنه من علم الاجتماع البيئي الدنيوي بين ؛ (دَوَاعِي الآفاتِ)، و (دَوَاعِي المصيبَاتِ)، و (الهَوَى المَرْدِي)، و (الشَّيْطَانِ المَغْوِي)، وما يكامله في النص المبارك من مضامين علم الاجتماع البيئي الدنيوي - الأخروي، وعلم الاجتماع البيئي الأخروي..
وأيضاً يبرز جانب آخر له علاقة واضحة، ألا وهو مضامين الحياة وحتمية الموت ومؤثراتها، ومنه ما يكون التوجه باتجاه علم الاجتماع البيئي، وباتجاه الوعي والثقافة وفلسفة الحياة والموت، وهو يظهر في جانب مما يتضمنه قوله (عليه السلام) :
(واعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ، وَأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ، وَأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ، وَالابْتِلاءِ، وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ، أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لا تَعْلَمُ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلاً ثُمَّ عُلِّمْتَ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلْ مِنَ الأَمْرِ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأيَكَ، وَيَضِلُّ
1) المرجع نفسه / ص 364 - 365.
فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذلِكَ ! فَاعْتَصِمُ بالذي خلقك ورَزَقَكَ وَسَوَّاكَ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبدُكَ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ، وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ) (1).
ومما تشمله من مضامين هو علم الاجتماع البيئي، فالموت والحياة، والمفني والمعيد، والبيئة الدنيوية وديناميتها أو حركيتها ؛ (وأنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرُّ إِلا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ، والابتلاء)، ومحدود استيعاب ما يدور حولنا، بما فيه البيئة والتقلبات النفسية - الاجتماعية، ومعالجة هذه المشكلة ؛ (فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلاً ثُمَّ عُلِّمْتَ)..
والانفتاح بدراسة ما يدور في البيئة، هو مفتاح آفاق المجتمع - الحضارة ؛ (وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الأَمْرِ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأَيكَ، وَيُضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذلِكَ !)، واستدامة البيئة جزء من مهام علم الاجتماع البيئي، ومعالجة مشاكل المجتمع - البيئة..
وفي هذا الاتجاه والتوجه وما يُكامله باستيعاب ووعي وثقافة فهم البيئة الدنيوية وفلسفتها وتتابع الحلقات الإستراتيجية، والتعامل معها بالوقاية والعلاج - الوقاية، والتعاون على حماية ذات البيئة بكل مكوناتها، حيث يقول (عليه السلام) :
(فَكَمْ أَكَلَتِ الأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ، وأنيق لَوْن، كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ، وَرَيبَ شَرَفِ ! يَتَعَلَّلُ بالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ، وَيَفْرَعُ إلى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ، وَشَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَلَعِبهِ ! فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إلى الدُّنْيَا وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلَّ عَيْشٍ غَفُولٍ، إذ وَطِئَ الدَّهْرُ به حَسَكَهُ وَنَقَضَتِ الأَيَّامُ قوَاهُ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحَتُوفُ مِنْ كَتَبٍ، فَخَالَطَهُ بَثَّ لا يَعْرِفُهُ، وَنَجِي هَم ما كَانَ يَجدُهُ، وَتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِللٍ، آنس ما كان بصحتِهِ، فَفَزِعَ إلى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الأطباءُ مِنْ تسكين الحَارّ بالقَارّ، وَتَحْرِيك البارد بالحارّ، فَلَمْ يُطْفِئ ببارد إلا ثورَ حَرَارَةً، وَلا حَرَّكَ بحار إلا هَيَّجَ بُرُودَةٌ، وَلا اعْتَدَلَ بِمُمَازِج لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ ؛ حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ، وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ، وَتَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ، وَتَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرِ يَكْتُمُونَهُ : فَقَائِل يَقُولُ : هُوَ لِمَا بِهِ، وَمُمَنْ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ، وَمُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلى فَقْدِهِ، يُذكِّرُهُمْ أَسَى المَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ، قبَيْنَا هُوَ كَذلِكَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا، وَتَرْكِ الأَحِبَّةِ، إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضَ مِنْ غَصَصِهِ، فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتهِ، وَيَيسَتْ رُطُوبَةٌ لِسَانِهِ، فَكَمْ مِنْ مُهِمْ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ، وَدَعَاءٍ مُوْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ، مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظْمُهُ، أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ! وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَن تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلى عُقُول أَهْلِ الدُّنْيَا) (2).
و مما يشمل الصور من الدلالات العميقة الجانب من هذه البيئة، وعدم توقفها، وما أراد الخالق تعالى من تواصل الحياة إلى أجل غير معلوم للمخلوقات ؛ (فَكَمْ أكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ)..
وجدير بنا أن نتفحص المناخ والظروف والبيئة، مما جاء في النص المبارك ؛ (وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الحُتوف مِنْ كَتَب، فَخَالَطَهُ بَث لا يَعْرِفُهُ، وَنَجِيٌّ هَمِّ مَا كَانَ يَجِدُهُ، وَتَوَلّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ، أَنَسَ مَا كَانَ بصحَتِهِ، فَفَزِعَ إِلى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الأطباءُ مِنْ تَسْكِينِ الحَارِّ بالقَارُ، وَتَحْرِيكِ البَارِدِ بِالحَارِّ، فَلَمْ يُطْفِئُ ببَارِدٍ إِلا أَوَّرَ حَرَارَةٌ، وَلا حَرَّكَ بِحَارٌ إِلا هَيَّجَ بُرُودَةٌ، وَلا اعْتَدَلَ بِمُمَازِجِ لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ).
وهو مما يجمع بين التنشئة الاجتماعية وما عليه البيئة والصحة والإنسان، وما يحدث لمسار ووتيرة صحته النفسية والعقلية والجسدية، وما يترتب من مضاعفات ونتائج وآثار جانبية، وما يتطلبه من علاجات آنية ومستقبلية، بعد الوقاية، وما يدور من حتمية الموت ؛ (وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلى عُقُول أَهْلِ الدُّنْيَا)، وما يُخلّفه على البيئة والمجتمع..
وتكاملاً مع المبحث السابق، يظهر لنا فرع آخر من علم الاجتماع، يأخذ حيويته من فاعليته الاجتماعية - الصحية، وكل ما يتعلق بالإنسان وصحته الجسدية وتأثيره الاجتماعي والصحي وما يتعلق بالمؤسسات الصحية، وتأثيره الاقتصادي والإداري..
وهنا يمكن أن نتناول جانب من علم الاجتماع الصحي المتداخل مع علم الاجتماع الطبي وعلم الاجتماع الدوائي، وممكن أن يدخل أو يتداخل كل منهم هنا ضمن علم الاجتماع، ويمكن أن يكون لها سعتها وشموليتها ومعالجاتها كموضوع وكعلم شامل وكعلم فرعي..
وكما لعلم الاجتماع الطبي علاقته مختلف العلوم، فإن تواصله بالذات مما يكون عليه في المجال مع المشترك مع علم الاجتماع والطب، وتكون الجهود المبذولة :
وما ينجم من دراسة القضايا التطبيقية، ما يتصل ؛ بعمليات المرض، ورعاية المريض، والطب يهتم بالصحة والمرض، وعلم الاجتماع يدرس البناء الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، وبذا حلقة الوصل بين الطب وعلم الاجتماع..
بمعنى أن علم الاجتماع الطبي يدرس قضايا الصحة والمرض في ضوء علاقتهما بالنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية والمعرفية..
وعلم الاجتماع الطبي هو الدراسة السوسيولوجية لقضايا الصحة والمرض، وتناول المستشفى كنسق اجتماعي وثقافي، وفحص علاقة المريض بالقوى العاملة الطبية وبالمؤسسات العلاجية، كما يحددها البناء الاجتماعي والوضع الطبقي.. (1)
وأهمية العوامل الاجتماعية المرتبطة بالصحة والمرض والبناء الثقافي الصحي، وسلوك المرض وعلاقته بالخدمة الصحية المقدمة، ونمط الأسرة (نووية أو ممتدة)، ودوره في اتخاذ القرار الطبي باللجوء إلى إحدى المؤسسات الصحية بناء القوة السائدة في المجتمع، ودرجة تأثيره على أداء الخدمة الصحية، ويبرز اتجاهات وقيم المجتمع نحو العلاج الشعبي والرسمي، وكيفية استثماره في تدعيم الطب الرسيم مواجهة الطب الشعبي..
والطب بمنظور متبادل ومتعدد المضامين، يتجه بذاته في :
فهم كيفية ظهور الأعراض الخاصة والمتكاملة لمرض معين يصيب الفرد أو الجماعة..
كيفية معالجة هذه الأعراض والأمراض، أو يجد المدى والمضاعفات..
تعزيز الظروف المعيشية المقللة للمخاطر المعترضة لصحة السكان
مراعاة أهمية العوامل الاجتماعية والنفسية بالتوازي مع أهمية العوامل البيولوجية..
الصلة الوثيقة بين قضايا الصحة والمرض في علم الاجتماع والسلوك، وإفادة الطب من علم الاجتماع، وأهمية الأبعاد الاجتماعية والثقافية في قضايا الصحة والمرض، واتسع ليشمل الحياة الاجتماعية والنفسية للمريض.. (2)
وهنا يبرز جانب الاحترام والتعاطف بين المريض والمعالج، وما يترتب عليه من أدوار وأنماط العلاقات الإنسانية، ومستوى الصراعات، ومدى مؤثر الطبقة الاجتماعية على طبيعة ونمطية وأنواع الخدمات الطبية والصحية، وما يتعلق من التنظيم الاجتماعي - الصحي، وما يترتب عليها من
العلاقات الرسمية وغير الرسمية، والمؤثرات الداخلية والخارجية، وما يُعانيه من مشكلات وتهديدات ومخاطر، وما يتطلبه من معالجة، ورفع مستوى الأداء..
ولا ننسى ما دور الصحة والطب المجتمعي في بناء المناخ الصحي المؤهل شرائح المجتمع وطبقاته، والتوجه نحو العمل الملائم ؛ بالتوصيف التشريحي للعمل، والوصف الوظيفي للعمل، والمواصفات المستوعب والمستوعب والمتطابق مع القدرات والرغبات للشخص الشاغل العمل أو الوظيفة، وهو بحد ذاته يحقق سلامة الصحة النفسية والعقلية والجسدية، وسلامة الأداء والأداء العالي في التنفيذ المطلوب..
وما النظرية الاجتماعية، إلا عامل مساعد في فهم أسباب المرض وعوامله في ضوء الطبقة الاجتماعية والسن ونوع الجنس..
وطبيعة ونمط السلوك وتأثيره على الجماعة المهنية الواحدة، وبدورها علاقتها بالجماعات الأخرى، والتقاليد والضغوط الاجتماعية في ضبط السلوك في النظام الصحي، وما يترتب من تنفيذ الأوامر ومجالات التنظيم والإدارة، وما تتجه الاتصالات والعلاقات وارتباطها بالخدمة والرعاية الصحية ومستوى الدافعية..
ومؤشر التوعية الصحية - الاجتماعية، وما يتحدد من ثقافات واستجابات، ومداخلات علم الأوبئة الاجتماعية وما تكون عليه الموارد البشرية ؛ الداخلة في العملية الصحية المؤسساتية، والداخلة في العمليات الإنتاجية المختلفة، والداخلة ضمن المناخ العلاجي والوقائي..
وربما يتفكك النسيج الاجتماعي من خلال أو بسبب طبيعة السياسات والبرامج الصحية وتنفيذها، وما يُعانية المجتمع من مختلف الأمراض النفسية والعقلية والبدنية..
ويتدرج فيما عالجه (عليه السلام) من مضامين أقواله، ومما تشمله على المحتوى البيئي - الاجتماعي ومعالجاته في التغير البيئي - المجتمعي ومستوى التفاعل الإنساني Human Interaction ومن خلال العلاقات المتبادلة، حيث يقول :
(وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلا وَيَكَادُ صَاحِبُهُ يَشبَعُ مِنْهُ وَيَمَلُهُ إِلا الحَياةَ فَإِنَّهُ لا يَجِدُ في المَوْتِ رَاحَةً، وَإِنَّمَا ذلِكَ بِمَنْزِلَةِ الحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ المَيِّتِ، وَبَصَرُ لِلْعَيْنِ العَمياء، وَسَمْع للأذن الصَّمَّاءِ، وَرِيٌّ لِلْظَمَآنِ، وَفِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ وَالسَّلَامَةُ) (1).
والواقع البيئي - الاجتماعي، بدون تفاعله الإنساني بأنماط الحياة الاجتماعية وما يطرأ من تغيرات منظورة وغير منظورة، وبلا مراعاة للقيم والأخلاق، سيتجه للانحدار في بيئة يكونوا قد ؛ (أَقْبَلُوا على جِيفَةٍ قَدْ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا، وَاصْطَلَحُوا عَلى حُبِّهَا، وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ
1) المرجع نفسه / ص 192.
يَنْظُرُ بِعَيْنِ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَسْمَعُ بأذن غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ، وَأَمَانَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ وَوَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا) (1).
ولو تم دراسة وتحليل هذه البيئة بكل علمية وعقلانية، ومنه ما يتجه دراسته ضمن علم الاجتماع البيئي، لتم من بين التحقق والتوصل إليه، هو ما خطورة اتجاه الإنسان بهدر الحقوق البيئية - المجتمعية على مستقبله ومستقبل حضارته، هذه الرؤيا البالغة الدقة في المعاينة والتشخيص..
والوقاية والعلاج لعلم الاجتماع، ومنه علم الاجتماع البيئي والصحي، منظور وغير منظوره يكون ؛ (وَلَا تُطِيعُوا الأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بصَفْوِكُمْ كَذَرَهُمْ، وَخَلَطْتُمْ يصحتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقَّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَهُمْ أَسَاسُ الفُسُوقَ، وَأَحْلاسُ العُقُوق) (2).
والوعي للحتمية التي لا مناص منها، حينما : (يَرْمِي الحَيَّ بالمَوْتِ، وَالصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ، وَالنَّاجِيَ بالعطب) (3)، وما يكون عليه من حتمية الموت، وحتمية المرض، وحتمية تراجع الحياة وتراجع القوة وسريان الضعف في البيئة كما في الأبدان، بمرور السنوات، وحتى إصابة الناجي منها..
ولتتوقف أحدث المدارس والنظريات الاجتماعية، عند هذا، لترى مما يتضمنه من علم الاجتماع البيئي والصحي والسلوكي، وما يترتب عليه من بناء القيم والأخلاق والإنسان، وبمراعاة الحقوق، ومنها الحقوق البيئية - الاجتماعية لحماية الإنسان من نفسه ومما يُحيطه..
وعندها يرى علماء الاجتماع والبيئة والصحة، ما أهمية قوله (عليه السلام) :
(فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ، وَشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ، وَصَلاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ، وَطُهُورُ دَنَس أَنْفُسِكُمْ، وَجَلاءُ عَمَّا أَبْصَارِكُمْ، وَأمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ، وَضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ) (4).
وما تفعل التقوى من فعلتها وآثارها البنائية من ؛ الدواء، والبصر، والشفاء، والصلاح، والطهور، والجلاء، والأمن، والضياء..
ويتحقق جانب منها في بناء قويم المنظومة التي تحمي البيئة والإنسان في منعطف وامتدادات الحياة، فتضع الصورة الحقيقية ؛ (فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إلى الدُّنْيَا وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلٍّ عَيْشٍ غَفُولٍ، إذ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ وَنَقَضَتِ الأَيَامُ قُوَاهُ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الحَتُوفُ مِنْ كَثَبٍ، فَخَالَطَهُ بَثَّ لا يَعْرِفُهُ، وَنَجِيُّ هم مَا كَانَ يَجِدُهُ، وَتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ، آنسَ مَا كَانَ بِصِحْتِهِ، فَفَزِعَ إلى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الأَطِباءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارُ بِالقَارِّ، وَتَحْرِيكِ البَارِدِ بِالخَارِّ، فَلَمْ يُطْفِى ببَارِدٍ إلا ثوَّرَ حَرَارَةً، وَلَا حَرَّكَ بِحَارٌ إِلا
هَيَّجَ بُرُودَةٌ، وَلا اعْتَدَلَ بِمُمَازِج لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إلا أمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ ؛ حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ، وَذَهَلَ مُمَرِّضَهُ، وَتَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ، وَتَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ : فَقَائِلٌ يَقُولُ : هُوَ لِمَا بِهِ، وَمُمَنْ لَهُمْ إيَابَ عَافِيَتِهِ، وَمُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ، يُذكِّرُهُمْ أَسَى المَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذلِكَ عَلى جَنَاحَ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا، وَتَرْكِ الأَحِبَّةِ، إِدْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غصَصِهِ، فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ، وَيَسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ، فَكَمْ مِنْ مُهم مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ، وَدُعَاءٍ مُؤلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصامَّ عَنْهُ، مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظّمُهُ، أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ ! وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تَسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُول أَهْلِ الدُّنْيَا) (1).
وبذلك يصون الحقوق ويؤدي ما عليه من واجبات مرسومة، لحماية كل ما يُحيط به حتى ذاته، وبذلك يحقق ؛ الأمن البيئي والصحي، بالاتجاهات المدروسة والمخطط لها ؛ الوقائية والعلاجية، وذلك باتحاه البرنامج الصحي المخطط له والواضح ؛ (وَبَادِرُوا بِالأَعْمَالَ عُمُراً نَاكِساً، أَوْ مَرَضاً حَايساً، أَوْ مَوْتاً خَالِساً، فَإِنَّ المَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ، زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبِ، وَقِرْن غَيْرُ مَغْلُوبٍ، وَوَائِرٌ غَيْرُ مَطلوب) (2).
وجانب مما يظهر، هو علم الاجتماع الصحي في مضامين ما قاله (عليه السلام) ؛ لبعض أصحابة في علّة اعتلها : (جَعَلَ الله مَا كَانَ مِنْ شَكْوَاكَ حَطَاً لِسَيِّئَاتِكَ، فَإِنَّ الرَضَ لا أَجْرَ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ يَحُطُ السَّيِّئَاتِ، وَيَحُتُهَا حَتَّ الْأَوْرَاقِ، وَإِنَّمَا الأَجْرُ فِي القَوْلِ باللِّسَانِ، وَالعَمَلِ بِالأَيْدِي وَالأَقْدَامِ، وَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ يصدق النِّيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الجَنَّةَ) (3).
وفي مناسبة أخرى توعوية، وبمضامينها التربوية - الصحية ؛ الجسدية والنفسية والعقلية وامتداداتها الاجتماعية، حيث يقول (عليه السلام) :
(كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفِّيكَ، وَكَمْ مَرَّضْتَ بيَدَيْكَ! تَبْتَغِي لَهُمُ الشَّفَاءَ، وَتَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الأَطِبَّاءَ، غَدَاةَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ، وَلا يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكاؤُكَ، لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ، وَلَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطِلْبَتِكَ، وَلَمْ تَدْفَعْ عَنَّهُ بِقُوَّتِكَ ! وَقَدْ مَثّلَتْ لَكَ بِهِ الدُّنْيَا نَفْسَكَ، وَبمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ، إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنِّى لِمَنِ تَزَوَّدَ مِنْهَا، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنْ اتَّعَظَ بِهَا مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللَّهِ، وَمُصَلَّى مَلائِكَةِ اللهِ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ، وَمَتجَرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ) (4).
ولا يحتاج الجهد الكبير لشرح النص المبارك لوضوح ما فيه من علم الاجتماع الصحي والطبي، ومنه ما يتمثل عند ؛ العلل والمرض، وما يوازيها من الأطباء والدواء والشفاء..
ويكفي بخصوص علم الاجتماع البيئي وعلم الاجتماع الصحي والطبي، لو اقتصرنا على وضوح وعمق جانب مما يتضمنه القول المبارك ؛ (وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا)، ومثلث محوره ؛ العفو والعافية والمعافاة، فأما العَفْوُ فهو ما وصفناه من محو الله تعالى ذُنوبَ عبده عنه، وأما العافية فهو أن يُعافيه الله تعالى من سُقمِ أو بَلِيَّةٍ وهي الصحة ضدُّ المَرَض، يقال : عافاه الله وأعفاه أي وهَب له العافية من العِلل والبلايا، (1)وبه يكون :
دَارُ عَافِيَة = مَنْ فَهِمَ عَنْهَا
(و) مستوى دَارُ عَافية = مستوى مَنْ فَهمَ
ولابد من الإشارة المكررة، بأن الإسلام مما يُركّز عليه، هو الجانب المنظور وغير المنظور لكل تفاصيل الحياة، المترتب عليه محددات عديدة وقرارات متنوعة، وحكم الحلال والحرام، وامتدادات و آثار دنيوية وأخروية، وعدم تقادم الحقوق حتى ما بعد الموت، وما يتحدد على الظالم وما يتحمله من عقاب يتوازي بعدالته مع اقتراف التعدي على حقوق الآخرين، ومنها المؤثر على الصحة الفردية والجمعية والمجتمعية، بشكله المباشر وغير المباشر..
وكذلك ما يترتب على الحق في غير مواضعه وبين غير أهله، كما لو كان الشخص الغريب في غير بلاده، وهنا يكون كما قال (عليه السلام) :
(فَلا تَنْفِرُوا مِنَ الحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الأجْرَبِ، وَالبَارِي مِنْ ذِي السَّقَمِ) (2)
ومما يشمل النص المبارك المتقدّم، العلاقات الاجتماعية وارتباطها بالسلوك الاجتماعي - المرضي، وما يشتمل على البيئة الصحية، وما يعنيه التشبيه في مضامين ؛ (نِفَارَ الصَّحِيح مِنَ الأَجْرَبِ، وَالبَارِي مِنْ ذِي السَّقَم)، ومما يتضمنه هو معالجات علم الاجتماع الصحي والطبي، فالمحيط الاجتماعي هو ما يؤثر وبشكله المتبادل على السلوك الاجتماعي، وللوقاية لا يمكن أن يجتمع الصحيح مع المريض كما هو المصاب بمرض الجرب، والجَربُ : بَثَرٌ يَعْلُو أَبْدانَ الناسِ والإِبلِ.. (3)
وأيضاً يقول (عليه السلام) :
(وَإِيَّاكَ وَالتَّغَايَرَ فِي غَيْرِ مَوْضع غَيْرَةٍ، فَإِنَّ ذلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَة إلى السقم، وَالْبَرِيئَة إِلَى الرِّيب) (4)
وتوظيف عبارة : (الصَّحِيحَة إِلَى السَّقَم، وَالْبَرِيئَةَ إِلى الرِّيب)، في مجال اجتماعي سلوكي، عامل مهم للربط بين المضامين الاجتماعية، بالتوازي مع المضامين الاجتماعية - المرضية والصحية، ومدى دقة الاختبار البلاغي للمثل، ويتبين بذلك مدى العلاقة السلوكية الاجتماعية - المرضية.
ولعلم الاجتماع الصحي والطبي وعلم اجتماع الأدوية أو الدوائي، منظورها وغير منظورها، هو ما يتضمن القول المبارك : (رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءٌ، وَالدَّاءُ دَوَاء) (1)، وفي اللغة ؛ الداء جامع لكل الأمراض، والداء : المرض..
ووضوح ما يتضمنه النص المبارك، ومنه ما يتعلق بمؤشر وصفة المناعة Immunity المكتسبة من جراء الإصابة بالمرض، وهو ما أثبته علم المناعة Immunology الذي ظهر كعلم مستقل في الستينات أو السبعينات من القرن المنصرم..
وما يحصل الجهاز المناعة من تأثيرات إيجابية وسلبية، وما يكسب جهاز المناعة من قوة وما يطرأ عليه من ضعف : جرّاء نوعية الإصابة بالداء، وبرز فاعلية جهاز المناعة بتجربته الميدانية المعروفة منذ أن استعمل لقاح الجدري، وما يحصل بعض الأحيان من الأعراض الجانبية لتناول الدواء... (2)
وبهذا فالداء حينما يكسب الجسم المقاومة للأمراض، أو يجعل للجسم المناعة من جراء الإصابة بالمرض، ويكون دواء من خلال ما يكسب الجسم من المناعة ويقوي جهاز المناعة، لكن الدواء ربما بأعراضه الجانبية، وما يُضعف به جهاز المناعة، يكون بسببه مدعاة الإنسان للإصابة ببعض الأمراض، وهو جانب من عناية علم الاجتماع المرضي والطبي، وما يحدثه من انتقال الأمراض والأوبئة داخل المجتمع..
وقيل له (عليه السلام) : كيف نجدك يا أمير المؤمنين ؟ فقال (عليه السلام): (كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ، وَيَسْقَمُ بصِحَتِهِ وَيُؤْتَى مِنْ مَأْمَنِهِ !) (3).
والعمق البلاغي ودلالة الوصف بالدمج بين متنافرين، يحقق مدى دقة إيصال المعلومة وحتمية الانتقال من حال لحال بطرفة عين، ومما يعني أن لا ضمان صحي - اجتماعي، ولا أمان لهذه الدنيا، البيئة المتقلبة بكل ما فيها وبكل مؤثراتها، وحتمية الزوال فيها من الأمور الطبيعية، وهو درس تربوي - صحي مجتمعي يقوم اتجاهات الإنسان العاقل وتوجهاته، وتوجيهه بفهم ووعي للخير ونفع الناس..
والإنسان ؛ الفرد - المجتمع، ومكونات البيئة المجتمعية الصحية، تراه : (إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً، وَإِنْ صَحَّ أَمِنَ لاهِياً ؛ يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إِذا عُوفِيَ، وَيَقْنَطُ إِذا ابْتُلِيَ ؛ إنْ أَصَابَهُ بَلَاءٌ دَعَا مُضْطَرًا، وَإِنْ نَالَهُ رَخَاءِ أَعْرَضَ مُغْتَراً : تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ، وَلا يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَبْقِنُ ؛ يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنبهِ، وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ : إِن اسْتَغْنَى بَطِرَ وَفُتِنَ، وَإِنْ افْتَقَرَ قَنِطَ وَوَهَنَ ؛ يُقَصِّرُ إذا
عَمِلَ، وَيُبَالِغُ إِذَا سَأَلَ ؛ إنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ المَعْصِيَةَ، وَسَوَّفَ التَّوْبَةَ، وَإِنْ عَرَثهُ مِحْنَةٌ الفَرَج عَنْ شَرَائِطِ المِلَّةِ) (1).
وبين المرض والصحة يكمن الإنسان بين الندم والأمن، وبقصر نظر الإنسان يأمن عند استقامة صحته، وتضيق به الدنيا إن مرض وانتكست صحته، وهو ما يدلل على عدم الإتزان واستقامة ووضوح الرؤى، وإرباك وتشويش الرسالة التي يحملها الإنسان، مما يجهله يفقد النظرة الإستراتيجية في قوته وضعفه ؛ و (يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إذا عُوفِيَ، وَيَقْنَطُ إِذا ابْتُلِيَ) ؛ وعند ضياع فرصه واتساع التحديات والمخاطر والتهديدات، تجعله : (إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً، وَإِنْ صَحَ أمِنَ لاهياً)، وبين الصحة بكل أشكالها ومدلولاتها يقف علم الاجتماع الصحي، ليدرس ويحلل ما يجري داخل المجتمع..
ولابد للإنسان العاقل السوي، أن لا يشق بالحياة الدنيوية، وفي مقدمتها العافية والغنى، وبهذا الخصوص قال (عليه السلام) :
(لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثقَ بخِصْلَتَيْن : العَافِيَةِ وَالغِنَى، بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافًى إذ سَقِمَ ؛ وَبَيْنَا تَراهُ غَنِيًّا إذ افْتَقْرَ) (2).
وأيضاً مما يتضمنه القول المبارك هو الجمع بين علم الاجتماع الصحي وعلم الاجتماع الاقتصادي، وحركية السلوك الصحي - الاقتصادي، والسبق الصحي للإنسان هو المنفذ للحركة الاقتصادية والتنمية الاقتصادية، فلا تتكامل المنظومة الاجتماعية - الاقتصادية، إلا بتكاملها مع المنظومة الاجتماعية – الصحية..
ومما تتضمن الصحة الصحة في المفهوم الإسلامي هو عافية أو صحة الأديان وصحة الأبدان، صحة وسلامة الثقافة الفكرية والمعرفية المبنية على معرفة ؛ الحلال والحرام، هذا النظام الكوني العظيم والموجه لمستقبل واستدامة كل شيء، ولا يقف مضمون الحلال والحرام عند حد، بل يمتد بحركته و هيمنته وتوجهاته التشريعية والمنبثق منها الاتجاهات الفقهية، ويستحدث فقه الحلال والحرام باستحداث المسائل الشرعية ومع تغير ما يدخل ضمن مسيرات الحياة المادية وغير المادية والنفسية والمعلوماتية، فمساحة فقه الحلال والحرام، ومساحة الأخلاقيات بالمفهوم الإسلامي، قبل الثورة الصناعية أضيق من مساحة الفقه واتجاهاته بعد الثورة الصناعية، واتسع أكثر بعد غزو الفضاء والانفجار المعلوماتي وتوسع الفضاءات المعلوماتية والمعرفية، ويستمر بالتوسع كلّما توسع الفضاء المعرفي واتجاهاته العنقودية اللا متناهية فيما يُحدثه الخيال العلمي وتطبيقاته المستقبلية وتوقعات تأثيرات ذلك، وما تولّده من مؤثرات ومستويات صحية عقلية ونفسية وبدنية، حتى يمتد للطب واكتشافاته..
وبين البيئة والإنسان السوي، ودينامية التفكير والأداء، وتنمية وتطوير وتغير المجتمع وما يُحيط به من المحتوى البيئي - الصحي، يضع (عليه السلام) الصور البلاغية العظيمة، وبيان عظمة الخالق عز وجل وقدراته وما خلق من عجيب الخلق والبناء الفضائي الدقيق، والمستوعبة لكل اتجاهات الحياة، وجعلها التكويني والبيئي، وما يترتب عليه من واجبات وحقوق وتشريعات، وذلك بالقول :
(جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُو عَنْ عَشَاهَا، وَأَسْلَاءٌ جَامِعَةً لِأَعْضَائِهَا مُلائِمَةُ لأَحْنَائِهَا، فِي تَرْكِيب صُوَرِهَا، وَمُدَدِ عُمُرِهَا، بأَبْدَانِ قائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا، وَقُلُوبٍ رَائِدَةٍ لأَرْزَاقِهَا، فِي مُجَلاتِ نِعَمِهِ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ، وَحَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ، وَقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ، وَخَلَفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاقِهِمْ، وَمُسْتَفْسَحِ خَناقِهِمْ، أَرْهَقَتْهُمُ المَنايَا دُونَ الآمَالِ، وَشَدَّ بِهِمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الآجَالِ، لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلامَةِ الأَبْدَانِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أَنفِ الأَوَانِ، فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلا حَوَانِيَ الهَرَمِ ؟ وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصَّحَةِ إِلا نَوَازِلَ السَّقَمِ ؟ وَأَهْلُ مَدَّةِ البَقَاءِ إلا آوِنَةَ الفَنَاءِ ؟ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ، وَأَزُوفِ الإِنْتِقَالِ، وَعَلَزِ القَلَقِ، وَأَلَم الْمَضضِ، وَغَصَصِ الجَرَضِ، وَتَلَفْتِ الإِسْتِغَاثَةِ بِنصْرَةِ الحَفَدَةِ وَالأَقْرَبَاءِ، وَالأَعِزَّةِ وَالقُرَنَاءِ ! فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ، وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الأَمْوَاتِ رَهِيناً، وَفِي ضِيقِ المَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ الهَوَامُّ جِلْدَتَهُ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ العَوَاصِفُ آثَارَهُ، وَمَحَا الحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ، وَصَارَتِ الأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَتِهَا، وَالعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا، وَالأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بثقَلِ أَعْبَائِهَا، مُوقِنَةٌ بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا، لا تُسْتَزَادُ مِنْ صالح عَمَلِهَا، وَلا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيّئ زَلَلِهَا ! أَوَلَسْتُمْ أَبْنَاءَ القَوْمِ وَالآبَاءَ، وَإِخْوَانَهُمْ وَالأقَرِبَاءَ ؟ تَحْتَدُونَ أَمْثلَتَهُمْ، وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ، وَتَطَؤُونَ جَادَتْهُمْ ؟! فالقُلُوبُ قاسِيَةٌ عَنْ حَظّهَا، لاهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا، سَالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا! كَأَنَّ المَعْنِي سِوَاهَا، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا) (1).
ومدى دقة الربط بين البيئة والصحة والإنسان، كسمع روعي، وحتماً لا يكون الوعي إلا بو. وجود العقول الواعية وما يتجه به من فهم واستيعاب، ومستوى إسهام ؛ الأبصار والأعضاء، وبين العمر والعقل والهداية، تكمن الأرزاق بكل أشكالها المادية وغير المادية والفكرية، هذا التكوين البيئي الذي يتحدد باتجاه هذا المخلوق العاقل ونشاطه ومستوى منظومته بالحلال والحرام..
والصورة البيئية للحضارات والدروس والعبرة، لحماية البيئة المعاصرة والبيئة المستقبلية، بما فيها البيئة الصحية والبيئة الاجتماعية والبيئة المعرفية - الثقافية، والنظر في عمق ؛ (آثار المَاضِينَ قَبْلَكُمْ)، بكل تفاصيله، للانتفاع باستقامة البناء الحضاري على أسسه الإنسانية القويمة، ومما يعني مدى أهمية التقييم والتقويم الحضاري، ومنه الاتجاهات الاجتماعية، وما يكون مستوى استقامة البيئة بين الأمال
1) المرجع نفسه / ص 110 - 111.
والآجال ؛ (أَرْهَقَتْهُمُ المَنايَا دُونَ الآمَالِ، وَشَدَّ بهم عنها حرم الآجال)، ومن وجهة أخرى، ما يتعلق بسَلامَةِ الأبْدَان واستقامة استثماراتها لنفع الناس وهو جزء منهم، هذا الشق المهم والحيوي والفاعل، ومنه الاستعداد لكل ما هو مستقبل دنيوي وأخروي ؛ (لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلامَةِ الأَبْدَانِ وَلَمْ يَعْتَمِرُوا فِي أَنْفِ الأَوَان)..
واستكماله محتوى الاستفهام وعلومه المتعددة ومنه ؛ ما يبدأ من السؤال المعرفي، وسؤال تعلّم كيف تتعلم المعارف ف، وسؤال ثورة المعارف، وسؤال حماية وتنسية وتطوير المعارف ورؤوس الأموال المعرفية، بشقيه الريادي والقيادي، وسؤال كيفية حماية المعارف بحماية الحياة ؛ (فَهَلْ يَنتَظِرُ أَهْلُ بَصَاضَةِ الشَّبَابِ إِلا حَوَانِيَ الهَرَمِ ؟ وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصَّحَّةِ إِلَّا تَوَازِلَ السَّقَمِ؟ وَأَهْلُ مَدَّةِ البَقَاءِ إِلا آوِنَةَ الفَنَاءِ ؟ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ، وَأَزُوفِ الإِنْتِقَالِ، وَعَلَزِ الفَلَقِ، وَأَلم المَضَضِ، وَغَصَصِ الجَرْضِ، وَتَلَفّتِ الإِسْتِغَاثةِ بنَصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَالأَقْرَبَاءِ، وَالأَعِزَّةِ وَالقُرَنَاءِ !)، وجانب منه، هو من اهتمام علم الاجتماع الصحي..
والعظيم والعجب في العبرة الحياتية، وبيئتها الاجتماعية، هي محدودية المخلوق لاستثمار الفرص الحياتية، ودفع مخاطر وتهديدات ما يُحيط به ؛ (فَهَلْ دَفَعَتِ الأَقَارِبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ، وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الأَمْوَاتِ رَهِيناً)..
والمنظومة البيئية - الصحية، جعل الحتمية الشاخصة أمام الإنسان كفرد ومجتمع، تكشف شدتها وعبرتها عند ؛ (وَفِي ضيق المَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ الهَوَامُّ جِلْدَتَهُ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ العَوَاصِفُ آثَارَهُ، وَمَعَا الحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ)..
والنتجة الحتمية المرسومة على البيئة والصحة والإنسان ؛ (وَصَارَتِ الأجْسَادُ شَحَبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا وَالعِظَامُ نَخِرَةٌ بَعْدَ قُوَّتِهَا، وَالأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بثقَلِ أَعْبَائِهَا، مُوقِنَةٌ بِغَيْب أَنْبَائِهَا، لا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهَا، وَلا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّئَ زَلَلِهَا !)..
وترتقي بالعقل الأهمية في الإسلام، أهمية الثقافة الصحية - النفسية والاجتماعية وعلى أسسه الوقائية، وما يتطلبه من النظر والتعامل بحتمية المرض بعد الصحة، والموت بعد الحياة، وهي جانب من مضامين قوله (عليه السلام) :
(فَاللَّهُ اللَّهُ مَعْشَرَ العِبَادِ ! وَأَنتُمْ سَالِمُونَ فِي الصَّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ، وَفِي الفُسْحَةِ قَبْلِ الضَّيقِ، فاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رقابكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُعْلَقَ رَهَائِنُهَا) (1).
ومما يتضح من مضامينه هو علم الاجتماع الصحي، والربط العبادي - الصحي، واستقامة الأبدان واستقامة الصحة، واستقامة وسلامة الدين والعبادة والعلاقات الاجتماعية، وعلاقة الإنسان مع ربه
1) المرجع نفسه / ص 267.
وتشريعاته المنزلة فانظر للتكوين المجتمعي الواضح في : (مَعْشَرَ العِبَادِ)، والسلامة المتمثلة في (وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ)، (فِي الصَّحَّةِ)، (قبل السقم)، وامتداده البيئي في مجالات الصحة النفسية والبدنية والعقلية، الزماني والمكاني والموقفي ؛ (وَفِي الفُسْحَةِ قَبْلِ الضَّيقِ)...
وتظهر أهمية الثقافة وسلامة التوعية الثقافية، لتتضمن ما يدعم اتجاهات علم الاجتماع - الصحة المجتمعية، وما يترتب عليها من الوقاية ؛ (فاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُعْلَقَ رَهَائِنُهَا)..
وللدعاء عالمه الثقافي والتوعوي، المتمثل بذات الدعاء وما يرتبط به من أفكار تبني آلية اكتساب الثقافة الصحية للمجتمع وحتمية التغيرات الصحية وتأثيراتها، والدليل منه ؛ (.. وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِن رَحْمَتِهِ مَا لا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ، مِنْ زِيَادَةِ الأَعْمَارِ، وَصِحَّةِ الأَبْدَانِ، وَسَعَةِ الْأَرْزَاقِ) (1).
وحلقات الوصل المستمر بين ؛ (خَزَائِنِ)، (رَحْمَتِهِ) عز وجل وقدراته ؛ (مَا لا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ)، مِنْ ؛ (زِيَادَةِ الأَعْمَارِ)، (وَصِحَّةِ الأَبْدَان)، (وَسَعَةِ الأَرْزَاقِ)، وهو ما يجمع بين العمر والصحة والبدن والرزق، وما يتضمنه مما يترتب عليه من مستوى القدرات العقلية والجسدية التخطيطية والتنظيمية، بمعنى آخر، مما يجمع بين البيئة الاجتماعية والصحية والاقتصادية، والإرادة الإليهية في تقسيم ذلك ومفصلية المجتمع - الصحة، والدخل - الصحة، والمجتمع - الدخل، وهكذا منه يتضمن مما يحتويه علم الاجتماع الصحي المتعدد المناحي الوقائية – العلاجية..
وبذات الاتجاه والتوجه، وبأوسع ما يكون عليه من شمولية ومضامين، يقول (عليه السلام):
(ألا وَإِنَّ مِنَ البَلاءِ الفَاقَةَ، وَأَشَدُّ مِنَ الفَاقَةِ مَرَضُ البَدَنِ، وَأَشَدُّ مِنَ مَرَضِ البَدَنِ مَرْضُ القَلْبِ، ألا وَإِنَّ مِنْ صَحَةِ البَدَن تَقْوَى القَلْبِ) (2).
وما أعظم الهندسة الجامعة بين الصحة والقلب من جهة، والتقوى الجامع لكل دقائق الأمور فيما يجمع دقائق القلب، وما أعظم ودقة وفلسفة واستراتيجيات هذا التوجه الثقافي، ويمكن استعارة تسميته بالفسلجة الثقافية والمعرفية والصحية، وما يرتبط بأهمية الصحة البدنية التي بعمومياتها، الداعم الأساسي للحيلولة دون عدم استيعاب الأسباب والمسببات، وهكذا يُظهر الصحة محور من محاور حياة الإنسان ؛ كفرد ومجتمع، ومنه ما يدخل ضمن علم الاجتماع الصحي، وعلم الاقتصاد الصحي الذي هو فرع آخر يجمع ما بين الاقتصاد والصحة والإنسان، ويتجه باتجاهات الحضارة والبناء الاجتماعي..
وجدير بالذكر، مما يأخذ (القلب) في اللغة العربية من ؛ معنى ومفهوم ودلالات، أوسع مما تتصوره، فالقَلْبُ في كتاب (لسان العرب) : مُضْعَةٌ من الفُؤَاد مُعَلَّقة بالنّباطِ، ابن سيده : القَلْبُ الفُؤَاد، مُذكَّر، صَرَّح بذلك اللحياني، والجمع : أقلب وقُلوب، الأولى عن اللحياني، وقوله تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ) (194) سورة الشعراء ؛ قال الزجاج : معناه نَزَلَ به جبريل (عليه السلام) عليك، فَوَعاه قَلْبُك، وثبت فلا تنساه أبداً.
وقد يعبر بالقَلْبِ عن العَقْل، قال الفراء في قوله تعالى : إن في ذلك لَذِكْرى لمن كان له قَلْبٌ ؛ أَي عقل، قال الفراء : وجائز في العربية أن تقول : ما لَكَ قَلْبٌ، وما قَلبك معك ؛ تقول : ما عَقْلُكَ معك، وأين ذَهَبَ قَلْبُك ؟ أي أين ذهب عقلك ؟ وقال غيره : لمن كان له قَلْبٌ أَي تَفَهُم وتَدبُّر.
عَقْلُكَ ورُوي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوباً، وأَلْيَنُ أَفْئِدَةٌ، فَوَصَفَ القلوبَ بالرّقة، والأَفْئِدَةَ باللين. وكأَنَّ القَلْبَ أَخَصُّ من الفؤاد في الاستعمال، ولذلك قالوا : أَصَبْتُ حَبَّةَ قلبه، وسُوَيْداءَ قلبه... (1)
ومما جاء في مضامين القول الذي يجمع بين الصحة والمجتمع، والعلوم الاجتماعية والنفسية والتربوية والصحية، ما قاله (عليه السلام) :
(صِحَّةُ الجَسَدِ، مِنْ قِلّةِ الحَسَدِ)(2)
ويحتاج كغيره من أقوال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) إلى دراسات تفصيلية متخصصة، للإفادة من ثوابتها، فالنص المبارك يجمع بين الصحة والجسد والمجتمع والحسد، وهو واضح المعالم في مضامينه، ومضامين سياقه ومنه ما يتضمن ؛ علم النفس الاجتماعي وعلم النفس الصحي وعلم الاجتماع الصحي، وبين الصحة - الإنسان يكمن الجسد - الحسد، وهو عظيم في مضامينه البلاغية البالغة في المجال الاجتماعي - الصحي..
وعند الصحة والتوازن الغذائي والبرامج الغذائية ونتائجه الصحبة، ومضامينه الواضحة في مجال علم الاجتماع الصحي وصحة المجتمع، يبين قوله (عليه السلام) :
(كُمْ مِنْ أَكُلَةٍ مَنَعَتْ أَكَلاتِ !) (3)
فالمنع بؤرة ما ينتج عن تراكمات وآثار الأكلة التي ؛ مَنَعَتْ أكلات، وربما كان من جراء فعلة الأكلة في تحريك ما يسبب المنع، وما يُضرر أحد أجهزة الجسم وفسلجته، وأبسط مثال مرض السكر والضغط وعسر الهضم وأمراض القلب، والأمراض الشعبية بشكل عام.. وما شاكل ذلك.
وامتداد آخر يتضح من مضامينه علم الاجتماع الصحي وعلم الاجتماع النفسي، وذلك ما ورد في قوله (عليه السلام) :
(الهم نصف الهرم) (4)
والهم هو ينبع من ظهور مشكله مؤداه الفنى والحزن، ويختلف تفاقم مستواه بين الأشخاص، وقد تكون البيئة الاجتماعية عامل مسبب للهم، وربما يتحكم ويتعزز الهم بمحرك المدى الصحي والنفسي والعقلي للإنسان، ومدى مستوى تعلقه بالحياة وملذاتها، ومنه قد يكون مردّه لما يتعلق بالجانب الفسلجي ليؤثر على خلايا وأجهزة جسم الإنسان وعملها، وانعكاساته على صحته، ومنه ما يلتقي ويصب في علم الاجتماع الصحي والطبي، وما يستهلكه الإنسان من وقت تفكيره بما يعانيه هو وما يعانيه المجتمع وسبل علاجات مشاكله ومعاناته، وعدم مقدرته على علاجها..
وكذلك تتمثل مضامين صحية وبيئية - اجتماعية، وما يترتب على اللحظات الأخيرة للإنسان عندها تقف قدراته وقدرات المجتمع على الإعانة، حيث يقول (عليه السلام) :
(فَغَيْرُ مَوْصُوفِ مَا نَزَلَ بِهِمْ : اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ المَوْتِ وَحَسْرَةُ الفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ، ثُمَّ ازْدَادَ المَوْتُ فِيهِمْ وَلُوجاً، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ ببَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأَذْنِهِ، عَلى صحةٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْتَى عُمُرَهُ، وَفِيمَ أَذهَبَ دَهْرَهُ !) (1).
ومما يظهر من عجيب مفاهيم الصحة ووصف البيئة - المجتمع ؛ (وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ ببَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأَدْنِهِ، عَلى صحةٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاءٍ مِنْ لَّبهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْتَى عُمَرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ !).
1) المرجع نفسه / ص 160.
سيكون مدار هذا الفصل ومحاوره كالآتي :
المبحث الأول : العقل بين علم الاجتماع ونهج البلاغة.
المبحث الثاني : الوعي الاجتماعي وأهميته.
المبحث الثالث : الإيمان والمجتمع.
المبحث الرابع : التقوى والمجتمع.
المبحث الخامس : القناعة وأهميتها للفرد والمجتمع.
المبحث السادس : التكافل والمضامين الاجتماعية.
المبحث السابع : صلة الرحم وعمقها الاجتماعي والإنساني.
المبحث الثامن : الصبر وبناء دواخل الفرد والمجتمع.
المبحث التاسع : الزهد بين نهج البلاغة وعلم الاجتماع.
المبحث العاشر : الأمانة ومضامينها الاجتماعية.
المبحث الحادي عشر : الحلم والمجتمع.
المبحث الثاني عشر : التواضع ومضمونه الاجتماعي.
المبحث الثالث عشر : أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتماسك المجتمع.
المبحث الرابع عشر : الدعاء والاستقرار النفسي والروحي للمجتمع.
المبحث الخامس عشر : التذكر والتماسك الاجتما.
المبحث السادس عشر : التآلف والتآزر الاجتماعي.
المبحث السابع عشر : القضاء والقدر وحقيقتهما.
المبحث الثامن عشر : الغرائز والفطرة وتأثيرهما على الفرد والمجتمع.
المبحث التاسع عشر : الحلال والحرام وأبعادهما الاجتماعية.
المبحث العشرون : ذكر الموت والبناء الاجتماعي.
يتميز ويتفضّل الإنسان على سائر المخلوقات بالعقل Mind، ويبقى العقل هو المحدد لمستوى القدرات المتنوعة، ومدى احترامه لذاته بين أقرانه وبين المخلوقات، ومستوى التمييز بمدى آفاقه وخياله العلمي ورجاحة عقله، ومستوى دقة استثماره لقدراته وتنميتها وتطويرها، والحيلولة دون توقيف قواه الفكرية والعلمية والمعرفية، وما يحققه من النفع على مستوى الذات والمجتمع والبيئة الداخلية والخارجية، ومنه امتداه الإنساني - السلوكي المجتمعي، وما يسهم في وضع بصماته بين أروقة الثقافة والحضارة الحقيقية، بما فيه التطور والتنمية المستدامة..
فهو الكيان القائم بذاته الفردي والجمعي والمجتمعي والإنساني، الكيان المنظم والمنظم ومصدر الإلهام والعبقرية والإبداعية، بمؤشر المواهب المتعددة والمتكاملة بشكله الخاص والعام، وهو مصدر تغذية لكل الأنشطة ومنحاها الأخلاقية والمنطقية، وما تحمله من الفاعلية الفردية والجماعية وعلى مستوى الدولة، ومنه التأثير على مستوى عالمي..
ومنطق علم النفس واتجاهاته التحليلية والمنطقية في ضوء النفس وتحليلاتها النفسية ؛ فيعد الذهن Intellect أو العقل Mind ومن الناحية الإدراكية والمعرفية وفي سياق الإشارة الوثيقة لعمليات التفكير العليا، كالتصوّر والمقارنة والتجريد والتعميم والإستدلال المنطقي، ويُنظر للذهن على إنه مدار
العمليات التصورية والعقلية، التي حتماً لها الفاعلية في الحياة، ولاسيما النفس السوية والسلوك البشري.. (1)
وراجع أيضا،د. أسعد رزوق / المرجع السابق / ص 142.
ونرى المصطلح Mind في موقع آخر يعني ؛ نفس أو عقل أو ذهن، ويُعد مصطلحاً عاماً، يمثل مجموع السلوك الذكي، بما في ذلك التذكر والتفكير والإدراك، وكثيراً ما يُستخدم مرادفاً للخبرة والشعور.. (2)
أما الفكر Thought فهو ينتج عن عمليات الإدراك والتحليل والتعميم، وما تؤدي بالإنسان إلى ميول معيّن تبعاً للإمكانيات والتجارب.. (3)
ويُنظر في الغالب إلى العمليات العقلية بأنها جزء من العمليات الاجتماعية، وبه يتميز بطابع التغيير والتطور المستمر، والتفاعل الاجتماعي يؤثر على التكوين المحدد للعقل، لذا لا يمكن عزله عن العمليات الاجتماعية، وقد يتطلب الرجوع إلى البيئة الثقافية - الاجتماعية لفهم تنظيمه.. (4)
وعند التركيبين يُعد مجموعة التجارب الشعورية، والتحليل النفسي يرى ارتباطه بالبدن بالرغم من أن اللغة تفصل بين الإثنين... (5)
ولابد من الإشارة إلى أن عقل الإنسان ونضجه وقدراته، يكون بمنظور العمر العقلي والعمر الزمني، وقد يتساوى العمر العقلي والزمني، أو يتفاوت أحدهما عن الآخر بشكل سلبي أو إيجابي، فربما يسبق العمر العقلي العمر الزمني فيكون بمستوى ذكاء وقدرات أعلى من أقرانه، أو يكون العمر العقلي يتراجع عن العمر الزمني فيكون بمستوى ذكاء وقدرات أقل من أقرانه..
وتحدد نظرية الذكاء ؛ مستوى ذكاء الشخص على معايير محددة، وبحسب اختبار المستوى العقلي وتَعَدُّد أساليبه، فمنها ما تكون بالأساليب الكمية والرياضية، أو بالأساليب غير الكمية أو غير الرياضية، كأن تكون بأسئلة محددة..
ويكون اتجاه التميز باتجاه إبداعي إبتكاري مثمر ومنتج، بما فيه ما يُقدِّم من المنتوج الفكري أو المادي ؛ الريادي والقيادي، والعمل على استدامة ذلك بشكل مناسب، يضمن الحقوق المنتظمة والمخطط لها..
1) تم دراسة موضوع العقل ضمن سلسلة نهج البلاغة العلمية وبالذات (علم النفس في نهج البلاغة) للمؤلف..
2) د. فاخر عاقل / معجم علم النفس / المرجع السابق / ص 70.
3) راجع فضلا عن المتقدم الذكر : أحمد خورشيد النوره جي / مفاهيم في الفلسفة والاجتماع / دار الشؤون الثقافية العامة، / بغداد / العراق / 1990 / ص 197.
4) د. محمد عاطف غيث / المرجع نفسه / ص 290، وأيضا راجع :
5) د. عبد المنعم الحفني / موسوعة علم النفس والتحليل النفسي / ج 1 / مكتبة مدبولي / بيروت / 1978 / ص 483.
ويبدأ ما يحمل ويتميز به العقل من المسؤولية الإنسانية في الإسلام، وبهذا يتوجب نشر ما يحمله ويتميز به العقل من علوم ومعارف، وإلاّ الجزاء الأخروي هو العقاب الشديد بسبب كتمان العلم وهو أحد الأدلة على أنّ العلم في الإسلام، يُنظر إليه على أنّ طابع منافعه إنسانية، وتعم بمنافعه كل الناس على مختلف مشاربهم وقومياتها، والاتجاه بنشره بلا حدود، إلا باستثناء الجهات التي تستخدمه للضرر بالإنسان والإنسانية والبيئة بكل ما تعنيه البيئة ومواقعها..
وما معالجات العقل الفردي والعقل الجمعي والعقل المجتمعي، إلا ما يسهم في تحديد طبيعة العلم والمعرفة والعمل بهما لمنفعة الناس، بشقيه الاستهلاكي والاستثماري، منطلقاً من هذه النعمة الإلهية وهذا الرزق الجليل، وهو بالتالي رزق الخالق عز وجل اللا محدود النفع والمنتفع به، وبهذا هو مكسب خاص، المنفعة عامة وشاملة، وكما اتضح، إلا أن يكون منعه لعلّة، كأن يُمنع العلم من شخص بصفته الحقيقية كفرد، يحقق من خلاله مارب منحطة، أو شخص معنوي بصفته جهة متمثلة بمؤسسة أو دولة ظالمة أو كافرة تستخدمه ضد الإنسانية وضد مسيرة الإنسان الحضارية القويمة..
وورد ذكر العقل في نهج البلاغة، ما يتحدد بمستواه الاستيعابي، وما يصل به للتعاطي من فهم ما يُحيط به من المحسوس والملموس والمنظور وغير المنظور..
ونبدأ من محدودية استيعاب وفهم العقل الطبيعي، وجعله التكويني الطبيعي وما يُقابله من الجعل التشريعي، ومستوى فهمه واستيعابه اتجاه خالقه عز وجل ؛ و (هُوَ اللهُ الحَقُّ المبينُ، أَحَقُّ وَأَبْيَنُ مِمَّا تَرَى العُيُونُ، لَمْ تَبْلُغُهُ العُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهَا، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الأَوْهَامُ بتَقْدِير فَيَكُونَ مُمَثَلاً، خَلَقَ الخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ، وَلا مَشُورةٍ مُشِيرٍ، وَلا مَعُونَةِ مُعِينٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، فَأَجَابَ وَلَمْ يُدَافِعَ، وَانْقَادَ وَلَمْ يُنَازِع) (1)، (وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُولَهُ، وَحَالَتْ سُتُورُ الغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ) (2)، (بَلْ ظَهَرَ للْعُقُولِ بما أَرَانَا مِنْ عَلامَاتِ التَّدْبِيرِ المُتقَنِ، وَالقَضَاءِ الْمُبْرَمِ) (3)، (فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ العُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقِ جَلاهُ لِلْعُيُونِ، فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً..) (4).
ولا عجب من عدم إدراكه جل جلاله، فيتعدى عدم الإدراك وعدم بلوغ العقل الماديات الحياة التي تُحيط بنا وتتجلى أمام العيون، وهو ما يُدلل على محدودية العقول وقصورها، وتبقى مبهورة وواجمة بالعجز عن وصف ما حولها من الفضاء الخارجي، بل حتى مكونات ذات الإنسان..
لذا كانت العقول ظهيرة بعضها للبعض الآخر، ورغم ذلك فهي أقصر من أن توصف اتجاه ما تُدركه من حولها، وما تلاقيه من صعوبة تواصلها في إدراك الذات البشرية بل حتى الفيروسات،
وتقف في صمتها وعجزها وانبهارها أمام ظواهر ومستجدات غريبة، وهي تعيش في عصر الفضاء والتكنولوجيا المتلاحقة التطور، ورغم تعاظم الفضاء الإلكتروني والمعلوماتي والحاسوبي، وتعاقب الأجيال المتقدمة من الأجهزة الإلكترونية..
وهو المرشد الدال على عظمة الخالق عز وجل، وتعاظم أسراره وأسرار مخلوقاته ؛ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (85) سورة الإسراء، (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) من الآية 76 / سورة يوسف..
وبالرغم من أنه سبحانه وتعالى : (لَمْ يُطْلِعِ العُقُولَ عَلى تَحديدِ صِفَتِهِ، وَلَمْ يَحْجُبُهَا عَنْ وَاحِب مَعْرِفَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلامُ الوُجُودِ، عَلى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الجُحُودِ، تعَالَى الله عَمَّا يَقُولُهُ المُشبِّهُونَ بِهِ وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوًّا كَبيراً !) (1).
ويبدأ من محدودية وما يكون عليه العقل واستخداماته أو استثماراته الفكرية ونتاجاته الإبداعية، وبما يتحدد الاستيعاب بحسب مستوى النضج Maturation العقلي للفرد أو الجماعات المعنية..
لذا تم الأخذ بعين الاعتبار للتخصص وتقسيم العمل على أساس حركي وتكاملي لمختلف أنشطة الحياة، وبذاته يدلل على مدى قصور العقل البشري وقدراته، ومدى احتياجات الأنشطة لتكامل الأعمال بأعلى مستوى للأداء وبأدق النتائج : (فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ العُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقِ جَلاهُ لِلْعُيُون، فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً، وَمُؤَلَّفاً مُلَوَّناً ؛ وَأَعْجَرَ الأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيص صِفَتِهِ، وَقَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ!) (2).
وهناك مؤثرات تؤثر على العقول، وتُهيمن بما يطرأ عليه من الغفلة، ومنه ما يُشير عليه إمامنا (عليه السلام) بالقول :
(.. وَاعْلَمُوا أن الأمَن يُسهى العقل، ويُنسى الذكر) (3)
ولذا يتوجب الحذر واليقظة مما يُهدد الإنسان من سهو العقول، وينال بالنسيان، اتجاهات أعماله ومستوى أدائه وقدراته وأهدافه..
وقد يكون هناك نوع من الحد أو احتكار العقول، والتأثير عليها أو توجيهها ما ينفع محتكريها، مما يؤدي إلى المنفعة المقتصر على ما يتحدد عليه من أهداف ذاتية ذات النفع الخاص، والابتعاد عن الأهداف الموضوعية ذات النفع العام، وما يكون من أسر وتكبيل العقول، وتتحدد الفرص المناسبة
لاستثمار الإبداعات والمواهب على مستوى ذات الشخص أو على مستوى النفع العام الواسع، والانتفاع من القدرات الاستثنائية ؛ (وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرٍ !) (1).
وهنا تتمثل البيئة الخارجية أو المحيط الخارجي، ويبرز مدى تحكم وهيمنة الدولة ومؤسساتها المتنوعة ورأس الهرم السلطوي (السلطة التنفيذية) وسلطة رأس الهرم على العقل واستراتيجياته، وما يمتلكه من قدرات الذكاء الفردي والجمعي والمجتمعي، ومستوى استغلال العقل، أو مستوى استثمار العقل، واتجاهات ذلك السلبية والإيجابية، ويمكن أن يدخل مفهوم علم الاجتماع السياسي، وما يترتب من طبيعة نظام الدولة أو الحكومة الدكتاتورية أو الديمقراطي السلبية، وأثره على العقل والتنمية..
أو يُهيمن على العقول ما يدخل ضمن البيئة الداخلية للإنسان ؛ الفرد أو المجتمع، آفة المطامع وطغيانها وطغيان ملذات الحياة وتهديداتها، و (أكثرُ مَصَارِعِ العُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ المَطَامِعِ) (2)، والمطامع مرة تصدر من الشخص ذاته، ومرة المطامع من الآخرين، أي إما المطامع تكون على مستوى ذات الفرد أو تكون على مستوى الآخرين، ومما يعني مدى تأثير وضغوطات العوامل الداخلية والخارجية..
ويتطلب حتى على مستوى الدولة أو الجهات الرسمية، أو أي شخص يتمثل بإسمها، ليكون العقل والتحمُّل لهذه المهمة بمستوى المسؤولية، وهو جانب مهم يبني إستراتيجية داخل منظومة العلاقات العامة والعلاقات الدولية، وهو ما يُبينه قوله (عليه السلام) :
(رَسُولُكَ تُرْجُمانَ عَقْلِكَ، وَكِتابُكَ أَبْلَغَ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ) (3)
وبين الترجمان والكتاب، تكمن العلاقات على أساس الفهم والاستيعاب، وبلورة كل ما يتطلبه الأمر، ليتكامل الرسول مع العقل، والكتاب مع المنطق، وإيصال المعلومة بقراءة العيون والعقول، وفهم الآخر بشخوصهم وعقولهم، لتكون إدارة إيصال الكلمة والموقف بأدق مفاهيمها ومحتوياتها..
وللحذر مضامينه الوقائية، والصور العقلانية والتوجيه العقلي فيه، وبهذا ؛ (.. حَذَرَ الغَالِبِ لِنَفْسِهِ، وَالمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ، النَّاظِرِ بِعَقلِهِ) (4)، وإن غلبت النفس على صاحبها تؤدي إلى المهالك، لأن النفس الأمارة بالسوء ولؤمها، لها ميولها ونزواتها، فالغالب لنفسه قويم بسلوكه، لما يسبقها من منع الشهوات والحذر منها، والحذر الناظر بالعقل سيدها، فالعقل على العموم، هو منفذ كل القيم والأخلاقيات، إن كان يحمل قويم الأفكار ونقيها..
ووجوب استيعاب حكمة الوجود والحياة والموت، وحتمية ما يؤول إليها الإنسان، ووعيها لأبعد وأعمق ما يمكن، لتكون الرادعة في مسيرة الحياة القصيرة التي لا تذكر، بالمقارنة بالحياة الحقيقية الأبدية الدائمة، وهو ما يُقابل بأجرها للحياة الدنيوية، وخطورة ما يُحيط من الحياة الدنيوية البراقة التي ربما تُسهي وتُنسي العقول..
وخطورة ملوث المعلومات على فكر الإنسان واتجاهاته النفسية والسلوكية، ودور العقل وقويم الأفكار، له الأهمية البالغة في هذه المرحلة من حياة الإنسان، وما يؤول به من مصبر، وانعكاسات العقلانية على الحياة الاجتماعية الدنيوية..
ونتطلع ذلك في جانب من مضامين ومعالجات قوله (عليه السلام) :
(وَبَادِرُوا المَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ، وَامْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وَأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ : فَإِنَّ الغَايَةَ القِيَامَةُ ؛ وكَفَى بِذلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ، وَمُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ !) (1).
فمَنْ لم يتعظ بما هو فيه وما سيؤول إليه، فهو في غمرة الجهل، وحدود تفكيره، لا يتعدى مساحة نزواته وما يرتقبه من ماديات الحياة الزائفة والهالكة للفرد والمجتمع ومستقبله..
ولعلم الاجتماع في هذا المجال التفكيري، سبل الوقاية والعلاج وفاعلية تطويع السلوكيات، الخدمة الإنسانية، بما فيه المجتمعات وتطلعاتها ومتطلباتها في الاستقرار والطمانينة، وتأصيلها لحماية مستقبل القوى الإبداعية، بحماية العقول المبدعة ذات المواهب، وتنمية وتقديم أقصى ما يمكن من الخير والناتج المثمر لتقدم المجتمعات وسلامة تطورها، مع الأخذ بنظر الاعتبار التفاوت بين العقول البشرية في مستويات الاستيعاب والنتاج الفكري، وبمختلف الاتجاهات العلمية وتكاملها..
ومركز الثقل في المجتماعات والحياة بشكل عام، يكمن في العقل ونتاجه الفكري والعلمي، فهو المعوّل عليه لتقدم الشعوب، واستثماره المناسب، لكونه السبب الأساسي والرئيسي والعامل المستقل والمؤثر في بقية العوامل الأخر والمتفاعل معها، مع عدم الاستهانة بالعوامل الأخر.. (2)
ويضع (عليه السلام) للعلاقات الذاتية والموضوعية، وما يتجه بتفاعل سلوكيات الفرد العقلانية داخل المجتمع، وبما يمليه من عمق سلوك الاتقياء والعلماء، ومؤثر العيادة التي يحضرها التحسس الروحي والعقلي، لتنقية الأجواء النفسية، وما يترتب عليها من علاقة علاقة مع الله تعالى ومع تعالى ومع الذات ومع المحيط بكل مكوناته ومحتوياته المنظورة وغير المنظورة..
(وَأَمَّا النَّهَارَ فَحلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَنْقِيَاءُ، قَدْ بَرَاهُمُ الخَوْفُ بَرْيَ القداح يَنظُرُ إِلَيْهِمَ الناظر فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالقَوْمِ مِنْ مَرَضٌ ؛ وَيَقُولُ : لَقَدْ خُولِطُوا !
وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ : لا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ القَلِيلَ، وَلا يَسْتَكْثِرُونَ الكَثِيرَ، فَهُمْ لأَنفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ)(1).
وهنا يبرز التفاعل الذي يحدث بين العقل والفرد والجماعة والمجتمع، وبأعمق الصور الإنسانية والأخلاقية المثمرة، لخدمة المجتمع بدون النظر إلى مردوداته، سوى خدمة الإنسانية وما يُرضي الخالق عز وجل، بما يقدمه من نقي النتاج الفكري والإنتاج السلعي والخدمي والمعلوماتي لصلاح الدنيا..
والاتجاه بعقلانية ووعي على مستوى فردي وجمعي ومجتمعي لما يؤديه ؛ و (قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ، وَأَمَاتَ نَفْسَهُ، حَتَّى دَقَ جَلِيلُهُ، وَلَطْف غَلِيظُهُ، وَبَرَقَ لَهُ لا مِعٌ كَثِيرُ البَرْقِ، فَأَبَانَ لَهُ الطَّريقَ، وَسَلَكَ بهِ السَّبِيلَ، وَتَدَافَعَتْهُ الأَبْوَابُ إلى بَابِ السَّلامَةِ، وَدَارِ الإِقَامَةِ، وَثَبَتَتْ رِجَلاهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارٍ الأمن والرَّاحَةِ، بمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ، وَأَرْضَى رَبَّهُ) (2).
فيحقق إحياءه بالفكر والعلم والشخوص فيما يتجه به لفهم جوانب من أسرار الخلق الإلهي، وما يؤدي للطمأنينة والسلام الروحي والعقلي، وبه (قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ)، ومنه كف النفس عن الشهوات غير المبررة والمتفاقمة بسلبياتها، والمتحولة إلى شَرَك، يحوّل الإنسان إلى آلة تدميرية تهدد المجتمع وأمنه واستقراره، فيأكل بعضه بعضاً..
وإحياء العقل يُلغي الحواجز وجموح النفس، ويُحجم النفس الأمارة بالسوء، ليعزز تفعيل قويم الأعمال وأخلاقياتها، ويسلك بها قويم السبل باتجاه الكمال الإنساني المثمر والمحقق الخير وسلامة، الناس، وهو هدف من أهداف الوصول إلى مبتغى الكتب السماوية الكريمة، وبالعقل إحقاق الحق بلا ضحايا ولا دماء..
فالخالق عز وجل خاطب العقول، والتوجه بسلامتها لتنقية لأفكار، واستقامة النفس وسويها، والاتجاه بقويم السلوك وهدايتها لمنفعة المخلوقات، فهم بذلك ؟ (.. عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ، وكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ، فَاسْتَصبَحُوا بِنُورِ يَقظَةٍ فِي الأَبْصَارِ وَالأَسْمَاعِ والأفئدَة) (3).
وجعل خيرهم مَنْ : (عَقَلُوا الدِّينَ عَقَلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَة، لا عَقْلَ سَمَاع وَرِوَايَةٍ، فَإِنَّ رَوَاةَ العِلم كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ) (4).
والوعاية والرعاية، منهج البحث العلمي الدقيق المثمر، وبه تنمية رأس المال المعرفي - الأخلاقي الذي هو أعظم رأس مال مستدام للمجتمع وتطلعاته الحضارية، وبالعقول الواعية والواعدة، والراعية والواعدة بمقوم الدين وسلامته، ومعايير المجتمعات والشعوب والأمم، البوصلة الموصلة لخط الشروع والأهداف المخطط لها..
وبه يتحقق خير ما يصبوا إليه الإنسان ؛ كفرد وجماعة ومجتمع، (.. فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ العَقْل، وَالتَّجْرِبَةِ..) (1)
ولذا يقول لابنه الحسن (عليهما السلام)
(يَا بُنَيَّ، احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً، وأَربَعاً، لا يَضُرُّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ : إِنَّ أَغْنَى الغِنَى العَقْلُ، وَأَكْبَرَ الفَقْرِ الحُمْقُ، وَأَوْحَشَ الوَحْشَةِ العُجْبُ، وَأَكْرَمَ الحَسَبِ حُسْنُ الخُلُقِ) (2).
وبين الغنى والفقر، مساحة مما يشغل الأمم، وبهما تتفاوت الحضارات وبناء المجتمعات، وبالعقل يتواصل المستقبل، وبه تتحقق التنمية والتطور بشكل عام، والتنمية والتطور الاجتماعي والاقتصادي بشكل خاص، فرأس مال العقول، أعظم رأس مال عرفه التاريخ، وباستقامته تستقيم كل الدنيا وما بعدها، فلذا (إِنَّ أَغْنَى الغِنَى العَقْلُ)..
وقال (عليه السلام) :
(لَيْسَتِ الرَّوِيَّةُ كَالْمُعَايَنَةِ مَعَ الإِبْصَارِ ؛ فَقَدْ تَكْذِبُ العُيُونُ أَهْلَهَا، وَلا يَغشُّ العَقْلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ) (3)
وامتداد استقامة الحضارات باستنصاح العقول، وبالبناء القويم على أسس متينة، تتحقق استدامة التماسك والتواصل ؛ (وَلا يَغُشُّ العَقْلُ مَن اسْتَنْصَحَهُ)، لكون العقول مجردة موضوعيتها، ومرشدة لاستقامة الخطط وتطبيقاتها العظيمة، وبها يتم التنفيذ الدقيق والأداء العالي، ونتائجها حتماً للصالح العام المجتمعي، ومصداق الاستدامة ما يحققه مبدأ ؛ (وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ، وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ)(4)..
ولذا اشترك كل من نهج البلاغة بعمقه المستمد من القرآن الكريم والمدرسة النبوية الشريفة، وعلم الاجتماع الهادف لأخلاقية العقل ومنه أخلاقية العمل والنتائج ومردوداتها..
وبهذا يكون العقل له وظائف تنموية متعددة منها ؛ ما تكون علمية وأخلاقية وإنسانية واجتماعية وما يقوم من تفسير الظواهر، وعلاج كل معضلة، وما يترتب عليها من معالجات المظاهر الاجتماعية الخطرة..
ما تقدّم وما سلحقه من المباحث، لا يمكن أن يأخذ فاعليته وعمقه التنظيمي والتطبيقي ونتائجة القويمة، إلا بوجود وتفاعل الوعي الاجتماعي Social Cousciousness الذي يجعل من العلاقات الاجتماعية Social Relations السبيل الممهد للأمن والاستقرار الاجتماعي، ويؤدي للحد من الخلل الاجتماعي Social Disorder أو تحجيمه، لأن أي خطة مهما كانت مثالية، فلابد من ظهور نسبة من الإرباك والخلل والانحرافات في تنفيذها، لكون أرض الواقع يختلف عن المثاليات..
وهنا يظهر ما للوعي الاجتماعي - التنظيمي من أهمية بالغة، بما فيه المقاربة أو المطابقة بين افتراضية وتوقعات الخط البياني للخطة، وواقعية الخط البياني التنفيذي، وما يتطلبه من استعدادات للإصلاح المواكب لكل خلل أو انحراف يطراً على تنفيذ الخطة، ولا يحقق هذه الفاعلية إلا الرقابة التقييمية والتقويمية، بأنواعها ومواقعها وشدتها وأزماتها ومراحلها، وما مطلوب من العلاجات..
ويستند الوعي الاجتماعي على الاستيعابات المعلوماتية الدقيقة والعقلانية، وما يكون عليه الفرد والمجتمع من الأدوار المتعددة وفاعليتهم التكاملي فيها، سواء كان ذلك باتجاه وتنسيق وتنظيم رسمي أو غير رسمي، وما يتطلب القيام بتلك الأدوار، للإسهام في البناء والتماسك الاجتماعي، وبحسب ما مطلوب أو محدد
وفي الفكر الإسلامي، شواهد للاهتمام بمكارم الأخلاق والبناء التربوي الواعي، منهجية القرآن الكريم والمدرسة النبوية الشريفة والمتجهة بهداهما مدرسة الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ومن اتبعهم ونحى منحاهم لخير الناس..
وأحد مواردها النقيّة، متمثل في نهج البلاغة، وما يضع من تكامل نظمه القويمة والتقويمية، ويمكن وضع مؤشر من مؤشرات ذلك الاستيعاب والوعي البليغ، وأهمية الوعي للذات والمحيط بمنافع الماضي ومجرى الحاضر وما يتطلب من تطلعات المستقبل، ومنه ما ورد في جانب من وصية الإمام علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) :
(.. إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمَرْتُ عُمَرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بمَا انتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ، قَدْ
عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ ؛ فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ ؛ فَاسْتَخَلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ، وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ) (1).
ومن بين ما يظهر من النص المبارك المتقدم، هو اختزال الزمن وتهيئة المناخ لاستيعاب ما كان في حيثيات الماضي والإفادة من فلسفة التاريخ : (نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ في آثارِهِمْ)، ويكون استيعاب الماضي بكل محتواه النظري وما هو على أرض الواقع من آثار، لتخطي كل الانحرافات والإفادة من من قويم نتائج التجارب السابقة، بمختلف أنشطتها مع مراعاة كل الظروف الزمانية والمكانية والموقفية المحيطة به، وأسلوب التفكير والعمل والأداء، والانطلاق من القويم للحاضر والمستقبل المنشود، دون الركون والتقوقع على الماضي ومؤشراته الجامدة، أي يتطلب النفع الدينامي أو الحركي لتراكمات معلومات الماضي النافعة، وتحقيق الاستيعاب مما متوافر من الأدوات والآليات..
والدليل على أهمية ودقة الوعي والاستيعاب لتجارب الماضي ؛ (حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ؛ بَلْ كَأَنِّي بمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ ؛ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ)، وهو فعل جمع المعلومات والبيانات المادية وغير المادية، وتحليلها ودراستها بعمق يتلائم مع الحاضر والتوقعات المستقبلية..
و لم يقف عند هذا الحد، بل يتتابع الأمر إلى موضوعية الاستنتاجات ؟ (فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ)، وعندها (فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ، وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ)، وهكذا النفع من دورة حياة المعلومة مع مواكبة التحديث والتجديد، للوصول للتوصيات وما يحتاج الإلتفات لاستثماره بشكل متكامل يجمع كل ما تحتوية البيئة الداخلية والبيئة الخارجية، بما فيها طاقات وقدرات الموارد البشرية، وثقافة الوعي الاجتماعي..
ولما يتطلبه الوعي من بناء فكري قويم ونقي، وتطلعات نحو فرص آفاق علمية متجددة لا تقف عند حد تهديدات ومخاطر الجهل والأهواء، لذا يقول (عليه السلام) :
(عِبَادَ اللهِ، لا تَرْكَنُوا إلى جَهَالَتِكُمْ، وَلا تَنْقَادُوا لِأَهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بهذا المَنْزِل نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ، يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعِ إِلى مَوْضِع، لِرَأَي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأي ؛ يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لا يَلْتَصِقُ، وَيُقَرِّبَ مَا لا يَتَقَارَب !) (2).
فالميول والاطمئنان والسكون والاستسلام للجهل، والانقياد إلى ميول النفس ورغباتها، وما يؤدي بالفرد أو المجتمع إلى المنحدر المنذر بالهلاك، واختلاط وضبابية كل الأمور، مما يُعزز المخاطر والتهديدات، فتتعاظم الصغائر عند الاستهانة بها، و (أَشَدُّ الذُّنوبِ مَا اسْتَهَانَ بِهِ صَاحِبُهُ) (3)..
وللفرصة واستثماراتها للتنمية بشكل عام، والتنمية الاجتماعية بشكل خاص، جانب آخر يتطلب الوعي المناسب له، و (إضَاعَةُ الفُرْصَةِ غُصَّةٌ) (1)..
وأخطر ما يواجه الإنسان ويهدد مستقبله ويُعيق تقدّم المجتمع، هو عدم استثمار الفرص التي تتوافر في البيئة الخارجية وإضاعتها، أو على أقل تقدير عدم استيعابها واستثمارها، وهو ما يعود المستوى الوعي والخبرة الطبيقية للمعارف، وهنا يظهر أهمية ثقافة الوعي ضمن علم اجتماع المعرفة Sociology Of Knowledge وتطبيقاته المتعددة في داخل مجتمع العمل..
لذا فحينما يكون مستوى الوعي والاستيعاب غير متوازن مع الفرص المتوافرة، كما هو عليه جانب من تطبيقاته غير المتوازنة للبخلاء داخل المجتمع، وهو ما يُبينه خطاب الإمام علي (عليه السلام) للبخلاء في صورة تحليلية بلاغية مقتضبة، حيث يقول :
(فَلا أَمْوَالَ بذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا، وَلا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا الذِي خَلَقَهَا، تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلا تُكْرِمُونَ اللهُ فِي عَبَادِهِ! فَاعتَبِرُوا ینزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَل إخْوَانِكُمْ) (2).
ومما يظهر من النص المبارك بخصوص الوعي الاجتماعي، وبالذات مجتمع البخلاء ومَنْ نحى منحاهم، فيكون بتأثيره تراجع الوعي وقويم السلوك الاجتماعي - الاقتصادي، والتوجه بالسلوك الاقتصادي المنحرف يتمثل في : (فَلا أَمْوَالَ بذلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا)، والتوجه بالسلوك الاجتماعي القاصر المنحرف بالنقوص التوعوي المتمثل في : (وَلا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا)..
وتبدأ من هنا الوعي للمعرفة الاقتصادية لسلوك الاقتصاد المعرفي، وللمعرفة الاجتماعية لسلوك المجتمع المعرفي، لكي لا يكون مخاطر الوعي المنحرف ؛ (تَكْرُمُونَ باللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَا تُكْرِمُونَ الله فِي عِبَادِهِ)، وهنا مما يظهر هو أهمية ثقافة الوعي الاجتماعي – المعرفي، وما يتكامل معه من ثقافة الوعي الاقتصادي – المعرفي..
وبهذا تأخذ المخاطر فاعليتها وحركيتها، حينما يتحقق الخلل داخل البيئة الاجتماعية غير المتكافئة مع البيئة الخارجية، وعدم التوازن بين تنمية الاستثمار واستثمار التنمية، وأيضاً مؤشرات التهديدات والمخاطر حينما يكون القصور في تنمية البيئة الاجتماعية والحيلولة دون استثمار ما مطلوب وما يعزز استثماره، والإسهام في الرفاهية الاجتماعية Social Walfare
ويضيف (عليه السلام) في مناسبة أخرى :
(فَلْيَنْتَفِعِ امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا البَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فتفكر، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بالعِبَرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً واضحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي المَهَاوِي، وَالضَّلالَ فِي المَغَاوِي، وَلا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الغُوَاةَ يَتَعَسُّف فِي حَقِّ، أَوْ تَحْرِيفِ فِي نُطْقِ، أَوْ تَخَوفِ مِنْ صِدْقٍ.
فَأَفِق أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ، وَاسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَتِكَ، وَاخْتَصر مِنْ عَجَلَتكَ، وَأَنْعِمِ الفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلى لِسَانِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - مِمَّا لا بُدَّ مِنْهُ وَلا مَحِيصَ عَنْهُ ؛ وَخَالِف مَنْ خَالَفَ ذلِكَ إِلى غَيْرِهِ..) (1).
ومن هذا النص المبارك، وما يتضح من أهمية التفكر والوعي ومترتباته الإستراتيجية، يمكن وضع جوانب من حصيلته في المخطط الآتي :
مخطط (36) يبين إستراتيجية ثقافة الوعي المجتمعي
ومحاوره البليغة والمتوازنة بين الانتفاع بالمعرفة والتفكر مما يسمع ويبصر ويكتسب خبراته من تجاربه والوعي بتجارب الآخرين، لتكون علامة إسترشاد وموعظة، ويكون الطريق الواضح بالمعرفة والخبرة، النظري والتطبيقي، والبعيد عن تكرار اخطاء الآخرين، أو الوعي للحد من اقتراف الخطأ والظلم..
وبين آلية الوعي التي تبدأ من الإفاقة والاستيقاظ واليقظة، وتكامله التشريعي، يكون ؛ (وَأَنْعِم الفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ..)، وحينها الحد من الانحراف وما يؤدي للخطأ، وبهذا يكون بلورة الوعي سيد الموقف، ومحقق الوقاية من القادم، وعلاج الحاضر وتنفيذ خططه..
أو بمعنى آخر، يبدأ الوعي من خلال الانتفاع بالماضي والتجارب السابقة، والاستيعاب الفردي والجمعي، ثم العمل بحسب الخطط المرسومة وما يترتب على مختلف المستويات التي تتطلبها، وبطبيعة الحال يكون هدفها الفرد - المجتمع وتقدُّمهم، وثقافة واستيعاب المعرفة حق وعاية ورعاية، ومديات
1) المرجع نفسه / ص 213 - 214.
الوعي وفاعليته وتكامل صياغته يتحقق بتواصل امتداد ما يقوم عليه من الإستراتيجيات، فهو بآثاره وتبعاته يكون دنيوي - أخروي، وباتجاهاته المجتمعية، وبالتالي تحمل كل ما يحقق التنمية المستدامة..
وللاستيعاب التوعوي المؤدي لتماسك المجتمع، أمر بالغ الأهمية، ومنه ما يشمل النظرة الميدانية للمكونات الطبقية الاجتماعية، وما يولّده عدم التوازن التوعوي من تفاوت طبقي لا يتحقق بمعوقاته سبل العلاج، حيث يقول (عليه السلام) :
(اضرب بطرَفكَ حَيْثُ شِئتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلا فَقِيراً يُكَابَدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيًّا بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كفْراً، أَوْ بَخِيلاً اتَخَذَ البخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأذْنِهِ عَنْ سَمْعِ المَوَاعِظِ وَقْراً! أَيْنَ أخبارَكُمْ وَصلَحَاؤُكُمْ ! وَأَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وَسُمَحَاؤُكُمْ! وَأَيْنَ المُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبهِمْ، وَالمتَنَزّهُونَ فِي مَذَاهِبهِمْ ! أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالعَاجِلَةِ المُنَغّصَةِ..) (1).
وقُطب ما يُعالج تفاقم مخاطر التفاوت الطبقي، هو الوعي لأهمية ثقافة المعرفة، وثقافة الاقتصاد المعرفي الإسلامي، والاجتماع المعرفي الإسلامي، القائم على الحقوق والواجبات ومنه معالجة الثغرة التي يولدها التمايز بين الدخل وقنواته، ألا وهو التكافل الاجتماعي الذي يتبناه المجتمع، المكمّل لما يغفله الضمان الاجتماعي التي تتبناه الدولة..
وبهذا يستقرأ النص من عمق التاريخ المستقبل الناس، وما هو عليه عالمنا المعاصرة في ظل تطبيقات سلبيات العولمة ومداركها الفوضوية، وكأنه يرى المجتمعات تتصارع بعضها مع البعض الآخر في كل زمان ومكان وموقف، بل يرى الظلم وقتل القوي الضعيف بأفكار تنخر الإنسانية بالباطل والجهل وقد غفلوا أنهم ؛ (.. أثوِيَاءُ مُؤجَلُونَ، وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ..) (2)، ولم يعرفوا ؛ (أَفْضَلُ الأَعْمَالِ مَا أكْرَمْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ) (3)
وما تفعله النفس الأمارة بالسوء، لما حال الجهل بينها وبين مستقبلهم، و (النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا) (4)، وهم بذلك أعداء حتى أنفسهم، وهنا تظهر المقادير في مستوى الوعي الاجتماعي..
لذا ؛ (إِنَّ أَعْظَمَ الحَسَرَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ، فَوَرِثهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الجَنَّةَ، وَدَخَلَ الْأَوَّلُ بِهِ النَّارَ)(5)
وبين كسب المال وطاعة الله، الوارث والإنفاق، وعندها يقف الوعي ليضع الحسرة بين التقدير والتدبير، وما يترتب عليها من وضع الأمور في غير مواضعها..
وما الكتاب الموجه للأشتر النخعي (رضیَ اللّهُ عنهُ)، عندما ولاه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) على مصر، إلاّ الصورة الحيّة لبث الثقافة التوعوية الإدارية - القيادية بكل مضامينها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وما كاملها، وما يُحققه من البناء الأبعد والأعمق من الإستراتيجيات الدنيوية المعاصرة، وما يتعلق بها من الوعي التربوي لحماية المجتمعات الإنسانية، وبكل ما تعنيه الأخلاقيات القيادية، القائمة على ما يمكن استيعابه من التشريع الإلهي العظيم الرحمة للبشرية وما خلق، وما جاءت في ضوءه الأحاديث النبوية الشريفة، فإنه أنقى نبع استقى منه الإمام علي (عليه السلام) (1).
وضرورة الإصلاح المجتمعي، يجعله في استعداد وأكثر عمقاً للوعي والاستيعاب، ومعرفة السبل القويمة، حيث يقول (عليه السلام) :
(مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ حَافِظٌ)(2).
وهي بديهية رائعة بعمقها البلاغي الذي لا يعيها أو يغفل عنها الكثير من الناس، ألا وهي ؛ (مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ)، النتيجة الحتمية التي لا يمكن تجاهلها : (أصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ)، وذلك لأنه لا يمكن أن يجتمع الإصلاح بين المخلوق والخالق بدون النّعم الناتجه عنه، والخير الواسع المنتشر منه..
فبالإصلاح يُعرف الحق من الباطل، والحلال من الحرام، والعدل من الظلم، ويُعمل بما يُصلح الحال، والردع التربوي الرادع للإنسان، امتداد آثار الأعمال الدنيوية للجزاء الأخروي ؛ (وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ)، وهو التوفيق في إصلاح الدنيا..
وبهذا الوعي والاستيعاب للأمور والإصلاح والصلاح يكون صلاح الفرد والمجتمع وما يحيط بهم، فالخالق عز وجل يحفظ القويم من الانحراف عن سواء السبيل، وبه يحظى بسلامته في الدنيا والاخرة، وبذاته هو مكاسب وصلاح البيئة الدنيوية وأنشطها وإنسانها..
وما يواجه المجتمع في الحياة من رخاء وضيق، إلا الاختباراً لهم، فمَنْ كان في وعي ما هو فية وما يُحيط به، واتخذ مسلكه القويم ؛ بالفكر والوعي والفهم والعمل والتطبيق، (.. فَإِنَّ الله لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلا بَعْدَ تَمْهِيلٍ وَرَخَاءٍ ؛ وَلَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ إِلا بَعْدَ أَزَلٍ وَبَلاءٍ ؛ وَفِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتَبِ وَمَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرً ! وَمَا كُلُّ ذِي قَلْبِ بِلبيب، وَلا كُلٌّ ذِي سَمْعٍ بسَمِيعٍ، وَلَا كُلُّ نَاظِرٍ بَبَصِيرٍ) (3).
فالماديات لا تعني الشيء المعتبر بنفعه الفردي - المجتمعي، إلا في استخداماتها واستثماراتها، ومعرفة المجالات التي خُلقت من أجلها، وإن لم تستثمر في مجالاتها، فهي لا تجني ثمارها الحقيقية ومنافعها المستدامة للخلق..
وهنا يكمن أهمية الوعي الاجتماعي، بما فيه الوعي الثقافي والمعرفي الاقتصادي - الاجتماعي، لما يتحقق من نتائجه ؛ الاستقرار والتماسك والطمأنينة الفردية والمجتمعية، وبناء دولة المؤسسات والتشريعات والقوانين، وبناء التوازن الاجتماعي والتفاعل المجتمعي الحقيقي، ومنه بموجهات المشاريع ومؤسسات الدولة والمجتمع والأفراد المتنوعة ؛ الأفقية والعمودية، والتحتية والفوقية، والتقليدية والمتطورة، والإستراتيجية وامتداداتها المواكبة والمعاصرة لكل التطورات..
لا يُنكر بأنّ الإيمان Faith يأخذ اتجاهاته في دواخل النفس البشرية، سواء كان على مستوى الفرد أو المجتمع، وبما يحمله من فكر ينبع من المنظور الديني وغير الديني، وبمناحيه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وما يحققه المضمون الثقافي والحضاري، والتطلعات وما يلحق من خلالها من تأثيرات مادية وغير مادية ونفسية وبشرية..
والإيمان في اللغة من أمن يأمن، وأمان، ويؤمن وإيمان، أي الاطمئنان واستقرار النفس والوثوق وهو : ضد أو نقيض الكفر والإيمان : بمعنى التصديق، ضده التكذيب، وحدَّ الزجاج الإيمان فقال : الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة ولما أتى به النبيُّ (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) واعتقاده وتصديقه بالقلب، فمن كان على هذه الصفة فهو مُؤْمِنٌ مُسلِم غير مُرْتاب ولا شاءٌ، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجبٌ عليه لا يدخله في ذلك ريب، والإيمان: التصديق. في التهذيب : وأما الإيمان فهو مصدر آمَنَ يُؤْمِنُ إيماناً، فهو مُؤْمِنٌ، واتَّفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه
التصديق.. (1)
وحول النظم الدينية، راجع 4 مليحة عوني القصير، د. معن خليل الغمر / المرجع نفسه / ص 421 وما بعدها..
ومفهوم الإيمان هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والتجسيد بالأعمال، وقيل مَنْ شهد وعمل و لم يعتقد فهو منافق، ومَنْ شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق، ومَنْ أخل بالشهادة بغير إسلامه فهو كافر.. (2)وآثار ومؤشر الإيمان على الفرد والمجتمع، يحقق الاستقرار النفسي والطمأنينة الفعلية الروحية والمادية وغير المادية على الذات والحياة ومنها الحياة الاجتماعية..
وورد في الذكر الحكيم على تصاريفها المختلفة، وما خطورة وتهديدات فقدان الإيمان ومخالفته أو تبديله واستخدامه على غير حقيقته في مجريات الحياة الدنيوية وعواقبها الفردية والمجتمعية الدنيوية - الأخروية، فضلاً عن ما شملته بعنايته الأحاديث النبوية الشريفة بروح القرآن الكريم، وبيان أهمية تأثيرات الإيمان للحياة الإنسانية
ومما ورد في كتاب الله العزيز في الإيمان :
قَالَتِ الْأَعْرَابُ أَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلتَكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) سورة الحجرات.
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهُ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحِ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) سورة المجادلة.
وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) سورة الحشر.
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أَكْرَهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بالإيمان وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) سورة النحل.
إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بالإيمان لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِنَّمَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) سورة آل عمران.
ويقتبس النور العظيم من بيان الذكر الحكيم، حينما سُئِلَ أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ : (الإِيمَانُ عَلى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الصَّبْرِ، وَاليَقِينِ، وَالعَدْلِ، وَالجِهَادِ.
وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالزَّهْدِ، وَالتَّرَقُبِ ؛ فَمَنِ اشْتَاقَ إلى الجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ المُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالمُصيبَاتِ، وَمَنِ ارْتَقَبَ المَوْتَ سَارَعَ إِلى الخَيْرَاتِ.
وَاليَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَع شُعَبِ : عَلى تَبْصِرَةِ الفِطْنَةِ، وَتَأْوُّلِ الحِكْمَةِ، وَمَوْعِظَةِ العِبْرَةِ، وَسُنَّةِ الأَوَّلِينَ، فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الحِكْمَةُ، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الحِكْمَةُ عَرَفَ العِبْرَةَ ؛ وَمَنْ عَرَفَ العِبْرَةَ فكَأَنَّمَا كَانَ فِي الأَوَّلِينَ.
وَالعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلى غَائِصِ الفَهُم، وَغَوْرِ العِلْمِ، وَزُهْرَةِ الحُكْمِ، وَرَسَاخَةِ الحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ ؛ ومَنْ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الحُكْمِ ؛ وَمَنْ حَلْمَ لَمْ يُفَرِّطُ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً.
وَالجِهَادُ مِنْهَا عَلى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي المَوَاطِنِ، وَشَنَآنِ الفَاسِقِينَ : فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ المُؤمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الكَافِرِينَ ؛ وَمَنْ صَدَقَ فِي المَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ ؛ وَمَنْ شَنئَ الفَاسِقِينَ وَغَضِبَ اللَّهِ، غَضِبَ اللَّهُ لَهُ وَأَرْضَاهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَالكُفْرُ عَلى أَرْبَع دَعَائِمَ : عَلَى التَّعَمُّقِ، وَالتَّنازُعِ، وَالزّيْغِ، والشَّقَاقِ : فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إلى الحَقِّ ؛ ومَنْ كَثرَ نِزَاعُهُ بالجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ الْحَقِّ ؛ وَمَنْ زَاع سَاءَتْ عِنْدَهُ الحَسَنةُ، وَحَسَنَتْ عِنْدَهُ السَّيِّئَةُ، وَسَكِرَ سُكْرَ الضَّلالَةِ ؛ وَمَنْ شَاقَ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ، وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ، وَالشَّكُ عَلى أَرْبَعِ شُعَب : عَلى التَّمَارِي، وَالهَوْلِ، وَالتَّرَدُّدِ، وَالإِسْتِسْلامِ : فَمَنْ جَعَلَ المِرَاءَ دَيْدَنَا لَمْ يُصْبحْ لَيْلُهُ ؛ وَمَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ : وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ ؛ وَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا) (1).
ونستقرأ في كل جملة، الدعم الداعم لبناء محكمات نظم الحياة الدنيا القويمة والمتكاملة وسلامة العواقب لما بعدها، ومنها الحياة الاجتماعية بكل تماسك البناء الإستراتيجي والفلسفي والأخلاقي، ومنه ما يدعم به السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وحتمية نتائجها وعواقبها، هو استقامة الناس بكل أنشطتهم وأخلاقيات أعمالهم، ومؤداه النظام والتنظيم والحياة لأُولِي الْأَلْبَابِ، بل لكل الناس..
1) نهج البلاغة / ص 473.
