ghaemiyeh.com
نام كتاب: هداية الامة الى معارف الائمة
نويسنده: خراساني، محّمد جواد
موضوع: كلام شيعه اماميه
زبان: عربي
تعداد جلد: 1
ناشر: مؤسسه البعثة
مكان چاپ: قم
سال چاپ: 1416 ق
نوبت چاپ: الاول
سرشناسه : خراسانی، محمدجواد، 1291 - 1355.
عنوان قراردادی : معارف الشیعه فی مذاهب اهل البیت (ع) .برگزیده .شرح
معارف الائمه .شرح
عنوان و نام پديدآور : هداية الأمة إلى معارف الأئمة [کتاب]/ لناظمها و شارحها ابیجعفر محمدجوادبنالمحسنبنالحسین الخراسانی المتوفی سنه 1397 ھ.؛ تحقیق قسمالدراساتالاسلامیه، موسسهالبعثه.
وضعيت ويراست : [ویراست 2].
مشخصات نشر : تهران : موسسه البعثه، مرکز الطباعه و النشر، 1437 ق.= 1395.
مشخصات ظاهری : ی، 888 ص.
شابک : 978-964-309-697-7
وضعیت فهرست نویسی : فاپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : چاپ دوم.
يادداشت : کتاب حاضر شرحی بر کتاب «معارفالایمه» تالیف محمدجواد خراسانی میباشد که خود نیز برگزیده و شرحی بر کتاب «معارف الشیعه فی مذاهب اهل البیت(ع)» تالیف همین نویسنده است.
یادداشت : کتابنامه به صورت زیرنویس.
موضوع : خراسانی، محمدجواد، 1291 - 1355. معارف الشیعه فی مذاهب اهل البیت(ع) -- نقد و تفسیر
موضوع : خراسانی، محمدجواد، 1291 - 1355. معارف الائمه -- نقد و تفسیر
موضوع : شیعه امامیه -- عقاید
موضوع : شیعه امامیه -- اصول دین
موضوع : توحید
موضوع : الهیات
موضوع : توحید در ادبیات
موضوع : الهیات در ادبیات
موضوع : شعر مذهبی عربی -- ایران -- قرن 14
شناسه افزوده : خراسانی، محمدجواد، 1291 - 1355. معارف الشیعه فی مذاهب اهل البیت(ع). شرح
شناسه افزوده : خراسانی، محمدجواد، 1291 - 1355. معارف الائمه. شرح
شناسه افزوده : بنیاد بعثت. واحد تحقیقات اسلامی
شناسه افزوده : بنیاد بعثت. مرکز چاپ و نشر
رده بندی کنگره : PJA5299/خ4م6083 1395
رده بندی دیویی : 892/716
شماره کتابشناسی ملی : 4208545
بسم اللّه الرحمن الرحمن الرحيم
هو، الشيخ محمد جوادين بن المحسن بن الحسين بن المحسن بن محمد صادق المحولاتي الخراساني، و سلسلة نسبه كلّهم من أهل الفضل و العلم و الصلاح و التّقوى؛ فجدّه الأعلى، الشيخ محمد صادق المحولاتي، كان من علماء اصفهان المعروفين، و قد استوطن مشهد الرضا (ع) بعد سفره إلى هناك؛ و جدّه الثانى، الشيخ محسن، كان عالما فريدا في نواحي (تربة حيدريه)؛ و كان جدّه الأمجد، الشيخ حسين، من علماء و فضلاء مشهد المشهورين؛ و هو أستاذ المرحوم آية اللّه الآخوند الخراساني في اللغة و الأدب، و كان الشيخ محسن (والد المترجم له) يقول: لقد كان المرحوم الآخوند يذكر أستاذه الشيخ حسين كثيرا، و يقول لي مرارا: «أنت تذكّرني به.» و كان الشيخ محسن من تلامذة المرحوم الآخوند المبرّزين و من مقرّري دروسه.
ولد في مشهد المقدسة، في الخامس و العشرين من ربيع الأول سنة 1331 ه، و درس المقدمات على يد والده، الشيخ محسن (رحمه اللّه)، و أكمل باقي مراحل درسه عند فضلاء و علماء مشهد المعروفين في زمانه. و رحل إلى النجف الأشرف حيث أكمل هناك المراحل المتقدّمة من الدراسة، حتى منح إجازة الاجتهاد و هو لا يزال في الرابعة و العشرين من عمره، و ذلك من قبل أساتذته المعروفين، كالاصفهاني و الاصطبهباناتي و العراقي و الشاهرودي و غيرهم (نور اللّه مضاجعهم). و أقام آخر حياته في طهران، حيث عكف على التحقيق و التأليف، فألّف ما يربو على ستة و أربعين كتابا في علوم مختلفة:
كالفقه و الأصول و الأدب و اللغة و التفسير و الرجال و الحكمة و المعارف الأخرى.
توفّي (رحمه اللّه) بطهران في شهر ربيع المولود من سنة 1397 ه، بعد أن أمضى عمرا في نهاية الزهد و التقوى، و بعد كثرة المعاناة و الآلام و اشتداد الأسقام، و دفن في قم المقدسة .(1)
لقد تعرّض «التوحيد»- باعتباره الأصل الأساسى الذي تتقوّم به باقي اصول الدين- لضروب مختلفة من وسائل الدسّ و التدليس، فبقيت كثير من الآراء و العقائد المسطورة في هذا الباب، تدرّس و تقرأ لأجيال متعاقبة على أنّها الحقّ و الصواب، و هي لا تمّت إلى الواقع بصلة، و ما هي إلّا آراء و أقوال لا تمثّل إلّا أصحابها، و لا تكشف إلّا عن أربابها.
لقد كشف مصنّف هذا الكتاب، عن جملة من وسائل الدسّ و التدليس الدخيلة على عقائد الاسلام؛ و أثبت عقيدة التوحيد بكافّة مقاصدها من منهل صاف لا ينضب و معين أصيل ثرّ، من أحاديث الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته المعصومين (عليهم السلام)، خالية من كلّ شائبة.
وضع المؤلّف في كتابه هذا، يده على مواضع الداء، فشخّصها تشخيصا دقيقا؛ ثمّ عالجها علاجا جامعا مانعا، حيث بيّن في مقدمته، الدوافع التي حدته إلى تأليف هذا الكتاب، فذكرها بالتفصيل؛ ثمّ طرح البديل لما وصفه بالخطإ و الخطل، و كان البديل من لسان الوحي و من أهل بيته (عليهم السّلام).
كان أوّل موطن من المواطن الخطيرة التي شخّصها المصنّف (رحمه اللّه) في مقدّمة كتابه هذا، هو أنّ «أهل الفلسفة» و «العرفان»- ممّن يتظاهر بالتشيّع و الموالاة لأهل البيت (عليهم السّلام)- أدخلوا أذواقهم الفلسفية و مشاربهم العرفانية في معارف الشيعة، فاختلطت جملة من آرائهم و عقائدهم بمذهب الإمامية خلطا يصعب تمييزه، إلّا على ذوي الخبرة و البصيرة؛ و ذلك لأنّ أهل الفلسفة و العرفان لم يكونوا فرقة متميزة
1) . اقتبسنا هذا الموجز، من كتاب «الجهاد الأكبر» (حياة آية اللّه الخراسانى (رحمه اللّه)، ط. تهران، سنة 1397 ه.
كسائر فرق الشيعة، مثل الزيدية و الفطحية و الواقفية و سواهم حتّى يحترز منها، بل إنّهم ارتدوا ثوب الفقهاء، و تسمّوا بأسماء العلماء، و اضفوا على أنفسهم هالة من نعوت التفخيم و الاطراء؛ فدلّسوا على الضعفاء بجملة من المصنفات و المؤلفات، حتى سرت الأذواق الفلسفية و العرفانية في معارف الشيعة الإمامية. و هو أمر خطير، يجعل ضرورة الفصل بين الحقّ و الباطل ملحّة، لا بدّ أن يتصدّى لها متصدّ جدير.
و نبّه في مقدمة كتابه هذا على الفهم الخاطئ الذي تبنّاه الكثيرون، و هو: أنّ الاسلام و الايمان لا يعرفان إلّا بالفلسفة و العرفان، و أنّ كثيرا من الآيات و الأحاديث و الحقائق، لا تدرك إلّا بهما. فأثبت خطأ مثل هذه المقولات، و خطل شروحهم و تأويلاتهم لبعض الأحاديث؛ لأنّها لا تنمّ إلّا عن أذواقهم الشخصية التي لا تهدي الى الحقّ و سواء السبيل، و أنّه ليس ثمّة حقيقة إلّا في بيوت أهل الوحي (عليهم السّلام)، و ليس الحقّ إلّا ما صدر عن أهل تلك البيوت.
كما أثبت المؤلف (رحمه اللّه) خطأ القائلين بأنّ المراد من الحكمة في قوله تعالى:
(وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ )(1)و قوله تعالى:( وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً )(2)هو الفلسفة؛ لأنّ الفلسفة عندهم هي الحكمة، و لولاها لم يستقم أمر الدين.
و ذلك لكي تنطلي مقولاتهم و آرائهم المدسوسة على الناس فتطال العامّ و الخاصّ، و يتقبلوها بصدور رحبة لما فيها من الأدلّة القرآنية المحكمة، و كان ملخص ردّ المؤلف (رحمه اللّه) على هذه المسألة، هو:
«أنّ الفلسفة التي سمّوها ب «الحكمة» قد طرأت و حدثت في ديار الاسلام بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و ذلك في أثناء القرن الثاني الهجري، و صارت إليها من اليونان؛ أمّا الحكمة الواردة في الآيتين المتقدمتين، و كذلك في قوله تعالى:( وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ )(3)، هي غير الفلسفة الجائية من اليونان؛ بل هي حكمة التوحيد الخالص و الايمان باللّه و كتبه و رسله؛ أو هي السنّة و المعرفة بالدين و الفقه في التأويل و العلم بالأحكام؛ أو4.
هي معارف الكتاب و حلاله و حرامه. فاذا كان المراد من الحكمة التي في الآية هو الفلسفة، فإنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان مقصرا لا سامح اللّه- و حاشاه- في أداء الرسالة، لأنّه لم يعلّمهم آراء أفلاطون و أرسطو و غيرهما من علماء اليونان، مضافا إلى أن قوله تعالى في آخر الآية المتقدمة (وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، دليل على أنّ ما كان قبل الاسلام من آراء و عقائد، ممّا لم يكن من وحي و إلهام، كلّه ضلال مبين.»
و نبّه (رحمه اللّه) أيضا إلى خطأ «أهل الطريقة» و «المتصوّفة» القائلين: إنّ نتيجة العرفان، هي درك العلم، و نتيجة التصوّف هي «الشهود»، و قال:
«العرفان ليس إلّا محصول الفلسفة أو هو عينها، و إنّما الاختلاف في الطريق، و التصوّف كالفلسفة حادث في الاسلام، و إنّه بعيد عن سبيل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) المبعوث بالتوحيد و الإيمان».
كما ردّ (رحمه اللّه) أيضا على مقولة مدّعي الحكمة، القائلين: «إنّ معرفة الأصول من شأن العقل و مقامه»، و مقولة مدّعي العرفان، القائلين: «إنّها مقام الشهود و هي من شأن القلب»، و ما قاله الطرفان: «إنّ المعرفة أمر لا يتقوّم بالتقليد، و إنّ بناءها على الأثر و الحديث ليس إلّا تقليدا، بل لا بدّ فيها من التحقيق أو التجريد»؛ فلذلك صارت عندهم أقوال أرسطو و أفلاطون و الفارابي و غيرهم من التحقيق دون التقليد، و أحاديث الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته المعصومين (عليهم السّلام) من التقليد دون التحقيق! و لا شكّ أنّه إغراق في الضلال و خبط على غير هدى.
لقد قرّر المصنّف هذه المسألة بقوله:
«إنّا نتّبع في التوحيد و العرفان حكومة العقل و البرهان، إلّا أنّ في تقريرهما اتّبعنا أهل بيت الوحي، المعصومين عن الخطأ، دون كبراء الناس المستبدين بالآراء؛ لا لمحض أنّهم أهل الوحي و العصمة، فهم مأمونون عن الخطأ، بل لأنّ تقريرهم (عليهم السّلام)، تقرير إمعانيّ، وجداني، ظاهر كظهور الشمس على الأبصار، ليس مما يرتاب و لا يحتمل غير الصواب، فتقبله العقول حيث لا تجد مسوّغا للنكول».
و لم يقف المتصوفة و الفلاسفة عند هذه الحدود، بل تجرّءوا على أهل الفضل و التحقيق و على قاطبة الفقهاء و المحدثين، فرموهم بالجهل عن درك الحقائق؛ كما
طعنوا كلّ من خالفهم دون استثناء و استحياء؛ و لا شكّ أنّ رمي أهل الفضل و العلم بالجهل و النقصان، لا ينسجم مع من يدّعي الحكمة و العرفان.
كلّ ما تقدّم و غيره، جعل همّ والدي (رحمه اللّه) و اهتمامه يتركّز على تأليف كتاب مستقلّ في التوحيد على مذهب أهل البيت (عليهم السّلام)؛ مضافا إلى أنّه لاحظ أنّ جلّ علماء الامامية من الفقهاء و المحدّثين، بذلوا غاية الجهد و الاهتمام في التأليف في الأحكام العملية المتعلّقة بالعبادات و المعاملات و غيرها من الفروع، و أنّه ليس لهم مثل هذه الجهود في المعارف الالهية؛ أي الأمور الاعتقادية، المتعلقة بالخالق تعالى و أسمائه و صفاته و شئونه و أفعاله، و هو ما يسمّى ب «الاصول». لهذا شمّر (رحمه اللّه) عن ساعد الجدّ لتأليف كتاب جامع في أصول الامامية، فألّف أولا كتاب «معارف الشيعة» حيث جمع فيه أقوال الأئمّة (عليهم السّلام) و آراءهم في التوحيد و المعارف الالهية، فكان كتابا فريدا في بابه، جامعا مطولا، و مرتّبا ترتيبا رائعا.
و قد بدا له (رحمه اللّه) بعد تصنيف معارف الشيعة، تلخيص هذا الكتاب، ليكون كتابا ميسور الاستفادة، قابلا للقراءة و الدرس دون عناء و تطويل. و قد اختار هذه المرة أن يكون تلخيص الكتاب منظوما؛ لأنّ النظم ممّا يسهل حفظه و ضبطه و يشيع ذكره، فألّف أرجوزته العلمية، و سمّاها «معارف الائمة»، و هي من النظم العلمي الفريد في بابه، الذي يدلّ على ابتكار مؤلّفه و سعة باعه، و قد ضمّن هذه الأرجوزة الألفية، ملخص معارف الأئمّة (عليهم السّلام) في باب التوحيد، مشيرا إلى أقوالهم إجمالا بالتصريح أو التلميح؛ و ذلك في خمسة مقاصد، و هي: 1- إثبات وجود اللّه تعالى 2- في ذاته تعالى 3- في ذاتياته تعالى ثبوتية أو سلبية 4- في أفعاله تعالى 5- في أسمائه الحسنى و صفاته.
و تقع أرجوزته (رحمه اللّه) في نحو (4602) (1)بيتا، تبدأ بقوله:
الحمد للّه الذي عرّفنا***معارف الحقّ بها شرّفنا
و تنتهي بقوله:
الحمد للّه الذي هدانا***لولاه لم نهتد إلى هدانا
و قد وفّق المصنّف (رحمه اللّه) و بمنهجيته الرائعة في تخليص مذهب أهل-ي.
1) . و ذلك بحساب كلّ شطر بيتا، وفق الطريقة المعهودة في إحصاء النظم العلمي.
البيت (عليهم السّلام) في المقاصد المتقدّمة، من بين المذاهب و تمييزه من الخلط الذي دسّه أهل الفلسفة و العرفان، و الذي انطلى على الكثيرين، فأعلى كلمة أهل- البيت (عليهم السّلام) و انتصر لمذهبهم و إحقاق طريقهم.
و لم يقتصر عند هذا الحدّ، بل إنّه شرح هذه المنظومة لطالبي المزيد و راغبي التفصيل؛ و ذلك بعد أن لاحظ فيها بعض الدقائق و الرموز و العبارات التي تحتاج إلى الكشف و البيان، و رغب أيضا في ذكر الأحاديث الواردة عنهم (عليهم السّلام) في تقرير مذهبهم و المشار إليها في النظم بالاجمال، و لكي لا يتعرّض لها أحد بعده بالشرح خلافا لمقصده و مراده؛ فشرح منظومته بكتاب سمّاه «هداية الأمّة إلى معارف الأئمّة (عليهم السّلام)». و هو هذا الكتاب الذي بين يديك، الذي جاء مستوعبا لكلّ ما أراد المصنّف ذكره في هذا الباب، و هو ثمرة جهود مخلصة، بذلها فقيه أهل- البيت (عليهم السّلام) و محبّهم و المدافع عن مذهبهم، الشيخ محمد جواد الخراساني (طاب ثراه)، فكان موفّقا في مراده؛ و هو تأليف كتاب مستقل في التوحيد على مذهبهم (عليهم السّلام)، و هو- بلا شكّ- كتاب حريّ بالدرس و التتبّع من قبل المؤمنين الموحّدين من محبيهم (عليهم السّلام)، فضلا عن أنّه كتاب منهجيّ يصلح للدرس و التدريس، و ينبّه على جملة من المواضيع الدقيقة التي يغفل عنها الكثيرون.
لذا فإنّنا وجدنا من الضرورة بمكان تجديد طباعة هذا الأثر القيّم، و ذلك بعد تخريج رواياته و تقطيع نصّه و تصحيحه بشكل يناسب مقام مؤلفه (رحمه اللّه)، و يساعد القارئ و الطالب على فهم معانيه و تدبّر مضامينه. و قد خرّجنا أغلب نصوص الأحاديث الواردة في الكتاب، من كتاب «بحار الأنوار» للعلامة المجلسي (رحمه اللّه)؛ لأنّه يظهر أنّه الكتاب المعتمد في التخريج عند المؤلف (رحمه اللّه)، و قد أشار إليه بقوله في صفحة (14): «و من لم يظفر به؛ أي أصل الحديث أو تمامه، فليطلب الأسانيد من المجلد الثاني و الثالث من البحار، فانّه جامع للأبواب، و محتو على كتب الأصحاب».
و في يوم الختام، نتوجّه بجزيل الشكر و الثناء لمن سعى و بذل في سبيل إحياء و تجديد طباعة هذا الأثر، جزاه اللّه خير الجزاء.
و اللّه ولي التوفيق
ابن المؤلف
ص: 89
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سبب تأليف الكتاب]
الّذي حملني على الجهد الشديد، و الأتعاب في تأليف هذا النّظم و الكتاب على مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) في التوحيد، أنّي رأيت أنّ كلّ مذهب، أو دين إنّما يتقوّم بأمرين، و يقسّم إلى قسمين:
الأوّل: المعارف الإلهيّة؛ أي الأمور الاعتقادية بالنّسبة إلى الرّب تعالى و صفاته و شئونه، و تسمّى ب «الأصول»، و الثاني: الأحكام العمليّة المتعلّقة بالعبادات و غيرها، و تسمّى ب «الفروع»؛ ثمّ رأيت أنّ علماء الشّيعة (كثّر اللّه أمثالهم) من فقهائهم و محدّثيم، قد اعتنوا في نشر مذهب الإماميّة و تخليصه من بين المذاهب، بالقسم الثاني منه؛ فاهتمّوا غاية الاهتمام، فبذلوا هممهم و جهودهم فيه، جمعا و ترتيبا و تفصيلا و تبويبا؛ فاكثروا من التأليف و التّصنيف فقها و حديثا بما لا يحصى و لا يوصف بالتّعريف؛ فاعلنوا و ابرزوا بتلك التآليف الرشيقة، مذهب أئمّتهم في الأحكام، خالصا، متميّزا عن غيره على رءوس الأعلام، فافردوه من بين المذاهب و اظهروه كالبدر من بين السّحائب؛ فسهّلوا لغيرهم سبل الاستعلام، لو أراد أن يطّلع ما لأمّتهم من الأحكام.
و بالرغم من ذلك، لم أر لهم في القسم الأوّل مثل هذا الاهتمام، مع أنّه الأصل و الأولى، بل الأوجب بالنشر و الإعلام. فلم يهتمّوا بالتأليف فيه مستقلا، بالتخصيص مميّزا عن غير المذاهب بالتخليص، فضلا عن توفير المؤلّفات و تكثير المصنّفات.
بلى، عقد له المحدّثون بابا في طيّ الأبواب، و قلّ منهم (مثل الصّدوق)، من يخصّه بكتاب؛ و اكتفى الأكثرون عن ذلك بتصنيف الكتب الكلاميّة، فذكروا في جملة المذاهب: «مذهب الإماميّة».
و لكن ذلك منهم لا يغني في نشر مذهب الأئمة (عليهم السّلام) بالخصوص. هذا، مع إنّهم مقتصرون في تلك الكتب على بعض النّصوص، و علم الكلام، ممّا يشترك فيه كلّ الفرق، و ليس ممّا استفرد به أهل الحقّ. فوا اسفاه! لو سأل سائل عن كتاب جامع في أصول الإماميّة، ليس لنا إلّا الإرجاع إلى الكتب الكلاميّة!
هذا، مع إنّ جلّ الباحثين فيها، إنّما بحثوا فيها على أذواقهم الفلسفيّة، و مشاربهم العرفانيّة. و لذلك اختلط مذهب الإمامية في القرون اللاحقة لا سيّما في عصرنا الحاضر بتلك المذاهب؛ فاشتبه على الفاحص الطّالب ما هو الحقّ الخالص من بين المطالب. و لذلك كثر الاختلاف في النّاس و الافتراق حسب اختلاف أولي الأذواق.
فلمّا رأيت هذه المسامحة غير الحريّة، و المساهلة غير المرضيّة، مع هذه التوالي الفاسدة غير الصالحة للإغماض، و عدم الحجّة المسوّغة للإهمال و الإعراض، دعتني حميّتي إلى انتهاز الفرصة باستدراك ما فات، و بذل الهمّة في جمع تلك الشّتات، و ابرازها مجموعة محرّرة في كتاب، و تخصيصه وضعا بمذهب الأئمّة الأطياب (عليهم السّلام). فشمّرت عن ساق الاجتهاد، مستمدا من اللّه التوفيق و السّداد، فألّفت في ذلك، أوّلا: كتاب «معارف الشّيعة» نثرا؛ جمعت فيه أقوال الائمّة في «التّوحيد» و «العرفان»؛ و رتّبته بالأبواب و الفصول عنوانا بعد عنوان، مستقصيا في كلّ فصل و باب، ما وصل إليّ من متون الأصحاب؛ فجاء بحمد اللّه كتابا يغني في ذلك عن كلّ كتاب.
ثمّ رأيت بعد ذلك، أنّ الغرض الأقصى و المطلوب الأسنى الّذي أتعبت له هذا الأتعاب، و هو نشر مذهب الأئمة (عليهم السّلام) بين قاطبة الشّيعة في كلّ باب، لا يتحصّل بتدوين مثل هذا الكتاب؛ لاختصاص مطالعته بأولي الفضل و الدّراية. و هم لكثرة اشغالهم، و قلّة فراغهم، لعلّهم لا يراعونه حقّ الرّعاية؛ و لعلّ فيهم من لا ينظر إليه في طول سنين مرّة أو في سنة مرّة أو مرّتين على حسب الاتّفاق. فيبقى في زوايا الاختفاء مسطورا بين الأوراق، و يكون ممّا يودّع في مضامين مخازن الكتب المصنّفة و مكاتيب الصّحف المؤلّفة، فتنسج عليه العناكب و تتّخذه بيوتا، و تأكل منه الديدان و تأخذه قوتا.
من أجل ذلك، بدا لي أن ألخّصه على وجه يرغب إليه الراغب، و يتشوّق إليه الطّالب، مع ابقاء أصله على ما هو عليه، لمن أراد مزيد الاطّلاع ممّن له سعة الباع.
فسنح لي أن اجعل الخلاصة منظومة؛ فإنّ النّظم ممّا تتشوّق إليه النفوس، و يسهل حفظه و يشيع ذكره و يروّج نشره. و عسى أن يصير بعد ذلك كتابا درسيّا يتدارس به الإماميّة، فيتعلّمون مذهبهم بالتدريس قبل أن يغلب عليهم أهل التلبيس، أو يلبس عليهم دينهم مطالعة كتب أهل التدليس. ثمّ شرحته بنفسي أيضا قبل أن يتصرّف فيه أهل التصنيف أو يحرّفه أهل التحريف.
فيا أيّها الشّيعي الخالص في التشيّع و الاتّباع للأئمّة (عليهم السّلام) المخلص لهم الولاية، و الدائن للّه بما دانوا، و الصائن نفسه عمّا صانوا، و المقرّ لما أقرّوا، و المنكر لما أنكروا! أليك هذه المنظومة بشرحها في معارفهم، صافية عن أوهام مخالفهم. فإن كنت تطلب الحق و الحقيقة من عين صافية، و بحار زاخرة شافية، فهاك ما تهواه و اكتف به عمّا سواه. و لكن لا يسمعها إلّا أذن واعية، و لا يعيها إلّا قلوب عن حبّ غير من اصطفاه اللّه خالية. و إن كنت تطلب الأوهام و الظّنون من عين حمئة تنفجر بحمإ مسنون، أو عين آنية لا تسمن و لا تغني من جوع، فعليك بأهل الاهواء و المستبدّين بالآراء من هؤلاء، المنوّه باسمهم في الكبراء. (هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ )(1)، فاختر ايّما تحبّ و تشاء، فإنّك في الاختيار مختار.( قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ... )(2).
ثمّ أعلم، أنّ «أهل الفلسفة و العرفان»، (ممّن يتظاهر بالتشيع و يسمّى عند عامّة النّاس بالشّيعة)، ادخلوا اذواقهم الفلسفيّة و العرفانيّة في معارف الشّيعة، و خلطوها بها خلطا فلا يعرفها إلّا الخبير، و لا يميّزها إلّا البصير. فاتّخذتها الشيعة منهم، و صيّرتها من جملة عقائدهم، جهلا منهم بحقيقة الحال، و ظنّا منهم بوحدة المقال.
و ذلك لأنّ هؤلاء الطائفة من بدء حدوثهم إلى الغاية، لم يكونوا متميّزين عن الشّيعة كسائر الفرق من الزّيدية و الفطحيّة و الواقفيّة و غيرهم حتّى يحترز منهم؛ بل كانوا مختلطين بهم، متوافقين لهم في الفروع و متظاهرين معهم بالرّسوم. فحسن ظنّ الشّيعة بهم و اكتفوا بذلك منهم، زعما أنّ التشيّع بمحض ملازمة الفروع، و مراقبة الرسوم. فبذلك خلطوا أنفسهم الشيعة، خلطا لا يخطر ببال أهل الظّاهر غير الاتّحاد.
إذ هم لا يعرفون أنّ الوحدة في الفروع و الرسوم، غير الوحدة في «الاعتقاد». فأخذوا
منهم ما أدخلوه بحسن الظنّ بهم من غير انتقاد؛ سيّما أنّهم اختلقوا في جميع المآرب، حتّى الشئون و المناصب. فاختلطوا بهم في المحافل و الجماعات و المدارسة و التدريس، و التأليف و التصنيف في الفقه و الحديث و التفسير و غيرها، و القضاء و الإفتاء و رئاسة العامّة، و الوعظ و التذكير و المناظرة لأهل الخلاف و الشّقاق؛ بحيث لا يبقى مجال توهّم الافتراق. خصوصا مع ملازمتهم للزهد في الحلال و التّقوى الظاهريّة التي تشهد بحسن الحال.
فلمّا تمكّن أهل الفلسفة في نفوس الشّيعة و وقعوا موقع القبول، و حسبت الشّيعة أنّهم موافقوهم في الفروع و الأصول، دلّسوا على الضعفاء (ترويجا لأذواقهم و تحكيما لعقائدهم، و صدّا لهم عن مراجعة أحاديث أهل البيت (عليهم السّلام)؛ لئلّا يظهر لهم خلاف ما أسّسوا أو شكّ فيما دسّسوا) بأمور، أوجبت مزيد الاعتماد عليهم، و مسارعة طلبة العلم إليهم. فاستبق إليهم قوم لم يستحكموا العلم و لم يستضيئوا بنور الهدى، و لم يلجئوا إلى ركن وثيق. فدرسوا عندهم و تعلّموا منهم، حتّى اشرب اذواقهم تلك الأذواق، و رسخت في قلوبهم رسوخ الماء في الأجسام الرّقاق. فحسبوا أنّها افاضة و اشراق، فنشئوا عليها نشأ الشجر في الطين؛ فزعموا أنّها هي الدّين.
ثمّ برزوا في الفنّ فأخذوا في التصنيف، فنمى اسمهم و سما ذكرهم، حتّى عرفوا برجال العلم و التّأليف. ثمّ خاضوا في التّدقيق بنقل الأقوال و ضروب الاستدلال، حتّى وصفوا بأهل التحقيق. فالبستهم الرّئاسة لباسها، و أحكمت لهم اساسها، فوطأت الرّجال أعقابهم، و زاحم النّاس أبوابهم، فاتّقى أهل البصيرة خلافهم، إذ صاروا كبراء القوم و أشرافهم؛ فإنّ مخالفة الأكابر من أكبر الذّنوب عند أهل الظاهر.
كذلك دسّت الأذواق الفلسفيّة و العرفانيّة في معارف الشيعة الإمامية؛ فجرت و سرت في عامّهم و خاصّهم، إلّا القليل ممّن عصمه اللّه، إلى أن آل الأمر في هذا الزمان إلى أنّ الإسلام و الإيمان لا يعرفان إلّا بالفلسفة و العرفان. و هيهات! (إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )(1)، (و إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ )(2)،( وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً )(3)، و يقولون ما لا يعلمون.2.
و تلك الأمور هذه: الأوّل: دعوى أنّ حقيقة المعارف الإسلاميّة لا تنال إلّا بالفلسفة و العرفان، و كذلك معنى كثير من الأحاديث لا يعرف إلّا بهما. و هذه دعوى يدّعيها كلّ فريق، و الجميع كما قيل:
و كلّ يدّعي وصلا بليلىو ليلى لا تقرّ بذا و ذاكا و ذلك لأنّهم يزعمون كما هم يزعمون، أنّهم على شيء،( وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ )(1). و هيهات! ليست الحقيقة إلّا في «بيوت أهل الوحي»، و ليست الحقّ إلّا ما صدر عن أهل تلك البيوت. و ما الّذي يدّعونه إلّا (كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ..(2).
كلّا! فلا المعرفة التي أسّسوها و نسجوا عليها معرفة اسلاميّة؛ بل هي فضول و زخارف سمّوها أصولا و معارف. و لا فهم الحديث متوقّف على تلك المنسوجات و مبنيّ عليها، كما انّ المعنى الّذي يفسّرون به بعض الأحاديث على مذاقهم ليس بمعناه؛ بل هو تطبيق من غير انطباق، و تأويل على الأذواق، لا تفسير للمعنى المراد من الحاقّ. و إنّما الّذي يهدي إلى المعاني المرادة، نفس الأحاديث الواردة، فإنّ بعضها يفسّر بعضا، و لكنّ الفهم و التفريع من تأييد اللّه.
الثاني: تكبير فنّهم و أكابرهم بشوامخ الاسامي و الألقاب، و المبالغة و الاطراء في المدح و الوصف العجاب. فمن تكبيرهم الفنّ، أنّ أهل الفلسفة، سمّوا فلسفتهم ب «الحكمة»، ثمّ فسّروها بأنّها: «العلم بحقايق الأشياء على ما هي عليها»، و زاد قوم عليه «على حسب الطاقة البشريّة»، و قولهم: «أنّه لو لا الحكمة لم يستقم أمر الدّين، و انّها موهبة إلهيّة يتطوّل بها على من يشاء»، و غير ذلك ممّا لسنا بصدد استقصائه.
ثمّ اوّلوا و نزّلوا عليها الآيات، مثل قوله تعالى: (وَ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ )(3)، و قوله: (وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً )(4)، و كذلك من الأخبار نظائرها.
فمن ذا لا تعجبه الفلسفة بعد سماع ذلك!؟ و من ذا يرغب عن مثل ذلك؟ فأمّا العامّي، فيغترّ به من غير نكير، و امّا القاصر من أهل العلم و طلبته، فإنّه أيضا يعجبه هذا الثناء؛9.
لأنّه غير خبير، و بفساد الدّعوى غير بصير. فلذلك ترى الطالب القاصر، يسارع في ابتداء امره إلى تعليم الفلسفة، اغترارا بهذا الثناء و الاطراء. فيحسبها أنّها فضل كبير لا يسعه الجهل بهذا الأمر الخطير، أو واجب مهمّ لا عذر له في التقصير؛ فيتعلّم الفنّ من مدّعيه و معتقديه. فيخوض فيه خوض التّائه في بيداء التّيه، تقليدا بحسن ظنّه بمن يعلّمه و يربّيه. فيرسخ في قلبه شيئا فشيئا حتّى يتعوّد عليه انسه، و تركن إليه نفسه و ينطبع عليه ذوقه و ينقلب إليه شوقه، فيتدرّب له اطمئنان لا يدخله ريبة، فيتّخذه دينا يدين به ربّه.
و لكن هيهات ثمّ هيهات! ليست الاطراءات و التكبيرات إلّا الدعاوى و التأويلات. و يكفي في كذب الجميع و بطلانها، أنّ الفلسفة التي سمّوها بالحكمة، قد حدثت في الاسلام بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في أثناء القرن الثاني، و صارت إليهم من «اليونان»، و قد قال تعالى:( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ )(1)، و مثله في آيتين أيضا.
فقد كان من وظائف النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) تعليم الحكمة للأمّة. فان كان (صلّى اللّه عليه و آله) علّمهم، فالحكمة غير هذه الفلسفة الجائية من اليونان، و إن لم يعلّمهم، فقد قصّر في الوظيفة؛ و قد خلت الأمّة عن الحكمة بزمان حتى منّ اللّه عليهم بأهل اليونان. و اذن، لم يكن في بعث النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) امتنان؛ على أنّ الفهيم البصير ربّما يفهم من قوله تعالى:( وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، انّ ما كان من قبل الإسلام بين الأنام، ممّا لم يكن من وحي و إلهام، كلّه ضلال.
و من تكبير «الصوفيّة» فنّهم، أنّهم سمّوا محصول التّصوف ب «العرفان»؛ ثمّ بالغوا في وصفه و أطرءوا في شأنه بأسنى شأن؛ فيغترّ به الجاهل و القاصر و الغافل، فيحسبه عرفانا في الحقيقة، فيطلبه من أهل الطريقة. إذ العرفان من أكبر المواهب و ممّا لا ينبغي أن يرغب عنه راغب، أو لا يطلبه طالب، لو لم يكن طلبه بواجب. و هو أيضا كالحكمة، محض التّسمية الّتي لا واقع لها. بل العرفان، ليس إلّا محصول الفلسفة أو هو عينها؛ و الفنّ واحد، و الاختلاف في الطريق، و دعوى أنّ نتيجتها «علم» و نتيجته «شهود».
1) . آل عمران 3: 164.
و «التّصوّف» أيضا كالفلسفة حادث في الاسلام بعد مضيّ أعوام، مقارنا لحدوث الفلسفة أو قريبا منها. فيرد عليه ما أوردنا عليها من تقصير النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) في العرفان، فليس له على الأمّة امتنان أو ليس هذا العرفان بعرفان، و لا طريقه الموصل إليه، طريق النّبي المبعوث بالتوحيد و الإيمان.
و من تكبير الفريقين أكابر فنّهم، قولهم: «الحكيم الإلهي، حكماء الإسلام، عرفاء الإسلام، الحكماء المتألّهون، العرفاء الشامخون، الأكابر، الأعاظم، المشايخ الكبار، المحقّقون، أهل التحقيق، أهل اللّه، أهل الولاية، أهل الحقيقة، أهل الكشف، شمس الدّين، بدر الدّين، صدر الدّين» و أمثال ذلك. و هذا النّوع من التكبير و التجليل، لا يختصّ بهؤلاء، بل ذلك دعوى كلّ محقّ و مبطل، و ان كان المبطل يهتمّ بذلك أكثر ليروّج به باطله.
ثمّ لا يخفى، إنّا إنّما ننكر من هذه التكبيرات ما يريدون بها من التلبيس و يدّعون انّهم أكابر الدّين، و إلّا فنحن معترفون بأنّهم أكابر الفنّ؛ و لكن ليس كلّ كبير في كلّ فنّ كبيرا في الدّين. نعم، هم كبراء لهم في دينهم و فيما يعتقدون.
الثالث: تحقير من خالفهم و أنكر عليهم بالتجهيل، كائنا من كان، و ان كان من اجلّة من يستحق التبجيل و التجليل. فيرمون قاطبة الفقهاء و أهل الفضل و التحقيق في الفرق و الفنون، بأنّهم: جاهلون، قاصرون عن درك الدقائق أو الوصول الى صقع الحقائق، بل قاصرون عن فهم كلامنا، فكيف عن تحمّل مقامنا!؟ و هم يعمّمون بهذا الطعن كلّ من خالفهم من غير استثناء و لا استحياء، حتّى من كان منهم، فاستبصر، فضلا عمّن كان بصيرا منهم أو ابصر. و هذا من خواصّ هذين الفريقين، اذ ليس لهم عن الحقّ جواب، فيعارضون الخصوم بالسباب، و هذه الرذيلة ممّن يدّعي الحكمة و العرفان عجاب!
و أمّا سائر الفرق، فإنّهم و ان كانوا على غير الحقّ، انّما يقابلون خصمهم بالجواب، و ان كان غير صواب. و لكن الحكيم و العارف، اعرف بالسياسة في دفع الخصوم و التدبير في افتتان الناس بما يدعونه من العلوم، فإنّه لا يؤثر شيء في التفتين و وهن الخصم، مثل ما يؤثّر رميه بالجهل و قصور الفهم، و انّه ليس بأهل، أو ليس له من هذا السهم.
الرابع: إنّ الحكيم يقول: «إنّ معرفة الأصول من شأن العقل و مقام العقول.»
و العارف يقول: «إنّها مقام الشهود و من شأن القلب المزكى عن التعيّنات و الحدود.» فالمعرفة إذن، أمر لا يتقوّم بالتّقليد، بل لا بدّ فيها إمّا من التحقيق أو التجريد، و بناؤها على الأحاديث ليس إلّا تقليدا، اذ ليست إلّا تعبّدا و تقييدا.
و بهذا التمهيد، يجلبون النّاس الى قبول ما يلفقون و يصدّونهم عن السّبيل و يحسبون أنهم مهتدون. و هذا من أتمّ مصائدهم و شبكاتهم، لاصطياد الناس الى اوهامهم و شبهاتهم. و لكن هذه الشبكة أوهن من بيت العنكبوت، لا يصطاد بها الّا ضعاف صغار الحوت. و امّا المطّلع بأصول المذاهب و اخباره، فهو يعلم أنّ هذا القول مكيدة من ختّاره.
و الجواب عنها، مضافا الى ما تقرأ في هذا الكتاب (من انهدام بنيان هذين الفنين باساسهما، و أنّه لا اصل لهما إلّا كسراب و انّ اساسهما مبنيّ على الفرض و الخيال) انّ العرفان على فرض صحته بزعمهم، ليس له اساس غير اساس الفلسفة؛ بل هما شيء واحد. و الفرق، إنّ الفلسفة مقام العلم و التصوّر، و العرفان بزعم أهله مقام الإيقان و الشهود. و معلوم أنّ مقام التصوّر قبل مقام المعاينة، و مقام الاثبات ثبوتا قبل مقام الإثبات شهودا. فلا يمكن طلب الشّهود من دون تصوّر المقصود، و لا السعي في طلب شيء قبل استحضاره في التصوّر.
فإذن، التحقيق المخرج عن التقليد بزعم الفريقين في البداية، منحصر بالعقل؛ إلّا أن العارف يدّعي بعد ذلك في النّهاية، الخروج من العقل و النقل، فيرى الحكيم متوقّفا في العقل و مقلّدا للعقل و البرهان، و يرى نفسه خارجا عن كلّ تقليد بالعيان.
و عليه، فليس لنا من العارف جواب آخر في مقام الاثبات. و الّذي يدّعيه بعد الإثبات، لا ينظر إليه إلّا بعد الفراغ عنه، و «دون اثباته خرط القتاد».
فاعلم في الجواب، أنّ كذب هذه المكيدة و التلبيس، من أبين المبان لمن طالع «اخبار أهل البيت (عليهم السّلام) في التوحيد و العرفان». فمن يطالعها، يظهر له أنّ هذه النّسبة كذب و بهتان؛ فانّهم (عليهم السّلام) لم يتكلّموا في ذلك إلّا بالعقل و البرهان.
و لعمري! إنّ هذا من سوء الظنّ بمن اصطفاه اللّه على أهل العقول، ليكونوا هداة لهم إلى السبل،( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )(1)كيلا يعملوا بالقياس،5.
1) . النساء 4: 165.
فيضلّوا بغير علم و يضلّوا النّاس. فاذا هم على خلاف ذلك، يدعون العقول الى التّعبد بالقبول من غير حجّة، و يطلبون منهم التسليم و الاقتداء من غير تبيين محجّة. كلّا! ما هكذا الظنّ به و لا بهم. و لكن المخالفين لهم و الصادّين عنهم سوّلت لهم أنفسهم، فصنعوا مثل هذه المكيدة، ليستدرجوا الناس إلى فساد العقيدة. اذ ليست عامّة الناس و لا خاصّتهم في ابتداء أمرهم، مطّلعة على أحاديث آل الرّسول (عليهم السّلام) في المعارف و الأصول؛ فيقبلون منهم تقليدا من غير تحقيق، أنّ الرّجوع إلى الحديث في التوحيد يكون من التقليد.
أو ليس يسأل عنهم كيف صار قبول قول ارسطو و افلاطون و الفارابي و الغزالي و جنيد و بايزيد و غيرهم، من التحقيق دون التقليد، و قبول قول الرسول و آل الرّسول (سلام اللّه عليهم أجمعين) من التقليد في الأصول؟!( تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى)(1). فهل لهم في ذلك جواب غير أن يقولوا: إنّ قبول قول هؤلاء، ليس من باب الاتّكاء على المنقول، و لا الاعتماد على القائل في القبول؛ بل من باب أنّهم تكلّموا بالعقول، فالاعتماد إذن على العقول، لا على شخص القائل و لا المعقول؟
فنحن أيضا نقول بمثل ذلك: إنّا لا نعتمد على الأحاديث في الأصول، بما أنّها من آل الرّسول (عليهم السّلام)، كاعتمادنا عليها في الفروع، بل بما أنّها مبنيّة على العقول.
و ذلك، لأنّ الفروع ممّا لا تصل إلى وجهها و حكمها العقول بالاستقلال، «انّ دين اللّه لا يصاب بالعقول» (2)، و ليس على اللّه بيان الوجه و الاستدلال، بل على الناس القبول بعد الإيمان و معرفة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فلا مجال فيها إلّا التعبّد و التسليم.
و امّا الأصول، فتصديق اجمالها مقصور على العقول، و لا يمكن جبر العقل بالقبول قبل وضوحه لديه و ثبوته عليه؛ و ادراك تفصيلها عندنا، موقوف على ارشاد الرسول و آل الرّسول (عليهم السّلام) بحجّة واضحة، يستنكف العقل عن النكول. و ليس للعقل الاستقلال بنفسه في مقام التفصيل، لعدم احاطته التّامّة، و لو تكلّف بالدّليل.
فلو تكلّف فيما ليس من حدّه، لم يكن جهده إلّا في تضليل. و لذلك ترى الفلاسفة يناقض بعضهم بعضا في هذا الباب و غيره؛ و كلّ يدّعي العقل و البرهان، و هذا شاهد جلّي على خطأ العقل و الفكر في ادراك الأشياء تفصيلا بحقائقها، لو لا ارشاد بارئها9.
ايّاه.( سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا )(1).
و الحاصل: إنّا نتّبع في التوحيد و العرفان، حكومة العقل و البرهان، إلّا أنّ في تقريرهما اتّبعنا أهل بيت الوحي (عليهم السّلام) المعصومين عن الخطأ؛ دون كبراء الناس المستبدّين بالآراء لا لمحض أنّهم أهل الوحي و العصمة فهم مأمونون عن الخطأ، بل لأنّ تقريرهم (عليهم السّلام)، تقرير امعانيّ، وجدانيّ، ظاهر، باهر، كظهور الشمس على الأبصار، ليس مما يرتاب و لا يحتمل غير الصواب؛ فتقبله العقول حيث لا تجد مساغا للنّكول. (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ )(2)، (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ )(3)،( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ )(4)،( فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ)(5).
و إنّي لم أرد بتصنيف هذا الكتاب إلّا نشر معارف الأئمّة (عليهم السّلام) و ظهور حقانيتها على أولى الألباب.( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ )(6). (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ )(7)،( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً )(8). و من شاء فليمدح و من شاء فليقدح،( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ )(9)، (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا)(10).
عليك بالتأمل في هذه المقدمة! فانّها تهدي إلى وجه الإعراض عن معارف الائمّة (عليهم السّلام)، و وجه اختلاط غيرها بها و انتشار غيرها بين الشيعة دونها لتظفر بذلك على حقيقة خفيّة مذهلة.
محمد جواد الخراساني9.
هذه المجموعة بما أنّها «موسوعة كلاميّة» باحثة عن المعارف الإلهيّة، ليست بديعة في ابتكار هذه الصناعة، و لا فريدة للنّظائر في هذه البراعة؛ إلّا أنّها بوضعها الخاصّ في ترتيب الأبواب و الفصول و ما لها من الاختصاص في تهذيب المباني و الأصول، و ما يخصّها من تأسيس الأساس على محض الاقتباس، من مشكاة النّبوّة و تمهيد القواعد في جميع الأبواب و المقاصد، على ما خرج من بيوت «أهل بيت الوحي و الرسالة (عليهم السّلام)» (و في ذلك أحياء لمذهبهم من بين المذاهب، و احقاق لطريقتهم من بين الطرائق، و اعلان بكلمتهم العياء، تسمعها كلّ اذن واعية، و ابلاغ لذكرهم لمن كان له قلب أو ألقى السّمع و هو شهيد).
فهي بهذا اللحاظ، من استلزام ذلك الاتعاب الشديد في الاستقصاء و التّحرير، ثمّ النّظم و التفسير، ليست بأقلّ من مبتكرات الفنون في تأسيسها. يذعن بذلك البصراء بالتأليف و الخبراء من أهل التصنيف.
و عليه، فالمرجوّ من النّاظر، ان لا ينظر إلى هذا النّظم و الشّرح بعين الازدراء، فيعترض عليه بما لا يخلو منه كتاب أو بما يتسامح عليه عند اولي الألباب؛ بل ينظر إلى جهة الابتدار إلى هذا الابتكار، و العمل الّذي لم يعمل مثله في الاعصار؛ مع ايجابه احتمال مئونة لا يطيق بحملها إلّا الباذل المجاهد، و الصّادق الصّابر على الشدائد. فليسامح النّاظم و لينصف الراقم و ليشكره على قدر جدّه و بلوغ جهده، و ليكمل خلله، و يصحّح زلله، و يعذره في قصوره، و لا يأمل منه فوق ميسوره. فإنّ الاحاطة بجميع الجهات من شخص واحد غير معصوم، امّا متعذّر أو متعسّر؛ و الايفاء الكامل بجميع مرادات الطالب و السائل من مؤلّف قاصر جاهل، امّا معسور أو غير ميسور. و اللّه الموفّق و المعين في كلّ الأمور.
أحمد من حمد نفسه بالربوبيّة، و توحّد بالالوهيّة، المتعزز بالأحديّة الذاتية ذاته، و بالصمديّة معناه و صفاته، المتفرد بالوحدانيّة، فليس له مثل، و المتوحد بالفردانية فليس له شبه؛ الذي تعالى عن مجانسة كل موجود، و تنزه عن مشابهة كل محدود، ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير؛ لم يزل في أزليته وحيدا بلا ضدّ و لا ظهير، و لا يزال في أبديته بلا ندّ و لا نظير؛ الغني في ذاته بذاته عمّا سواه، و في كمال صفاته عما عداه؛ القائم بنفسه بعزّ الاقتدار، و المفتقر إليه غيره بكل الافتقار، المتعالي عن صفات المخلوقين في عزّ جلاله، و المحيط بكلّ شيء علما و قدرة بعلوّ كماله؛ الباطن في ذاته فلا تبلغه الأوهام، و الظاهر بآياته فلا يخفى على الأفهام؛ حجب العقول عن معرفة ذاته، و لم يحجبها عن اثباته بآياته، جعل لخلقه إلى العلم به دليلا، و لم يجعل لهم إلى كنه معرفته سبيلا لا يعرف بتوصيف؛ و لا يكيّف بتكييف و لا يحدّ بشيء من الحدود، و كل شيء غيره محدود؛ كلت دون وصفه العبارة، و ضلّت دون ذاته الاشارة، الممتنع عن مشاهدة العيون رؤيته، أو مكاشفة القلوب هويّته؛ لا تدركه الابصار و هو يدرك الأبصار، و لا تحيط به الألباب و هو يحيط بالألباب؛ قد تجلى لخلقه لا بذاته، بل بآياته ليدلّهم على عظمته و قدرته و اثباته، عرّف نفسه في صنعه للعقول، و أغناهم عن التفكّر فيه بما وصف نفسه للرسول؛ بعث الرسل إلى خلقه ليكونوا دعاة لهم إلى الاقرار به مع التنزيه، و حماة لهم عن الخوض و التفكّر في ذاته أو التشبيه.
و الصلاة و السلام على محمّد خير من أرسله هدى لاولي الألباب، فأكمل به معارفه بما أوحى إليه من لبّ اللباب؛ و أنزل عليه من فرقان الكتاب، برهانا قيّما
و فصلا للخطاب، ليفرّق به بين ما لا ريب فيه عمّا فيه الارتياب. ثمّ اتبعه بالأوصياء من عترته الأطياب، يفسّرون لأمّته التنزيل، و يبصّرونهم على التأويل؛ لئلّا يقعوا في مهاوي الرّدى، و في الضّلالة بعد الهدى، و في الغيّ بعد أن يتركهم سدى. فعليهم جميعا، صلوات الملك الجبّار، ما أظلم اللّيل و اضاء النّهار، و ما كان أهل الجنّة في الجنّة و أهل النّار في النّار. و لعنة اللّه على أعدائهم و مخالفي طريقتهم ما يسعر الجحيم على الكفّار.
أمّا بعد: فيقول الملقّب بالجواد، و المكنّى بأبي جعفر، و المسمّى بمحمّد بن المحسن بن الحسين بن المحسن بن محمّد صادق الخراساني:
إنّي لمّا أتممت كتابي «معارف الشيعة في مذهب أهل البيت (عليهم السّلام)» في التّوحيد و المعارف الإلهيّة، أحببت أن ألخّصه منظوما، ليسهل بتلخيصه ضبطه على الطّالب، و بنظمه حفظه على الرّاغب. ثمّ أحببت ثانيا، أن أشرح المنظوم شرحا يبيّن كنوز حقائقه و رموز دقائقه، و يكشف عن مستور عباراته و مكنون اشاراته، و يشتمل على ذكر الأحاديث الواردة عنهم (عليهم السّلام) في تقرير مذهبهم، المشار إليها في النّظم بالاجمال، مقتصرا في ذلك على الجملة الصّريحة فيه، أو الّتي تبيّن الحال محيلا لأصل الحديث أو تمامه إلى ذلك الكتاب، طلبا للاختصار، و حذرا عن الاطالة و الاطناب (1). و لأجل ذلك، راعيت في المنظوم من حيث التّرتيب و التّبويب، ما راعيته فيه من الفصول و الأبواب؛ فهو الأصل المعوّل عليه، و المرجع إليه في كلّ مسألة مشكلة، أو مبهمة معضلة. و هو الموفّق و المعين، و عليه أتوكّل و به استعين.
1) . و من لم يظفر به، فليطلب الاسانيد من المجلّد الثاني و الثالث من البحار، فإنّه جامع للابواب و محتو على كتب الأصحاب.
الحمد للّه الّذي عرّفنا***معارف الحقّ بها شرّفنا
معارف الحقّ لدى من يعرف***من المواهب الّتي لا توصف
أقدم نعمة به الحمد يتمّ***اعظم منّة و لكن لا تعم
فاوجب الحقّ على ذى المعرفة***ثناء ربّه على هذى الصّفة
قال الناظم بعد البسملة: الحمد للّه الّذي عرّفنا (معاشر الشّيعة) معارف الحقّ. فيه مضافا الى براعة الاستهلال، اشارة الى العلّة الباعثة على الثّناء؛ و هي أنّه تعالى، عرّفنا معارف الحقّ.
و انّما خصصت هذه العلّة من بين العلل بالإيجاب مع أنّها كثيرة؛ كما قال تعالى:( وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها )(1)وفقا لمقاصد الكتاب، و اظهارا لما شملتنا العناية الالهيّة بهذا الشرف الخاصّ؛ كما قلت: بها شرّفنا. و أيّ نعمة ابهى، و أيّ شرافة أعظم من معرفة المعارف الحقّة، كما قلت: معارف الحقّ لدى من يعرف قدرها أو يكون عارفا بالأمور، يعرف الخيرات من الشّرور، و لا يكون عاميا عن الفضائل، جاهلا بالكمالات، من المواهب الكماليّة الالهيّة الّتي لا توصف قدرا و شأنا و فضلا و احسانا؛ اذ ليس بعد الحقّ تعالى شيء، و لا بعد حقّ المعرفة به كمال،( فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) (2).
ثم هي بعد ذلك، أقدم نعمة و أسبق نعمة من حيث وجوب الحمد و الشّكر لها(3)إذ بها الحمد يتم، لانّه لو لا المعرفة، لا يصحّ الحمد و لا يقع على وجهه، و هي أيضا أعظم منّة عند أهل المعرفة به تعالى، منّ اللّه بها عليهم و لكن لا تعمّ. بل خصّ بها أهلها تفضّلا،( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ )(4). و لأجل ذلك، فأوجب الحقّ و ألزم الحقوق أداء على ذي المعرفة و من خصّه اللّه بهذه الكرامة، ثناء
فحمدك اللّهم حمد العارف***بما وهبتنا من المعارف
حمدا لمن علّمنا معارفه***وحيا فأغنانا عن المجازفة
و بعده الأحقّ بالثّناء له***دليله الّذي هدانا سبيله
إذ هو قد عرّفنا دليله***دليله عرّفنا سبيله
لم يشكر الخالق من لم يشكر***دليله الهادي سبيل الشاكر
صلّ على دليلك المؤيّد***خير البرايا المصطفى محمّد
ثمّ على الأئمّة الاثنى عشر***هم الأدلّاء على خير و شر
فالحمد ثانيا على دلالته***إلى مؤدّي وحيه رسالته
ربّه على هذي الصّفة. فيجب عليه قبل الحمد على كلّ شيء، حمده تعالى على كرامته ايّاه، لصفة المعرفة. فيقول:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ )(1). و لأجل ذلك كرّرت حمده على هذه الموهبة العظمى، فقلت:
فحمدك اللّهم حمد العارف بك و بفضل موهبتك هذه؛ فإنّ حمد العارفين، أفضل من حمد غيرهم، بما وهبتنا من المعارف الحقّة، و خصّصتنا (معاشر الإماميّة) من بين كلّ طائفة و فرقة، حمدا لمن علّمنا معارفه، وحيا على لسان أوليائه، فأغنانا عن المجازفة التي وقع فيها سائر الفرق، بإعراضهم عن أهل بيت الوحي (ع).
و بعده تعالى، فالأحرى و الأحقّ بالثّناء له، دليله الّذي هدانا سبيله؛ إذ هو- تعالى و تقدّس- قد عرّفنا دليله الّذي أرسله إلينا بما أعطاه من الفضل و العلم و الكمال، و أجرى على يده المعجزات الباهرات. و إنّما كان دليله، هو الذي عرّفنا سبيله، فوجب علينا إذن ثناؤه، شكرا لإفضاله، و إلّا لم يشكر الخالق، من لم يشكر دليله الهادي سبيل الشاكر و الحامد؛ فانّه لو لا هدايته، لم يعرف شاكر سبيل شكره، و لا حامد طريق حمده؛ و قد ورد عنه (ص): «من لم يشكر المخلوق، لم يشكر الخالق» (2)فوجب علينا إذن، طلب الرحمة له.
فلذلك، بعد افتتاح الكلام بحمده تعالى، اتّبعته بالصلاة على رسوله، فقلت:
صلّ على دليلك المؤيّد من عندك بروح القدس، و بغيره من العصمة و الفضائل الخلقيّة الكماليّة في نفسه، خير البرايا، المصطفى محمّد (ص). ثمّ على الأئمّة2.
و الحمد ثالثا على الهامة***قلوبنا تهوى إلى أعلامه
لو لا هداه منّة علينا***إلى الأدلّاء لما اهتدينا
كنّا كغيرنا نوالي أمما***صمّا و بكما يعمهون في العمى
و خصّ عنّي ربّنا هديّة***إمامنا الغائب بالتّحيّة
و اردد عليّ منه في الجواب***ارشاده للحقّ و الصّواب
الاثنى عشر، لأنّهم هم الأدلّاء للنّاس بعده، على كلّ خير و شر.
ثمّ إنّه تعالى، قد استوجب علينا بسبب إرشاده إيّانا إلى رسوله و إلى أوصياء رسوله من بعده، حمدين آخرين؛ كما قلت: فالحمد ثانيا على دلالته لنا و ارشاده إيّانا إلى مؤدّي وحيه و رسالته، و هم رسوله و أوصياؤه. و طريق دلالته إليهم (ع)، ما ذكر في اجراء المعجزات على أيديهم و تخصيصهم بالكمالات النفسيّة؛ و يزداد في خصوص الأوصياء أيضا، ما أنزل فيهم من الآيات و ورد عن رسوله (ص) من الرّوايات.
و الحمد ثالثا على الهامة، قلوبنا و قذفه محبّتهم فيها، بحيث تهوى إلى أئمّته (ع) و أعلامه؛ كما قال ابراهيم (ع):( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ )(1).
و هذه منّة أخرى خاصّة، غير تلك المنّة التي هي عامّة ببعثهم مع الآيات و البيّنات؛ و هذه منّة، أعظم من الاولى؛ و هي الفرقان الّذي يحصل منه الافتراق، فضلّ من ضلّ، و اهتدى من اهتدى. فإنّه لو لا هداه منّة علينا إلى الأدلّاء، لما اهتدينا إليهم (ع).
فإنّه أيضا، ممّا يدخل في قوله تعالى:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا )(2)، بل لو لا هداه تعالى، كنّا كغيرنا من الفرق؛ نوالي مثلهم أمما، و نجعلهم أئمّة نقتدي بهم، فنكون إذن مثلهم، صمّا و بكما و نعمه كما يعمهون في العمى.
و حيث أنّ أهل كلّ زمان لا بدّ لهم من ذكر إمامهم في الخطب و غيرها، و الثّناء عليه و الدّعاء له، و الاستمداد منه، اختصصت امام زماننا بذكر خاصّ؛ فقلت:
و خصّ عنّي ربّنا هديّة خاصّة، زيادة على ما تشمل الجميع، إمامنا الغائب بالتّحيّة (من الصلاة و السلام)، و اردد عليّ منه في الجواب، لأنّ ردّ التحيّة من الكرم؛ كما قال تعالى:( وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها )(3). و ليكن ردّ6.
و بعد، فالمدعوّ بالجواد***يقول يا شيعة خير الهادي!
يا طالبي حقائق العرفان!***للشّيعة الخلّص فى الإيمان
الجواب منه عليّ، ارشاده إيّاي للحقّ و الصّواب فيما أردت من نظم المعارف و في غيره من المعارف.
و بعد الحمد و الصلاة، فالمدعوّ الملقّب بالجواد، المشتهر به، يقول:
يا شيعة خير الهادي! يصحّ أن يراد به الرّسول (ص)، فإنّ شيعة الأئمّة (ع) شيعته أيضا، بل ليس له في الحقيقة تابع إلّا شيعتهم (ع)، و أن يراد به أمير- المؤمنين (ع)، لما ورد في قوله تعالى: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ )(1)، إنّ المنذر رسول اللّه (ص)، و الهادي أمير المؤمنين (ع).
يا طالبي حقائق العرفان! لا مسمّاه و لا الأوهام المتخيّلة الّتي يعدّها أهل كلّ فرقة عرفانا، و حقائق العرفان، هي الّتي للشّيعة الخلّص فى الإيمان، لا الفرق المنتسبة إليهم، و لا المنتحلة للتشيّع؛ و إن اقرّوا بجميع أئمّتهم و تظاهروا بسيرتهم، بل و إن دانوا بفروعهم و طريقتهم؛ كالمتفلسفة من المتشيّعة و بعض المتصوّفة و من يتسمّى بالعرفان دون التصوّف كالشيخيّة و غيرهم. فإنّ هؤلاء لو يعدّون من الشّيعة حقيقة، فلا يعدّون من الخلّص تشيّعا و ايمانا.
و لكن عندي، أنّ الافتراق بينهم و بين الشّيعة الحقيقيّة، في أصل التّشيع و حقيقته(2)؛ و اطلاق الشيعة عليهم عندي، غير جائز. و قول القائل منّا احيانا في انتسابهم:
«إنّهم من فرق الشّيعة»، تسامح. فإنّ الشّيعة الحقيقيّة لا فرقة لها؛ و إنّما يريد منها معنى عامّا يشمل الكيسانيّة و الزيديّة و غيرهم ممّن لا يقول إلّا بإمامة ثلاثة أو أربعة.
و الحق عندي، أن يقال لأمثال هؤلاء (المقرّين بالجميع مع مخالفتهم للشّيعة في الطريقة أو الاعتقاد)، «المتشيعة» أو «المنتحلة» للتشيّع، لا الشّيعة، حذرا عن الفتنة و التلبيس، و لئلّا يشيع الفساد في الّذين آمنوا. و ظنّي بل يقيني، أنّ اطلاق
خذوا فهذي الحقّة الحنيفة***معارف الأئمّة الشّريفة
و اعتصموا بحبل أهل البيت***فإنّهم أدرى بما في البيت
ذروا الّتي أبدعها المنحرفة***من هذه الطّرائق المختلفة
نظمت ما صنّفت فيها أوّلاو*** النّظم للحفظ يكون أسهلا
سمّيته «معارف الأئمّة»***و أسأل اللّه لأن يتمّه
الشّيعة عليهم على الحقيقة، بل على الاطلاق من دون القرينة، من الذّنب الّذي لا يغفر. و اللّه أعلم و أبصر.
و كيف كان، أيّها الطّالبون لحقيقة العرفان الّتي عليها الشيعة الخالصة الخاصّة في الاقتداء و الإيمان! خذوا فهذي المعارف الحقّة الحنيفة عن كلّ شرك و باطل و وهم؛ و هي، معارف الأئمّة الشّريفة، الّذين شرّفهم اللّه، فجعلهم هداة لخلقه و أدلّاء على صراطه، و جعلهم حبلا ممدودا بينه و بين عباده، فخذوا بها. و اعتصموا بحبل أهل البيت (ع)، فإنّهم أدرى بما في البيت؛ فلا تميلوا و لا تتفرّقوا عنهم؛ كما أمر اللّه تعالى و نبيّه (ص) بالتمسّك بهم جميعا قولا واحدا، و لا تتّخذوا طرائق قددا. و ذروا الّتي أبدعها الفرق المنحرفة الّتي ابتدعها أهلها؛( ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ )(1)... ،غير أنّهم( يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ )(2).
ثمّ اعلم، إنّي نظمت من هذه المعارف الحقّة، ما صنّفت فيها أوّلا، و سمّيته ب «معارف الشيعة» و النّظم للحفظ يكون أسهلا، سمّيته؛ أي النّظم أو المنظوم، «معارف الأئمّة»، لأنّه موضوع لتقرير مذهبهم في المعارف. و أسأل اللّه لأن يتمّه، و هو خير مسئول و خير مأمول.3.
معارف الإله خمس فادّكر***بها مقاصد الكتاب، تنحصر
إثباته و الذّات و الذّاتيّ له***أفعاله و اختم بالأسماء تكملة
معارف الإله؛ أي جهات معرفة اللّه تعالى خمس، فادّكر؛ أي فاجعله في ذكرك و خاطرك بها؛ أي فيها مقاصد الكتاب و مطالبه تنحصر. فالمباحث إذن خمسة:
الأوّل: البحث عن اثباته تعالى؛ أي اثبات وجوده؛
و الثاني: البحث عن ذاته و أنّه ما هو في ذاته؛
و الثالث: البحث عن ذاتيه؛ أي ماله من الذّاتيات؛
و الرابع: البحث عن أفعاله؛
و الخامس: البحث عن أسمائه الحسنى؛
و قد أشرت إلى الخمسة بقولي:
إثباته الى آخره؛ يعني؛ إنّ المعارف الخمسة: إثباته تعالى؛ أي معرفة اثباته و معرفة(1)ذاته و ذاتيه، و أفعاله و أسمائه؛ و معرفة الأسماء خاتمة المعارف و تكملة المباحث. و الوجه في تخصيص المباحث، وقوع البحث عنها جميعا. و أمّا وضعها
1) . إن قيل: اثبات الشيء لا يعدّ معرفة له بل هو علم به، و العلم غير المعرفة، قلت: بلى، هذا هو المرتكز في الأذهان؛ و لكنّ المعهود من أهل اللّسان، اطلاق المعرفة على العلم بوجود الشيء و ستظفر على كثير من هذا الاطلاق، منها حديث المفضّل المذكور.
بهذا الترتيب، فهو مقتضى البحث عن كلّ شيء طبعا؛ و مع ذلك، فهو متّخذ أيضا من كلام الصّادق (ع) للمفضّل؛ حيث قال (ع):
«الحقّ الّذي تطلب معرفته من الأشياء، هو أربعة أوجه:
أوّلها: أن ينظر أ موجود هو أم ليس بموجود؟
و الثّاني: أن يعرف ما هو في ذاته و جوهره؟
و الثالث: أن يعرف كيف هو و ما صنعته؟
و الرابع: أن يعلم لما ذا هو و لأيّ علّة ...؟».
إلى أن قال (ع):
«و أمّا لما ذا هو؟ فساقط في صفة الخالق، لأنّه- جلّ شأنه- علّة كلّ شيء، و ليس شيء بعلة له.» (1).
و الظاهر من قوله (ع) «العلّة»، هي العلّة الغائية؛ لأنّه تفسير لقوله «لما ذا هو» فإنّه تعالى ليس غاية لشيء، بل هو غاية الغايات. و حيث سقط هذا الوجه في حقّه، جعلت مكانه، البحث عن أفعاله، و يصحّ ادخاله في الثالث، بتنويع الصّفة: إلى صفة الذّات و صفة الفعل. فهذه الوجوه الأربعة، ظاهرة من نصّ هذا الحديث. ثمّ إنّي أضفت إليه، الوجه الخامس، (و هو النّظر في اسمائه تعالى) تكميلا للبحث و الكلام و لما فيها بالخصوص من العناية و الاهتمام.8.
1) . بحار ج 3 ص 148.
المقصد الاول فى اثبات الصانع
للنّاس في المعارف مسالك***و ما عدا الواحد منها هالك
إذ ليس للحقّ من اختلاف***فالاختلاف اي الاعتساف
و ذلك الحقّ بلا ارتياب***مسلك أهل الوحي و الكتاب
طريقهم وحي و علم لدنّي***فما به ريب و لا من موهن
و اختار غيرهم «كلاما» «فلسفة»***أو «مسلك العرفان» اسما لا صفة
و اعتبروا من الطّريق الموصل***«العقل» و «النقل» و «كشف الواصل»
يذكر فيها مسالك القوم في باب المعرفة و طرقهم إليها و تقرير مسلك أهل البيت (ع) و تقديمه على غيره، ثمّ بيان ما هو الطّريق عندهم (ع) لغيرهم.
للنّاس في المعارف الإلهيّة مسالك؛ أي مذاهب شتّى، و ما عدا الواحد منها هالك بالعقل و النقل. أمّا العقل، فلأنّ الحقّ الواحد و الحقيقة الواحدة، لا يحتمل الاختلاف، فلا يكون الحقّ إلّا مع أحد المختلفين (1)كما قلت:
إذ ليس للحقّ الواحد من اختلاف، فالاختلاف آي الاعتساف و علامة المشي على غير الطّريق (2)و أمّا النّقل، فللمتواتر من قوله (ص): «ستفترق أمّتي على ثلاث و سبعين فرقة» (3)مضافا إلى قوله تعالى: (وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ )(4)، و قوله: (إِنْ
1) . خصوصا أنّ مرجع الاختلاف في جلّ موارده لو لا الكلّ، إلى النفي و الاثبات؛ كالجسميّة و المرئيّة مثلا، فإنّه إمّا جسم او لا، و إمّا مرئيّ أو لا، و كيف يصحّ النّفي و الاثبات معا في شيء واحد؟
2) . قال الصادق (ع) في حديث المفضّل: «ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم، في الشّمس دليل على أنّهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها.» (بحار 3:/ 148).
3) . البحار 28: 29/ 37.
4) . المائدة 5: 73.
يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ )(1).
فالحقّ إذن، ليس إلّا واحدا من المسالك، و ذلك الحقّ بلا ارتياب و ترديد للمتأمّل، مسلك أهل الوحي و الكتاب؛ لصحّة طريقهم بالقطع و اليقين، و عدم احتمال الخطأ فيه اصلا. إذ ليس طريقهم من الطّرق العاديّة البشريّة، بل إنّما هو وحي و علم لدنّي؛ أمّا الوحي، فباعتبارين: إلهامه تعالى إيّاهم و قذفه في قلوبهم و علّمهم بالوحي المنزل على الرّسول (ص) بتمامه و كماله، بل ليس علمهم إلّا علم الرّسول (ص) و لا طريقهم إلّا طريقه؛ و أمّا اللدنّي: فهو العلم الذي أشار إليه تعالى بقوله: وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (2).
و إلى أحد هذين او إليهما معا أشار أمير المؤمنين (ع) بقوله جوابا عن «الجاثليق»، حيث قال له:
«... عرفت اللّه بمحمّد أم عرفت محمّدا باللّه؟ قال (ع): «ما عرفت اللّه بمحمّد و لكن عرفت محمدا باللّه- عزّ و جلّ- حين خلقه و احدث فيه الحدود من طول و عرض، فعرفت أنّه مدبّر مصنوع باستدلال و إلهام منه و ارادة؛ كما ألهم الملائكة طاعته و عرّفهم نفسه بلا شبه و لا كيف»(3).
و قوله (ع) جوابا عن القائل له:
«بم عرفت ربّك؟» قال (ع): «بما عرّفني نفسه» (4).
و حيثما كان طريقهم في المعرفة، الوحي و الإلهام، فما به ريب و لا من موهن.
هذا مسلك أهل البيت (ع).
و اختار غيرهم: إمّا «كلاما» أو «فلسفة» أو «مسلك العرفان» اسما لا صفة؛ فانّه ليس بعرفان حقيقة، بل هو اسم اصطلاحي؛ كما سمّيت الفلسفة عند أهلها ب «الحكمة». و هؤلاء أرباب المسالك الثلاثة،
اعتبروا من الطّريق الموصل إلى المعرفة، ثلاثة (5): «العقل» و «النقل» و «كشف الواصل» إلى الحقيقة بزعم مدّعيه.
أمّا الكلام، فهو ذو مشارب***لأنّ أهله أولو مذاهب
كلّ على مذهبه قد اقتصر***بالعقل عدّة و بالنقل أخر
و «العقل» مطلقا طريق الفلسفي***و «الكشف» حسبه طريق العارف
و عند أهل البيت كسب المعرفة***طريقه العقل و ما قد وصفه
فالعقل في مجرّد الإثبات***و هو مع الوصف لما للذّات
ثمّ اختار كلّ من أصحاب المسالك شيئا من الثلاثة و تفصيله؛ كما قلت:
أمّا الكلام فهو ذو مشارب، لأنّ أهله أولو مذاهب؛ فمنهم أهل الحديث و الرّواية، و منهم أهل العقول و الدّراية، و منهم القائل بهما. و لأجل ذلك، كلّ على مذهبه قد اقتصر بالعقل عدّة، و بالنّقل أخر.
و العقل مطلقا طريق الفلسفي، كان هناك نقل أم لم يكن، عارضه نقل أم وافقه؛ فهو المعوّل عندهم وحده بالاستقلال؛ فإن وافقه نقل، كان مؤيّدا له، و إن عارضه يؤول إليه إن أمكن، و إلّا سقط عن الاعتبار.
و الكشف حسبه طريق العارف، يعتمد عليه و يقدمه على كلّ شيء.
و عند أهل البيت (ع) كسب المعرفة؛ أي لغيرهم (فانّ معرفتهم، غير كسبيّة بل إلهاميّة أو فطرة) طريقه العقل و ما قد وصفه اللّه تعالى به نفسه؛ إمّا في كتابه أو بلسان أهل وحيه، و لكن لكلّ منهما مقام. فالعقل في مجرّد الإثبات الإجمالي من غير تفصيل؛ فإنّه من مقام العقل لا غير، و هو مع الوصف لما للذّات من الذاتيات؛ و هي الصّفات الذاتيّة و كذا الصفات الفعليّة له. فإنّ اثبات ذلك، ليس من مقام العقل فقط، بل لا بدّ فيه من رعاية كلا الأمرين: العقل و ما وصف به نفسه. و إنّما وقع من وقع في الخلاف في جهة الاقتصار على أحدهما أو عدم رعاية ما هو شرط الاعتبار فيهما و تفصيله كما بيّنت.
و العقل محدود عن التحقيق***و مطلق في الحكم و التصديق
إذ ليس مدركا بالاستقلال***كلّا و لا بعون الاستدلال
و العقل محدود عن التحقيق للأشياء بنفسه؛ أي عن تثبيتها و ادراكها، و أمّا تحقيقها بمعنى الوصول إلى حقيقتها و الكشف عنها، فإنّه أمر خارج عن طوره، و غير مراد هنا. و المراد بالمحدوديّة، تحديد دائرة اطلاقه، و تضييق سعة استقلاله في الادراك، و قصره على حدّ محدود؛ فلا استقلال له في ادراك جميع الأشياء على الاطلاق. و لكنّه مطلق في الحكم و التّصديق من دون تقييد و لا تحديد؛ فإنّ له الحكم في كلّ قضيّة و التّصديق في كلّ واقعة؛ كما عن ابن السّكيت عن الرضا (ع) قال:
فما الحجّة على الخلق اليوم؟ فقال (ع): «العقل، تعرف به الصّادق على اللّه فتصدقه، و الكاذب على اللّه فتكذبه». فقال ابن السّكيت: «هذا و اللّه هو الجواب.» (1)
و قال موسى بن جعفر (ع):
«يا هشام! إنّ للّه حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة باطنة؛ فأمّا الظاهرة فالرّسل و الأنبياء، و أمّا الباطنة فالعقول.» (2)
هذا في حكمه على الاطلاق، و أمّا في خصوص المعرفة، فقد قال أمير المؤمنين (ع):
بصنع اللّه يستدلّ عليه، و بالعقول تعتقد معرفته، و بالفكر تثبت حجّته.» (3)
و قال الرضا (ع) أيضا مثله، الّا أنّ في روايته، «و بالفطرة تثبت حجّته»(4)، و سيأتي النّظر فيه. و قال (ع) أيضا: «بالعقول يعتقد التّصديق باللّه و بالاقرار يكمل الإيمان به.» (5)
فليس له محدوديّة في هذا المقام، و إنّما محدوديّته في مقام الادراك. إذ ليس مدركا بالاستقلال بنفسه كلّا؛ أي كلّ الاشياء بنحو الضرورة و البداهة، و لا بالاكتساب
لكن له القضاء و التصديق***في كلّ ما نبّهه الصدّيق
كذا تميز صحّة الدليل***له عن الفاسد و العليل
بعون الاستدلال؛ و ذلك ظاهر لمن راجع وجدانه. فإنّا لا نعقل الأشياء كلّها لا بالفطرة و لا بالاكتساب، و إنّ مجهولاتنا أكثر من معلوماتنا، لكن له القضاء؛ أي الحكم و التّصديق في كلّ ما نبّهه الصدّيق، فيحتاج إلى منبّه و معلّم؛ كالطّفل الّذي له استعداد التّعلم، فيتعلّم الأشياء من معلّمها شيئا فشيئا.
فالعقل بنفسه لا يدرك كثيرا من الأشياء، و إن خاض فيها خوضا و أتعب فيها طولا و عرضا؛ لكن إذا نبّهه و علّمه معلّم صدّيق، كان له شأنيّة الحكم و التّصديق، فهو غير محدود من هذه الجهة. و كما أنّ له مقام الحكم، كذا تميز صحّة الدليل له عن الفاسد و العليل؛ فهو في هذا المقام أيضا مطلق من غير تحديد.
ثمّ إنّ من تحديد العقل أيضا، أنّه لا يدرك الجزئيّات الخارجيّة بلا واسطة، كما يأتي.
معرفة «الصانع» من طريق العقل و الوصف غيابيّة، اجماليّة، اثباتا و توصيفا
اعلم، إنّ المعرفة بالشيء، قد تكون «شهوديّة»: «و هي أن تكون مشهودا بالعيان أو محسوسا باحدى الحواس الظاهرة»؛ و أخرى غيابيّة: «و هي أن لا يكون مشهودا و لا محسوسا.»
و معرفة الصانع عند الجميع، غيابيّة، إلّا عند من يجوّز الرّؤية. و القائلين بالكشف أيضا ينكرون الغيابيّة، لكنّهم يسمّون كشفهم بالغيب، «شهودا»؛ فهم يدّعون مرتبة بين المرتبتين؛ أعني الغياب و الشّهود.
ثمّ المعرفة الغيابيّة، قد تكون اجماليّة: «و هي العلم بوجود الشيء و ثبوته اجمالا». و هذا لا نسمّيه «معرفة» في الاصطلاح، بل هو العلم بالشّيء؛ و أخرى تفصيليّة: «و هي العلم بخصوصيّاته و صفاته». و قد تقدّم أنّ المعرفة الاثباتيّة، ليست إلّا من شأن العقل فقط؛ و أمّا التفصيليّة، فهي بالعقل و الوصف معا.
و لكنّ الّذي عندنا، أنّ المعرفة في باب الصّانع (سواء كانت بالعقل أو بالوصف) تفصيلها أيضا اجمال. أمّا الوصف، فظاهر؛ فإنّ غاية ما يظهر من الآيات
و العقل غير مدرك بالذّات*** للخارجيّات من الذّوات
و إنّما يدرك بالحواس*** أو صدق كلّي أو القياس
فكلّ شيء غاب عن حسّ البشر*** لا يهتدي إليه إلّا بالأثر
و اللّه غائب عن الحواسّ*** فلا طريق غيره للنّاس
و الرّوايات أنّه تعالى مثلا: عالم، قادر، حكيم، لطيف؛ و أمّا أنّه كيف يكون عالما أو قادرا أو حكيما أو لطيفا؟ فليس إلّا معرفة إجماليّة، بل صريح عدّة من الرّوايات ذلك؛ كما ستعرف في «باب أنّه تعالى لا يعرف بكنهه» و «باب أنّ صفاته عين ذاته» و «باب معاني الأسماء».
[مقدار إدراك العقل و حدوده]
و أمّا العقل، فبيان الحال فيه ما ذكرت: و العقل غير مدرك بالذّات من غير وساطة للخارجيّات من الذّوات العينيّة؛ و إنّما يدرك الخارجيّات بالحواسّ الظاهرة، أو بواسطة صدق كلّي عليها، أو بواسطة القياس و التمثيل. و على هذا، فكلّ شيء غاب عن حسّ البشر، من المحسوس و غيره، لا يهتدي العقل إليه إلّا بالأثر، إذ لا طريق للعقل إذن إلى العلم به و معرفته إلّا الآثار؛ و اللّه تعالى غائب عن الحواسّ، فلا طريق غيره؛ أي غير الأثر للنّاس.
فيكون طريق معرفتهم إيّاه منحصرة، بالآثار. و إذا ثبت انحصار طريق العقل بالآثار، فلا محالة يكون ادراكه محدودا بما تؤدّي الآثار إليه. و من المعلوم:
أوّلا: أنّ الآثار ليست إلّا أفعالا معدودة.
و ثانيا: أنّها غير وافية بجميع خصوصيّات المؤثّر تفصيلا؛ نظير ما إذا رأيت كتابا، فإنّك بمجرّد النّظر إليه، تعلم اجمالا أنّ له مؤلّف، ثمّ إذا نظرت فيه و تصفّحته، تعرف أنّه كان فصيحا، بليغا، شاعرا، ماهرا و غير ذلك على حسب ما فيه من الآثار.
و أمّا أنّه كيف كان فيما فقدت فيه الآثار من الأوصاف، أو كيف كان في اتّصافه بالأوصاف الّتي تؤدّي إليها الآثار؟ فلا سبيل إليه إلّا الاجمال.
و ثالثا: أنّ الآثار مع اجمال مؤدّاها، إنّما تؤدّي إلى الأوصاف، لا إلى كنه الذّات و حقيقته.
و على هذا، فمعرفة الصّانع من طريق العقل، ليست إلّا مجملة، اثباتا و هو ظاهر، و توصيفا لما بيّناه، و لا يكاد يصل العقل إلى كنه الذّات. و إلى هذا التّفصيل أشرت بقولي:
و العقل لا يدرك بالأفعال*** إلّا وجوده على الإجمال
أو مع شيء من صفات مجملة*** لأنّ الآثار تؤدّي مهملة
تعرّف الرسوم لا الماهيّة*** إذ هي غير الذات في الهويّة
فانحصر الطريق في الاثبات*** بالعقل ثمّ العقل بالآيات
و العقل لا يدرك بالأفعال، إلّا وجوده على الإجمال؛ إذ الأفعال (و هي الآثار)، لا تثبت إلّا صرف الوجود، أو مع شيء من صفات مجملة إذا نظر إلى الأفعال بعين التّأمل و التّدبّر؛ فيرى فيها اثر العلم و القدرة و الحكمة و اللّطف مثلا، فيثبتها له أيضا اجمالا، فهذا التفصيل أيضا اجمال. و إنّما هو تفصيل بالنّسبة إلى صرف الوجود، و إنّما صارت تؤدّي مجملة، لأنّ الآثار لا تؤدّي إلى مؤثّرها إلّا مهملة، كالقضايا المهملة الّتي لا تؤدّي إلّا جزئيّة. و ذلك، لأنّ الآثار، إنّما تعرّف الرّسوم لا الماهيّة، فهي معرّفات رسميّة، لا حديّة؛ إذ هي غير الذّات في الهويّة، مباين لها في الجنسيّة، بل السّنخيّة عندنا هنا أيضا. إذ ليست من باب العلّة و المعلول و لو فرض، فالمعلول، أيضا مباين للعلّة بمقتضى الاثنينيّة، و المباين لا يصير حدّا تامّا للمبائن أصلا، فلا يكون معرّفا لكنه الذّات و هويّته أصلا.
[انحصار طريق المعرفة بالعقل]
و حيث قد تمّت هذه المقدّمات، ظهر لك أمران، اشرت إليهما بقولي:
فانحصر الطريق في مقام الاثبات، بالعقل دون النّقل و الكشف؛ إذ ليس المقام من التعبّد و لا معرفة إلّا غيابيّة محضة. ثمّ انحصر طريق ادراك العقل بالآيات و الآثار، لا باستقلال بنفسه، لأنّ المطلوب جزئي خارجي. و قد ورد عنهم (ع) ما يدلّ على كلا الانحصارين(1)
«جعل الخلق دليلا عليه فكشف به عن ربوبيّته»، و قول موسى بن جعفر (ع): «إنّ للّه حجّتين ...» إلى أن قال: «و أمّا الباطنة فالعقول»، و هو الظاهر في انحصار الحجّة في العقول و الأنبياء. و منها: أيضا قول موسى بن- جعفر (ع): «يا هشام! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أكمل للنّاس الحجج بالعقول، و أفضى إليهم بالبيان و دلّهم على ربوبيّتهبالأدلّة فقال: وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (البقرة 2: 163)، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ ... (البقرة 2: 164، آل عمران 3: 190).
و منها: قول أمير المؤمنين (ع): «دليله آياته و وجوده إثباته»، و منها قول الصّادق (ع) في الاهليلجة: «و لا يعرف إلّا بخلقه» و منها: مكتوب الرّضا (ع) إلى فتح بن يزيد: «الدّال على وجوده بخلقه و بحدوث خلقه على ازليّته» و منها: قول أمير المؤمنين (ع): «معروف بالدّلالات منعوت بالعلامات»، و منها قول الحسين (ع): «معروف بالآيات و موصوف بالعلامات ...»، و منها: قول الباقر (ع): «موصوف بالآيات و معروف بالعلامات»، و منها: قول الرضا (ع): «معروف بالآيات»، و أيضا: «يعرف بالآيات و يثبت بالعلامات».
و كلّ ما دلّ على انحصار الطّريق بالآيات و الحدوث و الصنع و غير ذلك ممّا يأتي، فإنّه يدلّ أيضا على انحصار الطّريق بالعقل بالملازمة؛ إذ المعرفة بالآيات و البرهان من شأن العقل.
.1) . أمّا الثاني، فسيأتي تفصيله؛ و أمّا الأوّل، مع الاشارة إلى الثاني أيضا، فمنها ما مرّ من قول أمير المؤمنين (ع) و الرضا (ع): «بصنع اللّه يستدل عليه، و بالعقول تعتقد معرفته ...»، و في قول أمير المؤمنين (ع) بعد ذلك:
«الكشف» ك «الرؤية» في البطلان*** و البحث عنه في المقام الثّاني
و هو ثبوتيّ لدى من كشفه*** ك «الفطرة» الّتي ادّعتها طائفة
دعوى على ما لم يروا عيانا ***بأنّه لو كان كيف كانا
هب أنّ طفلا ما رأى إنسانا*** حتّى البلوغ أظهر الإيمانا
أو قد سمعتم عند الاضطرار ***شهادة المنكر بالإقرار
فعلّه ألهم في ذا الحال*** أو كان بالعقل و الاستدلال
منع طريقيّة «الكشف» و «الفطرة» في مقام الاثبات؛ و ابطال الفطرة هنا، و الكشف في محلّه
«الكشف» عندنا ك «الرؤية» في البطلان، و البحث عنه و عن ابطاله في المقام الثّاني؛ أي المقصد الثّاني الّذي هو في التّحقيق عن ذاته. و هو على فرض صحّته، طريق ثبوتيّ لدى من كشفه؛ ك «الفطرة» الّتي ادّعتها طائفة.
توضيح ذلك: إنّ الطّريق إلى الواقع و الدّليل عليه، قد يكون ثبوتيّا، و فائدته مجرّد ثبوت الواقع لدى من قام لديه الطريق؛ و قد يكون اثباتيّا، و فائدته اثبات المدلول عليه في نفسه، من دون اختصاص له بمن قام عنده؛ فيمكن اثبات المدلول عليه على الغير. و الأوّل كالعلم، فإنّه طريق الواقع و دليل مثبت له؛ لكنّه في نفس العالم فقط، و لذلك يكون حجّة له خاصّة دون غيره؛ و الثاني كالتّواتر، فإنّها دليل اثباتيّ في نفسه، يثبت الواقع في نفس الأمر من غير اختصاص بشخص خاصّ.
و الكشف و الفطرة على فرض صحّتهما، حالهما حال العلم، في أنّهما طريقان ثبوتيّان لنفس الكاشف و صاحب الفطرة، فلا يصحّ عدّهما في الطّرق الاثباتيّة للصّانع.
و أيضا الجمع بين الكشف و الفطرة عند القائل بطريقيتهما معا مشكل، لاستلزام تخصيص كلّ منهما بمورد خاصّ، قضاء لحقّ البينونة. و الالتزام بالفرق بين الثبوت
الحاصل بالكشف و الحاصل بالفطرة، كالفرق الحاصل بين ما هو حاصل بالعقل أو الكشف.
اللّهمّ إلّا أن يخصّص الكشف ب «الجاهل الشّاك»، و الفطرة ب «الغافل» أو بالعكس؛ و أنّ الثبوت بالفطرة اجماليّ؛ كالثّبوت بالعقل، و بالكشف تفصيلي، و فيهما نظر.
ثمّ إنّ المراد بالفطرة، دعوى مفطوريّة البشر على التوحيد؛ كمفطوريّته على فطريّاته، بحيث لو خلّي و طبعه و لم ير انسانا حتّى يكبر، أقرّ بفطرته على وجود الصانع؛ و لكنّها مغفول عنها بسبب الاختلاط بالأوهام و الشبهات، أو المتابعة للشهوات؛ و مع ذلك، غير زائلة بالكليّة، بل هي مركوزة مغشية بالموانع؛ فإذا ارتفعت الموانع (و ذلك عند الالجاء و الاضطرار و انقطاع الاسباب)، ارتفع الغشاء؛ و ظهرت الفطرة من تحت الغطاء، فاقرّت بإله السّماء.
و قد وقعت هذه الدعوى من بعض القدماء، و أنكرها الصدوق (ره) أشدّ الانكار؛ و لكن بالرّغم من ذلك، كثر ذكرها في هذه الأعصار على الألسنة و الأفواه، خصوصا في زماننا حتّى صارت عند أهل زماننا من الأصول المسلّمة الّتي يشنع على منكرها؛ و ذلك لغلبة التقليد في هذه الأزمنة على التحقيق.
و كيف كان، فإنّ دعوى الفطرة على الوجه المتقدّم، دعوى على ما لم يروا عيانا بانفسهم و لم يشهدوه بأعينهم؛ و مع ذلك ادّعوا رجما بالغيب: بأنّه لو كان كيف كانا؟
كما قال الصدوق (ره): «إنّ هذا الشيء لم يكن، و هو اخبار بما لم يكن إن لو كان كيف كان يكون».
و إنّا نقول: هب أنّ طفلا ما رأى إنسانا حتّى البلوغ، ثمّ شهدتموه أنّه حين بلغ أظهر الإيمانا. أو أنّكم قد شهدتم المنكر المضطرّ، و سمعتم عند الاضطرار شهادة هذا المنكر بالإقرار؛
فمن أين يظهر لكم أنّ هذه الشّهادة من جهة زوال المانع عن لا الفطرة، و أنّها من بروز الفطرة المودعة الكامنة؟ فعلّه ألهم في ذا الحال، فكانت الشّهادة بتوفيق خاصّ و عناية خاصّة؛ ألهمه اللّه إيّاها في تلك الحالة و أرشد قلبه بإلهام منه؛ أو كان اقراره عند ذلك بالعقل و الاستدلال؛ فإنّه عند الإلجاء و الاضطرار، يفرغ القلب للاستدلال، و تظهر الحجّة عليه بلا ترديد و اشكال. أو كان منكرا انكار جحود مع استيقان القلب للوجود، فألجأه الاضطرار إلى الاقرار؛ كما قال تعالى:( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا ... )(1).
و الحاصل: أنّ دعوى الفطرة، لا طريق لهم إلى اثباتها، و لا شاهد لهم على ثبوتها، بل هي مبنيّة على دعويين اخريين: احداهما، أمر لم يتّفق إلى الآن؛ و الثانية،
1) . غافر 40: 84.
و إن يكن فذاك فرض نادر***ليس حريّا في الطريق يذكر
ثمّ الثبوت لا يزيد للمقرّ***شيئا و لا يفيد إلزام المصرّ
فليس للبحث محصّل، بلى***من ابتلى يجد لها محصّلا
الدعوى على قلب المتّفق له أو قلب من لو اتّفق له، و هل هذا إلّا تخرّص بالغيب!؟
و إن يكن الأمر واقعا على ما زعموا فذاك فرض نادر الوقوع؛ و مثله ليس حريّا في الطريق يذكر بأن يجعل أحد الطرق المثبتة للصّانع.
ثمّ الثبوت للفطرة و تسلّمها، لا تثمر ثمرة مهمّة، لأنّ ثبوتها النّفس الأمري لا يزيد للمقرّ للصّانع شيئا في إيمانه و اعتقاده، و لا يفيد إلزام المصرّ على الإنكار. أمّا الأوّل، فلأنّ المؤمن المقرّ، موقن بالصّانع، فهذا العلم بالثّبوت؛ أي الاعتقاد بثبوت الفطرة و أنّ التوحيد فطريّ للبشر، لا يؤثّر فيه شيئا؛ بل هو مقرّ، مذعن، معترف بربه، ثبتت فطرة للبشر أم لم تثبت، خصوصا أنّه إذا راجع وجدانه لا يرى في نفسه اثرا من الفطرة، و لا أنّ اقراره و ايمانه الموجود من اثر الفطرة؛ و امّا الثانى، فلانّ المنكر في حال انكاره، غافل عن الفطرة بزعم مدّعيها، و هى مذهول عنها من قلبه؛ فكيف يمكن الزامه بأنّ التوحيد فطريّ لك و أنت الآن لا تشعر به؟
و على هذا، فليس للبحث عن ثبوت الفطرة محصّل، بلى من ابتلى و صار مضطرّا، يجد لها؛ أي للفطرة، محصّلا، إن كانت هي ثابتة واقعا؛ كما يدّعون. ففائدتها مخصوصة بالمضطرّين عند أنفسهم، و مثل هذه الفائدة ليست مما يهتمّ بها؛ فالأولى، الاضراب عنها.
الا أن الفطرة صارت اليوم من المسائل المهمة، يهتمّون بها أكثر الاهتمام، و يعتمدون عليها أكثر من الاعتماد على الأدلّة و البراهين. و لذلك، يكون مظنّة أن يصير الاعتقاد بالصانع موهونا عند المنكرين المعطّلين؛ فيطعنون على الموحّدين زعما بأنّ اعتمادهم في الدليل، على مثل هذا الطريق السقيم العليل، و أنّه ليس لهم إلّا الدعاوى على الأنفس و القلوب و شهادة الزور و القول بغير العلم على السّرائر. فلا بدّ من التنبيه على بطلان هذه الدعوى لئلّا يغترّ بها الآخرون.
فاعلم، إنّ المثبتين للفطرة استشهدوا لثبوتها بالآيات و الأخبار، و هذا من قصور فهم أو قلّه تأمّل. فإنّه مع الغضّ عن عدم تماميّة دلالتها على ما أرادوا، و فرضها دالّة على ما استفادوا، فإن أرادوا بها التأييد، فغير مفيد؛ و إن أرادوا بها الاستدلال، فغير
و حيث أنّ المدّعي قد ادّعى***دعوى على الخالق و الخلق معا
أشهد بالآيات و الأخبار***ليسند الأمر بصنع الباري
و ليس في الآيات من دلالة***إذ بعضها ذمّ على الرذالة سديد.
أمّا التأييد، فإنّك خبير بأنّه فيما كان المطلوب المؤيّد له في نفسه، أمرا، ثابتا، وجدانيّا أو مثبتا، برهانيّا؛ ففي مثله إذا وردت آية أو رواية، كانت مؤيّدة له، لثبوته في نفسه بدونها؛ و قد عرفت أنّ الفطرة ليست إلّا دعوى على دعوى، و لم يتمّ لها ثبوت في نفسها و لم تقع مبرهنا عليها؛ مع أنّ التأييد بالأمر التعبدي لمّا كان أصل المتعبّد به في محلّ الإنكار ليس إلّا كالاستدلال. و أمّا الاستدلال، فهو بعكس التأييد؛ إنّما يصحّ فيما كان الاستشهاد بالآية أو الرواية بنظر الاستقلال، لتكون دليلا مثبتا للمطلوب، و لا يكون ذلك إلّا إذا لم يكن المطلوب ثابتا في نفسه. و حينئذ فالّذي يثبت بهما إنّما هو ثبوت تعبّدي، و هو لا يفيد في مقام الدليل على اثبات الصانع بحيث يجعل من أدلّته الفطرة الّتي ثبتت بالتعبّد، هذا.
و لكنّ التحقيق بعد عدم تماميّة دعوى الفطرة في نفسها، أنّه لو تمّت دلالة الآيات و الروايات على ثبوتها (مع أنها مغفولة، مذهولة، لا يجدها المقرّ في وجدانه و لا المنكر في جنانه) لكان مفادها الحكاية عن الجعل بحسب الخلقة الأوّليّة و الطينة الصرفة؛ نظير الحكاية عن أنّ الأرواح خلقت قبل الاجساد، و أنّها أقرّت في عالم الذرّ بالتّوحيد، و غير ذلك ممّا لا علم لنا به؛ إلّا أنّه لا يفيد إلّا تعبّدا محضا، نظير التعبّد بأمثال تلك الأمور. كلّ ذلك على فرض تماميّة دلالتها، و لكنّ الكلام بعد فيها فلنذكر ما استدلّ به و ننظر في دلالته.
و حيث أنّ المدّعي للفطرة قد ادّعى دعويين؛ أعني دعوى على الخالق و الخلق معا، أمّا على الخلق، فلما مرّ؛ و أمّا على الخالق، فلأنّ من يدّعي الفطرة للبشر يدّعي على اللّه تعالى أنّه مودّعها فيه، و جاعلها له، و فاطره عليها؛ فلا بدّ له في هذا الادّعاء على اللّه أيضا من إقامة شاهد. فلذلك أشهد للدعويين بالآيات و الأخبار معا؛ ليسند الأمر بصنع الباري تعالى أيضا، و يستدلّ بها على الثبوت أو يؤيّده بها. و ليس لا
و بعضها توبيخ من أشرك به***معترفا بربّه و صاحبه
بحيث لو سألته: من خالقك***و خالق السّماء؟ أو من رازقك؟
قال: هو اللّه المفيض خيره***فقل: لما ذا تعبدون غيره؟
في الآيات من دلالة، إذ بعضها ذمّ المقرّين لا المنكرين على الرذالة و الدناءة بالعتو و الطغيان و التضرع و الالتجاء في حالتي الأمن و البلاء و الفاقة و الرخاء؛ مثل قوله تعالى:( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ )(1). و نظائره كثيرة؛ كقوله: (وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ )(2)و قوله:
(وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )(3).
و لا صراحة في أمثال هذه الآيات على فطرة و لا إيهام، و الاستدلال بها كأصل الدعوى، مبنيّ على الدعوى أيضا؛ و هي دعوى أنّ المخاطب بها، المنكرون، فيختصّ بهم؛ و المنكر الغافل المصرّ على الانكار، كيف ينقلب إلى الالتجاء لو لا ظهور الفطرة في حال الاضطرار؟ و لعمري! إنّ هذه الدعوى على مورد هذه الآيات، و حملها على مورد الإنكار من أظهر مصاديق «التفسير بما لا يرضي صاحبه».
و بعضها توبيخ من أشرك به، بعبادة الأصنام و غيرها، مع أنّه يكون معترفا بربّه و صاحبه؛ كمشركي قريش، فإنّهم كانوا معترفين بأنّ ربّهم و خالقهم، اللّه، و كانوا يقولون: أنشدك باللّه و الرحم؛ و كانوا يقولون: لا شريك لك إلّا شريك هو لك تملكه و ما ملك، و كانوا يعتذرون في عبادتهم الأصنام، بقولهم:( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى .. )(4)، و قولهم: (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ )(5).
فمثل هذا المشرك، ليس منكرا للّه و لا غافلا عنه، بل هو بحيث لو سألته من خالقك و خالق السّماء؟ أو من رازقك؟ قال: هو اللّه المفيض خيره على الكائنات.
فعند ذلك، فقل: لأمثال هؤلاء توبيخا لهم على الشّرك؛ كمّا علّم اللّه نبيّه (ص): لما ذا8.
و لو تعمّ كلّ منكر له***كان السّؤال هكذا استدلاله
و «آية الفطرة» لم يرد بها***إذعان كلّ نسمة بربّها
بل هي كالقيّم و الحنيف***وصف لكلّ دينه الشّريف
لذاك فسّرت به تماما***نبوّة، ولاية، إسلاما
تعبدون غيره؟ هذا مضمون الآيات الّتي استدلّ بها، مثل قوله تعالى:( وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ )(1)، و قوله: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ )(2)، و نظائره كثيرة. و هذه الآيات أيضا لا صراحة فيها على الفطرة و لا ايهام؛ و الاستدلال بها أيضا، مبنيّ على دعوى اختصاص الخطاب فيها بالمنكرين، و هي كما ترى؛ بل ظهورها و ظهور سياقها قبلا و بعدا ينادي بالمخاطبة مع المشركين.
و لو فرضنا أنّ المخاطبة في هذه الآيات، تعمّ كلّ منكر له تعالى (سواء كان الإنكار، إنكارا للربوبيّة أو الألوهيّة) فتكون الآية من حيث شمولها للمنكر الغافل، دالّة على الفطرة بالتّقريب المذكور كان السّؤال هكذا؛ يعني، على هذا النّحو: من خلق السّماوات و الأرض؟ من يرزقكم ...؟ استدلاله للصّانع بعينه؛ غاية الأمر، أنّه استدلال و برهان على طريق السّؤال. و حينئذ فالإقرار بعد ذلك و الاعتراف لا يكون إقرارا عن الفطرة، بل هو إقرار عن الحجّة و البرهان، و ظهور الحقّ على قلبه، ظهور بعد البيان. فلو كان مثل ذلك فطرة، لما كان لاختصاصها بالتّوحيد وجه، بل الانسان على هذا مفطور على كلّ شيء حقيقة، و كان منكرا له لشوب ذهنه، لأنه يقبله و يقرّبه مع البيّنة و البرهان.
و «آية الفطرة» الّتي استدل بها أيضا، و هي قوله تعالى:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )(3). و هي و إن كانت صريحة في لفظ «الفطرة»، إلّا أنّ الكلام،
في معناها هنا و ما هو الموصوف بها. فإنّه لم يرد بها فطرة التوحيد و إذعان كلّ نسمة؛ أي مخلوق، بربّها خاصّة؛ بل هي كالقيّم و الحنيف المذكورين فيهما، وصف لكلّ دينه الشّريف و تمامه، لا لخصوص معرفة الربّ و الإقرار به؛ لذاك فسّرت آية الفطرة به تماما؛ أي بالدّين بجميعه: نبوّة، ولاية، إسلاما.
فقد فسّرت تارة: بالاسلام؛ كرواية عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (ع) قال:
«سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ:( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها)، ما تلك الفطرة؟
قال (ع): هي الاسلام، فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد، فقال:( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ )و فيهم المؤمن و الكافر» (1).
و اخرى: بالولاية؛ كرواية ابي بصير عن الباقر (ع)، قال (ع): «الولاية»(2).
و ثالثة: بالتّوحيد خاصّة؛ كرواية زرارة و الحلبي و هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (ع)، قال (ع): «التوحيد»(3)، و قال (ع): «فطرهم جميعا على التوحيد» (4).
و رابعة: بالتوحيد و النبوّة و الولاية؛ كرواية عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه (ع)، قال: «التوحيد و محمّد رسول اللّه و عليّ أمير المؤمنين»(5)؛ و رواية الهيثم الرماني، عن الرضا (ع)، عن جدّه الباقر (ع)، قال: «هو لا إله إلّا اللّه و محمّد رسول اللّه (ص) و علي أمير المؤمنين (ع) إلى هاهنا التوحيد (6).
فهذه التفاسير المختلفة، شاهدة(7)على أن المراد بها الدين، الّا خصوص التوحيد منه؛ و ليس هذا الاختلاف مبنيّا على الباطن و التأويل، بل هو على مقتضى ظاهر التنزيل؛ و من المعلوم أنّ النّبوّة و الولاية و الاسلام، ليست فطريّات و لم يدّع أحد أنّها فطريّة.
1) . البحار 1: 151/ 30.
2) . المصدر 3: 277/ 2.
3) . المصدر 3: 277/ 4 و 5.
4) . المصدر 3: 278/ 8.
5) . المصدر 3: 278/ 9.
6) . المصدر 3: 277/ 3.
7) . و أيضا لا دلالة في لفظ «الفطرة» في الآية على الفطرة في التوحيد، الّا بضميمة تفسيرها بهذه الأخبار، و بعضها وارد في أخذ الميثاق و لا مانع أن يكون اللّه تعالى فطرهم كذلك في ذاك الوقت و لا دلالة على بقاء الفطرة بحالها بعده، إلّا بضميمة الاخبار الآتية و يأتي حالها.
فالدّين فطرة له شرعيّةو ***صبغة اللّه على البريّة
و كلّ دين أهله الفاطر له***فصار فطرة لهم و شاكلة
و ذو الجلال فاطر الإسلام***دينا، قد اصطفاه للانام
فالدّين فطرة له تعالى***شرّعه بجعله كمالا
و فطرة لنا إذ الشّريعة***صيّرها طوعا لنا طبيعة
و الدين فطرة بناه ربّنا***لا أنّه يكون فطريّا لنا
فتهتدى النّفس له جليّالو ***خلّيت و طبعها الفطريا
فهذه التفاسير كظاهر الاطلاق، شواهد على أنّ الفطرة ليست بذلك المعنى؛ فإنّ هذه الأمور ليست ممّا تهتدى إليها النّفوس عند تخليتها و بقائها على صرافتها، بل معنى الفطرة هنا حيث إنّها وصف للدّين، إنّما هو الشّرعة؛ و بهذا الاعتبار تضاف إلى اللّه فيقال: فطرة اللّه؛ كما يضاف الدين إليه، فيقال: دين اللّه.
فالدّين فطرة له تعالى، بمعنى كونه فاطره و جاعله و شارعه، فهي أيضا فطرة شرعيّة و هو باعتبار آخر: صبغة اللّه الّتي قدّرها على البريّة، و كلّ دين أهله الفاطر و المبتدع له، فصار فطرة ثانويّة لهم بطول ممارستهم و نموّهم عليه؛ و صار أيضا شاكلة لهم باعتبار تشاكلهم بشكل واحد.
و ذو الجلال بنفسه فاطر الإسلام و جاعله دينا قد اصطفاه للانام.
و قد تضاف الفطرة الى الخلق؛ كما قال تعالى:( فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها)؛ كما انّ الدين أيضا يضاف إليهم، فيقال: دينى و دين النّاس؛ فالفطرة إذن لها معنيان باعتبار الاضافتين؛ كما انّ الدين كذلك، فالدّين فطرة له تعالى؛ بمعنى أنّه شرّعه بجعله كمالا للبشر، و فطرة لنا أيضا باعتبار اضافته إلينا؛ إذ الشّريعة صيّرها اللّه طوعا و بالاختيار، لا جبرا و بالاضطرار لنا طبيعة؛ فالدّين شرعيّة و طبيعة ثانويّة، طبع اللّه عباده عليه تشريعا لا تكوينا.
ثمّ إنّه فرق بين الفطرة و الفطرى، و الدين فطرة بناه ربّنا و فطره، لا أنّه يكون فطريّا لنا، فتهتدى النّفس له جليّا لو خلّيت و طبعها الفطريّا؛ يعنى، أنّ الدين في ظاهر الآية محكوم بأنّه نفس الفطرة، باعتبار أنّه فطرة اللّه للنّاس، و بهذا الاعتبار،
و نسبة الفطريّ إليه لو ترى***أريد أنّ الدين ممّا فطرا
أو أنّه الفطريّ في القبول***تقبلها الفطرة بالعقول
أو هو طبعيّ بلا سخيمة***يلائم الطبائع السّليمة
يسمّى الاسلام «الفطرة»(1)
222/ 36).
؛ يقال: ولد على الفطرة؛ اى على الاسلام، و يقال: المرتدّ الفطرى؛ اى الّذي ارتدّ عن الاسلام بعد أن ولد فيه، و كون الدين فطرة، لا يستلزم كونه فطريا؛ فلو فرض أنّ المراد بالدّين هو التوحيد خاصّة، فلا دلالة في الآية أيضا على كونه فطريّا. و الحاصل: إنّ الدين أو الاسلام مسند إلى الفطرة (2)، لا إلى الفطرى.و نسبة الفطريّ إليه لو ترى في بعض الموارد، أريد به احدى المعاني الثلاثة:
إمّا أنّ الدين ممّا فطرا؛ اي ممّا فطره اللّه و جعله فطرة للنّاس؛ أو أنّه الفطرىّ في القبول، تقبلها الفطرة بالعقول؛ يعني، أنّ قبوله بعد الثبوت بالبيّنة من فطريّات العقول، فهو فطرى القبول؛ أو هو طبعيّ بلا سخيمة فيه، يلائم الطبائع السّليمة عن حبّ الشهوات أو شوب الظلمات؛ يعني، أنّ الدين قد جعل فطريّا؛ أي طبعيّا، إذا الفطرة تأتي بمعنى الطبع أيضا؛ يعني، أنّه روعى في صبغه و صوغه من القوانين و الاحكام ما يلائم الطباع و يوافقها، حيث لم تكلّف نفس إلّا وسعها و لم يجعل فيه عسر و حرج و غير ذلك. و الفرق بين الوجهين ظاهر، فأنّ الأوّل بمعنى أنّه فطرى القبول للعقول، و الثاني أنّه فطريّ الطباع و مقبول الطباع. فافهم!ة.
1) . في الكافي باب كراهيّة الرهبانيّة عن الصادق (ع) في شكاية امرأة عثمان بن مظعون، قال: قال رسول اللّه (ص): يا عثمان! لم يرسلني اللّه بالرّهبانيّة و لكن بعثني بالحنفيّة السهلة السمحة، أصوم و اصلّى و المس اهلى، فمن أحبّ فطرتي فليستنّ بسنّتي و من سنّتي النكاح.» (البحار 22: 263/ 3). و عنه (ع) أيضا قال: قال رسول اللّه (ص): «من احبّ أن يكون على فطرتي فليستن بسنّتي، و انّ من سنتي النّكاح.» (المصدر 103:
2) . فيقال: الدين فطرة و الاسلام فطرة، و لا يقال: الدين فطريّ و الاسلام فطرىّ؛ فانّ الفطرى هو المنسوب الى الفطرة و المنسوب الى الفطرة غير الفطرة.
و أمّا الأخبار فحملها على***ما قلت في الآيات ليس مشكلا
و أمّا الأخبار فحملها على ما قلت في الآيات ليس مشكلا للنّاظر فيها بعين التأمل، فلتحمل أيضا على فرض تماميّتها على احدى المعاني الثلاثة المذكورة، لكنّها غير تامّة.
فمنها: ما استشهد فيه بقوله تعالى:( وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ...)؛ فعن ابي هاشم الجعفري عن أبي جعفر الثاني (ع)، قال: قلت: «قل هو اللّه أحد»، ما معنى الأحد؟
قال (ع): المجتمع عليهم بالوحدانيّة يقول:( وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، بعد ذلك له شريك و صاحبة.» (1)
و في رواية اخرى له: «ما معنى الواحد؟ قال (ع): الّذي اجتماع الالسن عليه بالتوحيد؛ كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ »(2).
وجه دلالتها على مرادهم: أنّ المراد بالمجتمع عليه، اجتماع الكلّ من المنكر و المقرّ، و لا يتمّ من المنكر إلّا بالفطرة؛ و لكنّه غير صريح في ذلك و لا ظاهر؛ بل المراد اجتماع المقرّين من المخلصين و المشركين. و يؤيّده قول موسى بن جعفر (ع) في جواب هارون، حين سأله عن معنى الزنديق، فقال (ع):
«هو الراد على اللّه و على رسوله ...؛ إلى أن قال: هم الملحدون، عدلوا عن التوحيد إلى الإلحاد ...؛ إلى ان قال: أوّل من تزندق و الحد ابليس ...؛ الى ان قال:
و يشهدون أنّ لا إله إلّا اللّه؛ كما وصفهم اللّه في قوله: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ ... )(3)فإنّه صريح في أنّ المخاطب بالسئوال، المقرون مع
الإنكار، أو المنكرون مع الإقرار، بل قول أبي جعفر (ع) في رواية الأولى (: ... بعد ذلك شريك و صاحبة»؛ اى بعد الإقرار بأنّ خالق السموات و الارض هو اللّه أيضا) ظاهر في أنّ جوابهم بالاعتراف في قوله تعالى: (لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، شهادة عن الاعتقاد و الإقرار، لا التفات إلى الفطرة بعد الإنكار.
و منها: ما عن زرارة في عدّة روايات عن الباقر و الصادق- عليهما السلام-، في قوله تعالى:( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ ..)(1)، و قوله:( وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ... )(2)، و في بعضها. استشهاد أيضا بقوله:( وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ...).
فعنه [زرارة] عن الباقر (ع): ما الحنيفة؟ قال (ع): «هي الفطرة الّتي فطر النّاس عليها، فطر اللّه الخلق على معرفته.» (3)
و في اخرى: «فطرهم اللّه على المعرفة.» .(4)
و في اخرى، عن قوله تعالى: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها)، قال (ع):
«فطرهم على معرفة أنّه ربّهم، و لو لا ذلك، لم يعلموا إذا سئلوا من ربّهم و من رازقهم؟» (5)
و خاطبهم؟ قال: فطأطأ رأسه، ثمّ قال: لو لا ذلك، لم يعلموا من ربّهم و لا من رازقهم.» (6)
«فعرّفهم نفسه و اراهم نفسه، و لو لا ذلك، ما عرف احد ربّه، و ذلك قوله: (وَ لَئِنْ7.
سَأَلْتَهُمْ ...)(1).» و ليس فيها الاستشهاد بحديث كلّ مولود.
و في اخرى عنه (ع) في اخذ الميثاق: «و اخذ عليهم الميثاق بالرّبوبيّة و لمحمّد (ص) بالنّبوّة؛ ثمّ كفل لهم الارزاق، و انساهم رؤيته، و اثبت في قلوبهم معرفته.» (2)
و في اخرى عن ابي عبد اللّه (ع)، قلت: كانت رؤية معاينة؟ قال (ع): «ثبتت المعرفة في قلوبهم و أنسوا ذلك الميثاق و سيذكرونه بعد، و لو لا ذلك، لم يدر احد من خالقه و لا رازقه.»(3)هذا برواية العياشي؛ و برواية المحاسن، قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن قول اللّه تعالى:( وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ...)، قال (ع): «ثبتت المعرفة في قلوبهم و نسوا الموقف و سيذكرونه يوما؛ و لو لا ذلك، لم يدر احد من خالقه و لا من رازقه.» (4)
و هذه كلّها روايات زرارة.
قال (ع): «نعم، فثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه؛ و لو لا ذلك، لم يدر أحد من خالقه و رازقه؛ فمنهم من اقرّ بلسانه و لم يؤمن بقلبه، فقال اللّه: (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ....)(5)»
و هذه الروايات كما ترى، بعضها غير آب عن الحمل على الفطرة التشريعيّة؛ كالأولى و الثانية في السؤال عن الحنيفيّة؛ و البواقي إنّما يتوهم إبائها عن ذلك لمكان قوله (ع): «و لو لا ذلك لم يدر احد»؛ و قوله (ع): «ثبتت المعرفة في قلوبهم»؛ و هذا ظاهر في أنّ الفطرة، فطرة قلبيّة نفسيّة؛ و لكن بعضها كالصّريح في اختصاص ذلك بعالم الذر6.
عند أخذ الميثاق، كالرّابعة.
و يؤيّده ما عن ابي بصير، قلت لابي عبد اللّه (ع): كيف علموا القول حيث قيل لهم:( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ )(1)؟
قال (ع): «إنّ اللّه جعل فيهم ما اذا سألهم اجابوه؛ يعني، في الميثاق.» (2)و في اخرى عنه (ع) في قوله:( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، قلت: قالوا بلى بألسنتهم؟ قال (ع): نعم، و قالوا بقلوبهم. فقلت: و ايّ شيء كانوا يومئذ؟ قال (ع): صنع منهم (3)ما اكتفى به.» (4)
فهذه الجملة (و لو لا ذلك ...)، لا يمنع من حمل جميعها على الاختصاص بذلك الوقت؛ لأنّه تعالى اراد أن يسألهم و يأخذ منهم الميثاق، فلا بدّ ان يفطرهم بوجه يعرفونه فيجيبونه، إلّا أنّ قوله (ع): «ثبتت المعرفة ...»، ربما ينافي ذلك.
و هذه الجملة، اظهر جملة فيها يتخيّل شهادتها على مراد المدّعين؛ لكنّها لو ابقيت على ظاهرها لزم منها الدعوى الكاذبة، لان هذه الروايات تنبئ عن امر واقعيّ عام، فلا بد له من شاهد ظاهر في النّفوس، لأنّها تدّعي ثبوتها لها، مع أنّه شيء لا يجده المقرّ في نفسه و لا المنكر.
امّا المنكر، فظاهر؛ و امّا المقرّ، فلأنّ احدا من المقرّين لا يرى في نفسه استناد اقراره الى فطرته؛ بل إمّا مستند الى تحقيقه و استدلاله، او الى رسوخه فيه بحسب نشوه في اهل الإقرار؛ فكيف يمكننا تصديق دعوى شيء على انفسنا، مع أنّا لا نرى في وجداننا منه اثر؟ و لا مجال للحمل على أنّها مخفيّة أو منسيّة؛ لأنّ ظاهر قوله (ع):
«فثبتت المعرفة و نسوا ذلك الموقف ...»، بل صريحه، أنّ المعرفة غير منسيّة، و أنّ المنسيّ هو الموقف؛ و لازم ذلك الدعوى، أنّهم ينكرون ما يعرفون، و لازمه انحصار الانكار و الكفر في الجحود. و عليه، فلا يبقى محلّ لطرو الإلجاء و الاضطرار إلّا لأجل الإلجاء إلى الإقرار؛ فلا بدّ حينئذ من صرفها عن ظاهرها خروجا من لزوم الكذب.
و الوجه الصحيح، أن تحمل على أنّ الثابت هو التمكّن من المعرفة لا نفسها؛ يعني،0.
أنّه تعالى لمّا عرّفهم نفسه و اراهم صنعه و جعل فيهم ما اذا سألهم، اجابوه و مكّنهم من المعرفة و القبول؛ ثمّ استنطقهم فاجابوه، و اخذ منهم الميثاق فاطاعوه؛ رفع عنهم تلك الاحوال و انساهم ذلك المشهد؛ و لكن ابقى فيهم ذلك التمكّن من تحصيل المعرفة و ادراكها و قبولها. فهذه الاخبار ردّ على القائل بالجبر و منكر الاستطاعة.
و امّا استشهاد الباقر (ع) في الحديث الخامس بقوله: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ... فإنّه أيضا لا يستقيم بظاهره؛ و يرد عليه ما اوردنا على قوله (ع): «... ثبتت المعرفة ...»؛ فإنّ المسئولين لو كانوا هم المشركين، فقد عرفت أنّ إقرارهم ليس مستندا إلى الفطرة و لا عن تذكّر الفطرة، و لا عن كونهم مولودين على الفطرة، و لا عن أنّه اراهم في عالم الذر نفسه و صنعه، و لو كانوا هم الغافلين.
فمع أنّ، الحديث الثامن اثبت أنّهم لا يؤمنون؛ و مثله روايات أخرى في اخذ الميثاق، أنّ منهم من آمن و منهم من جحد، و من جحد هناك لم يؤمن هنا، فكيف يمكن نسبتهم إلى الفطرة على الاقرار؟ مع أنّهم لم يؤمنوا هناك، لم يكن اقرارهم أيضا لو اقرّوا مستندا الى الفطرة، قابل الى الاحتجاج و الاستدلال بعد السؤال. فلا بدّ لهذا الاستشهاد أيضا من محمل، و المحمل أيضا ما ذكرنا؛ و توجيهه، أنّه (ع) اراد أنّه تعالى لمّا اراهم صنعه و عرّفهم نفسه بما صنع منهم ما يعرفون، ليعرفوا الخالق و الرازق عن غيره، و ثبتت الاستطاعة و التمكّن من المعرفة و تميز الخالق عن غيره؛ و لم يرفع ذلك عنهم حتّى أنّهم ولدوا أيضا على هذه الفطرة من التمكّن و التمييز، فلذلك لئن سألتهم؛ يعنى، هؤلاء المشركين، من خلق السّماوات و الأرض؟ فمع أنّهم يعبدون الأصنام، ليقولنّ اللّه دون الأصنام، لأنّهم يتمكّنون من معرفة الخالق و الرازق و تمييزه عن غيره فقوله (ع): «يعني، على المعرفة بأنّ اللّه- عزّ و جلّ- خالقه في تفسير قوله (ص): «يولد على الفطرة»، يحمل على التمكّن على المعرفة.
و منها: قوله (ص): «كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون ابواه يهوّدانه و ينصّرانه»(1)؛ و الظاهر من السيد المرتضى (ره) أنّه ممّا نقله العامة و الخاصّة، و هو أيضا2.
1) . البحار 3: 281/ 22.
لا يدلّ على مرادهم؛ فانّ الفطرة هنا لا يراد بها فطرة معرفة الصانع، بقرينة يهوّدانه و ينصّرانه، إذ اليهود و النّصارى مقرّون بالرّب؛ بل المراد بها الفطرة الأوليّة؛ أي الطبيعة السّاذجة الصرفة الخالية، الّتي يتمكّن معها من قبول الحق و تمييز الباطل.
و يؤيّده (1)ما في الكافي عن ابي عبد اللّه (ع)، قال: «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق النّاس كلّهم على الفطرة الّتي فطرهم عليها، لا يعرفون ايمانا بشريعة و لا كفرا بجحود، ثمّ بعث اللّه الرسل تدعو العباد إلى الأيمان به، فمنهم من هدى اللّه و منهم من لم يهد اللّه.» (2)
و منها (3): خطبة الرضا (ع) بمحضر المأمون: «بصنع اللّه يستدلّ عليه، و بالعقول تعتقد معرفته، و بالفطرة تثبت حجّته ...»(4)؛ لكنّ هذه الخطبة توافق خطبة امير- المؤمنين (ع) في اكثر العبارات، و هذه العبارة بعينها في خطبته (ع) موجودة، و فيها:
«بالفكر تثبت حجّته» (5)و عن جامع الأخبار أيضا عن امير المؤمنين (ع): «و بالتّفكر تثبت حجّته»؛ فاحتمال التصحيف في خطبة الرضا (ع) ظاهر؛ مع أنّ ثبوت الحجّة بالفكر، اظهر و انسب من ثبوته بالفطرة. مع أنّه لا يبقى بعد قوله (ع): «بصنع اللّه يستدلّ عليه و بالعقول تعتقد معرفته» للفطرة معنى و لا مجال، خصوصا أنّه (ع) قال (بلا فصل): «جعل الخلق دليلا عليه فكشف به عن ربوبيّته»، فلو كانت الفطرة ثابتة و بها تثبت الحجّة، فأيّ معنى بعدها لجعله الخلق دليلا عليه و كاشفا عن ربوبيّته؟
و لو بنينا على أنّ العبارة غير مصحّفة، فالفطرة قابلة للحمل على الشّرع و الدين، فالمعنى أنّ بشرعه تعالى الدين؛ كما قال تعالى:( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً ... )(6)، ثبتت حجّته؛ كما قال:( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ... )(7). و يمكن أن تكون الفطرة من الفطور بمعنى الحدوث؛ كقوله اي الرضا (ع) أيضا: «مستشهد بكلية الأجناس على ربوبيّته، و بعجزها على قدرته،5.
و بفطورها على قدمته.» (1)فالمعنى أنّ بحدوث الاشياء الّذي يرى بالعيان ثبتت حجّته، فإنّ الحدوث، حجّة على ثبوت المحدث.
و منها: مكتوب الرضا (ع) الى فتح بن يزيد الجرجاني: «الحمد للّه الملهم عباده الحمد، و فاطرهم على معرفة ربوبيّته، الدال على وجوده بخلقه، و بحدوث خلقه على ازليّته ...» (2)، و الفطرة هنا، إمّا تشريعيّة: اي جعل معرفته فطرة و صبغة لهم فدعاهم إليها؛ او طبيعية، و لكن الطبيعة الإطلاقية القابلة لكلّ شيء؛ اي جعلهم مفطورا على قبول معرفته بالاستدلال؛ كما قال (ع): «الدال على وجوده بخلقه ...»
و منها: خطبة امير المؤمنين (ع): «فبعث اللّه فيهم رسله، و واتر إليهم انبيائه ليستأدوهم ميثاق فطرته ...»(3)؛ و الفطرة هنا، ظاهرة في التشريعيّة، و المراد بها الدين كلّه لا خصوص الإقرار بالصّانع؛ اذ الأنبياء لم يبعثوا لخصوص ذلك، و كثير منهم بل اكثرهم، إنّما بعثوا الى قوم مقرّين؛ فالمراد، أنّهم بعثوا ليستأدوا النّاس ما اخذ اللّه ميثاقهم عليه ممّا جعل لهم فطرة، و هو الدين كلّه. هذا، مع انّ سيرة الأنبياء (ع)، كانت على الاحتجاج و الاستدلال؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «الّذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحدّ و لا ببعض، بل و صفته بافعاله و دلّت عليه بآياته ...» (4)لا على مطالبتهم بالتّوحيد و ايكالهم الى فطرتهم.
فان قيل: «إنّ الاستدلال كالاضطرار، نوع من كشف الغطاء عن الفطرة المغشيّة»؛ قلت: «اذا كانت الفطرة بهذه الحيثيّة من الخفاء لكلّ احد، حتّى يحتاج في ازالتها الى الاستدلال، فأيّ فائدة للفطرة؟ مع أنّه على هذا، لا وجه لتخصيص التوحيد بالفطرة كما تقدّم؛ اذ كلّ شيء يرفع غطائه بالاستدلال، فكلّ قضيّة إذن فطريّة.
و منها: ما في «تفسير الامام (ع)» و «الإحتجاج» من استدلال الصادق (ع) بركوب السفينة، و حيث إنّ هذا الحديث اظهر الكلّ في بادي النظر و اعمدها عند مدّعي الفطرة، تعرّضت في النظم لذكره بالخصوص، فقلت:
و ما عن الصادق (ع): «هل ركبت*** قطّسفينة؟» فالمستدلّ قد خلط
إذ ليس فيه ذكر فطرة و لا***بها الإمام العسكريّ علّلا
و لا عن إنكار سؤال السّائل***بل حار فيه فاشتهى أن ينجلى
و ما عن الصادق (ع): «هل ركبت قطّ سفينة؟» فالمستدلّ قد خلط في فهم المراد؛ فاستدلّ بما لا دلالة فيه على ما اراد، و الحديث هذا:
«قال الإمام العسكري (ع) في تفسير «بسم اللّه الرحمن الرحيم»:
اي استعين على امورى كلّها باللّه الّذي لا تحقّ العبادة إلّا له، المغيث اذ استغيث، و المجيب اذا دعي؛ و هو ما قال رجل للصادق (ع): يا ابن رسول اللّه (ص)! دلّني على اللّه ما هو؟ فقد اكثر عليّ المجادلون و حيّروني. فقال (ع): يا عبد اللّه! هل ركبت سفينة قطّ؟ قال نعم، قال (ع): فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك و لا سبّاحة تغنيك؟ قال: نعم، قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئا من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟
قال: نعم، قال الصادق (ع): فذلك الشيء هو اللّه القادر على الانجاء حيث لا منجى، و على الإغاثة حيث لا مغيث.» (1)
و امّا بيان خلط المستدلّ: فهو أنّ الحديث بنفسه غير صريح في الفطرة؛ و استظهارها منه استنباطيّ محض، و مقدّماته كلّها وهمية فرضيّة؛ إذ ليس فيه و في كلام الصادق (ع) ذكر فطرة صريحا، و لا بها الإمام العسكري (ع) استند في كلامه و علّلا كلامه بكلام الصادق (ع)، حتّى يستفاد منه الفطرة بقرينة التعليل و الاستشهاد؛ بل هو (ع) إنّما فسّر معنى «اللّه»: «بأنّه المغيث إذ استغيث حيث لا مغيث، و المجيب اذا دعى حيث لا مجيب» ثم استشهد له بقول الصادق (ع): «فى انّه المغيث حين لا مغيث» فليس هو (ع) في مقام الفطرة؛ و لا عن إنكار للصانع وقع سؤال السّائل حتّى يكون انكاره قرينة على انّ الصادق (ع) كان بصدد اثباته له بالفطرة؛ بل الظاهر من قوله:
«فقد اكثر عليّ المجادلون و حيّروني» أنّه كان من المقرّين و أنّه حار فيه بسبب اختلاف
1) . البحار 92: 232/ 14.
أراد أن يعرف ما هويّته***جسم و صورة؟ و ما كيفيّته؟
اجابه بما به قد التجى***مع فقد ما به النّجاة يرتجى
بايّ شيء كان قد تعلّقا***قلبك إذ خفت عليك الغرقا
فهل هناك كان في الخيال***من جسم أو صورة أو مثال؟
فهو الّذي تعلّق القلب به***بلا تكيّف و لا تشبّه
و لو بنى الخصم على المنازعة***فإنّها قضيّة في واقعة
فلا عموم بل و لا محال***أن كان إلهام أو استدلال
المختلفين فيه، من أنّه جسم أو صورة أو غير ذلك؛ فاشتهى أن ينجلى عليه ذاته؛ فقال: «دلّني على اللّه» فإنّه إنّما يقال: دلّني على فلان، بعد المعرفة به و الجهل بمكانه او باحواله لا في مقام انكار شيء و طلب الدليل على اثباته؛ الا ترى الزنادقة كانوا يقولون: ما الدليل على اثبات الصانع؟
فالسّائل انّما سأل عن الذات، لا عن الاثبات، اراد أن يعرف ما هويّته تعالى، أ هو جسم و صورة؟ أم لا؟ و أنّه ما كيفيّته؟ فعند ذلك اجابه (ع) بما ابتلى به، من ركوب السّفينة و وقوعه في الاضطرار الملجئ له الى الالتجاء به تعالى، و أنّه تعالى، هو الّذي قد التجى به مع فقد كلّ ما به النّجاة يرتجى؛ فكأنّه (ع) قال: بايّ شيء كان قد تعلّقا قلبك إذ خفت عليك الغرقا؟ فهل هناك كان في الخيال، من جسم أو صورة أو مثال؟
فهو الّذي تعلّق القلب به بلا تكيّف و لا تشبّه.
و لو بنى الخصم على المنازعة، و اصرّ على أنّ السّائل كان من المنكرين، و أنّ الجواب من الإمام (ع)، جواب استدلالي، و لا يتمّ الاستدلال إلّا بالفطرة؛ لقلنا جوابا عنه: فإنّها قضيّة في واقعة خاصّة، و اتّفاق خاصّ وقع لهذا الشخص بالخصوص؛ و قد علم الإمام (ع) به فاستدلّ له بمقتضى حاله، فلا عموم فيها بنصّ لفظيّ تدلّ على أنّ كلّ منكر يتّفق له عند الاضطرار هذا لاتّفاق؛ بل و لا محال أن كان قد اتّفق لهذا الرجل أيضا، إلهام خاص من اللّه؛ فانّه تعالى مقلّب القلوب، فوجّه قلبه إليه عناية به أو كان منه استدلال بعجزه في تلك الحال الى القادر المتعال؛ و قد علم به الامام (ع)، فنبّهه على تلك الحال و استدلّ له به؛ إذ لا صراحة في نصّ الخبر، على أنّ ظهور الحقّ عليه
كان بسبب بدوّ الفطرة عن غطائها و ظهورها بعد خفائها (1).
هذا تمام الكلام في الفطرة و شواهدها. و قد تحصّل: أنّ هذه الدعوى غير تامّة لا في نفسها، لأنّها دعوى على ما لم يكن من دون شاهد له، لا من الوجدان و لا من العيان، و لا في شواهدها لورودها لغير هذا الشّأن.
بل التحقيق: أنّ هذه الدعوى، يكذبها ما هو المعلوم المعهود بل المشهود من فطرة ارباب العقائد المختلفة و سيرتهم؛ فإنّا نرى أنّ كلّ صاحب عقيدة إنّما يتوجّه عند الجائه و اضطراره الى ما يعتقده، فيتوسّل به أو إليه، و لا يرجع أحد منهم الى الحق؛ فكيف تصدّق الفطرة في خصوص المنكر الجاهل من غير عيان و لا شاهد؟ بل مقتضى وحدة الطبائع أنّه لا يرجع الى شيء، لأنّه موقن بعدم قاهر غير عادي بعد انقطاع الاسباب. اللّهم إلّا أن يشاء اللّه شيئا وسع ربّي كلّ شيء علما، نعم يرجع إلى اللّه و الى الحقّ، كلّ اهل باطل عند ظهور آثار الموت و معاينة العذاب؛ كما دلّت عليه السنّة و الكتاب، لكنّه من جهة المعاينة لا الفطرة، و اين هذا من تلك؟
فتبصّر كيلا يشبّهون عليك الأمر؛ كما أنّهم كثيرا ما يدلّسون أو يشبّهون هذه الفطرة، بالفطرة العقليّة و الفطرة الاستدلاليّة، فإنّ الانسان مفطور على التحقيق و مجبول على الاستدلال، حتّى أنّ ذلك مودع في الأطفال، و لكن اين هذه أيضا من تلك؟ فلا يغرّنك ما يأتون به من الامثال، فإنّ كلّها من امثلة فطرة الاستدلال لا فطرة الانتقال عند شدّة الحال.ل!
1) . و نضيف أيضا على ما ذكرنا، وجهين آخرين، نثبت بهما أنّ السائل لم يكن من المنكرين و أنّ الصادق (ع) لم يكن مجيبا له بالفطرة: الاوّل: الفطرة عند القائل، من دلائل التوحيد، فاذا زال المانع عن ظهورها بسبب الاضطرار عن خفائها و ظهرت آثارها، سيحصل اليقين؛ لأنها من الدلائل القطعيّة، و المفروض أنّ هذا السّائل، قد ابتلى بالاضطرار و برزت فطرته عن الستّار و حصل له العلم في تلك الحال بالمبدإ الفعال، فكيف يمكن مع ذلك فرضه منكرا أو زنديقا؟ الثاني: أنّ العسكري (ع) إنّما استشهد بقول الصادق (ع) تأييدا و تمثيلا لما قرّره من أنّه تعالى مجيب لمن دعاه و مغيث لمن استغاث به، و لا يستقيم هذا الاستشهاد إلّا بأن كان هذا السائل قد دعى اللّه حين ابتلائه بالغرق، فاجابه و استغاث به فاغاثه و نجاه؛ و مع ذلك فكيف يمكن فرض كونه منكرا و كون الصادق (ع) مجيبا ايّاه بالفطرة؟ و اين يبقى بعد ذلك موقع للاستشهاد بكونه مجيبا لمن دعاه مغيثا لمن استغاث به؟ فافهم و تعقّل!
و العقل عمّ في الطريق و انحصر***طريقه العام ببرهان الأثر
و كلّ مسلك هنا مختار***يؤول تحقيقا إلى الآثار
و كالحدوث نسبة الإمكان***تلازما و ذان إنّيان
و المسلك الأوّل للكلاميّ***و الثاني للحكيم ذو اهتمام
و هو لديه اشرف الطريق***يزعمه طريقة الصديق
يبدأ بالتّقسيم للوجود***فيثبت الواجب في الموجود
و العقل عمّ في الطريق، و لا يخصّ بوقت خاصّ؛ و شخص خاصّ كالكشف و الفطرة على فرض تماميّتها؛ و انحصر طريقه العام ببرهان الأثر، و يسمى ب «برهان الإنّ» و هو ان يستدلّ من الاثر الى المؤثّر و من المعلول الى العلّة».، و طريق العقل عندنا منحصر بهذا الوجه.
و كلّ مسلك هنا مختار لقوم يسلكونه في الاستدلال، و ان كانوا يسمّونه باسم خاصّ؛ فهو يؤول تحقيقا؛ اي عند التحقيق، إلى الآثار و كالحدوث نسبة الإمكان؛ اي نسبتهما نسبة واحدة، و كلاهما من برهان الأثر؛ اذ كلّ شيء أو كلّ وصف يستدلّ به على وجود الصانع تعالى، فهو اثر من آثاره، فليس غير برهان الأثر شيء.
فتسمية الحكماء طريقة المتكلّمين خاصّة ببرهان الأثر دون طريقهم، خطاء؛ كما قلت، فهما سيّان شأنا و رتبة، و قد تلازما أيضا، فكلّ حادث ممكن و كلّ ممكن حادث، و مع التلازم، فهما في رتبة واحدة. فكلّ شأن كان لاحدهما، كان للآخر، فان كان الاستدلال بالحدوث يعدّ من برهان الأثر، كان الاستدلال بالإمكان أيضا كذلك؛ فإنّ الإمكان اثر للواجب؛ كما أن الحدوث اثر للقديم، فهما في الحكم سيّان.
و ذان إنّيّان؛ يعني، كليهما من برهان الإنّ؛ و المسلك الأوّل للكلاميّ، فانّه يستدلّ بحدوث الاشياء على وجود القديم؛ و الثاني للحكيم، فإنّه يستدلّ بامكان الاشياء على وجود الواجب. و هذا الثاني، ذو اهتمام و مزيّة عنده، يتبختر به و يغلو فيه
لكن طريق اللّه في القرآن***ليس على الوجوب و الإمكان
و لا لأهل البيت كالخليل***فيما سوى الآثار من دليل
أ ليس هؤلاء صدّيقينا***أهم غدوا به مصدّقينا؟
لا ذا و لا ذاك بل الحكيم***على شموخ فنّه مقيم
و إن بنى دعواه الأشرفيّة***على مزيّة، فما المزيّة غلوّا
فاحشا؛ كما قلت:
و هو لديه أشرف الطريق يزعمه طريقة الصدّيق، حيث يقول: إنّ هذا النّحو من الاستدلال، طريقة الصدّيقين يبدأ أوّلا: بالتّقسيم للوجود، فيقسمه الى «الواجب» و «الممكن»، فيثبت بذلك وجود الواجب في الموجود من الاشياء؛ كما سنقرّره.
و قد ابطلت أوّلا غلوّه و دعوى اشرفيّته و كونه طريقة الصدّيقين، فقلت:
لكن «طريق اللّه» في القرآن ليس على «الوجوب» و «الامكان» و لا لأهل البيت؛ كالخليل أيضا و غيره من الأنبياء (ع) فإنّه ليس لهم فيما سوى الآثار من دليل؛ فإنّا كلّما رأينا منهم من البرهان، إنّما هو الاستدلال بالآثار، دون الوجوب و الإمكان؛ أ ليس هؤلاء صدّيقينا؟ حيث لم يسلكوا هذا الطريق في احتجاجهم، أم هم؛ يعني، انفسهم خاصّة، غدوا به مصدّقينا؟ فكان هذا طريقا لانفسهم، يعتقدون به اللّه- عزّ و جلّ-، و ذاك طريقا لهم للاثبات على غيرهم لئلّا يخرجوا عن الصديقين، لا ذا و لا ذاك، جلّ شأنهم ان لا يكونوا من الصدّيقين أو يكونوا بالوجوب و الإمكان مصدّقين؛ بل الحكيم شأنه الغلوّ في نفسه و في مذهبه و هو على شموخ فنّه مقيم؛ ان هو إلّا كبر في صدورهم ما هم ببالغيه؛ فاستعذ باللّه من الشّيطان الرجيم.
و ان بنى الحكيم دعواه الأشرفيّة على مزيّة يدّعيها في طريقته، فما تلك المزيّة المتوهّمة؟ غير أنّهم يدّعون أنّ طريقهم الاستدلال من العلّة إلى المعلول، و هو اشرف من الاستدلال بالمعلول على العلّة، لتقدّم العلّة و سبقها على المعلول و فاعليّتها له؛ و لذلك يناسب تسمية الموقن المصدّق بهذا التصديق بالصدّيق.
و لكن هذه الدعوي فاسدة، اذ ليس طريقهم إلّا تقسيم الوجود الى «الواجب» و «الممكن»؛ ثمّ الاستدلال بالممكن على الواجب، فأيّ شيء منه علّة و ايّ شيء معلول؟ فان اريد انّ المأخوذ في هذا الدليل و هو الإمكان، علّة بالنّسبة الى المأخوذ في ذلك الطريق و هو الحدوث؛ ففيه، أنّ الحدوث و الإمكان كما قلنا، وصفان،
فلا الوجود علّة الحدوث***و لا لذات الصانع المبحوث
و لا لتقسيم الوجود أوّلا***مزيّة لا ينبغي أن تهملا
مع أنّه المراد للكلامي***أغنى وضوحه عن الإعلام
إذ الحدوث عارض الموجود***كغيره فكان كالمعهود
متلازمان، متقارنان في عروضهما على الشيء، لا يكون احدهما علّة للآخر، بل كلاهما معلولان في الوجود لشيء ثالث.
نعم، الإمكان اعمّ من الحدوث لصدق الممكن على ما لم يكن دون الحادث؛ لكنّه باعتبار الإمكان الذاتي و أنّه يمكن ان يوجد. و على كلّ حال، فالإمكان ليس علّة لحدوث الحادث، و ان اريد بالعلّة، الوجود، فلا الوجود علّة الحدوث، ان اريد العليّة بالإضافة إليه، و لا لذات الصانع المبحوث عنه، الّذي هو المدلول و المستدلّ عليه، و لا تخلوا عليّته عن احد الأمرين؛ و لا لتقسيم الوجود أوّلا مزيّة مهمّة توجب شرافة الطريق، بحيث لا ينبغي أن تهملا، و إنّ اهماله يضرّ بالاستدلال، مع انّه المراد للكلامي أيضا؛ فانّه أيضا ينظر الى تقسيم الوجود أو الموجود إلى الحادث و القديم، و لكنّه لم يصرّح به ايكالا الى وضوحه، و قد أغنى وضوحه عن الإعلام به؛ إذ الحدوث عارض الموجود أو الوجود كغيره؛ اعنى الامكان، و المأخوذ في الدليل و المستدل به هو الموجود الحادث، كالموجود الممكن، لا الحدوث بما هو حدوث فكان امر هذا التقسيم كالمعهود.
فالمتكلّم استغنى بوضوح التقسيم عن التصريح به، و ربما صرّح به بعض أيضا. و الحكيم اراد تبعيد المسافة؛ كما أنّ بعضهم بعّد المسافة ازيد من ذلك؛ فقسم المتصوّر في الذهن، أوّلا: إلى ما يجب وجوده في الخارج و ما يمتنع وجوده، و ما ليس بواجب و لا ممتنع؛ او بعبارة اخرى: إلى ما يمتنع وجوده و ما لا يمتنع، ثمّ الّذي لا يمتنع وجوده، فإمّا أن يجب وجوده أو لا يجب؛ و بوجه آخر: ما لا يمتنع وجوده إمّا ان يكون موجودا أو ليس بموجود، لا كلام فيما ليس بموجود؛ كما لا كلام في الممتنع، و ما كان موجودا إمّا أن يجب وجوده، او، لا، و هو الممكن.
و هذه التقسيمات كلّها، مقدّمات استطراديّة، لا دخل في اصل الدليل و البرهان؛ و إنّما يتوقّف البرهان على الحادث الموجود المستلزم للقديم، او الممكن الموجود المستلزم لواجب الوجود.
بل الحدوث واجد المزيّة***صغراه كالكبرى بدت جليّة
يفي بالأجزاء و بالكلّ معا***وليس الإمكان جليّا جامعا
فتحصّل: أنّ طريقة الحكيم، لا مزيّة لها على غيرها، و لا الاستدلال فيها استدلال من العلّة. نعم، قد يوجّه العلّة بناء على اصلهم الفاسد من اصالة الوجود و وحدته الحقيقيّة؛ فحقيقة الوجود عندهم، ليس إلّا واحدا، و هو اللّه؛ فهو العلّة للماهيّات الاعتباريّة و الحادثات الإمكانيّة. فعلى طريقة الحكماء، حيث كان النّظر الى الوجود، و هو في الواقع واحد و علّة كلّ موجود، فالاستدلال بحسب الواقع و لبّ الأمر، استدلال من العلّة، و إن كان في الظاهر تقسيم الى الواجب و الممكن.
و لكن هذا التوجيه أيضا مضافا الى فساد اصله غير وجيه، لعدم موافقته:
أوّلا: لما قرّروا من دليلهم؛ فإنّ الدليل الّذي قرّروه، ظاهر في الاستناد الى الممكن و جعله مستلزما للواجب لا إلى الوجود، و محض كونه لبّا هو الأصل، لا يوجب كونه هو الأصل في الدليل أيضا، مع كونه مغفولا فيه.
و ثانيا: لو تمّ هذا الوجه و صحّ في نفسه، فلا اختصاص له أيضا بالحكيم؛ اذ للمتكلّم ان يقول بمثله أيضا و ان كان يستدلّ بالحدوث فإنّه كما عرفت، لا ينفكّ عن تقسيم الوجود، و الاصل المذكور اصل مسلكيّ يسلكه الحكيم و المتكلّم معا.
و إذا تبيّن لك عدم مزيّة لطريقة الحكيم على طريقة المتكلّم، فاسمع الآن لمزيّة طريقة المتكلّم عليها؛ كما قلت: بل الحدوث و الاستدلال به في طريقة المتكلّمين واجد المزيّة من جهات:
اوليها: أن صغراه كالكبرى بدت جليّة؛ اي ظاهرة بديهيّة، و هي من المزيّات البرهانيّة؛ فانّ البرهان، كلّما كانت صغراه و كبراه اجلى، كان البرهان ابهى و اعلى، و برهان الحدوث كذلك بكلتا مقدّمتيه؛ فإنّ صغراه: «أنّ الاشياء حادثة»، و هي وجدانيّة ظاهرة، و كبراه: «و هي كلّ حادث يحتاج الى المحدث»، أيضا وجدانيّة لا خفاء فيه. و امّا برهان الإمكان، فليس كذلك؛ فانّ صغراه: «و هي انّ الأشياء ممكنة»، غير ظاهرة، بل تحتاج الى الأثبات و البيان و كذا كبراه: «و هي كلّ ممكن محتاج الى الموجد» فهي أيضا غير ظاهرة كظهور كلّ حادث يحتاج الى المحدث.
انكر الإمكان للافلاك و ما***يشبهها كالنّفس بعض الحكماء
كذاك لا يفي بدفع الأزليّ***إذ عنده الوجوب للكلّ جليّ
بل لا يفي شيئا بلا انضمام***بغيره من موضح المرام
ثانيتها: أنّ برهان الحدوث، يفي بالأجزاء و بالكلّ معا؛ فكما يمكن جمع الموجودات بأسرها دفعة في الدليل بان يقال: «العالم حادث»، كذلك يمكن انفراد كلّ جزء على حدّه في الدليل و اثبات صانع له، بان يقال: «هذا الشيء حادث فيحتاج الى المحدث»؛ فهذا الدليل اشمل، و كلّما كان الدليل اشمل، كان اجمل و اكمل و ليس برهان الإمكان جليّا؛ كما عرفت و لا جامعا، لأنّ اثبات الإمكان لكلّ من اجزاء العالم مشكل جدّا كيف؟ و قد أنكر الإمكان للأفلاك و ما يشبهها كالنّفس النّاطقة بعض الحكماء.
ثالثتها: أنّ برهان الحدوث واف بدفع من يرى ازليّة الأشياء؛ فإنّا اذا اثبتنا حدوث الأشياء، لا يبقى مجال لأزليّتها. و امّا برهان الإمكان، فكما لا يمكن اثباته لجميع الاجزاء، كذاك لا يفي بدفع الأزليّ؛ اذ عنده الوجوب للكلّ جليّ، و هذا الفساد أعظم من الجميع؛ فإنّ غاية ما يثبت هذا البرهان كما سنقرّره، أنّه لو لا وجود الواجب في جميع الموجودات لدار أو تسلسل. و الأزليّ يقول: بانّ الجميع واجب، و لا دافع له بهذا البرهان.
رابعتها: ما اشرت إليه بقولي: بل لا يفي و لا يفيد شيئا بلا انضمام بغيره من موضح المرام؛ مثل ما بالذّات إلى الواجب و ما بالغير الى الممكن، بحيث يوجب افتقار الممكن الى الواجب و عدم افتقار الواجب إليه و لو بجعلهما من خواصّ الواجب و الممكن، و إلّا فمجرّد اثبات الممكن و الواجب على تفسيريهما لا يفيد فيما هو المقصود من اثبات الصانع للعالم و مصنوعيّة العالم؛ فانّ «الواجب» على تفسيره:
«بما كان وجوده ضروريّا، او ما يمتنع عدمه، او لا يجوز عدمه»، يصدق على الممكن أيضا و هو الواجب بالغير؛ و «الممكن» على تفسيره: «بما يستوى طرفاه، او بما لم يكن وجوده و عدمه ضروريّا، او بما يجوز عدمه، او لا يمتنع عدمه»، لا يوجب افتقاره الى الواجب، الّا بأن يضمّ إليه أنّه بالغير؛ و هذه الضميمة بنفسها، كافية في جعلها طريقا للاثبات، بان يقال: الموجود إمّا بالذّات أو بالغير؛ و كلّ ما بالغير، لا بدّ و ان ينتهي الى ما بالذّات و إلّا لدار أو تسلسل؛ و مع كفايتها بنفسها، طريقا، لا وجه لجعلها ضميمة لغيرها.
و قرّروا هذا الدليل هكذا:***إن كان في الوجود واجب فذا
و إن أبى كان الجميع ممكنا***فاحتيج للغير فان يقف هنا
فهو، و إلّا دار أو تسلسلا***و الكلّ عند العقل عدّ باطلا
و قرّروا الأوّل: إنّنا نرى***للعالم الفناء و التغيّرا
و إنّ هذا الوصف وصف الحادث***و احتاج كلّ حادث بمحدث
فالمسلكان، واحد كما ترى***و اختلفا في الأثرين قرّرا
فالوجه لا يدور في هذين***فأت بما شئت سوى الوجهين
إذ المناط كونه من الأثر***فكلّ وصف أثريّ يعتبر
هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص54
و قد قرّروا هذا الدليل؛ اعني برهان الإمكان بعد تقسيم الموجود الى الواجب و الممكن، هكذا: إن كان في جملة الوجود واجب، فذا هو المطلوب، و ان أبى، كان الجميع ممكنا؛ اذ لا ثالث لهما، و ارتفاع الضدّين الّذين لا ثالث لهما كارتفاع النّقيضين. فاحتيج إذن للغير الّذي لا يكون ممكنا، فان يقف الافتقار هنا بان كان المفتقر إليه واجبا، فهو المطلوب، و إلّا بان كان المفتقر إليه أيضا ممكنا، دار، ان فرض افتقاره الى ما هو مفتقر إليه، أو تسلسلا ان لم تنته سلسلة الافتقار الى نهاية. و الكلّ عند العقل عدّ باطلا، و ظهور بطلانهما غنيّ عن تجشّم الدليل.
و قرّروا الأوّل (و هو برهان الحدوث) هكذا: إنّنا نرى للعالم الفناء و التغيّرا، و كلّ جزء منه في تغيّر و تبدّل و تجدّد و زوال؛ و إنّ هذا الوصف، وصف الحادث، و احتاج بالضّرورة كلّ حادث بمحدث؛ لأنّه لم يكن، فكان، و الشّيء لا يتكوّن بنفسه و المعدوم لا يوجد إلّا بموجد موجود؛ فان كان هو اللّه القديم، فقد تمّ المطلوب، و الّا دار أو تسلسل؛ كما مرّ. و قضيّة الدور و التسلسل من متمّم الاستدلال في كلّ وجه و دليل.
و اذ تبيّن التقريران، فالمسلكان واحد كما ترى، و ليسا بطريقين مختلفين، و انّما اختلفا في الأثرين قرّرا من آثار الصانع، فاختار كلّ من الطائفتين اثرا؛ و هذا نظير أن يستدلّ واحد بالشّمس و القمر و آخر بالدّوابّ و البشر، و لا يخرج شيء منها عن الاستدلال بالأثر.
و على هذا فالوجه لا يدور و لا ينحصر في هذين الوجهين، فأت بما شئت سوى الوجهين؛ إذ المناط كونه من الأثر، فكلّ وصف أثريّ يعدّ من الأثر
من ذاك أهل البيت منه استكثروا***و اهملو الإمكان إذ هم أبصر
فكلّ ما سيق في الاستدلال***من أثر المؤثّر الفعّال
و كلّ وجه ما عدا الإمكان***كبراه تستغني عن البرهان
و إنّما العمدة بالاثبات***صغراه كالحدوث للذّوات
و الصنع و التأليف و التدبير***و الشّكل و التركيب و التصوير
و الاختلاف و كالاتّصال***و الفقر و الخلوّ عن إهمال
يعتبر في مقام الاستدلال، من ذاك أهل البيت (ع) منه؛ اي من الوجه استكثروا، و لم يقتصروا على وجه واحد، بل استدلّوا بوجوه كثيرة، و اهملو الإمكان فلم يذكروه، إذ هم (ع) أبصر به.
و لعلّ الوجه ما ذكرنا فيه من الخلل، مضافا الى أنّ اطلاق الواجب عليه تعالى و مقابلته بالممكن، غير معروفين بالعرف و اللغة، و إنّما هما من مصطلحات الفلاسفة، و اذ قد تبيّن أنّ المناط في الدليل كونه من الآثار، فكلّ ما سيق في الاستدلال فهو إذن من أثر المؤثّر الفعّال(1)
«و كلّ شيء سواه مخلوق»؛ و كلّ ما هو مخلوق له فهو اثره. البحار 3: 295/ 19.
، و كلّ وجه من الحدوث و غيره ممّا سيأتي ما عدا الإمكان، كبراه تستغني عن البرهان عليها؛ لأنها وجدانيّة ضروريّة، بخلاف كبرى الإمكان؛ فانّها تحتاج الى الاثبات كما عرفت.و إنّما العمدة بالاثبات في كلّ وجه، صغراه؛ كالحدوث مثلا للذّوات في قولك: و هذا الشيء حادث، و كذلك التغيّر في قولك: العالم متغيّر و مثل الصنع في قولك: العالم مصنوع، و التأليف في قولك: العالم مؤلّف، و التدبير في قولك: العالم مدبّر، و الشّكل و التركيب و التصوير للاجسام، و الاختلاف كاختلاف الاضداد و اختلاف اللّيل و النّهار و اختلاف الألسنة و غير ذلك، و كما الاتّصال؛ اي اتّصال النّظم و التدبير للعالم، و الفقر؛ يعني افتقار العالم الى مدبّر و افتقار بعضها الى بعض، و الخلوّ عن إهمال؛ يعني، أنّ العالم لا إهمال فيه، و أنّ وضعه كذلك ليس عن اهمال بل عن تقدير قادر فعال.
1) . و هذا ظاهر، لأنّ الاستدلال عليه لا يكون إلّا بغيره و ليس شيء غيره إلّا و هو مخلوق له؛ كما قال الصادق (ع):
و كلّ ذا ممّا قد استدلّ به***و إنّ كلّا آية للمنتبه
و الفرق أنّ بعضها أعمّ من***بعض في الإثبات، تأمّل و افتطن
و الكلّ كبرياتها فطريّة***جليّة فطريّة عقليّة
يدركها العقل بلا تمحّل***بفطرة الإدراك و التعقل
فالعقل عن ضرورة الوجدان***يقضي صريحا للبناء بان
و إنّه لكلّ وضع واضع***و كلّ مصنوع عليه صانع
و كلّ فعل صادر عن فاعل***و القتل لا بدّ له من قاتل
و كلّ ذا ممّا قد استدلّ به في كلمات الأئمّة (ع) و احتجاجاتهم على الخصماء؛ و إنّ كلّا آية للمنتبه، و اثر من آثار المؤثّر عنده. و الفرق أنّ بعضها أعمّ من بعض في الإثبات؛ تأمّل! و افتطن! فإنّ الحدوث، اكثر اثباتا من الصنع و التركيب مثلا، و الاتّصال اتمّ من الإهمال، و كذلك يجري بعضها فيما لا يجري فيه غيره، فيثبت ما لا يثبته غيره؛ كالصّنع و الاتّصال مثلا فيما لا اختلاف فيه و فيما فيه اختلاف.
و الكلّ كبرياتها فطريّة جليّة؛ اعني فطريّة عقليّة، يدركها العقل بلا تمحّل بفطرة الإدراك و التعقل؛ فانّ كثيرا من المعاني الكليّة، تدركها عقولنا بصفائها من دون تمحّل و استدلال، و تسمّى هذه الفطرة ب «الفطرة العقليّة» لأنّ المدرك لها العقل؛ كما أنّ كثيرا من اللّذات و الآلام الجسمانيّة و النفسانية، تدركها نفوسنا و امزجتنا، و تسمّى هذه الفطرة ب «الفطرة الطبيعيّة»، لأنّ مدركها الطبع.
و الّذي انكرت على مدّعي الفطرة في باب التوحيد، إنّما هو انكار أن تكون المعرفة من احدى الفطرتين، و قد ذكرت شيئا من هذه الكبريات الفطريّة.
فالعقل عن ضرورة الوجدان، اي الّذي يجده في نفسه و من نفسه، يقضي قضاء صريحا من غير خفاء و لا ترديد، بأنّ للبناء بان؛ كما قال امير المؤمنين (ع):
«و هل يكون بناء من غير بان أو جناية من غير جان؟» (1)و يقضى أيضا أنّه لكلّ وضع في تركيب و تصوير و تأليف، واضع لا بدّ منه؛ و كلّ مصنوع عليه صانع لا بدّ منه؛ و كلّ فعل صادر عن فاعل لا بدّ منه؛ فانّ وجود الافاعيل، تدلّ على فاعلها؛ و القتل لا بدّ له من قاتل؛ كما قال (ع): «او جناية من غير جان»؛ و كذلك كلّ متغيّر حادث أو يحتاج الى
1) . المصدر 64: 40/ 19.
و صغريات هذه المعاني***واضحة أيضا على الوجدان
و الشبهات أورثتها الاختفاء***ليس لها ذاتا كالامكان، خفاء
فالصّنع ظاهر لكلّ من نظر***إذ كلّ شيء فيه للصّنع اثر
مغيّر، و كلّ حادث يحتاج إلى محدث، و الفقير محتاج الى الغنيّ، و ما بالغير الى ما بالذّات.
و عند التدبّر و التحقيق، صغريات هذه المعاني واضحة أيضا على الوجدان؛ و إن لم تكن كوضوح الكبريات؛ لاحتياجها الى ادنى تأمّل و تدبّر. و انّما الشبهات الّتي القتها الملاحدة أو اهل الاستدلال في بعضها، أورثتها الاختفاء؛ فاحتاجت الى دقّة و امعان، او توضيح و بيان. ليس لها ذاتا و في نفسها، لو لا تلك الشبهات، كالامكان، خفاء؛ فانّ امكان الأشياء خفي في نفسه يحتاج الى تقرير و بيان و اثبات بعد معنى الإمكان. و امّا الحدوث و التغيّر و الصنع و التأليف و التركيب و الشّكل و التصوير و الاختلاف و الافتقار و الاتّصال و عدم الاهمال، امور واضحة، في نفسها، ظاهرة بالعيان، لمن لا ينكر الوجدان.
و اذ قد تبيّن تكثّر الطرق و تعدّد الوجوه بالإجمال، فلنذكر بالتّفصيل ما ورد عن الأئمة (ع) من الاستدلال بهذه الوجوه.
فالصّنع ظاهر لكلّ من نظر بعينه الى اعيان الموجودات، و فيه اشارة إلى أنّ الاستدلال بالصّنع مخصوص بالمشهودات؛ إذ كلّ شيء من هذه المشهودات، فيه للصّنع أثر ظاهر. قال امير المؤمنين (ع): «كفى باتقان الصنع لها آية، و بمرّ الطبع عليها دلالة، و بحدوث الفطر عليها قدمة، و باحكام الصنع لها عبرة.»(1)
1) . البحار 4: 222/ 2.
مؤلّف، مشكّل، مصوّر***مقدّر، محدّد، مدبر
فمنه ذو وضع و ذو الوان***و منه ذو صوت و ذو الحان
و الكلّ ذو كمّ و كيف*** خاصّو هيئة و وضع اختصاصيّ
و امّا آثار الصنع، فإنّ كلّ شيء مؤلّف، ذو تأليف؛ مشكّل، ذو شكل؛ مصوّر ذو تصوير؛ مقدّر، ذو تقدير؛ محدّد، ذو حدود؛ مدبر، ذو تدبير خاصّ؛ فمنه ذو وضع خاص في العرض و العمق و الطول؛ و منه ذو الوان مختلفة، و منه ذو صوت خاصّ و ذو ألحان مختلفة.
و الكلّ ذو كمّ في مقدار على حدّ معيّن، و ذو كيف خاصّ في اللّون و الطعم و اللّينة و الخشونة و غيرها؛ و ذو هيئة مخصوصة في الأشكال، و ذو وضع اختصاصي يختصّ به؛ فهذه كلّها آثار الصنع و التأليف و التدبير. قال الصادق (ع) لابن أبي العوجاء:
«أ مصنوع أنت أم غير مصنوع؟» قال: لست بمصنوع. فقال (ع):
«فلو كنت مصنوعا. كيف كنت تكون؟» فلم يحر جوابا و قام و خرج.» (1)
و في رواية أخرى، فقال (ع) له:
«فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون؟» فبقى عبد الكريم مليّا لا يحير جوابا، و ولع بخشبة كانت بين يديه و هو يقول:
طويل، عريض، عميق، قصير، متحرّك، ساكن، كلّ ذلك صفة [صنعة خ ل] خلقه؛ فقال (ع): ان كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها، فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك ممّا يحدث من هذه الأمور.» (2)
و قال (ع) أيضا في حديث الإهليلجة:
«أ رأيت إن اريتك تدبيرا، أ تقرّ أنّ له مدبّرا و تصويرا أنّ له مصوّرا؟ قال: لا بدّ من ذلك، قلت: الست تعلم أنّ هذه «الاهليلجة» لحم مركّب على عظم، فوضع في جوف، متّصل
و منه ما ينمو على تدبير***من بدئه لمنتهى التقدير
كالمعدنيّات و كالحيوان***و كالنّباتات و كالانسان
بغصن مركّب على ساق، يقوم على اصل يتقوّى بعروق من تحتها على جرم متّصل بعض ببعض؟ قال: بلى، قلت: الست تعلم أنّ هذه الاهليلجة، مصوّرة بتقدير و تخطيط و تأليف و تركيب و تفصيل، متداخل بتأليف شيء في بعض شيء به طبق بعد طبق، و جسم على جسم، و لون مع لون، ابيض في صفرة، و ليّن على شديد، في طبائع متفرّقة، و طرائق مختلفة، و اجزاء مؤتلفة مع لحاء تستبقيها، و عروق يجري فيها الماء، و ورق يسترها و يقيها من الشّمس أن تحرقها، و من البرد أن تهلكها و الريح أن تذبلها.» (1)
و منه؛ اي من الشيء ما ينمو بعد وجوده شيئا فشيئا على تدبير مخصوص، متدرجا من بدئه؛ اي بدء وجوده و نشئه لمنتهى التقدير الّذي قدر له من حدّ كماله؛ و ذلك كالمعدنيّات، فإنّها تتكوّن على كيفيّة خاصّة من الماء و التراب؛ و كالحيوان و كالنّباتات و كالإنسان، و الجميع ظاهرة؛ قال اللّه تعالى:( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ* أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا* ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا* فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا* وَ عِنَباً وَ قَضْباً* وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلًا* وَ حَدائِقَ غُلْباً* وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا* مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ ).(2)
و قال تعالى أيضا: (وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَ مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَ جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ يَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).(3)
و قال أيضا:( وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَ غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَ النَّخْلَ وَ الزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ
و منه ما مقدّر إلى قدر***تعرض اطوار عليه كالبشر
وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )(1).
و الآيات في هذا المعنى كثيرة.
و قال تعالى في الانسان:( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ )(2). و غيرها من الآيات.
و قال الصادق (ع): «أ رأيت الاهليلجة قبل أن تعقد؟ اذ هي في قمعها ماء بغير نواة، و لا لحكم و لا قشر و لا لون و لا طعم و لا شدّة؟ قال: نعم، قلت: أ رأيت لو لم يرفق الخالق ذلك الماء الضعيف الّذي هو مثل الخردلة في القلّة و الذلة، و لم يقوّه بقوّته، و يصوّره بحكمته، و يقدّره بقدرته، هل كان ذلك الماء يزيد على أن يكون في قمعه غير مجموع بجسم و قمع و تفصيل؟ فإن زاد، زاد ماء متراكبا غير مصوّر و لا مخطّط و لا مدبّر بزيادة اجزاء و لا تأليف اطباق.» (3)
و منه ما مقدّر إلى قدر معلوم و أجل مسمّى و محتوم، تعرض اطوار مختلفة عليه في طول قدره؛ كالبشر و غيره. فإنّ الإنسان كما كان، منشأ بهذا الشّأن حين ما كان في الرحم؛ كما قال تعالى:( أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ* فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ* إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ* فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ )(4).
و قد بيّنت الآية المتقدّمة اطواره في تلك النّشأة له، اطوار خاصّة في نشأته بعد الولادة؛ كما قال تعالى:( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )(5).
و قال أيضا: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَ
و ما مقدّر على أصول***كاللّيل و النّهار و الفصول
و الشمس أيضا و النّجوم و القمر***كذا الرياح و السّحاب و المطر
كلّ مسخّر بأمر ربّه***مؤتمر لما موكّل به
جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ )(1).
و قال أيضا: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ... )(2).
و منه ما مقدّر على أصول منتظمة، و موازين منظّمة، كاللّيل و النّهار و الفصول الأربعة، و الشمس أيضا و النّجوم و القمر؛ فإنّ لها حركات خاصّة طولا و عرضا، و منازل مخصوصة؛ قال تعالى:
(وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ* وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ* لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ )(3).
و قال تعالى: (وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)(4).
و قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )(5).
كذا الرياح و السّحاب و المطر، كلّ مقدّر على أصول منظومة و فصول معلومة، و كلّ مسخّر بامر ربّه، مؤتمر لما موكّل به قال تعالى:( وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )(6).
و هى مع أنّها على تقدير***شواهد لحكمة التدبير
بها يدبّر الذي على الثرى***إذ كان كلّ في الثرى مؤثّرا
تحكى عن المدبّر السّياس***كالملك السائس أمر النّاس
و آية التدبير أيضا واضحة***من حيث ما نرى لكلّ مصلحة
كبيت إذ مهّد بالآلات***معدّة لكثرة الحاجات
هذي لحاجة و ذي لحاجة***فإنّ من لم يسلك اللّجاجة
و قال: (وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ )(1).
و قال:( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ )(2).
و قال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )(3).
و قد تكلّم الصادق (ع) في حديث «المفضّل»، فصلا مشبعا في الشمس و القمر و النّجوم و اللّيل و النّهار و الفصول و الرياح و السّحاب و الأمطار، و كيفيّتها و خواصّها و آثارها، يطول المقام بذكر الجميع، و كذلك تكلّم في حديث الاهليلجة في كلّ منها على الاجمال؛ و هى مع أنّها على تقدير خاصّ في انفسها شواهد أيضا لحكمة التدبير، تشهد بأنّ تدابيره تعالى كلّها عن حكمة؛ لأنّ بها يدبّر الّذي على الثرى من الجماد و النّبات و الحيوان و الإنسان، إذ كان كلّ في الثرى مؤثّرا، فالشّمس بوجه، و القمر بوجه، و اللّيل بوجه، و النّهار بوجه، و الرياح بوجه، و السّحاب بوجه، و المطر بوجه، و الحرّ بوجه، و البرد بوجه. ففي الاهليلجة بعد قوله (ع): «و ورق يسترها و يقيها من الشمس أن تحرقها، و من البرد أن تهلكها و الريح ان تذبلها»، قال (ع):
«أ فليس لو كان الورق مطبّقا عليها كان خيرا لها؟ قلت: اللّه احسن تقديرا لو كان؛ كما تقول: لم يصل إليها ريح يروحها و لا برد
يشددها و لعفنت عند ذلك، و لو لم يصل إليها حرّ الشمس، لما نضجت؛ و لكن شمس مرّة، و ريح مرّة، و برد مرّة؛ قدّر اللّه ذلك بقوّة لطيفة و دبّره بحكمة بالغة» (1).
فهي بهذه الدلالة، تحكي عن المدبّر السيّاس، الذي بسياسته يدبّر الأمور على ما ينبغي من رفع المحذور و جلب الخير و دفع الشّرور، كالملك السّائس أمر النّاس. و آية التدبير منها بوجه آخر أيضا واضحة، و ذلك من حيث ما نرى لكلّ منها مصلحة خاصّة. فمن تأمّل في اجزاء العالم حقّ التأمّل، يرى العالم كبيت إذ مهّد بالآلات و الادوات التي جعلت معدّة لكثرة الحاجات و المآرب الماسّة إليها، هذي لحاجة و ذي لحاجة. قال الصادق (ع) (في حديث المفضّل):
«أوّل العبر و الادلّة على الباري- جل قدسه- تهيئة هذا العالم و تأليف اجزائه و نظمها على ما هي عليه؛ فإنّك إذا تأمّلت العالم بفكرك، و ميّزته بعقلك، وجدته كالبيت المبنيّ المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده؛ فالسّماء مرفوعة كالسّقف، و الأرض ممدودة كالبساط، و النّجوم منضودة كالمصابيح، و الجوهر مخزونة كالذّخائر؛ و كلّ شيء فيها لشأنه معدّ؛ و الانسان كالمملّك ذلك البيت، و المحوّل جميع ما فيه؛ و ضروب النبات مهيّئة لمآربه، و صنوف الحيوان مصروفة في مصالحه و منافعه؛ ففي هذا دلالة واضحة على انّ العالم، مخلوق بتقدير و حكمة و نظام و ملائمة، و أنّ الخالق له واحد. و هو الّذي الّفه و نظّمه بعضا الى بعض، جلّ قدسه، و تعالى جدّه، و كرم وجهه، و لا إله غيره، تعالى عمّا يقول الجاحدون و جلّ و عظم عمّا ينتحله الملحدون ...» .(2)
و قال (ع) أيضا في هذا الحديث:
«فكّر في هذه الأشياء الّتي تراها موجودة معدّة في العالم من مآربهم: فالتّراب للبناء، و الحديد للصناعات، و الخشب للسفن
لقائل من قلبه السّليم***لا بدّ من مدبر حكيم
و غيرها، و الحجارة للأرحاء، و النّحاس للاواني، و الذهب و الفضّة للمعاملة، و الجوهر للذخيرة، و الحبوب للغذاء، و الثمار للتّفكه، و اللّحم للمأكل، و الطيب للتلذّد، و الأدوية للتّصحيح، و الدوابّ للحمولة، و الحطب للتوقّد، و الرماد للكلس، و الرمل للأرض؛ و كم عسى أن يحصى المحصى من هذا و شبهه! أ رأيت أنّ رجلا دخل دارا، فنظر الى خزائن مملوّة من كلّ ما يحتاج إليه النّاس، و رأى كلّ ما فيها، مجموعا، معدا للأسباب، معروفة، لكان يتوّهم أنّ مثل هذا يكون بالإهمال و من غير عمد!؟ فكيف يستجيز عاقل أن يقول: هذا في العالم و ما أعدّ فيه من هذه الاسباب؟ ...» .(1)
و على هذا التقرير، فإنّ كلّ من تأمّل في اجزاء العالم و خواصّها و فوائدها، و لم يسلك طريق اللّجاجة و العناد، لقائل من قلبه السّليم، أنّه لا بدّ للعالم من مدبّر حكيم؛ قال الصادق (ع) للمفضّل:
«لو رأيت تمثال انسان مصوّرا على حائط، فقال لك قائل: أنّ هذا ظهر هاهنا من تلقاء نفسه، لم يصنعه صانع؛ أ كنت تقبل ذلك!؟ بل كنت تستهزئ به؛ فكيف تنكر هذا في تمثال مصوّر جماد، و لا تنكر في الانسان الحيّ النّاطق ...؟» .(2)
و قال امير المؤمنين (ع): «هل يكون بناء من غير بان أو جناية من غير جان؟» .(3)
و قال الصادق (ع) في جواب الزنديق الّذي سأله: ما الدليل على صانع العالم؟
فقال (ع):
«وجود الافاعيل الّتي دلّت على أنّ صانعها صنعها؛ ألا ترى أنّك
ثمّ الحدوث، حالة تجدّدت***للشّيء، غير الحالة الّتي بدت
من ذلك استلزم للتّغيير***بل ليس غيره لدى التدبير
إذا نظرت الى بناء مشيّد مبنيّ، علمت أنّ له بانيا، و ان كنت لم تر الباني و لم تشاهد ...؟» الى أن قال (ع): «... فلم يكن بدّ من اثبات الصانع لوجود المصنوعين، و الاضطرار منهم إليه أنّهم مصنوعون ...» . (1)(2)
يأتي ذكر بقيّته.
المشهور أنّ «الحادث»، هو المسبوق بالعدم؛ و قيل: هو المسبوق بالغير، ليشمل المعدوم بعد الوجود؛ و لا حاجة إليه، لأنّ العدم الحاصل بعد الوجود، مسبوق بالعدم. و مع ذلك، فالّذي قلته مستفادا من الروايات، احسن منهما:
ثمّ الحدوث، حالة تجدّدت للشيء غير الحالة الّتي بدت له؛ اي ظهرت له و كانت عليه؛ يعني، أنّ الحدوث، هي الحالة المتجدّدة للشيء؛ فان كان الشيء معدوما ثمّ صار موجودا، فالحالة المتجدّدة له، هو الوجود بعد العدم، و ان كان موجودا ثمّ انعدم، فالحالة المتجددة، هو العدم بعد الوجود. و من اجل ذلك التجدد، استلزم للتّغيير، إذ لا يعقل تجدّد الحالة من غير تغيّر، بل ليس غيره لدى التدبير، اذ التغيّر ليس إلّا تجدّد الحالات.
1) . البحار 3: 29/ 3.
2) . البحار 3: 153/ 1. و قد جمع الصادق (ع) في حديث الاهليلجة بين الاستدلال بالصنع و التدبير و الحدوث في قوله (ع): «و لعمري لو تفكّروا في هذه الأمور العظام، لعاينوا من امر التركيب، و لطف التدبير الظاهر، و وجود الاشياء مخلوقة بعد أن لم تكن ثمّ تحوّلها من طبيعة الى طبيعة، و صنيعة إلى صنيعة، ما يدلّهم ذلك على الصانع، فإنّه لا يخلو شيء من أن يكون له اثر بتدبير و تركيب، يدلّ على أنّ له صانعا مدبّرا و تأليف بتدبير يهدي الى حكيم واحد.
فالحادث، الوجود من بعد العدم***أو عدم بعد الوجود المصطلم
إن شئت قل: ما لم يكن فكانا***أو كان ثمّ لم يكن وبانا
و على هذا التفسير: من أنّ الحدوث هي الحالة المتجدّدة، فالحادث هو الوجود من بعد العدم، أو عدم بعد الوجود المصطلم الفاني؛ إن شئت قل: بعبارة اخرى: الحدوث أو الحادث، ما لم يكن، فكان، أو كان ثمّ لم يكن وبانا؛ اي ذهب و زال و الألف في كان و بان للإطلاق؛ يعني، أنّ الحادث ما كان على احد النّحوين: إمّا ان لم يكن فكان؛ او كان، ثمّ لم يكن؛ و ان كان الاقتصار على الأوّل أيضا جائزا؛ لأنّ العدم الطارئ على الوجود أيضا ممّا لم يكن، فكان؛ كما عرفت في تفسير المشهور.
و كيف كان، فقد ورد في كلامهم (ع) ذكر الحدوث و الاستدلال به تارة مطلقا، و اخرى على احد النحوين.
ففي خطبة أمير المؤمنين (ع): «الدال على قدمه بحدوث خلقه، و بحدوث خلقه على وجوده.» (1)
و في مكتوب الرضا (ع) الى فتح بن يزيد: «الدال على وجوده بخلقه و بحدوث خلقه على ازليّته ...» (2)
و في الإهليلجة، قلت: «افلست قد رأيت الاهليلجة بعد حدوثها و عاينتها بعد أن لم تكن شيئا، ثمّ هلكت كأن لم تكن شيئا؟ ...» (3)
و قال الرضا (ع) لرجل قال له: ما الدليل على حدوث العالم؟ فقال (ع): «انت لم تكن ثمّ كنت، و قد علمت أنّك لم تكوّن نفسك و لا كوّنك من هو مثلك.» (4)
و قال الصادق (ع) في جواب أسئلة الزنديق في ردّ مقالة الازليّة:
«إنّ الأشياء تدلّ على حدوثها من دوران الفلك بما فيه، و هي سبعة افلاك، و تحرّك الأرض و من عليها، و انقلاب الأزمنة و اختلاف الوقت، و الحوادث الّتي تحدث في العالم من زيادة و نقصان و موت و بلى، و اضطرار النّفس الى الإقرار بأنّ لها صانعا1.
ثمّ الحدوث حيث قابل القدم***قابله في كلّ شأن بالعدم
فعمّ ما بالفعل قد تغيّرا***أو كان قابلا لأن يغيّرا
و مدبّرا؛ أ ما ترى الحلو يصير حامضا، و العذب مرا، و الجديد باليا، و كلّ الى تغيّر و فناء» .(1)
و قال الرضا (ع) في خلق السّماوات: «و لكنّه- عزّ و جلّ- خلقها في ستّة ايّام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا فشيئا، فتستدل بحدوث ما يحدث على اللّه- تعالى ذكره- مرّة بعد مرّة».
و قال الصادق (ع) جوابا لأبي شاكر الديصاني حين قال:
ما الدليل على حدث العالم؟ قال (ع): «يستدلّ عليه باقرب الأشياء. قال: و ما هو؟ فدعا (ع) ببيضة، فوضعها على راحته، ثمّ قال: هذا حصن ملموم، داخله غرقئ رقيق، تطيف به فضّة سائلة و ذهبة مائعة، ثمّ تنفلق عن مثل الطاوس، أدخلها شيء؟
قال: لا، قال (ع): فهذا الدليل على حدث العالم. قال: اجزت فاوجزت و قلت فاحسنت.» (2)
يعني، أنّ هذا الّذي يخرج منها عن مثل الطاوس، لم يكن بشيء قد دخلها ثمّ خرج عنها، فهو ممّا لم يكن، فكان، و هو دليل على الحدوث.
ثمّ الحدوث حيث قابل القدم تمام المقابلة، قابله في كلّ شأن ثابت له بالعدم؛ فكلّ ما ثبت للقديم من وصف، ثبت عدمه للحادث بمقتضى المقابلة الكليّة.
فالقديم: ما لم يكن مسبوقا بالعدم، و الحادث: ما كان مسبوقا به؛ و القديم: ما لا أوّل له، و الحادث: ما كان له أوّل؛ و القديم: ما لم يكن بالغير و لا مسبوقا به، و الحادث: ما كان كذلك؛ و من ذلك أنّ القديم ما ليس متغيّرا لا بالذات و لا بالفعل؛ و بعبارة اخرى: ما لا يكون متغيّرا و لا قابلا للتغير،
و الحادث ما هو بخلافه؛ فهو إمّا متغيّر بالفعل أو متغيّر بالذات و ان لم يظهر منه التغيّر بالفعل. و على هذا فعمّ ما بالفعل قد تغيّرا و ظهر منه التغير، أو كان قابلا لأن يغيّرا.
فمنه ما القبول فيه بيّن***و الاختبار فيه سهل هيّن
لو ضمّ مثله إليه يكبر***و لو أخذت منه شيئا يصغر
و منه ما العقل يراه قابلا***و إن علينا الاختبار أشكلا
فالإنس و النّبات و الحيوان***و نحوها حدوثها مبان
و الأرض سخّرت لنا تسخيرا***فقد بدا قبولها التغييرا
و امّا الأفلاك ففي تغيّر***يثبت بالارصاد للمستبصر
و العقل لا يمنع أن تغيّرت***لو ضمّ مثلها إليها كبرت
فكان إثبات الحدوث ***ظاهرالكل شيء كائن ممّا يرى
ثمّ القابليّة للتغيير على وجهين:
فمنه: ما القبول فيه ظاهر بيّن، و هو بحيث يكون الاختبار فيه سهل هيّن؛ و ذلك بأن تقبل الزيادة و النّقيصة، فالزيادة بأنّه لو ضمّ مثله إليه، يكبر، و النقيصة بأنّه لو أخذت منه شيئا، يصغر؛ ككثير من اجزاء العالم، فإنّها ظاهرة القبول للزيادة و النقيصة بهذا الوجه؛ و منه: ما العقل يراه قابلا للتغير إذا نظر إليه في ذاته، و إن علينا الاختبار أشكلا.
فالاقسام إذن ثلاثة: منه ما هو متغيّر بالفعل؛ اي التغيّر له حاصل بالعيان؛ و منه ما ليس متغيّرا بالعيان، لكنّه قابل له بالامتحان؛ و منه ما يصعب فيه الامتحان، و لكنّ العقل يرى له الشأنيّة و القبول. فالانس و النّبات و الحيوان و نحوها من الاوّل، فانّ حدوثها مبان ظاهر؛ و من الثاني الأرض، فإنّها سخّرت لنا تسخيرا، نقلّبها كيفما نشاء، فقد بدا بذلك قبولها التغييرا؛ و أمّا الأفلاك، فاثبات التغيّر لها بوجهين: اعني بالوجه الاوّل و الثالث؛ امّا الاوّل، فلأنّ كلّ فلك ففي تغيّر ظاهر لمن راقب حركاتها، فإنّ لكلّ فلك حركة، مخصوصة، مضبوطة، معروفة عند اهله، و كلّ متحرّك، متغيّر، و تغيرها و حركاتها يثبت بالارصاد للمستبصر.
و امّا تقرير الوجه الثالث: فكما قلت: و العقل لا يمنع أن تغيّرت بالانضمام، بان يكون لو ضمّ مثلها إليها كبرت أو أخذ منها شيء صغرت؛ فإنّ ذلك و ان لم يكن حسيّا في الاختبار و لا تناله يد الاختبار، الّا أنّ العقل لا يمتنع عليها الزيادة و النقصان بالنّظر
الى ذاتها (1)و يكفى في اثبات الحدوث، امكان التغيّر؛ فإنّ امكانه كفعليّته.
و قد استدلّ الصادق (ع) بالتغيّر الشّأني على الحدوث في بعض محاجته مع ابن ابي العوجاء؛ قال ابن ابى العوجاء في اليوم الثالث من دخوله عليه (ع): ما الدليل على حدث الاجسام؟
فقال (ع): «إنّي ما وجدت شيئا صغيرا و لا كبيرا إلّا اذا ضمّ إليه مثله صار كبيرا، و في ذلك زوال و انتقال عن الحالة الأولى؛ و لو كان قديما، ما زال و لا حال، لأنّ الّذي يزول و يحول، يجوز أن يوجد و يبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدوث، و في كونه في الأزل، دخوله في القدم؛ و لن تجتمع صفة الازل و الحدوث و القدم و العدم في شيء واحد.
فقال عبد الكريم: هبك علمت في جرى الحالتين و الزمانين على ما ذكرت و استدللت على حدوثها، فلو بقيت الاشياء على صغرها، من اين كان لك كأن تستدل على حدثها؟
فقال العالم (ع): إنّما نتكلّم على هذا العالم المصنوع، فلو رفعناه و وضعنا عالما آخر، كان لا شيء أدلّ على الحدث، من رفعنا ايّاه و وضعنا غيره؛ و لكن اجيبك من حيث قدّرت ان تلزمنا، و نقول: إنّ الاشياء لو دامت على صغرها، لكان في الوهم متى ما ضمّ شيء الى مثله كان اكبر و في جواز التغيير عليه، خروجه من القدم؛ كما بان في تغييره دخوله في الحدوث، ليس لك ورائه شيء يا عبد الكريم». فانقطع و خزى .(2)
فقوله (ع): «أنّ الاشياء لو دامت ...»، استدلال للحدوث بتجويز الوهم؛ اي العقل، التغيير الشاني بالانضمام؛ و حاصله: أنّه لو فرض بقائها على حالها و عدم
و الاتّصال ظاهر غير خفيّ***لأنّ ما في الكون كالمؤلّف
يقوم بعضه ببعض آخر***و بعضه للبعض كالمؤثّر
كأنّها أجزاء شيء واحد***تنحو الى حصول شيء فارد
فطورا الشمس و طورا*** القمرو طورا الريح و طورا المطر
تحيى بها الأرض و يحيي ما بها***من انسها و طيرها دوابّها
تغيّرها، فهي و ان لم تكن كذلك فعلا، لكنّ العقل يجوزه عليها شأنا؛ و هذا التقرير، يجرى فيما لا يمكن الاختبار أيضا، فكان إثبات الحدوث على هذا التقرير، ظاهرا لكلّ شيء كائن ممّا يرى.
و امّا ما لا يرى، فاثبات الحدوث له، فرع الدليل المثبت له؛ فان كان المثبت له الشّرع، فالشّرع لا يثبته إلّا حادثا مصنوعا، و ان كان العقل، و العقل لا طريق له الى اثباته فهو لا يشك في صفة ما اثبته.
و قد استدلّ بكلّ منهما في الاخبار، و دلالتها ظاهرة؛ كما قلت:
و الاتّصال ظاهر غير خفيّ لمن تفكّر في الكون؛ لأنّ ما في الكون كالمؤلّف الواحد و كمعمل واحد لصنعة خاصّة، يقوم بعضه؛ اي بعض الكون ببعض آخر في حصول الاثر منه؛ بحيث لو لاه، لم يتمّ له اثر، فيكون كلّ منها كجزء العلّة، و بعضه للبعض الآخر كالمؤثّر له تمام المؤثّر؛ بحيث لو لاه، لم يكن له نشوء و لا بقاء. و الأوّل، كائتلاف كلّ من الشّمس و القمر و الهواء و الريح و المطر و الحرّ و البرد و تعاضدها في حصول ما لها من الأثر؛ فإنّ كلّا منها، لا يتمّ عمله إلّا بالآخر؛ و الثاني، كتأثيرها مجتمعا او منفردا بالنّسبة الى المواليد الثلاثة: المعدن و النبات و الحيوان؛ فإنّها لها بمنزلة المؤثّر ابتداء و استدامة، و إنّك اذا تأمّلتها، ترى هذه الأبعاض في الاتّصال و الارتباط، كأنّها أجزاء شيء واحد، تنحو و تميل و تسعى الى حصول شيء فارد؛ و من عجيب، تدبيرها أنّها تعمل على التناوب، فطورا الشّمس، و طورا القمر، و طورا الريح،
و الاضطرار ظاهر من بعد ذا***إذ كلّ ذا لأجل شيء أخذا
فما هو المجبول بالتأثير***يضطرّ بالغير بلا نكير
و طورا المطر، و أنّها حيث تجري على ذلك تحيى بها الأرض و يحيي ما بها من إنسها و طيرها و دوابّها؛ فهذا تقرير الاتّصال.
و امّا وجه دلالته على الصانع المدبّر، فظاهر أيضا؛ فإنّ ائتلاف المتباينات و اجتماعها على اثر واحد، خصوصا ائتلاف متضاداتها، كالطبائع المتضادّة، مثل العناصر مع أنّها غير شاعرة و لا قادرة ممّا لا يمكن إلّا بمريد شاعر، و مدبّر قاهر، و كما أنّ هذا الاتّصال يدلّ على المؤثّر الفعال، كذلك وحدة تأثيره تدلّ على وحدة المؤثّر؛ كما سيجيء تقريره في باب التوحيد. و قد استدلّ الصادق (ع) بالاتّصال عليهما، و سنذكره- إن شاء اللّه- هناك.
و اما الاضطرار، فهو أيضا ظاهر من بعد ذا؛ اي بعد ثبوت الاتّصال و تقريره، إذ كلّ ذا المذكور لأجل شيء أخذا؛ كما بيّنت، فإنّ كلّا من اجزاء المذكورة و غيرها، له اثر خاصّ و طبيعة مخصوصة، هي غايتها المحفوظة، و فائدتها الملحوظة؛ و لمّا كانت غير مدركة و لا شاعرة، فلا محالة تكون مقهورة تحت قوّة قاهرة؛ فهي مضطرّة في حركاتها و سكناتها و مقاديرها و تأثيرها. فاضطرار العالم يدلّ على المدبّر القاهر القادر؛ كما قلت:
فما هو المجبول بالتأثير، إذ ليس تأثيره عن ادراك و شعور، فيكون مجبولا بالطبع، يضطرّ لا محالة في فعله بالغير بلا نكير؛
و قد استدلّ بذلك، الصادق (ع) في الحديث الآتي في محاجته مع المصري، قال (ع):
«أ ما ترى الشّمس و القمر يلجئن ليس لهما مكان إلّا مكانهما؟ فان كانا يقدران على ان يذهبا و لا يرجعان، فلم يرجعان فإن لم يكونا مضطرّين، فلم لا يصير اللّيل، نهارا و النّهار ليلا، اضطرّا و اللّه يا اخا اهل مصر.» (1)
و قد اشار (ع) الى اضطرار الريح و الرعد و السّحاب و المطر و حركة الارض من الزلازل أيضا في حديث الإهليلجة، في كلام طويل.
1) . البحار 3: 51/ 25.
و الافتقار منه أيضا بانا***للسافلات سيّما الإنسانا
و باضطرار و اتّصال حتما***الفقر للعلويّ إذ تلازما
و كلّ ما بالغير فهو ينتهي***من اجل فقره لما بذاته
و كلّ طبعيّ مجبول بلا***إرادة بالافتقار أهلا
و أمّا الافتقار، فهو منه؛ أي من تقرير الاتّصال أيضا، بانا و ظهر، و لكنّه للسّافلات خاصّة، سيّما الإنسانا لكثرة افتقاره؛ فأنّ افتقار السّافلات بأسرها الى العلويات، و تأثير العلويّات في تكوينها، امر لا يجهله احد؛ و امّا العلويّات، فافتقارها من حيث ذاتها غير ظاهر؛ الّا أنّ افتقارها من حيث الاتّصال و الاضطرار الى مدبّر غيرها أيضا غير خفي بالملازمة؛ كما قلت: و باضطرار الى قولى إذ تلازما، فإنّ كلّا من الاضطرار و الاتّصال متلازمان مع الفقر.
و قد استدلّ الصادق (ع) بالافتقار، قيل له (ع): ما الدّليل على الواحد؟ فقال (ع):
«ما بالخلق من حاجة.» (1)
و ممّا يتفرّع على دلالة الافتقار، القاعدة المسلّمة المعروفة، و هي: «أنّ كلّ ما بالغير، لا بدّ و أن ينتهي الى ما بالذّات»؛ كما قلت: و كلّ ما بالغير فهو ينتهي من اجل فقره لما بذاته؛ اي الى ما كان وجوده و قوامه بذاته، و كذلك؛ لأنّه لو لم تنقطع سلسلة الافتقار لتسلسلت و هو محال.
و ممّا يشير الى التمسّك بالقاعدة، قول الرضا (ع) (في خطبته بمحضر المأمون): «و كلّ قائم في سواه معلول ...» (2)اي معلول له، و هذا تقرير للصغرى.
و اكتفى (ع) به لوضوح الكبرى؛ فإنّ المعلول للغير لا بدّ و ان ينتهي الى ما بالذّات.
و كلّ طبعيّ مجبول بلا إرادة و شعور، فهو بالافتقار أهلا، و بهذا يمكن اثبات الافتقار للعلويّات أيضا، و كذلك لكلّ ما له اثر طبعيّ بلا شعور و اختيار؛ فإنّ المجبول من غير شعور، لا يمكن ان يكون مؤثّرا بالذّات، فلا بدّ و ان ينتهي الى ما بالذّات.
و سيأتي الاستدلال بهذا الوجه في كلام الصادق (ع) في ردّ الطبيعيّين.
و الاختلاف ناشى عن مصلحة***و حكمة آية أيضا واضحة
منه اختلاف اللّيل و النّهار***و نشأة الإنسان في اطوار
كذا اختلاف النّاس في الألوان***و الوجه و اللّسان و الألحان
و غير ذا من اختلاف الأمكنة***في طبعها كذا اختلاف الأزمنة
و الخلف في أفراد نوع واحد***من كامل أو ناقص أو زائد
و هذه الحوادث الكونيّة***عن فجأة أرضيّة جويّة
فالاختلاف كان عن مدبّر***و لا يكون ذا بلا مقدّر
و أمّا الاختلاف، فمعلوم أنّه اذا كان ناشئا عن مصلحة و حكمة فهو آية أيضا واضحة الدلالة، و ذلك بضميمة كونه بالطبع و الجبلّة و من غير إرادة و اختيار.
و الاختلاف موجود في كثير من الموجودات:
منه: اختلاف اللّيل و النّهار؛ كقوله تعالى:( وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ ... ).(1)
و منه: نشأة الإنسان في اطوار مختلفة؛ كما قال:( وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ ما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )(2).
و كذا اختلاف النّاس في الألوان و الوجه و اللّسان و الألحان؛ كما قال تعالى:
(وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ ).(3)
و غير ذا من اختلاف الأمكنة في طبعها، كذا اختلاف الأزمنة في طبعها أيضا؛ فإنّ طبائع الامكنة و البلدان مختلفة، و طبائع الفصول و الأزمان متفاوتة.
و كذا الخلف و الاختلاف الواقع في أفراد نوع واحد؛ كالانسان أو البقر و الغنم او غيرها، من كامل في خلقه، أو ناقص أو زائد فيها.
و كذا اختلاف الدوابّ و الانعام في ألوانها، خصوصا اختلاف نتائجها مع آبائها و أمّهاتها.
و من الاختلاف أيضا، حدوث هذه الحوادث الكونيّة الواقع عن فجأة و بغتة،
و كلّ شخص إن بنفسه استدلّ***لربّه فذاك أجلى و ادلّ
إذ كلّ شخص عارف بنفسه***و ما به من نعمه و بؤسه
و إنّه مركّب، مصوّر***مؤلّف، مدبّر، مقدّر
و ما به من ذلّ الافتقار***و ما ينوبه بلا اختيار
يأتيه ما يحول عن مهمّه***من فسخ عزمه و نقض همّه
و أنّه لم يك حينا كائنا***فلم يكن لنفسه مكوّنا
و لا الّذي يكون من أمثاله***إذ حال مثله إذن كحاله
يجري عليه ما جرى عليه***فليس أمر غيره إليه
أرضيّة أو جويّة؛ كالحرّ و البرد في غير أوانها، و الصواعق و الامطار الغير المترقّبة، و النوازل الغير المعتادة من الطاعون و الوباء و الخسف و الزلازل الارضيّة، و ما يقع فيها من غير عادة.
فالاختلاف في جميع ما ذكر، كان لا محالة عن مدبّر، مختار، حكيم؛ اذ حدوث الحادث أو تخالف الحوادث أو تخلّف الطبيعيّة من غير سبب محال، و كذلك لا يكون ذا الاختلاف بلا مقدّر؛ لأنّ كلّه على قدر معلوم و اجل محتوم. و سيأتي في الردّ على الطبيعيّين كلام الصادق (ع) في تحقيق الاختلاف و استدلاله به.
و كلّ شخص إن بنفسه استدلّ لربّه، فذاك أجلى و ادلّ، إذ كلّ شخص عارف بنفسه، و هو اعرف بذات نفسه من ذات غيره؛ فيكون الاستدلال بنفسه لنفسه اجلى و أدلّ من كلّ شيء، بل كذلك الاستدلال به لغيره أيضا، لاشتراك الغير معه في الجنسيّة و النوعيّة؛ و أنّ كلّ احد يعرف ما به من نعمه و بؤسه و سائر حالاته، و أنّه مركّب، مصوّر، مؤلّف، مدبّر، مقدّر، و كلّ ذلك من آثار المصنوعيّة. و يعرف أيضا ما من ذلّ الافتقار الذي لا يمكنه ردّه عن نفسه، فإنّ الإنسان ذليل الفقر و الفاقة؛ و يعرف أيضا ما ينوبه و يعرضه نوبة بعد نوبة من الآلام و الأسقام و غير ذلك الى الموت و الفناء؛ و كلّ ذلك بلا اختيار منه و لا إرادة.
و إنّه ربما يأتيه و يرد عليه ما يحول و يمنع عن مهمّه الّذي اهتمّ له، و ذلك من فسخ عزمه اذا عزم على شيء، و نقض همّه إذا همّ بشيء؛ و يعرف أنّه لم يك حينا من الدهر كائنا؛ كما قال تعالى:( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً )(1). و لما مضى قبله زمان و لم يكن موجودا، فلم يكن هو لنفسه مكوّنا؛ اذ المعدوم لا يكوّن الموجود، فلا بدّ أن يكون له موجد غيره، و لا الّذي يكون من أمثاله ممّن لم يكن، فكان، يجوز ان يكون مكوّنا له كأبيه مثلا، إذ حال مثله إذن، كحاله، يجري عليه ما جرى عليه؛ فكما كان هو معدوما و المعدوم لا يوجد نفسه، فكذلك كان ابوه من قبله، و إذا لم يكن ابوه الّذي مثله موجدا لنفسه، فليس أمر غيره إليه أيضا؛
فعن الرضا (ع)، «و قد جاء إليه رجل فقال: يا ابن رسول اللّه! ما الدليل على حدوث العالم؟ فقال (ع): «انت لم تكن ثمّ كنت، و قد علمت أنّك لم تكوّن نفسك و لا كوّنك من هو مثلك.» (2)
و عنه (ع) أيضا، و قد سأله بعض الزنادقة ما الدليل عليه؟ قال (ع): «إنّي لمّا نظرت الى جسدي، فلم يمكّني فيه زيادة و لا نقصان في العرض و الطول و دفع المكاره عنه و جرّ المنفعة إليه، علمت أنّ لهذا البنيان بانيا، فاقررت به؛ و ما ارى من دوران الفلك بقدرته، و إنشاء السّحاب و تصريف الرياح و مجرى الشمس و القمر و النجوم، و غير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات، علمت أنّ لهذا مقدّرا و منشأ.» (3)
و قال الصادق (ع) في الاهليلجة: «و العجب من مخلوق يزعم أنّ اللّه يخفى على عباده، و هو يرى اثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله و تأليف يبطل حجّته.» (4)
و قد تقدّم في الاستدلال بالصّنع قوله (ع) لابن ابي العوجاء: «أ مصنوع انت أم غير مصنوع ...» (5)
و عن هشام بن حكم، عنه (ع)، في جواب ابي شاكر الديصاني حين قال: ما الدليل على أنّ لك صانعا؟ فقال (ع): «وجدت نفسي لا تخلو من احدى جهتين:
إمّا أن تكون صنعتها انا، فلا اخلو من احد معنيين: إمّا أن اكوّن صنعتها و كانت موجودة، فقد استفنت بوجودها عن صنعتها، و إن كانت
معدومة، فإنّك تعلم أنّ المعدوم لا يحدث شيئا، فقد ثبت المعنى الثالث: أنّ لي صانعا، و هو ربّ العالمين.» فقام و ما اجاب جوابا .(1)
و قد اخذ هشام هذا الطريق عنه (ع) فاجاب به هشام بن سالم، حيث قال هشام بن سالم:
حضرت محمّد بن النّعمان الأحول، فقام إليه رجل، فقال له: بم عرفت ربّك؟ قال: بتوفيقه و ارشاده و تعريفه و هدايته. قال:
فخرجت من عنده، فلقيت هشام (2)بن الحكم، فقلت له ما اقول لمن يسألني، فيقول لي: بم عرفت ربّك؟ فقال: ان سأل سائل، فقال: بم عرفت ربّك؟
قلت: عرفت اللّه- جل جلاله- بنفسي؛ لأنّها اقرب الأشياء إليّ، و ذلك إنّي اجدها أبعاضا مجتمعة، و اجزاء مؤتلفة، ظاهرة التركيب، مبيّنة الصنعة على ضروب من التخطيط و التصوير، زائدة من بعد نقصان، و ناقصة من بعد زيادة، قد أنشأ لها حواسّ مختلفة و جوارح متباينة: من بصر و سمع و شامّ و ذائق و لامس، مجبولة على الضعف و النّقص و المهانة، لا تدرك واحدة منها مدرك صاحبها، و لا تقوى على ذلك عاجزة عن اجتلاب المنافع إليها و دفع المضارّ عنها، و استحال في العقول وجود تأليف لا مؤلف له، و ثبات صورة لا مصوّر لها؛ فعلمت أنّ لها خالقا خلقها، و مصوّرا صوّرها، مخالفا لها في جميع جهاتها؛ قال اللّهم.
1) . البحار 3: 50/ 23.
2) . ظاهره أنّ هشام بن سالم، لم يعجبه جواب محمد بن النعمان، و لكنّه من قصور توهّمه، و إلّا فإنّ محمد بن- نعمان، لا يقصر عن هشام بن الحكم، بل كلاهما علمان، و كلاهما مصيبان في جوابهما؛ و ذلك لأنّ السؤال بكلمة «بم عرفت ربّك؟» قد يكون سؤالا عن الدليل و هو الّذي عرفه منها هشام بن سالم و لم يحتمل غيره، و هذا لا يوافقه جواب محمّد بن النّعمان، فلذلك لم يرض به؛ و قد يكون سؤالا عن الوصف و الكيفيّة، او عن سبب المعرفة و الهداية، و جواب محمد بن النّعمان يوافق هذا الأخير، و لعلّه فهم ذلك الغرض من السائل، فاجابه بما اجاب و قد اصاب، و لكن لم يتفطّن له هشام بن سالم.
و امّا دلالة احوال النّفس، فقد اشار إليها الصادق (ع) أيضا في محاجّته مع ابن ابي العوجاء في المسجد الحرام؛
قال: و لم احتجب عنهم و ارسل إليهم الرسل؟ و لو باشرهم بنفسه كان اقرب الى الأيمان.
فقال (ع): ويلك! كيف احتجب عنك من اراك قدرته في نفسك؟ نشؤك و لم تكن مكبرك بعد صغرك، و قوّتك بعد ضعفك، و ضعفك بعد قوّتك؛ و سقمك بعد صحّتك، و صحّتك بعد سقمك؛ و رضاك بعد غضبك، و غضبك بعد رضاك؛ و حزنك بعد فرحك، و فرحك بعد حزنك؛ و حبّك بعد بغضك، و بغضك بعد حبّك؛ و عزمك بعد إبائك، و إبائك بعد عزمك؛ و شهوتك بعد كراهتك، و كراهتك بعد شهوتك؛ و رغبتك بعد رهبتك، و رهبتك بعد رغبتك؛ و رجائك بعد يأسك، و يأسك بعد رجائك؛ و خاطرك بما لم يكن في وهمك و عزوب ما انت معتقده من ذهنك.»
قال ابن ابي العوجاء: و ما زال يعدّ عليّ قدرته الّتي هي في نفسي الّتي لا ادفعها حتّى ظننت أنّه سيظهر فيما بيني و بينه .(3)
استظهار: يظهر من هذا الحديث، أنّ الحبّ و الكراهة و العزم و الاباء التي هي من مبادي الإرادة، كسائر حالات النّفس من الأمور الغير الاختياريّة، و أنّها من اللّه، و لا مانع منه اذا لم تكن بمثابة توجب سلب الاختيار؛ كما قال تعالى:( حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ ... )(4)او إنّ المراد أنّها من اللّه تعالى معلولة عن اسبابها الموجبة لها؛ كالقوّة و الضعف و الصحة و المرض و غيرها، فإنّه لا شبهة أنّها من اللّه، مع أنّ الغالب فيها كونها معلولة عن الاسباب الاختيارية.
و امّا دلالة فسخ العزائم و نقض الهمم: و المراد بها، حيلولة المشيّات بين الارادات و وقوع الأمور على خلاف المرادات، فعن ابى عبد اللّه (ع):
إنّه قام رجل الى امير المؤمنين (ع)، فقال: يا امير المؤمنين، بما عرفت ربّك؟ قال (ع): «بفسخ العزائم و نقض الهمم، لمّا ان
هممت، حال بيني و بين همّي، و عزمت فخالف القضاء عزمي، فعلمت أنّ المدبّر غيري.» (1)
و قد سئل ابو عبد اللّه (ع) بمثل ذلك، فقيل: بم عرفت ربّك؟! فقال (ع): «بفسخ العزم و نقض الهمّ؛ عزمت ففسخ عزمي، و هممت فنقض همّي.» (2)و سئل امير- المؤمنين (ع)، ما الدليل على اثبات الصانع؟ قال (ع): «ثلاثة اشياء: تحويل الحال، و ضعف الاركان، و نقض الهمّة.» (3)
توضيح: ضعف الاركان، هو الضاعف الطاري على الاعضاء و الحواسّ، بعد القوّة بسبب الهرم؛ كما قال تعالى:( ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً ... )(4)و امّا تحويل الحال، فيحتمل إرادة الاحوال المتبدّلة من حين الولادة الى الهرم متدرّجة بالرّشد و النّمو، فيناسب ضعف الأركان؛ و يحتمل أيضا إرادة الاحوال العارضة على النفس الّتي بيّنها الصادق (ع) لابن ابي العوجاء.
هذا الطريق؛ اعني استدلال كلّ احد بشخصه و عوارض نفسه و حالاتها، طريق تامّ لشخص المستدل في اثبات مربوبيّته و مربوبيّة نوع الانسان؛ و يجري حكمه أيضا في انواع الحيوان. و امّا بالنسبة الى غيرهما من اجزاء العالم و اثبات مربوبيّتها على الخصم، فإنّها يتمّ لو كان الخصم ممّن كان اتّصال العالم عنده مفروغا عنه، و أنّه يرى العالم من باب الاتّصال كأنّه اجزاء شيء واحد؛ فاذا ثبت مربوبيّة جزء منها، ثبتت المربوبيّة للجميع. و لعلّ السائل عن الرضا (ع) كان كذلك، حيث قال: ما الدليل على حدوث العالم؟ فقال (ع): «انت لم تكن ثمّ كنت» و كأنّه كان الاتّصال و الملازمة امرا مفروغا عنه عند غيره من السائلين و الخصوم أيضا، اذ كانت الائمّة (ع) يكتفون في مقام اثبات الحدوث أو المصنوعيّة و المربوبيّة و المدبّريّة ببعض الاشياء، و كانت الخصوم يقنعون به. و أمّا اذا كان الخصم ممّن لا يقنع بذلك، فلا بدّ من الاحتجاج عليه بطريق آخر و تتميمه به؛ كما صنع الصادق (ع) في حديث الاهليلجة.
فهذه الأمور دلّت ***ظاهرةبأنّ الأشياء كلّها مدبّرة
و أنّها حادثة مصنوعة***و كلّها كهيئة مجموعة
فاحتيج للصّانع بالبداهة***فإن هو الرب فلا كراهة
و إن تكن تكوّنت من أسّها***كانت إذن مكوّنات نفسها
فليس إمّا أنّها مكوّنة***إذ لم تكن أو حين صارت كائنة
و يستحيل عند ذي السّداد***يؤثّر المعدوم في الإيجاد
أو يوجد الموجود ثانيا و هل***بالذّات أو بالغير أوّلا حصل
فهذه الأمور دلّت دلالة ظاهرة بأنّ الأشياء كلّها مدبّرة، و أنّها حادثة لظهور حدوثها، مصنوعة لظهور اثر الصنع فيها، و كلّها كهيئة مجموعة، كأنّها بيت ممهدة بالاسباب.
فاحتيج للصّانع بالبداهة، إذ الحادث يحتاج الى المحدث، و المصنوع الى الصانع، و المؤلّف الى المؤلّف؛ و حينئذ فلا يخلو الواقع من احد امور ثلاثة:
امّا ان يكون محدثها و صانعها الرب- تبارك و تعالى- الذي نقول به، أم هي انفسها؛ او ما هو مثلها في الحدوث و المصنوعيّة؛ فإن كان هو الرب تعالى، فلا كراهة و لا نزاع؛ و إن تكن هي تكوّنت من أسّها و اساسها بنفسها و لم يكن لها ربّ، كانت الاشياء إذن هي مكوّنات نفسها، و اذا كانت هي مكوّنة انفسها، فليس يخلو أيضا عن احد امرين: إمّا أنّها مكوّنة لنفسها حين إذ لم تكن، أو حين صارت كائنة موجودة؛ فإن كانت مكوّنة لها و هي معدومة، فهذا محال كما قلت:
و يستحيل عند ذي السّداد يؤثّر المعدوم في الايجاد، فيوجد الشيء و هو معدوم، و ان كانت مكوّنة لها و هي موجدة، فهو أيضا محال؛ لأنّه تحصيل الحاصل.
و لا فرق في بداهة العقل من حيث الاستحالة بين ان يوجد المعدوم شيئا أو يوجد الموجود ثانيا بعد وجوده، هب أنّه يمكن الوجود الثاني، لكنّه يعود الاشكال في الوجود الأوّل، و أنّه هل كان حصوله الاوّل بالذّات أو كان بالغير أوّلا حصل، ثمّ اوجد نفسه و هكذا فيتسلسل الى ما لا نهاية له؟
و إن تكن صانعها أمثالها***فحالها في الحكم أيضا حالها
فاحتيج بالمكوّن الحكيم***و الصانع المدبّر القديم
و إن تكن صانعها أمثالها لا انفسها، فحالها في الحكم أيضا حالها؛ كما تقدّم في الاستدلال بالنّفس، فإنّ حكم الامثال واحد، فيجرّ في مثل الشيء ما يجري فيه.
فاحتيج إذن بالمكوّن الحكيم و الصانع المدبّر القديم، و هو اللّه تعالى؛ و بما ذكر، احتجّ الصادق (ع) في الاهليلجة على خصمه حين قال: إنّما اعطيتك أنّ الاهليلجة حدثت و لم أعطك أن الصانع لا يكون حادثا لا يخلق نفسه، قال (ع):
«أمّا اذ ابيت إلّا التمادي في الباطل، فاعلمني، متى خلقت نفسها و دبّرت خلقها قبل ان تكون أو بعد ان كانت!؟ فإن زعمت أنّ الاهليلجة، خلقت نفسها و دبّرت خلقها بعد ما كانت، فإنّ هذا من أبين المحال؛ كيف تكون موجودة مصنوعة ثمّ تصنع نفسها مرّة أخرى؟ فيصير كلامك إلى أنّها مصنوعة مرّتين؛ و لئن قلت: أنّها خلقت نفسها و دبّرت خلقها قبل أن تكون، إنّ هذا من اوضح الباطل و ابين الكذب؛ لأنّها قبل أن تكون، ليس بشيء، فكيف يخلق لا شيء شيئا؟ و كيف تعيب قولي أن شيئا يصنع الاشياء، و لا تعيب قولك أنّ لا شيء يصنع الاشياء!؟ فانظر ايّ القولين اولى بالحقّ؟
قال: «قولك،
قلت: فما يمنعك منه؟
قال: قد قبلته و استبان لي حقّه و صدقه بأنّ الاشياء المختلفة و الاهليلجة لم يصنعن انفسهنّ و لم يدبّرن خلقهنّ؛ لكنّه تعرض لي أنّ الشجرة، هي الّتي صنعت الإهليلجة، لانّها خرجت منها.
قلت: فمن صنع الشجرة؟
قال: الاهليلجة الاخرى،
قلت: اجعل لكلامك غاية تنتهي إليها؛ فإمّا ان تقول: هو اللّه سبحانه و يقبل منك، و إمّا ان تقول الاهليلجة فنسألك،
قال: سل،
قلت: اخبرني عن الاهليلجة هل تنبت منها الشجرة إلّا بعد ما ماتت و بليت و بادت؟
قال: لا،
قلت: أنّ الشجرة قد بقيت بعد هلاك الاهليلجة مائة سنة، فمن كان يحييها و يزيد فيها و يدبّر خلقها و يربّيها و ينبت ورقها؟
مالك بدّ من ان تقول هو الّذي خلقها؛ و لئن قلت: الاهليلجة، و هي حيّة قبل ان تهلك و تبلى و تصير ترابا و قد ربّت الشجرة و هي ميتة إنّ هذا لقول مختلف.
قال: لا اقول ذلك ...»(1)، الحديث.
و في قوله الاخير (ع): «فمن صنع الشجرة ...»، ابطال ان يكون صانع الشيء ما هو مثله و أن هذا بنفسه كاف في البطلان من دون حاجة الى التسلسل و بطلانه، كان التسلسل باطلا أم لم يكن. و قوله (ع): «اجعل لكلامك غاية ...»، اشارة إلى أنّه لا بدّ من الانتهاء الى ما ليس بحادث و مخلوق، و إلّا تجري فيه قاعدة المثليّة، سواء تسلسل أم لم يتسلسل.
فقد تحصّل من هذه الوجوه المختلفة، احتياج العالم الى غيره ممّا ليس مثله، و في ذلك، اثبات الصانع القديم، الحكيم العليم، الّذي يعتقده المسلمون و من يوافقهم من المليّين. و لا بدّ بعد ذلك من التعرّض لشبه المبطلين المنكرين و ابطالها اتماما للحجّة و تتميما للمحجّة.1.
1) . البحار 3: 158/ 1.
المنكرون كلّهم معطّلة***قد عطّلوا اللّه عن المداخلة
و الكلّ أهملوا عن التدبير***و العمد صنع العالم الكبير
لكنّما القائل بالطّبيعة***أو غيرها لا ينكر الصنيعة
و لا اقتضاء كلّ صنع صانعا***بل ينسب الأمر إلى الّذي ادّعى
و في ثبوت ما ادّعى بزعمه***إثبات ما أنكره برغمه
و المهمل المطلق دهريّ فقط***و قول غيره بقوله اختلط
المنكرون على شعبهم المختلفة، كلّهم معطّلة، يشتركون في جامع التعطيل؛ فإنّهم جميعا قد عطّلوا اللّه الذي هو الصانع الحقيقي عن المداخلة و التصرف في العالم. فذهب بعضهم الى انكار الصانع رأسا، و آخر الى اثبات غير الحقيقي؛ اعني الطبيعة، و الثنويّة أيضا تشاركهم في هذا التعطيل واقعا، الّا أنّهم لا يعدّون من المنكرين ظاهرا، و الكلام معهم في باب التوحيد.
و إنّما الكلام هنا مع «الدهريّة» و «الطبيعيّة» و «القائلين بأزليّة الأشياء»، و الكلّ أهملوا عن التدبير و العمد صنع العالم الكبير؛ فقالوا: بأن العالم لا مدبّر له، يعمد الى تدبيره بإرادة و مشيّة. لكنّما القائل بالطّبيعة أو غيرها؛ كالنّور و الظلمة عند الثنوية، لا ينكر اصل الصنعة للعالم، فلا ينفي كونه مصنوعا و لا اقتضاء كلّ صنع صانعا. فلا ينفي الكبرى، و هي: «أنّ كلّ مصنوع يحتاج الى الصانع»؛ بل ينسب الأمر؛ اعني التكوين و التدبير، إلى الّذي ادّعى من الطبيعة و غيرها، و في ثبوت ما ادّعى بزعمه إثبات ما أنكره برغمه؛ اي رغما لأنفه كما سنقرّره.
و المهمل المطلق الّذي لا يقول بمؤثّر اصلا، إنّما هو دهري فقط، و قول غيره (و هو الطبيعي) بقوله اختلط، حيث لم يفرق بينهما؛ و ربّما جعلا مذهبا و قولا واحدا، و ليس كذلك؛ فإنّ الدهريّ، لا يقول بشيء في ظاهر مقالته.
ثمّ إنّ هذا من حيث ظاهر المقالات، و أمّا بمقتضى تحليلها الواقعي و بحسب
بل لا ترى القائل ***بالإهمالرأسا و لو بصانع اجماليّ
إذ مرجع الدهر إلى ***الطبائعأو مثلها فمثبت للصّانع
و إنّما هم منكروا الرحمن***كغيرهم لشهوة العصيان
و احدثت أساسه الزنادقة***و افترقت من بعد ذاك المارقة
باطن الاعتقادات، فقد يرجع انكار الجميع الى انكار الصانع الّذي يقوله المؤمنون بشرائع الأنبياء (ع)، لا انكار الصانع اصلا و لو اجمالا؛ كما نبّهت عليه بقولي: بل لا ترى في قاطبة المنكرين،
القائل بالإهمال رأسا و مطلقا و لو بصانع و مدبّر اجماليّ باطنا، و ان لم يصرّح بعنوان الصانع لفظا، حتّى من الدهريّة؛ إذ مرجع الدهر الّذي يقول به الدهري أيضا، امّا الى الطبائع أو الى شيء آخر مثلها، و ان لم يسمّيها، فمثبت هو أيضا للصّانع لبّا. و إنّما هم؛ اي الدهريّة أيضا، منكروا الرحمن؛ كغيرهم لشهوة العصيان و للفرار من العبديّة الى اللاقيديّة؛ كما قال الصادق (ع) في الاهليلجة:
«و لعمري! ما أتي الجهّال من قبل ربّهم، و أنّهم يرون الدلالات الواضحات و العلامات البيّنات في خلقهم و ما يعاينون من ملكوت السّماوات و الأرض و الصنع العجيب المتقن، الدال على الصانع؛ و لكنّهم قوم فتحوا على انفسهم ابواب المعاصي، و سهّلوا لها سبيل الشّهوات، فغلبت الاهواء على قلوبهم، و استحوذ الشّيطان بظلمهم عليهم؛ و كذلك يطبع اللّه على قلوبهم المعتدين(1)و قد قال تعالى:( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا )(2).
و هذه الانكار، احدثت أساسة الزنادقة الأولى و «الزنديق» في كلّ شرع: من آمن به ظاهرا و يلحد في الخفاء؛ و إنّما احدثوه حبّا للشهوات. سأل هارون، موسى بن جعفر (ع)، قال:
فإنّ الزندقة قد كثرت في الاسلام، و هؤلاء الزنادقة الّذين يرفعون إلينا في الأخبار، هم المنسوبون إليكم فما الزنديق عندكم اهل
البيت؟
فقال (ع): «الزنديق»: هو الراد على اللّه و على رسوله، و هم الّذين يحادّون اللّه و رسوله؛ قال اللّه:( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا ... )(1)و هم الملحدون فعدلوا عن التوحيد الى الالحاد.
فقال هارون: اخبرني عن أوّل من الحد و تزندق.
فقال موسى (ع): اوّل من الحد و تزندق في السماء، ابليس اللعين؛ فعصى و افتخر على صفّى اللّه و نجيبه آدم؛ فقال اللعين:
انا خير منه، خلقتني من نار و خلقته من طين؛ فعتّى عن امر ربّه، و الحد فتوارث الالحاد ذرّيته الى ان تقوم السّاعة.
فقال و لابليس ذرّية؟
فقال (ع): نعم، أ لم تسمع الى قول اللّه: (... إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا* ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً )(2)لأنّهم يضلّون ذرّية آدم بزخارفهم و كذبهم، و يشهدون أن لا إله إلّا اللّه؛ كما وصفهم اللّه في قوله:( وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ )(3)اي إنّهم لا يقولون ذلك إلّا تلقينا و تاديبا و تسمية (4).
و قد كانت الزنادقة في الاسلام كابن ابي العوجاء و اضرابه، يشككون في الصانع، و يحاجّون الأئمّة (ع) و اهل العلم. فالزنادقة: هم الّذين احدثوا الانكار بعد الأنبياء. و لكن و افترقت من بعد ذاك المارقة الّذين خرجوا عن الدين و الطاعة، فصاروا2.
فقيل بالشّمس و قيل بالقمرو ***قيل بالنّور و بالطبع أخر
و هؤلاء حيث وافقوا ***علىثبوت صانع و إن تقابلا
يسهل إثبات الإله لهم***لأنّهم في شخصه توهّموا
و منكر اللّه لدى التأمّل***ليس بمنكر عن التعقّل
بل هو إمّا ظانّ أو جاحد***أو أنّه مستضعف مقلّد
شعبا و اتّخذ كلّ شعبة ربّا، فقيل بالشّمس و قيل بالقمر و قيل بالنّور و الظلمة، و قال بالطبع؛ اي الطبيعة أخر.
و هؤلاء حيث وافقوا المثبتين على ثبوت صانع و إن تقابلا الصانع الحقيقي، ليسوا كالمنكر رأسا، و لذلك يسهل إثبات الإله الحقّ لهم؛ لأنّهم جميعا يوافقون في اصله و إنّما في شخصه توهّموا. فتوهّم كلّ منهم ما اعتقده ربّا، فإنّهم متوهّمون في صفاته لا منكرون في اثباته.
و طريق ردعهم عمّا اعتقدوه، و اثبات اللّه تعالى لهم، ارشادهم الى الصفات اللازمة اللائقة بصانع العالم و تنبيههم على خطائهم في التطبيق، لعدم وجود تلك الصفات فيه، فهو للربوبيّة ليس بحقيق.
و منكر اللّه مطلقا (سواء اثبت صانعا أم لا) لدى التأمّل، ليس بمنكر له عن التعقّل و العلم اليقيني البرهاني، و كذا في اثبات غيره، بل هو إمّا ظان فيهما أو جاحد له مع العلم و العمد؛ أو أنّه مستضعف مقلّد يقلّد آبائه و من يحسن به الظنّ؛ كما قال تعالى في قوم:( إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ... )(1)و (... إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ )(2)و قال في الدهريّة: (وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )(3)و قال في آخرين:( وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا ... )(4)و في آخرين: (... قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ... )(5).
و قال امير المؤمنين (ع): «فالويل لمن انكر المقدّر و جحد المدبّر! زعموا أنّهم0.
و الأغلب الطالب للفرار***فيطلب الفرار بالإنكار
فليس منكرا على التحقيق***و إنّما يأبى عن التصديق
من أجل ذا يفحم في المناظرة***فينتهي عن صولة المكابرة
فقد تجرّه إلى التنزّل***و من يقينه الى التزلزل
كالنبات ما لهم زارع، و لا لاختلاف صورهم صانع، لم يلجئوا الى حجّة فيما ادّعوا، و لا تحقيق لما وعوا؛ و هل يكون بناء من غير بان أو جناية من غير جان»(1)؟ بل لا يمكن ان يكون منكر حقّ أو مدّعي باطل موقنا به بحيث لا يحتمل الخلاف لأنّه لا يتمّ عليه الحجّة حينئذ؛ و قد قال تعالى:( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ... )(2).
قال الصادق (ع): ابى اللّه أن يعرف باطلا حقّا، ابى اللّه ان يجعل الحقّ في قلب المؤمن باطلا لا شكّ فيه، و لو لم يجعل هذا هكذا ما عرف حقّ من باطل.» (3)
هذا بحسب نوع الإنكار، فإنّ الإنكار لا يخلوا عن احد الثلاثة، بل عن الاثنين، فإنّ التقليد أيضا يرجع الى الظنّ، و لكن الأغلب بحسب الواقع هو المنكر الطالب للفرار عن التكليف الّذي كلّف به، فيجعل الإنكار وسيلة للفرار، فيطلب الفرار بالإنكار. فليس مثل هذا ممّن يعد منكرا على التحقيق؛ اي حقيقة و واقعا، و إنّما يأبى عن التصديق فهو آب عن الايمان لا منكر له تعالى عن الأيمان. من أجل ذا يفحم في المناظرة بادنى مخاصمة، فينتهي عن صولة المكابرة و شدّتها؛ و هذا يكشف عن أنّه ليس في انكاره على ايقان و لا في جحوده على حجّة و برهان،
و طريق افحامه وجهان:
الاوّل: ان تلقى عليه ما يوجب التشكيك في اعتقاده فيتنزّل عن جحوده و يتزلزل في معقوده؛
و الثاني: ان تخوّفه بفرض الأمر على خلاف معتقده، فتراه مبهوتا في تردّده.
و افحام الخصم كما يؤثّر و يفيد في تبكيته و تبهيته و كسر صولة انكاره، كذلك يؤثّر و يفيد في تدريبه و استدراجه الى قبول الحقّ بالحجج و البيّنات؛ فانّ تبكيته أوّلا، و تشكيكه في اعتقاده، ممّا يقوّي الحجّة في التأثير و يساعد القلب على القبول. و قد
كان تقول هل صعدت في السّماء***أو جلت في الأرض تريه مفحما
اشرت الى الاوّل بقولي: فقد تجرّه إلى التنزّل عن مكابرته و من يقينه الّذي يظهره و يرائيه الى التزلزل في اعتقاده، و ذلك كأن تقول لمنكر الصانع للعالم:
هل صعدت في السّماء أو جلت في اقطار الأرض فلم تر صانعا!؟» فإنّك اذا القيت عليه مثل هذا الكلام، تريه مفحما، مبهوتا، متزلزلا في إنكاره. و قد افحم الصادق (ع) بمثل ذلك الزنديق المصرى أوّلا، ثمّ احتجّ عليه ثانيا، فآمن على يديه.
قال (ع) له: أتعلم أنّ للأرض تحتا و فوقا؟ قال: نعم، قال (ع):
فدخلت تحتها؟ قال: لا، قال (ع). فما يدريك بما تحتها؟ قال: لا ادرى، الّا إنّي اظنّ أن ليس تحتها شيء، قال (ع): فالظنّ عجز ما لم تستيقن؛ و قال (ع): فصعدت الى السّماء؟ قال: لا، قال (ع):
فتدرى ما فيها؟ قال: لا، قال (ع): فعجبا لك! لم تبلغ المشرق و لم تبلغ المغرب و لم تنزل تحت الارض و لم تصعد الى السّماء و لم تخبر هناك فتعرف ما خلفهنّ و انت جاحد ما فيهنّ! و هل يجحد العاقل ما لا يعرف؟ فقال الزنديق: ما كلّمني بهذا احد غيرك، فقال (ع). فانت في شك من ذلك، فلعلّ هو، او ليس هو، قال:
و لعلّ ذاك.
فقال (ع): ايّها الرجل! ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم؛ فلا حجّة للجاهل يا اخا اهل مصر! تفهّم عنّي! فإنّا لا نشكّ في اللّه أبدا؛ أ ما ترى الشّمس و القمر يلجئن ليس لهما مكان الّا مكانهما، فان كانا يقدران على ان يذهبا و لا يرجعان، فلم يرجعان، فان لم يكونا مضطرّين، فلم لا يصير اللّيل نهارا، و النّهار ليلا، اضطرا و اللّه.
يا اخا اهل مصر! الّذي تذهبون إليه، و تظنون بالوهم، فان كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم؟ و ان كان يردهم لم لا يذهب بهم؟ القوم مضطرّون يا اخا اهل مصر، السّماء مرفوعة، و الأرض موضوعة، لم لا تسقط السّماء على الأرض و لم لا ينحدر الأرض فوق طباقها، فلا يتماسكان و لا يتماسك من عليهما؟
فقال الزنديق: امسكهما و اللّه ربّهما و سيّدهما!
فآمن الزنديق على يد ابي عبد اللّه (ع). فقال له (ع) حمران بن- اعين: جعلت فداك، ان آمنت الزنادقة على يدك، فقد آمنت الكفّار على يد ابيك .(1)
و قال (ع) في الاهليلجة، في ردّ الطبيب الّذي كان يزعم أنّه لم يدرك اللّه باحد من الحواسّ، و ما لم يدركه حواسه فليس بشيء:
«اخبرني هل احطت بالجهات كلّها و بلغت منتهاها؟ قال: لا، قلت: هل رقيت الى السّماء الّتي ترى أو انحدرت الى الارض السفلى، فجلت في اقطارها؟ او هل خضت في غمرات البحور، و اخترقت نواحى الهواء فيما فوق السّماء أو تحتها الى الارض و ما اسفل منها فوجدت ذلك خلوّا من مدبّر حكيم، عالم بصيرا؟ قال: لا، قلت فما يدريك لعلّ الّذي انكره قلبك، هو في بعض ما لم تدركه حواسّك و لم يحط به علمك؟
قال: لا ادرى، لعلّ في بعض ما ذكرت مدبّرا، و ما أدري لعلّه ليس في شيء من ذلك شيء.
قلت: أمّا إذ خرجت من حدّ الإنكار الى الشكّ فإنّي ارجو أن تخرج الى المعرفة ...» (2)
و قال (ع) أيضا في محاجّته مع ابن ابي العوجاء:
«أ رأيت لو كان معك كيس فيه جواهر، فقال لك قائل: هل في الكيس دينار؟ فنفيت كون الدينار في الكيس؛ فقال لك قائل:
صف لي الدينار، و كنت غير عالم بصفته، هل كان لك أن تنفي كون الدينار في الكيس و انت لا تعلم؟ قال: لا، فقال (ع): العالم اكبر و اطول و اعرض من الكيس، فلعلّ في العالم صنعة من حيث لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة ...» فانقطع عبد الكريم ...» (3)0.
و قد تخيفه على الجحود***مع فرض صدق مدّعي المعبود
إن كان ما نقول كنت هالكا***و إن كما تقول زدنا نسكا
و قد مرّ صدره في تقرير الصنع، و هذا منه (ع) في ردّ انكاره كونه مصنوعا أو كون العالم مصنوعا، فافحم (ع) بعد عدم علمه و معرفته صفة الصنع بهذا التقرير.
و قد اشرت الى الوجه الثاني من الإفحام بقولي: و قد تخيفه على الجحود مع فرض صدق مدّعي المعبود، بأن تقول: إن كان الحقّ ما نقول كنت هالكا قطعا و إن كان؛ كما تقول: لم نهلك و لم نفقد شيئا غير أنّا زدنا نسكا و عبادة، و هذا لا يضرّنا شيئا.
قال الصادق (ع) لابن ابي العوجاء (1)في محاجّته في الحرم (و هو آخر احتجاجه (ع) عليه و قد مات بعده): ان لم يكن الأمر كما تقول، و ليس كما تقول، نجونا و نجوت، و ان يكن الأمر كما نقول، نجونا و هلكت». فاقبل عبد الكريم على من معه و قال: وجدت في قلبي حزازة، فردّوني! فردّوه و مات! (2)
و قال (ع) له أيضا في محاجّته الاخرى و كان مع ابن مقفّع في الحرم:
«ان يكن الأمر على ما يقول هؤلاء و هو على ما يقولون؛ يعني اهل الطواف، فقد سلموا و عطبتم؛ و ان يكن الأمر كما تقولون و ليس كما تقولون فقد استويتم و هم ...» (3)
و قال الرضا (ع) لرجل من الزنادقة: «أ رأيت إن كان القول، قولكم، و ليس هو كما تقولون، السنا و ايّاكم شرعا سواء، و لا يضرّنا ما صلّينا و صمنا و زكّينا و اقررنا؟ فسكت، فقال (ع): ان يكن القول قولنا، و هو قولنا و كما نقول، أ لستم قد هلكتم و نجونا؟ قال:
و في الديوان المنسوب الى امير المؤمنين (ع):
قال المنجّم و الطبيب كلاهمالن يحشر الأموات، قلت إليكما
ان صحّ قولكما فلست بخاسرإن صحّ قولي، فالخسار إليكما
حجّة كلّ منكر الرحمن***للنّفي دعوى عدم الوجدان
يعني به الحسّ و دفعه جليّ***إذ عدم القصر عليه منجليّ
فالرّوح و النفس من الأعيان***ليسا بمحسوسين للإنسان
و العلم بالمحسوس أيضا يعتبر***طورا بنفسه و طورا بالأثر
هذا في افحام المنكر، و امّا ابطال شبهه الّتي يزعمه حججه، فاعلم: إنّ للمعطّلة حجّتان:
حجّة مشتركة، يشترك فيها كلّ منكر من النافي المطلق و غيره.
و حجّة تختصّ بالطبيعي المثبت شيئا يستند إليها؛ فإنّ الطبيعي، تنحلّ دعواه الى دعويين: إحداهما، نفي اللّه تعالى، و ثانيتهما، اثبات الطبيعة، فلا بدّ من حجّتين.
حجّة كلّ منكر الرحمن (سواء اثبت شيئا أم لا)، للنّفي خاصّة، دعوى عدم الوجدان؛ يعني به الحسّ، اي الوجدان الحسّي لا العقلي و القلبي، فإنّ المنكرين لا يجاوزون الحسّ؛ و حاصل دعواهم: «أنّ الصانع لو كان موجودا، لكان محسوسا باحدى الحواس، و حيث لم ندركه بحاسة من حواسّنا، فليس بموجود».
و هذه الدعوى، مبنيّة على دعويين: إحداهما: انحصار الموجود العيني فيما تبلغه الحواسّ، و انكار وجوده ما لم يكن محسوسا؛ و ثانيتهما: دعوى عدم بلوغ الحسّ إليه.
و الدعويان كلتاهما مجازفتان.
فدعوى عدم الوجدان واضح البطلان، و دفعه جليّ و مبان؛ إذ عدم القصر عليه؛ اي عدم كون الموجود مقصورا على المحسوس منجليّ، لوجود اشياء عينيّة، غير مدركة بالحواسّ؛ فالرّوح و النفس من الأعيان الموجودة، مع أنّهما ليسا بمحسوسين للإنسان، و كذلك العقل، و كذلك القوى الفعّالة في الإنسان؛ و لذلك لا يقصر طريق العلم بالشيء المحسوس مع كونه محسوسا بالحسّ و العيان؛ اذ قد يكون الشيء غائبا أو ميّتا فلا يناله الحسّ؛ و إليه اشرت بقولي: و العلم بالمحسوس أيضا يعتبر، طورا بنفسه من طريق الحسّ اذا كان حاضرا، و طورا بالأثر اذا كان غائبا، فليس العلم به لو كان محسوسا بالإحساس به.
و ليست الطبيعة المكنونة***محسوسة فهي إذن موهونة
بل ما هو المدرك بالأصالة***قلب و حسّنا له كالة
و القلب لا يقصر في الإحساس***إدراكه كفاقد الحواس
فلا وجود الشيء بالحسّ يقف***و لا به يحصل كلّ ما انكشف
هذا بالنّسبة الى كلّ منكر يدّعي عدم الوجدان.
و يزيد الطبيعي على غيره بالنقض عليه بالطبيعة؛ كما اشرت إليه: و ليست الطبيعة المكنونة محسوسة أيضا، فمن اين علم بها؟ فهي إذن موهونة، غير ثابتة له على مقتضى دعواه. هذا كلّه على فرض كون الحواس بانفسها مدركة، فيدّعى أنّ القلب الّذي يعبّر به عن النّفس لا ادراك له بالخصوص إلّا بمدركاته، و هي منحصرة في الحواس.
لكن الحقّ عند اهل بيت (ع)، خلافه، بل ما هو المدرك بالأصالة عندهم (ع) «قلب»، و حسّنا له كآلة؛ نظير المنظرة الّتي تجعل على العين لا ادراك لها اصلا.
و المراد ب «القلب» هنا، «محض المدرك الباطن، الّذي ليست من الحواس». فلا ينافي ما سيأتي: من أنّ المدرك الحقيقي الاصلي هي النّفس.
و القلب ان اريد به اللّحم الصنوبري، فهو مركز اجتماع ما يؤدّي الحواسّ؛ و ان اريد به القوّة المدركة، فهو يرادف العقل أو الوهم أو يعبّر به عن النفس. و القلب لا يقصر في الإحساس إدراكه، بل يدرك تارة به، و اخرى بنفسه بمشاعر النّفس، و ثالثة بالعقل كفاقد الحواس بالاصل أو بالعرض؛ فإنّه لا يخلو عن الإدراك، و إنّما يخلو عن بعض انواعه.
و بعد تبيّن ما ذكر، فلا وجود الشيء في نفس الأمر بالحسّ يقف؛ فيكون موقوفا عليه بحيث لو لم يحسّ به، لم يكن موجودا و لا به يحصل كلّ ما انكشف؛ بحيث لو لم يكن محسوسا، مبصرا أو ملموسا، لم يكن مكشوفا معلوما. هذا كلّه بالنسبة الى الدعوى الأولى.
و امّا الدعوى الثانية: الّتي هي صغرى الدعوى الأولى، و هي إنّ الوجدان
و لا يتمّ عدم الوجدان***لو لم يتمّ الفحص بالعيان
و الفحص غير ممكن له هنا***و لو فرضنا الرب محسوسا لنا
لا يمكن الفحص عن اطباق الثرى***و لا الصعود في السّماء تيسّرا
الحسّي لم يبلغ إليه، فإنّ لها شرطا و هو الفحص التام، و لا يتمّ عدم الوجدان واقعا، و لا يتحقّق بحيث يصدق عليه انّه عدم الوجدان لو لم يتمّ الفحص بالعيان و الحسّ.
و الفحص التام: هو ان يفحص عن المطلوب في جميع مظانّه و محتملاته، بحيث لم يبق موضع إلّا و قد فحص و بحث عنه؛ فإذا فحص كذلك و لم يجد، صدق في حقّ الفاحص عدم الوجدان، فيصحّ منه ادّعائه. و الفحص التام كذلك غير ممكن له هنا.
و لو فرضنا الرب محسوسا لنا، بحيث لو فحصنا عنه لا حسسنا به، و هذه قضيّة تعليقيّة فرضيّة؛ نظير: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا).
امّا وجه عدم الإمكان، فلأنّه لا يمكن الفحص عن اطباق الثرى، و لو فحصا ناقصا، فضلا عن الفحص التام، و لا الصعود في السّماء تيسّرا له، فكيف يمكن دعوى عدم الوجدان؟ و إليه اشار الصادق (ع) في محاجّته مع المصري في الاهليلجة، و قد تقدّم ذكرهما.
و هذا بعد التسلّم و التنزل عن مناقشة الخصم في الكبرى، و لكن الشّأن و الكلام كلّ الكلام فيها. فإنّ الربّ الّذي ندّعيه، ليس من المحسوس عينا، بل لا يدركه العقل و الوهم ذاتا، ليس له مكان و لا يدرك بالعيان. و وجدانه، وجدان العقل و البرهان، بأنّه موجود من غير امعان.
و قد ورد عنهم (ع) اخبار كثيرة في أنّه تعالى ليس بمحسوس، نذكرها في محلّه.
فمن ذلك ما قال الرضا (ع) لرجل من الزنادقة في جملة محاجّته:
«فلا يعرف بكيفوفيّة و لا بأينونية و لا بحاسّة و لا يقاس بشيء. قال الرجل: فإذن أنّه لا شيء اذا لم يدرك بحاسّة من الحواسّ؟
فقال (ع): ويلك! لمّا عجزت حواسّك عن ادراكه، انكرت ربوبيّته، و إنّا لمّا عجزت حواسنا عن ادراكه، ايقنّا بأنّه ربّنا و أنّه شيء خلاف الاشياء.» (1)
1) . البحار 3: 36/ 12.
و قال الصادق (ع) في انكار الادراك للحواسّ، في محاجّته مع الديصاني و استدلاله (ع) له بالبيضة، بعد قوله: «اخبرت فاوجزت، و قلت فاحسنت و قد علمت أنّا لا نقبل إلّا ما ادركناه بابصارنا، او سمعناه بآذاننا، او لمسناه باكفّنا، او شممناه بمناخرنا، او ذقناه بافواهنا، او تصوّر في القلوب بيانا و استنبطته الروايات ايقانا، فقال (ع): ذكرت الحواس الخمس، و هي لا تنفع شيئا بغير دليل؛ كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح.» (1)
و قال الصادق (ع) في معاني ما ذكر تفصيلا في الاهليلجة، ... ثمّ قال:
اخبرني بم تحتجّ في معرفة ربّك الّذي تصف قدرته و ربوبيّته؟
و إنّما يعرف القلب الاشياء كلّها بالدّلالات الخمس الّتي وصفت لك.
قلت: بالعقل الّذي في قلبي، و الدليل الّذي احتجّ به في معرفته.
قال: فأنّى يكون ما تقول و انت تعرف أنّ القلب لا يعرف شيئا بغير الحواسّ؟ فهل عاينت ربّك ببصر، أو سمعت صوته باذن، او شممته بنسيم، او ذقته بفم، او مسسته بيد، فأدّى ذلك المعرفة الى قلبك؟
قلت: أ رأيت اذا انكرت اللّه و جحدته لأنّك زعمت أنّك لا تحسّه بحواسّك الّتي تعرف بها الأشياء، و اقررت أنا به، هل بدّ ان قد يكون احدنا صادقا و الآخر كاذبا؟ قال: لا، قلت: أ رأيت ان كان القول قولك، فهل يخاف عليّ شيء ممّا اخوّفك به في عقاب اللّه؟ قال: لا،
قلت: أ رأيت ان كان كما اقول و الحقّ في يدي، الست قد اخذت فيما كنت احاذر من عقاب الخالق بالثقة، و إنّك قد وقعت بجحودك و انكارك في الهلكة!؟ قال: بلى،
قلت: فأيّنا اولى بالحزم و اقرب من النّجاة؟ قال: انت، الّا أنّك على ادّعاء و شبهة و أنا على يقين و ثقة. لأنّي لا أرى حواسّ الخمس ادركته و ما لم تدركه حواسّي، فليس عندي بموجود!
قلت: إنّه لمّا عجزت حواسّك عن ادراك اللّه انكرته، و إنا لمّا3.
1) . البحار 3: 39/ 13.
عجزت حواسّي عن ادراك اللّه تعالى صدقت به، قال: و كيف ذلك؟
قلت: لأنّ كلّ شيء جرى فيه اثر تركيب لجسم، او وقع عليه بصر للون، فما ادركته الأبصار و نالته الحواسّ، فهو غير اللّه سبحانه، لأنّه لا يشبه الخلق و لا يشبهه الخلق، و إنّ هذا الخلق ينتقل بتغيير و زوال و كلّ شيء اشبه التغيير و الزوال فهو مثله؛ و ليس المخلوق كالخالق و لا المحدّث كالمحدث.
قال: إنّ هذا لقول، و لكنّي منكر ما لم تدركه حواسّي فتؤدّيه إلى قلبي!(1)
فلمّا اخذ اللجاج، أخذ عليه السلام في الاحتجاج عليه بما يلزمه على الإقرار، بأنّه قد يعلم الشيء الغائب عن حواسّه و يصدقه و هو لم يحسّه، فاصرّ على الإنكار و لم يعط من نفسه الإقرار، و هو طويل نذكر ملخّصه، فبلغ من لجاجه أنّه (ع) قال له:
«هل تشهد بأنّ هذه الإهليلجة مشتملة على نواة و انت لم تحسّها؟ قال: لا، لعلّه لم يكن شيء! قال (ع): هل تشهد بأنّ تحت القشر لحم؟ قال: لا، لعلّه لم يكن لحم! قال (ع): هل تشهد بأنّ امثال هذه الإهليلجة موجودة في البلدان؟ قال: لا، لعلّه لم يكن غيرها شيء! قال (ع): فهل تشهد أنّ لهذه الإهليلجة شجرة؟» فاضطرّ بالاعتراف بعد الاعتساف.» (2)
و قد ذكرت في طريق الأفحام قوله (ع) له: «هل احطت بالجهات كلّها».
و قد قال (ع) أيضا في جملة ما احتجّ عليه:
«أمّا إذ ابيت إلّا الجهالة و زعمت أنّ الأشياء لا يدرك الّا بالحواسّ، فإنّي اخبرك أنّه ليس للحواسّ دلالة على الأشياء و لا فيها معرفة إلّا بالقلب، فإنّه دليلها و معرّفها الأشياء الّتي تدّعي أنّ القلب لا يعرفها إلّا بها.» (3)
ثمّ استدلّ (ع) له تارة بهداية القلب و ارشاده بعد ذهاب الحواسّ، و أخرى بارشاده قبل ارائة الحواسّ؛ كطلب المولود اللّبن، و البكاء اذا جاع، و الضحك اذا شبع،1.
و التقاط فراخ الطير الحبّ، و سباغها اللحم، و امساك فراخ الطير البرّ عن الماء مخافة الغرق دون طير الماء، و امثال ذلك فلم يقنع؛ الى ان قال (ع): «سأنبّئك من قبل نفسك خاصّة ما يستبين لك، أنّ الحواسّ، لا تعرف شيئا إلّا بالقلب». ثمّ بيّن له ثلاثة اشياء:
الأوّل: الرؤيا، فقال (ع):
«هل رأيت في منامك أنّك تدخل بلادا رايتها و ما لم ترها؟ و هل رأيت الاموات ممّن كنت تعرفهم فتكلّمت معهم و عرفتهم و أكلت معهم؟ فأيّ حواسّ دلّتك على ذلك مع أنّها بمنزلة الميّت؟
قال: إنّه كما تقول، و ربما رأيت الشيء في منامي، ثمّ لا امسي حتّى اراه في يقظتي،
فقال (ع): ايّ حواسّك دلّتك عليه؟ قال: هذا شيء لا يدخله الحواسّ؛ ثمّ قال: الّذي رايته في منامي ليس إلّا السّراب،
فقال (ع): كيف جعلته كالسّراب، مع أنّك تجد فيها الفرح و الحزن و تجد آثارها.»
الثاني: الاحتلام، فقال (ع):
«هل احتلمت قطّ حتّى قضيت في امرأة تعرفها أم لم تعرفها نهمتك و اخذت منها لذّتك مثل ما تجد في يقظتك، و خرج منك المني، مثل ما يخرج منك في اليقظة؟ قال: بلى، قال (ع): و في ذلك كسر لحجّتك في السّراب، قال: ما يرى المحتلم في منامه إلّا ما كانت حواسّه دلّت عليه في اليقظة، فقال (ع): ما زدت على ان قوّيت مقالتي إنّ القلب يعقل الأشياء بعد ذهاب الحواسّ.»
الثالث: الفكر و التدبير، فقال (ع):
«اخبرني، هل تحدث نفسك بتجارة أو صناعة أو بناء أو تقدير شيء، ثمّ تأمر به اذا احكمت تقديره في ظنّك؟ قال: نعم، قال (ع): فهل شركت قلبك في ذلك الفكر شيئا من حواسّك؟ قال: لا، قال (ع): أ فلا تعلم أنّ الّذي اخبرك به قلبك حقّ؟ قال: اليقين هو، فزدني ما يذهب الشكّ عني و يزيل الشبهة من قلبي.» (1)
1) . البحار 61: 60/ 45.
و للطبيعيّ و من ضاهاه***بيّنة أخرى على دعواه
و هى الأفاعيل الّتي قرّرنا***للصّانع الّذي به أقررنا
إذ هى تقضي بلزوم صانع***في عقل كلّ مؤمن و مبدع
و الأصل واحد و الاختلاف في***توجيهه كلّ على ما يصطفي
و الدفع ظاهر فإنّ المستند***لا يثبت الّذي ادّعاه و اعتمد
إذ الأفاعيل الّتي مكوّنة***محكمة متقنة محسّنة
و هي تنادي أنّ من أنشرها***مدبّر حكيم إذ دبّرها
ليس يجوز مثلها أن تصدرا***عن غير من كان عليما قادرا
و إن يكن للدّهر و الطبيعة***ذا الوصف كان شأنه الصنيعة
و للطبيعيّ و من ضاهاه، ممّن يقول بشيء يؤثّر في الموجودات، بيّنة أخرى على دعواه؛ و هي بعينها الأفاعيل الّتي قرّرنا للصّانع الّذي به أقررنا و انكره، إذ هي؛ اي الافاعيل، تقضي بلزوم صانع لها في عقل كلّ مؤمن و مبدع؛ فإنّ وجود الافاعيل، دالّ على وجود فاعل لها عقلا.
و هذه الدلالة العقليّة، لا تختصّ بعقل دون عقل. و الأصل (و هو الدليل) واحد و مشترك بين المؤمن و الطبيعي، و هو وجود الأفاعيل و الاختلاف بينهما إنّما هو في توجيهه و تطبيقه كلّ منهما كلّ على ما يصطفي و يذهب إليه ف «المؤمن» يقول: إنّ الفاعل الّذي يدلّ عليه الأفاعيل، هو اللّه؛ و «الطبيعي» يقول: هي الطبيعة.
و الدفع ظاهر، فإنّ المستند، و هو وجود الأفاعيل، لا يثبت الّذي ادّعاه الطبيعي و اعتمد عليه؛ اعني الطبيعة، بل يثبت خلافه اذا عرض على العقل القاضي في المقام، إذ الأفاعيل الّتي مكوّنة، موجودة، محكمة البناء، متقنة الصنع، محسّنة الصور؛ و هي تنادي بلسان حالها: أنّ من أنشرها من العدم الى صفح الوجود، مدبّر، حكيم، إذ دبّرها و قدّرها، كذلك بهذا الإتقان و الحكمة. و اذا نظر إليها العقل، يقضي بصرافتها أنّه ليس يجوز مثلها أن تصدرا عن غير من كان عليما قادرا. و حينئذ، فنردّد الطبيعي و الدهري ان رجع في قوله بالدهر الى اثبات شيء كالطبيعي، فنقول لكلّ منهما:
و إن يكن للدّهر و الطبيعة، او ايّ شيء فرضتم ثابتا ذا الوصف، من العلم
و ذا هو اللّه الّذي نقول***سمّاه باسم ذكره مخمول
و إن رآه فاقد الكمال***فليس صانعا بلا إشكال
و القدرة و الحكمة، كان شأنه الصنيعة لا محالة و لا ننازعه.
و ذا هو اللّه الّذي نقول به، لأنّا لا نشخّصه بشخصيّة مخصوصة، و لا كيفيّة خاصّة؛ بل نقول: إنّ صانع العالم، هو الّذي متّصف بالكمال، عالم، قادر، حكيم، خبير، و سمّيناه ب «اللّه». فالاختلاف بيننا و بينه في محض التسمية؛ لأنّه وافقنا في الوصف و خالفنا في الاسم، و الفرق، إنّا سمّيناه باسم مشهور، و هو سمّاه باسم ذكره مخمول، و إن كان الدهري أو الطبيعي رآه؛ اي الّذي اثبته فاقد الكمال، لا علم له و لا قدرة، فليس عند العقل صانعا بلا إشكال، بل الصانع إذن غيره، اذ العاجز، لا يصدر منه شيء، و الجاهل لا يفعل الحكمة. فهو إذن، لو كان شيئا و موجودا، يحتاج الى صانع و مدبّر.
قال الصادق (ع) في حديث المفضّل:
«فكّر يا مفضّل! في اعضاء البدن، اجمع و تدبير كلّ منها للأرب:
فاليدان للعلاج، و الرجلان للسّعي، و العينان للاهتداء، و الفم للاغتذاء، و المعدة للهضم، و الكبد للتّخليص، و المنافذ لتنفيذ الفضول، و الأوعية لحملها، و الفرج لاقامة النّسل، و كذلك جميع الأعضاء اذا تأمّلتها و اعملت فكرك فيها و نظرت، وجدت كلّ شيء منها و قد قدّر لشيء على صواب و حكمة.
قال المفضّل: فقلت: يا مولاي! إنّ قوما يزعمون أنّها من فعل الطبيعة؟ فقال (ع): سلهم عن هذه الطبيعة، اي شيء له علم و قدرة على مثل هذه الأفعال، أم ليست كذلك؟ فإن اوجبوا لها العلم و القدرة؛ فما يمنعهم من اثبات الخالق، فإنّ هذه الصفة صفته، و ان زعموا أنّها تفعل هذه الأفعال لغير علم و لا عمد، و كان في افعالها ما قد تراه من الصواب و الحكمة، علم أنّ هذه فعل الخالق الحكيم، و أنّ الّذي سمّوه طبيعة، هو سنّته في خلقه
الجارية على ما اجرئها.» (1)
قال (ع) أيضا في هذا الحديث:
«فأمّا اصحاب الطبائع، فقالوا: إنّ الطبيعة لا (2)تفعل شيئا لغير معنى و لا عما فيه تمام الشيء في طبيعته، و زعموا أنّ المحنة، تشهد بذلك؛ فقيل لهم: فمن اعطى الطبيعة هذه الحكمة و الوقوف على حدود الأشياء، بلا مجاوزة لها، و هذا قد يعجز عنه العقول بعد طول التجارب؟ فان اوجبوا: للطبيعة الحكمة و القدرة، على مثل هذه الافعال، فقد اقرّوا بما انكروا، لأنّ هذه هي صفات الخالق؛ و ان انكروا ان يكون هذا للطبيعة فهذا وجه الخلق، يهتف بأنّ الفعل للخالق الحكيم.» (3)
و قال (ع) أيضا في الإهليلجة جوابا عن ان تكون الاشياء صانعة لانفسها:
«و ان رجعت الى أنّ الاهليلجة صنعت نفسها و دبّرت خلقها، فما زدت إن اقررت بما انكرت و وصفت صانعا مدبّرا اصبت صفته، و لكنّك لم تعرف، فسمّيته بغير اسمه؛ قال: و كيف ذلك؟
قلت: لأنّك اقررت بوجود حكيم، لطيف، مدبّر، فلمّا سألتك من هو؟ قلت: الاهليلجة، قد اقررت باللّه سبحانه، و لكنّك سمّيته بغير اسمه؛ و لو عقلت و فكّرت، لعلمت أنّ الاهليلجة، انقص قوّة من ان تخلق نفسها و اضعف حيلة من ان تدبّر خلقها ...» (4)
و هذا الّذي افاده (ع) على فرض المماشاة، و إلّا فقد اورد عليه ثانيا بما تقدم:
«أنّ الإهليلجة هل خلقت نفسها قبل أن لم تكن أو بعد ان كانت». و في «الإحتجاج» في اسئلة الزنديق عن ابي عبد اللّه (ع)، قال: فمن قال بالطبائع؟ قال (ع): من لم يملك البقاء و لا صرف الحوادث و غيّرته الأيّام و الليالي لا يردّ الهرم و لا يدفع الأجل ما يصنع به.» (5)
و إن ترد زيادة بديعة***في دفعه فاسأله ما الطبيعة
واحدة أم هى قد تعدّدت***نوعيّة في ذين أم تفرّدت
فإن يكن واحدة شخصيّة***كاملة قديمة ذاتيّة
فذي هو اللّه بغير مين***و إن تكن فاقدة الوصفين
أو واحدا فهي إذن سخيفة***في وصفها و ذاتها ضعيفة
إذ فاقد الكمال غير معط***و ذو الحدوث نفسه مستعطى
و الحاصل: إنّ هذا امر ظاهر في العقول أنّ كل شيء فرض صانعا للأشياء، و مدبّرا لها، لا بدّ أن يفرض له علم و قدرة و حكمة لما فيها من آثار ذلك، فلا يكون مؤثّرها فاقدا لها.
و إن ترد زيادة على هذا التحرير، بديعة في التقرير في دفعه بجميع الفروض و التصاوير، فاسأله: ما الطبيعة الّتي تفرضها؟ أ هى طبيعة واحدة أم هى قد تعدّدت؟
ثمّ هي طبيعة نوعيّة في ذين القسمين، أم تفرّدت فهي فردية فيهما؟ يعني، أنّها على فرض وحدتها واحدة نوعيّة، فيكون نوع واحد ساريا في جميع الأشياء، او واحدة فرديّة شخصيّة، بان تفرض الطبيعة شخصا واحدا جزئيا مؤثّرا في الكلّ، و على فرض تعدّدها أيضا، إمّا ان تفرض انواعا متعدّدة على عدد الماهيّات المتباينة، فتكون لكلّ ماهيّة طبيعة نوعيّة تخصّ بها، او تفرض طبائع متعدّدة شخصيّة على عدد الاشخاص، فتكون لكلّ شخص طبيعة خاصّة تؤثّر فيه.
فإن يكن واحدة شخصيّة، و لا محالة تكون منفصلة عن الأشياء، خارجة عنها؛ اذ لا يعقل كونها داخلة فيها مع التجزّي فتخرج عن كونها واحدة شخصيّة؛ و حينئذ فلا يخلو إمّا ان تكون كاملة في العلم و القدرة، قديمة في الوجود، ذاتيّة فيه و في كمالها، و لازم ذلك كونها بسيطة أيضا؛ اذ التركيب ينافي القدم، كما سيأتي؛ او لم تكن كذلك، بل هي فاقدة في الجهات.
فان كان الأوّل، فذي هو اللّه بغير مين، اذ لا نعني به إلّا الواحد الشخصي البسيط الكامل القديم بالذات؛ و إن تكن فاقدة الوصفين، اي الكمال و القدم الذاتي، أو فقدت واحدا منهما، فهي إذن، سخيفة في وصفها لنقصها، و ذاتها أيضا ضعيفة، عاجزة، فليس لها شأنية الصنعة و الربوبيّة، إذ فاقد الكمال غير معط و ذو الحدوث
و إن تكن طبيعة نوعيّة***سارية في الكلّ خارجيّة
فان نفى في الجامع الوجودي***بين الماهيّات سوى الوجود
فذاك وحدة الوجود سمّيت***طبيعة نوعيّة فعمّيت
ثمّ عليه أو على ما فرضه***فإن يكن عين الّذي قد عرضه
اتّحد العلّة و المعلول***و استحدث الفاعل و المفعول
و كيف قد تكثّر البسيط***أم كيف الأضداد به تحيط
نفسه مستعطى، يستعطي الوجود لنفسه من غيره، و إن تكن الطبيعة الواحدة المفروضة، طبيعة، نوعيّة، سارية في الكلّ، و لا محالة تكون خارجيّة، عينيّة؛ اذ لو كانت اعتباريّة كالطبيعة المفهوميّة لا تؤثّر شيئا في العين و حينئذ فإن نفى هذا القائل في الجامع الوجوديّ، بين الماهيّات كلّ شيء سوى الوجود، فذاك الجامع المفروض بعينه «وحدة الوجود» عند القائل لها، و لكن سمّيت طبيعة نوعيّة عند هذا القائل؛ فعمّيت حقيقتها و ليس معه كلام، سوى الكلام في وحدة الوجود و سيأتي ابطالها- إن شاء اللّه- مفصّلا، الّا إنّي اذكر هنا ما يستلزم هذا الفرض من الفساد في المقام.
و ان كان لا يقول بوحدة الوجود، بل يفرض الطبيعة النوعيّة العينيّة غير الوجود، فهو أيضا مثله في الفساد و يرد عليه ما يرد عليه من الإيراد؛ و لذلك قلت: ثمّ عليه؛ اي على فرض كون الطبيعة، هي الوجود، أو على ما فرضه ايّ شيء كان غير الوجود، فلا يخلو من أحد امور ثلاثة:
امّا ان تكون الطبيعة، عين كلّ فرد فرد من الأشياء، او جزئها، او معها من غير عينيّة و لا جزئيّة.
و قد اشرت الي الأوّل بقولي: فإن يكن المفروض عين الّذي قد عرضه؛ اي كان العارض و المعروض واحدا، بحيث لم يكن الفرد إلّا نفس الطبيعة المفروضة من الوجود أو غيره، اتّحد العلّة و المعلول، و استحدث الفاعل و المفعول؛ اذ المفعول حادث بالفرض، و المفروض أنّه نفس الطبيعة الفاعلة، فهي أيضا حادثة، و الحادث لا يكون صانعا؛ لأنّه يحتاج الى صانع آخر. و كيف قد تكثّر البسيط الواحد، فصار عينا
و إن يكن جزء على التمام***ففيه ما فيه من الكلام
إذ بوجود كلّه استنادا***لو كان علّة له لدارا
و إن تجزّى فالبسيط انتشرا***و صار حادثا لما تغيّرا
و إن يكن معه بلا تقوّم***و مع فناء الشيء لم ينعدم
فقد تجزّى مع كلّ واحد***أو آل أمره الى التعدّد
و الحكم فيه عين ما لو اتّحد***في النوع و الشّخص و إذ زاد العدد
فقد تعدّد القديم الذاتي***لو فرضت كاملة بالذّات
لافراد كثيرة متباينة و غير متباينة؟ فيكون شيء واحد بتمامه عين زيد و عين عمرو و عين الإنسان و عين البقر و عين الحجر و هكذا، و هذا ممّا لا يعقل. أم كيف الأضداد من الصفات به تحيط؟ فإنّه يلزم ان يكون شيئا واحدا متّصفا بالأضداد في آن واحد:
فيكون قاعدا و قائما و يقظانا و نائما و هكذا. و لعلّه الى هذا اشار بعض المحقّقين حيث قال: «و الحقّ أنّ وجود الطبيعي بمعنى وجود اشخاصه.»، ان اراد بقوله بمعنى أنّه لا معنى لوجود الطبيعي بنفسه، بل المعنيّ بوجوده وجود اشخاصه، و أيضا كيف يؤثّر الشيء الواحد آثارا مختلفة، متضادة؛ كما في الجمادات و النّباتات و الحيوان و الانسان؟
اما الثاني: و هو ان تكون الطبيعة جزأ من الأشياء؛ فإمّا ان تكون بتمامها جزء من كلّ شيء أو تكون جزء لها بنحو التجزي و التقسيط، فيكون لكلّ شيء قسط منها، و كلاهما باطلان؛ كما قلت:
و إن يكن المفروض جزء من الأشياء على التمام، ففيه أيضا ما فيه؛ اي ما في ذلك الفرض من الكلام، فيرد عليه ما يرد عليه، اذ لا فرق في لزوم ما ذكر بين كونه تمام الأشياء أو جزء منها لوحدة المناط. و لمّا كان في الإيراد الأوّل خفاء تعرضت له بالخصوص، إذ الجزء بوجود كلّه استناد الوجود لنفسه، لبداهة أنّه لا وجود للجزء الّا بوجود الكلّ و حينئذ لو كان الجزء علّة له، لدارا و هو ظاهر؛ و إن فرض أنّ ذلك المفروض تجزّى و كان في كلّ شيء قسط منه، فالبسيط إذن انتشر أو تفصّم و البسيط
لانفصام له، و صار أيضا حادثا على فرض قدمه، لما تغيّر بسبب التجزّي.
و امّا الثالث: و هو ان تكون الطبيعة مع كلّ شيء، لكن لا بالممازجة لا تماما و لا جزءا، بل كانت موجودة بالاستقلال، قائمة بذاتها، باقية بنفسها، غير حادثة بحدوث الأشياء، و لا فانية بفنائها، غير أنّها معها تؤثّر في كلّ شيء اثرها. فالى بطلانه اشرت بقولي: و إن يكن المفروض معه بلا تقوّم من دون ان يكون مقوّما له، لا بنحو العينيّة و لا بنحو الجزئيّة، و أنّه أيضا مع فناء الشيء لم ينعدم، فلا يخلو إمّا ان يفرض مع كلّ شيء جزءا منه، فقد تجزّى حينئذ مع كلّ واحد قطعا أو آل أمره إلى التعدّد، فيخرج عن فرض الوحدة الى فرض التعدد.
بيان ذلك: أنّه لا يمكن فرضه مع الكلّ و بقائه على بساطته و نوعيّته، اذ المفروض كونه طبيعة نوعيّة، و لا يمكن فرض النوعيّة إلّا بأن يفرض له افراد، و لا يصحّ فرض الأفراد إلّا بنحو من الاتّحاد من العينيّة أو الجزئيّة، فإذا فرض خارجا عن الشيء غير مقوّم له، لم يبق له افراد من هذه الأشياء. فلا بدّ مع فرضه متحقّقا مع الأشياء، امّا التجزية و التقسيط، او يفرض له افراد واقعيّة، كلّ فرد مع شيء من الأشياء، غير متّحد معه و لا مقوّم له؛ لأنّ النّوع بما هو نوع، لا تحقّق له ما لم يكن فردا؛ كما أنّه لا يكون نوعا ما لم يفرض له فرد. و حينئذ، فإذا فرض له افراد متحقّقة، كان المؤثّر في الأشياء تلك الأفراد، لا النّوع؛ اذ ليس النوع له تحقّق خاصّ، فيخرج الفرض عن كون المؤثّر شيئا واحدا، اذ الأفراد متعدّدة، فيدخل في فرض التعدد.
و الحكم فيه من حيث الإيراد، عين ما لو اتّحد في النّوع و الشّخص؛ غاية الأمر، أن النّوع هناك واحد و هنا انواع، و الشّخص هناك واحد و هنا اشخاص، فيجري ما في النّوع الواحد من الكلام في الانواع المتعدّدة أيضا، و كذلك في الشخص، و إذ زاد العدد هنا لفرض التعدد، فقد تعدّد القديم الذاتي إمّا شخصا، ان فرض اشخاصا، او نوعا، ان فرض انواعا. و ذلك لو فرضت الأنواع أو الأشخاص كاملة و بالذّات، كما هو المفروض، و إلّا فالكلّ حادث، و الحادث ليس بصانع. و الكلام في ابطال تعدّد القديم، في باب التوحيد.
ثمّ الطبيعة لديهم ناقصة***محدودة في فعلها مخصصة
لأنّها كانت هي المدار***فيما بدا في فعلها استمرار
من ذاك في خوارق الأفعال***الجئ كالدّهري إلى الإهمال
فقال إنّها بالاتّفاق***و صدفة أدّت إلى اختراق
و ذا عدول ان يكن دريّا***صار الطبيعيّ إذن دهريّا
لو تمّ مثل هذا الاتّفاق***لتمّ الإهمال على الإطلاق
ثمّ الطبيعة لديهم؛ اي لدى القائلين بفاعليّتها، ناقصة، غير وافية بتمام الحادثات، محدودة في فعلها، مخصصة بالأمور الجارية على العادات؛ لأنّها؛ اي الطبيعة، إنّما كانت هي المدار عندهم فيما بدا في فعلها، استمرار و عادة. و من اجل ذاك، في خوارق الأفعال، الجئ الطبيعي كالدّهري إلى اعتقاد الإهمال، فقال: إنّها، اي الأفعال الخارقة للطبيعة بالاتّفاق، و أنّها صدفة أدّت الى اختراق الطبيعة، و ذا عدول من الطبيعي عن قوله بالطبيعة ان يكن دريّا، مشعرا به و قد صار الطبيعيّ إذن دهريّا. و الّذي يرد عليه بالخصوص أنّه لو تمّ مثل هذا الاتّفاق و الصدفة، لتمّ الإهمال على الإطلاق، فلا وجه لتخصيصه ببعض، و القول بالطبيعة في بعض؛ و ان لم يتمّ لمحاليّة وقوع الشيء من غير سبب، فلا يتمّ في بعض أيضا.
و الحاصل: انّه لو صحّ الاتّفاق، لصحّ موجبة كليّة، كما تقول الدهريّة؛ و لو لم يصحّ فلا يصحّ موجبة جزئيّة أيضا، اذ الممتنع لا يصير ممكنا و لو جزئيا.
الكلام هنا مع القائل بالأهمال وازليّة الأشياء، سُمّي دهرياً ام غير دهري. وإنما خصصت الدهرى بالذكر ، لظهور هذا المقالة منه؛ كما قال تعالى حاكياً عنهم: (وَمَا يُهْلِكُنَا إلَّا الدَّهْرُ )(1).
