ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : حياه الامام محمد بن علي الجواد(ع)/ باقر شريف القرشي
مشخصات نشر : [بي جا]: موسسه الامين،[××۱۳].
مشخصات ظاهري : ج.
فروست : موسوعه حياه الائمه
وضعيت فهرست نويسي : در انتظار فهرستنويسي (اطلاعات ثبت)
شماره كتابشناسي ملي : ۱۸۹۴۴۰۴
(1) من أروع صور الفكر و العلم في الاسلام الامام أبوجعفر الثاني محمد الجواد عليهالسلام الذي حوي فضائل الدنيا و مكارمها، و فجر ينابيع الحكمة و العلم في الأرض، فكان المعلم و الرائد للنهضة العلمية، و الثقافية في عصره، و قد أقبل عليه العلماء و الفقهاء، و رواة الحديث، و طلبة الحكمة و المعارف، و هم ينتهلون من نمير علومه و آدابه، و قد روي عنه الفقهاء الشيء الكثير مما يتعلق بأحكام الشريعة الاسلامية من العبادات و المعاملات و غير ذلك من أبواب الفقه، و قد دونت في موسوعات الفقه و الحديث. لقد كان هذا الامام العظيم أحد المؤسسين لفقه أهل البيت عليهمالسلام الذي يمثل الابداع و الأصالة، و تطور الفكر. و روي عنه العلماء ألوانا ممتعة من الحكم و الآداب التي تتعلق بمكارم الأخلاق و آداب السلوك، و هي من أثمن ما أثر عن الاسلام من غرر الحكم التي عالجت مختلف القضايا التربوية و الأخلاقية. [ صفحه 10] و دلل الامام أبوجعفر الجواد عليهالسلام بمواهبه و عبقرياته، و ملكاته العلمية الهائلة التي لا تحد علي الواقع المشرق الذي تذهب اليه الشيعة الامامية من أن الامام لابد أن يكون أعلم أهل زمانه و أفضلهم من دون فرق بين أن يكون صغيرا أو كبيرا، فان الله أمد أئمة أهل البيت عليهمالسلام بالعلم و الحكمة و فصل الخطاب كما أمد اولي العزم من أنبيائه و رسله، و تعتبر هذه الجهة احدي العناصر الحية في عقيدة الشيعة. لقد برهن الامام أبوجعفر عليهالسلام علي ذلك فقد تقلد الامامة و الزعامة الدينية بعد وفاة أبيه الامام الرضا عليهالسلام و كان عمره الشريف - فيما أجمع عليه المؤرخون - لا يتجاوز السبع سنين، و هو دور لا يسمح لصاحبه - حسب سيكلوجية الطفل - أن يخوض في أي ميدان من ميادين العلوم العقلية، أو يدخل في عالم المناظرات و البحوث الجدلية، مع كبار العلماء و المتخصصين فان ذلك غير ممكن لمن كان في سن الطفولة. الا أن الامام الجواد عليهالسلام و هو بهذا السن قد خرق هذه العادة. فقد سأله أشهر علماء عصره عن أعقد المسائل الفلسفية و الكلامية و الفقهية فأجابهم عنها، و كان ممن سأله يحيي بن أكثم قاضي قضاة بغداد الذي انتخبه العباسيون لامتحان الامام فسأله عن مسألة فقهية، ففرع الامام عليها عدة فروع ثم سأله عن أي فرع أراده منها، فلم يهتد يحيي لذلك، و لم يستطع أن يتخلص مما هو فيه، و اعترف بعدم قدرته علي مجاراة الامام [1] . و لقد شغلت مناظراته مع يحيي و غيره من علماء عصره الرأي العام في بغداد و غيرها، فكانت حديث الأندية و المجالس، و تحدثت بها الركبان، و لا تزال تسجل له الاعجاب علي امتداد التاريخ.. [ صفحه 11] و مما يدلل علي مدي ثرواته العلمية، و هو بهذا السن ان فقهاء الشيعة بعد وفاة الامام الرضا عليهالسلام قد خفوا الي يثرب للتعرف علي الامام القائم من بعده، فأرشدهم الثقات الي الامام الجواد فمثلوا أمامه و سألوه عن أعمق المسائل، و أكثرها تعقيدا فأجابهم عنها، و يقول الرواة: انه سئل في موضع آخر عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب عنها، و من الطبيعي أنه لا تعليل لهذه الظاهرة المحيرة و المذهلة للفكر الا بما تذهب اليه الشيعة الامامية من أن الأئمة أهل البيت عليهمالسلام قد منحهم الله تعالي العلم و آتاهم من الفضل ما لم يؤت أحدا من الناس. (3) و يقول بعض المؤرخين: ان مواهب الامام الجواد عليهالسلام و عبقرياته قد ملكت عواطف المأمون، و مشاعره فأخلص له في الحب و الولاء فقدمه علي أبنائه، و أهل بيته، و زوجه من ابنته امالفضل، و وفر له العطاء الجزيل، و أوعز الي جهاز حكومته و سائر الأوساط الرسمية باحترامه و تبجيله.. الا أنه لا واقع لذلك كما سنعرض له في بحوث هذا الكتاب. (4) و لم يلق الامام الجواد عليهالسلام أي ضغط اقتصادي طيلة حياته و انما عاش مرفها عليه غاية الترفيه فقد أجري له المأمون مرتبا سنويا يبلغ حوالي مليون درهم، و هي كثيرة في ذلك العصر الذي كان الدرهم فيه يساوي قيمة شاة. و كانت ترد اليه الأموال الطائلة من الحقوق الشرعية التي تذهب الشيعة الي لزوم دفعها الي الامام، كنصف الخمس الذي يسميه فقهاء الشيعة الامامية بحق [ صفحه 12] الامام عليهالسلام و كمجهول المالك و غيره من سائر الحقوق الشرعية بالاضافة الي واردات الأوقاف التي وقفها علي أهل البيت عليهمالسلام بعض المحسنين من الشيعة في (قم) و غيرها و كان عليهالسلام يقتصد في صرفه علي نفسه، و ينفق تلك الأموال الطائلة علي فقراء المسلمين و ذوي الحاجة و المضطرين، و لهذا السخاء المنقطع النظير، فقد لقب عليهالسلام بالجواد و كان هذا اللقب من أميز ألقابه و أشهرها حتي عرف و اشتهر به بين الناس. (5) و احيط الامام محمد الجواد عليهالسلام بهالة من الحفاوة و التكريم، و قابلته جميع الأوساط بمزيد من الاكبار و التعظيم، فكانت تري في شخصيته امتدادا ذاتيا لآبائه العظام الذين حملوا مشعل الهداية و الخير الي الناس. الا أنه لم يحفل بتلك المظاهر التي احيط بها، و انما آثر الزهد في الدنيا و التجرد عن جميع مباهجها. و قد رآه الحسين في بغداد، و قد التفت حوله الجماهير، فحدثته نفسه بأنه لا يرجع الي ما كان عليه من الزهد في الدنيا و الاقبال علي الله، و شعر الامام منه ذلك، فأقبل عليه بلطف و رفق قائلا: «يا حسين، ان خبز الشعير، و ملح الجريش في حرم جدي رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم أحب الي مما تراني فيه...» [2] . و كانت هذه الظاهرة احدي العناصر البارزة في سيرة الامام محمد الجواد عليهالسلام كما كانت السمة البارزة في سيرة أئمة أهل البيت عليهمالسلام، فلم يؤثر عن أي أحد منهم أنه سعي للدنيا، أو اتجه نحو مباهجها، و انما آثروا جميعا طاعة الله و ابتغوا الدار الآخرة، و عملوا كل ما يقربهم الي الله زلفي. [ صفحه 13] (6) و عاش الامام محمد الجواد عليهالسلام في تلك الفترة القصيرة من حياته متجها صوب العلم فرفع مناره، و أرسي اصوله و قواعده، فاستغل مدة بقائه في بغداد بالتدريس [3] و اشاعة العلم، و بلورة الفكر بالمعارف و الآداب الاسلامية، و قد احتف به جمهور كبير من العلماء و الرواة و هم يأخذون منه العلوم الاسلامية من علم الكلام و الفلسفة، و علم الفقه، و التفسير، و يعرض هذا الكتاب الي تراجمهم و اعطاء صورة مفصلة عن حياتهم حسبما تنص عليه مصادر التراجم، فان الحديث عنهم من مكملات البحث عن شخصية الامام عليهالسلام. (7) أما عصر الامام محمد الجواد عليهالسلام فهو من أروع العصور الاسلامية علي امتداد التاريخ و ذلك لانتشار الحضارة فيه علي نطاق واسع، و كان من أروع صور تلك الحضارة تطور العلوم، و انتشار المعاهد، و انشاء المكتبات و ترجمة الكتب الطبية، و الفلسفية من اللغة اليونانية و غيرها الي اللغة العربية، و قد صارت بغداد حاضرة من أعظم حواضر العلم و الفكر في الاسلام فقد ازدهرت بكبار العلماء و المتخصصين في علوم الطب و اللغة و الفقه و غيرها كما تطورت الحياة الاقتصادية في بغداد الي حد غريب الا أنه من المؤسف أنه قد تكدست الملايين من الأموال عند بعض الطبقات، و هي التي كانت تخدم السلطة العباسية، و تعمل لصالحها، فقد أثرت هذه الطبقة ثراء فاحشا حتي حارت في صرف ما عندها من الأموال، حتي صنعت أبواب بيوتها من الذهب، [ صفحه 14] و تفننت في أنواع الترف و الشهوات في حين أن الأكثرية الساحقة من الشعوب الاسلامية كانت تعاني مرارة العيش و الفقر و الحرمان. و نحن مدعوون الي دراسة عصر الامام محمد الجواد عليهالسلام و الوقوف علي جميع معالمه الحضارية و الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية، فقد أصبحت دراسة العصر بهذا اللون من البحوث المنهجية التي لا غني للباحث عنها، و لم يعهد هذا الكتاب دراسة خاصة عن حياة الامام محمد الجواد عليهالسلام فقط و انما هو دراسة شاملة و مستوعبة للعصر الاسلامي الذي نشأ فيه. (8) أما البحث عن حياة الملوك الذين عاصرهم الامام محمد الجواد عليهالسلام فانه يرتبط ارتباطا وثيقا و موضوعيا بحياة الامام فانه يصور مدي ما عاناه من المشاكل و ما عانته الامة الاسلامية من المصاعب و الخطوب في دور اولئك الملوك الذين جهدوا علي ظلم الناس و ارغامهم علي ما يكرهون. و قد قضي الامام أبوجعفر عليهالسلام أكثر أيام حياته في عهد المأمون الذي هو من أبرز ملوك العباسيين فكرا و سياسة، و مقدرة للتغلب علي الأحداث، و قد عرضنا بصورة غير موضوعية الي دراسته، و دراسة الأحداث السياسية التي وقعت في عهده، و التي كان من أبرزها: عقده لولاية العهد للامام الرضا عليهالسلام و الحروب الطاحنة التي وقعت بينه و بين أخيه الأمين، و واقعة أبيالسرايا، و غير ذلك من الأحداث، و قد ذكرنا الأسباب التي أدت الي أن يزوج المأمون ابنته امالفضل من الامام الجواد عليهالسلام كما ذكرنا دراسة عن حياة المعتصم العباسي الذي قاسي الامام في عهده أشد ألوان الاضطهاد فأرغمه علي مغادرة يثرب و الاقامة الجبرية في بغداد، و أقام عليه المباحث تحصي عليه جميع [ صفحه 15] تصرفاته، و تراقب جميع من يتصل به، و لما استبان له سمو شخصية الامام و أنه لا يجاريه و لا يسايره و لا يقر سياسته الهادفة الي نشر الظلم و الفساد في الأرض فحينئذ دس له السم علي يد زوجته امالفضل فاغتاله، و كان الامام في غضارة العمر و ريعان الشباب، و يعرض هذا الكتاب الي تفصيل ذلك كله. (9) لا أري هناك عائدة علي الامة، أو خدمة تؤدي اليها أفضل من نشر حياة أئمة أهل البيت عليهمالسلام و اذاعة مآثرهم، و نشر فضائلهم بين الناس فأنهم سلام الله عليهم المصدر الأصيل لكرامة الانسان، و شرفه، و الينابيع الفياضة للفكر و الوعي، لا لهذه الامة فحسب، و انما للناس جميعا علي اختلاف قومياتهم، و أديانهم، و ميولهم.. و قد رفعوا راية الحق عالية خفاقة، و هي ترشد الضال، و تهدي الحائر، و توضح القصد، و تدلل علي الايمان بالله الذي تبتني عليه قوي الخير و السلام في الأرض. ان البحث عن سير أئمة أهل البيت عليهمالسلام يكشف عن كنوز مشرقة من العلم و الحكمة و يكشف عن ذوات أخلصوا للحق، و خلقوا للايمان، و اتجهوا صوب الله تعالي، وتبنوا الدعوة اليه، و عانوا في سبيل ذلك من فراعنة عصورهم ما لم يعانه أي مصلح اجتماعي في الأرض، ان الامام الجواد عليهالسلام أحد كواكب تلك العترة الطاهرة، و هو ممن رفع كلمة الله، فامتحن كأشد ما يكون الامتحان من أجل ذلك قابله فراعنة عصره و طواغيت زمانه، بألوان قاسية من الاضطهاد و الجور و يوضح هذا الكتاب جميع هذه الجوانب. (10) و لم تحظ المكتبة العربية بدراسة عن حياة الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام الذي هو من [ صفحه 16] منابع الفكر و العلم في الاسلام، و أحد مفاخر هذه الامة وقادتها الطليعيين فلم يكتب أحد عن سيرته سوي محمد بن وهبان فقد ألف كتابا عن حياته أسماه «أخبار أبيجعفر الثاني» [4] لكنه لم يوجد في مكتباتنا. و لعله من جملة ما فقدته الامة من ثرواتها المخطوطة، أو أنه في بعض خزائن المخطوطات في مكتبات العالم. و قد وفقت - و الحمد لله - الي البحث عن سيرة هذه الامام العظيم الذي ملأ الدنيا بفضائله و علومه و زهده و تقواه، و لا أدعي أني ألممت بجميع جوانب حياته المشرقة، فذاك أمر لا يتفق مع الواقع الذي نخلص له، و انما ألقينا أضواء خافتة علي بعض معالم شخصيته التي هي امتداد ذاتي - بلا شك - لحياة آبائه الطاهرين الذين أضاؤا الحياة الفكرية و الاجتماعية في الاسلام. (11) و أري من الحق علي و أنا في نهاية هذا التقديم أن أرفع بكل تقدير و اعتزاز آيات الشكر و الاخلاص الي سماحة الحجة العلامة الكبير الأخ الشيخ هادي القرشي علي ما تفضل به من مراجعة كثير من الموسوعات كوسائل الشيعة، و غيرها من المصادر التي أمدتنا بكثير من المعلومات عن حياة الامام أبيجعفر عليهالسلام بالاضافة الي ملاحظاته القيمة في هذا الكتاب سائلا منه تعالي أن يجعله من ذخائر الفضل و العلم.. كما أن من الحق أن اشيد بولدنا المهذب النبيل السيد عبدالرسول نجل السيد رضا الحسيني الصائغ لمساهمته في الانفاق علي طبع هذا الكتاب في طبعته الاولي سائلا منه تعالي أن يوفقه لكل مسعي نبيل. [ صفحه 19]
و قبل أن أخوض في ميدان البحث عن معالم شخصية الامام أبيجعفر الجواد عليه السلام و أتحدث عن سيرته، و سائر شؤونه، أعرض الي حسبه الوضاح، و ما رافقه من بيان ولادته و ملامح شخصيته، و غير ذلك مما يعتبر مفتاحا للحديث عن شخصيته، و فيما يلي ذلك:
و ليس في دنيا الأنساب نسب أسمي، و لا أرفع من نسب الامام أبيجعفر عليهالسلام فهو من صميم الاسرة النبوية التي هي من أجل الاسر التي عرفتها الانسانية في جميع أدوارها، تلك الاسرة التي أمدت العالم بعناصر الفضيلة و الكمال، و أضاءت جوانب الحياة بالعلم و الايمان.. أما الاصول الكريمة، و الأرحام المطهرة التي تفرع منها فهي:
أما أبوه فهو الامام علي الرضا ابن الامام موسي بن جعفر ابنالامام محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبيطالب عليهمالسلام و هذه هي السلسلة الذهبية التي لو قرأت علي الصم البكم لبرؤا باذن الله عزوجل - كما يقول المأمون العباسي [5] - و يقول الامام أحمد بن حنبل: «لو قرأت هذا الاسناد علي مجنون لبريء من جنته» [6] . [ صفحه 20] و في بعض أعلام هذه الاسرة الكريمة يقول أبوالعلاء المعري الذي كان يسيء الظن بأكثر الناس: و الشخوص التي أضاء سناها قبل خلق المريخ و الميزان قبل أن تخلق السماوات و تؤمر أفلاكهن بالدوران من هذه الشجرة الطيبة الكريمة علي الله، و العزيزة علي كل مسلم تفرع الامام محمد الجواد عليهالسلام.
أما السيدة الفاضلة الكريمة ام الامام محمد الجواد عليهالسلام فقد كانت من سيدات نساء المسلمين عفة و طهارة، و فضلا و يكفيها فخرا و شرفا أنها ولدت علما من أعلام العقيدة الاسلامية، و اماما من أئمة المسلمين، و لا يحط من شأنها أو يوهن كرامتها أنها أمة، فقد حارب الاسلام هذه الظاهرة و اعتبرها من عناصر الحياة الجاهلية التي دمرها، و قضي علي معالمها فقد اعتبر الفضل و التفوق انما هو بالتقوي، و طاعة الله و لا اعتبار بغير ذلك من الامور الذي تؤول الي التراب. ان الاسلام - بكل اعتزاز و فخر - ألغي جميع ألوان التمايز العنصري و اعتبره من أهم عوامل التأخر و الانحطاط في المجتمع لأنه يفرق، و لا يوحد و يشتت و لا يجمع، و لذلك فقد سارع أئمة أهل البيت الي الزواج بالاماء للقضاء علي هذه النعرات الخبيثة و ازالة أسباب التفرقة بين المسلمين فقد تزوج الامام زينالعابدين، و سيد الساجدين بأمة أولدت له الشهيد الخالد، و الثائر العظيم زيدا. و تزوج الامام الرضا عليهالسلام أمة فأولدت له اماما من أئمة المسلمين و هو الامام الجواد عليهالسلام.. لقد كان موقف الأئمة عليهمالسلام من زواجهم بالاماء هو الرد الحاسم علي أعداء الاسلام الذين جهدوا علي التفرقة بين المسلمين. [ صفحه 21] أما اسم السيدة ام الامام الجواد عليهالسلام فقد اختلف الرواة فيه، و هذه بعض الأقوال: 1 - اسمها الخيزران، سماها به الامام الرضا عليهالسلام و كانت تسمي درة [7] . 2 - اسمها سكينة النوبية، و قيل المريسية [8] ، و قيل: انها ممن تنتمي الي مارية القبطية زوجة الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله و سلم [9] . 3 - اسمها ريحانة [10] . 4 - اسمها سبيكة [11] . و أهملت بعض المصادر اسمها، و اكتفت بالقول انها امولد [12] و علي أي حال فانه ليس من المهم في شيء الوقوف علي اسمها، و من المؤسف أن المصادر التي بأيدينا لم تشر الي أي جانب من جوانب حياتها.