وبهذا التوصيف، بمعنى تقريبي ؛ (التشريح و التحليل)، وما يؤول إليه تفاصيل الوصف بمعنى) مكونات وبناء هذا التحليل)، وبالتكامل مع المواصفات ؛ (مكانة وسلوك المؤمن)، وفاعليته وسلوكه التنظيمي - التنفيذي، بما يُر شده من التشريع، وما يقوم مسيرته، ويكفي الإشارة بما يحمل ؛ (الإيمَانُ عَلى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الصَّبْرِ، وَاليَقِينِ، وَالعَدْلِ، وَالجِهَادِ) من واسع خير الدنيا وما بعدها للمجتمعات والأمم الإنسانية :
فالصبر مما يحمل ؛ التفاعل الداخلي الفردي والجمعي والمجتمعي، لما يجري في البيئة الاجتماعية من البلايا، وما يتحملوه دون التراجع عن القويم والاستقامة والثبات على الحق المستمد من اليقين وتفاصيله..
واليقين وما يحمله من العلم والاعتقاد الذي لا شك فيه، والابتعاد باليقين عن الظن والجهل والريبة، المستمد تواصله من العدل وتفاصيله..
والعدل القائم باعتداله واستقامته على طريق العلم بالشرع والحكم بالحق، واستقامة الحياة بأكملها به، والداعم العظيم له بتفاصيله هو الجهاد..
والجهاد بما فيه جهاد النفس والقلب واللسان، وأعظمها جهاد التغيير التقويمي باليد، ويبدأ الجهاد باليد مما تمليه أو تدونه اليد من العلوم والمعارف والحكم، وامتداداته في العدل والحق والمساواة، وما يقوم الحياة على أسس أخلاقيات الشرع الإلهي وبياناته..
وكل تلك الدعائم تدلل على بناء وقوة الشخصية الفردية والجماعية والمجتمعية، والبناء الفكري والعلمي والمعرفي بشرائع الله تعالى، الداعمة بذاتها لقيام الحياة ونفعها للناس بلا استثناء..
لكن الإيمان بتوصيفه ووصفه ومواصفاته الميدانية، يكون فاعليته ونتائجه و آثاره، ويظهر بيانها وفاعليتها داخل الفرد - المجتمع على ما جاء وتضمنه قوله (عليه السلام) :
(فَمِنَ الإِيمَان مَا يَكُونُ ثابتاً مُسْتَقِرًّا فِي القُلُوبِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِي بَيْنَ القُلُوبِ وَالصُّدُورِ، " إلى أجل معلُوم "،) (1).
والقلب محور ومستقر الإيمان، ومن القلب ينبع صدق التحسس والمشاعر وأداء حقائق الأعمال دون الوقوف عند موانع، فالموانع تزول من القلب ليتحقق مستوى الإيمان..
لذا حينما يكون الاختبار مع حاملي الرسالة ومن يعقبوهم، ينطبق قوله (عليه السلام) :
(إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ الله قَلْبَهُ لِلإِيمَان، وَلا يَعِي حَدِيثَنَا إلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ، وَأَحْلامٌ رَزِينَةٌ) (2).
وكل عمل لا يمكن اتقانه أو ادائه بفاعلية على مستوى الفرد والمجتمع، إلا بحضور ثقافة الإيمان وترسيخه في الدواخل، ومنه الانطلاق والأداء بتطبيقاته الأخلاقية، ولا يمكن أن يكون بهذا العمق الإنساني، إلا أن يكون ؛ (الإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ باللُّسَانِ، وَعَمَلٌ بالأَرْكَانِ).. (1)
وعندما تكون المعرفة نابعة من فهمها وتعقلها، والإقرار بنشرها الاجتماعي، والعمل بها وبكل مضامينها وأركانها، و (إنَّ الإيمانَ يَبْدُو لُمْظَة فِي القَلْبِ، كُلَّمَا ازْدَادَ الإِيمَانُ ازْدَادَتِ اللُّمْظَةُ) (2)..
لأنه السبيل الأقوم المقوم لسالكيه، وتناميه بالمعرفة العقائدية المرشدة إلى نقي الفكر وقويم الأعمال بصفاء الدواخل الفكرية المعززة والدافعة والحركية، ومؤشر الإيمان واستمراره في تنميته ورسوخه..
وقد ؛ (فَرَضَ الله الإيمَانَ تَطْهِيرًا مِنَ الشِّرْكِ..) (3)، الشرك هذا المهدد بتحدياته ومخاطره على المجتمع وبناءه، وبهذا يكون الإيمان وثقافته العقلانية هو الدرع الواقي بتنقية الأجواء المناخية لسلوك المجتمعات، ومنه لابد من الصبر الداعم ؛ (.. فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإِيمَان كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلَا خَيْرَ فِي جَسَةٍ لا رَأْسَ مَعَهُ، وَلا فِي إيمان لا صَبْرَ مَعَهُ) (4)...
لكون الاستقرار والوضوح والثبات أمام الهجمات التدميرية، لا يمكن أن يكون إلا بمنظومة الصبر الممثل للرأس الذي يجمع كل ما يتطلبه من الخزن المعلوماتي والعلمي والمعرفي، ليدخل بمستواه التفكير والإبداع، والوقاية والعلاج، والحلول الكفيلة على السيطرة وحل المشكلات والأزمات، وإدارتها بحسب ما يتم من صناعة ووضع الخطط وصناعة واتخاذ القرارات، وما يتطلبه من التنفيذ والأداء العالي المثمر للمجتمعات وحضاراتها الإنسانية..
وأخطر ما يمر به المجتمع بشكل عام، ولاسيما المجتمع الإسلامي، حينما يكون كما قال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(مَا تَتَعَلَّفُونَ مِنَ الإسلام إلا بِاسْمِهِ، وَلا تَعْرِفُونَ مِنَ الإِيمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ) (5)
لأنّ التمسك بالشكليات والصور البرّاقة، واختلاف الظاهر عن ما يضمره الفرد، سينخر بأسس بناء المجتمعات ودواخله، حتى يفقد سمته وسمة حضارته، ويكون بسقوط الأقنعة، سقوط المجتمعات، لذا فإنّ فهم فلسفة الإيمان، وصالح وصلاح المجتمعات، لا يتحقق إلا بدقة محتوى وصياغة استراتيجيات الإيمان وتنفذها في تفاصيل الأعمال القويمة..
(فَبِالإيمان يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَبِالصَّالِحَاتِ يَسْتَدَلُّ عَلى الإيمان، وبالإيمان يُعْمَرُ العِلْمُ، وبالعِلْمِ يُرْهَبُ المَوْتُ، وَبِالمَوْتِ تُخْتُمُ الدُّنْيَا، وَبِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الآخِرَةُ..) (1).
وهنا يظهر مدى الترابط الوثيق بين الإيمان وأنشطة الحياة ومختلف الأعمال الصالحة، وهي الصورة التي يتميز بها إيمان الفرد - المجتمع، فضلاً عن العلاقة الوثيقة بينه وبين العلم وتواصله ومستقبل الإنسان وحضارته..
وبالإيمان الحقيقي تتوثق الأعمال والسلوكيات، ويظهر بالصدق الوجه البراق له، بصدق الكلمة والعمل والسلوك، وعند (الإيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصَّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ، عَلى الكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وَأَلا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضَلُ عَنْ عَمَلِكَ، وَأَنْ تَتَّقِي اللَّهُ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ) (2).
وما يكون الضرر عند الصدق إلا شكلي وعابر، وكم تحقق نجاة الأشخاص بالصدق وصدق العقيدة والثبات على المترتبات والنتائج، وما الاستقرار الاجتماعي إلا بمصداقية الإيمان، وفاعلية نتائجه المستدامة..
وبشكل عام ؛ وعلى الرغم من التباين بين تحليلات علماء الاجتماع لموضوع الإيمان، ومنه ما تتضمنه الدراسات ونتائج مختلف الإيديولوجيات، بما فيها ما جاء ضمن الدراسات الغربية والأوربية والأمريكية، إلا أنّ الحصيلة التي كانت، كشفت عن مدى أهمية الإيمان والواعز الديني، كونه مصدر من مصادر الموجه الأخلاقي والإنساني الفاعل، المؤدي للاستقرار الاجتماعي والتماسك والطمأنينة، ومنه تواصل قويم السبل الحضارية... (3)
والحاقاً بما سبق دراسته، يُطالعنا موضوع آخر له حضوره في مستوى تنقية المناخات والأجواء النفسية - الاجتماعية والاقتصادية.. إلخ، وله الدعم الداعم للمجتمع والدولة ومستقبلهما، وما يؤول إليه، استدامة التنمية واستمراريتها، ألا وهو ثقافة التقوى وفهمها كممارسة ميدانية..
وتأخذ التقوى مجالات متعددة، يدعمها نقاوة الفكر، وما يسري بفاعلية في دقائق الدواخل الإنسانية - الأخلاقية، ومدخلات مكوناتها الفكرية والنفسية والسلوكية، والكوامن والبواعث والمنبهات والدوافع الموجهة بالعقلانية السلوكية - التطبيقية ونتائج الأعمال المتنوعة..
والتقى هو الورع ومخافة الله تعالى على أسس الحرص في المبادرة لكل ما يرضي الخالق عز وجل : ويكون له الحضور الراسخ للإنسان باكتمال الجوانب المنظورة وغير المنظورة، وبالتقى يبتعد الشخص ويتنزه عن التفكير بالقبائح وارتكابها..
والتقوى في اللغة ؛ اتخاذ الوقاية من المعاصي ومزلاتها، وتأخذ معاني متعددة، إلا أنها لا تخرج عن كونها طاعة الله والاحتراز من الأعمال المنحرفة، وحماية النفس من عواقبها الدنيوية والأخروية، والطاعة بالإخلاص لله، والحذر وترك كل ما يدخل في المعصية وما يُبعد الإنسان عن الله عز وجل، والتمسك بكل ما يحفظ آداب الشريعة، والاتقاء من كل ما يدخل في اتباع هوى النفس ومعاصيها ومنحرف الأعمال... (1)
والعقل والتقوى لا يتقاطعان، فأحدهما ظهيراً للآخر، لكون العقل لا يرضى إلا بكل ما هو خير وصلاح وقويم، والتقوى الدرع المانع والواقي من عمل كل ما يُنافي أو يتقاطع مع الشريعة الإلهية..
ومما ورد في الذكر الحكيم : (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) من الآية 197 / سورة البقرة، (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) من الآية 2 / سورة المائدة.
وأساس التقوى وهدفها وغايتها، هو حماية الإنسان والبيئة والمخلوقات وحتى الفضاء الخارجي، لكون مؤدى التقوى دقة الاختيار وقويم التفكير والأداء والنتائج، ومؤدى آثاره على المجتمع وانعكاساته الآنية والمستقبلية..
1) راجع : أبو الحسن علي بن محمد بن علي الجرجاني (المعروف بالسيد الشريف) / المرجع نفسه / ص 41.
وصوّر نهج البلاغة التقى والتقوى، بأدق صوره الإنسانية والأخلاقية، وما يحمله من مضامين رفيعة، منها ؛ اجتماعية واقتصادية وسلوكية قويمة..
وما يخص الدراسة ؛ هو الجانب الاجتماعي، وجدير بالذكر إلى أن التقوى تم دراستها ضمن السلسلة العلمية في نهج البلاغة، كل ما يتعلق بتخصصها ومضمونها..
وبلاغة بيان ما يصف (عليه السلام) به المتقين، بتكوينهم الفكري والنفسي والسلوكي، وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية.. في إحدى خطبه المباركة بالقول :
(فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الفَضَائِلِ : مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاِقْتِصَادُ، وَمَشيهُمُ التَّوَاضُعُ، غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلى العِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ، نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي البَلاءِ كَالَّتِي نُزَلَتْ فِي الرَّخَاءِ، وَلَوْلا الأجَلُ الَّذِي كَتَبَ الله عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنِ، شَوْقاً إلى الثوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ العِقَابِ.
عَظُمَ الخَالِقُ فِي أَنفُسِهِمْ فَصَغَرَ مَا دُولهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعُّمُونَ، وهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ، قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفَيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةً، صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَويلةً، تِجَارَةٌ مُرْبحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ، أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا، أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُونَ أَقْدَمَهُمْ، تَالِينَ لأَجْزَاءِ القُرْآن يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً، يُحَزَنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تشويق رَكنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وتَطَلَعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أَلَهَا نصب أعينهم. وإذا مَرُّوا بآية فيها تخويف أصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبهمْ وشهيقها في أصول آذَانِهِمْ، فَهُمْ حانون على أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرشُونَ لِجَاهِهِمْ وَأَكفهمْ وَرُكَبهِمْ، وَأطْرَافِ أَقْدَامِهمْ، يطلبون إلى الله تعَالَى فِي فَكَاكِ رقابهِمْ، وَأَمَّا النَّهَارَ فحلَمَاءُ علَمَاءُ، أَبْرَارٌ أتقِيَاءُ، قَدْ بَرَاهُمُ الخَوْفُ يَرْيَ القِدَاحِ يَنظُرُ إلَيْهِمَ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالقَوْمِ مِنْ مَرَضِ ؛ وَيَقُولُ : لَقَدْ خُولِطُوا !.
ولَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ! لا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ القَلِيلَ، وَلا يَسْتَكْبِرُونَ الكَثِيرَ، فَهُمْ لالفُسهمْ متّهِمُونَ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إذَا زَكِّي أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ : أَنا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، وَرَبِّي أَعْلَمُ بي مِنّي بِنَفْسِي ! اللهم لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لا يَعْلَمُونَ،
فَمِنْ عَلامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينِ، وَحَزْماً فِي لِينِ، وَإِيمَاناً فِي يَقِينِ، وَحِرْصاً فِي عِلْمٍ، وَعِلْماً فِي حِلْمٍ، وَقَصداً فِي غَنّى، وَخُشُوعاً في عِبَادَةٍ، وَتَجَمُلاً فِي فَاقَةٍ، وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ، وَطَلَباً فِي حَلالٍ، وَنَشَاطاً فِي هُدًى، وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلى وَجَلٍ، يُمْسِي
وهَمُّهُ الشَّكرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الدَّكْرُ، يبيت حذرًا وَيُصْبِحُ فَرحاً ؛ خيراً لَمَّا حُذِّرَ مِنَ الغَفْلَةِ، وَفَرِحاً بمَا أَصَابَ مِنَ الفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ، إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُوْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ، قُرَّةً عَيْنِهِ فِيمَا لا يَزُولُ، وَزَهَادَتْهُ فِيمَا لا يَبْقَى، يَمْزُجُ الحِلْمَ بِالعِلْمِ، وَالقَوْلَ بالعَمَلِ، تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلاً زَلَلهُ، خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةٌ نَفْسُهُ، مَنزُوراً أَكلُهُ، سَهْلاً أَمْرُهُ، حَرِيراً دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غَيْظُهُ، الخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ، إِنْ كَانَ فِي الغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذّاكِرِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي الذاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصلُ مَنْ قَطَعَهُ، بَعِيداً فُحْشُهُ، لَيِّنَا قَوْلُهُ، غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفَهُ، مُقيلاً خَيْرُهُ، مُدبراً شَرُّهُ، فِي الزَّلازِلِ وَقُورٌ، وَفِي المَكَارِهِ صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ، لا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلا يَأْثمُ فِيمَنْ يُحِبُّ، يَعْتَرِفُ بِالحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ، لا يُضِيعُ مَا اسْتَحْفِظَ، وَلا يَنْسَى مَا ذَكَرَ، وَلا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ، وَلَا يُضَارُّ بالجَارِ وَلا يَشْمَتُ بِالمَصَائِبِ، وَلا يَدْخُلُ فِي البَاطِلِ، وَلا يَخْرُجُ مِنَ الحَقِّ، إِنْ صَمَت لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ، وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ، أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ، بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزَاهَةٌ، وَدُنوّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَرَحْمَهُ، لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكَبْرِ وَعَظَمَةٍ، وَلَا ذُنُوهُ بِمَكْرِ وَخَدِيعَةٍ) (1).
ومما تقدّم يظهر للمتطلّع، وضوح تعدد وتشعب وتكاملية مضامين الخطبة الجليلة، ومنه ما يخص التقوى كبناء وثقافة حياتيه عامل بها، ومما تحمله من المضامين الاجتماعية - التقوى، والتي تتوجب دراسة تكاملية خاصة، ولكن هنا يمكن بيان منها بالآتي :
1 - المتقون أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وسلوكهم الاستقامة التي لا انحراف فيها، وملبسهم لا يتعدى المعقول مع حفظ مقامهم، وهم كأبسط الناس في ذلك ؛ (فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الفَضَائِل : مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاقْتِصَادُ، وَمَشْيهُمُ التَّوَاضُعُ)، وعندما توضع في معادلة تكون كالآتي :
الْمُتَّقُونَ (أَهْلُ الفَضَائِلِ) = مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ + وَمَلْبَسُهُمُ الإِقْتِصَادُ + وَمَشيهُمُ التَّوَاضُعُ
2 - تكاملية الرؤيا والرسالة التي يتعاملون في ظلها ؛ (عَظُمَ الخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغَرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ)، وعندها لا يتعدى أحدهم حدود الحقوق الإنسانية - الاجتماعية، مرادهم انتظام مجتمعي دنيوي، واستحقاق وتأهيل للآخرة..
1) نهج البلاغة / ص 303 - 306.
3 - العلاقات الاجتماعية مع المتقي في ما من كونه قوام السلوك، لا تذهب به المذاهب في المصالح الزائلة والزائفة، بل مراده في العلاقات الإنسانية - الاجتماعية ما يُرضي الله تعالى من إصلاح وصلاح ما حوله، ولا يعول على أحد من الخلق، وسمته العفة ونفع الناس، كون التقي ؛ (الخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَ)، وبين المأمول والمأمون حياة..
4 - سمة المتقي الصبر في كل نشاط وعمل وأداء، وهدفه وغايته ما بعد الدنيا، لم يرتض ملذات الدنيا الزائفة أجر له، (فِي الزَّلازِلِ وَقُورٌ، وَفِي المَكَارِهِ صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ)، وتكمن شخوص شخصية المتقي بين الوقار والصبر والشكر..
5 - يعد المتقي ما يُقدمه من الخير والإحسان للناس هو اليسير، وهو بنفسيته كبير، لذا يصغر ويقل عنده كبير الأعمال وكثيره، وبالعطاء هذا لا ينشد تبادل المنافع والمصالح، فيزول بزوالها، بل ينشد بخير الأعمال رضى الله تعالى، والعمل بالتواد والتراحم والمحبة وحب العطاء بلا قيود وبلا مقابل، (يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فَحْشَهُ، لَيْناً قَوْلُهُ، غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ، مُقبلاً خَيْرَهُ، مُدْبراً شَرُّهُ)..
6 - يتميز المتقي في علاقاته، كروح للبناء والعلاقات والتماسك الاجتماعي، وأدائه بأعمق وأنقى السرائر المتطابقة ما يحمله في دواخله من قيم وأخلاقيات، وتنفيذ وأداء أعماله يجمع فيها سلوكه التنظيمي ما بين اللين والحزم، والإيمان واليقين، والعلم والحلم، (قُرَّةٌ عَيْنِهِ فِيمَا لا يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِيمَا لا يَبْقَى، يَمْرُجُ الحِلْمَ بِالعِلْمِ، وَالقَوْلَ بِالعَمَلِ)..
7 - يأمل الناس من التقي طيب المعشر، والتعاون في الرخاء والشدة، والتسامح وصفاء السرائر، ونقي الأفكار وسوي النفس، وقويم السلوك والأعمال، (نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ، أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ)..
8 - يُناصر الحق حتى ولو كان على نفسه، والحق عنده متكامل لا يتجزء، ومهما كابد من ظلم وحيف وضغوطات وأهوال، (يَعْتَرِفُ بالحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ، لا يُضيعُ مَا اسْتَحْفِظَ، وَلا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ، وَلا يُنَابِزُ بالأَلْقَابِ، وَلا يُضَارُّ بِالْجَارِ، وَلا يَشْمَتُ بِالمَصَائِبِ، وَلا يَدْخُلُ فِي البَاطِلِ، وَلا يَخْرُجُ مِنَ الحَقِّ)، فهو في حصن حصين، لا يتجاوز على غيره..
9 - الحياة لديه، العمل الصالح، النافع بأوله حتى آخره، و بعواقبه وتأثيراته، ومحبة الناس على الحق وثباته، بلا استصغار للآخرين، لكونه ؛ (لا يَحِيفُ عَلى مَنْ يُبْغِضُ، وَلا يَأْثمُ فِيمَنْ يُحِبُّ)..
10 - ومعادلته ومعاملته ؛ قريب من الناس، بعيد عنهم، قريب منهم بكل عمل يرضي الله وبعيد عنهم في كل عمل لا يرضي الله تعالى ويخالف شريعته، وبهذا قريب منهم ما دام العمل يُرضي الخالق عز وجل، وبخلافه بعيد عنهم..
11 - (فَمِنْ عَلامَةِ أَحَدِهِمْ) ؛ (قُوَّةٌ فِي دِينِ، وَحَزْماً فِي لِينِ، وَإِيمَاناً فِي يَقِينِ، وَحِرْصاً فِي عِلْمٍ، وَعِلْماً فِي حِلْم، وقصداً في غنى، وخشوعاً في عِبَادَةٍ، وَتَجَمُلا فِي فَاقَةٍ، وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ، وَطَلَباً فِي حَلالٍ، وَنَشَاطَاً فِي هُدًى، وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَعِ).
ويحث (عليه السلام) على التقوى، لكون التقوى صمام أمان اجتماعي - حضاري فاعل، لما له من أهمية في بناء الشخصية للفرد - المجتمع، حيث يقول :
(أمَّا بَعْدُ، فَإنّى أُوصِيكُمْ يتقوى اللهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلَقَكُمْ، وَإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ، وَبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ، وَإِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ، وَنَحْوَهُ قَصْدُ سَيلِكُمْ، وَإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَمَى أَفئدَتِكُمْ، وَشِفَاءُ مَرَض أَجْسَادِكُمْ، وَصَلاحُ فَسَادِ صُدُوركُمْ، وَطُهُورُ دَنس أَنفُسِكُمْ، وَجَلاءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ، وَأَمَنُ فَزَع جَأشِكُمْ، وَضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ، فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللهِ شعاراً دُونَ دِثَارَكُمْ، وَدَخِيلاً دُون شِعَارَكُمْ، وَلَطيفاً بَيْنَ أَضْلاعِكُمْ، وَأَمِيراً فَوْقَ أُمُورَكُمْ، وَمَنْهَلاً لِحِينِ وُرُودِكُمْ، وَشَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ، وَجُنَّةً لِيَوْمٍ فَزَعِكُمْ، وَمَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ، وَسَكَناً لِطُول وَحْشَتِكُمْ، وَنَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ. فَإِنَّ طَاعَةَ اللهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنفَةٍ، وَمَخَاوِفَ مُتَوَقِّعَةٍ، وَأَوَارِ نِيْران مُوقَدَةٍ، فَمَنْ أخذ بالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدائِدُ بَعْدَ دُنُوّهَا، وَاحْلُولَتْ لَهُ الأُمُورُ بَعْدَ مرَارَتِهَا، وَانْفَرَجَتْ عَنْهُ الأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمها، وَأَسْهَلَتْ لَهُ الصَّعَابُ بَعْدَ انصَابِهَا، وَهَطَلَتْ عَلَيْهِ الكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا، وَتَحَدَّبَت عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورهَا، وَتَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبهَا، وَوَبَلَتْ عَلَيْهِ البَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا) (1).
وجوانب من مضامين التقوى، تم دراسته من الوجهة النفسية والتنظيمية والاقتصادية، والاتجاه نحو التماسك والانتظام على الحق والطمأنينة والاستقرار والتعاون، وتوليد روح الألفة والتماسك الاجتماعي، لا من أجل الحياة الزائفة والزائلة، بل استقامة الأفكار والنفس السوية، لاستقامة الأعمال والأنشطة في الحياة الزائلة لحياة أبقى، وبه تكون الاستراتيجيات أبعد وأعمق وأوسع لهدف أسمى ما بعد الدنيا، والكيفية والحتمية استقامة الدنيا، بلا أنانية وضياع الحقوق، وبلا فوضوية تنفيذ الأداء. وبلا بطش ولا خيانة ولا نفاق ولا دجل..
1) المرجع نفسه / ص 312 - 313.
والتقوى بمنظوماتها المبسطة في التعامل مع الحياة، تبعد الإنسان عن الأمراض النفسية والاجتماعية المقلقة للإنسان ؛ كذات وآخر فردي - مجتمعي والذي لا يخذل الضعيف عند الحق، ولا ينصر القوي عند الباطل..
والوصف يتمثل عند ؛ (فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ :
• دَوَاء دَاءِ قُلُوبِكُمْ.
• بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ.
• شِفَاءُ مَرَض أَجْسَادِكُمْ.
• صَلاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ.
• طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ.
• جَلاءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ.
• أَمنُ فَزَعِ جَأشِكُمْ.
• ضِيَاءُ سَوَادِ ضُلْمَتِكُمْ.
وحينما تتمثل ثقافة تقوى الله تعالى، تبدأ مرحلة دواء داء القلوب، وعندها تكون آلية السلم والسلام والطمأنينة والإخلاص بإصلاح الدواخل لاستدامة الحياة - المخلوق، وما يتطلب من استدامة البيئة وحقوقها..
والمواصفات تتمثل عند ؛ (فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى :
• عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ ذُنُوهَا.
• احْلوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا
• انفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمها.
• أَسْهَلَتْ لَهُ الصَّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا.
• هَطَلَتْ عَلَيْهِ الكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا.
• تَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورهَا.
• تَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا.
• وَبَلَتْ عَلَيْهِ البَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا.
وبهذا (.. أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزِ، وَالفُجُورَ دَار حِصْنٍ دَلِيل، لا يَمْنَعُ أَهْلَهُ، وَلا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، ألا وبالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الخَطَايَا، وباليقين تدْرَكُ الغاية القصوى) (1).
1) المرجع نفسه / ص 221.
وشتان ما بين ؛ حصن التقوى، وحصن الفجور، ومستوى ما يؤول إليه من حماية الإنسان ؛ کفرد ومجتمع من مخاطر وتهديدات مضار الخطايا، وبين القطع والإراك، ما يجمع التقوى واليقين، المانع لمصادر ومنافذ ورة مضار الخطايا، والوصول بالوقاية والعلاج إلى الغاية القصوى وسلامة الإنسان...
وبمعنى آخر تكميلي، بالتقوى يحمي الإنسان نفسه والآخر، وبذات الوقت، ربما حماية الآخرين من شرور الآخرين، وسطوة الخطايا لا تقمعها إلا التقوى، ولا تدرك الأهداف والغايات إلا ما تمهده التقوى لليقين، ومنه يُسلك طريق التفاعل الاجتماعي والعلاقات التعاونية والمشاركة الاجتماعية..
(فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ، وَذَخِيرَةُ مَعَادٍ، وَعِنْقٌ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ، وَنَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ، بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ، وَيَنْجُو الهَارِبُ، وَتُنَالُ الرَّغَائِبُ) (1).
ومفتاح التقوى، يفتح أبواب العلاقات الاجتماعية والإنسانية، ومنه تنقية الأجواء ومناخ البيئة الفكرية والمناخ الاجتماعي وتماسك بناء المجتمع، وبعواقبها تتحق ما أبعد من الاستراتيجيات، وسلامة الحياة الدنيوية وسلامة الإنسان من حساب ما بعدها، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللهِ، بِتَقْوَى اللهِ وَطَاعَتِهِ، فإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً، وَالنَّجَاةُ أَبَداً) (2)، و (.. خَيْرُ مَا تواصى العِبَادُ بِهِ، وَخَيْرُ عَوَاقِبِ الأُمُورِ عِنْدَ اللهِ) (3)، و (اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ البَقَاعِ وَالبَهَائِمِ، أطِيعُوا الله وَلا تَعْصُوهُ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ) (4).
وَجَعَل الله تعالى التقوى ؛ (.. مُنتَهَى رِضَاهُ، وَحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ) (5)، لكونها النفع الرافع والمحرك لفاعلية البناء والتماسك الاجتماعي - الأخلاقي، لاعتبارات تعود على الانتفاع حتى من الماديات بلا صراع اجتماعي ولا استغلال ولا جشع وأنانية، فتكون ماديات الحياة ؛ وسيلة وليست غاية..
والأشمل لما تحمله وما تتضمنه التقوى، عمق الإنسانية من منطلق ؛ (فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَن البَقَاعِ وَالبَهَائِمِ)، وهو ما يحمي حقوق الناس بكل فئاته وحماية حقوق كل المخلوقات والبيئة..
وتأخذ هذه المنظومة والنظام الفردي - الاجتماعي للسلوكيات وأداء الأعمال وتنظيم ما تتطلبه انسيابية الحياة، وبتطبيق نظامه تتحقق العلاجات الاجتماعية العادلة التي ربما تعجز عنها كل النظريات الاجتماعية الوضعية المعاصرة، لذا يقول :
(وَاعْلَمُوا "أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا" مِنَ الفِتَنِ، وَنُوراً مِنَ الظُّلَم، وَيُخَلّدَهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسَهُ، وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الكَرَامَةِ عِنْدَهُ، فِي دَارِ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ، ظِلُّهَا عَرْتُهُ، وَنُورُهَا بَهْجَتُهُ، وَزُوَّارُهَا مَلائِكَتُهُ، وَرَفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ..) (1)، (فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ لَهَا حَبْلاً وثيقاً عُرُوتُهُ، وَمَعْقِلاً منيعاً ذِرْوَتَهُ) (2)، و(.. يتَقْوَى اللهِ الَّتِي هِيَ الزَّادُ وَبِهَا المَعَادُ : زَادٌ مُبْلِغٌ، وَمَعَادٌ مُنْجِحٌ، دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ، وَوَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ، فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا، وَفَازَ وَاعِيهَا)(3).
ومن خلال فهم النقوى، والإيمان بها من الدواخل البشرية، والعمل بمقتضاها، تفتح آفاق إنسانية مثمرة، تجمع ما بين الوعي وحب كل عمل كريم وقويم ؛ وعظيم الجعل التكويني المتوافق مع الجعل التشريعي ؛ أَسْمَعُ دَاعٍ، خَيْرُ وَاعٍ، وما آل إليه التفاعل الاجتماعي بكل تراكيبها وطبقاتها، وبعمق العلاقات الاجتماعية، وما تؤول بنتائجها إلى ضمان حاضر المجتمع وتحقيق الرفاهية الاجتماعية واستدامتها بالتماسك والتطور والنمو، وتواصله كحاضر ومستقبل تنموي..
يعتمد المجتمع على العديد من العوامل والقوى المتأصلة في دواخل الفرد، وأحدها القناعة التي تعد تنميتها وترسيخها من خلال البرنامج التربوي لدى الفرد والأسرة، الأساس في بناء الدواخل والاتجاه نحو الاستقرار الاجتماعي، لكون القناعة ثقافة وتأثيرات مادية وغير مادية ونفسية وعمل باتجاهاتها الإشباعية، وصولاً إلى مستوى المجتمع وتوليد الدافعية نحو فعل أو نشاط معين، وفقدان ثقافة القناعة، يسبب عدم الإشباع ومنه انحراف السلوك، وربما ارتكاب الجرائم والمحرمات المنظورة وغير المنظورة..
والقناعة هي الرضا بالقسم القائم على سوي النفس والبناء التربوي - الفكري، ومنه ما يترتب على القناعة من بناء الشخصية الفردية والمجتمعية، وتطهير النفس وتقويم السلوك بثقافة القناعة، وربما اقترن الصبر والزهد والاستقرار والطمأنينة بالقناعة، واستقامة الأديان والأبدان بالقناعة..
وتقف القناعة المتوازنة في موقع طردي مع العلم، فكلما كان عدم القناعة مع استقامة طلب العلم والمعرفة، أدى إلى مواصلة الإبداع والابتكار والنتائج، والعكس صحيح، بشرط أن لا يكون هناك صراع تدميري للقيم والأ الاقيات، وأن لا تكون هناك مخاطر وتهديدات المنافسة غير السوية..
ولاسيما حينما تحتدم المنافسة غير السوية وغير القويمة وغير الأخلاقية، واتجاه القناعة يتحول إلى معوق للمنافسة الإبداعية والتنموية والتطويرية، ومنه تبرز مخاطر على الاتجاهات الفكرية والنفسية والسلوكية، مما يُربك الإنسان وطلبه للحاجة والإشباع والقناعة بكل أشكالها..
وعموماً فإنّ امتداد الفهم، التقوى، اليقين، الرضا، القناعة، والاستقرار والطمأنينة، والابتعاد عن الحرص وما شاكلها، عندها ترتبط القناعة بالعفّة أو الطهارة Chastity بكل أوجهها، فضلاً عن أنّ القناعة تبعد الفرد والمجتمع عن الجشع الأعمى المؤدي للصراع الاجتماعي - الطبقي، لذا فإنّ الإسلام حدر الإنسان في حياته السوية من خطورة وتهديدات فقدان القناعة داخل الأسرة - المجتمع، لما تؤدي إلى الاستعباد وإرباك المبادئ والقيم والأخلاق..
وورد صور القناعة وفاعليها لدى الإنسان ؛ كفرد ومجتمع في نهج البلاغة، وبهذا يعني ما أولى الإسلام القناعة، غاية العناية وبالغها لبناء الإنسان واتجاهاهه الفكري - السلوكي، حيث يقول (عليه السلام) :
(القنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ) (1)
والمال غير المنظور الذي لا ينتهي عند آفاق القناعة، فعند القناعة يكثر القليل ويُشيع بامتداداتها الزمانية والمكانية والموقفية والإنسانية والأخلاقية، ومكاسب كرامة الإنسان، وأين ما يكون الشخص بهذه الصفة، فهو مصدر من مصادر العطاء اللا محدود، ومنه دعم وحدة وتماسك الفرد - المجتمع..
و (كَفَى بِالقَنَاعَةِ مُلْكَاً، وَبِحُسْنِ الخُلُقِ نَعِيمًا، وَسُئل (عليه السلام) عن قوله تعالى : " فَلَنُحْيِيَنَّهُ حيَاةً طَيِّبَةٌ "، فَقَالَ : هِيَ القَناعَةُ) (2).
وكيف لا، وهي ثقافة تبني المجتمعات الكريمة على أرسخ الأسس الإنسانية والأخلاقية، البعيدة عن الصراعات، وما تحققه من الاستقرار النفسي والطمأنينة، وعزّة النفس والكرامة، والنبل بالقناعة، لأنّ (الطَّامِعُ في وثاقِ الذُّلّ) (3)، وإن (الغِنَى الأَكْبَرُ اليَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ) (4).
ويضيف (عليه السلام) في مناسبة أخرى، ما يتوجب الحد من خطورة الطمع المؤثر على الفكر والأنفس والسلوكيات الفردية والجماعية والمجتمعية، وتأثيره المتعدد التهديدات على مستوى التماسك
الاجتماعي Social Cohesion ووروده هلاك وتهديد للاستقرار، و (إِنَّ الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ وَضَامِنٌ غَيْرُ وَفِي) (1)، و (أكْثَرُ مَصَارِعِ العُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ المَطَامِعِ) (2).
فالطمع يجعل الوسيلة هدف، ويجعل الإنسان آلة لا تعي مخاطر السيل سوى الوصول للمآرب، ويحجب الطمع العقول عن نقي واستقامة الفكر ونيّره، ومنه يفقدها الرشد والعقلانية عن إدراك الأمور على حقيقتها ووضوحها، و (أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ) (3)، أي حقر نفسه مما تبطنه وتخلق به، لكون (الطَّمَعُ رِقّ مُؤبّدٌ) (4)، وهو عبودية أبدية..
ويضيف (عليه السلام) :
(لَقَدْ عُلْقَ بِنِيَاطِ هذا الإِنْسَان بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ : وَذلِكَ القَلْبُ، وَذلِكَ أَنَّ لَهُ مَوَادَّ مِنَ الحِكْمَةِ وَأَضْدَاداً مِنْ خِلافِهَا ؛ فَإِنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءُ أَذلَّهُ الطَّمَعُ، وَإِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الحِرْصُ، وَإِنْ مَلَكَهُ اليَأْسُ قَتَلَهُ الأَسَفُ..) (5).
ويكفي ذل الانقياد إلى الطمع، وابتعاده عن ما يتخلق به الإنسان السوي من العفة والقناعة لصون النفس وحمايتها من مختلف الانحرافات على مستوى فرد وجماعة ومجتمع، والابتعاد بالطمع عن العيش بعزة النفس وكرامتها واستقرارها، ومنه ؟ (وَإِنْ هَاجَ به الطَّمَعُ أهْلَكَهُ الحِرْصُ)..
وعموماً فإنّ البناء الاجتماعي وتماسكه، لا يمكن أن يقوم ويتواصل، إلا بمجموعة عوامل مستقلة وتابعة، تشترك فيه القناعة المبنية على أساس الوعي ومحرك المستوى الاستيعابي المناسب، ليكون استعداد ملائم، وبه يؤثر على الأفكار والنفس ثم السلوك الاجتماعي Social Behavior، وتأخذ القناعة الجوانب المادية وغير المادية..
وكلما تصاعد الخط البياني للقناعة والطموح المتوازن والمشروع داخل الفرد والمجتمع، أصبح الأمان والاستقرار والتماسك والنمو والتطور، وما يترتب على المضامين الاجتماعية – الإنسانية..
وإذا ما اتجه الخط البياني بالهبوط، تحدث الانحرافات والجشع وتعاظمها للوصول لارتكاب الجرائم بما في جنحها وجناياتها، لأن مستوى الإشباع مهما وصل لايصل لمستوى ما يفي وما يُملي إشباع الرغبات، لذا يتفشى من أثره الفساد بكل أشكاله، ومنه الفساد الاجتماعي Social Deterioration وتحدث بمؤثراته الصراعات الاجتماعية السلبية المختلفة، ومنه الإرباك والفوضى داخل المجتمع..
وبهذا كان الاهتمام لتكوين أو توليد القناعة، التحرر من دواخل الفرد والأسرة والمجتمع، والحث عليها في البناء الفكري الإسلامي، ونماذج من ترسيخ القناعة وتفاعلها هو ؛ الإيثار والزهد والتكامل الاجتماعي ومساعدة الغير..
فاليسير أو البسيط يُشبع الذات الإنسانية في حالة وجود القناعة، ويدلل على قوة وتماسك الإيمان وقويم السلوك النابع من نقاوة الفكر والعمق التربوي - الأخلاقي..
(وَالقَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ) (1)، لأنها غنى كل نفس كريمة، سواء كانت بالتفاعل والعطاء على كل المستويات الاجتماعية..
اهتم الإسلام بالإنسان وكرامته، وما زال في تطبيقاته ومضمونه الاجتماعي والبناء الاجتماعي الرصين القائم على أسس باستقامته تُبقي ذلك البناء قائم، وبه يستظل ويلجأ إليه كل إنسان أراد الطمأنينة والاستقرار والتآزر في قوته وضعفه، وفرصه وتحدياته..
وجانب من هذا الاهتم- هذا الاهتمام، فضلاً عن ما تقدّم وما يلحقه إن شاء الله، ما يتعلق بالتكافل Symbiosis ومضامينه الاجتماعية - الاقتصادية والتربوية والثقافية والحضارية، وما يتضمنه من الجوانب السياسية داخل الهيكلية للترابط داخل المجتمع..
وإذا ما تم وصف التكافل الاجتماعي من وجهة نظر اقتصادية، فإنه يأتي بالمفهوم الاقتصادي الحديث ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وهو ما يدخل ضمن العلاقات الاجتماعية التضامنية بين مختلف الشرائح أو الطبقات الاجتماعية، وهو يختلف عن الفروض الشرعية المنضوية ضمن فروع الدين كالخمس والزكاة والصدقات، ومنه مما تحمله وتتجه به وتتضمنه الصدقات، هو اتجاه التكافل..
والإسلام يُشجّع ويضع الخصوصية الدنيوية - الأخروية للمبادر بهذا الاتجاه ومنوّع الاتجاهات المبادرة للخير والعطاء وسماحة النفس وسخاء اليد : (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلا
1) المرجع نفسه / ص 478.
ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) من الآية (272) / سورة البقرة، و (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (92) سورة آل عمران، و (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (274) سورة البقرة، (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِنَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (261) سورة البقرة.
والتكافل لغوياً ؛ الإعالة والإنفاق والقيام بأمر الفرد أو العائلة المحتاجة.. (1)أما المصطلح الأجنبي فإنّ أصله يوناني Sun أو Sum بمعنى مع أو، Bios بمعنى حياة، وما يخص هذه الدراسة المتضمنة علم الاجتماع، فإنّ التكافل يُبنى على أساس العلاقات المتبادلة والتفاعل الإنساني بين أفراد المجتمع الواحد والإعانة على الحاجة على مستوى العائلة الواحدة والجيران والمنطقة والبلد والمسلمين عامة، وبين المسلمين وأهل الديانات الأخر.. (2)
وهو مما يدعم التآزر والتعاضد، ويُعد بمنظور الاقتصاد الوضعي البعيد عن العمق الإسلامي مساعدة لا تحمل أو تجلب مردود مادي للذي يُقدِّمها، ويختلف الإسلام بنظرته في مثل هذه المقولات والنظريات والفلسفات القاصرة، لكون يؤكد ميدانياً على أنّ النفع له أشكاله المنظورة وغير المنظورة، المادية وغير المادية والنفسية، وأبعاد تنطلق إلى أعمق من الاستراتيجيات الاجتماعية - الاقتصادية..
ومن أسس وأنواع التكافل ؛ التكافل الأخلاقي والإنساني والدفاعي والجنائي، وشكل من أشكاله الاقتصادي المتضمن إشباع الحاجات الضرورية لذوي الحاجة، وما يمتكونه من الأموال، لا تُغطي حاجاتهم الضرورية، ويمكن أن يتضمن كل ذلك، بشكل وبآخر، التكافل الاجتماعي وسبل أداء الاتصالات والعلاقات الرسمية وغير الرسمية..
وبهذا تتعدد وسائل التكافل الاجتماعي لإشباع الحاجات، وتتعدد أشكال التكافل كما هو عليه في نظرية الأواني المستطرقة، فمنها ما تتجسد بشكل سلعة أو خدمة أو معلومة أو توجيه واستشارة..
ونظرة الإسلام للانتفاع الاجتماعي من التكافل، تشمل كل الجهات الداخلة في منظومة التكافل ونتائجها واستدامتها، المبادر لها والمشمول باكتسابها والوسيط فيها، بمعنى آخر تنتفع جميع الأطراف المعنية بالأمر، وبإنسانيته يتجاوزه بنفعه إلى المحيط والبيئة الخارجية، بالأمن والاستقرار والرضا وتعزيز التماسك الاجتماعي وبناء العلاقات الإنسانية
وينظر الإسلام لكل نشاط وعمل، بأنّ له الامتدادات الدنيوية والأخروية، ويمكن أن يكون من إيجابيات التكافل الاجتماعي، حماية الإنسان من الانحرافات وارتكاب الجرائم المختلفة، فضلاً عن بناء الشعور بأنه جزء من المجتمع ومن واجب المجتمع حمايته من نفسه الأمارة بالسوء ومما يُحيط به وحاجاته وإمكانياته لإشباع تلك الحاجات وأقلها الحاجات الأساسية ؛ كالأكل واللبس وحمايته من الظروف الأخرى، والحماية تتلائم مع كل الظروف المنقذة من الانحراف وتجعله الشخص الاجتماعي النافع والمنتج، ولا ننسى واجب الدولة الأساسي في الضمان الاجتماعي، الجانب الآخر لإعانة المحتاج بشكل رسمي، والانتقال به من معوقات الشيخوخة أو العوق أو المرض إلى مناخ متعاون وداعم..
وعمق التكافل الاجتماعي وأسسه والمبادئ التقويمية، هو مما يتضمنه قوله (عليه السلام) :
(فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ، وَإِذا رَأَيْتُمْ شَرًّا فَادْهَبُوا عَنْهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - كَانَ يَقُولُ : " يَا بْنَ آدَمَ، اعْمَلِ الخَيْرَ وَدَعِ الشَّرَّ، فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ ") (1).
وما أعمق وأعظم التكافل الاجتماعي الذي يبني كل معرفة وثقافة الخير والعمل به، والشر واجتنابه والحيلولة دون ارتكابه أو الحيلولة دون الإعانة عليه أو الحيلولة دون اكتساب المساوئ..
والتكافل الاجتماعي ينبع من عدم استغناء المجتمع الإسلامي بعضهم عن البعض الآخر، فهم الجسد الواحد الذي يتحسس كل ما يشتكي منه أي عضو، ويسرع في الإغاثة والإعانة على علاج ما يشتكي منه، كما ورد في مضامين الآيات الكريمات والأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ويبدأ من الأقرب والأبعد، في النسب والموقع الجغرافي، ومنه ما يُخاطب به أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ - وَإِنْ كَانَ ذَا مَالِ - عَنْ عِتْرَتِهِ، وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ والسنتهم، وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةٌ مِنْ وَرَائِهِ، وَأَلَمُهُمْ لِشعثهِ، وَأعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذا نَزَلَتْ به) (2).
وهو أحد الأركان الأساسية في بناء التكافل الاجتماعي، ويضيف (عليه السلام) في ذات الخطبة، بما يتعلق مَنْ يمتنع عن التعاون والتكافل حتى مع ذوي القربى، وبه لا يضر إلا نفسه، حيث يقول :
(أَلا لا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ القَرَابَةِ يَرَى بِهَا الخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بِالذِي لا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ ؛ وَمَنْ يَقْبِضُ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ ؛ وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ المَوَدَّةَ) (3).
ويواصل (عليه السلام) في مناسبة أخرى :
(فَمَنْ آتَاهُ الله مَالاً فَلْيَصِلْ بهِ القَرَابَةَ، وَلْيُحْسِنْ مِنْهُ الضَّيَافَةَ، وَلْيَفُكّ بِهِ الأَسِيرَ وَالعَانِي، وَلْيُعْطِ مِنْهُ الفَقِيرَ وَالغَارِمَ، وَلْيَصيرُ نَفْسَهُ عَلى الحُقُوقِ وَالنَّوَائِبِ، ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ..) (1).
وتواصل الثواب لا يقف عند عتبة الدنيا، بل يتجاوزه بالجزاء إلى ما بعدها، و به لا تنقطع تبعته، و (إنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَحَبْسِ البَرَكَاتِ، وَإِغْلاقِ خَزَائِنِ الخَيْرَاتِ..) (2).
(... وَصلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثَرَاةٌ فِي المَالِ، وَمَنْسَأَةٌ فِي الأجل، وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الخَطيئَة ؛ وَصَدَقَةُ العَلانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ ؛ وَصَنَائِعُ المَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ) (3).
ويجمع (عليه السلام) في محكم كلامه، التكافل الاجتماعي والضمان الاجتماعي، فالتكافل الاجتماعي يُجسده إثبات أنه أحد أفراد المجتمع، وإعانة المحتاج واجب يؤديه.. والضمان الاجتماعي يتجسد في الجانب العلاقات الرسمية بين القائد والرعية أو المجتمع، وما يتمثل في القائد إلا تحسسه لأضعف الناس من المرضى وكبار السن والمعوقين وضعاف الحال، الذين لا قوة لهم للتكسب والعمل والإنتاج، وبهذا التحسس للشخص القيادي المسؤول، يقول (عليه السلام) :
(.. وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إلى تَخَيّرِ الأَطْعِمَةِ - وَلَعَلَّ بِالحِجَاز أَوْ اليَمَامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ بِالقُرْصِ، وَلا عَهْدَ لَهُ بالشبع - أَوْ أَبَيْتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حرّى، أو أكونُ كَمَا قَالَ القَائِلُ :
وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبيت ببطنَةٍ ***وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إلى القِدِّ !
أأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأنْ يُقَالَ : هذا أمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أَسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ العَيْشِ! فَمَا خَلِقْتُ لِيَشغَلَنِي أَكل الطَّيِّبَاتِ، كَالبَهِيمَةِ المَربُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَمُهَا، أو المُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرسُ مِنْ أَعْلافِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا..) (4).
وتربيض النفس على التحسس الاجتماعي، يؤدي لبناء روحية المسؤولية الاجتماعية، ولاسيما حين يتصدر الحكم والمسؤولية ؛ والنتيجة العملية لفلسفة العلاقات الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية :
• (هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إلى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ) ؛ جانب منه يمثل ثقافة التحسس الاجتماعي..
• (أبيْتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونَ غَرْبى وَأَكْبَادُ حَرَّى)؛ جانب منه يمثل ثقافة تحسس الحاجة والإشباع والتضامن - التكافل الاجتماعي..
• (أَأَقْتَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ : هذا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا أَشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أَسْوَةٌ لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ العيش) ؛ جانب منه يمثل الثقافة التحسسية التنظيمية – القيادية، والعلاقات الاجتماعية - الإنسانية، بسلوك أخلاقيات السلطة التنفيذية للدولة، وما تتعلق بالتكافل - الضمان الاجتماعي، وكأن القائد يقول أشارككم تطبيق ثقافة التكافل الاجتماعي لكوني أحدكم، وأشارككم تطبيق ثقافة الضمان الاجتماعي لكوني أمثل الهيئة التنفيذية، والهيئة التنفيذية أدق هنا من السلطة التنفيذية، وبهذا يتضح وجود وتطبيق نظام الهيئات الثلاثة في قيادة أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، وليس مصطلح نظام السلطات الثلاثة، وهو بهذا جانب مما طبق في قيادة الدولة، دولة المجتمع بمفهوم إسلامي، تحقق للفرد والجماعة والمجتمع وقيادة الدولة روح اجتماعية واحدة موحدة..
• (فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالبَهِيمَةِ المَربُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَفُهَا) ؛ جانب منه يمثل ؛ ثقافة الحاجات - الإشباع، برؤى إنسانية - أخلاقية للبناء الاجتماعي، وهو ما يشمل جانب منه ثقافة التكافل الاجتماعي برؤية وفلسفة وتطبيق الشخص القيادي.
• (تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلافِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا) جانب منه يمثل ؛ التحسس الاجتماعي وسلوك رؤية الحاجات الاجتماعية، وبنظرة حتمية الموت والحساب الأخروي، وهو ما يحقق دقة التكافل والتضامن الاجتماعي..
حتى يقول (عليه السلام) في ذات الخطاب الذي أرسله إلى عثمان بن حنيف الأنصاري واليه على البصرة :
(طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلى رَبِّهَا فَرْضَهَا، وَعَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُوْسَهَا، وَهَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غُمْضَهَا، حَتَّى إذَا غَلَبَ الكَرَى عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا، وَتَوَسَّدَتْ كَفّهَا..) (1).
وفي هذا التوجيه الرادع للاتجاه صوب الفساد الإداري - الاجتماعي، يظهر مدى مسؤولية الشخص القيادي في تحمُّل المسؤولية القيادية – الاجتماعية..
وبهذا جعل الإسلام النظام الاجتماعي، يتكامل بانسيابية مع بقية الأنظمة المكملة لبعضها البعض، وبه تتكامل أنظمة الحياة، ونتيجته يتكامل مع نظام الحياة الشامل والهادف، وما يحققه من الاستقرار والطمأنينة والتماسك الاجتماعي، ويتضامن بعضهم مع البعض في أحلك الظروف التي تحيق بالمجتمع
1) المرجع نفسه / ص 420.
الإسلامي، و التكافل الاجتماعي أحد هذه الروافد التي تتطلع لتطبيقه أرقى المجتمعات، لما له من عمق البناء الإنساني كظاهرة ؛ بالفكر والعقيدة والتطبيق..
الصلة Affinity ؛ نبض الاستعدادات والعلاقات الاجتماعية المتوالدة بين الأفراد والجماعات المنظورة وغير المنظورة، والتي تنبع من التنظيم الاجتماعي المباشرة وغير المباشرة، كما هو عليه نظام و تنظيم الزواج وبناء الأسرة وروابط القرابة والدم، وما يترتب عليه من العلاقات والبناء الاجتماعي... (1)
هاشم حسين ناصر المحنك / موسوعة العلوم الإدارية والاجتماعية والأعمال التجارية / المرجع نفسه..
وهي من الجوانب الاجتماعية التي حث وأكد الإسلام على انتظامها لضرورتها الإنسانية، لكون العلاقات الأسرية وعلاقات القرابة والعلاقات الاجتماعية، وما يترتب عليها من الصلة والروابط المترتبة عليها، وما يترتب عليها من التواصل بينهم وتبادل الآراء، وحل المشكلات قبل تفاقمها ووصولها المرحلة الأزمات..فتارة تكون الصلة تُترجَم بالكلمة الطيبة، وأخرى بالالتقاء والمواصلة، وكشف الحاجات وإشباعها، والإعانة الاجتماعية - الاقتصادية، أو حتى بالتواد والتعاطف، معنى الدعم المعنوي والنفسي، وما يحقق الابتعاد عن الغربة بين الأهل والأقرباء..
ويحث دستور العلاقات الإنسانية ؛ القرآن الكريم على ضرورة بل وجوب تبادل التواصل، ويبدأ من الوالدين والأخوة إلى أبعد فرد في العائلة، التي تربطهم رابطة الدم الواحد، وباتجاه دعم الأقرب هو الأسبق بالمعروف..
(وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِب بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُختَالًا فَخُورًا) (36) سورة النساء.
1) راجع : نخبة من الأساتذة المصريين والعرب المتخصصين / المرجع نفسه / ص 348.
وضرورة التنشئة الاجتماعية والبناء التربوي على قوة الترابط الاجتماعي التي تبدأ من ثقافة الفرد والأسرة والمجتمع على صلة الرحم والحيلولة دون اتساع الفجوة بين ذات الأسرة والآخرين، ومنها التفاعل الأسري - الاجتماعي ضمن قويم السلوك الاجتماعي ومواكبة كل تغيير..
وترفد الأحاديث النبوية الشريفة نظم التشريعاته الاجتماعية، وما تؤكده على فلسفة ترسيخ تفاصيله داخل السلوكيات الفردية والجماعية والمجتمعية، ومستمد من هذه الأصول الإنسانية الكريمة أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) حيث يقول :
(... وَصِلَةَ الرَّجم منْماة لِلْعَدَدِ..) (1)
والرحمة : الرقةُ والتَّعَطِّفُ والرأفة والمغفرة، وأقرب رُحْماً ؛ أي أقرب عطفاً وأمس بالقرابة، والرُّحْمُ والرُّحُمُ في اللغة : العطف والرَّحْمةُ.. (2)
وكيف لا تكون الزيادة في العدد، وصلة الرحم تبدأ بالتحسس بالآخر، وتقارب بين الأسر والأقارب بالعطاء المادي وغير المادي والنفسي، وإنّها نواة وأساس وعمق الصلات الاجتماعية، فبالوصل تتقارب القلوب والألباب والأرواح والأنفس، وتصهر في بودقة واحدة، وبيئته تنموية اجتماعية، لتكون بأرقى مستوى من الرأفة والعطف والتعاون والانسجام واللطف والتماسك الاجتماعي والإنساني القويم المثمر، ويتضمن هذا الاتجاه في الشعور وسلوكه الميداني المتبادل بين جميع الأطراف قوة مضافة، فإذا قطع من طرف دون علاج، ضعف الترابط الأسري والاجتماعي، وربما تتحول إلى مرض اجتماعي يُفرِّق أو يهدد تجمع وتقارب وتماسك الأسر والمجتمع..
ومن جهة أخرى، فالمودة تعني ؛ الكثير المحبة من الآباء، وما تولّده من التقارب بين الأبناء، وهو الأمر الضروري لمنطلق عمق ثقافة صلة الرحم، فيعمر بما يُحيطه من المودة الاجتماعية، وهو ما يوضحه (عليه السلام) :
(مَوَدَّةُ الآباءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ الأَبْنَاءِ، وَالقَرَابَةُ إلى المَوَدَّةِ أَخْرَجَ مِنَ المَوَدَّةِ إلى القَرَابَةِ) (3)
والنص المبارك ؛ بطبيعة مضامينه، يتعدى كونه نظرية، بل هو بلورة من واقع وطبيعة الجعل التكويني البشري، والمتقدّم فيه العقل، وجانب منه العقل - العاطفة، والمتبلورة عنه طبيعة الفهم من جهة، والتكويني البيئي الذي يسهم في بلورة عواملها، أو التكييف الفردي والمجتمعي للعلاقات، كما هو عليه ما يضعه من تشريعات، سواء كانت في ضوء تشريعات إلهية، أو تشريعات وقوانين وضعية، بمعنی مستوى محتوياته الإستراتيجية، ومستوى محتوياته السلسلة المتواصلة في الإستراتيجيات،
وبمحدودية العالم الدنيوي، أو تجمع أبعد من كونها توقيف إستراتيجي، بما فيه ما يترتب بشكل عام، ومنه مترتب الحقوق الاجتماعي وآثاره تمتد إلى ما بعد العالم الدنيوي من الحساب والعتاب والعقاب وضرورة المودة تكون لبناء المجتمع المتآلف والمتماسك، ومن المودة ما يوصله المال وما يتفاعل معه بحيوية، وما يبني العلاقات الأسرية - الاجتماعية ؛ (فَمَنْ آتَاهُ الله مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ القَرَابَةَ، وَلْيُحْسِنُ مِنْهُ الضَّيَافَةَ، وَلْيَفُكَ بِهِ الأَسِيرَ وَالعَانِي، وَلْيُعْطِ مِنْهُ الفَقِيرَ وَالغَارمَ، وَلْيَصيرُ نَفْسَهُ عَلَى الحَقُوقِ وَالنَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ ؛ فَإِنَّ فَوْزاً بهذِهِ الخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، وَدَرْكُ فَضَائِلِ الآخِرَةِ..) (1).
ولهذا فإنّ صلة المجتمع بشكل عام، وصلة ذوي الرحم بشكل خاص، مؤدية بقنواتها لمردودات دنيوية - أخروية، وهو ما يُدلل، وهو ما يُدلل على تعدد اتجاهاتها، ومنها ما تأخذه من الطابع الشرعي والإنساني والأخلاقي ؛ (.. وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنّهَا مَثْرَاةٌ في المال، وَمَنْسَأَةٌ في الأجل..) (2).
والمثراة متعددة الاتجاهات ومكونات البناء الاجتماعي - الاقتصادي، فمنه ما يؤدي إلى التعاون على البر والتقوى، ومنه ما يؤدي إلى تكاملية الدورة الاقتصادية في الإنفاق، ومنه ما يكون من الغيبيات التي تتحسسها ولا نعرف مدياتها في الخير، ومنها ما يقلل المشاكل والصراعات، ويرقد السعادة بالألفة التي هي بدورها وبمختلف أشكالها، تولّد ثقافة المحاورة والتفاهم وتقلل أو تحد من الجريمة، ويكون بالوعي والتوجيه والتغيير الإيجابي نحو الحث على عمل الخير وفعله، وجميعها حوافز لكلا الطرفين، والتواصل والوئام والتماسك الاجتماعي، ومنه حتى التعاون على كل طارئ يحدث ويهدد الأرواح والممتلكات... وهكذا.
وعن مدى تعلق صلة الرحم بالمضامين الاجتماعية، يقول (عليه السلام) في زمن الشورى :
(لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إلى دَعْوَةِ حَقٌّ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَعَائِدَةِ كَرَم) (3)
وعند ذلك يسبق الغير بملائمة الأجواء وصفاء المناخ الاجتماعي - التنظيمي، وتماسك المجتمع الإسلامي، لأنه القطب المتوازن والموازن ومحور الخير والحق والعدل والمساواة وكل مكارم الأخلاق، بعد رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، والشخص الطليعي النقي السريرة والمسيرة، القويمة الأعمال، ويكون السباق لتطبيق ثقافة العلاقات والحقوق وبلورة القرار وحماية الناس، ودون النظر إلى الوراء، لكي لا يتراجع أو يختل توازنه ويؤثر على قويم المسيرة التي تجمع بين ؛ (دَعْوَةِ) (حق)، و (صلَةِ) (رَحِمٍ)، وَ عَائِدَةِ (كَرَم)، فلا دَعْوَة بلا حق، وَلا صلة ب-لا التحسس بخصوصية علاقات رَحِم، وَلا عَائِدَة بلا وجود كَرَم، وتماسكها ينبع من نظام وتنظيم أسري – اجتماعي..
ويتطلب الحماية حتى من القطيعة الأخوية، والاتجاه في بناء الجسر الواصل في صلة الرحم أو صلة ما يبنيه الدين الإسلامي وشريعته السمحاء، وما يتطلب من جعل للصلة بقية، وذلك للعودة منها لتلافي والحد من القطيعة وإرجاع الأمور إلى مجاريها، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةٌ يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا) (1)
وبذلك مما كان مبني عليه من مستوى أدق وأعمق ما يبلغ من نظرة للعلاقات الإنسانية على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع والدولة، ومضمون من مضامينها تتعلق بالسياسة المحلية والدولية، فضلاً عن ما يترتب عليها المنطلق من الفرد، ومتطلباتها داخل نفوسهم وسلوكياتهم وأعماقهم، والاستعداد المطلوب لتقبل كل ما تتلائم مع العلاقات الاجتماعية دون فقدان الروابط الاجتماعية المسببه للانحلال والتفكك وعدم الاستقرار، وهي أعمق وأوسع نظرية، تتحدد بحقيقة واقعة في مجالات مختلفة من العلوم ؛ الاجتماعية والأخلاقية والنفسية، والأعمق هو وضع إستراتيجية للفرد والمجتمع، والتخطيط الاستراتيجي المستقبلي الذي لا يُناقض الذات وإنسانيته..
ويؤكد (عليه السلام) على مدى أهمية إصلاح علاقة النظم وروابط صلة الرحم، وفيه يقول :
(وَصَلاحٍ ذَاتِ بَيْنَكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - يَقُولُ : " صَلاحُ ذَاتِ البَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاةِ وَالصَّيَامِ ") (2).
لأن المجتمع وتنظيمه بحسب توجيهات ما جاء به الدين الإسلامي، واتسع لتنظيم الذات من الصلاة والصيام وأداء فروع الدين، ومروراً بالمنظومة الاجتماعية الأسرية - المجتمعية، ومنطلق منها وإليها، لتنظيم الدواخل الإنسانية الفاعلة وتكاملها، واختيار أرقى تنظيم مستدام، بإجمال ما تتطلبه مسيرة الحياة، لأنّ هندسة البناء الإسلامي وتنظيمها، جاءت للإصلاح وقيام الحياة والبناء الاجتماعي على الأسس السليمة، ومنه اختيار أسلم التوسع الأفقي والعمودي للمجتمع وأنشطته المجسدة بمستوى فاعلية الأخلاقية - الإنسانية لإتقان الاتجاه الحضاري..
هذه حقائق البناء الإسلامي بمنوع وتكامل نظمه ومنظوماته الدينامية أو الحركية، والخطأ يكمن بقصور العقل البشري وتنظيماته، أو الاتجاه بالمصالح دون العناية باستدامة التنمية والبناء الحضاري، فينحرف بمسيرته الضالة المتحكمة به الأنانية الفردية والجمعية والمجتمعية...
ومنه ما يتعلق بالتواصل والعطاء بانسيابية وسلامة وصيانة العلاقات والاتصالات الاسرية والاجتماعية، وبه يظهر ما لصلة الرحم من أهمية، وذلك بالبناء التعاوني على أحقية الحقوق
والامتثال لها بكل فهم واستيعاب وتفاعل مرن وبما يحقق التماسك الأسري، ومنه الاستيعاب التعاوني ومحتوى منظومة ومكونات ؛ (وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصَلِ وَالتَّبادُلِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابَرَ وَالتَّقَاطَعَ) (1).
ومفردات هذه المنظومة وسلامتها في المجال التطبيقي (بالتَّوَاصُلِ)، (وَالتَّبادل)، وإدامته تكون بثقافة الحماية الوقائية والعلاجية الجمعية من ((التَّدَابَر)، (وَالتَّفَاطُع)، والحيلولة دون الضعف أمامها، ويمكن بالحزم الواعي تذليل الصعاب والمعوقات..
(ألا لا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ القَرَابَةِ يَرَى بها الخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلَا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ، وَمَنْ يَقْبض يَدَهُ عَنْ عَشيرَتِهِ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةً، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ ؛ وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّةَ) (2).
و مستوى فاعلية ثقافة ؛ (لا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ القَرَابَةِ)، لكون فلسفتها واستراتيجياتها ؛ (يرى بها الخصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا)، وذلك بالآلية الفاعلة المتحققة ؛ (باللّذِي لا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلَا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ)، وتكون بالاستيعاب والوعي الفاعل والمرونة، (بالتَّواصل)، (وَالتَّبادل)، وما يُبعد عن ؛ (التَّدَابُر)، (وَالتَّقاطع)، (وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ المَوَدَّةَ)، والحقوق بعمقها واتساعها
تكمن فيه بشكل واضح عند (يَسْتَدِمْ)، ومنه بمعنى مراعاة الذات وما حولها بالمنظور المستقبلي..
وهذه التكاملية بين النصوص العلوية، تبين مدى الاهتمام ببناء الإنسان المجتمعي الإنساني، وعظيم فلسفة الثقافة الإسلامية المجتمعية وبلورتها عند ؛ (وَمَنْ يَقْبِضُ يَدَهُ عَنْ عَشيرَتِهِ، فإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثيرَةٌ)..
وجانب منه يمثل مدى العمق الإنساني في التطبيقات الإسلامية لعمق الحياة واجتماعيتها، ومنه صلة الرحم اللبنة الأساسية في البناء المستدام الذي يعجز عن احتواء جزء منها ما تحتويه الفلسفات الاجتماعية الوضعية وفي طليعتها ما يحتويه الفكر الرأسمالي والاشتراكي والمختلط..
والصفة العظيمة في التكوين الفكري - التطبيقي الإسلامي وهندسته وتواصل إعادة هندسته المستدامة، قائمة على البناء والإصلاح، والوقاية والعلاج، البعيدة بحقيقته عن اتجاه فلسفة الصراع، والبعيدة عن فلسفة البقاء للأقوى وما يدعمها الصراع القائمة عليه..
وينهض على أسس التوازن الحقوقي في بناء صلة الرحم في التشريعات الإسلامية، وأن لا يتعدى كل مكونات البناء الحضاري وما تمتلكه من القوة، لا الفرد ولا الجماعة ولا المجتمع ولا الدولة، بل نهضة المنظومة الاجتماعية تكون متماسكة وقائمة على ؛ بعضها يبني البعض، وبعضه يُكامل البعض بكل الاتجاهات البنائية الحضارية..
الصبر Patience فلسفة وثقافة وامتداد إستراتيجي ؛ وكيان قائم وشامل و جامع ومانع، جامع لكل القيم والأخلاقيات والرصانة والقوى والحقوق، ومانع من كل ضعف وانحراف وتهديد، وبمستوى الصبر يؤكد مستوى تماسك الشخصية وحرمها، وما تجسده من المعطيات المتشعبة والعظيمة، وبمستوى الصبر تتكوّن القوة الكامنة والكفيلة بالثبات لحماية كل ما له علاقة بالشخص، بما فيه حماية كيان العقيدة بشكل عام، والعقيدة المشتركة، وكل ما يتوجبه للوقوف مع انتماءاته المجتمعه والدولة والبيئة والمستقبل الذي لا يحدّه إلا انتهاء الدنيا..
وما تفاعل الصبر وتأثيره على بناء الدواخل الإنسانية، إلا الأسس القويمة للحماية من الانحرافات المتحققة في كل أنشطة الحياة، وبالصبر والمثابرة تتحقق ما لا يتصوره الإنسان..
وفي كتب اللغة والتعريفات المصطلحية ؟ من أسماء الله تعالى : الصبور تعالى وتقدس، هو الذي لا يُعاجل العصاة بالانتقام، وهو من أبنية المبالغة، وهو من أبنية المبالغة، ومعناه قريب من معنى الحليم، والفرق بينهما أن المذيب لا يأْمَنُ العُقوبة في صفة الصبور كما يأْمَنُها في صِفَة الحَليم، والصَّبْرُ : نقيض الجَزَع، والصبر : الإكراه، وقيل : ثلاثة أنواع ؛ الصبر على طاعة الجبار، والصبر على معاصي الجبار، والصبر على طاعته وترك معصيته، وقوله عز وجل : اصبروا وصَابِرُوا ؛ أي اصبرُوا واثبتوا على دينكم، وصابروا أي صابروا أعداءكم في الجهاد، وقوله عز وجل : استعينوا بالصبر ؛ أي بالثبات على ما أنتم عليه من الإيمان، وشَهْرُ الصَّبْرِ : شهر الصوم، وفي حديث الصَّوْم : صُمْ شَهْرَ الصَّبر ؛ هُوَ شهر رمضان وأصل الصَّبْرِ الحَبْس، وسُمِّي الصومُ صَبراً لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والنكاح وكل ما يخلُّ في الصيام من النظر وعمل المحرمات، والصبر : هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله عز وجل... (1)
وللصبر وثقافته ؛ المضامين المتعددة، منها الأخلاقية التي هي على رأس المنظومة، وامتداداتها النفسية الكامنة في دواخل الإنسان، وما تدخل بفاعليتها ضمن الشعور واللا شعور، وبلورتها التطبيقية الاجتماعية التفاعلية بين الإنسان وأخيه ونظيره الإنسان بكل علائقه المنظورة وغير المنظورة، ومحركات الحاجة والإشباع، وربما تتبلور في الاقتصادية - النفسية، وحركية الحاجات تعزيزها
1) راجع : ابن منظور / لسان العرب / ضمن كلمة (صبر)، وأيضاً : الجرجاني / المرجع نفسه / ص 75، وكذلك : لويس معلوف / المرجع نفسه / ص 426.
والدافعية والحافزية في إشباعها، وما تقوم عليه من الكيفية والزمانية والمكانية والموقفية، وما يتعلق
الكيميت بالتنظيمية - الإدارية في قيام الكيان المؤثر والموجه للحياة وأنشطتها المخطط لها، وسبل التنفيذ والأداء العالي والاستمرارية وتواصله الهندسي الإستراتيجي المستدام، لقيام الحضارة الفاعلة وذات الوجود الإنساني..
والصبر يضع منظومة للتماسك الداخلي للفرد والمجتمع في داخل ديمومية بناء الدولة، وما يكون عليه من مستوى متكامل الجوانب المادية وغير المادية والتداخلات النفسية، ومؤشر ما يكون ويتحقق من اتجاهات أخلاقية وإنسانية فيه، وما يحمله ويوجهه بالثبات المبني على الصبر..
ولهذه الأهمية الفاعلة، جعل الله تعالى المكانة للصبر والصابر في بناء ومسيرة الحياة، بمنظورها وثوابتها وثوابها الدنيوي - الأخروي، ويكفي أن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون..
وورد الصبر في الذكر الحكيم، ضمن آيات عديدة نهتدي بنور بعضها :
(مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (96) سورة النحل..
(وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَعُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (54) سورة القصص.
(وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةٌ وَحَرِيرًا) (12) سورة الإنسان.
(لَتَبْلُوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (186) سورة آل عمران.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (200) سورة آل عمران.
(إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (3) سورة العصر.
وجاء في الذكر الحكيم (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (45) سورة البقرة، وفيها قدّم الخالق عز وجل الصبر على الصلاة، للحكمة إلهية لا يعلم حقيقة مكنوناتها المتكاملة، إلا الله تعالى..
و مما يتبين أمام قصور عقولنا، أن الصبر محور وقُطب الثبات على الحق، والإصرار المناسب على تحقيق الأهداف المرسومة، ويبدأ الصبر بالوعي والثبات بالإيمان من دواخل وإرادة الإنسان، والصبر والتأني يحقق دقة الرؤيا ووضوحها للبت في القيام بما يتلائم معه، ويحد من تعاظم الأخطار والحد من التوسع في مجال فجوة الضعف، وبدعم الصبر الثقة بالنفس والتواصل والإقدام، وما يفرزه من مجموعة
نتائج وانعكاسات، والترقب بالعمل حسب ما يُرضي الله عز وجل، وبما يتحقق من فهم الشريعة السمحاء، وبحد ذات خُلُق الصبر يصب في مصلحة البشرية وسلامة علاقاتهم وتماسكهم وثباتهم على الحق واتجاه مستقبلهم الدنيوي - الأخروي..
والتكريم الإلهي لسلوك منهج الصبر ومجالاته وشخوصه وما يتحمله الإنسان، وما تتجه المجتمعات في تنمية هذه الثقافة، إلا كون الصبر عامل حيوي لبناء قوة دواخل الشخصية وتعاظمها وتماسكها الجمعية والمجتمعية الفاعلة والواعدة والواعية لكل الظروف، كتطبيق وعمل وأداء ونتائج، وبناء الشخصية الحضارية - الإنسانية المتحسسة لكل الضغوطات وعلاجاتها، وعظيمها ؛ (وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (46) سورة الأنفال.
ومن منظور القرآن الكريم والمدرسة النبوية الشريفة، يستقي ويحث إمامنا (عليه السلام) على سلوك منهج الصبر، لأنه منفذ وثبات الإيمان، حيث يقول :
(.. وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، وَلا خَيْرَ فِي جَسَدٍ لا رَأْسَ مَعَهُ، وَلَا فِي إِيمَانِ لا صَبَرَ مَعَهُ) (1).
وما أعظم الرأس الجامع للمقروء والمسموع والمرئي، ومركز التفكر والتفكير والفهم وصنع واتخاذ القرارات المتمثلة بالصبر الذي يدير مهام الإيمان العظيم..
والقوة الكامنة في الصبر لحماية الإنسان من زيغ الأفكار والأعمال، بمادياتها ولا مادياتها، وبه ترسيخ مكارم الأخلاق، وهو ما يولد روح التأني وعدم التمادي والعجلة في صنع واتخاذ القرار، بشكل يتلائم مع الموقف والانعكاسات، لذا يقول (عليه السلام) :
(وَإِيَّاكَ وَالعَجَلَة بالأمور قَبْلَ أَوَانِهَا، أو التَسَقَطَ فِيهَا عِنْدَ إمْكَانِهَا، أَوْ اللُّجَاجَةَ فِيهَا إِذا تَنَكَّرَتْ، أوِ الوَهْنَ عَنْهَا إِذا اسْتَوْضَحَتْ، فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعُ كُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ) (2).
والنص المبارك المتقدّم، يحمل أوجه متنوعة وعديدة ومتكاملة، ويأخذ جوانبه في مجال الصبر أو ما يدعمه بفاعلية، المضافة لتلك الأوجه الموضحة في دراسات المؤلف السابقة..
ويُعد الصبر بتوجيهه أحد دعائم الإيمان، (وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلى أَربع شعَبِ : عَلى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ وَالزّهْدِ، وَالتَرَقْب ؛ فَمَنِ اشتاق إلى الجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بالمَصِيبَاتِ، وَمَنِ ارْتَقَبَ المَوْتَ سَارَعَ إِلى الخَيْرَاتِ) (3).
ويمكن بيان النص المبارك من خلال مخطط توضيحي، لما له من علاقة بالفرد وسلوكياته ومؤثراته على المجتمع وأنشطته، وربما مؤثره على صنع القرارات المصيرية، والمخطط الآتي يُبين فاعلية منظومة الصبر ومكانته :
مخطط (37) يبين بناء الشخصية المتماسكة بالصبر
وبالصبر تكمن الوقاية من الشهوات الجارفة لمنحرف السلوكيات، والوقاية مما يتبعها من ارتكاب المحرمات، والوقاية من قوة هول المصائب ووطأتها على النفس وتراجع ثبات الشخصية في المناخ الاجتماعي، والنظر للدنيا بمنظار حقيقتها، وحتمية الموت فيها وزوالها..
والصبر بذاته وقاية من التشتت والضباع والتشبث بالدنيا وظلم الآخرين وهدر الحقوق، وبالصبر يرفع من مستوى التماسك والبناء، والاتجاه بنفع وخير ما في التقدّم الإجتماعي وإحقاق الحقوق..
ويتأسس بالصبر الابتعاد عن الجزع، يعني عدم التسرع في انتهاج ما يُربك اتجاه الإنسان والإخلال في مسيرة المجتمع، وبالصبر يكون قويم السلوك، والثبات والجلادة وقوة الشخصية على ما يجري من ملمات الحياة، ومن رحمة الله عز وجل ؛ (يَنْزِلُ الصَّبْرُ عَلى قَدْرِ المُصيبَةِ، وَمَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ حَبِطَ عَمَلُهُ) (1).
ولذا يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) :
(.. وَعَوِّدْ نَفْسِكَ التَّصَبُرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَنِعْمَ الْخَلق الصبرُ فِي الْحَقِّ وَالْجِئ نَفْسَكَ فِي أمورك كلها إلى إلهك، فإنك تلجئها إلى كَهْفِ حَرِيرٌ، وَمَانِعٍ عَزِيزِ) (2).
فَإنَّكَ فالصبر ثقافة وتمرين فكري ونفسي، والصبر الخلق الأسمى الذي يوصل الإنسان إلى ضفة الأمان والاستقرار النفسي - الاجتماعي الآمن بالتعاون على الخير والمحبة، وتجاوز المعوقات والمشاكل
والصعاب والمخاطر والتهديدات، والانطلاق من أرضية الذات المتماسكة والمتعاظم عند التماسك الاجتماعي، وما يترتب عليه من المناخ الملائم لسلك السبل القويمة..
والصبر عنوان الثبات والجلادة والشجاعة على مواجهة كل ما يجري من ظروف ومواقف، والوصول في مضاعفاته الطيبة الثمار ألا وهو التصبر.. وبذات فاعلية الصبر يقول (عليه السلام) :
(اطرَح عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُوم بِعَزَائِم الصبر وَحُسْنِ الْيَقِينِ) (1)
وهو خير ما يُخرج الإنسان من أصعب المهام والهموم، بسلامة الموقف وعلى الرغم من مرارة التجربة، ولابد من معرفة أوجه ؛ (الصَّبْرُ صَبْرَان : صَبْرٌ عَلى مَا تَكْرَهُ، وَصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ)(2)، للاستعداد ومواجهة الشدائد مهما كانت حتى ولو على ما يكره الإنسان، سواء كانت المواجهة على الصعيد الشخصي أو المجتمعي أو الوظيفي، وما يرجى من إصلاح الحال وزوال الشدائد وتيسيرها، وما يصبوا بالعمل والمثابرة لحال أفضل، وهو ما يبني الدواخل لدى الفرد والمجتمع، ويُماسكها بمواجهة تفاعل الأحداث لإصلاحها وتخطيها والانتقال إلى مرحلة ما يحقق الاستقرار النسبي، لكون الحياة لا يستقر لها حال حتى لأقوى الدول والحضارات..
والظفر سبيل الصبر ومعرفة ثقافتها الإسلامية، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(لا يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ وَإِنْ طَالَ بهِ الزَّمَانُ) (3)
وهو ما ينطبق على أمور الحياة حتى في مجالات الحقوق والواجبات، ويتضح صورة من صوره الجميلة عند طلب العلوم والمعارف، وبناء روح أخلاقيات الاكتساب والتزود من العلوم والمعارف ونشرها، وعندها يكون بناء الدواخل الثابتة على المبادئ والقيم، وأسسه المطاولة والشجاعة واستثمار الفرص للوصول إلى المبتغى، (مَنْ صَبَرَ صَبْرَ الأَحْرَارِ، وَإِلا سَلَا سُلُو الأَغْمَارِ) (4)، أي هجر هجران الجهلاء الذين لا يُذكرون..
والصبر المنفذ المنجي للإنسان العامل بهداه من الشدائد والمحن التي تواجهه، بالبناء الفكري وعمق ما يكتسبه من تجارب، وما تزيده من أدوات وآليات الإقدام والثبات ؛ وكما قال (عليه السلام) :
(مَنْ لَمْ يُنْحِهِ الصَّبْرُ أَهْلَكَهُ الجَزَعُ) (5)
وما بين الصبر والجزع فسحة من الفهم وطول التأمل مع العمل الفردي والمجتمعي، ومستوى الصبر يحدد النجاة من الهلاك، وربما أثر الهلاك بصاحبه وبالمجتمع ومؤسساته..
وقال (عليه السلام)، وقد عزَّى الأشعث بن قيس عن ابن له :
يَا أَشْعَثُ، إِنْ تَحْزَنْ على ابْنَكَ فَقَدِ اسْتَحَقِّتْ مِنْكَ ذلِكَ الرَّحِمُ، وَإِنْ تَصْبِرْ فَفِي اللهِ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ. يَا أَشْعَث، إِنَّ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ القَدَرُ وَأَنتَ مَأْجُورٌ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ القَدْرُ وَأَنْتَ مَأْزُورٌ، يَا أَشْعَثُ، ابْنُكَ سَرَّكَ وَهُوَ بَلاء وفِتْنَةٌ، وَحَزَنَكَ وَهُوَ ثوَابٌ وَرَحْمَةٌ) (1).
وهو دليل على الأثر البالغ وعمق الصبر ومشاركته في بناء دواخل الفرد والجماعة والمجتمع، ومدى إسهامه محدوده على الفرد في تماسك الشخص، أو بشكل أوسع في تماسك الشخصية الاجتماعية المتميزة لاجتياز الصعاب والشدائد، ومواصلة الحياة بكل حزم وكرامة وأجر دنيوي - أخروي..
مصطلح آخر يضع نهج البلاغة مؤشره الاجتماعي - الاقتصادي، ومما يتشاطره فيه علم الاجتماع الحديث، وله الفاعلية في حياة الفرد والمجتمع، ويحقق ما يدعم بناء الشخصية المرنة والبسيطة بعيشها، و به الحيلولة دون مؤثرات النفس الأمارة بالسوء..
وسبق وإن تم دراسته ضمن هذه السلسلة العلمية في معالجة هذا الموضوع، وما يتضمنه من جوانب اقتصادية ونفسية وتنظيمية، ألا وهو الزهد Ascetism، وفي هذا المبحث سيتم دراسته بمنظور اجتماعي وبمعالجة ومنظور علم الاجتماع، والذي يكون منهج في تربيض النفس البشرية والسيطرة على زمامها وميولها المادي وغير المادي وبرمجتها، والحد من الرغبات السلبية ولكل الملذات السلبية والمنحرفة والقناعة ببساطة العيش والحياة، ويترسخ في الفكر بنقاوة وسوي النفس البشرية تبعاً لمستوى ما يحمله الشخص من إيمان، المنطلق من رؤى الفرد - الجماعة، للتأسيس السلوكيات وأعمال قويمة وهادفة ومخطط لها ببساطة الاتجاه والاختيار..
والزهد له اتجاهاته العقائدية الخاصة المختلفة عن الصوفية Mysticism التي تعني الأخيرة الانقطاع عن الدنيا بما فيها العمل وأنشطة الحياة، لعبادة الله تعالى والاتحاد والفناء في سبيلة..
1) المرجع نفسه / ص 527.
بينما لا ينقطع الزاهد عن الدنيا بأصولها المعتدلة والإيجابية والقويمة والعقلانية، والاتجاه بالعبادة مع العمل والعطاء وتقديم كل ما هو نافع ومستدام الخير الإنسانية والحضارة، بل يُعد العمل جزء من العبادة والطاعة والجهاد الأكبر لتلبية الاحتياجات وحفظ كرامة المسلم وأسرته والمجتمع، والتوازن والاعتدال في ملذات الحياة الإيجابية وتلبية وإشباع الحاجات الأساسية، والزاهد لا يكون عالة على الآخرين من الناس.. (1)
د. محمد عاطف غيث / قاموس علم الاجتماع / المرجع نفسه / ص 28.
أحمد خورشيد النورجي / مفاهيم في الفلسفة والاجتماع / دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد - العراق / 1 / 1990/ ص 148..
ومن استعراض المصادر، يظهر غالباً ما يُحيط ويخلط بين الزهد والصوفية أو التصوف، حتى على مستوى كتاب لهم أثرهم العلمي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يرى د. عاطف ؛ (التصوف ينبغي ألا يكون روحانية خالصة بل ينبغي أن تمتزج فيه الروحانية المادية والآخرة بالدنيا حتى يكون لدينا مزيج من هذه وتلك هي المادية الصافية النقية المادية المصطبغة بصبغة روحية المادة المحاطة بسياج متين من الإيمان في أسمى أنواره وإشراقاته بحيث لا تنحرف إلى مادية فاسدة تبغي خراب الروح ودمار المدنية والحضارة) (2)، وبهذا المطلوب الأدق في أن يكون باتجاه الزهد..
ويضيف في كتابه ؛ (بدأ التصوّف كطريقة للعبادة وتهذيب النفس يقصد بها التقرب من الله، ثم صار علماً له موضوعة وله غايته. إذ أصبح طريقاً للمعرفة الدينية ثم تطور بعد ذلك إلى تصوف عملي يقوم على المجاهدات والرياضات الروحية للوصول إلى الله، ثم تدهور من بعد ذلك وداخله الكثير من الشعوذة والدجل)، ونرى في نفس الصفحة، (ولقد ظهر الزهاد والعباد أبان القرن الأول والثاني وظلت هذه حالتهم حتى أشرف القرن الثاني للهجرة على نهايته، وإذا بزهد أولئك الزهاد يتطور ويأخذ صورة العلم المنظم تنظيماً ساذجاً بسيطاً في أول الأمر ثم دقيقاً مضبوطاً بعد ذلك، إذ أصبح الزهاد والعباد والنساك والفقراء يعرفونه باسم " الصوفية ").. (3)
ولا يمكن ذلك، فهي مسألة وصف لسلوك وعمل ونتائج، لأنّ الزهد أخذ مسيرته وخطه وأصوله المستقلة، منذ انبثاق الرسالة المحمدية، وما زال وإلى أن تنتهي الحياة، وكذلك أخذت الصوفية خطها ومنهجها وأصولها الخاصة بها.. ولا أريد أن أسهب في الاقتباس، لئلا أخرج عن خاصية الدراسة..
ومن الأصول المستمدة من القرآن الكريم والمدرسة النبوية الشريفة، يضع أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) الإجابة الدقيقة وصور وجوانب تكشف توصيف الأجزاء والمكونات، ووصف المتكامل
بين تفاصيل الأجزاء الحياتية والوظيفية، والمواصفات المتعلقة بالشخوص ذاتهم، ومدى تطابق ذلك، المعرفة حقيقة الزهد والزهاد، وما يتصفون به من روحية وروحانية وفكر ونفس وسلوكيات وسياق أعمال، وعلاقاتهم مع المجتمع والعمل وماديات ولا ماديات الحياة، ويكشف (عليه السلام) الحقيقة والفهم الواضح الذي لا يعلوه غبار، بالقول :
(الزّهْدُ كُلَّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ القُرْآنِ : قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ : " لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بمَا آتَاكُمْ". وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلى الماضي، وَلَمْ يَفْرَحْ بالآتِي، فَقَدْ أَخَذَ الزّهْدَ بِطَرَفَيْهِ) (1).
ومن أجل أن لا يلتصق في الدنيا وملذاتها وحبها العشوائي، وفهم اتجاهه العبادي والبناء التخصصي الغرائزي السوي المهذب النافع المستدام، لذا ؛ (إنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا، ويشتدّ حزنهُمْ وَإِنْ فَرحُوا، ويَكْثرُ مَقتُهُمْ أَنفُسَهُمْ وَإِن اغْتَبَطُوا بِمَا رُزقُوا) (2).
وتظهر هنا الإرادة وتطويع النفس لما يقوم حالها، فهو الذي يأمرها وينهاها بما جاء به الشرع الإسلامي، لذا ينهي أو يحد من شهواتها وبلواها وطواعيتها ويُعقلتها، فيتجه بحماية الذات وحماية المجتمع من شرور الأفكار والنفس والأفعال وآثارها الانية والمستقبلية، ويحولها إلى المنافع بلا ضرر، ومستمرة ومواكبة لكل تغير وتغيير..
لذا ؛ (كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلُ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ، وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ، تَقَلْبُ أَبْدَانَهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانِي أَهْلِ الآخِرَةِ، وَيَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَامًا لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ) (3).
ويكونون بذلك قد أخذوا الدنيا من أوسع أبوابها المفتوحة على رحب الحياة الحقيقية المستدامة باتجاه مستقر العيش، وامتداد ما بعدها من مترتبات جزائية، وما يفرز عنها من الثواب والعقاب، وبهذا وغيره ؛ (كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلُ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا)، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات وأداء في هذه الدنيا وما ينساق إلى ما بعدها، ولذا مفعول الجانب الوقائي، ومنه ما يتعلق بالأمور الاجتماعية، لم يلتصقوا فيها ؛ (فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا)..
وكان آلية الفهم والتطبيق الميداني في الحياة ؛ (عَمِلُوا فِيهَا بمَا يُبْصِرُونَ)، وحراكهم ؛ (وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ)، فهنا منهجهم العمل والبصيرة، وما يكامله من المبادرة والحذر من العواقب..
وما أعظم الاستيعاب والفهم باستثمار الذكاء، ومنه الذكاء الغريزي، بالتوازن مع الدور الاجتماعي Social Role الحقيقي لهم، حينما ؛ (تَقَلْبُ أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيَ أَهْلِ الآخِرَةِ، وَيَرَوْنَ
أهْلَ الدُّنْيَا يُعَظْمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أحيائِهِمْ)، وبه يكبح جموح الشهوة اللا محدودة للحاجات وإشباعها، ويُعالج أو يبتعد عن مرحلة الصراع الداخلي لنفسيته، ويبتعد عن الصراع الخارجي المحيط به، بما فيه الابتعاد عن الصراع الاجتماعي المدمر لأواصر تماسك البناء الاجتماعي، وجانب منه يدخل ضمن حقيقة فهم ما يعنيه العقل الفردي والعقل الجمعي والعقل المجتمعي، وتكاملهم الثنائي والثلاثي، وما يترتب من ضبط على كل مستوى فيه..
والمنطلق من فهم متعلقات الدنيا وما يتطلب من اجتناب كل زائف وزائل فيها، واستيعاب وفهم ما تتضمنته الآية الكريمة ؛ (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) من الآية 176 / سورة الأعراف.
ومن أجل أن تكون الأمور في طوع الإنسان وببصيرته ووعيه، لذا يقول (عليه السلام) :
(ازهَدْ في الدُّنْيَا يُبَصُرْكَ اللَّه عَوْرَاتِهَا، وَلَا تَغْفَلْ فَلَسْتَ بِمَعْفُولٍ عَنكَ) (1)
و(.. طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِيينَ فِي الآخِرَةِ، أُولئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُّوا الْأَرْضَ بِسَاطًاً، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً، وَمَاءَهَا طيباً، وَالقُرْآنَ شِعَاراً، وَالدُّعَاءَ دِثَاراً، ثمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلى مِنْهَاجٍ المَسِيحِ) (2)، (فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الخَشِنَ، وَيَأْكُلُ الجَشِبَ، وَكَانَ إدَامُهُ الجُوعَ، وَسِرَاجُهُ باللَّيْلِ القَمَرَ، وَظِلالُهُ فِي الشَّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَفَاكِهَتُهُ وَرِيحَانَهُ مَا تُنبِتُ الأَرْضُ للبهائم : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلا وَلَدٌ يَحزَنهُ، وَلا مَال يَلْفِتُهُ، وَلا طَمَع يُذلَهُ، دَابّتَهُ رِجْلاه، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ !) (3)..
ويعطي الزهد القوة المناسبة الواعظة والرادعة للنفس الأمارة بالسوء، والسيطرة بالتربيض على اتجاهاتها وميولها، بكل ما يمتلك الإنسان من إرادة، بما فيه ما يُلائم خدمة الناس بأدق صوره، فهو نديه برنامج تأديبي - اجتماعي فيه يُحاسب نفسه قبل أن تحاسب، بما فيه وفي مقدمته ؛ أن يقوم نفسه لما يرضى به الخالق عز وجل وحسب شريعته العظيمة السمحاء، وبكل ما تعنيه الكلمة، فهو عضو منتج بمادياتها ولا مادياتها، وهو يُجسد بذلك عمل الخير كل الخير، له ولمن حوله وما يُحيط به من المجتمع، وباتجاه مترتبات الدنيا وما بعدها، ولا يكون عالة على الآخرين وهو يمتلك مفتاح العمل والنجاح واستثمار هبة الله تعالى المتمثل عند ؛ طاقته الفكرية والجسدية، وما يملكه من رأس مال علمي ومعرفي، ومستوى ما يتوجبه من استدامة، وهو ما يدخل ضمن الاتجاهات الاجتماعية، الاقتصادية المعرفية والسلوكية..
ويتجه ليكون العون لكل محتاج، فيزكو عنده استثمار ما يُستثمر من منافع العلم والمال، العلم بنشره والعمل بموجبه بكل ما احتوى لتطوير الحياة وتذليل الصعاب، والحيلولة دون سيطرتها وإذلال الناس بمادياتها، وهو بالمال يحقق أعمق وأوسع من مفهوم التوزيع الوضعي، ومنه ما يتعلق بإعانة المحتاجين والفقراء والمساكين..
ومنه ما يعمل مصداق ما تكون عليه الدنيا، كونها ؛ (دَارٌ بِالبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبالغَدْر مَعْرُوفَةٌ، لا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلَا يَسْلَمُ نُزَّالُهَا.
أحوال مُختلِفَةٌ، وَتَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ، العَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالأمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ، وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا، وَتُقْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا) (1).
وتتعدد مضامين هذه النظرية التي محورها ؛ حتمية الزوال لكل ماديات الحياة الدنيوية، وحتمية عدم الاستقرار، وحتمية تقلب الأحوال، وحتمية الموت والحساب..
ويضع (عليه السلام) لنا الصورة العظيمة في زهد النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، قائلاً :
(قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَصَغَّرَهَا، وَأَهْوَنَ بِهَا وَهَوَّنَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِبَاراً، وَبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً، فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلا يَتَّخِذ مِنْهَا رِيَاشاً، أَوْ يَرْجُو فِيهَا مَقَاماً، بَلغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً، وَنَصَحَ الأُمَّتِهِ مُنذِراً، وَدَعَا إلى الجَنَّةِ مُبَشِّراً، وَخَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحذّراً) (2).