1) .جاثية 24:45
و حجّة القائل بالإهمال***آفاتنا و خارق الأفعال
قالوا: بأنّ كلّ شيء بالعرض***و الاتّفاق لا بعمد و غرض
لو كان ربّ لم يصب حريمه***بآفة تسلبه نعيمه
أو لم يصب بالبرّ و الأطفال***من ألم و الموت و الآجال
لو كان ربّ يصنع الصنيعة***لم تنقض الخوارق الطبيعة
و كيف كان، و حجّة القائل بالإهمال امران:
احدهما: آفاتنا الّتي تصيبنا عامّة أو خاصّة؛
و الثاني: خارق الأفعال، و هي الحوادث الكونيّة الّتي على خلاف العادة، او العوارض الّتي تعرض الأشياء على خلاف الطبيعة؛ كالعوارض الشخصيّة الّتي تعرض افراد الإنسان و الحيوان و غيرهما ممّا يمكن ان تفرض له طبيعة نوعيّة .(1)
و هؤلاء قالوا: بأنّ كلّ شيء بالعرض و الاتّفاق، لا بعمد من عامل و غرض من مدبّر، حتّى يكون مفتقرا إلى صانع و مدبّر؛ و قالوا في توجيه الدليل الأوّل: بأنّه لو كان ربّ، مدبّر، حكيم، و هذا المخلوق ملكه و حريمه، لم يصب حريمه بآفة تسلبه نعيمه، بل المالك المدبّر الحكيم، يحمي دائما حريم ملكه عن الآفات، و لا يرضى ابدا بزواله أو فساده، أو لا اقلّ من أنّه لم يصب آفاته بالبرّ و الصالح و الأطفال، الّذين لا ذنب لهم و لا حراك، فكان عليه ان لا يصيبهم من ألم و لا يذيقهم من الموت و لا يصطلمهم بطوارق الآجال. فهذه الآفات العامّة و الخاصّة، تكشف عن أنّه لا مدبّر لها، بل هي أمر عرضيّة اتّفاقيّة، فاذا لم تكن لها مدبّر لها، لم يكن لمن تصيبه هذه الآفات أيضا مدبّر و إلّا لمنعه عنها.
و قالوا في تقرير الدليل الثاني: أنّه لو كان في الواقع ربّ يصنع الصنيعة، لم تنقض الخوارق الحادثة الطبيعة المصنوعة المعتادة، بل كانت مستمرّة على حالة واحدة، لم ينقضها ناقض، لأنّها مصنوع ربّها. فحيث أنّ الخارق، ناقض للطبيعة، لم يكن من فعلها؛ لأنّها لا تنقض نفيها، و لأنّ الطبيعة الواحدة لا تؤثّر اثرين، و لا هو من
1) . الظاهر عندى أنّ الدهرى يقول بأزلية الدهر، و مراده، بالدهر، الوضع العادى الجارى، و لا يقول بأزلية الاشياء كلها، بل جمع بين ازلية الدهر و حدوث الموجودات، حيث يقول: وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ فهو يعنى أنّ هذا المجىء و الذهاب جار على الدوام، فأزلية الدهريّة غير الازلية المطلقة.
و الدفع أنّ كلّ ذي تطوّر***يهدي إلى الفاعل و المدبّر
و الخرق و الآفات فعل قد طرى***دلّ على أنّ له مقدّرا
لا يحدث الفعل بغير فاعل***و لا التدابير بغير عامل
و لا تأثّر بلا مؤثّر***و لا تغيّر بلا مغيّر
فلا بصدفة حدوث عارض***و لا انتقاضة بغير ناقض
و الاتّفاق حادث عن سبب***و إن يكن قد يختفي على الغبيّ
هب أنّه يمكن الاتّفاق***لكنّه فيما اتّفق اختراق
لا في الّتي قامت على نظام***يجري نظامها على الدوام
كاللّيل و النّهار و الأفلاك***و كلّ ما يجري بلا انفكاك
فعل صانعها، لانّ الصانع أيضا لا ينقض ما صنعه. فان كانت الطبيعة مصنوعة له، لم يكن نقضها منه، فليس إلّا العرض و الاتفاق، فاذا كان النّاقض بالعرض و الاتّفاق، كان المنقوض أيضا كذلك. هذا تفصيل مقالتهم، و حاصلها: أنّهم ذهبوا الى أنّ بناء الموجودات على الصدفة و الاتّفاق و استشهدوا له بما ذكر.
و محصّل الجواب عن الدهريّة، أوّلا: منع الصدفة و أنّها محال؛ و ثانيا: منع الشّهادة في الشاهدين، و أنّهم إنّما توهّموا منها الشهادة لما خفي عليهم وجه الحكمة فيهما، فزعموا أنّ لا حكمة فيها و لا غرض، فحسبوا أنّها بالاتّفاق و العرض. و امّا لو فرض لها حكمة و غرض، فلا مانع عن انتسابها الى المدبّر الحكيم، إذ لا يلزم منهما إذن نقض للغرض.
و امّا تفصيل الجواب: فهو كما قلت: و الدفع أنّ كلّ ذي تطوّر تعرض عليه أطوار مختلفة: فطورا يحدث، و طورا يفنى، و طورا ينمو، و طورا يقف، و طورا ينكس، و طورا يشبّ، و طورا يشبّ؛ و هكذا يهدي بنفسه من اجل عروض هذه التطوّرات الّتي هي آية الحدوث إلى الفاعل و المدبّر. و الخرق و الآفات أيضا في نفسهما فعل آخر قد طرى، دلّ على أنّ له مقدّرا، اذ لا يحدث الفعل بغير فاعل، و لا التدابير من طور الى طور بغير عامل، و لا يعقل تأثّر بلا مؤثّر، و لا تغيّر بلا مغيّر، و هذا واضح في العقل لا شبهة فيه، فلا بصدفة حدوث عارض، و لا انتقاضة بغير ناقض، بل الشيء الحادث يفتقر حدوثا و بقاء الى محدث و مبق، و في زواله و تغيّره الى مزيل و مغيّر.
و الاتّفاق الّذي قد يكون على خلاف العادة، حادث أيضا عن سبب و إن يكن قد يختفي السبب على الغبيّ الجاهل بالأسباب؛ فيحسب أنّه من غير سبب هب أنّه
بل كلّ ما في الكون ذو انتساق***و إنّما الخرق بالاتّفاق
و الاتّفاق خارق الطبيعة***لا خارق الشيء إلى الصنيعة
لو أنّ دولابا تراه تتّثق***بأنّه بنفسه لم يتّفق
فكيف بده العالم الكبير***كان بلا عمد و لا تدبير؟
و أصل هذا المنكر العجاب***الجهل بالحكمة و الأسباب
و إنّهم في هذه الدنيّة***توقعوا معيشة هنيّة
من غير محنة و لا ابتلاء***و لا عقوبة على اجتراء
و أن يعافوا دائما من كلّ شرّ***و لا يصيبهم أذى و لا ضرر
و إذ رأوا خلاف ما هم أمّلوا***تعلّلوا بأنّهم قد اهملوا
و لم تصل أحلامهم إلى الحكم***فانكروا الربّ و تاهوا في الظلم
فآل أمرهم الى الرأي الأضلّ***بأنّ الأشياء كلّها من الأزل
يمكن الاتّفاق من غير سبب، لكنّه إنّما يصحّ ان يصار إليه في الشيء الّذي حدث احيانا و فيما اتّفق اختراق على خلاف العادة المستمرّة لا في الأشياء الّتي قامت على نظام و نسق واحد، يجري نظامها على الدوام و التوالي؛ كاللّيل و النّهار و الأفلاك، و كلّ ما يجري متّسقا بلا انفكاك، كالطبائع العنصريّة للعناصر، و الحركات و الآثار الكواكب و الصور النوعيّة النباتيّة و الحيوانيّة و الإنسانيّة.
بل عند التحقيق، كلّ ما في الكون ذو انتساق، لا يجري فيه الاتّفاق و لا تصدق عليه الصدفة. و إنّما الخرق للعادات يكون بالاتّفاق، و الاتّفاق لو صحّ و كان، فإنّما هو خارق الطبيعة و ناقضها، لا خارق الشيء من العدم إلى الصنيعة، و كيف يمكن فرض الاتّفاق و هو وقوع الشيء في بعض الأحيان لهذا العالم الكبير بما فيه؟ فيقال: إنّه بجميع ما فيه صار موجودا بنحو الاتّفاق و من غير سبب، و كيف يرضى عاقل من نفسه بأن يحكم عليه بأنّه اتّفاقيّ و لو أنّ دولابا تراه في مفازة، و هي تتحرّك و تعمل، تتّثق و تطمئنّ بأنّه بنفسه لم يتّفق، فكيف بدء العالم الكبير كان بالاتّفاق من نفسه بلا عمد و لا تدبير؟
و أصل هذا البدع المنكر العجاب و منشأ حدوثه عن اهل الارتياب امران:
الأوّل: الجهل بالحكمة و الأسباب؛
و الثاني: إنّهم في هذه الدنيا الدنيّة، توقعوا معيشة هنيّة مرضيّة من غير محنة و لا ابتلاء، و لا عقوبة على الاجتراء منهم على المعاصي؛ و توقّعوا أن يعافوا دائما من
كلّ شرّ، و لا يصيبهم ما داموا فيها أذى و لا ضرر؛ و إذ رأوا خلاف ما هم أمّلوا و توقّعوا، تعلّلوا لانكار الربّ و الخروج عن ربقة التكليف الّذي هو الاصل الاوّل في ذلك بأنّهم قد اهملوا و ليس لهم راع و لا مدبّر و لم تصل أحلامهم إلى الحكم المنظورة في هذا الخوارق و الآفات، فانكروا الربّ و تاهوا في الظلم، فعموا و صمّوا، فآل أمرهم الى الرأي الأضلّ؛ لأنه اصل كلّ ضلال و فوق كلّ ضلال، بأنّ الأشياء كلّها من الأزل. هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص107 و قد اجاب الصادق (ع) عنهم بتفصيل بيّنت اجماله، و لكنّى اذكر لك كلامه (ع) بطوله. قال (ع):
«يا مفضّل! إنّ الشّكاك جهلوا الاسباب و المعاني في الخلقة، و قصرت أفهامهم عن تأمّل الصواب و الحكمة، فيما ذرء الباري- جلّ قدسه- و برء من صنوف خلقه في البرّ و البحر و السّهل و الوعر، فخرجوا بقصر علومهم الى الجحود، و بضعف بصائرهم الى التكذيب و العنود، حتّى انكروا خلق الأشياء، و ادّعوا أن كونها بإهمال، لا صنعة فينا و لا تقدير و لا حكمة من مدبّر و لا صانع، تعالى اللّه عمّا يصفون، و قاتلهم اللّه انّى يؤفكون!؟
فهم في ضلالهم و عماهم و تحيّرهم بمنزلة عميان، دخلوا دارا قد بنيت اتقن بناء و احسنه، و فرشت باحسن الفرش و افخره و اعدّ فيها ضروب الأطعمة و الأشربة و الملابس و المآرب الّتي يحتاج إليها و لا يستغنى عنها، و وضع كلّ شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير و حكمة من التدبير، فجعلوا يتردّدون فيها يمينا و شمالا، و يطوفون بيوتها ادبارا و اقبالا، محجوبة ابصارهم عنها لا يبصرون بنية الدار و ما اعدّ فيها و ربّما عثر بعضهم بالشيء الّذي قد وضع موضعه و اعدّ للحاجة إليه و هو جاهل بالمعنى فيه و لما اعدّ و لما ذا جعل كذلك فتذمّر (1)و تسخّط و ذمّ الدار و بانيها.
1) . التذمر: الملامة و الانكار و الغضب.
فهذه حال هذا الصنف في انكارهم ما انكروا من امر الخلقة و اثبات الصنعة، فإنّهم لما غربت اذهانهم عن معرفة الأسباب و العلل في الأشياء، صاروا يجولون في هذا العالم حيارى، و لا يفهمون ما هو عليه من اتقان خلقه و حسن صنعته و صواب تهيئته؛ و ربّما وقف بعضهم على الشيء لجهل سببه و الأرب فيه، فيسرع الى ذمّه و وصفه بالإحالة و الخطاء؛ كالّذي اقدمت عليه المانيّة الكفرة، و جاهرت به الملحدة المارقة الفجرة و اشباههم من اهل الضلال المعلّلين انفسهم بالمحال ...» (1)
و قال (ع) أيضا في هذا الحديث:
«... و قد كان من القدماء طائفة انكروا العمد و التدبير في الاشياء و زعموا أنّ كونها بالعرض و الاتّفاق، و كان ممّا احتجّوا به هذه الآفات الّتي تلد على غير مجرى العرف و العادة؛ كالإنسان يولد ناقصا أو زائدا اصبعا، و يكون المولود مشوّها مبدل الخلق، فجعلوا هذا دليلا على أنّ كون الاشياء ليس بعمد و تقدير بل بالعرض، كيفما اتّفق ان يكون؟
و قد كان ارسطاطاليس ردّ عليهم، فقال: إنّ الّذي يكون بالعرض و الاتّفاق، إنّما هو شيء يأتي في الفرط مرّة مرّة لاعراض تعرض الطبيعة فتزيلها عن سبيلها، و ليس بمنزلة الأمور الطبيعة الجارية على شكل واحد، جريا دائما متتابعا.
و انت يا مفضّل! ترى اصناف الحيوان يجرى اكثر ذلك على مثال و منهاج واحد؛ كالإنسان يولد و له يدان و رجلان و خمس اصابع، كما عليه جمهور من النّاس. فامّا ما يولد على خلاف ذلك فإنّه لعلّه تكون في الرحم، او في المادّة الّتي ينشأ منها الجنين؛ كما يعرف في الصناعات، حين يتعمّد الصانع الصواب1.
1) . البحار 3: 59/ 1.
في صنعته فيعوق دون ذلك عائق في الأدات أو في الآلة الّتي يعمل فيها الشيء؛ فقد يحدث مثل ذلك في اولاد الحيوان للأسباب الّتي وصفنا، فيأتي الولد زائدا أو ناقصا أو مشوّها، و يسلم اكثرها فيأتي سويّا لا علّة فيه.
فكما أنّ الّذي يحدث في بعض الأعمال و الاعراض لعلّة فيه، لا يوجب عليها جميعا الإهمال و عدم الصانع، كذلك ما يحدث على بعض افعال الطبيعيّة لعائق يدخل عليها لا يوجب ان يكون جميعها بالعرض و الاتّفاق، فقول من قال في الاشياء:
إنّ كونها بالعرض و الاتّفاق من قبل أنّ شيئا منها يأتي على خلاف الطبيعة يعرض له خطاء و خطل.
فان قالوا: و لم صار مثل هذا يحدث في الاشياء؟ قيل لهم:
ليعلم أنّه ليس كون الاشياء باضطرار من الطبيعة، و لا يمكن ان يكون سواه؛ كما قال قائلون، بل هو تقدير و عمد من خالق حكيم، اذ جعل الطبيعة تجري اكثر ذلك على مجرى و منهاج معروف، و يزول احيانا عن ذلك لأعراض تعرض لها، فيستدلّ بذلك على أنّها مصرّفة مدبّرة، فقيرة الى ابداء الخالق و قدرته في بلوغ غاياتها و اتمام عملها. (فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ).» (1)
بيان: قوله (ع): «و قد كان ارسطاطاليس ...»، ليس الغرض من الاستشهاد بقوله تبجيله و تفخيم شأنه، و لا ايجاب تبعيّته لكونه حجّة، بل المقصود محض اثبات أنّ الأمر بمكان من الوضوح حتّى ردّ عليهم من هو من اهل الفلسفة.
قوله (ع): «كما يعرف في الصناعات ...»، المقصود من التنظير، محض أنّه قد يقع فيها ما هو على خلاف تعمّد الصانع، لا التنظير من جميع الجهات حتّى من جهة وقوعه من غير التفات الصانع و اختياره.
و قال (ع) أيضا:1.
1) . البحار 3: 149/ 1.
«اعجب يا مفضّل من قوم لا يقضون على صناعة الطبّ بالخطاء و هم يرون الطبيب يخطي، و يقضون على العالم بالإهمال و لا يرون شيئا منه مهملا؛ بل اعجب من اخلاق من ادّعى الحكمة حتّى جهلوا مواضعها في الخلق، فارسلوا ألسنتهم بذمّ الخالق جلّ و علا؛ بل العجب من المخذول الماني، حين ادّعى علم الاسرار و عمى عن دلائل الحكمة في الخلق، حتّى نسبه الى الخطاء و نسب خالقه الى الجهل، تبارك الحكيم الكريم؛ و اعجب منهم جميعا المعطّلة الّذين راموا ان يدركوا بالحسّ ما لا يدرك بالعقل، فلمّا اعوزهم ذلك، خرجوا الى الجحود و التكذيب، فقالوا: و لم لا يدرك بالعقل؟ قيل: لأنّه فوق مرتبة العقل؛ كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته ...» (1)
و قال (ع) أيضا:
«فكّر يا مفضّل في! النّجوم و اختلاف مسيرها، فبعضها لا تفارق مراكزها و لا تسير إلّا مجتمعة، و بعضها مطلقة تنتقل في البروج و تفترق في مسيرها، فكلّ واحد منها يسير سيرين مختلفين، احدهما عام مع الفلك نحو المغرب، و الآخر خاصّ لنفسه نحو المشرق، كالنّملة الّتي تدور على الرحى، فالرّحى تدور ذات اليمين، و النّملة تدور ذات الشّمال، و النّملة في تلك تتحرّك حركتين مختلفتين: إحداهما: بنفسها، فتتوجّه امامها، و الاخرى:
مستكرهة مع الرحى تجذبها الى خلفها، فاسأل الزاعمين أنّ النّجوم صارت على ما هي عليه بالإهمال من غير عمد و لا صانع لها، ما منعها ان تكون كلّها راتبة أو تكون كلّها مختلفة؟ فإنّ الإهمال معنى واحد، فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن و تقدير؟ ففي هذا بيان أنّ سير الفريقين على ما يسيران
1) . البحار 3: 146/ 1.
عليه بعمد و تدبير و حكمة و تقدير و ليس بإهمال كما يزعم المعطّلة.
فان قال قائل: و لم صار بعض النجوم راتبا و بعضها منتقلا؟
قلنا: إنّها لو كانت راتبة، بطلت الدلالات الّتي يستدلّ بها من تنقّل المنتقلة، و سيرها في كلّ برج من البروج؛ كما قد يستدلّ على اشياء ممّا يحدث في العالم بتنقّل الشّمس و النّجوم في منازلها، و لو كانت كلّها منتقلة، لم يكن لمسيرها منازل تعرف و لا رسم يوقف عليه، لأنّه إنّما يوقف عليه بمسير المنتقلة منها بتنقّلها في البروج الراتب، كما يستدلّ على سير السائر في الأرض بالمنازل الّتي يجتاز عليها و لو كان تنقّلها بحال واحدة، لاختلط نظامها و بطلت المآرب فيها.
و لساغ لقائل ان يقول: إنّ كينونتها على حال واحدة، توجب عليها الإهمال من الجهة الّتي وصفنا، ففي اختلاف سيرها و تصرّفها و ما في ذلك من المآرب و المصلحة، ابين دليل على العهد و التدبير فيها.» (1)
و قال (ع) أيضا:
«فكّر في هذا الفلك بشمسه و قمره و نجومه و بروجه، تدور على العالم في هذا الدوران الدائم بهذا التقدير و الوزن لما في اختلاف اللّيل و النهار، و هذه الأزمان الاربعة المتوالية على الأرض، و ما عليها من اصناف الحيوان و النّبات من ضروب المصلحة، كالّذي بينت و شخصت لك آنفا، و هل يخفى على ذي لبّ أنّ هذا تقدير مقدّر و صواب و حكمة من مقدّر حكيم؟
فان قال قائل: إنّ هذا شيء اتّفق ان يكون هكذا، فما يمنعه ان يقول مثل هذا في دولاب يراه يدور، و يسقى حديقة فيها
1) . المصدر 3: 114/ 1.
شجر و نبات، فيرى كلّ شيء من آلة مقدّرا بعضه يلقى بعضا على ما فيه صلاح تلك الحديقة و ما فيها، و بم كان يثبت هذا القول لو قاله؟ و ما ترى الناس كانوا قائلين له لو سمعوه منه، أ فينكر أن يقول في دولاب خشب مصنوع بحيلة قصيرة لمصلحة قطعة من الأرض أنّه كان بلا صانع و مقدّر، و يقدر أن يقول في هذا الدولاب الأعظم المخلوق بحكمة يقصر عنها اذهان البشر لصلاح جميع الارض و ما عليها أنّه شيء اتّفق ان يكون بلا صنعة و لا تقدير؟ و لو اعتلّ هذا الفلك كما تعتلّ الآلات الّتي تتّخذ للصناعات و غيرها، ايّ شيء كان عند النّاس من حيلة في اصلاحه؟» (1)
و قال (ع) أيضا في اختلاف اللّيل و النّهار و اختلاف السّاعات:
«فكّر في دخول احدهما على الآخر بهذا التدريج و الترسل، فإنّك ترى احدهما ينقص شيئا بعد شيء، و الآخر يزيد مثل ذلك حتّى ينتهى كلّ واحد منها منتهاه في الزيادة و النقصان، و لو كان دخول إحداهما على الاخرى مفاجاة، لا ضرّ ذلك بالأبدان و اسقمها؛ كما أنّ احدكم لو خرج من حمّام حارّ الى موضع البرود، لضرّه ذلك، و اسقم بدنه فلم يجعل اللّه- عزّ و جلّ- هذا الترسّل في الحرّ و البرد إلّا للسّلامة من ضرر المفاجاة؛ و لم جرى الأمر على ما فيه من السّلامة من ضرر المفاجاة لو لا التدبير في ذلك؟
فان زعم زاعم، أنّ هذا الترسّل في دخول الحرّ و البرد، إنّما يكون لإبطاء مسير الشمس في الارتفاع و الانحطاط، سئل عن العلّة في ابطاء مسير الشمس في ارتفاعها و انحطاطها، فان اعتلّ في الإبطاء ببعد ما بين المشرقين، سئل عن العلّة في ذلك، فلا تزال هذه المسألة ترقى معه الى حيث رقى من هذا القول حتّى استقرّ على العمد و التدبير.» (2)
و قال (ع) أيضا:
«و انا اشرح لك الآفات الّتي اتّخذها اناس من الجهال ذريعة الى جحود الخالق و الخلق و العمد و التدبير، و ما انكرت المعطّلة و المانويّة من المكاره و المصائب، و ما انكروه من الموت و الفناء، و ما قاله اصحاب الطبائع، و من زعم أنّ كون الاشياء بالعرض و الاتّفاق ليتّسع ذلك القول في ردّهم، قاتلهم اللّه انّى يؤفكون!؟
اتّخذ اناس من الجهال، هذه الآفات في بعض الأزمان كمثل الوباء و اليرقان و البرد و الجراد، ذريعة الى جحود الخلق و التدبير و الخالق.
فيقال في جواب ذلك: إنّه ان لم يكن خالق و مدبّر فلم لا يكون ما هو اكثر من هذا و افظع؟ فمن ذلك ان يسقط السّماء على الارض و تهوى الأرض سفلا و تتخلّف الشّمس عن الطلوع اصلا، و يجف الانهار و العيون حتّى لا يوجد ماء للشّفة، و تركد الريح حتّى تخم (1)الأشياء و فسد و يفيض ماء البحر على الارض فيغرقها.
ثمّ هذه الآفات الّتي ذكرناها من الوباء و الجراد و ما اشبه ذلك ما بالها لا تدوم و تمتدّ حتّى يجتاح (2)كلّ ما في العالم، بل تحدث في الأحايين ثمّ لا تلبث ان ترفع، أ فلا ترى أنّ العالم يصان و يحفظ من تلك الأحداث الجليلة الّتي لو حدث عليه شيء منها لكان فيه بواره و يلدغ احيانا بهذه الآفات اليسيرة لتأديب النّاس و تقويمهم. ثمّ لا تدوم هذه الآفات، بل كشفت عنهم عند القنوط، فتكون وقوعها بهم موعظة و كشفها عنهم رحمة.
و قد انكرت المعطّلة ما انكرت المانيّة من المكاره و المصائب الّتي تصيب النّاس، فكلاهما يقولون: ان كان للعالم، خالق، رؤف، رحيم، فلم يحدث فيه هذه الأمور المكروهة.
و القائل بهذا القول، يذهب الى أنّه ينبغي ان يكون عيش الانسان في هذه الدنيا صافيا من كلّ كدر. و لو كان هكذا، كان الإنسان سيخرج من الاشر و العتوّ الى ما لا يصلح في دين و دنيا، كالّذي نرى كثيرا من المترفين و من نشاء في الجدة و الأمن يخرجون إليه، حتّى أنّ احدهم ينسى أنّه بشر، أو أنّه مربوب، أو أنّ ضررا يمسّه، أو أنّ مكروها ينزل به، أو أنّه يجب عليه ان يرحم ضعيفا، او يواسى فقيرا، و يرثى لمبتلى، او يتحنّن على ضعيف، او يتعطّف على مكروب، فاذا غصّته (1)المكاره و وجد مضضها، اتّعظ و ابصر كثيرا ممّا كان جهله و غفل عنه، و رجع الى كثير ممّا كان يجب عليه.
و المنكرون لهذه الأمور الموذية، بمنزلة الصبيان الّذين يذمّون الأدوية المرّة البشعة، و يتسخّطون من المنع من الاطعمة الضارة، و يتكرّهون الأدب و العمل، او يحبّون ان يتفرّغوا للّهو و البطالة، و ينالوا كلّ مطعم و مشرب، و لا يعرفون ما تؤدّي بهم البطالة، من سوء النّشو و العادة، و ما تعقّبهم الأطعمة اللذيذة الضارة من الأدواء و الأسقام و ما لهم في الأدب من الصلاح، و في الأدوية من المنفعة، و ان شاب ذلك بعض الكراهة.»
إلى ان قال (ع):
«... و قد يتعلّق هؤلاء بالآفات الّتي تصيب النّاس، فتعمّ البرّ و الفاجر، و يبتلى بها البرّ و يسلم الفاجر منها، فقالوا: كيف يجوز هذا في تدبير الحكيم و ما الحجة فيه؟
فيقال لهم: إنّ هذه الآفات و ان كانت تنال الصالح و الطالح جميعا، فإنّ اللّه جعل ذلك صلاحا للصنفين كليهما؛
امّا الصالحون: فإنّ الّذي يصيبهم من هذا بردّهم نعم ربّهم في سالف ايّامهم فيحدوهم ذلك على الشكر و الصبر؛
1) . و يصحّ ان يقرأ عضّته بالضاد.
و امّا الطالحون: فإنّ مثل هذا اذا نالهم، كسر شرتهم و ردعهم عن المعاصي و الفواحش، و كذلك يجعل لمن سلم منهم من الصنفين صلاحا في ذلك؛
امّا الابرار: فإنّهم يغتبطون بما هم عليه من البرّ و الصلاح و يزدادون فيه رغبة و بصيرة؛
اما الفجّار: فإنّهم يعرفون رأفة ربّهم و تطوّله عليهم بالسلامة من غير استحقاق، فيحضّهم ذلك على الرأفة بالنّاس و الصفح عمّن اساء إليهم.
و لعلّ قائلا يقول: إنّ هذه الآفات الّتي تصيب النّاس في اموالهم، فما قولك فيما يبتلون به في ابدانهم، فيكون فيه تلفهم، كمثل الحرق و الغرق و السّيل و الخسف؟ فيقال لهم: إنّ اللّه جعل في هذا أيضا صلاحا للصنفين:
امّا الأبرار: فلما لهم في مفارقة هذه الدنيا من الراحة من تكاليفها، و النجاة من مكارهها؛
و امّا الفجّار: فلما لهم من ذلك من تمحيص اوزارهم و حبسهم عن الازدياد منها.
و جملة القول: إنّ الخالق- تعالى ذكره- بحكمته و قدرته قد يصرّف هذه الأمور كلّها الى الخيرة و المنفعة، فكما أنّه اذا قطعت الريح شجرة أو قطعت نخلة، اخذ الصانع الرفيق و استعملها في ضروب من المنافع، فكذلك يفعل المدبّر الحكيم في الآفات الّتي تنزل بالنّاس في ابدانهم و اموالهم، فيصيرها جميعا الى الخيرة و المنفعة.
فان قال: فلم يحدث على الناس؟ قيل له: لكيلا يركنوا الى المعاصي من طول السلامة فيبالغ الفاجر في ركوب المعاصي، و يفتر الصالح عن الاجتهاد في البرّ؛ فانّ هذين الأمرين جميعا، يغلبان على النّاس في حال الخفض و الدعة، و هذه الحوادث الّتي تحدث عليهم تردعهم و تنبّههم على ما فيه رشدهم، فلو
أخلوا منهما، لغلوا في الطغيان و المعصية، كما على النّاس في أوّل الزمان، حتّى وجب عليهم البوار بالطّوفان و تطهير الأرض منهم.
و ممّا يعتقده الجاحدون للعمد و التقدير، الموت و الفناء، فإنّهم يذهبون الى أنّه ينبغي ان يكون النّاس مخلّدين في هذه الدنيا، مبرّئين من الآفات، فينبغي إن يساق هذا الأمر الى غايته، فينظر ما محصوله: أ فرأيت لو كان كلّ من دخل العالم و يدخله، يبقون و لا يموت احد منهم، أ لم تكن الأرض تضيق بهم حتّى تعوزهم المساكن و المزارع و المعاش؟ فإنّهم و الموت يفنيهم أولا أولا يتنافسون في المساكن و المزارع، حتّى ينشبّ بينهم في ذلك الحروب و يسفك فيهم الدماء، فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون و لا يموتون؟ و كان يغلب عليهم الحرص و الشّره و قساوة القلوب، فلو و ثقوا بأنّهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشيء ينال، و لا افرج لأحد عن شيء يسأله، و لا سلا عن شيء ممّا يحدث عليه، ثمّ كانوا يملّون الحياة و كلّ شيء من امور الدنيا، كما قد يملّ الحياة من طال عمره حتّى يتمنّى الموت و الراحة من الدنيا.
فان قالوا: إنّه كان ينبغي ان ترفع عنهم المكاره و الأوصاب حتّى لا يتمنّوا الموت و لا يشتاقوا إليه، فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتوّ و الأشر الحامل على ما فيه فساد الدين و الدنيا.
فان قالوا: إنّه كان ينبغي أن لا يتوالدوا، كيلا تضيق عنهم المساكن و المعاش؟ قيل لهم: إذن، كان يحرم اكثر هذا الخلق دخول العالم و الاستمتاع بنعم اللّه و مواهبه في الدارين جميعا، إذا لم يدخل العالم إلّا قرن واحد لا يتوالدون و لا يتناسلون.
فان قالوا: كان ينبغي ان يخلق في ذلك القرن الواحد من النّاس مثل ما خلق، و يخلق الى انقضاء العالم، يقال لهم: رجع
الأمر الى ما ذكرنا من ضيق المساكن و المعاش عنهم؛ ثمّ لو كانوا لا يتوالدون و لا يتناسلون لذهب موضع الأنس بالاولاد و السّرور بهم، ففي هذا دليل على أنّ كلّ ما تذهب إليه الاوهام سوى ما جرى به التدبير خطاء و سفاه من الرأى و القول.» (1)
و قال (ع) أيضا:
«و لو كان الإنسان لا يصيبه الم و لا وجع، بم كان يرتدع عن الفواحش و يتواضع للّه و يتعطّف على النّاس؟ أ ما ترى الإنسان اذا عرض له وجع، خضع و استكان، و رغب الى ربّه في العافية و بسط يديه بالصّدقة؟ و لو كان لا يألم من الضرب، بم كان السلطان يعاقب الذعّار(2)و يذلّ العصاة المردة؟ و بم كان الصبيان يتعلّمون العلوم و الصناعات؟ و بم كان العبيد يذلّون لأربابهم و يذعنون لطاعتهم؟ أ فليس هذا توبيخ لابن ابي العوجاء و ذويه الّذين جحد و التدبير و المانيّة الذين انكروا الألم و الوجع؟» (3)
و قال (ع) أيضا:
«فان قال قائل: فلم صارت هذه الارض تزلزل؟ قيل له إنّ الزلزلة و ما اشبهها موعظة و ترهيب يرهّب بها النّاس ليرعووا و لينزعوا عن المعاصي، و كذلك ما ينزل بهم من البلاء في ابدانهم و اموالهم يجرى في التدبير على ما فيه صلاحهم و استقامتهم و يدّخر لهم ان صلحوا من الصواب و العوض في الآخرة ما لا يعد له شيء من امور الدنيا، و ربّما عجل له ذلك في الدنيا، اذا كان ذلك في الدنيا صلاحا للخاصّة و العامّة.» (4)
و قال (ع) أيضا:
«فان قال قائل: او ليس يكون منه في بعض السنين، الضرر العظيم الكثير لشدّة ما يقع منه أو برد يكون فيه تحطّم الغلّات،1.
و هو لدى العقل بديهي الخطاء***و ليس هذا القول إلّا شططا
لو لم يشاهدوا حدوث العالم***لم يشهدوا ثبوته في القدم
و بخورة يحدثها في الهواء فيولد كثيرة من الأمراض في الأبدان و الآفات في الغلات؟ قيل: بلى، قد يكون ذلك الفرط لما فيه صلاح الإنسان و كفّه عن ركوب المعاصى و التمادى فيها، فيكون فيما يصلح له من دينه ارجح ممّا عسى ان يزرى في ماله.» (1)
قد مرّ أنّ القائل بالعرض و الاتّفاق، صار مآله الى القول بأزليّة الأشياء، و هو لدى العقل بديهيّ الخطاء، و ليس هذا القول إلّا شططا؛ لأنّه خلاف ضرورة الوجدان و بداهة البرهان.
و طريق ابطال الأزليّة، اثبات ضدّها، و هو الحدوث؛ لأنّهما ضدان لا يجتمعان، فهما كالنقيضين اثبات احدهما ابطال للآخر. و اثبات الحدوث على ما تقدّم، إمّا بنفسه بالوجدان، او بلازمة من الافتقار و غيره.
و أمّا حجّة الأزليّة فامران:
احدهما: دعوى عدم الوجدان الذي تقدّم أنّه مستند كلّ منكر لرحمان؛ و هو هنا عدم وجدان الحدوث و مشاهدته للعالم.
و يكفي في جوابه: النقض عليه بالقدم، كما صنع النبيّ (ص) في الحديث الآتي، و إليه اشرت بقولي: لو لم يشاهدوا حدوث العالم، لم يشهدوا ثبوته في القدم، فليس عدم وجدان الحدوث دليلا على الأزلية.
ثانيهما: ما تقدّم من الأوهام الّتي جعلوها آلة للقول بالاتّفاق.
و قد عرفت الجواب عنها بالتّفصيل، و كذلك تقدّم الكلام في اثبات الحدوث و لوازمه للعالم. الّا إنّي ازيد هنا ما يخصم به اللّجوج العنيد، و يحسم مادّة الوسوسة و الترديد، و ذلك باثبات الحدوث لجميع اجزاء العالم تفصيلا:
1) . المصدر 3: 127/ 1.
ثم الحدوث بيّن الوجدان***للنّبت و الحيوان و الانسان
و اللّيل و النّهار لم يجتمعا***فلا يكونان قديمين معا
و إذ تعارضا فقد تلازما***حدوث واحد حدوث لهما
امّا النبات و الحيوان و الإنسان فحدوثها مشهود بالعيان، محسوس بالوجدان، من غير حاجة الى بيّنة أو تجشّم برهان؛ كما قلت: ثمّ الحدوث بيّن الوجدان حسا للنّبت و الحيوان و الإنسان.
و امّا غيرها، فحدوثها ثابت بالإمعان؛ كما قلت: و اللّيل و النّهار لن تجتمعا ابدا في زمان واحد، لأنّهما ضدّان، فلا يكونان قديمين معا؛ اذ لا بدّ أن يفرض احدهما سابقا على الآخر، لعدم امكان اجتماعهما، فيلزم حدوث اللاحق منهما قطعا. و في هذا أيضا نقض لقولهم: بأنّا لم نشهد الحدوث، فنحكم بالقدم، فإنّهم لم يشهدوا حدوث احدهما مع لزوم حكمهم به، و إذ تعارضا؛ اي يعرض احدهما على الآخر فيجيء و يذهب، فقد تلازما في الحدوث و حينئذ حدوث واحد منهما، حدوث لهما بالملازمة؛ لأنّ القديم لا يعرض الحادث و لا يتغيّر به، و الحادث لا يعرض القديم و لا يغيّره.
في الإحتجاج: اجتمع اهل خمسة اديان: «اليهود» و «النصارى» و «الدهريّة» و «الثنويّة» و «مشركوا العرب» لمناظرة النبيّ (ص)؛ و كان من مناظرته مع الدهريّة، أنّه قال (ص) لهم:
«و انتم ما الّذي دعاكم الى القول بأنّ الأشياء لا بدء لها و هي دائمة لم تزل و لا تزال؟
فقالوا: لأنا لا نحكم إلّا بما نشاهد، و لم نجد للأشياء محدثا، فحكمنا بأنّها لم تزل و لم نجد لها انقضاء و فناء فحكمنا بأنّها لا تزال.
فقال رسول اللّه (ص): أ فوجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاء ابد الأبد؟ فان قلتم: إنّكم وجدتم ذلك انهضتم [اثبتّم] لأنفسكم إنّكم لم تزالوا على هيئتكم و عقولكم بلا نهاية، و لا تزالون كذلك؛ و لئن قلتم: هذا دفعتم العيان و كذّبكم العالمون الّذين
يشاهدونكم.
قالوا: بل لم نشاهد لها قدما و لا بقاء ابد الأبد؛
قال (ص): فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم و البقاء دائما، لأنّكم لم تشاهدوا حدوثها و انقضائها اولى (1)من تارك التميز لها مثلكم، فيحكم لها بالحدوث و الانقطاع؛ لأنّه لم يشاهد لها قدما و لا بقاء ابد الأبد؟ ا و لستم تشاهدون اللّيل و النّهار و احدهما بعد الآخر؟
فقالوا: نعم، فقال (ص): أ فترونهما لم يزالا و لا يزالان؟ فقالوا:
نعم، قال (ص) أ فيجوز عندكم اجتماع اللّيل و النّهار؟ فقالوا: لا، فقال: فإذن ينقطع احدهما عن الآخر، فيسبق احدهما و يكون الثاني جاريا بعده، فقالوا: كذلك هو، فقال (ص): قد حكمتم بحدوث ما تقدّم من ليل أو نهار و لم تشاهدوهما، فلا تنكروا للّه قدرته.
ثمّ قال (ص): أ تقولون ما قبلكم من اللّيل و النّهار متناه (2)أم غير متناه؟ فان قلتم غير متناه فقد وصل إليكم آخر (3)بلا نهاية لأوّله؛ و ان قلتم إنّه متناه فقد كان و لا شيء منهما؛ قالوا: نعم، قال (ص) لهم: أ قلتم إنّ العالم قديم غير حادث، و انتم عارفون بمعنى ما اقررتم به و بمعنى ما جحدتموه؟ قالوا: نعم، قال (ص): فهذا الّذي نشاهده من الأشياء بعضها الى بعض مفتقر، لأنّه لا قوام للبعض إلّا بما يتّصل به؛ كما نرى البناء محتاجا بعض اجزائه الى بعض و إلّا لم ينسق و لم يستحكم؛ و كذلك سائر ما نرى؛ فاذا كان هذا المحتاج بعضه الى بعض لقوّته و تمامه هو القديم، فاخبروني ان لو كان محدثا كيف كان يكون و ما كانت صفته؟»
و كلّ ضدّين بهذا الشأن***فالموت و الحياة حادثان
و الموت لم يخلقه ذو الحياة***إذ كلّ حيّ كاره الممات
و الأرض أيضا قبل من عليها***إذ هي مأوى من آوى إليها
كذا النجوم قبلها السّماء***و قبل الأرض و السّماء فضاء
فليست الكواكب المدبّرة***لأنّها بذاتها مفتقرة
ثمّ الفضاء لم تكن في الأزل***لأنّها تأثّرت بالشاغل
فصمتوا و علموا أنّهم لا يجدون للحدوث صفة يصفونها إلّا و هي موجودة في هذا الّذي زعموا أنّه قديم، فوجموا و قالوا: سننظر في امرنا .(1)
فقد نقض (ص) أوّلا قولهم بقدم العالم لعدم رؤيتهم حدوثه، ثمّ الزمهم بالإقرار بحدوث اللّيل و النّهار، ثمّ استدلّ على حدوث جميع العالم بالافتقار.
و قد تبيّن من تقريره (ص) حدوث الليل و النّهار حكم عام كلّي لكلّ ضدّين موجودين في العالم، فيمكن اثبات الحدوث له أيضا بهذا التقرير، و من ذلك الموت و الحياة؛ كما قلت: و كلّ ضدّين بهذا الشأن فالموت و الحياة أيضا حادثان؛ بعين التقرير المتقدّم؛ فإنّهما لا يجتمعان معا في زمان، فلا بدّ ان يكون احدهما سابقا على الآخر أيضا للتعارض.
و يمكن تقرير المخلوقيّة لهما أيضا بوجه آخر؛ كما قرّره الصادق (ع) في الإهليلجة، و قد اشرت إليه بقولي: و الموت لم يخلقه ذو الحياة قطعا؛ إذ كلّ حيّ كاره الممات، فكيف يخلق الموت لنفسه؟ فلا بدّ ان يكون خالقه غيره. و اذا ثبت مخلوقيّة الموت، ثبت مخلوقيّة الحياة بالتّلازم، و يأتي ذكر الحديث.
و قد اشرت الى وجه الافتقار و الحدوث بما قرّره الصادق (ع) بقولي: و الأرض أيضا قبل من عليها لظهور أنّ المكان قبل المتمكّن إذ هي مأوى من آوى إليها و سكن عليها، فظهر افتقار ما على الأرض إليها و حدوث ما بعدها؛ كذا النّجوم قبلها السّماء، لأنّها متمركزة فيها، فهي أيضا مفتقرة الى السماء، و هي بعدها. فهي حادثة أيضا، و قبل الأرض و السّماء الفضاء، لأنّهما موضوعتان على الفضاء و متمكّنتان فيها، فهما أيضا مفتقرتان إليها، حادثتان بعدها. و على هذا، فليست «الكواكب» هي المدبّرة لما في
1) . البحار 57: 68/ 45.
الأرض؛ و القول بربوبيّتها باطل، لأنّها بذاتها مفتقرة الى غيرها و هي السّماء؛ و الحادث المفتقر لا يكون محدثا.
فبقي من الموجودات الفضاء فقط، ثمّ الفضاء لم تكن في الأزل أيضا، لأنّها تأثّرت بالشاغل؛ اعني السماء و الأرض، و المتأثر بغيره، متغيّر، و كلّ متغيّر حادث.
و قد ابطل الصادق (ع) القول بأزليّة الاشياء أو بأزليّة النّجوم مشروحا، فمن الاوّل: ما اجاب به (ع) عن اسئلة الزنديق؛
قال: اخبرني عمّن زعم أنّ الخلق لم يتناسلون و يتوالدون و يذهب قرن و يجيء قرن و تفنيهم الأمرض و الأعراض و صنوف الآفات، يخبرك الآخر عن الاوّل، و ينبئك الخلق عن السلف، و القرون عن القرون، إنّهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر و النّبات، في كلّ دهر يخرج منه حكيم، عليم بمصلحة النّاس، بصير بتأليف الكلام و يصنّف كتابا قد حبره بفطنته و حسّنه بحكمته، و قد جعله حاجزا بين النّاس يأمرهم بالخير، و يحثّهم عليه و ينهاهم عن السّوء و الفساد و يزجرهم عنه، لئلا يتهارشوا و لا يقتل بعضهم بعضا.
قال (ع): «ويحك! إنّ من خرج من بطن أمّه امس و يرحل عن الدنيا غدا، لا علم له بما كان قبله و لا ما يكون بعده؛ ثمّ إنّه لا يخلو الإنسان من ان يكون خلق نفسه، او خلقه غيره، او لم يزل موجودا؛ فما ليس بشيء لم يقدر يخلق شيئا و هو ليس بشيء، و كذلك ما لم يكن، فيكون شيئا، يسأل فلا يعلم كيف كان ابتدائه.
و لو كان الإنسان ازليّا، لم تحدث فيه الحوادث، لأنّ الأزلي لا تغيّره الأيّام و لا يأتي عليه الفناء، مع أنّا لم نجد بناء من غير بان، و لا اثرا من غير مؤثّر، و لا تأليفا من غير مؤلّف، فمن زعم أنّ اباه خلقه، قيل: فمن خلق اباه؟ و لو أنّ الأب، هو الذي خلق ابنه، لخلقه على شهوته، و صوّره على محبّته، و لملك حياته و لجاز فيه حكمه؛ و لكنّه ان مرض فلم ينفعه، و ان مات فعجز عن ردّه، إنّ من استطاع ان يخلق خلقا و ينفخ فيه روحا حتّى يمشي على
رجليه سويّا، يقدر ان يدفع عنه الفساد.» (1)
و من الثاني أيضا من هذا الحديث؛ قال:
ايّها الحكيم! فما تقول فيمن زعم أنّ هذا التدبير الّذي يظهر في العالم تدبير النّجوم السبعة؟
قال (ع): يحتاجون الى دليل أنّ هذا العالم الاكبر و الاصغر من تدبير النجوم الّتي تسيح في الفلك و تدور حيث دارت، متبعة لا لا تفتّر و سائرة لا تقف.
ثم قال (ع): و إنّ كلّ نجم منها موكّل مدبّر، فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيّين، فلو كانت قديمة ازليته لم تتغيّر من حال الى حال .(2)
و في الإهليلجة، قال:
«أ رأيت إن قلت لك إنّ البروج لم تزل و هي الّتي خلقت انفسها على الحساب ما الّذي يرد عليّ، قلت: أسألك كيف يكون بعضها سعدا و بعضا نحسا، و بعضها مضيئا و بعضها مظلما، و بعضها صغيرا و بعضها كبيرا؟ قال: كذلك ارادت ان تكون بمنزلة النّاس، فإنّ بعضهم جميل و بعضهم قبيح، و بعضهم قصير و بعضهم طويل، و بعضهم ابيض و بعضهم اسود، و بعضهم صالح و بعضهم طالح، قلت: فالعجب منك! إنّي اراودك اليوم على ان تقرّ لي بصانع فلم تجبني الى ذلك حتّى كان الآن، اقررت بأنّ القردة و الخنازير خلقن انفسهنّ؟ قال: بهتّني بما لم يسمع النّاس منّى! قلت: أ فمنكر انت لذلك؟ قال: اشدّ الإنكار، قلت: فمن خلق القردة و الخنازير؟ ان كان النّاس و النّجوم خلق انفسهنّ، فلا بدّ من ان تقول إنّهنّ خلق انفسهنّ أ فتقول إنّها من خلق الناس؟ قال: لا، قلت: فلا بدّ ان يكون لها خالق أو هي خلقت انفسها؛ فان قلت: إنّها من خلق النّاس، فقد اقررت أنّ لها3.
خالقا؛ فان قلت: لا بدّ ان يكون لها خالقا فقد صدقت و ما اعرفنا به، و لئن قلت: إنهنّ خلقن انفسهنّ، فقد اعطيتني فوق ما طلبت منك من الاقرار بصانع.»
ثم قلت: فأخبرني بعضهنّ قبل بعض خلقن انفسهنّ أم كان ذلك في يوم واحد؟
فإن قلت: بعضهنّ قبل بعض، فأخبرني السّماوات و ما فيهنّ و النّجوم قبل الأرض و الأنس و الذرّ خلقن انفسهنّ أم بعد ذلك؟ فان قلت: إن الأرض قبل، أ فلا ترى قولك إنّ الاشياء لم تزل، قد بطل حيث كانت السّماء بعد الأرض؟ قال: بلى، و لكن اقول معا جميعا خلقن، قلت: أ فلا ترى أنّك قد اقررت إنّها لم تكن شيئا قبل ان خلقن و قد اذهبت حجّتك في الازليّة؟ قال:
«إنّي لعلى حدّ وقوف ما ادري ما اجيبك فيه، لأنّي اعلم أنّ الصانع إنّما سمّي صانعا لصناعته، و الصناعة غير الصانع، و الصانع غير الصناعة، لأنّه يقال لرجل الباني لصناعته، و البناء غير الباني، و الباني غير البناء، و كذلك الحارث غير الحرث، و الحرث غير الحارث.»
قلت: فاخبرني عن قولك إنّ النّاس خلقوا انفسهم، فبكمالهم خلقوا ارواحهم و اجسادهم و صورهم و انفاسهم، أم خلق بعض ذلك غيرهم؟ قال:
«بكمالهم لم يخلق شيئا منهم غيرهم، قلت: فاخبرني، الحياة احبّ إليهم أم الموت؟ قال: او تشكّ أنّه لا شيء احبّ إليهم من الحياة و لا ابغض إليهم من الموت؟ قلت: فاخبرني، من خلق الموت الّذي يخرج انفسهم الّتي زعمت أنّهم خلقوها؟ فإنّك لا تنكر أنّ الموت غير الحياة، و أنّه هو الّذي يذهب بالحياة؛ فان قلت: إنّ الّذي خلق الموت غيرهم، فإنّ الّذي خلق الموت، هو الّذي خلق الحياة؛ و لئن قلت: هم الذين خلقوا الموت لانفسهم، إنّ هذا لمحال من القول، و كيف خلقوا لانفسهم ما يكرهون؟» (1)1.
1) . البحار 3: 173/ 1.
و قال (ع) في جملة ما قال:
«أ لست تعلم أنّه حيث كان جميع اهل الدنيا إنّما يولدون بهذه النّجوم على ما وصفت في النّحوس و السعود، إنهنّ كنّ قبل النّاس؟ قال: ما امتنع ان اقول هذا؟ قلت: أ فليس ينبغي لك ان تعلم أنّ قولك إنّ النّاس لم يزالوا و لا يزالون قد انكسر عليك، حيث كانت النّجوم، قبل النّاس، فالنّاس حدث بعدها و لئن كانت النّجوم خلقت قبل النّاس ما تجد بدّا ان تزعم انّ الأرض خلقت قبلهم، قال: و لم ازعم أنّ الأرض خلقت قبلهم؟ قلت:
افلست تعلم أنّها لو لم تكن الأرض جعل اللّه لخلقه فراشا و قرارا و مهادا، ما استقام النّاس و لا غيرهم من الأنام، و لا قدروا ان يكونوا في الهواء، الّا ان تكون لهم اجنحة؟ قال: و ما ذا يغني عنهم الاجنحة اذا لم تكن لهم معيشة؟ قلت: ففي شكّ انت من أنّ النّاس حدث بعد الأرض و البروج؟ قال: لا، و لكن على اليقين من ذلك، قلت: أليك أيضا بما تبصره؛ قال: ذلك انفى للشكّ عنّي، قلت: الست تعلم أنّ الّذي تدور عليه هذه النّجوم و الشّمس و القمر هذا الفلك، قال: بلى، قلت: فما ارى هذه النّجوم الّتي زعمت أنّها مواليد الناس إلّا و قد وضعت بعد هذا الفلك، لأنّه به تدور هذه البروج و تسفل مرّة و تصعد أخرى، قال:
قد جئت بامر واضح لا يشكل على ذي عقل إنّ الّذي تدور به النّجوم هو اساسها الّذي وضع لها، لأنّها إنّما جرت به، قلت:
اقررت أنّ خالق النّجوم الّتي يولد بها النّاس سعودهم و نحوسهم، هو خالق الأرض، لأنّه لو لم يكن خلقها لم يكن ذرء، قال: ما اجد بدّا من اجابتك الى ذلك، قلت: أ فليس ينبغي ان يدلّك عقلك على أنّه لا يقدر على خلق السّماء إلّا الذي خلق الأرض و الذرّة و الشّمس و القمر و النّجوم، و أنّه لو لا السّماء و ما
فيها، لهلك ذرء الأرض، قال: اشهد أنّ الخالق واحد من غير شكّ، لأنّك قد اتيتني بحجّة ظهرت لعقلي و انقطعت بها حجّتي.» (1)
اقول: و قد استدلّ (ع) بهذه الجملة الأخيرة بالافتقار على حدوث الأشياء ثمّ بالاتّصال على وحدة الصانع.
«التناسخيّة» أيضا قوم ينكرون المبدأ، و يقولون بأزليّة الأرواح، و كذلك ينكرون المعاد؛ و المعاد عندهم هو نفس «التناسخ»، و التناسخ عندهم على انحاء، و لذلك صارت التناسخيّة طوائف:
فقوم منهم يقولون: إنّ الروح، اذا استكملت زمن تعلّقها بالبدن جهة كمالها العلميّة و العمليّة كالكمّلين، فهي تفارق البدن، و تبقى بعد مفارقتها مجرّدة؛ و اتّصلت الى عالم القدس؛ و ان بقى من كمالها شيء، كالنّفوس الناقصة، فهي تنتقل من بدن الى بدن الى ان لا يبقى من كمالها شيء، فتنسخ الأجساد و تعود الى تجرّدها.
و قال آخرون: ربّما تنزّلت من بدن الإنسان الى حيوان مشابه له في الصفات، و يسمّى «مسخا».
و آخرون: الى النباتات أيضا و يسمّى «فسخا».
و آخرون: الى الجمادات؛ كالمعادن و البسائط أيضا و يسمّى «رسخا».
ثمّ اعلم: أنّ القول بالتّناسخ من حيث الأزليّة، باطل و محال عقلا و شرعا؛ و من حيث المعاد، باطل شرعا فقط؛ لأنّه على خلاف المعاد الإسلامي؛ و امّا في نفسه من حيث نفس الانتقال، فلا امتناع له عقلا، الّا أنّه لا دليل على ثبوته لا عقلا و لا شرعا.
و لكن «الحكماء»، ادّعوا استحالته من هذه الجهة، و استندوا فيها الى حجج واهية لا حاجة لنا الى ذكرها، اذ لا غرض لنا بذكر التناسخ هنا إلّا من حيث دعوى الازليّة.
و الوجه في فسادها، ما ذكرت:
1) . البحار 3: 176/ 1.
و امّا الارواح فكالأبدان***حدوثها المشهود بالوجدان
و في الولوج و الخروج الحادث***تغيّر الأرواح بالحوادث
و الأزليّ، ما له تنقّل***و لا تفسّخ و لا تبدّل
و من يرى تناسخا فقد كفر***انكر ربّا و المعاد للبشر
و امّا الأرواح فكالأبدان، حدوثها المشهود بالوجدان؛ لأنّها تتعلّق بالبدن بعد استكمال الجنين. و دعوى كونها ثابتة، موجودة قبل الأبدان، دعوى بلا برهان؛ و لا طريق الى اثباته من طريق العقل، لعدم وجود أثر له، يستدلّ به عليه.
و ما ورد من الشرع أنّها خلقت قبل الأبدان بألفي عام أو ازيد، فهو يثبت حدوثها و تجدّدها و مخلوقيّتها؛ و قد سئل الصادق (ع) عن التناسخ، فقال (ع): «فمن نسخ الأوّل» (1). هذا، مع أنّه لو لم يكن المشهود من ولوجها دليلا على حدوثها حين الولوج، ففي تغيّرها بالولوج و الافتراق دليل على حدوثها؛ كما قلت: و في الولوج و الخروج الحادث، كلّ منهما تغيّر الأرواح بالحوادث، و المتغيّر بالحوادث حادث.
و الأزليّ، ما له تنقّل، ينتقل من شيء الى شيء، و لا تفسّخ من هيئة الى هيئة، و لا تبدّل من طور الى طور. و من يرى تناسخا فقد كفر، إذ انكر ربّا، و كذلك المعاد للبشر، لقوله بأزليّة الأرواح و تناسخها. فعن الرضا (ع)، إنّه قال له المأمون ما تقول في القائلين بالتّناسخ؟ فقال (ع): «من قال بالتّناسخ فهو كافر باللّه العظيم، يكذب بالجنّة و النّار.» (2)و عنه (ع) أيضا: «من قال بالتّناسخ فهو كافر»(3)و عن الصادق (ع) في جواب الزنديق حيث قال: اخبرني عمّن قال بتناسخ الأرواح من ايّ شيء قالوا ذلك و بايّ حجّة قاموا على مذاهبهم؟
قال (ع): «إنّ اصحاب التناسخ، قد خلّفوا ورائهم منهاج الدين، و زيّنوا لانفسهم الضلالات، و امرجوا انفسهم في الشّهوات، و زعموا أنّ السّماء خاوية، ما فيها شيء ممّا يوصف، و أنّ مدبّرم.
هذا العالم في صورة المخلوقين بحجّة؛ من روى أنّ اللّه خلق آدم على صورته، و أنّه لا جنّة و لا نار و لا بعث و لا نشور، و القيامة عندهم خروج الروح من قالبه، و ولوجه في قالب آخر: ان كان محسنا في القالب الأوّل، اعيد (1)في قالب افضل منه حسنا في أعلى درجة الدنيا؛ و إن كان مسيئا أو غير عارف، صار في بعض الدوابّ المتعبة في الدنيا أو هوامّ مشوّهة الخلقة، و ليس عليهم صوم و لا صلاة و لا شيء من العبادة اكثر من معرفة من يجب عليه معرفته؛ و كلّ شيء من شهوات الدنيا مباح لهم: من فروج النّساء و غير ذلك من الأخوات و البنات و الخالات و ذوات البعولة، و كذلك الميتة و الخمر و الدمّ.
فاستقبح مقالتهم كلّ الفرق و كلّ الامم؛ فلمّا سئلوا الحجّة، زاغوا و حادوا، فكذب مقالتهم التوراة، و لعنهم الفرقان، و زعموا مع ذلك أنّ إلههم ينتقل من قالب الى قالب و أنّ الأرواح الأزليّة، هي الّتي كانت في آدم، ثمّ هلمّ جرّا تجري الى يومنا هذا في واحد بعد آخر. فإذا كان الخالق في صورة المخلوق، فبما يستدلّ على أنّ احدهما خالق صاحبه؟
و قالوا: إنّ الملائكة من ولد آدم؛ كلّ من صار في أعلى درجة دينهم، خرج من منزلة الامتحان و التصفية، فهو ملك. فطورا تخالهم نصارى في اشياء، و طورا دهريّة؛ يقولون: إنّ الأشياء على غير الحقيقة(2)، فقد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحمان، لأنّ الدوابّ عندهم، كلّها من ولد آدم حوّلوا في صورهم؛ فلا يجوز اكل لحوم القرابات».(3)م.
و القول بالتّناسخ المجرّد***لم يمتنع عقلا و لم يسدّد
هذا كلّه في التناسخ مع الأزليّة و انكار المعاد، امّا بدونها؛ يعني في دار الدنيا، فالحكم كما قلت:
و القول بالتّناسخ المجرّد عن دعوى الأزليّة و انكار المعاد، لم يمتنع عقلا، خلافا للفلاسفة، حيث ادّعوا استحالته و لم يسدّد أيضا، اي لم يصحّح من طريق الشرع، بل ينفيه ما ورد من الآيات و الأخبار في احوال البرزخ من تعذيب ارواح الكفّار و الفجّار، و ترويج ارواح المؤمنين الأخيار، بل لو لم يكن ذلك، فالقول به أيضا، قول بغير علم و تخرّص بالغيب.
و امّا ما ورد من أنّ ارواح المؤمنين في حواصل طيور خضر، فانّ الأخبار في ذلك مختلف، و مع ذلك هو غير التناسخ الّذي يقولون من انتقال الروح الى جسد عنصري آخر في الدنيا، للعقوبة أو للاستكمال.
اختلفت في ذات ذي الجلال***طوائف الإسلام الانتحاليّ
حذو الّذين قبلهم من الأمم***لمّا نسوا ما ذكروا من النّعم
فاعرضوا عن باب أهل البيت (ع)***فافترقوا بكلّ كيت ذيت
في التكلّم في ذاته (1)تعالى
في التكلّم في ذاته (2)تعالى
و امّا غيرهم، فقد اختلفوا فيه على اقوال شتّى، اختلفت في ذات ذي الجلال، طوائف الإسلام الانتحاليّ؛ إذ الإسلام الحقيقي ليس له طوائف، فانّ الربّ واحد، و الدين واحد؛ و إنّما جاء الفرق و الطوائف فيه من جهة الانتحال. و على كلّ حال، فإنّهم اختلفوا في ربّهم، حذو الّذين قبلهم من الأمم، حيث اختلفوا في ربّهم و في دينهم، لمّا نسوا ما ذكروا به من النّعم: نعمة الرسول و نعمة الهداية و نعمة الكتاب و نعمة الوصيّ؛ كما قال في شأن اليهود:( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ... ).(3)و في النصارى: (... قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ... )(4).
و هؤلاء المنتحلة للاسلام، اقتدوا بهم من بعدهم، فاعرضوا عن باب أهل البيت (ع) الّذين قال اللّه فيهم:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ )(5)و قد اذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا؛ و هم ابواب بيوته بنصّ النبيّ (ص)، حيث قال: «انا مدينة العلم و علي بابها»(6). و قد قال تعالى:( وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها )(7)و هم الذين يعرفون القرآن، ظاهره و باطنه، تأويله و تنزيله، لأنّهم هم المطهّرون. و قد قال تعالى( لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ )(8)و إذ اعرضوا عن أهل بيت الوحي (ع)، استبدّوا بآرائهم؛ فافترقوا بكلّ كيت ذيت، هما بمعنى واحد مثل كذا و كذا؛ اي افترقوا بكلّ وجه و طريق.
فقيل: جوهر ***و قيل: جسمو قيل: صورة و قيل: اسم
و قيل: مدرك بحسّ البصر***فمطلقا أو كان ذا في المحشر
و قيل: مدرك بعقل فلسفيّ***و قيل: بالكشف و قلب العارف
و قيل: ذاته الوجود المطلق***فهذه الّتي عليها افترقوا
و عند أهل بيت الاصطفاء***الكلّ باطل بلا استثناء
بل عندهم، بذاته لا يعرف***لا يوصف الذات و لا يعرّف
فقيل: إنّ ذاته تعالى جوهر مجرّد، و قيل: جسم؛ و قيل: صورة؛ و قيل: اسم؛ يعني، أنّ الاسم هو المسمّى، او أنّ اسمه قديم كالمسمّى؛ و إليهما اشار الصادق (ع) بقوله: «من عبد الاسم فقد كفر، و من عبد الاسم و المسمّى فقد اشرك»(1)؛ و قيل: مدرك بحسّ البصر، حتّى ممّن ابى جسميّته فمطلقا في الدنيا و الآخرة و هو قول أو كان ذا في المحشر، و هو قول الاشاعرة؛ و قيل: مدرك لا بالحسّ، بل بالعقل، و لكن لا بكلّ عقل، بل بعقل فلسفيّ المستكمل، للفلسفة الالهيّة؛ و قيل: لا بالبصر و لا بالعقل، بل مدرك بالقلب من طريق الكشف، و لكن لا بكلّ قلب و كشف، بل بكشف الواصل و كشف العارف؛ و قيل: ذاته الوجود المطلق، و القائل: بعض المتكلّمين و الفلاسفة و العرفاء، الّذين قالوا: بادراكه بالعقل أو بالكشف، و يظهر من اعتراض علاء الدولة السّمناني على «محيي الدين بن عربي» و تخطئته و تكفيره ايّاه، أنّه أوّل من ابدأ هذا القول، و ان كان عندي فيه نظر.
فهذه الأقوال، هي الّتي عليها افترقوا؛ فاتّخذ كلّا منها قوم، و جعلوه مذهبا لهم.
و عند أهل بيت الاصطفاء الّذين اصطفاهم اللّه على العالمين ذريّة بعضها من بعض، الكلّ باطل بلا استثناء. و ستظفر على بطلان كلّ منها بالدّليل على التفصيل.
و قد رأيت ان اذكر أوّلا: جملة ما ورد عنهم (ع) في ذاته تعالى على الإجمال، ثمّ ارجع الى تفصيل كلّ منها بالاستدلال. ليكون هذا الاجمال كالفهرس لذلك التفصيل، فيطّلع القارئ على تمام مذهبهم في بدء التحصيل. فاستمع لما يتلى عليك من هذا السفر الجليل:
بل عندهم، بذاته؛ اي بنفس الذات لا يعرف، بحيث يعرف ما هو الذات؟ او بحيث يعرف بنفسه و بلا واسطة، و لذلك لا يوصف الذات و لا يعرّف أنّه ما هو؛ اذ
1) . البحار 4: 165/ 7.
و إنّما يعرف بالصّفات***و الخلق و الآثار، لا بالذّات
و الذات منه عندهم لا يدرك***و كلّ من رام هناك يهلك
بل ليس مدركا و لا موصوفا***و لم يكن بذاته معروفا
و كلّ معروف بنفسه عرف***فذاك بالمصنوع عندهم وصف
التوصيف و التعريف فرع المعرفة، و اذا لم يعرف الذات، فلا يوصف و لا يعرّف.
و إنّما يعرف عندهم (ع) بالصّفات، بأنّه عليم، حكيم مثلا، لا بالذّات؛ و يعرف أيضا بالواسطة لا بنفسه، فيعرف بالآيات و الخلق و الآثار، لا بالذّات.
امّا أنّه تعالى يعرف عندهم بالصّفات: فيدلّ عليه ما سيأتي عنهم (ع) من أنّه تعالى يوصف بما وصف به نفسه؛ من ذلك قول الرضا (ع): «اعرفه بما عرّف به نفسه، و اصفه بما وصف به نفسه»(1). و قول الحسين (ع): «يا ابن الأزرق! اصف إلهي بما وصف نفسه، و اعرفه بما عرّف به نفسه» .(2)
و امّا أنّه تعالى لا يعرف إلّا بالصّفات: فذلك يستفاد من نهيهم عن الخوض في ذاته، و أنّ ذاته لا يعلمها إلّا هو؛ و سيأتي تفصيله.
و امّا أنّه لا يعرف إلّا بالخلق و الآيات: فقد تقدّم الكلام فيه. و من ذلك قول الصادق (ع) في الاهليلجة: «لا يعرف إلّا بخلقه» .(3)
و الذات منه تعالى كما لا يعرف و لا يوصف عندهم، كذلك عندهم لا يدرك لا بالعقل و لا بالوهم و لا بغير ذلك؛ كما يأتي مفصّلا و كلّ من رام هناك يهلك(4). بل ليس هو تعالى عندهم مدركا و لا موصوفا و لم يكن بذاته معروفا؛ و بين الثلاثة ملازمة. فإنّ ما لا يدرك بذاته لا يعرف و لا يوصف و ما لا يعرف أو لا يوصف بذاته، لا يدرك بذاته، و كيف يكون مدركا ما لا يعرف بنفسه؟ و كلّ معروف من الأشياء بنفسه عرف او يمكن ان يعرف بنفسه، فذاك بالمصنوع عندهم وصف، فهو عندهم مصنوع ليس بإله. قال الرضا (ع): «كلّ معروف بنفسه مصنوع» (5). و قال امير المؤمنين (ع): «ليس بإله..
و اللّه لا يعرف بالقياس***و لا يقاس ذاته بالناس
شيء و لكن ليس كالأشياء***ليس كمثله في الاختفاء
ذات و لكن لا يقال: ما هو؟***و الذات لا يعلمها إلّا هو
هويّة الذات لنا خفيّة***لا أنّه ليست له هويّة
من عرف بنفسه» (1).
و اللّه تعالى لا يعرف بالقياس و الحدس و التخمين و السّبر و التقسيم؛ كما صنعت الفلاسفة؛ حيث قسّموا الأشياء: الى «الوجود» و «الماهيّة» ثمّ رجّحوا «اصالة الوجود»؛ فاستنتجوا من ذلك أنّ ذاته تعالى هو الوجود. قال الرضا (ع): «من يصف ربّه بالقياس لا يزال الدهر في الالتباس، مائلا عن المنهاج ظاعنا في الاعوجاج، ضالّا عن السّبيل، قائلا غير الجميل» (2). و مثله عن الحسين (ع)(3)؛ و قال امير المؤمنين (ع): «البعيد من حدس القلوب ...» (4).
هذا، مع أنّ طريق القياس، امّا عقل، او وهم، او تمثيل؛ و الكلّ ليس إليه سبيل؛ و لا يقاس ذاته بالناس؛ قال امير المؤمنين (ع): «و لا يحسّ بالحواس و لا يقاس بالنّاس ...» (5). و نظيره كثير، يأتي في فصله. و في القياس أيضا تشبيه، و التشبيه ينافي التنزيه.
و غاية المعرفة في ذاته تعالى عندهم (ع)، أنّه شيء، و لكن ليس كالأشياء، و له فصل يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى؛ ليس كمثله في الاختفاء، فإنّه اخفى من كلّ شيء، لأنّه لا يدرك بشيء من المدركات؛ كما يأتي تحقيقه، و هو تعالى ذات و لكن لا يقال:
ما هو؟ قال امير المؤمنين (ع):
«لا يقال له ما هو لأنّه خلق الماهيّة» (6). و الذات لا يعلمها إلّا هو؛ قال الصادق (ع): «سبحان من لا يعلم كيف هو إلّا هو» (7). و اذا كان لا يدرك و لا يوصف، و لا يعرف بنفسه، و لا يعلمه احد، فكيف يمكن ان يقال ما هو؟ فعلى هذا، هويّة الذات5.
و كونه في ذاته معيّنا***لا يقتضي لغيره التّعيّنا
من ذاك لم يجز لنا أن نصفه***إلّا بشيء نفسه قد وصفه
و لا يحيط خلقه علما به***من ناقص أو كامل بربّه
لنا خفيّة، لا نعرفها و لا ندركها، لا أنّه ليست له هويّة. و هذا ردّ على من زعم أنّه اذا قلنا بأنّه لا يدرك و لا يعرف فقد اثبتنا أنّه لا شيء؛ قال الصّادق (ع) في حديث المفضّل:
«فإن قالوا: فانتم الآن تصفون من قصور العلم عنه وصفا حتّى كأنّه غير معلوم، قيل لهم: هو كذلك من جهة، اذا رام العقل معرفة كنهه و الاحاطة به، و هي من جهة أخرى اقرب من كلّ قريب اذ استدلّ عليه بالدّلائل الشافية، فهو من جهة، كالواضح لا يخفى على احد، و من جهة، كالغامض لا يدركه احد. و كذلك العقل أيضا ظاهر بشواهده و مستور بذاته» .(1)
و كونه في ذاته معيّنا، لا يقتضي لغيره التّعيّنا، فلا يلزم ان يكون متعيّنا عند غيره.
من ذاك الّذي ذكرنا (أنّ ذاته خفيّة علينا و أنّا لا ندركه بذاته)، لم يجز لنا أن نصفه توصيفا، إلّا بشيء نفسه قد وصفه. لأنّ التوصيف كما تقدّم، فرع الادراك، و هو ممنوع. و التوصيف و ان كان بالصفات. الّا أنّه يرجع أيضا الى توصيف الذّات. و سيأتي باب مخصوص فيما ورد عنهم (ع) من أنّه لا يجوز توصيفه إلّا بما وصف به نفسه، و عندهم (ع) أيضا لا يحيط خلقه علما به (سواء كان بالعقل، او بالرّؤية، او بالكشف)؛ كما قال تعالى: (وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ).(2)
و هذا، احد الوجوه المانعة عن الادراك، فإنّ الادراك، مستلزم للاحاطة العلميّة به؛ و من المحال ان يكون الخالق محاطا للمخلوق، و سيجيء تفصيله في فصله. و هذا الوجه ممّا لا يفرق فيه بين شخص دون شخص، بل يعمّ كلّ احد (من ناقص أو كامل) في المعرفة بربّه؛ كما قال الصّادق (ع) في الحديث السّابق: «كالغامض لا يدركه0.
إذ ليس محدودا و لا مكيّفا***و لا محاطا جلّ أن يصرّفا
لا يعرف الذّات بحيث الذّات***كذا صفاته بحيثيّات
و إنّما يعرف بالأوصاف***منزّها عن حيث الاتّصاف
فليست الصّفات أيضا مدركة***و لا بها الذّات إذن مداركة
احد ...» (1). و سيأتي أيضا عنهم (ع) ما يظهر منه العموم من الاطلاقات و التّعليلات.
و في هذا، ردّ على «الصوفيّة» و غيرهم من «الحشويّة»، الّذين يعتقدون امكان العلم به كشفا او رؤية للكمّلين او لخصوص النبيّ (ص)، و كذلك «الغلاة»، الّذين يرون امثال ذلك للأئمّة (ع). و لكن الأمر المحال لا يقبل التخصيص، و الاحاطة به محال من كلّ احد، إذ ليس ذاته تعالى محدودا و لا مكيّفا و لا محاطا؛ و الاحاطة، تستلزم التحديد، و العلم به، يستلزم التكييف؛ و هما أيضا يستلزمان التصريف في ذاته تعالى للأوهام؛ جلّ و تعالى أن يصرّفا في قوى المحدودين. قال امير المؤمنين (ع):
«و لا يخطر ببال اولى الرّويات خاطرة، من تقرير جلال عزّته، لبعده ان يكون في قوى المحدودين» (2).
و من اجل ذلك كلّه، لا يعرف الذّات عندهم (ع). بحيث الذّات بل بحيث الوجود و الشّيئيّة، بمعنى أنّه موجود، و أنّه شيء لا كالأشياء، كذا صفاته أيضا لا تعرف بحيثيّات؛ اي بحيثيّة الوصفيّة، بمعنى ان تكون لها معان قائمة بالذّات، زائدة عليها.
و إنّما يعرف بالأوصاف منزّها عن حيث الاتّصاف، فهو موصوف بها مجرّدا عن معانيها الوصفيّة و لوازمها التوصيفيّة. و على هذا، فليست الصّفات أيضا مدركة؛ كما لا تدرك الذّات، و اذا لم تكن مدركة بنفسها، لا تكون بها الذّات إذن مداركة؛ اي يبلغ العلم و الادراك به نهايته.
و الحاصل: أنّه كما لا تدرك ذاته، لا تدرك صفاته؛ و كما لا تدرك ذاته بذاته، لا تدرك أيضا بصفاته؛ فإنّ الصفات مع أنّها غير مدركة في نفسها، ليست بمدركة له في ذاته؛ لأنّها غير الذّات، و إنّما هي معرّفة لها لا مدركة، و الذّات يعرف بها معرفة الاجمال، لا معرفة الادراك؛ قال امير المؤمنين (ع): «و إنّما يدرك بالصّفات ذوو6.
يكفي من العلم لأهل المعرفة***في ذاته أن يعرفوه بالصّفة
لن يكشف الذّات عن السّتارة***لا باشارة و لا عبارة
لا ذاته بكنهه معروف***و لا بحيث ذاته موصوف
لم يعلم إلّا أنّه موجود***و هذا الإقرار هو المقصود
به يؤدّى فرض الايمان به***إذ هو ايقان به في غيبه
يكفيك من وجوده في العين***أن كان خارجا من الحدّين
فأثبت الذّات مع التّنزيه***من غير تعطيل و لا تشبيه
الهيئات و الأدوات» (1)، و قال الصّادق (ع) في حديث المفضّل:
«فإن قالوا: او ليس نصفه؟ فنقول: العزيز الحكيم الجواد الكريم، قيل لهم: كلّ هذه صفات اقرار، و ليست صفات احاطة؛ فإنّا نعلم أنّه حكيم و لا نحيط بكنه ذلك منه و كذلك قدير و جواد و سائر صفاته ...» (2).
فاذا كان الذّات غير مدركة لا بالذّات و لا بالصّفات، و كانت أيضا غير محدودة و لا محاطة كذلك، فليست إذن معرفته كذلك مطلوبة من احد؛ بل يكفي من العلم لأهل المعرفة و الكمال، كائنا من كان في ذاته أن يعرفوه بالصّفة معرفة، اجماليّة، علميّة، لا ادراكيّة؛ كما قال الصادق (ع) في حديث المفضّل:
«فإن قالوا: فكيف يكلّف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف و لا يحيط به؟ قيل لهم: إنّما كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم ان يبلغوه و هو ان يوقنوا به، و يقفوا عند امره و نهيه، و لم يكلّفوا الاحاطة بصفته ...» .(3)
و لأجل ذلك كلّه، لن يكشف الذّات عندهم (ع) عن السّتارة الغيبيّة، لا باشارة و لا عبارة فعن ابي الحسن الثالث، قال (ع):
«فهو بالموضع الّذي لا يتناهى، و بالمكان الّذي لم يقع عليه الناعتون، لا1.
بإشارة و لا عبارة، هيهات هيهات!!» .(1)
فهو تعالى عندهم (ع)، لا ذاته بكنهه معروف؛ كما يأتي في ذلك عنهم (ع) اخبار، و لا بحيث ذاته موصوف، و إنّما يوصف من حيث اوصافه و افعاله، لم يعلم من ذاته إلّا أنّه موجود. و هذا الإقرار هو المقصود الكافي، المأمور به؛ كما اشار إليه الصّادق (ع) في حديث المفضّل و سيأتي أيضا توضيحه. و هذا الإقرار الإجمالي العلمي، دون الإدراكي بوجوده و صفاته، به يؤدّى فرض الايمان به تعالى؛ إذ هو؛ اي الأيمان، ايقان به في غيبه؛ كما قال تعالى:( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ... )(2)فالمفروض من الأيمان، الايقان الغيبي لا الإدراك العقلي، او الكشف القلبي؛ قال الحسين (ع):
«و لا اهل التفكير، بتفكيرهم إلّا بالتحقيق ايقانا بالغيب» (3). و قال (ع) أيضا:
«يصيب الفكر منه الأيمان به موجودا و وجود الأيمان لا وجود صفة» (4).
و عندهم (ع) يكفيك من العلم و الإقرار من حيث وجوده في العين، لا في الذّهن، أن كان عندك خارجا من الحدّين: حدّ التشبيه و حدّ التعطيل، فلا تنفيه نفيا، او تثبته و هما محضا، فيلزم التعطيل و لا تصفه محدودا مكيّفا فيلزم التشبيه، فأثبت الذّات في العين مع التّنزيه عن كلّ ما لا يليق به من غير تعطيل و لا تشبيه، و سيأتي الكلام فيه مفصّلا.
و العلم بالوجود، لا يلازم العلم بالذات، فلا يقال: كيف يعلم وجوده و لا يعلم ذاته؟ قال الصادق (ع) في حديث المفضّل:
«ثمّ ليس علم الإنسان بأنه موجود، موجب له ان يعلم ما هو و كيف هو؛ كما أنّ علمه بوجود النّفس لا يوجب ان يعلم ما هي و كيف هي، و كذلك الأمور الروحانيّة اللطيفة ...» (5)1.
لا يدرك الذّات بأيّ مدرك***حسّ و وهم، عقل أو قلب الزّكيّ
لا لقصور المدركات، نفسها***بل لعلوّ ذاته، عن مسّها
علوّ ذاته اقتضى حجابه***و الخلق أيضا اكّد احتجابه
اعلم: إنّ امتناع الادراك عند اهل البيت (ع)، معلّل بامتناع الذّات و قصور المدركات معا، و الذوق السليم و اللّب الفهيم، يقضى بأنّ ما هو العمدة و الأصل منهما، هو امتناع الذّات؛ اذ معه لا تصل النوبة الى قصور المدركات و لا يبقى له مجال؛ الّا أنّهم (ع)، لم يكتفوا في التعليل بوجه واحد. و قصور المدركات عندهم أيضا بالذّات، و ان علّلوه احيانا بالعوارض و التّبعات.
و امّا غيرهم، فحيث خفى عليهم الأمران: امتناع الذات و قصور المدركات بالذّات، زعموا أنّ الامتناع ليس إلّا لقصور المدركات، لأجل العوارض و التّبعات، فإذ ارتفع المانع، جاز الإدراك، فذهبوا لأجل ذلك الى جواز الرّؤية او دعوى الكشف.
ثمّ اعلم: أنّ المقصود هنا، بيان امتناع الإدراك لا امتناع الذات، و ذلك لمّا تكلّمت على مذهبهم (ع) بالإجمال، إنّ ذاته تعالى ممتنع الإدراك، فاردت ان ابيّن معنى الامتناع و وجهه؛ و امّا بيان قصور المدركات فسوف اتعرّض لواحد واحد منها بالتفصيل.
لا يدرك الذّات بأيّ مدرك، لأيّ بشر، من حسّ، و وهم، عقل، أو قلب العارف الصفيّ الزّكيّ عند اهل الكشف؛ و ذلك، لا لقصور المدركات، نفسها فقط، بل لعلوّ ذاته تعالى و تقدّس عن مسّها؛ فانّه لا يمسّ و لا يجسّ و لا يحسّ و لا يدرك بشيء من المدركات، و لا يقع في اشارة و لا عبارة؛ كما تقدّم عن ابي الحسن الثالث (ع)؛ و قال امير المؤمنين (ع):
«و فات لعلوّه على الأشياء مواقع رجم المتوهّمين»(1). علوّ ذاته اقتضى حجابه
1) . البحار 4: 275/ 16.
لأنّها مخلوقة فما لها***في رتبة الخالق أن تنالها
و قد تعالى ذاته عن كلّ حدّو*** الشّيء لم يحط به ما لم يحدّ
و إذ بنوا على قصورها فقط***أتاهم الخطاء فدانوا بالغلط
فقيل: مرئيّ إذا حدّ البصر***في الحشر و النّبيّ رآه بالنّظر
عن مخلوقه، قال الصّادق (ع) في حديث المفضّل: «لا يليق بالّذي هو خالق كلّ شيء الّا أن يكون مباينا لكلّ شيء متعاليا عن كلّ شيء ...» (1)
و الخلق؛ أي المخلوقيّة أيضا، أكّد احتجابه، فهو تعالى محجوب عن خلقه بوجهين:
احدهما: مستند الى ذاته.
ثانيهما: مستند الى خلقه؛ و الثّاني، مؤكّد للأوّل لكفاية الأوّل في السّببية.
امّا الثاني: فذلك لأنّها؛ اي المدركات مخلوقة فما لها مجال في رتبة الخالق، لأنّ المخلوق حادث و الخالق قديم (2)، و المخلوق محدود و هو غير محدود، فليس لها أن تنالها؛ اي الذّات. و إنّما يعرف الشيء من كان في رتبته او فوق رتبته.
و امّا الأوّل: فلأنّه تعالى غير متناه و قد تعالى ذاته عن كلّ حدّ، فهو غير محدود و لا متناه، و الشّيء لم يحط به ما لم يحدّ و ما لم يتناه؛ و هذا معنى علوّ ذاته. قال الرّضا (ع):
«فالحجاب بينه و بين خلقه لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم، و لإمكان ذواتهم ممّا يمتنع منه ذاته، و لافتراق الصّانع و المصنوع، و الحادّ و المحدود» .(3)و قال (ع) أيضا:
«خلقة اللّه الخلق حجاب بينه و بينهم» .(4)
هذا عند اهل البيت (ع). و لكن غيرهم إذ بنوا امر الامتناع على قصورها؛ اي المدركات فقط أتاهم الخطاء، فدانوا بالغلط و الباطل، لأنّ القصور عندهم قابل الزوال.
فقيل: مرئيّ ذاته تعالى إذا حدّ البصر، و ذلك في الحشر و اوّلوا عليه قوله3.
و قيل: بل يدرك بالعقل القويّ***و قيل: بل ذاك بقلب ولويّ
ما قدروا الإله حقّ قدره***كلّ تعدّى عن حدود طوره
و لو حصرنا الوجه في قصورها***ليس لهم دعوى كمال نورها
فالمدركات قاصرات الذّات***لا تنجلي عنها القصور الذّاتي
تعالى: (فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ... ).(1)قالوا: و النّبيّ (ص) أيضا رآه بالنّظر ليلة المعراج، لأنّه كشف عنه، فصار بصره حديدا.
و قيل: بل يدرك بالعقل القويّ الفلسفي المتألّه.
و قيل: بل ذاك؛ اي الادراك بقلب ولويّ؛ اي قلب صاحب الولاية، و المراد به عند اهل الكشف، العارف الشامخ الواصل؛ فإنّهم يدّعون للواصلين بزعمهم مقام الولاية.
و لكن كلّهم تكلّموا على حسبانهم،( إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )(2)و( إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ )(3)ما قدروا الإله حقّ قدره. كلّ تعدّى عن حدود طوره، حيث ارادوا الشموخ بانفسهم في ادّعاء العلم و المعرفة او الوصول الى ما ليس من طورهم و حدّهم،- اعاذنا اللّه من شرور انفسنا.
ثمّ إنّ هؤلاء، قد أخطئوا من وجهين (كما تقدّمت الاشارة إليه في صدر المبحث):
أحدهما: قصر المانع في قصور المدركات.
و ثانيهما: تخصيص القصور بالعوارض لا بالذّات. و لذلك، قالوا بإمكان زوالها.
و قد اشرت الى منع الثاني و بطلانه بقولي:
و لو حصرنا الوجه؛ اي وجه الامتناع في قصورها فقط و لم نقل بامتناع الذّات عن الإدراك اصلا، ليس لهم أيضا دعوى كمال نورها؛ اي المدركات بسبب من الأسباب، فالمدركات قاصرات الذّات لما تقدّم أنّها مخلوقة، و محدودة، و متناهية، لا تنجلي عنها، هذا القصور الذّاتي ابدا؛ اذ لا تخرج عن المخلوقيّة و المحدوديّة و التّناهي ابدا. فافهم!..
من ذاك قد نهوا عن التعمّق***في الذّات بعد العلم و التحقّق
و البحث عنه عندهم موضوع***عنّا، لأنّ دركه ممنوع
بل مدحوا ترك التعمّق لنا***لو اعترفنا عجزنا و جهلنا
و هذا الإقرار رسوخ عندهم***في العلم باللّه فيكفى و يتمّ
و قد نهوا أيضا عن التّكلّم***إذ قد يقال فيه ما لم يعلم
و إذ تمّ تقرير مذهب اهل البيت (ع) في ذاته تعالى الإجمال: من أنّه لا يعرف و لا يوصف و لا يدرك لا علما و لا كشفا، فلنذكر الآن ما يستفاد منه ذلك من اخبارهم في طيّ فصول.
قد ورد النّهي الأكيد منهم (ع) عن الخوض و التّعمق و التّكلم و التّفكر في ذاته تعالى، و أنّ البحث عنه موضوع، بل ورد النّهي عن المجالسة مع الخائضين من ذاك؛ اي من اجل أنّ الذّات عندهم (ع) ممتنع الإدراك. قد نهوا عن التعمّق في الذّات بعد العلم به و التّحقّق؛ اي بعد تحقّق ثبوته بالدليل، فعن علي بن الحسين (ع) أنّه قال: «إنّ اللّه تعالى علم أنّه يكون في آخر الزّمان اقوام متعمّقون، فانزل اللّه:( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ )و الآيات من سورة الحديد الى قوله: «عليم بذات الصدور فمن رام وراء ذلك. فقد هلك».(1)
و البحث عنه؛ اي عن الذّات عندهم، موضوع عنّا، لأنّ دركه لنا ممنوع. فعن سهل، أنّه كتب الى ابي محمّد (ع): اختلف يا سيّدي اصحابنا في التّوحيد، منهم من يقول: هو جسم، و منهم من يقول: هو صورة!
فوقّع (ع) بخطّه: سألت عن التّوحيد و هذا عنكم معزول، اللّه تعالى واحد، احد، صمد، لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا احد ... (2).
بل مدحوا ترك التعمّق لنا لو اعترفنا عجزنا و جهلنا، و هذا الإقرار الإجمالي، رسوخ عندهم في العلم باللّه، فيكفى و يتمّ، فعن امير المؤمنين (ع) أنّه قال:
«و اعلم يا عبد اللّه! إنّ الراسخين في العلم، هم الّذين اغناهم اللّه عن الاقتحام على السّدد المضروبة دون الغيوب، اقرارا بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنّا به كلّ من عند ربّنا، و قد مدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، و سمّى تركهم التعمق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه «رسوخا».» (1)
و قد نهوا أيضا عن التكلّم في ذاته تعالى، إذ قد يقال فيه ما لم يعلم فساده؛ فعن ابي جعفر (ع) أنّه قال: «تكلّموا في خلق اللّه، و لا تتكلّموا في اللّه؛ فإنّ الكلام في اللّه لا يزداد صاحبه إلّا تحيّرا.» و في رواية أخرى عن حريز: «تكلّموا في كلّ شيء و لا تتكلّموا في ذات اللّه.» (2)و عنه (ع) أيضا أنّه قال لأبي عبيدة الحذاء:
«يا زياد! ايّاك و الخصومات! فإنّها تورث الشكّ و تحبط العمل و تردي صاحبها، و عسى ان يتكلّم الرجل بالشيء لا يغفر له؛ يا زياد! إنّه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما كلّفوا به، و طلبوا علم ما كفوه، حتّى انتهى بهم الكلام الى اللّه- عزّ و جلّ- فتحيّروا، فان كان الرجل ليدعى من بين يديه فيجيب من خلفه و يدعى من خلفه فيجيب من بين يديه.»
و في الكافي بعد ذلك في رواية أخرى: «حتّى تاهوا في الأرض.» (3)
و عنه (ع) أيضا قال: «تكلّموا فيما دون العرش و لا تكلّموا فيما فوق العرش، فإنّ قوما تكلّموا في اللّه فتاهوا.» (4)و عنه (ع) أيضا، أنّه قال لمحمّد بن مسلم: «يا محمّد! إنّ الناس، لا يزال لهم المنطق حتّى يتكلّموا في اللّه، فاذا سمعتم ذلك، فقولوا: لا إله الّا اللّه الواحد الّذي ليس كمثله شيء.» (5)5.
و من تعاطى ما هناك يهلك***إذ انتهى به الكلام فامسكوا
و عندهم (ع) إنّ من تعاطى ما هناك يهلك، و أيضا إذ انتهى به الكلام فامسكوا (1)، فعن الصادق (ع)، قال:
«اذا انتهى الكلام الى اللّه فأمسكوا و تكلّموا فيما دون العرش، و لا تكلّموا فيما فوق العرش؛ فإنّ قوما تكلّموا فيما فوق العرش، فتاهت عقولهم، حتّى كان الرجل ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه و ينادى من خلفه فيجيب من بين يديه.» (2)
و عنه (ع) أيضا، أنّه قال: «في قوله تعالى: وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى «النجم 53: 42» فاذا انتهى الكلام الى اللّه فامسكوا.» (3)و عنه (ع) أيضا: «من نظر في اللّه كيف هو هلك.» (4)و قد سأله (ع) عبد الرحيم القصير عن شيء من الصفة، فرفع يديه الى السّماء، ثمّ قال: «تعالى الجبّار إنّه من تعاطى ما ثمّ هلك.»(5)و قد مرّ قول عليّ بن الحسين (ع):
«فمن رام وراء ذلك فقد هلك.» (6)و عنه (ع) في حديث المفضّل: «فإن قالوا:
فكيف يكلّف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف و لا يحيط به؟ قيل لهم: إنّما كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم ان يبلغوه و هو ان يوقنوا به و يقفوا عند امره و نهيه، و لم يكلّفوا الإحاطة بصفته؛ كما أنّ الملك لا يكلّف رعيّته ان يعلموا أنّه طويل هو أم قصير، ابيض هو أم اسود، إنّما يكلّفهم الإذعان بسلطانه و الانتهاء الى امره، الا ترى لو أنّ رجلا اتى باب الملك، فقال:
اعرض عليّ نفسك حتّى اتقصّى معرفتك و إلّا لم اسمع لك، كان قد احلّ نفسه للعقوبة، فكذا القائل؛ إنّه لا يقرّ بالخالق سبحانه حتّى يحيط بكنهه متعرّض لسخطه» .(7)1.
و قد نهوا أيضا عن التفكر***لأنّه يزيد في التحيّر
و الخوض فيه و الجلوس عند من***يخوض فيه أنكروه فاعلمن
فلا تجالس خائضا في ضيره***حتّى يخوضوا في حديث غيره
و ما أتى منهم من التفكّر***في اللّه ذو تأوّل فليبصر
و قد نهوا أيضا عن التفكر، لأنّه يزيد في التحيّر، قال الصادق (ع): «ايّاكم و التفكّر في اللّه لا يزيد إلّا تيها، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا تدركه الأبصار و لا يوصف بمقدار» .(1)
و عن امير المؤمنين (ع): «اتّقوا ان تمثّلوا بالرّب الّذي لا مثل له، او تشبّهوه بخلقه، او تلقوا عليه الاوهام، او تعملوا فيه الفكر» .(2)
و في تفسير البرهان عن ابن عبّاس: «إنّ قوما تفكّروا في اللّه تعالى، فقال النّبي (ص): تفكّروا في خلق اللّه و لا تفكّروا في اللّه، فإنّكم لم تقدروا قدره».
و خرج (ص) ذات يوم على قوم و هم يتفكّرون، فقال: «ما لكم لا تتكلّمون؟ فقالوا:
نتفكّر في خلق اللّه، فقال (ص): و كذلك فافعلوا و تفكّروا في خلقه و لا تتفكّروا فيه».
و عن الباقر (ع): «ايّاكم و التفكر في اللّه! و لكن اذا اردتم ان تنظروا الى عظمته، فانظروا الى عظمة خلقه» .(3)
و الخوض فيه، و الجلوس عند من يخوض فيه، أنكروه أيضا و نهوا عنه، فاعلمن ذلك، فلا تجالس خائضا في ضيره؛ فإنّ المتكلّم في ذات اللّه، خائض فيما يضرّه و فيما فيه هلاكه، حتّى يخوضوا في حديث غيره. فعن ابي جعفر (ع) في قوله تعالى: وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ. (انعام 6: 68)، قال (ع): «الكلام في اللّه، و الجدال في القرآن فاعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره، قال (ع): منهم القصّاص» .(4)
و امّا ما أتى منهم بعد ذلك من تجويز التفكّر في اللّه، فهو ذو تأوّل فليبصر، ففي السرائر عن السيّاري، قال: سمعت الرضا (ع) يقول: «ليس العبادة كثرة الصوم و الصلاة، إنّما العبادة في التفكّر في اللّه»(5). و السيّاري، اسمه ابو عبد اللّه، و هو ضعيف، و مع ضعفه فما رواه مخالف لما في الكافي عن معمّر بن خلّاد، قال: سمعت أبا
من ذاك أيضا عندهم لا يوصف***و أنكروا على الّذين استوصفوا
و هو أجلّ عندهم من الصفة*و عدّ جاهلا به من وصفه
و ملحدا إذ حدّه و قارنه***فحطّه عن شانه و باينه
الحسن الرضا (ع): يقول: «ليس العبادة كثرة الصلاة و الصوم، إنّما العبادة، التفكّر في امر اللّه»(1). فيحتمل في حقّه النسيان أو الغفلة في السماع، او هو محمول على ما في الكافي. و حينئذ، فالمراد بامر اللّه، اما امره و تكليفه أو فعله و خلقه.
و في الكافي أيضا عن ابي عبد اللّه (ع). قال (ع): «افضل العبادة ادمان التفكّر في اللّه و في قدرته» . فقوله (ع) في قدرته، امّا ان يكون عطفا توضيحيّا لقوله «في اللّه»(2)او أنّ المراد ب «التفكّر في اللّه»، التفكّر في امر اللّه؛ كالحديث السابق باحد معنييه؛ و الثاني هنا اظهر، بقرينة القدرة، و لا يمكن بمثل هذه الرواية رفع اليد عن تلك النّواهي المؤكّدة المشدّدة.
قد وردت عنهم (ع) اخبار بأنّه لا يوصف، و أنّه لا يجوز توصيفه و أنّه لا يمكن توصيفه. و المراد بالتوصيف، أن يقال: ما هو في ذاته؟ و ايّ شيء هو في جوهره؟
و كيف هو في صورته و كيفيّته؟ و ما هو حدّه و بعضه؟
و قد وردت أيضا اخبار أخر، بأنّه لا يوصف و لا يجوز توصيفه إلّا بما وصف به نفسه، و يراد به توصيفه في ذاته وصفته، إمّا بخلاف ما وصف نفسه به في كتابه، او على لسان اهل وحيه، او بما لم يصف هو به، و لم يذكره من اوصافه، فيكون معناه توقيف التوصيف ببيانه.
فهي الّتي اشرت إليها أوّلا بقولي: من ذاك أيضا؛ اي من اجل أنّ الذات لا يدرك، كان اللّه تعالى عندهم لا يوصف؛ و أنكروا انكارا شديدا على الّذين
استوصفوا ربهم.
فعن فضيل عن الصادق (ع): «قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ لا يوصف ...» (1). و عن محمّد بن عليّ القاشاني، قال: كتبت إليه (ع): إنّ من قبلنا قد اختلفوا في التوحيد. فكتب (ع):
«سبحان من لا يحدّ و لا يوصف، و لا يشبهه شيء، و ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير»(2).
و هو أجلّ عندهم من الصفة؛ اي من ان يوصف أو يبلغ وصفه، قال عليّ بن الحسين (ع): «لا يوصف اللّه بمحكم وحيه، عظم ربّنا عن الصفة، و كيف يوصف من لا يحدّ و هو يدرك الابصار و لا تدركه الأبصار و هو اللطيف الخبير؟» (3). قوله (ع): «بمحكم وحيه»: اي بمقتضى محكم وحيه من قوله: «لا تدركه الأبصار»، و قوله: «ليس كمثله شيء».
و عن موسى بن جعفر (ع)، و قد ذكر عنده قوم زعموا أن اللّه تبارك و تعالى ينزل الى السّماء الدنيا، فقال (ع): «فإنّ اللّه عزّ و جلّ عن صفة الواصفين و نعت الناعتين و توهم المتوهمين»(4).
و عندهم (ع) عدّ جاهلا به تعالى من وصفه، و عدّ ملحدا أيضا إذ حدّه و قارنه بغيره؛ إذ التوصيف يستلزم التحديد و المقارنة مع الوصف، فحطّه إذن عن شانه، و علوّ جلاله و مكانه بسبب التحديد و الاقتران، و باينه و فارقه، اذ الذي وصفه، غير ربّه.
قال الرضا (ع): «فقد جهل اللّه من استوصفه»(5). و قال (ع): «و من جزّأه فقد وصفه، و من وصفه فقد ألحد فيه»(6).و قال (ع) أيضا: «الممتنع من الصفات، ذاته و من الأبصار، رؤيته و من الاوهام، الإحاطة به؛ فمن وصف اللّه فقد حدّ، و من حدّه فقد عدّه، و من عدّه فقد ابطل ازله؛ و كذلك يوصف ربّنا و هو فوق ما يصفه الواصفون» .(7)
و قال امير المؤمنين (ع): «فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه، و من جزّأه، فقد جهله» .(8)5.
و إنّه لفوق وصف الواصف***فلم يحط وصف به و لا يفي
لا يقدر العباد وصف ذاته***و لا بلوغ الكنه من صفاته
قد عجزت عن دركه الأدات***و كلّ دون وصفه اللغات
و إنّه لفوق وصف الواصف؛ كما مرّ في حديث الرضا (ع)، فلم يحط وصف به، و لا يفي بما هو شأنه، قال الرضا (ع): «فلا دهر يخلقه و لا وصف يحيط به»(1). و قال (ع) أيضا: «الّذي لا تدركه ابصار الناظرين، و لا تحيط به صفة الواصفين» (2).
و عندهم (ع) أيضا لا يقدر العباد وصف ذاته، و لا بلوغ الكنه من صفاته، فعن المفضّل عن الصادق (ع): «أنّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يقدر قدرته، و لا يقدر العباد على صفة، و لا يبلغون كنه علمه و لا مبلغ عظمته، و ليس شيء غيره».(3)
أقول: أي ليس شيء آخر معه غير ذاته.
قد عجزت عن دركه الأدات: أي ادات (4)
بلى، قال (ع): «فتعرفون الأبصار؟» قلت: بلى، قال: «و ما هي؟» قلت: ابصار العيون، فقال (ع): «إنّ اوهام القلوب اكثر من ابصار العيون، فهو لا تدركه الاوهام و هو يدرك الاوهام». و سيأتي مع غيره في الرؤية.
الإدراك؛ كما سيأتي ذكر واحد، واحد، بالتفصيل، و كلّ دون وصفه اللغات و الالسن.قال امير المؤمنين (ع): «فليست له صفة تنال، و لا حدّ يضرب فيه الأمثال، كلّ دون صفاته تحبير اللّغات، و ضلّ هنالك تصاريف الصفات، سبحانه هو كما وصف نفسه، و الواصفون لا يبلغون نعته»(5). و قال (ع) أيضا: «لا يحويه مكان و لا يصفه لسان» .(6)
و عن الصادق (ع): «و لا يقع عليه الأوهام، و لا تصفه الألسن» .(7)6.
1) . المصدر 4: 222/ 2.
2) . المصدر 4: 262/ 10.
3) . المصدر 3: 306/ 44.
4) . و من الأدات، الوهم، عن أبي هاشم الجعفرى عن الرضا (ع)، عن اللّه- عزّ و جلّ- هل يوصف؟ فقال: «أ ما تقرأ القرآن؟» قلت: بلى، قال: «أ ما تقرأ قوله- عزّ و جلّ-: تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ... (انعام 6: 103)؟ قلت:
5) . البحار 4: 269/ 15.
6) . المصدر 4: 312/ 39.
7) . المصدر 3: 298/ 26.
و كيف يوصف الّذي لا حدّ له***و لا له كيف و لا من ماثله
و كلّ موصوف فمصنوع يحدّ***و صانع الأشياء لا يوصف بحدّ
ليس بذاته سواه عالما***فكيف يوصف الّذي لن يعلما
ممتنع من الصفات ذاته***و من إحاطة به صفاته
و إنّما يدرك بالصّفاتذو الانقضاء و ذوو الهيئات و كيف يوصف الّذي لا حدّ له، و لا له كيف و لا يوجد من ماثله؟ و الشيء إذا يوصف، فإنّما يوصف بحدّه أو كيفه أو مثله، و كلّ موصوف، فمصنوع عندهم و يحدّ، و صانع الأشياء لا يوصف بحدّ، قال الصادق (ع): «و كلّ موصوف، مصنوع، و صانع الأشياء، غير موصوف بحدّ» (1). و عن امير المؤمنين (ع): «الّذي سئلت الأنبياء عنه، فلم تصفه بحدّ و لا ببعض، بل وصفته بافعاله و دلّت عليه بآياته» .(2)
و عندهم (ع) إنّه ليس بذاته سواه عالما، فكيف يوصف الّذي لن يعلما، قال امير المؤمنين (ع): «و انحسرت الأبصار عن ان تناله، فيكون بالعيان موصوفا، و بالذّات التي لا يعلمها إلّا هو عند خلقه معروفا» (3). و قال الصادق (ع) في ردّ قول هشام بن الحكم (4)، (حيث قال: جسم نوري معرفته ضرورة يمنّ بها على من يشاء من خلقه):
«سبحان من لا يعلم كيف هو إلّا هو، ليس كمثله شيء» .(5)
و هو تعالى عندهم، ممتنع من الصفات ذاته، و من إحاطة به صفاته؛ كما عرفت في حديثي الرضا (ع)؛ اذ ليست هناك ذات و صفة، بل ليست إلّا ذاته؛ و التوصيف لا يخلو عن اقتران بالوصف و احاطة بالموصوف، فكيف يمكن توصيف ما يمتنع عنها؟ و إنّما يدرك بالصّفات ذو الانقضاء، الّذي له امد و انقضاء و ذوو الهيئات، قال امير المؤمنين (ع): «و إنّما يدرك بالصفات ذوو الهيئات و الأدوات، و من ينقضي اذا بلغ امد حدّه بالفناء» .(6)
اقول: و هذا من استلزام الوصف التحديد، و ما لا يحدّ، لا يوصف، و القديم0.
ليس إلها من بنفسه عرف***ما لم نكن نعرفه كيف نصف
و من يصف بالرّأي و القياس***إلهه ما زال في التباس
و كان مائلا عن المنهاج***و ظاعنا سبيل الاعوجاج
فقل لمن تكلّف السّبيلا***إن كنت صادقا فصف جبريلا
فاليق الوصف إلى جنابه***ما وصف الخالق في كتابه
الّذي لا بدء له، و الأبدى الّذي لا آخر له، غير محدود، في الأوّل و الآخر، فكيف يمكن توصيفه ما لم يتناه الوصف حدّه؟ او كيف يمكن ادراكه ما لم ينته الادراك الى غايته؟ فقوله (ع): «و من ينقضي»، اشارة الى جهة المحدوديّة في الآخر، الّتي تشترط في الادراك، و اشار الى الاوّل في حديث آخر: «لم ترك العيون فتخبر عنك، بل كنت قبل الواصفين من خلقك» .(1)
و عندهم (ع) ليس إلها من بنفسه عرف؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «ليس بإله من عرف بنفسه»(2)، ما لم نكن نعرفه، كيف نصف؟
فعلى هذا التحقيق المشروح بيانه، لا يبقى لامكان التوصيف مجال؛ فمن وصفه بشيء، لم يكن إلّا عن و هم و قياس؛ كما قلت: و من يصف بالرّأي و القياس إلهة، ما زال في التباس و تحير من امره؛ و كان مائلا عن المنهاج؛ اي الطريق القويم و الصراط المستقيم، و طاعنا سبيل الاعوجاج.
و قال الرضا (ع) لمن قال له: يا ابن رسول اللّه! صف لنا ربّك، فإنّ من قبلنا قد اختلفوا علينا، قال (ع): «من يصف ربّه بالقياس، لا يزال الدهر في الالتباس، مائلا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، ضالّا عن السبيل، قائلا غير الجميل» .(3)
و عن الحسين (ع): «من وضع دينه على القياس، لم يزل الدهر في الارتماس، مائلا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، ضالّا عن السبيل، قائلا غير الجميل» .(4)
و على هذا، لا يكون الواصف إلّا متكلّفا، فقل لمن تكلّف السّبيلا إلى وصف ربّه: إن كنت صادقا فصف جبريلا؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «بل ان كنت صادقا أيّها5.
المتكلّف لوصف ربّك، فصف جبريل و جنود الملائكة المقرّبين في حجزات (1)القدس مرجحنّين، متولّهة عقولهم ان يحدّوا احسن الخالقين، و إنّما يدرك بالصّفات ذوو الهيئات ...» (2). الى آخر ما تقدّم.
فقد اشرت الى مفادها بقولي: فاليق الوصف إلى جنابه (بعد ما تبيّن من لزوم الفساد في الاستبداد بالتوصيف)، ما وصف الخالق به نفسه في كتابه؛ لأنّه اعرف بنفسه أو على لسان اهل وحيه، لأنّهم اعرف به من غيرهم، و لأنّ اللّه تعالى إنّما بعثهم ليكونوا هداة لخلقه و ادلّاء على صراطه؛ كما عن الصادق (ع)، قال:
«خطب رسول اللّه (ص): ... و بعث إليهم الرسل لتكون له الحجّة البالغة على خلقه، و يكون رسله إليهم شهداء عليهم، و انبعث فيهم النّبيّين مبشّرين و منذرين، ليهلك من هلك عن بيّنة، و يحيى من حيّى عن بيّنه، و ليعقل العباد عن ربّهم ما جهلوه، فيعرفوه بربوبيّته بعد ما انكروا، و يوحّدوه بألوهيّته بعد ما عندوا» .(3)
فعن محمّد بن هشام، أنّه كتب الى موسى بن جعفر (ع) و سأله ان يعلّمهم، ما القول الّذي ينبغي أن يدين اللّه به من صفة الجبّار؟
فاجابه (ع) (في عرض كتابه): «فهمت- رحمك اللّه- و اعلم:- رحمك اللّه- أنّ اللّه اجلّ و أعلى و اعظم من ان يبلغ كنه صفته، فصفوه بما وصف به نفسه و كفّوا عمّا سوى ذلك» .(4)
و عن رسول اللّه (ص) في جواب نعثل اليهودى، حيث قال: يا محمّد (ص)! صف لي ربّك،
فقال (ص): «إنّ الخالق لا يوصف إلّا بما وصف به نفسه، و كيف
يوصف الخالق الّذي يعجز الحواس أن تدركه، و الأوهام أن تناله، و الخطرات ان تحدّه، و الأبصار عن الاحاطة به؟ جلّ عمّا يصفه الواصفون؛ فهو الأحد، الصمد، كما وصف نفسه، و الواصفون لا يبلغون نعته ...» .(1)
علل (ص) امتناع التوصيف، بامتناع الادراك، لقصور آلاته و عجزها عنه.
و نظيره عن ابي الحسن الثالث (ع) أيضا.
و قال الرضا (ع) في الحديث المتقدّم بعد قوله (قائلا غير الجميل): «اعرفه بما عرف به نفسه من غير رؤية، واصفه بما وصف به نفسه من غير صورة، لا يدرك بالحواسّ، و لا يقاس بالنّاس» (2). و كذلك قال الحسين (ع) بعد قوله. «غير الجميل»، يا ابن الأزرق! اصف إلهى بما وصف به نفسه، و اعرفه بما عرف به نفسه، لا يدرك بالحواسّ و لا يقاس بالناس ...» .(3)
و قد سئل امير المؤمنين(4)بم عرفت ربّك؟ قال (ع): «بما عرّفني نفسه لا يشبه صورة و لا يقاس بالنّاس ...» .(5)
و قال الرضا (ع): «سبحانك ما عرفوك، و لا وحدوك؛ فمن اجل ذلك و صفوك، سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك، سبحانك كيف طاوعتهم انفسهم ان شبّهوك بغيرك؟ إلهى! اصفك بما وصفت به نفسك، و لا اشبهك بخلقك، انت اهل لكلّ خير، فلا تجعلني من القوم الظالمين؛ ثمّ التفت (ع) الى اصحابه فقال: ما توهّمتم من شيء فتوهّموا اللّه غيره» .(6)
و قال الصادق (ع): «و من عبد المعنى بايقاع الاسماء عليه بصفاته الّتي يصف8.
1) . البحار 3: 303/ 40.
2) . المصدر 3: 297/ 23.
3) . المصدر 4: 297/ 24.
4) . السؤال بلفظ «بم» قد يكون سؤالا عن الدليل، و المعنى: بايّ دليل و ايّ وجه عرفت ربّك؟ و قد يكون سؤالا عن الوصف و المعنى: بايّ وصف عرفت ربّك، و المراد به هنا الثاني، بقرينة الجواب، و قد تقدّم الاوّل في بحث الاثبات.
5) . البحار 4: 303/ 32.
6) . المصدر 4: 40/ 18.
به الصفات و كذا المعارف***تعرف لا بها الإله يعرف
فلا تجز ما جاء في القرآن***إذ أعظم الفرية و البهتان
أن يوصف اللّه خلاف ما وصف***فيعرف اللّه بغير ما اتّصف
بها نفسه، فعقد عليه قلبه؛ و نطق به لسانه في سرّ امره و علانيته فاولئك اصحاب امير المؤمنين» (1). و في حديث آخر: «اولئك هم المؤمنون حقّا» .(2)
و نحن اذا راجعنا عقولنا، ظهر لنا أنّ الحقّ في مقام التوصيف و المعرفة، ان لا نصفه إلّا بما وصفه هو نفسه، و لا نعرفه إلّا بما عرّفنا هو نفسه؛ و أنّ الذي نصفه من عند انفسنا أو نعرفه كذلك، ليست صفة له حقيقة، و لا معرفته بها معرفة له حقيقة، و إليه اشرت بقولي:
به الصفات و كذا المعارف تعرف لا بها الإله يعرف، قال الحسين (ع): «به توصف الصفات لا بها يوصف، و به تعرف المعارف لا بها يعرف» (3). فلا تجز و لا تتجاوز ما جاء في القرآن، فعن الفضل بن يحيى، سئل موسى بن جعفر (ع) عن شيء من الصفة، فقال (ع): «لا تجاوز عمّا في القرآن»(4). و عن فقه الرضا (ع): اروى عن العالم (ع)، و سألته عن شيء من الصفة، فقال (ع): «لا تتجاوز ممّا في القرآن» .(5)
و الوجه فيه: أنّ التجاوز يؤدّي إلى الافتراء على اللّه، إذ أعظم الفرية و البهتان، أن يوصف اللّه خلاف ما وصف به نفسه، فيعرف اللّه بغير ما اتّصف به من الصفات، قال ذو الرئاستين، قلت لأبي الحسن الرضا (ع): جعلت فداك! اخبرني عمّا اختلف فيه النّاس من الرؤية، فقال: بعضهم لا يرى، فقال (ع): «يا أبا العباس! من وصف اللّه بخلاف ما وصف به نفسه، فقد اعظم الفرية على اللّه، قال اللّه: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ...(6)(انعام 6: 103).1.
فمن تأبّى و تعدّى ما سلك***فى وصفه كتابه (1)فقد هلك
فمن تأبّى و تعدّى ما سلك في وصفه تعالى كتابه فقد هلك عامدا أو من حيث لا يعلم، فعن ابن ابي عمير عن موسى بن جعفر (ع). قال له: يا ابن رسول اللّه! علّمني التوحيد، فقال (ع): يا أبا احمد! لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره اللّه في كتابه فتهلك ...».(2)
و كتب الصادق (ع) الى عبد الملك بن اعين (جوابا عمّا سأله عبد الرحيم القصير):
«سألت- رحمك اللّه- عن التوحيد و ما ذهب فيه من قبلك، فتعالى اللّه الّذي ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير، تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون المشبّهون، اللّه تبارك و تعالى بخلقه، المفترون على اللّه؛ و اعلم- رحمك اللّه-: أنّ المذهب الصحيح في التوحيد، ما نزل به القرآن من صفات، فانف عن اللّه البطلان و التشبيه، فلا نفي و لا تشبيه؛ هو اللّه الثابت الموجود، تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون، و لا تعد القرآن فتضلّ بعد البيان» .(3)
و عن امير المؤمنين (ع) في جواب من قال له: صف لنا ربّك لنزداد له به معرفة، قال (ع):
«فما دلّك القرآن عليه من صفة، فاتّبعه ليوصل بينك و بين معرفته، و ائتمّ به و استضئ بنور هدايته، فإنّما هي نعمة و حكمة اوتيتها، فخذ ما اوتيت و كن من الشاكرين؛ و ما دلّك الشيطان عليه، ممّا ليس في القرآن عليك فرضه، و لا في سنّة الرسول و ائمّة الهدى اثره، فكل علمه الى اللّه- عزّ و جلّ-، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك.
و اعلم: أنّ الراسخين في العلم، هم الّذين اغناهم اللّه عن الاقتحام في السّدد المضروبة دون الغيوب، فلزموا الإقرار2.
و عند أهل البيت أنّ المعرفة***ليست بالاكتساب، من دون الصفة
إذ ليس مدركا فكيف يعرف؟***و كيف يعرف الّذي لا يوصف؟
و حيث لا أداة تبلغ المدى***كان على اللّه البيان و الهدى
ما كلّف العباد إلّا وسعهم***و ليس درك الوصف منه صنعهم
بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنّا به كلّ من عند ربّنا، فمدح اللّه- عزّ و جلّ- اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، و سمّى تركهم التعمق فيما لم يكلّفهم البحث عنه (عن كنهه خ) «رسوخا»، فاقتصر على ذلك و لا تقدر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك، فتكون من الهالكين .(1)
هذا برواية التوحيد عن الصادق (ع) عنه (ع)، و برواية العياشي عنه، عنه- عليهما السلام- أيضا مثله، مع اختلاف يسير.
هذان البابان؛ اعني حصر الوصف في التوصيف و حصر المعرفة بالبيان، متلازمان؛ و الملازمة ظاهرة من غير بيان.
و عند أهل البيت (ع) أنّ المعرفة (و المراد بها المعرفة التفصيليّة الّتي هي محلّ الكلام و هي العلم بالصفات الحقّة)، ليست بالاكتساب، من طريق العقل أو الكشف من دون الصفة، اي بدون التوصيف و البيان من اللّه، فلا تحصل بغيره؛ و هذا الّذي بنوا (ع) عليه امرهم واضح بعد عدم كونه تعالى مدركا، و لا موصوفا؛ كما قلت:
إذ ليس مدركا فكيف يعرف من غير بيان؟ و كيف يعرف الّذي لا يوصف من غير توصيف؟ و قد تقدّم عن الحسين (ع) قوله: «و به تعرف المعارف، لا بها يعرف» .(2)
و أيضا لمّا بيّنا أنّ اداة الادراك قاصرة عن دركه، و أنّه تعالى لا يكلّف نفسا إلّا وسعها، و المعرفة مع ذلك، مأمور بها، فلا يبقى إلّا ان تكون بالبيان، فتكون توقيفيّة؛ كما قلت:
و حيث لا أداة لنا تبلغ المدى؛ اي الغاية في وصفه لقصورها عنه، كان على اللّه
البيان و الهدى؛ كما قال تعالى:( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى )(1)، لأنّه تعالى ما كلّف العباد إلّا وسعهم، و ليس درك الوصف منه صنعهم؛ اي عملهم و في وسعهم.
فعن عبد الأعلى، قال: قلت لابي عبد اللّه (ع): هل جعل في الناس اداة ينالون بها المعرفة؟ قال: «لا، إنّ على اللّه البيان، لا يكلّف اللّه العباد إلّا وسعها، و لا يكلّف اللّه نفسا إلّا ما آتيها»(2). و عنه أيضا، عنه (ع)، قال: «لم يكلّف اللّه العباد المعرفة و لم يجعل لهم إليها سبيلا» .(3)
و ممّا يشمل المعرفة أيضا بعمومه، ما عن الباقر (ع): «ليس على الناس ان يعلموا حتّى يكون اللّه هو المعلّم لهم، فاذا اعلمهم، فعليهم ان يعلموا» .(4)
و عن الصادق (ع): «إنّما احتجّ اللّه على العباد بما آتيهم و عرّفهم»(5). و يمكن ان يكون من هذا الباب، قول امير المؤمنين (ع): «اعرفوا اللّه باللّه ...» (6). اي، اعرفوا اللّه ببيان اللّه، و اعرفوا وصفه بتوصيفه، و منه أيضا قوله (ع): «هو الدال بالدليل عليه، و المؤدّي بالمعرفة إليه» .(7)
ثمّ اعلم: أنّ هنا باب آخر، يعبّر عنه أيضا، بأنّ المعرفة باللّه، لا بالاكتساب؛ و له اخبار كثيرة، اكثر من هذا الباب، لكن يراد بالمعرفة هناك مرتبة حصولها في القلب، المرادف للإذعان و الاطمئنان؛ فإنّه أيضا عند اهل البيت (ع) باللّه؛ اي بتوفيقه و بتسديده و تحبيبه و شرح صدره، لا بالبيان و لا بالاكتساب. و ذلك واضح عند اولي الألباب، و إلّا فالنبيّ (ص) حريص عليهم بالمؤمنين رؤف رحيم، و البيان عامّ، فما الّذي فرق في تأثير الإيمان في قلوب بعض، غير ما اثر في الآخرين.
و المراد بالمعرفة هاهنا، نفس العلم بالمعارف الواقعيّة، و هذه المرتبة أيضا كما عرفت غير كسبيّة؛ و الفرق بين المرتبتين كالفرق بين الدواء و الشفاء؛ فانّهما معا من اللّه و باللّه، الّا إنّ شرب الدواء لا يلازم الشفاء، بل موقوفة بعناية اخرى. فافهم و اغتنم! فإنّ المحدّثين، لم يتفطّنوا الى أنّهما بابين، فجعلوهما بابا واحدا، فاشتبه الأمر على
لا يعرف اللّه بكنه المعرفة***لا كنه ذاته و لا كنه الصفة
فالذّات لا تكنه لا إشارة***إذ فيه تحديد، و لا عبارة
محقّقيهم كالعلّامة المجلسي (ره). فالتجأ الى تأويلات غير مغنية؛ و استدلّ بعض بالأخبار الثانية على الفطرة، الّتي ادّعاها حيث لم يتفطّن الى معناها، و لا بأس بذكر حديثين منها ليعلم منها البقيّة.
عن البزنطي، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (ع) في المعرفة، صنع؟ قال (ع):
«لا»، قلت لهم عليها ثواب؟ قال: «يتطوّل عليهم بالثواب كما يتطول عليهم بالمعرفة» (1). و عن الصادق (ع): «ستّة اشياء ليس للعباد فيها صنع: المعرفة، و الجهل، و الرضا، و الغضب، و النّوم، و اليقظة» .(2)
فلو حمل مثل هذه الأخبار على الفطرة لزم انحصار الطريق بها خاصّة، لأنّها تنفي مطلق الصنع للعباد من العقل و غيره.
سيأتي في الفصل الآتي بيانهم (ع) في حقّ المعرفة و حدّ القول فيه تعالى، و هو مؤكد لهذا الفصل؛ كما أنّ امتناع معرفته بالكنه، علّة مستلزمة لذلك التحديد.
لا يعرف اللّه بكنه المعرفة، لا كنه ذاته و لا كنه الصفة، فالذّات عندهم (ع) لا تكنه، لا إشارة، إذ فيه تحديد؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «و من اشار إليه فقد حدّه»(3)، و لا عبارة كما مرّ من حديث ابي الحسن الثالث (ع): «فهو بالموضع الّذي لا يتناهى، و بالمكان الّذي لم تقع عليه الناعتون، باشارة و لا عبارة هيهات هيهات!!» .(4)
و في حديث سهل، عنه (ع)، قال: «فانت الّذي لا تتناهى و لم تقع عليك عيون باشارة و لا عبارة، هيهات هيهات!!» (5). و عن الرضا (ع): «و لا صمد صمده من أشار
من يكتنهه لم يوحّد خالقه***أخطأه و لم يصب ما وافقه
و لا به صدّق من نهاه***بل هو شيء، وهمه سواه
و الاكتناه موجب أن ينكشف***بنفسه و لا إله من عرف
فلا ينال منه من تكلّفه***بجور الاعتساف كنه المعرفة
يأبى عن الأوهام أن تحقّقه***و يمنع الأفهام أن تستغرقه
قد ضلّ في إدراك كنهه الفكر***إذ جلّ أن يحدّه لبّ البشر
إليه» (1). و قال (ع) أيضا: «عجزت دونه العبارة، و كلّت دونه الابصار، و ضلّ فيه تصاريف الصفات» .(2)
من يكتنهه لم يوحّد خالقه؛ كما قال الرضا (ع): «و لا ايّاه و حدّ من اكتنهه» .(3)
أخطأه و لم يصب ما وافقه؛ كما قال (ع) أيضا: «و قد اخطأه من اكتنهه» (4). و لا به صدّق من نهّاه؛ اي بلغ بادراكه الى نهايته بزعمه؛ كما قال (ع) أيضا: «و لا به صدّق من نهّاه»(5).
بل هو شيء، وهمه سوّاه، لأنّه اذا اخطأه كان الذي اكتنهه امرا انشأه وهمه، و سيأتي في فصل المدركات، اخبار في أنّ كلّ ما يتوهّم فهو بخلافه، و الاكتناه موجب أن ينكشف، بنفسه و لا إله من عرف؛ كما تقدّم عن امير المؤمنين (ع): «ليس بإله من عرف بنفسه» .(6)
فلا ينال منه من تكلّفه بجور الاعتساف كنه المعرفة؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته»(5). يأبى عن الأوهام أن تحقّقه، و يمنع الأفهام أن تستغرقه؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «ممتنع عن الأوهام ان تكنهه، و عن الأفهام ان تستغرقه» (6). قد ضلّ في إدراك كنهه الفكر، إذ جلّ أن يحدّه لبّ البشر؛ كما قال (ع) أيضا: «و قد ضلّت في ادراك كنهه هواجس الاحلام، لأنّه اجلّ من ان تحدّه الباب البشر بالتّفكر» .(7)6.
لا تبلغ العقول منه غايته***قد يئس استنباطها إحاطته
و انحسرت عن كنهه أوصافه***إذ ليس كنه ذاته اتّصافه
من يأب الإقرار به ما لم يحط***بكنهه فقد تعرّض السّخط
و علم كنهه و كنه المعرفة***ممتنع للكلّ لا للضّعفة
لا تبلغ العقول منه غايته؛ كما قال (ع) أيضا: «و ردعت عظمته العقول، فلم تجد مساغا الى بلوغ غاية ملكوته»(1). قد يئس استنباطها؛ اي استنباط العقول إحاطته؛ اي يئست ان تحيط به بالاستنباط؛ كما قال (ع) أيضا: «قد يئست من استنباط الإحاطة به، طوامح العقول»(2). و كما لا يمكن ادراك كنه الذات و الإحاطة بها بنفس الذات، كذلك لا يمكن ادراكها من طريق الصفات، إذ الصفات حاسرة عن تحقيق الذات؛ كما اشرت إليه:
و انحسرت عن كنهه أوصافه، إذ ليس كنه ذاته اتّصافه؛ يعني أنّ الاتّصاف بالصفات، ليس كنه الذات و حقيقته، قال امير المؤمنين (ع): «الحمد للّه الّذي انحسرت الاوصاف عن كنه معرفته ...»(3). من يأب الإقرار به، ما لم يحط بكنهه، فقد تعرّض السّخط، قال الصادق (ع) (في حديث المفضّل المتقدّم في النّهي عن التفكّر):
الا ترى لو أنّ رجلا اتى باب الملك، فقال: اعرض عليّ نفسك حتّى اتقصى معرفتك و إلّا لم اسمع لك، كان قد احلّ نفسه للعقوبة، فكذا القائل أنّه لا يقرّ بالخالق سبحانه، حتّى يحيط بكنهه متعرّض لسخطه» .(4)
ثمّ إنّه لا يفرق في امتناع ادراك الكنه، بين الكامل و الناقص، و إليه اشرت بقولي:
و علم كنهه و كنه المعرفة، ممتنع للكلّ، لا للضّعفة خاصّة، فانّ ما ذكر من نصوصهم (ع) و تعليلاتهم لا يقبل التخصيص، و قد مرّ أنّ ذاته لا يعلمها إلّا هو، و قول الصادق (ع): «و هو من جهة كالغامض، لا يدركه احد ...» .(5)
و قال امير المؤمنين (ع): «و نضيت عن الإشارة إليه بالاكتناه يحاد العلوم» .(6)
و قال الصادق (ع) في حديث المفضّل (بعد بيانه: «إنّ الّذي يطلب من الأشياء أربعة2.
قد حسرت نوافذ الأبصار***عن كنهه كثاقب الأفكار
و الراسخون رسخوا في حجزهم***عن كنهه فاعترفوا بعجزهم
و لم تحط بكنهه الملائكة***مع قربهم و ما بهم من مدركة
بل كنهه التفريق عند البررة***ما بينه و بين ما قد فطره
فالاكتناه كاف أن تعيّنه***شيئا معيّنا و إن لم يكتنه
كأن تراه جسما أو وجودا***و إن تقل لا يشبه الموجود
أمّا الصفات فهي أيضا مبهمة***كنها كحكمة و علم عظمة
نعلم أنّه حكيم مجملا***في الفعل، امّا كنه حكمة، فلا
اوجه): فليس من هذه الوجوه شيء يمكن المخلوق ان يعرف من الخالق حقّ معرفته، غير أنّه موجود فقط، فاذا قلنا كيف و ما هو؟ فممتنع علم كنهه و كمال المعرفة به» .(1)
قد حسرت نوافذ الأبصار عن كنهه كثاقب الأفكار، قال الرضا (ع): «الّذي قد حسرت دون كنهه نوافذ الأبصار، و اقمع وجوده جوائل الأوهام».(2)
و الراسخون، إنّما رسخوا في حجزهم عن كنهه، فاعترفوا بعجزهم؛ كما مرّ في كلام امير المؤمنين (ع) في أنّه لا يوصف إلّا بما وصف نفسه، قوله (ع): «و سمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه (رسوخا)» .(3)
و لم تحط بكنهه الملائكة مع قربهم و ما بهم من مدركة قويّة، قال امير المؤمنين (ع): «لأنّه اجلّ من أن تحدّه الباب البشر أو تحيط به الملائكة على قربهم من ملكوت عزّته» (4). بل كنهه التفريق عند العترة البررة، ما بينه و بين ما قد فطره، بان يعتقد أنّه مباين لخلقه ذاتا؛ كما قال الرضا (ع): «و ذاته حقيقته، و كنهه، تفريق بينه و بين خلقه» .(5)
و من تأمّل كلماتهم في الكنه، خصوصا في اطلاقه على مجرّد التفريق، و خصوصا ممّا تقدّم في ذاته، من أنّه لا يدرك و لا يوصف و لا يعرف، علم أنّ مرادهم بالكنه، اعمّ من تمام الحقيقة الّذي اصطلح عليه القوم، بل محض تعيين حقيقته و أنّه أيّ شيء يعدّ من العلم بكنهه، و ان لم يعلم تلك الحقيقة تمامها، و لم تفسر3.
بخصوصيّتها؛ كما قلت:
فالاكتناه كاف أن تعيّنه شيئا معيّنا، و إن لم يكتنه ذلك الشيء بتمامه، كان تراه جسما. فان قلت: أنّه جسم لا كالأجسام: كما قال به هشام، قبل استبصاره، أو تراه وجود؛ كما زعمت الفلاسفة و العرفاء و إن تقل: إنّ ذلك الوجود لا يشبه الموجود من الاعيان الممكنة، كما قالوا، فلا يكفيهم ما قالوا، انّ الوجود بكنهه غير معلوم بعد ما اكتنهوا حقيقته تعالى بأنّه الوجود، هذا كلّه في كنه الذات.
و امّا الصفات: فهي أيضا مبهمة كنها، كحكمة، و علم، و عظمة، فعن امير المؤمنين (ع): «و ارتفع عن ان تحوى كنه عظمته، فهاهة رويّات المتفكّرين»(1). و عن موسى بن جعفر (ع): «إنّ اللّه اجلّ و اعلى من ان يبلغ كنه صفته، فصفوه بما وصف نفسه و كفّوا عمّا سوى ذلك» (2). و عن الصادق (ع): «و لا يبلغون كنه علمه و لا مبلغ عظمته» (3). و عنه (ع) أيضا: «إنّ اللّه عظيم، رفيع، لا يقدر العباد على صفته و لا يبلغون كنه عظمته»(4). و عن الحسين (ع): «و لا يقدر الواصفون كنه عظمته» .(5)
فنحن لا نعلم من الصفات إلّا الإجمال، نعلم أنّه حكيم مجملا في الفعل، امّا كنه حكمة، فلا نعلمه. قال الصادق (ع):
«فإن قالوا، او ليس قد نصفه، فنقول: هو العزيز، الحكيم، الجواد، الكريم؟ قيل لهم: كلّ هذه صفات اقرار و ليست صفات احاطة، فإنّا نعلم أنّه حكيم و لا نعلم بكنه ذلك، و كذلك قدير و جواد، و سائر صفاته؛ كما قد نرى السّماء و لا ندري اين منتهاه، بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له، لأنّ الأمثال كلّها تقصر عنه، و لكنّها تقود العقل الى معرفته» (6). و قال الصادق (ع) أيضا: «فإذا قلنا:
كيف و ما هو؟ ممتنع علم كنهه و كمال المعرفة به» .(7)
انظر، كيف صرّح الامام (ع) عن نفسه بمساواته مع غيره في امتناع الاكتناه!
و عند أهل البيت حقّ المعرفة***في ذاته الإثبات لا أن تصفه
و غاية الإثبات ما تقيه***عن حدّي التعطيل و التشبيه
و النّاس بين مبطل و ناف***أو مشرك مشبّه خرافيّ
الفصول المتقدّمة كلّها في النّفي، و هذا الفصل في الإثبات خاصّة، دفعا لتوهّم أنّه اذا لم يدرك و لا يوصف و لا يعرف كنهه، فليس هو بشيء.
و محصّل هذا الفصل: أنّ حقّ المعرفة عند اهل البيت (ع)، الّتي لا يزاد عليه و لا ينقص منه، و انّ آخر ما يقال فيه تعالى من التوصيف و التعريف في ذاته، أنّه شيء و موجود؛ شيء بحقيقة الشيئيّة، و لكن لا كالأشياء، و موجود مثبت بحقيقة الثبوت، و لكن غير موصوف و لا محدود، و هذا الّذي هم (ع) عليه، يحقّقه العقل و يصدّقه الكتاب.
امّا العقل: فلأنّه لو لم يكن شيئا، لم يكن موجودا، و لو لم يكن موجودا، لكان موهوما، و لو كان كالأشياء، لكان مصرفا محدودا، فكان إذن حادثا لا يمتنع من الحوادث.
و امّا الكتاب: فلأنّه تعالى قال:( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ ... )(1). و قال:
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... )(2).
و عند أهل البيت (ع) حقّ المعرفة في ذاته، الإثبات المجرّد، لا أن تصفه، فتقول ذاته كذا و كذا. و غاية الإثبات ما تقيه و تحفظه عن حدّي «التعطيل» و «التشبيه»، بان تثبت وجوده، لئلّا يلزم التعطيل، و تنفي عنه الاوصاف و الحدود و الكيفيّات لئلّا يلزم التشبيه. و النّاس بين مبطل و ناف، أو مشرك مشبّه خرافيّ. فعن الصادق (ع):
«الناس في التوحيد ثلاثة: مثبت و ناف و مشبّه؛ فالنّافي مبطل،
و المثبت مؤمن، و المشبّه مشرك» .(1)
و عن الرضا (ع):
«إنّ للنّاس في التوحيد ثلاثة مذاهب: اثبات بتشبيه، و مذهب النّفي، و مذهب اثبات بلا تشبيه؛ فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز، و مذهب النفي لا يجوز، و الطريق في المذهب الثالث، اثبات بلا تشبيه» .(2)
و عنه (ع) أيضا في حديث آخر: «للنّاس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفى، و تشبيه، و اثبات بغير تشبيه؛ فمذهب النفي لا يجوز، و مذهب التشبيه لا يجوز، لأنّ اللّه تبارك و تعالى لا يشبهه شيء، و السبيل في الطريقة الثالثة: اثبات بلا تشبيه»(3). و قد مرّ من حديث عبد الرحيم القصير عن الصادق (ع): «و اعلم- رحمك اللّه- أنّ المذهب الصحيح في التوحيد، ما نزل به القرآن، فانف عن اللّه البطلان و التشبيه، هو اللّه الثابت الموجود، تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون، و لا تعد القرآن فتضلّ بعد البيان» .(4)
و فيما عرض عبد العظيم الحسني دينه على عليّ بن محمّد (ع): «إنّ اللّه تبارك و تعالى واحد ليس كمثله شيء، خارج من الحدّين: حدّ الابطال و حدّ التشبيه، و أنّه ليس بجسم و لا صورة ...» .(5)
و قال (ع) أيضا في محاجّته مع الزنديق: «و لا بدّ من اثبات صانع الأشياء، خارجا من الجهتين المذمومتين: إحداهما: النّفي، إذ كان النفي هو الإبطال و العدم، و الجهة الثانيّة: التشبيه بصفة المخلوق الظاهر التركيب و التأليف» .(6)
و عن الحسين بن سعيد، قال: سئل أبو جعفر الثاني (ع): يجوز ان يقال للّه أنّه شيء؟
فقال: «نعم، تخرجه من الحدّين: حدّ التعطيل و حدّ التشبيه»(7). و في رواية أخرى عنه (ع) مرفوعا مثله (8)، و في ثالثة: «أ يجوز ان يقال للّه موجود؟ قال: «نعم ...» (9). الخ مثله.9.
و أنّه شيء و موجود فقط***و من يزد عليه ضلّ و خلط
و هو، قديم، مثبت، موجود***لا مبطل، معدوم أو مفقود
يراد بالشيء أو الموجود***مجرّد الإثبات في الوجود
شيء له حقيقة الشيئيّة***حقّا و لا يقال ما الهويّة
و ليس في إثباته التحديد***و ما نفيناه هو التوحيد
و لم يرد وجود أو كون صفيّ***بل كون ايمانيّ بالغيب الخفيّ
شيء خلاف سائر الأشياءمجانب*** لها في الاعتراء
و أنّه عندهم (ع) شيء و موجود فقط(1)، و من يزد عليه، بان يقول: ما هو و كيف هو؟ ضلّ و خلط في دينه؛ كما مرّ قول زين العابدين (ع) في التعمق: «فمن رام وراء ذلك فقد هلك» .(2)
و عندهم (ع) أيضا إنّ الذي يقال فيه: هو، قديم، مثبت، موجود، لا مبطل، معدوم أو مفقود؛ فعن الصادق (ع)، و قد سئل عن التوحيد، فقال (ع): «هو عزّ و جلّ مثبت، موجود، لا مبطل و لا معدوم، و لا في شيء من صفة المخلوقين»(3). و عنه (ع) أيضا، أنّه قال: و حدّ المعرفة، ان يعرف أنّه لا إله غيره و لا شبه له و لا نظير، و ان تعرف أنّه قديم، مثبت، موجود، غير فقيد، موصوف من غير تشبيه، و لا مبطل، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير» .(4)
و عن فتح بن يزيد الجرجاني، عن ابي الحسن (ع): «قال سألته عن ادنى المعرفة، فقال (ع): الإقرار بأنّه لا إله غيره و لا شبه له و لا نظير، و أنّه قديم، مثبت، موجود، غير فقيد، و أنّه ليس كمثله شيء» .(5)
يراد بالشيء أو الموجود مجرّد الإثبات في الوجود، اثباتا حقيقيّا، لا وهميّا تخيليّا؛ كما قلت: شيء له حقيقة الشيئيّة حقّا و واقعا، لا توهّما؛ كما قال الصادق (ع) في جواب الزنديق، حيث قال له: ما هو؟ قال (ع): «هو شيء بخلاف الأشياء، ارجع1.
بقولي شيء الى اثباته، و أنّه شيء بحقيقة الشيئيّة، غير أنّه لا جسم و لا صورة» .(1)
فهو تعالى شيء حقيقيّ واقعي، و لكن لا يقال: ما الهويّة؟ لأنّ ذاته لا يعلمها احد غيره؛ كما تقدّم و ليس في إثباته و اثبات الشيئيّة له، التحديد؛ كما قال الصادق (ع) في جواب ذلك الزنديق، حيث قال: فانت قد حدّدته اذ اثبتّ وجوده، قال (ع): «لم احدّده، و لكن اثبتّه، اذ ليس بين الاثبات و النّفي منزلة» .(2)
فمجرّد اثباته، ليس بتحديد له؛ كما انّ ما نفينا عنه من التكيّف و التحديد، ليس بتعطيل منه؛ كما قلت: و ما نفيناه، ليس بتعطيل، بل هو التوحيد، لأن كمال التوحيد، في الاخلاص عن التشبيه و التركيب و التكييف؛ و لم يرد من الوجود أو الكون، وجود أو كون صفيّ؛ اي وصفي ليلزم منه تكييفه و تحديده أيضا، بل اريد به: كون ايمانيّ، اقراري، يتحقّق به الإقرار، و يصدق عليه الإيمان بالغيب الخفيّ؛ كما قال الحسين (ع):
«و لا تدركه العلماء بألبابها، و لا اهل التفكير بتفكيرهم، الّا بالتحقيق ايمانا بالغيب، لأنّه لا يوصف بشيء من المخلوقين، و هو الواحد الصمد، ما تصوّر الاوهام فهو خلافه، يصيب الفكر منه الإيمان به موجودا و وجود الإيمان، لا وجود صفة» .(3)
و عن الباقر (ع)، قال: «كان حيّا بلا حياة حادثة، و لا كون موصوف»(4). و عن موسى بن جعفر (ع) أيضا مثله .(5)
شيء خلاف سائر الأشياء، و لذلك كلّ ما تصوّره الأوهام، فهو بخلافه، قال الرضا (ع) في محاجّته مع الزنديق: «و نحن إذ عجزت حواسّنا عن ادراكه، أيقنّا أنّه ربّنا و أنّه شيء خلاف الاشياء» .(6)
و قال الصادق (ع) به أيضا كما عرفت، و عن اليقطيني قال: قال لي ابو الحسن (ع): «ما تقول إذا قيل لك: اخبرني عن اللّه- عزّ و جلّ- أ شيء هو أم لا شيء هو؟» فقلت له (ع): قد اثبت- عزّ و جلّ- نفسه شيئا حيث يقول: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ (انعام 6: 19). فاقول أنّه شيء لا كالأشياء، إذ في نفي الشيئيّة عنه ابطاله و نفيه؛ قال (ع) لي: «صدقت و اصبت» .(7)9.
لا يعتريه ما عليها يعتري***من الصفات و هو قدّوس، برى
و ليس حدّ خلقه أن يعرفه***إلّا بأن ليس له أن يصفه
إذ الّذي يعرفه من عقله***بنفسه المخلوق و المصنوع له
و عن الرضا (ع)، قال له بعض الزنادقة: هل يقال للّه شيء؟ فقال (ع): «نعم، و قد سمّى نفسه بذلك في كتابه فقال:( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ )فهو شيء (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)» (1).
و قد مرّ أيضا عن ابي جعفر الثاني (ع): «أنّه يجوز ان يقال له شيء» و قد قال الصادق (ع): «و كلّ ما وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق، و اللّه خالق كلّ شيء، تبارك الّذي ليس كمثله شيء» (2).
فهو تعالى شيء مخالف للأشياء، مجانب لها في الاعتراء؛ اي العروض، لا يعتريه ما عليها يعتري من الصفات، و هو قدّوس، برئ؛ كما عرفت في كلام الحسين (ع): «لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين»(3). و في كلام الصادق (ع):
«الجهة الثانية، التشبيه بصفة المخلوق» (4). و كلامه الآخر: «و لا في شيء من صفة المخلوقين» (5). و قال امير المؤمنين (ع): «و لا كالأشياء فتقع عليه الصفات» (6). و لهذا فصل مخصوص يأتي في محله.
و ليس حدّ خلقه أن يعرفه، إلّا بأن ليس له أن يصفه، لما تقدّم أنّه تعالى لا يوصف و لا يمكن ان يوصف، فلا بدّ أن يعرف بما لا يوصف. إذ الّذي يعرفه من عقله، بنفسه المخلوق و المصنوع له تعالى؛ كما قال الصادق (ع): «كلّ موصوف مصنوع» (7).
و قال الرضا (ع): «كلّ معروف بنفسه مصنوع» (8). و لأنّه، إمّا يعرف بالحواسّ: فقد قال الصادق (ع): «كلّ موهوم بالحواسّ، مدرك بها تحدّه الحواسّ ممثّلا فهو مخلوق» (9).
و إمّا بالوهم: و كلّ ما تصوّره المتوهّم، فهو مخلوق أيضا كما تقدّم.3.
إذن فلا ينال من شيئيّته***إلّا وجوده بلا هويّته
فاللّه شيء، ثابت، موجود***لا هو معقول و لا محدود
هذا الذي نقوله و نذعنه***توحيده ظاهره و باطنه
و يستوي فيه جميع البشر***من مرسل و كمّل و قصّر
و إمّا بالعقل: و العقل لا يدرك إلّا بالآثار؛ كما مرّ في طريقيّة العقل. إذن فلا ينال من شيئيّته إلّا وجوده بلا هويّته؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «الحمد للّه الّذي عجز الأوهام أن تنال إلّا وجوده، و حجب العقول ان تتخيّل ذاته» (1). و في تحف العقول:
«الحمد للّه الذي اعدم الاوهام ان تنال الى وجوده» (2).
فاللّه شيء، ثابت، موجود، لا هو معقول في الأوهام و العقول، و لا محدود بالذّات، و عن اليقطيني، قال: سألت أبا جعفر الثاني (ع) عن التوحيد، فقلت:
اتوهّم شيئا؟ فقال (ع): «نعم، غير محدود، و لا معقول، فما وقع وهمك عليه من شيء، فهو خلافه، لا يشبهه شيء، و لا تدركه الأوهام، كيف تدركه الاوهام و هو خلاف ما يعقل، و خلاف ما يتصوّر في الأوهام؟ إنّما يتوهّم شيء غير معقول و لا محدود» (3).
و هذا الّذي نقوله من التوحيد، و نذعنه؛ اي نعتقده، هو توحيده الحقيقي، ظاهره و باطنه و ليس باطنه شيء آخر غير ظاهره؛ كما توهّمه العرفاء و قسّمته الى قسمين. فعن رسول اللّه (ص)، قال:
«التوحيد ظاهره في باطنه و باطنه في ظاهره، ظاهره موصوف لا يرى، و باطنه موجود لا يخفى، يطلب بكلّ مكان و لم يخل منه مكان طرفة عين، حاضر غير محدود، و غائب غير مفقود» (4).
قوله (ص): «لا يرى و لا يخفى»؛ اي لا يرى بالأبصار و لا يخفى بالآثار.
و يستوي فيه؛ اي في هذا التوحيد، بهذا المقدار، جميع البشر، من مرسل و كمّل و قصّر؛ فإنّ عباراتهم (ع)، حاكية عن التعميم، و ظاهرة في أنّهم يخبرون عن انفسهم و غيرهم فيما يخبرون و لا يستثنون. فدعوى الفرق بأن معرفتهم بنحو خاصّ (5)».
و الفرق في مراتب اليقين***أو في صفات الذات لا التعيين
و عندهم، لا يتناهى ذاته***فلا تحدّ ذاته صفاته
إذ كلّ ما حدّ، فقد تناهى***و المتناهي، لم يكن إلها
و يسمّى بالتوحيد الخاصّ، كذب عليهم و افتراء، أو ناشئ عن الغلوّ (1)
«قربلاء» مكان «كربلاء»، قيل له: لم تقول قربلاء؟ قال: لأنّا نقول كربلاء، فلا بدّ ان يكون فصيحه قربلاء.
في حقّ الأولياءو إنّما الفرق بينهم و بين غيرهم، في مراتب اليقين، أو في صفات الذات؛ فهم يعلمون من الصفات ازيد من غيرهم، و يعرفونها احمد من غيرهم لا في التعيين، بأن يكون الذات عندهم متعيّنا دون غيرهم، و أنّهم يعرفون الذات بذاته و شيئيّته، و غيرهم يعرفونه بآثاره و صفاته، و أنّه شيء و موجود فقط. و لعلّه (ص) اشار الى ما ذكرت من الفرق في مراتب اليقين، بقوله (ص): «و باطنه موجود لا يخفى» و قوله (ص): «حاضر غير محدود» حيث إنّ يقينهم (ع) بمرتبة يرونه موجودا غير مخفيّ في كلّ مكان، و حاضرا غير مرئيّ في كلّ آن لا يغفلون عنه في حال، و يراعونه في كلّ فعل و مقال، فمعرفتهم بهذا الحدّ، غير معرفة العامّة، الذين يكتفون بالإقرار بأنّه لا يرى بالأبصار.
الحدّ، هو الانتهاء، و حدّ الشيء منتهاه، و اللّه تعالى غير محدود في نفسه و لا محدود بغيره؛ يعني أنّه ليس بمحدود ذاتا و لا يحدّه شيء، و تحديده ذاتا، امّا بتحديده في ذاته أو في وجوده، و في تحديد الذات تحديده بالصفات، او بالآلات
1) . منشأ هذا التخيّل، أنّهم لمّا رأوا امتيازهم (ع) عن غيرهم في جهات كثيرة، فحسبوا أنّه لا بدّ لهم ان يمتازوا عنهم من هذه الجهة أيضا، و لم يحسبوا أنّ هذه الجهة، غير سائر الجهات؛ فإن المنظور هنا، امر واقعيّ لا يتغيّر، و ما اشبه مثل هؤلاء بمن كان من اهل «دشتستان»، فإنّهم يتكلّمون «القاف» ب «الكاف»، و قد سمع هذا الشخص أنّ كلّما يتكلّمون بالكاف اصله و فصيحه القاف، فكان هذا الشخص على قياسه يقول:
و الأدوات، و تحديده بغيره، تحديده بالزمان و المكان، و الجهات، و الأعراض، و كلّ شيء مخلوق له، فإنّ المخلوق لا يحدّ الخالق، و هو تعالى حادّ كلّ شيء و لا يحده شيء، فلا يحدّه المدركات بادراكها له، و لا الاداة الحادّة من الكليّات بمفاهيمها؛ كالحروف المحدّدة مثل: مذ و قد و لعلّ و غيرها.
و عندهم، لا يتناهى ذاته بوجه اصلا، فلا تحدّ ذاته و صفاته، إذ كلّ ما حدّ، فقد تناهى؛ و هو ظاهر بالحسّ و الوجدان؛ و المتناهي، لم يكن إلها؛ اذ التناهي و التحديد، امّا يكون في وجوده، فيكون حادثا قطعا، لأنه اذا فرض له نهاية كان له قبل متقدّم عليه، و كلّ ما فرض له قبل كان، حادثا بعده؛ او يكون في ذاته و هو إمّا بالتركيب او من غير تركيب ان تصوّرنا المحدوديّة لنفس الذات، بما هي ذات مع عدم التركيب، و ايّا كان؛ فإمّا ان يكون التحديد من قبله أو من قبل غيره، فان كان بمحدّد غيره لزم الافتقار و الحدوث، و ان كان من نفسه فلا يكون إلّا باقتضاء الذات، إذ لو كان بغير اقتضائه لم يكن من نفسه و معنى اقتضاء الذات، كون الذات علّة للتحديد، فيكون إذن مصنوعا و معلولا لنفسه، و يأتي عليه أيضا، أنّه متى حدّد ذاته، قبل ان لم يكن محدودا، كما هو مقتضى العليّة أو بعده و كلاهما محال.
أمّا الثاني: فظاهر، لأنّه تحصيل الحاصل.
و أمّا الأوّل: فلأنّه يلزم خلوّ الذات عنه زمانا، ثمّ تغيّره بعد ذلك بالتحديد.
و ان قيل: إنّ الحدّ كان ملازما للذّات باقتضائه الذاتيّة، لا باقتضاء العلّية، فهذا محض فرض في الوهم و تغيير في العبارة، و إلّا فالحدّ غير الذات، فإنّ ذات الشيء، شيء، و حدّه من قصره و طوله مثلا أو غير ذلك، شيء آخر، فإذا لم يكن التحديد بعليّة الذات: فإمّا ان يكون الحدّ بالذّات؛ يعني بذاته، لأنّ الحدّ غير الذات، فيكون هناك قديمان، و مع ذلك فهو محال أيضا، لأن الحدّ عرض لا يقبل القيام، بالذّات؛ و إمّا بالغير، فيعود الإشكال، و سيأتي له توضيح في باب التوحيد- إن شاء اللّه.
و كيف كان، فقد قال امير المؤمنين (ع): «الّذي سألت الأنبياء عنه فلم تصفه بحدّ و لا ببعض، بل و صفته بافعاله، و دلّت عليه بآياته و ليس له حدّ ينتهي الى
حدّه» (1). و قال (ع) أيضا: «و لم تحط به الصفات فيكون بادراكها ايّاه بالحدود متناهيا» .(2)
و قال (ع) أيضا: «فالحدّ لخلقه مضروب، و الى غيره منسوب»(3). و قال (ع) أيضا:
«فليست له صفة تنال و لا حدّ يضرب فيه الأمثال» (4). و قال عليّ بن الحسين (ع): «لا يوصف اللّه بمحكم وحيه، عظم ربّنا ان يوصف؛ و كيف يوصف من لا يحدّ!؟»(5)و قال الصادق (ع): «توحّد بالرّبوبيّة، و وصف نفسه بغير محدوديّة» (6).
اقول: لعلّه (ع) اراد قوله «لا تدركه الأبصار»، و قوله: «ليس كمثله شيء» فإنّ الأبصار، سواء اريد بها العيون أو الاوهام، لا تدرك إلّا ما هو محدود، و الأشياء كلّها محدود، فإذا لم يكن شيء مثله، فهو غير محدود. و قال (ع) أيضا: «و كلّ موصوف، مصنوع، و صانع الأشياء غير موصوف بحدّ»(7)و قال (ع): أيضا جوابا عن قول الزنديق:
فأنت قد حدّدته إذ اثبتّ وجوده: «لم احدّده، و لكن اثبتّه، إذ لم يكن بين الاثبات و النّفي منزلة» (8). و قال (ع) أيضا: و لم يتناه الى غاية إلّا كانت غيره» (9). و قال (ع) أيضا:
«هو خالق الأشياء، لا لحاجة، فاذا كان لا لحاجة، استحال الحدّ و الكيف فيه. فافهم ذلك ان شاء اللّه!» (10).
و قال موسى بن جعفر (ع): «و ليس للّه حدّ و لا يعرف بشيء يشبهه» (11)و قال الباقر (ع): «فليس لكونه كيف، و لا له اين و لا له حدّ» (12).
و قال ابو الحسن الثالث (ع) في مكتوبه الى سهل أو الى ابراهيم بن محمّد الهمداني: «سبحان من لا يحدّ و لا يوصف، ليس كمثله شيء و هو السّميع و البصير ...» (13).7.
1) . البحار 4: 265/ 14.
2) . المصدر 4: 275/ 16.
3) . المصدر 4: 306/ 35.
4) . المصدر 4: 269/ 15.
5) . المصدر 3: 308/ 47.
6) . المصدر 4: 160/ 5.
7) . المصدر 4: 160/ 6.
8) . المصدر 3: 29/ 3.
9) . المصدر 4: 160/ 6.
10) . المصدر 4: 65/ 6.
11) . المصدر 4: 298/ 27.
12) . المصدر 4: 299/ 28.
13) . المصدر 3: 294/ 17.
مفتقر بمن يحدّ حدّهم***نتظر بمن يبدّ مدّه
و كلّ محدود فبالوجدان***محتمل للزيد و النقصان
و ما هو القابل أن يغيّرا***يكون حادثا كما لو غيّرا
فلا له حدّ و لا نهاية***و لا انقطاع أمد و غاية
و لا بلا نهاية يحدّ***إذ ليس ممتدّا و ذاك حدّ
و إنّما الخالص في التوحيد***أن يعرف اللّه بلا تحديد
و إنّ ذا أصل لأن يوحّدا***فمن رعاه لا يزلّ أبدا
و الوجه في ذلك، أنّه اذا كان محدودا متناهيا، فهو مفتقر بمن يحدّ حدّه، و ينهيه الى نهايته؛ كما عرفت، فله إذن حالة منتظرة، من حيث الذات تنتظر استكمالها او هو منتظر بمن يبدّ؛ أي يقطع و يجزّ مدّه؛ و كلّ محدود فبالوجدان، محتمل للزيد و النّقصان؛ فاذا احتمل الزيادة و النقيصة كان قابلا للتغيّر، و ما هو القابل أن يغيّرا، يكون حادثا، كما لو غيّرا بالفعل؛ يعني أن القابل للتغيّر كالمتغيّر حكما، فيكون حادثا كما تقدّم في مبحث الحدوث.
قال الرضا (ع) في جواب بعض الزنادقة حيث قال: فحدّه لي، قال (ع): «إنّه لا يحدّ، لأنّ كل محدود، متناه الى حدّ، فاذا احتمل التحديد، احتمل الزيادة، و اذا احتمل الزيادة، احتمل النّقصان؛ فهو غير محدود و لا متزايد و لا متجزّى و لا متوهّم» (1). و بسند آخر: «و لا متزايد و لا متناقص» (2).
و قال الصادق (ع) في ردّ مذهب هشام (3)(إن اللّه تعالى جسم)، قال (ع): «ويله! أما علم أنّ الجسم محدود متناه، و الصّورة محدودة متناهية، فإذا احتمل الحدّ، احتمل الزيادة و النّقصان، و إذ احتمل الزيادة و النّقصان كان مخلوقا» (4).
فلا له حدّ و لا نهاية، و لا انقطاع أمد و غاية، قال امير المؤمنين (ع): «و لا يقال له حدّ و لا نهاية و لا انقطاع و لا غاية»(5). و لا بلا نهاية يحدّ إذ ليس ممتدّا؛ يعني أنّ قولنا:
«لا نهاية له» ليس بمعنى أنّه محدود الى غير النّهاية؛ لأنّ اللانهاية وصف للامتداد،8.
فيتّصف به الممتدّ و هو تعالى لا امتداد له، و ذاك؛ اي اللّانهاية، حدّ في نفسه.
توضيح ذلك: إنّ اللّانهاية قد يكون وصفا للامتداد، فيقال: ممتدّ بلا نهاية، و هذا نوع من الحدّ، لأنّ الحدّ، قد يكون معيّنا في قدر خاصّ، و أخرى غير معيّن، فهو محدود، و لكن بلا نهاية. و قد يقال الحدّ، فيقال: بلا نهاية، بمعنى أنّه غير محدود.
و الذي يقال و يصحّ ان يقال في حقّه تعالى، إنّما هو الثاني، و مرجعه الى أنّه ليس بمحدود، فهو عبارة أخرى عن اللامحدوديّة، لا أنّ اللاانتهاء وصف له يعرف به؛ كما يقال له العالم، بمعنى أنّه ليس بجاهل، و القادر بمعنى أنّه ليس بعاجز.
و أمّا الأوّل: فاطلاقه عليه تعالى غير جائز، اذ لا امتداد له بوجه، لأنّ الامتداد للشيء إمّا من حيث وجوده، فهو من حيث الزمان في اوليّته أو آخريّته و إمّا في ذاته، و هو من حيث اجزائه؛ و امّا في عوارض الذات؛ كالطّول و العرض و العمق؛ و امّا في صفاته و احواله، و هو تعالى خلو من جميع ذلك، فلا يفرض له لا نهاية في شيء منها امتدادا؛ كما لا يفرض له نهاية في شيء منها.
و الحاصل: أنّه تعالى كما لا يعرف ذاته لا موصوفا و لا مكيّفا سوى أنّه موجود، و وجوده اثباته كذلك، لا يعرف لا نهايته لا موصوفا و لا مكيّفا، سوى أنّه غير محدود بحدّ. و في اخبار هذا الفصل ما يشير الى ذلك، مثل قول امير المؤمنين (ع): «و من اشار إليه فقد حدّه» (1). و قوله (ع): «و لا حدّ يضرب فيه الأمثال» (2). و قول الباقر (ع): «فليس لكونه كيف و لا له أين و لا حدّ» (3). و قول الصادق (ع): «و صانع الأشياء غير موصوف بحدّ» (4). و قول ابى الحسن الثالث (ع): «سبحان من لا يحدّ و لا يوصف» (5).
و إنّما الخالص في التوحيد، أن يعرف اللّه بلا تحديد، فمن حدّه بشيء من التحديد، ليس بخالص في التوحيد. و إنّ ذا أصل لأن يوحّدا، فمن رعاه لا يزلّ أبدا؛ قال الصادق (ع) بعد قوله: «و صانع الأشياء لا يوصف بحدّ: مسمّى لم يتكوّن فتعرف كينونيّته بصنع غيره، و لم يتناه الى غاية، الّا كانت غيره لا يزلّ من فهم هذا الحكم ابدا و هو التوحيد الخالص، فاعتقدوه و صدقوه و تفهموه باذن اللّه عزّ و جلّ» (6).6.
فمن يرى إلهه محدودا***فإنّه قد جهل المعبودا
من حدّ، أحدثه و عدّه***و من يعدّه، أعدّ ندّه
و هو يحدّ كلّ شيء خلقه***و ليس من شيء يحدّ خالقه
بل لا تحدّه صفات ذاته***إذ ذاته المنبئ عن صفاته
فمن يرى إلهه محدودا، فإنّه قد جهل المعبودا قال امير المؤمنين (ع): «فمن زعم أنّ إله الخلق محدود، فقد جهل المعبود»(1). من حدّه، أحدثه؛ اي جعله محدثا، و عدّه؛ اي جعله معدودا، لأنّ الذات، شيء، و الحدّ، شيء آخر؛ و من يعدّه، أعدّ ندّه؛ اي هيّأ و مهّد له ندّا.
قال الرضا (ع): «فمن وصف اللّه، فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من عدّه فقد ابطل ازله ...» (2)اي جعله محدثا. و قال امير المؤمنين (ع): «و من أشار إليه فقد حدّه و من حدّه فقد عدّه» (3).
هذا في تحديده تعالى من حيث ذاته فهو بذاته غير محدود، و كما لا يكون محدودا بذاته لا يحدّه شيء من خلقه؛ كما قلت: و هو يحدّ كلّ شيء خلقه، و ليس من شيء من خلقه يحدّ خالقه؛ كما قال الرضا (ع): «و لافتراق الصانع و المصنوع و الحادّ و المحدود»(4)، فالمحدود، مباين للحادّ ذاتا؛ فلا يكون محدّدا، سيّما أنّه كان قبله، فإن كان محدودا بنفسه، فلا يحدّ ثانيا بخلقه، و إن لم يكن محدودا، فتحديده بعده، يوجب تغيّره و حدوثه، و كذلك لا تحدّه شيء من صفاته؛ كما قلت:
بل لا تحدّه صفات ذاته، فضلا عن ان يحدّه خلقه، إذ ذاته المنبئ عن صفاته، لا صفاته منبئة عن انفسها و عن اتّصاف الذات بها، لأنّها ليس زائدة على الذات كما سيأتي.
قال امير المؤمنين (ع): «ليس له وقت معدود، و لا أجل ممدود، و لا نعت محدود» (5). و قال (ع) أيضا: «ليس لصفته حدّ محدود، و لا نعت موجود» (6). و قد قال (ع): «و كمال الإخلاص، نفي الصفات عنه» (7). و قال (ع) أيضا: «و لا تحدّه الصفات5.
فلا تحدّ بالصّفات ذاته***و لم تحدّ في نفسها صفاته
بل ليس في وجوده تحديد***إذ ليس في تثبيته تقييد
إذن فلا يحدّ بالآلات***و لا جوارح و لا أداة
و لا بجسم، صورة و وجه***و لا بغيرها بأيّ وجه
و لا بحالة و لا زمان***و لا بحركة و لا مكان
إذ هي ذات الحدّ و التناهي***و هو بلا حدّ و لا تناه
و لا تأخذه السنات» (1).
و قال الرضا (ع): «و لا تأخذه السنات و لا تحدّه الصفات» (2). و قد مرّ قوله (ع) أيضا: «و لم تحط به الصفات فيكون بادراكها ايّاه بالحدود متناهيا» (3).
فلا تحدّ بالصّفات ذاته، و ان كانت صفاته الذاتيّة، اذ ليست إلّا الذات، و كذلك لم تحدّ في نفسها صفاته؛ يعني أنّ صفاته في حدّ انفسها أيضا، غير محدودة و لا متناهية، فإنّ علمه مثلا، غير محدود و لا متناه، لأنّ تحديد الصفات أيضا موجب لتحديد الذات، بل ليس في وجوده أيضا تحديد، فيكون محدودا بالوجود، لما عرفت أنّ وجوده عندنا، ليس إلّا اثباته؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «وجوده اثباته»، فمعنى تحديده في الوجود، تحديده في الثبوت، من حيث الزمان، ازلا و ابدا و قد مرّ كلام الصادق (ع): «لم احدّده و لكن اثبته». إذ ليس في تثبيته تقييد، حتّى يلزم التحديد.
و حيث إنّه تعالى ليس بمحدود، لا ذاتا و لا صفة و لا وجودا، إذن فلا يحدّ بالآلات، بأن يفعل شيئا بآلة، و لا جوارح، بان يكون له اعضاء، كيد و رجل، و لا أداة، بأن يكون له اداة السمع و البصر و النطق، و لا يحدّ أيضا بجسم، و صورة و وجه، و لا بغيرها بأيّ وجه كان من خصوصيات الانسان أو غير الانسان، و لا يحدّ أيضا بحالة، فتكون لها حالة خاصّة أو تعرض عليه حالة مخصوصة؛ و لا زمان بان يكون في زمان6.
دون زمان، و لا بحركة أو ضدّها و هو السكون؛ و لا مكان بان يكون في مكان أو ينتقل من مكان الى مكان. و لكلّ ممّا ذكر، فصل مخصوص في نفيه عنه تعالى يأتي في محلّه- إن شاء اللّه.
فهو تعالى لا يحدّ بشيء منها، إذ هي ذات الحدّ و التناهي، فإنّ كلّا منها، محدود و متناه، و هو تعالى بلا حدّ و لا تناه. قال امير المؤمنين (ع): «لا تقدّره الأوهام بالحدود و الحركات، تعالى عمّا ينحله المحدّدون: من صفات الأقدار، و نهايات الاقطار، و تأثّل المساكن، و تمكّن الأماكن؛ فالحدّ لخلقه مضروب و الى غيره منسوب» (1).
و قال (ص) في جواب يهوديّ سأله اين ربّك؟: «هو في كلّ مكان، و ليس هو في شيء من المكان بمحدود» (2). و قال أيضا: «الّذي لما شبهه العادلون بالخلق المبعض المحدود في صفاته ذوي الأقطار و النّواحي المختلفة في طبقاته، و كان عزّ و جلّ الموجود بنفسه لا بأدات، انتفى ان يكون قدروه حق قدره فقال (تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد و ارتفاعا عن قياس المقدّرين بالحدود من كفرة العباد): وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ». (زمر 39: 67) (3).
و قال الصادق (ع): «لا جسم و لا صورة و لا تخطيط و لا تحديد» (4).
و قال موسى بن جعفر (ع): «إنّ اللّه- تبارك و تعالى- اجلّ و اعظم من أن يحدّ بيد او رجل أو حركة أو سكون؛ او يوصف بطول أو قصر، او تبلغه الأوهام، او تحيط بصفته العقول» (5).
و قال (ع) أيضا: «لا اقول: إنّه قائم فازيله عن مكان، و لا احدّه بمكان، و لا احدّه ان يتحرّك في شيء من الأركان و الجوارح، و لا احدّه بلفظ شق فم» (6).0.
و لم يلد و لم يكن مولودا***إذ لا يكون محدثا محدودا
كذاك لا تحدّه الجهات***فوق أمام تحت التفات
و من أداة الحدّ ليس ينثلم***كمذ و قد و غير ذا من الكلم
فحيث كان، لم يحدّ بحال***إذن فلا يضرب بالأمثال
و حيث لا يحدّ بالذّات و لا***يحدّه شيء فلن يؤمّلا
تحديده بمدرك انسانيّ***من حسّ أو عقل أو الجنان
و الشيء ما لم يك بالمحدود***لم يك مدركا لذى الحدود
و كذلك لم يلد و لم يكن مولودا، إذ لا يكون محدثا محدودا، قال امير المؤمنين (ع): «لم يلد فيكون مولودا(1)، و لم يولد فيكون محدودا (2)، كذاك لا تحدّه الجهات السّت». بأن يقال: هو في كذا فلا يحدّه فوق، و لا أمام، و لا تحت، لا له التفات من شيء الى شيء، و من جهة الى جهة. قال الرضا (ع): «و لو حدّ له وراء إذن حدّ له امام و لو التمس له التمام إذن لزمه النّقصان» (3).
و كذلك من استعمال أداة الحدّ ليس ينثلم في لا نهايته؛ اي لا تحدّده الأدات فينثلم من اللّانهاية الى النّهاية، ك «مذ» و «قد» و غير ذا من الكلم الحادّة، قال امير المؤمنين (ع): «لا يشمل بحدّ، و لا يحسب بعدّ؛ و إنّما تحدّ الأدوات انفسها، و تشير الآلات الى نظائرها، منعتها منذ القدمة و حمتها «قد» الأزليّة و جنّبتها لو لا التكملة» (4).
و قال الرضا (ع): «ليس «مذ» خلق استحقّ معنى الخالق، و لا باحداثه البرايا استفاد معنى البرائيّة، كيف و لا تغيّبه «مذ»، و لا تدنيه «قد» و لا يحجبه «لعلّ»، و لا يوقته «متى»، و لا يشمله «حين»، و لا تقارنه «مع»، إنّما تحدّ الادوات انفسها، و تشير8.
1) . هكذا في النسخ، و لعلّه كان موروثا؛ كما في غيره من الأحاديث الآتية في نفي صفات المخلوقين عنه تعالى و على فرض كونه في الأصل مولودا، فلعلّه بمعنى محلّ الولادة، فاستعمل اسم المفعول مكان اسم المكان رعاية للقافية، او هو بمعنى المولود فيه، لأنّ الولادة تستلزم الايلاد فيه أوّلا، حيث إنّه لم يكن ثمّ كان، او كان في الأصل مورودا اي موردا لتكوّن الولد.
2) . البحار 4: 254/ 8.
3) . المصدر 4: 230/ 3.
4) . المصدر 4: 254/ 8.
الآلة الى نظائرها، و في الأشياء يوجد فعالها» (1).
و قال الحسين (ع): «لا تحلّه «في»، و لا توقّته «إذ» و لا توامره «ان» (2).
بيان: قول امير المؤمنين (ع): «منعتها منذ القدمة ...»؛ يعني أنّ هذه الأدوات بمعانيها الحقيقيّة ممنوعة عليه تعالى، فإنّ «مذ» للتوقيت لابتداء الغاية، و قدمه تعالى مانع عن صدق «مذ» في حقّه، فتجري في حقّه «منذ» القدمة، فتقول: منذ كان قديما و هي منعتها؛ اي منعت منذ التوقيتيّة عنه تعالى. و «قد» لتقريب الماضي، و ازليّته مانعة عن صدق «قد» فيه، فتجري في حقّه «قد» الأزليّة، فتقول: قد كان ازلا كذا، و هي حمت؛ اي منعت عنه تعالى قد التقريبيّة. و «لو لا» للعجز و النّقص، و كماله تعالى مانع عنه، فتجري في حقّه «لو لا» الكماليّة يعني، لو لا الّتي تقتضي الكمال، مثل ان تقول:
لو لا أنّه تعالى الزم على نفسه كذا، لكان كذا؛ و لو لا حلمه أو امهاله أو امتحانه للخلق مثلا، لكان كذا؛ و «لو لا التكملة» جنّبت، اي بعدّت عنه تعالى لو لا النقصيّة.
قول الرضا (ع): «و في الأشياء يوجد فعالها»؛ اي في غيره تعالى من الاشياء الّتي هي نظائرها في الحدوث، يوجد فعالها؛ اي خواصّها و آثارها و نتائجها، قول الحسين (ع): «و لا توامره إن»، امّا من المؤامرة بمعنى المشاورة؛ اي لا يحوجه استعمال «إن» لظهوره في الشكّ الى المشاورة، او من التأمير، تفعيل من الأمر بمعنى الضعيف؛ اي لا يوجب استعماله إنّ كونه ضعيف الرأي.
فحيث كان، لم يحدّ بحال، و بوجه من الوجوه، إذن، فلا يضرب بالأمثال، و لا يضرب له الأمثال، لأنّ التمثيل لا يقع إلّا بالحدود، فإذن، كانت الأشياء محدودة؛ و هو غير محدود، فليس كمثله شيء. قال امير المؤمنين (ع): «فليست له صفة تنال، و لا حدّ يضرب فيه الأمثال، و قد قال اللّه تعالى:( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ... ).(3)(نحل 16: 74).
و حيث ثبت و تحقّق أنّه تعالى، لا يحدّ بالذّات و لا يحدّه شيء، فلن يؤمّلا5.
تحديده بمدرك انسانيّ، من حسّ أو عقل أو الجنان؛ اي القلب. لأنّ في ادراكها ايّاه تحديده، و الشيء ما لم يك بالمحدود، لم يك مدركا لذي الحدود، فلا يدرك المحدود إلّا المحدود؛ و الشيء ما لم يحد لم يدرك.
قال امير المؤمنين (ع): «و لا تقدره العقول، و لا تقع عليه الأوهام، فكلّ ما قدره عقل أو عرف له مثل، فهو محدود؛ فمن زعم أنّ إله الخلق محدود، فقد جهل المعبود» (1). و قال (ع) أيضا: «لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبها، و لم تقع عليه الأوهام ممثّلا» (2).
و قال (ع) أيضا: «بل إن كنت صادقا أيّها المتكلّف لوصف ربّك، فصف جبريل و ميكال و جنود الملائكة المقرّبين في حجزات القدس متولّهة عقولهم، ان تحدّوا أحسن الخالقين، و إنّما يدرك بالصفات ذوو الهيئات و الأدوات، و من ينقضى اذا بلغ أمد حدّه بالفناء» (3). و قال (ع) أيضا: «محرّم على بوارع ناقبات الفطن تحديده» (4).
و قال (ع) أيضا: «و قد ضلّت في ادراك كنهه هواجس الأحلام، لأنه اجلّ من ان يحدّه الباب البشر بالتّفكر، لا يخطر ببال اولى الرويّات، خاطرة من تقدير جلال عزّته لبعده ان يكون في قوى المحدودين، لأنّه خلاف خلقه، فلا شبه له من المخلوقين، لأنّه اللّه الّذي لم يتناه في العقول، فيكون في مهبّ فكرها مكيّفا، و في حواصل رويّات همم النفوس محدودا مصروفا» (5).
و قال رسول اللّه (ص): «الّذي تعجز الحواسّ أن تدركه، و الأوهام أن تناله و الخطوات أن تحدّه» (6). و مثله عن أبي الحسن الثالث (ع) (7).0.
و عند أهل البيت، لا بذاته***مكيّف، و لا على صفاته
إذ فيه تحديد، فلا كيف له***فليس عالما سواه، كيف هو؟
قد كيّف الكيف فلا يكيّف***و مبدع الشيء به لا يوصف
المقصود أنّه تعالى لا كيف له، كما لا حدّ له، لا وجودا و لا ذاتا و لا صفة؛ لا محض أنّه لا يتكيّف، فلا يتوهّم أنّه إنّما لا يتكيّف، لأنّه لطيف بل، عندهم (ع) إنّما لا يتكيّف، لأنّه لا كيف له بوجه اصلا، و إنّه لمّا لم يتكيّف، قيل له: إنّه لطيف.
و عند أهل البيت (ع) أيضا، لا بذاته مكيّف، و لا على صفاته، لأمور:
أحدها: لزوم التحديد؛ إذ فيه تحديد فلا كيف له، قال موسى بن جعفر (ع):
«و كان اللّه حيّا بلا حياة حادثة، و لا كون موصوف و لا كيف محدود» (1). و مثله عن الباقر (ع)؛ و قوله (ع): «كيف محدود»، نظير ان يقال: حدّ محدود، لا يراد به أنّ له كيف غير محدود، لما ستظفر على كلماتهم أنّه لا كيف له؛ بل المراد، توضيح أنّ الكيف محدود. و لذلك، فليس عالما سواه، أنّه كيف هو.
قال الصادق (ع): «سبحان من لا يعلم كيف هو إلّا هو، ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير» (2).
ثانيها: أنّه قد كيّف الكيف فلا يكيّف هو نفسه، و مبدع الشيء به لا يوصف، قال (ص) في جواب نعثل اليهودي:
«كيّف الكيفيّة، فلا يقال له: كيف؟ و ايّن الأين، فلا يقال له: اين؟ هو منقطع الكيفوفيّة و الأينيّة؛ فهو الأحد الصمد، كما وصف نفسه، و الواصفون لا يبلغون نعته» (3).
و قال امير المؤمنين (ع) (في جواب من قال اين المعبود؟): «لا يقال له اين؟
لأنّه ايّن الأين، و لا يقال له كيف؟ لأنّه كيّف الكيف، و لا يقال له ما هو؟ لأنّه خلق الماهيّة» (4). و قال الصادق (ع): «هو الخالق للأشياء، لا لحاجة فإذا كان لا لحاجة،
و كيّف الكيف فلا يعرف به***و الكيف مخلوق فلا يوصف به
و قد عرفنا الكيف من تكييفه***لخلقه، فجلّ عن توصيفه
استحال الحدّ و الكيف فيه. فافهم ذلك إن شاء اللّه!» (1).
و قال الرضا (ع) (في جواب قوم من وراء النّهر، سألوه عن اللّه، اين كان؟ و كيف كان؟ و على ايّ شيء كان اعتماده؟) قال (ع): «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- كيّف الكيف، فهو بلا كيف، و ايّن الاين، فهو بلا اين، و كان اعتماده على قدرته، فقالوا: نشهد انّك عالم» (2).
و عن ابي الحسن الثالث (ع): «كيّف الكيف بغير ان يقال: كيف؟ و ايّن الأين بلا ان يقال: أين؟ هو منقطع الكيفيّة و الأينيّة» (3). و عنه (ع) أيضا قال: «كيّف الكيف فلا يقال له: كيف؟ و ايّن الاين فلا يقال له: اين؟ اذ هو مبدع الكيفوفيّة و الأينونيّة» (4).
و كيّف الكيف فلا يعرف به، قال الرضا (ع) في جواب الزنديق- رحمك اللّه- فاوجدني كيف هو؟ و اين هو؟: «ويلك! إن الّذي ذهبت إليه غلط، هو ايّن الأين، و كان و لا أين، و كيّف الكيف، و كان و لا كيف، فلا يعرف بكيفوفيّة و لا بأينونيّة و لا بحاسّة و لا يقاس بشيء» (5).
و الكيف مخلوق له، فلا يوصف به، قال (ع) (في جواب شبخت اليهودي، إذ قال له: فكيف هو؟): «و كيف اصف ربّي بالكيف، و الكيف مخلوق، و اللّه لا يوصف بخلقه» (6).
و قد عرفنا الكيف من تكييفه. لخلقه، فجلّ عن توصيفه بما هو انشأه. قال الصادق (ع):
«و لا يوصف بكيف و لا أين و لا حيث؛ و كيف اصفه بكيف؟ و هو الّذي كيّف الكيف حتّى صادر كيفا، فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف؛ أم كيف اصفه بأين؟ و هو الّذي ايّن الأين حتّى صار اينا، فعرفت الأين بما ايّن لنا من الأين؛ أم كيف اصفه بحيث؟
و هو الّذي حيّث الحيث، حتّى صار حيثا، فعرفت الحيث بما حيّث لنا من الحيث» (7).6.
و الكيف من كيفية المخلوق***و هو لمخلوق و للفروق
و ما له من شبح مثال***يوصف بالكيف و بالتّمثال
كان و ثمّ لم تكن كيفيّة***فليس موصوفا بكيفوفيّة
كان بلا حدّ و لا كيف و كمّ***فلا يحدّ أو يكيّف أو يكمّ
لا كيف للكون له كذاته***و لا للطفه و لا حياته
و لا لعلمه و لا إرادته***و لا لخلقه و لا إبادته
ثالثها: أنّ الكيفيّة للمخلوق، و تتحصّل من تكيّفه بها، و بها تحصل الفروق بين انواع المخلوق و يمتاز الشيء بها عن امثاله و نظائره، و ما كان للمخلوق، لا يعرض على الخالق؛ و هو بلا شبه و لا نظير، فلا يحصل له كيف، و لا يحتاج الى الفرق و الى ذلك اشرت بقولي:
و الكيف من كيفية المخلوق، و هو لمخلوق، فلا يعرض على خالقه و هو للفروق بين الموجودات.
قال الصادق (ع): «و إنّما الكيف بكيفيّة المخلوق، لأنّه الاوّل لا ندّ له، و لا شبه و لا مثل، و لا ضدّ و لا ندّ» (1).
و قال ابو جعفر الثاني (ع): «فعلمنا بذلك أن خالقها لطيف بلا كيف، إذ الكيفيّة، للمخلوق المكيّف، فربّنا- تبارك و تعالى- لا شبه له و لا ضدّ و لا ندّ و لا كيفيّة و لا نهاية و لا تصاريف» (2).
رابعها: أنّ الكيف من لوازم الجسم و الشبح و المثال و ما له من شبح مثال، حتّى يكون يوصف بالكيف و بالتّمثال.
قال امير المؤمنين (ع): «لم يخل منه مكان فيدرك بأينيّة، و لا شبح مثال فيوصف بكيفيّة، و لم يغب عن شيء، فيعلم بحيثيّة» (3).
خامسها: انّ الكيف حادث، لكونه مخلوقا بشهادة اتّصاف المخلوق به، و هو تعالى ازليّ، فقد كان و لم يكن معه كيف، فلا يتّصف بالكيف ابدا، و إليه اشرت بقولى:
كان و ثمّ لم تكن كيفيّة؛ كما تقدّم عن الرضا (ع): «و هو كيّف الكيف، كان، و لا كيف» (4)،7.
فليس موصوفا بكيفوفيّة، و قد كان تعالى في الأزل، بلا حدّ و لا كيف و كمّ فلا يحدّ، أو يكيّف أو يكمّ.
قال امير المؤمنين (ع) في جواب جاثليق: «بل كان لم يزل بلا حدّ و لا كيف، قال: صدقت» (1).
و قال (ع) في جواب رأس الجالوت: «كان بلا كينونة، كان بلا كيف، كان لم يزل بلا كمّ و كيف، كان ليس قبله قبل، هو قبل القبل بلا قيل» (2).
و كما لا كيف لذاته، لا كيف لوجوده و لا لصفاته؛ كما قلت: لا كيف للكون له كذاته، الى قولي، و لا إبادته؛ اي فنائه، قال الباقر (ع): إنّ ربّي تبارك و تعالى كان لم يزل حيّا بلا كيف، و لم يكن له كان، و لا كان لكونه كيف، و لا كان له اين، فليس لكونه كيف و لا له اين و لا له حدّ، كان حيّا بلا حياة حادثة و لا كون موصوف، و لا كيف محدود، كان أوّلا بلا كيف، و آخرا بلا اين» (3).
و قال موسى بن جعفر (ع): «إنّ اللّه لا إله إلّا هو، كان حيّا بلا كيف و لا أين، فكان اللّه بلا حياة حادثة، و لا كون موصوف، و لا كيف محدود، و لا اين موقوف، كان أوّلا بلا كيف، و يكون آخرا بلا أين» (4).
و قال ابو جعفر الثاني (ع) فيما ذكر آنفا: «فعلمنا بذلك أن خالقها لطيف بلا كيف» (5).
و قال موسى بن جعفر (ع): «علم اللّه، لا يوصف اللّه منه بأين، و لا يوصف العلم من اللّه بكيف، و لا يفرد العلم من اللّه و لا يبان اللّه منه، و ليس بين اللّه و بين علمه حدّ» (6).
و قال (ع) أيضا: «فإرادة اللّه هي الفعل لا غير ذلك، يقوله كن، فيكون، بلا لفظ و لا نطق بلسان، و لا همّة، و لا تفكّر، و لا كيف، لذلك كما أنّه بلا كيف» (7).
و قال الصادق (ع): «هو الاوّل بلا كيف، و هو الآخر بلا نهاية، ليس له مثل خلق الخلق و الاشياء لا من شيء و لا كيف، بلا علاج و لا معاناة و لا فكر و لا كيف؛ كما أنّه لا كيف له و إنّما الكيف بكيفيّة المخلوق ...» (8).1.
من قال: كيف ذاته أو الصفة؟***فذاك قد شبّهه و استوصفه
قد هلك النّاظر فيه كيف هو؟***و لم يوحّد الّذي كيّفه
بل هو معروف بلا كيفيّة***لا كيفه يدرك لا الهويّة
قد حارت الأوهام أن تكيّفا***مكيّف الأشياء أو أن تصفا
محرّم على عقول البشر***تكييفه بثاقبات النّظر
لم يتناه في النّهى مصرّفا***و في مهبّ فكرها مكيّفا
يكفيك كيفا قوله سبحانه:***ليس كمثله، فخذ بيانه
من قال: كيف ذاته أو الصفة، فذاك قد شبّهه و استوصفه، قال الرضا (ع): «و من قال: كيف؟ فقد شبّهه و من قال: لم؟ فقد علّله»(1). و قال (ع) أيضا: «و من قال: كيف؟ فقد استوصفه و من قال: اين؟ فقد اخلى منه» (2)، قد هلك النّاظر فيه كيف هو؟. قال الصادق (ع): من نظر في اللّه كيف هو؟ فقد هلك» (3). و لم يوحّده الّذي كيّفه.
قال امير المؤمنين (ع): «ما وحّده من كيّفه، و لا حقيقته أصاب من مثله»(4). بل هو معروف بلا كيفيّة، قال امير المؤمنين (ع): «فمعاني الخلق عنه منفية، و سرائرهم عليه غير خفيّة، المعروف بغير كيفيّة»(5). لا كيفه يدرك و لا الهويّة له، قال الرضا (ع): «لا تقع عليه الأوهام و لا يدرك كيف هو» (6).
و عن الباقر (ع) (برواية ابي البختري) في معنى اللّه قال (ع): «معناه المعبود الّذي أله الخلق عن درك ماهيّته و الإحاطة بكيفيّته» (7).
قد حارت الأوهام أن تكيّفا مكيّف الأشياء، أو أن تصفا ايّاه، قال امير المؤمنين (ع): «بل حارت الأوهام أن يكيّف المكيّف، و من لم يزل بلا مكان و لا يزول باختلاف الأزمان»(8). محرّم على عقول البشر، تكييفه بثاقبات النّظر، قال (ع) أيضا:2.
«محرّم على بوارع ناقبات الفطن تحديده، و على عوامق ثاقبات الفكر تكييفه» (1). لم يتناه في النّهى اي في العقول مصرّفا، و في مهبّ فكرها مكيّفا، قال (ع) أيضا: «لأنّه اللّه الّذي لم يتناه في العقول، فيكون في مهبّ فكرها مكيّفا، و في حواصل رويّات همم النفوس محدودا مصرفا» (2).
يكفيك كيفا، إن اردت تكييفه، قوله سبحانه:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(3)، فخذ بيانه، و اكتف به عن كلّ توصيف و كلّ تحديد و تكييف. قال الرضا (ع): «قل: للعبّاسي يكفّ عن الكلام في التوحيد، و إذا سألوك عن الكيفيّة فقل: كما قال اللّه عزّ و جل:
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)»(4).
هذا تمام الكلام في امتناع ادراكه تعالى من حيث اقتضاء نفسه، و أمّا امتناعه من حيث نقص المدركات و قصورها فها انا اشرع في تفصيله و ان علم اجماله ممّا سلف أيضا.
قسّمت الفلاسفة، القوى المدركة الى نوعين:
القوّة العاقلة: و هي الّتي تدرك الكليّات و ليست إلّا واحدة، و سمّوها ب «العقل» و جعلوها من خواص النفس الناطقة.
و القوى الحسّاسّة: و هي المدركة للجزئيّات، و جعلوها من خواص النفس الحيوانيّة؛ فهي مشتركة بين الحيوان و الانسان و جعلوها نوعين: ظاهريّة و باطنيّة، و كلّ منهما خمسة:
فالظاهريّة: السمع و البصر و الشم و الذوق و اللمس؛
و الباطنيّة: الحسّ المشترك و الخيال و الوهم و الحافظة و المتصرّفة.
و أقول: امّا الخمس الظاهرة، فظاهرة من غير خفاء و لا ريب و لا امتراء، و قد وجد التصريح بهما في كلمات اهل البيت (ع) أيضا.
و امّا الباطنة، فلم يوجد منهم (ع) الموافقة، و لم يرد في كلامهم في المدركات الّا الوهم خاصّة. فالمدركات الباطنيّة عندهم (ع)، «الوهم» و «العقل»؛ و سيظهر الفرق بينهما، على أنّ الخمسة الباطنيّة عند مثبتيها أيضا ليس بعضها خاليا عن الإشكال، مع أنّ جميعها أيضا ليست عندهم من المدركات. قال «في شرح الهداية» (بعد ذكر المصنّف الخمسة الباطنة): عد جميعها من المدركة، مع انّ القوّة المدركة هاهنا، هي الحسّ المشترك و الوهم فقط، لأنّ الباقي يعين على الادراك».
و كيف كان، فالّذي ساقنا الى التعرّض لذكر المدركات، ما قرّرت من مذهب اهل البيت (ع) في ذاته تعالى، من أنّه تعالى لا يوصف و لا يدرك، و قد ذكرت إنّ الامتناع من وجهين:
من حيث الذات، و من حيث قصور المدركات؛ و استشهدت للأوّل بكلماتهم (ع) ممّا يثبت و يقرّر مذهبهم. فالمقصود هنا، الاستشهاد بكلامهم (ع) ممّا يقرّر الثاني و يثبته.
و لكنّي قدّمت الباطنيّة، اذ لا يتعلّق بها بحث من حيث ذاته تعالى، الذي هو المقصد الثاني، الّا من حيث إنّه تعالى لا يدرك بها؛ و امّا الظاهريّة: فإنّها كما يتعلّق البحث بها من هذه الجهة، كذلك يتعلّق البحث بها بنفسها. كنفي الجسميّة و التركيب، فإنّه كما يقال: إنّ ذاته تعالى ليس بجسم و لا جوهر و لا مركّب، كذلك يقال: ليس بمحسوس و لا مرئيّ، و قد وقع فيها الخلاف بالخصوص أيضا.
المدرك النّفس و كلّ مشعر***أداتها من باطن أو ظاهر
و الباطنيّ العقل و الوهم فقط***و ذان أصلان لذلك النّمط
و القلب مركز الحواسّ الظاهرة***يأخذ منها و عليها آمرة
المدرك الأصلي في الظاهريّة و الباطنيّة «النّفس»، و ما يطلق عليه المدرك او الحاسّة ليست بمدركة حقيقة، بل هي مشاعر النفس؛ اي ما بها تشعر و تدرك. و كلّ مشعر أداتها من مشعر باطن أو ظاهر، و اطلاق المدرك على الأداة من باب اطلاق المسبّب على السبب. و الباطنيّ العقل و الوهم فقط، على(1)ما يستفاد من اخبارهم (ع)، و هما بمنزلة الفقير و المسكين، اذا اجتمعا افترقا و اذا افترقا اجتمعا.
فالوهم عندهم (ع)، قد يراد به ما يعمّ العقل، و قد يراد به ما يقابله من ادراك صور الجزئيّات، الّذي اختصّ به اصطلاح الفلاسفة، و ذان أصلان لذلك النّمط؛ اي نمط المدركات الباطنيّة، فيتفرّع عليهما غيرهما من الذهن و اللّب و غيرهما فيرجع الجميع إليهما.
و القلب الّذي يكثر ذكره، فكثيرا ما يراد به مركز الحواسّ الظاهرة و مجتمعها، و يوافق الحس المشترك الّذي اثبتته الحكماء مآلا؛ لكنّهم عيّنوا موضعه مقدّم التجويف الأوّل من الدماغ، و الظاهر أنّه عندهم (ع) هذا القلب الصنوبري. و كيف كان، القلب بهذا الاعتبار واسطة بين الحواسّ و بين النّفس و مسلّطة عليها، يأخذ منها و يؤدّى الى النّفس و عليها آمرة، فهو بهذا الوجه، يقابل العقل و الوهم.
1) . و عند الحكماء، المشاعر الباطنيّة خمس بالاستقراء: الحسّ المشترك في مقدّم التجويف الاوّل، تعتبر الصور المنطبقة في الحواس الظاهرة، ثمّ الخيال في مؤخّر التجويف الاوّل، تحفظ ما في الحسّ المشترك و تمثّلها بعد الغيبوبة و هو خزينته، ثمّ الوهم في آخر التجويف الاوسط، يدرك المعاني الجزئيّة الغير المحسوسة كالهرب من الذئب و العطوفة على الولد؛ ثمّ المحافظة في أوّل التجويف الآخر، تحفظ ما في الوهم و هي خزينته؛ و المتصرّفة في التجويف الاوسط، و شأنها التصرّف فيما في الخيال و المحافظة، و تركيب بعضها مع بعض، و المتصرّفة، إن استعملها الوهم في المعاني الجزئيّة، سميّت «متخيّلة»، و إن استعملها العقل في مدركاته، سمّيت «متفكّرة».
و قد يراد منه قوّة النّظر***كالذّهن و الفكر و ألفاظ أخر
فيردف العقل أو الوهم فلا***يكون ذاتا مدركا موصّلا
و إن تسمّ مدركا أو لم تسم***فالخلق لا يدرك بارئ النّسم
مبتدع التصريف في الذوات***ممتنع عن دركها للذّات
و قد يراد منه؛ اي من القلب، قوّة النّظر؛ اي القوّة النظريّة، فيطلق و يراد به احدى القوى النظريّة، كالذّهن و الفكر و ألفاظ أخر، كالفهم و الضمير و الخاطر و اللّب و الحلم و غيرها؛ فيردف تارة العقل، و منه قوله تعالى:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ )(1)و قال في مقام آخر: (... لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ... )(2)و أخرى الوهم، فهو بهذا الاطلاق، ليس شيئا و رائهما، بل دائما إمّا يرادف العقل أو الوهم؛ كما أنّه بذاك الاعتبار لا يخرج عن الحواسّ، فلا يكون ذاتا و بنفسه مدركا مؤصّلا، فلا يجوز عدّه من المدركات.
و كيف كان، إن تسم القلب مدركا مستقلا، أو لم تسم، فالخلق لا يدرك بارئ النّسم (3)، بايّ مدرك فرضته. و هذا هو المقصود بالكلام و المنظور فيه بالبحث، فالمقصود أنّه لا يدرك بمدرك باطنيّ، لا بالعقل و لا بالوهم و لا بالقلب و لا بايّ شيء يفرض، لقصور المدركات ذاتا عن ادراكه، و الدليل في الجميع واحد، و هو أنّ المدركات البشريّة (سواء كانت متّحدة أو متعدّدة)، محدودة مصرّفة، لأنّها مدركات الخلق، المحدود المصرف، و المحدود المصرّف لا يصير وعاء لغير المحدود؛ كما قلت:
مبتدع التصريف في الذوات؛ اي الّذي ابتدع التصاريف في ذوات المخلوقين، ممتنع (خبر مبتدع) عن دركها للذّات؛ اي درك الذوات لذاته المبتدع؛ يعني، أنّه تعالى جعل الذوات، مصرّفة محدودة، فهو ممتنع عن ادراكها له، قال اميرة.
و كلّ مدرك من المحدود***فلم يقع وعاء لا محدود
ما ليس محدودا و لا مكيّفا***كيف يكون مدركا مصرّفا
بعقل أو بوهم أو بخاطر***أو لبّ أو ضمير أو بآخر
كلّا و لا تشمله المشاعر***و الكلّ منه قاصر و حاسر
المؤمنين (ع): «ممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات» (1). و كلّ مدرك فهو من المحدود، لأنّه مخلوق و كلّ مخلوق محدود، و لأنّه مدرك للمحدود، و كلّ ما كان صفة للمحدود، فهو محدود، فلم يقع وعاء لا محدود؛ كما قال امير المؤمنين (ع):
«لبعده من ان يكون في قوى المحدودين» (2). ما ليس محدودا و لا مكيّفا على ما تقدّم برهانه، كيف يكون مدركا للمحدود، مصرّفا للمدرك؟ فإنّ كلّ مدرك، محدود للمدرك مكيّف له، مصرّف بتعقّله أو توهّمه؛ فإذن، لا يكون مدركا بعقل أو بوهم أو بخاطر أو لبّ أو ضمير أو بآخر غيرها؛ سواء عدّ كلّا منها شيئا واحدا أو مراتب لشيء واحد، او متعدّدا، فإنّ الجميع، مشترك في وصف المحدوديّة.
و لأجل ذلك، تكرّر منهم (ع) التعبير بهذه العبارات المختلفة، و لئلا يتوهّم متوهّم أنّه يمكن الادراك ببعض دون بعض، او بمرتبة دون مرتبة؛ كلّا و لا تشمله المشاعر مطلقا، قال الرضا (ع): «لا تشمله المشاعر و لا تحجبه الحجاب» (3). و الكلّ منه قاصر و حاسر، و قد اشرت هنا في النّظم الى ما ورد عنهم (ع) في عدم ادراك واحد واحد منها، و بيان قصورها ما عدا القلب، فإنّه سيأتي النظر فيه مفصّلا عند التعرض لابطال الكشف. و قد علم حاله هنا أيضا اجمالا لأنّه بالمعنى الأوّل؛ اعني كونه مركزا للحواسّ الظاهرة، فمرجعه الى الحواسّ و حاله يعلم من التكلّم فيها؛ و بالمعنى الثاني، فهو مرادف للعقل و الوهم و غيرهما، فيعلم أيضا حاله من التكلّم فيهما، و لم يثبت له لا من الوجدان و لا من اخبارهم (ع) معنى ثالث غير المعنيين. نتكلّم فيه.7.
فالعقل ليس يدرك الذوات***أو غائبا إلّا من الآيات
و أثر الشيء سوى الشيء فما***يدرك بالآثار إلّا مبهما
و الصانع الثابت بالعقول***ليس بمحدود و لا مشمول
و العقل لا يدرك ما لا حدّ له***و الوهم لا يدرك ما لن يشمله
و العقل يدرك الّذي قد قدّره***ما قدّر العقل فمحدودا يره
و الوهم يدرك الّذي يصرّفه***مصوّرا فهو إذن يكيّفه
ما يدرك العقل أو الوهم له***ممثّل، مشبح، مشبّه
فالعقل و هو أقوى المدركات الباطنيّة و فوقها دقّة و رقة، ليس يدرك الذوات الخارجية، أو ما كان غائبا إلّا من الآيات؛ كما تقدّم تحقيقه عند التكلم في طريقيّة العقل، فهو لا يدرك الذوات الخارجيّة بذاته إلّا من طريق الحسّ، و اذا كان الشيء غائبا عن الحواسّ، فلا يدركه إلّا بالآثار، و أثر الشيء سوى الشيء، و هو معلوم فلا تكون دلالة غير الشيء ادراكا له فما يدرك بالآثار إلّا مبهما، كما تقدّم تفصيله.
و الصانع الثابت بالعقول الفطريّة السليمة، ليس بمحدود بالحدود، و لا مشمول للأوعية و الظروف، و العقل لا يدرك ما لا حدّ له، بل كلّ ما يدركه يحدّده.
و كذلك الوهم، لا يدرك ما لن يشمله، فلذلك لا يدركانه، و أيضا العقل يدرك الّذي قد قدّره، فإنّه لا يدرك إلّا ما يقدّره. و كلّ ما قدّر العقل فمحدودا يره، و الوهم يدرك الّذي يصرّفه مصوّرا، اذ ليس ادراكه إلّا تصريفه و تصويره فهو إذن يكيّفه، و كلّ ما يدرك العقل أو الوهم له فهو ممثّل، مشبح، مشبّه.
قال امير المؤمنين (ع): «الحمد للّه الّذي انحسرت الاوصاف عن كنه معرفته، و ردعت عظمته العقول، فلم تجد مساغا الى بلوغ غاية ملكوته، هو اللّه الحق المبين، احق و ابين ممّا ترى العيون لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبّها، و لم تقع عليه الأوهام بتقدير، فيكون ممثّلا»(1). و قال (ع) أيضا:
«بل حارت الأوهام ان يكيّف المكيّف للأشياء» (2).
و قال (ع) أيضا: «و لا تحيطه الأفكار، و لا تقدّره العقول، و لا تقع عليه الأوهام، فكلّ ما قدّره عقل أو عرف له مثل، فهو محدود؛ فمن زعم أنّ إله الخلق محدود، فقد
جهل المعبود» (1).
و قال (ع) أيضا: «لأنّه اللّه الذي لم يتناه في العقول، فيكون في مهبّ فكرها مكيّفا، و في حواصل رويّات همم النفوس محدودا مصرّفا» (2).
و قال (ع): «و لم تقع عليه الأوهام فتقدره شبحا ماثلا؛ و قصرت دون بلوغ صفته أوهام الخلائق» (3).
و قال (ع) أيضا: «و لم تقع عليه الأوهام فيكون ممثّلا» (4).
و قال موسى بن جعفر (ع) في قصور العقول و الأوهام عنه تعالى: «و إنّه لا تقدّره العقول، و لا تقع عليه الاوهام، و لا تحيط به الاقطار» (5).
و قال (ع) أيضا: «إنّ اللّه- تبارك و تعالى- اجلّ و اعظم من ان يحدّ بيد أو رجل، او تبلغه الأوهام، او تحيط بصفته العقول» (6).
و قال الرضا (ع): «لا تضبطه العقول و لا تبلغه الأوهام» (7). و قال (ع) أيضا: «هو اجلّ من ان يدركه بصر، او يحيط به وهم، او يضبطه عقل»(8). و قال (ع) أيضا: «و اقمع وجوده جوائل الأوهام» (9).
و قال الباقر (ع): «تعالى عن صفة الواصفين، و جلّ عن اوهام المتوهّمين» (10).
و قال الصادق (ع): «لا تدركه الأوهام، و لا تنقصه الدهور، و لا يغيّره الزمان» (11).
و قال موسى بن جعفر (ع): «فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- عن صفة الواصفين و نعت الناعتين و توهّم المتوهّمين» (12).
و قال الرضا (ع): «إنّ اللّه تبارك و تعالى لا يوصف بمكان و لا يدرك بالأبصار و الأوهام»(13). و قال (ع) أيضا: «الممتنع من الصفات ذاته، و من الأبصار رؤيته، و من4.
1) . البحار 4: 294/ 22.
2) . المصدر 4: 277/ 16.
3) . المصدر 4: 265/ 14.
4) . المصدر 64: 323/ 2.
5) . المصدر 4: 296/ 23.
6) . المصدر 3: 300/ 32.
7) . المصدر 4: 263/ 11.
8) . المصدر 3: 37/ 12.
9) . المصدر 4: 284/ 17.
10) المصدر 3: 291/ 6.
11) . المصدر 3: 29/ 3.
12) . المصدر 3: 311/ 5.
13) . المصدر 4: 3/ 4.
و كلّ ما الوهم قضى و قدّره***فهو على خلاف ما تصوّره
خلاف ما تعقّل الأحلام***و غير ما تصوّر الأوهام
فما تعقّلت فليس ذاك هو***و ما توهّمت فذاك غيره
الأوهام الاحاطة به» (1).
و قال امير المؤمنين (ع): «و قصرت دون بلوغ صفته اوهام الخلائق» (2). و قال (ع):
«الحمد للّه الّذي عجز الأوهام ان تنال إلّا وجوده» (3). و في تحف العقول: «اعدم الأوهام ان تنال الى وجوده» (4).
و كلّ ما الوهم قضى و قدّره؛ فهو تعالى على خلاف ما تصوّره، و هو تعالى خلاف ما تعقّل الأحلام، و هو غير ما تصوّر الأوهام، فما تعقّلت من شيء، فليس ذاك هو تعالى، و ما توهّمت، فذاك غيره تعالى؛ قال امير المؤمنين (ع): «إنّه ربّ، خالق، غير مربوب مخلوق، ما تصوّر فهو بخلافة»(5). ثمّ قال بعد ذلك: «ليس باله من عرف بنفسه، هو الدال بالدّليل عليه، و المؤدّي بالمعرفة إليه»(6). و قد تقدّم عنه (ع) في باب «أنّه لا يوصف إلّا بما وصف نفسه» (في جواب ما روى أنّ محمدا (ص) رأى ربّه؟ الى أن قال): «ما توهّمتم من شيء، فتوهّموا للّه غيره» (7).
و قال الحسين (ع): «ما تصوّر في الأوهام، فهو خلافه» (8). و قال الصادق (ع) لهشام بن الحكم: «إنّ اللّه تعالى لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء، و كلّ ما وقع في الوهم فهو بخلافه» (9).
و قال (ع) لمفضّل بن عمر: «من شبّه اللّه بخلقه فهو مشرك، إنّ اللّه تبارك و تعالى لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء، و كلّ ما وقع في الوهم، فهو بخلافه» (10).
و قال (ع) أيضا: «و لا يدرك بالحواس الخمس، و لا يقع عليه الأوهام، و لا تصفه الألسن؛ فكلّ شيء حسّته الحواس أو جسّته الجواسّ أو لمسته الأيدى، فهو مخلوق»(11).6.
من عبد اللّه توهّما، كفر***محتجب عن العقول كالبصر
لم تحط الأذهان و الضمائر***به و لا الأفهام و الخواطر
و قال الرضا (ع): «ما توهّمتم من شيء فتوهّموا للّه غيره» (1).
و عن ابن ابي نجران، قال: سألت أبا جعفر الثاني (ع) عن التوحيد، فقلت:
اتوهّم شيئا؟ فقال (ع): «نعم، غير معقول و لا محدود، فما وقع وهمك عليه من شيء، فهو خلافه، لا يشبهه شيء و لا يدرك بالأوهام، و كيف تدركه الأوهام و هو خلاف ما يعقل و خلاف ما يتصوّر في الأوهام، انّما يتوهّم شيء غير محدود و لا معقول» (2).
و على هذا، من عبد اللّه توهّما، كفر، لأنّه عبد غير اللّه، قال الصادق (ع): «من عبد اللّه بالتوهّم، فقد كفر، و من عبد الاسم و لم يعبد المعنى، فقد كفر» (3). محتجب عن العقول كالبصر، اي كما يحتجب عن البصر، قال الحسين (ع): «احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار» (4).
لم تحط الأذهان و الضمائر به، و لا الأفهام و الخواطر، قال امير المؤمنين (ع):
«لا يدرك بوهم و لا يقدر بفهم» (5). و قال (ع) أيضا: «تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة، و تشهد له المرائي (العيون) لا بمحاضرة» (6).
و قال (ع): «ممتنع عن الأوهام ان تكنهه، و عن الأفهام ان تستغرقه، و عن الأذهان ان تمثّله: و حصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته، و غرقت الأذهان في لجج افلاك ملكوته» (7).
و قال رسول اللّه (ص): «الّذي تعجز الحواسّ ان تدركه، و الاوهام ان تناله، و الخطرات ان تحدّه، و الأبصار عن الإحاطة به، جلّ عمّا يصفه الواصفون» (8).
و عن ابي الحسن الثالث (ع) مثله (9).
و قال الحسن بن علي (ع): «فلا تدرك العقول و اوهامها، و لا الفكر و خطراتها،0.
لم تحوه الأفكار بالمقياس***و لا المبرّات عن الوسواس
محرّم على بوارع الفطن***تحديده و هو عن الوهم بطن
و لا الالباب و اذهانها صفته» (1).
و قال ابو جعفر الثاني (ع): «محرّم على القلوب ان تحتمله، و على الأوهام ان تحدّه، و على الضمائر ان تصوّره» (2).
لم تحوه الأفكار بالمقياس، و لا المبرّات عن الوسواس، قال امير المؤمنين (ع): «و لا تقطعه المقاييس لكبريائه»(3). و قال (ع): «لأنّه اللطيف الّذي اذا ارادت الأوهام ان تقع عليه في عميقات غيوب ملكه، حاولت الفكر المبرّات من خطر الوسواس ادراك علم ذاته، و تولّهت القلوب إليه لتحوي منه مكيّفا في صفاته، و غمضت مدال العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم إلهيّته، ردعت خاسئة و هي تجوب(4)مهاوى سدف (5)الغيوب، متخلصة إليه سبحانه، رجعت اذ جبهت، معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته» (6).
و قال (ع): «اتقوا اللّه ان تمثّلوا بالربّ الّذي لا مثل له، او تشبّهوه من خلقه، او تلقوا عليه الأوهام، او تعملوا فيه الفكر، او تضربوا له الأمثال، او تنعتوه بنعوت المخلوقين، فإنّ لمن فعل ذلك نارا» (7).
و قال (ع): «و حار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير»(8). و قال (ع): «و ارتفع عن ان تحوى كنه عظمته فهاهة (9)رويّات المتفكّرين» (10).
و قال الحسين (ع): «يصيب الفكر منه الإيمان به موجودا، و وجود ايمان لا وجود صفة» (11).
محرّم على بوارع الفطن، تحديده، و هو عن الوهم بطن؛ اي استتر عن ادراك9.
فإنّه من لم يقدّر قدره***رويّة الأوهام لا تقدّره
ضلّت هنا هواجس الأحلام***و فات عن مراجم الأوهام
قد ضلت العقول في أمواجه***و حارت الأوهام في ارتتاجه
الأوهام، قال امير المؤمنين (ع): «الباطن لجلال عزّته عن فكر المتوهمين» (1).
و قال (ع): «محرّم على بوارع ناقبات الفطن تحديده، و على غوامض ثاقبات الفكر تكييفه، و على غوائص سابحات النظر تصويره» (2).
و قال (ع): «و لا يناله غوص الفطن» (3).
و قال (ع): «لا تناله الأوهام فتقدّره، و لا تتوهّمه الفطن فتصوّره» (4).
فإنّه من لم يقدّر قدره، اي من كان اجلّ من ان يقدّر قدره؛ كما قال تعالى:( ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... )(5)رويّة الأوهام لا تقدّره ابدا، ضلّت هنا هواجس الأحلام اي خواطر الحلم و فات عن مراجم الأوهام؛ اي مواضع رجمها، قال امير المؤمنين (ع): «و كيف يكون من لا يقدر قدره، مقدّرا في روايات الأوهام، و قد ضلّت في ادراك كنهه هواجس الأحلام» (6). و قال (ع): «و فات لعلوّه على اعلى الأشياء، مواقع رجم المتوهّمين» (7).
قد ضلت العقول في أمواجه و حارت الأوهام في ارتتاجه(8)قال (ع): «قد ضلّت العقول في امواج تيّار ادراكه، و تحيّرت الأوهام عن احاطة ذكر ازليّته» (9).
و قال (ع): «تاهت الفطن في تيّار امواج عظمته، و حصرت الألباب عند ذكر ازليّته، و تحيّرت العقول في افلاك ملكوته» (10).
و عن ابي الحسن الثالث (ع): «إلهي تاهت اوهام المتوهّمين، و قصر طرف الطارفين، و تلاشت اوصاف الواصفين، و اضمحلّت تأويل المبطلين، عن الدرك لعجيب شأنك، و الوقوع بالبلوغ الى علوّك، فأنت الّذي لا تتناهى و لم تقع عليك عيون4.
تاهت طوامح العقول و الفكر***و هل تحدّ الربّ ألباب البشر؟
جلّ من أن يحدّ بالحدود***أو أن يكون في قوى المحدود
حارت عن استشعار وصف قدرته***خابت عن استنباطها لصفته
بإشارة و لا عبارة، هيهات ثمّ هيهات!!» (1).
و عنه (ع) في مكتوبة: «تاهت اوهام المتوهّمين، و قصر طرف الطارفين، و تلاشت أوصاف الواصفين، و اضمحلّت اقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنه، و الوقوع بالبلوغ على علوّ مكانه، فهو بالموضع الّذي لا يتناهى، و بالمكان الّذي لم تقع عليه الناعتون، بإشارة و لا عبارة هيهات هيهات!!» (2).
تاهت طوامح العقول و الفكر، و هل تحدّ الربّ ألباب البشر؟ المحدود!؟
هيهات! جلّ من أن يحدّ بالحدود أو أن يكون في قوى المحدود. قال امير المؤمنين (ع): «و حال دون غيبه المكنون، حجب من الغيوب و تاهت في ادنى ادانيها (أي الغيوب) طامحات العقول في لطيفات الأمور» (3).
و قال (ع): «و قد يئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول، و نضيت عن الإشارة إليه بالاكتناه بحار العلوم» (4).
و قال (ع): «و لا يخطر ببال اولي الرويّات خاطرة من تقدير جلال عزّته، لبعده ان يكون في قوى المحدودين، لأنّه خلاف خلقه، فلا شبه له في المخلوقين، و إنّما يشبّه الشيء بعديله، فامّا ما لا عديله له فكيف يشبّه بغير مثاله» (5).
و قال (ع): «لأنّه اجلّ من ان تحدّه الباب البشر بالتفكير» (6).
حارت عن استشعار وصف قدرته، فكيف بان تستشعر ذاته، و خابت أيضا عن استنباطها لصفته؛ كما مرّ في كلام امير المؤمنين (ع)، و قال (ع) أيضا: «و رجعت بالصّغر عن السموّ الى وصف قدرته لطائف الخصوم» (7).2.
ليس بمدرك له بعد الهمم***و لا ملائك على قرب وهم
لم يحجب العقول عن معرفته***بل حجبت عن ذاته و صفته
ليس بمدرك له بعد الهمم، فإنّه لا يجدي في الادراك الهمّ البعيد، او الجدّ السّديد، و الجهد الشديد، و كذلك لا يدركه ملائك على قرب منهم و همّ لهم بذلك، قال امير المؤمنين (ع): «لا يبلغه بعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن» (1). و قال (ع): «لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن» (2). و قد مرّ كلامه (ع) و في حواصل رويّات همم النّفوس محدودا مصرّفا.
و قال (ع): «لأنّه اجلّ من أن يحدّه الباب البشر بالتفكّر، او تحيط به الملائكة على قربهم من ملكوت عزّته بتقدير» (3).
و قد مرّ في أنّه تعالى لا يوصف، قوله في الملائكة: «متولّهة عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين، و إنّما يدرك بالصفات ذوو الهيئات و الأدوات» (4).
و قال الحسين (ع): «و لا تدركه العلماء بألبابها، و لا اهل التفكير بتفكيرهم، الّا بالتحقيق ايقانا بالغيب، لأنّه لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين» (5).
لم يحجب العقول عن معرفته، بل حجبت عن ذاته وصفته. و في هذا جواب عن أنّه إذا كانت العقول محجوبة عنه، فكيف لنا بالمعرفة؟ و إنّ المعرفة ليست إلّا بالعقول، فكيف الجمع بينهما؟
و حاصل الجواب: أنّها ليست ممنوعة عن القدر اللازم في المعرفة، و هو العلم به، و إنّما هي ممنوعة عمّا زاد عليه؛ اعني الإدراك. قال امير المؤمنين (ع): «و حجب العقول ان تتخيّل ذاته في امتناعها من الشبه و الشّكل» (6). و قال (ع) أيضا: «لم يطّلع العقول على تحديد صفته، و لم يحجبها عن واجب معرفته» (7).
تعرفه بالآي و الآثار***ما كان يكفيه من الإقرار
إذ مع علوّه على الأشياء***بها تجلّى لظهور الآي
و وقفها من جهة الإدراك له***إذ هو فوق العقل أن تعقّله
و لم يحبب في واجب الإقرار***معرفة الكنه بلا استتار
و الناس لم يكلّفوا تعقّله***و إنّما قد كلّفوا الإقرار له
تعرفه بالآي و الآثار، ما كان يكفيه من الإقرار، و هو محض العلم بوجوده، متّصفا بصفات الكمال، منزّها عن كلّ نقص و افتقار، إذ مع علوّه على الأشياء، كما تقدّم من كلام امير المؤمنين (ع)، بها تجلّى للعقول لظهور الآي؛ يعني الآية له تعالى في كلّ شيء و إن لم يكن هو ظاهرا بنفسه، قال امير المؤمنين (ع): «لم تحط به الأوهام، بل تجلّى لها بها (أي بالأشياء)، و بها امتنع منها و إليها حاكمها» (1).
و المراد بالأوهام، الاعمّ من العقول؛ يعني أنّه تعالى تجلّى للعقول بالأشياء، و بها امتنع منها؛ اي اكتفى بدلالة الاشياء عليه، فامتنع من العقول، او بالعقول امتنع منها، لما تقدّم أنّ الخلق أيضا بذاته حاجب عنه، و جعل المحاكمة بينه و بين العقول الى الأشياء، لظهور دلالتها عليه، فالعقول غير واقفة من جهة العلم بوجوده، و لا متوقّفة، و إنّما وقفها من جهة الإدراك له، إذ هو فوق العقل أن تعقّله. فإنّ المخلوق ليس في مرتبة الخالق؛ و المحدود ليس في مرتبة الحادّ؛ و المتناهي لا يبلغ اللامتناهي.
و لم يحبب عند العقل في واجب، الإقرار له تعالى، بل بالنّسبة الى كلّ شيء فرض وجوب الإقرار به معرفة الكنه له تعالى، او لذلك الشيء بلا استتار، و الناس لم يكلّفوا تعقّله لا عقلا و لا شرعا. و إنّما قد كلّفوا الإقرار له، و الإقرار لا يلازم الاكتناه.
و الإدراك و لا يستلزم.
قال الصادق (ع) في حديث المفضّل:
«و اعجب منهم جميعا المعطّلة، الّذين راموا ان يدركوا بالحسّ ما لا يدرك بالعقل، فلمّا اعوزهم ذلك، خرجوا الى الجحود9.
1) . البحار 4: 261/ 9.
و التكذيب، فقالوا: و لم لا يدرك بالعقل؟ قيل: لأنّه فوق مرتبة العقل؛ كما لا يدرك البصر ما فوق مرتبته، فإنّك لو رأيت حجرا يرتفع في الهواء، علمت أنّ راميا يرمي به، فليس هذا العلم من قبل البصر، بل من قبل العقل، لأنّ العقل، هو الّذي يميّزه فيعلم أنّ الحجر لا يذهب علوا من تلقاء نفسه، أ فلا ترى كيف وقف البصر على حدّه، فلم يتجاوزه، فكذلك يقف العقل على حدّه من معرفة الخالق، فلا يعدوه و لكن يعقله بعقل اقرّ أنّ فيه نفسا و لم يعاينها، و لم يدركها بحاسّة من الحواس.
و على حسب هذا أيضا، نقول: أن العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار و لا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته.
فإن قالوا: فكيف يكلّف العبد الضعيف، معرفته بالعقل اللطيف و لا يحيط به؟ قيل لهم: إنّما كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم ان يبلغوه، و هو ان يوقنوا به و يقفوا عند امره و نهيه، و لم يكلّفوا الإحاطة بصفته، كما انّ الملك لا يكلّف رعيّته ان يعلموا أ طويل، أم قصير ابيض هو، أم اسمر، و إنّما يكلّفهم الإذعان بسلطانه و الانتهاء الى أمره.
ألا ترى أنّ رجلا لو أتى باب الملك، فقال: اعرض عليّ نفسك حتّى اتقصّى معرفتك، و إلّا لم اسمع لك، كان قد احلّ نفسه للعقوبة؟ فكذا القائل أنّه لا يقرّ بالخالق سبحانه حتّى يحيط بكنهه متعرّض لسخطه.
فإن قالوا: أو ليس نصفه، فنقول العزيز الحكيم، الجواد، الكريم؟ قيل لهم: كلّ هذه، صفات اقرار، و ليست صفات احاطة، فإنّا نعلم أنّه حكيم و لا نحيط بكنه ذلك منه، و كذلك قدير و جواد و سائر صفاته، كما قد نرى السّماء و لا ندرى ابن
منتهاه، بل فوق هذا المثل بما لا نهاية له، لأنّ الأمثال كلّها تقصر عنه و لكنّها تقود العقل الى معرفته.
فإن قالوا: لم يختلف فيه؟ قيل لهم: لقصر الأوهام عن مدى عظمته و تعديها اقدارها في طلب معرفته و أنّها تروم الإحاطة به و هي تعجز عن ذلك و ما دونه، فمن ذلك، هذه الشّمس الّتي تراها تطلع على العالم، و لا يوقف على حقيقة امرها، و لذلك كثرت الأقاويل فيها و اختلفت الفلاسفة المذكورون في وصفها، فقال بعضهم: هو فلك اجوف مملوّ نارا، ثمّ اختلفوا في شكلها، فقال بعضهم: هي بمنزلة صفحة عريضة؛ و قال آخرون: كالكرة المدحرجة. و كذلك اختلفوا في مقدارها، فزعم بعضهم: أنّها مثل الارض سواء. ففي اختلاف هذه الاقاويل منهم في الشمس دليل على أنّهم لم يقفوا على الحقيقة من امرها، و اذا كانت هذه الشّمس الّتي يقع عليها البصر و يدركها الحسّ، قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها، فكيف ما لطف عن الحسّ و استتر عن الوهم؟
فإن قالوا: و لم استتر؟ قيل لهم: لم يستتر بحيلة يخلص إليها كمن يحتجب عن النّاس بالأبواب و السّتور، و إنّما معنى قولنا استتر، أنّه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام؛ كما لطفت النّفس و هي خلق من خلقه و ارتفعت عن ادراكها بالنّظر.
فإن قالوا: و لم لطف، و تعالى عن ذلك علوّا كبيرا؟ كان ذلك خطاء من القول لا يليق بالّذي هو خالق كلّ شيء، إلّا ان يكون مباينا لكلّ شيء متعاليا عن كلّ شيء سبحانه و تعالى. هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص199
لّ شيء متعاليا؟ قيل لهم: الحقّ الّذي تطلب معرفته من الأشياء، هو أربعة اوجه:
فأوّلها: أن تنظر أ موجود هو أم ليس بموجود.
و الثاني: ان يعرف ما هو في ذاته و جوهره.
و الثالث: ان يعرف كيف هو و ما صفته.
و الرابع: ان يعلم لما ذا هو؟ و لايّ علّة؟ فليس من هذه الوجوه شيء يمكن المخلوق ان يعرفه من الخالق حق معرفته، غير أنّه موجود فقط، فإذا قلنا: كيف و ما هو؟ فممتنع على كنهه و كمال المعرفة به، و امّا لما ذا؟ فهو ساقط في صفة الخالق، لأنّه جلّ شأنه علّة كلّ شيء و ليس شيء بعلّة له. ثمّ ليس علم الانسان بأنّه موجود، موجب له ان يعلم ما هو؟ و كيف هو؟ كما أنّ علمه بوجود النّفس لا يوجب ان يعلم ما هي؟ و كيف هي؟ و كذلك امور الروحانيّة اللطيفة.
فإن قالوا: فأنتم الآن تصفون من قصور العلم عنه وصفا، حتّى كأنّه غير معلوم؟ قيل لهم: هو كذلك من جهة، اذا رام العقل معرفة كنهه و الاحاطة به، و هو من جهة أخرى اقرب من كلّ قريب، اذا استدلّ عليه بالدّلائل الشافية، فهو من جهة كالواضح لا يخفى على أحد، و هو من جهة كالغامض لا يدركه احد، و كذلك العقل أيضا ظاهر بشواهده و مستور بذاته» (1).
هذا تمام الكلام في المدركات الباطنية، و لنختم الكلام في ذاته من حيثيّة أنّه لا يدرك، و نتكلّم فيه من حيثيّات أخرى. فمن ذلك أنّه تعالى ليس بمحسوس، و لا يدرك بالحواسّ، فيندرج فيه البحث عن المدركات الظاهرية و إنّما صنعت كذلك، ليكون البحث عن عدم محسوسيّته بحثا، استقلاليّا، نفسيّا، لا مقدميّا، و لكن تماميّة البحث عنه، تتوقّف على البحث عن الجوهريّة و الجسميّة و لذلك قدمته عليه.1.
1) . البحار 3: 146/ 1.
ليس بجوهر و جسم و عرض***بل هو غير كلّ ما الوهم فرض
من صورة أو شبح مثال***أو كلّما يرسم في الخيال
بل هو منشى لكلّ داهر***و خالق الأعراض و الجواهر
مجسّم الجسم، مصوّر الصور***مجنّس الجنس و بارئ كلّ ذرّ
مذهب اهل البيت (ع) سلب جميع ذلك عن ذاته تعالى، و يدلّ على ذلك مضافا الى ما نذكره من تصريحاتهم الخاصّة، ما تقدّم من مذهبهم أنّه تعالى لا يوصف، بل من قولهم بأنّه لا يدرك أيضا؛ فإنّ القول بأنّه جوهر أو جسم أو غيرهما، مستلزم للتوصيف و الادراك؛ و كذلك يدلّ عليه ما يأتي من مذهبهم على نفي التشبيه، و أنّه ليس كمثله شيء، ليس ذاته تعالى عند اهل البيت (ع)، بجوهر و جسم و عرض، بل هو غير كلّ ما الوهم فرض، من صورة أو شبح أو مثال أو كلّما يرسم في الخيال؛ فإنّ المرتسم في الخيال، لا يخلو عن الصورة و الشبح و المثال، و لو فرض فيه شيء غيرها، فهو تعالى أيضا غيره، بل هو منشئ لكلّ داهر؛ اي موجود في الدهر و العالم؛ و هو تعالى خالق الأعراض و الجواهر؛ و هو مجسّم الجسم، و مصوّر الصور، و مجنّس الجنس، و بارئ كلّ ذرّ، و صانع الشيء لا يكون من جنسه، و المبدع لا يكون من جنس المبدع، و إلّا فلا يكون ابداعا.
فعن عبد العظيم الحسني، عن علي بن محمد الهادي (ع)،
قال: فقلت يا ابن رسول اللّه! إنّي اريد أن اعرض عليك ديني، فإن كان مرضيّا، ثبّت عليه حتّى القى اللّه- عزّ و جلّ-، فقال: «هاتها يا أبا القاسم!» فقلت: انّي اقول إنّ اللّه تبارك و تعالى واحد، ليس كمثله شيء، خارج من الحدّين: «حدّ الابطال» و «حدّ التشبيه»، و إنّه ليس بجسم و لا صورة و لا عرض و لا جوهر، بل هو مجسّم الأجسام، و مصوّر الصّور، و خالق الأعراض و الجواهر، و ربّ كلّ شيء و مالكه و جاعله و محدثه، و أنّ محمّدا- صلى اللّه عليه
و آله- عبده ...
و في آخره فقال علي بن محمّد (ع): «يا أبا القاسم! هذا و اللّه دين اللّه الّذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه، ثبّتك اللّه بالقول الثابت» (1).
و قال الصادق (ع): «و إنّه شيء بحقيقة الشيئيّة، غير أنّه لا جسم، و لا صورة، و لا يجسّ، و لا يدرك بالحواس الخمس» (2).
و قال الرضا (ع): «عرف بغير رؤية، و وصف بغير صورة، و نعت بغير جسم، لا إله إلّا هو الكبير المتعال» (3).
و قال (ع) أيضا (في جواب مسألة سهل: أنّه جسم أو لا جسم؟): «إنّ للنّاس في التوحيد ثلاثة مذاهب: اثبات بتشبيه و مذهب النّفي، و مذهب اثبات بلا تشبيه؛ فمذهب الاثبات بتشبيه لا يجوز، و مذهب النّفي لا يجوز، و الطريق في المذهب، اثبات بلا تشبيه» (4).
و عن الصادق (ع) في جواب ما كتبه إليه عبد الرحيم القصير، اخبرني عن اللّه، هل يوصف بالصورة و بالتخطيط؟
«سألت- رحمك اللّه- عن التوحيد و ما ذهب من قبلك، فتعالى اللّه الّذي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون، المشبّهون اللّه تبارك و تعالى بخلقه، المفترون على اللّه: و اعلم- رحمك اللّه- أنّ المذهب الصحيح في التوحيد، ما نزل به القرآن من صفات اللّه- عزّ و جلّ- فانف عن اللّه البطلان و التشبيه فلا نفي و لا تشبيه» (5). الى آخر ما تقدّم «في أنّه تعالى شيء».
و قال ابو الحسن الثالث (ع): «يا فتح! كلّ جسم مغذّى بغذاء إلّا الخالق الرازق، فإنّه جسّم الأجسام و هو ليس بجسم و لا صورة، منشئ الأشياء و مجسّم الأجسام و مصوّر الصور» (6).
و عن سهل، قال كتبت الى ابي محمّد (ع) سنة خمس و خمسين و مأتين، قد1.
و الكلّ ذو حدّ و ذو تناه***و ذو التناهي ليس بالإله
فالكلّ حادث بلا امتراء***فاللّه غير هذه الأشياء
ليس كمثله تعالى شأنه***شيء فيا سبحانه سبحانه
مجوهر الجوهر لا جوهر له***مشعر المشعر لا مشعر له
اختلف يا سيّدي اصحابنا في التوحيد، فمنهم من يقول: هو جسم؛ و منهم من يقول:
هو صورة؛ فإن رأيت يا سيّدي ان تعلّمني من ذلك ما اقف عليه و لا اجوزه، فعلت متطوّلا على عبدك.
فوقّع (ع) بخطّه: «سألت عن التوحيد، و هذا عنكم معزول، انّ اللّه تعالى واحد، احد، صمد، لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا احد؛ خالق و ليس بمخلوق، يخلق تبارك و تعالى ما يشاء من الاجسام و غير ذلك، و يصوّر ما يشاء و ليس بمصوّر، جلّ ثناءه و تقدّست اسمائه، و تعالى ان يكون له شبه، هو لا غيره، ليس كمثله شيء» (1).
و برواية أخرى عن سهل، عن ابى الحسن (ع): في أنّه جسم أو صورة؟ فكتب:
«سبحان من لا يحدّ و لا يوصف، ليس كمثله شيء و هو السميع العليم، او قال:
البصير» (2). و برواية أخرى، عن سهل، عن حمزة بن محمّد، قال: كتبت الى ابي الحسن (ع) و اسأله عن الجسم و الصورة، فكتب (ع): «سبحان من ليس كمثله شيء، لا جسم و لا صورة» .(3)
و الكلّ ذو حدّ و ذو تناه، كما يجيء قول الصادق (ع) في ابطال قول هشام: «أما علم أنّ الجسم محدود متناه» و ذو التناهي ليس بالإله، كما تقدّم تقريره، فالكلّ حادث بلا امتراء، لأنّها محدودة، و المحدود مفتقر الى المحدّد، فاللّه غير هذه الأشياء، من الجسم و الصورة و غيرها، ليس كمثله تعالى شأنه شيء، فيا سبحانه سبحانه، فاذا فرض أنّه تعالى جوهر أو جسم أو صورة أو شبح أو مثال، كان له مثل، سبحانه الكبير المتعال، بل هو مجوهر الجوهر، لا جوهر له و مشعر المشعر، لا مشعر له، لأنّه ابدع ما لم يكن، و هو قد كان قبل ان يبدع، فقد كان غير ما ابدعه.
قال امير المؤمنين (ع): «بتشعيره المشاعر عرف أنّ لا مشعر له، و بتجهيره4.
لا شبح فيوصف اقتراحا***بالكيف أو يصارع الأشباحا
أو يتقضّى أو يراه الرائي***كيف و لم يحلّ في الأشياء
و كلّ جسم للتجزّي قابل***و الجنس مع أجناسه معادل
من قال بالجسم فقد تجرّءا***و كان أهل البيت منه البرءاء
و لو يقول ليس كالأجسام***إن لم يرد من ذاك صرف الاسم
كسالف القولين من هشام***زعما بأن لا شيء غير الجسم
الجواهر عرف انّ لا جوهر له» (1). و عن الرضا (ع) أيضا مثله .(2)
لا شبح فيوصف اقتراحا بالكيف؛ اي يقترح له كلّ من عند نفسه وصفا و يصفه بكيفيّة خاصّة، أو يصارع الأشباحا من حيث المماثلة و الكيفيّة، فإنّ الأمثال، تضادّ الأمثال و الأشباه، تقابل الاشباه، و هي معنى المصارعة، أو يتقضّى و ينصرم، فإنّ الأشباح تتقضّى و تنصرم، أو يراه الرائي، فإنّ الشبح يكون مرئيا، و كيف يوصف بالشبح؟ و هو لم يحلّ في الأشياء فيكون من سنخها جوهرا أو شبحا.
قال امير المؤمنين (ع): «و لا له شبح مثال فيوصف بكيفيّة، و لم يغب عن شيء فيعلم بحيثيّة؛ ليس بجنس فتعادله الأجناس، و لا بشبح فتصارعه الاشباح» (3).
و قال (ع) أيضا: «لا شبح فيتقضى و لا محجوب فيحوى» (4).
و قال (ع) أيضا: «و لم تقع عليه الأوهام فتقدره شبحا مائلا، الّذي بان من الخلق فلا شيء كمثله» (5).
و قال (ع) أيضا: «ليس بشبح فيرى، و لا بجسم فيتجزى، و لا بذي غاية فيتناهى، كيف يوصف بالأشباح و ينعت بالألسن الفصاح من لم يحلل في الأشياء، فيقال: هو فيها كائن، و لم يناء عنها فيقال: هو عنها بائن» (6).
و كلّ جسم للتجزّي قابل، كما قال (ع): «و لا بجسم فيتجزّى» (7). و الجنس مع2.
أجناسه معادل؛ كما قال (ع): «ليس بجنس فتعادلانه الأجناس»(1). و هو تعالى لا يتجزّى و لا يماثله شيء، من قال بالجسم، فقد تجرّئ على اللّه، و كان أهل البيت (ع) منه البرءاء، و لو يقول إنّه جسم ليس كالأجسام، كسالف القولين من هشام بن الحكم؛ و كان ذلك منه قبل استبصاره، فإنّه كان يقول: جسم لا كالأجسام، فصار ذلك منه من القول بالجسميّة بناء على ظاهر كلامه و هو كذلك، إن لم يرد من ذاك اي من الجسم، صرف الاسم، زعما بأن لا شيء غير الجسم، كما حكى عنه: أنّه إنّما كان يقول بأنّه جسم، لأنّ ما ليس بجسم لم يكن بشيء عنده. فلفظ الجسم على هذا مرادف عنده، للفظ الشّيء، كما يتلى عليك في حديث الخياط.
و قد اعترف بذلك ابو الحسن الاشعري، مع كونه شديد التعصب على هشام، فقد حكى في كتابه مقالات الاسلاميّين (ص 6)، إنّ هشاما قال: معنى الجسم أنّه موجود، و كان يقول: إنّما اريد بقولي: جسم، أنّه موجود و أنّه شيء، و أنّه قائم بنفسه.
فعلى هذا، ليس هذا القول من القول بالجسميّة، الّا أنّهم (ع) تبرءوا من هذا القول أيضا. و الفرق أنّهم (ع) على المعنى الأوّل، تبرءوا منه و من القائل به، و على الثاني، تبرءوا من نفس القول لئلا يشيع هذا القول الموهم للباطل، و لئلّا ينفتح باب التأويل.
فعن الصقر بن دلف، قال سألت أبا الحسن عليّ بن محمّد (ع)، عن التوحيد، قلت له: إنّي اقول بقول هشام بن الحكم، فغضب (ع)، ثمّ قال: «ما لكم و لقول هشام!؟
إنّه ليس منّا، من زعم إنّ اللّه جسم، نحن منه برآء في الدنيا و الآخرة، يا ابن دلف! إنّ الجسم محدّث، و اللّه محدثه» (2).
و عن الحسين بن عبد الرحمن الحماني، قال: قلت لأبي ابراهيم (ع)، إنّ هشام بن الحكم زعم أنّ اللّه تعالى جسم، ليس كمثله شيء، فقال (ع): «قاتله اللّه! أما علم أنّ الجسم محدود، و الكلام غير المتكلّم، معاذ اللّه، و أبرأ الى اللّه من هذا القول، لا جسم و لا صورة و لا تحديد و كلّ شيء سواه مخلوق، و إنّما تكون الاشياء بإرادته ...» (3).
و عن يونس بن ظبيان، قال: دخلت على ابي عبد اللّه (ع) فقلت له: إنّ هشام بن9.
الحكم يقول قولا عظيما، الّا إنّي اختصر لك منه حرفا: يزعم أنّ اللّه جسم، لأنّ الأشياء شيئان: جسم و فعل، الجسم، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل، و يجوز ان يكون بمعنى الفاعل.
فقال (ع): «ويله! أما علم أن الجسم، محدود، متناه، و الصورة محدودة، متناهية. فإذا احتمل الحدّ، احتمل الزيادة و النقصان و اذا احتمل الزيادة و النقصان كان مخلوقا».
قال: قلت فما أقول؟ قال (ع): «لا جسم و لا صورة، و هو مجسّم الاجسام و مصوّر الصور، لم يتجزّء، و لم يتناه، و لم يتزايد، و لم يتناقص» (1).
و عن يونس عن محمّد بن حكيم، قال: وصفت لأبي الحسن (ع) قول هشام الجواليقي، و ما يقول في الشّاب الموفّق، و وصفت له قول هشام بن الحكم؛ فقال (ع):
«إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يشبهه شيء» (2).
و عن محمّد بن الفرج الرخجي، قال: كتبت الى ابي الحسن على بن محمّد (ع):
أسأله عمّا قال: هشام بن الحكم في الجسم و هشام بن سالم في الصورة، فكتب (ع):
«دع عنك حيرة الحيران، و استعذ باللّه من الشيطان، ليس القول ما قاله الهشامان» (3).
و عن علي بن حمزة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع)، إنّ هشام بن الحكم يروي عنكم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- جسم، صمديّ، نوريّ، معرفته ضروريّ يمنّ بها على من يشاء من خلقه.
فقال (ع): «سبحان من لا يعلم كيف هو إلّا هو، ليس كمثله شيء و هو السميع، البصير، لا يحدّ و لا يحسّ و لا يمس و لا يدركه الحواسّ و لا يحيط به شيء، لا جسم و لا صورة و لا تخطيط و لا تحديد» (4).
و عن عبد الملك بن هشام الخياط، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (ع) أسألك- جعلني اللّه فداك! قال (ع): «سل يا جبلي عمّا ذا تسألني؛
قال: قلت جعلت فداك! زعم هشام بن سالم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- صورة؛ و زعم يونس، مولى آل يقطين، و هشام بن الحكم، أنّ اللّه شيء لا كالاشياء، و أنّ الأشياء بائنة5.
و أيّ فحش أو خناء ***أعظممن أن يقال إنّه مجسّم
أو صورة أو هو كالأشياء***أو كان ذا تحديد أو أعضاء
و عندهم فلا يصلّى خلفه***و لا من الزكاة يعطى عرفه
منه، و أنّه بائن من الأشياء، زعما أنّ اثبات الشيء ان يقال جسم، فهو جسم لا كالأجسام، شيء لا كالأشياء، ثابت موجود، غير فقيد و لا معدوم، خارج عن الحدّين:
حدّ الابطال و حدّ التشبيه، فبأي القولين اقول؟
فقال (ع): أراد هذا الاثبات، و هذا شبّه ربّه بالمخلوقين، تعالى اللّه الّذي ليس له شبه، و لا مثل، و لا عدل، و لا نظير، و لا هو بصفة المخلوقين، لا تقل بمثل ما قال هشام بن سالم، و قل بما قال مولى آل يقطين و صاحبه ...» (1).
فقوله (ع): «اراد هذا الاثبات» و قوله (ع) «قل بما قال مولى آل يقطين و صاحبه» ظاهر في عدم بطلان القول بأنّه جسم بهذا التأويل، و إن كان مخالفا لإطلاق الجسم من حيث اللغة و العرف، الّا أنّه نهي عنه في غير هذا الحديث، لئلّا ينفتح باب التأويل و لظهور العبارة في خلاف الحق.
و أيّ فحش أو خناء أعظم، من أن يقال: إنّه مجسّم أو صورة أو هو كالأشياء، أو كان ذا تحديد أو أعضاء، ففي حديث محمد بن الحكيم المتقدّم، برواية البزنطي عنه، فيه زيادة بعد قوله (ع): «لا يشبهه شيء»، قال (ع):
«ايّ فحش أو خناء اعظم من قول من يصف خالق الاشياء بجسم أو صورة أو بخلقة أو بتحديد أو اعضاء، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا» (2).
و عندهم (ع) فلا يصلّى خلفه، خلف من قال بالجسم و الصورة، و لا من الزكاة يعطى عرفه؛ اي معروفه، اي حقّه من المعروف أو سهمه المعروف. ففي آخر حديث الخيّاط، قال: فقلت يعطى الزكاة من خالف هشاما في التوحيد؟ فقال (ع) برأسه:
لا؟ (3)يعني في قوله «إنّه شيء لا كالاشياء».3.
أشرك من يعرفه بالأمثال***أو بحجاب صورة مثال
لم يعرف اللّه به و إنّما***يعرفه بغيره توهّما
لو كان ما تقوله المشبهة***لا فرق بينه و ما قد شيّأه
لم يعرف الخالق من مخلوقه***و لا الّذي يرزق من مرزوقه
و عن عليّ بن مهزيار، قال: كتبت الى ابي جعفر الثاني (ع)، جعلت فداك! أصلّي خلف من يقول بالجسم، و من يقول بقول يونس بن عبد الرحمن؟
فكتب (ع): «لا تصلّوا خلفهم و لا تعطوهم من الزكاة، و ابرءوا منهم برء اللّه منهم» (1).
اقول: اي من القائلين بمقالة يونس قبل استبصاره للحقّ.
و عن عليّ بن محمّد و ابي جعفر- عليهما السّلام- أنّهما قالا: من قال بالجسم فلا تعطوه من الزكاة، و لا تصلّوا ورائه» (2).
أشرك من يعرفه بالأمثال أو بحجاب أو صورة أو مثال، و من عرفه بشيء من ذلك، لم يعرف اللّه به؛ اي بما هو إله و إنّما يعرفه بغيره توهّما أنّه هو. قال الصادق (ع):
«و من زعم أنّه يعرف اللّه بحجاب، او بصورة أو بمثال، فهو مشرك؛ لأنّ الحجاب و المثال و الصورة، غيره، و إنّما هو واحد، موحّد، فكيف يوحّد من زعم أنّه عرفه بغيره؟ إنّما عرف اللّه من عرفه باللّه، فمن لم يعرفه به، فليس يعرفه، إنّما يعرف غيره» (3).
لو كان الواقع، ما تقوله المشبّهة، لا فرق إذن بينه و بين ما قد شيّأه؛ اى لا يبقى إذن فرق بين الشيء و بين مشيّئه. و على هذا لم يعرف الخالق أيضا من مخلوقه، و لم يميز عنه قطعا، و لم يفرق بينهما ضرورة، و لا عرف الّذي يرزق من مرزوقه. قال الصادق (ع) في الحديث المتقدّم (عن يونس بن ظبيان بعد قوله و لم يتناقض):
«لو كان كما يقول [يعني هشام] لم يكن بين الخالق و المخلوق فرق، و لا بين المنشئ و المنشأ، لكن هو المنشئ، فرّق بين من جسّمه و صوّره و انشأه، اذ كان لا يشبهه شيء و لا يشبه هو شيئا» (4).6.
لم يخلق آدما على مثاله***و لا له الصورة في تمثاله
و من رواه أو روى عن النبي (ص)***بأن رءاه، مفتر ذا أو غبيّ
و قال ابو الحسن الثالث (ع): «منشئ الأشياء، و مجسّم الاجسام، و مصوّر الصور، لو كان كما تقول المشبّهة، لم يعرف الخالق من المخلوق، و لا الرازق من المرزوق، و لا المنشئ من المنشئ فرق بين من جسّمه و صوّره و شيئه و بيّنه اذ كان لا يشبهه شيء» (1).
لم يخلق اللّه تعالى آدما على مثاله، كما توهّم هشام بن سالم، و لا له تعالى الصورة في تمثاله؛ اي تمثال آدم، كما توهّمه آخرون، ففي حديث الخيّاط المتقدّم، قال: زعم هشام بن سالم أنّ للّه- عزّ و جلّ- صورة و أنّ آدم خلق على مثال الربّ، فيصف هذا و يصف هذا (و أومأت الى جانبيّ و شعر رأسي). فاجابه (ع): «اراد هذا الأثبات و هذا شبّه ربّه تعالى بمخلوقه ...» (2).
و عن يعقوب السراج، قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع)، إنّ بعض اصحابنا زعم أنّ للّه صورة مثل صورة الإنسان؛ و قال آخر: أنّه في صورة أمرد جعد؛ فخرّ ابو عبد اللّه (ع) ساجدا ثمّ رفع رأسه فقال: «سبحان اللّه الّذي ليس كمثله شيء و لا تدركه الأبصار و لا يحيط به علم ...» (3).
و من رواه. اي روى القول بأنّه تعالى على صورة آدم، أو روى عن النّبي (ص)، بأن رءاه كذلك، مفتر ذا أو غبيّ؛ اي لا يخلو عن احدهما: لأنّه إمّا جاهل بالوجه الصحيح من المروي و المعنى الصحيح فهو الثاني؛ او عالم به، و يعتمد بخلافه، فهو الأوّل. و كيف كان، فالمذكور في البيت امران: احدهما: رواية أنّ اللّه خلق آدم على صورته و نسبتها الى النّبي (ص)، و الثاني: الرواية على النّبي (ص)، بأنّه رأى اللّه تعالى في صورة انسان، و كلتاهما كذب و بهتان أو تخيّل و حسبان.
أمّا الرواية الأولى: فما ورد فيهما وجهان: تكذيب صرف، او تأويل و بيان؛ فعن الحسين بن خالد، قال: قلت للرضا (ع)، يا ابن رسول اللّه (ص)! انّ النّاس يروون أنّ2.
رسول اللّه (ص) قال: «إنّ اللّه خلق آدم (ع) على صورته».
فقال (ع): «قاتلهم اللّه! لقد حذفوا أوّل الحديث، إنّ رسول اللّه (ص) مرّ برجلين يتسابّان، فسمع احدهما يقول لصاحبه قبّح اللّه وجهك و وجه من يشبهك! فقال (ص): يا عبد اللّه! لا تقل هذا لاخيك، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق آدم على صورته» (1).
و عن عليّ (ع)، قال: «سمع النبيّ (ص) رجلا يقول لرجل قبّح اللّه وجهك و وجه من يشبهك! فقال (ص): مه لا تقل هذا، فإنّ اللّه خلق آدم على صورته» (2).
و عن السيّد المرتضى، عن الزهري، عن الحسن البصرى، أنّه كان يقول مرّ رسول اللّه (ص) برجل من الانصار، و هو يضرب وجه غلام له، و يقول قبّح اللّه وجهك و وجه من تشبهه! فقال النبيّ (ص): «بئس ما قلت! فإنّ اللّه خلق آدم على صورته، يعني صورة المضروب» (3).
أقول: الظاهر أنّ المراد بآدم في هذه الروايات، هو ابو البشر، فاراد (ص) أنّه لا تسبّ وجه من يشبهه؛ فإنّ ابانا آدم (ع) أيضا ممّن يشبهه، او أنّه خلق على صورته؛ يعنى، أنّه شبيه به في الصورة؛ و يحتمل بعيدا ان يراد به الجنس؛ يعني، لا تسبّ وجه من يشبهه فانّ جنس آدم كلّه ممّن يشبهه.
فهذه الروايات، تكذيب صرف أنّ النبيّ (ص) قال هذا المعنى الّذي يريدون؛ يعني، أنّ اللّه تعالى خلق آدم على صورة نفسه، بل إنّما قال هذه العبارة، لكن بذلك المعنى.
أمّا التأويل: فعن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (ع) عمّا يروون: أنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق آدم على صورته، فقال (ع): «هي صورة، محدثة، مخلوقة، اصطفاها اللّه، و اختارها على سائر الصور المختلفة، فأضافها الى نفسه، كما اضاف الكعبة الى نفسه، و الروح إلى نفسه، فقال بيتي و نفخت فيه من روحي» (4).
اقول: و هذا التأويل في نفسه متين غير عليل، الّا أنّه ينافي التكذيب الصريح من الرضا (ع)، و ظاهر خبر امير المؤمنين (ع). و الأحسن في وجه الجمع بينهما عندى5.
مع ابقاء الحديثين على ظاهرهما، ان يقال: إنّ هذه العبارة؛ اعني: «ان اللّه خلق آدم على صورته» عبارة معروفة بين النّاس، مشهورة على الألسن، و قد صدرت بعينها عن النبيّ (ص) أيضا، لكنّها في مورد خاص، و لم يعن بها ما يعني به بها النّاس من عود الضمير في صورته الى اللّه، بل الى الشخص المسبوب، و ليس مستند النّاس فيها قول النبيّ (ص)، بل المستند عندهم شهرتها و معروفيّتها.
نعم، ربما يعلّل اهل الإلحاد، استنادهم فيها الى قوله (ص) مع التصحيف و التحريف، طلبا للتّعمية و التمويه؛ فالحديثان النافيان، ينقيان هذا الإلحاد؛ و حديث ابي جعفر (ع)، ناظر الى نفس العبارة من غير الاستناد، و هو يثبت أنّ لها اصلا، و لكن لا على المعنى الّذي يريده الملحدون أيضا؛ بل على المعنى الّذي ذكره. و حينئذ فيحمل قول محمّد بن مسلم «سألت أبا جعفر (ع) عمّا يروون» على ما يرويه النّاس بعضهم، من غير استناد الى قوله (ص)، اذ ليس فيه صراحة فيما يروونه عن النّبي (ص).
و يؤيّد هذا الحمل، و أنّ لهذه العبارة اصلا من غير قول النّبي (ص)، قول الصادق (ع) في الحديث المتقدّم في ابطال التناسخ، حيث قال: «و زعموا أنّ مدبّر هذا العالم في صورة المخلوقين بحجّة من روى أنّ اللّه خلق آدم على صورته» (1). فإنّ حدوث التناسخ قبل الإسلام و قد كانت هذه الجملة معروفة يلحد فيها الملاحدة، و يصطادون بها العوام.
امّا الرواية الثانية: الّتي رووها عن النّبي (ص)، فعن البزنطي، عن الرضا (ع)، قال، قال (ع): «يا احمد ما الخلاف بينكم و بين اصحاب هشام بن الحكم؟ فقلت جعلت فداك! قلنا: نحن بالصورة، للحديث الّذي روي أنّ رسول اللّه (ص) رأى ربّه في صورة شابّ، و قال هشام بن الحكم: بالنّفي بالجسم، فقال (ع) يا احمد! إنّ رسول اللّه (ص) لما اسرى به الى السّماء، و بلغ عند سدرة المنتهى، خرق له في الحجب مثل سمّ الإبرة، فرأى من نور العظمة ما شاء اللّه ان يرى، و اردتم انتم التشبيه دع هذا يا احمد! لا ينفتح عليك منه امر ا عظيم» (2).
و في حديث آخر له، قال: قلت: جعلت فداك، هم يقولون في الصفة، فقال لي:
«هو ابتداء أنّ رسول اللّه (ص) لمّا اسرى به، اوقفه جبرئيل موقفا لم يطأه احد قطّ،5.
فمضى النّبي (ص) فاراه اللّه من نور عظمته ما احبّ، فوقفته على التشبيه، فقال:
سبحان اللّه دع ذا لا ينفتح عليك منه امر عظيم» (1).
و عن ابراهيم بن محمّد الخزّاز و محمّد بن الحسين، قالا: دخلنا على ابي الحسن الرضا (ع)، فحكيناه له ما روى: «إنّ محمّدا (ص) رأى ربّه في هيئة الشابّ الموفّق في سنّ ابناء ثلاثين سنة، رجلاه في خضرة»، و قلنا: انّ هشام بن سالم و صاحب الطاق، و الميثمي يقولون: إنّه اجوف الى السرّة، و الباقي صمد. فخرّ ساجدا، ثمّ قال: «سبحانك ما عرفوك و لا وحّدوك، فمن اجل ذلك و صفوك، سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك؛ يا محمّد! إنّ رسول اللّه حين نظر الى عظمة ربّه، كان في هيئة الشابّ الموفّق و سنّ ابناء ثلاثين سنة(2)
و الجواب: أوّلا: إنّ ذلك كان قبل اتّصالهم بالأئمة (ع) و استبصارهم للحقّ، و لكن بقيت اقوالهم مشهورة يرويها المخالفون للطّعن أو التدليس، او المؤالفون الضعفة لقلّة علمهم و قصور فهمهم؛
و ثانيا: كان العلماء منهم إلّا القليل علماء في الرواية، و من كان منهم من أهل التعقل و الدارية، لم تكن أحاديث الأئمّة (ع) مجتمعة عنده باسرها كامثالنا، و مع ذلك كان التسليم غالبا عليه كاهل الرواية، فكانوا إذا سمعوا رواية، كتبوها و لم يتعقّلوا فيها.
و أمّا معاملتهم (ع) معهم معاملة الإسلام، فهي مبنيّة على الظاهر و عدم بسط يدهم على التكفير و كونهم (ع) مقهورين على تبعيّة الولاة الّذين و سعوا في الإسلام، فاشركوا فيه كلّ ملحد و زنديق، ليدخلوا بذلك أنفسهم فيه، و يتمكّنوا من كلّ كفر و زندقة؛ و امّا توثيقهم (ع) إيّاهم، فالتوثيق في الخبر لا ينافي الفساد في العقيد، مع أنّه يمكن أن تكون التوثيق بعد رجوعهم إلى الحقّ.
...» (3).و يأتي في نفي الرؤية أيضا، الاشارة الى هذه الأحاديث، و قد ورد عنهم (ع) احاديث في تأويل ما يوهم بظاهره التشبيه و التجسّم و الاعضاء و الجوارح، سيأتي نقلها في نفي التشبيه، و كذلك ورد عنهم (ع) في معاني بعض الصفات الّتي يمكن حملها على التجسّم بما يزيل عنها الوهم، و قد اشرت إليها هنا بقولي:8.
و هو لطيف لا على تجسّم***ذو الكبرياء لا على تعظّم
بل فاعل اللّطف كبير شأنه***و هو عظيم ملكه سلطانه
و هو تعالى أحديّ الذات***ليس مجزّى الذات كالذّوات
لا حيث ذاته بالائتلاف***لا حيث معناه بالاتّصاف
بل احديّ ذاته معناه***لا أحديّ غيره ضاهاه
و ما سواه واحد بهيئته***و في مقام العدّ لا هويّته
و هو لطيف لا على تجسّم؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسّم» (1). و مثله عن الرضا (ع) (2). و هو تعالى ذو الكبرياء و لكن لا على تعظّم جسميّ و جسدي، بل هو تعالى لطيف بمعنى أنّه فاعل اللّطف. و يأتي تفصيله في معاني الأسماء و الصفات و بمعنى أنّه لا يدرك كما تقدّم في العقل و الوهم. و كبير بمعنى أنّه كبير شأنه، و هو عظيم بمعنى أنّه عظيم ملكه و سلطانه.
قال امير المؤمنين (ع): «الحمد للّه اللابس الكبرياء بلا تجسّد و المرتدي بالجلال بلا تمثيل» (3). و قال (ع) أيضا: «ليس بذي كبر امتدت به النهايات، فكبرته تجسيما و لا بذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيدا، بل كبر شأنا و عظم سلطانا ...» (4).
و من مذهب اهل البيت (ع) في ذاته تعالى، أنّه ليس بمركّب و أنّه لا متجزّى و لا يتجزّى ذاتا و صفة، بل هو احديّ الذات و المعنى، و لا يكون بهذه الصفة شيء غيره، و هو تعالى أحديّ الذات؛ اي واحد وحيد في تحصّل ذاته و هويّته.
و تفسير ذلك: أنّه ليس مركّبا مجزّى الذات كالذّوات بحيث يجزي الذات الى جزءين أو ازيد، سواء فرض التركيب و تجزى الذات في نفس الذات أو هي مع
الصفات؛ بل هو غير مجزّى اصلا، لا حيث ذاته؛ اي باعتبار نفس الذات من حيث هي بالائتلاف من الأجزاء، و لا حيث معناه بالاتّصاف بالأوصاف، فيكون مركّبا من الذات و المعنى، إذ مرجع هذا التركيب أيضا الى تركيب الذات، بل احديّ ذاته و معناه، فليس الذات و المعنى إلّا واحدا، لا أحديّ غيره ضاهاه في الأحديّة بل كلّ شيء غيره تعالى، واحد بالاسم و العدد، لا في الذات و المعنى؛ كما قلت:
و ما سواه واحد بهيئته و في مقام العدّ، لا هويّته، فإنّ كلّ شيء يقال له في مقام العدّ و عند انفراده من غيره أنّه واحد؛ او يقال: إنّ هذا واحد؛ يعني من حيث الشخصيّة و الهيئة و الشّكل، لا من حيث الذات و الهويّة، فكلّ شيء واحد لا احديّ، و ليس إلّا حدّي إلّا اللّه تعالى. فعن رسول اللّه (ص) في جواب نعثل اليهودي،
«قال (ص): اللّه واحد، احدى المعنى، و الانسان واحد ثنويّ المعنى، جسم و عرض و بدن و روح» (1).
و عن الصادق (ع): «و خالقنا لا مدخل للأشياء فيه، واحد احديّ الذات و احديّ المعنى، فرضاه ثوابه، و سخطه عقابه، من غير شيء يتداخله فيهيّجه و ينقله من حال الى حال» (2).
و قال (ع) أيضا: «واحد في ذاته، فلا واحد كواحد، لأنّ ما سواه من الواحد متجزّى، و هو- تبارك و تعالى- واحد لا متجزّى و لا يقع عليه العدّ» (3).
و عن ابى الحسن الهادي (ع): «إنّ الانسان و ان قيل واحد، فإنّما يخبر أنّه جثّة واحدة و ليس باثنين، فالانسان نفسه ليس بواحد، لأنّ اعضائه مختلفة، و ألوانه مختلفة كثيرة غير واحدة، و هو اجزاء مجزّأ ليست بسواء، دمه غير لحمه، و لحمه غير دمه، و عصبه غير عروقه، و شعره غير بشره، و سواده غير بياضه، و كذلك جميع الخلق. و الانسان واحد في الاسم لا واحد في المعنى، و اللّه- جلّ جلاله- واحد، لا واحد غيره، لا اختلاف فيه و لا تفاوت و لا زيادة و لا نقيصة، فامّا الانسان المخلوق المصنوع المؤلّف من اجزاء مختلفة، و جواهر شتّى غير أنّه بالاجتماع شيء واحد» (4).2.
فلا له أجزاء أو أعراض***و لا له أعضاء أو ابعاض
و لا يجزّى مثل ما لا جزء له***وجودا أو في الوهم أو في العاقلة
و لو تجزّت ذاته تغيّرا***و لم يجز في العقل أن يغيّرا
و لا به يليق الاختلاف***و لا تفاوت و لا ائتلاف
و لا زيادة و لا نقصان***إذ كلّ ذاك للمجزّى شان
و لا القديم جاز أن توهّما***بقلّة و كثرة فليعلما
و حيث كان تعالى احديّ الذات و المعنى، فلا له أجزاء ذاتية أو أعراض معنويّة، و لا له أعضاء و ادوات، أو ابعاض. قال ابو الحسن الهادي (ع): «لم يتجزّء و لم يتناه، و لم يتزايد و لم يتناقص» (1). و قال امير المؤمنين (ع): «و لا تناله التجزية و التبعيض»(2). و قال الحسين (ع): «يوحّد و لا يبعّض» (3). و مثله عن الرضا (ع) (4). و قال الباقر (ع): «لا يحدّ و لا يبعّض و لا يفنى» (5).
و يأتي عنهم (ع) في التشبيه، نفي الأعضاء و الجوارح. و كما أنّ أحديّة الذات، تقتضى ان يكون لا متجزى ذاتا بان لا يكون له اجزاء، ذاتيّة، تركيبيّة، خارجا، كذلك تقتضى ان لا تتجزّى ذاته؛ اي لا تقبل التجزية و الانقسام و التبعض، و هذه الأخبار المذكورة يعمّ هذا المعنى أيضا، فإنّ معنى قوله (ع) «و لا يبعّض»، لا يجوز اعتقاد تبعّضه بالذّات أو بالتّجزية. و قد قلت في هذا المعنى، و لا يجزّى؛ اي لا يقبل التجزية، مثل ما لا جزء له، فإنّ احديّ المعنى، هو الّذي واحد بالحقيقة، وحدة حقيقيّة، و مثل ذلك، لا يقبل التقسيم و التجزية مطلقا، وجودا بحيث لا يتجزّى عينا، أو في الوهم، أو في العاقلة.
قال امير المؤمنين (ع) في معنى الواحد: «و أمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه، فقول القائل هو واحد، ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا، و قول القائل أنّه عزّ و جلّ أحديّ المعنى؛ يعني به أنّه لا ينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم، كذلك ربّنا عزّ و جلّ» (6).
و أيضا و لو تجزّت ذاته تغيّرا فصار حادثا و لم يجز في العقل أن يغيّرا، فلا يقبل1.
و كلّ ذا حدّ و ذاته أحد***و الأحديّ بالحدود لا يحدّ
إن كان ذا جزء فإن تناهى***حدّ و لم يكن إذن إلها
التجزية في العقل، لأنّ ما يجوز عليه التغيير فهو كالمتغيّر، و لا به يليق الاختلاف، بأن يختلف ذاته و معناه باختلاف الاجزاء و المعاني، و لا تفاوت، بان يتفاوت الذات بها او باحتمال الزيادة و النّقصان، و لا ائتلاف بأن يكون مؤتلف الأجزاء متحدة في الجنسيّة، فلا يقال: هو مختلف و لا يقال: هو مؤتلف، و لا يليق به زيادة و لا نقصان، إذ كلّ ذاك للمجزّى شأن، لا شأن احديّ الذات. و لا القديم جاز أن توهّما بقلّة و كثرة فليعلما، لأنّ القلّة و الكثرة شأن المتجزّي.
و كلّ ذا حدّ و ذاته أحد، و الأحديّ بالحدود لا يحدّ، و قد مرّ في كلام أبي الحسن الهادي (ع): «انّه واحد لا واحد غيره، لا اختلاف فيه و لا تفاوت، و لا زيادة و لا نقيصة» (1).
و قال أمير المؤمنين (ع): «بل هو الّذي لم يتفاوت في ذاته، و لم يتبعّض بتجزية العدد» (2).
و قال الصادق (ع) في جواب الزنديق، أ مختلف هو أم مؤتلف؟: «لا يليق به الاختلاف و لا الايتلاف، إنّما يختلف المتجزّى و يأتلف المتبعّض، فلا يقال له مؤتلف و لا مختلف، قال: فكيف هو اللّه الواحد؟ قال (ع): واحد في ذاته فلا واحد كواحد ...» (3). الى آخر ما تقدّم.
و قال ابو جعفر الثاني: «هو اللّه الّذي لا يليق به الاختلاف و لا الائتلاف، و إنّما يختلف و يأتلف المتجزّى» (4).
إن كان ذا جزء، فلا يخلو إمّا أن تكون الأجزاء متناهية، أم غير متناهية؛ فأن تناهى الجزء، حدّ و لم يكن إذن إلها، لما تقدّم أنّ المتناهي ليس بقديم؛ و إن يكن بلا تناه، امتنع وجوده، بل هو بعد لم يقع في الوجود، لأنّ المركّب لا يوجد إلّا بعد تماميّة اجزائه، و الأجزاء اللامتناهية يستحيل وجودها، و إلّا كانت متناهية. و هذا1.
ليس بجسم فتجزّت جثّته***و لا بشخص فتجزّت هيئته
و لا اختلاف صفة فيما وصف***إذ يتناهى ذاته و يختلف
فليس إلّا ذاته العليم***سميع أو بصير أو حكيم
بكلّه السّميع و البصير***و الكلّ تعبير به نشير
فمن يجزّي ربّه قد جهله***و ملحد لم يتذلّل هو له
ما وصفته الأنبياء الكمّل***بالحدّ أو بالبعض حين سئلوا
بل وصفوا الإله بالأفعال***و استعملوا الآيات في استدلال
خلف ليس بجسم، فتجزّت جثّته، و لا بشخص فتجزّت هيئته، فإنّ الهيئة الشخصيّة غير المادّة، و لا اختلاف صفة له فيما وصف بان يختلف عليه الصفات أو يختلف فيه معاني الصفات، إذ يتناهى ذاته بالمحدوديّة بها، و يختلف باختلاف تواردها.
قال امير المؤمنين (ع): «ليس بشبح فيرى و لا بجسم فيجزّى» .(1)
و قال الحسن (ع): «و لا شخص فيتجزّى، و لا اختلاف صفة فيتناهى» .(2)
فليس إلّا ذاته العليم، سميع أو بصير أو حكيم، و ليس هو ذات و علم و سمع و بصر و حكمة بل بكلّه و تمامه السّميع و البصير، لا بذات و سمع و بصر، و الكلّ تعبير منّا به نشير الى الذات المجرّدة، و نعني به عدم زيادة الصفات على الذات، لا أنّ له كلّ فيقتضي ان يكون له جزء.
قال الصادق (ع) في جواب الزنديق، حيث قال: أ تقول إنّه سميع بصير؟
فقال (ع): «هو سميع بغير جارحة، بصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه و يبصر بنفسه، و ليس قولي أنّه يسمع بنفسه، أنّه شيء و النّفس شيء آخر، و لكنّي أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسئولا، و افهاما لك، اذ كنت سائلا؛ فاقول: يسمع بكلّه، لا أنّ كلّه له بعض، و لكنّي اردت افهامك و التعبير عن نفسي، و ليس مرجعي في ذلك إلّا الى أنّه السميع البصير بلا اختلاف الذات و لا اختلاف معنى» (3). و سيأتي توضيحه و بقيّة الأحاديث فيه في عينيّة الصفات مع الذات.
فمن يجزّي ربّه، قد جهله؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «و من قرنه فقد ثنّاه،5.
و ليس من مذهبهم تشبيه***بل عندهم توحيده التنزيه
ليس له شبه فلا يشبهه***شيء و لا شيء به يشبه هو
و إن ترد تلخيص قولهم كفى***ليس كمثله له معرّفا
لا يعرف اللّه بشيء يشبهه***و لا له حدّ به تشبّهه
بل حدّ الأشياء إبانة لها***من شبهه أو شبهه أمثالها
و من ثنّاه فقد جزّاه، و من جزّاه فقد جهله»(1)، و ملحد فيه و لم يتذلّل هو في عبوديّته له تعالى، لأنّه عبد غيره، قال الرضا (ع): «و لا تذلّل له من بعّضه، و لا ايّاه أراد من توهّمه، و من غاياه فقد جزّاه، و من جزّاه فقد وصفه، و من وصفه فقد الحد فيه» (2).
و من اجل ذلك كلّه، ما وصفته الأنبياء الكمّل (هذا وصف تشريفيّ لا تقييديّ؛ أي الأنبياء، الّذين هم كمّل البشر) بالحدّ أو بالبعض حين سئلوا عنه و عن اوصافه، بل وصفوا الإله بالأفعال، بأنّه فاعل كذا و كذا و أنّه الّذي يفعل كذا و كذا، و استعملوا الآيات في استدلال؛ أي استدلّوا له بآياته.
قال امير المؤمنين (ع): «الّذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحدّ و لا ببعض، بل و صفته بافعاله و دلّت عليه بآياته» (3).
و ليس من مذهبهم (ع) تشبيه اصلا، بأيّ نوع منه، و بأي وجه كان؛ بل عندهم (ع) توحيده التنزيه و كذلك عرفانه، فمن شبّهه، فهو عندهم لم يعرفه و لم يوحّده، كما ستعرف، ليس له شبه فلا يشبهه شيء، و لا شيء به يشبه هو (4).
قال الصادق (ع) لمفضّل بن عمر: «من شبّه اللّه بخلقه، فهو مشرك؛ إنّ اللّه تبارك و تعالى لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء، و كلّ ما وقع في الوهم فهو بخلافه» (5).
و قال (ع) أيضا لهشام بن الحكم: «إنّ اللّه تعالى لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء و كلّ ما وقع في الوهم، فهو بخلافة» (1).
و إن ترد تلخيص قولهم (ع) في امر التشبيه، بحيث تعرفه مشخّصا و متميّزا، كفى قوله تعالى:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(2)، معرّفا لذلك كلّه؛ فانّه كلام مختصر عامّ، يشمل جميع انواع التشبيه، و قد كثر ايراده في كلامهم (ع) استشهادا و استنادا، بحيث لا يخلو باب إلّا و تريهم متمثّلين به، معوّلين عليه. قال الباقر (ع) لمحمّد بن مسلم:
«يا محمّد! إنّ النّاس لا يزال لهم المنطق حتّى يتكلّموا في اللّه، فإذا سمعتم ذلك، فقولوا: لا إله إلّا اللّه الواحد الّذي ليس كمثله شيء» (3). و قد تقدّم نظائره في الابواب المتقدّمة و ستظفر هنا و فيما بعد أيضا بمثله إن شاء اللّه.