و أحاط الامام الرضا عليهالسلام السيدة الكريمة جاريته بكثير من الرعاية و التكريم، فقد استشف من وراء الغيب أنها ستلد له ولدا قد اختاره الله للامامة و للنيابة العامة عن النبي الأعظم صلي الله عليه و اله و سلم فهو أحد أوصيائه الاثني عشر، و قد أخبر الامام الرضا بذلك [ صفحه 22] أعلام أصحابه. و عهد الامام الرضا عليهالسلام الي شقيقته السيدة الجليلة حكيمة بنت الامام موسي ابنجعفر عليهالسلام بأن تقوم برعاية جاريته، و تلازمها حتي تلد [13] و قامت السيدة حكيمة بما طلب الامام الرضا، و لما شعرت الجارية بالولادة أمر عليهالسلام شقيقته بأن تحضر مع القابلة لولادتها، و قام عليهالسلام فوضع مصباحا في البيت [14] و ظل عليهالسلام يرقب الوليد العظيم.. و لم تمض الا لحظات حتي ولدت جاريته علما من أعلام الفكر و الجهاد في الاسلام.
و غمرت الامام الرضا عليهالسلام موجات من الأفراح و السرور بوليده المبارك، و طفق يقول: «قد ولد لي شبيه موسي بن عمران فالق البحار، و شبيه عيسي بن مريم، قدست ام ولدته...» [15] . و التفت عليهالسلام الي أصحابه فبشرهم بمولوده قائلا: «ان الله قد وهب لي من يرثني، و يرث آل داود..» [16] . و قد عرفهم بأنه الامام من بعده.. و قد استقبل الامام الرضا الوليد العظيم بمزيد من الغبطة؛ لأنه المنتظر للقيادة الروحية و الزمنية لهذه الامة و كان في المجلس [ صفحه 23] شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي [17] و قد شارك أهل البيت في أفراحهم و مسراتهم بولادة الامام أبيجعفر عليهالسلام.
و أسرع الامام الرضا عليهالسلام الي وليده المبارك فأخذه و أجري عليه مراسيم الولادة الشرعية، فأذن في اذنه اليمني، و أقام في اليسري، ثم وضعه في المهد [18] .
وكني الامام الرضا عليهالسلام ولده الامام محمد الجواد بأبي جعفر، و هي ككنية جده الامام محمد الباقر عليهالسلام و يفرق بينهما فيقال: للامام الباقر أبوجعفر الأول، و للامام الجواد أبوجعفر الثاني.
أما ألقابه الكريمة فهي تدل علي معالم شخصيته العظيمة، و سمو ذاته و هي: 1 - الجواد: لقب بذلك لكثرة ما أسداه من الخير و البر و الاحسان الي الناس. 2 - التقي: لقب بذلك لأنه اتقي الله و أناب اليه، و اعتصم به، فلم يستجب لأي داع من دواعي الهوي، فقد امتحنه المأمون بشتي ألوان المغريات فلم ينخدع، فأناب الي الله و آثر طاعته علي كل شيء. 3 - القانع. [ صفحه 24] 4 - المرتضي. [19] . 5 - الرضي. 6 - المختار. 7 - المتوكل. 8 - الزكي [20] . 9 - باب المراد: و قد عرف بهذا اللقب عند عامة المسلمين التي آمنت بأنه باب من أبواب الرحمة الالهية التي يلجأ اليها الملهوفون و ذوو الحاجة لدفع ما ألم بهم من مكاره الدهر و فجائع الأيام. هذه بعض ألقابه الكريمة، و كل لقب منها يشير الي احدي صفاته الرفيعة، و نزعاته الشريفة التي هي من مواضع الاعتزاز و الفخر لهذه الامة.
أما ملامحه فكانت كملامح آبائه التي تحكي ملامح الأنبياء عليهالسلام فكانت أسارير التقوي بادية علي وجه الكريم، و قد وصفته بعض المصادر بأنه «كان أبيض معتدل القامة [21] و نص بعض المؤرخين علي انه كان شديد السمرة، و أثبتت ذلك رواية شاذة [22] الا أن الاستاذ الامام الخوئي دلل علي أنها من الموضوعات [23] و قد أعرضنا عن ذكرها لشذوذها و عدم صحتها. [ صفحه 25]
و المشهور بين المؤرخين أن ولادة الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام كانت في 19 من شهر رمضان سنة 195 هـ [24] ، و قيل: ان ولادته كانت في الخامس من رمضان سنة 175هـ و هو اشتباه محض فانه من المقطوع به أنه لم يولد في تلك السنة، و انما ولد في سنة 195هـ حسبما أجمع عليه الرواة و المؤرخون.
أما نقش خاتمه فيدل علي مدي انقطاعه الي الله، فقد كتب عليه «العزة لله» [25] ، لقد آمن بأن العزة انما هي لله تعالي وحده خالق الكون و واهب الحياة.
نشأ الامام محمد الجواد عليهالسلام في بيت النبوة و الامامة ذلك البيت الذي أعز الله به المسلمين و قد ترعرع عليهالسلام في ظلاله و هو يتلقي المثل العليا من أبيه، و قد أفاض عليه أشعة من روحه العظيمة، و قد تولي بذاته تربيته، فكان يصحبه في حله و سفره، و يطعمه بنفسه، و قد روي يحيي الصنعاني قال: دخلت علي أبيالحسن الرضا عليهالسلام [ صفحه 26] و هو بمكة، و كان يقشر موزا، و يطعم أباجعفر، فقلت له: جعلت فداك، هذا المولود المبارك؟ قال عليهالسلام: نعم يا يحيي هذا المولود الذي لم يولد في الاسلام مولود أعظم بركة علي شيعتنا منه [26] . ان هذا اللون من التربية المطعم بالحب و التكريم له أثره البالغ في التكوين النفسي و ازدهار الشخصية حسبما قرره علماء التربية و النفس.
و ملك الامام محمد الجواد عليهالسلام في سنه المبكر من الذكاء و العبقرية ما يثير الدهشة و يملك النفس اكبارا و اعجابا و قد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من ذكائه كان من بينها ما يلي: 1 - ما رواه امية بن علي قال: كنت مع أبيالحسن الرضا بمكة في السنة التي حج فيها مودعا البيت الحرام عندما أراد السفر الي خراسان و كان معه ولده أبوجعفر الجواد، فودع أبوالحسن البيت، و عدل الي المقام فصلي عنده، و كان أبوجعفر قد حمله أحد غلمان الامام يطوف به و حينما انتهي الي حجر ابراهيم جلس فيه و أطال الجلوس، فانبري اليه موفق الخادم، و طلب منه القيام معه فأبي عليه، و هو حزين، قد بان عليه الجزع، فأسرع موفق الي الامام الرضا عليهالسلام و أخبره بشأن ولده، فأسرع اليه، و طلب منه القيام فأجابه بنبرات مشفوعة بالبكاء و الحسرات قائلا: «كيف أقوم؟ و قد ودعت يا أبتي البيت وداعا لا رجوع بعده..». و سرت موجة من الألم في نفس الامام الرضا عليهالسلام فالتمس منه القيام معه فأجابه الي ذلك [27] . [ صفحه 27] و دلت هذه البادرة علي مدي ذكائه، فقد أدرك من وداع أبيه للبيت الحرام أنه الوداع الأخير له، لأنه رأي ما عليه من الوجل و الأسي مما أوحي اليه أنه النهاية الأخيرة من حياته، و فعلا قد تحقق ذلك فان الامام الرضا عليهالسلام بعد سفره الي خراسان لم يعد الي الديار المقدسة، و قضي شهيدا مسموما علي يد المأمون العباسي. 2 - و من بوادر ذكائه ما حدث به المؤرخون أن المأمون قد اجتاز في موكبه الرسمي في بعض شوارع بغداد علي صبيان يلعبون، و كان الامام الجواد واقفا معهم فلما بصروا بموكب المأمون فروا خوفا منه سوي الامام الجواد فانه بقي واقفا فبهر منه المأمون، و كان لا يعرفه، فقال له: «هلا فررت مع الصبيان...؟». فأجابه الامام بمنطقه الرائع الذي ملك به عواطف المأمون قائلا: «يا أميرالمؤمنين لم يكن بالطريق ضيق فأوسعه لك، و ليس لي جرم فأخشاك و الظن بك حسن أنك لا تضر من لا ذنب له..». و عجب منه المأمون و سأله عن نسبه فأخبره به فترحم علي أبيه [28] و سنعرض لهذه الجهة في البحوث الآتية. 3 - و من آياته نبوغه المذهل انه في سنه المبكر قد سأله العلماء و الفقهاء عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب عنها.. و لا مجال لتعليل هذه الظاهرة الا بالقول ان الله تعالي قد منح أئمة أهل البيت عليهمالسلام طاقات مشرقة من العلم لم يمنحها الا الي اولي العزم من أنبيائه و رسله. [ صفحه 28]
و كان الامام الرضا عليهالسلام يشيد دوما بولده الامام الجواد، و يدلل علي فضله و مواهبه و قد بعث الفضل بن سهل الي محمد بن أبيعباد كاتب الامام الرضا عليهالسلام يسأله عن مدي علاقة الامام الرضا عليهالسلام بولده الجواد عليهالسلام، فأجابه: ما كان الرضا يذكر محمدا الا بكنيته، يقول: كتب لي أبوجعفر، و كنت أكتب الي أبيجعفر عليهالسلام و كان آنذاك بالمدينة، و هو صبي، و كانت كتب أبيجعفر ترد الي أبيه و هي في منتهي البلاغة و الفصاحة [29] . و حدث الرواة عن مدي تعظيم الامام الرضا لولده الجواد، فقالوا: ان عباد بن اسماعيل، و ابنأسباط كانا عند الامام الرضا بمني اذ جييء بأبي جعفر فقالا له: «هذا المولود المبارك..؟». فاستبشر الامام و قال: «نعم هذا المولود الذي لم يولد في الاسلام أعظم بركة منه..» [30] . و هناك طائفة كثيرة من الأخبار قد أثرث عن الامام الرضا عليهالسلام، و هي تشيد بفضائل الامام الجواد عليهالسلام و تدلل علي عظيم مواهبه و ملكاته.
و احبط الامام الجواد منذ نعومة أظفاره بهالة من التكريم و التعظيم من قبل الأخيار و المتحرجين في دينهم فقد اعتقدوا أنه من أوصياء رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم الذين فرض الله مودتهم علي جميع المسلمين، و قد ذكر الرواة أن علي بن جعفر الفقيه الكبير، و شقيق [ صفحه 29] الامام موسي بن جعفر، و أحد أعلام الاسرة العلوية في عصره، كان ممن يقدس الامام الجواد عليهالسلام و يعترف له بالفضل و الامامة، فقد روي محمد بن الحسن بن عمارة قال: كنت عند علي بن جعفر جالسا بالمدينة، و كنت أقمت عنده سنتين أكتب ما سمع من أخيه - يعني الامام أباالحسن موسي - اذ دخل أبوجعفر محمد بن علي الرضا عليهالسلام مسجد رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم فوثب علي بن جعفر بلا حذاء و لا رداء، فقبل يده و عظمه، و التفت اليه الامام الجواد قائلا: «اجلس يا عم رحمك الله..». و انحني علي بن جعفر بكل خضوع قائلا: «يا سيدي، كيف أجلس و أنت قائم..؟». و انصرف الامام الجواد عليهالسلام و رجع علي بن جعفر الي أصحابه فأقبلوا عليه يوبخونه علي تعظيمه للامام مع حداثة سنه قائلين له: أنت عم أبيه، و أنت تفعل به هذا الفعل..؟». فأجابهم علي بن جعفر جواب المؤمن بربه و دينه، و العارف بمنزلة الامامة قائلا: «اسكتوا اذا كان الله - و قبض علي لحيته - لم يؤهل هذه الشيبة - يعني الامامة - و أهل هذا الفتي، و وضعه حيث وضعه، نعوذ بالله مما تقولون. بل أنا عبد له..» [31] . و دلل علي بن جعفر علي أن الامامة لا تخضع لمشيئة الانسان و ارادته و لا تنالها يد الجعل الانساني، و انما أمرها بيد الله تعالي فهو الذي يختار لها من يشاء من عباده من دون فرق بين أن يكون الامام صغيرا أو كبيرا. [ صفحه 30]
و ملكت مواهب الامام محمد الجواد عليهالسلام عواطف العلماء فسجلوا اعجابهم و اكبارهم له في مؤلفاتهم، و فيما يلي بعض ما قالوه:
قال الذهبي: «كان محمد يلقب بالجواد، و بالقانع، و المرتضي، و كان من سروات آل بيت النبي صلي الله عليه و اله و سلم.. و كان أحد الموصوفين بالسخاء فلذلك لقب بالجواد..» [32] .
قال ابن تيمية: «محمد بن علي الجواد كان من أعيان بني هاشم، و هو معروف بالسخاء، و لهذا سمي بالجواد» [33] .
قال الصفدي: «كان محمد يلقب بالجواد، و بالقانع، و بالمرتضي، و كان من سروات آل بيت النبوة.. و كان من الموصوفين بالسخاء، و لذلك لقب بالجواد..» [34] .
قال السبط بن الجوزي: «محمد الجواد كان علي منهاج أبيه في العلم و التقي و الجود» [35] .
قال الشيخ محمود بن وهيب: «محمد الجواد هو الوارث لأبيه علما و فضلا [ صفحه 31] و أجل اخوته قدرا و كمالا..» [36] .
قال خيرالدين الزركلي: «محمد بن الرضي بن موسي الكاظم، الطالبي، الهاشمي، القرشي، أبوجعفر، الملقب بالجواد، تاسع الأئمة الاثني عشر عند الامامية كان رفيع القدر كأسلافه ذكيا، طليق اللسان، قوي البديهة..» [37] .
قال الشيخ كمال الدين محمد بن طلحة: «أما مناقب أبيجعفر الجواد فما اتسعت حلبات مجالها، و لا امتدت أوقات آجالها بل قضت عليه الأقدار الالهية بقلة بقائه في الدنيا بحكمها و أسجالها فقل في الدنيا مقامه، و عجل القدوم عليه كزيارة حمامه فلم تطل بها مدته و لا امتدت فيها أيامه» [38] .
و أدلي علي بن عيسي الأربلي بكلمات أعرب فيها عن عميق ايمانه و ولائه للامام الجواد قال: «الجواد في كل أحواله جواد، و فيه يصدق قول اللغوي جواد من الجودة.. فاق الناس بطهارة العنصر، و زكاء الميلاد، و افترع قلة العلاء فما قاربه أحد و لا كاد مجده، عالي المراتب، و مكانته الرفيعة تسمو علي الكواكب، و منصبه يشرف علي المناصب، اذا أنس الوفد نارا قالوا: ليتها ناره، لا نار غالب له الي المعالي سمو، و الي الشرف رواح و غدو، و في السيادة اغراق و علو و علي هام السماك ارتفاع و علو، وعن كل رذيلة بعد، و الي كل فضيلة دنو، تتأرج المكارم من أعطافه و يقطر المجد من أطرافه، و تروي أخبار السماح عنه، و عن أبنائه و أسلافه، فطوبي لمن سعي في ولائه، [ صفحه 32] و الويل لمن رغب في خلافه، اذا اقتسمت غنائم المجد و المعالي كان له صفاياها، و اذا امتطيت غوارب السؤدد كان له أعلاها و أسماها، يباري الغيث جودا و عطية، و يجاري الليث نجدة و حمية، و يبذ السير سيرة رضية [39] . هذه بعض الكلمات التي أدلي بها كبار المؤلفين، و هي تمثل اعجابهم بمواهب الامام و عبقرياته و ما اتصف به من النزعات الشريفة التي تحكي صفات آبائه الذين رفعوا مشعل الهداية في الأرض. [ صفحه 35]
عاش الامام محمد الجواد في ظلال أبيه فترة قصيرة من الزمن لا تتجاوز السبع سنين، و كان بهذا السن يملك من الذكاء و العبقريات ما يثير الدهشة كما أن من المؤكد أنه قد انطبعت في دخائل نفسه مثل أبيه، و قيمه الخالدة التي كانت مشعلا للهداية و اليقظة و الاحساس في المجتمع الاسلامي و نتحدث - بايجاز - عن بعض شؤون الامام الرضا عليهالسلام و مدي حبه للامام الجواد، و غير ذلك مما يرتبط بالموضوع.
أما أخلاق الامام الرضا عليهالسلام فانها نفحة من روح الله، و هي تضارع أخلاق جده الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله و سلم الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق، و قد حدث ابراهيم بن العباس عن سمو أخلاقه عليهالسلام بقوله: «ما رأيت و لا سمعت بأحد أفضل من أبيالحسن الرضا عليهالسلام ما جفا أحدا قط، و لا قطع علي أحد كلامه، و لا رد أحدا عن حاجة، و ما مد رجليه بين جليسه، و لا اتكي قبله، و لا شتم مواليه و مماليكه، و لا قهقه في ضحكه، و كان يجلس علي مائدته مماليكه و مواليه، قليل النوم بالليل، يحيي أكثر لياليه من أولها الي آخرها، كثير المعروف و الصدقة في السر، و أكثر ذلك في الليالي المظلمة..». و هذه الأخلاق كأخلاق جده رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم الذي طور حياة الانسان، و أنقذ الامم و الشعوب من حياة التيه و التأخر الي حياة حافلة بالعزة و الكرامة. [ صفحه 36] لقد روي المؤرخون صورا رائعة من مكارم أخلاقه فقد رووا أنه لما كان في خراسان و تقلد ولاية العهد، التي هي أرقي منصب في الدولة الاسلامية بعد الخلافة فلم يأمر أحدا من مواليه و خدمه في الكثير من شؤونه و انما كان يقوم بذاته في خدمة نفسه، و قد احتاج الي الحمام فكره أن يأمر أحدا بتهيأته، و مضي الي حمام في البلد لم يكن صاحبه يعرفه فلما دخل الحمام كان فيه جندي فأزال الامام عن موضعه، و أمره أن يصب الماء علي رأسه، و دخل الحمام رجل كان يعرف الامام فصاح بالجندي هلكت، أتستخدم ابنبنت رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم؟ فذعر الجندي و وقع علي الامام يقبل أقدامه، و يقول: «هلا عصيتني اذ أمرتك..». فتبسم الامام في وجهه و قال له برفق و لطف: «انها لمثوبة، و ما أردت أن أعصيك فيما اثاب عليه..» [40] . و من معالي أخلاقه أنه اذا جلس علي مائدة أجلس عليها مماليكه حتي السايس و البواب [41] و قد أراد بذلك القضاء علي التمايز بين الناس، و افهام المجتمع أنهم جميعا علي صعيد واحد، و قد اثر عنه من الشعر في ذلك قوله: لبست بالعفة ثوب الغني و صرت أمشي شامخ الرأس لست الي النسناس مستأنسا لكنني آنس بالناس [42] . اذا رأيت التيه من ذي الغني تهت علي التائه باليأس [43] . [ صفحه 37] ما ان تفاخرت علي معدم و لا تضعضعت لافلاس [44] . و دلل الامام بهذا الشعر علي مدي ما يتمتع به من مكارم الأخلاق التي هي امتداد مشرق لأخلاق آبائه الذين أسسوا الفضائل و المكارم في دنيا العرب و الاسلام.