فالتحقير لكل ما يُزيغ القلوب عن مواضعها، والتحقير لكل ما يبني الجشع لحاجاتها وما يجر من المنافسة التدميرية التي تختلف عن المنافسة الإبداعية والتطويرية، والتحقير للسيطرة وكبح جماح النفس الأمارة بالسوء، والتصغير للدنيا الدانية، لعظمة الإنسان القويم عند الله تعالى، وبذا وبغيره أمات ذكرها عن النفس والقلب والجوارح، والإعراض عنها، لتكريم شخص الإنسان وتنزيهه عن كل ما يحط من قيمته، ورغم كونها في قبضته، إلا إنه زهد عنها بكل معنى ومفهوم وعمل الزهد الحقيقي ؛ (فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِيَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ)، والسبب وفلسفة ذلك ؛ (لِكَيْلا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً، أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً)، وحدٌ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) به الرغبات بالإرادة وتطوير القدرات، وهو ومَنْ معه من الزاهدين ؛ (فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا)..
وبهذا الاتجاه الوقائي الواعي، لا يمكن أن يسمح للضعف وتحديات مخاطر النفس والمحيط الخارجي بكل تفاصيله، ويصبح الخير والعون لهم على نيل مكارم الأخلاق، والعمل على نهج استيعاب وفهم ؛ (.. الزَّهَادَةُ قِصَرُ الأَمَلِ، وَالشَّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ، وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ المَحَارِمِ، فَإِنْ عَزَبَ ذلِكَ عَنْكُمْ فَلا يَغْلِب
الحَرَامُ صَبْرَكُمْ، وَلا تَنْسَوْا عِنْدَ النَّعَمْ شُكْرَكُمْ، فقد أَعذَرَ اللهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجِ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَكُتُبَ بَارِزَةِ العُذْرِ وَاضِحَةٍ) (1).
وكيف لا يكون الزاهد عوناً للمجتمع وأنظمته وتنظيمه، ومنه استقراره وتنميته وتقدمه، ويتجه بقصر الأمل، ويكفي عظيم ما يتضمنه ؛ (وَالشَّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ، وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ المَحَارِمِ)، فالشكر يبدأ من معرفة وعمل وبناء منظومة التنمية المستدامة، وأولها ؛ لا يتعدى على مختلف الحقوق الحياتية، ومنه ما يحقق بناء الاقتصاد غير الرسمي بالتوازي مع الاقتصاد الرسمي المرتبط بالقيم الإنسانية، ويكفي إنه يعطي العمل حقه المتكامل بمنظوره وغير منظوره، وهو ما يعني تكاملية ؛ (الشكرُ) و (التَّوَرُّع)، وما يقابله عِنْدَ ؛ (النِّعَمِ)، و (المَحَارِمِ)، وبه الابتعاد عن ارتكاب الآثام وما حرم الله تعالى..
ويظهر ثواب الزاهد في الدنيا، في جوانب من مضامين قوله (عليه السلام) :
(فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَتْتُمْ حَنِينَ الوُلِهِ العِجَالِ، وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الحَمَامِ، وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ، وَخَرَجْتُمْ إلى اللهِ مِنَ الأَمْوَالِ والأَوْلادِ، الْتِمَاسَ القُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ، أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أخصتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَكَانَ قَلِيلاً فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ) (2).
والزهد أحد شعب الصبر، وموقع الصبر وفاعليته العظيمة في الدنيا لها الآثار، ولاسيما (وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالزُّهْدِ، وَالتَّرَقْب ؛ فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بالمُصيبَاتِ، وَمَنِ ارتَقَبَ المَوْتَ سَارَعَ إِلى الخَيْرَاتِ) (3).
وهذا التلازم يحقق إنسانية الإنسان وتفاعليه مع محققاته للخير والصلاح والإقدام الواعي والمثمر والمتواصل العطاء المستدام بتوجيه الشرع الإلهي العظيم..
ومن بين أهم ما يتضح مما تقدّم ذكره، يمكن أن نحدد الآتي :
1 - تتعدد مضامين وطبيعة أسس وبناء الزهد باتجاهات نظم اجتماعية وإنسانية، ومنها ما يتعلق بانتهاج فلسفة وآلية التخلص من سيطرة وجموح وتوجيه ماديات الحياة المؤدية إلى عبودية الفرد والمجتمع للحاجات وتفاقمها وسبل إشباعها، وبالزهد التخلص من مسببات الانحراف السلوكي للإنسان وميوله نحو الجشع والجريمة..
2 - يعطي الزهد القوة الكامنة والإرادة الثابتة المبادئ، للسيطرة على النفس الأمارة بالسوء، والحيلولة دون الخنوع والاتجاه صوب الرغبات والميل اللاعقلاني واللا أخلاقي..
3 - بالزهد يتم بناء الشخصية الفردية والمالية على أسس الإيمان وثقافة الحاجة - الإشباع بكل اتجاهاتها وموازينها الأخلاقية - الإنسانية، والتربيض النفسي على بسيط العيش بكل الظروف المواتية للإنسان..
4 - يقوم الزهد بهندسة وإعادة هندسة الفكر والنفس والسلوك، وبدعم الشرع الإلهي والفقه الإسلامي المعالج لمختلف أمور الحياة، وبكل الظروف والمواقف، والمتسع في معالجاته لكل ما هو مستجد في الحياة، باستيعاب وفهم المستجد وتسليط الضوء الفقهي لاستنباط الأحكام..
5 - يُنمِّي الزهد، القوة الكامنة والدافع المتوازن مع متطلبات الحياة المعتدلة، وبالتوازي مع متطلبات العمل والاستعدادات لما بعد الدنيا، ورفدها بثقافة التوازن بين ماديات ولا ماديات الحياة الدنيوية وتداخلها مع النفس والتوجيه السلوكي..
6 - تنمية الوعي ما للدنيا وما وجود الإنسان فيها، وبناء ثقافة القناعة باليسير وما متوافر لدى الشخص كفرد وجماعة، والعفو عن الناس، وهو بحد ذاته يتجه بالمجتمع لخفض مستوى الصراعات والعنف والجرائم..
7 - الوقوف برشاد الزهد عند بساطة الحياة وفهمها، والأخذ منهج لا حزن على ما مضى من فرص، ولا فرح على ما أصبح في حوزته وملكه، (وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلى الماضي، وَلَمْ يَفْرَحْ بالآتِي، فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ)، وهنا تخفيف من وطأة الصدمات الدنيوية بفرحها وحزنها، (وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بالمصيبَاتِ)، وبالتحرر النفسي والاجتماعي، يكون الإنسان أكبر من الأهداف والطموحات الزائلة، وتطلعاته تكون أبعد وأعمق من كونها إستراتيجية، أو بمعنى آخر يتجه باتجاه الإستراتيجيات المفتوحة، والممتدة بسلامة نتائجها لما بعد الدنيا الفانية..
8 - دينامية العمل وسلامته واستدامة غيره في منهج الزهد، وعدم الاتكال على الخير، وبناء روح الاعتماد على النفس أولاً وعمل الخير لكل ما يدور حوله، وبناء روحية الإنسان المنتج بالمعرفة..
9 - تنمية روح الإسهام الفاعل في كل خير وإحقاق الحق، والسعي له بكل ما امتلك الإنسان من طاقات، ولكل ما ينفع الناس..
والسبيل الآخر من سبل استقرار وبناء وتماسك المجتمع، هو ما يتمثل في الأمانة ومتطلباتها من الأسس القائم عليها البناء الاجتماعي - الاقتصادي، وما الائتمان التجاري إلا أحد نتائج الأمانة، فالبيع والشراء، والإنتاج وجودته، والعمل وأخلاقياته، وصدق المعاملات والمديونية وأداء الدين، وحتى التوقيت في كل المعاملات قائم على الأمانة وصدق التعامل بها..
والأمانة بخلاف الخيانة، والخيانة التفريط في الأمانة، وغني النفس الأمين، وتبدأ من أمن يأمن، وما أمن من كان نهجه الخيانة، والأمانة من الإيمان، ولا تتحقق المكاييل والموازين والاتزان والتوازن إلا بالأمانة وأداء الأمانة بأتمها..
ومما جاء عن الأمانة وأشكالها وتعددها ومواقعها واقترانها في الذكر الحكيم :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذَّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) سورة الأحزاب.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) سورة الأنفال.
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) سورة المؤمنون.
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35) سورة المعارج.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسُ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلُّ إِحْدَاهُمَا فَتَذكَّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذا ما دعوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا
تَرْتَابُوا إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَة تُديرونها بينكُم فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُوَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) سورة البقرة.
وتتعاظم مكانة وخُلق وفلسفة الأمانة في الإسلام ومضامينها واتجاهاتها الاجتماعية والاقتصادية، وما لها من رسالة إنسانية ضمن السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، ومداخلاتها وامتداداتها التربوية، ومُعطياتها المنظورة وغير المنظورة، وما تمتد عواقبها وثوابها وعقابها، ولا تتقادم عند الله تعالى حق أداء الأمانة وحسابها وعقابها..
وقد ورد في ضوء منهاج القرآن الكريم والمدرسة المحمدية الشريفة، عند أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في نهج بلاغته :
(ثُمَّ أَدَاءَ الأَمَانَةِ، فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلى السَّمَاوَاتِ المَبْنِيَّةِ، وَالْأَرَضِينَ المَدْحُوِّةِ، وَالجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ المَنْصُوبَةِ، فَلا أَطْوَلَ وَلا أَعْرَضَ، وَلا أَعْلَى وَلا أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَو امتنع شيْءٌ بِطُولِ أَوْ عَرْضِ أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزّ لا متَنَعْنَ ؛ وَلَكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ العُقُوبَةِ، وَعَقَلْنَ مَا جَهَلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ، وَهُوَ الإِنسَانُ، " إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً ") (1).
ومما يتبين من النص المبارك الآتي :
1 - للأمانة أهلاً للأداء، ومَنْ لم يكن من أهل الأداء لها، افتقر لمكانته المرموقة في دنياه وآخرته، وضاع في جهله لاستيعاب فلسفة واستراتيجيات الأمانة - الحياة الاجتماعية والأخلاقية..
2 - أثقل ما جعل الله تعالى في الكون هي الأمانة لأهميتها، فهي تدخل في كل تفاصيل ومفاصل الحياة، وحتى الروح تقف في مقام الأمانة وما تتطلبه من سلامة الحفاظ عليها..
3 - للأمانة وحقوق أداء الأمانة، وصدق الأداء ومستوى دقة وموازين الأداء، العواقب التي لا تتقادم بمرور الزمن الدنيوي، وهي من الواجبات العظيمة الملقاة على كاهل الإنسان ؛ کفرد وجماعة ومجتمع..
1) المرجع نفسه / ص 317 - 318.
ولم يقف الأداء عند هذا الحد، بل يظهر امتداداته فيما بينه (عليه السلام) في منهج الحكم، لتحقيق الأمانة، وهو ما يصب في استقرار المجتمع، حيث يقول لأحد ولاته :
(ثمَّ تَفَقَدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ العُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهَدَكَ في السِّرِّ لأمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الأَمَانَةِ، وَالرِّفْق بالرَّعِيَّة) (1)، وهو مما يمثل القيادة والمنهج اللا مركزي، ومتطلبات الأمانة التنظيمية والرقابية – الاجتماعية..
ومن وجهة تكاملية، يتحتّم الوفاء في تحمُّل المسؤولية : (وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعَى لِمَنْ فَوْقَكَ) (2)، وبين الطُعْمَة والأمانة يكمن مستوى نزاهة المسؤول، ومستوى أداء المسؤولية لينبثق من الأمانة الأمن ومن الأمن الأمانة، والشعور بالطمأنينة الاجتماعية..
وأيضاً مدى تحقق سلامة الأمن Security والحقوق والعدالة الاجتماعية والمساواة من سلامة الأمانة وغاياتها وأهدافها، ويتحمل مسؤولياتها كل ؛ (.. مِنَ القُضَاةِ وَالعُمَّال والكتاب، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ المَعَاقِدِ، وَيَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَعَوامّهَا) (3).
وخطورة حماية الوفاء تبدأ من مستوى السلطات، واستقامة الدول باستقامة سلوك كل قائم على تحمل المسؤولية أين ما كان موقعة من السلطات، لكون السلطة أمانة ومسؤولية وأداء ونتائج وآثار..
ويضيف (عليه السلام) في مناسبة أخرى :
(.. وَمَنْ لَمْ يَخْتلِف سِرُّهُ وَعَلانِيَّتُهُ، وَفِعْلُهُ وَمَقَالَتَهُ، فَقَدْ أَدَّى الأَمَانَةَ، وَأَخْلَص العِبَادَةَ) (4)
وهنا مما يتضح مدى أهمية وضوح الإنسان وتطابق سره وما يضمر وعلانيته، وخططه وتنفيذه، وما يترتب من مطابقة بين القول والفعل أو تطبيقه الميداني وعلى أرض الواقع، وهو عميق بما يتحقق من علاقة الإنسان بالآخر من خلال الأمانة والأداء، والحصيلة الحاصلة من هذا الصدق مع الذات والآخر ؛ (فَقَدْ أَدَّى الأمَانَةَ، وَأَخْلَص العِبَادَةَ)، وتفاصيلها الاجتماعية : (أمانة، أداء)، نتيجتها ؛ (عبادة، إخلاص)، ووضوح انسيابية آثارها في تفاصيل الحياة ؛ (معاملة، ثقة وائتمان)..
واعمق وأعظم ما يُجمله (عليه السلام) في قوله :
(.. وَالأمَانَةَ نِظَاماً لِلأُمَّةِ..) (5)
وتفاصيله يتكامل عندما تكون أمانة الأمة بإنسانيتها، ووجودها بطبيعة النظام الحياتي الدينامي أو الحركي لتنتظم في مسيرة ثقافة نظام الأمانة وأمانة النظام، ومنه ما يتعلق بالحياة الاجتماعية..
بعد ما تبين مما تقدّم عن موضوع الصبر وأهميته وفلسفته، وضرورة وجوده بشكل متفاعل ومألوف بين مكونات المجتمع الإنساني، ليحقق ويعزز التأني وعدم التسرع في اتخاذ قرار في مختلف الأمور، ويُعمّق مسببات وعوامل الاستقرار الاجتماعي والتماسك والطمأنينة، ليكون للإنسان المنفذ والمتخطي من خلاله كل ما يطرأ من معضلات وصعاب، بكل ثبات وشجاعة وجَلَد..
ولتكامل اتجاهات الموضوع، لابد لنا من وقفة، وإن كانت قصيرة، عند مفهوم ؛ الحِلْمُ، بالكسر : الذي هو الأناة والعقل، وجمعه أحلام وحُلُومٌ، وبطبيعة الحال يختلف عن الحُلْمُ والحلم : الذي هو الرُّؤيا، والجمع أحلام، يقال : حَلَمَ يَحْلُمُ إذا رأى في المنام.
والحِلْم : نقيضُ السَّفَه، والحَلِيمُ في صفة الله عز وجل : معناه الصبور، وقيل : معناه أنه الذي لا يسْتَخِفَهُ عِصْيان العُصاة ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيءٍ مِقداراً، فهو مُنْتَه إليه... (1)
والحلم ثقافة وفكر وسلوك وقوة شخصية، وسيطرة على النفس من شرورها، وتفعيل العقل لنيل الأهداف، ومنه الهدف الاجتماعي - الأخلاقي، والاتجاه نحو استيعاب المشاكل بتأني الأسلوب المسالم، والبعيد عن علاجات المشاكل بالعنف، والحيلولة دون أن تصبح أزمة، وبالحلم يتم الاتجاه العقلاني نحو التماسك الاجتماعي وبعمقه الإنساني..
وما يعنيه الحلم لا يُخالف الصبر، بل لكلِّ ميّزته وتكامله، والتكامل بينهما موجهه باتجاه مكارم الأخلاق، وكلاهما يدعم توجه المجتمع القويم العقلاني - الأخلاقي، وبطبيعة الحال هما الدعم الداعم لمطلب التماسك الاجتماعي واستيعاب الآخر واستيعاب المشكلة..
والحلم له مدلولاته واتجاهاته ومضامينه وأهدافه، وما يخص المبحث هو الخصوصية الاجتماعية ومما يجمعه الحِلْم هو :
الإنسان..
العقل..
احتواء المشكلة..
السيطرة على الغضب..
1) راجع : ابن منظور / لسان العرب / ضمن (حلم).
السلوك النظامي..
النفس المرنة في مناخ إنساني – أخلاقي..
فحينما تكون مشاكل وأزمات يصطنعها الآخرين، فبدور الحليم وبكل عقلانية وهدوء وطمأنينة يضع معالجات عقلية بحسب الامكانيات الفكرية والوعي والاستيعاب، بعدها يتحقق سيطرته على الغضب ويُكظمه بدوافع استيعاب الآخر الإنساني - الاجتماعي، وهو ما ينبع من منطق الأخلاقية العميقة العقلانية، ومن كظم الغيض يتم العفو عن الناس..
والحلم أحد شعب العدل الأربعة، وما يتطلبه من رساخة ؛ (.. وَمَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطُ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً) (1)، ومؤشر عدم التفريط في الأمر، مؤداه الاجتماعي ونتيجته ؛ (وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً)، ومما يعني بلورة الشخصية وتقدمها على الأقران..
وامتدادات النتائج ؛ (أَوَّلُ عِوَضِ الحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الجَاهِلِ) (2)، ومما يظهر من آلية الحلم، هو التعويض الاجتماعي بمدلول جهل الخصم، ومرتكب الجرم التعدي على الآخر المنطلق من موضع الجهل، وهو أقل ما يمكن نعت المجتمع الخرق حق الآخر ؛ كفرد أو جماعة، حتى لو كانت الشخصية بصفة معنوية تتمثل بمؤسسة..
ومحور العلاجات هو العقل المسيطر على الأزمة والموقف، وبهذا يكون العقل الفردي - المجتمعي صورته عند ؛ (.. وَالحِلْمُ فِدَامُ السَّفِيهِ.. ) (3)، وهو أعمق ما يمسك بزمام أمور المجتمع ويوجهه..
والحلم يجعل ويولد حيوية التماسك بين أفراد المجتمع، ويظهر التوازن بين القوة والحزم وعمق الوعي الفكري، ووما يتطلب من التحليل المناسب للمشاكل التي يواجهها في أعماله اليومية، ولاسيما إذا كان في تماس دائم مع مختلف المستويات العقلية للمجتمع، ويظهر أيضاً عند المستوى الفعلي والعملي والميداني للحياة..
وأيضاً الحلم له فاعليته بالحيلولة دون الوقوع في دائرة الصراع الاجتماعي الفردي والجمعي والمجتمعي، وهو ما يميز حقيقة الطبقات والطبقية الاجتماعية والفكرية للمجتمع الإسلامي الحقيقي..
وهنا يظهر ما لأهمية الحلم على الواقع المجتمعي، حينما يكون عظيمه الاجتماعي متجسد من خلال آثاره في كون ؛ (الحِلْمُ عَشِيرَةٌ) (4).
وفيها قد اختصر الإمام (عليه السلام) كل الأبعاد وصيّرها في كلمتين، تخوض فيها دراسات اجتماعية ونفسية وأخلاقية وسياسة حياة، ومنه مما يجمع في العشيرة من ؛ قرابة ودم واحد يجتمع من
الأسرة النووية، وامتداده حتى الوصول لهذا التجمع المجتمعي الاجتماعي الإنساني، ويتمثل فيهم المصير الواحد على المحبة والتواد والتراحم وصفاء ونقاء الجو العشائري الهادف لوحدة العقل الاجتماعي، وما يحققه من علاقات متبادلة بينهم والبيئة المتماسكة بتماسك أفرادها وميولها للخير والتعاطف، للخير والتعاطف، والحلم في كل هذا وغيره، الحلقات الاجتماعية - الإنسانية الواصلة والمتواصلة والمستدامة بالعلاقات الحميمة..
وبالعمق البلاغي في وصف الجلم يضيف (عليه السلام) :
(الحِلْمُ غِطَاءُ سَاتِرٌ، وَالعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعْ، فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ، وَقَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ) (1)
ويتكامل الحلم والعقل، بتكامل رسالتهما، والأبلغ حينما يدرك القوة بالعقل، والخلل بالحلم ويكون القاطع بالعقل، والساتر بالحلم، ليكون الخلق سيد الموقف..
وحقاً لو تجرّد الإنسان من كل تعصب، واتجه بعقلانية الاستيعاب للخلل الاجتماعي الخلل الفردي ومعالجتهما لبناء العلاقات ينظرتها المستقبلية، لتحقق قوة الحزم بالمودة والتعاطف والتماسك الروحي والعقائدي..
ولو قابلنا تكاملية واجتماعية وعقلانية وسلوكية :
محتوى(الحِلْمُ غِطَاء سَاتِرٌ)، والاتجاه بآلية التنفيذ باتجاه ؛ (فاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ)، لرأينا مدى البناء المتكامل بين ذات الفرد والمجتمع في ظل الحلم وانسيابيته وفاعليته ومرونته، وهنا يظهر الخلل بمثابة الضعف في البناء الداخلي الفردي - المجتمعي، الخلق يمثل البيئة الداخلية، والحِلم يمثل القوة البديلة الحازمة والمعالجة للخلل..
ودور (العقل) لكونه الآلة الحاسمة في قطع دابر الخلل، وآليته المتكاملة بالحِلم ؛ (وَقَاتِلْ هَوَاكَ يعَقلِكَ)، وهى معالجات صميمية للمشكلة..
وامتداد وتعزيز الحلم وصنيعته من خلال خوض الدور الفاعل في تنمية القوى الغير منظورة من الرحمة والعقل وما كاملهما، لدعم القوى المنظورة، حيث يقول (عليه السلام) :
(إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ ؛ فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّة بقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ) (2)
وقد جمع (عليه السلام) بين واقع الحال ومدى مهمة تقمص الدور لتدريب النفس على الامتثال باستيعاب تحسسي دقيق، وما يملكه الإنسان من القدرات أو الجعل التكويني وتربيضها ضمن مكونات الجعل التشريعي الذي هو الدعم الداعم للنظرة والفكرة والتنفيذ بالأداء العالي الذي يصب في مصلحة جميع الأطراف، ومنه العمق التربوي – التعليمي ما متوافر من طاقات..
وإذا اقترن ما يمكن السيطرة على جموح وجنوح النفس الأمارة بالسوء، والسيطرة على تسلل الغضب لها، والسيطرة على منطقة تفاعلهما بالعقل والحلم، والتأني في الحكم واتجاه الموقف واتخاذ القرار الحاسم، أصبح الفرص مواتية بقوة الإرادة وحزمها، والمسك بزمام الأمور من التأني والهمة، ويقول (عليه السلام) :
(الحلم والأناة توأمان ينتجهما علو الهمة) (1)
والهمة النهوض بالأمر بقدرات ورغبات وتحمل مسؤولية وإقدام، وعُلُو الهمة، المستوى العالي للنهوض بالأمر بقدرات ورغبات عالية، ووعي لتحمل المسؤولية والإقدام بالأداء العالي، ونتاج عُلُوّ الهِمَّة ؛ الحِلْمُ والأناة، وبهذا يمكن أن يكون مخططه كالآتي :
مخطط (38) يبين الحلم والبناء والتماسك الاجتماعي
والأناة سلوك إنساني يتم من خلاله إمهال وتأخير الجزاء اتجاه الإساءة والذنب والخطأ، وما دام كذلك، فلابد أن يكون له مضامين اجتماعية من شأنها أن تؤثر وتعالج المسيء، معالجة اجتماعية ونفسية، وبه رفد البناء والتماسك الاجتماعي، ونتائجه ومؤداه الحتمي مع الحلم، تحقيق بناء الدرع الواقي من الغضب، والحد من تعاظم سوء الأخلاق والصراع بين الأفراد والمجتمع..
تتناقض المفردات في دواخل النفس البشرية والمجتمع البشري، والاختيار والعمل هو الحد الفيصل الذي يبني بحسبه السلوك الفردي والمجتمعي، وما ينتج عنه أو يفرزه من قيم وأخلاقيات سلوكية متبادلة الأداء والمثل...
1) المرجع نفسه / ص 556.
والتواضع أحد هذه المفردات التي تتحول إلى فعل سلوكي ينبع من الدواخل، والمتجه بخلاف وتناقض مع الكبر والتعالي، وما له من تأثير وانعكاسات اجتماعية، ومدى ومستوى عمق الاستيعاب والفهم والاستعداد الإنساني، وبالرغم مما له من شروط ومواقف ومواقع لاتخاذه، إلا إنه سيرة رائعة السلوك الفرد – المجتمع..
ولابد من مطابقة الشكل والمضمون، لتحقيق دقة السلوك الاجتماعي والعمل القويم، وبهذا يقول (علیه السلام) :
(اترجو أن يُعْطِيكَ الله أَجْرَ المُتَوَاضِعِينَ وَأَنتَ عِنْدَهُ مِنَ المُتَكَبِّرين !) (1)
وبذات الوقت من الحوافز ونظام المكافآت، ما يدعم الاتجاه نحو بناء العلاقات الاجتماعية بالتواضع العقلاني البعيد عن التكبر، لِما يُمهد السبل المؤدية لفتح الآفاق وتنقية الأجواء للتقارب بين أفراد المجتمع، ومنه التآلف والتآزر والتماسك الاجتماعي، هو ما جعل الله تعالى للتواضع من الأجر للتشجيع على امتثاله في سلوك وتعامل المسلم..
ومما يتمم مكارم الأخلاق، أن يسلك الغني سلوك التواضع في علاقاته مع الفقراء، و (مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَبَا لِمَا عِنْدَ اللهِ ! وَأَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الفُقَرَاءِ عَلى الأَغْنِيَاءِ اتَّكَالاً عَلَى اللَّهِ) (2).
لأن فلسفة الطبقية والطبقات في الإسلام والتعامل معها مبني على أسس بعيدة عن التعالي والتكبر لما لها من حتمية تكاملية، ومنها العلاقات الاجتماعية - الاقتصادية بفعل إنساني، ومنه أن جعل طابعها الحقيقي : (أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلا بِبَعْضٍ، وَلَا غِنَى يَبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ) (3)ومنه كعلاقات اجتماعية، لابد من حتمية التواضع، لتكون الشعوب بمستوى حضاري متواصل..
وهدف وغاية الطبقية في المفهوم الإسلامي، لبناء الحياة على منهج التشريع الإلهي بتكامل الأنشطة، وما الدور القويم القائم به الشخص، إلا تخطي الأزمات والصراعات والمشاكل، لكن الإنسان يبقى تنقدّم مصالحه على عقلانيته، فيرى القريب وينساق إليه، ويتناسى المستقبل المستدام والتنمية المستدامة التي تحفظ حقوقه وحقوق الآخر والبيئة والموارد الطبيعية والنادرة، وهذا بذاته يجعل التعالي والعزة في الإثم، والابتعاد حتى عن التواضع الذي هو مصدر العلاقات والتواصل الإنساني..
ومنه ما يجعل حواجز وتقاطع بين الطبقات، لذا يقول (عليه السلام) :
(أَلا فَالحَذر الحَذرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ! الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفْعُوا فَوْقَ نسيهِمْ، وَالْقَوُا الهَجِينَةَ عَلى رَبِّهِمْ، وَجَاحَدُوا الله عَلى مَا صَنَعَ بِهِمْ، مُكَابَرَةً لِقَضَالِهِ وَمُغَالَبَةٌ لآلائِهِ،
فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ العَصَيَّةِ، وَدَعَائِمُ أَرْكَان الفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ اعْتِزَاءِ الجَاهِلِيَّةِ، فَاتَّقُوا الله وَلا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً، وَلا لِفَضْلِهِ عَنْدَكُمْ حُسَّاداً) (1).
وثقافة التواضع ومستوى العمل به، يحقق ويُبين مدى فهم العمل بطاعة الله تعالى، والتقارب والتواصل الاجتماعي وما تقدّم ذكره، فإنّ التواضع يذلل الصعاب أمام ما يولّده التحسس بالفارق الطبقي..
بمعنى آخر ؛ يتطلب إذابة ما تولّده الفوارق الطبقية، وهو ما يبعد الإنسان عن بعض السلبيات ؛ کالحسد من خلال الابتعاد عن التحسس من الفوارق الطبقية، لإنّ المبدأ الطبيعي للحياة القويمة الجمع ما بين الجعل التكويني للإنسان مجموع قدراته المكتسبة المتمثلة بالقوى العقلية والجسدية، وما يمكن تطويرها بالتربية والتعليم والتدريبات والتمرينات والأدوار.. وما يتصل، وبين الجعل التشريعي الإلهي ومنه النظم الإسلامية وما يُعالجه الفقه من الحياة العملية وتطوراته..
ولهذه الانسيابات والتوافقات والعلاقات الإنسانية ؛ (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (32) سورة الزخرف.
وتقسيم المعيشة في الحياة الدنيا بالأساس يتمثل ما يُقابل ما يمتلك الإنسان من قوى وما يُقدِّمه من عطاء منتج، لدعم الجوانب الاقتصادية - الاجتماعية ونظم الحياة المستدامة، وشغل الدور الملائم والمركز الاجتماعي والمركز الاقتصادي، وربما تعدّى للمراكز الأخر ؛ كالسياسية والمعرفية..
وبتكامله تتكامل الحياة ؛ ومنها الحياة الاجتماعية الموقفية بتواضع الأعلى للأدنى، وفهم وتكامل الأدوار الإنسانية بلا تحسس الفوارق الاجتماعية والعقلية والاقتصادية والجسمانية، وفهم وتفاعل التواضع والتواد والتراحم، ووضع كل مصطلح في موقعه وموقفه وتوقيته المناسب، ومعرفة السبل المحققة للتماسك الاجتماعي وباستقرار وطمأنينة وأمان، وامتثال ووجود التواضع بوعي داخل مكونات المجتمع، لكون الإنسان لو رجع لأصله، لعاد عن كبره أو تكبره، وهو مما قاله (عليه السلام) :
(مَا لابْنِ آدَمَ وَالفَخْرِ : أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جيفَةٌ، وَلا يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلَا يَدْفَعُ حَتْفَهُ) (2)
و (مِسْكِينُ ابْنُ آدَمَ : مَكْتُومُ الأجل، مَكنُونُ العِلل، مَحْفُوظ العمل. تؤلمه البقة، وتقتله الشرقة، وتنتنه العَرْقةُ) (3).
وبعد كل هذا يتفاخر ويتكابر ويتعاظم بامتلاكه صغار مكونات الحياة الزائلة، دون أن ينظر لعظمة الكون، والأعظم آثار خالقه، ويغفل عن حتمية الموت، فيسفك الحقوق الإنسانية، ويسفك الدماء بغير حق، ويهتك الأعراض ويغتصب، ويُنازع في سلوكه الخالق جل جلاله دون أن يعي، وبعدها تأخذه العزة في الإثم..
ويقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ، ثمَّ اخْتَبَرَ بذلِكَ ملائِكَتَهُ المُقَرَّبِينَ، لِيَمِيزَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ العَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ القُلُوبِ، وَمَحْجُوبَاتِ الغُيُوبِ : " إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (1).
والجعل التشريعي ؛ (اللَّعْنَةَ عَلى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ)، و (اختبر بذلِكَ مَلائِكَتَهُ المُقَرَّبِينَ)، ومن عمق فلسفة ذلك ؛ (لِيَمِيزَ المُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ)، ويبين لهم واقع الحال بالتوازي مع الجعل التكويني لهم، ومحوره التواضع، وأهمية ذلك للمخلوق العاقل في كل أدواره ومواقفه..
وكان النموذج للخلق المتمثل بآدم (عليه السلام)، والنموذج ونتائج الاختبار ما أفرزه إبليس من تعصب والأصل والمرتبة، والنتيجة أن امتنع إبليس " لعنه الله " بكبرياءه عن الامتثال لأوامر الله تعالى، وذلك بالقياس..
(فقَالَ سُبْحَانَهُ : " اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ "، اعْتَرَتْهُ الحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقْوَةُ، وَتَعَزَّزَ بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتِتْمَاماً للبلية، وانجَازاً لِلْعِدَة) (2)..
وللحماية مما يعتري الإنسان من حمية الكبر، يحث (عليه السلام) الناس بالقول :
(وَاعْتَمِدُوا وَضَعَ التَّذلُل عَلى رُؤُوسِكُمْ، وَإلْقَاءَ التَّعَرُّز تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَخَلَعَ التكبر مِنْ أَعْنَاقِكُمْ ؛ واتَّخِذُوا التَّواضُعَ مَسْلَحَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ ؛ فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جنوداً وَأَعْوَاناً، وَرَجِلاً وَفُرْسَاناً..) (3).
وكأنّ التذلل لله عز وجل كالتاج في مكانه وأثره وتحسسه، لذا فالكبرياء مرض اجتماعي - نفسي يهلك ويأكل حامله، بفرديته أو على مستوى المجتمع، فيجعلهم حُطاماً، ويخلق التنافر والتفرقة والتفكك الاجتماعي Social Disorganization وهلاك المجتمع ومكوناته، وبهذا الخصوص يقول (علیه السلام) :
(فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الأَمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَصَوْلاتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثُلَاتِهِ وَاتَّعِظُوا بمَثَاوِي خُذُودِهِمْ، وَمَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِعِ الكَبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ. فَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِي الكيرِ الأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَاتِهِ وَأَوْلِبَائِهِ ؛ وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّةَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ، وَرَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ، فَأَلْصَقُوا فِي الأَرْضِ خُذُودَهُمْ، وَعَفّرُوا فِي التَّرَابِ وُجُوهَهُمْ، وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ، قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ بِالمَخْمَصَةِ، وَابْتَلاهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالمخَاوِفِ، وَمَخَضَهُمْ بِالْمَكَارِهِ) (1).
والموعظة للعاقل مما جرى ويجري من حوله، ومنه الاعتبار ؛ (بما أَصَابَ الأُمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) :، وهو ما يتضمن ضرورة استعراض ثقافة تاريخ وآثار الأمم، لكونه يحمل ما هو عبرة لتصحيح مسيرة الأمم - الحضارات، و (مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَصَوْلاتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثَلاتِهِ)..
وحماية الدول وشعوبها تبدأ من :
وَاتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُذُودِهِمْ..
مَصَارِع جُنُوبِهِمْ..
اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ لَوَاقِحِ الكَبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ..
(فَلَوْ رَخَّصَ الله فِي الكبْرِ لأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ) ؛ لكونهم (عليهم السلام) هم أولى من غيرهم في أرقى مكانة وأرفعها، وهم سادة الأرض والبشرية..
(وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّة إِلَيْهِمُ التَّكَابَرَ، وَرَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضَعَ)، وتواضعهم في عباداتهم العملية الراسخة والمرشدة للناس ؛ (فَأَلْصَقُوا فِي الأَرْضِ خُذُودَهُمْ، وَعَفْرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ)، واقتداء المجتمعات بهم وبتواضعهم، يجعل الحياة القويمة لهم.
(وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ)، وهي مواصفات حققت لهم الشموخ والتقدير من كل ما يُحيط بهم..
والتواضع لِمَنْ يستحق التواضع ومَنْ تواضع الله في خلقه، لتصل كلمته، وتتفاعل رسالة الحياة القائمة على التواد والتراحم، وهو دليل تماسك المجتمعات بمختلف طبقاتها، والتكبر على المتكبر، عامل اجتماعي رادع له ولسلوكياته، ليعود إلى رشده..
وهذه الأخلاقية السلوكية المحمودة، وأهم المؤشر أن لا يُفهم التواضع بالضعف، ومن شروط التواضع ؛ أن لا يكون لهدف ومصلحة ودنيا، وهو ما حذّر (عليه السلام) من سلوكه الفردي والجمعي والمجتمعي، حيث يقول :
1) المرجع نفسه / ص 290 - 291.
(وَمَنْ أَتَى غَنِيًّا فَتَوَاضَعَ لَهُ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ) (1)
فخلله وضعفه، كون التواضع لهدف مادي وليس هدفه إنساني، ويكون شكل من أشكال الذل والهوان والدجل والنفاق والاستهانة بالذات أو النفس الكريمة التي أكرمها الله تعالى، (وَبِالتَّوَاضُعِ تَتِمُّ النِّعْمَةُ) (2)، وبذات الوقت ربما يجعل الغني بماله، يأخذه الغرور والتعالي..
وبالتواضع تتم النعم المنظورة وغير المنظور، ويتصدرها التقارب بين الناس، وتحقيق البناء والتماسك الاجتماعي، والدليل واضح بين مجموعة يجمعهم التواضع بلا تكلف ولا حواجز ولا قيود، فيكونوا كتلة واحدة متداخلة ومتماسكة، لا يخترقهم ما يطرأ من ظروف تهدد أمنهم المجتمعي ؛ لا بالفكر ولا بما يُربك نفسيتهم، ويُخلخل من سلوكهم وأعمالهم وعلاقاتهم...
يُطالعنا موضوع عظيم ومقوم فكري وسلوكي - اجتماعي، يحد باستدامته كل الانحرافات الفكرية والعلمية والمعرفية والسلوكية والعملية للفرد والمجتمع، ويتجه بتهيئة رصانة الأسس القويم بناء المجتمع وعلاقاته وتماسكه وإدامته وتنميته وتطويره بالتوجيه الإنساني - الأخلاقي، ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهما الأهمية الفاعلة والنشطة والبالغة الضرورة للمجتمع ومكوناته..
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أحد فروع الدين الإسلامي، وهو ثقافة دقة الفهم والقيام على العلم والمعرفة لتحقيق الإصلاح، ومنع الانحراف قبل وقوعه أو اتساع آثاره، والدعم المتبادل مع محتوى ومستوى الفكر والثقافة، بما فيها الثقافة العقائدية..
مخطط (39) يبين دورة حياة الفكر والعلم والمعرفة والسلوك في دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القائم على نقاوة الفكر واستقامته وعلميته، يرتهن به مستقبل الشعوب والأمم، ويحقق بتوجيه إنساني وأخلاقي إسلامي، عملية هندسة وإعادة هندسة مسيرة إنسانية الإنسان، بالتزامن مع التقييم والتقويم الشامل، ومنه المحفّز الاجتماعي للثقة بالنفس والاندماج الاجتماعي على أسس حضارية متواصلة ومنتجة ومستدامة..
ولا يمكن أن يتحقق صدق فلسفة وتواصل حلقات الاستراتيجيات الهادفة لسلامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا بفهم واستقامة الفكر ومعالجاته في ضوء الثقافة التشريعية والفقهية القرآنية الكريمة، وما تفصله الأحاديث النبوية الشريفة، وما يتم الاسترشاد بأقوال وتوجيهات الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وفاعلية العقل المسترشد بهم جميعاً..
ومنه دقة آلية التطبيق، بلا إشكاليات، وضمن أشكاله المتنوعة التي تبدأ من القلب، وتتكامل الحقوق بما يتناسب مع سلامة التغيير بالقوة العقلية والجسدية، وتبدأ من محتوى الكلمة وفهمها، فالمعرفة والثقافة واستيعاب الحضارة والمستجدات، هي المؤهلة لدقة ما يتحقق من العمل به وما ينتج عنه بشكل أني أو مستقبلي..
فما نفع المناداة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجهل أو بدون العمل به بالجوارح، فما لا يرضاه الشخص أن يصدر سلوك سلبي ومنحرف من غيره، يجب أن يسبقه تطبيقاته على ذات الإنسان..
ومن متطلبات الأمر والنهي، أن يكون العمل بهما بالتصديق والتطابق مع الشريعة الإسلامية السمحاء، وهو واجب العمل بهما على مستوى المجتمعات التي لا ترغب أن تضيع الحقوق وتأدية الواجبات، ومؤشراتهما على الحق والعمل والأمر به، واجتناب الباطل وصده، واتباع العدل والمساواة وأحسن السلوكيات والأعمال..
ويأخذ الأمر والنهي أبوابه وتبويبه من طابع ما يتم الخوض به، كأن يكون بالمنحى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الفكري.. إلخ، وهنا للفقه مكانه المتخصص، وعند كل ما يلائم ويناسب من موضع وموقف، وربما دفع الأمر والنهي جملة مخاطر وتهديدات عن الإنسان وأفكاره ونفسيته واتجاهاته وسلوكه..
والأمر والنهي بحد ذاته نعمة للإنسان وما يُحيط به، فهما الدرع الواقي والقوة المضافة للمجتمع ومسيرته وعلاقاته وسلامة اتصالاته، وآثار ذلك الآنية والمستقبلية، وهما من الواجبات الكفائية والأسلوب التغييري والإصلاحي الذي يحد من اتساع الجرائم بكل أشكالها، ويُعالج الأمور بروحية التضامن وبشكل جمعي - مجتمعي للنهوض بالفكر الثقافي والاتجاه الحضاري، وبالعمل القويم المستدام المتواصل...
وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حضوره الواضح في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ومما جاء في الذكر الحكيم :
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةً يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (104) سورة آل عمران.
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَن الْمُنكَرِ وَيُؤْمِنُونَ باللهِ وَلَوْ أَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (110) سورة آل عمران.
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (71) سورة التوبة.
(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (112) سورة التوبة.
(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَتوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (41) سورة الحج.
(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور) (17) سورة لقمان.
ويتضح ما أهمية الأمر والنهي في الإسلام، كعامل مهم لحماية الحياة بشكل عام، وحماية الإنسان وحضارته واستمرارها بشكل خاص، ومنه اتجاهاته الفكرية والتوجيهية والإصلاحية والتغيرية، وما تحمل من مضامين الإيمان، والوقاية من مخاطر وتفاقم الانحراف على المجتمع، والاتجاه نحو أداء قويم الأعمال النافعة وأتمها..
ويستمد الإمام علي (عليه السلام)، هذا الأمر من هذه المدرسة العظيمة، حيث يقول :
(وَإِنَّ الأَمْرَ بالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيَ عَنِ المُنكَرِ، لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّهُمَا لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ) (1).
وما أعظم هذا الخلق والرب الأعظم، وما أنعم الله تعالى به على المجتمعات، الرافعة بثقافة أصول مكارم الأخلاق ومحاسن العلاقات لشؤونهم ومكانتهم، (وَإِنَّهُمَا لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ، وَلا يَنْقُصَانِ مِنْ رزق)..
ويضيف (عليه السلام) في مناسبة أخرى :
1) المرجع نفسه / ص 219.
(فَمِنْهُمُ المُنكِرُ لِلْمُنكَرِ بَيَدِهِ وَلِسانِهِ وَقَلْبِهِ الحديث مسْتَكْمِلُ لِخِصَالِ الخَيْرِ ؛ وَمِنْهُمُ المُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَالتَّارِكُ يَدِهِ، فَذَلِكَ مُتَمَسِّكَ بِخِصْلَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ الخَيْرِ وَمُضَيِّعٌ خَصْلَةٌ ؛ وَمِنْهُمُ المُنْكِرُ بِقَلْبِهِ وَالتَّارِكُ بيَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَذَلِكَ الَّذِي ضَيَّعَ أَشْرَفَ الخَصْلَتَيْنِ مِنَ الثَّلاثِ، وَتَمَسَّكَ بِوَاحِدَةٍ، وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لإنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَيَدِهِ، فَذلِكَ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ، وَمَا أَعْمَالُ البِرِّ كُلُّهَا وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عِنْدَ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، إلا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّي، وَإِنَّ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ، وَلا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقِ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ) (1).
وبهذا يكون جانب من النص المبارك، المعادلة الرائعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
استكمال خصال الخير = المُنْكِرُ لِلْمُنكَرِ باليد + اللسان + القلب ميِّتُ الأَحْيَاءِ = تَارِك لإنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِلِسَانِهِ + قَلْبِهِ + يَدِهِ
وما أرفع هذه الخصال، ومما يتضمنه بيان الفضل والفلسفة العظيمة والعميقة التي تمنع وتحد وتعالج الضعف، وتحد من اتساع الفجوات والانحرافات وتفاقمها، وتنمية الشجاعة المناسبة والمتعاظمة لرفض الانحراف والسلوك والعمل المنحرف، بل رفض كل انحراف بشجاعة ثابتة وتقويمية بالتوقيت والمكان والموقف والأدوات المناسبة، (وَأَفْضَلُ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ)..
لكون الموقف يجمع كل عوامل التغيير ومحوره وقطبه يجمع بين ؛ (الكَلِمَة)، و (العَدْل)، ويجمع بين مكان وتوقيت وموقف وتحفيز الرأي العام نحو الأمر والنهي، (عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ)، وما يسهم التقويم عند رأس السلطة والهرم التنظيمي - الاجتماعي والسياسي، وعنده منع الإستبداد، والحد من تأثير تهديدات ووقع عظيم الظلم والجور وضياع الحقوق والحريات وضعف استقامة الأمور..
ويؤكد أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في مناسبة أخرى بما يخص مراتب الجهاد، ومتوجبات وعي التحسس بالجهاد وآلياته، حيث يقول :
(أَوَّلَ مَا تُعْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الجِهَادِ الجِهَادُ بأَيْدِيكُمْ، ثمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ، ثُمَّ بقُلُوبِكُمْ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِف بقلبهِ مَعْرُوفاً، وَلَمْ يُنْكِرْ مُنكَراً، قَلِبَ فَجُعِلَ أَعْلاهُ أَسْفَلَهُ، وَأَسْفَلَهُ أَعْلاهُ) (2).
وتُعْلَبُونَ عَلَيْهِ ؛ مما يعني، ما يحدث من الأثر الشديد عليكم إذا ما أقمتم به، وهذا التحول الذي يصبح مخالفاً للأمر، وهو ما يعود لأسباب انقلاب الفكر والموازين المادية واللا مادية والنفسية داخل مكونات ذات الفرد والمجتمع وما يُحيطهم..
وتنقلب الموازين، عندما تكون الكلمة في غير مواضعها وميدانها، ولا تكون عملية وفاعلة داخل النفس البشرية المؤثرة بالموازين الاجتماعية واستقامتها، حينها يكون المتحقق ؛ (لَعَنَ الله الآمِرِينَ بالمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ العَامِلِينَ بِهِ !) (1).
لكون التطبيق يبدأ من ذات الشخص الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ويتحقق به تحسس الإجراءات والنتائج والآثار الآنية والمستقبلية..
ومن هذه الأرضية الخصبة والمثمرة بالتحسس من الذات، تكون فاعلية ؟ (لا تَتْرُكُوا الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ) (2)..
ووضوح الفلسفة والاستراتيجيات، المنظورة وغير المنظورة، تتجلى بتواصل تكامل جانب آخر من مكونات الصورة عند ؛ (فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ القَرْنَ المَاضِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلا لِتَرْكِهِمُ الأَمْرَ بالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، فَلَعَنَ اللهُ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ المَعَاصِي وَالْحَلَمَاءَ لِتَرْكِ التَّنَاهِي !) (3).
فالشرار لا تقوم قائمتهم إلا بالخنوع لمد ظلمهم ومنكرهم، وبناء الحواجز وتفكيك النسيج الاجتماعي وإبادته أو إنقاضه أنكاثا، وهو ما يكون حائلاً بين الخالق والمخلوق، وهنا تظهر المعادلة الطردية ؛ حيث كلما مضى الأمر بالمعروف والنهي المنكر باتجاهه الصحيح والقويم، كلما تقدّم الإنسان بحضارة حقيقية مستدامة ومتماسكة ومتواصلة، وكلما تراجع العمل به، تراجعت الحضارات الإنسانية وتعمّق الظلم وانتشر ضمن مختلف مفاصل الحياة والأنشطة، وتمزق النسيج الاجتماعي..
وامتداد التناهي ليتكامل مع النهي عن المنكر، تتحقق آلياته كما في قوله (عليه السلام) :
(وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَنَاهَوْا عَنْهُ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْي بَعْدَ التَنَاهِي !) (4)
وبهذا تظهر مرحلة التناهي، كمرحلة متقدمة يبدأ فيها الإنسان من ذاته ونفسه، بالتناهي المحقق للتحسس، ثم الأمر والنهي، ليكون وقع التحوّل للغير فاعل ومؤثر ومنتج، لأن الأعمال لا تتحقق بعمقها الفاعل إلا على البناء القويم والهادف بصلاحه، وحينها تصدر الكلمة بصدق المرسل لها، دون تشويش وحواجز ورفض، ومنها ستتوافق بصدقها من العقل إلى العقل، وفهم ما يتطلبه استثمار الذكاء العاطفي، ويتحقق مردوداتها الطيبة الصادقة المجتمعية، المتجاوبة مع الروح الخيرة، وحقيقة الكلمة الطيبة، لابد من أن يكون أصلها طيب ومصدرها يمتثل بنقاوة الفكر وسوي النفس وقويم السلوك، وتُبنى بقويم بناء الدواخل على المستوى الفردي والمجتمعي..
ويُخاطب (عليه السلام) كل مؤمن بالقول :
(أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّهُ مَنْ رَأَى عُدْوَاناً يُعْمَل بِهِ ومَنكراً يُدْعَى إليهِ، فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَبَرِئَ ؛ وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِرَ، وَهُوَ أَفْضَلَ مِنْ صَاحِبِهِ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ بالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ هِيَ السُّفْلَى، فَذلِكَ الذي أَصَابَ سَبِيلَ الهُدَى، وَقَامَ عَلى الطريق، وَنَوَّرَ فِي قَلْبِهِ اليقين) (1).
وما أعظم وقع سيف كلمة الحق وثقافتها واستثمارها على الظالم، وما أعظم نتائج ثمرة العقل والمحتوى الفكري، وإحقاق الحقوق لكل مُستضعف، و (رُبَّ قَوْلِ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ) (2)، فالكلمة لها وقعها على الرأي العام، ولاسيما حينما تكون مدروسة ومفهومة من كل الأطراف، وتوافر أدوات إيصالها وفاعلية آلياتها وسلامتها، حتى تصل لمرحلة استدامة النضج المجتمعي..
وبذات الاتجاه التوعوي بثقافة الاستعداد والعمل، بين (عليه السلام) أحد دعائم الإيمان، المتمثل بالجهاد المتكون من أربع شعب، أحدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : (فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنكَرِ أَرْغَمَ أتوف الكَافِرِينَ..) (3)..
ويتبين مما تقدم ذكره الآتي :
1 - لتماسك المجتمع والتغيير الاجتماعي المطلوب، أهمية لرفض كل ما هو سلبي ومنحرف، ويتوجب أن يُنمّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما لهما من الخصال والمضامين العميقة والراسخة، ذات الاتجاه الأخلاقي - الإنساني لحماية الحقوق ومسيرة المجتمع..
2 - يُعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور العظيمة الشأن، وما يُدلل على عظمة المحتوى المنظور وغير المنظور وما يقوم عليه، كونهما ؛ (مِنْ خُلُقِ اللهِ سُبْحَانَهُ)، وما أعظم وأجمل مكارم هذا الخلق..
3 - يتطلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تكامل واستحداث الأدوات المستخدمة في الأداء الواجب لقيامه، كقوة المنطق وأصول الإقناع الذي يبدأ من الذات وتمضاعف المادية وغير المادية والنفسية، بمعنى آخر يتطلب تحقيقه من القلب وصعوداً للسان والكلمة الفاعلة حتى الوصول لليد في تسليم الحقوق، وملائمة قوة التغيير المعالجة تفاقم الانحراف وخطورتها وتهديداتها على الحياة، ولكون الرفض بالقلب محدود الفاعلية والعمل، لذا يكون أضعف الإيمان، لكن جميع سبل وأدوات وآليات الرفض والتغيير، تمثل مستويات لخصال الخير الداعم لمسيرة الحياة الإنسانية..
4 - ميت الأحياء من ترك هذه الخصال، أو أساء استخدامها الفاعل في الحياة، لكون الفجوة التي تتسع، تخدم مآرب الأشرار، وسبل مختلفة للتسلط على رقاب الناس بالظلم وهدر الحقوق والتفريط بها..
5 - ومنوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأشكاله، يؤدي أعظم الجهاد، لما يُحققه من انحسار الانحراف والظلم داخل المجتمع وما يُحيط به، ولاسيما يكون بفاعلية كلمته عند إمام جائر، أين ما كان موقعه من المسؤولية والسلطة..
6 - أخطر ما يقلب الموازين الاجتماعية والنظم الاجتماعية، حينما يُخالف القول الفعل، ومؤداه يكون (الآمرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ العَامِلِينَ بِهِ)..
7 - تتهدد الأمم والشعوب والمجتمعات وحضاراتها، حينما يُترك الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المنكر، وما يُقابله من مخاطر وتهديدات وتحديات البناء الحضاري - الاجتماعي، حينما يتجه ؛ (السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ المَعَاصِي وَالحَلَمَاءَ لِتَرْكِ التَنَاهِي)..
8 - العظيم بالأمر في سبك النسيج الاجتماعي، يتحقق حينما يكون منهجه ؛ (فَمَنْ أَمَرَ بالمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُتُوفَ الكَافِرِينَ)..
الدعاء فرصة التوجه الفردي والجماعي والمجتمعي الله تعالى بكل إخلاص، لسبب الحاجة، ومنه إعادة نظر الإنسان بأخلاقيته وتفكيره وسلوكياته وأعماله، وتأهيل الثقة بالنفس وآدابها..
والدعاء التوجه والعمل العبادي التحسسي الفاعل بشرطه وشروطه، والوسيلة الفطرية الروحانية العقائدية لدى مختلف المجتمعات الإنسانية منذ الخليقة الأولى، بمختلف التطورات الحضارية..
وللدعاء الحضور المبدئي الفاعل حتى على مستوى المجتمعات المشركة بالله، وبالذات الدعاء المخفّف والمفرّغ النفسي لمعاناة الإنسان وضعف قدراته، أو ما يكون خارج حدود طاقته، فيتوجه بالتضرُّع لقوة عظيمة، لا تحد قدراتها حدود، وعند الموحدين تتمثل في الواحد الأحد عز وجل، القادر على ما لا يقدر عليه أحد، واقتران الدعاء بالسعي والعمل..
ويظهر في القرآن الكريم، المؤشر الواضح على أهمية الدعاء والحث عليه، للكشف عن النوازل الثقال من البأساء والضراء، ولم يقف عنده، وإنما حثّ على الدعاء والشكر حتى عند الرخاء، الشكر على النّعم الإلهية لتدوم..
وللدعاء بطابعه الإسلامي الحقيقي، الفلسفة العظيمة المؤثره في الأنفس والعمق الروحاني الذي لا يحسه إلا مَنْ مَنْ عرف السبيل القويم إليه، ليتحقق به المفعول الفاعل في كشف الملمات والمصائب..
ومما جاء في الذكر الحكيم :
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ يَحْيَى مُصَدِّقًا بكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيّدًا وَحَصُورًا وَنَبيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) سورة آل عمران.
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) سورة غافر.
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) سورة البقرة.
وبهذا من مضامين الدعاء ونتائجه ونتائج ما يتحقق عنه من التوجه والطمأنينة والاستقرار النفسي والاجتماعي ونمو مساحة الصفاء الداخلي الفردي والجماعي والمجتمعي، ويتمثل بأقل ما يمكن ذكره حين الأزمات والإصابة بالأمراض ولاسيما المستعصية، والحيلولة دون الإنسان ودون التكبر، وعند الأزمات والشعور والتحسس الجمعي بالحاجة، يتجه صوب التواضع والتذلل، وبه تذوب الحواجز المصطنعة بالفارق الطبقي عن البشرية..
وخير ما يُرشدنا، من استقى العلم من أنقى نبع وأرقى مصدر بشري بلا منازع، ألا وهو الرسول الأعظم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، لمعرفة الدعاء وأهميته..
ونتطلع من خلال جانب مما نستشهد به من نهج البلاغة، ومنه ما يتوجه به (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام)، حيث يقول :
(واعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ، وَتَكَفَّلَ لَكَ بِالإِجَابَةِ وَأَمَرَكَ أَن تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ، وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ، وَلَمْ يُلجِئكَ إلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَاتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَمْ يُعَاجِلكَ بالنُّقْمَةِ، وَلَمْ يُغيرك
بالإنابَةِ، وَلَمْ يَفْضَحَكَ حَيْثُ الْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى، ولَمْ يَشَدّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الأَثَابَةِ، وَلَمْ يُنَاقِشَكَ بالْجَرِيمَةِ، وَلَمْ يُؤيسكَ مِنَ الرَّحْمَةِ، بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَةً، وَحَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً، وَفَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ، وَبَابَ الاسْتِعْتَابِ، فَإِذَا نَادَيْنَهُ سَمِعَ نِدَاكَ، وَإِذا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ، فَأَفضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ، وَأَبثثتهُ ذات نَفْسِكَ، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، واسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ، وَاسْتَعَنتَهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ، مِنْ زِيَادَةِ الأَعْمَارِ، وَصِحَّةِ الأَبْدَانِ، وَسَعَةِ الأَرْزَاقِ، ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، فَمَتَى شِئت استَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ، وَاسْتَمْطَرْتَ شَآبيبَ رَحْمَتِهِ، فلا يُقنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النَّيَّةِ، وَرُبَّمَا أخّرَتْ عَنْكَ الإِجَابَةُ، لِيَكُونَ ذلِكَ أَعْظَمَ الأخر السائل، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الأمل، وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْء فَلا تُؤتَاهُ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أَوْ آجلاً، أَوْ صُرِف عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُبَّ أَمْرِ قَدْ طَلَبَتْهُ فِيهِ هَلاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيَتَهُ، فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ، وَيُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ، فَالْمَالُ لا يَبْقَى لَكَ وَلَا تَبْقَى لَهُ) (1).
ولا بد من بين ما يتوجب التركيز عليه ؛ (قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ)، ومقابله بشرطه وشروطه :
(وَتَكَفْلَ لَكَ بِالإِجَابَةِ)..
(وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ)..
(وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ)..
(وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ)..
(فَمَتَى شِئت استَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ)، وجعل سبحانه وتعالى بالدعاء تستقر الأنفس على تمام خيرها، سواء أعطيت سؤلها أم لم تُعطى، وأبواب رحمته لا تُغلق، ودعاء المستضعف في الأرض ليس بينه وبين الخالق تعالى حجاب..
ويقول (عليه السلام) في إحدى خطبه الجليلة :
(فَاسْتَفْتِحُوهُ، وَاسْتَنْجِحُوهُ، وَاطْلُبُوا إِلَيْهِ واسْتَمْنِحُوهُ، فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ، وَلَا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ، وَإِنَّهُ لَيكُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ حِينٍ وَأَوَانٍ، وَمَعَ كُلِّ إِنْسِ وَجَانٌ ؛ لا يَثْلِمُهُ العَطَاءُ، وَلا يَنْقُصُهُ الحِبَاءُ، وَلا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ، وَلا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ، وَلا يَلْوِيهِ شَخص عَنْ شَخص، وَلا يُلْهِيهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْتِ، وَلا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْبٍ، وَلا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ، وَلا تُولِهُهُ رَحْمَةً عَنْ عِقَابِ، وَلا يُجِنُّهُ البُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ، وَلا يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ البُطُونِ) (2).
ورحمة الله عز وجل مفتحة أبوابها، و (مَا كانَ اللهُ لِيَفْتَحَ عَلى عَبْدِ بَابَ الشَّكْرِ وَيُعْلِقَ عَنْهُ بَابَ الزِّيَادَةِ، وَلا لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ الدُّعَاءِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الإِجَابَةِ، وَلا لِيَفْتَحَ لِعَبْدِ بَابَ التَّوْبَة وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ المَغْفِرَةِ) (1)، والنعمة الإلهية العظيمة، أن جعل الدعاء يُقابله الإجابة..
لذا يقول (عليه السلام) :
(مَنْ أَعْطِيَ أربعاً لَمْ يُحْرم أربعاً : مَنْ أَعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحرم الإجَابَةَ، وَمَنْ أَعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ القبول، وَمَنْ أَعْطى الإسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَم المَغْفِرَةُ، مَنْ أَعْطِيَ الشَّكْرَ لَمْ يُحْرَم الزيَادَةَ) (2).
وجعل الله سبحانه وتعالى منفذاً للإنسان، للتحول من مساحة الذل إلى فضاء العز، وبه ينجلي أو ينحسر الاضطراب والقلق النفسي على مستوى الفرد والمجتمع، والاتجاه صوب الاستقرار والسكينة والطمأنينة والأمان...
ولقوله (عليه السلام) : (وَادْفَعُوا أَمْوَاجَ البَلاءِ بِالدُّعَاءِ) (3)، هو التأكيد على حتمية البلاء وسبل وضرورة الدعاء، وما يضفي جانب التواد والتراحم والانفراج عن كل ما يقسو به القلب..
وضرورة الدعاء نبع من إفاضته على الروح الإنسانية بالمحبة والتواد، لأن من شروط قبول الدعاء الابتعاد عن ما يحجب من الذنوب التي تهتك العصم وتنزل النقم وتحبس الدعاء وتنزيل البلاء وتقطع الرجاء وتحجب الدعاء.. إلخ، كما ورد في دعاء كميل مما يحول بين المرء وقلبه، وبينه وبين ربه، ومن ثم بينه وبين المجتمع الذي يعيش ضمن نطاقه، وهو ما لا يعرفه حقاً، إلا ذو حظ عظيم..
وتتواصل تكاملية الدراسة، بما يتطلبه المجتمع من عوامل عديدة لإعادة النظر والتوازن المجتمعي للتماسك الاجتماعي، وجانبه الحيوي عند التذكر ومخافة الله تعالى ؛ لإحقاق الحق وإعانة المظلوم وإنصافه، وما يترتب عليه من التزامات دنيوية وأخروية، ومؤشر العمق الإنساني..
وتأكيد النظرة الاجتماعية الضرورة البالغة لمتابعة الذات بالموضوعية والتقويم، وتقويم الآخرين عن كل انحراف يحدث للفرد أو الجماعة أو المجتمع، وبمعنى آخر التقويم التضامني للمجتمع وما يحققه من مناخ اجتماعي نموذجي وبمنهجية خلاقة بالموجه الإنساني والأخلاقي، وعواقبها المحققة للاستقرار الاجتماعي وما تغمره من الطمأنينة والأمان والثقة المتبادلة..
وورد الذكر في مواضع عديدة من القرآن الكريم، يمكن إجمال مقتبس من نورها بالآتي :
• وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلدَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) سورة القمر
• الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ يذكر الله ألا يذكر اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) سورة الرعد.
• يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذكرُ إِلا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) سورة البقرة.
• يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَمَنْ يَفْعَل ذلك فأولئكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) سورة المنافقون.
• اسْتَحوَدْ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) سورة المجادلة.
والنظرة من الآية التي تُبين تيسير القرآن للذكر، والجعل التكويني لإنسان وما يمتلكه من أدوات للذكر بفهم، ومكانة الطمأنينة القلبية في الذكر، وما يسهم العقل والحكمة الإسهام الكبير في الذكر وإلا ما نفع الذكر بلا تفكر ووعي واستيعاب وفهم، ضمن مناخ العلم والمعرفة والحكمة..
والمخاطر على الإنسان بفرديته ومجتمعيته، حينما يكون اللهو بالأموال والأولاد بلا وعي، فيدخل الشيطان لينسي الإنسان الذكر، ويُغيّر الرؤيا والأهداف والغايات، ويجذب الإنسان بغوي النفس، ليكون من جُنده وحز جنده وحزبه، والنتيجة مؤدى الإنسان الخسران..
وبدقة الكلمات الجليلة التي تسهم في عمليات البناء والتماسك الاجتماعي، وضع السبل المدعمة بالوعي والأخلاقيات وبكل ما يعنيه التحسس الإنساني المجتمعي، حيث يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً، وَمَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً، وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً، وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثَا، وَكَائِنُونَ رفاتاً، وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً، وَمَدِينُونَ جَزَاءً، وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً، قَدْ أَمْهِلُوا فِي طَلَبِ المَخْرَجِ، وَهُدُوا سَبِيلَ المَنْهَج ؛ وَعُمِّرُوا مَهَلَ المُسْتَعْتِبِ، وَكُثيفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّيبِ، وَخُلُّوا لِمِضْمَارِ الجيَادِ، وَرَوِيَّةِ الإرْتِيَادِ، وَأَنَاةِ الْمُقْتَبسِ الْمُرْتَادِ، فِي مُدَّةِ الأَجَلِ، وَمُضْطَرَبِ المَهَلِ) (1).
1) المرجع نفسه / ص 109.
ومن هذا النص المبارك، يتبين محتوى الكثير من الممهد لما يحث على ضرورة ثقافة التذكر العملية وما تدعمه الآليات، ووضوح المرجع والمحور : (وَهُدُوا سَبِيلَ المَنْهَج)، والكيفية التي تتطلب أن يكون عليه ذلك التذكر، ومنه ما يتحول إلى فضل التذكر على الإنسان ؛ كفرد ومجتمع، بالبدايات والعمليات والنتائج وما يؤول إليه، وما يُضاف إليه القول :
(فَيَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةٌ، وَمَوَاعِظَ شَافِيَةً، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةً، وَآرَاءٌ عَازِمَةً، والْبَاباً حَازِمَةً ! فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ، وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ، وَوَجِلَ فَعَمِلَ، وَحَاذرَ فَبَادَرَ، وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وَعُبِّرَ فَاعْتَبَرَ، وَحُذِّرَ فَحَذِرَ، وَزُجِرَ فَازْدَجَرَ، وَأَجَابَ فَأَنَابَ، وَرَاجَعَ فَتَابَ، وَاقْتَدى فَاخْتَذَى، وَأَرِي فَرَأَى، فَأَسْرَعَ طَالِباً، ونجا هَارِباً، فَأَفَادَ ذخِيرَةً، وَأَطَابَ سَرِيرَةً، وَعَمَّرَ معاداً، وَاسْتَظْهَرَ زَاداً، لِيَوْمٍ رَحِيلِهِ وَوَجْهِ سَبِيلِهِ، وَحَالِ حَاجَتِهِ، وَمَوْطِنِ فَاقَتِهِ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ جَهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ، وَاحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاسْتَحِقُوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَتَجُزِ لِصِدْقِ مِيعَادِهِ، وَالْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ) (1).
فالتذكر الحقيقي ينطلق من وعي مضامين : (وَالحَذْرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ)، وهو المحقق للتماسك الاجتماعي، بفاعلية الأمثال الصائبة والمواعظ الشافية في مكوناتها ومحتوياتها، والجعل التكويني لما تستوعبه القلوب الزاكية، والأسماع الواعية والآراء الناهضة بالأمر، والداعمة بنقي الفكر وسلامة العقول، والمتحققة باستعدادات واستدلالات الإصغاء بمؤدى الخشوع، والاعتراف بالفضل والشكر، والحذر والخوف من عواقب الأمور.. ويُتابع (عليه السلام) في ذات الخطبة :
(جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُو عَنْ عَشَاهَا، وَأَشْلَاء جَامِعَةُ لِأَعْضَائِهَا، مُلائِمَةً لأَحْنَائِهَا، فِي تَركيب صُوَرِهَا، وَمُدَدِ عُمُرِهَا، بأَبْدَانِ قائِمَةٍ بأَرْفَاقِهَا، وَقُلُوبِ رَائِدَةٍ لأَرْزَاقِهَا، فِي مُجَلّلاتِ نِعَمِهِ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ، وَحَوَاجِزٍ عَافِيَتِهِ، وَقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ، وَخَلَفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ المَاضِينَ قَبْلَكُمْ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاقِهِمْ، وَمُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ) (2).
ويتضمن النص المبارك جوانب متعددة تكون الداعمة لسلامة الذكر، منها بيولوجية - فسلجية، وأخرى نفسية - اجتماعية، وفي مجال علم النفس التربوي وعلم الاجتماع التربوي والمعرفي، ومضامين من علم الأخلاق والمنطق، وقد كان ضمن هذه السلسلة العلمية ما تحقق باتجاهاته، وما يسهم في دعم الاتجاه نحو ما يصل له المجتمع من سلوك وتماسك، وما يكون منه استذكار واستقراء ما مضى من آثار المجتمعات أو الشعوب وحضاراتها، وباتجاه رادع ومانع لكل أشكال الصراعات، ومنع ما يؤدي إلى هدر الطاقات الإنسانية..
(فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللهِ بِالعِبَرِ النَّوَافِعِ، وَاعْتَبِرُوا بالآي السَّوَاطِعِ، وَازْدَجِرُوا بِالنُّذْرِ البَوَالِغ، وَانتَفِعُوا بالذكر والمَوَاعِظِ، فَكَأَن قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ المَنيةِ، وَانقَطعَتْ مِنْكُمْ عَلائِقُ الأُمنيةِ، وَدَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الأُمُورِ، وَالسَّيَاقَةُ إلى الوِرْدِ المَوْرُودِ، فـ " كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ " : سَائِقٌ يَسُوقُهَا إلى مَحْشَرِهَا ؛ وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا) (1).
والداعم الذكر مما يتضح من النص المبارك :
الاتعاظ : يُقابله ؛ العبر النوافع..
والاعتبار : يُقابله ؛ الآي السواطع..
والازدجار : يُقابله ؛ النذر البوالغ..
والانتفاع : يُقابله ؛ بالذكر والمواعظ..
وموقع الذكر من الانتفاع، وما يتطلبه من وعي وثقافة واستعداد وفهم.. وما يُكامله من حوافز ودوافع ومنبهات للمنحى الدنيوي، وما تسهم سلامة الجوارح وسلامة الوعي، (وَالسَّيَاقَةُ إلى الوِرْدِ المَوْرُودِ)، وجميعها تصب فيما يتعلق بالتماسك الاجتماعي، وتدخل ضمن آليات البناء الاجتماعي..
والمنحى في الوعي، يأخذ مأخذه من الاتجاه بالذكر لتقويم الحياة، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(وَاعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَمَزَالِقِ دَحْضِهِ، وَأَهَاوِيل زَلَلِهِ، وَتَارَاتِ أَمْوَالِهِ ؛ فاتَّقُوا الله عِبَادَ اللهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبّ شَغَلَ التَّفَكُرُ قَلْبَهُ، وَأَنْصَبَ الخَوْفُ بَدَنَهُ، وَأَسْهَرَ التَّهَجُدُ غِرَار نوْمِهِ، وَأَظْمَأ الرَجَاءُ هَوَاجِرٍ يَوْمِهِ، وَظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ، وَأَوْجَفَ الذّكْرُ بلسَانِهِ، وَقدَّمَ الخَوْف لِأَمَانِهِ، وَتَنكَبَ المَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ، وَسَلكَ أَقْصَدَ المَسَالِك إلى النَّهْجِ المَطْلُوبِ ؛ وَلَمْ تَقْتِلُهُ قَاتِلاتُ الغُرُورِ، وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتٌ الأُمُورِ، ظَافِراً بِفَرْحَةِ البُشْرَى، وَرَاحَةِ النَّعْمَى، فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ، وَآمَنِ يَوْمِهِ، وَقَدْ عبر معبر العَاجِلَةِ حَمِيداً، وَقَدَّمَ زَادَ الأحِلَةِ سَعِيداً، وَبَادَرَ مِنْ وَجَلٍ، وَأَكْمَشَ فِي مَهَلِ، وَرَغِبَ فِي طَلَب، وَذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ، وَرَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ، وَنَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ فكَفَى بالجَنَّةِ ثَوَاباً وَنَوَالاً، وَكَفَى بالنَّارِ عِقاباً وَوَبَالاً، وَكَفَى بالله منتقماً وَنَصِيراً ! وكفى بالكِتَابِ حَجيجاً وَخَصيماً !) (2).
وهذا الردع يحقق التراجع في أمور عديدة منحرفة تضرُّ بالفرد والمجتمع، والعودة عن ذلك يولد الجو والمناخ المحقق لأسباب ومؤدى التماسك الاجتماعي، ومما تقدّم يمكن وضع المؤشرات الآتية :
1 - بالابتعاد عن ما يشوب الحياة من تهديدات الأفكار المنحرفة، يتحقق مؤدى وسبيل للسلوك الإنساني والأخلاقي، وبذات الوقت المحقق للتماسك الاجتماعي الذي من شأنه أن يؤدي إلى الاستقرار النفسي وسلامة المنحى السلوكي..
2 - التذكر في علم النفس الاجتماعي بمنظور إسلامي، يتجه بالإنسان صوب تنقية النفس والأجواء الاجتماعية على مستوى الفرد والمجتمع من الشوائب الدنيوية المتمثلة منها في حب الذات والأنانية والجشع، مما يتولد من تنقية النفس، العلاقات الإنسانية والتعاون في مناخ اجتماعي يتجه لعمليات التماسك الاجتماعي واستدامته..
3 - بذكر الله تعالى، يُولّد الحد والردع التقويمي الدافع والحركي نحو تواضع الإنسان وتهذيب النفس، مما يجعل العمل بأقوم السلوك الاجتماعي والأخلاقي وتماسكه الإنساني..
4 - بتذكر النعم الإلهية، واعز لبيان ما يتوجب من العمل بالشكر الله تعالى، وبذات الوقت يتجه الإنسان باستدامة الحياة وترشيدها العقلاني، واستثمارها بالحلال الطيب، وباتجاه أسلم عملية لهندسة السلوك والتماسك الاجتماعي..
5 - نتائج وترابط وانسيابية الأعمال الدنيوية، تكون عند الذكر، لها امتداداتها الأخروية، ومؤداها التحقق من مدى سلامة الاتجاه صوب ضمان الحقوق والواجبات، ومدى تحمل المسؤولية ومتطلبات الأداء العالي للمجتمع، وتبادل الأدوار المجتمعية – المؤسساتية..
6 - يكون بالذكر الحد من الفساد الفردي والجماعي والمجتمعي، والسيطرة على كل أشكاله واتجاهاته الخطرة، وبفاعلية الذكر يؤدي إلى التقارب الاجتماعي الذي يصب في مجريات وقنوات العلاقات - التماسك الاجتماعي..
لا يمكن أن يتهيأ المناخ والأرضية المناسبة، وما يتطلب من الأسس والبناء للانطلاق والاستمرارية باتجاه التماسك الاجتماعي، إلا من خلال وضوح الخطط المرسومة والملائمة للتنفيذ، وما يتوافر لها من سبل النجاح المتواصل، ومنه المتمثل بالأدوات وآليات النظام الكفيل باستدامة تواصل النجاح، مرورا بما يحققه التآلف والتآزر الاجتماعي المؤدي إلى دقة لعب الدور الاجتماعي الحيوي والفاعل، وما
يدعمه من الوعي الاجتماعي، وما يتطلبه من مستوى الاستعدادات والاستيعابات وفهم المجتمع الكفيل بانسيابيته علاقاته الإنسانية وما يتحقق من المرونة المنتجة..
وتمنحى فاعلية الضبط الاجتماعي Social Control للحفاظ على النظام وتكامله من خلال تكاملية الوسيلة غير الرسمية، كما هو عليه المعتقد الأخلاقي ونشر الإشاعات والإيماءات المنظمة.. (1)
والإجتماعي - الضبط تربية وظيفية لا تكون محددة التدريب، فمثلاً المدارس السبيل المباشر والسهل الذي يقوم بتوجيه شريحة لا يستهان بها من المجتمع بالوقت المتزامن واللاحق بحسب القيم الاجتماعية، وينعكس بطبيعة الحال على قوة وضعف التآلف والتآزر الاجتماعي.. (2)
ويبدأ التآلف والتآزر الاجتماعي من مدى تحقيق انسيابية ؛ (مَوَدَّةُ الآبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ الأَبْنَاءِ، وَالقَرَابَةُ إلى المَوَدَّةِ أَحْوَجُ مِنَ المَوَدَّةِ إِلى القَرَابَةِ) (3).
وفي ذات المنحى من التقارب والتآلف والتآزر، وما يترتب عليها من نظم العلاقات الاجتماعية الحميمية، يقول (عليه السلام) :
(إذا حيّيت بِتَحِيَّةٍ فَحَيّ بأَحْسَنَ مِنْهَا، وَإِذا أُسْدِيَتْ إِلَيْكَ يَدٌ فَكَافِئهَا بمَا يُرْبي عَلَيْهَا، وَالفَضْلُ مَعَ ذلِكَ للْبَادِي)(4).
والفضل للبادئ المبادر للمودة، ومؤثره وفاعليته على مستوى الفرد - المجتمع، واتجاه ما يأخذه من المضامين الكفيلة ببناء المجتمع التحسسي على الرأفة والمحبة والألفة والتآزر.. ومن هذه المضامين الإنسانية والأخلاقية الإسلامية، يحث (عليه السلام) بالقول :
(لِيَتَأْسّ صَغِيرُكُمْ بكَبِيرِكُمْ، وَلْيَرْأَفَ كَبِيرُكُمْ بصَغِيرِكُمْ ؛ وَلا تَكُونُوا كَجْفَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ : لا فِي الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ، وَلا عَنِ اللَّهِ يَعْقِلُونَ ؛ كَفَيْضِ بَيْض في أداحٍ يَكُون كَسْرُهَا وِزْراً، وَيُخْرِجُ حِضَانهَا شرّاً) (5).
واقتران الجاهلية بالجفاة ومواصفاتهم الخطرة : (لا في الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ، وَلا عَنِ اللَّهِ يَعْقِلُونَ)، وهو مؤشر على انخفاض مستوى الأخوة، ونتائجها توالد الشر، وبين الفقه والعقل يتحدد مستوى النظم الاجتماعية، ومستوى الألفة والرأفة والتقارب والتماسك.. ويضيف (عليه السلام) :
(إذا احْتَشَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ فَقَدْ فَارَقَهُ) (6)
الحِشْمَةُ في اللغة ؛ الحَياءُ والانقباض، وقد احتشم عنه ومنه، ولا يقال احْتَشَمَه، قال الليث : الحِشْمَةُ الانقباض عن أخيك في المطعم وطلب الحاجة، والحشمة والحشمة : أن يجلس إليك الرجل فتؤذِيَهُ وتُسْمِعَهُ ما يَكْرَهُ، حَشَمَه يَحْشِمُهُ ويَحْشُمُه حَشْماً وأَحْشَمَهُ، وحَشَمْتُه أخجلته، وأَحْشَمتُهُ : أغضبته، وهو يَتَحَمَّم المحارم أي يتوقاها.. (1)
ويتضمن النص المبارك على مضامين اجتماعية وأخلاقية، وما يتوجب من بناء العلاقات والألفة من خلال احترام مشاعر الآخرين، وتبادل هذه المشاعر وتحسس متطلبات العلاقات الإنسانية، وبالذات العلاقات مع المؤمن منهم، وإلا كان سبيل فقدان دافعية التآلف ومسببات المحبة والتآزر والتماسك الاجتماعي..
ودرس تربوي - اجتماعي في التآلف والمحبة والتواد والتآزر عن طريق إصلاح ذات البين، حيث يقول الإمام علي (عليه السلام) لولديه الحسن والحسين (عليهما السلام :
(أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلدِي وَأهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْم أَمْرِكُمْ، وَصَلاحٍ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - يَقُولُ : " صَلاحُ ذَاتِ البَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاة والصيام ") (2).
ويتبين عظمة بناء ثقافة الروح الاجتماعية - الإصلاحية، وهو مؤدى سبيل التماسك والعلاقات الإنسانية التي تبدأ بتمارينها النفسية - الاجتماعية من الأقرب، المتمثل بالأسرة وامتداداها إلى ذوي القربى، بصلاح ذات البين المحقق ببناءه، أهداف وفلسفة العبادات، بل الأعمق في الإسلام بموجبات هذه العلاقات، والمتمثل فيها روح ما جاء به الدين الإسلامي، لكون قوة فاعلية العبادات في تطبيقاتها ضمن صلاح العلاقات والمعاملات مع الآخرين..
لذا فإن تكامل البناء الاجتماعي يشمل على التآلف والتآزر ؛ وما يتوجب ذلك في تحقيق مضمون ؛ (وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصَلِ وَالتَّبادل، وَإيَّاكُمْ وَالتَّدَابرَ وَالتَّقَاطَعَ، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيُولّى عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ) (3).
وهذه دعائم أخرى، تجعل للعلاقات الاجتماعية ونظمها وتقييمها وتقويمها، الأسس في تحقيق قوة الأواصر ؛ (بالتَّواصل وَالتَّبادل)، والتحذير من مخاطر وتهديدات ما يترتب من ضعف بنية المجتمع وهو ما يمثله ؛ (إِيَّاكُمْ وَالتَّدَابَرَ وَالتَّقَاطِعَ)، لذا يتكامل القول مع النهي عند ؛ (لا تَتْرُكُوا الأَمْرَ
بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ)، وفلسفة ذلك واستراتيجياته، بل هو عمق الاستراتيجيات المستدامة المتمثله في : (فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ)..
ودليل آخر لمؤثر الألفة والتآزر، ألا وهو منهج التضامن الاجتماعي والمشاركة التي تصل حتى في اكتساب الرزق بكل أشكاله الحلال الطيب، وكما يتضمنه قوله (عليه السلام) :
(شَارِكُوا الَّذِي قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ، فَإِنَّهُ أَخَلَقُ لِلْغِنَى، وَأَجْدَرُ بِإِقْبَالِ الْحَظِّ عَلَيْهِ) (1)
وجانب من النص المتقدم يبين مدى أهمية المنهج التضامني في الإسلام، لتحقيق جسر الأخوة الحقيقية، ومنافعها في الأزمات، هذا الجانب التحسسي بمعاناة المجتمع الواحد، وتعزير شعوري راسخ للبناء الاجتماعي وتماسكه..
ولكي لا يُنخر جسد المجتمع الإسلامي، وبذات الوقت إعطاء فرصة لتعزيز التآزر والمحبة ضمن متسع مساحة الحياة الإنسانية، وهو جانب مما يظهره قوله (عليه السلام) :
(مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقٌ ظَنَّهُ) (2)
ورغم عدم ثبات الظنون، لما يُستعمل في اليقين والشك، إلا إنه سبيل للتماسك الاجتماعي، وبه الوصول إلى حقيقة تعزيز قطرة ما يحمله الإنسان من صدق المشاعر المتبادلة..
وهذا القول المبارك البالغ البليغ في العلاقات الاجتماعية، وما يسع لإعطاء الفرصة التشجيعية، لتنمية المحاسن السلوكية وتعزيزها على أسس الخير والمحبة، وتشمل بذلك التصديق كلا الطرفين، وامتدادات) فَصَدِّقُ ظَنَّهُ (بالاستعدادات والأداء وعمل الخير، وتربيض النفس والعقل الفردي والجمعي المتواصل على ما يجمعه الخير من محاسن..
يمرُّ الإنسان في الحياة، بصفته الفردية والمجتمعية، بمعاناة وصعوبات ومشاكل وأزمات، وما يواجهه من محن، يُمتحن بها ويُمحص إيمانه وصبره، وبعموميته وعلى قدر مشقته وطاقته على الصبر،
يستحق الأجر المناسب بتقدير الله تعالى في الحياة الدنيوية - الأخروية، ويأخذ فيهما مكانته واستحقاقاته بالتوقيت المناسب، وبخلافه ربما تتلابس عليه ؛ ما يعنيه القضاء، وما يعنيه القدر..
وبنظرة تعريفية عامة، وباستطلاع خاطف لمفهومي القضاء والقدر، وكمدخل لفهم الموضوع الدقيق والحساس، يمكن إجماله بالآتي : (1)
ورد في (لسان العرب) بخصوص القضاء والقدر، والجبرية والقدرية ؛ والجَبرُ : تثبيت وقوع القضاء والقدر، والإجبار في الحكم، والجبرِيَّةُ الذين يقولون أخبر الله العباد على الذنوب أي أكرههم، ومعاذ الله أن يُكره أحداً على معصيته، ولكنه علم ما العباد، وقيل للجَبْرِيَّةِ جَبْرِيَّةٌ لأنهم نسبوا إلى القول بالجَبْرِ، والجَبْرُ : خلافُ القَدَرِ، والجبرية، بالتحريك : خلاف القدرِيَّة، والجبر : بما قدر الله من الأشياء،.
وفي التعريفات ؛ للجرجاني، القضاء لغة الحكم، وفي الاصطلاح : عبارة عن الحكم الكلي الإلهي في أعيان الموجودات على ما هي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد، وفي اصطلاح الفقهاء : القضاء : تسليم، مثل الواجب بالسبب، والقضاء على الغير : إلزام أمر لم يكن لازماً قبله، والقضاء في الخصومة : هو إظهار ما هو ثابت، والقضاء، يشبه الأداء : هو الذي لا يكون إلا بمثل معقول بحكم الاستقراء، كقضاء الصوم والصلاة، لأن كل واحد منهما مثل الآخر صورة ومعنى.
أما في القدر : تعلق الإرادة الذاتية بالأشياء في أوقاتها الخاصة، فتعليق كل حال من أحوال الأعيان يزمان معين وسبب معين عبارة عن القدر، والقدر : خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحد بعد واحد، مطابقاً للقضاء، والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال، والفرق بين القضاء والقدر، هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة، والقدر : وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها، والقدرية : هم الذين يزعمون أن كل عبد خالق لفعله، ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير الله تعالى، والجبرية : هو من الجبر، وهو إسناد فعل العبد إلى الله.
والجبرية اثنان: متوسطة تثبت للعبد كسبا في الفعل كالأشعرية، وخاصة لا تثبت كالجهمية.
1) راجع: ابن منظور / لمسان العرب / ضمن (جبر).. الجرجاني / التعريفات / المرجع نفسه.. مجمع اللغة العربية بمصر / المعجم الفلسفي / عالم الكتب / بيروت. د. عبد المنعم الحفني / موسوعة علم النفس والتحليل النفسي / المرجع نفسه / ج1 / ص 302.
والجبرية Fatalism مذهب يرون فيه، أن كل شيء يتم على نحو لا مرد له، فلا تستطيع قدرة الإنسان ولا إرادته أن تغير شيئا في مجرى الحوادث، وهذه هي الجبرية الغالية.
والقدرية Free Will تقابل الجبرية، وهو مذهب من يرى أن للمرء حرية فيما يريد أو يفعل وقدرة واستطاعة عليه.
وبعد هذه النظرة والطروحات التعريفية المختصرة والمتنوعة، وخير مرجع ومصدر مستقى من أنقى شريعة ومدرسة، يمكن ان يرشدنا إلى مضامين القضاء والقدر، وما تعنيهما وتأثيريهما البالغ على المجتمع ومكوناته، ومن خيرها، ما تحقق من كشف أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، حيث بين حقيقة القضاء والقدر ؛ (للسائل الشامي لما سأله : أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدره ؟ بعد كلام طويل هذا مختاره :
وَيْحَكَ ! لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً لازماً، وَقَدَراً حَاتِما ! وَلَوْ كَانَ ذلِكَ كَذلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، وَسَقَطَ الوَعْدُ وَالوَعِيدُ - إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخييراً، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً، وَكَلَّفَ يَسيراً، وَلَمْ يُكَلِّف عسيراً، وأَعْطَى عَلى القَلِيلِ كَثِيراً، ولَمْ يُعْص مَغْلُوباً، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَها، وَلَمْ يُرْسِلِ الأنْبِيَاءَ لَعِباً، وَلَمْ يُنزل الكِتَابَ لِلْعِبَادِ عَبَثًا، وَلا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً : " ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ") (1)
1) نهج البلاغة / ص 481.
ومما يتضح لنا من النص المتقدّم، وما نستوعبه، يمكن وضع النقاط الآتية :
1 - إنّ القضاء ؛ الذي يعني علم الله تعالى الحضوري السابق لحصول الأشياء على أحوالها في أوضاعها، إنه ليس لازماً ؛ فالإنسان له الفهم والرأي والاختيار العقلاني، وبموجه ما يحمله من رشاد ووعي..
أما القدر فقد أوجده الخالق عز وجل عند وجود أسبابه، لذا لا يجبر على فعل الشيء، وإنما هو مسير بما توضح له من خير وشر، وبشكل عام توضح له وبحسب ما توصل من حصوله على علمية بالأشياء، بما تحمله من قويم السبل من منحرفها.. ومخير عند حصول معرفته بذلك، لذا يكون حسابه بعموميته على وفق ذلك..
2 - وضع الخالق عز وجل للقضاء والقدر، الثواب والعقاب، وامتداده الدنيوي إلى ما يترتب من حساب وعقاب أخروي..
3 - الأمر الإلهي يترتب بحسب التخيير : (أَمَرَ عِبَادَهُ تَخييراً)، والنهي على ما يترتب من التحذير ؛ (وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً)..
4 - يُبنى التكليف الإلهي حسب الجعل التكويني للإنسان، وبما يتمكن عليه كل إنسان وما يتحمله، لذا كلّف سبحانه وتعالى اليسير، وبما يتحمل الأعباء والثقل، وبما يمتلكه من قابليات الصبر والتحمل والإيمان، ولم يكلّف سبحانه بأكبر وأوسع من قابليات الإنسان وطاقاته : (وَكَلَّفَ يَسِيراً، وَلَمْ يُكَلِّفُ عَسِيراً)، والجزاء بحسب ذلك، والله تعالى يُضاعف الحسنات لِمَنْ يشاء، حتى على القليل، ويعفو عن الكثير، (وَأَعْطَى عَلى القَلِيل كَثِيراً)..
5 – (وَلَمْ يُعْص مَعْلُوباً، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَماً)، العصيان لم يأتي من الغلبة، والطاعة لم تكن منطلقة من الاكراه، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (3) سورة الإنسان، وجعل العصيان والطاعة بعد البيان والبلاغ..
6 - بهذا الاتجاه أرسل تعالى الرسل والأنبياء (عليهم السلام) للهداية والرحمة الإلهية، وليس للانتقام من الإنسان، (وَلَمْ يُرْسِلِ الأَنْبِيَاءَ لَعِباً، وَلَمْ يُنْزِلِ الكِتَابَ لِلْعِبَادِ عَبْداً)، وبين النبي المرسل والكتاب المنزل، نظام وبيان استيعاب الأمور، ومرتكزات فهمها المحققة لاستيعاب ثقافة القضاء والقدر، فيما يجري من نفسية الإنسان وعلى سلوكيته..
7 – (وَلا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً)، وبهذا لم يكن، قَضَاءٌ لازماً، وَقَدَراً حَاتِماً، بل كان مؤشر العدالة والرحمة الإلهية من الجعل التكويني للمخلوق، وما يترتب عليه من الجعل التشريعي..
وبما جعل الإنسان ؛ بصفته كفرد أو مجتمع، من نعمة القضاء والقدر على أساس الرحمة، والأجر على قدر المشقة، وجعل عز وجل بالمقابل ؛ لقريمه الثواب، وعلى منحرفه العقاب، إن اختير بالقضاء والقدر على أساس الفهم والاختيار والسلوك..
(وسئل عن القدر، فقال (عليه السلام) : طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلا تَسْلُكُوهُ، وَبَحْرٌ عَمِيقٌ فَلا تَلِجُوهُ وَسِرُّ اللَّهِ فَلا تَتَكَلِّفُوهُ) (1).
وهو دليل عقلي بياني وتوجيهي واضح على أن القدر ليس من خلال الإجبار، وهو بخلاف ما قام عليه المذهب الجبري في الأقدار..
وقال (عليه السلام)، وقد عزَّى الأشعث بن قيس عن ابن له :
يَا أَشْعَثُ، إِنْ تَحْزَنْ على أَبْنِكَ فَقَدِ اسْتَحَقِّتْ مِنْكَ ذلِكَ الرَّحِمُ، وَإِنْ تَصْرْ فَفِي اللهِ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ، يَا أَشْعَثُ، إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ القَدَرُ وَأَنتَ مَأْجُورٌ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ القَدَرُ وَأَنْتَ مَأْزُورٌ، يَا أَشْعَثُ، ابْنَكَ سَرَّكَ وَهُوَ بَلاء وفِتْنَةٌ، وَحَزَنَكَ وَهُوَ ثَوَابٌ وَرَحْمَةٌ) (2).
ولأنه ليس (قضاء لازماً، وَقَدَراً حَاتِماً)، بل علم واستيعاب وفهم للحياة والإنسان والبيئة، ومنها البيئة الاجتماعية، وعقلانية الاختيار من خلال محدادات العامل للعمل ضمن المساعي المدروسة، فلا فوضى ولا إجبار، وقد قدّر الخالق عز وجل للخلق على أساس الجعل التكويني لهم، وجانب منه ما يتمثل في القدرات والطاقات التي أودعها الخالق عز وجل لدى مخلوقه الإنسان، ومدى قابلية عقلانية اختياره واستثماره للطاقات، وتطويره لها بالتجارب والخبرات الفردية والجماعية، وليس الجبرية فيه، لأنه سبحانه وتعالى منزه من ان يجعل التشريع فوق القدرات المودعة لدى المخلوقات، وفوق قدرات الإنسان، لذا من وجهة تكاملية يقول (عليه السلام) :
(قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ، وَدَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ، وَوَجْهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ، وَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الإِنْتِهَاءِ إِلى غَايَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَصْعِبُ إِدْ أُمِرَ بِالمُضِي عَلَى إِرَادَتِهِ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ ؟) (3).
وتنزه الخالق جل جلاله عن كل ما يمس بربوبيته ورحمته العظيمة والواسعة لكل شيء ولعباده وجعله سبحانه " لا جبر ولا تفويض، وإنما أمر بين أمرين "، وهو سبحانه وتعالى غني عن العالمين..
للغريزة Instinct مفاهيم تدخل ضمن العلوم الاجتماعية والنفسية والبيولوجية، والأخير يتضمن الحفاظ على البقاء للجنس البشري وانعكاساته على النفسية البشرية وسلوكياتهم، وبدورها تبني طبيعة النظم الاجتماعية، وتأثيرها المستقبلي على الفطرة الإنسانية وتغيرها..
والغَرِيزَةُ ؛ في اللغة : الطبيعة والقريحةُ والسَّحِيَّة من خير أو شر ؛ وقال اللحياني : هي الأصل والطبيعة.. (1)
وأيضاً في اللغة ؛ وتَفَطَّرَ الشيءُ : تشقق، والفطر : الشق، وجمعه فُطُور، والقِطْرةُ : الابتداء والاختراع، والفِطرةُ، بالكسر : الخِلْقة، والفِطْرَةُ : ما فَطَرَ الله تعالى عليه الخلق من المعرفة به، وقد فَطَرهُ يَفْطُرُه، بالضم، فَطْراً أي خلقه، وقيل : الخِلْقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة. (2)
وبهذا الخصوص، هناك نظريات وتطبيقات مختلفة منها ؛ لدارون Darwin في مجالات الغريزة والتطور، وفرويد Frod درسها من الجانب النفسي وتحليلاته الجنسية، ومن بعده طوّروا وأضافوا على دراسته علماء النفس، واستعمالات واطسن Watson في المجالات الفسيولوجية والتحليلات السلوكية للحركات العضلية المخططة في النسيج العصبي، وما جاء به تنبر جن Tinbergen مبيناً ما نحى منحاه ثروب Thrope من أنها ترتبط بالوظائف العضوية والنفسية، وما جاء به، على سبيل المثال، كل من ماكس فيبر Max Weber و دورکهایم Emile Dukhim و ماركس Karl Marx، وآخرون كانت أفكارهم منصبة في مجالات علم الاجتماع العام وعلم الاجتماع الصناعي وعلم الاجتماع الإداري والتنظيمي.. (3)
د. محمد عاطف غيث / ناموس علم الاجتماع / المرجع نفسه / ص 242.