لا يعرف اللّه بشيء يشبهه، اذ ليس له شبه فكيف يعرف شبهه؟ و لا له حدّ به تشبّهه، فإنّ الشيء إنّما يشبه بشيء في حدوده، و إذا لم يكن له حدّ، فكيف يشبه به؟
قال الباقر (ع): «و لا يشبه شيئا مكوّنا، و لا له حدّ و لا يعرف بشيء يشبهه» (4).
و قال موسى بن جعفر (ع): «و لا يشبهه شيء مكوّن، و ليس للّه حدّ، و لا يعرف بشيء يشبهه» (5).
و قال امير المؤمنين (ع): «فليست له صفة تنال و لا حدّ يضرب له فيه الأمثال»(6)و قال (ع) أيضا: «فلا إليه حدّ منسوب، و له مثل مضروب، و لا شيء عنه بمحجوب، تعالى عن ضرب الأمثال و الصفات المخلوقة علوّا كبيرا» (7).
بل إنّما حدّ الأشياء إبانة لها من شبهه أو شبهه أمثالها (8)اي ليقطعها عن الشباهة، فلا تشبهه هي و لا يشبهها هو، قال امير المؤمنين (ع): «حدّ الأشياء كلّها عند خلقه ايّاها، و ابانة لها من شبهه ابانة له من شبهها» (9).
1) . البحار 3: 290/ 4.
2) . شورى 42: 11.
3) . البحار 3: 264/ 25.
4) . المصدر 4: 299/ 28.
5) . المصدر 4: 298/ 27.
6) . المصدر 4: 269/ 15.
7) . المصدر 4: 222/ 2.
8) . الأوّل، من اضافه المصدر الى مفعوله؛ اي من شبّه الاشياء ايّاه، و الثاني، من اضافته الى فاعله؛ اي من شبهه تعالى امثال الأشياء.
9) . المصدر 4: 269/ 15.
و أدوه مع فقر ذي الأداة***يشهد أنّه بلا أداة
و ذاته البديء لا أوّل له***و لم يكن معه عديل عادله
يشبّه الأشياء بالعديل***و كان إذ كان بلا مثيل
و دلّ الأشباه بأن لا شبه له***فذاتا أو وصفا أبى المماثلة
و أدوه؛ اي جعله و ايجاده الأدات للأشياء، مع فقر ذي الأداة، و حاجته إليها، يشهد أنّه بلا أداة؛ كما يشهد تجهيره للأشياء، أن لا جوهر له، قال الرضا (ع):
«و ادوه إيّاهم، دليل على أن لا اداة فيه، لشهادة الأدوات بفاقة المادين»(1).(2)
و ذاته البديء لا أوّل له، كما هو مقتضى قدمه، فقد كان و لم يكن معه عديل عادله، فكلّ شيء بعده حادث، و كيف يشبه القديم بالحادث؟ مع انّه يشبّه الأشياء بالعديل، و هو تعالى كان إذ كان بلا عديل و مثيل، فكيف يمكن تشبيه ما لا عديل له؟
و بايّ شيء يشبه بعد ما فرض أنّ ليس له عديل؟
قال امير المؤمنين (ع): «لأنّه خلاف خلقه فلا شبه له من المخلوقين، و إنّما يشبه الشيء بعديله، فأمّا ما لا عديل له فكيف يشبه بغير مثاله، و هو البديء الّذي لم يكن شيء قبله، و الآخر الّذي لا شيء بعده» (3).
و كذلك دلّ الأشباه أيضا بأن لا شبه له، كما دلّ التشعير بان لا مشعر له، قال امير المؤمنين (ع):
«الدال على قدمه بحدوث خلقه، و بحدوث خلقه على وجوده و باشتباههم (4)على أن لا شبه له» (5).
و عن الرضا (ع) في مكتوبه الى فتح بن يزيد: «الدال على وجوده بخلقه، و بحدوث خلقه على ازليّته، و باشباههم على ان لا شبه له» (6).
فذاتا أو وصفا أبى المماثلة، فلا مثل له في ذاته و لا في صفاته، اذ الأشياء بذواتها و صفاتها، مخلوقة محدودة، فلا هو مثلها، و لا هي مثله، قال امير المؤمنين (ع):7.
إن كان مثل الخلق في حدّيه***جرى عليه ما جرى عليه
ممتنع في ذاته الوحيد ما***يمكن في ذواتهم أو وهما
«و ما زال ليس كمثله شيء عن صفة المخلوقين متعاليا، فليس له مثل فيكون ما يخلق مشبّها به» (1).
إن كان هو مثل الخلق في حدّيه؛ أي حدّي الخلق، حدّ ذاته و حدّ صفته، لكان جرى عليه أيضا ما جرى عليه، لأنّه إذن مثلهم، و اثر المماثلة و لازمها، الاتّحاد في الحكم. قال الصادق (ع) في جواب الزنديق:
«و لا بدّ من اثبات صانع الأشياء، خارجا من الجهتين المذمومتين: إحداهما:
النّفي، إذ كان النّفى هو الابطال و العدم؛ و الجهة الثانية: التشبيه بصفة المخلوق، الظاهر التركيب و التأليف، فلم يكن بدّ من اثبات الصانع لوجود المصنوعين، و الاضطرار منهم إليه أنّهم مصنوعون، و إنّ صانعهم غيرهم، إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب و التأليف و فيما يجري عليهم، من حدوثهم بعد ان يكونوا و تنقّلهم من صغر الى كبر، و سواد الى بياض، و قوّة الى ضعف، و احوال موجودة لا حاجة بنا الى تفسيرها لثباتها» (2).
و قال الرضا (ع) (في علل أنّه لم وجب عليهم الإقرار بأنّه ليس كمثله شيء؟):
«... و منها أنّه لو لم يجب عليهم ان يعرفوا ان ليس كمثله شيء، جاز ان يجري عليه ما يجري على المخلوقين: من العجز و الجهل و التغيير و الزوال و الفناء و الكذب و الاعتداء، و من جازت عليه هذه الأشياء، لم يؤمن فناؤه، و لم يؤمن بعد له، و لم يحقّق قوله و امره، و نهيه، و وعده، و وعيده، و ثوابه و عقابه، و في ذلك فساد الخلق و ابطال الربوبيّة ...» (3).
ممتنع في ذاته الوحيد الأحدي، ما يمكن في ذواتهم، وقوعا من الحدوث و الفناء و التغير و الزوال و العوارض و المحدوديّة و التركيب و التأليف و التجسّم و الشكل، أو وهما تصوّرا ممّا يحتمله الوهم بمقتضى مخلوقيّتهم. قال الرضا (ع):1.
ليس من التوحيد أن تجوّزا***عليه ما كان عليك جائزا
ما العارفون غير مخلصيه***و ليس إخلاص مع التشبيه
ما عرف الإله من قد شبّهه***و أعظم الذنوب أن تشبّهه
«لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم، و لإمكان ذواتهم ممّا يمتنع منه ذاته، و لافتراق الصانع و المصنوع، و الربّ و المربوب و الحادّ و المحدود؛ احد، لا بتأويل العدد؛ الخالق، لا بمعنى الحركة؛ السّميع، لا باداة؛ البصير، لا بتفريق آلة؛ الشاهد، لا بمماسّة؛ المباين، لا ببراح مسافة؛ الباطن، لا باجتنان الظاهر لا بمحاذ» (1).
ليس من التوحيد أن تجوّزا عليه تعالى ما كان عليك جائزا؛ كما الصادق (ع):
«امّا التوحيد، فان لا تجوّز على ربّك ما جاز عليك» (2). ما العارفون غير مخلصيه، الذين اخلصوه عن كلّ شرك و نقص، و ليس إخلاص مع التشبيه. و ذلك ظاهر، اذ مع تشبيهه بغيره، او تشبيه غيره به، صار المشبه به ثانيا له و كفوا و هو شرك، و يأتي التصريح بشرك المشبّه.
قال الرضا (ع): «لا ديانة إلّا بعد معرفة، و لا معرفة إلّا بالإخلاص، و لا اخلاص مع التشبيه»(3). و قد تقدّم قوله (ع) و هو من هذه الخطبة أيضا: «فليس عرف اللّه من عرف بالتشبيه ذاته» (4).
ما عرف الإله من قد شبّهه، و أعظم الذنوب أن تشبّهه.
امّا الثاني: فلقول الصادق (ع) (حين ساله بعض اصحابنا: اخبرني ايّ الاعمال افضل؟)، قال: «توحيدك لربّك، قال: فما اعظم الذنوب؟ قال: تشبيهك لخالقك» (5).
و أمّا الأوّل: فقد قال الرضا (ع): «إنّ النّبي (ص) قال: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي، و ما عرفني من شبّهني بخلقي، و ما على ديني من استعمل القياس في ديني» (6).
و عن العسكري (ع) عنه عن آبائه عن رسول اللّه (ص)، قال: ما عرف اللّه من
بل حدّ عرفان يحقّ فيه***أن يعرفوا اللّه بلا تشبيه
من شبّه اللّه بخلقه كفر***أشرك باللّه و مأواه سقر
شبّهه بخلقه، و لا وصفه بالعدل من نسب إليه ذنوب عباده» (1). و قال امير المؤمنين (ع):
«و ما زال عند اهل المعرفة به عن الأشباه و الأضداد منزّها» (2). و قد تقدّم في بحث الجسم قول الرضا (ع): «سبحانك ما عرفوك و لا وحّدوك، فمن اجل ذلك وصفوك، سبحانك لو عرفوك، لوصفوك بما وصفت به نفسك» (3).
بل حدّ عرفان، يحقّ فيه أن يعرفوا اللّه بلا تشبيه؛ كما قال الصادق (ع) لمعاوية بن وهب:
«ما اقبح بالرجل ان يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة، يعيش في ملك اللّه، و يأكل من نعمه، ثمّ لا يعرف اللّه حقّ معرفته؛ حدّ المعرفة أنّه لا إله غيره، و لا شبيه له و لا نظير، و ان يعرف أنّه قديم موجود، غير فقيد، موصوف من غير شبه و لا مبطل، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير» (4).
و عن فتح بن يزيد، قال سألت أبا الحسن (ع) عن ادنى المعرفة، فقال (ع):
«الإقرار بأنّه لا إله غيره، و لا شبه له، و لا نظير و أنّه قديم مثبت، موجود غير فقيد، و أنّه ليس كمثله شيء» (5). و قد مرّ له نظائر في باب حقّ المعرفة.
من شبّه اللّه بخلقه، فقد كفر، و أشرك باللّه و مأواه سقر، قال الصادق (ع) في حديث معاوية بن وهب المذكور:
«و من عنى برؤية البصر، فقد كفر باللّه و بآياته، لقول رسول اللّه (ص): من شبّه اللّه بخلقه فقد كفر، و من شبّهه بخلقه، فقد اتّخذ مع اللّه شريكا» (6).
و قد تقدّم قوله (ع) لمفضّل بن عمر في صدر الباب.
و قال (ع): «من شبّه اللّه بخلقه، فهو مشرك، و من انكر قدرته فهو كافر» (7).
و من يساويه بشيء ما عدل***به و صار كافرا بما نزل
لا تضربوا لربّكم أمثالا***و اجتنبوا المارقة الضلالا
ليس له ندّ فلا يعادله***كفو و لا مثل له يشاكله
ما قدروا الإله حقّ قدره***إذ شبّهوا مليكهم بغيره
و اللّه لا يقاس بالقياس***بالنّاس قيس أو بغير النّاس
و عن الرضا (ع): «من شبّه اللّه بخلقه فهو مشرك، و من نسب إليه ما نهى عنه، فهو كافر» (1). و عنه (ع) أيضا: «من شبّه اللّه بخلقه، فهو مشرك و من وصفه بالمكان، فهو كافر ...» (2).
و قال امير المؤمنين (ع): «اتّقوا ان تمثّلوا بالربّ الّذي لا مثل له، او تشبّهوه بخلقه، او تلقوا عليه الأوهام، او تعملوا فيه الفكر، او تضربوا له الأمثال، او تنعتوه بنعوت المخلوقين، فانّ لمن فعل ذلك نارا» (3).
و من يساويه بشيء ما مخلوقا كان أو متوهّما عدل به و صار كافرا بما نزل، قال امير المؤمنين (ع): «فمن ساوى ربّنا بشيء، فقد عدل به، و العادل به، كافر بما نزلت به محكمات آياته و نطقت به شواهد حجج بيّناته، كذب العادلون باللّه اذ شبّهوه بمثل اصنامهم، و حلّوه حلية المخلوقين باوهامهم، و جزوه بتقدير منتج من خواطر هممهم، و قدروه على الخلق المختلفة القوى بقرائح عقولهم» (4).
؛ كما قال اللّه تعالى:( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ...)(5)و كما قال امير المؤمنين (ع): «او تضربوا له الأمثال» (6).
و اجتنبوا المارقة الضلالا، فإنّ من شبّه ربّه، فهو ضالّ مارق من الدين ليس له ندّ فلا يعادله كفو و لا مثل له يشاكله، قال الحسين (ع):
«ايّها النّاس! اتّقوا هؤلاء المارقة الّذين يشبّهون اللّه بانفسهم، يضاهئون قول
الّذين كفروا من اهل الكتاب، بل هو اللّه، ليس كمثله شيء، و هو السّميع البصير، لا كفو له يعادله، و لا ضدّ له ينازعه، و لا سمي له يشابهه و لا مثل له يشاكله» (1).
ما قدروا الإله حقّ قدره؛ اي ما عرفوه حقّ معرفته، إذ شبّهوا مليكهم بغيره، قال امير المؤمنين (ع):
«الّذي لمّا شبّهه العادلون بالخلق المبعّض المحدود في صفاته، ذوي الأقطار و النواحي المختلفة في طبقاته، و كان- عزّ و جلّ- الموجود بنفسه لا باداته، انتفى ان يكون قدروه حقّ قدره، فقال: تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد و ارتفاعا عن قياس المقدّرين له بالجود من كفرة العباد،( ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ )(زمر 39:67) (2).
و اللّه لا يقاس بالقياس بايّ شيء من المقيسين عليه، بالنّاس قيس أو بغير الناس، قال الصادق (ع) في حديث يونس بن ظبيان الآتي:
«و اللّه خالق كلّ شيء، لا يقاس بالقياس» (3).
و سئل امير المؤمنين (ع): بما عرفت ربّك؟ قال (ع): «بما عرّفني نفسه، قيل:
و كيف عرّفك نفسه؟ قال (ع): لا تشبهه صورة، و لا يحسّ بالحواسّ و لا يقاس بالنّاس» (4).
و عن الرضا (ع): «اعرفه بما عرّف نفسه من غير رؤية، واصفه بما وصف به نفسه من غير صورة، لا يدرك بالحواس، و لا يقاس بالنّاس، معروف بغير تشبيه، و متدان في بعده لا بنظير، لا يمثّل بخليقته و لا يجور في قضيّته، يحقّق و لا يمثّل، و يوحّد و لا يبعّض»(5). و سيأتي من مثل قوله (ع): «لا يقاس بالنّاس في نفي الإدراك بالحواس».
جلّ من أن يوصف باليدين***أو وجه أو عضو بغير ذين
و من يصف وجها له و جارحة***لا تشهدوه و اتركوا ذبائحه
جلّ من أن يوصف باليدين، أو وجه أو عضو بغير ذين، قال امير المؤمنين (ع):
«ايّها السائل! اعلم إنّ من شبّه ربّنا الجليل بتباين اعضاء خلقه، و بتلاحم احقاق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمته، أنّه لم يعقد غيب ضميره على معرفته، و لم يشاهد قلبه اليقين بأنّه لا ندّ له، و كأنّه لم يسمع بتبرّي التابعين من المتبوعين، و هم يقولون: تاللّه! ان كنّا لفي ضلال مبين اذ نسوّيكم بربّ العالمين» (1).
و فيما سئل الجاثليق، أبا بكر، فلم يحر جوابا، ثمّ سئل امير المؤمنين (ع)، ان قال اخبرني عن وجه الربّ، فدعا على (ع) بنار و حطب، فلمّا اشتعلت، قال (ع): «اين وجه هذه النار؟ قال هي وجه من جميع حدودها، قال (ع): هذه النّار، مدبّرة، مصنوعة، لا تعرف وجهها و خالقها لا يشبهها، و للّه المشرق و المغرب فاينما تولّوا فثمّ وجه اللّه، لا يخفى على ربّنا خافية» (2).
و من يصف وجها له و جارحة، لا تشهدوه على شيء، و اتركوا ذبائحه، فلا تأكلوا منها، قال يونس بن ظبيان دخلت على جعفر بن محمّد (ع)، فقلت: انّي دخلت على مالك و اصحابه، فسمعت بعضهم يقول: إنّ للّه وجها كالوجوه؛ و بعضهم يقول: له يدان، و احتجّوا لذلك بقول اللّه تعالى:( خَلَقْتُ بِيَدَيَ )(3)و بعضهم يقول: هو كالشابّ من ابناء ثلاثين سنة. فما عندك في هذا يا ابن رسول اللّه (ص)؟
قال: و كان متّكأ، فاستوى جالسا، و قال: «اللّهم عفوك عفوك! ثمّ قال: يا يونس! من زعم أنّ للّه وجها كالوجوه، فقد اشرك، و من زعم أن للّه جوارح كجوارح المخلوقين، فهو كافر باللّه، فلا تقبلوا شهادته، و لا تأكلوا ذبيحته، تعالى اللّه عمّا يصفه المشبّهون، فوجه اللّه انبيائه و اوليائه (4).
و قوله «خلقت بيدي» اليد، القدرة؛ كقوله و ايّدكم بنصره، فمن زعم أنّ اللّه في2.
أبغض أهل البيت من أحبّهم***و كلّ من صدّقهم، كذّبهم
قس مكرما، مواليا، مواصلا***و بارّا يحسن يعطى قابلا
و نسبة القول به إليهم***من الغلاة فرية عليهم
و ما رووا عنهم فذا كما افتروا***على النّبيّ (ص) فضعفه عنه رووا
كقول أهل الشّام فرية تذمّ***صخرة بيت القدس موضع القدم
شيء أو على شيء أو يحول من شيء، او يخلو منه شيء. او يشتغل به شيء، فقد وصفه بصفة المخلوقين، و اللّه خالق كلّ شيء، لا يقاس بالقياس، و لا يشبه بالناس، لا يخلو فيه مكان و لا يشتغل به مكان، قريب في بعده، بعيد في قربه، ذلك اللّه ربّنا لا إله غيره، فمن اراد اللّه و احبّه بهذه الصفة فهو من الموحّدين، و من احبّه بغير هذه الصفة.
فاللّه منه بريء و نحن منه براء».
و يأتي كلام الرضا (ع): «من وصف اللّه بوجه كالوجوه فقد كفر ...» (1).
أبغض أهل البيت من أحبّهم، و كذلك كلّ من صدّقهم، فقد كذّبهم (ع)، و قس بهما أيضا في الحكم، مكرما لهم، و مواليا لهم، و مواصلا لهم، و بارّا بهم، يحسن إليهم و يعطى ايّاهم، و قابلا منهم، فإنّ كلّ من فعل شيئا من ذلك بالنسبة إليهم، كان على ضدّه بالنسبة الى اهل البيت (ع)، و نسبة القول به، اي بالتشبيه إليهم (ع) من عمل الغلاة، وضعوا الاحاديث فرية عليهم، و ما رووا عنهم (ع) افتراء ليس ببدع، و ليس أوّل قارورة كسرت في الإسلام، بل هو كمثل ما افتروا على النّبيّ (ص) فضعفه عنه رووا.
فعن الحسين بن خالد عن الرضا (ع). قال: قلت له يا ابن رسول اللّه (ص)! انّ النّاس ينسبوننا الى القول بالتشبيه و الجبر، لما روى من الأخبار في ذلك عن آبائك الأئمّة (ع).
فقال: «يا ابن خالد! خبرني عن الأخبار الّتي رويت عن آبائي الائمّة (ع) في التشبيه و الجبر اكثر، أم الأخبار الّتي رويت عن النّبي (ص) في ذلك؟ فقلت: بل ما روى4.
1) . المصدر 4: 3/ 4.
عن النّبي (ص) في ذلك اكثر، فقال (ع): فليقولوا: إنّ رسول اللّه (ص) كان يقول بالتشبيه و الجبر إذن فقلت له: إنّهم يقولون أنّ رسول اللّه (ص) لم يقل من ذلك شيئا، و إنّما روي عليه.
قال (ع): فليقولوا في آبائي الائمّة (ع) إنّهم لم يقولوا من ذلك شيئا، و إنّما روي عليهم، ثمّ قال (ع): من قال بالتشبيه و الجبر، فهو كافر مشرك و نحن منه براء في الدنيا و الآخرة، يا ابن خالد! إنّما وضع الأخبار عنّا في التشبيه و الجبر، الغلاة، الّذين صغّروا عظمة اللّه تعالى؛ فمن احبّهم فقد ابغضنا، و من ابغضهم فقد احبّنا، و من والاهم فقد عادانا، و من عاداهم فقد والانا، و من وصلهم فقد قطعنا، و من قطعهم فقد وصلنا، و من جفاهم فقد برّنا، و من برّهم فقد جفانا، و من اكرمهم فقد اهاننا، و من اهانهم فقد اكرمنا، و من قبلهم فقد ردّنا، و من ردّهم فقد قبلنا، و من احسن إليهم فقد اساء إلينا، و من اساء إليهم فقد احسن إلينا، و من صدقهم فقد كذبنا، و من كذبهم فقد صدقنا، و من اعطاهم فقد حرمنا، و من حرمهم فقد اعطانا يا ابن خالد! من كان شيعتنا فلا يتّخذن منهم وليّا و لا نصيرا»(1).
اقول: الضمائر في قوله (ع): «احبّهم، ابغضهم» امّا راجع الى الغلاة و المشبّهة و المجبّرة جميعا، او الى خصوص الغلاة، كما هو الظاهر، و مع ذلك يشمل الآخرين حكما، اذ التبرّي من الغلاة بهذا التشديد هنا ليس إلّا بلحاظ وضعهم احاديث الجبر و التشبيه، فكيف يكونون مطرودين بوضعهم هذه الأحاديث، و لا يكون القائل بهما مطرودا، و هل ذمّ الأحاديث إلّا بلحاظ القول بها؟
و كيف كان، فهذا الافتراء عليهم (ع)، حاله حال الافتراء على النّبي (ص)، بل على اللّه تعالى؛ كقول أهل الشّام فرية على اللّه، تذمّ و تقبّح، و هو انّ صخرة بيت القدس، موضع القدم؛ اي قدم الربّ تعالى؛ فعن جابر الجعفي عن الباقر (ع)، قال:
«يا جابر! ما اعظم فرية اهل الشام، يزعمون أن اللّه تبارك و تعالى حيث صعد الى السّماء، وضع قدمه على صخرة بيت المقدّس، و قد وضع عبد من عباد اللّه قدمه8.
1) . المصدر 5: 52/ 88.
و قد تبرّوا عن المشبّهة***و وجّهوا ما استند المموّهة
على حجر، فامرنا اللّه ان نتّخذها مصلّى؛ يا جابر! إنّ اللّه تبارك و تعالى لا نظير له و لا شبيه، تعالى عن صفة الواصفين، و جلّ عن اوهام المتوهّمين، و احتجب عن اعين الناظرين، و لا يزول مع الزائلين، و لا يأفل مع الآفلين، ليس كمثله شيء و هو السميع العليم» (1).
و قد تبرّءوا عن المشبّهة، و اظهروا البراءة منهم، و معه، فكيف تصحّ نسبة التشبيه إليهم؟ فقد صرّح الرضا (ع) بالتّبري عنهم في هذا الحديث المذكور عن الحسين بن خالد بقوله «و نحن منهم براء في الدنيا و الآخرة» (2). و كذا الصادق (ع) في حديث يونس بن ظبيان بقوله «فاللّه منه بريء، و نحن منه براء» (3).
و عن ابي هاشم الجعفري. قال سمعت علي بن موسى الرضا (ع) يقول: «إلهي! بدت قدرتك، و لم تبد هيئته فجهلوك و به [اي بالجهل] قدروك و التقدير على غير ما به وصفوك، و إنّي بريء يا إلهي من الّذين بالتشبيه طلبوك، ليس كمثلك شيء، إلهي! و لن يدركوك، فظاهر ما بهم من نعمك دليلهم عليك لو عرفوك و في خلقك، يا إلهي! مندوحة ان يتناولوك، بل سووك بخلقك، فمن ثمّ لم يعرفوك، و اتّخذوا بعض آياتك ربّا، فبذلك وصفوك، تعاليت ربّي عمّا به المشبّهون نعتوك» (4).
و عن الإرشاد، جاءت الرواية أنّ عليّ بن الحسين (ع) كان في مسجد رسول اللّه (ص) ذات يوم، اذ سمع قوما يشبّهون اللّه بخلقه، ففزع بذلك، و ارتاع له، و نهض حتّى اتى قبر رسول اللّه (ص)، فوقف عنده و رفع صوته، و يناجي ربّه، فقال في مناجاته: «إلهي! بدت قدرتك و لم تبد هيئته، فجهلوك و قدروك بالتقدير على غير ما انت به شبّهوك ...»(5)الى آخر الدعاء. و قد وجّهوا (ع) ما استند إليه المموّهة من الألفاظ الموهمة للتشبيه في كلامه تعالى أو كلامهم (ع).5.
فوجهه ما منه يؤتى أو به***من دين أو قبلة أو نبيّه
و كلّ شيء هالك و فان***و وجهه يبقى بلا هوان
فوجهه تعالى، يراد به ما منه يؤتى إليه، أو به يؤتى إليه من دين أو قبلة؛ كما قال تعالى:( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ...)(1)، أو نبيّه، او وصيّ نبيّه، و كلّ شيء هالك و فان، و وجهه يبقى بلا هوان. فقد تقدّم في حديث يونس بن ظبيان عن الرضا (ع)، قوله (ع): «فوجه اللّه انبيائه و اوليائه»، و عن الهروي، عن الرضا (ع)، قال:
فقلت يا ابن رسول اللّه! فما معنى الخبر الّذي رووه أنّ ثواب لا إله إلّا اللّه، النّظر الى وجه اللّه؟ فقال (ع): «يا أبا الصلت! من وصف اللّه بوجه كالوجوه، فقد كفر؛ و لكن وجه اللّه انبيائه و رسله و حججه، صلوات اللّه عليهم، هم الّذين بهم يتوجّه الى اللّه عزّ و جلّ كلّ شيء، و الى دينه و معرفته؛ و قال اللّه- عزّ و جلّ-:( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ* وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ...) (الرحمن 55: 26- 27)، و قال عزّ و جلّ-:( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ...) (قصص 28: 88)، فالنظر الى انبياء اللّه و رسله و حججه (ع) في درجاتهم، ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة» (2).
و عن ابي المغيرة عن الصادق (ع)، سأله رجل عن قول اللّه (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )قال (ع): «ما يقولون فيه؟ قلت: يقولون: يهلك كل شيء إلّا وجهه، فقال (ع): يهلك كلّ شيء إلّا وجهه الذي يؤتى منه، و نحن وجه اللّه الذي يؤتى منه» (3).
و عنه (ع) أيضا في الآية، قال نحن، و عنه (ع) أيضا: «نحن وجه اللّه الّذي لا يهلك».
و عن ابي حمزة، قال: قلت لأبي جعفر (ع)، قال اللّه- عزّ و جلّ-: (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )قال (ع): «فيهلك كلّ شيء و يبقى الوجه، إنّ اللّه عزّ و جلّ و اعظم من ان يوصف بالوجه، و لكن معناه، كلّ شيء هالك إلّا دينه، و الوجه الذي يؤتى منه» (4).
إنّ الرسول و الوصيّ حجّته***عين، يد، جنب، لسان، جهته
و لا يراد منه في وصف النّظر***الّا عناية بخير لا البصر
و عن الصادق (ع) في الآية قال: «من اتى اللّه بما امر به من طاعة محمد- صلى اللّه عليه و آله- و الأئمّة من بعده- صلوات اللّه عليهم- فهو الوجه الذي لا يهلك، قال اللّه تعالى:
(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ )(نساء 4: 80)» (1). و عنه (ع) أيضا فيها: قال: «كلّ شيء هالك إلّا من اخذ طريق الحقّ» (2).
إنّ الرسول و الوصيّ حجّته، و عين، و يد له، و جنب له، و لسان له، و جهته، فعن خيثمة، قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن قول اللّه- عزّ و جل-:( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )قال (ع): «دينه، و كان رسول اللّه (ص) و امير المؤمنين (ع)، دين اللّه و وجهه و عينه في عباده و لسانه الذي ينطق به، و يده على خلقه؛ و نحن وجه اللّه الذي يؤتى منه» (3).
و عن الصادق (ع): إنّ امير المؤمنين (ع) قال في خطبته: «... انا الهادي و انا المهتدي، و انا عين اللّه و لسانه الصادق و يده، و انا جنب اللّه الذي يقول:( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ )(زمر 39: 56)، و انا يد اللّه المبسوطة على عباده بالرّحمة و المغفرة، و انا باب حطّة ...» (4).
و عن الباقر (ع)، أنّه قال: «معنى جنب اللّه، أنّه ليس شيء اقرب الى اللّه من رسوله، و لا اقرب الى رسوله من وصيّه، فهو في القرب كالجنب، و قد بيّن اللّه تعالى ذلك في كتابه بقوله:( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ )يعني في ولاية اوليائه» (5).
و لا يراد منه تعالى في وصف النّظر؛ اي في وصفه بالنظر في قوله لا ينظر إليهم، الّا عناية بخير لا البصر، فعن امير المؤمنين (ع)، في قوله و لا ينظر إليهم:
«يعني، لا ينظر إليهم بخير لمن لا يرحمهم، و قد يقول العرب للرّجل السيّد او الملك، لا تنظر إلينا يعني لا تصيبنا الخير و ذلك النّظر من اللّه الى خلقه» (6).9.
و اليد أيضا قدرة و قوّته***و منعه قبض و ملك قبضته
و اليد أيضا قدرة و قوّته، و كذلك منعه قبض، و ملك قبضته؛ يعني أنّ قبضته شيئا كونه في ملكه و سلطته. امّا اليد: فقد مرّ كلام امير المؤمنين (ع): «أنّه (ع) يده»، و في وجه آخر، اليد، القوّة و القدرة، فعن محمّد بن مسلم، قال، سألت أبا جعفر (ع)، فقلت: قوله- عزّ و جلّ-:( يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ...)؟
(ص 38: 75) فقال (ع): «اليد في كلام العرب، القوّة و النّعمة. قال اللّه:( وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ )(ص 38: 17)، و قال:( وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ )اي بقوّة، و قال:
(وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ... )(مجادلة 58: 22)؛ أي قوّاهم. يقال لفلان، عندي ايادي كثيرة اي فواضل و احسان، و له عندي يد بيضاء، اي نعمة» (1).
و عن محمّد بن عبيده، عن الرضا (ع) في الآية قال: «يعني بقدرتي و قوتي» (2).
و عن هشام المشرقي، عنه (ع)، في قوله تعالى:( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) (مائدة 5:
64)، فقلت له: أ فله يدان هكذا؟ (و اشرت بيدي الى يديه) فقال (ع): «لو كان هكذا لكان مخلوقا» (3).
و عن المشرقي أيضا، عن عبد اللّه بن قيس، عنه (ع) أيضا مثله (4).
و امّا القبضة، فعن سليمان بن مهران، عن الصادق (ع)، عن قول اللّه:
(وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...) (زمر 39: 67)، فقال (ع): يعني ملكه لا يملكها معه احد، و القبض من اللّه في موضع آخر المنع، و البسط منه، الإعطاء و التوسيع، كما قال- عزّ و جلّ-( وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )(بقرة 2:
245)؛ يعني، يعطى و يوسّع و يمنع و يضيق». و القبض منه- عزّ و جلّ- في موضع آخر، الأخذ، و الاخذ في وجه القبول منه؛ كما قال:( وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ)؛ اي يقبلها من اهلها و يثيب عليها قلت: فقوله:- عزّ و جلّ-:( وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ...) (زمر 39: 67)، قال (ع): اليمين، اليد، و اليد، القدرة و القوّة يقول عزّ و جلّ: و السموات6.
مطويّات بقدرته و قوّته سبحانه و تعالى عمّا يشركون» (1).
و عن ابي الحسن الهادى (ع) في الآية، قال (ع): «ذلك تعيير اللّه لمن شبّهه بخلقه، الا ترى انّه قال: و ما قدروا اللّه حقّ قدره و معناه، اذ قالوا: إنّ الأرض جميعا قبضته يوم القيامة و السّماوات مطويّات بيمينه؛ كما قال عزّ و جلّ:( وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...) اذ قالوا: ما انزل اللّه على بشر من شيء ثمّ نزّه عزّ و جلّ نفسه عن القبضة و اليمين فقال: سبحانه و تعالى عمّا يشركون» (2).
قال المجلسي (ره) هذا وجه حسن لم يتعرّض له المفسّرون. و يؤيّده انّ العامّة رووا أنّ يهوديّا اتى النّبي (ص) و ذكر نحوا من ذلك، فضحك (ص) (3).
اقول: ليس هذا وجها آخر على ما زعمه (قدّس سرّه)، بحيث يكون منافيا لقول الصادق (ع)، بل الجمع بينهما ممكن، و هو ان يقال: إنّ الآية و ان كانت حكاية لقول المشبّهة و تعييرا لهم؛ كما فسّر الهادي (ع)، الّا أنّ التعيير لا يلزم ان يكون على اصل الجملة بأرادة عدم ثبوتها رأسا، بل التعيير بملاحظة التفسير الّذي يفسّرونه، و النّبي (ص) أيضا ضحك من ذلك، فتفسير الصادق (ع) لها بيان لمعناها الواقعي فافهم!
تنبيه: ذكر القمّي عن الصادق (ع)، أنّه قال: لو أنّ اللّه خلق الخلق كلّهم بيده، لم يحتجّ في آدم أنّه خلقه بيده، فيقول:( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ )(ص 38: 75)، افترى أنّ اللّه يبعث الأشياء بيده (4).
اقول: ظاهره اختصاص ذلك بآدم (ع)، دون سائر الأشياء و مع كون المراد باليدين، يد القدرة و يد القوّة يبقى مجال السؤال عن وجه الاختصاص، و الّذي يبدو في النّظر في وجهه، أنّ الاختصاص من حيث اليدين، فإنّ الأشياء بعضها مخلوق بنفس المشيّة و الإرادة، و ليست فيه آثار القدرة و القوّة اعتبارا؛ و بعضها مخلوق بالقوّة فقط، كالأجسام الفلكيّة لما فيها من آثار القوّة؛ و بعضها بالقدرة فقط كالأرواح و النّفوس؛ كلّ ذلك بحسب الاعتبار في معاني الصفات، و الّذي اختصّ من بين الأشياء باليدين معا إنّما هو آدم، لكونه معرضا للقوّة و القدرة معا و مشتملا، تركيبه عليهما، و اللّه العالم.1.
و ساقه حجاب نور يكشف***في الحشر، و الحقّ به ينكشف
إذن يخرّ المؤمنون سجّدا***و استصعب السّجود من تمرّدا
و ليست الحجزة إلّا الدين***و أمره و نوره المبين
و ساقه في قوله تعالى:( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) (قلم 68: 42)، حجاب نور يكشف في الحشر، و الحقّ به ينكشف، فلا يبقى للحقّ غطاء إذن هناك يخرّ المؤمنون سجّدا لما رأوا ذلك النّور هيبة له، و استصعب السّجود من كان تمرّد منه في الدنيا.
فعن الرضا (ع) في الآية، قال: «حجاب من نور، يكشف فيقع المؤمنون سجّدا، و تدمج اصلاب المنافقين فلا يستطيعون السجود» (1).
و عن الحلبي عن الصادق (ع) في الآية، قال: تبارك الجبّار (ثمّ اشار الى ساقه، فكشف عنها الإزار) قال، و قال يدعون الى السجود فلا يستطيعون، قال: افحم القوم، و دخلتهم الهيبة، و شخصت الأبصار، و بلغت القلوب الحناجر، شاخصة ابصارهم، ترهقهم ذلّة، و قد كانوا يدعون الى السجود و هم سالمون» (2).
و عن عبيد بن زرارة عنه (ع) أيضا في الآية، قال: «كشف ازاره عن ساقه و يده الأخرى على رأسه فقال: سبحان ربّي الأعلى» (3).
و ليست الحجزة في قولهم (ع) حجزة اللّه إلّا الدين و أمره و نوره المبين، فعن محمّد بن الحنفيّة، قال حدّثني امير المؤمنين (ع): «إنّ رسول اللّه (ص) يوم القيامة آخذ بحجزة اللّه، و نحن آخذون بحجزة نبيّنا، و شيعتنا آخذون بحجزتنا، قلت: يا امير المؤمنين! و ما الحجزة؟ قال (ع): اللّه اعظم من ان يوصف بحجزة أو غير ذلك و لكن رسول اللّه آخذ بامر اللّه و نحن آل محمّد آخذون بامر نبيّنا، و شيعتنا آخذون بامرنا» (4).
و عن الصادق (ع): «إنّ الحجزة، الدين»(5)و قد روي عنه (ع): «الصلاة حجزة اللّه، و ذلك أنّها تحجز المصلّي عن المعاصي ما دام في صلواته، قال اللّه- عزّ و جلّ-:..
و روح آدم و روح عيسى***مبتدع سنخهما نفيسا
مخلوقتان لهما شرافة***كالبيت خصّتا به إضافة
(الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ )(1)، و عن الرضا (ع) أنّه قال: «الحجزة النور» (2).
أقول: و لا منافاة بينها، فإنّ الدين و أمره تعالى و أمرهم نور، كما قال تعالى:
(وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً )(3).
و روح آدم و روح عيسى في انتسابهما إليه تعالى، دون سائر الأرواح، لأجل امتيازهما عنها، و هو أنّه مبتدع سنخهما نفيسا، انفس من غيرها، و هما مخلوقتان لهما شرافة خاصّة، كالبيت الشريف، فمن اجل ذلك خصّتا به تعالى إضافة؛ يعني، تخصيصا اضافيّا فعّال: روحي و روح اللّه؛ كما قال: بيتي، و يقال بيت اللّه؛ فهذه الإضافة تشريفيّة، اراد تعالى بها تشريف روحهما، كما اراد تشريف البيت.
فعن الباقر (ع)، عن الروح الّتي في آدم، و الّتي في عيسى ما هما؟ قال (ع):
«روحان مخلوقان، اختارهما و اصطفاهما روح آدم و روح عيسى صلوات اللّه عليهما» (4).
و عنه (ع) أيضا في قوله تعالى:( وَ رُوحٌ مِنْهُ ...) (نساء 4: 171)، قال (ع): «هي مخلوقة خلقها اللّه بحكمته في آدم و في عيسى» (5).
و عن الصادق (ع)، عن الروح الّتي في آدم، قوله:( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي )(حجر 15: 29)، قال: «هذه روح مخلوقة للّه، و الروح الّتي في عيسى بن مريم، مخلوقة للّه» (6).
و عن الباقر عن قوله( وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي )قال (ع): «روح اختاره اللّه و اصطفاه و خلقه، و اضافه الى نفسه و فضّله على جميع الأرواح، فامر فنفخ في آدم (ع)»(7).2.
و عنه (ع) أيضا في الآية، قال (ع): «إنّ الروح متحرّك كالرّيح، و إنّما سمّى روحا لأنّه اشتقّ اسمه من الريح. و إنّما اخرجه على لفظة الروح، لأنّ الروح مجانس للرّيح، و انّما اضافه الى نفسه لأنّه اصطفاه على سائر الأرواح، كما اصطفى بيتا من البيوت، فقال: «بيتي» و قال لرسول من الرسل: خليلي، و اشباه ذلك و كلّ ذلك مخلوق، مصنوع، محدث، مربوب، مدبّر» (1). و عن الصادق (ع) أيضا: «إنّ اللّه خلق خلقا، و خلق روحا، ثمّ امر ملكا فنفخ فيه، فليست بالتي نقصت من قدرة اللّه شيئا، هي من قدرته» (2).
هذا كلّه في امتيازهما؛ اي روح آدم و عيسى عليهما السلام. و امّا سنخ الروح مطلقا، فعن سماعة عن الصادق (ع)، أنّه قال: «خلق آدم، فنفخ فيه؛ و سالته عن الروح، فقال (ع): هي من قدرته من الملكوت» (3).
اقول: الملكوت، ما به ملكة الشيء و قوامه و وجوده و حيوانه، قال تعالى:
(بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ )(4)فحيث إنّ الروح مالك حياة الإنسان و وجوده، صحّ ان يقال إنّها من الملكوت؛ اي ممّا يملك به وجود الإنسان و حياته، لا أنّ الملكوت شيء خاصّ و جوهر مخصوص، خلق منه اجناس مخصوصة؛ كما زعمت الفلاسفة، بل اراد (ع) أنّ جنس الروح ليس من سنخ الجسم و البدن، و أنّه شيء يحفظ به قوام البدن و حياته، لا بيان جوهريّة الروح و ما هويّته.
ثمّ إنّه قد يطلق الروح على القوى المؤيّدة الرحمانيّة، و تختصّ مصاحبتها بالرسل و المؤمنين، فعنهما (ع) في( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ )قالا (ع): «إنّ اللّه تعالى احد، صمد، ليس له جوف، و إنّما الروح خلق من خلقه نصر و تأييد و قوّة يجعله اللّه في قلوب الرسل و المؤمنين» (5). فقوله (ع) نصر و تأييد، اي منه ما هو نصر و تأييد.
و اعلم: إنّ من التشبيه، تشبيهه تعالى بصفات المخلوقين؛ كما شاهدت في بعض هذه الأخبار و يظهر تفصيله ممّا نذكر في محلّه من تنزيهه عن صفات المخلوقين.7.
و حيث لم يكن بجسم و عرض***و لم يحدّ بكيف، أين فاندحض
إمكان أن يحسّ بالحواسّ***أو أن يقاس ذاته بالنّاس
و هذا الحكم، اثباته من طريق العقل، او على مذهب اهل البيت (ع)، لا يحتاج الى مئونة زائدة بعد ما ثبت أنّه تعالى ليس بمحدود و لا مكيّف و لا متجزّى و لا بجوهر و جسم و عرض، فلا يبقى إذن مجال لتوهّم امكان ادراكه بالحواسّ، الّا إنّي متعهّد ان اذكر تصريحاتهم (ع) في جميع مذاهبهم.
و حيث لم يكن بجسم و عرض، على ما تقدّم برهانه، و لم يحدّ بكيف، و أين جلّ شأنه، فاندحض؛ اي بطل إمكان أن يحسّ بالحواسّ، أو أن يقاس ذاته بالنّاس، فعن امير المؤمنين (ع): «المعروف بغير كيفيّة لا يدرك بالحواسّ و لا يقاس بالنّاس» (1).
و عن نوف البكّالي عنه (ع): «لا يدرك بالحواسّ و لا يقاس بالناس» (2).
و عن الصادق (ع): «لا يدرك بالحواسّ و لا يقاس بالناس» (3).
و عن الرضا (ع): «لا يدرك بالحواس، و لا يقاس بالناس» (4).
و عن امير المؤمنين (ع): «و لا يحسّ بالحواسّ، و لا يقاس بالنّاس»(5). و عنه (ع):
«لا يقاس بالنّاس و لا يدرك بالحواسّ» (6).
و عن الباقر (ع): «لا يعرف بالقياس، و لا يدرك بالحواس، و لا يشبه بالناس» (7).
و عن الصادق (ع): «غير أنّه لا جسم، و لا صورة، و لا يحسّ، و لا يجسّ، و لا يدرك بالحواس الخمس» (8).
فليس مسموعا و لا محسوسا***بشمّ أو ذوق و لا ملموسا
قد عجز الحواسّ عمّا لم يقس***فلا يحسّ أو يجسّ أو يمسّ
و كلّ ما يحسّ بالحواسّ***يكون مخلوقا على القياس
و كلّ ما تمسّه الأيادي***مخلوق إذ يكون ذا أبعاد
و اللّه عندنا الّذي لن نصفه***يعجز عنه حسّنا أن نكشفه
إذ ما نحسّه يكون مثلنا***و ما توهّمناه محدود بنا
فليس مسموعا و لا محسوسا، بشمّ أو ذوق و لا ملموسا، لأنّه ليس ممّا يحسّ او يمسّ».
و قد عجز الحواسّ عمّا لم يقس، فإنّ ما لا يدخل تحت و هم و قياس، فكيف يناله الإحساس؟ فلا يحسّ أو يجسّ أو يمسّ.
قال رسول اللّه (ص): «و كيف يوصف الّذي تعجز الحواسّ ان تدركه؟»(1). و مثله عن ابي الحسن الهادي (ع) (2).
و عن امير المؤمنين (ع): «و لا تدركه الحواسّ فتحسّه، و لا تلمسه الايدي فتمسّه» (3). و عنه (ع): «و لا تلمسه لامسة و لا تحسّه حاسّة» (4).
و عن الصادق (ع): «غير محسوس و لا مجسوس، لا تدركه الأبصار»(5). و عنه (ع) أيضا: «لا يحدّ و لا يحسّ، و لا يمسّ و لا يدركه الحواسّ، و لا يحيط به شيء، و لا جسم و لا صورة و لا تخطيط و لا تحديد» (6).
و قال (ع) أيضا: «لا يدرك ببصر، و لا يحسّ بلمس، و لا يعرف بخلقه» (7).
و كلّ ما يحسّ بالحواسّ، يكون مخلوقا على القياس العقلي، لأنّه لا يكون الّا جسما، و الجسم لا يكون إلّا محدودا، و المحدود مخلوق. قال الصادق (ع) في جواب الزنديق:1.
«فإنّا لم نكلّف ان نعتقد غير موهوم، لكنّا نقول كلّ موهوم بالحواسّ مدرك بها، تحدّه الحواس مثلا فهو مخلوق» (1).
المراد بالموهوم، المعقول من حيث الأثبات.
و قال (ع) أيضا: «الحمد للّه الذي لا يحسّ، و لا يمسّ، و لا يدرك بالحواس الخمس، و لا تقع عليه الأوهام، و لا تصفه الالسن، فكلّ شيء حسّته الحواس، او مسّته الأيدي، فهو مخلوق» (2).
و كلّ ما تمسّه الأيادي، مخلوق إذ يكون ذا أبعاد. و هذا وجه و تعليل لما قال الصادق (ع) من المخلوقية.
توضيحه: أنّ كلّ ملموس و محسوس فهو ذو ابعاد، و كلّ ما كان ذا ابعاد، فهو محدود مخلوق، و أيضا كلّ ما تحسّه الحواسّ، فهو محاط، و كلّ محاط محدود.
و اللّه عندنا، هو الّذي لن نصفه، و الذي يعجز عنه حسّنا أن نكشفه، إذ ما نحسّه، يكون مثلنا، و ما توهّمناه، محدود بنا، فإن كلّ محدود بتوهّمنا ايّاه ففي الإهليلجة،
قال: «لأنّي لا ارى حواسي الخمس ادركته، و ما لم تدركه حواسّي، فليس عندي بموجود، قلت: إنّه لمّا عجزت حواسك عن ادراك اللّه، انكرته و انا لمّا عجزت حواسّي عن ادراك اللّه تعالى صدقت به، قال: و كيف ذلك؟ قلت: لأنّ كلّ شيء جرى فيه اثر تركيب لجسم أو وقع عليه بصر للون، فما ادركته الأبصار، و نالته الحواس، فهو غير اللّه سبحانه، اذ لا يشبه الخلق و لا يشبهه الخلق، و إنّ هذا الخلق ينتقل بتغيير و زوال، و كلّ شيء اشبه التغيير و الزوال فهو مثله، و ليس المخلوق كالخالق، و لا المحدث كالمحدث» (3).
و قال الرضا (ع) في جواب بعض الزنادقة: «فلا يعرف بكيفوفيّة، و لا باينونيّة، و لا بحاسّة و لا يقاس بشيء، قال الرجل: فاذن، أنّه لا شيء، اذا لم يدرك بحاسّة من1.
الحواسّ، فقال (ع): ويلك! لمّا عجزت حواسّك انكرت ربوبيّته، و نحن اذ عجزت حواسّنا عن ادراكه ايقنّا أنّه ربّنا، و أنّه شيء خلاف الأشياء»(1).
و قد وقعت الرؤية بالخصوص من بين الحواس موردا لتشاجر اشباه النّاس.
و قد اشرت في صدر المقصد (و في امتناع الادراك، لامتناع الذات) الى اجمال الأقوال، و تفصيله على وجه الاختصار:
انّ المتكلّمين من العامّة و الخاصّة، نسبوا في كتبهم جواز الرؤية مطلقا الى المجسّمة و المشبهة، و منهم الكرّاميّة، و وجهه ظاهر؛ و الى الإماميّة و المعتزلة، النّفي مطلقا، لما نذكره من الوجوه؛ و وافقهم الحكماء أيضا على مذهبهم من تجرّده، و المجرّد غير قابل للرؤية، و الى الأشاعرة و غيرهم ممّن عدا من ذكر الجواز عقلا، و الاختلاف في وقوعها مع تصريح الأشاعرة بتنزيهه تعالى عن المقابلة و الجهة و المكان.
حكى العلّامة المجلسي (ره) عن الآبي في كتاب الإكمال عن بعض علمائهم:
أنّ رؤية اللّه جائزة عقلا في الدنيا، و اختلف في وقوعها، و في أنّه هل رآه النّبي (ص) ليلة الاسرى، أم لا؟ فانكرته عائشة و جماعة من الصحابة و التابعين و المتكلّمين؛ و اثبت ذلك ابن عبّاس، و قال: «انّ اللّه اختصّه بالرؤية، و موسى (ع) بالكلام، و إبراهيم بالخلّة». و اخذ به جماعة من السلف و الاشعري في جماعة من اصحابه و ابن حنبل؛ و كان الحسن، يقسم لقد رآه؛ و توقّف فيه جماعة. هذا حال رؤيته في الدنيا أمّا في الآخرة، فجائزة عقلا، و اجمع على وقوعها أهل السنّة، و احالها المعتزلة و المرجئة و الخوارج.
و الفرق بين الدنيا و الآخرة، أنّ القوى و الإدراكات ضعيفة في الدنيا حتّى إذا كانوا في الآخرة و خلقهم للبقاء، قوّى ادراكهم فاطاقوا رؤيته. انتهى (2).
للنّاس في رؤيته مذاهب***و مهبط الوحي لنفى ذاهب
و عندهم يمتنع الأبصار***عقلا فلن تدركه الأبصار
و الامتناع لامتناع الذات***و لا يخصّص الّذي بالذّات
فلا يراه أحد في الآخرة***و لا النبيّ (ص) هاهنا بالباصرة
و هو أجلّ أن يرى بالبصر***محتجب عن عين كلّ ناظر
للنّاس في رؤيته، مذاهب؛ كما عرفت، و مهبط الوحي لنفي ذاهب نفيا مطلقا، من غير تخصيص بشخص و لا تقييد بوقت، يكفى في العلم بمذهبهم (ع) و اجمالا ما تقدّم منهم في ذاته، و من تصريحاتهم أيضا ما تقدّم من أنّه ليس بمحسوس، و أنّه لا يدرك بالحواس على الاطلاق. و مع ذلك، لهم تصريحات بليغة معلّلة لنفي الرؤية بالخصوص، و عندهم (ع) يمتنع الأبصار عقلا، لا مجرّد أنّه لا يجوز، فلن تدركه الأبصار مطلقا: من ايّ شخص كان، و بايّ وجه كان، و في ايّ زمان أو مكان كان.
و الامتناع لامتناع الذات، قال الرضا (ع): «و الممتنع من الصفات ذاته، و من الأبصار رؤيته، و من الأوهام، الإحاطة به» (1). و قال امير المؤمنين (ع): «امتنع على عين البصيرة» (2). و لا يخصّص الّذي بالذّات، فإنّ ما بالذات لا يقبل التخصيص ابدا، فلا يراه أحد في الآخرة، و لا رأى النّبيّ (ص) هاهنا بالباصرة، و إنّما رأى بقلبه، و سيأتي الكلام فيما رأى.
و هو أجلّ من أن يرى بالبصر، قال أبو محمّد (ع) (فيما كتب الى يعقوب بن اسحاق): «جلّ سيّدي و مولاى و المنعم عليّ و على آبائي، ان يرى»(3). و قال الصادق (ع): «إنّ اللّه أعظم من ان يرى بالعين» (4).
محتجب عن عين كلّ ناظر، قال الباقر (ع): «تعالى عن صفة الواصفين، و جلّ عن اوهام المتوهّمين، و احتجب عن اعين الناظرين» (5).
محتجب عن أهل أرض كالسّماء***و عن عقولنا كالأبصار حمى
قد كلّت الأبصار و العيون***عن درك أو تحيطه الظنون
محتجب عن أهل أرض كالسّماء، و محتجب أيضا عن عقولنا كالأبصار، حمى، له تعالى عن دركها ايّاه، قال الحسين (ع): «احتجب عن العقول، كما احتجب عن الأبصار، و عمّن في السّماء احتجابه عمّن في الأرض» (1).
قد كلّت الأبصار و العيون عن درك أو تحيطه الظنون؛ اي ظنون القلوب و اوهامها.
قال امير المؤمنين (ع): «و كلّت عن ادراكه طروف العيون» (2). و قال (ع) أيضا:
«عظم ان تثبت ربوبيّته باحاطة قلب أو بصر» (3). و قال (ع): «و لا تحيط به الأبصار و القلوب»(4). و قال (ع) أيضا: «و لا يقاس بالنّاس، و لا تدركه الأبصار، و لا تحيط به الأفكار» (5).
و قال الرضا (ع): «لا تضبطه العقول، و لا تبلغه الأوهام، و لا تدركه الأبصار؛ عجزت دونه العبارة، و كلّت دونه الأبصار»(6) . و قال (ع) أيضا: «انّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يوصف بمكان، و لا يدرك بالأبصار و الأوهام» (5). و قال (ع) أيضا: «الّذي لا تدركه ابصار الناظرين، و لا تحيط به صفة الواصفين» (6).
و قال الصادق (ع): «سبحان اللّه الّذي ليس كمثله شيء، و لا تدركه الابصار، و لا يحيط به علم» (7).
و قد ورد عنهم (ع) موافقا لقوله تعالى:( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ...)(8)كثير من غير تبين الحال أنّه على وجه التمثيل إنشاء، او على وجه الاستدلال. فمن ذلك قول الحسين (ع):3.
لم تره العيون بالمشاهدة***بل القلوب لا على أن تجده
«بل هو اللّه، ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)» (1).
و قول عليّ بن الحسين (ع): «و كيف يوصف من لا يحدّ؟( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)»(2).
و قول الصادق (ع): «إنّ اللّه عظيم، رفيع، لا يقدر العباد على صفته، و لا يبلغون كنه عظمته:( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)؛ فاللّه- تبارك و تعالى- داخل في كلّ مكان، و خارج من كلّ شيء، لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار، لا إله إلّا هو العلي العظيم و هو اللطيف الخبير» (3).
و قول موسى بن جعفر (ع): «و لا تحيط به الأقطار، و لا تحويه مكان،( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )ليس كمثله شيء و هو السميع البصير» (4).
لم تره العيون بالمشاهدة، بل القلوب، و لكن لا على أن تجده، بان تجد شيئا، بل على الايمان و الايقان به؛ فعن الأصبغ عن امير المؤمنين (ع): أنّه قال له ذعلب: هل رأيت ربّك؟
فقال (ع): «ويلك! لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، و لكن رأته القلوب بحقايق الأيمان» (5).
و في نهج البلاغة، قال (ع): «فأعبد ما لا ارى، قال: و كيف تراه؟ قال (ع): لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، و لكن تدركه القلوب بحقايق الأيمان» (6). و عن الصادق (ع): «أنّه (ع): قال له: ويلك يا ذعلب! ما كنت اعبد ربّا لم اره، قال: يا امير المؤمنين! و كيف رأيته؟ قال (ع): يا ذعلب! لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، و لكن9.
رأته بحقايق الأيمان» (1).
و عن الصادق (ع) أيضا: «جاء حبر الى امير المؤمنين (ع)، فقال: يا امير المؤمنين! هل رأيت ربّك حين عبدته!؟ فقال (ع): ويلك ما كنت اعبد ربّا لم اره! قال و كيف رأيته!؟ قال: ويلك! لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، و لكن رأته القلوب بحقايق الأيمان» (2).
و عنه (ع) أيضا: «إنّ رجلا من اليهود، أتى أمير المؤمنين (ع)، فقال: يا على! هل رأيت ربّك؟ فقال (ع): ما كنت اعبد إلها لم اره! ثمّ قال: لم تره العيون في مشاهدة الأبصار، غير أنّ الايمان بالغيب من عقد القلوب» (3).
و عنه (ع) أيضا، عن آبائه، عن الحسين بن علي (ع)، قال: «سئل امير المؤمنين (ع)، فقيل: يا أخا رسول اللّه (ص)! هل رأيت ربّك؟ فقال (ع): و كيف اعبد من لم اره؟ لم تره العيون بمشاهدة العيان، و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان»(4). و تأتى بقيّته.
و عن الباقر (ع)، و قد دخل عليه رجل من الخوارج، فقال له: يا أبا جعفر! ايّ شيء تعبد؟ فقال (ع): «اللّه، قال: رأيته!؟ قال (ع): لم تره العيون بمشاهدة العيان، و رأته القلوب بحقايق الأيمان ...» (5).
و عن الصادق (ع)، دخل عليه رجل، قال: أ رأيت اللّه حين عبدته؟ قال (ع) له:
«ما كنت اعبد شيئا لم اره! قال: و كيف رأيته!؟ قال (ع): لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، و لكن رأته القلوب بحقايق الأيمان» (6).
و في سؤال الزنديق عن الصادق (ع) كيف يعبد اللّه الخلق و لم يروه!؟ قال (ع):
«رأته القلوب بنور الأيمان، و اثبتته العقول بيقظتها اثبات العيان، و ابصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب و احكام التأليف؛ ثمّ الرسل، و آياتها، و الكتب، و محكماتها.
و اقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته ...» (7). قوله (ع) «بنقضها»، هكذا2.
يعرف لا برؤية الشواهد***و انحسرت عن أن تنال الأحديّ
فكان بالذّات إذن معروفا***و بالعيان عينه موصوفا
إذ ليس محسوسا و لا ملموسا***و العين حسّ، تبصر المحسوسا
في النسخة، و لعله «بيقظتها» او «بفطنتها».
فهذه الأخبار باسرها، شاهدة بصراحتها على المقصود هنا، من نفي الرؤية بمشاهدة العيون. و أمّا معنى بحقيقة الأيمان، فقد اشرت إليه اجمالا بقولي: لا على أن تجده، و يأتي توضيحه و تفصيله في ابطال الكشف ان شاء اللّه تعالى.
فهو تعالى يعرف لا برؤية الشواهد؛ كما قال امير المؤمنين (ع) أيضا: «هو اللّه الحق المبين، احقّ و ابين ممّا ترى العيون» (1). و قال (ع) أيضا: «الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد» (2).
و عن الرضا (ع): «اعرفه من غير رؤية» (3). و عنه (ع) أيضا: «عرف بغير رؤية، و وصف بغير صورة» (4).
و انحسرت الأبصار عن أن تنال الذات الأحدىّ، الّذي لا يجزّى، و لا يبعّض، و لا يتوهّم، و إلّا فكان بالذّات إذن معروفا، و كان بالعيان عينه تعالى موصوفا.
قال امير المؤمنين (ع): «و انحسرت الأبصار عن ان تناله، فيكون بالعيان موصوفا، و بالذّات الّتي لا يعلمها إلّا هو عند خلقه معروفا» (5).
ثمّ إنّهم عليهم السلام علّلوا امتناع الرؤية بتعليلات:
منها: ما يفيد امتناع الذات بذاته عن الإدراك؛
و منها: ما يعلّل الامتناع بفقد الشروط و امتناعها، و هذا أيضا يرجع الى امتناع الذات؛ لأنّ امتناع الشروط و فقدانها، ليس إلّا لامتناع الذات عنها.
فاوّل العلل ما قلت: إذ ليس محسوسا و لا ملموسا، و قد تقدّم بيانه، و العين حسّ، و هي من احدى الحواسّ، تبصر المحسوسا لا غير، و ما لم يكن محسوسا، ليس مرئيّا بالعين؛ كالنّفس و العقل الّذي ليس من المحسوسات، و قد تقدّم أيضا أنّه
ليس بجسم شبح، ليبصرا***و لا له لون و كيف، فيرى
و لا له أين، و لا له جهة***و إنّما الرائي، يرى من واجهه
بشرط أن يتّصل الهواء***بينهما و اتّصل الضياء
ليس بجسم و لا شبح ليبصرا. قال امير المؤمنين (ع): «فليس بشبح فيرى» (1).
و لا له لون و كيف، فيرى؛ كما قال الصادق (ع) لاسماعيل بن الفضل: «يا ابن الفضل! إن الأبصار لا تدرك إلّا ما له لون و كيفيّة، و اللّه خالق الألوان و الكيفيّة» (2).
و لا له أين، و لا له جهة، لأنّه يصير محدودا بهما، و يأتي تفصيلهما في محلّه.
و من شرط المرئي ان يكون في مكان و في جهة.
و قال امير المؤمنين (ع): «لا تدركه الشواهد، و لا تحويه المشاهد، و لا تراه النواظر» (3).
و قال الرضا (ع)، في قوله تعالى:( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ )(مطففين 83: 15)، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يوصف بمكان يحلّ فيه فيحجب عن عباده، و لكنّه؛ يعني أنّهم عن ثواب ربّهم لمحجوبون» (4).
و من شروط الرؤية أيضا، المقابلة و المواجهة، و لكن لا مطلقا، بل و إنّما الرائي، يرى من واجهه، بشرط أن يتّصل الهواء بينهما، و اتّصل الضياء.
فعن الاحتجاج، عن احمد بن اسحاق، قال: كتبت الى ابي الحسن، عليّ بن محمّد (ع)، اسأله عن الرؤية و ما فيه الخلق، فكتب (ع): «لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي و المرئي هواء ينفذه البصر، فمتى انقطع الهواء و عدم الضياء، لم تصحّ الرؤية» (5).
و على هذا، يلزم كونه تعالى موصولا و مفصولا، موصولا من حيث اتّصال الهواء به، و اتّصال شعاع البصر به، ثناء على أنّ الرؤية بخروج الشعاع أو اتّصاله بالعين، بناء على أنّها بالانطباع؛ و مفصولا من حيث فصل الهواء، النّافذ فيه البصر.
و الفصل و الوصل هنا لا وجه له***و العين لا يدرك ما لا وجه له
و الاتصال موجب التشابه***فى السّبب الرابط إذ يرى به
و تلزم الضرورة العلميّة***بالذّات و الإحاطة العينيّة
بل هو بالدّرك يصير قابلا***و بعد الانتقال صار حائلا
و الفصل و الوصل هنا لا وجه له، و لا مجال، لأنّه محال، و أيضا العين لا يدرك ما لا وجه له، لأنّ العين يدرك من كلّ شيء وجهه، و قد تقدّم أنّه تعالى لا وجه له.
و أيضا الاتّصال موجب التشابه بين الرائي و المرئي، للاشتراك في السّبب الرابط بينهما، و هو الهواء و الضياء؛ إذ يرى به. قال ابو الحسن الهادي (ع) (في الحديث المذكور بعد قوله: «لم تصحّ الرؤية»: «و في وجوب اتصال الضياء بين الرائي و المرئى وجوب الاشتباه، و تعالى اللّه عن الاشتباه، فثبت أنّه لا تجوز الرؤية عليه سبحانه، الرؤية بالأبصار؛ لأنّ الأسباب لا بدّ من اتّصالها بالمسبّبات» (1).
و برواية التوحيد بعد قوله (ع) (لم تصحّ الرؤية): «و كان في ذلك الاشتباه، لأنّ الرائى متى ساوى المرئى في السّبب الموجب بينهما في الرؤية، وجب الاشتباه و كان في ذلك التشبيه، لأنّ الأسباب لا بدّ من اتّصالها بالمسبّبات» (2).
و تلزم الضرورة العلميّة بالذّات و يأتى قولى: «و اللّه لا يعرف بالضرورة» و لازمها، الإحاطة العينيّة لإحاطة العين بجهات المرئى و هو محال، لاستلزام المحدوديّة و التناهى، و قد تقدّم قولى في صدر المقصد: «و لا يحيط خلقه علما به».
فعن محمّد بن عبيده عن الرضا (ع): «إنّ المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فإذا جاز ان يرى اللّه- عزّ و جلّ- بالعين، وقعت المعرفة ضرورة» (3).
و قد تقدّم في «مبحث الجسم» أنّ الصادق (ع) ردّ قول هشام (بأنّه صمدي، نوريّ معرفته ضرورة يمنّ بها على من يشاء).
و قد قال الرضا (ع) أيضا في جواب ابى قرّة المحدّث و قد قال تعالى:( ... وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً). (طه 20: 110) «فإذ رأته الأبصار فقد احاطت به العلم» .(4)
بل هو تعالى بالدّرك؛ اي بسبب درك العين يصير قابلا لها و بعد الانتقال؛ اي4.
و ليس محدثا فلا يرى و قد***أشرك إذ شبّهه من اعتقد
و هو لطيف عن مدى الأوهام***فكيف الأبصار هنا ترامي
انتقالها عنه صار حائلا عنها، فصار إذن مصرفا و هو محال، قال امير المؤمنين (ع):
«و لم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلا» (1).
و أيضا الرؤية شأن المحدثات، و هو تعالى ليس محدثا فلا يرى؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «و لا بمحدث فيبصر» (2).
و قد أشرك إذ شبّهه بالمخلوق المحدّث، من اعتقد رؤيته، قال (ع): في الحديث السابق برواية الحسين (ع) عنه (بعد قوله: «و لكن رأته القلوب بحقايق الأيمان»): «فإذا كان المؤمن يرى ربّه بمشاهدة البصر، فانّ كلّ من جاز عليه البصر و الرّؤية فهو مخلوق، و لا بد للمخلوق من الخالق، فقد جعلته إذن محدثا مخلوقا، و من شبّهه بخلقه، فقد اتّخذ مع اللّه شريكا؛ ويلهم! الم يسمعوا يقول اللّه تعالى:( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ...)(3)و إليه يشير أيضا قوله (ع): «لم ترك العيون فتخبر عنك، بل كنت قبل الواصفين من خلقك» (4). يعني، انّهم محدثون، و انت لست بمحدث فمن ثمّ لم ترك العيون و لم تبلغك الواصفون، و الّا فمجرّد القبليّة غير مانع عن الرّؤية و التوصيف.
و اللطيف لا يرى أيضا لطيف عن مدى الأوهام، بحيث تعجز عن ادراكه و تصوّره، و ما لا يدخل في الوهم ذاته، فكيف الأبصار هنا ترامي؟ قال الصادق (ع) في حديث المفضّل:
«و إنّما معنى قولنا استتر أنّه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام، كما لطفت النّفس و هى خلق من خلقه، و ارتفعت عن ادراكها بالنّظر» (5).
و عن الرضا (ع): في قوله تعالى:( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) قال (ع): «لا تدركه اوهام القلوب، فكيف تدركه ابصار العيون» (6).4.
و عن ابى هاشم الجعفرى عن ابى جعفر الثانى (ع) في الآية قال: «يا أبا هاشم! إنّ اوهام القلوب ادقّ من ابصار العيون، انت قد تدرك بوهمك السند، و الهند، و البلدان الّتي لم تدخلها و لم تدركها ببصرك، فأوهام القلوب لا تدركه فكيف ابصار العيون» (1).
و هذان الخبران لا ينافى ما تقدّم من استدلالاتهم (ع) و تمثّلاتهم (ع) بالآية على نفى الرؤية البصريّة، لإمكان حمل كلامهما (ع) على إنشاء استعجاب من نفسهما، بأنّه لا تدركه الأوهام فكيف تدركه العيون؟ من دون ان يكون تفسيرا للأبصار بالأوهام بل فيه ابقاء على ظاهره، و لكن وردت اخبار أخر صريحة في تفسيرها بالأوهام و نفى إرادة العيون.
فعن الرضا (ع) أنّه قال لذى الرّئاستين في الآية: «ليست هى الاعين، إنّما هي الأبصار الّتي في القلوب لا تقع عليه الاوهام و لا يدرك كيف هو؟» (2).
و عن ابى هاشم الجعفري، عن الأشعث بن حاتم، عنه (ع)، قال: و ما الأبصار؟
قال: قلت: ابصار العين، قال (ع): «لا، انّما عنى الأوهام، لا تدرك الأوهام كيفيّته، و هو يدرك كلّ فهم» (3).
و عن الجعفري أيضا، عنه (ع)، قال: «فتعرفون الأبصار؟ قلت: بلى، قال (ع): و ما هى؟ قلت ابصار العيون، فقال (ع): إنّ أوهام القلوب، اكثر من ابصار العيون، فهو لا تدركه الاوهام، و هو يدرك الاوهام»(4). و عنه أيضا، عن ابى جعفر الثاني (ع)، قال (ع):
«الابصار هاهنا اوهام العباد، و الأوهام اكثر من الأبصار، و هو يدرك الأوهام و لا تدركه الأوهام» (5).
و عن الصادق (ع)، قال: «احاطة الوهم، كما يقال فلان بصير بالشّعر، و فلان بصير بالفقه، و فلان بصير بالدّراهم، و فلان بصير بالثّياب، اللّه اعظم من ان يرى بالعين» (6).
و هذه الأخبار لا تنافى ما تقدّم من حيث نفى الرؤية، و انّما تنافيها من حيث1.
و هو مباين لكلّ ما خلق***ذاتا فكان واجبا أن يفترق
فالخلق محدود بحدّ ظاهر***و اللّه حيث لم يحدّ، لم يبصر
بل كان ربّا حادّا و خالقا***و الرب و المربوب قد تفارقا
فهو إذن بذاته قد احتجب***عن خلقه لا بحجاب يحتجب
لم يستتر كالخلق بالحجاب***بحيلة أو ستر أو بباب
و ليس باحتجابه لن يدركا***من يعرف اللّه كذاك اشركا
تفسير الآية، فلا بدّ من حمل الأولى على تفسير الظاهر، و هذه على تفسير الباطن؛ او نقول: إنّ الأبصار في الآية، لم يرد بها إلّا الأوهام بمقتضى هذه الأخبار، و امّا التمثّل بها او الاستدلال بها، لنفي الرّؤية بأبصار العيون، فليس على الدلالة المطابقيّة و المعنى المطابقي، بل على الدلالة الالتزاميّة، يعنون أنّه اذا لم يدركه ابصار الأوهام فكيف بأبصار العيون؟
و أيضا هو تعالى، مباين لكلّ ما خلق ذاتا، فإنّ ذاته و حقيقته، ليست من سنخ ذواتهم و حقائقهم، كما يأتي تحقيقه، خلافا للفلاسفة و العرفاء، فكان واجبا أن يفترق في الصفات فما هو من صفات المحدثات المخلوقات بما هي محدثات، لا يمكن ان تكون صفة للقديم. فالخلق محدود بحدّ، ظاهر، مشهور، فلذلك تجوز عليهم الرؤية لمحدوديّتهم، و اللّه حيث لم يحدّ، لم يبصر، بل هو تعالى، كان ربّا حادّا و خالقا، و الرب و المربوب قد تفارقا في الخواصّ.
فعن الرضا (ع) في جواب بعض الزنادقة حيث قال: فلم لا تدركه حاسّة البصر؟
قال (ع): «للفرق بينه و بين خلقه الّذين تدركهم حاسّة الأبصار؛ ثمّ هو اجلّ من ان تدركه الأبصار أو يحيط به وهم أو يضبطه عقل» (1). و قال (ع): «و لا يحجبه الحجاب، فالحجاب بينه و بين خلقه لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم، و لإمكان ذواتهم ممّا يمتنع منه ذاته، و لافتراق الصّانع و المصنوع. و الربّ و المربوب و الحادّ و المحدود» (2).
فهو تعالى إذن، بذاته قد احتجب عن خلقه عن ادراكهم له؛ يعني أنّ ذاته حاجب له عنهم، لا بحجاب يحتجب، فهو لم يستتر كالخلق بالحجاب، بحيلة، أو ستر، أو بباب.7.
قال امير المؤمنين (ع): «و لا يحجبه السواتر» (1). و قال (ع): «و لا بمستتر فيكشف، و لا بذي حجب فيحوى»(2). و قال (ع) أيضا: «و لا محجوب فيحوى» (3).
و قال موسى بن جعفر (ع): «احتجب بغير حجاب محجوب، و استتر بغير ستر مستور، لا إله إلّا هو الكبير المتعال» (4).
و قال الصادق (ع) أيضا في حديث المفضّل: «فان قالوا: و لم استتر؟ قيل لهم: لم يستتر بحيلة يخلص إليها كمن يحتجب عن النّاس بالابواب و السّتور، و إنّما معنى قولنا: استتر، أنّه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام، كما لطفت النّفس، و هي خلق من خلقه، و ارتفعت عن ادراكها بالنظر» (5).
و قال الرضا (ع): «احتجب بغير حجاب محجوب، و استتر بغير ستر مستور، عرف بغير رؤية، و وصف بغير صورة، و نعت بغير جسم، لا إله إلّا هو الكبير المتعال» (6). و الى ذلك ينظر قول امير المؤمنين (ع): «لا تناله الأبصار في مجد جبروته، اذ حجبها بحجب لا تنفذ في ثخن كثافته، و لا تخرق الى ذى العرش متانة خصائص ستراته» (7).
و ليس باحتجابه؛ اي باتّخاذه الحجاب لن يدركا؛ اي ليس عدم ادراكه بالبصر.
لأجل اتّخاذه الحجاب بشيء ممّا ذكر و غيره؛ من يعرف اللّه كذاك، اي بهذه الصفة، فقد اشركا.
قال الصادق (ع): «و من زعم أنّه يعرف اللّه بحجاب، او بصورة، او تمثال، فهو مشرك؛ لأنّ الحجاب و المثال و الصورة، غيره، و انّما هو واحد، موحّد» (8).
و عن امير المؤمنين (ع): انّه سمع رجلا يقول: لا، و الّذي احتجب بسبع طباق فعلاه بالدرّة، ثمّ قال (ع) له: «ويلك! إنّ اللّه اجلّ من ان يحتجب عن شيء، او يحجب عنه، سبحان الّذي لا يحويه مكان، و لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السّماء، فقال الرجل: أ فأكفّر عن يميني يا امير المؤمنين؟ قال (ع): لا، لم تحلف باللّه فيلزمك6.
بل متعال ذاته عن كلّ شيء***كلّ التعالي، لا كشيء مع فيء
و الخلق نفسه حجاب من خلق***و ذا الحجاب لا يكاد ينطلق
الكفّارة» (1).
و برواية اخرى، يقول: «لا و الّذي احتجب بالسّبع، فضرب على (ع) ظهره، ثمّ قال: من الّذي احتجب بالسبع؟ قال: اللّه، يا امير المؤمنين، قال (ع): اخطأت، ثكلتك أمّك! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- ليس بينه و بين خلقه حجاب، لأنّه معهم اينما كانوا، قال: ما كفّارة ما قلت يا امير المؤمنين؟ قال (ع): ان تعلم أنّ اللّه معك حيث كنت، قال: اطعم المساكين؟ قال (ع): لا، إنّما حلفت بغير ربّك» (2).
فعدم ادراكه تعالى بالأبصار، بل و بالعقول و القلوب، ليس لاحتجابه بحجاب، بل متعال ذاته عن كلّ شيء؛ كما تقدّم في أنّ امتناع الإدراك، بامتناع الذات، قولي:
«علوّ ذاته اقتضى حجابه»؛ و هو تعالى متعال كلّ التعالي، لا كشيء مع فيء، و لا كغيره من الوجوه الفاسدة المتخيلّة، بل هو مباين ذاتا مع الخلق، مباينة، كليّة لا يشترك معهم الّا في اطلاق الشيء و الموجود.
قال الصادق (ع) (3)في حديث المفضّل المتقدّم (بعد قوله: و ارتفعت عن ادراكها بالنظر): «فان قالوا: و لم لطف و تعالى عن ذلك علوا كبيرا؟ كان ذلك خطأ من القول، لا يليق بالّذي هو خالق كلّ شيء، الّا ان يكون مباينا لكلّ شيء متعاليا عن كلّ شيء سبحانه و تعالى» (4). و الخلق؛ اي الخلقة أيضا نفسه حجاب من خلق، كما تقدّم قولي: «و الخلق أيضا اكّد احتجابه»، و ذا الحجاب لا يكاد ينطلق و يزول عنه ابدا؛ اذ المخلوقيّة ملازمة للموجوديّة، فيلازم الشيء ما دام موجودا، و قد اشار الى ذلك قول الرضا (ع) في الحديث المتقدّم: «و لإمكان ذواتهم ما يمتنع منه ذاته، و لافتراق الصانع و المصنوع» (5). و قال (ع) أيضا: «خلقة اللّه الخلق حجاب بينه و بينهم، و مباينة ايّاهم7.
و ليس ذا مقالة التصوّف***بل هو عن بينونة لم يعرف
فمن يجيز الكشف للحجاب***فليس للمحال من جواب
مفارقته إنيّتهم» (1).
و قال موسى بن جعفر (ع): «ليس بينه و بين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب مستور ..» (2). و قد تقدّم.
و ليس ذا مقالة التصوّف؛ كما قال قائلهم:
بيني و بينك انيّتي يفارقني***فارفع بنفسك انيّتي من البين
و قال الحافظ: تو خود حجاب خودى، حافظ از ميان برخيز؛
فإنّ مقالتهم مبنيّة على وحدة الوجود و اعتبار الماهيّة، بمعنى أنّ حقايق الموجودات، حقائقها العينيّة باسرها، من الممكن و الواجب ليست إلّا شيئا واحدا و هو الوجود، و امتياز الممكنات عن الواجب، إنّما هو بالماهيّات؛ و هي امور عدميّة فاذ ارتفعت الماهيّة لم تبق إلّا الوجود، و هو اللّه، و ليس الأمر كذلك؛ بل هو تعالى عن بينونة من ذاته لم يعرف و لا يدرك، فهو تعالى عندهم (الصوفيّة) محتجب بحجاب الذوات (الماهيات)، لا بحجاب الذات؛ اي باقتضاء، ذات الخالقيّة و ذات المخلوقيّة؛ و اين هذا من ذاك؟ و يأتي توضيح مقالتهم و ابطالها بالتفصيل.
و حيث تبين استحالة الكشف عن الذات لا بالأبصار و لا بالعقول و غيرها، فمن يجيز الكشف للحجاب، و يدعى ارتفاعه، فليس للمحال من جواب؛ كما قال الصادق (ع) جوابا عن الزنديق الذي سأله عن مسائل، حيث قال: أ ليس هو قادر ان يظهر لهم حتّى يروه فيعرفونه فيعبد على يقين؟ قال (ع): «ليس للمحال جواب، قال:
فمن اين اثبت انبياء و رسلا؟ قال (ع): إنّا لما اثبتنا انّ لنا خالقا، صانعا، متعاليا عنّا و عن جميع ما خلق، و كان ذلك الصانع حكيما لم يجز ان يشاهده خلقه، و لا ان يلامسوه، و لا ان يباشروه و يحاجّهم، و يحاجّوه ثبت أنّ له سفراء في خلقه» (3).2.
و هو مع الخلق، مدبر لهم***و الحجب لا يمنع أن يكفلهم
كحجب بعضهم ببعض آخر***و ذو الحجاب غيره لم يبصر
إذ كلّ صانع يحيط ما صنع***و إنّما الإدراك للخلق امتنع
بل حجب بعضهم لبعض معلن***أن ليس غيرهم حجاب كائن
و هو تعالى مع كونه مباينا لخلقه ذاتا، و خلقه مباين له كذلك، كائن مع الخلق، معيّة الاحاطة؛ اي شاهد لهم و محيط بهم، مدبر لهم، و الحجب الذاتي لا يمنع أن يكفلهم، و يربّيهم؛ كما لا يمنع ان يخلقهم، فلا يتوّهم أنّ الاحتجاب مانع عن التدبير كحجب بعضهم ببعض آخر؛ اي يحجب بعضهم بعضا و ذو الحجاب غيره لم يبصر؛ بل هو تعالى لا يحجبه شيء. إذ كلّ صانع يحيط ما صنع، و إلّا لا يكون صانعا، فلا مانع من قبله عن الإحاطة بخلقه، و إنّما الإدراك؛ اي ادراكه بالعلم أو بالبصر للخلق امتنع. و امتناع الإدراك، لا يستلزم امتناع الإحاطة و التدبير.
قال الرضا (ع): «و لا له مثل مضروب، و لا شيء عنه بمحجوب»(1). و تقدّم قوله (ع): «و لا يحجبه الحجاب» (2).
و قال موسى بن جعفر (ع): «إنّ اللّه- تبارك و تعالى- كان لم يزل بلا زمان و لا مكان، و هو الآن كما كان لا يخلو منه مكان و لا يشتغل به مكان، و لا يحلّ في مكان، ما يكون من نجوى ثلاثة إلّا هو رابعهم، و لا خمسة إلّا هو سادسهم، و لا ادنى من ذلك و لا اكثر الّا هو معهم اينما كانوا، ليس بينه و بين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب ...» (3)الى آخر ما تقدّم. و سيأتي في مبحث علمه تعالى توضيح ذلك تفصيلا.
بل حجب بعضهم لبعض، و منعه ايّاهم عن التصرّف و التدبير في المحجوب، شاهد و معلن أن ليس غيرهم حجاب كائن؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «حجب بعضها عن بعض ليعلم ان لا حجاب بينه و بين خلقه غير خلقه» (4).
و قال الرضا (ع): «حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه و بينها غيرها» (5).3.
و غير ذا احتجاب لطفه الأخصّ***و هو بغير أهل وحيه يخصّ
وجه الدلالة: انّهم اذا نظروا الى انفسهم أنّهم يحجبون بعضهم بعضا، و أنّهم اذا حجبوا عن شيء، منعوا عن التصرّف فيه و قد علموا أنّهم مصنوعون، مدبّرون له تعالى، و مع ذلك لا يشاهدونه، علموا أنّهم محجوبون عنه، لا هو محجوب عنهم، و علموا أنّه لا حجاب بينه و بينهم إلّا انفسهم، اذ لو كان الحجاب من غيرهم، لكان مثلهم ممنوعا عن التصرّف، و هذا الحجاب الّذي من قبلهم لا يضرّ بالصنع و التدبير و إلّا لما صنعهم.
ثمّ إنّ له تعالى احتجاب آخر عن خلقه، غير احتجابه الذاتي الناشئ عن بينونة ذاته و بينونة خلقه. و قد عمى امره على المحدّثين فخلطوا اخبارهما، و عمهوا في تأويل اخبار هذا النوع، و حقيقة ذلك الاحتجاب، احتجاب عن العلم و الرؤية؛ فهو احتجاب علميّ: امّا بالرؤية الظاهرة أو بالمعرفة الباطنيّة؛ و هذا احتجاب لطفي، يحجب لطفه الخاصّ عن عامّة خلقه.
و الفرق بينهما: أنّ الأوّل ممتنع الخلاف؛ اي يستحيل خلاف الاحتجاب و هذا غير ممنع، بل هو امر اراديّ يمكن إرادة خلافه. و الاوّل غير قابل للتخصيص، لأنّه ناش عن امر ذاتي؛ و هذا يقبل التعميم و التخصيص، لأنّه بالإرادة، و قد اشرت الى هذا الاحتجاب بقولي:
و غير ذا الاحتجاب، احتجاب لطفه الأخصّ؛ فإنّ له تعالى لطف، عامّ، يعمّ جميع خلقه بالهداية و الإرشاد و لطف خاصّ من التوفيق و التأييد، يخصّ به اوليائه، و لطف أخصّ من الوحى و الإلهام و المكالمة و المخاطبة، يخصّ بها انبياءه (ع) و اوصيائهم (ع). و هو؛ اي احتجاب لطفه الأخصّ، بغير أهل وحيه يخصّ فهذا الاحتجاب، احتجاب خاصّ عن غير اهل وحيه؛ و هذا الاحتجاب ناش عن الكبريائيّة و الجلال و الجبروتيّة. فانّ مقتضى كبريائيّته و جلاله و جبروتيّته، ان لا يتوسّل كلّ احد الى ساحته بنفسه.
و ممّا ورد عنهم (ع) في ذلك، ما عن ابي حمزة الثمالي، قال: قلت لعلى بن الحسين (ع)، لايّ علّة حجب اللّه- عزّ و جلّ- الخلق عن نفسه؟ قال (ع): «لأنّ اللّه تبارك و تعالى بناهم بنية على الجهل، فلو أنّهم كانوا ينظرون الى اللّه- عزّ و جلّ- لما كانوا
بالّذين يهابونه و لا يعظّمون، نظير ذلك: احدكم اذا نظر الى بيت اللّه الحرام أوّل مرّة، عظّمه، فإذا اتت عليه ايّام و هو يراه، لا يكاد ان ينظر إليه اذا مرّ به، و لا يعظّمه ذلك التعظيم»(1).
فانّ حمله على الرؤية بعيد، سؤالا عن مثل ابي حمزة و تجويزه امكانها، و جوابا أيضا عن الإمام (ع) بهذا التعليل الظاهر في التجويز؛ بل السؤال عن علّة ذلك الحجب الخاصّ. فالمراد بالنظر، النظر الى كراماته الخاصّة، و الطافه المخصوصة، فإنّ كلّ احد لا يطيق ذلك و لا يخرج عن عهدة تحمّله؛ كما لا يخرج عن عهدة حرمة النظر الى بيته.
و عن الرضا (ع) جوابا لبعض الزنادقة، لم احتجب اللّه؟ فقال (ع): «إنّ الحجاب عن الخلق لكثرة ذنوبهم، فامّا هو فلا يخفى عليه خافية في آناء اللّيل و النهار، قال: فلم لا تدركه حاسّة البصر؟ قال (ع): للفرق بينه و بين خلقه» (2). الى آخر ما تقدّم.
فانّ السؤال ثانيا، عن علّة عدم ادراكه بحاسّة البصر، بعد سؤاله أوّلا، عن علّة احتجابه، لا معنى له إلّا بحمل الأوّل على ذلك الحجاب، و حينئذ فيستقيم تعليله (ع) بكثرة الذنوب الّتي توجب منع اللطف منه تعالى، و عدم الأهليّة له منهم.
و ممّا يمكن دعوى ظهوره في ذلك، قول النّبي (ص): «و هو الكينون أوّلا، الديموم ابدا، المحتجب بنوره دون خلقه في الافق الطامح، و العزّ الشامخ، و الملك الباذخ، فوق كلّ شيء علا، و من كلّ شيء دنا، فتجلّى لخلقه من غير ان يكون يرى، و هو بالمنظر الأعلى، فاحبّ الاختصاص بالتّوحيد اذ احتجب بنوره، و سما في علوّه، و استتر عن خلقه؛ و بعث إليهم الرسل لتكون له الحجّة البالغة على خلقه، و يكون رسله إليهم شهداء عليهم» (3).
و المقصود بالشهادة، قوله (ص): «اذ احتجب بنوره»؛ و قوله «استتر عن خلقه» بعد قوله: «فاحبّ»، و ان كان يمكن ان يقال: إنّ المعنى أنّه تعالى لما احتجب عن خلقه بنوره الذاتي، و سما بسموّه الذاتي، و استتر باستتاره الذاتي، فاحبّ ان يختصّ بالتوحيد الإقراري و العبادىّ، فبعث إليهم الرسل ليدعوهم إليه؛ و امّا قوله (ص):
«المحتجب بنوره» فلا موجب لصرفه عن ذلك الاحتجاب.9.
و ليس كونه في الاحتجاب***يوجب ستره على الألباب
فقد تجلّى للعقول و اقترب***بخلقه كما به عنه احتجب
و ليس كونه في الاحتجاب، بايّ الاحتجابين، يوجب ستره على الألباب؛ بل هو ظاهر للعقول بآياته؛ كما قال امير المؤمنين (ع):
«هو اللّه الحقّ المبين، احقّ و ابين ممّا ترى العيون»(1). و قال (ع): «الظاهر بعجائب تدبيره للنّاظرين»(2). و قال (ع): «و ظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير» (3).
فقد تجلّى للعقول و اقترب منها بخلقه كما به؛ اي بالخلق عنه احتجب. اشارة الى قول الرضا (ع): «متجلّى لا باستهلال رؤية بها [اي بالأشياء]، تجلّى صانعها للعقول، و بها احتجب عن الرؤية» (4). و مثله قول امير المؤمنين (ع): «بها تجلّى صانعها للعقول، و بها امتنع من نظر العيون» (5). و قوله (ع) أيضا: «بل تجلّى لها بها، و بها امتنع منها» (6).
فانّ كونه تعالى متجلّيا بالأشياء ظاهر، اذ كلّ مصنوع يجلّي صانعه، و كلّ مخلوق يحكى عن خالقه؛ و امّا امتناعه تعالى عن الرؤية بها، فلما تقدّم من أنّ الخلقة بذاتها سبب للاحتجاب، و يأتى بعد ابطال الكشف توضيح لمعنى التجلّى، و في محاجّة الصادق (ع) مع ابن ابي العوجاء، بعد قوله (ع) له: «ان يكن الأمر على ما يقول هؤلاء؛ يعنى اهل الطواف، و هو على ما يقولون، فقد سلموا و عطبتم ...؛
قال: ما منعه ان كان الأمر كما تقول، ان يظهر لخلقه، و يدعوهم الى عبادته، حتّى لا يختلف منهم اثنان؟ و لما احتجب عنهم و ارسل إليهم الرسل؟ و لو باشرهم بنفسه، كان اقرب الى الأيمان به،
فقال (ع): ويلك! و كيف احتجب عنك من اراك قدرته في نفسك، نشؤك و لم تكن، و كبرك بعد صغرك ...»(7). و قد تقدّم في اثبات الصانع.8.
و قد تجلّى لا برؤية و لا***يعرفه برؤية من أرسلا
و «لن ترانى»، قاله الجبّار***و قال لا تدركه الأبصار
و قد تجلّى لا برؤية، كما تقدّم الآن عنه (ص): «فتجلّى لخلقه من غير ان يكون يرى ...»(1). و لا يعرفه برؤية من أرسلا لهداية الخلق من الأنبياء (ع) و الأوصياء (ع).
فقد قال (ص): التوحيد ظاهره في باطنه، و باطنه في ظاهره، و ظاهره موصوف لا يرى، و باطنه موجود لا يخفى» (2).
و قد قال الرضا (ع): «عرف بغير رؤية و وصف بغير صورة»(3). و قال (ع) أيضا:
«اعرفه بما عرف به نفسه من غير رؤية» (4).
و يأتي أيضا تكذيب نسبة الرؤية الى النّبي (ص) فهو (ص) لم يعرّفه برؤية. هذا كلّه في ذكر اقوالهم (ع) في نفي الرؤية، مستدلّة على امتناعها بالأدلّة العقليّة.
و مذهبهم في ذلك موافق للكتاب أيضا كما قلت:
(و لَنْ تَرانِي )(5)، قاله الجبّار، و قال أيضا:( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ )(6)و قال أيضا:
(وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً )(7)و يأتي ذكره فلا يبقى بعدئذ شبهة و لا ريب.
و قد استدلّوا (ع) بكلّ من الآيات الثلاثة: امّا الثالثة: فيأتي ذكرها في كلام الرضا (ع) في تكذيب نسبة الرؤية إليه (ص)؛ و امّا الثانية: فقد تقدّم تكرّر الاستدلال و التمثّل بها منهم (ع)؛ و امّا الأولى، ففي حديث معاوية بن وهب، عن الصادق (ع) المتقدّم بعضه في «الرؤية بالقلب» و في «انّ مدّعي الرؤية مشرك»، قال (ع) (بعد قوله:
فقد اتّخذ مع اللّه شريكا):
«ويلهم! أ و لم يسمعوا يقول اللّه تعالى:( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)( انعام 6: 103)، و قوله:
(لَنْ تَرانِي يا موسى! وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ
لم يسأل الرؤية موسى ربّه***بل عن لسان قومه خاطبه
ردّ عليه «لَنْ تَرانِي» أبدا***فكن بهذا مؤمنا موحّدا
و قد تجلّى ربّه على الجبل***ببعض نوره فدكّ و اضمحلّ
و خرّ إذ رءاه و استتابه***عن سؤلهم لمّا رأى عتابه
فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا )(1)، و إنما طلع من نوره على الجبل، كضوء يخرج من سمّ الخياط، فدكدكت الأرض و صعقت الجبال، (وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً )(2)اي ميّتا، فلمّا افاق و ردّ عليه روحه،( قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ )(3)، من قول من زعم أنّك ترى، و رجعت الى معرفتى بك، إنّ الأبصار لا تدركك (وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )(4)و أوّل المقرّين بأنّك ترى و لا ترى، و انت بالمنظر الأعلى» (5).
و قد استدلّت الأشاعرة أيضا على امكان الرؤية بهذه الآية، بأنّه لو لم تجز الرؤية لم يطلبها مثل موسى (ع)، و امّا قوله تعالى( لَنْ تَرانِي )فإنّه بعد الجواز، محمول على الرؤية في الدنيا.
و اقول: امّا تخصيص النفي بالدنيا، فقد عرفت أنّ الأمر الممتنع، لا يقبل التخصيص، و ستظفر على قولهم (ع) في امتناعها في الآخرة بالخصوص أيضا. و امّا طلب موسى (ع) فقد اشرت إليه بقولي:
لم يسأل الرؤية موسى ربّه عن نفسه، و ان كان لنفسه؛ بل عن لسان قومه خاطبه، اذ استدعوا منه ذلك.
و اللّه تعالى ردّ عليه بقوله( لَنْ تَرانِي) أبدا نفيا تابيديا، فكن بهذا مؤمنا موحّدا، و لا تتّبع غيره. و قد تجلّى ربّه على الجبل، ببعض نوره لا بذاته- تعالى عن ذلك-، فدكّ و اضمحلّ و خرّ موسى (ع) إذ رءاه؛ اي نور التجلى من ربّه و اندكاك الجبل به، و استتابه تعالى بعد ذلك عن سؤلهم؛ اي سؤال قومه و طلبهم الرؤية لمّا رأى عتابه تعالى عليهم، فقال: (تُبْتُ إِلَيْكَ ....)
و قد اجاب عنه الرضا (ع)، فيما سأله المأمون، قال المأمون: يا ابن رسول اللّه:
أ ليس في قولك إنّ الأنبياء معصومون؟ قال (ع): بلى، فسأله عن آيات من القرآن، فكان فيما سأله ان قال له:
فما معنى قول اللّه- عزّ و جلّ-:( وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ، قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قالَ لَنْ تَرانِي ...) (اعراف 7: 143)، الآية كيف يجوز ان يكون كليم اللّه، موسى بن عمران، لا يعلم أنّ اللّه- تعالى ذكره- لا يجوز عليه الرؤية، حتّى سأله هذا السؤال؟
فقال الرضا (ع): «إنّ كليم اللّه، موسى، علم أنّ اللّه تعالى لا يرى بالأبصار، و لكنّه لمّا كلّمه اللّه- عزّ و جلّ- و قرّبه نجيّا، رجع الى قومه، فاخبرهم: انّ اللّه كلّمه و قرّبه و ناجاه. فقالوا: لن نؤمن لك بانّ هذا الّذي سمعناه كلام اللّه، حتّى نرى اللّه جهرة؛ فلمّا قالوا هذا القول العظيم، و استكبروا و عتوا، بعث اللّه صاعقة، فاخذتهم بظلمهم فماتوا.
فقال موسى: يا ربّ! ما اقول لبنى اسرائيل اذا رجعت إليهم، و قالوا: إنّك ذهبت بهم فقتلتهم، لأنّك لم تكن صادقا فيما ادّعيت من مناجاة اللّه ايّاك، فاحياهم اللّه، و بعثهم معه؛
فقالوا: إنّك لو سألت اللّه ان يريك تنظر إليه لأجابك، و كنت تخبرنا كيف هو؟ فنعرفه حقّ معرفته؛
فقال موسى (ع): يا قوم! انّ اللّه لا يرى بالأبصار، و لا كيفيّة له، و انّما يعرف بآياته، و يعلم باعلامه؛ فقالوا: لن نؤمن لك حتّى تسأله.
فقال موسى (ع): يا ربّ! إنّك قد سمعت مقالة بنى اسرائيل، و انت اعلم بصلاحهم. فاوحى اللّه- جلّ جلاله-: يا موسى اسألني ما سألوك، فلن أؤاخذك بجهلهم؛ فعند ذلك قال موسى (ع):(رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ)، (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ )بآياته، قال: (تُبْتُ إِلَيْكَ)، يقول رجعت الى معرفتى بك عن جهل قومى، (وَ أَنَا
أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )منهم بانّك لا ترى». فقال المأمون: للّه درّك يا أبا الحسن» (1).
و اقول في توضيح ذلك: إنّ اللّه اخبر في كتابه بقضيّتين: قضيّة طلب قوم موسى الرؤية في قوله:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ... )(2)، و قضيّة طلب موسى الرؤية لنفسه لقوله: «ارني»؛ فلا يخلو إمّا ان كانت القضيّتان في ميقات واحدة، او في ميقاتين؛ فان كان الأوّل، فلا محمل له إلّا ما ذكره الرضا (ع)؛
و ان كان سؤال موسى لنفسه، قبل سؤال قومه أو بالعكس، فان كان الأوّل؛ لزم جهل مثل موسى بمسألة الرؤية الى ذلك الوقت، و أنّه لم يكن يعلم أنّ اللّه تعالى لا يرى؛ سواء اريد به الرؤية في الدنيا أو فيها و في الآخرة معا، إذ الجهل لازم على كلّ حال؛ و كفى في ذلك خزيا بموسى (ع)! و كيف ذلك!؟ و قد قال تعالى فيه:( وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )(3)و لازم ذلك القول انّه تعالى لم يؤته معرفة انّه لا يرى؛
و ان كان الثاني: فهو اخزى، فإنّه كيف تجزّى بعد وقوع تلك الحادثة و مشاهدته بعينه ما صنع تعالى بمن سأل رؤيته ان يسأله الرؤية لنفسه.
فان قيل: إنّ السؤال ثانيا لأجل احتمال أنّ العقوبة لعلّها لعدم اهليّتهم و تعدّيهم عن طورهم، لا لطلبهم ما لا يجوز، لزم الجهل أيضا.
ما تقدّم من الإطلاقات، كلّها عامّة و تعليلاتها آبية عن التخصيص كما عرفت، فهي بنفسها في نفيهما كافية، الّا أنّ المقصود ذكر تصريحاتهم عليهم السّلام بالخصوص.
و اقول: امّا الرؤية: فهي من دلالة الروح، و رؤيتها؟ من غير دلالة الحواسّ، بل عند ركودها و خمودها. و هى امّا «رحمانيّة»، او «شيطانيّة»؛ أو «نفسانية»؛ و حقيقة الجميع ليست إلّا رؤية صور و تماثيل، اشباه الواقعيّات أو اشباحها، او اشباه غير الواقعيّات من التخيّلات؛ نظير تصوّرات الواهمة في اليقظة، الّا أنّ احداث الصور و ارائتها للرّوح؛
تارة: يكون من الرحمن، ليرى الرائى ما يشاء و ينبّهه على ما يريد فهى «رحمانيّة»؛ و لا محالة ليس فيها كذب ابدا؛ لأنّه كوحيه و الهامة. و هذه الصور، قد تكون صورا مجرّدة عن الأشباح؛ نظير العكوس و النقوش، و اخرى اشباحا للمغيبات الخارجيّة؛ كرؤية البلدان أو الأرواح.
و قد يكون الأحداث و الإراءة من الشياطين، فإنّهم يعملون في الجوّ اعمالا، و يراءون النائم اشباحا و صورا أيضا، فهى «شيطانيّة»؛ فقد تكون صادقة، و قد تكون كاذبة، و ربما كان بعضها صادقا و بعضها كاذبا.
و ان كان إنشاؤها من النّفس بتصرّف الوهم، لغلبة الأنس و الممارسة، او غلبة المرض و الوجع أو غير ذلك، فهى «نفسانيّة» لا صادقة و لا كاذبة.
فالمرئى في المنام، ليس إلّا صورة، فرضيّة، وهميّة أو اشباحا و صورا للأشياء العينيّة، و لا يمكن ان تكون نفس الأعيان الخارجيّة بخارجيّتها و عينيّتها مرئيّة، و ان كانت هذه الكليّة بعد في محلّ نظر لإمكان ان يقال: إنّ رؤية النّبي أو الإمام أو الارواح في المنام نظير رؤية الروح للأجسام و الأعيان بعد مفارقتها للأبدان؛ و على كلّ حال ليست الرؤية رؤية بصريّة، و لا يهمّنا هنا التحقيق في هذه الكيفيّة.
و كيف كان، فالرائى لا يخلو إمّا ان رأى صورة الربّ و شبحه، فقد تقدّم أنّه ليس بشبح و لا صورة، و لا له شبح أو صورة، فالّذى رءاه غير اللّه؛ و إمّا ان رأى نفس الذات، بناء على امكان رؤية الروح في المنام نفس الأعيان و الذوات، فيلزم عليه ما يلزم على رؤية الأبصار من المحدوديّة و التناهى و الإحاطة و غيرها، من غير فرق؛ و الأمر الممتنع المحال لا يصير ممكنا بحال؛ كما قلت:
ما لا يرى، فلا يرى بحال***و النّوم لا يهدم للمحال
و من يقل: رأيت في المنام***ربّى، فلا دين لهذا العامّى
و اللّه لا يعرف بالعيان***هنا و لا في الحشر و الجنان
و لو يرى بذاته في الآخرة***لكان معروفا إذا بالباصرة
و اللّه لا يعرف بالضّرورة***إذ لا يحيط العلم منه نوره
ما لا يرى؛ اى يستحيل و يمتنع ان يرى، فلا يرى بحال من الأحوال، و النّوم لا يهدم للمحال و لا يصيّره ممكنا ابدا. و من يقل: رأيت في المنام ربّى، فلا دين لهذا العامّى الجاهل؛ كما عن ابن ابى عمير، عن ابراهيم الكرخى، قال: قلت: للصادق جعفر بن محمّد (ع):
إنّ رجلا رأى ربّه في منامه، فما يكون ذلك؟ فقال (ع): «ذلك رجل لا دين له، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يرى في اليقظة و لا في المنام، و لا في الدنيا و لا في الآخرة» (1).
و قد نصّ هذا الحديث على نفى الرؤية في الآخرة؛ كما قلت: و اللّه لا يعرف بالعيان، هنا، و لا في الحشر و الجنان، و عن اسماعيل بن الفضل،
قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن اللّه، هل يرى في المعاد؟ فقال:
«سبحان اللّه و تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، يا ابن الفضل! إنّ الأبصار لا تدرك إلّا ما له لون و كيفيّة، و اللّه خالق الألوان و الكيفيّة» (2).
و لو يرى بذاته في الآخرة، لكان معروفا إذن بالباصرة. و قد مرّ كلام امير المؤمنين (ع): «أنّه لا يكون بالعيان موصوفا، و لا بالذات الّتي لا يعلمها إلّا هو عند خلقه، معروفا» (3).
و اللّه لا يعرف بالضّرورة، إذ لا يحيط العلم منه نوره، كما قال تعالى:( وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ...)(4)و قد مرّ أنّ المعرفة الضرورية به تعالى محال: علميّة كانت، أم عيانيّة.
و ليس إمّا في غد إيمان***أو هاهنا إذ فقد العيان
و إذ هما ضدّان زال ما هنا***و هو خلاف ما لنا تبيّنا
و هنا يزيد للامتناع وجه آخر، اشرت إليه: و ليس إمّا في غد إيمان، أو هاهنا، إذ فقد العيان، لأنّ هنا المعرفة علميّة، و هى اكتسابيّة، و العيانيّة ضروريّة، و هما ضدّان لا يجتمعان؛ لأنّ الاكتسابيّة غيابيّة، و الضروريّة حضوريّة، و لا يجتمع الغياب و الحضور؛ فاذا تبدّل الغياب بالحضور، انقلب العلم الى الحضور.
و من توهّم جواز اجتماعهما، قياسا باجتماع ضوء المصباح أو النّجوم مع الشمس، فقد وهم. لانّ هناك مجرّد اندكاك الاثر مع بقاء الأسباب، و هنا ليس الّا اندكاك السبب؛ اعنى الغياب، فليس إلّا من باب الانقلاب.
و حينئذ، فإمّا ان تكون تلك المعرفة الضرورية ايمانا، أم ليست بايمان؛ فان كانت ايمانا، لم تكن المعرفة الاكتسابيّة في الدنيا ايمانا؛ لأنّها ضدّها، و هو خلاف الحقّ الثابت المعلوم؛ و ان لم تكن ايمانا، فالمفروض أنّهما ضدّان. و إذ هما ضدّان لا يجتمعان، زال ما هنا للانقلاب، و هو أيضا خلاف ما لنا تبيّنا من الحقّ الثابت المعلوم. اذ المحقّق المعلوم، أنّ المؤمنين في الآخرة، هم المؤمنون في الدنيا، و انّ الأيمان باق لهم في الحشر و الجنان من غير زوال و نقصان. و هذا المعنى غير أنّهم يثابون به في المعاد. حتّى يقال لا مانع من الثواب على ما كان. و هذا الوجه نصّ به الرضا (ع)، فعن محمّد بن عبيده، قال:
كتبت الى ابى الحسن الرضا (ع): اسأله عن الرؤية و ما ترويه العامّة و الخاصّة، و سألته ان يشرح لي ذلك.
فكتب (ع) بخطّه: «اتّفق الجميع لا تمانع بينهم، إنّ المعرفة من جهة الرؤية ضرورية؛ فاذا جاز ان يرى اللّه بالعين، وقعت المعرفة ضرورة. ثمّ لم تخل تلك المعرفة من ان تكون ايمانا او ليست بايمان؛ فإن كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية ايمانا، فالمعرفة في دار الدنيا ليست بايمان؛ لأنّها ضدّه، فلا يكون في الدنيا احد مؤمنا، لأنّهم لم يرو اللّه، و ان لم تكن تلك المعرفة التى من جهة الرؤية ايمانا، لم تخل هذه المعرفة الّتي من جهة
و ما رووا أنّ النّبيّ اخترقه***بالعين كذب افترى الزنادقة
كيف؟ يقول: لا يحيطون به***علما و لا شيء كمثل ربّه
لا تدرك الأبصار، ثمّ بعد ذا***يقول: إنّى قد رأيته كذا
و إنّما أرادت الزنادقة***توبيخ الإسلام بهذه الزندقة
الاكتساب ان تزول، او لا تزول في المعاد. فهذا دليل على أنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يرى بالعين، اذ العين تؤدّى الى ما وصفناه» (1).
اقول: قد تعرّض (ع) في هذا الحديث لوجهين:
الأوّل: أنّ الرؤية، مستلزمة للمعرفة الضروريّة، و هى محال؛
و الثانى: استلزامها لما ذكر، و هو قوله (ع): «ثمّ لم تخل ...».
ثمّ لا يخفى أنّه (ع) لم يتعرّض لأبطال الترديدين في قوله «ان تزول أو لا تزال»، لوضوحه؛ لأنّها لو زالت، لم يبق في الآخرة ايمان، و هو خلاف المعلوم، و لو لم تزل اجتمع الضدان.
و ما رووا أنّ النّبيّ (ص) اخترقه بالعين؛ اى ابصره بها (و التعبير بالاختراق من جهة استلزام الأبصار له؛ كما قال: امير المؤمنين (ع) في الحديث المتقدّم: «و لا تخرق الى ذى العرش ...» (2)اى لا تخرق الابصار؛ و الحاصل، انّ الّذي نسبوا الى النّبي (ص) من الرؤية) كذب، افترى عليه ذلك الزنادقة. كيف؟ يقول في كتابه المنزل عليه من ربّه: (لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ... )(3)، و يخبر أنّه لا شيء كمثل ربّه بقوله:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(4)و يقول أيضا: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ...)(5)ايّاه، ثمّ بعد ذا كلّه يقول: إنّى قد رأيته كذا، في صورة شابّ أو غيره.
و إنّما أرادت الزنادقة، توبيخ الإسلام بهذه الزندقة؛ ليظفر الناس في كلامه على التناقض، فيسهل عليهم ردّهم عن الدين، فعن صفوان بن يحيى عن الرضا (ع)، و قد سأله ابو قرة المحدّث، فقال: إنا روينا أنّ اللّه قسّم الرؤية و الكلام بين اثنين: فقسم لموسى (ع) الكلام، و لمحمّد (ص) الرؤية، فقال (ع): «فمن المبلّغ عن اللّه- عزّ و جلّ- الى الثقلين: الجنّ و الأنس، لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار، و لا يحيطون به علما، و ليس كمثله شيء أ ليس محمد (ص)؟ قال بلى، قال (ع): فكيف يجيء رجل الى الخلق جميعا، فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه و أنّه يدعوهم الى اللّه بامر اللّه، و يقول: لا تدركه الأبصار و لا يحيطون به علما و ليس كمثله شيء ثمّ يقول: انا رأيته بعينى و احطت به علما و هو على صورة البشر، أ ما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا ان يكون يأتى عن اللّه بشيء ثمّ يأتى بخلافه من وجه آخر. قال ابو قرة: فانّه يقول:
و انّه رآه نزلة أخرى؟ فقال (ع): انّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال ما كذب الفؤاد ما رأى، يقول ما كذب فؤاد محمّد ما رأت عيناه، ثمّ اخبر بما رأى، فقال لقد رأى من آيات ربّه الكبرى، فآيات اللّه غير اللّه و قد قال و لا يحيطون به علما فاذا رأته الأبصار فقد احاطت به العلم و وقعت المعرفة (اى الضروريّة) فقال ابو قرة فتكذب الرواية فقال (ع): اذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبت بها؟ و ما اجمع المسلمون عليه انّه لا يحيطون به علم، و لا تدركه الأبصار و ليس كمثله شيء (1).
و في حديث معاوية بن وهب، عن الصادق (ع) (الّذي ذكرت بعض جملاته متفرّقة)، قال له (ع): يا ابن رسول اللّه (ص)! ما تقول في الخبر الّذي روى «انّ رسول اللّه (ص) رأى ربّه»، في ايّ صورة رآه؟ و عن الحديث الّذي رووه «أنّ المؤمنين يرون ربّهم في الجنّة»، على اى صورة يرونه؟
فتبسّم (ع)، ثمّ قال: «يا معاوية! ما اقبح بالرّجل يأتى عليه سبعون سنة، او ثمانون سنة، يعيش في ملك اللّه و يأكل من نعيمه، ثمّ لا يعرف اللّه حقّ معرفته! ثمّ قال (ع): يا معاوية! إنّ محمّدا (ص) لم ير الرب- تبارك و تعالى- بمشاهدة العيان؛ و انّ الرؤية على وجهين:
رؤية القلب، و رؤية البصر؛ و من عنى برؤية القلب، فهو مصيب؛ و من عنى5.
1) . البحار 10: 345/ 5.
برؤية البصر، فقد كفر باللّه و بآياته؛ لقول رسول اللّه (ص): «من شبّه اللّه بخلقه فقد كفر» (1). و لقد حدّثني ابى، عن ابيه، عن الحسين بن على (ع)، قال:
سئل امير المؤمنين (ع) فقيل: يا اخا رسول اللّه! هل رأيت ربّك؟ فقال (ع):
و كيف اعبد من لم اره!؟ لم تره العيون بمشاهدة العيان، و لكن رأته القلوب بحقائق الأيمان؛ فاذا كان المؤمن يرى ربّه بمشاهدة البصر، فإنّ كلّ من جاز عليه الرؤية، فهو مخلوق؛ و لا بدّ للمخلوق من الخالق فقد جعلته إذن محدثا مخلوقا، و من شبّهه بخلقه، فقد اتّخذ مع اللّه شريكا؛
ويلهم! او لم يسمعوا يقول اللّه:( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)؟(2)و قوله: (لَنْ تَرانِي يا موسى)؟(3).
ثمّ ذكر قصّة موسى (ع) على نحو ما تقدّم، ثمّ قال (ع):
يا معاوية! جعلت لك اصلا في هذا، فاعمل عليه؛ فلو كنت تموت على ما كنت عليه، كان حالك أسوأ الأحوال؛ فلا يغرّنك قول من زعم انّ اللّه تعالى يرى بالبصر. قال (ع): قد قالوا اعجب من ذلك، الم ينسبوا آدم (ع) الى المكروه!؟ او لم ينسبوا ابراهيم (ع) الى ما نسبوه!؟ او لم ينسبوا داود (ع) الى ما نسبوه في حديث الطير!؟ او لم ينسبوا يوسف الصديق الى ما نسبوه من حديث زليخا!؟ او لم ينسبوا موسى (ع) الى ما نسبوه من القتل!؟ او لم ينسبوا رسول اللّه (ص) الى ما نسبوه من حديث زيد!؟ او لم ينسبوا عليّ بن ابى طالب (ع) الى ما نسبوه من حديث القطيفة!؟
انّهم، ارادوا بذلك توبيخ الإسلام، ليرجعوا على اعقابهم؛ اعمى اللّه ابصارهم، كما اعمى قلوبهم! تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا» (4).
و اقول: هذه الرواية كالأولى، نافية لرؤية العين، و تزيد عليها باثبات رؤية القلب؛ و قد فسّرها بقول امير المؤمنين (ع): «بحقائق الإيمان ...»
و نظيرها من دون تفسير، ما عن الحلبى، عن الصادق (ع)، قال: رأى رسول اللّه (ص) ربّه؟ قال: «نعم، رءاه بقلبه، فامّا ربّنا- جلّ جلاله-، فلا تدركه ابصار حدق الناظرين، و لا يحيط به اسماع السامعين» (5).2.
و قد رأى النّبيّ في معراجه***صورة جبريل على منهاجه
و قد رأى أيضا من آيات كبر***بالعين ما لم تره عين بشر
كما رأى أيضا بما قد كرّمه***بقلبه ما شاء نور العظمة
و عن مرازم، عنه (ع)، قال: سمعته يقول (ع): رأى رسول اللّه (ص) ربّه- عزّ و جلّ-؛ يعنى بقلبه» (1).
و هذه الأخبار قابلة لحملها على المعراج، الّا أنّه لا داعى لهذا الحمل، و لا مانع عن ابقائها على اطلاقها. و امّا في المعراج، فقد اختلفت فيه الأخبار؛ و طريق الجمع بينها، الأخذ بجميعها، إذ لا مانع من تحقّق الجميع. و قد اشرت الى اختلافها و حملها بالجمع:
و قد رأى النّبيّ (ص) في معراجه صورة جبريل على منهاجه؛ اى على ما هو عليه، من الهيئة الّتي خلقه اللّه تعالى عليها، فعن الصادق (ع)، فى قوله تعالى (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى )(2)قال (ع): رأى جبرئيل على ساقه الدرّ، مثل القطر على البقل، له ستّمائة جناح قد ملاء ما بين السّماء و الأرض.» (3).
و عن امير المؤمنين (ع) في جواب من سأله عن التناقض في القرآن، قال (ع):
و امّا قوله: (وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى)(نجم 53: 13- 14).» يعنى، محمّدا (ص) حين كان عند سدرة المنتهى، حيث لا يجاوزها خلق من خلق اللّه- عزّ و جلّ- و قوله في آخر الآية:( ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى* لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى )(نجم 53: 17- 18). رأى جبرئيل في صورته مرّتين: هذه المرّة و مرّة اخرى؛ و ذلك أنّ خلق جبرئيل عظيم، فهو من الروحانيّين، الّذين لا يدرك خلقهم و صورتهم الّا ربّ العالمين.» (4).
و قد رأى أيضا من آيات كبر بالعين، ما لم تره عين بشر؛ كما في حديث الرضا (ع) مع ابى قرة. و لا موجب لحمل «الآيات الكبرى»، الّتي هى مطلقة، على خصوص جبرئيل بمقتضى تلك الرواية؛ لإمكان ان يكون تفسيره (ع) بجبرئيل، من
حيث أنّه بعض الآيات الكبر؛ كما رأى أيضا بما قد كرّمه تعالى و شرّفه، حيث اسرى به من الأرض الى السّماء، لتكريمه و ارائة آياته ايّاه، بقلبه ما شاء اللّه تعالى، نور العظمة؛ اى نفس العظمة، لأنّها نور كما رأى أيضا بعينه نورا ظاهريّا من انوار العظمة.
فعن محمّد بن الفضيل، قال: سألت أبا الحسن (ع): هل رأى رسول اللّه (ص) ربّه- عزّ و جلّ؟ قال، نعم، أ ما سمعت اللّه- عزّ و جلّ- يقول: (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى )نجم 53: 11»، لم يره بالبصر و لكن رءاه بالفؤاد (1).
فحيث تمسّك (ع) بالآية، علم أنّ مفروضه الرؤية في المعراج، و اثبت انّه كان بقلبه، و طريق الجمع بينه و بين حديث ابى قرة، الّذي اثبت الرضا (ع) فيه انّ الرؤية كانت عينيّة، لا قلبيّة، و لكنّها رؤية الآيات متمسّكا بهذه الآية أيضا، ان يحملا على تفسيرين: احدهما للظاهر و الآخر للباطن؛ او على القراءتين: في «كذب» بالتشديد او بالتخفيف؛ فهذا الحديث تفسير للرؤية على التخفيف؛ اى ما كذب قلب محمّد (ص) ما رءاه؛ اى ما رأى القلب، و المرئى بالقلب ليس إلّا اللّه تعالى، لا الآيات و لا جبرئيل، فإنّها مرئيّان بالعين؛ و حديث الرضا (ع) على قراءة التشديد؛ اي ما كذّب قلبه ما رأته عيناه من الآيات؛ كما صرّح (ع) به أيضا.
و عن يعقوب بن اسحاق قال كتبت الى ابى محمّد (ع) اسأله كيف يعبد العبد ربّه و مولاه و هو لا يراه؟ فوقّع (ع): يا أبا يوسف! جلّ سيّدى و مولاى، و المنعم عليّ و على آبائى ان يرى. قال: و سألته هل رأى رسول اللّه (ص) ربّه؟ فوقّع: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- ارى رسوله بقلبه من نور العظمة.»(2)و الحديث ليس فيه تقييد بالمعراج، الّا انّه صريح في انّ المرئى بالرؤية القلبيّة، نور العظمة.
و عن ابراهيم بن محمّد الخرّاز و محمّد بن الحسين، قالا: دخلنا على الرضا (ع)، فحكينا له ما روى «انّ محمّدا (ص) رأى ربّه في هيئة الشابّ الموفّق في سنّ ابناء ثلثين سنة» فقال (ع) يا محمّد! انّ رسول اللّه (ص) حين نظر الى عظمة ربّه، كان في هيئة الشابّ الموفّق و سنّ ابناء ثلثين سنة؛ يا محمّد! عظم ربّى و جلّ ان يكون فى صفة المخلوقين.
قال: قلت جعلت فداك! من كانت رجلاه في خضرة؟ قال (ع) ذاك1.
محمّد (ص)، كان اذا نظر الى ربّه بقلبه، جعله في نور مثل نور الحجب، حتّى يستبين له ما في الحجب، انّ نور اللّه منه اخضر (1)ما اخضرّ و منه احمرّ ما احمرّ و منه ابيضّ ما ابيضّ و منه غير ذلك؛ يا محمّد! ما شهد به الكتاب و السنّة، فنحن القائلون به» (2).
و هذا الحديث اثبت النّظر أوّلا الى عظمة ربّه، ثمّ النظر الى ربّه بقلبه، فيحتمل الاتحاد، و يحتمل ان يكون الأوّل بالعين، بالنظر الى آيات العظمة، و الثاني بالقلب خاصّة.
و عن البزنطى عن الرضا (ع)، قال: «قال رسول اللّه (ص)، لمّا اسري بي الى السّماء، بلغ بي جبرئيل مكانا لم يطأ جبرئيل قطّ فكشف لى، فارانى اللّه- عزّ و جلّ- من نور عظمته ما احبّ.» (3)و هذا الحديث غير صريح في القلب فيمكن ان يحمل عليه و على رؤية العين، النور الظاهر كما هو الظاهر من لفظ الكشف.
و نظيره في ظهوره في كشف العظمة للعين لكن من غير اختصاص بالنّبي (ص)، ما عن الصادق (ع) فى جواب سؤال الزنديق، قال: فتقول: إنّه ينزل الى السّماء الدنيا، قال (ع): نقول ذلك، لأنّ الروايات قد صحّت به و الأخبار، قال: و اذا نزل، أ ليس قد حال عن العرش و حوله عن العرش انتقال؟ قال (ع): ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين؛ و لكنّه ينزل الى سماء الدنيا بغير معاناة و لا حركة، فيكون هو كما في السماء السابعة على العرش، كذلك هو في سماء الدنيا، انّما يكشف عن عظمته، و يرى اولياءه نفسه حيث شاء، و يكشف ما شاء من قدرته و منظره في القرب و البعد سواء.»(4)
و معنى قوله (ع): «يرى اولياءه نفسه»؛ اي يريهم نفسه بكشف عظمته و قدرته.
و الظاهر انّ المراد بالأولياء هنا، انفسهم (ع).
و الحاصل: انّ الروايات متّفقة فيما هو المقصود من نفي رؤية العين للنّبىّ (ص) كغيره، و انّما اختلافها في اثبات امر زائد من رؤية جبرئيل أو الآيات أو نور العظمة بالعين أو بالقلب، و ليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين. و سيأتى في ابطال الكشف توضيح للرؤية القلبيّة، إن شاء اللّه تعالى.5.
و ما رووه في صحيح سنّته***ينظر وجه اللّه أهل جنّته
و أنّ من ثواب تهليل له***زيارة اللّه لمن هلّله
فزورة النّبي من زيارته***و الوجه وجهه و وجه حجّته
و ما يوهم الخلاف أيضا حديثان، اشرت إليهما: و ما رووه عنه (ص) في صحيح سنّته، من أنّه: ينظر وجه اللّه؛ اي الى وجهه أهل جنّته (1). و انّما قلت: «صحيح السنّة» لأنّ الرضا (ع) لم يكذبها، بل اوّلها و فسّرها.
و كذا ما رووه عنه (ع)، أنّ من ثواب تهليل له، زيارة اللّه لمن هلّله، فزورة النّبيّ (ص) معدودة من زيارته تعالى أيضا، و الوجه، وجهه (ص)، و وجه حجّته تعالى، و هو الإمام.
عن ابى الصلت الهروى، قال: قلت: لعلىّ بن موسى الرضا (ع)، يا ابن رسول اللّه! ما تقول في الحديث الّذي يرويه اهل الحديث: «انّ المؤمنين يزورون ربّهم من منازلهم في الجنّة.»؟
فقال (ع): يا أبا الصلت! انّ اللّه- تبارك و تعالى- فضّل نبيّه محمّدا (ص) على جميع خلقه من النبيّين و الملائكة، و جعل طاعته، طاعته؛ و مبايعته مبايعته؛ و زيارته في الدنيا و الآخرة، زيارته؛ فقال- عزّ و جلّ-:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ )(نساء 4: 80) و قال:( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ )(فتح 48: 10) و قال النّبيّ (ص): «من زارنى في حياتى أو بعد موتى، فقد زار اللّه.» و درجة النّبيّ (ص) في الجنّة ارفع الدرجات، فمن زاره الى درجته في الجنّة من منزلة، فقد زار اللّه- تبارك و تعالى.
قال: قلت له، يا ابن رسول اللّه! فما معنى الخبر الّذي رووه: «انّ ثواب لا إله الّا اللّه، النظر الى وجه اللّه.»؟
فقال: يا أبا الصلت! من وصف اللّه بوجه كالوجوه، فقد كفر؛ و لكن وجه اللّه، انبياؤه و رسله و حججه- صلوات اللّه عليهم- فالنّظر الى انبياء اللّه و رسله و حججه في درجاتهم، ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة؛ يا أبا الصلت! انّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يوصف بمكان و لا يدرك بالأبصار و الأوهام.» (2).
و المؤمنون في المعاد ناظرة***الى ثواب ربّها منتظرة
و الماردون ذائقو عذابه***و هم لمحجوبون عن ثوابه
و ممّا يوهم الخلاف أيضا، آيتان، اشرت إليهما: و المؤمنون في المعاد؛ اى في الموقف، ناظرة الى ثواب ربّهم، منتظرة لوصوله إليهم و وردوهم عليه، لا ناظرة إليه تعالى نفسه، و الماردون عن امره ذائقو عذابه، و هم لمحجوبون عن ثوابه. اشارة الى قوله تعالى:( إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)(1). و لأجل انّه حكاية لقوله تعالى ابقى اللّام في البيت إشعارا بالحكاية.
فعن الرضا (ع) فى قوله تعالى:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ)(2). قال: يعني، مشرقة تنتظر ثوابها.»(3)
و عن امير المؤمنين (ع)، فى جوابه عمّا يوهم التناقض في القرآن، قال (ع): و امّا قوله:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ.)، ذلك في موضع ينتهى فيه اولياء اللّه- عزّ و جلّ-، بعد ما يفرغ من الحساب الى نهر يسمّى «الحيوان»، فيغتسلون فيه و يشربون من آخر؛ تبيّض وجوههم، فيذهب عنهم كلّ قذى و وعث؛ ثمّ يؤمرون بدخول الجنّة؛ فمن هذا المقام ينظرون الى ربّهم كيف يثيبهم، و منه يدخلون الجنّة؛ فذلك قوله- عزّ و جلّ- فى تسليم الملائكة عليهم:( سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ )(زمر 39: 73) فعند ذلك اثيبوا بدخول الجنّة، و النّظر الى ما وعدهم اللّه- عزّ و جلّ-، فذلك قوله: (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ )(4).
و الناظرة في بعض اللغة، هى المنتظرة، أ لم تسمع الى قوله تعالى:( فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ)(5). ؛ اي منتظرة بم يرجع المرسلون. و عن التوحيد بعد قوله (ع) «الى ربّها ناظرة» و انّما يعني بالنظر إليه، النظر الى ثوابه تبارك و تعالى.
و امّا قوله تعالى:( لَمَحْجُوبُونَ)، فقد مرّ في الحجاب حديث الرضا (ع) فيه، قال (ع): «انّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يوصف بمكان يحلّ فيه، فيحجب عنه عباده،
و قال قوم قد يرى بالكشف***فى القلب لا بكمّ أو بكيف
لكنّه خصّ بالأولياء***الواصلين حالة الفناء
و لكنّه؛ يعني، انّهم عن ثواب ربّهم محجوبون.»(1)
و قال قوم، و هم الصوفيّة، أنّه تعالى قد يرى بالكشف في القلب، لكن لا بكمّ أو بكيف؛ و هم يعتقدون ذلك و كثير منهم يدّعون حصوله؛ و في الفلاسفة أيضا من يعترف بصحّته و لكن لا يدّعونه.
و حجّتهم في ذلك أنّ القلب اوسع من العقل و الوهم، كيف لا؟ و هو عرش الرحمن، لكنّه مع ذلك عندهم ليس على الإطلاق بل مشروط بشرط، و لذلك خصّ بالأولياء الواصلين بزعمهم حالة الفناء؛
فإنّهم جعلوا للسالك احوالا و سموها «منازل»، و آخر الحالات و المنازل عندهم، «حالة الفناء» ثمّ «البقاء باللّه»، و هى اخصّ منها و يقولون: السير من اللّه، و السير الى اللّه، و السير في اللّه، و السير باللّه، و للسالك في كلّ من السيرات الأربعة، حالات متناسبة؛ و «العارف الكامل»، هو الّذي تمّ سيره و وصل الى حدّ الفناء، و هو السير الثالث.
و المراد بالفناء عندهم، هو الفناء الإرادي، و اتخذوه بزعمهم من قوله (ص):
«موتوا قبل ان تموتوا.» و لكن على فرض صحته، اين هو من ذاك؟ بل اتّخذوه من اهل البدع و الأباطيل، و إنّما استشهدوا به دفعا للتّضليل، يخادعون به الجهلة، و يصيدون به الغفلة. و هذا الفناء الإرادي، عبارة عن إماتة كلّ هوى و شهوة و إرادة و ادراك من نفسه، و الانسلاخ عن التعينات الوجوديّة له و لغيره بالكليّة، و افراغ قلبه عن جميع ذلك؛ امّا بالتدريج، بدلالة مرشد كامل، او بغتة بجذبة إلهيّة.
1) . البحار 3: 318/ 15.
عند إزالة التعينات،***يكشف بالصّفات أو بالذّات
أوّل من أبداه في الإسلام***صوفيّ اشراقيّ الاعتصام
و لم يكونوا قبل أن تفلسفوا***ليعرفوا كشفا إذا تصوّفوا
كان لكلّ عدّة مقول***رؤية اتّحاد أو حلول
فمذ تفلسفوا نفوا جميعا***إذ أحدثوا في ذاته بديعا
قالوا: بأنّه الوجود المطلق***فما به يليق ممّا اخترقوا
و حينئذ، عند إزالة التعينات، كلّها من القلب، حتّى شعوره بنفسه، بل شعوره بشعوره، تجلّى له المعبود و طلع عليه الشاهد المقصود. و عند ذلك، يكشف له الذات امّا بالصّفات، ان كان فانيا في الصفات؛ أو بالذّات، ان كان فانيا في الذات، و هو اكمل و اعلى من الأوّل. و سيأتى في التجلّى- إن شاء اللّه- انّ التجلّى عندهم أربعة انواع: التجلّى بالآثار، التجلّى بالأفعال، التجلّى بالصفات، التجلّى بالذات؛ و الأوّلون لا يعدان من كشف الذات الّذي هو محلّ الكلام هنا.
أوّل من أبداه في الإسلام مع انّه لا سابقة له فيه، صوفيّ اشراقيّ الاعتصام؛ اى من كان يعتصم بالاشراقيّين، فكانت عصمة امره الايتمام بهم و التقليد منهم؛ فإنّهم يعتقدون أنّ الحكمة إنّما تحصل بالإشراق على النّفس بعد تصفية القلب بالرياضات.
و كانت الصوفيّة في بدء امرهم لا يعرفون شيئا من ذلك، حتّى ادخلوا الفلسفة في الإسلام؛ و كانت عمدة اعمالهم الزهد و الرياضات الشاقّة و خلط السنّة بالبدعة، و لم يكونوا من قبل أن تفلسفوا؛ اى قبل ان يأخذوا الفلسفة، ليعرفوا كشفا إذا تصوّفوا، بل كان لكلّ عدّة منهم مقول من القول، رؤية أو اتّحاد أو حلول؛ كما كان لإضرابهم من اهل البدع و الفضول.
و اظنّ انّ الحلّاج أيضا كان منهم؛ كما ذكره المفيد و الطوسى في الحلوليّة، و لكن اوّلوا بعده كلامه الى الكشف، او أنّه كان يقول بهما بل بالجميع، لأنّه لم يكن مستقرّا على مذهب كما قيل، بل كان له عند كلّ قوم مذهبا و مسلكا، و لذلك تعده العامّة منهم و الشيعة منهم.
و كيف كان، فمذ تفلسفوا، نفوا تلك الخرافات و المحالات جميعا، اذ عرفوا استحالتها. فوا خزياه! و كفى بهم خزيا ان لا يعرف المنتحل بالاسلام، المحال على ربّه بعلم اسلامى، حتّى يعلمه و يعرفه ممّن هو خارج منه؛ فيا ذلّة الاسلام من بعد عزّه! ان يمنّ غير الاسلام على المسلمين بتعليم الكتاب و الحكمة، مع انّ الإسلام ينادى
باعلى صوته: أنّ النّاس قبله كانوا لفى ضلال مبين (1)و يقول: (وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)(2). و يقول: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ... )(3)
فيا سبحان اللّه! هل كان الدين عند اللّه الإسلام إلّا لكماله؟ و هل كان لا يقبل غيره إلّا لنقصه؟ فكيف صار الإسلام بعد ذلك محتاجا في عرفانه الى الفلسفة، او الى التصوف الّذي يزعمه جهّال المتصوّفة أنّه غيرها و يسمّون انفسهم «العرفاء»، و اهل الفلسفة، «الحكماء» و كثيرا ما يطعنون عليهم و يقدحونهم قدحا فاحشا، يراءون بذلك أنّهم منهم على طرف النقيض؛ مع انّه لو لاها لم يكن لهم هذا المدّ الطويل، و هذا البسط العريض، و لم يكن يعبأ بهم إلّا من لا يعرف السّود من البيض؛ بل لو تجرّد عرفانهم عن الفلسفة لم يبق لهم إلّا بدعا مزخرفة.
ثمّ إنّ الفلسفة لم تهدهم الى صحيح المعرفة، لأنّها في نفسها وهميّة، ليست لها حقيقة واقعيّة؛ بل انّما هداهم الى استحالة تلك الخرافات فقط، و لكنّهم «فرّوا من المطر الى المطر أو الى الميزاب»، و انّما طردوا تلك الأقوال إذ أحدثوا في ذاته تعالى تبعا للفلاسفة قولا بديعا، و هو أنّهم قالوا: بأنّه؛ اى ذاته تعالى الوجود المطلق، و غيره من الموجودات باسرها تنزّلاته و اطواره، و حقيقتها أيضا هو الوجود المحدود بحدود التعينات الاعتباريّة مع بقائه على بساطته، فهو عينها و غيرها اعتبارا، و ليس في الدار غيره ديّار.
و على هذا، فما به تعالى يليق شيء ممّا اخترقوا أوّلا من القول بالرؤية العينيّة او الحلول أو الاتّحاد، بل يستحيل كلّ ذلك. امّا الرؤية، فلأنّ الوجود المطلق مجرّد، و المجرّد غير قابل للرؤية؛ و امّا الحلول و الاتّحاد، فلأنّهما يستلزمان الاثنينيّة، و الوجود في الواجب و الممكن واحد بالحقيقة.
قال الشبسترى:
حلول و اتّحاد اينجا محال است***كه در وحدت دوئى عين ضلال است
لكنّه قابل الانكشاف***في قلب عارف مزكّى صاف
و من لدن حدوثه دهورا***قد كان بين أهله مستورا
من ذاك لم تردّه الهداة***نصا و لم تسألهم الرواة
بل بالاشارات يحاورونه***و في السّراديب يذاكرونه
فقام ذو النّون ملقّنا به***و أودع الجنيد في كتابه
أعلنه الشبلىّ و الحلّاج***فراح بعد ذكره و راجوا
و عند الأزكياء من ولاته***ممتنع بالذّات كشف ذاته
و كونه الوجود بحث آخر***بطلانه في بابه سيظهر
لكنّه مع ذلك، قابل الانكشاف عندهم، فى قلب عارف مزكّى صاف قد صفى قلبه عن كلّ الأغيار على ما تقدّم،
قال الشبستري:
دل عارف شناساى وجود استوجود مطلق أو را در شهود است
و هذا القول من لدن حدوثه فيما بينهم دهورا، قد كان بين أهله مستورا، لا يتمكّنون عن اظهاره خوفا من القتل و التكفير؛ كما كانوا يكفرون القائل بالاتّحاد و الحلول، لأنّه مثلهما أو اضلّ سبيلا. من ذاك؛ اى من اجل كونه مستورا بينهم و عدم افشائه و شيوعه، لم تردّه الائمّة الهداة (ع) نصّا مع ردّهم على قاطبة الفرق الضالة و المضلّة؛ و كذلك و لم تسألهم (ع) الرواة عنه كما سألوا عن غيره، فإنّك لن تجد في كلامهم (ع) لفظ الكشف أو أنّه تعالى هو الوجود أو كلمة وحدة الوجود و لا في اسئلة الرواة عنهم (ع)، مع كثرتها في غير ذلك، عينا و لا اثرا و لو ردّا، و هذا شاهد على غاية ستره و خفائه. بل كانوا بالإشارات يحاورونه فيما بينهم، و في السّراديب يذاكرونه؛ و مع ذلك يتواصون بالستر و يوصون من يعلّمونه بالإخفاء.
فقام ذو النّون ملقّنا به، فكان يلقّنه النّاس من غير رعاية الاهليّة، و أودع الجنيد في كتابه من غير خوف اذاعة الأسرار الخفيّة، و أعلنه الشبليّ على المنابر، و الحلّاج فى المحاضر، من غير حشمة و لا تقيّة. و هؤلاء أو من تجرّى منهم بابراز المستور و اخراج الضغائن من الصدور، هم الّذين فتحوا الباب، و هدموا السدّ على المضلّ المرتاب؛ فراح بعد؛ اى بعد ذلك ذكره في النّاس، و راجوا أيضا من غير مانع و لا رادع.
قال الجامى في النفحات:
و عند الأزكياء من ولاته***ممتنع بالذّات كشف ذاته
و كونه الوجود بحث آخر***بطلانه في بابه سيظهر
«إنّ ذو النون رأس هذه الطائفة، و نسبة الكلّ إليه؛ فإنّه و ان كان قبله مشايخ، الّا أنّه أوّل من تكلّم بهذا الطريق، و أوّل من ادّى الإشارات بالعبارات؛ و لمّا جاء جنيد، رتّب هذا العلم و بسطه و اودعه في الكتب؛ و لمّا جاء الشبلى اعلنه على المنابر، قال جنيد: إنّا كنّا نتكلّم بهذا العلم في السراديب و في البيوت، و جاء الشبلي فأعلنه على المنابر على رءوس الخلائق.» انتهى كلامه معرّبا.
قد عرفت أنّ القائل بالكشف، يخصّصه بعد الجواز بالاولياء الازكياء، و لكن عند الأزكياء من ولاته تعالى، (الذين زكيّهم اللّه و صفّاهم، و جعلهم ولاة امره و المستودعين لسرّه)، ممتنع بالذّات كشف ذاته، لا لقصور المدركات، و لا لمانعيّة التعينات، بل بمعنى أنّ ذاته تعالى من حيث أنّه ذاته و لكونه ذاته مخصوص بهذا الشأن من بين الذوات؛ سواء فرض وجودا أو غير الوجود؛ و كونه الوجود بحث آخر، (و ان كان ذلك أيضا باطلا على مذهبهم (ع)، و بطلانه في بابه سيظهر عند التعرّض لأبطال الحلول و الاتّحاد و وحدة الوجود.)؛ يعنى، أنّ امتناع الذات عن الإدراك، ليس مبتنيا على انكار كونه الوجود أو انكار وحدة الوجود، و ان كان اثباته عند مثبتيه مبتنيا على القول بهما؛ اذ لم يقل بالكشف إلّا القائل بوحدة الوجود، و ذلك لمّا زعموا أنّ حقيقة كلّ موجود هو الوجود، لكنّه في الواجب مطلق و في غيره مقيّد بالحدود، و ليس المقيّد إلّا نفس المطلق المحدود، فاذا زالت الحدود، بقى مطلق الوجود.
فمقالتهم عند التحليل تنحلّ الى دعاوى ثلاثة:
إحداهما: أنّ ذاته تعالى هو الوجود؛
ثانيتها: اتّحاده تعالى مع غيره في الحقيقة؛
ثالثتها: أنّ ادراك حقيقة الوجود الّتي هى ذاته تعالى ممكن.
و وافقهم على الأولى، جميع الفلاسفة، و على الثانية، اكثرهم، عدا من ذهب الى تأصّل الماهيّة في الممكن، و على الثالثة: قوم منهم، و لكن لم يدّعوه لأنفسهم.
و الدعاوى الثلاثة، كلّها باطلة على مذهب اهل البيت (ع)، الّا انّ المقصود هنا ابطال الدعوى الثالثة، و لكن لا تخصّص الكلام بهم و لا بفرض كون ذاته تعالى هو الوجود، لئلّا يتوهّم متوهّم أنّ الفساد مبنىّ على القول به و بالوحدة أو الفناء؛ كما حصل شبه ذلك لبعض المعاصرين، فإنّه تخيّل أنّ فساد الكشف لأجل عدم اهليّة مدّعيه، او لأجل قولهم بالفناء؛ فقال: لا مانع من ان يعرّف اللّه تعالى اوليائه الخاصّة ممّن شملتهم العناية الإلهيّة، ذاته المقدّسة بالذّات المقدّسة بنوره، عرفانا شهوديا، بقدر ما شاء، من غير الفناء الّذي يقول به الصوفيّة. و زعم انّ هذا من معرفة الذات بالذات؛ و أنّه شيء استفاده من الروايات- اعاذنا اللّه من امثال هذه التوهّمات- بل المدّعى من مذهب اهل البيت (ع)،
أنّ كشف الذات و ادراكه من حيث هو ذاته تعالى ممتنع بالذات، سمّى كشفا صوفيّا أم لم يسمّ، قيل معه بالفناء أم لم يقل، قيل بوحدة الوجود أم لم يقل، قيل بأنّه هو الوجود أم لم يقل، قيل باهليّة الكاشف أم لم يقل.
ثمّ انّه بعد ما نبّهناك عليه من حدوث هذا القول بعد حدوث الفلسفة و انتشارها، و ذلك بعد مضيّ زمن طويل من صدر الإسلام، و أنّه بعد حدوثه كان مستورا بين اهله؛ كما اعترفوا به في مدّة تقرب من مائتي سنة و زيادة، و لأجل ذلك لم يسأل اهل البيت (ع) عنه، و لم يرد عنهم (ع) فيه نصّ خاصّ، ظهر لك أنّه لا يبقى طريق للعلم بمذهبهم (ع) الّا الاستفادة و الاستنباط من جوامعهم الكليّة الّتي القوها فى التوحيد؛ فانّهم (ع) تأسيا بربّهم ذكروا فيه ما سئلوا و ما لم يسألوا، جوامع كليّة يستخرج منها حكم ما سئلوا و ما لم يسئلوا الى يوم القيامة؛ كما أنّه تعالى ذكر في كتابه جوامع كذلك مثل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )(1)الخ و قوله (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ )(2)و قوله (لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً )(3)و قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(4)و غير ذلك.
ثمّ إنّ القائل بالكشف حيث يدّعى حصوله بالقلب، كان له توهّمان: توهّم جواز الكشف، و توهّم حصوله بالقلب و تمكّن القلب منه، فله إذن دعويان؛
فالّذى نذكر في ابطاله مستشهدا بما ورد عنهم (ع) أيضا وجهان:
فالقلب ليس مدركا بنفسه***بل مدرك الإنسان محض نفسه
و الأصل في القلب هو الصنوبرىّ***آلة إحساس لها كالبصر
يكنى به عن قوّة لا تبصر***و شأنها تفكّر تدبّر
الوجه الأوّل: النّظر في القلب الّذي توهّموا أنّه غير سائر المدركات و أنّ له من التوسع ما ليس لغيره، و ابطال ذلك؛ و ان كان امتناع الذات يغنى عن هذه التكلّفات؛ كما قدمنا الإشارة إليه في قصور المدركات، بل قد تقدّم هناك ان الوجه في قصورها أيضا يرجع الى امتناع الذات؛ و لكن في اتمام الحجّة انارة للمحجّة، و ان كان اللجوج غير محجوج، فلذلك بدأت أوّلا بالنّظر في شان القلب، فقلت:
فالقلب ليس مدركا للاشياء بنفسه، اذ ليس من المدركات؛ بل مدرك الإنسان فى جميع ما يدركه بالحواسّ الظاهرة و الباطنة محض نفسه لا غير، و اطلاق المدرك على غيرها بلحاظ أنّها آلاتها و قواها، و إلّا فالمدرك الأصلي في كلّ انسان نفسه و روحه.
و للقلب بحسب العرف و اللّغة اطلاقان، لا ثالث لهما، و لا يخرج عنهما أيضا منطق الآيات و الروايات،
الأوّل: و هو الأصل فيه؛ كما قلت: و الأصل في القلب، هو اللّحم الصّنوبريّ، و هو آلة إحساس لها (للنفس)؛ كالبصر و السمع و غيرهما، غاية الأمر أنّه مركز اجتماع الحواسّ الظاهرة و مجتمع الإحساسات، و قد تقدّم.
و الثاني: ما قلت: يكنى به بعد ذلك عن قوّة لطيفة لا تبصر؛ اي ليست مثل اللحم الصنوبرى تدرك بالبصر، و شانها تفكّر و تدبّر؛ اي يراد به القوّة المتفكّرة و المتدبّرة للأشياء، و لازمها تدبير الحواس أيضا.
و هذا الإطلاق إمّا من باب اشتراك اللفظ، او من باب أنّ محلّ تمركز هذه القوّة او محلّ بروز حكومتها، هذا العضو الخاصّ من البدن.
و كيف كان، فمن اطلاقه في الكتاب العزيز على الأوّل، قوله تعالى:( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ
كَالْأَنْعامِ ... )(1)و قوله: (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ )(2)و قوله: (وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ )(3)و قوله: (يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ )(4)و قوله: (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ أَبْصارُها خاشِعَةٌ )(5)و قوله: (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ )(6)فإنّ الفؤاد من اسماء القلب و قوله:( وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(7)و قوله: (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ )(8)مع احتمال ان يكون المراد بها القوّة، و حينئذ فيدلّ على أنّ القوّة المدركة المجعولة للإنسان بجعل الرحمن، ليست إلّا واحدة.
و ممّا يدلّ على أنّ القلب مركز الحواسّ الظاهرة، قوله تعالى:( وَ لِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ )(9)حيث نسب الإصغاء و هو فعل السمع الى الفؤاد.
و امّا اطلاقه على الثاني؛ اعنى نفس القوّة، فجميع ما في القرآن من ذكر القلب و الفؤاد، غير ما ذكر؛ و هى كثيرة، من ذلك، قوله تعالى:( أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها )(10)و قوله: (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )(11)و قوله: (فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ )(12)و قوله: (وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ )(13)و قوله: (وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ )(14)و قوله: (وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ )(15)و قوله: (وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ )(16)و غير ذلك، مثل قوله: (لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ )(17)حيث اريد به7.
1) . آل عمران 3: 151.
2) . غافر 40: 18.
3) . احزاب 33: 10.
4) . نور 24: 37.
5) . النازعات 79: 8 و 9.
6) . الهمزة 104: 7.
7) . النحل 16: 78.
8) . احزاب 33: 4.
9) . انعام 6: 113.
10) . محمد 47: 27.
11) . حج 22: 46.
12) . التوبة 9: 87.
13) . توبة 9: 93.
14) . التغابن 64: 11.
15) . حجرات 49: 14.
16) . البقرة 2: 225.
17) . ق 50: 37.
فما هو القلب الّذي لن نعقله؟***ينال فوق العقل ما لم ينله
و ما به آية أو رواية***و لا من النّاس به دراية
أم كيف تفنى النّفس و هو شاخص***و مع شخوصه الفناء ناقص؟
كيف يعى المحدود و المكيّف***ما ليس محدودا و لا يكيّف؟
العقل بقرينة قوله: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ).
؛ أي أيّ شيء هو؟ ان اريد به غير الّذي ذكر او المذكور، و لكن على وجه يعرّفونه من أنّه ينال فوق العقل ما لم ينله، و قد مرّ أنّ العقل لا يدركه، و هو ادّق نظرا و أرقّ صفاء في المدركات. و ما به مع هذه الخصوصيّة بحيث يبقى مع فناء النّفس، و يدرك ما لا يدركه العقل، آية أو رواية، و لا من النّاس به دراية، بحيث يؤخذ تصديق ذلك من طريق العقلاء؛ أم كيف تفنى النّفس و هو، اى القلب حىّ، شاخص في طلب المقصود ببصره، غائص بنظره، فاحص في اثره، و مع شخوصه الفناء ناقص؟ و هم يقولون لا يحصل الكشف إلّا بعد الفناء التام، و لا يحصل الّا بعد زوال جميع التعينات؛ و لذلك اعترض عليهم ذلك، و اشكل عليهم امره، أنّه لو لم يفنى القلب لم يحصل الفناء، و لو فنى فمن اين الإدراك؟
فاجيب: بأنّا لا نعنى من الكشف إلّا ذلك؛ اى حصول الفناء بالكليّة، و بأنّه يكفى في فناء القلب عدم شعوره بالشعور، و بأنّ الكشف امر لا يمكن تصديقه بالعقل و لا تحقيقه بالبيان؛ و إنّما يعرفه بالجنان من وصل الى هذا المكان.
ثمّ لو سلم معقوليّة ذلك، كيف يعى المحدود و المكيّف ما ليس محدودا و لا يكيّف؟ و هذا الوجه في الامتناع و الاستحالة، لا يخصّ كشف الصوفى، بل يعمّ كلّ كشف من كلّ احد يدّعى كشف ذاته تعالى؛ سواء قال بالفناء أم لم يقل، بل سواء قال بالقلب أو بغيره؛ فإنّ الكاشف و المدرك، ايّ شيء فرض، و بايّ نحو فرض، و من ايّ شخص فرض مكيف محدود، و المكيّف المحدود لا يصير وعاء للّامكيّف اللّامحدود؛
و هو بعيد عن قوى المحدود***أو خطرات قلب ذى الحدود
يبعد عنه الحدس بالقلوب***عال عن الاشباه و الضروب
و القلب عن إخطاره كليل***ليس في الأشياء له عديل
لم يستتر فيكشف السّتار***بل لم يحطه القلب و الأبصار
و هو تعالى بعيد عن قوى المحدود، أو عن خطرات قلب ذى الحدود، و ان كان القلب مبرّءا عن الوساوس و الصوارف. قال امير المؤمنين (ع):
«لانّه اللطيف الّذي اذا ارادت الأوهام ان تقع عليه في عميقات غيوب ملكه، و حاولت الفكر المبرّات من خطر الوسواس علم ذاته، و تولّهت القلوب إليه لتحوى منه مكيّفا في صفاته، و غمضت مداخل العقول من حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم إلهيّته ردعت خاسئة (1)، تجوب (2)مهاوى (3)سدف (4)الغيوب، متخلّصة إليه سبحانه، رجعت اذ جبهت معترفة بانّه لا ينال بجور الاعتساف منه كنه معرفته، و لا يخطر ببال اولى الرويّات خاطرة من تقدير جلال عزّته، لبعده من ان يكون في قوى المحدودين لأنّه خلاف خلقه، فلا شبه له في المخلوقين ...»(5)
يبعد عنه الحدس بالقلوب عال عن الاشباه و الضروب قال (ع):
«البعيد عن حدس القلوب، المتعالى عن الأشباه و الضروب.» (6)
و القلب عن إخطاره كليل ليس في الأشياء له عديل قال (ع) لابنه الحنفيّة: «و لا يخلو منه موضع، و لا يسعه موضع، و لا على لون، و لا على خطر قلب، و لا على شمّ رائحة، منفى عنه هذه الأشياء.»(7)و قال الحسين (ع): «و لا يخطر على القلوب مبلغ جبروته، لأنّه ليس له في الأشياء عديل.»(8)
و هو تعالى لم يستتر فيكشف السّتار عنه، بل لم يحطه القلب و الأبصار، قال امير المؤمنين (ع): «و لا بمحدث فيبصر، و لا بمستتر فيكشف، و لا
يعظم أن يحيط قلب أو بصر***به فيثبتانه على قدر
محرّم على القلوب تحمله***ممتنع على البصير يعقله
لا قلب من أثبته يبصره***لا عين من لم تره تنكره
بذى حجب فيحوى.»(1)و قال (ع): «و لا تحيط به الأبصار و القلوب.» (2)و من ذلك ما تقدّم من الروايات في قوله تعالى:( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ)»(3)، أنّ المراد بها، اوهام القلوب، و ليس المراد بالوهم الّذي اصطلح عليه الفلاسفة، بل الّذي يقابل العقل، فيعمّ جميع انواع مدركات القلب اذا فرض لها انواعا.
يعظم أن يحيط قلب أو بصر به فيثبتانه على قدر؛ اى يقدر أنه باحاطتها تقديرا، قال (ع) في وصيّته للحسن (ع): «عظم ان تثبت ربوبيّته باحاطة قلب أو بصر.» (4)
محرّم على القلوب تحمله، قال الجواد (ع): «محرّم على القلوب ان تحمله، و على الأوهام ان تحدّه، و على الضمائر ان تصوّره.» (5)
ممتنع على البصير يعقله اىّ تعقّل؛ و لا قلب من أثبته يبصره، و لا عين من لم تره تنكره، قال امير المؤمنين (ع): «و امتنع على عين البصيرة، فلا عين من لم تره تنكره، و لا قلب من اثبته يبصره.» (6)
هذا ما ورد عنهم (ع) فى خصوص القلب الّذي توهّموا أنّه غير سائر المدركات، و يمكن ان يكشف به حقيقة الذات، مضافا الى ما تقدّم منهم (ع) من امتناع الذات بما هو ذات عن الادراك و تناول المدركات، و لكنّى ما اكتفيت بالحوالة، و لا تجنّبت التكرار و الإطالة، حرصا على التوضيح في بطلان هذه المقالة، و خوفا من ان يخفى على المحال بعض ما مرّ من المقال، فيلتبس عليه الحال؛ فلأجل ذلك اشرت الى ما يدلّ على الامتناع بنحو الإجمال، فقلت:
و في الّذي مرّ من الأبواب***دلالة واضحة للباب
كقولهم (ع): لا يعلم اللّه أحد***و منعهم للخوض في الذات الصمد
و أنّ كلّ ما بنفسه عرف***يكون مصنوعا، فكيف ينكشف؟
و أنّه بالخلق و الدليل***يعرف لا بنفسه الجليل
و أنّ ما يعرف منه أنّه***شيء و موجود تعالى شأنه
و في الّذي مرّ من الأبواب المتقدّمة دلالة واضحة أيضا للباب؛ اى امتناع الكشف؛ كقولهم (ع): لا يعلم اللّه أحد.»(1)، و مثل قول امير المؤمنين (ع): «و بالذات الّتي لا يعلمها إلّا عند خلقه معروفا.»(2)، و قول الصادق (ع): «سبحان من لا يعلم كيف هو لا هو.» (3)
و منعهم (ع) للخوض في الذات الصمد؛ مثل قول الصادق (ع): «من تعاطى ما ثمّ هلك.» (4)، و غيره ممّا مرّ، فإنّه لو كان الكشف و الوصول إليه ممكنا، لا معنى لنهيهم عن الخوض و التفكر فيه؛ بل كان ينبغى عليهم تشويق النّاس الى ذلك، و ارشادهم الى شروطه و نصب ولىّ مرشد له، يدعون النّاس إليه و يدلّونهم عليه؛ كما يصنع ذلك كلّه الفرقة المبتدعة الضالة- خذلهم اللّه.
و لقولهم (ع) أيضا: أنّ كلّ ما بنفسه عرف، يكون مصنوعا، فكيف مع ذلك ينكشف؟ و أنّه بالخلق و الدليل يعرف، لا بنفسه الجليل، كقول امير المؤمنين (ع):
«ليس باله من عرف بنفسه، هو الدال بالدليل عليه.» (5)، و قوله (ع) و قول الرضا (ع): «كلّ معروف بنفسه مصنوع، و كلّ قائم في سواه معلول، بصنع اللّه يستدلّ عليه، و بالعقول تعتقد معرفته.»(6)و قول الصادق (ع): «لا يعرف إلّا بخلقه.» (7)و اذا جاز الكشف و صحّ، كان تعالى اذن معروفا بنفسه لا بخلقه و دليله، و بحيطة القلوب، لا بمعرفة العقول.
و كقولهم (ع) أيضا: أنّ غاية ما يعرف منه تعالى، أنّه شيء و موجود فقط، تعالى1.
و ليس هذا القدر ممّا يدرك***كشفا، فمن رام وراه يهلك
و ما العباد يبلغون بالهمم***الكنه منه، بل و لا كنه العظم
و لم يحط علم به من البصر***أو غيره، بل كان بالقلب أمر
و إن عندهم بغير ريب***يطلب الأيمان به بالغيب
شأنه عمّا يقولون، و قد مرّ ذكره بالتفصيل. و ليس هذا القدر ممّا يدرك، كشفا؛ فإنّ مجرد العلم بكونه شيئا و موجودا، لا يعد من الكشف، و لا صرف الشيئيّة و الموجوديّة ممّا يقبل الكشف و الإدراك، فمن رام و رآه يهلك؛ كقول زين العابدين (ع): «فمن رام وراء ذلك، فقد هلك.» (1)
و كقولهم (ع): ما العباد يبلغون بالهمم الكنه منه، بل و لا كنه ماله من العظم؛ مثل قول امير المؤمنين (ع) (لا يبلغه بعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن.» (2)و قوله (ع) أيضا: «لا يدركه بعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن.» (3)و قول الصادق (ع): «إنّ اللّه عظيم، رفيع، لا يقدر العباد على صفته، و لا يبلغون كنه عظمته.» (4)
و في قول امير المؤمنين (ع) «بعد الهمم»، دلالة واضحة على بطلان دعوى اهل الكشف، حيث يزعمون أنّ البلوغ الى هذا الشرف و الكمال، منوط بهمم الرجال قياسا على غيره، من اناطة المراتب الراقية بالهمم العالية.
و كقولهم (ع) أيضا أنه لم يحط علم به من البصر أو غيره؛ كقول الصادق (ع):
«و لا يدركه الحواسّ، و لا يحيط به شيء.»(5)و قول الرضا (ع) فى نفى الرؤية، و قد قال:
«و لا يحيطون به علما، فاذا رأته الأبصار، فقد احاطت به العلم و وقعت المعرفة.»(6)علّل (ع) نفى الرؤية، باحاطة العلم و وقوع المعرفة؛ و نظيره قوله (ع) أيضا: «فاذا جاز أن يرى اللّه- عزّ و جلّ-، وقعت المعرفة ضرورة.» (7)و هذا المناط حاصل في الكشف أيضا، بل كان بالقلب أمر؛ لأنّ الرؤية لا تقع إلّا على الصورة و الاحاطة العلميّة، فى الكشف تقع على نفس الذات.4.
فان قيل: إنّه لا يستلزم الإحاطة و لا البلوغ الى الكنه؛
فهذا يستلزم التجزية، و مع ذلك فهو غير مكشوف، اذ المكشوف حينئذ جزء منه لا نفسه؛ و أيضا يجرى فيه تعليله (ع) الثانى في الحديث الثانى بما مرّ في نفى الرؤية في الآخرة بقوله: «ثمّ لم تخل تلك المعرفة من ان تكون ايمانا أو ليست بايمان،»(1)فإنّه يقال مثله في الكشف، بأنّ المعرفة الشهوديّة به ايمان أو ليست بايمان، فان كانت ايمانا فالمعرفة الغيابيّة ليست بايمان، و هو خلاف الوجدان و صريح القرآن، و ان لم تكن بايمان، فالّذى حصل له الكشف ليس بمؤمن، لتبدّل الغياب بالشهود.»
و إنّ عندهم (ع) بغير ريب، يطلب الأيمان به بالغيب؛ كما قال اللّه تعالى: (2)
هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص286
يْبِ»
قال امير المؤمنين (ع): «لم تره العيون في مشاهدة الأبصار، غير أنّ الأيمان بالغيب من عقد القلوب.» (3)
و قال الحسين (ع):
«و لا تدركه العلماء بألبابها، و لا اهل التفكير بتفكيرهم، الّا بالتحقيق ايقانا بالغيب، لأنّه لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين، و هو الواحد الصمد، ما تصوّر في الأوهام فهو خلافه، يصيب الفكر، الايمان به موجودا، و وجود الأيمان لا وجود صفة.» (4)
و قوله (ع): «و لا اهل التفكير بتفكيرهم» و في قوله (ع): «يصيب الفكر» أيضا نوع ايماء و اشارة الى بطلان دعوى الكشف؛ لأنّ الكشف عند اهله، لا يحصل الّا بالتجريد، و التجريد عندهم يسمّى بالفكر؛ الّا أنّه فكر عملىّ و يسمّون انفسهم «اهل الفكر». قال الشبسترى:
تفكّر رفتن از باطل سوى حقّ***بجز و اندر بديدن كلّ مطلق
بود فكر نكو را شرط تجريد***پس آنگه لمعه از برق تأييد 9.
و دونه تكلّف الشيطان***تعرّض السّخط من الرحمن
و أنّه محتجب عمّن خلق***للفرق بينه و بين ما فلق
و الحاصل: أنّ المطلوب من كلّ احد عندهم (ع)، الأيمان بالغيب؛ و هو خلاف ما عند المتصوّفة و اهل الكشف؛ فإنّهم يدّعون أنّ المطلوب الحقيقى من كلّ احد، الوصول الى الحقيقة و المعرفة الشهوديّة؛ و عندهم (ع) أنّ دونه؛ اى غير ذلك، تكلّف الشيطان، و تعرّض السّخط من الرحمن. قال امير المؤمنين (ع):
«و ما كلّفك الشيطان علمه، ممّا ليس عليك في الكتاب فرضه، و لا في سنّة الرسول و الأئمّة الهدى اثره، فكل علمه الى اللّه- عزّ و جلّ- فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك، فاقتصر على ذلك، و لا تقدر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك، فتكون من الهالكين.
و اعلم، يا عبد اللّه! إنّ الراسخين في العلم، هم الّذين اغناهم اللّه عن الاقتحام على السّدد المضروبة دون الغيوب، اقرارا بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب؛ فقالوا: آمنّا به كلّ من عند ربّنا، و قد مدح اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، و سمّى تركهم «التعمق» فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا.» (1)
و الخطبة واردة في جواب رجل قال له (ع): «هل تصف ربّنا نزداد حبّا؟» فلا يتوّهم أنّ المراد بها الأمور المغيبة من تفسيره و غيره، مع انّه لو كان، فالتعليل و البيان عام يشمل العنوان.
و عندهم (ع) أيضا أنّه محتجب عمّن خلق مطلقا، للفرق بينه و بين ما فلق، و قد تقدّم بحثه قريبا؛ و من جملة ما مرّ، قول الرضا (ع):
«فالحجاب بينه و بين خلقه لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم، و لا مكان ذواتهم ممّا يمتنع منه ذاته، و لافتراق الصانع و المصنوع، و الربّ و المربوب، و الحادّ و المحدود.»(2)و مع الكشف لا يبقى بينه و بين الكاشف حجاب، بل عندهم (ع) أنّه7.
محتجب أيضا من الإلهام***ببعث الأنبياء و الإمام
و إنّ الأملاك على اقترابهم***قد عرفوه من ورا حجابهم
محتجب أيضا عن خلقه من الإلهام و الوحي، حتّى أنّه تعالى لا يوحى الى كلّ احد و لا يعرّف نفسه كلّ احد؛ كما قال:( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً)(1). بل احتجب عن الجميع ببعث الأنبياء و الإمام، فاكتفى ببعثهم إليهم عن مكالمتهم و مواصلتهم. قال رسول اللّه (ص):
فاحبّ الاختصاص بالتّوحيد إذ احتجب بنوره، و سما في علوّه، و استتر عن خلقه، و بعث إليهم الرسل لتكون له الحجّة البالغة على خلقه، و يكون رسله إليهم شهداء عليهم ...» (2)
و عندهم (ع) أيضا إنّ الأملاك على اقترابهم، من جلاله و جبروته و مع صفائهم ذاتا، من غير تكلّف التصفية، قد عرفوه تعالى من وراء حجابهم، قال امير المؤمنين (ع): «لأنّه اجلّ من ان تحدّه الباب البشر بالتّفكر، او تحيط به الملائكة على قربهم من ملكوت عزته بتقدير»(3). و قال الرضا (ع): «ان اللّه خلق العرش و الملائكة قبل خلق السموات و الارض، و كانت الملائكة تستدلّ بانفسها و بالعرش و الماء على اللّه- عزّ و جلّ-؛ و لكنّه- عزّ و جلّ- خلقها في ستّة ايّام، ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شيء، فتستدلّ بحدوث ما يحدث على اللّه تعالى ذكره.»(4)
و قال الحسين (ع): «احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار و احتجب عمّن في السماء احتجابه عمّن في الأرض.» (5)
فاذا كان ممتنعا عليهم الكشف، او لا اقلّ من أنّهم محرومون عنه، فكيف بغيرهم؟ اللّهم إلّا ان يقولوا كما قال الحافظ اللّافظ:
فرشته عشق نداند كه چيست قصه مخوان***بگير جام صبوحى به خاك آدم ريز 9.
فمن يقول مثل ما وصفته***كيف يقول إنّنى كشفته؟
فمن يقول في شأن المدرك و المدرك مثل ما وصفته، كيف يقول بعد ذلك إنّنى كشفته؟ و هل هذا إلّا تناقض؟ و هل يجوز من عاقل ان يقول لشيء إنّه محال ثمّ يقول إنّى اوقعت هذا المحال و صيّرته واقعا؟ و هذا ردّ على من توهّم جواز الكشف لهم (ع)، خصوصا، لشرف محلّهم و علوّ مقامهم، او نسب إليهم صريحا استنباطا ذلك ممّا لم يصحّ سنده، او لم يظهر على فهمه معناه و مقصده. و هذا الوجه أيضا اقتبسته من كلام الرضا (ع)، حيث قال في ردّ ابى قرّة، فيما روى من الحديث، أنّ النبيّ (ص) رءاه تعالى: فمن المبلغ عن اللّه- عزّ و جلّ- الى الثقلين (الجنّ و الأنس): (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ )(1)، (وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً )(2)،( و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(3)أ ليس محمّد (ص) قال: بلى، قال (ع): فكيف يجيء رجل الى الخلق جميعا فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه و انّه يدعوهم الى اللّه بامر اللّه، و يقول: «لا تدركه الابصار و هو يدرك الأبصار»، و «لا يحيطون به علما»، و «ليس كمثله شيء» ثمّ يقول: انا رأيته بعينى و احطت به علما و هو على صورة البشر. فقال ابو قرة. فتكذب الرواية، قال (ع):
اذا كانت الروايات مخالفة للقرآن، كذبت بها و ما اجمع المسلمون عليه انّه لا يحيط به علم، و لا تدركه الأبصار، و ليس كمثله شيء.» (4)5.
يوجد في كثير من مصنّفات مدّعى الكشف، من الصوفيّة و غيرهم في هذه الأعصار الأخيرة، الاستشهاد بالأدعية و الروايات؛ و قد اثّر ذلك في نفوس الجهّال اثرا عظيما، فربّما اغترّ به الجاهل الغافل، فظن أنّ القول به ليس من مختصّات اهل الضلال، و لا هو في نفسه من المحال، او اوهم في نفسه أنّ القائلين به استندوا في هذا المقال الى أئمّة الحقّ؛ كاستناد شيعتهم إليهم فيما لهم من الأقوال، فأن أخطئوا فيه، كان ذلك خطاء في الاستنباط؛
و هيهات ثمّ هيهات! لا يظنّ ذلك إلّا المتخبّط في الشبهات، لقصور الباع و عدم الاطّلاع، فامّا الخبير البصير، فإنّه يعلم أوّلا ببراءة ساحتهم الشريفة عن هذه المقالة السخيفة؛ كما وصفت لك و شرحت، و يتّضح عنده ثانيا كوضوح النّهار عدم استناد القائل به إليهم (ع) فى عصر من الأعصار، لوضوح حدوثه في الإسلام بحدوث الفلسفة بعد أعوام، و ابتنائه على القول بالوجود و وحدته، لا على قول نبيّ او امام.
ثمّ كان حدوثه أوّلا كحدوث اصله بين المتكلّمين من العامّة، الّذين هم على طرف النقيض من الائمّة (ع)، لا يعبئون بهم (ع) في الفضائل و الرسوم، و كذلك هم لا
فما لنفسه الإمام وصفه***من رؤية القلب، أراد المعرفة
لا رؤية تلازم الأدركا***تقابل العلم به ملاكا يستقلّون
انفسهم منهم (ع) فى معرفة الخطاء و الصواب؛ بل كانوا يعارضونهم في كلّ باب، فلم يكن استنادهم إلّا الى ما استبدّوا به من العقول و ما أسّسوه بزعمهم من الأصول، و كذلك كانوا عليه في كلّ عصر حتّى اصطاد المتأخّرون منهم من الشّيعة حمرا و ارادوا ان يركبوا عليها عمرا، فاستشهدوا لهم بكلام ائمّتهم (ع)، ليلجموهم بلجام وثيق، خوفا من نفارهم عن ازمّتهم و خروجهم عن ذمّتهم اذا سمعوا منهم هذا القول الشنيع و المنكر الفظيع.
و الحاصل: أنّ ما يذكرونه في كتبهم من الأدعية و الروايات مع أنّها في نفسها غير تامّة (إمّا سندا أو دلالة) ليس على سبيل الاستناد، بل هو من باب الاستشهاد، بداعى الاغواء و الاصطياد، فيجب إذن دفع ما استشهدوا به، لإثبات هذه العقيدة، لئلّا يقع بعد ذلك من اهل الحقّ- إن شاء اللّه- فى هذه المصيدة.
فممّا استشهدوا به ما مرّ في مبحث الرؤية من قولهم (ع): «و لكن رأته القلوب بحقايق الأيمان.»(1)، و على ما تقدّم من تحقيق مذهبهم (ع)، لا يبقى لحمل هذه العبارة على الكشف مجال، بل التحقيق فيها ما قلت: فما لنفسه الإمام (ع) وصفه من رؤية القلب، إنّما أراد (ع) المعرفة؛ يعنى، أنّه (ع) اراد برؤية القلب، المعرفة القلبيّة، فإنّ الرؤية كثيرا ما تستعمل في العلم و المعرفة كما تقول: «إنّى اراك عالما»، و قد صرّح اهل الأدب بأنّ رأى من افعال القلوب بمعنى علم كالمثال، و بمعنى عرف كقول الشاعر: «رأيت اللّه اكبر كلّ شيء» فالمراد بالرؤية هنا، المعرفة القلبيّة، و لكن لا رؤية تلازم الأدركا، و هي الّتي تقابل العلم به تعالى ملاكا، فانّ الرؤية القلبيّة قد يراد بها مجرّد العلم و المعرفة بالشّيء، و هذه ترادف العلم، و قد يراد بها الملازمة للإدارك
1) . البحار 4: 27/ 2.
عبّر عن تأكّد الإيقان***بها و عن حقيقة الأيمان
و فسّرت بعقد قلب المؤمن***بالغيب لا وهما و لا بالألسن
و قول صادق ألا تراه***فى الآن هذا الوهم قد نفاه
و الإحساس، كقولك: «إنّي اراك مقتولا»، و هذه تقابل العلم ملاكا، لأنّ ملاك العلم محض الوضوح و الظهور و ملاك الاحساس التكيّف، و الّذي يريدونه من الكشف هو الثاني (1)، و هو عندنا ممتنع في ذاته تعالى، لأنّ ذاته لا يقبل الحسّ و لا التكيّف و لا التصوّر و لا التخيّل، فلم يرد بها ذلك؛ بل عبّر عن تأكّد الإيقان بها و فسّر عن حقيقة الأيمان و صدقه الواقعى بها، و هذا هو السرّ في التعبير عن العلم بالرؤية.
توضيحه: أنّ الرؤية بحسب الوضع الأصلي، ليست من أفعال القلوب، بل هى موضوعة للشهود بالبصر، و لكن قد تستعار للعلم، اذا كان العلم بمرتبة اكيدة، شديدة، تشبيها له بالشّهود الّذي لا يحتمل الخلاف ابدا، و ذلك لأنّ للعلم مراتب في شدّة اليقين و ضعفه و لا يلزم في التشبيه ان يكون من جميع الجهات، فلا يلزم حضور المعلوم مكيّفا أو غير مكيّف في القلب؛ بل المناط في التشبيه هنا، مجرّد شدّة الظهور، بل نقول أيضا: لو فرض استلزام هذا التشبيه لذلك، فانّما يستلزمه فيما كان المتعلّق قابلا له، كالعلم بزيد مثلا؛ و امّا اللّه تعالى، فالعلم و المعرفة بذاته محال؛ و الّذي يمكن منه، هو العلم بوجوده بمعنى أنّه شيء موجود، و هذا المعنى لا يقبل ذلك الانكشاف الخاصّ اصلا، هذا.
و قد فسّرت الرؤية بالخصوص في كلام امير المؤمنين (ع)، بعقد قلب المؤمن بالغيب، فلا يبقى بعد تفسير صاحب الكلام كلام، شبهة و لا ريب؛ و يعنى بعقد القلب، ان يكون على الاعتقاد الجازم لا و هما و لا بالألسن، ففي حديث البزنطى المتقدّم عن ابى عبد اللّه (ع):
أنّ رجلا من اليهود أتى امير المؤمنين (ع)، فقال: يا على! هل
1) . و ان كانوا يقولون من غير كمّ و كيف.
رأيت ربّك؟
فقال (ع): «ما كنت اعبد إلها لم اره، ثمّ قال (ع): لم تره العيون فى مشاهدة الأبصار غير انّ الايمان بالغيب من عقد القلوب.»(1)و اين هذا الّذي اراده (ع) من الكشف الّذي وصفه اهله و ينسبونه إليه (ع)؟
و أيضا قول صادق (ع)، ألا تراه في الآن هذا الوهم؛ اى احتمال إرادة الكشف من الرؤية القلبيّة قد نفاه؛ يعنى، بعد قوله (ع) ذلك، لا يبقى لتوهّم إرادة الكشف المعهود مجال.
فعن ابى بصير، عنه (ع)، قال: قلت له: اخبرنى عن اللّه- عزّ و جلّ هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟
قال (ع): نعم، و قد رأوه قبل يوم القيامة، فقلت: متى؟
قال (ع): حين قال لهم الست بربّكم؟ قالوا: بلى، ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال (ع): و إنّ المؤمنين ليرونه فى الدنيا قبل يوم القيامة، الست تراه في وقتك هذا؟ قال ابو بصير: فقلت له جعلت فداك! فاحدث بهذا عنك، فقال (ع): لا، فانّك اذا حدثت به، فانكره منكر جاهل، بمعنى ما تقوله، ثمّ قدر انّ ذلك تشبيه و كفر و ليست الرؤية بالعين كالرؤية بالقلب، تعالى اللّه عمّا يصفه المشبّهون الملحدون.» (2)
فانظر كيف جعل الرؤية في الآخرة و في الذر و في الدنيا شيئا واحدا، و نزّلها على الرؤية القلبيّة في الجميع، و بيّنها بقوله (ع): «الست تراه في وقتك هذا؟» فانّه (ع) نظّر الرؤية في جميع الاحوال بما هو الحاصل لابى بصير في الحال
و في هذا التنظير تبينان، يتبيّن بهما امران:
احدهما: تنزيل الرؤية مطلقا بالرؤية القلبيّة، لانّ أبا بصير لم يكن يراه بالعين
و إلّا لم يسأل عن الرؤية في الآخرة و لم يكن يتعجّب عن الرؤية في الدنيا؛
ثانيهما: تفسير الرؤية القلبيّة، و ذلك لأنّ الكشف الّذي يقولون به، ليس ممّا يناله امثال ابى بصير حتّى تحمل عليه، بل هو مخصوص عندهم بالكملّين، و عند غيرهم مخصوص بالنبيّ (ص) و الأئمّة (ع)؛ و لأجل ذلك نقول انّ ما تمسّكوا به من قول امير المؤمنين (ع) و الباقرين (ع): «و لكن رأته القلوب بحقايق الأيمان»، ظاهر في خلاف مرادهم، لظهوره في العموم؛ كظهور قولهم (ع): «لم تره العيون بمشاهدة الابصار»؛ فمن اين لهم تخصيص القلوب بقلوب خاصّة؟ فان تمسّكوا له بقولهم (ع):
«بحقايق الايمان»، فهو أيضا مثله يحتاج في التخصيص الى بيان؛ لأنّ حقيقة الأيمان، ليست إلّا صدقه و واقعيّته، لا ازالة التعينات و لا التجريد عن الحيثيّات، و لا الكمال الخاصّ بالانبياء و الائمّة (ع)؛ و تخصيصها بهذا الشرط الخاص مع عدم الدليل عليه، مستلزم للقول بانّه لا حقيقة لأيمان احد إلّا الأنبياء و الأوصياء، او من بلغ حدّ الفناء، و جزاف هذا الادّعاء ظاهر من غير خفاء، هذا.
و قد بدّل الصادق (ع) فى كلامه الآخر «حقايق الأيمان» بنور الأيمان، مع التصريح بالتعميم و جعله الرؤية القلبيّة مساوقة للمعرفة العقليّة؛ ففى سؤال الزنديق الّذي سأله (ع) عن مسائل كثيرة،
قال: كيف يعبد اللّه الخلق و لم يروه؟ قال (ع): رأته القلوب بنور الأيمان، و اثبتته العقول بيقظتها (1). اثبات العيان، و ابصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب و إحكام التأليف، ثمّ الرسل و آياتها و الكتب و محكماتها، و اقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته.»(2)2.
بل ان يتم، فالاحتجاج ما استتمّ***اذ رؤية القلب من الكشف أعمّ
و ما عن الحسين (ع) يوم عرفة***زيادة ألحقها المنحرفة
فالسئوال في هذا الحديث عن عموم الخلق الّذين يعبدونه، مع انّه (ع) جعل رؤية القلب و اثبات العقول و ابصار الآثار في عرض واحد.
و الحاصل: انّ الرؤية القلبيّة عندهم، هى المعرفة الإيمانيّة الّتي تحصل بنور الأيمان، بمعنى أنّه ليست إلّا نور الأيمان، لا أنّ نور الأيمان شيء و المعرفة شيء آخر تحصل بنوره. و هذا غير الكشف الّذي يسمّونه بالرّؤية العرفانيّة، فإنّ الرؤية الإيمانيّة، رؤية علميّة آثارية، و العرفانيّة رؤية عينيّة ذاتيّة، و البعد ما بينهما كالبعد ما بين السّماء و الأرض.
ثمّ إنّ ايراد التخصيص وارد عليهم أيضا، و لو مع التنزل و التسليم و غضّ العين عن القرائن الخارجيّة و الداخليّة، و قد اشرت إليه بقولى: بل ان يتم هذا الوهم، و صحّ الكشف واقعا، فالاحتجاج بالأخبار المذكورة ما استتمّ؛ اى ليس لهم حجّة فيها، اذ ليس فيها إلّا رؤية القلب، و رؤية القلب من الكشف أعمّ على هذا المذهب؛ فانّ غاية القول بالكشف على فرض صحّته، كونه نوعا من رؤية القلب لا تخصيصها به، لوضوح استعمالها في غيره عرفا و لغة. و عند الائمّة (ع) كما في سؤال هذا الزنديق و سؤال ابى بصير، فحمل قولهم (ع): «رأته القلوب بحقائق الأيمان» على هذه الرؤية المخصوصة، حمل العام على الخاصّ من غير دليل.
و ممّا استشهد به على الكشف، جملة من دعاء عرفة للحسين (ع) على ما في الاقبال، و هى هذه:
إلهى تردّدى في الآثار يوجب بعد المزار، فاجمعنى عليك بخدمة توصلنى أليك، كيف تستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر أليك أ يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتّى تحتاج الى دليل يدلّ عليك؟ و متى بعدت حتّى تكون الآثار هى الّتي توصل أليك؟ عميت عين لا تراك عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك
نصيبا.» و فيها أيضا: «و بك استدلّ عليك فاهدنى بنورك أليك.» (1)
و قد قلت في الجواب عنها و ما عن الحسين (ع) يوم عرفة، فهى زيادة ألحقها المنحرفة؛ كما تنبّه له العلّامة المجلسى (ره)، قال (قدّس سرّه) (فى المجلّد العشرين بعد نقل الدعاء): اقول:
قد اورد الكفعمى أيضا هذا الدعاء في البلد الأمين، و ابن طاوس فى مصباح الزائر، كما مرّ، و لكن ليس في آخره فيهما بقدر ورق تقريبا، و هو من قوله: «إلهى انا الفقير في غناى ...» الى آخر الدعاء؛ و كذا لم توجد هذه الورقة في بعض النسخ العتيقة من الإقبال أيضا، و عبارة هذه الورقة لا تلائم سياق ادعية السادات المعصومين (ع) أيضا، و انّما هى على وفق مذاق الصوفيّة.
و لذلك قد مال بعض الأفاضل، الى كون هذه الورقة من مزيدات بعض مشايخ الصوفيّة و من الحاقاته و ادخالاته.
و بالجملة، هذه الزيادة، إمّا وقعت من بعضهم أوّلا في بعض الكتب، و اخذ ابن طاوس عنه في الإقبال غفلة عن حقيقة الحال، او وقعت ثانيا من بعضهم في نفس كتاب الإقبال؛ و لعلّ الثانى اظهر على ما أومأنا إليه من عدم وجدانها في بعض النّسخ العتيقة، و في مصباح الزائر، و اللّه اعلم بحقائق الأحوال.» انتهى كلامه رفع مقامه.
اقول: هذه الزيادة مشتملة على كثير من العبارات الركيكة في الفصاحة، تشبه عبارات المتعرّبين، و على كثير من مصطلحات الصوفيّة، و كثير من المعانى الّتي لا تستقيم إلّا على مذاقهم، او تكون على مذاقهم اظهر. و قد اتيت على هذه الزيادة من اوّلها الى اخرها و ذكرت ما يورد عليها جملة جملة باحدى الوجوه الثلاثة المذكورة فى «معارف الشيعة»، فليراجع.
1) . البحار 98: 225/ 3.
و اذكر هنا ما يختصّ بهذه الجملة المستشهد بها، فالّذى يرد عليها:
أنّ فيها تهافت لا ينبغى صدور مثله عن الإمام (ع)؛ فإنّ اوّله، كلام المحجوب عن الوصال و المردّد في حجاب الآثار، يتمنّى بعد اعترافه ببعده عن المزار، الوصول الى حضرة المحبوب من غير حجاب، فيسأل منه خدمة توصله إليه و توجب الاقتراب؛ و وسطه و آخره يعطى بانّ الداعى قد بلغ و وصل به السير الى النهاية، حتّى استغنى عن الاستدلال عليه بالآثار، و صار ظهوره لديه اظهر من كلّ شيء من غير استتار؛ و هو كلام من بلغ حدّ الفناء و استوطن البقاء، بحيث لا يكون محجوبا عن المحبوب بآن و لا غائبا عنه بزمان. و هذا التهافت يعطى بأن هذا القائل و ان كان من الصوفيّة، الّا انّه لم يكن ممّن يميز الأحوال، بل سمع شيئا و لم يدر اين موضعه؟ هذا أولا؛
و ثانيا: الجملة الأولى مع اشتمالها على ثلاث كلمات من مصطلحات الصوفيّة، و هى «الخدمة»، و «الجمع»، و «الوصول»، فإنّهم يقولون: لا يصل العبد الى الكشف إلّا بالفناء، و يسمّونه «مقام الوصل»، و «مقام الجمع بعد التفرقة»، و يقابله «مقام الاستدلال بالآثار»، و يسمّونه «مقام التفرقة و البعد و المحجوبيّة»، حيث يجعلون الآثار حجابا؛ ثمّ يقولون: إنّه لا يصل العبد الى هذا المقام إلّا بالخدمة التامّة، و من الخدمة، الرياضيات الّتي وضعوها، اثبتت اظهار الكراهة عن التدبّر في الآثار لإيجابه بعد المزار، و هذا مخالف لما علم من مذهبهم (ع) من انحصار الطريق بالعقل، و العقل بالآيات و الآثار، و امرهم (ع) بالتّفكر في الخلق و في آياته؛ كما مدح اللّه تعالى اولى الألباب به، اذ قال:( وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ... )(1)
و ثالثا: قوله: «كيف يستدلّ عليك؟ ...» استعجاب عن صحّة الاستدلال أو عن احتياجه تعالى إليه، و علّله بامرين متهافتين:
1) . آل عمران 3: 191.
احدهما: افتقار الأشياء في الوجود إليه، و هذا ليس مانعا عن صحّة الاستدلال، بل هو مناط الصحّة؛ فإنّ مناط الاستدلال من المعلول الى العلّة، ليس إلّا الافتقار و لا عن الاحتياج؛ فإنّ مناط الاحتياج هو الغيبوبة عن المستدلّ، لا افتقار الأشياء إليه و عدم افتقاره إليها؛
و ثانيهما: دعوى أنّ ظهوره ليس باقلّ من ظهور غيره، و هذا يصحّ جعله مانعا للصحّة و الحاجة معا، اذ مع ظهور الشيء في نفسه، لا حاجة الى الاستدلال عليه و لا يصحّ، و لا يمكن جعل التعليلين تعليلا واحدا، بفرض الثانى تفسيرا للأوّل؛ اذ عدم افتقاره في الوجود الى شيء و افتقار الأشياء إليه، لا يوجب ظهوره بنفسه، و إلّا فلا تكون هذه الجملة دليلا على الكشف؛ بل مناط الظهور عند المستشهد بهذه الجملة، الكشف.
نعم، يصحّ جعلهما واحدا، و فرض عدم الافتقار، مناطا للظهور على القول بوحدة الوجود، و كون الأشياء موجودا بوجوده تعالى؛ اذ على هذا القول لا وجود الّا وجوده و لا ظهور إلّا ظهوره؛ بل لا وجود إلّا الظهور و لا ظهور إلّا الوجود. و حينئذ فمناط عدم الافتقار، عين مناط الظهور.
و لكن على هذا، و ان كان فاسدا في نفسه مخالفا لمذهبهم (ع)، كما سيجيء، لا دلالة فيه أيضا للمستشهد على الكشف، اذ ليس فيه إلّا دعوى ظهوره تعالى، و هو اعمّ من الظهور العلمى و الشهودى، فإنّ كلّ من يقول بوحدة الوجود، يصحّ له ان يقول بمثل هذه المقالة، و ان لم يبلغ حدّ الكشف بزعمهم.
ثمّ إنّه لو اغمضنا عن ذلك كلّه، و لم نقل ان هذه الزيادة ليست من كلام الحين (ع)، بل جعلناها من كلامه (ع) مع ما فيها، فلا شهادة فيه أيضا على الكشف؛ كما قلت:
و إن يكن منه فحمله على***كشف تأوّل و مثله اجعلا
«دلّ على الذات بذاته» لما***ليس صريحا أنّ ذاك كيفما؟
و إن يكن؛ اى ما عن الحسين (ع)، منه، فحمله على كشف، تأوّل محض من المستشهد و لا نصّ فيه و لا ملازمة، اذ ليس فيه إلّا أن ظهوره ليس باقلّ من ظهور غيره، حتّى يحتاج الى الاستدلال، و أنّه عميت عين من لا يراه رقيبا عليه؛ و انّه لا يغيب عنه حتّى يحتاج الى دليل؛ و لا يبعد عنه حتّى يحتاج الى آثاره. و هذه المعانى، لا يلازم الكشف، كما ليست بصريحة فيه، بل الكشف، احد احتماليه على فرض امكانه و صحّته، لأحتمال ان يكون ذلك ناشئا عن شهود ذاته؛ كما يزعمه المستشهد، و ان يكون حاكيا عن شدّة يقينه، و كمال انقطاعه إليه سبحانه؛ بحيث لا يرى شيئا اظهر منه فى الوجود، من دون ان يكون ذلك عن شهود؛ و حيث لا صراحة فيه على الكشف، فحمله عليه تأويل. و ليس ذلك إلّا لأجل انس ذهن المستشهد. كما أنّه لو القى هذا الكلام الى مدّعى الرؤية بالبصر، لم يختلج في ذهنه إلّا أنّه كلام من وفق للرؤية. بل الحق، حمل كلام المتكلّم عند طروّ الاحتمال على ما هو المعلوم، و المنصوص من مذهبه، لا على ما يستحسنه الناظر بذوقه من دون نصّ من المتكلّم في كلامه أو برهان من الخارج بجوازه و صحّته؛ و إلّا فحمله على الرؤية البصريّة، ليس باقلّ ظهورا من الكشف الّذي تخيّله المستشهد. فلمّا لا يجوز حمله عليها لمخالفته لمذهبه (ع)، و نصّه على امتناعها، و عدم ورود نصّ منه على جوازها، كذلك لا يجوز حمله على الكشف بذلك المناط؛ اذ لا تصريح له به في هذا الكلام و لا بجوازه في غير هذا المقام، سوى الّذي يحمله عليه المستشهد من امثال هذه الكلمات، مضافا بما علم من مذهبهم (ع) من الامتناع.
و مثله؛ اى مثل ما عن الحسين (ع)، اجعلا في انّه لا صراحة فيه على الكشف و أنّ حمله عليه، مبنيّ على التأويل، قول امير المؤمنين (ع)، «دلّ على الذات بذاته»، اشاره الى قوله (ع) فى دعاء الصباح: «يا من دلّ على ذاته بذاته.» (1)و إنّما كان مثله لما ليس صريحا أنّ ذاك؛ اى دلالته على ذاته بذاته كيفما؟ يكون؟ و باىّ وجه يكون؟9.
1) . البحار 87: 339/ 19.
هل هو بالكشف أو التعريف***أو هو بالإرشاد و التوصيف؟
أو هو دلّ الناس بالدّليل***لخلقه فالخلق كالتّعليل
و أنّه هل هو بالكشف؟ و لأجل أنّ ذاته صارت مكشوفة عنده بناء على جوازه و صحّته، أو بالتّعريف؛ اى لأجل أنّه تعالى عرّفه نفسه بالهام خاصّ؛ كما يأتى هنا تصريح منه (ع) به؛ و كما قال (ع): «اعرفه بما عرّفنى به نفسه.» (1)، أو هو بالإرشاد و التوصيف؛ اى أنّه ارشده الى نفسه و وصف نفسه بلسان اهل وحيه.
و الحاصل: أنّ الّذي تدلّ عليه هذه العبارة أنّه تعالى دلّ بذاته على ذاته، و امّا أنّه كيف دلّ بذاته على ذاته؟ فيحتمل وجوها أربعة، هذه ثلاثة؛
و الرابع: ما قلت: أو هو دلّ النّاس بالدّليل؛ كما قال (ع): «هو الدال بالدليل عليه»؛ اى هو الّذي أقام الدليل على نفسه، و هو أوّل من استدلّ على نفسه، و برهن عليه لا قولا بل عملا؛ و ذلك لخلقه الخلق، فالخلق بنفسه كالتّعليل؛ كما قال (ع):
جعل الخلق دليلا عليه، فكشف به عن ربوبيّته.» (2)
و الأقرب من هذه المحتملات الأربع، هما الأخيران؛ لأنّه كلام ملقى الى العامّة، و يطلب من العموم ان يدعوا بهذا الدعاء، فلا بدّ ان يراد معنى يصحّ من كلّ داع ان يدعو به و ينشأه من نفسه.
و الأوّلان معنيان مخصوصان بشخص قائله؛ اعنى امير المؤمنين (ع)، فإنّه هو الّذي كشف اللّه تعالى له ذاته بزعمهم على فرض صحّته و امكانه، و هو الّذي عرّفه نفسه و ألهمه بمعرفة نفسه، و لا معنى لأن يدعوا الداعى بشيء لم يعقله أو لم يحصّله.
ثمّ إن حمل هذه الجملة على الكشف، مبنى على مرين:
احدهما: جعل الذات بمعنى الحقيقة و الهويّة، لا بمعنى النّفس، و هذا ليس فيه كثير اشكال ليشوع استعماله فيهما، يقال: ذاته؛ اى حقيقته، و يقال: ذاته؛ اى نفسه، الّا أن إرادة الأولى مبنيّة على امكان الوصول إليها، و هو أوّل الكلام؛ و بنفس هذه العبارة الّتي تحتملها معا، لا يمكن حملها عليها من دون قرينة.
ثانيهما: جعل قوله (ع): «دلّ» لازما، فيقال: كيف يدلّ ذاته على ذاته من غير6.
بك عرفتك و لو لا أنت لم***أدر نظيره يخصّ أو يعمّ
و الباء لاستعانة أو للسّبب***و الكشف لو صحّ فمن أين وجب
كشف؟ و هذا على حسب المتفاهم عند المتعرّبين من الفرس، و ليس من المتفاهم عند اهل اللسان، فإنّهم لا يستعملونه إلّا متعدّيا، يقولون: دلّنى على كذا أو دللته عليه؛ قال زين العابدين (ع): «و انت دللتنى عليك.» (1)و الدلالة عندهم، يحتاج الى دالّ و مدلول له و مدلول عليه، و لو لم يذكر المدلول له في الكلام، فهو مراد في التقدير، و حذف ما يعلم جائز، و قوله (ع): «يا من دلّ على ذاته»، فى تقدير: يا من دلّنى على ذاته. و حينئذ، فلو اريد به الكشف مع كون المراد بالذات الحقيقة، فلا يخلو إمّا ان يجعل «دلّ» كناية عن الكشف، فيكون المعنى يا من كشف عليّ ذاته، او يجعل الكشف من ملزومه من دون تعرّف في اللفظ؛ يعنى، أنّ لازم كونه دالّا على هويّته الكشف؛ و على اىّ التقديرين، يكون قوله: «بذاته»، قيدا، مستدركا، اذ كونه كاشفا عن حقيقة ذاته، او دالّا على هويّة ذاته، لا يمكن ان يكون بغير ذاته، فيكون التصريح به لغوا. فهذا يؤيّد أنّ المراد بالذّات في الموضعين نفسه، و المعنى أنّه دلّ أو دلّنى على نفسه بنفسه؛ اى هدى الى نفسه بنفسه؛ اى لا بواسطة غيره، و هذا المعنى لا يلازم الكشف كما ذكرنا.
و ممّا يمكن ان يستشهد به، او لعلّه استشهد به، قول زين العابدين (ع) فى دعائه المعروف بدعاء ابى حمزة الثمالى: «بك عرفتك و انت دللتنى عليك، و لو لا انت لم ادر ما انت ...»(2)، و قد اشرت الى الجواب عنه بقولى: بك عرفتك، و لو لا أنت، لم أدر ما انت، فهو أيضا نظيره؛ اى نظير كلام امير المؤمنين (ع)، فإمّا انّه يخصّ في معناه بحمله على معرفة خاصّة و دلالة خاصّة تخصّ بامثاله (ع) من الإلهام الخاصّ و الوحى الخاصّ، من غير استلزام كشف الذات، كما قلنا؛ أو يعمّ بإرادة المعرفة و الدلالة العامّة منه، الّتي هى بالآيات و الآثار و البيان و التوصيف على لسان أهل وحيه.
و الباء في قوله (ع): «بك عرفتك»، لاستعانة، كما هو الظاهر، أو للسّبب على
و ما عن ابن حازم فعّله***ناظرة غالي أو مشبّه
احتمال غير بعيد، و هما لا يدلّان إلّا على أنّه تعالى هو المعين أو المسبّب لمعرفته، و امّا أنّ المعرفة كيف كانت و بايّ وجه حصلت، هل بوجوده؛ او هى بذاته أو بصفاته؟
و انّ الدلالة كيف كانت، هل هى باراءة الذات بالذّات، و بنور العظمة أو بالآيات او بالبيان و التوصيف مع البيّنات؟ فلا صراحة له بشيء من ذلك، فلا بدّ من حمله على ما هو اصوب الى مذاق قائله، و الكشف لو صحّ في نفسه، و لم يقم دليل على بطلانه، فهو أيضا من احدى المحتملات، فمن أين وجب حمل الكلام عليه، و ارادته بالخصوص منه دون غيره، مع تساوى المحتملات؟ بل الأدلّة المتقدّمة دلّت صريحة على أنّه ليس من مذهب اهل البيت (ع)، فحمل الكلام على غيره واجب للقرينة الخارجيّة.
و ممّا استشهد به أيضا ما في الكافى، «باب أنّه لا يعرف إلّا به»، عن منصور بن حازم، قال: قلت لأبى عبد اللّه (ع): إنّى ناظرت قوما، فقلت لهم: إنّ اللّه اكرم و اجلّ من ان يعرف بخلقه، بل العباد يعرفون باللّه، فقال (ع): رحمك اللّه!» (1)
و قد قلت في جوابه: و ما عن ابن حازم فعّله ناظره غالي أو مشبّه، اذ لم يعلم من كان المناظر له؟ و الاستشهاد مبنىّ على ان يكون المناظر من اهل الحقّ، و كانت المناظرة في الذات، و أنّ اللّه تعالى هل يعرف بالذّات؟ او بالخلق و الآيات؟ و اذا كان الأوّل، فلا سبيل إليه إلّا الكشف، لامتناع الرؤية، و مع الجهل بحال المناظرة و المناظر له، يقع الاحتمال فيبطل عن الاستدلال، فإنّ الاحتمالات في الحديث من جهات الأولى، من حيث جهة المناظرة، فيحتمل ان تكون المناظرة في معرفة الوجود؛ اى فى محض الأثبات، او في معرفة الذات، او في خصوص الصفات؛ و الاوّل، لا يصحّ بالاتفاق، اذ لا معنى لكونه تعالى اجلّ من ان يعرف بخلقه، بل عندهم (ع) لا يعرف الّا بخلقه، و قد تقدّم؛ و الثانى، أوّل الكلام في صحّته و امكانه؛ و الثالث، مقتضى مذهبهم (ع) على ما تقدّم تفصيله، فيكون المعنى أنّه تعالى اجلّ من ان يعرف
1) . البحار 3: 270/ 6.
بتوصيف خلقه و تعريفه.
الثانية: من جهة المناظر له، فيحتمل ان يكون من اهل الحق على ان تكون المناظرة في الصفات خاصّة، او في الذات أيضا عند المدّعى، لا في الأثبات لما عرفت، و ان يكون من الغلاة و من كان من امثالهم، من الحشويّة المقلّدة على ان تكون المناظرة مطلقة أو في خصوص الوجود، فإنّ منهم من يجعل الإمام اصلا في كلّ شيء. فلعلّ فيهم من يقدّم معرفة الإمام على معرفة اللّه فيجعل اثباته تبعا لثبوته. و ان يكون من المشبّهة على ان تكون المناظرة في ما عدا الوجود، فيكون معنى قول منصور: «اجلّ من ان يعرف بخلقه» أنّه اجلّ من ان يعرف بالتّشبيه بخلقه.
الثالثة: من جهة متن الحديث، فإنّ قوله: «يعرفون»، يمكن ان يقرأ مجهولا و معلوما؛ كما احتمله المجلسى (ره)، و كلاهما يناسبان مع كون المناظرة مع الغلاة بإرادة الأئمّة (ع) من الخلق و العباد، فيكون المعنى أنّ اللّه لا يعرف وجوده بالإمام، بل الإمام يعرّف به؛ اى يعرف إمامته به، او الإمام يعرف به؛ اى يعرف ما يعرف بالهامه علّامه، و لا يناسب شيء منهما مع كون الكلام مع المشبّهة إلّا بقطع هذه الجملة؛ اعنى قوله: «بل العباد ...» عن الجملة الأولى، و جعلها جملة تطفليّة، اراد بها اعلام امر زائد من نفسه، فيناسبه قراءة المعلوم. سواء اراد بالعباد الخلق أو العباد الخاصّ، و المعنى: أنّ الخلق يعرفون به ما يعرفون.
و امّا ان كانت المناظرة مع اهل الحقّ، فالمناسب لها قراءة المعلوم مع فرض المناظرة فيما عدا الوجود؛ و المعنى: أنّ اللّه تعالى لا يعرف ذاتا و صفة بتوصيف الخلق و تعريفهم لجهلهم به، بل العباد مطلقا أو العباد الخاصّ إنّما يعرفونه به؛ اى بتوصيفه: إمّا توصيف الذات مثل ان يقول: «ليس كمثله شيء»(1)و «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ» و «لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» (2)و «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» (3)و امّا توصيفه وصفا، مثل ان يقول له مشيّة و قدر و قضاء و سخط و رضا و محبّة و كراهة و غير ذلك. و هذا الحديث ممّا يدلّ على التوقيف في التوصيف؛ كما قلت:3.
أو سوقه التوقيف في التوصيف له***ذاتا و وصفا جلّ من أن نعقله
و لا يجلّ ربّنا أن يعرفا***بخلقه بل جلّ من أن يوصفا
كذا عرفوا باللّه توقيف الصفة***يعنى صفوه بالذّي قد وصفه
أو سوقه التوقيف في التوصيف له، ذاتا و وصفا، اذ جلّ من أن نعقله في شيء منها، و لا يجلّ ربّنا أن يعرفا عرفانا علميّا؛ يعنى، وجودا و اثباتا بخلقه، بل جلّ من أن يوصفا ذاتا و صفة. و مع وجود هذه الاحتمالات و عدم تعيّن احدى المحتملات، لا يبقى للخصم مجال للاستدلال، هذا. و قد روى الكلينى (ره) أيضا في كتاب الحجّة، باب الاضطرار الى الحجّة، عن منصور بن حازم، قال: قلت لابى عبد اللّه (ع): إنّ اللّه اجلّ و اكرم من ان يعرف بخلقه، بل الخلق يعرفون باللّه قال (ع): صدقت، قلت: إن من عرف انّ له ربّا فينبغى له ان يعرف انّ لذلك الربّ رضا و سخطا و انّه لا يعرف رضاه و سخطه إلّا بوحى أو رسول، فمن لم يأته الوحى، فقد ينبغى له ان يطلب الرسل، فاذا لقيهم عرف انّهم الحجّة و انّ لهم الطاعة المفترضة.» و الحديث طويل و في آخره، فقال (ع): «رحمك اللّه!» (1).
و ليس هنا «انّى ناظرت قوما»، و لعلّهما حديثان، او الاول بعض من الثانى.
و كيف كان، لا يبعد استيناس ما حملناه عليه، من التوقيف في التوصيف، من قوله في هذا الحديث، قلت: ان من عرف انّ له ربّا ... بعد قوله الأوّل.
و ممّا استشهد به أيضا ما في الكافى، «باب أنّه لا يعرف إلّا به»، عن الفضل بن السكن، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال:
«قال امير المؤمنين (ع): اعرفوا اللّه باللّه، و الرسول بالرسالة، و اولى الأمر بالمعروف و العدل و الاحسان.» (2)
وجه الدلالة، أنّه لا يعرف اللّه باللّه إلّا بالكشف، و قد قلت في جوابه: كذا عرفوا باللّه، يراد به توقيف الصفة؛ اى توصيفه ذاتا و صفة، فهو (ع)؛ يعنى به ان صفوه بالذّي قد وصفه و بيّنه ذاتا و صفة. و على هذا، يكون الحديث من اخبار الباب المتقدّم، أنّ المعرفة بالبيان لا بالاكتساب، و ليس المراد اعرفوا وجوده أو ذاته بذاته. و ان ابيت،
و الأمر و العموم شاهدان له***إذ ليس للجميع تلك المنزلة
أو اعرفوه بالدّليل المرشد***وزان ما عرفته بأحمد
فالكلام فيه كالكلام في غيره، من أنّه مع الغضّ عن امتناعه و فرض امكانه، لا شاهد على تعيّنه و اتّباعه؛ و مع طروّ الاحتمال، يسقط عن الاستدلال، بل هو اظهر من غيره فى المعنى الّذي قلناه، من التوقيف لوجود الشاهد؛ كما قلت:
و الأمر و العموم، حيث امر الجميع بذلك، شاهدان له؛ اى للتوقيف، إذ ليس للجميع تلك المنزلة؛ اى البلوغ الى الكشف الّذي يدعونه، و الأمر أيضا يستدعى الطاقة، مع انّ الايجاب مخالف لما علم من مذهبهم من جواز الاكتفاء بدونه، و ما ورد عنهم (ع) من حقّ المعرفة و ادناها. و حيث إنّ الكشف لا يقبل الإيجاب لعدم الاتّساع و ان لم نقل بالامتناع، و لا محيص عن حمل الأمر في الحديث على ما ذكر، او على معنى أنكم لا تتكلّموا في معرفة اللّه ثبوتا على التقليد، و لو من النّبي و الإمام (ع)؛ كما قلت:
أو ان معناه اعرفوه ثبوتا بالدّليل المرشد من العقل، فهذا الحديث وزان ما عرفته بأحمد، اشارة الى قوله (ع) فى حديث الجاثليق، الّذي سأله: اخبرنى: عرفت اللّه بمحمّد أم عرفت محمّدا باللّه؟ فقال (ع):
«ما عرفت اللّه- عزّ و جلّ- بمحمّد و لكن عرفت محمّدا باللّه- عزّ و جلّ، حين خلقه و احدث فيه الحدود من طول و عرض، فعرفت أنّه مدبّر، مصنوع باستدلال و إلهام منه؛ كما الهم الملائكة طاعته، و عرّفهم نفسه بلا شبه و كيف.» (1)
و قوله (ع): «باستدلال ...» إمّا ان اراد أن كلّ ذلك باستدلال؛ اى معرفة محمّد (ص) باللّه و معرفة اللّه بغير محمّد (ص)، او اراد خصوص معرفة محمّد (ص)؛ و على كلّ حال، يظهر من بيانه (ع) أنّ معرفته (ع) باللّه لم يكن بالتقليد، و الأوّل كالنّص فى عدم الكشف، و الثانى ظاهر عندنا أيضا فيه، و مبهم عند مدّعيه لعدم التصريح،9.
1) . البحار 3: 272/ 9.
أو اعرفوه و اعرفوا رسوله***وليّه كلّا بما الشّأن له
و ما رأى النّبيّ ليلا، أكرمه***بقلبه فذاك نور العظمة
بما أحبّ منه لا الذات الصمد***إذ لا تجزّى ذاته و لا تحدّ
فلا شاهد له فيه؛ او أنّ المراد، المعرفة الشأنيّة؛ يعنى، اعرفوه و اعرفوا رسوله و وليّه كلّا بما هو الشأن له؛ يعنى، اعرفوا شأن كلّ منهم و اعرفوه بشأنه، فعاملوا مع كلّ بما يقتضي شأنه، فاعرفوا اللّه باللّه؛ اى بالألوهيّة، فلا تتّخذوا سواه ربّا و معبودا، فاعبدوا اللّه و لا تشركوا به شيئا؛ و اعرفوا الرسول بالرسالة، و ما محمّد (ص) إلّا رسول، فلا تقولوا فيه فوق ذلك، و لا تغلوا فيه، و لا تقولوا إنّه حىّ لم يمت مثلا؛ و اعرفوا الإمام بالمعروف و العدل و الإحسان، فلا تطلبوا منه وراء ذلك، و هذا الوجه من جهة المقابلة اوفق.
و ممّا استشهد به أيضا، ما تقدّم في تكذيب رؤية النّبي (ص) ليلة المعراج، عن البزنطى، عن الرضا (ع)، قال:
«قال رسول اللّه (ص): لمّا اسرى بى الى السّماء، بلغ بى جبرئيل مكانا لم يطأه جبرئيل قطّ، فكشف لى فارانى اللّه- عزّ و جلّ- من نور عظمته ما احب.» (1)
و عن يعقوب بن إسحاق، عن ابى محمّد (ع) كتابة، قال:
و سألته هل رأى رسول اللّه ربّه؟ فوقّع (ع): إنّ اللّه- تبارك و تعالى- ارى رسوله بقلبه من نور عظمته ما احبّ.» (2)
و الحديثان مع فرض تقييد الأوّل بالقلب، ظاهران في أنّ المرئى بقلبه (ص) إنّما هو نور العظمة، دون ذاته المكرمة. و العجب ممّن غفل عن ذلك، و استشهد به لكشف الذات!
و الى ما ذكر، اشرت بقولى: و ما رأى النّبيّ ليلا، أكرمه ربّه، فاسرى به، و كان ذلك بقلبه فذاك نور العظمة، اراه اللّه ايّاه بما أحبّ منه، لا الذات الصمد؛ كما صرّح به الحديثان، بل لا يعقل ان يكون المرئى ذاته مع التقدير «بما احبّ»، إذ لا تجزّى ذاته و لا تحدّ. فالتقدير «بما احبّ» بعد التصريح «بنور العظمة»، شاهد ثان على انّ
و لم يفد دعاء شعبان لنا***سوى كمال الانقطاع بيّنا
إنارة القلب و خرق الحجب***كناية عن قطع كلّ سبب
المرئي بالقلب لم تكن نفس الذات، تعالى اللّه عمّا تدلسه الاوهام علوّا كبيرا.
و ممّا استشهد به أيضا، جملة من دعاء شعبان الّذي روى أنّه كان امير المؤمنين و الأئمّة (ع) من بعده يدعون به، و هى هذه:
إلهى هب لى كمال الانقطاع أليك، و أنر ابصار قلوبنا بضياء نظرها أليك حتّى تخرق ابصار القلوب حجب النّور، فتصل الى معدن العظمة، و تصير ارواحنا معلّقة بعزّ قدسك ...»(1)
و قد قلت في الجواب عنه: و لم يفد دعاء شعبان لنا، سوى كمال الانقطاع بيّنا، الّذي طلبه أوّلا بالإجمال، و الباقى كلّه وصف لكمال الانقطاع و لوازم التوجه التام، فإنّما إنارة بصر القلب، و خرق ابصار القلوب الحجب، و وصولها الى معدن العظمة (2)
قلت: نعم، و لكن قوله (ع) «و تصير ارواحنا معلّقة بعزّ و قدسك» كالتفسير لخرق الأبصار و الوصول الى الذات المقدّسة، فيفيد أنّه لا يريد بخرقها و الوصول إلّا تعلّق الأرواح به تعالى خاصّة، و قد عبّر بمعدن العظمة، تأكيدا لهذا المراد؛ يعنى، أنّ الأرواح لا تتوقّف دون ما يرى من آثار العظمة كالعرش و الكرسى و غيرهما من الحجب، بل تتجاوزها فلا تتعلّق إلّا بصاحب العظمة و معدنها.
، و تعلّق الأرواح بعزّ قدسه تعالى كلّها، كناية عن قطع كلّ سبب و التوجّه التام الخالص إليه تعالى؛ و اين هذا من انكشاف الذات المقدّسة للقلوب المحدودة؟و ممّا استشهد به أيضا ما في المناجاة الثامنة من المناجاة الخمس عشرة، المنسوبة الى زين العابدين (ع)، و فيها:
إلهى! فاسلك بنا سبل الوصول أليك، و سيّرنا في اقرب الطرق الموفود عليك ...» الى ان قال: «فانت مرادى، و لك لا لسواك سهرى و سهادى، و لقاؤك قرّة عينى، و وصلك منى نفسى، و أليك شوقى، و في محبّتك ولهى، و الى هواك صبابتى، و رضاك
أمّا المناجاة فما لها سند***بل أثر الوضع يرى أولو الرشد
لما على غير الفصيح حاوية***و لهجة الصوفيّ منها بادية
بغيتى، و رؤيتك حاجتى.» (1)
و الظاهر، أن نظر المستدلّ الى الضمائر الخطابيّة في أليك و عليك و أنت و غيرها بحملها على الإشارة الى نفس الذات، لا الى اللقاء و الرؤية المذكورين فيها، لبداهة عدم اختصاص هذا الدعاء بهما، لكثرة ورودهما في القرآن و الأخبار و الأدعية، و وضوح حملها على لقاء الرحمة و رؤيتها.
و كيف كان، فقد اجبت عنها بقولى: أمّا المناجاة، فما لها سند، قال العلّامة المجلسى (قدس سره) فى كتاب الادعية في البحار: «وجدتها في بعض كتب اصحابنا مرويّة عن زين العابدين (ع).» بل أثر الوضع يرى أولو الرشد، لما كانت على غير الفصيح، حاوية في كثير ممّا تفرّدت به ممّا لا توجد اشباهه أو عينه في غيرها من الأدعية، بحيث إنّها اشبه بعبارات المتعرّبين المتكلّفين منها بعبارات سادة الفصحاء؛ و لهجة الصوفيّ و مشربه أيضا منها بادية، ظاهرة من كثير من جملاتها.
فلو اردت الإشارة الى جميع ما في الخمسة عشر لطال الكلام و لكن دونك بما فى الجملة المستشهد بها عبرة لغيرها.
فامّا غير الفصيح، فلفظة «و سيّرنا» و الفصيح، سر بنا؛ و لفظ الموفود، حيث جعله صفة للأقرب، ليوافق قوله الوصول في الأفراد و التذكير، و الفصيح «الموفودة»، بجعلها صفة للطرق؛ اذ الطريق هو الموفود، و هو غير فصيح أيضا من وجه آخر، فإنّ الموفود، هو المورود عليه و الطريق هو المسلوك لا الموفود؛ و لفظ صبابتى، فإنّه ليس هنا من مقام الصبابة، و لم يسمع بها من مسنّنى الدعاء و الإنابة؛ و كلمة «الى» في «الى هواك»، فإنّ الفصيح «و في هواك».
و امّا الاشتمال على مشرب التصوّف، فإنّ الوصول و السير و الصبابة، ممّا تلمع منه لهجة الصوفية، و في قوله: «و سيّرنا في اقرب الطرق ...» دلالة واضحة على مشربهم؛ فإنّهم يقولون بتعدّد الطرق، و يجعلون لها مراتب، فيكون بعضها اقرب من1.
1) . البحار 94: 147/ 21.
بعض، و يسمّون السلوك فيها سيرا، و المراتب حالات و منازل. و امّا عند المتشرّعة، فليس الطريق بعد الأيمان إلّا العمل بالاحكام، فليس فيها إلّا التمام و النقصان لا الاقربيّة و الابعديّة بالوصل و الهجران.
و ممّا استشهد به بعض المعاصرين لما جوّزه من الكشف الّذي زعمه أنّه غير كشف الصوفى، جملة من حديث طويل عن سدير، عن الصادق (ع)، ذكره في تحف العقول، و نقله عنه أيضا في البحار في المجلّد الخامس عشر. و الحديث في بادى النظر لا يخلو عن تشابه و اغلاق، و لذلك اوّله المجلسى (ره) الى معرفة الإمام الشاهد و الغائب، و لكنّه تأويل. و نحن نذكر الرواية بتمامها، و ان لم يذكر المستشهد سوى الجملة المقصودة منها بزعمه:
قال (ع): من زعم أنّه يعرف اللّه بتوهّم القلوب، فهو مشرك؛ و من زعم أنّه يعرف اللّه بالاسم دون المعنى، فقد اقرّ بالطعن، لأنّ الاسم محدث؛ و من زعم أنّه يعبد الاسم و المعنى، فقد جعل مع اللّه شريكا؛ و من زعم أنّه [المعنى] بالصفة لا بالإدراك، فقد احال على غائب؛ و من زعم أنّه يعبد الصفة و الموصوف، فقد ابطل التوحيد، لأنّ الصفة غير الموصوف؛ و من زعم أنّه يضيف الموصوف الى صفة، فقد صغّر الكبير [بالكبير خ] و ما قدروا اللّه حق قدره.
قيل له: فكيف السبيل الى التوحيد؟
قال (ع): باب البحث ممكن و طلب المخرج موجود، إنّ معرفة الشاهد قبل صفته، و معرفة صفة الغائب قبل عينه.
قيل: و كيف تعرف عين الشاهد قبل صفته؟ قال (ع): تعرفه و تعلم علمه، و تعرف نفسك به، و لا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، و تعلم أنّ ما فيه له و به؛ كما قالوا ليوسف (ع): ء إنّك لانت يوسف؟ قال: انا يوسف و هذا اخى. فعرفوه به و لم يعرفوه بغيره، و لا اثبتوه من انفسهم بتوهّم القلوب، أ ما ترى اللّه يقول:
(ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها)(1). يقول: ليس لكم ان تنصبوا
1) . نمل 27: 60.
و ما روى سدير غير مبهم***و النّاظر المشوب في توهّم
أريد فيه أنّ حقّ المعرفة***إدراكه تحقّقا قبل الصفة
يراه حاضرا بما قد دبّره***و الحقّ في الحاضر ان تستخبره
إماما من قبل انفسكم، تسمّونه محقّا بهوى انفسكم و ارادتكم.» (1)الحديث.
ذكر المستدلّ من قوله: «قيل: و كيف تعرف عين الشاهد» الى قوله: «بتوهّم القلوب» و لم يبيّن وجه الدلالة.
و اقول: اما تأويل المجلسى (ره)، فنظره الى قوله (ع): «أ ما ترى اللّه يقول»، و امّا المستدلّ للكشف، فقد وقع في الوهم من تشابه لفظ الشاهد و الاستشهاد بشهود اخوة يوسف ايّاه قبل معرفتهم له و تعريفه لهم.
و قد اشرت الى الجواب عنه، مع معنى الحديث و تفسيره بقولى: و ما روى سدير غير مبهم في نفسه، و إنّما النّاظر المشوب الذهن في توهّم منه، فتوهّم منه خلاف الحقّ، و ذلك من قلّة التأمل و التسرع في الاستظهار، و إنّما أريد فيه أنّ حقّ المعرفة و صدقها تحقّقا و واقعا، لا ادّعاء أو نفاقا أو تقليدا، الّذي يصحّح العبادة و يخرجه عن الإحالة على الغائب الّتي اشار (ع) إليها، إنّما هو إدراكه تحقّقا؛ اى ادراكا تحقيقيّا علميّا في نفسه قبل الصفة؛ اى قبل ان يصفه من قبل نفسه؛ فإنّ دعوى المعرفة قد تكون كاذبة، و هى الّتي لم تكن عن اعتقاد القلب و اذعانه بالربّ، و أخرى صادقة، و حقّ المعرفة الصادقة ان يدرك الرب قبل التوصيف، ادراكا اجماليّا تحقيقيّا علميّا؛ اى يذعن بثبوته و ربوبيّته، و حينئذ يراه حاضرا، شاهدا بمحض الأثبات، و ان لم يصفه بعد بوصف.
و هذا الحضور بمحض الأثبات إنّما يعلمه و يعرفه بما قد دبّره؛ يعنى، بالنظر الى تدبيره ايّاه و مصنوعيّته؛ كما بيّن الصادق (ع) لابن ابى العوجاء في محاجّته، حيث قال: ذكرت اللّه، فاحلت على الغائب، فقال (ع):
«ويلك- كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد، و إليهم اقرب
1) . البحار 68: 276/ 31.
إذ يعرف الحاضر باستعلام***و يوصف الغائب بالأوهام
فليقفن في وصفه بما وصف***كيلا يرى ربّا بوهمه عرف
كما بدا من يوسف و إخوته***لولاه ما اهتدوا الى معرفته
فبعد ما ايقن لا مخرج له***فى الوصف لو لا وصفه فرّج له
من حبل الوريد، يسمع كلامهم، و يرى اشخاصهم، و يعلم اسرارهم.» (1)
و قال (ع) فى محاجّته الأخرى:
«كيف احتجب عنك من اراك قدرته في نفسك نشئوك و لم تكن، و ما زال يعدّ عليّ قدرته الّتي هى في نفسى ممّا لم استطع انكاره، حتّى ظننت أنّه سيظهر فيما بينى و بينه.» (2)
و إليه اشار (ع) فى هذا الحديث بقوله: «و تعرف نفسك به ...»، فاذا ثبت عنده بالتدبير حضوره قبل ان يعرفه بالوصف، فالواجب و الحقّ في الحاضر الشاهد بعد علمه بحضوره، ان تستخبره نفسه في اوصافه، فيعرفه بشئونه؛ إذ يعرف الحاضر باستعلام منه مع امكانه، و لا معنى لتعريفه و توصيفه بالوهم، و إنّما يوصف الغائب بالأوهام، لعدم التمكن من الاستعلام. فمن اراد معرفة الرب معرفة حقّة، فليقفن في وصفه بعد علمه بحضوره بما وصف هو تعالى نفسه، و لا يسبقه في التوصيف كيلا يرى ربّا لنفسه، و هو بوهمه عرف ايّاه، فيكون ربّا مصنوعا لوهمه، كما بدا ذلك؛ اى الاستعلام في معرفة الحاضر، و تعريف الحاضر نفسه من يوسف (ع) و إخوته، فإنّه لو لاه؛ اى لو لا يوسف و تعريفه نفسه، ما اهتدوا؛ يعنى، اخوّته الى معرفته، و المقصود من التمثيل محض. أنّ العلم بالحضور، كالحضور المشهود بالعين لا يستلزم المعرفة من دون التعريف، و انّ الحضور لا يغنى عن الاستعلام، و الاستغناء عنه يوجب الوقوع فى الأوهام.
فبعد ما ايقن العارف به على الإجمال، بانّه موجود حاضر مدبر له، لا مخرج له فى الوصف؛ الى توصيفه تعالى لو لا ان يكون وصفه تعالى، فرّج له؛ كما اشار (ع) إليه، و ذلك لأنّه إنّما يتكلّم على الغائب، و امّا الحاضر فلا يتكلّم عنه إلّا نفسه.8.
فلم يرد شهود قلب الصادق***للذّات بل شهوده التحققىّ
فمورد الحديث في التوقيف***و أوجب التوقيف في التوصيف
إن صحّ وسع قلب مؤمن له***كان بأن يطيق ما حمّله
و على هذا الّذي شرحنا معنى الحديث، فلم يرد الإمام (ع) من تقرير معرفة عين الشاهد قبل صفته، شهود قلب الصادق للذّات، اى لذاته تعالى قبل معرفة وصفه، و كيف يريد ذلك؟ مع أنّه (ع) يصف المعرفة المطلوبة من الجميع، و ليس هذا الشهود ممّا يتمكّن منه عامّة النّاس، لو فرض تمكّن الخاصّ منه؛ أم كيف يجوز ان يحمل على إرادة نفسه و من هو مثله بعد عموم السؤال في كلام السائل، و هو (ع) مجيب عن هذا القائل؟ بل إنّما اراد شهوده التحققىّ العلمى؛ يعنى، أنّه بمقتضى علمه به و ايقانه بتدبيره، يراه حاضرا غير غائب، فعليه ان يستخبره في تعريف نفسه بما له من الوصف، لا ان يصفه بوهمه و يقول فيه بتوهّمه، و لكنّه لمّا كان حاضرا غير محسوس، و لا يمكن الاستخبار لكلّ احد، اذ لم يجعل لكلّ احد إليه سبيلا، بل بعث الرسل ليكونوا إليه دليلا؛ فلا بدّ له من ان يرجع في ذلك الى اهل وحيه، و لمّا لم يرد (ع) ان يصرّح بأنّه من هو استشهد بتأويل قوله تعالى:( ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ...)(1)ايماء بأنّ الإمام هو المرجع بعد الرسل، فمورد الحديث على ما ظهر لك في التوقيف عن التوصيف؛ اى وصف ذاته أو صفاته، و هو ابين و اتمّ احاديثه شرحا و تعليلا على ما بيّناه، و قد أوجب هذا الحديث التوقيف في التوصيف.
و ممّا استشهد به أيضا، ما في بعض الاحاديث القدسية «لا يسعنى ارضى و لا سمائى، و لكن يسعنى قلب عبدى المؤمن.» (2)
و الجواب عنه: أنّه إن صحّ وسع قلب مؤمن له؛ اى صحّ سند هذا الكلام، كان وسعه بأن يطيق ما حمّله تعالى في الأيمان به و معرفته، و بعد معرفته من تحمّل الولاية و غيرها، فإنّ الأرض و السّماء مع كبرها و سعتها لا تحتملان كثيرا من الأمور؛ كما اشار إليه بقوله تعالى:( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ ...)(3)فالمراد بما حمله، اعمّ من
لو كشف الغطاء للحشر و مع***إرادة الذات فبعد لم يقع
لو قال ما رأيت شيئا أخبرا***أن ليس عنه غافلا فيما يرى
الطاعة و الانقياد و الامانة و المعرفة و الأسرار و البلاء؛ و التجلّى الذاتى لو كان معقولا و ممكنا في نفسه، فهو أيضا احد التحميلات المحتملة، و لا صراحة له فيه، فلا مجال فيه للاستدلال.
و ممّا استشهد به أيضا، ما روى عن امير المؤمنين (ع)، أنّه قال: «لو كشف الغطاء، ما ازددت يقينا.» (1)
و الجواب، ما قلت: لو كشف الغطاء للحشر؛ يعنى، أنّه (ع) يخبر بذلك عن شدّة ايمانه و ايقانه بالقيامة و اهوالها، و ما وعد اللّه فيها من جنانها و نيرانها، بحيث إنّه لو وقعت الواقعة، لم يزد وقوعها على يقينه شيئا، فإنّ العيان إنّما يزيد في الايقان بالنسبة الى اهل الشكّ و الإنكار و ضعفاء الأيمان.
و ما قيل: من أنّه ليس العلم كالعيان، فانّما ذلك من حيث التوابع و الآثار لا من حيث ازدياد الإيقان، و مع فرض إرادة الذات، اى مع فرض التسليم أنّه (ع) اراد كشف ذاته تعالى، فبعد لم يقع منه هذا الكشف لأنّ «لو» تدلّ على عدم وقوع شرطه، فهو (ع) يخبر بقوله «لو كشف الغطاء» أنّه لم يكشف له بعد؛ و هذا على ضرر الخصم اتمّ من نفعه، لأنّ مثله (ع) اذا لم يكشف له و لم ينل هذا المقام المتوهّم، فمن يجرى له ذلك؟ هيهات! (إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )(2)،( أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى )على أنّه لو فرض إرادة كشف الذات، فهو (ع) أيضا يخبر عن شدّة ايقانه؛ يعنى، أنّه لو كشف عن الذات على فرض المحال، ما زاد في يقينى شيء.
و استشهد أيضا بما نسب إليه (ع) انّه قال: «ما رأيت شيئا إلّا و قد رأيت اللّه قبله و بعده و معه أو قبله و معه.» (3)
و الجواب عنه، ما قلت: لو قال و صحّ عنه (ع) هذا القول: «ما رأيت شيئا ...»، فهو (ع) أخبر بذلك أن ليس عنه تعالى غافلا فيما يرى، فهو يحكى عن كمال توجّهه (ع) و انقطاعه إليه، بحيث لا يشغله شيء عنه، و لا يلهيه حسن ما يرى أو قبحه،
أمّا التجلّى فهو إظهار الجلاء***عن نفسه بآية فيجتلى
علما و قدرة و قهرا و العظم***و هو على نوعين ما خصّ و عمّ
عن التوجه الى صانعه و بارئه، و ليس المراد برؤيته تعالى مع كلّ شيء انكشاف ذاته تعالى لديه عند النظر الى كلّ شيء. و ربما يتوّهم دلالته على وحدة الوجود، اذ ليس شيء إلّا حقيقته الوجود، فهو ناظر الى حقائق الأشياء. و هذا أيضا مثله في أنّه ناش عن الاعوجاج.
و ممّا استشهد به أيضا، ما ورد في القرآن و الروايات من لفظ «التجلّى»، و لكنّه من المغالطة في المعنى بحمله على ما اصطلحوا عليه، و قد اشرت الى حقيقته عند اهل البيت (ع) و ما اصطلحت عليه الصوفيّة:
أمّا التجلّى، فهو في اللغة، إظهار الجلاء عن الخفاء، لأنّ التفعل للإظهار، يقال: تحلّم؛ اى اظهر الحلم، و تكبّر؛ اى اظهر الكبر؛ و هو في اللّه تعالى عندهم (ع) اظهار الجلاء عن نفسه بآية من آياته لا بنفسه، لأنّ التجلّى من غيره تعالى اظهار نفسه:
امّا بوجهه و بدنه، او بعلامة من علاماته.
و لمّا كانت رؤيته تعالى مستحيلة، لم يحتمل التجلى في حقّه تعالى إلّا بآياته، سواء فرض تجلّيه للقلوب أم للأبصار؛ فيجتلى(1)للعقول و القلوب و ان كان التجلى بالمبصرات، اذ لا جلاء إلّا عند العقول، علما و قدرة و قهرا و العظم، فانّ آياته تعالى مختلفة:
فمنها ما هى آية العلم؛ و منها: آية القدرة؛ و آية القهر؛ و آية العظمة؛ فباىّ آية تجلّى به تعالى، ينجلى شأن من شئونه، فينجلى هو عند المتجلى له بذلك الشأن، فإذا تجلّى مثلا بآية من آيات القهر و العظمة، فمعنى تجلّيه بها أنّه اظهر قهره و عظمته، و اظهر ما يدلّ على قهره و عظمته، فاظهر بذلك نفسه في قهره و عظمته.
و هو؛ اى التجلّى، على نوعين:
ما خصّ و عمّ؛ اى منه: ما هو بشيء خاصّ، لشخص خاصّ، او لقوم خاصّ؛
1) . قال في المجمع: «جلوت العروس جلوة و جلاء و مثلها اجتليتها.
فالخاصّ مثل ما تجلّى للجبل***بنور أو قرأنه لمن عقل
و العامّ في الأشياء كلّا للنّهى***إذ آية الصنع له في كلّها
فقد تجلّى لا برؤية البصر***و لا بذاته على قلب بشر
و غالطت في وصفه المنحرفة***فهو لهم ظهور ذات أو صفة
فى العين كالأشياء كلّ مظهر***لذاته و وصفه أو يظهر
فى قلب فان كامل في ذاته***و دونه الفناء في صفاته
ثمّ بالأفعال و بالآثار***قد يتجلّى الذات للأبصار
و منه: ما هو بالعموم و اللعموم، فالخاصّ مثل ما تجلّى للجبل بنور من انواره؛ كما قال الصادق (ع) في الحديث المتقدّم في الرؤية عن معاوية بن وهب: «و انّما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج في سم الخياط.»(1)و قول الرضا (ع) للمأمون: «فلمّا تجلّى ربّه للجبل بآياته جعله دكّا.»(2)و مثله تجلّيه تعالى لنبيه (ص) ليلة المعراج؛ كما قال (ص) فى الحديث المتقدّم قريبا: «فكشف لى، فارانى اللّه من نور عظمته ما احبّ.» (3)
و هذا من التجلّى الخاصّ لشخص خاصّ، أو قرأنه؛ اى مثل ما تجلّى بقرآنه لمن عقل، فإنّه لا يعقله إلّا العالمون، ففى الحديث: «إنّ اللّه تعالى تجلّى لعباده في كتابه.» (4)و هذا من التجلّى الخاصّ لقوم خاصّ.
و التجلّى العامّ في الأشياء، كلّا، للنّهى كلّا، اذ ما من شيء إلّا و هو آية له؛ كما قلت: إذ آية الصنع له موجود في كلّها، فهو متجلّ بها لخلقه؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «لم تحط به الأوهام، بل تجلّى لها بها.» (5)اى بالأشياء، و قال (ع) أيضا:
«بها [اى بالأشياء] تجلّى صانعها للعقول.» (6)و في النهج قال (ع) «الحمد للّه المتجلى لخلقه بخلقه و الظاهر لقلوبهم بحجّته.» (7)و قال الرضا (ع) فى خطبته: «بها تجلّى صانعها للعقول.» (8)
فقد انقدح من جميع ما ذكر، أنّه تعالى تجلّى في جميع تجلّياته، لا برؤية3.
البصر، و لا بذاته على قلب بشر، و لا يستلزم التجلّى شيئا من ذلك، و لو مع عدم امتناعهما في ذاتهما، لما انقدح ان تجلّيه تعالى دائما، ليس إلّا بفعله لا بذاته و لا بصفته، لكنّه ينجلى بتجلّيه بفعله وجودا و صفة و فعلا؛ و لكن غالطت في وصفه و تعريفه، الصوفيّة المنحرفة، فوصفوه و عرفوه بغير ما هو حقيقته و معناه، فهو اى التجلّى لهم اى لديهم نوعان، تجلّى في العين، و يسمّونه «التجلّى الوجودى» و هو بسط وجوده على هياكل الموجودات، و تجلّ في قلب العارف، و يسمّونه «التجلّى الشهودى».
و الأوّل: ظهور ذات أو صفة؛ اى ظهور ذاته أو صفته، او ظهوره بذاته أو بصفته فى العين، و ذلك كالأشياء جميعها، و كلّ مظهر لذاته و وصفه، فذواتها مظهر لذاته، اذ لا تذوّت لها بالوجود و لا حقيقة للوجود إلّا اللّه؛ و اوصافها مظهر لصفاته، فبعضها مظهر لقدرته و بعضها مظهر لرحمته، حتّى أنّ الشيطان مظهر لقهره. و على هذا القياس و بهذا الاعتبار أيضا، يقال: إنّها مظاهر اسمائه، و الإنسان الكامل عندهم المظهر الأتمّ ذاتا و صفة.
و الثاني؛ اى التجلّى الشهودى ما اشرت إليه بقولى: أو يظهر في قلب فان كامل، قد فنى في ذاته فيظهر له بذاته، و هذا النوع مخصوص عندهم بالكمّلين، و لذلك قيّدت الفانى بالكامل. فإنّ التجلّى الشهودى عندهم على أربعة انواع على حسب مراتب السالكين في الكمال، او على حسب مراتب التجليات في الجمال و الجلال:
فالنّوع الأوّل: التجلى الذاتى، و هو ان يظهر ذاته المجرّدة؛ اعنى الوجود المطلق من جميع الإضافات، حتّى عن حجاب الأسماء و الصفات على قلب العارف الكامل الفانى، الّذي قد تجرّد بفنائه في الذات، كذلك عن جميع الاضافات.
و دونه الفناء في صفاته، و هو النّوع الثانى: الّذي يتلوه في الكمال، و هو ان يظهر عليه في حجاب احدى الصفات الذاتيّة، و هو للسّالك الّذي بلغ بتجرّده و فنائه الى حدّ الصفات، ثمّ بالأفعال.
و دون ذلك التجلى بالأفعال، و هو النّوع الثالث: و هو ان يتجلّى له بفعل من افعاله؛ كالخالقيّة و الرازقيّة مثلا، و ذلك للسالك الفانى في افعاله، و هو الّذي قد تجرّد عن المظاهر كلّها الى حدّ الفعل، فلا يرى فعلا إلّا فعله من حسن أو قبيح و من خير أو شرّ.
و بالآثار قد يتجلّى الذات للأبصار، هذا هو النّوع الرابع، و يسمّونه «التجلّى
بالآثار»: و هو ان يتجلّى اللّه للسالك في صور الأشياء، و لا يكون إلّا بالفناء في المظاهر، بحيث لا يرى شيئا إلّا و يرى اللّه مصوّرا به.
و هذه الأنواع الأربعة، انواع الكشف أيضا، اذ التجلّى عندهم، يرادف الكشف، و كلّها عندهم من تجلّى الذات، الّا أنّ الأوّل تجلّى الذات بذاته، و الثانى بصفاته، و الثالث بافعاله، و الرابع بآثاره. فلا يذهب عليك أنّ التجلّى بالآثار الّذي يقولون، هو التجلي بالآيات الّتي عند اهل البيت (ع)، لأنّهم يقولون أنّه متجلّ بآثاره و في آثاره، لأنّ آثاره ليست إلّا هو، و هم (ع) يقولون: بأنّه غير خلقه و آياته، و إنّما يتجلّى بخلقهم و صنعهم لظهور صفاته بها؛ كظهور كلّ صانع من صنعه، و اين هذا من ذاك؟
ثمّ ايّاك أن تظنّ بهم أنّ هذا التنويع منهم متّخذ من واقع مشهود، كما يدعونه، أو شاهد من الكتاب و السّنة موجود، كما يموّهونه؛ فإنّ هذا الظنّ عند اللّه، من الظنّ السّوء عليهم، دائرة السوء، بل إنّما اتّخذوا ذلك بالنّظر فيما سمعوا بآذانهم، ثمّ وضعوا عليه مراتب السّلوك و الشّهود الّذي ابدعوه بحسبانهم؛ فإنّهم سمعوا ذاتا و صفة و فعلا و خلقا، و حسبوا أنّه لو كان شهودا، فلا بدّ تصوّرا ان يكون إمّا بذاته او صفته أو فعله أو في خلقه. و هيهات ان يشاهدوا ربّ العالمين! و انّما يشاهدون اوليائهم من الشّياطين! و إنّ الشياطين يتراءى على اعيانهم في الصور، و أخرى على قلوبهم على حسب ما اوقع في اوهامهم و اوردهم في الخطر!
من ذلك:
المعهود و المتعارف عند اهل الكلام بعد التكلم في الأثبات، التكلم في الصفات، ثمّ تنويعها الى الذاتيّة و الفعليّة، و الذاتيّة الى الثبوتيّة و السلبيّة، و عدّوا الثبوتيّة ثمانية، و السلبيّة سبعة، مع خلط بينهما عند التفصيل.
و حصرهما(1)فيما ذكر من غير دليل، و عدّ ما ليس بذاتيّ فيه كالإرادة و الكلام، بلا تعليل؛ و ليس التعويل في ذلك كلّه، الّا على تقليد الأشاعرة، او ارادوا النّظر فيما هم ذكروا، و بيان ما هو الصحيح و العليل. ثمّ صارت السّنة، جارية فيما بعد بهذا التقرير و التفصيل، و قد عدلت عن هذه السنّة بما ترى، فجعلت الكلام بعد الأثبات أوّلا في نفس الذات، و ادخلت فيها بعض ما ذكروه في الصفات؛ ثمّ فيما للذّات من الذاتيّات، و عنونت الباب بالذّاتيّات لتعمّ الصفات المعروفة و غيرها، و تعمّ ما لو عبر عنها بالوصف المصطلح، كقولك: عالم، قادر؛ او لم تعبر، كقولك: أنّه يعلم بالذّات، و ان يعبر عنها بالإثبات، او بالسّلب من غير تأويل. ثمّ إنّ منهم من استغنى عن تفسير الذاتيّة بمقابلها للفعليّة، و منهم من فسّرها بما كانت صفة ذاته تعالى.
1) . قال اللاهيجى عند قول الناظم (ظهور قدرت و علم و ارادت): «هذه الأسماء السّبعة عند اكثر المحقّقين، و الثمانية باضافة الأبدى عند الآخرين، ائمّة الأسماء؛ و تسمّى «اسماء الربوبيّة»، و تحتاج إليها سائر الأسماء و الإنسان قد خصّ بمظهريّتها جميعا.» فيظهر من ذلك أنّ وجه الاختصار عند الصوفيّة، كون الإنسان اصلا فيه و لمّا لم يجدوا في انفسهم ازيد من ذلك من مهمّات الصفات، اقتصروا في التكلّم في صفات ربّهم أيضا عليه.
ما كان وصف ذاته لذاته***يدرج في الذاتي من صفاته
و التفسير الجامع، ما قلت:
ما كان وصف ذاته؛ اى جاريا على الذات و يتّصف به الذات لذاته؛ اى باقتضاء نفس الذات من حيث هى، لا لصدور فعل منه يدرج؛ اى يندرج في الذاتى من صفاته اى ليس هذا التفسير، تفسيرا للذّاتى على اطلاقه، بل الذاتى الّذي اردت ادراجه في مبحث الذاتيّات؛ فإنّ الذاتى، قد يطلق في مقابل الغيرى، فيراد به ما ليس بالغير، و يقال له ما بالذّات أو بذاته؛ و قد يطلق في مقابل العرض، فيراد به انه ليس بعرض بل بمقتضى الذات؛ و قد يطلق و يراد به مجرّد اللّازم للشيء، و ان كان عرضا لازما.
و على كلّ حال، فالذّاتى في الجميع، يستلزم عدم الانفكاك، الّا أنّه يطلق على اوصافه تعالى باحد الاعتبارين الأوّلين؛ و لكن ليس الغرض من بيان الذاتيّات، بيان ما له تعالى بالذّات، لأنّ كلّ ما كان له، فهو بالذّات، لا بالغير حتّى صفاته الفعليّة، و لا بيان ما هو وصف لذاته، بمعنى كونه جاريا على الذات، و كون الذات متّصفا به؛ فانّ الموصوف في الصفات الفعليّة أيضا نفس الذات، اذا المتّصف بالخالق أو الرازق ليس الّا نفس الذات، و لا بيان ما هو وصف للذّات باعتبار عدم انفكاكه عنه؛ فإنّ الخالقيّة او الرازقيّة، مجرّدة عن ملاحظة الفعليّة ممّا لا ينفكّ عنه تعالى ابدا؛ بل هو خالق اذ لا مخلوق، و ربّ اذ لا مربوب.
بل المراد بالذّاتي، ما يتّصف به الذات باقتضاء نفس الذات، بما هى ذات، فتخرج الصفات الفعليّة، و ان كانت صفات الذات و بالذّات، فإنّ ذاته تعالى لا يقتضي الخلقة من حيث هو ذاته، و إلّا لما انفكّ الخلق عنه ابدا، بل هو خالق اذ لا مخلوق.
نعم، الذات يقتضي الخالقيّة الشأنيّة (1)بمعنى القدرة على الخلق و أنّ له ان يخلق؛ فالخالقيّة بهذا الاعتبار من الذاتيّة باعتبار الاقتضاء أيضا، الّا أنّها لمّا كانت صفات افعال يقتضيها الذات، يستغنى عن ذكرها في الذاتيّات بذكرها في الأفعال، و إليه
1) . هذا على مقتضى الظاهر، و سيأتى- ان شاء اللّه- أنّ التحقيق عندى أنّ الخالقيّة و غيرها من صفات الفعل من مقتضيات القدرة لا الذات، و لذا كانت فعليّتها غير لازمة و قابلة الانفكاك عن الذات، اذ القدرة ليست الّا التمكن من ان يفعل و لا يفعل.
أوّلها قيامه بالذّات***به يقوم كلّ وصف ذاتىّ
فذاته بالذّات قائم بدى***بنفسه الموجود لا بموجد
و ما لذاته بذاته بهىّ***و كلّ ما سواه قائم به
علّة كلّ شيء لا علّة له***و كونه العلّة يعنى فعله
اشرت بقولى «يدرج في الذاتى»؛ يعنى، أنّه ليس الغرض ذكر كلّ ما يقتضيه الذات، حتّى من حيث كونه وصفا فعليّا له، بل و لا كلّ ما لا يرتبط بالفعل أيضا، لأنّها كثيرة؛ بل المقصود، ذكر جملة ممّا يتوقّف عليها معرفة الذات و يترتّب عليها سائر الصفات و الذاتيّات.
إذا عرفت المراد من الذاتيّات فاستمع لما يتلى عليك منها:
أوّلها: قيامه بالذّات؛ اى وجوده بالذّات، لا بالغير، لأنّه لو كان بالغير، لكان مخلوقا مربوبا، و إنّما كان أوّلا لأنّ أوّل ما ينتهى إليه العقل من دلالة المصنوعات على الصانع هو انّ كونه بالذات، لما ثبت عنده، انّ كلّ ما بالغير لا بد و ان ينتهى الى ما بالذات.
به يقوم كلّ وصف ذاتيّ له؛ اى يتقوّم ثبوت سائر الذاتيّات له تعالى بثبوته، لأنّ ما بالذات، لا يكون إلّا قديما، كاملا في العلم و القدرة و غيرهما، و حيث كان قائما بالذّات، فذاته بالذّات قائم، لا بالغير، و بالذّات بدئ؛ اى كائن أوّل، و أوّل كائن و هو بنفسه الموجود لا بموجد، و كذلك ما لذاته من الذاتيّات بذاته تعالى، بهيّ، ظاهر، قائم لا بغيره، لأنّ كلّ ما كان لما بالذّات، لا بدّ و ان يكون له بالذّات، و إلّا صار معلولا للغير و كلّ ما سواه قائم به، لأنّها معلولات و لا بالذّات، فلا بدّ من قيامها بما بالذّات فهو اذن علّة كلّ شيء لا علّة له، اذ ليس قائما في سواه. قال امير المؤمنين (ع):
«و كلّ قائم في سواه معلول.»(1)و بمثله قال الرضا (ع) فى خطبة (2)، و قال (ع) أيضا: «و من قال لم فقد علّله.» (3)اى جعله معلولا، و قال الصادق (ع) فى حديث المفضّل: «و امّا لما ذا فهو ساقط في صفة الخالق، لأنّه- جلّ شأنه- علّة كلّ شيء، و ليس شيء بعلّة له.» (4)
يمسك الأشياء بظلّها و لا***ظلّ له يمسكه جلّ علا
مكوّن مصوّر الأشياء ربّ***ليس مكوّنا مصوّرا يربّ
و صانع ليس بمصنوع يحدّو ***كلّ ما خلاه مخلوقا يعدّ
و العلّة فمن قوله (ع) و ان كانت ظاهرة في العلّة الغائية، الّا أنّه اذا لم تكن له علّة غائية لم تكن له علّة فاعليّة بالاستلزام.
و كونه العلّة لكلّ شيء؛ يعنى، أنّه فعله لا أنّ الأشياء صوادر و هو مصدور منه، او الأشياء صور تنزّلاته و اطواره، جلّه و تعالى شأنه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.
و حيث أنّ ما سواه قائم به و هو غير قائم بغيره، يمسك الأشياء بظلّها، و لا ظلّ له يمسكه- جلّ علا-؛ كما قال الصادق (ع): «لا ظلّ له يمسكه، و هو يمسك الأشياء باظلّتها.» (1)
بيان: الظلّ يجمع على الضلال و الأظلّة، و هو في الأصل ما يحكى عن هيئة الشيء و شخصه، امّا بانعكاس صورة منه في جسم شفّاف كالمرآت و شبهها، و يسمّى بالعكس و المثال، او بخروج شبح منه متّصل به عند مقابلته للنّور من جهة حجب جثّته عن تخلّل الشعاع، و يسمّى بالفيء هذا معنى الظلّ في الأصل، و لكنّه استعير هنا لأصل الجثّة و الهيئة، فمعنى قوله (ع): «لا ضلّ له يمسكه»؛ اى لا جثّة و لا هيئة له تمسكه. و ذلك لانّ قوام الشيء بجثّته و هيئته، فهو (ع) اراد أنّه تعالى قائم بذاته لا بجثّته، فاذا لم يكن قائما بجثّته، لم يكن قائما بغيره أيضا.
و حيث كان قائما بنفسه، موجودا بذاته لا بغيره، و كلّ شيء غير قائم به، فهو إذن مكوّن، مصوّر الأشياء، و ربّ لها، و ليس مكوّنا لغيره و لا مصوّرا في نفسه، و لا هو يربّ، فيكون مربوبا؛ كما قال امير المؤمنين (ع):
«إنّه ربّ خالق غير مربوب مخلوق ما تصوّر فهو بخلافه.» (2)و قال ابو محمّد (ع) فى مكتوبه الى سهل: «خالق و ليس بمخلوق، يخلق تبارك و تعالى ما يشاء من الأجسام و غير ذلك، و يصوّر ما
يشاء و ليس بمصوّر، جلّ ثنائه و تقدّست اسمائه.» (1)و قال الصادق (ع): «لم يكوّنه مكوّن جلّ ثناؤه، بل كوّن الأشياء قبل كونها.»(2)و قال (ع) أيضا: «مسمّى لم يتكوّن فتعرف كينونته بصنع غيره.» (3).
و هو تعالى أيضا صانع، ليس بمصنوع يحدّ، اذ المصنوع محدود؛ قال امير المؤمنين (ع):
«و شهادة العقول أنّه- جلّ جلاله- صانع غير مصنوع.»(4)و قال الصادق (ع):
«و كلّ موصوف مصنوع، و صانع الأشياء غير موصوف بحدّ.» (5)و قال (ع) أيضا: «فلم يكن بدّ من اثبات الصانع لوجود المصنوعين، و الاضطرار منهم إليه، أنّهم مصنوعون، و انّ صانعهم غيرهم و ليس مثلهم؛ اذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب و التأليف و فيما يجرى عليهم من حدوثهم بعد ان لم يكونوا.» (6)
و كلّ ما خلاه؛ اى سواه مخلوقا يعدّ، اذ لا قوام له بذاته؛ قال الصادق (ع):
«و كلّ شيء وقع عليه اسم شيء، فهو مخلوق ما خلا اللّه.» (7)و قد وردت هذه العبارة عنه (ع) بعدّة اسانيد في عدّة روايات اوردتها في «فصل أنّه تعالى شيء»، و قال الكاظم (ع) أيضا: «و كلّ شيء سواه مخلوق.» (8)
القدم و الأزليّة، يقابلان الحدوث. فالقديم: «ما لا أوّل له، و لم يكن مسبوقا بالعدم و معلولا للغير»، فهو و عدم المصنوعيّة متلازمان، فكلّ ما كان قديما، فهو غير مصنوع و بالعكس. و الديموميّة و الأبديّة، و كذا السرمديّة، تقابل الفناء و الانعدام، فيراد بهما ما لا فناء له و لا زوال.
ثمّ القدم و الديموميّة كلاهما ملازمان للقوام الذاتى، اذ كلّ ما كان قائما
و ما بذاته تقوم ذاته***كان قديما دائما ثباته
لو كان معدوما فغير أوجده***إذ يستحيل كون شيء موجده
و حيثما بالذّات قد تحقّقا***فمقتضى الوجود مقتضى البقاء
فهو قديم أزليّ أبدىّ***ديموم الذات بدىّ سرمدىّ
كينون، أوّل و ديموم الأبد***لا أمدا و قائم بلا عمد
بالذّات، كان غير مصنوع، و إلّا لم يكن بالذات، و ما كان بالذات لا يعرضه الفناء، و توضيحه يظهر ممّا يتلو عليك.
و ما بذاته تقوم ذاته؛ اى يكون وجوده بالذات لا بالغير، ثبت له امران:
احدهما: انّه كان قديما وجوده من حيث الأوّل؛ ثانيهما: انّه كان دائما ثباته من حيث الآخر، اذ لو لم يكن قديما في الأوّل، لكان معدوما في حين و كان حادثا، و لو كان معدوما من اوّله، فغير أوجده لا محالة، إذ يستحيل كون شيء موجده، فإنّ الشيء لا يوجد نفسه؛ كما تقدّم كلام الصادق (ع) فى الإهليلجة في الاستدلال على الصانع، و مع فرض وجوده بالغير، يخرج عن كونه قائما بالذات، هذا بيان اقتضاء القوام الذاتى القدم. و امّا اقتضائه للدّوام، فاليه اشرت بقولى:
و حيثما بالذّات قد تحقّقا لا بالغير، فمقتضى الوجود مقتضى البقاء.
توضيحه: أن معنى كون تحقّقه بالذّات، أنّ الذات بوحدته، هو تمام المقتضى للتّحقق، و معلوم أنّ ما يقتضي الوجود، لا يقتضي العدم لتضادّ الاقتضائين، بل لو كان يقتضي العدم لما تحقّق، فما هو المقتضى للوجود نفس الذات، و الذات ذات دائما، فيقتضى الوجود دائما؛ فهو قديم، أزليّ الوجود، أبدى البقاء، ديموم الذات، كما هو قديم بالذات، بدئ؛ أى أوّل بنفسه، سرمدىّ (السّرمد: طويل المدّة، لكنّه في اللّه تعالى يراد به انقطاع الغاية و نفى المدّة و هو تعالى)، كينون، أوّل، و ديموم الأبد؛ كما قال رسول اللّه (ص) في بعض خطبه:
«ربّنا القديم بلطف ربوبيّته و بعلم خبره فتق، و باحكام قدرته خلق جميع ما خلق، لا زوال لملكه و لا انقطاع لمدّته، و هو الكينون أوّلا و الديموم ابدا.» (1)
و قال الصادق (ع): «ازلىّ، صمدىّ، لا ظلّ له يمسكه، و هو يمسك الأشياء
1) . البحار 4: 287/ 19.
إنّ القديم في الوجود لا يحدّ***لا أزلا و لا دواما في الأبد
فما له بدء و لا نهاية***و لا يحدّ مطلقا بغاية
باظلّتها، ديمومىّ، ازليّ، لا ينسى، و لا يلهو، و لا يغلط و لا يلعب.» (1)
اقول: الكينون و الديموم وصفان للمبالغة من الكون و الدوام، و مع الياء و التاء مصدران، و بالياء و حدها للنّسبة، و هو تعالى ديموم لا أمدا؛ اى بلا امد، و قائم بلا عمد؛ قال امير المؤمنين (ع): «واحد لا من عدد، و دائم لا بامد، و قائم لا بعمد.» (2)و مثله أيضا في خطبة أخرى له (ع).
ثمّ إنّ للقديم و الديموم اوصاف و خواصّ، يعرفان بها و يعرف بها معناهما، فاوّلها ما اشرت إليه بقولى:
إنّ القديم في الوجود لا يحدّ؛ لا أزلا و لا دواما في الأبد؛ اى لا يحد وجوده أوّلا و آخرا؛ اى لا يكون مقطوع الأوّل و الآخر، اذ لو كان محدودا لكان محدثا، كما تقدّم هنا و في محلّه. و على هذا، فما له بدء في اوّله، و لا نهاية في آخره، و لا يحدّ مطلقا؛ اى فيهما بغاية، قال امير المؤمنين (ع):
«الّذي ليست لأوّليّته نهاية، و لا في آخريّته حدّ و لا غاية.» (3)و قال (ع) أيضا: «ليس لأوليّته بداية، و لا لأزليّته انقضاء، هو الأوّل لم يزل، و الباقى بلا اجل.»(4)و قال (ع) أيضا: «و لا يقال له حدّ و لا نهاية و لا انقطاع و لا غاية.» (5)و قال (ع) أيضا: «الّذي ليس له أوّل مبتداء، و لا غاية منتهى، و لا آخر يفنى.» (6)و عن الصادق (ع) قال ابو بصير: «اخرج ابو عبد اللّه (ع) حقّا فاخرج منه ورقة فإذن فيها:
«سبحان اللّه الواحد الّذي لا إله غيره، القديم البديء الّذي لا بدء له، و الدائم الّذي لا نفاد له، الحىّ الّذي لا يموت.»(7)و قال
غاية كلّ شيء لا غاية ***لهو غاية الغايات لن تناوله
و كلّ من غيّاه جزّاه و من***جزّاه فهو ملحد لا يكرمن
فلا بداية لأوّليّته***و لا نهاية لآخريّته
و لا متى يقال فيه وقتا***و لم يصر ذا أمد بحتّى
الرضا (ع): «لا امد لكونه و لا غاية لبقائه.» (1)
بل هو تعالى، غاية كلّ شيء لا غاية له، و هو تعالى غاية الغايات، و إليه تنتهى الغايات، فلن تبلغه، و لن تناوله، قال امير المؤمنين (ع) لرأس الجالوت: «و لا غاية و لا منتهى، غاية و لا غاية إليها، انقطعت عنه الغايات، فهو غاية كلّ غاية.»(2)و قد روى ذلك عنه (ع) بعدّة روايات، فى بعضها قاله (ع) لرأس الجالوت، و في بعضها لحبر من الأحبار و في بعضها ليهودى و قوله (ع): «و لا غاية إليها»، مذكور في الجميع ما عدا رواية ابى الحسين الموصلى عن الصادق (ع)، عنه (ع). و على الفرض، فالمعنى أنّه تعالى لا غاية له، و لا غاية الى الغاية؛ اى ما يوصل الى الغاية، و قال (ع) أيضا: و لا بذى غاية فيتناهى، و لا بمحدث فيبصر.» (3)
و كل من غيّاه جزّاه، و من جزّاه فهو ملحد، لا يكرمن، قال الرضا (ع):
و من غيّاه فقد غاياه، و من غاياه فقد جزّاه، و من جزّاه فقد وصفه، و من وصفه فقد الحد فيه.» (4)
و على هذا، فلا بداية لأوّليّته، و لا نهاية لآخريّته؛ كما اشار إليه امير المؤمنين (ع) فى كلامه المتقدّم، و لا متى يقال فيه، ليبيّن له وقتا، و لم يصر ذا أمد بحتّى، قال امير المؤمنين (ع):
«لا يقال له متى، و لا يضرب له أمد بحتّى.» (5)و قال الحسن (ع): «الحمد للّه الّذي لم يكن له أوّل معلوم، و لا آخر متناه، و لا قبل مدرك و لا بعد محدود، و لا امد بحتّى، و لا شخص فيتجزّى و لا اختلاف صفة فيتناهى، فلا تدرك العقول و اوهامها، و لا الفكر
ما لم يكن فكان جاراه متى***فقل، لمن قال: متى قد ثبتا
أخبر متى لم يك حتّى أخبرا***بأنّه كان متى ربّ الورى
من كان لم يزل فلا أوّل له***و إن تقل متى أزلت أزله
و خطراتها، و لا الألباب و اذهانها صفته، فتقول متى.»(1)و قال الرضا (ع): «و من قال الى م فقد وقّته، و من قال حتّى م فقد غيّاه.» (2)
ما لم يكن، فكان، جاراه (من المجاراة)، اى يجرى فيه متى، و يجرى متى فيه، و امّا ما كان ازليّا غير مسبوق بالعدم، فلا مجال لمتى فيه، فقل جدلا لمن قال: متى قد ثبتا: أخبر انت أوّلا متى لم يك حتّى أخبر أنا بأنّه كان متى ربّ الورى، فانّه اذا ثبت عدمه في زمان، و كان حدوثه بعد ذلك الزمان، من كان لم يزل فلا أوّل له، و إن تقل متى أزلت أزله، لأنك اثبتّ له وقتا موقوتا، قال امير المؤمنين (ع) فى جواب راس الجالوت حين قال: يا امير المؤمنين! متى كان ربّنا؟ قال (ع):
«يا يهودى! انّما يقال متى كان، لمن لم يكن فكان، هو كائن بلا كينونة كائن.»(3)و في جواب حبر قال: متى كان ربّك؟ قال (ع): «ثكلتك أمّك! و متى لم يكن حتّى يقال متى كان، كان ربّى قبل القبل بلا قبل ...» (4)
و برواية أخرى، قال: متى ربّنا؟ قال (ع): «ويلك! إنّما يقال متى كان لما لم يكن، فامّا ما كان، فلا يقال متى كان، كان قبل القبل بلا قبل ...» (5)و في جواب يهودىّ، قال متى كان ربّنا؟ قال (ع): «إنّما يقال متى كان لشيء لم يكن، فكان، و ربّنا هو كائن بلا كينونة كائن.» (6)
و قال الباقر (ع) فى جواب نافع بن الأزرق، حيث قال: اخبرنى عن اللّه- عزّ و جلّ- متى كان؟ قال (ع): ويلك! اخبرنى انت متى لم يكن حتّى اخبرك متى كان، سبحان من لم يزل و لا يزال، فردا، صمدا لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا.» (7)
و قال (ع) أيضا في جواب رجل قال اخبرنى عن ربّك متى كان؟ قال (ع):3.
و إنّ من أظهر آثار القدم***أن ليس من شيء و لا من العدم
بل سبق الوجود منه العدما***لا بعد أن لم يك حاز القدما
و هو البديء لا يقال ممّا***كما استحال فيم أو على ما
«ويلك! و انّما يقال لشيء لم يكن، فكان، متى؟ إنّ ربّى- تبارك و تعالى- كان لم يزل حيّا، بلا كيف، و لم يكن له كان ...» (1)
و قال الرضا (ع) فى جواب رجل من الزنادقة، قال له اخبرنى متى كان؟ قال (ع):
«اخبرنى متى لم يكن فاخبرك متى كان.» (2)
ما قلت:
و إنّ من أظهر آثار القدم، أن ليس من شيء و لا من العدم، بل سبق الوجود منه العدما، لا بعد أن لم يك حاز القدماء؛ اذ لو كان كذلك، لكان حادثا و محتاجا الى موجد غيره، كما تقدّم. قال امير المؤمنين (ع):
كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم.» (3)و قال (ع) أيضا: «موجود لا بعد عدم.» (4)و قال (ع) أيضا: «و لا كان بعد ان لم يكن.»(5)و قال (ع): «لا يقال له كان بعد ان لم يكن، فتجرى عليه الصفات المحدّثات.»(6)و قال (ع) أيضا: «سبق الأوقات كونه، و العدم وجوده، و الابتداء ازله.»(7)و بمثلها قال الرضا (ع) فى خطبته بمحضر المأمون (8).
و هو البديء لا يقال ممّا، لأنّه لو كان من شيء، لم يكن بديئا؛ كما استحال فيم أو على ما. قال امير المؤمنين (ع): «الظاهر لا يقال ممّا، و الباطن لا يقال فيما.» (9)و قال (ع) أيضا: الحمد للّه الّذي هو أوّل لا بدى ممّا، و لا باطن فيما، و لا يزال مهما، و لا كان بعد ان لم يكن.» (10)
و قال الحسن (ع): «و لا بدئ ممّا، و لا ظاهر على ما.»(11)و قال امير المؤمنين (ع):
لو كان من شيء لكان محدثا***إذ كان عمّا قبله منبعثا
من يزعم أنّ اللّه من شيء صدر***أشرك باللّه، و باللّه كفر
و إنّه الأوّل حقّا في الأزلو ***آخر كذاك من دون الأجل
أوّل كلّ شيء، لا أوّل له***آخر كلّ شيء لا تؤجّله «
الحمد للّه الّذي لا من شيء كان، و لا من شيء كوّن ما كان.»(1)و قال (ع) أيضا: «الحمد للّه الواحد الأحد الصمد المتفرّد، الّذي لا من شيء كان، و لا من شيء خلق ما كان.» (2)لو كان من شيء لكان محدثا، إذ كان عمّا قبله منبعثا، من يزعم أنّ اللّه من شيء صدر، أشرك باللّه، و باللّه كفر. قال الصادق (ع) للمفضّل:
«من زعم أنّ اللّه في شيء، او من شيء، او على شيء، فقد اشرك، لو كان- عزّ و جلّ- على شيء، لكان محمولا؛ و لو كان في شيء، لكان محصورا؛ و لو كان من شيء، لكان محدثا.» (3)
و قال (ع) أيضا لأبى بصير: «من زعم انّ اللّه- عزّ و جلّ- من شيء، او في شيء، او على شيء، فقد كفر قلت: فسّر لى، قال (ع): اعنى بالحواية من الشّيء له، او بامساك له، او من شيء سبقه.» (4)،
كما قلت:
و إنّه الأوّل حقّا في الأزل، و آخر كذاك؛ اى حقّا من دون الأجل. أوّل كلّ شيء، لا أوّل له، آخر كلّ شيء لا تؤجّله؛ اى لا تجعل له اجلا. قال امير المؤمنين (ع): «ليس لأوّليته بداية، و لا لآخريّته انقضاء، هو الأوّل لم يزل، و الباقى بلا اجل.»(5)و قال (ع) أيضا: «الّذي ليس له وقت معدود، و لا اجل ممدود، و لا نعت محدود.»(6)و قال (ع) أيضا: «الّذي ليس لصفته حدّ محدود، و لا نعت موجود، و لا وقت معدود.» (7)
ليس بمعنى سبق بدء أوّله***بل سابق على ابتداء أزله
لا آخر بآخريّة و لا***باوّليّة يكون أوّلا
بل قبل كلّ شيء ليس قبلهشيء*** و بعد البعد لا بعد له
ليس بمعنى سبق بدء أوّله؛ اى ليس اوّليته بمعنى سبق ابتداء له، بل سابق على ابتداء أزله؛ كما تقدّم في كلام امير المؤمنين (ع) و الرضا (ع): «و الابتداء ازله»؛ اى سبق الابتداء ازله، لا آخر بآخريّة، و لا باوّليّة يكون أوّلا. قال امير المؤمنين (ع) فى وصيّته للحسن (ع): «لا يضادّ في ملكه احد، و لا يزول ابدا و لم يزل، أوّلا قبل الأشياء بلا اوّلية، و آخرا بعد الأشياء بلا نهاية.» (1)
و قال (ع) أيضا: الّذي ليس له غاية في دوامه، و لا له اوّلية.»(2)بل معنى الأوّلية، أنّه قبل كلّ شيء ليس قبله شيء، و معنى الآخرية، أنّه بعد البعد لا بعد له.
قال امير المؤمنين (ع): «و هو البديء الّذي لم يكن شيء قبله، و الآخر الّذي لا شيء بعده.» (3)و قال (ع): «الأوّل لا شيء قبله، و الآخر لا غاية له.» (4)و قال (ع) أيضا:
«الأوّل قبل كلّ شيء، و الآخر بعد كلّ شيء، و لا يعدله شيء.» (5)و قال (ع): «قبل كلّ شيء، و لا يقال شيء قبله، و بعد كلّ شيء لا يقال له بعد.» (6)و قال (ع) أيضا فيما قال لرأس الجالوت و غيره ممّا تقدّم: «كان ربّى قبل القبل، و يكون بعد البعد، و لا بعد.» (7)
و قال الصادق (ع): «يا مفضّل! إنّ اللّه كان، و لا شيء قبله، و هو باق، و لا نهاية له.»(8)و قال موسى بن جعفر (ع): «و هو الأوّل الّذي لا شيء قبله، و الآخر الّذي لا شيء بعده، و هو القديم، و ما سواه مخلوق محدث، تعالى عن صفات المخلوقين علوّا كبيرا.» (9)
و كتب ابو جعفر الثانى (ع) فى دعاء لرجل: «يا ذا الّذي كان قبل كلّ شيء، ثمّ خلق كلّ شيء، ثمّ يبقى و يفنى كلّ شيء.» (10)5.
فرّق بين قبل بعد موميا***أن ليس قبل بعد فيه جاريا
و إنّما الأوّل و الآخر له***و القبل و البعد من المقابلة
فمن حدوث الخلق أوّلا عرف***و من بقاء بعد آخرا وصف
إن قيل: «كان» فعلى تأوّل***إلى إرادة الوجود الأزلىّ
إن قيل: «لم يزل» مريدا للقدم***فهو مؤوّل الى نفى العدم
و في الأدعية من هذا القبيل كثير، فرّق بين قبل و بعد، حيث جعل شيئا قبل و شيئا بعد، موميا في ذلك أنّ ليس قبل و بعد فيه جاريا، اذ لو كان له قبل، لكان معدوما أوّلا، و لو كان له بعد، لكان معدوما آخرا، فيصير محدثا و محتاجا الى محدث و مفن. و أيضا لو كان له قبل، لم يكن موجدا لما قبله، و لو كان له بعد، لم يكن موجدا للّذي بعده، فما هو موجد قبله أو بعده اولى منه بالصانعيّة. قال امير المؤمنين (ع):
«ففرّق بها (اى بالاشياء)، بين قبل و بعد ليعلم أن لا قبل له، و لا بعد.» (1)و قال الرضا (ع) مثله بمحضر المأمون .(2)
و إنّما الأوّل و الآخر له، و القبل و البعد فيه، حيث يقال: أوّل كلّ شيء، و قبل كلّ شيء، و بعد كلّ شيء، يطلق عليه من المقابلة؛ اى من مقابلته مع غيره، و بالنّسبة الى غيره، لا من جهة أنّ له أوّل و آخر و بعد.