و زهد الامام الرضا عليهالسلام في جميع رغائب الحياة، و مباهج الدنيا، و اتجه صوب الله تعالي، و حينما تقلد ولاية العهد لم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة و لم يقم لها أي وزن، و قد اعتبر مشي الرجال خلف الرجل فتنة للتابع، و مذلة للمتبوع فلم يرغب في موكب رسمي و كان من أبغض الأشياء و أشدها كراهية عنده أن يقابل بما يقابل به الملوك و الخلفاء من مظاهر العظمة و الابهة، و قد تحدث عن زهده محمد بن عباد قال: كان جلوس الرضا عليهالسلام علي حصيرة في الصيف و علي مسح [45] في الشتاء و لباسه الغليظ من الثياب حتي اذا برز للناس تزيأ [46] و يقول الرواة انه ألتقي به سفيان الثوري، و كان الامام قد لبس ثوبا من خز، فأنكر عليه الثوري ذلك و قال له: لو لبست ثوبا أدني من هذا؟ فأخذ الامام يده برفق و أدخلها كمه، فاذا تحت ذلك الثوب مسح، و قال عليهالسلام له: «يا سفيان الخز للخلق، و المسح للحق..» [47] . لقد كان الزهد في الدنيا من أبرز الذاتيات في خلق أهل البيت عليهمالسلام فقد اتصلوا بالله، و انقطعوا اليه، و رأوا أن غيره زخرف لا يوصل الي الحق.
و لم يكن في الدنيا شيء أحب الي الامام الرضا عليهالسلام من الاحسان الي الناس [ صفحه 38] و البر بهم، فقد كان السخاء من عناصره و مقوماته، و قد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من كرمه وجوده كان منها ما يلي: 1 - انه أنفق جميع ما عنده علي الفقراء حينما كان في خراسان، و صادف ذلك في يوم عرفة فأنكر عليه الفضل بن سهل و قال له: ان هذا لمغرم، فأجابه الامام: «بل هو المغنم، لا تحدث مغرما ما ابتغيت به أجرا و كرما». انه ليس من المغرم في شيء صلة الفقير، و الاحسان الي الضعيف ابتغاء مرضاة الله، و انما المغرم أن ينفق الانسان أمواله بغير وجه مشروع، خصوصا الانفاق علي ما لا يعود علي المجتمع بفائدة. 2 - و من كرمه أنه وفد عليه رجل فسلم عليه، و قال له: أنا رجل من محبيك و محبي آبائك، مصدري من الحج، و قد نفذت نفقتي، و ما معي ما أبلغ مرحلة، فان رأيت أن ترجعني الي بلدي، فاذا بلغت تصدقت بالذي تعطيني عنك، فقام عليهالسلام و دخل حجرة في داره، و لم يلبث أن أخرج يده، و قال له: خذ هذه المائتي دينار، فاستعن بها في امورك و نفقتك، و لا تتصدق بها عني، و انصرف الرجل مسرورا و قد غمرته نعمة الامام، و التفت بعض الحاضرين الي الامام فقال له: لم سترت نفسك عن الرجل و أخرجت يدك فناولته المال، و لم تره؟ فقال عليهالسلام: «انما صنعت ذلك مخافة أن أري ذل السؤال في وجهه، لقضائي حاجته أما سمعت حديث رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة، و المذيع بالسيئة مخذول، أما سمعت قول الشاعر: متي آته يوما لأطلب حاجة رجعت الي أهلي و وجهي بمائه [48] . 3 - و من بوادر سخائه أنه مر به فقير فقال له: [ صفحه 39] «أعطني علي قدر مروتك»، فأجابه الامام: «لا يسعني ذلك..». و التفت الفقير الي أنه قد أخطأ في كلامه فقال: «أعطني علي قدر مرؤتي..». و قابله الامام ببسمات فياضة بالبشر قائلا: «اذن نعم..». و أمر له بمائتي دينار [49] . ان مروءة الامام لا تحد فلو أعطاه ما في الأرض فليس علي قدر مروته و رحمته التي هي امتداد ذاتي لرحمة الرسول الأعظم. هذه بعض البوادر من كرمه و جوده التي لم يقصد بها الا ادخال السرور علي القلوب البائسة الحزينة التي أثقلتها مرارة الحياة و بؤسها.
كان الامام عليهالسلام أعلم أهل زمانه و أفضلهم، و أدراهم بشؤون الشريعة و أحكام الدين، و قد تحدث عبدالسلام الهروي و هو ممن رافق الامام عن سعة علمه عليهالسلام فقال: «ما رأيت أعلم من علي بن موسي الرضا، و لا رآه عالم الا شهد له بمثل شهادتي، و لقد جمع المأمون في مجالس له عددا من علماء الأديان، و فقهاء الشريعة، و المتكلمين فغلبهم عن آخرهم، حتي ما بقي منهم أحد الا أقر له بالفضل، و أقر له علي نفسه بالقصور، و لقد سمعته يقول: كنت أجلس في «الروضة» و العلماء بالمدينة متوافرون فاذا دعي الواحد منهم عن مسألة أشاروا الي بأجمعهم و بعثوا الي المسألة فاجيب عنها..» [50] . [ صفحه 40] و قال ابراهيم بن العباس: «ما رأيت الرضا يسأل عن شيء قط الا علم، و لا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الأول الي وقته و عصره، و كان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيب فيه، و كان كلامه و جوابه و تمثله انتزاعات من القرآن، و كان يختمه في كل ثلاثة أيام و يقول: لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاثة لختمته، ولكن ما مررت بآية قط الا فكرت فيها، و في أي شيء نزلت و في أي وقت فلذلك صرت أختمه في كل ثلاثة أيام..» [51] . لقد كان الامام الرضا عليهالسلام من عمالقة الفكر و العلم في الاسلام، و هو ممن صنع للمسلمين حياتهم العلمية و الثقافية، و التحدث عن قدراته العلمية يستدعي دراسة خاصة و مطولة عسي أن نوفق لها ان شاءالله.
و كان الامام الرضا عليهالسلام من أعبد الناس، و أخلصهم في طاعته لله، و ما ترك نافلة من النوافل و لا مستحبا من المستحبات، و قد فعل كل ما يقربه الي الله زلفي، و قد حدث رجاء بن أبيالضحاك عن مدي عبادته، و كان قد رافق الامام في سفره من يثرب الي خراسان، قال: والله ما رأيت رجلا كان أتقي لله تعالي منه، و لا أكثر ذكرا لله في جميع أوقاته منه و لا أشد خوفا لله عزوجل منه..» [52] . لقد أخلص الامام الرضا في عبادته و طاعته لله كأعظم ما يكون الاخلاص فقد خلق للطاعة و خلق للعبادة، و تجرد عن مباهج الدنيا و زينتها و اتجه صوب الله تعالي.
أما هيبته فكانت تعنو لها الجباه، فقد بدت عليه سيماء الأنبياء و بهاء الملوك، [ صفحه 41] و كان من هيبته انه اذا جلس للناس أو ركب لم يقدر أحد أن يرفع صوته من عظيم هيبته [53] .
و أدلي فريق من العلماء و المؤلفين بكلمات عن الامام الرضا عليهالسلام و هي تعرب عن اكبارهم و تعظيمهم له و فيما يلي بعضها:
و أعرب المأمون في كثير من المناسبات عن اعجابه بشخصية الامام الرضا عليهالسلام و هذه بعض كلماته: أ - قال المأمون لاسرته حينما لامته علي عقده ولاية العهد للامام الرضا عليهالسلام: «أما ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن فما بايع له الا مستبصرا في أمره، عالما بأنه لم يبق علي ظهرها - أي ظهر الأرض - أبين فضلا، و لا أطهر عفة، و لا أورع ورعا، و لا أزهد زهدا في الدنيا، و لا أطلق نفسا، و لا أرضي في الخاصة و العامة، و لا أشد في ذات الله منه..» [54] . ب - قال المأمون: «الامام الرضا خير أهل الأرض، و أعلمهم، و أعبدهم» [55] . و لهذه الصفات الرفيعة الماثلة فيه قالت الشيعة بامامته، و انه ممن فرض الله طاعتهم و مودتهم علي الناس.
و كان ابراهيم بن العباس ممن رافق الامام عليهالسلام و قد تحدث عن معالي أخلاقه، و كان مما قاله فيه: «و كان كثير المعروف و الصدقة في السر، و أكثر ذلك يكون منه في [ صفحه 42] الليالي المظلمة، فمن زعم أنه رأي مثله فلا تصدقه» [56] .
قال عارف تامر: «يعتبر الامام الرضا من الأئمة الذين لعبوا دورا كبيرا علي مسرح الأحداث الاسلامية في عصره..» [57] . و كثير من أمثال هذه الكلمات التي عبرت عما تميز به الامام من الصفات الرفيعة التي لم يتصف بها أحد سوي آبائه الذين رفعوا علم الهداية في الأرض.
و نظم الشعراء الكثير من الشعر في معالي صفات الامام الرضا عليهالسلام و مكارم أخلاقه و فيما يلي بعضهم:
و هام الصولي [58] اعجابا بالامام فراح يقول: ألا (أن) خير الناس نفسا و والدا و رهطا و أجدادا علي المعظم أتتنا به للحلم و العلم ثامنا اماما يؤدي حجة الله تكتم [59] . [ صفحه 43]
و تنسب هذه الأبيات الرائعة الي أبينواس، و قد قالها حينما عوتب علي تركه لمدح الامام الرضا فقال: قيل لي أنت أوحد الناس طرا في فنون من (المقال) النبيه لك من جوهر الكلام نظام يثمر الدر في يدي مجتنيه فعلي ما تركت مدح ابنموسي و الخصال التي تجمعن فيه قلت: لا أهتدي لمدح امام كان جبريل خادما لأبيه [60] .
قال الشاعر عبدالله بن المبارك في مدح الامام: هذا علي و الهدي يقوده من خير فتيان قريش عوده [61] . لقد أجمع المسلمون بجميع طبقاتهم علي اكبار الامام عليهالسلام و تعظيمه، و الاعتراف له بالفضل.
و أرغم المأمون الامام الرضا عليهالسلام علي قبول ولاية العهد، و أكرهه علي ذلك فهدده بالقتل ان لم يستجب له، أما الأسباب التي دعته الي هذا الاجراء فهي: أولا: النزاع الذي كان بينه و بين أخيه، مما أدي الي اندلاع نار الحرب بينهما و انضمام معظم الاسرة العباسية الي الأمين الذي كان أحب اليهم من المأمون، فأراد تقوية مركزه السياسي، و بسط نفوذه، فعقد ولاية العهد الي زعيم العلويين و سيدهم الامام الرضا عليهالسلام الذي يكن له المسلمون أعظم الولاء و التقدير، و يرون في شخصيته [ صفحه 44] امتدادا لشخصية جده الرسول صلي الله عليه و اله و سلم. ثانيا: ثورة أبيالسرايا. ثالثا: تصاعد المد الشيعي الذي أخذ بالاتساع، فشمل أغلب أنحاء الدولة، فأراد المأمون بعهده للامام عليهالسلام أن يتخلص من حركات الشيعة كما يقول ابنخلدون [62] . هذه بعض الأسباب التي دفعت المأمون الي عقده لولاية العهد للامام الرضا عليهالسلام و كان علي علم بأنها صورية لا واقع لها، و مما يدلل علي ذلك أنه شرط عليه «أن لا يولي أحدا، و لا يعزل أحدا، و لا ينقض رسما و لا يغير شيئا مما هو قائم، و يكون في الأمر مشيرا من بعيد» [63] و من الطبيعي أنه لو كان يعلم بصحة نية المأمون، و سلامة اتجاهه لما وقف هذا الموقف السلبي من حكومته، و تعاون معه في جميع المجالات.
و لما بايع الناس الامام الرضا عليهالسلام بولاية العهد اعتلي المأمون المنبر فخطب الناس و مما جاء في خطابه: «أيها الناس جاءتكم بيعة علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبيطالب، و الله لو قرأت هذه الأسماء علي الصم البكم لبرؤا باذن الله عزوجل...» [64] .
و أوعز المأمون الي جميع ولاته و عماله علي الأقاليم الاسلامية باقامة المهرجانات [ صفحه 45] العامة، و اظهار معالم الزينة في البلاد، كما أمر الخطباء باذاعة فضائل الامام عليهالسلام و التحدث عن مآثر أهل البيت عليهمالسلام و أقام في بلاطه مهرجانا عاما حضرته جميع الأوساط الشعبية، و قد أجلس الامام الي جانبه فقام العباس الخطيب فخطب خطبة بليغة، و ختمها بقوله: لابد للناس من شمس و من قمر فأنت شمس و هذا ذلك القمر [65] . و تمت بذلك هذه البيعة التي فرح بها العالم الاسلامي، و أعلن المسلمون تأييدهم لها فقد أيقنوا أنها ستحقق جميع آمالهم و رغباتهم.
و لابد لنا من وقفة قصيرة للحديث عن بعض شؤون الامام الجواد عليهالسلام مع أبيه الامام الرضا عليهالسلام.
و بالرغم من حداثة سن الامام الجواد عليهالسلام فقد كان هو القائم بشؤون أبيه و رعاية اموره خصوصا ما كان منها بالمدينة [66] . و يقول المؤرخون: انه كان يأمر الموالي، و ينهاهم، و لا يخالفه أحد في ذلك و كان الامام الرضا عليهالسلام مسرورا بقيام ابنه بمهامه و شؤونه.
و حينما كان الرضا عليهالسلام في خراسان بعث اليه برسالة جاء فيها: [ صفحه 46] «يا أباجعفر بلغني أن الموالي اذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير، فانما ذلك من بخل بهم لئلا ينال منك أحد خيرا، فأسألك بحقي عليك لا يك مدخلك و مخرجك الا من الباب الكبير، و اذا ركبت فاصحب معك ذهبا و فضة ثم لا يسألك أحد الا أعطيته و من سألك من عمومتك أن تبره فلا تعطه أقل من خمسين دينارا و من سألك من عماتك فلا تعطها أقل من خمسة و عشرين دينارا، و الكثير اليك، اني اريد أن يرفعك الله فانفق و لا تخشي من ذي العرش اقتارا..» [67] . ان سجية الأئمة الطاهرين الكرم و الاحسان الي الناس، و البر بالضعفاء و الفقراء، لقد لفت الامام الرضا عليهالسلام انتباه ولده الي ما يصنعه الموالي معه من اخراجه من الباب الصغيرة في الدار لئلا يراه الفقراء حتي ينعم عليهم، و قد أمره عليهالسلام بالخروج من الباب الكبيرة حيث يزدحم عليها الضعفاء و المحرومون. و عهد اليه أن يقوم باكرامهم و الانعام عليهم و قد كانت هذه الظاهرة احدي العناصر الذاتية في أخلاق أئمة أهل البيت عليهمالسلام.
و نص الامام الرضا عليهالسلام علي امامة ولده الجواد، و نصبه خليفة من بعده و مرجعا عاما للمسلمين ليرجعوا اليه في شؤونهم الدينية، و قد روي النص علي امامته جمهور كبير من الرواة كان منهم:
روي محمد المحموري عن أبيه قال: كنت واقفا علي رأس الامام الرضا عليهالسلام بطوس فقال له بعض أصحابه: «ان حدث حدث فألي من؟». [ صفحه 47] و انما سأله عن الامام من بعده حتي يدين بطاعته و الولاء له، فقال عليهالسلام له: «الي ابني أبيجعفر..». و كان الامام أبوجعفر عليهالسلام في مرحلة الطفولة، فقال له: «اني استصغر سنه!!». فرد عليه الامام هذه الشبهة قائلا: «ان الله بعث عيسي بن مريم قائما في دون السن، التي يقوم فيها أبوجعفر..» [68] . و حفل جواب الامام الرضا عليهالسلام بالدليل الحاسم فان الله تعالي بعث عيسي نبيا و آتاه العلم صبيا و هو دون سن الامام أبيجعفر، و النبوة و الامامة من منبع واحد لا يناطان بالصغير و الكبير و انما أمرهما بيد الله تعالي فهو الذي يختار لهما من أحب من عباده.
و ممن روي النص علي امامة الجواد صفوان بن يحيي قال: قلت للرضا: قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أباجعفر عن القائم بعدك؟ فتقول: يهب الله لي غلاما، فقد وهبه الله لك فأقر عيوننا، فان كان كون، فالي من؟ فأشار الامام الي أبيجعفر و هو قائم بين يديه و عمره اذ ذاك ثلاث سنين، فقلت: هو ابنثلاث سنين؟!! قال عليهالسلام: و ما يضر من ذلك، فقد قام عيسي بالحجة و هو ابن أقل من ثلاث سنين [69] .
و روي معمر بن خلاد النص من الرضا عليهالسلام علي امامة ولده الجواد قال: سمعته [ صفحه 48] يقول لأصحابه: و قد ذكر شيئا ثم قال لهم: ما حاجتكم الي ذلك؟ هذا أبوجعفر أجلسته مجلسي، و صيرته مكاني.. انا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة [70] بالقذة [71] .
ومن رواة النص علي امامة الجواد عبدالله بن جعفر قال: دخلت علي الامام الرضا أنا و صفوان بن يحيي، و أبوجعفر قائم قد أتي له ثلاث سنين، فقلنا: جعلنا الله فداك، و نعوذ بالله ان حدث حدث فمن يكون بعدك؟ قال عليهالسلام: ابني هذا، و أومأ الي ولده الامام الجواد - فقلنا له: و هو في هذا السن؟! قال عليهالسلام: نعم ان الله تبارك و تعالي احتج بعيسي و هو ابنسنتين [72] .