دينكن ميشيل / المرجع نفسه / ص 176 - 177.
نخبة من الأساتذة المصريين والعرب المتخصصين / المصدر نفسه / ص 437 - 438.
ومما ورد بخصوص الفِطْرَة في القرآن الكريم من الآيات الكريمات، وما لها من علاقة بالموضوع والمصطلح، وكالآتي :
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (30) سورة الروم.
(وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (22) سورة يس.
(إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) (27) سورة الزخرف.
(يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (51) سورة هود.
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (30) سورة الروم.
وبهذا التوجه والعلاج ؛ وضع (عليه السلام) صور متعددة وبالغة الدقة وبحقائقها العلمية التي لا تقارن في استدلالاتها واستقراءاتها، ومنه ما يخص الغرائز والفطرة، حيث يقول :
(قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ، وَدَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ، وَوَجَهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ، وَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الإِنْتِهَاءِ إِلى غَايَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَصْعِبُ إِدْ أُمِرَ بِالمُضِي عَلى إرَادَتِهِ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ ؟ المُنْشِئُ أَصناف الأشياء بلا رَوِيَّةِ فِكْرِ آلَ إِلَيْهَا، وَلَا قَرِيحَةِ غَرِيرَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا، وَلَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورٍ، وَلا شَرِيكَ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الأُمُورِ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، وَأَجَابَ إِلى دَعْوَتِهِ، لَمْ يَعْتَرِض دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِيُّ، وَلا أَناةُ المُتَلَكِّي، فَأَقَامَ مِنَ الأَشْيَاءِ أَوَدَهَا، وَنَهَجَ حُدُودَهَا، وَلاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادُهَا، وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا، وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُختلِفَاتٍ فِي الحُدُودِ وَالأَقْدَارِ، وَالغَرَائِزِ وَالهَيْئَاتِ، بَدَايَا خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا، وَفَطَرَهَا عَلى مَا أَرَادَ وَابْتَدَعَهَا !) (1).
وجوانب مما يتبين من النص المبارك، وانسياق بيان الغرائز وتأثيرها المجتمعية، ومنه كالآتي
1 - الجعل التكويني للتكاملية والتنسيق التنظيمي لما خلق الله تعالى، والكائن من :
• (قَدَّرَ) بالموازين الإلهية العظيمة والمتناهية الدقة، واتجاهه العام : (قَدَّرَ مَا خَلَقَ)، ونتيجة مرحلة التقدير المستدام ؛ (فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ)..
• وانسيابية امتدادها (وَدَبَّرَهُ)، ونتيجة التدبير، المحتوى الجمالي للنظام ودقته في الوصف والمواصفات المتكاملة والمتعاظمة : (فَأَلْطَفَ تَذييرَهُ)..
• وتواصل الانسيابية المتوازنة ؛ (وَوَجْهَهُ)، كنظام ونسق واتجاه ؛ (لوجهَتِهِ)، وعظمة ودقة النظام وانتظامه في الحقوق ؛ (فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ، وَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الإِنْتِهَاءِ إلى غَايَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَصْعِبُ إذ أُمِرَ بالمضيِّ عَلى إِرَادَتِهِ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ ؟)..
1) نهج البلاغة / ص 127.
2 - إتصاف المخلوق في الغريزة، أي الطبيعة والمزاج بكل ما تحتويه من مضامين اجتماعية ونفسية وبيولوجية.. والخالق جل جلاله، منزّه من أن يكون كالمخلوقات له مزاج ومؤثرات..
3 - تؤثر على الغريزة والفطرة مؤثرات متعددة وما يجري من التطورات والتغييرات والمنبهات والاستجابات، ومنها ما يدخل بالمؤثرات ضمن البيئة الداخلية والبيئة الخارجية، وبمؤثرات سلبية ربما تشوه الغريزة والفطرة فتنحرف عن مسارها، ومنها ما يتعلق بمؤثرات التجربة والاستقراء ومستوى الإفادة، وهو ينطبق على المخلوق دون الخالق عز وجل، لكون الخالق تعالى، علمه حضوري وليس حصولي..
4 - جعلت من متطلبات الحياة والأوضاع الاجتماعية، أن يكون الإنسان بطبيعته اجتماعياً متعاوناً، ومنتجاً بالتعاون مع الآخرين، ويتصف بالمشاركة مع الآخرين كجماعات ومجتمع، وربما يؤثر على الغريزة والفطرة، وتتغير وتتطور تبعاً له بالسلب والإيجاب..
5 - يُصيب المخلوق من الإعياء والتثاقل في الأمور معينة أو يتلكاً فيها، وهو ما لا ينطبق على الخالق جل جلاله..
6 - جعل الخالق عز وجل، التفاوت بين مخلوقاته في الإمكانيات والقدرات والمواهب والاستيعابات والوعي والاستعدادات والإبداعات، وكذلك الغرائز والطبائع والأمزجة، وخلق فيهم القطرة التي فطرهم عليها من معرفة الوحدانية والخير والشر، والحلال والحرام، ومستوى التمييز لاتباع أحسنه، بما اهتدوا عليه وخيرهم فيه..
ويقول الإمام علي (عليه السلام) بعد خلق آدم (عليه السلام) ؛ (وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وِلْدِهِ أَنْبَيَاءَ أَخَذَ عَلى الوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلى تَبليغ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ الله إلَيْهِمْ فَجَهِلُوا، وَاتَخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَاقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُدَكُرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بالتبليغ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ العُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ : مِنْ سَقْف فَوْقَهُمْ مَرْفُوعَ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعِ، وَمَعَايش تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُفْنِيهِمْ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاتٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُخْلِ الله سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ فِي مُرْسَلِ، أَوْ كِتَابٍ مُنزَلٍ، أَوْ حُجّةٍ لازِمَةٍ، أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ : رُسُلٌ لا تُقَصِّر بهِمْ قِلّةُ عَدَدِهِمْ، وَلا كَثرَةُ المُكَذَّبِينَ لَهُمْ : مِنْ سَابِقٍ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ : عَلى ذلِكَ نَسَلَتِ القُرُونُ، وَمَضَتِ الدُّمُورُ، وَسَلَفَتِ الْآبَاءُ، وَخَلَفَتِ الْأَبْنَاءُ) (1).
1) المرجع نفسه / ص 43.
ولو تأملنا ؛ (فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِم أنبياءه، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُوا عَلَيْهِمْ بالتبليغ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ العُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ المَقْدِرَةِ)، لاتضح ما أهمية الرسل والأنبياء (عليهم السلام) لإحياء ما خلق الله تعالى من فطرة الإنسان كفرد ومجتمع، وما يرتبط مع (ميثاق فِطْرَته) من النعمة والتبليغ والعقول والمقدرة، لرفع مكانة الإنسان - المجتمع..
ويتضح مهام الرسل والأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) : (لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكُرُوهُمْ مَنْسِي نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ العُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ المَقْدِرَةِ)، وبه إخراجهم من غشاوة ملوث الأفكار التي أثرت حتى على فطرتهم، وآثار ودلائل عظمة الخالق عز وجل : (مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ..)..
ومن إحدى خطب أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، يبدأ فيها مناجباً :
(اللّهُمَّ دَاحِيَ المَدْحُوَّاتِ، وَدَاعِمَ المَسْمُوكَاتِ، وَجَابِلَ القُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِها : شَقِيهَا وَسَعِيدِهَا) (1).
ومما نستوعب من مدى تأثير (وَجَابلَ القُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِها)، هو الامتثال للفعل الجمعي والمجتمعي للقلوب والعقول والفطرة، ليكون مستوى التعامل بتأثيرها على سلوكيات الأفراد والمجتمع، ومتجهه الإنساني ؛ (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) (5) سورة الإنسان.
(.. وَكَلِمَةُ الإخلاص فَإِنَّهَا الفِطْرَةُ..) (2)
وهنا وبمختصر مفيد ؛ (الكلمة) بشكلها ومفهومها العام، مفتاح الكلام والمخاطبة والتفاهم والفهم، والرسالة الهادفة برؤى مختلفة ومتنوعة، ولها قدراتها وقوتها الفاعلة والمؤثرة والمحركة للفرد والجماعة والمجتمع، ولها منابعها وفرصها بين الاستثمار والاستغلال، وتدفع بقواها نحو قويم الأعمال ومنحرفه، بمحتوى المعلومة الداخله ضمن الرسالة وأهدافها المرسومة وبحسب ما مخطط لها..
والكلمة المتخصصة والخاصة، مفتاح العلوم والمعارف والثقافات والحضارات، ولها دورها المركز والهادف، بشكل لا يؤدي للتشويش وعدم الوضوح والتشتت عند عند المتلق المتلقي أو المستهدف بها، وما يتطلبه من تمثيل مستوى الصلاح والإصلاح ووحدة دواخل الإنسان، ومنه الوحدة المجتمعية ووحدة الشعوب على الحق والعدالة والمساواة وتحمُّل المسؤولية التضامنية، والكلمة تبني استراتيجيات وفلسفات وايديولوجيات ونظم تتصف بكونها مغلقة ومفتوحة، وثابتة ومتغيرة ومستوى الحركية، ومحورها وأهداف برامجها هو استغلال أو استثمار قدرات الإنسان، وبمحددات الأهداف والجهات الرسمية وغير الرسمية، وما تتصف باتساعاتها وإشباعاتها..
وتختلف مصادر الكلمة التي ترفع من شان الإنسان وكيانه الفكري والنفسي والسلوكي ومكانته، وكذلك ممكن أن تحط من فكره وأخلاقياته وعلمه ومعارفه وتوجيهاته وتوجهاته، ومنه مايؤثر على مستواه وكيانه ومكانته، ومنه ما يتعلق بتوجهه الاجتماعي والتنظيمي والثقافي، ومدى ومستوى نفعه داخل المجتمع والدولة ومؤسساتها الحكومية والمدنية..
والكلمة بمختلف أشكالها وسباكتها، ونسبها المنظورة وغير المنظورة، وما تكون عليه من صفاتها المسموعة أو المرئية أو المقروءة، لها وقعها بحسب مستوى مؤثراتها الزمانية والمكانية والموقفية، وانعكاساتها النفسية ؛ الفردية والجماعية والمجتمعية، و (رُبَّ قَوْلِ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ) (1)..
ولذا اهتمت التشريعات الإلهية والتشريعات الوضعية في محتوى وتأثير الكلمة داخل الرسالة الحياتية و تعزيزاتها ودوافعها وحوافزها، ونفعها في التشريع الإلهي تتحدد بمستوى فهمها ودقة العمل بها، ولا هدف للتشريعات الإلهية، إلا لحماية الإنسان وفطرته من ذاته وما يُحيط به، واستدامة حياته بمقومات الحساب والعقاب الأخروي الذي لا يتقادم عنده حتى الهمسة داخل الإنسان..
وهنا يظهر بشكل بارز وأكيد، مبدأ الإيمان بالله تعالى ووحدانيته وربوبيته، وهو ما بلغ به في الرسالة الإسلامية، رسول الله (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ومنه بطبيعته ما يصب في مصب علاقات المجتمع وما تستقيم به أمور حياتهم الحضارية والإنسانية..
ومن مؤثرات الغريزة على شاغل الوظائف بكل مناحيها وأدوارها، ومنها الاجتماعية والسياق الاجتماعي والتنظيمي والسياسي والاستشاري القويم، وذلك يظهر في مضامين قوله (عليه السلام) :
(وَلا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الفَضْلِ، وَيَعِدُكَ الفَقْرَ، وَلا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الأُمُورِ، وَلا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَة بالجُورِ، فَإِنَّ البخْلَ وَالجُبْنَ وَالحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بالله) (2).
وما أخطر هذه الغرائز إذا تفعلت ونشطت واستفحلت في دواخل الإنسان، وبالخصوص ما يرتبط بشعوره ولا شعوره، لتكون الغرائز الموجه والمحرّك للفرد والجماعة والمجتمع، وعندها يولد الصراع التدميري في مسيرة الحياة، وأخطر المهددات عندما تسيطر على من له اليد المحركة في رسم وصياغة الخطط والقرارات وتنفيذها وبمحدداته الرقابية التقييمية والتقويمية، كما هو عليه من يتسم بالبخل، وما ويُفرغ غريزته داخل مكونات الأنشطة ؛ فـ (يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الفَضْلِ، وَيَعِدُكَ الفَقْرَ)، وكذلك مشورة الجبان ؛ (يُضْعِفُكَ عَنِ الأُمُورِ)، ومشورة الحريص : (يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَة بِالجُورِ)، وفلسفة ذلك وسببه (فَإِنَّ البُخلَ وَالجُبْنَ وَالحِرْصَ غَرَائِز شَتّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ)..
وأخطر ما يُقابل الضعف وثغراته في البيئة الداخلية، مكونات التهديدات الخارجية، ولاسيما حينما تكون (غَرَائِز شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بالله)، و بانعكاساته سيصيب الضعف مفاصل الدولة ومؤسساتها وما ينجر على المجتمع والأفراد، وما أخطر تهديدات ذلك على مستقبل البناء والتماسك الاجتماعي وعلى مستقبل التنمية، ومنها التنمية الاجتماعية..
مؤشر وموجه ومحرك آخر له بالغ الأهمية والتأثيرات على الحياة بشكل عام، والحياة الاجتماعية بشكل خاص، ومنه ما يترتب على النظم والعمليات والعلاقات الاجتماعية، لكونه المقوم والحد الفيصل بين الإنسان وذاته، والإنسان والآخر، والإنسان وبيئته الداخلية والخارجية، وكل ما يُحيط به، ويمتد حتى يصل إلى الفضاء الخارجي والمعلوماتي، ألا وهما الحلال والحرام ومصادرهما ونظمهما والثقافة المبنية عليهما، ومستقبل البناء الحضاري ضمن هذا العالم الواسع والمترامي الأطراف والداخل والموجه لكل صغيرة وكبيرة، ليبني بحسب توجيهاتهما، الحقوق والواجبات والمسؤوليات والقواعد الأخلاقية والنظم..
ومما ينتج عنه الحرام أو المحرمات أو التحريم Taboo ما يتمثل في قواعد استثنائية عامة لدى الشعوب، تبعاً لطبيعة الحياة الاجتماعية والأعراف Mores والتقاليد Traditios وبشكل عام القاعدة الأخلاقية، تُبنى على أساس الفرز بين الصحيح والخطأ، والقويم والمنحرف، ومصالح المجتمع العامة، وإبعاد كل ما هو يخل بالأنظمة الاجتماعية، فلابد من توضيح أمر مهم، فربما تكون معايير الحلال والحرام تبعاً لمعتقدات المجتمعات واختلاف المشارب، هناك اختلاف أو تباين ونسبية في جانب الحلال والحرام، فقد يكون المحرّم عند مجتمع معين غير محرّم أو يُعد حالة اجتماعية مقبولة... (1)
دينكن ميشيل / المرجع نفسه / ص 355 - 356.
د. عبد المنعم الحفني / المرجع نفسه / ج 2 / ص 375.
1) أنظر بخصوص هذا الموضوع : د. محمد عاطف / المرجع نفسه / ص 483.
ورغم تعدد المذاهب الإسلامية وفرقها والاختلافات والخلافات والاجتهادات، إلا إن حكم الدستور الواحد ؛ القرآن الكريم، يبقى عند حياضة يتقارب جميع المسلمين والإنسانية ضمن فضاءاته العظيمة الجامعة، ويتقارب ضمن موجه الحلال والحرام، والاتفاق على تحريمه أو عدم تحريمة أو حلاله الموقفي أو مطلق حلاله..
وقد يكون من خلال الفكر الإسلامي ومناهجه تظهر وتتطور أعراف وتقاليد للمجتمع وبدورها تحدد التحريم من خلافه، وقد يأخذ غالباً القانون في دعم الحد من ارتكاب هذه المحرمات من أجل انتظام وحماية واستقرار المجتمع.. (1)
و بلا ريب فإن الحلال والحرام والمكروه في شريعة الدين الإسلامي واضح، وعندما لا يتضح نص حول مسألة شرعية، ربما يكون الفيصل في الفتاوي، يتجه برؤى المذهب كما هو عليه الاجتهاد، أو القياس ؛ ويحدد بعض الفوارق الاجتهادية في بعض الأمور الحياتية، أما الغالب وعلى العموم، فهناك تقريباً، تطابق بين المذاهب الإسلامية..
وما يثبت على مواكبة دستور الإسلام لكل ما يحدث من تغيرات العصور والمواقع والمجتمعات والعوامل المختلفة، والتطورات الثقافية والحضارية والإنسانية، هو علاجاته لكل المستجدات، و بالخصوص ما يتعلق بالمعاملات والاستثمارات، وموقف الشريعة والفقه الإسلامي منها، لئلا يقع الناس في المحذور والحرام، بما فيها ما يتعلق حتى على مستوى الطب والفضاء والمعلوماتية..
ويُطالعنا نهج البلاغة بهذا الخصوص، بمنهجه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وعندها تتأمل قول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(مَا أَصفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاء، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ! فِي حَلالِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ، مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنْ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ بهَا بصرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتَهُ) (2).
ومما يتبين ؛ حتمية المعاناة وأعباء خوض الأدوار والأعمال المقصودة وغير المقصودة، وما يتطلب من الأداء الدنيوي، وما تحمله سمات وبيئة الدنيا لكل إنسان على مدى العمر : (أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ !)، ويصل لتنظيم الحياة ونظمه، الملاحقة للسلوك والفعل وفرزها، لوعي النتائج وآثار الأعمال التي لا تتقادم ؛ (فِي حَلالِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ).
وموجه ومحدّد ثقافة سلوك الحلال والحرام ؛ (مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنْ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاللهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ بهَا بَصَّرَتُهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ)، واستيعاباتها
وتعزيزاتها الاجتماعية، للدفع بها نحو الوعي، والسعي نحو العمل بكل متطلبات الحلال والأسس القائمة عليها، والحيلولة دون ارتكاب الحرام أو المحرمات، بالثقافة الإنسانية المتفاعلة بقناعة الوعي الرادع من دواخل الإنسان ؛ الفرد والجماعة والمجتمع، بما فيه ثقافة الموجه الفقهي في ضوء موقف الشريعة الإسلامية..
ويشير (عليه السلام) لمواصفات المؤمن عند تطبيقاته الميدانية لمنظومة الحلال والحرام :
(وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُ العَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ، وَيُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ ؛ وَأَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لا يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ الحَلالَ مَا أَحَلَّ الله، وَالحَرَامَ مَا حَرَّمَ الله) (1).
ومما يستهدف بيان الحلال والحرام والعمل بموجبه، تحقيق سلامة أمن المجتمع، ودقة ووضوح وانسيابية استراتيجياته المستمرة والمستدامة، وبموجه ؛ (الحَلالَ مَا أَحَلَّ الله، وَالحَرَامَ مَا حَرَّمَ الله) وهو ما يؤدي للابتعاد عن كارثية الصراعات السلبية المختلفة، والتوجه لوحدة المجتمع، وذلك بوضوح الأدوار والأداء ضمن منهج الحقوق والواجبات وطوعية تحمل المسؤوليات وأعباء التنفيذ الدقيق، بداعم مستوى متانة بناء منظومة ذاتية وواسعة تمتد لتشمل تفاعلها مع المنظومة المجتمعية المنتجة..
وما يتوجب من وضع نظام يحقق الإستقرار الاجتماعي وتماسك المجتمع، ومنه ما يحقق علاج المرض المزمن والمتوارث المتمثل بالقيود التعسفية لحركة أنشطة الإنسان المتكامل مع سلامة هندسة أسس وبناء الحياة الحضارية المتكاملة باستيعاب دستور الحياة الإسلامي، ويكون فيها القوي والضعيف بحد واضح أمام تطبيقات العدل الإلهي، وما يترتب عليهما من مسؤولية الحقوق والواجبات، وحماية بعضهم البعض بأقوم الحماية والطمأنينة..
ولأهمية الفرز بين المصطلحات لتحديد المشكلة والأزمة والحلول الكفيلة بالوقاية والعلاج، يكشف رسول الله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) للإمام علي (عليه السلام) بما سيكون من الشبهات والأهواء، فتلتبس عليهم الأمور فيستحلون الحرام، لما تعميهم المصالح ويعميهم المال وسطوتهما، وما ينجر ذلك على الفكر والنفس والسلوك والاتجاهات والنتائج، حيث يقول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) :
("يَا عَلِيُّ، إِنَّ القَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَيَمُنُّونَ بدِينِهِمْ عَلى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ، وَيَأْمَنُونَ سَطوَتَهُ، وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بالشَّبُهَاتِ الكَاذِبَةِ، وَالأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُونَ الخَمْرَ بِالنَّبِيذِ، وَالسُّحْتَ بالهَدِيَّةِ، وَالرِّبا بالبيع " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، فَبِأَيِّ المَنازِلِ أَنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذلِكَ ؟ أَبمَنزِلَةِ رَدَّةٍ، أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةِ ؟ فَقَالَ : بِمَنْزِلَهِ فِتْنَةٍ " ) (2).
وعندما تتضح صور ومعالم المشاكل والأزمات، وما يؤدي لفساد وتلوث فكر ونفس وسلوك الإنسان، تكون نتائجها ؛ (وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بالشَّبُهَاتِ الكَاذِبَة)، وما يحمله من وصف ومواصفات التهديدات والمخاطر والأعباء الاجتماعية الثقيلة المترتبة عليها، وتحديد الفرز الحقيقي للموضوع والمصطلح والدلالة، وأهمية الفرز المصطلحي، وصورة من صوره ما يتمثل بين ؛ مَنْزِلَةِ رِدَّةٍ ومَنْزِلَةِ فِتْنَة، للتحليل والدراسة ووضع الحلول الدقيقة والكفيلة لعلاج المشاكل والأزمات..
وبطبيعة الحال ؛ هذا يؤثر على مسيرة وانسيابية الحياة وأنشطتها وتفاعل الأفراد بعضهم مع البعض داخل المجتمع، ومختلف المكونات الاجتماعية، لأنّ الالتباس والأهواء والشبهات واستحلال الحرام أمر خطر على سلامة وحدة وانتظام مسيرة عمليات الحياة والمجتمع، لما سيغير في الموازين الفكرية والمادية وغير المادية والنفسية، ولاسيما تصحيح وتوجيه المسيرة، وحمايتها من التخبط الذي يُحدثه لدى الجهلاء من المجتمع..
وأخطر ما يدخل فيه الحرام هو الطعام المنظور والطعام غير المنظور، و (ينسَ الطَّعَامُ الْحَرَام !) (1)، الذي يبني خلايا الجسم ومنه الدماغ والنظم الفكرية مستمدات الحرام، فما كان من حرام فهو مرتع للشيطان والإجرام بكل أشكاله، وعند غشاوته تعمى البصيرة..
لذا (.. وَلا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الحَرَامِ..)(2)، لكونه سيغلق كل الفجوات بوجه كل انحراف وإجرام سلوكي وعملي، ويفتح الأبواب أمام كل ما يحقق المكسب الحلال، وبقليل الحلال يعظم الخير وتفتح سُبل الرزق الحلال الطيب، فتتقوم الأفكار والنفس والاتجاهات السلوكية.
ويجب أن يكون الرادع لكل عمل منحرف ومكسب حرام، يبدأ ردعه من الذات وبصدق الدواخل فيه، لذا (مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلانِيَتَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ الله أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَحْسَنَ اللهُ مَابَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ) (3).
وما بين السريرة والعلانية هو الإصلاح، فمَن كان موجهه استقامة ونقاوة وصلاح دواخله، كان ردعه الذاتي من الدواخل للابتعاد عن ارتكاب المحارم، واتجاهاته بالاستعدادات الطوعية لأداء أقوم وأفضل الأعمال الطيبة، (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) من الآية 11 / سورة الرعد..
فحضور الشرط والشروط في مسببات الأمور، تحقق حركية ما يصبوا إليه الإنسان، الفرد والجماعة، من توجه مكسبه الحلال أو مكسبه الحرام، والتسديد للخير والمكسب الحلال الطيب من الخالق عز وجل فيما يُصلح الرزق وصلاح الحال..
والجدير بالذكر، أن لا يُشترط كون مكسب الرزق مادياً، بل هناك الرزق المتمثل بطيب الأعمال والأفعال، والرزق في مكانته الاجتماعية الكريمة التي فيها يستطيبه الناس عندها، ويمتثلون لكلمته التوجيهية، ويأنسون إلى آراءه، وكذلك الرزق الأعظم في اكتساب العلم والمعرفة والحكمة والانتفاع منه في الدنيا والآخرة بالحلال الطيب وإلى مصارفه ومخارجه في الحلال الطيب، ويكمن خير الرزق في كل ما يحقق خير الدنيا والآخرة..
وعموماً ؛ لا يمكن أن يكون هناك توازن، سواء كان بمنظوره المادي أو غير المادي، وما يؤول إليه من حركية وفاعلية، وما ينتفع من ثقافة الحلال والحرام في موازينها المناسبة والصحيحة والقويمة حتى بامتداداتها الزمانية والمكانية والموقفية، وما يحقق من ردع العمل والمكسب الحرام قبل وقوعه..
وإنّ الإرباكات والصراعات والتفكك الاجتماعي، ينجم من خلال عدم التوازن أو التمييز بين الحلال والحرام، ويكون المجتمع في نهاية المطاف، يأكل بعضه بعضاً، كما تأكل النار الحطب، وهو ما تؤكده أحدث البحوث والدراسات المختلفة في مجالات العلوم الاجتماعية... (1)
وما نراه في مختلف المجتمعات مع تغير آليات الحياة واتجاهاتها المادية الخطرة، وعدم استخدام التطورات الحياتية المادية والتقنية في مجالاتها النافعة للإنسانية، فترى الاتجاه السلوكي والعملي من أجل المال، وبلا توازن منظومة الحلال والحرام، يُحرق ويكتسح كل ما ينساق إليه..
وعن الاصبغ بن نباته، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : سمعته يقول : ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) علمني الف باب من الحلال والحرام، مما كان ومما هو كائن الى يوم القيامة، كل باب منها يفتح الف باب، فذلك ألف ألف باب، حتى علمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب (2).
وهو ما يدلل على اتساع منظومة الحلال والحرام لدقة مسيرة الحياة وانتظامها، واتجاهاتها باتباع الحلال واجتناب الحرام أين ما يكون موقعه وزمانه وموقفه، وما يطول إلى الحاضر والمستقبل، وما يتبعه من مستجدات مستقبل الحضارات وانسياقاتها المجتمعية..
ويكفي أن نتصور بشكل مبسط، ما تكون عليه المجتمعات، حينما لا يرتقي بمنظومة الحلال والحرام، فتضيع عنده حقيقة الحضارة الإنسانية، فلا يرى إلا بريق الذهب والفضة حتى ولو كان على حساب سفك الدماء، وتهديد وخسارة البيئة وتنميتها المستدامة، فلا ترى الأجيال القادمة إلا كل أشكال دمار البيئة والإنسان..
لابد من رادع للبشرية لإعادة النظر في هندسة وبلورة قويم الفكر والنفس والسلوك، والحد من التمادي في السلوك الانحرافي، والحد من الغفلة بتفعيل إدراك ثقافة الاختبار الإلهي للإنسان كفرد ومجتمع، وبهذا لابد من التذكر لنهاية حتمية يقف عند شُرفات ما تحمله الحياة بكل مادياتها ولا مادياتها، وعواقب كل خطوة أو عمل، ليُفكر فيما هو فيه، وعواقب ما سيكون عليه..
ودور علم النفس الفلسفي وعلم النفس الاجتماعي والسلوكيات الاجتماعية وما يؤول إليه البناء الاجتماعي الذي يُبنى على أساس الفرد - المجتمع، يكون قائم على أساس طبيعة الوسيلة والغاية..
لذا كان لذكر للموت وحتمية الموت، أهمية بالغة وعظيمة ؛ تربوية وتوجيهية للبناء الاجتماعي وما يتحقق من عمليات المتماسك، وبتعزيز الوعي الكفيل لاستيعاب المواقف، ووضع مؤشر الحقوق والواجبات، كلّ في موضعه الحقيقي، وما للإنسان وما عليه وما للآخرين، وما للبيئة وما للمحيط الخارجي الذي يضم ؛ الحياة بكل تفاصيلها، ومنه استمرارية ودورة الحياة بشكل عام وتواصلها بالولادة، وعمليات الحياة والموت، والموت وما هو متعلق بما وراء الطبيعة (الميتافيزيقية)..
ومما تتضمنه فلسفة الحياة الموت، وطريقة ما يمكن فهمه عن الموت بحد ذاته، والاستعدادات وما يؤهل الشخص للانتقال من الحياة الزائلة إلى الحياة الدائمة، والحقيقية التي هي تُجسد ما يستحقه الإنسان، بعد أداء مختلف أعمال الخير ؛ الواجبة والمستحبة، وبعد هذا الاختبار اليسير العسير، ومنه الاختبار التربوي، اليسير بمعرفة واتباع وأداء تمام الحلال والابتعاد عن الحرام، واليسير بحلاله ونتائجه، والعسير بحرامه وعواقبه ومخاطر آثاره على نظم وتوازن الحياة والنظم الاجتماعية وتوازنها..
ومما ورد في الذكر الحكيم :
(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوج مُشيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِيبُهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ الله وإن تصيبهم سيّقة يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَالِ مَؤلَاءِ الْقَوْم لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) (78) سورة النساء.
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَتَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (25) سورة الأنبياء.
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) (19) سورة ق.
وكما يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(الدُّنْيا دَارُ مَمَرٌ لا دَارُ مَقَرٌ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلانِ : رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفْسَهُ فَأُوْبَقَهَا، وَرَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا) (1).
وتربوية النص المبارك، ورهبة ما يتضمنة عبر طبيعة أداء الأعمال وحتمية الموت، وسرعته الخاطفة وما يؤول إليه من محددات العواقب، والممر الجامع بين البداية الدنيوية والفتح الأخروي عند عشق النفس بقويم الأعمال وأهدافها وغاياتها الحقيقية..
والدنيا ليست معقودة لأحد من المخلوقات، بل هي تُزيل وتُزال، و (إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ : لِدُوا لِلْمَوْتِ، وَاجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ، وَابْنُوا لِلْخَرَابِ) (2).
فالولادات والجمع والبناء كلها لحتمية ما يُقابلها من الموت والفناء والخراب، ولأنها للزوال، فالتأمل والتذكر فيها لما سيؤول بها، أمر مرهون بمستوى عقلانية التعامل معها، وما يولّده من الاتجاه المناسب والصحيح لمسيرة الإنسان مع ذاته والآخرين، لذا نرى حتى الدول التي تُبنى إيديولوجياتها على تكران وجود الله جل جلاله، تتجه بأي شكل وتحاول أن تُعوّض عن ما يسد هذا الخلل والفجوة والفراغ في منظوماتها، وما يسد هذا النقص الخطر، بالتقنيات المتطورة والمعارف والقوانين الوضعية التي هي بذاتها يتوالد فيها الفراغ وثقل الموقف وأعباء الأعمال، وكل ما يندرج ضمن ماديات ثقافاتها وحضاراتها، وما يترتب على الخلل والانعكاسات من التهديدات والمخاطر حتى على المسيرة الذاتية للإنسان واتجاهاته..
وهو ما انتبهت إليه ورصدته الدول المتقدمة والمتطورة بتقنياتها وعلومها ومعارفها، واتجهت بمنحى التشجيع على بناء الإيمان والأخلاق للإنسان برؤاها وتطلعاتها ورسائلها وبناء أهدافها وغاياتها الإستراتيجية، لما عرفت من قوة الردع الداخلي للفرد - المجتمع، والموائمة مع بناء المحيط الخارجي له بحسب ما تعده مفاهيمها وتطلعاتها، وما يمكن تحققه من توجهاتها المتوازنة..
ويؤكد (عليه السلام) أهمية ذكر الموت لدقة ورصانة البناء الاجتماعي وعواقبه، بالقول :
(وأوصيكُمْ يذكر المَوْتِ وَإقْلال الغَفْلَةِ عَنْهُ، وَكَيْفَ غَفْلَتَكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُعْقِلُكُمْ، وَطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ! فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنتُمُوهُمْ، حُمِلُوا إلى قبورهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ، وَانزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نازلين، فَكَالَهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُماراً، وَكَانَ الآخِرَةَ لَمْ تَزَلَ لَهُمْ دَاراً، أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِئُونَ،
وَأَوْطنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ، وَاشْتَغْلُوا بِمَا فَارَقُوا، وَأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انتَقَلُوا، لا عَنْ قَبيح يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالاً، وَلا فِي حَسَن يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً، أَنسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ، وَوَثقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ.
فَسَابِقُوا - رَحِمَكُمُ الله - إلى مَنَازِلِكُمْ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَن تَعْمُرُوهَا، وَالَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا، وَدُعِيتُمْ إِلَيْهَا، وَاسْتَتِمُوا نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلى طَاعَتِهِ، وَالمَجَانَيَةِ لِمَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ، مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي اليَوْمِ، وَأَسْرَعَ الأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ، وَأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ، وَأَسْرَعَ السَّبِينَ فِي العمر) (1).
وأخطر ما يواجهه الإنسان، هو نهاونه وإغفاله ذكر الموت، مما يحمله على الجنوح وما يجني على كل شيء يطوله في الحياة ؛ بالحلال والحرام، وبأبشع وأجشع صورة من أجل أن يصل إلى غاياته وأهدافه المادية، حتى وإن دعى الأمر إلى سفك الدماء بغير حق، وخراب الدنيا..
ومما يحمله النص المبارك المتقدم ؛ نرى ضرورة الوعي وعمق التصوّر، وما يشمله على الصور البلاغية وتحليلاتها الدقيقة، بالوقاية والعلاج من دواخل النفس البشرية ونوازعها الشريرة، وهو ما يؤدّي للبناء والتماسك الاجتماعي..
فكيف لو كان يقود المجتمع، شخصيات بمواصفات المتقين وسلوكياتهم ونظرتهم، وما تحمل الشخصية من الفلسفة الرائعة، وبمنظور ما بنيت عليه الحياة وما تؤول إليه، وما تدل على العمق الإنساني وأخلاقياتهم النقية من كل ملوث فكري..
وأدق بلاغة ما جاء عنهم في قوله (عليه السلام) :
(نُزِّلَتْ أنفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي البَلاء كَالَّتِي نُزَلَتْ فِي الرَّخَاءِ، وَلَوْلا الأجَلُ الذِي كَتَبَ الله عَلَيْهِمْ لَمْ تستقر أَزْوَاجُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن، شَوْقاً إلى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ العِقَابِ، عَظْمَ الخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنهِمْ، فَهُمْ وَالجَنَّةَ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ راهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ، قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفَيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ، صَبَرُوا أياماً قصيرةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَويلة، تِجَارَةٌ مُرْبحَةٌ يَسّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنفُسَهُمْ مِنْهَا) (2).
وتعزيز الثقة وترسخها، ومستوى متقدم من ثقافة الإيمان الراسخ الجمعي، يظهر عندما ؛ (عَظُمَ الخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ)، وشتان بين العظمة والصغر، ودقة الاختيار بين الخالق والعظمة، والتصغير لما دونه سبحانه وتعالى..
وبهذه الثقافة العقائدية، تبدأ الحياة الحقيقية من مرحلة الموت، لكون استيعابهم وفهمهم من عمق الثقافة القائمة والاستقامة المنبعثة من وضوح الحقائق لديهم ؛ (فَهُمْ وَالجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَمُونَ)، (وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ)، وبين مُنَعَمُون ومُعَذَّبُون يكون الفهم والموقف والعمل والأداء..
وجانب متقدم مما يمثله، هو فهم الإيمان كونه معرفة وتطبيق، وتحسس وردع، وتقويم السلوك، وعلاقات إنسانية وثبات على الحق، والمكسب الحلال لكل ماديات ولا ماديات الحياة، والحضارة النافعة والمستدامة، والقيام على مبدأ (أرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا)، والعمل المثمر فيها : (شَوْقاً إلى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ العِقَابِ)، وفهموها (تِجَارَةٌ مُرْبحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ)، وثمارها الحقيقية ما بعد الدنيا، (وَأَسَرَتْهُمْ فَقَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا) بخير الأعمال وأقومها، وكل ما يُرضي الخالق عز وجل..
والأعمال الصالحة للحياة ووقف شدائد الموت، يكون مفتاحها الاستعدادات والعمل قبل حلول الحساب، ومنه ما كان بالسلوكيات القويمة وسلامة ما تخفي الصدور وما تنطقه الألسن، وهو أمر يوضح عقلانية ورشد ما يحمله الفرد - المجتمع، ويحث (عليه السلام) بالقول :
(وَبَادِرُوا المَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ، وَامْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وَأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ : فَإِنَّ الغَايَةَ القِيَامَةُ ؛ وَكَفَى بِذلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ، وَمُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ ! وَقَبْلَ بِلُوغِ الغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الأَرْمَاسِ، وَشِدَّةِ الإِبْلاسِ، وَهَوْلِ المُطْلَعِ، وَرَوْعَاتِ الفَزَعِ، وَاخْتِلافِ الأَضلاع، وَاسْتِكَاكِ الأَسْمَاعِ، وَظُلْمَةِ اللحْدِ، وَخِيفَةِ الوَعْدِ، وَغَمِّ الضَّرِيحِ، وَرَدْمِ الصَّفِيحِ) (1).
وجانب من المبادرة هو التمهيدات والاستعدادات للموت الذي يجعل من وجود الإنسان الكيان النظامي النافع، وذلك بقطع دابر كل اتجاه لا أخلاقي، وما يكون من موجه الأحكام الإسلامية..
ومما يعني الحد والحيلولة دون ارتكاب الحرام، وبالمقابل اتساع مساحة العمل بالحلال في كل مناحي السلوك الفردي - المجتمعي، وتنقية الأجواء والمناخ التنظيمي بقويم إستراتيجية ثقافة الفرز بين الحلال والحرام، والعمل بأحكام الحلال الطيب، المحقق لقويم السلوكيات والأعمال الرسمية وغير الرسمية، وبرادع ذاتي ؛ فردي وجماعي ومجتمعي، ووضع الحد لكل أشكال الفساد..
وبهذا يكون حتمية الموت مُشرعة، وآلية ذلك : (بَادِرُوا)، يُقابله : (غَمَرَاتِهِ)، (امْهَدُوا)، يُقابله ؛ (قَبْلَ حُلُولِهِ)، (أَعِدُّوا)، يُقابله (قَبْلَ نُزُولِهِ)، وجميعها تتفاعل ضمن هيكلية ومنظومة السعي لعمل الخير، وتحقيق كل ما تتطلبه عملية البناء المستمر في الحياة الدنيوية، وما يُقابله من أجر أخروي لا يتقادم..
1) المرجع نفسه / ص 281.
ولابد من بيان (الغَايَة) والتي تتمثل بأعظمها وفيصلها عند حد (القِيَامَةُ) : (وَكَفَى بِذلِكَ وَاعِظَاً لِمَنْ عَقَلَ، وَمُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ !)..
وذكر الموت وثقافة الحلال والحرام وإستراتيجيتها التي تبدأ بتنفيذ الأداء في ضوء الخطط والوعي ؛ وما يكون عليه المناخ والبيئة الداخلية والخارجية، (قَبْلَ بُلُوغِ الغَايَةِ :
ما تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الأَرْمَاسِ..
وَشِدَّةِ الإِبلاس..
وَهَوْلِ المُطْلَعِ..
وَرَوْعَاتِ الفَزَع..
وَاخْتِلافِ الأَضلاع..
وَاسْتِكَاكِ الأَسْما..
وَظُلْمَةِ اللّحدِ..
وَخِيفَةِ الوَعْدِ..
وَغَمِّ الضّرِيحِ..
وَرَدْم الصفيح..
وتواصل الوعي والثقافة المحققة الاتجاه الصحيح في الأداء وتوقع المعلوم مما يُقابل انحراف الأداء ونتائجه ؛ (المَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ، وَالدُّنْيا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ، فَاحْدَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحَرُّهَا شَدِيدٌ، وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ، دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ، وَلا تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةً، وَلَا تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةً، وَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَن يَشتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِهِ، فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا، فإِنَّ العَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنّهِ بِرَبِّهِ عَلى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنَّا بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً اللَّهِ) (1).
والتوازن والاستقامة تكون تحسسية - سلوكية هادفة ؛ (وَإنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنْ يَحْسُنَ ظَنَّكُمْ بِهِ، فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا)، ومعالم ودقة وعي الحلال والحرام المتوازن، يتحقق عندما ؛ (يَكُونُ حُسْنُ ظَنْهِ بِرَبِّهِ عَلى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنَّا بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً اللهِ).
ومما يعني ذلك آليه طردية، فكلما كان (حُسْنُ ظَنّه بِرَبِّهِ)، كلما ارتفع مستوى ى (قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ)، ومنه يتحقق صدق الاتجاه بمواصفات التحسس والتوجه والأداء، فكلما ؛ (أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنَّا بِاللهِ)، كان ؛ (أَشَدُّهُمْ خَوْفاً اللهِ)، وهناك فرق بين أشدهم الخوف من الله، وأشد خوفهم الله، التي مما تعني الثانية أي ؛ (أَشَدُّهُمْ خَوْفاً لله)، هي أكثر الاستيعاب والوعي للأهداف، والإخلاص في
1) المرجع نفسه / ص
الأعمال، وإنسانية السعي والثبات والإرادة وتحمل الأعباء ودقة في الأداء، ومعرفة ما ينفعه وما يضره من الأعمال، والدليل على أهمية الوعي وصدق الأداء بإرادة الإنسان وليس بإجباره أو بلا وعيه، هو و قوله تعالى في كتابه الحكيم :
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَاب عِندَ الله الصم البكم الذين لَا يَعْقِلُونَ) (22) سورة الأنفال.
وخير الناس مَنْ اتَّعظ حتى بغيره، وأسعد في عمل الخير الحلال النافع، وخيرهم مَنْ تزوّد بخير الزاد القائم بناءه على ذكر الموت، والناظر لما بعد الدنيا هو الجزاء والثواب، ولا ينال السعادتين إلا ذو حظ عظيم، وبما يمتلكه من التوجهات القويمة والعمل بها، و (شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ : عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ، وَعَمَلٍ تَذْهَبْ مَؤُونَتُهُ وَيَبْقَى أَجْرُهُ) (1).
ويضع (عليه السلام) المنهج وبرنامج التطبيق الذاتي الرادع، الذي يضع به الحد والحيلولة دون ارتكاب المعاصي المنظورة وغير المنظورة، حيث يقول :
(وَإِيَّاكَ أَن يَنزِلَ بِكَ الموتُ وَأَنتَ آبق مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، وَإياكَ وَمُصَاحَبَةَ الفُسَّاقِ، فَإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقِّ، وَوَفَّر الله، وَأَحْببْ أَحِبَاءَهُ، وَاحْذَرِ الغَضَبَ، فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ) (2).
وحلقات هذا التحذير المتواصل بالوعي واستيعاب الأسباب والمسببات، له المساس والاتجاه التقويمي في بناء وتماسك واستدامة وحدة المجتمع بكل المضامين والاتجاهات الإنسانية والأخلاقية، وبهذا يضيف (عليه السلام) انسيابية الحياة لما بعد الدنيا في خطبة أخرى :
(فَأَخَذَ امْرُؤٌ مِنْ نَفْسِيهِ لِنَفْسِهِ، وَأَخَذَ مِنْ حَيْ لِمَيِّتِ، وَمِنْ فَانِ لِبَاقِ، وَمِنْ ذَاهِب لِدَائِم، امرؤ خَافَ اللهُ وَهُوَ مُعَمَّرٌ إِلى أَجَلِهِ، وَمَنْظُورٌ إِلى عَمَلِهِ، امْرُؤٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا، وَزَمَّهَا بزِمَامِهَا، فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللهِ، وَقَادَهَا بِزمَامِهَا إِلى طَاعَةِ اللَّهِ) (3).
والاتعاظ بمن سبق من الشخوص والأعمال والوسائل، أمر ضروري لقويم السلوك الإنساني من أجل امتداد الحياة الدنبوية، والاستدامة في استقامة الأعمال، وما يترتب عليها من آليات، تحقق اتجاه حقيقي يكون فيه ؛ (مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ رَيحَ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ، وَمَنْ خَافَ أَمِنَ، وَمَنِ اعْتَبَرَ، وَمَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ، وَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ) (4)، والحساب مما يتضمنه هو بناء منظومة الرقابة وعمليات التقييم والتقويم الذاتي، وعنده يتطلب رفع المستوى الثقافي العقائدي والفقهي، وبالوعي والفهم يتجه في السيطرة على جموح النفس، وبالعلم يوجهها لكل ما يحقق الخير..
(وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ المَوْتِ آدَائِكُمْ قَبْلَ أن يدعى بكم) (1)، ومما يُسمع دعوة الموت، موعظة ما يجري في هذه الدنيا، والعمل بما ينفع النفس وما يُحيط به، وما يُحقق الخير المشترك، وكل ما يردع النفس الأمارة بالسوء بالعمل الصالح..
وفي وصية للإمام علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام)، ومنها :
(يَا بُنَيَّ أَكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ، وَتُقْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذَتَ مِنْهُ حِذْرَكَ، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ، وَلا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا، وَتَكَالُبهِمْ عَلَيْهَا، فَقَدْ نَبَّأَكَ اللهُ عَنْهَا، وَنَعَتْ هِيَ لَكَ عَنْ نَفْسِهَا، وَتَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا، فَإِنَّمَا أَهْلَهَا كِلابٌ عَاوِيَةٌ، وَسَبَاعٌ ضَارِيَةٌ، يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذلِيلَهَا، وَيَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا، نَعَمٌ مُعَقَلَةٌ، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا، وَرَكِبَتْ مَجْهُولَهَا. سُرُوحُ عَاهَةٍ وَادٍ وَعْثٍ، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا، وَلا مُسِيمٌ يُسيمُهَا، مَلَكَتْ بهِمُ الدُّنْيَا طريق الْعَمَى، وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى، فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا، وَاتَّخَذُوهَا رَبِّاً، فَلَعِبَتْ بهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا) (2).
والتأكيد على ذكر الموت والاتعاظ تمن سبق، يبني قوة وتماسك الدواخل الإنسانية بأخلاقياتها، وردع ما تميل إليه من انحرافات السلوك، وهو ما يسهم في البناء والتماسك الاجتماعي..
(وقال (عليه السلام)، وقد رجع من صفين، فأشرف على القبور بظاهر الكوفة :
يَا أَهْلَ الدِّيار الموحشة، والمحال المُقفِرَةِ، وَالقُبُور المَظْلِمَةِ ؛ يَا أَهْلَ التربةِ، يَا أَهْلَ الغربةِ، يَا أَهْلَ الوَحدَةِ، يَا أَهْلَ الوَحْشَةِ، أَنتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَع لاحِقِّ، أما الدُّورُ فَقَدْ سَكِنَتْ، وَأَمَّا الأَزْوَاجُ فَقَدْ نكِحَتْ، وَأَمَّا الأَمْوَالُ فَقَدْ قَسمَتْ، هذا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا، فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ ؟
ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه فقال : أَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُمْ فِي الكَلامِ لأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ " خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ") (3).
وخير ما يردع العقلاء ومَن يتعقلوا، هو ذكر الموت وذكر عاقبة الأعمال الدنيوية، ما ظهر منها وما بطن، فيكون صفاء الدواخل البشرية، ليكون البناء والتماسك الاجتماعي الحق، وحماية الجميع من شرور بعضهم البعض..
استكمالاً لما تقدّم من الدراسة، يتطلب أن تلقي نظرة فاحصة وتحليلية بحسب ما تسعه الدراسة ومتطلباتها على بعض المفاهيم التي تخص السلوكيات الاجتماعية السلبية على المستوى الفردي والجماعي والمجتمعي، وعلاج تلك المفاهيم بين نهج البلاغة وعلم الاجتماع، لما لها من أهمية كبيرة للإلمام بمضامينها، لنكون على بينة مما تدلله تلك المفاهيم، فضلاً عن معرفتها بما جاءت في مختلف المراجع لذا سيتضمنه هذا الفصل، مجموعة من المباحث وكالآتي :
المبحث الأول : الجهل وتأثيره على المجتمع.
المبحث الثاني : الخرافات والمجتمع.
المبحث الثالث : الحسد والمجتمع.
المبحث الرابع: النفاق وخطورته على المجتمع.
المبحث الخامس : الغصب وتأثيره الاجتماعي.
المبحث السادس : الغيبة والتفكك الاجتماعي.
المبحث السابع : التعصب والمجتمع.
المبحث الثامن : الظلم والمجتمع.
المبحث التاسع : الغدر وتأثيراته على المجتمع.
المبحث العاشر : تأثير الخيانة على مسيرة المجتمع.
المبحث الحادي عشر : الفتن وتأثيراتها على تقدم المجتمع.
المبحث الثاني عشر : العصيان وأثره على المجتمع.
المبحث الثالث عشر : الغوغاء بين نظرة نهج البلاغة وعلم الاجتماع.
الجَهْل : نقيض العِلْم، وقد جَهله فلان جَهْلاً وجَهَالة، وجهل عليه، وتَجَاهل : أظهر الجهل وتَجَاهَل أَرَى من نفسه الجَهْل وليس به، واسْتَجْهَله : عَدَّه جاهلاً واسْتَخَفْه أيضاً، والتجهيل : أن تنسبه إلى الجهل، وجَهل فلان حَقَّ فلان وجَهِلَ فلان عَلَيَّ وجَهل بهذا الأمر، والجهالة : أن تفعل فعلاً بغير العِلْم، وأيضاً الجهل هو ضد الخبرة، يقال : هو يَجْهَل ذلك أي لا يعرفه. (1)
والجهل بطبيعته ؛ يتقاطع مع العلوم والمعارف وما تُحدِثه من إيجابيات وثمار التغير والتغيير والمنافع الإنسانية - الاجتماعية، والجهل هذا المد الخطر المتحقق تعاظمه من تفاعل بيثوي ومناخي مع مجموعة عوامل داخلية وخارجية، وبظروف زمانية ومكانية وموقفية، وبمؤثرات مباشر وغير مباشرة، وقوى مجتمعية، وتأثيرات إقليمية وعالمية، وبشكله المقصود وغير المقصود، والمخطط له وغير المخطط له..
وللجهل والأمية الأشكال المتعددة والمختلفة، وتتعدد تبعاته وما ينجر على خصوصية الطبقات الاجتماعية، والطبقات الاقتصادية، وربما امتد حتى على مستوى الطبقات العلمية والتعليمية، وربما شمل مستوياته البيئية الشاملة، والشكل الآخر للجهل يتمثل في حركية صراع الثقافات والحضارات والاتجاهات المتعلقة بالتطور، ومنه التطور التقني والتكنولوجي..
وللجهل آثاره الآنية والمستقبلية، وتأثيراته السلبية ومخاطره وتهديداته البالغة على تنمية المجتمعات والشعوب بكل مكونات التنمية ومنها التنمية الاجتماعية، وتهديد تماسك البناء الاجتماعي والنسيج المجتمعي، والتأثير على التطور والتقدّم وعمق رسوخ الحضارات الأصيلة والإنسانية والأخلاقية..
1) ابن منظور / لسان العرب / ضمن (جهل).
ويمتد الجهل ؛ بأشكاله وأبعاده ومضامينه واتجاهاته المختلفة، ليُهدد مستقبل المجتمعات الحضاري، والأخطر حينما يكون الإصرار على الجهل، ومنه ما يتولّد العزّة في الإثم، ويؤثر ذلك على حيوية ومجريات الحياة، ومنه إعاقة انسيابية الحياة الاجتماعية..و
يتجه الجهل بخطورته الكبرى، حينما لا يؤمن الإنسان بالخالق عز وجل ووحدانيته وقدراته، والمؤدي بانحراف سلوك الإنسان، ومنه تهديد استقرار المجتمع وأمنه..
والأخطر حينها يبدأ الإنسان من جهل ذاته وقدراته وما يُقابله من قدرات المحيط به، والتوازن بين قدراته والدور القائم به، ولاسيما الدور الوظيفي - الاجتماعي، حيث يقول (عليه السلام) :
(وَلا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الأُمُورِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ) (1)
والكشف عن القدرات وما يُقابلها من أعباء ومهام ودور وظيفي، وما يخوض من غمار الدور الاجتماعي، يعني مدى استيفاء قدراته للمهام والأدوار، ومعرفة) مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ)، يحقق تخطيط واستثمار الطاقات حسب ما تقتضيه الأمور العملية :
إن كان بالمستوى المطلوب، تحقق ما مطلوب من تنفيذ المهام والأدوار، ومنها الأدوار الاجتماعية المطلوبة..
إن كان أدنى من المستوى المطلوب، توجّب تطوير قدراته الذاتية، كما هو عليه من خلال التدريب والتعلم والتعليم..
إن كان أعلى من المستوى المطلوب، تحقق التنفيذ والأداء العالي، عند استقامة الأمور، وما تحققه أنظمة الحوافز في معالجة الجهل والتشجيع واستثمارات القدرات المتوافرة في تطوير البيئة الداخلية والموارد البشرية والعمليات الإنتاجية، بما فيه الجوانب الاجتماعية، وعلاجات الجهل والأمية، ومنها علاج أمية المتعلمين، كما هو عليه الإفادة بالتعلم والتعليم من التطور التكنولوجي والتقني، ومنه الإفادة من الحاسوب والاتصالات والأنظمة المعلوماتية..
والمشكلة الكبرى المُهدّدة لمستقبل المجتمع وتحولاته التنموية والتطويرية، حينما يشغل الشخص المكانة الاجتماعية والتنظيمية والسياسية والإدارية، وهو يجهل حتى مستوى وطبيعة قدراته وما يشغله من منصب وظيفي، فيتحكّم بصنع واتخاذ القرارات والأمر بتنفيذها، أو حتى لو كان يمتلك القدرات العلمية العالية والمتقدمة، وهو لا يعرف أساليب التخطيط والنفع مما يحمله من علوم ومعارف، ويولد بذلك فجوات وضعف في البنية الاجتماعية أو المشروع وتماسكه، ومنه ما يلحق ذلك بالمجتمعات من تهديدات ومخاطر جسيمة، وهذا الجهل أخطر من أمية القراءة الكتابة..
1) نهج البلاغة / ص 437.
ويقول (عليه السلام)، حول مدى خطورة الجهل بضياع العلم بأمية حامل العلم، وضياع المال بسلوك منهج البخل :
(.. قِوامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ : عَالِمٍ مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ، وَجَاهِل لا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَجَوَادٍ لا يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ، وفَقِيرِ لا يَبيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ ؛ فَإذا ضَيَّعَ العَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ الجَاهِلُ أنْ يَتَعَلَّمَ، وَإِذَا بَخِلَ الغَنِي بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ) (1).
ويمكن بيان جوانب من قوام الدين والدنيا، وحركية وآلية محو الجهل بالمخطط الآتي :
مخطط (40) يبين العلم والجهل والغنى والفقر، وقوام الدين والدنيا
وجانب مما يؤكده (عليه السلام)، هو مدى خطورة وتهديدات عدم معرفة ثقافة ونظام التعلّم والتربية والتعليم، وقد اتبعت الدول المتقدمة جانب من أنظمة التربية والتعليم الحديثة والمعاصر، وما أطلق عليه بنظام : (تعلّم كيف تتعلم)، وهو ما يتوجب حتى معرفة تعلم أساليب وبرامج التعلم... (2)
وامتداد تكاملية الوقاية والعلاج من الأمية المستحدثة التي تعانيها المجتمعات، وهو ينطبق على الحاضر وعلى مدى امتداد الحضارات المعاصرة ومُقبل الحضارات للعناية حتى في ثقافة السؤال وعلوم السؤال، لذا يدخل علم السؤال حتى في برامج تنمية وتطوير التربية والتعليم ؛ (.. سَلْ تَفَقُها، وَلا تَسْأَلَ تَعَنُّتاً، فَإِنَّ الجَاهِلَ المُتَعَلَّمَ شَبية بالعَالِمِ، وَإِنَّ العَالِمَ الْمُتَعَسِّفَ شَبية بِالجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ) (3).
والفقه : العلم بالشيء والفهم له. وفَقِه الشيءَ : عَلِمَه، وفقهه وأَفْقَهَه : عَلْمه، وفقة عنه، بالكسر، فَهِمَ، ويقال : فَقِه فلانٌ عني ما بَيِّنْتُ له يَفْقَه فِقْها إذا فَهِمَه، ورجل فقية : عالم، وكل
عالم بشيء فهو فقية ؛ من ذلك قولهم : فلان ما يفقه وما ينْقَه ؛ معناه لا يعلم ولا يَفْهَم، ونَقِهْتُ الحديث أَنْقَهُه إذا فَهِمْته، وفَقِيه العرب : عالم العرب، وتَفَقَّه : تَعاطى الفقة، وفاقهته إذا باحثته في العلم، والفِقْهُ : الفِطْنَةُ، وليتفقهوا في الدين ؛ أي ليكونوا علماء به (1).
والعَسْفُ : السَّير بغير هداية والأخذ على غير الطريق، وكذلك تعني الظلم، والتعنت فلان يتعنَّتُ فلاناً ويُغنِتُه، فمرادهم يُشَدِّدُ عليه، ويُلزمه بما يصعب عليه أداؤه ؛ قال : ثم نُقلت إلى معنى الهلاك، والأصل ما وَصَفْنا. (2)
ومنطق ومنطلق معارف السؤال الحضاري وإنسانيته تكمن في توجهاته بين التفقه والتعنت، والفرز بين الحق والباطل، وإتباع الحق فيه، والوقاية من تهديدات الجهل الهالك للإنسان عند التعالي، وبالذات العزّة في الإثم، المهددة لاستقرار الأنفس البشرية ومستقبلها التنموي والحضاري، وبالمقابل ما يكون عليه العلم بين الجاهل المتعلم والعالم المتعسف، بين الاتجاه للتعلم والتعليم، وحجب العلم..
وبهذا أخطر وأعمق خطورة، حينما يكون : (العَالِمَ المُتَعَسِّفَ شَبيهٌ بالجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ)، لكونهما يغشاهما الفكر القاصر، وربما الفكر الملوث، ويحجبون نشر العلم والحيلولة دون الاتجاه صوب مواطنه الكريمة المستثمرة للطاقات والقدرات والمواهب والإبداعات..
و (كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيْكَ مِنْ رُشدِكَ) (3)، وهو ما يتضمن مدى أهمية مكونات الفكر وآليات ونتائج ما يحققه العقل، ومنه العقل واتجاهاته القويمة، للحماية من الجهل، ومنه مستوى ما يحمله الشخص للتمييز العقلاني بين الرشد والغي..
و (النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا)(4)، وبالعلم تنكشف الحقائق والأمور والسبل والعمليات الكفيلة بنجاح التنمية والتطور والبناء الاجتماعي الشامل، والحد من مخاطر إرباك التغيير والتغير الاجتماعي - التربوي والتعليمي، ولابد أن لا تقتصر البرامج التربوية والتعليمة على أمور روتينية، بل تتعداه إلى حركية الإستراتيجيات التربوية والتعليمية، وهو ما يحقق احتواء كل ما يجري من تغيير تكنولوجي أو تفني ضمن الخطط الشاملة والجزئية ودقة الإفادة منها، كما هو ما يحصل ضمن أجهزة الحاسوب، وأنظمة الاتصالات والتغييرات المتأثرة بالعولمة، والأنظمة المعلوماتية المختلفة والمتنوعة، وما يجري ضمن مضماري المؤسسات القيادية في أعمالها ونتاجاتها وإنتاجاتها، والريادي في إبتكاراتها السلعية والخدمية وبث الوعي بكل ما هو مستجد وفهمه، والحيلولة دون ظهور الجهل بالجديد ومنه توالد الصراعات..
ويتعدد أعوان وجنود الجهل، وقد يتمثل في الشخوص والأفكار والمواقف والمواقع والأزمان، وربما أصبح لهم التأثير حتى على صنع واتخاذ القرارات والمناهج والتنفيذ والأداء والنتائج والآثار المستقبلية، كما هو عليه حينما (اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلالٍ، وَجُنْداً بهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ، وَتَرَاجِمَةٌ يَنْطِقُ عَلى أَلْسِنَتِهِمْ، اسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ وَدُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ، وَنَفثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ، فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ، ومَوْطِئَ قَدَمِهِ، وَمَأْخَذَ يَدِهِ) (1).
والمخاطر والتهديدات الكبيرة والواسعة : (اتَّخَذَهُمْ)، (إبْلِيسُ)، (مَطَايَا)، (ضَلال)، ففي كل كلمة صراع واتجاهات تدميرية، لتجتمع عندهم مخاطر الفكر والنفس والسلوك، وتقارب خطر من نوع مجتمعي وبيئة خاصة، وانفتاح تشويهي وفجوات و اختراقات للحياة والحضارات..
والدليل هو السيطرة الموصلة ليكونوا : (وَجُنداً بهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ)، وآلية الوجه الآخر، التنظير الواضح ؛ (وَتَرَاحِمَةً يَنْطِقُ عَلى أَلْسِنَتِهِمْ)، وتهديداته العملية وذلك :
(اسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ)..
(دخولاً في عُيُونِكُمْ)..
(نَفثَاً فِي أَسْمَاعِكُمْ)..
والنتيجة ؛ (فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَيْلِهِ)، (وَمَوْطِئَ قَدَمِهِ)، (وَمَأْخَذَ يَدِهِ)، ومما يمثل ؛ نبله ؛ وجودهم كهدف ومُستهدف، والقدم ؛ تمثل الرقعة الفكرية والمكانية والزمانية والموقفية، واليد ؛ تمثل آلة وآلية البطش المادي وغير المادي والنفسي..
وتهديدات ومخاطر آخر، لوجه سلوكي آخر، يتمثل في العالم العامل بغير علمه، (وَإِنَّ العَالِمَ العَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالجَاهِلِ الحَائِرِ الَّذِي لا يَسْتَفِيق مِنْ جَهْلِهِ ؟ بَل الحجةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، وَالحَسْرَةُ لَهُ الزم، وَهُوَ عِنْدَ اللهِ ألوم) (2).
ولو جعلنا جزء مما تقدّم من النص المبارك في معادلة، لرأينا :
العالِمَ العَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ = الْجَاهِلِ الحَائِرِ الَّذِي لا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ
(وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالِ، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضَلالٍ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ، وَقَوْلِ زُورٍ ؛ قَدْ حَمَلَ الكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ ؛ وَعَطَفَ الحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ العَظَالِم، ويُهون كَبِيرَ الجَرَائِمِ يَقُولُ : أَقِفُ عِنْدَ الشَّبُهَاتِ، وَفِيهَا وَقَعَ، وَيَقُولُ :
أَعْتَزِلُ البَدَعَ، وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ انسَانِ، وَالقَلْبُ قَلْبُ حَيوان، لا يَعْرِفُ بَابَ الهُدَى فَيَتَبعَهُ، وَلا بَابَ العَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ، وَذَلِكَ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ !) (1).
ويبين لنا النص المبارك الآنف الذكر، قمم الجهل وخطورة العمل بتوجيهاته، وخطورة من نصب نفسه للناس بما تهيأ له وتصوّر بعلميته وهو ليس بذلك، فيأخذ بإفتاء الفتاوي بغير علم، وبما يتخبّط به في ظلمات الضلال، ويوهم مَنْ توهم بعلميته من عامة المجتمع وجهالهم..
وشخص آخر ؛ (أَدْحَضُ مَسْئُول حُجَّةً وَأَقْطَعُ مُغْتَر مَعْذِرَةً لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةٌ بِنَفْسِهِ) (2)، ومما يعني ما أعجبه نفسه واشتد بها بجهالته، وجاء بشدة الأمر الخطر، وذلك عند كل عصيان الله تعالى، وهو ينم عن جهالة وضلال..
ولبناء منظومة الوعي والثقافة الجماعية والمجتمعية، قال (عليه السلام) : وقد سمع رجلاً يذم الدنيا : أَيُّهَا الدَّامُّ للدُّنْيا، المُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا، المَخدُوعُ بأَباطيلها ! أَتَغْتَرُّ بالدُّنْيَا ثُمَّ تَذُمُّهَا ؟ أَنْتَ المُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا، أَمْ هِيَ المُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ ؟) (3).
ويتبين موقع ذم الشخص لسلوك معين والإتيان بما يذمه، هو الجهل المركب الأعظم بمخاطره، وما يتلابس عند تقمص الأدوار ونتائجها، ومنه : (الذَّامُ اللدُّنيا)، (الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا)، (المخدُوعُ بأباطيلها)..
وحينما يتم استيعاب البيئة والدور الحقيقي للإنسان العاقل، عملياً وميدانياً تظهر ؛ (الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٌ لا دَارُ مَقَرِّ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلانِ : رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا، وَرَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَاعْتَقَهَا) (4).
وشتان ما بين الشخص كفرد وجماعة ومجتمع، عتق النفس بقويم الأعمال النافعة والمستدامة، أو ذلّها وهلكها منحرف الأعمال، والدنيا دار ممر لا مستقر فيها، فلذا يتوجب أن يُعرف كيف تُستوعب الدنيا على ما هي عليها وعلى حقيقتها، وكيف تستثمر بوعي حق استثمارها، لامتدادات أشمل وأبعد من استراتيجيات الدنيا ؛ (فَبالإيمان يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الإيمَانِ، وَبِالإِيمَانِ يُعْمَرُ العِلْمُ، وَبِالعِلْمِ يُرْهَبُ المَوْتُ، وَبِالمَوْتِ تُختمُ الدُّنْيَا، وَبالدُّنْيا تُحْرَزُ الآخِرَةُ، وبالقِيَامَةِ تُزَلَفُ الجَنَّةُ..)(5).
ومن هذا الاستيعاب وثقافة الوعي للمصطلح والعمل بهداه، والحيلولة دون مخاطر الجهل، ولاسيما ما يُعانيه الإنسان الحديث والمعاصر من أشكال وأنواع ومكونات الجهل والجهالة المعاصر :
وبالوعي الوقائي ممكن أن يُحرز الإنسان كل ما من شأنه أن يحقق للإنسان مكاسب الدنيا والهدف الهادف لما بعدها، وبالعمل القويم يكسب الدنيا بمردوداتها المنظورة وغير المنظورة، والآخرة بمؤشرات العواقب الدنيوية، وما ينجم من سلوكيات وأعمال خالصة الله تعالى..
ومن مهام الإصلاح على مستوى المجتمع، يُعيد ويضع كل شيء في نصابه وعلى الطريق الصحيح، ويتجه نحو انسيابية العمليات المنظورة وغير المنظورة، والاستقرار والبناء والتماسك وانسيابية الحياة الفاعلة، وبدوره ينعكس على جوانبه الحيوية التنموية، وبالتزامن مع معالجة كل أشكال الجهل، ومنه ما يتجه المجتمع للحد من الجرائم والأعمال السيئة..
وتلازم ثقافة الإيمان والأعمال الصالحة، وما يُستدل بأحدهما على الآخر، وتتحقق تعاقب الأمور ينظم الحياة، ومحاورها :
بالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الإِيمَانِ..
بالإيمان يُعْمَرُ العِلْمُ..
بالعِلْمِ يُرْهَبُ المَوْتُ..
بالمَوْتِ تختمُ الدُّنْيَا..
بالدُّنْيا تُحْرَزُ الآخِرَةُ..
بالقِيَامَةِ تُزلَفُ الجنة..
وبهذه الحلقات المتواصلة، لا تظهر فجوة يمكن للجهل أن ينفذ من خلالها، أو لا يمكن للجهل أن تتوسع مساحته، أو تتهيأ له الأجواء لأخذ مفعوله المؤلم في جسد المجتمع..
وتشخيص الجهل بكل ما يعنيه وما يُنذر بمستوى خطورته الآنية والمستقبلية، وما يُحيق بمؤثراته على النظام الاجتماعي والتنمية وكل ما يدفع بتطوير مفاصل الحياة، ومنه الحيلولة دون اتساعه وتحوله إلى ظاهرة، لذا يقول (عليه السلام) :
(لا تَرْكَنُوا إلى جَهَالَتِكُمْ، وَلا تَنْقَادُوا لِأَهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بهذا المَنْزِلِ نَازِلَ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ، يَنْقُلُ الرِّدَى عَلى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضع إلى موضع، لِرَأَي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأي، يُريد أن يُلْصِينَ مَا لا يَلْتَصِقُ وَيُقَرِّبَ مَا لا يَتَقَارَبُ !)(1).
والركون والانقياد الجمعي بين الجهل والهوى، يؤدي تهديد تماسك البناء الاجتماعي وانهياره وتفكك النسيج المجتمعي، و (يَنْقُلُ الرَّدَى) هذه الصورة البلاغية، وكأن الذي يحمل الجهل وينقاد بمؤثراته الفكرية والنفسية، كما لو كان يحمل هلاكه وهلاك الآخرين متنقلاً..
1) المرجع نفسه / ص 152.
فلا خلاص إلا بوعي مَنْ ؛ (نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ، وَارْتَوَى مِنْ عَذْبِ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهْلاً، وَسَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً، قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ، وتخلى مِنَ الهموم، إلا هماً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ العَمَى، وَمُشارَكَةِ أَهْلِ الهَوَى، وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحَ أَبْوَابِ الهُدَى، وَمَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى، قَدْ أَبْصَرَ طَريقَهُ، وَسَلَكَ سَبيلَهُ، وَعَرَفَ مَنَارَهُ، وَقَطَعَ غِمَارَهُ، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ العُرَى بأوثقِهَا، وَمِنَ الحِبال بأمتنها..) (1).
وهنا الهداية بالإبصار والفهم والوعي والاستيعاب الفعلي، فلولا ذلك، ما كان من الذكر قد استكثر، ولم تسهل له الموارد والاهتداء إلى المنهل النقي ليستقى منه حتى يرتوي، ولما سلك السبيل القويم الذي لا عوائق فيه، ولما تمكن من خلع ما يؤثر عليه من الشهوات والتخلص من الظلمات والجهل، والتحوّل برحمة الله إلى النور والعلم، ومنه التمسك بأوثق مُستمسك الهداية..
ولما أصبح البعيد عن الجهل والظلمات، ولما استنظل بالعلم والأنوار، وما يُرشده ويرشد ما يُحيط به من المجتمع إلى سواء السبيل، وإن مواطن القوة والضعف تكمنان فيما يتحدد من المستوى الكائن وما يكون عليه المجتمع والنظام الاجتماعي، وما يُمليه الرسوخ الفكري وموازين العلم والجهل، ومدى انقلاب ورجاحة أحدهما على الآخر..
ولا يُقاس الغنى والفقر من خلال الماديات ومنها الجوانب الاقتصادية وما يمتلكه الإنسان ؛ الفرد والمجتمع، بل هناك أعمق من الماديات، وربما يكون السبق لها، وجانب من هذه الرؤيا تكمن في قوله (عليه السلام) :
(لا غنى كالعَقْلِ ؛ وَلا فَقْرَ كَالجَهْلِ) (2)
لكون العقل ورؤوس أموال العقول والمعرفة، هي تقود الثقافات والحضارات، وريادة ما تجود به العقول من علوم ومعارف، هي ما تجعل للحضارات مكانتها القيادية السياسية والاقتصادية، بل تتجاوزها إلى قيادة الحضارات والشعوب، وبالجهل وأوجهه، تنحدر الأمم نحو هاوية الفقر بكل أشكاله، وتذل دولها بين الدول، وهو ما يتراقص أمامنا، وما نراه القائم في حياة الحضارات، وهو واضح أمامنا دون ذكر أسماء الدول والشعوب..
وجانب آخر يلتصق بالجهل ألا وهو الإعجاب وامتداداته المنظورة وغير المنظورة، وبهذا الاتجاه يبين (عليه السلام) ويقول :
(وَاعْلَمْ أَنَّ الإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآفَةُ الأَلْبَابِ) (3)
ويولد الإعجاب بالنفس، الكبر والعزة بالإثم، فيحول بذلك بين حقيقية الأمور من خلافه، فضلاً عن كون الإعجاب بالنفس والذات وما تمتلكه من قوى، عِلّة العقول وهلاكها الذي يُنذر بهلاك مَنْ له علاقة بها من بعيد أو قريب، وربما يمتد لأوسع رقعة مجتمعية تهدد نسيجه الاجتماعي ومنظوماته..
ومما يؤثر الجهل حتى على الخصومة والخلاف، (ومَنْ كَثرَ نِزَاعُهُ بالجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ الْحَقِّ) (1)، وما أخطر الجهل يدعم النزاع والصراع والخلافات والاختلافات، وما يجر من عواقب وويلات ربما تتضاعف وتتفاقم، ولا يقف عند هذا بل يحول الجهل دون العقل والتعقل والحق، وتولد الفجوة أو الهوة بين الفرد والمجتمع وبين الحق، وهو ما يهدد استمرارية تماسك المجتمع..
وللسيطرة على خطورة الجهل التقليدي والجهل المعاصر، لابد من العودة إلى المنابع الأساسية للفكر النقي ، المتمثل بلا منازع ؛ القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وآثار العترة الطاهرة من آل محمد والأقوال المباركة للأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وما يجود به الراسخون في العلم..
ويتطلب أن تذكر جانب مهم هنا، ألا وهو الأخذ بنظر الاعتبار، التطورات المادية التي أثرت على المجريات والتركيبات الحضارية للمجتمعات المعاصرة، بحيث يُخاطب الإنسان ويتم علاجه المادي وغير المادي والنفسي من خلال اللغة وتطور دلالاتها المعاصرة، أو اتباع لغة العصر في مخاطبة العقول لاستيعاب التراث الفكري الحضاري والإنساني، ليكون فهمه وفاعليته متجدده وحقيقية، فالتراث الإسلامي ومنه العربي، ليس فيه القصور بما يمتلكه من علوم ومضامين إنسانية وأخلاقية وأصالة، وإنما بطريقة استحداثه وتجديده لمخاطبة عقول الأجيال بمفردات حديثة، تحقق معالجة الجهل المعاصر، وفتح قنوات للمخاطبة المعاصرة، كما هو معالجة الحلال والحرام، بلغة المضار والمنافع، والنجاسة والطهارة بلغة الطب والبيولوجيا، وما شابه ذلك، لكي لا يضجر الجيل المعاصر والأجيال القادمة من فهم منافع الدين، فلكل زمان لغته ودلالاتها ومفاهيمها وفهمها، ومنه ما يظهر من مبول وتعزيزات وطريقة التعلم والتربية والتعليم..
وما الدستور الإسلامي ؛ القرآن الكريم، المتمثل بكل مكوناته العظيمة، إلا هو الكافي والشافي والمعافي من كل داء ومن أشكال الجهل والجهلاء والإشكاليات، وما يُعيننا على الغور في فهم ما يواكب العصر، والوصول إلى عمقه الفكري وحلوله الجذرية لمشاكل كل عصر من خلال فهم غور الأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ومَنْ سار في ركبهم من من علماء الإسلام والأمة الكرام..
1) المرجع نفسه / ص 474.
والله عز وجل أرسل رسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسلم) : (.. وَالنَّاسُ ضَلالَ فِي حَيْرَةٍ، وَحَاطِبُونَ في فتنة، قَدِ اسْتَهْوَلَهُمُ الأَهْوَاءُ، وَاسْتَزَلْتُهُمُ الكَبْرِيَاءُ، وَاسْتَخَفَتْهُمُ الجَاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ ؛ حَيَارَى فِي زَلْزَال مين الأمْرِ، وَبَلاءِ مِنَ الجَهْلِ، فَبَالَغَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فِي النَّصِيحَةِ، وَمَضَى عَلى الطَّرِيقَةِ، وَدَعَا إلى الحِكْمَةِ، وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ) (1).
وكان النور من النور ومن مصدر النور، وسيبقى يمكث بيننا، ليحول بين الإنسان وجهله بالعلم والتوجيه وبث الوعي والتحذير من الجهل بكل مضامينه القديمة والحديثة والمعاصرة، ويمدنا الإسلام بالعلم والسلام، وبه السلام ومنه السلام..
التطلعات الحضارية التي ينهض بخططها المجتمع، والمحتوى الحضاري المستقبلي الذي تقوم على أساسه العقلانية والرشد بحسب الأسس العلمية ومضامينه النظرية - التطبيقية، وتوليد الوعي المتوازن والمتكافئ مع الأحداث الإنسانية المتفاعلة وبالمواقف المؤهلة لنجاحها، ويعني الاستيعاب المطلوب للبناء الاجتماعي، وبهذا يكون قد أفرز الحقائق بفهمها واستيعابات مكوناتها وكشفها عن الخرافات التي تنخر في جسد المجتمعات الإنسانية، وتُبعده عن خط مساره الفعلي للحضارة الحقيقية..
و في اللغة ؛ الخَرَفُ، بالتحريك : فَسادُ العَقْلِ من الكبَرِ، وقد خَرِف الرجُل، بالكسر، يَخْرَفُ خَرَفاً فهو خَرِفٌ : فَسَدَ عَقْلُه من الكبَرِ، والأُنثى خَرِفةٌ، وأَخْرَفَه الهَرَمُ. (2)
والخرافة Superstitution هي الاعتقاد فيما لا يُعقل، وتصور علاقات محددة لا تمت بصلتها مع العلم، ويتم اتجاه التصرُّف وبناءه على مستوى قوة الاعتقاد (3).
وتأخذ الخرافة اتجاهاتها الطردية مع الجهل والانحرافات وضعف المكونات الفكرية، وما يترتب من ضعف البنية والعمليات الفكرية، فكلما ترسخ الجهل داخل المجتمع، كان التمييز بين الخرافة والحقيقة معتم وضبابي، فيتفشى الإيمان بالخرافات، ويضيع الصدق..
ولأنّ الخرافات تتعدد أهدافها وغاياتها واتجاهاتها المنظورة وغير المنظورة، ومستوى ما تحمله الخرافات من الشر، وربما شيء من الخير، لذا أخطر ما تكون عليه، حينما يُستخدم التوجه ومحتوى الشر فيها، للسيطرة على سلوكيات الشعوب وقواهم وميولهم، بما فيه السيطرة على محرك القوى النفسية – الاجتماعية..
وقد عُرِفَت ودُرِسَت الخرافة منذ القدم، وما زال الاهتمام بمتابعة تطوراتها ومؤثراتها المختلفة حتى يومنا الحاضر، وكان لها الحضور في العلوم المتنوعة ومنها علم الاجتماع، وما يتعلق بالبيئة والتنشئة الاجتماعية الحاضنة لها، ولاسيما عند عالم الاجتماع (فريزر)، وما بين من أنها أسهمت عبر العصور في النظم الاجتماعية، حتى في نظم الحكومة والملكية الفردية والزواج واحترام الحياة الإنسانية، وما يمكن حياكة واستغلال الخرافات في مأرب صادقة وكاذبة، ومحورها وهدفها المجتمعات، ومنه السيطرة على ما يمتلكونه من قدرات وخيارات..
وسبب حظوتها داخل المجتمع الضعيف والمتفشي فيه الفقر والمرض والجهل، لما يحتاج إلى منافذ يتشبث بها للوصول إلى مبتغاه المطلوب والمستهدف، فتختلط لديه الأمور، ويظهر بشكل واضح في الشعوذة والتنجيم والسحر وما يلحقه من الطيرة والتشائم والتفائل.. (1)
ومما تهدف إليه الشريعة الإسلامية وتعاليمها وتوجيهاتها، هو عمليات التكامل وبناء عمق الفكر الإنساني الواعي، والتشجيع على البناء الراسخ لثقافة الإيمان بالله عز وجل، الذي لا يضع مجالاً لمثل هذه الفجوات والضعف وتفشيها وسريانها في جسد النظم الاجتماعية..
لذا حذر أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) من ظهور ثغرة الجهل التي تنفذ الخرافات من خلالها، وشجع على حماية المجتمع بالوعي والبناء التربوي والتعليمي المدعوم بالعلوم والمعارف وعمق الاستيعاب والتفكير الإبداعي والفهم المنتج، وأيضاً الحد من خطورة التلوث الفكري واختراق الخرافات للفكر الإنساني والعلمي، وربما اختراق منظومة الحضارات وتخرها وتدميرها..
وبهذا الخصوص والمنحى قال (عليه السلام) لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج، وحينما قال له أحدهم : إن سرت يا أمير المؤمنين، في هذا الوقت، خشيت ألا تظفر بمرادك، من طريق علم النجوم، فقال (عليه السلام) :
1) راجع : نخبة من الأساتذة المصريين والعرب المتخصصين / المرجع نفسه / ص 249.
(أَتَزْعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلى السَّاعَةِ التّي مَنْ سَار فِيهَا صرف عَنْهُ السُّوءُ ؟ وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ التّي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بهِ الضُّرُّ ؟ فَمَنْ صَدَّقَكَ بهذا فَقَدْ كَذَّبَ القُرْآنَ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الإِسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ فِي نَيْلِ المَحْبُوبِ وَدَفْعِ المَكْرُوهِ ؛ وَتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولَيَكَ الحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ، لأَنَّكَ - يُزَعْمِكَ - أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ، وَأَمِنَ الضُّرَّ !!
ثم أقبل (عليه السلام) على الناس فقال : أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلَّمَ النُّجُومِ، إلا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرّ أَوْ بَحْرٍ، فَإِنَّهَا تَدْعُوا إلى الكَهَانَةِ، وَالمُنَجِّمُ كالكَاهِنِ، وَالكَاهِنُ كَالسَّاحِرٍ، وَالسَّاحِرُ كَالكَافِرِ ! وَالكَافِرُ فِي النَّار ! سِيرُوا عَلَى اسْم الله) (1).
وما بين فلسفة وإستراتيجية التعلم تكمن ضمن طبيعة المعلومات واكتسابها ومنافعها وسلامتها وحداثتها واستحداثها واستمراريتها مع متطلبات الحياة، ومدى إزدواجية وما يكمن في استعمالاتها وتطبيقاتها..
كما هو عليه : عليه ؛ (تَعَلَّم النُّجُوم)، وما يتحقق من التطبيقات الميدانية والمجتمعية، والتوجهات بين الانتفاع بما ؛ (يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْر)، فتنصب في مجرى المنافع العلمية، وبين ما ؛ (تَدْعُوا إلى الكَهَانَةِ)، فتدخل بمخاطرها ضمن مجالات تبدأ بالكهانة، حتى تصل نهايتها لتصب بمضارها و تهديداتها في مجرى الكفر..
وهنا يظهر مخاطر التمسك بأشباه العلوم والتمسك بالخرافات، ومنه الانحدار إلى الكفر بانحراف وتلوث الفكر الإنساني، وبطبيعته يؤثر على السلوك من خلال ولوج المؤثرات السلبية إلى النفس، وبدوره يولد مجتمعاً بانحراف أو تشويه أو تلوث فكري خطر على ذاته وما يُحيط به، ومما يعني التخلي عن القرآن الكريم، وما تهدي به الأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة الأطهار (عليهم السلام)..
فضلا عن ما تقدّم بيانه، وحينما يحتاج المجتمع ثقافة مناسبة لفرز وتحديد دقة دلالات المفاهيم الإنفرادية والتركيبية، وما يتوجب من توجيه وتوضيح وبيان الفارق بينها، وصحة وجودها والتعامل معها بوعي وفاعلية، دون الانزلاق في دوامة الجهل والخرافات... عندها يقول (عليه السلام) :
(العَيْنُ حَقٌّ، وَالرُّقَى حَقٌّ، وَالسِّحْرُ حَقٌّ، وَالفَألُ حَقٌّ، وَالطَّيْرَةُ لَيْسَتْ بِحَقِّ، وَالعَدْوَى لَيْسَتْ يحَقِّ، وَالطَّيبُ نُشرَةٌ، وَالعَسَلُ نُشْرَةٌ، وَالرُّكُوبُ نُشْرَةٌ، وَالنَّظَرُ إلى الحُضْرَةِ نشرَةٌ) (2).
وهذا التوجه وتحديد مكانة وصدق ودقة اتجاهات المصطلح وتوضيحاته، ودعم توجيه دقة ثقافته ودقة بيانه للوقاية والعلاج من آثاره، وطبيعة الإيمان به من منظور الوقاية من آثاره ومخلفاته وعواقبه، وما يميز الوعي للتعامل مع دلالات وتطور المصطلح وموقعه من متطلبات الفهم..
وهو ما ينطبق على العين والحسد، وما ومن هذا المصطلح وعلى أي أساس التعامل معه، وما جاء من معالجاته في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وما جاء على خطاهما في أقوال الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وعنده يكون الوعي والحيلولة دون مؤثر سيطرتها السلبية على شخصية الفرد والمجتمع..
و (العَيْنُ حَقٌّ) ؛ مما يعني وجوده وذكره ومعالجاته في القرآن الكريم، لكنه منبوذ ومحدر من خطورته وتهديداته ونذيره على مستقبل المجتمعات، وبقدر الوقاية والعلاج منه، يتوجب عدم الاتجاه نحوه والتعامل معه..
وهكذا الرُّقَى وَالسِّحْرُ وَالفَالُ حَقٌّ، كوجود ذكره ومعالجاته في القرآن الكريم، وليس التشجيع على الاتباع والتعامل معه، لكن بذات الوقت فالطَّيْرَة والعَدْوَى لَيْسَتا يحق، وهو ما يبني الصحة النفسية – المجتمعية..
فالطيرة ؛ أي التشائم، ونحوها مما لا يحق الأخذ بها، وحماية المجتمع من عوائقها للأعمال والإقدام على آفاق الحياة ومنافعها.. وهكذا تتداخل الأمور والمصطلحات ومنها ما تكون ضمن مدار وحيثيات الخرافات..
وهو ما يُدلل على ضرورة الوعي الثقافي للمصطلح ودلالاته في الدين الإسلامي، وما يتطلبه من أخلاقيات وقيم فاعلة لردع كل ما يؤدي إلى انحراف الفكر وتلوثه، لكي لا يدخل المستهدف للإسلام والمسلمين من فجوة الجهل، وجهل التعامل مع المصطلح ودلالاته، والمباحث اللاحقة سنتطرق لمثل هذه المصطلحات وتوضيحها..
ومما ورد في الذكر الحكيم عن السحر Megic ومعالجاته وبطلانه إن شاء الله تعالى :
واتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) سورة البقرة.
وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِلَكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن تَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أن ألقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118)
فَغْلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) والقِي السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) سورة الأعراف.
إِنَّا أَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) سورة طه.
لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أفتَأتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (3) سورة الأنبياء.
وعموماً فإن ما جاء به الإسلام من رشاد وقيم ومكارم الأخلاق، للقضاء على كل الخرافات أينما كانت حتى تشمل الانحرافات والخرافات التي تنجم عن عبادة وثنيتها.. والكشف عن حقيقتها، لإظهار وتمييز ؛ الحق من الباطل، والعلم من الخرافات، والاتجاه بالمعارف والحكم والتوجه الإسلامي للحياة على الصراط المستقيم، والهدف هو حماية الإنسان ؛ كفرد ومجتمع، والحيلولة دون انحرافه وتفككه وانهيار المبنى والنسيج المجتمعي..
مصطلح آخر يمر ويتم تداوله وسماعه ضمن حياتنا اليومية، وفجوة خطرة ضمن منظومة العلاقات الإنسانية، ومنحدر المستوى التفاعل العاطفي السوي المتبادل، ويكون له مؤشراته ومؤثراته ومخاطره التي ينساق الفرد والجماعة إليها، ويترسخ وينبثق من الجهل وضعف النفس وفقدان الثقة بالعقيدة، ألا وهو الحسد..
والحسد Envy سلوك فردي وربما جمعي يتوالد من المحتوى الفكري والتربوي السلبي ومؤثراته داخل النفس البشرية، ومما ينبع من مؤثرات الطمع وعدم القناعة بما لديه، والتطلع لنعم ومكاسب الغير، صغيرها وكبيرها بنظرة سلبية حاقدة، وقد يكون من بين أسباب الشعور بالنقص في دواخل الفرد، وربما امتد الحسد بخطورته حتى إلى العلماء، والأصح دخول الحسد بين المتشبهين بالعلماء والمتقمّصين أدوارهم، وما يقع بين ضعاف النفوس..
والحسد ؛ هذا السلوك، يشمل شخص انجاه آخر، الحاسد والمحسود، والحسد يهدف ويولد التمنّي لزوال نعمة شخص معين، أو ربما امتدّ واتسع إلى أشخاص أو جهة معينة..
وهو يختلف عن الغيرة Jealousy التي يكون فيها مشاركة أو شمول ثلاثة أشخاص، بين الشخص الذي تُصيبه الغيرة، ومَنْ يُغار منه، والآخر الذي يتوسطهما والذي من أجله تولد نوع من الغيرة في دواخل الفرد، وتكون إما من جراء المحبة، أو الميول والانحراف عنها..
وبهذا المنظور يلحق بالأفراد الضرر الكبير بشكله ومضمونه، ويُضعف شبكة ومنظومة العلاقات الاجتماعية، وبتفاقمه الجمعي ينذر بمخاطره على التفكك الاجتماعي وتمزيق نسيجه المتماسك، والحيلولة دون بناء علاقات إنسانية ناجحة ورصينة، ومنه ما يؤثر على الآخرين، وما يدلل على الجهل والتخلف، كما هو عليه حسد طبقات أصحاب التخصصات المهنية والتربوية والعلمية، وتدمير مكانتهم وكيانهم المهني والعلمي والمعرفي، وما ينجر على الأجيال، بدلاً من المواصلة والتزود من العلوم لمنافستهم المنافسة المشروعة والسويّة والمنتجة وكل ما له علاقة ضمن المجالات الإبداعية وتنمية وتطوير القدرات والمواهب، وأخطرها على مستقبل الحضارات والثقافات، حينما يكون مد الحسد بين الأوساط التربوية والتعليمية والعلمية.. (1)
والمنهج التربوي والفكري للإسلام، قد حدر وحرّم هذا الشكل من الفهم والسلوك البشري، والحد من تفاقمها لكي لا تتحوّل كظاهرة سلبية وخطرة على المجتمعات وحضاراتها..
ومما ورد في الذكر الحكيم :
وَدُّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كَفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ إنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) سورة البقرة.
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا أَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ أَتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) سورة النساء.
وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذا حَسَدَ (5) سورة الفلق.
واقتران الحسد بالكفر والحسد لكل أشكال النعم الإلهية، ولذا يتوجب الامتناع عن مثل هكذا سلوك، لحماية ذات الإنسان..
1) راجع للمؤلف في هذا المجال ما تم دراسته في كتاب ؛ علم النفس في نهج البلاغة، ضمن هذه السلسلة العلمية وبالذات : ص 122 - 124.
ومن هذا النهي والتوجيه والعلاج الإنساني في الدين الإسلامي، يضع نهج البلاغة علاجاته المتعددة المناحي، وما يتوجبه من الوقاية من الحسد، لئلا يصل تعاظمه ربما إلى انفصام الشخصية، فيصل به الأمر حتى حسد نفسه، كما يقول (عليه السلام) :
(عُجْبُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدٌ حُسَّادِ عَقْلِهِ) (1)
فتراه يُصاب بالعُجب بنفسه وما يمتلكه وما لا يمتلكه، ومنه ما ينساق بغروره إلى جنون العظمة، فينحدر بعقله صوب الهاوية، ويقصر به تفكيره وأداءه، فيكون منقصه حتى في سلوكه وعلاقاته الاجتماعية، فينفر منه القاصي والداني..
واتجاه آخر في حسد الفرد للآخرين، وبالذات ما يُنقصه آنياً ومستقبلاً في ميوله واتجاهاته، حيث يقول (عليه السلام) :
(العَجَبُ لِغَفْلَةِ الحَسَادِ، عَنْ سَلامَةِ الأَجْسَادِ !) (2)
وجانب مما يُدلل عليه، هو مدى تشويه صور الحياة لديهم، ولا عقلانية ولا سوية هذا السلوك اللا حضاري للفرد، ومدى انشغالهم عن حسد ما هم عليه من صحة..
وانتقالة أخرى، حينما يدخل الحسد في موقعه ووصفه الوظيفي، ودوره الحياتي والأدائي، وما يكون له من عواقب سيئة في ثقل الذنوب، كما هو معالجات ما يتضمنه قوله (عليه السلام) :
(.. وَالحَرْصُ وَالكِبْرُ وَالحَسَدُ دَواعِ إلى التَّقَحُمِ في الذُّنُوبِ..) (3)
وللحسد تأثيراته وتهديداته على العلاقات الإنسانية الأسرية الاجتماعية، وما يولّده من بغضاء وعداوة، حيث يقول (عليه السلام) :
(.. وَلا تَكُونُوا كَالْمُتَكَبْرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ الله فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ العَظَمَةُ بنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الحَسَدِ..) (4).
وما أدق تشخيص ضعف الجوانب التربوية والأخلاقية والاجتماعية، مما يترتب عليه من ؛ (عَدَاوَةِ الحَسَدِ)، وتصور تلك العداوة التي سببها الحسد، والناجمة عن ضعف البناء والعملية التربوية القائمة على : (مَا أَلْحَقَتِ العَظَمَةُ بِنَفْسِهِ)..
وأيضاً من المخاطر الاجتماعية للحسد، أن يصل الأمر بضعف المنظومة التربوية للحاسد في حسد صديقه، وتهديد مستقبل العلاقات الإنسانية النبيلة، حيث يقول (عليه السلام) :
(حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ المَوَدَّةِ) (5)
وحسد الصديق لصديقه، دليل على علة مكونات وأسس وبناء ما قام عليه كيان الصداقة والمحبة وما يترتب عليها من مستوى قبل العلاقات الاجتماعية وأرفعها هي الصداقة والأخوة، لذا فالصداقة والحسد لا يجتمعان بإخلاص ومودة ووئام، ولا يؤتمن على الصداقة عند الحسد..
ومن أعظم مخاطر وتهديدات الحسد، عندما يصل بشخوصه إلى درجة أن يأكل الإيمان بتغيير الفكر والنفس والاتجاه والسلوك والأداء والنتائج والآثار المستقبلية، وعندها يكون النهي له مضامين حماية البناء الفكري - العقائدي : (وَلا تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الإيمان " كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الخَطَبَ ") (1).
ويأتي دور أهل النفاق بالحسد، فهم ؛ (حَسَدَةُ الرَّخَاءِ، وَمُؤَكِّدُو البَلاءِ، وَمُقْنِطُو الرَّجَاءِ) (2)، ويتضح في هذا السلوك غير السوي واللا إنساني، مدى تهديد النفاق من خلال فجوة الحسد التي تنخر في جسد المجتمع ونعمه وحضاراته، فكم من مُلك وحضارات أسهم الحسد في زوالهما..