فمن حدوث الخلق أوّلا عرف، و من بقاه بعد آخرا وصف، و حيث لا أوّل لأوّليّته، و لا ابتداء لأزليّته، إن قيل: «كان» لم يرد به الكون الزمانى الملازم للحدوث، بل اريد به محض الثبوت المنسلخ عن الزمان، فعلى تأوّل، يطلق عليه «كان» و يئول إلى إرادة الوجود الأزلى، و كذلك إن قيل: «لم يزل» مريدا للقدم، فهو مؤوّل الى نفى العدم؛ اى لم يكن معدوما لا اثبات اوّليّته لأزليّته. قال امير المؤمنين (ع):
«ان قيل: «كان» فعلى تأويل ازليّة الوجود، و ان قيل: «لم يزل» فعلى تأويل نفى العدم.» (3)1.
ليس عن الدهر يكون قدمه***فالدّهر لا يخلقه أو يهدمه
فلا يبيد ذاته المهيمنة***و لا يزول باختلاف الأزمنة
لاستلزامه ان يكون الزمان و المكان قبله؛ كما قال الصادق (ع) فى الإهليلجة في ابطال ازليّة الأشياء، ما حاصله:
«إنّه ان كانت النجوم قبل الناس، فلا بدّ ان تكون الأرض أيضا قبلهم، و ان يكون الفلك أيضا قبل النجوم ...»(1)فراجع
بل هذا ممّا يتفرّع على الأوّلية الحقيقيّة، فإنّ لازم كونه أوّلا حقيقيّا، ان لا يكون قبله زمان و لا مكان، بل و لا كلّ كائن؛ كما قلت:
ليس عن الدهر يكون قدمه؛ اى ليس قديما دهريّا؛ كما قال الحسين (ع): «ليس عن الدهر قدمه، و لا بالنّاحية أممه.» (2)اى قصده و مقصده. فالدّهر لا يخلقه أو يهدمه» قال امير المؤمنين (ع): «فلا دهر يخلقه، و لا وصف يحيط به.»(3)و قال (ع): «الّذي لم يزل و لا يزال، وحدانيّا ازليّا قبل بدء الدهور، و بعد صرف الأمور، الّذي لا يبيد و لا يفقد، بذلك اصف ربّى.» (4)
فلا يبيد ذاته المهيمنة على كلّ شيء لما ذكر، قال موسى بن جعفر (ع): «و إنّه الحىّ الّذي لا يموت، و الدائم الّذي لا يبيد، و الباقى الّذي لا يفنى، و الثابت الّذي لا يزول.»(5)و نظائره كثيرة في الأدعية. و لا يزول باختلاف الأزمنة؛ كما قال (ع): «و الثابت الّذي لا يزول.»(6)لأنّ ما ليس بدهرى لا يتصرّف فيه الأزمنة، و قال امير المؤمنين (ع):
«و من لم يزل بلا مكان، و لا يزول باختلاف الأزمان.» (7)و قال (ع) أيضا: «و لم يختلف عليه بكرور الأحوال.»(8)و قال (ع) أيضا: «و لا تبليه الليالى و الأيّام» (9)
قد سبق الأوقات كونه فلا***يصحب وقت أزليّا أوّلا
بل كان قبل أن يكون كان***أو دهر أو زمان أو مكان
و كلّ شيء حادث سواه***ممّا ترى أو لم تكن تراه
بل فطر الأشياء، دليل قدمته***زوالها دليل ديموميّته
قد سبق الأوقات كونه فلا يصحب وقت أزليّا أوّلا، قال امير المؤمنين (ع):
«الّذي لم يسبقه وقت، و لم يتقدّمه زمان.» (1)و قال (ع) أيضا: «و لم يتقدّمه وقت و لا زمان.»(2)و قال (ع): «سبق الأوقات كونه، و العدم وجوده.» (3)و قال الرضا (ع) مثله (4)، و قال امير المؤمنين (ع): «و لا تصحبه الأوقات، و لا تحدّه الصفات.» (5)و قال الرضا (ع):
«لا تصحبه الأوقات و لا تضمّنه الأماكن.» (6)
بل كان قبل أن يكون كان، أو دهر أو زمان أو مكان، قال الصادق (ع): «الحمد للّه الّذي كان قبل ان يكون كان، لم يوجد لوصفه كان، بل كان اذ لا كان كائنا لم يكوّنه مكوّن، جلّ ثناؤه، كان اذ لم يكن شيء، و لم ينطق فيه ناطق، فكان اذ لا كان.» (7)و قال (ع) أيضا: «الحمد للّه الّذي كان، اذ لم يكن شيء غيره.» (8)و قال (ع) أيضا: «إنّ اللّه كان اذ لا كان، فخلق الكان و المكان.» (9)
و قال الباقر (ع): «إنّ اللّه- تبارك و تعالى- كان، و لا شيء غيره، نورا لا ظلام فيه، و صادقا لا كذب فيه ...»(10)و قال (ع) أيضا: «كان اللّه و لا شيء غيره، و لم يزل اللّه عالما بما كوّن ...» (11)
و قال ابو الحسن الثالث (ع): «لم يزل اللّه موجودا، ثمّ كوّن ما اراد.» (12)
و قال امير المؤمنين (ع) فى جواب الجاثليق: «لم يزل ربّنا قبل الدنيا، هو مدبّر الدنيا، و عالم بالآخرة، فامّا ان يحيط به الدنيا و الآخرة فلا، و لكن يعلم ما في الدنيا و ما4.
فى الآخرة، قال: صدقت يرحمك اللّه.»(1)و قال (ع) أيضا: «كان ربّا و لا مربوب، و إلها و لا مألوه، و عالما اذ لا معلوم.» (2)
و قال موسى بن جعفر (ع): «عالم اذ لا معلوم، و خالق اذ لا مخلوق، و ربّ اذ لا مربوب، و كذلك يوصف ربّنا، و فوق ما يصفه الواصفون.» (3)
و قال الرضا (ع): «عالم اذ لا معلوم، و خالق اذ لا مخلوق، و ربّ اذ لا مربوب، و آله اذ لا مألوه، و كذلك يوصف ربّنا، و فوق ما يصفه الواصفون.» (4)
و قال امير المؤمنين (ع) فى جواب حبر من الأحبار، (حيث قال: اين كان ربّنا قبل ان يخلق سماء و ارضا؟): «اين سؤال عن مكان، و كان اللّه و لا مكان.» (5)و قال (ع) أيضا: «الّذي لم يزل قائما دائما، اذ لا سماء ذات ابراج و لا حجب ذات ارتاج (6)، و لا جبل ذو فجاج، و لا فجّ ذو اعواج، و لا ارض ذات مهاد، و لا خلق ذو اعتماد.»(7)
و قال الصادق (ع): «كذلك لم يزل و لا يزال ابد الآبدين، و كذلك كان اذ لم تكن ارض و لا سماء، و لا ليل و لا نهار و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب و لا مطر و لا رياح، ثمّ إنّ اللّه احبّ ان يخلق خلقا يعظّمون عظمته ...» (8)
و كلّ شيء حادث سواه، ممّا ترى أو لم تكن تراه؛ كما قال الكاظم (ع): «و كلّ شيء سواه مخلوق.»(9)و قد تقدّم قول موسى بن جعفر (ع): «و هو القديم، و ما سواه مخلوق محدث.» (10)
بل فطر الأشياء، دليل قدمته، فإنّ وجود الحادث، يدلّ على وجود المحدث القديم، الّذي لم يكن مثله، و كذلك زوالها دليل ديموميّته. قال امير المؤمنين (ع):
«مستشهد بحدوث الأشياء على ازليّته، بما و سمها به من العجز على قدرته و بما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه.»(11)و قال (ع) أيضا: «مستشهد بكليّة الأجناس على ربوبيّته، و بعجزها على قدرته، و بفطورها على قدمته، و بزوالها على بقائه؛ كفى
مخبرة بأنّ من وقّتها***ليس له وقت كما سبّتها
كذا ابتداؤه لها دلّ على***أن لا يكون مبتداء أولا
لعجز كلّ مبتداء أنشأ***عن ابتداء مثله أن ينشأ
و انّه فرد بلا منازعة***لا قبله شيء و لا شيء معه
باتقان الصنع لها [اى الأجناس] آية، و بمركّب الطبع عليها دلالة، و بحدوث الفطر عليها قدمة، و باحكام الصنع لها عبرة.» (1)
و قال الرضا (ع): «الدال على وجوده بخلقه، و بحدوث خلقه على ازليّته.» (2)
و أيضا الأشياء من حيث أنّ لكلّ منها وقت خاصّ حدوثا و زوالا، مخبرة بأنّ من وقّتها كذلك، و جعلها موقوتة، ليس له وقت كما سبّتها (السّبت: الدهر؛ اى كما جعلها دهريّة موقّتة، قال امير المؤمنين (ع): «شاهدة [اى الأشياء] بغرائزها، ان لا غريزة لمغرّزها، مخبرة بتوقيتها ان لا وقت لموقّتها.»(3)و قال الرضا (ع) مثله، الّا انّه اضاف بعد قوله: «مغرّزها»، «دالّة بتفاوتها ان لا تفاوت لمفاوتها.» (4)
كذا ابتداؤه لها، دلّ على أن لا يكون مبتداء أوّلا ابتدائه غيره، لعجز كلّ مبتداء أنشأ عن ابتداء مثله أن ينشأ، قال الرضا (ع): «و ابتداؤه ايّاهم، دليلهم على ان لا ابتداء له، بعجز كلّ مبتدأ عن ابتداء غيره.»(5)و قال (ع) أيضا: «و كيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء.» (6)
كما قلت:
و انّه فرد بلا منازعة شيء ايّاه في القدم، لا قبله شيء و لا شيء معه. و هذا أيضا من لوازم الأوليّة الحقيقيّة و ممّا يتفرّع عليه، فإنّه لو كان قبله شيء، لم يكن أولا، و لو كان معه شيء لم يكن أوّلا حقيقيّا؛ بل كان اضافيّا بالنّسبة الى غير من كان معه. امّا أنّه لم يكن قبله شيء، فقد مرّ الأحاديث فيه؛ و امّا أنّه لم يكن معه شيء، فقد قال امير
بل هو قبل كلّ موجود وجد***و قبل قبل و بلا قبل و ندّ
فكان وحدانيّا إذ تفرّدا***قدما و أوّلا فلو تعددا
إن كان قبله فذاك الأوّل***و إن يكن معه فقدما حاصل
فليس مخلوقا و مع كمال***ربّ و مع نقص من المحال
المؤمنين (ع):
و إنّه يعود سبحانه بعد فناء الدنيا وحده، لا شيء معه، كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت و لا مكان و لا حين و لا زمان؛ عدمت عند ذلك الآجال و الأوقات و الساعات، و زالت السنون و الساعات، فلا شيء إلّا الواحد القهّار، الّذي إليه مصير جميع الأمور.» (1)
و قال الصادق (ع) فيما تقدّم: «الحمد للّه الّذي كان اذ لم يكن شيء غيره.» (2)
و قوله (ع): «كان اذ لا كان فخلق الكان و المكان.» (3)
و قال ابو جعفر الثانى في نفى كون الأسما قديمة: فمعاذ اللّه ان يكون معه شيء غيره، بل كان اللّه- تعالى ذكره- و لا خلق، ثمّ خلقها وسيلة بينه و بين خلقه، يتضرّعون بها إليه و يعبدونه.» (4)
بل هو قبل كلّ موجود وجد، بمقتضى الأوّلية الحقيقيّة، و قبل قبل و بلا قبل و ندّ؛ كما تقدّم تفصيله. فكان وحدانيّا إذ تفرّدا قدما و أوّلا؛ اى كان واحدا في قدمه و اوّليته؛ كما قال رسول اللّه (ص):
«الحمد للّه الّذي كان في اوّليته وحدانيّا، و في ازليّته متعظّما بالإلهيّة، متكبّرا بكبريائه و جبروته.» (5)
و قال امير المؤمنين (ع): «الحمد للّه المتوحّد بالقدم و الأوّليّة، الّذي ليس له غاية في دوامه، و لا له اوّليّة.»(6)و قال (ع): «الّذي لم يزل و لا يزال، وحدانيّا ازليّا قبل4.
بدء الدهور، و بعد صرف الأمور.»(1)
فلو فرض القديم تعددا، فلا يخلو ذلك الآخر: امّا ان يكون قبله أو معه، فهو إن كان قبله، فذاك الأوّل، لا هذا الّذي فرضناه قديما، فهو القديم لا هذا؛ و إن يكن معه من الأزل فقدما هو حاصل معه، فليس إذن مخلوقا له، لأنّه قديم مثله، و حينئذ فلا يخلو: إمّا ان يكون مثله واجدا لشرط الكمال، او يكون فاقدا له؛ و مع كمال (اى كونه كاملا). فهو ربّ مثله، فيلزم الثنويّة، و مع نقص (اى كونه ناقصا) فهو من المحال، اذ يستحيل ان يكون العاجز الناقص قديما ازليّا؛ كما تقدّم تحقيقه في ابطال الطبيعة. قال امير المؤمنين (ع) فى ابطال كون كلامه تعالى قديما:
و إنّما كلامه سبحانه، فعل منه، انشاءه و مثّله، لم يكن قبل ذلك كائنا، و لو كان قديما كان إلها ثانيا.» (1)
و قال الرضا (ع) للحسين بن خالد: «اعلم، علّمك اللّه الخير! إنّ اللّه- تبارك و تعالى- قديم، و القدم صفة دلّت العاقل على أنّه لا شيء قبله و لا شيء معه في ديمومته؛ فقد بان لنا باقرار العامّة معجزة(2)الصفة، أنّه لا شيء قبل اللّه، و لا شيء مع اللّه في بقائه، و بطل قول من زعم أنّه كان قبله شيء أو كان معه شيء؛ و ذلك أنّه لو كان معه شيء في بقائه، لم يجز أن يكون خالقا له، لأنّه لم يزل معه، فكيف يكون خالقا لمن يزل معه؟ و لو كان قبله شيء، كان الأوّل ذلك الشيء لا هذا، و كان الأوّل اولى بان يكون خالقا للثّانى.» (3)
و قال الصادق (ع) فى ابطال كون الأشياء مخلوقة من شيء: «فان كانت خلقت من شيء كان معه، فإنّ ذلك الشيء قديم، و القديم لا يكون حديثا، و لا يفنى و لا يتغيّر.» (4)
و قال الباقر (ع) فى ذلك أيضا: «لو كان ذلك الشيء الّذي خلق الأشياء منه، قديما معه في ازليّة و هويّته. كان ذلك ازليّا، بل خلق اللّه- عزّ و جلّ- الأشياء كلّها من لا هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص337
بل ليس فيهما مع القران**بدّ من الحدوث و النّقصان
شيء.» (1)
لكن هذا الدليل، دليل جدلى الزامى، ينفع في الزام من يذهب الى التوحيد، و مع ذلك يقول بتعدّد القدماء كالأشاعرة القائلين بزيادة الصفات الذاتيّة على الذات و قدمها، و الكلام النفسى و قدمه؛ و الفلاسفة الذين يقولون بقدم الأفلاك و النّفس الناطقة.
و تتميم هذا الدليل بما يدفع به الثنوية في محلّه، الّا إنّي اشرت إليه هنا اجمالا بقولى:
بل ليس فيهما مع القران، بدّ من الحدوث و النّقصان؛ اى مع فرض التعدد، يلزم نقصهما معا، و لا يمكن فرضهما كاملين، لأنّ ما له شريك ناقص بالنّسبة الى ما لا شريك له، و الشريكان إمّا لا يقدران على المدافعة و الممانعة فهما ناقصان، او يقدر احدهما دون الآخر، فهو الناقص، و الناقص لا يشارك الكامل في القدم؛ او هما يقدران، فهما معا أيضا ناقصان، لاستلزام قدرة كلّ مغلوبيّة الآخر، و يلزمهما الحدوث أيضا، لأجل الاقتران؛ فانّ القرآن يحتاج الى المقرن، و تحديدهما بالعدد الخاصّ الى محدّد. قال الرضا (ع) فى نفى الصفة الزائدة: «و شهادة كلّ صفة و موصوف بالاقتران، و شهادة الاقتران بالحدث، و شهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث.» (2)و قال (ع) أيضا: «و شهادة الموصوف أنّه غير الصفة، و شهادتهما جميعا بالبينة، الممتنع عنها الأزل، فمن وصف اللّه فقد حدّه، و من حدّه، فقد عدّه، و من عدّه، فقد ابطل ازله.» (3)
و قال ابوه، موسى بن جعفر (ع) أيضا مثله، الّا أن فيه «و شهادتهما جميعا بالتثنية.» (4)و قال امير المؤمنين (ع): «فمن وصف اللّه فقد حدّه ...» (5)مثله.
إنّ القديم للكمال حائز***فلا يقال ناقص أو عاجز
إذ الّذي يحتمل الزيادة***و النّقص محدود لمن أراده
كذا القديم ليس إلّا واحدا***بلا اختلاف أزلا و سرمدا
كما اشير إليه و قد فصّلته أيضا بالخصوص:
إنّ القديم للكمال حائز، فلا يقال ناقص أو عاجز، فانّ النّقص يوجب الافتقار و العجز الضعف و الانكسار، فلا يكون الناقص و العاجز قديمين بالذات، و هما أيضا يحتملان الزيادة و النقيصة، فيكونان محدودين في حدّهما الخاصّ، فيفتقران الى محدّد؛ كما قلت:
إذ الّذي يحتمل الزيادة و النّقص، محدود لمن أراده؛ اى اراد ان يكون محدودا بهذا الحدّ، قال امير المؤمنين (ع):
و لم يتقدّمه زمان، و لم يتعاوره زيادة و نقصان.»(1)و قال (ع) أيضا: «و لم يتقدّمه وقت و لازمان، و لا يتعاوره زيادة و لا نقصان.»(2)و قال (ع) أيضا: «و لا التمس التمام إذن لزمه النقصان.» (3)
و قال الرضا (ع): «و لو التمس له التمام إذن لزمه النقصان.» (4)
و قال الجواد (ع): «و كلّ متجزّ أو متوهّم بالقلّة و الكثرة، فهو مخلوق دالّ على خالقه، و ما احتمل الزيادة احتمل النقصان، و ما كان ناقصا، كان غير قديم، و ما كان غير قديم كان عاجزا.» (5)
كما قلت:
كذا القديم ليس إلّا واحدا بلا تركيب و بلا اختلاف، أزلا و سرمدا. امّا نفى التجزية و التركيب، فقد مضى تفصيله في محلّه، و سيأتى الإشارة إليه أيضا في بيان معنى الواحد و انواع التوحيد. و الكلام هنا في وحدة الذات، من حيث الأزليّة
فلا الصفات صيّرت أحوالا***له و لا تسبق حال حالا
فليس بالأوّل قبل الآخر***و ليس بالباطن قبل الظاهر
بل هو ديموم ككينون الأزل***و لا يزال منه عين لم يزل
و الأبديّة؛ يعنى، أنّه لا يختلف بالصّفات و لا بتبدّل الأحوال، و لا بوجه من الوجوه، حتّى بالأوّليّة و الآخريّة، فلا الصفات صيّرت أحوالا له. قال الحسن (ع):
«و لا شخص فيتجزّى، و لا اختلاف صفة فيتناهى.»(1)و قال الحسين (ع): «لا تجرى عليه الأحوال، و لا تنزل عليه الحوادث.» (2)
و قال امير المؤمنين (ع): «لم يحدث فيمكن فيه التغيير و الانتقال، و لم يتصرّف فى ذاته بكرور الأحوال، و لم يختلف عليه حقب الليالى و الأيّام.»(3)و سيجيء الكلام فى ذلك مفصّلا إن شاء اللّه.
و لا تسبق حال منه حالا، اذ ليس بذى احوال، و لا بذى الصفات زائدة على الذات، حتّى يكون بعضها سابقا على بعض، فليس بالأوّل قبل الآخر؛ فانّ اوّليّته ليست غير آخريّته؛ و ليس بالباطن قبل الظاهر أو بالعكس؛ بل هو ديموم ككينون الأزل؛ (اى ديموميّته عين ازليّته)، و لا يزال منه عين لم يزل. قال امير المؤمنين (ع):
«الحمد للّه الّذي لم تسبق له حال حالا، فيكون أوّلا قبل ان يكون آخرا، و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا.» (4)
و عن ابى يعفور عن ابى عبد اللّه (ع)، فى قول اللّه- عزّ و جلّ-:( هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ ...)(5)امّا الأوّل: فقد عرفناه، و امّا الآخر: فبيّن لنا تفسيره.
فقال (ع): «أنّه ليس شيء إلّا يبيد أو يتغيّر أو يدخله الغير و الزوال، او ينتقل من لون الى لون، و من هيئة الى هيئة، و من صفة الى صفة، و من زيادة الى نقصان، و من نقصان الى زيادة، الّا ربّ العالمين؛ فانّه لم يزل و لا يزال واحدا، هو الأوّل قبل كلّ شيء، و هو الآخر على ما لم يزل، لا تختلف عليه الصفات و الأسماء ما تختلف على غيره؛ مثل الإنسان الّذي يكون ترابا مرّة، و مرّة لحما، و مرّة دما، و مرّة رفاتا و رميما؛3.
لا تعرف القدمة أو ديمومته***كنها كما قد عمّيت كينونته
فمثل ما لا كونه موصوف***و لا بكينونته معروف
قد حارت الأوهام في لا أمده***فى أزليّة له أو أبده
أن كيف كان أوّلا من الأزل؟***أم كيف آخر على ما لم يزل؟
و كالتمر الّذي يكون مرّة بلحا، و مرّة بسرا، و مرّة رطبا، و مرّة تمرا، فيتبدّل عليه الأسماء و الصفات، و اللّه- عزّ و جلّ- بخلاف ذلك.» (1)
كما لا تعرف كينونته؛ كما قلت:
لا تعرف القدمة، للقديم، أو ديمومته كنها، كما قد عمّيت على كل احد كينونته، فمثل ما لا كونه موصوف، و لا بكينونته معروف، كذلك قد حارت الأوهام فى لا أمده، فى أزليّة له أو أبده، فلا يهتدى و هم الى أن كيف كان أوّلا من الأزل؟ أم كيف آخر على ما لم يزل؟ فانّ هذا امر لا يدرك و لا يوصف، كما انّ ذاته لا تعرف. قال امير المؤمنين (ع):
«ازلة نهية لمجاول الأفكار، و دوامه ردع لطامحات العقول.» (2)و قال (ع) أيضا:
«و تحيّرت الأوهام عن احاطة ذكر ازليّته.»(3)و قال الرضا (ع): «لا يتوّهم ديمومته و لا يمثّل بخلقه.» (4)
و امّا أنّه لا يوصف بكينونته، فقد مرّ الكلام فيه مفصّلا، و لنذكر شيئا منه هنا:
قال امير المؤمنين (ع): «و ربّنا هو كائن بلا كينونة كائن، كان بلا كيف يكون، كان لم يزل بلا لم يزل، و بلا كيف يكون.»(5)
و قال الباقر (ع): إنّ ربّى- تبارك و تعالى- لم يزل حيّا بلا كيف، و لم يكن له كان، و لا كان لكونه كيف، و لا كان له اين، كان بلا حياة حادثة، و لا كون موصوف، و لا كيف محدود.» (6)
و قال موسى بن جعفر (ع): «كان حيّا بلا كيف و لا اين، و لا كان في شيء و لا كان على شيء، فكان اللّه حيّا بلا حياة حادثة، و لا كون موصوف، و لا كيف محدود، كان
إنّ الحدوث حيث باين القدم***كما يباين الوجود للعدم
فما لحادث من الصفات***ممتنع على قديم الذات
أوّلا بلا كيف، و آخرا بلا اين، و كلّ شيء هالك إلّا وجهه، له الخلق و الأمر، تبارك اللّه ربّ العالمين.» (1)
نذكر فيه أنّ القديم لا يتّصف بصفات الحادث، بمقتضى البينونة و التضاد بينهما:
إنّ الحدوث حيث باين القدم، كما يباين الوجود للعدم؛ يعنى، أنّ التقابل بينهما، تقابل التضاد، و التباين بينهما التباين الكلّى، فلا شيء من القديم بحادث و كذا العكس. فما لحادث من الصفات، ممتنع على قديم الذات. قال امير المؤمنين (ع):
«لا تجرى عليه الحركة و السكون، و كيف يجرى عليه ما هو اجراه؟، و يعود فيه ما هو ابداه، و يحدث فيه ما هو احدثه؟ إذن لتفاوتت ذاته، و لتجزّأ كنهه، و لا امتنع من الأزل معناه، و لكان له وراء اذا وجد له امام، و لا التمس التمام اذا لزمه النقصان، و إذن لقامت آية المصنوع فيه، و لتحوّل دليلا بعد ان كان مدلولا عليه، و خرج بسلطان الامتناع من ان يؤثّر فيه ما في غيره.» (2)
و قال الرضا (ع): «فكلّ ما في الخلق، لا يوجد في خالقه، و كلّ ما يمكن فيه، يمتنع في صانعه، لا تجرى عليه الحركة و السكون، و كيف يجرى عليه ما هو اجراه، و يعود فيه ما هو ابتدأه؟ إذن لتفاوتت اجزاؤه، و لا امتنع من الأزل معناه، و لما كان للبارى معنى غير المبروء، و لو حدّ له وراء، إذن لحدّ له أمام، و لو التمس له التمام، إذن لزمة النقصان؛ كيف يستحقّ الأزل، من لا يمتنع من الحدث؟ و كيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء؟ اذن لقامت فيه آية المصنوع، و لتحوّل دليلا بعد ما كان مدلولا عليه.» (3)
فما هو القديم لا يحول***عمّا عليه حيث لا يزول
ما لم يزل فلا يزال دائما***إذ كان ذاته عليه قائما
ما حال، قد زال، و ما زال فلا***يكون لا يزال، بل تبدّلا
فما هو القديم لا يحول عمّا هو عليه، حيث إنّه لا يزول، قال امير المؤمنين (ع) بعد كلامه المتقدّم، بعد قوله: «من ان يؤثّر فيه ما في غيره»: «الّذي لا يحول و لا يزول و لا يجوز عليه الأفول.»(1)و قال الصادق (ع): «لا يقع عليه الحدوث، و لا يحول من حال الى حال، خالق كلّ شيء.» (2)
ما لم يزل، فلا يزال دائما على ما كان، إذ كان ذاته عليه قائما، و ما كان بالذّات، لا يتغيّر عمّا هو عليه، و ظاهر أنّ ما حال، قد زال عما كان، و ما زال، فلا يكون لا يزال، بل تبدّلا و زال. قال الصادق (ع) فى محاجّته مع ابن ابى العوجاء:
«و لو كان قديما، ما زال و لا حال، لأنّ الّذي يزول و يحول، يجوز ان يوجد و يبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، و في كونه في الأزل دخوله في القدم، و لن تجتمع صفة الأزل و الحدث و القدم و العدم في شيء واحد.» (3)
التوحيد من اركان الإسلام، و هو الركن الأوّل منه، فلا اسلام بدونه؛ و ركنيّته فيه من الضرورات الإسلاميّة؛ و وجوبه ثابت بالكتاب و السّنة المتواترة و اتّفاق المسلمين، و انكاره خروج عن هذا الدين. و بعد ما نذكره من الدليل العقلى فهو واجب أيضا بحكم العقل.
و أوّل الدين كذا التعبيد***معرفة و أصلها التوحيد
و هو كمالها و نصف الدين***و أوّل المفروض في التسنين
و أفضل الأعمال حصن ربّه***و من أقرّ فرّ من عذابه
و النّار حرّمت على ذاك البدن***بشرطه، و هو لجنّة ثمن
و جاء أيضا إنّه إحسان***جزاء الإحسان هو الجنان
و التوحيد، (تفعيل من الوحدة)، و التفعيل، امّا للنّسبة، فالمراد نسبته تعالى الى الوحدانيّة، او للتصيير اعتقادا؛ و المراد به الإذعان و الاعتراف بوحدانيّته. و وحدانيّته تعالى من جهات، الّا أنّ المعهود، تخصيص جهتين منه بالكلام. و لنبدأ قبل الخوض، بذكر ما ورد عنهم (ع) من فضله و اهميّته في الدين و اجر الموحّدين.
و أوّل الدين كذا التعبيد؛ اى أوّل تعبيد النّاس لربّهم بان يعبدون؛ اى أوّل الدين و أوّل العبادة، معرفة، و أصلها (اى اصل المعرفة) التوحيد، و هو كمالها أيضا؛ اى كمال المعرفة، بل نفس المعرفة أيضا، قال امير المؤمنين (ع):
«و معرفته توحيده.»(1)و قال (ع): «أوّل الدين معرفته، و كمال معرفته التصديق به، و كمال التصديق به توحيده.» (2)و قال (ع) أيضا: «أوّل عبادة اللّه معرفته، و اصل معرفته توحيده.»(3)
و قال الرضا (ع): «أوّل الديانة، معرفته، و كمال المعرفة، توحيده.» (4)و قال (ع):
«أوّل عبادة اللّه، معرفته، و اصل معرفة اللّه، توحيد.»(5)
و هو أيضا نصف الدين، قال رسول اللّه (ص): «التوحيد نصف الدين.» (6)
و كونه نصف الدين، امّا باعتبار أنّ اصل الإسلام الشّهادتان، او باعتبار انّ الدين ينحلّ و يتجزّى الى جزءين: جزء منه معرفة اللّه، و هو التوحيد، و جزء منه، سائر المعارف، و ذلك باعتبار اصل الدين و اصولها.
و هو أيضا أوّل المفروض في التّسنين؛ اى أوّل ما فرضه اللّه فيما سنّه على عباده في كتاب فقه الرضا (ع):
إنّ أوّل ما افترض اللّه على عباده، و اوجب على خلقه، معرفة الوحدانيّة، قال اللّه تعالى:( وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...)(1)يقول: ما عرفوا اللّه حق معرفته.» (2)
و هو أيضا أفضل الأعمال، سئل الصادق (ع) بعض اصحابنا، فقال اخبرنى اىّ الاعمال افضل؟ فقال (ع): «توحيدك لربّك، قال فما اعظم الذنوب؟ قال (ع): تشبيهك لخالقك.»(3)
و هو أيضا حصن ربّه، و من أقرّ به، فرّ من عذابه، فعن العسكرى (ع) عن ابيه عن آبائه عن امير المؤمنين (ع) عن النّبي (ص) عن جبرئيل، سيد الملائكة، قال: قال اللّه، سيّد السّادات- جلّ و عزّ-: إنّى انا اللّه، لا إله إلّا انا، من اقرّ لى بالتوحيد، دخل حصنى، و من دخل حصنى أمن من عذابى.» (4)
و النّار أيضا حرّمت على ذاك البدن؛ اى بدن الموحّد، قال الصادق (ع): «إنّ اللّه حرّم اجساد الموحّدين على النّار.»(5)و لكن ذلك بشرطه؛ كما قال الرضا (ع): «بشرطها و شروطها، و انا من شروطها.» (6)
و كونه موجبا للأمن من العذاب، و تحريم النّار لا ينافى كونه مشروطا بشرط كغيره من الموضوعات العباديّة و الأخلاقيّة، فما ورد في خواصّها و آثارها، إنّما هو بلحاظ اصل الموضوع في الجملة. فإذا قيل: «الصلاة قربان كلّ تقى»، لا ينافى كونه مشروطا بالطّهارة مثلا.
و هو أيضا لجنّة ثمن، عن الرضا (ع)، عن آبائه، قال: قال رسول اللّه (ص):
«التوحيد ثمن الجنّة.» (7)و جاء أيضا في الأحاديث إنّه اى التوحيد إحسان و جزاء الإحسان هو الجنان عن الصادق عن آبائه عن على (ع) فى قول اللّه- عزّ و جلّ-: (هَلْ
قد أمر اللّه به و اهتمّ به***لأنّ لو لاه، لم يهتم به
فلم يكن يعبد أو يطاع***بل العباد غيره أطاعوا
جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ )(1)قال: «سمعت رسول اللّه (ص): يقول «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- قال: ما جزاء من انعمت عليه بالتوحيد إلّا الجنّة.» (2)
و التوحيد ممّا قد أمر اللّه به، حيث قال:( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... )(3)، و اهتمّ به، حيث كرّر في كتابه توبيخ المشركين، و اكثر المحاجّة معهم؛ و ذلك لأنّه لو لاه، لم يهتم؛ اى لو لا امره بالتوحيد، لم يكن يهتمّ به احد، فلم يكن يعبد أو يطاع، بل العباد غيره أطاعوا. قال الرضا (ع):
«فان قال [اى القائل] فلم وجب عليهم الإقرار و المعرفة، بأنّه تعالى واحد احد؟
قيل: لعلل. منها: انّه لو لم يجب عليهم الإقرار و المعرفة، لجاز ان يتوهّموا مدبرين، او اكثر من ذلك، و اذا جاز ذلك، لم يهتدوا الى الصانع لهم من غيره، لأنّ كلّ انسان منهم، كان لا يدرى، لعلّه انّما يعبد غير الّذي خلقه، و يطيع غير الّذي امره، فلا يكون على حقيقة من صانعهم و خالقهم، و لا يثبت عندهم امر آمر، و لا نهى ناه، اذ لا يعرف الآمر بعينه، و لا النّاهى من غيره.
و منها: انّه لو جاز ان يكون اثنين، لم يكن احد الشريكين اولى بان يعبد و يطاع من الآخر؛ و في اجازة ان يطاع ذلك الشريك، اجازة ان لا يطاع اللّه، و في ان لا يطاع اللّه- عزّ و جلّ- الكفر باللّه، و بجميع كتبه و رسله، و اثبات كلّ باطل، و ترك كلّ حقّ، و تحليل كلّ حرام، و تحريم كلّ حلال، و الدخول في كلّ معصية، و الخروج من كلّ طاعة، و إباحة كلّ فساد، و ابطال لكلّ حقّ.
و منها: أنّه لو جاز ان يكون اكثر من واحد، لجاز لإبليس ان يدّعى انّه ذلك الآخر، حتّى يضادّ اللّه تعالى في حكمه، و يصرف العباد الى نفسه، فيكون في ذلك اعظم الكفر و اشدّ النّفاق.
توحيده، تصديق وحدانيّته،***توصيف ذاته بفردانيّته
و عند أهل وحيه الأمين***توحيده المطلق، أصل الدين
ذاتا و وصفا، كفوا أو وجودا***شبها، ربوبيّته أو معبودا
قد عرفت أنّ معنى التوحيد، هو الاعتقاد بالواحدانيّة، و القول بأنّه واحد؛ كما اشرت إليه:
توحيده، تصديق وحدانيّته، توصيف ذاته بفردانيّته. لكن للواحديّة جهات، فإنّ الشيء يكون واحدا لجهات مختلفة:
فقد يقال: واحد، لبساطته و عدم تجزّيه؛ و قد يقال: واحد في وجوده؛ اى لا عدل له و لا ثانى كالشّمس؛ و قد يقال: واحد في كماله؛ اى لا نظير له؛ و قد يقال: واحد من حيث الشّبه؛ اى لا مثل له؛ و قد يقال: واحد بمعنى انّه فرد لا صاحب له، و لا انيس؛ و قد يقال: واحد في ملكه و تدبيره؛ اى لا شريك له؛ و قد يقال: واحد في المطاعيّة؛ اى لا يطاع غيره؛ و قد يقال: واحد من العدد؛ و قد يقال: واحد في جنسه، او واحد من الجنس.
و الوحدة بجميع معانيها يطلق على اللّه، و الاعتقاد بها واجب و داخل في الدين عند اهل البيت (ع)، سوى الاخيرين؛ فإنّه لا يصحّ اطلاقهما عليه. و الى هذا التفصيل اشرت بقولى:
و عند أهل وحيه الأمين، توحيده المطلق، أصل الدين، لا خصوص النوعين المعروفين.
و المراد بالتوحيد المطلق، توحيده تعالى ذاتا، بان لا يجزّى ذاته؛ و وصفا، بان تجعل صفاته عين ذاته لا زائدة عليه؛ و كفوا، بان لا تجعل له صاحبة و ولدا؛ أو وجودا، بان لا يجعل له شريك و ثان في الوجود، كالقول بتعدّد القديم، و ان لم يفرض له التدبير؛ او شبها، بان لا يشبه بخلقه و يجعل له مثل؛ او ربوبيّته، بان لا يفرض له شريك في الخلق و التدبير، او يسند الأمر إليه دونه؛ أو معبودا، بان لا يشارك غيره في العبوديّة، او يعبد الغير دونه.
و بالأخيرين على ما رسما***قد خصّص التوحيد من تكلّما
و ما له وجه و إن خصّا هنا***بالبحث، إذ سواهما قد زكنا
و ذان قد خصّا بدعوة الرسل***إذ فيهما شاع الضلال و السّبل
و لا يقال واحد من العدد***و لا من الجنس، لأنّه أحد
و الأحدىّ الذات، لا جنس له***و لا له ثان يكون مثله
و لكن بالأخيرين على ما رسما؛ اى صار مرسوما، قد خصّص التوحيد من تكلّما؛ فانّ المعهود من المتكلّمين، أنّهم ينوّعون التوحيد نوعين، و يتكلّمون فيهما، و ان لم يسمّوا الأوّل ب «الربوبى»؛ كما سمّيناه، بل سمّوه ب «التوحيد الذاتى». و هذا التخصيص، ما له وجه، بعد ما عرفت من اطلاق الواحد على الجهات المذكورة. و لعلّه ليس بتخصيص، بل اختصاص البحث بهما لاختصاص الدعوة الظاهرة بهما؛ كما نشير إليه.
و الحاصل: أنّ التوحيد لا يختصّ بهما، و إن خصّا هنا بالبحث، إذ سواهما قد زكنا، فقد علم كلّ من محلّه، و ذان قد خصّا بدعوة الرسل؛ حيث كانت الدعوة الظاهرة من الأنبياء، مخصوصة بهذين التوحيدين، إذ فيهما شاع الضلال و السّبل؛ اى ضلال النّاس و سبلهم المتفرّقة، فإنّ عامّة النّاس، الّذين ابتلى بهم الأنبياء في كلّ زمان، كانوا منحرفين عن اللّه تعالى، إمّا بالشرك في ربوبيّته، فلذلك خصّ ظاهر الدعوة بهم، قال رسول اللّه (ص):
و ابتعث فيهم النبيّين مبشّرين و منذرين، ليهلك من هلك عن بيّنة، و يحيى من حىّ عن بيّنة، و ليعقل العباد عن ربّهم ما جهلوا، فيعرفوه بربوبيّته بعد ما انكروا، و يوحّدوه بالألوهيّة بعد ما عاندوا.» (1)
و لا يقال له تعالى: أنّه واحد من العدد؛ اذ الواحد من العدد يحتاج الى ثان؛ و لا يقال له أيضا: واحد من الجنس، لأنّه تعالى أحد، و معنى الأحد، أنّه تعالى احدىّ الذات و المعنى، و الأحديّ الذات، لا جنس له، لأنّه غير متجزّى، و ما لا يتجزّى، لا جزء له؛ و ما لا جزء له، لا جنس له و لا فصل، فلا يقال: إنّه واحد من الجنس، او واحد في جنسه.
و المراد بالجنس هنا، الجنس العرفى، لا المنطقى؛ فيعمّ النوع و الصنف.
و حينئذ فلا جنس له، و لا له ثان يكون مثله، اذ المتماثلان، يشتركان في الجنس
1) . البحار 4: 287/ 19.
و إنّه ما لا يحدّ لا يعدّ***فليس واحدا بتأويل العدد
و جاز أن يقال هذا واحد***لغيره، و لا يقال أحد
و النوع، و اذ لا نوع له لا ثانى له يكون مثله. قال امير المؤمنين (ع) فى جواب الأعرابى الّذي سأله يوم الجمل عن أنّ اللّه تعالى واحد:
يا اعرابى! إنّ القول في أنّ اللّه واحد، على أربعة اقسام: فوجهان منها لا يجوزان على اللّه- عزّ و جلّ-، و وجهان يثبتان فيه.
فامّا اللّذان لا يجوزان عليه: فقول القائل: «واحد»، يقصد به باب الأعداد، أ ما ترى أنّه كفر من قال أنّه ثالث ثلاثة، و قول القائل: «هو واحد من النّاس»، يريد به النّوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز، لأنّه تشبيه و جلّ ربّنا، و تعالى عن ذلك.
امّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه: فقول القائل: «هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا»؛ و قول القائل: «أنّه- عزّ و جلّ- احدىّ المعنى؛ يعنى، به أنّه لا ينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم، كذلك ربّنا- عزّ و جلّ.» (1)
اقول: ما ذكره (ع) من حصر ما يجوز اطلاقه عليه تعالى في الوجهين، لا ينافى ما ذكرنا، لأنّ الوحدة الذاتيّة و الوصفيّة، تدخلان في احديّة المعنى، و ما عداهما، يدخل في نفى الشّبه و المثليّة، و أيضا العدّ يوجب تحديد المعدود؛ و إنّه ما لا يحدّ لا يعدّ فليس اللّه تعالى واحدا بتأويل العدد. قال امير المؤمنين (ع):
«واحد لا من عدد، و دائم لا بامد.» (2)و قال (ع) أيضا: «واحد لا بعدد، و دائم لا بامد.»(3)و قال (ع) أيضا: «لا يشمل بحد، و لا يحسب بعدد.»(4)و قال (ع): «و لم يتبعّض بتجزية العدد.»(5)و قال (ع) أيضا: «الواحد لا بتأويل عدد.» (6)
و قال الرضا (ع): «واحد لا بتأويل عدد.» (7)و قال امير المؤمنين (ع) و موسى بن جعفر (ع) و الرضا (ع): «و من حدّه، فقد عدّه، و من عدّه، فقد ابطل ازله.»(8)لأنّه صيّره7.
محدودا و المحدود مخلوق كما تقدّم.
و قال الصادق (ع): «و هو- تبارك و تعالى- واحد لا متجزّى، و لا يقع عليه العدّ.» (1)و قال (ع) أيضا: «هو مثبت موجود، لا مبطل و لا معدود.» (2)
و قد ظهر ممّا ذكرنا، الفرق بين الواحد و الأحد، بأنّ الواحد من حيث الإطلاق، اعمّ من الأحد؛ فانّ الأحد، روعى في معناه الوحدة من حيث البساطة و عدم التجزّي، و لم يراعى ذلك في معنى الواحد، فالأحد: «هو الواحد الّذي لا يتجزّى» و الواحد:
«هو الواحد في الفرديّة مطلقا»
و على هذا الفرق، جاز أن يقال: هذا واحد لغيره تعالى، و لا يقال: هذا أحد.
قال (ص): «اللّه واحد واحدىّ المعنى، و الإنسان واحد ثنوىّ المعنى، جسم و عرض، و بدن و روح.» (3)
و قال الرضا (ع): «و الإنسان واحد في الاسم، لا واحد في المعنى، و اللّه- جلّ جلاله- واحد لا واحد غيره.» (4)
و ظاهر الدعوة و القرآن***له اهتمام زائد بالثانى
بعكس ما اهتمّ به الكلامىّ***لكثرة الإشراك بالأصنام
أو بالربوبيّة للأنداد***كعابدى النّجوم بانفراد
فلم يكن في كلّ مشرك غوىّ***من يدّعى ربّين إلّا الثنوى
اذن فما كثرة حاجة الى***إبطال ربّ معه معلّلا
بل ما عدا القائل باليزدان***لا يثبت الربّ مع الرحمن
و ظاهر الدعوة الاسلاميّة في حروبها و غيرها، و كذا ظاهر القرآن، له اهتمام زائد بالثانى؛ اى التوحيد العبادى، بعكس ما اهتمّ به الكلاميّ؛ فانّ اهتمامه بالتّوحيد الربوبى، و الاستدلال عليه اكثر و اوفر. و ذلك لأجل افتراقهما في جهة الابتلاء، فانّ المتكلّمين قد ابتلوا بتشكيكات الزنادقة و الفلاسفة في التوحيد الربوبى، بعد ظهور الإسلام، و وضوح بطلان عبادة الأصنام و غيرها على الأنام؛ فلذلك اهتمّوا بدفعهم اكثر الاهتمام، بخلاف الإسلام في ابتداء دعوته، فإنّه اهتمّ بالتوحيد العبادى لكثرة الإشراك بالأصنام الّتي لا يعتقدون فيها و لها، الّا شأنيّة المعبوديّة دون الربوبيّة؛ أو الأشراك بالربوبيّة أيضا للأنداد الّتي اتخذوها، كعابدى النّجوم، و لكن بانفراد، حيث كانوا يعبدونها باعتقاد ربوبيّتها و تأثيرها و تدبيرها في العالم.
فلم يكن في كلّ مشرك، غوىّ، ضالّ. مع كثرة المشركين، من يدّعى ربّين، إلّا الثنوى، القائل بالنّور و الظلمة، او اليزدان و الأهرمن. إذن فما كثرة حاجة الى إبطال ربّ معه معلّلا، لان الّذين ابتلى النّبي (ص) بدعوتهم من المشركين، إمّا ان لا يعتقدوا ربّا غيره، و انّما يعبدون غيره على توهّم؛ او لا يعتقدونه تعالى ربّا، بل يعتقدون غيره.
بل عند التحقيق ما عدا القائل باليزدان و الاهرمن، لا يثبت الربّ مع الرحمن، بل تارك له رأسا، و مثبت غيره كالقائل بالنور و الظلمة. فإنّهم في الحقيقة كعابدى النّجوم، مشركون به تعالى في نفيهما ايّاه، و اثبات غيره، لا في اثبات غيره معه.
بل وحدة الصانع و المدبّر***فرضيّة، مقبولة، للمنكر
و إنّما التشكيك للزّنادقة***ثمّ الحكيم بثّه و نمّقه
فصار غامضا لمن قد وصفه***دليله إذ تبعوا الفلاسفة
فى شرط كونه هنا عقليّا***ممتنعا خلافه جليّا
بل وحده الصانع و المدبّر للعالم، فرضيّة اى على وجه الفرض؛ يعنى، على فرض وجود الصانع، مقبولة، للمنكر الجاحد له أيضا، مثل الدهرى و الطبيعى، فإنّهما مع انكارهما للصانع، لا ينكران وحدته على فرض ثبوته؛ و لذلك تريهما يسألان دائما عن الدليل على اثباته، و بعد الأثبات لا يتأمّلان في وحدته.
و حاصل هذا الكلام، دعوى التسالم من عقلاء البشر على التوحيد، حتّى من المنكر للصانع، ما عدا الفرقة الثنوية. و كان مبنى هذا التسالم، دلالة العقل من وحدة الصنع أو اتّصال النّظم على وحدة المدبّر؛ كما يأتى تفصيلها في الأدلّة.
فالعقلاء بفطرتهم السليمة قاضون بالتوحيد، و لذلك تريهم متّفقين عليه، و ان كانوا ما بين مثبت للصانع الواقعى الحقيقى، او الاتّخاذي مكانه، و من شذّ عنهم كالثنويّة، فإنّما فارقوا العقلاء للأوهام و شبهات حصلت لهم، فليس لأحد ممّن عدا هؤلاء من المقرّين بالصانع، اىّ صانع كان، او المنكرين له تشكيك في وحدته.
و إنّما التشكيك فيها، للزّنادقة المحدثة له، ثمّ الحكيم بثّه؛ اى بسطه و نمّقه؛ اى زيّنه، فانّ من شأن الحكيم بزعمه التدقيق و التحقيق، فاراد ان يدقّق الإشكال أوّلا، ثمّ يزيّفه فنمّقه بتدقيقه، ثمّ لم يتخلّص منه بتحقيقه، و كم من تدقيقات تقوى الشبهات و تزيدها! مع انّ قضيّة التوحيد و اثباته ابين من ان يحتاج الى تكلّف و تعب او تجشّم و نصب، و لكن بالرّغم من ذلك اكثروا من الأوهام و زادوا في النقض و الإبرام.
فصار غامضا لمن قد وصفه، و اقرّ به، دليله؛ اى صار دليل التوحيد عليهم غامضا مع اعترافهم به و انّما وقعوا في ذلك، إذ تبعوا و قلّدوا الفلاسفة في كيفيّة اعتبار الدليل في باب التوحيد، فاعتبروا فيه تقليدا لهم امرين، و قلدوهم في شرطين:
احدهما: فى شرط كونه؛ اى الدليل هنا؛ اى في باب المعرفة مطلقا خصوصا فى التوحيد عقليا لا شرعيّا، لتقدّم المعرفة مطلقة على الشرع، و لا عقلائيّا؛ اى ما يرتضيه العقلاء من الحجّة، لأنّ المعرفة من الأصول الأوليّة العقليّة.
و اللّازم الحجّة في التوحيد***بما انتهى العبد عن التقليد
و انّما التوحيد كالإثبات***يعرف بالعقل و بالآيات
و فيهما مناط ايمان المقرّ***يقينه عن حجّة لا يعتذر
فصحّ أن لو اكتفى بالمعجزة***لأنّها آية أيضا بارزة
ثانيهما: فى كون الدليل العقلى ممتنعا خلافه جليّا؛ اى يكون ممّا يمتنع عند العقل خلافه بالبداهة، نظير اجتماع النقيضين، و الواحد نصف الاثنين. و بعد اعتبار هذين الأمرين، وقعوا في حيص و بيص، فى مقام اقامة دليل واجد للشرطين، و هذا من اثر الفلسفة الميشومة، و ليس لهم على ما اعتبروا من دليل إلّا الاستحسان العليل.
و اللّازم الواجب عقلا و شرعا، هو الحجّة في باب التوحيد، كغيره من الأبواب و المسائل، بما؛ اى بحيث انتهى العبد عن التقليد؛ يعنى، أنّ القدر اللازم من الدليل ما يكون حجّة عقليّة أو عقلائيّة، بحيث يخرجه عن التقليد، و إنّما التوحيد كالإثبات؛ اى توحيد الصانع كاثباته، يعرف بالعقل و بالآيات، فكما انّ اثباته تعالى لا يتوقّف على مثل ذلك البرهان العقلى، بل يكفى فيه العلم به من طريق الآيات و البرهان و الآثار، و ان لم تكن دلالتها على الثبوت كدلالة البرهان العقلى في الامتناع عن المناقشة؛ كذلك توحيده تعالى لا يتوقّف على ذلك و يكفى فيه ما يكفى فيه.
و فيهما اى في البابين مناط ايمان المقرّ به تعالى ثبوتا أو توحيدا، يقينه بذلك عن حجّة لا يعتذر بعدها؛ اى لا يبقى موردا للاعتذار عن تقصيره في تحصيل ما عليه الاعتبار، و لا يجب عليه أزيد من ذلك، فصحّ أن لو اكتفى بالمعجزة؛ لأنّها آية أيضا بارزة، كسائر الآيات و الآثار؛ فتكون دلالة المعجزة على التوحيد من دلالة الأثر على المؤثّر.
وجه دلالته: أنّ الرسول يدعى امورا ثلاثة: الرسالة، و أنّها من اللّه، و أنّه واحد، فاذا تمّت المعجزة بيّنة للمدّعى تمّت له دعاويه الثلاث فلا مانع إذن من الاكتفاء بالمعجزة في جهة الوحدانيّة؛ كما يكتفى بها من جهة الرسالة.
ثمّ مناط كونه عقليّا***كون الدليل عندهم مرضيّا
بحيث إن يعرض عليه أبرم***هو إن يكن بنفسه لم يلهمه
و منه ما عقلىّ، أوّلىّ***و منه طولىّ و ثانوىّ
من ذاك قد يقضى بحكمين على***شيء، قضاء ثانيا و أوّلا
كمنعه الإشراك في العبادة***من بعد الاعتراف و الشّهادة
ثمّ مناط كونه؛ اى الدليل عقليّا، و تسميته بالدليل العقلى، ليس على ما توهّموا على حسب مصطلحهم؛ و إنّما المناط، كون الدليل عنده؛ اى عند العقل، مرضيّا يستحسنه و يرتضيه، لا كونه بتلك المثابة من العقليّة؛ بل كان بحيث إن يعرض عليه، أبرمه و احكمه و أمضاه، و إن يكن بنفسه لم يلهمه؛ اى ليس المناط إلّا كون العقل راضيا به، حجّة عنده حاكما بصحّته، و ان لم يكن مدركا ايّاه بالاستقلال، فضلا عن كونه ممتنعا عن الخلاف و الاحتمال.
و العقلى على نوعين: منه ما هو عقليّ، أوّلىّ، يحكم به العقل في المرتبة الأولى بذاته، كقبح تكليف العاجز؛ و منه ما هو طولىّ و ثانوىّ، يحكم به في طول الحكم الأوّل لا بذاته، بل متفرّعا عليه في المرتبة الثانية، كقبح تكليف الجاهل، لأنّه عاجز. من ذاك؛ اى من جهة أنّ الاحكام العقليّة ليست كلّها في مرتبة واحدة، قد يقضى بحكمين مختلفين على شيء واحد، و لكن قضاء ثانيا تارة، و قضاء أوّلا أخرى؛ فبالنّظر الى ذاته، يحكم بحكم، و بالنّظر الى فرعيّته لحكم آخر، يحكم بما يخالف الحكم الأوّل. و هذا قد يصير موجبا للاشتباه و الاختلاف، لقصر كلّ من المختلفين نظره على حكم و غفلته عن الآخر، فيدّعى احدهم اثباته عقليّا، و الآخر نفيه عقليّا؛ و ذلك كمنعه الإشراك في العبادة، فإنّه عقلىّ ثانوىّ، يحكم به من بعد الاعتراف و الشّهادة، لا قبله، فإنّ العقل أوّلا و بالذّات، لا يمتنع عن تجويز عبادة غير اللّه، كما يأتى، فليس المنع عنها حكما عقليّا، و لكن بعد الاعتراف بصانعيّته تعالى، و مصنوعيّة نفسه له، يحكم بالمنع، لأنّ الإقرار بالملكيّة يوجب عدم جواز صرف ملك المالك لغيره إلّا باذنه.
من قال بالشّرك الربوبىّ يدّعى***زيادة عن واحد في الصانع
فهو إذن يلزم بالبرهان***إذ الخلاف في الإله الثانى
فسوق برهان من الموحّد***تفضّل دفعا لدخل المورد
لا لاحتياجه الى الأثبات***إذ هو ظاهر من الآيات
من قال بالشّرك الربوبيّ يدّعى على حسب زعمه، زيادة عن واحد في الصانع؛ يعنى، يقول بالواحد مع الزيادة، فهو إذن يلزم بالبرهان على الزائد الّذي يدّعيه، إذ لا خلاف معه في الواحد؛ و انّما الخلاف في الإله الثانى، او الثالث، او الرابع. و هكذا حسب ما يفرضه و يدّعيه، فسوق برهان من الموحّد في قبال المشرك، تفضّل منه، لا واجب عليه، لعدم الخلاف فيه، و انّما يتفضّل به دفعا لدخل المورد؛ اى دفع دخل منه عليه، لا لاحتياجه؛ اى الموحّد الى الأثبات لنفسه، إذ هو ظاهر من الآيات؛ كثبوت اصله من دون حاجة الى تكلّف و تحقيق، او تعمّق و تدقيق، و لا لإثبات حقّه على خصمه، اذ هو ثابت من وجوه:
الأوّل: اعتراف الخصم به و موافقته له، كما عرفت، و قد سئل رجل من الثنويّة أبا الحسن الرضا (ع) ما الدليل على انّه واحد؟ فقال (ع): «قولك اثنان، دليل على أنّه واحد لأنّك لم تدع الثانى إلّا بعد اثباتك للواحد، فالواحد مجمع عليه و اكثر من واحد مختلف فيه.» (1)
الثانى: موافقة ظاهر الدليل المثبت للصانع و مساعدته، فإنّ ظاهره عدم الاقتضاء.
بيان ذلك: أنّ كلا من الموحّد و المشرك، لا بدّ له أوّلا من اقامة دليل مثبت للصانع، ثمّ يدّعى وحدته أو تعدده، و الدليل المثبت ليس إلّا واحدا مشتركا بين الصنفين، و هى الأدلّة المتقدّمة من الآيات و الآثار، و هى لا تقتضى تعدد الصانع، بل
1) . البحار 3: 228/ 18.
و ما هو المثبت للمؤثّر***ليس بمقتض ثبوت الأكثر
و الأصل في الصانع الانفراد***في الصّنع مهما أمكن الإيجاد
مؤلّف الكتاب ذو البراعة***فرد كذا الصناع في الصناعة
و هاك بعد الحجّة الجليّة***نوعين من أدلّة عقليّة
نوع مفاده امتناع الزائد***فيستحيل غير ربّ واحد
نبدأ أوّلا ببسط لازم***فيما لما بالذّات من لوازم
غايتها اثبات الاحتياج الى المؤثّر، و إليه اشرت بقولى:
و ما هو المثبت للمؤثّر من الأدلّة، ليس بمقتض ثبوت الأكثر من الواحد، لأنّ مفادها في الاثبات، قضيّة مهملة، و هى صادقة على الواحد، فالواحد لا يحتاج إلى مثبت آخر، و الزائد يحتاج الى الأكثر.
الثالث: موافقته للأصل و ليس المراد اصالة عدم الزائد الّتي هى اصل ظاهرى يعوّل عليه في اثبات الحكم الظاهرى للشّاكّ، بل المراد به مقتضى طبع الصانعيّة واقعا، المتّخذ ذلك من ملاحظة الأفراد الموجودة، و هو و ان كان لا يفيد إلّا ظنّا غالبيّا، الّا أنّه ظنّ عقلائيّ بالواقع. و إليه اشرت بقولى:
و الأصل في الصانع، الانفراد في الصنع مهما أمكن الإيجاد، فإنّ كلّ صانع لشيء يحبّ انفراده بالصنع و لا يشارك غيره معه، إلّا مع عجزه عنه، و هو ظاهر، و قد استشهدت له بقولى: مؤلّف الكتاب ذو البراعة فرد في تأليفه، كذا الصّناع يتفرّدون فى الصناعة.
فعلى ما ذكر، لا حاجة للموحّد الى اتعاب لنفى الزائد. و هاك مع ذلك و بعد الحجّة الجليّة، نوعين من أدلّة عقليّة، يحسم بها مادّة الشّبهة، و يرتفع بها كلّ وهم.
نوع منهما مفاده امتناع الزائد و استحالته، فيستحيل غير ربّ واحد في الوجود. و هذا النّوع، له وجوه، نبدأ أوّلا (قبل تقرير الوجوه)، ببسط لازم في معرفة ما يثبت لما بالذّات من لوازم و اوصاف، فإنّ تماميّة الوجوه في تقريرها على الاستحالة،
فكلّ ما وجوده بذاته***بذاته جميع ذاتيّاته
لو لم يكن، لكان بالغير و ما***يعمل فيه الغير، يأبى القدما
فكلّ ما له فذاك ذاتىّ***إذ ليس إلّا باقتضاء الذات
و كلّ ما اقتضاه ما بالذّات لا***يجوز أن يزول أو يبدّلا
إذ المزيل إن فرضت ذاته***فذاك خلف ما اقتضت إثباته
و إن فرضت غيره أزاله***فقد فرضت الذات معلولا له
فلا يصير معرض الحوادث***إذ ذاته تغيّرت بالحادث
تتوقّف على معرفة هذه اللّوازم، و هى امور. اشرت الى الأوّل بقولى:
فكلّ ما وجوده بذاته لا بغيره، لا بدّ ان يكون كذلك بذاته جميع ذاتيّاته؛ اى كلّ ما فرض له ذاتى كقدمه و أبديّته و حياته، لا بدّ ان يكون له بالذات؛ فلا بدّ ان يكون قديما بالذات لا بالغير، أبديّا بالذات لا بالغير، حيّا بالذات لا بالغير.
و الدليل على ذلك: أنّه لو لم يكن جميع ذاتيّاته بذاته، لكان بالغير، و ما يعمل فيه الغير، يأبى القدماء، و هو ظاهر، لأنّه يقبل التغيّر، و ما يقبل التغيّر حادث؛ و ما كان وجوده بالذات، لا يكون إلّا قديما. و بهذا الاعتبار، فكلّ ما له من شأن، او يفرض له وصف، فذاك ذاتىّ و يعدّ من ذاتيّاته؛ إذ ليس إلّا باقتضاء الذات، لأنّه لو لاه، لكان بالغير.
و الحاصل: أنّ المراد بالذّاتي هنا، ما كان باقتضاء الذات، لا بالاعتبار المتقدّم:
من كون المقتضى نفس الذات فقط و بما هى و أوّلا و بالذات، لا باعتبار لازم من لوازمه او فعل من افعاله.
لأنّه يحتاج الى مزيل، و لا يخلو إمّا ان يكون نفس الذات، او غيرها، و لا يصحّ شيء منهما. إذ المزيل إن فرضت ذاته، فذاك خلف ما اقتضت الذات إثباته، و لا يمكن اجتماع اقتضائين مختلفين للذّات؛ فان كانت مقتضية للنفى، لا يمكن ان يكون مقتضية للإثبات، و كذا العكس؛ و إن فرضت ان كان غيره أزاله، فقد فرضت الذات معلولا له، و المعلول حادث، و يخرج عن كونه ما بالذات.
إذ ذاته تغيّرت بالحادث، فيحتاج إذن الى مغيّر و المغيّر، إمّا ذاته باقتضائه، او غيره، فيعود الكلام.
كذاك لا يكون بالمحدود***فى الذات و الذاتى و الوجود
فالحدّ يحتاج إلى من حدّده***و الشّيء ليس شخصه محدّده
و ازداد تحديد الوجود خلله***إن زال عنه أبدا أو أزله
و ما بذاته غنىّ الذاتب***الذّات في الوجود و الصفات
لو لا الغنى، فالافتقار يلحقه***فصار معلولا لمن يحقّقه
و ما غنىّ مطلق و لم يخصّ***كامل أيضا مطلقا و ما نقص
و الكامل المطلق، ليس فاقدا***علما و قدرة، بلا أن قيّدا
ما أومأت إليه بقولى: كذاك لا يكون ما بالذّات، بالمحدود في الذات و الذاتىّ و الوجود، فلا يكون متناهيا لا في ذاته و لا في ذاتيّاته و لا في وجوده؛ و ذلك لأنّه اذا كان محدودا، فالحدّ يحتاج إلى من حدّده، و الشّيء ليس شخصه؛ (اى نفسه)، محدّده اى محدّد نفسه، لما يجرى فيه ما تقدّم في اثبات الصانع في خلقة الشيء نفسه، فإنّه لا يخلو إمّا ان يكون محدّدا لنفسه قبل وجوده، او بعده، و كلاهما محال. فلا بدّ ان يكون المحدّد غيره، فيصير إذن معلولا للغير، و يخرج عن كونه ما بالذات. و ازداد تحديد الوجود بالخصوص، خلله و فساده على تحديد الذات و الذاتيّات، مضافا الى اشتراكه فيما يرد عليهما، إن زال عنه أبد أو أزله، لأنّ تحديد وجوده ان كان من الأوّل، فقد زالت الازليّة، و ان كان من الاخر، زالت الابديّة.
فلا يفتقر فيهما الى غيره؛ لو لا الغنى، فالافتقار يلحقه، فصار معلولا لمن يحقّقه أو يحقّق له صفاته. و ما هو غنىّ مطلق في ذاته، و لم يخصّ في غناه بوجه دون وجه، فهو كامل أيضا مطلقا و ما نقص عن شيء من الكمال؛ يعنى، أنّه ملازمة بين الغنى و الكمال؛ كما انّه ملازمة بينهما في الإطلاق و التقييد، فكلّ غنىّ، كامل و بالعكس؛ و كلّ غنى مطلق، كامل مطلق و بالعكس؛ و كلّ غنىّ مضاف، كامل بالإضافة و بالعكس.
و الكامل المطلق، ليس فاقدا علما و قدرة ابدا، لأنّهما من اظهر افراد الكمال، فمن شأن الكامل المطلق ان لا يكون مجرّدا عن هذين الوصفين؛ و من شرط الكمال المطلق ان يكونا أيضا مطلقين بلا أن قيّدا بوقت دون وقت، او بشيء دون شيء.
و النقص حدّ، ثمّ إن لم يحتمل***زيادة فموجب و إن قبل
لازمه تغيّر بل لو حصل***لكان بالذّات فكان لم يزل
ثمّ مزيل النّقص أولى و أحقّ***بأن يكون صانعا لو اتّفق،
كذاك ما بالذّات لم يركّب***إذ كان محتاجا إلى مركّب
و بعد فالأجزاء إمّا تنتهى***فصار محدودا بحدّ منته
أو لا فلا تتمّ في الوجود***أجزائه فليس بالموجود
و الدليل على اشتراط الكمال فيما بالذّات مضافا الى كونه لازما للغنى المطلق، ما اشرت إليه من الفساد اللّازم للنّقصان بقولى: و النقص حدّ للنّاقص، زائد على ذاته، و كلّ حدّ يحتاج الى المحدّد كما عرفت.
فان قيل: ليس النّقص إلّا كالكمال، و هما ضدّان، فان كان النقص حدّا، كان الكمال أيضا حدّا.
قلنا: الكمال ليس إلّا عدم النّقص، فهو كعدم النّهاية بالنّسبة الى المتناهى، بل ليسا هما إلّا واحدا.
ثمّ مع فرضه ناقصا، و تجويز النّقص فيه إن لم يحتمل و لم يقبل زيادة على ما هو عليه، فموجب إذن و مجبور، فهو محدود بغير الإرادة، و المحدود بغير الإرادة مصنوع للغير؛ و إن قبل الزيادة، لازمه تغيّر، فيصير حادثا، فالنّاقص مصنوع على كلّ حال؛ بل لو حصل النّقص؛ اى لو فرض حصول النّقص و ثبوته له، لكان حاصلا له بالذّات، فكان لم يزل و غير قابل الزوال اصلا؛ اذ مفروض الكلام فيما هو بالذات، و قد تقدّم أنّ كلّ ما فرض لما بالذّات، لا بدّ و ان يكون بالذّات، فاذا فرض له النّقص، كان النّقص بالذّات، و قد تقدّم انّ ما بالذّات لا يتغيّر و لا يتبدّل؛ فالنّقص المفروض لا يمكن فرض احتمال الزيادة فيه، فينحصر فرضه في كونه موجبا مقهورا. ثمّ مزيل النّقص على فرض قبوله، للزّوال أولى و أحقّ بأن يكون صانعا، لو اتّفق مثل هذا الفرض.
إذ كان محتاجا إلى مركّب، و المركّب إمّا نفسه أو غيره، و كلاهما محال على ما تقدّم. و أيضا بعد هذا، فالأجزاء إمّا تنتهى الى عدد و تكون متناهية، فصار ما بالذّات إذن محدودا بحدّ منته، أو لا تنتهى الى عدد، فلا تتمّ في الوجود إذن أجزائه، لأنّها غير متناهية على الفرض،
فليس إذن بالموجود، لعدم تماميّة اجزائه بعد في الوجود؛ و الشيء لا يوجد، ما لم يوجد اجزائه.
و اذ قد تمّ الكلام فيما للذّات من اللّوازم و الذاتيّات، فلنعد الى التكلّم فيما هو المقصود من الدليل العقلى على وحدة الصانع، على وجه يفيد استحالة التعدد.
فاعلم: أنّ تقرير الاستحالة من وجوه، و طريق معرفتها و سبيل استنباطها من مخارجها، النّظر أوّلا: فيما هو المطلوب بجميع مقتضياته الثابتة له عقلا بالدّليل المثبت له، فإنّ المطلوب اللّازم، انّما هو الصانع، و الدليل المثبت له وجود المصنوعات؛ كما قيل للصادق (ع): «ما الدليل على الصانع؟ قال: (ع): وجود الأفاعيل.»(1)و العلّة المقتضية فيها، الّتي اوجبت الالتزام بالصّانع، إنّما هى المصنوعيّة، فلا بدّ ان ينظر في كيفيّة اقتضاء الصنع و المصنوعيّة و مقدار اقتضائها. فأوّل ما تقتضيه و الجامع لغيره من المقتضيات ان لا يكون صانعها مثلها، اذ لو كان مثلها لكان محتاجا الى الصانع أيضا مثلها؛ كما مرّ قول الصادق (ع) جوابا عن الزنديق: «و إنّ صانعهم غيرهم، اذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب و التأليف و فيما يجرى عليهم من حدوثهم ...» (2)فلازم ذلك ان يكون موجودا، ازليّا، قائما بذاته، قادرا على الصنع، عالما به، فيلزمه إذن ما مرّ من اللّوازم و الذاتيّات لما بالذّات، و ما هو شأن الصانعيّة بمقتضى المصنوعات، فلا بدّ ان لا يكون حادثا و لا محدودا، و لا مركبا و لا ناقصا، و لا مفتقرا، و لا متغيّرا بالزوال، و لا متبدّلا بالأحوال.
ثمّ النظر ثانيا: فى مقتضى امكان التعدّد من حيث هو، مع قطع النّظر عن عدد خاصّ، فان امكن فرضه في نفسه و من غير خلل في تلك اللوازم و الملتزمات الثابتة العقليّة البرهانيّة، قضى به، ثمّ يلاحظ بعد ذلك في العدد الخاصّ و المعيّن منه، و ان صحّ و امكن حكم به، و إلّا حكم باستحالته، لاستلزامه نقض ما حكم العقل بلزومه عن صرافته.
و النّظر في امكان التعدد من جهات: تارة: فى نفسه مع ملاحظة كون الأعداد ما بالذّات؛ و أخرى: بملاحظة مقتضاه من المغايرة و المحدوديّة و التركيب؛ و ثالثة:
بملاحظة الصانعيّة المطلوبة، و امكان الصنع من المتعدّد. و الى هذا اشرت بقولى:
و إنّما فرض التعدد ابتنى***عقلا على أن كان ذاتا ممكنا
و أمكن الصنع مع التعدد***و لم يناقض ما اقتضاه الأبدىّ
و فرض مثلين يؤدّى بالعدد***لغير غاية و كلّ فيه حدّ
إذ فرض مثلين بلا تميّز***ممتنع فاحتيج للمميّز
من فرجة و فاصل بينهما***إذن ثلاثة تصير القدما
إذ كان لم يزل لذين فاصلا***و الأزلىّ ليس إلّا كاملا
و إنّما فرض التعدد ابتنى عقلا على أن كان ذاتا ممكنا، كما هو قضيّة كل دعوى و مقال، فإنّه لا يمكن البحث عن وقوع شيء أو دعوى وقوعه إلّا بعد الإمكان الذاتى له، و فرض التعدد في القائم بالذات غير ممكن ذاتا كما نقرّره. و أمكن الصنع أيضا مع التعدد، و إلّا فمع عدم امكانه ليس من المطلوب اللّازم، و لم يناقض فرضه أيضا ما اقتضاه الأبدىّ؛ اى الأزلىّ الأبدىّ، فلو كان مناقضا لمقتضى الأزليّة، مخالفا للوازمه، غير واجد لخواصّه، و لا جامع لشرائط لا يصلح للصّانعيّة المطلوبة. و شيء من الثلاثة، غير ممكن و لا واقع، يظهر حال الكلّ، من الوجوه الّتي اقمتها على الاستحالة:
فاوّل الوجوه: أنّ العدد في نفسه، غير قابل الفرض لأدائه الى بلوغ العدد الى غير النّهاية، او تعيّنه بمعيّن خارجى، و كلاهما محال؛ كما قلت:
و فرض مثلين، و هو أوّل عدد يفرض زائدا على الواحد، يؤدّى بالعدد لغير غاية و نهاية، و كلّ من الأعداد الغير المتناهية، فيه حدّ للزوم امتياز كلّ عدد عن غيره.
ففيه اشكالان: بلوغه الى غير النّهاية، و استلزامه للمحدوديّة.
بيان الاستلزام، ما ذكرت:
إذ فرض مثلين بلا تميّز بينهما، ممتنع، فاحتيج للمميّز لكلّ منهما من فرجة و فاصل بينهما، ليتميّز كلّ واحد عن غيره، و إذن ثلاثة تصير القدماء: و هى الاثنان المفروضان، و المميّز الفاصل بينهما. إذ كان هذا المميّز لم يزل لذين القديمين فاصلا و مميّزا من الأزل، لأنّ المفروض كونهما ازليّين، فلا بدّ ان يكون المميّز معهما من الأزل؛ اى من حين وجودهما لاحتياجهما إليه من ذلك الحين؛ و الأزلىّ ليس إلّا كاملا، واجدا لجهات الأزليّة و لوازمها على ما تقدّم.
فاحتيج للفرجة في المثلين***إلى مميّزين آخرين
و هكذا فليس ينتهى العدد***إلى معيّن و لا بغير حدّ
فهذا الثالث المميّز اذا كان ازليّا كان إذن مثلهما في الأزليّة و الكمال، فيحكم له أيضا بالاستقلال، لاستقلاله في قيامه بالذات، و اذا حكم له بالاستقلال، فاحتيج الفرض للفرجة؛ اى لأجلها في المثلين المفروضين إلى مميّزين آخرين، يكون احدهما فاصلا بين الأوّل و الثانى، و ثانيهما بين الثانى و الثالث على مثال هذا الخطّ (-----)، و المثال على وجه الفرض و التقدير كلفظ الفرجة و الفصل دون الواقع و التحقيق. و على كلّ حال فالكلام في المميّزين كالكلام في الأوّل، فيصير العدد خمسة و اذا صارت خمسة، احتاجت الى فرج اربع، على هذا المثال (-----)، فصارت تسعة، و هكذا كلّما زاد في العدد، احتاج الى مثله باقلّ من واحد، فالتّسعة الى ثمانية، و صارت سبعة عشر، و هى الى ستّ عشر فصارت ثلاث و ثلاثين، و هكذا.
فليس ينتهى العدد إلى معيّن و لا يكون أيضا كلّ عدد منه بغير حدّ، لأنّه لو كان بغير حدّ، لم يكن هو غيره، و لا يسمّى العدد. قال الصادق (ع) فيما اجاب به عن سؤال الزنديق:
«ثمّ يلزمك ان ادّعيت اثنين، فلا بدّ من فرجة بينهما حتّى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثا بينهما، قديما معهما، فيلزمك ثلاثة، و ان ادّعيت ثلاثة، لزمك ما قلنا في الاثنين حتّى يكون بينهما فرجتان، فيكونوا خمسة، ثمّ يتناهى في العدد الى ما لا نهاية له فى الكثرة.» (1)
فاذا تبيّن أنّ مقتضى التعدد أوّلا و بالذّات، عدم الانتهاء الى حدّ، فمع كونه مستلزما لتحديد كلّ عدد، فامّا ان يبقى على مقتضاه من غير النّهاية، او يدّعى تعيّنه فى عدد خاصّ، و كلاهما باطل و محال. امّا الأوّل: فبطلانه من وجهين: احدهما: من جهة الصانعيّة؛ و ثانيهما من جهة نفس التسلسل؛ و نذكر الوجه الثانى وجها مستقلا؛ و امّا الأوّل، فاليه اشرت بقولى:2.
1) . البحار 3: 230/ 22.
و العدد اللّامتناهي امتنعا***وقوعه للمتناهى صانعا
دفعا و تدريجا و في الثانى وجب***أن لم يكن شيء، لنقصان السّبب
و حصره في عدد معيّن***يحتاج بعد ذا إلى معيّن
فإن يكن من خارج، فهو الأحد***و الكلّ مصنوع و إن من العدد
فيستوى الكلّ و إن أحاله***على اقتضا الطبع فلا حصر له
و العدد اللّامتناهي، امتنعا وقوعه للمتناهى صانعا، فانّ العالم متناه بالضّرورة، فلا يمكن ان يكون الغير المتناهى صانعا له دفعا و تدريجا؛ امّا دفعا، فظاهر، اذ توارد العلل الغير المتناهية على المعلول المتناهى دفعة واحدة، محال؛ لأنّ المفروض كون العلل غير متناهية، فكيف يمكن فرض الدفعة فيها؟ و امّا تدريجا فاوضحت تقريره بقولى:
و في الثانى وجب أن لم يكن شيء من العالم موجود لنقصان السّبب و فقدانه، لأنّ المفروض أنّ العدد غير متناه، فليس تمام السبب موجودا بعد، و إلّا لكان متناهيا، و الشّيء لا يوجد ما لم يتمّ سببه. هذا بالنّسبة الى ابقاء الفرض على مقتضاه من عدم الانتهاء، و امّا حصره في عدد معيّن، فهو يحتاج بعد ذا الاقتضاء المذكور من الفرجة إلى معيّن، و لا يخلو من احد ثلاثة: إمّا ان يكون منها، او من غيرها، او يدعى أنّ التعيّن من مقتضى التعدد؛ و الكلّ باطل؛ كما قلت:
فإن يكن المعيّن، شيء من خارج سوى الأعداد، فهو الصانع الأحد لا غيره، و الكلّ؛ اى كل الأشياء، مصنوع له حتّى ما فرض تعيّنه بالخصوص، و إن يكن من نفس العدد، فيستوى الكلّ على الفرض، لأنّ الفرض اتّحادها في المثليّة؛ و لو فرض أنّ لبعضها جهة فضيلة، اوجبت له سمة التعيّن، رجع الى الأوّل، فيكون هو الصانع وحده، و البقيّة مصنوعة له و إن أحاله؛ اى احال التعيين على اقتضا الطبع، اى طبع العدد، فيقول: إنّ مقتضى طبع التعدد هو التعيين، فلا حصر له؛ كما عرفت انّ مقتضى التعدّد عدم الحصر.
و نفى الأزليّة لا محالة، سواء انتهى العدد أم لم يتناه و أنّ عدم التناهى غير معقول في نفسه. و قد اشار الى نفى الأزليّة اجمالا امير المؤمنين و موسى بن جعفر و الرضا (ع) فى كلامهم بعبارة واحدة:
و العدّ تحديد فيبطل الأزل***و مع تعيّن بحدّين اشتمل
و إن تسلسلت ترتّبت لما***فى جمعها انتهائها تحتّما
و بالتّسلسل الحدوث حاصل***مع أنّه في نفسه لا يعقل
«و من حدّه، فقد عدّه، و من عدّه فقد ابطل ازله.» (1)
و تفصيله ما قلت: و العدّ بنفسه تحديد للمعدود؛ كما عرفت، فإنّ كلّ عدد لا بدّ ان يمتاز عن غيره، و لا يكون الامتياز إلّا بتحديد، فيبطل الأزل بنفس التحديد الحاصل من التعدد، لأنّ كلّ محدود مصنوع على ما تقدّم، فالتّعدّد بنفسه مشتمل على التحديد سواء تعيّن العدد بمعيّن أم لم يتعيّن الى ما لا نهاية له، و مع تعيّن في عدد خاص، بحدّين اشتمل، لا بحدّ واحد، و هما حدّ التعيين في ذلك العدد الخاصّ، و حدّ الامتياز لكلّ منها عن غيره، للزوم الفرجة كما مرّ. فان قيل: بالتعيين تبطل الأزليّة من جهتين، و هما الحدّان المذكوران، و ان قيل: بعدم التناهى، تبطل الأزليّة أيضا من جهتين: إحداهما: الحدّ الملازم للتّعدد؛ و ثانيهما الترتب و التسلسل، فإنّه أيضا مستلزم الحدوث؛ كما قلت: و إن تسلسلت؛ اى الأعداد الى ما لا نهاية له، ترتّبت قطعا بان يكون كلّ واحد عقيب الآخر، و لا تكون مجتمعة اصلا لما في جمعها انتهائها تحتّما، فإنّ الاجتماع كالدّفعة، لا يتحقّق إلّا مع التناهى، و بالتّسلسل الّذي يستدعى الترتيب، الحدوث حاصل للأعداد، لأنّ كلّ عدد منها بمقتضى الترتيب لم يكن إلّا بعد الآخر، و هو معنى الحدوث، اذ لم يكن، ثمّ كان.
و الحاصل: أنّه لا يمكن فرض اللّانهاية إلّا بالتّسلسل، و لا يمكن التسلسل هنا، لاستلزامه الحدوث، هذا، مع أنّه، اى التسلسل في نفسه لا يعقل مطلقا، و لو في غير المقام و في غير العلل و المعلولات، فإنّ محض فرض اللّانهاية في الأمور المترتّبة، ممّا لا يعقل، و يكفى في استحالته عدم تعقّله.
و لو مع التعين في عدد خاصّ. و ما هو المطلوب، إنّما هو الصانع لأجل صنعه فإذا استحال الصنع مع التعدد، حكم باستحالة التعدد.
و تقرير هذا الوجه اجمالا: أنّه لو فرض هناك صانعين مثلا، فلا يخلو إمّا ان
1) . البحار 4: 284/ 17.
و فرض صانعين باستقلال***دفعا و تدريجا من المحال
لأنّ في الدفع توارد العلل***و غيره تحصيل أمر قد حصل
و إن تعاونا بصنع العالم***فى كلّ جزء أو على التساهم
ففيهما القهر أو العجز جلى***و ذا محال في القديم الأزلىّ
و فرض كونه بالاختيار***و هم بل الواقع الانجباريّ
إذ ليس مانع عن استقلال***كلّا سوى المزاحم الفعّال
فالكلّ مقهور بقهر صاحبه***لو لاه بانفراده استقلّ به
فلو توافقا على اختيار***فذلك اختيار انجبارىّ
ثمّ التعاون اقتضى التكاسرا***لكنّه لا يقتضي التغيّرا
و يلزم الصانع لو تعدّدا***فى ذاته ضعف و عجز أبدا
إذ ليس إمّا أنّ كلّا قادر***أن يدفع الغريم أم لا يقدر
يكونا مستقلّين في التأثير، و ذلك امّا دفعة، او تدريجا، او متشاركين، و ذلك امّا بالتعاون في كلّ جزء من اجزاء العالم، او بالتّساهم، بان يصنع كلّ منهما شيئا؛ و الجميع مستلزم للمحال، و تفصيله ما قلت: و فرض صانعين باستقلال بان يكون كلّ منهما مؤثّرا تامّا في كلّ موجود من موجودات العالم، بحيث يستقلّ بنفسه في صنعه، من دون نظر الى الآخر و لا توقّف عليه أو احتياج إليه، فهذا الفرض من الاستقلال، دفعا و تدريجا من المحال. و ذلك لأنّ في الدفع توارد العلل التامّة على معلول واحد، و هو محال من دون التكاسر، لأنّ الشيء الواحد، لا يتحمل تأثيرين تامّين في آن واحد و التكاسر، خلاف الفرض، اذ المفروض الاستقلال، و مع فرض التكاسر يدخل في التعاون. هذا ان كان دفعا، و امّا غيره؛ اى تدريجا، فهو تحصيل أمر قد حصل، و بيانه و استحالته واضحان.
و إن فرض أنّهما تعاونا بصنع العالم، فلا يخلو: إمّا ان يكون التعاون في كلّ جزء و في كلّ موجود، أو على التساهم، بان فرض أنّ احدهما خلق السّماء، و الآخر الأرض مثلا، و كذلك في سائر الاجزاء؛ و على كلّ حال ففيهما بسبب الاشتراك، القهر؛ اى المقهوريّة، أو العجز، جلى على سبيل منع الخلوّ.
وجه اللّزوم: أنّ المشاركة إمّا اختياريّة، او غير اختياريّة، و الأولى غير واقعة هنا كما نذكر؛ فتبقى الثانيّة، و منشأها إمّا عجز عن الفعل بالاستقلال و الانفراد، او قهر من المزاحم القوىّ، الّذي لا يمكن معه الاستبداد، و ذا؛ اى فرض اىّ واحد منهما، محال
فى القديم الأزلىّ؛ كما تقدّم تقريره في ذاتيّات ما بالذّات. و فرض كونه؛ اى التعاون بالاختيار؛ اى باختيار كلّ منهما له و تبانيهما عليه. من دون ان يكونا عاجزين عن الانفراد، او مقهورين عن الاستبداد، و هم؛ اى ليس إلّا فرضا وهميّا؛ بل الواقع الحقيقى انّما هو التعاون الانجباريّ، إذ ليس في الواقع و نفس الأمر مانع عن استقلال بالصّنع كلّا منهما، لو فرض تمكّنه عن الاستقلال، سوى المزاحم الفعّال.
و ان فرض أنّهما تشاركا بالرضا و الاختيار، فالكلّ منهما مقهور بقهر صاحبه، اذ لو لاه، كان بانفراده استقلّ به، فلا يمنعه في الحقيقة عن الانفراد سوى مزاحمة صاحبه، و مع كون الحال ذلك. فلو توافقا على اختيار بعد ذلك، فذلك اختيار انجبارىّ، لا الاختيار بقول مطلق، و هذا نظير اختيار المكره، فإنّه مختار مقهور.
دفع توهّم: لعلّ متوهم يتوّهم أنّ الاشتراك لا على التساهم يوجب التكاسر و ضعف القوّتين، و هو أيضا وجه آخر للاستحالة، و قد اشرت الى دفعه بقولى:
ثمّ التعاون اقتضى التكاسرا، لكنّه؛ اى التكاسر، لا يقتضي هنا التغيّرا في ذات الصانع، لأنّه من التكاسر في الإرادتين لا التكاسر في القوّتين؛ فهذا من قبيل تراضى شخصين على مطلوب واحد، كتراضى موليين على صدور فعل من عبدهما، لا من قبيل اتّفاق شخصين على حمل شيء واحد، اذ الصانع و الصنع ليسا من العلّة و المعلول الحقيقيّن إلّا عند الفلاسفة، و هذا التوهم مبنىّ على ذلك. فلا تغفل!
استلزام التعدد إمّا ضعفا و عجزا في ذات الصانعين، او ذلك مع مقهوريّة، لا تزول عنهما ابدا، و هما محالان مع استلزام الثانى التسلط على ما بالذّات، و هو محال آخر (1)و تفصيله ما قلت: و يلزم الصانع لو تعدّدا في ذاته؛ اى يلزمه في ذاته ضعف و عجز أبدا، لا انفكاك له عنه، إذ ليس يخلو الأمر: إمّا أنّ كلّا منهما قادر في ذاته أن يدفع الغريم عن نفسه، بان يهلكه و يزيله، أم لا يقدر على ذلك؛ و امّا كون احدهما قادرا دون الآخر، فهو من حيث التصوّر فقط، لكنّه خارج عن الفرض؛ لأنّ الفرض كونهما مثلين فلا حاجة للتّشقيق الى الثليث. (2)
و الثانى ظاهر، كذاك الأوّل***لأنّ كلّا للزّوال قابل
مع أنّ ما بذاته محال***أن كان للغير به مجال
و الثانى، ظاهر في لزوم الضعف و العجز لهما ذاتا من غير بيان، و كذاك الأوّل بأدنى امعان؛ لأنّ كلّا منهما مع فرض قدرة الآخر عليه، للزّوال قابل، فيكون كلّ منهما ضعيفا في مقابل قدرة الآخر؛ فحالهما إذن، حال انسانين، و لا يمكن ان يكون هذا الضعف إلّا مستندا الى ذاتهما، و إلّا لم يقبلا الزوال، و لم يقبلا قدرة الغير، فصارا أيضا ضعيفين بالذّات، مع أنّ كلّا منهما مقهور صاحبه أيضا بالذّات. هذا، مع أنّ ما بذاته محال أن كان للغير به؛ اى عليه مجال، و فرض قدرة كلّ منهما على الآخر مستلزم للتسلّط على ما بالذّات. قال الصادق (ع) جوابا عن سؤال الزنديق حيث قال: لم لا يجوز صانع العالم اكثر من واحد؟
قال ابو عبد اللّه (ع): «لا يخلو قولك: أنّهما اثنان، من ان يكونا قديمين قويين، او يكونا ضعيفين، او يكون احدهما قويا و الآخر ضعيف؛ فان كانا قويّين فلم لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه و ينفرد بالربوبيّة، و ان زعمت أنّ احدهما قوىّ و الآخر ضعيف ثبت أنّه واحد كما نقول، للعجز الظاهر في الثانى ...»(1)و يأتى تمامه.
قوله (ع): «فلم لا يدفع؟» تبكيت للسّائل و افحام و الزام له بالتّفكر بهذا الاستفهام، ليظهر له الوجه التام، كما انّه (ع) لم يتعرّض لإبطال كونهما ضعيفين أيضا احالة على ظهوره على الأفهام، و ليس على وجه التعليل، حتّى يقال أنّه ليس بتمام، لإمكان ان يقال أنّهما توافقا على الشركة بالاختيار، و ان كان هذا المقال أيضا، لا يرفع السؤال، كما عرفت و ستعرف.
أيضا في إرادة الصانعين، لا في ذاتيهما؛ و هو أيضا محال؛ فإنّ ما بالذّات القديم، لا يغلب في ارادته؛ كما قلت:
1) . البحار 3: 230/ 22.
و العجز أيضا لازم بلا مردّ***فى صرف كلّ غيره عمّا قصد
فإن يكن يقدر كلّ منهما***أن يصرف الغريم عمّا عزما
كانا ضعيفين و إن لم يستطع***فالضعف أولى بهما إذ يمتنع
و استلزم التعدد التزاحما***عند تخالف المراد لهما
إذ لم تجب عليهما الموافقة***ذاتا و مهما جازت المفارقة
تزاحما فإن توقّفا فذا***عجز بدا قهرا و إن تنابذا
فإن يؤثّرا جميعا اجتمع***ضدّان عينا أو تناقض وقع
و العجز أيضا لازم لهما بلا مردّ في مقام صرف كلّ منهما بالقهر غيره عمّا قصد و اراد، فإنّه لا يخلو الأمر أيضا من ان يكون كلّ واحد منهما، قادرا على ردّ الآخر عن عزمه، و جعله موافقا له بتصرّف منه في نفسه، و تسلّط منه عليه، أم لا؛ فإن يكن يقدر كلّ منهما أن يصرف الغريم عمّا عزما، بنحو من الإعمال فيه، كانا إذن ضعيفين، ذليلين، مغلوبين، و إن لم يستطع واحد منهما، فالضعف أولى بهما إذ يمتنع؛ اى حيث يمتنع ذلك لهما؛ يعنى، صرف كلّ منهما الآخر.
و امكانه هنا كوقوعه، و التزاحم مستلزم للمحال. و تقريره ما قلت:
و استلزم التعدد التزاحما، عند تخالف المراد لهما، امّا بالسلب و الإيجاب، بان يريد احدهما شيئا و لا يريده الآخر؛ او بالتّضاد و التباين، بان يريد هذا مثلا انسانا و الآخر بهيمة؛ إذ لم تجب عليهما الموافقة الدائميّة في المرادات ذاتا؛ اى بحسب ذاتهما، و إلّا كانا موجبين، مجبورين، فيجوز لهما التخالف و المفارقة، و لو احيانا و اتّفاقا، بل و لو امكانا قضيّة لإطلاقهما و استقلالهما ذاتا، و مهما جازت المفارقة، تزاحما في تحقّق مراديهما، فلا يخلو إمّا ان يتوقّف كلّ منهما و ينصرف عن مراده لأجل مزاحمة غيره، او يتغالبان على حصول مراديهما؛ و حينئذ، فامّا ان يؤثّر كلّ منهما أو واحد منهما، او لا يؤثّر احد منهما، و الجميع محال.
فإن توقّفا معا عن الإرادة، فذا عجز بدا قهرا عليهما، لأنّهما لم يتمكّنا من انفاد امرهما، و إن تنابذا بالرّأى؛ اى نبذ كلّ منهما رأيه و انفذ امره، فإن يؤثّرا جميعا، اجتمع ضدّان عينا و خارجا، ان اراد كلّ منهما شيئا غير ما اراد الآخر، أو تناقض وقع كذلك عينا و خارجا، لو اراد هذا شيئا و اراد الآخر نفيه، و وقع المرادان.
و إن تخلّف المراد عنهما***فذان مغلوبان فيما عزما
و إن يرجّح واحد فلا يسع***و فرض الإمكان هنا كأن وقع
و الاختيار عين الانجبار***سمّى «الاشتراك الاختياريّ»
و إن تخلّف المراد عنهما جميعا، بان لم تؤثّر إرادة واحد منهما، فذان مغلوبان فيما عزما عليه قطعا، اذ لو لا مغلوبيّتهما، فإنّ تخلّف المعلول عن العلّة التامة محال، و المفروض أنّ إرادة كلّ منهما علّة تامّة بالاستقلال، و إن يرجّح واحد منهما في تأثير ارادته، فلا يسع ذلك له، لأنّه ترجيح أو ترجّح بلا مرجّح.
و ان عاند الخصم في دعواه، بأنّ التزاحم لا يتّفق لهما اصلا، لموافقتهما دائما على الاشتراك و أنّ هذا مجرّد الفرض امكانا لا وقوعا، فيدفع أوّلا بكفاية فرض الإمكان؛ كما قلت:
و فرض الإمكان هنا كأن وقع، اذ لا فرق في القديم الذاتى فيما هو محال عليه، بين وقوعه و امكانه، لعودهما معا الى المباينة مع الذات، فكما لا يجوز عليه العجز و الضعف و الافتقار و الانكسار حصولا و وقوعا لمنافاتهما لمقتضى الذات، كذلك لا يجوز عليه فرض امكانها ذاتا في ذاته، بل عدم جواز الوقوع ليس إلّا لأجل عدم الإمكان الذاتى.
و ثانيا: بما تقدّم في نظيره، و قد اعدته ثانيا بما قلت: و الاختيار المتوهّم لو سلم، فهو عين الانجبار، سمّى عند الخصم «الاشتراك الاختياريّ». و يمكن ان تكون هذه الآيات أيضا ناظرة الى هذا التزاحم في المراد، وقوعا أو امكانا؛ و هى قوله تعالى:
(قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا)(1). و قوله تعالى:
(مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ )(2)و قوله تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا. )(3).
فانّ التزاحم على ما قرّرناه، نوع من الابتغاء الى ذى العرش، و نوع من العلوّ،2.
و نوع من الفساد، فإنّ كلّا منهما يفسد أمر الآخر. قال الصادق (ع): «و إنّه لو كان في السّماوات و الارضين آلهة معه سبحانه، لذهب كلّ إله بما خلق و لعلى بعضهم على بعض و لأفسد [و لفسد خ] كلّ واحد منهم على صاحبه.» (1)
و قال عليّ بن ابراهيم القمّى: ثمّ ردّ على الثنويّة، الّذين قالوا بالهين فقال (ع):
«ما اتّخذ اللّه من ولد، و ما كان معه من إله، إذن لذهب كلّ إله بما خلق و لعلى بعضهم على بعض. قال: لو كان إلهين كما زعمتم، لكانا يختلفان، فيخلق هذا و لا يخلق هذا، و يريد هذا و لا يريد هذا، و لطلب كلّ واحد منهما الغلبة؛ و اذا اراد احدهما خلق الإنسان و اراد الآخر خلق بهيمة، فيكون انسانا و بهيمة في حالة واحدة، و هذا غير موجود.
فلمّا بطل هذا، ثبت التدبير و الصنع لواحد، و دلّ أيضا التدبير و ثباته و قوام بعضه ببعض على أنّ الصانع واحد- جلّ جلاله- و ذلك قوله: «ما اتّخذ اللّه من ولد.
انتهى. (2)
فان كان ما ذكره من روايته، فهو أيضا تأييد من المعصومين (ع)، و ان كان مستفادا من درايته، فلقد اجاد فيما استفاد، و إليه يشير أيضا قول الصادق (ع) فى جواب الزنديق المذكور:
و ان قلت: إنّهما اثنان، لم يخل من ان يكونا متّفقين من كلّ جهة، او مفترقين من كلّ جهة، فلمّا رأينا الخلق منتظما، و الفلك جاريا. و التدبير واحدا، و اختلاف الليل و النّهار و الشّمس و القمر، دلّ صحّة الأمر و التدبير و ائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد.» (3)
و ذلك بإرادة الاتّفاق و الافتراق في الإرادة، و المراد بقرينة قوله (ع): «فلمّا رأينا الخلق منتظما ...»، لكنّه (ع) لم يتعرّض لأبطال الوجهين، لظهوره لدى السّائل.
و بطلانهما واضح على ما بيّنا، فإنّه ان كانا مفترقين من كلّ جهة، لزم التزاحم و التغالب دائما؛ و ان كانا متّفقين من كلّ جهة، فان كانا مجبورين على ذلك، فهما موجبان، و الّا لزم وقوع الافتراق أو الإمكان.2.
فجائز أن يقع التنازع***بينهما و أمكن التمانع
فيورث الفساد بالتّغالب***أو بتضايق عن المآرب
و عن هشام بن الحكم، قال: «قلت لأبى عبد اللّه (ع): ما الدليل على أنّه واحد؟
قال (ع): اتّصال التدبير و تمام الصنع، كما قال اللّه- عزّ و جلّ-:( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.)(1)» (2)
و المراد باتّصال التدبير، استمراره على التوالى و عدم انقطاعه و توانيه الّذي هو الفساد.
و امّا قوله (ع): «و تمام الصنع ...» فامّا ان يراد به اتقانه و كماله، فهو عبارة عن وحدة الصنع الّتي يأتى الاستشهاد لنا بها، او يراد به بقاء الصنع على كماله، فيرجع الى اتّصال التدبير؛ و على الأوّل فالاستشهاد بالآية لخصوص الاتّصال دونه.
بان يريد كلّ منهما الاستقلال بالملك و الانفراد بالسلطنة، او التمانع بالمضايقة، بان يضيق كلّ منهما على الآخر، إمّا بان يضايق عن معاونته ايّاه في الصنع و التدبير في الشركة على الجميع أو عن مصنوعه الخاصّ به في الشركة السهاميّة، و امكان التنازع كامكان التخالف في الإرادة؛ فانّ التنازع أيضا يوجب الضعف و العجز و المقهوريّة، و امكانه مستلزم لإمكانها، و امكانها كحصولها، و وقوعها محال في الصانع القديم، بل الإمكان يستلزم جواز الوقوع. و لا مانع عنه إلّا القهر كما مرّ.
و الى التّنازع اشرت بقولى:
فجائز أيضا بعد ما جاز الاختلاف بينهما ذاتا، أن يقع التنازع بينهما على المصنوع المشترك بينهما من العالم، و كذلك أمكن التمانع بينهما في مصنوعاتهما المختصّة، لو فرض التساهم؛ فيورث الفساد في العالم: امّا بالتّغالب، بان يتغالبا على الملك أو يغالب كلّ منهما الآخر في حقّه؛ أو بتضايق عن المآرب في معاونته؛ او فيما يختصّ به، بان يضايق خالق السّماء على خالق الأرض عن المساعدة لو فرض انّ للسّماء إله و للأرض إله. و حمل الآيات المتقدّمة و اخبارها على هذا التنازع و التمانع
و الافتقار بان أيضا لهما***فى الصنع إذ بالكلّ قد تقوّما
فإن من الذات فنقص لازم***و إن لمانع فعجز دائم
و مع تعدّد تمايز لزم***و الاشتراك لهما أيضا حتم
فركّبا ممّا به تمايزا***و ما به ذا الاشتراك أحرزا
و فرض تمييز بلا تركّب***ممتنع كمثل أن لم يوجب
هويّتان بتمام الذات***وهميّة إذ شاركا في الذاتىّ
أيضا صحيح، خصوصا قوله تعالى:( لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ ...)(1)فإنّه نصّ في التمانع الّذي ذكرنا.
و هو ظاهر من الاشتراك في صنع العالم؛ فانّ كلّا منهما مفتقر الى الآخر؛ كما قلت: و الافتقار بان أيضا لهما في الصنع، إذ الصنع بالكلّ؛ اى بالجميع، قد تقوّما على فرض التعدد و اشتراكهما.
ثمّ لا يخلو هذا الافتقار: امّا ان يكون من ذاتهما بما هى الذات، او من اجل وجود المانع المزاحم المعارض؛ فإن يكن من الذات فنقص لازم لذاتهما، و إن لمانع فعجز لهما دائم و ايّا منهما كان، فإنّ المفتقر لا يصلح للصانعيّة.
و به استدلّ المتكلّمون و الفلاسفة. و تقريره كما قلت:
و مع تعدّد، تمايز لزم، لأنّه مقتضى الاثنينيّة، و الاشتراك لهما أيضا حتم بالفرض بمقتضى دعوى المثليّة، فركّبا اذا ممّا به تمايزا، و ما به ذا الاشتراك أحرزا، و فرض تمييز بلا تركّب؛ كما توهّمه ابن كمونة، ممتنع كمثل أن لم يوجب التمييز، بان يقال: التميز ليس بواجب و أنّ الاثنينيّة تتحقّق بدونه، هويّتان بتمام الذات، اشارة الى قوله، فإنّه قال ردّا على القول باصالة الماهيّة: «بانّه لا يقوم بدفع شبهة التعدّد، لعدم استلزامه التركيب، لأنّه يمكن ان يفرض هناك هويّتان متباينتان بتمام ذاتهما؛ فانّ الماهيّات، متباينات، و قد يكون تباينهما بتمام الذات، فلا يحتاجان حينئذ الى مميّز غيرهما. و امّا الاشتراك فهو في امر عرضىّ انتزاعى؛ اعنى، وجوب الوجود، فلا اشتراك حتّى يحتاج الى الامتياز، و يعنى بتمام ذاتهما حقيقة ذاتهما لا تمام الحقيقة،
1) . مؤمنون 23: 91.
و الخصم أيضا يدّعى المثليّة***فى كلّ ذاتىّ بلا مزيّة
فإن تباينا بكلّ الذات***تخالفا في كلّ ذاتيّات
و اختلفا بالفقد و الوجدان***أو بالتّضادّ، إذ هما سنخان
لأنّه فرض الماهيّتين بسيطتين.»
و هذا الّذي فرضه، فرضيّة وهميّة، ليس له موطن إلّا الوهم و الخيال؛ إذ المفروض أنّهما شاركا في الذاتىّ؛ يعنى، أنّهما متشاركان في الذاتيّات الّتي يستلزمها القديم و الصانعيّة، و هما متساويين في الواجديّة، و إلّا فلو فقد احدهما كلّا أو بعضا، لم يكن ندّا للآخر، و مع هذه المشاركة في الذاتيّات، كيف يمكن فرضهما متباينين بتمام الذات؟ فانّ المتباينين بتمام الذات لا يمكن فرض اشتراكهما في الذاتيّات.
و الخصم أيضا يدّعى المثليّة، يدّعى أنّهما مثلان، و المثلان لا يمكن فرض تباينهما بتمام الذات، بل بالمشخّصات فقط، و هو يدّعى أنّهما مثلين في كلّ ذاتىّ فرض للصّانع القديم، بلا مزيّة لأحدهما على الآخر، و مع تباينهما بكلّ الذات خرجا عن التماثل الى التضاد، فيكونان متضادّين. و أيضا فإن تباينا بكلّ الذات، تخالفا إذن فى كلّ ذاتيّات لهما، فإنّ ذلك مقتضى المتباينين؛ فانّ المتباينين بالذّات متباينان بالذاتيّات، الا ترى أنّ الحجر يباين الإنسان ذاتا، فيباينه في ذاتيّاته، و كذلك الماء يباين النّار ذاتا، فيبايناهما في ذاتيّاتها، فلا يحصل من الحجر ما يحصل من الإنسان، و لا من الماء ما يحصل من النّار، مع انّهما لا يتباينان بكلّ الذات. فاذا فرض صانعان قديمان بالذّات، كيف يمكن توافقهما في الذاتيّات الّتي من آثارها صنع هذا العالم الكبير؟
و اختلفا أيضا، مع فرض تباينهما كذلك بالفقد و الوجدان، أو بالتّضادّ، إذ هما على هذا الفرض، سنخان، مختلفان، متقابلان، و لا معنى للتّباين بتمام الذات، الّا بان يكون احدهما واجدا لشيء من الذاتيّات، كالعلم مثلا، و الآخر فاقدا له، او كان احدهما واجدا لشيء و الآخر واجدا لضدّه. هذا كلّه، مضافا الى ما تقدّم، انّ التعدد مستلزم للتّحديد، و التحديد يستلزم التركيب لا محالة. و أيضا هذا كلّه في الجواب عن هذه الشّبهة، من حيث لزوم التركيب، و إلّا فاستلزام لزوم التعدد الفرجة على ما تقدّم بيانه، لا يبقى له مجالا.
ثمّ هنا لا يمكن التغاير***مع التماثل الّذي يعتبر
إذ ما لما بالذّات بالذّات فقط***و الذات ليست تقتضى الضدّين قطّ
فواحد بالغير أو هما معا***بل فرض كلّ في الثبوت امتنعا
فانّ هذا المقدار ممّا لا بدّ منه في التعدد، و لا غنى عنه، سواء اعترف الخصم بلزوم التركيب منه، أم لم يعترف؛ و سواء اعترف بأنّ هذا المقدار من التركيب ممّا يضرّ بالقديم، أم لم يعترف؛ فإنّه لا محيص له عن الالتزام بلزوم هاتين الجهتين، و إلّا لم يتحقّق التعدد فيما هو المطلوب، بل لا بدّ له من اثبات ذلك مع ذهابه الى التعدّد. و لعلّه الى هذا اشار الصادق (ع) فى حديثه المتقدّم: «و ان قلت: انّهما اثنان لم يخلوا من ان يكونا متّفقين من كلّ جهة، او مفترقين من كلّ جهة ...» (1)و لم يتعرّض لإبطالهما ايكالا الى وضوحه. فإنّه لو كانا متّفقين من كلّ جهة، فهما ليسا إلّا واحدا، و ان كانا مفترقين من كلّ جهة، فهما متباينان لا يكونان مثلين، و اثر المتباينين متباين، فلا بدّ للخصم من اثبات كونهما متّفقين من جهة، و مفترقين من جهة، قضاء لحقّ التعدد و الالتزام بالتّماثل. و لكن الجمع بينهما فيما هو القديم و بالذّات محال؛ كما قلت:
ثمّ هنا لا يمكن التغاير مع التماثل الّذي يعتبر جمعا، بل المقام لا يحتمل الّا احدهما، إذ قد تقدّم أنّ كلّ ما فرض لما بالذّات، لا بدّ ان يكون ثابتا له بالذّات فقط، لا بالعرض و الغير؛ فلو فرض للقديم التماثل و التغاير، فلا بدّ ان يكونا له بمقتضى الذات مع انّهما ضدّان، و الذات ليست تقتضى الضدّين قطّ، فامّا ان تكون بذاتها مقتضية للتماثل فقط، او للتغاير فقط، فواحد منهما بالغير لا محالة، أو هما معا، و هو الحق؛ اذ لا يجتمع ما بالذّات و ما بالغير في شيء واحد، فاذا ثبت أنّه بالغير من وجه، ثبت له بالإطلاق.
1) . البحار 3: 230/ 22.
إذ لو تماثلا بجنس فهما***فردان من نوعين لن يلتئما
و افتقرا بعد إلى التشخّص***و ذاك عارض على المشخّص
و إن بفصل صيّرا فردين***للنّوع و المائز بالشّخصين
فالافتقار و القيام بالعرض***يلزم ما بالذّات أيّما فرض
لكنّه ينحصر التقابل،،،***فى الفصل بالشّخص و كلّ يشكل
أيضا بأنّه اقتضى اللّاانتهاء***للفرد من دون معيّن و شاء
اى يمتنع فرضهما فيه ذاتا و ثبوتا، لاستلزامهما الافتقار و القيام بالعرض، و استلزام التماثل أيضا، البلوغ الى ما لا نهاية له. و تقريره كما قلت:
بل فرض كلّ من التماثل و التغاير في الثبوت، امتنعا؛ إذ لو تماثلا، فالتّماثل لا يكون إلّا بقدر جامع، و هو امّا جنس أو فصل. فان تماثلا بجنس، فهما فردان من نوعين، كتماثل الإنسان و الفرس، و هما حينئذ لن يلتئما؛ اى لن يتوافقا ابدا، فكانا إذن متباينين، لا متماثلين.
و افتقرا بعد؛ اى بعد ذلك إلى التشخّص أيضا، لأنّ النّوع لا تحقّق له إلّا بالفرد، و لا تحقّق للفرد إلّا بالتّشخّص، و ذاك عارض على المشخّص، فصار ما بالذات، متقوّما بالتّشخص مع لزوم التركب و الافتقار.
و إن تماثلا بفصل صيّرا إذن فردين للنّوع كتماثل زيد و عمرو في الانسانيّة، و المائز حينئذ بينهما بالشّخصين. و على هذا التقرير، فالافتقار و القيام بالعرض، و هو التشخص، يلزم ما بالذّات، و لا يفارقه أيّما فرض الخصم من التماثل في الجنس او في الفصل؛ لانّه لا بدّ لهما من التشخّص، لكنّه ينحصر التقابل؛ اى التمايز في الفصل، مع التماثل به بالشّخص فقط. و امّا في التماثل بالجنس، فإنّه بالفصل و الشخص معا، و كلّ منهما يشكل أيضا، بأنّه اقتضى اللّاانتهاء للفرد من دون معيّن و شاء، يعيّنه فيما يشاء من عدد خاصّ؛ و ذلك لأنّ التماثل اذا فرض في الجنس، ثبت لهما جنس، و اذا فرض في النوع ثبت لهما نوع، و الجنس و النّوع لا ينحصر افرادهما من حيث الفرض و التصور و الإمكان، فاذا فرض الانحصار في الوجود كالشّمس مثلا، لا بدّ له من محدّد و معيّن.
و نوع آخر من العقلىّ ***مايقضى به العقل قضاء لازما
و قد كفى ذلك للموحّد***أن يحكم العقل بنفي الزائد
من ذاك أن ليس له دليل***يثبته ففرضه عليل
إذ ليس ما يخصّه من الأثر***و لا تعرّف له و لا خبر
لم يتعرّف هو في آياته***و لا ببعثه لنا دعاته
و لا إليه حاجة فنهتدى***بها إليه كقصور الواحد
و لا اقتضاء في دليل الصانع***إلّا لصانع محيط جامع
فالعقل قاطع بأن لا عين له***لفقد كلّ شاهد تعقّله
و الغرض الطاعة، و هى بالطّلب***فإن يكن للرّبّ ندّ لطلب
و نوع آخر من البرهان العقلىّ ما يقضى به العقل قضاء لازما، فيحتجّ به و يؤاخذ له و عليه، و قد كفى ذلك للموحّد، و حسبه، أن يحكم العقل بنفي الزائد على الواحد، فإنّ المقصود الأصلي و المطلوب المهمّ من البرهان العقلى، انّما هو حكم العقل بنفى الزائد، ليحصل منه للموحّد الجزم و اليقين بالواحد، و يدفع به الخصم المعاند المدّعى للزّائد.
و لا فرق في حكم العقل لا من حيث حصول الجزم به، و لا من حيث وجوب اتّباعه، بين ان يكون منشأ حكمه استحالة خلافه، فيكون حكمه به على وجه استحالة الخلاف؛ او يكون منشأه تماميّة الحجّة لديه، فيكون حكمه على وجه الحجّة؛ اذ المناط جزم العقل بحكمه و ثبوته لديه، و الزامه به و عليه.
و تماميّة الحجّة عنده من وجوه:
فإنّه ان تمّ واقعا حكم بمقتضاه على العدم، و هو مورد اتّفاق العقلاء كافّة. و تماميّة عدم الدليل من جهات: و هى عدم الأثر، و عدم الخبر، و عدم التعريف منه بنفسه، و عدم الحاجة الماسّة إليه، و عدم اقتضاء الدليل
المثبت للصّانع له. و قد اشرت الى كلّ واحد منها بقولي:
من ذاك أن ليس له دليل يثبته، ففرضه و احتماله عليل، إذ ليس في الآثار ما يخصّه من الأثر، بحيث يقال هذا اثر ذلك الزائد، لأنّه صنعه، و الّذي نرى من موجودات العالم، مشتركة في دلالتها على وجود صانع لها، و امّا ان يكون على وجه يظهر منها أنّ هذا لصانع، و ذاك لصانع، فلا علامة و لا دلالة. و الّذي يدّعيه الثنويّة من الخير و الشرّ، نأتى عليه- إن شاء اللّه.
و لا تعرّف له؛ اى اظهار المعرفة لنفسه و ابرازها، بان يعرّف نفسه بوجه من الوجوه، و لا خبر من مخبر صادق يخبر عنه، لم يتعرّف هو في آياته، بان ينزّل آية خاصّة: من تكوين أو تشريع أو بيان أو كتاب؛ و لا تعرّف أيضا ببعثه لنا دعاته و رسله يدعون إليه. و الى جميع ما ذكر، ينظر قول امير المؤمنين (ع) فى وصيّته للحسن (ع):
و اعلم يا بنيّ! إنّه لو كان لربّك شريك، لأتتك رسله، و لرأيت آثار ملكه و سلطانه، و لعرفت آثار افعاله و صفاته؛ و لكنّه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضادّه في ملكه احد و لا يزول ابدا.» (1)
فهذا الكلام منه (ع)، ليس كلاما خطابيّا ظنيّا، و لا اراد به دعوى اجماع الأنبياء و الاستدلال به، بل هو استدلال قطعىّ، مبنىّ على ما حقّقناه.
و لا إليه حاجة فنهتدى بها إليه، و نستدلّ من طريق الحاجة عليه؛ كقصور الواحد مثلا، بان تبيّن لنا قصوره عن الصنعة بوحدته، فالزمتنا الحاجة الى اثبات غيره معينا له، و لا اقتضاء في دليل الصانع المثبت له، يقتضي كونه زائدا على الواحد، فإنّ الدليل ليس إلّا الآيات و الآثار و وجود العالم المصنوع؛ و هى لا تقتضى إلّا لصانع، محيط، جامع؛ فاذا امكن فرض صانع بهذا الوصف، لا داعى لفرض الزائد.
و بعد تماميّة عدم الدليل من جميع الوجوه، فالعقل قاطع بأن لا عين له، كما لا اثر له، لفقد كلّ شاهد تعقّله و احتمله. هذا، و الغرض أيضا من الإقرار بالزّائد كالإقرار بالواحد، ليس إلّا الطاعة للمقرّ له، و العبادة له، و هى لا تثبت إلّا بالطّلب، فإن يكن للرّبّ ندّ لطلب؛ كما طلب الرب، فهذا أيضا من الشّواهد على عدمه. و الى فقدان هذه الشواهد كلّها ينظر قوله تعالى:( وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ)(2). و قال7.
و وحدة الصنع لدى التّفكر***شاهد صدق وحدة المدبّر
فالعارف البصير بالخطّ يرى***كاتبه في كلّ خطّ ظاهرا
كذاك من أبصر صنع كلّ شيء***يراه صنع واحد من دون غىّ
فما لنخلة من الدقيقة***لسلخة و نملة رقيقة
و كلّ ما روعى في الكبير***من دقّة، روعى في الصغير
فما ترى في الفيل من إتقان***تريه في البقّ، بلا نقصان
تعالى: (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)(1).
وحدة الصنع، فإنّها عند اهل الخبرة به، دالّة على وحدة الصانع، و هى من الأصول العقلائيّة الّتي يتكلمون عليها العقلاء، و يعتمدون عليه في دعاويهم؛ و من هذا الباب، المراجعة الى اهل الخبرة في كلّ فنّ و تقريرها؛ كما قلت:
و وحدة الصنع لدى التفكر، شاهد صدق للمتفكّر على وحدة المدبّر، فالعارف البصير بالخطّ، يرى كاتبه في كلّ خطّ ظاهرا، فيجزم بأنّ هذا خطّ فلان و يحكم به، و ان لم ير الكاتب اصلا، بل بمحض ان عرف خطّه و لو بسبب الممارسة؛ و هكذا في كلّ صفحة. حتّى أنّ البصراء بالقلم أو بالشّعر بسبب كثرة الممارسة، يميّزون العبارات و الأشعار، فيقولون: هذا عبارة فلان، او هذا شعر فلان.
فكما أنّ العارف بالخطّ، يميز الخطوط اذا عرضت عليه، فيميز عدّة خطوط لكاتب واحد من بين خطوط كثيرة، فيقول: إنّ هذا و هذا الى خمسة أو عشرة أو مائة او اقلّ أو اكثر لكاتب واحد و ان ذاك و ذاك و ذاك الى مائة أو اقل أو اكثر لكاتب غيره، و هكذا كذاك من أبصر صنع كلّ شيء من اشياء هذا العالم بعين البصيرة، يراه صنع صانع واحد من دون غىّ له و ضلالة، فما ترى من الصنعة لنخلة على طولها من الدقيقة المبتكرة فيها تريها بعينها لسلخة و نملة رقيقة ضعيفة.
و كلّ ما روعى في الكبير و الخطير من دقّة و امعان و حكمة و اتقان، روعى في الصغير و الحقير أيضا، كلّ بحسبه و على قدره؛ فكلّ شيء عنده موزون، و كلّ شيء عنده بمقدار؛ فما ترى في الفيل من إتقان، تريه في البقّ بلا نقصان. و الى هذا اشار
1) . النمل 27: 64.
فكلّ شيء آية الوحدة له***إذ وحدة الصنع لكلّ حاصلة
كذاك الاتّصال في التأثير***بوحدة النّظم أو التدبير
امير المؤمنين (ع) بقوله:
«و لو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلّتك الدلالة، الّا على أنّ فاطر النّملة، هو فاطر النّحلة لدقيق تفصيل كلّ شيء، و غامض اختلاف كلّ حىّ، و ما الجليل و اللّطيف و الثقيل و الخفيف، و القوىّ و الضعيف في خلقه، الّا سواء كذلك السّماء و الريح و الماء» (1)
و قال الصادق (ع): «إنّما ضرب اللّه المثل بالبعوضة، لأنّ البعوضة على صغر حجمها، خلق اللّه فيها جميع ما خلق اللّه في الفيل مع كبره و زيادة عضوين آخرين، فاراد اللّه ان ينبّه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه و عجيب صنعته.» (2)
فكلّ شيء آية الوحدة له، إذ وحدة الصنع لكلّ حاصلة؛ كما قيل:
و في كلّ شيء له آيةتدلّ على انّه واحد و البيت مذكور في الديوان المنسوب الى امير المؤمنين (ع). و تقريب دلالة كلّ شيء على الوحدة، لا يظهر إلّا بوحدة الصنع، كما قرّرنا؛ و تأويله على وحدة الوجود، حمل من غير شاهد، الّا ان يكون الشعر ممّن يقول بهذا المذهب الفاسد.
كما قلت: كذاك الاتّصال في التأثير بوحدة النّظم أو التدبير، من شواهد الصدق على وحدة المؤثّر و النّاظم أو المدبّر، كما أنّه من أدلّة اثبات الصانع أيضا؛ كما اشرت إليه هناك.
و المراد به، اتّصال اجزاء العالم بعضها ببعض في حصول الأثر. و الفرق بينه و بين وحدة الصنع أنّ الملحوظ فيها كلّ شيء من الأشياء على الانفراد؛ و في الاتّصال، المجموع بالهيئة الاجتماعيّة. و ان شئت أيضا جعلت الاتّصال شيئا، و وحدة النّظم شيئا، و وحدة التدبير شيئا؛ لكن الأولى جعل الآخرين من لوازم الاتّصال
و توابعه، كما جعلنا. و تقرير الاستدلال ما ذكرته:
فمن يرى العالم عن تأمّل***يرى اتّصال كلّه كمعمل
ببعضها يقوم بعض آخر***و الكلّ باجتماعها يؤثّر
كأنّها أجزاء من بنيان***أو أنّها أعضاء من إنسان
فما على الأرض بها متّصلة***و الأرض بالسّماء و ما لها صلة
من أنجم بها و شمس و قمر***و من رياح و سحاب و مطر
و الكلّ يجرى بنظام متّسق***عن وحدة التدبير في خير نسق
و الأعجب ائتلاف ما تنافرت***كالمتضادّات فيما أثّرت
فالعقل عند وحدة التدبير***معترف بوحدة المدير
و أنّ للكلّ مليكا قيّما،،***مدبر الأرض مدبر السّماء
فوحدة الصانع بعد ما ذكر***تكون وجدانيّة للمدّكر
فمن يرى العالم عن تأمّل بجميع اجزائه، يرى اتّصال كلّه كمعمل (من معامل الصناعة يتّصل بعضه ببعض، و يرتبط بعضه ببعض في التأثير)، ببعضها يقوم بعض آخر؛ بحيث لو فقد ذلك البعض أو وقف عن العمل، وقف الآخر أيضا أو هلك و انعدم، و الكلّ باجتماعها يؤثّر في حصول اثر المقصور؛ كأنّها أجزاء من بنيان، أو أنّها أعضاء من إنسان، و كان العالم أيضا بمنزلة السّاعة الّتي تعمل بجميع اجزائها المختلفة لحصول اثر واحد، و هى معرفة الساعات و الدقائق.
فما على الأرض من جمادها و نباتها و حيوانها و انسانها، بها متّصلة، لا يستقيم شيء منها إلّا بها، و الأرض متّصلة بالسّماء و ما لها صلة؛ اى مع ما لها من صلة يتّصل بها، من أنجم بها و شمس و قمر، و من رياح و سحاب و مطر، و الكلّ مع هذا الاتّصال يجرى بنظام متّسق؛ اى مجتمع منضم بعضها ببعض يحصل هذا النّظام عن وحدة التدبير في خير نسق في حركاتها و سكناتها و فصولها.
و الأعجب من ذلك، ائتلاف ما تنافرت منها كالمتضادّات، حيث ائتلفت مع تنافرها و تضادّها، فيما أثّرت؛ كالعناصر الأربع المتضادّة: من الحرّ و البرد و اليبوسة و الرطوبة؛ فقد يعمل كلّ منها متناوبا أو مجتمعا في حصول الأثر المطلوب.
فاذا نظر العقل الى هذا الاتّصال و وحدة التدبير، فالعقل عند وحدة التدبير، معترف بوحدة المدير و المدبّر، و أنّ للكلّ، مليكا، واحدا، قيّما، عليها، يؤلّفها و ينظّمها كيف يشاء، و يستحصل منها ما يشاء. يستنتج من ذلك أنّ مدبر الأرض، هو مدبر السّماء بعينه، فوحدة الصانع بعد ما ذكر، تكون وجدانيّة للمدّكر المتبصّر، من
فالاتّصال من دلالة الأثر***كوحدة الصنع فعقلا يعتبر
دون حاجة الى البرهان. فإنّ العمل الواحد، لا يتقوّم إلّا بشخص واحد، ليكون صادرا عن رأى واحد، و نظر واحد، و إرادة واحدة، و قدرة واحدة.
و على هذا، فالاتّصال من دلالة الأثر على المؤثّر، كوحدة الصنع المتقدّمة، فإنّهما معا كنفس الصنع، فكما أنّ الصنع دالّ على الصانع و دلالته من دلالة الأثر، كذلك اتّصال الصنع و وحدته دالّان على وحدة المؤثّر، و دلالتهما أيضا من دلالة الأثر، لوضوح أنّ الصنع اثر للصانع، و وحدة الصنع أيضا اثر آخر، و اتّصاله أيضا اثر آخر، الّا أنّ نفس الصنع دالّ على نفس الصانع و هما دالّان على وحدته؛ كما أنّ اتقان الصنع أيضا دالّ على حكمة الصانع، و عظمته على قوّته، و كبره على قدرته و هكذا.
و اذا ثبت انّ الاتّصال من دلالة الأثر، و كذلك وحدة الصنع، فعقلا يعتبر لا محالة، و يكون من الأدلّة العقليّة، لأنّ دلالة الأثر على المؤثّر عقلىّ. و قد استدلّ الصادق (ع) بالاتّصال على التوحيد في حديثى المفضّل، فمن ذلك ما تقدّم في اثبات الصانع قوله (ع):
«يا مفضّل! أوّل العبر ...»، و في آخره: «ففى هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير و حكمة و نظام و ملائمة، و أنّ الخالق له واحد، و هو الّذي الّفه و نظم بعضا الى بعض- جلّ قدسه ...» (1)
و قال (ع) فى جملة اخرى:
«من جعل الانسان ذكرا و انثى، الّا من اعطاه آلات العمل؛ و من اعطاه آلات العمل، الّا من خلقه عاملا؛ و من خلقه عاملا، الّا من جعله محتاجا؛ و من جعله محتاجا، الّا من ضربه بالحاجة؛ و من ضربه بالحاجة، الّا من توكّل بتقويمه؛ و من توكّل بتقويمه، الّا من خصّه بالفهم؛ و من خصّه بالفهم، الّا من اوجب له الجزاء؛ و من اوجب له الجزاء، الّا من وهبه الحيلة؛ و من وهبه الحيلة، إلّا من1.
1) . البحار 3: 61/ 1.
ملّكه الحول؛ و من ملكه الحول، الّا من الزمه الحجّة؛ و من يكفيه ما لا تبلغه حيلته، الّا من لم يبلغ مدى شكره؛ فكّر و تدبّر! ما وصفته، هل تجد الإهمال على هذا النّظام و الترتيب؟ تبارك اللّه عمّا يصفون.» (1)
و قال (ع) أيضا في جملة اخرى: «أ فلا ترى كيف جعل في الانسان الحفظ و النّسيان، و هما مختلفان، متضادّان، و جعل له في كلّ منهما ضرب من المصلحة؟
و ما عسى ان يقول الّذين قسّموا الاشياء بين خالقين متضادّين في هذه الأشياء المتضادّة المتباينة، و قد تريها تجتمع على ما فيه الصلاح و المنفعة.» (2)
و قال (ع) أيضا في الإهليلجة، فى الاستدلال على أنّ الحواسّ لا تدرك الّا المحسوسات، و أنّ الّذي يعرف الأمور القلب ما حاصله:
«إنّ العين تنظر الى السّماء و شمسها و قمرها و نجومها و اختلاف حركاتها بحساب معلوم، فدلّت القلب على ما عاينت فيعرف القلب أنّ لها صانعا يمسك السّماء، و أنّ الّذي جعل الشّمس و القمر فيها خالق السّماء.
ثمّ نظرت العين الى الأرض و ثقلها بما فيها من الجبال و الأنهار، فدلّت القلب على ما عاينت، فعرف القلب بعقله أنّ ممسك الأرض الممتدّة، هو ممسك السّماء، و أنّه لو لا ذلك، لخسفت بما عليها؛ فعرف القلب بدلالة العين، أنّ مدبّر الارض، هو مدبّر السّماء.
ثمّ سمعت الأذن صوت الرياح العاصفة، و نظرت العين الى افاعيلها من قلع الأشجار؛ فعرف القلب أنّ لها محرّكا و مدبّرا، يصيب بها من يشاء و يصرفها عمّن يشاء، و وجد القلب أنّها متّصلة بالسّماء. فعرف أنّ المدبّر القادر على ان يمسك الارض و السّماء، هو خالق الريح.1.
ثمّ نظرت العين الى الزلزلة و افاعيلها، و أنّها تتحرّك في ناحية و تسكن في ناحية، فعرف القلب أنّ محرّك ما حرّك منها هو ممسك ما امسك منها، و محرّك الريح و ممسكها، هو مدبّر السّماء و الأرض و ما بينهما.
ثمّ نظرت الى السّحاب و ما يحمل من ثقل الماء، و أنّها يمطر فى بعض البلدان دون بعض، و يرسل قطرة، قطرة؛ فعرف القلب أنّ له مدبّر، و عرف أيضا بالأعلام المنيرة، أنّ مدبّر الأمور واحد، و أنّه لو كان اثنين أو ثلاثة، لكان في طول هذه الأزمنة، اختلاف فى التدبير، و تناقض في الأمور، و لتأخر بعض، و تقدّم بعض، و لكان يسفل بعض ما قد علا، و لعلا بعض ما قد سفل؛ و كذلك عاينت العين اختلاف اللّيل و النّهار، و ولوج احدهما في الآخر.
ثمّ الحرّ و البرد، و حلول احدهما بعقب الآخر، فكلّ هذا ممّا يستدلّ به القلب على الرب سبحانه؛ فعرف القلب بعقله أنّ من دبّر هذه الأشياء، هو الواحد العزيز الحكيم، الّذي لم يزل و لا يزال، و أنّه لو كان في السّماوات و الأرضين آلهة معه سبحانه، لذهب كلّ إله بما خلق، و لعلا بعضهم على بعض، و لأفسد كلّ واحد منهم على صاحبه.» (1)
و قال (ع) أيضا في جملة اخرى منه، فى ابطال كون النّاس مولودون بالنّجوم محصلا أيضا:
«إنّه لزم على قولك ان تكون النّجوم قبل النّاس، و فيه انكسار لقولك بأنّ النّاس لم يزالوا، و لن تجد بدّ من ان تقول أنّ الأرض قبل النّاس لاحتياجهم إليها، و لا بدّ ان يكون الفلك الّذي تدور عليه النّجوم قبل النّجوم أيضا، فلا بدّ ان يكون خالق النّجوم الّتي بها يولد النّاس، هو خالق الأرض؛ أ فليس ينبغى ان يدلّك عقلك على1.
1) . البحار 3: 162/ 1.
أنّه لا يقدر على خلق السّماء، الّا الّذي خلق الأرض و الذرء و الشّمس و القمر و النّجوم؟ و أنّه لو لا السّماء و ما فيها لهلك ذرء الأرض؟
قال: اشهد أنّ الخالق واحد من غير شكّ، لأنّك قد اتيتنى بحجّة ظهرت لعقلى، و انقطعت بها حجّتى.» (1)
و قال (ع) أيضا في تأييد أنّ الطلب بهداية الأنبياء لا بالتّجربة، و قد مثّل (ع) أوّلا الارض بحديقة كبيرة، ذات اشجار كثيرة، مختلفة الأثمار، فإنّه لا يهتدى الى كلّ شجرة، او الى كلّ ثمرة إلّا غارسها، و لو اراد غيره لم يهتد إليها إلّا بعد طول مدّة و اتعاب كثير.
قال (ع): أ فلا ينبغى ان يدلّك عقلك أنّ خالق هذه الحديقة و غارسها، هو الّذي دلّ على العقاقير و خواصّها و امكنتها، و لو كان خالق الجسد و ما فيه من اللّحم و العصب و الأمعاء، غير خالق الحديقة و العقاقير، لم يعرف مقدارها و مثاقيلها و ما يصلح لكلّ داء؟ أ فليس ينبغى ان يكون الخالق واحدا؟، و لو كان اثنين، لم يهتد غارس العقاقير لإيصال دوائه الى الداء الّذي في الجسد، و لا خالق الجسد الى ما يصلحه من الدواء؟ قال: لا اشكّ في ذلك.
قال (ع): فاذا صحّت نفسك، فتعال ننظر بعقولنا، هل كان يستقيم لخالق هذه الحديقة و غارسها و خالق هذه الدوابّ و الطير و النّاس، ان يخلق هذا الخلق، و يغرس هذا الغرس، فى ارض غيره؟ قال: لا، قال (ع): افلست تعلم أنّ الحديقة بما فيها، لا تصلح إلّا بشرب الماء، فينبغى إلّا يكون لغير خالق الحديقة و خالق الذر؟ قال: إنّه اليقين، لأنّه لو كان لغيره لهلكت،
قال (ع): الست تعلم أنّ فضول ماء الدنيا يصير في البحر، فينبغى ان يكون خالق البحر هو خالق الحديقة، مع أنّه يمسك1.
1) . البحار 3: 176/ 1.
امواجه ان تقع على الأرض فتهلك الحديقة و ما فيها؟ قال: إنّ ذلك لكما وصفت، قال (ع): و غير ذلك سآتيك به ممّا تعرف اتّصال الخلق بعضه ببعض، و أنّ ذلك من مدبّر، حكيم، عالم، قدير؛ الست تعلم أنّ عامّة الحديقة و اعظمها، إنّما يكون شربها من السّحاب، فينبغى ان يدلّك عقلك على أنّ السحاب لو كان لغير صاحب الحديقة لا مسكه اذا شاء؟ قال: إنّ الّذي جئت به لواضح، متّصل بعضه ببعض.
قال (ع): الست تعلم أنّ الأرض متّصلة باهليلجتك و اهليلجتك متّصلة بالتراب، و التراب متّصل بالحرّ و البرد، و هما متّصلان بالهواء، و الهواء متّصلة بالرّيح، و الريح متّصلة بالسّحاب، و السّحاب متّصل بالمطر، و المطر متّصل بالأزمنة، و الأزمنة متّصلة بالشّمس و القمر، و هما متّصلان بدوران الفلك، و الفلك متّصل بما بين السّماء و الأرض، صنعة ظاهرة، و حكمة بالغة، و تأليف متقن، و تدبير محكم متّصل؛ كلّ هذا ما بين السّماء و الأرض لا يقوم بعضه إلّا ببعض، و لا يتأخّر واحد منها عن وقته، و لو تأخّر عن وقته، لهلك جميع من في الأرض من الأنام و النّبات ... الى آخر ما قال (ع): من هذه البيّنات.» (1)
لا يحتاج هذه المقالة و لا غيرها الى ابطال بالخصوص، بعد ما تقدّم من الأدلّة العقليّة على استحالة التعدّد، و قضاوة العقل أيضا بالوحدة و استظهارها من الشواهد و الآثار، الّا أنّ في ابطالها بالخصوص أيضا زيادة بصيرة على أنّ امثال هذه المقالات، ناشئة عن الأوهام، و الفرار عن الواجب و الحرام. و قد وردت عنهم (ع) اجوبة عنها و محاجّات فيها، فكان من اللّازم ذكرها رعاية لوضع الكتاب.
1) . البحار 3: 187/ 1.
و الثنوىّ ليس عن دليل***أو حجّة، ضلّ عن السّبيل
بل إذ رأوا في الكون من خير و شرّ***قالوا: هما ضدّان في باب الأثر
و الفاعل الواحد لا يؤثّر***ضدّين بل كلّ له مؤثّر
فالخير للنّور و للظلمة شرّ***هما قديمان و ربّا كلّ ذر
و الأصل في ابتداع ذا المقال***خروجهم عن طوع ذى الجلال
و مقتضاه كثرة الأنداد***كما ترى لكثرة الأضداد
و بعد كيف امتزجا بلا جهة***مع أنّ كلّا قاصد إلى جهة
و الثنوىّ ليس عن دليل عقلى، أو حجّة معتبرة ضلّ عن السّبيل، بل إذ رأوا في الكون من ظهور خير و شرّ، قالوا: «هما ضدّان في باب الأثر؛ يعنى، أنّهما يعدان في باب الآثار، اثرين متضادّين. و الفاعل الواحد لا يؤثّر اثرين ضدّين، بل كلّ منهما له مؤثّر خاصّ.» و هذا نظير قول الفلاسفة: «الواحد لا يصدر منه، الّا الواحد،» الّا انّه اخصّ منه؛ لأنّهم انكروا صدور اكثر من واحد من الواحد مطلقا، و هم قيّدوه بالمتضادّين فقط. و كيف كان، انتخبوا لها من عند انفسهم مؤثّرين: النّور و الظلمة، فالخير للنّور و للظلمة شرّ؛ و عندهم هما قديمان، و ربّا كلّ ذر و ذرء.
و هذا الّذي ذكروه من الدليل، ليس بشيء يوجب الاعتماد عليه و التعويل، بحيث يقال لهم أنّهم اخطاء و الطريق اعتمادا على الدليل، بل إنّما هو عذر و تعليل لمن ترك سواء السّبيل.
و الأصل في ابتداع ذا المقال، خروجهم عن طوع ذى الجلال، لا هذا الدليل الموهوم؛ كما قال الصادق (ع) فى ابطال مذهب الديصانيّة:
«نظروا في كتب قد صنّفها اوائلهم، و حبروها لهم بألفاظ مزخرفة، من غير اصل ثابت، و لا حجّة توجب اثبات ما ادّعوا كلّ ذلك خلافا على اللّه و على رسله، و تكذيبا بما جاءوا به عن اللّه.» (1)
و مقتضاه؛ اى مقتضى هذا الدليل، كثرة الأنداد، لا انحصارها في نديّن؛ كما ترى ذلك ظاهرا لكثرة الأضداد، فان كان التضادّ بين الخير و الشرّ موجبا لمؤثّرين، فانّ
1) . البحار 3: 210/ 5.
المتضادّات كثيرة، كالألوان يضادّ بعضها بعضا، و كالليل و النّهار و الحرارة و البرودة و اليبوسة و الرطوبة، و الماء و النّار و غيرها.
و بعد كيف امتزجا بلا جهة و علّة على مبناهم: من أنّ الظلمة امتزجت بالنّور، فحصلت الأشياء؟ مع أنّ كلّا منهما قاصد إلى جهة؛ فالنّور قاصد الى جهة العلوّ، و الظلمة الى السّفل. و بهذين الوجهين نقض رسول اللّه (ص) عليهم، و ابطل حجّتهم فقد اجتمع عنده (ص) يوما اهل خمسة اديان: اليهود و النّصارى و الدهرية و الثنويّة و مشركو العرب، فاقبل رسول اللّه (ص) على الثنويّة، الّذين قالوا أنّ النّور و الظلمة هما المدبّران، فقال (ص):
«و انتم فما الّذي دعاكم الى ما قلتموه من هذا؟ فقالوا: لأنّا قد وجدنا العالم صنفين خيرا و شرّا، و وجدنا الخير ضدّا للشر.
فانكرنا ان يكون فاعل واحد يفعل الشيء و ضدّه، بل لكلّ واحد منهما فاعل، الا ترى أنّ الثلج محال ان يسخّن، كما أنّ النّار محال ان تبرّد؟ فاثبتنا لذلك صانعين قديمين ظلمة و نورا.
فقال لهم رسول اللّه (ص): أ فلستم قد وجدتم سوادا و بياضا و حمرة و صفرة و خضرة و زرقة، و كلّ واحد ضدّ لسائرها، لاستحالة اجتماع اثنين منها في محلّ واحد، كما كان الحرّ و البرد ضدّين، لاستحالة اجتماعهما في محلّ واحد؟ قالوا نعم، قال (ص): فهلّا اثبتم بعدد كلّ لون صانعا قديما ليكون فاعل كلّ ضدّ من هذه الألوان، غير فاعل الضدّ الآخر؟ فسكتوا، ثمّ قال (ص): و كيف اختلط هذا النّور و الظلمة، و هذا من طبعه الصعود و هذا من طبعه النّزول؟ أر أيتم لو أنّ رجلا اخذ شرقا يمشى إليه، و الآخر غربا يمشى إليه، أ كان يجوز ان يلتقيا ما داما سائرين على وجوههما؟ قالوا لا، قال (ص): وجب ان لا يختلط النّور و الظلمة، لذهاب كلّ واحد منهما في غير جهة الآخر، فكيف حدث هذا العالم من امتزاج ما محال ان يمتزج، بل هما مدبّران جميعا مخلوقان؟ فقالوا: سننظر في امورنا، ثمّ رجعوا
و النّور و الظلمة في تغيّر***و الكلّ غير شاعر و قادر
و ليس صنع صانع معلوله***بل إنّما فعل إرادىّ له
و الفاعل المريد عمدا كالبشر***يصدر منه عامدا خير و شرّ
ثمّ هما بما هما لم يؤخذا***بل ما لنوع النّاس خير أو أذى
بعد ذلك و آمنوا.» (1)
و أيضا النّور و الظلمة في تغيّر ظاهر، خصوصا على مذهبهم من الاختلاط، فإنّ الاختلاط لا يمكن إلّا بتغيّر، و المتغيّر حادث غير قديم، فلا يصلحان للمؤثّريّة و أيضا.
و الكلّ غير شاعر و قادر، و هو أيضا ظاهر فهما إذن كالميّت، و الميّت لا يصدر منه الحياة و الإدراك؛ و ما كان فاقدا للعلم و القدرة و أيضا ليس صنع صانع في باب الصانعيّة هنا معلوله، كما توهّموا و توهّمت الفلاسفة؛ فإنّ مقالتهم مبنيّة على العليّة و المعلوليّة، و السببيّة و المسبيّة، و إنّ العلّة الواحدة لا يصدر منها إلّا واحد، بل إنّما الصنع في هذا الباب، فعل إرادىّ له لا تسبيبى، و الفاعل المريد عمدا كالبشر، حيث أنّه عامد في فعله مريد له، يصدر منه عامدا خير و شرّ، و لا يمكن ان يكون صانع العالم غير عامد، و إلّا لكان موجبا، و الموجب لا يكون إلّا بالغير، مع أنّه يلزم ان يكون كلّ شيء قديما غير قابل للفناء و الزوال، لأنّ كلّ شيء معلوله، و المعلول لا ينفكّ عن العلّة.
ثمّ هما، اى الخير و الشرّ بما هما خير و شرّ، لم يؤخذا في الدليل؛ اى لم يلاحظوا كلّا منهما في شيء من الأشياء من حيث نفسه، بل اخذوا ما لنوع النّاس خير أو أذى، و جعلوه ملاكا للخير و الشرّ، و هذا خلاف الحقّ و التحقيق. بل الحقّ، ان يلاحظ الخير و الشرّ في نفس الأشياء، لا من حيث نفعها و ضررها للإنسان، فإنّ الإنسان ليس إلّا موجودا من الموجودات، مع أنّه لو ادخلنا الإضافة و النّسبة في ملاك الخير و الشرّ لم يستقم في نوع الإنسان أيضا، لأنّ بعض افراده شرّ بالنّسبة الى بعض، و خير بالنّسبة الى آخر، فيلزم ان يكون خالق بعض الإنسان، النّور، و خالق بعض، الظلمة؛ و يشكل الأمر فيمن جمع الأمرين، فيكون خيرا لقوم و شرا لآخرين فأيّهما يكون خالقه على هذا الأصل فأنّ اجتماعهما معا محال.1.
1) . البحار 9: 263/ 1.
و ما من المضارّ و المفاسد***تحكى عن الحكمة لا التعدّد
و أيضا ما من المضارّ و المفاسد الّتي اعتلّوا بها، و جعلوها سندا لمذهبهم الفاسد، لا يلزم الشريّة، و ان لوحظ الشرّ بالنّسبة الى الإنسان، و انّما يلازمها لو لم تكن فيها جهة حكمة و خير اصلا، بحيث تكون شرا مطلقا. و مع وجود الحكمة فلا شريّة فيها، و لا يلزم في الحكمة أيضا ان تكون بدنيّة أو ماليّة دائما؛ بل قد تكون الحكمة التأديب و العقوبة؛ كما تقدّم عن الصادق (ع) فى ابطال الإهمال.
و على كلّ حال فاذا فرض وجود الحكمة في هذه المضادّ، فهى انّما تحكى عن وجود الحكمة، لا عن التعدّد؛ اى تعدّد المؤثّر، فلا بدّ ان يفحص عن وجه الحكمة، لا ان يذعن بعدمها مع الجهل بها، ثمّ يفرّع عليه تعدّد الخالق. قال الصادق (ع) فى جواب الزنديق حيث قال له فاخبرنى عن اللّه، أله شريك في ملكه او مضادّ له في تدبيره؟
قال (ع): لا، قال فما هذا الفساد الموجود في العالم من سباع ضارية، و هوامّ مخوفة، و خلق كثيرة مشوّهة، و دود و بعوض و حيّات و عقارب؟ و زعمت أنّه لا يخلق شيئا إلّا لعلّة، لأنّه لا يعبث. قال (ص): الست تزعم أنّ العقارب تنفع من وجع المثانة و الحصاة و من يبول في الفراش، و أنّ افضل الترياق ما عولج من لحوم الأفاعى؟
و اعلم! إنّا لو وقفنا على كلّ شيء خلقه اللّه لم خلقه و لاىّ شيء انشأه لكنّا قد ساويناه فى علمه، و علمنا كلّ ما يعلم و استغنينا عنه، و كنّا و هو في العلم سواء.» (1)
التوحيد العبادى نوعان، و يقابله الشّرك العبادى و هو أيضا نوعان، فنوع من التوحيد العبادى الركن الأعظم في الإسلام، لا يتحقّق الإسلام إلّا به؛ و النّوع الآخر من حقايق الأيمان و كماله، فلا يحقّق الأيمان و لا يكمل إلّا به. و المقصود بالأصالة هنا،
1) . البحار 10: 173/ 2.
و إنّما توحيده العبادىّ***أن يعبد اللّه بلا أنداد
و الشّرك أن يعبد غيره معه***أو وحده و كلّ شرع منعه
و حرب أهله في الإسلام وجب***و كفره في العظم ساوى جحد ربّ
لكنّه ليس كما تقدّمه***ممتنعا ذاتا و عقلىّ السّمة
هو النّوع الأوّل، الّا أنّا اتممناه بالثّانى استطرادا و إنّما توحيده العبادىّ (اى النّوع الأوّل، لأنّه هو المقصود الأصلي فلا يحتاج الى قيد خاصّ) أن يعبد اللّه بلا أنداد معه، او وحدها. و الشّرك الّذي في مقابله أن يعبد غيره معه أو وحده؛ و الأوّل كمن يعبد اللّه و عيسى مثلا، و الثانى كعبدة الشمس و الأصنام، و كلّ شرع من الشّرائع الّتي جاءت بها الرسل منعه؛ كما قال تعالى:( وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ... )(1)
و قال تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ...(2)و قال تعالى: (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ. )(3)و قال تعالى:( وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ.)(4)
و حرب أهله؛ اى اهل هذا الشّرك في الإسلام، وجب؛ كما قال تعالى:
(وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.)(5)
و كفره؛ اى كفر هذا الشّرك في العظم ساوى جحد ربّ، فإنّه لا يفرق في الإسلام بين من يكفر باللّه، و ينكر الرب اصلا، و من اشرك بعبادته في الحكم و الجزاء فى الدنيا و الآخرة، و هو ظاهر بالضرورة الإسلاميّة.
فهذا الشّرك، يساوى الشّرك الربوبى في الحكم الإسلامي؛ لكنّه ليس كما تقدّمه ممتنعا ذاتا، بحيث يمتنع بالذّات، و لا عقلىّ السّمة، بحيث يكون الحكم ببطلانه من وسمة العقل عليه. و هذا غاية الفرق بينهما، فإنّ الشّرك الربوبى ممتنع ذاتا، و مستحيل عقلا كما تقدّم تقريره، دون الشّرك العبادى، فإنّه لا يستحيل ذاتا و الّا
بل هو بالشرع و لا امتناع له***فى الإذن أو أباحه و أهمله
كالإذن في إطاعة الرسول***إذ هى مثله لدى العقول
لما وقع؛ فأنّ الواقع من الشّرك الربوبى، ليس إلّا بحسب اعتقاد المعتقدين، و هو غير الواقع في نفسه ذاتا؛ و الشّرك العبادى ليس إلّا محض عبادة الشّريك الاعتقادى، و هو واقع محقّقا، و لا يمتنع العقل من تجويزه و الترخيص فيه.
بل هو بالشرع فقط، و لا امتناع له أيضا عقلا في الإذن، بان يأذن في السجود لغيره تعالى. و إليه يومى قوله (ص) بما حاصله: «لو كان السجود لغير اللّه جائزا، لأمرت المرأة ان يسجد لزوجها.» أو أباحه و أهمله مطلقا، فإنّه يمكنه ذلك، كما يمكنه الإذن في ترك العبادة، او عدم ايجابها اصلا، كما أنّ اهل الجنّة لا عبادة لهم؛ بل ليست العبادة إلّا كالإطاعة، بل هى نوع منها إلّا انّ التخضّع فيها اكثر، فتكون حال الأذن فيها، كالإذن في إطاعة الرسول، إذ هى؛ اى الإطاعة مثله؛ اى مثل ذلك الشّرك الممنوع لدى العقول، فإنّ الإطاعة و العبادة متساوية الأقدام، و كلتاهما مختصّتان بالملك العلّام.
و لكنّ الأعلام حيث نظروا الى تسوية الشركين: الشرك الربوبى و العبادى في الأحكام، توهّموا عدم الفرق بينهما في جهة الاستحالة الذاتيّة و الامتناع العقلى، و ان فرّقوا بين ما يقابلهما من التوحيدين في التسمية، بان سمّوا احدهما بالتّوحيد الذاتى، و الآخر بالعبادى. و من اجل عدم فرقهم بين الشّركين، لم يضعوا لهما بابين، و خلطوا احدهما بالآخر، فلم يستقم لهم اقامة البرهان العقلى على الشرك المطلق، فوقعوا لذلك في حيرة و غلق؛ حتّى أنّ العلّامة المجلسى (ره) اضطرّ الى الالتزام بانّ التوحيد ثابت بالأدلّة السمعيّة، قال (قدّس سرّه) عند اقامة الوجوه: السابع: الأدلّة السمعيّة من الكتاب و السّنة، و هى اكثر من ان تحصى، و قد مرّ بعضها و لا محذور في التمسّك بالأدلّة السمعيّة في باب التوحيد، و هذه هى المعتمد عليها عندى.» انتهى كلامه.
و الحاصل: أنّ العقل لا يحكم بامتناع هذا الشّرك ذاتا، كالشّرك الربوبى، فيجوّز على الشارع الأذن و الترخيص فيه، فلا يتوّهم منه أنّنا نقول بعدم كونه عقليّا اصلا، و عدم حكم العقل بمنعه اصلا، بل الّذي نقول: هو أنّ العقل لا يحكم له بالامتناع الذاتى حكما اوّليّا، و هذا لا ينافى القول بكونه عقليّا ثانويّا، و أن العقل يحكم بمنعه
و إنّما العقل على الأصل نهى***عبادة الغير لمن تألّها
إذ بعد الإقرار بربّ كفله***معترف بكونه المملوك له
و ليس للمملوك طاعة عمل***إلّا لمن يملكه قلّ و جلّ
فالأصل في الإشراك في العبادة***شرع، و يمضى العقل ما أفاده
و نهيه أغنى من البيانيكفيك*** ما بالغ في القرآن
لو لا الإذن حكما استقلاليّا.
و الى دفع هذا التوهم، و تقرير كونه عقليّا ثانويّا، اشرت بقولى: و إنّما العقل على الأصل المقرّر عنده بعد الإقرار بالتّوحيد لا على الامتناع الذاتى، نهى عبادة الغير لمن تألّها؛ اى اعتقد الألوهيّة، إذ بعد الإقرار و الاعتراف بربّ، كفله، فهو معترف بكونه المملوك له، و قد ثبت عند العقل أنّه ليس للمملوك طاعة و عمل، إلّا لمن يملكه قلّ و جلّ، فالعقل و ان لم يمنع عن عبادة الغير ذاتا، الّا أنّه يمنع عنه للمقرّ بحكم الأصل، فإنّ الأصل عنده بعد الإقرار بالملكيّة، عدم جواز التصرّف في ملكه الّا بإذنه. و هذا حكم ثانوى متفرّع على الإقرار بالنّظر الى كونه تصرّفا في الملك، و ذاك حكم اوّلى بالنّظر الى ذات عبادة الغير في نفسه و من حيث هى و جواز الترخيص فيه على اللّه، و الحكمان لا يتنافيان و لا يتناقضان.
فالأصل في الإشراك في العبادة، نفيا و اثباتا، و منعا و ترخيصا، شرع؛ فإن شاء اجازه، و ان شاء لم يجزه.
و عندى، أنّ قوله تعالى حكاية عن شعيب (ع): (وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً.)(1)اشارة الى ذلك. بل لا يبعد ان يكون قول ابراهيم (ع): (وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ...)(2)ان يكون كذلك و ان كان قوله: «شيئا» له اطلاق و عموم، و اللّه العالم فى الآيتين. و اظهر منهما قوله تعالى:( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ... )(3)
و لها نظير في غير موضع من القرآن و هى ظاهرة في تعليل الذم عن عبادة الأصنام بكونها ممّا لم ينزل اللّه به من سلطان. و في الآية السّابقة( أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)(1). أيضا ايماء الى ذلك.
و كلّ ما اراد الشرع و افاده من المنع أو الأذن، يمضى العقل ما أفاده؛ اذ ليس للعقل حكم استقلالى تنجيزىّ فيه، و إنّما يمنع عنه قبل الإذن و المنع من الشّارع على الأصل، و هو و ان كان أيضا على الاستقلال، الّا أنّه حكم تعليقىّ منه، معلّق على عدم الرخصة من الشّارع.
و امّا نهيه؛ اى نهى الشّارع عنه قولا و عملا، فهو أغنى من أن يحتاج إلى البيان لشيوعه و اشتهاره و كثرته، امّا عملا: فسيرته في دعوته، و حروبه، و امره بكسر الاصنام، و دعوة المشركين الى الإسلام، و خلع الأنداد؛ و امّا قولا: فإنّ الكتب مشحونة باقواله في خطبه و ادعيته و مكاتبته. يكفيك من ذلك ما بالغ في القرآن، و لأجل هذا الوضوح و الاشتهار، لم يحتجّ الى الاستكثار باقوال الأئمّة الأطهار (ع)، مع انّ الاستقصاء هنا ممّا لا تحصى و الاقتصار على قدر الإمكان يغنى عنه ما في القرآن.
نستطرد الكلام في الختام، بعد ذكر التوحيدين الّذين هما ركنان في الإسلام، بذكر التوحيد الإيماني.
فاعلم: إنّ الإيمان له اطلاقان: اطلاق عام: «و هو يرادف الإسلام»، و اطلاق خاصّ «يختصّ بوصفه الخواصّ»، فباطلاقه الخاصّ يمتاز عن الإسلام، و ان كان مع ذلك من مراتبه كمرتبة الخاصّ من العامّ؛ فللإيمان أيضا توحيد خاصّ يخصّ به و يكون من اركانه، فلا يكون العبد مؤمنا حتّى يكون موحّدا بهذا التوحيد، كما أنّه لا يكون مسلما حتّى يكون موحّدا بذينكما التوحيدين؛ و كما أنّ الأيمان كمال للإسلام، فتوحيده أيضا توحيد كمالىّ، و كمال للتوحيد المطلق الإسلامي. و الى ذلك اشرت بقولى:
1) . الزخرف 43: 45.
و بعد توحيدى الإسلام يلى***توحيد الأيمان على المستكمل
و بعد توحيدى الإسلام، يلى توحيد آخر، و هو توحيد الأيمان و هو مفروض على المستكمل؛ اى لا مدخل له في الإسلام، لأنّه يتحقّق بدونه، و إنّما يراد ممّن اراد الاستكمال لأنّه توحيد كمالى. و هذا التوحيد في جهات، يجمعها ثلاث جهات، هى من آثار الأيمان و حقيقته و كماله:
بان لا يطيع غير اللّه كما لا يعبد غير اللّه، الّا من امر اللّه باطاعته، فإنّه من اطاعة اللّه؛ كما قال تعالى:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ. )(1)
بان يخلص له العبادة و الإطاعة و الدين، و هو يجمع الآخرين أيضا، كما قال تعالى: (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.)(2)و قال: «(أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)(3).
و قال امير المؤمنين (ع): «و كمال توحيده الإخلاص له.»(4)ان اريد من الإخلاص، الإخلاص في العمل.
فلا يسأل غير اللّه و من لوازمها، ان لا يثق بغير اللّه، و لا يرجو غير اللّه، و لا يرى رازقا و ناجيا و معطيا و مانعا الى غير ذلك، غير اللّه تعالى. و هذه الحيثيّة من لوازم التوحيد الأفعالى، الّذي يقول به الأشاعرة، لا الّذي يقول به الفلاسفة، و سيأتى التعرّض لهما.
و مقابل كلّ من هذه الجهات الثلاث و خلافها، يعد شركا في تلك الجهة، فاطاعة غير اللّه شرك في الإطاعة، و عدم الإخلاص في العبادة، و هو الرياء، شرك فيها، و في الإطاعة و الدين، و هو النفاق شرك فيهما، و مسألة غير اللّه، و التوكل على غير اللّه، و رجاء غير اللّه، و هكذا امثالها شرك في التوكل و التفويض و الرجاء و غيرها .(5)
1) . نساء 4: 80.
2) . غافر 40: 65.
3) . يوسف 12: 40.
4) . البحار 4: 247/ 5.
5) . و لا يخفى أنّه لا يمكن ادخال الأخير في الشرك الربوبى بجعله من مراتبه، و الأوّلين في الشّرك العبادى، فإنّ الإطاعة و الإخلاص نوع من العبادة، و حينئذ يقسم كلّ من الشّرك الربوبى و العبادى الى قسمين: جليّ و خفىّ؛ فيجعل الأولان من القسم الخفى للشّرك الربوبى، و الأخير من الخفىّ للشّرك العبادى، الّا أنّ الّذي صنعناه، احسن ليفرق بين ما هو شرك في الإسلام، و ما هو شرك في الإيمان.- و امّا المشهور، فلم يفرقوا بينهما، كما لم يقسموا كلّا من الشّركين الى الجلىّ و الخفىّ بل جعلوا المقسم الشّرك، و قسّموه الى قسمين، من دون تبيين في انّ ما ذكرناه من الشّرك الإيمانى من اى القسمين.
و كامل التوحيد في الإخلاص له***قصدا و في طاعته و المسألة
و شركه شرك في الأيمان الصفى***فالشّرك نوعان: جلىّ و خفىّ
و الى جملة ما ذكر، اشرت بقولى:
و كامل التوحيد؛ اى التوحيد الكامل في الإخلاص له قصدا، فلا يرائى و لا ينافق، و في طاعته و في المسألة؛ اى مسألته تعالى و شركه؛ اى شرك هذا التوحيد الكمالى، حيث إنّ لكلّ توحيد شرك يخصّ به، شرك في الأيمان، لا في الإسلام، و لا فى مطلق الأيمان أيضا، بل في الأيمان الصفى الخالص، قال اللّه تعالى: (وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ. )(1)
و على هذا، فالشّرك بمقتضى النوعين المتقدّمين: الربوبى و العبادى، و هذا النوع الثالث؛ نوعان: جلىّ و هما المتقدّمان، و خفىّ و هو هذا النوع؛ و خفائه من وجهين: من جهة انّ عامّة النّاس لا يرونه شركا، و من جهة أنّه لا يحكم في ظاهر الإسلام بالشرك.
ثمّ إنّ هذا النوع له مراتب في الخفاء، فربّما يكون بعض المراتب اخفى من بعض؛ كما أنّ جلاء الرياء، ليست كجلاء النفاق و طاعة من لا اهليّة له، و قد يكون بعض المراتب في الخفاء، بحيث لا يعرفه، او لا يدركه الّا من جعله اللّه من اهل توحيده، كيف و قد قال (ص): «الشّرك اخفى من دبيب النّمل على الصفا.» (2)
قد ظهر ممّا تقدّم، أنّ الشّرك باعتبار الممنوعيّة على نوعين: منه ما هو ممنوع عقلا، لكونه محالا ذاتا؛ و منه ما هو ممنوع شرعا، و حرام في الدين. و الأوّل، لا اشتباه فيه، لانحصار مصداقه بمورد واحد، و هو التشريك في الربوبيّة بفرض ربّين و صانعين او ازيد؛ و امّا الثّاني فحيث أنّ له مصاديق من حيث العبادة و الإطاعة و غيرها، و لكلّ
أفرط في الشّرك العبادى طائفة***و فرّطت اخرى لقصر المعرفة
فعند الأولى أنّ في التوسّل***و نحوه بالأولياء شرك جلىّ
و الآخرون أوجبوا للعابد***تصوير صورة الولي المرشد
و احتجّت الأولى بآيات نهت***عن مطلق الشّرك به و قد سهت
لأنّها في الشّرك في العبادة***لا في التوسّلات للوفادة
و ليس الاستشفاع و التوسّل***شركا بل الشّرك هو التأصّل
من العبادة و الإطاعة مصاديق من حيث الكيفيّة، فهو قابل للاشتباه و محتمل للتّشكيك؛ و من اجل ذلك حدث بين اناس و همان: من حيث التعميم و التخصيص، و كلا الوهمين خارجان عن الحق و الاعتدال، سالكان سبيل الإفراط و التفريط، مقصّران في الاستدلال. و قد رايت من الواجب التنبيه على فسادهما:
فاعلم؛ أنّه أفرط في الشّرك العبادى الحرام شرعا، لا الشرك المحال ذاتا، طائفة، فتعدوا منه الى غيره؛ اى أوجبوا الحرمة لما ليس بحرام، و قالوا بالشّرك لما ليس بشرك، و فرّطت طائفة اخرى، فجوّزوا ما هو من الشّرك المحرّم و جعلوه ممّا ليس بشرك. كلّ ذاك لقصر المعرفة، حيث لم يعرفوا الشّرك المحرّم على وجهه و حقيقته، فوقعوا في افراط و تفريط. فعند الطائفة الأولى، مقرّر أنّ في التوسّل لطلب الحاجات و نحوه؛ كالاستشفاع و الاستغاثة بالأولياء، من الأنبياء و الأوصياء، فضلا عمّن دونهم، شرك جلىّ، و ألحقوه بالشّرك العبادى.
و الآخرون، و هم المفرّطون، أوجبوا للعابد المصلّى أو غيره، تصوير صورة الولي المرشد بزعمهم في قلبه، و قالوا بأنّه ليس بشرك.
و احتجّت الأولى بآيات نهت عن مطلق الشّرك به تعالى، و قد سهت في جهة الاستدلال، و في فرضهم ذلك من الشّرك في العبادة، او مطلق الشّرك المنهىّ، لأنّها؛ اى الآيات النّاهية، انّما وردت في الشّرك في العبادة، لا في التوسّلات الّتي تطلب بها الوسيلة للوفادة الى اللّه- عزّ و جلّ-، و ليس الاستشفاع و التوسّل شركا في العبادة، حتّى تشملها الآيات الخاصّة بها، و لا شركا في نفسها؛ اذ لا يراد بها إلّا الوسيلة و التوسط.
بل هو كالنّائب و الوكيل***فى دعوة و حاجة و قيل
و إنّه واسطة في الطلب***يرجوا من اللّه قضاء المطلب
كيف؟ و قال و ابتغوا ***الوسيلةو استغفر الرسول شاهد له
بل إنّما وليّكم قد يشعر***به كذا فأتوا البيوت مشعر
بل الشّرك هو التأصّل، لا التوسل فانّ مفهوم التوسّل، ليس إلّا طلب الوسيلة، و جعل المتوسّل به واسطة بينه و بين اللّه، و اين الشّرك من معنى الواسطة؟ و التأصّل:
هو ان ينظر الى المتوجّه إليه بالأصالة، و يطلب الحاجة منه من نفسه، و هذا هو الشرك الظاهر، لكنّه ليس من مفهوم التوسل ذلك، و لا يراد من المتوسّل إليه ذلك، أيضا، بل هو؛ اى المتوسّل إليه، الّذي هو مدلول الكلام كالنّائب و الوكيل، الّذي ينوب عن غيره او يتوكّل عن الغير في دعوة؛ اى دعاء يدعو نيابة أو وكالة عنه و في حاجة، فيطلبها او يعملها عنه كذلك، و في قيل، بان يبلغ قولا، و إنّه؛ اى المتوسّل إليه في نظر المتوسّل واسطة في الطلب، بان يبلغ حاجته، و يسعى في طلبه، و يستشفع في حصول مطلبه، و لا ينافى ذلك رجائه من اللّه و انقطاعه إليه، بل هو في هذا الحال، يرجوا من اللّه قضاء المطلب؛ و انّما يتوسّل إليه لأجل ان يكون له شريك و معاون في دعائه، فيكون اقرب الى الاستجابة لما له من القرب و المنزلة عنده، بحيث لا يرد اللّه تعالى وجهه. و محض الواسطة في الإيصال و الطلب، لا يخرج الرجاء و الدعاء عن التوحيد الى الشرك، و لو كانت بالف واسطة بعد ما يعلم أنّ القضاء ليس إلّا بيده تعالى، و أنّه لا يطلبه إلّا منه، كما أنّ الواسطة من قبل اللّه تعالى في الإيصال الى العبد، لا يخرجه عن كونه من اللّه و لو بالف واسطة؛ نظير الوسائط بين السّلطان و الرعية في طلبهم الحوائج منه، او في ايصالها منه إليهم.
كيف تكون الوسيلة و الواسطة منافية للرّجاء؟ و قد قال تعالى:( وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ...)(1)و قال تعالى أيضا: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ. )(2)و كذلك قوله تعالى: (وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ )شاهد له اشارة الى قوله:
(وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ
و إن يكن هذا من الشّرك فلا***مانع بعد الأذن أن توسّلا
إذ ليس ذا من المحال الذاتىّ***بل هو موقوف على الأثبات
تَوَّاباً رَحِيماً)(1). و استغفار الرسول ليس إلّا وسيلة و استشفاعا؛
و مثله قوله تعالى: (وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ.)(2)
و قوله تعالى، حكاية عن يعقوب و اولاده:( قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي)(3). بل قوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ...)(4)قد يشعر به، فانّ الولىّ من اللّه تعالى على الخلق له سمتان: الأخذ منه تعالى، و ارائة الى خلقه، و تدبير الخلق سياسته، و اداء حوائجهم إليه و هو معنى الوساطة.
و كذا: (وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ...)(5)مشعر به أيضا، فإنّ الأنبياء و الأوصياء ابواب رحمته تعالى و مسألته، و التوسّل بهم (ع) اتيان إليه تعالى من الباب.
هذا كلّه أوّلا، و حاصله: أنّ التوسّل بمفهومه الوضعى و بحقيقته الاعتقاديّة عند المتوسّل، ليس من الشّرك اصلا؛ بل مباين له.
و امّا ثانيا: فان لجّ الخصم العنود و ابى إلّا أنّه من الشّرك مفهوما و واقعا، فنقول:
و إن يكن مثل هذا التوسل من الشّرك، فلا مانع بعد الأذن أن توسّلا، إذ ليس ذا من القسم المحال الذاتىّ، بحيث لا يقبل الاستثناء و التخصيص، بل هو؛ اى التوسّل و نحوه، موقوف على الأثبات، لأنّه إمّا من الشرك في العبادة أو الشّرك في الأيمان، و كلاهما ممّا يقبل الأذن و الترخيص. فغايته ان يطالب بالدّليل المثبت للإذن، و يكفى فيه امره تعالى به في قوله:( وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ )و كذلك الآيات المتقدّمة.
و الحاصل: أنّه لو كان بحسب الإطلاق من الشّرك، كان بحسب الإذن من الشّرك المستثنى، و مرجع الاستثناء الى أنّه ليس بشرك شرعا بخلاف الأوّل، فأنّ مرجعه الى أنّه ليس بشرك وضعا.
و الفرقة الاخرى بنوا التصوف***و ما لهم وجه سوى التخرّف
من أنّ في العبادة التخاطب***و في التخاطب الشّهود واجب
و أنّها مقام عزّ شامخ***فما استحقّها سوى المشايخ
و أنّها معراج انس ربّه،،***و خلوة في حضرة القدس به
فالقصّر الباقون في الحجاب***و الواقفون من وراء الباب
و الفرقة الاخرى بنوا التصوف؛ يعنى، أنّ القائل من ابناء التصوّف، لا أنّ الصوفيّة كلّهم يقولون بذلك، بل القائل به قوم منهم؛ فإنّهم مضافا الى تنزيلهم مشايخهم منزلة الأنبياء و الأئمّة (ع) في التوسّل و الاستشفاع بهم، اوجبوا تصوير صورة المرشد في قلب العابد، و ان يتوّجه في المخاطبات، كقوله «ايّاك نعبد و ايّاك نستعين»، الى تلك الصورة و يقصدها.
و ما لهم في ذلك وجه سوى التخرّف، كسائر خرافاتهم و لفّقوا لهذه الخرافة مقدّمات: من أنّ في العبادة، التخاطب مع المعبود مطلقا، إمّا لفظا و معنى، كقوله ايّاك نعبد من المخاطبات الصريحة، او معنى فقط، كغيرها، فإنّ العبادة لا تخلو عن مخاطبة، معنويّة، قلبيّة، و ان لم تكن بصيغة الخطاب، هذه المقدّمة الأولى؛
و في التخاطب، الشّهود (اى شهود المخاطب للمخاطب) واجب، و هذه المقدّمة الثانية؛
و أنّها؛ اى العبادة مقام عزّ شامخ، لا عزّة و لا شموخ فوقها للعبد، حتّى قيل العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة، و قال امير المؤمنين (ع): «كفى بى عزّا ان اكون لك عبدا.»(1)و هى مقام المكالمة مع اللّه، فما استحقّها سوى المشايخ الكمّلين الواصلين، و أنّها أيضا معراج انس ربّه؛ كما اشتهر أنّ الصلاة معراج المؤمن، و هى مقام انس باللّه، و خلوة في حضرة القدس به؛ اى معه كما في الحديث: «لو علم المصلّى من يناجى ما انفتل.» (2)فهذا مقام لا يستحقّه غير اهل القرب و الوصال، فالقصّر الباقون بعد في الحجاب، حجاب التعيّنات و حجاب انفسهم، و الواقفون من وراء الباب، لعدم كونهم
ليس لهم تخاطب حضورىّ***و لا الورود داخل السّتور
فما لهم طريق إلّا الواسطة***و صورة الشّيخ تكون رابطة
و هذه الواسطة كالتّوسّل***فلا يقال: إنّها شرك جلىّ
و كلّها خرافة التلبيس***و زخرفات القول من إبليس
فلا المقام من مقام الواسطة***و لا لهؤلاء شأن الرابطة
واجدين لشرط الدخول، ليس لهم تخاطب حضورىّ، و لا الورود داخل السّتور، بل هم عن ربّهم لمحجوبون، و ما منّا إلّا له مقام معلوم، و لو دنوت انملة لاحترقت، و هذه المقدّمة الثالثة.
و النتيجة: فما لهم طريق إلّا الواسطة، فلا بدّ لهم في تخاطبهم من التوسيط، لحرمانهم عن الشّهود الّذي شرط في التخاطب، و صورة الشّيخ تكون رابطة بينه و بين المعبود؛ فاذا توجّه إليها بقلبه، فقد توجّه الى المعبود، و اذا كلّمها فقد كلّم المعبود. ثمّ قاسوا هذا التوسط بالتّوسل، فقالوا: و هذه الواسطة؛ اى صورة الشيخ في جوازها و صحّتها، كالتّوسّل بعينه، فلا يقال: إنّها شرك جلىّ، اذ ليست إلّا نظيره في التوسيط.
و كلّها؛ اى الوجوه المذكورة خرافة التلبيس، ليلبسوا على النّاس دينهم، و زخرفات القول متّخذة من إبليس:( و إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ.)(1)و انّهم كما قال تعالى أيضا:( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ...)(2)
و كلّ ما ذكروا من المقدّمات مع قياسهم، باطل؛ كما قلت: فلا المقام من مقام الواسطة، لأنّ العبادة لا تقبل التوسّط، كما يظهر وجهه؛ و التوسيط إنّما هو في ابلاغ الحوائج و انجاح المقاصد، و لا لهؤلاء المشايخ الذين يزعمونهم شركاء، شأن الرابطة و التوسط، فإنّ اللّه برئ عنهم، و هم عنه بعداء، لأنّهم ارادوه من غير بيوت أذن اللّه ان ترفع، و ارادوا اتيان البيوت من ظهورها.
و لا العبوديّة بالوصول***و لا الوصول ممكن الحصول
و لا الشّهود في التّخاطب اعتبر***و لا هنا يعقل ذاتا فادّكر
بل العباد في العبادة السواء***و الكلّ يعبدون معبود السّماء
و قد كفى الجميع في التخاطب***العلم بالحضور للمخاطب
فتعبد اللّه تراه حاضرا***إن لم تكن تراه فاللّه يرى
و الشّرط في التخاطب الحضورىّ***حضور زائر لدى المزور
و لا العبوديّة بالوصول، فتكون من شأن الواصلين، كما زعموا. و لو سلم أنّهم من الواصلين، و تخصيصها بهم مخالف للكتاب و السّنة، فإنّ اللّه تعالى ندب النّاس جميعا الى عبادته، و طلب منهم جميعا التضرع إليه بعبوديّته. و لا الوصول بالمعنى الّذي ابدعوه ممكن الحصول في نفسه( أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى)(1). ؛ ان ذاك إلّا ما منّتهم انفسهم و استهوتهم الشّياطين، و إلّا فاين التراب و رب الأرباب؟ معاذ اللّه ان تكون النّسبة بين المخلوقين و الخالق كنسبة البحر و القطرة فيكون وصول العبد إليه كوصول القطرة بالبحر! او غير ذلك من التخيّلات.
و لا الشّهود في التخاطب اعتبر، لا وضعا، و لا عقلا، و لا شرعا، و إنّما يعتبر مجرّد الحضور، و ان كان من وراء السّتور؛ و لا هنا يعقل الشهود ذاتا، لما مرّ من امتناعه بكل قسميه: الشهود العينى و القلبى، فادّكر ما ذكر سابقا. فكلّ ما ذكروه ليس الّا تخيّلات محض و اوهام صرف؛ بل العباد في العبادة السواء، كاملهم و ناقصهم، لا يعبد بعضهم بعضا و لا يتوجّه بعضهم الى بعض، و الكلّ يعبدون معبود السّماء؛ و قد كفى الجميع في التخاطب العلم بالحضور للمخاطب، يستوى في ذلك النّبي (ص) و من دونه؛ غاية الأمر الفرق بينهم في مراتب العلم و الايقان بالحضور، فتعبد اللّه كانّك تراه حاضرا، إن لم تكن تراه فاللّه يرى؛ اشارة الى قوله (ص) و قول الصادق (ع): اعبد اللّه كانّك تراه، فان لم تكن تريه فإنّه يراك.» (2)
و الشّرط في التخاطب الحضورىّ لو فرض اشتراط التخاطب بحضور المخاطب، لا العلم بحضور المخاطب، حضور زائر لدى المزور أيضا، لا شهوده للمزور، و الحضور هنا لا يراد به الحضور المكانى، بل القربى، و هو يحصل من العابد6.
و لا يرى منعا أولو الألباب***من الخطاب من وراء الباب
و لا يقاس الأمر بالتّوسّل***إذ بينه و بينه الفرق جلىّ
إذ لا يكون من به توسّلا***إلّا كالة يعين السّائلا
و هو شفيع فيؤدّى المسألة***و يسأل النّجح لقرب المنزلة
و لا تكون هكذا العبادة***فإنّها صارت لمن أراده
فكلّ من نواه بالخضوع له***تمحّض الخضوع بالوقوع له
فالسّورة الّتي مخاطب بها***معبوده الّذي له توجّها
و ما التقرّب الّذي تصوّروا***إلّا الّذي به القريش اعتذروا
بمحض التوجه، و لا يرى منعا أولو الألباب من الخطاب من وراء الباب، و لا يقول احد أنّه ليس من الخطاب حتّى يشهد المخاطب المخاطب.
و لا يقاس هذا الأمر بالتّوسّل، إذ بينه و بينه، الفرق جلىّ، إذ لا يكون من به توسّلا، من النّبي (ص) و الإمام (ع) و غيرهما إلّا كآلة يعين السّائلا في الوصول الى مقصده، نظير من يؤمّن على دعائه أو نظير من يؤدّى مكتوبه الى المسئول عنه، و الآلة غير مقصودة و لا يقصدها احد، و هو؛ اى المتوسّل به، شفيع للسّائل فيؤدّى المسألة من قبله، و يسأل النّجح له بشفاعته لقرب المنزلة له فليس في التوسّل ادنى ايهام بكون المطلوب شخص المتوسّل به و لا يخرج المتوسّل به عن حقيقته؛ اى كونه آلة ابدا، و لا تكون هكذا العبادة فإنّها صارت لمن أراده و نواه و لا تقبل التوسط و الآلية ابدا، إذ العبادة ليست إلّا الخضوع للمتوجّه إليه.
فكلّ من نواه و اجراه على قلبه و توجّه إليه بالخضوع له، تمحّض الخضوع بالوقوع له، و لا يمكن بعد وقوع الخضوع للمتوجّه إليه، وقوعه ثانيا لغيره، بجعل من وقع له آلة للغير، نظير العقود من النّكاح و غيره، فإنّها لا تقع إلّا للمقصود المتوجّه إليه، فلا يصحّ ان يقال انكحتك يا زيد هذه المرأة على ان تكون هى لأبيك لا لك، و تكون انت واسطة في النّكاح لأبيك.
فالسّورة الّتي مخاطب بها، معبوده الّذي له؛ اى إليه توجّها، و هذا شرك واضح، اذ لا يفرق في المعبود من دون اللّه، بين ان يكون جسما كالأصنام أو صورة منتقشة في العين أو مصوّرة في القلب. و ما التقرّب الّذي تصوّروا حيث قالوا: إنّ
من يعبد اللّه على توهّم***يكفر فكيف صورة للآدمىّ؟
فليس هاهنا مجال الواسطة***و كونها كقبلة مغالطة
لأنّ قبلة مع النّص لها***وجه إلى اللّه بها توجّها
و صورة الشّيخ لها التوجّه***بنفسها حقيقة لا وجهه
و لو يصحّ هذا الادّعاء***فذاك تنزيل و الاكتفاء
الصورة واسطة بين العابد و بين الرب، إلّا الّذي به القريش(1)اعتذروا حيث قالوا:
(ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ... )(2)و قالوا: (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ... )(3)
من يعبد اللّه على توهّم يكفر؛ كما قال الصادق (ع): «من عبد اللّه على توهّم فقد كفر.»(4)فكيف صورة للآدمىّ؟ اى فكيف من يعبد صورة الآدمى؟ فانّ التوهم ليس الّا التصوّر في القلب، فمن عبد اللّه على توهم، صورة مجرّدة غير منطبقة على معيّن، اذا كان كافرا لأنّه عبد غير اللّه، فعبادة صورة الآدمى كفر بطريق اولى.
فليس هاهنا مجال الواسطة بوجه، و كونها كقبلة لو قيس بها، مغالطة واضحة، لمفارقتها ايّاها أوّلا: بالنّص، و ثانيا: بالفارق من حيث حقيقتها؛ كما قلت: لأنّ قبلة مع وجود النّص لها وجه إلى اللّه، بها توجّها المصلّى و العابد؛ يعنى، أنّ القبلة جعلت وجها، اى ما يتوجّه المصلّى الى اللّه، فليس التوجه الى القبلة نفسها، و لا هى المقصودة بالعبادة؛ و لكن صورة الشّيخ لها التوجّه بخصوصها لا يتوّجه إلّا إليها، و لا يقصد الّا ايّاها، فاين هذا من ذاك؟ فالصورة بنفسها متوجّه إليها حقيقة، لا هى وجهه تعالى، بخلاف القبلة، فإنّه لا يتوجه إليها بنفسها، بل بما هى وجه يتوجّه منه، و به إليه تعالى.
فتحصّل: أنّه لا يمكن تصحيح ما ذكروه مع فرض وقوع العبادة للّه لا للصّورة، لا بنحو الوساطة و لا بنحو الوجه. و الوجه في الخروج عن الشّرك منحصر باحد هذين الوجهين، و لو فرض انّه يصحّ هذا الادّعاء لقيام دليل شرعى عليه، فذاك تنزيل و الاكتفاء لا وساطة أو وجه؛ يعنى، أنّه مع فرض قيام الدليل على صحّته، فليس دليلا7.
و لم يرد نصّ على التنزيل***و لا لنفى الشّرك من دليل
فشرك هؤلاء كالعيان***و حكمهم كعابدى الأوثان
و مؤيّدا على كون هذه العبادة للّه، و أنّها غير خارجة عن كونها عبادة اللّه الى عبادة غير اللّه، بل الدليل على فرض وجوده، دليل على التنزيل؛ يعنى، أنّ هذه العبادة و ان كانت خارجة عن عبادة اللّه و كانت عبادة غير اللّه، لكنّها نزلت منزلة عبادة اللّه، و اكتفى بها في مقام الامتثال، نظير البيعة مع الرسول؛ حيث نزلت منزلة البيعة مع اللّه في قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.)(1)مع انّ الرسول غير اللّه و حقيقة البيعة معه غير البيعة مع اللّه، و ليست البيعة كالإطاعة الّتي هى من الوساطة، فإنّ اطاعة الرسول عين اطاعة اللّه.
فتصحيح ادّعاء هؤلاء، مبنىّ إمّا على قيام دليل على التنزيل أو اثبات عدم لزوم الشرك بوجه و تعليل، و لم يرد نصّ من الشارع على التّنزيل، و لا لهم لنفى الشّرك و عدم لزومه من دليل يكفل ذلك، و حيث لم يكن لهم دليل بوجه فشرك هؤلاء كالعيان، من غير خفاء، و حكمهم كعابدى الأوثان، لما قلنا من عدم الفرق في السّجدة لغير اللّه، بين ان يكون ذلك الغير مجسّما أو مصوّرا، و المصوّر بين ان يكون عينيّا او قلبيّا، غاية الأمر أنّ الخصم حيث يكون مشخّصا مرئيّا، فشرك عابده ظاهر يعرفه كلّ ناظر، و هذا لا يعرف شركه إلّا نفسه، و لكنّه اذا اظهره بلسانه مقرّا به اخذ عليه.
الى هنا نجز الجزء الأوّل من هذا الكتاب، و يتلوه الجزء الثانى مبتدأ بالتّكلّم فى بينونته تعالى عن خلقه0.
1) . الفتح 48: 10.
مذهب من خصّ بالاجتباء***بينونة الربّ عن الأشياء
ذاتا و خارجا، فلا وحدة قطّ***و لا اتّحاد أو حلول الشّطط
و أحدثت وحدته الفلاسفة***و الاتّحاد و الحلول الأسقفة
و بالجميع قالت الصوفيّة***و الوحدة اليوم غدت صفيّة
هذه المسألة من أمّهات مسائل التوحيد، و بها تمتاز الشّيعة الخالصة، و تنحاز عن منتحلى التشيّع ممن تبع الفلاسفة، او سلك مسلك التصوّف؛ و بها تظهر حقيقة التوحيد الذاتى من حيث(1)الفردانيّة الذاتيّة؛ اى لا مماثل له في حقيقته.
مذهب من خصّ بالاجتباء؛ اى الّذين اجتبهم اللّه لوحيه، بينونة الربّ و انفراده عن الأشياء، ذاتا و خارجا، فليس هو من سنخ المخلوق بوجه، و لا متحقّقا و متحصّلا به أو فيه أو معه، فلا وحدة له مع خلقه قطّ، و لا اتّحاد أو حلول الشّطط؛ اذ الاتّحاد و الحلول، و ان فرض انّهما لا ينافيان البينونة الذاتيّة، الّا انّهما ينافيان البينونة الخارجيّة، بل الاتحاد الحقيقى يلازم عدم البينونة الذاتيّة بعد الاتّحاد.
و أحدثت وحدته الفلاسفة، و احدثت الاتّحاد و الحلول الأسقفة لليهود و النّصارى، و بالجميع قالت الصوفيّة، فبعضهم ادّعى الاتّحاد و بعضهم الحلول، و ذلك في بدو حدوثهم قبل مدارستهم الفلسفة، و امّا بعدها، فقد قالوا بالوحدة لا غير، و الوحدة اليوم غدت؛ اى صارت من بين أختيها، صفيّة عند جميع اهل الشّطط
1) . انّما قيّدنا بالحيثيّة، لأنّ التوحيد الذاتى له جهات: فتارة، يلاحظ الذات من حيث التركيب و التجزية، و اخرى، من حيث تفرّده عن مشاركة غيره معه في حقيقته؛ و ثالثة، من حيث عدم زيادة الصفات عليه، و كلّ ذلك من التوحيد الذاتى و لا تظهر حقيقته تماما و كمالا إلّا بالجميع.
بها يقول جلّ من تصوّفا***و قالها أكثر من تفلسفا
فهذه أهمّ بالإبطال***إذ سمّها أضرّ بالأبطال
و هى على المصطلح المعهود***عبارة عن وحدة الوجود
إنّ أساس الحكمة الرسميّة***فرضيّة الوجود و الماهيّة
منشأ هذا الوهم، أنّ الحكماء***حيث اكتفوا بالعقل عن وحى السّماء
من القول. بها يقول جلّ من تصوّفا، بل كلّهم إلّا من شذّ و ندر، كعلاء الدين السّمنانى؛ و قالها أكثر من تفلسفا إلّا من شذّ منهم، كالدّاماد و من يذهب مثله الى اصالة الماهيّة، و الإشراقيّون كلّهم قائلون بالوحدة. و حيث أنّ الاتّحاد و الحلول قد انقرض القائل بهما، و ظهر بطلانهما على الخاصّ و العامّ كبطلان الأصنام، اللّهمّ إلّا ان تكون بقيّته ممّن كالانعام، فلا فائدة مهمّة في اطالة الكلام فيهما، بل نكتفى بالتّعرض لهما اجمالا فى آخر المبحث.
فهذه؛ اى الوحدة، أهمّ بالإبطال، إذ سمّها أضرّ بالأبطال؛ فإنّ الّذين يعدونهم النّاس من فضلاء البشر، ابتلوا بهذه الداء العضال، و اللّه الهادى الى الحقّ من الضلال.
و هى؛ اى الوحدة، على المصطلح المعهود عندهم، عبارة عن وحدة الوجود.
و حاصل هذا القول: أنّ المتحقّق في وعاء التحقّق ليس إلّا الوجود، و هو واحد غير متعدّد، و حقيقة جميع الكائنات من الواجب و الممكن هو الوجود.
إنّ أساس الفلسفة الموسومة ب «الحكمة» المتداولة الرسميّة، انّما هو فرضيّة الوجود و الماهيّة، و عنها يصدر القول بوحدة الوجود.
منشأ هذا الوهم و باعث حصوله: أنّ الحكماء، و هم الّذين استغنوا بحكمهم عن الأنبياء، و استبدوا بانفسهم في طلب حقائق الأشياء، و ان فرض من كان منهم قبل الإسلام أو بعده، ممّن دان بدين الرسل، فإنّهم إنّما اتبعوهم في الشرائع و السّبل لا
تكلّموا بعقلهم في كلّ شيء***و أنّ الأشياء من أى و لأىّ
حتّى انتهى البحث إلى التكوين***فالكلّ قدّروه بالتّخمين
فقيل: إنّ الأصل و المبدأ له***نور و ظلمة فكانا أوّله
و قيل: شمس نبذت فلائذا***و قيل: ذرّات، و قيل: غير ذا
و قيل: إنّ أصله الوجود***بحتا و منه انتشر الموجود
فيما هو بزعمهم مخصوص بفنّهم كاتّباع اهل الصنائع للشّرائع، فهؤلاء حيث اكتفوا بالعقل في طلب الحقائق عن وحى السّماء، إمّا لعدم الاعتقاد به، او زعما منهم أنّه ليس من شأن اهل الوحى، و أنّ هذا ممّا يمكن الوصول إليه بالعقول، فلا حاجة فيه الى الرسول، و أن بعض ذلك ممّا لا يقبل التعبد لتقدّمه عليه ثبوتا و توقفه عليه اثباتا.
و كيف كان، فحيث طلبوا الوصول الى حقائق الأشياء بقدر الإمكان، تكلّموا بعقلهم في كلّ شيء، واحدا بعد الآخر، و تكلّفوا في أنّ الأشياء من أى و لأىّ؛ اى تكلّموا في كلّ شيء أنّ اصله و تكوّنه من اىّ شيء، و أنّه لأىّ شيء من الخواصّ و الطبيعة، و لاىّ غاية من الغايات، و هكذا انجرّ كلامهم و تكلّموا في شيء بعد شيء، حتّى انتهى البحث، و الكلام لهم إلى التكوين نفسه؛ يعنى، فى اصل تكون الكائنات و مبدأ تكوينها؛ فخاضوا فيه و غاصوا، و لم يمكنهم التحقيق لغموضه، فالجأهم الى الفرض و الحدس، فالكلّ قدّروه؛ اى فرضوه بالتّخمين، فصاروا شيعا و احزابا، كلّ حزب بما لديهم فرحون.
و هذه نتيجة فروضهم و تخميناتهم:
فقيل: إنّ الأصل و المبدأ له؛ اى للتكوين، نور و ظلمة فكانا أوّله؛
و قيل: إن المبدأ شمس نبذت فلائذا جذاذا، فتكوّنت منها السّماء و النّجوم و الأرض و ما بها؛
و قيل: إنّ الاصل ذرّات كانت في الفضاء، فاجتمعت و تألّفت و اختلفت فتولّدت منها الأشياء؛
و قيل: غير ذا من الوجوه المنقولة عن اربابها في الكتب و الأساطير؛
و قيل: إنّ أصله؛ اى التكوين، الوجود، بحتا؛ اى الوجود البحت البسيط، و منه انتشر الموجود كلّه. و هذا هو الّذي نعتنى بدفعه، لأنّه ضلّ فيه من ضلّ ممّن يدّعى
و إنّهم قد حلّلوا الشيئيّة***بدءا إلى الوجود و الماهيّة
و اختلفوا في الأصل في التحقّق***إذ نفى واحد من المتّفق
فالأصل عند الأكثر الوجود***ثمّ الماهيّات له حدود
و قال قوم منهم خليط***إنّ الوجود واحد بسيط
و عندهم حقيقة المعبود***و ذاته ليست سوى الوجود
الإسلام و التوحيد، بل يدّعى أنّ غير ذلك ليس بتوحيد. و إنّهم؛ اى هؤلاء ارباب القول بانّ اصل التكوين، الوجود، كان منشأ ذهابهم إليه، أنّهم قد حلّلوا الشيئيّة بدءا، اى ابتداء إلى الوجود و الماهيّة، قالوا: إنّ الشيء الّذي له شيئيّة نفس الأمريّة، لا يخلو من احد هذين، و امّا العدم، فإنّه و ان كان يقال له الشيء أيضا، الّا أنّ شيئيّته، فرضيّة ذهنيّة، لا نفس الأمريّة.
و اختلفوا بعد ذلك في الأصل في التحقّق، و انّه اى واحد منهما هو الأصل، و الآخر تبع له، منتزع منه؟ إذ نفى واحد على الإجمال من المتّفق عليه بزعمهم، فالاتّفاق منهم على ما حكى عنهم، حاصل على المنفصلة الحقيقيّة، بمعنى أنّ الواقع لا يخلو من احدهما، و لا يمكن الجمع بينهما، بان يكون كلاهما متأصّلين، و ان كان قد نقل عن بعضهم نقض هذا الاتّفاق في جهة الاجتماع؛ فذهب الى عدم الامتناع و قال بتأصّلهما معا، الّا أنّ قاطبة العرفاء و الفلاسفة لا يعبئون بهذا الخارق.
و كيف كان، فالأصل في التحقّق عند الأكثر؛ اى اكثر المتّفقين المعترفين بعدم امكان الاجتماع، هو الوجود؛ ثمّ الماهيّات عندهم له حدود اعتباريّة، و قال قوم منهم؛ اى لا كلّهم من هؤلاء القائلين بتأصّل الوجود خليط، صفة قوم؛ اى جمع مختلطون، ليسوا بطائفة خاصّة، بل مختلطة من المشائيّة و الإشراقيّة و الصوفية، قالوا:
إنّ الوجود واحد بسيط خلافا لطائفة اخرى من المشائيّة، فإنّهم مع ذهابهم الى تأصّل الوجود، قالوا بتعدّده و تباين حقائق افراده، تباينا ذاتيّا بتمام الذات، لا بالجنس، فتكون حقيقة الوجود جنسا لها و لا بالفصل، فتكون نوعا لها؛ بل هى افراد متباينة بتمام الذات، و يطلق عليها الوجود قولا عرضيّا.
و عندهم أيضا؛ اى عند هؤلاء القائلين بوحدة الوجود و بساطته، حقيقة المعبود تعالى و ذاته، ليست سوى الوجود، و اذا جمع بين هذين القولين: وحدة الوجود و كونه تعالى هو الوجود، مع قولهم بتأصل الوجود في كلّ موجود، يلزم لا
فاتّحد الخالق و المخلوق***ذاتا و يبقى السّبق و اللّحوق
و مقتضاه، رفع الاثنينيّة***من ذاك قيل وحدة عينيّة
و ذا خلاف العقل و الوجدان***مخالف الإسلام و الأديان
و إذ تولّدوا على الإسلام،،***و أظهروا الإقرار بالأحكام
محالة اتّحاد الخالق و المخلوق؛ كما قلت:
فاتّحد الخالق و المخلوق ذاتا؛ اى بحسب الذات و الحقيقة، و يبقى في الوجه الفارق بينهما السّبق و اللّحوق؛ اى محض كون احدهما سابقا و الآخر مسبوقا، كالنّار المتخذة من نار اخرى؛ فإنّ الحقيقة فيهما واحدة و الذاتيات متّحدة، و الفارق: أنّ الأولى سابقة، و الثانية لاحقة؛ و الأولى علّة، و الثانية معلولة.
و مقتضاه؛ اى مقتضى الاتّحاد، رفع الاثنينيّة، إذ الامتياز و الاثنينيّة بالماهيّة، و هى عندهم اعتباريّة، فالوحدة الواقعيّة الحقيقيّة إذن عينيّة من ذاك، قيل: وحدة عينيّة، و القائل محيى الدين العربى، حيث قال: «الحمد للّه الّذي خلق الأشياء و هو عينها». و ذا؛ اى الاتّحاد، خلاف العقل و الوجدان؛ فإنّهما قاضيان بان الخالق غير المخلوق، و المخلوق غير الخالق؛ و أنّ الخالق ليس في رتبة المخلوق و حدّه، و لا المخلوق في حدّ الخالق و رتبته؛ و المخلوق حادث و الخالق قديم، فلو كانا متحدين فى الهويّة، فامّا ان يكون الخالق حادثا، لأنّه من سنخ المخلوق الحادث و من جنسه، أو المخلوق قديما، لأنّه من سنخ ما هو القديم؛ ثمّ لا يمكن القديم ان يخلق ما هو من سنخه لان سنخه لو كان قابلا للخلق لم تكن ذاته إذن بالذّات.
فهذا القول مخالف للعقل و الوجدان، و مخالف للإسلام و ساير الأديان أيضا، فإنّ البينونة من ضروريّات الإسلام عند اهله، و من ضروريّات كلّ دين أيضا، حتّى عند القائلين بالوحدة؛ و لذلك ترى اهل الإسلام، يرمون القائل بالوحدة بالكفر و الزندقة؛ و ترى القائلين بالوحدة، يعدون الرامين قشريّين، و هم معترفون بأنّ الضرورة الظاهرة من الإسلام و من كلّ دين، هى البينونة.
و إنّما يصحّحون قولهم على الباطن و التأويل، و يدّعون أنّ الوحدة لمّا لم تكن مفهومة للعوام، لم يأمر بها الإسلام و غير الإسلام؛ و لكن هؤلاء، إذ تولّدوا على الإسلام، و نشئوا فيه، و أظهروا الإقرار بالأحكام لسانا أو اعتقادا لرسوخ الفطرة فيهم
و قدّروا الوحدة برهانيّة***و عند أهل الكشف وجدانيّة
فما استطاعوا النّقض للإيمان***و لا خلاف الكشف و البرهان
فالتجئوا بمقتضى الإقرار***أن يكتفوا بالفرق الاعتباريّ
و اختلفوا فيه، فقيل: خلقه***تنزّلاته، و هذا فرقه
و قيل: موجه، و قيل: عكسه***و قيل: ظلّه، و قيل: نفسه
بسبب النّشوء، و قدّروا؛ اى فرضوا الوحدة برهانيّة بزعمهم، و عند أهل الكشف وجدانيّة، بمقتضى كشفهم الّذي يدّعون و يزعمون، وقعوا بين المحذورين، و حاروا فى الجمع بين الأمرين، فما استطاعوا النّقض للإيمان، بان يرفضوه، و لا خلاف الكشف و البرهان، الّذين يزعمونهما؛ فكان رفض الأيمان صعبا عليهم؛ امّا خوفا، و امّا عادة؛ و مخالفة الكشف و البرهان اصعب.
فالتجئوا بمقتضى الإقرار الّذي لم يمكنهم رفضه، أن يكتفوا بالفرق الاعتباريّ، و هو بزعمهم جامع بين الوحدة و الاثنينيّة، و مصحّح لها و رافع للتّنافى عنهما، اذ الوحدة بمقتضى البرهان و الكشف، وحدة حقيقيّة، واقعيّة؛ و الاثنينيّة الظاهرة من الدين بل العقل و الوجدان، اعتباريّة، و هى كافية في تحقّق الاثنينيّة غير منافية للوحدة الواقعيّة؛ فإنّ الاعتبار كثيرا يحلّل الشّيء الواحد الى الاثنين، كالصلاة فى الدار المغصوبة، لكن هذا الاعتبار غير ذاك الاعتبار؛ فإنّ هذا له تحقّق و واقعيّة فالغصب و الصلاة كلاهما متحقّقان بالعمل الواحد، و ذاك الاعتبار لا واقعيّة له اصلا، و لا يقاس هذا به.
و بعد اتّفاقهم على الفرق الاعتباري لتصحيح الاثنينيّة، اختلفوا فيه، اى في توجيهه و بيانه و كيفيّته:
فقيل: خلقه تنزّلاته، و هذا فرقه؛ و القائل به طائفة من الصوفيّة، و عدّت هؤلاء من السفلة، قالوا: بأنّ حقيقة الوجود واحدة و هى واجب الوجود وحده، و ليس غيره شيء؛ و امّا الموجودات التكوينيّة، فهى من تنزلات ذلك الواحد و تطوّراته؛
و قيل: بل خلقه موجه تشبيها له بالبحر و امواجه، فإنّ الموج في الحقيقة عين البحر و في الاعتبار غيره؛
و قيل: بل خلقه عكسه، نظير العكوس الواقعة في المرايا المختلفة الألوان، فالعكس بالاعتبار غير المعكوس؛
لكن له مراتب عديدة***ضعيفة قويّة شديدة
فالواجب، الشّديد أنهى الشّدّو*** الممكن، الضعيف حلف الحدّ
و قيل: وحدة و كثرة معا***و الفرق بالنّاظر كيف طالعا
و قيل: بل خلقه ظلّه، نظير الظلّ لذى الظلّ.
و ربّما يتوّهم أن هذه الثلاثة ترجع الى الأوّل، و أنّها للتّنزلات و التطوّرات، و هو من قلّة التأمّل، اذ العكس غير الظلّ و هما غير الموج؛ نعم لا يبعد ان يكون الموج مثلا للتّنزّل هذا، و لكنّ اصحاب هذه الأقوال المختلفة، و كذا القولين الأخيرين لا يراعون فى اشعارهم حقيقة مذهبهم، بل يقلّد بعضهم بعضا امّا صمّا و عميانا و غفلة و نسيانا، او تسامحا و استحسانا؛
و قيل: نفسه، لا موجه و ظلّه و عكسه، و لا بمعنى هو هو بعينه، بل معنى أنّ الواجب، هو الوجود، و الممكن أيضا هو الوجود، لكن له مراتب عديدة، كثيرة مختلفة، شدّة و ضعفا، فمرتبة ضعيفة، و مرتبة قويّة، و مرتبة شديدة؛ فالواجب هو الوجود الشّديد أنهى الشّدّ؛ اى المرتبة الّتي فوق ما يتناهى شدّة؛ و الممكن الوجود الضعيف حلف الحدّ؛ اى حليفه و قرينه لا ينفكّ عنه؛ فإنّ الواجب لا حدّ له و هو الوجود المطلق، و الممكن محدود بالماهيّة، و ان كانت هى اعتباريّة.
و هذا القول، مذهب الفهلويين، و استحسنه السّبزوارى؛ و هو انّما يصحّح الوحدة الذاتيّة و الاثنينيّة الواقعيّة؛ كالنّور الّذي مثّله به؛ فإنّ المراتب لا يمكن فرضها الّا مع التعدّد العينىّ الواقعى مع وحدة الذات، فإنّ النور له افراد عينيّة متعدّدة واقعا، متّفقة بالذّات، مختلفة بالمراتب؛ و المهمّ المقصود تصحيح الوحدة الحقّة الحقيقيّة الّتي لا تعدّد فيها واقعا اصلا، و انّما يفرض لها التعدّد اعتبارا لذهابهم الى أنّ الوجود، واحد، شخصىّ، جزئىّ، بسيط لا يتجزّى و لا يتعدّد، و مع ذلك فهذا القول كغيره أيضا فيما هو الأصل من لزوم الشّرك، و مخالفة العقل؛ اعنى لزوم الاشتراك في حقيقة الخالق تعالى.
و قيل: وحدة و كثرة معا، واحد في عين الكثرة، و كثير في عين الوحدة، لا تضرّ إحداهما بالأخرى فالوجود واحد، و الموجود كثير و في عين الكثرة واحد؛ و الفرق بالنّاظر كيف طالعا الوجود و الموجود و اوقع نظره إليهما، فان نظر الى الموجود من
حيث الوجود، فإنّه واحد، و ان نظر الى الموجود من حيث الموجود لا من حيث الوجود، فهو كثير، و في عين الكثرة أيضا واحد، اذ ليس إلّا وجود واحد. و هذا قول صدر المتألّهين بل عرفائهم الشّامخين؛ كما قيل.
و لكنّه عند التحقيق، لم يأت بشيء حاسم للأشكال أو مصحّح للمقال أو ممتاز عن سائر الأقوال، بحيث لا يحتاج في توضيحه الى تلك الأمثال، بل لم يأت إلّا بألفاظ مبهمة مجملة، وحدة في كثرة و كثرة في وحدة. و ليت شعرى ما ذا يريد من الكثرة! فان كان يريد بها الكثرة الحقيقيّة الواقعيّة، فهذا خروج عن الوحدة الحقّة الحقيقيّة، و ان اراد محض الاعتبار في نظر النّاظر، فليس قولا في قبال الاقوال؛ اذ الكلّ قائلون به على الإجمال، و مع ذلك فليست هذه الكثرة بحسب النّاظر من الكثرة في الموجود الّتي قال من بعده، أنّ الفرق بينه و بين غيره، أنّهم قائلون بوحدة الوجود و الموجود، و هو قائل بوحدة الوجود و كثرة الموجود؛ و أنّه غير ذوق التأله الّذي قال به الداماد من وحدة الوجود و كثرة الموجود، لأنّه يقول بكثرة الموجود بمعنى المنسوب الى الوجود، لذهابه الى أنّ تحقّق الكائنات بالماهيّات، و هذا يقول بكثرة الموجود في عين وحدة الوجود.
و قد مثّل له السبزوارى (على ما حكى عنه في حاشيته على الأسفار)، بالعكوس الواقعة في مرايا متعدّدة لإنسان واحد، فإنّك اذا كنت محتجبا عن العاكس و نظرت الى العكوس تريها متعدّدة، و اذا نظرت الى العاكس و ترى العكوس بما هى آلة حاكية، فهى واحدة، فالوجودات اذا لاحظتها بما هى مضافة الى الحقّ سبحانه بالإضافة الإشراقيّة؛ اعنى بعنوان أنّها اشراقات نوره، لم تكن خالية في ظهورها عن ظهوره، و اذا لاحظتها امورا مستقلّة بذواتها، كنت جاهلا بحقايقها، اذ الفقر ذاتىّ لها.» انتهى.
و لا ادرى أنّه توضيح و تمثيل واقعىّ لما قال له الصّدر، او انّه من التفسير بما لا يرضى صاحبه؟ حيث انّ السبزوارى قال بعد ذلك: «فالوجود حقيقة واحدة؛ ذات مراتب متفاوتة بالشدّة و الضعف و نحوهما ...» و على هذا، فليس ما قاله الصدر الّا مذهب الفهلويّين، الّذي اختاره السبزوارى؛ غاية الأمر أنّه عبّر عنه بلازمه؛ اعنى الوحدة في الكثرة و الكثرة في الوحدة، الّتي عرفت أنّ هذا لازم كلّ من لم يصرّح كمحيى الدين بالعينيّة.
و كلّ ذى تخلّصات و مفرّ***عبائر تشبه إحداها الاخر
لا يصلح الكثرة الاعتبار***و ما لهم عن وحدة فرار
و ما أضلّهم عن الإيمان***سوى اتّباع حكمة اليونان
هم أسّسوا لنفسهم أساسا***و هؤلاء اقتبسوا اقتباسا
و إذ تلقّوا ذاك بالقبول***منهم فما لهم سوى الفضول
فاسمع لكى ترى بلا التباس***أنّ أساسهم بلا أساس
و كيف كان، فهذه اقوالهم في الجميع بين المنافيين من الالتزام بالوحدة مع القول بالاثنينيّة، و كلّ ذى تخلّصات و مفرّ يطلبون بها التخلص و الفرار عن وصمة العار، و كلّها عبائر متقاربة، تشبه إحداها الاخر؛ و لذلك يستعملونها كلّهم فلا يقصدون بها إلّا اعتذارا ان يريدون إلّا فرارا.
كلّا! لا يصلح الكثرة الاعتبار و ما لهم عن وحدة فرار، اذ الواحد الحقيقى لا يصير اثنين و لو بالف اعتبار، على انّ الاعتبار انّما يصحّح الاثنينيّة فيما كان الحكم معلّقا على العنوان الاعتبارى كالصّلاة و الغصب.
و ما أضلّهم عن الإيمان، سوى اتّباع حكمة اليونان؛ فإنّ هذا الشّوم من آثار ذلك الميشوم، و هذا الضلال بعد الهدى من تبعات الخوض في ظلمات الردى؛ (و الحمد للّه الّذي اعاذنا و نجّانا منها، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ)(1).
هم؛ أى اليونانيون، أسّسوا لنفسهم أساسا على مقتضى استبدادهم بآرائهم و استغنائهم عن انبيائهم؛ و هؤلاء مع قبولهم الإسلام، اقتبسوا ذلك منهم اقتباسا، فارتدّوا على ادبارهم، و فرحوا بما عندهم من العلم؛ و إذ تلقّوا ذاك بالقبول منهم، و توهّموا أنّه من المعقول الّذي لا مردّ له في العقول، و تجسّم أيضا في مخيّلة من ادّعى الكشف منهم حتّى برز له على وهمه بصورة ممثّلة، فظنّ المسكين أنّ الوحدة بالكشف محصّلة. فما لهم بعد ذلك شيء سوى الفضول من الكلام، فاسمع لما يتلى عليك من سخافة هذا الأساس و بطلانه، لكى ترى بلا التباس و خفاء، أنّ أساسهم
1) . اعراف 7: 43.
فرضيّة، حدسيّة، وهميّة***لا واقعيّة و لا علميّة
من أين قالوا كلّ ما تحقّقا***وجود أو ماهيّة محقّقا
لا غير هذين و لا هما معا***أيّا يكون ممكنا أو صانعا
فإن يكن بمقتضى التحليل***فليس في الواجب من سبيل
و إن يكن بالعقل و البرهان***فأىّ برهان لهم مبان
ينفى سواهما على الإطلاق***شأنا و واقعا سوى الوفاق
الّذي أسّسوه، بلا أساس، و أنّه قضيّة، فرضيّة، حدسيّة، وهميّة، كسائر الفرضيّات المتقدّمة عليها أو المتأخرة عنها، الّتي يفرضها الفارضون و يخرصها الخارصون كلّ يوم و في كلّ عصر، لا واقعيّة هى و لا علميّة، و ان ابرزوها بصورة العلم و البرهان.
فاوّل كلام لنا معهم في هذه المنفصلة الحقيقيّة؛ اعنى انحصار المتحقّق في الوجود أو الماهيّة، بمعنى عدم الخلوّ منهما و عدم الجمع بينهما، من أين قالوا كلّ ما تحقّقا في العين، فهو وجود أو ماهيّة محقّقا، ذلك من دون ريب، لا غير هذين و لا هما معا، بل لا بدّ و ان يكون المتحقّق احدهما فقط؟ ثمّ من اين قالوا بذلك على الإطلاق، و أنّ المتحقّق أيّا يكون ممكنا كان أو صانعا، فالحكم فيه ذلك؛ يعنى، أنّ كلّا من الواجب و الممكن لا بدّ أن يكون التحقّق لوجوده أو لماهيّته؟
فإن يكن هذا الّذي فرضوه بمقتضى التحليل الواقعى، فهب أنّا سلّمنا دعوى ذلك منهم في الممكنات العينيّة على كثرتها من الشهوديّة و الغيبيّة، فليس لهم في الواجب من سبيل؛ فإنّ الواجب لا يقبل التحلل، فليس لهم فيه إلّا القياس، و هذا أوّل الالتباس.
و إن يكن هذا الانحصار بالعقل و البرهان، فأىّ عقل أو برهان لهم مبان؟ اى واضح في ذلك يقتضي اتّحاد الواجب و الممكن، و استوائهما فيما به التحقق، أم اىّ برهان عقلى ينفى سواهما؟ اى سوى الوجود و الماهيّة على الإطلاق؛ يعنى، شأنا و واقعا، بمعنى أنّ غيرها ليس له شأنيّة التحقق و لا واقعيّته سوى الوفاق، الّذي ادّعوه من الحكماء، و هو الاجماع المركّب؛ حيث أنّهم بين من يقول باصالة الوجود، و من يقول باصالة الماهيّة، فهم متّفقون على أنّه ليس لغيرهما تحقّق؛ و لو لا قضيّة الاتّفاق، فالعقل لا مدخل له بنفسه في هذا الأمر، لأنّه من الجزئيّات الخارجيّة الّتي لا مدخل للعقل فيها، و المقام من موارد الاستقراء، لا من مقام حكومة العقل.
أو يثبت الواحد لا معيّنا***لو لا اقتضا قوليهم التعيّنا
و العقل لا يحكم بالإبهام***فالحصر مسند إلى الأفهام
حيثيّة الإباء و اللااقتضاء***تقابل تخالف ممحّضا
و في قبول واحد تحقّقا***لا غير لم يكن سوى ما اتّفقا
و أيضا اىّ عقل أو برهان يثبت الواحد لا معيّنا؟ اى لا على التعيين، لتتمّ المنفصلة الحقيقيّة بكلا طرفيها، لو لا اقتضا قوليهم التعيّنا؛ يعنى، لو لا استنادهم في منع الجمع الى الاتّفاق الحاصل من قولهم، كاستنادهم في منع الخلوّ إليه، فأيّ دليل يلزم القول بالواحد، لا على التعيين؟ و العقل لا يحكم في قضاياه بالإبهام إلّا مع اجمال الواقع، كما يحكم بالتخيير لا على التعيين، او بالاحتياط جمعا في مقام الامتثال، و لا اجمال هنا إلّا لوجود القولين، و عدم الثالث.
فالحصر المدّعى، ليس بحكم وجدانى أو نظرى برهانى للعقل، بحيث يحكم على الواقع بما هو واقع، بل هو مسند إلى الأفهام، فلو نسب الى العقل، لكان حكمه بالنّظر الى الاجماع المركّب، لا بالنّظر الى ادراكه الواقع و حكمه عليه.
و قد ابرز بعضهم تحليلا بصورة الدليل للحصر العقلى، فقال: الحيثيّات لا تخلو من ثلاث: فإمّا ان تكون حيثيّة الإباء عن العدم فهو الوجود؛ او حيثيّة الإباء عن الوجود، فهو العدم؛ او حيثيّة اللّااقتضاء، و هى الماهيّة. امّا العدم، فلا تحقّق له، فيبقى التحقّق دائرا بين الآخرين؛ و قد اراد بقوله «لا تخلو» اثبات منع الخلوّ، و بقوله «دائرا بين الآخرين» اثبات منع الجمع. و حاصله حصر الحيثيّات من حيث هى بحسب التصوّر بين ثلاث، و في الواقع النّفس الأمرى بين اثنتين، لأنّ العدم لا تحقّق له، فليبحث بعد ذلك عمّا هو الواقع العينى.
و قد اجبت عنه بعد الغضّ عما فيه، بقولى: حيثيّة الإباء؛ يعنى، الإباء عن الوجود، و الإباء عن العدم، و حيثيّة اللّااقتضاء الّذي هو معنى اللّاإباء، إنّما مفادها تقابل بين الوجود و العدم، و تخالف بينهما و بين الماهيّة ممحّضا؛ اى لا تزيد على ذلك، و امّا في قبول واحد منهما غير العدم تحقّقا شأنيّا، او واقعيّا خاصّا له لا غير؛ فهذا ممّا لم يكن عليه دليل سوى ما اتّفقا؛ اى ليس على انحصار القبول أو الشأنيّة في واحد دون الآخر، و دون غيرهما دليل سوى دعوى الاتّفاق، و تثليث الحيثيّات لا
و لازم الماهيّة اللااقتضاء***هو القبول بل عروض ما اقتضى
يثبت ذلك؛ كما لو قلت البياض حيثيّة تأبى عن السّواد، و السّواد حيثيّة تأبى عن البياض، و الجسم حيثيّة لا اقتضاء له؛ فإنّ محض هذا التثليث لا يثبت لزوم تحقّق شيء منها أو عدم تحقّق غيرها، لو لا ان علم من الخارج حصر التحقّق في واحد منها خاصّة.
و أيضا لازم الماهيّة اللّااقتضاء، على ما فرضه هذا الفارض، انّما هو القبول للتحقّق و شأنيّتها له، فإنّه معنى لا اقتضائها و لا إبائها عن الوجود و العدم، كما أنّ شان كلّ لا اقتضاء قبوله للمقتضيين و شأنيّته لهما؛ كما ظهر من مثال الجسم و البياض و السّواد، مع أنّ هذا الفارض ممّن يذهب الى اصالة الوجود، و عدم شأنيّة الماهيّة للتّحقق؛ بل لازم اللّااقتضاء أيضا عروض ما اقتضى؛ اى عروض ما هو المقتضى من الوجود و العدم على الماهيّة، و كونها معروضة لهما كالجسم في المثال؛ و لازم كونها معروضة، كونها متأصّلة دون الوجود العارض، مع أنّ هذا الفارض ممّن يرى الوجود اصيلا.
هذا محصّل ما اردنا من نقض هذه المقدّمة، و لا بأس بعد ذلك بالتّنبيه على ما فيها من الخلل و التمويه، لئلّا يغترّ بها من ليس من البصراء، اذ صدرت ممّن ينوّه باسمه في الحكماء الكبراء مع ما في صدور النّاس من الكبر و العظم للحكماء ما ليس لغيرهم من العظماء، فاقول:
أوّلا: لم جعل المدار، الحيثيّات، و لم يقل الأمور أو العناوين ثلاثة، مع أنّ الحيثيّة لا تطلق إلّا على الكيفيّات و الأعراض و الاعتباريّات، و ليس الوجود عنده و لا الماهيّة عند غيره حيثيّة.
و ثانيا: فى التعبير بالحيثيّة تعريف ضمنيّ لكلّ من الثلاثة، و ليست الحيثيّة حدّا للوجود عنده، و لا للماهيّة عند غيره و لا من لوازمها و اعراضها عند الفريقين، و ان كان الإباء و اللّاإباء من لوازمهما، و لا يضرّ كونهما عدميين في التعريف بالرّسم.
و ثالثا: ما دعاه الى تبعيد المسافة بتثليث الحيثيّات، ثمّ الاستدراك بأنّ العدم لا تحقّق له، مع أنّ الكلام في خصوص الوجود و الماهيّة، فاللّازم اثبات الترديد بينهما خاصّة، و لا حاجة الى ذكر العدم، و كان يمكنه ان يقول الأمر يدور بين امرين، او الحيثيّة تدور بين حيثيّتين: إمّا ان لا تأبى عن الوجود و العدم، او تأبى عن العدم أو عن غير الوجود مثلا، و لكنّه اراد بذلك التمويه، أنّ هذا الحصر بمقتضى الاستقصاء التام فلا يحتمل غيره.
و رابعا: الكلام فيما له التحقق و ما ليس له، و هذا الترديد تقرير لحصر التحقق، فكان عليه ان يقول: امّا تأبى عن التحقّق، او يقتضي عدم التحقّق و هو العدم؛ و امّا تأبى عن عدم التحقّق، او يقتضي التحقق و هو الوجود، و امّا لا اباء له، او لا اقتضاء له و هى الماهية، لكنّه لا يبقى معه مجال للبحث عن أنّ الوجود له تحقّق أم لا، او أنّ التحقّق لأيّهما، و كان موردا للإنكار و الاعتراض، لأنّه ليس إلّا الادّعاء.
و خامسا: هل الملحوظ في هذا الترديد ما يقبل التحقق و ما له شأنيّته، لأنّه مفروض البحث، او ما هو اعمّ من ذلك ممّا يقبل و ما لا يقبل؟ فان كان الأوّل، فلا وجه للتّثليث و لا مورد لذكر العدم، و ان كان الثانى، فلا موقع لحصر الحيثيّات في هذه الثلاثة، فإنّ الحيثيّات كثيرة، مع أنّه ممّا لا يهتمّ به في الجهة المبحوثة عنها.
و سادسا: الحصر العقلى ما كان دائرا بين النّفى و الأثبات، فكان حقّ التقرير ان يقول: إمّا حيثيّة الإباء عن العدم، او اللّاإباء عنه، او يقول: امّا حيثيّة الإباء عن الوجود، او اللّاإباء عنه، ثمّ يقسم اللّاإباء الى قسمين.
و سابعا: ما ذا اراد بالإباء و اللّاإباء؟ و في اىّ موطن للثلاثة فرضها؟ فإنّ فرضهما فى موطن المفهوم من حيث الصدق و الإطلاق، فكلّ من الثلاثة تأبى عن الآخر، و ان فرضهما في موطن الفرض و التصوّر لمصاديقها النّفس الأمريّة، فلا معنى لإباء الوجود عن العدم في هذا الموطن، الّا الإباء من ان يعدم، و من العدم إلّا الإباء من ان يوجد؛ كما أنّ الأمر في الماهيّة اللّاإباء من ان توجد أو تعدم أو تبقى على العدم؛ و هذا المعنى لا يستقيم بالنّسبة الى الوجود لو سلم بالنّسبة الى غيره، اذ الوجود في هذا الموطن، ليس بشيء يمتنع من ان يعدم؛ و ان اراد في موطن التحقق فهو خلاف
الفرض، لأنّ الفرض الحصر العقلى قبل ملاحظة التحقق، ففيه تلبيس و مغالطة، مع أنّ امتناعه في هذا الموطن مبنىّ على تأصّله، و أنّ له حقيقة عينيّة.
و ان اراد بالإباء، المطارة، بمعنى عدم قبول قسيمه في موطن الخارج و التحقق، لكن قضيّة فرضيّة، بمعنى أنّ حيثيّة الوجود مثلا، الامتناع عن قبول العدم لو فرض تحقّقه، و كذا في غيره؛ فهذا أوّلا: تعليق بالمجهول، اذ المفروض ملاحظة الوجود قبل تحقّقه، و لو كان معلوما لم يبق مجال للبحث عمّا هو المتأصّل، بداهة أن ما لا يقبل بذاته العدم هو الأصيل دون ما يقبله؛
و ثانيا: الماهيّة إنّما لا تمتنع عن الوجود الّذي بمعنى الثبوت، و هو عرضىّ كالعدم لا عن الوجود الّذي يمتنع عن العدم، فإنّه لا مصداق له إلّا عند مدّعى تأصّله، بل عندهم أيضا الماهيّة لا تقبل الوجود، لأنّها عندهم اعتباريّة محضة، لم تشمّ رائحة الوجود اصلا، فالوجود الّذي لا تمتنع عنه الماهيّة غير الوجود الّذي يمتنع عن قبول العدم.
و ان اراد بالإباء، محض عدم الاجتماع، قضيّة فرضيّة أيضا، فيسأل عنه أنّ الوجود الّذي لا يجتمع مع العدم نوعان: الوجود العرضى المسلّم المعهود، و الوجود المتأصّل الادّعائي عند مدّعيه؛ فان اراد الأوّل، فهو ممّا لا يقبل التأصّل، و لا يبقى معه مجال للبحث عن تأصّله، او تأصّل الماهيّة؛ و ان اراد الثانى، فمع أنّه امر ادّعائى، يعود الإشكال المذكور في الماهيّة.
اذا عرفت ما في هذا التقرير للحصر من الخلل، فنقول: يمكن تقريره على ما اراد بوجه صحيح، يخلو عن هذه الإشكالات و قد غفل عنه، و هو ان نقول: الكائنات الذهنيّة أو النّفس الأمريّة، إمّا وجود أو عدم أو ماهيّة، لأنّه امّا شيء تلائم التحقق، فهو الوجود، او تضادّه و هو العدم، اذ لا تحقّق له، او لا تضادّه و لا تلائمه، و هى الماهيّة، فامّا ان تلائم التحقق محضا و هو الوجود، او تلائم التحقّق و عدمه، و هى الماهيّة، و لكن مع هذا التصحيح يبقى عليه الإشكال الّذي ذكرته في البيت، و الإشكال الأخير الّذي ذكرته: أنّ الوجود نوعان فأيّهما اراد، و امّا عندنا، فلا وجود إلّا التحقّق، و لا تحقّق إلّا الثبوت و لا عدم إلّا نفيه.
ثمّ دليلهم على أنّهما***ليسا بأصلين وفاق الحكماء
و لو يكونان معا أصلين***لكان شيء واحد شيئين
اتّفقوا أيضا بعد الاتفاق الأوّل؛ اعنى، عدم التحقق لغير الوجود و الماهيّة، على انّ المتحقّق واحد منهما لا هما معا، و استدلّوا له بما قلت:
ثمّ دليلهم على أنّهما ليسا بأصلين متأصّلين، بل لا بدّ ان يكون احدهما متأصّلا و الآخر اعتباريّا قائما به امور:
و هو العمدة في نظرهم، الّا أنّهم يبطنون ذلك و لا يظهرونه، لئلّا يطعن عليهم وفاق الحكماء.
و فيه أوّلا: أنّه غير مسلّم، لأنّ لازم قول مثل الداماد و من تبعه ممن فرّق بين الواجب و الممكن، هو القول بتأصّلهما معا، بل حكى السّبزوارى عن بعض معاصريه، القول به صريحا؛
و ثانيا: انّ مثل هذا الاتّفاق لو تمّ لم يكن بحجّة، لأنّه اتّفاق على امر نظرى، معقول، مستنبط من الوجوه النّظرية، فلا اعتبار به بعد ذكر الوجوه.
مع أنّه خلاف الوجدان.
و فيه: أنّه فرضىّ لا دليل عليه، و لا مانع من الالتزام بالتّركيب في غير الواجب، بل هو الظاهر من اطلاق قول الصادق (ع): «فلا واحد كواحد، لأنّ ما سوى الواحد متجزّى ...»(1)و قول ابى الحسن الهادى (ع): «واحد لا واحد غيره»(2)ذكرتهما في نفى التركيب.
و قد ذهب الداماد الى التفكيك بين الواجب و الممكن، فقال باصالة الوجود فى الواجب دون الممكن، فلا مانع عن مثل هذا التفكيك أيضا بالقول بتركّب الممكن من اصلين جوهرين، غاية الأمر أنّه يرى في الصورة واحدا، فلا بدّ من اقامة الدليل على الامتناع، سوى الوجوه الآتية لو تمّت.
قامت إذن بنفسها الماهيّة***لا بالوجود إن تكن أصليّة
و الصادر الأوّل لا يتّحد***مع أنّه بالاتّفاق واحد
و لو تأصّلا لأثّرا معا***فالثّنويّة اقتضاها واقعا
قولهم: أنّه لو كانا معا اصلين قامت إذن بنفسها الماهيّة، لا بالوجود؛ يعنى، أنّها إن تكن أصليّة، فهى متقوّمة بنفسها.
و الجواب عنه: أنّه لا مانع من الالتزام بذلك، بل هو المتعيّن عند من يقول باصالة الماهيّة، فلا دليل على المنع و لا هو من المتّفق عليه؛ فهذا الدليل مصادرة، و المستدلّ به ليس إلّا القائل باصالة الوجود.
قولهم: و الصادر الأوّل، لا يتّحد؛ اى لا يكون واحدا، بل كان مركّبا من اثنين، اذ المفروض تأصّل الوجود، فلو تأصّلت الماهيّة أيضا لزم ذلك، مع أنّه بالاتّفاق من الحكماء واحد.
و الجواب عنه: أوّلا: إنّ كون الصادر الأوّل واحدا، فرضىّ غير مبرهن، و لا دليل لهم عليه إلّا قولهم: «أنّ الواحد، لا يصدر منه إلّا الواحد»، و هو مبنىّ على كون الخالقيّة و المخلوقيّة من العليّة و المعلوليّة، و هذا عندنا كفر؛ (قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ... )(1)
و ثانيا: على مذهبهم من الصوادر الطوليّة؛ اعنى، العقول العشرة، و امتناع تركّب الصادر الأوّل، لا يلزم منه عدم تأصّلهما مطلقا، بل لا مانع عن استثنائه بمقتضى هذا الامتناع كاستثناء الواجب، فإنّ القول بتأصّلهما معا، لا يستلزم القول بالتركيب مطلقا، بل جاز ان يقال باصالة الوجود في الواجب، و اصالة الماهيّة في الممكن، مع عدم التركيب؛ كما صنع الداماد؛ او يقال بالتركيب أيضا و يستثنى منه الواجب، و الصادر الأوّل بمقتضى دليل الامتناع، فيقال فيهما بالوجود فقط، او بالماهيّة فقط.
قولهم: و لو تأصّلا لأثّرا معا؛ اى لكان كلّ منهما مؤثّرا، فالثّنويّة اقتضاها؛ اى تأصّلهما تقتضى الثنويّة واقعا، و في نفس الأمر؛ اى يلزم من تأصّلهما الثنويّة النّفس الأمريّة؛ يعنى، أنّ الثنويّة المعهودة، و ان كانوا هم الّذين يقولون، بالنّور
1) . مائدة 5: 64.
و الحمل لم يصحّ لما تباينا***صدقا و مفهوما و يكفى موهنا
هذى هى الدلائل العقليّة***لهم تسمّى هى فلسفيّة
تضجّ عن سماعها الآذان***و يشمئزّ العقل و الوجدان
بطلانها يغنى عن الإبطال***فاعرف بها دراية الرجال
و الظلمة، او اليزدان و الأهرمن، الّا أنّ كونهم ثنويّة، باعتبار قولهم بمؤثّرين، فالقول بتأصّلهما ثنويّة واقعا و في نفس الأمر، و ان لم يكن من الثنويّة المعهودة، او أنّها منها أيضا؛ لأنّ الوجود نور و الماهيّة ظلمة.
و كيف كان، فامّا استلزام الثنويّة، فلأنّ الوجود من سنخ النّور، و الأخرى من سنخ الظلمة، و هما سنخان متباينان، فيحتاجان الى علّتين: إحداهما: من سنخ النّور، و الاخرى: من سنخ الظلمة، للزوم السنخيّة بين العلّة و المعلول، و العلّة الواحدة لا تكون فيها سنخيّتان متباينتان، هكذا قيل.
و الجواب ظاهر ممّا تقدّم، فإنّه مبنىّ على كون الخالقيّة و المخلوقيّة من العليّة و المعلوليّة، و أنّ الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد، و سيجيء في آخر المبحث انطباق ما ابطل الصادق (ع) مقالة الثنويّة، على القول باصالة الوجود و اعتبار الماهيّة.
لما تباينا صدقا و مفهوما، و يكفى ذلك موهنا، لتأصّلهما معا، لأنّ حمل الوجود على الماهيّة من اوضح الواضحات، و اظهر المعهودات بين العامّة و الخاصّة، و لقول الّذي يلزم منه عدم امكانه، فبطلانه من ابده البديهيّات.
بيان الاستلزام: أنّه يعتبر في الحمل، الوحدة، و اذا كانا متأصّلين، فهما متباينان، و المتباينان لا جهة وحدة بينهما اصلا، فلا يصحّ حمل احدهما على الآخر:
و الجواب عنه يأتى عند استدلالهم بصحّة الحمل على اصالة الوجود.
هذى هى الدلائل العقليّة لهم، و تسمّى هى عندهم «دلائل فلسفيّة»، فاعرف منها معنى الدّليل الفلسفى و حقيقته، و انظر إليها نظر امعان يتّضح لك أنّها ممّا تضجّ عن سماعها الآذان و يشمئزّ العقل و الوجدان عنها، و بطلانها في وضوحه، يغنى عن الإبطال؛ و مع ذلك فقد ذكرت في الشّرح وجه البطلان توضيحا؛ فاعرف بها دراية الرجال؛ اى مراتب عقولهم و افهامهم و دراياتهم؛ كما قال امير المؤمنين (ع):
هذا الّذي به أساس الفلسفة***فخذ من الفنّ قليلا و اعرفه
تأصّل الوجود ركن أوّل***لوحدة الوجود ثمّ علّلوا
بأنّه منبع كلّ شرف***بل هو خير محض عند الفلسفىّ
فما يكون منشأ الآثار***مؤصّل لا أمر اعتباريّ
«و بالدّرايات تعلو الدرجات.» (1)و عن الصادق (ع) أيضا: «اعرفوا منازل شيعتنا على قدر روايتهم عنّا و درايتهم منّا.»(2)فانظر الى هؤلاء الّذين يشمخون بانفسهم و يسمّون انفسهم الحكماء و العرفاء؛ فاعرف من أدلّتهم مقدار عقلهم و فهمهم، و من يضلل اللّه فما له من هاد.
هذا الّذي به أساس الفلسفة، فإنّ اساسها مبنىّ على الماهيّة و الوجود، فخذ من الفنّ قليلا، و اعرفه الى آخره اذا كان الدليل العقلى الفلسفى لمثل هذه المسألة الّتي هى اساس فنّ الحكمة، امثال هذه الوجوه الركيكة الضعيفة الموهونة، الّتي هى اوهن من بيت العنكبوت، فما ظنّك بغيرها و ما ترجوا بعد ذلك من خيرها.
و القائلون بها على الإطلاق، قاطبة العرفاء و اكثر الفلاسفة. تأصّل الوجود، ركن أوّل لوحدة الوجود، و ما تقدّم عليه من تقرير الانحصار، فهى مقدّمة مشتركة بين القولين أو الأقوال، و لأجل ركنيّة تأصّل الوجود في الوحدة، تعرّضت لإبطال هذا القول بالخصوص و كذلك لسائر ما هو من اركانها، اذ ليس المقصود التعرّض لأصول الفلسفة و الأقوال الّتي فيها، بل الغرض الباعث للتعرّض لهذا المقدار ابطال القول بأنّه تعالى هو الوجود و القول بوحدة الوجود، فلا بدّ للتعرّض لما يتوقّف عليه القولان و ابطاله.
ثمّ القائلون بتأصّله، علّلوا ذلك بامور:
بل هو خير محض عند الفلسفىّ مطلقا؛ فما يكون منشأ الآثار من الخير و الشّرف، مؤصّل لا أمر اعتباريّ؛ اذ لا نعنى بالتأصّل الّا ان يكون منشأ للآثار.
و الدفع: أنّه من المصادرة***و لا وفاق فيه ممّن أنكره
و إن يكن فقد نوى ضدّ العدم***و إنّ هذا الوهم أوجب الوهم
أنّ الشّرور كلّها أعدام***للملكات إذ لها القيام
بالعدمىّ و هو أيضا باطل***و الشّر كالخير لكلّ جاعل
و الدفع: أنّه من المصادرة، لأنّ كونه منبع كلّ خير أوّل الكلام؛ اذ هو مبنىّ على كونه متأصّلا؛ فمن يرى الماهيّة متأصّلة، يراها منبع كلّ خير دون الوجود، و لا وفاق فيه ممّن أنكره، و حكاية الاتّفاق على الإطلاق مرمية بالكذب أو بالتوهم؛ كما قلت:
و إن يكن وفاق من المنكر أيضا، فقد نوى من الوجود ضدّ العدم، و هو الثبوت المطلق؛ يعنى، ان كلّ شيء وجوده خير من عدمه، فوجود الشّيء من حيث هو وجود، خير محض(1)، فتوهّم المستدلّ منه و حمله على المعنى الّذي عنده، من كون الوجود منشأ للآثار، و كيف يقول ذلك من يقول باصالة الماهيّة؟ و القول به يستلزم القول باصالة الوجود دونها.
هذا، مع أنّه لو ثبت الاتّفاق المطلق، فليس إلّا فرض غير مبرهن، و لا دليل لهم من العقل عليه، و إنّ هذا الوهم أوجب الوهم؛ اى الغلط، و هو أنّ الشّرور كلّها أعدام للملكات، لا وجوديّات؛ إذ لها القيام بالعدمىّ؛ اى الماهيّات، فإنّها على القول بتأصّل الوجود، عدميّة اعتباريّة؛ و المقصود، أنّهم حيث قالوا بأنّ الوجود منشأ كلّ خير، و هو خير محض، و قالوا أيضا بأنّ الماهيّة، عدميّة، اعتباريّة، و لم يكن غيرهما شيء منشأ للآثار، فاضطرّوا الى ان يلتزموا في الشّرور بانّها اعدام، فلا حاجة الى علّة و مؤثّر، او يكفى في علّتها الماهيّات؛ لأنّ العدم يصحّ ان يكون علّة للعدم و هو أيضا باطل.
1) . كيف يصحّ ذلك؟ فإنّ الافعال الوجوديّة للبشر كلّها وجود، فالقتل وجود، و الزنا و ضرب اليتيم و الإلقاء في النار و غير ذلك من الفواحش و المنكرات، كلّها وجودات، خصوصا على القول باصالة الوجود؛ فانّه ليس سوى الوجود، فلو كان الوجود خيرا محضا، لم يقبحه العقل و لم ينه عنه الشرع؛ و تأويلها بالعدم كما اوّلوا القتل، تأويل، بارد، فاسد، لا يقبل الجميع ذلك، و لا يبقى بعد ذلك ما يذمّ العبد عليه و يعاقب؛ لأنّ الّذي فعله، كلّه خير على الفرض، و الّذي هو شرّ؛ اعنى، عدم الحياة، ليس من فعله. فان اجيب: بأنّه من تسبيبه، خطاء، لأنّ اذهاق الروح من فعل اللّه و فعل اللّه لا يكون بتسبيب العبد.
قالوا و ما يوجد في الأذهان***بعينه الموجود في الأعيان
فإن تكن ماهيّة موصّلة***لكانت الآثار فيها حاصلة
مع أنّ ما في ذهننا من نار***ليست كنار العين في الآثار
و الدفع أنّ ما هو المحصّل***فى الذهن غير ما هو المؤصّل
بل هو صورة و نقش النّار***كالنّقش في المرآت و الجدار
من ذاك قد سمّى بالتّصوّر***إذ لم يكن في الذهن غير الصور
و إنّ كون الذهن كون هيئته***لا كونه الآخر من ماهيّته
و الشّر عندنا كالخير، و عندنا لكلّ جاعل، و كلاهما امران وجوديّان و يأتى ذكر الخير و الشرّ بالخصوص في فصله المخصوص و في الخلقة أيضا، و يظهر من هناك و من التكلم في الجبر و افعال العباد، أنّ فاعل الشّرور في التكوينيّات هو اللّه تعالى، و في الإراديّات كافعال البشر، فاعلها العبد، و مقدّرها اللّه و ليس شيء منهما بعدمىّ.
الدليل الثانى لهم على اصالة الوجود: أنّهم قالوا: و ما يوجد في الأذهان، بعينه الموجود في الأعيان، و الفرق بينهما في نحوى الكون و الوجود، فالماهيّة الموجودة فى الذهن هى بعينها الماهيّة الموجودة في العين، لا مثلها و لا شبحها؛ و حينئذ، فإن تكن ماهيّة مؤصّلة و منشأ للآثار دون الوجود، لكانت الآثار فيها؛ اى في الأذهان أيضا، حاصلة، لانّ المفروض أنّ الماهيّة حاصلة؛ و المفروض أنّ ما له الآثار هى الماهيّة، و لا وجه للتّفكيك من غير علّة، مع أنّ ما في ذهننا من نار، ليست كنار العين فى الآثار بالبداهة، فلا حرارة لها و لا احراق، فيعلم من هذا التفكيك، أنّ الآثار ليست آثارا للماهيّة، و الّا لما تخلّفت عنها بل هى آثار للوجود.
و الدفع: أنّ ما هو المحصّل في الذهن، غير ما هو المؤصّل من الماهيّة لو بنينا على اصالتها، بل هو صورة المؤصّل و نقش النّار العينيّة الخارجيّة، كالنّقش في المرآت و الجدار، و النّقش ليس إلّا صورة المنقوش. من ذاك كان الموجود في الذهن، قد سمّى بالتّصوّر عند المحقّقين؛ إذ لم يكن في الذهن غير الصور، و إنّ كون الذهن كون هيئته؛ اى شكل ذلك المؤصّل الموجود في العين، لا كونه الآخر من ماهيّته؛ كما زعموا و توهّموا، حيث قال السّبزوارى: «للشّيء غير الكون في الاعيان، كون بنفسه لدى الأذهان.»
و الذهن قد ينشى و قد يصوّر***إنشاؤه ما أوجد التفكّر
تصويره في ثابتات العين***يصوّر الّذي يرى بالعين
بل شأنه هنا المحاكات فقط***فما ترى العين حكى ذاك النّمط
فالذّهن تابع هنا للبصر***و العين لا تبصر غير الصور
و ليس للذّهن من الأحضار***فالنّار فيه غير تلك النّار
و لا له الإيجاد و التكوين***و إن يكن فهى لها قرين
ثمّ إنّا لا نقول بأنّ كلّ ما في الذهن، صور عكسيّة، للأعيان الخارجيّة، بل نقول:
إنّ الموجودات الذهنيّة على نوعين: منها: ما هو من منشأته ممّا لا وجود له في الخارج؛ و منها: ما هو صورة عكسيّة اقتباسيّة من الخارج، و إليه اشرت بقولى:
و الذهن قد ينشى و قد يصوّر؛ فامّا إنشاؤه، فهو ما أوجد التفكّر من الصور الجزئيّة الغير الموجودة، او الامور المعقولة؛ و امّا تصويره؛ اى اخذه و جذبه صور الأشياء، فإنّما هو في ثابتات العين يصوّر في وعائه، ما هو الّذي يرى بالعين، فيكون نقشا و تمثالا لما رآه، بل شأنه؛ اى الذهن هنا؛ اى في تصوير ما يراه المحاكات فقط، فيحاكى ما شاهده البصر لا غير؛ فما ترى العين حكى ذاك النّمط؛ فالذّهن تابع هنا؛ اى في مقام تصوير الخارج و المحاكات عنه للبصر، فكلّ ما يراه البصر، فهو يحاكيه، و العين لا تبصر غير الصور، فالذّهن لا يحاكى و لا ينقش إلّا تلك الصور، و لا يكاد يمكنه تصوير الحقائق و الماهيّات بما هى خارجيّة، اذ لا سبيل له الى تصويرها إلّا من طريق البصر، و هو محدود بالصّور، و ليس للذّهن من الإحضار و النّقل، و لا هو من شأنه بان يحضر الذوات و الماهيّات، مجرّدة عن حيث الوجود العينى أو معها، و ينقلها من العين الى وعائه. فالنّار المتصوّر الموجودة فيه، غير تلك النّار الموجودة فى العين، فلذلك لا تؤثّر اثرها، و لا له؛ اى للذّهن، الإيجاد و التكوين، بان يكوّن النّار و يوجدها في وعائه حتّى يترتّب عليها آثارها؛ و إن يكن ذلك، فهى؛ اى النّار الذهنيّة لها؛ اى للنّار العينيّة قرين، لا عينها، فتلك نار اوجدها ربّها، و هى نار اوجدها الذهن، و غاية القرينيّة و المماثلة، ان تكونا كنار في دار زيد، و نار في دار عمرو، فلم تكن هى هى بعينها بل هى مثلها، فاذا لم يكن للذّهن شأنيّة الإحضار و لا الإيجاد، لم يبق لها الّا التصوير و المحاكات.
لا عينها ثمّ على التسليم***فليس للآثار من تعميم
فإنّ الآثار لما في العين***لا للّذي يوجد في الكونين
و الشّيء عندهم له أكوان***لفظ و كتب خارج أذهان
فليكن الأحراق للنّيران***بالجعل ممّا خصّ بالأعيان
ثمّ الوجود لو تصوّرنا خلا***عن كلّ الآثار فكيف أصّلا
إن قيل ليس ذاك ما في العين***فلينظروا فيها بتلك العين
ثمّ على التسليم بأنّ للذّهن شأنيّة تجريد الماهيّات عن الوجود العينى، و احضارها في الذهن بحقيقتها الخارجيّة لا تصويرها، و انّ ما في الذهن عين ما في الخارج، و الفرق في مجرّد الكون؛ فليس للآثار من تعميم، بحيث تعمّ ملازمتها للماهيّة العينيّة و الذهنيّة؛ فإنّ الآثار اللّازمة للماهيّات، إنّما هى ثابتة لما يوجد منها فى العين، لا للّذي يوجد في الكونين؛ و ذلك لأنّ الآثار، ليست آثارا طبيعيّة، ذاتيّة للذّوات بالذّات، بل إنّما هى آثار مجعولة، فلا غرو ان يكون جاعلها جعل لها تلك الآثار، بشرط كونها في العين دون الذهن، و ان فرض ان الذات، هى الذات، فمحض انفكاك الآثار عنها في كون خاصّ لا يدلّ على عدم تأصّلها.
و لكنّ الفلاسفة بنائهم على العليّة و المعلوليّة مطلقا، حتّى في الخالق و مخلوقه؛ و لذا قالوا: الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد»، فكيف بغيره؟ و أيضا الشّيء عندهم له أكوان أربعة، يسمّى كلّها عندهم بالكون و الوجود، و هى لفظ، و كتب.
خارج، و أذهان؛ فيقولون: «الوجود الكتبى»، و «الوجود اللّفظى»، و «الوجود الخارجى العينى»، و «الوجود الذهنى»، فكما لم يعمّموا الآثار العينيّة للوجود الكتبى و اللّفظى، فليكن الإحراق للنّيران بالجعل؛ اى بجعل اللّه، ممّا خصّ بالأعيان دون الموجود في الأذهان، فالّذى فرق بين مراتب الكون في الآثار، إنّما هو الجعل، لا تحقّق الماهيّة و عدمه.
و لو ابوا عن ذلك كلّه؛ فانقض عليهم بالوجود كما قلت:
ثمّ الوجود على قولهم بتأصّله، لو تصوّرنا ايّاه في الذهن، خلا أيضا عن كلّ الآثار، فكيف أصّلا؟ مع أنّ المتأصّل على زعمهم لا ينفكّ عن الآثار، لا في الذهن و لا فى الخارج.
إن قيل: ليس ذاك الّذي في الذهن من الوجود، ما هو في العين، لأنّ ما في
قالوا لزوم السّبق في العليّة***يوصّل الوجود لا الماهيّة
لما نفى تشكيكها أعداد***إذ تستوى في ذاتها الأفراد
و ما به تفاوت إن دخلا***فى النّوع فالفاقد ليس داخلا
و إن خلا عنه استوت لكن صدق***فى الشّيء من شيء بأنّه سبق
الذهن، مفهوم الوجود، و ما في العين، حقيقة الوجود.
فلينظروا فيها؛ اى في الماهيّة أيضا بتلك العين الّتي نظروا بها في الوجود، و كيف جاز لهم ان ينظروا فيها بعينين؟
فان قالوا: إنّ حقيقة الوجود لا يمكن تحصّلها في الذهن، فليكن كذلك في تحصّل الماهيّة أيضا.
الدليل الثالث لهم على تأصّل الوجود: أن بعض المفاهيم مقول بالتشكيك، و لا تشكيك في الماهيّة عند الكثير أو الأكثر؛ فلا بدّ من فرض المتأصّل و هو الوجود، لأنّه قابل للتّشكيك. و قد اوضحت عن هذا الدليل بقولى:
قالوا: لزوم السّبق في العليّة، يؤصّل الوجود لا الماهيّة؛ يعنى، أنّ سبق العلّة و تقدّمها على المعلول، لازم و معتبر بالوجدان و الاتّفاق، و هو مقتض للتّشكيك؛ لأنّ صدق الكلّى على المتقدّم، سابق على صدقه على المتأخّر، و صدقه على العلّة، سابق على صدقه على المعلول، فيحصل التشكيك بالأوّلية و الأسبقيّة، فلا بدّ من القول بتأصّل الوجود لقبوله التشكيك دون الماهيّة، لما نفى تشكيكها أعداد و طوائف من الحكماء؛ إذ تستوى في ذاتها النّوعيّة، الأفراد كلّها، فإنّ الأفراد كلّها متساوية في وجدانها للحيثيّة الذاتيّة للماهيّة، و إلّا لم تكن افرادا لها، فيلزم صدقها على الجميع أيضا بالسّوية.
و برهنوا على ذلك أيضا: بأنّ التشكيك لا يمكن إلّا مع وجود ما به التفاوت بين الأفراد، او خارجا عنها، و حينئذ فنقول:
و ما به تفاوت إن دخلا في النّوع، فالفاقد له ليس داخلا في افراد الماهيّة، و هو ظاهر و إن خلا النّوع عنه، فقد استوت الماهيّة بالنّسبة الى الجميع من دون تشكيك، لكن من المعلوم أنّه صدق في تولّد الشّيء من شيء آخر؛ كما لو اخذت نار من نار، بأنّه؛ اى الشّيء المتولّد منه، سبق على المتولّد، و السّبق من خواصّ التشكيك
و حيث لا تشكيك للماهيّة***فالسّبق للوجود كالشّيئيّة
و الدفع: أنّ النّفى لا وفاقىّ***إذ ما نفى تشكيكها الإشراقىّ
و إنّما نفاه جمّ قائلا***أن لا ينافى نفيه التأصّلا
فنفيه لو تمّ غير ملزم***لهم لمنعهم عن التلازم
إذ فيهما الخلاف في التأصّل***مع نفى تشكيك أو التقبّل
و محقّقاته، و حيث لا تشكيك للماهيّة عن الكثير أو الأكثر، فالسّبق للوجود كالشّيئيّة؛ اى كما أنّ الشيئيّة للوجود، و هى التحقّق، فقد قالوا شيئيّة الشّيء بوجوده، فالوجود له مراتب، و له تقدّم و تأخّر.
و الدفع من وجوه:
أنّ النّفى لا وفاقىّ؛ يعنى، انّ نفى قبولها للتّشكيك، ليس من المتّفق عليه حتّى يلزم الخصم به، إذ ما نفى تشكيكها الإشراقىّ؛ اى شيخ الإشراق و من وافقه؛ فإنّهم مع قولهم بتأصّلها، اثبتوا التشكيك لها، و إنّما نفاه؛ اى التشكيك لها جمّ غفير من القائلين باصالتها قائلا، مع ذلك، أن لا ينافى نفيه؛ اى التشكيك التأصّلا، فالقائلون باصالتها، بين من يقول بها و بالتّشكيك معا، و من يقول بها دون التشكيك نظرا الى عدم منافاته للتأصّل، فاذا لم يكن نفى التشكيك و لا منافاته من المتّفق عليه حتّى من القائلين باصالة الماهيّة، كان مآل هذا الدليل الى الادّعاء، فنفيه؛ اى نفى التشكيك، لو تمّ غير ملزم لهم؛ اى للمنكرين؛ كما قيل في دفعه: أن هذا الدليل، دليل الزامى للّذين جمعوا بين نفى التشكيك، و التأصّل للماهيّة و ليس كما توهم لمنعهم عن التلازم بين جواز التشكيك و التأصّل و بين النفى و عدمه، إذ فيهما؛ اى الوجود و الماهيّة، الخلاف في التأصّل، مع نفى تشكيك أو التقبّل، فاختلفوا على اقوال أربعة:
فمنهم من قال باصالة الوجود دون تشكيكه، و هم من عد الفهلويون ممّن قال بتعدّده؛ او قال باصالة الوجود و الماهيّة معا، الأوّل في الواجب، و الثانى في الممكن؛ و من قال بالتشكيك و التأصّل فيه معا، و هم الفهلويّون؛ و من قال باصالة الماهيّة مع التشكيك، كالشّيخ الإشراقى؛ و من قال باصالتها دون التشكيك، و هم الجمّ الغفير.
و مع هذا الاختلاف، كيف يمكن دعوى التلازم بين نفى التشكيك و عدم التأصّل؟ نعم، يمكن دعوى الملازمة بين ثبوت التشكيك و التأصّل، حيث لم يقل
ثمّ دليلهم عليه لا يتمّ***إذ محض سبق لا ينافى أن تعمّ
سواء إذ ليست الأسبقيّة***تفاوتا توجب الأصدقيّة
و كيف صحّ الفرض في الوجود؟***و هل مراتب سوى الحدود؟
و الاستواء لازم الهويّة***فى صدقها وجودا أو ماهيّة
احد بتشكيك الوجود دون تأصّله، او بتشكيك الماهيّة دون تأصّلها، لكنّها ملازمة من حيث اقتضاء الاتّفاق، لا من حيث اقتضاء الدليل، فلا مانع ان يقال كما يصحّ القول بالتأصّل فيهما دون التشكيك، يمكن القول بالتّشكيك دون التأصّل أيضا. هذا بالنّظر الى الأقوال، و امّا بالنّظر الى الدليل فهو كما قلت:
الثانى: ثمّ دليلهم عليه؛ اى على نفى التشكيك، لا يتمّ؛ إذ محض سبق لفرد خاصّ على فرد آخر، لا ينافى أن تعمّ الماهيّة بالنّسبة إليهما سواء؛ اى على السّويّة، إذ ليست الأسبقيّة في نفسها تفاوتا توجب الأصدقيّة؛ يعنى، أنّه ليس مجرّد التفاوت مناطا للتشكيك، بل التفاوت الّذي يوجب الأصدقيّة للماهيّة و هو ان تكون الماهيّة بسببه اصدق على فرد منها من فرد آخر؛ و من المعلوم انّ مجرد كون فرد سابقا على فرد في الوجود، او في الرتبة، لا يوجب كون الماهيّة بالنّسبة إليه اصدق من الآخر.
الثالث: المعارضة بالوجود؛ كما قلت: و كيف صحّ الفرض؛ اى فرض المراتب و التشكيك في الوجود؟ على ما هو مذهب الفهلويّين و اختاره السبزوارى، من أنّ الوجود له مراتب في الشّدة و الضعف في النّوريّة، كالنّور الحسّى، فمرتبة منه و هى الّتي لا تتناهى شدّة، و تسمّى نور الأنوار، و ما دونها مراتب مختلفة في النّوريّة شدّة و ضعفا، فكيف يصحّ فرض ذلك في الوجود؟ و هل مراتب سوى الحدود فتقتضى محدوديّة الوجود بالمراتب و تنوّعه بانواع، فان كان لا يضرّ التشكيك في الوجود بوحدته و استوائه في الصدق، فليكن كذلك في الماهيّة، فكيف يجوز فيه و لا يجوز فيها؟ و الاستواء لازم الهويّة؛ يعنى، الحقيقة في صدقها على الأفراد وجودا كانت الهوية أو ماهيّة؛ يعنى، أنّ لزوم الاستواء في الصدق، لازم الحقائق لا خصوص الماهيّات، فلا وجه للتّفكيك.
و يشهد الذوق السّليم الخالى***أن هى ذات النّقص و الكمال
و الداخل الجامع و هو ثابت***فلم يضرّ بصدقها التفاوت
إذ هو كالتّفاوت الأفرادىّ***تشخّصا كالعضو و الأبعاد
و بالوجود ننقض المقالة***لو عدّ للمراتب الدخالة
و الفهلويّون رأوا مشكّكا***أصل الوجود و هو عن دور حكى
الرابع: شهادة الوجدان بانّ لها مراتب فلا وجه لإنكارها كما قلت: و يشهد الذوق السّليم الخالى عن الشبهات، أن هى ذات النّقص و الكمال؛ يعنى، يشهد الذوق السّليم بتفاوت افراد الماهية في النّقص و الكمال، لكنّهم يقولون بأنّ النّقص من الماهيّة، و الكمال من الوجود، و ليس لهم في ذلك إلّا الدعوى، مع أنّ النّقص أيضا ذو مراتب متفاوتة و يكفى في التشكيك ذلك، اللّهم إلّا ان يقولوا إنّ النّقص شيء واحد، و هو عدم الكمال، فالمراتب للكمال، لا للنّقص، و فيه: ما لا يخفى من التكلّف الّذي لا داعى له.
الخامس: الجواب عن قولهم: ما به التفاوت داخل في الماهيّة أم خارج عنها و هو ما قلت: و الداخل هو الجامع؛ يعنى، القدر الجامع بين المراتب المتفاوتة دون ما به التفاوت، و هو ثابت مع الجميع، فلم يضرّ بصدقها التفاوت الحاصل للأفراد، إذ هو؛ اى التفاوت الكمالى أو غيره حاله بعينه كالتّفاوت الأفرادىّ تشخّصا؛ اى في مقام التشخّص الّذي لا يضرّ بالصّدق و الوحدة، كالعضو من اليد و الرجل و العين، لبعض دون بعض، و الأبعاد من العرض و الطول و العمق؛ فإنّ الاختلاف فيها غير مضرّ بالاتّفاق، و بالوجود ننقض هذه المقالة أيضا، لو عدّ للمراتب الدخالة؛ يعنى، أنّهم لو ابوا عن كفاية القدر الجامع في الصدق و اوجبوا الدخالة للمراتب في حقيقة الماهيّة، ننقض عليهم ذلك بالوجود، فكلّ ما قالوا فيه نقول فيها.
السادس: الإيراد على المانع عن تشكيك الماهيّة القائل بتشكيك الوجود، مع تأصّله بلزوم الدور؛ كما قلت:
و الفهلويّون رأوا مشكّكا أصل الوجود؛ يعنى، مع ذهابهم الى اصالته، و المقصود أنّ القول بتشكيكه مع التأصّل، ليس من المتّفق، و انّما اتّفق على ذلك الفهلويّون خاصّة، و هم العمدة في الاستدلال لأصالة الوجود بنفى التشكيك في الماهيّة، و هو؛ يعنى، هذا الرأى عن دور حكى؛ يعنى، أنّ الاستدلال لتأصّل الوجود
ثمّ المراتب في الاشتداد***عدّت من الأنواع لا الأفراد
و الاشتداد حركة متّصلة***فالانقسام لا لحصر قابلة
فمذ تأصّلت و تشكيكا أبت***أنواعها في حاصرين ركّبت
بنفى التشكيك في الماهيّة يحكى عن لزوم الدور.
توضيحه: أنّ مآل هذا الاستدلال الى انّ التشكيك امر واقع لا بدّ من الالتزام به، و لا يقبله إلّا ما له تأصّل في التحقّق، و حيث أنّ الماهيّة لا تقبل التشكيك و الوجود يقبله، فالمتأصّل هو دونها؛ و توضيح الدور: أنّ الفهلويّين لما قالوا بوحدة الوجود، ذهبوا الى قبوله التشكيك، فهو مبنىّ على وحدته، و الوحدة مبنيّة على تأصّله، و التأصّل على حسب هذا الاستدلال مبنىّ على قبوله التشكيك.
لهم على اصالة الوجود: ما اشرت إليه بقولى: ثمّ المراتب في مورد الاشتداد، و هو الخروج من الضعف الى الشدّة، و مثله في التضعيف، و هو الخروج من الشّدة الى الضعف، و تسمّى النّوعان بالاستحالة، و المراتب في اللّون:
البياض ثمّ الصفرة ثمّ الحمرة ثمّ السّواد؛ و زاد السّبزوارى في الحاشية بين الحمرة و السّواد، القتمة، و هى الغبرة؛ و في الطعم العفوصة ثمّ القبض ثمّ الحموضة ثمّ المزيّة ثمّ الحلاوة؛ و هذه المراتب للاشتداد عدّت من الأنواع عندهم لا الأفراد، و هذا المقدار من المتّفق عليه.
و الاشتداد، حركة في المراتب الاربعة أو الخمسة، و الحركة متّصلة؛ يعنى، أنّها كم متّصل، فالانقسام لا لحصر قابلة، كما هو شأن كلّ متّصل، فالحركة في المراتب تقبل الانقسام الى ما لا نهاية له، فكلّ مرتبة من الأربعة أو الخمسة تحتمل مراتبا غير محصورة الى ان تبلغ الى المرتبة العالية أو السافلة؛ و بعبارة أخرى: بين كلّ مرتبة مراتب لا نهاية لها، و كما أنّ المراتب الاربع أو الخمس تعدّ انواعا، كذلك المراتب المتوسّطة أيضا لا بدّ ان تحسب انواعا، و إلّا لزم التشكيك للماهيّة بالنّسبة إليها، و هى لا تقبل التشكيك، فالماهيّة إذن في مقام الاشتداد، تحتمل انواعا غير متناهية، بمقتضى حركتها في الكيف.
و على هذا، فمذ تأصّلت الماهيّة، و الحال أنّ تشكيكا قد أبت على الفرض أنواعها اللّامتناهيّة في حاصرين ركّبت و تحقّقت، و هما مبدأ الخروج الى الضعف او
و هذا الإيراد أتى التحقّقاو ***السّالم الّذي نفاه مطلقا
الاشتداد، و منتهاهما؛ يعنى، أنّ الماهيّة اذا كانت متأصّلة في التحقّق فبتحقّقها يتحقّق كلّ ما لها من المراتب دفعة واحدة، و قد فرضناها غير متناهية، فيتحقّق اللّامتناهى بين الحاصرين؛ و أمّا اذا كانت اعتباريّة، فالأنواع كامنة فيها بالقوّة لا بالفعل، فلا يلزم تحقّق اللّامتناهى و لا حصره بين الحاصرين.
و هذا الإيراد إنّما أتى التحقّقا؛ يعنى، من جهة تحقّق الماهيّة، لا من جهة كون المراتب انواعا؛ كما قيّده السبزوارى به في قوله: «كون المراتب في الاشتداد انواعا ...»، و انّما صنع ذلك لأنّه ممّن لا يرى التشكيك في الماهيّة، فرد المراتب الى الأنواع حذرا عن لزوم التشكيك لاستلزامها له، فإنّ الأنواع متباينة، فلا تشكيك فيها و المراتب متفاوتة، فلا بدّ ان يكون الصدق عليها بنحو التشكيك، و هذا الّذي صنعه اوجب الوهم باختصاص هذا الإيراد بمن لا يقول بالتّشكيك، و لذلك اجيب عنه بأنّه دليل الزامىّ لا يلزم به إلّا من جمع بين اصالة الماهيّة و نفى التشكيك.
و كيف كان، ليس الأمر كما توهم أو ما توهّم السبزوارى، بل التحقيق أنّ هذا الإيراد يعمّ كون الحالات انواعا أو مراتب، و يعمّ القول بالتّشكيك و عدمه، لأنّه مبنىّ على القول بتحقّق الماهيّة، لأنّ تحقّقها هو الّذي صار سببا لوقوع اللّامحصور، محصورا بين الحاصرين، لاكون الحالات انواعا و لا عدم قبول الماهيّة للتّشكيك، اذ لا يفرق في استحالة تحقّق اللّامحصور بين الحاصرين بين ان يكون اللّامحصور انواعا او مراتب، و اذا كان المناط في هذا الإيراد محض التحقّق، فلا يفرق فيه أيضا بين ان يكون التحقّق بالأصالة أو بالتّبع، فهذا الإيراد وارد على القول باصالة الماهيّة و على من لا يقول بتأصلها، و لكن يقول: بتحقّقها تبعا للوجود كتحقّق العرض، بتبع المعروض و إنّما السّالم عن هذا الإيراد، هو الّذي نفاه، اى التحقّق، للماهيّة مطلقا، اصالة أو تبعا للوجود و يجعلها اعتباريّة محضة، فليست مراتبها أو انواعها في الاستحالة إلّا بالقوّة الاعتباريّة و لا تحصل لها اصلا، فهذا القائل يسلم عن هذا الإيراد فقط، و لكنّى دفعته من رأسه على جميع الأقوال تبرعا.
و حاصل الدفع: يرجع الى أنّ الحالات انواعا كانت أو مراتب لا تخرج من القوّة الى الفعل ابدا، قيل بتحقّق الماهيّة أو تأصّلها، او لم يقل و قيل: بقبولها التشكيك، او لم
و الدفع أنّ الكثرة المقدّرة***أنواعا أو مراتبا مصوّرة
فى الذهن من توسّع الخيال***للفرض أو إمكان احتماليّ
و كلّ ما بالفرض فهو لا يقع***فى خارج و الاحتماليّ امتنع
فهى كالأفراد الّتي تشملها***و لم يقع في العين منها كلّها
و الواقع المحصور ذو النّهاية***معيّن من بدئه لغاية
و الفرض لا يقلّب الأمورا***فيجعل المحصور لا محصورا
يقل و هاك ما قلت في ذلك:
و الدفع: أنّ الكثرة المقدّرة للماهيّة أنواعا فرضت لها، أو مراتبا، فإنّما هى اما فرضيّات ذهنيّة مصوّرة في الذهن فقط، من جهة توسّع الخيال للفرض، فليست الّا مجرّد تصوّرات الخيال لا وعاء لها إلّا الذهن، فما هى من تطوّرات الماهيّة قوّة و شأنا، حتّى يحتمل خروجها من القوّة الى الفعل؛ أو أنّ التقدير و الفرض، إمكان احتماليّ محض ان فرض ثبوتها للماهيّة بالقوّة؛ فامّا الأوّل، فالجواب عنه ما قلت:
و كلّ ما بالفرض، فهو لا يقع في خارج، اذ ليس الوقوع في العين على حسب فرض الفارضين؛ و امّا الثانى فما قلت: و الاحتماليّ امتنع؛ يعنى، أنّ هذه التطوّرات الفرضيّة للماهيّة، لا يجوز ان تكون من المحتملات الإمكانيّة لها، لأنّ المفروض كونها غير متناهيّة و اللّامتناهى لا يمكن وقوعها في وعاء العين و الوجود، سواء فرض تحقّقها بالماهيّة أو بالوجود، فلا بدّ من تحديدها بحدّ يمكن وقوعها و تحقّقها؛ و الإمكان الاحتمالى يختصّ بما يمكن و يجوز عقلا وقوعه، فهى؛ اى الكثرة المحتملة للماهيّة، كالأفراد الّتي تشملها؛ فإنّ لها في مقام الكليّة و قبول الصدق على الكثيرين، افراد غير متناهية، و لكن لم يقع في العين منها كلّها، و لا يقع ابدا، لأنّ الماهيّات ممكنة الوجود، و الممكن محدود، و ما لا نهاية له ليس بمحدود، فلا يكون ممكنا؛ و لذلك لا يكون غير المحدود بموجود إلّا واجب الوجود، و الواقع في العين المحصور بين الحاصرين، إنّما هو ذو النّهاية المحدود بالحدود؛ كالفرد الّذي يتحقّق من الماهيّة دون اللّامتناهى و هذا المحصور الواقع مقدار معيّن محدود قبل التحقّق، من بدئه لغاية؛ اى لغايته؛ يعنى، أنّه محدود في ابتدائه و انتهائه، سواء فرض تحقّقه بالوجود أو بالماهيّة؛ و الفرض من الفارضين تصوّرا أو احتمالا، لا يقلّب الأمور الواقعيّة عن واقعيّتها و حقيقتها، فيجعل المحصور المعيّن الّذي لا يمكن غيره، لا
بل حصرت في الكون بالحدود***لو لاه لم تخرج إلى الوجود
و مثل هذا الحصر في الأجسام***يلزمهم من حيث الانقسام
ثمّ من الوفاق في صفاتها***أن ليست إلّا هى عند ذاتها
محصورا واقعا حتّى يقال إنّ تأصّل الماهيّة، يوجب تحقّق اللّامحصور.
و الحاصل: أنّ امتناع تحقّق اللّامتناهى و صيرورته بين الحاصرين، ليس مستندا الى اقتضاء تأصّل الماهيّة ذلك، بل مستند الى نفسه، فإنّه غير ممكن الوقوع فى ذاته، بل حصرت الماهيّة في الكون؛ اى في مقام تكوينها بالحدود، و ان لم تكن محصورة في الفرض و التصوّر، و لو لاه؛ اى لو لا حصره بالحدود، لم تخرج إلى الوجود؛ اى الى التحقّق، لأنّ الماهيّة ما لم تحدّ و تتشخّص، لم توجد، و قد خلطوا او غالطوا بين الاستعداد الفرضى و الاستعداد الذاتى النّفس الأمرى الممكن الوقوع، و كذلك بين الماهيّة الفرديّة التى هى مورد الكلام، و القابلة للتّحقّق شأنا بالماهيّة الكليّة الّتي ليس لها الشأنيّة اصلا، فخلطوا بينهما في اللّوازم.
و مثل هذا الحصر الّذي اورده على القائل باصالة الماهيّة في الأجسام كلّها، يلزمهم أيضا من حيث قابلية الانقسام؛ و ذلك لأنّهم يقولون بتركّب الجسم من الجزء الّذي يتجزّى، و الجزء الّذي لا يتجزّى عندهم باطل، فكلّ جسم مركّب من اجزاء لا نهاية لها مع أنّه محصور في الأبعاد، و الابعاد عندهم متناهية، فهذا نقض عليهم بما لا مدفع له.
و الجواب عنه: بأنّ الانقسامات اللّامتناهية فيه بالقوّة لا بالفعل، خروج عن الفرض؛ اذ الفرض تركّب الجسم من تلك الأجزاء، و هو لا يكون إلّا من الاجزاء الفعليّة، فالّذى عابوه على القائل باصالة الماهيّة، مع أنّه غير لازم عليه، وقعوا فيه و التزموا به.
لهم على اصالة الوجود: ما ذكرت: ثمّ من الوفاق في بيان صفاتها و تعريف اوصافها، أن ليست الماهيّة إلّا هى عند ذاتها، اشارة الى قولهم:
الماهيّة من حيث هى ليست إلّا هى و ادّعى المستدلّ، الاتّفاق على هذه العبارة، حتّى من القائل باصالة الماهيّة، و ضمت إليها فيما هو المشهور على الألسنة عبارة اخرى تفسيرا لها، و هى قولهم: «لا موجودة و لا معدومة»، و إليه اشرت بقولى:
أى لم تكن موجودة ذاتا و لا***معدومة إذ حيث ذاتها خلا
فهى بذاتها لها استواء***نسبتها إليهما سواء
فما عن استوائها أزالهابم ***استحقّت حمل موجود لها
إن قيل: بالجعل، فما زادوا به***شيئا سوى الوجود بانتسابه
و الدفع إن يثبت وفاق و اتّحد***فحوى فلا صحّ و لا فيه سند
أى لم تكن موجودة ذاتا و لا معدومة، إذ حيث ذاتها خلا عن الوجود و العدم؛ يعنى، أنّها اذا لوحظت من حيث هى، فقد لوحظت حيثيّتها الصرفة، و حيثيّتها الصرفة لا موجودة و لا معدومة، و اذا كانت الماهيّة من حيث هى، لا موجودة و لا معدومة، فهى بذاتها لها استواء بالنّسبة الى الوجود و العدم، و نسبتها إليهما من حيث الاقتضاء سواء أيضا، و اذا كانت من حيث ذاتها في مقام الاستواء، فلا بدّ في خروجها عن هذا المقام الى مخرج غيرها؛ فما عن استوائها أزالها غير الوجود، و بم استحقّت حمل موجود لها؟ اى عليها فإنّها اذا لم تكن تتحقّق بالوجود، كما كانت في حدّ ذاتها، لم تكن متّصفة به، و اذا لم تتّصف به، لم تستحقّ حمل الموجود عليها.