و ممن سمع النص علي الامام الجواد من أبيه محمد بن أبيعباد قال: سمعت الامام الرضا عليهالسلام يقول: «أبوجعفر وصيي و خليفتي في أهلي من بعدي» [73] . الي غير ذلك من النصوص التي أثرت عن الامام الرضا عليهالسلام و هي تعلن امامة الجواد من بعده، و أنه أحد خلفاء الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله و سلم علي امته.
و بعد ما استنفذت الأغراض السياسية للمأمون في بيعته للامام الرضا عليهالسلام رأي أن يغدر [ صفحه 49] به، ويفتك بحياته، و علينا أن نتحدث - بايجاز - عن الأسباب التي دعته الي اقتراف هذه الجريمة و هي:
و أترعت نفس المأمون بالحسد للامام الرضا عليهالسلام و كان سبب ذلك ما ظهر للناس من فضل الامام و علمه، و قد روي المؤرخون أن المأمون أوعز الي علماء الأقطار الاسلامية بالقدوم الي خراسان لامتحان الامام، و قد خاضوا معه مختلف المسائل الفلسفية و الكلامية و البحوث الطبية و غيرها، و قد خرجوا من عنده و هم يقولون بامامته و يذيعون فضله و ينشرون معارفه، و لما استبان للمأمون ذلك أوعز الي محمد بن عمرو الطوسي بطرد الناس عن مجلس الامام [74] و قد كشف النقاب عن هذه الجهة أبوالصلت الهروي عندما سأله أحمد بن علي الأنصاري فقال له: كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا مع اكرامه و محبته له و ما جعل له من ولاية العهد؟ فأجابه أبوالصلت: «ان المأمون انما كان يكرمه و يحبه لمعرفته بفضلته، و جعل له ولاية العهد من بعده ليري الناس أنه راغب في الدنيا، فيسقط محله من نفوسهم فلما لم يظهر منه ذلك للناس الا ما ازداد به فضلا عندهم، و محلا في نفوسهم، جلب عليه المتكلمين من البلدان طمعا في أن يقطعه واحد فيسقط محله عند العلماء، و يشتهر نقصه عند العامة، فكان لا يكلمه خصم من اليهود و النصاري و المجوس و الصابئين و البراهمة و الملحدين و الدهرية، و لا خصم من فرق المسلمين المخالفين الا قطعه و ألزمه الحجة، و كان الناس يقولون: و الله أنه أولي بالخلافة من المأمون، و كان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك اليه فيغتاظ من ذلك و يشتد حسده. [75] . [ صفحه 50] ان الحسد من أخبث الأمراض النفسية و هو يفرز جميع الرذايل فقد ألقي الناس في شر عظيم و هو - من دون شك - قد دفع المأمون الي اغتيال الامام و الفتك به.
و ذهب بعض المؤرخين الي أن المأمون انما سم الامام ارضاءا لعواطف بني العباس و مداراة لهم [76] فقد قامت قيامتهم حينما صار الامام ولي عهد المأمون و خافوا علي الخلافة أن تنتقل الي آل علي عليهالسلام و قد أراد المأمون أن يزيل ما في نفوسهم فاغتال الامام عليهالسلام بعد أن تمت أهدافه السياسية.
و لعل من أوثق الأسباب التي دفعت المأمون الي اغتيال الامام هو أن الامام كان لا يحابي المأمون، و لا يداريه، و كان دوما يوصيه بتقوي الله و طاعته، و يحذره العقاب في الدار الآخرة، و قد أدلي بهذه الجهة أبوالصلت الهروي، قال: كان الرضا لا يحابي المأمون من حق، و كان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله، فيغيظه ذلك و يحقده عليه، و لا يظهره له فلما أعيته الحيلة في أمره اغتاله و قتله [77] .
و من الأسباب التي أدت الي حقد المأمون علي الامام حديث صلاة العيد فقد طلب من الامام أن يصلي صلاة العيد فامتنع الامام من اجابته و أصر عليه المأمون فأجابه الامام الي ذلك الا أنه شرط عليه أن يصلي بالناس كما كان جده رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم يصلي بهم و وافق المأمون علي ذلك و أمر القواد و سائر الناس أن يبكروا الي دار الامام، و خرج الناس بجميع طبقاتهم في الصبح الباكر و جلسوا في الطرقات، و أشرفوا من السطوح و هم يتطلعون الي خروج الامام، و قام الامام في الصبح [ صفحه 51] فاغتسل لصلاة العيد، و تعمم بعمامة بيضاء ألقي طرفا منها علي صدره، و طرفا منها بين كتفيه، و أمر مواليه أن يفعلوا مثل ذلك، و خرج عليهالسلام حافيا و بيده عكاز و كان لا يسير خطوة الا رفع رأسه فكبر، و قد تخيل الي الناس أن الهواء و حيطان البيوت تجاوبه. و كان القواد و سائر الناس قد تزينوا و لبسوا السلاح و تهيأوا بأحسن هيهأة كما كانوا يفعلون مع ملوكهم، و واصل الامام مسيرته بتلك الهيئة تعنو لها الجباه، و قد رفع صوته قائلا: «الله أكبر، الله أكبر علي ما هدانا، الله أكبر علي ما رزقنا من بهيمة الأنعام، و الحمد لله لعي ما أبلانا..». و رفع الناس أصواتهم يعون بدعائه، و هم يبكون، و قد تذكروا في الامام ما كان يفعله رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم، و بان لهم ضلال اولئك الحكام و أنهم علي غير الحق، و صارت مرو ضجة واحدة، و سقط القواد من دوابهم و يقول بعض المؤرخين أن السعيد منهم من كان يعرف أحدا فيعطيه دابته ليوصلها الي أهله. و كان الامام اذا سار عشر خطوات وقف فكبر الله أربعا، و تابعه الناس في ذلك، و قد علا منهم البكاء فقد رؤوا في الامام امتدادا ذاتيا لشخصية جده الرسول صلي الله عليه و اله و سلم المحرر الأكبر للانسانية المعذبة، و قد وصف البحري خروج الامام الي الصلاة بقوله: ذكروا بطلعتك النبي فهللوا لما طلعت من الصفوف و كبروا حتي انتهيت الي المصلي لابسا نور الهدي يبدو عليك فيظهر و مشيت مشية خاشع متواضع لله لا يزهو و لا يتكبر و لو أن مشتاقا تكلف غير ما في وسعه لمشي اليك المنبر [78] . [ صفحه 52] و بلغ المأمون ما عليه الناس من الاكبار و التعظيم للامام، فقال له الفضل بن سهل: ان بلغ الرضا المصلي علي هذا الحال افتتن الناس به، فالرأي أن تسأله أن يرجع، فأرسل اليه المأمون أن يرجع فرجع الامام [79] . هذه بعض البوادر التي ذكرها المؤرخون لحقد المأمون علي الامام و قد خاف علي ملكه و سلطانه فصمم علي اقتراف أخطر جريمة في الاسلام، و هي تصفية الامام عليهالسلام جسديا.
و لما ضاق المأمون ذرعا من الامام عمد الي اغتياله فاستدعاه و قدم له عنقودا من العنب كان قد سم بعضه فناوله له و قال: يابن رسول الله ما رأيت عنبا أحسن من هذا؟ فرد عليه الامام: «ربما كان عنب أحسن منه في الجنة». و طلب المأمون من الامام أن يأكل منه، فتريب الامام، و قال له: «تعفيني منه؟». فنهره المأمون و صاح به: «لا بد من ذلك، و ما يمنعك منه لعلك تتهمنا بشيء؟». و أرغم الامام علي تناوله، فأكل ثلاث حبات، ورمي بالعنقود، و قد أثر السم به في الوقت فقام من المجلس، فقال له المأمون: «الي أين». فرمقه الامام بطرفه و قال له بنبرات حزينة مرتعشة: [ صفحه 53] «الي حيث وجهتني - يعني الي الموت -» [80] . و تفاعل السم في بدنه، و أحاطت به آلام الموت، فأرسل اليه المأمون رسولا و قال له: قل له: ما توصيني به؟ و عرض علي الامام ذلك فقال عليهالسلام: قل له: «يوصيك أن لا تعطي أحدا ما تندم عليه» [81] . و عرض الامام بذلك الي ما أعطاه المأمون له من ولاية العهد و ما ألزم به نفسه أمام الله و الامة ثم خلس بعد ذلك، و التفت الامام الي أبيالصلت قائلا: «يا أباالصلت قد فعلوها..» [82] . يشير بذلك الي اغتيال المأمون له، و أخذ الامام في تلك الفترة الرهيبة يعاني آلام السم، فقد تقطعت أمعاؤه، و ذابت حشاشته الي جنة المأوي: و دنا الموت سريعا من الامام ليخمد تلك الشعلة المشرقة التي أضاءت الحياة الفكرية و الاجتماعية في دنيا العرب و الاسلام، و كان الامام في تلك المحنة الحازبة مشغولا بذكر الله لم تصده عنه آلام الموت، و لفظ أنفاسه الأخيرة مشفوعة بتوحيد الله و تمجيده، و قد ارتفعت روحه العظيمة الي بارئها كما ترتفع أرواح الأنبياء و الأوصياء تحفها ملائكة الله و رضوانه. لقد ارتفعت روح الامام الي الله بعد أن أدي رسالته الاصلاحية العظيمة في الذب عن دين الله، و حماية مبادئه و أهدافه.
و كتم المأمون موت الامام الرضا يوما و ليلة، ثم أنفذ الي محمد بن جعفر الصادق عليهالسلام [ صفحه 54] و جماعة من آل أبيطالب، يأمرهم بالحضور عنده فلما مثلوا أمامه نعي اليهم الامام، و أظهر لهم الحزن الشديد و الأسي العميق و قام معهم الي جثمان الامام فاطلعهم عليه و أنه لم يضرب بسيف أو يطعن برمح ثم خاطب الجثمان العظيم قائلا: «يعز علي يا أخي أن أراك في هذه الحالة، و قد كنت آمل أن أقدم قبلك فأبي الله الا ما أراد..» [83] .
و قام المأمون بتجهيز جثمان الامام فغسله، و أدرجه في أكفانه و كتب الي جميع أنحاء خراسان للفوز بتشييعه. و هرع الناس بجميع طبقاتهم الي تشييع جثمان الامام، فكان يوما مشهودا لم تشهد خراسان بمثله، و تقدم المأمون أمام النعش و جعل يخاطب الجثمان ليسمعه الناس قائلا: «أي المصيبتين علي أعظم فقدي اياك أم اتهام الناس لي..».
وجييء بالجثمان تحت هالة من التهليل و التكبير، فواراه المأمون في مقره الأخير بجوار هارون الرشيد، و قد واري أنصع صفحة من صفحات الرسالة الاسلامية التي أمدت الناس بعناصر الوعي و الفكر.. لقد دفن الامام في تلك البقعة الطاهرة، و أصبح مرقده الشريف في خراسان منارا للكرامة الانسانية و هو أعز حرم و أمنعه في الاسلام، فما يعرف الناس ضريحا لولي من أولياء الله له مثل تلك الحشمة و العزة [ صفحه 55] و الكرامة، و قد استشف النبي صلي الله عليه و اله و سلم من وراء الغيب أن بعض أوصيائه سيدفن في خراسان فأعلن ذلك، و ذكر ما يحظي به زائره من الكرامة و المثوبة عند الله، و قال صلي الله عليه و اله و سلم: «ستدفن بضعة مني بخراسان، ما زارها مكروب الا نفس الله كربته، و لا مذنب الا غفر الله ذنبه..» [84] و قد نظم بعض الشعراء هذا الحديث الشريف ببيتين من الشعر و قد رسما علي جدران المشهد الشريف و هما: من سره أن يري قبرا برؤيته يفرج الله عمن زاره كربه فليأت ذا القبر ان الله أسكنه سلالة من رسول الله منتجبه [85] . و أثرت عن الامام الجواد زيارة خاصة لأبيه هذا نصها: «السلام عليك من امام عصيب، و امام نجيب، و بعيد قريب، و مسموم غريب...» [86] .
و أثرت عن الامام الجواد عدة روايات تحدث بها عن فضل الزيارة لمرقد أبيه و ما أعده الله للزائر من الأجر و الثواب و هذه بعضها: 1 - روي عبدالعظيم بن عبدالله الحسني قال: سمعت محمد بن علي الرضا عليهالسلام يقول: ما زار أبيأحد فأصابه أذي من مطر أو برد أو حر الا حرم الله جسده علي النار..» [87] . [ صفحه 56] 2 - روي علي بن أسباط قال: سألت أباجعفر عليهالسلام ما لمن زار أباك بخراسان؟ قال عليهالسلام: الجنة و الله الجنة [88] . 3 - روي عبدالعظيم بن عبدالله الحسني قال: قلت لأبيجعفر: قد تحيرت بين زيارة أبيعبدالله الحسين عليهالسلام و بين زيارة قبر أبيك بطوس فما تري؟ فقال لي مكانك، ثم دخل و خرج و دموعه تسيل علي خديه، فقال: زوار أبيعبدالله كثيرون، و زوار قبر أبيبطوس قليلون [89] .
و حينما وافا النبأ المؤلم أهالي يثرب بوفاة الامام الرضا عليهالسلام هرعوا الي الامام الجواد فجعلوا يعزونه بمصابه الأليم، و يشاركونه الأسي و اللوعة، كما وفدت من سائر الأقطار وفود كثيرة، و هي ترفع تعازيها للامام، و ممن وفد عليه الشاعر الكبير عبدالله بن أيوب الخريبي، و كان من المتصلين بالامام الرضا عليهالسلام و المنقطعين اليه، و قد رفع الي الامام الجواد هذه الأبيات الرقيقة: يابن الذبيح و يابن أعراق الثري طابت أرومته و طاب عروقا يابن الوصي وصي أفضل مرسل أعني النبي الصادق المصدوقا ما لف في خرق القوابل مثله أسد يلف مع الخريق خريقا يا أيها الحبل المتين متي أغد يوما بعقوبة أجده وثيقا أنا عائذ بك في القيامة لائذ أبغي لديك من النجاة طريقا لا يسبقني في شفاعتكم غدا أحد فلست بحبكم مسبوقا [ صفحه 57] يابن الثمانية الأئمة غربوا و أبا الثلاثة شرقوا تشريفا ان مشارق و المغارب أنتم جاء الكتاب بذالكم تصديقا [90] . كما وفدت عليه جمهرة اخري من الشيعة و هي ترفع له تعازيها الحارة و تواسيه بمصابه العظيم.
و تحيرت الشيعة كأشد ما تكون الحيرة في شؤون الامامة بعد وفاة الامام الرضا عليهالسلام، فقد كان سن الامام الجواد ست سنين و أشهر [91] مما أدي الي اضطراب بعضهم و وقوع النزاع في صفوفهم فقد رأي بعضهم أن من كان بهذا السن لا يكون اماما، و ان الامامة لابد أن يتقلدها الرجل الكبير، و اجتمع فريق من الشيعة في بيت من بيوتهم، و كان من بينهم الريان بن الصلت، و يونس، و صفوان بن يحيي، و محمد بن حكيم و عبدالرحمن بن الحجاج، و خاضوا مسألة فجعلوا يبكون فقال لهم يونس: دعوا البكاء حتي يكبر هذا الصبي - يعني الامام الجواد - فرد عليه الريان بن الصلت قائلا: «ان كان أمر من الله جل و علا، فابن يومين مثل ابنمائة سنة، و ان لم يكن من عند الله فلو عمر الواحد من الناس خمسة آلاف سنة ما كان يأتي بمثل ما يأتي به السادة أو بعضه، و هذا مما ينبغي أن ينظر فيه..» [92] . و كان هذا هو الجواب الحاسم المركز علي الواقع المشرق الذي تذهب اليه [ صفحه 58] الشيعة الامامية من أن كبر السن و صغره لا مدخلية لهما في الترشيح لمنصب الامامة الذي يضارع منصب النبوة في أكثر خصوصياته، فان أمرهما بيدالله تعالي فهو الذي يهبهما لمن يختار من عباده.