تواصلاً لما تقدّم، يُطالعنا موضوع آخر له من الخطورة البالغة على مسيرة وانبعاث وتماسك المجتمع ومقومات الحضارة والثقافة والتربية والتعليم، وما يرتبط بشكل وبآخر بها، ألا وهو النفاق..
وعند تفشي النفاق، يُنذر بتراجع وانحراف وتهديد النسيج المجتمعي، لما له من توجه فكري وسلوكي، يُظهر فيها الفرد المنحى الإيجابي لغاية معينة، منها ما تصب في مصالح شخصية، ومنها ما يتعلق بحماية وكسب الفرد مكانة معينة داخل المجتمع بشكل عام، والمجتمع التنظيمي بشكل خاص..
والمنافق يُضمر الإضرار بأفراد أو جماعة معينة ؛ بشكل مباشر وغير مباشر، ومؤداه الإخلال بالعلاقات وتوليد الصراعات السلبية : الاجتماعية منها والمؤسساتية والتنظيمية، وربما يأخذ مأخذه، ويحقق أهدافه، وغالباً ما يكون آني، سرعان ما ينكشف المنافق على حقيقته، فينبذه المجتمع، وقد يتجاوز إلى أن يُحقر الفرد نفسه، لما وصل إليه من انحدار..
وربما يسهم بشكل كبير، اتجاه التنشئة الاجتماعية والتربوية السلبية والفراغ الفكري في بلورة النفاق، وكذلك حينما يشعر المنافق ملائمة المناخ والبيئة الحاضنة له، وما يرى من نجاحه في تحقيق مآربه وأهدافه الوصولية، وتواصله يكون تبعاً لمستوى تشجيعه على سلوك مثل هكذا منحى وباختلاف الأساليب وتعددها..
وحينما لا يرى المنافق مجالاً له إلا باتباع الخنوع والنفاق، أو إصابته بأعراض حالات مرضية نفسية وعقلية وغريزية، وخطورته تكمن في إبداع النفاق وتوسع امتداد شبكة النفاق داخل البيئة..
ويظهر تعاظم مخاطر النفاق الميدانية، حينما يمتد تفاعله داخل المجتمع وداخل المؤسسات العامة والخاصة، وبالخصوص حينما تدعمه المستويات الإدارية والتنظيمية العليا، ويدعمه أصحاب النفوذ والقرار والتنفيذ، وهو ما يظهر بشكل واضح في البيئة المتخلفة، والبيئة المهددة بتغيير رؤوس التنظيمات وأتباعهم، والبيئة التي تظهر فيها التكتلات والمصالح المنحرفة..
ويدخل النفاق في مجالات الحياة المتعددة داخل المجتمعات المتخلفة، منها ما يتعلق بالنفاق السياسي، والنفاق الاجتماعي، والنفاق التعليمي والتربوي والتنظيمي..
ولأهمية الوعي الاجتماعي الوقائي - العلاجي في هذا الجانب النذير مخاطره، فقد عالجت الكتب السماوية هذا الموضوع، ولاسيما القرآن الكريم، ووضعت له أدق المعالجات، ووصفته بأدق وصف ومواصفات، وحددت له ما يتطلب من الوقاية الكفيلة، لدفع مخاطر أمراضه عن المجتمع..
ومما عالجته الآيات الكريمات في هذا المضمار، قوله تعالى :
(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابِ عَظِيمٍ) (101) سورة التوبة.
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (1) سورة الأحزاب.
(وَإذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) (1) سورة الأحزاب.
(لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (24) سورة الأحزاب.
(لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (73) سورة الأحزاب.
(إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) من الآية 140 / سورة النساء.
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (145) سورة النساء.
ولبيان خطورة النفاق والمنافق، ومنه خطير على مستقبل التنشئة والبيئة والتماسك والضبط الاجتماعي، وتطلعاته المهددة لأمن المجتمع واستقراره وامتداداته، اقترن المنافق بالكافر والمرض والعذاب وجهنم والدرك الأسفل والنار وما يولده من الضعف..
ولذا حذّر أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) من خطورة المنافق والنفاق على الفرد والمجتمع، وعواقبه الدنيوية - الأخروية، وما يُحدث من فجوات وفراغات وضعف في النسيج المجتمعي وتفكك المجتمعات وإرباكها، وللحماية يمكن بيان وتعريف سماته بأنه ؛ (رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظهر الإيمان، مُتَصَنُّع بالإِسْلامِ، لا يَتَأَثمُ وَلا يَتَحَرَّجُ، يَكْذِبُ عَلى رَسُولِ اللهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - مُتَعَمِّداً، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ، وَلكِنَّهُمْ قَالُوا : صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ – (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - رَآهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَلَقِفَ عَنْهُ، فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللهُ عَنْ المنافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ، وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ، فَتَقَرَّبوا إلى أَئِمَّةِ الظَّلالَةِ، وَالدُّعَاةِ إلى النَّارِ بالزّور والبهتان، فَوَلَوْهُمُ الأَعْمَالَ، وَجَعَلُوهُمْ حُكّاماً عَلى رِقَابِ النَّاسِ، فَأَكَلُوا بهم الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ المُلوكِ وَالدُّنْيَا، إلا مَنْ عَصَمَ الله..)(1).
وبين إظهار المنافق للإيمان أمام الناس، وإخفاء ما يُخالف الإيمان، إذلال الشخصية وسلوك ازدواجية الشخصية، ومنه ما يترتب من جريرة أعماله وتهديداتها لنظم المجتمع، وإظهار ما ينفع المجتمع، لكن حقيقة ما يضمره هو الإضرار وتوليد الصراعات والتفرقة داخل المجتمع، وقد يتعدّى ذلك للمحيط والبيئة الخارجية والمجتمعات..
ويوضح (عليه السلام) تهديد المنافق لإستراتيجيات وهندسة الحياة وانتظامها داخل المجتمعات ويستشهد بحديث الرسول الأكرم (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) حيث يقول :
(فَإِنَّهُ لا سَوَاءَ، إمَامُ الهُدَى وَإمَامُ الرَّدَى، وَوَلِيُّ النَّبِيِّ، وَعَدُوُّ النَّبِيِّ، وَلَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - : " إِنِّي لا أَخَافُ عَلى أُمَّتِي مُؤمِناً وَلا مُشرِكاً ؛ أَمَّا المُؤمِنُ فَيَمْنَعُهُ الله بإيمانِهِ، وَأَمَّا المشركُ فَيَمْنَعُهُ الله يشيركِهِ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ الجَنَانِ، عَالِمِ اللِّسَانِ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ، وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ ") (2).
وبين الخوف والثقافة الوقائية واليقظة، يظهر المنحى الخرج وعمق التهديدات ومواقع الخطورة على المجتمع، ولاسيما إذا ما شغل المنصب والمسؤولية ولسان حال الآخرين..
وتبرز امتدادات التحديات والمخاطر، حينما ينبع سلوك وعمل المنافق من الدواخل المؤسساتية، والمتجه بالموجهات الإبداعية والمبتكرة للسلوك الشرير بالنفس البشرية الأمارة بالسوء ومنها :
1 - (مُنَافِقِ الجَنانِ، عَالِمِ اللِّسَانِ، يَقُول ما تعرفونَ، وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ)، ينبع نفاقه من الدواخل الشريرة للنفس البشرية الأمارة بالسوء، هذه النفس والروح العمياء التي لا يسلم منها القريب والبعيد إلا مسه الضرّ بأعمالها..
2 - عند معرفة المنافق أحكام الشريعة الإسلامية، يستغل الأحكام أبشع استغلال، ويُجنّدُها لأغراضه الشخصية والفئوية، ويجعلها تبعاً للدواخل الشريرة الكامنة التي يخفيها، فينطلق بصفة الحق، ويقوم بتشويه اتجاه ومنافع أحكام الشريعة الإنسانية، ويعمل بإخفاء حقيقة منهجه الباطل وأعماله المنكرة وحكمه الظالم وسطوته الشريرة..
وربما تسلك الحكمة قناة اللا شعور للمنافق، عندها ترفض الحكمة هذه البيئة الملوثة، فتنطلق من عدوها المنافق وتتحرر منه لتستقر في بيئتها الحقيقة عند أهلها العلماء والحكماء، لتنمو وتتطور بشكلها الإبداعي، ونفعها المستدام، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(خُذِ الحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ، فَإِنَّ الحِكْمَةَ تَكُونُ فِي صَدْرِ المَنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إلى صَوَاحِيهَا فِي صَدْرِ الْمُؤْمِنِ) (1).
والحكْمَةُ : عبارة : عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. ويقال لَمَنْ يُحْسِنُ دقائق الصناعات ويُتقنها : حَكيمٌ، والحَكِيمُ يجوز أن يكون بمعنى الحاكم مثل قدير بمعنى قادر وعليم بمعنى عالم (2).
ومما يتضمنه النص المبارك، بخصوص موضوعنا الآتي :
ليس الغرض من صدور الحكمة من المنافق على سبيل إعانة المجتمع على أمور الحياة أو استزادة العلوم فيه، بل لأنها تؤلم وتخنق دواخله بصدق الكلمة وحب التغيير فيقاومها من هذا المنفذ الوحيد لديه، وهو محاولته لإخراجها منه ليحقق هدف معين، سرعان ما ينقلب عليه..
أما استقرارها في صدر المؤمن، وما تسكن في دواخله، إلا من باب بهجة الحكمة بأهلها واحتضانهم الحقيقي كبيئة تنموية وتطويرية فاعلة ومناسبة لها، وما يكفلونها بالحفاوة التكريمية والرعاية التنموية الإبداعية حتى تعظم في استثمارها الإنساني، لتكون حلقة مهمّة من حلقات التنمية والتطوير والبناء والتماسك الاجتماعي الحقيقي، وتسهم في النظم الاجتماعية والسعي بهداها نحو الحياة الدنيوية الهادفة لكل خير، والحياة مستقبلية تضمن باستقامتها الدنيوية لحياة أخروية..
ولهدف هندسة وإعادة هندسة البيئة التربوية والتعليمية والعلمية والمعرفية - الاجتماعية، برؤى ثقافية واسعة المنافع والحكمة، يضيف (عليه السلام) في موضع آخر :
(الحِكْمَةُ ضَالّهُ المُؤمِن، فَخذ الحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ النّفاق) (1)
والضالة ؛ هي الضائعة من كل ما يُقْتَنى، وحينما تكون (الحِكْمَةُ ضَالَّهُ الْمُؤْمِنِ)، تكون المفقودة التي لا يرعاها بحقها وحقيقتها إلا المؤمن، فهو يرعاها في بيئة الحلال الطيب المثمر والأخلاقي، ويحميها من كل شارد ووارد من الحرام، وما يشوه منافعها وتعاظمها وتطويرها وتنميتها المستدامة..
(فَخُذِ الحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْل النِّفَاق)، وسابق القول إنها تحقق حمايتها ووضعها في بيئتها الحقيقية، وإنقاذها من بيئة النفاق، والحد من توجّه استغلالها ضد الخير وضد تنمية النعم الإلهية الموروثة لخلقه..
وربما كان الأخذ في ذلك وقاية المؤمن من التهديدات والتحديات والمخاطر، وعلاج المنافق لحماية ما يمتلكه من طاقات وقدرات واستثمارها لخير الناس، وبذات الوقت إعادتها لأصحابها الحكماء، لتواصل الحكمة دورة حياتها الحقيقية والتي هي أعلى مراتب ومراحل استثمار المعلومة وتحولها إلى رأس مال معرفي وإنساني، لتنتج في ربوعها الحكمة وما تتطلبه من الفهم ودقة التطبيق..
وأيضاً ما يُمثله وما يؤكد عليه فقه العلوم من جواز انفتاح المؤمن على كل الاتجاهات في طلب الحكمة التي كما سبق الإشار إليها، بأن الحكمة امتداد ونتاج نقاوة العلم والمعرفة، وهو جواز طلب أعلى مراحل التحصيل الفكري والثقافي والعلمي والمعرفي، بلا عوائق حدود الاتجاهات الشرقية والغربية والشمالية والجنوبية وتوابعها..
فلو كانت الحكمة تؤخذ من منافق، فيجوز أخذها حتى من كافر، ليكون العون الداعم للمؤمن ونفعه المستدام، ويبقى الوعي والاستيعاب وكل ما يُحقق الوصول إلى سلامة المعلومة والحكمة، والانتفاء لكل ما هو قويم، وسلامة استيعابها واستثمارها بالشكل والبحث والدراسة العلمية الدقيقة، وتحقيق ملائمتها مع البيئة، ومنها البيئة الاجتماعية الإسلامية..
وأقول الإسلامية ؛ لكون الإسلام الحقيقي المتوجّه بكل ما هو حلال طيب، والوقاية من كل ما يؤدي لارتكاب المحرمات، ولذا لابد من أن يكون نفع العمل المتفاعل والمتكامل مع الإنسانية جمعاء، وبكل ما تعنيه التفاعلات الإنسانية والأخلاقية الهادفة لخير المجتمعات..
وبخلاف طلب الحكمة وما يتطلبه من الابتعاد عن كل منافق، لا يكون هدفه إلا للحماية من تهديدات ومخاطر المنافق وسلوكياته، لذا يُحدّر (عليه السلام) بالوصف وتحليل مكونات الشخصية، عند قوله :
(.. وَأَحَذَّرُكُمْ أَهْلَ النّفَاقِ، فَإلَهُمُ الضَّالُون المضلُّونَ، وَالزَّالُون المزلُونَ، يَتَلوّنونَ أَلْوَاناً، وَيَفْتنون افتناناً، وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ، قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ، وَصِفَاحُهُمْ تَقِيَّةٌ، يَمْشُونَ
1) نهج البلاغة / ص 481.
الخَفَاءَ، وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ، وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ، وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ، وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ العَيَاءُ، حَسَدَةُ الرَّخَاءِ، ومؤكِّدُو البَلاءِ، وَمُقْنِطُو الرَّجَاءِ، لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيق صَرِيعٌ، وإلى كُلِّ قَلْب شَفِيعٌ، وَلِكُلِّ شَجو دُمُوع، يَتَقَارَضُونَ الثَّناءَ، وَيَتَرَقَبونَ الجَزَاءَ : إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا، وَإِنْ عَدْلُوا كَشَفُوا، وإنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا، قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلاً، وَلِكُلٍّ قَائِم مَائِلاً، وَلِكُلِّ حَي قَاتِلاً، وَلِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً، وَلِكُلِّ لَيْلٍ مِصبَاحاً. يتوصلون إلى الطَّمَع بالبَأْسِ لِيُقِيمُوا بهِ لأَسْوَاقَهُمْ، وَيُنفِقُوا بِهِ أَعْلاقَهُمْ، يَقُولُونَ فَيَشبّهُونَ، وَيُصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ، قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ، وَأَضْلَعُوا المَضِيقَ، فَهُمْ لَمَةُ الشَّيْطَانِ، وَحُمَةُ النيران : " أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ ") (1).
و بعمق هذه البلاغة ودقة التحليل، يتبين ما لخطورة النفاق وأهله على الفكر والنفس والسلوك الاجتماعي والجوانب الأخرى، ولذا يكون المنهج الوقائي، يحقق الحماية الأكيدة لوحدة المجتمع وسلامة كيانه وتماسك نسيجه، ومنه قويم الانطلاق نحو الأهداف الاجتماعية المرسومة..
وأهل النفاق هم في انحرافهم مفتونون وغارقون في متاهاتهم الدنيوية الشيطانية، وهم ممن يميلون مع كل ريح، ويتفننون بزور الحقائق بجنان اللسان، وبكل السبل التي توصلهم لغاياتهم الدنيئة، وما اختلاف وجوههم وقلوبهم، إلا المرض النفسي وسلوكهم غير السوي، وما يضمرون من سوء ومكائد وشر وكل ما يضر المجتمع..
وربما لا يشعرون في غيّهم، وهي الطامة الكبرى على أنفسهم وعلى الآخرين والبيئة، ويصل بهم الأمر وكأنهم بهذا المكر والخداع يصفون الدواء، لكن عواقبه الداء على المجتمع..
ويتداخل النفاق والحسد ليتعاظم البلاء، وهو نذير على تفاقم الأمور، وخرق النظم، ومنها النظم الاجتماعية ؛ (يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ)، (وَيَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ)، لكونهم : (حَسَدَةُ الرَّخَاءِ، وَمُؤَكِّدُو البَلاءِ، وَمُقْنِطُو الرَّجَاءِ)، ومؤثرات ذلك على مستوى الرفاهية وامتداداتها الاجتماعية المتعددة، ليصل بهم الأمر حتى النفاق في تحيتهم، والأخطر حينما يبالغون فيه عند غير أهله، والحكم على الآخرين بما لا ينطبق عليهم..
ويتساوى عند المنافق الباطل والحق، ورأس مالهم في أسواقهم سلع النفاق والدجل والإضرار بالآخرين، وعلامتهم كرههم عمل الخير وبالذات عمله لأهله، فقوتهم على هذه الأسواق التي يرتادونها، وهي بيئة تلائمهم وتلائم أمثالهم، كمجمع للطمع والضلالة، وهي تجمع كل مقومات انحرافهم الشيطاني، وهكذا في خطورتهم على المجتمع هم يهددون كل مقوماته الإنسانية والحضارية..
ويوضح (عليه السلام) دور سريان النفاق على اللسان والإنسان، عندما يقول مُحذّراً :
1) المرجع نفسه / ص 307 - 308.
(ثم أيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ الأخلاق وتصريفها، وَاجْعَلُوا اللَّسَان وَاحِداً، وَليَخرُن الرّجُلُ لِسَاله، فإن هذا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِيهِ، وَاللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَحْزُنَ لِسَانَهُ، وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ : لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا وَارَاهُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلى لِسَانِهِ لا يَدْرِي مَاذَا لَهُ، وَمَاذَا عَلَيْه) (1).
وبهذا يُحذّر (عليه السلام) من تفتيت أو تجزئة الأخلاق والتلوّن فيه، لأن الأخلاق واحد لا يتجزء مهما كانت الظروف، واللسان مجرى البيان من عدمه، ويتكشف انحراف الإنسان من خلال منطقه، وانحرافه يكشفه اللسان وزلاته مهما احتاط الإنسان، وقد يكون السبب في المهالك، لذا يمكن الاتقاء من الشرور في حفظ اللسان..
(وَإِنَّ لِسَانَ المُؤمِن مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ)، والسبب : (لأنَّ المُؤْمِنَ إذا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلام تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا وَارَاهُ)، لذا يظهر الخير في أعماله ونتائجها، ومنه النفع والنماء في الوسط المثمر..
(وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ)، والسبب ؛ (إِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لا يَدْرِي مَاذَا لَهُ، وَمَاذَا، وَمَاذا عَلَيْهِ)، لذا يكون لا عقلاني في أعماله) لذا يكون لا عقلاني في أعماله ونتائجها، والضرر والشر منحاه ومسعاه، سواء كان يدري أو لا يدري، وبهذا يكون تهديده على بناء وتماسك المجتمع..
مؤشر آخر له محركه الإنفعالي الفردي والجمعي، وله تأثيره على العلاقات والنظم الاجتماعية، وبدوره يؤثر على البناء والتماسك الاجتماعي، ألا وهو الغضب Anger..
حيث يُعد الغضب حالة نفسية وسلوكية ناجمة عن مؤثرات فكرية وموقفية واجتماعية، ويكون محرك الغضب من جراء مجموعة عوامل تتجمع لتثير الشخص، منتجة لردود الأفعال Reactions
1) المرجع نفسه / ص 253.
المختلفة، وربما يكون اتجاهه عدواني وله تأثيره السلبي ؛ المادي وغير المادي والنفسي والاجتماعي، ولا سيما إذا كان الغضب لغير الله تعالى، يعني الغضب لغير الحق، وبناءه على أساس الباطل المهدد لأمن المجتمع..
والحد من الغضب يتحقق بالتروي والمعاينة العلاجية والوقائية، وما يكون بالتحليلات البلاغية المثمرة والموجهة، وما ورد في نهج البلاغة ومعالجاته، إلا لحماية الفرد والمجتمع من تأثيراته الآنية والمستقبلية.. حيث يتجه (عليه السلام) بالتحذر فيقول :
(وَاحْذَرِ الغَضَبَ، فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ..) (1).
ويكفي أن تحدد خطورته من النص المبارك المتقدّم الآتي :
الحذر من الغضب..
الغضب من جند إبليس..
الغضب من جند عظيم من جنود إبليس..
الغضب الشيطاني سلوك لا عقلاني..
للغضب الشيطاني المؤثرات والنتائج الخطرة الآنية والمستقبلية، الدنيوية والأخروية..
ويضيف (عليه السلام) في وصية له، مدى خطورة الغضب، فيقول :
(سَعِ النَّاسَ بِوَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَحُكْمِكَ، وَإِيَّاكَ وَالغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اللهِ يُبَاعِدُكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا بَاعَدَكَ مِنَ اللَّهِ يُقَرِّبَكَ مِنَ النَّارِ) (2).
والطيرة هي الخفّة والطيش الطارئ فيما يغشي البصيرة، ولأنه طيش من الشيطان، فإنه يُباعد الخالق عز وجل، ويُقرب من النار الدنيوية والأخروية، ففي الدنيا مؤثراته وانعكاساته الإنسان عن المنظورة وغير المنظورة على الإنسان والمجتمع، وفي الآخرة يتمثل في الجزاء على ما اقترف من ذنب..
وبطبيعة الحال جانب من غايات التحذير من الغضب، هو الحماية منظومة الحياة والنظام الاجتماعي والحيلولة دون الانزلاق في طريق ارتكاب الجرائم بالجنح والجنايات، ويختلف عن الغضب الله تعالى، لكونه حماية للمنظومات الحياتية والنظام الاجتماعي، وحماية مصدر تماسكه في الحق، وكون الغضب هنا نابع من الوعي والعقلانية والحماية ومقاومة الانحراف، لذا يقول (عليه السلام) :
(.. إلى القَوْمِ الَّذِينَ غَضِبُوا اللَّهِ حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ، وَدُهِبَ بِحَقِّهِ، فَضَرَبَ الجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى البَرِّ وَالفَاحِرِ، وَالمُقِيمِ وَالظَّاعِنِ، فَلا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ، وَلا مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ) (3).
وموضع الحق وحدوده، المحدد الواضح للإنسان وما يتطلبه من اتخاذ موقف وقرار معين علاجي أو وقائي، والحد هو الموضح ردود الأفعال السلبية والإيجابية، وإلا كان عند مؤشر (فَلا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إلَيْهِ، وَلا مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ)، وهو ما يدلل على مدى الانجراف للانحراف والباطل، ومديات الغضب يتحدد عند عتبة هذا التفاعل..
وأمّا اختيار مَنْ هم أهلاً للمسؤولية على مستوى الدولة ومؤسساتها، وما يترتب عليه طبيعة وأسلوب قيادة المجتمع، والتجاوب المجتمعي والتعاون لإنجاح المهام المرسومة، وما يترتب عليه المستقبل الحضاري..
لذا يتوجب أن يكون الشخص الحليم الذي لا يضيق ذرعاً مما يواجهه من مشاكل وصعوبات القيادة والتجاوب والانقياد، وما يتطلبه من حلم، لكون المحدد هو الموضوعية الموقفية، وقدرة التمييز لدى المسؤول والقيادي عند الغضب لحاجات الناس، وليس عند الغضب من حاجات الناس، حيث يقول (عليه السلام) :
(فَوَل مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ اللَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلإِمَامِكَ، وَأنقَاهُمْ جَيْباً، وَأَفْضَلَهُمْ عِلْماً، مِمَّن يُبْطِيءُ عَنِ الغَضَبِ، وَيَسْتَريحُ إلى العُذْرِ، ويَرْأَفُ بالضُّعَفَاءِ، وَيَنْبُو عَلى الأَقْوَيَاءِ، وَمِمَّنْ لا يُثِيرُهُ العُنْفُ، وَلا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ) (1).
وهو يمثل مدى مطابقة التوصيف الوظيفي الذي هو بمثابة التشريح الوظيفي، مع الوصف الوظيفي الممثل محتوى ومتطلبات ذات الوظيفة، ومواصفات الوظيفة المحقق لوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، والتوقيت المناسب، والموقف المناسب، لكون الدور ومواقفه وظروفه ومدى ملائمة الشخص القيادي له، هو المحقق لأسلوب مناسب لتنفيذ الأعمال المخطط لها بوساطة الآخرين، للوصول إلى الأهداف المحددة..
وهنا مما يتبين، أهمية التألّي والوعي والإدراك، بالخصوص من يتولى السلطة والمسؤولية، مهما كان حجمها وموقعها، لأنّ الغضب يؤدي إلى تشويه الصورة الحقيقية، وتشويه المعلومات وتحليلها و دراستها، والتأثير على مستوى دقة ما يتطلبه اتخاذ القرار، ومنه غير المحسوب له، والمربك والمؤثر على مسيرة الأعمال وما يترتب على النظم الاجتماعية، ومدى التفاعل المثمر للتنظيم المجتمعي ؛ الرسمي وغير الرسمي، ومدى ومستوى تقدمه..
والحلم والصبر من محددات وطبيعة وقوة الغضب، المفسّر لاتجاهه الله تعالى أو لغير الله للخير والحق والتقويم، ولما يتجه بخلاف ذلك..
1) المرجع نفسه / ص 432 - 433.
ويضيف (عليه السلام) موجهاً لأحد ولاته قائلاً :
(امْلِكُ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ، وَسَوْرَةً حَدَّكَ، وَسَطْوَةَ يَدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ، وَاحْتَرسُ مِنْ كُلِّ ذلِكَ يكَفِّ البَادِرَةِ، وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الإِخْتِبَارَ : وَلَنْ تَحْكُمَ ذلكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلى رَبِّكَ) (1).
والتحكم وذكر المعاد، يقابله الاختيار بين النفس والرب، وما يتطلبه من ؛ (حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ) المؤدي إلى العقل، (امْلِكُ) (فَتَمْلِكَ الإِخْتِبَارَ)، ومما يعني ؛ تعدد الخيارات ووضوحها، ومدى ما يتحقق من مرونة الاختيار، وتعدّي الأزمة..
ولا يكون كل ذلك إلا إذا وضع آلية وميزان تقويم الحياة الإنسانية المتمثل ؛ (وَلَنْ تَحْكُمَ ذلكَ مِنْ نَفْسِكَ)، (حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْر المَعَادِ ِإلى رَبِّكَ)..
ويمكن وضع مخطط يبين جوانب من مضامين النص المبارك، وتحديد ثقل وقع الغضب في الحياة الميدانية على مستوى الفرد، ومنه على المستوى الجمعي والمجتمعي، وحلول الإنقاذ من الانزلاق في هكذا مخاطر التي تتعاظم مع رفع مستوى المسؤولية، ومنها المسؤولية الاجتماعية - السياسية :
مخطط (41) يبين وقع الغضب في المجالات السلوكية الفردية ومؤثراتها الإستراتيجية
واستقامة وقدرة السيطرة على الغضب، لها مدلولاتها على مستوى ما تكون عليه قوة وبناء الشخصية، وما تحمله من توازن الجمع بين محتوى الفكر وسوي النفس وقويم السلوك والأعمال : ومنه ما تتضمنه الخطوات لحماية مستوى الأداء الأخلاقي للمسؤولية الرسمية وغير الرسمية، وما يترتب
1) المرجع نفسه / ص 444.
عليه من مستوى صنع واتخاذ القرارات، والاستجابة لها، وقويم تنفيذها، وما ينجم منها على المدى القريب والبعيد..
وبهذا لا يمكن أن يكون القيادي أو من يتحمل المسؤولية من أدنى منصب في الدولة والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية إلى أرفع منصب في الدولة، ما لم يأخذ بزمام محتوى هذا النص وغيره المكمل له، للحيلولة دون إرباك مسيرة الحياة..
آفة أخرى تُهدد المجتمع ومكوناته وتماسكه وعلاقاته بكل أشكالها، ألا وهي الغيبة التي تهدد العلاقات الاجتماعية والتعاون الإنساني، وتولّد الصراعات المهددة للاستقرار، ومنه ما يتسبب من الفجوات في جسد المجتمع..
ومما تعني الغيبة ؛ ذكر الإنسان لأخيه الإنسان بما يكرهه، وما يكشف عن عيوب ومساوئ الشخص أمام الآخرين، والغيبة من الذنوب الكبيرة والمعاصي التي تولّد الضغينة والبغضاء، والمهددة لوحدة المجتمع..
وعند ذكر عيوب ومساوئ ما في الإنسان أمام الآخرين، وهي فعلاً كائنة فيه، تسمى الغيبة، وإن تم ذكر العيوب والمساوئ، وليس فيه، فتسمى البهتان، وعموماً فالغيبة هي سلوك وفعل لا يدخل ضمن مساحة الأخلاقية والعقلانية والرشاد والحكمة... (1)
ولأنها تأخذ مجالها في الفضاء الاجتماعي، فإنّ الغيبة تتجه بمسارها للقيام بالإضرار وتفكيك العلاقات الاجتماعية، وتهدد وجود المجتمع الحضاري والأخلاقي، لذا نهى الخالق عز وجل في كتابه العزيز حيث قال :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أيجِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (12) سورة الحجرات.
1) راجع : ابن منظور / لسان العرب / ضمن كلمة (غيب).
من هذا النهي الهادف بفلسفته واستراتيجياته إلى الحماية الوقائية - العلاجية للمجتمع، المستمد منه ما يطالعنا منه نهج البلاغة، حيث يقول (عليه السلام) :
(أَحْسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبكُمْ) (1)
وهنا تبرز أهمية ونوع المعلومة - المجتمع، وتنوع وتداول هذه المعلومات اجتماعياً، وطبيعة وفاعلية المعلومات ومؤثراتها الآنية والمستقبلية، ومدى تعلقها بالفرد والجماعة والمجتمع، كسمات معلوماتية تتعلق بهم، وكمعلومات نافعة وضارة بهم..
وتلعب المعلومات وتداولها، الدور الكبير والبالغ في بلورة شكل ومضمون العلاقات الاجتماعية، لذا فمَنْ ينال بها من الآخرين فرداً، يُنال منه في الغيب جمعاً، ويتحقق بأهل الغيبة ويعم ويتفشى بينهم الفساد المعلوماتي - الاجتماعي، ومنه ما يؤثر وينجم عنه البغضاء والضغينة، وحقد بعضهم على بعض، وبهذا مما يكون هدف الابتعاد عن الغيبة، تنظيم نظم المجال التربوي في حماية المجتمع من نيل بعضهم من البعض، ويضيف (عليه السلام) :
(.. لا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ، فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَلا تَأْمَنْ عَلى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ، فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ، فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ، وَلِيَكُنِ الشَّكْرُ شَاغلاً لَهُ عَلى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ)(2).
والحد وتحجيم والسيطرة على مصدر الغيبة، وما يدخل ضمن أسبابها، وما يلحق من تعاظمها عند إصابة الفرد بهذا المرض الاجتماعي النابع من ملاحقة نواقص وعيوب الناس، لا من أجل إصلاحها وحماية المجتمع منها، بل من أجل تشويه صورة الشخص أمام الناس، وبالذات عند غيابه، والنيل منه بأبغض العيوب من خلال مجمع الذنوب وترسباتها الوخيمة..
ومن العلاجات الاجتماعية التي يضعها (عليه السلام) لهذه السلوكيات الاجتماعية المذمومة والمنبوذة والسلبية هو انشغال المصاب بهذا الداء والمعضل، والتوجه بمتابعة العيب وعلاجه، وأن لا يرضى لغيره، ما لا يرضاه لنفسه (فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَبْبٍ نَفْسِهِ)، فلا يتخلص الفرد من الذنوب، مهما كان له من واق، لكن يمكن أن يحد منها بالابتعاد عن متابعة عيوب الناس والحد من سلوك طريق الغيبة..
والغيبة غاية وسلاح العاجز عن مواجهة ذاته والآخرين، والغيبة جهد الإنسان المهدور، وأحد أساليب العلاج، الانشغال بما يُصلح حاله وحال غيره، ولذا يقول (عليه السلام) :
(الغِيَةُ جُهْدُ العَاجز) (3)
فلولا العجز عن التعرُّض والتعدي على الشخص أمامه، لما اغتابه عند غيابه، ولما ضيّع جهده في تفاهات الحياة هذه دون جدوى أخلاقية – اجتماعية..
ومما تنبع منه الغيبة، إما لضعف وتجنّي واستنقاص من الغير في غيابه، أو مرض نفسي واجتماعي ينغرس في دواخل الإنسان عندما تتعاظم الفجوة المرضية، ولولا التنشئة الاجتماعية والتربية المنقوصة، والضعف والعجز والخلل في شخصية الإنسان، لما تجاوز حدود الأخلاق، ولما مس الشخص الغائب عن مجلسه..
ومن علامات الصداقة وتطبيقاتها العملية والميدانية والتربوية، (لا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثلاث : فِي نَكْبَتِهِ، وَغَيْبَتِهِ، وَوَفَاتِهِ) (1).
والصداقة هذا النظام والرابطة الإنسانية والعلاقة النبيلة التي تجمع بين الأخوة في الدين والنظراء في الخلق من البشرية داخل المجتمع الإنساني الواحد..
والصديق الصدوق الصادق بما يخفي ويُظهر، والمسلم مرآة أخيه المسلم، بما يحمله من إيجابيات تستقيم بها العلاقات التي تُعالج وتقي كل السلبيات، وتحمي الإنسان عند نزوله وترحاله، وعند حياته و مماته، كما تضمنه الذكر المأثور..
ويقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) :
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ " طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ "، وَطُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ، وَأَكَلَ قُوتَهُ، وَاشْتَغْلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ، " وَبَكَى عَلى خَطِيئَتِهِ " فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغْلِ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ !)(2).
والشغل الشاغل في المنافع وتقويم الذات وإصلاحها، مؤشر على سلامة وقوة محتوى وتماسك البناء التربوي - الاجتماعي للإنسان، وتماسك الشخصية وعمق ما تحمله وعمق ما تحمله من ثقافات وتحسس حضاري ونبل يُبعد الشخصية عن التعدي على الآخرين والمس بشخصهم ومكانتهم، وبذات الوقت هو ما يُعزز حماية البناء الأخلاقي - المجتمعي..
والأعمق ؛ (فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شغل)، ويحمل الشغل مادياته ولا مادياته مضامين متعددة، منه ما يدخل في تكريم الذات، عند عدم التعدي بسوء على الآخرين في حضورهم وغيابهم، ومنه ما يدخل ضمن المنافع والابتكارات وتنمية المواهب والقدرات الفردية والجماعية، ومنه ما يدخل ضمن الناتج الوطني والنتاج الفكري، ومعرفة ما يترتب عليه من أدوار اجتماعية واقتصادية وسياسية، وأداء تلك الأدوار بأكمل وجه وأجودها..
وامتداد ذلك ودليله الواضح ؛ (وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي راحة)، هذه الراحة التي مما تمثل، مدى فهم شخصه وقدراته، ومدى معرفته بعلاقات بيئته والبيئة المحيطة له، ومنه حماية الاستقرار الاجتماعي وأمن المجتمع، والحيلولة دون تعكير صفو العلاقات والمناخ الاجتماعي، وهو ما يدلل على مدى استقامة الفكر وسلامة تنشئته الأساسية والثانوية والأسرية والاجتماعية.. و
هنا مما يؤشر على مدى قدرة الشخص في تحقيق دقة التناغم بين عواطفه وعواطف الآخرين، وهو ما يدخل ضمن الذكاء العاطفي Emotional Intelligence.. (1)
والمتقدم على كل ذلك في حماية النفس من زلاتها، ومنها حمايتها من زلات اللسان والضرر بالآخرين، ومحوره الابتعاد عن الغيبة، بتماسك وانسيابية وفاعلية البرنامج التربوي المستمر والمثمر في الدنيا وآثارها الأخروية..
وما يُنقي به دواخله ؛ عن طريق (وَاشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ)، فلا حدود لأشكال طاعات الله تعالى، هذا العالم النوراني العجيب بروحانياته وتطبيقاته الميدانية الحياتية القائم بها على العبادات والمعاملات، وما يعقبه من تنقية الأجواء بحساب الذات من خلال التقييم والتقويم والاستقامة..
اتجاه سلبي آخر يُهدد المجتمعات الإنسانية في أمور مختلفة، وما يحمله من طابع فكري عدائي، وقد تترسخ هذه الأمور والأفكار في ذات الفرد، لتغور في دواخل النفس، ويكون مُحرّك خطر على الفرد والجماعة والمجتمع، وبه يؤشر على انخفاض مستوى الوعي، ومما يتبين على قصور العمق النفسي والاجتماعي، والجانب النظري وآلياته في التعلم والتربية والتعليم، وانخفاض مستوى استيعاب وفهم وجوده ودوره الاجتماعي، واتجاهه الدنيوي، وحتمية ما تؤول إليه..
وتلعب التنشئة الاجتماعية الأساسية المتعلقة بالسنوات المبكرة من العمر، وما يكسبه من المحتوى المعرفي والمهارات المطلوبة وتراكماتها، والتنشئة الاجتماعية الثانوية وما تتعلق بالخبرات الحياتية
1) راجع : جون سكوت / علم الاجتماع ؛ المفاهيم الأساسية / ترجمة : محمد عثمان / الشبكة العربية للأبحاث والنشر / بيروت - لبنان / ط 1 / 2009 / ص 372.
والاجتماعية والثقافية المعقدة والمستمرة، ولي كيفهم وإدراك وخبرات وتربية وتعلم وتعليم وما يُعزز طبيعة التكوين الثقافي وتعلم الأدوار وفهم القيم وتشكيل الهوية والشخصية الاجتماعية وما يترتب من عمليات اجتماعية وتفاعلات مرتبطة بالزمان والمكان والمواقف.. (1)
ومنه ما يترتب عليه من مستوى فهم فردي ومجتمعي، ومعالجة ما يتطلبه هيكلية وهندسة وإعادة هندسة البناء التركيبة والمكونات النفسية - الاجتماعية والقيم والأخلاق والأدوار المعرفية والأذواق الثقافية، ولا ننسى استعدادات ودور المعني بالمشكلة..
وبامتداده التربوي غير القويم وغير المخطط له، يظهر التعصب Prejudice ويلعب الدور الكبير والخطر الذي قد يعمي البصيرة والتبصر، فتظهر الحقائق بشكل مغايرة للحقيقة، وينحى الفرد منحى سلبي اتجاه الآخرين وأفكارهم، وربما يتعداه ليرجع تأثيره على ذاته، لذا أخذت الدراسات الاجتماعية تنظر إلى هذا الجانب بفاعليه وقائية - علاجية، ومن بين مَنْ درس التعصب هو وليامز Williams والبروفسور مظفر شريف..
وقد ترجم بعض المتخصصين مصطلح Prejudice بالتحيز ومصطلح Fanaticism بالتعصب أو التعصب الديني، وكلا المصطلحين لهما جانب مشترك ؛ كالميول اتجاه جماعة أو فكر أو عقيدة، ووجود جهتين لهما آراء مختلفة، وحماس اتجاه جانب مادي أو غير مادي معين.. (2)
د. محمد عاطف غيث / قاموس علم الاجتماع / المرجع نفسه / ص 345 - 346.
دينكن ميشيل / معجم علم الاجتماع / المرجع نفسه / ص 234 - 235.
د. عبد المنعم الحفني / موسوعة علم النفس والتحليل النفسي / المرجع نفسه / ج 1 ص 301 / ج 12 ص 142.
وبكل الأحوال وعلى الرغم من الاختلاف البيني بهذا الاتجاه، ما يعنينا هو التعصب الذي منه ما يقود إلى الاختلاف والخلاف بشكل متحجر وغير موضوعي، والذي يقود إلى التمرد والعصيان والعُنف من أجل أفكار سلبية عمياء، تلوث الفكر البشري وتهدد المجتمع وتهدد وحدته واتجاهاته، فتعميه عن الحقيقة، وربما يكون تفاقمه مؤدي إلى إرباك فكري ونفسي وسلوكي، وربما تتجه بالشخص وما يُحيط به إلى الهاوية الخطرة والمدمرة، بمنحى العنف والإرهاب في تصفية الآخر الذي لا يؤمن أو يتعاطف معه، أو حتى لو يؤمن بالسلام ونبذ العنف..
ولذا نهى الدين الإسلامي الحنيف من الانحدار والسقوط في شَرَك التعصب وظلماته الخطرة، وما تحدثه من الصراعات وهدر الدماء بلا مبرر..
ويصور أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) ما ورد في البيان القرآني، عند مخاطبة الخالق عز وجل للملائكة (عليهم السلام)، وبالقول :
(" إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِين، فَإذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَحْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ " اعْتَرَضَتْهُ الحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لأَصْلِهِ فَعَدُوُّ اللهِ إمَامُ الْمُتَعَصِينَ)(1)، (.. فَقَالَ : " رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَزَيْنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ "، قَذْفاً بِغَيْب بَعِيدٍ، وَرَحْماً بِظَنِّ غَيْرِ مُصِيبٍ، صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الحَمِيَّةِ، وَإِخْوَانُ العَصَيَّةِ، وَفُرْسَانُ الكَبْرِ وَالجَاهِلِيَّةِ) (2).
وهنا تبدأ خطورة التعصب عندما تبدأ فكرة عنصر بناء ومكون المخلوق وأصله، وضعف موازين القياس، وما يقوم عليه الفكر، وما يصل إلى منحى تدميري لكل معايير الإنسانية، لينطبق عليه مضمون : (فَعَدُوُّ الله إمَامُ المُتَعَصِّينَ)، وما يهدد أمن المجتمع ومستقبله وتنمية قدراته المستدامة والمثمرة والشاملة..
والدليل على ما تقدّم من مختصر الكلام، ما يؤكد (عليه السلام) على مدى تعصب الشيطان، ومحور ما كان يتركز على أصله، بالقول :
(أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لأَصْلِهِ، وَطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خَلْقَتِهِ، فَقالَ : أَنَا نَارِيٌّ وَأَنْتَ طِيني) (3)
وهنا يبرز مدى خطورة التنافس والتفكير الأصم والأعمى، ونتاج المنطق اللا عقلاني المتقاطع مع الآخر، والرافض للتعايش بسلام مع الآخر، المبني على النص المادي ؛ بالرؤيا والرسالة الحيانية، والمجتمعية المحددة والقاصرة على الوجود الدنيوي، والتسابق الأعرج بقصور الأسلوب والأهداف والغايات والعمليات والنتاج والمعلومات والبيانات المرتدة عنها..
وما ينجم عنه من عنه من لغة التعص- لغة التعصب لذلك الذي يحد من النظرة والنتائج المبنيية عليه، فيتوقف عند قصوره عن استمرارية وحركية الإستراتيجيات وتلاحق وتماسك حلقاتها، ومنه المؤثرات على مسيرة المجتمع، وما يأخذ من مواقف ومستوى تصعيد الصراع والعنف..
وبطبيعة الحال ؛ هي تخالف نظرة الإسلام في تعدد وتواصل تكامل صورها العملية، حتى تصل امتدادات الإستراتيجيات المستدامة في أدبيات وتطبيقات التشريعات الإسلامية إلى العالم الأخروي، فتتحقق تبعاتها في بناء الحقوق والواجبات، وحتمية عدم تقادم آثارها لإحقاق حقوق الأفراد والمجتمات والدول..
ويضيف الإمام علي (عليه السلام) في استقراء وتحليل آخر، بأن علة التعصب وأحد أركانها هو المخلوق - الجهل، حيث يقول :
(وَلَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ يَتَعَصَبُ لِشَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ إِلَّا عَنْ عِلَّةٍ تَحتَمِلُ تَمُوية الجُهَلاءِ، أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ، فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لأَمْرِ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَلا عِلَّةٌ) (1).
ومما نستخلص من خلال النص المبارك المتقدم، أن التعصب :
لا يمكن أن يحتمل التلبيس إلا عن علة الجهل، ومدى ارتباطه بمستوى حضور موضوعية العلاقات - العاطفة، والدليل البنية التحتية : (عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِية الجُهَلاءِ)..
امتداد الجهل ؛ (حُجَةٍ تَليطُ يعُقُول السُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ)، فالحجج الواهية لا تنطلي إلا على السفهاء الذين لا استقامة لرأيهم ولا استقرار له، وبهذا العمى يؤدي بهم للإسراف في التعصب، لأنّ العقل الواعي له من المرونة والحنكة والحلم، ما يجعله نقطة التقاء، وتمكنه من المحاورة وتبادل الآراء والاجتهاد، إذا كان بالمستوى العلمي الذي يؤهله لذلك..
ونص مبارك آخر يُعالج (عليه السلام) فيه موضوع فئة الأغنياء ومَن أنعم سبحانه وتعالى عليهم : ومنه الغفلة والوقوع في دائرة مخاطر الكفر بالنّعم، ما ينجم عنه علة التعصب، ومستوى ما يؤثر به على المجتمع، حيث يقول
(وَأَمَّا الأَغْنِيَاء مِنْ مُتْرَفَةِ الأُمَمِ، فَتَعَصَّبوا لآثار مواقع النّعم، فَقَالُوا : " نَحْنُ اكثر أموالاً وأولاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ") (2).
ويظهر هنا ما للنعم من مخاطر وتهديدات وامتدادات متعددة، يجب أن لا يغفل عنه الإنسان، ومنها ما يُحدثه عامل الترف في التعصب، وما ينجم عنه من أجواء البيئة الاجتماعية الذي يكون مُحركه الأغنياء ؛ (فَتَعَصَّبوا لآثارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ)..
ومساحة التعصب لدى الأغنياء، تتحكم فيها فجوة الأموال والأولاد، ويتخذونها في بيئتهم القوة الداخلية الذاتية المتمثلة بالجوانب الاقتصادية - الأسرية والاجتماعية ؛ والاجتماعية تتمثل بالأسرة والقرابة، ويتخذونها مواقع أو مراكز تعصبيّة، يتصورون فيها فرصة استثمار قوتهم التي تحميهم من المخاطر والتهديدات والتحديات في البيئة الخارجية..
وبهذا كانت النّعم والترف، الغشاوة على البصيرة، مما يحول دون استيعاب الدنيا وحتمية زوالها، فأغرتهم حمية المادة الدنيوية، واغتروا بزيف ترفها، وما كان طوع الحياة المادية، وما توافر لهم من مراكز القوة الاقتصادية والأسرية والاجتماعية، وربما الأدوار المتنوعة لهم..
ويُتابع وصفه (عليه السلام) لمناخ آخر للعصبية، تكون حدّه ووجهته المتجهة نحوها، له جانب من المساحة الإيجابية، حيث يقول :
(فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ مِنَ العَصَيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصَّبكُمْ لِمَكَارِمِ الخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الْأَفْعَالِ، وَمَحَاسِنِ الأمُورِ، الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا المجَدَاءُ وَالنَّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ العَرَبِ وَيَعَاسيب القَبَائِلِ ؛ بِالْأَخْلاقِ الرَّغِيبَةِ والأَحْلامِ العَظِيمَةِ، وَالأَخْطَارِ الجَلِيلَةِ، وَالآثَارِ المَحْمُودَةِ، فَتَعَصَّبُوا لِخِلالِ الحَمْدِ مِنَ الحِفْظِ لِلْجِوَارِ وَالوَقَاءِ بالذَّمَامِ، وَالطَّاعَةِ لِلْبرِّ، وَالمَعْصِيَةِ لِلْكَبْرِ، وَالأخْذِ بِالفَضْلِ، وَالكَفِّ عَنِ البَغي، وَالإعْظَامِ لِلْقَتْلِ، وَالإنْصَافِ لِلْخَلْقِ، وَالكَظم لِلْغَيْظِ، واجْتِنَاب الفَسَادِ فِي الأَرْضِ) (1).
وهنا تظهر للعصبية استثماراتها التنموية المستدامة التي يمكن أن نجملها بالمخطط الآتي :
مخطط (42) يبين شروط استثمارات العصبية للمكاسب الاجتماعية
فلا يكون ذلك التحوّل الإيجابي للتعصب إلا عن علّة عقلانية، (فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ مِنَ العَصَيَّةِ فَلْيَكُن تَعَصُّبكُمْ لِمَكَارِمِ الخِصَالِ..)، والقائمة على دقة الوعي والاستيعاب العميق والفهم، وكيفية التعامل مع التعصب بدراية وحذر بحيث لا يكون هناك أي لا ضرر اجتماعي، ومنه ما يمكن أن يحمله من الصفة الوقائية من المعاصي، وما تتفاعل معه المنظومة الإصلاحية لحماية المجتمع ومستقبله، وحمايته من سلبيات السلوك البشري الذي يؤثر على تماسكه وتآزره، لإحقاق الحق ودفع الباطل بنقي الأفكار وسوي النفس، وقويم السلوك والأفعال والأنشطة..
1) المرجع نفسه / ص 295 - 296.
و استكمالاً لما تقدّم، يظهر من المؤثرات والمخاطر والتهديدات على مسيرة الحياة الاجتماعية وتصدع البناء الاجتماعي - الحضاري، ألا وهو الظلم الذي يتجه نحو :
ظلم الإنسان لنفسه وذاته..
ظلم الإنسان لأخيه الإنسان..
ظلم الإنسان لنظيره أو بني البشر، أو بعضهم بعضاً..
ظلم الإنسان للمجتمع المحلي والعالمي..
ظلم المجتمع للإنسان..
ظلم الإنسان للبيئة، ومنها البيئة الاجتماعية..
ظلم الإنسان للمخلوقات المتنوعة..
ولابد من الإشارة إلى التصور السلبي لصور العدالة والمساواة، فيختلط ويخلط الناس بينهما وبين الظلم، ربما لتعرُّض مصالحهم للتهديد، أو يرجع سببه لطبيعة الثقافة التخصصية والعامة الخاطئة والفكر الملوث، أو لصفة العدالة المتشددة التي لا تعرف بتطبيقها على القاصي والداني إلا إحقاق الحق وعودته لإهله وأصحابه بلا تمييز عنصري أو قومي أو فئوي أو مذهبي أو ديني أو مستوى اجتماعي و اقتصادي، ولا تمييز حتى على تطبيق ذلك العدل على ذات الإنسان، لكون العدل لا يتجزأ، لذا فقد تتلابس وتختلط الأوراق والصورة وتجعله وكأنه الظلم والاستبداد..
وهذا ما يعتمد على الوعي والاستيعاب للمبادئ والمستوى الفكري للفرد والجماعة والمجتمع، فلذا ربما يعود الظلم على الشخص القيادي لعدم تخصصه أو فهمه واستيعاباته وخبراته وقدراته ومواهبه، وأسلوب تطبيقاته الإدارية والقيادية على الفهم المغلوط والارتجالي، والاستهانة بالأمور والتخطيط، وربما لفهمه المغلوط للآخرين والتعامل معهم، بمعنى آخر :
إما عدم فهم واستيعاباته لمبادئ وأسس الإدارة والتنظيم والقيادة..
أو عدم فهمه لأسلوب تطبيقات المبادئ والأسس الإدارية والقيادية والتنظيمية..
أو عدم فهم التوقيتات والمواقع والمواقف والقيم والأخلاقيات في تطبيقاته..
أو عدم دقة ثقافته التخصصية والمعلوماتية الرقمية وغير الرقمية والصورية والتركيبية، وعدم فهم عمومية المجتمع، وخصوصية المجتمع التخطيطي والتنظيمي، وإدارته أو قيادته..
أو عدم قدرته لاستيعاب العمل والتنظيم فيؤثر على فهمه لأهمية ما يحتاج من ملائمة وتقسيم العمل والتخصص واستعمالاته داخل التنظيم والعمل وأعباء المهام التخطيطية والتنفيذية..
أو الارتجالية في التنظيم والإدارة والقيادة وخصوصية كل مجال مصطلحي وتطبيقي، ويعود لعدم وجود ثقافة تخصصية وتصوّر له..
وربما يعود إلى عدم فهم ذات المجتمع، وكيفية التطبيقات الموقفية..
وربما عدم الاستيعاب والانفراد بالرأي وصناعة واتخاذ القرارات، وعدم استيعاب لمكونات البيئة الداخلية بقوتها وضعفها، والبيئة الخارجية من الفرص والتهديدات والتحديات والمخاطر.. وهكذا ربما يؤدي للظلم بالمجال التطبيقي السبل والأدوات والآليات..
وبشكل عام، يعني الظلم ؛ كل شيء يوضع في غير مواضعه، وفي الفكر الإسلامي، يُعد كل ما يتعدى به على الحق إلى الباطل، وما يتعدى على حقوق الآخرين، وما لا يؤدى بحق من واجبات.. (1)
وبهذا الشكل والعمومية، فإنه يؤثر التأثير البالغ على الاستقرار الاجتماعي، لما يجعل في دواخل الأفراد ومكونات المجتمع ؛ القلق وعدم الطمأنينة وعدم الأمان، مما قد يؤثر على العلاقات الاجتماعية، إن لم تكن هناك مبادئ ثابتة برساختها الدينامية والمستدامة لدى الفرد – المجتمع..
وربما يُعزى الظلم إلى مستوى السلوك المنحرف Deviant Behaviour لدى الأفراد وعدوانيتهم اتجاه الذات والآخرين، وأخطرها حينما يتصدّر الظالم لمستوى قيادي رسمي وغير رسمي، وهنا تكمن تهديداته البالغة على المجتمع واستقراره وعمق التأثير على السلوكيات، ودلالاته اتباع الناس دين ملوكهم الظالم والمستبد، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
ولو تفحصنا شخصية مَنْ ينحو في منهجه ظلم الآخرين، فهو بلا ريب، يُعاني في دواخله ومحيطه أزمة نفسية أو مشكلة اجتماعية معينة، وربما تتعلق بالجانب الفكري أو النفسي، وربما التراكم لأمراضه النفسية - الاجتماعية، أو بدأت بحالة اجتماعية - نفسية ؛ طارثة أو مستمرة..
ومن أجل دقة الاستيعاب، أعيد التأكيد، بأن لا يكون هناك خلط بين العدالة والظلم ؛ بالفكر والتطبيقات والنتائج والآثار..
وقد ورد في الذكر الحكيم، تشخيص لأشكال ومعالجات الظلم وتصاريفه وفهمه وعلاجاته، وما يتطلبه من عمق ثقافة الوعي للوقاية والعلاج، ونذكر منها الآيات المباركات الآتية :
1) راجع ؛ الجرجاني / المرجع نفسه / ص 82.
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) سورة القصص.
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (22) سورة الأعراف.
فَبَدِّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162) سورة الأعراف.
إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُن اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلا طَرِيق جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (169) سورة النساء.
إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) سورة يونس.
إِنَّمَا السَّبيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) سورة الشورى.
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) سورة الزخرف.
وهكذا تتعدد الآيات الكريمات بين الجعل التكويني للإنسان والجعل التشريعي للحياة، ومدى دقة التوازن بين المخلوق والمحيط والبيئة الداخلية والخارجية له، وأفكاره ونفسيته وسلوكياته، وعلاقاته المتعددة الأطراف، وعلاقاته الأساسية مع الخالق عز وجل..
وقد استقى نهج البلاغة من القرآن الكريم واستزاده من المدرسة النبوية الشريفة، ومنه مضامين ما يخص معالجاته للظلم والآثار المترتبة عليه، وما يثقلها على الذات والآخرين والمجتمع، وبهذا يضع (عليه السلام) التحليل العميق لأشكال أو أنواع الظلم ومسبباته وموقف الفقه الإسلامي منه، حيث يقول :
(أَلا وَإِنَّ الظُّلْمَ ثَلاثَةٌ : فَظُلْمٌ لا يُغْفَرُ، وَظُلْمٌ لا يُتْرَكُ، وَظُلْمٌ مَغْفُورٌ لا يُطْلَبُ، فَأَمَّا الظُّلْمُ الذِي لا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى : " إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ "، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظلمُ العَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الهَنَاتِ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُتْرَكُ فَظُلْمُ العِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً) (1).
ويظهر من النص المبارك، ما للظلم من اتجاهاته ومساحاته وآثاره :
(ظُلْمٌ لا يُغْفَرُ)، وهو ؛ (الشِّرْكُ بالله)، والدليل ؛ (قَالَ الله تَعَالَى : " إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ")، والظلم عند الله جل جلاله من أعظم الكبائر..
(وَظُلْمٌ لا يُتْرَكُ)، وهو : (ظُلْمُ العِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً)، ومن فلسفة ذلك، أنه يؤدي إلى إرباك النظام والاستقرار الاجتماعي، وتهديد أمن ومصالح الناس داخل الدولة، وما يترتب عليه من الفوضى والإذلال وكل ما يهين الإنسان ومكانة، ونتائج الظلم ضياع الحقوق، ويظهر بشكل واضح على حياة وإرباك أمور الضعفاء والفقراء من الناس..
1) نهج البلاغة / ص 255.
ويمكن بيانه في مخطط، لتوضيح مخاطر الظلم ونتائجه وآثاره الآنية والمستقبلية التي تلحق بعوامل الحياة وبيئتها الداخلية والخارجية، ومنها ما يتعلق بمضامينها الاجتماعية وكالآتي :
مخطط (43) يبين الظلم وامتداداته وتأثيراته الاجتماعية
والله تعالى يمهل ولا يهمل ؛ (وَلَئِنْ أمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذَهُ، وَهُوَ لَهُ بِالمِرْصَادِ عَلَى مَجَاز طريقه، وبموضع الشَّجَا مِنْ مَسَاغ ريقه) (1).
ولأنه سبحانه وتعالى للظالم بالمرصاد، ومنه ما يكون الظالم في موقع من ذاته والناس ما لا يُحمد عقباه، ولا يحميه المجتمع المتطلّع للإنسانية، وما تنقص عليه الحياة، وحقيقة مرارتها التي لا تطاق ومهما كان في نعيم العيش فالنعيم صوري سرعان ما يزول عند حواجز الضمير..
وحتمية اليوم القادم، يرى فيه ؛ (يَوْمُ المَظْلُومِ عَلى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الظَّالِمِ عَلى المَظْلُومِ) (2)، بمناحيه المنظورة وغير المنظورة، المادية وغير المادية والنفسية والاجتماعية، الدنيوية والأخروية..
مما في الدنيا مقت وسخط المجتمع على الظالم حتى ولو لم يستطع الناس من بيان وكشف سخطهم عليه لسطوته، وإن طال يومه، فالويل مما ينتظره من حتمية الغد الموعود، و (لِلْظَالِمِ البَادِي غَداً بِكَفِّهِ عَضَةٌ) (3)، وما بعد الدنيا فذاك اليوم المشهود للقصاص والجزاء الحقيقي العادل الذي لا لبس فيه..
(فَاللَّهُ الله فِي عَاجِلِ البَغْيِ، وَآجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ، وَسُوءِ عَاقِبَةِ الكَبْرِ، فَإِنَّهَا مَصيدَةُ إبْلِيسَ العظمى، وَمَكِيدَتَه الكبرى، التي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ القَاتِلَةِ، فَمَا تُكْدِي أَبَداً، وَلا تُشْوِي أَحَداً، لا عَالِماً لِعِلْمِهِ، وَلَا مُقِلاً فِي طِمْرِهِ) (1).
وسلسلة (مَصْيَدَةُ إبْلِيسَ العُظمى، وَمَكِيدَتَهُ الكُبْرَى)، متكونة من (البغي، الظلم، الكبر)، ومخاطره المستهدف (قُلُوبَ الرِّجَال)، وهم يمثلون مجتمع ومصدر التخطيط وفي ضوءه القرار، وما ينجم عنه التنفيذ وعلاج المواقف، والأسباب والأعراض والنتيجة المرضية (مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ القَاتِلَةِ)، التي تلحق بالمجتمع وتولّد مختلف الصراع الاجتماعية والأضرار..
ولا يتحقق الحد من مخاطر الظلم وتهديداته الاجتماعية، إلا من خلال مجموعة عوامل، منها ما يتعلق ببناء الثقافة التوعوية، وآلياتها الفاعلة والهادفة، والمنفذة بدقة ما يخطط لها من برامج تربوية وتعليمية..
وكذلك فإنّ نزاهة واستقامة الرئيس أو القيادي المتقدم، له أهمية كبيرة تدفع الظلم عن الناس، وبقدراته ومواهبه وخبراته، يتحقق التطبيق ودقة التحسس القيادي بأعلى القيم الإنسانية، وهو ما يحمله قوله (عليه السلام) :
(وَاللهِ لأَن أَبيتَ عَلى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهّداً، أَوْ أَجَرّ فِي الأَغْلالِ مُصَفداً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْض العِبَادِ، وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنْ الحُطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسِ يُسْرِعُ إلى البلَى قُفُولُهَا، وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا ؟!) (2).
ومما يُظهر النص المبارك، مدى عمق التحسس والامتثال للمسؤولية، وما يتحمله القائد من أعباء التحسس المجتمعي والعاطفي - التنظيمي، وما يتطلبه من تقمص الأدوار لمعرفة حقائق الأمور بالتحسس، ووضع المعالجات المطلوبة لمعاناة صعاب الحياة، ومشاركة الناس في شدة وصعاب العيش وقيودها الثقيلة على الأنفس، والحيلولة دون ظلم الناس، والحد من الانغماس بمظاهر رغد أو رفاهية العيش الدنيوية الصورية الزائلة، والارتقاء بقيم الأخلاقية والإنسانية، وما يترتب عليها من استقامة السلوك التنظيمي - القيادي، وما يتحقق من الرفاهية الاقتصادية.. الاجتماعية بمنظور الشريعة الإسلامية وأحكامها السمحاء، والمواكبة لكل ما يحدث من تغيير وتطور الحياة، ومنها الحياة الاجتماعية البعيدة عن الظلم..
وهنا تبرز أهمية المعايير الوظيفية للمعرفة، ومحورها آلية الفهم المنتج وليس الإستهلاكي، لئلا يكون من خلالها توالد المجال والفجوة المؤدية لصياغة الظلم الاجتماعي..
ويُحذَر (عليه السلام) من تردي أوضاع المجتمعات التي تؤول بها إلى المهالك، حينما ؛ (تَغِيضُ فيهَا الحِكْمَةُ، وَتَنْطِقُ فِيهَا الظُّلَمَهُ، وَتَدْقُ أَهْلَ البَدْوِ بِمِسْحَلِهَا، وَتَرُضُهُمْ بِكَلْكَلِهَا ! يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الوُحْدَانُ، وَيَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ : تَرِدُ بِمُرِّ القَضَاءِ، وَتَخْلُبُ عَبيطَ الدِّمَاءِ، وَتَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ. وَتَنْقُصُ عَقْدَ اليَقِين، يَهْرُبُ مِنْهَا الأَكْيَاسُ، وَيُدَبِّرُهَا الأَرْجَاسُ) (1).
بلا شك إن ما تقدّم من النص المبارك له مضامينه المتعددة، ومنها المؤثرة والمهددة المستقبل المجتمعات التي تبدأ من الفكر والمتقدم عنده الحكمة، وهو الممثل لأعلى مراتب الفكر الذي يبدأ من المعلومات البيانات، ويمر ليولد منه العلوم ونضج المعارف..
وجانب مما يتولّد خطورته على الحضارة والثقافة والمجتمع ومستقبله، حينما تنقص أو تغور فتذهب الحكمة، حينها تتوسع الفجوات والثغرات ليخترق نظمها شاخص الظلم وتعم سطوة الظُّلمة، وما يعقبها من تدهور اجتماعي، وما يتعرّض المجتمع من قسوة وظلم القرار واتجاهاته غير الإنسانية..
وعندما يتحقق تفرُّق المجتمع وضياع وحدته، يبدأ ظهور الوجه الآخر لظلم المجتمع لنفسه، وذلك بتسليط الظلمة عليه، فتضيع الحقوق، وتُسفك الدماء، فلا مطالب ولا حامي له، وتهدد البلاد والعباد، وبهذا تهرب العقول، وتلوث الأفكار بما يدعم استمرارية الظلم، فيأكل بعضهم بعضاً، وتلحق الأشرار لتقود الركب الزاحف بالقهر والظلم..
لذا يحث (عليه السلام) المجتمعات أن يكونوا باليقظة والحذر والاستعدادات الكفيلة لوقايتهم من الظلم، لئلا يصيبهم التراجع والهوان والتفرقة وفقدان أمن الدولة والمجتمع، حيث يقول :
(أَيُّهَا النَّاسُ، أَعِينُونِي عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَايْمُ اللهِ لأَنْصِفَنَ المَظْلُومَ مِنَ ظَالِمِهِ، وَلأَقودَنَّ الظَّالِم بِخِزَامَتِهِ، حَتَّى أَوْرِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِها) (2).
ويمكن بيان جوانب مما يظهر وما يتضح من الأمور وبحسب ما يخص مضامين الدراسة، وكالآتي :
1 - أهمية الوعي والبناء التربوي ونظمه للانطلاق بالاستعدادات النفسية الفردية والمجتمعية، بالسبل التنموية والإصلاحية، بمعنى آخر يتوجب أن يكون هناك الاستعدادات الكفيلة يتبنّي الإعانة على النفس والحماية من انحرافاتها للتغيير والإصلاح، والابتعاد بالاستقامة الفكرية عن الظلم..
2 - فرّق (عليه السلام) بين ما يجري من العدل كنظام يستتب من خلاله أمن المجتمع وحماية الحقوق، واختلافه عن ما يجري من الظلم، والحد بالعدل والقصاص من الظالم، و الم، وتحقيق العدل ومنه بناء دواخل الفرد - المجتمع على حدود الحرية والابتعاد عن الظلم..
3 - وحدة القيادة الاجتماعية - التنظيمية، والدعم الداعم هو الناس أو المجتمع لإحقاق الحق وإنصاف المظلوم من الظالم، وتحقيق العدالة ونشرها واستتباب الأمن والأمان والاستقرار والطمأنينة، وحماية المجتمع من تأثير الانحراف، لكون الانحراف مدخل من مداخل الظلم بكل عنواناته وأشكاله وتطبيقاته..
4 -تحقق امتدادات الإعانة على النفس، وما تتطلبه من أسس العلاقات الاجتماعية والبناء الاجتماعي لكل المستويات، وما يترتب عليه من حقوق وواجبات..
5 - لا يمكن للإنصاف أن يتحقق إلا بفاعليته وسبل دعمه الاجتماعي والنفسي، وما يجري من التطلعات الفكرية وميولها، وما يتم تعزيز الإنسان لآفاقها المستقبلية التنموية المثمرة..
6 - بناء المناخ التنظيمي - الاجتماعي على أسس معرفة حدود الظلم، والحد من تعدي الحدود، ليشعر الفرد - المجتمع بالاستقرار النفسي..
7 - يتطلب هندسة وإعادة هندسة التنظيم الاجتماعي، بما فيه المؤسسات الحكومية وغير الحكومية من أعلى مستوى تنظيمي للدولة والمجتمع إلى أدناه، لتكون الخريطة الاجتماعية محققة لكل القيم والأخلاقيات المطلوبة..
وبذلك يكون كل ظلم فاحش، وكل ظلم وظالم قبيح، (وَظُلْمُ الضَّعِيفَ أَفْحَشَ الظُّلْمِ !)(1)، لما يهدد العلاقات الإنسانية ومحتوى القيم الإسلامية – الإنسانية..
ويتضمن ؛ (وَظُلْمُ الضَّعِيف أَفْحَسُ الظُّلم !)، مجالات الفلسفة الأخلاقية والسياسية والقيادية التي تضمن للفرد والمجتمع كافة الحقوق، وتصون مختلف الأدوار والسياقات التفاعلية، وما يشمل من توقعات الدور، ومنه ما يرتبط بالمراكز الوظيفية والثقافات والمستويات داخل المؤسسة والمجتمع بلا فوارق أمام العدالة، وما تفرضه الشرائع، ولاسيما الشرائع الإلهية التي تُراعي ما يترتب على الجعل التكويني للإنسان من واجبات..
وبذات الوقت تظهر موازين القوى داخل المجتمعات، ومنها مواضع القوة والضعف في البنية والوظيفة، وما يولّد الظلم من مضاعفة أعباء المعايير التنظيمية للسلوك الاجتماعي، وضعف ومعاناة وآلام الإنسان النفسية والسلوكية، وطبيعة الضعيف ومكانته ومسكنته، والخطورة في سهولة ما يُهدر من حقوق الضعيف المنظورة وغير المنظورة، وعواقبها الآنية والمستقبلية بشقيها الدنيوي والأخروي..
وحرص الإسلام على القيم والأخلاقيات حتى على مستوى النظم الدولية، وما يسري بنظمه التحسسية لتصل إلى حماية أضعف الناس، بالتوازي مع العمل على برنامج التوعية والثقافة الشاملة
1) المرجع نفسه / ص 402.
وأولوياتها، والعمل على حماية حقوق الإنسان بل حقوق الناس العادلة، وحماية إنسانية المبادئ الإسلامية التي تنظر لمناطق الضعف في البيئة والتنشئة الاجتماعية، فتعالجها وتدعم ما يحولها لتكون قوة و دعم للإنسانية، بلا ظالم ولا مظلوم، ومنه الوصول حتى إلى استثمار فرص الذكاء العاطفي والمنطقي للأفراد وللمجتمع، وتحديد ومعالجة المشكلات والأزمات التي توصل إلى ظلم طرف أو جهة معينة..
جانب آخر له بالغ التأثير والخطورة في المجالات الحياتية والعلاقات والسلوك الاجتماعي، والمتمثل بالغَدْر، والغَدْر في اللغة ؛ ضدُّ الوفاء بالعهد، وقيل : الغَدْرُ ترك الوفاء، ووَفَى بعهده وأَوْفَى بمعنى، وغُدَر معدول عن غاير للمبالغة، ويقال للذكر غُدَر والأنثى غَدارِ كقطام، وهما مختصان بالنداء في الغالب، ولا تقول العرب هذا رجل غُدَر لأن الغدر في حال المعرفة عندهم.. (1)
وللغدر عمقه اللا أخلاقي وصفته السلوكية العدوانية، وربما يُعبر على مدى الضعف والجبن، وربما ينبع من عقدة ومرض نفسي – اجتماعي..
وخطورة الغدر حينما يتفاقم على مستوى الأفراد والجماعات، وحينما يدخل ضمن التنظيم الرسمي Formal Organization والتنظيم غير الرسمية Informal Organization، وخطورته على مختلف الأنشطة والعلاقات، وما يؤثر على وصياغة الاستراتيجيات ومنه الخطط وصنع القرارات واتخاذها وتنفيذها ونتائجها وآثارها الآنية والمستقبلية، وتمتد لتشمل حتى إبرام العقود الرسمية وغير الرسمية ؛ المحلية والوطنية والدولية، وتمتد خطورة الغدر على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية.. إلخ..
ومن جوانب مخاطر الغدر، هو التأثير على الطمأنينة والاستقرار النفسي الفردي والمجتمعي، ويمتد إلى تهديد أمن الدولة وأمن المجتمع..
والخطورته على المنظومات، فقد أمر الإسلام بالوفاء ونهى عن الغدر، ومما ورد في القرآن الكريم :
1) ابن منظور / لسان العرب / ضمن كلمة (غدر)، وضمن كلمة (وفي).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) من الآية 1 / سورة المائدة.
(وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) من الآية40 / سورة البقرة.
(وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليتيم إلا بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تكلّف نَفْسًا إلا وسعها وإذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْقُوا ذلِكُمْ وَصَاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (152) سورة الأنعام.
ويتجه الغدر من خلال تأثيراته على الفكر ومكوناته وتحليلاته المنحرفة والمؤثرة على النفس والسلوك والأعمال، وخطورته الكبرى حينما يمتد ليُغيّر بفقه العبادات والمعاملات والأخلاق، وذلك خدمة لمآرب مختلفة ومنها ما يدخل ضمن المصالح الشخصية، أو خطط وبرامج خارجية مناهضة للإسلام والمسلمين، ومهددة المستقبل ومكانة الدين الإسلامي بين الشعوب..
لذا نهى الإسلام عن الغدر، هذه الصفة الممقوتة التي تهدد استقرار المجتمع والأمان والائتمان، وما يلحقه بالمجتمع من تفكك وصراعات وتدمير البناء الاجتماعي..
وبهذا أكد الإمام علي (عليه السلام) على اجتناب الغدر وحماية النظم من كل غادر أثيم، وحدّر فاعليه من عواقبه الدنيوية والأخروية، حيث يقول :
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الوَفَاءَ تَوْامَ الصِّدْقِ، وَلا أَعْلَمُ جَنَّةً أَوْقَى مِنْهُ، وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ المَرْجِعُ، وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانِ قَدِ أَتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الغَدْرَ كَيْساً، وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الجَهْلِ فِيهِ إلى حُسْنِ الحِيلَةِ، مَا لَهُمْ ! قَاتَلَهُمُ الله ! قَدْ يَرَى الحُوَّلُ القُلبُ وَجْهَ الحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِرُ فُرْصَتَهَا مَنْ لا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ) (1).
ومما يتضح من النص المبارك المتقدم، وما يخص الموضوع وعلاجاته الآتي :
1 - الوفاء هو أسلم السبل لحماية الإنسان ؛ كفرد ومجتمع، الذي ولد مع الصدق، وهو الدرع الواقي من سلوك مسالك الغدر وكل من سلكه..
2 - الغدر يُفقد الإنسان توازنه والاتجاه بقويم الأعمال، ويكون طوعاً لأوامر توجيهه السلبي، وما يترتب عليه من عواقب خطيرة على كل من تصله هذه اليد الأئمة، فعواقبه السيئة على المجال الدنيوي - الأخروي ؛ (وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ المَرْجِعُ)..
3 - ليس للغدر مبادئ ولا دين، وصاحبه لا أمان له، ولا صدق لديه، ولا حقوق مصونة لديه، وهو يُنافي الخلق الإسلامية ومكارم أخلاقه وبناءه، والغدر منطقة ضعف الإنسان وأداءه ونتائجه.
1) نهج البلاغة / ص 83.
4 - الغدر وسيلة من وسائل السلوك المنحرف اجتماعياً وأخلاقياً، ووسيلة العاجز عن مواجهة أصحاب الحق، ووسيلة من الوسائل المؤدية للمآرب الدنيوية الدنيئة..
5 - بحماية المجتمع من الغدر والغذرة يتحقق التقارب والتآزر والمحبة بين مختلف مستويات المجتمع وشرائحه، وبناء روح الطمأنينة والاستقرار الاجتماعي..
6 - الجهل فجوة مؤهلة لتحقيق مآرب وسلوك الغدر ؛ و (قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الغَدْرَ كَيْساً وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الجَهْلِ فِيهِ إلى حُسْنِ الحِيلَةِ)، وبهذا ينطلي على الجهلاء أهل الغدر وأساليبهم، فيمتطوا الجهلة لتحقيق المآرب الخطيرة..
ويتحقق حماية المجتمع بثقافة الوعي لطبيعة العلاقات الاجتماعية ومنها ما يتعلق بالغدر، حيث يقول (عليه السلام) :
(الوفاء لأَهْلِ الغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اللهِ، وَالغَدْرُ أَهْلِ الغَدْرِ وَفَاء عِنْدَ اللهِ) (1)
والوفاء لأهل الغدر يكون الدعم الداعم لهم، وتواصلهم في غيّهم التدميري للمجتمع، سواء كان يعلمهم أو بغير علمهم، وتوسيع قاعدتهم ومساحتهم والوصول إلى مآربهم الدنيئة الخطرة.. ومن المخاطر الكبيرة، حينما يصل أهل الغدر لمستويات قيادية متقدمة تتحكم بالتشريعات وصناعة القرار واتخاذه وتنفيذه بحسب أهوائهم ومصالحهم الدنيئة، ويتحقق بوجودهم استقطاب كل من هو على شاكلتهم للاستعانة بهم وجعلهم أدوات الحكم الخطرة على الدولة والمجتمع والمؤسسات، وربما يكون ثقلهم على التشريع الوضعي غير المنظور لتدمير الحياة..
والحد من الغدر وأهله الغدر وأهله، هو الحيلولة دون دعمهم بالوفاء، كما هو عليه الحيلولة دون وصولهم للمراكز الرسمية وغير الرسمية، بكل أماكنها واتجاهاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية والتربوية.. وبالخصوص الحساسة منها، والحد من التعامل معهم ومع من يناصرهم، والكشف المتواصل عن مآربهم وعلاقاتهم وأعمالهم، والتحذير من الانصياع لأوامرهم وتوجيهاتهم، لئلا يصل منهم فرد فيكون الجبار والفرعون في الأرض، فيستعبد الناس ويهلكهم..
وتتعدد المضامين العقلية والمروية في تحليل هذا النص التوعوي التوجيهي التثقيفي، ومنه ما يتعلق بالعدالة المجتمعية والتوازن في اتجاهات البلاد والعباد، وهو (الغَدْرُ بأَهْلِ الغَدْرِ)، ليتحقق (وَفَاء عِنْدَ الله)، بإحقاق الحق، ويتجنّب بها عن مضامين وتفاصيل ؛ (الوَفَاءُ لِأَهْلِ الغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ)..
ولا يُشترط أن يغدر الفرد بأصل الغدر، ولا يكون دائماً بالمعنى الظاهر، وإنما هو مفتاح لمعنى أعمق وأبلغ، كما هو عليه كشف حقائق الغدر، هو بذاته المقابل لكشف ومعالجة الغدر، وهو
1) المرجع نفسه / ص 513.
موقف مشروع ومضاد وإنساني وبلا ضحايا وتصفيات جسدية، والحذر من الغدر وجه آخر لمعالجة الغدر
وكذلك الثقافة والتوعية بكيفية مواجهة ومعالجة الغدر، ودعم الضعفاء وتنبيه وتحذير المعني بما سيصيبه من غدر أهل الغدر وظلمهم، وحماية المجتمع منهم، والوقاية والمعالجة من الغدر ووخامة ظلمه قبل وقوعه.. وهكذا كل ما يصدُّ ويحمي ويحد من الغدر، هو (وَفَاء عِنْدَ اللهِ)، لِما سيُحققه من التوازن والحيلولة دون هلاك الناس والأمن البيئي والاجتماعي، وحماية العلاقات من الانحرافات غير المحمودة، والحد وحماية الإنسانية المجتمعية من تشويهها وامتهانها.. لذا يقول (عليه السلام) :
(وَاللهِ مَا مُعَاوِيَةُ بأدهَى مِنِّي، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، وَلَوْلا كَرَاهِيَةُ الغَدْرِ لَكُنتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فَجَرَةٌ، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ، " وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمِ القِيَامَةِ ".
وَالله مَا أَسْتَغْفَلُ بالمَكِيدَةِ، وَلا أَسْتَغْمَزُ بالشَّدِيدَةِ) (1).
ومن النص المبارك يظهر حكم من أحكام الفقه الإسلامي الاجتماعي - السياسي ؛ (وَلَوْلا كَرَاهِيَةً الغَدْرِ لَكُنتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ)، وتقوم الكراهية على منحرف السلوك وتهديداته ومخاطره الممتدة إلى علاقات الفرد والمجتمع والدولة، وتعاظم مخاطره وتهديداته عند العلاقات بين الشعوب والدول..
ومترتباتها ونتائجها الآنية والمستقبلية، الدنيوية والأخروية على الإنسان السالك للغدر ؛ (كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ، وَكُلُّ فَجَرَةٍ كُفَرَةٌ)، وحلقاتها تتكون من ؛ (غُدَرَة)، (فُجَرَة)، (كُفَرَة)، لكون مَنْ يتبع منهج الغدر لا يتحسس ويشعر بالآخرين وبما يترتب من العلاقات الإنسانية، ولا ينظر بواقع حاله عند الحساب والعقاب الدنيوي بما يُسلّط عليه، ولا ينظر لدينه وما يترتب من الحساب والعقاب الأخروي الذي لا يتقادم صغير الأعمال وكبيرها..
وثقافة التعامل الميداني وعلاجات المصطلح بمضمونه المجتمعي لاستقامة العلاقات الاجتماعية، يعني حماية المجتمع من الانحرافات، وما تظهر أمامه حقائق الأمور في كل ما تعنيه، فتكون الثقة بالنفس على مستوى فردي وجماعي لتخطي كل المعوقات بالاتجاه الصحيح، ولذا يقول (عليه السلام) :
(أَيُّهَا النَّاسُ لا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ) (2)، لاستقامة وأمان طريق الهدى..
وهنا يمكن القول بأن ظهور مصطلح عند ؛ (لا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ)، يمكن تسميته بـ (التصحر الفكري) المقابل (للتصحر الاجتماعي)، ولا يُنظر فيها إلا بحدود البطن وامتداداتها المادية والغريزية، وعندها مما يكون المجتمع مؤهلاً له، هو الغدر من أجل إشباع غرائزه
المنظورة والقصيرة الأجل دون النظر لإستراتيجيات الحياه بشقيها الدنيوية والأخرية (شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ)..
وبين الشبع والجوع الفجوة العظيمة، والتضحية الواسعة التي تتحدد بمستوى الصبر والحفاظ على المبادئ والأخلاقيات، وخططها الشاملة تتحدد بالمفاضلة والتضحية بين الرؤيا والرسالة والأهداف والغايات، ليكون الاختيار الفلسفي الكامن بين القصير الأمد والطويل الأمد، ومدى خطورته على العقلانية واللاعقلانية، بين الادخار الاجتماعي والاستثمار الاجتماعي المكمل للادخار الاقتصادي والاستثمار الاقتصادي..
يعني مدى مستوى التوازن بين التضحية والجدوى، بكل ما تعنيه، ومنه ما تعنيه التنمية المستدامة من جهة كمنحى للحد من التخلف ومن جهة أخرى بكل ما يعنية التطوير كمنحى منبثق من قدرات وفهم التقدم الريادي والقيادي والعمل بمقتضاه ونتائج خططه..
ومنه مدى ما تؤثر أمور عديدة، لا يمكن التحسس بصدقها عند الهدى إلا بمعرفة وفهم مبدأ وحتمية، (أَفْضَلُ الأَعْمَالَ مَا أَكْرَمْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ) (1)، لكون السيطرة على النفس الأمارة بالسوء، والتحسس بميزان الأعمال وموازينها، وما يتحقق من توازن الشخصية الفردية والجمعية، هو بناء المجتمع المتوازن بالأهلية الحضارية التي تبتعد عن كل سلوك منحرف، والابتعاد عن كل ما يُهدد مستقبل الحضارات الإنسانية التي لا يمسها الغدر والخيانة ؛ (.. وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ بصدق النية وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الجَنَّةَ) (2).
واستكمالاً، مما، مما يشخص بوقعه الشديد، أمور متعددة لما يتطلب تكاملية المسيرة المتواصلة للمجتمع، وانسيابية التطبيقات العملية الفاعلة والمثمرة للوصول باستدامة القوة النافعة إلى الأهداف المحددة لمستقبل واضح وتقدم منشود، كما هو عليه شكل ومضمون العلاقات والبناء الاجتماعي،
ومتطلبات التماسك والوعي التحسسي، والاستيعاب ووضوح الفهم المنتج، ومنه إمكانية استدامة النمو والتطوير..
وتظهر معوقات المسيرة بمختلف اتجاهاتها البنائية والتي تولّد الصراعات والتفكك داخل المجتمع الواحد، وتهدد الاستراتيجيات وتغيير المسيرة، مختلف الأمور، ومن بين أخطرها المتمثل ؛ بالخيانة Treason المتناقضة مع الأمانة، وشتان ما بينهما في بناء الحياة والاستقرار المنظور وغير المنظور، المؤثرة على الأفراد والمجتمعات ومستقبل حضارتهم..
وبشكل رئيسي ؛ تبدأ بلورة شكل ومضمون الأمانة والخيانة من مجالات ونظم التعلم والتربية والتعليم، والتحسس الإنتمائي، واحترام الذات والآخر، وما تسهم فيه جهات متعددة :
منها ما يتم فيه الاعتماد على ذات الفرد وأسرته وبيئة الأسرة والعوامل المستقلة والتابعة والموجهة بمكوناتها، وكل ما هو يسهم بشكل غير رسمي في بناء وتنشئة وتعزيز الفكر والنفس والشخصية والسلوك ومردوداتها التربوية المستدامة والمستمرة..
منها المخطط وغير المخطط لها، وما تقوم المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ببناءه وتنميته وتطويره، كما هو عليه المؤسسات التربوية والتعليمية والبيئة والجمعيات، وما تتحمله من مسؤولية الأمن التربوي والتعليمي، كما هو عليه أمن المجتمعات والدول..
منها ما تشترك فيه وتدعمه كل الجهات، وما يتم التعاون على توليد المبادرة الريادية والقيادية وتكاملية وحدة الفكر ووضوح الأهداف والوسائل الحركية، وسبل تطبيقها على أسس معلومة ومخطط لها، كما يحصل مثلاً عند الأزمات والكوارث ومستوى التفاعل والتعاون والأمانة وما دون ذلك..
ونتطلع بخصوص محور ومدار المبحث، معاينة ومعالجات ما جاء في الذكر الحكيم :
(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَانبذ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (58) سورة الأنفال.
(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (19) سورة غافر.
(فَبمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذَكَرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَح إنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (13) سورة المائدة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) سورة الأنفال.
وهو جانب مما يُبينه القرآن الكريم، وما تهتدي بتوجيهاته المدرسة النبوية الشريفة، ومنه ما يسترشد بهما الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ومما عالجه نهج البلاغة وما يُبيه من عمق ما تتركه الخيانة من خلل Disorder وفجوات خطرة، ومنه الخلل الاجتماعي Social Disorder من جراء الخيانة Treason النابع غالباً من شعور الفرد بالنقص المؤثر على وضعه وما يُعانيه من أزمات ومشاكل نفسية، وما يكون عليه من مستوى المكانة الاجتماعية، ورؤيته لمدى احترام وتعاون الآخرين معه كأفراد ومجتمع، فيحاول أن يعوض عن هذا النقص مختلف الأساليب، كما هو عليه ما يقوم بإرباك النظام والوضع المستقر للمجتمع، ويتعاون مع جهات معادية داخلية وخارجية، سواء كان ذلك على مستوى استقرار مجتمع صغير أو كبير، أو على مستوى سيادة دولة..
وقد تتجسد الخيانة بنطاق التنصُّل عن الواجب الإنساني الذي يُكلف به، وبطبيعة الحال، يولد بذلك فجوة تخترق من خلالها الجهات المعادية، وتؤثر فيه على المجتمع وأمنه واستقراره..
ولابد من أن تُفرق بين ؛ مصطلح الخيانة، ومصطلح التمرد Sedition، بما تجمعها أو تفرقها، وربما يتداخل فيه ما يحمله مفهوم الخيانة، وما يكون عليه من نعوت وسمات سلبية ممقوتة، وكلاهما أي التمرد والخيانة، يختلفا عن مفهوم العصيان Rebellion، وما يكون لنا من وقفة بخصوصه في مبحث لاحق، وما نرى من أنّ بعض الدراسات قد خلطت أو تطرقت إليه بمحدودية، وما ينجر على دقة ما تعنيه هذه المفاهيم واستعمالاتها ودلالاتها.. (1)
ويبين (عليه السلام) لنا مدى خطورة عدم الاهتمام بالأمانة والاستهانة بها، والتحوّل إلى جهة الخيانة، حيث يقول :
(وَمَنِ اسْتَهَانَ بِالأَمَانَةِ، وَرَتعَ فِي الخَيَانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهُ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ الذُّلَّ وَالخِزْيَ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَذلُّ وأخرى، وَإِن أعظم الخيانة حَيَانَةُ الأُمَّةِ، وَأَقْطَعَ الغش غش الأَئِمَّةِ..) (2).
ومن هذا النص المبارك، يمكن بيان الآتي :
1 - مما يتضح من مضمون الخيانة بمختلف أوزانها ومستوياتها وتأثيراتها ومساحاتها، تعبر عن مدى اهتزاز صورة المبادئ والأخلاقيات، ومستوى ما يلحق من الانحرافات بالفكر والنفس والسلوكيات والأفعال المؤثرة بدورها على المجتمع والبيئة الداخلية والبيئة الخارجية والمحيط..
2 - تأخذ الخيانة تهديداتها ومخاطرها وتحديات وتحدياتها ومضامينها العديدة ؛ الذاتية والموضوعية، وبشكلها المنظور وغير المنظور، ولها عمقها ومستقبل المعني بها، سواء كان على مستوى أفراد أو جماعات أو مجتمع..
3 - للخيانة عواقب دنيوية وأخروية، الدنيوية ؛ تتمثل بالعار والذل والخزي وامتداداتها، أمام ذات الخائن من جهة، وبين مكونات المجتمع والدولة والقضاء والتشريعات والشرائع الإلهية، والأخروية ؛ تتمثل بالحساب والعقاب والخزي الحقيقي الذي يتلائم ويتوازى ويتوازن بالحق والعدالة مع قوة الخيانة وأثرها الشنيع..
4 - الخيانة بذاتها ممقوتة وعظيمة الوقع وعميقة التأثير، (وَإنَّ أَعْظَمَ الخِيَانَةِ خِيَانَةُ الأُمَّةِ)، فهي لها وقعها وتأثيرها وامتداداتها الخطرة التي ربما تكلّف الدولة والأمة الكثير على الأمد المنظور وغير المنظور، أو الآني والمستقبلي، وربما أدت الخيانة بمخاطرها إلى تقويض دول-ة وحضارة، بما فيه جوانبها المادية وغير المادية والنفسية والبشرية والإنسانية..
ومن توجيهاته (عليه السلام) لولاته في اختيار الموظف الحكومي الملائم في المنطقة أو المقاطعة أو الإقليم، ولاسيما المراكز الحساسة منها، وما يتحكمون فيه بمستقبل الناس، بحيث يتطابق التوصيف الوظيفي والوصف القائم عليها، ومواصفات الشخص ومدى مطابقة هذه المواصفات مع الوصف القائم في المجال التنظيمي، وما يُعرض الشخص للجور والخيانة، حيث يقول :
(ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً، وَلا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةٌ وَأَثرَةٌ، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الجَوْرِ وَالخِيَانَةِ) (1).
وهنا يبرز فقه اختيار الموارد البشرية في المراكز الوظيفية في المؤسسات الحكومية، ومدى أهميتها وفلسفتها واستراتيجياتها، وما يتطلبه من ؛ النظر، والاختيار، والاستعمال، الذي يقف عند النهي ؛ (وَلا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةٌ وَأَثرَةٌ)، والسبب : (فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الجَوْرِ وَالخيانة)، والجور نقيض العدل، والخيانة نقيضة الأمانة، وتتضاعف المخاطر والتهديدات على المجتمع، حينما يقترن الجور بالخيانة، وتفقد العدالة والأمانة..
ويواصل (عليه السلام) في الكشف عن مخاطر الخيانة قائلاً :
(وَتَحَفِّظَ مِنَ الأَعْوَان ؛ فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إلى خِيَانَةِ اجْتَمَعَتْ بهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارٌ عُيُونِكَ، اكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ العُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذَتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامٍ المذلّةِ، وَوَسَمْتَهُ بالخِيَانَةِ، وَقَلّدْتَهُ عَارَ التَّهْمَةِ) (2).
وهنا يتضح مدى أهمية تصنيف المعلومات والأخبار، ومدى أهمية أمن المعلومات وسريتها وحمايتها وكتمانها والتحفظ والحرص عليها من التسرب عن طريق فجوات وقنوات الخيانة التي تضيف بدورها الخياني من قوة بنية الدولة والعمل الحكومي..
لذا كان (عليه السلام) الحازم على ولاته في أداء وتحقيق الأعمال بالأمانة والعدل والمساواة في ظل تسيير البلاد ونظم وحماية الناس، وسلامة الحكومة والموارد البشرية في المؤسسات عند تخطيط وتنفيذ أعمالهم من الفساد الإداري والمالي، الحماية قوة ومصالح البلاد والناس من الخيانة، وبناء منظومة الأمن الإداري والاقتصادي والمالي، وما يتوجب من حماية أمن المجتمع وأمن المعلومات وأمن الدولة وسياساتها، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَماً صَادِقاً، لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ شَيْئًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيراً، لأشدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةٌ تَدَعُكَ قَلِيلَ الوَفْرِ، ثَقِيلَ الظَّهْرِ، ضَئِيلَ الأَمْرِ..) (1).
وهكذا تنجر الخيانة إلى الإدارة وخزينة الدولة والأموال العامة والخاصة، حينما تكون الاستهانة، ولا تكون هناك سياسة الحماية الأموال أين ما كانت في مواقع الدولة، ويقف الفقه بحزم ووضوح المعالجته والوقاية منه، ويضع أحكامه الفقهية المواكبة للمستحدث والجديد، وما يحدث من المتغيرات الحضارية المتواصل بكل أشكالها ومواقيتها ومواقفها..
كما هو عليه مثلاً ؛ الأداء الحكومي التقليدي، والأداء الحكومي المعاصر، ومنه ما يعرف بالحكومة الالكترونية والإدارة الالكترونية، وما يدخل من تطور تكنولوجي، واستثماره ضمن أساليب الأداء العالي والإنجاز المستمر لإشباع حاجة المجتمع دون التلاعب بالحقوق..
فضلاً عن مؤثره على اختزال واتجاه مسيرة النظم العامة والخاصة ؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية.. إلخ، وأيضاً مؤثره على مستقبل الأمة أو الناس أو المجتمع داخل الدولة الإسلامية..
وعموماً فالتوافق بين علم الاجتماع والعلوم الإدارية، ليكون علم الاجتماع الإداري والتنظيمي والاقتصادي والقيادي في بناء الدولة - المجتمع، بما فيها مختلف المؤسسات الداعمة للتنمية والتطوير المستدام، وعند سلامة مكوناتها وسبل السير بالأداء العالي المحقق الوضوح، ومنه الحماية من تهديدات ومشاكل وأزمات الخيانة ؛ الوقائية والعلاجية، وهو مما يعني مدى العلاقة العكسية بين مستوى وطبيعة الأداء، ومستوى الخيانة وتهديداتها..
1) المرجع نفسه / ص 377.
ويظهر سلوك جمعي آخر في الحياة العامة، له وقعه السلبي العميق على الرأي العام ومؤثره البالغ على النظام والدولة والمجتمع والأفراد، بما يحمله من تهديدات على المستقبل الحضاري، والمتمثل بالفتن وما تحدثه من صراعات وفجوات كبيرة بين الدولة والمجتمع والأفراد، وما يولده من ضحايا ودمار وخسائر، آنية ومستقبلية..
وربما انحدرت الفتن بالحضارة نحو الهاوية والسقوط، وكم من حضارات سقطت واندثرت بسبب الفتن وما تجرُّ على الأمم والشعوب من ويلات ومآسي وصراعات وحروب..