إن قيل: إنّها تستحقّ ذلك بالجعل، و هو الانتساب الى الجاعل، فما زادوا به شيئا سوى الوجود بانتسابه؛ اى الوجود الى الجاعل، اذ لا بدّ ان يحصل بالانتساب شيء لم يكن قبل الانتساب، و إلّا يلزم الانقلاب؛ اى انقلاب الماهيّة اللّااقتضاء عن صرافتها الأوّليّة، و ذلك الشيء الحاصل ليس سوى الوجود و ان تحاشى الخصم عن اسمه.
و الدفع: إن يثبت وفاق و اتّحد فحوى؛ اى كان مراد الجميع واحدا، فلا صحّ؛ اى هذا الوفاق في نفسه بذلك التفسير، و لا فيه سند للمستدلّ، و في هذا البيت اشارة الى أربعة امور:
الأوّل: عدم تسليم الاتّفاق، لاحتمال ان تكون هذه العبارة من القائلين باصالة الوجود، و تكون عبارة اخرى عندهم عن اعتباريّة الماهيّة، فمرادهم بها أن الماهيّة من حيث هى مع قطع النّظر عن الوجود، ليست إلّا هى، اى ليست بشيء، و من فسّرها بقوله لا موجودة و لا معدومة، اراد ذلك أيضا، فإنّها اذا كانت اعتباريّة فهى لا
إذ فرض ذاتها بلا اتّصاف***بالفعل أو شأنا من الجزاف
بل لا تكون ذاتها خليّة***عن نسبة شأنيّة فعليّة
موجودة، اذ لا وجود لها و لا معدومة محضا، لأنّها منتزعة من الوجود و موجودة في الاعتبار، و من المحتمل ان يكون اصل العبارة من القائلين بالواسطة بين الوجود و العدم، و ارادوا بها أنّ الماهيّات لها تقرّر قبل تحقّقها، لا هى في ذاتها موجودة و لا معدومة.
الثانى: عدم تسليمه وحدة المراد لو سلم الاتّفاق، لاحتمال ان يكون مراد القائل باصالة الماهيّة منها الماهيّة المفهوميّة؛ يعنى، أنّ الماهيّة من حيث هى، ليست الّا مفهوما ذهنيّا، فهى لا موجودة عينا و لا معدومة محضا. فمع عدم ثبوت الاتّفاق، او عدم وحدة المراد، لا يقى مجال للاستناد.
الثالث: أنّ العبارة على فرض الاتّفاق و وحدة المراد، ليس لها معنى صحيح ان اريد بقولهم: «من حيث هى» الذات، دون المفهوم، كما فسروها بها.
الرابع: أنّها مع فرض صحّة المعنى و استقامته في نفسه، فلا مستند لهم فيه، لجواز حمل الوجود في اطلاق القائل بالماهيّة على التحقّق جريا على مصطلحهم، و قد تعرّضت في النّظم لبيان هذين الأمرين على الترتيب؛ كما قلت:
إذ فرض ذاتها بلا اتّصاف بالوجود أو العدم، باىّ معنى يراد من الوجود متأصّلا أم انتزاعيّا، بالفعل أو شأنا من الجزاف، هذا تعليل لعدم صحّة المعنى في نفسه.
توضيحه: انّه لو اريد بالماهيّة من حيث ذاتها، فالذّات هى الحقيقة النّفس الأمريّة الّتي تقابل المفهوم، ثمّ لا معنى للموجود. و المعدومة إلّا المتّصفة بالوجود و المتّصفة بالعدم، و الاتّصاف لا يخلو إمّا ان يراد به الاتّصاف الشّأنى أو الفعلى، و لا يعقل فرض خلوّ ذات الماهيّة عن شيء منهما كما قلت:
بل لا تكون ذاتها خليّة في نفس الأمر عن نسبة شأنيّة أو فعليّة الى احدهما، لأنّه من ارتفاع الضّدين او النقيضين، و ذلك لأنّ الحقيقة الإنسانيّة مثلا و كذلك كلّ ماهيّة من شأنها الّذي لا ينفكّ عنها الاتّصاف بالوجود أو العدم، و كذلك لا يمكن
بل قبل كونها تكون في العدم***و بعده موجودة و إن يرم
أن ليس ذان ذاتها فليثبتا***أنّ الوجود يقبل التذوّتا
خلوّها عن احدهما بالفعل، بل قبل كونها تكون في العدم، فهى معدومة، و بعده موجودة، فهى دائما امّا موجودة بالفعل أو معدومة، فكيف يصحّ ان يقال إنّ الحقيقة النّفس الأمريّة لا من شأنها الوجود و لا العدم، و لا هى بالفعل موجودة و لا معدومة باىّ معنى يراد من الوجود؟
فهذه العبارة لو صحّ الوفاق عليها، فلا بدّ من حملها على الماهيّة المفهوميّة، و لا شهادة فيها على تأصّل الوجود، و ان فرض لها استواء في وعاء الذهن بالنّسبة الى الخارج، او على الاقتضاء الّذي نذكره، و ان كان قولهم لا موجودة و لا معدومة غير ظاهر في معنى أنّها لا مقتضية للوجود و لا للعدم، فإنّ ظاهر الموجودة و المعدومة، الموجودة و المعدومة بالفعل؛ و مع ذلك، فهو أيضا غير دالّ على مرادهم، او على معنى أنّ الوجود و العدم غير داخلين في ذات الماهيّات، لا هما عينها و لا جزئها، جنسا أو فصلا فمعنى قولهم: «الماهيّة من حيث هى ...» أنّه اذا نظرنا الى الماهيّة من حيث الذات و الحقيقة، فهى غير الوجود و العدم، فهى غير موجودة و غير معدومة؛ اى ليست ذات وجود و عدم، لأنّهما ليسا من حقيقتها، فحيث لا يكونان من ذاتها فهما خارجان عنها، فلا بدّ في اتّصافها بهما من مخرج. و هذا التفسير من السبزوارى، اراد به تصحيح مقام الاستواء و الاحتياج الى المخرج؛ و لكن حمل العبارة عليه بعيد في الغاية، و الى ما ذكره و ابطاله اشرت بقولى:
و إن يرم؛ اى يقصد من قولهم لا موجودة و لا معدومة، أن ليس ذان ذاتها؛ اى ليس العدم و الوجود داخلين في ذات الماهيّة، و بهذا علّل السبزوارى في الحاشية فليثبتا؛ اى فاللّازم ان يثبت أوّلا، أنّ الوجود يقبل التذوّتا؛ يعنى، أنّه مبنىّ على ان يكون للوجود ذات و حقيقة، حتّى يصحّ ان يقال أنّ ذاته غير ذاتها و لا داخلة في ذاتها، و إلّا كان حال الوجود حال العدم، و يكون التغاير بينهما مفهوميّا لا ذاتيّا، و استواء الماهيّة بالنّسبة إليهما ترجع الى استوائها بالنّسبة الى العدم، و اللّاعدم و احتياجها الى المخرج لا يدلّ على تأصّله دون تأصّلها.
فهو عبارة عن المغايرة،***صدقا و مفهوما بما قد فسّره
و أين الانتزاع منه بيّن؟***و إن بذاك الاقتضاء بيّنوا
فما استوائها سوى اللّااقتضاء***و ليس في اللّااقتضاء من قضاء
بأنّها بنفسها تحقّق***أم كان بالغير لها التحقّق
بل هذا الاقتضاء فيها دائم***موجودة معدومة ملازم
و ما هو المخرج عن هذا السّواء***تثبيت جاعل لها حيث هوى
فهو؛ اى فهذا المقال، عبارة عن المغايرة بينها و بينهما صدقا و مفهوما، بما قد فسّره السبزوارى به؛ يعنى، أنّ مرجع قولهم ذلك بهذا التفسير الى الإخبار عن المغايرة، فرض لاحدهما اولهما التحقق أم لم يفرض، و أين الانتزاع، اى انتزاع الماهيّة و تأصّل الوجود منه؛ اى من هذا القول بيّن؟ اذ لا ملازمة بين المغايرة بين الشيئين، و التأصّل و الاعبتارية لهما أو لأحدهما؛ فإنّ هذه المغايرة حاصلة بين جميع الماهيّات، بعضها مع بعض و بين الماهيّات و اعراضها، فاذا قلنا أنّ الجسم من حيث هو، لا ابيض و لا اسود و لا طويل و لا عريض و هكذا، انّما اردنا بذلك بيان حقيقة الجسم و مغايرتها مع غيره، فهل يصحّ لعاقل ان يقول لمّا كان الاتّفاق حاصلا على أنّ لجسم في ذاته غير البياض و اللّابياض، فهو بالنّسبة إليهما في حدّ الاستواء. فلا بدّ له من مخرج الى البياض، و ذلك المخرج هو البياض، فلا بدّ ان يكون البياض اصيلا و الجسم اعتباريّا، و إن بذاك القول المتّفق عليه الاقتضاء بيّنوا؛ يعنى، ارادوا ان يبيّنوا أنّ الماهيّة من حيث هى لا اقتضاء لها، لا للوجود و لا للعدم، فهذا معنى صحيح في نفسه، الّا أنّه كما عرفت لا ينطبق على قولهم: «لا موجودة و لا معدومة»، الّا بالحمل و التأويل فما استوائها على هذا المعنى سوى اللّااقتضاء، و ليس في اللّااقتضاء من قضاء لا حد القولين، بل هو اعمّ في اللّزوم و الاقتضاء؛ اذ مجرّد كونها لا اقتضاء عن الوجود و العدم، و ان امر ذلك بيد الغير و قضائه لا يقضى بأنّها لو تحقّقت بنفسها تحقّق أم كان بالغير؛ اى بالوجود لها التحقّق، بل هذا الاقتضاء فيها دائم، لا يختصّ بحال قبل تكوّنها، بل هو معها و في كلتا حالتيها؛ اعنى كونها موجودة أو معدومة، ملازم لها، فإنّها في حال وجودها أيضا لا تقتضى بنفسها الوجود؛ اى بقائها على وجودها و لا العدم، و ما هو المخرج لها عن هذا السّواء و اللّااقتضاء تثبيت جاعل لها حيث هوى و شاء، و تثبيت الجاعل ايّاها بنفسها لا بتثبيت الوجود فتنتزع هى منه،
و كونه هو الوجود مدّعى،***لولاه فالخصمان ما تنازعا
و حمل موجود كحمل الكائن***يصحّ بالتّحقيق للمكوّن
قالوا و لو لا أنّه أصيل***ليس لنا لوحدة سبيل
إذ الماهيّات لها تكثر***و الواحد الوجود لا يكثّر
و ما عن الوحدة من مناص***فى الحمل و التوحيد الاختصاصيّ
فالحمل شائعا مقولا هو هو***ليس سوى اتّحاد ما تحمله
و هذا هو كونها و تحقّقها و جعلها، و كونه؛ اى التثبيت أو التثبت الحاصل من التثبيت، او الجعل أيضا هو الوجود لا غير؛ و ان تحاشى الخصم عن اسمه كما طعن بذلك السبزوارى على من قال بأنّ المخرج هو الجعل و الانتساب، فهو دعوى و مدّعى يدّعيه قائله، و ان تحاشى عن الإقرار لو لاه؛ اى لو لا كونه ادّعاء محضا فالخصمان ما تنازعا فيه، فإنّهم فرضوا التحقق غير الوجود، حتّى صحّ لهم النّزاع في انّ التحقق للوجود أو للماهيّة، و حمل موجود على الماهيّة، كحمل الكائن لا يحتاج في صحّته الى ان تكون له حقيقة عينيّة، بل يصحّ بالتّحقيق للمكوّن؛ اى بمحض كون المكوّن محقّقا من دون توقف على شيء آخر.
الدليل السادس، لهم على اصالة الوجود: قالوا: و لو لا أنّه أصيل، ليس لنا لوحدة سبيل مع الاضطرار إليها لزوما؛ إذ الماهيّات لها تكثّر، و الواحد هو الوجود الّذي لا يكثّر، فالماهيّات حيث كانت متكثّرة، فهى متباينة، متغايرة، فكلّ ماهيّة غير الأخرى مباين لها، فلو كانت الماهيّات بنفسها متحقّقة، و هى متباينة، لم تبق في دار التحقّق وحدة متأصّلة اصلا. و امّا الوجود فحيث أنّه واحد لا تكثّر فيه، فلو كان هو المتأصّل كانت الوحدة الحقيقيّة ثابتة متحصّلة؛ و لو لم تكن لنا الى الوحدة من حاجة، لم يكن الزام للقول بتأصّله.
و لكن ما عن الوحدة من مناص لنا في بابين: الحمل و التوحيد الاختصاصيّ؛ يعنى، التوحيد الّذي يختصّ بهم في الذاتى و الصفاتى و الأفعالى؛ فإنّ توحيدهم غير توحيد المسلمين، و أنّهم اخذوه من اليويانيّين، و المسلمون اخذوه من المرسلين؛ فالحمل اذا كان شائعا لا مفهوميّا يعنى كان مقولا هو هو، كما تقول زيد انسان، او تقول زيد عالم، فهذا الحمل ليس في معناه و حقيقته سوى اتّحاد ما تحمله مع ما
و المتباينان لن يتّحدا***فليس إلّا في الوجود اتّحدا
و ربّنا لو لا الوجود ذاته***فنفى غير مشكل إثباته
إذ يفرض اثنان من الماهيّة***تمايزا بالذّات في الهويّة
و ليس تركيب هناك أصلا***و كان في ذاك الوجود فصلا
و وحدة الصفات أيضا حاصلة***و إن تغايرت بما تدلّ له
تحمله عليه، فإنّ معنى هو هو، أنّه متّحد معه، و المتباينان لن يتّحدا ابدا، مع أن الحمل لا بدّ له من الاتّحاد، فليس الأمر إلّا أنّهما في الوجود اتّحدا؛ اذ لا يفرض اتّحاد آخر بينهما سواه، فلا بدّ ان يكون ما به الاتّحاد متأصّلا له واقعيّة لا اعتباريّا، و إلّا لم يحصل به الاتّحاد، هذا في الحمل.
و امّا التوحيد، فهو ليس إلّا القول بوحدته- جلّ شأنه- ذاتا، و صفة، و فعلا؛ يعنى، أنّ ذاته واحدة، و صفته واحدة، و فعله واحد، و لا تحصل الوحدة في شيء من هذه المراتب إلّا بالوجود؛ و ذلك بان يفرض ذاته الوجود، و صفته الوجود، و فعله الوجود، فلا بدّ ان يكون متأصّلا، و إلّا يلزم ان تكون ذاته اعتباريّة مع فرض كونها وجودا، و كذلك صفته و فعله.
امّا أنّ وحدته في ذاته لا تثبت إلّا بالوجود، فهو كما قلت: و ربّنا لو لا الوجود ذاته؛ اى لو لم تفرض ذاته الوجود، بل فرضت ماهيّة، فنفى غير مشكل؛ اى ممتنع إثباته، إذ لو كانت الماهيّة متأصّلة و كانت ذاته ماهيّة، فهناك يفرض اثنان من الماهيّة تمايزا بالذّات؛ اى بتمام الذات في الهويّة، لا ببعضها حتّى يحتاج الى جنس و فصل، و ليس تركيب هناك أصلا. فإنّ الوجود المشترك، امر انتزاعى، و كان في ذاك؛ اى في نفى الشّريك الوجود فصلا، يفصل به الخصومة و يحسم به مادّة الاحتمال، اذ لا يمكن فرض وجودين متباينين بالذّات، اذ الوجود ليس إلّا سنخا واحدا؛ فاذا فرض وجودان، لزم الاشتراك، فلا بدّ بينهما من الامتياز، و سيأتى الكلام في بساطته و وحدته.
و وحدة الصفات له تعالى أيضا حاصلة، و إن تغايرت بما تدلّ له؛ اى من حيث مداليلها، فإنّ مفاهيمها و عناوينها متغايرة، متباينة، فاذا كان الماهيّة متأصّلة، يلزم تحقّق كلّ صفة بالاستقلال، فتكون الصفات متعدّدة، زائدة على الذات. و أمّا اذا كان الوجود اصيلا، فهى مع تغايرها مفهوما، متّحدة مع الذات المقدّسة، و كلّ مع
و وحدة الفعل به تقرّر***أيضا و إلّا تكثر الصوادر
و تلك غير وحدة المؤثّر***توحيد أفعال بمعنى آخر
و الدفع أنّ كونه الواحد لا***يثبت إلا بعد أن تأصّلا
فذاك دور ثمّ ما توافقاعليه ***كلّ من عليه وافقا
الآخر أيضا مصداقا و وجودا، و وحدة الفعل به؛ اى بالوجود، تقرّر و تثبت أيضا، و إلّا تكثر الصوادر؛ لأنّ الماهيّات متباينة، فاذا كانت متأصّلة، كانت الصوادر لا محالة متكثّرة؛ و أمّا اذا كان الوجود اصيلا، فالصّادر واحد، و هو الوجود المنبسط الظلّى، و يعبّر عنه ب «المشيّة» و «الكلمة»؛ و تلك غير وحدة المؤثّر الّتي يقول بها الفلاسفة و الأشاعرة، و يعبّرون عنها بقولهم: «لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه»، فإنّه توحيد أفعال بمعنى آخر، فإنّ قولهم هنا يراد به وحدة الصادر، و قولهم هناك وحدة المؤثّر.
و الدفع: تارة بوجه مشترك يجاب به عن الحمل و التوحيد معا، و اخرى بما يختصّ بكلّ منهما بالخصوص؛
امّا الأوّل: فهو أنّ كونه؛ اى الوجود هو الواحد من دون تكثّر و تعدّد فيه، لا يثبت إلّا بعد أنّ تأصّلا، اذ لا يراد به مفهوم الوجود، فإنّه واحد لا شبهة فيه و لا اختلاف، بل إنّما يراد به حقيقة الوجود، و هى الّتي يدّعى كونها واحدا، و يدّعى أنّها المحتاج إليها في الحمل و التوحيد؛ و هذه الوحدة لا يمكن ادّعائها له إلّا بعد الفراغ عن تأصّله و اثبات الحقيقة له، فذاك دور واضح، هذا أوّلا؛ ثمّ ما توافقا عليه؛ اى على كونه واحدا كلّ من عليه؛ اى على تأصّله وافقا، فإنّ القائلين بتأصّله أيضا قد اختلفوا:
فطائفة من المشائين قالوا بتعدّد الوجود و تكثّره كالماهيّات، الّا أنّها متباينة بتمام ذواتها؛ و قال الداماد: «أنّ الوجود واحد، و هو اللّه لا وجود لغيره.»
و الحاصل: أنّ كونه واحدا على فرض تأصّله ككونه متأصّلا مختلف فيه بين قائليه، و ما هو كذلك، كيف يفرع عليه غيره؟ فهذا الوجه المشترك من الإشكال.
و امّا الثانى؛ اعنى، الجواب عن كلّ منهما بالخصوص: فامّا عن الحمل، فحيث انّ الاستدلال به مبنىّ على دعاوى ثلاث، هى مقدّمات له: الأولى: أنّ صحّة الحمل، تحتاج الى وحدة، حقيقيّة، متأصّلة؛ الثانية: أنّ هذه الوحدة ثابتة للوجود؛ الثالثة: أنّ الماهيّات لا وحدة لها.
و الحمل مقتضاه وحدة فقطّ***و كونها عينيّة لم يشترط
و العرف و القضيّة الفرضيّة***قد شهدا بمقتضى الحمليّة
فلا وجودها و لا التأصّلله*** مناط الحمل فيما تحمل
فحاصل الدفع و الجواب: المنع عنها بأسرها، امّا عن الثانية فقد ظهر اجمالا، و سيجيء الكلام فيها مفصّلا، و الى منع الأولى، اشرت بقولى:
و الحمل مقتضاه وحدة فقطّ، و كونها عينيّة؛ اى خارجيّة، متحقّقة في العين، لم يشترط؛ اذ لا دليل على أنّ الوحدة المعتبرة، لا بدّ ان تكون عينيّة، و العرف و القضيّة الفرضيّة الّتي تسمّى ب «القضايا الحقيقيّة»، و هى الّتي يحكم فيها على تقدير وجود الموضوع، و كذا القضايا الكليّة الّتي يحمل فيها الحكم على الطبيعة الكليّة، قد شهدا بمقتضى القضيّة الحمليّة؛ اى بما تقتضيه، من أنّ الوحدة المعتبرة ليست وحدة، عينيّة، تحققيّة، و لا أنّ ما به الاتّحاد، هو الوجود.
امّا العرف: فالمراد به الفهم السّاذج من اهل اللّغة، و اهل الاستعمال؛ فإنّ قاطبة البشر، اذا يقولون: زيد قائم مثلا، لا يريدون به أنّ زيدا وجود القيام، او هو قيام وجودا، او وجود زيد وجود القيام، او زيد الموجود، القيام الموجود، او زيد و القيام وجود واحد، بل لا يعقلون ذلك و لا يفهمونه، بل لو القى إليهم شيء من ذلك ينكرونه اشدّ الإنكار، و لا يرون معنى لكون زيد وجود القيام الخ.
و امّا القضايا الحقيقيّة و الطبيعيّة: فمعلوم، انّ الحكم فيها ليست على الموجودات العينيّة، فما به الاتّحاد فيها امر آخر غير الوجود.
فإن قالوا: إنّ هذه القضايا و ان كانت فرضيّة، الّا أنّها فرضيّة الوجود، فالوحدة الملحوظة فيها أيضا، هى الوحدة في الوجود، لكنّه الوجود الفرضى.
قلت: لا اشكال أنّ الحكم فيها إنّما هو بفرض الوجود، الّا أنّ الحكم على الشّيء بفرض كونه في العين، لا يستلزم الاتّحاد بالوجود عند التحقّق، و لا هو بهذا المناط، فلا وجودها؛ اى وجود القضيّة و تحقّقها عينا و لا التأصّل له؛ اى للوجود، مناط الحمل فيما تحمل الماهيّات بعضها على بعض.
و الى منع الثالثة اشرت بقولى:
و لا تنافى كثرة الماهيّة***فى السّنخ وحدة توافقيّة
فللمهيّات و إن تكثّرت***وحدة ألفة عليها خمّرت
إذ الكلام في الّتي تصادقت***بالنّوع أو بالفرد لو تحقّقت
أو ما توافقت كذات و عرض***ففيهما وحدة أيضا بالعرض
إن شئت سمّ «وحدة صدقيّة»***أيّة الأنحاء التصادقيّة
و هذه الوحدة شرط الرائج***لا الاتّحاد بالوجود الخارجىّ
و هى مناط الجمع لا وجودها***لو لاه فالوجود لا يقودها
و لا تنافى كثرة الماهيّة و تباينها في السّنخ وحدة توافقيّة لها، فإنّ مجرد الكثرة لا تلازم عدم التوافق لها بوجه، لا ذاتا و لا عرضا؛ فللمهيّات و إن تكثّرت وحدة ألفة، يتّحد بها بعضها مع بعض، و يؤالف بعضها بعضا، و عليها؛ اى على هذه الوحدة و الألفة، خمّرت الماهيّات في طبعها و طينتها، إذ الكلام في الّتي تصادقت بالنّوع، كالحيوان و النّاطق، حيث يتصادقان في الإنسان، أو بالفرد و التشخص لو تحقّقت كالإنسان و البشر، او كالإنسان و زيد، و لا كلام في الماهيّات المتباينة بالذّات، كالإنسان و الحجر، اذ لا جهة حمل فيها اصلا، و لا في المتضادات الّتي لا يمكن اجتماعها اصلا. و إنّما الكلام في الماهيّات المحمولة اى القابلة للحمل، و هى لا تكون إلّا في الجواهر المتّفقة بالنّوع و الفرد، او في الجواهر و الأعراض؛ كما قلت:
أو ما توافقت كذات و عرض، كالإنسان و بياض، و زيد و العلم، ففيهما وحدة أيضا بالعرض، لكنّها وحدة، عرضيّة، اقترانيّة، كما أنّ الوحدة بين الجواهر و الأفراد، وحدة، ذاتيّة، طبيعيّة؛ إن شئت سمّ هذه الوحدة المعتبرة «وحدة صدقيّة»؛ اى يكون بين الماهيّتين اتّحاد ما في الصدق أيّة الأنحاء التصادقيّة، من التصادق المفهومى، او المصداقى، او بالكليّة و الجزئيّة، او بالعارضيّة و المعروضيّة؛ فإنّ الوحدة في الجميع وحدة صدقيّة.
و هذه الوحدة الصدقيّة الحاصلة للماهيّات بذاتها، او باقتضاء عروضها قبل تحقّقها و وجودها، شرط الحمل الشّائع الرائج، لا الاتّحاد بالوجود الخارجىّ؛ لما ذكرنا من صحّة الحمل في القضايا الحقيقيّة، و لا وحدة فيها إلّا تلك الوحدة الايتلافيّة، او التوافقيّة، و هى أيضا مناط الجمع؛ اى جمعها و تصادقها في الخارج، لا وجودها؛ كما زعموا أنّ ما به اتّحادها و اجتماعها، هو الوجود؛ و ذلك لما تبيّن أنّ هذا الاجتماع
فإن أبوا إلّا إليّ قد حصلت***فهى إذا تحقّقت تحصّلت
و المتباينان لو تمانعا***عن وحدة فكيف منها انتزعا
كون الوجود مثل خيط ينتظم***به الشّتات ذاك شعرىّ و هم
من لوازم طبعها قبل الوجود، لو لاه؛ اى لو لا هذا المناط بنفسها، فالوجود لا يقودها؛ اى الوحدة؛ بداهة أنّه لو كان الوجود هو الّذي يقود الوحدة و يجرها و يوجدها، للزم ان يكون موجدا لها، مع عدم الوحدة فيها بنفسها، كالإنسان و الحجر، مع أنّهما لا يجتمعان في الوجود ابدا، فعلم أنّ الاتّحاد قبل الوجود، و الوجود تابع له دون العكس.
فإن أبوا إلّا الوحدة الّتي قد حصلت في العين،؛ يعنى، ان يقولوا: «إنّ الوحدة الّتي هى شرط الحمل و مناطه، لا بدّ ان تكون متأصّلة متحقّقة في العين، و تلك الوحدة قبل الوجود، لا تحقّق لها؛
فلنا ان نقول: فهى إذا تحقّقت الماهيّة، تحصّلت أيضا بتحقّقها، و لا يلزم ان يكون تحقّقها بتحصّل الوجود.
فان قالوا: إنّ الماهيّة لا تحقّق لها، فلم يزيدوا على المدّعى إلّا الدعوى.
و ان قالوا: إنّها على فرض تحقّقها لا توجب الوحدة، فهى أيضا دعوى على دعوى.
و ان قالوا: إنّ ما به الوحدة، هو المتحصّل الّذي يكون متأصّلا؛ فقد زادوا أيضا دعوى على الدعوى.
و ان قالوا: إنّ الماهيّتين، متباينتان، و المتباينتان لا يمكن انتزاع وجود واحد منهما، فقد رجع الى انكار التحقق للماهيّات؛ اذ لو فرض لها التحقّق و كان تحقّقهما واحدا كالإنسان و النّاطق مثلا، فلا مانع من انتزاع الوجود الواحد.
و المتباينان لو تمانعا عن وحدة، فلم يجز ان ينتزع منها الوجود الواحد، فكيف منها انتزعا على قولهم بتأصّل الوجود؟ فإنّ المتباينين بما هما متباينان، كما لا ينتزع منهما الوحدة، كذلك لا ينتزعان من شيء واحد؛ و قولهم مجيبا عن ذلك، كون الوجود مثل خيط ينتظم به الشّتات، فإنّ ذاك كلام شعرىّ و وهم؛ اى غلط توهّموا فيه؛ اذ كونه مثل خيط مبنىّ على وحدته؛ فلو ثبت، فذلك من آثار الوحدة لا من آثار الوجود بما هو وجود، فاذا فرضت الوحدة في غير الوجود، كانت هذه الخاصيّة له أيضا، هذا أوّلا.
و ليس في التوحيد حجّة لهم***و إن فرضنا شبهة الباب تتمّ
إذ هو إلزام لمن يوحّد***و ليس ذا بالحكمىّ يسند
بل هو فيه ملزم لا مطلقا***و منع الاجتماع ما تحقّقا
بل ليس ملزما إذ الشّبهة في***دليله و لم يضرّ أن لا يفى
و ثانيا: بعد تسليم كونهما متباينين، و المسلّم عندهم أيضا، أنّ المتباينين ما لم تكن لهما جهة وحدة، لا ينتزعان من شيء واحد، فان سلّموا لهما جهة وحدة، اوجبت انتزاعهما من وجود متأصّل واحد. فنقول: إنّ تلك الجهة المسلّمة الثابتة فيهما، من قبل انفسهما، كافية في الحمل و ان لم يسلّموا ذلك، فلا محيص لهم إلّا عن نقض تلك القاعدة المسلّمة، أنّ المتباينات لا تنتزع من واحد، او الأخذ بها و الالتزام بتعدّد الوجود المنتزع منه حسب تعدّد الماهيّات المنتزعة، هذا كلّه في الحمل.
و ليس في التوحيد الذاتى حجّة لهم و إن فرضنا شبهة الباب، و هى شبهة ابن كمونة المتقدّمة، تتمّ؛ فإنّ غايتها على فرض تماميّتها، اثبات اصالة الوجود بالتّوحيد، لعدم امكانه بدونها، و هذا لا يغنيهم في الإثبات الواقعى شيئا، إذ هو؛ اى التوحيد إلزام لمن يوحّد خاصّة، فهو دليل على حسب التزام قوم خاصّ، لا على نفس الأمر من الواقع الّذي ليس دونه مناص، و ليس مثل ذا بالحكمىّ يسند؛ اى لا يقال لمثل هذا الإلزام، انّه برهان حكمىّ، فإنّ الحكيم من شأنه ان ينظر الى الأشياء من حيث الواقع و نفس الأمر، لا من حيث الالتزامات الخاصّة؛ هذا، مع ما فيه من الدور الّذي تقدّم لزومه.
توضيحه مرّة ثانية: أنّ التوحيد لا يتحقّق إلّا بدفع تلك الشّبهة، و لا تدفع الّا باصالة الوجود، و المفروض هنا اثبات اصالته بالتّوحيد، بل هو فيه؛ اى التوحيد في خصوص نفسه، ملزم لا مطلقا، فمن اين يجب القول باصالة الوجود في الواجب و الممكن جميعا؟ و ليس لهم إلّا التشبث بالإجماع على منع الاجتماع.
و فيه ما فيه؛ كما اشرت إليه: و منع الاجتماع ما تحقّقا؛ اى ما ثبت لعدم الدليل لهم عليه، بل ليس ملزما في التوحيد أيضا، إذ الشّبهة في دليله؛ اعنى، لزوم التركيب لا في نفسه، و لم يضرّ أن لا يفى هذا الدليل الخاصّ، فإنّ غايتها على فرض تماميتها،
إذ ليس مقصورا به و قد مضى***إبطالها و عندنا لا يرتضى
كون الوجود ذاته المقدّسة***فانتظرن لدفع هذى الوسوسة
أمّا الصفات فهى عين الذات***منتزعات ذاته بالذّات
و هى مع أنّها من الإلزام***لسنا من الوجود في التزام
بل كونها تصادق المعانى***عينيّة اخرى بمعنى ثان
تشمل للتّصادق الوجودىّ***كالعرض القائم بالموجود
فالقول بالوجود كالماهيّة***لم يكف في تحقّق العينيّة
بطلان هذا الدليل بالخصوص، و هو غير مضرّ؛ إذ ليس الدليل مقصورا به؛ اى عليه، و قد مضى إبطالها؛ اى ابطال الشّبهة أيضا في مبحث التوحيد، هذا على مسلك القوم مماشاة لهم.
و لكن عندنا لا يرتضى هذا المقال من اصله، و هو كون الوجود ذاته المقدّسة، فانتظرن لدفع هذى الوسوسة و ابطالها. هذا كلّه في التوحيد الذاتى.
أمّا الصفات، فهى عندنا (معاشر الإماميّة) عين الذات؛ و معنى ذلك: أنّها منتزعات ذاته بالذّات؛ اى تنتزع عن الذات بذاته لا بقيام الصفات به، و هى مع أنّها من الإلزام أيضا كالتوحيد الذاتى، اذ لا يقول بها الأشاعرة لسنا من الوجود في التزام بسببها، اذ لا تتوقّف العينيّة على الاتّحاد في الوجود، اذ هى على ما عرفت و ستعرف، عبارة عن تجرّد الذات عن كلّ معنى قائم به زائدا على الذات، مع كمالها و استجماعها لكلّ الكمال بالذّات. و هذا المعنى لا يفرق فيه لا واقعا و لا اعتقادا، بين ان تكون الذات هو الوجود أو الماهيّة، بل كونها؛ اى العينيّة تصادق المعانى في الوجود على ما فسّروها به عينيّة اخرى بمعنى ثان، غير العينيّة الّتي نلتزم بها و نقول، لأنّ هذه العينيّة، هى العينيّة الوجوديّة؛ اى الاتّحاد في الوجود، اذ هو الّذي يحتاج الى الوجود لتتصادق المعانى. و الّذي نقول به، هى العينيّة الذاتيّة، بمعنى أنّه ليس غير الذات شيء؛ و العينيّة الوجوديّة لا تلازم الوحدة الذاتيّة، بل هى اعمّ منها؛ لأنّها تشمل للتّصادق الوجودىّ، كالعرض القائم بالموجود، فإنّ الأعراض مع زيادتها على الذوات، يصدق عليها ما قالوا في الصفات، أنّها في مرتبة المفاهيم متغايرة، و في مقام الوجود واحدة، فالقول بالوجود كالماهيّة، لم يكف في تحقّق العينيّة المطلوبة، بل يحتاج في اثباتها الى دليل خاصّ، و هو لزوم التركيب في ذاته تعالى. اللّهم إلّا ان
و أمّا الأفعال، فليست كالصّفة***توحيدها من مبدعات الفلسفة
فإن بنوا على اتّحاد ما صدر***فالعقل و الشّرع عليه ما استقرّ
و إن أرادوا أنّ ما قد فعله***يكون واحدا فما الملزم له
يقولوا بأنّ الوجود بسيط، لا يقبل التركيب، فاذا قلنا به، استغنينا عن دليل آخر على نفى التركيب، لكنّه تقرير آخر غير الاتّحاد في الوجود، و مع ذلك، فبساطة الوجود أيضا تحتاج الى دليل مثبت، فالدّليل على نفى التركيب لازم على كلّ حال، و لا فرق فيه بين ان نقول أنّ ذاته تعالى من دون تعيين، أنّه الوجود أو غيره، لا يقبل التركيب، ثمّ نقيم الدليل عليه؛ او نقول أنّ ذاته الوجود و الوجود لا يقبل التركيب، و نقيم الدليل عليه.
و أمّا الأفعال، فليست كالصّفة متّحدة مع الذات، و لا هى أيضا متّحدة في انفسها بان ترجع الى فعل واحد؛ كما قيل ذلك في الصفات أيضا، و لا ملزم على هذا الإرجاع حتّى يحتاج الى جهة وحدة، و إنّما توحيدها بهذا المعنى الثانى، من مبدعات الفلسفة، و لم يعلم وجه ذهابهم إليه لاختلاف تعليلاتهم.
و ظنّى أنّ حقيقة ما دعاهم إليه، هو ذهابهم الى أنّ ذاته تعالى الوجود، و أنّ الوجود لا يصدر منه العدم و لا الماهيّة، فلا بدّ ان يكون الصادر منه هو الوجود أيضا، ففعله تعالى عندهم هو الوجود، و لما ذهبوا الى وحدته، لزمهم ان يقولوا: بأنّ فعله واحد، لأنّ فعله الوجود، و الوجود واحد. و هذا تعليل ظاهر على مذاقهم؛ و لكنّهم اعرضوا عنه، و اكتفوا بتلك التعليلات الغير الملزمة، حذرا عن الاعتراض عليهم بالمصادرة.
و كيف كان، فقد ردّدت قولهم على ظاهر تعليلاتهم بين امرين، فإن بنوا لزوم كون الأفعال واحدا على اتّحاد ما صدر، كما بنوا عليه الصادر الأوّل، و هو قولهم: «أنّ الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد»، فالعقل و الشّرع عليه ما استقرّ، و ما ورد في الشّرع أن أوّل ما خلق اللّه العقل؛ او أوّل ما خلق اللّه نورى، فليس مبنيّا على أنّه واحد، و الواحد لا يصدر منه إلّا واحد، بل مبنىّ على أنّ الخلقة تدريجيّة لا دفعيّة، و إن أرادوا أنّ ما قد فعله مع تعدّده و تكثّره، يكون واحدا و يرجع الى واحد، فما الملزم له سوى ما ذكرت
و ليس وجه اللّه أو ما أمرنا***فيه دلالة على ما استحسنا
بل ذاك تحريف كتحريفاتهم***أخزاهم اللّه على آفاتهم
فهذه أدلّة كالشّبه***لمدّعى الحكمة و التّألّه
أنّه وجود، و الوجود لا يصدر منه إلّا الوجود، و هو الواحد، و ليس وجه اللّه في قوله تعالى:( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ...)(1)أو ما أمرنا في قوله تعالى:( وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)(2).
فيه دلالة على ما استحسنا؛ كما استشهدوا بهما على وحدة الفعل الّتي استحسنوها بالذّوق، بل ذاك؛ اى الاستشهاد بهما، تحريف منهم في معناهما كتحريفاتهم الكثيرة في معانى الآيات و الروايات. أخزاهم اللّه على آفاتهم! فإنّ آفاتهم على المسلمين كثيرة منها امثال هذه التحريفات، فهذه ادلّة و حجج كالشّبه من حيث الوهن و الضعف لمدّعى الحكمة و التألّه، فاعرف بها معنى الحكيم و فهم المتألّه!0.
و الحقّ في الوجود ما عرف اللّغة***أمضى و ما سواه لن نسوّغه
لم يعرفوا منه سوى الترادف***للكون و الثبوت ضدّ المنتفى
فما له حقيقة عينيّة***بها يكون كلّ كينونيّة
بل هو نفى السّلب أينما ذكر***فى واجب أو ممكن أو ما اعتبر
بل طبعهم يجرى على المعروف***لو أطلقوه لا على الموصوف
و الحقّ في الوجود، ما عرف اللّغة أمضى من معناه؛ اى الّذي يكون عندهم معروفا و ممضى، و ما سواه لن نسوّغه، و لا نريد بذلك، الاستناد في الحقّ الى اهل اللّغة و تحكيمهم فيه بما هم اهل اللغة و الأوضاع؛ بل المراد، إنّا لا نعرف في معناه سوى الّذي عرفوه و عرّفوه به، و ما وراء ذلك، فلا نعقله و لا له من الوضع شاهد.
و الّذي يدّعيه القائل بحقيقة الوجود من معناه، مبنىّ على نقل في الاصطلاح و وضع خاصّ من اهله، على حسب ما يزعمون انّهم يعقلون.
و لكن عرف اللّغة و عامّة النّاس، لم يعرفوا منه سوى الترادف للكون و الثبوت، ضدّ المنتفى اينما يستعملونه، فما له حقيقة عينيّة بها يكون كلّ كينونيّة؛ كما زعموا أنّ كينونيّة كلّ شيء بالوجود، و كينونيّة الوجود بنفسه، بل هو نفى السّلب أينما ذكر و استعمل و اطلق في واجب كان أو ممكن، أو في ما اعتبر من الأمور الاعتباريّة و الانتزاعيّة؛ فاذا قيل: اللّه تعالى موجود، او زيد موجود، او الملكيّة موجودة، او الزوجيّة للأربعة موجودة، فالوجود في الجميع واحد، و له معنى فارد، و هو الثبوت المساوق لنفى السّلب؛ بل طبعهم؛ اى هؤلاء القائلين بأنّ للوجود حقيقة، يجرى أيضا بصرافته على المعنى المعروف عند قاطبة النّاس، لو أطلقوه، لا على الموصوف الّذي يصفونه، فإنّك تراهم كغيرهم يقولون على اللّه تعالى يا موجود، و لا يقولون يا وجود، و يقولون الموجودات الإمكانيّة أو الأرضيّة أو الفلكيّة أو العالم، و هكذا، و لا يقولون الوجودات. و لكنّك متى اعترضت عليهم رجعوا الى عنادهم، و قالوا:
بأنّه مسامحة في التعبير؛ او قالوا بانّا لا نعنى بالموجود إلّا الوجود؛ او قالوا بأنّ الوجود و الموجود واحد و الفرق بالاعتبار؛ او قالوا بأنّ الموجود بمعنى المنسوب الى الوجود.
أمّا المحقّق الّذي في العين***فهو ذوات ذا و ذى و ذين
ذاك الّذي يقال شمس أو قمر***أو بشر أو شجر أو الحجر
ذاك الّذي يدرك بالأبصار***أو متميّزا عن الأغيار
و لم يكن تحقّق الذوات***إلّا بأن تكون ثابتات
و كونها في العين كالفوقيّة***منتزعات لا تأصّليّة
توهّم ألقته ماليخولياء***و ليس أهل الكشف عنها خاليا
فإن يكن هذا هى الماهيّة***قلنا بها في الكلّ بالسّويّة
لكن ثبوتها على نوعين***بالذّات أو بغيره في العين
أمّا المحقّق الّذي في العين، فهو عندنا ذوات الأشياء، و هى ذات ذا، و ذات ذى، و ذات ذين مثلا؛ اى ذوات الأشياء العينيّة من الواجب و الممكن؛ لكنّا نمثّل له بالممكن لتمكّننا من معرفته، فالّذى له التحقّق، ذاك الّذي يقال: شمس أو قمر أو بشر أو شجر أو الحجر، قولا اطباقيّا من عامّة عقلاء النّاس، لا يعقلون للوجود حقيقة، و لا يرون إلّا الذات المشخّصة بالشخصيّة الخاصّة، ذاك الّذي يدرك بالأبصار من مبصراتها، أو بالذّهن و العقل متميّزا عن الأغيار فيما لا يدرك بالبصر.
و امّا حقيقة الوجود، فإنّها عندهم لا تدرك ببصر و لا بهويّتها متميّزة عن الماهيّات، و يستوى عندهم في ذلك الواجب و الممكن، و لم يكن تحقّق الذوات عندنا، إلّا بأن تكون ثابتات، فلا يتوّهم من التعبير بالتحقّق أنّ التحقّق شيء، او أنّه يزيد على الذّات شيئا، بل ليس المراد به إلّا مفاد كان التامّة، لا يفيد إلّا الكون و الثبوت و الحصول، و كونها؛ اى الذوات في العين كالفوقيّة، منتزعات عن الوجود لا تأصّليّة؛ كما يقوله القائل باصالة الوجود، توهّم باطل، ألقته في اذهانهم ماليخوليا، لأنّه من وسوسة النّفس و تجسّم الخيال.
و ليس أهل الكشف منهم عنها خاليا لتوغّلهم في الوسوسة، و تجسّم الخيال الّذي يسمّونه التجريد، و هم اشد اهتماما بهذا القول السخيف من غيرهم، فإن يكن هذا الّذي ذكرنا من ذوات الأشياء، هى الماهيّة الّتي تقابل الوجود عندهم، قلنا بها في الكلّ؛ اى كلّ من الواجب و الممكن بالسّويّة من غير فرق بينهما اذا الواجب أيضا له ذات و هويّة و حقيقة، الّا أنّها غير معلومة، لكن ثبوتها؛ اى الماهية و تحقّقها على نوعين: بالذّات أو بغيره في العين، و بهذا يفرق بين الواجب و الممكن، و ان ارادوا بها
و ادّعوا الوحدة من ملزومه***بدعوى الاشتراك في مفهومه
و تكشف الوحدة في الإطلاق***عن وحدة المعروض و المصداق
غير المعنى المعهود. و لعلّه الى ذلك اشار امير المؤمنين (ع) بقوله: «و لا يقال له: ما هو؟ لأنّه خلق الماهيّة.»(1)فكأنّ الماهيّة في الاصطلاح مخصوصة بالجواهر و الأعراض و المركّبات و الشيئيّة من الذوات المجبولة بالذّاتيّات اللّازمة، فهو كقوله (ع): «و بتجهيره الجواهر عرف ان لا جوهر له.» (2)
دعوى الاشتراك، هى الركن الثانى للقول بوحدة الوجود بعد تأصّله، فاذا تمّت ثبتت الوحدة عند قائليها؛ و الكلام بعد ذلك في كيفيّة الوحدة. ثم مرادهم بالاشتراك المعنوى، الاشتراك في المعنى الحقيقى الّذي اثبتوه بدعوى تأصّله، لا في المعنى المفهومى الّذي تقدّم منّا، أنّه مرادف للكون و الثبوت، لكنّهم يخالطون(3)بينهما في تقرير المدّعى و الدليل.
فأمّا أنّ ذلك منهم عن جهل بالمخالطة، او انّه تعمّد بالمغالطة، و ادّعوا الوحدة من ملزومه. قالوا: إنّ الوحدة، من ملزوم الوجود، و لا يمكن نفيها عنه، و ذلك بدعوى الاشتراك في مفهومه؛ قالوا: مفهوم الوجود واحد في الواجب و الممكن، و الجوهر و العرض، و يطلق على الجميع بإطلاق واحد، و تكشف الوحدة في الإطلاق عن
1) . البحار 3: 297/ 24.
2) . المصدر 4: 305/ 34.
3) . اعلم: أنّه قد وقع الكلام بين الاوّلين في أنّ الوجود مشترك بين الماهيّات و زائد عليها، أم لا؟ و المخالف على ما قالوا، ابو الحسن الأشعرى، و ابو الحسين البصرى و اتباعهما؛ فإنّهم ذهبوا الى أنّ الوجود في كلّ ماهيّة عين تلك الماهيّة، و هذا النّزاع بينهم كما ترى في مفهوم الوجود، و لعلّ الشيخين لم يعرفا له حقيقة، لكنّ القائل بالمذهب الحادث؛ اعنى، كون الوجود له حقيقة واقعيّة، اغتنم ما استدلّ القوم به على ذلك الاشتراك، ليثبت به ما ادّعاه سوى هذا الّذي اضافوا إليه من دليلى الانتزاع، و غرض المستدلّ اثبات الوحدة بها في قبال من انكرها من القائلين باصالة، و إلّا فالمنكر للأصالة لا تصل النوبة معه الى ادّعاء الوحدة، و هو يحمل كلّ هذه الوجوه على الاشتراك في المفهوم العامّ.
فإنّ معنى واحدا لا ينتزع***تعقّلا لو لا اتّحاد المنتزع
لكنّهم قد خلطوا أمرين***فإنّ للوجود مفهومين
مفهوما أصليّا و ذاك المبتدع***و ما هو الأصليّ غير منتزع
يتبع في العموم وضع اللّغوىّ***لا وضع إشراقيّهم و الفهلوىّ
و ما هو المنتزع المبتدع***فليحكموا فيه على ما ابتدعوا
إن تمّ فهو ملزم من أصّله***و معنوىّ عند من تعقّله
وحدة المعروض و المصداق؛ و ذلك للتلازم بينهما، فإنّ معنى واحدا لا ينتزع تعقّلا؛ اى عند تعقّل العقل و تصوّره لو لا اتّحاد المنتزع؛ اى محلّ الانتزاع و منشئه، فلو كان منشأ الانتزاع متعدّدا و متكثّرا، كما في المقام، يكشف لا محالة عن وجود، جهة جامعة بينها اثّرت في وحدة الانتزاع، اذ المتباينات لا تؤثّر اثرا واحدا، فلا ينتزع منها معنى واحد ابدا.
لكنّهم قد خلطوا أمرين في مقام الدعوى و تقريرها، فإنّ للوجود على حسب اللّغة و المصطلح مفهومين: مفهوما اصليّا يوافقه العرف و اللّغة، و مفهوما ثانويّا اصطلاحيّا، و هو ذاك المبتدع، و ما هو الأصليّ، هو المرادف للكون و الثبوت، و هو غير منتزع من واقع، متحقّق، متأصّل؛ اذ لا واقعيّة له و لا تحقّق، و ما لا واقعيّة له لا يحتاج في انتزاعه الى التأصّل، بل هو معنى لغوىّ عام، يتبع في العموم وضع اللّغوىّ لا وضع إشراقيّهم و الفهلوىّ، و وضع اللّغوى مبنىّ على تصوّر محض الثبوت، بمعنى سلب العدم و نفيه، لا على الانتزاع من واقع متأصّل، و ما هو المنتزع عندهم، المبتدع لهم، فليحكموا فيه على ما ابتدعوا؛ فإنّ كيفيّة الانتزاع فيه تابع لكيفيّة الابتداع.
و الحاصل: أنّ المفهوم العامّ الّذي يسلّم عمومه و وحدته، إنّما هو المفهوم العرفى اللّغوىّ، و هذا لا مثبت له حقيقة واقعيّة، بل الجميع ناف لها كما تقدّم، و المفهوم الّذي يفرض له حقيقة واقعيّة، و يدّعى انتزاعه منها، لم تسلّم صحّته، بل هو مورد النّزاع و أوّل الكلام؛ و حيث انّ هذا الانتزاع مبنىّ على تأصّل الوجود، فهو مبنىّ على تماميّته، و إن تمّ هذا الأصل فهو ملزم؛ اى دليل الزامىّ يلزم من أصّله؛ يعنى، قال باصالته كالدّاماد و من تبعه و جماعة من المشّائين، و لكنّه أيضا لم يتمّ عند هؤلاء، او لا يقولون باشتراكه كالدّاماد، و الّا لما رغبوا عنه. و كذلك مشترك معنوىّ بذلك المعنى عند من تعقّله، لا عند الجميع، بل على مذهبهم أيضا ليس هذا من الاشتراك في
بل ليس في الجزئىّ الاشتراك***و الانتزاع شأنه الإدراك
و حاق الواقع لا يستعلم***إذ عندهم كنه الوجود مبهم
ما كنهه في غاية الخفاء***مفهومه من أغمض الأشياء
و أوردوا أيضا وجوها لا يتم***بعض و بعض لا يفى بما لهم
كصحّة التقسيم و هى تثبت***لما هو المعروف لا ما أثبتوا
شيء، لأنّهم كما سيأتى يدّعون أنّ الوجود جزئىّ حقيقىّ، و ليس في الجزئىّ الاشتراك، و هذا أيضا من الخلط و المغالطة، و أيضا الانتزاع شأنه الإدراك، و لا يتحقّق بدونه، لأنّه انتزاع من الحقيقة الواقعيّة، فلا بدّ ان يكون الانتزاع من حاقّ الواقع، و حاق الواقع لا يستعلم و لا يستكشف، إذ عندهم كنه الوجود مبهم، فكيف يمكن التوفيق بين هاتين الدعويين؟ فإنّ ما كنهه في غاية الخفاء، مفهومه من أغمض الأشياء خفاء، فكيف يصحّ دعوى انتزاع المفهوم الواضح مما لا يمكن ان يدرك؟ و في البيت اشارة الى قول السّبزوارى و ردّه، حيث قال: «مفهومه من اوضح الأشياء، و كنهه في غاية الخفاء».
و أوردوا أيضا وجوها اخر مضافا الى ما ذكر، لا يتم بعض منها في نفسه، و بعض آخر لا يفى على فرض تماميّته بما لهم من الاشتراك في المعنى المتأصّل الواقعى؛ بل يثبت الاشتراك في المعنى العرفىّ اللغوىّ.
كصحّة التقسيم؛ يعنى، أنّه يصحّ تقسيم الموجود الى الواجب و الممكن، و الجوهر و العرض؛ او تقسيم الوجود بنحو الإضافة، فتقول وجود الواجب و الممكن و هكذا، و المقسم معتبر في جميع اقسامه؛ فتكشف صحّة التقسيم عن وحدة المقسم، و هى تثبت لما هو المعروف من معنى الوجود، لا ما أثبتوا من المعنى المبتدع، فإنّ المقسم عندنا هو الوجود المساوق لنفى العدم، و لا شاهد لهم على أنّه حقيقة الوجود، بل يشهد لما قلنا امران:
احدهما: صحّة تقسيمه الى الذهنى و الخارجى، و الاعتباري و الواقعى، مع أنّ الذهنى و الاعتباري لا تحقّق لها في العين. فيعلم أنّ المقسم شيء لم يلاحظ فيه التحقّق، و أنّ التحقق للمضاف إليه لا للوجود؛
مع أنّه ظنّى الاستدلال***أعمّ مدلولا كالاستعمال
بل هو شائع و هذا نادر***و لا يصاع الأصل ممّا يندر
و كالبقاء للوجود لو حصل***لنا اعتقاد بالوجوب و ارتحل
و انقضه بالشّيء و إن راموا به***ما ابتدعوه فهو لم يتّجه
ثانيهما: أنّ هذا التقسيم يستعمله العرف أيضا، و هم لا يعقلون هذا المعنى الابتداعي؛ بل نقول أنّهم اوردوا صحّة التقسيم في وجدانهم فلم يزيدوا على الدعوى الّا الدعوى، و اذا اعتبرت من حيث العرف، فالعرف شاهد على خلاف مرادهم هذا، مع أنّه ظنّى الاستدلال، لأنّه من الأدلّة الظنية، و هو أيضا أعمّ مدلولا كالاستعمال الّذي هو اعمّ من الحقيقة، فمحض التقسيم لا يدلّ على الحقيقة، بل هو؛ اى الاستعمال شائع كثير الابتلاء و هذا؛ اى التقسيم، نادر لا يبتلى به إلّا قليلا، فهو ادون منه في جهة الاعتبار و الحجيّة، لأنّ الاستعمال لشيوعه و كثرته يمكن تأسيس الأصل عليه، فيقال: الأصل في الاستعمال الحقيقة، و ان كان اعمّ منه في نفسه، و لكن لا يصاغ الأصل ممّا يندر.
و الحاصل: أنّ صحّة التقسيم لو بنيت على العرف، فحكمه حكم الاستعمال فى الأعميّة و الظنية، بل يمكن دعوى الأصل العقلائى من حيث الاغلبيّة فيه دونه، لوجود الكثرة فيه دونه.
و كالبقاء للوجود لو حصل لنا اعتقاد، أوّلا بالوجوب لشيء، و ارتحل ذلك الاعتقاد، و تبدّل بغيره كما إنّا اعتقدنا مثلا بوجوب العالم، ثمّ زال هذا الاعتقاد، و اعتقدنا امكانه، فإنّ الوجود باق بعد زوال الوجوب بعينه، من دون تبدّل بوجود آخر؛ و ليس ذلك إلّا لأنّ الوجود مشترك بين الواجب و الممكن، و نظير ما اذا علمنا بأنّ زيدا في الدار، ثمّ علمنا بأنّه عمرو، فإنّ الإنسان باق غير زائل، و انقضه بالشّيء، فإنّه أيضا مثل الوجود لا يزول الاعتقاد به، بزوال بعض مصاديقه؛ كما لو علمنا بشيء، و اعتقدنا أنّه إنسان ثمّ اعتقدنا أنّه حمار، فإنّ الشيئيّة باقية، و مع ذلك لا يكون دليلا على أنّه مشترك، معنوى، متأصّل، بل هو دليل على اشتراكه في المفهوم؛ و بعبارة اخرى: محض البقاء بعد تبدّل الاعتقاد ليس دليلا على الاشتراك في الحقيقة الواقعيّة، الّتي هى مصداق للمفهوم، الّا ان يقوم دليل من الخارج على ثبوت الواقعيّة كالإنسان.
بل البقاء عمّ فيما يلزمه***و اللّازم الأعمّ لا يستلزمه
و كاتّحاد العدم النّقيض له***فاتّحد الوجود للمقابلة
و إن راموا به ما ابتدعوه من الوجود، و انّه هو الّذي ثابت في الحالتين؛ فهو لم يتّجه عندنا، فليس هذا إلّا دعوى على الدعوى؛ بل البقاء للشيء مع تبدّل الاعتقاد، عمّ فيما يلزمه، لكونه لازما اعمّ، و اللّازم الأعمّ لا يستلزمه؛ اى ذلك الاشتراك.
تقرير كونه لازما اعمّ: أنّه قد يجتمع ذلك في مجرّد الاشتراك في المفهوم كالشّيء، و مثله الكون و الثبوت، و المفاهيم الّتي لا تحصل لها في الخارج و قد يكون فى الاشتراك في الحقيقة، كتبدّل زيد بعمرو، مع بقاء الإنسانيّة. و قد يجتمع في اللّوازم الوجوديّة من الأعراض العامّة؛ كما اذا علمنا بأنّ زيدا مثلا ابيض، ثمّ علمنا بأنّه اسود، او علمنا بأنّه عالم، ثمّ علمنا بأنّه جاهل، و هكذا؛ فإنّ بقاء زيد في العلمين، ليس لأجل أنّه مشترك حقيقى بين السّواد و البياض و العلم و الجهل، بل مجرّد أنّه ملزوم اعمّ، يجتمع في الوجود، مع هذا و ذاك؛ فاذا ثبت أنّ البقاء لازم اعم للاشتراك في الحقيقة فلا يكون مستلزما له مهما تحقّق.
و كاتّحاد العدم بين افراده، اذ لا ميز في الأعدام، و هو النّقيض له، فاتّحد الوجود أيضا للمقابلة الّتي بينهما، و إلّا ارتفع النقيضان، لأنّه لو فرض تعدّد الوجود، و أنّ وجود الواجب غير وجود الممكن، ففى الممكن يصدق اللّاوجود، لأنّه ليس بوجود الواجب، و اللّاعدم، لأنّه ليس بعدم محض، فلا بدّ ان يكون نقيض الواحد واحدا.
و هذه الوجوه الثلاثة، ممّا استدلّ به المحقّق الطوسى في التجريد على الاشتراك المعنوى، لمفهوم الوجود، قبالا لأبى الحسن الأشعرى و ابى الحسين البصرى، القائلين بعينيّته مع كلّ ماهيّة.
و هذا الّذي استدلّ له لا كلام فيه، الّا أنّ القائل باصالة الوجود، استدلّ بها أيضا على مرامه، فخلط المفهوم الاعتباري بالمصداق المتحقّق الواقعى، و لكنّها لا تجديه شيئا، و لمّا كان غرض المستدلّ الزام القائل بالتّعدّد مع قوله باصالته، اجبت أوّلا عن قبله، فقلت:
و الدفع أنّ من يرى التعدّدا***يرى مسمّاه نقيضا طاردا
بل جاز أن يعكس الاستدلال***له و ذا أحقّ ممّا قالوا
و قولهم لا ميز في الأعدام***من حيث معنى السّلب دون العامّ
و الدفع: أنّ من يرى التعدّد للوجود، يرى مسمّاه؛ اى مسمّى الوجود نقيضا طاردا للعدم، و العدم نقيضا طاردا له؛ يعنى، أنّه على التعدد، ليس نقيض العدم هو الوجود الحقيقى الواقعى، بما هو وجود واقعى، حتّى يلزم تعدّد النقيض، بل النّقيض حينئذ هو القدر الجامع؛ اى المسمّى بالوجود، كما هو كذلك في المشترك اللّفظى، فإنّ نقيض اللّاعين، ليس هو العين الواقعى لتعدّده، بل المسمّى بالعين، و هو واحد، هذا أوّلا؛ و ثانيا نقول: بل جاز أن يعكس الاستدلال له؛ اى للقائل بالتّعدّد، بان نقول كما سلّم أنّ نقيض الواحد، واحد كذلك يسلّم أنّ نقيض المتعدّد، متعدّد، فعلى تعدّد الوجود، نقول: الوجود متعدّد، فلا بدّ ان يكون نقيضه و هو العدم متعدّدا، و ذا أحقّ ممّا قالوا من أنّ العدم واحد، فلا بدّ ان يكون نقيضه واحدا.
وجه الأحقيّة: أنّ النقيضين يعبّر عن احدهما بالأصل، و الآخر بالنّقيض، و لا يكون إلّا احدهما وجوديّا و الآخر عدميّا، لأنّ احدهما ايجاب و الآخر سلب، و من البديهى أنّ ما هو ايجاب و وجودىّ اولى بجعله اصلا، و يفرع عليه نقيضه في الوحدة و التعدّد من العكس، فليس لهم في تقديم العدم و رعاية جانبه على الوجود، الّا التعليل بأنّ العدم مسلّم على وحدته، و شاهده قولهم لا ميز في الأعدام و الوجود محلّ الكلام، فيحمل المختلف فيه على المسلّم حملا للمتشابه على المحكم، و قد اجبت على ذلك بقولى:
و قولهم لا ميز في الأعدام، الّذي مرجعه الى اتّحادها، انّما ارادوا الاتّحاد و عدم الميز من حيث معنى السّلب؛ يعنى، أنّه لا يفرق من حيث العدم بين عدم هذا و عدم ذاك و عدم ذلك دون الميز العامّ؛ يعنى، الميز الكلّى؛ يعنى، أنّهم لم يريدوا بنفى الميز المثبت للوحدة، نفى الميز الكلّى، بحيث لا يكون بينها جهة ميز اصلا، كيف؟ و قولهم الأعدام شاهد على لحاظ التمايز، و إلّا فليس إلّا عدما الّا اعداما، بل إنّما ارادوا نفى الميز و حصول الاتحاد في حقيقة العدم من حيث هو عدم، و الاتّحاد
و الواحد المطلق لا المضاف***و يتبع الوجود لو يضاف
و العدم المضاف و المضاف له***ليسا حليفين على المماثلة
و وحدة المفهوم لم يفتقر***ثبوتها لواحد بالآخر
من هذه الجهة، لا ينافى تعدّد العدم من حيث مقابلته للوجود لو فرض تعدّده، و العدم الواحد، هو المطلق لا المضاف، و يتبع العدم الوجود لو يضاف؛ فاذا فرض أنّ الوجود المضاف الى الواجب غير المضاف الى الممكن، فالعدم المقابل للوجود المضاف، يكون عدما مضافا أيضا، فيتعدّد بتعدّده. و أيضا العدم المضاف، اىّ عدم كان، و المضاف له؛ اى مع المضاف له، ليسا حليفين على المماثلة، و مماثلين في المقابلة؛ بل قد يكون الأصل واحدا و النّقيض متعدّدا، امّا خارجا، كالشمس و اللّاشمس، و كالقديم و اللّاقديم؛ او بالحقيقة كالإنسان و اللاانسان، و الأبيض و اللاابيض؛ و قد يكون بالعكس، كالحادث و اللّاحادث، و الكائن و اللّاكائن؛ و الكلّى و اللّاكلّى؛ و قد يكونان معا متحدين كالفرد و اللّافرد، و الزوج و اللّازوج، و النّور و اللّانور و الظلمة و اللّاظلمة، و العلم و اللّاعلم من الضدّين الّذين لا ثالث لهما؛ و قد يكونان معا متعدّدين كالحيوان و اللّاحيوان، و الجوهر و اللّاجوهر، و العرض و اللّاعرض.
ثمّ إنّ لازم القول بتأصّل الوجود و تعدّد افراده كالمشّائين، الاشتراك اللّفظى؛ سواء صرّحوا به أم لم يصرّحوا، و لا اعلم أنّهم صرّحوا به. نعم، فى كلام الأشعرى و البصرى على ما نسب إليهما، التصريح به؛ فإنّهما قالا و الوجود في كلّ ماهيّة عين تلك الماهيّة، و الاشتراك في اللفظ، و مع ذلك، إرادة الاشتراك اللّفظى المصطلح، المستلزم للأوضاع المتعدّدة منه بعيد، كبعد ارادتهما الحقيقة من الوجود.
و كيف كان، فالّذى نقول به، هو الاشتراك المعنوى في المفهوم العام، دون المعنوى أو اللّفظى في المفهوم المتأصّل، و الأدلّة الّتي ذكروها، دالّة على ما ذكرنا لا على ما ذكروه.
و وحدة المفهوم المجرّد عن التأصّل، لم يفتقر ثبوتها لواحد من الوجود و العدم بالآخر؛ اى بنقيضه، لبداهة كلّ منهما في نفسه من دون حاجة الى الإتعاب؛ فانّ مفهوم الوجود واحد من دون حاجة الى اثباته بوحدة العدم، و كذا مفهوم العدم،
و لا بنفى الميز مفهوم العدم***و لا به اللّاميز، خصّ بل يعمّ
و زيد: أنّ الكلّ آية له***و يلزم التعطيل من أهمله
و الدفع: أنّ الآية العلامة***و إنّما الخصم بنى مرامه
على مقال مدّعى العليّة***فى الخلق ثمّ شرطه السّنخيّة
لا حاجة في وحدته الى اثباته بوحدة الوجود. و لا يفتقر أيضا بنفى الميز مفهوم العدم؛ يعنى، أنّ بداهة الوحدة لمفهوم العدم، بحيث لا تحتاج في اثباته الى التشبث بقولهم: لا ميز في الأعدام و لا به؛ اى بالعدم اللّاميز، خصّ بل يعمّ؛ يعنى، أنّ عدم الميز في الأعدام اذا كان المراد به من حيث العدم، لا اختصاص له بالعدم، بل الحكم جار في الوجود أيضا؛ فإنّه يصحّ ان يقال لا ميز في الوجودات من حيث الوجود؛ اى من حيث مفهومه، بل من حيث الحقيقة أيضا عند القائل بها. و ان قال بالمراتب كالفهلويّين، فانّ الامتياز بالمراتب، لا ينافى عدم الميز من حيث الوجود.
و زيد على الوجوه الثلاثة المشهورة ثلاثة اخرى، ثالثها على وجه التأييد، و قد استدلّ بها السّبزوارى في منظومته:
الأوّل: أنّ الكلّ؛ اى كلّ الأشياء آية له تعالى، و لا يصحّ كونها آية إلّا بفرض السّنخيّة، اذ لا يكون المباين، آية للمباين و لا تتصوّر سنخيّة بين الأشياء و موجدها الّا بفرض الاتّحاد في الوجود، فيلزم الاشتراك المعنوىّ في حقيقة الوجود.
الثانى: و يلزم التعطيل للعقول عن المعرفة من أهمله؛ اى الاشتراك و الاتّحاد، لأنّه اذا قلنا: يا موجود، فامّا ان نعرف منه من الحقيقة ما نعرفه من غيره في قولنا زيد موجود، و عمرو موجود، أو نعرف غيره و غيره العدم، او لا نعرف شيئا، فيكون من لقلقة اللّسان؛ و منكر الوحدة حيث لا يقول بالأوّل، و لا يمكنه القول بالثّانى، لأنّه انكار الصانع، لا محيص له إلّا عن الالتزام بالثالث؛ و هو معنى تعطيل العقل عن المعرفة.
و الدفع: امّا للأوّل، فهو أنّ الآية هى العلامة و بمعناها، و كون الشيء علامة لشيء، لا يستلزم لسنخيّة بينها و بين ذى العلامة، و من ذلك، الدلالة الوضعيّة لفظيّة و غير لفظيّة.
و إنّما الخصم بنى مرامه على مقال مدّعى العليّة في الخلق؛ اى الخلقة، ثمّ شرطه بعد ذلك السّنخيّة بين العلّة و المعلول، فحيث اعترف بهذا المقال، بنى عليه مدّعاه؛
و لم يجد سنخيّة مواصلة***إلّا بوحدة الوجود حاصلة
و هى مقالة لدينا فاسدة***بل ذاته عن خلقه مجرّدة
لو كان علّة لكان موجبا***بل فاعل مريد شاء أو أبى
و ليس تعطيل العقول فاسدا***إذ ما لها فيه مجال أبدا
بل ليس تعطيل لأصل المعرفة***و إنّما التعطيل في أن نصفه
و قد كفى فهما من الموجود***أن ليس بالمعدوم و المفقود
و كون ذاته وجودا نفهمه***من غيره خطيئة توهّمه
و لمّا لم يجد سنخيّة، مواصلة، توجب التواصل بين الخالق و المخلوق، إلّا بوحدة الوجود حاصلة. فرضها هى السنخيّة هاهنا، ثمّ حمل كون الأشياء آية على ما اعترف به و فرضه، و إلّا فمجرّد كون الشيء، لا يستلزم وحدة و لا سنخيّة. و هى؛ اى العليّة بين الخالق و المخلوق، مقالة لدينا فاسدة من اصلها، فكيف بالتّفريع عليها؟ بل ذاته عن خلقه مجرّدة، لا سنخيّة بينهما اصلا، و القول بها عندنا كفر صريح؛ اعاذنا اللّه منه! لو كان تعالى علّة لخلقه لكان موجبا، لأنّ الإيجاب من لوازم العلّة، بل هو تعالى فاعل مريد شاء شيئا أو أبى، و الفاعل المريد لا سنخيّة بينه و بين مفعولاته؛ كما أنّه لا سنخيّة بين زيد و كتابته و تجارته و صناعته و زراعته.
و امّا دفع الثانى: فهو كما قلت: و ليس تعطيل العقول عن المعرفة بالحقيقة الّتي هى مدّعاة الخصم فاسدا، إذ ما لها فيه مجال لتلك المعرفة أبدا، بل ليس تعطيل لأصل المعرفة، و إنّما التعطيل في أن نصفه، و التعطيل في التوصيف، لا سيّما بالذوق و الاستحسان ليس بفاسد، بل هو من حقيقة الإيمان. و قد كفى فهما و معرفة من اطلاق الموجود عليه تعالى، أن ليس بالمعدوم و المفقود، كما تقدّم في حقّ المعرفة عن الصادق (ع): «مثبت، موجود، لا مبطل و لا معدود ...»(1)و عن الرضا (ع): «مثبت، موجود، غير فقيد ...» (2).
و كون ذاته تعالى وجودا كما نفهمه من غيره، كما زعمه بالمعنى الّذي توهّمه من حقيقة الوجود، فعلى فرض صحّته في غيره، فقياس ذاته تعالى به، خطيئة توهّمه؛1.
بل هم من المعنى الّذي تخيّلوا***لم يعرفوا الكنه فهم قد عطّلوا
و لو فرضنا الفهم شرط المعرفة***فما الّذي صحّح هذه الصفة
كذا الصفات لم يجز أن مثّلت***و أنّها لو اجملت ما عطّلت
و ليس من عبادة المجهول***و لا من التعطيل في العقول
أن يقصد الموجود و المليك له***العالم القادر لا شريك له
فيعرف الكلّ من الآثار***من غير تشبيه لدى استحضار
و أمّا الإيطاء فذا مؤيّد***للعرف لا لما به تفرّدوا
اى توهّم ذلك لأنّه تشبيه و تمثيل؛ بل هم من المعنى الّذي تخيّلوا، لم يعرفوا الكنه أيضا، كما اعترفوا به، فهم قد عطّلوا أيضا عقولهم عن المعرفة.
و أيضا، و لو فرضنا الفهم شرط المعرفة المخرجة عن التعطيل، فما الّذي صحّح هذه الصفة الّتي يصفونها؟ و ما المجوّز لتوصيف ذاته تعالى بها سوى التخيّلات و الاستحسانات الّتي ابرزوها بصورة البرهان؟ هذا بالنّسبة الى اطلاق الوجود عليه تعالى و معرفة انّه موجود.
كذا الصفات، لم يجز أن مثّلت، و أنّها لو اجملت ما عطّلت؛ يعنى، أنّه يكفى فى معرفتها ما يكفى في معرفة الذات من الإثبات بما يخرج معه عن حدّى التعطيل و التشبيه، و ليس في الإثبات على الاجمال تعطيل و لا على لزوم الزائد عليه دليل، و ليس يعد من عبادة المجهول، و لا من التعطيل في العقول أن يقصد الداعى الموجود و المليك له، العالم القادر لا شريك له، فيعرف الكلّ؛ اى كلّا من الصفات من الآثار فيعرف العلم بآثاره و القدرة بآثاره، و هكذا من غير تشبيه لها بصفات المخلوقين، لدى استحضار لكلّ من مفاهيمها في الذهن.
الثالث: ممّا زيد على الوجود تأييدا، الإيطاء و هو تكرار القافية في الشّعر، و ذلك مستهجن عند الادباء، قالوا تكرار الوجود في الشّعر يعد عند البلغاء من الإيطاء، و ذلك يؤيّد كون الوجود واحدا معنى.
و الجواب عنه، ما قلت: و أمّا الإيطاء، فذا مؤيّد للعرف؛ اى المعنى العرفى، لأنّ الحاكم به العرف، و هم لا يعقلون غير المفهوم العامّ، لا لما به تفرّدوا به من المعنى المخترع.
و زيد أيضا بوجوه بارده***من كون معطى الشّيء ليس فاقده
لكن عنوا تسلّطا لما فعل***كقدرة المعطى على ما قد بذل
و كونه سنخا لما قد أوجده***يبنى على العلّة دون القاعدة
مع أنّه لم يبق في الإيجاد***معط و معطى مع الاتّحاد
بل عندنا أيضا على المفسّر***ينقض بالأعراض و الجواهر
قد كيّف الكيف و كان فاقده***و جوهر الجوهر، ليس واجده
و زيد أيضا بوجوه بارده أخرى، استدلّ بها السبزوارى في حاشية شرحه على منظومته، ردّا على القائلين بتعدّد الوجود و تباين الوجودات مع تأصّله الزاما لهم:
و هى عندهم قاعدة بديهيّة، قال:
«و لو قلنا بتعدّد الوجود و تباينه، لم تصحّ هذه القاعدة، لأنّ كلّ وجود على قولهم غير الآخر و مباين له، فوجود الواجب غير وجود الممكن، فكيف يكون معطيا له؟ فلا يمكن تصحيحها إلّا بالوحدة.
و الجواب ما قلت: لكن عنوا تسلّطا و مالكيّة لما فعل؛ كقدرة المعطى على ما قد بذل؛ يعنى، أنّ مرادهم انّ المعطى لا يكون فاقدا للعطاء من حيث القدرة و الاستيلاء لا أنّه لا بدّ ان يكون واجدا في ذاته عين ما يعطى و كونه؛ اى المعطى سنخا لما قد أوجده، إنّما يبنى على العلّة و يصحّح بضميمتها دون القاعدة؛ اى قاعدة «معطى الشّيء ...»؛ يعنى، أنّ السنخيّة متفرّعة على العليّة و المعلوليّة الّتي مرّ ذكرها، لا على هذه القاعدة. هذا، مع أنّه لم يبق في الإيجاد معط و معطى مع فرض الاتّحاد إلّا بالاعتبار. فان ارادوا بالقاعدة، محض الاعتبار، فهى ساقطة عن الاعتبار، و نحن لا نسلّمها منهم إلّا على ما فسّرنا، بل عندنا أيضا على المفسّر؛ اى الّذي فسّروا به القاعدة، ينقض بالأعراض و الجواهر؛ فانّها أيضا على مذهب اهل البيت (ع)، مجعولة، مخلوقة، فهو تعالى، قد كيف الكيف، و كان فاقده، و اين الأين، و لا أين له، و تقدّم عنهم (ع) فى ذلك، فراجع.
و هو تعالى أيضا جوهر الجوهر، مع أنّه ليس واجده، كما قال امير المؤمنين (ع)
و أولها لبّا إلى الوجود***ليس سوى الجمود بالجحود
و أنّ منه صحّ قول الحكماء***العلم بالعلّة ممّا استلزما
علما بمعلول فلو تباينا***ما استلزم المباين المباينا
و الدفع: أنّ ذا من الملازمة***و ليس مبنيّا على ما ألزمه
فالمتلازمان مع تباين***تلازما في العلم و التبيّن
من دون وحدة ***و لا سنخيّةو لا بعلّة و معلوليّة
و الرضا (ع): «بتجهيره الجواهر، عرف ان لا جوهر له.»(1)و أولها لبّا إلى الوجود بقولهم:
«أنّ الماهيّات من الأعراض، و الجواهر ليست إلّا اعتباريّة، و ما هو المفاض من المبدأ الفيّاض بالإفاضة الإشراقيّة، هو الوجود لا غير، ليس هذا التأويل سوى الجمود بالجحود، لما سخت الشبهة و الفساد في اذهانهم فهم في العمى يعمهون، و عمّا رسخوا عليه لا ينتهون.
و أنّ منه؛ اى من الاتّحاد صحّ قول الحكماء فيما قالوا: العلم بالعلّة ممّا استلزما، علما بمعلول، فلو تباينا، و لم يكن جهة اتّحاد بينهما، و جهة الاتّحاد هى الوجود، ما استلزم المباين المباينا، و هو ظاهر، فإنّ المباين، لا يلازم المباين.
و الدفع: أنّ ذا؛ اى الاستلزام أو حصول العلم، من جهة الملازمة و عدم الانفكاك بين العلة و المعلول، لا من جهة الوحدة و السّنخيّة بينهما، و ليس هذا العلم مبنيّا على ما ألزمه ايّاهم بزعمه. فالمتلازمان في الوجود مع تباين بينهما، تلازما في العلم و التبيّن، اذا تبيّن احدهما تبيّن الآخر، و اذا علم باحدهما، علم بالآخر من دون وحدة و لا سنخيّة، و لا بعلّة و معلوليّة؛ فإنّ هذه الملازمة حاصلة في المتلازمين الذين هما معلولان لثالث.
و بالجملة: العلم بالمعلول من أثر الملازمة، و العلم بعدم انفكاك العلّة عن المعلول لا من اثر العليّة، حتّى تحتاج الى اعتبار الوحدة و السّنخيّة، و مع ذلك فهذا الوجه، تكرار الدليل المتقدّم بعبارة اخرى.
1) . البحار 4: 229/ 3 و 305/ 34.
و منه صحّ قول بعض معتمد***أنّ وجود علّة تمام حدّ
و ليس حجّة و لا معنى له***لو لا على ذاك المرام قاله
و هو لديهم أبسط الأشياء***عقلا و خارجا بلا أجزاء
فما له جنس لأنّ جنسه***إمّا يكون غيره أو نفسه
فإن يكن غيرا فذو تقوّم***بضدّه ماهيّة أو عدم
قال (اى السبزوارى): و منه اى من الاتّحاد صحّ أيضا قول بعض معتمد عليه في الحكمة، و في عبارته بعض الأساطين أنّ وجود علّة تمام حدّ لوجود المعلول، و وجود المعلول حدّ ناقص لوجود العلّة؛ فإنّ هذا لا يستقيم إلّا على وحدة الوجود، فإنّ المباين لا يكون حدّا للمباين، لا تامّا و لا ناقصا.
و الجواب عنه: أنّ قوله ليس حجّة، لأنّه رأى و نظر، و الرأى ليس؟ حجّة، سيّما فى الحكمة. بل و لا معنى له لو لا ان كان على ذاك المرام؛ اى وحدة الوجود، قاله اذ لا معنى لكون شيء حدّا تامّا، او ناقصا لشيء من دون اتّحاد في تمام الذات أو بعض الذات، و لا يمكن فرض هذا الاتّحاد إلّا بفرض وحدة الوجود، فالاستدلال بمثل هذا الكلام، مصادرة، لأنّه أوّل الكلام.
اعلم: إنّ المتكلّمين أيضا قالوا بوحدة الوجود و بساطته و اشتراكه، لكنّهم يعتبرون ذلك كلّه في المفهوم، و استدلّوا لوحدته بالاشتراك، و للاشتراك بالثلاثة الّتي اشرنا إليها و للبساطة، بانّه عارض لجميع المعقولات، فلا معقول اعمّ منه، فلا جنس له، و ما لا جنس له، لا فصل له، و غير ذلك من الوجوه، و لا كلام لنا معهم. انّما الكلام مع القائلين بتأصّله و حقيقته.
و دعوى بساطته، و هو؛ اى الوجود بالحقيقة الّتي اثبتوها لديهم أبسط الأشياء، لا شيء ابسط منه و يكون عقلا و خارجا بلا أجزاء؛ اى لا اجزاء لها عقلا من الجنس و الفصل، و لا خارجا من المادّة و الصورة. فما له جنس، لأنّ جنسه إمّا يكون غيره أو نفسه؛ يعنى، أنّه لو كان له جنس، فلا يخلوا امّا ان يكون جنسه من نفسه؛ يعنى، الوجود، او من غيره؛ فإن يكن الجنس غيرا؛ اى غير الوجود، فذو تقوّم بضدّه من
و إن يكن هو الوجود يلزم***قلب مقسّم إلى المقوّم
و حيث لا جنس له لا فصل له***فليست أجزاء له محصّلة
و ليس بالنّوع إذ التشخّص***كالفصل للجنس به يحصّص
فهو إذن حقيقة جزئيّة***مشخّص بذاته الشّخصيّة
و الدفع أنّ ذا على التأصّل***و كونه مؤصّلا لم يعقل
و الاشتراك يلزم التعدّدا***كذا اللّزوم من تشكّك بدا
و جنس الأجناس بسيط و له***نوع و جنسه يساوى فصله
ماهيّة أو عدم، لأنّ غير الوجود، امّا ماهيّة أو العدم، و هذا محال؛ و إن يكن الجنس هو الوجود أيضا، يلزم قلب مقسّم؛ اى انقلابه إلى المقوّم، لأنّه اذا كان للوجود جنسا، فالوجود فصل مقسّم له؛ و اذا كان جنسه أيضا وجودا. و الجنس مقوّم الشيء، صار المقوّم و المقسّم واحدا.
و حيث لا جنس له لا فصل له، اذ الفصل للتّقسيم و التمييز، و اذا لم يكن له ما به الاشتراك لا حاجة الى ما به الامتياز، و اذا لم يكن له جنس و فصل، فليست أجزاء له محصّلة؛ اى الاجزاء الخارجيّة الّتي تحصله في الوجود؛ لأنّ الأجزاء الخارجيّة هى الأجزاء العقليّة، و الفرق بالاعتبار. فان اعتبر الجنس لا بشرط عن الفصل و الفصل لا بشرط عن الجنس، فهما جنس و فصل، و ان اعتبر كلّ بشرط لا عن الآخر، فهما مادّة و صورة؛ و ليس بالنّوع أيضا بهذا البيان، إذ التشخّص الّذي يحتاج إليه النوع كالفصل للجنس به يحصّص، الفصل كما يتحصّص الجنس بالفصل و التشخّص بالوجود، فاذا كان النوع هو الوجود، انقلب المحصّص المقسّم مقوّما أيضا، فهو إذن حقيقة جزئيّة مشخّص بذاته الشّخصيّة، لا بمشخّصات غير حقيقيّة.
و الدفع على الّذي سلكناه: أنّ ذا كلّه، مبنىّ على التأصّل للوجود و كونه مؤصّلا ممّا لم يعقل عندنا، فنحن مستريحون عن هذه الأقاويل و التعاليل، و امّا عن قبل من ارادوا الزامه؛ اعنى القائل بالتّعدد، و ان كان لا يهمّنا ذلك، الّا انّى تطوّلت عليهم تطفّلا، فقلت:
و الاشتراك الّذي اقرّوا به، يلزم التعدّدا، دون الجزئيّة الحقيقيّة، فلا بدّ إمّا ان
يكون متعدّد الأنواع، كالحيوان، او متعدّد الأفراد، كالإنسان؛ كذا اللّزوم؛ اى لزوم التعدد من تشكّك بدا، فإنّ التشكيك الّذي التزموا به للوجود، مستلزم لتعدّده، غاية الأمر، التعدد في الأفراد المتّحدة الحقيقة.
و أيضا جنس الأجناس بسيط عندهم، كالجوهر و الكمّ و الكيف، و ساير المقولات التسع من الأعراض، فإنّها لا جنس لها، و إلّا لم تكن جنس الأجناس. و مع ذلك لا تمنع بساطتها عن كونها جنسا و لا عن أنّ لها نوعا، فجنس الأجناس بسيط، و له نوع و جنسه؛ اى جنس النّوع يساوى فصله في الماهيّة؛ يعنى، أنّ ماهيّة جنسه و فصله واحدة، فإن كان النّوع جوهرا، فهما جوهران كالحيوان و الإنسان، و ان كان عرضا كالبياض، فهما عرضان؛ فإنّ جنس البياض و فصله أيضا لون، فما هو المقسّم بعض من المقوّم في الجوهر و العرض؟ و على هذا، فلا مانع من ان يكون الوجود مع بساطته جنسا تحته انواع، و يكون مقسمه أيضا الوجود باعتبار خاصّ.
و امّا قولهم في تركّب الوجود من الوجود، يلزم ان يكون مفيد انيّته مفيد ماهيّته.
قلنا: أوّلا لا يلزم ذلك، اذ على التعدّد فالوجود الّذي هو جنس و مفيد ماهيّته غير الّذي هو مفيد انيّته، إمّا واقعا أو بالاعتبار؛ و ثانيا: لو سلم ذلك، فإنّما يثبت ذلك أيضا بساطته، و يمنع عن تركّبه جنسا و لا يمنع عن تعدّده نوعا، فيكون جنسا بسيطا تحته انواع.
اعلم: إنّ هؤلاء القائلين باصالة الوجود و وحدته، وقعوا في حيرة و تيه عظيم فى الجمع بين لوازم ما ادّعوه: من انحصار الأصالة به، و دعوى اشتراكه و وحدته و جزئيّته. فتخبطوا فيه و خبطوا كثيرا في توفيق ذلك بين الواجب و الممكن، و من شدّة حيرتهم، لم يعرفوا الدليل من المدلول عليه، فاتّخذوا الدليل دوريّا؛ كما عرفت فى استدلالهم على التأصّل بالتّوحيد. و من ذلك أيضا مسئلة جزئيّة الوجود و بساطته، و جزئيّة الواجب و بساطته، فقد استدلّوا بكلّ منها للآخر، و الى ذلك اشرت بقولى:
و كونه شخصا بلا تركّب***ألزمهم تخصيصه بالواجب
إذ غيره زوج كذاك ألزما***القول بالواجب قولا بهما
فعلّلوا اختصاصه بالواجب***بانّه عن شركة ذاتا أبىّ
لأنّه إن يجب التجرّد***له فكلّ ممكن مجرّد
و إن نقيّده بلا تجرّد***فليس واجب من المجرّد
و إن بلا شرط فكلّ يفتقر***بالغير في تحصيل ما فيه اعتبر
و كونه شخصا؛ اى جزئيّا بلا تركّب؛ اى كون الوجود، جزئيّا، حقيقيّا، بسيط، غير مركّب الزمهم تخصيصه بالواجب، إذ غيره؛ اى الممكن، زوج؛ فإنّ من المسلّمات الواضحات عندهم، أنّ الممكن زوج تركيبى، فالتزامهم بجزئيّة الوجود و بساطته صار داعيا و ملزما لهم، لتخصيصه بخصوص الواجب. و كذاك ألزم القول بالواجب، لأنّهم بزعمهم متألّهون قولا بهما؛ اى الزمهم الاعتراف بالواجب ان يقولوا بجزئيّة الوجود و بساطته، لقيام البرهان على بساطة الواجب و جزئيّته، و عدم اشتراك شيء معه في حقيقته، فعلّلوا اختصاصه؛ اى الوجود بالواجب، بانّه عن شركة ذاتا أبىّ؛ اى يأبى حقيقة الوجود عن الاشتراك، لأنّه لا يخلو فرض الاشتراك عن احد ثلاثة: فامّا اين يكون الحدّ المشترك، و هى الحقيقة المطلقة مقيّدا في ذاته بالتجرّد عن الماهيّات، فيكون التجرد عنها واجبا له؛ او مقيّدا بعدم التجرّد، فيكون عدمه واجبا له او لا بشرط عنهما، فلا يجب شيء منهما له و حينئذ نقول:
إن يجب التجرّد له، فكلّ ممكن إذن مجرّد، لأنّ المفرض اشتراك الواجب و الممكن في الوجود، و المفروض وجوب التجرّد له، فيجب ان يكون كلّ ممكن مجرّدا. و هذا باطل بالضّرورة. و إن نقيّده بلا تجرّد، فليس واجب من المجرّد، لأنّ المفروض أنّ الواجب وجود، و الوجود واجب فيه عدم التجرّد، فيلزم القول بعدم تجرّد الواجب و هو محال. و إن فرض بلا شرط، فكلّ من الواجب و الممكن، يفتقر بالغير في تحصيل ما فيه اعتبر، من التجرّد و اللّاتجرّد؛ لأنّ المفروض، أن نفس الذات المشترك مطلق من حيث ذاته، فيكون التقييد من قبل غير الذات، فيلزم افتقار الواجب. قال في شرح الهداية: «هذه هى الكلمات الدائرة على السنة القوم في هذا المقام».
و علّلوا الوجود في جزئيّته***مع كونه الواجب في هويّته
قالوا: بأنّ كلّ مفهوم يرى***مغايرا له إليه افتقرا
لم يحكم العقل بموجوديّته***ذهنا و خارجا بلا معيّته
و لا افتقار للوجود أن يضمّ***إليه غيره لأن ينفى العدم
فالواجب الوجود عين ذاته***اذ الوجود قائم بذاته
و حيثما الواجب جزئيّا عرف***فما يكون عينه به وصف
فليس كليّا و ليس عارضا***و لا مقسّما و لا مبعّضا
و علّلوا الوجود في جزئيّته مع كونه عندهم هو الواجب في هويّته، و علّلوا أيضا سائر ما للوجود من اللوازم بما للواجب. قالوا: بأنّ كلّ مفهوم يرى مغايرا له؛ اى للوجود إليه، افتقرا في اتّصافه بالموجوديّة، لم يحكم العقل بموجوديّته؛ اى بأنّه موجود ذهنا و خارجا بلا معيّته؛ اى بلا انضمام الوجود إليه. و لكن لا افتقار للوجود فى اتّصافه بالموجوديّة أن يضمّ إليه غيره، لأن ينفى العدم، فإنّ الوجود بذاته، متّصف بالموجوديّة من دون حاجة الى انضمام شيء إليه؛ فالواجب الوجود، الوجود عين ذاته، اذ الوجود قائم بذاته في الموجوديّة، و حيثما الواجب جزئيّا، عرف لاستحالة التركيب فيه بالبرهان، فما يكون عينه و هو الوجود به؛ اى بالجزئى، وصف أيضا، و كذلك بغيره من الصفات، فليس كليّا و ليس عارضا، و لا مقسّما و لا مبعّضا.
قال في شرح الهداية: قال بعض المحقّقين (و هو قطب الدين الرازى):
«كلّ مفهوم مغاير للوجود كالإنسان، فإنّه ما لم ينضمّ إليه الوجود بوجه من الوجوه في نفس الأمر، لم يكن فيها قطعا، و ما لم يلاحظ العقل انضمام الوجود إليه، لم يكن له الحكم بكونه موجودا، و كلّ مفهوم مغاير للوجود، فهو في كونه موجودا في نفس الأمر، محتاج الى غيره الّذي هو الوجود؛ و كلّ ما هو محتاج في كونه موجودا الى غيره، فهو ممكن، اذ لا معنى للممكن إلّا ما يحتاج في كونه موجودا الى غيره؛ فكلّ مفهوم مغاير للوجود، فهو ممكن، و لا شيء من الممكن بواجب، فلا شيء من المفهومات المغايرة للوجود بواجب.
و قد ثبت بالبرهان، أنّ الواجب موجود، فهو لا يكون إلّا عين الوجود الّذي هو موجود بذاته، لا بامر مغاير لذاته. و لمّا وجب ان يكون الواجب، جزئيّا، حقيقيّا، قائما بذاته، و يكون تعيّنه بذاته لا بامور زائدة على ذاته، وجب ان يكون الوجود أيضا
و الدفع أنّ مثل هذه العلل***يبنى على التأصّل الّذي بطل
فذلك المفهوم ممّا يلزم***محذور الاشتراك لو يعمّم
و ذاك في حصوله لم يفتقر***إلى انضمام و بذاته يقر
كذلك، اذ هو عينه، فلا يكون الوجود مفهوما كلّيا يمكن ان يكون له افراد، بل هو في حدّ ذاته جزئىّ حقيقىّ ليس فيه امكان تعدّد و لا انقسام، و قائم بذاته عن كونه عارضا لغيره. فيكون الواجب هو الوجود المطلق؛ اى المعرّى عن التقييد بغيره و الانضمام إليه.
و على هذا لا يتصوّر عروض الوجود للماهيّات الممكنة، فليس معنى كونها موجودة إلّا أنّ لها نسبة مخصوصة الى حضرة الوجود القائم بذاته، و تلك النّسبة على وجوه مختلفة و انحاء شتّى، يتعذّر الاطّلاع على ماهيّاتها، فالموجود كلّى و ان كان الوجود جزئيّا حقيقيّا.»
ثمّ قال: «و قال بعض الفضلاء كذا نسمعه، يقول: أنّ هذا مذهب الأوّلين و الآخرين من الحكماء و المحقّقين.» انتهى.
فانظر الى هذا الحكيم، كيف غلط أو غالط بين المفهوم و المصداق؟ ثمّ انظر الى من تأخّر عنه كيف اتّخذوا هذا الكلام كأنّه وحى الملك العلّام يأخذه بعض من بعض و ينقله بعض من بعض.
قال اللّاهيجى: فقد ذكر المحقّقون من العلماء دلائل قطعيّة على هذا المدّعى ردّا لإنكار الجاحدين و طعن الطاعنين، الذين ليس لهم ذوق سليم فطرتى، و من جملتها ما ذكره افتخار العلماء المتأخرين، افضل الحكماء المتألّهين، الأمير السيّد على الشريف الشيرازى.»
ثمّ ذكر الجملة المتقدّمة بعينها، ثمّ قال: قال السيّد: هذا ملخّص ما ذكره بعض محقّقى مشايخنا، و قالوا: إنّه لا يعلم ذلك إلّا من كان راسخا في العلم.» انتهى.
و الدفع: أنّ مثل هذه العلل يبنى على التأصّل الّذي بطل، و لم يتمّ عليه دليل فذلك المفهوم المنتزع عن المتأصّل، ممّا يلزم محذور الاشتراك المتقدّم لو يعمّم، لأنّه إذن كلّى طبيعىّ، فلا محالة يكون امّا مقيّدا بالتّجرد أو اللّاتجرّد، او مطلقا و ذاك المفهوم أيضا في حصوله؛ اى صدقه أو تحقّقه بزعمهم، لم يفتقر إلى انضمام، و بذاته يقر بالتّخفيف؛ اى يثبت (من وقر، يقر) اذا ثبت و سكن، و منه قوله تعالى:( وَ قَرْنَ فِي
و ما به نقول وصف منتزع***ليس له ذات و معناه يسع
كالشّيء فالإطلاق ما له حرج***تجرّد و اللّاتجرّد اندرج
و الله إذ قالوا هو الوجود***و في الوجود انحصر الموجود
اشكل أمر ممكن الوجود***و كونه زوجا بلا جحود
فالتزموا صونا عن الإنكار***بأنّ ذاك كلّه اعتبارىّ
و أنّه يوصف بالموجود***إذ كان منسوبا إلى الوجود
بُيُوتِكُنَ )(1)على قراءة الكسر و ما به نقول من مفهوم الوجود، وصف منتزع عن تحقّق الشيء، و كونه و ثبوته، و هذا المفهوم ليس له ذات محقّق في العين حتّى يكون الوجود قائما بذاته؛ و معناه و هو صرف الثبوت يسع كلّ شيء في الواجب و الممكن، كالشّيء حيث تعمّ جميع الأعيان، فالإطلاق فيه ما له حرج من محذور الاشتراك، بل تجرّد و اللّاتجرّد اندرج فيه من غير محذور.
و الله إذ قالوا هو الوجود كما عرفت، و في الوجود انحصر الموجود، و المتحقّق حيث لا موجود عندهم، و لا متحقّق سوى الوجود، اشكل عليهم امران:
احدهما: أمر ممكن الوجود من حيث وجوده، لأنّ الوجود عندهم منحصر بالواجب، فلا وجود للممكن؛
و ثانيهما: كونه زوجا تركيبيّا عندهم بلا جحود. فإنّهم قالوا: كلّ ممكن زوج تركيبىّ، له ماهيّة و وجود، و مع حصر الوجود في الواجب، كيف يكون الممكن زوجا تركيبيّا؟
فالتزموا صونا عن الإنكار و دفعا للاضطرار و الزاما للإقرار، بأنّ ذاك كلّه؛ اى وجود الممكن و زوجيّته، اعتبارىّ لا حقيقى، و أنّه إنّما يوصف بالموجود، و يقال الممكن موجود، و الإنسان موجود، و الحيوان موجود، و هكذا، إذ كان منسوبا إلى الوجود؛
1) . الاحزاب 33: 33.
فانكروا الممكن في الحقيقة***و لقلق اللّسان للمضيقة
و حيثما تكثّر الوجود***فى العين غير قابل الجحود
قالوا: بأنّ كلّ ذا، وجود***منبسط ببسطه يجود
فاضطربوا في أنّه كيف انبسط***على الماهيّات؟ و هل بها اختلط
أم لا؟ فمن أين به قد نسبت؟***هل كسبت وجودا أو ما اكتسبت؟
فقيل: بسطه على الإشراق***و أنّه باق على الإطلاق
و ليست الكثرة باختلاط***لكن وجودات بالانبساط
تكثّرت بكثرة الحدود***و اختلفت مراتب الوجود
إذ الماهيّات له حدود***بالاعتبار ما لها وجود
اى باعتبار نسبته الى الوجود، فانكروا الممكن في الحقيقة، اذ انكار وجوده في الحقيقة انكاره في الحقيقة. و لكن لقلق اللّسان للمضيقة، و من اجل الاضطرار، فآمنوا بألسنتهم و لم تؤمن قلوبهم؛( يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)، بل مقتضى تألّههم انكار الوجود لغير واجب الوجود.
و حيثما تكثّر الوجود في العين، غير قابل الجحود، فإنّ الموجودات من السّماء و ما فيها، و الأرض و ما عليها من الأنواع المختلفة من الكثرة، بحيث لا يحصيها الّا بارئها، قالوا: بأنّ كلّ ذا، وجود أيضا لكن لا وجودات متعدّدة، بل وجود، واحد، منبسط، ببسطه يجود و يفيض الجواد الفيّاض، فاضطربوا بعد ذلك في أنّه كيف انبسط على الماهيّات بوجه لا يوجب التقسيط و التجزية؟ و أنّه هل بها اختلط أم لا؟
و على الثانى، فمن أين به قد نسبت اذا لم يختلط بها؟ و لو تصوّرنا النّسبة بوجه ما، هل كسبت الماهيّات بالاختلاط، او بسبب النّسبة، وجودا حقيقيّا، أو ما اكتسبت؟
فقيل في تصحيح ذلك كلّه: بسطه على الماهيّات على وجه الإشراق و الإضافة و النّسبة اشراقيّة، و أنّه؛ اى الوجود باق مع اشراقه على الإطلاق و الصرافة من دون تجزية و تقسيط، و ليست الكثرة باختلاط له معها تركيبا أو اقترانا، فيتكثّر بتكثّر التركيب و الاختلاط معها، لكن وجودات محضة غير ممتزجة حاصلة بالانبساط، و إنّما تكثّرت و صارت وجودات بكثرة الحدود الاعتباريّة، و اختلفت بهذا الاعتبار أيضا مراتب الوجود في الشّدة و الضعف؛ إذ الماهيّات له؛ اى للوجود، حدود بالاعتبار لا بالحقيقة. و امّا في الحقيقة فهى منتزعة من الوجود، ما لها وجود و تحقّق، لا قبل بسط الوجود عليها و لا بعده، فهى لم تكتسب به وجودا اصلا.
فالكثرة المحدودة المضافة***غير الّذي عار عن الإضافة
و هى على تجريد الاعتبار***عين، و ليس غيره في الدار
فهى بالاعتبار كالعكوس له***فكثرة في وحدة المعكوس له
و قيل: إنّها له مجالى***و قيل: غير ذا من الأقوال
تنبئ عن تخالف الأنظار***أو في المثال فرق اعتباريّ
و كلّ ذا تخرّص بالغيب***و فتح باب الرّيب في اللّاريب
و قد قالوا: الماهيّات أو الأعيان الثابتة ما شمّت رائحة الوجود اصلا. و حينئذ فاجتمعت في هذه الوجودات المتكثّرة المحدودة بالحدود الاعتباريّة جهتان: جهة المحدوديّة الظاهريّة، و ان كانت اعتباريّة؛ و جهة النّفسيّة الأصليّة مجرّدة عن الإضافة.
فان لوحظت بجهة الإضافة، فالكثرة المحدودة المضافة، و هى الوجودات الخاصّة، غير الّذي عار عن الإضافة؛ اعنى مطلق الوجود، و هى ان لوحظت على تجريد الاعتبار، فهى عين؛ اى عين الوجود المطلق، و ليس غيره في الدار، فهى اى الوجودات بالاعتبار؛ اى لا على الحقيقة، بل مع ذلك الاعتبار، كالعكوس له للوجود المطلق؛ نظير العكوس المتعدّدة في المرآة للشّخص الواحد، فكثرة في وحدة المعكوس له؛ ففى عين الوحدة كثرة و في عين الكثرة وحدة بالاعتبارين. هذا خلاصة ما ذكره المحقّقون منهم على نحو الجمع.
و قيل: إنّها؛ اى الماهيّات له؛ اى للوجود المطلق، مجالى و مظاهر؛ و قيل: غير ذا من الأقوال الّتي مرّت الإشارة إليها في صدر المبحث.
و هذه الأقوال لا تخلو: امّا تنبئ عن تخالف الأنظار، كما هو الظاهر و هو مقتضى الحيرة و اختلاف الطبقات في الفهم و الاستعداد، أو في المثال فرق اعتباريّ بينهم مع وحدة الأنظار، و كلّ ذا تخرّص بالغيب، لأنّه ناش عن الحدس و الظنون. قتل الخرّاصون، ان هم إلّا يظنّون! و فتح باب الرّيب في اللّاريب، لأنّهم أوّل من فتح التكلم في ذات اللّه، و كانوا يتكلّمون به أوّلا في السّراديب؛ كما حكى عن الجنيد. فصار ذلك فتح باب لكلّ زنديق و مرتاب، فدسّسوا فيه من الأوهام و الشّبهات ما سوّلت لهم انفسهم، و نشروها بين اهل الإسلام، ليلبسوا عليهم دينهم فصارت في ايدى الرجال، فجعلوها محطّ القيل و القال، و اجالوا فيها الآراء، حتّى آل الأمر الى تشتّت الأقوال.
فهؤلاء القائلون بوحدة الوجود على اختلاف شعبها، او بالوجود دون وحدتها
تصوّروا ربّا على أفهامهم***و مثّلوا له على أوهامهم
و ليست إلّا حيرة الأفهام***قادت بهم لهذه الأوهام
حاروا بحدّ حيث تاهوا في الظلم***لم يعرفوا موضع رأس من قدم
فمرّة توحيدهم للخالق***قد علّلوه بالوجود المطلق
و مرّة بالعكس هل من مدّكر***من يضلل اللّه فكيف يدّكر
يكفى جميعها من المناقشة***أن قلت ثبّت عرشها ثمّ انقشه
تصوّروا ربّا على أفهامهم، و مثّلوا له على أوهامهم. و قد قال تعالى:( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ... )(1)و ليست إلّا حيرة الأفهام، قادت بهم لهذه الأوهام؛ كما قال الصادق (ع):
«ايّاكم و التفكّر في اللّه، فإنّ التفكر في اللّه لا يزيد إلّا تيها» (2).
فلمّا حاروا و تاهوا، تصوّر كلّ شيئا على حسب وهمه و من العجب، و ان لم يكن من خزى اللّه بعجيب، أنّهم حاروا بحدّ، حيث تاهوا في الظلم، ظلم الحجب المضروبة دون الغيوب، أنّهم لم يعرفوا موضع رأس من قدم، مثل لمن وقع من التّيه بحيث لا يعقل شيئا؛ و هذا نظير قول الباقر (ع): «حتّى انتهى بهم الكلام الى اللّه- عزّ و جلّ- فتحيّروا، فان كان الرجل ليدعى من بين يديه فيجيب من خلفه، و يدعى من خلفه فيجيب من بين يديه.»(3)و هؤلاء من شدّة الحيرة و التيه، لم يلتفتوا الى فلتات كلامهم؛ فمرّة توحيدهم للخالق، قد علّلوه بالوجود المطلق عن الاضافات، و هو الوجود الواحد؛ كما استدلّوا لأصالة الوجود أيضا، بأنّه لو لاها لم يوحّد الخالق؛ و مرّة بالعكس، فيستدلّون على وحدة الوجود بتوحيد الخالق، و هم يعدون انفسهم عقلاء البشر، و لم يتوجّهوا الى هذا الدور الصريح من حيرة العقل و تيه الفهم هل من مدّكر؟ يدّكر الحق و يعتبر من خزى اللّه، و لكن من يضلل اللّه، فلا هادى له، فكيف يدّكر؟ و ان يخذلكم فمن ذا الّذي ينصركم من بعده؟
ثمّ إنّ هذه الاوهام السّخفية و الشّبهات الضعيفة، لا يحتاج ظهور بطلانها الى تجشّم الإبطال، بل يكفى جميعها من المناقشة فيها، أن قلت: «ثبّت عرشها ثمّ انقشه»، و هذا مثل معروف، «ثبت العرش ثمّ انقش»، و المقصود بالتمثيل، أنّ كلّ هذه التصوّرات و الأمثال نقوش على عرش التأصّل، فليثبت أوّلا ثمّ ينقش.3.
ثمّ له أيضا توالى فاسدة***و مشكلات للفساد عاضدة
نذكر منها جملة فاعرف بها***مبلغ فهم العظماء النّبهاء
إنّ الوجود عاند الماهيّة***نور و ظلمة، فلا سنخيّة
كيف يكون منشأ انتزاعها؟***أم كيف الأضداد على امتناعها؟
قد رأيت ان اذكر توالى فاسدة، يترّتب على القول بتأصّل الوجود و وحدته، و اعتبار الماهيّة و فسادها، إمّا عقلا أو شرعا، او على حسب التزامهم و مشكلات أيضا يشكل بها عليهم، و لا محيص لهم عنها و لا مفرّ، فقلت:
ثمّ له؛ اى للقول بوحدة الوجود و تأصّله أيضا؛ اى مضافا الى ما تقدّم، توالى فاسدة و مشكلات؛ اى و امور تشكل عليهم بمقتضى التزامهم، و هى للفساد عاضدة؛ اى تعضد فساد هذا القول و تؤيّده. نذكر منها جملة على حسب ما ظهر بالبال القاصر، فى الحال الحاضر؛ و لا ادّعى انحصارها فيها، و لعلّ المتأمّل، يظفر بازيد من ذلك، فخذ هذه الجملة و تأمّل فيها، فاعرف بها مبلغ فهم العظماء النّبهاء، من الحكماء و العرفاء.
إنّ الوجود عاند الماهيّة؛ اى ضدّ لها بالاتّفاق منهم، اذ الوجود نور، و الماهيّة ظلمة، فلا سنخيّة بينهما؛ و اذا لم تكن سنخيّة، كيف يكون الوجود منشأ انتزاعها؟، مع أنّ السنخيّة، معتبرة بين المنتزع و المنتزع منه، و إلّا لجاز انتزاع كلّ شيء من كلّ شيء؟
أم كيف تنتزع الأضداد على امتناعها؟ من الصدق اللّازم منه عدم السنخيّة؟
فإنّه لا يمكن فرض شيء واحد سنخا للمتضادين بل المتضادّات.
فان قالوا: الحكم ثابت من الطرفين، فكيف تفرض السنخيّة بينهما على اصالة الماهيّة؟
قلنا: ليس الوجود كالحجريّة و الإنسانيّة و الماء و النّار، حتّى يحتاج في انتزاعه الى لحاظ السنخيّة؛ بل حقيقيته ليست إلّا تقرّر الماهيّة و تحقّقها، و كونها و ثبوتها، فهو ليس بمنتزع؛ و لو كان، فهو منتزع من تقرّرها لا من نفس الماهيّة.
و العرض الحادث بعد المنتزع***كالعلم و اللّون فممّ ينتزع؟
فإن من الأوّل، فهو قد بدا***خلوا، و إن من غيره تعدّدا
فإن تداخلا تجزّى و اتّسع***و إن تمايزا فحمل امتنع
و استلزم المسخ و الاستحالة***تبدّل الوجود لا محالة
لأنّه الأصل و بالوجدان***باق كما تعاقب اللّونان
و العرض الحادث بعد الوجود المنتزع، كالعلم و اللّون، الّذين يعرضان على موصوفهما بعد تحقّقه بزمان؛ كما أنّ زيدا لم يكن عالما ثمّ صار عالما و هذا الشيء لم يكن احمر، ثمّ صار احمر، و هكذا حكم سائر الأعراض اللّاحقة للذّوات؛ فممّ ينتزع هذا العرض الحادث بعد الوجود؟
و الأمر فيه لا يخلو عن وجهين: إمّا ان يكون منتزعا من الوجود الأوّل، او من وجود آخر غيره؛ فإن كان منتزعا من الأوّل، فهو قد بدا؛ اى ظهر و تحقّق خلوا من هذا العرض؛ و إن كان من غيره، فقد تعدّدا الوجود، و معه فلا يخلو إمّا ان يكون الوجودان يتداخلان، فيصيران وجودا واحدا، او يتمايزان؛ فإن تداخلا تجزّى الوجود بعد بساطته، و اتّسع بعد ضيقه؛ و إن تمايزا فحمل امتنع، لما اشترطوا في الحمل، الاتحاد في الوجود، و مع فرض العلم و العالم موجدين بوجودين، لا يمكن حمل احدهما على الآخر لفقد شرطه.
فان قالوا: الوجودان، و ان كانا متعدّدين من حيث الحدود، الّا أنّهما متحدّان من حيث الحقيقة.
لقلنا بمثل ذلك في زيد و عمرو، فاللّازم جواز حمل احدهما على الآخر أيضا.
و استلزم المسخ: و هو تبدّل الصورة النوعيّة بصورة نوعيّة اخرى؛ و الاستحالة؛ و المراد بها: تحوّل الشيء من صورة الى اخرى، كتحوّل النّار رمادا، و البدن ترابا و النّطفة علقة، ثمّ مضغة، ثمّ لحما. تبدّل الوجود على قولهم لا محالة، لأنّه الأصل، و الماهيّة منتزعة عنها بالتّبع، فيجب أوّلا تبدله، ثمّ تبدّل الماهيّة بتبعها. و الحال أنّ الوجود بالوجدان، باق كما هو باق اذا تعاقب اللّونان على شيء واحد؛ يعنى، أنّ المسخ و الاستحالة بالنّظر الى العقل و الوجدان، ليس إلّا كتعاقب اللّونين في بقاء الوجود و محفوظيّته في الحالين؛ فإنّا لا نرى تغيّرا في الوجود، و إنّما التغيّر في الموجود، ليس الّا أنّ الوجود مفهوم منتزع من تقرّر الشّيء و كونه. فكما أنّ الشيئيّة و الهذيّة محفوظة
و قولهم صرف الوجود يحفظ***و هم كما في الأصل لا يلاحظ
كيف البسيط قد تجزّى بالحصصحقّا*** و لو لم يك حقّا لم يخصّ
و كيف الاعتبار حدّ الواقعىّ؟***أم كيف حدّه و لم ينتزع؟
من غير تبدّل، فيقال هذا الشّيء كان كذا، فصار كذا، كذلك الوجود معنى و هو التقرر غير متغيّر.
و قولهم صرف الوجود يحفظ؛ اى الوجود الغير المقيّد بالحدود، محفوظ في الحالين، و هم، او مغالطة؛ كما أنّ في الأصل لا يلاحظ ذلك، فإنّ الملحوظ في الأوّل هو الوجود الخاصّ، لا صرف الوجود، و إلّا لجاز ان ينتزع منه هذا الثانى قبل التبدّل، بل لجاز ان ينتزع منه كلّ شيء، لأنّ كلّ شيء يلائم مع صرف الوجود.
و الحاصل: أنّ المحفوظ، لا بدّ ان يكون هو الملحوظ في الأوّل، الّذي صار منشأ لانتزاعه، و هو الوجود الخاصّ، و إلّا لم يكن محفوظا، و الوجود الخاصّ الّذي كان منشأ لامنتاع الأوّل غير هذا، و إلّا لكان منقلبا إليه من اوّله.
على قولهم ببساطة الوجود، كيف البسيط قد تجزّى بالحصص حقّا؟ حتّى صار الوجود الواحد، وجودات حقيقة، و لو لم يك؛ اى التجزى بالحصص حقّا و واقعا، لم يخصّ واقعا، حتّى يكون وجودات خاصّة، فيقال وجود هذا و وجود ذا و وجود ذاك.
فان قالوا: إنّ الحصص بالاعتبار، فالاعتبار لا يكون موجبا للآثار.
و مع ذلك، فهو قول بوحدة الوجود و الموجود.
و اذا فرض تحصّصه واقعا، كان محدودا و لا محدّد له غير الماهيّة، و المفروض أنّها اعتباريّة، و كيف الاعتبار حدّ الواقعىّ، فإنّ الأمر الواقعى لا يحدّ إلّا بما هو واقعىّ مثله.
أم كيف حدّه و لم ينتزع؛ يعنى، أنّه لو سلّم أنّ الاعتبار يصحّ ان يكون محدّد الواقعى، فالماهيّة على قولهم منتزعة، و لا انتزاع إلّا بعد وجود منشأ انتزاعها، فكيف يكون محدّدا واقعيّا لمنشإ انتزاعها قبل انتزاعها؟ و لو كان التحديد و التحصّص اعتباريّا، فهو باق على بساطته و صرافته من دون تخصّص.
و مع بقائه على البساطة***من أين حاز العالم انبساطه؟
من أين هذا الثقل و التجسّم؟***فإنّ الاعتبار لا يجسّم
هب أنّه خصّ بالاعتبار***فكيف كان الانبساط الطارئ؟
أمن تجلّى ذاته بنفسه؟***أم بتجلّى فيئه أو عكسه؟
هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص477
و مع بقائه على البساطة، من أين حاز العالم انبساطه، هذا الانبساط العريض المشهود، من ارضه و سمائه بما فيها من اجناس مختلفة و انواع متشتّتة غير مؤتلفة.
فان قيل: إنّه من قبيل انبساط شعاع الشّمس على الحيطان و الجدران.
قلت: مع انّ ذلك يوجب التحصّص واقعا، قياس مع الفارق، لأنّه انبساط الموجود على الموجود، و هنا انبساط الموجود على المعدوم؛ لأنّ الماهيّات قبل انبساط الوجود عليها معدومة، و المعدوم لا يقبل الانبساط، فكيف و من أين هذا الثقل للأشياء الثقيلة؟ و من اين هذا التجسّم للأجسام و كذا الطول و العرض و العمق؟
فإنّ الاعتبار لا يجسّم الشيء و الوجود الّذي هو حقيقة الأشياء بسيط غير قابل للتجسّم، و لا للثّقل و الخفّة و العرض و الطول. هب أنّه خصّ بالاعتبار، فتحقّقت وجودات خاصّة، فكيف كان هذا الانبساط الطارئ للوجود؟ و كيف كان بسطه على الماهيّات و هى معدومة؟ كما اشرت إليه:
أمن تجلّى ذاته بنفسه؟ أم بتجلّى فيئه أو عكسه؟ فإنّه بحسب التصوير لا يخلو عن احد ثلاثة: امّا ان يكون ببسط ذات الوجود على الماهيّات، بان يفرض أنّ الوجود بذاته مبسوط عليها كصفحة منبسطة على نقاط مفروضة تحته، تأخذ كلّ نقطة منه على حسب حدّها؛ او بفيئه؛ اى ظلّه و شعاعه، بان يفرض الوجود، كالشّمس و له شعاع منبسط، كشعاعها المنبسط على الحيطان و الجدران؛ او بعكسه، بان يفرض الماهيّات مرائى و مجالى، و الوجود منعكس فيها انعكاس الصورة في المرآة، و كلّ ذلك من انحاء التجلّى و يسمّى عندهم به.
و قد وقع في كلماتهم التعبير عن الانبساط بكلّ من هذه الأنحاء. و قد جمع هذا البيت، الأنحاء كلّها:
كلّ ما في الكون و هم أو خيال***او عكوس أو مرايا أو ظلال
فإن بذاته فليس يفرض***لكلّه بسط و لا يبعّض
و إن على العكس فلا عكس له***و لا له فيء يعدّ ظلّه
ليس وجوده، وجود كلّ شيء***و لا مع الأشياء كالشيء و فيء
و العدم الآبى عن انعكاس***و عكسه الأقرب بالقياس
و ليس شيئا يقبل التجلّى***إذ ما له شأنيّة المحلّ
ثمّ الخسيس كيف مظهر له***أو كان مرآتا و عكسا ظلّه
و على كلّ حال، نقول: فإن كان البسط بذاته، فلا يخلو: إمّا ان يكون ببسط كلّه، او بعضه، و كلاهما محال، فليس يفرض لكلّه بسط؛ لأنّه يوجب الانتهاء و المحدوديّة أوّلا، و لا يسعه شيء ثانيا، و ليس بواقع ثالثا؛ و لم يدّع احد أنّ كلّ موجود من الموجودات، هو تمام الوجود، و لا يبعّض فلا يمكن فرض بسط جزء منه، و إن يكن بسطه على نحو العكس و الفيء، فلا عكس له و لا له فيء يعدّ ظلّه، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا. ليس وجوده، وجود كلّ شيء ذاتا، و لا مع الأشياء كالشيء و فيء، بل كلّ ذلك اوهام تخيليّة. و الماهيّة عندهم عدميّة، و هى قبل الوجود معدومة، و العدم الآبى عن انعكاس فيه، لأنّه ليس بشيء، فكيف يقبل الانعكاس؟ قال الشبسترى:
عدم آئينه هستى است مطلق***كزو پيداست عكس تابش حق
عدم چون گشت هستى را مقابل***درو عكسى شد اندر دم مماثل
و عكسه الأقرب بالقياس؛ يعنى، لو بنينا على الانعكاس فجعل القضيّة بالعكس، بان يقال أنّ الماهيّة انعكست في الوجود، و الوجود مرآة للماهيّات، اقرب بحسب القياس كما لا يخفى. و أيضا العدم ليس شيئا يقبل التجلّى باىّ نحو فرض، إذ ما له شأنيّة المحلّ؛ فإنّ التجلّى سواء كان له أو فيه أو عليه، لا بدّ له من محلّ، و لا بدّ للمحلّ من القابليّة، و العدم لا قابليّة له و لا محليّة؛ فلا بدّ ان يفرض للماهيّات تقرّرا قبل وجودها، إمّا في ذاتها أو في علم اللّه، كما يأتى الكلام في الأعيان الثابتة.
ثمّ الخسيس من الأشياء، كالبهائم و السّباع و الحشرات و القاذورات، كيف مظهر له؟ فإنّ الأشياء كلّها على التجلّى و الانبساط تكون مظهرا للذّات، و هم يصرّحون بذلك كثيرا. فإنّا لو لم نقل باستلزامه العينيّة كما اعترف به محيى الدين، فإنّه لا شبهة عندهم في المظهريّة، و كيف يرضى المسلم العاقل بان يقول: إنّ الأشياء الخسيسة مظاهر ذاته تعالى؟ بان كان وجود الخسيس وجوده المحدود، أو كان مرآتا له و عكسا له ظلّه و فيئه.
جزنا، و لكن هل هى المؤثّرة***فى جعله، ذا حصص مغايرة
فانفصم البسيط بالحدود***لم تبق بعد وحدة الوجود
تركّب الممكن من أمرين***هذا اعتباريّ و ذاك عينىّ
بل إن تكن مجعولة تركّبا***من واجب و ممكن و من أبى
ألزم تركيبا لواجبين***و الاعتراف بالمؤثّرين
مع كونها على الوجود تغلب***أو لم تؤثّر فانتفى المراتب
جزنا عن السؤال عن كيفيّة التحصّص و كيفيّة الانبساط، و لكن هل هى المؤثّرة في جعله؛ اى الوجود ذا حصص مغايرة، متمايزة، أم لا؟ فإنّ الأمر لا يخلو منهما، و كلّ منهما يستلزم مفاسد و محاذير:
امّا الأوّل: فإنّ الماهيّات اذا كانت مؤثّرة في التحديد واقعا فانفصم الوجود البسيط بالحدود الّتي احدثتها الماهيّات، و حينئذ لم تبق بعد؛ اى بعد ذلك، وحدة الوجود، بل صار الواحد وجودات متعدّدة حقيقة، و متمايزة واقعا، و أيضا تركّب الممكن من أمرين، هذا اعتباريّ و ذاك عينىّ واقعىّ؛ لأنّ المفروض، أنّ الماهيّة مؤثّرة في التحديد، فلا بدّ ان تكون شيئا لها صلاحيّة التأثير، و ما كان بهذه المثابة من الصلاحية، كان دخيلا في واقعيّة الممكن و تحقّقه، فيلزم تركّبه من امر واقعىّ و امر اعتبارى. بل إن تكن الماهيّة مجعولة، تركّب الممكن من واجب و ممكن؛ لأنّهم قد اختلفوا في أنّ الماهيّة مجعولة أم لا، على قولين، و القائل بالوحدة لا يقول بمجعوليّتها.
و لكنّا نردّدهم من حيث عدم خلوّ الواقع عن احدهما، فمن قال بمجعوليّتها لزم ما ذكرنا، لأنّ الماهيّة اذا كانت مجعولة، كانت ممكنة، و اذا فرضت مؤثّرة، كانت جزء الممكن الموجود، و الجزء الآخر هو الوجود، و هو واجب، فتركّب من الواجب و الممكن؛ و من أبى مجعوليّتها، الزم امرين آخرين؛ اعنى، تركيبا لواجبين، و الاعتراف بالمؤثّرين، كالثنويّة، لأنّ الماهيّة اذا لم تكن مجعولة، و هى مع ذلك كانت مؤثّرة، كانت إذن مؤثرة بالذّات لا بالجعل؛ و كلّ ما كان مؤثّرا بالذّات، فهو واجب.
فقد تركّب الممكن من واجبين، مع كونها في التأثير اقوى، لأنّها على الوجود تغلب لتحديدها ايّاه في الانبساط، فصار الواجب إذن مغلوبا أو لم تؤثّر (عطف على قولى: «هل هى المؤثّرة»)، و هذا هو الشقّ الثانى من الترديد، و مع عدم تأثيرها يلزم
كانت حدودها كلا حدود***فوحدة الوجود و الموجود
فلا وجودات و لا مجالى***و ليس للتّشكيك من مجال
و لا لميز الربّ و المربوب***أو ميز الإمكان عن الوجوب
بل كلّ ذاك محض الاعتبار***لقلقة، بها اللّسان جار
فاتّحدت في الذات و الهويّة***حقيقة الخالق و البريّة
فجوهريّة الجميع واحدة***و الاعتبار كلّ شخص فرّده
أيضا امور، فانتفى المراتب؛ اذ كانت حدودها إذن اعتباريّة، فهى كلا حدود.
فالوجود في الواقع ليس إلّا بسيطا غير متفصّى و لا متشقّص، فاذا لم يكن محدودا واقعا، لم يكن له مراتب، لأنّ المراتب فرع التعدّد، و حينئذ فوحدة الوجود و الموجود معا، لا وحدة الوجود و تكثّر الموجود. فلا وجودات و لا مجالى، اذ الاعتبار لا يخرج الواقع عمّا هو عليه، فلا موجب لصيرورة الوجود، وجودات، و لا الماهيّات اذا كانت اعتباريّة محضة شيء تقبل التجلّى. و أيضا ليس للتّشكيك من مجال، اذ التشكيك فرع المراتب، و هى فرع التعدّد و التكثر، و لا لميز الربّ و المربوب، و افتراق الخالق عن المخلوق؛ أو ميز الإمكان عن الوجوب من مجال أيضا، لوحدة الوجود و الموجود حقيقيّا، بل كلّ ذاك من المراتب و كثرة الموجود، و امتياز الربّ عن المربوب.
و القول بالإمكان و الوجوب محض الاعتبار، الّذي لا واقع له و إنّما التلفظ بها منهم، لقلقة بها اللّسان جارى، تقليدا لغيرهم أو صونا عن ضررهم؛ و لأنّهم التزموا ظاهرا بالإسلام فلا يمكنهم انكار ضروريّاته صريحا بعد الالتزام، و إلّا فمقتضى اوهامهم الّتي سمّوها براهين، و ركنوا في الاعتقاد بها ركون الجزم و اليقين، ليس إلّا ما ذكرنا.
فاتّحدت اذن في الذات و الهويّة حقيقة الخالق و البريّة؛ لأنّ ذات كلّ شيء و حقيقته عندهم، ما به تحقّقه؛ و تحقّق كلّ شيء بالوجود لا غير. فالوجود حقيقة الواجب و الممكن؛ فجوهريّة الجميع الّتي بها تظهر و تتحقّق واحدة، و الاعتبار بناء على اعتباره، انّما اثر في مقام التشخص فقط، فهو كلّ شخص فرّده عن الحقيقة، فالوجود بمنزلة الطبيعة النّوعيّة، لاشتراك الواجب و الممكن فيه. و غاية تأثير الاعتبار، انّما هى في التشخص لا في الحقيقة و الجوهريّة؛ فالاعتبار بمنزلة العوارض
و العقل و الإسلام باتّفاق***قد حكما بحقّ الافتراق
و استلزم القول بذا الإذعانا***بانّه الآن كما قد كانا
و الخوض في الذات بل اكتناهه***إذ وصفوه أىّ شيء كيف هو
و انتزعوا المفهوم للحقيقة***مشتركا مع كونها دقيقة
و استلزم التشبيه بالمحدود***و نفى مخلوقيّة الوجود
المشخّصة للطّبيعة، تجعل الافراد متعدّدة متمايزة في مقام الفرديّة، دون الجوهريّة.
و العقل و الإسلام باتّفاق، قد حكما بحقّ الافتراق بين الخالق و المخلوق، لا بالافتراق الاعتبارى؛ فهذا القول مخالف لضرورة العقل و الاسلام.
و استلزم أيضا القول بذا، الإذعانا بانّه الآن كما قد كانا؛ اى ليس معه شيء في الموجوديّة؛ كما قد كان قبل الايجاد، فإنّه كان و لم يكن معه شيء، ثمّ خلق ما كان، ثمّ يبقى و يفنى كلّ شيء، و يعود الى ما كان. هذا على مقتضى العلم الّذي وصل إلينا.
و امّا على قولهم، فإنّ الموجوديّة ليست إلّا بالوجود، و الوجود قد كان و لا موجود سواه، و هو الآن على ما كان لم تنثلم وحدته، و لم يتعدّد وجوده، فهو الموجود، و كلّ شيء سواه منسوب الى الوجود. الّا ان يقولا بأنّه كان، و لم يكن معه شيء، لا حقيقة و لا اعتبارا و منسوبا، و الآن معه شيء اعتبارا و منسوبا، لكنّه لا يساعده الذوق السّليم و العقل المستقيم.
و استلزم أيضا الخوض في الذات؛ اى ذاته تعالى مع ورود النّهى عنه، بل يستلزم هذا القول اكتناهه تعالى لا مجرّد الخوض. إذ وصفوه بانّه أىّ شيء هو في ذاته، و ذلك حيث قالوا أنّ ذاته الوجود، و وصفوه بأنّه كيف هو، حيث قالوا: بأنّ الموجودات وجوداته، و أنّه منبسط على الماهيّات بالذّات أو بشعاعه و فيئه او بعكسه، و أنّه واحد في عين الكثرة، و كثير في عين الوحدة و امثال ذلك.
و من ذلك أنّهم انتزعوا المفهوم للحقيقة مشتركا، مع كونها دقيقة؛ اى مع كون الحقيقة دقيقة؛ فانّهم مع قولهم بأنّ كنهه في غاية الخفاء، ادّعوا انتزاع المفهوم الواحد من حقيقة الوجود.
و استلزم التشبيه بالمحدود المخلوق، اذ الانبساط و الشّعاع و الفيء و العكس من خواصّ المخلوق المحدود.
إذ هو ذاته، فإن منه بدا***ما كان مخلوقا فقد تعدّدا
بل نفى خلقة و خالقيّة***إذ ليس إلّا البسط و الماهيّة
فخلقه أقدر بالخليقة***منه فالإطلاق لهم حقيقة
و نفى ما بالغير في الموجود***إذ ليس موجود سوى الوجود
بل كلّ ما في الكون ذو ثبات***حقّا، فذاك قائم بالذّات
فليس إمكان، حدوث و فناء***إذ ليس ما سوى الوجود كائنا
و نفى مخلوقيّة الوجود اصلا، إذ هو اى الوجود ذاته، و ذاته غير مخلوق، فإن كان منه بدا؛ اى ظهر و وجد من الوجود ما كان مخلوقا فقد تعدّدا، لأنّ وجود المخلوق غير الوجود الّذي هو الخالق؛ اذ لا يكون الشيء موجدا لنفسه، و لا القديم محدثا لما هو ذاته. فيتحقّق للوجود نوعان: حادث و قديم، و هم يقولون بوحدته؛ بل نفى خلقة اصلا، حتّى في غير الوجود، و نفى خالقيّة للّه تعالى؛ إذ ليس إلّا البسط و الماهيّة، و بسط الذات ليس بخلق حقيقة، و الماهيّة أيضا غير مخلوقة عندهم، فلا خالقيّة و لا مخلوقيّة.
و على هذا، فخلقه أقدر بالخليقة منه تعالى (الخليقة و الخلق بمعنى واحد).
و وجه كون الخلق اقدر منه: أنّ الإنسان يقدر على خلق ما يباين ذاته، و هو تعالى لا يقدر إلّا على بسط ذاته. فالإطلاق؛ اى اطلاق الخلق لهم حقيقة، لنصّه تعالى بقوله:
(أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ ... )(1)و قوله:( تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ،) و لكنّه بالنّسبة إليه تعالى عندهم مجاز و بالاعتبار.
و يستلزم أيضا نفى ما بالغير في الموجود. إذ ليس موجود عندهم سوى الوجود، و الوجود قائم بالذّات، و ليس غيره إلّا الماهيّة، و الماهيّة لا وجود لها إلّا في الاعتبار، فهى غير موجودة. فتقسيم الموجود الى ما بالذّات و ما بالغير، ليس على وجه الحقيقة؛ بل كلّ ما في الكون ذو ثبات حقّا، فذاك قائم بالذّات، فالموجودات العينيّة كلّها قائمة بالذات من حيث الوجود؛ و امّا من حيث الماهيّة، فكما قيل: «كلّ ما فى الكون و هم أو خيال»؛ و كما قال الشبسترى: «من و تو عارض ذات وجوديم» و مراده بالعارض: العارض في الاعتبار دون الخارج؛ اذ الوجود ليس بعارض و لا معروف، فليس إمكان و لا حدوث و لا فناء؛ إذ ليس ما سوى الوجود كائنا و موجودا،
1) . آل عمران 3: 49.
و يلزمون نفى صادريّة***فاستلزم الإنكار للعلّية
بل نفى كلّ علّة معلول***إذ الوجود، بسطه شمولىّ
بل ليس للأشياء إذن تباين***إذ التساوى للجميع، بيّن
و الامكان و الحدوث و الفناء، من صفات الموجود، و اذ لا موجود إلّا الوجود، و هو قائم بالذّات: واجب، قديم، لا يعرضه حدوث و فناء، فلا حقيقة لهذه العبارات من حيث الوجود أيضا.
و يلزمون نفى صادريّة في الواقع و نفس الأمر، اذ ليس إلّا الوجود الواحد، و الماهيّة غير مجعولة، فلا تكون صادرة، و الصادر لا يكون إلّا متحقّقا و لا تحقّق للماهيّة. فاستلزم نفى الصادريّة الإنكار للعلّية و المعلوليّة، مع أنّ فلسفتهم مبتنية على الصادريّة و العلّية. و الملازمة ظاهرة، اذ ليس عندهم إلّا بسط الوجود من دون انثلام فى وحدته، فلا معنى لكون بعضه علّة و بعضه معلولا. فان اضيفت العلّة الى نفس الوجود بلحاظ البسط، فليست إلّا اعتباريّة؛ و ان اضيفت الى الماهيّة، فكذلك، لعدم قبولها الجعل و لكونها اعتباريّة؛ و ان اضيفت الى الوجود من حيث الفيء و العكس، فليس المراد بهما الحقيقة، و إلّا لزم ان يكون له تعالى فيء و عكس، فليست أيضا الّا اعتباريّة.
بل استلزم نفى كلّ علّة و معلول على الاطلاق في جميع الأشياء، إذ الوجود بسطه شمولىّ عامّ، لا يختصّ ببعض دون بعض، فما به التحقّق في الجميع واحد و هو الوجود، فلا معنى لكون شيء علّة لوجود آخر. و امّا الماهيّات؛ فهى عندهم متباينات، و المباين لا يكون علّة للمباين لعدم السّنخيّة. و مع ذلك فهى اعتباريّة منتزع كلّ ماهيّة عن حصّة وجودها، و أيضا الاعتبارى لا يمكن ان يكون علّة و لا معلولا إلّا بالاعتبار.
بل ليس للأشياء إذن تباين، إذ التساوى للجميع، بيّن، لأنّ تجوهر كلّ شيء بحقيقته، و حقيقة كلّ شيء بوجوده، و الوجود واحد بالفرض؛ فالموجودات مشتركة فى الحقيقة، فكلّها بمنزلة افراد حقيقة واحدة؛ و الماهيّة اعتباريّة، و الاعتبار لا يصيّر الحقيقة الواحدة حقيقتين، مع أنّها كما تقدّم، ليست إلّا من مشخّصات الحدود الفرضيّة، و المشخّصات لا توجب التباين في الحقيقة؛ فالأشياء إذن كلّها متّفقة الحقيقة، و التباين في الأمر الاعتبارى.
و لا إذن جنس و فصل و عرض***و جوهر، إلّا بفرض من فرض
و ليس للوجود من تشكيك***إذ كان جزئيّا بلا تشريك
و إن يكن ذا وحدة نوعيّة***فالخلق، كالخالق في الهويّة
و هو محال إذ تركب لزم***فى ذات واجب الوجود، فافتهم
و حيث ما في الكون من خليقة***قد استوت فيما به الحقيقة
و ما الماهيّات سوى اعتبار***فممّ الاختلاف في الآثار؟
و لا إذن جنس و فصل و عرض و جوهر، إلّا بفرض من فرض اذ لا تحقّق لشيء منها في العين، فكلّها عناوين فرضيّة اعتباريّة. فإنّ ذوات الأشياء ليست إلّا حقائقها، و الحقائق ليست إلّا المتأصّلة، و المتاصّل ليس إلّا الوجود؛ فليس ذات كلّ شيء الّا وجوده، و الوجود لا جنس له و لا فصل، و لا هو عرض و لا جوهر، و باعتبار تأصّله و وحدته و عدم حاجته الى موضوع، فهو جوهر واحد؛ فجوهريّة الأشياء كلّها واحدة.
و ليس للوجود من تشكيك، إذ كان جزئيّا حقيقيّا على ما تقدّم بلا تشريك، فإنّ التشكيك متفرّع على التعدّد، و هو من الأمور الواقعيّة و لا معنى لفرضه بالاعتبار، و اذا كان الوجود جزئيّا حقيقيّا، فلا تشكيك فيه اصلا، و إن يكن ذا وحدة نوعيّة ليصحّ فرض التشكيك فيه، فالخلق إذن كالخالق في الهويّة، لاتّحادهما في الحقيقة المشتركة، فيكون الواجب و الممكن كزيد و عمرو او كالإنسان و البقر، و هو مع أنّهم لا يقولون بالوحدة النوعيّة، محال في ذاته. إذ تركّب لزم في ذات واجب الوجود، فافتهم، لأنّه اذا كان مشتركا مع غيره في طبيعة الوجود، احتاج الى ما به الامتياز فيلزم التركيب.
و حاصل هذا الوجه: الترديد بين احد امرين: امّا ان يكون الوجود جزئيّا، فلا تشكيك فيه واقعا؛ او كليّا، فيلزم التركيب في ذات الواجب و لا ثالث لهما.
و حيث أن ما في الكون من خليقة، قد استوت فيما به الحقيقة، لأنّ حقيقة كلّ كائن بالوجود و ما الماهيّات سوى اعتبار، تنتزع من الوجود، فممّ جاء هذا الاختلاف فى الآثار؟ الواقعية العينيّة لها، فإنّ الماهيّة ليست عندهم منشأ للآثار، فلا بدّ ان تكون كلّها للوجود، فكيف يختلف الوجود في حكمه؟ و مقتضاه، تارة: بالفقدان و الوجدان، و اخرى: بالزّيادة و النّقصان، و ثالثة: بما يلائمه و يضادّه.
منه إختلاف النّور و الديجور***و النّيرات اختلفت في النّور
فالنّور إن كان من الوجود***فكيف قد خصّص بالمعدود؟
و الاشتداد إن بقسطه انتهى***فأكثر الأشياء قسطا شمسها
و إن يكن خصوص قسطه اقتضى***فما هو البسيط لن يبعّضا
و إن يكن ذلك للماهيّة***فشأنها الظلمة بالسّويّة
فالاختلاف كان بالتّكاسر***للاعتباري مع المؤثّر
و منه الاختلاف في الشّرافة***و الخبث و الخسّة و الكثافة
منه إختلاف النّور و الديجور؛ اى الظلمة، فمن اين صار النّور لبعض الأشياء دون بعض؟ و النّيرات اختلفت في النّور فبعضها انور من بعض كالشمس و القمر و سائر النّجوم. فالنّور إن كان من الوجود، فكيف قد خصّص بالمعدود من الموجودات دون الجميع؟ و الاشتداد في النّور لبعضها، إن كان بقسطه من الوجود انتهى؛ اى ينتهى وجه الاشتداد فيه الى أنّ حصّته من قسط الوجود اكثر من غيره، فأكثر الأشياء قسطا شمسها لأنّها انور الأشياء. و إن يكن خصوص قسطه من الوجود، اقتضى الاشتداد، فما هو البسيط لن يبعّضا، بان يكون بعض اجزائه اشدّ من بعض .(1)
و إن يكن ذلك للماهيّة فشأنها الظلمة بالسّويّة، لا البهيّة؛ فإنّ الماهيّة عندهم ظلمة، و الظلمة لا تقتضى النّور، مع أنّها ليست منشأ للآثار.
فالاختلاف بالشّدة و الضعف أو بالفقد و الوجدان كان إذن بالتّكاسر للاعتباري؛ اى الماهيّة مع المؤثّر و هو الوجود. فتارة: تغلب عليه بالكليّة فيما ليس له نور، و اخرى: بالتّضعيف، فيضعف قوّة الوجود فيما ضعف نوره، و كلا الأمرين من مزاحمة الاعتبارى للواقعى في تأثيره أو مغالبته ايّاه، و غلبته عليه من المحال. هذا مع أنّها منتزعة، و الانتزاع لا يكون إلّا بعد تحقّق المنتزع منه، و ما لا يتحقّق إلّا بغيره، كيف يؤثّر في المزاحمة و المغالبة مع ما هو محقّقه و موجده، فيمنعه عن الاقتضاء و التأثير؟
و منه: الاختلاف في الشّرافة و الخبث و الخسّة و الكثافة، فالموجودات في
1) . فيه اشارة الى انكار التشكيك في الوجود، من حيث الزيادة و النقيصة، و لو فرض قبوله ايّاه من حيث التقدم و التأخر و الأولويّة. و بهذا التفكيك صرّح المحقّق الطوسى في التجريد و قال العلامة في شرح قوله و لا تزايد فيه و لا اشتداد، و عليه اكثر المحقّقين لكن كلامه (ره) فى مفهوم الوجود.
و منه الاختلاف في المشاعر***ضعفا و شدّة و ما لم يشعر
فإن من الوجود عمّ كلّها***و إن من الذوات فالفضل لها
و منه الاختلاف في الكمال***للنوع و هو أكبر الإشكال
إذ يستوى الجميع في الماهيّة***فليس مائز سوى الشّخصيّة
ثمّ الكمال كسبه محال***إذ الوجود ما له انفعال
و حيث لا تشكيك للماهيّة***لا تقبل الزيادة الكسبيّة
ذلك مختلفة: من ملك و جنّ و انس و حيوان و النّبات و الجماد. فمنها: ما هو شريف مطلق، كالملك؛ و منها؛ ما هو كثيف و خبيث و خسيس مطلق، كالقاذورات و النّجاسات و الحشرات؛ و منها؛ ما يكون بعضه شريف و بعضه دنىّ، كسائر ما ذكر و الكلام في وجه الاختلاف الكلام.
و منه: الاختلاف في المشاعر ضعفا و شدّة، كالملك و الجنّ و الانسان و الحيوان مع اختلاف الأفراد بعضها مع بعض في الادراكات، و ما لم يشعر اصلا، كالجماد و النّبات، فإن كان ذلك من الوجود، فقد عمّ كلّها لاستوائه بالنّسبة إليها، و إن من الذوات فالفضل لها لا للوجود؛ لأنّها اقوى منه في جهة الكمال، مع ما يرد عليه ما ذكرنا في الاختلاف في النّور.
و منه: الاختلاف في الكمال النّفسى للنوع الواحد بين افراده، كاختلاف الأنبياء و الأولياء مع غيرهم، و هو أكبر الإشكال. إذ يستوى الجميع في الماهيّة النوعيّة، فلا يمكن استناد الاختلاف إليها، و هى غير قابلة عندهم للتّشكيك، و المفروض استواء الأفراد في الوجود أيضا، فليس مائز هاهنا سوى الشّخصيّة الفرديّة، و التشخّص عندهم ليس إلّا بالوجود و العوارض. و يرد عليه أيضا ما سنورده على افعال العباد، من أنّ اللّه تعالى هل يقدر على تغيير النّاقص أم لا؟ و الأوّل، يستلزم مقهوريّة العبد، و الثانى، مقهوريّة اللّه تعالى.
فهذه الاختلافات و ما تقدّم عليها من الوجوه، دالّة على أنّ الماهيّات مجعولة، و أن كلّ ذلك بالافاضة و التقدير، لا بالذّوات و لا بالوجود.
ثمّ الكمال كسبه محال على قولهم، إذ الوجود ما له انفعال بالزّيادة و النّقصان، و الكمال زيادة، و كسبه زيادة حادثة، فلا بدّ امّا ان ترد على الوجود او الماهيّة، اذ ليس غيرهما شيء، و الوجود غير قابل للانفعال، فلا يتحمّل الزيادة؛ و حيث لا تشكيك عندهم للماهيّة، فهى أيضا لا تقبل الزيادة الكسبيّة.
فليس في الكسب إذن من فائدة***إذ الجميع في المآل واحدة
إذ كلّ شيء بالوجود لاحق***فيستوى المؤمن و المنافق
و استلزم الإنكار للمعاد***و لو على إعادة المباد
إذ ليس بعد قبض ما منه بدا***إلّا الوجود بالوجود عائدا
فليس في الكسب إذن من فائدة لو امكن، إذ الجميع في المآل واحدة على مقالتهم، كما هى في الحال كذلك؛ إذ كلّ شيء بالوجود لاحق عند الفناء؛ كما كان عند الابتداء، و الماهيّة النوعيّة مع اشتراكها و استوائها زائلة، و الامتيازات بالتّشخصات و التعينات و كلّها مرتفعة، فلا يبقى إلّا الوجود. فأيّ فائدة في كسب الكمال بحسب المآل؟ و حينئذ، فيستوى المؤمن و المنافق مآلا مع شدّة اجتهاد هذا و حدّة عناد ذلك، اعاذنا اللّه من هذه الموهومات!
و استلزم الإنكار للمعاد، الّذي جاء به الإسلام، و لو على جواز إعادة المباد، اى الفانى الهالك، و هو المعدوم؛ يعنى، أنّ هذا الانكار لا يبتنى على منع اعادة المعدوم، و ان كانوا يقولون به أيضا، بل هو لازم لهم و لو على فرض تجويزهم له.
لكن هذا الاستلزام ليس لمجرّد قولهم باصالة الوجود و وحدته و اعتبار الماهيّة، بل بضميمة قولهم: «لا تكرار في التجلى»، و قولهم: إنّ اللّه لا يتجلّى في صورة مرّتين».
و قد نقل السّبزوارى في حاشيته على منظومته عند قوله: «اعادة المعدوم ممّا امتنعا»، الاتّفاق ممّن عد المتكلّمين على أنّه لا تكرار في التجلى، و ايّدوه بقوله تعالى:
(كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ )(1)، و مع هذا الالتزام يلزم انكار المعاد، إذ ليس بعد قبض ما منه بدا إلّا الوجود بالوجود عائدا؛ فإنّ الايجاد عندهم ليس إلّا بسط الوجود، و الفناء قبضه، و المعاد عود الشّيء الى ما بدء منه. و ايّدوه بقوله تعالى: (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ )(2). و حينئذ فمع قبض الوجود، ترتفع التعيّنات الّتي منها الماهيّة، فرجعت الى ما كانت من العدم، فلم يبق إلّا الوجود و هو أيضا يعود الى اصله. قال الشّبسترى:
زمان چون بگذرد بر وى، شود باز***همه انجام ايشان همچو آغاز
رود هريك از ايشان سوى مركز***كه نگذارد طبيعت خوى مركز
قال اللّاهيجى في شرح التبيين ما حاصله: «اذا انقضى الزمان على اجزاء
كذا الجزاء، أجرا أو عقابا***إذ نفسه عاقب أو أثابا
و الشّرع و التكليف و الحدود***إذ استوى العابد و المعبود
و ليست الأفعال للعباد***إذ الوجود فاعل إرادىّ
العالم، رجعت كلّها الى الوحدة الحقيقيّة الّتي منها بدئت، منه بدء و إليه يعود، فيرجع كلّ جزء الى مركزه و مبدئه الأصلي؛ و مركز التعيّنات العدم، فترجع الى العدم، كلّ شيء هالك.» و على هذا، فلو فرض اعادته ثانيا لم يكن ذلك من المعاد، بل هو تجلّ آخر غير الأوّل.
كذا الجزاء؛ اى و مثل المعاد في استلزام هذا القول، انكاره الجزاء أجرا أو عقابا؛ إذ هو تعالى إذن يجازى نفسه، عاقب أو أثابا؛ يعنى، أنّهما يعودان الى نفسه، و الشّخص لا يثيب أو يعاقب نفسه، و امّا وجه الاستلزام: فلأنّه بعد قبض الوجود و ارتفاع الماهيّة، رجع الجزء الى الكلّ، و الخاصّ الى العام، و المقيّد الى المطلق، و العكس الى العاكس، و الظلّ الى ذى الظلّ، فلا يبقى إلّا حقيقة الوجود، و هى نفسه، قال شاعرهم:
آنجا كه توئى، عذاب نبود آنجا***آنجا كه تو نيستى، كجا خواهد بود
و كذا الشّرع و التكليف و الحدود؛ اى مثل المعاد في استلزام هذا القول انكاره، إذ الماهيّة غير قابلة للتّكليف، لأنّها اعتباريّة، ليست منشأ للآثار، و الوجود حصّة من المعبود، و لا معنى لتكليف نفسه و تأديبه بالحدود، و لا الأمر بعبادته؛ إذ استوى؛ اى اتّحد العابد و المعبود. و قد انكر الصادق (ع) فى الحديث الآتى على الثنويّة أيضا باستلزام مقالتهم هذين الوجهين؛ اعنى، انكار الجزاء و التكليف.
و لازم هذا القول أيضا، أنّه ليست الأفعال للعباد، إذ الوجود فاعل إرادىّ لأنّه المنشأ للآثار، و الماهيّة ساقطة عن الاعتبار، و ليس الوجود إلّا اللّه، و هذا هو الجبر المطلق. فان تفوّهوا بالاختيار كقول المولوى:
اينكه گوئى اين كنم يا آن كنم***معنى آن اختيار است اى صنم
فقد نقضوا مقالتهم، او هو عندهم مؤوّل، او حكاية قول أو تقليد لغيرهم دفعا للضّرر. قال الشّبسترى:
بما افعال را نسبت مجازيست***نسب خود در حقيقت لهو و بازيست
فاللّه عامل الفجور كلّها***إذ هو فاعل الأمور كلّها
فهو كما يعمل للفساد***متّصف بجملة الأضداد
فنائم و قاعد و شارب***و آكل و ظالم و غاصب
و كافر و فاجر و فاسق***و مشرك و مبدع منافق
و مؤمن و صالح و زاهد***و عابد و راكع و ساجد
و إنّه القاتل و المقتول***و إنّه الآكل و المأكول
و على هذا، فاللّه عامل الفجور كلّها، إذ هو فاعل الأمور كلّها فيلزم نسبة الفواحش إليه تعالى، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.
فهو كما يعمل للفساد، متّصف بجملة الأضداد، اذ لا منشأ للآثار إلّا الوجود، و لا مؤثّر في الوجود إلّا الوجود، فلا يتّصف بالحالات و الصفات إلّا الوجود، فيلزم اتّصاف الخالق بالصفات المتضادّة، و العوارض الحادثة الامكانيّة؛ لأنّ الوجودات كلّها، وجودات خاصّة للوجود المطلق، و مراتب للواحد البسيط؛ فنائم و قاعد و شارب الى قولى: الآكل و المأكول. هكذا قال نعمة اللّه رأس السّلسلة النعمتيّة .
و من أبى فهى إذن مؤثّرة***و إنّها على الوجود قاهرة
أو أنّه القاهر، لكن أهمله***فالجبر لازم، و لا مفرّ له
بل ليس فعل العبد ممّا أوجده***سوى الوجود، و هو ليس موجده
فارقوا الإسلام في الاعتقاد***فى أصلي المبدأ و المعاد
و قد كفى خزيا لهذا الرأى***أن ليس من مقال الأنبياء
و من أبى عن نسبة الفواحش أو الصفات المتضادّة الى اللّه تعالى، و لم يتحاش عن مناقضة نفسه كما هو دأب هؤلاء، فهى؛ اى الماهيّة إذن مؤثّرة اذ نسبتها الى الماهيّة، لا يمكن إلّا بفرض كونها مؤثرة، فتلزم الثنويّة النّفس الأمريّة، و مزاحمة الأمر الاعتبارى للمتأصّل. و هو خلاف قولهم: «إنّ الشّرور اعدام ملكات، و العدم لا يحتاج الى علّة». و إنّها اذا كانت مؤثّرة لا تخلو امّا ان كانت على الوجود قاهرة حيث تفعل ما تفعل على خلاف مقتضى الوجود. كما قال المولوى:
چونكه بىرنگى اسير رنگ شدموسيى با موسيى در جنگ شد
رنگها چون از ميان برداشتىموسى و فرعون كردند آشتى أو أنّه القاهر، لكن أهمله؛ اى العبد و اوكله الى الماهيّة، فخذ له. فالجبر لازم، و لا مفرّ له؛ لأنّه سلّم العبد الى تأثير الماهيّة، و هو غير قادر على دفعها عن نفسه.
و الحاصل: أن الجبر لازم عليهم على كلّ تقدير، لأنّه ان كانت الأفعال من فعل الوجود، فالعبد مقهور للوجود؛ و ان كان من فعل الماهيّة، فهو مقهور لها.
و امّا نحن فنقول: لا هذا و لا ذاك، بل من فعل العبد المخلوق بما اعطاه من القدرة و الإرادة.
بل لا مفرّ لهم عن الجبر اصلا، اذ ليس فعل العبد ممّا أوجده بفعله، خصوصا مصنوعاته الّتي يعملها كنقوشه و تصاويره، سوى الوجود عندهم، اذ الماهيّة لا تحقّق لها، فهو لا يوجد الماهيّة بفعله، و هو؛ اى العبد ليس موجده؛ اى موجد الوجود؛ لأنّ
الوجود من فعل اللّه، لا من فعل العبد، فالعبد ليس فاعل الفعل و فاعل الصنعة ابدا، و إنّما الفاعل هو اللّه، و هذا هو الجبر المحض.
فهذه اثنان و ثلاثون ايرادا و تالى فاسد، و بعضها ينحلّ الى وجهين أو وجوه.
و قد تبيّن من جميع ذلك، أنّ هؤلاء، قد فارقوا الإسلام في الاعتقاد في أصلي المبدأ و المعاد. فلا التوحيد الّذي يقولون به توحيد الاسلام، و لا المعاد الّذي يقولون به معاده.
و قد كفى خزيا لهذا الرأى، أن ليس من مقال الأنبياء، فلم يرد في لسان اهل الوحى لا تصريحا و لا تلويحا، مع كثرة كلامهم و خطبهم و ادعيتهم في التوحيد، أنّ ذاته تعالى هو الوجود، او أنّ فعله بسط الوجود، او انّه لا موجود، او لا وجود سواه.
بل هذه مقالة اتّخذوها خلفا عن سلف (1)، عن الفلاسفة المتألّهين بالأذواق، الّذين فتحوا لأنفسهم الأسواق ليكاسدوا سوق الأنبياء. فاضلّهم اللّه على علم، و ختم على قلوبهم و سمعهم و ابصارهم.
ثمّ اعلم: إنّ المعرفة على القول بوحدة الوجود، تكون بزعمهم من معرفة اللّه باللّه و ان اطلق عليها دلالة الأثر على المؤثّر، اذ الأثر ليس إلّا الوجودات الخاصّة، و هى عين الوجود المطلق، فتكون من معرفة اللّه باللّه(2)، و لا يتوقّف على حصول الكشف، بل ان حصل الكشف، كانت معرفة اللّه باللّه كشفا، و ان لم يحصل كانت هى علما.ة.
و جاء من طريق أهل البيت***خلافه، و الحىّ غير الميّت
فعندهم وجوده إثباته***مباين لكلّ شيء ذاته
قد مرّ انّه يكفى في بطلان هذا القول على طريق اهل البيت (ع)، عدم ورود نصّ منهم (ع) و لا من غيرهم من اهل الوحى، مع شدّة الاهتمام به، و هم من الّذين يدّعون شموخ العرفان مع كثرة تبجيله و تكبيره، و من الّذين يعدون انفسهم من العرفاء، بل انحصار طريق المعرفة الحقّة الحقيقية بما عندهم، كيف؟ و هم (ع) أوّل العارفين، و اكبر الشامخين، بهم عرف اللّه، و لو لا هم لم يعرف اللّه، و هم دعاة النّاس الى التوحيد، و هداة البشر الى المعرفة، و معلّمو الخلق طريق الحقّ، و لذلك خلقهم، و مع ذلك لم يوجد منهم (ع) التفوّه به في حين و لا تأييده بشيء مبين. ففيه ارشاد متين على أنّ هذا القول فاسد مهين، فلو لم يكن إلّا عدم الاعتناء به منهم (ع)، لكان كافيا لخزيه. فكيف؟ و قد جاء من طريق أهل البيت (ع) خلافه، و هم (ع) الأحياء في العلوم و المعارف، و الحىّ غير الميّت. قال اللّه تعالى:( وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ ... )(1). و قال: (أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ. )(2)
فعندهم (ع): وجوده إثباته، لا انّه الوجود، قال امير المؤمنين (ع): «دليله آياته و وجوده اثباته.» (3)
و قال الصادق (ع) فى حديث المفضّل: «الحقّ الّذي تطلب معرفته من الأشياء- الثانى ان يعرف ما هو في ذاته و جوهره- فليس من هذه الوجود شيء يمكن المخلوق ان يعرفه من الخالق حقّ معرفته، غير أنّه موجود فقط.» (4)
مباين للخلق في الإنيّة***و ذاته حقيقة عينيّة
و كنهه التفريق ذاتا بينه***و بينهم من ذاك يحجبونه
و قال موسى بن جعفر (ع): «و من قال ما هو؟ فقد نعته.» (1)
مباين لكلّ شيء ذاته، قال الصادق (ع) فى حديث المفضّل:
«لا يليق بالذّي هو خالق كلّ شيء، الّا ان يكون مباينا (2)لكلّ شيء، متعاليا عن كلّ شيء.»(3)و قال (ع) فى جواب سؤال الزنديق: «كذلك هو مستول على العرش، باين من خلقه.» (4)
و في دعاء الصباح: «و تنزّه عن مجانسة مخلوقاته.» (5)
مباين للخلق في الإنيّة؛ اى في الذات، و الإنيّة عند الفلاسفة و العرفاء، الوجود، اذ لا إنيّة عندهم إلّا بالوجود، و ذاته، حقيقة عينيّة، الّا أنّه ليست له ذات، او أنّ ذاته اعتباريّة، و كنهه التفريق ذاتا، لا اعتبارا بينه و بينهم، فلا يتحدّ معهم و لا يشاركونه في ذاته. من ذاك يحجبونه؛ اى إنّما يحجب خلقه عنه، فلا يمكنه ادراك حقيقته لأجل هذا الافتراق الذاتى. قال الرضا (ع):
«خلقة اللّه الخلق حجاب بينه و بينهم، و مباينته ايّاهم، مفارقته انيّتهم، و ذاته حقيقة، و كنهه تفريق بينه و بين خلقه.» (6)
و قال امير المؤمنين (ع): «لا تشمله المشاعر، و لا تحجبه الحجب، و الحجاب بينه و بين خلقه، خلقه ايّاه لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم، و لا مكان نهم ممّا يمتنع منه، و لافتراق الصانع و المصنوع، و الحادّ و المحدود. و الربّ و المربوب.»(7)و عن موسى بن جعفر (ع) مثله.
1) . الكافي 1: 140/ 6.
2) . و ذلك، لأنّه ان لم يكن مباينا، كان امّا مساويا، و المساوى لا يكون خالقا للمساوى؛ فان كان مساويا لكلّ شيء، فليس خالقا لشيء، و ان كان مساويا للبعض، لم يكن خالقا له، فلا يكون خالقا لكلّ شيء؛ و امّا اعمّ او اخصّ، و الأخصّ لا يكون خالقا للأعمّ، و الأعمّ شامل للأخصّ و جزء منه، فلا يكون أيضا خالقا لجزئه.
3) . البحار 3: 148/ 1.
4) . المصدر 3: 29/ 3.
5) . المصدر 87: 339/ 19.
6) . المصدر 4: 228/ 3.
7) . الكافي 1: 140/ 5.
و ذا الحجاب ليس ممّا يرتفع***إذ رفع ذاتىّ عن الذات امتنع
بان من الخلق فليس مثله***و أحدىّ الذّات لا شبه له
و ليس في آدم، جوهريّته***كمثل ما ليس عليه صورته
و قال الرضا (ع): «لا تشمله المشاعر، و لا يحجبه الحجاب، فالحجاب بينه و بين خلقه، لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم، و لإمكان ذواتهم ممّا يمتنع منه ذاته، و لافتراق الصانع و المصنوع، و الرب و المربوب، و الحادّ و المحدود.» (1)
و ذا الحجاب على ما عرفت، ليس ممّا يرتفع، إذ رفع ذاتىّ عن الذات امتنع، فإنّ هذا الحجاب من لوازم ذات الممكن، فلا يمكن ان يرتفع عنه ما دام ذات الممكن على امكانه. فما قال الحافظ الشيرازى- عليه ما عليه من المخازى: «تو خود حجاب خودى حافظ، از ميان برخيز»، من الأمانىّ الّتي القى في روعه و روع اهل مسلكه الشيطان، و لقد صدّق عليهم ابليس ظنّه، فاتّبعوه إلّا فريقا من المؤمنين.
و هو تعالى، بان من الخلق، فليس شيء مثله، قال امير المؤمنين (ع): الّذي بان من الخلق، فلا شيء كمثله.» (2)
و هو تعالى، أحدىّ الذات لا شبه له، فهو باين عن خلقه ذاتا، قال الصادق (ع) فى قوله تعالى:( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ، إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ...) الى قوله: (إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا)، فقال (ع): «هو واحد، احدىّ الذات، باين من خلقه، و بذاك و صف نفسه، و هو بكلّ شيء محيط بالاشراف و الاحاطة و القدرة، و لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السّماوات و لا في الأرض، و لا اصغر من ذلك و لا اكبر بالاحاطة بالعلم لا بالذّات؛ لأنّ الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة، فاذا كان بالذّات لزمه الحواية.» (3)
و قد حكم (ع) فى هذا الحديث بالبينونة الذاتيّة، مصرّحا بها مرّتين، معلّلا في الأولى بالأحديّة الذاتية، الّتي مقتضاها البينونة، و أنّه بذلك وصف نفسه، حيث قال:
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(4)و في الثانية، و هى تفسيره (ع) المعيّة بالاحاطة العلميّة دون الذاتيّة، و الانبساط الّذي توهّموه معلّلا باستلزام الاحاطة الذاتيّة الحواية، و يمكن ان
يراد بقوله (ع): «و بذاك وصف نفسه»؛ يعنى، فى هذه الآية؛ فإنّ كونه تعالى رابعا و خامسا و سادسا و كونه معهم يقتضي ان يكون غيرهم.
و كيف كان، فعلى قوله (ع)، حكم البينونة مستفاد من القرآن: امّا من هذه الآية، او من قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، فيدخل تحت قول موسى بن جعفر (ع) للبزنطى:
«يا احمد! لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره اللّه في كتابه.» الى ان قال:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )(1)، ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ، وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ، وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ، إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ... »(2)الحديث.
و عن محمّد بن النّعمان عن الصادق (ع) أيضا في قوله:( وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ...)(3)، قال (ع): «كذلك هو في كلّ مكان، قلت: بذاته؟ فقال:
ويحك! إنّ الأماكن اقدار، فاذا قلت في مكان بذاته، لزمك ان تقول في اقدار و غير ذلك، و لكن هو باين من خلقه، محيط بما خلق، علما و قدرة و احاطة و سلطانا ...» (4).
قوله (ع): «و غير ذلك»؛ اى من الجسميّة و الجزئيّة، و الحلول و الاتّحاد و الوحدة، و الزوال و الانتقال، و الحركة و السكون، و غير ذلك ممّا اوردنا على الانبساط.
و ليس في آدم؛ اى الانسان و آدم (ع)، جوهريّته كمثل ما ليس عليه صورته.
و قد تقدّم الحديث في انكار» أنّ اللّه خلق آدم على صورته». و امّا الجوهريّة: فعن يونس بن عبد الرحمن، قال:
«كتبت الى ابى الحسن الرضا (ع) عن آدم، هل فيه من جوهريّة الربّ شيء؟
فكتب (ع): ليس صاحب هذه المسألة على شيء من السّنة زنديق.» (5)و في سند آخر، قال: يونس بن بهمن، قال لى يونس بن عبد الرحمن: «اكتب الى ابى الحسن (ع)، فاسأله عن آدم، هل فيه من جوهريّة اللّه شيء؟ قال: فكتب إليه فاجاب (ع): هذه المسألة، مسألة رجل على غير السّنة. فقلت ليونس [بن عبد الرحمن] فقال: لا يسمع ذا اصحابنا، فيبرءون منك، قال يونس [بن بهمن]، قلت ليونس [بن عبد الرحمن]،
و إنّه من خلقه خلو كما***يكون منه الخلق خلوا، فافهما
ليس بمعبود يكون في الهواء***و لا بربّ من طريح في البلاء
لا يتجزّى، بل و ليس ينتمى***بقلّة و كثرة توهّما
يتبرّءون منّى أو منك؟» (1)يعنى، أنّ السّائل انت، لا انا.
و إنّه تعالى من خلقه خلو، كما يكون منه الخلق خلوا. فافهما! فعن عبد الأعلى عن الصادق (ع): «لا يدرك مخلوق شيئا إلّا باللّه، و لا تدرك معرفة اللّه الّا باللّه، و اللّه خلو من خلقه، و خلقه خلو منه.» (2)
و عن زرارة، عنه (ع): «إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلو من خلقه، و خلقه خلو منه، و كلّ ما وقع عليه اسم شيء ما خلا اللّه، فهو مخلوق، و اللّه خالق كلّ شيء، تبارك الّذي ليس كمثله شيء.» (3)و عن خيثمة عن ابى جعفر (ع) مثله، و عن ابى المعزى عن ابى جعفر (ع) مثله الى قوله: «فهو مخلوق»، و عن حماد بن عمرو النصيبى عن ابى عبد اللّه (ع): «لا خلقه فيه و لا هو في خلقه.» (4)
ليس بمعبود يكون في الهواء، و لا بربّ من طريح في البلا. قال الحسين (ع):
«ليس بربّ من طرح تحت البلاغ، و معبود من وجد في الهواء أو غير هواء.» (5)
قوله (ع): «البلاع» العبارة، حقيقتها غير معلومة، و قد ردّدها المجلسى (ره) بين محتملات: البلاغ: بمعنى ما يبلغ به حاجته؛ او ثوب يبلغ به كفايته؛ و التلاع: جمع التلعة، لأنّ الأصنام تنحت من الأحجار المطروحة تحتها؛ او اليراع: و هو شيء كالبعوضة؛ او النقاع: اى الغبار؛ او السماء، او البناء. و من اجل عدم معلوميّتها على التحقيق، عبّرت عنها في البيت «بالبلاء»، لاحتمال ان يكون البلاع تصحيفا منه.
لا يتجزّى، بل و ليس ينتمى بقلّة و كثرة، و لو توهّما؛ اى في الوهم و الاعتبار.
و القائل بالوحدة يقول بتجزّى الوجود اعتبارا، و بالوحدة في عين الكثرة و الكثرة في عين الوحدة. فعن ابى هاشم الجعفرى عن الجواد (ع):
«و لا يقال له قليل و لا كثير، لكنّه القديم في ذاته، لأنّ ما سوى الواحد متجزّى،
و حدّ عند خلق الأشياء كلّها***إبانة له إبانة لها
فهو مباين لمحدثاته***فى ذاته القديم أو صفاته
إذ ما هو المحدث مخلوق له***فكيف جاز فيه و هو قبله
فذاته ممتنع في ذاته***ما جاز في ذوات مخلوقاته
إذ افتراق الربّ و المربوب***و الحادّ عن محدوده وجوبىّ
لو جاز لم يبق هناك فضل***أصلا، و لا له عليها فضل
و اللّه لا متجزّى و لا يتوّهم بالقلّة و الكثرة، و كلّ متجزّى أو متوهّم بالقلّة و الكثرة، فهو مخلوق دالّ على خالقه.» (1)
و حدّ عند خلق الأشياء كلّها، إبانة له عن شبهة ايّاها، و إبانة لها عن شبهها ايّاه؛ فإنّ المحدود لا يشبه غير المحدود، و كذا العكس. قال امير المؤمنين (ع): «حدّ الأشياء كلّها عند خلقه ايّاها، ابانة لها من شبهه، و ابانة له من شبهها.» (2)
فهو تعالى، مباين لمحدثاته، فى ذاته القديم أو صفاته، فلا ذاته يشبه ذوات المحدثات، و لا صفاته تشبه صفاتها؛ إذ ما هو المحدث، مخلوق له، من الذوات و الصفات، فكيف جاز فيه و هو قبله؟ فقد كان ذاته موجودا قبل احداث هذا الذّات، فلا يمكن ان يفرض هذا الحادث، ذلك الذات القديم. و كذلك كانت ذاته مجرّدة عن هذه الصفة المخلوقة الحادثة؛ فلو فرضت صفة له أيضا إذن لتغيّر. قال امير المؤمنين (ع) و الرضا (ع): «و كيف يجرى عليه ما هو اجراه، او يعود فيه ما هو ابتدأه.» (3)
فذاته، ممتنع في ذاته ما جاز في ذوات مخلوقاته، من الصفات و الذوات؛ إذ افتراق الربّ و المربوب، و الحادّ عن محدوده، وجوبىّ لا محيص عنه عند العقل؛ اذ الربّ غير المربوب، و الحادّ غير المحدود، و هو قبله و جاعله، و لو كان مثله، لكان محدثا مخلوقا. و قد مرّ قول امير المؤمنين (ع) و موسى بن جعفر (ع) و الرضا (ع) لامتناعه ممّا يمكن و لافتراق الصانع عند قولى: «و كنهه التفريق».
لو جاز عليه ما يجوز على محدثاته، لم يبق هناك فصل بينه و بين مخلوقاته
فيستوى الصانع و الّذي صنع***و كافئ المبدع و الّذي بدع
لو كان ما قالوا من الملفوق***لم يعرف الخالق من مخلوق
و لا الّذي إن شاء ممّا أنشأه***بل فارق المنشئ، ما قد شيّه
أصلا، و لا له عليها فضل، لاستواء الجميع في الذات و الصفات فيستوى اذن الصانع و الّذي صنع، و كافئ المبدع و الّذي بدع. قال امير المؤمنين (ع):مباين لجميع ما احدث في الصفات، و ممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات.»(1)و قال (ع): «لا يقال له كان بعد ان لم يكن، فتجرى عليه الصفات المحدثات، و لا يكون بينها و بينه فصل و لا له عليها فضل، فيستوى الصانع و المصنوع، و يتكافؤ المبتدع و البديع.» (2)
لو كان ثابتا ما قالوا من الملفوق الّذي لفقته أوهامهم، لم يعرف الخالق من مخلوق، لاستوائها في الذات و الصفات، و لا الّذي إن شاء ممّا أنشأه؛ بل فارق المنشئ، ما قد شيّأه؛ عن فتح بن يزيد الجرجانى، عن ابى الحسن الهادى (ع)، قال:
«منشئ الأشياء، و مجسّم الأجسام و مصوّر الصور؛ لو كان كما يقولون، لم يعرف الخالق من المخلوق، و لا المنشئ من المنشأ فرق بين من جسّمه و صوّره و انشأه، اذ كان لا يشبهه شيء، و لا يشبه هو شيئا.» (3)
بسند آخر عنه (ع): «منشئ الأشياء و مجسّم الأجسام و مصوّر الصور، لو كان كما تقول المشبّهة، لم يعرف الخالق من المخلوق، و لا الرازق من المرزوق، و لا المنشئ من المنشأ، لكنّه فرق بين من جسّمه و صوّره و شيّأه و بينه، اذ كان لا يشبهه شيء.» (4)
و قال الصادق (ع) فى ردّ قول هشام: «لا جسم و لا صورة، و هو مجسّم الأجسام و مصوّر الصور، لم يتجزّء و لم يتناه، و لم يتزايد و لم يتناقض؛ لو كان كما يقول، لم يكن بين الخالق و المخلوق فرق، و لا بين المنشئ و المنشأ، لكن هو المنشئ فرق بين من جسّمه و صوّره و انشأه، اذ كان لا يشبهه شيء و لا يشبه هو شيئا.» (5)6.
توحيده، تمييزه عمّا خلق***ذاتا و وصفا بالذّي جاز و حقّ
تمييزه الحكم ببينونته***لا عزلة بل بين كينونته
إذ هو خالق و ربّ النّسمة***ليس بمخلوق و مربوب السّمة
فلم يباين عنه قدرة، و لا***علما و لا إحاطة و إن علا
توحيده، تمييزه عمّا خلق ذاتا و وصفا، اذ التوحيد ذاتىّ و وصفىّ، و اذا كان التوحيد في التمييز، كان ذلك له بكلا نوعيه، فالتّوحيد مطلقا، تمييزه عن خلقه بالذّي جاز و حقّ له عمّا لا يجوز، و لا يحقّ تمييزه الحكم ببينونته لا عزلة (1)مكانيّة او تدبيريّة؛ بل بين كينونته؛ اى الحكم بمباينته مع خلقه في الكينونة ذاتا و صفة؛ إذ هو خالق و ربّ النّسمة (2)، فلا يمكن عزله عن مخلوقه و مربوبه، و هو ليس بمخلوق و مربوب السّمة (3)، فلا يمكن استوائه مع المخلوق في الذات أو الصفة. قال أمير المؤمنين (ع): «دليله آياته، و وجوده اثباته، و معرفته توحيده، و توحيده تمييزه من خلقه، و حكم التمييز بينونة صفة، لا بينونة عزلة؛ إنّه ربّ، خالق غير مربوب مخلوق، ما تصوّر في الأوهام، فهو بخلافه.» (4)
قوله (ع): «بينونة صفة»، المراد بالصّفة، التوصيف، فيعمّ الذات و الصفات؛ يعنى، أن تمييزه، الحكم ببينونته في التوصيف، سواء كان توصيف ذاته أو صفته.
و قوله (ع): «أنّه ربّ، خالق، غير مربوب، مخلوق»، كانّه تعليل لكلا الحكمين: السّلبى، و هو أنّ البينونة ليست بعزلة، و الايجابى، و هو أنّ البينونة، بينونة صفة. و الى ذلك اشرت في البيت:
فلم يباين عنه؛ اى عمّا خلق، قدرة، و لا علما و لا إحاطة و إن علا؛ فإنّه مع علوّه، محيط بخلقه، علما و قدرة و ملكا و تدبيرا؛ كما مرّ عن الصادق (ع) فى قولى:
و إنّما امتاز و بان و افترق***ذاتا و وصفا عن جميع ما خلق
من ذاك كان جامع الأضداد***كالقرب و البعد بلا استبعاد
فهو مع الخلق على افتراق***مدبّر لهم بلا التصاق
مع أنّه كان على العرش استوى***دبّر ما تحت الثرى على السّواء
فمع علوّه قريب أمره***و مع دنوّه بعيد قدره
«و احدى الذات لا شبه له»، و إنّما امتاز و بان و افترق ذاتا و وصفا عن جميع ما خلق، لا خلقا و تدبيرا من ذاك، كان جامع الأضداد، كالقرب و البعد بلا استبعاد؛ فهو قريب فى بعده، و بعيد في قربه، فهو مع الخلق، و لكن على افتراق في الذات.» و الصفة، مدبّر لهم بلا التصاق بهم. قال امير المؤمنين (ع):
«لم يقرب من الأشياء بالتصاق، و لم يبعد عنها بافتراق.»(1)اى الافتراق في المكان.
و قال الحسين (ع): «فهو قريب غير ملتصق و بعيد غير متقص .(2)»(3)، و قال الرضا (ع): «فهو قريب غير ملتزق و بعيد غير متقصّ.» (4)
مع أنّه كان على العرش استوى، دبّر ما تحت الثرى على السّواء، قال الصادق (ع) فى قوله تعالى:( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى )(5)، استوى من كلّ شيء، فليس شيء اقرب إليه من شيء.» (6)
فمع علوّه، قريب أمره، و مع دنوّه بعيد قدره، ما قدروا اللّه حقّ قدره. قال رسول اللّه (ص) فى جواب نعثل: «نأى في قربه و قرب في نأيه.»(7)و عن ابى الحسن الثالث: «نأى في قربه، و قرب في نأيه؛ فهو في نأيه قريب، و في قربه بعيد.»(8)و عن الصادق (ع): «علا، فقرب، و دنا فبعد.» (9)و عنه (ع) أيضا: «فوق كلّ شيء علا، و من كلّ شيء دنا.» (10)و قال امير المؤمنين (ع): «سبق في العلوّ، فلا شيء اعلى منه؛ و قرب في9.
ليس مع الأشياء باقتران***و لا مباينا على مكان
أو بمسافة أو المزاولة***أو كان غائبا عن المحاولة
لا بعده بالعزل و المقاعسة***لا قربه بالوصل و الملامسة
يدخل في الأشياء غير مازج***ليس بخارج و لا بوالج
الدنو، فلا شيء اقرب منه، فلا استعلائه باعده عن شيء من خلقه، و لا قربه ساواهم فى المكان به.» (1)
ليس مع الأشياء باقتران له معهم، و لا مباينا على مكان يبعد عنهم، أو بمسافة يفصل عنهم، أو المزاولة يزاول الأمور بيده أو جارحته، أو كان غائبا عن المحاولة بنفسه. قال امير المؤمنين (ع): «كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كلّ شيء لا بمقارنة، و غير كلّ شيء لا بمزايلة.» (2)
و قال الحسين (ع): «هو في الأشياء كائن، لا كينونة محظور بها عليه، و من الاشياء باين، لا بينونة غائب عنها، قربه كرامة و بعده اهانة.» (3)
و قال الرضا (ع): الشّاهد، لا بحاسّة؛ البائن، لا ببراح مسافة؛ الباطن، لا باجتنان، الظاهر، لا بمحاذ.» (4)و قال (ع) أيضا: «باطن، لا بمزايلة؛ مباين، لا بمسافة؛ قريب، لا بمداناة.» (5)
لا بعده بالعزل و المقاعسة؛ اى التأخر و التباعد، لا قربه بالوصل؛ اى الاتّصال و الملامسة بالحلول أو غيره. قال امير المؤمنين (ع): «الّذي بان من الخلق، فلا شيء كمثله، المتعالى عن الخلق بلا تباعد، القريب منهم بلا ملامسة منه لهم.» (6)
و قال (ع): فى جواب ذعلب: «قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مباين.» (7)
و قال (ع): «لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن، و لم ينأ عنها فيقال هو منها
باين.» (1)و قال (ع) أيضا: «فلم يحلل فيها فيقال هو فيها كائن، و لم ينأ عنها فيقال هو منها باين و لم يخل منها فيقال له اين؟ و لكنّه سبحانه احاط بها علمه، و اتقنها صنعه، و احصاها حفظه.» (2)
و قال (ع): «و كيف يوصف بالأشباح، و ينعت بالألسن الفصاح من لم يحلل في الأشياء؟ فيقال هو فيها كائن، و لم ينأ عنها، فيقال هو عنها باين، و لم يخل منها فيقال اين؟ و لم يقرب منها بالالتزاق، و لم يبعد عنها بالافتراق؛ بل هو في الأشياء بلا كيفيّة، و هو اقرب إلينا من حبل الوريد، و ابعد من الشبهة من كلّ بعيد.» (3)
يدخل في الأشياء غير مازج بها، ليس بخارج منها خروج الاعتزال، و لا بوالج فيها ولوج شيء في شيء. قال امير المؤمنين (ع) فى جواب ذعلب:
«هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كلّ شيء، و لا يقال شيء فوقه، امام كلّ شيء، و لا يقال له امام، داخل في الأشياء، لا كشيء في شيء داخل، و خارج منها، لا كشيء من شيء خارج.» (4)
و قال (ع): «قريب في بعده، بعيد في قربه، داخل في الأشياء، لا كشيء في شيء، سبحان من هو هكذا و لا هكذا غيره.» (5)
و قال (ع) أيضا: «داخل في الأشياء، لا كشيء في شيء داخل، و خارج من الأشياء، لا كشيء من شيء خارج، سبحان من هو هكذا، و لا هكذا غيره، و لكلّ شيء مبدأ.»(6)و قال (ع) أيضا: «فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن، و تمكّن منها لا على الممازجة.»(7)
و قال (ع) أيضا: «ليس في الأشياء بوالج، و لا عنها بخارج.» (8)
و قال الصادق (ع): «فاللّه- تبارك و تعالى- داخل في كلّ مكان، و خارج من كلّ شيء.» (9)
و قد مضت أقوالهم في ذاته***من أنّ حدّ الخلق في إثباته
و أنّه شيء و موجود فقطّ***و لا يحدّ ذاته و لم يحط
المتأمّل في كلماتهم (ع) فى الفصول المتقدّمة، يستظهر منها أيضا مذاقهم في هذا الباب بما ليس باقلّ من التصريح، و قد اشرت إليها على الفهرس و الاجمال فقلت:
و قد مضت أقوالهم (ع) فى ذاته، فى هذا المقصد الثانى، من أنّ حدّ الخلق في المعرفة، فى إثباته تعالى خاصّة، و النّهى عمّا وراء ذلك، و عن الخوض فيه و التفكر في ذاته. و حدّ القول فيه: أنّه شيء و موجود فقطّ، بما يخرجه عن الحدّين: حدّ التعطيل و حدّ التشبيه. و من المعلوم، أنّ القول بأنّ ذاته الوجود، او أنّه منبسط، او وحدة في كثرة و كثرة في وحدة، خوض و تفكّر في الذات، و تعدّ عن الاثبات و خروج عن حدّ القول الى التفوه بالفضول.
و قولهم (ع): «انّه لا يحدّ ذاته»، كقول امير المؤمنين (ع): محرّم على بوارع ناقبات الفطن تحديده.»(1)و قوله (ع): «لبعده من ان يكون في قوى المحدودين.» (2)و قوله (ع): «فكلّ ما قدّره عقل أو عرف له مثل فهو محدود، و من زعم أنّ إله الخلق محدود، فقد جهل المعبود.» (3)و غير ذلك.
و من المعلوم أنّ من قال ذاته الوجود، سواء قال بالانفراد أو بالاشتراك او بالتّعدد، فقد حدّه بوجه ما. و قد قال (ع): «فكلّ ما قدّره عقل، او عرف له مثل، فهو محدود.»
و قولهم (ع): «انّه لم يحط»، كقوله تعالى:( وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً )(4)، مع تفسير الرضا (ع)، الاحاطة بما هو، اعمّ من الاحاطة بالكنه و التفصيل. قال (ع) فى رؤية البصر: و قد قال:( وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً )فاذا رأته الأبصار فقد احاطت به العلم،
فإن يحطه العلم، ذاتا أو صفة***تحقّقت منّا عليه المعرفة
و أنّه بكنهه لا يعرف***و باللّسان، ذاته لا يوصف
قد عجزت من دونه العبارة***و لا عليه تقع الإشارة
و إنّما يعرف بالآثار***و الذات لم يعلمه إلّا البارى
و أنّ ما بنفسه معروف***فهو بمصنوعيّة موصوف
و وقعت المعرفة.» (1)مع انّ الرؤية لا تحيط إلّا بالظاهر دون الكنه.
فإن يحطه العلم، ذاتا بان يعلم أنّه الوجود أو صفة، بان يعلم أنّه منبسط او واحد في كثرة، تحقّقت منّا عليه المعرفة، و ان لم تكن معرفة بالكنه.
و قولهم أيضا: «أنّه بكنهه لا يعرف»، و قد مرّت في ذلك عنهم (ع) اخبار كثيرة.
و قد مرّ هناك أيضا أنّ الاكتناه اعمّ من الاكتناه بتمام الحقيقة، و إلّا فلا يفرق بينه و بين العقل و الروح و النّفس، بل و سائر الأشياء.
و قولهم (ع): «أنّ باللّسان، ذاته لا يوصف»، الى آخره، قال امير المؤمنين (ع):
«لا يحويه مكان، و لا يصفه لسان ...»(2)الحديث.
قال ابو الحسن الثالث (ع): فهو بالموضع الّذي لا يتناهى، و بالمكان الّذي لم يقع عليه النّاعتون باشارة و لا عبارة، هيهات هيهات!» (3)
و القائل بالوجود، قد وصفه باللّسان، و عبّر عنه به، و اشار به إليه. و قد قال امير المؤمنين (ع): «و من اشار إليه، فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه.» (4)
و قولهم (ع): «أنّه إنّما يعرف بالآثار الخ، كقول الصادق (ع): «و لا يعرف الا بخلقه»(5)، و قوله (ع): «سبحان من لا يعلم كيف هو إلّا هو.» (6)
و قولهم (ع): «أنّ ما بنفسه معروف»(7)الى آخره، كقول امير المؤمنين (ع): «ليس باله من عرف بنفسه.» ، و قول الرضا (ع): «كل معروف بنفسه مصنوع.» (8)
و كلّ شيء يطلق الشّيء له***خلق سوى الإله و اضمم قوله
لا يوصف اللّه بخلقه كما***ليس بموصوف بكيف أو بما
فلا يجوز أن يقال ما هو؟***و إذ أبوا عن السّكوت تاهوا
و قولهم (ع): «و كلّ شيء يطلق» الى آخره ...، قال الكاظم (ع): «كلّ شيء سواه مخلوق»(1)، و قال الصادق (ع): «و كلّ شيء وقع عليه اسم شيء، فهو مخلوق، ما خلا اللّه.» (2)و اضمم إليه قوله؛ اى قول النبيّ (ص): «لا يوصف اللّه بخلقه»، اى بشيء هو مخلوقه، كما ليس بموصوف بكيف. قال الصادق (ع): قال رسول اللّه (ص): «كيف اصف ربّى بالكيف، و الكيف مخلوق؟ و اللّه لا يوصف بخلقه.» (3)
و على هذا، فالوجود ممّا يوصف به الخلق، و يقع عليه اسم الشيء، فان كان مفهوما عامّا، فهو كالشّيء لا مانع عن اطلاقه عليها، و ان فرض متأصّلا، فامّا لا يجوز اطلاقه على اللّه، لأنّه ممّا يوصف به المخلوق، فهو مخلوق، او على الخلق، لأنّه ذات اللّه، و لا يشارك في ذاته، و كما لا يوصف عندهم بكيف، كذلك لا يوصف بما، فلا يفرق في توصيفه بكيف أو بما. قال امير المؤمنين (ع): «و لم يوصف باين و لا بما و لا بمكان.» (4)فلا يجوز أن يقال ما هو؟ قال موسى بن جعفر (ع): «و من قال ما هو؟ فقد نعته.»(5)و قد تقدّم قول الصادق (ع): «الحقّ الّذي تطلب معرفته من الاشياء ...» (6)
و قال امير المؤمنين (ع): «لا يقال له اين؟ لأنّه ايّن الأين، و لا يقال له كيف؟ لأنّه كيّف الكيف، و لا يقال له ما هو؟ لأنّه خلق الماهيّة، سبحانه من عظيم تاهت الفطن في تيّار امواج عظمته ...» (7)
اقول: المراد بالماهيّة الّتي جعلها تفسيرا و ملزوما لما هو، هى التعيّنات النوعيّة و الفرديّة؛ اذ قولك لشيء، ما هو؟ لا يخلو عنها، و هى أيضا كالكيفيّة مخلوقة، فلا يمكن ان يقال ما هو؟ الا مع تصوّر شيء من التعينات المميزة، سواء قيل بأنّه وجود او شيء آخر. و ان حملوها على الماهيّة المصطلحة المقابلة للوجود، مع عدم معهوديّة
كذاك وصفه بغير ما وصف***و أنّه بالعقل ليس ينكشف
و كلّ ما تصوّر الوهم له***فهو خلافه و مخلوق له
هذا الاصطلاح في ذاك العصر، فالحديث صريح على تأصّل الماهيّة للتّنصيص بانّها مخلوقة، و الخلق ظاهر في التأصّل، دون الاعتبارى أو الانتزاعى التبعى.
و حينئذ، فان تمّ الدليل على تأصّل الوجود أيضا، فهما متأصّلان، او تمّ على انحصار التأصّل لأحدهما فقط، فالمتأصّل هى الماهيّة دون الوجود، و لكنّهم إذ أبوا عن السّكوت، و لم يقنعوا بمحض الثبوت، تاهوا فيه؛ كما اشار امير المؤمنين (ع) فى كلامه و تقدّمت امثاله في محلّه.
كذاك لا يجوز وصفه بغير ما وصف، و قد مرّت في ذلك عنهم (ع) اخبار كثيرة، منها: قول الرضا (ع): «من وصف اللّه بغير ما وصف به نفسه، فقد اعظم الفرية على اللّه، و اللّه تعالى لم يصف نفسه بالوجود و لا خلقه بالبسط، بل قال:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(1)، و قال: (اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ )(2).
و قولهم (ع): «أنّه تعالى بالعقل ليس ينكشف، و أنّ كلّ ما تصوّر الوهم له، فهو تعالى خلافه، و ذاك مخلوق له، لأنّ الوهم، لا يتصوّر إلّا المخلوق، و لا يدخل في الوهم الّا المخلوق.
و قد مرّت في ذلك أيضا اخبار، منها: قول امير المؤمنين (ع) آنفا: «ما تصوّر، فهو بخلافه.»(3)و قول الحسين (ع): «ما تصوّر في الأوهام فهو خلافه.»(4)و قول الصادق (ع):
«من عبد اللّه بالتوهّم، فقد كفر.»(5)و قول الرضا (ع): «ما توهّمتم من شيء، فتوهّموا اللّه غيره.»(6)و قال الصادق (ع): «و لا يقع عليه الأوهام، و لا تصفه الألسن، فكلّ شيء حسّته الحواسّ، او جسّته الجواسّ، او لمسته الأيدى، فهو مخلوق.» (7)
و معنى قوله (ع): «مخلوق»، ما ذكرنا من أنّ الوهم، لا ينال إلّا المخلوق، لا انّه
أمّا الّذي يقول بالوجود***فمدّع لعلم أو شهود
قد حدّه و إن أبى التحديدا***شبّهه و إن رأى التوحيدا
و خاض فيه بل بكنه عيّنه***و إن يقل ليس الوجود يكتنه
مخلوق للوهم، فإنّه و ان كان كذلك، الّا أنّ النّظر في الموهوم و المعقول من حيث نفسه، لا من حيث كونه في الوهم أو في العقل؛ و بعبارة اخرى، النّظر الى الوهم من حيث الطريقيّة لا النفسيّة، فإنّ من يعبد بالتوهّم، لا يعبد الصورة الموهومة له بما هى صورة في وهمه، بل بما هى حاكية عن الواقع بزعمه.
و امّا ما يروونه كلّ ما ميّزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مخلوق لكم، مردود إليكم، فالى الآن لم اظفر به (1). فلو صحّ، فالنّظر فيه من حيث الواقعيّة؛ يعنى، أنّه حيث يكون موهوما، فلا واقعيّة له، فليس إلّا جهة المخلوقيّة، فهو مخلوق لكم، مردود إليكم. هذا مذهب اهل البيت (ع).
أمّا الّذي يقول بالوجود، سواء خصّه به تعالى أو يعمّه، و غيره على الوحدة او التعدّد فمدّع لعلم به، ان لم يكن من اهل الكشف أو شهود، ان كان من اهله، كيف يوافق قوله قولهم (ع)؟ و هذا القائل قد حدّه بمحض قوله بأنّه الوجود. و إن أبى التحديدا في ظاهر قوله، مثل ان يقول هو الوجود المطلق، فإنّ محض قوله بأنّه وجود تقدير في العقل. و قد قال امير المؤمنين (ع): «فكلّ ما قدره عقل، او عرف له مثل، فهو محدود.»(2)و يكفى في كونه محدودا، أنّه عنده وجود لا غيره، و هذا القائل لو كان من اهل الكشف، فالتّحديد ظاهر؛ اذ لا يمكن الكشف بالقلب بدون التحديد.
و قد شبّهه أيضا، و إن رأى التوحيدا و قال أنّه واحد لا شبه له، اذا كان قائلا بوحدة الوجود أو تعدّده. و خاض هذا القائل فيه؛ اى في ذاته على خلاف نهيهم (ع) عنه؛ بل بكنه عيّنه، حيث قال: «هو الوجود»، و إن يقل ليس الوجود يكتنه؛ كما قال السّبزوارى: «و كنهه في غاية الخفاء» فإنّه لا ينفعه في عدم الاكتناه بعد تعيين ذاته في
1) . حكى القشيرى امام الصوفيّة في رسالته (باب التوحيد، ص 124) هذه العبارة عن الشبلى، ذكر من جملة كلام الشبلى في التّوحيد، أنه قال: «و كلّ ما ميّزتموه باوهامكم و ادركتموه بعقولكم في اتمّ معانيكم، فهو مصروف، مردود إليكم، محدث، مصنوع مثلكم.» و صحّ ذلك منه، فهو متّخذ من منبع الوحى، و فهمه اقصر من ذلك.
2) . البحار 4: 294/ 22.
بل كيف جاز أن يقول هو هو***لو لم يحقّق الوجود كنهه؟
و ما به الصادق (ع) ردّ الثنوى***رد لهذا القول بالحكم السّوىّ
مقالة الوحدة قد تشابهت***مقالة القوم و إن تألّهت
كأنّها الأصل و ذى مقتبسة***أو هى في عبارة مدلّسة
الوجود، لما عرفت من صدق الاكتناه على مجرّد التعيين.
بل كيف جاز أن يقول هو هو؛ اى هو الوجود، لو لم يحقّق الوجود كنهه؟ فإنّهم اذا لم يعرفوا حقيقته، فمن اين عرفوا أنّه هو؟ فإن اجابوا بأنّ هذا المقدار من المعرفة بمقتضى التحليل، فقد ركنوا الى تعليل عليل، فإنّ التحليل ليس إليه من دون الاختبار سبيل.
و الحاصل: أنّهم وقعوا في محذورين، إن تخلّصوا من احدهما، وقعوا في الآخر، و هما الجمع بين القول بأنّه الوجود و القول بعدم اكتناهه. فان قالوا بالاكتناه، فقد وقعوا فى محذور التحديد؛ بل القائل بالكشف لا معدل له عنه؛ و ان قالوا بعدمه، فقد احالوا على انفسهم القول بأنّه الوجود؛ لأنّه قول عن ضلالة، حيث عرّفوه بشيء لم يعرفوا حقيقته. قال الصادق (ع): «فمن زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف، فهو ضالّ في المعرفة.» (1)
و ما به الصادق (ع) ردّ الثنوى، رد لهذا القول بالحكم السّوىّ بينهما، لاستوائهما في وجه الفساد. مقالة الوحدة، قد تشابهت مقالة القوم؛ اى الثنويّة، و إن تألّهت؛ اى اظهرت الإلهيّة و انتحلتها؛ فإنّهم يظهرون التوحيد و التألّه، و من تأمّل المقالتين، يرى مقالة الثنوية كأنّها الأصل و ذى؛ اى الوحدة مقتبسة منها، أو أنّها هى فى عبارة مدلّسة. فالفرق في تغيير العبارة. و ذلك لأنّ الثنويّة قالوا بالنّور و الظلمة، و أنّ النّور منشأ للخير، و الظلمة منشأ للشّرور؛ و هؤلاء قالوا بالوجود و الماهيّة. و أنّ الوجود منشأ كلّ خير، و الماهيّة منشأ كلّ ظلمة؛ ثمّ صرّحوا في كثير من كلماتهم بأنّ الوجود نور، و الماهيّة ظلمة، تفسيرا بلازمهما.
1) . البحار 4: 160/ 6.
و امّا ما قال الصادق (ع) فى ردّ الثنويّة، ففى الاحتجاج عن هشام بن الحكم، فى حديث طويل، أنّه سأل الزنديق عن قول من زعم أن اللّه لم يزل طينة موذية، فلم يستطع التفصّي عنها إلّا بامتزاجه بها، و دخوله فيها، فمن تلك الطينة خلق الأشياء؟
قال (ع): «سبحانه اللّه تعالى ما اعجز إلها يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصي من الطينة، ان كانت الطينة حيّة ازليّة، فكانا إلهين قديمين، فامتزجا و دبّر العالم من انفسهما؛ فان كان ذلك كذلك، فمن اين جاء الموت و الفناء؟ و ان كانت الطينة ميتة، فلا بقاء للميّت مع الأزلى القديم، و الميّت لا تجئ منه حىّ. هذه مقالة الديصانيّة اشدّ الزنادقة قولا و اهملهم مثلا، نظروا في كتب قد صنفتها اوائلهم و حبروها لهم بألفاظ مزخرفة من غير اصل ثابت، و لا حجّة توجب اثبات ما ادّعوا كلّ ذلك، خلافا على اللّه و على رسله، و تكذيبا بما جاءوا به عن اللّه.
فامّا من زعم أنّ الأبدان ظلمة، و الأرواح نور، و أنّ النّور لا يعمل الشرّ، و الظلمة لا تعمل الخير، فلا يجب عليهم ان يلوموا احدا على معصية، و لا ركوب حرمة، و لا اتيان فاحشة؛ و إنّ ذلك على الظلمة غير مستنكر؛ لأنّ ذلك فعلها، و لا له ان يدعوا ربّا و لا يتضرّع إليه؛ لأنّ النّور ربّ، و الرب لا يتضرّع الى نفسه، و لا يستعيذ بغيره، و لا لأحد من اهل هذه المقالة ان يقول احسنت و اسأت، لأنّ الإساءة من فعل الظلمة، و ذلك من فعلها، و الإحسان من النّور و لا يقول النّور لنفسه احسنت يا محسن، و ليس هناك ثالث؛ فكانت الظلمة على قياس قولهم احكم فعلا، و اتقن تدبيرا، و اعزّ اركانا من النّور؛ لأنّ الأبدان محكمة، فمن صور هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة، و كلّ شيء يرى ظاهرا من الزهر و الأشجار و الثمار و الطير و الدوابّ، يجب ان يكون آلها، ثمّ حبست النّور في حبسها، و الدولة لها و ما ادّعوا
بأنّ العاقبة سوف تكون للنّور فدعوى. و ينبغى على قياس قولهم ان لا يكون للنّور فعل، لأنّه اسير، و ليس له سلطان، فلا فعل له و لا تدبير؛ و ان كان له مع الظلمة تدبير، فما هو باسير، بل هو مطلق عزيز؛ فان لم يكن كذلك، و كان اسير الظلمة، فإنّه يظهر في العالم احسان و خير مع فساد و شرّ، فهذا يدلّ على أنّ الظلمة تحسن الخير و تفعله، كما تحسن الشرّ و تفعله.
فان قالوا: محال ذلك، فلا نور يثبت و لا ظلمة و بطلت دعواهم و يرجع الأمر الى أنّ اللّه واحد و ما سواه باطل، فهذه مقالة مانى الزنديق و اصحابه.
و امّا من قال النّور و الظلمة بينهما حكم، فلا بدّ من ان يكون اكبر الثلاثة الحكم، لأنّه لا يحتاج الى الحاكم، الّا مغلوب او جاهل أو مظلوم؛ و هذه مقالة المرقوبيّة، و الحكاية عنهم تطول.
قال فما قصّة مانى؟ قال (ع): متفحّص اخذ بعض المجوسيّة، فشابها ببعض النصرانيّة، فأخطأ الملّتين، و لم يصب مذهبا واحدا منها، و زعم أنّ العالم دبّر من إلهين نور و ظلمة، و أنّ النّور فى حصار من الظلمة على ما حكينا منه، فكذبته النصارى و قبلته المجوس ...» (1)الخبر.
قد حكى (ع) عن الثنويّة ثلاثة مذاهب، و هو (ع) اصدق الصادقين، و اعلم من غيره بالزّنادقة و المنافقين، مع أنّه في مقام تقرير أصول مذاهبهم، فلا ينافى ما نسب إليهم، و حكى عنهم اهل الملل و النّحل من المذاهب و اشياء اخر، فإنّها من اضافات الشعب و التوابع.
و كيف كان، فمن تأمّل في مقالة الوحدة و مقالة الثنويّة على ما حكى (ع) عنهم حق التأمّل، لا يرى بينهما تفاوتا إلّا في اللفظ؛ فإنّهم عبّروا بالنّور و الظلمة، و هؤلاء5.
1) . البحار 3: 209/ 5.
و بعد ذا التفصيل في إبطالها***ليس مجال الريب في ضلالها
و اتّضح الحقّ لمن تقبّله***من يضلل اللّه فلا هادى له
فاشهد بكفر القول إن لم تشهد***بكفر بعض من تراه الاوحدىّ
عبّروا بالوجود و الماهيّة، و اسندوا الخير و الشر إليهما، حتّى أنّ الطينة الّتي قال بها الديصانيّة بعينها، كالأعيان الثابتة و الصّور العلميّة الّتي قال بها العرفاء، الّا أنّهم لم يعبّروا بعدم استطاعة التفصّى إلّا بالامتزاج بها.
و ممّا نسب الناسبون الى الثنويّة الديصانيّة، ممّا ينطبق على مقالة هؤلاء، انّهم قالوا أنّ النّور يفعل الخير قصدا و اختيارا، و الظلام يفعل الشّر طبعا و اضطرارا؛ و أنّ النّور حىّ، عالم، قادر، حسّاس، درّاك، و منه تكون الحركة و الحياة؛ و الظلام، ميّت، جاهل، عاجز، جماد، موات، لا فعل لها و لا تميز، و ما من خير و نفع و طيب و حسن، فمن النور؛ و ما كان من شرّ و ضرّ و نتن و قبيح فمن الظلام.
و بعد ذا التفصيل في إبطالها؛ اى ابطال مقالة وحدة الوجود، ليس مجال الريب في ضلالها، و لعمرى! إنّ ظهور كفرها، اظهر من كفر ابليس، و اتّضح الحقّ لمن تقبّله، و لم ينكل عنه؛ و لكن من يضلل اللّه، فلا هادى له، فاشهد بكفر القول خاصّة، إن لم تشهد بكفر بعض من تراه الاوحدىّ، تعلّلا بان كفر القول لا يستلزم كفر القائل.
و هذه وصيّة منّى لمن ظهر لديه الحقّ، بان لا يستنكف عن الحكم بكفر هذه المقالة؛ فإنّ كثيرا ممّن عرف الحقّ، و عرف كفرها، يتزلزل في الحكم بكفرها صريحا؛ و ذلك لأنّهم يرون كثيرا ممّن يذعنون بتشيّعهم، و هم الأوحديّون في العلوم و الفنون، قد ابتلوا بهذه الفتنة، و يعظم عليهم تكفير هؤلاء، فيستنكفون عن الحكم الصريح، مخافة ان ينقض عليهم بامثالهم، او يشملهم، فكانوا قد استخفوا باجلالهم. و فيهم من يتأبّى عن الشهادة تعصّبا، و ذلك اخزى، فيفرق بين الشيعة و غير الشيعة.( تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى )(1).
و قد تكلّفت للأوّلين سبيلا للتّخلّص عن هذه الوسوسة، فقلت: فان لم تشهد بكفر القائل، فقلت:2.
1) . النجم 53: 22.
فقل: بأنّ القول كفر و ردى***و شبّه الحقّ على من اهتدى
و الحقّ عن تعصّب لا تدعا***فإنّه أحقّ أن يتّبعا
لا تكتم العلم و لا الشّهادة***فى حجّة و لو على جرادة
فقل: بأنّ القول في نفسه، كفر و ردى، و لكن شبّه الحقّ على من اهتدى؛ فإنّ الحدود تدرأ بالشّبهات. و مع ذلك لى فيه (1)نظر، فإنّ شبهة الكفر ليس كسائر الشّبهات ممّا يعذر صاحبها.
و امّا المتعصّبون، فقد انذرتهم بقولى: و الحقّ عن تعصّب لا تدعا، فإنّه أحقّ أن يتّبعا بان يراعى حقّه؛ يعنى، أنّ الحق، اولى بالرّعاية في اظهاره و اعلانه ممّن يدخل في اهل الحقّ، فيستر عليه باسراره و كتمانه؛ فإنّ في كتمان الحقّ ضرر عظيم و فساد كبير، و اظهاره أيضا، و ان كان يلازم الضرر، الّا أنّه اهون؛ لأن ضرره شخصى، و ضرر الكتمان نوعىّ، لما فيه من اغراء العوام بالجهل و شيوع الفتنة. و مع ذلك مخالف لنصّ القرآن؛ كما اشرت إليه بقولى:
لا تكتم العلم و لا الشّهادة في حجّة و لو على جرادة؛ اى و لو كان العلم و الشهادة في امر جرادة، قال اللّه تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)(2). و قال: (لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(3). و قال: (وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ).(4)و قال:( وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)(5). و قال: (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)(6). و قال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ )(7).(8)ى.
1) . و قد مرّ في فصل النّهى عن الخوض، قول الباقر (ع): «و عسى ان يتكلّم الرجل بالشيء لا يغفر له» (بحار 2: 127/ 5).
2) . بقرة 2: 155.
3) . بقرة 2: 40.
4) . طلاق 65: 2.
5) . بقرة 2: 284.
6) . بقرة 2: 135.
7) . النساء 4: 135.
8) . و قد ظفرت بكلام للعلامة المامقانى في رجاله، صرّح بنحو ممّا ذكرته، قال قدس سره، فى ترجمة ابى بصير (يحيى بن ابى القاسم): ان الأمر اذا دار بين اخفاء الحق و إساءة الأدب مع جليل لزم ترك الاول و الأخذ بالثانى.
و أمّا الاتّحاد و الحلول***فما لهم حجّة أو أصول
و إنّما ادّعاهما من ادّعى***على الغلوّ لا لبرهان دعا
قالوا بانّ المرء باجتهاده***يبلغ حدّا فاز باتّحاده
و من تزكّى قلبه و لبّه***يحقّ ان يحلّ فيه ربّه
و الدفع، ظاهر بما تقدّ***ماو ما سيأتى في المكان فافهما
و أمّا الاتّحاد و الحلول، فما لهم عليهما حجّة أو أصول يبنونهما عليهما، كما بنى القائلون بالوحدة مقالتهم على اصول مهّدوها؛ و إنّما ادّعاهما من ادّعى على الغلوّ في نفسه أو فيمن ادعاهما له نظير مدّعى النبوّة و الامامة، بل الالوهيّة؛ بل ليس الّا دعوى الالوهيّة. فامثال هذه الدعاوى ليس مبتنية على برهان عقلى أو اصل وهمى، بل ليس إلّا محض الغلوّ و طلب الرئاسة، لا لبرهان دعا الاتّحاد أو الحلول، و لكنّهم لما طلبوا صيد العوام، زيّنوا ذلك لأذواقهم بشيء من الأوهام.
قالوا: بانّ المرء باجتهاده في الرياضة و العبادة، يبلغ حدّا، فاز باتّحاده مع الربّ؛ كما تقول الصوفيّة: «إنّ العارف الكامل بكماله، يبلغ حدّا يمكنه شهود المعبود بصفاء قلبه المحدود.» هذا الاتّحاد.
و امّا من ادّعى الحلول، فيقول: «و من تزكّى قلبه و لبّه بالتصفية و التزكية و الرياضات و العبادات، يحقّ ان يحلّ فيه ربّه؛ كما قالت الصوفيّة: أنّ الكامل، يبلغ حدّ النبوّة و الامامة، و يصير كأحد اولى العزم، لكن لا على وجه حلول روحه او التناسخ، بل على انطباق النوعيّة و الولاية الكليّة. قال المولوى:
از رياضت نى توان اللّه شدمىتوان موسى كليم اللّه شد على احد الوجهين في معناه، و قال أيضا: هر روز به شكلى بت عيّار بر آيد ...»
و الدفع: ظاهر بما تقدّما في ذاته تعالى، من انّه ليس بجسم و جوهر و عرض و لا محدود، و القولان يقتضيان ذلك، و يزيد الاتّحاد باستلزامه، امّا صيرورة القديم حادثا أو الحادث قديما، و كلاهما محال. و ما سيأتى في المكان، من أنّه ليس له محلّ و لا مكان يظهر به دفعهما أيضا. فافهما وجه الدفع!
حياته تعالى و غناه من ضروريّات الاسلام. قال اللّه تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(1). و قال: (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)(2). و قال: (وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ)(3). و قال: (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ)(4). و قال:( وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(5).
و لكنّ الاختلاف بين الأشاعرة و غيرهم في معنى حياته و كيفيّته. قال المجلسى (ره):
«قالت الحكماء: الحىّ في حقّه تعالى، هو الدراك الفعّال؛ و عند المتكلّمين من المعتزلة و الشّيعة كونه تعالى منشأ للعلم و الإرادة؛ و بعبارة اخرى: كونه تعالى بحيث يصحّ ان يعلم و يقدر؛ و قالت الأشاعرة: صفة توجب صحّة العلم و القدرة.» انتهى.
اقول: امّا قول الأشاعرة، فهو باطل عندنا، على ما سيأتى من أنّ صفاته تعالى غير زائدة على الذّات؛ و امّا القولان الآخران، فهما تعبير عن اللّازم، و مرجعهما واحد.
و التحقيق في الحياة، أنّها كالفناء، ليست إلّا وصفا انتزاعيّا، قد يعبّر عنهما بلفظ ثبوتىّ، فيقال: حىّ غنىّ؛ و اخرى بلفظه سلبىّ، فيقال: ليس بميّت و ليس بفقير؛ فالحياة كالبقاء ليست إلّا صرف الثبوت. و امّا منشئيّة العلم و الإرادة، فهى ليست من
و الصانعيّة اقتضت حياته***و أنّه كان الغنىّ ذاته
كذا القديم عنهما لا ينثنى***فذاته بالذّات حىّ و غنىّ
لو لم تكن حياته من الأزل***أو لم تدم لكان بالغير حصل
بل هو حىّ الذات، جلّ ذاته***ليست بغير ذاته حياته
خواصّ الحياة، بل هى فيه تعالى من خواصّ الذات بما هى ذات، لا بما هى ثابتة له الحياة؛ بل لا يبتنى ثبوتهما له عليها لو لا ثبوتهما بالذّات، لعدم استلزامها لهما فيما نشاهد ممّا له حياة. نعم، هى شرط للاتّصاف بهما في غيره تعالى، و من اجل عدم الاستلزام، ترى المتكلّمين يستدلّون لها في مقام الاثبات بالعلم و الإرادة قضاء للاشتراط، و عندى أنّ ما هو المقتضى للعلم و الإرادة، هو المقتضى للحياة و الفناء، فالدّليل عليهما عقلا هى الصانعية و القدم. كما قلت:
و الصانعيّة اقتضت حياته، و أنّه كان الغنىّ ذاته، اذ الميّت المعدوم لا يصنع شيئا، و اذا كان فقيرا كان محدثا مصنوعا لما تقدّم، و المصنوع لا يكون صانعا للعالم، كذا القديم عنهما لا ينثنى؛ اى لا ينفكّ؛ اذ لو لم يكن حيّا أو كان فقيرا، لم يكن قديما لما تقدّم في خواصّ القديم، فالقدم أيضا بنفسه يقتضي الحياة، و الغنى فذاته إذن بالذّات حىّ و غنىّ لا بالغير، لأنّ القدم ليست إلّا حيث الذات، و الصانعيّة ليست الّا بالذّات؛ فيكونان إذن بالذات، و اذا كانا بالذات كانا ثابتين له ازلا و ابدا، لأنّ ما بالذّات لا يتغيّر، و قد تقدّم الكلام في التوحيد في خواصّ ما بالذّات. ثمّ شرعت في تفصيل كلّ منهما و التعليل له بالخصوص، فقلت في الحياة:
لو لم تكن حياته من الأزل؛ اى لم تكن ازليّة، أو لم تدم؛ اى لم تكن ابديّة، لكان بالغير حصل، امّا في جهة الابتداء فاظهر، و امّا في الآخر، فلأنّها لو كانت منقطعة، لكانت منقطعة بالغير، و لو كانت منقطعة بالغير، لكانت مبتدئة بالغير أيضا؛ اذ كلّ ما كان عدمه بالغير، فوجوده أيضا بالغير، فلا بدّ ان تكون حياته تعالى، ازليّة، ابديّة، كما هو مقتضى القدم أيضا على ما بيّنا.
نعم، الصانعيّة بمجرّدها لا تقتضى الأبديّة، الّا أنّها حيث كانت له تعالى ذاتيّة على ما قرّرناه، تقتضى ذلك أيضا، اذ الصانعيّة اقتضت الحياة للذّات، بالذّات، فتثبت له ما دام الذات؛ بل هو تعالى، حىّ الذات، جلّ ذاته؛ يعنى، أنّ ذاته ذات حىّ، ليست بغير ذاته حياته، فليس حيّا بحياة؛ كما يقوله الأشعرى. قال الصادق (ع):
حىّ لنفسه فلا محيى له***و لا له موت و لا مفنى له
لا كيف في حياته لا حادثة***بعلّة قديمة أو محدثة
«و اللّه نور لا ظلام فيه، و حىّ لا موت فيه، و عالم لا جهل فيه، و صمد لا مدخل فيه؛ ربّنا نورى الذات، حىّ الذات، عالم الذات، صمدىّ الذات»(1)، حىّ لنفسه فلا محيى له.
كما قال موسى بن جعفر (ع): «بل حىّ لنفسه، و مالك لم تزل له القدرة.» (2)
و لا له موت و لا مفنى له، فعن جابر عن ابى جعفر (ع)، قال:
«انّ اللّه- تبارك و تعالى- كان، و لا شيء غيره، نورا لا ظلام فيه، و صادقا لا كذب فيه، و عالما لا جهل فيه، و حيّا لا موت فيه، و كذلك هو اليوم، و كذلك لا يزال ابدا.» (3)
و عن جابر، عنه (ع) أيضا، قال: «إنّ اللّه نور لا ظلمة فيه، و علم لا جهل فيه، و حياة لا موت فيه.» (4)
و قال الصادق (ع): «هو نور لا ظلمة فيه، و حياة لا موت فيه، و علم لا جهل فيه.» (5)و قال (ع) أيضا: «إنّ اللّه علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه.» (6)
و قال يونس للرّضا (ع): روينا أنّ اللّه علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه. قال (ع): كذلك هو.» (7)
و قال ابن ابى عمير لموسى بن جعفر (ع): يا ابن رسول اللّه! علّمنى التوحيد! فقال (ع): يا أبا احمد! لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره اللّه في كتابه فتهلك؛ و أنّه الحىّ الّذي لا يموت، و القادر الّذي لا يعجز، و القاهر الّذي لا يغلب، و الحليم الّذي لا يعجل، و الدائم الّذي لا يبيد، و الباقى الّذي لا يفنى، و الثابت الّذي لا يزول، و الغنىّ الّذي لا يفتقر.» (8)
لا كيف في حياته و لا هى حادثة، سواء فرض حدوثها بعلّة قديمة أو محدثة لما تقدّم تعليله. قال الباقر (ع):
«كان لم يزل حيّا بلا كيف، و لم يكن له كان، و لا كان لكونه كيف، لم يزل حيّا بلا
و ما هو القديم قبل كلّ شيء***ذاتا و وصفا و وجودا و هو حىّ
كان غنيّا مطلقا لذاته***بذاته في الذات أو صفاته
فما له من حاجة إلى أحد***و الكلّ محتاج إلى الفرد الصمد
و كلّ محتاج بما سواه***يكون محدثا بمن سواه
حياة، و ملكا قادرا قبل ان ينشئ شيئا، كان حيّا بلا حياة حادثة، و لا كون موصوف و لا كيف محدود، لا يحدّ و لا يبعض و لا يفنى، كان أوّلا بلا كيف، و يكون آخرا بلا اين و كلّ شيء هالك إلّا وجهه.» (1)
و قال موسى بن جعفر (ع): «ان اللّه لا إله إلّا هو، كان حيّا بلا كيف و لا اين، كان إلها حيّا بلا حياة حادثة، فكان اللّه حيّا بلا حياة حادثة و لا كون موصوف، و لا كيف محدود، و لا اين موقوف، و لا مكان ساكن، بل حىّ لنفسه، و مالك لم تزل له القدرة، انشأ ما شاء حين شاء. بمشيّته و قدرته، كان أوّلا بلا كيف، و يكون آخرا بلا اين، و كلّ شيء هالك إلّا وجهه، له الخلق و الأمر تبارك اللّه ربّ العالمين.»(2)هذا التفصيل في حياته تعالى.
و ما هو القديم قبل كلّ شيء ذاتا و وصفا و وجودا؛ اى ذاته قبل كلّ ذات، و وجوده قديم بالذات، و صفاته قديمة بالذات، و هو حىّ كذلك قدما و بالذّات، كان لا محالة غنيّا مطلقا لذاته لا لغيره، بذاته لا بغيره في الذات أو صفاته، بيان لقولى:
«مطلقا»؛ يعنى، أنّ الّذي قديم في وجوده و ذاته و صفته، يكون لا محالة غنيّا مطلقا، كذلك؛ اى في وجوده و ذاته و صفته، لأنّ الغنى، يقابل الاحتياج و هو عدم الاحتياج، و الاحتياج في احد الثلاثة: الوجود و الذات و الوصف، فاذا فرض أن كلّ ذلك له بالذات، و معنى كونها بالذات عدم احتياجه في شيء منها الى غيره، لم يكن إلّا غنيّا مطلقا؛ كما قلت:
فما له من حاجة، الى قولى يكون محدثا بمن سوّاه؛ اى مخلوقا له. قال الصادق (ع):
«و هو- تبارك و تعالى-، القويّ العزيز، لا حاجة به الى شيء ممّا خلقه، و خلقه
جميعا محتاجون إليه، إنّما خلق الأشياء لا من حاجة، و لا سبب اختراعا و ابتداعا.» (1)
و قال (ع): «و نفيا ان يكون العرش حاويا له، و ان يكون- عزّ و جلّ- محتاجا الى مكان أو الى شيء ممّا خلق؛ بل خلقه محتاجون إليه.» (2)
و قال الرضا: «و لم يخلق اللّه لحاجة به إليه، لأنّه غنّى عن العرش و عن جميع ما خلق.» (3)
و قال سليمان بن مهران: «قلت لجعفر بن محمّد (ع): هل يجوز ان نقول أنّ اللّه فى مكان؟ فقال (ع): سبحان اللّه و تعالى عن ذلك، أنّه لو كان في مكان لكان محدثا؛ لأنّ الكائن في مكان محتاج الى المكان، و الاحتياج من صفات المحدث، لا من صفات القديم.» (4)
و قال موسى بن جعفر (ع): «لم يبعد منه قريب، و لم يقرب منه بعيد، و لم يحتجّ الى شيء؛ بل يحتاج إليه، و كلّ متحرّك محتاج الى من يحرّكه أو يتحرّك به، فمن ظنّ باللّه الظنون، فقد هلك و اهلك.» (5)
إنّما جمعت بين هذه الأربعة، لأنّها في اكثر الاحاديث الواردة فيها كذلك مجتمعة، و قارنت بها أيضا البحث عن عينيّة الذات، مع أنّ الأنسب إمّا ذكرها قبل الورود في الذاتيّات، او بعد الفراغ عنها، لاقترانها في احاديثهم (ع)، فبنيت على الاقتصار و اجتنبت التكرار، و راعيت القران الّذي في اكثر الأخبار. فلنقدّم البحث عن عينيّة الصفات، و به تحصل المعرفة بالعلم و القدرة و السّمع و البصر، من بعض الجهات.
فاعلم: إنّه وقع الكلام بين الأشاعرة و غيرهم في أنّ الصفات، هل هى عين الذات، أم زائدة عليها؟ و عنونوا الكلام بالصفات الذاتيّة، لكنّهم خصّوا الثمانية بالذّكر، كما اشرت في صدر مبحث الذاتيّات، امّا تبعا للأشعرى، او لعلّة اخرى.
و مثل ما بالذّات قامت ذاته***بالذّات قامت مطلقا صفاته
ذاتيّة كانت أو الفعليّة***إذ لم يفده الغير فاعليّة
و وصفه الفعلىّ وصف ذاته***أيضا لذاك عدّ من صفاته
و مرادهم بالذاتية ما تقابل الفعليّة، و هى اعم من الذاتيّة بالمعنى الّذي وضعت المقصد الثالث له.
و الحاصل: أنّهم لم يحرّروا العنوان تحريرا تامّا، فكثير منهم جعلوا العنوان الصفات الذاتيّة، و آخرون اكتفوا بالمثال، فمثّلوا بثلاثة أو أربعة؛ ثمّ قالوا و كذلك سائر الصفات.
و قد حرّرتها في الأبيات أوّلا بالتّنويع، ثمّ بما تشترك فيه و ما تمتاز من الخصوصيّات، ثمّ بيّنت المدّعى و مورد النزاع على حسب اقتضاء المبحث، و ان لم يصرّح إلّا ببعض الصفات. فقلت:
و مثل ما بالذّات قامت ذاته؛ اى كما أنّ ذاته تعالى قائمة بذاته لا بالغير، بالذّات أيضا قامت مطلقا صفاته، اىّ صفة كانت، ذاتيّة كانت أو الفعليّة؛ فإنّ الجميع مشتركة فى هذا لجهة؛ اى في أنّها بالذات لا بالغير؛ إذ لم يفده الغير فاعليّة، فإنّه تعالى لم يستفد الخالقيّة و الرازقيّة و غيرهما من افعاله من غيره، بل هو بذاته خالق، كما أنّه بذاته عالم؛ فلو كانت فاعليّته بالغير، لكان معلولا للغير، و صار محدثا. فهذه احدى الجهات المشتركة بين الصفات الذاتيّة و الفعليّة.
و الثانية، ما قلت:
و وصفه الفعلىّ، وصف ذاته أيضا، باعتبار الجرى و الاتصاف، لذاك عدّ من صفاته؛ فإنّ الّذي يتّصف بالخالقيّة، هو ذاته تعالى؛ فإنّ ذاته، خالق و رازق، فالصّفة الفعليّة أيضا كالصّفة الذاتيّة، جارية على الذات من غير فرق؛ و انّما الفرق من حيث وجه الاتصاف، لا نفس الاتّصاف؛ فإنّ وجه الاتّصاف في الذاتيّة نفس الذات و حيثيّته الذاتيّة، و في الفعليّة الفعل، فهو متّصف بها من حيث الفعل. فما يسمع من بعضهم صفة الفعل، او صفات الفعل على طريق الاضافة مسامحة؛ فإنّ الصفة ليست للفعل و لا الفعل موصوف بها؛ بل الصفة للذات، و الذات موصوفة بها، و إنّما الفعل حيثيّة تعليليّة للاتّصاف. فالصحيح ان يقال: صفة فعليّة أو صفات فعليّة على طريق الوصفيّة.
و معنى الصفة الفعليّة، انّ الوصف إنّما الّذي يتّصف به الفعل.
و هو قديم باتّصاف الذات له***شأنا و باستحقاقه أن يفعله
و حادث بالاتّصاف الصادر***إذ حدثت فعليّة الصوادر
مذهب أهل البيت (ع) فى صفاته***أنّ صفات الذات عين ذاته
الجهة الثالثة في القدم:
و هو؛ اى الوصف الفعلى، قديم باتّصاف الذات له شأنا و باستحقاقه أن يفعله، فإنّ الصفات الفعليّة فيها جهتان: جهة الفعل و جهة اضافته الى الفاعل، و هو الذات؛ فهى بجهة الاضافة، و هى الاتّصاف قديمة؛ فإنّ الذات لا تتغيّر بالاتّصاف، و كلّ ما ثبت للذات فهو بالذات، و كلّ ما بالذات كان قديما؛ و لكن هذا الاتّصاف، هو الاتّصاف الّذي ثابت قبل الفعل، و هو لا يكون إلّا بالشأنيّة و الاستحقاق. فمعنى الخالقيّة له، أن من شأنه تعالى الخلق، و هو اهل لذلك و يستحقّها؛ كما في حديث ابى جعفر الثانى (ع) الآتى في الأسماء: «فان قلت: لم تزل عنده و في علمه و يستحقّها فنعم.» (1)
فالوصف الفعلى بالاتّصاف الشأنى و الاستحقاقى قديم، و لكنّه حادث بالاتّصاف الصادر؛ اى بوصف تحقّق الصدور؛ يعنى، اذا نظرت الى الوصفيّة باعتبار الفعليّة و الصدور، فهى حادثة، إذ حدثت فعليّة الصوادر بعد (2)ان لم تكن، و لا يتوّهم أنّ ذاته تتغيّر بتغير الاتصاف؛ فإنّ الوصفيّة الفعليّة، لم تكن من الأزل، و إنّما حدثت بحدوث الفعل؛ لأنّ هذه الوصفيّة ليست إلّا انتزاعيّة، و ليس في الواقع إلّا فعله تعالى، و افعاله خارجة عن ذاته ليست مغيّرة له.
اذا تبيّن حال الصفات و ما به اشتراكها، عمّا به امتيازها، فنقول:
مذهب أهل البيت (ع) فى صفاته:
أنّ صفات الذات؛ اى الجارية على الذات لا خصوص الذاتيّات الّتي اقتضتها
1) . البحار 4: 153/ 1.
2) . و في الحديث الآتى عن حماد بن عيسى عن الصادق (ع): «قلت لم يزل اللّه يعلم؟ قال: أنّى يكون يعلم و لا معلوم، قلت: فلم يزل اللّه يسمع؟ قال: إنّى يكون ذلك و لا مسموع، قلت: فلم يزل يبصر؟ قال (ع): انّى يكون ذلك و لا مبصر، ثمّ قال لم يزل اللّه عليما، سميعا، بصيرا، ذات علّامة، سميعة بصيرة.» (البحار 4: 72/ 19).
ليست سوى الذات معان زائدة***قامت بها بل نفسها المجرّدة
و الأشعرىّ مثبت معنى البصر***و السّمع و العلم قياسا بالبشر
و عنده المعنى الّذي يخاله***لا هو غير ذاته لا هو هو
نفس الذات، عين ذاته تعالى. و معنى ذلك، أنّه ليست سوى الذات معان زائدة، قديمة، هى معانى الصفات، قامت بها كقيام اللازم بالملزوم؛ بل ليست إلّا نفسها؛ اى الذات المجرّدة عن كلّ قيد و تقيّد.
و الأشعرىّ مثبت معنى البصر و السّمع، لا آلتيهما، و معنى العلم لا الغريزة و الصورة و كذا غيرها من الصفات، و ذلك قياسا بالبشر من بعض الجهات. و عنده، المعنى الّذي يخاله، لا هو غير ذاته لا هو هو. و هذا من عجايب المقال؛ لأنّ المعنى ان كان زائدا على الذات، فلا محالة يكون غيره، و ان كان عين الذات و ليس ورائه شيء آخر، فهو، هو لا محالة و لا يستقيم هذا إلّا على كونها معانى اعتباريّة. كما نسب الى جمع من المعتزلة، أنّهم قالوا بأنّ الصفات، معان، معقولة، اعتبارية، لا وجود لها فى الخارج؛ و إلّا فلو فرض لها واقعيّة، قائمة بالذات، فلا معنى لكونها لا هو و لا غيره.
قال روزبهان:
«مذهب الأشاعرة أنّ له تعالى صفات، موجودة، قديمة، زائدة على ذاته؛ فهو عالم بعلم، و قادر بقدرة، و مريد بالارادة. و على هذا القياس و الدليل عليه، أنّنا نفهم الصفات الإلهيّة من صفات الشاهد، و كون علّة الشيء عالما في الشاهد هى العلم فكذا في الغائب؛ و حدّ العالم من قام به العلم، فكذا حدّه هناك، و شرط صدق المشتقّ على واحد هنا، ثبوت اصله، فكذا شرطه فيمن غاب عنّا، و كذا القياس في باقى الصفات.» انتهى.
و قال أيضا في توجيه معقوليّة قولهم: «لا هى غير الذات و لا هى عينها»:
إنّ المراد بعدم كون الصفات عين الذات، أنّها مغايرة للذات في الوجود، و كونها غير مغايرة له، أنّها صفات للذات فليست بينهما مغايرة كليّة، بحيث يصحّ اطلاق كونها مغايرا للذات بالكليّة، كما يقال: إنّ علم زيد ليس عين زيد، لأنّه صفة له
و عند أهل البيت من دان به***غير موال مشرك بربّه
لم يك قادرا بقدرة و لا***يكون عالما بعلم أزلا
بل ذاته، علامة قديرة***قديمة سميعة بصيرة
و ليس غيره بالكليّة، لأنّه قائم به، و هذه الواسطة على هذا المعنى صحيح، لأنّ سلب العينيّة باعتبار و سلب الغيريّة باعتبار آخر، و كلا السلبين يمكن تحقّقهما معا.» انتهى.
و عند أهل البيت (ع)، من دان به؛ اى بهذا القول، غير موال لهم، مشرك بربّه؛ اذ يلزم تعدّد القدماء، و التركيب في ذاته تعالى لم يك؛ اى اللّه تعالى عندهم، قادرا بقدرة، و لا يكون عالما بعلم أزلا، بل ذاته بما هو ذات، علّامة، قديرة، قديمة، سميعة، بصيرة. عن ابان الأحمر، عن ابى عبد اللّه (ع): «اخبرنى عن اللّه- تبارك و تعالى- لم يزل سميعا، بصيرا، عليما، قادرا؟ قال: نعم، فقلت له: إنّ رجلا ينتحل موالاتكم، اهل البيت (ع)، يقول: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يزل سميعا بسمع، و بصيرا ببصر، و عليما بعلم، و قادرا بقدرة. قال: فغضب (ع)، ثمّ قال: من قال ذلك و دان به، فهو مشرك(1)و ليس من ولايتنا على شيء، إنّ اللّه- تبارك و تعالى-، ذات، علّامة، سميعة، و بصيرة، قادرة.» (2)
و عن حسين بن خالد، قال: «سمعت على بن موسى الرضا (ع) يقول: لم يزل اللّه- تبارك و تعالى- قادرا، حيّا، قديما، سميعا، بصيرا. فقلت له يا ابن رسول اللّه (ص)! إنّ قوما يقولون: إنّه- عزّ و جلّ- لم يزل عالما بعلم، و قادرا بقدرة، و سميعا بسمع، و بصيرا ببصر، فقال (ع) من قال بذلك و دان به، فقد اتّخذ مع اللّه آلهة اخرى، و ليس من ولايتنا على شيء. و قال (ع): «لم يزل اللّه- عزّ و جلّ- عالما، قادرا، حيّا، قديما، سميعا، بصيرا بذاته، تعالى اللّه عمّا يقول المشركون و المشبّهون علوّا كبيرا.» (3)
قال الصادق (ع) فى الحديث الآتى عن حماد: «لم يزل اللّه عليما، سميعا، بصيرا، ذات، علّامة، سميعة، بصيرة.» (4)
بل صمدىّ الذات نور الذات***و عالم الذات كما بالذّات
نعوت ذات ما له من شبه***و لا يليق مثل ذا، إلّا به
نور و لا ظلام فيه أبدا***كذاك حىّ، لا يموت سرمدا
بل صمدىّ الذات، نور الذات، و عالم الذات، كما أنّه تعالى يكون هكذا بالذّات؛ اى كما أنّ وصف صمديّته و نوريّته و عالميّته بالذات لا بالغير، كذلك هو تعالى، صمد و نور و عالم بنفس الذات، لا بشيء غير الذات، كما مرّ في حديث الرضا (ع).
و هذه النعوت، نعوت ذات ما له تعالى، من شبه يشبهه فيها، فإنّ نعوت المخلوقين ليست كذلك، لا بالذات و لا بنفس الذات، و لا يليق مثل ذا إلّا به تعالى، لأنّ غيره مخلوق بالغير، و موصوف بالغير، و لذلك هو تعالى، نور و لا ظلام فيه أبدا؛ لأنّه نورىّ الذات، فلا يتصوّر فيه ظلام، و سلب النوريّة عنه، كسلب نفس الذات؛ اذ ليس ما وراء الذات شيء، كذاك هو تعالى حىّ لا يموت سرمدا، لأنّ حياته ليست الّا ذاته، فلا تنفكّ عنه ابدا. عن هارون بن عبد الملك، قال: سئل ابو عبد اللّه (ع) عن التوحيد، فقال (ع):
«هو- عزّ و جلّ- مثبت موجود، لا مبطل معدوم، و لا في شيء من صفات المخلوقين، و له- عزّ و جلّ- نعوت و صفات؛ فالصفات له و اسمائها جارية على المخلوقين، مثل السميع و البصير و الرءوف و الرحيم و اشباه ذلك؛ و النعوت، نعوت الذات، و لا يليق إلّا باللّه- تبارك و تعالى-، نور لا ظلام فيه، و حىّ لا موت فيه، و عالم لا جهل فيه، و صمد لا مدخل فيه، ربّنا نورىّ الذات، حىّ الذات، عالم الذات، صمدى الذات.» (1)
و عن هشام بن سالم قال: «دخلت على ابى عبد اللّه (ع) فقال لى: أ تنعت اللّه؟
قلت: نعم، قال: هات؟ فقلت: هو السميع البصير، قال: هذه صفة يشترك فيها المخلوقين؛ قلت: و كيف تنعته؟ فقال: هو، نور لا ظلمة فيه، و حياة لا موت فيه، و علم لا جهل فيه، و حق لا باطل فيه، فخرجت من عنده، و انا اعلم الناس بالتوحيد.» (2)
فذاته العالم، فيما لم يزل***لا أنّه يعلم، و المعلوم ضلّ
و عن هشام بن الحكم، عن الصيقل، عنه (ع)، قال: «إنّ اللّه علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه.» (1)
و قال زين العابدين (ع): «قولوا نور لا ظلام فيه، و حياة لا موت فيه، و صمد لا مدخل فيه، من كان ليس كمثله شيء، و هو السّميع البصير، كان نعته لا يشبه نعت شيء، و هو ذاك.» (2)
و قال الباقر (ع): «إنّ اللّه، نور لا ظلمة فيه، و علم لا جهل فيه، و حياة لا موت فيه.» (3)
و قال (ع) أيضا: «إنّ اللّه- تبارك و تعالى-، كان و لا شيء غيره، نورا لا ظلام فيه، و صادقا لا كذب فيه، و عالما لا جهل فيه، و حيّا لا موت فيه، و كذلك هو اليوم، و كذلك لا يزال ابدا.» (4)
و عن يونس، قال: «قلت للرّضا (ع): روينا أنّ اللّه علم لا جهل فيه، و حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه. قال (ع): كذلك هو.» (5)
فذاته تعالى، العالم، فيما لم يزل، و العليم في الأزل، لا أنّه يعلم، و المعلوم ضلّ؛ اى ما حصل، و كذلك القادر و السّميع و البصير، و فرق بين ان تقول: ذاته عليم و قدير و سميع و بصير في الأزل، او تقول: يعلم و يقدر و يسمع و يبصر في الأزل؛ اذا اردت أنّه يعلم المعلوم و يقدر المقدور و يسمع المسموع و يبصر المبصر؛ كما هو الظاهر من لفظ يفعل. فعن حماد بن عيسى، قلت لابى عبد اللّه (ع): «لم يزل اللّه يعلم؟
قال (ع): انّى يكون يعلم و لا معلوم؟ قال: قلت: فلم يزل اللّه يسمع؟ قال (ع): انّى يكون ذلك و لا مسموع؟ قلت: فلم يزل يبصر؟ قال: انّى يكون ذلك و لا مبصر، ثمّ قال (ع): لم يزل اللّه عليما، سميعا، بصيرا، ذات علّامة، سميعة، بصيرة.» (6)
و عالم و قادر الذات و لا***معلوم أو مقدور في الكون جلا
لم يخلق الأشياء بالقدرة بل***بقدرة أى باقتدار ما استقلّ
هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص525
و عالم الذات و قادر الذات و لا معلوم أو مقدور في الكون جلا؛ اى ظهر، قال امير المؤمنين (ع) فى جواب ذعلب:
«كان ربّا و لا مربوب، و إلها و لا مألوه، و عالما اذ لا معلوم، و سميعا اذ لا مسموع.»(1)و قال (ع): بصير اذ لا منظور إليه من خلقه متوحّد، اذ لا سكن يستأنس به، و لا يستوحش بفقده.» (2)
و قال الرضا (ع): «له معنى الربوبيّة اذ لا مربوب، و حقيقة الإلهيّة اذ لا مألوه، و معنى العالم و لا معلوم، و معنى الخالق و لا مخلوق، و تأويل السمع و لا مسموع، ليس مذ خلق استحقّ معنى الخالق، و لا بإحداثه البرايا استفاد معنى الربوبيّة.» (3)
و قال (ع) أيضا: «عالم اذ لا معلوم، و خالق اذ لا مخلوق، و ربّ اذ لا مربوب، و آله اذ لا مألوه، و كذلك يوصف ربّنا، و هو فوق ما يصفه الواصفون.» (4)
و قال ابو محمّد العسكرى (ع): «تعالى الجبّار، العالم بالأشياء قبل كونها، الخالق اذ لا مخلوق، و الرب اذ لا مربوب، و القادر قبل المقدور عليه.»(5)و عن ابى بصير، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: لم يزل اللّه- جلّ اسمه- عالما بذاته و لا معلوم، و لم يزل قادرا بذاته و لا مقدور.» (6)و بسند آخر، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: لم يزل اللّه- جلّ و عزّ- ربّنا، و العلم ذاته و لا معلوم، و السّمع ذاته و لا مسموع، و البصر ذاته و لا مبصر، و القدرة ذاته و لا مقدور، فلمّا احدث الأشياء و كان المعلوم، وقع العلم منه على المعلوم، و السّمع على المسموع، و البصر على المبصر، و القدرة على المقدور.» (7)
لم يخلق الأشياء بالقدرة، بل بقدرة؛ أى باقتدار ما استقلّ ذلك الاقتدار بنفسه
بنفسه يسمعها و يبصر***و نفسه ما هى شيء آخر
بل سامع بكلّه، لا أنّ له***بعض و لكن كلّ ذا لتعقله
مضافا الى الذات؛ يعنى، أنّك اذا قلت خلق الأشياء بالقدرة، فقد احلت لأنّك جعلت القدرة مستقلّة بنفسها غير الذات، لمكان اللّام الّتي للجنس أو العهد، و أمّا اذا قلت:
خلق الأشياء بقدرة، فقد اصبت رشدك؛ اذ لم تجعلها زائدة على الذات. قال محمّد بن عرفة:
«قلت للرّضا (ع): خلق اللّه الأشياء بالقدرة، أم بغير القدرة؟
فقال (ع): لا يجوز ان يكون خلق الأشياء بالقدرة، لأنّك اذا قلت: خلق الأشياء بالقدرة، فكأنّك قد جعلت القدرة شيئا غيره، و جعلتها الّتي بها خلق الأشياء، و هذا شرك؛ و اذا قلت خلق الأشياء بقدرة، فإنّما تصفه أنّه جعلها باقتدار عليها و قدرة، و لكن ليس هو بضعيف و لا عاجز و لا محتاج الى غيره، بل هو سبحانه قادر لذاته لا بالقدرة.» (1)
بنفسه يسمعها، اى الأشياء، و يبصر، لا بسمع و بصر و لا بمعنى السّمع و البصر زائدا على الذات، و نفسه ما هى شيء آخر؛ يعنى، أنّا اذا قلنا يسمع بنفسه و يبصر بنفسه، لم نرد أنّ نفسه غيره، كما نرى في الإنسان، بل ليس هو إلّا نفسه، و ليس نفسه الّا هو، بل سامع بكلّه، لا أنّ له بعض. و لكن كلّ ذا من العبارات تعبيرات عن المراد لتعقله؛ اى لتعقل المقصود. قال الصادق (ع) فى جواب الزنديق:
«أ تقول إنّه سميع بصير، هو سميع بصير، سميع بغير جارحة، بصير بغير آلة، يسمع بنفسه و يبصر بنفسه، و ليس قولى أنّه يسمع بنفسه أنّه شيء، و النّفس شيء آخر؛ و لكنّى اردت عبارة عن نفسى؛ اذ كنت مسئولا و افهاما لك، اذ كنت سائلا؛ فاقول: يسمع بكلّه لا انّ كلّه له بعض، و لكن اردت افهامك و التعبير عن نفسى، و ليس مرجعى في ذلك إلّا الى أنّه السّميع البصير العالم الخبير، بلا اختلاف الذات، و لا اختلاف المعانى.» (2)
بل ليس إلّا نفسه و النّفس هو***فليس رائيا سميعا نفسه
و ليس بينه و بين العلم حدّ***أو بينه و الشيء علم انفرد
يسمع الأشياء بما به يرى***و هو بما يسمعها قد أبصرا
ليس على ما عقلوا و ألحدوا***إذ شبّهوه، كيف و هو الأحد
بل ليس إلّا نفسه و النّفس هو، فليس رائيا نفسه أو سميعا نفسه. عن محمّد بن سنان، قال: «سألت أبا الحسن الرضا (ع)، هل كان عارفا بنفسه قبل ان يخلق؟ قال (ع):
نعم، قلت: يراها و يسمع (1)؟ قال: ما كان محتاجا الى ذلك، لأنّه لم يكن يسألها و لا يطلب منها، هو نفسه و نفسه هو، قدرته نافذة، فليس يحتاج الى ان يسمّى نفسه، و لكنّه اختار لنفسه اسماء لغيره، يدعونه (2)بها، لأنّه اذا لم يدع باسمه لم يعرف.» (3)
و ليس بينه و بين العلم حدّ يفصله عنه، أو بينه و بين الشيء؛ اى المعلوم علم انفرد عن ذاته تعالى. قال قال امير المؤمنين (ع) فى خطبة خطبها بعد موت النبىّ (ص) بتسعة ايّام، بعد جمع القرآن:
و علمها [اى الأشياء] لا بأداة لا يكون العلم إلّا بها، و ليس بينه و بين معلومه علم غيره.» ان قيل: كان فعلى تأويل ازليّة الوجود. و ان قيل: لم يزل فعلى تأويل نفى العدم، فسبحانه و تعالى عن قول من عبد سواه و اتّخذ إلها غيره.» (4)
و عن عبد الأعلى، عن موسى بن جعفر (ع)، قال: «علم اللّه لا يوصف منه باين، و لا يوصف العلم من اللّه بكيف، و لا يفرد العلم من اللّه، و لا يبان اللّه منه، و ليس بين اللّه و بين علمه حدّ.» (5)
بيان قوله (ع): «و بين علمه حدّ» اشارة الى أنّ الزيادة على الذات، تستلزم الاثنينيّة، و هى مستلزمة للحدّ كما مرّ في برهان نفى الشريك.
يسمع الأشياء بما به يرى؛ اى بعين ما يرى به، و كذلك هو تعالى بما يسمعها قد أبصرا، فليس سمعه بشيء، و رؤيته بشيء آخر، بل ليس إلّا شيء واحد، و هو الذات، ليس على ما عقلوا من زيادة الصفات على الذات قياسا بالبشر، و قد ألحدوا بذلك؛ إذ شبّهوه بغيره- سبحانه و تعالى- كيف يشبه النّاس أم كيف تكون زائدة على
و الأحدىّ لا يجزّى أبدا***فى الذات و المعنى يكون واحدا
ذاته؟ و هو الأحد، و الأحد لا تكثّر فيه، يسمع به الصوت و لا يبصر به، كما أنّ جزءنا الّذي نسمع به، لا نقوى على النّظر به.»
و عن فتح بن يزيد، عن ابى الحسن الثالث، قال: «إنّك قلت السّميع البصير، سميع باذن و بصير بالعين؟ قال (ع): إنّه يسمع بما يبصر، و يرى بما يسمع.» (1)
و عن محمّد بن مسلم، عن ابى جعفر (ع)، أنّه قال في صفة القديم: «أنّه واحد، احد، صمد، احدىّ المعنى، ليس بمعان كثيرة مختلفة. قال، قلت: جعلت فداك! يزعم قوم من اهل العراق، أنّه يسمع بغير الّذي يبصر، و يبصر بغير الّذي يسمع، فقال (ع): كذبوا و الحدوا و شبّهوا اللّه، تعالى عن ذلك، اللّه، سميع، بصير، يسمع بما يبصر. و يبصر بما يسمع. قال قلت: يزعمون أنّه بصير على ما يعقلونه، فقال (ع): تعالى اللّه ممّا يعقل ما كان بصفة المخلوق، و ليس اللّه كذلك .(2)» (3)
قوله (ع): «على ما يعقلونه»، اراد به ما يعقلونه من اثبات المعانى المتغايرة، زائدة على الذات، لا اثباتها مع الأدوات؛ اذ ليس السؤال عن ذلك.
و الأحدىّ لا يجزّى أبدا؛ بل هو في الذّات و المعنى يكون واحدا. قال رسول اللّه (ص) فى جواب نعثل، حيث قال: اخبرنى عن قولك أنّه واحد لا شبيه له، أ ليس اللّه واحد؟ و الانسان واحد، فوحدانيّته اشبهت وحدانيّة الانسان؟
فقال (ص): «اللّه واحد واحدىّ المعنى، و الانسان واحد ثنوىّ المعنى، جسم و عرض، و بدن و روح، انّما التشبيه في المعانى، لا غير.» (4)
و عن ابى الحسن الثالث (ع)، فى جواب فتح بن يزيد: «قال (ع) انّما التشبيه في المعانى.» (5)
و قد تقدّم الحديثان في احديّته تعالى، و أنّه لا يتجزّى. فراجع.
بلا اختلاف فيه أو تكثّر***بل عن توهّم لكثرة بريء
من ذلك الإخلاص عدّوا كامله***نفى الصفات عنه لا الإثبات له
نظام توحيد كماله الوفيّ***فى نفيها، و العقل شاهدا يفى
يشهد أنّ الوصف غير ذى الصفة***و قال باقترانه من وصفه
و الاقتران موجب للتّثنية***فجائه تركّب و التجزية
و صار محدودا بالاقتران***و حادثا بموجب القران
فهو تعالى واحد بلا اختلاف فيه أو تكثّر، بل عن توهّم لكثرة و قلّة بريء أيضا، و قد تقدّم فى ذلك قول ابى جعفر الثّاني (ع):
«و الأسماء و الصفات، مخلوقات، و المعنىّ بها: هو اللّه الّذي لا يليق به الاختلاف و لا الايتلاف، و إنّما يختلف و يأتلف المتجزى، و لا يقال له قليل و لا كثير؛ و لكنّه القديم فى ذاته، لأنّ ما سوى الواحد متجزّى، و اللّه واحد لا متجزّى، و لا متوهّم بالقلّة و الكثرة، و كلّ متجزّى و متوهّم بالقلّة و الكثرة فهو مخلوق، دالّ على خالقه ...»(1)الحديث.
قوله (ع): «و الأسماء و الصفات مخلوقات»، المراد بالصفات الفاظها، لأنّ كلامه (ع) فى أنّ اسمائه تعالى غيره.
من ذلك؛ اى من اجل أنّه تعالى احدىّ المعنى، لا تكثّر فيه و لا اختلاف له عند اهل البيت (ع)، بيّنوا الإخلاص الكامل في التوحيد، و عدّوا كامله نفى الصفات عنه تعالى، لا الإثبات له؛ فإن كمال الإخلاص عندهم (ع)، نفى الصفات عنه.
و عندهم (ع) أيضا، نظام توحيد كماله الوفيّ اى الوافى، إنّما هو في نفيها، و العقل شاهدا عليه، يفى بذلك، و يشهد أنّ الوصف غير ذى الصفة؛ اى الموصوف، و قال باقترانه من وصفه، بمعنى اثباتىّ زائد على الذات، فجعل المعنى و الذات شيئين، و قرن بينهما.
و الاقتران موجب للتّثنية، كما هو ظاهر، لأنّ القران لا يكون إلّا بين اثنين.
و على هذا، فجائه تركّب و التجزية، لتقوّمه بالذات و المعنى، و صار محدودا بالاقتران لتعيّنه بجزءين متقارنين، و حادثا بموجب القران. قال امير المؤمنين (ع):
«أوّل الدين، معرفته؛ و كمال معرفته، التصديق به، و كمال التصديق به، توحيده؛ و كمال توحيده، الاخلاص له؛ و كمال الاخلاص له، نفى الصفات عنه؛
1) . البحار 4: 153/ 1.
لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف؛ و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة؛ فمن وصف اللّه سبحانه، فقد قرنه؛ و من قرنه، فقد ثنّاه؛ و من ثنّاه، فقد جزّاه؛ و من جزّاه، فقد جهله.» (1)
و قال (ع) أيضا: «اقل عبادة اللّه معرفته، و اصل معرفته توحيده، و نظام توحيده نفى الصفات عنه؛ لشهادة العقول: أنّ من حلّته الصفات مصنوع، و شهادة العقول أنّه- جلّ جلاله- صانع ليس بمصنوع.» (2)
و قال موسى بن جعفر (ع): أوّل الديانة، معرفته؛ و كمال معرفته، توحيده؛ و كمال توحيده، نفى الصفات عنه؛ بشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة الموصوف أنّه غير الصفة؛ و شهادتهما جميعا بالتّثنية الممتنع منه الأزل [الممتنعة من الأزل]؛ فمن وصف اللّه فقد حدّه؛ و من حدّه، فقد عدّه؛ و من عدّه، فقد ابطل ازله.» (3)و مثله عن امير المؤمنين (ع).
و قال الرضا (ع): «أوّل عبادة اللّه، معرفته؛ و اصل معرفته، توحيده؛ و نظام توحيده، نفى الصفات عنه، لشهادة العقول: أنّ كلّ صفة و موصوف مخلوق. و شهادة كلّ موصوف أنّ له خالقا، ليس بصفة و لا موصوف؛ و شهادة كلّ صفة و موصوف بالاقتران؛ و شهادة الاقتران بالحدث؛ و شهادة الحدث بالامتناع من الأزل، الممتنع من الحدث، و من جزّاه فقد وصفه؛ و من وصفه فقد الحد فيه.» (4)
و قال (ع) أيضا: «أوّل الدّيانة، معرفته؛ و كمال المعرفة، توحيده، و كمال التوحيد، نفى الصفات عنه؛ لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف؛ و شهادة الموصوف أنّه غير الصفة، و شهادتهما جميعا بالبينة [يعنى المباينة و الافتراق] الممتنع منها الأزل؛ فمن وصف اللّه، فقد حدّة؛ و من حدّه، فقد عدّه، و من عدّه، فقد ابطل ازله.» (5)
فالمراد بنفى الصفات، نفى معانيها زائدة على الذات، قائمة بالذات، لا نفيها عن الذات بالكليّة، بان لا يكون عالم الذات، قادر الذات، حىّ الذات، نورىّ الذات، و هكذا.7.
و لا تحيط ذاته الصفات***إذن تناهى بالحدود الذات
بل باين المخلوق في الوصفيّة***عنه معانى خلقه منفيّة
و ليس معنى العين، كون ذاته***علما بل التجريد عن صفاته
و ليس في التجريد نفى العلم له***بل نفى كونه بشيء شمله
و لا تحيط ذاته الصفات، فإنّه لو كانت له صفات زائدة على الذات، كانت الصفات محيطة بالذّات؛ و لو كانت محيطة به، إذن تناهى بالحدود الذات لما مرّ من استلزام الاثنينيّة التّحديد، و قد مرّ في هذه الروايات، أنّ من وصفه فقد حدّه. و قال امير المؤمنين (ع):: «لم تحط به الصفات، فيكون بادراكها ايّاه بالحدود متناهيا.»(1)بل باين المخلوق في الوصفيّة؛ اى ليس اتّصافه بالأوصاف، نحو اتّصاف المخلوق بها، بل عنه معانى خلقه منفيّة، قال امير المؤمنين (ع):
«فمعانى الخلق عنه منفيّة، و سرائرهم عليه غير خفيّة، سبحانه و تعالى عن الصفات، فمن زعم أنّ إله الخلق محدود، فقد جهل المعبود.» (2)
و قال الرضا (ع): «مباين لجميع ما احدث في الصفات، و لا كالأشياء فتقع عليه الصفات.» (3)
و ليس معنى العين؛ اى معنى عينيّة الصفات للذّات، كون ذاته علما أو قدرة او غير ذلك، كما يتفوّه به بعض القاصرين؛ بل معنى العينيّة، التجريد عن صفاته زائدة على ذاته، و قول الصادق (ع) فى حديث ابى بصير: «و العلم ذاته، و القدرة ذاته»، ليس على ما يوهم، بل اراد (ع) من قوله: «لم يزل اللّه- عزّ و جلّ- ربّنا، و العلم ذاته و لا معلوم، و السّمع ذاته و لا مسموع»، أنّه تعالى كان في الأزل، حين لا معلوم، و لا مسموع، و لا مبصر، و لم يكن إلّا ذاته، و هذا غير ان ذاته تعالى، علم و قدرة، فإنّه يلزم تعدّد الذات بتعدّد المعانى؛ اذ لا جامع بين هذه الصفات. و كيف يجمع بينه و بين اقوالهم الكثيرة أنّه عالم الذات و عالم بالذات؟ فإنّ العلام غير العلم، و القادر غير القدرة.
و ليس في التجريد نفى العلم له، بل نفى كونه بشيء من المعنى زائدا على
بل عود الأوصاف إلى السّلوب***و الجمع بين النّفى و الوجوب
فعلمه لا جهل و القدير***لا عاجز و هكذا البصير
فهى كقدّوس إذن في المنزلة***فلا ينافى نفيها الثبوت له
الذات شمله، كشمول الأوصاف للذوات، او كشمول الذوات للأوصاف؛ بل حقيقة العينيّة و التجريد، عود الأوصاف الثبوتية إلى السّلوب، و الجمع بين النّفى؛ اى نفى الصفات و الوجوب؛ اى وجوبها و ثبوتها له بحقايقها الملزومة للذات، كالمنتزعة من الذوات، مثل الانسانيّة للانسان. فعلمه يعود الى أنّه لا جهل؛ اى ليس له جهل، و القدير مرجعه الى أنّه لا عاجز، و هكذا البصير يرجع الى أنّه ليس بمحجوب و كذا مرجع غيرها من الصفات، فهى بهذا التأويل في عين النّفى. قال الرضا (ع) فى حديث الحسين بن خالد:
«و إنّما سمّى اللّه عالما، لأنّه لا يجهل شيئا، و لكنّ اللّه بصير لا يجهل شخصا منظورا إليه، و امّا الخبير فالّذي لا يعزب عنه شيء و لا يفوته.» (1)
و قال الجواد (ع): «فقولك أنّ اللّه قدير، خبّرت أنّه لا يعجزه شيء، فنفيت بالكلمة العجز و جعلت العجز لسواه، و كذلك قولك عالم، إنّما نفيت بالكلمة الجهل، و جعلت الجهل لسواه.» (2)
و قد مرّ عند قولى: «لم يخلق الأشياء بالقدرة»، قول الرضا (ع): «و اذا قلت خلق الأشياء بقدرة، فانّما تصفه أنّه جعلها باقتدار عليها و قدرة، و لكن ليس هو بضعيف و لا عاجز، و لا محتاج الى غيره، بل هو سبحانه، قادر لذاته لا بالقدرة.» (3)
فهى؛ اى الصفات الثبوتيّة، كقدّوس إذن في المنزلة، حيث أنّ ظاهره اثبات، و معناه النّفى.
و قد اردت به دفع توهّم أنّ القول بنفى الصفات، خلاف ظاهر الاثبات المؤيّد بظاهر الآيات؛ كما مرّ في قول روزبهان.
وجه الدفع: أنّا لا نصرف هذه الصفات عن معانيها الظاهرة في الثبوت بحملها
و حيثما الذات قديم أزليّ***فوصف ذاته كذا من أزل
فلم يزل و لا يزال قادرا***و عالما و سامعا و مبصرا
لا بأداة السّمع، آلة البصر***أو قوّة أو كغريزة البشر
على النّفى، بحيث يكون معنى عالم، لا جاهل؛ بل نقول: إنّ معنى عالم، هو المتّصف بالعلم، و لكن الاتّصاف بالعلم في حقّه تعالى على وجه يعود الى نفى الجهل عنه، و الفرق بينهما واضح، فهى كالقدّوس و السّبوح، ممّا يرجع معناه الى التنزيه، فلا ينافى في الأول، و المعنى الثبوت له في ظاهر اللّفظ؛ و كثير من اسمائه و صفاته لا يحتمل معنى ثبوتيّا، و ان كان ظاهره الاثبات، كالواحد و الأحد و الفرد و الوتر و القديم و الغنىّ و الأوّل و الآخر و الظاهر و الطاهر و الصمد، و الّذي نذهب إليه و نقول: إنّ ما يحتمل المعنى الثبوتى من الصفات، يحمل على ما لا يحتمله حملا للنّظير على النّظير، و ذلك لاقتضاء الموصوف، و هو ذاته تعالى للتّنزيه.
فيترتّب عليها آثار الذاتيّة و الازليّة، فلم تزل و لا تزول، و لا تكون بشيء غير الذات، و ليست بغريزة و لا ادات. و حيثما الذات قديم أزليّ، كما تقدّم البرهان عليه، فوصف ذاته كذا من أزل؛ اى كلّ ما يتّصف به الذات، و يجرى عليه، سواء كان باقتضاء الذات من حيث هى ذات، او باقتضاء فعله، او بعض الصّفات، فهو أزلىّ.
و المقصود، أنّه كما يكون ذاته تعالى ازليّة و بالذّات، فلا بدّ ان تكون صفات هذا الذات أيضا ازليّة و بالذات، فيترتّب حينئذ عليها آثارهما.
فلم يزل و لا يزال قادرا و عالما و سامعا و مبصرا، و كذا غيرها من الصفات. فلا يجوز عليها الحدوث و لا الزوال، لاستلزامها التغيير في الذات، إمّا ابتداء أو استدامة، و هما محالان. هذا اثر الازليّة، و امّا اثر الذاتيّة فإنّها تقتضى ان لا يكون ما لما بالذّات الّا بالذات، لئلّا يقع خلل في الذات من تركّب أو تغيّر. فيكون تعالى، سميعا و بصيرا، قادرا، عالما، لا بأداة السّمع أو آلة البصر أو قوّة أو كغريزة البشر. و قد مرّت في عينيّتها احاديث دلّت على ازليّتها، فلا نعيد.
منها: قول الصادق (ع):
«لم يزل اللّه- جلّ اسمه- عالما بذاته و لا معلوم، و لم يزل قادرا بذاته و لا مقدور.» (1)
و عن طاهر بن حاتم بن ماهويه، قال: «كتبت الى الطيّب؛ يعنى، أبا الحسن (ع)، ما الّذي لا يجتزى في معرفة الخالق بدونه؟ فكتب (ع): ليس كمثله شيء، لم يزل سميعا و عليما و بصيرا، و هو الفعّال لما يريد.» (2)
و قال الباقر (ع): «و لا قوى بعد ما كوّن شيئا، و لا كان ضعيفا قبل ان يكون شيئا، و لا كان مستوحشا قبل ان يبدع شيئا، و لا يشبه شيئا مكوّنا، و لا كان خلوّا من القدرة على الملك قبل انشائه، و لا يكون منها خلوا بعد ذهابه، لم يزل حيّا بلا حياة، و ملكا قادرا قبل ان ينشئ شيئا، و ملكا جبّارا بعد انشائه الكون؛ بل حىّ يعرف، و ملك لم يزل، له القدرة و الملك، انشأ ما شاء بمشيّته.»(3)و قال موسى بن جعفر (ع) أيضا بمثله.
و عن ابن ابى عمير، عن موسى بن جعفر (ع) أيضا: «و انّه الحىّ الّذي لا يموت، و القادر الّذي لا يعجز، و القاهر الّذي لا يغلب، و العالم الّذي لا يجهل.» (4)
قال الرضا (ع) فى جواب قوم من وراء النّهر، سألوه، فقالوا: «اخبرنا عن اللّه، اين كان؟ و كيف كان؟ و على أىّ شيء كان اعتماده؟
فقال (ع): إنّ اللّه- عزّ و جلّ-، كيّف الكيف، و هو بلا كيف، و أيّن الأين، فهو بلا أين؛ و كان اعتماده على قدرته.» (5)
و امّا كونها بالذّات لا بآلة، قال امير المؤمنين (ع):
«يخبر لا بلسان و لهوات، و يسمع لا بخروق و ادوات.» (6)و قال (ع) فى جواب ذعلب: «سميع لا بآلة، بصير لا بأداة.» (7)
و قال الصادق (ع) سميع بغير جارحة، بصير بغير آلة.» (8)
و قال الرضا (ع): «مدرك لا بمجسّة، سميع لا بآلة، بصير لا باداة.»(9)و قال (ع):3.
و ليست الأسماء للتشبيه***بل هى للتعريف مع تنزيه
و إنّ الاشتراك في الأسامى***لا بمعان هى في الأنام
بل حيث لا تخفى عليه خافية***من صوت أو من حركة أو سافية
قلنا سميع و بصير حيثما***بان لديه ما استبنا بهما
و حيث لا يعجز عن شيء و لا***يعجزه شيء قديرا عقلا
و حيث لا يجهل شيئا كائنا***أو لم يكن كان عليما عندنا
لا عن تعلّم و علم حادث***و لا تجارب من الحوادث
و لا اكتسابىّ و لا استفاده***من امتحان و أبى الزيادة
و لا له نسيان أو توهّم***أو اشتباه بل قضاء مبرم
«الخالق لا بمعنى حركة، السّميع لا باداة، البصير لا بتفريق آلة، الشاهد لا بمماسة.» (1)
و ليست الأسماء للتشبيه، بان تكون مشاركته تعالى مع المخلوقين في الأسماء و الصفات الجارية عليهما، على وجه المشابهة بينهما في الخصوصيّات؛ بل هى له تعالى للتعريف عنه؛ اعنى، عن كماله باتّصافه بالصّفات الكماليّة، مع تنزيه المذكور فى توضيح العينيّة، و إنّ الاشتراك بينه و بين المخلوقين في الأسامى فقط، لا بمعان هى في الأنام على ما تقدّم تقريره؛ بل حيث لا تخفى عليه خافية من صوت أو من حركة أو سافية؛ اى ريح سافية، قلنا: سميع و بصير، حيثما بان لديه بالذات ما استبنّا بهما؛ اى بالسّمع و البصر، و أيضا حيث لا يعجز عن شيء، و لا يعجزه شيء، فهو قديرا عقلا.
و أيضا حيث لا يجهل شيئا كائنا، أو لم يكن بكائن كان عليما عندنا، كلّ ذلك من نفس الذات و بنفسه، لا عن تعلّم و علم حادث، و لا تجارب من الحوادث، و لا اكتسابىّ اكتسبه من شيء، او من غيره، و لا استفاده من امتحان و أبى الزيادة فيه، او النقصان. فإنّ ما لا يحتمل الزيادة لا يحتمل النقصان، و لا له نسيان أو توهّم أو اشتباه بل قضاء مبرم، و علم محكم. ففى الإهليلجة، قال:
«أ فرأيت قوله سميع، بصير، عالم؟
قلت: إنّما يسمّى- تبارك و تعالى- بهذه الأسماء لا لأنّه لا يخفى عليه شيء ممّا لا تدركه الأبصار من شخص صغير أو كبير او دقيق أو جليل، و لا نصفه بصيرا للحظ عين كالمخلوق؛ و انّما
1) . البحار 4: 284/ 17.
سمّى سميعا، لأنّه ما يكون من نجوى ثلاثة إلّا هو رابعهم ...» يسمع النجوى و دبيب النّمل على الصمّاء، و خفقان الطير في الهواء، لا تخفى عليه خافية، و لا شيء ممّا ادركته الاسماع و الأبصار، و ما لا تدركه الأسماع و الابصار، ما جلّ من ذلك و ما دقّ و ما صغر و ما كبر؛ و لم نقل سميعا بصيرا كالسّمع المعقول من الخلق، و كذلك إنّما سمّى عليما لأنّه لا يجهل شيئا من الأشياء، و لا تخفى عليه خافية في الأرض و لا في السّماء، علم ما يكون و ما لا يكون، و ما لو كان كيف يكون، و لم نصف عليما بمعنى غريزة يعلم بها، كما أنّ للخلق غريزة يعلمون بها. فهذا ما اراد من قوله «عليم»، فعزّ و جلّ عن الصفات، و من نزّه نفسه عن افعال خلقه، فهذا هو المعنى، و لو لا ذلك، ما فصل بينه و بين خلقه، فسبحانه و تقدّست اسمائه.» (1)
و قال رجل من الزنادقة للرضا (ع)، فيما قال: اخبرنى عن قولكم أنّه لطيف و سميع و بصير و عليم و حكيم، أ يكون السّميع إلّا بالاذن، و البصير إلّا بالعين، و اللّطيف إلّا بعمل اليدين، و الحكيم إلّا بالصنعة؟
فقال ابو الحسن (ع): «و قلنا إنّه سميع، لأنّه لا يخفى عليه اصوات خلقه ما بين العرش الى الثرى، من الذرة الى اكبر منها، فى برّها و بحرها، و لا تشتبه عليه لغاتها؛ فقلنا عند ذلك، إنّه سميع لا باذن، و قلنا: إنّه بصير لا ببصر؛ لأنّه يرى اثر الذرة السحماء [السّحماء: السوداء] فى الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، و يرى دبيب النّمل في الليلة الدجنة، و يرى مضارّها و منافعها، و اثر سفادها، و فراخها و نسلها، فقلنا عند ذلك: أنّه بصير لا كبصر خلقه.» (2)
و عن الحسين بن خالد، عنه (ع)، قال:
«ثمّ وصف نفسه- تبارك و تعالى- باسماء دعا الخلق، اذ خلقهم،2.
و تعبّدهم و ابتلاهم ان يدعوه بها، فسمّى نفسه سميعا، بصيرا، قادرا، قاهرا، حيّا، قيّوما، ظاهرا، باطنا، لطيفا، خبيرا، قويّا، عزيزا حكيما، عليما، و ما اشبه هذه الأسماء. فلمّا رأى ذلك من اسمائه، الغالون المكذّبون، و قد سمعونا نحدث عن اللّه: أنّه لا شيء مثله و لا شيء من الخلق في حاله، قالوا: اخبرونا، اذ زعمتم أنّه لا مثل له و لا شبه له، كيف شاركتموه في اسمائه الحسنى فتسميتم بجميعها. و إنّما تسمّى اللّه بالعالم لغير علم حادث، علم به الأشياء، و استعان به على حفظ ما يستقبل من امره. و الرويّة فيما يخلق من خلقه، ممّا لو لم يحضره ذلك العلم و يغيبه، كان جاهلا ضعيفا، كما انّا رأينا علماء الخلق إنّما سمّوا بالعلم، لعلم حادث؛ اذ كانوا قبله جلة، و ربّما فارقهم العلم بالأشياء فصاروا الى الجهل؛ و إنّما سمّى اللّه عالما لأنّه لا يجهل شيئا، فقد جمع الخالق و المخلوق اسم العالم، و اختلف المعنى على ما رأيت، و سمّى ربّنا سميعا لا بجزء فيه يسمع به الصّوت، و لا يبصر به كما أنّ جزأنا الّذي نسمع به، لا نقوى على النّظر به، و لكنّه- عزّ و جلّ اخبر أنّه لا تخفى عليه الأصوات ليس على حدّ ما سمّينا به، نحن فقد جمعنا الاسم بالسّميع و اختلف المعنى، و هكذا البصير لا بجزء به ابصر؛ كما أنّا بجزء منّا لا ننتفع به في غيره، و لكن اللّه بصير لا يجهل شخصا منظور إليه، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى.
و امّا الخبير فالّذي لا يعزب عنه شيء، و لا يفوته ليس للتّجربة و الاعتبار بالأشياء، فتفيده التجربة و الاعتبار علما لولاهما ما علم؛ لأنّ من كان كذلك، كان جاهلا، و اللّه لم يزل خبيرا بما خلق، و الخبير من النّاس المستخبر عن جهل المتعلّم، و قد جمعنا الاسم و اختلف المعنى.» (1)5.
1) . البحار 4: 177/ 5.
نسيانه الحرمان عن ثوابه***تقابلا للنّاسى عن جنابه
و قال امير المؤمنين (ع): «و كلّ عالم فمن بعد جهل تعلّم، و اللّه لم يجهل و لم يتعلّم، علم ما خلق، و خلق ما علم لا بالتّفكير و لا بعلم حادث اصاب ما خلق، و لا شبهت دخلت عليه فيما لم يخلق، لكن قضاء مبرم، و علم محكم، و امر متقن.» (1)
و قال (ع) أيضا: «كلّ عالم غيره متعلّم، و كلّ قادر غيره يقدر و يعجز، و كلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات و يصمه كبيرها، و يذهب عنه ما بعد منها، و كلّ بصير غيره يعمى عن خفىّ الألوان و لطيف الأجسام.» (2)
و عن ابى جعفر الثانى (ع)، قال الرجل: «فكيف سمّينا ربّنا سميعا؟
فقال (ع): لأنّه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع، و لم نصفه بالسّمع المعقول من الرأس، و كذلك سميّناه بصيرا؛ لأنّه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من لون أو شخص او غير ذلك، و لم نصفه ببصر طرفة العين، و كذلك سمّيناه لطيفا لعلمه بالشيء اللّطيف مثل البعوضة، و ما هو اخفى من ذلك.» (3)
و قال امير المؤمنين (ع): «العالم بلا اكتساب و لا ازدياد، و لا علم مستفاد المقدّر لجميع الأمور بلا رويّة و لا ضمير، ليس ادراكه بالاخبار، و لا علمه بالابصار.» (4)
و قال الرضا (ع) فيما سأله المأمون في قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )(5)انّه- عزّ و جلّ-، خلق خلقه ليبلوهم بتكليف طاعته و عبادته، لا على سبيل الامتحان و التجربة، لأنّه لم يزل عليما بكلّ شيء.» (6)
نسيانه تعالى في قوله (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ )(7)، إنّما يراد به الحرمان عن ثوابه تعالى، تقابلا في الجزاء مقابلة للنّاسى عن جنابه، و إنّما اتى بلفظ النسيان للمشاكلة.