و وفدت الي يثرب جمهرة من كبار العلماء و الفقهاء و قد انتدبوا من قبل الأوساط الشيعية في بغداد و غيرها من الأمصار و ذلك للتعرف علي معرفة الامام بعد وفاة الامام الرضا و كان عددهم فيما يقول المؤرخون ثمانين رجلا، و لما انتهوا الي يثرب قصدوا دار الامام أبيعبدالله الصادق عليهالسلام ففرش لهم بساط أحمر، و خرج اليهم عبدالله ابن الامام موسي عليهالسلام فجلس في صدر المجلس، مضفيا علي نفسه المرجعية للامة و انه الامام بعد الامام الرضا عليهالسلام و قام رجل فنادي بين العلماء: هذا ابن رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم فمن أراد السؤال فليسأل، فقام اليه أحد العلماء فسأله: «ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق عدد نجوم السماء؟..». فأجابه عبدالله بجواب يخالف فقه أهل البيت عليهمالسلام قائلا: «طلقت ثلاثا دون الجوزاء..». و ذهل العلماء و الفقهاء من هذا الجواب الذي شذ عما قرره الأئمة الطاهرون من أن الطلاق يقع واحدا، و لا نعلم - لم استثني عبدالله الجوزاء عن بقية الكواكب؟ و انبري اليه أحد الفقهاء فقال له: «ما تقول في رجل أتي بهيمة؟». فأجابه علي خلاف ما شرع الله قائلا: «تقطع يده، و يجلد مائة جلدة». و بهت الحاضرون، و ضج بعضهم بالبكاء من هذه الفتاوي التي خالفت أحكام [ صفحه 59] الله، و حاروا في أمرهم و بينما هم في حيرة و ذهول اذ فتح باب من صدر المجلس، و خرج موفق، ثم أطل عليهم الامام أبوجعفر و هو بهيبته التي تعنو لها الجباه، و قام الفقهاء و العلماء اجلالا و اكبارا له، و انبري شخص فعرفهم بأنه الامام بعد أبيه، و الحجة الكبري علي المسلمين فقام اليه صاحب السؤال الأول فقال له: «ما تقول: فيمن قال: لامرأته أنت طالق عدد نجوم السماء؟». فأجابه الامام عليهالسلام: «يا هذا اقرأ كتاب الله تبارك و تعالي: (الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان) و هي في الثالثة..». و بهر الحاضرون من مواهب الامام، و قد أيقنوا أنهم و صلوا الي الغاية التي ينشدونها، و رفع السائل الي الامام فتيا عمه في المسألة فالتفت عليهالسلام اليه قائلا: «يا عم اتق الله، و لا تفت و في الامة من هو أعلم منك..». و أطرق عبدالله برأسه الي الأرض، و لم يدر ماذا يقول، و قام الي الامام صاحب المسألة الثانية فقال له: «ما تقول: فيمن أتي بهيمة؟». فقال عليهالسلام: «يعزر، و تحمي ظهر البهيمة، و تخرج من البلد لئلا يبقي علي الرجل عارها». و عرض السائل علي الامام فتوي عمه، فأنكر عليه أشد الانكار و قال له متأثرا: «لا اله الا الله، يا عبدالله انه لعظيم عند الله أن تقف غدا بين يدي الله فيقول لك: لم أفتيت عبادي بما لا تعلم و في الامة من هو أعلم منك؟». و أخذ عبدالله يلتمس له المعاذير قائلا: «رأيت أخي الرضا، و قد أجاب في هذه المسألة بهذا الجواب». فأنكر عليه الامام و صاح به: [ صفحه 60] «انما سئل الرضا عن نباش نبش امرأة ففجر بها، و أخذ ثيابها فأمر بقطعه للسرقة، و جلده للزنا، و نفيه للمثلة بالميت..» [93] . و سأله العلماء و الفقهاء عن مسائل كثيرة في مختلف أبواب الفقه، و قد بلغت فيما يقول المؤرخون ثلاثين ألف مسألة، و صرح بعضهم أنه سئل في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب عنها عليهالسلام [94] ، و نحن لا نتصور امكان ذلك في مجلس واحد، و ذلك لعدم سعة الوقت، و الصحيح انه سئل عن ثلاثين ألف مسألة في نوب متفرقة و أزمنة متعددة. و علي أي حال فقد أيقن العلماء بامامته و رجعوا الي أمصارهم و هم يذيعون امامة الجواد و ينقلون الي المسلمين سعة علومه و معارفه و انه المعجزة الكبري للاسلام حيث انه بهذا السن، و قد بلغ من العلوم و المعارف ما لا يحد و لا يوصف. و من الجدير بالذكر ان بعض الشيعة كانوا قد سألوا الامام الرضا عليهالسلام عن مسائل فأجابهم عنها فخفوا الي الامام الجواد بعد وفاة أبيه، فسألوه عنها ليمتحنوه في ذلك فأجابهم عنها حسب جواب أبيه، و قد روي أبوخراش النهدي قال: كنت حضرت مجلس الرضا فأتاه رجل فقال له: جعلت فداك ام ولد لي: و هي صدوق أرضعت جارية لي بلبن ابني أيحرم علي نكاحها؟ فقال عليهالسلام: لا رضاع بعد فطام، ثم سأله عن الصلاة في الحرمين فقال عليهالسلام: ان شئت قصرت و ان شئت أتممت، قال: فحججت بعد ذلك، فدخلت علي أبيجعفر فسألته عن المسائل فأجابني بعين ما أجاب به أبوه [95] و علي أي حال فقد رجعت الشيعة اليه، و قالت بامامته، و لم يشذ أحد منهم و يقول بامامة غيره. [ صفحه 63]
و تجسدت في شخصية الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام جميع المثل العليا و النزعات الرفيعة التي يعتز بها هذا الكائن الحي من بني الانسان، و كان من بينها ما يلي:
و تقلد الامام أبوجعفر عليهالسلام الامامة و الزعامة الدينية العامة، و كان عمره الشريف سبع سنين و أشهر، كما تقلد عيسي بن مريم النبوة و هو دون هذا السن. لقد بنيت الامامة علي فلسفة عميقة تهدف الي رفع مستوي الانسان و تحقيق ما يصبو اليه من اقامة الحق و العدل.. و لابد لنا من وقفة قصيرة للتحدث عن بعض شؤونها.
وعنت الامامة بتحقيق الأهداف الأصلية التي ينعم في ظلالها الانسان و كان من بين تلك الأهداف: أ - اقامة العدل في جميع أنحاء البلاد من دون فرق بين أن يكون العدل اجتماعيا أو سياسيا، فلا تواجه الامة في ظل الامامة الرشيدة أي غبن اجتماعي أو فردي، و لا يوجد أي امتياز لقوم علي آخرين فالجميع سواء أمام العدل و الحق، و باقامة هذا العدل الخالص يكون الانسان خليفة لله في أرضه و لا تجد الامة أي التواء في [ صفحه 64] مسيرتها. ب - الثورة علي الظلم و الطغيان، و مناجزة البطش، و منع سيطرة القوي علي الضعيف، و قد تبنت الشيعة بصورة ايجابية هذه الجهة، فقد ثارت بثورات متلاحقة ضد الظلم و البغي، و حاربت القوي الغادرة، و قد رفعت رؤوس اعلامهم و أئمتهم علي الرماح و هي تنير طريق الحرية و الكرامة فقد قتل معاوية جماعة منهم عمرو بن الحمق الخزاعي داعي الحق و علم الحرية و النضال، و بعد قتله رفع رأسه يطاف به في الأقطار و الأمصار، و هو ينير للناس طريق الكفاح، و قتل يزيد بن معاوية العترة الطاهرة من أبناء الرسول و رفع رؤوسهم علي الرماح و قد خلدت تلك الثورات للاسلام مجدا علي امتداد التأريخ فقد عرفت العالم أن الاسلام دين الكفاح و الثورة علي الظلم و البغي و الاستبداد. ان الثورات المدوية التي قامت في الاسلام لم تكن الا بوحي من الامامة التي استوعبت أفكارها المشرقة قلوب اولئك الثوار الذين ألغموا قصور الظالمين بعبوات ناسفة أتت علي معالم زهوهم و جبروتهم. ج - صيانة اقتصاد الامة، و عدم التصرف في الخزينة المركزية الا في الصالح العام، و العمل علي تنمية القدرات الاقتصادية في البلاد، و زيادة الدخل الفردي، و تطوير الاقتصاد العام بما يضمن رفع البؤس الذي هو رديف الكفر و الالحاد و ليس للحاكم و غيره من المسؤولين في جهاز الحكم التلاعب في مقدرات الدولة أو اصطفاء شيء منها لنفوسهم و ذويهم.. و قد كان السبب الرئيسي في الثورة التي أطاحت بحكومة عثمان عميد الاسرة الاموية هو تلاعب بني امية بأموال الدولة و اصطفائها لهم و لمن سار في جهازهم. د - اشاعة الايمان بالله الذي تبتني عليه قوي الخير و السلام في الأرض فان [ صفحه 65] الايمان بالله اذا استقر في اعماق النفس و دخائل الذات يستحيل أن يقترف الشخص ظلما أو جورا أو اعتداءا علي الغير و انما يكون مصدر رحمة و خير الي الناس. ه - العمل علي تزكية النفوس، و طهارة القلوب و غرس النزعات الكريمة و الصفات الفاضلة فيها ليكون فعل الخير و الابتعاد عن الشر عنصرا من عناصرها و مقوما من مقوماتها، و بذلك يتحقق للبشرية أهم ما تصبو اليه. و - نشر الأمن العام، و القضاء علي جميع ألوان الاضطرابات، فيعيش الفرد آمنا مطمئنا لا يلاحقه رعب، و لا يطارده خوف، فتعيش الشاة الي جانب الذئب لا تخشي منه، و لا تحذره. هذه بعض الأهداف الرفيعة التي تنشدها الامامة التي تقول بها الشيعة الامامية، و هي أسمي قاعدة للتطور البشري في جميع مراحل التأريخ.
و لا بد أن تتوفر في الامام الصفات الرفيعة، و المثل الكريمة، و من بينها ما يلي:
و تجمع الشيعة علي أن الامام لا يدانيه أحد في سعة علومه و معارفه و أنه لا بد أن يكون أعلم أهل زمانه، و أدراهم بشؤون الشريعة و أحكام الدين، و الاحاطة بالنواحي السياسية و الادارية و غير ذلك مما يحتاج اليه الناس، أما الأدلة علي ذلك فهي متوفرة لا يتمكن أحد أن ينكرها أو يخفيها فالامام أميرالمؤمنين سيد العترة الطاهرة هو الذي فتق أبوابا من العلوم بلغت - فيما يقول العقاد - اثنين و ثلاثين علما، و هو الذي أخبر عن التقدم التكنلوجي الذي يظهر علي مسرح الحياة، فقد قال عليهالسلام: [ صفحه 66] يأتي زمان علي الناس يري من في المشرق من في المغرب، و من في المغرب يري من في المشرق، و قال عليهالسلام: يأتي زمان علي الناس يسمع من في المشرق من في المغرب و من في المغرب يسمع من في المشرق، و تحقق ذاك بظهور جهاز التلفزيون و الراديو، و قال عليهالسلام: يأتي زمان علي الناس يسير فيه الحديد، و تحقق ذلك بظهور القطار و السيارات و غيرهما، و أمثال هذه الامور التي أخبر عنها، يجدها المتتبع في الكتب التي تبحث عن هذه الامور كالغيبة للشيخ الطوسي و بعض أجزاء البحار، و غيرهما مما الف في هذا الموضوع. أما الامام الصادق عليهالسلام معجزة العلم و الفكر في الأرض، فقد أخبر عن تلوث الفضاء و البحار، و ما ينجم عنهما من الأضرار البالغة للانسان كما أخبر عن وجود الحياة في بعض الكواكب، و هو الذي وضع قواعد التشريح، و خصوصية أعضاء الانسان و العجائب التي في بدنه و التي منها الأجهزة المذهلة، و قد عرض لذلك كتابه المسمي بتوحيد المفضل و يعتبر المؤسس الأول لعلوم الفيزياء و الكيمياء، فقد وضع اصولها علي يد تلميذه جابر بن حيان مفخرة الشرق، و رائد التطور البشري في الأرض. و قد دلل الجواد علي ما تذهب اليه الشيعة في الامامة، فقد كان و هو في سنه المبكر قد خاض مختلف العلوم و سأله العلماء و الفقهاء عن كل شيء فأجاب عنه، مما أوجب انتشارالتشيع في ذلك العصر و ذهاب أكثر العلماء الي القول بالامامة. لقد احتف بالامام الجواد و هو ابن سبع سنين و أشهر العلماء و الفقهاء و الرواة و هم ينتهلون من نمير علومه، و قد رووا عنه الكثير من المسائل الفلسفية و الكلامية، و يعتبر ذلك من أوثق الأدلة علي ما تذهب اليه الشيعة في الامامة.
و أمر آخر بالغ الأهمية تذهب اليه الشيعة في أئمتها و هو عصمتهم من الزيغ، [ صفحه 67] و متناعهم من الولوج في أي ميدان من ميادين الاثم و الباطل و هو حق لا شبهة فيه، فان من يمعن النظر في سيرة الأئمة الطاهرين تتجلي له هذه الحقيقة بوضوح فالامام أميرالمؤمنين عليهالسلام - علي حد تعبيره - لو اعطي الأقاليم السبع بما تحت أفلاكها علي أن يعصي الله في جلب شعيرة يسلبها من فم جرادة ما فعل، أليست هذه هي العصمة؟ أما الامام الحسين سيد الأحرار فانه لو سالم السياسة الاموية لما واجه أهوال كربلاء و خطوبها، لقد كانت العصمة من أبرز ذاتياتهم، و من أظهر صفاتهم فقد كانوا يملكون رصيدا قويا من الايمان، و طاقات هائلة من التقوي تمنعهم من اقتراف أي ذنب من الذنوب. ان العصمة بهذا الاطار لا تنافي العلم، و لا تشذ عن سنن الحياة، و من أنكرها في أئمة أهل البيت عليهمالسلام فقد انحرف عن الحق، و مال الي الباطل و الضلال.. و بهذا ينتهي بنا الحديث عن امامته.
كان الامام الجواد أعبد أهل زمانه، و أشدهم خوفا من الله تعالي، و أخلصهم في طاعته و عبادته، شأنه شأن الأئمة الطاهرين من آبائه الذين وهبوا أرواحهم لله، و عملوا كل ما يقربهم الي الله زلفي.. أما مظاهر عبادة الامام الجواد عليهالسلام فهي:
كان الامام الجواد كثير النوافل، و يقول الرواة: كان يصلي ركعتين يقرأ في كل ركعة سورة الفاتحة، و سورة الاخلاص سبعين مرة [96] . و كان كثير العبادة في شهر رجب، و قد روي الريان بن الصلت قال: صام [ صفحه 68] أبوجعفر الثاني عليهالسلام لما كان ببغداد يوم النصف من رجب، و يوم سبع و عشرين منه، و صام معه جميع حشمه، و أمرنا أن نصلي بالصلاة التي هي اثنتا عشرة ركعة، تقرأ في كل ركعة الحمد و سورة، فاذا فرغت قرأت الحمد أربعا، و قل هو الله أحد أربعا و المعوذتين أربعا، و قلت: لا اله الا الله و الله أكبر، و سبحان الله و الحمد لله، و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم أربعا، الله الله ربي، و لا اشرك به شيئا أربعا، لا اشرك بربي أحدا أربعا [97] و كان يقول: ان في رجب لليلة خير مما طلعت عليه الشمس، و هي ليلة سبع و عشرين من رجب، و ذكر عليهالسلام فيها صلاة خاصة [98] .
و كان الامام أبوجعفر عليهالسلام كثير الحج، و قد روي الحسن بن علي الكوفي بعض أعمال حجه قال: رأيت أباجعفر الثاني عليهالسلام في سنة خمس عشرة (خ) «و عشرين» و مأتين ودع البيت بعد ارتفاع الشمس، و طاف بالبيت يستلم الركن اليماني في كل شوط، فلما كان الشوط السابع استلمه و استلم الحجر و مسح بيده ثم مسح وجهه بيده، ثم أتي المقام، فصلي خلفه ركعتين ثم خرج الي دبر الكعبة الي الملتزم، فالتزم البيت، و كشف الثوب عن بطنه، ثم وقف عليه طويلا يدعو، ثم خرج من باب الحناطين و توجه، قال: فرأيته في سنة) 219 هـ ) ودع البيت ليلا يستلم الركن اليماني و الحجر الأسود في كل شوط فلما كان في الشوط السابع التزم البيت في دبر الكعبة قريبا من الركن اليماني وقوف الحجرالمستطيل و كشف الثوب عن بطنه ثم أتي الحجر فقبله و مسحه و خرج الي المقام فصلي خلفه ثم مضي و لم يعد الي البيت، و كان وقوفه علي الملتزم بقدر ما طاف بعض أصحابنا سبعة أشواط و بعضهم ثمانية.. [99] . [ صفحه 69] و روي علي بن مهزيار بعض الخصوصيات في حج الامام عليهالسلام قال: رأيت أباجعفر الثاني عليهالسلام ليلة الزيارة طاف طواف النساء، و صلي خلف المقام ثم دخل زمزم فاستقي منها بيده بالدلو الذي يلي الحجر و شرب منه و صب علي بعض جسده، ثم اطلع في زمزم مرتين، و أخبرني بعض أصحابنا انه رآه بعد ذلك في سنة فعل مثل ذلك.. [100] . و كان هذا التدقيق من الرواة في نقل هذه الخصوصيات باعتبار أن فعل الامام عليهالسلام من السنة التي يتعبد بها عند الشيعة.
للامام الجواد أدعية كثيرة تمثل مدي انقطاعه الي الله تعالي، فمن أدعيته هذا الدعاء: «يا من لا شبيه له، و لا مثال، أنت الله لا اله الا أنت، و لا خالق الا أنت تفني المخلوقين، و تبقي أنت، حلمت عمن عصاك، و في المغفرة رضاك..» [101] . و كتب اليه محمد بن الفضيل يسأله أن يعلمه دعاءا فكتب اليه هذا الدعاء الشريف تقول: اذا أصبحت و أمسيت: «الله الله ربي، الرحمن الرحيم، لا أشرك به شيئا» و ان زدت علي ذلك فهو خير، ثم تدعو بذلك في حاجتك، فهو لكل شيء باذن الله تعالي يفعل الله ما يشاء [102] . و تمثل أدعية الأئمة الطاهرين جوهر الاخلاص و الطاعة لله فقد اتصلوا بالله تعالي، و انطبع حبه في مشاعرهم و عواطفهم، فهاموا بمناجاته و الدعاء له.
اما الزهد في الدنيا فانه من أبرز الذاتيات في خلق أئمة أهل البيت عليهمالسلام فقد [ صفحه 70] أعرضوا عن زهرة هذه الدنيا، و فعلوا كل ما يقربهم الي الله زلفي. لقد كان الامام علي أميرالمؤمنين عليهالسلام رائد العدالة الكبري في الأرض في أيام خلافته يلبس أخشن الثياب و يأكل أجشب العيش، و لم يتخذ من غنائمها وفرا و لم يضع لبنة علي لبنة، و علي ضوء هذه السيرة المشرقة الواضحة سار الأئمة الطاهرون، فقد زهدوا جميعا في الدنيا و أعرضوا عن رغائبها. لقد كان الامام الجواد عليهالسلام شابا في مقتبل العمر، و كان المأمون يغدق عليه الأموال الوافرة البالغة مليون درهم. و كانت الحقوق الشرعية ترد اليه من الطائفة الشيعية التي تذهب الي امامته بالاضافة الي الأوقاف التي في (قم) و غيرها الا أنه لم يكن ينفق شيئا منها في اموره الخاصة و انما كان ينفقها علي الفقراء و المعوزين و المحرومين.. و قد رآه الحسين المكاري في بغداد، و كان محاطا بهالة من التعظيم و التكريم من قبل الأوساط الرسمية و الشعبية فحدثته نفسه أنه لا يرجع الي وطنه يثرب و سوف يقيم في بغداد راتعا في النعم و الترف، و عرف الامام قصده، فانعطف عليه و قال له: «يا حسين، خبز الشعير، و ملح الجريش في حرم جدي رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم أحب الي مما تراني فيه..» [103] . انه لم يكن من عشاق تلك المظاهر التي كانت تضفيها عليه الدولة، و انما كان كآبائه الذين طلقوا الدنيا، و اتجهوا صوب الله تعالي لا يبغون عنه بديلا.