والفتنة في اللغة ؛ الابتلاء والامتحان والاختبار، والفتنة المحنة، والفتنة المال، والفتنة الأولاد، والفتنة الكُفْرُ، والفِتْنه اختلافُ الناس بالآراء، والفتنة الإحراق بالنار ؛ وقيل : الفتنة في التأويل الظلم، والفتنةُ : إعجابك بالشيء، والفتنة : الضلال والإثم، والفاتِنُ : المُضِلَّ عن الحق، والفاتِنُ : الشيطان لأنه يُضِلُّ العِبادَ، صفة غالبة، والفِتْنَةُ : ما يقع بين الناس من القتال.. (1)
والفتنة بكل أشكالها، تولد فجوة وخلل في المجتمع والنظم والمؤسسات، ويشغل هذه الفجوة، ما تضعه الجهات المعادية، بالفكر وتغيير الميول ونفسية الفرد والجماعة، وتوجيه سلوكياتهم وإرباك تطلعاتهم وتشويه إخلاصهم وطموحاتهم ووطنيتهم، وكل ما يجعلهم في تبعية توجيهات الغير، وتفرق وحدتهم، وتفكيك أواصر العلاقات والأخلاقيات الاجتماعية، وهدر الحقوق والحريات، والتمرد حتى على القيم والمبادئ، وضياع الحقوق بالصراعات وهيمنة القوة والعنف وسطوتها على العقل والعقلانية، لتكون الفتن مجموعة أسباب ونتائج في تفكك المجتمع وانحداره نحو الهاوية التدميرية وفقدان الأمن، والأمن الاجتماعي..
ومما ورد في القرآن الكريم :
1) ابن منظور / لسان العرب / ضمن كلمة (فتن).
(وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُبُلُوا الفِتْنَةِ لأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا) (14) سورة الأحزاب.
(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنه أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل ولا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ) (191) سورة البقرة.
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالِ فِيهِ قُلْ قِتَالَ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ..) من الآية 217 / سورة البقرة.
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَقُولُونَ أَمَنَّا بِهِ كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذكُرُ إِلا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) آل عمران.
ويتضح تتعدد دلالات وتكاملية وضوح مفاهيم الفتن ومواقعها في مضامين الآيات الكريمات، وبناء الاتجاه الوقائي والعلاجي لحماية جميع الناس، بكل مستوياتهم ومواطنتهم ومواقعهم وظروفهم ومواقفهم ومساواتهم في فضاء العدالة غير المحدود في الإسلام..
وقد رصد أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) خطورة الفتن، وما يتوجب الإحاطة بالوقاية والعلاج لمختلف الأمور والمسببات، وأولها الوعي والتفاعل الميداني التضامني مع الدولة ومؤسساتها، ولاسيما في دولة تسودها القيم والعدالة والأخلاقيات، وتوليد وتعزيز روح الاستعدادات والقدرات والرغبات على تحمل المسؤولية، وبناء منظومة التواد والتراحم وحب الآخرين كحب الذات، وبهذا وضع (عليه السلام) الوصف والتحليل، وما تحدثه الصراعات، ويمكن أن نضع الآتي :
1 - خطورة الفتنة ومراحل تكوينها، ونستشفها من مضامين قوله (عليه السلام) :
(ثمَّ أَنكُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ أَغْرَاضُ بَلايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النّعْمَةِ، وَاحْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ، وَتَثبَّتُوا فِي قَتَامِ العِشْرَةِ، وَاعْوِجَاجِ الفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينهَا، وَظُهُورٍ كَمِينهَا، وَانْتِصَابِ قُطبهَا، وَمَدَارِ رَحَاهَا، تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ، وَتَزُولُ إلى فَطَاعَةٍ جَلِيَّة، شِبَابُهَا كَشِبَابِ الغُلامِ، وَآثَارُهَا كآثارِ السَّلامِ، يَتَوَارَثُهَا الظُّلَمَةُ بالعُهُودِ! أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لآخرِهِمْ، وَآخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ، يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ، وَيَتَكَالَبُونَ عَلى جِيفَةٍ مُربحَةٍ، وَعَنْ قَلِيل يَتَبَرَأُ التَّابِعُ مِنَ المتبوع، وَالقَائِدُ مِنَ المَقُودِ، فَيَتَزَايَلُونَ بالبَغْضَاءِ، وَيَتَلاعَنُونَ عِنْدَ اللْقَاءِ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذلِكَ طَالِعُ الفِتْنَةِ الرَّجُوفِ، وَالقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ، فَتَزِيعُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةِ، وَتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلامَةٍ ؛ وَتَخْتَلِفُ الأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا
وَتَلْتَيسُ الآرَاء عِنْدَ نُجُومِهَا، مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ، وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ ؛ يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الحمُرِ فِي العَانَةِ ! قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الحَبْلِ، وَعَمِيَ وَجْهُ الأمْرِ. تَغِيضُ فِيهَا الحِكْمَةُ، وَتَنْطِقُ فيها الظُّلَمَةُ، وَتَدْقُ أَهْلَ البَدْوِ بِمِسْحَلِهَا، وَتَرْضُهُمْ بِكَلكَلِهَا ! يَضِيعُ في غُبارِهَا الوُحْدَانَ، وَيَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ ؛ تَرِدُ بمُرِّ القَضَاءِ، وَتَحْلُبُ عَبِيطَ الدَّمَاءِ، وَتَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ، وَتَنْقُضُ عَقْدَ اليَقِينِ، يَهْرُبُ مِنْهَا الأَكْيَاسُ، وَيُدَبِّرُهَا الأَرْجَاسُ، مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ، كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقِ ! تُقْطَعُ فِيهَا الأَرْحَامُ، وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الإِسْلامُ! بَرِيُّهَا سَقِيمٌ، وَظَاعِنُهَا مُقِيمٌ !) (1).
ومن روائع الاستعارة البلاغية، ما يتضمنه ؛ (فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ)، حيث يتضح مدى الخطورة عند اقتران الـ (النِّعْمَةِ) بالـ (سَكَرَاتِ)، وهي تمثل العلاقة بين الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والمالية، وعمق الفتنة حين تعتليها الغشاوة والحجب اللا واعي واللا عقلاني، لكون السكرة تقع خارج مساحة العقل، والسكر خلاف ونقيض الصحو.
وكانت لنا وقفة عند هذا النص المبارك في دراسة سابقة، بمضامينه النفسية والسلوكية، وهنا يتم الإشارة إلى الجانب الاجتماعي، ومما يتبين منه بأن مراحل تكوين الفتنة تبدأ من تأثيرات سلبية لسلوك النعمة وطغيانها في المجتمع، عندما ينحدر الوعي وتنحدر الثقافة، ثم تسهم الأدوات والمسببات والمكونات بمادياتها ولا مادياتها وما يدخل ضمنها الموارد البشرية، وبؤرة وأماكن وموضوع الفتنة وشدتها، وإقحامها ضمن مجالات الحق، وبالتوازي مع تفشي الجهل وتراجع الوعي، (وَاعْوِجَاج الفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا، وَظُهُورِ كَمِينهَا، وَانْتِصَابِ قُطْبِهَا، وَمَدَارِ رَحَاهَا، تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ، وَتَزُولُ إلى فَظَاعَةٍ جَلِيَّة)..
وتبدأ الفتن بأعمالها واستعمالاتها الميدانية، بعد أن تعمل عملها الانتكاسي في النفوس، وتبدأ الفتنة بسيطة وضئيلة وخفيفة فتتدحرج وتعظم وتظهر للعيان فجأة بحجمها وبشاعتها وخطورتها وتدميرها لدواخل الإنسان وما يُحيط به، وتظهر بعنفوانها وقوتها واتساعها، (شِبَابُهَا كَشِبَابِ الغُلامِ، وَآثَارُهَا كَآثَارِ السّلامِ، يَتَوَارَثهَا الظُّلَمَةُ بِالعُهُودِ ! أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لآخرِهِمْ، وَآخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ ؛ يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ، وَيَتَكَالَبُونَ عَلى جِيفَةٍ مُرِبحَةٍ)..
ثم يتحول النص إلى كشف ما يؤول إليه من توارث الظلمة، وما يصولون ويجولون فيه، وما تكون عليه من صراعات داخل المجتمع، وبعد أن تترسخ الفتنة، تظهر بوادر الاضطرابات وما تحدثه من فجوات داخل النسيج الاجتماعي، وتدمير واكتساح كل ما هو حق وخير ومنه تبدأ الانحرافات والجرائم ؛ بالجنح والجنايات، وتكون كموج الزحف الحيواني الساحق الذي لا يرى ما أمامه..
1) نهج البلاغة / ص 210 - 211.
وأخطر ما يواجهه المجتمع في هذه المرحلة، تلاشى الحكمة والعقلانية، فتتحطم كل القيم والثوابت والمبادئ والأخلاق، ويضعف صوت العقل، ليحل محله قبضة القسوة، فتكون الأخلاق منظور الجهلاء الضعف، وعندها تُسفك الدماء البريئة، وتضيع الحقوق، وتُبعد قويم الأفكار، وتنساق لغة القوّة للجبروت والفرعنة، وللوقاية والعلاج لابدّ من تشكيل إدارة الأزمات، لتأخذ على عاتقها مسؤولية خطط وتنفيذ إعادة هندسة وانتظام الحياة، ومنها الحياة والمنظومة الاجتماعية، للحيلولة دون أن تعقبها المرحلة اللاحقة..
وعندما لا تكون هناك خلية مناسبة لإدارة الأزمات، يعني أن هناك الإرباك السلوكي - الاجتماعي والهدر المفتوح للطاقات ؛ (وَعَنْ قَلِيل يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ المتبوع، وَالقَائِدُ مِنَ المَقُودِ، فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ، وَيَتَلاعَنُونَ عِنْدَ اللقَاءِ)..
ومؤشر تواصل واتساع خطورة وتهديدات الفتنة على المجتمع، هو تعاظمها والانتقال إلى المرحلة اللاحقة ؛ (ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذلِكَ طَالِعُ الفِتْنَةِ الرَّجُوفِ، وَالقَاصِمَةِ الرَّجُوفِ، فَتَزِيعُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ، وَتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلامَةٍ ؛ وَتَخْتَلِفُ الأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا، وَتَلْتَيسُ الآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا)..
والآليات والنتائج الجمعية فيها ؛ (مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتَهُ، وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ)، وبتواصلها نذير على الانهار الأخلاقي - الحضاري، والدليل عليه ؛ (تَغِيضُ فِيهَا الحِكْمَةُ، وَتَنْطِقُ فِيهَا الظُّلَمَةُ وَتَدْقُ أَهْلَ البَدْو بمِسْحَلِهَا، وَتَرْضُهُمْ بِكَلْكَلِهَا !)..
واتجاه عنفوان الفتن في سحق كل مميزات ومعالم الحضارات حينما يصل ؛ (تَرِدُ يمُرِّ القَضَاءِ، وَتَحْلُبْ عَبيط الدَّمَاءِ، وَتَثْلِمُ مَنَارَ الدِّين، وَتَنْقُضُ عَقْدَ اليَقِينِ)، ورد الفعل لفعل الفتن ؛ (يَهْرُبُ مِنْهَا الأَكْيَاسُ، وَيُدَبِّرُهَا الأَرْجَاسُ، مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ، كَاشِفَةٌ عَنْ سَاق !)..
ومنه تنتهي العقائد وتهتز دواخل ومبادئ الإنسان بالفتن، عندما تكمن التهديدات ب- ؛ القطع والفراق بين سلامة البشرية وثقافتهم وحضارتهم، وصورتها الوصفية الموجزة ؛ (تُقْطَعُ فِيهَا الأَرْحَامُ، وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الإِسْلامُ بَرِيُّهَا سَقِيمٌ، وَظَاعِنُهَا مُقِيمٌ !)، والأَرْحَامُ تمثل صلة القرابة، وربما تمد إلى الحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، والإسلام يمثل مصدر التشريع والأحكام الفقهية، بمعنى آخر يعني الكيفية في بناء وانتظام النظم الحياتية الدنيوية، للتأهيل للحياة الأخروية، وأي تغيير يطرأ على توازن في نظم الحياة الدنيوية، يؤدي للإخلال بالسلوك الاجتماعي والإنساني..
2 - وتبدأ الفتنة باتباع الأهواء، وعندما تقرن الحكمة بالبدعة، يُخالف بها كل فكر قويم ؛ الشرعي منها والوضعي، وهنا يكمن التراجع والنكوص والانتكاسة في الاتجاه الفكري والحضاري، وهذا جانب مما يصفه قوله (عليه السلام) :
(إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وأحكام بتدع، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً، عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ، فَلَوْ أَنَّ البَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الحَقِّ لَمْ يَحْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ ؛ وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لِبْسِ البَاطِلِ، انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمَعَانِدِينَ؛ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِعْثٌ، وَمِنْ هَذَا ضِعْثٌ، فَيُمْزَجَان ! فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو " الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الحُسْنَى ") (1).
ومنطلق الفتن، حلقات (أَهْوَاهُ) (تُتَّبَعُ)، و (أَحْكَامُ) (تُبْتَدَعُ)، وهنا خطورة اختلاط الحق بالباطل، وتشويه الحق وضياعه عند عامة الناس من البسطاء، ويأخذ مفعوله العاطفي السلبي، وعندها يكون مَنْ طلب الحق هلك..
وعندها بطبيعة الحال ؛ (يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللهِ)، وللفراغ الحادث في قيادة المجتمع ؛ (يَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً)، ينتج عنه الضرر وتهديد هندسة الفكر، وجانب منه محتوى الفكر الاجتماعي، ويؤداه، (عَلى غَيْرِ دِينِ اللهِ)، وجانب من النص المبارك يمثل معاينة الأمراض الاجتماعية ودقة تشخيصها، ويظهر ما أهمية حماية الفكر ومحتواه واتجاهاته، لحماية النظم والعلاقات الاجتماعية ودواء هذا الداء التاخر في جسد الحياة، ومنه الداء الاجتماعي الذي يكمن بين ؛ العلة والمعلول والأحكام ؛ (فَلَوْ أَنَّ البَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الحَقِّ لَمْ يَحْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ)، (وَلَوْ أَنَّ الْحَقِّ خَلَصَ مِنْ لِبْسِ البَاطِلِ ؛ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ المُعَانِدِينَ)، والباطل البؤرة الجامعة للفتن، يعني البؤرة العميقة التي لا قرار لها، والمدمرة لهندسة المعلومات ومنه تلوث الفكر البشري... (2)
وانحراف هندسة الفكر الجمعي والمجتمعي الناجم عن الباطل، وتتشكل الفتن عندما ؛ (يُؤْخَذُ مِنْ هذا ضغث، وَمِنْ هذا ضغث، فَيُمْزَجَان !)، تعقبها حتمية التغير والتغيير المعلوماتي والفكري والأدائي والتلاعب بالعواطف..
وظهور الفجوة أو الثغرة داخل العقل الجمعي والمجتمعي المتماسك، وما ينذر ذلك بالاختراق، والنتيجة : (فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلى أَوْلِيَائِهِ)، وتقوم الفتن بمختلف أشكالها ومخاطر نتائجها واستمرار تفاقمها المدمّرة..
3 - والفتن تتفاقم وتصل لمنطقة، مؤشرها وخطوطها الخطرة ؛ إذا شبّهت ونبهت، ويُضاف إلى ما سبق ذكره ضمن النقطة السابقة :
(إِنَّ الفِتَنَ إذا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وَإِذا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ، يُنْكَرْنَ مُقْبَلاتٍ، وَيُعْرَفْنَ مُدْبرَاتٍ، يَحُمْنَ حوم الرِّياح، يُصِبنَ بَلَداً ويُخْطِئْنَ بَلَداً، أَلا وَإِنَّ أَخْوَفَ الفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةٌ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ
عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ : عَمَّتْ خُطَّتُهَا، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا، وَأَصَابَ البَلاء مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا، وَأَخْطَأَ البَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا) (1).
و (إِنَّ الفِتَنَ إذا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وَإِذا أَدْبَرَتْ نَبَّهَت)، وشبّهت الفتن في عصف مكوناتها وحركاتها التي تغير نعمة نقاوة الفكر واتزان العقول في توجهاتها وتوجيهاتها، وعند المضاء نبهت وأيقضت كل ما يُهدد الاستقرار لتترك أنقاض الحضارات، واستمرارية الخلافات والصراعات وسفك الدماء والأرواح البريئة بغير حق..
وهنا يبرز نموذج شاخص ورمز لكل منحرف على مدى التاريخ، وهو المتمثل في بني أمية (ألا وَإِنَّ أَخْوَفَ الفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْياءُ مُظْلِمَةٌ)، ففي كل زمان ومكان يظهر بني أمية، بدواخلهم المنحرفة وميولهم وجوهرهم، فيحولون التاريخ بتغيير المجتمع وجرجرته بالقوة والظلم نحو الباطل، وإلا تم مصادرتهم أفكارهم، وتصفيتهم جسدياً..
والسبب والعلة في التمثيل بهذا النموذج الأخطر، لكون وصف ومواصفات هذه الفتنة ؛ (عَمَّت خُطَّتُهَا، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا، وَأَصَابَ البَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا، وَأَخْطَأَ البَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا)..
4 - والفتنة بالأموال والأولاد ؛ ويكشفه قوله (عليه السلام) بمنهج ثقافة الوعي الوقائي والعلاجي لحماية الإنسان من خطورة اتجاهات عدم استيعاب هذه النعمة التي تصبح بسلبية الفهم والسلوك فتنة.. وهو ما يتضح من قوله (عليه السلام) :
(لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : " اللهم إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الفِتْنَةِ " لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلى فِتْنَةٍ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَعَاذ فَلْيَسْتَعِذ مِنْ مُضلاتِ الفِتَنِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : " وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ". وَمَعْنَى ذلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبرُهُمْ بِالأَمْوَالِ وَالأوْلادِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ، وَالرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ، وإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنْ لِتَظْهَرَ الأَفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، لأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذُّكُورَ وَيَكْرَهُ الإناثَ، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ المَمالِ، وَيَكْرَهُ انْثِلامَ الحَالِ) (2).
وهنا تظهر خصوصية الفتنة ودلالاتها الانفرادية، ودلالات استعمالاتها التركيبية، وربما امتد دلالاتها السلوكية والموقفية والنفسية والزمانية والمكانية، كما هو في تفاعلها الاجتماعي وتطبيقاتها، وتظهر أهمية ثقافة المفردة الدلالية والبلاغية، ودليله الدلالي هنا ؛ (من اسْتَعَاذ فَلْيَسْتَعِذ مِنْ مُضلاتِ الفِتَن)، وهو يختلف عن الاستعاذة من الفتن المتمثلة بالأموال والأولاد، وما يجري من الاختبار بهما ؛ (لأنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذُّكُورَ وَيَكْرَهُ الإناث، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ المَالِ، وَيَكْرَهُ انثِلامَ الحَالِ)..
5 - الفتنة في مقاعد الأسواق بأسبابه كوميتها، ويظهر ذلك عندما نهى (عليه السلام) عنه الحارث الهمداني، فيما تضمنه كتابه :
(.. وَإِيَّاكَ وَمَقَاعِدَ الأَسْوَاقِ، فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ، وَمَعَارِيضُ الفِتَنِ وَأَكْثِرُ أَنْ تَنْظُرَ إلى مَنْ فُضّلْت عَلَيْهِ..) (1).
وذلك يظهر عند المعاملات ودقة إبرامها وسلوكها والبيئة والمناخ النفسي من جهة، و جهة، وتقدم الشخوص وتعاملهم وسلوكياتهم ومدى تلازم أخلاقيات العمل وطبيعة وسلوكية العقود والمضاربة وما شاكلها من جهة أخرى، وما يدخل ضمن السلوكيات الاجتماعية - الاقتصادية، والمجالات الفقهية الداخلة ضمن نطاقها..
6 - والفتنة تختلف عن الرّدة، كما جاء في قوله (عليه السلام) :
(إِنَّهُ لَمَّا أَنْزَل الله سُبْحَانَهُ، قَوْلَهُ : " الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ " عَلِمْتُ أَنَّ الفِتْنَةَ لا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ الله، ما هذِهِ الفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللهُ تَعَالَى بِهَا ؟ فَقَالَ : " يَا عَلِيُّ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي "، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَ ذلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي : " أَبْشِرْ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ ؟ " فَقَالَ لِي : إِنَّ ذلِكَ لكَذلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إذن ؟ " فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ هذا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ البُشْرَى وَالشَّكْرِ، وَقَالَ : " يَا عَلِيُّ، إِنَّ القَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ، وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ، وَيَسْتَحِلُونَ حَرَامَهُ بالشَّبُهَاتِ الكَاذِبَةِ، وَالأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُونَ الخَمْرَ بالنَّبِيذِ، وَالسُّحْتَ بِالهَدِيَّةِ، وَالرِّبَا بِالبيع " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، فَبِأَيِّ المَنازِل أنزلهم عِنْدَ ذلِكَ ؟ أَبِمَنْزِلَةِ رِدَّةِ، أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةِ ؟ فَقَالَ : بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ ")(2).
ومنه ما يتضح من وصف ومواصفات شخوص ومسببات ومناخ وبيئة الفتنة عند ؛ (إِنَّ القَوْمَ سيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ، وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ، وَيَسْتَحِلُونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الكَاذِبَةِ، وَالْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُونَ الخَمْرَ بِالنَّبِيذِ، وَالسُّحْتَ بِالهَدِيَّةِ، وَالرِّبَا بالبيع)، وهو ما يُظهر نماذج مما تجمع الفتنة، وتتعرّض عندها لمكوناتها في العبادات والمعاملات، باتجاهاتها السلوكية والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية..
7 - وأخطر ما يطرأ على المجتمع، أن تحدث أو تتسبب الفتنة ما يجري من الحروب، حيث يقول (عليه السلام) :
(فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، وَاسْتَدَّت شكيمته، وثقلت في الأرضِ وَطَالَهُ عَضَتِ الفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابَهَا، وَمَاجَتِ الحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا، وَبَدَا مِنَ الأَيَّام كُلُوحُهَا، وَمِنَ اللَّيَالِي كَدُوحَهَا، فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ، وَقَامَ عَلى يَنْعِهِ، وَهَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ، وَبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ، عُقِدَتْ رَايَاتُ الفِتَنِ المُعْضلَةِ، وَأَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ المُظْلِم، وَالبَحْرِ المُلْتَطِمِ)(1).
فضلاً عن ما يوضحه النص المبارك ويكشفه عن الفتنة وتأثيراتها ومراحلها، وبما يسبقها وما يتزامن معها وما يلحقها، وما يؤهل لتوليدها.. وهناك لنا وقفة، إن شاء الله، عند دراسة النص المبارك وما يحمله من نظرة استقرائية وتنبؤات مستقبلية، في جزء خاص ومستقل ضمن هذه السلسلة العلمية..
ويظهر ما يجمع بين (وَثَقُلَتْ فِي الأرْض وَطْأتَهُ عَضَتِ الفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَتيَابهَا، وَمَاجَتِ الْحَرْبُ بأَمْوَاحِهَا)، و (عُقِدَتْ رَايَاتُ الفِتَنِ المُعْضلَةِ، وَأَقْبَلْنَ كَاللّيْلِ المُظْلِمِ، وَالبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ)، مدى التهديدات وضحايا الفتنة وهدر الطاقات وهدر الفرص وهدر استثمار الخبرات والمؤهلات الاجتماعية في التنمية والتطوير، وهدر الحق المدني للمجتمع وسلامته وتمتعه بالسلم والسلام والأمان..
8 - الفتنة والنهي عنها ؛ وهو ما نحى منحاه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) بقوله :
(أَيُّهَا النَّاسُ، أَلْقُوا هذِهِ الأَزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ، وَلا تَصَدَّعُوا عَلى سُلْطَانِكُمْ فَتَذمُّوا غِبّ فِعَالِكُمْ، وَلَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الفِتْنَةِ، وَأَمِيطُوا عَنْ سَننهَا، وَخَلُوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا : فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهْبهَا الْمُؤْمِنُ، وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ المُسْلِمِ) (2).
ويتضح من نهيه وتحذيره (عليه السلام) ؛ (وَلا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الفِتْنَةِ)، لما تخلّفه من تفكك وتفرُّق المجتمع بالتصدعات والصراعات، وخطورتها في هلاك كل ما هو قويم ويحترق الأخضر واليابس، ولاسيما كل مخلص للفكر القويم النقي، لذا فلهيبها أول ما يحرق المؤمن، منه المادي والمعنوي والجسدي، ومرارتها حينما (يَهْلِكُ فِي لَهبهَا المُؤْمِنُ، وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ المُسْلِمِ)..
9 - الوقاية والعلاج من الفتنة ؛ ويكون باتجاه :
الابتعاد عن مسبباتها وأدواتها وآلياتها الخطرة..
الابتعاد عن بؤرة الفتنة وتوتراتها..
الابتعاد عن رؤوس وشخوص الفتنة..
الوقاية وإصلاح البيئة، ولاسيما البيئة الفكرية، وإصلاح الأنفس وبث الوعي المحقق لآليات الاستجابة، واستثمار التجارب والخبرات والقدرات في تنفيذ ذلك..
وضمن كل ما تقدّم، تظهر الاتجاهات الإرشادية ؛ الوقائية والعلاجية، ومنه الدور الكبير التحسسي للشخص القيادي والمسؤول الأعلى في الدولة، وهو جانب من مضامين كتاب أمير المؤمنين الإمام (عليه السلام) الموجّه لأحد ولاته، حيث جاء فيه :
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَيْنِي - بِالمَغْرِبِ - كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجّه إلى المَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ العُمْيِ القُلُوب، الصُّمَّ الأَسْمَاع، الكُمْهِ الأَبْصَارِ، الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الحَقِّ بالباطل، وَيُطِيعُونَ المَخْلُوق في مَعْصِيَةِ الخَالِقِ، وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ، وَيَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الأَبْرَارِ المُتَّقِينَ ؛ وَلَنْ يَفُوزَ بالخَيْرِ إلا عَامِلُهُ، وَلا يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلا فَاعِلُهُ، فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الصَّلِيبِ، وَالنَّاصِحِ اللّيب، التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ، المطيع لإمَامِهِ، وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذرُ مِنْهُ، وَلا تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَصِراً وَلَا عِنْدَ البَأْسَاءِ فَشَلاً، وَالسَّلامُ) (1).
والمواصفات الخطرة المتوافرة في هؤلاء الناس، ومدى ما يؤهلهم لأن يؤثروا على استقرار الدولة، ويقلبوا الرأي العام بمعاصيهم، وهم :
(الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الحَقِّ بالباطل)،
(ويُطِيعُونَ المَخْلُوق فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ)،
(وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ)،
(وَيَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بآجل الأبْرَار المُتَّقِينَ)
ويبقى الحق لا تتغير أصوله ودعاماته وشخوصه، والجزاء لا تتغير موازينه عند العدل ؛ (وَلَنْ يَفُوزَ بِالخَيْرِ إِلا عَامِلُهُ، وَلا يُجْرَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلا فَاعِلُهُ)، وتتحقق ثوابت الخير والعامل به، عند ثقافة الوعي القائم على التحسس والثقة بالعقيدة وإنسانيتها..
ولذا (فَأَقِمْ عَلى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الحَازِمِ الصَّلِيبِ، وَالنَّاصِحِ اللّبيبِ، التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ، المَطِيعِ لإِمَامِهِ)، وبين الحزم والنصح يقف الشخص القيادي الواثق بالمبادئ الرسالية السمحاء، والداعم بالحق لرئيسه المتقدّم عليه بالمسؤولية، لدفع مخاطر الفتن، وحماية استقامة الرأي العام..
1) المرجع نفسه / ص 406 - 407.
والموجّه (وَلا تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً ولا عند جاءِ فَشَلاً)، وبين النَّعْمَاءِ والبَأْسَاء يكمن تهديدات البطر والفشل، وهو ما يضر باتجاه قويم المنظومة السياسية، وباتجاه أسلوب القيادي في تنفيذ قويم ما مخطط له، بما فيه استتباب أمن وأمان الدولة والمجتمع على أسس الحق وإحقاقه لأصحابه، وتحقيق العدالة والمساواة..
وهنا مما يظهر في مجال الحماية من الفتن، ضرورة التحذير والوعي الفاعل، والحيطة والحذر مما يجري على أرض الواقع، و (مَنْ حَذَّرَكَ كَمَنْ بَشَّرَكَ) (1)، وهي آلية ميدانية يتم من خلالها وضع وصف الحالة ومواصفاتها بالشخوص المؤثرة والملائمة للموقف والظروف، وتوابعه ونتائجه..
10 - والثقافة فهم النص، وفهم فلسفته، وفهم ومعرفة دلالات الجملة الحقة، والمصطلح واستعمالاته، أهمية كبيرة لكي توضع الأمور بمواضعها، ولا يختلط الحق بالباطل على الناس، ولا يُتلاعب بتوجهاتهم وعقولهم، وبهذه الثقافة يكون الحد مما يجر على الأمة من ويلات الفتن والعصيان والحروب، وذلك مما يُعالجه :
كلام لأمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) عندما سمع قول الخوارج : " لا حكم إلا لله "، قال (عليه السلام) : كَلِمَةُ حَقٌّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ ! نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إلا اللهِ، وَلَكِنَّ هؤلاءِ يَقُولُونَ : لا إمْرَةَ إلا للّهِ، وَإِنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أمِيرٍ بَرّ أَوْ فاجر يَعْمَلُ فِي إمْرَتِهِ المُؤمِنُ، وَيَسْتَمْعُ فِيهَا الكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الأجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الفَيْءُ، وَيُقاتَلُ بِهِ العَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُل، ويؤخذ بِهِ لِلضَّعِيفَ مِنَ القَوِيِّ ؛ حَتَّى يستريحَ بَرٌّ، وَيُستَرَاحَ مِنْ فَاجِر (2).
وشتان ما بين دلالة ومعنى ؛ (لا حكم إلا لله)، و (لا إمْرَةَ إلا الله)، ومعطيات معرفة ذلك، يحقق استقامة فهم الأمور، ووضعها في نصابها ومواضعها لإحقاق الحق، وهذه هي القيادة، ولا يدور قطبها مع الحق إلا بالعلم والمعرفة، وبما يُتفقه من أمور الدين والدنيا لقيادتها، وهذه أسرار القيادة الحقة التي تستقطب روحية الإنسان وعقله، ومنه يتم بناء وحدة الأمة بمختلف مشاربها..
وبلموقفية العلاقة التسامحية ودقة علاج الفتنة في مواقعها الملائمة، وما يتطلبه من الحزم الأخلاقي الداعم للنظم الحياتية ومسيرته، ومدى دقة تطبيق المبدأ القيادي الرفيع مواقفه : (أَوْلَى النَّاسِ بِالعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلى العُقُوبَةِ) (3)، وهو مما يتضمن ؛ معالجة علم الاجتماع الإداري والتنظيمي الموقفي..
وثقافة العفو وتوقيته المناسب، مرشد لمعالجة مواقع الفتن، ومنه ما يدخل ضمن المعالجات قبل وأثناء وما بعد الخطأ والعودة عنه من جهة، والقدرة والسيطرة على التغيير الاجتماعي..
وبذات الوقت محتوى ما يعني من معالجانيات وخصوصيات الموقف، وهنا فاعلية اتخاذ القرارات المناسبة للردع النفسي الفردي - الاجتماعي، وأخلاقيات العقوبة وشرفيتها الردعية، ومعالجاتها الإنسانية، وما يحقق من النتائج التقييمية والتقويمية والإصلاحية الآنية والمستقبلية، والحيطة مما يتوقع من الفتنة، والحد العلاجي والوقائي منها، ومدى توقعات التأثير التطوري على الاستقرار والأمن الاجتماعي..
واتجاه سلوكي آخر، يأخذ مساحته على مستوى فردي وجمعي، وينذر بخطورته، ألا وهو العصيان Rebellion الذي هو خلاف الطاعة، ويُعد أعلى صوره ومراتبه ومستوياته ونماذجه يتمثل في الشيطان Devil، وهو أوسع وأشمل وأعمق انحراف سلبي بموجهه الفكري الملوث ومؤثره النفسي والسلوكي، المجسّد بمختلف أهداف الأعمال السلبية..
وبغواية الشيطان وجنوده ومَنْ نحى منحاهم، يكون المهدّد والموجه الأخطر والوحيد في سلوك العصيان، وما يدخل ضمن منفذ ضعف وفجوات منظومة الفكر الإنساني والعمى الداخلي، ليُحرك الغريزة والشهوة Appetition بشكل سلبي وخطر ولا أخلاقي، ومنه يمتد بخطورته على المجتمع ومستقبل البناء والتماسك الاجتماعي، ويهدد الاستقرار والطمأنينة..
والمخالفة بكل أشكالها تتجه نحو العصيان، وربما كان عصيان الإنسان للخالق أو المخلوق، وعصيان المخلوق الظالم وغير الظالم، والعصيان ربما كان مبني على خلافات فكرية أو جهل، وربما كان العصيان مصدره الفكر المنحرف أو الخاطئ، وتأثير الرأي الجمعي والرأي العام Public Opinion، وبشكله العام لا يتحدد بعمر أو زمن أو مكان أو موقف..
وربما ينجم العصيان ويأخذ شكله الجماعي أو المجتمعي، وربما كان العصيان لهدف واضح أو غير واضح، ويختلف أسس العصيان ومصادره، وربما كان الموجه يأخذ صبغته الدينية أو القومية أو المذهبية أو الفئوية أو الفلسفية، وهكذا يشخص العصيان ليعلن تمرده الفكري وغير الفكري، وربما يأخذ اتجاه العنف والتضحيات الجسدية وسفك الدماء أو العقائد..
وسريان وانتقال عدوى العصيان إلى أوسع رقعة جغرافية ومجتمعية، ربما يتحدد بالمستوى الثقافي والحضاري، ومستوى تفشي الجهل التقليدي والجهل المعاصر، أعني الأمية الأبجدية وأمية المتعلمين، ومدى قابلية التأثير والتأثر العاطفي الأعمى، ومستوى المجتمع العقلي والفكري، والمتمثل بخصوصيات مستوى ؛ مرحلة التفكير الرعوي، ومرحلة التفكير الزراعي، ومرحلة التفكير الصناعي، ومرحلة تفكير الغزو الفضائي، ومرحلة التفكير المعلوماتي وتكنولوجيا المعلومات، ومرحلة التفكير ما بعد المعلوماتية.. وربما بهذا يشترك العصيان مع سرعة انتشار الغوغاء وتحولها من حالات معينة إلى ظاهرة تهدد أمن الدولة والمجتمع وأنشطتها الاجتماعية - الاقتصادية وبناها التحتية والفوقية..
وربما يأخذ العصيان مجاله الواعي، والمخطط وغير المخطط له، ومجاله غير الواعي الذي يشبه حركة وسلوكية الغوغاء وامتداداتها وانتشارها، وبهذا لا ننسى دور قنوات الاتصالات المعاصرة أنظمة والمتطورة في ذلك، كما هو عليه ما يجري من التواصل الاجتماعي العالمي والعولمي عبر ومنظمات ومؤسسات الداخلة ضمن منظومة الانترنت وكل وسائل الاتصالات الأخر..
فكم من نظام سياسي سقط ويسقط عبر هذه الوسائل التي تسهم في السرعة المتناهية لانتقال الأخبار والأحداث، ومدى التفاعل معها، ومدى تلاعب الأعداء بعواطف الناس، وتحويل وتغيير فاعلية الذكاء العاطفي إلى الغباء أو البَلادَة العاطفية، وبالذات استغلال الشباب ومرحلة طاقات وعنفوان شبابهم المبدع، واستغلال توجهاتهم المشروعة في مجال حقوق الإنسان، وسرعة تأثرهم العاطفي، واستغلالهم بالأساليب اللا أخلاقية، وتوجيههم صوب ما ينشده العدو لهم ولبلدهم من تدمير، وتصبح كلمة حق يُراد بها باطل.. (1)
وأخطر توجهات العصيان وأظلمه، حينما يتجه العصيان، لعصيان الخالق عز وجل وشرائعه المنزلة ورسله وأنبياءه وأولياءه، وعصيان مَنْ حثّ على طاعة الله جل جلاله، فيلحق الضرر المنظور وغير المنظور بالإنسان وتوجهاته وأنشطته وأعماله..
ومما ورد في القرآن الكريم، بخصوص العصيان :
1) راجع للمؤلف مثلا : أساليب حماية المراهقين من الانجراف في تيار الانحراف / مجلة الغدير / لندن / العدد 68 / كانون الأول 2003.
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هل أدلك عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْأَتْهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَقَوَى (121) سورة طه.
فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخَذَا وَبِيلًا (16) سورة المزمل.
ومما يتضح من آيات القرآن الكريم، فإن العصيان قديم يقدم المخلوقات، وربما كان المحرك للعصيان هو الجهل والتعصب الجامح والتلاعب بالعواطف والغرائز، والطموح الأعمى والغير مشروع وغير الأخلاقي، وربما حساب الإنسان غير الدقيق وغير المدروس وغير العادل وغير العقلاني..
وعلى العموم فالانحراف هو المسبب، وقد بدأ حينما ؛ (عُصِيَ الرَّحْمنُ، وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ، وَخُذِلَ الإيمَانُ، فانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ، وَعَفَتْ شُرْكُهُ، أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ، بهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ، فِي فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بأَظْلافِهَا، وَقامَتْ عَلى سَنَابِكِهَا، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ..) (1).
وكان هذا النكوص والسلبية، من تأثيرات الفكر والعصيان على كل ما هو قويم، وكان الغباء العاطفي والغريزي للناس ؛ (أطَاعُوا الشَّيْطَانَ) : (فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ)، (وَوَرَدُّوا مَنَاهِلَهُ)، (بهِمْ سَارَتْ أعْلامُهُ)، ولم يقف عند هذا بل تعداه إلى ؛ (وَقَامَ لِوَاؤُهُ، فِي فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفافِهَا وَوَطِئَتْهُمْ بأَظْلافِهَا)، وكانوا هم الضحية في خدمة مآربه ؛ (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخَلَقْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانِ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أنا بمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِي إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (22) سورة إبراهيم..
وكانت النتيجة أن تم مؤازرة الانحراف بكل أبعاده ومضامينه المادية وغير المادية والبشرية وإضعاف القويم ومحاربته وخذلانه وتدميره وتهديد المعالم الإنسانية..
والنهاية تخبطهم والتياه في عالم تسوده السلبيات المظلمة والمظلة، مما يسبب إعاقة تقدم المجتمع ومسيرته والحيلولة دون تماسكه على الحق والخير والنفع والبناء..
ويضيف (عليه السلام) :
(.. وَاقْدَمُوا عَلى اللَّهِ مَظْلُومِينَ، وَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ ؛ وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ، وَمَهَابط العُدْوَانِ ؛ وَلا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لعَقَ الحَرَامِ، فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ المَعْصِيَةَ، وَسَهَّلَ لَكُمْ سُبُلَ الطَّاعَةِ) (2).
وبهذه الصورة البلاغية لبيان مسؤولية الأدوار والعلاقات الاجتماعية، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات تضع الإنسان بين أن يكون مكان الظالم أو المظلوم، وبه يتفرق بين القويم والمنحرف وتبعاتهما، ليكون العلاج الفاعل والوقاية المطلوبة لاجتناب سبل المعاصي والعصيان، وما يحمي الإنسان من الامتثال لأوامر الله جل جلاله، ليكون المنفذ والاتجاه لخير وصالح وصلاح الإنسان وما يُحيطه، والله تعالى الغني عن عباده..
والأخلاقية ومكارم الأخلاق المبنية على قويم ونقي الفكر وعرفانه بنعم الله تعالى، تُحتّم بعقلانيتها الطاعة ؛ و (لَوْ لَمْ يَتَوَعَدِ اللهُ عَلى مَعْصِيَتِهِ لَكَانَ يَحِبُ أَلا يُعْصَى شَكْراً لِنِعَمِهِ) (1).
ومن التوجه العقلاني، وضع الأمور بمواضعها المناسبة لها، ومنها العلاقة بين المخلوق وخالقه وكيفية صونها، والسير على مبدأ ؛ (احْذَرْ أَنْ يَرَاكَ اللَّهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ، وَيَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ، فَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ، وَإِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلى طَاعَةِ اللهِ، وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ) (2).
والقوة والضعف، والفرص والتحديات، تكمن في مدى عمق النظرة وسعتها في البناء الإستراتيجي وفي بناء القوة للإقدام بفهم على طاعة الله تعالى : (وَإِذَا قَويت فاقْوَ عَلى طَاعَةِ اللهِ)، والضعف حينما لّد، فلابد من أن يكون ضعف الإنسان في الإقدام على المعصية ؛ (وَإِذا ضَعُفت فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ الله)، وهنا الضعف قوة وثبات، بالتراجع عن المعصية وارتكابها، وحماية الذات الفردية والجمعية والمجتمعية والبيئية من المضار، والحد من المساس بأمن المجتمع والدولة، والحد مما يعيق النمو والتطور والتقدم والرفاهية الاجتماعية، و يعني آثاره لابد من أن تتبين في الخير المقدّم للذات وللمجتمع، وما كان وسيبقى مع بقاء المخلوقات، والبديهية الواضحة، لا منحى للطاعة إلا منحى الخير كل الخير المستدام، وبخلافها تكون المعصية وما ينتج عنها من الشر والعواقب التدميرية..
ومنه أيضاً ما يترتب من الحذر الوقائي ؛ (أَنْ يَرَاكَ اللهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ)، (وَيَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ)، النتيجة الحتمية عندها ؛ (فَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ)، مما يعني خسارة مجتمع لفرد فاعل للخير فيها، وبالمقابل ربما يكون أثر الضرر على المجتمع، يعني نقص مضاعف، وربما تهديده يتعدى الفرد ليشمل بمعاصيه تشجيع الآخرين على المعاصي، وعندها يتضاعف الضرر على المجتمع، وكذلك يتضاعف للفرد الضرر عند المعاصي، حينما يكون في موقع المسؤولية الرسمية وغير الرسمية، وأيضاً حينما يؤثر على الخطط أو صنع واتخاذ وتنفيذ القرارات.. إلخ.
ومن رحمة الله تعالى أن جعل ؛ (مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ أَنَّهُ لا يُعْصَى إِلا فِيهَا، وَلا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إلا بتَرْكِهَا) (3)، والطاعة والمعصية تقتصر على الدنيا المؤهلة بمجتمعها لما بعدها، فالطاعة تساوي منافع
الدنيا وما بعدها، والمعصية تساوي مضارها الدنيوية ومترتباتها العقابية الأخروية، وبالدنيا جعل عز وجل رحمته وغفرانه الممتد لكل مَنْ تاب و آمن به..
الطاعة = المنافع الدنيوية + ثوابها الأخروي
المعصية = المضار الدنيوية + عقابها الأخروي
وطاعة الله جل جلاله فوق كل طاعة، وبطاعته تستقيم الطاعات وتستقيم منافع الإنسان المتعددة لذاته وكل ما له علاقة ويُحيط به، بما فيه الناس، لذا يقول (عليه السلام) :
(وَأَطِعِ اللَّهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ، فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا) (1)
وفلسفة ذلك واستراتيجياته تنبع من استقامة الأمور ونتائج الخير بالطاعة، فما أحل الله تعالى حلاله إلا لمنافع الناس المستدامة، وما حرم الخالق تعالى حرامه إلا لحماية الناس من مضار الشيء والعمل والسلوك الحرام، فالعلة والمعلول والفاعل هم مجمع النتائج بمنافعها من خلال الطاعة، ومضارها من خلال المعصية..
وميدانياً تتحقق الحتمية الحركية (الدينامية)، بموجه وآثار الطاعة والعصيان، وذلك ضمن مبدأ ؛ (وَاعْلَمُوا أَلَهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللهِ شَيْءٌ إلا يَأْتِي فِي كُرْهِ، وَمَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ شَيْءٌ إِلا يَأْتِي فِي شَهْوَةِ، فَرَحِمَ اللهُ امْرَأَ نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ، وَقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً، وَإِنَّهَا لا تَزَالُ تَنْزِعُ إلى مَعْصِيَةٍ فِي هَوَى) (2)، وقوة الشخصية تتبين عند مستوى الحد من الشهوة وقمع هوى النفس، وما يترتب على الشخصية من الاستيعاب والفهم والتفاعل ؛ بالجهد العقلي والجسدي، والمادي والمعنوي، والنتائج الناجمة عن الأداء والتقييم والتقويم المنظور وغير المنظور، والمباشر وغير المباشر، بشقي جُهد الإنسان المتمثل ؛ بالجهد المستثمر في طاعة الله، والجهد الضائع أو المهدور في معصية الله تعالى، وشتان ما بين الجهدين ونتائجهما الآنية والمستقبلية..
وتتلازم المعصية مع الشيطان وأعوانه، وتتلازم الطاعة مع الرحمن ومَنْ، (.. نَصَحَ نَفْسَهُ، وَقَدَّمَ تَوْبَتَهُ، وَغَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ، وَالشَّيْطَانُ مُوَكِّلٌ بِهِ، يُزَيِّنُ لَهُ المَعْصِيَة لِيَرْكَبَهَا، وَيُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوْفَها..) (3).
وسواء اقترف الإنسان المعصية بصفته الفردية أو الجماعية أو المجتمعية، فإنّ الانحراف تهديده على العلاقات والبناء المجتمعي - الحضاري، ومنه ما يتولّد من الصراعات الخطرة داخل المجتمع، وداخل
المؤسسات والمنظومات الاجتماعية، وتنقلب الأمور والحقائق، وتأخذ الوجه المزيف ؛ (حَتَّى إذا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ، وَاسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلَابِيبِ غَفْلَتِهِمُ اسْتَقْبَلُوا مدبراً، وَاسْتَدْبَرُوا مُقْبلاً، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ، وَلا بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ) (1).
وهو من نتائج غشاوة المادية، والغفلة بالنظرة القصيرة الأجل، والانغماس والتمادي في المعاصي، ومنه ما يحجب البصائر، ولكون العصيان تبدأ من مؤهلات الذات وتوجهاتها، وما يتحقق من حركية المعصية الجمعية وامتداداتها المجتمعية، وتكمن تهديدات المعصية حتى بالرضى عن فعلها، وما يصب مصبها في معصية الخالق تعالى، وتتدرّج المعصية مما يخفي الإنسان، لكونها تمرين مشجع للمعاصي العْلَنَة.. لذا يقول (عليه السلام) :
(اتَّقُوا مَعَاصِيَ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْحَاكِمُ) (2)
وقال (عليه السلام) ؛ وقد مرَّ بقتلى الخوارج يوم النَّهْرَوَان : بُؤساً لَكُمْ، لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَكُمْ فقيل له : ما غَرَّهُمْ يا أمير المؤمنين ؟ فقال (عليه السلام) : الشَّيْطَانُ المُضِلَّ، وَالأنْفُسُ الأَمَّارَةُ بالسُّوءِ، غَرَّتْهُمْ بالأمانيِّ، وَفَسَحَتْ لَهُمْ بالمَعَاصِي، وَوَعَدَتْهُمُ الإظْهَارَ، فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ) (3).
وكان تجمع الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وما نتج عنه :
الشَّيْطَانُ المُضِلَّ ؛ قد زيّف لهم الأفكار..
وَالأنفُس الأمارة بالسوء :
• غَرتهم بالأماني..
• فَسَحَتْ لَهُمْ بالمعاصي..
• عَدَتْهُمُ الإظْهَارَ..
وبالسلوك والأعمال المنحرفة والمدعمة بالمعاصي، كانت النتيجة الحتمية ؛ (فاقْتَحَمَتْ بهِمُ النَّارَ)، حينما غرتهم الأماني الكاذبة،
البيئة والمناخ الجمعي، الحاضنة الخطرة لتعاظم المعاصي والإضرار بالذات والآخر والمحيط وبالمعصية تمتد خسارة المجتمع، وما يؤثر بدوره على التنمية الوطنية، والتنمية الاجتماعية، ومن العصيان ما يولد الصراعات والأمراض الاجتماعية، وتهديد العمليات والعلاقات والنظم الاجتماعية..
فضلاً عن ما تولّده المعصية من فقدان المناعة المجتمعية لمقاومة وعلاج هذا الجسم المريض داخل الأسرة والمجتمع، وما يولّده من إحباط اتجاه دمجهم ضمن النفع الاجتماعي، لذا تراهم يتقاطعون مع ثقافة وفاعلية وطاعة الذين (لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) (84) سورة القصص.
ويبين (عليه السلام) امتدادات ذلك عند الطاعة والمعصية.. بقوله :
(فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ، وَخَلَدَهُمْ فِي دَارِهِ، حَيْثُ لا يَظْعَنُ النَّزَّالُ، وَلا تَتَغَيَّرُ بِهِم الحالُ، وَلا تَنُوبُهُمُ الأَفْزَاعُ، وَلا تَنَالُهُمُ الأَسْقَامُ، وَلا تَعْرِضُ لَهُمُ الأَخْطَارُ، وَلَا تُشْخِصَهُمُ الأَسْفَار.ُ وأما أهْلُ المَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرِّ دَارٍ، وَغَلَّ الأَبْدِي إلى الأَعْنَاقِ، وَقَرْنَ النَّوَاصِي بالأقدام، وَالْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ القَطِرَانِ، وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ، فِي عَذَابِ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ، وَبَابٍ قَدْ أُطْبَقَ عَلَى أَهْلِهِ، فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَلَجَبٌ، وَلَهَبْ سَاطِعٌ، وَقَصيفٌ هَائِلٌ، لا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَلا يُفَادَى أَسِيرُهَا، وَلا تُفْصَمُ كبُولُهَا، لا مُدَّةً لِلدَّارِ فَتَفْنَى، وَلَا أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى) (1).
وبذلك تمتد الطاعة وتمرُّ وتترجم من خلال طاعة الله تعالى، لكونها أولاً وأخيراً تصب في مجريات ونظم الحياة ومنافعها، ومنه مجريات ونظم الحياة الاجتماعية، وتكون الطاعة الدعم الداعم للتنمية المستدامة والتطوير المستدام، ويمتد ثوابها إلى ما بعد الدنيا..
وبخلافه يكون العصيان لأوامر الخالق عز وجل، المهدد الأول والأخير لمجريات نظم الحياة، ومنها تهديد الاستقرار الأمني للمجتمع وكل ما له علاقة به..
واستكمالاً لما تقدّم، فقد يتعرض المجتمع لموجات عديدة من شأنها أن تؤثر وتهدد مسيرته وأنشطته المختلفة الداخلة ضمن العديد من العوامل المختلفة، بما تمليه من سلوك جمعي، يتعرض له المجتمع، ومن بين هذه الموجات الطوبائية التي تنذر بمخاطرها وتميل إلى اللاعقلانية، يتمثل بالسلوك الغوغائي، والذي عُرف قديماً، وتم وضع له مفردة الغوغاء ؛ ضمن مفهومه اللغوي والمصطلحي..
1) المرجع نفسه / ص 161 - 162.
وكذلك اهتم بمفهوم الغوغاء Mob علماء الاجتماع، وكان لكل من ؛ سيجل وتارد ولوبون، الرأي والمعالجات، وبهذا كان موضع عناية في مجال علم الاجتماع، وأيضاً اهتمت نظريات علم النفس الاجتماعي به، وما كان من المعايير المفرقة بين مصطلح الغوغاء والمصطلحات القريبة منه في علم الاجتماع : (1)
وأيضاً راجع : د. محمد عاطف غيث / المرجع نفسه / ص 219، أحمد خورشيد النوره جي / المرجع نفسه / ص 192.
-والمعيار الآخر، من حيث الهدف ؛ ويكون هدفهم باتجاه مصطنع واحد، ويكون بشكل غير عقلاني بالمعنى الحقيقي له، وكذا الموجه له..
والمعيار الآخر، من حيث القيادة ؛ عدم وجود قيادة واضحة، وإن وجدت فإنها تكون ارتجالية وتلقائية وعاطفية متبادلة وقوية، سرعان ما تتغير وتُغيّر مسيرة الدولة والمجتمع..
من حيث إدارة وتنظيم الأزمة ؛ يتصف فقدان أمن المجتمع وأمن الدولة، فتفقد السيطرة عندها..
من حيث البيئة ؛ تفقد البيئة في مثل هذه الظروف ما يحميها، حالها حال فقدان أمن الحياة داخل الحدود الإقليمية المتعلقة بذات الدولة، كفقدان جزئي أو كلي للبيئة، فيتم الاعتداء حتى على الحجر والشجر والمحميات البيئية المتنوعة، المنظورة وغير المنظورة، وربما تنتقل عدوى هذه الأزمة من بيئة إلى أخرى..
من حيث الفئة : ربما تتخذ هذه الأزمة صفة فئوية، كأن يكون ضمن مهن وأعمال معينة، أو ربما قومية أو جهة معينة..
وأصل الغَوْغاءِ الجَرادُ حين يَخِفٌ للطَّيران ثم استعير للسَّفِلة من الناس والمتسرعين إلى الشر، ر، ويجوز أن يكون من الغَوْغاءِ الصوتِ والجَلَبة لكثرة لَغَطهم وصياحهم.. (2)
يمكن القول بأن الغوغاء ؛ مجموعة من الناس لا يربطهم إلا الحدث الواقع أو المفتعل والهدف المتقارب ويتكالبون في ظل قيادة صورية لا يجمعهم معها إلا عواطف غير منتظمة ومتبادلة وعنيفة التي سرعان ما تزول لعدم ثباتها، ولها الصفة المخالفة للقانون، وموقعين بذلك الكوارث والخسائر والعنف
والضحايا ووقع الإرهاب في النفوس، وعند وقوعها، لا يكون فيها من الثبات إلا الهروب منها، لذا يكون في تجمعهم الشر، وعند تفرقهم الخير..
ويمكن وضع مصطلح جديد للعصيان والغوغاء المعاصر، ألا وهو العصيان الإلكتروني والغوغاء الالكتروني ؛ وينقسم العصيان الالكتروني إلى الأقسام الآتية :
الأول : يشمل العصيان بذات التكنولوجيا وفاعليتها وعملها، ومؤثراته على الحياة، ومنها الحياة الاجتماعية، وما يتعلق بالعنف والإرهاب الالكتروني..
الثاني : يتعلق بذات الإنسان وعلاقته بهذه التقنية وما يدخل ضمنها من معلومات وبيانات وكل ما ينضوي تحت النشر الإلكتروني، وترتبط مؤثراته بالحياة والمجتمع..
الثالث : يتعلق بالبيئة الداخلية والخارجية الالكترونية واستثماراتها، بما فيه ما يتعلق بالمؤسسات والمجتمعات والدول وما يتعلق بهم، وعولمتها السلبية والإيجابية
أما الغوغاء الالكترني ؛ يشمل على ذات البيئة الالكترونية والعلاقات المتنوعة والمختلفة وما يترتب من محدودية التواصل الاجتماعي عبر الانترنت، وما يتعلق بالغوغائي كفرد وجماعة، والبيئة الالكترونية المتلائمة مع مَنْ ينطبق عليه الغوغاء وينجرف معها، وما يتأثر ويؤثر بها بالغباء العاطفي الذي يختلف عن الذكاء العاطفي، ويتفاعل بتواصل حتى انتهاء ما ينجم من مشاكل وأزمات..
ويتجه الإسلام بتحريم ومنع كل ما يخلُّ بالعلاقات والأنظمة الحياتية، وكل ما يُهدد سلامة النسيج الاجتماعي، وكل ما يهدد أرواح وممتلكات الناس وسلامة العلاقات والتماسك الاجتماعي، وحماية الدولة ووحدتها، والحد من كل ما يخلُ ويقطع مراعاة التواصل الدنيوي والأخروي، ومن فلسفة هذا وغيره، ينبع انتظام وحماية الإنسان والبيئة وكل ما يحقق الأمن والأمان والرفاهية في الحياة بأصولها المطابقة للأحكام الشرعية..
وبهذا الخصوص قال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) ؛ (في صفة الغوغاء : هُمُ الَّذِينَ إذا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا.
وقيل : بل قال (عليه السلام) : هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا، وَإِذا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا، فقيل : قد عرفنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم ؟ فقال (عليه السلام) : يَرْجِعُ أصْحَابُ المِهَنِ إلى مِهْنَتِهِمْ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِم، كَرْجُوعِ البَنَّاءِ إلى بنَائِهِ، وَالنَّسَاجِ إلى مَنْسَجِهِ، وَالخَبَّازِ إلى مَخْبَزِهِ) (1)
وأيضاً يظهر من مؤشرات المناخ والبيئة المجتمعية الغوغائية، بأنه متكون من : جماعة من البشر، وما يترتب عليه اجتماعهم والإضرار بالناس، ولا هدف واضح ومتكامل لديهم، وهم قسم من أصحاب
1) نهج البلاغة / ص 504.
المهن البسيطة والمتصفة بالجهود العضلية، وتعاملهم العقلاني يكاد أن تكون معدومة، وباجتماعهم يؤدي الضرر، وبتفرقهم يتحقق المنفعة، وقيادتهم تكاد تكون معدومة، ولا موقف وظروف الظهور قائد ثابت، والأهواء تتغيّر تبعاً لتغير الظروف بشكل عشوائي وغير مدروس، وحين اجتماعهم تكون الغلبة لهم، وحين تفرقهم لم يُعرفوا، ربما لكونهم بعيدين عن مركز القرار والعطاء الفكري..
وربما تُحرك الغوغاء مخططات خارجية دون المشاركة معهم بالفعل، وهم لا يُبالون في تقديم الضحايا، وتكون حركتهم شبه جنونية أو خارجه عن العقلانية، وعلامة حركتهم فوضوية، وربما تستفيد منهم جهات معادية للدولة، وتشجهم وتمدّهم لتهديد أمن الدولة، وتكون صفة حركتهم العشوائية تدميرية..
وفرّق (عليه السلام) بذلك بين الأعمال المهنية النافعة للمجتمع، وبين الأفعال العشوائية التدميرية ذات الصفة التخريبية والفوضوية، وأعمالهم لها صفة النفع والخير، أما أفعالهم فهي عشوائية فوضوية، وبفعلهم يكون هدر للطاقات والاقتصاد وتهديد التماسك والبناء الاجتماعي، وتهديد أمن وطمأنينة المجتمع ومشاريعه التنموية المختلفة، وبسلوكهم الشريرة تسفك الدماء، وتهدد البيئة والممتلكات وبسلوكهم ربما يكون تدمير المؤسسات الرسمية وغير الرسمية وهدر بالأموال العامة وتعطيل بناء الحياة والعطاء المثمر، مما يجعل حضورهم وتجمعهم عدواني، وتأثيرهم مهدد لاستقرار البلاد..
لذا قال (عليه السلام) حينما ؛ (أتى بجان ومعه غوغاء، فقال : لا مَرْحَباً بِوُجُوهِ لا تُرَى إِلا عِندَ كل سوأة)(1).
و مما تعني السوأة ؛ القبيحة من كل شيء أو فعل، وفعل ما يُكره، ومنه كل ما يؤدي إلى استياء الغير، وبه تقبيح الصنيع، وهكذا يكون السلوك الغوغائي له مخاطره العظيمة، لذا يستمر الاهتمام الوقائي والعلاجي بكل دقة وعلمية..
1) المرجع نفسه / ص 505.
في وصية الإمام علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) (1)
فضلاً عن كل ما تقدّم، يظهر من الضروي النظر، وإن كان بشكل مبدئي، الجوانب مما ورد في الدستور الأسري - الاجتماعي والأخلاقي، هذا الدستور التربوي - التعليمي الشامل بثقافته وعمقه في الإستراتيجيات، وما يُترجم الفلسفة التربوية الإسلامية - الإنسانية العظيمة على كل المستويات والشرائح الاجتماعية والتنظيمية والمؤسساتية الرسمية وغير الرسمية، بالجوانب المنظور وغير المنظورة، والمتمثل بالوصية البلاغية البالغة التي فيها أوصى أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام)، حيث كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين، والتركيز ما تشمل عليه من محتوى دلالي، مما يتمثل (بحاضرين)، و (حرب)، وحيثيات الناس والتربية والحرب..
يعني الكلمة موجّهة للناس وللإنسانية جمعاء، مساحتها وسقفها اللا محدود، وعدم توقف المنهج والعناية المستمرة بالتربية، لكونها عماد الاستراتيجيات الحياتية والحضارية، ومنها استقامة التنشئة بكل مكونات الهيكلية التربوية والخطط وإمكانية التنفيذ، ومتطلباتها معايير الآليات والنتائج والعواقب، وجميعها يجمعها حتمية الموت بعد الحياة، وكيفية تحويل الموت إلى استمرارية الحياة، بالمنظور المقوم الجامع بين المعالم الدنيوية والأخروية كجسد تحسسي متكامل في الأعمال والنتائج والعواقب، وحتمية وحقيقة عدم التقادم في الحقوق حتى ما بعد الدنيا، لاستقامة العلاقات والعمليات الاجتماعية..
1) راجع : هاشم حسين ناصر المحنك / دروس من وصبة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) / دار أنباء للطباعة والنشر / النجف الأشرف - العراق..
وبحسب ما نستوعب جوانب من الوصية الممثلة للثروة العلمية والفكرية التربوية العظيمة والرائعة، واستقراء جانب متوازن مما جمعته الوصية بين استثمار الفهم والذكاء العاطفي التربوي وعظيم ودقة الفهم والذكاء الموضوعي، وبين المتغيرات والثوابت وما تتطلبه الاستجابة الموقفية، وبين المستقل والتابع من العوامل، وقبل الخوض في مضامين الموضوع، والتركيز هنا على ما يخص الدراسة، يمكن وضع النقاط الآتية :
أولاً : أهمية الوعى والتواصل بين الأجيال السالفة واللاحقة المنصب في مجرى التواصل الحضاري الإنساني الأخلاقي، والابتعاد عن مفهوم الفواصل والحواجز والتباعد بين الأجيال، وليس المقصود التوقف عند الأطلال الغابرة والتقوقع عليها والركون إليها والجمود عندها، الانتفاع وتواصل البناء الإصلاحي والتجديدي والتحديثي الحضاري، بالتوازي مع مواكبة كل جديد حتى المادي منه، وما تتطلبه التنمية والتطوير الأفقي والعمودي ومكملاتها، كما هو الآتي:
1 - معنى تواصل البناء الحضاري الأفقي ؛ تكاملية البناء الحضاري بشكله الأفقي، فالسابق إلى جانبه ما يكامله من اللاحق، مع مراعاة المرونة والانسابية والفاعلية بينهم وبحسب المحتوى الإنساني – الأخلاقي..
2 - أما تواصل البناء الحضاري العمودي (الرأسي) ؛ فهو التراكم السابق وما يلحقه، ويكون كالآتي :
أ - البناء الحضاري العمودي (الرأسي (بالاتجاه الأعلى : ويتم ذلك بإكمال مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية مكملة، كما لو كان النظام الفرعي يُضاف على النظام الفرعي الآخر، سواء كان مضمون مادي وغير مادي ونفسي وما يتعلق بالجانب البشري..
ب - البناء الحضاري العمودي (الرأسي) بالاتجاه الأسفل : ويتم ذلك بإكمال مرحلة حضارية محددة وسالفة بما يكمل المرحلة اللاحقة، كما لو كان النظام الفرعي يحتاج للترميم والإصلاح والتجديد الملائم، سواء كان من الناحية المادية وغير المادية والنفسية وما يتعلق بالجوانب أو المضامين البشرية..
ت - البناء الحضاري العمودي (الرأسي) المشترك بين الاتجاهين الأعلى والأسفل، ويكون إما تزامني، بين الخطط والتنمية والتطوير والإصلاح والتحديث والتجديد، أو يكون البناء بالاتجاه الأعلى أولاً، أو بالاتجاه الأسفل أولاً..
3 - وهناك تواصل البناء الحضاري العمودي والأفقي معاً : ويتم بإشراكهما معاً، للإفادة من إيجابيات كل منهما، وتحاشي أو الابتعاد عن سلبياتهما، كما يحصل للتنظيم المركزي
والتنظيم اللامركزي، وما لهما كمن ايجابيات وسلبيات، وبإشراكهما معاً يتم الانتفاع من إيجابيتهما والابتعاد عن سلبياتهما، وربما يحتاج العمل والتطوير إلى ترجيح توسيع مساحة أحدهما على الآخر، أو احتياج استعمالات وتطبيقات موقفية، تسبق تطبيق أحدهما على الآخر، والتنسيق في شمولية التواصل البنائي – الحضاري..
وبشكل عام ؛ يتحدد تواصل البناء الحضاري بين السالف واللاحق وعلى وفق ما تقدّم ذكره وبحسب مقتضيات التقدّم الحضاري أو الإمكانيات المتوافرة بكل ما يعنيه الموضوع..
وهنا لفاعلية دور المجتمع، أهمية بالغة العمق، لتسهيل وتواصل المهام بفاعلية، وبالتفاعل المطلوب المثمر، وبمراعاة جانب التجديد والتحديث والإصلاح والتقييم والتقويم المطلوب مع الأخذ بنظر الاعتبار الموائمة وعدم التشويه، أو عدم طمس معالم الحضارة السابقة أو السالفة وخصوصياتها أو الحد من بتأثير وميول وأهواء جهات معينة...
لذا يجب حضور التوجيه العقلاني الرشيد، والمؤهلات والخبرات والأمانة للحفاظ على كل ما تمتلكه وتتميز و تتميز به الحضارة من مقومات خاصة بها، والتجرد أو الحيلولة دون الوقوع في دائرة الأهداف المغرضة، وتحديد ما هو جدير بالإسهام في التغيير المنتج..
ويضع (عليه السلام) الدقة البالغة في الاتجاه التواصلي للحضارة والإفادة منها بوعي، حيث يقول :
(أيْ بُنَيَّ، إِلى وَإِنْ لَمْ أكُنْ عُمِّرْتُ عُمَرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَرْتُ فِي اخبارهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ ؛ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ؛ بَلْ كَأَني بما انتهى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ، قَدْ عمرتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ ؛ فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ ؛ فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كل أمْر نَخِيلَهُ، وَتَوَخَيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يعنى الْوَالِدَ الشَّفِيقَ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أدبك أن يَكُونَ ذلِكَ وأنتَ مُقْبلُ الْعُمر وَمُقْتَبَلُ الدَّهْر، دونية سَليمَةٍ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ، وَأَنْ أَبْتَدِئكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ، وَشَرَائِعِ الإِسْلامِ وَأَحْكَامِهِ وَحَلالِهِ وَحَرَامِهِ، لا أَجَاوِرُ ذلِكَ بكَ إِلَى غَيْرِهِ، ثمَّ أَشْفَقْتُ أَن يَلْتَيسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ من إسْلامِكَ إِلَى أَمْرٍ لا آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الْهَلَكَةَ، وَرَجَوْتُ أَن يُوَفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ مِنْ لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصيَّتي هذه)(1).
ومما يُدلل على أهمية البناء الاستراتيجي المستدام، ودراسة البناء والعمليات والعلاقات والتغيير الاجتماعي، وأهمية أداة البحث والرؤيا التاريخية الحركية وتطورها، وتصنيف وتجانس الظواهر
1) نهج البلاغة / ص 393 - 394.
التاريخية، وفهم معطياتها واستثمارها، مؤشراتها ودلالاتها الداخلية وظروفها الخارجية، وأهمية دعم الاستراتيجيات ومنها ما تتضمنه من الجوانب الاجتماعية والتربوية، بالمعطيات التاريخية (المنهج الاستردادي)، والانفتاح على الآخر وحضارته، وما يتطلب من استثمار الوسيلة العقلية (المنهج الاستنباطي)، وأهمية الوسيلة الحسية (المنهج الاستقرائي أو التجريبي)، وما يكون من توجه النظم والعلاقات والعمليات الاجتماعية، بكل ما يتطلبه من استيعابات فاعلة، لما يتوقع من إمكانية مستقبلية، وهو الحد المفصلي للانتقال لمرحلة جديدة دون ترك المرحلة السابقة، والإفادة من كل نتاج علمي جديد يدعم مستقبل الحياة..
وجانب منه ما تتجه إليه أحدث النظريات والتطبيقات العالمية، وبذاته يحفظ شمولية وعمق ومديات الجودة في المكونات الحضارية والثقافية، وما يدخل من العمق العلمي - المعرفي وبتواصل ما يتطلبه الجانب التربوي - التعليمي المتكامل داخل المجتمع الواحد مع مراعاة تطور ودينامية أو حركية المحيط، يعني التوازن بين البيئة الداخلية والبيئة الخارجية مع تواصل الأجيال بلا انقطاع، وعندها لا تقف عجلة التنمية والتقدّم واستدامة الحضارات وتكافئها..
والأبعاد الافتراضية الريادية لحركية الزمن، ربما تسبق أو تتزامن مع حركية عمليات وأنشطة الفرد والمجتمع، كوحدة واحدة بلا اختناقات في مسيرة التنمية الاجتماعية، وبقدر الامكانيات المخطط لها في الأبعاد الحضارية، وبأقل تقدير حتى وإن كان الهدف من هذه التجربة الإفادة بلا تواصل، ولكنه بذاته يحقق إيجابيات، ربما يكون من خلالها الاندفاع الحضاري السريع الخطى، وما يُحققه من ريادة وثبات ورسوخ..
ثانياً : تباين مستويات الاستيعاب والفهم بين الأفراد والمجتمعات أو بين بني البشر، ومنه ما يظهر عند قوله (عليه السلام) :
(وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ، أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبئ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَا عَنْهُ الرَّسُول "(صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّم)" فَارْضَ بِهِ رَائِداً، وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِداً، فَإِنِّي لَمْ الكَ نَصِيحَةً، وَإِنَّكَ لَن تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ - وَإِن اجتَهَدْتَ - مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ) (1).
ومما يتبين من النص المبارك ؛ البيان القيادي والريادي، والشخصية المتميزة، لتكون المدرسة العقائدية والقدوة التي يختط منها مستقل الذات - الموضوع، (فَارْضَ بِهِ رَائِداً، وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِداً)، والاهتمام بتقييم وتقويم الآخر، لأهمية موضوعيته التربوية والتعليمية، وهو ما يضيف قوة تقويمية أخرى بما يتصف به الفرد وما يمتلكه من نقاط القوة والضعف، ومستوى الإمكانيات والمميزات،
1) المرجع نفسه / ص 396.
ومدى الانتفاع منها وتطويرها في ظل الفرص و التحليات والتغييرات، بما يؤهلها لاستثمار ما تمتلكه الشخصية من قدرات، والإسهام بما هو نافع للإنسانية..
ثالثاً : بناء ثقافة وحدانية الخالق جل جلاله، وبناء ثقافة وحدانية مصدر الفكر القويم الهادي إلى الصراط المستقيم، ووحدانية وتوحيد تسيير الحياة الدنيوية من غير صراع وضحايا وتضحيات بين قوى مخلوقة، كما يُبينه جانب من قوله (عليه السلام) :
(وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكَ لأنك رُسُلُهُ، وَتَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَلَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَصِفَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ إِلَهُ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، لا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَلا يَزُولُ أبداً وَلَمْ يَزَل، أَوَّلَ قَبْلَ الأَشياء بلا أَوَّلِيَّةٍ، وَآخِرٌ بَعْدَ الأَشْيَاءِ بلا نِهَايَةٍ. عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبَتَ رُبُويَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ، فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ، وَقِلّةِ مَقْدِرَتِهِ، وَكَرَةِ عَجْزِهِ وعَظِيمٍ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ، فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ، وَالْخَشْيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَالشَّفَقَةِ مِنْ سُخَطِهِ ؛ فَإِلَهُ لَمْ يَأْمُرُكَ إِلا بِحَسَنٍ، وَلَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبيحِ) (1).
وما تقدّم من النص المبارك، لهو خير الأدلة العقلية، وبيان واضح لوجود الخالق ووحدانيته بلا منازع، وتتضح أدلة عظمته وما يترتب عليها من القدرات الإلهية، بالوسائل والأدلة منها العقلية والحسية، بمعنى آخر منها أدلة استنباطية واستقرائية، وبأدلتها وقرائنها الموضوعية
رابعاً : : تنمية الرغبة والمحبة المتبادلة وقويم العلاقات الاجتماعية النابع من مستوى الوعي والفهم، وما تحدد العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وهو جانب مما يتضمنه قوله (عليه السلام) :
(يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزانَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبَبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلا تَظْلِمُ كَمَا لا تُحِبُّ أن تُظْلَمَ، وَأَحْسِنُ كَمَا تُحِبُّ أن يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْسِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَلا تَقُل مَا لا تَعْلَمُ وَإِن قل مَا تَعْلَمُ، وَلا تَقُلْ مَا لا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ) (2).
ويتم بحسب مستوى النقاوة الفكرية، وسوي النفس، وقويم السلوك وانطباعات الفرد والمجتمع، وما يمكن أن يتحقق من آثاره الإيجابية في سلامة تحسس العلاقات والتماسك الاجتماعي، (اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَانَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ)، وعدالة تطبيقاته ؛ (فَأَحْبَبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا)، والاتجاه لوحدة المجتمع بروحية وعقائدية واضحة المعالم في القول : (وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ)، وما يتطلبه العمل والأثر التربوي - العلمي والحضاري، مما يدعم قوة الدولة واستمراريتها، وبناء ثقافة المبدأ العلمي : (وَلا تَقُلْ مَا لا تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ)، الذي يحقق
الحفاظ على مكانة وشخصية الفرد على أسس ومعايير اخلاقيات حماية المكانة العلمية والوصول إلى تبادل المعلومات والعلوم والمعارف الصادقة، بالأدلة والقرائن..
خامساً : نقاوة الدواخل الإنسانية للفرد والمجتمع بالدعاء الصادق الذي اتضح في مبحث سابق، وعن طريقه يتم البناء الحقيقي للمجتمع، وبطرق اختيار المخلوق لتواصله مع الخالق، وما يتم عن طريقه، إعادة هندسة النظر في ذات الإنسان، وهو جانب تربوي عظيم، ويظهر في مضامين قوله (عليه السلام) :
(واعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ، وَتَكَفَّلَ لَكَ بِالإِجَابَةِ، وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ، وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ، وَلَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَاتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ، وَلَمْ يُعَيِّرْكَ بالإِنَابَةِ، وَلَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى، وَلَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الاِنَابَةِ، وَلَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ، وَلَمْ يُؤْيِسَكَ مِنَ الرَّحْمَةِ، بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنبِ حَسَنَةٌ، وَحَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً، وَفَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ، وَبَابَ الاسْتِعْتاب ؛ فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاكَ، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ، فَأَقْضَيْتَ إِلَيْهِ بحَاجَتِكَ، وَأَبْثثتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، واسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ، وَاسْتَعَنْتُهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ، مِنْ زِيَادَةِ الأَعْمَارِ، وَصِحَّةِ الأَبْدَانِ، وَسَعَةِ الأَرْزَاقِ، ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، فَمَتَى شِئت استفتحت بالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ، وَاسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ، فلا يُقنطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ، فَإِنَّ الْعَطِيَّة عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ، وَرُبَّمَا أُخْرَتْ عَنكَ الإِجَابَةُ، ليكون ذلِكَ أَعْظَمَ لأَجْرِ السَّائِلِ، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الآمِلِ، وَرُبَّمَا سَأَلْت الشَّيْء فَلا تُؤتَاهُ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أَوْ آجلاً، أو صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُبَّ أمْر قَدْ طَلَبَتْهُ فِيهِ هَلاك دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ، فَلْتَكُن مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ، وَيُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ ؛ فَالْمَالُ لا يَبْقَى لَكَ وَلَا تَبْقَى لَهُ) (1).
وبالدعاء تتوازن وتطمئن القلوب والروح البشرية عند ؛ (قَدْ أذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ، وَتَكَفْلَ لَكَ بالإجَابَةِ)، وتُحقق أعظم ما يترتب من الحاجة - الإشباع غير المنظورة التي تتعدى كل ماديات الحياة واللهث وراء سرابها الجامع، (فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ، وَيُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ، فَالْمَالُ لا يَبْقَى لَكَ وَلا تَبْقَى لَهُ)، ومما يتمثل فيه علم الجمال الأخلاقي وأخلاقية الأداء على معايير إنسانية، ويتحقق بالطلب والسعي، إعادة هندسة تنظيم دواخل الإنسان المتوازن مع تنظيم البيئة الخارجية، (ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ
1) المرجع نفسه / ص 398 - 399.
نِعْمَتِهِ، وَاسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ، فلا يُقنَّطنك إِجَابَتِهِ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ)، فالعطاء تربوي ونفسي ودعمها بنقاوة الدواخل من كل ملوثات الحياة..
وترى الجدوى والقوة المضافة، وعمقها الفلسفي - الإستراتيجي المنظور وغير المنظور ؛ (وَرُبَّمَا سألت الشيء فَلا تُؤتَاهُ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أو آجلاً، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُب أمْرٍ قَدْ طَلَبَتْهُ فِيهِ هَلاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ)..
سادساً : يُحدّر (عليه السلام) من الآفات العظمى للعقول، والمربكة والمضللة لصنع واتخاذ القرارات الصائبة والناسبة، والتنفيذ ودقة وجودة أداء العمل المناسب، ألا وهو الإصابة بآفة الغرور، والانفراد بالرأي دون الغير، ويشمل ذلك الأفكار والبناء النفسي والسلوكي، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(وَاعْلَمْ أَنَّ الإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآفَةُ الأَلْبَابِ، فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ، وَلَا تَكُنْ خَازِنَا لِغَيْرِكَ، وَإِذا أَنتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ) (1).
سابعاً : أن يكون الإنسان حراً، وأن يرفض العبودية والتبعية بكل أشكالها ولأي كان من خلق الله تعالى، ولا تكون العبودية إلا الله جل جلاله، فمَن كان حراً، لا يُذل ولا يُصغر بل يسمو بطاعة الله سبحانه وتعالى، الطاعة المنتجة والمثمرة والمستدامة على كل الاتجاهات، كما قال (عليه السلام) :
(وَلا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ الله حُراً) (2)
وهذا الجعل التكويني بكل ما يعنيه، يقابله طاعة الله تعالى، وبه الرفعة والسمو وتطور الحياة، فما أمر به الشرع وما نهى عنه إلا لاستقامة وتوازن الحياة واستدامتها، ومنها الحياة الاجتماعية..
ويكون بخلافه طاعة المخلوق المذلّة للشخص، ومنه ما يكون عمى الانقياد والخذلان والانحدار، وبالخصوص حينما يُرتكب من المعاصي، وبهذا الاتجاه (وَإِنِ اسْتَطَعْت أَلا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ دُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ، فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ، وَآخِذٌ سَهْمَكَ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ مِنَ الكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ) (3).
وهدف وإرادة الخالق عز وجل أن يكون عبده عزيز المكانة ومكرّم النفس، وعندها تكون النعمة الإلهية لمخلوقاته دون حواجز، وهنا فرق بين التكبر والغرور والأنفة، وعزة النفس والحفاظ على كرامة الإنسان، لأنّ عزّة النفس تحقق للمخلوق مكانته المرموقة باكتساب حقوقه الإنسانية، فلا حواجز بين الخالق والمخلوق إلا بالذنوب والأعمال المنحرفة وكل ما يتقاطع مع شريعته السمحاء، وهو تكريم للمخلوق لاختيار مكانته المسموح بها دون تكبر ولا خضوع ولا طاعة لفرعنة وربوبية المخلوق..
ثامنا : القيم الإنسانية والاجتماعية هي المولدة لثقافة استيعاب المواقف، فلا يمكن أن تكون حالة التفاعل الاجتماعي إلا من خلال تلك القيم وذلك الإيمان بها، ويكون انعكاساتها على مستقبل الفرد والمجتمع والدولة والنظم، ومنها النظم الاجتماعية، ومما يظهر ذلك في مضامين قوله (عليه السلام) :
(وَاعْلَمْ يَقِينَا أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ، وَأَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَب قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ ؛ فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبِ بِمَرْزُوقِ، وَلا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ، وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْدُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً) (1).
فإذا فُقِدَت القيم، فإنها لا تُعوّض بأمن ما في الحياة، لما سيلحق بالأخلاقية من مخاطر وتهديدات الانحراف والانحدار، أما القيم والمبادئ ومضامينها لا تتحقق إلا بالإيمان، ولا تتجسّد إلا من خلال طبيعة السلوكيات الاجتماعية، ولا تكون نتائجها قويمة، إلا من خلال سلامة هذه القيم والمبادئ التي تحد من الطمع وما ينجم عنه من هلاك، لذا يقول (عليه السلام) :
(وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ) (2)
تاسعاً : أمّا الجانب الأسري والعلاقات الأسرية وبناء التربية الأسرية، فلابد أن تُبنى على أسس حميمية وأخلاقية فضلاً عن العلاقات الاجتماعية الأخرى المحيطة بها، وهو مما يتضمنه النص المبارك :
(وَلا يَكُنْ أهْلُكَ أشقى الخلق بك، وَلا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ عَنكَ، وَلا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قطيعتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ، وَلا تَكُونَنَّ عَلَى الإساءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الإِحْسَان، ولا يكبُرَنّ عَلَيْكَ ظُلم مَنْ ظَلَمَكَ، فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَنَفْعِكَ، وَلَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسَوءَهُ) (3).
ومما يتمثل في النص المبارك المتقدم، العمق الحقيقي المطروح للنظام التربوي الأسري – القرابي، والنظام التربوي الأسري - الاجتماعي، والنظرية التربوية الدينامية الضخمة لبناء الأسرة بمواقفها وعلاقاتها المختلفة، وما يقوم عليه التنظيم والنظام التربوي الإنساني المفتوح بعلاقاته، والموجه بالأخلاقيات الداعمة لتماسك البناء الاجتماعي..
وفي ذات الاتجاه التربوي الأسري - القرابي والاجتماعي، المتمثل بعلاقات الفرد والأسرة والقرابة، وهم مكون من مكونات المجتمع ودعامة من دعائم العلاقات الاجتماعية، يقول (عليه السلام) :
(وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ، فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطيرُ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ، وَيَدُكَ الَّتِي بِهَا تَصُولُ) (4).
ويتعدد الإكرام بين المادي وغير المادي، بنات الوقوف إلى جانبهم في المحنة والدعم المالي وفي المجالات التربوية والتعليمية، ومنه تحقيق ما يدعم مكانتهم الاجتماعية.. وهكذا.
وعشيرة الرجل : بنو أبيه الأذنون، وقيل : هم القبيلة، والجمع عَشائر، والعَشِيرَةُ العامة مثل بني تميم وبني عمرو بن تميم، والعَشير القبيلة، والعَشِيرُ المَعَاشِرُ، والعَشِيرُ : القريب والصديق، والجمع عُشَراء، وعَشِيرُ المرأة : زوجها لأنه يُعاشرها وتعاشره كالصديق والمُصَادِق.. (1)
فالعشيرة بكل أبعادها الأسرية والقرابية، هي العمق الإستراتيجي الحركي والداعم التربوي والاجتماعي بمحددات مستوى القوة - الفرص وقدرات ؛ الجناح، والأصل، والصول..
عاشراً : أما بالنسبة للبناء الاجتماعي والاقتصادي، وتأثير الجانب السياسي عليهما وعلى الجوانب الثقافية والحضارية والحياتية ؛ بإيجابياتها وسلبياتها، يتضمنه قوله (عليه السلام) :
(إذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ) (2)
وهو ما يُجمل فيه عمق النظرية السياسية والحضارية، واستراتيجيات وفلسفات التغير والتغيير السياسي - القيادي، وما يجري من مستوى بناء السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، واتجاه صنع واتخاذ القرارات ومستقبل الدول، وما يؤثر به على مستوى التغيير الاجتماعي، وإن شاء الله، وضمن هذه السلسلة العلمية، هناك دراسة بشكل أوسع للعلوم السياسية في نهج البلاغة..
الحادي عشر : وضمن العلاقات والسلوك والعمليات والبناء الاجتماعي المتين، وما يدخل ضمنها من مضامين التعلم والتربية، ومستقبل الكيان الفردي - الأسري - الجماعات - المجتمع، يتضمنه بشقيه الرفيق والجار، قوله (عليه السلام) :
(سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وَعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ) (3)
فالاستقرار والطمأنينة والأمان، لا يتم إلا من خلال مكونات البيئة، وانظر العمق التربوي للنص المبارك، وقارنه بما يُطبّق في الدول المتقدمة مادياً، وما آلت إليه أمورهم الاجتماعية، حتى وصل بهم الأمر إلى فقدان العلاقات الاجتماعية، وفقدان المعالجة التضامنية للعلاقات الإنسانية غير المادية..
الثاني عشر : مما تدلّ الأدلة العقلية والنقلية (المروية)، وما جاءت به العلوم من نظريات، وما وضعته من استنتاجات من جراء التجاب والتطبيقات ونتائجها، بأن :
المخلوق = الجعل التكويني له + تنمية القدرات وتطورها وتطويرها + الخبرات
وما يُقابل ذلك من رحمة الله عز وجل على مخلوقاته:
الجعل التكويني للمخلوق = الجعل التشريعي ؛ وما يترتب من التكليف الشرعي بحدود الجعل التكويني للمخلوق وطاقاته
ومما تقدّم من المعادلتين البسيطتين، يتضح أن لكل مخلوق عاقل وغير عاقل، حدود في مواصفاته التكوينية الخَلْقية، ويقابله في الحياة وأدوارها، الوصف الوظيفي لما يشغله المخلوق، وبهذا فلا يُحاسب المخلوق إلا على قدر ما جُعِل له من مواصفات تكوينية وما يلحقها من خبرات، ومستوى هندسة تنمية القدرات وتطويرها، ليضاف عندها مسؤوليات تشريعية، تترتب على قدر ذلك..
وكما في القاعدة والمبدأ الإداري والتنظيمي، الواسع بمحتواه الفلسفي ومطلبه الإنساني :
أطلب المستطاع لكي تُطاع
لكون لا يمكن تنفيذ الإنسان للأعمال إلا بما هو مستطاع، وربما يدخل الجانب النفسي، عندها لا يتم تأدية الأعمال والواجبات والأوامر إلا بقدر ما يشعر به الشخص من توازن بين الأجر أو الراتب أو المكافئة، وما يُقابله من مستوى أداء، على الرغم من تعديه على ما يفرضه ويحرمه الشرع لمقابلة تنفيذ ما يترتب على العقود، مع مراعاة ما يُمليه التخصص وتقسيم العمل والتكليف الواضح والمحدد..
وهذا من الاتجاه المترتب على المخلوق من مقابلة ما يُمليه الجعل التشريعي بالقدرات المترتبة والملزمة على الجعل التكويني للإنسان كصفة الذكورية أو الأنثوية، وسلامة مكونات وأجهزة الجسم، وسلامة الصحة النفسية والعقلية للإنسان المكلف بالأدوار والأعمال..
ومن هذا المفهوم المختصر، نراه جانب واضح للمستوعب له ولأوسع منه في التحليل والفلسفة والإستراتيجيات، والأبعد من سلسلة تواصل الإستراتيجيات في الحياة وهندستها، ما يضعه عليه (السلام من الخطوط الوصفية المحددة لمخلوق ومواقف وحالات معينة، فلا يهدف الذم أو الاستنقاص، بل توضيح أسباب وفلسفة جانب معين من مكونات الحياة وتفاصيلها، وهو ما ينطبق على المخلوق البشري ورعايته، ووضع الأمور في مجاريها واستقامتها التكاملية مع الآخر، كما هو الحال لو قلنا هذا أبيض أو أسود، لا يعني الاستهانة أو الاستنقاص أو التفضيل، بل هو وصف الشيء بما هو فيه..
ومنه ما يترتب على الموقع والموقف والعلاقات الإنسانية والطبيعة الإنسانية والمخلوقات، ووضع الشيء في مواضعه ومكانه وما يُناسبه وبحسب جعله التكويني المترتب عليه مستحقات الجعل التشريعي من حقوق وواجبات، والفروض الشرعية على مترتبات العقود ؛ كما هو للمؤجر والأجير..
ومنه ما يترتب على الفرد وللفرد داخل أسرة واح المجتمع وداخل التنظيم، وأين ما حلّ وأين ما رحل، وما يترتب من مستحقات الحقوق والواجبات، وحينما يكون التغيير في غير مواضعه، لا يمكن أن يتحقق إحقاق الحق وما يتوجب من واجبات، لذا يقول (عليه السلام) :
(.. فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ، وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ) (1)
وترجع في ذلك للمعادلتين المتقدمتين، المنطبق على جانب من مضامين النص المبارك :
المخلوق = الجعل التكويني له + تنمية القدرات وتطورها وتطويرها + الخبرات
وما يُقابله من رحمة الله عز وجل على مخلوقاته :
الجعل التكويني للمخلوق = الجعل التشريعي ؛ وما يترتب من التكليف الشرعي بحدود الجعل التكويني للمخلوق وطاقاته
والحرص الشديد في حقوق المرأة، يتحقق حينما تكون في مكانها الحقيقي الفاعل داخل المجتمع، وهي مُعززة ومُكرمة، لا يُمكن أن ينتقص منها شيء، ولا ينتقص من حقوقها وأحقيتها بشيء، فإن خرجت عن مناخها وجوها الطبيعي، فلا يتطابق الوصف المكاني مع مواصفاتها السوسيولوجية والسايكولوجية والبيولوجية الأنثوية الراقية العواطف، كإنسانة، وكمنتجة أو سيدة البيئة الأسرية للأجيال وسيدة العمق الاستراتيجي التربوي للأجيال الأسرية وما يتحقق من التماسك الأسري..
وللحرص على هذه المخلوقة الرقيقة المرهفة العواطف الأنثوية بخصوصيتها التي لا يمكن أن تتحول إلى خصوصية مكملها الرجل، وإلا كانت كما يقولون علماء النفس والاجتماع بأنها مسترجله، أي خرجت من الطور الأنثوي إلى الطور الذكوري، وبذلك الدور والطور الأنثوي يتوجب مراعاتها ؛ الإنسان الفاعل في البيئة العلاقات الأسرية - الاجتماعية..
ولا بد من الانتباه إلى محور مهم في النص المبارك، ألا وهو الوقاية خير من العلاج، والعلاج خير من الموت، والمرأة لابد أن تعرف أنها يجب عليها مع البيئة المحيطة بها في حماية التاج الأنشوي لها، ولا تولّد لها ثغرة وفجوة تهدد كيانها الجميل باسم الحرية، سرعان ما يتحول عليها وبالاً فتستغل باسم التحرر، فتكون في مخاطر تعاظم عدم الحرية وهدر وإباحة أنوثتها وسفكها، وتعين بهذا الجهل المركب على امتهانها وظلمها باسم حقوق المرأة، والمنجرفة به نحو الانحدار الأخلاقي، ومنه الحدار وتفكك الأسرة والمجتمع من أجل ماديات الحياة الزائلة، يعني سحق المنظور التربوي - الأخلاقي بمنظوره
1) المرجع نفسه / ص 405.
الإسلامي، ويعني النتيجة التي أصبحت عليها من امتهان وانتهاك في الدول المتطورة بتكنولوجياتها، الجسد المتعاظم والرأس الخاوي المضيّع لاستقامة نتائج هذا التطور المترامي الأطراف..
وأخطر ما يمر به الإنسان، هو عدم إمكانيته في التوازن بين الجعل التكويني مع الجعل التشريعي كما تم الإشارة إليه، وما تبين من المعادلتين، بأن وضع الأمور في مواضعها، لا يعني الانتقاص من المخلوق، بل يعني تكاملية الحياة وتواصلها، ومنها ما يتعلق بالجانب الأسري والاجتماعي..
وليتجرّد الشخص من الأهداف والأغراض غير المكشوفة والشيطانية في تدمير المجتمع، وينظر لواقع والجعل التكويني للمرأة وحقوقها الحقيقية وصيانة حقوقها، واستيعاب النص المبارك :
(وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأيَهُنَّ إِلَى أَفْنٍ، وَعَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ) (1)
ومما يتجه به مضمون القول المبارك ؛ أن لا تقجم المرأة الأنثى بأدوار غير أدوارها، مما يؤدي بها لتكون نسخة ذكورية في علاقاتها وأدوارها، ولا تجعلها في مواضع ومجالات الحياة بحيث يتشوّه دورها الحقيقي وجعلها التكويني، ومنه المؤهلات والوظائف ؛ البيولوجية والفسلجية والنفسية والاجتماعية والأسرية، وحمايتها من أمور وأفكار تربكها، لكي لا تخترقها الأفكار الممسوخة، وتجعلها تنادي كالببغاء بالحقوق دون استيعاب وفهم مستقبلها واستدامته، فتحصل على حقوق صورية، تُضيّع بها حقوقها الحقيقية ودورها في بناء الأسرة بروحيتها العظيمة، وتضيع بين ركام ما يسمى بكسبها للحقوق والحرية التي تجعلها بضاعة رخيصة ومفاتن ومادة، سرعان ما تُرمى بعد امتهانها واستعمالها كسلعة ومادة..
وعند السؤال عن السبب والفلسفة القائمة عليها، (وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ)، تكون الإجابة الواضحة البيان للحفاظ على حقوقها : (فَإِنَّ رَأيَهُنَّ إِلَى أَفْنِ)، أي المرأة (كأنثى) رأيها له خصوصیات و عواطف بلا حدود، والنتيجة ربما يخل ويهدد شخصها ومكانتها.. لكون :
دور شخص المرأة = الكيان التربوي للأسرة النواة
قوة شخصية المرأة - قوة شخصية الأسرة
والمرأة الأسرة الحقيقية القائمة بكيانها التربوي، وهي الأسرة الاجتماعية والمجتمعية، وهي الأسرة العقل، ونتاج العقل المجتمعي - المعرفي ومستقبل الحياة الاجتماعية بقوة تربيتها، وهي الأسرة ؛ السوية بالنفس والقويمة بالسلوك والموحدة العلاقات، والمتماسك الأوصال، (وَعَزَمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ) ؛ لما لها من صفات ومواصفات خاصة بها كإمرأة أنثوية تتصف بالرقة البدنية والروحية والعاطفية.
1) المرجع نفسه / ص 405.
وما يحصل مما يُسمى بحقوق المرأة في أوراكلها، من حملها الأثقال، وعرض جسدها ومفاتنها، وخشونة ما تعمل من التمرينات الرياضية وعملها الرجولي الخشن، بالمرور لتحولها إلى سلعة تنتهك حرماتها وحقوقها الحقيقية، وتستهلك ويُقلل من مكانتها ودورها التربوي، وموقعها الحقيقي الذي لا يمكن أن يشغله إلا هي بكرامتها وقيمها وأخلاقياتها لبناء الأسرة - المجتمع..