قال امير المؤمنين (ع) فى قول اللّه (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم): فإنّما؛ يعنى، أنّهم نسوا اللّه فى دار الدنيا، فلم يعملوا له بالطّاعة، و لم يؤمنوا به و برسوله، فنسيهم في الآخرة، لم
و العلم من كماله لا يوصف***كالذّات بالأين و لا يكيّف
و لا له حدّ فما له انتهاء***و ليس كالرّضا بفعل فانتهى
يجعل لهم في ثوابه نصيبا، فصاروا منسيّين.» (1)
و عن ابى جعفر (ع)، قال:( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)، تركوا طاعة اللّه، «فنسيهم»، قال (ع) فتركهم.» (2)
اقول: يمكن ان يقال: أنّ النسيان في الموضعين ليس على حقيقته، كما يستفاد من الحديثين، و ذلك لأنّ العباد أيضا لم يتركوا طاعته، و الإيمان به عن نسيان حقيقة؛ بل عن قصد و تعمّد، فهو فيهم أيضا معاملة النيسان.
و العلم من كماله تعالى، قال الصادق (ع): «العلم هو من كماله»، لا يوصف كالذّات؛ اى كذاته تعالى بالأين و لا يكيّف، و لا له حدّ فما له انتهاء، لأنّه عينىّ فلا يكيّف و لا يؤيّن و لا يحدّ. قال موسى بن جعفر (ع):
«علم اللّه لا يوصف اللّه منه باين، و لا يوصف العلم من اللّه بكيف، و لا يفرد العلم من اللّه و لا يبان منه، و ليس بين اللّه و بين علمه حدّ.» (3)
و عن ابى على القصّاب، قال: «كنت عند ابى عبد اللّه (ع)، فقلت: الحمد للّه منتهى علمه، فقال (ع): لا تقل ذلك، فإنّه ليس لعلمه منتهى.» (4)
و ليس كالرّضا بفعل فانتهى؛ يعنى، أنّ العلم صفة الذات، فلا انتهاء له، كما لا انتهاء للذّات، و الرضا فعل، و الفعل حادث و له انتهاء. فعن الكاهلى، قال:
«كتبت الى ابى الحسن (ع) فى دعاء: الحمد للّه منتهى علمه، فكتب (ع) إليّ: لا تقولنّ منتهى علمه، و لكن قل: منتهى رضاه.» (5)
اختلفت فلاسف من السّلف***فى علمه، و الداء دبّت في الخلف
فقيل: لا يعلم غير ذاته***و قيل: بل بغير مصنوعاته
و قيل: لا يعلم كلّ ما سوى***و قيل: بالوقوع علمه استوى
و قيل: إنّ علمه بذاته***يوجب علمه بمعلولاته
و قيل: علمه بكلّ حاضر***إذ عنده الدهر بأسر ظاهر
اختلفت فلاسف من السّلف في علمه تعالى، و الداء دبّت في الخلف؛ اى سرى فيهم. و هذا الكلام اقتباس من الحديث، قال رسول اللّه (ص): «دبّ إليكم داء الامم قبلكم، البغضاء و الحسد.»(1)و في حديث آخر: «داء الامم من قبلكم، و هو الحسد، ليس بحالق الشعر، و لكنّه حالق الدين.» (2)
فقيل: لا يعلم غير ذاته؛
و قيل: بل لا علم له بغير مصنوعاته؛ اى يعلم مصنوعاته، و لا يعلم ذاته، عكس الأوّل؛
و قيل: لا يعلم كلّ ما سوى؛ اى لا يعلم جميع ما سواه، بل يعلم بعضه؛
و قيل: بالوقوع علمه استوى و استقرّ؛ اى لا يعلم الأشياء إلّا بعد وقوعها، نسب ذلك الى ابى الحسن الأشعرى و هشام بن الحكم؛
و قيل: إنّ علمه بذاته، يوجب علمه بمعلولاته؛ يعنى، أنّه عالم بذاته، و ذاته علّة للمعلولات، و العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول.
ثم اختلف القائلون بعلمه تعالى بما عدا ذاته، فى كيفيّته أيضا؛ كما قلت:
و قيل علمه بكلّ من الكائن و اللّاكائن حاضر؛ اى حضورىّ؛ إذ عنده تعالى، الدهر بأسر؛ اى باسره و تمامه ظاهر. و هذا غاية ما حقّقه بعض اهل التحقيق منهم بزعمه، و قلّده جمع، و مثّل له بأنّ الدهر و متفرّقاته مجتمعات عنده تعالى، و هو تعالى
و قيل: بعد الكون حاضر له***و صورة الشيء يراها قبله
فقيل: تلك صورة محصّلة***فى علمه و لم تكن منجعلة
و قيل: فى العقل بدت مصوّرة***و قيل: ماهيّاتها مقرّرة
و قيل: بالإجمال و التفصيل***فى علمه، و غير ذا من قيل
لإحاطته و ازليّته و ابديّته محيط بكلّ سابق و لاحق، و متفرّقات الدهر بمنزلة عسكر عظيم، يخرج من باب البلد، واحد بعد واحد، و من كان خارج الباب،، لا يرى منهم الّا واحدا عقيب واحد؛ و هو تعالى بمنزلة من كان على شاهق مرتفع، بحيث يرى من في الخارج و من في الداخل، الّذي لم يخرج دفعة واحدة، فالترتيب بحسب الزمان إنّما هو في الزمانيّات، و اما هو تعالى، فليس بزمانىّ، فلا ترتّب عنده و لا شيء بمفقود لديه.
و قيل: بعد الكون حاضر له، و صورة الشيء يراها قبله؛ يعنى، أنّ علمه قبل الأشياء حصولىّ، فيتعلّق علمه بالصّورة الحاصلة، و بعدها حضورىّ بعين الشّيء، قياسا له بأنفسهم.
ثم اختلفوا فيما به تقوم الصورة:
فقيل: تلك صورة محصّلة في علمه، و لم تكن منجعلة؛
و قيل: فى العقل؛ اى العقل الأوّل بدت مصوّرة؛ اى مصوّرة في العقل و قائمة به، و نسب ذلك الى «ثاليس الملطى»؛
و قيل: ماهيّاتها؛ اى الأشياء مقرّرة؛ يعنى، لها بانفسها تقرّر، لا يقال لها موجودة و لا معدومة، و نسب ذلك الى المعتزلة و الى الصوفيّة؛ الّا انّهم يسمّونها بالأعيان الثابتة و الصور العلميّة، و يقولون: إنّها موجودة لكن وجودا تبعيّا بتبع العلم؛ بمعنى أنّ وجودها هو وجود العلم بعينه، لا أنّها موجودة بوجوده و لكن تبعا.
و قيل: بالإجمال و التفصيل في علمه؛ فقيل: بالاجمال على الوجه الكلىّ مطلقا؛
و قيل: قبل التكوين اجمال، و بعده تفصيل؛ و نسب الى شيخ الاشراق، أنّه قال:
علمه تعالى بذاته تفصيل، و بالأشياء قبل الوجود اجمال، لأنّ علمه بذاته علم اجمالى بمعلولاته، لاستلزام العلم بالعلّة العلم بالمعلول؛ و امّا في مرتبة وجودها
و الكلّ، لا يليق بالرّحمن***متّضح الفساد و البطلان
و كلّ ذا من حرص الاطّلاع***على الّذي ليس بمستطاع
و غرّهم قليل علم فرحوا***به فغالوا طورهم إذ مرحوا
و لم يراعوا العقل في الوظيفة***من الوقوف عند كلّ خيفة
فالعلم تفصيلىّ، و هو عين الأشياء من دون حاجة الى صورة.
و غير ذا من قيل، كالقول بأنّه حصولى مطلقا، و هو غير ذاته، و قد نسب الى «انكسيماس الملطى» و «ابى على» و «الفارابى» و هو الظاهر من «اثير الدين» فى «الهداية».
و القول بأنّ علمه متحدّ مع المعقولات دون المحسوسات، و المعدومات أيضا من المعقولات. و قد نسب اتّحاده مع المعقول الى «فرفريوس»؛
و القول بأنّ المعلوم؛ اى الصور، قائم بنفسه لا بالعلم و لا بالعقل، و هى المثل الأفلاطونيّة.
فهذه الأقوال المتشتّتة- و لعلّ المتتبّع يطّلع على اكثر منها-، كلّها من خرافات الفلاسفة. و الكلّ، لا يليق بالرّحمن، متّضح الفساد و البطلان. و كلّ ذا ناش من حرص الاطّلاع على الّذي ليس بمستطاع لهم، لأنّه فوق عقلهم و وراء طورهم، و غرّهم في ذلك قليل علم فرحوا به، فاستبدّوا بذلك عن اهل الوحى؛ كما قال تعالى: (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)(1).
و ذلك حيث زعموا أنّ ما اوتوا، هو تمام العلم، كما سمّوا فنّهم بالحكمة، و عرفوها بأنّه العلم بحقايق الأشياء على ما هى عليها؛ و اوّلوا عليه قوله تعالى:( وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)(2). و قد جهلوا أو تجاهلوا عن قوله تعالى:( وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)(3). فغالوا اى تجاوزوا طورهم، إذ مرحوا؛ اى تبختروا بعلمهم و بانفسهم. و قد قال (ص): «رحم اللّه امرأ عرف قدره، و لم يتعدّ طوره.» (4)
و لم يراعوا من غرورهم العقل في الوظيفة الّتي قرّرها لهم، من الوقوف عند كلّ خيفة من الشبهات؛ فإنّ الوقوف عند مظنّة الخطر و محتمل الشرّ، ممّا يلزم به العقل، و تواتر به النقل. قال اللّه تعالى:
(أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)(1). و قال تعالى: (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ... وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)(2). و قال تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ)(3). و قال: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)(4).
و عن زرارة، قال سألت أبا جعفر (ع): «ما حقّ اللّه على العباد؟ قال (ع): ان يقولوا ما يعلمون، و يقفوا عند ما لا يعلمون.» (5)
و عنه أيضا، قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع)، ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال (ع): حقّ اللّه على خلقه ان يقولوا ما يعلمون، و يكفّوا عمّا لا يعلمون؛ فاذا فعلوا ذلك، فقد و اللّه أدّوا إليه حقّه.» (6)
و عنه أيضا، عن ابى جعفر (ع)، قال: «لو انّ العباد، اذا جهلوا وقفوا، لم يجحدوا و لم يكفروا.» (7)
و قال امير المؤمنين (ع): «لو سكت من لا يعلم، سقط الاختلاف ...»(8)و قال (ع) أيضا: «و اعلم: إنّ الراسخين في العلم، هم الّذين اغناهم اللّه عن الاقتحام في السّدد المضروبة، دون الغيوب، فلزموا الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: امنّا به كلّ من عند ربّنا، فمدح اللّه- عزّ و جلّ- اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، و سمّى تركهم التعمق فيما لم يكلّفهم البحث عنه رسوخا، فاقتصر على ذلك، و لا تقدر عظمة اللّه على قدر عقلك، فتكون من الهالكين.» (9)8.
فذا الّذي أوقعهم في الهلكة***إذ طلبوا ما العقل ليس مدركه
و عند أهل البيت ليس يوصف***علم الإله حيث لا يكيّف
و العلم ذاته فليس يدرك***و خوضه كالخوض فيه مهلك
فلو عقلناه عقلنا ذاته***بل يبلغ العلم بنا إثباته
و إنّما الّذي علينا المعرفة***بأنّه العالم لا أن نصفه
و الواجب الخروج في صفاته***عن حدّى الباطل مثل ذاته
فذا الّذي أوقعهم في الهلكة؛ اى غرورهم بعلمهم و عدم رعايتهم الوظيفة، اوقعهم في الهلاكة الواقعيّة من حيث لا يعلمون، إذ طلبوا ما العقل ليس مدركه؛ فإنّ ادراك علمه تعالى كما هو، ليس من طور العقل.
و عند أهل البيت (ع) ليس يوصف علم الإله، حيث لا يكيّف، كما مرّ قول موسى بن جعفر (ع): «و لا يوصف العلم من اللّه بكيف.» (1)و من المعلوم أنّ ما لا يكيّف، لا يدرك و لا يوصف. و أيضا، العلم عندهم (ع)، ذاته تعالى، و ليس غير الذات شيء، فليس يدرك كما لا يدرك الذات؛ و خوضه كالخوض فيه، مهلك، لأنّه خوض في الذات.
فلو عقلناه، عقلنا ذاته، و تعقّل الذات محال، فتعقّل ما هو عين الذات أيضا محال؛ بل إنّما يبلغ العلم بنا إثباته؛ اى الى اثباته كما هو كذلك في ذاته.
و إنّما الّذي علينا، المعرفة بأنّه العالم، لا أن نصفه بأنّه كيف يكون علمه؛ فإنّ ذلك موضوع عنّا، لأنّه شيء خارج عن وسعنا (ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها)(2)و قد تقدّم تفصيله في المقصد الثانى.
و الواجب علينا في مقام الاعتقاد و المعرفة، الخروج في صفاته مطلقة؛ اىّ صفة كانت عن حدّى الباطل؛ اعنى، النّفى و التشبيه، مثل ذاته، لا توصيفها و تكييفها و تعريفها.
من قال بعد الكون عالم، كفر***بل لم يزل بعالم فيما فطر
فعالم بالشّيء قبل كونه***كعلمه من بعده بعينه
فلم يزد علما على ما قد علم***بل هو بالشيء محيط إذ عدم
و عندهم (ع)، من قال بعد الكون؛ اى بعد كون الشيء و وقوعه عالم لا قبله، كفر. فعن البزنطى، عن ابى الحسن الرضا (ع)، قال:
فامّا من قال بأنّ اللّه تعالى لا يعلم الشيء إلّا بعد كونه، فقد كفر و خرج عن التوحيد.» (1)
بل لم يزل بعالم فيما فطر؛ اى يكون علمه بالأشياء من الأزل، فعالم بالشّيء قبل كونه، كعلمه من بعده؛ اى بعد الكون بعينه، فلم يزد علما عند كونها على ما قد علم من قبل، بل هو بالشيء محيط إذ عدم، فعن محمّد بن مسلم عن ابى جعفر (ع)، قال:
سمعته يقول: كان اللّه و لا شيء غيره، و لم يزل اللّه عالما بما كوّن [يكون]، فعلمه به قبل كونه، كعلمه به بعد ما كوّنه [بعد كونه].» (2)
و قال امير المؤمنين (ع): «و كلّ عالم فمن جهل تعلّم و اللّه لم يجهل و لم يتعلّم، احاط بالأشياء قبل كونها، فلم يزدد بكونها علما، علمه بها قبل ان يكوّنها، كعلمه بها بعد تكوينها.» (3)
و قال (ع) أيضا: «عالما بها قبل ابتدائها، محيطا بحدودها و انتهائها، عارفا بقرائنها و احنائها.» (4)و قال (ع) أيضا: «سبق علمه في كلّ الامور، و نفذت مشيّته في كلّ ما يريد من الأزمنة و الدهور.» (5)
و في سؤال الزنديق عن ابى عبد اللّه (ع): «فلم يزل صانع العالم عالما بالأحداث الّتي احدثها قبل ان يحدثها؟ قال (ع): لم يزل يعلم فخلق.» و في ج، «فخلق ما علم.» (6)
و عن ابن مسكان عنه (ع): «أ كان يعلم المكان قبل ان يخلق المكان، أم علمه
عند ما خلقه و بعد ما خلقه؟ فقال (ع): تعالى اللّه، بل لم يزل عالما بالمكان قبل تكوينه، كعلمه به بعد تكوينه، و كذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان.» (1)
و عن داود الرقى، عنه (ع)، فى قوله تعالى:( وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ)(2). قال (ع): إن اللّه هو اعلم بما يكوّنه قبل ان يكوّنه، و هم ذرّ، و علم من يجاهد ممّن لم يجاهد، كما علم أنّه يميت خلقه قبل ان يميتهم، و لم يرهم موتى و هم احياء.»(3)
و عن معلى بن محمّد، قال: «سئل العالم (ع): «فالعلم في المعلوم قبل كونه و المشيّة في المشاء قبل عينه- فبالعلم علم الأشياء قبل كونها، و بالمشيّة عرف صفاتها و حدودها.»(4)الحديث، تأتى بقيّته في المشيّة.
و عن ايّوب بن نوح، أنّه كتب الى ابى الحسن (ع)، يسأله عن اللّه- عزّ و جلّ-، أ كان يعلم الأشياء قبل ان يخلق الأشياء و كوّنها، او لم يعلم ذلك حتّى خلقها و اراد خلقها و تكوينها، فعلم ما خلق عند ما خلق و ما كوّن عند ما كوّن؟ فوقّع (ع) بخطّه: لم يزل اللّه عالما بالأشياء قبل ان يخلق الأشياء، كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء.»(5)
و عن جعفر بن محمّد بن حمزة، قال: «كتبت الى الرجل: أنّ مواليك اختلفوا في العلم، فقال بعضهم: لم يزل اللّه عالما قبل فعل الأشياء؛ و قال بعضهم: لا نقول لم يزل اللّه عالما، لأنّ معنى يعلم، يفعل، فان اثبتنا العلم فقد اثبتنا في الأزل معه شيئا. فإن رأيت- جعلنى اللّه فداك!- ان تعلّمنى من ذلك، ما اقف عليه و لا اجوزه.
فكتب (ع) بخطّه: لم يزل اللّه عالما تبارك و تعالى ذكره.» (6)
و عن ابى هاشم الجعفرى، قال: «سأل محمّد بن صالح الأرمنى، أبا محمّد (ع) عن قوله تعالى:( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ )(7)، فقال (ع): هل يمحو إلّا ما كان؟ و هل يثبت إلّا ما لم يكن؟ فقلت في نفسى: هذا خلاف قول هشام بن الحكم (أنّه لا يعلم الشيء حتّى يكون)، فنظر إليّ، فقال: تعالى الجبّار الحاكم، العالم بالأشياء قبل كونها، قلت: اشهد أنّك حجّة اللّه.» (8)3.
يثبت ما شاء و يمحو ما ثبت***فيعلم الأشياء، قبل ما استوت
فكلّ ما يخلق عن علم سبق***يخلق ما علم، و يعلم ما خلق
يعلم ما كان، و ما لم يكن***أن كيف كان الأمر إن يكوّن
و الى هذا الحديث اشرت بقولى: يثبت ما شاء، و يمحو ما ثبت، فيعلم الأشياء قبل ما استوت في الوجود، فإنّه لا يمكن إلّا اثبات ما علم كما لا يمكن المحو إلّا محو ما ثبت، فكلّ ما يخلق عن علم سبق، كما مرّ في كلام امير المؤمنين (ع)، يخلق ما علم، و يعلم ما خلق، قال امير المؤمنين (ع): «علم ما خلق، و خلق ما علم، لا بالتّفكير و لا بعلم حادث اصاب ما خلق.» (1)يعلم ما كان؛ اى الثابت ممّا كان أو يكون و ما لم يكن؛ اى لا تحقّق له، و امكن تحقّقه يعلم أن كيف كان الأمر إن يكوّن. قال الصادق (ع):
«بل كوّن الأشياء قبل كونها؛ فكانت كما كوّنها، علم ما كان و ما هو كائن.» (2)
و عن ابن حازم، عنه (ع) أيضا، قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع)، هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم اللّه- عزّ و جلّ؟ قال (ع): لا، بل كان في علمه قبل ان ينشئ السّماوات و الأرض.» (3)
و عنه (ع) أيضا: «هل يكون اليوم شيء، لم يكن في علم اللّه بالأمس؟ قال (ع):
لا، من قال هذا، فاخزاه اللّه! قلت: أ رأيت ما كان، و ما هو كائن الى يوم القيامة، أ ليس في علم اللّه؟ قال (ع): بلى، قبل ان يخلق الخلق.» (4)
و عنه (ع) أيضا: «أ رأيت ما كان، و ما هو كائن الى يوم القيامة، أ ليس كان في علم اللّه؟ قال (ع): بلى، قبل ان يخلق السّماوات و الأرض.» (5)
و عن الحسين بن بشار، عن الرضا (ع)، قال: سألته، أ يعلم اللّه الشيء الّذي لم يكن، أن لو كان كيف كان يكون، او لا يعلم إلّا ما يكون؟ فقال (ع): إنّ اللّه تعالى، هو
العالم بالأشياء قبل كون الأشياء، قال- عزّ و جلّ-: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(1). و قال لأهل النّار: (وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ)(2). فقد علم- عزّ و جلّ-، انّه لو ردّهم، لعادوا لما نهوا عنه، و قال للملائكة، لمّا قالت:
(أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ)(3). فلم يزل اللّه- عزّ و جلّ- علمه سابقا للأشياء قديما قبل ان يخلقها، فتبارك اللّه ربّنا، و تعالى علوّا كبيرا، خلق الأشياء و علمه بها سابق لها؛ كما شاء، كذلك لم يزل ربّنا عليما سميعا بصيرا.» (4)
و عن فتح بن يزيد، عن ابى الحسن الهادى (ع)، قال، قلت له: «يعلم القديم، الشيء الّذي لم يكن ان لو كان، كيف كان يكون؟ قال: ويحك. إنّ مسألتك لصعبة، أ ما سمعت اللّه يقول:( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا)(5). و قوله: (وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ)(6). و قال يحكى قول اهل النّار: (أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)(7). و قال: (وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ)(8). فقد علم الشيء الّذي لم يكن ان لو كان كيف كان يكون.» (9)
اقول: الظاهر، أنّ المراد بما لم يكن، هو المعدوم الّذي يمكن تحقّقه عقلا، كما فسّرت البيت به، فإنّ هذا ممّا يصحّ العلم به، بأنّه لو كان، كيف كان يكون، و يكون علمه مختصّا به تعالى، لا المعدوم الّذي يستحيل وقوعه؛ فإنّه لا يصحّ فرض العلم به، الّا العلم بأنّه محال، و العلم بأنّه مستلزم للمحال و الفساد. و هذا العلم ليس ممّا يختصّ به تعالى، و المحال لا يحتمل فرض الوقوع الحقيقى، على أنّه لو كان، كيف0.
1) . الجاثية 45: 29. و الاستشهاد بهذه الآية، مبنىّ على التفسير المروىّ عن ابن عبّاس: «أنّ المراد بالاستنساخ، الاستنساخ في اللّوح المحفوظ اعمال الخلق، قبل خلقهم»، و المشهور استنساخ الأعمال في الدنيا قبل الآخرة.
2) . الانعام 6: 28.
3) . البقرة 2: 30.
4) . البحار 4: 78/ 1.
5) . الأنبياء 22: 21.
6) . مؤمنون 23: 91.
7) . فاطر 35: 37.
8) . الانعام 6: 28.
9) . البحار 4: 82/ 10.
و ليس علمه قديما بالصّور***إذ هى غير الذات في حقّ النّظر
فإن تقم بغير أو بذاتها***فتلك أنداد على ذواتها
فقد تعدّد القديم في الأزل***و إن به قامت، فذاته محلّ
بل عالم الذات و لا علم معه***فكيف بالمعلوم أن يجامعه
كان يكون، و ان كان فرض المحال، لترتيب بعض الآثار غير محال. و على هذا، فالاستشهاد بآيتى التوحيد في حديث فتح بن يزيد، ممّا بظاهره ينافى المفروض، فلا بدّ له من توجيه غير بعيد. فتأمّل!
و ليس عندهم (ع)، علمه الأزلى قديما، يتعلّق بالصّور، إذ هى؛ اى الصور غير الذات في حقّ النّظر. عن ابى هاشم الجعفرى، عن الجواد (ع)، سأله رجل، فقال:
«اخبرنى عن الرب- تبارك و تعالى-، أله اسماء و صفات في كتابه؟ و هل اسمائه و صفاته هى هو؟
فقال (ع): إنّ لهذا الكلام وجهين: ان كنت تقول هى هو، أنّه ذو عدد و كثرة، فتعالى اللّه عن ذلك؛ و ان كنت تقول هذه الأسماء و الصفات لم تزل، فإنّ لم تزل محتمل معنيين؛ فان قلت: لم تزل عنده و في علمه و هو يستحقّها، فنعم؛ و ان كنت تقول: لم يزل صورها و هجاؤها و تقطيع حروفها، فمعاذ اللّه ان يكون معه شيء غيره؛ بل كان اللّه- تعالى ذكره- و لا خلق. ثمّ خلقها وسيلة بينه و بين خلقه، يتضرّعون بها إليه و يعبدونه.»(1)
و حيث كانت الصور غير الذات، فلا يخلو الأمر عن احد ثلاثة: امّا ان تكون قائمة بنفسها أو بغيرها أو بذات البارى- عزّ و جلّ-، فإن تقم بغير أو بذاتها، فتلك أنداد له تعالى مستقلّة على ذواتها، و حينئذ، فقد تعدّد القديم في الأزل، لأنّ المفروض أنّها ازليّة؛ و إن به تعالى قامت، فذاته محلّ لها، مضافا الى لزوم تعدّد القديم؛ بل هو تعالى، عالم الذات، ليس إلّا ذاته و لا علم معه، و قد تقدّمت الأحاديث فى ذلك. فكيف بالمعلوم أن يجامعه؟ و هذا واضح، فإنّه اذا لم يتصوّر له علم زائدا على ذاته، فكيف يتصوّر له معلوم زائدا عليها؟
1) . البحار 4: 153/ 1.
و علمه ليس عن التفكر***و لا رويّة و لا تصوّر
و العلم يستتبع للمعلوم***لا الذات، بل تأبى عن اللّزوم
و لا يقاس علمه بالنّاس***و هم من القياس في التباس
و الاشتراك، فى حقيقة الصفة***مفروضة التجريد، لا مكيّفة
نعنى له المعنى بنفس الذات***مع سلب الاقتران بالصّفات
و ما لغيره من الأوصاف***له بذاته بلا اتّصاف
و هذا الإثبات من الوصف كفى***كالذّات داعيا مقرّا واصفا
و علمه عندهم (ع)، ليس عن التّفكر و لا رويّة و لا تصوّر. و قد تقدّم ذلك، فلا يستلزم علمه صورا علميّة، و العلم يستتبع للمعلوم، كما قالوا، لا الذات، بل تأبى عن اللّزوم، و هاهنا ليست إلّا الذات الآبية عن كلّ قرين.
و لا يقاس علمه بالنّاس، و هم من القياس في التباس؛ فإنّ الّذي اوقعهم في الوهم امران: احدهما: قياس علمه تعالى بعلمهم، و علمهم لا بدّ له من معلوم؛ فان كان موجودا فهو، و إلّا فهو الصورة؛ ثانيهما: الاشتراك الظاهر في اسماء الصفات، حيث إنّها تطلق عليه تعالى و على غيره بإطلاق واحد. و إليه اشرت بقولى:
و الاشتراك؛ اى اشتراكه تعالى مع غيره في الأسماء و الصفات، إنّما هو في حقيقة الصّفة مفروضة التجريد لا مكيّفة، اذ لا تتكيّف الذات، لا بالذات و لا بالصّفات؛ نعنى، له المعنى؛ اى معنى الصفات بنفس الذات؛ كما قال (ع): «له معنى العالم، اذ لا معلوم.»(1)، مع سلب الاقتران بالصّفات، كما قال (ع): «و كمال الإخلاص، نفى الصفات عنه.» (2)، و قال (ع): «من وصفه، فقد قرنه.»(3)و ما لغيره من الأوصاف، الزائدة على الذّوات الملازمة لها، فإنّ في مفهوم الوصف معنى الزيادة و الاقتران؛ كما قال (ع): «بشهادة كلّ موصوف انّه غير الصفة، و شهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف.»(4)يكون له بذاته بلا اتّصاف، فهو عالم بلا اتّصاف بالعلم، و قادر بلا اتّصاف بالقدرة.
و هذا الإثبات من الوصف؛ اى هذا المقدار من اثبات الوصف على الإجمال، كفى، كالذّات؛ فانّه كما تقدّم ليس علينا الّا الاثبات دون الاكتناه، و لا تحقيق معناه.
فيا عليم مثل يا اللّه***يكفى من الإجمال ما كفاه
و علمه بالشيء فيما لم يزل***كعلمه بفعله من الأزل
لا يوجب القدمة، فيما علمه***إذ عالم حدوثه لا قدمه
و علمه بذاته المقدّسة***أو وحدة فنفيه من وسوسة
إذ كيف كان شخصه قد جهله***أم كيف لا يعلم أن لا ندّ له؟
فيكفى هذا المقادر للمعترف حال كونه داعيا أو مقرّا أو واصفا؛ يعنى، يكفيه في مقام الاقرار و الدعاء و التوصيف، فلا يكون الدعاء به لقلقة اللسان، و لا الاقرار به اقرارا بالمجهول، و لا توصيفه توصيفا بغير المفهوم. فيا عليم مثلا، بعينه مثل يا اللّه يكفى من الإجمال ما كفاه، و من رام وراء ذلك، فقد طلب الاكتناه.
تتمّة: لعلّه يتوّهم أنّ العلم اذ كان متعلّقا بنفس الأشياء لا بصورها، يلزم ازليّة الأشياء لأزليّة العلم، و قد بادرت الى دفعه بقولى:
و علمه بالشيء فيما لم يزل، كعلمه بفعله من الأزل، مع أنّ افعاله تعالى حادثة، لا يوجب العلم القدمة، فيما علمه؛ إذ هو تعالى عالم حدوثه لا قدمه، فهو تعالى عالم بأنّه سيحدثه و سيوجده، و مع كونه عالما بحدوثه، فكيف يلزم ازليّته؟
و الحاصل: أنّ علمه تعالى، تعلّق به على أنّه حادث، فلا بدّ من مطابقة العلم و المعلوم.
قد تقدّم الكلام في نقل الأقوال، أنّ بعض الفلاسفة انكر علمه تعالى بذاته، و قد وقع في بعض الأوهام انكار علمه بأنّه واحد.
و عند اهل البيت (ع) علمه بذاته المقدّسة أو وحدة؛ اى علمه بانّه واحد، فنفيه من وسوسة؛ إذ كيف كان شخصه قد جهله، مع أنّه عالم بكل شيء؟ أم كيف لا يعلم أن لا ندّ له؟ على الملك، مع أنّه تعالى محيط بكلّ شيء؟ كلّا! بل اخبر في كتابه، بأنّ له الملك، و أنّ له الحكم، و أنّ له الخلق و الأمر، تبارك اللّه ربّ العالمين. و قد اخبر كثيرا عن نفسه، و اخبر أنّه واحد لا شريك له. فعن محمّد بن سنان، قال:
و قد أحاط علمه بكلّ شيء***من ظاهر و باطن ميت و حىّ
و تستوى الأشياء في إحاطته***فليس أدنى بعضها من حضرته
و علمه بالأرض أو تحت الثرى***كعلمه فوق السّماوات جرى
«سألت أبا الحسن الرضا (ع)، هل كان اللّه عارفا بنفسه قبل ان يخلق الخلق؟
قال (ع): نعم، قلت: يراها و يسمعها؟ قال (ع): ما كان محتاجا الى ذلك، لأنّه لم يكن يسالها و لا يطلب منها، هو نفسه و نفسه هو، قدرته نافذة، فليس يحتاج الى ان يسمّى نفسه، و لكنّه اختار لنفسه اسماء لغيره يدعوه بها.» (1)
و عن فضيل بن سكرة، قال: قلت لأبى جعفر (ع): «جعلت فداك! ان رأيت ان تعلمنى، هل كان اللّه- جلّ ذكره- يعلم قبل ان يخلق الخلق أنّه وحده؟ فقد اختلف مواليك، فقال بعضهم: قد كان يعلم- تبارك و تعالى- أنّه وحده قبل ان يخلق شيئا من خلقه؛ و قال بعضهم: إنّما معنى يعلم، يفعل، فهو اليوم يعلم أنّه لا غيره، قبل فعل الأشياء، و قالوا: ان اثبتنا انّه لم يزل عالما بأنّه لا غيره، فقد اثبتنا معه غيره في ازليّته، فان رأيت يا سيّدى ان تعلّمنى ما لا اعدوه الى غيره.
فكتب (ع): ما زال اللّه عالما تبارك و تعالى.» (2)
و قد أحاط علمه تعالى، الى قوله فوق السّماوات جرى، قال امير المؤمنين (ع):
«لكنّه سبحانه احاط بها علمه، و اتقنها صنعه، و احصيها حفظه، لم يعزب عنه خفيّات غيوب الهواء، و لا غوامض مكنون ظلم الدجى، و لا ما في السّماوات العلى، و الأرضين السفلى، لكلّ شيء منها حافظ و رقيب، و كلّ شيء منها بشيء محيط، و المحيط بما احاط منها، اللّه الواحد الصمد.» (3)
و قال (ع) أيضا: «فلا لها [اى للأشياء] محيص عن ادراكه ايّاها، و لا خروج من احاطته بها، و لا امتناع من قدرته عليها.» (4)
و يشهد النّجوى، بلا مشاهدة***و كلّ شيء فهو أحصى عدده
يعلم كلّ جلوة و خلوة***و لفظة و لحظة و خطوة
و عجّة الوحوش في المفاوز***و ضجّة الأطفال و العجائز
و ما تكنّه البحار الغامرة***و ما تموج بالرّياح الدامرة
و قال (ع) أيضا: «علمه بالأموات الماضين، كعلمه بالأحياء الباقين؛ و علمه بما فى السّماوات العلى، كعلمه بما في الارضين السفلى.» (1)
و قال الصادق (ع): «محيط بما خلق، علما و قدرة و احاطة و سلطانا؛ و ليس علمه بما في الأرض باقلّ ممّا في السّماء، لا يبعد منه شيء، و الأشياء له سواء، علما و قدرة و سلطانا و ملكا و احاطة.» (2)
و قال (ع) أيضا: «و هو بكلّ شيء محيط بالاشراف و الاحاطة و القدرة، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السّماوات و لا في الارض، و لا اصغر من ذلك، و لا اكبر بالاحاطة و العلم، لا بالذّات.» (3)
و قال (ع) فى قوله تعالى:(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ)(4). قال (ع):
«علمه.» (5)و قال أيضا في الآية: «السموات و الأرض و ما بينهما في الكرسى و العرش، هو العلم، لا يقدر احد قدره.» (6)
و قال الرضا (ع): «و احاط بكلّ شيء علمه، و احصى عدده، فلا يؤده كبير، و لا يعزب عنه صغير.» (7)
و قال الصادق (ع): «و الأشياء كلّها له، سواء علما و قدرة و ملكا و احاطة.» (8)
و يشهد النّجوى بلا مشاهدة ببطر، او محالة من حضر، و كلّ شيء الى قولى بالرّياح الدامرة؛ اى الّتي تدمّر كلّ شيء باذن ربّها. قال امير المؤمنين (ع):
«لم يقرب من الأشياء بالتصاق، و لم يبعد عنها بافتراق، و لا يخفى عليه من عبادة شخوص لحظة، و لا كرور لفظة، و لا ازدلاف ربوة، و لا انبساط خطوة في ليل
و يعلم السّر و أخفى من بشر***و من أسرّ قوله و من جهر
داج و لا غسق ساج.» (1)
و قال (ع): «يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، و معاصى العباد في الخلوات، و اختلاف النينان (2)فى البحار الغامرات، و تلاطم الماء بالرّياح العاصفات» (3)، تعالى اللّه العليّ الأعلى، عالم كلّ خفية، و شاهد كلّ نجوى لا كمشاهدة شيء من الاشياء، ملأ السّماوات العلى الى الارضين السفلى، و احاط بجميع الأشياء، علما، فعلا، الّذي دنا و دنا الّذي علا، له المثل الأعلى، و الأسماء الحسنى، تبارك و تعالى.
و يعلم السّر و أخفى من بشر، و من أسرّ قوله و من جهر، قال امير المؤمنين (ع):
«من تكلّم، سمع نطقه، و من سكت، علم سرّه.» و عن الصادق (ع) فى قوله تعالى:( يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى)(4). ، قال (ع): «السرّ ما كتمته في نفسك، و اخفى ما خطر ببالك، ثمّ انسيته.» (5)
و عنه (ع) فى قوله تعالى:( يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ. )(6)، قال (ع): «أ لم تر الى الرجل ينظر الى الشمس، و كأنّه لا ينظر إليه، فذلك خائنة الأعين.» (7)
و عن الباقر (ع) فى قوله تعالى:( سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ )(8)، قال (ع): «السرّ و العلانية عنده سواء؛ و قوله تعالى:( وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ، وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ )(9)اى مستخف في جوف بيته.»(10)
و قال الرضا (ع): «سبحان من خلق الخلق بقدرته، و وضع كلّ شيء منه موضعه بعلمه، سبحان من يعلم خائنة الأعين و ما تخفى الصدور، و ليس كمثله شيء، و هو8.
و عالم بالغيب و الشّهادة***بل كلّ غيب عنده شهادة
و عنده مفاتح الغيب و ما***من ورق يسقط إلّا علما
و علم ساعة و ما قد يمطر***غيثا و من بأىّ أرض يقبر
و ما في الأرحام و ما تحمله***انثى و ما تغيض أو تكمله
السميع البصير.»(1)
و عالم بالغيب و الشّهادة.
الغيب، مصدر أو اسم مصدر، بمعنى الغائب أو المغيب؛ و المراد منه، ما كان غائبا عن المخلوقين، و إلّا فاللّه تعالى لا يعزب عنه شيء. و الغائب نوعان: منه ما هو موجود في الكون، و مستور عن غيره تعالى، و الشّهادة بخلافه؛ و منه ما ليس بموجود، و يكون في علمه تعالى، و الشّهادة بخلافه. فعن الصادق (ع) فى قوله تعالى:( عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ )(2)قال (ع): «الغيب، ما لم يكن، و الشهادة ما قد كان.»(3)و قد مرّ علمه تعالى «بما كان و ما لم يكن، ان لو كان، كيف كان يكون»، و «أنّه يعلم الأشياء قبل كونها، كعلمه بها بعد كونها.»
بل كلّ غيب عنده شهادة، قال امير المؤمنين (ع): «كلّ سرّ عندك علانية، و كلّ غيب عندك شهادة.» (4)
و عنده مفاتح الغيب و ما من ورق يسقط إلّا علما؛ كما قال تعالى:( وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها)(5). و المفاتح، ما به يكشف الكائن المستور، او المقدّر الّذي ليس بكائن.
و عنده أيضا علم ساعة؛ اى ساعة القيامة الكبرى و الصغرى؛ و ما قد يمطر غيثا فيعلم عدد القطر، صغيرة و كبيرة، و قليلة و كثيرة؛ و من بأىّ أرض يموت و يقبر؛
و يعلم أيضا ما في الأرحام و ما تحمله انثى، من ذكر أو انثى، و واحد أو اثنين؛ و ما تغيض الأرحام أو ما تكمله خلقة و مدّة، فعن الصادق (ع) فى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... )(1)، قال (ع): «هذه الخمسة، اشياء لم يطّلع عليها ملك مقرّب، و لا نبىّ مرسل، و هو من صفات اللّه- عزّ و جلّ.» (2)
و عنه (ع) أيضا، فى قوله تعالى:( اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ)(3). قال (ع): «ما تغيض الأرحام، ما لم يكن حمل، و ما تزداد، الذكر و الانثى جميعا.» (4)
و عنه (ع): «ما كان دون التسعة اشهر، و هو غيض، و ما تزداد ما رأت الدم في حال حملها ازداد به على التسعة اشهر.» (5)
و عن احدهما (ع): «الغيض، كلّ حمل دون تسعة اشهر، و ما تزداد، كلّ شيء يزاد على تسعة اشهر؛ و كلّ ما رأت الدم في حملها من الحيض، يزداد بعدد الأيّام الّتي رأت في حملها من الدم.» (6)
و عنهما (ع): «الغيض، ما كان اقلّ من الحمل، و ما تزداد، ما زاد على الحمل، فهو مكان ما رأت من الدم في حملها.» (7)
و عنهما (ع) أيضا، ما تحمل كل انثى؛ اى انثى و ذكرا، و ما تغيض الأرحام الّتي لا تحمل، و ما تزداد من انثى و ذكر.» (8)
اقول: الاختلاف من جهة احتمال اللّفظ للعموم، فكلّ من التفسيرين نوع من الغيض و الزيادة.
و عن الصادق (ع) فى قوله:( وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ )(9)الورقة، السقط؛ و الحبّة، الولد؛ و ظلمات الأرض، الأرحام؛ و الرطب، ما يحيى، و اليابس، ما يغيض.» (10)6.
و لا يحيطون بشيء علمه***إلّا بما شاء لمن قد علّمه
فعنده علمان: علم استتر***مستأثر به و سرّ استسرّ
و علمه العامّ يعلّم الولىّ***من ملك و من نبىّ مرسل
و كلّ ما علّم مجتبى له***علّمه نبيّنا و آله
و خصّهم بالبعض ممّا استأثره***تكرّما، إذ هم خيار الخيرة
و عن حسين بن خالد، عنه (ع) أيضا في الآية، قال (ع): الورق، السّقط؛ يسقط من بطن أمّه، من قبل ان يهلّ الولد؛ فقلت: و لا جنّة؟ قال (ع): يعنى، الولد في بطن أمّه، اذا اهلّ و يسقط من قبل الولادة؛ قلت: لا رطب؟ قال (ع): يعنى، المضغة اذ استكنت فى الرحم قبل ان يتمّ خلقها، قبل ان ينتقل؛ قلت: و لا يابس؟ قال (ع): الولد التام؛ قلت: فى كتاب مبين؟ قال (ع): فى امام مبين.» (1)
اقول: التفسير في هذين الحديثين، مبنىّ على التأويل و الباطن.
و لا يحيطون بشيء علمه إلّا بما شاء؛ كما قال تعالى:( وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ)(2). و لكن لا على وجه الاستنباط و المكاشفة، بل على وجه التعليم؛ و ذلك لمن قد علّمه؛ كما قال تعالى:( وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ)(3). و قال تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ)(4).
قال امير المؤمنين (ع): «و انقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، و حال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب و تاهت في ادنى ادانيها طامحات العقول في لطيفات الأمور.» (5)
و قال (ع) أيضا: «الّذي عجزت الملائكة على قربهم من كرسىّ كرامته، و طول ولههم إليه، و تعظيم جلال عزّه، و قربهم من ملكوته ان يعلموا من امره إلّا ما اعلمهم؛ و هم من ملكوت القدس بحيث هم و من معرفته على ما فطرهم عليه، ان قالوا سبحانك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا انّك انت العليم الحكيم.» (1)
فعنده تعالى، كما يظهر من الاستثناء و المستثنى منه، من الآيات الثلاث، علمان: علم استتر، قد ستره عن غيره، مستأثر به و سرّ استسرّ؛ اى استسرّه عن الغير، فهو علم خاصّ به تعالى، و الآخر علمه العامّ؛ و لكن يعلّم الولىّ من ملك و من نبىّ مرسل لا غيرهم.
و كلّ ما علّم مجتبى له من علم، من ملك أو نبىّ، علّمه نبيّنا (ص) و خصّهم أيضا بالبعض ممّا استأثره في غيبه تكرّما لهم؛ إذ هم خيار الخيرة، و صفوة الصفوة، فعن جابر عن ابى جعفر (ع):
إنّ للّه لعلما، لا يعلمه غيره، و علما يعلمه ملائكته المقرّبون و انبيائه المرسلون و نحن نعلم.» (2)
و عن الفضيل بن يسار، عنه (ع) أيضا: «العلم علمان: فعلم عند اللّه مخزون، لم يطّلع عليه احدا من خلقه؛ و علم علّمه ملائكته و رسله، فما علّمه ملائكته و رسله، فإنّه سيكون.» (3)
و عن ابى بصير، عن الصادق (ع) أيضا: «إنّ للّه- عزّ و جلّ- علمين: علم لا يعلمه الّا هو، و علم علّمه ملائكته و رسله، فما علمه ملائكته و رسله فنحن نعلمه.» (4)
و عن ضريس، عن الباقر (ع) أيضا: إنّ للّه علمين: علما مبذولا، و علما مكفوفا؛ فامّا المبذول، فإنّه ليس من شيء يعلمه الملائكة و الرسل، الّا نحن نعلمه؛ و امّا المكفوف، فهو الّذي عند اللّه في أمّ الكتاب.» (5)و في الكافى بعد «أمّ الكتاب»، «اذا خرج نفد».
و عن ابن سنان، عن الصادق (ع)، عن ابيه (ع)، قال: «إنّ للّه علما خاصّا و علما عامّا، فامّا العلم الخاصّ، فالعلم الّذي لم يطّلع عليه ملائكته المقرّبين و انبيائه المرسلين؛ و امّا العلم العامّ، فإنّه علمه الّذي اطّلع عليه ملائكته المقرّبين و انبيائه0.
المرسلين؛ و قد وقع إلينا من رسول اللّه (ص).» (1)
و عن ابى بصير، عن الصادق أيضا: «إنّ للّه علمين: علم مكنون مخزون، لا يعلمه إلّا هو من ذاك يكون البداء؛ و علم علّمه ملائكته و رسوله و انبيائه.» (2)
و عن الفضيل، عنه (ع): «إنّ للّه علما يعلّمه ملائكته و رسله، الا و نحن نعلمه، و للّه علم لا يعلمه ملائكته و رسله.» (3)
و عن عليّ بن ابى حمزة، عن ابى بصير، عنه (ع) أيضا: «إنّ للّه- عزّ و جلّ- علمين علما عنده لم يطّلع عليه احدا من خلقه؛ و علما نبذه الى ملائكته و رسله، فقد انتهى إلينا.» (4)
و عن سماعة، عنه (ع) أيضا: «إنّ للّه- تبارك و تعالى- علمين: علما اظهر عليه ملائكته و انبيائه و رسله، فما اظهر عليه ملائكته و رسله و انبيائه فقد علمناه؛ و علما استأثر به، فاذا بدا للّه في شيء منه، اعلمنا ذلك، و عرض على الأئمّة الّذين كانوا قبلنا.» (5)
و عن على بن جعفر، عن اخيه موسى (ع)، مثله.
و عن البرقى مرفوعا، عن ابى عبد اللّه (ع): «إنّ للّه علمين: علم تعلمه ملائكته و رسله، و علم لا يعلمه غيره، فما كان ممّا يعلمه ملائكته و رسله، فنحن نعلمه، و ما خرج من العلم الّذي لا يعلم غيره، فالينا يخرج.» (6)
و عن جهم بن ابى جهمة، عمّن حدثه عنه (ع) أيضا: «إن اللّه- عزّ و جلّ-، اخبر محمّدا (ص) بما كان منذ كانت الدنيا، و بما يكون الى انقضاء الدنيا، و اخبره بالمحتوم من ذلك، و استثنى عليه فيما سواه.» (7)
و عن الباقر (ع) فى قوله تعالى:( إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ )(8)، قال (ع): «و كان محمّد (ص) ممّن ارتضاه.» (9)
و عن الرضا (ع): «فرسول اللّه (ص) عند اللّه مرتضى، و نحن ورثة ذلك الرسول الّذي اطّلعه اللّه على ما يشاء من غيبه، فعلمنا ما كان و ما يكون الى يوم القيامة.» (10)1.
من أنكر القدرة للّه، كفر***و عجز الأشياء شاهد بأن قدر
لا تبلغ العقول كنه قدرته***و انحسرت عن وصفها بغايته
و القدرة التامة العليا له***بلا منازع لما حاوله
من أنكر القدرة للّه، كفر. قال الصادق (ع): «من شبّه اللّه بخلقه، فهو مشرك؛ و من انكر قدرته، فهو كافر.» (1)و عجز الأشياء شاهد بأن قدر، قال امير المؤمنين (ع):
«مستشهد بحدوث الأشياء على ازليّته، و بما و سمها به من العجز على قدرته.»(2)و عن امير المؤمنين (ع) و موسى بن جعفر (ع) و الرضا (ع): «المستشهد بآياته على قدرته، الممتنع من الصفات ذاته.»(3)و عن الرضا (ع)، عن آبائه، و عن امير المؤمنين (ع): «المستشهد بحدوث الأشياء على ازليّته، و بما و سمها به من العجز على قدرته، الى ان قال: مستشهد بكليّة الأجناس على ربوبيّته، و بعجزها على قدرته، و بفطورها على قدمته.» (4)
لا تبلغ العقول كنه قدرته، كما لا تبلغ كنه ذاته، و انحسرت الأفهام عن وصفها بغايته؛ اى بغاية التوصيف. قال امير المؤمنين (ع): قد يئست من استنباط الاحاطة به طوامح العقول، و نضبت عن الاشارة إليه بالاكتناه بحار العلوم، و رجعت بالصغر عن السموّ الى وصف قدرته لطائف الخصوم، و تحيّرت الأوهام عن احاطة ذكر ازليّته، و حصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته.» (5)
و القدرة التامة الكاملة العليا، الّتي هى فوق كلّ قدرة ثابتة له تعالى، بلا منازع، لما قد حاوله و لا امتناع عليه مما يحاوله. قال امير المؤمنين (ع):
«فلا لها [اى الأشياء] محيص عن ادراكه ايّاها، و لا خروج من احاطته بها، و لا احتجاب عن احصائه لها، و لا امتناع من قدرته عليها.» (6)
لا يوصف الإله بالعجز ***و لابقدرة إلّا و كان أنبلا
من ذاك جائز لنا ترك النّظر***فيها لما تأبى عن إدراك البشر
و هى تعمّ كلّ ما لا يمتنع***ذاتا عن الوجود، دون الممتنع
و قال الحسين (ع): «و امضى المشيّة و الإرادة و القدرة و العلم، بما هو كائن، لا منازع له في شيء من امره، و لا كقوله يعادله، و لا ضدّ له ينازعه، ليس بقادر من قارنه ضدّ أو ساواه ندّ.» (1)
و حيث إنّ قدرته تامّة كاملة، لا يوصف الإله بالعجز في شيء، و كذلك لا يوصف بقدرة إلّا و هو تعالى كان منها أنبلا و اعظم؛ لأنّ قدرته لا تقدّر بقدر، كما أنّ ذاته لا يوصف بحدّ. قال الصادق (ع):
«إن اللّه- عزّ و جلّ- لا يوصف.» (2)و قال الباقر (ع): «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يوصف بعجز، و كيف يوصف و قد قال في كتابه:( وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)(3). فلا يوصف بقدرة إلّا كان اعظم من ذلك.» (4)
من ذاك، جائز لنا ترك النّظر فيها؛ اى في القدرة لما تأبى عن إدراك البشر، كما لا يجوز التفكّر في ذاته؛ لأنّ ذاته آبية عن الادراك. قال امير المؤمنين (ع):
«يا أبا الطفيل! العلم علمان: علم لا يسع النّاس الّا النّظر فيه، و هو صبغة الاسلام؛ و علم يسع النّاس ترك النّظر فيه، و هو قدرة اللّه- عزّ و جلّ-.» (5)
اقول: المراد بصبغة الاسلام، احكامه و شريعته.
و هى؛ اى القدرة، تعمّ؛ كما قال تعالى:( فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(6). لكنّها تعمّ كلّ ما لا يمتنع ذاتا عن الوجود، دون الممتنع عنه، و الاستثناء في الحقيقة
و هى تعلّقت بما تعلّقا***علم به، إذ ذان لن يفترقا
و في المحال علمه به حتم***فكيف قادر بضدّ ما علم؟
تخصّص، لا تخصيص.
و الوجه في ذلك: أنّ القدرة في الأعيان تتعلّق بالوجود و العدم، و في الأعمال بالفعل و الترك، و هما أيضا يرجعان الى الوجود و العدم، فمعنى القدرة على الشيء او على الفعل، القدرة على إيجاده أو إعدامه؛ فلا بدّ ان يكون الشيء أو الفعل، ممّا يقبل الوجود و العدم ذاتا، حتّى امكن ان يكون متعلّقا للقدرة. فما يمتنع عن الوجود ذاتا كشريك البارى و اجتماع نقيضين؛ او يمتنع عن العدم كحياة البارى، لامتناع الفناء عليه، و الخلوّ عن احد النقيضين، لامتناع ارتفاعهما، لا يمكن ان يكون متعلّقا للقدرة؛ فعدم تسلّط القدرة، إنّما هو لأجل امتناع المتعلّق عن الوجود أو العدم؛ اى عن الإيجاد و الإعدام، لا لامتناع القدرة فالقصور مستند الى المتعلّق لا الى القدرة، فلا يلزم تخصيص في عموم القدرة؛ بل هو تخصّص لخروج الممتنع عن العموم بمعنى عدم دخوله فيه من أوّل الأمر.
و قد علّلت ذلك أيضا بوجه عقلى، و هو ما قلت:
و هى؛ اى القدرة، تعلّقت بما تعلّقا علم به، إذ ذان لن يفترقا؛ لأنّهما معا ازليّان، ذاتيان له تعالى، فهما متلازمان، لا يجوز انفكاك احدهما عن الآخر، فكلّ ما تعلّق العلم به، تعلّقت القدرة به، و لا يجوز ان يتعلّق العلم بشيء بوجه، و تتعلّق القدرة بخلافه، و في المحال علمه به؛ اى بانّه محال حتم، اذ لا يخلو الأمر من ثلاثة: امّا ان يكون عالما بانّه محال واقعا، او عالم بأنّه غير محال، او لا يعلم شيئا؛ و الثالث محال، لاستلزامه الجهل، و كذا الثانى، لأنّ المفروض كونه محالا واقعا، ففرض كونه عالما بخلافه، جهل مركّب، فيبقى الأوّل، فقد حتم علمه بكونه محالا. فاذا فرض في شيء أنه تعالى يعلم أنّه محال، فكيف قادر بضدّ ما علم، و قد لزم الافتراق بين العلم و القدرة؟
ما لا يكون كدخول العالم***فى بيضة لا يقتضي أن انتمى
بالعجز عنه، بل كفى في قدرته***تغيير كلّ منهما عن هيئته
يكبّر البيضة أو يصغّر***فى الجسم عالما فمن ذا أقدر
فعلى هذا، ما لا يكون، كدخول العالم في بيضة، بحيث لا تكبّر البيضة و لا يصغّر العالم، لا يقتضي أن انتمى بالعجز عنه؛ اى ينسب الى العجز، لما ذكر أنّ عدم الوقوع لامتناع الفرض، لا لقصور القدرة. بل كفى في قدرته تغيير كلّ منهما عن هيئته، فامّا يكبّر البيضة أو يصغّر في الجسم عالما على قدر البيضة، فمن ذا أقدر منه اذا كان قادرا على مثل هذا التكبير و التصغير؟ فعن الصادق (ع)، قال:
«قيل لأمير المؤمنين (ع): هل يقدر ربّك ان يدخل الدنيا في بيضة من غير ان تصغر الدنيا أو تكبر البيضة؟
قال (ع): انّ اللّه- تبارك و تعالى- لا ينسب الى العجز، و الّذي سألتنى لا يكون.» (1)
و عنه (ع) أيضا، قال: «جاء رجل الى امير المؤمنين (ع)، فقال: أ يقدر اللّه ان يدخل الأرض في البيضة، و لا تكبر البيضة؟
فقال له: ويلك! إنّ اللّه لا يوصف بالعجز، و من اقدر ممّن يلطّف الأرض و يعظّم البيضة؟» (2)
و عنه (ع)، قال: «إنّ ابليس قال لعيسى بن مريم: أ يقدر ربّك على ان يدخل الأرض في بيضة لا تصغر الأرض و لا تكبر البيضة؟
فقال عيسى (ع): ويلك! إنّ اللّه لا يوصف بالعجز، و من اقدر ممّن يلطّف الأرض و يعظّم البيضة؟» (3)
هذه الأحاديث الثلاثة، اثبتت استحالة هذا الفرض، الّا أنّها اثبتت القدرة على تلطيف العالم، او تكبير البيضة، و هى قدرة عظيمة. و قد ورد في حديثين آخرين، جوابا آخر عن هذا السؤال، ظاهره تسليم الامكان، و تمثيله بادخاله في العدسة، و هو مخالف للواقع من وجهين: احدهما: من جهة تسليم الامكان؛ ثانيهما: من حيث مخالفة المثال للسؤال، فعن البزنطى، قال: «جاء رجل الى الرضا (ع)، فقال: هل يقدر
ربّك ان يجعل السموات و الأرض و ما بينهما في بيضة؟ قال (ع): نعم، و في اصغر من البيضة، و قد جعلها في عينك، و هى اقلّ من البيضة لأنّك اذا فتحتها، عاينت السّماء و الأرض و ما بينهما، و لو شاء لأعماك عنها.» (1)
و عن عدّة من اصحابنا: «أنّ عبد اللّه الديصانى اتى هشام بن الحكم، فقال له:
أ لك ربّ؟ فقال: بلى، قال قادر؟ قال: نعم، قادر، قاهر؛ قال: يقدر ان يدخل الدّنيا كلّها فى البيضة، لا تكبر البيضة و لا تصغر الدنيا؟ فقال هشام: النّظرة.
فقال: قد أنظرتك حولا ثمّ خرج عنه، فركب هشام الى ابى عبد اللّه (ع)، فقال (ع) له: إنّ الّذي قدر ان يدخل الّذي تراه (2)العدسة أو اقلّ منها، قادر ان يدخل الدنيا كلّها البيضة، لا تصغر الدنيا و لا تكبر البيضة. فانكبّ هشام عليه، و قبّل يديه و رأسه و رجليه، و قال: حسبى، يا ابن رسول اللّه! فانصرف الى منزله و غدا عليه الديصانى، فقال له: يا هشام! جئتك مسلّما، و لم اجئك متقاضيا للجواب، فقال له هشام: ان كنت جئت متقاضيا فهاك الجواب.
فخرج منه الديصانى، فأخبر أنّ هشاما دخل على ابى عبد اللّه (ع)، فعلّمه الجواب، فمضى الديصانى حتّى اتى باب ابى عبد اللّه (ع) فأستأذن عليه ...» (3)
تقدّمت بقيّته في اثبات الصانع، و في آخره، أنّه استسلم على يدى ابى عبد اللّه (ع).
فلا بدّ من حملهما، امّا على أنّ فرض السؤال فيهما ليس عمّا هو المحال من ادخال الجسم الكبير مع حفظ جسميّته و كبره في الشيء الصغير مع حفظ صغره، بل السؤال عمّا يمكن فرضه من الادخال، و لو مع عدم جسميّته، و لعلّه لذلك لم يصرّح فى حديث الرضا (ع) بانّه لا يصغر العالم و لا تكبر البيضة؛ او يحملان على أنّ المقصود بهذا السؤال محض الامتحان، ليعلم به حدّ المسئول في معرفة المحال عن الممكن، فإنّ هذا السؤال، صار من قبيل المعمّيات الّتي يمتحن بها الرجال، ليعرف بها تمييزهم الممكن عن المحال، و ربّما يغالط به اهل الجدال، و قد اجابوا (ع) بما هو الممكن منه من الفرض، و قنع به اهل السّئوال..
و من سلوب ذاته تنزّها***للقدم و الوحدة و الغنى لها
أن لا له مثل و لا من صاحبة***و لا قرين أو نظير قاربه
لا هو مولود و لا له ولد***و لا له ضدّ و لا كفو احد
فالضدّ و المثل و ما يضاهئه***إن كان حادثا فلا يكافئه
و إن يكن ذاك قديما مثله***تعدّد الربّ فلا كفو له
كلّ هذه السلوب، ممّا يقتضيه غناه تعالى و قدمه و توحيده الذاتى الربوبى و الوصفى الالوهى. و من سلوب ذاته تنزّها؛ اى لما أنّه تعالى منزّه، و فيه اشارة الى أنّ هذه الصفات، صفات تنزيهيّة، و هى ثابتة له تعالى، للقدم و الوحدة و الغنى لها؛ اى للذّات أن لا له مثل و لا من صاحبة و لا قرين، أو نظير قاربه في الذات و الصفات، و لا هو مولود و لا له ولد، و لا له ضدّ و لا كفو احد. فالقدمة، تقتضى ان لا يكون والدا و لا مولودا؛ و الغنى، يقتضي ان لا يكون له شريك و صاحبة؛ و الوحدة، تقتضى ان لا يكون له ضدّ و ندّ و مثل و كفو.
فالضدّ و المثل و ما يضاهئه من الندّ و القرين و النّظير و الشريك، إن كان حادثا، فلا يكافئه؛ لأنّ الحادث لا يكافئ القديم، لأنّه بالذات و هذا بالغير، و هو كامل و هذا ناقص، و هو غنّى و هذا محتاج، فكيف يكون مثله؟ و إن يكن ذاك قديما مثله، تعدّد الربّ، فيمنعه برهان امتناع الشّريك، فلا كفو له ابدا. هذا من العقل.
و امّا تقريره من النّقل، فيكفى في ذلك الكتاب العزيز، و نقل جميع ما ورد عن اهل البيت (ع) من كلماتهم و ادعيتهم ممّا يوجب الإطالة، فنكتفى منه بقدر ما يحصل به التيمّن بكلامهم (ع). فعن ابن ابى عمير، قال:
«دخلت على سيدى، موسى بن جعفر (ع)، فقلت له: يا ابن رسول اللّه (ص)!، علّمنى التوحيد! فقال (ع): يا أبا احمد! لا تجاوز ما ذكره اللّه في كتابه فتهلك؛ و اعلم:
إنّ اللّه- تبارك و تعالى- واحد، احد، صمد، لم يلد، فيورث و لم يولد فيشارك، و لم
يتّخذ صاحبة و لا ولدا و لا شريكا.» (1)
و قال امير المؤمنين (ع): «و لا كفو له فيكافيه، و لا نظير فيساويه.» (2)و في وصيّته للحسن (ع): «و لكنّه إله واحد، كما وصف نفسه، لا يضادّه في ملكه احد، و لا يزول ابدا.» (3)
و قال (ع) أيضا: «و لم يخلق ما خلقه، لتشديد سلطان. و لا لخوف من عواقب زمان، و لا استعانة على ندّ مثاور (4)
«اللّهم إنّى اعوذ بك من مساورة الاعداء»؛ اى من سطوتهم و اعتدائهم.
، و لا شريك مكاسر، و لا ضدّ منافر؛ و لكنّ خلايق مربوبون، و عباد آخرون الى ان قال: و علا عن اتّخاذ الأبناء، و تطهّر و تقدّس عن ملامسة النّساء، و عزّ و جلّ عن مجاورة الشّركاء؛ فليس له فيما خلق ضدّ، و لا فيما ملك ندّ، و لم يشرك في ملكه احد.»(5)و قال (ع) أيضا: «و ليس له مثل، فيكون ما يخلق مشبها به، و ما زال عند اهل المعرفة به عن الأشباه و الأضداد منزّها، كذب العادلون باللّه؛ اذ شبّهوه باصنامهم و حلّوه حلية المخلوقين باوهامهم، تعالى ان يكون له كفو فيشبه به، فلا شبه له من المخلوقين؛ و انّما يشبه الشيء بعديله، فامّا ما لا عديل له، فكيف يشبه بغير مثاله؟
ايّها السائل! اعلم: إنّ من شبّه ربّنا الجليل بتباين اعضاء خلقه، و بتلاحم احقاق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمته، أنّه لم يعقد غيب ضميره على معرفته، و لم يشاهد قلبه اليقين بأنّه لا ندّ له، و كأنّه لم يسمع بتبرى التابعين من المتبوعين، و هم يقولون:(تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ)(6). ؛ فمن ساوى ربّنا بشيء، فقد عدل به، و العادل به، كافر بما نزلت به محكمات آياته، و نطقت به شواهد حجج بيّناته.» (7)
و قال (ع) أيضا: «لا يحدّ بأين، و لا يوصف بالأزواج.»(8)و قال (ع): «و ارتفع عن3.
و ليس من قارنه كفو و ضدّ***بقادر و لا الّذي ساواه ندّ
و من تضادّ أو قران جعله***يعرف أن لا ضدّ أو قرين له
مشاركة الأنداد، و تعالى عن اتّخاذ صاحبة و اولاد.» (1)
و قال ابو جعفر الجواد (ع): «فربّنا- تبارك و تعالى-، لا شبه له و لا ضدّ و لا ندّ و لا كيفيّة و لا تصاريف.»(2)و في الكافى، «و لا بتصاريف».
و من الدليل على نفى الضدّ و الندّ، ما اشرت إليه بقولى:
و ليس من قارنه كفو و ضدّ بقادر، و لا الّذي ساواه ندّ، لما تقدّم في التوحيد، أنّه لو كان كلّ منهما قادرا على دفع شريكه، فهما ضعيفان؛ و لو كانا لا يقدران، فضعفهما اظهر. قال الحسين (ع): «ايّها النّاس! اتّقوا هؤلاء المارقة، الّذين يشبّهون اللّه بانفسهم، يضاهئون قول الّذين كفروا من اهل الكتاب، بل، هو اللّه،( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )(3)، لا امتناع له في شيء من امره، و لا كفو له يعادله، و لا ضدّ له ينازعه، و لا سميّى له يشابهه و لا مثل له يشاكله، و لا يخطر على القلوب مبلغ جبروته؛ لأنّه ليس له عديل، ليس بقادر من قارنه ضدّ، او ساواه ندّ.» (4)
و من الدليل عليه أيضا، ما قلت:
و من تضادّ جعله بين المتضادّات، أو قران جعله بين المتقارنات، يعرف أن لا ضدّ أو قرين له؛ لأنّ التضادّ و القران، ممّا يوجدان في الحادث، فهما من اوصاف الحادث، و كلّ ما يجوز في الحادث، يمتنع في القديم؛ و أيضا لما كانا من اوصاف الحادث، فهما حادثان مجعولان، و ما هو مجعول و مخلوق له، لا يكون وصفا له؛ و أيضا المضادّة و المقارنة، ظاهران في أنّهما ليسا للأشياء بالذّات؛ اذ لو كانا بالذات لما كانا قائمين بالحادث الّذي هو بالغير، فاذا لم يكونا بالذات، كانا بجعل الجاعل. قال امير المؤمنين (ع):
«لا شريك له في إلهيّته، و لا ندّ له في ربوبيّته، بمضادّته بين الأشياء المتضادّة، علم أنّ لا ضدّ له، و بمقارنته بين الأمور المقترنة، علم أنّ لا قرين له.» (5)و قال الرضا (ع):
لو كان مولودا لكان حادثا***و إن يلد كان الوليد وارثا
بل إن يكن مولود غير أو يلد***كان له مشارك، شبه و ندّ
و كان محدودا إذن مصرّفا***و من يشبّهه فليس عارفا
«و بمضادّته بين الأشياء. عرف ان لا ضدّ له؛ و بمقارنته بين الامور، عرف ان لا قرين له؛ ضادّ النّور بالظلمة، و الجلاية بالبهم، و الجسوء بالبلل، و الصرد بالحرور.»(1)
و مثله عن امير المؤمنين (ع) فى جواب ذعلب (2)، الّا أنّه ليس فيه «الجلاية بالبهم»، و في الكافى، فيما نقله عن امير المؤمنين (ع) «بعد الظلمة» هكذا: «و اليبس بالبلل، و الخشن باللين، و الصرد بالحرور.» (3)
اقول: المراد بالجلاية، الجلاية في المنطق، و البهم عدم النطق، كالبهائم؛ و الجسوء، الصلابة، و الخشونة و يراد به اليبس في مقابل البلل.
و من الدليل على أنّه لا يلد و لم يولد، ما ذكرت:
لو كان مولودا، لكان حادثا، و هو ظاهر لتقدّم الوالد عليه؛ لأنّه كان بعد ان لم يكن، و إن يلد كان الوليد وارثا له، لأنّ الولد يرث اباه. و المراد به هنا وراثة الذات و الصفات دون المال، بل إن يكن مولود غير أو يلد غيرا، كان له مشارك و شبه و ندّ و كان محدودا إذن، لأنّ المولود، محدود، و كذا الوالد؛ لأنّه لو لم يحدّ، لم يلد. و كان أيضا مصرّفا لتصرّف الولادة فيه، والدا و مولودا، و من يشبّهه؛ اى يجعل له شبيها، فليس عارفا به كما تقدّم. و قال امير المؤمنين (ع):
«لم يلد فيكون مولودا (4)، و لم يولد فيصير محدودا، جلّ عن اتّخاذ الأبناء، و طهر عن ملامسة النّساء.»(5)و قال (ع) أيضا: «الّذي لم يولد فيكون في العزّ مشاركا، و لم يلد فيكون موروثا هالكا.» (6)
الكامل الذات قديم الذات***و النّقص حدّ الذات لا بالذات
و النّاقص القابل للزّيادة***معلول من كذاك قد أراده
فالنّاقص الذّات فقير الذات***و العرض الزائل غير ذاتىّ
فهو بذاته الغنىّ الأزلىّ***منزّه عن نقص أو عن زائل
إذن، فلا ينسى و لا يسهو و لا***يلعب أو يلهو و ليس غافلا
و قال الصادق (ع): «الحمد للّه الّذي لم يلد فيورث، و لم يولد فيشارك.»(1)
و قال (ع) أيضا: «سبحان اللّه الّذي ليس كمثله شيء، لا تدركه الابصار و لا يحيط به علم، لم يلد، لأنّ الولد يشبه اباه، و لم يولد فيشبه من كان قبله، و لم يكن له من خلقه كفو احد؛ تعالى عن صفة من سواه علوّا كبيرا.»(2)و قال (ع) أيضا: «لم يلد فيورث، و لم يولد فيشارك، و لم يكن له كفوا احد.» (3)
و قد تقدّم قول موسى بن جعفر (ع): «لم يلد فيورث، و لم يولد فيشارك.» (4)
الكامل الذات، لا غيره، قديم الذات، كما تقدّم برهانه. و النّقص حدّ الذات، و يكون لا بالذات؛ فإنّ كلّ ناقص محدود، و كلّ حدّ غير المحدود، ضرورة أنّ حدّ الشيء غير الشيء، فليس هو ذات الشيء، فلا يكون بالذات؛ لأنّ ما بالذّات لا يكون مركّبا؛ و أيضا النّاقص، القابل للزّيادة بالبداهة، و ما يقبل الزيادة، فهو معلول من كذاك قد أراده، فقصّره بهذا الحدّ فلا يكون ممّا بالذّات، و ما لا يكون بالذّات لا يكون قديما.
فالنّاقص الذات، فقير الذات، لاحتياجه الى المحدّد، فهو عرضىّ أيضا. و العرض الزائل غير ذاتىّ؛ اى لا يمكن ان يكون ذاتيّا للشيء، و ما ليس بذاتى لا يكون بالذات، فهو تعالى بذاته، الغنىّ الأزلىّ، منزّه عن نقص أو عن وصف زائل، إذن، فلا ينسى و لا يسهو و لا يلعب، أو يلهو، و ليس غافلا. فعن الصادق (ع)، قال:
و كلّ ما في الخلق لا يوجد في***خالقه، إذ ليس بالمصرّف
و كلّ ما يمكن في ذواتهم***ممتنع عليه من صفاتهم
«ديمومىّ ازلىّ، لا ينسى و لا يلهو، و لا يسهو و لا يلعب.» (1)
و عن الرضا (ع) فى قول اللّه تعالى (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ )(2)، فقال (ع): «إنّ اللّه- تبارك و تعالى-، لا ينسى و لا يسهو، و إنّما ينسى و يسهو المخلوق المحدث، ألا تسمعه- عزّ و جلّ- يقول: (وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا )(3)و انّما يجازى من نسيه و نسى لقاء يومه، بان ينسيهم انفسهم؛ كما قال:( لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)(4). و قال تعالى: (فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا )اى نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا.» (5)
اقول: و قد مرّ في العلم في معنى «نسوا اللّه» حديثان آخران عن امير المؤمنين و ابى جعفر (ع)، فتذكّر.
و أيضا كلّ ما يوجد في الخلق لا يوجد في خالقه؛ إذ ليس بالمصرّف؛ فإنّ ذاته تعالى، لا يقبل التصرّف، و ما في الخلق احوال و عوارض، و هى تصاريف توجب التصرّف فيمن ترد عليه.
و كلّ ما يمكن في ذواتهم، ممتنع عليه من صفاتهم. قال الرضا (ع): «فكلّ ما فى الخلق لا يوجد في خالقه، و كلّ ما يمكن فيه يمتنع في صانعه.»(6)و قال (ع) أيضا:
«لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم، و لا مكانهم ممّا يمتنع منه ذاته، و لافتراق الصانع و المصنوع و الرب و المربوب، و الحادّ و المحدود.» (7)و عن الصادق و موسى بن جعفر (ع) أيضا مثله.
و قال امير المؤمنين (ع): «لا يقال له كان بعد ان لم يكن، فتجرى عليه الصفات المحدثات، و لا يكون بينها و بينه فصل، و لا له عليها فضل، فيستوى الصانع و المصنوع، و يتكافؤ المبتدع و البديع.» (8)
مبرّأ من ذات ما قد ركّبه***فى ذات من جسّمه و رتّبه
مباين جميع ما قد أحدثه***فى كلّ وصف، و الصفات حادثة
و قال (ع) أيضا: «و لم تحط به الصفات، فيكون بادراكها ايّاه بالحدود متناهيا، و ما زال ليس كمثله شيء عن صفة المخلوقين متعاليا.» (1)، و قال (ع) أيضا: «فمعانى الخلق عنه منفيّة، و سرائرهم عليه غير خفيّة، المعروفة بغير كيفيّة.»(2)
و قال الحسين (ع): «و لا تدركه العلماء بألبابها، و لا اهل التفكير بتفكيرهم، الّا بالتحقيق، ايقانا بالغيب؛ لأنّه لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين.»(3)
و عن الصادق (ع) فى الحديث المتقدّم في نفى الولد: «تعالى عن صفة من سواه علوّا كبيرا.»(4)و قال (ع) أيضا، (و قد سئل عن التوحيد): «هو- عزّ و جلّ-، مثبت موجود، لا مبطل و لا معدوم، و لا في شيء من صفات المخلوقين.» (5)و قال (ع) أيضا (و قد سئل عنه): «امّا التوحيد، فان لا تجوّز على ربّك ما جاز لك.» (6)
و قال موسى بن جعفر (ع): «و هو القديم، و ما سواه مخلوق محدث، تعالى عن صفة المخلوق علوّا كبيرا.»(7)و قال الرضا (ع): «تعالى اللّه الّذي ليس له شبه و لا مثل، و لا عدل و لا نظير، و لا هو بصفة المخلوقين.»(8)
اى الّتي ركّبه في ذات من جسّمه و رتّبه؛ قال ابو الحسن الثالث (ع):
«و هو ليس بجسم و لا صورة، و لم يتجزأ، و لم يتناه، و لم يتزايد، و لم يتناقص، مبرّأ من ذات ما ركّب في ذات من جسّمه.» (9)
مباين جميع ما قد أحدثه و خلقه في كلّ وصف، فلا يكون ما احدثه و خلقه وصفا له تعالى، و الصفات حادثة، و القديم لا يتّصف بالحادث، و الحادث لا تعرض على القديم، فعن الرضا (ع)، عن امير المؤمنين (ع)، قال في خطبته:
كيف جرى عليه ما أجراه؟***أم كيف عاد فيه ما أبداه؟
و كيف كان يستحقّ للأزل***ما ليس يأبى عن حدوث حيث حلّ
أم كيف ما لم يمتنع أن ينشأ***ينشئ الأشياء و كان منشأ؟
و هو قديم أحدىّ ذاته***فلا تجزّي ذاته صفاته
فإن تفاوتت، فقد تغيّرت***و انقلب القديم بالّتى طرت
«مباين لجميع ما احدث في الصفات، و ممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات، خارج بالكبرياء و العظمة من جميع تصرّف الحالات، تعالى عن ضرب الأمثال و الصفات المخلوقة علوّا كبيرا.» (1)
كيف جرى عليه ما هو أجراه؟ أم كيف عاد فيه ما هو تعالى أبداه؟ و قد كان تعالى قبل ان يحدثه و يجريه، خلوا منه، اذ المفروض انه حادث و انه احدثه فمع خلوّه عنه قدما، و استغنائه عنه ازلا، كيف يتّصف به فيما بعد؟ و هل هو إلّا اتّصافه بما هو معلوله؟
و أيضا، كيف كان يستحقّ للأزل، ما ليس يأبى عن حدوث حيث حلّ؟ فإنّ الّذي لا يمتنع عن الحدوث، ليس حقيقا بان يوصف بالقديم؛ أم كيف ما لم يمتنع أن ينشأ؟ لأنّه بتصرّف الحادث فيه صار، منشأ، إنشاء جديدا؛ اذ هو غير الأوّل الّذي كان عليه، فما لم يمتنع عن الانشاء. كيف ينشئ الأشياء، و كيف كان منشأ لها؟ فإنّ المنشأ حادث، و الحادث لا ينشئ غيره.
و أيضا هو تعالى قديم، أحدىّ ذاته، فلا تجزّي ذاته صفاته، فإنّ القديم و الاحدىّ، لا يجزّى و لا يتجزّى، فلا يجزى ذاته بالصفات، و لا تفاوت الذات الّتي بالذات، فإن تفاوتت بسبب عروض الحالات و الصفات فقد تغيّرت و انقلب القديم، بالصّفة الّتي طرت عليه، فيصير حادثا. قال امير المؤمنين (ع):
«لا تجرى عليه الحركة و السكون، و كيف يجرى فيه ما هو اجراه و يعود فيه ما هو ابداه؟ إذن، لتفاوتت ذاته، و لتجزّأ كنهه، و لامتنع من الأزل معناه، و لكان له وراء، اذ اوجد له امام، و لا التمس له التمام، اذ الزمه النقصان؛ و إذن، لقامت آية المصنوع فيه، و لتحوّل دليلا بعد ان كان مدلولا عليه، و خرج بسلطان الامتناع من ان يؤثّر فيه ما في
1) . البحار 4: 222/ 2.
و يلزم احتماله المزيدا***و النّقص و القديم لن يبيدا
و يلزم التشبيه و المثليّة***فيستوى البارئ و البريّة
و يلزم التحديد بالأوصاف***للذّات، إذ صارت في الاختلاف
غيره.»(1)
و قال الرضا (ع) بعد قوله: «فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، و كلّ ما يمكن فيه، يمتنع في صانعه؛ لا تجرى عليه الحركة و السكون، و كيف يجرى عليه ما هو اجراه؟ او يعود فيه ما هو ابتدأه؟ إذن لتفاوتت ذاته، و لتجزّأ كنهه، و لامتنع من الأزل معناه، و لما كان للبارى معنى غير المبروء، و لو حدّ له وراء، اذن، حدّ له امام، و لو التمس له التمام، لزمه النقصان، كيف يستحقّ الأزل، من لا يمتنع من الحدث؟ و كيف ينشئ الأشياء، من لا يمتنع من الانشاء؟ إذن، لقامت فيه آية المصنوع، و لتحوّل دليلا بعد ما كان مدلولا عليه.» (2)
و كما يلزم التجزى و الانقلاب، يلزم احتماله المزيد و النّقص؛ لأنّ ما يقبل التفاوت، يحتمل الزيادة و النقصان، و كذا العكس بالتلازم، فيلزم قبول التغيّر، و القديم لن يبيدا؛ اى لا يذهب و لا يتغيّر عمّا هو عليه. قال امير المؤمنين (ع):
«الّذي لم يسبقه وقت، و لم يتقدّمه زمان، و لم يتعاوره زيادة و لا نقصان.» (3)
و قال الصادق (ع): «إنّه ليس شيء إلّا يبيد أو يتغيّر أو يدخله الغير و الزوال، من لون الى لون، و من هيئة الى هيئة، و من صفة الى صفة، و من زيادة الى نقصان، و من نقصان الى زيادة، الّا ربّ العالمين؛ فانّه لم يزل و لا يزال واحدا، هو الأوّل قبل كلّ شيء، و هو الآخر على ما لم يزل لا تختلف عليه الصفات و الأسماء، ما يختلف على غيره.» (4)
و يلزم أيضا، التشبيه و المثليّة، و هو ظاهر، فيستوى البارئ و البريّة؛ اى يلزم استوائهما و عدم الفرق بينهما، كما تقدّم في كلام امير المؤمنين (ع).
و يلزم أيضا، التحديد بالأوصاف للذّات؛ اى يلزم تحديد الذات بها؛ إذ صارت الذات في الاختلاف بسببها، فإنّ الذات العارية عن الوصف، غير الذات
و الاشتراك في الصفات الجارية***فى الاسم لا بما علينا طارية
فلا رضاه كرضانا، لا الغضب***و لا على قوّتنا قوّة ربّ
المتّصفة به، فتكون محدود بحدود الأوصاف، كما تكون متغيّرة بحدوثها و بتغيّرها،
و الاشتراك في الصفات الجارية علينا و عليه، كالرضا و الغضب و القوّة و غيرها، إنّما هو في الاسم، لا بما علينا طارية؛ اى بوجه تطرأ علينا في الكيفيّة. فلا رضاه كرضانا، لا الغضب؛ اى و لا غضبه كغضبنا، و لا على نحو قوّتنا قوّة ربّ؛ فعن الصادق (ع)، انّه سأله رجل عن اللّه- تبارك و تعالى- له رضى و سخط؟ قال (ع):
«نعم، و ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، و ذلك، لأنّ الرضا و الغضب دخّال يدخل عليه، فينقله من حال الى حال معتمل(1)مركّب للأشياء فيه مدخل، و خالقنا لا مدخل للأشياء فيه، واحد، احدى الذات، و احدىّ المعنى؛ فرضاه ثوابه، و سخطه عقابه، من غير شيء يتداخله فيهيّجه و ينقله من حال الى حال؛ فإنّ ذلك من صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، و هو تعالى، القوىّ العزيز، لا حاجة به الى شيء ممّا خلق، و خلقه جميعا محتاجون إليه؛ إنّما خلق الأشياء لا من حاجة، و لا سبب اختراعا و ابتداعا.» (2)
و عن محمّد بن عمارة، عن ابيه، قال:
«سألت الصادق (ع)، فقلت له: يا ابن رسول اللّه! اخبرنى عن اللّه، هل له رضى و سخط؟ فقال: نعم، و ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، و لكن غضب اللّه عقابه، و رضاه ثوابه.» (3)
و قال الباقر (ع)، و قد ساله عمرو بن عبيد، عن قوله تعالى:( وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى )(4)، ما ذلك الغضب؟ قال (ع): «العذاب يا عمرو! إنّما يغضب المخلوق الّذي يأتيه الشيء، فيستفزّه و يغيّره عن الحال الّتي هو بها الى غيرها، فمن زعم أنّ اللّه يغيّره الغضب و الرضا، و يزول عنه من هذا فقد وصفه بصفة المخلوقين.» (5)
و في حديث آخر، و قد سأله عنه، قال (ع): «غضب اللّه، عقابه يا عمرو! من زعم انّ اللّه يغيّره شيء، فقد كفر.» (1)
و في الكافى في الحديث الأوّل، انّه (ع) قال: «إنّه من زعم أنّ اللّه قد زال من شيء الى شيء، فقد وصفه صفة مخلوق، و إنّ اللّه تعالى لا يستفزّه شيء فيغيّره.» (2)
و في الكافى أيضا عن الصادق (ع)، فى قوله تعالى( فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ )(3)، قال (ع): «إنّ الأسف اسف اوليائه، قال (ع): و هكذا الرضا و الغضب و غيرهما من الأشياء، ممّا يشاكل ذلك، و لو كان يصل الى اللّه الأسف و الضجر، و هو الّذي خلقهما و إنشاء هما لجاز لقائل هذا ان يقول: إنّ الخالق يبيد يوما، لأنّه اذا ادخله الغضب و الضجر، دخله التغيّر، و اذا ادخله التغير، لم يؤمن عليه الإبادة.
ثمّ لم يعرف المكوّن من المكوّن، و لا القادر من المقدور، و لا الخالق من المخلوق، تعالى اللّه عن هذا علوّا كبيرا؛ بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فاذا كان لا لحاجة استحال الحدّ و الكيف فيه. فافهم- إن شاء اللّه تعالى.» (4)
و قال ابو جعفر (ع) فى جواب رجل حيث سأله: «لا يهرم لطول البقاء، و لا يصعق لشيء، و لا يخوّفه شيء، تصعق الأشياء كلّها من خيفته. قال (ع): «ويلك ايّها السائل! إنّ ربّى لا تغشاه الأوهام، و لا تنزل به الشبهات، و لا يجار(5)من شيء، و لا يجاوره شيء، و لا تنزل به الأحداث، و لا يسأل عن شيء يفعله، و لا يقع على شيء (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ )(6)، (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى)(7). » (8)
و قال موسى بن جعفر (ع): «و لا يهرم للبقاء، و لا يصعق لذعرة شيء، و لخوفه تصعق الأشياء كلّها.» (9)7.
1) . البحار 4: 67/ 10.
2) . الكافي 1: 110/ 5.
3) . الزخرف 43: 55.
4) . الكافي 1: 144/ 6.
5) . قال المجلسى (ره): «و لا يحار» من الحيرة، او بالجيم على بناء المجهول؛ اى لا يجيره احد.اقول: الظاهر عندى أنّه مصحّف، «و لا يجاور» فسقط الواو، و اللّه اعلم.
6) . البقرة 2: 255.
7) . طه 20: 6.
8) . البحار 4: 299/ 28.
9) . المصدر 4: 298/ 27.
من ذاك أيضا ما له زمان***و لا له مقام أو مكان
و لا سكون حركة نزول***نهوض أو قعود أو افول
و لا تغيّر و لا زوال***و لا تبدّل و لا انتقال
و لا له جيئة أو ذهاب***أصلا و لا قيامه انتصاب
و قال ابو جعفر الثانى (ع): و كذلك سمّينا ربّنا قويّا بلا قوّة البطش المعروف من الخلق، و لو كان قوّته قوّة البطش المعروف من الخلق، لوقع التشبيه، و احتمل الزيادة، و ما احتمل الزيادة احتمل النقصان، و ما كان ناقصا كان غير قديم، و ما كان غير قديم، كان عاجزا؛ فربّنا- تبارك و تعالى- لا شبه له، و لا ضدّ و لا ندّ، و لا كيفيّة و لا تصاريف، جلّ و عزّ عن ادات خلقه و سمات بريّته، و تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.» (1)
من ذاك أيضا؛ اى من جهة تنزّهه عن صفات المخلوقين و عن كلّ نقص، ما له زمان و لا له مقام يقوم فيه، أو مكان خاصّ، و لا سكون أو حركة، نزول أو نهوض، أو قعود، أو افول، و لا تغيّر و لا زوال، و لا تبدّل و لا انتقال، و لا له جيئة أو ذهاب أصلا، و لا قيامه انتصاب.
قال امير المؤمنين (ع):
«و يلك يا ذعلب! ربّى لا يوصف بالعبد، و لا بالحركة و لا بالسّكون، و لا بالقيام قيام انتصاب، و لا بجيئة و لا بذهاب.» (2)
و قال (ع): «الّذي لم يسبقه وقت، و لم يتقدّمه زمان، و لم يتعاوره زيادة و نقصان، و لم يوصف باين، و لا بما، و لا بمكان.»(3)و قال (ع): «الظاهر لا يقال ممّا؟ و الباطن لا
يقال فيما؟» (1)
و قال الحسن (ع): «و لا بدء ممّا، و لا ظاهر على ما، و لا باطن فيما.» (2)و قال الحسين (ع): «علوّه من غير ترقّل، و مجيئه من غير تنقل.» (3)
و قال الرضا (ع) فى قوله تعالى:( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ )(4):
«إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يوصف بالمكان، و لكنّه؛ يعنى، أنّهم عن ثواب ربّهم محجوبون. و في قوله تعالى:( وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا )(5)، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يوصف بالمجيء و الذهاب، تعالى عن الانتقال؛ إنّما يعنى بذلك، و جاء امر ربّك.» (6)
و عن ثابت بن دينار، قال: «سألت زين العابدين (ع)، عن اللّه- عزّ و جلّ-، هل يوصف بمكان؟ قال (ع): تعالى اللّه عن ذلك، قلت: فلم اسرى نبيّه محمّدا (ص) الى السماء؟ قال (ع): ليريه ملكوت السماء و ما فيها من عجايب صنعه و بدائع خلقه.» (7)
و عن زيد بن عليّ بن الحسين عن ابيه (ع)، فى حديث مراجعة النبىّ ليلة المعراج ربّه، فى تخفيف الصلوات، فقلت: «يا أبة! أ ليس اللّه لا يوصف بمكان؟
قال (ع): تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
قلت: فما معنى قول موسى( ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ )(8)؟ فقال (ع): معناه معنى قول ابراهيم: (إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ )(9)، و معنى قول موسى (وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى)(10)، و معنى قوله- عزّ و جلّ-( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ )(11)يعنى، حجّوا الى بيت اللّه، و إنّ للّه- تبارك و تعالى- بقاعا في سماواته، فمن عرج به الى بقعة منها، فقد عرج به إليه، الا تسمع اللّه- عزّ و جلّ- يقول:( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ )(12)و يقول في قصّة عيسى:( بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ )(13)، و يقول: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ8.
الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ .(1)» (2)
و عن يونس بن عبد الرحمن، قلت لأبى الحسن، موسى بن جعفر (ع)،: «لأىّ علّة عرّج اللّه نبيّه الى السّماء و منها الى سدرة المنتهى و منها الى حجب النور، و خاطبه و ناجاه هناك، و اللّه لا يوصف بمكان؟ فقال (ع): إنّ اللّه لا يوصف بمكان، و لا يجرى عليه زمان، و لكنّه- عزّ و جلّ- اراد ان يشرّف به ملائكته و سكّان سماواته، و يكرّمهم بمشاهدته، و يريه من عجايب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، و ليس ذلك على ما يقوله المشبّهون، سبحان اللّه و تعالى عمّا يصفون.» (3)
و قال الباقر (ع): «لا يزول مع الزائلين، و لا يفل مع الآفلين.» (4)
و قال الصادق (ع): «إنّ اللّه- تبارك و تعالى-، لا يوصف بزمان و لا مكان، و لا حركة و لا انتقال، و لا سكون؛ بل خالق الزمان و المكان و الحركة و السكون و الانتقال، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.» (5)
و قال موسى بن جعفر (ع): «لا اقول إنّه قائم فازيله عن مكانه، و لا احدّه بمكان يكون فيه، و لا احدّه ان يتحرّك في شيء من الاركان و الجوارح، و لا احدّه بلفظ شقّ فم.»(6)و قال (ع): «و لا تحيط به الأقطار، و لا تحويه مكان.» (7)
و قال الرضا (ع): «يا أبا الصلت! إنّ اللّه- تبارك و تعالى-، لا يوصف بمكان، و لا يدرك بالأبصار و الأوهام.» (8)
و في الفصل السابق عن الباقر (ع)، فيما سأله عمرو بن عبيد، عن قوله تعالى:
(وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي )(9): «يا عمرو! إنّه من زعم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- قد زال من شيء الى شيء، فقد وصفه صفة مخلوق، انّ اللّه- عزّ و جلّ- لا يستفزّه شيء و لا يغيره.» (10)5.
و لا يحول قطّ من حال الى***حال و لا يشغله شأن و لا
تنزل الأحداث به و لا جرت***عليه الأحوال الّتي تعاورت
و لا يحول قطّ من حال الى حال، و لا يشغله شأن، و لا تنزل الأحداث به، و لا جرت عليه الأحوال الّتي تعاورت على غيره. قال امير المؤمنين (ع):
«لا يشغله شأن، و لا يغيّره زمان، و لا يحويه مكان، و لا يصفه لسان.» (1)
و قال الحسين (ع): «لا تزاوله الأمور، و لا تجرى عليه الأحوال، و لا تنزل عليه الأحداث.» (2)
و قال الصادق (ع): «لا يقع عليه الحدوث، و لا يحول من حال الى حال.» (3)
و قد قدّم كلام الصادق (ع) فى الفصل السابق: «إنّه احدىّ الذات، لا مدخل للأشياء فيه، فلا يهيّجه شيء، و لا يغيّره، و لا ينقله من حال الى حال، و إنّ ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين.» (4)
و قد مرّ أيضا قوله (ع): إنّه ليس شيء، الّا يبيد أو يتغيّر.»(5)فتذكّر.
و قال امير المؤمنين (ع): «و ما اختلف عليه دهر، فتختلف منه الحال، لم يحدث فيمكن فيه التغيّر و الانتقال، و لم يتصرّف في ذاته بكرور الأحوال، و لم يختلف عليه حقب الليالى و الأيّام.» (6)
و قال الصادق (ع) (على ما في بعض نسخ التوحيد) جوابا عمّا سأله بعض الزنادقة: «فتقول إنّه ينزل من السّماء الدنيا؟ قال (ع): نقول ذلك، لأنّ الروايات صحّت به و الأخبار.
قال السّائل: و اذا نزل، أ ليس قد حال عن العرش و حوله انتقال؟ قال (ع): «ليس ذلك على ما يوجد من المخلوق الّذي ينتقل باختلاف الحال عليه و الملالة و السّامة، و ناقل ينقل، و يحوله من حال الى حال؛ بل هو- تبارك و تعالى- لا يحدث عليه الحال و لا يجرى عليه الحدوث، فلا يكون نزوله كنزول المخلوق الّذي متى تنحّى عن
مكان، خلا منه المكان الأوّل؛ و لكنّه ينزل الى السّماء الدنيا بغير معاناة و لا حركة، فيكون هو كما في السّماء السابعة على العرش، كذلك هو في سماء الدنيا؛ إنّما يكشف من عظمته و يرى(1)اوليائه نفسه حيث شاء، و يكشف ما شاء من قدرته و منظره في القرب و البعد سواء.»(2)
و عن موسى بن جعفر (ع)، و قد ذكر عنده قوم زعموا أنّ اللّه- تبارك و تعالى- ينزل الى السماء الدنيا، فقال (ع): «إنّ اللّه لا ينزل و لا يحتاج ان ينزل، إنّما منظره في القرب و البعد سواء، لم يبعد منه قريب و لم يقرب منه بعيد، و لم يحتج الى شيء، بل يحتاج إليه، و هو ذو الطول، لا إله إلّا هو العزيز الحكيم؛ امّا قول الواصفين أنّه ينزل،- تبارك و تعالى عن ذلك؛ فإنّما يقول ذلك، من ينسبه الى نقص أو زيادة، و كلّ متحرّك محتاج الى من يحرّكه أو يتحرّك به، فمن ظنّ باللّه الظنون، فقد هلك و اهلك، فاحذروا فى صفاته من ان تقفوا على حدّ من نقص أو زيادة او تحريك أو تحرّك أو زوال او استنزال أو نهوض أو قعود؛ فإنّ اللّه، عزّ و جلّ عن صفة الواصفين، و نعت الناعتين، و توهّم المتوهّمين.» (3)
و عن ابراهيم بن ابى محمود، قال: قلت للرضا (ع): «ما تقول في الحديث الّذي يرويه الناس عن رسول اللّه (ص)، قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- ينزل كلّ ليلة الى السماء الدنيا؟
فقال (ع): لعن اللّه المحرّفين الكلم عن مواضعه، و اللّه ما قال رسول اللّه (ص) كذلك، إنّما قال: إن اللّه- تبارك و تعالى- ينزّل ملكا الى السّماء الدنيا كلّ ليلة في الثلث الاخير و ليلة الجمعة في أوّل اللّيل، فيأمره فينادى: هل من سائل فاعطيته؟ هل من تائب فاتوب عليه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ يا طالب الخير اقبل! يا طالب الشرّ اقصر!» (4)
اقول: الظاهر من تحريف الكلم عن مواضعه، تحريف المعنى، و الظاهر من نفيه (ع) و اثباته، تحريف اللفظ، و هو ينافى تقرير الصادق (ع) ثبوته فليحمل على ثبوته بالمعنى الّذي افاده (ع). فافهم!7.
لا هو حالّ و لا هو المحلّ***و ليس محمولا و حاملا حمل
و ما خلا منه مكان و هو، فى***كلّ مكان بإحاطة تفى
لا هو تعالى، حالّ في شيء، و لا هو المحلّ لشيء يحلّ فيه، و ليس محمولا لشيء، و لا حاملا لشيء حمل ايّاه، و ما خلا منه مكان، و هو في كلّ مكان بإحاطة من علم و قدرة تفى به. قال امير المؤمنين (ع) فيما سأله اليهودى: «فربّك يحمل او يحمل؟ قال (ع):
«إنّ ربّى- عزّ و جلّ- يحمل كلّ شيء بقدرته و لا يحمله شيء، قال: فكيف قوله- عزّ و جلّ-:( وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ )(1)؟ قال (ع): يا يهودى! أ لم تعلم أنّ للّه ما في السموات و الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى، فكلّ شيء على الثرى، و الثرى على القدرة، و القدرة تحمل كلّ شيء.» (2)
و قال (ع) فى جواب الجاثليق حيث قال: اخبرنى عن ربّك يحمل أو يحمل؟
قال (ع): إنّ ربّنا- جلّ جلاله- يحمل و لا يحمل، قال النصرانى: و كيف ذلك و نحن نجد فى الإنجيل، و يحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية؟ فقال (ع): إنّ الملائكة تحمل العرش، و ليس العرش كما تظنّ كهيئة السرير، و لكنّه شيء محدود مخلوق مدبّر؛ و ربّك- عزّ و جلّ مالكه، لا أنّه عليه ككون الشيء على الشيء، و امر الملائكة بحمله، فهم يحملون العرش بما اقدرهم عليه، قال النصرانى: صدقت،- رحمك اللّه.» (3)
و قال رسول اللّه (ص) فى جواب يهودى، قال: اين ربّك؟ قال (ص): هو في كلّ مكان، ليس هو في شيء من المكان بمحدود، قال: فكيف هو؟ فقال (ص): كيف اصف ربّى بالكيف و الكيف مخلوق؟ و اللّه لا يوصف بخلقه.» (4)
و قال (ص) أيضا: «التوحيد ظاهره في باطنه، يطلب بكلّ مكان و لا يخلو منه مكان طرفة عين، حاضر غير محدود، و غائب غير مفقود.» (5)
و قال امير المؤمنين (ع): «الظاهر على كلّ شيء بالقهر له، و الشاهد لجميع
الأماكن بلا انتقال إليها، و هو الّذي في السماء إله، و في الأرض إله، و هو الحكيم العليم.» (1)
و قال (ع): «لم يحلل فيها، فيقال: هو كائن، و لم يناء عنها، فيقال: هو منها باين، و لم يخل منها، فيقال له: اين؟» (2)
و قد سمع (ع) رجلا يقول: لا و الّذي احتجب بسبع طباق؛ فعلاه بالدرّة، ثمّ قال:
«يا ويلك! إنّ اللّه اجلّ من ان يحتجب في شيء أو يحجب عنه شيء، سبحان الّذي لا يحويه مكان و لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السّماء؛ فقال الرجل: أ فأكفّر عن يمينى؟ قال (ع): لا، لم تحلف باللّه فيلزمك الكفّارة، و انّما حلفت بغيره.» (3)
و قال (ع) أيضا: «و من لم يزل بلا مكان، و لا يزول باختلاف الأزمان، و لا ينقلب شأنا بعد شأن، و من لم يحلل في الأشياء، فيقال هو فيها كائن، و لم ينأ عنها، فيقال: هو عنها باين، و لم يخل منها، فيقال: هو اين؟» (4)
و قال (ع) أيضا: «لم يخل منه مكان فيدرك بأينيّة، و لا له شبح مثال فيوصف بكيفيّة، و لم يغب عن شيء فيعلم بحيثيّته، مباين لجميع ما احدث من الصفات، و ممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات، خارج بالكبرياء و العظمة من جميع تصرّف الحالات.» (5)
و في الكافى في جوابه عن الجاثليق حيث قال: «فاخبرنى عن اللّه- عزّ و جلّ- اين هو؟ فقال (ع): هو هاهنا و هاهنا، و فوق و تحت، و محيط بنا و معنا، و هو قوله: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ )(6).» (7)
و قال الصادق (ع) فى جواب ابن ابى العوجاء، حيث قال: «فهو في كلّ مكان، أ ليس اذا كان في السماء، كيف يكون في الأرض؟ و اذا كان في الأرض، كيف يكون في السماء؟
فقال (ع): إنّما وصفت المخلوق الّذي اذا انتقل من مكان، اشتغل به مكان،1.
و خلا منه مكان، فلا يدرى في المكان الّذي صار إليه، ما حدث في المكان الّذي كان فيه؛ فامّا اللّه العظيم الشأن، الملك الديان، فلا يخلو منه مكان و لا يشتغل به مكان، و لا يكون الى مكان اقرب منه الى مكان.» (1)
و قال (ع): لا تحويه ارضه، و لا تقله سماواته، و أنّه حامل الأشياء بقدرته.» (2)
و قال (ع) في قوله تعالى: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ)، هو واحد احدى الذات، بائن من خلقه، و بذلك وصف نفسه، و هو بكلّ شيء محيط بالإشراف و الاحاطة و القدرة، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات و لا في الأرض، و لا اصغر من ذلك و لا اكبر بالاحاطة و العلم، لا بالذات؛ لأنّ الأماكن، محدودة تحويها حدود أربعة، فاذا كان بالذات لزمه الحواية.» (3)
و قال (ع) فى قوله تعالى:( هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ )(4)كذلك هو في كلّ مكان.» (5)
قال محمّد بن النّعمان: قلت، بذاته؟ قال (ع): ويحك! إنّ الاماكن اقدار، فاذا قلت في مكان بذاته، لزمك ان تقول في اقدار و غير ذلك، و لكن هو باين من خلقه، محيط بما خلق، علما و قدرة و احاطة و سلطانا و ملكا و احاطة.» (6)
و يأتى قول موسى بن جعفر (ع): «لا يخلو منه مكان، و لا يشتغل به مكان، و لا يحلّ في مكان،( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ ...)، ليس بينه و بين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب، و استتر بغير ستر مستور، لا إله إلّا هو الكبير المتعال.»(7)قوله (ع): «... بين خلقه حجاب»، مرّ توضيحه في الرؤية.
و في الكافى، فى سؤال ابى قرة عن الرضا (ع): «أ فتقرّ أنّ اللّه محمول؟
فقال (ع): كلّ محمول مفعول به مضاف، الى غيره محتاج، و المحمول اسم نقص في اللفظ، و الحامل فاعل، و هو في اللفظ مدحة؛ و كذلك قول القائل: فوق و تحت و اعلى و اسفل؛ و قد قال تعالى:( وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها )(8)، و لم يقل في كتبه أنّه0.
المحمول، بل قال: انّه الحامل في البرّ و البحر و الممسك للسماوات و الأرض ان تزولا، و المحمول ما سوى اللّه، و لم يسمع احد آمن باللّه و عظمته قطّ، يقول في دعائه: يا محمول.»
قال ابو قرة:( فإنّه قال: وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ )(1)، و قال:
(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ)(2).»
فقال (ع): العرش، ليس هو اللّه، و العرش اسم علم و قدرة، و عرش فيه كلّ شيء، ثمّ اضاف الحمل الى غيره من خلقه، لأنّه استعبد خلقه بحمل عرشه و هم حملة علمه.» (3)
و جاء بعض احبار اليهود الى ابى بكر، فقال: «انت خليفة رسول اللّه (ص)؟ قال:
نعم، قال: فإنّا نجد في التوراة أنّ خلفاء الأنبياء اعلم اممهم، فخبّرنى عن اللّه، اين هو؟
فى السّماء هو، أم في الأرض؟ فقال ابو بكر: فى السّماء، على العرش، قال اليهودى:
فارى الأرض خالية منه، فاراه على هذا القول في مكان دون مكان؛ فقال ابو بكر: هذا كلام الزنادقة اعزب عنّى و إلّا قتلتك.
فولى الرجل متعجّبا، يستهزئ بالاسلام؛ فاستقبله امير المؤمنين (ع)، فقال له:
يا يهودى! قد عرفت ما سألت عنه، و ما اجبت به، و إنّا نقول: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- ايّن الأين فلا اين له، و جلّ ان يحويه مكان، و هو في كلّ مكان بغير مماسة و لا مجاورة، يحيط بها علما بما فيها، و لا يخلو شيء من تدبيره تعالى؛ و إنّى مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم بصدق ما ذكرته لك، فان عرفته أ تؤمن به؟ قال اليهودى، نعم؛
قال (ع): أ لستم تجدون في بعض كتبكم أنّ موسى بن عمران، كان ذات يوم جالسا اذ جاءه ملك من الشرق، فقال له من اين جئت؟ قال: من عند اللّه- عزّ و جلّ؛ ثمّ جاء ملك من المغرب، فقال: من اين جئت؟ قال: من عند اللّه- عزّ و جلّ-؛ ثمّ جاء ملك آخر، فقال: من اين جئت؟ قال: قد جئتك من السّماء السابعة من عند اللّه- عزّ و جلّ-؛ و جاء ملك آخر، فقال: من اين جئت؟ قال: من الأرض السابعة السفلى من عند اللّه- عزّ و جلّ-؛ فقال موسى: سبحان من لا يخلو منه مكان، و لا يكون مكان اقرب إليه من مكان.2.
فمن أراده بهذه الصفة***وحّده يبرأ ممّن خالفه
من ظنّ باللّه الظنون هلكا***و أهلك الّذي عليه سلكا
من قال في الشّيء أو على الشّيء استقرّ***أو إنّه يكون من شيء كفر
فقال اليهودى: اشهد أنّ هذا هو الحقّ المبين، و أنّك احقّ بمقام نبيّك ممّن استولى عليه.» (1)
و قد وقع نظيره ليهوديين آخرين مع ابى بكر، ثمّ ارشد الى على (ع) فاجابهما بنظيره.
فمن أراده؛ اى اللّه تعالى بهذه الصفة وحّده، و هو تعالى يبرأ ممّن خالفه في هذه الصفة، من ظنّ باللّه الظنون فوصفه بغير هذه الصفة، و لا يكون ذلك منه، الّا ظنّا؛ كما قال تعالى:( إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )، فقد هلك و أهلك الّذي عليه؛ اى على ظنّه سلك؛
و من قال في الشّيء أو على الشّيء استقرّ؛ يعنى، يكون في شيء أو على شيء، أو إنّه يكون من شيء، كفر. قال الصادق (ع):
«فمن زعم أنّ اللّه في شيء أو على شيء، او يحول من شيء، او يخلو منه شيء، او يشتغل به شيء، فقد وصفه بصفة المخلوقين، و اللّه خالق كلّ شيء، لا يقاس بالقياس، و لا يشبه بالنّاس، لا يخلو منه مكان، و لا يشتغل به مكان، قريب في بعده، بعيد في قربه، ذلك اللّه ربّنا، لا إله غيره؛ فمن اراد اللّه و احبّه بهذه الصفة، فهو من الموحّدين، و من احبّه بغير هذه الصفة، فاللّه منه بريء، و نحن منه برءاء.» (2)
و قال (ع) للمفضّل: من زعم أن اللّه في شيء أو من شيء أو على شيء، فقد اشرك.»(3)و قال (ع) لأبى بصير: «من زعم أنّ اللّه- عزّ و جلّ-، من شيء أو في شيء او على شيء، فقد كفر.» (4)
و قد تقدّم قول موسى بن جعفر (ع): «فمن ظنّ باللّه الظنون، فقد هلك و اهلك.» (5)
و قد اشرت بعد ذلك الى علل هذه السلوب، على حسب ما يستفاد من الروايات:
فكلّ ذا، حدّ، و ربّ لا يحدّ***و الكلّ حادث له بدء أمد
فكلّ ذا، ممّا ذكر، حدّ، و ربّ لا يحدّ بشيء. قال الحسن بن على (ع):
«و لا شخص فيتجزّى، و لا اختلاف صفة فيتناهى.» (1)
و قد مرّ قول رسول اللّه (ص): «و ليس هو في شيء من المكان بمحدود» (2)، و قال أيضا: «حاضر غير محدود»(3)و قول الصادق (ع): «لأنّ الأماكن محدودة، تحويها حدود أربعة.» (4)
و قول موسى بن جعفر (ع): «و لا احدّه بمكان يكون فيه، و لا احدّه ان يتحرّك فى شيء من الأركان و الجوارح، و لا احدّه بلفظ شق فم.» (5)
و قوله (ع): «فاحذروا في صفاته من ان تقفوا على حدّ، من نقص أو زيادة، او تحريك أو تحرّك.» (6)
و قال امير المؤمنين (ع): «لا ينظر بعين، و لا يحدّ باين.»(7)و قال (ع): «لا تقدره الأوهام بالحدود و الحركات، و بالجوارح و الأدوات، لا يقال: متى؟ و لا يضرب له امد بحتّى، الظاهر لا يقال ممّا؟ و الباطن لا يقال فيما؟ لا شبح فيتقضّى، و لا محجوب فيحوى؛ تعالى عمّا ينحله المحدّدون من صفات الأقدار و نهايات الأقطار، و تأثّل المساكن و تمكّن الأماكن، فالحدّ لخلقه مضروب، و الى غيره منسوب.» (8)
و قال (ع) فى جواب الجاثليق، الّذي سأل أبا بكر، ثمّ ارشد إليه (ع)، قال:
اخبرنى اين هو و اين كان؟ فقال (ع): لا يوصف الرب- جلّ جلاله- بمكان، بل كان لم يزل بلا حدّ و لا كيف، قال: صدقت.» (9)
فلا القديم بالحدوث يتّصف***و لا الحدوث بالقديم يكتنف
و الكلّ مخلوق له قد خلقه***و لا يعود الشّيء قطّ خالقه
مؤيّن الأين و مبدع له***فكيف ما أبدعه ناوله
و الخالق الغنىّ عمّا خلقه***إذ كان ذاته خليّا سبقه
فقد خلا من الزّمان في القدم***إذ سابق وجوده على العدم
لم يصطحب زمانا أو مكانا***و إنّه الآن كما قد كانا
و الكلّ حادث، له بدء أمد؛ اى لكلّ منها بدء و نهاية، و كلّ ما كان له بدء و نهاية، فهو حادث؛ فلا القديم بالحدوث يتّصف و لا الحدوث بالقديم يكتنف، و إلّا لزم الانقلاب. و قد مرّ قول امير المؤمنين (ع) و الرضا (ع): «كيف يستحقّ الأزل من لا يمتنع من الحدوث؟» (1)
و إليه اشار امير المؤمنين (ع) فى قوله: «هنا لم يحدث، فيمكن فيه التغيّر و الانتقال.» (2)و قد مرّ قول الحسين (ع): «و لا تنزل عليه الأحداث.» (3)
و الكلّ مخلوق له قد خلقه، و لا يعود الشّيء قطّ خالقه؛ كما مرّ في الفصل السابق. و الى التعليل بالخلق، اشار الصادق (ع) فى قوله: «بل خالق الزمان و المكان و الحركة و السكون و الانتقال.»(4)و في قوله (ع): «فمن زعم أنّ اللّه في شيء أو على شيء، فقد وصفه بصفة المخلوقين، و اللّه خالق كلّ شيء.» (5)
مؤيّن الأين و مبدع له، فكيف ما أبدعه ناوله؟ و قد مرّ كلام امير المؤمنين (ع) مع اليهودى: «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- ايّن الأين، فلا اين له.»(6)و قال ابو الحسن الثالث (ع):
«كيّف الكيف، فلا يقال له: كيف؟ و ايّن الأين، فلا يقال له: اين؟ هو مبدع الكيفوفيّة و الاينونيّة.»(7)و قد مرّ في نفى الكيف عنه تعالى، كثير من اقوالهم (ع): «و إنّه ايّن الأين، فلا اين له.»
و الخالق، الغنىّ عمّا خلقه، إذ كان ذاته خليّا عنه قد سبقه قبل وجوده، فلو كان محتاجا إليه، لم يسبقه خلّيا منه، فقد خلا من الزمان في القدم إذ سابق وجوده على العدم؛ كما قال امير المؤمنين (ع): و الرضا (ع): «سبق الأوقات كونه و العدم وجوده.» (1)
و حيث لم يكن مسبوقا بالزمان، و قد كان القديم واحدا، كان سابقا على الزمان غير مصاحب له، بل هو تعالى لم يصطحب زمانا أو مكانا في قدمه، و إنّه الآن كما قد كانا، فلا يحتاج الى زمان و مكان. قال موسى بن جعفر (ع): «إنّ اللّه- تبارك و تعالى-، كان لم يزل بلا زمان و لا مكان، و هو الآن، كما كان لا يخلو منه مكان، و لا يشتغل به مكان و لا يحلّ في مكان ...»(2)الى آخر ما تقدّم.
و قد مرّ قوله (ع) أيضا: «و لم يحتج الى شيء، بل يحتاج إليه.» (3)و قال (ع) أيضا:
«إنّ اللّه لا إله إلّا هو، كان حيّا بلا كيف، و لا اين، و لا كان في شيء، و لا كان على شيء، و لا ابتدع لكونه مكانا؛ فكان اللّه حيّا بلا حياة حادثة، و لا كون موصوف، و لا كيف محدود، و لا اين موقوف، و لا مكان ساكن.»(4)
و قال الباقر (ع) لرجل قال له: «اخبرنى عن ربّك، متى كان؟ فقال (ع): ويلك! إنّما يقال لشيء لم يكن، متى كان؟ إنّ ربّى- تبارك و تعالى-، كان لم يزل حيّا بلا كيف، و لم يكن له كان، و لا كان لكونه كيف، و لا كان له اين، و لا كان في شيء، و لا كان على شيء، و لا ابتدع لكونه مكانا.»(5)
و قد سئل امير المؤمنين (ع): اين كان ربّنا قبل ان يخلق سماء و ارضا؟ فقال (ع):
اين سؤال عن مكان، و كان اللّه و لا مكان.» (6)
و عن زرارة، قال: «قلت لابى جعفر (ع): أ كان اللّه، و لا شيء؟ قال: نعم، كان، و لا شيء، قلت: فاين كان يكون؟ قال: و كان متكّئا فاستوى جالسا، و قال: احلت يا زرارة و سألت عن المكان، اذ لا مكان.» (7)
و قال الرضا (ع): «و لم يخلق اللّه العرش لحاجة به إليه، لأنّه غنىّ عن العرش
لو كان محتاجا إلى من أحدثا***لكان معلولا له و حادثا
فإن يحج الى المكان يحدث***و الاحتياج من صفات المحدث
و كان محدودا بما عليه***أو فيه بعد فقره إليه
فليس محمولا على عرش و لا***شيء بل استولى عليه و علا
إذ كان أقوى منه ما قد حمله***بل ليس بالجسم فلا حامل له
بل كلّ شيء حامل بقدرته***و ليس ذا بعضو أو بجثته
و عن جميع ما خلق.» (1)
و قال الصادق في الحديث الآتى: «و نفينا ان يكون العرش حاويا له، و ان يكون- عزّ و جلّ- محتاجا الى مكان أو الى شيء ممّا خلق، بل خلقه محتاجون إليه.» (2)
لو كان محتاجا إلى من أحدثا، لكان معلولا له؛ اى الى ما احدث؛ لأنّ ما يحتاج إليه وجود الشيء من تمام علّته، و كان حادثا أيضا؛ اذ كلّ معلول حادث، فمقتضى الغنى الذاتى له تعالى، ان لا يكون زمانيّا و لا مكانيّا، و لا يكون معروضا لشيء من هذه الحوادث.
و على هذا، فطن يحج الى المكان يحدث؛ اى يصير حادثا، و الاحتياج من صفات المحدث. عن سليمان بن مهران، قال:
«قلت لجعفر بن محمّد (ع): هل يجوز ان نقول إنّ اللّه- عزّ و جلّ- فى مكان؟
فقال: سبحان اللّه و تعالى عن ذلك، إنّه لو كان في مكان لكان محدثا، لأنّ الكائن في مكان محتاج الى المكان، و الاحتياج من صفات المحدث، لا من صفات القديم.» (3)
و كان أيضا محدودا بما عليه، أو فيه بعد فقره إليه، كما تقدّم توجيهه. فليس محمولا على عرش و لا شيء، بل استولى عليه و علا عليه، قدرة و احاطة؛ إذ كان أقوى منه ما قد حمله، لظهور أنّ الحامل، اقوى من المحمول. بل ليس بالجسم فلا حامل له اصلا، بل كلّ شيء حامل بقدرته، كما تقدّم في كلام امير المؤمنين (ع) جوابا عن اليهودى، و قول الصادق (ع): «لا تحويه ارضه، و لا تقله سماواته، و أنّه حامل الأشياء بقدرته.» (4)
و ليس ذا بعضو أو بجثته، جلّ ان يكون له عضو أو تكون له جثّة. عن دواد الرقى، قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن قوله تعالى:( وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ... )(1)، فقال لى (ع): ما يقولون؟ قلت: يقولون إنّ العرش كان على الماء، و الربّ فوقه، فقال (ع): قد كذبوا من زعم هذا، فقد صيّر اللّه محمولا، و وصفه بصفة المخلوقين، و لزمه أنّ الشيء الّذي يحمله اقوى منه؛ قلت: بيّن لى جعلت فداك! فقال (ع): إنّ اللّه- عزّ و جلّ- حمل دينه و علمه الماء، قبل ان تكون ارض أو سماء، او جنّ أو انس، او شمس أو قمر، فلمّا اراد ان يخلق الخلق نثرهم بين يديه، فقال لهم: من ربّكم؟ فكان أوّل من نطق، رسول اللّه (ص)، و امير المؤمنين (ع)، و الأئمّة (ع)، فقالوا: انت ربّنا، فحملهم العلم و الدين؛ ثمّ قال للملائكة: هؤلاء حملة علمى و دينى، و امنائى في خلقى.» (2)
و قال (ع) جوابا عن الزنديق، حيث سأله عن قوله:( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى)(3)، قال (ع): بذلك وصف نفسه، و كذلك هو مستول على العرش، باين من خلقه، من غير ان يكون العرش حاملا له، و لا ان يكون العرش حاويا له، و لا أنّ العرش محتاز له؛ و لكنّا نقول: هو حامل العرش و ممسك العرش؛ و نقول: من ذلك ما قال:
(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ )(4)، فثبّتنا من العرش ما ثبّته، و نفينا ان يكون العرش حاويا له، و ان يكون- عزّ و جلّ- محتاجا الى مكان أو الى شيء ممّا خلق؛ بل خلقه محتاجون إليه.»
قال السائل: فما الفرق بين ان ترفعوا ايديكم الى السماء، و بين ان تخفضوها نحو الأرض؟ قال (ع): ذلك في علمه و احاطته و قدرته سواء؛ و لكنّه- عزّ و جلّ- امر اوليائه و عباده برفع ايديهم الى السماء نحو العرش؛ لأنّه جعله معدن الرزق، فثبّتنا ما ثبته القرآن و الأخبار عن الرسول (ص)، حين قال: ارفعوا ايديكم الى اللّه- عزّ و جلّ-، و هذا يجمع عليه فرق الامّة كلّها.» (5)
و قال الرضا (ع): لا يوصف بالكون على العرش، لأنّه ليس بجسم، تعالى عن
كان و لا أماكن تحمله***معتمدا بالقدرة الّتي له
من قال فيم؟ أو على م؟ ضمّنه***و من يقل أين؟ فاخلى الأمكنة
صفة خلقه علوّا كبيرا.» (1)
و في جواب امير المؤمنين (ع) عن اسئلة الزنديق المنكر للقرآن في قوله تعالى:
(الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى )(2)قال (ع): يعنى، استوى تدبيره و علا امره.»(3)و نظيره احاديث أخرى عنهم (ع).
و كيف يكون العرش أو غيره حاملا له، و قد كان و لا أماكن تحمله معتمدا بالقدرة الّتي له، قال امير المؤمنين (ع): «الحمد للّه الّذي هو أوّل لا بدء ممّا و لا باطن فيما، و لا بذى حجب فيحوى، كان و لا أماكن تحمله اكنافها، و لا حملة ترفعه بقوّتها، بل حارت الأوهام ان يكيّف المكيّف للأشياء، و من لم يزل بلا مكان، و لا يزول باختلاف الأزمان، و لا ينقلب شأنا بعد شأن.» (4)
و جاء قوم من وراء النّهر، فسألوا أبا الحسن (ع)، عن اللّه: «اين كان؟ و كيف كان؟
و على ايّ شيء كان اعتماده؟ فقال (ع): إنّ اللّه- عزّ و جلّ- كيّف الكيف، فهو بلا كيف، و ايّن الاين، فهو بلا اين، و كان اعتماده على قدرته، فقالوا: نشهد أنّك عالم.»(5)
من قال فيم أو على م، ضمّنه؛ اى جعله مضمونا، محاطا قد ضمنه المكان؛ و من يقل: أين هو؟ فاخلى الأمكنة منه، كما مرّ في مكالمة الحبر اليهودى مع ابى بكر، قال امير المؤمنين (ع):
«و من قال فيم؟ فقد ضمّنه و من قال: على م؟ فقد اخلى منه.» (6)
و قال (ع) أيضا: «و من قال: اين؟ فقد غيّاه؛ و من قال: على م؟ فقد اخلى منه؛ و من قال: فيم؟ فقد ضمّنه.» (7)
و قال موسى بن جعفر (ع): «و من قال: فيم؟ فقد ضمّنه؛ و من قال: على م؟ فقد
و الأحدىّ لا يحلّ ذاته***شيئا و لا فيه مكوّناته
لا خلقه فيه و لا في الخلق هو***يحيط خلقه و لا يحيطه
جهله؛ و من قال: اين؟ فقد اخلى منه؛ و من قال: ما هو؟ فقد نعته؛ و من قال: الى م؟ فقد غاياه.» (1)
و قال الرضا (ع): «و من قال: فيم؟ فقد ضمّنه؛ و من قال: الى م؟ فقد نهّاه؛ و من قال: حتّى م؟ فقد غيّاه؛ و من غيّاه فقد جزّاه؛ و من جزّأه، فقد وصفه؛ و من وصفه، فقد الحد فيه؛ لا يتغيّر اللّه بانغيار المخلوق، كما لا يتحد بتحديد المحدود.» (2)
و قال (ع) أيضا في جواب مكتوب فتح بن يزيد: «و من قال: على م؟ فقد حمله؛ و من قال: اين؟ فقد اخلى منه؛ و من قال: الى م؟ فقد وقّته.»(3)
و قال الصادق (ع): «كذب من زعم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- فى شيء أو من شيء او على شيء.»(4)
و قال (ع): «من زعم أنّ اللّه من شيء، فقد جعله محدثا؛ و من زعم أنّه في شيء، فقد زعم أنّه محصور؛ و من زعم أنّه على شيء، فقد جعله محمولا.»
و قال (ع): «من زعم أنّ اللّه في شيء أو من شيء أو على شيء، فقد اشرك؛ لو كان- عزّ و جلّ- على شيء، لكان محمولا؛ و لو كان في شيء، لكان محصورا؛ و لو كان من شيء، لكان محدثا.»(5)هذا في المكان، و الحامليّة و المحموليّة.
و امّا الحاليّة و المحليّة، فهى كما قلت:
و الأحدىّ لا يحلّ ذاته شيئا، و لا يحلّ فيه مكوّناته، بان يكون محلّا لحلول المخلوقات فيه، لا خلقه فيه و لا في الخلق هو؛ بل هو تعالى يحيط خلقه، و لا يحيطه الخلق؛ يعنى، أنّ الأحديّة الذاتيّة، مانعة عن الحاليّة و المحليّة؛ لأنّ المحليّة، تستلزم التجزّي؛ و الحاليّة، تستلزم المحدوديّة، و كلّ محدود متجزّى. و قد اشار الصادق (ع) فى كلامه السابق الى الأحديّة، و أنّه باين من خلقه، و أنّ احاطته بالاشراف و الاحاطة
ما ليس حادثا فلا يغيّر***و الانتقال حركة تغيّر
و الحركة احتاجت الى محرّك***لما بدا حدوثها للمدرك
و القدرة، فتذكّر! و قال (ع) أيضا: «فردانىّ لا خلقه فيه، و لا هو في خلقه.»
و امّا الانتقال و التغيّر و الحركة، فكما قلت:
ما ليس حادثا فلا يغيّر؛ اى لا يدخله التغيير كما تقدّم، و الانتقال أيضا حركة و تغيّر، و كذلك الحركة ليست إلّا تغيّرا و انتقالا من موضع الى موضع، فهى أيضا من الحوادث. فعن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (ع)، قال، قلت: فلم يزل اللّه متحرّكا؟ قال:
تعالى اللّه عن ذلك، إنّ الحركة صفة محدثة بالفعل.»(1)و الحركة احتاجت الى محرّك؛ كما قال موسى بن جعفر (ع) فى الحديث المتقدّم: «و كلّ متحرّك محتاج الى من يحرّكه أو يتحرّك به.»(2)، لما بدا حدوثها للمدرك؛ فإنّ كلّ احد يدرك حدوثها بانتقالها و تغيّرها و كلّ حادث يحتاج الى المحدث.
للّه فعل، بشهادة الأثر***و الأثر الحاكى، عن إمعان النّظر
إذ أثر الحكمة فيه ظاهر***تشهد أنّ فعله مدبر
و لازم الحكمة و التدبير***العلم و القدرة للتأثير
المقصد الرابع:
و حيث إنّ كلّ فعل صادر من كلّ فاعل، يكون منشأ لانتزاع وصف مشتقّ منه، جار على ذاته، محمول عليه، فيقال: لمن قتل قاتل، و لمن اكل آكل، كانت افعاله تعالى كذلك مستتبعة لأوصاف، منتزعة عن مباديها، جارية عليه. فبهذا الاعتبار يطلق على الأفعال، الأوصاف أيضا، و يقال لها «الصفات الفعليّة»، قبالا ل «الصفات الذاتية»، الّتي تنتزع من نفس الذات، او من مقتضى الذات بما هى ذات، قديم، كامل، لا بمناط صدور فعل منه، او اتّصافه به.
للّه تعالى فعل، بشهادة الأثر؛ كما أنّ ذاته تعالى و وجوده أيضا تثبت بشهادة الأثر؛ فإنّ كلّا من الإيجاد و الإعدام، و الإحياء و الإفناء، و القبض و البسط، و التغيير و التبديل، و المحو و الاثبات، فعل من افعاله، و كلّها آثار دالّة على فعله تعالى؛ و الأثر الحاكى عن إمعان النّظر؛ اى كما أنّ هذه الآثار من المذكورات، شاهدة على أنّ له تعالى فعلا، كذلك حاكية عن نظر و امعان و حكمة و اتقان. إذ أثر الحكمة فيه؛ اى في فعله، ظاهر كظهور اثر الصنع فيه، كما تقدّم توضيحه في اثبات الصانع. و هذه الحكمة المشهودة في الأفعال، تشهد أنّ فعله مدبر؛ اى صادر عن عمد و تدبير و غرض و تقدير.
و لازم الحكمة و التدبير، العلم و القدرة للتأثير، بان يكون عالما بما يؤثّر، قادرا على ما يؤثر. فقد ثبت له تعالى باوّل نظرة في صنعه و صفان: العلم و القدرة، و هما و صفان ذاتيان ازليّان على ما تقدّم.
و العلم و القدرة يوجبان***بالطبع أوصافا هى الثوانى
و ما يجوز نفيه من الأزل***أو سلبه أو ضدّه وصف فعل
ثمّ الّتي استلزمها الوصفان***مشيّة إرادة و تان
فعلان مخلوقان بالإنشاء***و من مبادى ساير الأشياء
و استتبعت مشيّة حبا، رضا***كذا إرادة لقدر و قضاء
و العلم و القدرة يوجبان بالطبع، من حيث تعلّقهما بالصّنع أوصافا اخر له تعالى، استلزاما و استتباعا، و تلك الأوصاف، هى الثوانى بالنسبة إليهما؛ فإنّ العلم و القدرة و صفان اوّليان له تعالى باعتبارين: باعتبار ايجاب الصنع لهما أوّلا، و باعتبار كونهما و صفين ذاتيّين. و هذه الأوصاف، و هى المشيّة و الإرادة و التقدير و القضاء، اوصاف ثانية باعتبار ايجاب العلم و القدرة لها.
و ما من الأوصاف يجوز نفيه من الأزل، بان يقال أنّه ليس ازليّا، كالرازق و المحيى و المميت مثلا؛ فإنّه تعالى ليس من الأزل برازق أو محيى أو مميت، أو جاز سلبه عنه، وقتا مّا، او في شيء ما، كأن يقال ليس بخالق الآن، او برازق فلانا أو براض عن فلان، أو جاز ضدّه عليه أيضا، كالرّضا، فإنّه يتّصف بضدّه، كما يتّصف به، فيقال:
هو تعالى ساخط، كما يقال: هو راض. فكلّ وصف من هذه الأنواع الثلاثة، وصف فعل، اى فعله فيكون وصف فعله تعالى. و هذا هو الملاك المائز بين الصفات الذاتيّة و الفعليّة.
ثمّ الاتّصاف الّتي استلزمها الوصفان؛ اى العلم و القدرة بنفسهما، إنّما هى مشيّة و إرادة.
فالمشيّة من توابع العلم، و الإرادة من توابع القدرة؛ اذ مبدأ المشيّة العلم، و العلم بالشّيء يقتضي مشيّته، او مشيّة عدمه، و القدرة مبدأ الإرادة و مقتضية لها؛ لا تتحقّق القدرة إلّا مع الاختيار.
و تان فعلان مخلوقان بالإنشاء، انشأهما الرب و خلقهما، كما خلق غيرهما من الأشياء و الأفعال. و هما من مبادى ساير الأشياء؛ فإنّه ما من شيء إلّا و قد خلقه بالمشيّة و الإرادة، و لهما أيضا مبادى اخر من الحبّ و الرضا و الكراهة و السّخط و القدر و القضاء. و استتبعت مشيّة، حبّا و رضا، اذ لا يمكن ان يشاء احد شيئا إلّا عن حبّ و رضا، و كذا عدم المشيّة يستتبع الكراهة و السّخط، اذ لا يمكن ان لا يشاء احد شيئا
إنّ المشيّة لديهم محدثة***مخلوقة بنفسها منبعثة
عن علمه، لا هى علم، إذ لزم***أن لم يجز إن شاء مثل إن علم
الّا مع كراهة و سخط؛ و كذلك استتبعت إرادة لقدر محفّف القدر و قضاء؛ يعنى، أنّ الإرادة أيضا تستتبعهما، فيكونان متأخرين عنها رتبة.
إنّ المشيّة لديهم (ع)، محدثة؛ كما عن محمّد بن مسلم، عن الصادق (ع)، قال:
«المشيّة محدثة.»(1)فهى فعل مخلوق، و هى مخلوقة بنفسها؛ كما عن ابى سعيد القماط، عن الصادق (ع):
«خلق اللّه المشيّة قبل الأشياء، ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة.»(2)و عن ابن اذينة، عنه (ع)، قال: «خلق اللّه المشيّة قبل الأشياء(3)بنفسها، ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة.»(4)
اقول: معنى قوله (ع): «خلق الأشياء بالمشيّة»، هو ما ذكرت من أنّها مبدأ خلق الأشياء، و أنّه تعالى خلقها بمشيّته؛ و امّا أنّها خلقت بنفسها، فمعناه أنّها ليست مخلوقة بمشيّة اخرى أو بشيء مخلوق آخر، فالحكم اضافىّ بالنسبة الى سائر الأشياء.
فلا ينافى تقدّم العلم عليها؛ بل هى منبعثة عن علمه لا هى علم؛ إذ لزم أن لم يجز قول إن شاء اللّه، مثل ما لا يجوز إن علم اللّه. عن بكر بن اعين، قال:
«قلت لابى عبد اللّه (ع): علم اللّه و مشيّته هما مختلفان، أم متفقان؟ فقال (ع):
العلم، ليس هو المشيّة، الا ترى أنّك تقول: سافعل كذا، إن شاء اللّه، و لا تقول: سافعل كذا ان علم اللّه؛ فقولك إن شاء اللّه، دليل على أنّه لم يشأ، فاذا شاءكان الّذي شاء (5)علم اللّه سابق المشيّة.» (6)
ثمّ انّ الإرادة أيضا عندهم (ع)، محدثة؛ لأنّه فعل عندهم، و كلّ فعل محدث مخلوق، و قد اشرت الى أنّها مخلوقة:
من قال لم يزل مريدا شائيا***ليس موحّدا و لا مواليا
بل كان لم يزل عليما قادرا***و لم يرد ثمّ أراد ما جرى
و ليستا فيه على المعهود***من خلقه المقدّر المحدود
شاء بلا رويّة و همّة***يريد لا بفكر أو همامة
من قال لم يزل مريدا شائيا، ليس موحّدا عندهم (ع)، و لا مواليا لهم (ع)؛ لأنّه لا يواليهم إلّا الموحّد. «من اراد اللّه بدء بكم، و من وحّده قبل عنكم.»(1)قال الرضا (ع):
«المشيّة من صفات الأفعال، فمن زعم أنّ اللّه لم يزل مريدا شائيا، فليس بموحّد.» (2)و عن زيد النرسى، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: كان اللّه، و هو لا يريد بلا عدد، اكثر ممّا كان مريدا.» (3)
بل كان لم يزل عليما قادرا، و لم يرد شيئا، ثمّ أراد ما جرى في الكون من الخلق و الأمر؛ كما عن ابن حميد، قال: «قلت لابى عبد اللّه (ع): لم يزل اللّه مريدا؟
فقال (ع): إنّ المريد، لا يكون إلّا لمراد معه، بل لم يزل عالما قادرا ثمّ اراد.» (4)
و ليستا؛ اى المشيّة و الإرادة فيه تعالى، على النحو المعهود من خلقه، المقدّر المحدود، بان يكونا له تعالى حالة نفسانيّة، و يحصل له منهما في نفسه حالة خاصّة، او يكون لحصولهما شرائط و مبادى مخصوصة، كما هو كذلك في الخلق، بل هو تعالى، شاء بلا رويّة و همّة؛ اى همّ بالشيء، و هو يريد لا بفكر أو همامة. قال امير المؤمنين (ع):
«شاء الأشياء لا بهمّة، درّاك لا بخديعة، فاعل لا باضطرار، مقدّر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة.»(5)و قال (ع): «متكلّم لا برويّة، و مريد لا بهمّة.» (6)
و قال الرضا (ع): «فاعل لا باضطرار، مقدّر لا بجول فكرة، مدبّر لا بحركة، مريد
إرادة الخلق، الضمير، ثمّ ما***يبدو من الفعل الّذي قد أبرما
إرادة اللّه تعالى قدره***إحداثه و فعله و أمره
أمر بلا نطق و لا لسان***فعل بلا كيف و لا يعانى
يقول كن، من غير لفظ و سبب***فكان ما أراد من غير تعب
لا بهمامة، شاء لا بهمّة، مدرك لا بمجسّة.» (1)
إرادة الخلق، الضمير أوّلا، ثمّ ما يبدو للفاعل من الفعل الّذي قد أبرم و احكمه؛ و امّا إرادة اللّه تعالى قدره، فهو إحداثه و فعله في التكوينيّات، و أمره فيها و في التشريعيّات، أمر بلا نطق و لا لسان فيهما أيضا، و فعل بلا كيف فيه، و لا يعانى فى حصوله و صدوره منه، تعبا و مشقّة، يقول: كن، من غير لفظ و سبب، فكان ما أراد من غير تعب و لا نصب، قال الصادق (ع) فى الإهليلجة، حيث قال السائل: «فاخبرنى عن ارادته؛ قلت:
«إنّ الإرادة من العباد، الضمير و ما يبدو بعد ذلك، و امّا من اللّه- عزّ و جلّ-؛ فالإرادة للفعل احداثه.»(2)و قال موسى بن جعفر (ع): «و إنّما تكون الأشياء بإرادته و مشيّته من غير كلام و لا تردّد في نفس، و لا نطق بلسان.» (3)
و عن صفوان بن يحيى، قال: «قلت لأبى الحسن (ع): اخبرنى عن الإرادة من اللّه- عزّ و جلّ-، و من الخلق، فقال (ع): الإرادة من الخلق، الضمير، و ما يبدو له بعد ذلك من الفعل، و أمّا من اللّه- عزّ و جلّ-، فارادته احداثه لا غير ذلك؛ لأنّه لا يروّى و لا يهمّ و لا يتفكّر، و هذه الصفات منفيّة عنه، و هى من صفات الخلق، فإرادة اللّه هى الفعل، لا غير ذلك، يقول له: كن فيكون بلا لفظ، و لا نطق بلسان، و لا همّة و لا تفكّر و لا كيف، لذلك كما أنّه بلا كيف.» (4)
و في الكافى، «كما أنّه لا كيف له.»
و قال الصادق (ع): «و اذا اراد اللّه شيئا كان، كما اراد، يأمره من غير نطق.» (5)6.
ثمّ لكلّ منهما نوعان***حتم و لا حتم تعلّقان
بالكون و الشّرع و لا مردّ له***ما كان محتوما و لن يبدّله
و حتم شرع، عزمه و قد يعمّ***عزم و بالتّكوين خصّ ما حتم
و ليس بين ذين من تلازم***كنهى آدم و لم يحتّم
و أمره إبليس و الخليلاعز***ما بأن يذبح إسماعيلا
لو لاه، فالمغلوب من ***بريّتهيغلب ما شاء على مشيّته
ثمّ لكلّ منهما نوعان: حتم و لا حتم؛ اى كلّ من المشيّة و الإرادة قد تكون حتميّة، و اخرى غير حتميّة؛ و هما تعلّقان على نوعيهما بالكون و الشّرع، فكلّ من المشيّة و الإرادة، حتميّة و غير حتميّة، قد تكون شرعيّة؛ اى الطلبيّة، و اخرى تكوينيّة. و لا مردّ له ما كان محتوما من التكوينيّات، و لن يبدّله ما كان محتوما من الشرعيّات، و حتم شرع، عزمه، و قد يعمّ عزم، فيقال للفريضة العزيمة، سواء كانت ممّا تقبل النسخ و التبديل، أم لا. و بالتّكوين خصّ ما حتم، فيطلق المحتوم على التكوينيّات خاصّة.
و ليس بين ذين؛ اى بين التكوين و التشريع من تلازم، فقد يكون الشيء بحسب التشريع محتوما أو فريضة، و ليس بحسب التكوين محتوما، كنهى آدم تشريعا، و لم يحتّم عدم اكله تكوينا؛ و مثل أمره تعالى إبليس بالسجود تشريعا، و عدم تحتّمه عليه تكوينا؛ و مثل امره الخليلا عزما تشريعا، بأن يذبح ابنه إسماعيلا، و عدم تحتّمه عليه تكوينا. لو لاه؛ اى لو لا عدم التلازم، فالمغلوب من بريّته، يغلب ما شاء على مشيّته تعالى. لوضوح أنّه لو كان ما امر به أو نهى عنه، محتوما تكوينا، كما هو محتوم تكليفا، فمع مخالفة العبد و عصيانه، لزم محذور المغالبة قطعا. قال الصادق (ع):
«امر اللّه و لم يشاء، و شاء و لم يأمر؛ امر ابليس ان يسجد آدم، و شاء ان لا يسجد، و نهى آدم عن اكل الشجرة، و شاء ان يأكل منها، و لو لم يشاء لم يأكل.»(1)
و عن فتح بن يزيد عن الهادى (ع)، قال: «قلت: إنّ عيسى (ع) خلق من الطين كهيئة الطير، فنفخ فيه فصار طيرا باذن اللّه، و السّامرىّ خلق لهم عجلا جسدا لنقض نبوّة موسى (ع)،، و شاء اللّه ان يكون ذلك كذلك، إنّ هذا لهو العجب!؟ فقال (ع): يا
1) . الكافي 1: 150/ 3.
فتح! إنّ للّه ارادتين و مشيّتين: إرادة حتم، و إرادة عزم، ينهى و هو يشاء، و يأمر و هو لا يشاء، او ما رأيت أنّه نهى آدم و زوجته عن ان يأكلا من الشجرة و هو شاء ذلك، و لو لم يشاء، لم يأكلا، و لو اكلا لغلبت مشيّتهما مشيّة اللّه.»(1)و في الكافى: «و لو لم يشاء ان يأكلا، لما غلبت مشيّتهما مشيّة اللّه».
اقول: قوله (ع): «إرادة حتم، و إرادة عزم»، هذا من اطلاق الحتم على خصوص التكوين. و امّا ما في الكافى من ذبح اسحاق، فهو على خلاف المشهور المقطوع، الظاهر من الكتاب، و القول به من الاسرائيليّات، فلا بدّ من حمله على اشتباه الراوى او تدسيس بعض الرواة.
و قال الحسين (ع): «و امضى المشيّة و الإرادة و القدرة و العلم، بما هو كائن، لا مانع له في شيء من امره، و لا كقوله يعادله، و لا ضدّ له ينازعه، لا منازع له في شيء من امره.» (2)
و قال الصادق (ع): «لا ملجأ لعباده ممّا قضى، و لا حجّة لهم فيما ارتضى، لم يقدروا على عمل، و لا معالجة ممّا احدث في ابدانهم المخلوقة، الّا بربّهم؛ فمن زعم أنّه يقوى على عمل، لم يرده اللّه- عزّ و جلّ-، فقد زعم أنّ ارادته تغلب إرادة اللّه- تبارك و تعالى.» (3)
و في فقه الرضا، سئل امير المؤمنين (ع) عن مشيّة اللّه و ارادته، فقال (ع): «إنّ للّه مشيّتين: مشيّة حتم و مشيّة عزم، و كذلك إنّ للّه ارادتين: إرادة حتم و إرادة عزم، إرادة حتم لا تخطى و تصيب، و له مشيّتان: مشيّة يشاء و مشيّة لا يشاء؛ معناه: اراد العبادة و شاء، و لم يرد المعصية و شاء؛ و كلّ شيء بقضائه و قدره، قد شاء اللّه من عباده المعصية، و ما اراد، و شاء الطاعة و اراد منهم؛ لأنّ المشيّة مشيّة الأمر و مشيّة العلم، و ارادته إرادة الرضا و إرادة الأمر؛ امر بالطاعة و رضى بها و شاء المعصية؛ يعنى علم من عباده المعصية، و لم يأمرهم بها، فهذا من عدل اللّه- تبارك و تعالى- فى عباده، جلّ جلاله و عظم شأنه.» (4)3.
و في التوالى، تسبق المشيّة***إرادة و هى على البقيّة
و في التوالى؛ اى في مقام ترتّب (1)
إحداهما: ثبوت هذه الأمور للّه تعالى، و جواز نسبتها إليه تعالى في الكتاب و السّنة بحدّ لا يحصى؛
ثانيتهما: ترتّب هذه الأمور له تعالى على الوجه المعهود لنا، فهذا امر اخذناه عن الحجّة (ع) مع تنزيهه تعالى عن لوازمها الّتي غير منفكّة عنّا، لجهلنا و عجزنا و قصورنا بالأشياء، و عدم احاطة علمنا و قدرتنا بالجهات و الأنحاء: من الفكر و التروّى و الترديد و التحيّر و التخيّر، و لا مانع ان يكون لفعله تعالى من مقام العلم، الى مقام الحصول في العين، مبادى مترتّبة مع تنزّهه، من لوازم النقص، و كمال علمه و قدرته على الأمور من أول الأمر؛ كما جعل النطفة علقة، و العلقة مضغة، و هكذا ساير التكوينيّات العاديّة؛ و لا مانع من ان يكون ترتّب تلك المبادى له تعالى على نحو ترتّبها لنا، و لكن مع التنزيه، و ان يكون هو تعالى، إنّما انشأ فينا هذه المبادى على هذه المراتب لنستدلّ بها على افعاله، و لكن مع تنزيهه عن لوازمها النقصيّة، كما انشأ فينا العلم و القدرة و غيرهما من الصفات، لنستدلّ بها على صفاته مع التنزيه. و قد اخبرنا الحجّة (ع) بذلك، فوافق الخبر للواقع، فليس هذا من باب القياس في شيء.
هذا، مع أنّه تعالى لمّا اخبرنا بعلمه و مشيّته و ارادته و قدره و قضائه، ثمّ وجدنا منه انفكاك بعضها عن بعض، و حصول بعضها دون بعض، و تأخّر بعضها عن بعض، علمنا بترتّب هذه الأمور، فقد علمنا أنّه تعالى كان لم يزل عالما، و لكنّه لم يكن لم يزل شائيا و مريدا، ثمّ وجدناه يخلق ما يشاء من الأمور المتدرّجة الحصول، و المترتّبة في الوجود، و قد علمنا أنّه كان شائيا لها قبل حصولها بكثير، فقد علمنا أنّه كان شائيا و لم يكن مريدا، ثمّ وجدنا خلقة كلّ شيء بقدر معلوم، فعلمنا أنّه لا يريد كلّ شيء إلّا بقدر، ثمّ وجدناه قد يغيّر ما اراده كما سيأتى مشروحا في البداء، فعلمنا أنّه لم يقض به، فعلمنا أيضا أنّ القضاء بعد الإرادة.
هذه الصفات تسبق المشيّة إرادة، كما يسبق العلم على المشيّة، و هى؛ اى الإرادة، سابقة على البقيّة؛ اى القضاء و القدر و توابعهما؛ لأنّ الجميع من توابع الإرادة، و إنّما تسبق المشيّة على الإرادة لمكان الحيثيّة الّتي ملحوظة فيها؛ فإنّ لكلّ منها حيثيّة تبان بها حقيقتها و محلّيتها، و يمتاز بها عن الآخر،1) . ترتّب هذه المراتب على الوجه المذكور لنا في انفسنا، امر بديهىّ، معلوم، معهود؛ فإنّ كلّ احد منّا، اذا علم بشيء، فاوّل ما يبدو له بعد العلم، المشيّة، ثمّ المراتب الاخر؛ فإن الشخص اذا علم شيئا، امّا ان يشاءه، او لا يشاءه، و اذا شائه، فامّا ان يريده، و هو العزم عليه، أم لا يريد؛ ثمّ اذا اراده، يقع في التقدير له بحسب الكميّة و الكيفيّة، ثم اذا تمّ التقدير، يقضى به و يمضيه، الّا أنّ هنا مجال لأن يتوّهم متوهّم، أنّ هذا من قياس الخالق بالمخلوق؛ لكنّه خطأ، لأنّ هنا مسئلتان:
حيثيّة المشيّة اهتمام***بالشيء، و الإرادة الإتمام
و القدر التقدير في المشاء***ثمّ القضاء تمّ بالإمضاء
و استعملت كلّ مقام الآخر***و يعرف المراد بالظواهر
مع جواز استعمال كلّ، مقام الآخر أيضا.
حيثيّة المشيّة، اهتمام بالشيء؛ اى الهمّ به و قصده و ابتدائه، و الإرادة حيثيّتها الإتمام، و امّا القدر، فحيثيته التقدير في المشاء في حدوده المعيّنة، ثمّ القضاء تمّ بالإمضاء؛ اى بعد التقدير القضاء و يتمّ بالامضاء. ففى الكافى، عن عليّ بن ابراهيم الهاشمى، عن موسى بن جعفر (ع)، قال:
«لا يكون شيء إلّا ما شاء اللّه، و قدر و قضى، قلت: ما معنى قضى؟ قال (ع): اذا قضى أمضاه، فذلك الّذي لا مردّ له.» هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص603
ضا (ع): يا يونس! لا تقل بقول القدريّة، فقلت: و اللّه ما اقول بقولهم! و لكنى اقول: لا يكون(1)الّا بما شاء اللّه و اراد، و قدر و قضى؛ فقال: يا يونس! ليس هكذا، لا يكون إلّا ما شاء اللّه و اراد، و قدر و قضى؛ يا يونس! تعلم ما المشيّة؟ قلت: لا، قال (ع): هى الذكر الأوّل؛ فتعلم ما الإرادة؟ قلت: لا، قال (ع): هى العزيمة على ما يشاء؛ فتعلم ما القدر؟ قلت: لا، قال (ع): هى الهندسة و وضع الحدود من البقاء و الفناء؛ قال: ثمّ قال (ع): و القضاء، هو الابرام و اقامة العين.
فاستأذنته ان اقبّل راسه، و قلت: فتحت لى شيئا، كنت عنه في غفلة.» (2)
و عن المحاسن، عن يونس، عنه (ع): يا يونس! لا تتكلّم بالقدر، قال: إنّى لا أتكلّم بالقدر، و لكن اقول: لا يكون إلّا ما اراد اللّه و شاء، و قضى و قدر، فقال (ع): ليس هكذا، و لكن اقول: لا يكون إلّا ما شاء اللّه، و اراد و قدر و قضى؛ ثمّ قال (ع): أ تدري ما9.
المشيّة؟ قال: لا، فقال (ع): همّه بالشّيء؛ او تدرى ما اراد؟ قال: لا، قال (ع): اتمامه على المشيّة، قال (ع) او تدرى ما قدر؟ قال: لا، قال (ع): هو الهندسة من الطول و العرض و البقاء؛ ثمّ قال (ع): إنّ اللّه اذا شاء شيئا اراده، و اذا اراده قدره، و اذا قدر قضاه، و اذا قضاه أمضاه.» (1)
و عن تفسير القمي هكذا: «و لكنّى اقول: لا يكون إلّا ما شاء اللّه، و قضى و قدر، فقال (ع):
ليس هكذا يا يونس! و لكن لا يكون إلّا ما شاء اللّه، و قدر و قضى، تدرى ما المشيّة يا يونس؟ قلت: لا، قال (ع): هو الذكر الأوّل؛ تدرى ما الإرادة؟ قلت: لا، قال (ع): العزيمة على ما شاء؛ تدرى ما التقدير؟ قلت: لا، قال (ع): هو وضع الحدود من الآجال و الأرزاق و البقاء و الفناء؛ تدرى ما القضاء؟ قلت: لا، قال (ع): هو اقامة العين و لا يكون إلّا ما شاء اللّه في الذكر الأوّل.» (2)
و عن المحاسن أيضا، عن يونس، عنه (ع)، قال: «قلت: لا يكون (3)إلّا ما شاء اللّه و اراد، و قدر و قضى، فما معنى شاء؟ قال (ع): ابتداء الفعل؛ قلت: فما معنى اراد؟
قال (ع): الثبوت عليه؛ قلت: فما معنى قدر؟ قال (ع): تقدير الشيء من طوله و عرضه؛ قال قلت: فما معنى قضى؟ قال (ع): اذا قضى أمضاه، فذلك الّذي لا مردّ له.»(4)و عن الدرة الباهرة، عن الرضا (ع)، قال: «المشيّة، الاهتمام بالشيء، و الإرادة، اتمام ذلك الشيء.» (5)
و اجمع من الكلّ في التفصيل، ما عن المعلى بن محمّد، و هو حقيق بان يجعل فى باب مبادى الايجاد اصلا، قال:
«سئل العالم (ع): كيف علم اللّه؟
قال (ع): علم و شاء و اراد، و قدر و قضى، و مضى فامضى ما قضى، و قضى ما قدر و قدر ما اراد، فبعلمه كانت المشيّة،5.
و بمشيّته كانت الإرادة، و بإرادته كان التقدير، و بتقديره كان القضاء، و بقضاه (1)كان الامضاء؛ فالعلم متقدّم على المشيّة، و المشيّة ثانية، و الإرادة ثالثة، و التقدير واقع على القضاء بالامضاء، فللّه- تبارك و تعالى- البداء فيما علم متى شاء، و فيما اراد، لتقدير الأشياء، فاذا وقع القضاء بالامضاء، فلا بداء، فالعلم فى المعلوم قبل كونه، و المشيّة في المنشأ [فى المشاء] قبل عينه، و الإرادة في المراد قبل قيامه، و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها، اعيانا و قياما [و في الكافى: و وقتا]، و القضاء بالامضاء، هو المبرم من المفعولات ذوات الأجسام المدركات بالحواس، من ذى لون و ريح و وزن و كيل، و ما دبّ و درج من انس و جنّ و طير و سباع و غير ذلك، ممّا يدرك بالحواس فللّه- تبارك و تعالى- فيه البداء، و بالعلم علم الأشياء قبل كونها، و بالمشيّة عرف صفاتها [و حدودها]، و انشاءها قبل اظهارها، و بالإرادة ميز انفسها في ألوانها، و صفاتها و حدودها، و بالتّقدير قدر اقواتها و عرف اوّلها و آخرها، و بالقضاء بان(2)للنّاس أماكنها، و دلّهم عليها، و بالامضاء شرح عللها و ابان امرها، ذلك تقدير العزيز العليم.» (3)
و استعملت كلّ من الأربعة المذكورة مقام الآخر، فقد يقال المشيّة، و يراد بها الإرادة و غيرها و بالعكس، و كثيرا ما يطلق القدر، و يراد به القضاء و بالعكس، و يعرف المراد بالظواهر من ظاهر الحال، او ظاهر المقام أو ظاهر القرينة اللفظيّة.7.
و الاعتقاد بالقضاء و القدر***كذاك في الإيمان فرض يعتبر
قد خلقا من قبل أرض و السّماء***و اللّه في الخلق يزيد ما يشاء
و ليس عبد مؤمنا حتّى أقرّ***باللّه و النّبيّ و بعث و القدر
لا ينظر اللّه إلى المكذّب***و كان ملعونا لدى كلّ نبىّ
و الاعتقاد بالقضاء و القدر كذاك؛ اى مثل المشيّة و الإرادة في الإيمان فرض يعتبر، فلا بدّ من الإيمان بهما.
و هما قد خلقا من قبل أرض و السّماء، و اللّه في الخلق يزيد ما يشاء. فعن رسول اللّه (ص)، قال:
«قدر اللّه المقادير قبل ان يخلق السموات و الارض بخمسين الف عام.» (1)و عن الرضا (ع)، عن آبائه، عن على (ع)، قال: قال رسول اللّه (ص): إنّ اللّه- عزّ و جلّ-، قدّر المقادير و دبّر التدابير قبل ان يخلق آدم بألفي عام.» (2)
و عن الصادق (ع): «إنّ القضاء و القدر خلقان من خلق اللّه، و اللّه يزيد في الخلق ما يشاء.» (3)
و عن جميل، عنه (ع)، قال: سألته عن القضاء و القدر، فقال (ع): هما خلقان من خلق اللّه، و اللّه يزيد في الخلق ما يشاء.» (4)
و ليس عبد مؤمنا حتّى أقرّ بأربعة: باللّه و النّبيّ و بعث و القدر، و لا ينظر اللّه إلى المكذّب بالقدر، و كان ملعونا لدى كلّ نبىّ. فعن رسول اللّه (ص):
«أربعة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة: عاقّ و منان و مكذّب بالقدر و مدمن خمر.» (5)
و عن امير المؤمنين (ع)، قال: قال رسول اللّه (ص): لا يؤمن عبد حتّى يؤمن بأربعة: حتّى يشهد ان لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّى رسول اللّه بعثنى بالحقّ،
يحشر كلّ من يكذّب القدر***قردا و خنزيرا، كذا جاء الخبر
و فيهما الحتم و ما لم يحتم***ممّا جرى البداء فيه فاعلم
و استلزما طبعا كتابا و الأجل***و الإذن و الكلّ مبادى ما فعل
فكلّ ما في الكون من فعال***بهذه السّبع من الخصال
من قال غير ذا على اللّه افترى***أو ظنّ أن ينقض بعضا كفرا
و حتّى يؤمن بالبعث بعد الموت، و حتّى يؤمن بالقدر.» (1)
و عن زيد بن على، عن ابيه، عن جدّه، عن على (ع)، قال: «قال رسول اللّه (ص):
سبعة لعنهم اللّه و كلّ نبىّ مجاب: المغيّر لكتاب اللّه، و المكذّب بقدر اللّه؛ الحديث.» (2)
و عن الصادق (ع)، عن آبائه، قال: قال رسول اللّه (ص): ستّة لعنهم اللّه و كلّ نبىّ مجاب: الزائد في كتاب اللّه، و المكذّب بقدر اللّه ...» (3)
و عنه (ع) أيضا، قال: قال رسول اللّه (ص): «إنّى لعنت سبعة، لعنهم اللّه و كلّ نبىّ مجاب قبلى، قيل: من هم يا رسول اللّه؟ قال: الزائد في كتاب اللّه، و المكذّب بقدر اللّه، ...» (4)
يحشر كلّ من يكذّب القدر، قردا و خنزيرا؛ كذا جاء الخبر، فعن الباقر (ع)، قال: «يحشر المكذّبون بقدر اللّه من قبورهم، قد مسخوا قردة و خنازير.» (5)
و فيهما، الحتم و ما لم يحتم، كالمشيّة و الإرادة، فكلّ من القدر و القضاء أيضا يكون فيه المحتوم و غير المحتوم. فالمحتوم منهما، هو الّذي لا تبديل فيه؛ و امّا غير المحتوم، فهو ممّا جرى البداء فيه، فاعلم؛ كما مرّ في حديث معلى بن محمّد و يأتى تفصيل البداء في محلّه.
و استلزما طبعا كتابا و الأجل و الإذن، فإنّ تقدير الشيء و قضائه، يستتبع كلّ ذلك، كما هو ظاهر. و على هذا، فالكلّ مبادى ما فعل، كالأربعة، فتكون مبادى التكوين إذن سبعة، فكلّ ما في الكون من فعال، يحصل و يحقّق بهذه السّبع من
الخصال. من قال غير ذا، بان ينكر كلّها أو بعضها، زعما منه أنّ الأمر غير ذلك، و أنّ الحقّ الثابت كما يزعمه. فهو على اللّه افترى، لأنّه ينسب ما يرى إليه تعالى على حسب زعمه، أو ظنّ أن ينقض بعضا؛ اى يقدر على ان ينقض بعضها، فقد كفرا. فعن الباقر (ع):
«لا يكون شيء في الأرض و لا في السّماء إلّا بهذه الخصال السبعة (1): بمشيّة و إرادة، و قدر و قضاء، و اذن و كتاب و اجل، فمن زعم أنّه يقدر على نقص(2)واحدة منهنّ فقد كفر.»
و عن ابى الحسن الأوّل (ع)، قال: «لا يكون شيء في السّماوات و الأرض(3)إلّا بسبعة: بقضاء و قدر، و إرادة و مشيّة، و كتاب و اجل و اذن، فمن قال غير هذا، فقد كذب على اللّه، او ردّ على اللّه- عزّ و جلّ.» (4)
اقول: فان كان ينفيه على وجه الإنكار، فقد ردّ عليه؛ و ان كان على أنّ الحقّ عنده خلافه، و أنّه الثابت عند اللّه، فقد كذب عليه تعالى.
الخير و الشرّ، قد يسندان الى ذوات الأعيان الموجودة، فيقال: هذا الجنس خير و ذاك شرّ، و قد يسندان الى الحوادث الواقعة في الكون، ممّا يصيب الانسان و يبتلى به؛ فيقال: الخصب خير و الجدب شرّ، و قد يسندان الى اعمال العباد، فيقال:
الاحسان خير، و الظلم شرّ. و المقصود أنّ كلّ ذلك بقدر اللّه، و لكن بمعنى أنّه ليس شيء منها بخارج عن ملكه و سلطانه و قدرته و علمه و مشيّته و ارادته و تقديره و قضائه، و انّه خالق لها خلق تقدير، فلا ينافي كونه غير فاعل لأفعال العباد؛ و انّما هو فاعل للأولين كما قال تعالى:(اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)(5). و قال: (وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ)(6). و قال: (وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ
الخير و الشرّ جميعا بالقدر***من كان لم يؤمن به، فقد كفر
و من يرى أنّهما إليه***من دون ربّه افترى عليه
و من يراهما بلا مشيّة***أخرج عن سلطانه البريّة
بل الصغير و الكبير بالقدر***و حلوه و مرّه عنه صدر
على يدى من شاء يجرى ذا و ذا***ويل لمن يقول كيف هكذا؟
يَفْقَهُونَ حَدِيثاً)(1). كما لا ينافى ان يكون العبد سببا لبعض ما يصيبه؛ كما قال تعالى:
(ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)(2). و قال أيضا:
(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ )(3).
الخير و الشرّ جميعا بالقدر، من كان لم يؤمن به، فقد كفر، ففيهما كتب الحسن (ع)، الى الحسن البصرى جوابا عن سؤاله: «امّا بعد: فمن لم يؤمن بالقدر خيره و شرّه انّ اللّه يعلم، فقد كفر.»(4)
و كتب الحسين (ع) إليه أيضا جوابا عنه: «فاتّبع ما شرحت لك في القدر ممّا افضى إلينا اهل البيت، فإنّه من لم يؤمن بالقدر خيره و شرّه، فقد كفر.»(5)
و من يرى أنّهما إليه؛ اى الى نفسه من دون ربّه، افترى عليه ان كان يزعم أنّ ذلك من اللّه إليه؛ و من يراهما بلا مشيّة له تعالى، أخرج عن سلطانه و ملكه البريّة؛ فعن الصادق (ع)، قال:
قال: «قال رسول اللّه (ص): «من زعم أنّ الخير و الشّر بغير مشيّة اللّه، فقد اخرج اللّه من سلطانه.» (6)
و عن ابى بصير، عنه (ع)، قال: «من زعم أنّ اللّه يأمر بالفحشاء، فقد كذب على اللّه، و من زعم أنّ الخير و الشرّ إليه، فقد كذب على اللّه.» (7)
بل الصغير و الكبير بالقدر؛ اى بقدر منه تعالى و حلوه و مرّه عنه؛ اى عن القدر
صدر، لا عن غيره، على يدى من شاء يجرى ذا و ذا؛ اى الخير و الشرّ. ويل لمن يقول:
كيف هكذا؟ فعن الصادق (ع)، قال:
«الخير و الشرّ حلوه و مرّه، و صغيره و كبيره من اللّه.» (1)
و عنه (ع) أيضا، و قد ذكر عنده القدر و كلام الاستطاعة، فقال (ع): «هذا كلام خبيث، انا على دين آبائى، لا ارجع عنه؛ القدر حلوه و مرّه من اللّه، و الخير و الشرّ كلّه من اللّه.» (2)
اقول: المراد بالاستطاعة هنا، التفويض، كما يأتى.
و عن ابى جعفر (ع)، قال: «إنّ اللّه يقول: انا اللّه، لا إله إلّا انا، خالق الخير و الشرّ، و هما خلقان من خلقى، فطوبى لمن قدّرت له الخير، و ويل لمن قدّرت له الشرّ، و ويل لمن قال: كيف ذا.» (3)
و عنه (ع) أيضا، أنّه قال: «إنّ في بعض ما انزل اللّه من كتبه: إنّى انا اللّه، لا إله الّا انا، خلقت الخير و خلقت الشرّ، فطوبى لمن اجريت (4)على يديه الخير، و ويل لمن اجريت على يديه الشر و ويل لمن قال: كيف ذا و كيف ذا!» (5)
و عن الصادق (ع)، قال: قال اللّه- عزّ و جلّ-: انا اللّه لا إله إلّا انا، خالق الخير و الشرّ، فطوبى لمن اجريت على يديه الخير، و ويل لمن اجريت على يديه الشرّ! و ويل لمن يقول كيف ذا و كيف هذا.» (6)
و عنه (ع) أيضا، قال: إنّ ممّا اوحى اللّه الى موسى (ع)، و انزل في التوراة: إنّى انا اللّه، لا إله إلّا انا، خلقت الخلق و خلقت الخير، و اجريت على يدى من احبّ، فطوبى لمن اجريته على يديه، و انا اللّه لا إله إلّا انا، خلقت الخلق و خلقت الشرّ، و اجريته على يدى من اريد، فويل لمن اجريته على يديه!» (7)8.
1) . البحار 5: 161/ 22.
2) . المصدر 5: 161/ 21.
3) . المصدر 5: 160/ 20.
4) . المراد من اجراء الخير و الشرّ على يدى فاعلهما، هو الاجراء بتقدير؛ فمعنى اجريت، قدرت، كما في الحديث الأوّل، و الاجراء التقديرى، لا يستلزم الاجبار و سلب الاختيار.
5) . البحار 5: 160/ 19.
6) . الكافي 1: 154/ 3.
7) . البحار 5: 160/ 18.
القدر المقدور سرّ اللّه***لم يطّلع عليه غير اللّه
إلّا من ارتضاه من رسول***و كشفه لا ممكن الحصول
بحر عميق و طريق مظلم***حرز بخاتم القضاء يختم
و من تكلّف اطّلاع ما ستر***نازع في سلطانه ربّ القدر
كان مضادّا له في حكمه***مكاشفا لسرّه و علمه
و باء بالسّخط من اللّه كما***يكون مأواه غدا جهنّما
اعلم: إنّ القدر بمعناه الاصلى اللغوى، يطلق و يراد به المقدّر، و قد يطلق و يراد به التفويض أو الجبر على ما سيأتى، و هذا الاطلاق مستحدث متّخذ من التكلم في القدر، نفيا أو اثباتا.
و المقصود بالذكر هنا هو الأوّل، و لذلك قلت:
القدر هو المقدور؛ اى المقدّر، و ذلك اقتباس من قوله تعالى:( وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً )(1)، سرّ اللّه، لم يطّلع عليه غير اللّه، و لا فرق في ذلك بين المحتوم و غير المحتوم، و ما كان من خير أو شرّ، و من الذوات أو افعال البشر فلا يعلمه غيره، إلّا من ارتضاه من رسول، على ما تقدّم الكلام في علمه تعالى.
و كشفه لا ممكن الحصول، اذ هو بحر عميق، و طريقه طريق مظلم، و هو حرز؛ اى محرز، مخزون، مكنون بخاتم القضاء يختم.
و من تكلّف اطّلاع ما ستر باىّ وجه كان: من رياضة أو كهانة أو رمل أو جفر، او غير ذلك ممّا يدخل في الكهانة معنى و ان غايرها اسما، نازع في سلطانه ربّ القدر؛ لأنّه اراد استكشاف ما سرّه و كتمه، و المستكشف لسرّ انسان، مغضوب له، بل مغضوب له تعالى أيضا؛ لما قال: (وَ لا تَجَسَّسُوا )(2)فكيف بمن استكشف سرّه
الّذي ستره؟ و كما كان منازعا له في سلطانه كان مضادّا له تعالى أيضا في حكمه، لأنّه تعالى، حكم بستره و هو اراد كشفه، فيكون مكاشفا لسرّه و علمه؛ و مثل هذا حقيق بان يكون قد باء بالسّخط من اللّه، كما انّه يكون مأواه غدا جهنّما. قال الصدوق (ره) فى القواعد: قال امير المؤمنين (ع) لرجل قد سأله القدر، فقال:
«بحر عميق، فلا تلجه! ثمّ سأله ثانية، فقال: طريق مظلم، فلا تسلكه! ثمّ سأله ثالثة، فقال (ع): سرّ اللّه، فلا تتكفّله.» (1)
و قال امير المؤمنين (ع) فى القدر: «الا أنّ القدر، سرّ من سرّ اللّه، و حرز من حرز اللّه، مرفوع في حجاب اللّه، مطوىّ عن خلق اللّه، مختوم بخاتم اللّه، سابق في علم اللّه، وضع اللّه عن العباد علمه، و رفعه فوق شهاداتهم؛ لأنّه لا ينالونه بحقيقة الربّانيّة، و لا بقدرة الصمدانيّة، و لا بعظمة النورانيّة، و لا بعزّة الوحدانيّة؛ لأنّه بحر، زاخر، موّاج، خالص للّه- عزّ و جلّ-، عمقه ما بين السماء و الأرض، عرضه ما بين المشرق و المغرب، اسود كالليل الدامس، كثير الحيّات و الحيتان، تعلو مرّة و تسفل اخرى، فى قعره شمس تضيء، لا ينبغى ان يطّلع عليها إلّا الواحد الفرد، فمن تطلّع عليها فقد ضادّ اللّه في حكمه، و نازعه في سلطانه، و كشف عن سرّه و ستره، و باء بغضب من اللّه، و مأواه جهنّم، و بئس المصير.» (2)
اقول: هذان حديثان، ارسلهما الصدوق، و الحديث الأوّل منقول في نهج البلاغة و فقه الرضا (ع) أيضا مرسلا، مع اختلاف يسير، و في التوحيد و مطالب السئول مسندا مع اختلاف أيضا.
ففى نهج البلاغة قال (ع)، (و قد سئل عن القدر): «طريق مظلم، فلا تسلكوه، و بحر عميق، فلا تلجوه، و سرّ اللّه، فلا تتكلّفوه.» (3)
و في فقه الرضا (ع): سئل امير المؤمنين (ع) عن القدر، فقيل له: أنبئنا عن القدر! فقال (ع): سرّ اللّه، فلا تفتّشوه! فقيل له الثانى: أنبئنا عن القدر! فقال (ع): ما يفتح اللّه للنّاس من رحمة، فلا ممسك لها و ما يمسك فلا مرسل له، فقال: يا امير المؤمنين (ع)! إنّما سألناك عن الاستطاعة الّتي بها نقوم ...»(4)تأتى بقيّته قريبا.0.
و الخوض في الإثبات أو نفى القدر***ليس بمحبوب لما فيه خطر
إذ قد يؤدّى البحث بالأفكار***لنفيه أو نفى الاختيار
و في التوحيد عن عبد الملك بن عنترة الشيبانى، عن ابيه، عن جدّه، قال: «جاء رجل الى امير المؤمنين (ع)، فقال: يا امير المؤمنين! اخبرنى عن القدر، فقال (ع): بحر عميق، فلا تلجه؛ فقال يا امير المؤمنين! اخبرنى عن القدر، قال (ع): طريق مظلم، فلا تسلكه؛ قال: يا امير المؤمنين! اخبرنى عن القدر! فقال: امّا اذ ابيت فانّى سائلك ...»(1)تأتى أيضا بقيّته.
و في مطالب السئول، عن يحيى بن سليم، عن الامام جعفر بن محمّد، و عن عبد اللّه بن جعفر، الجميع عن امير المؤمنين (ع): «قام إليه رجل ممن شهد وقعة الجمل، فقال: يا امير المؤمنين (ع)! اخبرنا عن القدر، فقال (ع): بحر عميق، فلا تلجه؛ فقال: يا امير المؤمنين (ع)! اخبرنا عن القدر، فقال (ع): سرّ اللّه، فلا تبحث عنه؛ فقال: يا امير المؤمنين! اخبرنا عن القدر، فقال (ع): لما ابيت، فإنّه امر بين امرين.» (2)
اقول: الظاهر من فقه الرضا و التوحيد، و مطالب السئول، أنّ السائل، إنّما اراد السؤال عن القدر الّذي وقع النّزاع فيه بين المتكلّمين، دون التقديرات القضائيّة، و لكنّه (ع) اجاب بالكفّ عن التفتيش عن المقدرات، حتّى ألحّ السائل عليه، فاجابه فيه بما هو الحقّ الّذي يأتى تفصيله، و ليس عدم جوابه (ع) لأجل عدم فهمه مراد السائل، بل لأجل صرفه عن هذه السؤال و تنبيهه ايّاه، بأنّه ليس ممّا يحسن الخوض فيه. و الى ذلك اشرت بقولى:
و الخوض في الإثبات أو نفى القدر بالتدقيق في كيفيّته، ليس بمحبوب عند اهل البيت (ع)؛ كما يؤمى إليه سكوت امير المؤمنين (ع) عن الجواب، و عدوله (ع) عنه الى غيره؛ و ذلك لما فيه خطر، إذ قد يؤدّى البحث و التدقيق عنه بالأفكار البشريّة، و يجرها الى احد امرين: امّا لنفيه؛ اى الى نفى القدر، أو نفى الاختيار؛ اى يؤدى بالفكر الى احد الانكارين، كما اتّفق لجلّ المتكلّمين فيه ذلك.
بل حسبنا الإقرار بالمشيّة***مع حكمة و العدل في القضيّة
بل حسبنا الإقرار بالمشيّة بأنّه ليس شيء خارجا عن مشيّته تعالى و ارادته و قدره و قضائه، مع حكمة و العدل في القضيّة؛ اى مع الاقرار بالحكمة في تقديره و مشيّته و عدله في قضائه. فعن جميل في الحديث المتقدّم، عن الصادق (ع)، قال:
«سألته عن القضاء و القدر، فقال (ع): هما خلقان من خلق اللّه، و اللّه يزيد في الخلق ما يشاء؛ و اردت ان اسأله في المشيّة، فنظر إليّ، فقال (ع): يا جميل! لا اجيبك فى المشيّة!» (1)
و عن تفسير الامام (ع): «لقد مرّ امير المؤمنين (ع) على قوم من اخلاط المسلمين، ليس فيهم مهاجرى و لا انصارى، و هم قعود في بعض المساجد في أوّل يوم من شعبان، و اذا هم يخوضون في امر القدر و غيره، ممّا اختلف النّاس فيه، قد ارتفعت اصواتهم و اشتدّ فيه جدالهم؛
فوقف (ع) عليهم و سلّم، فردّوا عليه و وسّعوا له و قاموا إليه، يسألونه القعود إليهم، فلم يحفل بهم؛ ثمّ قال لهم (و ناداهم يا معشر المتكلمين): أ لم تعلموا أنّ للّه عبادا قد اسكتتهم خشيته من غير عىّ و لا بكم، و أنّهم لهم الفصحاء البلغاء العالمون باللّه و ايّامه!؟ يا معشر المتكلّمين! أ لم تعلموا أنّ اعلم النّاس بالضرر اسكتهم عنه، و أنّ اجهل الناس بالضرر، انطقهم فيه!؟» (2)
و عن تفسير القمّى: «سئل الصادق (ع): هل بين الجبر و القدر منزلة؟ قال (ع):
نعم، فقيل: ما هو؟ فقال (ع): سرّ من اسرار اللّه.» (3)
و عند أهل البيت، أفعال البشر***مخلوقة لربّها خلق قدر
إذ كلّ شيء عن قضاء سبقه***و كلّ ما قدّره قد خلقه
لا خلق تكوين على من فعله***بأن يكون نفسه الفاعل له
قد علم مذهبهم (ع) فى افعال البشر، ممّا تقدّم من كلماتهم في القدر و في الخير و الشر، الّا أنّه لما وقعت افعال العباد بالخصوص، موردا للكلام و عليها تدور مسئلة الجبر و التفويض ورد عنهم (ع) أيضا فيها، ذكر بالخصوص، فلذلك خصّصتها بالعنوان.
و عند أهل البيت (ع)، أفعال البشر مخلوقة لربّها، و لكن خلق قدر، لا خلق تكوين؛ إذ كلّ شيء مكوّن، لا يكون إلّا عن قضاء سبقه، فلا يكون شيء إلّا مقدّرا مقضيّا، كما تقدّم. و كلّ ما قدّره، قد خلقه، اذ التقدير نوع من الخلق، لأنّه فعل، و كلّ فعل محدث مخلوق، فما قدّره مخلوق له، و لكن خلق تقدير لا خلق تكوين على من فعله؛ اى بنحو القهر على فاعله، بأن يكون نفسه تعالى، هو الفاعل له. فعن حمدان بن سليمان، قال:
«كتبت الى الرضا (ع)، اسأله عن افعال العباد، مخلوقة أم غير مخلوقة؟
فكتب (ع): افعال العباد مقدّرة في علم اللّه- عزّ و جلّ- قبل خلق العباد بألفي عام.» (1)
و عن الهروى، قال: «سمعت الرضا (ع) يقول: افعال العباد مخلوقة، فقلت: يا ابن رسول اللّه! ما معنى مخلوقة؟ قال (ع): مقدّرة.» (2)
و عن الفضل فيما كتب الرضا (ع) للمأمون من محض الاسلام: «إنّ اللّه لا يكلّف نفسا إلّا وسعها، و أنّ افعال العباد مخلوقة للّه، خلق تقدير لا خلق تكوين، و اللّه خالق
كلّ شيء و لا نقول بالجبر و التفويض.» (1)
و في تحف العقول هكذا: «و إنّ افعال العباد مخلوقة، خلق تقدير لا خلق تكوين، و لا تقل بالجبر و لا بالتفويض.» (2)
اقول: و الّذي بيّنت من معنى خلق التقدير، و هو أنّ تقديره مخلوق، امر واضح، و لا ايراد فيه، و هو الّذي اراد الصدوق في الاعتقادات من قوله: «اعتقادنا في افعال العباد، أنّها مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، و معنى ذلك، أنّه لم يزل اللّه عالما بمقاديرها.» فإنّه لم يرد أنّ الخلق بمعنى العلم، بل إنّما اراد ان الخلق بمعنى التقدير، فما اورده المفيد (ره) عليه، غير سديد. و من زلات المفيد (ره) هنا أنّه تنظّر في هذه الأحاديث بما لا مورد له.
و ممّا ورد الخلق بمعنى التقدير، قوله تعالى:( أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً)(3). و امّا قول الصادق (ع) فيه: «لا مقدرا و لا مكوّنا» فإنّه تفسير قوله: (وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً)، فيكون المعنى، انّا خلقناه من قبل حين لم يكن مقدّرا، و لا مكوّنا و موضع الاستدلال قوله:( أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ )و لا معنى لخلقه من قبل، حين لم يكن مقدّرا و لا مكوّنا إلّا تقديره و مما ينفى خلق التكوين لأفعال العباد ما نقله المفيد، عن ابى الحسن الثالث (ع): «انّه سئل عن افعال العباد، أ هي مخلوقة للّه تعالى؟
فقال (ع): لو كان خالقا لها، لما تبرأ منها، و قد قال تعالى:( أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، و لم يرد البراءة من خلق ذواتهم، و انّما تبرأ من شركهم و قبائحهم .(4)» (5)
1) . البحار 5: 30/ 38.
2) . المصدر 10: 364/ 2.
3) . مريم 19: 67.
4) . و في سؤال الزنديق عن الصادق (ع)، قال: «فمن خلقه اللّه كافرا، يستطيع الايمان و له عليه بتركه الأيمان حجّة، قال (ع): إنّ اللّه خلق خلقه جميعا مسلمين، امرهم و نهاهم، و الكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، و لم يخلق اللّه العبد حين خلقه كافرا، انّه انّما كفر بعد ان بلغ وقتا لزمته الحجّة من اللّه، فعرض عليه الحقّ، فجحده فبانكاره الحق، صار كافرا» (البحار 5: 18/ 29).
5) . البحار 5: 19/ 29.
و النّاس بين منكر أصل القدر***و مثبت في غير أفعال البشر
و من يراه مطلقا لكن سلك***مسلك أهل الجبر فيه فهلك
أنكر في الأفعال من يعتزل***زعما بانّ الجبر منه يحصل
إذ كلّ ما قدّره لن يخلفه***فالعبد لا يقدر أن يخالفه
و النّاس بين منكر أصل القدر على الاطلاق، و يسمّون ب «المفوّضة»، و الأصل فى ذلك اليهود، حيث قالوا:( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ )(1)، قال الصادق (ع): «كانوا يقولون: قد فرغ من الأمر، ثمّ تبعهم اشباههم من هذه الأمّة، و قد نسب ذلك الى بعض المعتزلة أيضا، و مثبت ايّاه، و لكن في غير أفعال البشر، هم اكثر المعتزلة على ما نسب إليهم.
و من يراه مطلقا؛ اى يرى ثبوته مطلقا في الأفعال و غيرها، لكن سلك بعد ذلك مسلك أهل الجبر فيه، فهلك لذلك، و هم «الأشاعرة». فإنّهم قالوا بالقدر مطلقا، و لكنّهم جعلوه في الأفعال على وجه يلزم منه الجبر، و ذلك لقولهم بخلق الأفعال له تعالى تكوينا. و شايعوا في ذلك؛ اى الجبر، الصوفيّة؛ كما شايعت الصوفية الفلاسفة.
فهذا مجمل اقوال الناس في القدر؛ و حاصله:
نفى مطلق، و اثبات مطلق، لكن على وجه الجبر، و التفصيل بين افعال العباد بالنّفى و بين غيرها، بالاثبات.
و مذهب اهل البيت (ع) على ما عرفت، اثبات مطلق مع عدم الجبر.
و امّا تفصيل الأقوال، فهو كما قلت:
أنكر القدر في الأفعال؛ اى افعال العباد، من يعتزل؛ اى مذهبه الاعتزال، زعما بانّ الجبر منه يحصل، حيث توهّموا الملازمة بين ثبوت القدر فيها و لزوم الجبر؛ فانكروا القدر فرارا عن الجبر؛ إذ بزعمهم كلّ ما قدّره تعالى و قضاه، سواء كان على العبد في افعاله و اعماله، او كان من غيرها من الكائنات، فهو لن يخلفه. و اذا كان كذلك، فالعبد لا يقدر أن يخالفه، لما سبق عليه التقدير الّذي لا يتخلّف، فالعبد في
1) . المائدة 5: 64.
و ليس من عدل بأن يقدّرا***عليه ذنبا و يجازى قاهرا
فالتزموا من ذاك بالتّبعيض***و شابهوا اليهود في التفويض
ففوّضوا العبد إلى استطاعته***ما شاء من عصيانه و طاعته
فاللّه في تكليفه عباده***كمثلنا يطلب ما أراده
كفره و عصيانه مغلوب المشيّة السابقة و مقهور القدر الّذي سبقه، و ليس من عدل بأن يقدّرا عليه ذنبا و يقهره عليه بتقديره، و مع ذلك، يجازى و يعاقبه قاهرا عليه. فالتزموا من اجل ذاك، بالتّبعيض، فآمنوا ببعض و كفروا ببعض.
و شابهوا اليهود في التفويض؛ لأنّ اليهود، قالوا بالتّفويض المطلق، و هؤلاء، قالوا بالتّبعيض في التفويض، ففوّضوا العبد إلى استطاعته، صرفا ما شاء من عصيانه و طاعته، فاوقعهم الجهل في هذا الخطأ العظيم، و ذلك أنّهم انّما انكروا الجبر، طلبا للعدل و فرارا عن نسبة الظلم إليه تعالى، و لكن جهلهم و قلّة فهمهم، اوقعهم في محذور آخر، و هو انكار القدر. فصدق عليهم قول الصادق (ع): «لعن اللّه المعتزلة ارادت ان توحّدت فالحدت، و رامت ان ترفع التشبيه فاثبتت.» (1)
و هذا من عواقب الاستبداد بالعقل القاصر، فمثلهم. و كذلك مثل الأشاعرة و غيرهم مثل الحمار الطائح في الوحل، لا يرفع يدا أو رجلا منه، الّا و يقع فيه بيد او رجل آخر، لا يمكنه التخلص منه إلّا بان يخلّصه غيره. و كلّ من الطائفتين، ارادوا بزعمهم حسنا، فجعله جهلهم سوء و طلبوا التخلّص من خطر، فوقعوا في خطر آخر.
و هذا من خذلان اللّه، نعوذ باللّه من الخذلان!
و على القول بالتّفويض و انكار القدر و نتيجتهما، فاللّه في تكليفه عباده، يكون كمثلنا يطلب ما أراده، ليست له مشيّة إلّا مشيّة الطلب، دون مشيّة الوقوع و اللّاوقوع و تقدير احدهما. و هذا يستلزم اعتقاد احد امرين: امّا جهله تعالى بالوقوع و اللّاوقوع و بمشيّة العبد، اذ مع علمه لا يمكن خلّوه عن المشيّة، و حينئذ تجيء فيه شبهة العلم الآتية؛ او غلبة مشيّة العبد على مشيّته.
1) . البحار 5: 8/ 8.
و هؤلاء انقرضت أعيانهم***و خرّب اللّه لنا بنيانهم
و ثمّ تفويضان للغلاة***و للإباحىّ من الطغاة
و قال إخوانهم، الأشاعرة***أفعالنا مخلوقة مقدّرة
تقدير تكوين بأن أوجده***إذ خالق لكلّ شيء وحده
و هؤلاء انقرضت أعيانهم، ككثير من الفرق الباطلة؛ فإنّ المعتزلة قد انقرضوا من دهر طويل، و ليس إلّا نقل قولهم العليل، اللّهم إلّا ان يكون في زوايا البلدان و خفايا الجدران من لا نعلم به. و خرّب اللّه لنا بنيانهم بانقراضهم، فإنّ الباطل يموت بموت اهله. و الّذي يعارض الحقّ الآن من اهل الباطل، هو القائل بالجبر- دمّر اللّه عليهم كما دمّر على امثالهم.
ثمّ اعلم: إنّ غير هذا التفويض في القدر، تفويضان آخران، لا يرتبطان بالمقام، الّا أنّه ربّما يشتبه هذا التفويض بهما، كما وقع ذلك للمفيد (ره) فى شرح العقائد، و في هذا الاشتباه، اشتباه معنى الأمر بين الأمرين أيضا، فلدفع الاشتباه نبّهت على المغايرة بقولى:
و ثمّ؛ اى هنا تفويضان آخران: احدهما للغلاة من الشيعة، يقولون: إنّ اللّه فوّض امر الخلق و الرزق الى الائمّة (ع)؛ و ثانيهما: للإباحىّ من الطغاة و الإباحيّة، طائفة يستحلّون المحرّمات، و بذلك سمّوا به؛ و في الصوفيّة أيضا من يقول به و بهذا التفويض.
اشتبه على المفيد (ره) التفويض في المقام، قال (ره) بعد بيان الجبر، و التفويض: «هو القول برفع الحظر من الخلق في الأفعال و الاباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال؛ و هذا قول الزنادقة و اصحاب الاباحات ...» الى آخر ما قال.
و هذا التفويض ليس بتفويض يقابل الجبر، و لعلّ نظره (ره) فى هذا التعبير الى قول الصادق (ع) فى الحديث الآتى، لكنّه محمول على أنّه كان له (ع) نظر خاصّ الى ذكر ذلك التفويض.
و قال إخوانهم؛ اى اخوان المعتزلة من اهل السّنة، الأشاعرة، اتباع ابى الحسن الأشعرى:
«أفعالنا؛ اى العباد، مخلوقة له تعالى، خلق ايجاد مقدّرة تقدير تكوين لنفسه، لا للعبد، بأن أوجده؛ اى التكوين هو بنفسه دون العبد».
و ليس في الوجود من مؤثّر***سواه فالعبد عن الخلق عرىّ
فاللّه فاعل لخلقه العمل***و العبد كاسب لما اللّه فعل فإنّا نقول أيضا: «إنّها مقدّرة تكوينا، كما أنّها مقدّرة تشريعا، الّا أنّا نقول: أنّ التقدير له و التكوين للعبد، فهو تعالى قدّر للعبد ان يكوّن الفعل»؛ و هم يقولون: إنّ التقدير و التكوين كليهما له تعالى، فهو قدر لنفسه ان يفعل فعل العبد؛ إذ هو خالق لكلّ شيء، وحده، لا شريك له في الخلق، لقوله تعالى:( اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ )(1)، و الشّيء عام يشمل الكائنات و افعال العباد.
و أيضا ليس في الوجود من مؤثّر سواه؛ كما قالت الفلاسفة: «لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه»، فالعبد عن الخلق؛ اى خلق الفعل عرىّ؛ اى عار، و الفعل خلق و ايجاد، فلا يمكن ان يكون لغير اللّه و يؤثّر فيه غير اللّه، و إلّا لزم الشرك في الربوبيّة.
فالفعل في الحقيقة فعل اللّه، و هو خالقه، و إنّما ينسب الى العبد مجازا أو حقيقة، لأنّه كاسبه، كما قال تعالى:( لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)(2). و قال: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ. )(3)، و امثالها كثيرة من نسبة الكسب الى العباد.
أنّ العبد، محلّ الفعل و متّصف به و منسوب إليه، فللفعل إذن نسبتان: نسبة الى اللّه على وجه الحقيقة، و نسبة الى العبد على المجاز. قال الشبسترى: «بما افعال را نسبت مجازيست»، فاللّه فاعل حقيقى لخلقه العمل، و العبد كاسب لما اللّه فعل.
و إنّما قالوا بخلق الاعمال، فرارا عن الشرك الّذي يورد على اخوانهم المعتزلة، و إنّما قالوا بكسب العبد، فرارا عن الجبر الّذي يورده عليهم اخوانهم، فجمعوا بهذا على زعمهم، بين التوحيد و العدل معا. و ليس الأمر كما زعموا، بل يلزمهم احد الأمرين: امّا الجبر، او كون الفعل للعبد حقيقة دون اللّه.
توضيحه: أنّ الكسب، امّا ان يكون مؤثّرا في فعل العبد، أم لا، فان كان الأوّل، فهو الأوّل، و ان كان الثانى، فهو الثانى؛ كما قلت:
و الجبر لازم على هذا القدر***إن لم يكن للكسب في الفعل أثر
و إن يكن مؤثّرا فالفعل له***و الشّرك لازم عليه قائله
و الأصل في الجبر، هم الفلاسفة***و تابعوهم في مبادى المعرفة
و هم بنوا أساس جبرهم على***توحيدهم و قلّدتهم هؤلاء
فاستحسنوا التوحيد للمؤثّر***منهم، فساقهم إلى ذا المنكر
و قرّروا الجبر على قياسهم***من اقتفى السنّة لا أساسهم
و الجبر لازم على هذا القدر الّذي فرضوه، إن لم يكن للكسب؛ اى الكسب العبد في الفعل؛ اى في صدوره منه أثر بوجه، يقال حقيقة أنّه فعله، و إن يكن مؤثّرا فالفعل له، لا للّه تعالى، و الشّرك لازم عليه؛ اى على فرض التأثير قائله؛ اى يلزم القائل به، و لا مفرّ له عنه. و المراد بالشّرك، الشرك الّذي زعمه و فرّ منه.
و الأصل في الجبر، اى المؤسس له و المخترع له، هم الفلاسفة و تابعوهم في مبادى المعرفة؛ اى الّذين اتّخذوا مبادى معرفتهم منهم، و هم المتصوّفة، المتسمّية انفسهم بالعرفاء. فإنّهم تبعوا الفلاسفة في أصول عرفانهم من اصالة الوجود و وحدته، و اعتبار الماهيّة. الّا أنّ الفلاسفة، يدّعون ذلك بالعلم و البرهان، و هم يدعونه بالكشف و العيان.
و هم بنوا أساس جبرهم على توحيدهم الخاصّ الّذي أسّسوه من وحدة الوجود، لا على أنّ اللّه خالق كلّ شيء، او أنّ تقدير العمل يوجب مقهوريّة العامل.
و قلّدتهم هؤلاء؛ اى الأشاعرة، امّا تقليدا عاميّا من غير شعور بحقيقة كلامهم، و ابتنائه على فاسد مرامهم، او مع الالتفات، و لكن قلّدوهم في البناء دون المبنى.
و كيف كان، فاستحسنوا التوحيد للمؤثّر منهم؛ اى من الفلاسفة، و هو قولهم:
«لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه، و زيّن ذلك في قلوبهم، فساقهم إلى ذا المنكر؛ اى القول بالجبر و لكن قرّروا الجبر على قياسهم؛ اى قاعدتهم خاصّة، من اقتفى السّنّة، لا على أساسهم؛ اى اساس الفلاسفة؛ يعنى، أنّهم إنّما قلّدوهم في خصوص وحدة المؤثّر، و القول بالجبر مبتنيا عليه لا في القول بوحدة الوجود، فلذلك في مقام التقرير، و الدليل عليه قرّروه على مقتضى مذهبهم من اتّباع السنّة، فاستدلّوا عليه بالآيات و الروايات و اكملوه بالدليل العقلى.
و إذ أرادوا الجمع بين ما ارتضوا***و ما به دانوا من العدل مضوا
إلى ادّعا الكسب و تاهوا و غدوا***مذبذبين بالفريقين اقتدوا
فأخطئوا الحقّ و ضلّوا عنهما***و الحقّ و الباطل لن يلتئما
فجبر الأشعرىّ عند العرفاء***ليس بتوحيد و جبر عرفا
بل هو شرك عندهم حيث يرى***بالكسب أيضا نفسه مؤثّرا
و إذ أرادوا الجمع بين ما ارتضوا، من وحدة المؤثّر و بين ما به دانوا من العدل على حسب اظهارهم الاسلام، و لم يمكنهم الجمع بينهما، مضوا الجاء و اضطرارا إلى ادّعا الكسب، لتصحيح العدل فبهتوا في سبيل الجمع و تحيّروا و تاهوا و غدوا مذبذبين بين الفريقين في القول، فقالوا بالتوحيد الملازم للجبر، وفاقا للفلاسفة و العرفاء، و بالعدل وفاقا للإماميّة و للدّين و ظاهر المعتزلة. فلم يجدوا بدّا إلّا أنّهم بالفريقين اقتدوا قولا، ليرضوهم بافواههم و ما تخفى صدورهم فاللّه به اعلم.
فأخطئوا الحقّ و ضلّوا عنهما؛ اى عن الفريقين، و لذلك صاروا مذبذبين. و الحقّ و الباطل لن يلتئما، و لا يمكن التوفيق بينهما ابدا فلم يقبلهم اهل الحقّ من الاماميّة، و لا اهل الباطل من العرفاء و الفلاسفة، فصاروا مطرودين عنهم جميعا.
فجبر الأشعرىّ، الّذي قلّد فيه العرفاء طلبا للتوحيد، عند العرفاء ليس بتوحيد و جبر عرفا، بل هو شرك عندهم، حيث يرى الأشعرى بالكسب الّذي اخترعه أيضا نفسه مؤثّرا. قال اللّاهيجى في شرح قول الشبسترى:
«هر آنكس را كه مذهب غير جبر استنبى فرموده كو مانند گبر است شيخ ناظم هر دو طائفة معتزلة و اشاعره را قدريّه خوانده، و گفته: هر آنكس ...
و اين سخن اشاره به اين است كه نسبت قدرت و اختيار، و باقى صفات و افعال را به خود نمودن بهر نحوى كه باشد نه معتقد محقّقانست، غاية ما في الباب آن است كه دورى از صراط مستقيم معرفت، متفاوت است؛ بعضى در غايت بعداند، و بعضى بعيد بالنّسبة.»
و قال في شرح هذا البيت:
چنان كان گبر يزدان و اهرمن گفتهمين نادان احمق، او و من گفت معتزلة مىگويند خير از حق است و شرّ از ما؛ اشاعرة مىگويند همه بتقدير اوست، ولى كسب ما نيز دخل دارد پس هر دو، او و من مىگويند، غاية ما في الباب
و عدله عند أئمة الهدى***ليس بعدل، بل ضلال و ردى
و الأصل في الجبر، هو التوحيد***وجودا أو في خلق ما يريد
ثمّ اضافوا العقل و النّقل و ما***تمّ على المطلوب شيء منهما
فالعقل ما قرّره المعتزلىّ***و بدّلوا القدر بعلم أزليّ
از اين من تا آن من فرق بسيار است.»
هذا في جبره و توحيده عند من قلّدهم.
و امّا عدله الّذي زعم أنّه عدل، فهو عند أئمّة الهدى، و هم اهل البيت (ع)، ليس بعدل، بل ضلال و ردى، و ستظفر على اخبارهم (ع) ممّا يظهر منها بطلانه، فالاشاعرة مطرودة الطرفين.
و الأصل في الجبر عند المجبّرة الأولى المؤسّسة له، و هم الفلاسفة، و كذا عند تابعيهم و مقلّديهم جميعا، هو التوحيد، على ما عرفت. الّا أنّ بين الفلاسفة و العرفاء و بين الأشاعرة، فرقا في التوحيد الّذي ارادوا، اشرت إليه بقولى:
وجودا أو في خلق ما يريد؛ اى الأصل في الجبر، هو التوحيد، سواء كان التوحيد في الوجود؛ كما تقول به الفلاسفة و العرفاء من وحدة الوجود، او التوحيد في الخالقيّة فإنّه الّذي يخلق ما يريد، و ليس بخالق غيره؛ كما تقول به الأشاعرة. و الحاصل:
أنّ التوحيد هو القدر الجامع بينهم، و هو الأصل في الجبر، إلّا أنّ الفلاسفة و العرفاء، اخذوا بالتّوحيد الذاتى، و الأشاعرة بالأفعالى. و على كلّ حال، لا مؤثّر في الوجود الّا اللّه، امّا لأنّه لا موجود سواه، او لأنّه لا خالق إلّا هو، فالأصل عند الجميع واحد.
ثمّ اضافوا العقل و النّقل، تأييدا لذلك الأصل، و ذلك بانتحالهم الاسلام، و دفعا لخصومهم المسلمين، و ما تمّ على المطلوب شيء منهما.
فالعقل هو ما قرّره المعتزلىّ في وجه فراره عن القول بالقدر، من استلزامه الجبر، و هو خلاف العدل. و لكن بدّلوا؛ اى هؤلاء، القدر (اى القدر، فانّهما بمعنى واحد). بعلم أزليّ؛ اى أنّ المعتزلة، عبّروا بلفظ القدر، و هؤلاء بدّلوه بالعلم الأزلىّ،
و ذاك شبهة عليها يتّكل***فيما ادّعى مجبّر و المعتزل
أبسطها الرازى بأن لو لم يجب***لكان علمه بجهل ينقلب
فالعبد موجب على ما قد فعل***لسبق علمه عليه في الأزل
و الأزلىّ ليس ذا تخلّف***و الجهل و الخطأ عنه منتفى
و أمّا الآيات، فيهدى من يشاء***و ما يعلّق الأمور بالمشاء
و أمّا الأخبار، فمجملاتها***ممّا تشابهت و معضلاتها
ليوهموا بذلك أنّ هذا الدليل، ممّا دلّت عليه عقولهم خاصّة، كما زعموا أنّ أوّل من ابداه، الفخر الرازى، و حكوا أنّه كان يباهى بنفسه في ابداء هذا الدليل. حيث قال:
«لو اجتمع جملة العقلاء، لم يقدروا على ان يوردوا على ذلك حرفا، الّا بالتزام مذهب هشام، و هو أنّه تعالى، لا يعلم الأشياء قبل وقوعها.»
و ذاك؛ اى العقل الّذي قرّروه، ليس بدليل عقلى كما زعموه، بل هو شبهة عليها يتّكل فيما ادّعى من المذهب مجبّر و المعتزل، و لا يختصّ بالمجبّرة. و انّما أبسطها الرازى، و ليس منه، بل تقدمه عليه المعتزلة كما عرفت، و اتّخذه الرازى منهم، و بدل القدر بالعلم الأزلى و قرّره بوجه ابسط؛ بأن لو لم يجب الفعل على العبد، لكان علمه بجهل ينقلب.
توضيحة: أنّه تعالى لو لم يكن عالما في الأزل، بكفر الكافر، و ايمان المؤمن، و اطاعة المطيع، و عصيان العاصى، لكان جاهلا في الأزل، و هو محال؛ فاذا كان عالما به، فلو جاز على العبد خلاف ما علم به تعالى في الأزل، انقلب علمه جهلا، و هو أيضا محال؛ فالعبد موجب و مضطرّ على ما قد فعل لسبق علمه تعالى عليه في الأزل، و الأزلىّ ليس ذا تخلّف و تغيّر و تبدّل، لاستلزامه الجهل و الخطأ له تعالى، و الجهل و الخطأ أيضا عنه منتفى.
قال الرازى على ما حكى عنه: «ما علم اللّه عدمه من افعال العبد، فهو ممتنع الصدور، و إلّا جاز انقلاب العلم جهلا؛ و ما علم اللّه وجوده من العبد، فهو واجب الصدور عن العبد، و إلّا جاز ذلك الانقلاب.»
و أمّا الآيات، فيهدى من يشاء، و يضلّ من يشاء و اضرابها و ما يعلّق الأمور بالمشاء؛ اى بالمشيّة، مثل و لو شاء اللّه لهداكم اجمعين، و امثالها. و أمّا الأخبار الّتي استدلّوا بها، فمجملاتها ممّا تشابهت، و تحتمل وجهين؛ و معضلاتها التى ليس لها
و نفى شرع و الجزاء يقتضي***ذا الجبر، فالجبرىّ كالمفوّض
فإن أقرّوا أظهروا ما ليس في***قلوبهم لكنّه لا يختفى
و هذه الأوهام في الإسلام***من ترك الائتمام بالإمام
أخزاهم العكوف بالعقول***إذ أعرضوا عن عترة الرسول
معنى ظاهر إلّا بضرب من التأويل، و يأتى الجواب عن شبهة العلم، و الآيات و الأخبار بالتفصيل.
و نفى شرع؛ اى التكليف، و كذا نفى الجزاء من الثواب و العقاب، يقتضي ذا الجبر؛ لأنّ الجزاء متوقّف على التكليف، و هو على الاختيار، و اذ لا اختيار فلا تكليف، فلا ثواب و لا عقاب. قال روزبهان بعد حكاية قول الرازى، او هو من تتمّة قوله:
«و لا مخرج عنهما لفعل العبد؛ اى عن علم اللّه بالوجود أو بالعدم، و أنّه يبطل الاختيار، اذ لا قدرة على الواجب و الممتنع، فيبطل حينئذ التكليف و اخواته، لابتنائها على القدرة و الاختيار بالاستقلال.
فالجبرىّ من هذه الجهة كالمفوّض، و الفرق بينهما أنّه يقول: لا قدر فلا تكليف، و هذا يقول: قدر، و القدر يستلزم عدم التكليف. فإن أقرّوا بهما ظاهرا لانتحالهم الاسلام و الشرع، فإنّهم أظهروا باللّسان ما ليس في قلوبهم، و ظنّوا أنّ ذلك يخفى عليهم، لكنّه لا يختفى على اهله.
و هذه الأوهام في الإسلام، إنّما عرضت من ترك الائتمام بالإمام، و إلّا فلا معنى لاختلاف المسلمين و ضلالهم عن الهدى، بعد اذ جاءتهم بيّنة من ربّهم، فان كان الاسلام ناقصا في معارفه، فأيّ دين بعده كامل؟ و ان كان كاملا، فما هذا الاختلاف و الشعوب؟ فليس حرمان درك الاهتداء إلّا بترك الاقتداء،( وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً )(1)و لكن أخزاهم العكوف بالعقول، إذ أعرضوا عن عترة الرّسول،( وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ، فَعَمُوا وَ صَمُّوا )(2)و من يعرض عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا، فهو له قرين (وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ )(3).
لو كان في العقول الاستغناء***ما بعثت للنّاس الأنبياء
و إذ عقولهم وهت أن تدركا***غيرهما فاختار كلّ مسلكا
و ما عن العترة مستفيض***بالنّقل لا جبر و لا تفويض
لو كان في العقول الاستغناء، ما بعثت للنّاس الأنبياء، بل، (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(1).
قال رسول اللّه (ص): «و ابتعث فيهم النبيّين، مبشّرين و منذرين، ليهلك من هلك عن بيّنة، و يحيى من حىّ عن بيّنة، و ليعقل العباد عن ربّهم ما جهلوه، فيعرفوه بربوبيّته بعد ما انكروا، و يوحّدوه بالإلهيّة بعد ما عندوا.» (2)
و إذ عقولهم وهت؛ اى ضعفت و قصرت أن تدركا غيرهما (غير الجبر و التفويض) فاختار كلّ مسلكا من هذين الأمرين.
و ما عن العترة (ع)، مستفيض بالنّقل؛ اى بنقل مستفيض في هذا الباب، أنّه:
«لا جبر و لا تفويض»، فإنّ هذه العبارة منقولة عنهم (ع) باللفظ و المعنى بنقل مستفيض، ففيما تقدّم عن مطالب السئول، عن امير المؤمنين (ع)، قال: «لما ابيت، فإنّه امر بين امرين، لا جبر و لا تفويض.» (3)
و عن المفضّل، عن الصادق (ع)، قال: «لا جبر و لا تفويض، و لكن امر بين امرين.» (4)و في الكافى، عن محمّد بن يحيى، عمّن حدّثه عن ابى عبد اللّه (ع) مثله. (5)
و عن يزيد بن عمير بن معاوية الشامى، قال: «دخلت على عليّ بن موسى الرضا (ع) بمرو، فقلت له: يا ابن رسول اللّه! روى لنا عن الصادق، جعفر بن محمّد (ع)، أنّه قال: لا جبر و لا تفويض، امر بين امرين فما معناه؟ الحديث .(6)
و في رسالة ابى محمّد العسكرى (ع)، الى اهل الاهواز: «فانّا نبدأ من ذلك بقول
الصادق (ع): «لا جبر و لا تفويض، امر بين امرين.» و في تحف العقول: «و لكن منزلة بين المنزلتين.» (1)
و عن ابن ابى عمير، عن صبّاح بن عبد الحميد و هشام و حفص و غير واحد، قالوا: «قال ابو عبد اللّه (ع): إنّا لا نقول جبرا و لا تفويضا.»(2)
و فيما كتب الرضا (ع) للمأمون: «و لا نقول بالجبر و التفويض ...» (3)
و عن صالح بن سهل، عن بعض اصحابه، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال: «سئل عن الجبر و القدر، فقال (ع): لا جبر و لا قدر، و لكن منزلة بينهما، فيها الحقّ و الّتي بينهما لا يعلمها إلّا العالم، او من علّمها ايّاه العالم.»(4)هذا فيما نقل عنهم (ع) بهذه العبارة.
و امّا ما ورد عنهم (ع) بغيرها ممّا يؤدّى معناها، فهى كثيرة، و هى على طوائف اربع:
فمنها: ما جمع بينهما في النّفى، من غير ذكر الأمر بين الأمرين أو معه من دون تفسير له أو معه؛
و منها: ما ورد في نفيهما بعنوان القدريّة؛
و منها: ما ورد في خصوص الجبريّة فقط؛
و منها: ما ورد في خصوص المفوّضة فقط.
و قد رايت ان اذكر جميع ما ورد عنهم (ع). فى الباب، ليعلم به صريح مذهبهم و يستحكم الحقّ ببراهينهم، و يتقوّى بها على دفع شكوك خصومهم و شبهاتهم؛ ثمّ اتعرّض لدفع حجج الجبريّة و شبهاتها. و امّا المفوّضة فإنّه يكفيهم بعد انقراضهم و عدم وجود القائل بالتفويض فعلا، ما يعلم من حججهم (ع) فى هذه الطوائف الأربع، و لا حاجة بعد هذه النصوص في عقد فصل لهم بالخصوص. و مع ذلك، فقد عقدت لهم أيضا، فصلا، خاصّا، تأكيدا للحجّة، و توضيحا للمحجّة.
و امّا غيره، فقد اشرت إليه بقولى:
لا فوّض الأمر إلى عباده***لا أجبر العاصى على مراده
ليسا كلامهم و لا من دينهم***و كذّبوا السّعاة في توهينهم
لا فوّض الأمر إلى عباده، لا أجبر العاصى على مراده، و في قولى: «مراده»، اشارة الى أنّ العاصى إنّما يعصى بإرادته و اختياره. فعن محمّد بن عجلان، قلت: لابى عبد اللّه (ع):
«فوّض اللّه الأمر الى العباد؟ قال (ع): اللّه اكرم من ان يفوّض إليهم، قلت: فاجبر اللّه العباد على افعالهم؟ قال (ع): اللّه اعدل من ان يجبر عبدا على فعل، ثمّ يعذّبه عليه.» (1)
و عن يونس، عن غير واحد، عن ابى جعفر (ع)، و ابى عبد اللّه (ع)، قال: «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- ارحم بخلقه من ان يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها، و اللّه اعزّ من ان يريد امرا فلا يكون. فسئل: هل بين الجبر و القدر منزلة ثالثة؟ قال: نعم، اوسع ممّا بين السماء و الأرض.» (2)
و في الكافى، عن يونس، عن عدة، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال له رجل: جعلت فداك! اجبر اللّه العباد على المعاصى؟ فقال (ع): «اللّه اعدل من ان يجبرهم على المعاصى ثمّ يعذّبهم عليها، فقال له: جعلت فداك! ففوّض اللّه الى العباد؟ فقال (ع): لو فوض إليهم، لم يحصرهم بالأمر و النّهى، فقال له: جعلت فداك! فبينهما منزلة؟ فقال:
نعم، اوسع ما بين السماء او الأرض.» (3)
و فيه أيضا، عن ابى طالب القمّى، عن رجل، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال: «قلت:
اجبر اللّه العباد على المعاصى؟ قال (ع): لا، قلت: ففوّض إليهم الأمر؟ قال: لا، قلت.
فما ذا؟ قال (ع): لطف من ربّك بين ذلك.» (4)
و عن تفسير القمّى: «سئل الصادق (ع): افوّض اللّه الى العباد امرا؟ فقال (ع): اللّه اجلّ و اعظم من ذلك؛ فقيل: فاجبرهم على ذلك؟ فقال: اللّه اعدل من ان يجبرهم على فعل ثمّ يعذّبهم؛ فقيل له: هل بين هاتين المنزلتين، منزلة؟ قال: نعم، ما بين8.
السماء و الأرض.» (1)
و في حديث آخر، «سئل، هل بين الجبر و القدر منزلة؟ قال: نعم. فقيل ما هو؟
فقال: سرّ من اسرار اللّه.» (2)
اقول: تساهل الإمام (ع) عن جواب المنزلة، محمول على رعاية مصلحة في السكوت، من عدم اقتضاء المقام، او عدم استعداد فهم الراوى للقبول؛ كما في هذا الحديث، عن ابن سنان، عن مهزم، قال:
«قال ابو عبد اللّه (ع): اخبرنى عمّا اختلف فيه من خلّفت من موالينا، قال فقلت:
فى الجبر و التفويض؟ قال فاسألني! قلت: اجبر العباد على المعاصى؟ قال: اللّه اقهر لهم من ذلك؛ قلت: ففوّض إليهم؟ قال: اللّه اقدر عليهم من ذلك؛ قلت: فأيّ شيء هذا- اصلحك اللّه-! فقلّب يده مرّتين أو ثلاثا، ثمّ قال: لو اجبتك فيه لكفرت.» (3)
و عن ابى حمزة الثمالى، قال: «قال ابو جعفر (ع) للحسن البصرى: بلغنى عنك امر، فما ادرى، أ كذلك أم يكذب عليك؟ قال: ما هو؟ قال (ع): زعموا أنّك تقول: أنّ اللّه خلق العباد، ففوّض إليهم امورهم؛ فسكت الحسن، الى ان قال (ع): ايّاك ان تقول بالتفويض! فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يفوّض الأمر الى خلقه و هنا منه و ضعفا، و لا اجبرهم على معاصيه ظلما.» (4)
و عن الطرائف: «روى أنّ الفضل بن سهل سأل الرضا (ع) بين يدى المأمون، فقال: يا أبا الحسن! الخلق مجبور؟ فقال (ع): اللّه اعدل من ان يجبر خلقه ثمّ يعذبّهم؛ قال فمطلقون؟ قال: اللّه احكم من ان يحمل عبده، و يكله الى نفسه.» (5)
و عن الوشّاء، عن الرضا (ع)، قال: «سألته، فقلت: اللّه فوض الأمر على العباد؟
قال (ع): اللّه اعزّ من ذلك، قلت: فاجبرهم على المعاصى؟ قال (ع): اللّه اعدل و احكم من ذلك.» (6)
فقد تبيّن من ذلك، أنّ الجبر و التفويض، ليسا كلامهم و لا من دينهم، و أنّهم (ع) كذّبوا السّعاة في توهينهم بروايتهما عنهم و نسبتهما إليهم. فعن ابن مسكان، عمّن0.
و القدريّة المجوس عندهم***و هى لديهم للفريقين تعمّ
إذ المجوس حلّلوا المحرّما***و ذان بالتّكليف لم يلتزما
رواه، عن ابى عبد اللّه (ع) في قوله تعالى:( وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا)(1). قال (ع): إنّك لتسأل من كلام اهل القدر، و ما هو من دينى و لا دين آبائى، و لا وجدت احدا من اهل بيتى يقول به.»(2)
و عن الحلبى، عنه (ع): حيث قال له: «ما تقول في الاستطاعة؟ فقال (ع): ليس من دينى و لا دين آبائى.» (3)
و عن الوليد بن صبيح، عنه (ع)، قال: «ان زرارة، يريدنى على القدر على كبر السنّ، و ليس من دينى و دين آبائى.» (4)
و عن يونس في حديث مع الرضا (ع): «و قول زرارة، هم قدر و نحن منه برءاء، و ليس من دين آبائك، و قال الآخرون بالجبر و نحن منه برءاء.» (5)
و سيأتي حديث الحسين بن خالد عن الرضا (ع) فى تكذيب نسبة الجبر الى آبائه (ع).
و امّا ما ورد عنهم (ع) بعنوان القدريّة، فهو ما ذكرت:
و القدريّة المجوس عندهم؛ اى بحكم المجوس، و هى لديهم للفريقين تعمّ، فهى تطلق في كلامهم على المجبّرة و المفوّضة جميعا، و سيأتى اطلاق المجوس في قول امير المؤمنين (ع) على المجبّرة خاصّة، و في روايتى ابى الجارود على المفوّضة خاصّة، و قد اشرت الى ملاك الاطلاق و جهة الاشتراك بقولى:
إذ المجوس، حلّلوا المحرّما، فإنّهم تركوا الشرائع و اباحوا المحرّمات.
ففى مجمع البحرين، عن الصادق (ع): «قد سئل: لم يسمّى المجوس مجوسيّا؟ قال (ع): لأنّهم تمجّسوا في السّريانيّة، و ادّعوا على آدم و على شيث و هو هبة اللّه، انّهما اطلقا نكاح الامّهات و الأخوات و البنات و الخالات و العمّات
أمّا الفريقان فكلّ يصف***بها سواه و الجميع انصفوا
و المحرّمات من النساء، و لم يجعلوا لصلواتهم وقتا، و انّما هو افتراء و كذب على اللّه، و على آدم و شيث.»(1)قال: و في الخبر، المجوس، كان لهم نبىّ فقتلوه، و كتاب فحرّقوه، اتاهم نبيّهم بكتابهم، فى اثنى عشر الف جلد ثور.» (2)
و ذان الفريقان أيضا، بالتّكليف لم يلتزما، امّا المفوّضة، فظاهر، بل تقدّم عن المفيد تفسير المفوّضة بالاباحيّة، و امّا المجبّرة فقد عرفت أنّ لازم الجمع بين العدل و الجبر، هو عدم التكليف، و إلّا فلا عدل، فمن اظهر الاقرار به، فهو اقرار باللّسان؛ أمّا الفريقان، فكلّ منهما يصف بها؛ اى بالقدريّة سواه. فيصف المعتزلة الأشاعرة، و الأشاعرة المعتزلة بها، حذرا عن انطباق قوله (ص): «القدريّة مجوس هذه الأمّة.» (3)
و عندنا، و الجميع أنصفوا و صدقوا في هذا الاطلاق و التوصيف بعد وجود الشبه فيهم جميعا، و إن لم يعرفوا وجه الاطلاق، فإنّ المعتزلة حملوها على الأشاعرة بظاهر النسبة، اذ القدرى كالجبرى، إنّما يقال لمن يقول بالقدر أو الجبر، لا لمن نفاه.
و امّا الأشاعرة، فقيل في وجه الحمل على المعتزلة: إنّهم يبالغون في نفى القدر، فلذلك سمّوا قدريّة. و ردّ: بأنّه خلاف الظاهر الشائع في النسب؛
و قيل: لأنّهم قالوا بقدرة انفسهم في الأفعال، و ردّ بانّ المناسب حينئذ القدريّة (بضمّ القاف و سكون الدال لا بفتحهما)؛
و قيل: لأنّهم كالمجوس، قالوا بمؤثّرين فهم اشركوا مثلهم، و لو تمّ هذا الوجه، لجرى على قول الأشاعرة أيضا: كما تقدّم عن الشبسترى و اللّاهيجى. بل وجه الشبه فى كلّ تشبيه، هو الأمر الظاهر من المشبّه به، و الأمر الظاهر من المجوس في التشبيهات تحليلهم المحرّمات دون الشرك؛ فإنّ الشرك، لا يختصّ بهم، و هو في عبدة الأصنام و غيرهم اظهر منه فيهم. و على هذا، فكلّ من الفريقين يشبه المجوس، امّا صريحا أو التزاما. و امّا اطلاق القدرى عليهما فالظاهر من سؤال السائلين في الروايات، أنّه كان امرا شايعا لا يختصّ ذلك بالأئمّة (ع)، و انّما حدث الخلاف بعد4.
و القدرىّ من تردّى في القدر***بالجبر قال أو يقول لا قدر
فما في الإسلام لهم نصيب***و لا بجنّة غدا اثيبوا
ذلك من تنازع المعتزلة و الأشاعرة.
و امّا وجه الجمع في النسبة، مع أنّ الأشعرى يقول بالقدر، و المعتزلى يقول لا قدر، فاليه اشرت بقولى:
و القدرىّ من تردّى؛ اى سقط في القدر عن منهج الحقّ أو من يخوض في القدر، جهلا بغير علم و لا هدى، لا من يقول به أو ينفيه، فلا يفرق فيه بين من بالجبر قال، أو يقول لا قدر؛ فإنّهما معا متردّيان في الهلكة، هذا تردّى بنفيه، و هذا تردّى باثباته مع الجبر، و لا بعد ان تكون التسمية في اصل الوضع العرفى لهما، لخوضهما جميعا في القدر، و اتّكالهما عليه فيما اعتقدوا من نفى التكليف أو الجبر فيه، و تعدّيهما عن حقّه.
و كيف كان، فما في الإسلام لهم نصيب، و لا بجنّة غدا اثيبوا؛ فعن الرضا (ع)، عن آبائه، قال: «قال رسول اللّه (ص): صنفان من أمّتي ليس لهما في الاسلام نصيب:
المرجئة و القدرية.» (1)
و عن الصادق (ع)، عن رسول اللّه (ص)، قال: صنفان من أمّتي لا نصيب لهم في الاسلام: الغلاة و القدريّة.» (2)
و عنه (ع) قال: «قال رسول اللّه (ص): انّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا خلق الجنّة، خلقها من لبنتين: لبنة من ذهب، و لبنة من فضّة، فقال عزّ و جلّ: بعزّتى و جلالى و عظمتى و ارتفاعى، لا يدخلها مدمن خمر و لا قدرى.» (3)
و عن محمّد بن الحسين، باسناد له يرفعه، قال: «قال رسول اللّه (ص): لا يدخل الجنّة، مدمن الخمر، و لا قدرى.»(4)
و عن السكونى، عن الصادق (ع)، عن آبائه، قال: «قال امير المؤمنين (ع): لكلّ
أمّة مجوس، و مجوس هذه الامّة، الّذين يقولون بالقدر.» (1)
اقول: و ليس اطلاق المجوس عليهم شاهدا على إرادة الجبريّة، لاطلاقه على المفوّضة أيضا في روايتى ابى الجارود الآتيتين.
و عن امير المؤمنين (ع): «إنّه قال ما علا احد في القدر، الّا خرج من الايمان.» (2)
و عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: «يا امير المؤمنين! ما تقول في كلام اهل القدر؟ (و معه جماعة من النّاس). فقال (ع): معك احد منهم، او في البيت احد منهم؟
فقال: ما تصنع بهم يا امير المؤمنين؟ قال: استتيبهم، فان تابوا، و إلّا ضربت اعناقهم.» (3)
و عن السّكونى، عن الصادق (ع)، عن آبائه، عن امير المؤمنين (ع)، قال (ع):
«يجاء باصحاب البدع يوم القيامة، فترى القدريّة من بينهم كالشامة البيضاء في الثور الأسود، فيقول اللّه- عزّ و جلّ-: ما اردتم؟ فيقولون: اردنا وجهك! فيقول: قد اقلتكم عثراتكم، و غفرت زلّاتكم، الّا القدرية؛ فإنّهم دخلوا في الشّرك من حيث لا يعلمون.» (4)
اقول: لا مانع من حمل القدريّة في الحديث على الفريقين، لا طلاقها و استوائهما في اطلاق الشرك عليهما في الأخبار، و في ارادتهما الصواب فأخطئوا الحقّ. ثمّ القدر الّذي نأخذ من هذا الحديث مع ضعف السكونى، إنّما هو حكمه بالنّسبة الى القدريّة، لتأييده بغيره من الأخبار الكثيرة؛ و امّا بالنّسبة الى اصحاب البدع، فلا مؤيّد له، فالأخذ به على الاطلاق مشكل. هذا ممّا ورد عنهم (ع) فى القدريّة على الاطلاق.
و امّا ما ورد عنهم (ع) من اطلاقها على المجبّرة خاصّة، فمن ذلك، ما عن السكونى، عن الصادق (ع)، عن آبائه (ع)، قال:
«قال امير المؤمنين (ع): لكلّ أمّة مجوس، و مجوس هذه الامّة، الّذين يقولون بالقدر.» (5)
فانّه (ع) لم يرد إلّا قدر الجبر، لا قدر التفويض؛ لأنّ الأنسب بالتعبير فيه، ان تقول: الّذين يقولون لا قدر؛ كما في كلام النبىّ (ص) الآتى، و لا القدر المحض؛ لأنّ
القول به من مذهبهم (ع) كما تقدّم. و قول امير المؤمنين (ع) لمن سأله بعد انصرافه من صفّين أو بعد خروجه الى اهل الشام، و قد نقله الصادق (ع) بسندين عن آبائه (ع)، عنه (ع)، و الرضا (ع) عن آبائه، عنه (ع)؛ و العسكرى (ع) فى رسالته الى اهل الأهواز في الجبر و التفويض عنه (ع)، و عكرمة عن ابن عبّاس، عنه (ع)، و الحسن بن ابى الحسن البصرى عنه (ع)، و الكلينى عن سهل بن زياد، و إسحاق بن محمّد و غيرهما مرفوعا عنه (ع). و لكن مع اختلاف يسير بينها في بعض العبارات، الّا أنّ الجملة المشهود بها من المتّفق عليها:
«قال الرجل: اخبرنا يا امير المؤمنين (ع) عن مسيرنا الى اهل الشام، أ بقضاء من اللّه و قدر؟ فقال (ع): اجل يا شيخ! ما علوتم تلعة، و لا هبطتم واديا إلّا بقضاء من اللّه و قدر، فقال الشيخ: عند اللّه احتسب عنائى يا امير المؤمنين (ع)؟ فقال: مهلا يا شيخ! لعلّك تظنّ قضاء حتما و قدرا لازما، لو كان كذلك، لبطل الثواب و العقاب و الأمر و النّهى و الزجر، و لسقط معنى الوعد و الوعيد، و لم تكن على المسىء ملامة، تلك مقالة عبدة الأوثان و خصماء الرحمن، و قدريّة هذه الامّة و مجوسها؛ يا شيخ! إنّ اللّه- عزّ و جلّ كلّف تخييرا، و نهى تحذيرا، و اعطى على القليل، و لم يعص مغلوبا، و لم يطع مكروها و لم يخلق السّماوات و الأرض و ما بينهما باطلا، ذلك ظنّ الّذين كفروا، فويل للّذين كفروا من النّار.» (1)
و عن الطرائف، روى جماعة من العلماء الاسلام، عن نبيّهم (ص)، أنّه قال:
«لعنت القدريّة على لسان سبعين نبيّا، قيل: و من القدريّة يا رسول اللّه؟ فقال: قوم يزعمون أنّ اللّه سبحانه قدّر عليهم المعاصى، و عذّبهم عليها.» (2)
و عن صاحب الفائق و غيره من علماء الاسلام: «إنّ رجلا قدم النبىّ (ص)، فقال له رسول اللّه: اخبرنى باعجب شيء رأيته؟ قال: رأيت قوما ينكحون أمّهاتهم و بناتهم و اخواتهم، فاذا قيل لهم: لم تفعلون؟ قالوا: بقضاء اللّه تعالى علينا و قدره!
فقال (ع): سيكون من أمّتي اقوام يقولون مثل مقالتهم، أولئك مجوس امتى.» (3)
و من صاحب الفائق و غيره أيضا، عن جابر، عن النبيّ (ص)، أنّه قال: «يكون في4.
آخر الزمان، قوم يعملون بالمعاصي، و يقولون: إنّ اللّه قد قدّرها عليهم، الراد عليهم كشاهر سيفه في سبيل اللّه.» (1)و يأتى أيضا حديث محاجّة الصادق (ع) مع طاوس اليمانى و التصريح بانّه كان يقول بالقدر.
و امّا ما ورد من اطلاق القدريّة على المفوّضة بالخصوص، فمن ذلك، ما تقدم عند قولى: «أنّ التفويض و الجبر ليسا من دينهم» و من نسبة القدريّة الى زرارة؛ يعنى، التفويض، و تقدّم أيضا حديث صالح بن سهل عن الصادق (ع): «لا جبر و لا قدر»، حيث جعل القدر مقابلا للجبر. و من ذلك أيضا، ما عن ابى الجارود، عن ابى جعفر (ع) فى قوله تعالى:( وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ )(2)، قال رسول اللّه (ص): «لكلّ امة مجوس، و مجوس هذه الامّة، الّذين يقولون لا قدر، و يزعمون أنّ المشيّة و القدرة إليهم و لهم.» (3)و هذه الرواية نصّ في اطلاق المجوس على المفوّضة، و ليست بنصّ فى اطلاق القدريّة عليهم، لكنّها ظاهرة فيه بقرينة الرواية الاخرى لأبى الجارود.
فعن الأمالى و تفسير القمّى، عنه (ع) فى قوله تعالى:( كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ... )(4)يقول: إنّهم اتّخذوا الشياطين اولياء، و يحسبون أنّهم مهتدون، و هم القدريّة، الّذين يقولون لا قدر، و يزعمون أنّهم قادرون على الهدى و الضلالة، و ذلك إليهم ان شاءوا ضلّوا، و هم مجوس هذه الامّة، و كذب اعداء اللّه المشيّة و القدرة للّه.» (5)
و عن الصادق (ع)، انّه قال: «لعن اللّه المعتزلة، ارادت ان توحّدت، فالحدت، و رامت ان ترفع التشبيه، فاثبتت.» (6)
و عنه (ع) أيضا قال: ويح هذه القدريّة! أ فما يقرءون هذه الآية: (... إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ )(7)
و عن البزنطى، عن الرضا (ع)، قال: «سمعته يقول في قول اللّه تعالى:( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ )(8)، إنّ القدريّة يحجّون بأوّلها، و ليس كما
يقولون، الا ترى إنّه تعالى يقول:( وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ )(1)و قال نوح (ع):( وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي، إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)(2). قال: الأمر الى اللّه يهدى من يشاء.» (3)
و عنه (ع)، قال: يا يونس! لا تقل بقول القدريّة! فإنّ القدريّة، لم يقولوا بقول اهل الجنّة و لا بقول اهل النار، و لا بقول ابليس، فإنّ اهل الجنّة قالوا:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ)(4). ، و انّ اهل النار قالوا:( رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا )(5)، و قال ابليس: (رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي )(6)، فقلت يا سيدي و اللّه ما اقول بقولهم، و لكنّى اقول: لا يكون إلّا ما شاء اللّه، و قضى و قدر.»(7)الى اخر ما تقدّم في القضاء و القدر.
و عن المحاسن، نقله مع اضافة من اوّله: «لم يقولوا بقول اللّه،( وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ )و اضافة من آخره، «و لا بقول نوح:( وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). ثمّ قال: قال اللّه:
يا ابن آدم! بمشيّتى كنت ...»(8)الحديث يأتى في «الأمر بين الأمرين».
و ممّا يكون ظاهرا في المفوّضة، ما عن الصادق (ع) فى قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ)(9). قال (ع): ما انزل اللّه هذه الآيات إلّا في القدريّة (10)، و قال (ع):
إنّى وجدت لأهل القدر اسماء في كتاب اللّه. إنّ المجرمين ...» (11)
و عن الباقر (ع) نزلت هذه الآية في القدريّة:( ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ)(12).»
و عن امير المؤمنين (ع): إنّ ارواح القدريّة، يعرضون على النّار غدّوا و عشيّا،4.
أشرك من قال بجبر و كفر***قد برء الهداة، منه و فجر
حتّى تقوم الساعة، فاذا قامت الساعة، عذّبوا مع اهل النّار بالوان العذاب، فيقولون: يا ربّنا عذّبتنا خاصّة، و تعذّبنا عامّة، فيرد عليهم، ذوقوا مسّ سقر، إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر.» (1)
أشرك من قال بجبر و كفر، قد برء الهداة المهديّين منه، و فجر. امّا الفجور، فلأنّه يعمل المعاصى و يحولها على اللّه، و امّا الكفر، فلأنّه انكر العدل و التكليف و الثواب و العقاب؛ و امّا الشرك، فلأنّه وصف إلها آخر كمن وصفه بالجسم و التشبيه و المكان و غير ذلك. فعن الحسين بن خالد، عن الرضا (ع) فى حديث طويل (اخرجناه بطوله في باب نفى التشبيه): من قال بالتشبيه و الجبر، فهو كافر مشرك، و نحن منه برءاء في الدنيا و الآخرة، يا ابن خالد! إنّما وضع الأخبار عنّا في التشبيه و الجبر الغلاة، الذين صغّروا عظمة اللّه، فمن احبّهم فقد ابغضنا.»
و قد مرّ أيضا قول الرضا (ع): «فالقائل بالجبر كافر». و يأتى أيضا عن حريز، عن الصادق (ع): «إنّ من زعم أنّ اللّه اجبر النّاس على المعاصى، فهذا ظلّم اللّه- عزّ و جلّ- و هو كافر.» (2)
و في الحديث المتقدّم في النّهى عن الخوض في القدر، عن عبد الملك بن عنترة الشيبانى، عن امير المؤمنين (ع) للرّجل، حيث قال له: «اخبرنى عن القدر، قال (ع) فى المرّة الثالثة: امّا اذ ابيت فانّى سائلك، أ كانت رحمة اللّه للعباد قبل اعمال العباد، أم كانت اعمال العباد قبل رحمة اللّه؟ فقال الرجل: بل كانت رحمة اللّه قبل اعمال العباد؛ فقال امير المؤمنين (ع): قوموا فسلّموا على اخيكم، فقد اسلم و قد كان كافرا.»(3)و تأتى بقيّته في نفى التفويض.
و قد كتب الحسن البصرى الى الحسن (ع): «يسأله عن القدر و الاستطاعة،
و إنّه افترى على اللّه بما***يحمله الّذي عصى و أجرما
ما وصف اللّه بعدل من نسب***إليه ذنب عبده و ما اكتسب
فاجابه (ع): بسم اللّه الرحمن الرحيم، وصل إليّ كتابك، و لو لا ما ذكرت من حيرتك و حيرة من مضى قبلك، إذن، ما اخبرتك، امّا بعد: فمن لم يؤمن بالقدر خيره و شرّه، انّ اللّه يعلم، فقد كفر، و من احال [حمل] المعاصى على اللّه، فقد فجر ...»(1). تأتى بقيّته فى الأمر بين الأمرين.
و إنّه افترى على اللّه، بما يحمله الّذي عصى و أجرما، فقد كتب الحسين (ع) الى الحسن بن ابى الحسن البصرى، جوابا عمّا سأله عن القدر: اتّبع ما شرحت لك في القدر، مما افضى إلينا اهل البيت، فإنّه من لم يؤمن بالقدر خيره و شرّه، فقد كفر و من حمل المعاصى على اللّه- عزّ و جلّ- فقد افترى على اللّه افتراء عظيما.»(2)تأتى بقيّته أيضا في الأمر بين الأمرين.
ما وصف اللّه بعدل، من نسب إليه ذنب عبده، و ما اكتسب. فعن ابى محمّد العسكرى (ع)، عن آبائه، عن رسول اللّه (ص)، قال: «ما عرف اللّه من شبّهه بخلقه، و لا وصفه بالعدل، من نسب إليه ذنوب عباده.»(3)و في بعض النّسخ: «و لا عدّله».
و قال الصادق (ع): «و امّا العدل، فان لا تنسب الى خالقك ما لامك عليه.»(4)و فيما سأله (ع) الزنديق، حيث قال: «فيجوز ان يقدر على العبد الشرّ، و يأمره بالخير، و هو لا يستطيع الخير ان يعمله و يعذّبه عليه، قال (ع): انّه لا يليق بعدل اللّه و رأفته ان يقدّر على العبد، الشرّ، و يريده منه؛ ثمّ يأمره بما يعلم أنّه لا يستطيع اخذه و الانزاع عمّا لا يقدر على تركه، ثمّ يعذّبه على تركه الّذي علم أنّه لا يستطيع اخذه.» (5)
و قد تقدّم عن محمّد بن عجلان، عنه (ع): «قلت: فاجبر اللّه العباد على افعالهم؟ قال (ع): اللّه اعدل من ان يجبر عبدا على فعل ثمّ يعذّبه عليه.» (6)
و عن يونس، عن عدّة، عنه (ع): «اجبر اللّه العباد على المعاصى؟ فقال (ع): اللّه
بل ظلّم اللّه على عباده***إذ كلّف العاجز عن ايراده
و عذّب العبد بما لن يفعله***إذ هو فاعل أو المقهور له
و لم يكلّف نفسا إلّا وسعها***و لا يجازى مخطأ و من سها
اعدل من ان يجبرهم على المعاصى، ثمّ يعذّبهم عليها.» (1)
و عن تفسير القمّى، عنه (ع)، قيل: فاجبرهم على ذلك؟ فقال (ع): اللّه اعدل من ان يجبرهم على فعل، ثمّ يعذّبهم عليه.» (2)
و عن الرضا (ع)، فيما سأله الفضل بن سهل: «الخلق مجبورون؟ فقال (ع): اللّه اعدل من ان يجبر خلقه ثمّ يعذّبهم.» (3)و عن الوشّاء، عنه (ع): «فاجبرهم على المعاصى؟ قال (ع): اللّه اعدل و احكم من ذلك.» (4)
و في فقه الرضا (ع): «سألت العالم، اجبر اللّه العباد على المعاصى؟ فقال (ع):
اللّه اعدل من ذلك، فقلت له: ففوض إليهم؟ فقال (ع): هو اعزّ من ذلك.» (5)
بل القائل بالجبر، ظلّم اللّه؛ اى نسبه الى الظلم على عباده، إذ كلّف العاجز عن ايراده؛ اى ايقاع ما كلّفه، فكان تكليفه تكليف ما لا يطاق، و هو ظلم، و ظلمه أيضا في الجزاء، لأنّه عذّب العبد البريء، بما لن يفعله، إذ هو فاعل دون العبد، عند من يرى الفعل، فعله تعالى، أو عذّب المقهور له، عند من يرى الفعل فعل العبد، لكنّه مقهور تحت إرادة اللّه، و كلاهما ظلم، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون؛ بل و لا يظلم ربّك احدا، و ما هو بظلّام للعبيد.
كيف؟ و لم يكلّف نفسا إلّا وسعها؛ كما قال تعالى:( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها )(6)فكيف يكلّفه بما ليس فعله أو بما هو مقهور عليه؟ و لا يجازى مخطأ و من سها؛ كما قال:( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا)(7). فكيف يجازى غير الفاعل او غير القادر؟ فعن حريز، عن الصادق (ع)، قال:
«النّاس في القدر على ثلاثة اوجه: رجل زعم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- اجبر النّاس على المعاصى فهذا قد ظلّم اللّه- عزّ و جلّ- فى حكمه، و هو كافر؛ و رجل يزعم أنّ
إن كان مجبورا يكن معذورا***و اللّه لا يعذّب المقهورا
الأمر مفوّض إليهم، فهذا و هنّ اللّه في سلطانه، فهو كافر؛ و رجل يقول إنّ اللّه- عزّ و جلّ- كلّف العباد ما يطيقون، و لم يكلّفهم ما لا يطيقون، فاذا احسن حمد اللّه، و اذا اساء استغفر اللّه، فهذا مسلم بالغ.» (1)
و عن هشام بن سالم، عنه (ع)، قال: «إنّ اللّه اكرم من ان يكلّف النّاس ما لا يطيقون، و اللّه اعزّ من ان يكون في سلطانه ما لا يريد.» (2)
و عن حمزة بن حمران، قال: قلت له: ان اللّه لم يكلّف العباد إلّا ما آتاهم، و كلّ شيء لا يطيقونه، فهو عنهم موضوع، و لا يكون إلّا ما شاء اللّه و قضى (3)و قدر و اراد، فقال (ع): إنّ هذا لدينى و دين آبائى.» (4)
و فيما سأله الزنديق، قال: «فالى العبد من الأمر شيء؟ قال (ع): ما نهاه اللّه عن شيء، الّا و قد علم أنّه يطيق تركه، و لا امره بشيء، الّا و قد علم أنّه يستطيع فعله، لأنّه ليس من صفته الجور، و العبث و الظلم و تكليف العباد ما لا يطيقون.» (5)
و عن ابراهيم بن ابى المحمود، عن الرضا (ع)، قال: «و سأله عن اللّه- عزّ و جلّ-، هل يجبر عباده على المعاصى؟ فقال (ع): كيف يفعل ذلك، و هو يقول و ما ربّك بظلّام للعبيد (6)
و أيضا إن كان مجبورا، يكن معذورا، لأنّ المجبور، معذور عقلا و شرعا، و اللّه لا يعذّب المقهورا؛ كما قال:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ)(7).
و عن فقه الرضا: «روى أنّ رجلا سأل العالم (ع)، فقال: يا ابن رسول اللّه! فالعباد مجبورون؟ فقال (ع): لو كانوا مجبورين، لكانوا معذورين؛ قال الرجل: ففوّض إليهم؟
1) . البحار 5: 9/ 14.
2) . المصدر 5: 41/ 64.
3) . لعلّه (ع)، لم يرد على حمزة في الترتيب؛ كما ردّ الرضا (ع) على يونس، و قد مرّ في صدر المقصد؛ لأنّ المقصود هنا، مجرّد صدور الأشياء عن هذه المبادى، من دون نظر الى خصوصيّة الترتيب.
4) . البحار 5: 41/ 65.
5) . المصدر 5: 18/ 29.
6) . المصدر 5: 11/ 17.
7) . النحل 16: 106.
بل هو أولى بقبول عذر من***فى العذر صادق و من كاد يهن
لو كان جبر لم يحقّ بعث الرسل***و الشّرع و التكليف و استوى السبل
قال: لا.» (1)
بل هو تعالى أولى بقبول عذر من في العذر صادق، و هو تعالى عالم بصدقه، و من كاد اى مكر في عصيانه، يهن بالعقوبة، دون العاذر الصادق؛ كما قال تعالى:
(وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ )(2).
دخل طاوس اليمانى على جعفر بن محمّد (ع)، و هو يعلم أنّه يقول بالقدر، فقال له: «يا طاوس! من اقبل للعذر من اللّه ممّن اعتذر، و هو صادق في اعتذاره؟
فقال: لا احد اقبل للعذر منه؛ فقال (ع): من اصدق ممّن قال لا اقدر و هو لا يقدر؟ فقال طاوس: لا احد اصدق منه؛ فقال (ع): يا طاوس! فما بال من هو اقبل للعذر، لا يقبل عذر من قال لا اقدر و هو لا يقدر؟ فقام طاوس، و هو يقول ليس بينى و بين الحقّ عداوة،( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ )(3)فقد قبلت نصيحتك.» (4)
و عن الطرائق: «روى كثير من المسلمين عن الامام جعفر بن محمّد الصادق (ع):
أنه قال لبعض المجبّرة ...» ثمّ ذكر الحديث بمضمونه.
ثمّ إنّ للجبر لوازم، لا محيص للقائل به عن الالتزام بها، فان اقرّ بخلافها ظاهرا، فلا مفرّ له عنها التزاما، و فسادها و بطلانها عقلا و اسلاما، يدلّ على فساده و بطلانه الزاما، لأنّ فساد اللّازم يدلّ على فساد الملزوم. و قد اشرت الى تلك اللّوازم بقولى:
لو كان جبر لم يحقّ؛ اى لم يكن حقّا بعث الرسل، و الشّرع و التكليف، بل كان كلّ ذلك لغوا و باطلا؛ اذ لو كان فاعل الافعال كلّها، هو اللّه تعالى، دون العبد، و العبد مقهور في ارادته، فلا معنى لتشريعها عليه، و طلبها ايجابا و تحذيرا منه، و لا لبعث من يدعوه إليها. و استوى عند ذلك السبل كلّها، فى الكفر و الايمان؛ لأنّ كلّها فعل اللّه او بتسبيبه القاهر للمؤمن و الكافر و المطيع و الفاجر.
و يبطل الثواب و العقاب***و الوعد و الوعيد و الكتاب
و ليس من أحسن أو من أذنبا***أولى بأن يكرم أو يعذّبا
و كانت الأوامر الشّرعيّة***صوريّة في البعث لا جدّيّة
و لم يكن عقاب غير القادر***كرحمه من القبيح المنكر
و الذنب لو كان من اللّه العلىّ***لم يأخذ الحكيم من لم يعمل
و إن يكن بشركة بينهما***كان القوىّ للضّعيف ظالما،
و إذن، يبطل الثواب و العقاب، لأنّهما فرعا التشريع و التكليف، و يبطل الوعد و الوعيد أيضا؛ لأنّهما فرعا صحّة التكليف و امكانه؛ و يبطل الكتاب أيضا، لأنّه فرع البعث و صحّة الدعوة، و هو أيضا من مقدّمات التشريع و علل التكليف، لأنّه غاية انزاله و الغرض المقصود من اجلاله.
و أيضا ليس من أحسن أو من أذنبا، أولى بأن يكرم أو يعذّبا (على اللّف و النّشر)، بل هما متساويان في عدم الذنب و الاحسان، لأنّهما معا مقهوران، او أن فعلهما فعل الرحمن. و قد مرّ كلام امير المؤمنين في تقرير هذه اللّوازم كلها، مع من سأله عن القضاء و القدر: «لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب، و الأمر و النّهى، و يسقط معنى الوعد و الوعيد، و لم تكن على مسىء لائمة، و لا لمحسن محمدة، و لكان المحسن اولى باللّائمة من المذنب، و المذنب اولى بالاحسان من المحسن.» (1)
و على الجبر أيضا، كانت الأوامر الشّرعيّة كلّها صوريّة في البعث و الطلب، لا جدّيّة، لأنّه تعالى طلب ما لا يريد، و نهى عما اراد. و لم يكن أيضا عقاب غير القادر، كرحمه من القبيح المنكر، لو سلم العقاب؛ يعنى، أنّه كما لا يكون رحم غير القادر من القبيح، يجب ان لا يكون عقابه أيضا من القبيح.
و الحاصل: أنّ مع الجبر لا بدّ من التزام احد الأمرين: إمّا انكار العقاب، او انكار قبح عقاب العاجز؛ و الأوّل خلاف الثابت من الشّرع، و الثانى خلاف العقل أيضا.
و لا بطال الجبر، تقرير آخر عن موسى بن جعفر (ع) مع ابى حنيفة، اشرت إليه بقولى:
و الذنب لو كان من اللّه العلىّ، لم يأخذ الحكيم من لم يعمل، فلا يصحّ العقاب، و إن يكن بشركة بينهما، كان القوىّ للضّعيف ظالما في مؤاخذته. وقف ابو
1) . البحار 5: 13/ 19.
فلا تصلّ خلف جبرىّ و لا***جاز له الزكاة أو أن تأكلا
ذبيحه أو تقبلوا شهادته***و كالمشبّه اعتقد وفادته
حنيفة يوما بباب جعفر بن محمّد (ع)، اراد الدخول عليه، فخرج موسى بن جعفر (ع)، و هو غلام حدث، فقال له: «يا غلام! ممّن المعصية؟ قال (ع): يا شيخ لا تخلو من ثلاث: امّا ان تكون من اللّه و ليس من العبد شيء، فليس للحكيم ان يأخذ عبده بما لم يفعله؛ و إمّا ان تكون من العبد و من اللّه، و اللّه اقوى الشريكين، فليس للشّريك الأكبر ان يأخذ الشريك الأصغر بذنبه؛ و امّا ان تكون من العبد، و ليس من اللّه شيء فان شاء عفى و ان شاء عاقب، فاصابت أبا حنيفة سكتة، كانّما القم فوه الحجر.» (1)
فلا تصلّ خلف جبرىّ، لأنّه على ما ذكر مشرك، كافر، فاجر، و لا يجوز الصلاة خلف واحد منهم، و لا جاز له الزكاة أو أن تأكلا ذبيحه؛ لأنّ الزكاة لاهل الايمان، و ذبيحة المؤمن يجوز اكلها، أو ان تقبلوا شهادته؛ لأنّه فاسق بخروجه عن الايمان، و كالمشبّه اعتقد وفادته؛ اى مآل امره في الوفود، فيفد على ما يفد عليه المشبّه. هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص643
م في التشبيه حديث الحسين بن خالد عن الرضا (ع)، و عن ابراهيم بن ابى المحمود، عنه (ع)، قال:
«حدّثني ابى، موسى بن جعفر (ع)، عن ابيه جعفر بن محمّد (ع)، أنّه قال: من زعم أنّ اللّه يجبر عباده المعاصى أو يكلّفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، و لا تقبلوا شهادته، و لا تصلّوا ورائه، و لا تعطوه من الزكاة شيئا.» (2)
و عن الحسين بن خالد، عنه (ع) مثله، و عن الهروى، قال: «سمعت الرضا (ع)، يقول: من قال بالجبر، فلا تعطوه من الزكاة، و لا تقبلوا لهم شهادة، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يكلّف نفسا إلّا وسعها، و لا يحملها فوق طاقتها، و لا تكسب كل نفس إلّا عليها، و لا تزر وازرة وزر اخرى .(3)1.
من قال بالتّفويض كالجبر كفر***صنو اليهود حيث قالوا لا قدر
و وهن الإله في سلطانه***و أهمل العبد إلى عنانه
من قال بالتّفويض، كالجبر كفر. فقد مرّ قول الحسن (ع) و الحسين (ع) فيما كتبا الى الحسن البصرى؛ «من لم يؤمن بالقدر خيره و شرّه، فقد كفر.»(1)و تأتى قول الصادق (ع) من التصريح بكفرهم و هو صنو اليهود حيث قالوا لا قدر. و قد مرّ ذلك عند بيان اطلاق القدريّة على المفوّضة؛ كما مرّ أيضا تشبيههم بالمجوس، و تساوى حكمهم، و تبرى الأئمّة (ع) عنهم، و انّ التفويض ليس من دينهم.
ثمّ اعلم: إنّ التفويض كالجبر نوعان: تفويض مطلق، و هو انكار القدر رأسا كاليهود الّذين قالوا يد اللّه مغلولة، و التفويض الخاصّ، و هو نفى التكليف خاصّة، لاستلزامه الجبر و خلاف العدل على ما عرفت، و إليه ذهب بعض المعتزلة لا جميعهم.
و كيف كان، فمن قال باىّ التفويضين، فقد كفر، و وهن الإله في سلطانه؛ اى ضعّفه في تسلّطه و اقتداره؛ إمّا لانكاره قدرته، كما نسب الى ابى الهذيل، أنّه قال: «إنّ اللّه ليس بقادر على النّفع و الضرّ، مع صحّة العقول»؛ و الى النّظام أنّه قال: «لا يقدر على ما اقدر العباد»؛ و الى الأسوارىّ، أنّه قال: «كلّ ما لم يفعل، لا يقدر»؛ و الى الواصليّة، أنّهم قالوا: بفناء مقدورات اللّه؛ و الى المعمّر و اصحابه: «أنّ الأعراض ليس من خلق اللّه، بل يتولد من الأجسام و اللّه غير قادر على خلق الأعراض؛ و امّا لعدم انكار قدرته، بل لمحض اهماله و ايكاله الى العباد؛ كما لعلّه يراد ممّا نسب الى الجاحظيّة: «ان الخير و الشرّ من فعل العباد».
و على كلّ حال، فالقائل بالتفويض مطلقا أو خاصّا، باىّ وجه استند في تفويضه، فقد وهن اللّه في سلطانه.
1) . البحار 5: 123/ 71.
يحشره فى الداخلين النّارا***الصابى و المجوس و النّصارى
و أهمل العبد إلى عنانه (و العنان الزمام) اى القى زمامه عليه، و اوكله الى نفسه.
و قد مرّ حديث حريز عن الصادق (ع): «النّاس في القدر على ثلاثة اوجه: رجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم، فهذا وهّن اللّه في سلطانه، فهو كافر ...» (1)
و عنه (ع)، قال: «قال رسول اللّه (ص): و من زعم أنّ الخير و الشرّ بغير مشيّة اللّه، فقد اخرج اللّه من سلطانه.» (2)
و في فقه الرضا، و اروى عن العالم (ع)، أنّه قال: «مساكين القدريّة، ارادوا ان يصفوا اللّه- عزّ و جلّ- بعد له، فاخرجوه من سلطانه.» (3)
و المفوّض، يحشره اللّه في الداخلين؛ اى مع الداخلين النّارا، من الصابى و المجوس و النّصارى. عن ابى الجارود عن ابى جعفر (ع) فى قوله:( وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ )(4)، يقول: «صمّ عن الهدى، بكم لا يتكلّمون بخير،( فِي الظُّلُماتِ )(5)يعنى، ظلمات الكفر، (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(6). و هو ردّ على قدريّة هذه الامّة. يحشرهم اللّه يوم القيامة مع الصابئين و النّصارى و المجوس، فيقولون:( وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ )(7)، يقول اللّه:
(انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)(8). و قال فقال رسول اللّه (ص): لكلّ أمّة مجوسا، و مجوس هذه الامّة، الّذين يقولون لا قدر، و يزعمون أنّ المشيّة و القدرة إليهم و لهم.»(9)و عن يحيى بن سالم، عن ابى جعفر (ع)، قال: ما اللّيل باللّيل، و النّهار بالنّهار اشبه من المرجئة باليهوديّة، و القدريّة بالنصرانية.» (10)
اقول: امّا المرجئة، فتشبه اليهود في تأخير العذاب عن صاحب الكبيرة مع الايمان؛ كما قالت اليهود: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً )(11)و امّا القدريّة (سواء
و اللّه لا يخلو عن التقدير***فى ملكه بالشّرع و التدبير
فمنكر التقدير للكوائن***كمهمل الكون عن المكوّن
و من يرى الإهمال في التكليف***كذّب بالدّين و بالتّخويف
و من يرى القدرة باستقلال***للعبد أو يشركه في الأفعال
فإنّه أشرك في الإسلام***و قتله يباح للإمام
بل الربوبيّة يدّعى بذا***فانقضه بالذّكر و نسيان الأذى
لا حول للعبد و لا قوّة له***إلّا بربّه بما قد نحله
اريد بها الجبريّة أو المفوّضة) لأنّهم يشتركون في نفى التكليف و الوعد و الوعيد؛ فإنّهم يشابهون النّصارى في تحليلهم كثيرا من المحرّمات. و من مفترياتهم: أنّ عيسى (ع) بعد صلبه، دخل النّار ثلاثة أيّام، عوضا عن أمّته، فلا يدخل أمّته النّار، و ان كان لهم من الذنوب ما كان بعد ايمانهم بعيسى (ع).
و اللّه- جلّ شأنه-، لا يخلو ابدا عن التقدير في ملكه، لاحتياج الملك إليه و التقدير. امّا بالشّرع و التكليف ما ثبت له اهل؛ و امّا بالتّدبير للتكوينيّات، فمنكر التقدير للكوائن؛ اى الحوادث الكائنة، فهو بعينه كمهمل الكون عن الصانع المكوّن له؛ يعنى، أنّ منكر التقدير للكائنات، كمنكر الصانع للعالم يستويان في الحكم.
و من يرى الإهمال في التكليف فقط، كبعض المعتزلة، كذّب بالدّين و بالتّخويف؛ اى الوعد و الوعيد، و من يرى القدرة باستقلال للعبد منفردا أو يشركه مع اللّه في الأفعال، فإنّه أشرك في الإسلام؛ اى اشرك بعد اسلامه، و قتله يباح للإمام، بل الربوبيّة يدّعى لنفسه هذا القائل بذا؛ اى بهذا القول، فانقضه إذن بالذّكر و نسيان الأذى، فقل له: هل تقدر ان تذكر ما تحبّ أو تنسى ما لا تحبّ ممّا يؤذيك؟ فعن التوحيد: «عمن سأل أبا عبد اللّه (ع)، أنّ لى اهل بيت قدريّة، يقولون نستطيع ان نعمل كذا، و نستطيع ان لا نعمل، فقال (ع): قل له: هل تستطيع ان لا تذكر ما تكره، و ان لا تنسى ما تحبّ؟ فان قال: لا، فقد ترك قوله، و ان قال نعم، فلا تكلّمه ابدا، فقد ادّعى الربوبيّة.»(1)
1) . البحار 5: 39/ 60.
بما قد نحله و اعطاه من فضله. فعن عليّ بن يقطين، عن موسى بن جعفر (ع)، قال:
«مرّ امير المؤمنين (ع) بجماعة بالكوفة، و هم يختصمون بالقدر، فقال (ع) لمتكلّمهم: باللّه تستطيع أم مع اللّه؟ أم من دون اللّه تستطيع؟ فلم يدر ما يرد عليه؛ فقال (ع): ان زعمت أنّك باللّه تستطيع، فليس أليك من الأمر شيء، و ان زعمت أنّك مع اللّه تستطيع، فقد زعمت أنّك شريك معه في ملكه، و ان زعمت أنّك من دون اللّه تستطيع، فقد ادّعيت الربوبيّة من دون اللّه تعالى؛ فقال: يا امير المؤمنين (ع)! لا، بل باللّه استطيع؛ فقال (ع): اما انّك لو قلت غير هذا لضربت عنقك.» (1)
و قد تقدّم في اطلاق القدريّة عن ابن عبّاس عن امير المؤمنين (ع): «ما تقول في كلام اهل القدر؟ (و معه جماعة من النّاس؟ فقال (ع): و معك احد منهم أو في البيت احد منهم؟ فقال: ما تصنع بهم يا امير المؤمنين؟ فقال (ع): استتيبهم، فان تابوا، و الّا ضربت اعناقهم!» (2)
و عن فقه الرضا (ع)، سئل امير المؤمنين (ع) عن القدر، فقيل له: أنبئنا عن القدر، فقال يا امير المؤمنين: انّما سألناك عن الاستطاعة الّتي بها نقوم و نقعد، فقال (ع): استطاعة تملك مع اللّه، أم دون اللّه؟ فسكت القوم و لم يحروا جوابا، فقال (ع): ان قلتم إنّكم تملكونها مع اللّه، قتلتكم، و ان قلتم دون اللّه، قتلتكم؛
فقالوا: كيف نقول يا امير المؤمنين؟ قال (ع): تملكونها بالذّي يملكها دونكم، فان امدكم بها كان ذلك من عطائه، و ان سلبها كان من بلائه، إنّما هو المالك لما ملككم، و القادر لما عليه اقدركم، أ ما تسمعون ما يقول العباد، و يسألونه الحول و القوّة، حيث يقولون: «لا حول و لا قوّة إلّا باللّه». فسئل عن تأويلها، فقال (ع): لا حول عن معصيته إلّا بعصمته، و لا قوّة، عن طاعته إلّا بعونه.» (3)
و عن رسالة ابى الحسن الثالث الى اهل الأهواز: «عن امير المؤمنين (ع)، سأله عبادية بن ربعى الأسدى عن الاستطاعة الّتي بها يقوم و يقعد، فقال (ع): سالت عن الاستطاعة تملكها من دون اللّه أو مع اللّه؟ فسكت عباية؛ فقال امير المؤمنين (ع): قل
و ما لنا مشيّة إلّا به***إذ شاء أشياء بنا لم نبه
يحيى و يفنى، ثمّ يحيى حين شاء***يمرض يشفى ما لنا فيها المشاء
يا عباية! قال: و ما اقول؟ قال (ع): ان قلت إنّك تملكها مع اللّه، قتلتك، و ان قلت إنّك تملكها من دون اللّه قتلتك! قال عباية: فما اقول يا امير المؤمنين؟ قال (ع): تقول: إنّك تملكها باللّه الّذي يملكها من دونك، فان يملكها ايّاك، كان ذلك من عطائه، و ان يسلبكها، كان ذلك من بلائه؛ هو المالك لما ملّكك، و القادر لما عليه اقدرك؛ أ ما سمعت النّاس، يسألون الحول و القوّة، حين يقولون لا حول و لا قوّة إلّا باللّه؟ قال عباية: و ما تأويلها يا امير المؤمنين؟ قال (ع): لا حول عن معاصى اللّه إلّا بعصمة اللّه، و لا قوّة لنا عن طاعة اللّه إلّا بعون اللّه، فوثب عباية، فقبّل يديه و رجليه.» (1)
و عن جابر الجعفى، عن ابى جعفر (ع)، قال: سألته عن معنى «لا حول و لا قوّة الّا باللّه»، فقال (ع): معناه: لا حول لنا عن معصية اللّه إلّا بعون اللّه، و لا قوّة لنا عن طاعة اللّه إلّا بتوفيق اللّه.» (2)
و ما لنا مشيّة إلّا به، إذ شاء أشياء بنا لم نبه. (على وزن لم نخف). قال في القاموس: باه، يباه، بيها: تنبّه له؛ يعنى، انّه فعل بنا اشياء بمشيّته لم نتنبّه لها. فكيف بان نختارها و نريدها؟ فإنّه تعالى يحيى و يفنى، ثمّ يحيى حين شاء، و كذلك يمرض و يشفى ما لنا فيها؛ اى في شيء من المذكورات، المشاء. فعن الصادق (ع)، عن ابيه، قال:
«قيل لعلىّ (ع): «إنّ رجلا يتكلّم في المشيّة، فقال (ع): ادعه لى! فدعا له، فقال (ع): يا عبد اللّه! خلقك اللّه لما شاء، او لما شئت؟ قال: لما شاء؟ قال (ع):
فيمرضك اذا شاء أو اذا شئت؟ قال: اذا شاء، قال (ع): فيشفيك اذا شاء أو اذا شئت؟
قال: إذا شاء، قال (ع) فيدخلك حيث يشاء، او حيث شئت؟ قال: حيث يشاء، فقال (ع): لو قلت غير هذا، لضربت ما فيه عيناك.» (3)
و فيما تقدّم عن عبد الملك بن عنترة الشيبانى، عن ابيه، عن جدّه، عن امير
المؤمنين (ع)، فيما سأله رجل عن القدر؛ فلم يجبه حتّى اجابه في الرابعة بقوله (ع):
«اما اذا ابيت فإنّي سائلك، اخبرنى أ كانت رحمة اللّه للعباد قبل اعمال العباد، أم كانت اعمال العباد قبل رحمة اللّه؟ فقال الرجل: بل كانت رحمة اللّه قبل اعمال العباد، فقال (ع): قوموا فسلّموا على اخيكم، فقد اسلم و قد كان كافرا!
قال: و انطلق الرجل غير بعيد، ثمّ انصرف إليه، فقال: يا امير المؤمنين! بالمشيّة الأولى نقوم و نقعد و نقبض و نبسط؟ فقال له امير المؤمنين (ع): و إنّك لبعد في المشيّة، أما إنّى سائلك عن ثلاث، لا يجعل اللّه لك في شيء منها مخرجا؟ اخبرنى، أخلق اللّه العباد كما شاء أو كما شاءوا؟ فقال: كما شاء، قال (ع): فخلق اللّه العباد لما شاء أو لما شاءوا؟ فقال: لما شاء، فقال (ع): يأتونه يوم القيامة كما شاء أو كما شاءوا؟ قال: كما شاء، قال (ع): قم فليس أليك من المشيّة شيء.» (1)
اقول: قول السائل: «أ بالمشيّة الأولى»، استفهام، ظاهره التقرير و باطنه الالزام، كأنّه لمّا كان يقول بالجبر فالزمه (ع)، بأنّ رحمة اللّه تعالى قبل اعمال العباد، فلا يكون جابرا، و لازمه اثبات القدر أيضا، اراد ان يلزم الامام (ع) بسئواله «ا بالمشيّة الأولى»، احد الأمرين: إمّا نفى القدر و التفويض، ان اجاب (ع) بأنّ تلك الأفعال بمشيّتنا أو به، و بالجبر، ان قال نعم بالمشيّة الأولى؛ فاجابه (ع) بانّه ليس إليه من المشيّة شيء،، و إنّ كلّ شيء بمشيّته تعالى، و لا يلزم منه جبر و لا تفويض.
توضيحه: أنّ المراد بالمشيّة الأولى، هى مشيّة السابقة على التكوين في التكونيات، و على الأعمال في الأفعال، و المراد بمشيّة العبد المقتضية للتفويض، و المستلزمة له، هى المشيّة المبتكرة من نفسه من دون سبق مشية اللّه تعالى، لا تكوينا و لا تشريعا، و إلّا فمشيّته المسبوقة بالطلب، ينافى التفويض، و لا يلازم الجبر.
فاجابه (ع) بأنّه لا شيء من المشيّة المبتكرة المبتدعة من نفسه إليه، بل كلّ شيء للعبد مسبوق بالمشيّة الأولى، امّا تكوينا و من غير اختيار كخلقه و إماتته و احيائه بعد موته؛ او تشريعا من غير تفويض إليه، كافعاله من القيام و القعود و القبض و البسط، و كما أنّ العبد لا مشيّة له في غير افعاله اختيارا، كذلك لا مشيّة له في افعاله تفويضا، بحيث يكون الأمر إليه، يبدع من نفسه المشيّة، و يفعل ما يشاء كما يشاء؛ بل هو في
1) . البحار 5: 110/ 35.
و في كتابه الهدى أرانا***الحمد للّه الّذي هدانا
و قال إن ينصركم اللّه و ما***توفيقى إلّا بالإله فاعلما
يحول بين المرء، يمحو ما يشاء***كذاك ما صبرك يرفع الغشاء
افعاله محدود بمشيّته الطلبيّة؛ كما اشار إليه (ع) بقوله: «فخلق العباد لما شاء لا لما يشاءون»؛ كما قال تعالى:( ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )(1). فليس للعبد مشيّة مطلقة مرسلة، بل هو ملزم بالتبعيّة عن مشيّة اللّه تعالى، فبما امر و نهى فليس إليه مشيّة اصلا. فافهم هذا التحقيق الدقيق!
و في كتابه العزيز لمن يقرأ به حجّة، فإنّه تعالى الهدى و الحقّ أرانا فيه في كثير من آياته، حيث قال حاكيا عن اهل الجنّة اقرارهم، مقرّا لهم عليه؛( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ)(2). ، و قال أيضا: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ)(3). و قال أيضا: و ما توفيقى إلّا بالإله فاعلما، ذلك و هو قول شعيب:( وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ)(4).
عن الهاشمى، قال: سألت أبا عبد اللّه، جعفر بن محمّد (ع)، فقلت: قوله( وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ )و قوله- عزّ و جلّ-: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ). فقال (ع): اذا فعل العبد ما امره اللّه- عزّ و جلّ- به من الطاعة، كان فعله وفقا لأمر اللّه، و سمّى العبد موفّقا؛ و اذا اراد العبد ان يدخل في شيء من معاصى اللّه، فحال اللّه بينه و بين المعصية، فتركها، كان تركه لها بتوفيق اللّه تعالى، و متى خلّى بينه و بين المعصية، فلم يحل بينه و بينها حتّى يرتكبها، فقد خذله اللّه، و لم ينصره و لم يوفقه.» (5)
و قال تعالى أيضا: (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ)، و عن الصادق (ع)، فى قوله تعالى:( وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ )(6)، فقال (ع): يحول بينه و بين ان يعلم أنّ الباطل حقّ.»(7)
يغويكم يضلّ قدّرناها***و نستعين و اتل في معناها
و ليلة القدر يقدّر القضاء***يفرق فيها كلّ أمر قد قضى
و كلّ يوم هو في شأن بدا***و منه كلّ ما يقرّر البداء
قد جعل الجنّة و الجحيما***من قبل إذ كان بنا عليما
و قال تعالى أيضا: (يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ )(1)و في الآية اخبار يأتى ذكرها في البداء، كذاك ما صبرك؛ يعنى، قوله تعالى:( وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ )، يرفع الغشاء عن هذه الشبهة. فعن فقه الرضا (ع): «و اروى أنّ رجلا سأل العالم (ع): اكلّف العباد ما لا يطيقون؟ قال (ع): كلّف اللّه جميع العباد ما لا يطيقون ان لم يعنيهم عليه، فان اعانهم عليه، اطاقوه، قال اللّه- جلّ و عزّ- لنبيّه: (وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ).
و قال أيضا حكاية عن قول نوح يغويكم، اشارة الى قوله:( وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(2).
و قال أيضا: (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ)(3). و يأتى تفسيرها في ردّ استدلال المجبّرة بها.
و قال أيضا: قدّرناها في قوله:( إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ)(4). و قد مرّ قول الصادق (ع): «ويح هذه القدريّة! اما يقرءون هذه الآية؟:( إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ.)، ويحهم! من قدّرها إلّا اللّه تعالى؟» (5)
و أيضا، نستعين في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)(6)
و اتل في معناها؛ اى معنى هذه الآيات، ممّا يشابههما، و هى كثيرة في القرآن.
عن العياشي: «انّ عبد الملك بعث الى محمّد بن على (ع) بالمدينة، يطلبه ليحاج قدريّا عجز منه جميع من بالشّام، فاعتذر (ع) بأنّه شيخ كبير لا يقوى على الخروج،5.
فبعث مكانه ابنه جعفر (ع)، فلمّا قدم على الأموى، ازراه لصغره، فلمّا اجتمعوا، قال القدرى لابى عبد اللّه (ع): سل عمّا شئت! فقال (ع) له: اقرأ سورة الحمد، فقرأها، و قال الأموى: ما في سورة الحمد؟ غلبنا، انّا للّه و انّا إليه راجعون! فجعل القدرى يقرأ، حتّى بلغ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فقال له جعفر (ع): قف! من تستعين، و ما حاجتك الى المعاونة؟ إنّ الأمر أليك! (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )(1).» (2)
و قد اخبرنا في كتابه أيضا بليلة القدر، و ليلة القدر يقدّر القضاء، يفرق فيها كلّ أمر قد قضى؛ كما قال:( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)(3). و قال:
(فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ* أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)(4). و أيضا كلّ يوم هو فى شأن بدا.
و منه أيضا كلّ ما يقرّر اى يثبت البداء، فإنّه يدل أيضا على عدم التفويض.