كان الامام أبوجعفر عليهالسلام من أندي الناس كفا و أكثرهم سخاء، و قد لقب بالجود لكثرة كرمه و معروفه و احسانه الي الناس و قد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من [ صفحه 71] كرمه كان منها ما يلي: 1 - روي المؤرخون أن أحمد بن حديد قد خرج مع جماعة من أصحابه الي الحج، فهجم عليهم جماعة من السراق و نهبوا ما عندهم من أموال و متاع، و لما انتهوا الي يثرب انطلق أحمد الي الامام محمد الجواد و أخبره بما جري عليهم فأمر عليهالسلام له بكسوة و أعطاه دنانير ليفرقها علي جماعته، و كانت بقدر ما نهب منهم [104] . لقد أنقذهم الامام من المحنة و رد لهم ما سلب منهم. 2 - روي العتبي عن بعض العلويين انه كان يهوي جارية في يثرب، و كانت يده قاصرة عن ثمنها فشكا ذلك الي الامام الجواد عليهالسلام فسأله عن صاحبها فأخبره عنه، و لما كان بعد أيام سأل العلوي عن الجارية فقيل له: قد بيعت و سأل عن المشتري لها، فقالوا له: لا ندري، و كان الامام الجواد قد اشتراها سرا ففزع العلوي، نحو الامام، و قد رفع صوته. «بيعت فلانة». فقابله الامام ببسمات فياضة بالبشر قائلا: «هل تدري من اشتراها». «لا». و انطلق معه الامام الي الضيعة التي فيها الجارية، فانتهي الي البيت الذي فيه الجارية، فأمره عليهالسلام بالدخول الي الدار فأبي العلوي لأنها دار الغير و لم يعلم أن الامام قد اشتراها، و أصر عليه الامام بالدخول، و لم يلتفت الي أنها ملك الامام، ثم انه دخل الدار مع الامام فلما رأي الجارية التي يهواها، قال عليهالسلام له: أتعرفها؟ [ صفحه 72] نعم. هي لك، و القصر و الضيعة، و الغلة و جميع ما في القصر، فأقم مع الجارية. و ملأ الفرح قلب العلوي و حار في شكر الامام [105] . هذه بعض البوادر التي ذكرها المؤرخون من كرمه و بره بالفقراء و المستضعفين و يقول الرواة: ان كرم الامام و معروفه قد شمل حتي الحيوانات فقد روي محمد بن الوليد الكرماني قال: أكلت بين يدي أبيجعفر الثاني عليهالسلام حتي اذا فرغت و رفع الخوان ذهب الغلام ليرفع ما وقع من فتات الطعام فقال عليهالسلام له: ما كان في الصحراء فدعه و لو فخذ شاة، و ما كان في البيت فتتبعه و القطه [106] لقد أمره عليهالسلام بترك الطعام الذي في الصحراء ليتناوله الطير و سائر الحيوانات التي ليس عندها طعام.
أما الاحسان الي الناس و البر بهم فانه من سجايا الامام الجواد و من أبرز مقوماته، و قد ذكر الرواة بوادر كثيرة من احسانه كان منها ما يلي: روي أحمد بن زكريا الصيدلاني عن رجل من بني حنيفة من أهالي بست و سجستان [107] قال: رافقت أباجعفر في السنة التي حج فيها في أول خلافة المعتصم [ صفحه 73] فقلت له: و أنا علي المائدة: ان والينا جعلت فداك يتولاكم أهل البيت و يحبكم و علي في ديوانه خراج، فان رأيت جعلني الله فداك أن تكتب اليه بالاحسان الي، فقال عليهالسلام: لا أعرفه، فقلت: جعلت فداك انه علي ما قلت: من محبيكم أهل البيت، و كتابك ينفعني و استجاب له الامام فكتب اليه بعد البسملة: «أما بعد: فان موصل كتابي هذا ذكر عنك مذهبا جميلا، و ان ما لك من عملك الا ما أحسنت فيه، فأحسن الي اخوانك، و اعلم أن الله عزوجل سائلك عن مثاقيل الذرة و الخردل...» [108] . و لما ورد الي سجستان عرف الوالي و هو الحسين بن عبدالله النيسابوري ان الامام قد أرسل اليه رسالة فاستقبله من مسافة فرسخين، و أخذ الكتاب فقبله، و اعتبر ذلك شرفا له، و سأله عن حاجته فأخبره بها، فقال له: لا تؤد لي خراجا مادام لي عمل، ثم سأله عن عياله فأخبره بعددهم فأمر له و لهم بصلة، و ظل الرجل لا يؤدي الخراج مادام الوالي حيا، كما انه لم يقطع صلته عنه [109] كل ذلك ببركة الامام و لطفه.
و واسي الامام الجواد عليهالسلام الناس في سرائهم و ضرائهم، و يقول المؤرخون: انه قد جرت علي ابراهيم بن محمد الهمداني مظلمة من قبل الوالي، فكتب الي الامام الجواد عليهالسلام يخبره بما جري عليه، فتألم الامام و أجابه بهذه الرسالة: «عجل الله نصرتك علي من ظلمك، و كفاك مؤنته، و ابشر بنصر الله عاجلا [ صفحه 74] ان شاءالله، و بالآخرة أجلا، و أكثر من حمد الله..» [110] . و من مواساته للناس تعازيه للمنكوبين و المفجوعين، فقد بعث رسالة الي رجل قد فجع بفقد ولده، و قد جاء فيها بعد البسملة: «ذكرت مصيبتك بعلي ابنك، و ذكرت أنه كان أحب ولدك اليك، و كذلك الله عزوجل انما يأخذ من الولد و غيره أزكي ما عند أهله، ليعظم به أجر المصاب بالمصيبة، فأعظم الله أجرك، و أحسن عزاك، و ربط علي قلبك، انه قدير، و عجل الله عليك بالخلف، و أرجو أن يكون الله قد فعل ان شاءالله..» [111] ، و أعربت هذه الرسالة الرقيقة عن مدي تعاطف الامام مع الناس، و مواساته لهم في البأساء و الضراء. و من مواساته للناس أن رجلا من شيعته كتب اليه يشكو ما ألم به من الحزن و الأسي لفقد ولده، فأجابه الامام عليهالسلام برسالة تعزية جاء فيها: «أما علمت أن الله عزوجل يختار من مال المؤمن، و من ولده أنفسه ليؤجره علي ذلك..» [112] . لقد شارك الناس في البأساء و الضراء، و واساهم في فجائعهم و محنهم، و مد يد المعونة الي فقرائهم، و ضعفائهم، و بهذا البر و الاحسان فقد احتل القلوب و العواطف و أخلص له الناس و أحبوه كأعظم ما يكون الاخلاص و الحب. هذه بعض مثل الامام الجواد و قيمه، و قد رفعته الي المستوي الرفيع الذي بلغه آباؤه الذين فجروا ينابيع العلم و الحكمة في الأرض، و رفعوا مشعل الهداية و الايمان [ صفحه 75] بالله تعالي. لقد كان الامام الجواد عليهالسلام من أروع صور الفضيلة و الكمال في الأرض، فلم ير الناس في عصره من يضارعه في علمه و تقواه و ورعه، و شدة تحرجه في الدين، فقد كان نسخة لا ثاني لها في فضائله و مآثره التي هي السر في امامته. لقد عجبت الأوساط الاسلامية بالامام الجواد فقد هالتهم مواهبه، و ملكاته العلمية التي لا تحد، و هي مما زادت الشيعة ايمانا و يقينا بصحة ما تذهب اليه و تعتقد به من أن الامام لا بد أن يكون أعلم أهل زمانه و أفضلهم و اتقاهم... و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مثل الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام. [ صفحه 79]
أما سعة علوم الامام و معارفه فانها مذهلة للفكر، فهو - بحق - معجزة الاسلام الكبري لقد خاض مختلف العلوم و الفنون، و هو في سنه المبكر و سأله العلماء و الفقهاء، و الفلاسفة و المتكلمون، و علماء الحديث عن أدق المسائل و أعمقها فأجابهم عنها، و قد ذهلوا من ذلك و تحيروا، و آمن بعضهم بامامته، و من الطبيعي أنه لا تعليل لهذه الظاهرة المحيرة سوي القول بالامامة، و هو ما تذهب اليه الشيعة من أن أئمة أهل البيت عليهمالسلام قد منحهم الله العلم و الحكمة و فصل الخطاب، كما منح اولي العزم من أنبيائه و رسله. و نعرض - بايجاز - الي بعض ما أثر عنه من العلوم، و روائع الحكم و الآداب و فيما يلي ذلك:
روي الامام محمد الجواد عليهالسلام طائفة من الأحاديث بسنده عن جده رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم كما روي كذلك عن جده الامام أميرالمؤمنين، و عن جده الامام الصادق عليهالسلام، و عن أبيه الامام الرضا عليهالسلام و فيما يلي ذلك:
أما ما رواه عن رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم فمجموعة من الأخبار، و هذه بعضها: 1 - روي عليهالسلام بسنده أن رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم قال: «ان فاطمة أحصنت فرجها [ صفحه 80] فحرمها الله و ذريتها علي النار» [113] . 2 - روي عليهالسلام بسنده عن جده الامام أميرالمؤمنين أنه قال: بعثني رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم الي اليمن فقال لي: و هو يوصيني: «يا علي ما خاب من استخار، و لا ندم من استشار، يا علي عليك بالدلجة [114] فان الأرض تطوي بالليل و لا تطوي بالنهار، يا علي أغد بسم الله، فان الله بارك لامتي في بكورها..» [115] . 3 - روي عليهالسلام أن رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم قال: «من عتب علي الزمان طالت معتبته» [116] . 4 - روي عليهالسلام بسنده ان رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم قال: «المرء مخبوء تحت لسانه..» [117] .
و روي عن جده الامام أميرالمؤمنين عليهالسلام طائفة من الأخبار و كان من بينهما ما يلي: قال عليهالسلام: قام الي أميرالمؤمنين رجل بالبصرة، فقال: أخبرنا عن الاخوان؟ فقال: الاخوان صنفان: اخوان الثقة، و اخوان المكاشرة فأما اخوان الثقة فهم كالكف، و الجناح و الأهل، و المال، فاذا كنت من أخيك علي ثقة فابذل له مالك و يدك، و صاف من صافه، و عاد من عاداه و اكتم سره، و أعنه، و اظهر منه الحسن، واعلم أيها السائل أنهم أعز من الكبريت الأحمر، و أما اخوان المكاشرة فانك تصيب [ صفحه 81] منهم لذتك، فلا تقطعن ذلك منهم، و لا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم، و ابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه، و حلاوة اللسان [118] . لقد درس الامام أميرالمؤمنين عليهالسلام نفسية المجتمع، و وقف علي دخائل النفوس و ميولها و اتجاهاتها، و أعطي صورا حية عن جميع المناحي الاجتماعية، و التي منها الصداقة بين الناس، فقد حللها تحليلا واقعيا بما لا يختلف علي امتداد التأريخ و في مختلف العصور.
و روي عن الامام الصادق حديثا جاء فيه أن رجلا سأل أباه عن مسائل فكان مما أجابه به، أن قال: قل لهم: هل كان فيما أظهر رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم من علم الله اختلاف؟ فان قالوا: لا فقل لهم: فمن حكم بحكم فيه اختلاف فهل خالف رسول الله؟ فيقولون: نعم، فان قالوا: لا فقد نقضوا أول كلامهم، فقل لهم: ما يعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم، فان قالوا: من الراسخون في العلم؟ فقل: من لا يختلف في عمله، فان قالوا: من ذاك؟ فقل: كان رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم صاحب ذاك.. الي أن قال: و ان كان رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم لم يستخلف أحدا فقد ضيع من في أصلاب الرجال ممن يكون بعده، قال: و ما يكفيهم القرآن؟ قال: بلي لو وجدوا له مفسرا، قال: و ما فسره رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم؟ قال: بلي قد فسره لرجل واحد، و فسر للامة شأن ذلك الرجل، و هو علي بن أبيطالب عليهالسلام، الي أن قال: والمحكم ليس بشيئين انما هو شيء واحد، فمن حكم بحكم ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله عزوجل، و من حكم بحكم فيه اختلاف فرأي أنه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت.. [119] . [ صفحه 82] و قد عرض هذ الحديث لموضوع الخلافة، و حفل بأوثق الأدلة العقلية علي امامة الامام أميرالمؤمنين عليهالسلام و بطلان ما يذهب اليه المنكرون لامامته.
روي عبدالعظيم بن عبدالله الحسني قال: حدثني أبوجعفر الثاني عليهالسلام قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبيموسي بن جعفر يقول: دخل عمرو ابنعبيد علي أبيعبدالله عليهالسلام فلما سلم و جلس تلا هذه هذه الآية (الذين يجتنبون كبائر الاثم و الفواحش) ثم أمسك. قال له أبوعبدالله: ما أسكتك؟ قال عمرو: أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله عزوجل. قال أبوعبدالله: نعم يا عمرو، أكبر الكبائر الاشراك بالله، يقول الله: (من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) و بعده الا ياس من روح الله لأن الله عزوجل يقول: (لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون) ثم الأمن من مكر الله لأن الله عزوجل يقول: (فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون) و منها عقوق الوالدين لأن الله سبحانه جعل العاق جبارا شقيا، و قتل النفس التي حرم الله الا بالحق لأن الله عزوجل يقول: (فجزاؤه جهنم خالدا فيها) و قذف المحصنة لأن الله عزوجل يقول: (لعنوا في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم) و أكل مال اليتيم لأن الله عزوجل يقول: (انما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا) و الفرار من الزحف لأن الله عزوجل يقول: ( و من يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا الي فئة فقد باء بغضب من الله و مأواه جهنم و بئس المصير) و أكل الربا لأن الله عزوجل يقول: (الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) و السحر لأن الله عزوجل يقول: (و لقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من [ صفحه 83] خلاق) و الزنا لأن الله عزوجل يقول: (و من يفعل ذلك يلق آثاما - يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهانا) و اليمين الغموس الفاجرة لأن الله عزوجل يقول: (الذين يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الآخرة) و الغلول لأن الله عزوجل يقول: (و من يغلل يأت بما غل يوم القيامة) و منع الزكاة المفروضة لأن الله عزوجل يقول: (فتكوي بها جباههم و جنوبهم و ظهورهم) و شهادة الزور، و كتمان الشهادة لأن الله عزوجل يقول: (و من يكتمها فانه آثم قلبه) و شرب الخمر لأن الله عزوجل نهي عنها كما نهي عن عبادة الأوثان، و ترك الصلاة متعمدا أو شيئا مما فرض الله عزوجل لأن رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم قال: من ترك الصلاة متعمدا فقد بريء من ذمة الله و ذمة رسوله، و نقض العهد، و قطيعة الرحم لأن الله عزوجل يقول: (لهم اللعنة و لهم سوء الدار) قال: فخرج عمرو له صراخ من بكائه و هو يقول هلك من قال: برأيه و نازعكم في الفضل و العلم.. [120] . و حذر هذا الحديث الشريف من اقتراف الجرائم التي تمسخ ضمير الانسان، و تهدد الحياة الاجتماعية بالخطر، و تقف عائقا في طريق حضارة الانسان و تقدمه.