والدليل ؛ فالجوهرة مقامها مُصان مرموق ومعروف، والمرأة أعظم من الجوهرة، وكيانها الاجتماعي في الإسلام محفوظ غاية الحفظ، وتعزيزه العقلاني شاخص، ولكي لا تدخل في متاهات معترك الحياة المجهولة، وللوقاية من المخاطر والتهديدات المحيقة بها، لذا يقول (عليه السلام):
(وَاكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ، وَلَيْسَ خرُوجَهُنَّ يَأْشَدَّ مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لا يُوثَقُ بهِ عَلَيْهِنَّ، وَإِن اسْتَطَعْت الا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ، ولا تملك الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْنَالَةٌ، وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانةٍ، ولا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا، وَلا تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا) (1)
وهو خير دليل على مكانة المرأة المصانة في الإسلام، وحماية المرأة من كل أنواع الانتهاكات المنظورة وغير المنظورة، وحمايتها من مخاطر العمل والاحتكاك بالآخرين، وإقحامها بأمور قد توصلها إلى المسائلة القانونية والشرعية والعرفية، وربما تدخلها في ميدان الجريمة ؛ بجنحها وجناياتها..
وفي دراسات وبحوث ميدانية، تبين ما أهمية هذا القول العظيم من عمق إنساني للمرأة وحماية
كيانها ومستقبلها، وما مدى عمقه في إستراتيجية الأسرة - المجتمع واستدامتها، لحماية المرأة م- التعرض لمخاطر الانزلاق في الجرائم ومسباتها، واتضح مما تم التوصل إليه من نتائج الدراسات والبحوث، بأنّ البيئة التي تنزل المرأة للعمل فيها نسبة السجينات فيها أكثر بكثير، بالمقارنة مع البيئة التي لا مجال لنزولها لساحات العمل، ومن أسباب ذلك احتكاكها بمشاكل العمل وفرص الخطأ... (2)
ووضع المرأة والرجل فيما يُصلح أحوالهما، ليأخذ كل دوره الحقيقي، عندها سيصلح حال وعلاقات الأسرة وامتداداتها، ويصلح المجتمع ومفاهيمه القيمية والأخلاقية، وتصلح وتقوم أركان الحضارة المستدامة، (فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ، وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ)، لكون المرأة المفعمة بالحنان والرقة، هي النسيم العليل في مناخ البيئة الاجتماعية الملائمة، وبها يتحقق ما يلائم مكانتها..
لذا أروع ما تصلح له، الحرص في بناء الأجيال القيم والأخلاق ومكارمها من الدواخل ؛ وبعلاجاتها النفسية والروحية، ليكون بقويم التربية صرح متماسك البناء النفسي - الاجتماعي..
وليس هذا بالقول النظري، بل هو نابع من حقيقة وتجارب الحياة، فحينما ينصب التفكير والاتجاه لسد الفجوة المادية للأسرة، تظهر فجوات وتراكمات لا يمكن السيطرة على مخاطرها وتهديداتها، وتظهر موجة من الانحرافات والفراغات، ومنها الانحرافات الفكرية والنفسية والفراغات الروحية.. (1)
وما ملوّث الأفكار البرّاقة، النابع عن جهل حقيقة حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الإنسان، بل حقوق الناس بشكل عام، إلا ضياع لكل الحقوق، واستدامة جهل الأجيال لثقافة الحقوق الحضارية، وهو ما غرق الشرق به، ودمّر العباد والبلاد، وسبب للتراجع عن الركب الإنساني الحضاري الحقيقي المستدام..
ومعالجة المشاكل والأزمات، بدلاً من الضياع بين الصراعات على سراب الحقوق البشرية، والمرأة تُخدع لتهدر حقوق الأسرة، فتضيع، وتضيع الأسرة على موائد النظريات وقولبتها الغربية التي أضاعوا بها المرأة وانسيابية الحياة الأسرية - المجتمعية، وفقد الطفل أبسط حقوقه في معرفة أبويه ومحاورتهما لبناء الفكر والنفس والروح والسلوك الأخلاقي، ومعرفة الصحيح من من الخطأ..
ولمعرفة حقيقة حقوقها وحقوق الأجيال والمسؤولية الملقاة على عاتقها، ولإحساسها بذاتها وكرامتها ومكانها من الاحترام، لذا (ولا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا، وَلا تُطْمِعُهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا)، لما يسبب إشكالات لها ولغيرها، وهم في غنى عنها، المتفاقمة من كونها مشاكل عابرة إلى أزمات وقضايا يتدخل القضاء فيها، مما يهين مكانتها الأسرية – الاجتماعية..
وما أوضح قوله (عليه السلام) الذي مما يتضمنه، ما تم ذكره، من أن أراد للمرأة رفعتها وقويم سلوكياتها، بتوافر الأجواء المناسبة لصون كيانها، وتكون مؤهلة لبناء الأجيال دون المرور بأمور ربما تتسبب في تفكك الأسرة وضياعها..
وجانب مما يولده ؛ (وَإِيَّاكَ وَالتَّغَايَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ، فَإِنَّ ذلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةُ إِلَى السَّقَم، والبريئة إلى الريب) (2).
فلكل في هذه الحياة الدنيا مكانته وما جُعِل لأجله من رسالة وغايات وأهداف، بالمؤهلات والتكوينات الطبيعية وغير المصطنعة من المادية وغير المادية والنفسية، لأداء هذه الرسالة، وبأكمل وجه
1) راجع : هاشم حسين ناصر المحنك / نظام الأسرة وتنظيمها بين التراث والمعاصرة مع دراسة ميدانية / بحث شارك ضمن مؤتمر الأمومة المأمونة وتنظيم الأسرة التي أقامته جمعية تنظيم الأسرة العراقية وبالتعاون مع الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة والمكتب الإقليمي لتنظيم الأسرة للوطن العربي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف، في بغداد 6 - 8 / ك 1 / 1994.
2) نهج البلاغة / ص 404.
مستدام ومثمر وبحسب تطابق الوصف والمواصفات الملائمة طبيعة الجنس البشري وخصائصه السيكولوجية والبيولوجية والفسلجية والسسيولوجية..
والمحدودية الدراسة، لذا لا يمكن التعمق والتوسع، لئلا تخرج الدراسة عن مجالها، لدراسة عن مجالها، آملا من الخالق عز وجل، أن تسنح الفرصة المواتية، للقيام بمثل هذه الدراسة المستفيضة والضرورية، والكشف عن الالتباسات بالخصوصيات والعموميات الممكن تحديدها، لئلا تحمل على ما يُغاير أهدافها..
الثالث عشر : أخلاقيات العلوم وهندستها وتعلمها ونشرها، ونفعها واستثمارها وتنميتها المستدامة والمستمرة، والأهمية البالغة للحياة والمجتمع والحضارات، لما تقدمه للإنسانية من انسيابية الحياة وفاعلياتها ومرنة اتجاهاتها النفعية وتذليل الصعاب أمام مسيرتها، لذا يقول (عليه السلام) :
(وَاعْلَمْ أَنَّهُ لا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، ولا يُنتَفَعُ يعلم لا يَحِقُ تَعَلَّمُهُ) (1)
وهو ما يتوجب أن يكون من المبادئ والأسس المحققة للعلاقات والعمليات المناسبة، والبناء والتقدم الحضاري للمجتمع - الدولة، إذا ما أريد توظيف كل الطاقات الإنسانية المتوافرة والإسراع في تنميتها وتطويرها بالوجهة الحقيقية، للحاق بما آلت إليه الحياة المتطورة، سواء كانت مادية أو غير مادية أو نفسية أو بشرية أو حتى بيئية ملائمة لكل تطوّر شامل، وبمحتوى الحضارة الحقيقية الحاملة لما يُكرمها بأخلاقية، وإنسانيتها، وترسيخ الجذور على أسس قويمة..
وجانب مواكب ومتزامن له، هو الاهتمام بالفكر المعاصر، وما آلت إليه من الاهتمامات برؤوس الأموال العلمية - المعرفية، واستثمار طاقات الخيال العلمي ومنه ما يترتب عليه من العصف الذهني النافع بعطاءه..
الرابع عشر : ضرورة الاتعاظ بما يُحيطه واستقراءه على أساس الانتفاع من تلك التجارب والخبرات، وما يؤول إليه، وهذا جانب ومضمون مما يؤكد (عليه السلام) عليه عند قوله : (اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ، فَإِنَّ الأُمُورَ أَشبَاهُ، وَلا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إلا إذا بالغتَ فِي إِيلامِهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالآدَابِ، وَالْبَهَائِمَ لا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ) (2).
وهو مما يدلل على أهمية التوقعات والتنبؤات المستقبلية المبنية على أسس علمية، ومنه ما يتم استقراء الماضي بمعلوماته وعلومه ومعارفه، ليكون : (اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ)، وهي قاعدة فقهية، ومن مضامينها ما يخص فقه العلوم، وما أهمية إحتياج ذلك للدراسات والأدلة منها العقلية والحسية، أو بأدلة استنباطية واستقرائية، وما يترتب عليها من أدلتها وقرائنها الموضوعية، وامتداداتها المعاصرة والمستقبلية، ومدى أهمية التخطيط للمستقبل..
الخامس عشر : هناك من المفردات الغاية في العمق والدقة المجسدة للعلاقات الاجتماعية وتماسك مكوناتها الطبقية، ونقتبس منها قوله (عليه السلام) :
(مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ، وَالصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ، وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ، وَالْهَوَى شَرِيكُ الْعَمَى وَرُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ، وَقَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ، وَالْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبيب، مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذهَبُهُ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ، وَأَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذتَ بِهِ سَبَب بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ سُبْحَانَهُ) (1)
ولذا هذه الدروس التربوية - الاجتماعية، تأخذ مأخذها بفهمها وفهم استعمالاتها وتطبيقاتها، فتكون بلا ريب نتيجته إيجابية ومثمرة، وإذا كان الانحراف والسلبي هو الموجه، بطبيعة الحال سيكون نذير المخاطر والتهديدات الآنية والمستقبلية على اتجاهات المجتمع ومسيرته في التنمية والبناء، ومنه (مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذهَبُهُ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ)..
السادس عشر : لكل شيء يتطلب وضعه في موضعه المناسب له، مما يعني دقة وسلامة الوظيفة والدور المرسوم والشخص المناسب وما يتطلبه الموقف، فإن لم يكن كذلك، فهو نذير على اضطراب الانسياقات العملية للحياة، وهو من دواعي ظهور المشاكل والأزمات والخلل الاجتماعي، لذا يقول (علیه السلام) :
(وَإِيَّاكَ أَنْ تَضعَ ذلِكَ فِي غَيْر مَوْضِعِهِ، أَوْ أَن تَفْعَلَهُ بِغَيْر أَهْلِهِ) (2)
وربما يكون الفعل في غير أهله، يؤول إلى الانعكاسات السلبية والمخاطر المستقبلية، مما تجعل الإنسان المنتج والمتفاعل مع كل عطاء في موقف يُرثى له..
وبهذا القدر، وما تقدّم من دراسته، نكون قد وضعنا من بين أهم المضامين والمواضيع ضرورة لمعرفتها، وإن كانت الدراسة بشكلها المختصر، آمل أن يواصل دراستها بعمق، مَن لهم باع ودراية بشكله الأعمق، لاعتراف الخصائص التربوية - التعليمية من هذا البحر المتواصل بالعطاء العلمي عند استنطاقه، وعندما يضع صاحب الاختصاص مجهره، ينهل منه كل ما يُسترشد به للإنسانية..
وآمل أن أكون قد وضعت البذرة المناسبة في الأرض والمناخ والبيئة المناسبة، لتسقى ويُنظر لها بالعناية والرعاية في تنميتها وتطويرها بالمناسب، وما كان الله ينمو، لخدة الأمة الإسلامية والإنسانية جماء، والله الموفق..
للتغيرات المتسارعة في العالم، والاتجاهات التنموية المتسارعة في الدول المتقدمة، تطلب مواكبة مستمرة وفاعلة لكل تطور من أجل الحد من ظهور أو توسع الفجوات بين الدول والمشاريع والمؤسسات المتنوعة، وأحد هذه الأساليب هي (هندسة الأنشطة والحياة)، ولمواكبة التغيرات والتطورات واستمراريته، يتم التوجه لذلك من خلال (إعادة هندسة الأنشطة والحياة)، وبطبيعة الحال يختلف بشموليته وما يعنيه عن ترتيب الأنشطة وإعادة ترتيبها..
والهندسة الاجتماعية Social Engineering الاتجاه المؤدي بنظامه وخططه وتنفيذه وعمله لتطوير المجتمع مع النظريات الاجتماعية التي تدرس النظم الاجتماعية واتجاهات التقدم الاجتماعي، وما يتجه بالمجتمع في وضع استراتيجيات تكاملية تجمع بين اتجاهات المجتمع والدولة والأفراد وأنشطتهم بحسب التطور الموقفي وبظروفه الزمانية والمكانية، وسبل علاج وتخطي المشاكل المتوقعة، وغير المتوقعة عند ظهورها، لتواصل تلك الأهداف و وتطورها بمنظور إستراتيجي..
وبالمنظور الإسلامي تكون الرؤيا والرسالة، لا تقتصر على محدودية الدنيا، بل تتعداه بالحقوق والواجبات، والحلال والحرام، والثواب والعقاب إلى ما بعدها، وبهذا يكون المنظور أبعد وأعمق من كونه استراتيجي، وتتسع برامجه وسياساته على ملائمة الخطط الاجتماعية المتطورة والأخلاقية، وبمتطلبات مرونة وفاعلية وانسيابية، لا ضرر فيها ولا ضرار، تتلائم مع تنمية وتطوير المجتمع، وكما هو عليه التطور الاجتماعي Social Evolution الذي يظهر بصورته الواضحة، عند الحاجة وتطوراتها، فضلاً عن ما تظهر من حاجات جديدة..
وحتى تدخل (نظرية التحسس) ودقتها في الذكاء العاطفي داخل هندسة الأنظمة، ليكون أحبب لأخيك كما تحب لنفسك، ومنه حماية المجتمع من هدر الحقوق، وصيانة حقوق الناس، وأيضاً تبرز القاعدة الفقهية ؟ (لا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق)، فكل ما يأمر به الخالق عز وجل، ينبع من فلسفة حماية الحقوق المنظورة وغير المنظورة لكل المخلوقات، بما فيه الطبيعة والبيئة، وبها يكون دقة هندسة الحقوق وسلامتها الآنية والمستقبلية..
وما يجري من فاعلية التغير والتغيير، إلا اتجاهات تتطلب حتمية التطور الاجتماعي، ومنه ما يتعلق بهندسة وإعادة هندسة التخصص وتقسيم العمل، ومنه ما يترتب على مختلف المستويات والأدوار الاجتماعية - الوظيفية ووضوح والحقوق الواجبات، وما يتسبب من تعقيد في التركيبات والوظائف وتطور القدرات والإمكانيات والرؤى المتوافقة مع كل تطور، سواء كان ذلك بتغيره التدريجي والجزئي أو الفجائي والشامل..
وخصوصية وعمومية ظهور الأدوار ومتطلباتها، ومنها الأدوار الاجتماعية، وما يتطلب من تبدّل الأدوار وبحسب ما تقتضيه الظروف وما يمرُّ به المجتمع من المراحل الحضارية، وما يتطلبه بناء الدولة ونظامها وتشريعاتها وقوانينها وسلطتها التنفيذية، ومؤثراتها على البنية الاجتماعية، ودينامية تطور النظم الاجتماعية المتمدنة أو المتجهة باتجاه البناء الحضاري المدني، وما يؤثر عليها من العوامل النفسية، كما هو عليه مؤثرات العواطف والغرائز والشعور والانفعالات، وعقلانية التوجه والتوجيه للفرد والمجتمع، وما يجري من العمليات الاجتماعية الحضارية..
وإعادة الهندسة Reengineering تشمل جوهر الأنشطة والأساليب والتفكير والتصميم الجذري بحيث تحقق التحسينات بأفضل الوسائل وحسب المعايير ؛ كالسرعة والجودة، وباستخدام كل ما متوافر وعلى أكمل وجه، وبتغيير جذري وشامل ومخطط له، مما يحقق الأهداف المرسومة بالأداء العالي، وسبق وقوع المشاكل والحيلولة دون وقوعها والاتجاه بالرقابة التقييمية والتقويمية دون ضغوط، وبناء ثقافة الرقابة التوجيهية الذاتية التضامنية والتفكير الإبداعي والتحفيز والمبادرة واستثمار المهارات والطاقات والابتكارات، وانسيابية الاتصالات الرسمية وغير الرسمية، والاهتمام بالعمليات العالية الإنتاج والنتائج النهائية المتكاملة وتقويم الأداء وتنفيذ المهام، والإنجاز بالجودة العالية، والوقاية والحيلولة دون ظهور الصراعات وتفاقماتها السلبية، ودون تحول المشاكل إلى أزمات..
من هذه القاعدة العامة، يمكن أن يتم الإفادة لهندسة وإعادة هندسة المجتمع الاجتماعي، وبحسب متطلبات التنمية العالية الأداء والنتائج، والحيلولة دون تراجع المجتمع، ودعم انتظام عمليات البناء والتماسك الاجتماعي بالتزامن مع مختلف العوامل ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة..
والإسلام منهج حياة، ولابد أولاً أن تفرق بين الإسلام وسلوك المسلم المنحرف، ولا يُعد انحراف المسلم يمثل الإسلام، بل يجب بث ثقافة الإسلام الإلهي، وبالحيلولة دون نعته بسلوك إنسان مسلم وهو يشوه التعاليم الإسلامية بسلوكه السلبي، ويعطي انطباع سلبي على الإسلام ورسالته السمحاء، مهما كان شخصه..
فكم تسمع وترى من محاورة جرت مع الكثير من ذوي الشهادات والثقافات، لكن المحاورات تشطح برؤيته الآثم والمنحرف، ونعته بالسلوك الجمعي، ليعبر بالقول : هذا هو الإسلام.. ؟؟ !!..
وبهذا لابد أن نفرق بين الإسلام وأفعال المسلم، وبناء الفكر على أساس النظم الفاعلة والمنتجة لكل ما هو خير وقويم، وهو جانب مما يحققه هذا الاتجاه الهندسي واستيعباته ونتائجه..
ومما تبدأ هندسة الحياة وأنظمتها ونظمها وتنظيمها الإلهي من قوله تعالى :
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (22) سورة البقرة.
وتشمل الآية الكريمة الكثير من المضامين، منها ما تشمل ؛ البيئة الداخلية والبيئة الخارجية وكل المحيط والبيئة الفضائية الواسعة، بما فيه الإنسان والكائنات الحية، وبنظرة علمية يتضح منها ؛ الموارد الطبيعية والزراعية والاقتصادية والاجتماعية، وما يتضمن من ؛ الدخل والإنتاج والاستهلاك والاستثمار والتوزيع الشامل..
وبناء وهندسة الإسلام قائم بعمومية مناخ واتجاه وانسيابية الفكر والعقيدة والسلوك والعلاقات، ومنها البناء والعمليات والعلاقات الاجتماعية والعقائدية بمنهج :
(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بالْعُرْوَةِ الْوُثقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (257) سورة البقرة.
والمقابل والمكمّل بمضامينه التوضيحية الواعية والواضحة المعالم للآية : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (3) سورة الإنسان.
فأصل وأسس هندسة مجتمعية الإنسان ؛ الفرد - المجتمع، وجانب من المضامين الأعمق من إعادة هندسته هي : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، وما يبدأ من أصل فطرة ونقاوة الفكر
الإنساني، وتمام عمق إعادة الهندسة الفكرية ونتائجها وعواقبها الآنية والمستقبلية، هي (فَمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنَ باللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)،
ومن هنا تبدأ هندسة المجتمع الاجتماعي الذي يتجه بمعرفة كل الحقوق، وكيف السبيل لقيامها على أسس العدالة والمساواة والفضائل الأخلاقية، وعندها يؤدي ما له وما عليه اتجاه الخالق والمخلوق والمخلوق بما فيه الإنسان والدواب والبيئة بكل أشكالها ومناحيها، وحماية حقها في التنمية المستدامة التي تمتد آثارها في الثواب والجزاء إلى ما بعد الدنيا
ولو تابعنا الآيات الكريمات، لرأينا ما اهتمام كل القرآن بالحياة الكريمة، وهندسة الحياة وإعادة هندستها المستدامة، ومنها هندسة المجتمع الاجتماعي.. (1)
فانظر واصغي وتحسس واستقرأ بالعقل والعلم، قوله تعالى :
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (105) سورة آل عمران.
هذا العالم الاجتماعي الإنساني العظيم بالهندسة وإعادة الهندسة Reengineering، وبذات الوقت إعادة هندسة الحياة، ومنها الحياة الاجتماعية المستدامة العظيمة ؛ والتي تبدأ من تشخيص المشكلة والأزمة الحياتية - الاجتماعية المتمثلة في ؛ (إذ كُنتُمْ أَعْدَاءً)، (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ)، وما فيها من مضامين استيعاب المشكلة والأزمة بالدرسة والتحليل، وحلولها في إعادة هندسة حياة المجتمع الاجتماعية : (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)، والنتيجة الميدانية المتحققة للمجتمع عند ؛ (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا)، ونتيجة إعادة هندستها ؛ (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)، والبيان المرتدة من المعلومات والانطباعات المجتمعية، وما شمل نظمه الاجتماعية - السياسية ؛ (كذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)..
وعندما يتجه مستوى سوء استخدام أي شيء مادي أو غير مادي أو بشري أو موقعي أو زماني أو حتى سوء استخدام موقفي، فإن تهديداته ومخاطره يؤدي إلى ظهور مشاكل اجتماعية، ربما تتفاقم المشاكل لإرباك هندسة نظام الحياة، ومنه إرباك النظام الاجتماعي..
1) للمؤلف سلسلة مؤلفات قيد الإنجاز، إن شاء الله، منها : (هندسة وإعادة هندسة الحياة المستدامة في القرآن الكريم) وكذلك : (... في الأحاديث النبوية الشريفة)، و (... في نهج البلاغة)، و (... في أقوال الأئمة الأطهار)..
ويمكن وضع مختصر لعمومية منظومة الهندسة وإعادة الهندسة بنظرة معاصرة، وضمن المخطط الآتي :
مخطط (44) يبين عمومية منظومة الهندسة وإعادة الهندسة المبسطة
وعند الوقوف بنظرة شاملة وعامة ومحدودة محدودية الدراسة في نهج البلاغة، نرى مما يتضح ؛ هناك هندسة فائقة الدقة للكون والخلق والفكر والعقل والإنسان بفرديته ومجتمعيته ونظمه وأنظمته وتنظيمه، وما وضع عز وجل المخلوق العاقل الإنسان يجعله التكويني على هداية الجعل التشريعي وبمسؤولية خطوطه العامة لتنمية الحياة المستدامة، حيث يقول (عليه السلام) :
(وَكَانَ مِنِ اقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ، وَبَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ البَحْرِ الزَّاخِرِ المُتَرَاكِمِ الْمتَقَاصِفِ، يَبساً جَامِداً، ثمَّ فَطَرَ مِنْهُ أطباقاً، فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتِ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا، فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ، وَقَامَتْ عَلَى حَدِّهِ، وَأَرْسَى أَرْضاً يَحْمِلُهَا الأَخْضَرُ المُثعَنجِرُ، وَالقَمْقَامُ المُسَخَّرُ، قَدْ دَلَّ لأمْرِهِ، وَأَدْعَنَ لِهَيِيتِهِ، وَوَقَفَ الجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ، وَجَبَلَ جَلامِيدَهَا، وَنُشُوزَ مُتُونِهَا وَأَطْوَادِهَا، فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا، وَأَلْزَمَهَا قَرَارَاتِهَا، فَمَضَتْ رُؤُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ،، وَرَسَتْ أُصُولُهَا فِي المَاءِ، فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا، وَأَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُون أَقْطَارِهَا وَمَوَاضِعِ أَنْصَابَهَا، فَأَشْهَقَ قِلالَهَا، وَأَطَالَ أَنشَاؤُهَا، وَجَعَلَهَا لِلأَرْضِ عِمَاداً، وَأَرْزَهَا فِيهَا أَوْتَاداً، فَسَكَنَتْ عَلى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا، أَوْ تَسِيخَ بحِمْلِهَا، أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا، فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَان مِيَاهِهَا، وَأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أكْنَافِهَا، فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً، وَبَسَطَها لَهُمْ فِرَاشاً ! فَوْقَ بَحْرِ لُجِّيٍّ رَاكِةٍ لا يَجْرِي، وَقَائِم لا يَسْرِي، تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ العَوَاصِفُ، وَتَمْخُضُهُ الغَمَامُ الدَّوَارِفُ : إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَخْشَى ")(1).
1) نهج البلاغة / ص 328 - 329.
والهندسية المتناهية الدقة في تهيئة كل الأجواء والبيئات، ومختلف مستويات بناها، لجعلها البيئة والملاذ المؤهل في خدمة مخلوقاته، والدالّة على عظمة الخالق عز وجل وعظمة التدبير الإلهي لهندسة الكون والحياة..
ويتواصل (عليه السلام) في بيان تلك المخلوقات وهندستها وموقعها في هندسة الكون، ومنها خلق الإنسان، وما يتجلى في صوره البلاغية بالقول :
(ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الأَرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبَهَا وَسَبَخِهَا، تُربَةً سَنَّهَا بِالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطهَا بالبَلة حتّى لَزَبَتْ، فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذات أحْنَاءٍ وَوُصُول، وَأَعْضَاءِ وَفُصُول : أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَأَمَدٍ مَعْلُومٍ ؛ ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثَلَت إنساناً ذا أَدْهَانِ يُجيلُهَا، وَفِكَرِ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَأَدَوَاتٍ يُقلِّبُهَا، وَمَعْرِفةٍ يَفْرُقُ بها بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَالأَدْوَاقِ وَالمَشام، والألوان والأجناس، مَعْجُوناً بطينة الألوان المُختلِفَةِ، وَالأَشْبَاهِ المؤتلِفَةِ، وَالأَضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ، وَالأَخْلاطِ الْمُتَبَايَنَةِ، مِنَ الحَرِّ وَالبَرْدِ، وَالبَلة والجُمُودِ، وَاسْتَأدَى الله سُبْحَانَهُ المَلائِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهِمْ، فِي الإِذْعَانِ بالسُّجُودِ لَهُ، وَالخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ، فقَالَ سُبْحَانَهُ : " اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ "، اعْتَرَتْهُ الحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقْوَةُ، وَتَعَزَّزَ بخِلْفَةِ النَّارِ، وَاسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلصال، فَأَعْطَاهُ الله النظرة استحقاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتتمَاماً لِلْبَلية، وَانجَازاً لِلْعِدَةِ، فَقَالَ : " إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُوم "، ثمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِيهَا عَيْشَهُ، وَآمَنَ فِيهَا مَحَلّتَهُ، وَحَذَّرَهُ إبْلِيسَ وَعَدَاوَتَهُ، فاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفاسَةً عَليْهِ بدَارِ المُقَامِ، وَمُرَافَقَةِ الأَبْرَارِ، فَبَاعَ اليَقِينَ بِشَكّهِ، وَالعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ، وَاسْتَبْدَلَ بالجَذْلِ وَجَلاً، وَبِالاِغْتِرَارِ نَدَماً، ثمَّ بَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ، وَلقّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ، وَوَعَدَهُ المَرَدَّ إلى جَنَّتِهِ، وَأَهْبَطَهُ إلى دَارِ البَلِيَّةِ، وَتَناسُل الذرية).
ومما يتبين من النص المبارك السابق واللاحق، تكوين الأسرة النواة المتمثلة بآدم وحواء عليهما السلام، ومواصلتها بالنظرة الأسرية - الاجتماعية، وهندسة المجتمع الاجتماعي، والبناء الاجتماعي على أسس نظامي بالعقيدة المبنية على وحدانية الخالق جل جلاله، وبلورة الفكر الاجتماعي من خلال الرسائل والتبليغ الرسالي من خلال الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) : (وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وِلدِهِ أنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلى الوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهُ إِلَيْهِمْ فَجَهلُوا حَقَّهُ، وَاتَّخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَاقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ العُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ المَقْدِرَةِ : مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ
مَوْضُوع، وَمَعَايش تحييهِمْ، وَآجَال تفنيهم وأوصاب تهرمُهُمْ، وَأَحْدَاثٍ تَتَابعُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُخل الله سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبي مُرْسَلِ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لازِمَةٍ، أَوْ مَحَجَةٍ قَائِمَةٍ : رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بهم قلهُ عَدَدِهِمْ، وَلا كثرة المكذبينَ لَهُمْ : مِنْ سَابِقِ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَايرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ : عَلَى ذلِكَ نَسَلَتِ القُرُونُ، وَمَضَتِ الدُّهُورُ، وَسَلَفَتِ الآبَاءُ، وَخَلَفَتِ الأَبْنَاءُ) (1)
وامتدت الحياة، وانحرفت الأجيال عن سواء السبيل، فاحتاجوا إلى إعادة هندسة الحياة ونظمها، ومنها احتاجوا إلى إعادة هندسة المجتمع الاجتماعي على أسس فكرية وهداية تشريعية، معنى تشخيص الأمراض وعلاجاتها، وذلك متمثل ؛ (إلى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لإِنْجَازِ عِدَتِهِ، وَإِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ، مَأخُوذاً عَلى النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُ، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ، كَرِيماً مِيلادُهُ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنتَشِرَةٌ، وَطَرَائِقٌ مُتَشَتتةٌ، بَيْنَ مُشَبِّه الله يخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ فِي اسْمِهِ، أَوْ مُشير إلى غَيْرِهِ، فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ بِمَكانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ، ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لمُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لِقَاءَهُ، وَرَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، وَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا، وَرَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَامِ البَلْوَى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وَخَلفَ فِيكُمْ مَا خَلْفَتِ الأَنْبِيَاء فِي أُمَمِهَا، إذ لَمْ يَتْرُكُهُمْ هَمَلاً، بغَيْرِ طَرِيق واضح، وَلا عَلَم قَائِم) (2)
ونظم وتنظيم وانتظام تلك الهندسة بهداية المرشد التشريعي، لتكون إعادة الهندسة بمنهج، مستقى مما يتضمنه ؟ (كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ : مُبَيِّناً حَلالَهُ وَحَرَامَهُ، وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثالَهُ، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ، وَمُبَيِّناً غَوَامِضَهُ، بَيْنَ مأْخوذ مِيثَاقَ عِلْمِهِ، وَمُوَسَّعٍ عَلى العِبَادِ فِي جَهْلِهِ، وَبَيْنَ مُثْبَتٍ فِي الكِتَابِ فَرْضُهُ، وَمَعْلُومٍ فِي السَّنَّةِ نَسْخهُ، وَوَاجب فِي السُّنَةِ أَخْذُهُ، وَمُرَخَصٍ فِي الكِتَابِ تَرْكُهُ، وَبَيْنَ وَاجب بوقتِهِ، وَزَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ، وَمُبَايَنٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ، مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صَغيرِ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ، وَبَيْنَ مَقْبُول فِي أَذْنَاهُ، مُوَسَّع فِي أَقْصَاهُ) (3).
واستكمالاً لما تتطلبه هندسة وإعادة الهندسة النظم الحياتية، ومنها النظم الاجتماعية المستدامة وامتداداتها التشريعية العبادية التي تتمثل في المكونات والمضامين ؛ (وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الحَرَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةٌ لِلأَنَامِ، يَرِدُونَهُ وُرُودَ الأَنْعَامِ، وَيَأْلَهُونَ إِلَيْهِ وَلُوهَ الحَمَامِ، وَجَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلامَةٌ لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِدْعَائِهِمْ لِعِزَّتِهِ، وَاختَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِف أَنْبيَائِهِ، وَتَشبَّهُوا بِمَلائِكَتِهِ الْطِيفِينَ بِعَرْشِهِ، يُحْرِزُونَ الأَرْبَاحَ فِي مَتَجَرِ عِبَادَتِهِ،
وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالى للإِسْلامِ عَلَماً، وَلِلعائِذِينَ حَرَماً، فَرَضَ حَقَّهُ، وَأَوْجَبَ حَجَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وَفَادَتَهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : " وَاللهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ")(1).
ومما يتضح منه كلّما فقدت هندسة النظم وما يسترشد به الإنسان ؛ كفرد ومجتمع، احتاج إلى إعادة هندسة مجتمعية، تهدف استرشاد الإنسان لقويم السبل والأعمال، ومتطلباتها العقلانية، وما يترتب عليها من ردوع تحدّ من طغيان وجموح العبثية واللاعقلانية المهددة والنذيرة بمخاطرها على الحياة وهندسة نظامه، وتحد من محدودية النظر للدنيا..
وجانب آخر يظهر بشكل واضح، هو الدقة البالغة ؛ حينما تشرع الهندسة الاجتماعية في الأمن الغذائي - الاجتماعي، بمفهوم إنساني، وبناء وعي أمني بهذه المنظومة الحساسة التي تجعل من الإنسان بالمكانة الحرّة، دون تقييده أو تبعيته من جهات تتحكم به وبقدراته ومستقبله واستراتيجياته..
وتكامله في هندسة البناء الاجتماعي - التنظيمي، والداعم له هو القيادة - الوظيفة الإدارية : ويظهر بشكل واضح في كتاب كتبه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) للأشتر النخعي (رض) حسين ولاه على مصر، ونقتطف منه قوله (عليه السلام) :
(أنصف الله وأنصف النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوَى مِنْ رَعِيَّتِكَ، فإِنَّكَ إِلا تَفْعَلْ تَظْلِمُ وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ الله خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حجَّتُهُ، وَكَانَ اللَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنزِعَ أَوْ يَتُوبَ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إلى تغيير نِعْمَةِ اللَّهِ وَتَعْجِيلِ نِعْمَتِهِ مِنْ إقامَةٍ عَلى ظُلْمٍ، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ المُضطَهَدِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ) (2).
ومما يتبين من إعادة الهندسة الاجتماعية - الحقوق والعدالة ؛ حينما يقول (عليه السلام) :
(وليَكُنْ أَحَبَّ الأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخطَ العَامَّةِ يُجْحِفُ برضَى الخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخطَ الخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى العَامَّةِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعيَّةِ القَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةٌ فِي الرُّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةٌ لَهُ فِي البَلاءِ، وَأكْرَة للإنصاف، وَأَسْأَلَ بالإلْحَافِ، وَأَقَلَّ شُكراً عِنْدَ الإِعْطَاءِ، وَأَبْطَأ عُذْراً عِنْدَ المَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أهْلِ الخاصةِ، وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ، وَجمَاعُ المُسْلِمِينَ، وَالعُدَّةُ لِلأَعْدَاءِ، العَامَّةُ مِنَ الأمة ؛ فَلْيَكُن صغوكَ لَهُمْ، ومَيْلكَ مَعَهُمْ) (3).
وجانب آخر في إعادة الهندسة الاجتماعية - التنظيمية، بعلاقاتها الرسمية وغير الرسمية، ألا وهي ؛ (وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ، وَأَشْنَاهُمْ عِنْدَكَ، أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسِ ؛ فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً، الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَها، فَلا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غابَ عَنْكَ مِنْهَا، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ، وَاللَّهُ يَحْكُمُ عَلى مَا غَابَ عَنْكَ، فَاسْتَرِ العَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتَرِ الله مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ، أَطْلِقُ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وترٍ، وَتَغيابَ عَنْ كُلِّ مَا لا يُضِحُ لَكَ، وَلَا تَعْجَلَنُ إلى تَصْدِيقِ سَاعٍ، فَإِنَّ السَّاعِي غَاش، وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ) (1).
أمّا مساحة المشورة، فإنها تستوعب كل الطاقات وتكويناتها وعلميتها وعمليتها على هداية قويم الفكر، ومنه ما يتعلّق بهندسة واستدامتها بإعادة الهندسة بحسب المستجدات، وتأثيره حينما يدخل في صنع الخطط ومنها صنع القرارات واتخاذها، لتأخذ مساراتها المناسبة والصحيحة الآنية والمستقبلية، ولذا يقول (عليه السلام) :
(وَلا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الفَضْلِ، وَيَعِدُكَ الفَقْرَ، وَلا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الأمورِ، وَلا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَة بالجُورِ، فَإِنَّ البخْلَ وَالجُبْنَ وَالحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بالله) (2).
وهو ما يُدلل على مدى دقة وضع محتوى ومكونات الخطط وتنفيذها وعواقبها واستمراريتها منظور هندسة وإعادة هندسة السلوك التنظيمي، وأهمية وطبيعة اختيار الموارد البشرية وما تحمله من سمات للإسهام في الصياغة والتنفيذ الإستراتيجي وامتداداته الدنيوية والأخروية..
والأوسع فيما يتعلق بالسلطة التنفيذية، وبتوجيهات السلطة التشريعية، وما تسهم في استقامة مسيرة المؤسسات والمشاريع وهندسة مسيرتها، وما يتوجب أن تكون عليه السلطة القضائية من انتهاجها منهج العدالة والمساواة، وهنا لحماية السلطة التنفيذية ومؤسساتها وهندسة توجهاتها وما تضعه من خطط لتنفيذها، لابد من أن يكون العنصر البشري بمستوى الطموح والاعتدال والعلمية والاستقامة، وبهذا البناء وإعادة هندسة السلوك التنظيمي - العنصر البشري، يكون توجهات ومتطلبات الإدارة العامة في حماية المجتمع، ولذا يقول (عليه السلام) :
(إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ للأَسْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الأآثامِ فَلا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الأئمَةِ، وَإخْوَانُ الظُّلَمَةِ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنَ ظَالِماً عَلى ظُلْمِهِ، وَلا آثماً عَلَى إِثمهِ : أُولئِكَ أَخَفُ عَلَيْكَ مَؤونَةٌ، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةٌ، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ الْفاً، فاتَّخِذْ
أُولئِكَ خَاصَّةٌ لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلَاتِكَ، ثُمَّ لِيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَك أقولَهُمْ يمُرِّ الحَقِّ لَكَ، وَأَقَلُّهُمْ مُسَاعَدَةٌ فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ الله لأوْلِياتِهِ، واقعاً ذلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَالْصَق بأهل الورع والصدق ؟ ثمَّ رُضَهُمْ عَلَى أَلا يُطْرُوكَ وَلا يَبْجَحُوكَ يَبَاطِلِ لَمْ تَفْعَلُهُ، فإِنَّ كَثرَةَ الإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ، وتُدْنِي مِنَ العزّة) (1).
ولنظام المكافآت حضوره الفاعل في إعادة الهندسة الاجتماعية، ومنه ما يتطلبه المجتمع التنظيمي في مؤسسات الدولة والمشاريع المختلفة وإدارتها لتحقيق التوازن الاجتماعي ونظامه وفلسفته واستراتيجيته وإنسانيته في استحقاق الحقوق المكانية والزمانية والموقفية، وهو مما يتضمنه قوله (عليه السلام) :
(وَلا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزلَةٍ سَوَاءٍ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ تَزْهِيداً لأَهْلِ الإحْسَانِ فِي الإِحْسَانِ، وَتَدْرِيباً لأهْلِ الإِسَاءَةِ عَلى الإِسَاءَةِ! وَأَلْزِمَ كُلاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بأدْعَى إلى حُسْنٍ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُّونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلى مَا لَيْسَ لَهُ قِبْلَهُمْ. فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ، فإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طويلاً، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظُنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلاؤُكَ عِنْدَهُ، وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ سَاءَ ظُنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلاؤُكَ عِنْدَهُ) (2).
والمسيرة المجتمع اتجاهاتها وسبلها ودقة هندستها ؛ في التشريع، وطبيعة وتخصص وأحكام الفقه القائم لحماية الحقوق والواجبات وانسيابية الحياة الاجتماعية، (وَلا تَنْقُض سُنَّةٌ صَالِحَةٌ عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هذِهِ الأُمَّةِ، وَاجْتَمَعَتْ بهَا الأَلْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ، وَلا تُحْدِثنَ سُنَةٌ تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ ماضی تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا، وَالوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضَتَ مِنْهَا) (3).
ماضي ولابد من إعادة الهندسة الاجتماعية من موجه وداعم علمي، لا يمكن الاستغناء عنه بقيادته وريادته، مهما تحقق من تقدم وتطور، وذلك مما يظهر في قوله (عليه السلام) :
(وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ العُلَمَاءِ، وَمُنَاقَشَةَ الحَكَمَاءِ، فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلادِكَ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ)(4).
والحَكِيمُ ذو الحكمة، والحَكْمَةُ عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمَن يُحْسين دقائق الصناعات ويُتقنها : حَكِيمٌ، والحكيم يجوز أن يكون بمعنى الحاكم.. (5)
وتقع سلامة هندسة الحياة عند ؛ (مُدَارَسَة) (العُلَمَاء)، و (مُناقشة) (الحَكَمَاء)، ومؤدى وتحقيق تكاملهما عند ؛ صلاح البلاد واستقامة الناس، ويعني تكامل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، باستيعاب وفهم تكامل : (مُدَارَسَةَ العُلَمَاءِ، وَمُنَاقَشَةَ الحَكَمَاءِ)..
هذا رأس المال الفائق الأهمية التي عدته الحضارات الحديثة والدول المتقدمة، دعامة وركن وروح الوجود الحضاري - الاجتماعي، وبه تقوم الهندسة وإعادة هندسة الحياة، بكل كياناتها ومؤسساتها المادية وغير المادية والبشرية وتنميتها وتطويرها، و به استدامة واستقامة الحياة بكل تفاصيلها..
ومما يشمل النص المبارك المتقدّم، أبواب عديدة في هندسة وإعادة هندسة وانتظام الأفكار والعلوم والمعارف، ويُعد رأس المال العلمي والمعرفي والاستشاري، ضمن أصول موازنات الدول والمؤسسات، و به قيام الدول والمؤسسات، واستدامة الحضارات مرهونة بنتاجاته وإنتاجاته الريادية..
وهنا مما يتضمنه اقتران ؛ العلماء والحكماء، بالبلاد والناس، والإصلاح والاستقام، مرتهن بالعلم والحكمة، والاهتمام بكل ما يحقق العدالة والحق ويرفع من مستوى الحياة والحضارة والرفاهية الاقتصادية - الاجتماعية، وما يدفع بعجلة التقدم العلمي والمعرفي نحو الأمام وبلا عوائق..
وأيضاً مما يتضمن النص المبارك ؛ الخبرة، والتعليم، والتدريب، والاستشارة، وتقييم وتقويم العلوم، وبهم يتم تلاقح الأفكار والنظريات والتطبيقات العلمية المنتجة، وممنوع التخصصات، والقنوات المفتوحة بين العالم والمتعلم، واستقامة البلاد والناس.. وهكذا
مخطط (45) يبين علاقة صلاح الدول الإستراتيجية واستقامة الناس بالعلماء والحكماء
واستكمالاً لما تقدّم ذكره، تظهر بشكلها الواضح ؛ نظم هندسة المجتمع الاجتماعية بطبقاته واتجاهاته السلوكية في الفكر الإسلامي - الإنساني، عند قوله (عليه السلام):
(وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَلا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ : فَمِنْهَا جُنُودُ الله، وَمِنْهَا كُتَّابُ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ العَدْلِ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الإِنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الجِزْيَةِ وَالخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التَّجَارُ وَأَهْلُ الصَّنَاعَاتِ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى
من ذوي الحَاجَةِ وَالمَسْكَنَةِ، وَكُلُّ قَدْ سَمَّى الله لَهُ سَهْمَهُ، وَوَضَعَ عَلى حَدِّهِ فَرِيضَةً فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ مِنْ نبيه – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ) - عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنا مَحفُوظاً) (1).
يعني أنّ هناك الناس، والمراتب والمستويات وما يُتاح من الفرص والاستثمارات، ومن خلال استثمارهم للفرص، لابد من حتمية ظهور الطبقات، والمشكلة ليست بالطبقات بل بالعقل الجمعي لكل طبقة، وما يجري من العمليات الإنتاجية الدينامية في البناء، وتكاملها مؤشر على دقة هذه الهندسة وانسيابيتها وفاعليتها الإنسانية - الحضارية، ومدى دقة هندسة الحقوق والواجبات ووضوحها والتفاعل معها، ومدى مطابقة الجعل التكويني للإنسان والجعل التشريعي الإلهي واستقامة تطبيقاته في العدالة والمساواة، ومدى دقة ما يُجسده تطابق الوصف الوظيفي ومواصفات الشاغل للوظيفة..
وحينها دقة إعادة الهندسة الحياتية، ومنها إعادة الهندسة الاجتماعية - الاقتصادية وأنشطتها المتنوعة ومدى تكاملهما الإنساني، بحيث يتحقق توازن وانسيابية ؛ (لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ)، لكون التفاعل حقيقي وقائم ومتناغم بوعي، وما يتم من العمل يكون بحسب منظومة الحقوق والواجبات مع بعضه البعض، والتكاملية الأخرى حينما يكون الإنسان في موقع ومهمة وظيفية فيحقق نتائج تنفيذية بالأداء العالي، ومطابقته مع ما مخطط له، وما يواصل استمرارية تكامل الصورة الإستراتيجية..
وبهذا التكامل البنائي وهندسته الاجتماعية - الاقتصادية، تظهر حتمية ؛ (وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بعض) بكل المعايير والاتجاهات والتفاعلات الإنسانية، وما يحمله من نتائج تربوية - تعليمية، تدعمها المرامي التنموية والتطويرية، حتى يشمل مهامه ؛ التدريب والتأهيل والدمج التكاملي والتفاعلي بين أقطاب الدولة المتمثل بالفرد والجماعة والمجتمع، كجهود تضامنية متعاونة على كل المستويات، ومهامهم وأدوارهم في الأنشطة المتنوعة المتكاملة العطاء، وبالأداء العالي المثمر، والملائم بتلاحمه وانسيابيته دون المرور باختناقات و توقفات..
والدليل المهام الوظيفية والعملية الواضحة، جنباً إلى جنب مع اتجاهات الإنسان – الإنسانية ودقتها الأدائية العالية، وتبدأ من تكاملية ووضوح التخصص وتقسيم العمل، والمهام والأدوار ؛ (فَمِنْهَا جُنُودُ اللهِ، وَمِنْهَا كُتَابُ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ العَدْلِ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الإِنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الجِزْيَةِ وَالخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التَّجَّارُ وَأَهْلُ الصَّنَاعَاتِ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالمَسْكَنَةِ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللهُ لَهُ سَهْمَهُ، وَوَضَعَ عَلى حَدِّهِ فَرِيضَةً فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ – (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ) - عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً) (2).
وبها تكون حركة دينامية تكاملية مفصلية، والامتدادات الهندسية وما تظهر عند تطبيقات نظم العدالة - القيادة للناس، وما له من أهمية في هندسة البناء وانسيابية العمليات التنظيمية ؛ (فَإِنَّ الوَالِيَ إذا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذَلِكَ كَثِيراً مِنَ العَدْلِ، فَلْيَكُنْ أمْرُ النّاسِ عِنْدَكَ فِي الحَقِّ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ العَدْلِ، فَاجْتَنِبُ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ، وَابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكَ، رَاجِياً ثوابَهُ، وَمُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ) (1).
لذا تظهر ضرورة اتجاه هندسة وإعادة هندسة الفكر العلمي وعقلانيته لبناء مستقبل المجتمع، دون الاقتصار على القولبة النقلية، وهو من دواعي مواكبة التقدم الحضاري، ومنه ما يخلق الفجوة الرقمية بين الشعوب، وبهذا يقول (عليه السلام) :
(اعْقِلُوا الخَبَرَ إذا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لا عَقْلَ رِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ العِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ) (2)
وعندها يتوازن الفكر والنفس والسلوك باتجاهاتها المناسبة، وبالمناحي التنموية والتطويرية، وبالهندسة التكاملية المستدامة والتطويرية لكل البنى التحتية وامتداداتها وصولاً للبنى الفوقية..
والهندسة الفكرية التخصصية المجتمعية تبدأ من ؛ (اعْقِلُوا الخَبَرَ) المتمثل للرسالة، وإسهام الوسائل والقنوات والعمليات وبناء الرسالة الواضحية والنقية الصورة والمتكاملة ؛ (إذا سَمِعْتُمُوهُ)، والبناء الهندسي الهرمي ؛ (عَقْلَ رِعَايَةٍ لا عَقْلَ رِوَايَةٍ)، وبين الرعاية والرواية، تشكيلة بناء وهندسة النظم التربوية والتعليمية، ويدخل ضمنها ؛ الرعاية النظرية، والرعاية المختبرية، والرعاية التطبيقية الجزئية، والرعاية التطبيقية الكلية والشاملة (الإنتاج والنتاج الواسع)، والرعاية الانفتاحية المستمرة بنظرتها الإسلامية وبصفة الأداء والنتائج غير المتقادمة الآثار بالثواب والعقاب التي تتعدى الإستراتيجيات الدنيوية المتوقفة على عتبة آنية ومستقبلية محدودة، ومما يعني بناء وهندسة مجتمع علمي ريادي..
والنظرة الأخرى للاحتواء الهندسي التحليلي، وما يتطلبه، وبحسب ما تمليه الغايات والأهداف الواضحة، وما يترتب عليه من الهندسة التقييمية والتقويمية، وإعادة الهندسة المستدامة ومنها منظومة التربية والتعليم في أي مجتمع ؛ (النَّاسُ ثَلاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلّمْ عَلى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أتبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ معَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَستضيئُوا بِنُورِ العِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَؤوا إلى رُكْنٍ وَثِيق) (3).
والنظام الهندسي للحياة والتشريعات وانتظامها، مما يتضح عند قوله (عليه السلام) :
(إِنَّ اللهَ اقْتَرَضَ عَلَيْكُمُ فَرَائِضَ، فَلا تُضَيَّعُوهَا، وَحَدَّ لَكُمْ حُدُوداً، فَلا تَعْتَدُوهَا، وَنَهَاكُمْ عَنْ أشياء، فلا تنتهكُوهَا، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَلَمْ يَدَعْهَا نِسيَاناً، فَلا تَتَكَلِّفُوهَا) (4).
والأحكام الفقهية من افترض الفرائض، وحد الحدود، وما ترتب عليه من النهي، وما يُقابله من الانتهاكات، مؤشرات واضحة، فبسلامتها يسلم جسد وبناء وانتظام ونظام وتنظيم له اتجاهاته الهندسية ؛ المنظورة وغير المنظورة، ومنها هندسة العلاقات الاجتماعية - الإنسانية، الرسمية وغير الرسمية، وطبيعة التماسك الاجتماعي المستدام، وهو جانب داعم ومهم في إحقاق الحقوق، ومنها حقوق الناس وسلامة أمنهم وأعمالهم..
وانتظام هندسي آخر يتكامل مع هندسة وبناء الحياة، ومنها الحياة الاجتماعية، تتمثل في التشريعات وما ينجم عنها من أحكام فقهية تنظم الحياة الاجتماعية - الاقتصادية، وما يترتب عليه من الأمن والائتمان بكل أشكاله وتنفاصيله وصفته العملية، ومنه يتضمن قوله (عليه السلام) :
(لا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاستصلاح دُنْيَاهُمْ إِلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ)(1)
وتبرز الفجوة والخلل ومنها أمور عديدة ورئيسية، منها ما يتمثل في كيان بشري يقف عند هندسة فكرية - سلوكية بين ؛ أمور الدين وتشريعاته ومنطلقاته وتطبيقاته للأحكام الفقهية، وأمور الدنيا التي ربما تُربك الانتظام الهندسي في توجيهات الدين، فالاستصلاح لإعادة هندسة متكاملة شاملة، وإلاّ طرأ الخلل الهندسي السلوكي والتطبيقي بدون استقامة الدنيا بالدين وبمواصلة تطبيقاته، والنتيجة ما تظهر من مخاطر وتهديدات ؛ (فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ)..
وتكامل نظام وانتظام وتنظيم هندسي آخر يتجه به الإنسان ؛ كفرد وجماعة ومجتمع، يضع بيانه (عليه السلام) عند قوله :
(طُوبَى لِمَنْ دَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَطَابَ كَسَبُهُ، وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ، وَحَسَنَتْ خَلِيقَتُهُ، وَأَنْفَقَ الفَضْل مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ يُنْسَبْ إلى البدعة) (2).
ولو تم استقراء جوانب من مكونات هذه المنظومة الهندسية وتكويناتها، يمكن أن يتبين لنا أحد أشكال إعادة هندسة الأعمال، فيُقابل ؛ طُوبَى لِمَنْ :
(ذَلَّ فِي نَفْسِهِ)، (وَوَسِعَتْهُ السَّنَّةُ) ؛ يجمع بين هندسة الذات والنفس وما يتعلق من انسياق ونتائج سلوكية على هداية التشريعات وتطبيقات أحكامها الفقهية، ودقة الهندسة وتطبيقاتها ومطابقاتها ونتائجها، (وَلَمْ يُنْسَبُ إلى البِدْعَةِ)..
(وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ)، (وَحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ) ؛ يجمع هندسة الدواخل البشرية الإنسانية، والاتصالات والعلاقات الرسمية وغير الرسمية، ونتائجها..
(وَطَابَ كَسَبُهُ)، (وَأَنْفَقَ الفَضْلَ مِنْ مَالِهِ)؛ يجمع بين سلامة هندسة وقنوات الدخل، وما يقابله من هندسة سلوك قنوات الإنفاق ؛ الإنفاق الإستهلاكي والإنفاق الاستثماري، وما يتوسطهما من الادخار..
(وَأَمْسَكَ الفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ)، (وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ): تتضمن هندسة الاستعدادات والعلاقات الاجتماعية القويمة وتقييمها وتقويمها، بحيث تتمثل الاستقامة فيها، وتحقق الاتجاهات في الامتثال للحقوق وأداء الواجبات المستدامة واستقامتها..
والاستدامة الهندسية وإعادة الهندسة في كل مناحي الحياة، مع كل ما يتوافق بين الانتظام المتعلق بالإنسان والفكر والنفس والسلوك، بحسب التشريعات والمطابقة مع أحكام الفقه المتخصص لكل نشاط من الأنشطة ؛ كأحكام الفقه الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي والإداري والسياسي..
واستقامة هندسة وإعادة هندسة الحياة ومنها استقامة المجتمع والحياة الاجتماعية، ويكون عظيمه في الامتثال بالقيم ومكارم الأخلاق الإسلامية، وهو مما يظهر في مضامين قوله (عليه السلام) :
(لأَنسُبَنَّ الإِسْلامَ نِسْبَةٌ لَمْ يَنْسُبُهَا أَحَدٌ قَبْلِي، الإِسْلامُ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ اليَقِينُ، وَاليَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الإقْرَارُ، وَالإقْرَارُ هُوَ الأداء، والأداء هُوَ العَمَلُ) (1).
وهذا أعظم ما يضعه الإسلام من هندسة الحياة وإعادة هندسة مكونات الحياة بنظمها وتنظيمها، للارتقاء بالإنسان وفكره وفلسفته وعلمه ومعرفته، ونفسيته، وسلوكه وعمله، ويمكن بيان البناء الهندسي الرصين بالآتي :
الإسلام = التسليم
التسليم = اليَقِينُ
اليَقِينُ = التَّصْدِيقُ
التَّصْدِيقُ = الإقْرَارُ
الإقرار = الأداء
الأداء = العَمَلُ
1) المرجع نفسه / ص 491.
والاستنتاج مما تقدّم، يبين مدى الدقة المتناهية التركون بين هندسة التكوينات - التشريعات من جهة، والحقوق - الواجبات من جهة أخرى، وما يترتب عليه من إنسانية - أخلاقية الحضارة، ويمكن التعويض من المعادلات المبسطة العميقة التفاصيل، بالمعادلة الاستنتاجية العميقة المبسطة الآتية :
الإسلام = العَمَلُ
وهو مما يعني :
مجتمع واستدامته وهندسته وإعادة الهندسته بكل التفاصيل..
حياة واستدامتها وهندسة وإعادة الهندسة بكل التفاصيل، بما فيها ؛ البيئة الداخلية وما تمتلكه من قوة، وما يطراً من ضعف في مكوناتها، والخارجية وما تمتلك من توافر الفرص، وما يواجهها من التحديات والمخاطر والتهديدات..
حضارة واستدامتها وهندستها وإعادة الهندسة بكل التفاصيل والعوامل، المنظورة وغير المنظورة، المادية وغير المادية والبشرية وما يُكاملها..
و بمعنى آخر ومما يعني ؛ مدى معايير دقة هندسة الإسلام للإنسان ؛ كفرد وجماعة ومجتمع، ومنظوماته، (يساوي)، مدى دقة معايير العمل بحسب الخطط المرسومة وما ينجم عنها من القرارات وما يترتب عليها من تنفيذ مع ضمان الحقوق والواجبات، ودقة أدائها ومستوياته، ومدى ما يتحقق من الأهداف والغايات، ومستوى امتدادات الإستراتيجيات وهندستها واستدامتها التكاملية، وإعادة هندستها، ومدى ما يترتب من النتائج والمنافع والتوابع والآثار الآنية والمستقبلية، الدنيوية منها وامتداداتها وما يترتب عليها من الجزاء الأخروي..
وهكذا يتضح جانب مما يحتويه نهج البلاغة من دقة بناء هندسة وإعادة هندسة الحياة، ومنه هندسة وإعادة هندسة المجتمع الاجتماعي المستدام، وبمنظور إسلامي قائم على هداية القرآن الكريم والمدرسة الرسالية النبوية الشريفة، بكل دقتها ومضامين تفاصيلها البلاغية، وتشريعاتها الحضارية المستدامة باستدامة الإنسان وفكره وما يحمله من قابليات وقدرات تكوينية ومكتسبة ؛ بالحكمة والمعرفة والعلم، هذا الرأسمال المستدام بقوة بناءه الحضاري - الإنساني..
هذا ما يسع دراستنا، ولنا - إن شاء الله - وقفة في سلسلة كتب مستقلة، ربما يتسع بشكل أعمق وأكثر تفصيلاً، وبذلك يتم تمهيد لدراسات تخصصية مستقبلية، راجياً من الواحد الأحد أن تسهم في بيان عظمة الإسلام وهندسته وإعادة هندسته للحياة
وبداية خاتمة الدراسة، لابد من بيان نقطة في غاية الأهمية، تتمثل في أهداف وغايات التجديد والتحديث لمهام هكذا دراسات للحيلولة دون التقوقع على المحددات والتراكمات التقليدية، ومعالجة الركون إلى الجهل أو الجمود على أطلال الأفكار والعلوم والمعارف دون تحديثها ودون الإفادة منها بالتواصل مع ما يجري من تطورات الحياة، والانفتاح على العولمة المعاصر بإيجابيات وسلبيات..
بالإيجابيات للإفادة من كل ما هو متطور ونافع من المعلومات والعلوم والمعارف مع مراعاة القيم والأخلاق، وباستيعاب وفهم مُدعم بالنظريات والأدوات والآليات التطبيقية، ومحاولة ردم الفجوة الرقمية بين ؛ الشرق والغرب، والدول المتقدمة والدول النامية والمتخلفة..
وبالسلبيات لاستيعابها وفهمها، والحيلولة دون الوقوع في دائرتها، والاتجاه بكل ما يُحقق الانفتاح بالوعي والفهم المستدام والإستراتيجي المتواصل، ومعالجة الانبهار بوهج الحضارة الغربية المادية، وجعلها كتجارب وخصوصيات، يتم الانتفاع من خطوطها العامة في الدراسات والتحليل والملائمة والانتفاع من مؤشراتها الخاطئة وعدم تضم- وعدم تضمينها السلبيات في صنع الخطط واتخاذ القرارات الدينامية ووضعها حسب أفضل وأنسب المتطلبات ذات الجدوى الإستثماري..
(إنّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عَمَّرْتُ عُمَرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، إِنِّي وسرتُ فِي آثَارِهِمْ ؛ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انتهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ، قَدْ عُمُرْتُ مَعَ أَوّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ؛ فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ ؛ فَاسْتَخَلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ، وَتَوَخَّيتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ..) (1).
1) نهج البلاغة / ص 393 – 394.
وهذه الهندسة الفكرية والمسح الميداني التاريخي - الآثاري، منه ما يتعلق بالاتجاه الاجتماعي والحضاري، ومنه ما يتعلق بتحديث النظرة والمناهج العلمية والمعرفية، التربوية – التعليمية للنهوض بالمجتمع في ضوء الأثر والأحكام الإسلامية، وبهدى الدستور العظيم القرآن الكريم، ووليده المتمثل بالمدرسة النبوية الرسالية الشريفة ومواصلة آله الأطهار (عليهم السلام)، وما يضع من الآفاق المفتوحة على العالم والإنسانية..
ولابد من ثقافة الوعي الأخلاقي الخلاق عند كل الخطى والتفاعلات العقلانية الرشيدة، وما تمليه خطط ومتطلبات التنمية والتطوير، واتجاهات منهجه التربوي - التعليمي لبناء المجتمع على أساس مبدأ قوله (عليه السلام) :
(اعْقِلُوا الخَبَرَ إذا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لا عَقْلَ رِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ العِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ) (1)
فالرعاية ؛ منهج عقلاني الاتجاه والتوجه بالوعي الإرشادي والمستوعب للإبداع وعمق تصوري منتج بكل أشكاله، بما فيه الخيال العلمي والذكاء العاطقي واتجاهاته التطبيقية بدينامية عقلانية Dynamic - Rationality وليست الستاتيكية Static واللاعقلانية العقيمة..
وعمق الحضارات لا تكون إلا بما تتصف به من عقل رعاية للأفكار والعلوم والمعارف ؛ (العقل المتطور المبدع والمثمر والمستمر والمستدام)، لا عقل رواية ؛ (تتهالك وتتقادم بالجمود والتقوقع ولا تعي الأفاق المستقبلية للحياة)، وما اراده الله تعالى لنا إلا البناء الاجتماعي - الحضاري..
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) من الآية. 5 / سورة الانعام، و (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) من الآية 9 / سورة الزمر، (يَرْفَع اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (11) سورة المجادلة.
ويبدأ الانحراف والخلل الاجتماعي Social Deviance Disorder من الجهل بكل اتجاهاته ومساحاته وتوسعه التدميري، ولا يكون الحد منه إلا بالبرامج التربوية والتعليمية المدعمة بالتدريب وبما هو متطور من العلوم..
والإفادة من تجارب الدول المتقدمة والمتطورة بحضاراتها، بالتوازي مع الحفاظ على الخصوصيات والقيم والأخلاقيات، لهي المؤشر الصحي بتطبيقاته الميدانية المتطورة، والدليل على إمكانية عدم تقاطع القيم والأخلاقيات والخصوصيات مع التطور الحضاري، كما هو الحاصل في التجربة لليابان ومحافظتها على خصوصية مجتمعها، لكون الكسب الحضاري ليس ببريقه وقولبة التجربة وتطوره التكنولوجي
1) المرجع نفسه / ص 485.
الأصم، وإنما بالحفاظ على خصوصيات المجتمعات من الانزلاق في دائرة الخلل والفجوات والفراغات والاختناقات والانهيار الداخلي، مع التطور المادي الحاصل داخل تلك الدول..
وما جدوى نقل التقدّم المادي بشكله الأعمى مع انحرافاته أو عدم ملائمته، وما ينجم عنه من تفاقم وارتفاع مستوى الخط البياني للجرائم المتنوعة بالجنح والجنايات، وتهديد الاستقرار والطمأنينة والأمان، والأمن من المتطلبات الأساسية في سلّم الحياة واستمرارية الحضارة وقرة عين المجتمعات وقياداتها الحريصة على أمنها المتنوع، ليكون وضوح الحقوق والواجبات والعمل بحسب مقتضياتها،
(.. وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْن الوَلاةِ اسْتِقَامَةُ العَدْلِ فِي البِلادِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّة) (1)
ومن المخاطر ؛ القصور في الاستيعاب والفهم للمحتوى الحقيقي لمصادر الفكر الإسلامي والقنوات الداخلة عن طريقها المعلومة، وما يتم من خلالها تشويه المعلومة وتفسيرها وطريقة استغلالها، أو على أقل تقدير عدم الحرص على توقيت ومكان وموقف الاحتياجات للمعلومة، وما تؤول إليه من مستقبل فاعليتها وديناميتها..
وتنطلق الحضارة من عقل الرعاية السليمة، المحققة لتنمية رؤوس الأموال المعرفية – العلمية، العلمية، برعاية النظم التربوية - التعليمية، بلا تشويه أو انحراف أو استهداف الخبر - العلم، ومنه حماية العقل المجتمعي - الفردي الواعي المواكب لكل متطور في الحضارة العالمية، والاتجاه بالتحديث المناسب الذي لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية السمحاء المتمثلة بالقرآن الكريم، ومدرسة الرسول الأعظم والأئمة الأطهار من آل الرسول (عليهم السلام)، لحماية الإنسان بشكله الإنساني، وما يُشكله من البناء الاجتماعي، والحيلولة دون تفكك المجتمع الإنساني، واتجاهاته القويمة التقويمية المتوازن بين الدواخل والمحيط الخارجي...
ومن خلال ما تقدّم من الدراسة المقتضبة، ومحاولتها لفتح أطر وآفاق لدراسات علمية مستقبلية في نهج البلاغة.. يمكن تحديد من بين أهم الاستنتاجات بالآتي :
1 - قبل أن يخلق جل جلاله الإنسان، ابتدع النظام والتنظيم المتوازن بالحق والعدل، وجعل صمام الأمان، الشريعة السمحاء الملائمة لانتظام الحياة، وما يحقق من انتظام الأنظمة الفرعية وتشعباتها، وجعل فاعلية العقل - العلم، الوسط المثمر والتنموي الإبداعي، ومنه تآلف النظم الاجتماعية مع النظم الأخر المؤدية للاستقرار والأمان والأمن الاجتماعي، ولدعم كل هذه الأجواء المناخية والبيئة التكاملية والمتنوعة الاتجاهات، ومنها رشاد وتقويم وإصلاح المسيرة الحياتية ومنها الاجتماعية..
1) المرجع نفسه / ص 433.
2 - ضرورة إعادة هندسة ومنهاج الحياة، وذلك يتم على أسس ما تجمله الرسالات السماوية، وخاتمها الرسالة العظيمة التي حملها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرحلة خطرة تمر بها الإنسانية من جهل وظلم، تحتم إصلاحها بهندسة نظام حياة شامل يعود بالإنسان إلى إنسانيته ؛ (إذ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) من الآية 103/ سورة آل عمران.
3 - حتمية الحياة الدنيوية كونها دار ممر لا دار مستقر، وهذه الحتمية لها مردوداتها التقويمية في اتجاهات الأفراد والمجتمعات، وما تتطلبه طبيعة تقدمها الحضاري المستدام، وامتدادات ذلك الجزاء لما بعد الدنيا، فلا تقادم للأعمال وما يترتب عليه من الثواب والعقاب، وبه حماية الحياة ونظمها..
4 - للحياة وتشريعاتها الإلهية، مضامين تتلخص فيما تتطلبه من علوم وأحكام فقهية يسترشد بثوابت حلالها وحرامها عند مختلف تطورات الحضارات المادية وغير المادية، فتكون المرشد للعبادات والمعاملات بين الناس، وفيها تصان الحقوق، ومنها الحقوق الفردية والأسرية والمجتمعية..
5 - تتجه الأعمال بخطط مرسومة لها أهدافها، ومنها الأهداف التنموية الاجتماعية، وبناء الفرد والمجتمع والدولة، وما يترتب عليها من المواطنة بحسب الأحكام الشرعية المصانة..
6 - يأخذ التغير والتغيير الاجتماعي اتجاهات إيجابية وسلبية، الإيجابية تتبين من خلال التغير والتغيير المؤدي للتواصل الحضاري الفاعل بقويم السبل والمحقق للأمن والاستقرار والتماسك الاجتماعي، والسلبية من خلال التغير والتغيير المؤدي إلى الانحراف الاجتماعي وتهديداته..
7 - عالج نهج البلاغة موضوع في غاية الحساسية، ألا وهو الطبقية والطبقات الاجتماعية، وما لها من خصوصيات وعموميات المعالجات والانسيابية ؛ (وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لَا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا يَبَعْضٍ، وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ)(1)، ومؤشرها العظيم، آلية الإصلاح والتضامن والتكافل الاجتماعي، وهو ما لا تتضمنه مختلف الايديولوجيات الرأسمالية والاشتراكية المبنية على ؛ الصراعات الطبيقية، والتضحيات، والعبودية المباشرة وغير المباشرة، وامتهان الإنسان والإنسانية، وما يحط بشكل وبآخر من قيمة الإنسان، وهي ما دللت على فشلها التطبيقي وصعود طبقة على حساب طبقة، وحقوق على حساب حقوق، وهو ما يُخالف الاتجاهات الإسلامية ؛ بالإصلاح التضامني التكاملي، ومنه التضامن والتكافل البنائي - الإصلاحي بين الطبقات الاجتماعية، وما يكون عليه من منهاج لنظم إنسانية تحقق العدل والمساواة، وبحسب الموقع التكاملي..
1) المرجع نفسه / ص 431.
8 - الإيمان أحد الدعائم الراسخة في البناء والردع والحماية من الانحرافات وهدر الطاقات والإفراط والتفريط بها، وبالإيمان بناء الأخلاقيات الاجتماعية وأخلاقيات العمل وكل ما يحقق التماسك والثبات والاستقرار والطمأنينة، والمؤدي للحد من الجرائم والفساد بشكل عام، والحد من الجرائم الاجتماعية بشكل خاص ؛ و (الإيمَانُ عَلى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الصَّبْرِ، وَاليَقِينِ، وَالعَدْلِ، وَالجِهَادِ)(1)و (الإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالقَلْبِ، وَإِقْرَارُ بِاللّسَانِ، وَعَمَلٌ بالأَرْكَانِ) (2)، و (بالإِيمَانِ يُعْمَرُ العِلْمُ) (3)...
9 - للعامل الاقتصادي الدور الفاعل والمؤثر مع العوامل الأخر على المجتمع، وهو أحد العوامل التي تسهم في تكوين وبناء المجتمع وتماسكه، وهو مرهون باتجاه المنهج الإنساني المخطط له على مستوى الفرد والجماعات والمجتمعات والدول، والتوجه بالاقتصاد التنموي لاتجاهات المجتمع والحضارة الإنسانية وتقدمها والحيلولة دون أن يكون مسبباً للجشع وخسارة الإنسان..
10 - الأهمية الكبيرة لبناء المجتمعات على وفق العدالة والمساواة وإحقاق الحقوق، والحيلولة دون مسببات الصراعات الاجتماعية والاتجاه العدواني وهدر الطاقات، والاتجاه بما يحقق الاستقرار والأمن والتطور والبناء والاستثمار المحقق للرفاهية الاجتماعية..
11 - هناك علاقة بين الجهاد والمجتمع، ولا يتم إعلان الجهاد والحرب والخوض فيه، إلا باستنفاد كل السبل المحققة للسلام والوئام وبناء العلاقات بين الشعوب والدول، والمبني على أسس المساواة والتفاهم والاحترام، لا على أسس الضعف والهوان والاستغلال، وحينما يُستضعف السلم والبناء الأخلاقي، فإنه حتماً يسبب يسبب الخلل في التوازن الدولي والإنساني، وبدوره يؤدي إلى الصراعات المستقبلية المريرة التي تنجم عن ضحايا بكل ما تعنيه الكلمة من بشرية ومادية ومعنوية..
12 - تبين من خلال الدراسة، ما للعلوم والمعارف من أهمية بالغة للمجتمعات، وما لرؤوس الأموال المعرفية - العلمية من أهمية بالغة في استقامة التنمية، ومنها التنمية الاجتماعية وبرامجها عن طريق سلامة خطط وتنفيذ استراتيجيات التربية - التعليم على أسس فلسفية مثمرة ومستدامة..
13 - مما يتضمّن علم الاجتماع ؛ الفروع المتعددة له، ومنها علم الاجتماع التربوي، والمعرفي، والتنظيمي، والإداري، وعلم اجتماع النفس، وعلم اجتماع الاقتصاد، وعلم الاجتماع الصناعي وعلم الاجتماع الجنائي، وغيرها من فروع علم الاجتماع المعالجة بتعددها لأمور الحياة الاجتماعية، وهو ما تضمنه نهج البلاغة بشكله الواضح ومن خلال ما كشفته الدراسة..
14 - نموذج مما يُعالج أمور النظم الاجتماعية، ما يتجه به علم الاجتماع الإداري والتنظيمي، ولاسيما ما يتعلق بالقيادات والبناء القيادي الحقيقي للمجتمع، ومنه ما تسهم الشخصيات القيادية في التماسك الاجتماعي، والاختيار الفعلي والمناسب لقيادة المجتمع بحسب عمق الفهم المتبادل للحقوق والواجبات المترتبة، بما فيه ما يتضمنه من المفهوم التضامني..
15 - وتبيّن من خلال الدراسة، التباين والتطابق في المفاهيم الاجتماعية بين نهج البلاغة وعلم الاجتماع، وعلاجاتها والسلوكيات الاجتماعية المترتبة عليها، لبناء طبيعة الكيان الاجتماعي للإنسان كوسط وبيئة فردية أو أسرية أو جماعية أو مجتمعية داخل حدود الدولة..
16 - ومما اتضح من المضامين الحديثة في نهج البلاغة، وتم معالجته قبل قرون ساحقة، ألا وهو هندسة وإعادة هندسة المجتمع الاجتماعي في المضمون الإسلامي، وإشارة لما جاء في القرآن الكريم بهذا الخصوص، وهو ما يواكب كل ما هو متغير اجتماعي معاصر يطراً على الحياة، ومنه ما يتو يتوجب من إعادة تشكيل النظم ؛ كالنظم الاجتماعية والإجراءات الملائمة لتحديث العمليات والبناء الاجتماعي، وما يشمل مختلف المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، ومنه في إعادة التفكير في التصميم والأساليب والأداء، وما يتناسب ويتلائم مع كل جديد تقوم التشريعات الإسلامية بمعالجتها، والنظر باهتمام إلى العنصر البشري في كل مستوياته وطبقاته والبيئة الداخلية والخارجية، وما يتعلق بالموارد والقدرات والإمكانيات والاستيعابات، وما شاكلها، ليؤدي مصبّه إلى التنمية والتطوير، ومنه التنمية والتطوير الاجتماعي..
وأتمنى أن تكون الدراسة على الرغم من محدوديتها، بالمستوى التي تكون لي الشفيع عند الخالق عز وجل ورسوله الأعظم وأهل بيته الطهار (عليهم الصلاة والسلام)، وأن تكون فاتحة خير لدراسات تخصصية، وبتفاصيلها الواسعة والمستفيضة من نهج البلاغة المنتهج القرآن الكريم والمدرسة النبوية الشريفة، من أجل الإفادة منها وإظهار ما تتضمنه مصادر الإسلام من ضخامة المورد ضخامة المورد، وما تحققه من بناء حضارة إنسانية كاملة ومستدامة.. ومن الله تعالى التوفيق..
(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) سورة الشمس ص 15
(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ... (17) سورة الرعد ص 163
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ... (109) سورة التوبة ص185
(إِنَّ اللهَ لا يُغيّر.. (11) سورة الرعد ص 189
ذلِك بأنَّ الله لَمْ... (53) سورة الأنفال الأنفال ص 189
(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ... (256) سورة البقرة ص 189
(لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ... (26) سورة لقمان ص 190
(هُوَ الَّذِي جَعَل... (۱٥) سورة الملك ص ۲۰۰
(أَفَمَنْ يَمْشِي مكيا... (۲۲) سورة الملك ص ۲۰۰
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي.. (۹) سورة الزمر ص ۲۰۰
(كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ... (۳) سورة الصف ص ۲۰۸
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله... (۱۰۳) سورة آل عمرانص ۲۱۲
(ادْعُ إِلَى سَبيل ربك... (١٢٥) سورة النحل ص۲۱۳
(أوَلَمْ يَسيروا في... (۹) سورة الروم ص ۲۱۳
(ذلك بأن الله... (٥٣) سورة الأنفال ص ۲۱۳
(وَلَا تَيئَسُوا مِنْ روح الله.. (۸۷) سورة يوسفص ۲۳
(إن شر الدواب... (۲۲) سورة الأنفال ص ۳۱
(إن غير الدواب... (٥٥) سورة الأنفال ص ٣١
(وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا... (۱۷۸) سورة آلعمران ص ٣٤
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ... (٣٠) سورة البقرة ص٣٥
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ... (۲۹) سورة الفتح ص ٤٥
(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ... (40) سورة الأحزاب ص 45
(مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنس... (33) سورة الرحمن ص 56
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر... (9) سورة الحجر ص 63
(هَلْ جزاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) سورة الرحمن ص 63
(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ... (٤٠) سورة الأحزاب ص ٤٥
(مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِلي... (۳۳) سورة الرحمن ص 56
(إنا نحن نزلنا الذكر... (٩) سورة الحجر ص ٦٣
(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) سورة الرحمنص ٦٣
(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ... (١٦٠) سورة الأنعام ص ٦٤
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ... (٢٦١) سورة البقرة ص ٦٤
(وَلَيْسَتِ التوبةُ الَّذِينَ... (۱۸) سورة النساء ص ٦٤
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذهب... (۳۳) سورة الأحزاب ص٦٨
(وَاعْتَصِمُوا بحبل الله... (۱۰۳) سورة آل عمرانص ٧٦
(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ.. (۱۹) سورة آل عمران ص ۸۳
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلام... (٨٥) سورة آل عمران۸۳
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ... (۷) سورة الصف ص ۸۳
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ.. (۳) سورة المائدة ص ۸۳
(فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا... (٥٧) سورة آل عمران ص 97
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثواب... (١٣٤) سورة النساء ص٩٦
(وما الحياةُ الدُّنيا....... (۳۲) سورة الأنعام ص ٩٦
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا... (۱۳) سورة الحجرات ص ۹۷
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ... (۳۲) سورة الأعراف ص ۹۸
(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ... (۳) سورة الرعد ص۹۸
(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ... (۳) سورة الإنسان ص ۹۸
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي... (۳۳) سورة الأعراف ص١١٦
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ... (۳۲) سورة الأعراف ص١١٦
(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَدْهَبُ... (۱۷) سورة الرعد ص ١١٦
(فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ... (۱۰۳) سورة النساء ص ۱۲۰
(وأقم الصلاة إن... (٤٥) مسورة العنكبوت ص ١٢٦
(قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ... (۳۱) سورة إبراهيم ص ١٢٦
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (۱۸۳) سورة البقرة ص ۱۲۹
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... (۱۸۳) سورة البقرة ص ۱۳۱
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... (٢٦٤) سورة البقرة ص ۱۳۳
(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ... (۸۹) سورة الشعراء ص ۱۳۳
(إن أول بيت وضع... (٩٦) سورة آل عمران ص ۱۳۹
(وأذن فِي النَّاسِ بِالْحَج... (۲۷) سورة الحج ص ۱۳۹
(الْحَج أَشْهُرٌ مَعْلُومَات... (۱۹۷) سورة البقرة ص ۱۳۹
(ألم تر كيف ضَرَبَ... (٢٤) سورة إبراهيم ص ١٤٧
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا في... (١٠) سورة محمد ص ١٤٩
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ... (١٦٥) سورة الأنعام ص ۲۲۷
(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ... (۳) سورة الرعد ص ۹۸
(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ... (۳) سورة الإنسان ص ۹۸
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي... (۳۳) سورة الأعراف ص ١١٦
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ... (۳۲) سورة الأعراف ص ١١٦
(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَدْهَبُ... (۱۷) سورة الرعد ص ١١٦
(فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ... (۱۰۳) سورة النساء ص ۱۲۰
(وأقم الصلاة إن... (٤٥) مسورة العنكبوت ص ١٢٦
(قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ... (۳۱) سورة إبراهيم ص ١٢٦
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (۱۸۳) سورة البقرة ص ۱۲۹
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... (۱۸۳) سورة البقرة ص ۱۳۱
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... (٢٦٤) سورة البقرة ص ۱۳۳
(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ... (۸۹) سورة الشعراء ص ۱۳۳
(إن أول بيت وضع... (٩٦) سورة آل عمران ص ۱۳۹
(وأذن فِي النَّاسِ بِالْحَج... (۲۷) سورة الحج ص ۱۳۹
(الْحَج أَشْهُرٌ مَعْلُومَات... (۱۹۷) سورة البقرة ص ۱۳۹
(ألم تر كيف ضَرَبَ... (٢٤) سورة إبراهيم ص ١٤٧
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا في... (١٠) سورة محمد ص ١٤٩
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ... (١٦٥) سورة الأنعام ص ۲۲۷
(.. وَالَّذِينَ يَكْنزُونَ الذهَبَ. (٣٤) سورة التوبةص ۲۹۲
(إن اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ... (۹۰) سورة النحل ص ٢٩٦
(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.. (۹) سورة الحجرات ص ٢٩٦
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا... (۲۸۲) سورة البقرة ص ٢٩٦
(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أن... (٥٨) سورة النساء ص ٢٩٦
(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ... (٧٦) سورة النحل ص ٢٩٦
(إِلا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ... (۱۱۹) سورة البقرة ص ۳۰۳
(الَّذِينَ أَتَيْنَاهُمُ الْكِتاب... (١٤٦) سورة البقرة ص ۳۰۳
(كان الناس أمة... (۲۱۳) سورة البقرة ص ۳۰۳
(يا أهل الكتاب لم... (۷۱) سورة آل عمران ص 303
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ. (۷۳) سورة الانعام ص ٣٠٤
(وَالْوَزْنَ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ... (۸) سورة الأعراف ص ٢٠٤
(فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ... (۱۱۸) سورة الأعراف ص ٣٠٤
(فذلِكُمُ الله رَبُّكُمُ... (٣٢) سورة يونس ص ٣٠٤
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ... (۱۰۸) سورة يونس ص ٣٠٤
(وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ... (۸۱) سورة الإسراء ص ٣٠٤
(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ... (٧١) سورة المؤمنون ص ٣٠٤
(وَبَاءُوا بغضب من... (٦١) سورة البقرة ص ٣٠٤
(ليحق الحق ويبطل... (۸) سورة الأنفال ص ۳۱۲
(انفِرُوا خِفَافًا وَثقَالا... (٤١) سورة التوبة ص ٣١٤
(الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا... (۲۰) سورة التوبة ص ٣١٤
(وَجَاهِدُوا فِي اللهِ... (۷۸) سورة الحج ص ٣١٤
(وتحبونَ الْمَالَ حبًّا جَمّا.. (۲۰) سورة الفجر ص ٣١٥
(وائل عَلَيْهِمْ نَباً... ص ۳۱۹ (۲۷) سورة المائدة.
(أشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ... (۲۹) سورة الفتح ص ۳۳۷
(مَنْ يُطلع الرَّسُولَ فَقَدْ... (۸۰) سورة النساء ص ۳۳۸
(واعتصموا بحبل الله... (۱۰۳) سورة آل عمرانص ۳۳۹
(إِنَّ اللهَ لَا يُغَيرُ ما... (۱۱) سورة الرعد م ٣٥١
(وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّه... (٢٦) سورة الإسراء ص ٣٥٩
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... (۲۹) سورة النساء ص ٣٦٠
(لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا الله... (۸۳) سورة البقرة ص ٣٦٠
(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشركوا... (٣٦) سورة النساء ص ٣٦٠
(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ.. (۸) سورة العنكبوت ص ۳۷۹
(وَوَصَّيْنَا الْإِنسان بوالديه... (١٤) سورة لقمان ص ۳۷۹
(وقضى رَبُّكَ أَلا تعبدوا... (۲۳) سورة الإسراءص ۳۷۹
(الم تخلُقُكُمْ مِنْ مَاءٍ... (۲۰) سورة المرسلات ص 385
(نزل به الرُّوحُ الأمينُ... (۱۹۳) سورة الشعراء ص ٤٠٨
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوح... (٨٥) سورة الإسراء ص 212
(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي علم... (٧٦) سورة يوسف ص ٤١٤
(قَالَتِ الْأَعْرَابُ أَمَنا... (١٤) سورة الحجرات ص ٤٢٦
(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بالله... (۲۲) سورة المجادلة ص ٤٢٦
(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ... (۱۰) سورة الحشر ص ٤٢٦
(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ... (١٠٦) سورة النحل ص ٤٢٦
(إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفر... (۱۷۷) سورة آل عمران ص ٤٢٦
(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُه... (۱۹۷) سورة البقرة ص ٤٣١
(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقوى... (۲) سورة المائدة ص ٤٣١
(وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خير... (۲۷۲) سورة البقرة ص ٤٤١
(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى (۹۲) سورة آل عمران ص ٤٤٢
(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ... (٢٧٤) سورة البقرة ص ٤٤٢
(مثلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ... (٢٦١) سورة البقرةص ٤٤٢.
(وَاعْبُدُوا الله ولا تشركوا... (٣٦) سورة النساء ص 446
(جنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) سورة الإنسان ص ٤٥٢.