و أيضا انّه تعالى، قد جعل الجنّة و الجحيما، و لم اقل خلق، ليكون حجّة على القائل بخلقهما الآن كما هو الحقّ و على القائل بعدمه، فإنّه تعالى جعلهما لمن اطاعه او عصاه من قبل، و ان فرض انّه لم يخلقهما بعد، و إنّما جعلهما قبل وجودنا، إذ كان بنا عليما. و هذا يدلّ على عدم التفويض في التكليف خاصّة. عن عليّ بن حنظلة: «أنّه اختصم بالمدينة رجلان في القدر، فجعلا بينهما أبا عبد اللّه (ع)، فأتياه فذكرا كلامهما، فقال (ع): «ان شئتما اخبرتكما بقول رسول اللّه (ص)؟ فقالا: قد شئنا، فقال (ع): قام رسول اللّه (ص) و صعد المنبر، فحمد اللّه و اثنى عليه، ثمّ قال: كتاب كتبه اللّه بيمينه، و كلتا يديه يمين، فيه اسماء اهل الجنّة باسمائهم و عشائرهم، و يجهل عليهم، لا يزيد فيهم رجلا و لا ينقص منهم رجلا، و قد يسلك بالعبد في طريق الأشقياء، حتّى يقول الناس ما اشبهه بهم، بل هو منهم! ثمّ تدركه السّعادة، و قد يسلك بالشّقى طريق السعداء حتّى يقول الناس: ما اشبهه بهم بل هو منهم! ثمّ يتداركه الشّقاء، من كتبه اللّه سعيدا و لو لم يبق من الدنيا إلّا فواق ناقة، ختم اللّه له بالسّعادة!»(5)5.
فأىّ تفويض؟ و كيف أهملا***من ليس عمّا يعملون غافلا؟
أرادت أن توحّد المعتزلة***فألحدت إذ عمدت أن تعزله
كما أرادت بعدها الأشاعرة***توحيده فانقلبوا مجبّرة
فأىّ تفويض في القدر بعد الحجج المذكورة؟ و كيف أهمل العباد عن التكليف من ليس عمّا يعملون غافلا؟ كما قال تعالى:( وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )(1). حاشا و تعالى عمّا يقول الظالمون، و لكن أرادت أن توحّد المعتزلة، فتنزهه عن الظلم، فألحدت بجهلها إذ عمدت الى أن تعزله عن تدبير خلقه بالتّكليف.
و قد تقدّم عن الصادق (ع)، انّه قال: «لعن اللّه المعتزلة!» ارادت ان توحّدت، فالحدت و ارادت ان ترفع التشبيه فاثبتت.» (2)كما أرادت بعدها الأشاعرة، اذ كانوا بعد المعتزلة بزمن طويل ارادوا توحيده أيضا؛ اى تنزيهه عن الشّرك، فانقلبوا مجبّرة لجهلهم بطريق التخلّص من القدر.
و الأمر بين ذين عدل و هدىلا يقصر الواقع فيما اجتهدا
قد تقدّم قولهم (ع): «لا جبر و لا تفويض بل امر بين امرين». و حيث إنّ هذه الجملة؛ اى «الأمر بين الأمرين»، لم تكن جملة مستقلّة ملقاة في كلام خاصّ، بل انّما صدرت منهم (ع) عقيب نفى الجبر و التفويض على نحو الاستدراك، فلا بدّ ان يوافقهما من حيث المورد المبحوث عنه، و المحلّ المتنازع فيه، بان يكون الّذي فرضوا فيه الأمر بين الأمرين، هو الّذي فرض الفريقان الخصمان فيه الجبر و التفويض، و إلّا لم يستقم التوسط و الاستدراك.
و اعلم: إنّ النّزاع في الجبر و التفويض، فى خصوص افعال العباد، من حيث التكليف، و التفويض، و ان كان له انواع، الّا أنّ التفويض الّذي يقابل الجبر، هو التفويض من حيث التكليف، فيكون الأمر بينهما أيضا في التكليف، فمعنى قولهم (ع): «لا جبر و لا تفويض» أنّه لا جبر في التكليف و لا تفويض فيه، و الأمر بين ذين عدل و هدى؛ كما نقل عن ائمّة الهدى، لا يقصر الواقع فيما اجتهدا؛ اى المعتزلة و الاشاعرة؛ فإنّهم لجهلهم زعموا أنّ الأمر في القدر في التكليف، يدور بين امرين، و لا ثالث لهما، امّا النّفى فتفويض، او الاثبات فجبر.
فالتزمت الأشاعرة بالجبر فرارا عن النفى، و التزمته المعتزلة بالنفى فرارا عن الجبر، فالكلام في الأمر بين الأمرين مع المجبّرة القدريّة، و المفوّضة القدريّة؛ يعنى، الّذي يستند في ذهابه الى الجبر الى ثبوت القدر في التكليف، و في ذهابه الى التفويض الى العدل، فيستلزم نفى التكليف، و لذلك سمّوا جميعا بالقدريّة دون مطلق القائل بالجبر، كمن يستند في جبره الى وحدة الوجود، فلا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه، و دون مطلق القائل بالتّفويض كمن يقول:( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ )(1)او يقول: إنّ اللّه لا يقدر على الاعراض و افعال العباد من الأعراض فانّهما باطلان من رأس على الاطلاق، و لا يفرض بينهما جامع يجمعهما في الصحة بوجه في زعم الخصمين، و الأمر بين
1) . المائدة 5: 64.
بل عندهم منزلة بينهما***أوسع ممّا بين أرض و السّماء
الأمرين ليس ناظرا إليهما، بل ناظر الى الجبر و التفويض من حيث القدر في التكليف.
و إنّما ذكرت الأشاعرة هنا لاستنادهم في ردّ التفويض على المعتزلة، باثبات القدر، و التزامهم بأنّ ما علم اللّه به و قدره، لا يمكن خلافه، و ان كان عمدة ما يورد عليهم بلزوم الجبر في استنادهم(1)
الأوّل: مقتضى القدر و العلم الأزلى، و بهذا الوجه صار المتنازع فيه بين الأشاعرة و المعتزلة؛
الثانى: أنّ الافعال مخلوقة للّه خلق تكوين، سواء قيل بالقدر، أم لا؛
الثالث: لا مؤثر في الوجود إلّا اللّه، و لازمه خلق الأفعال أيضا، و لا يلزم القول بالقدر أيضا.
و هاهنا وجه رابع للجبر، لا يبتنى على شيء من الوجوه الثلاثة؛ نعم، يستلزم الثانى و الثالث طبعا، و هو جبر الفلاسفة و عرفاء الصوفيّة، و هو وحدة الوجود.
الى قول شيخهم الأشعرى، الّذي استحدثه من خلق الأفعال و التزامهم تقليد الفلاسفة و العرفاء، بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه.و كيف كان، فالأمر ليس مقصورا على ما توهّموه من الحصر بين الأمرين، بل عندهم (ع) منزلة بينهما، أوسع (2)
و الثانى: ان ترجع الى اللّه و الى العبد فتكون الأوسعيّة بلحاظ حالهما. امّا العبد، فلأنّه اذا خرج عن ضيق الجبر، كانت له في ذلك فسحة، لا يحدّ بالبيان، و مثله مثل الّذي خرج من السّجن الّذي مسلوب فيه من الاختيار، فإنّه يرى لنفسه بخروجه من السّجن و عود الاختيار إليه فسحة اوسع ممّا بين السّماء و الأرض، و ان كان السّجن وسيعا في الغاية، و قد خرج من الى داره الضيّقة. و امّا اللّه تعالى، فإنّا اذا اعتقدنا له تقديرا أو مشيّة في افعال العباد، فقد اعتقدنا له اطلاقا في ملكه اوسع ممّا بين السّماء و الأرض، اذ القول بأنّ له ملك السّماوات و الأرض، مع القول بأنّه غير متصرّف في مخلوقه، كان الحال فيه حال المسجون في السّجن الوسيع أيضا.
ممّا بين أرض و السّماء، اشارة الى قول الباقر و الصادق (ع) المتقدّمين.1) . و الحاصل: أنّ جبر الأشعرى كما تقدّم، يستند الى وجوه ثلاثة:
2) . يمكن توجيه الأوسعيّة بوجهين: احدهما: ان ترجع الأوسعيّة الى نفس المنزلة؛ يعنى، أنّ منزلة الأمر بين الأمرين، منزلة فسيحة اوسع ممّا بين الأرض و السّماء؛ و ذلك أنّهم يزعمون أنّ الأمر دائر بين امرين، و مصور بين حاضرين، و فيه ضيق غاية الضيق؛ فاذا فرض ما لا يكون محصورا بين الحاصرين و يرفع الحصار، و هو تقدير مع الاقدار، لا يمكن تقدير فسحته؛ بل يكون اوسع ممّا بين السّماء و الأرض، فإنّ في الخروج عن الضيق في المعقولات الفسحة للصّدور، يضيق البيان عن شرحها أو تمثيلها بالمحسوس المحصور.
و تلك الاختيار بالأقدار***مع حجّة الإعذار و الإنذار
بعد السّبيل دون ما قد أمره***و آلة الفعل لما قد خيّره
و تلك المنزلة، هو الاختيار، لكن لا بالاستقلال من نفسه، بل بالأقدار منه تعالى، و مع ذلك لم يجعله مرخى العنان، بل اوثقه بوثاق التشريع، و عقله بعقال التكليف اعذارا و انذارا؛ كما قلت:
مع حجّة الإعذار و الإنذار؛ اى بعد اتمام الحجّة عليه اذا اعذر إليه و انذر، و قد صرّح بالاختيار (بالاستطاعة الّتي هى الاختيار، و أنّه الأمر بين الأمرين) الإمام العسكرى (ع) فى رسالته في الجبر و التفويض، حيث قال: «و لكن نقول:
«إنّ اللّه خلق الخلق بقدرته، و ملّكهم استطاعة تعبّدهم بها، فامرهم و نهاهم بما اراد، فقبل منهم اتّباع امره و رضى بذلك لهم، و نهى عن معصيته، و ذمّ من عصاه و عاقبه عليها في الأمر و النّهى، يختار ما يريد، و يأمر به و ينهى عمّا يكره، و يعاقب عليه بالاستطاعة الّتي ملّكها عباده، لاتّباع امره و اجتناب معاصيه، لأنّه ظاهر العدل و النصفة، و الحكمة البالغة، بالغ الحجّة بالاعذار و الانذار، و لم يقبل منهم إلّا اتّباع امره و اجتناب نهيه على ايدى من اصطفاه؛ فمن اطاعه رشد، و من عصاه ضلّ و غوى، و لزمته الحجّة بما ملّكه من الاستطاعة، و هذا القول بين القولين، ليس بجبر و لا تفويض، بذلك اخبر امير المؤمنين (ع) عباية بن ربعى الأسدى.»(1)الى آخر ما تقدّم.
ثمّ قال (ع): «و القول بين الجبر و التفويض، هو الاختيار و الامتحان، و البلوى بالاستطاعة الّتي ملّك العبد، و شرحها في خمسة اشياء.» (2)الى آخر ما يأتى.
و امّا كلام غيره (ع) من آبائه (ع)، فإنّه أيضا ترجع الى ذلك و ان لم يكن بهذه المثابة في التصريح. فمن ذلك ما اشرت بقولى:
بعد وجود السّبيل و التمكن منه بتخلية السرب دون؛ اى عند ما قد أمره و نهاه، و بعد وجود آلة الفعل و اسبابه باعطائه الآلة، لما قد خيّره؛ اى الآلة للفعل الّذي خيّره فيه بعد امره و نهيه. فعن يزيد بن معاوية الشّامى، عن الرضا (ع):
«فقلت له: يا ابن رسول اللّه (ص)! فما امر بين امرين؟ فقال (ع): وجود السبيل
فارتفع التفويض بالإعذار***و الشّرك و الجبر مع الإقدار
لا يمنع الإقدار من تقدير***أصلا و لا التقدير من تخيير
بل ما خلا عن قدر إذ أقدره***و لا عن الإعذار حين خيّره
و لا عن القدرة فيما ملّكه***و لا عن المشاء فيما سلكه
بل هو مالك لما خيّره***أقدر منه بالذّي أقدره
و لا يصدّ من أطاع و ائتمر***بل لو يشاء حال بين من فجر
لم يعص مغلوبا و لم يطع على***كره و لم يخلق سواه باطلا
الى اتيان ما امروا به و ترك ما نهوا عنه.» (1)
و عن فقه الرضا: «إنّ رجلا سأل العالم (ع)، فقال: يا ابن رسول اللّه (ص)! قال له الرجل فالعباد مجبورون؟ فقال (ع): لو كانوا مجبورين لكانوا معذورين، قال الرجل:
ففوّض الأمر؟ قال (ع): لا، قال: فما هو؟ قال العالم (ع): علم منهم فعلا، فجعل فيهم آلة الفعل، فإذا فعلوا كانوا مستطيعين.»(2)و يأتى أيضا ما يفيد ذلك.
فارتفع التفويض بالإعذار، لأنّ التفويض اهمال العبد و إيكاله الى نفسه، و لا اهمال مع التكليف و الانذار، و ارتفع الشّرك و الجبر أيضا مع الإقدار؛ اذ مع فرض القدرة و الاختيار لا مجال لتوهّم الاجبار، و مع كون الاختيار باقدار منه تعالى لا بذاته و استقلاله، لا موضع لتوهّم الاشتراك، لا يمنع الإقدار منه تعالى للعبد من تقدير أصلا تكوينا و تكليفا، حتّى يستلزم التفويض، بل العبد يدبّر، و اللّه يقدّر.
و لا يمنع التقدير من تخيير له، حتّى يستلزم الجبر، بل هو تعالى، ما خلا عن قدر إذ أقدره؛ اى العبد، لعدم منافاة الاقدار مع التقدير، و لا خلا عن الإعذار و التكليف حين خيّره، لعدم المنافاة أيضا بينهما؛ و لا خلا عن القدرة فيما ملّكه العبد، بان يكون اقداره ايّاه مانعا عن قدرته تعالى، فيكون العبد قادرا على الشيء دونه، و لا خلا عن المشاء فيما سلكه العبد بان يكون اللّه تعالى خاليا عن المشيّة؛ بل هو مالك لما قد خيّره؛ اى الاختيار العبد، أقدر منه بالذّي قد أقدره عليه، و لا يصدّ من أطاع و ائتمر بامره، بل لو يشاء حال بين من فجر و بين فجوره؛ كما انّه لو شاء ان لا يحول، لم يحل لم يعص مغلوبا على مراده، بان يكون العبد غالبا عليه، و لم يطع
على كره، بان يكره العبد على طاعته، و لم يخلق سواه؛ اى ما سواه تعالى، من السّماء و الأرض و ما بينهما باطلا، فلا يجوز ان يهمل خلقه و يتركهم سدى. فعن الجعفرى، عن ابى الحسن الرضا (ع)، قال: «ذكر عنده الجبر و التفويض، فقال (ع): الا اعطيكم في هذا اصلا، لا تختلفون فيه و لا يخاصمكم عليه احد إلّا كسرتموه؟ قلنا: ان رأيت ذلك، فقال (ع): إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يطع باكراه، و لم يعص بغلبة، و لم يهمل العباد في ملكه؛ هو المالك لما ملّكهم، و القادر على ما اقدرهم عليه، فان ائتمر العباد بطاعته، لم يكن اللّه منها صادّا و لا منها مانعا، و ان ائتمروا بمعصيته، فشاء ان يحول بينهم و بين ذلك فعل، و اذا لم يحل و فعلوه فليس هو الّذي ادخلهم فيه. ثمّ قال (ع): من يضبط حدود هذا الكلام، فقد خصم من خالفه.»(1)
و قال امير المؤمنين (ع) جوابا عن السائل الّذي سأله عن مسيره الى اهل الشام:
«يا شيخ! إنّ اللّه كلّف تخييرا، و نهى تحذيرا، و اعطى على القليل كثيرا، و لم يعص مغلوبا، و لم يخلق السموات و الارض و ما بينهما باطلا، ذلك ظنّ الّذين كفروا، فويل للّذين كفروا من النّار!» (2)
و فيما كتب الحسن (ع) الى الحسن البصرى، جوابا عمّا سأله من القدر: «امّا بعد: فمن لم يؤمن بالقدر خيره و شرّه أن اللّه يعلمه، فقد كفر؛ و من احال المعاصى على اللّه، فقد فجر؛ إنّ اللّه لم يطع مكرها، و لم يعص مغلوبا، و لم يهمل العباد سدى من الملكة؛ بل هو المالك لما ملّكهم، و القادر على ما عليه اقدرهم، بل امرهم تخييرا، و نهاهم تحذيرا؛ فان ائتمروا بطاعته لم يجدوا عنها صادّا؛ و ان انتهوا الى المعصية، فشاء ان يمنّ عليهم بان يحول بينهم و بينها فعل؛ و ان لم يفعل، فليس هو الّذي حملهم عليها جبرا، و لا الزموها كرها، بل منّ عليهم بان بصّرهم و عرفهم و حذّرهم و امرهم و نهاهم، لا جبلا لهم على ما امرهم به فيكونوا كالملائكة، و لا جبرا لهم على ما نهاهم عنه، و للّه الحجّة البالغة، و السّلام على من اتّبع الهدى.» (3)
و قد كتب الحسين (ع) إليه أيضا، جوابا عن سؤاله عن القدر: «فاتّبع ما شرحت لك في القدر ممّا افضى إلينا اهل البيت، فإنّه من لم يؤمن بالقدر خيره و شرّه، فقد كفر؛3.
فالعبد يختار بما أقدره***و كلّما اختار، فمما قدّره
بل نفس الاختيار أيضا بالقدر***إذ هو ذا الخيار كوّن البشر
قدّر أن يختار ما قد اشتهى***بقدرة و شهوة ملّكها
و القدر اقتضى تحقّق العمل***إذ لا يجوز الخلف لو لا أن عدل
و من حمل المعاصى على اللّه- عزّ و جلّ- فقد افترى على اللّه افتراء عظيما؛ ان اللّه- تبارك و تعالى- لا يطاع باكراه، و لا يعصى بغلبة، و لا يهمل العباد في الملكة؛ لكنّه المالك لما ملّكهم، و القادر لما عليه اقدرهم؛ فان ائتمروا بالطاعة لم يكن اللّه صادّا عنها مبطّأ؛ و ان ائتمروا بالمعصية، فشاء ان يمنّ عليهم، فيحول بينهم و بين ما ائتمروا به فعل؛ و ان لم يفعل فليس هو حملهم عليها قسرا، و لا كلّفهم جبرا بل بتمكينه ايّاهم بعد اعذاره و انذاره لهم و احتجاجه عليهم طوّقهم و مكّنهم، و جعل لهم السبيل الى اخذ ما إليه دعاهم و ترك ما عنه نهاهم، جعلهم مستطيعين لأخذ ما امرهم به من شيء غير آخذيه، و لترك ما نهاهم عنه من شيء غير تاركيه؛ الحمد للّه الّذي جعل عباده اقوياء لما امرهم به ينالون بتلك القوّة و ما نهاهم عنه، و جعل العذر لمن لم يجعل له السبيل حمدا متقبّلا؛ فإنّا على ذلك اذهب، و به اقول، و اللّه انا و اصحابى أيضا عليه، و له الحمد.» (1)
و قد مرّ قول امير المؤمنين (ع) لعباية بن ربعى الأسدى بعد قوله: فما اقول يا امير المؤمنين؟ قال (ع): «تقول: إنّك تملكها باللّه الّذي يملكها من دونك، فان يملّكها ايّاك كان ذلك من عطائه، و ان يسلبكها، كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملّكك، و القادر لما عليه اقدرك.»(2)
و على هذا، فالعبد يختار بما قد أقدره و كلّما اختار من شيء، فممّا قدّره، امّا له أو عليه؛ بل نفس الاختيار أيضا بالقدر، لأنّه ليس من نفس العبد، بل بقدره تعالى؛ إذ هو تعالى ذا الخيار كوّن البشر؛ اى كوّنه مختارا و صاحب الاختيار، قدّر أن يختار العبد ما قد اشتهى بقدرة و شهوة ملّكها ايّاه، و القدر الّذي تعلّق بافعال العبد قبل ايجاده ايّاها، انّما اقتضى تحقّق العمل و ثبوته، إذ لا يجوز الخلف فيه لو لا أن عدل
و ليس هذا يقتضي جبر القضاء***فإنّ من بعد القضا كيف قضى
و محض تقدير على المختار***ليس بسالب للاختيار
إذ قدّر الفعل على مختاره***لعلمه السّابق باختياره
و ليس غير قادر خلاف ما***قدّره لو لم يكن محتّما
هو تعالى عنه، بان يغيّر المشيّة، و ذلك في غير المحتوم و ليس هذا يقتضي بنفسه جبر القضاء؛ يعنى، القدر، فيكون العبد في فعله مجبورا بجبر القدر عليه. فإنّ من بعد القضا، كيف قضى؟ يعنى، أن الجبر لا يتمّ بمجرّد القدر حتّى يعلم أنّ الّذي قدّره، كيف قدّره؟ فان كان قدّر الفعل على وجه الجبر، اقتضى الجبر، و ان كان قدّر على وجه الاختيار، اقتضى الاختيار دون الجبر.
و محض تقدير الفعل من اللّه تعالى على الفاعل المختار، ليس بسالب للاختيار منه، بحيث يجعل المختار مسلوب الاختيار؛ إذ قدّر الفعل؛ اى وقوعه على مختاره؛ اى قدّر عليه وقوع الفعل و حصوله على حسب اختياره لعلمه السّابق باختياره. فعن فقه الرضا (ع):
«إنّ اللّه تعالى لم يجعل لهم هوى و شهوة و لا محبّة و لا مشيّة، الّا فيما علم أنّه كان منهم، و انّما يجرون في علمه و قضائه و قدره على الّذي في علمه و كتابه السّابق فيهم، قبل خلقهم، و الّذي علم أنّه غير كائن منهم، هو الّذي لم يجعل لهم فيه شهوة و لا إرادة.» (1)
و قال الصادق: «إنّ اللّه خلق الخلق، فعلم ما هم صائرون إليه، و امرهم و نهاهم، فما امرهم به من شيء، فقد جعل لهم السبيل الى الأخذ به، و ما نهاهم عنه، فقد جعل لهم السّبيل الى تركه و لا يكونون آخذين و لا تاركين، الّا باذن اللّه- عزّ و جلّ.» (2)
و عن موسى بن جعفر (ع) أيضا مثله، و زاد فيه: «و ما جبر اللّه احدا من خلقه على معصيته، بل اختبرهم بالبلوى؛ كما قال تعالى:( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )(3).» (4)
و أيضا ليس غير قادر خلاف ما قدّره لو لم يكن محتّما؛ يعنى، أنّ الّذي ينافى الاختيار، إنّما هو الحتم دون مجرّد التقدير، و قد مرّ قول امير المؤمنين (ع) لمن سأل عن مسيره الى اهل الشام حيث قال (ع): «مهلا يا شيخ! لعلّك تظنّ قضاء حتما و قدرا
و الحتم لا يسلب الاختيار له***ما لم يحتّم مطلقا ما فعله
و بالخيار يحتم المشيّة***يوافق اختياره الحتميّة
إذ كان ما يختاره عن شهوته***مقدّرا في علمه مشيّته
و علمه أولى بأن يوافقه***من غير إجبار على الموافقة
لازما، لو كان كذلك، لبطل الثواب و العقاب و الأمر و النّهى.» (1)
و عن صالح النيلى، عن الصادق (ع): «إنّ اللّه لم يجبر احدا على معصيته، و لا اراد إرادة حتم الكفر من احد، و لكن حين كفر كان في إرادة اللّه ان يكفر، و في علمه ان لا يصيروا الى شيء من الخير، قلت: اراد منهم ان يكفروا؟ قال (ع): ليس هكذا اقول، و لكنّى اقول: علم أنّهم سيكفرون، فاراد الكفر لعلمه فيهم، و ليست هى إرادة حتم، إنّما هى إرادة اختيار.» (2)
و الحتم أيضا بمجرّده، لا يسلب عنه الاختيار الثابت له، ما لم يحتّم مطلقا ما فعله؛ كما دلّ عليه قول الصادق (ع) فى هذا الحديث؛ يعنى، أنّ الحتم الّذي يوجب الجبر و سلب الاختيار، انّما هو المطلق، و ليس كذلك مع التكليف؛ فإنّ الفعل محتوم عليه مع الاختيار؛ كما قلت:
و بالخيار يحتم المشيّة؛ يعنى، التكليف، لا على الاطلاق، و يوافق اختياره ما اختار من الاطاعة أو العصيان، المشيّة الحتميّة الّتي كانت في علم اللّه؛ يعنى، أنّ الفعل بعد اختياره، يوافق المشيّة الحتميّة، لا أنّه يفعله بالمشيّة الحتميّة، فما كان مختار العبد، كان من مشيّة اللّه تعالى، على ما هو يختار؛ إذ كان ما يختاره عن شهوته اطاعة أو عصيانا لما امر به مقدّرا في علمه و مشيّته، لا عن غير اختياره، و علمه السابق فيه أولى بأن يوافقه من غير إجبار على الموافقة لما علمه. فعن ابى بصير، قال:
«كنت بين يدى ابى عبد اللّه (ع) جالسا، و قد سأله سائل، فقال: جعلت فداك يا ابن رسول اللّه (ص)! من اين لحق الشقاء اهل المعصية، حتّى حكم لهم في علمه (3)بالعذاب على عملهم؟ فقال (ع): ايّها السائل! علم (4)اللّه- عزّ و جلّ-، لا يقوم(5)احد من».
و إنّما كلّفه تخييرا***للابتلاء، أمرا أو تحذيرا
خلقه بحقّه، فلمّا علم (1)بذلك وهب لأهل محبّته القوّة على معصيتهم (2)، لسبق علمه فيهم و لم يمنعهم اطاقة القبول منه، لأنّ علمه اولى بحقيقة التصديق، فوافقوا ما سبق لهم في علمه، و ان قدروا ان يأتوا خلالا تنجيهم عن معصيته، و هو معنى شاء ما شاء و هو سرّ.» (3)
و على هذه النسخة، فالمعنى: أنّه تعالى منعهم؛ اى لم يعطهم التوفيق الزائد، و هو اطاقة خلاف ما تهوى انفسهم من عدم قبول الحقّ، فخذلهم و تركهم الى انفسهم، لا أنّه منعهم الاطاقة التمكنيّة للقبول، و كذلك قوله (ع): «و لم يقدروا» معناه عدم القدرة النفسيّة الاراديّة، لا القدرة التمكنيّة؛ يعنى، أنّ انفسهم لا تطوّع لذلك و ليس لهم إرادة قويّة تحملونه على النفس.
و الحاصل: أنّ حتم المعصية، لا ينافى القدرة و الاختيار، كما ينافى الأمر و الطلب؛ كما عن الفضيل، عن الصادق (ع)، قال:
«شاء اللّه ان اكون مستطيعا لما لم يشأ ان اكون فاعله.»(4)
و في التعبير بعدم المشيّة، دون ان يقول لما شاء ان لا اكون فاعله، اشارة دقيقة فتدبّر! و سيأتى توضيحه هنا.
و إنّما كلّفه؛ اى العبد تخييرا، مع علمه بأنّه يعصيه للابتلاء، أمرا أو تحذيرا، كما تقدّم في كلام موسى بن جعفر (ع): «و ما جبر اللّه احدا على معصيته، بل اختبرهم بالبلوى؛ كما قال اللّه تعالى:( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )(5). و في كلام ابى الحسن الثالث (ع):
«و القول بين الجبر و التفويض، هو الاختيار و الامتحان و البلوى بالاستطاعة
1) . و في الكافى: «حكم بذلك».
2) . و في الكافي: «على معرفته، و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم اهله، و وهب لأهل المعصية القوّة على معصيتهم».
3) . و في الكافى: «و منعهم اطاقة القبول منه، فوافقوا ما سبق لهم في علمه، و لم يقدروا ان يأتوا حالا تنجيهم من عذابه، لأنّ علمه اولى بحقيقة التصديق، و هو معنى شاء ما شاء، و هو سرّه.»
4) . البحار 5: 51/ 81.
5) . هود 11: 7، الملك 67: 2.
و لم يكلّف نفسا إلّا في سعة***أو فرضا إلّا دون أن نتّسعه
و الوسع يستلزم الاستطاعة***و إنّما يختار ما استطاعه
الّتي ملّك العبد.» (1)
و لم يكلّف نفسا إلّا في سعة؛ اى في وسعها؛ كما قال:( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها )أو فرضا؛ اى لم يكلّف فرضا إلّا دون أن نتّسعه؛ اى دون وسعنا و طاقتنا.
فعن الحلبى، عن الصادق (ع)، قال:
«ما امر العباد إلّا بدون سعتهم، فكلّ شيء امر النّاس باخذه فهم متّسعون له، و ما لا يتّسعون له، فهو موضوع عنهم، و لكنّ النّاس لا خير فيهم.» (2)
و عن هشام بن سالم، عنه (ع) أيضا، قال: «ما كلّف اللّه العباد إلّا ما يطيقون، و انّما كلّفهم في اليوم و اللّيلة خمس صلوات، و كلّفهم من كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، و كلّفهم صيام شهر رمضان في السّنة و كلّفهم حجّة واحدة و هم يطيقون اكثر من ذلك، و انّما كلّفهم دون ما يطيقون و نحو هذا.» (3)
و عن حمزة بن الطيّار، عنه (ع) أيضا: «و كذلك اذا نظرت في جميع الأشياء، لم تجد احدا في ضيق، و لم تجد احدا إلّا و للّه عليه الحجّة، و للّه فيه المشيّة؛ و لا اقول إنّهم ما شاءوا صنعوا. ثمّ قال: إنّ اللّه يهدى و يضلّ، و قال: و ما امروا إلّا بدون سعتهم و كلّ شيء امر النّاس به فهم متّسعون و كلّ شيء لا يسعون له فهو موضوع عنهم، و لكنّ النّاس لا خير فيهم، ثمّ تلا:( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى ...* وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ)(4). قال (ع): فوضع عنهم لأنّهم لا يجدون.»(5)
و الوسع يستلزم الاستطاعة، فلا بدّ من اعطاء الاستطاعة اذا كان كلّفهم على قدر وسعهم، و إنّما يختار العبد ما استطاعه من عصيان أو طاعة. فعن صباح الحذّاء، عن الباقر (ع)، قال:
«سأله زرارة و انا حاضر، فقال: أ فرأيت ما افترض اللّه علينا في كتابه، و ما نهانا
و يستطيع قبل فعل و معه***بعد حصول خمسة أو أربعة
عنه، جعلنا مستطيعين لما افترض علينا، مستطيعين لترك ما نهانا عنه؟ فقال (ع):
نعم.» (1)
و عن حمران، عنه (ع) أيضا، قال: «سألته عن الاستطاعة، فلم يجبنى؛ فدخلت عليه اخرى، فقلت: اصلحك اللّه! إنّه قد وقع في قلبى منها شيء، لا يخرجه إلّا شيء اسمعه منك، قال (ع): فإنّه لا يضرّك ما كان في قلبك، قلت: اصلحك اللّه! فانّى اقول:
إنّ اللّه تعالى لم يكلّف العباد إلّا ما يستطيعون و إلّا ما يطيقون، فإنّهم لا يصنعون شيئا من ذلك إلّا بإرادة اللّه و مشيّته و قضائه و قدره، قال (ع): هذا دين اللّه الّذي انا عليه و آبائى.» (2)و في الكافى: «لم يكلّف العباد ما لا يستطيعون، و لم يكلّفهم إلّا ما يطيقون، و انّهم ...». و قد مرّت في نفى الجبر خاصّة اخبار في ذلك أيضا.
و يستطيع العبد قبل فعل و معه، خلافا للأشاعرة، حيث قالوا بأنّ الاستطاعة(3)متقدّمة على الفعل، و الحكماء و المعتزلة قالوا بأنّها مع الفعل، و هذا النّزاع كان جاريا فى زمن الأئمّة (ع)، حتّى سأل عنه الأصحاب.
و عندى أنّه ممّا احدثه الجهّال الأحداث الغير العارفين بالمعانى و المرادات؛ اذ لا يعقل تقدّم الاستطاعة قبل الفعل، من دون استدامتها حاله، و لا حدوثها حال الفعل، من دون سبقها عليه و لو آنا ما. بل الحقّ، أنّ الاستطاعة شرط للتّكليف ابتداء و استدامة، و لا يراد بالقبليّة إلّا القبليّة الشرطيّة و قبليّة الموضوع، كالعقل و البلوغ و الوقت و غيرها في شرائط التكليف، فلا يراد بها إلّا كون الفعل ناشئا عن الاستطاعة، و صادرا معها، فمرجع القبليّة و المعيّة الى شيء واحد. و لهذه الجهة، صرّح بعض الأخبار بالقبليّة، و بعضها الآخر بالمعيّة، و بعضها بهما. فعن هشام بن سالم، عن الصادق (ع)، قال: «ما كلّف اللّه العباد كلفة فعل، و لا نهاهم عن شيء، حتّى جعل لهم الاستطاعة، ثمّ امرهم و نهاهم، فلا يكون العبد آخذا و لا تاركا إلّا باستطاعة متقدّمة
قبل الأمر و النّهى، و قبل الأخذ و الترك و قبل القبض و البسط.» (1)
و عنه، عنه (ع) أيضا، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: لا يكون من العبد قبض و لا بسط إلّا بالاستطاعة، متقدّمة للقبض و البسط.» (2)
و عن ابى بصير، عنه (ع) أيضا، قال: «سمعته يقول و عنده قوم يتناظرون في الأفاعيل و الحركات، فقال (ع): الاستطاعة قبل الفعل، لم يأمر اللّه- عزّ و جلّ- بقبض و لا بسط، الّا و العبد لذلك مستطيع (3). و عن فقه الرضا (ع)، قال العالم: ان اللّه- عزّ و جلّ- خلق خلقا- فجعل فيهم آلة الفعل، ثمّ لم يفوّض إليهم، فهم مستطيعون الفعل فى وقت الفعل مع الفعل.» (4)
اشرك القوم.» فليس مثبتا لقول الأشاعرة، بل هو تقبيح لزعم انحصار الاستطاعة بحال الفعل، و امّا حكمه (ع) بالشّرك، فلأنّ مرجعه الى التفويض و التفويض شرك عندهم، كما تقدّم، و وجه رجوعه الى التفويض، أنّ لازم الحصر، نفى الاستطاعة قبل الفعل، و نفيها مستلزم لنفى التكليف؛ فإنّ التكليف مقدّم على الفعل، فاذا لم يكن مستطيعا قبله، لم يكن مكلّفا، و امّا قوله (ع): و قد فعلوا»، فهو استفهام على سبيل التعجب، امّا من دخول اصحابه (ع) فى هذا الكلام أو مطلقا، او استفهام تقريرىّ، اراد (ع) ان يقرّر السائل على المطلوب كلّه.
و ممّا جمع بينهما مع شرح المراد تلويحا أو تصريحا، ما عن البزنطى، عن بعض اصحابنا، عن الصادق (ع)، قال: «لا يكون العبد فاعلا و لا متحرّكا الّا و الاستطاعة معه من اللّه- عزّ و جلّ- بعد الاستطاعة، فلا يكون مكلّف إلّا مستطيعا.» (5)فإنّه ظاهر في أنّ المراد بالبعدية، البعديّة الشرطيّة.
و عن ابن ابى عمير، عمّن رواه من اصحابنا، عنه (ع) أيضا، قال: «سمعته يقول:
لا يكون العبد فاعلا إلّا و هو مستطيع، و قد يكون مستطيعا غير فاعل، و لا يكون فاعلا ابدا حتّى يكون معه الاستطاعة.» (6)يعنى، أنّ الاستطاعة المتقدّمة من دون الاستمرار، و من دون ترتّب فعل عليها، ليست هى المنظور إليها.
و عن عبد الرحيم القصير، كتب إليه (ع) أيضا، سأله عن الاستطاعة: «اقبل الفعل8.
1) . البحار 5: 38/ 57.
2) . المصدر 5: 38/ 58.
3) . المصدر 5: 38/ 59.
4) . المصدر 5: 42/ 69، و ما عن عوف بن عبد اللّه الأزدى، عن عمّه، قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الاستطاعة، فقال (ع): و قد فعلوا؟ فقلت: نعم، زعموا أنّها لا تكون إلّا عند الفعل و إرادة في حال الفعل لا قبله، فقال (ع):
5) . المصدر 5: 35/ 46.
6) . المصدر 5: 35/ 48.
سلامة و مهلة ثمّ السّبب***و بلغة ثمّ التخلى للسّرب
او معه؟ فإنّ اصحابنا قد اختلفوا فيه، فكتب (ع): و سألت- رحمك اللّه- عن الاستطاعة للفعل من عند اللّه، فانّ- اللّه عزّ و جلّ- خلق العبد، و جعل له الآلة و الصحّة، و هى القوّة الّتي يكون بها العبد متحرّكا مستطيعا للفعل، و لا متحرّك إلّا و هو يريد الفعل، و هى صفة مضافة الى الشهوة الّتي هى خلق اللّه- عزّ و جلّ- مركّبة في الانسان؛ فاذا تحرّكت الشهوة للانسان اشتهى الشيء و اراده، فمن ثمّ قيل للانسان: مريد؛ فاذا اراد الفعل و فعل، كان مع الاستطاعة و الحركة، فمن ثمّ قيل للعبد: مستطيع متحرّك؛ فاذا كان الانسان ساكنا غير مريد للفعل، و كان معه الآلة و هى القوّة و الصحّة اللّتان بهما تكون حركات الانسان و فعله كان سكونه، لعلّة سكون الشّهوة، فقيل ساكن، فوصف بالسّكون؛ فاذا اشتهى الانسان و تحرّكت شهوته الّتي ركبت فيه اشتهى الفعل و تحرّك بالقوّة المركّبة فيه، و استعمل الآلة الّتي يفعل بها الفعل، فيكون الفعل منه عند ما تحرّك و اكتسبه، فقيل: فاعل و متحرّك و مكتسب و مستطيع؛ أو لا ترى أنّ جميع ذلك صفات يوصف بها الإنسان.» (1)
ثمّ إنّ الاستطاعة انّما تتحقّق بعد حصول خمسة من الأسباب، كما في رواية، أو أربعة كما في اخرى، و الجمع بينهما غير متعذّر، و الخمسة هى: سلامة و مهلة، ثمّ السّبب و بلغة، ثمّ التخلى للسّرب، و هذه على الرواية الأولى، و هى ما عن العسكرى (ع) في رسالته، قال (ع):
«و القول بين الجبر و التفويض، هو الاختيار و الامتحان و البلوى بالاستطاعة الّتي ملّك العبد، و شرحها في خمسة اشياء الّتي ذكرها الصادق (ع)، انّها جمعت جوامع الفضل، و انا مفسّرها بشواهد من القرآن و البيان.» (2)
ثمّ ذكر (ع) الخمسة بشرح طويل ملخّصها هذا:
«صحّة الخلقة، بكمال الحواسّ، و ثبات العقل و التميز و اطلاق اللّسان بالنّطق، و تخلية السرب عن رقيب، يحضر عليه و يمنعه العمل بما امر اللّه به؛ و المهلة في الوقت بالعمر الّذي يمتّع به الإنسان؛ و الزاد، و معناه الجدة و البلغة الّتي يستعين بها
فهذه أسباب الاستطاعة***فى كلّ عصيان و كلّ طاعة
فباستطاعة يطاع مخلصا***و باستطاعة عصاه من عصى
العبد على ما امره اللّه به؛ و السّبب المهيّج؛ اى النيّة الداعية للإنسان الى جميع الأفعال، ثمّ قال (ع): فهذا شرح جميع الخمسة، اشياء الّتي ذكرها الصادق (ع)، أنّها تجمع المنزلة بين المنزلتين، و هما الجبر و التفويض.» (1)
و الرواية الثانية، عن على بن اسباط، قال: سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن الاستطاعة فقال: «يستطيع العبد بعد اربع خصال، ان يكون مخلّى السرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح، له سبب وارد من اللّه- عزّ و جلّ؛ قلت: جعلت فداك! فسّرها لى(2)، قال (ع): ان يكون العبد مخلّى السرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح، يريد ان يزنى، فلا يجد امرأة، ثمّ يجدها فإمّا ان يعصم فيمتنع كما امتنع يوسف، او يخلّى بينه و بين ارادته فيزنى فيسمّى زانيا، و لم يطع اللّه باكراه، و لم يعص بغلبة.»(3)و عن الصدوق فى الاعتقادات، عن موسى بن جعفر (ع) أيضا مثله.
و الجمع بين الروايتين: أنّ المذكورة في الثانية، هى الشرائط الأوّلية العامّة، الّتي يحتاج إليها في كلّ عمل؛ فإنّ المهلة، لا يحتاج إليها إلّا فيما كان مؤجّلا، و كذا البلغة لا يحتاج إليها إلّا فيما كان متوقّفا على الزاد؛ و الرواية الأولى في بيان الشرائط التامة الجامعة الّتي يحتاج إليها في الموارد كلّها، و ان كان لا يحتاج الى جميعها في بعضها.
ثمّ اعلم: إنّ المذكور في الأولى خمسة، و في الثانية ثلاثة منها باضافة «سليم الجوارح»، فتصير ستّة، لكن يمكن ارجاع سليم الجوارح الى صحيح الجسم او بالعكس، فالشرائط في الحقيقة خمسة.
فهذه أسباب الاستطاعة في كلّ عصيان و كلّ طاعة، فباستطاعة يطاع اللّه مخلصا، و باستطاعة عصاه من عصى. قال امير المؤمنين (ع):
«الّذي خلق الخلق لعبادته، و اقدرهم على طاعته بما جعل فيهم، و قطع عذرهم بالحجج، فعن بيّنة هلك من هلك، و عن بيّنة نجى من نجى.» (4)
و فيما سأل الزنديق أبا عبد اللّه (ع): «اخبرنى كيف لم يخلق الخلق كلّهم مطيعين موحّدين، و كان على ذلك قادرا؟ قال (ع): لو خلقهم مطيعين لم يك لهم ثواب، لأنّ الطاعة إذن، ما كانت فعلهم، و لم تكن جنّة و لا نار، و لكن خلق خلقه، فامرهم بطاعته و نهاهم عن معصيته، و احتجّ عليهم برسله و قطع عذرهم بكتبه، ليكونوا هم الذين يطيعون و يعصون، و يستوجبون بطاعتهم له الثواب، و بمعصيتهم ايّاه العقاب.» (1)
ثمّ اعلم: إنّ الاستطاعة، استطاعتان: استطاعة في التكليف، و استطاعة في القدر؛ و بعبارة اخرى: ما يحصل به القدرة على اداء التكليف، و ينجز به عليه و ما يحصل به القدرة على فعل الأشياء مطلقا، تكليفا أو غيره بملاحظة القدر؛ يعنى، موافقة المشيّة و عدم موافقتها، و حيث لم يميّز اصحابنا المتأخرون عن زمن الأئمّة (ع) و رواتهم بين النّوعين، ذهب فهمهم الى الخطأ، فى فهم الأحاديث المختلفة عنهم (ع) فى الاستطاعة نفيا و اثباتا، حتّى لجأ بعضهم الى حمل ما سنذكره منها على التقية، لموافقته بزعمه للأشاعرة، و مذهب اكثر اهل السنّة، مذهب الأشعرى. و قد غفل عن أنّ الأشعرى متأخّر عنهم (ع) بكثير، و الأكثريّة إنّما حصلت بعده لا قبله، و إنّما دخل عليهم الوهم لعلّة ممارستهم اهل الكلام و الفلسفة، و انس ذهنهم بالاصطلاحات المستحدثة، و قصر النّظر على ما هو المعهود بين المتكلّمين من تخصيص النّزاع بخصوص المعتزلة و الأشاعرة.
و كيف كان، فقد عرفت في صدر المبحث أنّ المفوّضة، و هم منكرو القدر، نوعان: مفوّضة مطلقة، و هم الّذين ينكرون القدر اصلا، و مفوّضة في التكليف، و هم اكثر المعتزلة حذرا عن الجبر؛ و كلا النوعين يقولون بالاستطاعة، لكن المطلقة حيث ينكرون القدر رأسا، يقولون بالاستطاعة المطلقة من غير تقييد بموافقة القدر؛ اى العلم و المشيّة، و المفوّضة في التكليف يقولون بها في خصوص التكليف.
و امّا اهل البيت (ع)، فإنّهم يقولون بالقدر و الاستطاعة معا في التكليف و غيره، و حيث إنّ الاستطاعة تنافى القدر بزعم النّاس و تقابلها، و لذا افترقوا فرقتين بين النّفى و الاثبات، فسّروها (ع) بما لا ينافيه من حصول الأسباب و الشّرائط؛ و لكن فرّقوا فيها بين ما هو شرط في تنجّز التكليف و تحقّق الاختبار و البلوى فقط، و ما هو دخيل في
1) . البحار 5: 18/ 29.
و يستطيع المستطيع للقدر***بالفعل كى يصدق أنّه قدر
التمكّن الواقعى لمطلق الأشياء تكليفا أو غيره، فاشترطوا فيه مضافا الى تلك الأسباب موافقة القدر و المشيّة.
و قد عبّروا عن هذا الشّرط بعبارات؛ كقولهم (ع): «إنّ للّه ارادتين: إرادة حتم و إرادة عزم.»(1)و كقول الصادق (ع): «إنّ اللّه شاء ان اكون مستطيعا لما لم يشأ ان اكون فاعله» و غير ذلك ممّا مرّ و يأتى.
و حيث إنّ موافقة القدر لا تتحقّق إلّا بالفعل، فإنّ بعد الفعل لا مشيّة و لا قدر و لا قضاء و لا بداء، صرّحوا بدخالة الفعل تحصيلا لهذا الشّرط، و انكروا حصول الاستطاعة بدون الفعل، و شدّدوا النكير على من يرى القدرة المطلقة، و الاستطاعة المطلقة لكلّ شيء. و الى هذا النوع من الاستطاعة و ما هو دخيل فيه، اشرت بقولى:
و يستطيع المستطيع للقدر خاصّة، دون المستطيع للتّكليف، بالفعل أيضا، مضافا الى الأسباب المذكورة، كى يصدق أنّه قدر على الشيء، فإنّ القدرة على الأشياء الّتي هى مقدّرات عندنا، لا تصدق و لا تتحقّق عند القائل بالقدرة، الّا مع موافقة القدر لها، و لا تعلم الموافقة إلّا بالفعل، فلا يمكن الحزم بالقدرة عليها بمحض القوى الظاهريّة، و اسباب الاستطاعة، فاذا فعل شيئا، علم بموافقة القدر و صدق في حقّه أنّه كان مستطيعا له، و أنّه فعله عن استطاعته. فعن صالح النّيلى، قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع)، هل للعباد من الاستطاعة شيء؟ فقال (ع): اذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة الّتي جعل اللّه فيهم؛ قلت: و ما هى؟ قال (ع): الآلة، مثل الزانى اذا زنى، كان مستطيعا للزّنا حين زنى و لو أنّه ترك الزنا و لم يزن كان مستطيعا لتركه اذا ترك، ثمّ قال (ع): ليس له قبل الفعل قليل و لا كثير، و لكن مع الفعل و الترك كان مستطيعا؛ قلت: فعلى ما ذا يعذّبه؟ قال (ع): بالحجّة البالغة، و الآلة الّتي ركّب فيهم؛ إنّ اللّه لم يجبر احدا على معصية، و لا اراد إرادة حتم الكفر من احد.»(2)الى آخر ما تقدّم.
فهذا الحديث كما ترى، ظاهر في تنويع الاستطاعة و انكار الاستطاعة الواقعيّة بدون الفعل و الترك.
و عن عليّ بن الحكم و عبد اللّه بن يزيد جميعا، عن رجل من اهل البصرة، قال:
«سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الاستطاعة، فقال (ع): أ تستطيع ان تعمل ما لم يكوّن؟ قال:
لا، قال: تستطيع ان تنتهى عمّا قد كوّن؟ قال: لا، فقال (ع): فمتى انت مستطيع؟ قال: لا ادرى، فقال (ع): إنّ اللّه خلق خلقا، فجعل فيهم آلة الاستطاعة، ثمّ لم يفوّض إليهم، فهم مستطيعون للفعل، وقت الفعل مع الفعل اذا فعلوا ذلك الفعل، فاذا لم يفعلوه في ملكه، لم يكونوا مستطيعين ان يفعلوا فعلا لم يفعلوه، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- اعزّ من ان يضادّ في ملكه احد.
قال البصرى: فالنّاس مجبورون؟ قال (ع): لو كانوا مجبورين كانوا معذورين؛ قال: ففوّض إليهم؟ قال (ع): لا، قال: فما هم؟ قال (ع): علم منهم فعلا فجعل فيهم آلة الفعل، فاذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين. قال البصرى: اشهد أنّه الحقّ و أنّكم اهل بيت النّبوة و الرسالة.» (1)
و عن فقه الرضا (ع)، قال: «و اروى أنّ رجلا سأله عن الاستطاعة، فقال (ع):
أ تستطيع ان تعمل ما لم يكن؟ قال: لا، قال: أ تستطيع ان تنتهى عمّا يكون؟ قال: لا، قال (ع): ففيما انت مستطيع؟ قال الرجل: لا ادرى.»(2)ثمّ ذكر مثله الى قوله:
«مستطيعين».
و الى هذا ينظر ما عن حمزة بن حمران، قال: «قلت لأبى عبد اللّه (ع): إنّ لنا كلاما نتكلّم به، قال (ع): هاته! قلت: نقول: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- امر و نهى، و كتب الآجال و الآثار، لكلّ نفس بما قدّر لها، و اراد و جعل فيهم من الاستطاعة لطاعته ما يعملون به ما امرهم به و نهاهم عنه، فاذا تركوا ذلك الى غيره، كانوا محجوبين بما صيّر فيهم، من الاستطاعة و القوّة لطاعته، فقال (ع): هذا هو الحقّ اذا لم تعده الى غيره.» (3)
و يدلّ على هذا المعنى قول الصادق (ع): «فمن زعم أنّه يقوى على عمل لم يرد اللّه- عزّ و جلّ-، فقد زعم أنّ ارادته تغلب إرادة اللّه.»(4)الى غير ذلك ممّا تقدّم في أنّه لا يكون شيء إلّا بقدر اللّه و مشيّته، و يأتى أيضا هاهنا في التوفيق و الخذلان، ما يثبت هذا المعنى.6.
يريد شيئا غير ما نهواه***و ليس إلّا ما يريد اللّه
و ليس إذ أعطاه الاستطاعة***يمنعه عن ردّه لطاعة
بل لو يشاء صدّه عمّا غوى***و حال بينه و بين ما نوى
و ليس مجبرا له لو لم يحلّ***و لا بمغر إذ هداه بالرّسل
و لا بأن خلّاه إذ لم يقبل***تحذيره أدخله في العمل
و أيضا فإنّ اللّه تعالى يريد شيئا غير ما نهواه، و ليس إلّا ما يريد اللّه، فلا بدّ في الاستطاعة النّفس الأمريّة من موافقة مراد العبد لمراد اللّه. قال امير المؤمنين (ع):
«اوحى اللّه الى داود، يا داود! تريد و اريد، و لا يكون إلّا ما اريد، فان اسلمت لما اريد، اعطيتك ما تريد، و ان لم تسلم لما اريد، اتعبتك فيما تريد، ثمّ لا يكون إلّا ما اريد.» (1)
و ليس إذ أعطاه اللّه الاستطاعة، يمنعه ذلك عن ردّه لطاعة؛ اى يكون هو تعالى بحيث لا يقدر على ردّه الى طاعته عند إرادة العبد الفسوق و الخروج الى عصيانه، كما أنّ قضائه و قدره لا يمنعانه عن انفاذ قدرته في العبد و لا في افعال نفسه و ارادته؛ بل لو يشاء صدّه عمّا غوى؛ اى يصدّه عن غوايته؛ على ان تكون ما مصدريّة، او عمّا غوى به، على ان تكون موصولة؛ اى يصدّه عمّا هو سبب غوايته.
و كذلك لو يشاء، حال بينه و بين ما نوى؛ كما قال تعالى: (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ)(2). و ليس مجبرا له لو لم يحلّ، و لا بمغر ايّاه، إذ هداه بالرّسل و لا بأن خلّاه و نفسه، إذ لم يقبل تحذيره الّذي بلغه على السن رسله، كان قد أدخله في العمل. قد تقدّم قول الرضا (ع): «و ان ائتمروا بمعصية، فشاء ان يحول بينهم و بين ذلك فعل، و اذا لم يحل و فعلوه، فليس هو الّذي ادخلهم فيه.» (3)
و عن الفضل، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال: لا جبر و لا تفويض، و لكن امر بين امرين، قلت: ما امر بين امرين؟ قال (ع): مثل ذلك، مثل رجل رأيته على معصية فنهيته، فتركته، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته انت الّذي امرته بالمعصية.» (4)
فالعبد فاعل لما اشتهاه***من خير أو شرّ بما أعطاه
من قوّة و صحّة إرادة***و شهوة هاجت بما أراده
و الجبر إكراه بما لا يشتهى***و من أتى بشهوة لم يكره
فالخير فعل العبد و اللّه أمر***و الشرّ فعل منه و اللّه زجر
و يفعل الشّر بالآلة الّتي***يفعل للخير بلا تفاوت
فالعبد فاعل لما اشتهاه من خير أو شرّ، و لكن يفعله بما أعطاه اللّه من قوّة و صحّة، و إرادة و شهوة، هاجت بما أراده، فتحركه نحو ما يريد؛ كما تقدّم قول الصادق (ع)، فى مكتوبه الى عبد الرحيم القصير. و ليس هذا بجبر، و انّما الجبر، إكراه بما لا يشتهى، و من أتى شيئا بشهوة من نفسه و إرادة منه، فهو لم يكره. عن فقه الرضا (ع)، سألت العالم (ع):
«اجبر اللّه العباد على المعاصى؟ فقال (ع): اللّه اعدل من ذلك؛ فقلت له:
ففوّض إليهم؟ فقال: هو اعزّ من ذلك؛ فقلت له: فصف لنا المنزلة بين المنزلتين؟
فقال (ع): الجبر، هو الكره، فاللّه- تبارك و تعالى- لم يكره على معصية؛ و إنّما الجبر، ان يجبر الرجل على ما يكره و على ما لا يشتهى كالرّجل يغلب على ان يضرب أو يقطع يده، او يؤخذ ما له أو يغصب على حرمته أو من كانت له قوّة و منعة فقهر؛ و امّا من اتى الى امر طائعا محبّا له، يعطى عليه ماله لينال شهوته فليس ذلك بجبر؛ و انّما الجبر، من اكره عليه أو اغصب، حتّى فعل ما لا يريد، و لا يشتهيه ذلك، إنّ اللّه تعالى لم يجعل لهم هوى و لا شهوة و لا محبّة و لا مشيّة، الا فيما علم أنّه كان منهم.» (1)
فالخير، فعل العبد، و اللّه أمر به، و الشرّ، فعل منه، و اللّه زجر عنه؛ و يفعل الشّر بالآلة الّتي يفعل للخير بلا تفاوت، ففى أسئلة الزنديق عن الصادق (ع)، قال:
«فالعمل الصالح من العبد، هو فعله، و العمل الشرّ من العبد، هو فعله؟ قال (ع):
العمل الصالح للعبد، يفعله و اللّه به امره، و العمل الشرّ، العبد يفعله، و اللّه عنه نهاه؛ قال: أ ليس فعله بالآلة الّتي ركّبها فيه؟ قال (ع): نعم، و لكن بالآلة الّتي عمل بها الخير، قدر بها على الشرّ الّذي نهاه عنه؛ قال: فالى العبد شيء؟ قال (ع): ما نهاه اللّه عن شيء الّا و قد علم أنّه يطيق تركه، و لا امره بشيء إلّا و قد علم أنّه لا يستطيع فعله، لأنّه ليس
1) . البحار 5: 54/ 90.
لا فاعل جبرا و لا بالغلبة***فيغلب اللّه على ما طلبه
لا اللّه مكره بشيء لم يرد***لا العبد مكره على الّذي عمد
بل هو فاعل، مريد فعله***و اللّه شاء، و مقدّر له
و إنّ الأعمال على أشقاص***فرائض، فضائل، معاصى
و الكلّ عن علم، مشيّة، قضاء***و الفرق في الأمر بها و في الرضا
من صفته الجور و العبث و الظلم و تكليف العباد ما لا يطيقون.» (1)
لا فاعل جبرا، فيكون اللّه تعالى قد اجبره، و لا فاعل بالغلبة، فيغلب اللّه على ما طلبه منه، لا اللّه مكره بشيء لم يرد ايّاه، و لا العبد مكره على الّذي عمد و قصده؛ بل هو؛ اى العبد، فاعل، مريد فعله، و اللّه شاء، و مقدّر له. و قد مرّت اقوالهم (ع) فى هذه المعانى، فلا نعيدها.
و إنّ الأعمال على أشقاص؛ اى انواع: فرائض و فضائل و معاصى، و الكلّ عن علم و مشيّة و قضاء، و الفرق بين الثلاثة، فى الأمر بها و في الرضا. و تفصيله ما عن الرضا (ع)، عن آبائه، عن الحسين بن على (ع)، قال:
«سمعت ابى عليّ بن ابى طالب (ع)، يقول: الأعمال ثلاثة: احوال، فرائض و فضائل و معاصى؛ فامّا الفرائض، فبامر اللّه و برضى اللّه و بقضائه و تقديره و مشيّته و علمه؛ و امّا الفضائل، فليست بامر اللّه، و لكن برضى اللّه و بقضاء اللّه و بقدر اللّه و بمشيّة اللّه و بعلم اللّه؛ و امّا المعاصى، فليست بامر اللّه، و لكن بقضاء اللّه و بقدر اللّه و بمشيّة اللّه، ثمّ يعاقب عليه.» (2)
و في تحف العقول، عنه (ع) هكذا: «الأعمال ثلاثة: فرائض و فضائل و معاصى؛ فامّا الفرائض، فبامر اللّه و مشيّته و برضاه و بعلمه و قدره يعملها العبد فينجو من اللّه بها؛ و امّا الفضائل، فليس بامر اللّه، لكن بمشيّته و برضاه و بعلمه و بقدره، يعملها العبد، فيثاب عليها؛ و امّا المعاصى، فليس بامر اللّه و لا بمشيّته(3)و لا برضاه، لكن بعلمه و بقدره يقدّرها لوقتها، فيفعلها العبد باختياره فيعاقبه اللّه عليها، لأنّه قد نهاه عنها فلم ينته.» (4)
شاء لعبده استطاعة على***ما لم يشأ، لأن يكون فاعلا
شاء أراد و أحبّ في رضا***إن كان ما أتى به ممّا ارتضى
و ما سواه شائه و ما أحبّ***أراده بلا رضا و لا طلب
لم يرض للعباد كفرا، بل نهى***كذا إليهم الفسوق، كرّها
شاء لعبده استطاعة على ما لم يشأ، لأن يكون فاعلا؛ كما عن الفضيل، عن الصادق (ع)، قال: «سمعته يقول: شاء اللّه ان اكون مستطيعا لما لم يشاء ان اكون فاعله.»(1)يعنى: أنّه لم يشأ منه الفعل، مشيّة إرادة و رضا؛ يعنى: مشيّة طلبيّة، و مع ذلك شاء أن يكون مستطيعا له، متمكّنا منه، شاء و أراد و أحبّ في رضا منه تعالى، إن كان ما أتى به العبد ممّا ارتضى اللّه، و ما سواه؛ اى سوى المرضىّ عنه شائه مشيّة قدريّة، و ما أحبّ، بل أراده إرادة قدريّة بلا رضا منه، و لا طلب له لم يرض للعباد كفرا، بل نهى عنها، قال تعالى:( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)(2). كذا إليهم الفسوق، كرّها لكراهته ايّاه؛ كما قال:( حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ، وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ )(3). فعن الفضيل أيضا، عنه (ع)، قال:
«و سمعته يقول: شاء و اراد و لم يحبّ و لم يرض، شاء ان لا يكون في ملكه الّا بعلمه، و اراد مثل ذلك، و لم يحبّ ان يقال له ثالث ثلاثة، و لم يرض لعباده الكفر.» (4)
و عن ابى بصير، قال ابو عبد اللّه (ع): «شاء و اراد، و لم يحبّ و لم يرض، قلت:
كيف؟ قال (ع): شاء ان لا يكون شيء إلّا بعلمه، و اراد مثل ذلك، و لم يحبّ ان يقال ثالث ثلاثة، و لم يرض لعباده الكفر.» (5)
و عن ابى بصير، عنه (ع) أيضا، قلت: «شاء لهم الكفر و اراد؟ قال: نعم، قلت:
فاحبّ ذلك و رضيه؟ قال (ع): لا، قلت: شاء و اراد، و لم يحبّ و لم يرض؟ قال (ع):
هكذا خرج إلينا.» (6)
و اللّه بالطّاعات أولى و أحقّ***إذ هو قوّى و هدى لما انطلق
و العبد أولى بالذّنوب إذ صرف***قوّته فيما بضرّه اغترف
و اللّه بالطّاعات أولى و أحقّ، و ان كان العبد هو الفعال لها، إذ هو قوّى و هدى لما انطلق العبد إليه، و العبد أولى بالذّنوب، إذ صرف قوّته فيما بضرّه اغترف من المعاصى المخزية. فعن البزنطى، قال: «قلت للرضا (ع): إنّ اصحابنا بعضهم يقول بالجبر، و بعضهم يقول بالاستطاعة، فقال (ع) لى: اكتب: قال اللّه- تبارك و تعالى-: يا ابن آدم! بمشيّتى كنت انت الّذي تشاء لنفسك ما تشاء، و بقوّتى ادّيت إليّ فرائضى، و بنعمتى قويت على معصيتى، جعلتك سميعا بصيرا قويّا (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ )(1). و ذلك انّى اولى بحسناتك منك، و انت اولى بسيّئاتك منّى، و ذلك انّى لا اسأل عمّا افعل و هم يسألون، فقد نظمت لك كلّ شيء تريد.»(2)و في رواية: «و قد نظمت لك جميع ما سألت».
و عن الوشّاء، عنه (ع) أيضا، قال: «سألته، فقلت: اللّه فوض الأمر الى العباد؟
قال (ع): اللّه اعزّ من ذلك؛ قلت: فاجبرهم على المعاصى؟ قال (ع): اللّه اعدل و احكم من ذلك؛ ثمّ قال: قال اللّه- عزّ و جلّ- يا ابن آدم، انا اولى بحسناتك منك، و انت اولى بسيّئاتك منى، عملت المعاصى بقوّتى الّتي جعلتها فيك.» (3)
و عن موسى بن جعفر (ع)، قال: قال اللّه تعالى: ابن آدم! بمشيّتى كنت ...»(4)الى آخره مثل ما عن البزنطى.
و عن الصادق (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): إنّ اللّه يقول: يا ابن آدم! بمشيّتى كنت انت الّذي تشاء لنفسك ما تشاء، و بإرادتي كنت انت الّذي تريد لنفسك ما تريد، و بفضل نعمتى عليك قويت على معصيتى، و بقوّتى و عصمتى و عافيتى ادّيت الى فرائضى، و انا اولى بحسناتك منك، و انت اولى بذنبك منّى، الخير منّى أليك بما اوليتك به، و الشرّ منّى أليك بما جنيت جزاء، و بكثير من تسلّطى(5)لك انطويت عن
و المسلم البالغ إن يحسن جرى***بحمده و إن أساء استغفرا
ثمّ له اللّطف بتوفيق المشاء***و ذاك فضل اللّه يؤتى من يشاء
فالعدل في تسوية المئونة***و الفضل بالتّوفيق و المعونة
و المنع خذلان بمن عصاه***و ليس في خذلانه إكراه
طاعتى، و بسوء ظنّك بى قنطت من رحمتى، فلى الحمد، و الحجّة عليك بالبيان ولى السّبيل عليك بالعصيان، و لك الجزاء عندى بالاحسان، لم ادع تحذيرك بى، و لم أخذك عند غرّتك، هو قوله:( وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ )(1)، لم اكلّفك فوق طاقتك و لم احملك من الأمانة إلّا ما اقررت بها على نفسك و رضيت لنفسى منك ما رضيت به لنفسك منّى.» (2)
و عن الرضا (ع)، قال: «كان عليّ بن الحسين (ع) اذا ناجى ربّه، قال: اللّهم يا ربّ انّما قويت على معاصيك بنعمك.» (3)
و المسلم البالغ؛ اى الّذي بلغ حدّا من الإيمان إن يحسن جرى لسانه بحمده، لأنّه يرى ربّه اولى باحسانه، و إن أساء استغفر، لأنّه يرى ذنوبه منه. و في الحديث المتقدّم عن حريز عن الصادق (ع)، و رجل يقول: «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- كلّف العباد ما يطيقون، و لم يكلّفهم ما لا يطيقون، فاذا احسن حمد اللّه، و اذا اساء استغفر اللّه، فهذا مسلم بالغ.» (4)
ثمّ؛ اى بعد هذه التسوية بين عباده بالاستطاعة العامّة، له تعالى اللّطف الخاصّ لبعض عباده؛ كما قال تعالى:( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ )(5). و ذلك بتوفيق المشاء له، و بتوفيقه للمشاء (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(6).
و على هذا، فالعدل في تسوية المئونة للتّكليف بين عباده، و الفضل بالتّوفيق و المعونة، يتفضّل بها على من يشاء، و المنع؛ اى منع الفضل، خذلان بمن عصاه، و الخذلان هو التخلية بينه و بين ما يريد، و ليس في خذلانه إكراه و اجبار: فعن ابراهيم بن ابى محمود، قال:
«سألت أبا الحسن الرضا (ع)، عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:( وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ )(1). فقال (ع): إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لا يوصف بالتّرك، كما يوصف خلقه، و لكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر و الضلال، منعهم المعاونة و اللّطف، و خلًّا بينهم و بين اختيارهم؛
قال و سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:( خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ )(2)قال (ع): الختم، الطبع على قلوب الكفّار عقوبة على كفرهم؛ كما قال تعالى: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا)(3). قال: و سالته عن اللّه- عزّ و جلّ- هل يجبر عباده على المعاصى؟ فقال (ع): بل يخيّرهم و يمهلهم حتّى يتوبوا، قلت:
فهل يكلّف عباده ما لا يطيقون؟ فقال (ع): كيف يفعل ذلك، و هو يقول:( وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ )(4)؟ (5)
و عن الهاشمى، قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن قوله: (وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ )(6)و قوله- عزّ و جلّ-:( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ. )(7).
فقال (ع): اذا فعل العبد ما امره اللّه- عزّ و جلّ- به من الطاعة، كان فعله وفقا لما امر اللّه، و سمّى العبد به موفّقا، و اذا اراد العبد ان يدخل في شيء من معاصى اللّه، فحال اللّه بينه و بين المعصية، فتركها، كان تركه لها بتوفيق اللّه تعالى؛ و متى خلّى بينه و بين المعصية، فلم يحل بينه و بينها حتّى يرتكبها، فقد خذله و لم ينصره و لم يوفّقه.»(8)
و قد مرّ عن الباقر (ع) فى معنى «لا حول و لا قوّة إلّا باللّه»: «لا حول لنا عن معصية اللّه إلّا بعون اللّه، و لا قوّة لنا على طاعة اللّه إلّا بتوفيق اللّه.» (9)
و عنه (ع)، قال: فى التوراة مكتوب، مسطور، يا موسى! انّى خلقتك و اصطفيتك و قوّيتك و امرتك بطاعتى، و نهيتك عن معصيتى، فان اطعتنى اعنتك9.
على طاعتى، و ان عصيتنى لم اعنك على معصيتى، ولى المنّة عليك في طاعتك، ولى الحجّة عليك في معصيتك.»(1)
ثمّ اعلم: إنّ اصل التوفيق، جعل العبد و تصييره موافقا لما امره به؛ كما فسّره الصادق (ع)، و لكن حيث لا يكون ذلك منه تعالى، بنحو الاكراه و الالزام، كان ذلك بتهيئة الأسباب، فمن فسّره بتوجيه العبد نحو المسبّبات الخيريّة ان اراد به التوجيه بالأسباب، كان تفسيرا بلازمه و لا بأس به.
و كيف كان، فالأسباب كثيرة، و هى تختلف حسب اختلاف الأعمال في احتياجاتها الزائدة بعضها على بعض، كاحتياج الحجّ مثلا الى المال، و حيث إنّ كلّ عمل لا يخلو عن سبب أو اسباب، فلا مانع من ان يكون كلّ طاعة و خير بالتّوفيق؛ كما يومى إليه بعض تلك الأخبار؛ فانّ كلّ فاعل خير، اذا قيس الى من تركه، او عاطل شرّ اذا قيس الى من ارتكبه، كان واجدا لمزيّة لطف و عناية زائدة، هو فاقدها. و اصرح من تلك الأخبار تعميما في اطلاق التوفيق، ما عن الصادق (ع)، أنّه قال: «ما علم رسول اللّه (ص) أنّ جبرئيل من قبل اللّه إلّا بالتوفيق.» (2)
و عن عبد الرحيم القصير، عنه (ع)، قال: «سأله حفص الأعور، و انا اسمع:
جعلنى اللّه فداك! قول اللّه:( وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)(3). قال: ذلك القوّة و اليسار؛ قال: فان كانوا موسرين، فهم ممّن يستطيع إليه السّبي؟
قال (ع): نعم؛ فقال له ابن سيابة: بلغنا عن ابى جعفر (ع)، أنّه كان يقول: يكتب وفد الحاجّ، فقطع (ع) كلامه، فقال: كان ابى يقول: يكتبون في الليلة الّتي قال اللّه فيها يفرق كلّ امر حكيم، قال: فان لم يكتب في تلك اللّيلة يستطيع الحجّ؟ قال (ع): لا، معاذ اللّه! فتكلّم حفص، فقال (ع): لست من خصومتكم في شيء هكذا الأمر.»(4)و عن عبد الرحيم القصير فيما كتب إليه (ع) أيضا، سأله عن المعرفة، فكتب (ع) إليه: سألت عن المعرفة، ما هى؟ فاعلم: رحمك اللّه، إنّ المعرفة من صنع اللّه- عزّ و جل- فى القلب مخلوقة و الجحود من صنع اللّه في القلب مخلوق، و ليس للعباد فيهما صنع، و لهم فيهما الاختيار من الاكتساب، فبشهوتهم الايمان اختاروا المعرفة، فكانوا بذلك
مؤمنين عارفين، و بشهوتهم الكفر اختاروا الجحود، فكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلّالا، و ذلك بتوفيق اللّه لهم، و خذلان من خذله اللّه، فبالاختيار و الاكتساب عاقبهم اللّه و اثابهم.» (1)
اقول: لا يتوّهم من قوله (ع) «و ليس للعباد فيهما صنع» مع قوله بأنّهما مخلوقان للّه، أنّه يوافق مذهب الأشاعرة، من أنّ افعال العباد مخلوقات للّه تعالى، يخلقها عند إرادة العبد، بل المقصود، نفى كونها بالخصوص من صنع العباد بحيث يصنعون في انفسهم ما يشاءون من المعرفة و الجحود، و انّما الّذي من صنع العباد اسبابها، و هما من خلق اللّه عند وجود اسبابها الاختياريّة، لكن لا على وجه السببيّة و المسببيّة و العلّة و المعلوليّة، بل على وجه الاقتضاء؛ نظير خلق الشفاء و الدعاء، عند استعمال السمّ و الدواء، و قد تقدّم بيان ذلك.
و عن فقه الرضا: «اروى أنّ رجلا سأل العالم (ع)، فقال: أ ليس انا مستطيع لما كلّفت؟ فقال (ع): ما الاستطاعة عندك؟ قال: القوّة على العمل، قال له (ع): قد اعطيت القوّة، ان اعطيت المعونة، قال له الرجل: فما المعونة؟ قال: التوفيق، قال: فلم اعط التوفيق؟ قال (ع): لو كنت موفّقا، كنت عاملا، و قد يكون الكافر اقوى منك، و لا يعطى التوفيق فلا يكون عاملا، ثمّ قال (ع): اخبرنى عنك، من خلق فيك القوّة؟ قال الرجل:
اللّه- تبارك و تعالى-، قال العالم: هل تستطيع بتلك القوّة دفع الضرر عن نفسك، و اخذ النّفع إليها بغير العون من اللّه- تبارك و تعالى-؟ قال: لا، قال: فلم تنتحل ما لا تقدر عليه، ثمّ قال (ع): اين انت من قول العبد الصالح:(وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ )(2)؟ (3)
أيضا فقه الرضا (ع): «و اروى أنّ رجلا سأل العالم: اكلّف اللّه العباد ما لا يطيقون؟ فقال: كلّف اللّه جميع الخلق ما لا يطيقون ان لم يعنهم عليه، فان اعانهم اطاقوه، قال اللّه- عزّ و جلّ-:( وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ )(4). (5)
اقول: لو لا استشهاده (ع) بالآية، لكان الاظهر منه حمله على المعونة بالأسباب دون معونة التوفيق.5.
و الخير بالتّوفيق للشّكور***و الشّر بالخذلان للكفور
و الكلّ في سابق علم اللّه***بلا تخلّف و لا إكراه
و إنّما المشاء و الإرادة***فى الطاعة الأمر كما أراده
و العون و الرضا و في الكفران***النّهى و السّخط مع الخذلان
ثمّ القضاء حكمه بما استحقّ***من الجزاء من أطاع أو فسق
و الخير بالتّوفيق للشّكور، امّا جزاء عن شكره أو لعلمه بأنّه شكور؛ و الشّر بالخذلان للكفور، جزاء عن كفرانه، و الكلّ في سابق علم اللّه بلا تخلّف لعلمه، و لا إكراه لخذلانه، او لسبق علمه. عن الاحتجاج:
«روى أنّه سئل امير المؤمنين (ع) عن القضاء و القدر، فقال (ع): لا تقولوا و كلهم الى انفسهم فتوهنوه، و لا تقولوا جبرهم على المعاصى فتظلموه، و لكن قولوا: الخير بتوفيق اللّه، و الشرّ بخذلان اللّه، و كلّ في سابق علم اللّه.» (1)
و إنّما المشاء و الإرادة للّه تعالى في الطاعة الأمر؛ اى امره تعالى كما أراده و العون؛ اى عونه تعالى و الرضا؛ اى رضاه تعالى؛ يعنى، أنّ مشيّته و ارادته التكليفيّتان فى الطاعات، تتحقّقان بثلاثة اشياء، و هى هذه الثلاثة.
و في الكفران أيضا بثلاثة اشياء: النّهى و السّخط مع الخذلان، ثمّ القضاء، و هو حكمه بما قد استحقّ الفاعل منهما من الجزاء من أطاع أو فسق؛ اى خرج عن الطاعة، و هذا القضاء، غير القضاء الّذي هو من مبادى افعاله تعالى، ففى حديث معاوية الشامى، عن الرضا (ع):
«فقلت له: فهل للّه- عزّ و جلّ- مشيّة و إرادة في ذلك؟ فقال (ع): امّا الطاعات، فإرادة اللّه و مشيّته فيها الأمر بها، و الرضا لها، و المعاونة عليها، و ارادته و مشيّته في المعاصى؛ النّهى عنها، و السّخط لها، و الخذلان عليها؛ قلت: فما معنى هذا القضاء؟
قال (ع): الحكم عليهم بما يستحقّونه على افعالهم من الثواب و العقاب في الدنيا و الآخرة.» (2)
و اللّه لا يأمر بالفحشاء***و إنّما تدخل في المشاء
مشيّة الوجود لا الإيجاد***لأنّ الإيجاد من العباد
كذاك لا يمنع عن شيء أمر***لذاك إبليس بلا عذر كفر
و ليس عن شيء يريد ناهيا***من أجل ذا آدم كان عاصيا
و لا على ما لم يرد يعين***يقتل أو يتوب من يدين
و اللّه لا يأمر بالفحشاء؛ كما قال تعالى:( وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)(1). و قال الصادق (ع): «من زعم أنّ اللّه يأمر بالفحشاء، فقد كذب على اللّه و من زعم أنّ الخير و الشرّ إليه، فقد كذب على اللّه.» (2)
و إنّما تدخل الفحشاء في المشاء؛ اى في المشيّة القدريّة لا التكليفيّة؛ اذ ليس شيء خارجا عن علمه و مشيّته كما تقدّم، و هذه المشيّة عبارة عن مشيّة الوجود لا الإيجاد لأنّ الإيجاد من العباد لا منه؛ يعنى: أنّه تعالى إنّما شاء وجود الفحشاء، او كلّ شرّ بفعل العبد لا ايجاده بفعل نفسه، حتّى يكون العبد كالآلة له كذاك لا يمنع عن شيء أمر به؛ كما مرّ الحديث أنّه ليس بصادّ عمّا امر به، لذاك إبليس بلا عذر كفر؛ اى لم يكن له في كفره عذر، و لو كان مانعا، لكان ابليس معذورا.
و أيضا أنّه تعالى ليس عن شيء يريد ناهيا عنه، من أجل ذا آدم كان عاصيا، فلو كان ناهيا عما يريد؛ اى مريدا لما نهى عنه لم يكن عاصيا، و لا على ما لم يرد يعين، لأنّه اعانة على الظلم، فإنّ العبد ظالم بفعله؛ بل يقتل أو يتوب من يدين بهذا المقال. فعن داود بن قبيصة، قال:
«سمعت الرضا (ع)، قال: سأل ابى (ع)، هل منع اللّه عمّا امر به؟ و هل نهى عمّا اراد؟ و هل اعان على ما لم يرد؟
فقال (ع): امّا ما سألت هل منع اللّه عمّا امر به، فلا يجوز ذلك، و لو جاز ذلك، لكان قد منع ابليس عن السجود، و لو منع ابليس لعذره لم يلعنه؛
و ما يصيب النّاس من خير و شرّ***إمّا بإعمال و إمّا بالقدر
و ما بالأعمال بتقدير و كدّ***و القدر الروح و الأعمال الجسد
و امّا ما سألت هل نهى عمّا اراد، فلا يجوز ذلك، و لو جاز ذلك، لكان حيث نهى آدم عن اكل الشجرة اراد منه اكلها، و لو اراد منه اكلها ما نادى عليه صبيان الكتاتيب، و عصى آدم ربّه فغوى، و اللّه تعالى لا يجوز عليه ان يأمر بشيء و يريد غيره؛
و امّا ما سألت عنه من قولك هل اعان على ما لم يرد، فلا يجوز ذلك، و جلّ اللّه تعالى، ان يعين على قتل الأنبياء و تكذيبهم، و قتل الحسين بن على (ع) و الفضلاء من ولده، و كيف يعين على ما لم يرد و قد اعدّ جهنّم لمخالفيه، و لعنهم على تكذيبهم لطاعته و ارتكابهم لمخالفته، و لو جاز ان يعين على ما لم يرد، لكان اعان فرعون على كفره، و ادّعائه أنّه ربّ العالمين، أ فترى اراد اللّه من فرعون ان يدّعى الربوبيّة، يستتاب قائل هذا، فان تاب من كذبه على اللّه و إلّا ضربت عنقه.» (1)
و ما يصيب النّاس في اموالهم و انفسهم من خير و شرّ: إمّا بإعمال منهم، و إمّا بالقدر من اللّه، قال اللّه تعالى:( وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ )(2). و قال: (فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)(3)و قال: (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)(4). و قال: (نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ)(5). و قال الصادق (ع): «كما أنّ بادئ النعم من اللّه- عزّ و جلّ- و قد نحلكموه، كذلك الشرّ من انفسكم، و ان جرى به قدره.» (6)
و قال الرضا (ع): ثمانية اشياء لا تكون إلّا بقضاء اللّه و قدره، النّوم و اليقظة، و القوّة و الضعف و الصحّة و المرض و الحيات و الموت.» (7)
و ما بالأعمال يصيبهم، فهو بتقدير و كدّ معا؛ اى و ان كان بالكدّ و السّعى، لكنّه
مع ذلك، لا يخلو عن القدر أيضا، كما في قول الصادق (ع): «كذلك الشرّ من انفسكم و ان جرى به قدره.» (1)
و القدر الروح؛ اى بمنزلة الروح له و الأعمال الجسد؛ اى بمنزلة الجسد. عن الزهرى، قال رجل لعلىّ بن الحسين (ع): «جعلنى اللّه فداك! أ بقدر يصيب النّاس ما اصابهم أم بعمل؟ فقال (ع): إنّ القدر و العمل بمنزلة الروح و الجسد، فالرّوح بغير جسد لا يحسّ، و الجسد بغير روح صورة لا حراك بها، فاذا اجتمعا قويا و صلحا، كذلك العمل و القدر، فلو لم يكن القدر واقعا على العمل، لم يعرف الخالق من المخلوق، و كان القدر شيئا لم يحسّ، و لو لم يكن العمل بموافقة من القدر، لم يمض و لم يتمّ، و لكنّهما باجتماعهما قويا، و للّه فيه العون لعباده الصالحين.» (2)
و عن فقه الرضا (ع): «و رويت عن العالم أنّه قال: القدر و العمل بمنزلة الروح و الجسد فالروح بغير الجسد لا يتحرك و لا يرى، و الجسد بغير الروح، صورة لا حراك له، فاذا اجتمعا قويا و صلحا و حسنا و ملحا ...» و زاد في آخره ثمّ تلا هذه الآية:
(وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ.) (3)
و شبهة العلم من المغالطة***بل هى في الأمر البديهى سفسطة
بداهة الوجدان و الإيمان***حيث نرى الخيار بالوجدان
نفعل أو نترك ما نريد***نحتال في مطلبه نكيد
نمدح من يفعل خيرا أو يؤمّ***و عامل الشرّ نلوم و نذمّ
نندم للقبيح ثمّ نعتذر***و إن فضيلة كسبنا نفتخر
قد عرفت في صدر المبحث أنّ المجبّرة، احتجّوا للجبر بحجج من العقل و النّقل من الآيات و الروايات، و عندنا أنّها كلّها شبهات، لا حجج و دلالات. و انّ اقوى شبههم بزعمهم لإفحام الخصم، شبهة العلم الّتي احدثها بزعمهم امامهم الرازى.
و عندى، أنّه سرقها من المعتزلة.
و كيف كان، فأنا اذكر جميع شبههم و اجيب عنها بعون اللّه تعالى، و ان كنّا في غناء عنه بعد ذلك التحقيق، و انّما يكفيهم ان يقال:( ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ .)(1)
و شبهة العلم من المغالطة، و ستظفر على وجه المغالطة، فإنّه غالط في الأصغر و الأكبر، بل هى في الأمر البديهى سفسطة؛ و إنّا اذا اثبتنا بداهة الاختيار، لا نبالى بالتّشكيك. و ان فرض عجزنا عن دفعه، فإنّ العقل لا يعبأ بالشّبهة في مقابل البداهة.
و امّا البداهة، فهى بداهتان: بداهة الوجدان و بداهة الإيمان؛ اى البداهة من الدين. امّا الأولى، فهى ظاهرة لمن راجع وجدانه، حيث نرى الخيار لأنفسنا بالوجدان، و تقريره من وجوه: و هى، إنّا نرى في انفسنا أنّا نفعل ما نريد، أو نترك ما نريد و إنّنا نحتال في مطلبه؛ اى نأخذ فيه، و نستعمل وجوه الحيلة، و نكيد في طلبه بانواع الكيد؛
و أيضا نمدح من يفعل خيرا أو يؤمّ خيرا، و عامل الشرّ نلوم و نذمّ، و ليس الّا لانّا نراهما فاعلى الفعل مختارين فيه؛
و أيضا إنّا نندم للقبيح اذ صدر عنّا، ثمّ نعتذر عنه؛
و أيضا إن فضيلة كسبنا نفتخر بها على الأقران؛
1) . الانعام 6: 91.
و النّاس يأخذون بالأعمال***عليهم أو لهم من الأحوال
و من جنى جناية ثمّ اعتذر***بانّ ربّى قد جنى لا يغتفر
و من أتى بما عليه يغبط***فقيل: هذا ليس منك يسخط
و ليس في بداهة الدين خفاء***إذ بالخيار، قد جرى و كلّفا
تفاضل الأرزاق و الآجال***و الدرجات نيط بالأعمال
فهذه الشّبهة في البداهة***كنفى علمه من السّفاهة
و أيضا النّاس يأخذون النّاس بالأعمال فيما كان عليهم أو لهم من الأحوال؛ و ليس هذا إلّا من جهة أنّهم يرون انفسهم الفاعلين بالاختيار؛ و أيضا من جنى جناية، ثمّ اعتذر بانّ ربّى قد جنى، لا يغتفر عليه؛
و أيضا من أتى بما عليه يغبط من صنعة عجيبة، او خصلة كريمة، فقيل له: هذا ليس منك يسخط على القائل.
فهذا تقرير البداهية الوجدانيّة. و الحكم في جميع ما ذكر بديهى عند اولى الألباب، لا يرتاب فيه مرتاب و لا يعترض عليه معترض. اللّهم إلّا ان يكون من ذوات الأذناب.
و ليس أيضا في بداهة الدين خفاء، فإنّ من تبصّر بالدّين الاسلامى، بل بما سلفه من دين اللّه، يظهر له أنّ من ضروريّاته الاختيار؛ إذ بالخيار، قد جرى و كلّفا. فإنّ التكاليف لم تتعلّق إلّا بالاختيار، و إنّ المجازات بالحدود و غيرها من الدنيويّة و الأخرويّة، لا تجرى إلّا على المختار، و قد اسقط التكليف و المؤاخذة عن ذوات الأعذار من النّاسى و المخطى و النّائم و المكره و المجنون و الأعمى و الأعرج و المريض، فيما هو خارج عن حدود تمكّنهم.
و أيضا تفاضل الأرزاق و الآجال و الدرجات كلّها، نيط بالأعمال( وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)(1).
فهذه الشّبهة في مقابل هذه البداهة من الاختيار، حالها بعينها كنفى علمه تعالى ليست إلّا من السّفاهة؛ فإنّ قوما انكروا علمه تعالى بالجزئيّات، لأنّها متغيّرة، و العلم بها يستلزم تغيير الذات.2.
1) . الانعام 6: 132.
و إنّها تقرير شبهة القدر***ففى المبادى كلّها هذا النّظر
و انقضه أنّ علمه من الأزل***بفعلنا كعلمه بما فعل
لو كان علمه بشيء موجبا***لكان فعله عليه واجبا
إذن، فغير العلم ما له أثر***فلا مشيّة إرادة قدر
و إنّها؛ اى شبهة العلم، تقرير شبهة القدر لا شيء آخر، غاية الأمر أنّ الرازى، بدّل عنوان القدر بالعلم. ففى المبادى كلّها هذا النّظر؛ اى التشكيك في الاختيار و تقرير استلزامها الجبر؛ اذ الملاك في الجميع واحد، و هو عدم جواز التخلّف، فيمكن تقرير الشّبهة في العلم و المشيّة و الإرادة و القدر و القضاء. غاية الأمر أنّ تخلّف العلم يستلزم الانقلاب الى الجهل، و تخلّف ما عداه يستلزم المغلوبيّة.
فهذه الشبهة، ليست شبهة اخرى مستقلّة، بل تكرير شبهة القدر بوجه آخر، تمويها و تلبيسا على النّاظر، او جهلا بانّ القدر المتنازع فيه، بين مثبتيه و نافيه، ليس خصوص لفظه؛ بل لما زعموا استلزامه الجبر، اثبته قوم التزاما به، و نفاه قوم حذرا منه. و الاستلزام الّذي زعموه فيه، ليس إلّا عدم امكان التخلّف فيه، و هذا معنى عام يمكن اجرائه في جميع المبادى.
و كيف كان، فالجواب عن هذه الشبهة بوجهين: تارة بالنّقض، و اخرى بالحلّ.
فالنّقض ما اشرت إليه بقولى:
و انقضه أنّ علمه من الأزل بفعلنا، كعلمه بما فعل؛ اى علمه بافعال البشر، ليس إلّا كعلمه بافعال نفسه لحدوثها معا. و حينئذ، لو كان علمه بشيء موجبا له، لكان فعله عليه واجبا أيضا، فيكون إذن فاعلا موجبا، لأنّه لا يتمكّن عن خلافه، و الّا لزم انقلاب علمه جهلا. إذن، فغير العلم ما له أثر، لأنّ علمه يوجب عليه الفعل، فلا مشيّة و لا إرادة و لا قدر، فيلزم انكار هذه الصفات رأسا، كما يلزم انكار القدرة أيضا.
و قد اجيب عن النقض، بالفرق بين علمه بافعال الغير، و علمه بافعال نفسه؛ فإنّ قدرة العبد، قدرة حادثة، فلا تصادم العلم الازلى، بل تكون مغلوبة به مقهورة منه.
و امّا افعال نفسه، فهى ناشئة عن قدرة ازليّة، مثل العلم، و الازليّان يتغالبان، فلا يسلب العلم الأزلى، القدرة الأزليّة. و الى دفعه اشرت بقولى:
و لم تكد قدرته من الأزل***تدفع الانقلاب عنه و هو جلّ
بل مقتضاهما معا لو أثّرا***اجتمع الضدّان إذ تغايرا
فإن توافقا تكاسرا معا***أو واحد قطعا و إلّا ارتفعا
بل كان مقهورا على ما فعله***عبد فلا يقدر أن يبدّله
بل ليس الاختيار ممّا خلقه***أصلا و ليس قادرا أن يخلقه
و لم تكد قدرته من الأزل، تدفع الانقلاب عنه، و هو تعالى جلّ عن ذلك؛ يعنى: أنّ المناط في تأثير العلم للإيجاب، إنّما هو لزوم الانقلاب، و لا يندفع هذا الانقلاب عند تخلّف العلم بمحض أنّ القدرة ازليّة، بل مقتضاهما معا، لو أثّرا اجتمع الوصفان الضدّان له تعالى، الاضطرار بمقتضى العلم، و الاختيار بمقتضى الاقتدار؛ إذ هما؛ اى المقتضيان، تغايرا بالملازمة، و لا يمكن اجتماعها، فلا بدّ في اجتماع العلم و القدرة من فرض التوافق بينهما، فإن توافقا، فالتوافق لا محالة يكون باحد الوجهين؛ كما هو شأن توافق كلّ ضدّين أو المتضادّين بلازمهما، فامّا ان تكاسرا معا، أو ينكسر واحد منهما قطعا كتكاسر سببى الحرارة و البرودة أو كسر احدهما، و إلّا ارتفعا، ان لم يمكن اجتماعهما بالتّكاسر؛ لأنّ العلم و القدرة ليسا من الضدين الّذين لا يمكن ارتفاعهما، بل هما من المتخالفين يجوز اجتماعهما و ارتفاعهما، و اجتماع كلّ مع ضدّ الآخر.
و الحاصل: انّه لو فرض اقتضاء العلم للايجاب، كان مقتضاه منافيا لمقتضى القدرة، فلا بدّ من الالتزام باحد الوجوه الثلاثة: امّا الثالث، فلا يمكن القول به في الصانع عقلا و هو كفر محض شرعا؛ و الأوّل، لا يعقل فرضه إلّا بفرض التكاسر في العلم و القدرة بالتّخصيص من حيث الموارد، فيخصّ العلم بمورد و القدرة بمورد؛ فيبقى الثانى، و لازمه الالتزام بحكومة احدهما و اندكاك الآخر بالمغلوبيّة و الانكسار، إمّا العلم أو القدرة، فليس له تعالى في فعله إلّا واحد منهما، فلو حكّمنا العلم على ما قرّروه، كان هو تعالى مقهورا في ارادته، بل كان مقهورا أيضا و مغلوبا على ما فعله عبد، لمكان علمه به المقتضى لجبره عليه، إذن، فلا يقدر أن يبدّله، لأنّ تقديره يوجب خلاف علمه و تخلّفه، و اذا كان غير قادر على التغيير، فهو مقهور، فليس العبد فقط مجبورا في فعله، بل اللّه تعالى أيضا مجبور؛ بل مقتضى تأثير العلم هذا الايجاب، ان ليس الاختيار ممّا خلقه أصلا؛ اى لم يخلقه في الوجود اصلا؛ لأنّ العلم الأزلى ينافى الاختيار، بل و ليس قادرا أن يخلقه، لأنّ العلم سبب للايجاب، و معه لا مجال
و بيّنوا في حلّه أن اتبع***العلم للمعلوم كيفما يقع
و ردّ بالعكس، فقالوا إنّ ذا***أصل الوزان في الطباق أخذا
و الحلّ عندى أنّه ما اشتملا***باللاوقوع و الوقوع مجملا
بل علمه يحيط بالأشياء***كما و كيفا قبل الابتلاء
للاختيار فخلقه من المحال. هذا كلّه في النّقض جوابا عن هذه الشّبهة.
و امّا الجواب الحلّي: فقد بيّنوا في حلّه أن اتبع العلم للمعلوم كيفما يقع؛ يعنى، أنّ العلم يكون تابعا للمعلوم في كيفيّته و حيثيّته، فكلّما كان المعلوم عليه واقعا كان العلم له تابعا، و لا يغيّره عمّا هو عليه، فما هو الممكن في ذاته لا يصيّره العلم بالصّدور واجبا، او العلم بعدمه ممتنعا، فلا العلم ينقلب جهلا و لا المعلوم الممكن ينقلب الى الوجوب أو الامتناع.
و ردّ هذا الجواب، بأنّ الأمر بالعكس؛ يعنى، أنّ المعلوم تابع للعلم، لأنّه سابق عليه، و المسبوق تابع للسّابق، دون العكس، و كيف يكون السابق الأزلى تابعا للمتأخّر اللّاحق؟
و اجابوا عن ذلك، فقالوا: إنّ ذا؛ اى كونه تابعا، لا يراد به التبعيّة في الزمان بالتّقدّم و التأخر، بل التبعيّة في الموازنة في التطابق، فهذا الحكم انّما هو أصل الوزان فى الطباق، أخذ في هذه التبعيّة؛ يعنى، أنّه لمّا كانت المطابقة و الموافقة بين العلم و المعلوم حقّا لازما، و كان احدهما عند الموازنة اصلا في التطابق، و الآخر تابعا له، قلنا بأنّ المعلوم هو الأصل في ذلك، لأنّ العلم حكاية عن المعلوم، فالمحكىّ اصل للحاكى في المطابقة. و قد مثّل له الشّارح الجديد للتّجريد، بأنّ نسبة العلم الى المعلوم، كنسبة صورة الفرس الى ذات الفرس، فلا يصحّ ان يقال: إنّما كان الفرس هكذا، لأنّ صورة الفرس هكذا، بل الصحيح العكس، و كذلك لا يصحّ ان يقال: كان زيد شريرا لأنّى علمته شريرا، و يصحّ عكسه.
و هذا الجواب، و ان كان تحلّ به الشّبهة، الّا أنّ في التعبير بتبعيّة العلم الأزلى، نوع حزازة مع تمكّن الخصم من الجدل و المغالطة فيه. و الأحسن في الجواب الحلّى ما قلته:
و الحلّ عندى أنّه، اى العلم ما اشتملا حين التعلّق باللّاوقوع و الوقوع مجملا؛ اذ لا معنى لتعلّق علمه تعالى بالشيء اجمالا، بل علمه يحيط بالأشياء عينا كان أو فعلا، كمّا و كيفا قبل الابتلاء بها و قبل تحقّقها؛ اى يعلم الأشياء قبل كونها
و مثل ما يعلم شيئا لم يقع***يعلم أن كيف يكون لو وقع
كعلمه بأنّه مؤجّل***مشروط أو مطلق أو معجّل
و الجبر و الخيار كيفان هما؟***فهل بجبر أو خيار علما؟
و العلم لا يوجب محضا فعله***إلّا مع العلم بجبره له
و الشيء لا يكون إلّا بقدر***فأىّ ذين خطّ في فعل البشر
و يعلم الفعل كما قد قدّره***فى اللّوح أن يجبره أو يقدره
فعلمه به و علمه بأن***قدّره جبرا بجبر مقترن
و الخصم من أين له العلم بما***قدّره فهو برجم حكما
بل كان ممّا لا ارتياب للملل***أن خلق الإنسان مختار العمل
بجميع جهاتها و خصوصيّاتهما، لا خصوص وقوعها و لا وقوعها، و مثل ما يعلم شيئا لم يقع بعد في التكوين، كما تقدّم تفصيله في العلم يعلم أيضا أن كيف يكون لو وقع، لأنّه لا يجهل شيئا كعلمه، بأنّه مؤجّل أو مشروط أو مطلق أو معجّل، و غير ذلك من الكيفيّات و الخصوصيّات؛ فإنّ العلم يتعلّق بها قبل كون الشيء، كما يتعلّق بنفس الشيء.
و الجبر و الخيار أيضا كيفان هما للفعل، فلا بدّ من تعلّق العلم بهما قبل وقوع الفعل، فهل بجبر أو خيار علم الفعل حين علمه؟ اى شيء يقول الخصم فيه؟ و العلم لا يوجب محضا و بوحدته فعله حتى يكون الفاعل موجبا، إلّا مع العلم بجبره له، حتّى يكون عالما بوقوعه و عالما بجبره معا، و أيضا الشيء لا يكون إلّا بقدر كما تقدّم تفصيله. فأىّ ذين من الجبر أو الاختيار، خطّ عند الخصم في فعل البشر؟ ايّهما صار مكتوبا مقدّرا عليه عند تقدير الفعل؟
و هو تعالى إنّما يعلم الفعل كما قد قدّره في اللّوح من الكيفيّة أن يجبره حين العمل أو يقدره، و ليس يعلمه مجملا و مجرّدا عن التقدير، و لا ينفكّ علمه بالفعل عن علمه بالتّقدير، فعلمه به؛ اى بالفعل، و علمه بأن قدّره عليه جبرا لا اختيارا، يوجب الجبر واقعا، و مثل هذا العلم، بجبر مقترن لا العلم بمجرّد الوقوع و اللاوقوع. و الخصم من أين له العلم بما قد قدّره الحكيم في اللّوح، و هذا العلم له غير حاصل، و الحكم بالجبر بدونه باطل. فهو برجم منه بالغيب حكما بالجبر، بل بالرّغم عليه كان ممّا لا ارتياب للملل لأهلها جميعا، و من المتّفق عليه جميع الأديان لا خصوص الاسلام، أن خلق الإنسان مختار العمل، و أنّه غير الجماد و النّبات و غير الحيوان المجبول في
فاللّه إذ قدّر ما قدّر له***قدّره عن اختيار فعله
و ما به قد سبق العلم جرى***لو لاه، كان الانقلاب ظاهرا
فليس سبق العلم منه مانعا***بل أكّد الخيار صرفا تبعا
إن قيل إنّ العلم موجب و لا***مدخل للتّقدير، قيل باطلا
إذ غاية العلم تحتّم العلم***لا سلب الاختيار عمّن قد فعل
صنعه و عمله، و اذا كان خلق مختارا فلا بدّ من لحاظ الاختيار فيما يقدر له من التقدير، فاللّه إذ قدّر ما قدّر له من الفعل أو الترك، قدّره ان يكون عن اختيار فعله، فالخصم لا طريق له الى العلم بالجبر، و لكن الطريق الى العلم بالاختيار موجود.
ثمّ نورد عليه ما اورده علينا، و نلزمه ردّا عليه بمقاله، فنقول:
و ما به قد سبق العلم قبل التكوين، جرى عنده عينا، و قد عرفت أنّ الّذي سبق، هو العلم بالفعل، مقيّدا بما قدّر له، و هو الاختيار لا مجملا، فلا بدّ ان يجرى في الوجود كما سبق في التعلّق. فالفعل الصادر من الفاعل، لا يكون إلّا عن اختيار لو لاه، كان الانقلاب؛ اى انقلاب العلم ظاهرا، امّا الى الجهل أو الى انتفائه و عدمه؛ لأنّه علم به اختيارا، و ادّى علمه بزعمهم الى الاضطرار، فإمّا ان لم يكن عالما بهذا الانجرار، فلزم الجهل فانقلب ما فرضناه علما جهلا، و إمّا ان كان عالما به، فلزم انقلاب العلم الى عدمه؛ اذ يلزم من وجوده عدمه؛ لأنّ المفروض أنّه علم بالاختيار، و المفروض أيضا بزعمهم أنّ العلم يوجب الاضطرار، فانقلب العلم بالاختيار بنفس تعلّقه الى العلم بالاضطرار، و لزم من وجوده عدمه. و هذا الانقلاب حاصل في رتبة التعلّق قبل موطن التحقّق.
فليس سبق العلم منه تعالى مانعا عن الاختيار، بل العلم على هذا البيان أكّد الخيار، صرفا، خالصا عن الجبر تبعا؛ يعنى، أن سبق العلم يؤكّد الخيار بمقتضى التبعيّة؛ اى تبعيّة المعلوم للعلم، لا أنّه يمنع منه، لأنّ العلم تعلّق بالاختيار، فلا بدّ من المطابقة، و إلّا لزم الانقلاب.
إن قيل: إنّ العلم بنفسه موجب للعمل، لأنّه غير قابل للتّخلف، سواء فرض مطلقا أو مقيّدا بالتّقدير، و لا مدخل للتّقدير في المنع عن تأثيره؛ فقد قيل قولا باطلا، إذ غاية العلم و غاية اقتضائه، إنّما هو تحتّم العمل على العامل لعدم جواز تخلّفه، لا
و الحتم لا ينافى الاختيارا***إذ حتّم الوقوع لا الإجبارا
و إن ترد زيادة البيان***فاعلم هديت أنّ للرّحمن
علم و قدرة مشيّة قضاء***إرادة إذن و محو ما قضى
و إنّ من أنكر واحدا كفر***و المؤمن الّذي بكلّها أقرّ
و إنّما أتى الخطاء و الغلط***لمن سها بالأخذ بالعلم فقط
و علمه لو كان بالجبر قضى***فما سواه نفى جبر اقتضى
و ما سوى القدرة منها حادثة***و الحادث القابل أن لا يحدثه
سلب الاختيار عمّن قد فعل، فان هذا ليس من شأنه، و الحتم لا ينافى الاختيارا، من حيث هو حتم؛ إذ حتّم الوقوع للفعل لا الإجبار عليه، اذ ليس الجبر و الاختيار من آثار الحتم، بل ممّا يتعلّق بهما الحتم، فان تعلّق بالجبر كان الجبر محتوما، و ان تعلّق بالاختيار كان الاختيار محتوما، فهو لا يقتضي بنفسه شيئا. و قد اتّضح بما قرّرنا بطلان هذه الشّبهة تحقيقا.
و مع ذلك، إن ترد زيادة البيان في توضيح البطلان، فاعلم:
هديت الى الحقّ و الرشاد، أنّ للرّحمن- تبارك و تعالى- صفات متعدّدة، كلّها من مبادى الخلق و التكوين على ما تقدّم، و كلّها دخيلة في صدور الفعل منه تعالى، او من عباده، و هى علم و قدرة و مشيّة و قضاء (و المراد به ما يعمّ القدر أيضا) و إرادة و إذن و محو، ما قضى كلّ ذلك ملحوظ قبل كون الأشياء، و قبل فعل العباد، و إنّ من أنكر واحدا منها، كفر كما تقدّم.
و المؤمن البالغ الصادق، هو الّذي بكلّها أقرّ، دون العلم فقط، لأنّ الإيمان بالصّفات، كالايمان بالذّات شرط في الايمان الحقيقى. و إنّما أتى الخطاء و الغلط لمن سها هذا السّهو القبيح، بالأخذ بالعلم فقط، و ترك غيره من الصفات المبادى، فاخذ بلازم العلم، و ذلك أيضا على حسب زعمه و توهّمه، و غفل عن الباقى و لوازمها، فابتلى بهذه الشّبهة الّتي لم يتمكّن من التخلص منها.
و علمه لو كان بالجبر قضى على زعمهم بما قرّروه من عدم جواز تخلّفه، فما سواه من القدرة و المشيّة و الإرادة و القضاء، نفى جبر اقتضى لاحتمالها للتبدّل. و أيضا ما سوى القدرة منها حادثة، و تقدّم الكلام في حدوثها، و من الدليل على حدوثها أيضا، جواز التغيير و التبدّل فيهما، و الحادث هو القابل امكانا أن لا يحدثه، لأنّ معنى
فما هو القابل أن يغيّر***الا يقتضي إيجاب ما به جرى
و الجمع أنّ العلم قد تعلّقا***معلّقا بغيره لا مطلقا
فعلمه معلّق بما يشاء***و ما يريد و له فيه المشاء
فهو كما يعلم شيئا في الأزل***يعلم أن لو شاء غيره فعل
فالعلم عن مشيّة تعلّقا***و ما اقتضته لا يكون مطلقا
بل هى تكوينيّة عزميّة***حتميّة منها و لا حتميّة
و حتمها بالجعل لا بالذّات***فهو له العزم على الإثبات
و ليس مجبرا له ما التزمه***و إن يكن أوفى بعهد أبرمه
الحدوث امكان عدمه.
و على هذا، فما هو القابل في ذاته و نفسه أن يغيّرا لكونه حادثا، لا يقتضي إيجاب ما به جرى؛ يعنى، أنّ الّذي لا وجوب له في نفسه، و يجوز التبدّل فيه كالمشيّة مثلا، لا يقتضي ايجاب ما يجرى به من فعل المكلّف، فإنّ كلّ شيء يجرى في الكون بهذه الصفات المذكورة، و حيث ثبت له تعالى الصفات المختلفة المتنافية في الاقتضاء، فلا بدّ من الجمع بينها.
و الجمع؛ أنّ العلم قد تعلّقا بالشيء معلّقا بغيره من الصفات لا مطلقا؛ اذ ليست الصفات منحصرة به، و لا الأشياء صادرة عنه بالانفراد، فعلمه تعالى معلّق بما يشاء و ما يريد، فإنّه يعلم ما يشاء و يعلم ما يريد كما انّه يشاء ما علم و يريد ما علم. و له أيضا فيه؛ اى فيما يشاء و يريد المشاء؛ اى جعل لنفسه في مشيّته مشيّة.
فهو كما يعلم شيئا فى الأزل يعلم أن لو شاء غيره فعل فيما جعل لمشيّته مشيّة، فالعلم عن مشيّة تعلّقا بالشّيء لا بدونها، و هى أيضا ما اقتضته لا يكون مطلقا، بحيث لا يجوز تخلّفها مطلقا، بل هى نوعان تكوينيّة و عزميّة؛ اى تكليفيّة حتميّة منها، و منها لا حتميّة، و الحتم في التكليف، هو محض الوجوب الّذي لا يرضى بتركه، و في التكوين الايجاب الّذي لا مردّ له، و حتمها؛ اى المشيّة أيضا بالجعل؛ اى بجعله تعالى لا بالذّات، لأنّ المشيّة، ليست كالعلم و القدرة ذاتيّة، فحتمها أيضا ليست بالذّات فهو؛ اى الحتم له تعالى، العزم على الإثبات أو النّفى، و عزمه على شيء، ليس إلّا التزامه به و ليس عزمه مجبرا له ما التزمه على نفسه، و إن يكن أوفى بعهد أبرمه، و من اوفى بعهده من اللّه، هذا في علمه تعالى بافعال نفسه.
و علمه بالفعل غير ملزم***للعبد إن كانت بلا تحتّم
إذ بعده المجال للمشيّة***فشأنه الترخيص في القضيّة
و العلم بالمشيّة المحتمّة***لم يلزم إلّا ما هى المستلزمة
فإن يكن جبر كما توهّموا***فهو بحتم لا بعلم لازم
و لم يشاء لعبده فيما اكتسب***تحتّما إلّا تحتّم الطلب
إذ شرّع الحكم لكلّ ما سعى***و الجبر و التكليف لن يجتمعا
و الحتم في وقوعه معلّق***أيضا على اختياره لا مطلق
و امّا علمه بافعال العبد، فيكون من حيث كونه معلّقا على المشيّة على وجهين؛ كما قلت:
و علمه بالفعل؛ اى بفعل العبد، غير ملزم للعبد إن كانت المشيّة بلا تحتّم، إذ بعده؛ اى بعد العلم المجال للمشيّة، لأنّ علمه به لم يكن على وجه التنجيز، فشأنه على هذا الترخيص في القضيّة، تكوينا أو تكليفا، دون الجبر و الإلزام، و العلم بالمشيّة المحتمّة لم يلزم إلّا ما هى المستلزمة له؛ اى لا يؤثّر العلم اثرا زائدا سوى ما اوجبه الحتم، فإن يكن جبر كما توهّموا، فهو بحتم لا بعلم لازم، لأنّ العلم معلّق على المشيّة، و الأشياء كلّها مسبّبات عنها لا عنه، خلق الأشياء بالمشيّة.
فالمشيّة ان كان حتميّة، اثّرت اثر الايجاب، و لم يشاء اللّه تعالى لعبده فيما اكتسب تحتّما إلّا تحتّم الطلب؛ يعنى، أنّه تعالى لم يجعل لنفسه في افعال العبد الاكتسابيّة مشيّة حتميّة غير الطلبيّة؛ إذ شرّع الحكم لكلّ ما سعى؛ كما قال تعالى: هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص693
(إِلَّا ما سَعى وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى)(1). فقد جعل لكلّ فعل من افعاله حكما من الأحكام الخمسة. و الجبر و التكليف لن يجتمعا معا ابدا، و حيث ثبت التكليف من عنده، فلا يمكن تحتّم الفعل عليه، تحتّما، تكوينيّا، قهريّا، يسلبه الاختيار كافعاله الغير الاختياريّة، و الحتم في وقوعه اطاعة أو عصيانا، معلّق أيضا على اختياره لا مطلق، فهو و ان كان بحسب المشيّة التكوينيّة حتميّا، الّا أنّه حتمىّ الوقوع اختياريّا لا قهريّا؛ يعنى، أنّ اختياره له محتوم عليه.
1) . النجم 53: 39 و 40.
إذن، ففى العاصى مشيّتان له***مشيّة عزميّة أن يفعله
مشيّة كونيّة أن يخلفه***لا عن رضا و إن له أن يصرفه
و قد يرى ذلك في أفعاله***فيكره الشّيطان مع إمهاله
و يبغض الكافر و هو يخلقه***و يمقت الفاجر و هو يرزقه
لحكمة قضت ظهور رحمته***أو غيرها من قدرة و نقمته
ثمّ إذا تغيّرت مشيّته***لم يتغيّر علمه و قدرته
إذ علّق العلم على المشيّة***قدرته غدت به جليّة
و في كتابه هدى لو يتّبع***إذ قال لو شاء لآمنوا جمع
و جاء من أمثاله في الباب***ما يهتدى به أولو الألباب
إذن، ففى العاصى ثبتت مشيّتان له تعالى: إحداهما مشيّة عزميّة طلبيّة أن يفعله، و الاخرى، مشيّة كونيّة حتميّة أن يخلفه و يعصيه، و لكن لا عن رضا منه تعالى، و قد امضا ذلك له، و إن كان له أن يصرفه؛ اى و ان كانت له قدرة ذاتيّة على صرفه عن العصيان، و قد يرى ذلك؛ اى عدم الرضا بالشيء مع مشيّته واردته في أفعاله تعالى أيضا. فيكره الشّيطان مع إمهاله ايّاه، و يبغض الكافر و هو يخلقه مع علمه السّابق بانّه سيكفر، و يمقت الفاجر، و هو يرزقه على فجوره و يبقيه، و ذلك لحكمة قضت ظهور رحمته أو غيرها من قدرة و نقمته، فقد خلق المؤمن و الكافر لئلّا يتوّهم أنّه يعجز عن خلق الفاسق، و أنّه لا يقدر إلّا على خلق المجبول على طاعته، كالملائكة، و أنّه يخلق الجميع ليظهر رحمته العامّة و نقمته الخاصّة باهله. و هكذا في وجود كلّما هو مبغوض له تعالى حكمة، تقتضى ايجاده و ابقائه من ظهور الصفات.
ثمّ إذا تغيّرت مشيّته بمشيّة اخرى، لم يتغيّر علمه و قدرته الأزليّتان؛ إذ علّق العلم على المشيّة كما تبيّن، فاذا كان عالما في الأزل بأنّه لو شاء ان يغيّر ما شاء لفعل لم يكن في تغييره مهما حصل ظهر خلاف ما علم به من الأوّل و قدرته غدت به؛ اى بالتغيير جليّة؛ يعنى، أنّ التغيير لا ينافى القدرة اقتضاء، بل هو ممّا يظهرها جلاء، و في كتابه المنزل على نبيّه (ص): (هُدىً لِلنَّاسِ )(1)فى هذا المعنى لو يتّبع، إذ قال لو شاء لآمنوا جمع، اشارة الى قوله تعالى:( وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ
1) . البقرة 2: 2.
و أمّا الآيات الّتي بها استدلّ***فلم تدلّ إلّا بدعوى المستدلّ
جَمِيعاً)(1). فإنّه اثبت لنفسه المشيّة على التغيير و التبديل مع علمه السّابق، بانّه لا خير فيهم؛ كما قال:( وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ)(2). و جاء في الكتاب من أمثاله في الباب، ما يهتدى به أولو الألباب، مثل قوله تعالى:( وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ )(3)(وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها )(4)مع اخباره عن علمه السّابق بقوله:( وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ)(5). و قال أيضا:( وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ)(6). الى غير ذلك من الآيات، و ستظفر بكثير منها قريبا ان شاء اللّه.
و أمّا الآيات الّتي بها استدلّ على الجبر، فلم تدلّ إلّا بدعوى المستدلّ و بزعمه؛ اذ لا صراحة فيها عليه، فدلالتها ادّعائيّة كاصل المدّعى.
فمن الآيات، قوله تعالى: (خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)؛
ففى الأنعام:( ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)(7).
و في الرعد:( قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ. )(8)
و في الزمر: (اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. )(9)
و في المؤمن:( ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. )(10)
و في الأنعام:( خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. )(11)
فإنّ خلق كلّ شيء ظاهر***فى غير ما من العباد صادر
و الشيء عمّ مطلقا لكن يخصّ***بالحكم المقتضى في كلّ نصّ
مع أنّه بيّن عن مراده***فى نسبة الخلق الى عباده
و في القمر: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ. )(1)
و لا دلالة فيها على المطلوب؛ فإنّ خلق كلّ شيء ظاهر في غير ما من العباد صادر؛ يعنى، أنّ المراد به اجناس الموجودات على اختلافها في السّماء و الأرض و ما بينهما، و الشيء و ان كان عمّ مطلقا، لكن يخصّ بالحكم المعلّق عليه حسب المقتضى في كلّ نصّ؛ فإنّ الشيء على اطلاقه، يعمّ اللّه تعالى نفسه و علمه و سائر صفاته الذاتيّة، و يشمل الممتنعات مع أنّ قوله:( خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ )و قوله: (عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )لا يشملانها قطعا، و ليس إلّا لأنّ الشيء مخصّص بمقتضى الحكم، فإنّ الخلقة و القدرة، لا تتعلّقان به تعالى و لا بالممتنع.
و امّا افعال العباد، فانّها و ان لم تكن كالممتنعات، الّا أنّ قرينة المقام (و هى المخاطبة مع المشركين و الاحتجاج على المعاندين)، اوجبت ظهور الشيء في الأجناس و انصرافه عن غيرها. فراجع سياق الآيات ليظهر لك حقيقة ما قلنا. و لو تنزّلنا عن دعوى الانصراف و الظهور، فلا اقلّ من الاحتمال، و معه فلا صراحة يعوّل عليها فى مقام الاستدلال.
مع أنّه تعالى بيّن عن مراده في نسبة الخلق الى عباده؛ كقوله:( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)(2). و قوله: (وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ... )(3)و قوله:
(فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. )(4). و قوله: (أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ)(5).
فهذه النّسبة الصريحة، تدلّ على عدم انحصار اطلاق الخالقيّة به تعالى، فالانحصار المفهوم من قوله( خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، مخصوص باجناس المخلوقات الّتي لا يقدر غير الخالق على ايجادها.
و قوله ما تعلمون قد عنى***ما كان منه ينحتون الوثنا
بل تعلمون تنحتون قد نفى***كذمّهم أن يعبدوا ما حرّفا
و نسبة الطاعات و الإيمان***إليه للتّوفيق الامتنانيّ
زيادة على الّذي قد أوجبه***أو حسن تأييد على ما طلبه
و ربّما كان جزاء من عمل***و كيف كان ليس جبرا ما فعل
و ممّا استدلّ به، قوله تعالى:( وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ )(1)، و هو عندهم صريح في خلق الأعمال، لأنّ المعنى: خلقكم، و خلق ما تعملون.
و الجواب عنه، ما قلت: و قوله: «ما تَعْمَلُونَ»، قد عنى به ما كان منه ينحتون الوثنا من الاحجار و الأخشاب، لا افعال العباد من كلّ ذى صلاح أو فساد، بل قوله «تعلمون» و تنحتون قد نفى كذمّهم أن يعبدوا ما حرّفا؛ يعنى، أنّ هذا التحريف الّذي ارتكبوه في قوله «و ما تعملون» بصرفه عن موضعه، قد نفاه قوله «تعملون» و «تنحتون» و «تعبدون» من نسبة العمل و النّحت و العبادة إليهم، و ظاهر النّسبة حقيقة و كذا ذمّهم على عبادتهم، و لا يتمّ الذمّ إلّا على ان يكون الفعل فعلهم حقيقة و لا يكون حقيقة، الّا اذا كان الفعل من خلقهم لا من خلق اللّه.
و ممّا استدلّ به، ما دلّ على نسبة الإيمان و الطاعات إليه تعالى جعلا و كتابتا، كقوله: (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ. )(2)، و قول ابراهيم: (وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ )(3)، و قوله: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي. )(4)، و قوله: (وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ )، و قول زكريّا:( وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا )(5).
و الجواب عنه، ما قلت: و نسبة الطاعات و الإيمان إليه تعالى للتّوفيق الامتنانيّ التفضّلي، امّا زيادة على الّذي قد أوجبه بالتّكليف أو حسن تأييد على ما طلبه، من اعانة و امداد و تثبيت و تسديد. فبهذا الاعتبار يكون الايمان و الطاعات مسئولا منه تعالى، و مكتوبا و مجعولا له. و ربّما كان هذا التوفيق الزائد جزاء من عمل قد عمله العبد.
و كتب الإيمان ككتب الغلبة***لا يوجب القهر على ما كتبه
و إذ رميت دلّ أنّه رمى***فالنّفى أنّ رميه ما هزما
بل رمى ربّه الّذي قد نثره***و إن أبوا فذا مقام نصره
و كيف كان، من هذا أو ذاك أو المطلوب الاصلىّ العام، ليس على نحو يكون جبرا ما فعل، بحيث يكون مسلوب الاختيار.
و دعوى أنّ جعلها منه تعالى في العبد على هذا النّحو الخاصّ، ليست الّا مجازفة من غير دلالة كاشفة.
و أيضا كتب الإيمان، ليس إلّا ككتب الغلبة في الآية المتقدّمة عليها، و هى قوله تعالى:( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي.» )(1)، لا يوجب القهر على ما كتبه، فإنّ غلبته تعالى و غلبة الرسل، لم يكتب على وجه القهر و سلب الاختيار، بل على وجه الجهاد الاختيارى، فكذلك الإيمان.
و ممّا استدلّ به، قوله تعالى:( وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى)(2). حيث نفى الرمى عن النّبي (ص)، مع أنّه رمى، و ليس ذلك إلّا من جهة أنّ الرامى الحقيقى و فاعل الرمى في الحقيقة، ليس إلّا اللّه.
و قد اجبت عنه بقولى: و إذ رميت دلّ أنّه (ص) رمى لنسبة الرمى إليه، فالنّفى فى قوله «و ما رميت»، معناه أنّ رميه ما هزما القوم؛ يعنى، أنّ الهزيمة المقصودة من الرمى، لم تكن برميك، بل رمى ربّه هزمهم، فإنّه تعالى رمى، و رميه هو الّذي قد نثره و كثّره، حتّى اصاب العيون كلّها، على بعد جلّهم لو لا كلّهم عن مرمى رسول اللّه (ص).
و إن أبوا عن ذلك، فذا مقام خاصّ، نصره اللّه تعالى فيه؛ يعنى، أنّه لمّا اراد اللّه نصره، جعل كفّه آلة لرميه، و ليس اذا اقتضى مقام خاصّ شيئا ان يقاس به كلّ مقام.
و ممّا استدلّ به، قوله تعالى:( فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ )(3)و انّ فعل العبد ممّا يريده، فيكون فاعلا له دون العبد.
و ليس في فعّال ما يريد***أن كيف فاعل و ما يريد
فإنّما له إرادتان***كذاك ما يتلوهما فعلان
و الكلّ من عند الإله قد عنى***به البلاء سيّئا أو حسنا
لذاك في السّيّئ بعد الحسنة***يقول من نفسك و هو كوّنه
و الجواب عنه ما قلت: و ليس في «فعّال ما يريد»، أنّ كيف فاعل؟ و أنّه ما ذا يريد؟ فإنّما له إرادتان على ما تقدّم: تكوينيّة و طلبيّة، كذاك ما يتلوهما أيضا فعلان، لأنّ الفعل تابع للإرادة، فيكون فعله بالواسطة اذا كانت الإرادة طلبيّة، و بغير الواسطة اذا كانت تكوينيّة. فان كان قوله:( فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ )مخصوصا بالتكوينيّات، كما هو ظاهر، فهو خارج عن محلّ الكلام، و ان اريد به الأعمّ، يؤخذ بالإطلاق و يقيّد كلّ مورد بمقتضاه.
و ممّا استدلّ به قوله تعالى:( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )(1)اى كلّ من الحسنة و السيّئة من عند اللّه؛ اى فاعلها اللّه.
و الجواب، ما قلت: و الكلّ من عند الإله قد عنى به البلاء، سيّئا أو حسنا، لا حسنات الأعمال و سيئاتها، حيث يقول:( إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ )(2)، اى نعمة و رخاء، (يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ )(3)من القحط و الغلاء و الطاعون و الوباء،( يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ )(4)اذ كانوا يطّيّرون به فقال تعالى:( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).
لذاك في السّيّئ بعد الحسنة تأديبا و عقوبة لسيئ الأعمال، يقول من نفسك، و هو كوّنه حيث قال:( ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)(5). و لو لا ذلك، فهذه الآية معارضة للأولى و شاهدة على خلافهم.
و ممّا استدلّ به ما دلّ على أنّ الكفر و الطغيان بالختم و الطبع؛ كقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ )و قوله: (أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ)(6). و قوله: (وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً)(7).
و الختم و الطبع جزاء أحدثه***عن كفر أو عن سيّئات محدثة
بل ذاك حرمان من التفقّه***لا سلب الاختيار عمّا يشتهى
و ما تشاءون فمدح الخيرة***على الرضا أو هو ذمّ الكفرة
و قد اجبت عنها بقولى: و الختم و الطبع جزاء أحدثه بعد العمل عن كفر أو عن سيّئات محدّثة، و ليسا بازليّين، بحيث يكون المختوم عليه بالكفر، مطبوعا عليه بحسب الخلقة و الفطرة، و لا مانع من ان يكون الجبر بعد الاختيار جزاء عن سوء الاختيار. و قد صرّح في كثير من الآيات بأنّه على سبيل المجازات كقوله: (وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا)(1). و قوله:( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. )(2)و قوله: (ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ)(3). و قوله: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ)(4).
بل ذاك؛ اى الختم، ليس إلّا حرمان للقلوب من التفقّه؛ كما في هذه الآيات و غيرها، لا سلب الاختيار عمّا يشتهى. فانّ العمى و عدم التفقه لا ينافى الاختيار، و ان كان يوجب التوانى عن الاختيار.
و ممّا استدلّ به، قوله في الدهر و في التكوير: (وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ )(5)و هو توقيف مشيّة العبد على مشيّة اللّه. و هذا هو الجبر.
و الجواب عنه ما قلت: «و ما تشاءون» لا يخلو عن احد امرين: امّا أنّه على سبيل المدح أو الذمّ؛ و على الأوّل، فمدح الخيرة من عباده، و هم اهل بيت الوحى (ع) على الرضا و التسليم، و ذلك بان يكون جملة مستقلّة مقطوعة عمّا قبلها، و المعنى: انّكم لا تشاءون شيئا بهوى انفسكم لحسن عبوديتكم و توطين انفسكم على الرضا و التسليم،
بأنّهم لا يؤمنون رغبا***إلّا بأن يشاء منهم رهبا
و ليس إن تمّ يفيد الأشعرى***إذ هو غير الفعل لم يجبّر
الّا ان يشاء اللّه ذلك الشيء. و قد ورد عنهم (ع) هذا المعنى، فعن ابى الحسن الثالث (ع)، قال:
«إنّ اللّه- تبارك و تعالى- جعل قلوب الأئمّة (ع) موارد لإرادته، اذا شاء شيئا شاءوا، و هو قوله:( وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.)»(1)
و عن القائم (ع)، سئل عن المفوّضة، فقال (ع): «كذبوا، بل قلوبنا أوعية لارادته، فاذا شاء شيئا، شئنا، ثمّ تلا هذه الآية (وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.)» (2)
اقول: المراد بالمفوّضة هنا، المفوّضة الغلاة، الّذين يزعمون أنّ الأمر مفوّض الى الائمّة (ع) و أنّهم كلّما شاءوا شيئا فعلوه.
و على الثانى، فهو ما قلت: أو هو ذمّ الكفرة الفجرة، على ان يكون متّصلة بما قبلها، فقد ذمّهم بأنّهم لا يؤمنون و لا يتّخذون السّبيل في قوله:( فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا )(3)و لا يستقيمون على الدين؛ كما قال:( لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَ ما تَشاؤُنَ).
و الحاصل: أنّهم لا يؤمنون رغبا و طوعا من غير كره و اجبار، إلّا بأن يشاء منهم رهبا بان يقهرهم عليه بوجه؛ كما قال:( إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ)(4).
و ليس إن تمّ على الجبر يفيد الأشعرىّ، إذ هو غير الفعل لم يجبّر؛ فإنّ الآية لو تمّت، تدلّ على جبر المشيّات و الارادات، و ان استلزم جبرها جبر الأفعال أيضا، لكنّ الأشعرى لا يقول بجبر الإرادة، و لذلك الأشاعرة يعدون انفسهم من اهل الاختيار، لكن يجعلون الاختيار في محض الإرادة. فلو تمّت، كانت دليلا للفلاسفة و العرفاء القائلين بالجبر المطلق.4.
أمّا الّتي أثبتت المشيّة***شأنيّة فلم تكن جليّة
فى أنّها بالجبر و الإيجاب***بل جاز أن تكون بالأسباب
بل بيّن الوجه بآيات اخر***بأنّه لو شاء قهرا لقهر
عنى به التخفيف عن جهد النّبيّ***فكان في الدعوة غير متعب
بل كذّب المعذّرين بالمشاء***أن بالبلاغ لا بقهر ما نشاء
و ممّا استدلّ به، الآيات الّتي تثبت له تعالى المشيّة الشأنيّة التعليقيّة؛ مثل:
(وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ)(1). و (لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ )(2)و (لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً.)(3)و نظائرها كثيرة.
و الجواب عنها، ما قلت: أمّا الّتي أثبتت المشيّة شأنيّة، فلم تكن جليّة في أنّها؛ اى المشيّة اذا تحقّقت، كانت بالجبر و الإيجاب، فإنّ غاية مفادها، أنّ له تعالى مشيّة التغيير و التبديل، و هذا ممّا لا شبهة فيه و لا مجال للإنكار. و امّا انّ ذلك منه على وجه الجبر، فلا دلالة فيها، بل جاز أن تكون بالأسباب، بازاحة العلل عن الايمان و تثبيت القلوب على الموادعة و ترك القتال و ترك العزم على الخلاف.
بل بيّن الوجه بآيات اخر، بأنّه لو شاء قهرا عليهم، لقهر، بل إنّما عنى به التخفيف عن جهد النّبيّ في سبيل الدعوة و التبليغ و حرصه عليها، فكان في الدعوة غير متعب نفسه، فقال تعالى:
(وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ. )(4)
و قال: (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ. )(5)
و قال: (وَ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ
أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ. )(1)
و قال: (اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَ ما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)(2).
و قال: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(3).
و هذه الآية كالأولى صريحة في نفس الإكراه و أنّ عدم مشيّة الوحدة، مع امكانها عليه بالقهر أو بوجه تسبيبىّ آخر، انّما هو لأجل الابتلاء.
بل كذّب المعذّرين لاعمالهم الخبيثة بالمشاء، بأنّه لو شاء اللّه، لم يفعلوا فاثبتوا بمفهومه مشيّة اللّه لتلك الأعمال، إمّا مشيّة تكوينيّة، او طلبيّة. قال اللّه تعالى:
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ. )(4)
و قال: (قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. )(5)
و قال: (وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ.)(6)
و وجه التكذيب، ما قلت: أن بالبلاغ لا بقهر ما نشاء؛ يعنى، أنّ مشيّتنا من العباد في عدم الشّرك و عدم عبادة غير اللّه، و التحريمات حاصلة و ظاهرة بالبلاغ، و يكفى في ثبوتها البلاغ، و ليست متّصلة بالقهر الخارجى، او بتقليب القلوب الّذي0.
و إنّ يهدى و يضلّ من يشاء***يثبت أنّ فيهما له المشاء
و ليس فيه كيف يهدى و يضلّ***فليس فيه حجّة للمستدلّ
و لم يدلّ أنّهما من الأزل***أو حتّما بل غير ذين يحتمل
بل فسّرت معناهما آي اخر***و الوجه و الحدوث منها قد ظهر
يرجع الى القهر أيضا.
و ممّا استدلّ به أيضا، ما ينسب الهداية و الاضلال إليه تعالى؛ كقوله تعالى:
(مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. )(1)
و قوله: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. )(2)
و قوله: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. )(3)
و قوله: (وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.)(4)
و قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ. )(5)
و قوله: (وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ، هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.)(6)و امثالها من الآيات.
و الجواب عنها، ما قلت: و إنّ يهدى من يشاء، و يضلّ من يشاء، انّما يثبت أنّ فيهما؛ اى في الهداية و الاضلال له تعالى المشاء أيضا، كغيرهما من الاشياء، و لكن ليس فيه كيف يهدى و يضلّ؟ و أنّه بالتّوفيق و الأسباب أو بالجبر و الإيجاب؟ فليس فيه حجّة للمستدلّ، لعدم الصراحة، و لم يدلّ أيضا أنّهما من الأزل أو حتّما، و ان يكونا ازليّين ليتمّ الجبر باحد الوجهين، بل غير ذين ممّا ذكر، يحتمل أيضا، و مع الاحتمال تسقط عن الاستدلال.
بل فسّرت معناهما آي اخر، و الوجه؛ اى وجه الهداية و الاضلال و الحدوث؛ اى حدوثهما منها؛ اى من الآيات أيضا قد ظهر. امّا الحدوث، فإنّه مبان من تعليقهما على وجه و سبب حادث من غير حاجة الى مزيد بيان؛ و امّا المعنى و الوجه، فقد
بان بها أنّ الهدى نوعان***فعامّ و ذاك بالبيان
و قبل أن بيّن للعباد***ليس من الإضلال و الإبعاد
و خاصّ و منعه الإضلال***يعنى به الخذلان و الإيكال
تعرّضت لبيانها بالتفصيل. بان بها؛ اى بالآيات أنّ الهدى نوعان:
فعام؛ اى منه ما هو عامّ، و ذاك بالبيان و ما يستلزمه من بعث الرسل و انزال الكتب. و هذا النّوع حيث يكون عامّا، و قد تعلّقت المشيّة به على وجه العموم من غير تخصيص لم يبق لمشيّة الاضلال موردا؛ كما قلت:
و قبل أن بيّن للعباد ليس من الإضلال و الإبعاد في شيء، قال تعالى: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ.)(1)و هى و ان كانت بمنطوقها في الاضلال بعد الهداية، لكنّها بفحواها ناطقة بعدم الاضلال قبلها. و ممّا يدلّ على الهداية العامّة، قوله تعالى:
(إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً. )(2)
و قوله تعالى: (هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. )(3)
و قوله: (وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.)(4)
و قوله: (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. )(5)
الى غير ذلك من الآيات؛ كقوله:( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً ..
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ. )(6)
و خاصّ؛ اى و منه ما هو خاصّ، و حيث إنّ من لازم الخاصّ، اللّطف ببعض و المنع عن بعض، يتحقّق للاضلال مورد، و ليس إلّا منعه الهداية؛ كما قلت:
و منعه؛ اى منع الهدى، هو الإضلال المنسوب إليه تعالى، المذكور في الآيات، و انّما يعنى به الخذلان و الإيكال الى نفسه، و الى من يوليه؛ كما قال: (وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ
و هو بشرح صدر أو تحبيب***أو نور أو تأييد أو تسبيب
و منه تثبيت و كلّ ذا لربّ***و ليس للنّبىّ يهدى من أحبّ؟
و ربّما ساقتهما الأعمال***حقّ بها الهدى أو الإضلال
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى)(1). و قال: (وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.)
و هو؛ اى الهدى الخاصّ، زائدا على الهداية العامّة بامور، و الاضلال في كلّ امر منها منعه ذلك الأمر، فامّا بشرح صدر منه تعالى؛ كما قال:( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. )(2)
أو تحبيب للايمان و تزيين له و تكريه للفسوق و العصيان؛ كما قال:( وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ؛ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ نِعْمَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. )(3)
أو نور؛ كما قال: (أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(4). و قال: (وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ.)(5)و قال: (أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها. )(6)
أو تأييد؛ كما قال: (وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ. )(7)
أو تسبيب بان يسبّب له اسبابا خاصّة: من مال أو شغل أو مخالطة مع قوم صالحين أو سفر أو مطالعة كتاب أو مناظرة مؤمن أو غير ذلك من اسباب التوفيق. و منه تثبيت؛ كما قال:( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ. )(8).
و كلّ ذا ممّا ذكر لربّ- تبارك و تعالى- خاصّة، و ليس للنّبىّ يهدى من أحبّ؛
كما قال تعالى:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.)(1)و قال: (إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ. )(2)
و ربّما ساقتهما؛ اى الهداية و الاضلال، الأعمال الّتي يعملها العبد، فاوجبت و حقّ بها من اللّه تعالى الهدى لأهله أو الإضلال لأهله؛ كما قال تعالى:
(وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ. )(3).
و قال: (وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. )(4).
و قال: (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا. )(5).
و قال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ. )(6).
و قال: (وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً)(7). و قال:( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً.)(8)و قال: (وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً. )(9)و قال: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ.)(10)و قال: (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَ صُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ.)(11)و قال: (أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ. )(12)و قال: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ.)(13)و قال: (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى
و قد يكونان بالافتتان***فى حكم أو في أمر امتحانىّ
عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ.)(1)و قال: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.(2)و قال:( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. )(3).
و قد كرّر اللّه تعالى في كتابه من هذا القول:( أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.)(4)؛ (وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. (5)( وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. )(6).
و قد يكونان؛ اى الهداية و الاضلال بالافتتان في حكم على الأنفس، كالجهاد مثلا، او على الأموال، كالزّكاة، او على تولية العامّة كنصب الإمام مثلا؛ أو في أمر امتحانىّ من بلاء سماوىّ أو ارضىّ في الابدان و النّفوس؛ او فتنة في الدين كابتداع المبدعات، مثل فتنة السّامرىّ؛ او في الناس بالقتل و القتال في طلب الرئاسة، فيفتنن النّاس عند شيء من هذا الأمور، فيضلّ قوم و يهتدى قوم. فهذه الهداية و هذا الضلال ليس إلّا بحسن الاختيار و سوء الاختيار من غير كره و لا اجبار. و قد حكى عن موسى (ع) قوله:( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ)(7).
و في الآية المتقدّمة( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ)(8).
و قال: (وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. )(9)
و قد يكون غير قابل الهدى***لو علم اللّه به خيرا هدى
و كيف الإضلال به و قد نسب***إليهم الضلال فهو مكتسب
و ناسب أيضا إلى الشّيطان***أو المضلّين من الإنسان
و قد يكون العبد غير قابل الهدى، لو علم اللّه به خيرا هدى؛ اى هداه؛ كما قال:
(لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ.)(1)و كيف يكون الإضلال به تعالى، و قد نسب إليهم الضلال، فهو مكتسب منهم بالاختيار لا حاصل بالاجبار. قال تعالى:( وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. )(2)
و قال حكاية عن اهل النّار:( رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ)(3).
و قال: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.) (4)
و قال: (فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ.)(5)و قال: (وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.)(6)و قال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً. )(7)و قال: (وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً. )(8)و قال: (وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً.) (9)
و كيف يكون الاضلال منه تعالى و هو ناسب أيضا إلى الشّيطان أو الى المضلّين من الإنسان.
فمن نسبته الى الشّيطان، قوله:
(وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً. )(10)
و قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ
بِبَعْضِ ما كَسَبُوا. )(1)
و قوله: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى. )(2)
و قوله: (فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ. )(3)
و قوله حاكيا عنه: (قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. )(4)
و قوله: (وَ إِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ. )(5)
و عن الباقر (ع)؛ قال: «أ ليس هؤلاء يعرفون فلانا و فلانا؟ قلت: بلى، قال (ع):
أ ترى انّ اللّه هو الّذي اوقع في قلوبهم معرفة هؤلاء، و اللّه ما اوقع ذلك في قلوبهم الّا الشيطان لا و اللّه ما الهم المؤمنين حقّنا إلّا اللّه.» (6)
و من نسبته الى المضلين، قوله تعالى حاكيا عن اهل النّار:
(تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ. )(7)
و قوله: (وَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً. )(8)
و قوله: (وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَ ما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ. )(9)
و قوله: (وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى. )(10)
و قوله حاكيا عن اهل النّار أيضا: (رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. )(11)7.
و ليس في لقد ذرأنا بيّنة***إذ ليس إلّا سبق علم بيّنه
بأنّ قوما خلقوا للنّار***علما بكفرهم عن اختيار
و ليس لو لا شبهة العلم اقتضى***خلقهم الجبر و دفعها مضى
و خلقهم لها كخلق النّار***من قبل لا يسأل عن انكار
و قوله: (وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ. )(1)
و قوله: (وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.)(2)و هذا يعمّ شياطين الانس و الجنّ.
و ممّا استدلّ به قوله تعالى:( وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ. )(3)
و الجواب عنه، ما قلت: و ليس في لقد ذرأنا بيّنة على الجبر، إذ ليس إلّا سبق علم منه تعالى بيّنه و اخبر به فاعلن اللّه- تبارك و تعالى- بأنّ قوما خلقوا للنّار. و ذلك علما منه بكفرهم عن اختيار، لا انّه خلقهم لها قسرا و جبرا. فالآية بظاهرها ناطقة بأنّه تعالى خلق خلقا كثيرا للنّار، و ليس فيها أنّه كيف خلقهم لها إلّا أنّ الاجبار لا يكون الّا عن علم، فهى حاكية عن علمه السّابق باستحقاقهم للنّار. و قد شرح وجه الاستحقاق فى مواضع اخر من كتابه بقولهم:
(وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا)(4).( جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. )(5)
و ليس لو لا شبهة العلم المتقدّمة، اقتضى خلقهم للنّار بانفراده الجبر؛ فإنّ محض الخلق لا يقتضي الجبر، لو لا ان يقال أنّ علمه السّابق بكفرهم يقتضي الايجاب. و دفعها مضى بالتفصيل.
نعم، يبقى سؤال أنّه لم خلقهم للنّار مع علمه بهم، و جوابه ما قلت:
و خلقهم لها كخلق النّار نفسها من قبل ان يخلقوا، لا يسأل من ذلك عن انكار و اعتراض؛ فإنّه لا يسأل عمّا يفعل و هم يسألون. نعم، لا بأس به على سبيل الاستفهام عن وجه الحكمة. و قد اشرت الى وجهها فيما تقدّم من ظهور القدرة بخلقه القادر
يحول بين المرء فيه يرتكب***بعد استجيبوا ما يناسب الطلب
و الجبر في إرادة نقض الغرض***مع أنّ ما نرى خلاف ما فرض
و أطلق المرء فإمّا أن عنى***لو شاء حال أن إلى الشرّ دنا
أو حال أن يذعن حقّا باطلا***أو باطلا حقّا عليه اتّكلا
المختار، و العدل و العفو و الغفران و الرحمة في المطيعين و الفجّار
و ممّا استدلّ به قوله تعالى:( وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ. )(1)
و ليست حيلولته إلّا موجبة لقهر الفاعل على فعله.
و الجواب عنه ما قلت: يحول بين المرء فيه يرتكب من التأويل، و المعنى بعد قوله استجيبوا ما يناسب هذا الطلب، و حمله على ما يؤدّى الجبر، ينافى ذلك، فإنّ المعنى يصير هكذا: استجيبوا دعوة الإيمان و غيره ممّا فيه حياتكم، و اعلموا انّى امنعكم عن الاستجابة و لا يتفوّه بمثل ذلك عاقل، فضلا عن الحكيم.
و أيضا الجبر في إرادة الّذي هو معنى الحيلولة بين القلب، نقض الغرض، و كيف يأمر الحكيم بالاستجابة، و يبعث لذلك رسولا، ثم يحول بين المدعوّ و بين قلبه، فيمنعه عن إرادة الاستجابة؟ و هو تعالى يقول:(وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً.)(2)
هذا، مع أنّ ما نرى في المشهود، خلاف ما فرض من الحيلولة، فإنّا نرى أنّ كلّ احد قادر على إرادة الايمان و عدمه، و إرادة الكفر و عدمه، فكيف ينبئ الحكيم عن امر لا واقع له؟ و حيث إنّه أطلق المرء فلا بدّ ان يراد بالحيلولة معنى يناسب المؤمن و الكافر في ارادتهما؛ و المحمل احد وجهين:
فإمّا أن عنى لو شاء؛ يعنى، أنّ الحيلولة معلّقة بالمشيّة، و ان كانت في الظاهر مطلقة غير مصرّحة بها، و المعنى أنّه لو شاء، حال بين كلّ احد أن إلى الشرّ دنا فيرده عن نيّة السّوء، أو حال أن يذعن حقّا باطلا أو باطلا حقّا عليه اتّكلا، و هذا على وجه الدوام لا على المشيّة. و بهذا فسّرها الصادق (ع) حيث قال:
«يحول بينه و بين ان يعلم أنّ الباطل حقّ.»(3)و قال (ع) فى هذا المعنى أيضا لا
فكان ردّ من أبى أن يومنا***قلوبنا غلف يقول موقنا
و تزهق أنفسهم لمن طغى***خذلانه خزيا به حيث بغى
أمّا فمنكم كافر فاخبرا***بأنّ بعض خلقه قد كفرا
فى الذرّ أو في دار الاختبار***فليك منهم ذاك باختيار
و اللّه غالب على من دافعه***كإخوة الصدّيق لا ما شرعه
ما يفتح اللّه فلا ممسك له***و لا لما يمسكه من أرسله
على وجه التفسير لها: «لا يستيقن القلب انّ الحقّ باطل ابدا و لا يستيقن انّ الباطل حقّ ابدا.» (1)
و قال (ع) أيضا: «ابى اللّه ان يعرّف باطلا حقّا، ابى اللّه ان يجعل الحقّ في قلب المؤمن باطلا لا شكّ فيه، و لو لم يجعل هذا هكذا، ما عرف حقّ من باطل.» (2)
فكان هذا القول منه تعالى ردّ من أبى أن يؤمن، مدّعيا العلم بأنّ ما يدعوه إليه النّبيّ (ص) غير حقّ، فهو يقول: «قلوبنا غلف»، او يقول: (ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ)، يقول ذلك مظهرا أنّه يكون موقنا به؛ فقال اللّه تعالى: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ )(3)و لا تقولوا انّا نعلم أنّ ما تدعونا إليه ليس بحياة، او ليس من اللّه (وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ )(4)ان يعلم أنّ الحقّ باطل، او يعلم أنّ الباطل الّذي يعتقده حقّ لا شبهة فيه، و لو لا احد هذين المعنيين لا يحصل ارتباط بين الجملتين و لا مناسبة بين الأمر بالاستجابة و المنع عن ارادتها.
و ممّا استدلّ به قوله:( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ.)(5)
و الجواب عنه، ما قلت: و امّا تزهق أنفسهم، فهو لمن طغى و آثر الحياة الدنيا يكون خذلانه تعالى و ايكاله ايّاه الى نفسه، لا جبره على الكفر، و ذلك خزيا به حيث بغى، فيكون الخذلان جزاء عن بغيه و سوء عمله و ليخزى الفاسقين.
و الجواب عنه ما قلت: أمّا قوله: «فمنكم كافر»، فاخبر بأنّ بعض خلقه قد كفر به، امّا في الذرّ؛ كما جاءت به روايات، أو في دار الاختيار؛ و ايّهما كان، فلا صراحة فيه بأنّه كان عن قهر و اجبار، فليك منهم ذاك باختيار؛ امّا في الذر، فقد تقدّم في الفطرة بأنّ اللّه تعالى جعل فيهم ما اذا سألهم اجابوه، و امّا في هذه الدار فاعطاء قوى الاختيار ممّا لا يقبل الانكار.
و لا يخلو الاستدلال به عن تحريف، لأنّه استدلال بجزء الكلام و تمام الآية يوضح المراد، قال تعالى:( وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. )(1)فهو ظاهر فيما قضى اللّه به من المقدرات التكوينيّة؛ كما قلت:
و اللّه غالب على من دافعه فيما قضى و قدر، فإنّ الغلبة، لا تكون إلّا مع المدافعة، و لا مدافعة للخلق مع الخالق إلّا بمدافعة القضاء، بتسبيبات خلقيّة من البغى و المكر و الخدعة و غيرها، كإخوة يوسف الصدّيق حيث فعلوا به ما فعلوا، فارادوا ان يدافعوا به ما قدره اللّه تعالى له. فالآية في الغلبة على امره من التكوينيّات على من نازعه و خاصمه فيها، لا على ما شرعه؛ فإنّه ظاهر أنّه لا يغلب على من خالفه فى شرعه مع كثرة المخالفين، بل يذرهم في خوضهم يلعبون و يمهلهم؛ كما قال:
(فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً. )(2)فمفاد هذه الآية، مفاد الآية الاخرى الّتي اشرت إليها بقولى: ما يفتح اللّه فلا ممسك له و لا لما يمسكه من أرسله و هو قوله تعالى:( ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَ ما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.)(3)
و أمّا الأخبار فما منها اعتبر***ليس صريحا في الّذي له انتصر
منها الّتي دلّت باثبات القدر***و في لزومه تقدّم النّظر
فإنّ الأفعال بالاختيار***مقدّرات لا على الإجبار
و القدريّة المجوس فرضا***بالقدر الإيمان لا الجبر قضى
و القلب بين اصبعيه إن يصحّ***فالحكم فيه من يحول يتّضح
و قد استدلّوا للجبر أيضا باخبار، هى كالآيات غير صريحة، مع أنّ كثيرا منها غير صحيحة. فلذلك قلت:
و أمّا الأخبار، فما منها اعتبر، ليس صريحا في المعنى الّذي له انتصر بها، و امّا غير المعتبر منها، فيكفى في دفعها عدم اعتبارها، و ان لم اكتف بذلك، بل ساويت بينها و بين غيرها في الجواب، كما ساويت بينها في الذكر.
منها: الّتي دلّت باثبات القدر، و هى الّتي تقدّمت في أنّ كلّ شيء تمسّك بها الأشاعرة، ما تواتر معناه من الاحاديث الدالة بلازم القدر على ما زعموا، و في لزومه تقدّم النّظر بالتفصيل. فإنّ الأفعال بالاختيار من العبد مقدّرات عليه، لا على الإجبار، و محض كون الأفعال بالتّقدير، لا يستلزم ان يكون التقدير بالقهر و الاضطرار.
و منها: قول النبىّ (ص): «القدريّة مجوس هذه الامّة.»(1)و القدريّة المجوس في قوله (ص)، إنّما فرضا بالقدر الإيمان؛ يعنى، اوجب الإيمان به، لا الجبر قضى؛ اى لم يقض بالجبر؛ يعنى، أنّ غايته لزوم الإيمان بالقدر. و امّا أنّه كيف يكون قدر الأفعال؟
فلا دلالة صريحة في لفظه، و لا استلزام للجبر في معنى القدر.
و منها: المنقول: «قلب المؤمن بين اصبعى الرحمن.»(2)و القلب بين اصبعيه إن يصحّ سندا، فالحكم فيه من الّذي قلنا في يحول بين المرء و قلبه، يتّضح. و قد ينقل بهذه العبارة عن النّبيّ (ص): «قلوب العباد، بين اصبعين من اصابع الرحمن، يقلّبها
و إن يخصّ بمؤمن فهو الولىّ***و إن يعمّ فليس عن قهر يلى
و ما له مانع أعطى أو منع***شأنىّ إن أراد تكوينا يقع
و فسخه العزم، و نقضه الهمم***ليس من إجبار على ما قد عزم
بل هو من جرى المقادير على***خلاف ما العبد يكون آملا
كيف يشاء.» (1)و هذا المعنى، عبارة اخرى عن أنّه يحول بين المرء و قلبه. و أيضا إن يخصّ بمؤمن لبعض النّقول أو لظهور العباد في المؤمنين، فهو الولىّ؛ فإنّ اللّه ولىّ المؤمنين، يولّيهم بما يقتضي صلاحهم( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ )(2).
و إن يعمّ، فليس عن قهر يلى، بل التقليب، يكون بالتّزيين و التحبيب؛ كما قلّب قلوب اخوة يوسف حين ارادوا قتله؛ و كما يقول: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ. )(3)
و منها: قوله (ص): «اللّهمّ لا مانع لما اعطيت، و لا معطى لما منعت.» (4)
و الجواب عنه، ما قلت: و ما له مانع ان أعطى أو منع حكم شأنىّ إن أراد تكوينا يقع؛ يعنى، أنه قضيّة شأنية في التكوينيّات، اذا اراد اللّه شيئا فلا مردّ له و لو فرض عمومه للطلبيّة، و ان كان خلاف ظاهر الاعطاء و المنع، فهى أيضا شأنيّة، كقوله:
(لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ.)(4)
و مع ذلك، لا يلزم ان تكون قهريّة غير اختيارية على ما تقدّم، بل وزانها في الاعطاء، وزان قوله:( وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها)(5). و وزانها في المنع، وزان قوله:( مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ)(6). ، (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ. )(7).
و منها: قول امير المؤمنين (ع): «عرفت اللّه بفسخ العزائم و نقض الهمم.» (8)
و الجواب عنه، ما قلت: و فسخه تعالى العزم، و نقضه الهمم، ليس من إجبار للعبد على ما قد عزم، بل هو من جرى المقادير على خلاف ما العبد يكون آملا؛ كما قال الشاعر:
و ليس في النّاس معادن النّظر***إلّا إلى حدود أصناف البشر
فمن رسول أو نبىّ أو وصىّ***و من مشوب خلطه و خالص
و الكل ذو حدّ و لن يؤثّرا***جبرا و إن في طبعه قد أثّرا
و مثله ميسّر لما خلق***إن كان يعنى أنّ كلا يفترق
ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه***تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن
و الجبر، هو مقهوريّة العبد فيما يفعله بعد عزمه عليه، و هذا وقوع الأمر على خلاف عزمه، ما قصد لم يقع، و ما وقع لم يقصد؛ و اين هذا من ذاك؟
و الراوى ابو هريرة.
و الجواب عنه، ما قلت: و ليس في النّاس معادن النّظر، إلّا إلى حدود أصناف البشر، فمن رسول أو نبىّ أو وصىّ، و هم الذهب الأصلي الحقيقى، و من مشوب خلطه بهم و بغيرهم، فلذلك يظهر منه تارة ما يشبه بافعالهم و اخلاقهم، و اخرى ما لا يشبه بهم؛ كما صرّحت بذلك اخبار الطينة. و من خالص من الغش لا يشوب خلطه شيء. و الكل من الأصناف ذو حدّ و لن يؤثّرا الحدّ جبرا لذى الحدّ، و إن في طبعه قد أثّرا؛ يعنى، أنّ الخصوصيّة الحديّة الخلقيّة، و ان كانت تؤثّر في طبع المحدود بها، فيميل كلّ الى ما يوافق طبعه، الّا أنّها ليست بحيث توجب قهره عليه، فيكون ما يفعله خارجا عن اختياره.
و منها: قوله (ص): «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له.» (1)
و الجواب عنه، ما قلت: و مثله؛ اى مثل النّاس معادن قوله كلّ ميسّر لما خلق له، إن كان يعنى أنّ كلّا يفترق، و يختلف في الخلقة؛ فإنّ غايته ثبوت الاختلاف في الحدود الطبعيّة المقتضية لاختلاف الميول و الشّهوات، دون المؤثّرة في سلب الاختيار، و الّذي يزيد على قوله «النّاس معادن» أنّ كلّا ميسّر له على حسب ما يريده و يهواه. هذا على ان يكون المراد به ما زعموه من الاختلاف في الخلقة.
1) . المصدر 5: 157/ 10.
و لا أبالى، كذرأنا أعلما***بأنّه يقضى على ما علما
و امّا على ما فسّره موسى بن جعفر (ع)، فهو غير هذا. و هو معنى صحيح لا ابهام فيه؛ فعن ابن ابى عمير، قال: «قلت له: فما معنى قول (ص): اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له؟ فقال (ع): إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق الجنّ و الانس ليعبدوه، فيسّر كلّا لما خلق له، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى.» (1)فعلى هذا التفسير، فكلامه (ص) دالّ على اعطاء الاستطاعة و الاختيار، لا على القهر و الاجبار
و الجواب عنها، ما قلت: و لا أبالي في هذا الحديث، كذرأنا لجهنّم، إنّما أعلم اللّه تعالى بأنّه يقضى على ما علما من كلّ من الطائفتين ما يكون مآل امرهم إليه، و لا ينافى هذا الاختيار.
و قد ورد عن اهل البيت (ع) مثلهما، و هل هما بابان يستدلّ بكلّ منهما على الجبر، و يؤيّد كلّ منها الآخر، او هما باب واحد، و انّ الأصل هى الطينة، و لكن قد يعبّر عنها أو عن آثارها بالسّعادة و الشّقاوة؟
و الصحيح عندى، هو الأخير، الّا أنّ الباحثين عنهما لم يحرروهما تحريرا، كما أنّ كثيرا منهم قلّدوا الفلاسفة و العرفاء في تقرير العنوان، حيث قرّروا هكذا: هل السّعادة و الشّقاوة ذاتيّتان أم لا؟ فإنّ القول بذاتيّتهما من مختصّات هاتين الطائفتين، و هو مبنىّ على اصولهم من أنّهما من توابع الماهيّة، و الماهيّة غير مجعولة. و امّا على اصولنا، فليس شيء إلّا و هو مجعول مصنوع، مع أنّ مجرّد كونهما غير ذاتيين لا يجدى في عدم اقتضائهما الجبر، فإنّ الجعل أيضا قد يقتضي ذلك .(2)
فى بطن أمّه سعيد أو شقىّ***من سبق علم باكتساب لاحق
و ليس فيه أنّه قد خلقا***فى ذا سعادة و في ذاك الشّقاء
كخلق شهوة و جوع و غضب***أو أن تكونا بعد ذاك كالسّبب
تؤثّران فيهما كالنّار***و إن يتمّ فرضا على الإجبار
إذن، يعارض الكتاب منطقه***فليسقط أو يحمل على ما وافقه
و عند عترة الهدى هاتان***وصفان كسبيّان مكتوبان
من قبل خلق العبد كالآجال***علما به بخاتم الأعمال
و كيف كان، فقد اجبت عنهما بقولى:
فى بطن أمّه سعيد أو شقىّ، فهو من سبق علم باكتساب لاحق، مثل قوله:
(وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ )(1)، و ليس فيه أنّه تعالى قد خلقا في ذا سعادة و في ذاك الشّقاء، كخلق شهوة و جوع و غضب، فإنّها حالات طبيعيّة مخلوقة بنفسها، أو أن تكونا بعد ذاك؛ اى بعد كونهما مخلوقتين في تأثيرهما كالسّبب؛ اى ليس في الحديث دلالة على أنّهما على فرض كونهما مخلوقتين، تكونان كالسّبب، تؤثّران فيهما اى في السعيد و الشّقى كالنّار الّتي تؤثّر في الإحراق.
و إن يتمّ فرضا على الإجبار؛ يعنى، لو فرضنا و سلّمنا تماميّة دلالة الحديث على الجبر بتسلّم هذه المراتب، إذن، يعارض الكتاب منطقة؛ لأنّ منطق الكتاب، صريح في الاختيار على ما سيأتى تفصيله، و من ذلك قوله تعالى:( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ)(2). و مع معارضته للكتاب، فليسقط أو يحمل على ما وافقه؛ كما هو الحكم فى كلّ حديث مخالف للكتاب. هذا محصّل الجواب عن شبهة السّعادة و الشّقاوة بمقتضى هذا الحديث، من حيث إنّه حديث منقول عن النّبيّ (ص).
و امّا مقتضى النّظر فيهما من حيث هما، فالحقّ فيهما ما ورد عن اهل بيت الوحى، و تفصيله ما قلت:
و عند عترة الهدى هاتان؛ اى السّعادة و الشّقاوة، وصفان كسبيّان للعبد، مكتوبان له من اللّه لا مخلوقان خلقهما اللّه فيه، و قد كتبهما و قدّرهما له من قبل خلق العبد كالآجال و الأرزاق الّتي كتبها قبل خلقه، و إنّما كتبهما لمن كتب علما به؛ اى
بالعبد بخاتم الأعمال له. فعن امير المؤمنين (ع)، أنّه قال:
«حقيقة السعادة ان يختم الرجل عمله بالسّعادة، و حقيقة الشقاء ان يختم المرء عمله بالشّقاء.» (1)
و عن الصادق (ع) فى قول اللّه: (رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ.) (2)قال (ع): «باعمالهم شقوا.» (3)
و عنه (ع) فى جواب الزنديق بعد انكاره (ع) عليه، بانّ اللّه لم يخلق الكفر، و أنّه خلق خلقه جميعا مسلمين، قال: «و الكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، قال: فما السّعادة و الشّقاوة؟ قال (ع): السّعادة سبب خير تمسّك به السّعيد فيجرّه الى النّجاة، و الشّقاوة سبب خذلان، تمسّك به الشّقى فيجره الى الهلكة.» (4)
اقول: المراد بالسّبب، العمل.
و عن ابن ابى عمير، قال: سألت موسى بن جعفر (ع) عن معنى قول رسول اللّه (ص):
الشقىّ شقىّ في بطن أمّه، و السّعيد سعيد في بطن أمّه، فقال (ع): الشقىّ من علم اللّه و هو في بطن أمّه أنّه سيعمل اعمال الاشقياء، و السّعيد من علم اللّه و هو في بطن أمّه أنّه سيعمل اعمال السّعداء؛ قلت له: فما معنى قوله (ص): اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له ...» (5)
و قد تقدّم الحديث. و في الحديث المتقدّم في تفسير الأمر بين الأمرين في شرح هذا البيت «و علمه اولى بان يوافقه».
عن ابى بصير، عن الصادق (ع)، قال: (سأله رجل، فقال: جعلت فداك يا ابن رسول اللّه! من اين لحق الشقاء اهل المعصية؟): و وهب لاهل المعصية، القوّة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، و منعهم اطاقة القبول منه، فوافقوا ما سبق لهم في علمه.» (6)
و عنه (ع)، عن آبائه، قال: «قال رسول اللّه (ص): سبق العلم و جفّ القلم، و مضى القضاء و تمّ القدر بتحقيق الكتاب و تصديق الرسل و بالسّعادة من اللّه لمن آمن و اتّقى، و بالشّقاوة لمن كذّب و كفر، و بالولاية من اللّه للمؤمنين، و بالبراءة منه للمشركين.» (7)
و الخلق في كلامهم خلق قدر***أو تبعا أو خلق ما به الأثر
كطينة خبيثة أو طيّبة***يهوى بها العبد الى ما اكتسبه
من دون أن تكون ممّا قهره***بل جاز في الشّقاء أن يغيّره
اقول: معنى سبق العلم و جفّ القلم بهذه الأشياء، أنّها من الحتميّات الّتي لا تتغيّر و لا تتبدّل.
و عن البزنطى عن الرضا (ع)، قال: «سمعته يقول: جفّ القلم بحقيقة الكتاب من اللّه بالسّعادة لمن آمن، و بالشّقاوة من اللّه لمن كذّب و عصى.» (1)
و عن البزنطى، عنه (ع) أيضا في «النّطفة»: «و اذا تمّت الأربعة اشهر، بعث اللّه- تبارك و تعالى- إليها ملكين، خلاقين، يصوّرانه و يكتبان رزقه و اجله و شقيّا و سعيدا.» (2)
و عن امير المؤمنين (ع) فى «النطفة»: «ثم يبعث اللّه- عزّ و جلّ- ملك الأرحام، فياخذها فيصعد بها الى اللّه- عزّ و جلّ-، فيقف منه ما شاء اللّه، فيقول: يا إلهى! أ ذكر أم انثى؟ فيوحى اللّه- عزّ و جلّ- من ذلك ما يشاء، و يكتب الملك؛ ثمّ يقول: إلهى أ شقيّ أم سعيد؟ فيوحى اللّه- عزّ و جلّ- من ذلك ما يشاء؛ فيقول: اللّهم كم رزقه و ما اجله؟
ثمّ يكتب، و يكتب كلّ شيء يصيبه في الدنيا بين عينيه، ثمّ يرجع به فيردّه الى الرحم، فذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-:( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها)(3).» (4)
و الخلق في كلامهم (ع) متى يوجد من ذلك، امّا يراد به خلق قدر؛ كما مرّ قول الرضا (ع) فى خلق الأعمال: «انّها مخلوقة خلق قدر»(5)، أو يراد أنّهما مخلوقتان تبعا لخلق ذات السّعيد و الشقىّ؛ فإنّه تعالى اذا كان خلقهما مع علمه بمآل امرهما من السّعادة و الشّقاوة، فقد خلقهما أيضا بخلقهما، فهو تعالى إنّما خلق السّعيد و الشّقى، لا أنّه خلق السّعادة في السّعيد و الشّقاوة في الشّقىّ؛ أو يراد به خلق ما به يحصل هذا الأثر؛ اى ما هو داع و محرّك له الى حد الوصفين، كطينة خبيثة أو طيّبة، يهوى و يميل بها العبد الى ما اكتسبه من السّعادة و الشّقاء. و هذا من إرادة السبب من المسبّب، من
دون أن تكون الطينة ممّا قهره على ما يهواه.
و ممّا اطلق عليهما لفظ الخلقة رواية ابى الجارود في قوله تعالى:( كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ)(1). قال: «خلقهم مؤمنا و كافرا و شقيّا و سعيدا، و كذلك يعودون يوم القيامة مهتد و ضالّ، كما بدأكم تعودون، من خلق اللّه شقيّا يوم خلقه كذلك يعود إليه، و من خلقه سعيدا يوم خلقه، كذلك يعود إليه سعيدا، قال رسول اللّه (ص): الشقىّ شقىّ في بطن أمّه، و السّعيد سعيد في بطن أمّه.» (2)
و قول الصادق (ع) فى حديث ابن حازم الآتى: «انّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق السّعادة و الشّقاوة قبل ان يخلق خلقه.» (3)
و ممّا يوهم ذلك، ما عن الباقر (ع) فى اخراج ذريّة آدم، قال: «يا ربّ! لو كنت خلقتهم على مثال واحد، و قدر واحد، و طبيعة واحدة ...» (4)، و «إنّما خلقت الجنّ و الانس ليعبدون»(5)، «و خلقت الجنّة لمن عبدنى و اطاعنى و اتّبع رسلى و لا أبالي»(6)، «و خلقت النّار لمن كفر بى و عصانى و لم يتّبع رسلى و لا أبالي» ، «و بعلمى النّافذ فيهم، خالفت بين صورهم و اجسامهم و ألوانهم و اعمارهم و ارزاقهم و طاعتهم و معصيتهم، فجعلت منهم السّعيد و الشقىّ، و البصير و الاعمى، و القصير و الطويل و الجميل و الذميم، و العالم و الجاهل، و الغنىّ و الفقير، و المطيع و العاصى، و الصحيح و السقيم و من به الزمانة، و من لا عاهة به ...»(7)الحديث.
أنّ السّئوال عن اختلاف الذريّة في الخلقة، لكنّه مندفع بالتأمّل، فإنّ المراد بالخلق هنا، الجعل الّذي يعمّ التقدير و التكوير، بقرينة الجمع بين ما هو من التكوين كالاعمى و البصير، و الطويل و القصير و ما هو من التقدير كالعالم و الجاهل و الغنىّ و الفقير، فيكون الشّقىّ و السعيد من هذا النّوع؛ لأنّه قال: «و انّما خلقت الجنّ و الانس ليعبدون». (8)
ما لم يكن تحتّم المشاء***علما بأن حقّ له الشّقاء
و الحاصل: أنّ ما اطلق عليهما الخلقة، غير صريح في أنّهما مخلوقتان بذاتهما، او ان خلقهما على فرض كونهما مخلوقين على وجه السببيّة و العلّة القاهرة؛ بل جاز فى الشّقاء أن يغيّره اللّه، او العبد أيضا، ما لم يكن تحتّم المشاء منه تعالى علما منه، بأن حقّ له الشّقاء؛ كما قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. )(1)
و قد قال الحسين (ع)، حين سأله رسول ابن زياد جواب مكتوبه: «ما له عندى جواب، لأنّه حقّت عليه كلمة العذاب.» (2)
و قد تقدّم فيما تقدّم ان تحتّم المشيّة، لا يوجب سلب الاختيار، بل كلّ ما يفعله، فهو بإرادته و اختياره، مع أنّ حتميّة الشّقاء، انّما هى بوجود اسبابها الّتي لا يمكنه الخروج و مخالفة هوى النّفس فيها.
و ممّا نصّ على جواز التغيير، ما عن هشام بن سالم، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال:
«إنّ اللّه تعالى ينقل العبد من الشّقاء الى السّعادة، و لا ينقله من السّعادة الى الشّقاوة.» (3)
و في حديث آدم المتقدّم:
«ولى ان امضى جميع ما قدّرت على ما دبّرت، ولى ان اغيّر من ذلك ما شئت الى ما شئت؛ فاقدّم من ذلك ما اخّرت، و أؤخّر من ذلك ما قدّمت، و انا اللّه الفعّال لما اريد، لا اسئل عمّا افعل، و انا اسأل خلقى عمّا هم فاعلون.» (4)
و في ادعية اللّيلة الثالث و العشرين من رمضان:
«و ان كنت من الاشقياء فامحنى من الاشقياء و اكتبني في السّعداء؛ فإنّك قلت في كتابك المنزل على نبيّك المرسل:
(يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.)(5)» (6).
فامّا ما ورد عنهم (ع) ما بظاهره يدلّ على عدم جواز التغيير و التبديل، فهو محمول على المشيّة الحتميّة، جمعا بين الاحاديث، بل يستظهر من بعضها ذلك أيضا.
فمن ذلك: الحديث المتقدّم: «أنّ النّبيّ (ص) اظهر لأصحابه كتابين، فيهما اسماء اهل الجنّة و النّار الى يوم القيامة، لا ينقص منهم احد و لا يزيد فيهم احد.» (1)
و من ذلك ما عن ابى بصير، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (ع) قال: إنّ اللّه خلق قوما لحبّنا، و خلق قوما لبغضنا، فلو أنّ الذين خلقهم لحبّنا خرجوا من هذا لأمر، لأعادهم إليه، و ان رغمت آنافهم، و خلق لبغضنا، فلا يحبّوننا أبدا.» (2)و لهذا الحديث نظائر، الّا أنّى اكتفيت به.
و من ذلك: ما عن صفوان، عن ابن حازم، عن ابى عبد اللّه (ع): «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق السّعادة و الشّقاوة قبل ان يخلق خلقه، فمن علمه اللّه سعيدا لم ينقصه ابدا، و ان عمل شرّا ابغض عمله، و لم ينقصه، و ان علمه شقيّا لم يحبّه ابدا، و ان عمل صالحا احبّ عمله و ابغضه لما يصيّره اللّه إليه، فاذا احبّ اللّه شيئا، لم يبغضه ابدا، و اذا ابغض شيئا لم يحبّه ابدا.» (3)
و عن ابن مسكان، عن ابن حازم، عنه (ع) أيضا: «فقلت له: أ لم تجبنى منذ سنين عن الشقاوة و السّعادة، أنّهما كانا قبل ان يخلق اللّه الخلق؟ قال (ع): بلى، و انا السّاعة اقوله؛ قلت: فاخبرنى عن السعيد، هل ابغضه اللّه على حال من الحالات؟ فقال (ع):
«لو ابغضه على حال من الحالات، لما الطف له حتّى يخرجه من حال الى حال، فيجعله سعيدا؛ قلت: فاخبرنى عن الشّقى، هل احبّه اللّه على حال من الحالات؟
فقال: لو احبّه على حال من الحالات، ما تركه شقيّا و لا استنقذه من الشّقاء الى السّعادة؛ قلت: فهل يبغض اللّه العبد ثمّ يحبّه أو يحبّه ثمّ يبغضه؟ فقال (ع): لا.» (4)
هذا ما ورد عنهم (ع) فى الشقاوة و السعادة، و حاصله: أنّهما وصفان انتزاعيّان من العمل، كالزّهد و الصلاح و التقى، و ان ابوا عن ذلك و جعلوهما شيئا مجعولا ذا اثر، فليستا إلّا عبارة اخرى عن الطينة.
و صحّت الطينة بالتّواتر***عنهم (ع) و ما ثبوتها بمنكر
إذ ليس في التفاوت السّنخىّ من***منع يرى العقل به غير قمن
فخلق علّيينىّ أو سجّينىّ***كالخلق من نور و نار طين
و إنّما تخيّل استلزام***للجبر صار منشأ الأوهام
و صحّت الطينة بالتّواتر الاجمالى و المعنوى عنهم (ع)، و ما ثبوتها بمنكر عند العقل، إذ ليس في مجرد التفاوت السّنخىّ من منع يرى العقل ذلك به تعالى غير قمن؛ فان اختلاف الأصناف في الطينة، ليس إلّا اختلافا في السنخيّة من حيث المادّة التركيبيّة، و ليس هذا في نفسه شيئا محالا، فخلق علّيينىّ أو سجّينىّ في التفاوت بينهما، ليس إلّا كالخلق من نور و نار و طين، كالملك و الجنّ و الانس، فهل يجد عاقل من نفسه، إنّ هذا شيء منكر، او هو من الممتنعات، او أنّه لم يكن حريّا به تعالى هذا الاختلاف، و كان ينبغى عليه ان يخلق خلقه كلّه من سنخ واحد؟
و امّا سؤال آدم (ع): التسوية و انكاره الاختلاف، فإنّه لم يكن في هذا الشأن، بل إنّما انكر الاختلاف في الاعتبارات العرضيّة، مثل الغنى و الفقر و غيرهما، و ذلك لحكمة صوّبها في نفسه بزعمه، و هو أنّ التسوية ترفع الاختلاف و التباغض، و قد نبّهه اللّه تعالى على خطائه، قال آدم: يا ربّ لو كنت خلقتهم على مثال واحد، و طبيعة واحدة، و الوان واحدة، و اعمار واحدة و ارزاق سواء، لم يبغ بعضهم على بعض، و لم يكن بينهم تحاسد و لا تباغض و لا اختلاف في شيء من الأشياء؛ فقال اللّه- جلّ جلاله-: يا آدم بروحى نطقت، و بضعف طبعك تكلّفت ما لا علم لك به، و انا اللّه الخلّاق العليم، بعلمى خالفت بين خلقهم، و بمشيّتى امضى امرى.» (1)
و الحاصل: أنّ مجرّد التفاوت في الخلط و المزاج بين الأفراد و جعل الامتياز بينها بتكوين بعضها من طينة فاضلة و الآخر من الرديّة، لا يوجب استحالة في العقل.
و إنّما تخيّل استلزام للجبر من هذا الاختلاف، صار منشأ الأوهام في اخبار الطينة، فتوهّموا فيها ما ليس بحقّ. فقيل: أنّها من المتشابهات، امّا لأنّ حقيقة الطينة غير معلومة، او لأنّها موهمة للجبر؛ و قيل: إنّها محمولة على التقيّة لموافقتها لأخبار العامّة، و مذهب اكثرهم و هم الأشاعرة؛ و قيل: انّها اخبار آحاد.
1) . البحار 5: 227/ 5.
بل هى مع إبهامها جليّة***و ليست آحادا و لا تقيّة
إذ ليس للطّينة ذاتا اقتضاء***و إن يكن فهو بجعل و قضاء
و الجعل قوّاها للاختبار***بالعقل و الشّهوة و الخيار
و قد اشرت الى بطلان الجميع بقولى:
بل هى؛ اى الطينة أو الأخبار مع إبهامها في حقيقة المراد بالطينة، جليّة في اثباتها؛ و خفاء الكنه و الحقيقة، لا يضرّ بالثّبوت، كما هو كذلك في اكثر الاشياء، فلا موجب لجعلها من المتشابهات، و ليست آحادا اخبارها و لا تقيّة في صدورها؛ اذ ليس مناط التقية مجرد الموافقة للعامة، و إلّا لوجب حمل اكثر الأخبار على التقية، بل المناط، الموافقة مع المعارضة، و لا معارض لها بنفيها أو ينافيها؛ و انّما المعارضة متوهّمة من توهّم استلزام الطينة الجبر، و ليس كذلك، إذ ليس للطّينة ذاتا، اقتضاء للجبر، و هذا واضح؛ فإنّ مجرّد كون هذا من طينة نوريّة بهيّة مثلا، و ذاك من طينة خبيثة رديّة، لا يلزم كونهما مقهورين بالذّات. و إن يكن لها اقتضاء للجبر و القهر، فهو بجعل و قضاء، اذ الاقتضاءات للذّوات، ليست عندنا بالذّات، فلو ثبت لها اقتضاء، فلا بدّ ان يكون ذلك بالجعل.
فعلى المدعى ان يثبت أنّ الطينة الطيّبة، قد جعلت للسّعيد على وجه لا يمكنه خلافه؛ و كذلك الخبيثة، قد جعلت في الشّقىّ على وجه لا يمكنه خلافه.
و دون اثباته خرط القتاد!
و الجعل؛ اى جعله تعالى لم يدعها باقية على اللّااقتضاء أو الاقتضاء، بل قوّاها و امدّها للاختبار؛ اى لأجل الاختبار بالتّكاليف الّتي يكلّفها بالعقل و الشّهوة و الخيار، فهى سواء كانت طيّبة أو خبيثة، لا تكون سالبة للاختبار، لا على طيب الطينة أو خبثها؛ فانّهما غير مؤثّرين بالاستقلال، لو لا الإرادة و الاختيار، فحالهما حال النّور و التراب و النّار في خلق الملك و الجنّ و الانسان، ممّا لا اثر له في الاضطرار و الاختيار.
ثمّ إنّ الاخبار في باب الطينة كثيرة جدّا، و ذكر الكلّ يوجب التطويل، و قد اتيت عليها في «معارف الشّيعة»، و من ارادها فليراجع إليه، و لكن اتيمّن هنا بذكر بعضها:
فعن رسول اللّه (ص): «أنّ في الفردوس لعينا احلى من الشّهد، و ألين من الزبد، و أبرد من الثلج، و اطيب من المسك، فيها طينة، خلقنا اللّه- عزّ و جلّ- منها و خلق منها شيعتنا؛ فمن لم يكن من تلك الطينة، فليس منّا و لا من شيعتنا، و هى الميثاق، اخذ اللّه- عزّ و جل- عليه ولاية عليّ بن ابى طالب.» (1)
و عن عليّ بن الحسين (ع) قال: «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق النّبيين من طينة عليّين، قلوبهم و ابدانهم؛ و خلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة، و خلق ابدانهم من دون ذلك؛ و خلق الكافرين من طينة سجّين، قلوبهم و ابدانهم؛ فخلط بين الطينتين، فمن هذا يلد المؤمن الكافر و يلد الكافر المؤمن، و من هاهنا يصيب المؤمن السيّئة، و يصيب الكافر الحسنة، فقلوب المؤمنين تحنّ الى ما خلقوا منه، و قلوب الكافرين تحنّ الى ما خلقوا منه.» (2)
و عن الباقر (ع)، قال: إنّا و شيعتنا خلقنا من طينة عليّين؛ و خلق عدوّنا من طينة خبال من حمأ مسنون.» (3)
و قال (ع): «إنّ اللّه خلقنا من أعلى عليّين، و خلق قلوب شيعتنا منه، و خلق ابداهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوى إلينا، لأنّها خلقت ممّا خلقنا منه، ثمّ تلا: (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ )(4).» (5)
و عن الصادق (ع)، قال: «إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلقنا من نور مبتدع، من نور سنخ ذلك النّور في طينة من أعلى عليّين، و خلق قلوب شيعتنا ممّا خلق منه ابداننا، و خلق ابدانهم من طينة دون ذلك، فقلوبهم تهوى إلينا، لأنّها خلقت ممّا خلقنا منه؛ ثمّ قرء: (إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ). و إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خلق قلوب اعدائنا من طينة من سجّين، و خلق ابدانهم من دون ذلك، و خلق قلوب شيعتهم مما خلق منه ابدانهم، فقلوبهم تهوى إليهم؛ ثمّ قرء:( إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ، كِتابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ0.
يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ )(1).» (2)
و قال صالح بن سهل، قلت لأبى عبد اللّه (ع): جعلت فداك! من اىّ شيء خلق اللّه طينة المؤمن؟ قال (ع): «من طينة الأنبياء» (3)، و قال (ع): أ ما علمت يا ابن كيسان انّ اللّه- تبارك و تعالى- اخذ طينة من الجنّة و طينة من النّار- فخلطهما جميعا، ثمّ نزع هذه من هذه، فما رأيت من اولئك من الأمانة و حسن السمت و حسن الخلق، فممّا مسّتهم من طينة الجنة، و هم يعودون الى ما خلقوا منه، و ما رأيت من هؤلاء من قلّة الأمانة و سوء الخلق و الزعارة، فممّا مسّتهم من طينة النّار.» (4)
و قد ورد عنهم (ع) أيضا تفسير الطينتين بالماء العذب الفرات، و الماء المالح الاجاج، و بالأرض الطيبة، و الأرض السبخة أيضا؛ و لا منافاة بين الجميع، فخلقت ارواح الأنبياء و الأئمّة من النّور، و ابدانهم النوريّة من طينة الجنة و مائها، و خلقت ارواح المؤمنين من طينة الجنّة و مائها، و الأبدان العنصريّة من الجميع من اديم الأرض الطيبة و الماء العذب؛ و خلقت ارواح الكفّار من سجّين، و ابدانهم العنصريّة من الماء المالح و الأرض السبخة.
و اذا تمّ الكلام فيما تشابهت من الآيات و الأخبار الّتي استدلّ بها على الجبر، او يوهم منها ذلك، فلنختم البحث بذكر الآيات الّتي صريحة في الاختيار أو مستلزمة له.5.
و جلّ الآيات على الخيار دلّ***كنسبة الفعل إلى مجرى العمل
من خير أو شرّ صلاة صدقة***أو قتل نفس أو زنا أو سرقة
أو برّ أو عدل أو الإحسان***أو كبر أو ظلم أو العدوان
أو حسد أو بغى أو فحشاء***أو كذّب أو نميمة إيذاء
أو غيبة، إساءة، أكل الربا***و مال الأيتام و قس ما نسبا
و جلّ الآيات على الخيار دلّ، و هى طوائف كثيرة مختلفة؛ و قد ذكرتها على اختلافها اشارة.
فقد اشرت الى الطائفة الأولى بقولى:
كنسبة الفعل إلى مجرى العمل، و من يباشره، من خير أو شرّ؛ كقوله:( وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ )(1)و قوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. )(2)
او صلاة؛ كقوله: (وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ )(3)و قوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا.)(4)
و صدقة؛ كقوله:( فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ. )(5)و قوله:( وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ. )(6)
أو قتل نفس؛ كقوله: (وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً )(7)أو زنا؛ كقوله: (الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ)(8). ؛ أو سرقة؛ كقوله: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما.)(9)أو برّ؛ كقوله: (تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى.)(10)أو عدل؛ كقوله: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى. )(11)
أو الإحسان؛ كقوله:( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(1). ؛ هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص730
كْبَرَ. و قوله: (2)(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)(3). ؛
أو ظلم؛ كقوله: (وَ آتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها)(4). و قوله: (وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(5). و قوله:( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ. )(6)
أو العدوان؛ كقوله:( وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ )(7)
أو حسد؛ كقوله: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ )(8)
أو بغى؛ كقوله: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ. )(9)
أو فحشاء؛ كقوله: (الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ.)(10)و قوله:
(وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ. )(11)
أو كذب؛ كقوله: (وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ. )(12)
أو نميمة و تهمة؛ كقوله:( هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. )(13)، و قوله:( وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً. )(14)
او إيذاء؛ كقوله: (وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً. )(15)
أو غيبة؛ كقوله: (لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً. )(16)
او إساءة؛ كقوله: (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ)(17). 0.
1) . البقرة 2: 195.
2) . البقرة 2: 34.
3) . الاعراف 7: 75.
4) . الاسراء 17: 59.
5) . البقرة 2: 57.
6) . التوبة 9: 36.
7) . المائدة 5: 2.
8) . النساء 4: 54.
9) . يونس 10: 23.
10) آل عمران 3: 135.
11) . الاعراف 7: 28.
12) . البقرة 2: 10.
13) . القلم 68: 11.
14) . النساء 4: 112.
15) . الاحزاب 33: 58.
16) . الحجرات 49: 12.
17) الروم 30: 10.
و الخلق و الجعل على الإسناد دلّ***كالصّنع و الكسب و فعل و عمل
او أكل الربا؛ كقوله:( لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً.)(1)و قوله: (وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ. )(2)
و اكل مال الأيتام؛ كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً.)(3)
و قس ما نسبا ممّا لم يذكر على ما ذكر، فإنّ غير المذكور، اكثر من المذكور.
و امّا قول المجبّرة، أنّ النسبة على وجه المجاز دون الحقيقة، فدعوى بلا حقيقة، لا لمجرّد أنّ الأصل و الظاهر في النّسبة الحقيقة، بل لأنّ دعواهم ليست مبنيّة على الأصول اللفظيّة المعتبرة في باب الحقيقة و المجاز أيضا؛ لأنّها ناشئة عن استحساناتهم الوهميّة الّتي يسمّونها ذوقيّة، المتفرّعة على ما أسّسوا من وحدة الوجود، أنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه، او أنّ الأفعال مخلوقة للّه تعالى.
يعنى، أنّ لها معان غير صادقة على الحقيقة، الّا على من نسب إليه و اطلق عليه.
و الفرق بينها و بين الأولى، أنّ الأولى افعال جزئيّة مخصوصة، تدلّ على أنّها لمن باشرها بظاهر النّسبة، و هذه الطائفة، لها معان كليّة، تشمل بكليتها سائر الأفعال، تقتضى بمفاهيمها الحقيقة، مضافا الى النسبة الظاهريّة، اسناد الأفعال حقيقة الى العباد. و الى هذه الطائفة اشرت بقولى:
و الخلق و الجعل على الإسناد دلّ؛ اى دلّ على اسناد الافعال حقيقة الى العباد، فانّ الخلق لا يكون إلّا للخالق، و الجعل لا يكون إلّا للجاعل، و كذلك البواقى، كالصّنع و الكسب و فعل و عمل. و هذه الأفعال، افعال عامّة، تشمل غيرها؛ فإنّ كلّ فعل و علم و صنع و جعل و خلق و كسب، قد اسند اللّه تعالى جميع ذلك في كتابه الى العباد، و صدور هذه المعانى، مستلزم للخيار.
فقال تعالى:( وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ.)(4)و قال: (وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَ خَلَقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ. )(5)و قال: (إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ
كذلك العصيان و الإطاعة***و حكم من عصى و من أطاعه
و كلّ أمر منه أو مدح و ذمّ***و مثبت الجزاء خيرا أو أعمّ
ساحِرٍ)(1). و قال:( لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ. )(2)و قال: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ.)(3)و قال: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ. )(4)و قال:
(كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ.)(5)و قال: (وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)(6). و قال:( جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.)(7)و قال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ.)(8)و قال: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ. )(9)
و الى الطائفة الثالثة، بقولى: كذلك العصيان و الإطاعة؛ اى كونهما في العباد و نسبتهما إليهم، بحيث يعد بعضا مطيعا و بعضا عاصيا، فهما يدلّان أيضا على الاختيار؛ و كذا حكم من عصى و من أطاعه، حيث يقول:
(أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.)(10)و قال: (وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ.)(11)و قال: (وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً. )(12)
و الى الطائفة الرابعة، بقولى:
و كذا كلّ أمر منه بالواجبات و الفرائض؛ كقوله:( أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ)(13).( و أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.)(14)؛( وَ أَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ. )(15)
و هى كثيرة في القرآن، فإنّ الأمر بالشيء يقتضي الاختيار.
و الأمر بالتّوبة و استغفار***و لا يكونان بلا اختيار
و الفرق في العقاب و الجزاء***بالعمد و النّسيان و الخطاء
و حكمة البلوى و الامتحان***و نفى الإكراه عن الإيمان
و الى الخامسة بقولى: أو مدح و ذمّ؛ كمدحه المجاهدين و ذمّه القاعدين، و مدحه العدل و ذمّه الظلم و مدحه الانفاق و ذمّه البخل الى غير ذلك، فإنّ المدح و الذمّ، لا يحسنان إلّا مع صدور الفعل بالاختيار.
و الى السادسة بقولى:
و مثبت الجزاء خيرا كان أو أعمّ؛ يعنى، كلّ آية اثبتت الجزاء، دنيويا كان او اخرويّا، خيرا كان أو شرّا، فإنّ الجزاء لا يكون إلّا مع الفعل، و إلّا فمع عدمه فالخير تفضّل و احسان، و الشرّ ظلم و عدوان.
و الى السابعة بقولى: و الأمر بالتّوبة و استغفار؛ كقوله: (وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. )(1). و قوله: (وَ أَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ.)(2)و لا يكونان بلا اختيار في صدور الذنب.
و الى الثامنة بقولى:
و الفرق في العقاب و الجزاء بالعمد و النّسيان و الخطاء؛ كقوله:( وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً.)(3)و قوله: (وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ.)(4)و قوله:( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا.)(5)و الفرق بين العمد و غيره كالصّريح في الاختيار للعامد دون غيره.
و الى التاسعة بقولى:
و حكمة البلوى و الامتحان؛ كقوله:( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )(6)و قوله:
(وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً.)(7)و قوله: (وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
فمن يشأ، يدخل، و من شاء خرج***كذاك نفى العسر فيه و الحرج
و نفيه التسبيب للطغيان***و الكفر و الفحشاء و العصيان
و الأمر بالإيمان و التوكل***كذاك بالتّسليم و التوسّل
وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ)(1). تستدعى الاختيار، اذ لا امتحان مع الإجبار.
و الى العاشرة بقولى:
و نفى الإكراه عن الإيمان، فمن يشأ، يدخل، و من شاء خرج؛ كقوله:( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. )(2)و قوله: (وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.)(3)فانّه ليس إلّا عبارة اخرى عن الاختيار.
و الى الحادية عشرة بقولى:
كذاك نفى العسر فيه؛ اى في الدين و الحرج؛ كقوله:( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.)(4). و قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.)(5)فانّه مخالف للجبر طبعا، لأنّه اذا كان لم يرض بالعسر و الحرج، و هما دون الجبر، فكيف يرضى به؟
و الى الثانية عشرة بقولى:
و نفيه التسبيب منه للطغيان و الكفر و الفحشاء و العصيان؛ بقوله:( وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ. )(6). و قوله: (الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى لَهُمْ.)(7)و قوله: (زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ.)(8)و قوله: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً .)(9). و قوله: (وَ إِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ. )(10)
و الى الثالثة عشرة بقولى: و الأمر بالإيمان و التوكل؛ كقوله: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ. )(11)و قوله: (وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). (12)
و العلم و الخشية منه و التقى***و الاعتصام و السّئوال و الدعاء
بل بإنابة و باستكانة***و باستعاذة و باستعانة
و بالرّجا و الجبر يطرد الرجاء***و النّهى عن إشراك أيضا و الرياء
كذا عن الطاغوت و الاوثان***و كلّ منهىّ من الرحمن
و نسبة الخدعة و المكر معه***و الصد عن سبيله مستتبعة
كذاك الأمر بالتّسليم؛ كقوله:( وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً )(1)
و التوسّل؛ كقوله:( وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ )(2)
و العلم؛ كقوله: (وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(3). و قوله: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ )(4)
و الخشية منه؛ كقوله: (فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِي. )(5)
و التقى؛ كقوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ. )(6)
و الاعتصام؛ كقوله:( وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً. )(7)
و السّئوال؛ كقوله: (وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ. )(8)
و الدعاء؛ كقوله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.)(9)و قوله: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. )(10)
بل بإنابة؛ كقوله: (وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ. )(11)
و باستكانة؛ اى التضرع؛ كقوله: (فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. )(12)3.
و باستعاذة؛ كقوله:( فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. )(1)
و باستعانة؛ كقوله: (قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها.)(2)و قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. )(3)
و بالرّجاء؛ كقوله: (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً. )(4)
و الجبر، يطرد الرجاء و لا يبقى له محلّا، خصوصا اذا كان بمقتضى العلم الأزلى.
و الحاصل: أنّ كلّا من هذه الأوامر و غيرها، يستدعى الاختيار، و لو شئت جعلت كلّا منها دليلا بالاستقلال.
و الى الرابعة عشرة الى السادسة عشرة بقولى:
و النّهى عن إشراك أيضا، بقوله:( لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً. )(5)
و عن الرياء؛ بقوله:( يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. )(6)و قوله:
(فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ. )(7)
كذا عن الطاغوت و الاوثان؛ كقوله:( وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.)(8)؛ و قوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ. )(9)و قوله:( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ. )(10)
و كلّ منهىّ من الرحمن غير ذلك، فإنّ النّهى يقتضي الاختيار.
و الى السابعة عشرة و الثامنة عشرة بقولى:
و كذا نسبة الخدعة مع اللّه؛ و المكر معه الى الخادعين و الماكرين في قوله:
(يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ. )(11)، و قوله:( وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.)(12)و كذا نسبة الصد عن سبيله الى الصادّين مستتبعة أيضا للاختيار و هو واضح.
و قوله الصريح صمّوا و عموا***و ما ظلمناهم و لكن ظلموا
و قوله إلّا يكون أبدا***للنّاس حجّة على اللّه غدا
و قوله ثمّ السّبيل يسّره***أخبر أن أعذره لا أجبره
ألهمها فجورها، تقويها***و قال قد أفلح من زكّيها
و ما استطعتم عند الاعتبار***نصّ من اللّه على الخيار
و الى التاسعة عشرة بقولى:
و كذا قوله الصريح في النسبة، صمّوا و عموا، دالّ على أنّ العمى و الصمم منهم بالاختيار.
و الى العشرين بقولى:
و ما ظلمناهم و لكن ظلموا انفسهم، فهو أيضا صريح في النسبة.
و الى الواحدة و العشرين بقولى:
و قوله إلّا يكون أبدا للنّاس حجّة على اللّه غدا، اشارة الى قوله تعالى:( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. )(1)، و اىّ حجّة لهم اعظم من كونهم مجبورين مقهورين.
و الى الثانية و العشرين بقولى:
و قوله: ثمّ السّبيل يسّره، أخبر أن أعذره لا أجبره.
و الى الثالثة و العشرين بقولى:
(فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها)، و قال بعد ذلك:( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها. )(2)
و مع ذلك فكيف يجوز في العقل ان ينسب إليه تعالى الجبر؟
و الى الرابعة و العشرين بقولى:
و ما استطعتم في قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(3)عند الاعتبار؛ اى اعتبار اهل العلم و الأدب نصّ من اللّه على الخيار، و مثله قوله:( مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا )(4)الّا أنّها استطاعة خاصّة، و كذلك قوله:( وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ
و كذّب القائل لن نمنعكم***لو استطعنا لخرجنا معكم
و ما خلقت الجنّ و الإنس و ما***أشبهه بالاختيار أعلما
كغاية الخلقة أو بعث الرسل***فهى على الخيار كالنصّ تدلّ
وَ هُمْ سالِمُونَ.)(1)و قد فسّر بأنّهم مستطيعون بقرينة قوله: (وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ. )(2)
و الى الخامسة و العشرين بقولى:
و كذّب القائل لن نمنعكم النصرة، لو استطعنا لخرجنا معكم، حيث قال في المعذّرين:( وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ)(3). فقد كذّبهم في انّهم نفوا عن انفسهم الاستطاعة. و عن البرقى عن ابى عبد اللّه (ع) فى قول اللّه (وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ...)قال (ع): «اكذبهم اللّه في قولهم:
لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ و قد كانوا مستطيعين للخروج.» (4)
و عن عبد الأعلى، عنه (ع) فى الآية، قال (ع): «انّهم كانوا يستطيعون للخروج، و قد كان في العلم أنّه لو كان عرضا قريبا و سفرا قاصدا، لفعلوا.» (5)
و الى السادسة و العشرين بقولى:
و قوله: (ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.)(6)و ما أشبهه بالاختيار أعلما؛ و المراد بما اشبهه، ما يفيد هذا المعنى، كغاية الخلقة؛ كقوله:( وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا.)(7)و قوله: (أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ.)(8)و قوله: (وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. )(9)و امثال ذلك؛ أو غاية بعث الرسل؛ كقوله:( لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ. )(10)فهى على الخيار كالنصّ تدلّ، و من اقوى السّبيل و اهدى السبل، فانّه لا يبقى مع الجبر
و لم يكن مغيّرا أو مهلكا***بظلم إلّا أن يزيغوا المسلكا
و كيف مجبر على ما لا يحبّ***أو قاهر على خلاف ما يحبّ
لم يرض بالكفر و قد كذّب من***رماه و الفحشاء إليه فاعلمن
أم كيف ذا و هو يحامى دينه***و يصرف الكائد أن يشينه؟
ينصر أوليائه و يدفع***عنهم فكيف من أتاه يمنع
محلّ لهذه الغاية، بل لو كان جبر يلزم الكذب؛ لأنّه تعالى اخبر بهذه الآيات، أنّه لم يخلق الجنّ و الانس إلّا ليعبدوه جبرا، و لم يبعث الرسل إلّا ليقوموا بالقسط جبرا، و لو كان كذلك لم يكفر احد، مع أنّ الواقع المشهود خلاف ذلك، فلزم الكذب في اخباره تعالى، فلا محمل لهذه الآيات إلّا الاختيار.
و الى السابعة و العشرين بقولى:
و لم يكن مغيّرا في قوله:( ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ. )(1)أو مهلكا بظلم في قوله: (ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها غافِلُونَ. )(2)و قوله: (وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ. )(3)، «فهو لا يغيّر على قوم و لا يهلك قوما.» إلّا أن يزيغوا المسلكا؛ كما قال:
(فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ.)(4)و قال: (وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً. )(5)
و مع هذا التصريح، كيف يليق به الاجبار؟
و الى الثامنة و العشرين بقولى:
و كيف مجبر على ما لا يحبّ؛ كقوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)(6). و قوله:
(وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ. )(7)و قوله: (وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. )(8)و قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً.)(9)، و قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً. )(10)
و قوله:( وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(1). و قوله:( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ. )(2)و قوله:
(إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ. )(3)
أو كيف قاهر على خلاف ما يحبّ؟ كقوله:( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.)(4)و قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. )(5)و قوله: (وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.)(6)و قوله:
(وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.)(7)و قوله: (وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. )(8)و قوله:
(فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. )(9)
و هل يعقل من الحكيم ان يجبر عبده على خلاف ما احبّ أو على ما لا يحبّ؟
و الى التاسعة و العشرين بقولى:
لم يرض بالكفر لعباده في قوله:( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ.)(10)و قوله: (وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ. )(11)
و قد كذّب من رماه؛ اى الكفر و الفحشاء إليه فاعلمن، و ذلك في قوله:( وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. )(12)و قوله: (وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. )(13)
و الى الثلاثين بقولى:
أم كيف ذا؛ اى الجبر، و هو يحامى دينه و يصرف عنه الكائد أن يشينه؟ و كذلك يحامى اولياءه و يدفع عنهم، ينصر أوليائه، و يدفع عنهم شرّ اعدائهم فكيف من أتاه، يمنع؟ او كيف يجبر الباغين و الحاسدين ان يكيدوا بالدّين و بالمؤمنين؟ لا يتفوّه بذلك من له عقل متين! قال تعالى:( سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي
و الدين، فطرة له قد فطره***للنّاس كيف مانع من أثره؟
فهذه و غيرها لمن عقل***كفاية إن لم يصرّ على الجدل
من ظنّ أنّ ربّه لن ينصره***فدعه فليمت بغيظ و اهجره
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.)(1)و قال:( إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ.)(2)و قال:( لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ. )(3)و قال: (وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.)(4)و قال: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ )(5)
و الى الواحدة و الثلاثين بقولى:
و الدين، فطرة له تعالى، قد فطره للنّاس، حيث قال:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ.)(6)و مع ذلك، كيف مانع من أثره و اختاره؟ و هل هذا إلّا نقض للغرض؟ او هل يقبل ذلك من لم يكن في قلبه مرض؟
فهذه الواحدة و الثلاثون و غيرها ممّا لم نذكر (و يمكن استخراجها من الآيات بالتدبّر) لمن عقل كفاية، دون من لم يعقل كالمقلّدة للمذاهب. و إنّما يكفى العاقل العالم، إن لم يصرّ على الجدل؛ فإنّ من بنى على الجدل، فهو من اهل هذه الآية:
(إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ. )(7)و من اهل هذه الآية: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ. )(8)
و قد وردت في المجادلين آيات، و هذه الآية:( وَ لَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ.)(9)من ظنّ أنّ
ربّه لن ينصره أبدا، بل لا يقدر على نصره، كالقائل بالجبر و بالعلم الأزلى، فدعه فليمت بغيظ و اهجره؛ كما قال تعالى:( مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ.)(1)و قال: (اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا. )(2)و قال: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا. )(3)و قال: (وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ . )(4).(5)
هرآنكس را كه مذهب غير جبر استنبى فرموده كو مانند گبر است و قال الحافظ الشيرازى في الجبر و العلم الأزلى:
گناه اگرچه نبود اختيار ما حافظتو در طريق ادب باش، گو گناه من است و قال:
برو اى زاهد و بر دردكشان خورده مگيركه ندادند بما تحفه جز اين روز الست و قال:
مرا برندى و عشق آن فضول عيب كندكه اعتراض بر اسرار علم غيب كند و قال:
مرا روز ازل كارى، بجز رندى نفرمودندهر آن قسمت كه آنجا شد، كم و افزون نخواهد شد و قال:
بارها گفتهام و بار دگر مىگويمكه من گمشده، اين ره نه به خود مىپويم
در پس آينه طوطى صفتم داشتهاندآنچه استاد ازل گفت بگو، مىگويم
من اگر خارم اگر گل، چمن آرائى هستكه از آن دست كه مىپروردم مىرويم و قال:
برو اى ناصح و بر دردكشان خورده مگيركار فرماى قدر مىكند اين، من چه كنم و قال:
نيست اميد صلاحى ز فساد حافظچون كه تقدير چنين است، چه تدبير كنم؟ و قال:
آئين تقوى ما نيز دانيمليكن چه چاره، با بخت گمراه
هو من توابع المشيّة البداء***فيها و الإمضاء فيمضى المبتدأ
هما على ما في كتابه نعت***إثبات ما شاء و محو ما ثبت
و أنكر البداء رهط قاصرة***و شنّع القول به الأشاعرة
و عن قصور فهمهم لم يشعروا***بأنّهم نصّ الكتاب أنكروا
لم يعرفوا المعنى المراد بالبداء***فانكروا على أئمّة الهدى
توهّموا قياسا أنّ ذاك له***من عجز أو نسيان أو أن جهله
و العلم و الذات تغيّرا معه***و الأزلىّ العلم لن يجامعه
قد تقدّم أنّ صفاته الفعليّة الّتي هى مبادى ايجاده و تكوينه، المشيّة و الإرادة؛ و أنّهما تستتبعان صفات اخرى، منها: القدر و القضاء، و منها عندنا: البداء و الامضاء، و قد فرغنا من الجميع و بقى الأخيران.
و من توابع المشيّة البداء فيها، و كذا في الإرادة و القدر أيضا، لكن ذكر المشيّة يغنى عنهما، لأنّها اصل لهما. و من التوابع أيضا، الإمضاء، فيمضى المبتدأ. و في البيت تفسير اجمالى للبداء و الإمضاء، و بيان لموردهما.
فالبداء، حيث كانت من توابع المشيّة، فهى مشيّة ثانية كالارادة، ترد على الأولى بما قدر لها من التقادير، فهى مشيّة واردة عليها و على القدر قبل القضاء، يغيّر بها ما شاء منها. و الامضاء يقابل البداء، و هو ابقاء ما كان على ما كان، فالبداء مشيّة التغيير و محو التقدير، و ابداء مشيّة اخرى و قدر آخر، و الإمضاء اثبات المبتدأ؛ اى الأمر الأوّل. و هذا المعنى يستفاد من الكتاب العزيز؛ كما قلت:
هما على ما في كتابه تعالى نعت و وصفهما إثبات ما شاء اثباته، و محو ما ثبت فى قدره أوّلا؛ كما قال تعالى:( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ. .)(1)
و نحن معاشر الاماميّة، لا نعنى بالبداء الّذي نعتقده إلّا ما اثبته هذه الآية.
و لكن أنكر البداء رهط قاصرة عن دركه و تعقّله، و شنّع على الشّيعة الاماميّة، القول به الأشاعرة؛ فإنّهم من جملة المنكرين، و شدّدوا التشنيع به علينا. و لكن عن
1) . الرعد 13: 39.
قصور فهمهم؛ اى لأجل قصور الفهم لم يشعروا، بأنّهم نصّ الكتاب أنكروا؛ و انّما شنعوا البداء علينا، لأنّهم لم يعرفوا المعنى المراد بالبداء عندنا، فانكروا جهلا على أئمّة الهدى، او عرفوه و تعمّدوا في ذلك.
فقد حكى عن الرازى في خاتمة كتاب المحصّل، أنّه قال:
«إنّ ائمّة الرافضة، و ضعوا القول بالبداء لشيعتهم، فاذا قالوا: أنّه سيكون لهم امر و شوكة، ثمّ لا يكون الأمر على ما اخبروه، قالوا: بدا للّه تعالى فيه.»
و حكى عنه في تفسيره، أنّه قال: «قالت الرافضة، إنّ البداء جائز على اللّه، و هو ان يعتقد شيئا ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده، و تمسّكوا فيه بقوله: (يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ)».
قال المجلسى (ره) بعد نقل هذا الكلام منه: «انتهى كلامه- لعنه اللّه.»
و لا ادرى من اين اخذ هذا القول الّذي افترى عليهم!؟ مع أنّ كتب المتقدّمين عليه، كالصدوق و المفيد و الشيخ و المرتضى و غيرهم (ره)، مشحونة بالتّبرى عن ذلك.
و اقول: ان اراد المخذول من تفسير البداء بقوله: «و هو ان يعتقدا ...»، نسبة ذلك الى من سمّاهم بالرّافضة، فقد احتمل بهتانا و اثما مبينا، اذ لا يوجد في كلام احد، هذا التفسير؛ و ان اراد به التفسير من عنده، على ما هو المتعارف من معنى البداء في الخلق، بعد نسبة اصل البداء إليهم، فلعمرى إنّه تفسير بالرّأي، و بما لا يرضى صاحبه؛ فان كان عن معرفة بتفسيرهم فكتمه، فهو تلبيس الحقّ و كتمانه، «يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.» (1)و ان كان عن جهل بمرادهم، فقد نسى قوله تعالى: «تَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.» (2)
و كيف كان، فإنّ هؤلاء المنكرين، توهّموا من ظاهر لفظ البداء، قياسا بما هو المتعارف من المخلوقين، إنّ ذاك له تعالى، امّا من عجز أو نسيان للشيء أو أن جهله أوّلا، فخفى عليه، ثمّ بدا له؛ كما هو كذلك في المخلوقين؛ و أيضا العلم و الذات تغيّرا معه؛ يعنى، أنّ البداء مستلزم لتغيّر العلم، لأنّه خلاف العلم الأوّل، و تغيّر العلم مستلزم لتغيّر الذات أيضا؛ و أيضا الأزلىّ العلم لن يجامعه؛ يعنى، أنّ البداء مغاير للعلم الأزلى، لأنّه يلزم منه انقلابه. فهذه محاذير ثلاثة، توهّموا أنّها من لوازم البداء.
و ليس يستلزم شيئا البداء***إذ البداء تغيير تقدير بدا
إنّ البداء قدر على قدر***مشيّة على المشيّات الآخر
مشيّة ثانية لا بادية***مع المشيّات بدت لا تالية
و إنّما أسبابها مؤخرة***و إذ بدت في الكون صارت ظاهرة
مشيّة التغيير و المحو بها***يمحو المشيّات لدى أسبابها
لو لم تكن مشيّة التغيير له***لكان موجبا لما قد جعله
كلّا! و لا يحدّ في الشّائيّة***له مشيّة على المشيّة
و ليس يستلزم شيئا من ذلك البداء؛ إذ البداء تغيير تقدير بدا منه، أوّلا إنّ البداء قدر على قدر، و مشيّة أيضا على المشيّات الأخر، و إرادة على إرادة؛ كما اعترف به الرازى، على ما حكى عنه، قال: «فان قال قائل: أ لستم تزعمون أنّ المقادير سابقة، قد جفّ بها القلم، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو و الاثبات؟ قلنا: ذلك المحو و الاثبات أيضا ممّا قد جفّ بها القلم، فلا يمحو إلّا ما سبق في علمه و قضائه محوه».
فهى إذن، مشيّة ثانية بالنّسبة الى الأولى رتبة لا بادية بعدها مجدّدة، فهى مع المشيّات بدت؛ اى ظهرت لا تالية بعدها؛ يعنى، أنّ بدئها من حين بدء المشيّات، فان كانت المشيّة حادثة كما هو الحقّ، فهى حادثة معها من حين حدوثها، و ان كانت ازليّة؛ كما يقول بها غيرنا، كانت ازليّة مثلها. و إنّما أسبابها؛ يعنى اسباب هذه المشيّة، مؤخرة عن اسباب غيرها، و إذ بدت؛ اى ظهرت و تحقّقت تلك الأسباب في الكون، صارت ظاهرة في الوجود، فبلحاظ ظهورها صارت رتبتها متأخّرة.
و ان احببت ان تعبر عن هذه المرتبة أو عن البداء بالمشيّة أيضا، فقل: مشيّة التغيير و المحو؛ و ذلك لأنّه تعالى بها يمحو المشيّات الأوليّة لدى حصول أسبابها، لا لهوا و لعبا؛ فإنّ تغيير القدر ليس إلّا عن سبب و حكمة كما انّ اصله لا يخلو عن ذلك. لو لم تكن مشيّة التغيير له، كما أنّ له مشيّة الاثبات، لكان فاعلا موجبا لما قد جعله و قدره. كلّا! و لا يحدّ تعالى في الشّائيّة، كما لا يحدّ في قدرته، بل له مشيّة على المشيّة، و إرادة على الإرادة، فعّال لما يشاء، فعّال لما يريد.
لم تبد عن تجدّد الرأى فلا***عن رفع عجز أو خفاء بدّلا
من ظنّ ذاك فابرءوا منه و ما***يبدو له إلّا الّذي قد علما
و هذه المشيّة الّتي سميّناها بمشيّة التغيير و مشيّة المحو، لم تبد عن تجدّد الرأى له تعالى، بل هى كما قرّرت، ثابتة له حين ثبوت المشيّات، و اذا لم تكن عن تجدّد الرأى كالمخلوقين، فلا عن رفع عجز أو ارتفاع خفاء من جهل أو نسيان بدّ لا ما قدّره. قال الصادق (ع): «انّ اللّه لم تبد له من جهل.» (1)من ظنّ ذاك فابرءوا منه. قال الصادق (ع):
«من زعم أنّ اللّه- عزّ و جلّ يبدو له في شيء لم يعلمه امس فابرءوا منه.» (2)
و عن منصور بن حازم، قال سألت أبا عبد اللّه (ع): «هل يكون اليوم شيء لم يكن فى علم اللّه بالأمس؟ قال (ع): لا، من قال هذا، فاخزاه اللّه! قلت: أ رأيت ما كان و ما هو كائن الى يوم القيامة أ ليس في علم اللّه؟ قال: بلى، قبل ان يخلق الخلق.» (3)
و ما يبدو له إلّا الّذي قد علما من قبل. قال الصادق (ع): «ما بدا للّه في شيء الّا كان في علمه قبل ان يبدو له.» (4)و قال (ع) أيضا: «إنّ اللّه يقدّم ما يشاء، و يؤخّر ما يشاء، و يمحو ما يشاء، و يثبت ما يشاء، و عنده أمّ الكتاب.»(5)و قال (ع): «فكلّ امر يريده اللّه، فهو في علمه قبل ان يصنعه، ليس شيء يبدو له إلّا و قد كان في علمه، انّ اللّه لا يبدو له من جهل.» (6)
و الحديثان عن ابن سنان، و عن جميل، و هشام بن سالم، و حفص البخترى، و غيرهم، عنه (ع) فى الآية، قال (ع): «و هل يثبت إلّا ما لم يكن، و هل يمحو إلّا ما يثبت.» (7)
و عن محمّد بن صالح الأرمنى، عن ابى محمّد العسكرى (ع)، قال: «و هل يمحو إلّا ما كان و يثبت إلّا ما لم يكن؟ فقلت في نفسى: هذا خلاف ما يقول هشام بن2.
بل لظهور الحكمة المقدّرة***فى العين بدّل الّذي قد قدّره
و تستوى المشيّتان أثرا***فى العلم لا ازداد و لا تغيّرا
إذ بهما بما هما تعلّقا***إطلاقا أو تعلّقا، لا مطلقا
و هو كما يعلم بالتّقدير***مشيّة، يعلم بالتّغيير
يعلم أن لو شاء شيئا حوّله***كعلمه أنّ له أن يفعله
الحكم: أنّه لا يعلم الشيء حتّى يكون؛ فنظر إليّ ابو محمّد (ع)، فقال: تعالى الجبّار العالم بالأشياء قبل كونها.» (1)
بل لظهور الحكمة المقدّرة الّتي قدّرها مع المشيّات حين انشائها، و لأجل تحقّقها و حصولها في العين، بدّل الّذي قد قدّره، فالبداء ان كان من الظهور، ليس بمعنى ظهور الشيء بعد خفائه؛ بل بمعنى ظهور سببه؛ اى تحقّقه في الخارج. هذا الجواب عن الاشكال الأوّل.
و امّا الجواب عن اشكال تغيّر العلم الذاتى أو انقلاب العلم الأزلى، فاليه اشرت بقولى:
و تستوى المشيّتان؛ اى الأولى و الثانية، أثرا في العلم، لما قلنا من استوائهما حدوثا أو ازلا، فان اثّرت المشيّة في العلم، اثّرتا معا، و لكنّهما لا تؤثّران فيه شيئا، لا ازداد العلم بهما لسبقه عليهما و انشائهما عنه، و لا تغيّر عمّا هو عليه؛ إذ العلم تعلّق بهما من أوّل الأمر بما هما عليه، و بما لهما من الكيفيّة، فليس إلّا انطباق العلم على المعلوم، و لا موجب لزيادته أو تغيّره و تبدّله. و قد تعلّق العلم بهما أيضا بما هما عليه، إطلاقا أو تعلّقا، لا مطلقا؛ يعنى، أنّ المشيّة، حيث تكون تارة مطلقة، و اخرى معلّقة على حصول امر أو عدم حصوله، و الأولى محتومة لا تتغيّر و لا تتبدّل، و الثانية على وجه التنجيز، من دون توجّه الى خصوصيّة كلّ منهما، حتّى يلزم بتبدّل المشيّة تبدّله.
و هو تعالى كما يعلم ازلا بالتّقدير مشيّة؛ يعنى، أنّ له مشيّة التقدير، يعلم بالتّغيير، كذلك مشيّة، و إنّ له مشيّة التغيير، فهو تعالى يعلم من أوّل الأمر أن لو شاء شيئا حوّله الى غيره، كعلمه أنّ له أن يفعله؛ يعنى، كما أنّ في المشيّة المطلقة، يعلم أنّ له ان يفعله متى شاء، يعلم أيضا في المعلّقة أنّ له ان يغيّره متى شاء، و كما لا0.
1) . البحار 4: 115/ 40.
و بعد إمكان البداء يعتقد***عقلا إذ القدرة منه لا تحدّ
بل مقتضى كماله في قدرته***أن يثبت البداء في مشيّته
كذا اقتضا المشيّة المطلقة له***مشيّة التغيير فيما جعله
و الحسّ بالوقوع فيما غيّره***يشهد بالبداء فيما قدّره
توجب الأولى عند فعلّيتها شيئا في العلم من زيادة أو تغيّر، كذلك لا توجب الثانية عند فعليّتها تغييرا و انقلابا .(1)
و بعد إمكان البداء في ذاته، و عدم استلزامه للمحال على ما قرّرنا، يعتقد ثبوته عقلا؛ إذ القدرة منه لا تحدّ في الممكنات؛ فإنّ مشيّة التغيير نوع من المشيّة، و هى ناشئة عن القدرة، فاذا امكنت في ذاتها، ثبتت بمقتضى اطلاق القدرة الغير المحدودة، بل مقتضى كماله تعالى في قدرته أن يثبت البداء في مشيّته، و إلّا فهى ناقصة؛ يعنى، أن كمال القدرة، بان يكون القادر، قادرا على الشيء و على تغييره؛ اى قادرا على وضعه و رفعه، و قدرته تعالى كاملة، كذا اقتضا المشيّة المطلقة له تعالى حيث يقول:( فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ )(2)، مشيّة التغيير له أيضا فيما جعله، و لو لا ذلك، كانت مشيّته محدودة. هذا بمقتضى العقل، امكانا و ثبوتا.
و امّا اثباتا، فهو تارة من حيث الوقوع، و اخرى من حيث التقرير، و هو بكلا قسميه حاصل. فالى الأولى اشرت بقولى:
و الحسّ بالوقوع فيما غيّره تعالى؛ اى احساسا وجدانا بوقوع التغييرات منه تعالى، يشهد بالبداء فيما قدّره. فإنّا نرى بالوجدان وقوع الحوادث الغير العادية، كالمطر في غير اوانه، و الحرّ أو البرد في غير زمانه، و تبديل النّعم بالنّقم، و النّقم بالنّعم،
1) . الاشكالات كلّها مبنيّة على ازليّة المشيّة، و امّا ان كانت حادثة، فلا موجب لتحديدها بمشيّة واحدة سابقة على الأشياء كلّها، بل يجوزان تكون له تعالى مشيّات: مشيّة و إرادة سابقة، و مشيّة يحدثها لاحقة؛ و كما أنّ المشيّة الأولى لا توجب في احداثها تغييرا في العلم و الذات، و لا يستلزم الجهل و النّسيان، فكذلك الثانية، و القدر المسلّم أنّ الأشياء مسبوقة بالعلم و المشيّة قبل خلقها. و امّا أنّ ذلك قبل خلق الجميع و قبل الشّروع في التكوين، فلا، بل الأشياء كلّها مسبوقة بالعلم الأزلى قبل تكوينها، و بالمشيّة الحادثة أيضا قبل ايجادها، و لكن كلّ موجود بمشيّته حادثة قبله و لو من غير فصل.
2) . هود 11: 107.
و أخبر اللّه بما قد غيّرا***بقوم يونس و رهط و قرى
ما بعث اللّه نبيّا للهدى***إلّا بالإقرار به و بالبداء
و البلاء بالرّخاء، و الرخاء بالبلاء، و حدوث الزلازل و الطاعون و الوباء، و غير ذلك من تغيير المشاء بالمشاء؛ اذ ليس شيء خارجا عن مشيّته، و لا جاريا بغير اذنه و ارادته.
و الى الثانى بقولى: و أخبر اللّه تعالى بما قد غيّرا بقوم يونس في قوله: (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ. )(1)و ما اخبر به من صنعه بغيرهم من رهط، كبنى اسرائيل و غيرهم، و قرى؛ اى اهلها كقرية لوط و شعيب و غيرهم، هذا من اللّه تعالى.
و امّا من اهل وحيه (ع)، فما ورد عنهم فيه كثير من بيان ثبوته و فضله و التأكيد على الاعتقاد به و اثباته، محاجّة على المخالفين، و ذكر مورده علما و مشيّة و الاسباب المقتضية له قضاء و حكمة، و التحدّث بما وقع منه احيانا ابلاغا و حجّة. و قد اشرت الى الجميع اشارة:
ما بعث اللّه نبيّا للهدى، إلّا بالإقرار به تعالى و بالبداء؛ فعن الصادق (ع):
ما بعث اللّه- عزّ و جلّ- نبيّا حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال: الاقرار بالعبوديّة، و خلع الأنداد، و أنّ اللّه يقدّم ما يشاء و يؤخّر ما يشاء.» (2)
و عنه (ع): «ما تنبأ نبىّ قطّ، حتّى يقرّ للّه تعالى بخمس (3): بالبداء و المشيّة و السّجود و العبادة(4)و الطاعة.» (5)
و عنه (ع)، قال: ما بعث اللّه نبيّا قطّ حتّى يأخذ عليه ثلاثا: الاقرار للّه بالعبوديّة، و خلع الأنداد، و أنّ اللّه يمحو ما يشاء و يثبت.» (6)
و عن الريّان بن الصلت، قال: «سمعت الرضا (ع) يقول: ما بعث اللّه- عزّ و جلّ- نبيّا إلّا بتحريم الخمر، و ان يقولوا بأنّ اللّه يفعل ما يشاء، و ان يكون في تراثه الكندر.» (7)
ما عظّم الإله شيئا كالبداء***و لا بشيء كالبداء عبدا
و عنه أيضا، عنه (ع)، قال: «سمعت الرضا (ع) يقول: ما بعث اللّه نبيّا قطّ، الّا بتحريم الخمر، و ان يقرّ له بالبداء.» (1)
و عن على بن مهزيار، عن ابن مسافر، قال: «قال لى ابو جعفر (ع) (فى العشيّة الّتي اعتلّ من ليلتها، العلّة الّتي توفّى منها): يا عبد اللّه! ما ارسل اللّه نبيّا من انبيائه الى حد حتّى يأخذ عليه ثلاثة اشياء، قلت: و اىّ شيء هو يا سيّدى؟ قال (ع): الاقرار باللّه بالعبوديّة و الوحدانيّة، و أنّ اللّه يقدّم ما يشاء، و نحن قوم أو نحن معشر، اذا لم يرض اللّه لأحدنا الدنيا، نقلنا إليه.» (2)
و عن ابى الحسن العسكرى (ع)، انّه (ع) قال: «ما نبّأ اللّه من نبىّ إلّا بعد ان يأخذ عليه ثلاث خلال: شهادة ان لا إله إلّا اللّه، و خلع الأنداد من دون اللّه، و أنّ للّه المشيّة، يقدّم ما يشاء و يؤخّر ما يشاء.» (3)
ما عظّم الإله شيئا كالبداء؛ كما عن الصادق (ع): «ما عظّم اللّه- عزّ و جلّ- مثل البداء.» (4)
اقول: و لذلك ما بعث نبيّا إلّا بالاقرار به. و يحتمل غير بعيد نصب اللّه و رفع المثل و المعنى أنّه ما عظّم اللّه شيء مثل البداء، و ذلك لأنّ من غاية تعظيمه تعالى، اثبات القدرة و المشيّة له في كلّ شيء. و فيه، يستلزم الايجاب له.
و لا بشيء كالبداء عبدا. قال الصادق (ع): «ما عبد اللّه بشيء مثل البداء [افضل من البداء خ ل].(5)» و قال (ع): «لو يعلم النّاس ما في القول بالبداء من الأجر، ما فتروا عن الكلام فيه.» (6)
اقول: و ذلك امّا لأنّه حقّ يقلّ سالكه و معتقده، فهو اعظم اجرا، او لأنّ ازدياد اليقين به يزيد في التوكل و الدعاء، و اعمال البرّ و الصلات، و العدل و الصدقات، و ترك السيّئات و اكثار الحسنات، و الخوف و الرجاء.
و قالت اليهود مغلول اليد***و كلّ يوم هو في شأن بديء
لم يفرغ اللّه و لا جفّ القلم***عن مطلق التقدير، بل عمّا حتم
بل قلم التقدير ممّا لا يجفّ***مع قدرة إلّا عن الخلق يكفّ
و قالت اليهود هو تعالى مغلول اليد؛ كما حكى عنهم بقوله:( وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)(1).
و من انكر البداء، فقد ضاهى اليهود في قولهم تشابهت قلوبهم. و قد ردّهم اللّه بقوله:( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ. )(2)و ليس إلّا أنّه في شأن بدئ غير الشّأن الأوّل. قال امير المؤمنين (ع):
«الحمد للّه الّذي لا يموت، و لا تنقضى عجايبه؛ لأنّه كلّ يوم في شأن من احداث بديع لم يكن.»(3)لم يفرغ اللّه عن المشيّة و التقدير و الإرادة و التدبير؛ كما عنت اليهود بقولهم:( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ.)
و لا جفّ القلم عن مطلق التقدير؛ كما توهّمت الجبرية، اشباه اليهود، بل انّما جفّ عمّا حتم؛ كما يشير إليه حديث الصادق (ع) المتقدّم في السّعادة و الشّقاوة، عن رسول اللّه (ص): «سبق العلم و جفّ القلم و مضى القضاء، و تمّ القدر بتحقيق الكتاب و تصديق الرسل و بالسّعادة من اللّه لمن آمن.» (4)
بل قلم التقدير و التدبير، ممّا لا يجفّ مع قدرة؛ اى ثبوت القدرة له إلّا اذا كان عن الخلق يكفّ، كما كان و لم يكن معه شيء، فلم يكن تقدير و لا تدبير، و إلّا فما دامت القدرة باقية و هو خالق، فالقدرة المطلقة تقتضى المشيّة المطلقة، تقديرا و تدبيرا، محوا و اثباتا، و لا معنى لجفّ القلم حينئذ على الاطلاق. و قد تقدّم أنّ سبق العلم بالأشياء لا يوجب تقيّد القدرة، إلّا اذا كان العلم معلّقا بشيء على الاطلاق لا على وجه المشيّة. و الّذي يظهر من قوله (ع): «خلق اللّه الاشياء بالمشيّة» أنّ العلم متعلّق بالأشياء كلّها على المشيّة، فلا تمتنع إذن عن التغيير إلّا بالتحتّم.
فغافر و واضع و رافع***مفرّج كربا و معط مانع
مقدّم مؤخّر لما يشاء***يزيد أو ينقص فيه كيف شاء
و الأمر من قبل و من بعد له***ألا له الخلق و الأمر كلّه
له كتاب فيه ثبت كلّ شي***ءمن كائن أو أجل أو رزق حىّ
ما شاء منه كان أو كما أحبّ***ما لم يشأ لم يك يمحو ما كتب
و اذا ثبت أنّه تعالى كلّ يوم في شأن و لم يجفّ قلم المشيّة و التقدير، فغافر و واضع و رافع و مفرّج كربا و معط و مانع و مقدّم و مؤخّر لما يشاء، يزيد أو ينقص فيه، كيف شاء. فعن الصادق (ع)، عن آبائه، أنّ النّبيّ (ص) قال:
«اللّه تعالى كلّ يوم هو في شأن، فإنّ من شأنه ان يغفر ذنبا و يفرّج كربا و يرفع قوما و يضع آخرين.» (1)
و عن تفسير القمّى، قوله تعالى: (وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ؛) اى يقدّم و يؤخّر، و يزيد و ينقص، و للّه البداء و المشيّة.» (2)
و عن الصادق (ع) فى قوله:( وَ قالَتِ الْيَهُودُ ...) كانوا يقولون قد فرغ من الأمر.» (3)و مثله في حديثين آخرين، و في رابع عنه (ع): «لم يعنوا أنّه هكذا، و لكنّهم قالوا قد فرغ من الأمر، فلا يزيد و لا ينقص، فقال اللّه- جلّ جلاله- تكذيبا لقولهم غلّت ايديهم، بل يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء، أ لم تسمع اللّه- عزّ و جلّ- يقول:
(يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ. )(4)؟
و الأمر من قبل و من بعد له، ألا له الخلق و الأمر كلّه؟ عن ابى عبيده، عن ابى جعفر (ع):
«فى قوله تعالى:( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ.)(5)قال: من قبل ان يأمر، و من بعد ان يقضى بما شاء ... و القرآن يا أبا عبيدة! ناسخ و منسوخ، أ لم تسمع قوله: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ.) يعنى إليه المشيّة في القول، ان يؤخّر ما قدّم، و يقدّم ما اخّر الى يوم يحتم القضاء بنزول النّصر فيه على المؤمنين، و ذلك قوله:( وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ
الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ.)(1)
و عن محمّد بن صالح الأرمنى، عن ابى محمّد (ع)، فى قوله:( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ )فقال (ع): له الأمر من قبل ان يأمر به، و له الأمر من بعد ان يأمر به، فقلت في نفسى: هذا قول اللّه، الا له الخلق و الأمر، تبارك اللّه ربّ العالمين!؟ فاقبل عليّ فقال:
هو كما اسررت في نفسك، الا له الخلق و الأمر، تبارك اللّه ربّ العالمين، فقلت: اشهد انّك حجّة اللّه و ابن حجّته في خلقه.» (2)
له كتاب فيه ثبت (3)كلّ شيء، من كائن أو أجل أو رزق حىّ، و هو كتاب المحو و الاثبات. ثمّ ما شاء منه كان بعينه من غير تغيير، أو كما أحبّ من تقديم و تأخير او زيادة و نقصان، و ما لم يشأ لم يك يمحو ما كتب. فعن فضيل بن يسار، عن ابى جعفر (ع)، قال:
«ان اللّه لم يدع شيئا كان أو يكون، إلا كتبه في كتاب فهو موضوع بين يديه، ينظر إليه، فما شاء منه قدّم، و ما شاء منه اخّر، و ما شاء منه محى، و ما شاء منه كان، و ما لم يشأ لم يكن.» (4)
و عن فضيل أيضا، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال: «إن اللّه كتب كتابا، فيه ما كان و ما هو كائن، فوضعه بين يديه، فما شاء منه قدّم، و ما شاء منه اخّر، و ما شاء منه محى، و ما شاء منه اثبت، و ما شاء منه كان، و ما لم يشأ منه لم يكن.» (5)
و عن عمّار بن موسى، عنه (ع)، (سئل عن قول اللّه:( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ )(6)) قال (ع): إنّ ذلك الكتاب كتاب يمحو اللّه ما يشاء و يثبت، فمن ذلك الّذي يرد الدعاء القضاء، و ذلك الدعاء مكتوب عليه الّذي يرد به القضاء، حتّى اذا صار الى أمّ الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئا.» (7)و عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) فى قوله: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها )(8)
يزيد في الخلق و ما معمّر***أو ناقص إلّا هو المغيّر
و ليلة القدر يقدّر السنّة***ثمّ له المشاء فيما دوّنه
قال (ع): «النّاسخ ما حوّل و ما ينسها، مثل الغيب الّذي لم يكن بعد قوله:( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ). قال: فيفعل اللّه ما يشاء و يحوّل ما يشاء؛ مثل قوم يونس اذا بدا له فرحمهم، و مثل قوله:( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ )(1). (2)
يزيد في الخلق؛ كما قال تعالى:( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ)(3). و ما معمّر أو ناقص من عمره، إلّا هو المغيّر له، و هو في كتاب؛ كما قال:( وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ)(4). فى تفسير القمّى: «و ما يعمّر من معمّر الخ؛ «يعنى، يكتب في كتاب» و هو ردّ على من ينكر البداء.»
و ليلة القدر يقدّر السنّة؛ اى تقاديرها، و يكتبها ثمّ له المشاء بعد ذلك اجمالا فيما دوّنه، فيمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء على ما يأتى توضيحه في حديث محاجّة الرضا (ع) مع العلماء بحضرة المأمون، ما احتجّ به (ع) على سليمان المروزى في مسألة البداء، قال (ع): «ما انكرت من البداء يا سليمان! و اللّه- عزّ و جلّ- يقول:( أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً)(5). و يقول- عزّ و جلّ-:( وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ). (6)
و يقول: (بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ )(7)و يقول: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ)(8)و يقول:( وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ )(9)و يقول: (وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ )(10)و يقول:( وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ. )(11)
قال سليمان: هل رويت فيه عن آبائك شيئا؟ قال (ع): نعم، رويت عن ابى
عبد اللّه (ع)، أنّه قال: إنّ للّه علمين: علما مخزونا مكنونا، لا يعلمه إلّا هو، من ذلك يكون البداء؛ و علما علّمه ملائكته و رسله، فالعلماء من اهل بيت نبيّك يعلمونه، قال سليمان: احبّ ان تنزعه لى من كتاب اللّه- عزّ و جلّ؛
قال (ع): قول اللّه- عزّ و جلّ- لنبيّه:( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ )(1)اراد اهلاكهم ثمّ بدا له، فقال:( وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ. )(2)
قال سليمان: زدنى جعلت فداك!
قال (ع): لقد حدّثني ابى، عن آبائه: أنّ رسول اللّه (ص) قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- اوحى الى نبىّ من انبيائه، ان اخبر فلان الملك: إنّى متوفّيه الى كذا و كذا؛ فاتاه ذلك النّبيّ فاخبره، فدعا اللّه الملك و هو على سريره، حتّى سقط من السّرير، و قال: يا ربّ اجّلنى حتّى يشبّ طفلى و اقضى امرى، فاوحى اللّه- عزّ و جلّ- الى ذلك النبىّ: ان ائت فلان الملك فاعلمه إنّى قد انسيت اجله و زدت في عمره خمس عشرة سنة؛ فقال ذلك النّبيّ: يا ربّ! إنّك المتعلم انّى لم اكذب قطّ، فاوحى اللّه إليه: انّما انت عبد مأمور، فابلغه ذلك، و اللّه لا يسأل عمّا يفعل، ثمّ التفت الى سليمان، فقال له: احسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب؟
قال: اعوذ باللّه من ذلك و ما قالت اليهود!
قال (ع): قالت اليهود:( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ )يعنون إنّ اللّه فرغ من الأمر، فليس يحدث شيئا، فقال اللّه- عزّ و جلّ- (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا)؛ و لقد سمعت قوما سألوا ابى، موسى بن جعفر (ع)، عن البداء، فقال (ع): و ما ينكر النّاس من البداء، و ان يقف اللّه قوما يرجئهم لأمره؛
قال سليمان: الا تخبرنى عن( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، فى أيّ شيء نزلت؟
قال (ع): يا سليمان! ليلة القدر يقدّر اللّه- عزّ و جلّ- فيها ما يكون من السّنة الى السّنة، من حيات أو موت أو خير أو شرّ أو رزق، فما قدّره في تلك اللّيلة، فهو من المحتوم.
قال سليمان: الآن قد فهمت- جعلت فداك- فزدنى؛5.
قال (ع): يا سليمان! إنّ من الأمور امورا موقوفة عند اللّه- تبارك و تعالى- يقدّم منها ما يشاء، و يؤخّر ما يشاء، يا سليمان! إنّ عليّا (ع) كان يقول: العلم علمان: فعلم علّمه اللّه ملائكته و رسله، و علم عنده مخزون لم يطّلع عليه احدا من خلقه، يقدّم منه ما يشاء، و يؤخّر ما يشاء، و يمحو و يثبت ما يشاء.
قال سليمان للمأمون، يا أمير المؤمنين. لا انكر بعد يومى هذا البداء، و لا اكذّب به ان شاء اللّه.» (1)
اقول: البداء كما قلنا، هو مشيّة التغيير و تقدير على خلاف التقدير الأول، فهو مشيّة ثانية عقيب المشيّة الأولى، و ان لم تكن متجدّدة لبداء الأمر، كما تكون لنا و الآيات الّتي استدلّ (ع) بها، بعضها ظاهرة في تعدّد المشيّة و تعقيب الاخرى للأولى؛ كقوله:
(يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ )(2)و قوله: (مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ )(3)و قوله: (وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ بل )(4)و قوله: (يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ )(5)
و امّا آيات خلق الانسان و خلق السّماوات و الأرض، فإنّ فيها ليست إلّا مشيّة واحدة، و لكن الاستدلال بها، مبنىّ على التحقيق دون الظاهر، لأنّ حدوث الخلقة في الانسان أو غيره، بعد ان لم يكن يستلزم عند التحقيق مشيّتين: «مشيّة قبل ان يكون على ان لا يكون، و مشيّة حين اذ كان على ان يكون، فالثانية واردة على الأولى، فان كانت المشيّة حادثة، فهما حادثتان، و ان كانت ازليّة، فهما ازليّتان. و الفرق بين الأولى و الثانية في الحدوث و الازليّة مكابرة، و على ما بينت فوجه الاستدلال بالآيات ظاهر، و لا يحتاج الى تكلّف.
قال العلّامة المجلسى (ره) بعد نقل الحديث:
لعلّ استدلاله (ع) أوّلا بالآيات، لرفع الاستبعاد عمّا هو مبنى البداء، من أنّ للّه تعالى ان يحدث شيئا لم يكن، و يغيّر ما قد كان خلاف ما زعمه اليهود، ان يد اللّه مغلولة، و لم يفرق (ره) فى الآيات بين بعضها و بعضها في الدلالة، و جعل أيضا بعضها7.
ممّا يدلّ على النّسخ، ثمّ حمله على التنظير و التمثيل لمشابهة البداء النسخ، و لم يذكره صريحا، و لا ارى فيها ما يدلّ على النّسخ و لعله (ره) اراد قوله امّا يعذّبهم الخ فتدبّر! و امّا قول سليمان «احبّ ان تنزعه لى من كتاب اللّه» فإنّه اراد شيئا من موارد البداء المتحقّقة المذكورة في القرآن.
ثمّ إنّ هذا الحديث، قد صرّح بأنّ ما قدّره في ليلة القدر من الأمر المحتوم الّذي لا يدخله البداء و المشيّة. و يؤيّده ما عن العلاء عن محمد، قال: «سئل ابو جعفر (ع) عن ليلة القدر، فقال (ع): تنزّل فيها الملائكة و الكتبة الى السّماء الدنيا، فيكتبون ما هو كائن في امر السنّة و ما يصيب العباد فيها، قال (ع): و امر موقوف للّه تعالى فيه المشيّة يقدّم منها ما يشاء و يؤخّر ما يشاء، و هو قوله تعالى:( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ )(1). (2)
هذا، و لكنّها غير صريحة في النّفى. و قد ورد أيضا ما يعارضه ممّا يثبتها فيه.
و طريق الجمع، يظهر من المثبتات بحملها على البداء في التقديم و التأخير و الزيادة و النقصان، و حمل المحتوم على حتميّة اصله؛ بمعنى أنّه لم يجعل فيه المحو، فاصله محتوم لا يرفع و يدخله البداء فيما سوى ذلك. فعن تفسير القمّى:
(فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ )(3)اى يقدر اللّه كلّ امر من الحقّ و الباطل، و ما يكون في تلك السّنة، و له فيه البداء و المشيّة، يقدّم ما يشاء و يؤخر ما يشاء من الآجال و الأرزاق و البلايا و الأعراض و الأمراض و يزيد فيها ما يشاء، و ينقص ما يشاء، و يلقيه رسول اللّه الى امير المؤمنين، و يلقيه امير المؤمنين الى الائمّة، حتّى ينتهى ذلك الى صاحب الزمان. و يشترط له فيه البداء و المشيّة و التقديم و التأخير.» ثمّ قال: حدّثني بذلك ابى، عن ابن ابى عمير، عن عبد اللّه بن مسكان، عن ابى جعفر (ع) و ابى عبد اللّه (ع) و ابى الحسن (ع).
و أيضا القمّى في قوله:( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ )(4)، عن ابن مسكان، عن ابى عبد اللّه (ع) قال:
«اذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة و الروح و الكتبة الى سماء الدنيا، فيكتبون ما9.
يكون من قضاء اللّه في تلك السّنة، فاذا اراد اللّه ان يقدّم شيئا أو يؤخّره أو ينقص شيئا، امر الملك ان يمحو ما يشاء، ثمّ اثبت الّذي اراد، قلت: و كلّ شيء هو عند اللّه مثبت فى كتاب؟ قال: نعم، قلت: فأيّ شيء يكون بعده؟ قال (ع): سبحان اللّه، ثمّ يحدث اللّه أيضا ما يشاء تبارك و تعالى.»(1)
و عن العياشي، عن حمران، عن الصادق (ع) فى قوله:( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ... )قال (ع): «يا حمران! اذا كان ليلة القدر، نزلت الملائكة الكتبة الى السّماء الدنيا، فيكتبون ما يقضى في تلك السّنة من امر، فاذا اراد اللّه ان يقدّم شيئا أو يؤخّره، او ينقص منه أو يزيد، امر الملك فمحى ما شاء، ثمّ اثبت الّذي اراد؛ فقلت له: عند ذلك، فكلّ شيء يكون فهو عند اللّه في كتاب؟ قال (ع): نعم، فقلت: فيكون كذا و كذا، ثمّ كذا و كذا حتّى ينتهى آخره؟ قال (ع): نعم، فقلت: فأيّ شيء يكون بيده بعده؟ قال: سبحان اللّه، ثمّ يحدث اللّه أيضا ما شاء تبارك و تعالى.» (2)
هذا، و قد ورد أيضا ما يدلّ على أنّ خصوص(3)لأجل المقدّر في ليلة القدر ممّا لا يؤخّر. فعن ابى بصير، عن الصادق (ع) فى قوله:( وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها. )(4)قال (ع): «إنّ عند اللّه كتب موقوفة، يقدّم منها ما يشاء و يؤخّر، فاذا كان ليلة القدر، انزل اللّه فيها كلّ شيء يكون الى مثلها، و ذلك قوله:( وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها )(5)اذا انزل و كتبه كتّاب السّماوات و هو الّذي لا يؤخّره.» (6)
و عن حمران، عنه (ع) فى قوله:( ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ)(7)قال (ع): «المسمّى ما سمّى لملك الموت في تلك اللّيلة، و هو الّذي قال اللّه: (إِذا
1) . البحار 4: 99/ 9.
2) . المصدر 4: 119/ 55.
3) . و السرّ فيه، أنّه فرق بين الأجل و المؤجّل، فالمؤجّل اذا كان محتوما، يمكن ان يكون المحتوم نفسه دون اجله، فيقدّم أو يؤخّر، و الأجل ليس إلّا الوقت المعيّن، فاذا صار محتوما لم يبق معنى لمحتوميّته إلّا محتوميّة الوقت المعيّن، فلا يمكن فيه التقديم و التأخير، مع أنّ الأجل المذكور فيه، فسّره (ع) بما كتبه، كتّاب السّماوات فهو ما سمّى للملك، و سيأتى أنّ ما سمّى للملك لا يتغيّر.»
4) . المنافقون 63: 11.
5) . المنافقون 63: 11.
6) . البحار 5: 139/ 2.
7) . الانعام 6: 2.
جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ )(1)و هو الّذي سمّى لملك الموت فى ليلة القدر، و الآخر له فيه المشيّة، ان شاء قدّمه، و ان شاء اخّره.» (2)
و قد ظهر من هذه الروايات، أنّ اللّه تعالى بعد ما ينزّل في ليلة القدر من كلّ شيء امورا موقوفة عنده له فيها المشيّة، و لا امتناع من ذلك.
ثمّ إنّه يظهر من قوله تعالى: (ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ)(3). انّ هناك اجلان و ظاهر الاثنينيّة يقتضي الفرق بينهما، و ليس الفرق إلّا بالحتم و غير الحتم؛ كما قال الباقر (ع) فيه:
«هما اجلان: اجل محتوم، و اجل موقوف. هو الّذي فيه المشيّة.» (4)
و برواية اخرى عن الصادق (ع): «هما اجلان: اجل موقوف، يصنع اللّه ما يشاء و اجل محتوم.» (5)
و هذا المقدار لا اشكال فيه، الّا أنّ الروايات مختلفة في تفسير المسمى عنده، و ما يحتمل البداء من الأجلين المذكورين في الآية. و هذا الاختلاف لا يضرّ بالمقصود بعد اتّفاق الجميع على وجود النّوعين، كما هو ظاهر الآية. ففى رواية حمران: «كما سمعت أنّ المسمّى ما سمّى لملك الموت»(6)و في رواية اخرى له عنده (ع): «امّا الأجل الّذي غير مسمّى عنده، فهو اجل موقوف، يقدّم فيه ما يشاء، و يؤخّر فيه ما يشاء، و امّا الاجل المسمّى، هو الّذي سمّى في ليلة القدر.» (7)
و عن مسعدة بن صدقة، عنه (ع) أيضا نظيره. و امّا ما بخلاف ذلك: فعن الحصينى عن الصادق (ع) فى الآية، قال: «الأجل الأوّل، هو ما نبذه الى الملائكة و الرسل و الأنبياء، و الأجل المسمّى عنده، هو الّذي ستره عن الخلائق.» (8)
و عن ابن مسكان، عنه (ع) فى الآية، قال: الأجل المقضىّ، هو المحتوم الّذي قضاه اللّه و حتمه، و المسمّى هو الّذي فيه البداء يقدّم ما يشاء و يؤخّر ما شاء،
و المحتوم ليس فيه تقديم و لا تأخير.» (1)
اقول: اى الأجل المحتوم، و هذا التفسير للمسمّى عنده، و جعل المحتوم، هو المقضىّ اوفق بظاهر الآية، فلا بدّ في رفع التنافى، إمّا من حمل الأولى على اشتباه الرواة، و زيادة لفظ «غير» فى رواية حمران في قوله (ع): «الّذي غير مسمّى عنده»؛ او يقال: إنّ المسمّى مسمّيان: مسمّى عنده الّذي ستره عن الخلائق، و هو موقوف و يحتمل البداء، و المسمّى الّذي يسمّيه لملك الموت و الأنبياء و الرسل، و هو المحتوم على ما يجيء من أنّ الّذي يعلمه الملائكة و الأنبياء لا يخالفه.
و على هذا، فتفسير المسمّى في تلك الروايات، ليس تفسيرا للآية، و انّما هو كلام وارد بعد ذكر الآية لا على وجه التفسير، او يقال ان المقضىّ مقضيّان، و المسمّى عنده مسمّيان؛ فانّ المسمّى للملائكة أيضا مسمّى عنده، و الآية تحتمل النوعين من المقضىّ و المسمّى، و اختلاف التفسيرين مبنىّ على الوجهين.
تنبيه: الظاهر من قوله تعالى:( فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ )(2)و من كثير من الأخبار و كذا المفهوم من تسمية اللّيلة بليلة القدر، انّ التقدير بنفسها يقع فيها، و أنّها زمان التقدير و ظرفه، و لكن يمكن ان يستظهر من قوله:( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها، بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ )(3)و كذا من حديث حمران و غيره، إنّ اللّيلة، ظرف نزول الملائكة و الكتاب بالتّقدير و زمانه، لا ظرف التقدير. و عليه فلا يستلزم حدوث التقدير فى تلك اللّيلة، و تسميتها بليلة القدر باعتبار نزول القدر فيها من السّماء الى الأرض. الّا أنّ هذا محض الاحتمال، و لا صراحة لها فيما ذكر، و لا ظهور في نفى حدوث التقدير و تجدّده، فإنّ غاية ما يظهر منها نزول الملائكة بالتّقدير، و امّا كونه سابقا؛ يعنى، بالتّقدير الأوّل و المشيّة الأولى، او حادثا بالمشيّة الثانية، فهى ساكتة عن ذلك، و ما يعارضها صريح في التغيير و التبديل، و التقديم و التأخير و هذا من البداء.
فالتّقدير في ليلة القدر على مذهب اهل البيت (ع) من موارد البداء، و امّا عند غيرهم، فالتّقادير في ليلة القدر و غيرها سواء، و كلّها عندهم بالمشيّة الأولى.4.
و ليس في المحتوم و الممضى بدا***و إنّما البداء فيما استفردا
لا في الّذي أفضى إلى من يجتبىء***من ملك و من وصىّ أو نبىّ
إلّا بأن يعلمهم شرط البداء***أو كان في إخفائه سرّ بدا
هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص761
و ليس في المحتوم و الممضى؛ اى الّذي بلغ حدّ الإمضاء، و صادف فعليّة القضاء، بدا. امّا المحتوم، فلانّ البداء يناقض الحتم، و الجمع بينهما، كالجمع بين الوجوب و الإباحة، و امّا الممضى، فلأنّه آخر مراحل التقدير، و قد بلغ الانشاء مرتبة الوقوع و الفعليّة. و قد تقدّم في المشيّة حديث معلى بن محمّد عن العالم (ع)، قوله:
«و للّه تبارك و تعالى، البداء فيما علم، متى شاء و فيما اراد لتقدير الاشياء، فاذا وقع القضاء بالامضاء، فلا بداء؛ فللّه تعالى فيه البداء ممّا لا عين له، فاذا وقع العين المفهوم المدرك، فلا بداء، و اللّه يفعل ما يشاء.» (1)و عن الصادق (ع): «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- اخبر محمّدا (ص) بما كان، منذ كانت الدنيا، و بما يكون الى انقضاء الدنيا، و اخبره بالمحتوم من ذلك، و استثنى عليه فيما سواه.» (2)و قد مرّ ما يدلّ على ذلك أيضا. و إنّما البداء فيما استفرد هو تعالى بعلمه، و استأثره لغيبه، و جعله من مكنون سرّه. و قد تقدّم الآن في الأجل ما يدلّ عليه. لا في الّذي أفضى إلى من يجتبيء، من ملك و من وصىّ أو نبىّ. فعن الصادق (ع):
«إنّ للّه علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو، من ذلك البداء؛ و علم علّمه ملائكته و رسله و انبيائه، و نحن نعلمه.» (3)
و عنه (ع) أيضا، قال: فما يقدّر من شيء و يقضيه في علمه، فذلك يا حمران! علم موقوف عنده غير مقضىّ، لا يعلمه غيره، له فيه المشيّة، فيقضيه اذا اراد.» (4)
إلّا بأن يعلمهم شرط البداء لنفسه، كما تقدّم في حديث القمّى، أو كان في إخفائه؛ اى اخفاء الشّرط و عدم اظهاره سرّ بدا للموحى إليه و غيره بعد وقوعه؛ كما
إذ لم يكن كذّب نفسه و لا***مليكا أو أئمّة أو رسلا
و إنّهم لو لاه يمحو ما يشاء***لأخبروا عمّا يكون من مشاء
فى حديث الرضا (ع) مع سليمان المروزى، و ما يأتى من حديث عيسى و اخباره بموت عروس، و اخبار النّبيّ (ص) بموت اليهودىّ. و عن سليمان الطلحى، قال: «قلت لأبى جعفر (ع): اخبرنى عمّا اخبرت به الرسل عن ربّها، و انهت ذلك الى قومها، أ يكون للّه البداء فيه؟ قال (ع): اما انى لا اقول لك إنّه يفعل، و لكن ان شاء فعل.» (1)
إذ لم يكن كذّب نفسه، و لا مليكا أو أئمّة أو رسلا؛ فإنّه تعالى اذا اخبر بشيء و اخلفه، فقد كذّب نفسه، و كذلك الملك و الرسول و الإمام، اذا اخبروا بشيء فاخلفه تعالى، فقد كذّبهم. قال ابو جعفر (ع):
«العلم علمان: علم عند اللّه مخزون لم يطلع عليه احدا من خلقه، و علم علّمه ملائكته و رسله؛ فامّا ما علّم ملائكته و رسله، فإنّه سيكون لا يكذّب نفسه و لا ملائكته و لا رسله، و علم عنده مخزون يقدّم فيه ما يشاء، و يؤخّر ما يشاء، و يثبت ما يشاء.» (2)
و قال الصادق (ع): «إنّ اللّه- تبارك و تعالى- علمين: علما اظهر عليه ملائكته و رسله و انبيائه، فما اظهر عليه ملائكته و رسله و انبيائه، فقد علمناه، و علما استأثر به فاذا بدا للّه في شيء منه، اعلمنا ذلك، و عرض على الأئمّة الّذين كانوا قبلنا.» (3)
و عن الفضيل، عن الباقر (ع)، قال: «من الأمور، امور موقوفة عند اللّه، يقدّم منها ما يشاء، و يؤخّر ما يشاء و يثبت ما يشاء.» (4)
و عنه، عنه (ع) أيضا: «من الأمور، امور محتومة، جائية لا محالة؛ و من الأمور امور موقوفة عند اللّه، يقدّم منها ما يشاء، و يمحو ما يشاء، و يثبت منها ما يشاء، و لم يطلع على ذلك احدا؛ يعنى، الموقوفة؛ فامّا ما جاءت به الرسل، فهى كائنة لا يكذّب نفسه و لا نبيّه و لا ملائكته.» (5)
و إنّهم (ع)؛ اى الرسل و الأئمّة، لو لاه تعالى، يمحو ما يشاء، لأخبروا عمّا8.
يكون من مشاء و لكثر اخبارهم في ذلك، و لكنّهم من اجل ملاحظة البداء لم يخبروا الّا بالمحتوم، او ذكروا أنّه ممّا يحتمل البداء. و ربّما سكتوا عن ذلك احيانا لسرّ فيه.
و من اجل ذلك، قال الباقر (ع) لما سأله محمّد بن الفضيل عن انقراض دولة بنى العبّاس: «اما انّه لم يوقّت لنا فيه وقت، و لكن اذا حدّثنا كم بشيء فكان كما نقول، فقولوا صدق اللّه و رسوله، و ان بخلاف ذلك، فقولوا: صدق اللّه و رسوله توجروا مرّتين.» (1)و عن ابى حمزة، عنهما (ع)، قالا: يا أبا حمزة! إن حدّثناك بامر أنّه يجيء من هاهنا، فجاء من هاهنا، فإنّ اللّه يصنع ما يشاء، و ان حدّثناك اليوم بحديث و حدثناك غدا بخلافه، فإنّ اللّه يمحو ما يشاء.» (2)
و لأجل ذلك، قال امير المؤمنين (ع): «لو لا آية في كتاب اللّه، لأخبرتكم بما كان و بما هو كائن الى يوم القيامة، و هى هذه( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ .)(3)
و عن زرارة، عن الباقر (ع)، قال: كان على بن الحسين (ع) يقول: لو لا آية في كتاب اللّه، لحدّثتكم بما يكون الى يوم القيامة! فقلت ايّة آية؟ قال (ع): قول اللّه:
(يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ. )(4)و عن البزنطى، عن الرضا (ع)، قال: قال على بن الحسين و عليّ بن ابى طالب قبله و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد (ع): «كيف لنا بالحديث مع هذه الآية؟( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)؛ فامّا من قال: بأنّ اللّه لا يعلم الشيء إلّا بعد كونه، فقد كفر و خرج عن التوحيد.» (5)
و عن البزنطى أيضا، عن الرضا (ع)، قال: «قال ابو عبد اللّه و ابو جعفر و عليّ بن الحسين و الحسين بن عليّ و الحسن بن عليّ و عليّ بن ابى طالب (ع): «و اللّه لو لا آية فى كتاب اللّه، لحدّثناكم بما يكون الى ان تقوم الساعة( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ. )(6)5.
و من أفاعيل البداء ردّ القضاء***بالصّدقات و الصلات و الدعاء
و غيرها ممّا يبدّل القدر***بالقدر الآخر من خير و شرّ
و من وقوعه رجوع آدم***فى هبة العمر لداود اعلم
و من أفاعيل البداء، ردّ القضاء بالصّدقات و الصلات؛ كصلة الرحم و غيرهم، و الدعاء و غيرها من الحسنات و السيّئات، ممّا يبدّل القدر بالقدر الآخر من خير و شرّ، فيبدّل القدر الخير بالشرّ، و القدر الشرّ بالخير. قال رسول اللّه (ص):
«الدعاء يردّ القضاء.» (1)
و قال الصادق (ع) فى الحديث المتقدّم: «فمن ذلك الّذي يردّ القضاء، و ذلك الدعاء، مكتوب عليه الّذي يردّ به القضاء، حتّى اذا صار الى أمّ الكتاب لم يغن الدعاء شيئا.» (2)
و قال رسول اللّه (ص): «إنّ المرء ليصل من رحمه و ما بقى من عمره إلّا ثلاث سنين، فيمدّها اللّه الى ثلاث و ثلاثين سنة، و إنّ المرء ليقطع رحمه و قد بقى من عمره ثلاث و ثلاثون سنة، فيقصرها اللّه الى ثلاث سنين أو ادنى.» (3)
رواه الحسين بن زيد بن على، عن جعفر بن محمّد، عن ابيه، ثمّ قال الحسين بن زيد: «و كان جعفر (ع) يتلو هذه الآية: (يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ... )(4).(5)و قد ورد في العدل و الاحسان و الظلم و العدوان و الحسنات و السيّئات في أنّها اسباب تغيير النعم و النّقم كثيرا لا مجال لذكرها.
و من وقوعه؛ اى وقوع البداء، رجوع آدم في هبة العمر لداود اعلم ذلك. فعن ابى حمزة الثمالى، عن الباقر (ع)، قال:
«ان اللّه- عزّ و جلّ- عرض على آدم اسماء الأنبياء و اعمارهم، فمرّ باسم داود النّبيّ، فإذا عمره في العالم اربعون سنة؛ فقال آدم: يا رب ما اقلّ عمر داود و اكثر
و رحم داود على الشّابّ العزب***كذا اليهودىّ الّذي ساق الحطب
و قول عيسى في عروس تهلك***و نعى حزقيل و مدّ الملك
عمرى! يا رب ان انا زدت داود من عمرى ثلاثين سنة، أ تثبت ذلك له، قال: نعم يا آدم، قال: فإنّى قد زدته من عمرى ثلاثين سنة، فانفذ ذلك له و اثبتها له عندك و اطرحها من عمرى.
قال ابو جعفر (ع): فاثبت اللّه لداود في عمره ثلاثين سنة، و كانت له عند اللّه مثبتة، فذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-:( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ )قال: فمحى اللّه ما كان عنده مثبتا لآدم (ع)، و اثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتا؛
فمضى عمر آدم، فهبط ملك الموت لقبض روحه، فقال له آدم: يا ملك الموت! إنّه قد بقى من عمرى ثلاثون سنة، فقال ملك الموت: يا آدم! أ لم تجعلها لابنك داود النبىّ و طرحتها من عمرك حين عرض عليك اسماء الأنبياء من ذريّتك، و قد عرضت عليك اعمارهم و انت يومئذ بوادى الدخياء!؟ فقال له آدم: ما اذكر هذا، فقال له ملك الموت: يا آدم! لا تجحد! أ لم تسأل اللّه- عزّ و جلّ- ان يثبتها لداود، و يمحوها من عمرك، فاثبتها لداود في الزبور، و محاها من عمرك في الذكر، قال آدم: حتّى اعلم ذلك؛
قال ابو جعفر (ع): و كان آدم صادقا لم يذكر و لم يجحد فمن ذلك اليوم امر اللّه- تبارك و تعالى- ان يكتبوا بينهم اذا تداينوا و تعاملوا الى اجل مسمّى لنسيان آدم و جحوده ما جعل على نفسه.» (1)
و من الوقوع أيضا، رحم داود على الشّابّ العزب. و حاصل قصّته على ما رواه ابو حمزة عن الباقر (ع):
«إنّه كان شابّ رثّ الهيئة، يكثر الجلوس و الصمت عند داود (ع)؛ فنزل في بعض الأيّام ملك الموت، و سلّم على داود و حدّ النظر على الشّابّ، فسأله داود عن ذلك، فقال: إنّى امرت بقبض روحه الى سبعة ايّام؛ فرّق له داود، و سأله هل عندك امرأة؟ فقال: ما تزوّجت قطّ، فامره داود بالزّواج من ابنة رجل عظيم القدر في بنى اسرائيل، و امره ان يوافيه في ذلك الموضع بعد سبعة؛ فوافاه و اطال الجلوس عنده،
1) . البحار 4: 102/ 15.
و داود ينتظر قبض روحه الى ان مضى النّهار، فامره بالانصراف و الموافاة بعد سبعة اخرى، و كذلك في المرتبة الثالثة؛ فجاء ملك الموت، فقال له داود: أ لست حدّثتني بأنّك امرت بقبض روح هذا الشّابّ الى سبعة ايّام. قال: بلى، قال: فقد مضت ثمانية و ثمانية و ثمانية! قال: يا داود! إنّ اللّه رحمه برحمتك له، فاخّر في اجله ثلاثين سنة.» (1)
كذا اليهودىّ الّذي ساق الحطب؛ فعن الصادق (ع)، قال:
«مرّ يهودىّ بالنبىّ، فقال السّام عليك، فقال النبىّ (ص): عليك، فقال اصحابه:
إنّما سلم عليك بالموت، فقال النّبيّ (ص): و كذلك رددت، ثمّ قال النبي (ص): إنّ هذا اليهودى يعضّه اسود في قفاه فيقتله؛ فذهب اليهودىّ فاحتطب حطبا كثيرا، فاحتمله فلم يلبث ان انصرف، فقال رسول اللّه (ص): ضعه، فوضع الحطب، فاذا اسود في جوف الحطب عاضّ على عود؛
فقال (ص): «يا يهودى! ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملا إلّا حطبى هذا، حملته فجئت به، و كان معى كعكعتان، فاكلت واحدة، و تصدّقت بواحدة على مسكين، فقال رسول اللّه (ص): بهذا دفع اللّه عنه؛ و قال: إنّ الصدقة تدفع ميتة السّوء عن الانسان.» (2)
و من الوقوع، قول عيسى مشابها لهذه القصّة في عروس، أنّها تهلك. فعن الصادق (ع) فى قصّتها ما حاصله:
إنّ عيسى (ع) مرّ بعروس تزف الى زوجها، فقال: يجلبون اليوم و يبكون غدا، فقيل. لم يا رسول اللّه؟ قال: لأنّ صاحبتهم ميتة فتسامع بذلك اهل النّفاق، و قالوا: ما اقرب غدا؛ فلمّا اصبحوا، اخبروا عيسى بأنّها لم تمت، فقال: يفعل اللّه ما يشاء، ثمّ جاءها فسألها، فقال: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت: لم اصنع شيئا، الّا ما كنت اصنعه فيما مضى، كان سائل في كلّ ليلة جمعة يعترينا و ننيله بشيء يقوته الى مثلها، فاتانا اللّيلة، فلم يحفل به احد من اهلى، لأنّهم كانوا في مشاغل، فلمّا هتف مرارا قمت متنكّرة حتّى انلته كما ننيله، فقال لها: تنحّى عن مجلسك، فاذا تحت ثيابها افعى مثل جذعة، عاض على ذنبه! فقال (ع): بما صنعت، صرف عنك هذا.» (3)
و الحطّ عن أمّة موسى الأجلا***و المدّ للشّيعة في طول البلاء
و نعى حزقيل الملك بموته، و مدّ الملك في عمره. و قصّته على ما ذكر الصادق (ع)، بعينها ما ذكره الرضا (ع) فى محاجّته مع سليمان المروزى، الّا أنّه (ع) قال: «اوحى الى نبى من انبيائه ...»(1)و لم يذكر اسمه.
و من الوقوع، الحطّ عن أمّة موسى الأجل مائة و سبعين سنة، و المدّ للشّيعة بسبب اذاعتهم الحديث، و تقصيرهم في النّصر في طول البلاء؛ امّا الأوّل: فعن الصادق (ع) انّه قال:
«اوحى اللّه الى ابراهيم أنّه سيولد لك، فقال لسارة، فقالت: أ ألد و انا عجوز؟
فاوحى اللّه إليه: أنّها ستلد و يعذّب اولادها أربعمائة سنة بردها الكلام عليّ! قال (ع):
فلمّا طال على بنى اسرائيل، ضجّوا و بكوا الى اللّه اربعين صباحا، فاوحى اللّه الى موسى و هارون، يخلّصهم من فرعون فحطّ عنهم مائة و سبعين سنة، ثمّ قال (ع): هكذا انتم لو فعلتم لفرّج اللّه عنّا، فامّا اذا لم تكونوا فإنّ الأمر ينتهى الى منتهاه.» (2)
و نظير ذلك في بنى اسرائيل حديث آخر عن الصادق (ع) أيضا، قال (ع):
«كان في بنى اسرائيل نبىّ وعده اللّه ان ينصره الى خمسة عشر ليلة، فاخبر بذلك قومه، فقالوا: و اللّه اذا كان ليفعلنّ و ليفعلن(3)! فاخّره اللّه الى خمسة عشر سنة، و كان فيهم من وعده النّصر الى خمس عشرة سنة، فاخبر بذلك النّبيّ قومه، فقالوا: ما شاء اللّه فعجّله اللّه لهم خمس عشر ليلة.» (4)
و امّا الثانى: فعن ابى بصير، قال: «قلت له (ع): أ لهذا الأمر امر نريح إليه ابداننا و ننتهى إليه؟ قال: بلى، و لكنّكم أذعتم، فزاد اللّه.» (5)
و عن ابى حمزة، قال: «قلت لأبى جعفر (ع): إنّ عليّا (ع) كان يقول الى السبعين
النّسخ و البداء ممّا اتّحدا***حقيقة يختلفان موردا
و يغلب البداء في دفع القدر***و النّسخ في الرفع لحكم استقرّ
بلاء، و كان يقول بعد البلاء رخاء، و قد مضت السبعون و لم نر رخاء؛ فقال (ع): يا ثابت! إنّ اللّه تعالى كان وقّت هذا الأمر في السبعين، فلمّا قتل الحسين (ع)، اشتدّ غضب اللّه على اهل الأرض، فاخّره الى اربعين و مائة سنة، فحدّثناكم، فاذعتم الحديث، و كشفتم قناع السرّ فاخّره اللّه، و لم يجعل له بعد ذلك وقتا عندنا( يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.)(1)قال ابو حمزة: و قلت ذلك لأبى عبد اللّه (ع)، فقال: قد كان ذلك.» (2)
و عن الصادق (ع)، كان يقول: «كان هذا الأمر فيّ فاخّره اللّه، و يفعل بعد في ذريّتى.» (3)
اقول: هذا الّذي وقع البداء فيه، هو الفرج الجزئى الّذي عبّر عنه بالرّخاء، و الّا فالفرج الكلّى قد قدّر على يدى القائم بالمشيّة الحتميّة فقط. و قد اكتفيت بنقل هذا المقدار ممّا وقع البداء فيه، و في اخبار اهل البيت (ع) كثير من امثال ذلك.
النّسخ و البداء ممّا اتّحدا حقيقة، و لكن يختلفان موردا؛ فإنّ النّسخ أيضا مشيّة التغيير و تقدير بعد تقدير، لكن مورد النّسخ، هى الأحكام التكليفيّة، و البداء في الأحوال و الأمور التكوينيّة؛ بل ليس إلّا شيء واحد، و هو البداء، إلّا أنّ البداء في المشيّة، قد يكون في المشيّة الطلبيّة، و قد يكون في الاقدار الكونيّة. و ذلك لأنّ المشيّة تتنوّع كذلك نوعين، و لكن سمّى البداء الطلبى باسم خاصّ، و هو النسخ، فالبداء عام، و النّسخ خاصّ. و عليه، فانكار البداء، انكار للنّسخ أيضا، و الاقرار به، اقرار به.
و هذا الاتّحاد في الحقيقة و الاختلاف في المورد، هو الّذي يظهر عن جماعة كالصدوق و السيّد و الشّيخ، بل قال السيّد: «المراد بالبداء، هو النّسخ.» و قد حكى عن الداماد أنّه قال: «البداء كانّه نسخ تكوينى، و النّسخ كانّه بداء تشريعى.» و لكن حكى
عنه أيضا أنّه قال: «حقيقة النّسخ، انتهاء امد الحكم.» و تبعه في ذلك غيره، و لازم هذا بعد الحكم بالاتّحاد القول، بأنّ البداء أيضا انتهاء امد التقدير.
و ظنّى، أنّه جرى في هذا التفسير على مقتضى فلسفته، او كان من فلتات غفلته؛ اذ ليس مراده مجرّد انتهاء الأمد، بل المراد انتهائه بحسب الجعل، و هذا في الحقيقة انكار البداء و جعل الحكم من أوّل الأمر كالموقّت، مقيّدا بالأجل و محدودا بالأمد، فلو كان المراد بالبداء عند الأئمّة (ع) هذا المعنى، فهذا ليس ممّا ينازع في امكانه، او يقال أنّه يستلزم الجهل و الخطاء و السّهو، او ينافى العلم الأزلى، فإنّ بداهة تنوّع الأحكام و كذا الاقدار الى نوعين: مطلقة و مؤجلة من الضرورة بحدّ لا مجال للارتياب فيه.
و انّما البداء المتنازع فيه، هو التغيير المسبّب عن الأسباب الحادثة، و تغيّر المشيّة و حدوثها؛ اعنى تبدّل المشيّة الأولى بالمشيّة الثانية الحادثة بعدها لا انتهاء امد المشيّة الأولى و ابتداء فعليّة المشيّة الاخرى، الّتي هى كالأولى حدوثا في مقام الانشاء، و ان كانت ذلك أيضا يستلزم الانتهاء، الّا أنّ ذلك الانتهاء ليس عن انتهاء الأمد المجعول، بل برفع المشيّة و تغييرها، و هذا هو الّذي يشكل فهمه على غير الأوحدى، و يصعب تصويره مصونا عن تلك المحاذير.
و كيف كان، فهما يختلفان أيضا في جهات اخرى، من غلبة استعمال كلّ منهما فى شيء، و الحكمة و المصلحة الداعية لكلّ منهما، و السبب المقتضى لهما. و قد اشرت إليها بقولى:
و يغلب البداء بحسب الاستعمال في دفع القدر كالموارد المتقدّمة الّتي ذكرناها و كقوله تعالى:( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ . )(1)فعن ابى بصير، عن الصادق (ع)، قال: «إنّ اللّه- تبارك و تعالى- قال لنبيّه:( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ )(2)، اراد ان يعذّب اهل الأرض، ثمّ بدا للّه فنزلت الرحمة، فقال: ذكّر يا محمّد (فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ )(3). (4)و قد تقدّم مثله عن الباقر (ع) و الرضا (ع).