و اثيرت - في عصر الامام الجواد - كثير من الشكوك و الأوهام حول قضايا التوحيد أثارها من لا حريجة له في الدين من الحاقدين علي الاسلام لزعزعة العقيدة الاسلامية في نفوس المسلمين، و تشكيكهم في مباديء دينهم العظيم... و قد أجاب الامام الجواد عليه السلام عن كثير من تلك الشبه، و فندها كان من بينها: [ صفحه 84] 1 - وفد علي الامام أبيجعفر عليهالسلام بعض المتضلعين في علم الفلسفة و الكلام فقدم له السؤال التالي. «اخبرني عن الرب تبارك و تعالي، له أسماء و صفات في كتابه؟ فأسماؤه و صفاته هي هو». و حلل الامام عليهالسلام سؤاله الي وجهين، كما حلل الوجه الثاني منهما الي وجهين، و قد صحح بعض تلك الوجوه، و أبطل البعض الآخر منها لأنها تتنافي مع واقع التوحيد قال عليهالسلام: «ان لهذا الكلام وجهين: ان كنت تقول: هو هي، أي انه ذو عدد و كثرة فتعالي الله عن ذلك. و ان كنت تقول: لم تزل هذه الصفات و الأسماء «فان لم تزل» يحتمل معنيين: فان قلت: لم تزل عنده في علمه، و هو مستحقها فنعم و ان كنت تقول: لم يزل تصويرها: و هجاؤها، و تقطيع حروفها، فمعاذ الله أن يكون معه شيء غيره، بل كان الله، و لا خلق، ثم خلقها وسيلة بينه و بين خلقه يتضرعون بها اليه، و يعبدونه، و هي ذكره، و كان الله و لا ذكر، و المذكور بالذكر هو الله القديم، الذي لم يزل و الأسماء و الصفات مخلوقات المعاني، و المعني بها هو الله الذي لا يليق به الاختلاف و الائتلاف، انما يختلف و يأتلف المتجزي، فلا يقال: الله مؤتلف، و لا الله كثير، و لا قليل، ولكنه القديم في ذاته لأن ما سوي الواحد متجزيء والله واحد لا يتجزي، و لا متوهم بالقلة و الكثرة و كل متجزي متوهم بالقلة و الكثرة فهو مخلوق دال علي خالق له، فقولك: ان الله قدير خبرت انه لا يعجزه شيء، فنفيت بالكلمة العجز، و جعلت العجز سواه، و كذلك قولك: عالم انما نفيت بالكلمة الجهل، و جعلت الجهل سواه. فاذا أفني الله الأشياء أفني الصور و الهجاء، و لا ينقطع و لا يزال من لم يزل عالما». [ صفحه 85] «و ألم كلام الامام بجوهر التوحيد فأبطل أن تكون أية صفة من صفاته تعالي مستلزمة للعدد و الكثرة و ذلك لما يترتب عليها من الآثار الفاسدة المستحيلة بالنسبة له تعالي، فلا حدوث في صفاته، و لا تجزيء في ذاته فصفاته عين ذاته، كما دلل علي ذلك في علم الكلام.. أما تحليل هذه الفقرات من كلامه فانه يستدعي بحوثا مطولة، و قد آثرنا الايجاز فيها. و بهر السائل من احاطة الامام بهذه البحوث المعقدة وراح يسأله قائلا: «كيف سمي ربنا سميعا..». فأجابه الامام جوابا رائعا دفع به الشبهة قائلا: «انه لا يخفي عليه ما يدرك بالاسماع، و لم نصفه بالسمع المعقول في الرأس، و كذلك سميناه بصيرا لأنه لا يخفي عليه ما يدرك بالأبصار من لون و شخص و غير ذلك، و لم نصفه بنظر لحظ العين، و كذلك سميناه لطيفا لعلمه بالشيء اللطيف مثل البعوضة، و أحقر من ذلك... و موضع الشق منها، و العقل و الشهوة، و السفاد و الحدب علي نسلها، و افهام بعضها عن بعض، و نقلها الطعام و الشراب الي أولادها في الجبال، و المفاوز، و الأودية و القفار، فعلمنا أن خالقها لطيف بلا كيف، و انما الكيفية للمخلوق المكيف. و كذلك سمي ربنا قويا لا بقوة البطش المعروف من المخلوق و لو كان قوته قوة البطش المعروف من الخلق لوقع التشبيه و لاحتمل الزيادة و ما احتمل الزيادة احتمل النقصان، و ما كان ناقصا كان غير قديم، و ما كان غير قديم كان عاجزا فربنا تبارك و تعالي لا شبه له و لا ضد، و لا ند، و لا كيف، و لا نهاية، و لا اخطار محرم علي القلوب أن تمثله، و علي الأوهام أن تحده و علي الضمائر أن تكيفه جل عن أدات خلقه و سمات بريته، و تعالي عن ذلك علوا كبيرا..» [121] . [ صفحه 86] ان صفات الله تعالي الايجابية السلبية و ليست علي غرار الصفات التي يتصف بها الممكن الذي يفتقر في وجوده الي علة تفيض عليه الوجود، كما يفتقر عدمه الي علة بالاضافة الي أن صفات الممكن مثل البصر و السمع انما تقوم بجوارح الانسان و يستحيل عليه ذلك تعالي اذ ليست له جوارح و لا أبعاض. ان من صفات الله تعالي انه (لطيف) و ذلك لعلمه بالأشياء اللطيفة كالبعوضة و ما هو أصغر و أدق منها، و قد ألهمها الله هداها فهي تسير سيرا عجيبا في منتهي الروعة والدقة، تحافظ علي حياتها و علي نوعيتها، و تحدب علي نسلها فترعاه و تعاهده بالطعام. ان هذه الحركات من الحيوانات الصغيرة لتنادي بوجود خالقها العظيم الذي ألهمها هداها. ان من صفات الله تعالي أنه (قوي) ولكن ليست هذه القوة كالقوة التي يتصف بها الانسان، و هي قوة البطش و الانتقام فان هذه الصفة قابلة للزيادة و النقصان و التغيير و يستحيل أن يتصف بذلك الله تعالي عن مشابهة مخلوقاته. ان صفات الله تعالي و ذاته لا تتحملها الأوهام و لا العقول و الأفكار لأنها انما تتصور الممكنات الخاضعة لهذا اللون من التصور و يمتنع عليه تعالي ذلك كما دلل عليه في البحوث الفلسفية و الكلامية. و علي أي حال فقد أثبت الامام في هذه البحوث أنه من عمالقة الفلسفة و الكلام في الاسلام و انا نسأل في أية مدرسة درس الامام علم الفلسفة و الكلام حتي صار من أقطاب هذا الفن و أجاب بهذه الأجوبة الدقيقة التي يعجز عن الاتيان بمثلها كبار الفلاسفة و العلماء، انه لا تعليل لذلك سوي ما تقول به الشيعة ان الله تعالي منحه العلم و الفضل و آتاه الحكم صبيا. 2 - سأل محمد بن عيسي الامام أباجعفر عليهالسلام عن التوحيد قائلا: اني أتوهم [ صفحه 87] شيئا، فأجابه الامام: «نعم غير معقول، و لا محدود، فما وقع و همك عليه من شيء فهو خلافه لا يشبهه شيء، و لا تدركه الأوهام، و هو خلاف ما يتصور في الأوهام انما يتصور شيء غير معقول و لا محدود..» [122] . ان وهم الانسان انما يتعلق بالامور الخاضعة للوهم و التصور أما الامور التي لا تخضع لذلك فانه من المستحيل أن يتعلق بها الوهم و الخيال حسب ما قرر في علم الفلسفة، فالله تعالي في ذاته و صفاته لا يصل له الوهم و لا الخيال لأنهما انما يدركان الامور الممكنة دون واجب الوجود. 3 - روي الحسين بن سعيد قال: سئل أبوجعفر الثاني عليهالسلام يجوز أن يقال لله انه شي؟ فقال عليهالسلام: «نعم يخرجه من الحدين: حد التعطيل و حد التشبيه..» [123] . ان الشيئية التي تطلق علي الممكنات لا تطلق عليه تعالي الا بشرط تجريده من حد التعطيل، و حد التشبيه اللذين هما من أبرز صفات الممكن. 4 - سأل أبوهاشم الجعفري عن قوله تعالي: (لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار)، فقال عليهالسلام: «يا أباهاشم أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند و الهند، و البلدان التي لم تدخلها، و لم تدركها ببصرك، فأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون؟..» [124] . [ صفحه 88] ان ذات الله تعالي لا تدركها أوهام القلوب علي مدي ما تحمله من سعة الخيال فضلا عن ادراكها بالعين الباصرة فان كلا منهما محدود بحسب الزمان و المكان و ذات الله تعالي لا يجري عليها الزمان و المكان فانه تعالي هو الذي خلقهما. و علي أي حال فان العقول في جميع تصوراتها محدودة لا يمكن أن تكتشف الامور التي لا تخضع للحد زمانا و مكانا، يقول الشافعي: «ان للعقل حدا ينتهي اليه كما أن للبصر حدا ينتهي اليه». 5 - سأل أبوهاشم الجعفري الامام أباجعفر الجواد قال: ما معني الواحد؟ فأجابه عليهالسلام: «الذي اجتمعت الألسن عليه بالتوحيد كما قال الله عزوجل: (و لئن سألتهم من خلق السماوات و الأرض ليقولن الله..» [125] . و بهذا ينتهي بنا الحديث عن البحوث الرائعة التي أدلي بها الامام عليهالسلام عن التوحيد، و هي تكشف عن مدي ثرواته العلمية الهائلة.
و تشكل الأحاديث التي تروي عن الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام مصدرا خصبا لاستنباط الأحكام الشرعية لدي فقهاء الشيعة الامامية؛ لأنها من السنة التي فسرت - عندهم - بقول المعصوم و فعله و تقريره، و قد أثرت عنه طائفة كبيرة من الأخبار دونت فلي موسوعات الفقه و الحديث و قد شملت معظم أبواب الفقه نذكر بعضها:
أما بحوث الصلاة و فروعها فهي من أوسع أبواب الفقه، و كان من بين تلك [ صفحه 89] الفروع التي عرض لها الامام أبوجعفر عليهالسلام ما يلي: 1 - روي الصدوق بسنده عن يحيي بن عمران قال: كتبت الي أبيجعفر الثاني عليهالسلام في السنجاب [126] ، و الفنك [127] و الخز [128] و قلت: جعلت فداك أحب أن لا تجيبني بالتقية في ذلك، فكتب بخطه الي صل فيها [129] . و استدل الفقهاء بهذا الخبر و نحوه مما ورد في هذا الموضوع علي جواز الصلاة في جلود هذه الحيوانات، و هناك روايات اخري دالة علي المنع من الصلاة فيها، ولسنا بصدد النظر في ترجيح احدي الطائفتين من هذه الأخبار علي الاخري فان ذلك من شأن الكتب الفقهية الاستدلالية و ليس هذا الكتاب منها. 2 - روي قاسم الصيقل قال: كتبت الي الرضا عليهالسلام اني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي فاصلي فيها، فكتب الي اتخذ ثوبا لصلاتك، فكتبت الي أبيجعفر عليهالسلام كنت كتبت الي أبيك بكذا و كذا فصعب علي ذلك، فصرت أعملها من جلود الوحشية الذكية فكتب الي: كل أعمال البر بالصبر يرحمك الله فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس [130] . [ صفحه 90] 3 - و استدل الفقهاء علي جواز الصلاة بالنعل الطاهرة الذكية بما رواه علي بن مهزيار قال: رأيت أباجعفر عليهالسلام صلي حين زالت الشمس يوم التروية ست ركعات خلف المقام و عليه نعلاه لم ينزعهما [131] و روي عبدالله بن رزين أنه رأي أباجعفر الثاني عليهالسلام يصلي في مسجد رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم عند بيت فاطمة عليهاالسلام يخلع نعليه، و يصلي و انه رآه في ذلك الموضع الذي كان. 4 - و استند الفقهاء علي جواز مناجاة الله في أثناء الصلاة برواية محمد بن علي بن الحسين عن الامام أبيجعفر عليهالسلام قال: لا بأس أن يتكلم الرجل في صلاة الفريضة بكل شي يناجي به ربه عزوجل [132] . هذه بعض الأخبار التي أثرت عن الامام أبيجعفر عليهالسلام في الصلاة.
وردت عن الامام أبيجعفر عليهالسلام عدة أخبار في فروع الزكاة كان من بينها ما يلي: استدل الفقهاء علي جواز اخراج القيمة دون العين فيما تجب فيه الزكاة بما روي عن الامام أبيجعفر عليهالسلام فقد روي محمد بن خالد البرقي قال: كتبت الي أبيجعفر الثاني عليهالسلام: هل يجوز أن اخرج عما يجب في الحرث من الحنطة و الشعير، و ما يجب علي الذهب دراهم قيمة ما يستوي أم لا يجوز الا أن يخرج من كل شيء ما فيه؟ فأجابه: أيما تيسر يخرج [133] .
و تلتزم الشيعة الامامية بلزوم الخمس و وجوبه الذي هو من أهم الضرائب [ صفحه 91] الاسلامية التي فرضها الله علي المسلمين لازدهار اقتصادهم، و معالجة الفقر و البؤس، و نصف من الخمس المسمي بحق الامام ينفق علي اقامة معالم الشريعة الاسلامية و ازدهار الحياة الفكرية و العلمية في الاسلام، و هو يجب في مواضع - ذكرها الفقهاء - منها ما يفضل عن مؤنة سنة الانسان له و لعياله من أرباح التجارات، و الصناعات و الزراعات و نحوها، و قد استدل الفقهاء علي ذلك بما أثر عن الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام من الأخبار و التي منها: 1 - روي علي بن مهزيار عن محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا الي أبيجعفر الثاني عليهالسلام: اخبرني عن الخمس أ علي جميع ما يستفيد الرجل من قليل و كثير من جميع الضروب و علي الصناع؟ و كيف ذلك؟ فكتب عليهالسلام بخطه: الخمس بعد المؤنة [134] . 2 - روي الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: «كتب اليه أبوجعفر عليهالسلام و قرأت أنا كتابه اليه في طريق مكة، قال: ان الذي أوجبت في سنتي هذه، و هذه سنة عشرين و مائتين فقط لمعني من المعاني أكره تفسير المعني كله خوفا من الانتشار، و سأفسر لك بعضه ان شاء الله: ان موالي أسأل الله صلاحهم أو بعضهم قصروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك فأحببت أن اطهرهم و ازكيهم بما فعلت من أمر الخمس في عامي هذا قال تعالي: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها و صل عليهم ان صلاتك سكن لهم و الله سميع عليم - ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده و يأخذ الصدقات و أن الله هو التواب الرحيم - و قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و ستردون الي عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم [ صفحه 92] تعملون) [135] . و لم أوجب عليهم ذلك، في كل عام و لا أوجب عليهم الا الزكاة التي فرضها الله عليهم، و انما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب و الفضة التي قد حال عليهما الحول، و لم أوجب ذلك عليهم في متاع و لا آنية و لا دواب و لا خدم و لا ربح ربحوه في تجارة و لا ضيعة الا في ضيعة سافسر لك أمرها تخفيفا مني عن موالي، و منا مني عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم، و لما ينوبهم في ذاتهم، فأما الغنائم و الفوايد فهي واجبة عليهم في كل عام قال الله تعالي: (و اعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه و للرسول و لذي القربي و اليتامي و المساكين و ابنالسبيل ان كنتم آمنتم بالله و ما أنزلنا علي عبدنا يوم الفرقان يوم التقي الجمعان و الله علي كل شيء قدير) فالغنائم و الفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء و الفائدة يفيدها. و الجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر، و الميراث الذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن، و مثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله و مثل مال يؤخذ و لا يعرف له صاحب، و ما صار الي موالي من أموال الخرمية الفسقة، فقد علمت أن أموالا عظاما صارت الي قوم من موالي فمن كان عنده شيء من ذلك فليوصله الي وكيلي، و من كان نائيا بعيد الشقة فليعمد لايصاله و لو بعد حين، فان نية المرء خير من عمله، فأما الذي أوجب من الضياع و الغلات في كل عام فهو نصف السدس، ممن كانت ضيعته تقوم بمؤنته، و من كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته فليس عليه نصف سدس و لا غير ذلك..» [136] . و منيت هذه الصحيحة بكثير من الغموض و عدم وضوح المراد منها و قد [ صفحه 93] ذكرت عليها عدة اشكالات تصدي بعض المحققين من الفقهاء الي تفنيدها، و ذكر المحقق الفقيه البحراني ما نصه: فالحق ما ذكره جملة من الأصحاب من أن الرواية في غاية الاشكال و نهاية الاعضال [137] .
و استند فقهاء الشيعة الامامية في فتاواهم في بعض فروع الحج و مسائله الي ما اثر عن الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام فيها، و فيما يلي ذلك: 1 - استند الفقهاء في استحباب الحج للصبي بما رواه محمد بن الفضيل قال: سألت أباجعفر الثاني عليهالسلام عن الصبي متي يحرم به؟ قال: اذا أثغر [138] و قد تعرض الفقهاء الي كيفية حجه بالتفصيل. 2 - و أفتي فقهاء الامامية بأن المخالف اذا حج ثم استبصر لم يعد حجه الا أن يخل بركن عندنا [139] و قد وردت رواية عن الامام أبيجعفر عليهالسلام تقضي بالاعادة فقد روي علي بن مهزيار قال: كتب ابراهيم بن محمد بن عمران الهمداني الي أبيجعفر عليهالسلام: اني حججت و أنا مخالف، و كنت صرورة فدخلت متمتعا بالعمرة الي الحج، قال: فكتب اليه: أعد حجك [140] و حمل الشيخ الأمر باعادة الحج علي الاستحباب [141] . 3 - و اتفق فقهاء الامامية بأن حج التمتع أفضل أنواع الحج لمن أراد أن يحج [ صفحه 94] حجا مندوبا، و قد استندوا في ذلك الي ما ورد عن الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام و غيره من أئمة العترة الطاهرة عليهمالسلام فقد روي أحمد بن محمد بن أبينصر عن أبيجعفر الثاني عليهالسلام قال: كان أبوجعفر عليهالسلام يقول: المتمتع بالعمرة الي الحج أفضل من المفرد السائق للهدي، و كان يقول: ليس يدخل الحاج بشيء أفضل من المتعة [142] . 4 - من التروك اللازمة في الحج التظليل للرجل الصحيح سائرا أما المرأة فيجوز لها الظل [143] و قد ورد عن الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام في ذلك ما رواه بكر بن صالح قال: كتبت الي أبيجعفر الثاني عليهالسلام ان عمتي معي و هي زميلتي و يشتد عليها الحر اذا أحرمت افتري ان أظلل علي و عليها؟ فكتب عليه عليهالسلام: ظلل عليها وحدها [144] . هذه بعض فروع الحج التي وردت أحكامها عن الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام.
و سئل الامام أبوجعفر الجواد عليهالسلام عن بعض مسائل النذور و فروعه فأجاب عنها، و كان مما سئل عنه. 1 - سئل الامام الجواد عليهالسلام عن الرجل يقول: علي مائة بدنة أو ما لا يطيق، فقال: قال رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم: ذلك من خطوات الشيطان [145] . ان القدرة علي الامتثال - كما يقول الفقهاء - شرط في صحة التكليف و يستحيل أن يتعلق بغير المقدور، فمتعلق النذر في هذه المسألة لما كان غير مقدور و لا [ صفحه 95] يطيقه المكلف كان النذر باطلا. 2 - رفع رجل من بنيهاشم رسالة الي الامام الجواد عليهالسلام جاء فيها: «اني كنت نذرت نذرا منذ سنين أن أخرج الي ساحل من سواحل البحر الي ناحيتنا مما يرابط فيه المتطوعة نحو مرابطتهم بجدة و غيرها من سواحل البحر، افتري جعلت فداك انه يلزمني الوفاء به أو لا يلزمني أو افتدي الخروج الي ذلك بشيء من أبواب البر لأصير اليه ان شاء الله؟». فأجابه عليهالسلام برسالة جاء فيها: «ان كان سمع منك نذرك أحد من المخالفين فالوفاء به ان كنت تخاف شنعته و الا فاصرف ما نويت من ذلك في أبواب البر، وفقنا الله و اياك لما يحب و يرضي..». [146] . و لم ينعقد هذا لنذر لأن متعلقه غير راجح، و قد حث الامام علي أن يصرف نفقات مرابطته في وجوه البر و التي منها الاحسان الي الفقراء.
و أفتي فقهاء الامامية بأن من حنث ما عاهد عليه الله تجب عليه الكفارة المخيرة و هي: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو اطعام ستين مسكينا، و قد استندوا في ذلك الي ما روي عن الامام أبيجعفر عليهالسلام فقد روي أحمد بن محمد بن عيسي في نوادره عن أبيجعفر الثاني عليهالسلام في رجل عاهد الله عند الحجر أن لا يقرب محرما أبدا فلما رجع عاد الي المحرم، فقال أبوجعفر عليهالسلام: يعتق أو يصوم أو يتصدق علي ستين مسكينا و ما ترك من الأمر أعظم و يستغفر الله و يتوب اليه [147] . [ صفحه 96]
سئل الامام أبوجعفر عليهالسلام عن بعض مسائل الوقف فأجاب عنها، و علي ضوء أجوبته أفتي الفقهاء، و كان من بين ما سئل عنه: 1 - انه سئل عن الوقف الذي يكون علي اسرة و هي منتشرة في أنحاء مختلفة في البلاد فهل يجب علي متولي الوقف أن يوصل اليهم حقهم من واردات الوقف، فأجاب عليهالسلام بعدم لزوم ذلك عليه، وان الوارد يختص بمن حضر البلد الذي فيه الوقف، و هذا نص السؤال و الجواب: روي علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: كتبت الي أبيجعفر الثاني عليهالسلام أسأله عن أرض وقفها جدي علي المحتاجين من ولد فلان ابن فلان، و هم كثيرون متفرقون في البلاد، فأجاب: ذكرت الأرض التي وقفها جدك علي فقراء ولد فلان، و هي لمن حضر البلد الذي فيه الوقف و ليس لك أن تتبع من كان غائبا [148] . 2 - روي علي بن مهزيار قال: كتبت الي أبيجعفر الثاني عليهالسلام ان فلانا ابتاع ضيعة فأوقفها و جعل لك في الوقف الخمس، و يسأل عن رأيك في بيع حصتك من الأرض أو تقويمها علي نفسه بما اشتراها، أو يدعها موقفة؟ فكتب عليهالسلام: اعلم فلانا أني آمره أن يبيع حقي من الضيعة، و ايصال ثمن ذلك الي، و ان ذلك رأي ان شاء الله، أو يقومها علي نفسه ان كان ذلك أوفق له [149] و حمل الحر العاملي الرواية علي عدم قبض الامام للضيعة كما هو الظاهر منه حتي يصح البيع. 3 - روي علي بن مهزيار قال: كتبت الي أبيجعفر عليهالسلام أعلمه أن اسحاق بن ابراهيم وقف ضيعته علي الحج، و امولده و ما فضل عنها للفقراء، و ان محمد بن [ صفحه 97] ابراهيم أشهد علي نفسه بمال يفرق في اخوننا، و ان في بنيهاشم من يعرف حقه، يقول بقولنا ممن هو محتاج، فتري أن يصرف ذلك اليهم اذا كان سبيله سبيل الصدقة؟ لأن وقف اسحاق انما هو صدقة.. فكتب عليهالسلام في الجواب: «فهمت رحمك الله ما ذكرت من وصية اسحاق بن ابراهيم رضي الله عنه، و ما أشهد بذلك محمد بن ابراهيم (رض)، و ما استأمرت به من ايصالك بعض ذلك الي من كان له ميل ومودة من بنيهاشم ممن هو مستحق فقير، فأوصل ذلك اليهم يرحمك الله، فهم اذا صاروا الي هذه الخطة أحق من غيرهم لمعني لو فسرته لك لعلمته ان شاء الله» [150] . و أدرج الحر العاملي هذه الرواية تحت عنوان «جواز اعطاء فقراء بنيهاشم من الصدقة سوي الزكاة من الوقف علي الفقراء [151] .