(لتَبلُونَ فِي أَمْوَلِكُمْ... (١٨٦) سورة آل عمران ص ٤٥٢
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا... (۲۰۰) سورة آل عمران ص ٤٥٢
(إن الإنسان لفي خسر... (۲) سورة العصر ص ٤٥٢
(واستعينوا بالصبرِ وَالصَّلاةِ. (٤٥) سورة البقرة ص ٤٥٢
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ... (٤٦) سورة الأنفال ص ٤٥٣
(وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ... (١٧٦) سورة الأعراف ص ١٥٩
(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلى... (۷۲) سورة الأحزاب ص ٤٦٣
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... (۲۷) سورة الأنفال ص ٤٦٣
(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ... (۸) سورة المؤمنون ص ٤٦٣
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ... (۳۲) سورة المعارج ص ٤٦٣
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا... (۲۸۲) سورة البقرة ص ٤٦٣
(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا... (٥٨) سورة النساء ص 464
(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةً... (۳۲) سورة الزخرف ص ٤٧١
(وَلْتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ... (١٠٤) سورة آل عمران ص ٤٧٦
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أَخرجت... (۱۱۰) سورة آل عمران ص ٤٧٦
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ... (۲۱) سورة التوبة ص ٤٧٦
(التائبونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ... (۱۱۲) سورة التوبة ص ٤٧٦
(الَّذِينَ إِن مَكَنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ... (٤١) سورة الحج ص ٤٧٦
(يا بني أقم الصلاة وأمر... (۱۷) سورة لقمان ص ٤٧٦
(فتقبلها ربها بقبول... (۳۷) سورة آل عمران ص ٤٨١
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أستجب... (٦٠) سورة غافر ص ٤٨١
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي علي... (١٨٦) سورة البقرة ص ٤٨١
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدين... (۳۰) سورة الروم ص 147
(وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الذي... (۲۲) سورة يس ص ٤٩٦
(إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ... (۲۷) سورة الزخرف ص 697
(يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ... (٥١) سورة هود ص 847
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ... (٣٠) سورة الروم ص ٤٩٦
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرآن... (۱۷) سورة القمر ص ٠٤٨
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُ... (۲۸) سورة الرعد ص ٤٨٤
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ... (٢٦٩) سورة البقرة ص ٤٨٤
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا... (۹) سورة المنافقون ص ٤٨٤
(استخوذْ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ... (۱۹) سورة المجادلة ص ٤٨٤
(إِلا هَدَيْنَاهُ السبيل... (۳) سورة الإنسان ص ٤٩٨
(إن اللهَ لَا يُغيِّرُ... (۱۱) سورة الرعد ص ٥٠٣
(أينما تَكُونُوا يُدْرِكُكُم... (۷۸) سورة النساء ص ٥٠٣
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ... (٣٥) سورة الأنبياء ص ٥٠٥
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ.. (۱۹) سورة ق ؛ ص ٥٠٥
(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الذي... (۸) سورة الجمعة ص 506
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا... (۲۱) سورة الأنفال ص ٥١٠
(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّياطين... (۱۰۲) سورة البقرة ص ٥٢٥
(وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ... (۱۱۳) سورة الأعراف ص ٥٢٥
(إِنَّا أمنا بربنا لِيَغْفِر... (۷۳) سورة طه ص ٥٢٦
(لاهية قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا... (۳) سورة الأنبياء ص ٥٢٦
(وَدَّ كَثيرٌ مِنْ أَهْل الكتاب... (۱۰۹) سورة البقرة ص ٥٢٧
(أمْ يَحْسُدُونَ الناس... (٥٤) سورة النساء ص ٥٢٧
(وَمِنْ شَرِّ حَاسدٍ... (٥) سورة الفلق ص ٥٢٧
(وَمِمَّنْ حَولَكُمْ مِن... (۱۰۱) سورة التوبة ص 530
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتق... (۱) سورة الأحزاب ص ٥٣٠
(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ... (۱۲) سورة الأحزاب ص ٥٣٠
(يَجْرِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ... (٢٤) سورة الأحزاب ص 530
(ليعَذّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ... (۷۳) سورة الأحزاب ص ٥٣٠
(إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ... (١٤٠) سورة النساء ص ٥٣٠
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ... (١٤٥) سورة النساء ص ٥٣٠
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... (۱۲) سورة الحجرات ص ٥٣٩
(قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ... (١٦) سورة القصص ص ٥٤٩
(قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا... (۲۳) سورة الأعراف ص 549
(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا... (١٦٢) سورة الأعراف ص 549
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا... (١٦٨) سورة النساء ص ٥٤٩
(إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاس... (٤٤) سورة يونس ص ٥٤٩
(إِنَّمَا السَّبِيل عَلَى الذِينَ... (٤٢) سورة الشورى ص ٥٤٩
(وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن... (٧٦) سورة الزخرف ص 549
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... (۱) سورة المائدة ص 555
(وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أوف... (٤) سورة البقرة ص ٥٥٥
(وَلَا تَقْرَبُوا مال اليتيم... (١٥٢) سورة الأنعام ص 555
(وَإِمَّا تَخَافَنُ مِنْ قَوْم... (٥٨) سورة الأنفال ص 559
(يَعْلَمُ خَائنة الأعين... (۱۹) سورة غافر ص ٥٥٩
(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ... (۱۳) سورة المائدة ص 559
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا... (۲۷) سورة الأنفال ص 559
(لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ... (٤٧) سورة التوبة ص ٥٦٣
(وَلَوْ دُخلَتْ عَلَيْهِمْ... (١٤) سورة الأحزاب ص ٥٦٤
(وَاقْتلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ... (۱۹۱) سورة البقرة ص ٥٦٤
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْر... (۲۱۷) سورة البقرة ص 564
(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ... (٧) آل عمران ص ٥٦٤
(وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُم... (۷) سورة الحجرات ص ٥٧٤
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيطان... (۱۲۰) سورة طه ص ٥٧٥
(فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ... (١٦) سورة المزمل ص ٥٧٥
(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا... (۲۲) سورة إبراهيم ص ٥٧٥
(لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي.... (٨٤) سورة القصص ص ٥٧٩
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ... (۲۲) سورة البقرة ص 601
(لا إكراه في الدين... (٢٥٦) سورة البقرة ص 601
(إِنَّا هديناه السبيل... (۳) سورة الإنسان ص ٦٠١
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل الله... (۱۰۳) سورة آل عمران ٦٠٢
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي... (٥٠) سورة الانعام ص ٦١٦
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين... (1) سورة الزمر ص 616
(يَرْفَعِ الله الذين أمنوا... (۱۱) سورة المجادلة ص 616
(إذ كُنتُمْ أَعْدَاء فَألف... (۱۰۳) سورة آل عمران ص ٦١٨
الأحاديث حاديث النبوية الصفحه
(إن الجنَّةَ حقت بالمكاره...34
(صَلِّ بِهِمْ كَصَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ...127
(أتاكم أهل اليمن...408
(" يَا عَلِيُّ، إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ 502
(مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ.. ص 21
(الفَقِيهُ كُل الفقيه... ص 22
(قَدَّرَ مَا خَلَقَ... ص 23
(عِظَمُ الخَالِقِ عِنْدَكَ...ص 24
(إِنَّ اللهَ حَرَّمَ حَراماً... ص 24
(إِنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ... ص 27
(لا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئًا... ص 27
(مَا كَانَ اللهُ لِيَفْتَحَ... ص 27
(إِنَّ قَوْماً عَبُدُوا الله... ص 28
(وَإِذْ تَأْذَنَ رَبُّكُمْ... ص 29
(لا يُقيم أمر الله... ص 29
(فَإِنَّ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - ص 29
(وَإِن اسْتَطَعْتُمْ أَن يَشتَدَّ... ص 30
(إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ الله ص 30
(كُلِّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ.. ص 31
(هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ.. ص 31
(هُوَ الأَوَّلُ وَلَمْ يَزَلْ... ص 32
(لَمْ يَخْلُقِ الأَشياء... ص 32
(مَنْ أَصْبَحَ عَلى الدُّنْيا...ص 33
(انتَفِعُوا ببيان الله...ص 34
(بابنَ آدَمَ، إِذا رَأَيْتَ... ص 34
(ثم جَمَعَ سُبْحَانَهُ.. ص 36
(لَقَدْ عَلْقَ بِنَبَاط هذا... ص 38
(وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ... ص 39
(خَلَقَ الخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ.. ص 40
(بعث الله رُسُلَهُ.. ص 43
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالأَنْبِيَاءِ... ص 43
(أَرْسَلَهُ وَأَعْلامِ الهُدَى... ص 45
(بَعَثَهُ حِينَ لا عَلَمٌ... ص 45
(إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولاً.... ص 45
(.. بالحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ... ص 47
(.. إلى أن بَعَثَ الله... ص47
(ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ المضيء... ص 49
(.. ابْتَعَثَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ... ص 49
(إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ... ص 49
(فَتَأْسٌ بِنَبيكَ الأَطيب... ص 50
(فَصَدَعَ بِمَا أُمِرُ بِهِ... ص 50
(قَدْ حَقْرَ الدُّنْيَا... ص 50
(فَانظُرُوا إِلى مَوَاقِع... ص 52
(يأبي أنت وأمي... ص 55
(إن الله سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ... ص 57
(وَكِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ... ص 57
(كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ... ص 58
(وَاعْلَمُوا أَنَّ هذا القُرْآنَ... ص 59
(وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ... ص 60
(كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ... ص 60
(فَالقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ... ص 61
(ذلِكَ القُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ... ص 61
(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ ص 62
(هذا القُرْآنُ إِنَّمَا... ص 62
(وَاللهُ الله فِي القُرْآنِ.. ص 63
(نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ... ص 68
(لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ... ص 69
(مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ البَيْتِ... ص 70
(نَحْنُ النُّمْرَقَةُ الوُسْطَى... ص 70
(هَلَكَ فِي رَجُلانِ.. ص 71
(انظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ... ص 71
(وَإِنَّمَا الأئِمَّةُ قُوَّامُ الله ص 72
(هُمْ عَيْشُ العِلْمِ... ص 73
(هُمْ مَوْضِعُ سِره... ص 74
(أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا... ص 74
(ألا إِنَّ مَثَل آل مُحَمَّدٍ... ص 74
(إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً... ص 77
(بَعثَهُ وَالنَّاسُ ضَلال... ص 78
(.. ابْتَعَثَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ... ص 79
(... وَالنَّاسُ فِي فِتَنِ... ص 80
(فَانظُرُوا إِلى مَوَاقِعِ... ص 83
(فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ... ص 86
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ... ص 87
(فَبَعَتَ اللهُ مُحَمَّداً... ص 87
(أَضَاءَتْ به البلاد... ص 88
(.. إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَلَ به... ص 88
(أَرْسَلْهُ بالضياء... ص 89
(أَرْسَلَهُ عَلَى حِينٍ... ص 89
أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كافية... ص 90
(ثم إن هذا الإسلام... ص 90
(وَاعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ الله... ص 91
(مَا أَصفُ مِنْ دَار... ص 99
(دَارُ بالبَلاءِ مُحْفُوفَةٌ... ص 100
(وَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ... ص 102
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا... ص 104
(وَبَقِيَ رِجَالٌ غَضٌ... ص 104
(فَلْتَكُنْ الدُّنْيا فِي أَعْيُنِكُمْ... ص 105
(كمْ مِنْ وَاثِق بها... ص 106
(.. فَإِلَهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ.... ص 107
(وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا... ص 108
(وقد سمع رجلاً يذم... ص 108
(دَارُهَا هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا... ص 109
(إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ... ص 109
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّما مَثَلُ... ص 110
(لا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئًا... ص 110
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيا... ص 111
(.. وَاتَّعِطُوا فِيهَا الذِينَ... ص 111
(فَعَلَيْكُمْ بِالحِد وَالاجْتِهَادِ... ص 112
(.. فَإِنَّ الدُّنْيا أَدْبَرَتْ... ص 113
(الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٌّ... ص 113
(إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله... ص 116
(وَاعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ... ص 117
(حَتَّى إِذا تَصَرَّمَتِ الأُمُورُ... ص 118
(ورثي عليه إزار خَلَقٌ... ص 118
(حَتَّى إذا بَلَغَ الكِتابُ ص 118
(وَعَظْمِ اسْمَ اللَّهِ أَنْ... ص 119
(فَرَضَ الله الإيمان.. ص 120
(ولَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا..ص 121
(ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا... ص 121
(دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلات...ص 121
(فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ... ص 121
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنتُمْ... ص 122
(وَعَنْ ذلِكَ مَا حَرَس... ص 124
(الصَّلاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِي...ص 126
(تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاةِ... ص 127
(وَإذا قُمْتَ فِي صَلاتِكَ... ص 127
(صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا ص
(وَاللهُ الله فِي الصَّلاةِ... ص 127
(فَرَضَ الله الإيمان تَطْهيراً... ص 128
(كُمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ... ص 129
(مرهُ العُيُونِ مِنَ البُكَاءِ... ص 130
(إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا الله... ص 130
(وَلِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاة ص 131
(وَصَوْمُ شَهْرٍ رَمَضَانَ ص 131
(والصيامَ ابْتِلاءُ لإخلاص... ص 131
(إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ... ص 131
(المَالُ مَادَّةُ الشَّهَوَاتِ ص 131
(ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ... ص 133
(مَنْ أَيْقَنَ بِالخَلَفِ ص 134
(سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ.. ص 135
(استَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ.. ص 135
(وَلا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ... ص 136
(وَصَلَهُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا... ص 137
(وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةً... ص 137
(وفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ... ص 139
(وَالله الله فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ... ص 140
(أَلا تَرَوْنَ أَنَّ الله... ص 140
(أَمَّا بَعْدُ، فَأَقِمْ لِلنَّاسِ... ص 143
(أم هذا الَّذِي أَنْشَأَهُ... ص 150
(مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ رَبحَ... ص 155
(الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ... ص 155
(مَا زَنَى غَيُورٌ قَطُّ... ص 155
(مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ... ص 155
(أَلا وَإِنَّ اللِّسَانَ... ص 155
(عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مِنْ... ص 156
(لا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً... ص 157
(أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي... ص 157
(فَمَا طَابَ سَقيه... ص 158
(لا تَكُن مِمَّنْ يَرْجُو..ص 104
(الخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ... ص 160
(كَفَاكَ أدباً لِنَفْسِكَ... ص 160
(وَإِيَّاكَ وَمُصَاحَبَةَ الفُسَّاق... ص 161
(.. وَإِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ... ص 165
(أنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ... ص 166
(أُوصِيكُمْ بخَمْسٍ لَوْ... ص 168
(بكثرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ... ص 169
(الحِلْمُ عَشِيرَةٌ... ص 170
(عَاتِبْ أَخَاكَ بِالإِحْسَان... ص 170
(إِنَّ لِلْوَلَدِ عَلَى الوَالِدِ... ص 170
(افْعَلُوا الخَيْرُ وَلا... ص 170
(احصدِ الشَّرَّ مِن... ص 170
(الخلافُ يَهْدِمُ الرَّايَ... ص 171
(لا تَظُنُّنَّ بِكَلِمَةٍ... ص 171
(مَنْ لانَ عُودُهُ كَتفَتْ... ص 171
(لَيْسَ مِنَ العَدْلِ... ص 172
(إذا استولى الصَّلاحُ... ص 172
(وَاحدَرُ صَحَابَةً مَنْ... ص 172
(في تَقَلُّبِ الأحوال... ص 173
(مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأيهِ... ص 173
(مَنْ أَطَاعَ التَّوَانِي.... ص 175
(حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ... ص 175
(العَجَبُ لِغَفْلَةِ الحُسَّادِ... ص 176
(يَا بُنَيَّ، احْفَظُ... ص 176
(احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ... ص 176
(لا يَكُونُ الصَّدِيق...ص 178
(مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ...ص 178
(وَاحْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ... ص 178
(عَاتِبْ أَخَاكَ بِالإحْسَان... ص 178
(جَانِبُوا الكَذِبَ فَإِنَّهُ... ص 178
(أصدقاؤك ثلاثة...ص 178
(أَلا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ...ص 180
(وَإِنَّ البَغْيَ وَالزُّورُ... ص 180
(وَلَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ... ص 180
(أَمَا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَانِي... ص 181
(وَلَيْسَ رَجُلٌ... ص 184
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا... ص 185
(وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ...ص 190
(عِبَادَ اللهِ، زئوا... ص 190
(إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّين... ص 193
(.. فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْصِمُ... ص 193
(وَلَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِم... ص193
(فَبَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً... ص 194
(لَعَنَ الله الآمرينَ... ص 194
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي... ص 195
(أَيُّهَا النَّاسُ، أَلْقُوا... ص 195
(أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً...ص 196
(وَالعَامِلُ بالعِلْمِ كَالسَّائِرِ... ص 200
(أنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً... ص 200
(وَلا تَنْقُضٌ سُنَّةٌ صَالِحَةُ......ص 201
(وَاعْلَمُوا أَنْكُمْ لَنْ... ص 202
(ومُجتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ... ص 204
(وَاحذَرْ كُلَّ عَمَلٍ... ص 205
(وَإِيَّاكَ وَالعَجَلَة بالأمور... ص 205
(وَإِيَّاكَ الإستئثار بما... ص 205
(وَإِيَّاكَ وَالمَنَّ عَلى رَعِيَّتِكَ... ص 207
(وَتَعَهَّدْ أَهْلَ اليُتم... ص 208
(إنّ لَكَ فِي منه... ص 208
(وَتَفَقَدْ أَمْرَ الخَرَاج... ص 209
(لأن ذلك لا يُدْرَكُ... ص 210
(وَلَقَدْ أَصْبَحَتِ الأُمَمُ... ص 213
(دَعُوني وَالتَمِسُوا غَيْرِي... ص 214
(وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا... ص 315
(فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَاً... ص 216
(وَارْدُدْ إلى اللهِ... ص 217
(وَاللهِ مَا كَانَتْ لِي... ص 218
(وَاللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ... ص 218
(ثمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ... ص 219
(وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ... ص 221
إِنَّ شَرَّ وَزَرَائِكَ... ص 222
(إِيَّاكَ وَالدُّمَاءَ وَسَفْكَهَا... ص 222
(كُلَّ شَيْءٍ خَاشِع... ص 228
(الغِنَى والفقر بعد... ص 228
(.. وَإِنَّمَا أُنْتُمْ إِخْوَانٌ... ص 229
(وَمِنَ العَنَاءِ أَنَّ...ص 229
(النَّاسُ ثلاثةُ : فَعَالِمٌ... ص 229
(وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ... ص 233
(إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي... ص 235
(فَالجُنُودُ، بإذن الله... ص 235
(فَوَل مِنْ جُنُودِكَ... ص 236
(وَتَفَقَدْ أَمْرَ الخَرّاج... ص 236
(ثم اختر لِلْحُكُم... ص 237
(ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورٍ... ص 237
(.. فَوَل عَلَى أُمُورِك... ص 238
(وَلا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً...ص 238
(لمَّ اسْتَوْص بالتجار... ص 238
(ثمَّ الله الله في... ص 238
(وَصَنيعُ المَالِ يَزُولُ... ص 239
(وَفِي اللَّهِ لِكُلِّ... ص 242
(ثُمَّ جَعَلَ – سُبْحَانَهُ... ص 243
(وَلَيْسَ امْرُؤٌ - وَان... ص 246
(وَلَبَئْسَ المَتْجَرُ أَنْ... ص 248
(وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَل... ص 248
(إن أخسَرَ النَّاسِ صَفْقَةً... ص 249
(إِنَّ أَعْظَمَ الحَسَرَاتِ... ص 249
(الصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنجح... ص 250
(إذا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ... ص 250
(إن اللهِ عِباداً... ص 251
(وَاسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا الله... ص 252
(مَنْ يُعْطِ بِاليَدِ... ص 253
(وَإِن عَمَلَكَ لَيْسَ.. ص 254
(فَلا تَشيرُوا الرّضَى... ص 254
(فَمَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً... ص 255
(فَإِنَّ فَوْزاً بِهذِهِ الخِصَال ص 256
(ألا فَمَا يَصْنَعُ... ص 256
(فَإِنَّ الأَمْرَ يَنْزِلُ... ص 256
(ألا وَإِنَّ إعْطَاء المال... ص 257
(لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَن.. ص 358
(احْذَرُوا نِفَارَ النَّعَمِ... ص 258
(وَانْظُرْ إِلى مَا اجْتَمَعَ... ص 259
(إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ... ص 260
(مَنْ شَكَا الحَاجَةَ إلى... ص 261
(إِنَّ أَعْظَمَ الحَسَرَاتِ يَوْمَ... ص 262
(وَإِنَّ المَالَ والبَنِينَ حَرْث... ص 262
(الطَّلِقْ عَلى تَقْوَى اللهِ... ص 264
(أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللهِ... ص 265
(فَإِن قَالَ قَائِلٌ : لا... ص 265
(وَاصْدَع المالَ صَدْعَينِ... ص 265
(وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْحَرَاج بِمَا... ص 268
(وَانْظُرْ إلى مَا اجْتَمَعَ... ص 269
(فأنصفُوا النَّاسَ مِن... ص 269
(فَإِن قَالَ قَائِل : لا... ص 271
(وَمَنِ اسْتَهَانَ بالأَمَانَةِ... ص 271
(وَتَفَقَدْ أَمْرَ الخَرَاجِ... ص 272
(وَلا تُحْشِمُوا أَحَداً... ص 272
(وَلا تَمَسُّنْ مَالَ أَحَدٍ... ص 272
(مَنِ انْجَرَ بِغَيْرِ فِقْه... ص 277
(فَاعْمَلُوا وَالعَمَلُ يُرْفَعُ...ص 278
(فَلْيَعْمَلِ العَامِلُ مِنْكُمْ... ص 278
(إِنَّ الله يبتلى عِبَادَهُ.. ص 279
(لأنسبَنَّ الإِسْلامَ نِسبة... ص 279
(مَنْ قصَّرَ فِي العَمَلِ... ص 280
(النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلان... ص 280
(وَاحْذَرُ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ... ص 281
(وَاحْذَرُ صَحَابَةٌ مَنْ... ص 281
(الداعي بلا عمل... ص 281
(أفضل الأعمال ما... ص 281
(شتانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ... ص 282
(مَنْ أَبْطَأُ بِهِ عَمَلُه... ص 282
(العِلْمُ مَقْرُونَ بالعَمَلِ... ص 282
(لا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً... ص 284
(أوْضَعُ العِلْمِ مَا وُقِف... ص 285)
(..وَلَا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَحَدٌ مِنْكُمْ... ص 285
(وَاعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللهِ... ص 285
(إذا أَرْذَلَ الله عَبْداً... ص 286
(وَالعَدْلُ مِنْهَا عَلى... ص 287
(فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ... ص 288
(.. فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ... ص 288
(عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ... ص 291
(وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لا... ص 291
(وَلا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ... ص 291
(فَلا أَمْوَال بذلتُمُوها ص 292
(إِنَّ اللهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ...ص 292
(.. وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةٍ عَيْنِ... ص 297
(التَّوْحِيدُ أَلا تَتَوَهَّمَهُ... ص 298
(لا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ... ص 298
(فَإِنَّ فِي العَدْلِ سَعَةً... ص 298
(وَلا يَكُونَنَّ المُحْسِنُ... ص 298
(.. فَإِنَّ الوَالِيَ إذا... ص 299
(وَإِيَّاكَ والإستثار بما... ص 299
(وسئل (عليه السلام) : أيهما أفضل... ص 299
(يَوْمُ العَدْل على... ص 299
(الإيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ... ص 300
(اسْتَعْمِلَ العَدْلَ، وَاحذر... ص 300
(وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ... ص 301
(رَحِمَ اللهُ رَجُلاً... ص 302
(إِنَّ للهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ... ص 304
(الحَجَرُ الغَصِيبُ في... ص 305
(إِنَّ الحَقِّ تَقِيلٌ مَرِيءٌ... ص 305
(رَحِمَ اللهُ رَجُلاً رَأى... ص 305
(لا يُعَابُ المَرْءُ بِتَأْخِيرِ... ص 305
(فَلا تَنْفِرُوا مِنَ الحَقِّ... ص 306
(مَنْ قَضَى حَقَّ مَنْ... ص 306
(وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ الله... ص 306
(أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي... ص 308
(فِرَارُهُمْ مِنَ الهُدَى... ص 309
(وليَكُنْ أَحَبَّ الأُمُورِ إِلَيْكَ... ص 309
(.. فَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ... ص 310
(أَيُّهَا النَّاسُ، لَوْ لَمْ... ص 311
(وَأَلْزِمِ الْحَقِّ مَنْ... ص 311
(الدليلُ عِنْدِي عَزِيزٌ... ص 311
(إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ... ص 312
(.. فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ... ص 312
(وَالله الله في الجهَادِ... ص 315
(فَأَقِيمُوا عَلى شَائِكُمْ... ص 315
(من القَوْمُ الَّذِينَ دَعوا... ص 315
(وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الأَرْضِ... ص 316
(فَإِنَّ الجِهَادَ بَاب... ص 316
(إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا... ص 317
(وَالجِهَادُ مِنْهَا عَلى... ص 318
(لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى.... ص 321
(فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللهِ... ص 322
(وَلَا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذى... ص 322
(.. فَالمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ... ص 322
(لا تَدْعُونَ إِلى مُبَارَزَةٍ... ص 323
(بِئْسَ الزَّادُ إلَى الْمَعَادِ... ص 323
(وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ... ص 323
(وَلا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً... ص 324
(وَلَا تَدْفَعَنَّ صَلْحاً دَعَاكَ... ص 325
ولكِنِ الحَذْرَ كُلَّ الحَذَر... ص 325
(وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَك... ص 325
(وَاجْعَل نَفْسَكَ جَنَّةٌ... ص 326
(فَلا تَغْدِرَنً بِذِمَّتِكَ... ص 326
(وَقَدْ جَعَلَ الله عَهْدَهُ... ص 326
(وَلا تَعْقِدْ عَقْداً تَجوِّزُ... ص 326
(وَلَا يَدْعُونَكَ ضِيقُ أَمْرِ... ص 326
(وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِى... ص 327
(وَلا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللهِ... ص 327
(فَإِنْ عَادُوا إلى ظل... ص 327
(وَأَمَّا مَا سَأَلْت عَنْهُ... ص 327
(فَوَ اللهِ مَا دَفَعْتُ... ص 328
(وَوَاللَّهِ إِنْ خِئْتُهَا... ص 328
(وَقَدْ دَعَوْتَ إلى الحَرْب... ص 328
(قَدْ كُنتُ مَا أَهَدَّدُ... ص 329
(لا تُقَاتِلُوا الخَوَارِجَ بَعْدِي... ص 329
(فَلا تَقْتُلُوا مُدبراً... ص 330
(فَوَ اللهِ مَا دَفَعْتُ... ص 331
(فَقَدْ بَعَثَتُ إِلَيْكُمْ... ص 335
(فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ... ص 337
(أَيُّهَا النَّاسُ، أَعِينُوني... ص 337
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ... ص 337
(فَوَ اللَّهِ مَا كَانَ...ص 339
(أَيُّهَا النَّاسُ، إن أخوف... ص 339
(وَمَكَانُ القيم بالأمر... ص 340
(وَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصناف... ص 340
(مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ للنَّاسِ... ص 341
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَحَقُّ... ص 341
(فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَغَيَّرَ... من 342
(أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بأن... ص 342
(ألا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ البرية... ص 343
(وَلا تَنْقُض سُنَّةٌ صَالِحَةٌ... ص 343
(إِيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا... ص 344
(وَاللهِ لأَن أَبيتَ عَلى... ص 345
(أَيُّهَا النَّاسُ لا تَسْتَوْحِشُوا... ص 345
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِي... ص 346
(وَاللهِ مَا كَانَتْ لي... ص 347
(أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ حقاً... ص 348
(وَإِيَّاكَ وَالمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ... ص 349
(فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ... ص 349
(انصف الله وأنصف النَّاسَ... ص 349
(كُمْ أَدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى... ص 350
(.. وَأَنَّمَا طَلَبْتُ حَقًّا لِي... ص 350
(دَعُوني وَالتَمِسُوا غَيْرِي... ص 351
(أمَا وَاللهِ مَا أَتَيْتُكُمُ... ص 352
(فَمَا رَاعَنِي إلا... ص 352
(فَأَقْبَلْتُمْ إِلَى إِقْبَالَ العُوذِ... ص 352
(.. فَقَدْ عَلِمْتُمَا، وَإِنْ كَتَمتُمَا ص 352
(دَعُوني وَالتَمِسُوا غَيْرِي... ص 353
(خَلَقَ الخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ... ص 360
(فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ... ص 362
(وَايْمُ اللهِ، مَا كَانَ... ص 362
(فامنَعْ مِنَ الاحْتِكَارِ... ص 363
(ثُمَّ اسْتَوْص بالتجارِ وَذَوِي... ص 364
(ثم الله الله في الطبقة... ص 365
(ثُمَّ اسْتَوْصِ بالتجارِ وَذَوِي... ص 366
(وَتَفَقَدْ أَمْرَ الخَرَاج بِمَا... ص 367
(لأنّ ذلِكَ لا يُدْرَكُ إلا... ص 368
(فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ المَنَافِع... ص 369
(وَلا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إلا... ص 369
(وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ... ص 371
(إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ... ص 373
(فَاسْتَخلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ... ص 374
(ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَن يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ... ص 375
(إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ... ص 376
(لا غنى كالعَقْلِ... ص 376
(الدُّنْيا دَارُ مَمَرٌ لا... ص 377
(وَاعْلَمُوا أَن هذا القُرْآنَ... ص 377
(" وفي القُرْآنِ نَبَا مَا قَبْلَكُمْ... ص 377
(سَلْ تَفَقُها، وَلا... ص 378
(وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ... ص 378
(إِنَّ لِلْوَلَدِ عَلى الوَالِدِ... ص 378
(وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ... ص 380
(أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي... ص 381
(لا تَصْحِب المَائِقَ فَإِنَّهُ... ص 382
(اتَّقُوا مَعَاصِيَ اللَّهِ فِي... ص 382
(إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَر... ص 382
(الرَّاضِي بِفِعَل قَوْمِ كَالدَّاخِل... ص 383
(أَيُّهَا المَخْلُوق السوي... ص 385
(فَمَنْ هَدَاكَ لاجْتِرَارِ الغِذاء... ص 386
(بئسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ... ص 386
(يا بنَ آدَم، الرِّزْقَ رِزْقَان... ص 386
(سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ... ص 387
(الحَجَرُ الغَصِيبُ في الدار... ص 387
(أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ... ص 388
(أَيُّهَا المَعْدُودُ - كَانَ - عِنْدَنَا... ص 388
(إِنَّمَا لمَرْءُ فِي الدُّنْيَا عَرَضْ... ص 389
(يَا بُنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ... ص 390
(إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةٌ وَإِقْبَالاً... ص 390
(صحة الجَسَدِ، مِنْ قِلّةِ الحَسَدِ... ص 390
(جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِي... ص 390
(إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً... ص 391
(أقْبَلُوا عَلى جيفَةٍ قَدْ اقْتَضَحُوا... ص 392
(اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ المَوْتِ... ص 393
(فَلَمْ يَزَلِ المَوْتُ يُبالِغ... ص 393
(وَلا تُطِيعُوا الأدْعِيَاءَ الَّذِينَ... 394
(بَلْغَنِي أَنَّكَ ابْتِعْتَ دَاراً... ص 394
(واعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ... ص 395
(وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ... ص 396
(فكُمْ أكَلَتِ الأَرْضُ مِنْ... ص 396
(وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الحُتُوفُ مِنْ... ص 397
(وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ... ص 399
(أَقْبَلُوا عَلى حِيفَةٍ قَدْ افْتَضَحُوا... ص 399
(وَلا تُطِيعُوا الأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ... ص 400
(يَرْمِي الحَيَّ بِالمَوْتِ... ص 400
(فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ دَواء... ص 400
(فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إلى... ص 400
(وَبَادِرُوا بِالأَعْمَالَ عُمُراً... ص 401
(جَعَلَ الله مَا كَانَ مِنْ... ص 401
(كُمْ عَلَلْت بِكَفِّيكَ... ص 401
(فَلا تَنْفِرُوا مِنَ الحَقِّ... ص 402
(نِفَارَ الصَّحيح مِنَ الأَجْرَب... ص 402
(وَإِيَّاكَ وَالتَّغَايَرَ فِي غَيْرِ... ص 402
(رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً... ص 403
(كيف يَكُونُ حَالُ... ص 403
(إن سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً... ص 403
(لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثقَ... ص 404
(جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِي... ص 405
(وَصَارَتِ الْأَحْسَادُ شَحِبَة... ص 406
(فالله الله مَعْشَرَ العِبَادِ... ص 406
(.. وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ... ص 406
(أَلا وَإِنَّ مِنَ البَلاءِ الفَاقَةَ... ص 407
(صحةُ الجَسَدِ، مِنْ قِلَةٍ... ص 408
(كُمْ مِنْ أكلةٍ منعت أكلات... ص 408
(الهَمُّ نصْف الْهَرَمِ... ص 408
(فَغَيرُ مَوْصُوفِ مَا نَزَلَ... ص 409
(وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنظُرُ... ص 409
(هُوَ الله الحق المبين... ص 413
(وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ... ص 413
(بَلْ ظَهَرَ الْعُقُول بما... ص 413
(فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهْرَ العُقُولَ... ص 413
(لَمْ يُطلِع العُقُول عَلى... ص 414
(فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهْرَ العُقُول... ص 414
(.. وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَمَلَ... ص 414
(وَكَمْ مِنْ عَقل أمبير... ص 415
(أكثرُ مَصَارِعِ العُقُولِ... ص 415
(رَسُولُكَ تُرْجُمانَ عَقلِكَ... ص 415
(.. حَذَّرَ الغَالِبِ لِنَفْسِهِ.... ص 415
(وَبَادِرُوا المَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ... ص 416
(وَأَمَّا النَّهَارَ فَحْلُمَاءُ عُلَمَاءُ... ص 417
(قَدْ أَحْيا عَقْلَهُ... ص 417
(.. عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ... ص 417
(عقلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ... ص 417
(.. فَإِنَّ الشَّفِي مَنْ حُرم... ص 418
(بُنَيَّ، احفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً... ص 418
لَيْسَتِ الرَّوِيَّةُ كَالمُعَانَةِ... ص 418
(وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِب... ص 418
(أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللهِ، تَقْوَى... ص 437
(.. إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُن... ص 419
(نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ... ص 420
(حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ... ص 420
(فَاسْتَخلَصْتُ لَكَ مِنْ... ص 420
(عِبَادَ الله، لا تركنوا إلى... ص 420
(أَشَدُّ الذُّنوبِ مَا اسْتَهَانَ... ص 420
(إضَاعَةُ الفُرْصَةِ غُصَّةٌ... ص 421
(فَلا أَمْوَالَ بذَلْتُمُوهَا... ص 421
(فَلْيُنتفع امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ... ص 422
(اضْرِبُ بِطَرْفِكَ حَيْثُ... ص 423
(أَفْضَلُ الأَعْمَال مَا أَكْرَمْتَ... ص 423
(النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهَلُوا... ص 423
(إِنَّ أَعْظَمَ الحَسَرَاتِ يَوْمَ... ص 423
(مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ... ص 424
(.. فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْصِمَ جَبَّارِي... ص 424
(الإيمانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ... ص 427
(فَمِنَ الإيمان مَا يَكُونُ... ص 428
(إِنَّ أَمْرَنَا صَعَبٌ مُسْتَصْعَبٌ... ص 428
(الإيمَانُ مَعْرِفَةٌ بالقَلْبِ... ص 429
(إِنَّ الإِيمَانَ يَبْدُو لمْظَةٌ... ص 429
(فَرَضَ الله الإيمَانَ تَطْهِيرًا... ص 429
(.. فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإِيمَانِ كَالرَّأْسِ... ص 429
(مَا تَعَلَّقُونَ مِنَ الإِسْلامِ إِلا... ص 429
(فبالإيمان يُسْتَدَلُ عَلَى الصَّالِحَاتِ... ص 430
(الإيمَانُ أَن تُؤثِرَ الصَّدْقَ... ص 430
(فَالْمَتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الفَضَائِلِ... ص 432
(يَعْفُو عَمِّنْ ظَلَمَهُ...ص 434
(قُوَّةً فِي دِينِ... ص 435
(.. خَيْرُ مَا تُواصى العِبَادُ به... ص 437
(اتَّقُوا الله في عِبَادِهِ وَبِلادِهِ... ص 437
(.. مُنْتَهَى رِضَاهُ، وَحَاجَتَهُ... ص 437
(وَاعْلَمُوا " أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الله... ص 438
(فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى الله... ص 438
(.. يَتَقْوَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ... ص 438
(القناعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ... ص 439
(كَفَى بِالقَنَاعَةِ مُلكًاً... ص 439
(الغِنَى الأَكْبَرُ اليَأْس عَمَّا... ص 439
(إِنَّ الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ... ص 440
(أكثرُ مَصَارِعِ العُقُولِ تَحْتَ... ص 440
(أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ... ص 440
(الطَّمَعُ رِقّ مُوبَدٌ... ص 440
(لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ هذا... ص 440
(وَالقَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ... ص 441
(فَإِذا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا... ص 443
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لا يَسْتَغْنِي... ص 443
(ألا لا يَعْدِلَنَّ أَحَدَكُمْ عَنِ... ص 443
(فَمَنْ آتَاهُ الله مَالاً... ص 444
(إِنَّ اللهَ يَبْتَنِي عِبَادَهُ... ص 444
(... وَصِلَةُ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا... ص 444
(.. وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي... ص 445
(طُوبَى لِنَفْس أدت إلى... ص 445
(.. وَصِلَةَ الرَّحِمِ مَنْمَاةٌ لِلْعَدَدِ... ص 447
(مَوَدَّةُ الْآبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ... ص 447
(فَمَنْ آتَاهُ الله مَالاً... ص 448
(.. وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا... ص 448
(لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي... ص 448
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ... ص 435
(وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ... ص 449
(.. أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنِ... ص 436
(فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ مِفْتَاحُ... ص 437
(وَصَلاحٍ ذَاتِ بَيْنَكُمْ... ص 449
(وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصَلِ وَالتَّبَادُلِ... ص 450
(ألا لا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ... ص 450
(مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا... ص 452
(وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا... ص 452(53)
(وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ... ص 453
(وَإِيَّاكَ وَالعَجَلَة بالأمور... ص 453
(وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلى أربع... ص 453
(يَنْزِلُ الصَّبْرُ عَلَى قَدْر ص 454
(وَعَوِّدْ نَفْسِكَ التَّصبر... ص 454
(اطْرَحُ عَنْكَ وَارِدَاتِ... ص 455
(الصَّبْرُ صَبْرَان : صبر... ص 455
(لا يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظُّفَرَ... ص 455
(مَنْ صَبَرَ صَبْرَ الأحرار... ص 455
(مَنْ لَمْ يُنْحِهِ الصَّبْرُ... ص 455
(وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد عزّى الأشعث... ص 456
(الزّهْدُ كُلُهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ... ص 458
(إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا... ص 458
(كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلُ... ص 458
(ازهد في الدُّنْيَا يُبَصَرْكَ ص 459
(.. طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيا... ص 459
(فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الحَجَرَ... ص 459
(دَارٌ بِالبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ... ص 460
(قَدْ حَمْرَ الدُّنْيَا وَصَغَرَهَا... ص 460
(.. الزَّهَادَةُ قِصَرُ الأَمَل... ص 460
(فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ... ص 461
(وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلى أربع شُعَب... ص 461
(ثُمَّ أَدَاءَ الأمانة... ص 464
(ثُمَّ تَفَقَدْ أَعْمَالَهُمْ... ص 465
(وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ... ص 465
(.. مِنَ القُضَاةِ وَالعُمَّال والكتاب... ص 465
(.. وَمَنْ لَمْ يَخْتَلِف سِرُّهُ... ص 465
(.. وَالأمَانَةَ نِظَاماً للأُمَّةِ... ص 465
(.. وَمَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّط... ص 467
(أولُ عِوَض الحَلِيمِ مِنْ... ص 467
(.. وَالحِلْمُ فِدَامُ السَّفِيهِ... ص 467
(الحِلْمٌ عَشِيرَةٌ... ص 467
(الحِلْمُ غِطَاء سَاتِرٌ... ص 468
(إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ... ص 468
(الحلم والأناة توأمان... ص 469
(أترجُو أَن يُعْطِيكَ الله... ص 470
(مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الْأَغْنِيَاءِ... ص 470
(أنَّ الرَّعِيَّة طبقات... ص 470
(ألا فَالحَذرَ الحَذرَ مِنْ... ص 470
(ما لابْنِ آدَمَ وَالفَخْرِ... ص 471
(مِسْكِينَ ابْنُ آدَمَ : مَكْتُومُ... ص 471
(وَجَعَلَ اللعْنَةَ عَلى مَنْ... ص 472
(فقَالَ سُبْحَانَهُ : " اسْجُدُوا... ص 472
(وَاعْتَمِدُوا وَضْعَ التذلل... ص 472
(فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَة.. ص 473
(وَمَنْ أَتَى غَنِيًّا فَتَوَاضَعَ... ص 474
(وَبِالتَّوَاضُعِ تَتِمُّ النِّعْمَةُ... ص 474
(وَإِنَّ الأَمْرَ بالمَعْرُوفِ... ص 476
(فَمِنْهُمُ المنَكِرُ لِلْمُنْكَرِ... ص 477
(أَوَّلَ مَا تُعْلَمُونَ عَلَيْهِ... ص 477
(لَعَنَ اللهُ الْآمِرِينَ... ص 478
(لا تتركوا الأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ... ص 478
(فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ... ص 478
(وَانهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَتَنَاهَوا... ص 478
(أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، إِنَّهُ... ص 479
(رُبَّ قَوْلِ أَنْفَذ مِنْ صَوْلٍ...479
(فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ... ص 479
(فَمَنْ أَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ... ص 480
(واعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ... ص 481
(فَاسْتَفْتِحُوهُ، وَاسْتَنْجِحُوهُ... ص 482
مَا كَانَ اللهُ لِيَفْتَحَ... ص 483
(مَنْ أَعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمُ... ص 483
(وَادْفَعُوا أَمْوَاجَ البَلاءِ... ص 483
(عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً... ص 484
(فيَا لَهَا أَمثالاً صَائِبَةٌ... ص 485
(جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً... ص 485
(فَاتَّعِطُوا عِبَادَ اللهِ بِالعِبَر... ص 486
(وَاعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ... ص 486
(مَوَدَّةُ الآبَاءِ قَرَابَةً بَيْنَ... ص 488
(إذا حَيِّيتَ بِتَحِيَّةٍ فَحَي... ص 488
(لِيَتَأَسَ صَغِيرُكُمْ بِكَبيرِكُمْ... ص 488
(إذا احتشمَ المُؤْمِنُ أَخَاهُ... ص 488
(أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلدِي... ص 489
(وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصَلِ وَالتَّبَادُلِ... ص 489
(شَارِكُوا الَّذِي قَدْ أَقْبَلَ... ص 490
(مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّق... ص 490
(للسائل الشامي لما سأله... ص 492
(وسئل عن القدر... ص 494
(وقال (عليه السلام)، وقد عزّى... ص 494
(قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ... ص 494
(قَدْرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ... ص 496
(وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ ص 497
(فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ... ص 498
(لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ... ص 498
(اللّهُمَّ دَاحِيَ المَدْحُوَّاتِ... ص 498
(.. وَكَلِمَةُ الإخلاص فَإِنَّهَا الفِطْرَةُ... ص 498
(رُبِّ قَوْلِ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ... ص 499
(وَلا تُدْخِلُنَّ فِي مَشُورَتِكَ... ص 499
(مَا أُصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا... ص 501
(وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ... ص 502
(.. وَلا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الحَرَام... ص 503
(مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ... ص 503
(الدُّنْيا دَارُ ممر لا... ص 506
(إن الله ملكاً يُنَادِي يُنادِي... ص 506
(وأوصيكُمْ بِذِكْرِ المَوْتِ... ص 506
(نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ... ص 507
(وَبَادِرُوا المَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ... ص 508
(امَوْتُ مَعْقُودٌ يَنَوَاصِيكُمْ... ص 509
(شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْن... ص 510
(وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ... ص 510
(فَأَخَذَ امْرُؤٌ مِنْ نَفْسِهِ... ص 510
(مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِّحَ... ص 510
(وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ المَوْتِ... ص 511
(يَا بُنَيَّ أَكْثَرُ مِنْ ذِكْرِ،... ص 511
(يَا أَهْل الديار الموحشة ص... ص 511
(وَلَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ... ص 514
(.. قِوامُ الدِّينِ وَالدُّنْيا بِأَربَعَةٍ... ص 515
(.. سَلْ تَفَقُهاً، وَلا تَسْأَلُ تَعنتاً... ص 515
(كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ... ص 516
(النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهَلُوا.. ص 516
(اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا... ص 517
(وَإنَّ العَالِمُ العامِل... ص 517
(وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً... ص 517
(أَدْحَضُ مَسْئُول حُجَّةٌ... ص 518
(وقد سمع رجلاً يدم... ص 518
(الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٌّ... ص 518
(فَبالإيمان يُستدل على... ص 518
(لا تركنوا إلى جَهَالَتِكُمْ... ص 519
(نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَذَكَرَ... ص 520
(لا غنى كالعَقْل... ص 520
(وَاعْلَمْ أَنَّ الإِعْجَابَ ضِدُّ... ص 520
(ومَنْ كَثرَ نِزَاعَهُ بالجَهْلِ... ص 521
(.. وَالنَّاسُ ضَلالَ فِي حَيْرَةٍ... ص 522
(أَتَزْعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إلى... ص 524
(العَيْنُ حَقٌّ، وَالرُّقى... ص 524
(عُجْبُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ... ص 528
(المَرْءِ بَنَفْسيه... ص 528
(العَجَبُ لِغَفْلَةِ الحَسَّادِ... ص 528
(.. وَالحِرْصُ وَالكَيْرُ وَالحَسَدُ... ص 528
(.. وَلا تَكُونُوا كَالْمُتَكَبر... ص 528
(حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ... ص 528
(وَلا تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الحَسَدَ... ص 529
(حَسَدَةُ الرَّحَاءِ، وَمُؤَكّدو... ص 529
(رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظهر... ص 531
( فَإِنَّهُ لا سَوَاءَ، إمَام...ُ ص 531
(مُنَافِقِ الجَنانِ، عَالِمِ... ص 532
(خُذِ الحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ... ص 532
(الحِكْمَةَ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ... ص 533
(.. وَأُحَذَرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاق... ص 533
(ثُمَّ أَيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ... ص 535
(وَاحْذَرِ الْغَضَبَ... ص 536
(سَعِ النَّاسَ بِوَجْهِكَ... ص 536
(.. إلى القَوْمِ الَّذِينَ غَضِبُوا... ص 536
(فَوَلٌ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ... ص 537
(املِكُ حَمِيَّة أَنْفِكَ... ص 538
(أحْسِنُوا في عقب...ص 540
(.. لا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ... ص 540
(الغِيبَةُ جُهْدُ العَاجِزِ... ص 540
(لا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً... ص 541
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ " طُوبَى... ص 541
(" إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً... ص 543
(.. فَقَالَ : " رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي... ص 543
(أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلى... ص 545
(وَلَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا... ص 545
(وَأَمَّا الأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ... ص 545
(فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ مِنَ... ص 546
(ألا وإنَّ الظُّلم ثلاثة... ص 549
(وَلَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ... ص 550
(يَوْمُ المَظْلُوم على... ص 550
(لِلظَّالِمِ البَادِي غداً... ص 551
(فَالله الله في عاجل... ص 551
(وَاللهِ لأَن أَبيتَ عَلى... ص 551
(تَغِيضُ فِيهَا الحِكْمَةُ... ص 552
(أَيُّهَا النَّاسُ، أَعِينُونِي عَلى... ص 552
(وَظُلْمُ الضَّعِيفَ أَفْحَشُ... ص 553
(أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الوَفَاءَ... ص 555
(الوَفَاء لأهْل الغَدْر... ص 556
(وَاللهِ مَا مُعَاوِيَةُ بأَدْهَى... ص 557
(أَيُّهَا النَّاسُ لا تَسْتَوْحِشُوا... ص 557
(.. وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ... ص 558
(وَمَنِ اسْتَهَانَ بالأَمَانَةِ... ص 560
(ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورٍ... ص 561
(وَتَحَفْظُ مِنَ الْأَعْوَان... ص 561
(وَإِنِّي أُقْسِمُ باللَّهِ... ص 562
(ثُمَّ أَنكُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ... ص 564
(وَعَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ... ص 566
(ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذلِكَ... ص 566
(إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الفِتَنِ... ص 567
(إِنَّ الفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ... ص 567
(لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ... ص 568
(.. وَإِيَّاكَ وَمَقاعِدُ الأسواق... ص 569
(إِنَّهُ لَمَّا أَنْزَل الله... ص 569
(فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتْهُ... ص 570
(أَيُّهَا النَّاسُ، أَلْقُوا... ص 570
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَيْنِي... ص 571
(مَنْ حَذَّرَكَ كَمَنْ بَشَرَكَ... ص 572
(عندما سمع قول الخوارج... ص 572
(أولَى النَّاسِ ِبالعَفْوِ بالعفو... ص 572
(عُصِيَ الرَّحْمَنُ، وَنُصِرَ... ص 575
(.. وَاقْدَمُوا عَلَى اللهِ مَظْلُومِينَ... ص 575
(لَوْ لَمْ يَتَوَعَّدِ اللَّه... ص 576
(احْذَرُ أَن يَرَاكَ الله... ص 576
(مِنْ هَوَانِ الدُّنْيا عَلَى... ص 576
(وَأَطِيعِ اللَّهُ فِي جَمِيعِ... ص 577
(وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ... ص 577
(.. نَصَحَ نَفْسَهُ، وَقَدَّمَ... ص 577
(حتى إذا كَشَفَ لَهُمْ... ص 578
(اتّقُوا مَعَاصِيَ الله... ص 578
(وقد مرَّ بقتلى الخوارج... ص 578
(فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ... ص 579
(في صفة الغوغاء... ص 581
(أتى بجان ومعه غوغاء... ص 582
(أيْ بُنَيَّ، إِنِّي وَإِنْ... ص 585
(وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ، أَنَّ... ص 586
(وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ... ص 587
(يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ... ص 587
(واعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ... ص 587
(وَاعْلَمْ أَنَّ الإِعْجَابَ... ص 589
(وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ... ص 589
(وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ... ص 589
(وَاعْلَمْ يَقِينَا أَنَّكَ لَنْ... ص 590
(وَإِيَّاكَ أَن تُوجفَ بكَ... ص 590
(وَلَا يَكُنْ أَهْلُكَ اشْقَى... ص 590
(وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ... ص 590
(إِذا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّر... ص 591
(سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ... ص 591
(.. فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ... ص 593
(وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ... ص 596
(وَاكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ... ص 595
(ولا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا... ص 596
(وَإِيَّاكَ وَالتَّغَايَرَ فِي... ص 596
(وَاعْلَمْ أَنَّهُ لا خَيْرَ... ص 597
(اسْتَدِلٌ عَلَى مَا لَمْ... ص 597
(مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ... ص 598
(وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ... ص 598
(وَكَانَ مِنِ اقْتِدَارٍ جَبَرُوتِهِ... ص 603
(وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ... ص 604
(إلى أن بعث الله سُبْحَانَهُ... ص 605
(كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ... ص 605
(وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ... ص 605
(أنصف الله وأنصف... ص 606
(وليَكُنْ أَحَبُّ الأُمور... ص 606
(وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ... ص 607
(وَلا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ... ص 607
(إِنَّ شَرِّ وزَرَائِكَ مَنْ... ص 607
(وَلا يَكُونَنَّ المُحْسِنُ والمَسِيءُ... ص 608
(وَلا تَنْقُضُ سُنَّةُ صَالِحَةٌ... ص 608
(وَأَكثرُ مُدَارَسَةَ العُلَمَاءِ العُلَمَاءِ... ص 608
(وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّة... ص 609
(فَمِنْهَا جُنُودُ الله... ص 610
(فَإِنَّ الوَالِي إذا... ص 610
(اعْقِلُوا الخَبَرَ إذا... ص 611
(النَّاسُ ثلاثة : فَعَالِمٌ... ص 611
(إِنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ... ص 611
(لا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئًاً..ص 612
(طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي...ص 612
(لأَنسُبَنَّ الإِسْلامَ نِسْبَةُ... ص 612
(إِنِّي وَإِن لَّمْ أكُنْ... ص 615
(اعْقِلُوا الخَبَرَ إذا... ص 616
(.. وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةٍ عَيْنِ... ص 617
(وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّة... ص 618
(الإيمان على أربع... ص 619
(الإيمان معرفة بالقلب... ص 619
(بالإيمان يُعْمَرُ العِلْمُ... ص 619
الاتجاه بالحاجة Need for Affiliation
الاتفاق الاجتماعي Social Consensus
اتماسك المجتمع Social Cohesion
الاختيار Choice
أخلاقيات العمل Ethics Work
الأداء العالي High Performance
الإدخار Saving
الأزمات الاقتصادية Economic Crises
الاستثمار Investment
الاستثمار Investment
الاستجابة Response
الاستعداد Aptitade
الاستعداد Aptitude
الاستقرار الاجتماعي Social Stability
الاستهلاك Consumption
الأسرة Family
الإشباع Gratification
الاشتراكية Socialism
إصلاح Refarm
إصلاح اجتماعي Social Reform
إصلاح اجتماعي Social Reform
الإصلاح الاجتماعي Social Reform
إعادة الهندسة Reengineering
إعادة الهندسة Reengineering
الأعراف Mores
إقامة علاقات ودية مع الآخرين Need for Affiliation
الاقتصاد الجزئي Micro - Economics
الاقتصاد العقلي Rational Economic
الاقتصاد الكلي Mocro - Economics
اقتصاديات العمل Labour Economics
أمة Nation
الأمن Security
الإنتاج Production
الانثروبولوجيا Anthropology
الانحراف Deviance
الانحراف الاجتماعي Social Deviance...
انحراف الكفاءة Efficiency Variance
الانحراف والخلل الاجتماعي Social Deviance Disorder
إيديولوجية Ideology
الإيمان Faith
الإيمان Faith
الإيمان Faith
بناء اجتماعي Social Structure
البناء الاجتماعي Social Structure
البناء الاجتماعي Social Structure البيئة Environment
البيئة Environment
التبيل Ecology
تجمع Aggregate
التحتية أو الارتكازية Infastructure
تحديث Modernisation
تحديد الموقف Definition Of The Situation
التحليل الاستراتيجي Strategic Analysis
التحليل الأفقي Horizontial Analysis
التحليل الرأسي Vertical Analysis
التحيز Prejudice
التخطيط Planning
تدرج Stratification
التضامن الآلي Mechaincal Solidarity
التضامن العضوي Gaganic Solidarity
التضحية Sacrifice
التطور Evolution
التطور الاجتماعي Social Evolution
التطور الاجتماعي Social Evolution
التطور الاجتماعي Social Evolution
التطوير Development
التعصب Prejudice
التعصب أو التعصب الديني Fanaticism
التغير الاجتماعي Social Change
التغير الاجتماعي Social Change
التغير الاجتماعي الانتشاري Diffusional Social Change
التغير الاجتماعي التطوري Inevitable Social Change
التغير الاجتماعي الدائري Circular Social.. Change
التغير الاجتماعي المخطط Planned Social Change
التغير البنائي Structural Change
التغير الثقافي Culural Change
التفاعل الإنساني Human Interaction
التفاعل الإنساني Human Interaction
التفكك الاجتماعي Social Conflict
التفكك الاجتماعي Disorganization Social
التفكك الاجتماعي DisorganizationSocial.
التقاليد Traditios
التقدم الاجتماعي Social Progress
التكافل Symbiosis
تكامل اجتماعي Social Integration
التكيف Adaptation
التماسك الاجتماعي Social Cohesion
التماسك الاجتماعي Social Cohesion
التماسك الاجتماعي Social Conesion
التمرد Sedition
التنظير Thoerizing
التنظيم Organization
تنظيم اجتماعي Social Organization
التنظيم الاجتماعي Social Organization
تنظيم الأسرة Birth Control
التنظيم الرسمي Formal Organization
التنظيم غير الرسمية Informal Organization
التنمية Growth
التنمية المستدامة Sustaimable Development
التوازن الاجتماعي Social Equilibrium
التوازن الاجتماعي Social Equilibrium
التوازن الاجتماعي Social Equilibrium
التوازن الاجتماعي Social Equilibrium
التوازن الاجتماعي Social Equilibrium
التوازن الاقتصاديEconomic Equilibrium
التوافق Adjustment
التوزيع Distribution
الثقافة المؤسسية Corporate Culture
الجيرية Fatalism
الجبرية Fatalism
جماعة Group
الحاجة Want
الحاجة للتحصيل Need for Achievement
الحتمية الاجتماعية Social Determinism
الحتمية التكنولوجية Technological Determinism
الحج Pilgrimage
الحدث Juvenile
الحرام أو المحرمات أو التحريم Taboo
الحرب War
الحمد Envy
الحق Right
الخرافة Superstitution
الخطة Plan
خلل Disorder
الخلل الاجتماعي Social Disorder
الخلل الاجتماعي Social Disorder
الخلل الاجتماعي Social Disorder
الخلل الاجتماعي Social Disorder
الخيال السوسيولوجي Sociological Imagination
الخيانة Treason
الخيانة Treason
الدخل Income
الدخل Income
الدور الاجتماعي Social Role
الدور الاجتماعي Social Role
الدورة الاقتصادية Economic Cycle
الدورة التجارية Business Cycle
الدين Religion
ديناميات السلوك Behavioral Dynamics
دينامية عقلانية Dynamic - Rationality
الذكاء الاجتماعي Social Interaction
الذكاء العاطفي Emotional Intelligence
الذنوب Delicts
الذهن Intellect
رأس المال الفكري Intellectual Capital
رأس المال المنتج Productive Capital
الرأسمالية Capitalism
الرأي Opinion
الرأي العام Public Opinion
الرأي العام Public Opinion
الرفاهية Welfare
الرفاهية الاجتماعية Social Walfare
الرفاهية الاجتماعية Social Welfare
الرفاهية الاجتماعية Social Welfare
الرفاهية الاقتصادية Economic Welfare
الزكاة Zakat
الزهد Ascetism
السادية Sadism
الستاتيكية Static
السحر Megic
السلطة Authority
السلطة Authority
السلوك الاجتماعي Social Behavior
السلوك الاجتماعي Social Behavior
السلوك المنحرف Deviant Behaviour
السياسة الاجتماعية Social Policy
الشهوة Appetition
الشيطان Devil
الصبر Patience
الصراع Conflict
الصلة Affinity
الصوفية Mysticism
الضبط الاجتماعي Social Control
الضغط الاجتماعي Social Pressure
الضمير Conscience
الضمير Conscience
الظواهر الاجتماعية Social Phenomena
العادات الاجتماعية Social Habit
العدالة Justice
العدالة الاجتماعية Social Justice
العرف الاجتماعي Social Code
العرف الاجتماعي Social convention
العصيان Rebellion
العصيان Rebellion
العفّة أو الطهارة Chastity
العقل Mind
العقل Mind
العقل الاجتماعي Social Mind
العلاقات الاجتماعية Social Relations
العلاقات الاجتماعية Social Relations
العلاقات الاجتماعية الأفقية Horizontal. Social Relations
العلاقات الاجتماعية الرسمية Formal Social Relation
العلاقات الاجتماعية العمودية Vertical Social Relations
العلاقات الاجتماعية غير الرسمية Informal Social Relations
العلاقات الثنائية Dyadic Relationships
علم اجتماع التنظيم Sociology Orgeniation
علم اجتماع العولمة Sociology Of Globalization
علم اجتماع المعرفة Sociology Of Knowledge
علم الاجتماع Sociology
علم الاجتماع الإداري Administrative Sociology
علم الاجتماع البنائي Structural Sociology
علم الاجتماع التربوي Educational Sociology
علم الاجتماع الجنائي Criminal Sociology
علم الاجتماع الحضري Urban Sociology
علم الاجتماع الدولي International Sociology
علم الاجتماع الصناعي Industrial Sociology
علم الاجتماع الكوني Global Sociology
علم الاجتماع المعرفي Sociology Of Knowledge
علم الاقتصاد Economics
علم المناعة Immunology
علم النفس التربوي Educational Psycology
علم الوبائيات Epidemiology
العلوم الاجتماعية Social Sciences
العمل Labour
العمل Work
عناصر الإنتاج Factors Of Production
عولمة علم الاجتماع Globalization Of Sociology
الغريزة Instinct
غريزة Instinct
الغضب Anger
الغيرة Jealousy
الفئة الاجتماعية Social Category
الفساد الاجتماعي Social Deterioration
الفعل الاجتماعي Social Action
الفعل الاجتماعي Social Action
الفكر Thought
الفكر Thought
الفكر الاجتماعي Social Thought
فلسفة الإدارة ManagementPhilosophy
الفهم Understanding
القدر Destiny, Fate
القدرية Free Will
القرابة Kinship
القضاء Predestination
القطاع العام Public Sector
القيم الاجتماعية Social Values
الكابح الاجتماعي Social Constraint
الكفاءة الاقتصادي" Economic Efficacy
اللا مساواة الكونية Global Inequality
مؤثرات التنشئة الاجتماعية Agencies Of Socialization
المازوخية Masochism
المجتمع Society
المجتمع المدني Civil Society
المجتمعية Societality
محرك الحاجة للقوة Need for Power
المحيط الحيوي Biosphere
مدرسة العلاقات الإنسانية Human
Relation School
مدرسة العلوم السلوكية Human Behavior School
المرونة Flexibility
المشروع الحر Free Enterprise
المشكلة الاجتماعية Social Problem
المشكلة الاقتصادية Economics Problem
المشكلة الاقتصادية Economic Problem
المضمون أو البعد الاجتماعي Social Distance
المعارضة والعنف الجماعي Group Conflict And Violence
المعرفة الإجرائية Procedural knowledge
المعرفة التقريرية Declarative knowledge
المعرفة الشرطية Conditional knowledge
المعنوية Morale
الملائمة Accommodation
الملائمة الاجتماعية Social Adaptation
المناعة Immunity
المنافسة الاقتصادية Economic Competition
الندرة Sarety
الندرة النسبية Relative Scarcity
النشاط الاقتصادي Economic Activity
النشاط الاقتصادي Economic Activity
النضج Maturation
النضج الاجتماعي Social Maturity
نظام الأسرة Family Institution
النظام المفتوح Open System
نظريات الصراع Conflict Theories
نظريات الفعل الاجتماعي Social Action Theories
نظرية الضبط Control Theory
النفوذ Influence
الهندسة الاجتماعية Social Engineering
الوعي الاجتماعي Social Consciousness
الوعي الاجتماعي SocialConsciousnness
الوعي الاجتمـــــــاعي Social Cousciousness
أولاً : المصادر والمراجع العربية والمترجمة
أ : المصادر والمراجع العربية :
القرآن الكريم
الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) / نهج البلاغة / شرح محمد عبدة / مطبعة الاستقامة / مصر
الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) / نهج البلاغة / ضبط نصه صبحي الصالح / ط 1/ دار الكتاب اللبناني / بيروت / لبنان / 1967
1 - ابن منظور / لسان العرب / دار صادر / بيروت - لبنان / ط 3 / 1994
2 - د. آمال أحمد يعقوب / علم النفس التربوي / مطابع التعليم العالي / بغداد - العراق / 1989
3 - د. إحسان محمد الحسن / المدخل إلى علم الاجتماع / دار الطليعة للطباعة والنشر / بيروت - لبنان / ط 1 / 1988و
4 - أبو الحسن علي بن محمد بن علي الجرجاني / التعريفات / مطابع دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والإعلام / بغداد / العراقو
5 - أحمد خورشيد النوره جي / مفاهيم في الفلسفة والاجتماع / دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد / العراق / 1990
6- د. أنور نعيم قصيرة / الاقتصاد السياسي / ط 3 / مطبعة الوطن / بيروت - لبنان
7 - د بشير عباس العلاق / معجم مصطلحات العلوم الإدارية الموحدة / الدار العربية للموسوعات / ط 1 / 1983.
8- د. حسين عبد الحميد أحمد رشوان / الفلسفة الاجتماعية والاتجاهات النظرية في علم الاجتماع / المكتب الجامعي الحديث / الإسكندرية - مصر / ط 2 / 1988 - 1989
9- سامية الخشاب / المدخل إلى علم الاجتماع / القاهرة / 1996
10 - السيد علي شنا / علم الاجتماع الجنائي / دار المعرفة الجامعية / الإسكندرية / 1987
11 - د. السيد محمد الحسيني وآخرون / دراسات في التنمية الاجتماعية / دار المعارف بمصر / ط 2 / 1974
12 - د. صبحي المحمصاني / أركان حقوق الإنسان / دار العلم للملايين / ط 1 / 1979
13 - د. صلاح العبد / علم الاجتماع التطبيقي والتنمية المجتمع العربي / مطابع مؤسسة دار التعاون للطباعة والنشر / مصر / 1985
14 - د. عادل اشاره، د. عبد المنعم الحسيني / التخطيط الاجتماعي / دار الحكمة للطباعة والنشر / بغداد العراق / 1992
15 - د. عبد الهادي الجوهري / أصول علم الاجتماع / المطبعة التجارية الحديثة / 1986
16 - د. عصام سليمان / مدخل إلى علم السياسة / دار النضال للطباعة والنشر / بيروت - لبنان / ط 2 / 1989
17 - د. عصام سليمان / مدخل إلى علم السياسة / دار النضال للطباعة والنشر والتوزيع / بيروت - لبنان / ط 2 / 1989
18 - د. عاطف غيث وآخرون / مجالات علم الاجتماع المعاصر ؛ أسس نظرية ودراسات واقعية / دار المعرفة الجامعية / الإسكندرية / 1989
19 - د. عبد المنعم الحفني / موسوعة علم النفس والتحليل النفسي / ج 1 + ج 2 / مكتبة مدبولي / بيروت / 1978
20 - د. عطوف محمود ياسين / اختبارات الذكاء والقدرات العقلية بين التطرف والإعتدال / دار الأندلس / بيروت / 1982.
21 - د. علي المكاوي / علم الاجتماع الطبي ؛ مدخل نظري /.kotobarabia.com 22
22 - د. علي محمد شلتوت، د. عبد الجليل الطاهر / علم الاجتماع / ط 1 / مطبعة الشاعر.
23 - د. فاخر عاقل / علم النفس التربوي / دار العلم للملايين / بيروت / ط 6 / 1980.
24 - د. فيصل فخري مراد / التنظيم الإداري ؛ مدخل للنظريات والسلوك / المطبعة الأردنية / 1979
25 - د. قباري محمد إسماعيل / علم الاجتماع الإداري / منشأة المعارف بالاسكندرية / 1981
26 - د. قباري محمد إسماعيل / قضايا علم علم الاجتماع المعاصر؛ دراسة تحليلية نقدية / منشأة المعارف بالاسكندرية / 1976
27 - د. كمال التابعي، د. علي المكاوي / علم الاجتماع العام / دار النشر الالكترونية /.kotobarabia.com
28 - لويس معيوف اليسوعي / المنجد في اللغة والأدب والعلوم / طه / المطبعة الكاثوليكية / بيروت - لبنان
29 - محمد أحمد الزعبي / التغيير بين علم الاجتماع البرجوازي وعلم الاجتماع الاشتراكي / دار الطليعة للطباعة والنشر / بيروت - لبنان / ط 1 / 1978
30 - محمد سعيد فرجع / ما علم الاجتماع / رمضان وأولاده للطباعة / الإسكندرية - مصر / 1987.
31 - محمد سعيد فرج / البناء الاجتماعي والشخصية / دار المعرفة الجامعية / الإسكندرية - مصر / 1989
32- د. محمد عبد الله أبو علي / الصناعة والمجتمع / العارف بمصر.
33 - د. محمد عاطف غيث / قاموس علم الاجتماع / دار المعرفة الجامعية / الإسكندرية / 1989.
34 - د. محمد عاطف غيث وآخرون / مجالات علم الاجتماع المعاصر ؛ أسس نظرية ودراسات واقعية / دار المعرفة الجامعية / الإسكندرية / 1989
35 - محمد لبيب النجيحي / الأسس الاجتماعية للتربية / الشركة المتحدة للنشر / ط 6 / 1976، /
36 - د. مليحة عوني القصير، د. معن خليل الغمر / المدخلى إلى علم الاجتماع / مطبعة جامعة بغداد / بغداد - العراق / 1981
37- د. محمد علي محمد / علم اجتماع التنظيم / دار المعرفة الجامعية / الاسكندرية / 35 / 1989
38 - د. محي الدين توق، د. عبد الرحمن عدس / أساسيات علم النفس التربوي / دار جون وايلي وأبنائه / انجلترا / 1984
39 - د. سامح غرايبه، د. يحيى الفرحان / دار الشروق للنشر والتوزيع / عمان - الأردن / ط 1 / 1987
40 - مجمع اللغة العربية بمصر / المعجم الفلسفي / عالم الكتب / بيروت
41 - منير العصرة / انحراف الأحداث ومشكلة العوامل / المكتب المصري الحديث
42 - د. مها رؤوف السعد، د. طارق صالح الزبيدي / علم المناعة / مطابع الرسالة / الكويت / 1982
43 - تخبة من الأساتذة المصريين والعرب المتخصصين / معجم العلوم الاجتماعية / مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب / مصر / 1975
44 - هاشم حسين ناصر المحنك / الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة / دار أنباء للطباعة والنشر النجف الأشرف - العراق
45 - هاشم حسين ناصر المحنك / إدارة الإنتاج (إدارة العمليات) / ط 1 / دار أتباء للطباعة والنشر / النجف الأشرف - العراق،
46 - هاشم حسين ناصر المحنك / إستراتيجية دراسة السوق والسلعة للتنمية الاقتصادية / مطبعة الرشاد / بغداد العراق / ط 1 / 1988.
47 - هاشم حسين ناصر المحنك / دروس من وصية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) / دار أنباء للطباعة والنشر / النجف الأشرف - العراق / 2004.
48 - هاشم حسين ناصر المحنك / علم تلوث الفكر البشري - الوقاية والعلاج - في نهج البلاغة / دار أنباء للطباعة والنشر / النجف الأشرف - العراق..
49 - هاشم حسين ناصر المحنك / علم النفس في نهج البلاغة / 3 / دار أنباء للطباعة والنشر / النجف الأشرف - العراق /
50 - هاشم حسين ناصر المحنك / فلسفة الإدارة المعاصرة والمجتمع / مطبعة القضاء / النجف الأشرف - العراق / 1990
51 - هاشم حسين ناصر المحنك / نظام تصميم العمل وتقويم الأداء ودوره في المشاريع الإنتاجية / مطبعة القضاء / النجف الأشرف / 1987.
52 - هاشم حسين ناصر المحنك / موسوعة العلوم الإدارية والإجتماعية والأعمال التجارية / مكتبة لبنان ناشرون / بيروت - لبنان
53- د هوشیار معروف / أزمة علم الاقتصاد وبناء النظرية الاقتصادية / ط 1 / مطبعة مؤسسة المعاهد الفنية / 1 بغداد - العراق / 1986
ب المصادر والمراجع المترجمة :
54 - ارثر مارويك / الحرب والتحول الاجتماعي في القرن العشرين / ترجمة : سمير عبد الرحيم الجلبي / دار الحرية للطباعة / بغداد - العراق / 1990،
55 - ارفنج زايتلن / النظرية المعاصرة في علم الاجتماع / ترجمة : د. محمود عودة، د. إبراهيم عثمان / مطبعة ذات السلاسل / 1989 / ص 177 - 231
56 - اندرو ويبستر / مدخل لسوسيولوجية التنمية / ترجمة : حمدي حميد يوسف / دار الشؤون الثقافية / بغداد - العراق / 1986
57- أجانسي ساكس / تبارات رئيسية في علم الاقتصاد / ترجمة د. فاضل عباس مهدي / دار الطليعة للطباعة والنشر / بيروت - لبنان
58 - باركر وآخرون / علم الاجتماع الصناعي / ترجمة : محمد علي محمد وآخرون / دار المعرفة الجامعية / - مصر / 1989، الاسكندرية - مصر
59 - براین بوند / الحرب والمجتمع في أوربا (1870 - 1970) / ترجمة : سمير عبد الرحيم الجلبي / دار الحرية للطباعة / بغداد - العراق / 1988
60- برنار موتيز / سوسيولوجيا الصناعة / ترجمة : بهيج شعبان / مطبعة النجوى / بيروت - لبنان / ط 1 / 1974
61 - جارلس ماج / المجتمع في العقل / ترجمة : د. إحسان محمد الحسن / دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد / ط 1 / 1990.
62 - جمهورية أفلاطون / نقلها إلى العربية : حنا الخباز / مطبعة بابل / بغداد - العراق / 1986
63 - جون لويس / الإنسان ذلك الكائن الفريد / ترجمة : د. صالح جواد الكاظم / دار الحرية للطباعة / بغداد - - العراق / 1981
64 - جوزيف د. فوفاك، د. بوب جووين / تعلم كيف تتعلم / ترجمة : د. أحمد عصام الصفدي، د. إبراهيم محمد الشافعي / جامعة الملك سعود / الرياض / السعودية،
65 - جون سكوت / علم الاجتماع ؛ المفاهيم الأساسية / ترجمة : محمد عثمان / الشبكة العربية للأبحاث والنشر / بيروت - لبنان / ط 1 / 2009
66 - جون نيف / الحرب والتقدّم البشري ؛ دراسة في نشأة الحضارة الصناعية / ج 1، ج2 / ترجمة : محمد عبد المجيد رؤوف وآخرون / دار الحرية للطباعة / بغداد - العراق / 1990 - 1991
67 - دينكن ميشيل / معجم علم الاجتماع / ترجمة د. إحسان محمد الحسن / دار الحرية للطباعة / بغداد - العراق / 1980
68 - ر، بيغلهول، ر، بونيتا، ت كييلستروم / أساسيات علم الوبائيات / منظمة الصحة العالمية ؛ المكتب الإقليمي للشرق المتوسط / 1997.
69- روبرت جيلبن / الحروب والتغيير في السياسة العالمية / ترجمة : باسم مفتن النصر الله / دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد - العراق / 1990،
70 - سونيا هانت جينيفر / نمو شخصية الفرد والخبرة الاجتماعية / ترجمة : د. قيس النوري / دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد - العراق / 1988
71 - شارلس هـ، ساوثويك / علم البيئة ونوعية بيئتنا / ترجمة د. قيصر نجيب صالح وآخران / مطابع جامعة الموصل - مديرية مطبعة الجامعة / الموصل - العراق / 1984.
72 - نوسي مير / مقدمة في الانثروبولوجيا الاجتماعية / ترجمة وشرح : د. شاكر مصطفى سليم / دار الشؤون الثقافية / بغداد - العراق
73 - هربرت بنس / العقل والجسم / ترجمة : د. محمد جابر علي / دار المأمون للترجمة والنشر / بغداد - العراق / 1989.
ج المصادر والمراجع من بحوث المؤتمرات والندوات العلمية :
74 - هاشم حسين ناصر المحنك / أخلاقيات العدالة في عهد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) للأشتر النخعي (رضي الله عنه) / شارك في مؤتمر نهج البلاغة الدولي / مركز دراسات الكوفة / جامعة الكوفة للفترة من 27 - 128 / آذار / 2011 م، ومنشورة ضمن وقائع بحوث المؤتمر بشكل كامل.
75 - هاشم حسين ناصر المحنك / تأثير الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لارتكاب الجريمة مع دراسة ميدانية / بحث شارك في المؤتمر العلمي الأول، للحد من الجريمة وأسبابها، المشترك بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة الداخلية في -9 - 11 / ت2 / 1993
76 - هاشم حسين ناصر المحنك / الجريمة وبعدها الاقتصادي مع دراسة ميدانية / بحث شارك ضمن ندوة التحليل العلمي للجريمة التي أقامتها كلية التربية للبنات / جامعة الكوفة، بالتعاون مع وزارة الداخلية / مركز البحوث والدراسات بتاريخ 29 / آذار / 1995.
77 - هاشم حسين ناصر المحنك / النظام الأسري بين التراث والمعاصرة ؛ مع دراسة / مؤتمر الأمومة المأمونة وتنظيم الأسرة الذي إقامته جمعية تنظيم الأسرة العراقية بالتعاون مع الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة والمكتب الإقليمي لتنظيم الأسرة للوطن العربي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف، في بغداد 6 - 8 / ك 1 / 1994
ثانياً: المصادر والمراجع الأجنبية :
78 - Bex, John " Discovering Sociology : Studies In Sociological Theory And Method", Roultledge Kegan Paul, London, 1973.
79 - Culyer, A. J. / Economics /Basil Blackwell Inc. / Glasgow / 1985 - Ivan Roitt, "Essential Immunology", 8th Ed., Blackwell Science Ltd., Australia, 1994.
80 - Dressler, David Carns, Donald "sociology; The Study Of Human Interation "2ed Alfred A. Knopf, Inc., New York, 1973.
81 - Jr., Robert O. Blood, "The Family", The Free Pess, New York, 1972
82 - Perry Joh and Erna" the Social web; an Introduction to Sociology * 2ed, adepartment of Harrper and Row publisher's, Inc., new York, 1989.
83 - Popenone, David, "Sociology" 3d, prentice-Hall, Inc., New Jersey, 1987. 84 - Robertson, Iam "Sociology", worth publish Inc., America, 1987.
85 - Schaefer, Richard T., " Sociology " McGraw-Hill Inc., 1983.
86 - Sugarman, Barry "Sociology" Heinemann Educational Books Lted., Newdelhi, 1973.
/ الصفحة
مخطط (1) يبين أنواع العبادات وفلسفاتها واستراتيجياتها...28
مخطط (2) يبين الرسول وما يحمله من أبعاد الرسالة لبناء الإنسان الحضارة المستدامة...49
مخطط (3) يبين فاعلية الرسالة في الإصلاح والبناء والتماسك الاجتماعي...51
مخطط (4) يبين النعم الإلهية - الرسالية والمال البناء والتماسك الاجتماعي... 54
مخطط (5) يبين فاعلية علوم القرآن داخل المجتمع الإسلامي - الإنساني...59
مخطط (6) يبين تكاملية منظومة البناء القرآني ومنه ؛ المعرفي والتشريعي والفقهي والنظم الاجتماعية...61
مخطط (7) يبين مراحل بلورة الحكمة للبناء الحضاري الإنساني...69
مخطط (8) يبين البناء الفكري والعلمي والاجتماعي في الإسلام...92
مخطط (9) يبين الإفادة من التجارب السالفة لخطط المجتمع واستراتيجيات المجتمعات وحضاراتها...117
مخطط (10) يبين العمق الدنيوي - الأخروي للعبادة وتأثيرها المجتمعي...130
مخطط (11) يبين الفلسفة الإنسانية - النفسية والاجتماعية والأخلاقية للعطاء في الإسلام ص 134
مخطط (12) يبين الامتدادات الدنيوية - الأخروية للصدقات...137
مخطط (13) يبين منظومة البناء التربوي الحضاري على مستوى الفرد والمجتمع...159
مخطط (14) يبين فلسفة واستراتيجيات الصداقة - بناء الشخصية...176
مخطط (15) يبين هندسة منظومة العلاقات واستراتيجياتها...179
مخطط (16) يبين مصادر التهديدات والمخاطر الفعلية على الأمة ومحتوى التفكير والاحتجاج...181
مخطط (17) يبين استراتيجيات التنمية والتطوير الاجتماعي...202
مخطط (18) يبين آلية إدارة المجتمع للأزمات...216
مخطط (19) يبين مستويات أو طبقات الناس من منظور علمي - معرفي...230
مخطط (20) يبين المهام الرئيسية لطبقة الجنود...240
مخطط (21) يبين العلاقة الإستراتيجية المفصلية بين الخراج - الجنود...241
مخطط (22) يبين علاقة ومهام طبقة القُضَاةِ وَالعُمَّال وَالكُتاب...241
مخطط (23) يبين مهام طبقة التجار وذوي الصناعات...242
مخطط (24) يبين بشكل مختصر مكونان الحقوق في الإسلام...244
مخطط (25) يبين هندسة وإعادة هندسة النعم الإلهية...251
مخطط (26) يبين هندسة وإعادة هندسة النعمة الإلهية للتنمية ومنها...253
التنمية الاجتماعية - الاقتصادية
مخطط (27) يبيين جانب من دينامية العمل الداخلة في المزيج الاقتصادي - الاجتماعي...263
مخطط (28) يبين دور عناصر العمل في بناء المنظومة الاجتماعية...274
مخطط (29) يبين مخاطر آثار الأعمال المجتمعية وعلاجاتها...279
مخطط (30) يبين فلسفة الجهاد وشعبه ونتائجه...318
مخطط (31) يبين فلسفة واستراتيجيات الصلح لتغيير المجتمع...325
مخطط (32) يبين الحقوق والواجبات العامة المتبادلة بين المجتمع والدولة...347
مخطط (33) يبين بناء ثقافة منظومة السلوك الاقتصادي - الاجتماعي وما يترب من آثار دنيوية - أخروية...361
مخطط (34) يبين الترابط بين استراتيجيات الماضي والحاضر والمستقبل ومنه المنظومة الاجتماعية - التربوية المستدامة...374
مخطط (35) يبين لحظات التحول من البيئة الدنيوية إلى ما بعدها...393
مخطط (36) يبين إستراتيجية ثقافة الوعي المجتمعي...422
مخطط (37 (يبين بناء الشخصية المتماسكة بالصبر...454
مخطط (38) يبين الحلم والبناء والتماسك الاجتماعي...469
مخطط (39) يبين دورة حياة الفكر والعلم والمعرفة والسلوك في دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
مخطط (40) يبين العلم والجهل والغنى والفقر، وقوام الدين والدنيا...515
مخطط (41) ببين وقع الغضب في المجالات السلوكية الفردية ومؤثراتها الإستراتيجية...538
مخطط (42) يبين شروط استثمارات العصبية للمكاسب الاجتماعية...546
مخطط (43) يبين الظلم وامتداداته وتأثيراته الاجتماعية...550
مخطط (44) يبين عمومية منظومة الهندسة وإعادة الهندسة المبسطة...603
مخطط (45) يبين علاقة صلاح الدول الإستراتيجية واستقامة الناس بالعلماء والحكماء...609
الموضوع / الصفحة
الإهداء...6
المقدمة...7
مدخل.. ومفاهيم...9
الفصل الأول : الخالق والنظام الاجتماعي للخلق في نهج البلاغة...20
المبحث الأول : الخالق والمخلوق...21
المبحث الثاني : مكانة الإنسان بين المخلوقات...35
المبحث الثالث : الأنبياء والرسل والحياة الإجتماعية... 39
المبحث الرابع: الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) والحياة الاجتماعية...44
المبحث الخامس : القرآن الكريم والكتب السماوية والمجتمع...55
المبحث السادس : دور أهل البيت (عليهم السلام) في التماسك الاجتماعي...68
الفصل الثاني : نبذة عن الحياة الاجتماعية قبل وبعد انتشار الإسلام... 75
في نهج البلاغة... 76
المبحث الأول : الحياة الاجتماعية قبل الإسلام... 83
المبحث الثاني : الحياة الاجتماعية عند انتشار الإسلام... 96
الفصل الثالث : الحياة الدنيوية والأخروية وتأثيرهما على المجتمع 97...
المبحث الأول : الحياة الدنيوية والمجتمع... 115
المبحث الثاني : الحياة الأخروية والمجتمع... 123
الفصل الرابع : الصلاة والصيام والزكاة والحج والمضامين
الاجتماعية...125
المبحث الأول : الصلاة والمضامين الاجتماعية...129
المبحث الثاني : الصيام ومضامينه الاجتماعية...132
المبحث الثالث : الزكاة والصدقات والمضامين الاجتماعية...138
المبحث الرابع : الحج ومضامينه الاجتماعية...145
الفصل الخامس : البناء الاجتماعي للفرد والمجتمع... 145
المبحث الأول : بناء الفرد والمضامين الاجتماعية... 149
المبحث الثاني : بناء الفرد - المجتمع... 164
المبحث الثالث : الصداقة وفلسفتها الاجتماعية - الإنسانية... 174
المبحث الرابع: بناء وتماسك المجتمع ودور الاحتجاج فيه... 179
المبحث الخامس : التغير الاجتماعي... 186
المبحث السادس : التخطيط والتنمية الاجتماعية...198
المبحث السابع : السياسة الاجتماعية وأثرها على مسيرة المجتمع...206
المبحث الثامن : التغيير السياسي والمجتمع...211
الفصل السادس : النظرة الطبقية بين نهج البلاغة وعلم الاجتماع الحديث...223
الفصل السابع : دور الاقتصاد في بناء المجتمع...247
المبحث الأول : الجانب الاقتصادي والمجتمع... 248
المبحث الثاني : المضامين الاجتماعية لجباية الأموال على مستوى الدولة...263
المبحث الثالث : العمل وبعده الاجتماعي...273
المبحث الرابع: العلم وأهميته الاجتماعية والاقتصادية...283
المبحث الخامس : البخل وتأثيره الاجتماعي...289
الفصل الثامن : العدالة والحق وتأثيرهما على المجتمع...294
المبحث الأول : أهمية العدالة لاستقرار المجتمع...302
المبحث الثاني: الحق ومستقبل المجتمع...313
الفصل التاسع : الجهاد والحرب والمجتمع...314
المبحث الأول : الجهاد ومضمونه الاجتماعي...319
المبحث الثاني: الحرب وتغير المجتمع...333
الفصل العاشر: جوانب من علم الاجتماع الإداري...334
المبحث الأول : البناء القيادي والمجتمع...338
المبحث الثاني : الشخصية القيادية والتماسك الاجتماعي...346
المبحث الثالث : الحقوق والواجبات المتبادلة بين القائد والمجتمع...351
المبحث الرابع : إختيار المجتمع لقائدهم...355
الفصل الحادي عشر : بعض فروع علم الاجتماع...356
المبحث الأول : علم الاجتماع الاقتصادي...366
المبحث الثاني : علم الاجتماع الصناعي...370
المبحث الثالث : علم الاجتماع التربوي...380
المبحث الرابع : علم الاجتماع الجنائي...384
المبحث الخامس : علم الاجتماع البيئي...397
المبحث السادس : علم الاجتماع الصحي والطبي...410
الفصل الثاني عشر : قويم المفاهيم الاجتماعية بين علم الاجتماع ونهج البلاغة...411
المبحث الأول : العقل بين علم الاجتماع ونهج البلاغة...419
المبحث الثاني : الوعي الاجتماعي وأهميته...425
المبحث الثالث: الإيمان والمجتمع...431
المبحث الرابع: التقوى والمجتمع...438
المبحث الخامس : القناعة وأهميتها للفرد والمجتمع...441
المبحث السادس : التكافل والمضامين الاجتماعية...446
المبحث السابع : صلة الرحم وعمقها الاجتماعي والإنساني...451
المبحث الثامن : الصبر وبناء دواخل الفرد والمجتمع...456
المبحث التاسع : الزهد بين نهج البلاغة وعلم الاجتماع... 463
المبحث العاشر : الأمانة ومضامينها الاجتماعية...466
المبحث الحادي عشر : الحلم والمجتمع...469
المبحث الثاني عشر : التواضع ومضمونه الاجتماعي...474
المبحث الثالث عشر : أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن لتماسك المجتمع...480
المبحث الرابع عشر : الدعاء والاستقرار النفسي والروحي للمجتمع...483
المبحث الخامس عشر : التذكر والتماسك الاجتماعي...487
المبحث السادس عشر : التآلف والتآزر الاجتماعي...490
المبحث السابع عشر : القضاء والقدر وحقيقتهما المنكر...495
المبحث الثامن عشر : الغرائز والفطرة وتأثيرهما على الفرد والمجتمع...500
المبحث التاسع عشر : الحلال والحرام وأبعادهما الاجتماعية...505
المبحث العشرون : ذكر الموت والبناء الاجتماعي...512
الفصل الثالث عشر : مفاهيم في السلوكيات الاجتماعية السلبية وعلاجهما بين نهج البلاغة وعلم الاجتماع...513
المبحث الأول : الجهل وتأثيره على المجتمع...522
المبحث الثاني : الخرافات والمجتمع...526
المبحث الثالث : الحسد والمجتمع...529
المبحث الرابع : النفاق وخطورته على المجتمع...535
المبحث الخامس : الغصب وتأثيره الاجتماعي...539
المبحث السادس : الغيبة والتفكك الاجتماعي...542
المبحث السابع : التعصب والمجتمع...547
المبحث الثامن : الظلم والمجتمع...554
المبحث التاسع : الغدر وتأثيراته على قنع...563
المبحث العاشر : تأثير الخيانة على مسيرة المجتمع...573
المبحث الحادي عشر : الفتن وتأثيراتها على تقدم المجتمع...579
المبحث الثاني عشر : العصيان وأثره على المجتمع...583
المبحث الثالث عشر : الغوغاء بين نظرة نهج البلاغة وعلم الاجتماع...599
الفصل الرابع عشر : جوانب من المضامين الاجتماعية لوصية الإمام علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام)...615
الفصل الخامس عشر : هندسة وإعادة هندسة المجتمع الاجتماعي في نهج البلاغة...621
الفصل السادس عشر : ماذا بعد كل ما تقدّم ؟...621
فهرس الآيات القرآنية الكريمات...621
فهرس الأحاديث النبوية الشريفة...627
فهرس أقوال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)...628
مسرد المصطلحات الواردة في الكتاب ؛ إنكليزي - عربي...641
المصادر والمراجع... 646
أولاً : المصادر والمراجع العربية...646
ثانياً : المصادر والمراجع المترجمة...646
ثالثاً : المصادر والمراجع الأجنبية...646
محتويات الكتاب من المخططات...651
1- نظام تصميم العمل وتقويم الأداء ؛ ودوره في المشاريع الإنتاجية
2- استراتيجية دراسة السوق والسلعة للتنمية الاقتصادية
3- فلسفة الإدارة المعاصرة والمجتمع
4 - علم النفس في نهج البلاغة
5 - الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة،
6- علم الاقتصاد في نهج البلاغة
7- علم تلوث الفكر البشري - الوقاية والعلاج - في نهج البلاغة،
8 علم الإجتماع في نهج البلاغة
9 - العراق في معجم البلدان
10 - بلاد الشام في معجم البلدان،
11 - مصر والسودان وبلاد المغرب العربي وما تبقى من افريقية في معجم البلدان
12 - المملكة العربية السعودية في معجم البلدان
13 - ما تبقى من جزيرة العرب في معجم البلدان
14 - إيران في معجم البلدان
15 - ما تبقى من بلاد الأعاجم في معجم البلدان
16 - موسوعة العلوم الإدارية والإجتماعية والأعمال التجارية (إنكليزي - عربي)،
17 - إدارة الإنتاج : (إدارة العمليات)،
18 - الهياكل التنظيمية في المشاريع الصناعية 19- نظام الأسرة بين التراث والمعاصرة
20 - أوضاع الكوفة الإقتصادية في عهد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
21 - السياحة الدينية وواقع الخدمات في فنادق محافظة النجف الأشرف
22 - تأثير الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لارتكاب الجريمة،
23 - قاموس علم النفس والتحليل النفسي والسلوكي والأمراض العقلية إنكليزي - عربي،
24 - قاموس علم النفس إنكليزي - عربي
25 - قاموس في الفلسفة (إنكليزي - عربي)
26 - دروس من حكم وأقوال الإمام علي (عليه السلام) (مجموعة أجزاء)،
27 - دروس من وصية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام)،
28 - دور وأهمية الإعلان للمجتمع ومشاريعه المختلفة وتنميتها
29 - التقادم الإداري وخطورته على مستقبل المشاريع
30 - موجز تمصير الكوفة وعمرانها حتى نهاية عهد الخلفاء الراشدين
31 - اخلاقيات العدالة في عهد أمير المؤمنين الأمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للأشتر النخعي
32 – (موارد) لسان العرب.. (29) جزء
33- معجم الأمثال ومعانيها في موارد لسان العرب
34 - معجم التعاريف في موارد لسان العرب
35- معجم مذاهب اللغة العربية في موارد لسان العرب،
36 - معجم نوادر اللغة العربية في موارد لسان العرب
37 - معجم الألفاظ الأعجمية والمعربة في موارد لسان العرب
38- معجم الخطأ والصواب في موارد لسان العرب
39 - موسوعة البحوث والدراسات المشاركة والمقدَّمة للمؤتمرات العلمية خلال الفترة من تشرين الأول / 2008 ولغاية أيار / 2010،
40 - الكوفة في معجم البلدان
41 - بغداد في معجم البلدان
42 - البصرة في معجم البلدان،
43 - مجاميع قصصية أكثر من (5) مجاميع
44 - مجاميع شعرية ؛ عددها أكثر من (10) مجاميع،
45 - معجم المخطوطات النجفية (12) جزء ؛ (تأليف مشترك)،
46- هندسة وإعادة هندسة الحياة في القرآن الكريم
47 - هندسة وإعادة هندسة الحياة في الأحاديث النبوية الشريفة،
48- هندسة وإعادة هندسة الحياة في نهج البلاغة،
وهناك للمؤلف كتب ومعاجم أُخر
للمؤلف البحوث والمشاركات في المؤتمرات والندوات العلمية :
1- الهياكل التنظيمية في المشاريع الصناعية مع دراسة ميدانية،
أ - شارك في المؤتمر العلمي على مستوى الجامعة المستنصرية 1983 - 1984
ب - شارك في مؤتمر علمي على مستوى جامعات القطر العراقي 1983 - 1984
2- دراسة السوق والسلعة في القطاع الصناعي مع دراسة ميدانية
1شارك في المؤتمر العلمي على مستوى الجامعة المستنصرية 1984 - 1985
(حصل على شهادة تقديرية)
3- نظام تصميم العمل وتقويم الأداء ودوره في المشاريع الإنتاجية مع دراسة ميدانية شارك في المؤتمر العلمي على مستوى الجامعة المستنصرية 1985 - 1986
وفي ضوءه تم تأليف الكتاب السالف الذكر وأعلمتني ثلاث وزارات بتعميمه على الجهات التابعة لها
4- اتجاهات شعر الصافي النجفي في تغيير المجتمع
شارك في المهرجان القطري العلمي الذي أقيم في النجف الأشرف، في تموز 1993
5- تأثير الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لارتكاب الجريمة مع دراسة ميدانية شارك في المؤتمر العلمي الأول المشترك بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة الداخلية في 9 - 11 / ت1993/2
(حصل على شهادة تقديرية)
6 - الأوضاع الاقتصادية للعاصمة الإسلامية (الكوفة) في عهد الإمام علي (عليه السلام)
شارك في المؤتمر العلمي الثاني (الكوفة في التاريخ) الذي أقامته كلية الآداب بالتعاون مع مركز دراسات الكوفة / جامعة الكوفة من 28 29 / تشرين الثاني 1994
7- نظام الأسرة وتنظيمها بين التراث والكاكر مع دراسة ميدانية
شارك ضمن مؤتمر الأمومة المأمونة وتنظيم الأسرة التي أقامته جمعية تنظيم الأسرة العراقية وبالتعاون مع الإتحاد الدولي لتنظيم الأسرة والمكتب الإقليمي لتنظيم الأسرة للوطن العربي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف، في بغداد 6 - 8 / ك 1 / 1994
(حصل على شهادة تقديرية)
8- الجريمة وبعدها الاقتصادي مع دراسة ميدانية لمديرية شرطة محافظة النجف
شارك ضمن ندوة التحليل العلمي للجريمة التي أقامتها كلية التربية للبنات / جامعة الكوفة بالتعاون مع وزارة الداخلية / مركز البحوث والدراسات بتاريخ 29 / آذار / 1995
9 - السياحة الدينية وواقع الخدمات في فنادق محافظة النجف الأشرف وتطويرها، مع دراسة ميدانية
شارك ضمن الندوة العلمية الثانية : (واقع السياحة الدينية في محافظة النجف الأشرف) التي أقامها مركز دراسات الكوفة / جامعة الكوفة بتاريخ 9 / نيسان / 1995
10 - دور وأهمية الإعلان للمجتمع ومشاريعه المختلفة وتنميتها مع دراسة ميدانية في محافظة النجف الأشرف
شارك في المؤتمر العلمي الأول لجامعة القادسية والمنعقدة بتاريخ 12/11/ نيسان / 1995
11 - التقادم الإداري وخطورته على مستقبل المشاريع - مع دراسة ميدانية في جامعة الكوفة
شارك في المؤتمر العلمي الأول لجامعة الكوفة المنعقد بتاريخ 14 – 15 / نيسان / 1996
12 - دور الإعلام في نبذ العنف
شارك في المؤتمر الإعلامي الإقليمي الأول لمحافظات جنوب الوسط الذي نظمه مجلس محافظة كربلاء المقدسة، والمشاركة فيه المحافظات : النجف الأشرف وبابل والديوانية وواسط وكربلاء المقدسة، والمنعقد في يوم الأربعاء الموافق /29 تشرين الأول / 2008، ومثل البحث المذكور محافظة النجف الأشرف منفردا
13 - جوانب من فلسفة البناء الفكري في شعر الصافي النجفي
شارك في المؤتمر العلمي لمركز دراسات الكوفة / جامعة الكوفة المنعقد بتاريخ 1 2 / آذار / 2009 (حصل على شهادة تقديرية)
14 - استخدام نظام (JIT) ودوره في تحقيق التفوق التنافسي
شارك في المؤتمر العلمي الحادي عشر لجامعة بابل والمنعقد للمدة من 29 - 30 نيسان / 2009
(حصل على شهادة تقديرية)
15 - الدرس اللغوي في التفسير القرآني ؛ كتاب (قبس من تفسير القرآن) أنموذجا شارك في المؤتمر العلمي الرابع لكلية الفقه / جامعة الكوفة، المنعقد للفترة من 17- 18 / 5 / 2009
(حصل على شهادة تقديرية)
16 - الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ومضامين أقواله العلمية
شارك في المؤتمر العلمي الدولي الخامس لكلية الفقه / جامعة الكوفة، المنعقد للفترة من 11 – 12 / 12 / 2009
(حصل على شهادة تقديرية مع درع المؤتمر)
17 - الجامعات وترسيخ ثقافة الرأي الآخر
شارك في المؤتمر العلمي السنوي الثالث لكلية العلوم السياسية / الجامعة المستنصرية والمنعقد بتاريخ 23 / تشرين الأول / 2009
18 - مراكز الدراسات والبحوث بين الواقع وقوة الطموح
شارك في المؤتمر العلمي الوطني لمراكز البحث العلمي في العراق ؛ لمركز دراسات الكوفة / جامعة الكوفة، المنعقد بتاريخ 16 / 3 / 2010
(حصل على شهادة تقديرية)
19 - هبة الدين الشهرستاني بين الإصلاح والتجديد ؛ مجلة " العلم " أنموذجا
شارك في المؤتمر العلمي الأول لدراسة جهود السيد هبة الدين الشهرستاني الفكرية والإسلامية، أقامته الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية (لندن) بالتعاون مع مركز در دراسات الكوفة / جامعة الكوفة والمنعقد في جامعة الكوفة للمدة من /31 آذار - 1 / نيسان / 2010.
(حصل على درع المؤتمر)
20 - الصحافة بين الواقع وطموح العلامة هبة الدين الشهرستاني
شارك في المؤتمر العلمي التاريخي ؛ صحافة النجف الأشرف إنجاز معرفي وإبداع فكري، الذي أقامته كلية الآداب بالتنسيق مع نقابة الصحفيين فرع النجف الأشرف للمدة 14 - 15 / نیسان 2010
(حصل على شهادة تقديرية)
21 - أثر بيئة النجف الأشرف في بناء شخصية الشيخ الوائلي
شارك في المؤتمر العلمي ؛ الشيخ الوائلي وأثره الإصلاحي والفكري، الذي أقامه مركز دراسات الكوفة / جامعة الكوفة، والكلية الإسلامية الجامعة في النجف الأشرف، والمنعقد بتاريخ 29 - 30/ 4 / 2010
(حصل على شهادة تقديرية مع درع المؤتمر)
22 - سلامة اللغة العربية في الوسائل الإعلامية ؛ معجم تصحيح لغة الإعلام العربي أنموذجا / (مع دراسة ميدانية لبعض القنوات العربية والعالمية)
شارك في المؤتمر العلمي الدولي الأول لكلية التربية الأساسية / جامعة الكوفة، المنعقد للفترة من 9 - 2010/5/10
(حصل على شهادة تقديرية مع درع المؤتمر)
23 - الأبعاد التربوية والاجتماعية في أقوال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
شارك في المؤتمر العلمي الدولي الثاني لكلية الفقه / جامعة الكوفة، المنعقد تحت شعار (مرجعية الفكر الإسلامي في تراث الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) للفترة من 22 - 23 / شباط / 2011م،
(حصل على شهادة تقديرية مع درع المؤتمر)
24 - الأبعاد الإستراتيجية المتداخلة بين الجامعات والمجتمع
شارك في مؤتمر التعليم المستمر الأول ؛ لجامعة البصرة، تحت شعار (إصلاح وتطوير التعليم المستمر وخدمة المجتمع في الجامعات العراقية، المنعقد بتاريخ 16 - 17 / 3 / 2111
(حصل على شهادة تقديرية)
25 - أخلاقيات العدالة في عهد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب اللأشتر النخعي (رضي الله عنه)
شارك في المؤتمر العلمي الدولي، الذي أقامه مركز دراسات الكوفة، وكلية التربية الأساسية / جامعة الكوفة، المنعقد تحت شعار (نهج البلاغة سراج الفكر وسحر البيان) للفترة من 27 28 / آذار / 2011م.
(حصل على شهادة تقديرية مع درع المؤتمر)
26 - شعر الشيخ عبد الكريم الجزائري مضامينه وأغراضه شارك في المؤتمر العلمي الثاني لكلية الفقه / جامعة الكوفة، المنعقد للفترة من 18 - 19 / 4 / 2011م.
حصل على شهادة تقديرية)
27 - أثر النجف الأشرف الإعلامي والصحافي في الإصلاح والتجديد ؛ مجلة (النجف) أنموذجاً
شارك في المؤتمر العلمي السنوي الثالث، الذي أقامته الكلية الإسلامية الجامعة في النجف الأشرف، بتاريخ 22 - 23 / نیسان / 2011م.
(حصل على شهادة تقديرية)
28 - الأبعاد التربوية في أقوال الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)
شارك في المؤتمر العلمي الثاني الذي أقامته الأمانة العامة للعتبة الكاظمية المقدسة، والمنعقد للفترة من 10 - 2011/6/11م.
(حصل على شهادة تقديرية مع درع المؤتمر)
29 - المضامين النفسية في القرآن الكريم ؛ (سورة طه) أنموذجا
شارك في المؤتمر العلمي الثالث الذي أقامته كلية التربية الأساسية / جامعة الكوفة المنعقد للفترة من 11 - 12 / 12 / 2011م
(حصل على شهادة تقديرية)
30 - العقد الاجتماعي وبناء الدولة الإسلامية في وثيقة المدينة
شارك في المؤتمر العلمي الأول (وثيقة المدينة المنورة) لمركز دراسات الكوفة / جامعة الكوفة، المنعقد للفترة من 12- 2012/2/13
(حصل على درع المؤتمر)
31 - الأداء العالي وتحديات الفساد الإداري
شارك في مؤتمر التعليم المستمر الأول ؛ لجامعة البصرة، تحت شعار (التعليم المستمر طريق الجامعة إلى المجتمع)، المنعقد بتاريخ 6- 7 / 3 / 2011
32- المضامين النفسية في أقوال الإمام الكاظم (عليه السلام)
شارك في المؤتمر العلمي الثالث الدولي الذي أقامته الأمانة العامة للعتبة الكاظمية المقدسة، والمنعقد للفترة من 25 - 2012/5/26م
(حصل على شهادة تقديرية مع درع المؤتمر)
وللمؤلف بحوث ودراسات وموضوعات متنوعة وشعر وقصص منشورة في الصحف والمجلات داخل وخارج القطر العراقي
SOCIOLOGY IN NAHJAL-BALAGHA
HASHIM H. N. AL-MUHANNAK UNIVERSITY OF KUFA
Dar - Anbaa
For Printing Publishing