كلّ لحكمة و مقتض له***لو لا اقتضى النّكال ما بدّله
و قد يكون البداء في الرفع أيضا كرفع العذاب عن قوم يونس. و النّسخ بعكس ذلك، فغالب استعماله في الرفع لحكم استقرّ و عمل به مدّة، كنسخ القبلة و نسخ الشرائع بعضها بعضا، و قد يكون قبل وقت العمل، فيكون دفعا؛ كقوله تعالى:( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ. )(1)فاوجب عليهم الجهاد الواحد مع عشرين، ثمّ نسخه بقوله بعده (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. )(2)
و قد يطلق النسخ على البداء، و لعلّه من ذلك قوله:( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها.)(3)و قد ذكر هنا الرفع و الدفع معا. قال الباقر (ع): «النّاسخ ما حوّل و ما ينسيها، مثل الغيب الّذي لم يكن بعد.» (4)
كلّ من البداء و النّسخ لحكمة في الجعل، و مقتض للوقوع؛ بمعنى، السبب له بالخصوص، ليس في غيره؛ فإنّ البداء حيث يكون في التكوين، فالحكمة و المصلحة فيه هى الحكمة و المصلحة التكوينيّة المقتضية للايجاد، من اظهار القدرة و العظمة و التدبير و غيرها، و اسبابه أيضا ما يناسب هذا الشّأن؛ كالعدل و الاحسان و الظلم و العدوان مثلا.
و النّسخ حيث يكون في التكاليف، فالحكمة فيه هى المصلحة النّوعيّة المرعيّة في اصل التكليف من العبوديّة، و لا محالة تكون اسبابه أيضا ممّا يقتضي التدريب في الدرجات، او التخفيف في الحرجات.
و لكن ذلك في كلّ منهما لو لا اقتضى النّكال من العقوبة و التأديب ما قد بدّله و غيّره، و إلّا فهما يشتركان فيه، فإنّه قد يكون النّسخ من العقوبة كتحليل الطيّبات على اليهود؛ كما قال تعالى:( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ.)(5)
و قد يكون البداء أيضا من العقوبة و مواردها كثيرة.
العدل قد يقابل الظلم كما***يقابل الجبر الّذي تقدّما
و اختلفوا في الثانى دون الأوّل***إذ قرّر الكتاب بالنّص الجلىّ
و العقل قاض عند غير الأشعرى***بقبحه فهو عن الظلم بريء
العدل قد يقابل الظلم، كما يقابل الجبر الّذي تقدّما، و قد خلط بينهما القاصرون، و لم يميّزوا بينهما؛ و لذلك اشتبه عليهم موضع الخلاف، و اختلفوا في الثانى دون الأوّل، و ان اختلفوا في تقرير دليله؛ فإنّ عدم جواز الظلم عليه تعالى، من ضروريّات الإسلام و المتّفق عليه بين المسلمين؛ إذ قرّر الكتاب نفى الظلم بالنص الجلىّ. حيث قال:
(وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.)(1)و قال: (وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً. )(2)و قال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ. )(3)و قال: (وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ. )(4)و قال: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ. )(5).
و كيف ينكر هذا النص الصريح من ينتحل الاسلام، و إنّما اختلفوا في العدل المقابل للجبر و لكن لا على وجه التصريح بنفى العدل أيضا، فإنّ احدا لم يصرّح بأنّه غير عادل، او ليس بعادل؛ بل إنّما نسب نفى العدل الى من نسب إليه الزاما بالتزامه بالجبر، او بما يلزم منه الجبر، و انّما التزم من التزم به؛ إمّا لزعمه أنّ الجبر لا ينافى العدل، لأنّ كلّ ما يجرى منه تعالى على عبده، فهو تصرّف في ملكه، فلا ظلم؛ اذ الظلم هو التصرّف في غير ملكه و على هذا، لا يبقى للظلم بالنّسبة إليه تعالى معنى، فلا معنى للاهتمام بنفيه في الآيات الكثيرة. فعلى هذا القائل به لا بدّ ان يلتزم بأنّ النّفى فيها من باب السالبة بانتفاء الموضوع؛
و امّا لزعمه أنّ كون فعل العبد من اللّه، لا يستلزم الجبر مع الاطلاق في الإرادة.
و كيف كان، فنفى الظلم عنه تعالى بعد الاتّفاق، ثابت بالكتاب. و العقل أيضا قاض
و يظلم الضعيف ذو الحاجات***و هو غنىّ قادر بالذّات
نهى عن الظلم، و كيف يفعله؟***دعى إلى العدل، فكيف يهمله؟
عند غير الأشعرى بقبحه، فهو تعالى عن الظلم بريء. و امّا الأشاعرة، فإنّهم لا يرون الحسن و القبح للأشياء بالعقل، بل هما عندهم بالشّرع، فما امر به الشّرع و ندب إليه، فهو حسن و ما نهى عنه، فهو قبيح عندهم.
ثمّ إنّ حكم العقل بنفى الظلم عنه تعالى من وجهين: احدهما: بالنّظر الى نفس الظلم، فإنّه قبيح عند العقل، و هو تعالى لا يجوز القبيح عليه؛ ثانيهما: بالنّظر الى ما يلازمه، و امتناع ذلك في ذاته تعالى. و إليه اشرت بقولى:
و إنّما يظلم الضعيف العاجز عن استيفاء مراده بدون الظلم أو يظلم ذو الحاجات لدفع حاجته، و هو تعالى غنىّ قادر بالذّات، فلا يحتاج الى الظلم و لا يعجز عمّا يريد بدونه.
و قد يقبح العقل عليه الظلم بوجه آخر، و هو أنّه تعالى نهى عن الظلم، و فكيف يفعله؟ و أيضا دعى إلى العدل و امر به فكيف يهمله؟ و يقبح على الحكيم أن يأمر بشيء ثمّ يخالفه الى غيره، او ينهى عن شيء ثمّ يأتى به، و قد قبّح ذلك في كتابه بقوله:( لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ. )(1)و قوله:
(أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ. )(2)
فامّا نهيه عن الظلم فكثير. من ذلك قوله:( وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. )(3)و قوله:
(وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً. )(4)
و امّا امره بالعدل، فمنه، قوله:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ.)(5)و قوله:
(وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. )(6)و قوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ.)(7)(وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى. )(8)
عدل و لا يجور في قضيّته***جلّ عن الظلم على رعيّته
و العدل أن لا تنسبوا إليه***ذنبكم أو ما لامكم عليه
ليس من العدل بأن تتّهمه***و لا من التوحيد أن توهّمه
بل هو تعالى عدل، و لا يجور في قضيّته، جلّ عن الظلم على رعيّته. قال امير المؤمنين (ع): «الّذي صدّق في ميعاده، و ارتفع عن ظلم عباده، و قام بالقسط في خلقه، و عدل عليهم في حكمه.» (1)
و قال الصادق (ع): «و هو نور ليس فيه ظلمة، و صدق ليس فيه كذب، و عدل ليس فيه جور، و حقّ ليس فيه باطل، كذلك لم يزل و لا يزال ابد الآبدين.»(2)و قال موسى بن جعفر (ع): «يا أبا احمد! لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره اللّه في كتابه فتهلك ...
و العالم الّذي لا يجهل و العدل الّذي لا يجور و الجواد الّذي لا يبخل.» (3)
و العدل ليس بان تنفى عنه الظلم فقط كما زعمه المجبّرة، بل من حقّ العدل و تمامه أن لا تنسبوا إليه ذنبكم أو ما لامكم عليه. فعن الصادق (ع)، و قد سأله رجل، فقال: «انّ اساس الدين التوحيد و العدل و علمه كثير و لا بدّ لعاقل منه، فاذكر ما يسهل الوقوف عليه و يتهيّأ حفظه، فقال (ع): امّا التوحيد، فان لا تجوّز على ربّك ما جاز عليك؛ و امّا العدل، فأن لا تنسب الى خالقك ما لامك عليه.» (4)
و عن التوحيد، عن ابى محمّد العسكرى (ع): «حدّثني ابى، عن ابيه، عن جدّه، عن ابيه، عن رسول اللّه (ص)، قال: «ما عرف اللّه من شبهه بخلقه، و لا وصفه بالعدل من نسب إليه ذنوب عباده.» (5)و عن تفسير الإمام (ع) مثله، الّا أنّ فيه «و لا عدّله من نسب ...».
و أيضا ليس من كمال العدل بأن تتّهمه امّا بالجبر فتنسب إليه الذنب، ثمّ العقوبة عليه أو في قضائه و قدره، فتقول، إنّه لم يعدل فيما قدر لك، و لا من التوحيد أن توهّمه بحذف احدى التائين؛ كقوله تعالى:( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ )قال الصادق (ع)
لهشام بن الحكم: «الا اعطيك جملة في العدل و التوحيد؟ قال: بلى جعلت فداك! قال (ع): من العدل ان لا تتّهمه، و من التوحيد ان لا تتوهّمه.» (1)
اقول: و من التهمة أيضا، ما قال الصادق (ع)، قيل له: من اكرم الخلق على اللّه؟
فقال (ع): «اكثرهم ذكرا للّه و اعملهم بطاعة اللّه؛ قلت: فمن ابغض الخلق الى اللّه؟ قال:
من يتّهم اللّه؛ قلت: احد يتهم اللّه؟ قال: نعم، من استخار اللّه فجاءته الخيرة بما يكره فيسخط، فذلك يتّهم اللّه.» (2)
و الأخبار في وصفه تعالى بالعدل و نفى الظلم عنه كثيرة، الّا انّى اقتصرت من ذلك على ما ذكر؛ اذ الإطالة فيما لا خلاف فيه عقلا و نقلا، لا تجدى إلّا الملالة.
فالأحرى التعرض لدفع شبهات تورد على العدل و تصحيح ما يوهم الخلاف من بعض الأحكام الثابتة في الأخبار.
اعلم: إنّ جملة ما يوهم الخلاف أو احدثت الشبهة في قلوب اهل الاعتساف من الواقعيّات المخصوصة أو السّمعيّات المنصوصة، امران: احدهما: وجود التفاضل و التفاوت بين المخلوقين، و هو خلاف العدل، لاستوائهم في جهة المخلوقية، و من ذلك، التفاضل في الطينة و التفاوت بالسّعادة و الشّقاوة و بالأعراض و الاعتبارات كالأرزاق و الآجال أو بالخلقة كالأعمى و البصير و الطويل و القصير. و من ذلك ما ورد في ابن الزنا، و عدم نجابة اصناف من النّاس و ما ورد في حكم المجانين و اطفال الكفّار يوم القيامة، ثانيهما: تعميم الآفات و العاهات الغير التأديبيّة و العقوبيّة بمن لا ذنب له حتّى الأطفال و المجانين و البهائم، و هم يستصرخون من الم الوجع، و لا صريخ لهم و يضجون و لا منجى لهم. امّا الأوّل، فإنّه نشأ من التوهم في معنى العدل و عدم الفرق بين العدل و الفضل، فتوهّموا أنّ العدل مطلقا هو التسوية بين شيئين فاذا وجب العدل، وجبت المساواة، فالتّفاوت و التفضيل خلاف العدل.
و العدل ليس دائما بالتّسوية***بل في الحقوق إن تكن مساوية
بل هو الإنصاف بما استحقّه***فكلّ ذى حقّ يؤدّى حقّه
و يمنع المحروم ما ليس له***و كلّ ذى فضل يوافى فضله
و الفضل إحسان له من غير حقّ***فلم يجب و العدل فيه كيف حقّ
فليس في التفضيل و التفاوت***فى خلقه للعدل من تهافت
و الجواب عنه ما قلت: و العدل ليس تحقّقه دائما بالتّسوية، حتّى اذا لم تكن تسوية كان ذلك خلاف العدل، بل التسوية انّما هى في الحقوق؛ اى فيما كان هناك حقّ ثابت، و لكن لا مطلقا أيضا، بل إن تكن مساوية في السّهم، و إلّا فلو اختلفت السّهام كما لو اختلفت سهام المشتركين، لم يكن وجه للتسوية، بل هو الإنصاف؛ كما عن امير المؤمنين (ع) فى تفسير قوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ )(1)، قال (ع): «العدل: الإنصاف، و الاحسان: الفضل»(2)و الانصاف اقرب كلمة الى معنى العدل، و اوفى جامع يجمع مصاديقه، و هو ان ينصف لكلّ شيء و لكلّ احد بما استحقّه.
فكلّ ذى حقّ يؤدّى حقّه من قليل أو كثير، و يمنع المحروم عن الحقّ ما ليس له، فلا يسهم له و كلّ ذى فضل يوافى فضله، اقتباس من قوله تعالى:( وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ )(3)فليس من العدل ان يمنع صاحب الفضل فضله، كما ليس منه ان يسهم لمن لا حقّ له.
و الحاصل: أنّ العدل لا يكون دائما بالمساواة، بل قد يكون بالزّيادة، و قد يكون بمنع غير ذى الحقّ. هذا حقيقة العدل.
و امّا الفضل فهو إحسان له من غير حقّ للمحسن إليه على المحسن، و هو امّا ابتداء بالكرم و العطاء، او سخاء بالزيادة على قدر الاستحقاق. و على هذا، فلم يجب الفضل عليه تعالى، و العدل فيه، كيف حقّ عليه اى اذا كان الفضل غير واجب عليه، فالعدل فيه كيف حقّ عليه، و حقّ يصحّ ان يكون فعل ماض أو مصدرا. فليس في التفضيل و التفاوت في خلقه، بان يفضل بعضهم على بعض في جهة الكمال أو غيره للعدل من تهافت؛ اى لا يلزم من التفضيل تهافت في العدل.
فالفضل في الطينة و التوفيق***و غير هذين إذن حقيق
و لم يرد في ابن الزنا ما نجزم***بأنّه من الجنان يحرم
و ليس بالقادح إن يخيّب***إذ كانت الجنّة مأوى الطيّب
و على هذا، فالفضل لبعض المخلوقين في الطينة بجعل طينته من العليّين دون بعض، و التوفيق لبعض دون آخر، و غير هذين كالتّفضيل بالرّزق و الآجال و غيرهما، إذن حقيق، لا يخالف العدل، و لا ينكره العقل؛ اذ المنع في ذلك كلّه منع بغير الحقّ.
و امّا ابن الزنا، فالاشكال فيه من وجهين: احدهما: من جهة عدم دخوله الجنّة، و ثانيهما: من حيث إنّ خبثه الباطن الغير الاختيارى مانع عن سعادته، فهى شقاوة غير اختياريّة، و قد اجبت عنهما بقولى:
و لم يرد في ابن الزنا ما نجزم؛ اى ما يوجب الجزم اعتقادا بأنّه من الجنان يحرم، و انّما وردت بذلك اخبار آحاد، لا توجب القطع. مع أنّها معلّلة بما يرفع الاستبعاد عنه؛ كما اشرت إليه:
و ليس ذلك لو فرض أنّه كذلك بالقادح إن يخيّب عن الجنّة، إذ كانت الجنّة مأوى الطيّب، فلا مانع من منعه عن الدخول؛ كما قال تعالى:
(الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ. )(1)و قال تعالى: (أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ. )(2)
فعن زين العابدين (ع) قال: «لا يدخل الجنّة إلّا من خلص من آدم.»(3)و عن الباقر (ع): «من طهرت ولادته دخل الجنّة.» (4)
و عنه (ع) أيضا، قال: «لا خير في ولد الزنا و لا في بشره و لا في شعره و لا في لحمه و لا في دمه و لا شيء منه.» (5)
و عن ابن سنان، عن الصادق (ع)، قال: «خلق اللّه الجنّة طاهرة مطهّرة، لا يدخلها إلّا من طابت ولادته.»(6)و عن سعد بن عمر الجلاب مثله، و زاد فيه «طوبى لمن
و إنّما القادح أن يعذّبا***لخبثه من دون أن تسبّبا
و العدل أن يجزى بما استحقّه***لا أنّه بطيّب ألحقه
بل جاز أن يلحق بالمستضعفة***من أهل الأعراف بعيش أترفه
كانت أمّه عفيفة.» (1)
و عنه (ع) أيضا، أنّه قال: «يقول ولد الزنا: يا ربّ ما ذنبى، فما كان بى في امرى صنع؟ فيناديه مناد، فيقول: انت شرّ الثلاثة اذنب والداك فنبّت عليهما، و انت رجس و لن يدخل الجنّة إلّا طاهر.» (2)
بيان: وجه كونه شرّ الثلاثة انه رجس من اصله، و هما طاهران إلّا أنّهما مذنبان، و الذنب يزول بالتوبة. و الحاصل: ان عدم دخوله الجنّة ليس بقادح في العدالة بعد عدم لياقته.
و إنّما القادح أن يعذّبا بمجرّد ذلك، لخبثه من دون أن تسبّبا بشيء من موجبات العذاب و النّار و لا يستفاد ذلك من الأخبار، بل عن الصادق (ع): «إنّ ولد الزنا يستعمل ان عمل خيرا اجزى به، و ان عمل شرّا اجزى به.» (3)فاذا عومل معه في الدنيا بالأعمال، كان ذلك مظنّة ان يعامل معه في الآخرة كذلك.
و العدل أن يجزى بما استحقّه، ان خيرا فخيرا، و ان شرّا فشرّا، لا أنّه تعالى بطيّب ألحقه مع أنّه ليس بطيّب، اذا صحّ ايمانه و صلح عمله، كما أنّ من العدل ان يجزى المؤمنين المتّقين بما وعدهم من الجنّة لا ان يلحقهم بالانبياء في درجتهم، فإنّ الجنّة خلقت للطيّبين من اهل العمل و الإيمان لا للعاملين على الاطلاق، فدخولها مشروطة بطيب الولادة؛ كما أنّه مشروط بالايمان و العمل، فالجنّة نوع تفضّل بالثّواب و لا يجب عليه التعميم بغير الأطياب.
بل جاز أن يلحق بالمستضعفة من أهل الأعراف؛ كما ورد انّها مكان المستضعفين من البله و المجانين و غيرهم فيسكنه فيها بعيش أترفه.
نعم، ورد في الشّواذ، عن ايّوب بن الحرّ عن ابى بكر، قال: «كنّا عنده و معنا
و الخبث لا يصدّه عن الهدى***و إنّما يدعو إلى أن يفسدا
كذاك الأخبار بمن لا ينجب***أنبأ عن طبائع لا تسلب
عبد اللّه بن عجلان، فقال عبد اللّه بن عجلان: معنا رجل يعرف ما نعرف و يقال له ولد زنا، فقال: ما تقول؟ فقلت: إنّ ذلك ليقال له، فقال: ان كان ذلك كذلك بنى له بيت في النّار من صدر يرد عنه وهج جهنّم و يؤتى برزقه.» (1)
و هذا الحديث مع شذوذه مضمر و مجهول أيضا بابى بكر. هذا كلّه في الجواب عن الاشكال الأوّل في ابن الزنا و حاصله أنّ تعذيبه من غير استحقاق غير منصوص فى الأخبار، و كونه في النّار من غير تعذيب أيضا غير معلوم، و عدم دخوله الجنّة و لو مع الايمان، و العمل لا ينافى العدل ان اثابه بغير الجنّة.
و امّا الاشكال الثانى: فقد اجبت عنه بقولى:
و الخبث الباطنى الغير الاختيارى لا يصدّه عن الهدى، كالشّقاوة و الطينة الخبيثة اللّتين قد تقدّم الكلام فيهما، و إنّما يدعو إلى أن يفسد كغيره من الشّقاوة و الطينة، فإنّ الخبث ليس بحدّ يوجب سلب القدرة عنه فيجرّه الى الهلاك من غير اختيار، بل غايته ان يكون داعيا له إليه؛ كما ورد: «انّ ولد الزنا يميل الى ما خلق منه.» اى الزنا.
كذاك الأخبار بمن لا ينجب أنبأ عن طبائع صنفيّة عرضيّة، امّا لأجل الاتّباع او غلبة السّوء، و الجهالة على الصنف، و لكنّها بحيث لا تسلب القدرة كما أنبئوا (ع) عن طبائع بعض البلدان لأجل ذلك، و لو فرض أنّها اصليّة صارت حالها إذن كالطّينة، غير سالبة للاختيار أيضا. فعن الصادق (ع):
«ستّة لا ينجبون: السند و الزنجى و التركى و الكردى و الخوزىّ و بنك الرى.» (2)
النبك بتقديم النون: المكان المرتفع، و بتقديم الباء و ضمّه (كما في بعض النسخ): اصل الشّيء و خالصه.
و عنه (ع) أيضا: «لا يدخل حلاوة الإيمان قلب سندى و لا زنجى و لا خوزى و لا كردى و لا بربرى و لا نبك الرى و لا من حملته أمّه من الزنا.» (3)
و حكم الأطفال من الكفّار***مختلف الورود في الأخبار
و الجمع، أنّ اللّه فيهم يعمل***بعلمه قدما و ما سيفعل
مؤجّج نارا لهم فمن نكل***أدخله النّار و من طوعا دخل
يخدم لأهل جنّة كما نقل***أو يسكن الأعراف حسبما احتمل
و عنه (ع)، قال: «يا هشام! النبط ليس من العرب و لا من العجم، و لا تتّخذ منهم وليّا و لا نصيرا، فإنّ لهم اصولا تدعو الى غير الوفاء.» (1)
و في هذا الأخير اشارة الى ما قلنا من أنّ الذمّ بلحاظ غلبة السّوء العرضيّة.
و نكتفى بهذا المقدار عن غيره من الأخبار.
و امّا حكم الأطفال من الكفّار، فهو مختلف الورود في الأخبار، و لكن ليست آبية عن الجمع، بل يمكن الأخذ بالجميع.
و الجمع: أنّ اللّه تعالى فيهم يعمل بعلمه قدما و ما سيفعل بعد في القيامة؛ يعنى، أنّه يعمل فيهم بعلمه؛ فامّا بعلمه السّابق الأزلى، او السابق عليهم في عالم الأرواح، او بعلمه بما هم عاملون غدا عند تكليفه ايّاهم و اتمامه الحجّة عليهم. فهو تعالى مؤجّج نارا لهم اتماما للحجّة، فيكلّفهم الورود فيها، فمن نكل، أدخله النّار، و من طوعا، دخل يخدم لأهل جنّة؛ كما نقل الحديث به أو يسكن الأعراف حسبما احتمل؛ فإنّه لم يرد به نصّ، و لكن المتكلّمين منّا قالوا: إمّا يدخل الجنّة أو الأعراف.
و امّا الأخبار، فعن زرارة، قال: سالت أبا جعفر (ع) عن الولدان، فقال: سئل رسول اللّه (ص)، فقال: اللّه اعلم بما كانوا عاملين.» (2)
اقول: يحتمل ان يراد به الكفّ عن السؤال كما يأتى، أو أنّه اعلم بما كانوا عاملين لو كانوا في الدنيا و بلغوا حدّ التكليف، او اعلم بما كانوا عاملين غدا حين يكلّفهم.
فعن زرارة عنه (ع) أيضا، قال: «سألت أبا جعفر (ع): هل سئل رسول اللّه (ص) عن الأطفال؟ فقال: قد سئل، فقال: اللّه اعلم بما كانوا عاملين؛ ثمّ قال: يا زرارة هل تدرى ما قوله: اللّه اعلم بما كانوا عاملين؟ قلت: لا، قال (ع): «للّه- عزّ و جلّ- فيهم المشيّة أنّه اذا كان يوم القيامة، و اتى بالأطفال و الشيخ الكبير الّذي ادرك السنّ، و لم
و ليس يلزم اعتقادنا به***فليوكل الحكم إلى جنابه
يعقل عن الكبر و الخوف، و الّذي مات في الفترة بين النّبيّين و المجنون و الأبله الّذي لا يعقل، فكلّ واحد يحتجّ على اللّه- عزّ و جلّ- فيبعث اللّه تعالى إليهم ملكا من الملائكة، و يؤجّج نارا، فيقول: إنّ ربّكم يأمركم ان تثبوا فيها، فمن وثب فيها كانت عليهم بردا و سلاما، و من عصاه سيق الى النّار.» (1)
و عن الصادق (ع) مثل ذلك في روايات.
و عن النّبيّ (ص)، أنّه سئل عن اطفال المشركين، فقال: «خدم اهل الجنّة على صورة الولدان خلقوا لخدمة اهل الجنّة.» (2)
فما عن امير المؤمنين (ع) فى قوله:( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ )(3)، أنّه قال: «الولدان اولاد اهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابون عليها، و لا سيّئات فيعاقبون عليها، فانزلوا هذه المنزلة.» (4)فهو مخصوص باولاد المشركين كما عن النبىّ (ص)؛ ثمّ هما يخصصان بمن دخل منهم تلك النّار جمعا بين الأخبار.
و امّا ما عن وهب بن وهب، عن جعفر بن محمّد (ع)، قال: «قال على (ع): اولاد المشركين مع آبائهم في النار و اولاد المسلمين مع آبائهم في الجنّة.» (5)فهو على ضعفه محمول أيضا على من ابى عن دخول النّار لصراحة الأخبار الصحيحة بخلافه، و هو يخالفها أيضا من حيث الالتزام، فإنّ لازم اطلاقه لو صحّ أنّه تعالى، يعلم ان فيمن يموت من اولاد المشركين ليس من يقبل الايمان فلذلك يعمل فيهم بعلمه، فيلحقهم جميعا بآبائهم.
و لازم تلك الأخبار، أن فيهم من يقبل الحقّ و يهتدى الى سواء السبيل.
و كيف كان، ليس يلزم اعتقادنا به، لأنّه ايمان بالغيب و لا يصحّ إلّا عن حجّة بالغة قطعيّة. فليوكل الحكم إلى جنابه؛ كما عن زرارة، قال:
«قلت لابى عبد اللّه (ع) فى الأطفال الذين ماتوا قبل ان يبلغوا، فقال (ع): سئل1.
و أمّا الآلام و الأسقام بما***عمّت الأطفال بل البهائما
فالحكمة اقتضت عموم الابتلاء***بها كما بالموت كلّ ابتلى
و لا ينافى العدل هذى التسوية***بل لم يجد لهم بدفع الداهية
ليشهد الأذى بهم فيعتبر***فمن طغى عليه كفّ و ادّكر
عن رسول اللّه، فقال: اللّه اعلم بما كانوا عاملين؛ ثمّ اقبل عليّ فقال: يا زرارة! هل تدرى ما عنى بذلك رسول اللّه (ص)؟ قال: قلت: لا، فقال: إنّما عنى كفّوا عنهم و لا تقول فيهم شيئا و ردّوا علمهم الى اللّه تعالى.» (1)
هذا كلّه في الجواب عن الاشكال الأول.
و الى الجواب عن الإشكال الثاني، اشرت بقولى:
و أمّا الآلام و الأسقام بما عمّت الأطفال بل البهائم الّتي لا حيلة لهم في دفعها، فالحكمة اقتضت عموم الابتلاء بها، كما بالموت كلّ ابتلى به؛ فإنّها من لوازم الطبائع العنصريّة في هذه الدنيا الدنيّة، و تتولّد غالبا من الأسباب العادية، ليس في عموم جعلها كالموت ما ينافى الحكمة و الصواب، و لا ينافى العدل هذى التسوية بين الصغير و الكبير، و الولىّ و الشّرير، و من يعقل و من لا يعقل، كالموت، حيث قال:
(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ )(2). و قال: (أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ.)(3)اذ ليس جعلها على وجه الاستحقاق، ليضرّ تعميمها بالعدل. بل غايته أنّه لم يجد لهم تفضّلا بدفع الداهية عنهم مع اقتداره عليه، و عدم الجود و التفضل بدفعها كعدم الجود بدفع الموت عنهم، ليس ممّا يجب عليه، حتّى يكون اهماله ينافى العدل، مع أنّ فيه حكمة، و هى حكمة الاعتبار؛ كما قلت:
ليشهد الأذى بهم فيعتبر فمن طغى عليه تعالى، كفّ عن طغيانه و ادّكر، فانّ الطاغى اذا نظر الى الم الصبيان و البهائم، يتململون و يتقلّبون اخذته الرقة و ساقه العقل و التبصّر الى الكفّ عن الطغيان أو تقليله، الّا ان يكون ممّن طبع على قلبه، فهم لا يفقهون؛ او يكون من شرّ الدوابّ الصمّ البكم الذين لا يعقلون.»
و لا يغرّ معجب بربّه***أو يأمن الفاجر من عذابه
أمنيّة أن لا يعذّب الولىّ***أو رحمه يطفئ نارا تصطلى
أو ما الّذي يصنع بالعاصى الدنىّ***أو هو من عذاب خلقه غنىّ
و ما لتأديب كقحط و غلاء***لا يقبل التخصيص طبعا كالرّخاء
فهو لتحذير العموم بأسه***حثّا بأن يصلح كلّ نفسه
و من حكمه أيضا، ان لا يغرّ معجب بنفسه لحسن حاله، او بعض اعماله بربّه، أو يأمن الفاجر من عذابه، و ذلك أمنيّة من المعجب أن لا يعذّب الولىّ، حيث يرى نفسه من اعجابه أنّه ولىّ اللّه، فيقول كما قالت اليهود و النصارى:( نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ )(1)فاجابهم اللّه بقوله: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ. )(2)
أو امنيّة من الفاجر فيقول: رحمه يطفئ نارا تصطلى، و كيف يعذّب بالنّار و هو ارحم الراحمين؟
او يقول كما قالوا: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ )(3)
أو يقول من امنيّته: ما الّذي يصنع بالعاصى الدنىّ، فإنّه اعلى قدرا و اعظم شأنا و اجلّ كرما من ان يقابل الذليل الحقير الدنىّ بالمكافاة؛
أو يقول: هو من عذاب خلقه غنىّ، لا ينتفع بعذابه و لا يشفى به غيظه. و امثال ذلك؛ كما قيل:
آنجا كه توئى عذاب نبود آنجاآنجا كه تو نيستى كجا خواهد بود ان لم يرد هذا القائل بهذا القول وحدة الوجود و اظهار التعشق من نفسه هذا حال الآفات و الآلام العامّة.
و اما ما يكون من البلاء لتأديب، كقحط و غلاء، فهو ممّا لا يقبل التخصيص طبعا، كالرّخاء؛ فإنّ الجدب و الغلاء و الخصب و الرخاء، اذا وقعا أو ارتفعا عمّا و اتّسعا و ليسا كالمرض و الألم، بحيث يسع فيه ان يخصّ و لا يعمّ، فهو لتحذير العموم بأسه، حثّا بأن يصلح كلّ نفسه و ذلك انّ عامّة النّاس اذا علموا أنّ البلاء اذا اصابهم، عمّ الجميع حتّى اموالهم و اولادهم، لازموا سبيل الوفاق، و جانبوا جانب الخلاف
و إنّما الأموال و الأولاد***تعلّقت بحبّها الأكباد
و أمّا الاستيصال فالّذى انتحب***ليس سوى التعجيل فيما لم يجب
و في العموم خزى من به الشّقاء***معجّل برحمة من اتّقى
و الشّقاق، و إنّما الأموال و الأولاد تعلّقت بحبّها الأكباد، فيكون تضرّرهم بالأموال و تحسّرهم بالأولاد، ادعى لهم الى ترك العناد و اشدّ زجرا لنفوسهم عن الميل الى الهوى، و حبّ الفساد.
و أمّا الاستيصال؛ اى عذابه، فالّذى انتحب؛ اى قضى نحبه به ممّن لا ذنب له ليس له سوى التعجيل فيما لم يجب؛ اى في امر لم يجب عليه تعالى؛ يعنى، ان من اصابه من عذاب الاستيصال الّذي يخصّ بالمجرمين عقوبة لهم، و هو ممن لا ذنب له مثل هذا الذنب الّذي اوجب هذه العقوبة، لم يعمل فيه سوى امر لم يجب، و هو أنّه عجّل بروحه، و لو لا أنّه اخذ فيمن اخذ، لكان يبقى مدّة من الأجل و ليس الابقاء واجبا عليه، حتّى يكون في تركه خلاف العدل.
و في العموم؛ اى عموم الاستيصال خزى من به الشّقاء، و معجّل بروحه الى النّار، و كذلك معجّل برحمة من اتّقى، و إنّما اصابه ما اصابهم، لأنّه كان فيهم .(1)
«قلت له: لأىّ علّة اغرق اللّه- عزّ و جلّ- الدنيا كلّها في زمن نوح و فيهم الأطفال و من لا ذنب له؟ فقال (ع): ما كان فيهم الاطفال، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- اعقم اصلاب قوم نوح و ارحام النّساء اربعين عاما، فانقطع نسلهم فاغرقوا و لا طفل فيهم، ما كان اللّه ليهلك بعذابه من لا ذنب له ...» (البحار 5: 283/ 1).
و قد يجوز ان يجعل آجال الأطفال الى حين العذاب، فينزّل العذاب عند انقضاء الاجل؛ كما عن ابن عبّاس، أنّه قال:
«قال عزيز: يا ربّ! إنّى نظرت في جميع امورك و احكامها فعرفت عدلك بعقلى، و بقى باب لم اعرفه، إنّك تسخط على اهل البليّة فتعمّهم بعذابك و فيهم الاطفال، فامره اللّه تعالى ان يخرج الى البريّة، و كان الحرّ شديدا، فاستظلّ تحت شجرة و نام، فجاءت نملة فقرصته، فدلك الارض برجله فقتل من النّمل كثيرا فعرف انّه مثل ضرب له، فقيل له: يا عزير! إنّ القوم اذا استحقّوا عذابى، قدّرت نزوله عند انقضاء آجال الأطفال فماتوا اولئك بآجالهم و هلك هؤلاء بعذابى» (البحار 5: 286/ 8) و المقصود منه، الجملة الأخيرة من الجواب. هذا خبر ليس من الحجّة، الّا أنّ المقال ليس ممّا يبعد في الاحتمال.
ل.1) . و ربّما يؤخّر الاستيصال الى انقطاع الأطفال و بلوغهم مبلغ الرجال، كما عن الهروى، عن الرضا (ع) قال:
و عبرة بانّ سخطه البشر***لا عاصيا يبقى و لا حيّا يذر
و قوله اجازى الأبناء بما***يفعل الآباء فإمّا أعلما
بالوضع كالنّماء يتبع العمل***خيرا و شرّا منه أو عمّا جعل
و في العموم عبرة أيضا بأنّ سخطه البشر لا عاصيا يبقى و لا حيّا يذر، فينتهى العاصى عن فرط عصيانه، و يجدّ المتّقى في الانكار عليه، و النّهى عن طغيانه أو هجره و الاعراض عنه، ان اصرّ حذرا من ان يحترق بنيرانه. قال الصادق (ع) لحمزة بن حمران في حديث طويل، يشير الى كثرة الفساد في آخر الزمان:
«فاذا رأيت كذا و كذا، فكن على حذر و اطلب الى اللّه- عزّ و جلّ- النّجاة؛ و اعلم: إنّ النّاس في سخط اللّه- عزّ و جلّ- و إنّما يمهلهم لأمر يراد بهم، فكن مترقّبا و اجتهد ليراك اللّه- عزّ و جلّ- فى خلاف ما هم عليه، فان نزل بهم العذاب و كنت فيهم، عجّلت الى رحمة اللّه؛ و ان اخّرت و ابتلوا كنت قد خرجت ممّا هم فيه من الجرأة على اللّه- عزّ و جلّ-؛ و اعلم: إنّ اللّه لا يضيع اجر المحسنين، و انّ رحمة اللّه قريب من المحسنين.» (1)
اقول: لعلّه (ع) لم يأمره بالهجرة، لما يعلم كما اخبروا به أيضا أنّ الجور و الفتنة يعمّان البلاد، كما نرى ذلك باعيننا، فالآن لقد ضاقت علينا الأرض بما رحبت، و الى اللّه المشتكى و هو المستعان.
و كيف كان، فقد تقدّم في دفع القائلين بالاهمال و تعلّلهم بالآفات و البلايا العامّة كلام الصادق (ع) فى بيان الحكمة فيها، فراجع.
تتمّة: يمكن ان يشكل على بعض الافهام ما في بعض الأحاديث من الابهام، كما في بعض الاحاديث القدسيّة: «إنّ اللّه تعالى قال: انّى اجازى الابناء بسعى الآباء» و نظائر ذلك. فابتدرت الى الذبّ عنه بقولى:
و قوله اجازى الأبناء بما يفعل الآباء فإمّا أعلما بالوضع؛ اى بالأثر الوضعى للأعمال، فهو كالنّماء للأموال يتبع العمل خيرا و شرّا منه، فالخير؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «جاهدوا تورثوا أبناءكم مجدا.» و الشرّ كالظلم و قتل الأنفس الّذي
1) . البحار 52: 260/ 147.
من جعل تشريك كتعميم البلاء***لا أنّ وزرهم عليهم حمّلا
لا يأخذ الجار بجرم الجار***أو صالحا بطالح في دار
و لا على البريء بالسّقيم***بل يرحم السّقيم بالسّليم
يوجب العداوة و البغضاء و يهيّج النّفوس على المكافات و الجزاء، فيورث الذلّ و الهوان في اولاد القاتل و الظالم كائنا من كان.
فهذه آثار وضعيّة من توابع العمل، سمّيت مجازاة. فقوله: «انّى اجازى» حكاية و انباء عن تلك الآثار بالخصوص، او اعلام منه عمّا جعل؛ اى عن الآثار الجعليّة من جعل تشريك للأولاد في عمل الآباء، ان خيرا فخيرا و ان شرّا فشرّا؛ كقوله (ع): «من زنى، زنى باهله»(1)و حكم هذا التشريك و حكمته بعينه، كتعميم البلاء و الرخاء على ما تقدّم، لا أنّ وزرهم؛ اى الآباء عليهم حمّلا؛ اى على الابناء، مع أنّه تعالى قال:
(وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. )(2)
كلّا! لا يأخذ الجار بجرم الجار، جلّ شأنه و تعالى عن ذلك، أو صالحا بطالح فى دار من الدارين، لا في الدنيا و لا في الآخرة و لا يأخذ على البريء بالسّقيم، فيعذّبه بجرمه، بل هو تعالى يرحم السّقيم بالسّليم؛ كما قال:( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً.)(3)عصمنا اللّه عن كلّ سوء و شرّ بمحمّد و آله خير البشر!5.
كلامه فعل لدى أهل الهدى***أنواعه ثلاثة لن تزددا
و فعله تكوين أو تدوين خطّ***أو قوله المسموع باللّفظ فقط
و الكلّ حادث و فعل ذاته***نصّ على الجميع في آياته
من صفاته الثابتة له تعالى بالاتّفاق و نصّ الكتاب، بل عند غيرنا من اهل الدين و الكتاب، أنّه تعالى متكلّم، الّا أنّ الخلاف بين المسلمين في أنّ التكلم صفة فعله تعالى، فهو فعل حادث مخلوق، و إليه ذهبت الاماميّة و المعتزلة؛
او صفة ذاته، و معنى قائم بالذّات، فهو قديم غير حادث و لا مخلوق، و إليه ذهبت الأشاعرة. و هذا الاختلاف، إنّما نشأ من الاختلاف في معنى الكلام.
فاعلم: إنّ الكلام بحسب اللّغة و العرف الشائع في الأصل، هو اللّفظ، و اللّفظ، هو الحرف المشتمل على الصوت، و يطلق أيضا عندهم على النّقوش الحاكية عن تلك الحروف اللّفظيّة، و يسمّى بالكتب و الخطّ، و يقال له: كلام كتبىّ، كما أنّ الأوّل يقال له: كلام لفظىّ. و يطلق أيضا على الفعل؛ اى الاشارة الفعليّة، و لكن لا بمادّته، بل بالقول المرادف له، فيقال: قال بيده كذا، او قال برأسه لا أو نعم.
فعلى هذا، يكون الكلام قوليّا و كتبيّا و فعليّا، و كلامه تعالى فعل بانواعه لدى أهل الهدى، و هم اهل البيت (ع). و أنواعه كانواع كلام غيره ثلاثة، لن تزددا؛ اى لا تزيد على الثلاثة عندنا و عند غير الأشاعرة.
و الأنواع الثلاثة الّتي هى فعله، امّا تكوين منه ليس إلّا ايجاده للشيء، و لأجل ذلك يقال للشيء الصادر منه الكلمة، و هذا مكان الكلام الفعلى الاشارى من المخلوقين، و سيأتى شرحه؛ أو تدوين خطّ؛ اى كتابته في اللوح المحفوظ أو غيره، أو قوله المسموع الّذي يسمعه المخاطب به باللّفظ فقط؛ اى لا يكون الكلام القولى المسموع بدون اللّفظ، و ما كان بدون اللّفظ، فهو القول المكنّى به عن الفعل؛ كقوله:
(إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. )(1)و لك ان ترجع قولى فقط الى
1) . النحل 16: 40.
الثلاثة، و المعنى أنّ كلامه تعالى هذه الثلاثة فقط، ليس لها رابع.
و الكلّ من هذه الثلاثة حادث بلا خلاف في ذلك، و فعل ذاته و هو ظاهر، فإنّ التكوين فعل، و التدوين فعل، و اللفظ المسموع فعل، و قد نصّ اللّه تعالى على الجميع في آياته.
فمن نصّه على التكوين اطلاقه «الكلمة» الّتي هى بعض الكلام على المكوّن العينى في قوله:
(وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ )(1)و قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ. )(2)و قوله: (وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَ كُتُبِهِ)(3). اى بالرّسل بقرينة ذكر الكتب.
و من نصّه على التدوين في كتاب القدر، قوله:
(وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ. )(4)و قوله: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. )(5)و قوله: (وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ. )(6)
و من نصّه على اللفظى القولى قوله:
(وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ.)(7)و قوله: (وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً. )(8)و قوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ. )(9)
و قد اطلق الكلام في القرآن على الكتبى في قوله:( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ.)(10)فانّه امّا اراد به خصوص المكتوب أو ما هو اعمّ منه و من القول فيشمله أيضا، و على اللفظى و هو كثير؛ كقوله:( يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ. )(11)و قوله: (فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ.)(12)و قوله:( أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ. )(13)الى غير ذلك.
و الأشعرىّ زاد نوعا رابعا***سمّاه نفسيّا عليه فرّعا
مقاله في قدم القرآن***و نفى مخلوقيّة الفرقان
فما هو القرآن في الحقيقة***فى ذاته بهذه الطريقة؟
و أشكل الأمر على من تبعه***فى فهم ما أراده و أبدعه
فقيل ذلك الّذي يزوّره***فى نفسه النّاطق ثمّ يظهره
و قيل إنّه بسيط واحد***غير مصوّر و لا مسرّد
و ابو الحسن الأشعرىّ زاد نوعا رابعا غير الثلاثة، مع اعترافه و اقراره بها أيضا، سمّاه كلاما نفسيّا، ثم عليه فرّع مقاله في قدم القرآن و كونه غير حادث، و في نفى مخلوقيّة الفرقان تبعا لجماعة آخرين من اهل السنّة، فصحّح على زعمه بذلك كون القرآن قديما غير حادث. و ذلك أنّه قال:
«انّ للّه تعالى كالانسان نوعين من الكلام: النّفسى و اللّفظى الدال عليه، فما كان من لفظه، فهو مخلوق حادث، و ما كان في ذاته، فهو قديم، لكونه وصف ذاته؛ فهو معنى ذاتىّ كالعلم و القدرة؛ و هو تعالى متكلّم اى يوصف بالكلام أو التكلّم بالاعتبارين و لا شكّ أنّ القرآن كلامه، فهو قديم باعتبار كونه كلاما نفسيّا له، و حادث باعتبار الفاظه و حروفه.»
فما هو القرآن في الحقيقة، هو الّذي كائن في ذاته تعالى بهذه الطريقة؛ اى بمقتضى طريقة الأشعرى، لا ما هو المنزل بألفاظه و حروفه؛ لأنّ الكلام الحقيقى الأولى، هو الّذي في نفسه تعالى قبل اظهاره بالعبارات، و أشكل الأمر على من تبعه فى فهم ما أراده و أبدعه من النّفسى و ان كان ابداعه بتصريح الأشعرى من عبد اللّه بن كلّاب قبله، الّا أنّ اصحابه يحسبون ذلك من ابتكاراته.
و كيف كان، فقيل الكلام، ذلك الّذي يزوّره في نفسه النّاطق قبل ان يتكلّم به مرتّبا ترتيب العبارات، ثمّ يظهره بها. فسّره بذلك روزبهان في ردّ كلام العلّامة لإنكار الكلام النّفسى.
و قيل: إنّه بسيط، و معنى واحد غير مصوّر بصورة الجملة، و لا مسرّد تسريد العبارات ذلك المعنى الّذي يؤدّى عنه بعبارات مختلفة، و لا يختلف فيه التعبير بلغات متباينة، و هذا يظهر من كلام القوشجى، و ان كان صرّح بانّه مدلول الكلام اللفظى، القائم بالنّفس، لكن صرّح أيضا بأنّ كلامه عند الأشاعرة ليس من الحروف
و قيل بل يكون معنى جامعا***يشمل للّفظ و للمعنى معا
و الأصوات، بل هو معنى قائم بنفسه، يسمّى الكلام النّفسى، و هو مدلول الكلام اللّفظى المركّب من الحروف، و هو قديم.
و ممّن صرّح بهذه النسبة منّا، العلامة في شرح التجريد، قال: «و عند الأشاعرة أنّه متكلّم بمعنى أنّه قائم بذاته، معنى غير العلم و الإرادة و غيرهما من الصفات، تدلّ عليه العبارات، و هو عندهم معنى واحد ليس بامر و لا نهى، و لا خبر و لا غير ذلك من اساليب الكلام.»
و العلامة المجلسى (ره)، قال: «و الأشاعرة اثبتوا الكلام النّفسى، و قالوا كلامه معنى، واحد بسيط قائم بذاته، قديم.»
و قيل: بل الكلام النفسى يكون معنى جامعا يشمل للّفظ و للمعنى معا، لئلّا يخرج القرآن عن كونه كلاما حقيقة، فسّره بذلك صاحب المواقف على ما حكى عن القوشجى محصّلا، قال: «انّ لفظ المعنى، يطلق تارة على مدلول اللّفظ، و اخرى على الأمر القائم بالغير، فالشيخ الأشعرى لما قال الكلام هو المعنى النّفسى، فهم الأصحاب منه أنّ مراده مدلول اللّفظ وحده، و هو القديم عنده، و امّا العبارات فانّما يسمّى كلاما مجازا لدلالتها على ما هو الكلام حقيقة، حتّى صرّحوا بأنّ الألفاظ حادثة على مذهبه أيضا، لكنّها ليست كلامه حقيقة، و هذا الّذي فهموه من كلام الشّيخ له لوازم، كثيرة، فاسدة، كعدم اكفار من انكر كلاميّة ما بين الدفتين، مع أنّه علم من الدين ضرورة كونه كلام اللّه حقيقة، و كعدم المعارضة و التحدى بكلام اللّه الحقيقى، و كعدم كون المقروّ و المحفوظ كلامه حقيقة، الى غير ذلك ممّا لا يخفى على المتفطّن فى الأحكام الدينيّة.
فوجب حمل كلام الشيخ على أنّه اراد المعنى الثانى، فيكون الكلام النّفسى عنده امرا شاملا للّفظ و المعنى جميعا قائما بذات اللّه، و هو مكتوب في المصاحف مقروّ بالألسن محفوظ في الصدور، و هو غير الكتابة و القراءة، و الحفظ الحادثة.
و ما يقال من أنّ الحروف و الألفاظ مترتّبة متعاقبة، فجوابه أنّ ذلك الترتيب إنّما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة، فالتّلفظ حادث و الأدلّة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه، دون حدوث الملفوظ جمعا بين الأدلّة. و هذا المعنى
لا هو علم عنده و لا خبر***و لا إرادة و أوصاف أخر
و هو كغيره لديهم زائد***و القول بالنّفسى لدينا فاسد
إذ غير معقول و لا منقول***و قال غير الحقّ لا تقولوا
الّذي ذكرناه، و ان كان مخالفا لما عليه متأخّروا اصحابنا، الّا أنّه بعد التأمّل يعرف حقيقته. انتهى كلامه.
و هذا الّذي اوجب حمل كلام الأشعرى عليه، و انكر ما فهمه غيره، مبنىّ على ان يكون كلامه تعالى منحصرا عند الأشعرى بالكلام النّفسى فقط، و عليه فلا بدّ ان يحمل على معنى يشمل اللّفظ و المعنى، لئلّا يخرج القرآن عن الكلام الحقيقى، و امّا لو كان كلامه تعالى عنده نوعان، كان القرآن الملفوظ أيضا من كلامه حقيقة، الّا أنّه لا يكون قديما، و ما ذكره من التوالى، إنّما تترتّب على انكار كونه قرآنا و كلاما للّه، لا على انكار كونه قديما.
و الكلام النّفسى لا هو علم عنده و لا خبر و لا إنشاء، و لا غير ذلك من معانى الكلام، و لا إرادة و لا أوصاف اخر من القدرة و الغنى و غيرهما. و الحاصل: انّه عنده صفة نفسانية ذاتيّة مغايرة للعلم و غيره من الصفات، و ليس الأشياء واحدا، و المعانى الكلاميّة من الطلب و الترجّى و التمنى و الخبر و الانشاء من متعلّقات ذلك المعنى الواحد، و لا يتعدّد بتعدّدها، و هو بهذا الوصف الّذي و صفوه من أنّه قائم بالنّفس مع اختلافهم في تفسيره و كيفيّة تصويره، و مع حكمهم، مع ذلك بأنّه غير العلم و الإرادة و الاوصاف الاخر، كغيره من الاوصاف لديهم معنى زائد على الذات، قائم بها.
و القول بالكلام النّفسى له تعالى لدينا فاسد من رأسه، إذ هو امر غير معقول لنا، فنحكم به عليه من طريق العقل، و لا هو منقول بنصّ من الشّارع في آية أو رواية، حتّى نحكم به عليه من طريق النقل، بل حكى عن السيّد معين الدين الشافعى عن بعض العلماء، أنّه قال: ما تلفظ بالكلام النّفسى احد، الّا في المائة الثالثة و لم يكن قبل ذلك في كلام احد.»
و ما ليس لنا علم بثبوته باحد الطريقين، فهو ليس بحقّ، فلا يحقّ لنا الجزم به فكيف باثباته و قال هو تعالى غير الحقّ لا تقولوا، حيث قال: (أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ
و عندنا الكلام من آياته***و الوصف وصف فعله لا ذاته
فعل و محدث متى شاء فعل***و ليس كالعلم يقال لم يزل
مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ.)(1)و قال أيضا:( وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. )(2)
امّا انّه غير معقول، فلأنّ كلامه و كلام اصحابه مختلف في المعنى المراد به، و ظاهره كصريح اصحابه، قياسه الخالق بما هو الوجدانى بزعمهم من المخلوق، و حينئذ، فلا يخلو الأمر من احد امرين، امّا ان يراد به معنى لا يوجد في المخلوقين، فتصديقه مبنىّ على تصوّره، و اذ ليس للمخلوق ما يستدلّ به عليه، فلا يعقل منه تصوّره، فلا طريق الى اثباته، او يراد به ما نجده من انفسنا، فمع أنّ الّذي قائم بالنّفس، لا يقال له الكلام حقيقة، ان اراد المعنى البسيط فذلك دعوى على الوجدان فإنّا لا نجد من انفسنا صفة نفسانيّة بسيطة غير العلم و الإرادة، و ان اراد ما هو المترتّب في الأذهان، فهو امر مرتّب، متعاقب، حادث، لا يليق بالرّحمن، و لا خارج عن العلم في الأخبار، و عن الإرادة في الانشاء. و امّا أنّه غير منقول فلا عرفت أنّه شيء ابتدعه الأشعرى أو ابن كلّاب.
و عندنا الكلام من آياته، و الآيات خلقه و محدثاته، و الوصف وصف فعله لا ذاته. فإنّه متكلّم بفعله الكلام؛ كما أنّه خالق لفعله الخلق، و الكلام فعل و محدث متى شاء فعل، و ليس كالعلم يقال لم يزل، فإنّه يقال لم يزل عالما، و لا يقال لم يزل متكلّما.
فعن ابن مسكان عن ابى بصير، قال:
«سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: لم يزل اللّه- جلّ اسمه- عالما بذاته و لا معلوم و لم يزل قادرا و لا مقدور، قلت: جعلت فداك! فلم يزل متكلّما؟ قال (ع): الكلام محدث، كان اللّه- عزّ و جلّ- و ليس بمتكلّم ثمّ احدث الكلام.» (3)
و عن ابى بصير، عنه (ع) مثله، الّا أن فيه قلت: «فلم يزل اللّه متكلّما؟ قال (ع): انّ الكلام صفة محدثة ليست بأزليّة، كان اللّه- عزّ و جلّ- و لا متكلّم.» (4)
و ما هو الموحى الّذي قد أسمعه***كتابا أو وحيا إلى من أودعه
ليس سوى الحروف و الصوت نعم***يلقى بلا تلفّظ من شقّ فم
يسمع لا بالخرق و الأدات***يخبر لا بالفم و اللّهاة
و عن عبد الرحمن الجمانى، قال: «قلت لأبى ابراهيم (ع): إنّ هشام بن الحكم زعم أن اللّه تعالى جسم ليس كمثله شيء، عالم، سميع، بصير، قادر، متكلّم، ناطق، و الكلام و القدرة و العلم يجرى مجرى واحد، ليس شيء منها مخلوقا؛ فقال (ع): قاتله اللّه! أ ما علم أنّ الجسم محدود، و الكلام غير المتكلّم؟ معاذ اللّه و أبرأ الى اللّه من هذا القول! لا جسم، و لا صورة، و لا تحديد، و كلّ شيء سواه مخلوق، و انّما تكون الاشياء بإرادته و مشيّته من غير كلام و لا تردّد في نفس و لا نطق بلسان.» (1)
اقوال: قد مرّ غير مرّة، أنّ اشباه ذلك من هشام كان قبل استبصاره.
و قال امير المؤمنين (ع): «و انّما كلامه سبحانه فعل منه، انشأه و مثّله لم يكن من قبل ذلك، كائنا و لو كان قديما لكان إلها ثانيا.» (2)
و ما هو الموحى من كلامه الّذي قد أسمعه الموحى إليه كتابا كالقرآن، أو وحيا مجرّدا إلى من أودعه كجملة ما اوحى الى انبيائه دون الغير المسموع، و ان سمّى أيضا وحيا كالتوراة و الإنجيل، فإنّهما نزلا كتابين مكتوبين، فالّذى يكون مسموعا من كلامه، ليس سوى الحروف و الصوت، و هو المعنى باللّفظ، و الصوت المسموع اعمّ من ان يكون قد جهر به، بحيث يسمعه الموحى إليه باذنه، او اخفت به بحيث يسمعه بقلبه، و كلا النّوعين يسمّيان وحيا، و ان كان قد يخصّ الثانى بلفظ الالهام، و لعلّ الالهام نوع آخر غير الوحى القلبى، و ان كان هو قلبيّا أيضا، و لذلك ربما يعمّ الالهام بغير الأنبياء أيضا دون الوحى، و لسنا بصدد تحقيقه. و على كلّ حال فالمسموع الأذنى و القلبى، ليس إلّا الصوت و الحروف.
نعم، يلقى اللّفظ بلا تلفّظ من شقّ فم، و يسمع الألفاظ و الكلمات لا بالخرق؛ اى بخرق صوته و لا بالأدات بل يخبر لا بالفم و اللّهاة. قال امير المؤمنين (ع) فى
جواب ذعلب: «مدرك لا بمجسّة، قائل لا بلفظ.»(1)و في النّهج، فى جواب ذعلب:
«متكلّم لا برؤية، مريد لا بهمّة.»(2)و قال (ع) فى خطبة له: «يخبر لا بلسان و لهوات، و يسمع لا بخروق و ادوات، يقول و لا يلفظ.» (3)و قال (ع) أيضا في خطبة: «كلّم اللّه موسى تكليما بلا جوارح و ادوات و لا شقة و لا لهوات، سبحانه و تعالى عن الصفات، فمن زعم أنّ إله الخلق محدود فقد جهل المعبود.» (4)و قال (ع) أيضا: «كلّم موسى تكليما و اراه من آياته عظيما بلا جوارح، و لا ادوات و لا نطق و لا لهوات.» (5)
و عن موسى بن جعفر (ع): «و لا احدّه بلفظ شقّ فم.» (6)و قال أيضا و هو يكلّم راهبا من النّصارى: «انزل مواعظه و وعده و وعيده، امر بلا شفة و لا لسان، و لكن كما شاء ان يقول له: كن، فكان خيرا، كما اراد في اللّوح المحفوظ.»(7)اقول: يعنى: أنّ نزول الوحى بلا لفظ كما هو كذلك في كتبه في اللّوح، او يعنى أنّه كان خيرا على نحو ما اراد فى اللّوح؛ اى مطابقا له، و الثانى اظهر.
و عن الرضا (ع) فى جواب ابى قرّة، حيث قال: «اخبرنى- جعلنى اللّه فداك- عن كلام اللّه لموسى، فقال (ع): اللّه اعلم باىّ لسان كلّمه، بالسريانيّة أم بالعبرانيّة، فاخذ ابو قرّة بلسانه، فقال: إنّما اسألك عن هذا اللّسان؟ فقال (ع): سبحان اللّه و معاذ اللّه ان يشبه خلقه، او تكلّم بمثل ما هم متكلّمون، و لكنّه- تبارك و تعالى- ليس كمثله شيء، قائل، فاعل؛ قال: كيف ذلك؟ قال (ع): كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق، و لا بلفظ شقّ فم و لسان، و لكن يقول له: كن، فكان بمشيّته؛ ما خاطب به موسى من الأمر و النّهى في غير تردّد في نفس.» (8)
قوله (ع): «يقول له» اى الكلام، كن، فكان؛ يعنى، انّ الكلام كسائر الاشياء، يفعله بإرادته، فهو اذا اراد الكلام لا ينطق بلسان و لا بلفظ بفم أو غير فم.4.
بل خالق في جسم أو فضاء***صوتا كما كلّم في سيناء
فهو مكلّم بمعنى أنّه***موجد أو قادر أن كوّنه
بل خالق في جسم أو فضاء صوتا كما كلّم موسى بن عمران في طور سيناء؛ كما قال تعالى: (فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. )(1)
قال الرضا (ع) فى جواب ما سأله المأمون: «ثمّ اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربّه، فخرج بهم الى طور سيناء، فاقامهم في سفح الجبل، و صعد موسى (ع) الى الطور، فسأل اللّه- تبارك و تعالى- ان يكلّمهم و يسمعهم كلامه، فكلّمه اللّه- تعالى ذكره- و سمعوا كلامه من فوق و اسفل و يمين و شمال، و وراء و امام، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- احدثه في الشّجرة، ثمّ جعله منبعثا منها حتّى سمعوا من جميع الوجوه، فقالوا لن نؤمن لك، بأنّ الّذي سمعناه كلام اللّه حتّى نرى اللّه جهرة.» (2)
و عن تفسير الامام (ع) فى قوله:( يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ. )(3)قال (ع):
«و قد كان فريق منهم يسمعون كلام اللّه في اصل جبل طور سيناء، و اوامره و نواهيه، ثمّ يحرّفونه عمّا سمعوه و ذلك أنّهم لمّا صاروا مع موسى (ع) الى الجبل، فسمعوا كلام اللّه، و وقفوا على اوامره و نواهيه، و رجعوا فأدّوا الى من بعدهم فشقّ عليهم.» (4)
فهو تعالى على ما سمعت من الأخبار، مكلّم و متكلّم بمعنى أنّه موجد للكلام؛ اذ ليس الكلام إلّا فعله، و هو فاعل له، فقولنا: متكلّم كقولنا: خالق؛ يعنى، أنّه يوجد الكلام، كما يعنى أنّه يوجد الخلق، أو بمعنى أنّه قادر أن كوّنه كسائر الصفات الفعليّة، و قد مرّ أنّها تجرى عليه تعالى باعتبارين: باعتبار الشأنيّة، فهى بمعنى أنّ له ان يفعل، و هو قادر على ان يفعل و الاتّصاف بهذا الاعتبار، ازلىّ ذاتىّ و باعتبار الفعليّة، فهى بمعنى أنّه فاعل لها و موجد لها، و الاتّصاف بهذا الاعتبار حادث غير ذاتىّ، منتزع عن نفس فعله.
و ليس المتكلّم بمعنى من قام به الكلام، كما توهّمه اصحاب الأشعرى و ايّدوا
تكوينه كلام اعتبارىّ***ليس بخلق حرف أو إجهار
به مذهب امامهم، قياسا على بعض الموادّ، كالمتحرّك و الذائق، فانّهما بمعنى من قام به الحركة و الذوق، لا من اوجدهما؛ اذ ليس أوّلا جميع الموادّ بهذا المعنى، كالخالق و الرازق و المحيى و المميت، بل بعضها على وجه القيام، و بعضها على وجه الصدور، و بعضها على وجه الحلول، و بعضها على وجه الوقوع، و لا يقاس بعضها ببعض.
و ثانيا، لو سلم الاطلاق، فالقيام على انحاء من القيام الصدورى، او الحلولى، او غير ذلك، فلو كان المتكلّم بمعنى من قام به الكلام، فلا بدّ ان يلاحظ ما هو شأن الموصوف في كل مقام، فان كان الموصوف، المخلوق فقيام الكلام به على ما يقتضي شأنه، و ان كان الخالق، فكون القيام به نحو القيام بالمخلوق، أوّل الكلام. هذا حال كلامه اللّفظى الصوتىّ.
و امّا كلامه التكوينى، فهو في الحقيقة ليس بكلام، بل هو كما قلت:
تكوينه كلام اعتبارىّ، لا حقيقى، اذ التكوين، ليس إلّا الخلق و الايجاد، و ليس هذا بكلام؛ كما أنّه ليس بخلق حرف أو إجهار بالصّوت أيضا، و إنّما تعارف في الشائع ان يعبّروا عن الفعل احيانا بالقول، كما اشرنا إليه، فاجروا هذا المتعارف في فعله التكوينى، فسمّوه أيضا كلاما تكوينيّا، او اتّخذوا ذلك من قوله في سورة النّحل:
(إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )(1)و نظائره من قوله في آل عمران و في مريم:( إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )(2)و في المؤمن: (فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما ... )(3)و في البقرة: (وَ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما ...)(4)و في يس: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. )(5)و في آل عمران: (كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.)(6)و في الأنعام: (وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ. )(7).
فحيث أنّه تعالى عبر عن فعله بالقول، ناسبوا ان يقال له الكلام التكوينى،
و قوله كن، فعله المبين***كناية عمّا به التكوين
محض إرادة لإيجاد بلا***لفظ، و لا أمر يكون قائلا
و الخلق و الحدوث للقرآن***كغيره الظاهر بالبرهان
دلّ على حدوثه تنزيله***و جمعه قرآنه ترتيله
فما عن التصريح بالخلق أبى***أو يوهم الوقف فعذر أوجبا
و قوله كن، ليس قولا واقعا، بل هو فعله المبين للشيء من العدم، و هو كناية عمّا به التكوين من الفعل و الإرادة، فهو محض إرادة لإيجاد بلا لفظ، و لا أمر يكون قائلا، و قد مرّ في كلام موسى بن جعفر (ع): «و إنّما تكون الأشياء بإرادته ...» (1)
و قال موسى بن جعفر (ع) أيضا فإرادة اللّه هى الفعل لا غير ذلك، يقول له: كن، فيكون، بلا لفظ و لا نطق بلسان، و لا همّة و لا تفكّر، و لا كيف لذلك، كما أنّه بلا كيف.» (2)
و قال امير المؤمنين (ع): «يقول لما اراد كونه كن فيكون لا بصوت يقرع و لا نداء يسمع.» (3)
و قال موسى بن جعفر (ع) أيضا: «و لا احدّه بلفظ شقّ فم، و لكن كما قال اللّه- عزّ و جلّ-:( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً )(4)كان كما اراد يأمره من غير نطق ...» (5)
و الخلق و الحدوث للقرآن أيضا كغيره الظاهر بالبرهان، بعد عدم معقوليّة الكلام النّفسى، فإنّ القرآن ليس إلّا كسائر كلامه، فهو فعل من افعاله. و كلّ فعل حادث و مخلوق، و قد دلّ على حدوثه بالخصوص تنزيله؛ كما قال: (نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا )(6)و قوله: (وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا.)(7)و قوله: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ )(8)و جمعه و قرآنه كما قال: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ.)(9)؛ و ترتيله؛ كما قال:
(وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا. )(1)فانّ النّزول و التفريق و الجمع و القراءة و الترتيل، كلّ ذلك من صفات الحادث، و من لوازم الحدوث. و عن اليقطينى، قال: «كتب ابو الحسن الثالث (ع) الى بعض شيعته ببغداد:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
عصمنا اللّه و ايّاك من الفتنة، فان يفعل فاعظم بها نعمة، و إلّا يفعل فهى الهلكة، نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة، اشترك السائل فيها و المجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، و تكلّف المجيب ما ليس عليه، و ليس الخالق إلّا اللّه، و ما سواه مخلوق و القرآن كلام اللّه، لا تجعل به اسما من عندك فتكون من الضالّين، جعلنا اللّه و ايّاك من الّذين يخشون ربّهم بالغيب و هم مشفقون.»(2)
فما عن التصريح بالخلق أبى، كما في بعض الاخبار، أو يوهم الوقف؛ اى التوقف و الإبهام فعذر أوجبا ذلك، و هو التقية، و شيوع الفتنة الّتي اشار إليها الحديث المتقدّم. فعن الريان، قال:
«قلت للرضا (ع): «ما تقول في القرآن، فقال (ع): كلام اللّه لا تجاوزوه، و لا تطلبوا الهدى في غيره.» (3)و نظيره عن عليّ بن سالم، عن الصادق (ع).
و عن فضيل بن يسار، قال: «سألت الرضا (ع) عن القرآن، فقال: هو كلام اللّه.»(4)و عن الجعفرى، قال: «قلت لأبى الحسن موسى (ع): يا ابن رسول اللّه! ما تقول في القرآن؟ فقد اختلف فيه من قبلنا فقال قوم: إنّه مخلوق، و قال قوم: إنّه غير مخلوق، فقال (ع): أما إنّى لا اقول في ذلك ما يقولون و لكنّى اقول كلام اللّه عزّ و جلّ.» (5)
و عن ابن خالد، قال: «قلت للرضا (ع): يا ابن رسول اللّه! اخبرنى عن القرآن، أ خالق أو مخلوق؟ فقال: ليس بخالق، و لكنّه كلام الخالق.» (6)
و عن زرارة، قال: «سألت أبا جعفر (ع) عن القرآن، فقال لى: لا خالق و لا مخلوق، و لكنّه كلام الخالق.» (7)8.
و عن زرارة، قال: «سألته عن القرآن، أ خالق هو؟ قال: لا، قلت: مخلوق هو؟
قال: لا، و لكنّه كلام الخالق.»(1)و قد صرّح (ع) فيها بانّه غير مخلوق.
و نظيره ما كتب الصادق (ع) الى عبد الرحيم القصير، جوابا عمّا كتب إليه:
«جعلت فداك! اختلف النّاس في القرآن، فزعم قوم: أنّ القرآن كلام غير مخلوق، و قال آخرون: كلام اللّه مخلوق.
فكتب (ع): القرآن كلام اللّه، محدّث، غير مخلوق، و غير ازلىّ مع اللّه، تعالى ذكره، و تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، كان اللّه- عزّ و جلّ- و لا شيء غير اللّه، معروف و لا مجهول، كان- عزّ و جلّ- و لا متكلّم و لا مريد، و لا متحرّك و لا فاعل، جلّ و عزّ ربّنا، فجميع هذه الصفات محدثة، عند حدوث الفعل منه، جلّ و عزّ ربّنا، و القرآن كلام اللّه غير مخلوق، فيه خبر من كان قبلكم، و خبر ما يكون بعدكم، انزل من عند اللّه على محمد رسول اللّه (ص).» (2)
فقد صرّح بأنّه محدث غير ازلىّ، و أنّه تعالى كان و لا متكلم، فليس الّا كالتّصريح بأنّه مخلوق. فقوله «غير مخلوق»، امّا أنّه توهّم من الراوي أو أنّه فيه. و في حديثى زرارة بمعنى أنّه غير مختلق، او غير مخلوق للمخلوقين، او أنّه من خلق بالكسر؛ يعنى: أنّه لا يخلق بكثرة القراءة أو بطول الزمان، بل هو طرىّ و احكامه باقية على الدوام؛ كما عن الرضا (ع)، قال:
«إنّه كلام اللّه غير مخلوق، حيثما تكلّمت به، و حيثما قرأت و نطقت، فهو كلام و خبر و قصص.» (3)
ثمّ إنّ مخالفينا كما اختلفوا في القرآن، فى أنّه خالق أو بعض الخالق، او ليس بخالق، و في أنّه مخلوق محدث أو محدث غير مخلوق، او محدث لا مخلوق و لا غير مخلوق، او حدث و ليس بمحدث، او خالق و لا مخلوق لأنّه صفة، او غير محدث و لم يزل يتكلّم به، و مع ذلك حروف و اصوات، او ما كان منه امرا و نهيا و اسما لغيره فهو مخلوق، و في أنّه جسم أو عرض، او ليس بجسم و لا عرض، كلّ ذلك نقله الشيخ الأشعرى في كتاب (مقالات الاسلاميّين)، كذلك اختلفوا في قراءته و حفظه و كتابته:
و الأصل في القرآن ما قد زبره***فى اللّوح ثمّ للرّسول أخبره
أنزل ليلة عليه كلّه***ثمّ عليه ثانيا رتّله
و الكلّ قرآن على المراتب***مختلف الآثار و المناقب
و الحفظ و التدوين أو قراءته***حكاية كالنّقش لا إراءته
فقيل: القراءة و المقروّ غير مخلوق؛
و قيل: المقروّ قديم، و القراءة حادثة؛
و قيل: الجميع قرآن حكاية؛
و قيل: كلام اللّه لا يحكى؛
و قيل: القراءة هو المقروّ، كما انّ التكلم هو الكلام؛
و قيل: القراءة لا يقال مخلوقة و لا غير مخلوقة؛ الى غير ذلك ممّا نقله أيضا في ذلك الكتاب.
و الى ما هو الحقّ الواقع اشرت بقولى:
و الأصل في القرآن ما قد زبره في اللّوح أوّلا قبل تنزيله؛ كما قال: «بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ.»(1)ثمّ للرّسول أخبره بعد ذلك أنزل ليلة، و هى ليلة القدر؛ كما قال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.(2)و قال:( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. )(3)
انزل في تلك اللّيلة عليه كلّه جملة واحدة، ثمّ عليه ثانيا رتّله ترتيلا، حسب مصالح الوقت و مقتضياته. فكان له نزولان، بل نزولات ثلاث، منها: نزوله من اللّوح الى بيت المعمور، على ما يستفاد من بعض الاخبار.
و الكلّ قرآن على المراتب المذكورة، و هى مرتبة تكوينيّة أوّلا، و مرتبة نزوله الى بيت المعمور، و مرتبة نزوله على الرسول جملة واحدة، و مرتبة نزوله سورة سورة، و آية آية، و ربّما تكرّر نزول آية في موردين، او اكثر حسب تكرّر الواقعة، او المشابه لها تأويلا.
ثمّ القرآن على مراتبه، مختلف الآثار و المناقب، حسب اختلاف المراتب.
و اما الحفظ و التدوين في المصاحف أو قراءته، فهو حكاية عنه كالنّقش
الخلق فعل و هو مثل الفعل عمّ***لكلّ إبداع كذا الصنع يعمّ
و اللّه خالق لما سواه***و كلّ شيء غيره سواه
و العكس الحاكى عن الشيء، هيئته، لا إراءته عينا، فهو كرواية الحديث و إنشاء الشّعر، و حفظهما و كتبهما، لا هو هو، و لا هو غيره، هو هو باعتبار الوحدة التطابقيّة؛ فإنّ المحفوظ و المقروّ و المكتوب، هو المنزل المنقول بعباراته من حروفه و كلماته و الهيئة التركيبيّة، و هو غيره باعتبار الخصوصيّة الشخصيّة فانّ المشخّص المكتوب في اللّوح مخصوص به، و المتكلّم به اللّه، قد انقطع بانقطاع التكلّم، و المنزل على قلب رسول اللّه (ص)، مرتسم بقلبه الشّريف، منتقل معه بانتقاله، و لكن جعلت للنقل و الرواية حفظا و تلاوة و سماعا و كناية و تعويذا و رقية آثار و خواصّ تكريما و تعظيما لمطابقته لذلك المنزل الخاصّ. نسأل اللّه التوفيق للكرامة و مزيد الاختصاص.
الخلق فعل من افعاله تعالى، فالخالق صفة فعليّة له، و هو مثل الفعل، عمّ لكلّ إبداع يصدر منه بإرادته، كذا الصنع يعمّ، فهو أيضا اعمّ من سائر الأفعال، فكل فعل له تعالى خلقه و صنعه. و نكتفى بذكر هذا الفعل العامّ عن سائر افعاله الخاصّة، اذ لا غرض لنا باحصاء اوصافه الفعليّة جميعا، و سنتعرّض لذكر جملة منها في اسمائه تعالى.
و اللّه خالق لما سواه، لا خالق لها إلّا هو، و كلّ شيء غيره مخلوق له، و هو سوّاه شيئا. فعن خيثمة و ابن مسكان، عن ابى جعفر (ع):
«إنّ اللّه تعالى خلو من خلقه و خلقه خلو منه، و كلّ ما وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق، ما خلا اللّه- عزّ و جلّ- و اللّه خالق كلّ شيء، تبارك الّذي ليس كمثله شيء.» (1)
و عن ابى المعزى حميد بن المثنّى مثله، مرفوعا عنه (ع) الى قوله: «ما خلا اللّه عزّ و جلّ.»
1) . البحار 4: 149/ 3.
خالق كلّ كائن من جوهر***أو عرض سوى فعال البشر
و عن الصادق (ع): «و كلّ شيء وقع عليه اسم شيء سواه فهو مخلوق.»(1)و قال (ع): «و كلّ شيء وقع عليه اسم شيء، فهو مخلوق ما خلا اللّه.» (2)
و عن موسى بن جعفر (ع): «لا جسم و لا صورة و لا تحديد، و كلّ شيء سواه مخلوق.» (3)
و قال الصادق (ع): «لا يقع عليه الحدوث، و لا يحول من حال الى حال، خالق كلّ شيء.» (4)
و قد دخل عليه ابن ابى العوجاء، فقال: «أ ليس تزعم أنّ اللّه خالق كلّ شيء؟ فقال (ع):
بلى، فقال له: انّى اخلق، فقال له: كيف تخلق؟ قال: احدث في الموضع ثمّ البث عنه، فيصير دوابّا، فاكون انا الّذي خلقها، فقال (ع): «أ ليس خالق الشيء يعرف كم خلقه؟
قال له: بلى، قال (ع): فتعرف الذكر من الانثى و تعرف كم عمرها؟ فسكت.» (5)
خالق كلّ كائن من جوهر أو عرض، قال امير المؤمنين (ع):
«لا يقال له: اين؟ لأنّه ايّن الأين، و لا يقال له: كيف؟ لأنّه كيف الكيفيّة، و لا يقال له: ما هو؟ لأنّه خلق الماهيّة.» (6)
و قال (ع) أيضا، و الرضا (ع) أيضا: «بتشعيره المشاعر عرف ان لا مشعر له، و بتجهيره الجواهر عرف ان لا جوهر له، و بمضادّته بين الأشياء عرف ان لا ضدّ له.» (7)
و قد مرّ في الزمان المكان و في تنزيهه عن صفات المخلوقين، ما يدلّ على ذلك، فهو تعالى خالق كلّ شيء. سوى فعال البشر على ما تقدّم من أنّها مخلوقة للعباد. عن الفتح بن يزيد الجرجانى:
«قلت لأبى الحسن (ع): «هل غير الخالق الجليل خالق؟ قال (ع): إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يقول: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (8)، فقد اخبر أنّ في عباده خالقين و غير
شيّأ الأشياء بماهيّاتها***كوّن لا من شيء إنّياتها
و كلّ صانع فمن شيء صنع***و صانع الأشياء لا منه ابتدع
ليس مكوّن كذا سواه***أو يعدم الوجود إلّا اللّه
أو ناقل من جوهريّة إلى***جوهر إلّا هو جلّ و علا
خالقين، منهم عيسى (ع) خلق من الطين كهيئة الطير باذن اللّه، فنفخ فيه فصار طيرا باذن اللّه، و السّامرى خلق لهم عجلا جسدا له خوار.»
شيّأ الأشياء بماهيّاتها؛ كما قال امير المؤمنين (ع): «لأنّه خلق الماهيّة و قال بتجهيره ...»(1)و قد صرّح ابو الحسن (ع) فى حديث فتح بن يزيد بكونه مشيّئا حيث قال: «لكنّه المنشئ فرق بين من جسّمه و صوّره و شيّأه و بيّنه اذ كان لا يشبهه شيء.» (2)هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص802
و كلّ صانع لشيء، فمن شيء صنع و صانع الأشياء لا منه؛ اى لا من الشّيء ابتدع. قال امير المؤمنين (ع):
«الحمد للّه الواحد الأحد الصمد المتفرّد، الّذي لا من شيء كان، و لا من شيء خلق ما كان، و كلّ صانع شيء فمن شيء صنع، و اللّه لا من شيء صنع ما خلق.» (3)
و قال ابو جعفر (ع): «إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يزل عالما قديما خلق الأشياء لا من شيء.» (4)
و قال الصادق (ع): «و اللّه خالق الأشياء لا من شيء.» (5)
و قال ابو الحسن (ع) في حديث الفتح بن يزيد: «و انّ كلّ صانع شيء، فمن شيء صنع، و اللّه الخالق اللّطيف الجليل، خلق و صنع لا من شيء.»(6)و يأتى أيضا ما يفيد ذلك.
ليس مكوّن كذا؛ اى لا من شيء سواه تعالى، أو يعدم الوجود؛ اى ليس من يعدم الوجود إلّا اللّه، أو ناقل؛ اى ليس ناقل من جوهريّة إلى جوهر إلّا هو جلّ و علا.
قال الصادق (ع): «فى الربوبيّة العظمى أو الإلهيّة الكبرى: «لا يكون الشيء لا من شيء، و لا ينقل من جوهريّته (7)الى جوهر آخر إلّا اللّه، و لا ينقل الشيء من الوجود الىة.
و من يرى الأشياء من شيء خلق***فذاك كافر لأنّ ما سبق
لو كان لا يزال معه في القدم***لكان مثله و إلّا فعدم
و إن يكن حيّا فلا ممات له***فكيف يقطع الممات أزله؟
و إن يكن ميتا فكيف ثابت***من أزل أم كيف يحيى الميّت؟
العدم إلّا اللّه.» (1)
و من يرى الأشياء من شيء خلق، فذاك كافر لأنّ ما سبق على الأشياء، لو كان لا يزال معه تعالى في القدم، لكان مثله ازليّا، لا يجوز فيه التغير، و يستحيل فيه التصرّف، و إلّا فعدم، ليس غيره. قال الباقر (ع):
«إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لم يزل عالما قديما، خلق الأشياء لا من شيء، و من زعم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق الأشياء من شيء، فقد كفر؛ لأنّه لو كان ذلك الشيء الّذي خلق الأشياء منه قديما معه في ازليّته و هويّته، كان ذلك ازليّا، بل خلق اللّه- عزّ و جلّ الأشياء كلّها لا من شيء.» (2)
و عنه (ع) فى جواب محمّد بن عطيّة: «إنّ اللّه- تبارك و تعالى- كان، و لا شيء غيره، و كان عزيزا و لا احد كان قبل عزّه، و ذلك قوله:( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ.)(3)و كان الخالق قبل المخلوق، و لو كان أوّل ما خلق اللّه الشيء من الشيء، إذن، لم يكن له انقطاع ابدا، و لم يزل اللّه إذن و معه شيء ليس هو يتقدّمه، و لكنّه كان اذ لا شيء غيره و خلق الشيء الّذي جميع الأشياء منه، و هو الماء الّذي خلق الأشياء منه، فجعل نسب كلّ شيء الى الماء، و لم يجعل للماء نسبا يضاف إليه.» (4)
و أيضا إن يكن ذلك الشيء الّذي خلق منه الأشياء حيّا، فلا ممات له بعده، لأنّ المفروض كونه ازليّا، فكيف يقطع الممات أزله؟ و إن يكن ميتا من الأزل، لزم فيه محذوران، فكيف الميّت ثابت من أزل؟ فإنّ الميّت، معدوم لا ثبوت له، أم كيف يحيى الميّت الأزلى؟ فان الأزلى لا يتغيّر عمّا هو عليه. فعن محاجّة الزنديق مع الصادق (ع)، قال: «من اىّ شيء خلق الأشياء؟ قال (ع): من لا شيء؛ فقال: فكيف يجيء من لا شيء شيء؟ قال (ع): إنّ الأشياء لا تخلو إمّا ان تكون خلقت من شيء او
لا من أصول أزليّة خلق***و لا من أوّل بديء قد سبق
و لا من الشيء إذن ما اخترعا***و لا لعلّة إذن ما ابتدعا
من غير شيء، فان كانت خلقت من شيء كان معه، فانّ ذلك الشيء قديم، و القديم لا يكون حديثا و لا يفنى و لا يتغيّر، و لا يخلو ذلك الشيء من ان يكون جوهرا واحدا و لونا واحدا، فمن اين جاءت هذه الألوان المختلفة، و الجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتّى؟ و من اين جاء الموت ان كان الشيء الّذي انشأت منه الاشياء حيّا؟ و من اين جاءت الحياة ان كان ذلك الشيء ميّتا؟ و لا يجوزان يكون من حىّ و ميّت قديمين لم يزالا، لأنّ الحىّ لا يجيء منه ميّت، و هو لم يزل حيّا و لا يجوز ان يكون الميّت قديما، لم يزل لما هو به من الموت، لأنّ الميّت لا قدرة له و لا بقاء.» (1)
بل هو تعالى، لا من أصول أزليّة خلق، و لا من أوّل بدئ قد سبق. قال امير المؤمنين (ع):
«لم يخلق الأشياء من أصول ازليّة، و لا من اوائل بديّة ابديّة، بل خلق ما خلق، فاقام حدّه و صوّر ما صوّر، فاحسن صورته، ليس لشيء منه امتناع و لا له بطاعة شيء انتفاع.» (2)
و قال (ع) أيضا: «لم يخلق الأشياء من أصول ازليّة، و لا من اوائل كانت قبله بديّة، بل خلق ما خلق و اتقن خلقه، و صوّر ما صوّر فاحسن صورته؛ فسبحان من توحّد في علوّه، فليس لشيء منه امتناع، و لا له بطاعة احد من خلقه انتفاع.»(3)و قال (أيضا: «إنشاء صنوف البريّة، لا من أصول كانت بديّة.» (4)و لا خلقها من الشيء إذن ما اخترعا، فإنّ الاختراع هو الابتكار لا من شيء، و لا لعلّة مستندة إليها إذن ما ابتدعا؛ فانّ الابتداع، هو الانشاء لا عن سبب. قال الحسن بن على (ع):
«خلق الخلق فكان بديئا، ابتدع ما ابتدع، و ابتدع ما ابتدأ، و فعل ما اراد و ما4.
و لا بتفكير و لا مزاولة***و لا على سبق مثال عنّ له
و لا بحركة و لا بجارحة***و لا باعوان و لا لرابحة
استزاد، ذلكم اللّه ربّ العالمين.» (1)
و قال الرضا (ع): «الحمد للّه فاطر الأشياء إنشاء، و مبتدعها ابتداء بقدرته و حكمته، لا من شيء فيبطل الاختراع و لا لعلّة فلا يصحّ الابتداع.» (2)
و يأتى قول الصادق (ع): «انّما خلق الأشياء لا من حاجة و لا سبب اختراعا و ابتداعا.» (3)
و لا بتفكير و لا مزاولة بيد أو آلة العمل، و لا على سبق مثال عنّ؛ اين ظهر له، و لا بحركة و لا بجارحة، و لا باعوان و لا لرابحة؛ اى لأجل تجارة رابحة. قال رسول اللّه (ص):
«ابتداء ما ابتدع، و انشأ ما خلق على غير مثال، كان سبق لشيء ممّا خلق ربّنا القديم بلطف ربوبيّته، و بعلم خبره فتق، و باحكام قدرته خلق جميع ما خلق، و بنور الاصباح فلق، فلا مبدّل لخلقه، و لا مغيّر لصنعه، و لا معقّب لحكمه.» (4)
و قال امير المؤمنين (ع): «الّذي لم تغيّره صروف الزمان، و لم يتكأّده صنع شيء كان، إنّما قال بما شاء ان يكون كن فكان، ابتدع ما خلق بلا مثال سبق و لا تعب و لا نصب، و كلّ صانع شيء فمن شيء صنع، و اللّه لا من شيء صنع ما خلق.» (5)
و قال (ع) أيضا: «و المنشئ لا باعوان و لا بآلة نطق، و لا بجوارح صرف ما خلق، لا يحتاج الى محاولة التفكّر، و لا مزاولة مثال، و لا تقدير احدثهم على صنوف من التخطيط و التصوير، لا برويّة و لا ضمير.» (6)
و قال (ع) أيضا: متوحّد اذ لا سكن يستأنس به، و لا يستوحش لفقده؛ انشأ
الخلق إنشاء، و ابتدأ ابتداء، بلا رويّة آجالها و لا تجربة استفادها، و لا حركة احدثها، و لا همامة نفس اضطرب فيها.» (1)
و قال (ع) أيضا: خلق الخلائق من غير مثال خلا من غيره، و لم يستعن على خلقها باحد من خلقه.» (2)
و قال (ع) أيضا: «الّذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله، و لا مقدار احتذا عليه من معبود كان قبله، المنشئ اصناف الأشياء بلا رويّة احتاج إليها، و لا قريحة غريزة اضمر عليها، و لا تجربة افادها من مرّ حوادث الدهور، و لا شريك اعانه على ابتداع عجائب الأمور.» (3)
و قال (ع): «خلق الخلق على غير تمثيل، و لا مشورة مشير، و لا معونة معين؛ فتمّ خلقه بامره و اذعن لطاعته، فاجاب و لم يدافع و انقاد فلم ينازع.» (4)و قال أيضا: «مريد بلا همّة، صانع لا بجارحة.» (5)
و قال (ع): «لا يوصف بالأزواج و لا يخلق بعلاج.»(6)و قال (ع): «المعروف من غير رؤية، و الخالق من غير رويّة.» (7)و قال (ع): «الخالق لا بمعنى حركة.» (8)
و قال الرضا (ع): «الخالق لا بمعنى حركة، السميع لا بأداة، البصير لا بتفريق آلة.» (9)و قال (ع) أيضا: «و لا تحدّه الصفات، و لا تفيده الادوات.» (10)
و قال الصادق (ع) لأبى بصير: «لو أنّ اللّه خلق الخلق كلّهم بيده، لم يحتجّ في آدم (ع) انّه خلقه بيده، فيقول: «ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدى»(11)افترى اللّه يبعث الأشياء بيده.»(12)مرّ توجيه اليدين في نفى التشبيه.1.
و لا لحاجة و دفع وحشته***أو خوف نقص أو مزيد حشمته
و لا ليستكثر في جهاد ندّ***و لا بها استعان في دفاع ضدّ
بل خلق الخلق مبينا حكمته***أبدى ربوبيّته و قدرته
و الثقلين و المليك قد فطر***ليعبدوه و يطيعوا ما أمر
و لا لحاجة، و دفع وحشته من وحدة، أو خوف نقص في ملكه، أو مزيد حشمته على غيره من عدوّ أو غيره، و لا ليستكثر في جهاد ندّ؛ اى لا شريك له فيجاهده بهم، و لا بها استعان في دفاع ضدّ يضادّه، بل خلق الخلق مبينا حكمته؛ اى ليبيّن به حكمته، أبدى ربوبيّته و قدرته بذلك.
و الثقلين و المليك قد فطر الجميع، ليعبدوه و يطيعوا ما أمر؛ كما قال تعالى:
(ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.)(1)و قال امير المؤمنين (ع):
«لم يتكأّده صنع شيء منها، اذ صنعه و لم يفؤده (اى لم يثقله) منها خلق ما برأه، و خلقه و لم يكوّنها لتشديد سلطان و لا لخوف من زوال و نقصان، و لا للاستعانة بها على ندّ مكاثر، و لا للاحتراز بها من ضدّ مساور (2)، و لا للازدياد بها في ملكه، و لا لمكاثرة شريك في شركه، و لا لوحشة كانت منه، فاراد ان يستأنس إليها.» (3)
و قال (ع) أيضا: «لم يكوّنها لشدّة سلطان، و لا خوف من زوال و نقصان، و لا لسعاية على ضدّ مساور، و لا ندّ مكاثر، و لا شريك مكايد، لكن خلايق مربوبون و عباد آخرون؛ فسبحان الّذي لا يؤده خلق ما ابتدأ، و لا تدبير ما برء، و لا من فترة بما خلق اكتفى؛ علم ما خلق، و خلق ما علم لا بالتّفكير، و لا يعلم حادث اصاب ما خلق، و لا شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق، لكن قضاء مبرم و علم محكم و امر متقن.» (4)
و قال (ع) أيضا: «و لم يقصر دون الانتهاء الى مشيّته، و لم يستصعب اذ امر بالمضىّ الى ارادته، بلا معاناة للغوب مسّه، و لا مكايدة لمخالف له على امره، فتمّ خلقه و اذعن لطاعته، و وافى الوقت الّذي اخرجه إليه اجابة.» (5)
و قال (ع) أيضا: «الّذي خلق الخلق لعبادته، و اقدرهم على طاعته بما جعل
فيهم، و قطع عذرهم بالحجج؛ فعن بيّنة هلك من هلك، و نجى من نجى؛ و للّه الفضل مبدءا و معيدا، اتقن ما اراد، خلقه من الأشياء بلا مثال سبق إليه، و لا لغوب دخل عليه فى خلق ما خلق لديه، ابتدأ ما اراد ابتدائه، و انشأ ما اراد انشائه على ما اراد من الثقلين (الجنّ و الانس) لتعرف بذلك ربوبيّته، و تمكّن فيهم طاعته.» (1)
و قال (ع) أيضا: «لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان، و لا تخوّف من عواقب زمان، و لا استعانة على ندّ مثاور(2)، و لا شريك مكاثر، و لا ضدّ منافر، و لكن خلائق مربوبون و عباد آخرون، لم يؤده خلق ما ابتدأ و لا تدبير ما ذرء، و لا وقف به عجز عمّا خلق، و لا ولجت عليه شبهته فيما قضى و قدر، بل قضاء متقن، و علم محكم، و امر مبرم.» (3)
و قال (ع) أيضا: «لم تخلق الخلق لوحشة، و لا استعملتهم لمنفعة، لا يسبقك من طلبت، و لا يفلتك من اخذت، و لا ينقص سلطانك من عصاك، و لا يزيد في ملكك من اطاعك.» (4)
و عن البرقى مرفوعا عن ابى عبد اللّه (ع): «هو الخالق للأشياء لا لحاجة، استحال الحدّ و الكيف فيه، فافهم ذلك- إن شاء اللّه.» (5)
و قال الصادق (ع): «و هو- تبارك و تعالى- القوىّ العزيز، لا حاجة به الى شيء ممّا خلق، و خلقه جميعا محتاجون إليه، انّما خلق الأشياء لا من حاجة و لا سبب اختراعا و ابتداء.» (6)
و قال الرضا (ع): «خلق ما شاء، متوحّدا بذلك لإظهار حكمته، و حقيقة ربوبيّته.» (7)
و امّا أوّل ما خلق اللّه، فهو و ان لم يتعلّق به غرض مهمّ في باب المعرفة، الّا إنّى تعرّضت له اجمالا، تطفّلا.1.
و أوّل الخلق مكان كالفضاء***لما به احتاج سواه باقتضاء
و نور الأنوار فقد تلاه***و العقل ثمّ الماء تالياه
و أوّل الخلق مكان، و لمّا كان بحقيقته غير معلوم قلت: كالفضاء، تمثيلا للمكان و ان كان لا يحتمل غيره بحسب التصوّر، بل عن ابى بكر الحضرمى، عن الصادق (ع) فى جواب الأبرش الكلبى، حيث سأله عن قوله:( أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً.)(1)قال (ع):
«هو كما وصف نفسه، كان عرشه على الماء، و الماء على الهواء، و الهواء لا يحدّ، و لم يكن خلق غيرهما.» (2)
و انّما كان المكان أوّل الخلق، لما به احتاج سواه باقتضاء من طبع المخلوق؛ لأنّ كلّ مخلوق مكانىّ، فكلّ مخلوق محتاج الى المكان، و المحتاج إليه، مقدّم على المحتاج، و إليه اشار الصادق (ع) فى الاهليلجة، ذكرته في اثبات الحدوث للعالم باحتياج بعضها الى بعض؛
و نور الأنوار، و هو نور محمّد (ص) و الأئمّة (ع) احدثه ثانيا، فقد تلاه؛ اى تلا المكان خلقة و حدوثا و ذكر الفاء على نيّة امّا مقدّرة.
عن الصادق (ع) أنّه قال: «إنّ اللّه كان، اذ لا كان، فخلق الكان و المكان، و خلق نور الانوار، الّذي نورت منه الانوار، و اجرى فيه من نوره الّذي نوّرت منه الأنوار، و هو النّور الّذي خلق منه محمّدا و عليّا، فلم يزالا نورين اوّلين، اذ لا شيء كوّن قبلهما.» (3)
و عن جابر، عن الباقر (ع): «إنّ اللّه أوّل ما خلق، خلق محمّدا و عترته الهداة المهتدين، فكانوا اشباح نور بين يدى اللّه، قلت: و ما الاشباح؟ قال (ع) ظلّ النّور، ابدان نورانيّة بلا روح.» (4)
و العقل ثمّ الماء بعده تالياه؛ اى هما تاليا نور الأنوار مرتبين؛ كما هو مفاد الأخبار.
امّا العقل؛ فقد ورد فيه انّه أوّل ما خلق اللّه، و امّا الماء، فقد ورد فيه أيضا
و خالق للخير و الشرّ معا***و منكر الشرّ يكون مبدعا
و هو لدى قوم من الفلا***سفةيصدر عن أهرمن و ذا سفه
و المتألّهون منهم أوّلوا***شرّا إلى الخير لوهم أصّلوا
احاديث أنّه أوّل ما خلق اللّه. و من رام الجمع بين المختلفات، يحمل العقل و الماء و النّور على نور محمّد (ص) بالاعتبارات، فقد تكلّف من غير موجب، بل الأوليّة اضافيّة، فلا منافاة في اوليّة الجميع.
و التحقيق: انّ أوّل الخلق، المكان؛ لما بيّناه، و أوّل المخلوقين ممّا عداه نور محمّد (ص) و أوّل المخلوقين من الروحانيّين كما وردت به الرواية، العقل، و من الأجسام الماء؛ كما تقدّم رواية محمّد بن عطيّة عن الباقر (ع).
و كما أنّه تعالى خالق للأجسام و غيرها خالق للخير و الشرّ معا، و كلاهما منسوبان إليه. و المراد بهما، ما يجرى في الكون ممّا هو خير للعباد أو شرّ لهم، و قد تقدّم في ذلك اخبار كثيرة في فصل «أنّ القدر خيره و شرّه من اللّه».
و لكن قوما انكروا نسبة الشرّ إليه تعالى، و هم صنفان: فمنهم من نسبه الى غيره تعالى، و منهم من انكر وجود الشرّ اصلا، و زعموا أنّه ليس في الوجود إلّا الخير.
و منكر الشرّ يكون مبدعا، فان قال بالأوّل، فقد ابدع الشّرك؛ و ان قال بالثانى، فهو مبدع في الاسلام ما لم يكن. و قد اشرت الى الصنفين و مقالتهم فقلت:
و هو؛ اى الشرّ، لدى قوم من الفلاسفة (و هم الثنويّة) يصدر عن أهرمن؛ فانّهم قالوا باليزدان و الاهرمن، و انّ اليزدان فاعل الخير، و الاهرمن فاعل الشرّ. و ذا؛ اى هذا المذهب، سفه من القول، و قد تقدّم ردّ الصادق (ع) على الثنويّة في فصل انطباق مقالتهم على وحدة الوجود.
و المتألّهون منهم؛ اى من الفلاسفة (و هم الذين سلكوا مسلكهم و دانوا بما دانوا و سمّوا انفسهم أيضا متألّهين) فهؤلاء، أوّلوا شرّا إلى الخير، فقالوا: إنّ الشرّ غير موجود و إنّ كلّ ما يحسب أنّه شرّ، فهو خير في نفسه، و إنّما هو الشرّ بالنسبة الى غيره، أو أنّه عدم الخير، و عدم الخير ليس بشرّ و لا هو منه، بل من الماهيّة.
و ذلك لوهم أصّلوا ايّاه؛ يعنى، أنّهم أسّسوا اصلا بوهمهم، ففرّعوا عليه انكار
أن ليس يصدر الكثير الواحد***و أنّه خير، فليس يفسد
و ما عدا الوجود لا حصول له***و الشرّ من ماهيّة لا فعله
لا علّة و لا صدور عندنا***إذ ليس موجبا تعالى ربّنا
و لا هو الوجود و الماهيّة***ليست سوى المخلوقة الكونيّة
و ما له سنخيّة في ذاته***و لا سرى في ذات مبدعاته
و الخير ذاته فقط و الفعل عمّ***و إنّما يتبع فعله الحكم
و قد يكون الشرّ منع الخير***بحكمة و ما به من ضير
و ليس فرضه إضافيّا بأن***يجعله خيرا فلا تكلّفن
الشرّ في الوجود، و هو أن ليس يصدر الكثير الواحد، قالوا: انّه واحد، و الواحد لا يصدر منه الكثير، و أنّه خير بالذّات، فهو فاعل الخير قطعا و الشرّ فساد للخير، فليس يفسد، فلا يصدر منه الشرّ بعد صدور الخير منه؛ لأنّه لا يصدر منه إلّا الواحد.
و لهم اصل آخر، و هو للقائلين بوحدة الوجود، و هو أنّ ما عدا الوجود، لا حصول له في العين، فإنّ الماهيّة عندهم اعتباريّة عدميّة، و المحصّل في العين هو الوجود، و الوجود خير محض لا شرّ فيه اصلا، و ما لا شرّ فيه، لا يفعل الشرّ، مع أنّ الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد، و الشرّ من ماهيّة غير متحصّلة، لا انّه تعالى فعله.
و معنى كونه من الماهيّة مع أنّها عدميّة و العدم لا يؤثّر شيئا، أنّه عدم الخير و فقدان الخير، و لا مانع ان يكون الفقدان و العدم مستندا الى العدم، تقول: فلان لا يفهم هذه العبارة لأنّه ليس بعالم.
و قد اجبت عن هذا التوهم بقولى:
لا علّة و لا صدور عندنا، فإنّ باب الخالقيّة و المخلوقيّة، ليس من باب الصدور، لأنّه لم يلد، و لا من باب العليّة و المعلوليّة، إذ ليس موجبا تعالى ربّنا علوّا كبيرا، و العليّة تقتضى الإيجاب و لا هو الوجود. و قد تقدّم القول فيه.
و الماهيّة عندنا، ليست سوى المخلوقة الكونيّة، و القول باعتباريّتها، لا اعتبار به؛ كما مرّ القول فيه مفصّلا. و ما له تعالى سنخيّة في ذاته مع مخلوقاته و العليّة تقتضى السنخيّة، و لا سرى في ذات مبدعاته، و القول بوحدة الوجود يقتضي ذلك، و الخير ذاته تعالى فقط لا فعله، و الفعل عمّ، يعمّ الخير و الشرّ، و إنّما يتبع فعله الحكم، فهو يفعل الخير بلطفه و رحمته، و يفعل الشرّ بقهره و نقمته. و قد يكون الشرّ منع الخير منه
تعالى عن عبده، بحكمة أيضا، و ما به بعد رعاية الحكمة من ضير؛ لأنّ اللّطف فضل و ليس هو بواجب خصوصا مع اقتضاء الحكمة للمنع، و ليس فرضه؛ اى فرض الشرّ امرا إضافيّا، فيقال: إنّه خير في نفسه، لأنّ الوجود خير من العدم، بأن يجعله خيرا.
فإنّ الصاعقة و الوباء و القحط و الغلاء شرّ، لا شبهة فيه و محض فرضه اضافيّا كذلك، لا يجعله خيرا ابدا. فلا تكلّفن من التكلف بحذف احدى التائين، فالتزم بوجود الخير و الشرّ معا؛ كما هما واردان في الكتاب و السّنة، و لا داعى لك الى التكلّف و انكار ما ثبت بالنصّ الجلى.
و الّذي دعى من دعاه الى التكلف و الخروج عمّا ثبت بالدّين، و علم وجوده بالحسّ و اليقين، إنّما هو التباعد و الخروج عن مبانى الاسلام في الأصول، و الركون الى مبانى الفلسفة الّتي زعموا أنّها أسّست على معقول العقول، فلا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللّه.
للّه أسماء و ليست هى هو***و هى مسمّاها و الاسم غيره
لفظ و ما قد عبّرته الالسن***مخلوق الحدوث منه بيّن
و ليس الاسم و المسمّى واحدا***و من يراه واحدا ما وحّدا
المقصد الخامس:
ليس المقصود من هذا المقصد، الّا استكمال البحث بالنّسبة الى الصانع تعالى، و ليس فيه كثير بحث يتعلّق بالغرض، الّا انّى احببت الاستتمام بذكر ما يرجع الى شئونه تعالى، اكمالا للكتاب و اتماما للأبواب. فهو في الحقيقة كالخاتمة للمقاصد الأربعة. و الّذي اتعرّض له فيه من المطالب، أربعة:
الأوّل: فى حدوث الأسماء و أنّها غير المسمّى، و التكلم في العدد المخصوص منها؛
الثانى: فى توقيفيّتها؛
الثالث: فى الاسم الأعظم و معناه؛
الرابع: فى معانى بعض اسمائه.
فالى الأوّل، اشرت بقولى: للّه أسماء؛ اى للحقيقة الإلهيّة المدعوّة بلفظ اللّه، اسماء على الاجمال، و ليست هى هو؛ كما توهّم فريق، و هو مسمّاها؛ اى تلك الحقيقة المدلولة عليه، مسمّى هذه الأسامى، و الاسم غيره؛ اى غير المسمّى، و هو لفظ، و ما قد عبّرته الألسن، فهو مخلوق حادث لوقوع التصرّف فيه، سواء فرض أنّ واضع الأسامى اللّه، او المخلوق. فعليه الحدوث منه بيّن، و ليس الاسم و المسمّى واحدا، لوضوح البينونة بينهما، و الاثنينيّة بين اللّفظ و المعنى و التعدّد، و عدم الاتّحاد بين الدال و المدلول و الافتراق بين الحادث و القديم.
و من يراه واحدا ما وحّدا، بل اشرك؛ اذ يلزمه على قوله ان يقول بقدم الاسماء، فالقدم ثابت بالاعتراف، و البينونة ظاهرة بالوجدان، و الاتّحاد غير معقول على ما بيّناه بين المتباينين، فيلزم تعدّد القدماء، و هو الشّرك.
من عبد الاسم فقط فقد كفر***و عابد الجميع بالشرك أقرّ
فعلى هذا، من عبد الاسم فقط، فقد كفر، و عابد الجميع الاسم و المعنى بالشّرك أقرّ. قال الصادق (ع):
«اللّه غاية من غيّاه، فالمغيّا غير الغاية؛ توحّد بالربوبيّة، و وصف نفسه بغير محدوديّة، فالذّاكر للّه غير اللّه، و اللّه غير اسمائه، و كلّ شيء وقع عليه اسم شيء، فهو مخلوق؛ الا ترى قوله: (الْعِزَّةَ لِلَّهِ )(1)، (العظمة للّه )و قال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى)(2). فالأسماء مضافة إليه، و هو التوحيد الخالص.»(3)
و قال (ع) أيضا: اسم اللّه غير اللّه، و كلّ شيء وقع عليه اسم شيء، فهو مخلوق؛ و اللّه غاية من غاياه، و المعنى غير الغاية، و الغاية موصوفة، و كلّ موصوف مصنوع، و صانع الأشياء غير موصوف بحدّ مسمّى لم يتكوّن فتعرف كينونته بصنع غيره، و لم يتناه الى غاية إلّا كانت غيره، لا يزلّ من فهم هذا الحكم ابدا، و هو التوحيد الخالص، فاعتقدوه و صدّقوه و تفهّموه باذن اللّه- عزّ و جلّ- و اللّه خالق الأشياء لا من شيء، يسمّى باسمائه فهو غير اسمائه، و الأسماء غيره، و الموصوف غير الواصف.» (4)
و عن هشام بن الحكم، قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن اسماء اللّه- عزّ ذكره- اشتقاقها، فقلت: اللّه ممّا هو مشتقّ؟ قال (ع): يا هشام! اللّه مشتقّ من أله، و آله يقتضي مألوها، و الاسم غير المسمّى؛ فمن عبد الاسم دون المعنى، فقد كفر، و لم يعبد شيئا و من عبد الاسم و المعنى فقد كفر و عبد اثنين، و من عبد المعنى دون الاسم، فذلك التوحيد، افهمت يا هشام!؟ قلت: زدنى، فقال (ع): إنّ للّه معنى يدلّ عليه بهذه الأسماء و كلّها غيره، يا هشام! الخبز اسم للمأكول و الماء اسم للمشروب، و الثوب اسم للملبوس، و النّار اسم للمحرق، افهمت يا هشام فهما تدفع به و تناضل اعدائنا و الملحدين (المتخذين الكافى)- عزّ و جلّ- غيره، قلت: نعم، فقال (ع): نفعك اللّه به
كان قديما حيث لا شيء معه***حتى أراد الخلق أن يبتدعه
فاختار أسماء لكى يدعى بها***و تعرف النسمة وصف ربّها
كان و لا ذكر و الأسماء مودعة***فى علمه من دون أن كانت معه
و ثبّتك!
قال هشام: فو اللّه ما قهرنى احد في علم التوحيد حتّى قمت مقامى هذا.»(1)
و قال (ع): «من عبد اللّه بالتوهّم، فقد كفر؛ و من عبد الاسم، (دون الكافى) و لم يعبد المعنى ، فقد كفر؛ و من عبد الاسم و المعنى(2)، فقد اشرك؛ و من عبد المعنى بايقاع الاسماء عليه بصفاته الّتي يصف بها نفسه، فعقد عليه قلبه و نطق به لسانه في سرّ امره و علانيته، فاولئك اصحاب امير المؤمنين (ع).»(3)و في حديث آخر: «اولئك هم المؤمنون حقّا.»(4)و عن ابى نجران، قال: «كتبت الى ابى جعفر (ع)، و قلت له:
جعلنى اللّه فداك! نعبد الرحمن الرحيم الواحد الأحد الصمد؟ فقال (ع): إنّ من عبد الاسم دون المعنى، بالاسماء اشرك و كفر و جحد و لم يعبد شيئا، بل اعبد اللّه الواحد الأحد الصمد، المسمّى بهذه الأسماء دون الأسماء، إنّ الأسماء صفات وصف بها نفسه.» (5)
كان هو تعالى قديما، حيث لا شيء معه، لا اسم و لا غيره، حتّى أراد الخلق أن يبتدعه، فاختار أسماء لكى يدعى بها و تعرف النسمة؛ اى المخلوق أيضا، وصف ربّها كان هو تعالى كائنا و لا ذكر اذ لم يكن ذاكر، و الأسماء مودعة في علمه تعالى كغيرها من المخلوقين، من دون أن كانت هى معه ازلا. فعن الحسين بن خالد، عن الرضا (ع)، أنّه قال:
«اعلم علّمك اللّه الخير: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- قديم، و القديم صفة دلّت العاقل على أنّه لا شيء قبله، و لا شيء معه في ديمومته، ثمّ وصف نفسه- تبارك و تعالى- باسماء دعى الخلق؛ اذ خلقهم و تعبّدهم و ابتلاهم الى ان يدعوا بها، فسمّى
نفسه سميعا بصيرا، قادرا، قاهرا، حيّا قيّوما، ظاهرا، باطنا، لطيفا، خبيرا، قويّا، عزيزا، عليما، حكيما و ما اشبه هذه الأسماء.»(1)الحديث.
و عن محمّد بن سنان، قال: سألت أبا الحسن الرضا (ع): هل كان اللّه عارفا بنفسه قبل ان يخلق الخلق؟ قال (ع): نعم، قلت: يراها و يسمعها؟ قال (ع): ما كان محتاجا الى ذلك، لأنّه لم يكن يسألها و لا يطلب منها، هو نفسه و نفسه هو، قدرته نافذة، فليس يحتاج الى ان يسمّى نفسه، و لكنّه اختار لنفسه اسماء لغيره يدعوه بها، لأنّه اذا لم يدع باسمه، لم يعرف، فاوّل ما اختار لنفسه، العلىّ العظيم، لأنّه اعلى الاسماء كلّها؛ فمعناه اللّه و اسمه العلىّ العظيم، هو أوّل اسمائه لأنّه علا على كلّ شيء.» (2)
و عن ابى جعفر الثانى (ع)، سأله رجل: «اخبرنى عن الربّ- تبارك و تعالى- إله اسماء و صفات في كتابه؟ و هل اسمائه و صفاته هى هو؟
فقال (ع): ان لهذا الكلام وجهين: ان كنت تقول: هى هو أنّه ذو عدد و كثرة، فتعالى اللّه عن ذلك، و ان كنت تقول هذه الأسماء و الصفات لم تزل، فإنّ لم تزل محتمل معنيين؛ فان قلت: لم تزل عنده في علمه و هو يستحقّها، فنعم؛ و ان كنت تقول: لم تزل صورها و هجاؤها و تقطيع حروفها، فمعاذ اللّه ان يكون معه شيء غيره؛ بل كان اللّه- تعالى ذكره- و لا خلق، ثمّ خلقها وسيلة بينه و بين خلقه يتضرّعون بها إليه، و يعبدونه و هى ذكره، و كان اللّه سبحانه و لا ذكر و المذكور بالذكر، هو اللّه القديم الّذي لم يزل، و الأسماء و الصفات مخلوقات، و المعنىّ بها هو اللّه الّذي لا يليق به الاختلاف و لا الايتلاف، و انّما يختلف و يأتلف المتجزّى.»(3)
و عن ابى الحسن الثالث (ع)، و قد سئل عن التوحيد: «فقيل: لم يزل اللّه وحده لا شيء معه، ثم خلق الأشياء بديعا و اختار لنفسه احسن الأسماء، أو لم تزل الأسماء و الحروف معه قديمة؟ فكتب (ع): لم يزل اللّه موجودا ثمّ كوّن ما اراد.» (4)4.
و الاسم تعبير لنا في المعرفة***نعبّر الذات به أو الصفة
و اللّه اسم علم للذّات***و غيره أسماء للصّفات
و كلّها حسنى و ليست تنحصر***فى التسع و التسعين و الّذي أثر
مع عدم القطع به منصرف***إلى الخصوصيّة فيما وصفوا
و الاسم لا حقيقة له، غير أنّه تعبير وضعه اللّه لنا في المعرفة، نعبّر الذات به، ان كان اسما للذّات، أو الصفة ان كان اسما للصّفة. و إليه يشير قول الصادق (ع) فى الحديث المتقدّم: «انّ الأسماء صفات وصف بها نفسه».
و في الاهليلجة، قال الصادق (ع): «و امّا الأسماء، فهى دلالتنا على المسمّى.» (1)
و عن محمّد بن سنان، قال سألت الرضا (ع) عن الاسم ما هو؟ فقال (ع): صفة لموصوف.» (2)
و قال (ع) فى خطبة بمحضر المأمون: «فاسمائه تعبير، و افعاله تفهيم، و ذاته حقيقة، و كنهه تفريق بينه و بين خلقه ...» (3)
و قال الصادق (ع) فى جواب أسئلة الزنديق حيث قال له السّائل: فما هو؟
قال (ع): هو الربّ، و هو المعبود، و هو اللّه، و ليس قولى اللّه، اثبات هذه الحروف (الف و لام و هاء، و لا راء و لا باء) و لكن ارجع الى معنى، و شيء، هو خالق الأشياء و صانعها، و نعت هذه الحروف، و هو المعنى سمّى به اللّه، و الرحمن و الرحيم و العزيز و اشباه ذلك من اسمائه، و هو المعبود- عزّ و جلّ-.» (4)
و اللّه فقط من بين اسمائه، اسم علم للذات و غيره أسماء للصّفات. و انحصار اسم الذات بلفظ اللّه هو المعروف المتّفق عليه و هو الظاهر من الأخبار المتقدّمة و غيرها، و اسماء الصفات كثيرة، و كلّها من اسماء الذات و الصفات حسنى؛ كما قال تعالى:( وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.)(5)و قال: (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.)(6)و ليست تنحصر في التسع و التسعين، و الّذي اثر ممّا ظاهره الحصر بها مع عدم
القطع به، لأنّه خبر واحد منصرف إلى الخصوصيّة فيما وصفوا من العدد؛ اى يحمل على أنّ هذا العدد الخاصّ له خصوصيّة، لا تكون في غيره، و هو أنّ من احصاها دخل الجنّة، و إلّا فالكتاب و الأدعية يكذبان ذلك؛ لأنّ فيها اكثر من ذلك.
فعن التوحيد، عن سليمان بن مهران، عن جعفر بن محمّد (ع)، عن ابيه، عن آبائه، عن امير المؤمنين (ع)، قال: «قال رسول اللّه (ص):
إنّ للّه- تبارك و تعالى- تسعة و تسعين اسما، مائة إلّا واحدا، من احصاها دخل الجنّة، و هى: اللّه، الإله، الواحد، الأحد، الصمد، الأوّل، الآخر، السّميع، البصير، القدير، القاهر، العلىّ، الأعلى، الباقى، البديع، البارئ، الأكرم، الظاهر، الباطن، الحىّ، الحكيم، العليم، الحليم، الحقّ، الحسيب، الحميد، الخفى، الربّ، الرحمن، الرحيم، الذارئ، الرزاق، الرقيب، الرءوف، الرائى، المؤمن، المهيمن، السّلام، العزيز، الجبّار، المتكبّر، السيّد، السّبوح، الشّهيد، الصادق، الصانع، الطاهر، العدل، العفوّ، الغفور، الغنىّ، الغياث، الفاطر، الفرد، الفتّاح، القديم، الملك، القدّوس، القريب، القيّوم، القابض، القوىّ، الباسط، قاضى الحاجات، المجيد، المولى، المنّان، المحيط، المبين، المقيت، المصوّر، الكريم، الكبير، الكافى، كاشف الضرّ، الوتر، النّور، الوهّاب، النّاصر، الواسع، الودود، الهادى، الوفيّ، الوكيل، الوارث، البرّ، الباعث، التوّاب، الجليل، الجواد، الخبير، الخالق، خير النّاصرين، الديّان، الشّكور، العظيم، اللّطيف، الشّافى.» (1)
اقول: المذكور مائة كاملة، الّا ان يحسب اللّه و الاله، او الواحد و الأحد أو العلىّ و الأعلى واحدا.
و عن الخصال، قال بعد ذكر الرواية: «و قد رويت هذا الخبر من طرق مختلفة.» و الفاظ مختلفة.»
و عن التوحيد أيضا، عن الهروى، عن الرضا (ع)، عن ابيه، عن آبائه، عن
1) . البحار 4: 186/ 1.
على (ع)، قال: «قال رسول اللّه (ص): إنّ للّه- عزّ و جلّ- تسعة و تسعين اسما من دعى اللّه بها، استجاب له، و من احصاها دخل الجنّة.» (1)
و قد مرّ قول الصادق (ع) لهشام بن الحكم: «إنّ للّه- تسعة و تسعين اسما، فلو كان الاسم هو المسمّى ....» (2)
و عن ابى هريرة: «إنّ رسول اللّه (ص)، قال: إنّ للّه- تبارك و تعالى- تسعة و تسعين اسما، مائة إلّا واحدا، انّه وتر يحبّ الوتر، من احصاها دخل الجنّة.» (3)
ثمّ قال الصدوق فبلغنا أنّ غير واحد من اهل العلم قال: «ان اوّلها يفتح بلا إله الّا اللّه وحده لا شريك له» الى آخره و هو يخالف ما نقله عن سليمان بن مهران.
و عن الدرّ المنثور للسّيوطى، عن ابى نعيم باسناده عن محمّد بن جعفر، قال:
«سألت ابى جعفر بن محمّد الصادق (ع) عن الأسماء التسعة و التسعين الّتي من احصاها دخل الجنّة، فقال: هى في القرآن، ففى الفاتحة خمسة اسماء ....»(4)و هى أيضا تخالف خبر سليمان، و عدم الحصر ظاهر من الأدعية و القرآن، و المحمل هو الّذي ذكرت.
و امّا ما عن غوالى اللّئالى، روى عن النّبيّ (ص) انّه قال: «إنّ للّه أربعة آلاف اسم، الف لا يعلمها إلّا اللّه، و الف لا يعلمها إلّا اللّه و الملائكة، و الف لا يعلمها إلّا اللّه و الملائكة و النبيّون، و امّا الألف الرابع فالمؤمنون يعلمونه، ثلاثة مائة منها في التوراة، و ثلاثمائة في الإنجيل، و ثلاثمائة في الزبور، و مائة في القرآن تسعة و تسعون ظاهرة، و واحد منها مكتوم، من احصاها دخل الجنّة.»(5)فهو ممّا لا يعبأ به، و انّما نقلته للطّعن عليه، و لئلّا يغترّ به غافل أو جاهل، فإنّه مع ضعف الكتاب و مع أنّ صاحبه اضعف منه، لميله الصريح الى التصوّف و اتّكاله غالبا في كتابه على المرسلات و الموضوعات، أنّه مرسل غير مسند، و متنه معنى غير مؤيّد، مع اشتماله على ما لم يسدّد من تفضيل الملائكة على الأنبياء في العلم بالأسماء، و اللّه تعالى يقول:
(وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها )(6)و حكى عن الملائكة، انّهم قالوا:( سُبْحانَكَ لا عِلْمَ1.
و ظاهر الأخبار في أسمائه***توقيف الإطلاق على اصطفائه
و الوقف مشهور لدى الأصحاب***و العقل يستحسنه في الباب
فإنّما التوصيف فرع المعرفة***و الحقّ في العرفان، ما قد وصفه
لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا )(1)، فان كانت الأسماء اسمائه خاصّة، او ما يعمّها و غيره، فقد ظهر جهل الملائكة بها، و ان كانت اسماء المسمّيات خاصّة، فمع جهله بها، كيف يصدق علمهم بما هو اعلى منها؟
و من تخصيص كلّ من الكتب الأربعة بعدد خاصّ، ثمّ تفصيل الكتب الثلاثة على القرآن، و لو حمل على أنّ المتأخّر مشتمل على ما اشتمل عليه المتقدّم و على الزيادة، فيلزم تفضيل الزبور على الكتابين، مع أنّه يظهر من قوله: «و مائة في القرآن تسعة و تسعون منها» ظاهرة أنّه ليس فيه إلّا هذه المائة.
و امّا قوله «و امّا الألف الرابع فالمؤمنون يعلمونه»، فان اريد به مؤمن كلّ عصر فى زمن كلّ كتاب، فذلك شيء لا سبيل إليه إلّا التعبّد بالقبول، و ان اريد به المسلمون، فانّ الكتب الثلاثة الأصليّة مرفوعة، و الموجودة منها موضوعة و حياطتها لتسعمائة ممنوعة.
و ظاهر الأخبار هنا و فيما تقدّم، أنّه لا يوصف إلّا بما وصف به نفسه في أسمائه توقيف جواز الإطلاق على اصطفائه و اختياره؛ فإنّ ظاهر قولهم (ع): «و اختار لنفسه اسماء يدعونه بها»، أنّ الاختيار له، لا لغيره؛ و كذا ظاهر توقيف التوصيف على ما وصف به نفسه ذلك.
و الوقف مشهور لدى الأصحاب؛ اى اصحابنا الإماميّة، و العقل يستحسنه في الباب، فالنّقل مؤيّد بالعقل.
و تقرير استحسان العقل ما ذكرت:
فإنّما التوصيف و التسمية، فإنّها أيضا توصيف- كما تقدّم عن الصادق (ع) و الرضا (ع)- فرع المعرفة، و قد تقدّم أنّها فرع الادراك، و هو تعالى لا يدرك ذاتا
1) . البقرة 2: 32.
و دونه لا يصدق التنزيه***بل جرأة لا يؤمن التشبيه
و يلزم القول بغير العلم***مع فقد سلطان عليه علمىّ
فلا تجز «يا واجب الوجود»***و «يا سخىّ» مثل «يا معبودى»
و صفة، و لا يعرف إلّا بتوصيفه، و لذلك كان الحقّ في العرفان ما قد وصفه، على ما تقدّم تقريره في محلّه، و دونه لا يصدق التنزيه، لعدم العلم بأنّه يليق بشأنه؛ بل جرأة لا يؤمن التشبيه معه، لاحتمال عدم الموافقة التامّة، و يلزم أيضا القول على اللّه بغير العلم، مع فقد سلطان؛ اى حجّة عليه علمىّ، فيكون كما قال تعالى حاكيا عن نوح:
(أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ. )(1)
و عن يوسف: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ ما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى. )(2)
و قال تعالى حاكيا عن الجنّ: (وَ أَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً)(3). و قال تعالى في القول بغير علم و غير سلطان: (قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ.) (4)
و على هذا، فلا تجز «يا واجب الوجود»، و «يا سخىّ» مثل ما تجيز «يا معبودى» و «يا كريم» و «يا جواد»، لما ورد التنصيص بالمعبود و الكريم و الجواد دون واجب الوجود الّذي وصفه الفلاسفة و السّخى الّذي يطلق على الخلق، و ان كان معناه يقرب من معنى الجواد و الكريم؛ و كأنّه روعى فيه كونه عن طبيعة و غريزة، و ذلك لا يليق به تعالى. و قد يستعمل فيه تعالى أيضا نادرا؛ كما في دعاء الجوشن، لكنّه مبنىّ على التجريد.
و امّا «واجب الوجود»، فاطلاقه عليه تعالى موهم للمعنى الّذي يريدونه منه، لأنّه موضوع على اصطلاحهم، و قد ذكرت في «معارف الشيعة» ما فيه من الخلل
و الوصف ب «العاشق» و «المعشوق»***فذاك عندنا من الفسوق
و قال في المنزل من سمائه***ذروا الّذي يلحد في أسمائه
و قال سبّح و اذكر اسم ربّكا***و صادقا لو عدما التهتكا
و إنّما الحسنى من الأسماء له***و أىّ حسن في الّذي تقوّله
الّذي يحتمل ان يكون ذلك سببا لخلوّ كلمات المعصومين (ع) عنه.
و اما الوصف؛ اى وصفه تعالى ب «العاشق» و «المعشوق»، فذاك عندنا من الفسوق. و قد قال تعالى:( بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ )(1)و اطلاقهما عليه تعالى مخصوص بالصوفيّة، و لذلك يسمّون انفسهم بالعشّاق، و هم عندنا فسّاق، و العاشق و المعشوق من الصفات الخاصّة للمخلوقين، كاللامس و الملموس، و اللّبس و الملبوس، فلا يقاس بالحبيب و المحبوب و لو بالنّزع و التجريد؛ كما لا يقاس اللّامس بالممسك.
فيلزم التشبيه في العاشق و المعشوق دون الحبيب و المحبوب، اذ التشبيه في الصفات الخاصّة أيضا القول عليه بغير علم، او بما يستلزم التشبيه، لا يخلو عن نوع الحاد في اسمائه، و قد قال هو تعالى في كتابه المنزل من سمائه ذروا الّذي يلحد في أسمائه اشارة الى قوله:( وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )(2). و قال أيضا:( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى »(3)و قال:
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ.)(4)و قال: (وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ )(5)
و التسبيح و الذكر انّما صادقا لو عدما التهتّكا؛ يعنى، أنّ الذكر إنّما يكون ذاكرا، و التسبيح انّما يكون تسبيحا؛ اذا لم يلزم منه تهتّك، و مع التشبيه، فهو تهتّك لا ذكر و لا تسبيح، و مع عدم العلم محتمل له، فلا يصدق عليه الذكر و التسبيح.
و أيضا أنّه تعالى امرنا بان ندعوه بالأسماء الحسنى؛ كما في الآية المتقدّمة، لا بكلّ اسم؛ كما اشرت إليه:
و إنّما الحسنى من الأسماء له تعالى، لا غير، و أىّ حسن في الاسم الّذي تقوّله
فما هو الحسنى بلا ارتياب***ما جاء في الأخبار و الكتاب
فمنه منصوص فإمّا موجبا***وصف مقول مفردا مركّبا
أو كان سلبيّا و منه منتزع***من نسبة الفعل و ذا لا يتّسع
فحمل ذا مع عدم التأييد***ليس لدى التقى من السّديد
القائل من عنده و لم ينزل اللّه به من سلطان أم اىّ حسن في الّذي يوجب التشبيه، و ان زعمت انّك لا تقصد التشبيه بل تجرّده عنه؟ قال الرضا (ع) فى جواب ابى قرّة المحدّث، حيث قال: «افتقر أنّ اللّه محمول؟ فقال (ع):
كلّ محمول مفعول به، مضاف الى غيره، محتاج؛ و المحمول اسم نقص في اللّفظ و الحامل فاعل، و هو في اللّفظ مدحة، و كذلك قول القائل: فوق و تحت و اعلى و اسفل، و قد قال اللّه:( وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها)(1). و لم يقل في كتبه أنّه المحمول، بل قال: أنّه الحامل في البرّ و البحر و الممسك للسماوات و الأرض ان تزولا، و المحمول ما سوى اللّه، و لم يسمع من احد آمن باللّه و عظمته قطّ، قال في دعائه: يا محمول، و لا يقال محمول و لا اسفل قولا مفردا، لا يوصل بشيء فيفسد اللّفظ و المعنى.» (2)
و اذا كان الأمر هكذا، فما هو الحسنى بلا ارتياب، و يعلم قطعا بأنّه الحسنى و بجواز امتثال الأمر به، ما جاء في الأخبار و الكتاب الشريف؛ فانّه ممّا لا يشكّ فيه، و في ذلك غنى و كفاية لمن اراد الرشد و الهداية. و ما توفيقى إلّا باللّه.
و ما ورد فيها على نوعين:
فمنه: ما هو منصوص بخصوص الوصفيّة، و ذلك على قسمين أيضا:
فإمّا موجبا؛ اى ثبوتيّا وصف مقول عليه مفردا، مثل عليم، حكيم، قدير، خبير و امثالها، او مركّبا مثل ارحم الراحمين، اكرم الاكرمين، خير الغافرين و امثالها؛ أو كان سلبيّا، مثل:( لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. )و (مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. )(3)
و منه: وصف، منتزع، غير منصوص ينتزع من نسبة الفعل إليه تعالى، فإنّ
صحّة النّسبة، تقتضى جواز اجراء الوصف المنتزع على المنسوب إليه، فاذا قيل لك مثلا: قتل فلان، او ذهب فلان، جاز لك ان تقول: فلان قاتل أو ذاهب؛ و لازم ذلك جواز اطلاق الإذن عليه مثلا؛ كقوله:( أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ )(1)و المبوّئ لقوله: (وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ )(2)و المتبّر كقوله: (وَ كُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً )(3)و هكذا.
و لكن ذا لا يتّسع على الاطلاق لما في بعضها مع ايهام النّقص أو التشبيه، او ايهام خلاف المقصود، لاشتراك معناه، و ذلك كالموصى من قوله (يُوصِيكُمُ اللَّهُ)(4)و الممسك من قوله:( يُمْسِكُ السَّماواتِ )(5)و الماسّ من قوله: (إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ )(6)و القارى من قوله: (فَإِذا قَرَأْناهُ )(7)و السائق من قوله (نَسُوقُ الْماءَ )(8)و السّائل من قوله: (وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ )(9)و امثال ذلك.
فالأحرى فيه، ان لا يكتفى بمجرد النّسبة، بل يراعى جانب الاحتياط حفظا للحرمة و الأدب فحمل ذا مفردا مع عدم التأييد من الكتاب و الأدعية، ليس لدى التقى من السّديد؛ كما اشار إليه الحديث المتقدّم عن الصادق (ع)، نعم، الإطلاق مركّبا بما يوضح المراد و يدفع الإيهام، لا مانع منه، كان تقول: يا مستهزئا بالكافرين، و يا عدوّا للكافرين، و يا سائل المرسلين، و النّاس اجمعين عمّا كانوا يعملون و هكذا، و قد انهيت في «معارف الشيعة»، النسب الّتي وردت في القرآن، الّا ما شذّ، و من ارادها فيطلبها منه.6.
و الاسم الأعظم الّذي في الأدعية***و غيرها من الرموز الخافية
و أصله الثابت بالتّعبد***فامض على ثبوته المجرّد
لقولهم (ع) و قد أبوا عن بذله***بأنّه المكتوم عند أهله
و ما سوى ذاك من اعتقاد***سبيله الظنّ من الآحاد
و إنّ من أقويه ما عنهم ورد***أنّ ثلاثة و سبعون العدد
و الاسم الأعظم الّذي يوجد في الأدعية كثيرا و في غيرها من الأخبار قليلا، من الرموز الخافية حقيقتها علينا من طريق اهل البيت (ع)، و لا طريق لنا الى العلم به غيرهم، و أصله الثابت لنا بالتّعبد عنهم (ع)؛ اذ ليس من الأمور العقليّة الّتي يهتدى إليها العقل بنفسه، و لا من الموضوعات العقلائيّة الّتي يستظهر عليها بمعونة العقلاء، بل إنّما هو من الموضوعات التعبديّة الّتي لا تنال إليها إلّا بالتعبّد، لانه انباء عن المكنونات الغيبيّة، فلا بدّ للعقول فيه من الاقتصار على مقدار التعبّد. فامض على ثبوته المجرّد، لأنّه القدر المتيقّن المعلوم، و ايّاك ان تقول فيه شيئا برأيك، او تعتمد على قول من هو مثلك.
فقد تكلّم فيه اهل الانحراف، و ادّعته الصوفيّة السالكة سبيل الاعتساف، و ليس ذلك منهم ببعيد؛ فقد ادّعوا ما هو اعظم من ذلك، و لكنّا حيث لا سبيل لنا الّا التعبّد، لا يجوز لنا التفوّه بشيء ما لم يرد به النصّ، فكيف مع ورود النصّ بالكفّ عنه!؟ و ذلك لقولهم (ع) و قد أبوا عن بذله بأنّه المكتوم عند أهله، و هم الأنبياء و الأئمّة (ع) و مع ذلك، كيف يحصل العلم به من نقل أو رواية؟
و ما سوى ذاك؛ اى ما سوى الثبوت المجرّد من اعتقاد في باب الاسم الأعظم، ليس سبيله إلّا الظنّ من الأخبار الآحاد؛ اى ليس شيء منه ممّا يقطع به، و إنّ من أقويه؛ اى اقوى الظنّ بحسب الاعتبار الخبرى، ما عنهم ورد، أنّ ثلاثة و سبعون العدد؛ يعنى، ما ورد أنّ العدد ثلاثة و سبعون، و ان كان في حديث سعد انّه اثنان و سبعون، و يمكن حمله على الاشتباه، لأنّ غيره اكثر منه و لموافقته لغيره في حديثه
ثمّ اختصاصه ببعض الأنبياء***كلّ بأحرف و لن يستوفيا
إلّا نبيّنا و آله فقد***نالوا سوى حرف به خصّ الأحد
و أنّه يجاب من يدعو به***و لا طريق بعد لاكتسابه
الآخر، ثمّ؛ اى بعد ذلك في الاعتبار سائر الخصوصيّات الواردة، من ذلك: اختصاصه ببعض الأنبياء لا جميعهم، و كذلك لم يخصّ البعض بتمامه، بل اختصّ كلّ؛ اى كلّ واحد منهم بأحرف خاصّ، و لن يستوفيا الجميع إلّا نبيّنا و آله (ع) فقد نالوا جميعها سوى حرف به خصّ الأحد- تبارك و تعالى- و من ذلك أيضا أنّه يجاب من يدعو به منهم (ع) او كلّ من علم به لو علم فيستجيب اللّه تعالى له. و لا طريق بعد؛ اى بعد ذلك لاكتسابه لأحد لأنّه من السرّ المكتوم. فعن جابر عن ابى جعفر (ع)، قال:
«انّ اسم اللّه الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا، و إنّما عند آصف منها حرف واحد، فتكلّم به فخسف بالأرض ما بينه و بين سرير بلقيس، ثمّ تناول السرير بيده، ثمّ عادت الأرض كما كانت في اسرع من طرفة عين؛ و عندنا نحن من الاسم الأعظم اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه استأثر به في علم الغيب عنده، و لا حول و لا قوّة الّا باللّه العلىّ العظيم.» (1)
و عن جابر، عنه (ع) أيضا، قلت: «جعلت فداك! قول العالم: «أنا آتيك به قبل ان يرتدّ أليك طرفك»(2)قال (ع): يا جابر! انّ اللّه جعل اسمه الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا و كان عند العالم منها حرف واحد، فانخسف الأرض ما بينه و بين السّرير، حتّى التقت القطعتان و حول من هذه الى هذه؛ و عندنا من اسم اللّه الأعظم اثنان و سبعون حرفا، و حرف في العلم الغيب المكنون عنده.» (3)
و عن هارون بن الجهم، عن رجل من اصحاب ابى عبد اللّه (ع)، لم يحفظ اسمه، قال: سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: إنّ عيسى بن مريم اعطى حرفين، و كان يعمل بهما، و اعطى موسى بن عمران أربعة احرف، و اعطى ابراهيم ثمانية احرف، و اعطى نوح خمسة عشر حرفا، و اعطى آدم خمسة و عشرون حرفا، و أنّه جمع اللّه لمحمّد و اهل
بيته (1)، و انّ اسم اللّه الأعظم ثلاثة و سبعون حرفا، اعطى اللّه محمّدا اثنين و سبعين حرفا، و حجب عنه حرفا واحدا.» (2)
و عن عبد الصمد بن بشير، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال: «كان مع عيسى بن مريم حرفان، يعمل بهما، و كان مع موسى (ع) أربعة احرف، و كان مع ابراهيم (ع) ستّة احرف، و كان مع آدم (ع) خمسة و عشرون حرفا، و كان مع نوح (ع) ثمانية، و جمع ذلك كلّه لرسول (ص)، و انّ اسم اللّه ثلاثة و سبعون حرفا، و حجب عنه واحد.» (3)
و عن عبد الصمد، عنه (ع) أيضا، قال: «انّ اسم اللّه الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا، كان عند آصف منها حرف واحد، فتكلّم به، فخسف بالأرض ما بينه و بين سرير بلقيس، ثمّ تناول السّرير بيده، ثمّ عادت الأرض كما كانت اسرع من طرفة عين، و عندنا من الاسم اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه، استأثر به في علم الغيب المكتوب.»(4)
و عن ابى عبد اللّه البرقى، رفعه الى ابى عبد اللّه (ع): «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعل اسمه الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا، فاعطى آدم منها خمسة و عشرين حرفا، و اعطى نوحا منها خمسة و عشرين حرفا، و اعطى منها ابراهيم ثمانية احرف، و اعطى موسى منها أربعة احرف، و اعطى عيسى منها حرفين، و كان يحيى بهما الموتى و يبرأ الاكمه و الأبرص، و اعطى محمّدا (ص) اثنين و سبعين حرفا، و احتجب حرفا واحدا لئلّا يعلم ما في نفسه و يعلم ما في نفس العباد.» (5)
و عن سعد بن عمر الجلاب، عنه (ع)، قال: «إنّ اسم اللّه الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا، كان عند آصف منها حرف واحد فتكلّم به، فخسف بالأرض ما بينه و بين سرير بلقيس، ثمّ تناول السرير بيده، ثمّ عادت الأرض كما كانت، اسرع من طرفة عين؛ و عندنا نحن من الاسم الأعظم اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه استأثر به فى علم الغيب المكتوب عنده.» (6)
و عن سعد أيضا، عنه (ع)، قال: «انّ اسم اللّه الأعظم على اثنين و سبعين حرفا،7.
و انّما كان عند آصف كاتب سليمان و كان يوحى إليه حرف واحد (الف، او واو) فتكلّم فانخرقت له الأرض، حتّى التقت، فتناول السّرير؛ و انّ عندنا من الاسم احد و سبعين حرفا، و حرف عند اللّه في غيبة.» (1)
و عن عليّ بن محمّد النوفلى، عن ابى الحسن العسكرى (ع)، قال: «سمعته يقول: إنّ اسم اللّه الأعظم ثلاثة و سبعون حرفا، كان عند آصف حرف واحد، فتكلّم به فانحرفت له الأرض فيما بينه و بين سبأ، فتناول عرش بلقيس حتّى صيّره الى سليمان، ثمّ انبسطت الأرض في اقلّ من طرفة عين؛ و عندنا منه اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه مستأثر به في علم الغيب.» (2)
و عن ابى بصير، عنه (ع)، قال: «إنّ صاحب سليمان تكلّم باسم اللّه الأعظم، فخسف ما بين سرير سليمان و بين العرش من سهولة الأرض و حزونتها، حتّى التقت القطعتان، فاجترّ العرش؛ قال سليمان: يخيّل إليّ أنّه خرج من تحت سريرى؛ قال:
و دحيت في اسرع من طرفة العين.» (3)
و عن ابى بصير، عنه (ع)، قال: «كان سليمان عنده اسم اللّه الأكبر الّذي اذا سأله به اعطى، و اذا دعا به اجاب، و لو كان اليوم لاحتاج إلينا.» (4)
و عن ابن بكير، عنه (ع)، قال: «و ما اعطى سليمان بن داود انّما كان عنده حرف واحد من الاسم الأعظم، و صاحبكم الّذي قال اللّه: (قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. )(5)، و كان و اللّه عند على (ع) علم الكتاب، فقلت صدقت و اللّه جعلت فداك!» (6)
و عن سعيد السمان، عنه (ع) فى حديث: «و إنّ عندى الاسم الّذي كان رسول اللّه (ص) اذا وضعه بين المسلمين و المشركين لم يصل من المشركين الى المسلمين نشابة.» (7)و قد اشير في الأدعية الى بعض آثاره أيضا.
فهذه الاخبار كما ترى، متّفقة على أنّ عدده ثلاثة و سبعون، سوى الحديث1.
و ليس معلوما لنا صروفه***هل كان من حروفنا حروفه؟
أو غيرها أو منهما يركّب***و هل هو اسم أو أسامى رتّبوا؟
الثانى لسعد، و يمكن حمله على اشتباه الراوى. و الّذي يستفاد منها بعد ذلك ما اشرت إليه من أنّه امر مكتوم له خواصّ و آثار، و قد خصّ به بعض الأنبياء، كلّ بشيء خاصّ و أنّ المجموع ما عدا حرف واحد، ممّا اعطى محمّد (ص) و اهل بيته (ع) خاصّة، و امّا غير ذلك فإنّ فيها ابهام و اجمال و اختلاف، و ليست بحيث يحصل منها الاطمينان بشيء، و لأجل هذا الابهام خفى علينا امور ليس لنا فيها تصرّف أو كلام، و ما لنا إلّا ايكال علمه الى اللّه و رسوله و الامام؛ كما قال تعالى:( وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. )(1)
و قد اشرت إليها بقولى: و ليس معلوما لنا صروفه؛ اى تصاريف الاسم الأعظم و وجوهه، و انّه هل كان من حروفنا حروفه، أو هو من غيرها من حروف اخرى انشأها اللّه و علّمها اهله، أو منهما يركّب؟ و هل هو اسم واحد أو أسامى متعدّدة رتّبوا ترتيبا خاصّا؟ و على ان يكون اسما واحدا يبلغ عدد حروفه ثلاثة و سبعين حرفا، فجزى اللّه منه حرفا أو حرفين أو ازيد، علّمه من اراد، و ذلك لأنّ الظاهر منها أنّ العدد حروف لا اسماء خصوصا على رواية سعد، حيث فسّره (ع) بالف أو واو و حينئذ فان كانت الحروف من هذه الحروف المعمولة، فإنّ المعمولة ثمانية و عشرون حرفا، فلا بدّ للبقيّة من فرض التكرار، و مع ذلك لا يصحّح كونها ثلاثة و سبعين، و من اعطى خمسة و عشرين مثل آدم ما نقص منه إلّا حرفان سوى ما استأثره اللّه تعالى لنفسه، مع أنّه لو كان ذلك، لم يجهل الاسم الأعظم احد، و ان كانت من غير هذه الحروف فيمكن فرض العدد المذكور، و يسلم عن ذلك المحذور و لا ينافيه إلّا التعبير بالألف و الواو، و يمكن جعله من باب التنظير و المثال و لكنّه امر غير معهود.
و الظاهر منها أنّ الاسم الأعظم اسم واحد لا اسامى متعدّدة، فكون الاسم الواحد مؤلّفا من ثلاثة و سبعين حرفا أيضا بعيد غير معهود.
و ربّما يظهر من الأدعية، أنّ الاسم الأعظم متعدّد، و حينئذ فمعنى كونه ثلاثة
1) . النساء 4: 83.
و الأعظم الحروف أو معناها***كذا الإضافيّة لو قلناها
و سبعين حرفا، كون العدد عدد المجموع، كما يظهر ممّا ورد انّ الاسم الأعظم في بسم اللّه أو غيره، أنّه من هذه الحروف.
و كيف كان، فهذا احد الأمور المشكلة في هذا الباب، و الى ثانيها اشرت بقولى:
و الأعظم الحروف أو معناها، فإنّ ذلك أيضا غير معلوم، فان كانت الأعظميّة في حروفه، فلا بدّ ان تكون الحروف غير هذه الحروف، لاشتراكها في اسمائه و غير اسمائه، و ان كانت بلحاظ المعنى، فأيّ معنى أوفى و اكمل من معنى اللّه، الّذي اسم للذّات الكاملة من جميع الجهات؟ فأيّ اسم يفرض؟ فهو إمّا انّه اسم للذّات او للصّفات، و اسم الذات لا يفرق فيه لو تعدّد إلّا من حيث الحروف و اسماء و الصفات، و ان كان فيها التفاوت في جهات، الّا أنّها لا تزيد على اسم الذات في الدلالة على الكمالات. كذا الإضافيّة لو قلناها، فهل هى للحروف أو للمعنى؟ فقد ورد في بعض الأدعية: باسمك العظيم الأعظم، و في بعضها: الأعظم، الأعظم، الأعظم، ثلاث مرّات، و هذا لا يصلح إلّا بفرض التعدد و الإضافة في الأعظميّة، و التعدّد امّا في الاسم، أو في الحروف، و لكن عبّر عنها بالاسم، و يجرى في الاعظميّة الاضافيّة أيضا ما قلنا في اصل الأعظميّة، من كونها بلحاظ الذات أو الصفات.
و من الجائز الغير البعيد عندى، أنّ العظمة و الأعظميّة آثارية، و لكن وضعيّة إلهيّة، بان يكون اللّه تعالى وضع لنفسه اسما أو اسامى مخصوصة، و جعل لها او لحروفها آثار خاصّة قهريّة، بحيث ترتّب عليها عند ذكرها، كالآثار العادية و الطبيعيّة الّتي اودعها في الأشياء، كما جعل للشّمس ضياء، و القمر نورا، و للنّار احراقا. و لمّا كانت كذلك، اودعها عند اهله، و غيّبها عن غير اهله، لئلّا تستعمل في الفساد، و الأعظميّة اذن بلحاظ اهميّة تلك الآثار و اكبريّتها، كاحياء الموتى، و فلق البحر، و قلب العصا حيّة، و انفجار الحجر بالماء، و انشقاق القمر و هكذا. فكلّ اسم أو حرف يؤثّر اثرا خاصّا اهمّ و اعظم من غيره.
هذا آخر ما يخطر ببالى القاصر، و استفدت ذلك من الأدعية حيث إنّ فيها:
«و بالاسم الّذي مشى به الخضر على قلل الماء كما مشى به على جدد الأرض؛ و باسمك الّذي فلقت البحر لموسى؛ و سألك باسمك الّذي شققت به البحار، و قامت
و إن يكن فضلا لمن تحمّلا***فالأفضل الأولى بأن يفضّلا
به الجبال، و اختلف به اللّيل و النّهار.»
و في الدعاء: «و بالاسم الّذي اشرقت به الشّمس، و اضاء به القمر، و سجّرت به البحار، و نصبت به العرش و بالاسم الّذي قام به العرش.» (1)
و في الدعاء أيضا: «باسمك الّذي اذا وضع على مغالق ابواب السّماء للانفتاح، انفتحت؛ و اسألك باسمك الّذي اذا وضع على مضايق الأرض للانفراج، انفرجت؛ و سألك باسمك الّذي اذا وضع على البأساء للتيسير تيسّرت، و اسألك باسمك الّذي اذا وضع على القبور للنّشور، انتشرت.» (2)و امثال ذلك في الأدعية كثيرة جدّا، فراجع و تنبّه.
و الى ثالثها اشرت بقولى: و إن يكن الاسم الأعظم؛ اى علمه فضلا لمن تحمّلا ايّاه تكريما من اللّه تعالى عليه و تفضيلا له على غيره، كما هو الظاهر، فالأفضل الأولى؛ اى من كان افضل، فهو اولى بأن يفضّل على غيره في الاكرام و زيادة الفضل، فكيف فضل آدم بالزّيادة على نوح و ابراهيم و موسى و عيسى؟
و هذا يمكن الجواب عنه، أوّلا: بحمل الحديث على أنّ المتأخّر واجد لما فضل به المتقدّم مع الزيادة، فمعنى الحديث أنّ نوحا (ع) اعطى زيادة على آدم (ع) بخمسة عشر، و هكذا و ثانيا على التسليم بان الأفضليّة الّتي بين الأنبياء انّما هى في الرتبة و الدرجات و المطاعيّة، و لا يستلزم ذلك الأكمليّة في العلم، بحيث يكون الأفضل اكمل في جميع العلوم، فلا ينافى تفضيل الفاضل على الأفضل في علم خاصّ لمصلحة خاصّة، و هو احتياج الفاضل دونه. نعم، الأفضل المطلق لا في خصوص الرتبة و المقام يجب ان يكون اكمل، فلا يكون فاقدا لشيء ممّا كان المفضول واجدا له، و لذلك كان علم نبيّنا محمّد (ص) اكمل و اجمع.
و هذا المعنى الّذي قلته، يمكن استفادته من الروايات أيضا. فعن ابى عمران، قال:
«قال ابو جعفر (ع): لقد سأل موسى (ع) العالم؛ يعنى، الخضر مسألة لم يكن6.
و كيف إبليس ارتضى و بلعما***و اللّه كان عالما عقباهما
عنده جوابها، و لقد سأل العالم موسى (ع) مسألة لم يكن عنده جوابها، و لو كنت بينهما لا خبرت كلّ واحد منهما بجواب مسألته و لسألتهما عن مسألة لا يكون عندهما جوابا.» (1)و عن عبد اللّه بن الوليد، قال: «قال ابو جعفر (ع): يا عبد اللّه! ما تقول الشيعة في على و موسى و عيسى؟ قلت: جعلت فداك! و ما عسى اقول فيهم و من اى حالات تسألنى؟ قال: أسألك عن العلم، و امّا الفضل فهم سواء، قال: قلت: جعلت فداك! فما عسى ان اقول فيهم هو و اللّه اعلم منهما؟ ثمّ قال: يا عبد اللّه! أ ليس يقولون أنّ لعلىّ ما للرّسول؟ قال: قلت: بلى، قال: فخاصمهم فيه إنّ اللّه- تبارك و تعالى- قال لموسى: «و كتبنا له في الالواح من كلّ شيء فاعلمنا انّه لم يبيّن له الأمر كلّه، و قال اللّه- تبارك و تعالى- لمحمّد (ص): «و جئنا بك على هؤلاء شهيدا و نزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكلّ شيء.» (2)
فقوله (ع): «و امّا الفضل فهم سواء»، و ان كان اراد به خصوص الفضل المشترك الّذي يوجب النّبوّة و الطاعة المفروضة، و ايمان من آمن بهم و كفر من انكرهم، الّا أنّ قوله (ع) «اسألك عن العلم» تفكيك منه (ع) بين العلم و الفضل، و أنّ الاستواء في الفضل لا يلازم الاستواء في العلم زائدا على العلم الّذي تقتضيه الاشتراك، فاذا لم يجب الاستواء في العلم مع الاستواء في الفضل، لا يجب الزيادة فيه مع الزيادة فيه أيضا.
و كيف كان، فلو اجبنا عن هذا الاشكال، يبقى الاشكال من حيث التعدى الى غير الأنبياء. فامّا ما ورد عن الصادق (ع) فى خصوص سلمان: «إنّ سلمان علم الاسم الأعظم»، فليس بكثير اشكال لما ورد في شانه أنّه كان من الأوصياء، و إنّما الاشكال فيمن ليس باهل؛ كما اشرت إليه بقولى:
و كيف إبليس ارتضى و بلعما لاعطاء الاسم الأعظم؟ و اللّه كان عالما عقباهما، فمع علمه تعالى بفساد عاقبتهما، كيف اعطاهما الاسم الأعظم؟ فامّا الشّيطان، فقد ورد أنّه يعلم الاسم الأعظم و اللّه تعالى ينسيه يوم القيامة.
و قد ورد عن الباقر (ع)
و هل يطيق الحمل ممّن اهتدى***دون نبىّ أو أئمّة الهدى
و الرضا (ع)، أنّ بلعم أوتى اسم الأعظم. و الاشكال في تعليمها من وجهين: احدهما:
عدم الأهليّة فيهما، ثانيهما: المنافاة للاختصاص الظاهر من الأخبار.
و يمكن الجواب بأنّ الحكمة كما قد اقتضت اعطاء القدرة و القوّة و الملك و الدولة بمن ليس له اهل، كما اعطى فرعون ما اعطى و خرج موسى خائفا يترقّب، و هو يقول من الجوع:( رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)(1). ، كذلك اقتضت ان يعطى هذه الكرامة المخصوصة لنفرين لا ثالث لهما في الوجود فيما نعلم احدهما من الجنّ و ثانيهما من الانس، ليبيّن أن ذلك لا يليق بغير المعصوم. فهذا يؤيّد الاختصاص.
و امّا عدم الأهليّة، فهو إنّما ينافى مع ابقاء الاسم أو ابقاء اثره لدى غير الأهل عند ظهور عدم اهليّته، أو عدم ممانعته عن استعماله في خلاف مقتضى المشيّة الالهيّة، و ليس كذلك؛ فإنّ بلعم، قد دلع لسانه على صدره، و نزع منه الاسم عند ارادته استعماله لدفع موسى، و امّا ابليس فانّه لم يسمع استعماله ايّاه فيما يشبه ذلك مع تشبثه بكلّ وسيلة و سبب، و ذلك امّا لأنّ اللّه تعالى يمنعه عن ذلك، أو لأنّه رفع عنه مثل هذا الأثر. و اللّه العالم.
و الى رابعها اشرت بقولى:
و هل يطيق الحمل ممّن اهتدى، فيمكن ان يتعدّى إليه و هو دون نبىّ أو أئمّة الهدى، و دون سلمان على ما عرفت أم ليس لأحد ان ينال هذه الكرامة بلغ ما بلغ من الفضل و الكمال؟ الظاهر من الاخبار، الثانى، و يؤيّده أنّه لم يسمع من احد من اهل العلم و الفضل و التقى دعوى ذلك، سوى اتباع الشّيطان من الصوفيّة و اضرابهم. فعن عمر بن حنظلة، قال:
«قلت لأبى جعفر (ع): انّى اظنّ أنّ لى عندك منزلة، قال (ع): اجل! قلت: فإنّ لى أليك حاجة، قال (ع) و ما هى؟ قلت: تعلّمنى الاسم الأعظم! قال (ع): و تطيقه؟ قلت:
نعم، قال: فادخل البيت، فدخل البيت، فوضع ابو جعفر (ع) يده على الأرض، فاظلم البيت، فارعدت فرائص عمر، فقال: ما تقول؟ اعلّمك؟ فقال: لا، فرفع يده، فرجع
1) . القصص 28: 24.
ثمّ على الإعضال زيدت معضلة***اخرى لما قد عدّ منها البسملة
و غيرها من آية أو الدعاء***و ذا مع الإبهام لن يجتمعا
البيت كما كان.»(1)
و عن عمّار الساباطى، قال: «قلت لأبى عبد اللّه (ع): جعلت فداك! احبّ ان تخبرنى باسم اللّه تعالى الأعظم! فقال لى: إنّك لن تقوى على ذلك، قال: فلمّا ألححت، قال (ع): فمكانك إذن، ثمّ قام فدخل البيت هنيهة، ثمّ صاح بى ادخل، فدخلت، فقال لى: ما ذلك؟ فقلت: اخبرنى به جعلت فداك! قال: فوضع يده على الأرض، فنظرت الى البيت يدور بى، و اخذنى امر عظيم، كدت اهلك، فضحك، فقلت: جعلت فداك حسبى! لا اريد.» (2)
و هذه الطاقة، طاقة التعلّم، و كأنّ الاسم الأعظم لجلالته و عظمته، له هيبة خاصّة في الصدور، و اثرات خاصّة تظهر منه عند تلقينه، فلا تطيق تعلّمه إلّا النّفوس القويّة، و لكنّ الكلام بعد في طاقة التحمّل، فإنّ تحمّل الاسم الأعظم بما له من الآثار و الخواصّ، اصعب من تحمّل احاديثهم السريّة؛ كما قالوا: «أحاديثنا صعب مستصعب.» (3)الى آخره.
و معنى تحمّله ان لا يدعو به في غير رضى اللّه، بل ما لم يأذن به اللّه، و لا يدعو به على الهوى، و في سبيل الفساد، كما دعى به بلعم. و عندى أنّه لا يتحمّله الّا المعصومين، الّذين قال اللّه فيهم:( وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ)(4). و بذلك يعلم وجه اختصاصه بالنّبي و الإمام، و عدم اهليّة غيرهم من الأنام، لئلّا يخرجوا عن مشيّة الملك العلّام.
ثمّ على الإعضال بالوجوه المذكورة، زيدت معضلة اخرى أيضا، لما قد عدّ منها البسملة و غيرها من آية أو الدعاء، و ذا؛ اى الاعلام بأنّ الاسم الأعظم في كذا و كذا مع الإبهام في امره على ما عرفت، لن يجتمعا، مع قطع النظر عن انا لا نرى فيها تلك الآثار المودعة في الاسم الأعظم، و كما انّ هذا الاظهار، ينافى الاختصاص
فاحمل على التنزيل في الآثار***إجابة بشاهد الأخبار
و الكتمان، و ينافى الحكمة الّتي روعيت في خفائه ينفى أيضا كونه من غير هذه الحروف و دفعها بالحمل على ما ذكرت:
فاحمل على التنزيل في الآثار إجابة؛ يعنى، أنّ الاخبار ليست لبيان أنّ الاسم الأعظم هو البسملة أو غيرها، او فيها أو غيرها حقيقة، بل لبيان التنزيل؛ يعنى، أنّها من العظمة و الفضيلة نزلت منزلة الاسم الأعظم في اثر الاستجابة، و انّها قريبة إليه في عدم الردّ و سرعة الاجابة، و ذلك بشاهد الأخبار. فعن الرضا (ع) و ابى محمّد (ع):
«إنّ بسم اللّه الرحمن الرحيم، اقرب الى اسم اللّه الأعظم من سواد العين الى بياضها.» (1)
و عن الرضا (ع) أيضا: «من قال بعد صلاة الفجر بسم اللّه الرحمن الرحيم، لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العلىّ العظيم مائة مرّة، كان اقرب الى اسم اللّه الأعظم من سواد العين إلى بياضها.» (2)
و هاهنا وجه غير بعيد، هو ان تحملها على أنّها مشتملة على الاسم الأعظم من بين الاسماء الحسنى، لا الاسم الأعظم المعهود المكتوم.
ثمّ لا يخفى عليك أنّ الحمل الّذي ذكرته، إنّما هو بالنّسبة الى ما صحّ سنده، لا فيما رواه ابو البخترى الكذّاب عن امير المؤمنين (ع):
«انّه رأى خضرا في منامه قبل ليلة البدر، فقال له: علّمنى شيئا انصر به على الاعداء! فقال: قل: يا هو، يا من لا هو إلّا هو، ثمّ قصّ رؤياه على رسول اللّه (ص)، فقال:
يا على علّمت الاسم الأعظم.» (3)
و قد اخذ به الصوفيّة الملاحدة، و جعلوه ذكرا لهم، و تركوا الأذكار الصحيحة و قد اتيت عليه طعنا في معارف الشيعة، فراجع.2.
و إنّ كلّ اسم عليه يطلق***يعنى به معنى عليه لائق
فاقصد بها حفظا على التنزيه***حقيقة المعنى بلا تشبيه
فاللّه للذّات الّذي منزّه***عن كلّ نقص و إليه يؤله
من لم يكن له سواه مفزع***فى كلّ حاجة إليه يفزع
و إنّه المعبود للعباد***حقّا و إن قاموا على العناد
و إنّ كلّ اسم من الاسماء الحسنى عليه تعالى يطلق، انّما يعنى به معنى عليه لائق، لا على الوجه الّذي يجرى على المخلوقين، فاقصد بها حفظا على التنزيه، حقيقة المعنى بلا تشبيه، و هو المعنى المجرّد عن الخصوصيّات المستلزمة لها صفات المخلوقين؛ كما تقدّم الكلام في العلم و القدرة و غيرهما.
فاللّه، اسم للذّات الّذي منزّه عن كلّ نقص و إليه يؤله؛ اى يقصد، و من لم يكن له سواه مفزع في كلّ حاجة له إليه يفزع، و إنّه المعبود للعباد حقّا؛ اى هو المعبود الحقّ، و إن قاموا على العناد فلم يعبدوه، فإنّ استنكافهم عن عبادته و خروجهم عن طاعته، لا يضرّ بأهليّته و حقّانيّته. قال الصادق (ع) فى حديث عبد اللّه بن سنان:
«اللّه إله كلّ شيء» (1)، و قال (ع) فى حديث هشام المتقدّم، فى انّ الاسم غير المسمى، قال هشام: «فقلت: اللّه ممّا هو مشتقّ؟ فقال (ع): يا هشام! اللّه مشتقّ من أله و آله يقتضي مألوها، و الاسم غير المعنى ....» (2)
و في تفسير الامام (ع)، فى تفسير «بسم اللّه الرحمن الرحيم» فقال (ع): «اللّه، هو الّذي يتألّه إليه عند الحوائج و الشدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من كلّ من دونه، و تقطّع الأسباب من جميع من سواه، تقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم، استعين على امورى كلّها باللّه، الّذي لا تحقّ العبادة إلّا له المغيث اذا استغيث، و المجيب اذا دعى.» (3)
و امّا ما عن البخترى، قال: «قال امير المؤمنين (ع): اللّه معناه المعبود الّذي يتألّه
رحمن دنيا، فيفيض رحمته***فى خلقه و إن أبوا اطاعته
يعطف بالرّزق لهم و كلّ شيء***ممّا به قوام دنيا كلّ حىّ
و هو رحيم بالجميع ***إذ دعىكلّا إلى الهدى و خصّ الطائعا
برحمة تعينهم في العاجلة***كما يثيبهم بها في الآجلة
فيه الخلق، و يوله إليه، و اللّه هو المستور عن درك الأبصار، المحجوب عن الأوهام و الخطرات. قال الباقر (ع): «اللّه، معناه المعبود الّذي أله الخلق عن درك ماهيّته و الاحاطة بكيفيّته، و يقول العرب: أله الرجل، اذا تحيّر في الشيء، فلم يحط به علم، و وله اذا فزع الى شيء ممّا يحذره و يخافه؛ فالإله، هو المستور عن حواس الخلق، فمعنى قوله: «اللّه احد»؛ اى المعبود الّذي يأله الخلق عن ادراكه، و الاحاطة بكيفيّته، فرد بالهيّته، متعال عن صفات خلقه.»(1)فهو ممّا لا يعتمد عليه، و يزيده و هنا انّه فسّر سورة «قل هو اللّه احد» برأيه، ثمّ استشهد بكلام الأئمّة (ع) و غيرهم، و خلط كلامه بكلامهم على وجه لا يمتاز، بحيث يوهم الناظر أنّ كلامه من تتمّة كلامهم.
و من ذلك، ما قال في تفسير «هو»، فانّه قال: و هو اسم مكنّى، و مشاربه الى غائب، فالهاء تنبيه عن معنى ثابت، و الواو اشارة الى الغائب عن الحواس؛ كما أنّ قولك «هذا»، اشارة الى الشّاهد عند الحواس. الى آخره، فلا تغفل. و ان اردت مزيد توضيح، فعليك بمراجعة «معارف الشّيعة».
و هو تعالى، رحمن دنيا، فيفيض رحمته في خلقه، و إن أبوا اطاعته، فرحمانيّته عامّة، تشمل المؤمن و الكافر، يعطف عليهم بالرّزق لهم، و كلّ شيء ممّا به قوام دنيا كلّ حىّ، و هو رحيم بالجميع أيضا عموما في الدنيا، إذ دعى كلّا إلى الهدى، و لكن خصّ الطائعا برحمة زائدة خاصّة، تعينهم في الدنّيا العاجلة؛ كما يثيبهم بها في الآجلة.
و الحاصل: أنّ الرحمانيّة، صفة عامّة مخصوصة بالدّنيا، و الرحيميّة صفة من جهة عامّة و من جهة خاصّة، فالعامّة مخصوصة بالدنيا، و من ذلك دعوته العموم الى
1) . البحار 3: 222/ 12.
الهداية، و تيسير السّبيل للعموم، و الخاصّة تكون في الدنيا لأهله بالتّوفيقات و الاعانات و الامدادات الزائدة، و في الآخرة باثابتهم ما وعدهم من الجزاء الجزيل الّذي لا عين رأت، و لا اذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر. فعن عبد اللّه بن سنان، عن الصادق (ع)، انّه قال:
و اللّه إله كلّ شيء، الرحمن بجميع خلقه، و الرحيم بالمؤمنين خاصّة.»(1)تفسير البرهان، عن ابى بصير، عنه (ع) مثله.
و أيضا عن العياشى، عن عبد اللّه بن سنان، عنه (ع): «اللّه إله الخلق، الرحمن بجميع العالم، الرحيم بالمؤمنين خاصّة.» (2)
و في تفسير الامام (ع): «الرحمن العاطف على خلقه بالرّزق، لا يقطع عنهم موادّ رزقه، و ان انقطعوا عن طاعته، الرحيم بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعته، و بعباده الكافرين في الرزق لهم، و في دعائهم الى موافقته.» (3)و قال امير المؤمنين (ع):
«رحيم بعباده المؤمنين، و من رحمته أنّه خلق مائة رحمة، جعل منها رحمة واحدة في الخلق كلّهم، فبها يتراحم النّاس، و ترحم الوالدة ولدها، و تحنو الامّهات من الحيوانات على اولادها؛ فاذا كان يوم القيامة، اضاف هذه الرحمة الواحدة الى تسع و تسعين رحمة، فيرحم بها أمّة محمّد (ص)، ثمّ يشفعهم فيمن يحبّون له الشّفاعة من اهل الملّة.»(4)
و قال امير المؤمنين (ع): «رحيم لا يوصف بالرقّة.»(5)و يأتى في معنى الرأفة أيضا حديث عن الاهليلجة في معنى الرحمة.
و في تفسير البرهان، عن ابى بصير، عن الصادق (ع): «خالق الخلق، الرحمن بجميع الخلق، الرحيم بالمؤمنين خاصّة.» (6)1.
و الصمد المصمود كلّ يصمده***و سيّد في كلّ شيء يقصده
ليس له جوف و سرّة و لا***ظلّ له يمسكه و مدخلا
و الصمد المصمود إليه كلّ يصمده في كلّ شيء، و سيّد في كلّ شيء يقصده كلّ شيء. فعن داود بن القاسم الجعفرى، قال: «قلت لأبى جعفر (ع)، جعلت فداك! ما الصمد؟ قال (ع): السيّد المصمود إليه في القليل و الكثير.» (1)
و عن جابر بن يزيد، عنه (ع) أيضا: «فهو، واحد، صمد، قدّوس، يعبده كلّ شيء، و يصمد إليه كلّ شيء و وسع كلّ شيء علما.»(2)ليس له جوف و سرّة، و لا ظلّ له يمسكه، و لا مدخلا له. فعن داود بن القاسم الجعفرى، عن ابى جعفر (ع)، عن الصمد، فقال (ع):
«الّذي لا سرّة له، قلت: فانّهم يقولون: انّه الّذي لا جوف له، فقال (ع): كلّ ذى جوف، له سرّة.» (3)
و عن الحلبى و زرارة، عن ابى عبد اللّه (ع)، قال: «إنّ اللّه- تبارك و تعالى- احد، صمد، ليس له جوف.» (4)
و عن محمّد بن مسلم، عن الصادق (ع)، قال: «إنّ اليهود سألوا رسول اللّه (ص)، فقالوا: «أنسب لنا ربّك، فلبث ثلاثا لا يجيبهم، ثمّ نزلت هذه السورة الى آخرها؛ فقلت:
ما الصمد؟ فقال (ع): الّذي ليس بمجوف.» (5)
و عن موسى بن جعفر (ع)، و قد سئل عن الصمد، فقال: «الصمد الّذي لا جوف له.» (6)
و عن على بن الحسين (ع): «حياة لا موت فيه، و صمد لا مدخل فيه.» (7)
و عن الصادق (ع): «و عالم لا جهل فيه، و صمد لا مدخل فيه.» (8)
و قد مرّ في عينية الصفات قول الصادق (ع): «لا مدخل للاشياء فيه، واحد
فهو يساوق الكمال و الغنى***معنى فكلّ قاصد مهيمنا
و ما رواه البخترى في «الصمد»***مع ضعفه ليس بشيء يعتمد
و نوره هدى و بالإحاطة***علا على جميع من أحاطه
و ظاهر لا للعيون النّاظرة***و لا على تأوّل المباشرة
بل في عقول الخلق بالتّفكير***يظهر من عجائب التدبير
و ظاهر في صنعه لن ينكرا***و باطن في ذاته فلا
يرى واحدىّ الذات.» (1)
و عن الصادق (ع): «واحد، صمد، ازلى، صمديّ، لا ظلّ له يمسكه، و هو يمسك الأشياء باظلّتها.»(2)
و على هذا، فهو يساوق الكمال و الغنى معنى، فإنّ الغنيّ الكامل، هو الّذي ينتهى إليه كلّ شيء و لا جوف له، و لا مدخل فيه لشيء؛ و اذا كان غنيّا كاملا، فكلّ قاصد مهيمنا، لأنّه مهيمن على كلّ شيء و يمسك الأشياء باظلّتها. و ما رواه البخترىّ فى «الصمد» مع ضعفه، ليس بشيء يعتمد عليه، كتفسيره المتقدّم للّه، و ما رواه فيه، فانّه روى فيه عن الحسين (ع) و عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ (ع) اشياء، بعضها موافق لما تقدّم، و بعضها متفرّد هو بنقله، و العمدة من النّظر، ما نسبه الى الباقر (ع)، أنّه قال: «الصمد خمسة احرف، فالألف دليل على انيّته، و هو قوله- عزّ و جلّ-: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الى آخر ما قال. و في صحّة النّسبة نظر، اوردت وجهه في «معارف الشيعة» و اعرضت عنه هنا، لأنّه تطويل بلا طائل.
و نوره هدى؛ كما عن الرضا (ع) فى قوله: (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ. )(3):
«هاد لأهل السّماوات، و هاد لأهل الأرض.» (4)
و في رواية البرقى: «هدى من في السّماء و الأرض» (5).
و بالإحاطة علا على جميع من أحاطه؛ يعنى، أنّ معنى علوّه على الأشياء، احاطته بها. قال امير المؤمنين (ع):
«و احاط بجميع الأشياء علما، فعلا الّذي دنا، و دنا الّذي علا، له المثل الأعلى، و الأسماء الحسنى، تبارك و تعالى.»(1)و قال (ع) أيضا: «و المتعالى عن الخلق بلا تباعد، القريب منهم بلا ملامسة.» (2)
و ظاهر لا للعيون النّاظرة، و لا على تأوّل المباشرة. قال امير المؤمنين (ع):
«ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلّ لا باستهلال رؤية.» (3)
و قال الرضا (ع): «ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلّى لا باستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة.» (4)
بل ظاهر في عقول الخلق لا بالادراك، بل بالتّفكير في خلقه و آثاره، يظهر لها من عجائب التدبير، و ظاهر في صنعه لن ينكرا؛ لأنّ المصنوع، يحتاج الى الصانع؛
و باطن في ذاته فلا يرى. قال امير المؤمنين (ع):
«الّذي بطن من خفيّات الأمور، و ظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير.» (5)
و قال (ع): «الظاهر بعجائب تدبيره للنّاظرين، الباطن لجلال عزّته عن فكر المتفكّرين.» (6)
و قال (ع): «الحمد للّه الّذي بطن خفيّات الأمور، و دلّت عليه اعلام الظهور.» (7)
و قال (ع): «و الباطن لا باجتنان، و الظاهر البائن لا بتراخى مسافة.» (8)
و قال الرضا (ع): «الباطن لا باجتنان، الظاهر لا بمحاذ.» (9)
و قال امير المؤمنين (ع): «الظاهر لا يقال ممّا، و الباطن لا يقال فيما.» (10)
و قال الحسن بن عليّ (ع): «و لا بدء ممّا، و لا ظاهر على ما، و لا باطن فيما.» (11)
يبطن علمه الخفيّات بلا***أن يبطن الأشياء أو يزاولا
و ظاهر بالقهر و السّلطان***و باطن بالعلم و العرفان
بل يبطن علمه الخفيّات، بلا أن يبطن الأشياء أو يزاولا، و ظاهر بالقهر و السّلطان، و باطن بالعلم و العرفان؛ قال امير المؤمنين (ع):
«و هو الظاهر عليها بسلطانه و عظمته، و الباطن لها بعلمه و معرفته، و العالى على كلّ شيء منها جلاله و عزّه.» (1)
و قال (ع) أيضا: «الظاهر على كلّ شيء بالقهر له، و الشّاهد لجميع الأماكن بلا انتقال إليها.» (2)
و قال (ع): «الحمد للّه الّذي لم تسبق له حال حالا، فيكون أوّلا قبل ان يكون آخرا، و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا؛ و كلّ ظاهر غيره غير باطن، و كلّ باطن غيره غير ظاهر.» (3)
و قال الرضا (ع) فى حديث الحسين بن خالد: «و امّا الظاهر، فليس من اجل انّه علا الأشياء بركوب فوقها، و قعود عليها؛ و تسنّم لذراها، و لكن ذلك لقهره و لغلبته الأشياء و قدرته عليها؛ كقول الرجل: «ظهرت على اعدائى، و اظهرنى اللّه على خصمى»، يخبر عن الفلج و الغلبة؛ فهذا ظهور اللّه على الأشياء؛
و وجه آخر، أنّه الظاهر لمن اراده، لا يخفى عليه شيء، و أنّه مدبّر لكلّ ما يرى، فأيّ ظاهر اظهر و اوضح امرا من اللّه- تبارك و تعالى؟ فإنّك لا تعدم صنعته حيثما توجّهت و فيك من آثاره ما يغنيك، و الظاهر منّا البارز بنفسه و المعلوم بحدّه، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى؛
و امّا الباطن، فليس على معنى الاستبطان للأشياء بان يغور فيها، و لكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علما و حفظا و تدبيرا، كقول القائل بطنته؛ يعنى خبرته و علمت مكتوم سرّه، و الباطن منّا بمعنى الغائر في الشيء المستتر، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى.» (4)
و هو لطيف مدركا و مدركا***بلطف ذاته أبى أن يدركا
و لطف دركه يرى فيما خلق***أحاط بالأشياء ما جلّ و دقّ
و هو لطيف الصنع و التدبير***إذ متقن الصغير و الكبير
ليس لطيف الذات كالملطّف***و لا لطيف الصنع بالتّكلّف
بآلة أو بعلاج لطفا***و لا لطيف جسما أو له خفاء
و هو لطيف مدركا، فيدرك بلطفه الطف الأشياء، و مدركا، فلا يدركه من لطفه احد، فهو بلطف ذاته ابى أن يدركا. قال امير المؤمنين (ع):
«لأنه اللّطيف الّذي اذا ارادت الأوهام ان تقع عليه في عميقات غيوب ملكه، و حاولت الفكر المبرّات من خطر الوسواس ادراك علم ذاته، و تولّهت القلوب إليه لتحوى منه مكيّفا في صفاته، و غمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم إلهيّته ردعت خاسئة.» (1)
و لطف دركه يرى فيما خلق، حيث إنّه خلق الكبير و الصغير و اللّطيف ممّا يرى و لا يرى، فيكشف ذلك عن أنّه أحاط بالأشياء ما جلّ و دقّ، كخلق السماء و الأرض، و خلق البعوضة و ما هو اصغر منها؛ و هو لطيف الصنع و التدبير؛ إذ متقن الصغير و الكبير احسن كلّ شيء خلقه و اتقنه. قال امير المؤمنين (ع):
انفرد بصنعة الأشياء، فاتقنها بلطائف التدبير، سبحانه من لطيف خبير، ليس كمثله شيء، و هو السّميع البصير.» (2)
ليس لطيف الذات كالملطّف الّذي لطف في صنعه، بل بالمعنى الّذي قلنا من أنّه لا يدرك. قال أمير المؤمنين (ع): «لطيف اللّطافة، لا يوصف باللّطف.» (3)
و لا لطيف الصنع بالتّكلّف، بآلة أو بعلاج لطفا، و لا لطيف جسما؛ اذ ليس بمجسّم أو بمعنى أنّ له خفاء. قال امير المؤمنين (ع): «لطيف لا بتجسّم.» (4)و قال (ع) أيضا: «صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء.»(5)
و فيما سأل الرضا (ع) بعض الزنادقة ان قال: «اخبرنى عن قولكم: «أنّه لطيف
و سميع و بصير و عليم و حكيم، أ يكون السميع إلّا باذن، و البصير إلّا بالعين، و اللّطيف الّا بعمل اليدين، و الحكيم إلّا بالصنعة؟
فقال (ع): «إنّ اللّطيف منّا على حدّ اتّخاذ الصنعة، او ما رأيت الرجل يتّخذ شيئا، فيلطف في اتّخاذه، فيقال ما الطف فلانا، فكيف لا يقال للخالق الجليل لطيف؛ اذ خلق خلقا لطيفا و جليلا، و ركّب في الحيوان منه ارواحها، و خلق كلّ جنس متباينا فى جنسه في الصورة، و لا يشبه بعضه بعضا، فكلّ له لطف من الخالق اللطيف الخبير فى تركيب صورته؛ ثمّ نظرنا الى الأشجار و حملها اطايبها المأكولة منها و غير المأكولة، فقلنا عند ذلك: إنّ خالقنا لطيف لا كلطف خلقه في صنعتهم.» (1)
و قال (ع) أيضا في حديث الحسين بن خالد: «و امّا اللّطيف، فليس على قلّة و قضافة و صغر، و لكن ذلك على النّفاذ في الأشياء و الامتناع من ان يدرك؛ كقولك:
«لطف عنّى هذا الأمر، و لطف فلان في مذهبه»، و قوله: يخبرك انّه غمض فبهر العقل، و فات الطلب، و عاد متعمّقا، متلطّفا، لا يدركه الوهم؛ فهكذا لطف اللّه تعالى ان يدرك بحدّ، او يحدّ بوصف، و اللّطافة منا الصغر و القلّة، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى.» (2)
و في حديث الفتح بن يزيد عن ابى الحسن (ع) قال: «فقولك: اللّطيف الخبير، فسّره لى كما فسّرت الواحد، فإنّى اعلم أنّ لطفه على خلاف لطف خلقه للفصل، غير انّى احبّ ان تشرح لى ذلك؛
فقال (ع): يا فتح! إنّما قلنا: اللّطيف للخلق اللّطيف، و لعلمه بالشيء اللّطيف و غير اللّطيف، و في الخلق اللّطيف من الحيوان الصغار من البعوض و الجرجس، و ما هو اصغر منها ممّا لا يكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغره الذكر من الانثى و الحدث المولود من القديم، قلّما رأينا صغر ذلك في لطفه و اهتدائه للسّفاد و الهرب من الموت و الجمع لما يصلحه ممّا في لجج البحار، و ما في لحاء الأشجار و المفاوز و القفار، و تفهّم بعضهم عن بعض منطقها، و ما يفهم به اولادها عنها، و نقلها الغذاء إليها، ثمّ تأليف ألوانها حمرة مع صفرة، و بياضا مع خضرة، و ما لا تكاد عيوننا تستبينه5.
بتمام خلقها، و لا تراه عيوننا، و لا تلمسه ايدينا؛ علمنا أنّ خالق هذا الخلق، لطيف لطف في خلق ما سمّيناه بلا علاج و لا اداة و لا آلة، و أنّ كلّ صانع شيء فمن شيء صنع، و اللّه الخالق اللّطيف الجليل، خلق و صنع لا من شيء.» (1)
و في الاهليلجة، قال: «فاخبرنى عن قوله لطيف، و قد عرفت أنّه للفعل و لكن قد رجوت ان تشرح لى ذلك بوصفك؛
قلت: انّما سميّناه لطيفا للخلق اللّطيف، و لعلمه بالشيء اللّطيف ممّا خلق من البعوض و الذرة، و ما هو اصغر منها، لا يكاد تدركه الأبصار و العقول لصغر خلقه من عينه و سمعه و صورته، لا يعرف من ذلك لصغره الذكر من الانثى، و لا الحديث المولود من القديم الوالد، فلمّا رأينا لطف ذلك في صغره، و موضع العقل فيه، و الشّهوة للسفاد، و الهرب من الموت، و الحدب على نسله من ولده، و معرفة بعضها بعضا، و ما كان منها في لجج البحار، و اعنان السّماء، و المفاوز و الاودية و القفار، و ما هو معنا في منزلنا، و يفهم بعضهم بعضا من منطقهم، و ما يفهم من اولادها، و نقلها الطعام إليها و الماء، علمنا أنّ خالقها لطيف، و أنّه لطيف يخلق اللّطيف، كما سمّيناه قويّا بخلق القوىّ.»(2)هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص846
يناه لطيفا لعلمه بالشّيء اللّطيف، مثل البعوضة و ما هو اخفى من ذلك، و يوضع الشّيء منها، و العقل و الشّهوة للسّفاد و الحدب على اولادها و اقامة بعضها على بعض، و نقلها الطعام و الشّراب الى اولادها فى الجبال و المفاوز و الأودية و القفار، فعلمنا بذلك، أنّ خالقها لطيف بلا كيف؛ اذ الكيفيّة للمخلوق المكيّف.» (3)
ثمّ إنّ من معنى اللّطف، ما يرادف الرحمة و الرأفة و الشّفقة، و منه قوله تعالى:
(اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ، وَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ. )(4)و اللّطيف بهذا المعنى كاللّطيف في الصنع من صفات الفعل، و اما اللّطيف في الذات و العلم، فهو من صفات9.
و هو كبير الشأن لا على قدر***أو بتجسّد و جسم و كبر
كذا عظيم قدرة سلطانا***و ذو الجلال هيبة برهانا
و هو قوىّ لا لبطش بل لما***قد خلق القوىّ أرضا و السّماء
و قوّة البطش تزيد أو تقلّ***و ما كذاك فضعيف و مقلّ
الذات، كالظاهر و الباطن، و هو تعالى كبير، بمعنى أنّه كبير الشأن، لا أنّه كبير على قدر؛ اى مقدار أو كبير بتجسّد و جسم و كبر فيه كذا عظيم؛ يعنى، قدرة و سلطانا، و هو أيضا ذو الجلال هيبة و برهانا. قال امير المؤمنين (ع):
«لطيف اللّطافة، لا يوصف باللّطف عظيم العظمة لا يوصف بعظم، كبير الكبرياء، لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة، لا يوصف بالغلط، رؤف الرحمة، لا يوصف بالرّقة.» (1)
و قال (ع): «لطيف لا يوصف بالخفاء، كبير لا يوصف بالجفاء.» (2)
و قال (ع): «ليس بذى كبر امتدّت به النّهايات، فكبّرته تجسيما و لا بذى عظم تناهت به الغايات، فعظّمته تجسيدا، بل كبر شأنا و عظم سلطانا.» (3)
و قال (ع): «الحمد للّه اللّابس الكبرياء بلا تجسّد، و المرتدى بالجلال بلا تمثيل، و المستوى على العرش لا زوال.» (4)
و هو تعالى، قوىّ لا لبطش، بل لما قد خلق القوىّ أرضا و السّماء، و قوّة البطش تزيد أو تقلّ؛ لأنّه عرض يقبل الزيادة و النّقصان، و ما هو كذاك، فضعيف و مقلّ؛ اى ناقص الكمال فقير؛ فلا يناسب ذا الجلال. فى الاهليلجة قال:
«فصف لى قوّته، قلت: إنّما سمّي ربّنا- جلّ جلاله- قويّا للخلق العظيم القوىّ الّذي خلق مثل الأرض و ما عليها، من جبالها و بحارها و رمالها و اشجارها، و السّماء المسقّفة فوقنا راكدة في الهواء، فلهذا سمّى قويا لا لقوّة البطش المعروفة من الخلق، و لو كانت قوّته تشبه قوّة الخلق لوقع عليه التشبيه، و كان محتملا للزّيادة و ما احتمل الزيادة كان ناقصا، و ما كان ناقصا لم يكن تامّا، و ما لم يكن تامّا، كان عاجزا ضعيفا، و اللّه- عزّ و جلّ- لا يشبه بشيء، و إنّما قلنا: قوىّ للخلق القوىّ، و كذلك قولنا العظيم
و قاهر لا بعلاج أو نصب***بل ذلّة الخلق لما يشاء ربّ
و لا برقّة رؤف أو أحبّ***أو بمشقّة له بغض غضب
و لا له تأسّف و لا ضجر***إذ كلّ ذاك محدث فيه الغير
و الكبير، و لا يشبه بهذه الأسماء تبارك و تعالى.» (1)
و عن ابى جعفر الثانى (ع): «و كذلك سمّينا ربّنا قويّا بلا قوّة البطش المعروف من الخلق، و لو كانت قوّته قوّة البطش المعروف من الخلق، لوقع التشبيه، و احتمل الزيادة، و ما احتمل الزيادة، احتمل النّقصان، و ما كان ناقصا، كان غير قديم، و ما كان غير قديم كان عاجزا، فربّنا- تبارك و تعالى- لا شبه له، و لا ضدّ و لا ندّ.» (2)
و قاهر لا بعلاج أو نصب، بل ذلّة الخلق لما يشاء ربّ. قال الرضا (ع) فى حديث الحسين بن خالد:
و امّا القاهر، فانّه ليس على معنى علاج و نصب و احتيال و مداراة و مكر، كما يقهر العباد بعضهم بعضا، فالمقهور منهم يعود قاهرا، و القاهر يعود مقهورا، و لكن ذلك من اللّه تعالى على أنّ جميع ما خلق متلبّس بالذّل لفاعله، و قلّة الامتناع لما اراد به، لم يخرج منه طرفة عين، غير أنّه يقول له كن فيكون، فالقاهر منّا على ما ذكرت و وصفت، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى.» (3)
و لا برقّة رؤف أو أحبّ شيئا، أو بمشقّة له بغض غضب، و لا له تأسّف و لا ضجر؛ إذ كلّ ذاك محدث فيه الغير. قال امير المؤمنين (ع):
«يقول و لا يلفظ و يحفظ، و لا يتحفّظ و يريد و لا يضمر، يحبّ و يرضى من غير رقّة، و يبغض و يغضب من غير مشقّة.» (4)
و قال (ع): «رؤف الرحمة لا يوصف بالرّقة.» (5)و قال (ع): «رحيم لا يوصف
بالرّقة، تعنو الوجوه لعظمته، و تجب القلوب من مخافته.» (1)
و في الاهليلجة، اخبرنى عن قوله: رؤف رحيم» و عن رضاه و محبّته و غضبه و سخطه، قلت: إنّ الرحمة و ما يحدث لنا، منها شفقة، و منها جود، و أنّ رحمة اللّه ثوابه لخلقه؛ و الرحمة من العباد شيئان:
احدهما: يحدث في القلب الرأفية و الرقة لما يرى بالمرحوم من الضرّ و الحاجة و ضروب البلاء، و الآخر ما يحدث من الرأفة و اللّطف على المرحوم منّا ما نزل به؛ و قد يقول القائل: انظر الى رحمة فلان، و إنّما يريد الفعل الّذي حدث عن الرأفة الّتي في قلب فلان، و إنّما يضاف الى اللّه- عزّ و جلّ- من فعل ما حدث عنّا من هذه الأشياء؛ و امّا المعنى الّذي هو في القلب، فهو منفى عن اللّه، كما وصف فهو رؤف رحيم، لا رحمة رقّة.
و امّا الغضب، فهو منّا اذا غضبنا تغيّرت طبائعنا، و ترتعد احيانا مفاصلنا، و حالت ألواننا، ثمّ نجيء من بعد ذلك بالعقوبات، فسمّى غضبنا، فهذا كلام النّاس المعروف، و الغضب شيئان: احدهما: فى القلب، و امّا المعنى الّذي هو في القلب، فهو منفىّ عن اللّه- جلّ جلاله-، و كذلك رضاه و سخطه و رحمته على هذه الصفة جلّ و عزّ-، لا شبيه له، و لا مثل في شيء من الأشياء.» (2)
و قال الصادق (ع) فى قوله تعالى:( فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ )(3)قال: «انّ اللّه،- تبارك و تعالى- لا يأسف، و لكنّه خلق اولياء لنفسه، يأسفون و يرضون، و هم مخلوقون مدبّرون، فجعل رضاهم لنفسه رضا، و سخطهم لنفسه سخطا، و ذلك لأنّه جعلهم الدعاة إليه و الادلّاء عليه، و كلّ هذا و شبهه على ما ذكرت لك؛ و هكذا الرضا و الغضب و غير هذا من الأشياء ممّا يشاكل ذلك، و لو كان يصل الى المكوّن الأسف، و الضجر و هو الّذي احدثهما و انشأهما، لجاز لقائل ان يقول: إنّ المكوّن يبيد يوما،5.
و هو جواد معطيا و مانعا***إذ كان منعه لحكمة رعى
لأنّه اذا دخله الضجر و الغضب، دخله التغيير، و اذا دخله التغيير، لم يؤمن عليه الإبادة، و لو كان ذلك كذلك، لم يعرف المكوّن من المكوّن، و لا القادر من المقدور، و لا الخالق من المخلوق، تعالى اللّه عن هذا القول علوّا كبيرا؛ هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فاذا كان لا لحاجة، استحال الحدّ و الكيف فيه، فافهم ذلك ان شاء اللّه.»(1)
و قد مرّ في تنزيهه عن المثل و النظير في الرضا و الغضب اخبار، عند قولى: «فلا رضاه كرضانا لا الغضب».
و هو جواد معطيا و مانعا، إذ كان منعه لحكمة رعى ايّاها، و المنع عن مقتضى الحكمة لا يكون بخلا، و لا يضرّ بكونه جوادا.
و قد سأل رجل أبا الحسن (ع) و هو في الطواف، فقال له: «اخبرنى عن الجواد، فقال (ع): انّ لكلامك وجهين: فان كنت تسأل عن المخلوق، فانّ الجواد الّذي يؤدّى ما افترض الله- عزّ و جلّ- عليه، و البخيل من بخل بما افترض الله عليه؛ و ان كنت تعنى الخالق فهو الجواد ان اعطى، و هو الجواد ان منع؛ لأنّه ان اعطى عبدا، اعطى ما ليس له، و ان منع منع ما ليس له.» (2)
و في سند آخر: «و ان كنت تسأل عن الخالق، لأنه ان اعطاك، اعطاك ما ليس لك، و ان منعك، منعك ما ليس لك.» (3)
و عن عبد الأعلى، قال: «كنت في حلقة بالمدينة فذكروا الجواد، فاكثروا، فقال رجل منها: يكنّى أبا دلين ان جعفرا، و أنّه لو لا أنّه، فضمّ يده.
فقال لى ابو عبد اللّه (ع) تجالس اهل المدينة؟ قلت: نعم، قال (ع): فما حدّثت به بلّغنى، فقصصت عليه الحديث، فقال (ع): «ويح أبا دلين انّما مثله، مثل الريشة تمرّ بها الريح، فتطيرها؛ ثمّ قال (ع): قال رسول اللّه (ص): كلّ معروف صدقة، و افضل الصدقة، صدقة عن ظهر غنى، و ابدأ بمن تعول، و اليد العليا خير من اليد السّفلى، و لا يلوم اللّه على الكفاف، أ تظنّون ان اللّه بخيل، و ترون أنّ شيئا اجود من اللّه، انّ الجواد
و مرّت أوصاف و تمّ القول في***مذهب أهل البيت في المعارف
بعشرة مئات ألفين ختم***فى مائتي يوم و ليلة نظم
السيّد، من وضع حق اللّه موضعه، و ليس الجواد من يأخذ المال من غير حلّه، و يضع فى غير حقّه، اما و اللّه! إنّى لارجو ان القى اللّه و لم اتناول ما لا يحلّ لى، و ما ورد عليّ حقّ اللّه إلّا امضيت، و ما بتّ ليلة قطّ و للّه في مالى حقّ لم أؤدّه.» (1)
اقول: الّذي يتحصّل من هذا الحديث، أنّ الجواد، هو الّذي يضع الحقّ موضعه، و على هذا، فاللّه تعالى جواد مطلق و ان منع؛ لأنّه لا يمنع إلّا غير الحقّ، فلا يضرّ منعه بجوده المطلق، و ذلك لأنّه يعطى من هو اهله، و يمنع من ليس باهل، و ليس من الجود الاعطاء بغير اهل، و لا من البخل المنع عنه، و هو معنى قول ابى الحسن (ع): «و ان منعك، منعك ما ليس لك»؛ يعنى ليس لك، لأنّك لم تكن اهلا، لا مجرّد أنّه ليس لك، فإنّ كلّ من يعطيه ما ليس له، و ليس المنع عن غير الأهل الّا للحكمة الّتي اشرت إليه، لأنّ الحكيم، لا يعطى العلم و الحكمة و شيئا آخر غيرهما من ليس له باهل.
و مرّت في الأبحاث المتقدّمة، أوصاف أيضا من الصفات الذاتية و الفعليّة، و قد شرحناها فتذكّر.
و قد تمّ القول و الكلام في مذهب أهل البيت (ع) فى المعارف الإلهيّة. و عدد الأبيات كما قلت: بعشرة؛ اى بعشرة ابيات مئات، و المراد بها اقلّ الجمع، و هى ثلاثمائة و ألفين ختم الكتاب أو النّظم أو المنظوم، و المجموع، 2310، و قد نظمتها مع كثرة الاشتغال بل كثرة الهموم الواردة في هذه السنين، يعرفها الشّاهد من المعاصرين، و سيطّلع عليها اهل التاريخ من المتأخرين، و في مائتي يوم و ليلة تقريبا نظم ما رقم من الأبيات، و ذلك مجموع الأوقات الّتي كنت مشتغلا بالنظم، و إلّا فقد كان ابتدائه في8.
1) . البحار 78: 266/ 108.
و الختم في سلخ الربيع الثانى***ليلة الاثنين فلا تنسانى
و الحمد للّه على البصيرة***فإنّها عديمة النّظيرة
و الحمد للّه الّذي هدانالو لاه لم نهتد إلى هدانا العشر الثانى من رجب سنة 1386، و الختم في سلخ الربيع الثانى ليلة الاثنين من سنة 1387. و كان العدد الّذي نظمته أوّلا الف و مائة و أربعة و ثلاثون بيتا، الّا انّى اضفت عليه عند الشّرح، و كذلك غيّرت كثيرا من الأبيات عن وضعها.
و كيف كان، فلا تنسانى من الدعاء، و الحمد للّه على البصيرة الّتي رزقنا اللّه ايّاها ببركة كلمات اهل البيت (ع)، و على مثل هذه البصيرة، ينبغى حمده سبحانه؛ فإنّها عديمة النّظيرة، لا توجد لها نظير، فانّ البصيرة في الدين عند اهله لا توازيها نعمة و لا توازنها كرامة. و الحمد ثانيا للّه الّذي هدانا الى الطريق الحقّ و صراطه المستقيم، لو لاه لم نهتد إلى هدانا؛ كما قال حاكيا عن اهل جنّته:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ )(1).
و قد وقع الفراغ من الشرح، ليلة الثلاثاء، الثانى عشر من الجمادى الأوّل، سنة الف و ثلاثمائة و ثمان و ثمانين، و كان ابتداء الشّرح بعد ختم النّظم بقليل. و اللّه الموفّق و المعين.
كتبه بيده الفاقرة ناظمه و مؤلّفه و شارحه، محمّد، الملقّب بالجواد الخراسانى المحولاتى، عفى عنه و عن والديه.3.
1) الاعراف 7: 43.
المؤلف في سطور ه
بين يدي الكتاب و
مقدمة المؤلف 1
انتصار المذهب، تخليصه من بين المذاهب ثم نشره 1
سبب تأليف الكتاب 1
اختلاط معارف الشيعة بالأذواق الفلسفية و العرفانية 3
سبب هذا الاختلاط و الامتزاج 3
بدء حدوث الفلسفة في الاسلام 6
بدء حدوث التصوف في الاسلام 7
كلمة اعتذار 11
الجزء الاوّل 12
خطبة الكتاب 13
هذا الكتاب تلخيص لكتاب (معارف الشيعة) 14
خطبة المنظومة و ما تشتمل عليه 15
حقيقة العرفان و من هو أهله 18
تقرير المعارف و مقاصد الكتاب إجمالا 20
حصر المعارف الالهية في خمسة 20
المقصد الاول: في إثبات الصانع 22
مقدمة في تقرير المسالك 23
تقرير المسالك و مسلك أهل البيت (ع) 23
دليل حقانية مسلكهم (ع) 24
الكلام و الفلسفة و العرفان مسالك غير مسلكهم 24
طريق معرفة اللّه في المسالك الثلاثة 24
طريق كسب معرفة اللّه في مذهب أهل البيت (ع) 25
بيان محدودية العقل في المعارف 26
ما هو مقام محدودية العقل؟ 26
معرفة الصانع عن طريق العقل 27
معرفة الصانع عن طريق العقل غيابية إجمالية 27
مقدار إدراك العقل و حدوده 28
انحصار طريق المعرفة بالعقل 29
منع طريقية الكشف و الفطرة في مقام الإثبات 30
ما هو المراد من الفطرة 31
انكار الصدوق (ره) دعوى الفطرة 31
طريق لاثبات الفطرة 31
لا ثمرة مهمة لاثبات الفطرة 32
ضرورة إبطال دعوى الفطرة 32
استشهاد القائلين بالفطرة، بالآيات و الأخبار 32
لا ثمرة لاستشهادهم بالآيات و الروايات 33
أدلّة الفطرة من الآيات 33
دلالة في الآيات للمدّعى 34
تعميم المخاطبة لكلّ منكر لا يدلّ على الفطرة 35
استدلالهم بآية الفطرة 35
ما ورد عنهم (ع) في تفسير آية الفطرة 36
الفطرة في الآية ليست بالمعنى المراد 37
الفرق بين الفطرة و الفطرى 37
استشهاد القائلين بالأخبار، و دفعها 39
استدلال القائلين بالفطرة على حديث ركوب السفينة 45
بيان خلط المستدلّ بهذه الرواية 46
بيان انحصار طريق العقل ببرهان الأثر 49
تقرير مسلك المتكلّمين و الحكماء و ترجيح الأول 49
ادّعاء الحكيم باشرفية طريقه من بين الطرق 50
تقرير مذهب أهل البيت (ع) في برهان الإنّ 50
فساد دعوى الحكماء في تقسيم الوجود إلى الواجب و الممكن 50
لا مزية لطريق الحكيم على غيره 52
مزايا برهان الحدوث برهان الإن على برهان الامكان 52
الأولى: بداهة برهان الحدوث و عدم بداهة برهان الامكان 52
الثانية: برهان الحدوث أشمل من برهان الامكان 53
الثالثة: برهان الحدوث واف بدفع أزلية الأشياء 53
الرابعة: برهان الامكان في إفادته يحتاج إلى ضميمة 53
تقرير برهان الامكان بعد تقسيم الموجود إلى الواجب و الممكن 54
تقرير برهان الحدوث 54
بيان أنّ الوجه لا ينحصر بهذين الطريقين و لذلك استكثر أهل البيت (ع) في الوجوه ما عدا الوجوب و الامكان 54
التفات أهل البيت (ع) ببرهان الحدوث و إهمالهم برهان الامكان 55
إثبات الصغرى هو العمدة في الاستدلال 55
ما هو مورد إنكارنا على مدّعى الفطرة؟ 56
نموذج من الكبريات الفطرية 56
تقرير الصنع و التدبير و إثباتهما بآثارهما على ما يستفاد من الروايات 57
آثار الصنع 58
الاستدلال بآثار الصنع و التدبير في الآيات و الروايات 58
آثار الصنع و التدبير في الإهليلجة 58
آثار الصنع و التدبير في الأشياء التي تنمو بعد وجودها شيئا فشيئا 59
الاستدلال بآثار الصنع و التدبير في الآيات و الروايات 60
آثار الصنع و التدبير في خلق الانسان 60
آيات الصنع و التدبير في الليل و النهار و الشمس و القمر و النجوم 61
بيان آثار الصنع و التدبير في كلام الصادق (ع) للمفضل و حديث الاهليلجة 62
أول الادلّة على وجود الصانع المدبّر تهيئة هذا العالم و نظم أجزائه 63
بيان بعض ما ورد عنهم (ع) في وجود الصانع المدبّر 64
تقرير الحدوث و تفسيره بما ورد عنهم (ع)، و بيان التغيير 65
تعريف الحدوث على القول المشهور 65
تعريف الحدوث على ما يستفاد من رواياتهم (ع) 65
تقابل الحدوث و العدم في تمام الشئون 67
الحدوث نوعان: ما هو متغير بالفعل، و ما هو متغير بالقوة 67
أقسام الأشياء من حيث قابليتها للتغيير 68
استدلال الصادق (ع) على الحدوث بالتغيير الشأني 69
تقرير الاتّصال و الإلجاء و الاضطرار و الحاجة و الافتقار و التضاد و الاختلاف 70
وجه دلالة الاتصال على الصانع المدبّر 71
تقرير الاضطرار 71
استدلال الصادق (ع) بالاضطرار 71
تقرير الافتقار 72
تقرير الاختلاف 73
نموذج من الاختلاف الموجود في الموجودات 73
دلالة الاختلاف على وجود مدبّر حكيم 74
تقرير الاستدلال لكلّ شخص بمصنوعيّته و مدبّريته 74
بيان بعض ما ورد عنهم (ع) في الاستدلال بخلق الانسان 75
دلالة أحوال النفس على الصانع المدبّر 77
دلالة فسخ العزائم و نقض الهمم على الصانع المدبّر 77
توضيح 78
تتمّة 78
تقرير نتيجة الأدلّة المذكورة و توضيح دلالتها و تتميمها على الصانع الذي نقول به 79
الاستنتاج من الادلة المذكورة 79
ردّ المنكرين، و بيان شعبهم أوّلا، و تسمية جميعهم بالمعطّلة، و بيان حقيقة ما دعاهم إلى الانكار 82
تقرير عقيدة الدهري و الطبيعي و القائلين بأزلية الأشياء 82
القائل بالاهمال مطلقا لا يوجد 83
من هم الزنادقة و ما أسسوا؟ 83
إبليس أول زنديق و ملحد 84
طريق إفحام المنكر و هدايته إلى الحق 86
محاجة الصادق (ع) مع المنكرين على الوجه الأول من الافحام 87
محاجة الصادق (ع) و الرضا (ع) مع المنكرين على الوجه الثاني من الافحام 89
بيان حجّة المنكر المطلق و كلّ منكر في جهة النّفي 90
دعويان على عدم وجود الصانع من المنكرين 90
عدم وجدان الصانع بالحواس لا يدلّ على عدم وجوده تعالى 90
المدرك الأصلي للانسان القلب، و الحواس آلة له 91
أسباب إدراك القلب 91
بيان أنّ عدم الوجدان متوقف على الفحص التام و هو غير متيسّر 92
بيان بعض ما ورد عنهم (ع) في عدم إدراكه تعالى بالحواس 92
استدلال الصادق (ع) بالرؤيا و الاحتلام و التفكر على أن القلب أصل في الإدراك 95
حجّة الطبيعي و اضرابه في جهة الاثبات 96
محلّ النزاع بيننا و بين الطبيعي 97
بطلان مذهب الطبيعي في كلام الصادق (ع) 97
إبطال الطبيعة و غيرها ممّا يفرض ببرهان ترديدي علمى 98
الطبيعة مع الغضّ عما فيها، غير مغنية فيما يتّفق على خلاف العادة 103
تقرير مذهب الدهري القائل بالإهمال المطلق 103
حجّة الدهرى القائل بالإهمال 104
تقرير مذهب الدهري 104
الجواب عن الدهرية 105
الآفات و المصائب و سلب النعمة يدل أيضا على المدبر الحكيم، لا على الاتفاق 105
اختفاء السبب لا يدلّ على عدم المسبب 105
منشأ حدوث قول الدهري بأن العالم حادث بالاتفاق و الصدفة 106
حديث المفضّل 107
كلام الصادق (ع) في ردّ الإهمال، و إثبات الصانع المدبر الحكيم 107
علة حدوث القول بالإهمال في كلام الصادق (ع) 107
حديث المفضّل 108
حديث المفضّل 110
تفكّر في النجوم 110
تفكّر في الفلك و شمسه و قمره و نجومه ... 111
حديث المفضل 112
تفكّر في اختلاف الليل و النهار 112
بيان حكمة المصائب و الآفات و ... في كلام الصادق (ع) للمفضّل 113
حكمة الآفات و البلايا في الأقوال و الأنفس لأصناف الناس 114
في إبطال أزلية الأشياء بالخصوص مضافا إلى ما تقدم، و إبطال أزلية النجوم أيضا 118
طريق إبطال الأزلية، و إثبات ضدّها 118
حجة القائلين بأزلية الأشياء و جوابهم 118
إثبات الحدوث لجميع أجزاء العالم 119
الليل و النهار حادثان 119
محاجة النبيّ (ص) مع القائلين بأزلية الأشياء 119
دليل حدوث الليل و النهار 120
إثبات الحدوث لكل ضدّين 121
دليل حدوثية النجوم 121
دليل حدوثية الفضاء 122
قول الصادق (ع) في بطلان أزلية الأشياء و النجوم 122
إبطال أزليّة الأرواح و تناسخها 126
أقوال طوائف التناسخية 126
المقصد الثاني: في التكلّم في ذاته تعالى 130 و 131
أقوال الطوائف المختلفة في ذاته تعالى 131
بيان اختلاف الأقوال في ذاته تعالى 132
بيان ما ورد عن أهل البيت (ع) في ذاته تعالى إجمالا، و أنّه لا يدرك و لا يوصف 132
الأصل في امتناع الادراك، امتناع الذات، لا قصور المدركات، و إن كانت هي قاصرة بالذّات 139
دليل امتناع إدراك ذاته تعالى في مذهب أهل البيت (ع) 139
دليل امتناع إدراك ذاته تعالى عند غيرهم (ع) 139
بيان معنى امتناع الادراك 139
فصل: فمن ذلك نهيهم (ع) عن الخوض في ذاته تعالى 142
نهيهم (ع) عن التفكر في ذاته تعالى 145
تأويل ما ورد عنهم (ع) في جواز التفكر في ذاته تعالى 145
فصل: و من ذلك، قولهم (ع) بأنه لا يوصف و لا يعلم ذاته، و أنّه لا يوصف إلّا بما وصف به نفسه 146
أمّا القسم الأوّل من الأخبار 146
و أمّا القسم الثاني من الأخبار 151
فصل: و من ذلك ما ورد عنهم (ع)، من أنّ المعرفة بالبيان، لا بالاكتساب 155
ما المراد بالمعرفة هاهنا؟ 156
فصل: و من ذلك ما ورد عنهم (ع)، من أنّه لا يعرف كنه ذاته، و لا كنه صفته، و لا يقع في إشارة و لا عبارة 157
عدم معرفة كنه ذاته 157
ما ورد عنهم (ع) في عدم معرفة كنه صفته تعالى 161
فصل: في حق المعرفة و حدّ القول فيه تعالى 162
فصل: و من ذلك أنّه تعالى عندهم غير محدود و لا متناه، و هذا الفصل كالأصل بالنسبة إلى غيره 168
فصل: و من ذلك، أنّه تعالى عندهم (ع) لا كيف له، فلا يكيّف ذاتا و صفة 179
النظر في حال المدركات، و تحقيق قصورها عن إدراكه تعالى 184
تقسيم الفلاسفة للقوى المدركة 184
لما ذا نبحث عن المدركات؟ 185
القلب و ما يراد منه 186
مدى مدركات العقل 189
ما ورد عنهم (ع) في قصور إدراك العقول و الأوهام عن كنه معرفته تعالى 189
في أن المدركات قاصرة عن إدراكه تعالى و قصورها غير قابل للزوال 196
و ممّا يتعلّق بذاته تعالى أنّه ليس بجوهر، و لا عرض، و لا جسم، و لا صورة و لا شبح، و لا مثال 201
و ممّا يتعلّق بذاته تعالى، نفي التركيب و التجزية عنه، ذاتا و صفة 213
و ممّا يتعلق بذاته تعالى نفي التشبيه، و أنّه لا يشبه شيئا، و لا يشبهه شيء، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير 218
خلاصة قولهم (ع) في التشبيه 219
تشبيهه تعالى من أعظم الذنوب و دليل على عدم عرفانه تعالى 222
حدّ العرفان، معرفته تعالى بلا تشبيه 223
تشبيهه تعالى بخلقه شرك و كفر 223
تساويه تعالى بمخلوقاته كفر 224
لا تضربوا لربكم أمثالا 224
اللّه تعالى لا يقاس بشيء 225
ذكر ما ورد عن أهل البيت (ع) من التوجيه فيما يوهم التشبيه 230
و ممّا يتعلّق بذاته تعالى، أنّه ليس من المحسوسات، فلا يدرك بالحواس مطلقا 237
فصل: في نفي رؤيته تعالى على الإطلاق 240
بيان الأقوال في رؤيته تعالى على وجه الاختصار 240
تقرير مذهبهم (ع) في امتناع رؤيته تعالى 241
علل امتناع رؤيته تعالى عند أهل البيت (ع) 245
من شروط المرئي كونه في مكان وجهة 246
من شروط الرؤية المواجهة و المقابلة 246
احتجاب آخر له تعالى 255
احتجاب لطفي 255
احتجاب لطفي 255
موافقة مذهبهم (ع) في نفي رؤيته تعالى للقرآن 258
استدلال الأشاعرة على إمكان الرؤية بآية (لَنْ تَرانِي )259
ردّ استدلال الأشاعرة 259
ما ورد عن الرضا (ع) في تفسير آية (لَنْ تَرانِي )259
قول المؤلف في آية (لَنْ تَرانِي )261
في أنّه تعالى لا يرى في المنام، كما لا يرى في اليقظة، و في الآخرة كما في الدنيا 261
تحقيق حول الرؤية في المنام 262
نفي رؤيته تعالى في المنام 263
نفي رؤيته تعالى في الآخرة 263
في تكذيب ما نسب إلى النبيّ (ص) من الرؤية، و تأويل ما يوهمها، أو يوهم جوازها 265
رؤية النبيّ (ص) لجبرئيل و الآيات الكبرى الاخرى في المعراج 268
ذكر حديثين يوهمان رؤيته تعالى بالعين و تأويلهما 271
بيان آيتين موهمتين لرؤيته تعالى بالعين و تأويلهما 272
في نفي الادراك القلبى المعبّر عنه بالكشف و التجلّي القلبي 273
ادعاء الصوفية و الفلاسفة رؤية اللّه بالكشف 273
حجتهم لادّعائهم 273
منازل السالكين عندهم 273
ما هو المراد بالفناء 273
أوّل من أبدى الكشف في الاسلام 274
استعانة الصوفية بالفلسفة في دفع الخرافات في رؤيته تعالى 274
إحداث الصوفية قولا بديعا تبعا للفلاسفة، بأنّ ذاته تعالى وجود مطلق 275
إخفاء هذا القول من جانب القائلين خوفا من القتل و التكفير 276
أوّل من تجرّى منهم في إبراز هذا القول 276
تقرير لبطلان الكشف، و امتناعه على مذهبهم (ع) بما يستفاد من أقوالهم (ع) 277
القائلون بالكشف، هم القائلون بوحدة الوجود 277
انحلال القول بالكشف إلى دعاوى ثلاثة عند التحليل 277
امتناع كشف ذاته تعالى في مذهب أهل البيت (ع) 278
وجهان في إبطال توهّم القائل بالكشف 278
الكلام في شأن القلب و كيفية إدراكه الأشياء 279
القلب في القرآن 279
ما هو القلب الذي لن نعقله؟ 281
بيان ما ورد عنهم (ع) في خصوص القلب الذي توهموا أنه كاشف حقيقة ذاته تعالى 282
بيان ما ورد عنهم (ع) في امتناع إدراك ذاته تعالى بما هو ذاته، إجمالا 283
إبطال ما تمسك القائل بالكشف بكلماتهم (ع)، من الأدعية و الأخبار أو ما يوهم ذلك 290
بيان استشهاد القائل بالكشف بما ورد عنهم (ع)، و إبطاله 291
تفسير رؤية القلب بالمعرفة القلبية في كلامهم (ع) 291
تفسير الرؤية بعقد قلب المؤمن بالغيب في كلام أمير المؤمنين (ع) 292
بيان معنى الرؤية في كلام الصادق (ع) 293
الرؤية القلبية عندهم (ع) هي المعرفة الايمانية 295
استشهادهم على الكشف بدعاء عرفة 295
الجواب عن استشهادهم 296
كلام العلامة المجلسى (ره) حول إلحاق الزيادة بدعاء عرفة من جانب بعض الصوفية 296
كلام المصنّف حول هذه الزيادة 296
الكلام في الجملة المستشهد بها من دعاء عرفة على الكشف 297
و ممّا يمكن أن يستشهد به كلام زين العابدين (ع) في دعاء أبي حمزة 301
و ممّا استشهد به حديث منصور بن حازم 302
الاحتمالات في حديث ابن حازم 302
و ممّا استشهد به كلام أمير المؤمنين (ع) 304
و ممّا استشهد به ما ورد في رؤية النبي (ص) ليلة المعراج 306
و ممّا استشهد به جملة من مناجاة الشعبانية 307
و ممّا استشهد به ما في المناجاة الثامنة من المناجاة الخمس عشر 307
و ممّا استشهد به جملة من حديث سدير عن الصادق (ع) 309
الجواب عن هذا الاستشهاد 310
و ممّا استشهد به ما في بعض الأحاديث القدسية 312
و ممّا استشهد به كلام أمير المؤمنين (ع) (لو كشف الغطاء ...) 313
و ممّا استشهد به كلام أمير المؤمنين (ع) في رؤية الأشياء و رؤية اللّه معها 313
و ممّا استشهد به ما ورد في القرآن و الروايات من لفظ التجلي 314
التجلّي على نوعين: خاصّ و عامّ 314
التجلّي عند الصوفية نوعان 316
التجلّي الشهودي عندهم على أربعة أنواع 316
المقصد الثالث: في ذاتياته تعالى 318
إنّه تعالى موجود بنفسه، غير مصنوع، و قائم بذاته غير معلول 319
ترتيب بحث أهل الكلام في اللّه بعد إثباته تعالى 319
التفسير الجامع للذّات و الذاتي 320
ما هو المراد من الذاتي؟ 320
أوّل الذاتيات: قيامه بالذات 321
اللّه تعالى علّة كلّ شيء 322
اللّه تعالى مكوّن و مصوّر الأشياء 322
اللّه تعالى صانع الأشياء و ليس بمصنوع 323
ما هو تعريف القديم؟ 323
الموجود بذاته يقتضي القدم 324
الموجود بذاته يقتضي الأزليّة و الأبديّة و البقاء 324
القديم الأزلي ليس محدود بغاية 325
كلّ ما محدود بغاية فهو ذو أجزاء 326
ثانيها: أظهر خواص القديم 338
ثالثها: القديم: هو الأول بلا أوّل، و الديموم: هو الآخر بلا آخر 329
رابعها: القديم لا يكون زمانيا و لا مكانيا 332
حدوث الأشياء دليل قدمته تعالى و زوالها دليل ديموميته تعالى 334
خامسها: القديم لا يكون إلّا فردا واحدا 335
فرض تعدد القديم و إبطال هذا الفرض 337
تعدد القديم يلزم نقصهما معا 338
سادسها: أنّ القديم لا بدّ أن يكون كاملا 339
سابعها: القديم واحد حقيقي غير مجزّإ 339
ثامنها: القديم لا تعرف كيفية أزليته و أبديته 341
تنبيه: القديم لا يتصف بصفات الحادث 342
و من ذاتياته تعالى: وحدانيته المطلقة؛ أي أحديّته و واحديّته 343
بيان ما ورد عنهم (ع) في التوحيد، من فضله و أهميته و ... 344
أوّل الدين معرفته تعالى، و أصلها التوحيد 344
التوحيد نصف الدين 344
التوحيد أوّل مفروض على العباد و أفضل أعمالهم 345
التوحيد حصن اللّه تعالى 345
جسد الموحّد حرام على النار 345
التوحيد ثمن الجنّة 345
التوحيد مما قد أمر اللّه به 346
تنويع التوحيد و اعتباره في الدين عند أهل البيت (ع) 347
توحيد المطلق أصل الدين عند أهل البيت (ع) 347
التوحيد عند المتكلمين على نوعين 348
ما لا يحدّ لا يعد 349
ما الفرق بين الأحد و الواحد؟ 350
بيان اهتمام الاسلام بالتوحيد العبادي، أكثر من التوحيد الربوبي، و وجه ذلك 351
وجه اهتمام الاسلام بالتوحيد العبادي و المتكلمين بالتوحيد الربوبي 351
تسالم عقلاء البشر على التوحيد 352
ما هي الحجة لاثبات التوحيد؟ 353
الحجة في إثبات التوحيد هي الحجة في إثباته تعالى 353
توحيد الصانع يعرف بالآثار و الآيات كاثباته تعالى 353
ما هو المناط في الدليل العقلي؟ 354
في أنّ التوحيد على الأصل، و يكفيه أدلّة إثبات الصانع؛ و موافقة الخصم في التوحيد، فعليه الدليل في الزائد 355
بيان وجوه ثبوت التوحيد عند الخصم 355
النوع الأوّل من الأدلّة العقليّة: ما يثبت استحالة الزائد على الواحد 356
الأول: ما وجوده بذاته لا بدّ أن يكون جميع ذاتياته كذلك 357
الثاني: كل ما اقتضاه ما بالذات، لا يجوز زواله و تبديله 357
الثالث: لا يصير ما بالذات معرض الحوادث 357
الرابع: ما بالذات، لا يكون محدودا 358
الخامس: ما بذاته لا بغيره، فهو غنى الذات في الوجود و الصفات 358
ما هو الدليل على اشتراط الكمال فيما بالذات؟ 359
السادس: ما بالذات ليس بمركب 359
تقرير وجوه استحالة تعدد الصانع 360
فرض التعدد ابتنى عقلا على أن كان ذاتا ممكنا 361
الوجه الأول: فرض التعدد يوجب المحدودية 361
الوجه الثاني: التعدد يستلزم الحدوث 363
الوجه الثالث: استحالة التعدد، لاستحالة الصنع معه 364
الوجه الرابع: استلزام تعدد الصانع، الضعف و العجز في كل منهم 366
الوجه الخامس: استلزام التعدد، الضعف و المغلوبيّة 367
الوجه السادس: استلزام التعدد، وقوع التزاحم و التمانع في المرادين، أو إمكانه 368
الوجه السابع: استلزامه إمكان التنازع بينهما في مصنوعاتهما 371
الوجه الثامن: استلزام التعدد، الافتقار 372
الوجه التاسع: استلزامه التركيب 372
الوجه العاشر: التعدد و التماثل، يستلزمان التماثل من جهة و التغاير من جهة اخرى 374
الوجه الحادي عشر: فرض التماثل و التغاير في القديم ممتنع الثبوت في ذاته 375
النوع الثاني من الأدلّة العقليّة: الأصول العقليّة التي يعتبرها العقلاء، و يعتمد عليها العقل عند القضاوة، و تسمى ب «الحجة العقلية» أو «العقلائية» 376
تمامية الحجة على نفي الزائد عند العقل من وجوه 376
أحدها: عدم الدليل على الزائد 376
ثانيها: وحدة الصنع عند أهل الخبرة، دالّة على وحدة الصانع 378
ثالثها: الاتصال في التأثير 379
ما هو المراد بالاتصال، و ما الفرق بينه و بين وحدة الصنع؟ 379
في مقالة الثنوية و إبطال حجّتهم 385
و الأصل في ابتداع قول الثنوية، خروجهم عن عهدة التكليف 386
مقتضى دليل الثنوية كثرة الأنداد 386
احتجاج الرسول (ص) مع أهل الأديان و إبطاله حجة الثنوية 387
الكلام في التوحيد العبادي، و أنّه عقليّ ثانويّ 389
ما هو التوحيد العبادي؟ 390
ما هو الشرك؟ 390
وجه الافتراق بين الشرك التوحيدي و الشرك الربوبي 390
يجوز أن يحكم الشرع و العقل بالشرك العبادي 391
الشرع، هو الأصل في الاشتراك العبادي نفيا و إثباتا 392
نهي الشارع عن الشرك العبادي 393
تتمّة في التوحيد الايماني 393
للتوحيد الايماني جهات ثلاث 394
أقسام الشرك 394
تنبيه على فساد توهّمين: هما، إفراط و تفريط 395
الشرك العبادي قابل للاشتباه و محل للتشكيك 396
الافراط و التفريط يكون في الشرك العبادي 396
هل التوسل شرك؟ 396
حقيقة التوسل 397
لو سلّمنا بانّ التوسل شرك فلا مانع بعد إذن الشارع 398
دفع التوهم الثاني الذي توهمه المفرطون، و هم الصوفية 399
مقدمات قول المفرطين 399
إبطال قول الصوفية 400
الجزء الثاني: و من ذاتياته تعالى و توحيده، بينونته و انفراده عن خلقه ذاتا و صفة، و كذا عينا و خارجا، فلا وحدة و لا حلول و لا اتحاد 405- 406
أول من أحدث القول بوحدة الوجود 406
توضيح تفسيرها و بيان منشأ القول بها 407
منشأ القول بوحدة الوجود 407
أقوال الفلاسفة في مبدأ تكوين الكائنات 408
قول الاتحاد بين الخالق و المخلوق مخالف للشرع و العقل 410
تأويل القول بالوحدة 410
أقوال الفلاسفة و العرفاء في الفرق الاعتباري بين الخالق و المخلوق 411
قول السبزواري في الفرق الاعتباري 412
قول صدر المتألهين في الفرق الاعتباري 412
إتباع حكمة اليونان، موجب للضلالة و توهّم هذه الأقوال 414
الإشكال على فرضية الماهية و الوجود 414
أوّل الكلام مع الفلاسفة الاشكال على انحصار المتحقق في الوجود و الماهية 415
إقامة الدليل على انحصار المتحقق من بعض القائلين به 416
جواب هذا الدليل 416
الوجه الصحيح لحصر المتحقق في الوجود و الماهية 419
ذكر أدلّتهم على منع الجمع، و إبطالها 420
ذكر أدلّتهم على منع تأصل الوجود و الماهية معا 420
الأوّل: وفاق الحكماء 420
الثاني: لو يكونا أصلين لكان شيء واحد شيئين 420
الثالث: لزوم قيام الماهية بنفسها لا بالوجود 421
الرابع: الصادر الأوّل يصير اثنين 421
الخامس: لو تأصّل الوجود و الماهية، لأثّرا 421
السادس: عدم صحّة الحمل فيما بينهما 422
ذكر أدلّة القائلين بأصالة الوجود و إبطالها 423
الدليل الأوّل: أنّ الوجود منبع كلّ شرف و خير 423
دفع هذا الدليل 424
تأويل القائلين بأصالة الوجود للشرور في العالم 424
الشرور أعدام للملكات عند القائلين بأصالة الوجود 424
الشر و الخير كلاهما عند المصنف، أمران وجوديان 425
الدليل الثاني: أن الوجود منشأ الآثار 425
دفع هذا الدليل 425
نقل قول السبزواري 425
الموجودات الذهنية على نوعين 426
الدليل الثالث: أن الوجود قابل للتشكيك 428
دفع الدليل الثالث بوجوه، الأول: نفي قبول التشكيك في الماهيّة غير وفاقي 429
الوجه الثاني: عدم تمامية دليل نفي التشكيك 430
الوجه الثالث: المعارضة بالوجود 430
الوجه الرابع: شهادة الوجدان بأن لها مراتب 431
الوجه الخامس: الداخل الجامع ثابت 431
الوجه السادس: القول بتشكيكه ليس من المتفق 431
الدليل الرابع: أنّ الماهية لها مراتب في الضعف و الاشتداد فلو كان أصيلا في التحقق لزم تحقق ما لا نهاية له و حصره بين الحاصرين 432
دفع هذا الدليل نقل قول السبزواري 433
ردّ هذا التوهّم 433
حاصل الدفع 433
حاصل البحث 435
الدليل الخامس: الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي، لا موجودة و لا معدومة 435
دفع هذا الدليل بأمور 436
الأول: 436
الأمر الثاني 437
الأمر الثالث 437
الأمر الرابع 437
إبطال ما قاله السبزواري 438
الدليل السادس: أنّ الماهيّة لا وحدة لها، و الوحدة لازمة في التوحيد و الحمل 440
تحقيق الحقّ في الوجود و الماهيّة 450
المعنى اللغوي و العرفي للوجود 450
حقيقة الوجود عندنا، كانت ذوات الأشياء و لا غير 451
حقيقة الوجود عند الفلاسفة 451
المقدمة الثانية لوحدة الوجود: دعوى الاشتراك المعنوي له 452
ذكر أدلّتهم على الاشتراك المعنوي، و إبطالها 454
الأوّل: صحة التقسيم كاشفة عن وحدة المقسم 454
الثاني: بقاء الوجود لو حصل لنا الاعتقاد، مع تبدّل هذا الاعتقاد من الوجوب بغيره او بالعكس 455
الدليل الثالث: الوجود متحد كما اتّحد العدم، للمقابلة التي بينهما 456
لازم القول باصالة الوجود، الاشتراك اللفظي 458
ذكر أدلّة السبزواري على الاشتراك المعنوى و إبطالها 459
الاستدلال بوجوه اخر 462
الأوّل: معطي الشيء ليس فاقده 462
الثاني: العلم بالعلّة، يستلزم العلم بالمعلول 463
الثالث: القول بأنّ وجود علّة تمام حدّ، و الجواب عنه 464
تقرير بساطة حقيقة الوجود 464
في أن كلامهم في جزئية الوجود و بساطته، و جزئية الواجب و بساطته، دوريّ 466
كلام قطب الدين الرازي في جزئية الوجود و الواجب و بساطتهما 468
تقرير قولهم في وجود الممكن، و زوجيّته، و كيفية بسط الوجود على الماهيّات 470
ذكر بعض التوالي الفاسدة لهذا القول، و المشكلات التي يستلزمها 474
الأوّل و الثاني: كيف يكون الوجود منشأ انتزاع الماهية، و هما معاندان و ضدان و لا سنخية بينهما؟ 474
الثالث: العرض الحادث بعد الوجود، ممّا ينتزع 475
الرابع: يستلزم هذا القول المسخ و الاستحالة 475
الخامس: كيف صار الموجود البسيط وجودات حقيقة؟ 476 هداية الامة الى معارف الائمة ؛ النص ؛ ص870
عتبارية الوجود الواقعي؟ أم كيف حدّدته قبل انتزاعها من منشأ انتزاعها 476
الثامن: من أين حاز العالم انبساطه؟ مع بقاء الوجود على بساطته؟ 477
التاسع: كيف كان بسط الوجود على الماهيات، و هي معدومة؟ 477
العاشر: كيف تكون الأشياء الخسيسة، مظاهر ذاته تعالى؟ 478
الحادي عشر: هل الماهية مؤثرة في جعل الوجود ذا حصص مغايرة؟ 479
الثاني عشر: اتحاد الخالق و المخلوق يستلزم القول بوحدة الوجود و أصالته 480
الثالث عشر: يستلزم على القول بها الاذعان بأنّه الآن على ما كان و لم تنثلم وحدته 481
الرابع عشر: يستلزم هذا القول، الخوض في ذاته تعالى و اكتنانه مع النهي عنه 481
الخامس عشر: يستلزم أيضا تشبيهه بالمخلوق 481
السادس عشر: يستلزم أيضا نفي مخلوقية الوجود 482
السابع عشر: يستلزم أيضا، نفي ما بالغير في الموجود 482
الثامن عشر: يستلزم أيضا، نفي الصادرية و إنكار العلية، مع أنّ فلسفتهم مبتنية عليها 483
التاسع عشر: بل يستلزم نفي كلّ علّة و معلول 483
العشرون: يستلزم أيضا، عدم التباين للأشياء 483
الحادي و العشرون: يستلزم أيضا، القول بوحدة جوهرية الأشياء كلّها 484
الثاني و العشرون: يستلزم أيضا، القول بعدم التشكيك في الوجود 484
الثالث و العشرون: على القول بأن الماهيات اعتبارية، فممّ الاختلاف في الآثار الواقعية؟ 484
ذكر بعض الاختلافات في الموجودات، الدالة على أنّ الماهيات مجعولة 485
الرابع و العشرون: يستلزم هذا القول، محالية كسب الكمال 486
الخامس و العشرون: لو أمكن الكسب، لا فائدة له 487
السادس و العشرون: يستلزم أيضا الانكار للمعاد 487
السابع و العشرون: يستلزم هذا القول أيضا إنكار الجزاء 488
الثامن و العشرون: يستلزم أيضا إنكار التكليف و الحدود 488
التاسع و العشرون: لازم هذا القول أيضا، إنكار كون الأفعال للعباد 488
الثلاثون: و لازم هذا القول أيضا، اتّصاف اللّه بجملة الأضداد 489
الحادي و الثلاثون: من أبى عن نسبة الفواحش و الصفات المتضادة إلى اللّه، فالماهية إذن مؤثرة، و على الوجود قاهرة 490
الثاني و الثلاثون: لا مفرّ لقائل هذا القول عن الجبر أصلا 490
إبطال وحدة الوجود، أو كونه تعالى هو الوجود على مذهب أهل البيت (ع) 492
عندهم (ع): وجوده تعالى إثباته، لا إنّه الوجود 492
عندهم (ع): ذاته تعالى مباين لكل شيء 493
عندهم (ع): هو تعالى في الإنيّة مباين للحق 493
و عندهم (ع): هو تعالى بان من الخلق، و ليس شيء مثله؛ أحديّ الذات لا شبه له 494
و عندهم (ع): ليس في الانسان و آدم (ع) جوهريته تعالى، كمثل ما ليس عليه صورته 495
و عندهم (ع): أنّه تعالى من خلقه خلو كما يكون الخلق منه خلوا 496
و عندهم (ع): أنّه تعالى ليس بمعبود في الهواء 496
و عندهم (ع): أنّه تعالى لا يتجزأ، بل و ليس ينتمى بقلّة و كثرة 496
و عندهم (ع): و هو تعالى حدّ الأشياء عند الخلق كلّها 497
و عندهم (ع): ممتنع في ذاته تعالى، ما جاز في ذوات مخلوقاته 497
في أنّ البينونة، بينونة بالكينونة، لا بالعزلة عن خلقه في التدبر 499
بعده ليس بعزل و مقاعسة، و قربه ليس بالوصل و الملامسة 501
و هو تعالى، داخل في الأشياء غير مازج بها، و ليس بخارج منها 502
استظهار بطلان وحدة الوجود، أو كونه تعالى هو الوجود، من الفصول المتقدمة 503
حدّ القول في ذاته تعالى، أنّه شيء و موجود فقط 503
هم (ع) القائلون بأنّ ذاته لا يحدّ 503
من قال: إنّ ذاته تعالى الوجود، فقد حدّه 503
هم (ع) القائلون بأنّ ذاته لا يوصف باللسان، و القائل بالوجود قد وصفه باللسان 504
هم (ع) القائلون بأنّ الشيء يطلق على كل شيء و كل شيء سواه مخلوق 505
هم (ع) القائلون بأنّه تعالى ليس ينكشف بالعقل 506
و أمّا القائل بالوجود، قد حدّه تعالى 507
و هو أيضا، قد شبّهه 507
القائل بأنّه تعالى الوجود، وقع في المحذورين 508
انطباق ما أبطل الصادق (ع) به مقالة الثنوية، على مقالة وحدة الوجود 508
الثنوية يقولون بالنور و الظلمة، و هؤلاء يقولون بالوجود و الماهية 508
كلام الصادق (ع) في ردّ الثنويّة 509
النظر في الحلول و الاتحاد 513
ما هي حقيقة الاتحاد و الحلول؟ 513
الدفع لهذه المقالة 513
و من ذاتياته تعالى: حياته و غناه 514
بيان قول الأشاعرة و المتكلمين و الفلاسفة في حياته تعالى على الاجمال 514
التحقيق في حياته تعالى 515
صانعيته تعالى، اقتضت حياته تعالى 515
الكلام في حياته تعالى تفصيلا 515
هو تعالى حيّ لنفسه فلا محيي له 516
لا كيف في حياته تعالى و لا هي محدثة 516
الكلام في غنائه تعالى تفصيلا 517
في العلم و القدرة و السّمع و البصر، من الصفات الذاتية؛ و أنّها و سائر الصفات الذاتية، عين الذات 518
الجهة الأولى: صفاته تعالى، كلّها (ذاتية كانت أو فعلية) قائمة بالذات 519
الجهة الثانية: وصفه الفعليّ، وصف ذاته تعالى أيضا 519
الجهة الثالثة: الوصف الفعلي، قديم بالاتصاف الشأني، و حادث بالاتصاف الصادر 520
بيان مذهب أهل البيت (ع) في صفاته 520
عندهم (ع) صفات ذاته تعالى، عين ذاته تعالى 521
قول الاشعري في صفات ذاته تعالى 521
قال روزبهان: الأشاعرة هم القائلون: إنّ صفاته قديمة، و زائدة على الذات 521
و عندهم (ع) من قال بزيادة الصفات على الذات، غير موال لهم (ع) و مشرك بربّه تعالى 522
و عندهم (ع) اللّه تعالى صمدىّ الذات، نور الذات، و عالم الذات 523
و عندهم (ع) هو تعالى نور لا ظلمة فيه أبدا 523
و عندهم (ع) ذاته سميع و عليم و قدير و بصير ... في الأزل، لا إنّه يعلم المعلوم و يقدر المقدور 524
و عندهم (ع) هو تعالى عالم الذات، و قادر الذات، لا معلوم أو مقدور في الكون 525
و عندهم (ع) يبصر الأشياء و يسمعها بنفسه تعالى، لا بسمع و بصر 526
و عندهم (ع) هو تعالى ليس إلّا نفسه، و النفس هو 527
و عندهم (ع) ليس بينه و بين علمه تعالى حدّ 527
و عندهم (ع) هو تعالى يسمع الأشياء بما يرى و يبصرها بما يسمعها 527
و عندهم (ع) هو تعالى في الذات و المعنى يكون واحدا، و الأحدى لا يتجزأ أبدا 528
و عندهم (ع) هو تعالى واحد، و ليس فيه الاختلاف و الكثرة و القلّة 529
و عندهم (ع) التوحيد الكامل الخالص، نفي الصفات عنه تعالى 529
و عندهم (ع) من وصفه، قال باقترانه، و الاقتران موجب للتثنية 529
و عندهم (ع) لا تحيط ذاته تعالى صفاته، إذن تناهى الذات بالحدود 531
و عندهم (ع) معنى علّية الصفات لذاته تعالى، التجريد عن صفاته تعالى 531
دفع توهم أنّ القول بنفي الصفات، خلاف ظاهر الاثبات 532
في أنّ هذه الأربعة، و كذا ساير صفات الذات، أزلية كالذات 533
حيثما ذاته تعالى قديم أزلي، هكذا وصف ذاته تعالى من الأزل 534
قولهم (ع) في أزلية صفاته تعالى 535
أسماؤه تعالى ليست للتشبيه، بل للتعريف و التنزيه 535
علمه تعالى بالأشياء، ليس عن تعلّم و تجارب و امتحان 538
المراد بنسيانه تعالى الحرمان عن ثوابه في الآخرة لمن ترك طاعته في الدنيا 539
العلم من كماله تعالى، و لا يوصف كذاته تعالى بالأين و الكيف 540
أبحاث تتعلق بالعلم خاصّة 540
من ذلك: أنّه تعالى، عالم بالمعدوم و بالكائن، قبل أن يكون 540
اختلاف الفلاسفة في علمه تعالى 540
اختلاف القائلون بعلمه تعالى بما عدا ذاته، في كيفيته أيضا 540
قول ثاليس الملطي في كيفية علمه 541
قول المعتزلة و الصوفية فيها 541
قول شيخ الاشراق فيها 541
قول الفارابي و أبي علي و انكسيماس الملطي فيها 542
قول فرفريوس فيها 542
منشأ هذه الأقوال الفاسدة 542
و عندهم (ع): علمه تعالى لا يوصف و لا يكيف و لا يدرك كما لا يدرك الذات 544
ما هو واجب علينا في مقام الاعتقاد بعلمه تعالى 544
و عندهم (ع) من قال بأنّ اللّه تعالى لا يعلم الشيء إلّا بعد كونه، كافر 545
و عندهم (ع) هو تعالى، يعلم الأشياء قبل الوجود، فيثبت ما يشاء و يمحو ما ثبت 547
و عندهم (ع) ليس علمه الأزلي قديما، يتعلق بالصّور 549
و عندهم (ع) علمه تعالى بالأشياء، ليس عن التفكر و لا الروية، و لا تصوّر، و لا يقاس علمه بالقياس 550
تعلق علمه تعالى بنفس الأشياء لا بصورها، لا يلزم أزلية الأشياء 551
في علمه تعالى بذاته، و علمه بأنّه واحد 551
في أنّ علمه تعالى محيط بكل شيء، و ليس شيء أقرب إليه من شيء 552
و عندهم (ع) يشهد النجوى بلا مشاهدة 553
في علمه بالغيب و الشهادة 555
خمسة أشياء لم يطّلع عليها غير اللّه تعالى 556
في أنّ له تعالى علمين: علما خاصّا، و علما عاما 557
للّه تعالى علمان: علم لا يعلمه إلّا هو، و علم علّمه ملائكته و رسله 558
فيما يتعلّق بالقدرة خاصّة 560
و عندهم (ع) من أنكر قدرة اللّه، كفر 560
و عندهم (ع) لا تبلغ العقول كنه قدرته 560
و عندهم (ع) القدرة التامة الكاملة له تعالى 560
و عندهم (ع): لا يوصف اللّه بالعجز، لأنّ قدرته تعالى كاملة تامّة 561
قدرته تعالى آبية عن الادراك، كما أنّ ذاته تعالى آبية عنه 561
في أنّ قدرته تعالى عامّة، لكنّها لا تتعلّق بالمحال 561
دليل عقلي على عدم تعلق قدرته تعالى بالمحال 562
جوابهم (ع) عن السؤال المشهور، و هو: هل اللّه قادر على إدخال العالم في البيضة بدون
تغييرهما؟ 563
و من ذاتياته تعالى سلبا: أنّه لا مثل له، و لا نظير، و لا ضدّ، و لا ند، و لا قرين، و لا كفو، و لا صاحبة، و لم يلد و لم يولد 565
دليل عقلي على أن هذه السلوب من ذاتياته تعالى 565
و أمّا الدليل النقلي 565
بيان الدليل على نفي الضد و الندّ 567
الدليل الأول: ليس بقادر من قارنه ضدّ، و لا الذي ساواه ندّ 567
الدليل الثاني: لمضادته بين الأشياء المتضادة علم أن لا ضدّ له، و بمقارنته بين الأمور المقترنة، علم أن لا ندّ له 567
و الدليل على أنّه لا يلد و ... أن لو كان مولودا لكان حادثا، و إن يلد كان الوليد وارثا 568
و من السلوب الذاتية، تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين، و عن كلّ نقص 569
هو تعالى كامل الذات، لأن النقص حدّ الذات، و الناقص قابل للزيادة، و الناقص الذات فقير الذات 569
كلّ ما يمكن فيهم يمتنع في خالقهم 570
و هو تعالى مبرأ من ذات ما ركّبه 571
و هو تعالى مباين لجميع محدثاته و خلقه في كل وصف 571
و هو تعالى قديم أحديّ الذات و لا يقبل التجزي و الانقلاب في الذات 572
و هو تعالى لا يقبل الزيادة و النقصان 573
و هو تعالى لا يقبل التشبيه و المثلية و التحديد 573
الاشتراك في الصفات الجارية علينا و عليه تعالى في الاسم لا بوجه تطرأ علينا في الكيفية 574
و من السلوب أنه لا زمان له و لا مكان و لا حركة و لا سكون 576
بيان رواياتهم (ع) في هذه السلوب 576
و هو تعالى لا يحول من حال إلى حال و لا يشغله شأن 579
و هو تعالى لا حالّ في شيء و لا محلّ له 581
من قال هو تعالى في شيء أو على شيء استقر، فقد كفر و أشرك 585
بيان علل هذه السلوب على ما يستفاد من الروايات 586
الأولى: كلّ ذا مما ذكر حدّ، و اللّه تعالى لا يحدّ بشيء 586
الثانية: كل هذه السلوب حادثة لها بدء و أمد، و القديم لا يتصف بالحدوث 587
الثالثة: اللّه تعالى خلق الأشياء كلها، و الشيء لا يعود إلى خالقه 587
الرابعة: الخالق غنيّ عما خلقه 588
لو كان محتاجا إلى مخلوقاته لكان معلولا لها 589
هو تعالى ليس محمولا على العرش و لا شيء آخر 589
ليس هو تعالى ذا عضو و ذا جثّة 590
كيف يكون العرش حاملا له، و قد كان و لا أماكن تحمله؟ 591
من قال: فيم؟ فقد ضمّنه المكان، و من قال: أين هو؟ فقد أخلى الأمكنة منه 591
الأحدي الذات لا يحلّ ذاته شيئا و لا يكون محلا لحلول مخلوقاته 592
ما ليس حادثا فلا يغير، و الانتقال حركة و تغير 593
المقصد الرابع: في أفعاله تعالى شأنه 594
يستلزم الحكمة و التدبير العلم و القدرة للتأثير 595
يستلزم العلم و القدرة أوصاف اخر، و هي المشية و الإرادة و التقدير و القضاء 596
الملاك المائز بين الصفات الذاتية و الصفات الفعلية 596
المشية من توابع العلم، و الإرادة من توابع القدرة 596
و عندهم (ع) المشيّة محدثة و مخلوقة 597
المشية عندهم (ع) منبعثة عن علمه، لا هي علم 597
و عندهم (ع) الإرادة محدثة، و من قال خلافه فليس موحدا 598
الإرادة و المشية فيه تعالى، ليستا كالمقدّر و المحدود 598
و عندهم (ع) المشية و الإرادة فيه تعالى نوعان: المشية الحتمية و غير الحتمية، و الإرادة الحتمية و غير الحتمية 600
كيفية ترتيب هذه الصفات فيه تعالى: تسبق المشيّة الإرادة، و الإرادة سابقة على البقية 602
فصل: في الاعتقاد بالقضاء و القدر 606
الاعتقاد بالقضاء و القدر فرض معتبر في الايمان 606
القضاء و القدر مخلوقان قبل الأرض و السماء 606
الاقرار بالقدر، شرط الايمان، و المكذب بالقدر لا ينظر اللّه إليه، و هو ملعون لدى كلّ نبيّ 606
القضاء و القدر نوعان: محتوم و غير محتوم 607
مبادئ التكوين سبع خصال 607
في أنّ القدر، خيره و شره من اللّه؛ إذ ليس شيء إلّا بمشية اللّه تعالى 608
الخير و الشر جميعا بالقدر، و المنكر لهذا القول كافر 609
و من يرى أنهما من نفسه، افترى على اللّه 609
في أنّ القدر؛ أي المقدرات، سرّ اللّه 611
القدر سرّ اللّه، لم يطلع عليه غيره تعالى و كشفه غير ممكن الحصول 611
و عندهم (ع) الخوض في الإثبات أو نفي القدر ليس بمحبوب 613
و في مقام الاعتقاد، حسبنا الاقرار بالمشية مع الحكمة في تقديره و العدل في قضائه 614
و من القدر عندهم (ع)، أفعال البشر من الخير و الشر؛ و هي مخلوقة خلق تقدير 615
قول الصدوق في مخلوقية أفعال العباد و إيراد المفيد (ره) عليه 616
بيان ما ورد فيه الخلق بمعنى التقدير 616
مذهب غير أهل البيت (ع)؛ من المعتزلة و الأشاعرة و سائر الناس، في القضاء و القدر 617
بيان أقوال الناس في القدر على الاجمال 617
مذهب أهل البيت (ع)، اثبات القدر مطلقا مع عدم الجبر 617
المعتزلة، هم القائلون بانكار القدر في أفعال العباد و إثباته في غيرها 617
على القول بالتفويض، فاللّه في تكليفه عباده، يكون مثلنا، يطلب ما أراد 618
تفويضان ليسا في مقابل الجبر 619
الأشاعرة، هم القائلون بأنّ التقدير و التكوين كليهما للّه تعالى 619
و عندهم (ع) نسبة الأفعال إلى العباد مجازية لا حقيقية 620
معنى الكسب على ما فسروه 620
لازم قول الاشاعرة إما الجبر أو كون الفعل للعبد حقيقة دون اللّه تعالى 621
الفلاسفة و الصوفية، هم مؤسسو الجبر 621
و أساس جبرهم، بنى على القول بوحدة الوجود 621
جبر الأشعري، ليس بتوحيد عند العرفاء 622
و عندهم (ع) عدل الأشاعرة على ما زعموا أنّه عدل ليس بعدل بل ضلال 623
تقرير ادلة المجبرة بتمامها 623
الأصل في الجبر عند المجبرة، هو التوحيد 623
استدلالهم لجبرهم بالعقل و النقل تأييدا لذلك الأصل 623
استدلال الأشاعرة و منهم الفخر الرازي على قولهم بالدليل العقلي 624
و هذا، ليس بدليل بل الشبهة التي أبسطها الفخر الرازي 624
استدلالهم لذلك الأصل بالآيات و الروايات 624
منشأ القول بالجبر هو نفي التكليف و الشرع و العقاب و الثواب 625
ترك الائتمام بالامام موجب لهذه الأوهام 625
و عندهم (ع): لا جبر و لا تفويض، بل أمر بين الأمرين 626
و أمّا الروايات التي تؤدي معنى لا جبر و لا ... بين الأمرين على طوائف أربع 627
الطائفة الأولى: ما تشمل على التفسير في الأمر بين الأمرين 627
الطائفة الثانية: ما ورد عنهم (ع) من أن القدرية (المجبرة و المفوّضة) مجوس 630
جهة تسمية المفوّضة و المجبرة بالمجوس 630
و عندهم (ع) ليس للقدرية في الاسلام نصيب و لا يدخلون الجنة 632
الطائفة الثالثة: ما ورد عنهم (ع) من إطلاق القدرية على المجبرة خاصة 633
الطائفة الرابعة: ما ورد عنهم (ع) من إطلاق القدرية على المفوّضة خاصة 635
ما ورد عنهم (ع) في خصوص المفوّضة فقط 636
في الرد على المجبرة بالخصوص، و ابطال حججهم، و بيان حكمهم 637
القائل بالجبر، مشرك و كافر، و الأئمّة (ع) منه براء 637
القائل بالجبر مفتر على اللّه تعالى 638
لم يصف اللّه بصفة العدل من نسب إليه تعالى ذنب عبده 638
بل القائل بالجبر نسب اللّه إلى الظلم على عباده، إذ كلف العاجز عن ايقاع ما كلّفه 639
إن كان العبد مجبورا يكن معذورا، و اللّه لا يعذب المجبور المقهور 640
اللوازم الفاسدة للقول بالجبر، و لا محيص عن التزام بها 641
الأوّل: لو كان الجبر، يكون بعث الرسل و الشرع لغوا باطلا 641
الثاني: لو كان الجبر، لبطل الثواب و العقاب و الوعد و الوعيد 642
الثالث: إذن، يلزم تساوى المذنب و المحسن 642
الرابع: و على الجبر أيضا، كانت الأوامر الشرعية كلها صوريّة لا جديّة 642
الخامس: و على الجبر، لا بد من التزام أحد أمرين 642
حديث الكاظم (ع) مع أبي حنيفة في إبطال الجبر 643
و على ما ذكر فالجبرى كافر، فلا تصلّ خلفه و لا تأكل ذبيحته و لا تقبل شهادته 643
في إبطال التفويض بالخصوص، و حكم المفوّضة 644
القائل بالتفويض كافر 644
التفويض كالجبر نوعان: تفويض مطلق، و تفويض خاص 644
القائل بالتفويض، وهّن سلطانه تعالى، لانكار قدرته أو لمحض إهماله 644
و القائل بالتفويض أوكل العباد إلى أنفسهم 645
المفوّض يحشره اللّه مع المجوس و النصارى و الصابئين 645
و اللّه تعالى، دائما في التقدير بملكه لاحتياج الملك إليه 646
و الحق الثابت بالعقل و الكتاب و السنة، لا حول و لا قوة للعبد إلّا بربّه تعالى 647
و عندهم (ع) أنّه ما لنا مشية إلّا باللّه، فانه يحيي و يفني و يمرض و يشفي حين شاء 648
تحقيق في مشية اللّه و مشية العبد 649
ذكر الآيات التي تدل على مشيته المطلقة 650
كيف أهمل عباده عن التكليف و هو تعالى عالم بما يعملون؟ 653
تفسير الأمر بين الأمرين بما ورد عنهم (ع) 654
تحرير محل النزاع في الجبر و التفويض في خصوص أفعال العباد 654
و عندهم (ع) منزلة بين الجبر و التفويض، أوسع مما بين الأرض و السماء و هو الاختيار 655
و اختيار العبد ليس بالاستقلال، بل بالاقدار منه تعالى 656
ارتفع التفويض بوجوب التكاليف، و الجبر بالاقدار منه تعالى 657
تقديره تعالى، لا يمنع تخيير العبد، و التخيير لا يخلو عن التكليف 657
العبد يختار بما أقدره 659
محض تقدير الفعل من اللّه تعالى ليس بسالب للاختيار 660
العبد قادر على مخالفة التقدير غير الحتمي 660
هو تعالى كلّف العبد للابتلاء مع علمه بمعصيته 662
و هو تعالى، لا يكلّف نفسا إلّا وسعها 663
استطاعة العبد قبل فعله و معه، خلافا للأشاعرة و المعتزلة و الحكماء 664
تحقق الاستطاعة إنّما يكون بعد حصول خمسة أو أربعة من الأسباب 666
بالاستطاعة يطاع اللّه و يعصى 667
الاستطاعة نوعان: استطاعة في التكليف، و استطاعة في القدر 668
و عندهم (ع) أنّ القدر و الاستطاعة معا في التكليف و غيره 668
المستطيع للقدر يستطيع بالفعل 669
لو شاء اللّه أن يحول بين العبد و بين ما نوى لفعل 671
العبد فاعل لما اشتهاه من خير أو شر 672
الخير فعل العبد و اللّه أمر به، و الشر فعله أيضا و اللّه زجر عنه 672
الأعمال على أنواع ثلاثة: فرائض، و فضائل، و معاصي 673
شاء اللّه لعبده استطاعة على ما لم يشأ 674
و اللّه بالطاعات أولى و أحق، و العبد بالذنوب أولى 675
المسلم المؤمن إن يحسن يحمد اللّه و إن يسيء يستغفره 676
التوفيق، جعل العبد و تصييره موافقا لما أمر اللّه 678
أسباب أعمال العبد كثيرة، تختلف حسب اختلاف الأعمال 678
الخير بتوفيق اللّه للشكور، و الشر بخذلانه للكفور 680
كل من الطاعة و الكفران يتحقق بثلاثة أشياء 680
إنّ اللّه تعالى ليس ناهيا للعبد عما يريده 681
و ما يصيب الناس في أموالهم و أنفسهم من خير و شر: 1- إمّا بأعمال منهم 2- أو بقدر من اللّه. 682
القدر بمنزلة الروح، و الاعمال بمنزلة الجسد 683
إبطال شبهات الجبريّة و استدلالاتهم 684
شبهة الفخر الرازي مغالطة و سفسطة 684
البداهة قسمان: بداهة الوجدان، و بداهة الايمان 684
تقرير بداهة الوجدان من وجوه 684
شبهة العلم، هي تقرير شبهة القدر لا شيء آخر 686
علمه بأفعال البشر كعلمه بأفعال نفسه 686
إشكال على النقض و ردّه 686
الجواب الحلّي عن شبهة العلم 688
إشكال على الجواب الحلّي و ردّه 688
جواب المصنّف الحلّي عن هذه الشبهة 688
إلزام على قائل هذه الشبهة بما أورده علينا 690
زيادة إيضاح في بطلان هذه الشبهة 691
علمه تعالى بأفعال نفسه 692
علمه تعالى بافعال العباد غير ملزم للعبد 693
للعاصي مشيتان: مشية عزمية، و مشية كونية 694
تغير مشيته بمشيته الاخرى لا يلزم تغير علمه و قدرته الأزليين 694
استدلالهم بالآيات التي تشتمل على لفظ خالق كل شيء 695
و ردّت بأنّ المراد من الشيء أجناس الموجودات في الأرض و السماء و ما بينهما 696
استدلالهم بقوله تعالى:( وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ )697
استدلالهم بما دلّ على نسبة الايمان و الطاعات إليه تعالى 697
و مما استدل به، قوله تعالى:( وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) 698
و مما استدل به، قوله تعالى:( فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ )698
و مما استدل به، قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )699
و مما استدل به، قوله تعالى:( أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ)699
و مما استدل به، قوله تعالى:( وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ )700
و مما استدل به، الآيات التي تثبت له تعالى المشيّة الشأنية التعليقية 702
و مما استدل به، ما ينسب الهداية و الاضلال إليه تعالى 704
الهدى نوعان: عام و خاص 705
الهداية الخاصة زائدة على الهداية العامة بامور 706
ربما تكون أعمال العبد سببا للهداية و الضلالة 707
الاضلال و الهداية قد يكونان بالافتتان في حكم أو في أمر امتحاني 708
كيف يكون الاضلال منه تعالى، و هو ناسب إياه أيضا الى الشيطان و المضلين من الناس 709
و مما استدل به، قوله تعالى:( وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ )711
و هذه الآية، لو لا شبهة العلم لا تقتضي الجبر 711
و مما استدل به، قوله تعالى:( أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ )712
و مما استدل به، قوله تعالى:( ... إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا )713
و مما استدل به، قوله تعالى: (... وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. )714
و مما استدل به، قوله تعالى:( وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ )714
الجواب عمّا استدلّ به من الاختيار على الجبر 715
استدلالهم بالأخبار على الجبر 715
منها: ما دلّ باثبات القدر و المشيّة 715
و منها: قول النبي (ص): القدرية مجوس هذه الأمة 715
و منها: قلب المؤمن بين إصبعي الرحمن 715
و منها: قوله (ص): اللهم لا مانع لما أعطيت، و لا معطي لما منعت 716
و منها: قول علي (ع): عرفت اللّه بفسخ العزائم و نقض الهمم 716
و منها: قوله (ص): الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام 717
و منها: قوله (ص): اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له 717
و منها: ما ورد في الحديث القدسي: هؤلاء إلى الجنة، و هؤلاء إلى النار 718
و منها: قوله (ص): الشقي شقي في بطن أمه، و السعيد ... و ما ورد عنه (ص) من اختلافهما في الطينة 718
و الجواب عن الاستدلال بحديث الشقاوة و السعادة و حديث اختلاف طينتهما 719
و عندهم (ع): الشقاوة و السعادة، وصفان اكتسابيان للعبد 719
بيان ما ورد عنهم (ع) في الشقاوة و السعادة و اختلاف طينة الشقي و السعيد 720
و الخلق في كلامهم (ع) إمّا بمعنى خلق القدر، أو بمعنى خلق ما تحصل به السعادة و الشقاوة 721
بيان ما يوهم هذه الشبهة 722
وجه الإيهام 722
جواز تغيير الشقاء ما لم يكن تحتّم مشيّته تعالى 723
بيان ما ورد عنهم (ع) في جواز تغيير الشقاوة 723
و ما ورد عنهم (ع) ما بظاهره يدل على عدم جواز التغيير و التبديل فهو محمول على المشيّة الحتميّة 724
و الحاصل: الشقاوة و السعادة وصفان انتزاعيان من العمل، كالزهد و الصلاح و التقى 724
مجرد وجود التفاوت و الخلط و المزاج و الطينة، لا يوجب محالا عقلا 725
منشأ الأوهام في أخبار الطينة 725
ذكر بعض أخبار الطينة 726
ذكر الآيات التي دلّت على الاختيار، و لو بالملازمة 729
ذكر الاحدى و الثلاثين طائفة من الآيات 729
الطائفة الأولى: ما تدلّ على نسبة الأفعال من خير أو شر إلى العباد 729
و دعوى المجبّر بأن النسبة على وجه المجاز لا الحقيقة، دعوى بلا حقيقة 731
الطائفة الثانية: ما تدلّ بمعناها العرفي على اسناد الأفعال إلى العباد 731
الثالثة: ما تدلّ على نسبة العصيان و الاطاعة إلى العباد 732
الرابعة: ما تدلّ على أمره تعالى بالواجبات و الفرائض 732
الخامسة: ما فيها مدح و ذمّ، كمدح المجاهدين، و ذمّ القاعدين 733
السادسة: ما تدلّ على إثبات الجزاء دنيويا كان أو اخرويا، خيرا كان أو شرا 733
السابعة: ما فيها الأمر بالتوبة و الاستغفار 733
الثامنة: ما تدلّ على الفرق في العقاب و الجزاء بالعمد و النسيان و الخطأ 733
التاسعة: ما تدلّ على حكمة البلوى و الامتحان 733
العاشرة: ما تدلّ على نفي الإكراه عن الايمان 734
الحادية عشرة: ما نفي فيها العسر و الحرج 734
الثانية عشرة: ما نفي فيها التسبيب منه تعالى للطغيان و الكفر و العصيان و ... 734
الثالثة عشرة: ما تدلّ على الأمر بالايمان و التوكل 734
الرابعة عشرة إلى السادسة عشرة: ما تدلّ على المنهيات من اللّه تعالى كالنهي عن الشرك و عبادة الأصنام و ... 736
السابعة عشرة و الثامنة عشرة: ما تدلّ على نسبة الخدعة و المكر مع اللّه، إلى الخادعين و الماكرين 736
التاسعة عشرة: ما تدلّ بالصراحة على أنّ العمى و الصمم من العباد 737
العشرون: ما تدلّ على نفي الظلم من اللّه و نسبته إلى العباد 737
الحادية و العشرون: ما تدلّ على أن لا يكون للناس حجة على اللّه غدا 737
الثانية و العشرون: ما تدلّ على أنّ اللّه أعذر العبد و ما أجبره 737
الثالثة و العشرون: ما تدلّ على أن من زكّى نفسه فقد نال الفلاح 737
الرابعة و العشرون: ما تدلّ على وجوب التقوى و العبادة بقدر الاستطاعة 737
الخامسة و العشرون: ما فيها تكذيب قول المعذرين لعدم نصرة المجاهدين 738
السادسة و العشرون: ما تدلّ على غاية الخلقة و غاية بعث الرسل 738
السابعة و العشرون: ما تدلّ على أنّ اللّه لم يكن مغيّرا أو مهلكا بظلم 739
الثامنة و العشرون: ما تدلّ على أنّ اللّه لا يحبّ المعتدين و الظالمين و المفسدين و الكافرين 739
التاسعة و العشرون: ما تدلّ على عدم رضا اللّه بالكفر لعباده، و على تكذيب من نسب الكفر و الفحشاء إليه تعالى 740
الثلاثون: ما تدلّ على حمياته تعالى لدينه و نصرته لرسله و أوليائه 740
الحادية و الثلاثون: ما تدلّ على أنّ اللّه فطر الدين للناس و اختاره لهم 741
في إثبات البداء له تعالى، و بيان حقيقته، و كذا الإمضاء 743
البداء و الامضاء من توابع المشية 743
افتراء الفخر الرازي على الشيعة في أمر البداء 744
المنكرين توهّموا للبداء محاذير ثلاثة 744
الجواب عن هذه التوهّمات 745
مقتضى العقل وجود البداء إمكانا و ثبوتا و إثباتا 748
شهادة الوجدان بالبداء 748
ما ورد عنهم (ع) في البداء من بيان ثبوته و اثباته و فضله و التأكيد على الاعتقاد به 749
و عندهم (ع): ما بعث اللّه نبيّا إلّا بالاقرار به تعالى و بالبداء 749
و عندهم (ع): ما عظم اللّه شيئا كالبداء 750
و عندهم (ع): كلّ يوم هو تعالى في شأن 751
قول اليهود و الجبرية باطل 751
و عندهم (ع): الأمر و الخلق كلّه له تعالى 752
و عندهم (ع): للّه تعالى كتاب فيه ثبت كل شيء، من كائن أو أجل أو رزق 753
ذكر بعض ما ورد عنهم (ع) في كتاب المحو و الاثبات 753
و عندهم (ع): ما يعمر من معمر و لا ينقص من عمره إلّا في كتاب 754
و عندهم (ع): تقدر تقادير السنة في ليلة القدر 754
و أيضا ورد عنهم (ع) ما يدلّ على أنّ خصوص الأجل المقدّر في ليلة القدر مما لا يؤخّر 758
ما ورد عنهم (ع) في الأجل المسمّى و الاجل الموقوف 759
فيما يحتمل البداء، و ما لا يحتمل من الموارد 761
البداء ليس في المحتوم و الممضي 761
في بيان تأثير البداء و أسبابها، و ذكر شيء مما وقع فيه البداء 764
ردّ القضاء بالصلاة و الصدقات و الدعاء 764
و من وقوع البداء هبة آدم (ع) ثلاثين سنة من عمره لداود (ع) 764
و من وقوع البداء رحم داود (ع) على الشاب العزب 765
و من وقوع البداء، اليهودي الذي ساق الحطب 766
و من وقوعه أيضا، قول عيسى في عروس انّها تهلك 766
و من وقوعه أيضا، طول عمر حزقيل و ملكه بعد إخباره بموته 767
و من وقوعه أيضا، حطّ الأجل عن أمّة موسى 767
في اتّحاد البداء و النّسخ و اختلافهما 768
مورد النسخ الأحكام التكليفية، و مورد البداء الأمور التكوينية 768
ما هو البداء المتنازع فيه؟ 769
البداء يكون في دفع القدر غالبا 769
البداء يكون في رفع الحكم المستقر غالبا 769
النسخ يكون في رفع الحكم المستقر غالبا 770
و من أفعاله تعالى و صفاته الفعليّة، عدله 771
امتناع الظلم في ذاته تعالى عقلا، بالنظر إلى ما يلازمه 772
من حق العدل أن لا تنسب إليه تعالى ذنوب العباد 773
و أيضا اتهامه تعالى بالجبر، ليس من كمال العدل 773
دفع الشبهات و تصحيح ما يوهم خلاف العدل 774
العدل ليس تحققه دائما بالتسوية، بل التسوية إنّما هي في الحقوق 775
الإشكال في ولد الزنا من وجهين 776
الجواب عن الأوّل: عدم دخول ولد الزنا في الجنة لعدم لياقته، ليس بقادح في العدالة 776
إنّما القادح لعدالته تعالى أن يعذّبه لخبثه الباطن غير الاختياري 777
العدل أن يجزي ولد الزنا بما استحقه، لا أنّه تعالى لحقه بطيّب 777
و الجواب عن الاشكال الثاني: الخبث الباطني غير الاختياري لا يصده عن الهداية 778
ما ورد عنهم (ع) في حكم الأطفال من الكفّار 779
ما ورد عنهم (ع) في عموميّة البلايا و الاسقام التي عمّت الأطفال و ... 781
و في عموم البلاء حكم 781
البلايا التي للتأديب 782
توضيح الابهامات الموجودة في بعض الأحاديث 784
و من أفعاله تعالى عندنا، كلامه؛ و له أنواع، و الجميع، حادث، مخلوق 786
الأقوال في كلامه تعالى 786
الكلام في اللغة و الشرع 786
و عندهم (ع): كلامه تعالى فعل بأنواعه 786
الأنواع الثلاثة التي هي فعله تعالى 786
إطلاق الكلمة على التكوين في القرآن 787
إطلاق الكلمة على التدوين في القرآن 787
إطلاق الكلمة على اللفظي القولي 787
إطلاق الكلام على الكتبي في القرآن 787
و عن الأشعرى للّه تعالى نوعين من الكلام: النفسي و اللفظي 788
الأقوال في كلامه النفسي 788
كلام القوشجي في تبيين قول الأشعري 789
القول بالكلام النفسي عندنا فاسد و غير معقول و غير منقول 790
الدليل على أنّه غير معقول 791
و عندهم (ع) الكلام من آياته و مخلوق و الوصف وصف فعله لا ذاته تعالى 791
ما ورد عنهم (ع) في ان كلامه تعالى فعل و محدث 791
القول في تبيين كلامه اللفظي الصوتي 792
هو تعالى خالق في جسم أو فضاء صوتا كما كلم موسى (ع) 794
و هو تعالى مكلّم و متكلّم 794
القول في تبيين كلامه التكويني 795
الخلق و الحدث للقرآن ظاهر بالبرهان 796
أقوال مخالفينا في قراءة القرآن و حفظه و كتابته 799
للقرآن نزولات ثلاثة 799
و من فعله تعالى، خلقه الأشياء، لا من شيء، و بيان كيفية خلقه و حكمته 800
و اللّه خالق و كل شيء غيره مخلوق له 800
و هو تعالى خالق كل كائن من جوهر و عرض سوى افعال البشر 801
و من يعتقد بأنّ اللّه خلق الأشياء من شيء، فهو كافر 803
و أيضا هو خالق الأشياء لا بتفكير و لا مزاولة و لا بحركة و لا بجارحة و لا باعوان 805
و خلقه تعالى لا لحاجة و لدفع وحشته أو خوف أو نقص ... بل خلق الخلق ليبيّن به حكمته و قدرته و خلق الجن و الإنس و الملائكة ليعبدوه 807
أول ما خلق اللّه، مكانا كالفضاء، ثم خلق نور الانوار و العقل 809
و هو تعالى خالق الخير و الشر 810
و منكر الشر يكون مبدعا 810
تأويل الفلاسفة المتألهين للشّرور 810
الجواب عن هذا التوهم و التأويل 811
المقصد الخامس: في أسمائه تعالى 813
أسمائه تعالى غير ذاته و هي حادثة 814
من قال بوحدة الاسم و المسمى مشرك 814
من عبد الاسم فقط، فهو كافر، و عابد الاسم و المعنى مشرك 815
كان هو تعالى قديما لا شيء معه و لا اسم 816
و لا حقيقة للاسم إلّا انه تعبير وضعه اللّه تعالى لنا في المعرفة، نعبر به عن الذات أو الصفة 818
اللّه اسم علم لذاته تعالى و غيره اسماء للصفات و هي كثيرة 818
اسمائه تعالى تسعة في كلام رسول اللّه (ص) 819
في توقيفيّة الأسماء 821
توقيفية الاسماء مشهور عند الاماميّة و العقل يستحسنه أيضا 821
تقرير استحسان العقل 821
عدم جواز تسميته تعالى ب (واجب الوجود) 822
توصيفه تعالى ب (العاشق) و (المعشوق) من الفسوق 823
فما هو الحسنى من اسمائه تعالى ما جاء في الكتاب و الاخبار 824
ما ورد في الأخبار من اسمائه تعالى على اقسام 824
تحرير الكلام و تحقيقه في الاسم الأعظم 826
الاسم الاعظم من الرموز الخفيّة و هو من الأمور التعبدية لا العقلية 826
عدد الاسم الاعظم في الأخبار، يكون ثلاثة و سبعين اسما 826
ما ورد عنهم (ع) في عدد الاسم الاعظم 827
هل الاسم الاعظم واحد أو أسامي متعددة؟ 830
مما يستفاد من الادعية، ان تكون العظمة و الاعظمية آثارية 831
الاشكال في تعليم ابليس و بلعم بن باعورا الاسم الاعظم و جوابه 834
لا يطيق احد تعلم الاسم الاعظم غير الأنبياء و الأئمّة 834
هل البسملة و غيرها من آية أو دعاء، من الاسم الاعظم؟ 835
في معاني بعض أسمائه تعالى الواردة عنهم (ع) 837
اللّه، اسم للذات الذي هو منزه عن كل نقص و مستجمع لجميع الكمالات 837
هو تعالى، رحمن الدنيا، و رحيم الآخرة 838
و هو تعالى، الصمد المصمود إليه، كل يصمده في كل شيء و سيد في كل شيء يقصده 840
و هو تعالى، هاد لأهل السماوات، هاد لأهل الأرض 841
و هو تعالى محيط على جميع الاشياء 842
و هو تعالى ظاهر لا للعيون الناظرة بل في عقول الخلق بالتفكير في آثاره 842
و هو تعالى باطن في ذاته، فلا يرى 842
و هو تعالى، ظاهر بالقهر و السلطان و باطن بالعلم و العرفان 843
و هو تعالى، لطيف مدرك لألطف الأشياء و لا يدركه احد 844
و هو تعالى، قويّ لا لبطش، بل لما خلق القويّ أرضا و سماء 847
و هو تعالى، قاهر على جميع خلقه لا بعلاج و لا نصب 848
و هو تعالى، جواد مطلقا معطيا و مانعا 850
فهرس المحتوى 853