و اثرت عن الامام أبيجعفر عليهالسلام في الزواج عدة أخبار استند اليها الفقهاء في فتواهم، و كان من بينها عدم ولاية العم علي ابنة أخيه في الزواج فقد روي محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض بني عمي الي أبيجعفر الثاني عليهالسلام: ما تقول في صبية زوجها عمها، فلما كبرت أبت التزويج فكتب عليهالسلام: «لا تكره علي ذلك و الأمر أمرها» [152] .
و سئل الامام أبوجعفر عليهالسلام عن الطلاق المخالف لفقه أهل البيت عليهمالسلام [ صفحه 98] فأجاب عليهالسلام بعدم صحته ان كان المطلق ممن يدين بالولاء لهم، و يسير علي وفق ما أثر عنهم، و ان كان المطلق لا يري ذلك فطلاقه صحيح، و هذا نص جوابه عن هذا السؤال الذي سأله عنه ابراهيم بن محمد الهمداني: «فهمت ما ذكرت من أمر بنتك و زوجها «الي أن قال» و من حنثه بطلاقها غير مرة فانظر فان كان ممن يتولانا، و يقول: بقولنا فلا طلاق عليه لأنه لم يأت أمرا جهله، و ان كان ممن لا يتولانا و لا يقول: بقولنا فاختلعها منه، فانه نوي الفراق» [153] .
و اذا توفرت في الرضاع الشروط المعتبرة التي ذكرها الفقهاء فيترتب عليه ما يترتب علي النسب من الآثار الوضعية، ففي الحديث «الرضاع لحمة كلحمة النسب» و كان من بين مسائل الرضاع التي عرضت علي الامام أبيجعفر عليهالسلام و أجاب عنها ما رواه علي بن مهزيار قال: سأل عيسي بن جعفر بن عيسي أباجعفر الثاني عليهالسلام ان امرأة أرضعت لي صبيا فهل يحل لي أن أتزوج ابنة زوجها؟ فقال لي: ما أجود ما سألت من ههنا يؤتي أن يقول الناس: حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن الفحل لا غيره، فقلت له: الجارية ليست ابنة المرأة التي أرضعت لي، هي ابنة غيرها، فقال: لو كن عشرا متفرقات ما حل لك شيء منهن، و كن في موضع بناتك [154] .
و سئل الامام أبوجعفر الجواد عليهالسلام عن الزاني هل له أن يتزوج بالمزني بها، فأجاب عليهالسلام بالجواز بعد استبرائها، و هذا نص السؤال مع جوابه روي الحسن بن علي [ صفحه 99] بن شعبة عن أبيجعفر محمد بن علي الجواد عليهالسلام انه سئل عن رجل نكح امرأة علي زنا أيحل له أن يتزوجها؟ فقال: يدعها حتي يستبرئها من نطفته و نطفة غيره اذ لا يؤمن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه، ثم يتزوج بها ان أراد، فانما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراما ثم اشتراها فأكل منها حلالا [155] .
من الآثار الخطيرة ألتي تترتب علي اقتراف جريمة الزنا ان ابنالزنا لا يلحق بأبويه و يحرم من ميراثهما، و قد أثر عن الامام أبيجعفر عليهالسلام في ذلك ما رواه محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا الي أبيجعفر الثاني عليهالسلام معي يسأله عن رجل فجر بأمرأة، ثم انه تزوجها بعد الحمل فجاءت بولد هو أشبه خلق الله به، فكتب بخطه و خاتمه: الولد لغية لا يورث [156] .
من البحوث الفقهية: الشفعة و قد سئل الامام أبوجعفر عليهالسلام عن بعض أحكامها فأجاب عنها، فقد روي الثقة الفقيه علي بن مهزيار قال: سألت أباجعفر الثاني عليهالسلام عن رجل طلب شفعة أرض فذهب علي أن يحضر المال فلم ينض، فكيف يصنع صاحب الأرض ان أراد بيعها أيبيعها أو ينتظر مجيء شريكه صاحب الشفعة؟ قال: ان كان معه بالمصر فلينتظر به ثلاثة أيام فان أتاه بالمال و الا فليبع، و بطلت شفعته في الأرض و ان طلب الأجل الي أن يحمل المال من بلد الي آخر فلينتظر به مقدار ما يسافر الرجل الي تلك البلدة، و ينصرف و زيادة ثلاثة أيام اذا قدم فان وافاه و الا فلا شفعة له [157] ، و قد أدرج الشيخ الحر هذا الخبر تحت هذا العنوان «باب أن [ صفحه 100] الثمن اذا كان في المصر انتظر به ثلاثة أيام و ان كان في بلد آخر انتظر به قدر الذهاب و العودة و زيادة ثلاثة أيام، فان زاد بطلت الشفعة».
و سئل الامام أبوجعفر عليهالسلام عن بعض فروع الميراث فأجاب عنها، و نعرض لبعضها: 1 - روي محمد بن علي بن الحسين باسناده عن البزنطي قال: قلت لأبيجعفر الثاني عليهالسلام: رجل هلك، و ترك ابنته و عمه، فقال: المال للابنة، قال: و قلت له: رجل مات و ترك ابنة له و أخا له، أو قال: ابنأخيه قال: فسكت طويلا ثم قال: المال للابنة [158] . 2 - روي علي بن مهزيار قال: سألت أباجعفر الثاني عليهالسلام عن دار كانت لامرأة و كانت لها ابن و ابنة فغاب الابن في البحر، و ماتت المرأة فادعت ابنتها أن امها كانت صيرت هذه الدار لها و باعت أشقاصا منها و بقيت في الدار قطعة الي جنب دار رجل من أصحابنا، و هو يكره أن يشتريها لغيبة الابن، و ما يتخوف أن لا يحل شراؤها، و ليس يعرف للابن خبر، فقال لي: و منذ كم غاب؟ قلت: منذ سنين كثيرة، قال: ينتظر به غيبة عشرة سنين، ثم يشتري [159] فقلت: اذا انتظر به غيبة عشر سنين يحل شراؤها؟ قال: نعم [160] . و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض المسائل الفقهية التي أدلي بها الامام الجواد عليه السلام حينما سئل عنها و هي تكشف - بوضوح - عن أن الامام عليه السلام قد كان [ صفحه 101] المرجع الوحيد الذي يرجع اليه معظم المسلمين في شؤونهم الدينية.
و كشف الامام محمد الجواد عليهالسلام النقاب عن العلة في تشريع بعض الأحكام و كان من بينها ما يلي: 1 - سئل محمد بن سليمان عن العلة في جعل عدة المطلقة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر، و صارت عدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر و عشرا، فأجابه الامام عليهالسلام عن ذلك: «أما عدة المطلقة ثلاثة قروء فلاستبراء الرحم من الولد، و أما عدة المتوفي عنها زوجها فان الله تعالي شرط للنساء شرطا، و شرط عليهن شرطا فلم يجابهن فيما شرط لهن، و لم يجر فيما اشترط عليهن، أما ما شرط لهن في الايلاء أربعة أشهر اذ يقول الله عزوجل: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) فلم يجوز لأحد أكثر من أربعة أشهر في الايلاء لعلمه تبارك اسمه انه غاية صبر المرأة عن الرجل، و أما ما شرط عليهن فانه أمرها أن تعتد اذ مات زوجها أربعة أشهر و عشرا فأخذ منها له عند موته ما أخذ لها منه في حياته عند الايلاء، قال الله عزوجل: (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا) ولم يذكر العشرة الأيام في العدة الا مع الأربعة أشهر، و علم أن غاية المرأة الأربعة أشهر في ترك الجماع فمن ثم أوجبه عليها و لها..» [161] . 2 - سأل محمد بن سليمان الامام الجواد عن العلة فيما اذا قذف الرجل امرأته بجريمة الزنا تكون شهادته أربع شهادات بالله، و اذا قذفها غيره سواء أكان قريبا لها أم بعيد جلد الحد أو يقيم البينة علي ما قال، فأجابه عليهالسلام: «قد سئل أبوجعفر - يعني الامام الباقر عليهالسلام - عن ذلك فقال: ان الزوج اذا [ صفحه 102] قذف امرأته فقال: رأيت ذلك بعيني كانت شهادته أربع شهادات بالله، و اذا قال: انه لم يره قيل له أقم البينة علي ما قلت: و الا كان بمنزلة غيره، و ذلك أن الله تعالي جعل للزوج مدخلا لا يدخله غيره والد و لا ولد يدخله بالليل و النهار فجاز له أن يقول: رأيت، و لو قال غيره: رأيت قيل له: و ما أدخلك المدخل الذي تري هذا فيه وحدك، أنت متهم فلا بد من أن يقيم عليك الحد الذي أوجبه الله عليك..» [162] . هذا بعض ما اثر عنه في بيان علل بعض الأحكام التي شرعها الاسلام.
و الشيء المحقق الذي لا يمكن انكاره، و لا اخفاءه هو ما بشر به الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله و سلم امته بخروج المصلح العظيم الامام المنتظر الذي يقيم اعوجاج الدين، و تحقق في ظلال حكمه العدالة الاجتماعية الكبري فيأمن المظلومون و المضطهدون، و يعم الحق جميع أنحاء الدنيا، و يقضي علي الغبن الاجتماعي، و تزول عن الناس جميع أفانين الظلم و الجور، و يكون حكمه الزاهر امتدادا ذاتيا لحكومة النبي صلي الله عليه و اله و سلم و حكومة الامام أميرالمؤمنين رائد الحق و العدل في الأرض. ان الاعتقاد بضرورة خروج الامام المنتظر عجل الله فرجه جزء من رسالة الاسلام و عنصر هام من عناصر العقيدة الاسلامية، فان الاسلام بمفهومه الصحيح لابد أن يسود الأرض، و لا بد للمباديء الوضعية من أن تتحطم لأنها جرت المحن و الخطوب للانسان، و أخلدت له المشاكل و المتاعب، و لا بد أن ينقذ الله عباده من شرورها و استبدادها علي يد هذا الامام العظيم. و علي أي حال فقد تواترت الأخبار عن النبي صلي الله عليه و اله و سلم و عن الأئمة الطاهرين [ صفحه 103] بحتمية خروج قائم آل محمد صلي الله عليه و اله و سلم و كان ممن بشر به الامام الجواد عليهالسلام و فيما يلي بعض ما أثر عنه: 1 - روي عبدالعظيم بن عبدالله الحسني قال: دخلت علي سيدي محمد بن علي بن موسي عليهالسلام و أنا اريد أن اسأله عن القائم هل هو المهدي أو غيره؟ فابتدأني قائلا: «يا أباالقاسم ان القائم منا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته و يطاع في ظهوره، و هو الثالث من ولدي، و الذيي بعث محمدا بالنبوة و خصنا بالامامة انه لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتي يخرج فيه فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا و ان الله تبارك و تعالي ليصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسي، اذا ذهب يقتبس نارا فرجع و هو رسول نبي، و أضاف الامام الجواد قائلا: أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج» [163] . 2 - روي عبدالعظيم الحسني قال: قلت لمحمد بن علي: اني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد صلي الله عليه و اله و سلم الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما؟ فأجابه الامام الجواد: «يا أباالقاسم ما منا الا و هو قائم بأمر الله عزوجل، و هاد الي دين الله، ولكن القائم الذي يطهر الله عزوجل به الأرض من أهل الكفر و الجحود، و يملأها عدلا و قسطا هو الذي تخفي علي الناس ولادته، و يغيب عنهم شخصه، و يحرم عليهم تسميته، هو سمي رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم و كنيه، و هو تطوي له الأرض، و يذل له كل صعب و يجتمع اليه أصحابه عدة أهل بدر ثلثمائة و ثلاثة عشر رجلا من أقاصي [ صفحه 104] الأرض و ذلك قول الله عزوجل: (أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ان الله علي كل شيء قدير) [164] فاذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الاخلاص أظهر الله أمره» [165] . لقد أخبر الامام الجواد عن بعض خصائص الامام المنتظر من غياب شخصه و حجبه عن الأنظار، كما أخبر عن عدد أصحابه بعد ظهوره و أنهم كعدد أصحاب رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم يوم بدر فقد استطاع بتلك القلة المتسلحة بالايمان و الوعي أن يقضي علي معالم الجاهلية، و يدمر القوي الباغية، و يرفع كلمة الله عالية في الأرض، كذلك وصيه الأعظم الامام المنتظر عليهالسلام فانه بأصحابه القلة المؤمنة سوف يغير مجري الحياة فيبسط العدل السياسي و العدل الاجتماعي في ربوع الأرض و يحقق للانسانية أعظم الانتصارات، و يقضي علي معالم الجاهلية التي طغت في هذه العصور التي خضع الناس فيها للمادة، و لم يعد للقيم الروحية و المثل الكريمة أي ظل في النفوس، أرانا الله الأيام المشرقة من أيام حكمه.
للامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام بعض النصائح الرفيعة الهادفة الي الايمان بالله و الثقة به و التوكل عليه و من بينها:
قال عليهالسلام: «ان من وثق بالله أراه السرور، و من توكل علي الله كفاه الامور، و الثقة بالله حصن لا يتحصن فيه الا المؤمن، و التوكل علي الله نجاة من كل سوء [ صفحه 105] و حرز من كل عدو..» [166] . و حفلت هذه الكلمات الذهبية بأروع ما يحتاج اليه الناس في حياتهم و هو الثقة بالله خالق الكون و واهب الحياة، فمن وثق به أراه السرور، و من توكل عليه كفاه الامور.
و دعا الامام الجواد عليهالسلام الي الاستغناء بالله تعالي، و رجائه دون غيره، قال عليهالسلام: «من استغني بالله افتقر الناس اليه، و من اتقي الله أحبه الناس» [167] . ان من يستغني بالله فقد استغني عن غيره، و يفتقر اليه الناس لأنه يكون داعية و مصدر عطاء لهم.
و حث الامام الجواد علي الانقطاع الي الله الذي لا ينقطع فيضه و لا لطفه اما من ينقطع الي غيره فقد باء بالخيبة و الخسران قال عليهالسلام: «من انقطع الي غير الله و كله الله اليه..».
ان من واقع الايمان القصد الي الله تعالي في أعماق القلوب و دخائل النفوس و من الطبيعي أن ذلك أبلغ بكثير من أتعاب الجوارح و معانتها بالأعمال و قد أعلن عليهالسلام ذلك بقوله: القصد الي الله تعالي بأعماق القلوب أبلغ من أتعاب الجوارح..» [168] . [ صفحه 106]
و دعا الامام الجواد عليهالسلام الي الاتصاف بمكارم الأخلاق و محاسن الصفات و كان مما أوصي به: 1 - قال عليهالسلام: «من حسن خلق الرجل كف أذاه، و من كرمه بره لمن يهواه، و من صبره قلة شكواه، و من نصحه نهيه عما لا يرضاه، و من رفق الرجل بأخيه ترك توبيخه بحضرة من يكره، و من صدق صحبته اسقاطه المؤنة، و من علامة محبته كثرة الموافقة و قلة المخالفة..» [169] . و وضع عليهالسلام بهذه الكلمات الرائعة الاسس لحسن الأخلاق و مكارم الأعمال، و الدعوة الي قيام الصداقة و الصحبة علي واقع من الفكر و المرونة. 2 - قال عليهالسلام: «حسب المرء من كمال المروة أن لا يلقي أحدا بما يكره.. و من عقله انصافه قبول الحق اذا بأن له..».
و كان مما دعا اليه الامام الجواد عليهالسلام السعي و المبادرة في قضاء حوائج الناس و ذلك لما لها من الآثار التي تترتب عليها و التي منها دوام النعم قال عليهالسلام: «ان الله عبادا يخصهم بدوام النعم فلا تزال فيهم ما بذلوا لها، فاذا منعوها نزعها عنهم، و حولها الي غيرهم..» [170] . و أكد عليهالسلام ذلك في حديث آخر له قال: «ما عظمت نعم الله علي أحد الا عظمت اليه حوائج الناس، فمن لم يحتمل تلك [ صفحه 107] المؤنة عرض تلك النعمة للزوال..» [171] .
و وضع الامام الجواد البرامج الصحيحة لحسن السلوك و آدابه بين الناس و كان من بين ما دعا له: 1 - قال عليهالسلام: «ثلاث خصال تجلب فيهن المودة: الانصاف في المعاشرة، و المواساة في الشدة، و الانطواء علي قلب سليم..» [172] . 2 قال عليهالسلام: «ثلاثة من كن فيه لم يندم: ترك العجلة، و المشورة، و التوكل علي الله تعالي عند العزيمة، و من نصح أخاه سرا فقد زانه، و من نصحه علانية فقد شأنه..» [173] . 3 - قال عليهالسلام «عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه، و عنوان صحيفة السعيد حسن الثناء عليه، و الشكر زينة الرواية، و خفض الجناح زينة العلم، و حسن الأدب زينة العقل، و الجمال في اللسان، و الكمال في العقل..» [174] . و حفلت هذه الكلمات باصول الحكمة و قواعد الأخلاق و الآداب، و لو لم تكن له الا هذه الكلمات لكانت كافية في التدليل علي امامته اذ كيف يستطيع شاب في مقتبل العمر أن يدلي بهذه الحكم الخالدة التي يعجز عن الاتيان بمثلها كبار العلماء. [ صفحه 108]
و دعا الامام الجواد عليهالسلام الي اصطناع المعروف قال عليهالسلام: «أهل المعروف الي اصطناعه أحوج من أهل الحاجة اليه؛ لأن لهم أجره و فخره و ذكره، فمهما اصطنع الرجل من معروف فانه يبتدأ فيه بنفسه» [175] .
و اثرت عن الامام الجواد عليهالسلام بعض المواعظ و منها ما يلي: 1 - قال عليهالسلام: تأخير التوبة اغترار، و طول التسويف حيرة، و الاعتلال علي الله هلكة، و الاصرار علي الذنب أمن لمكر الله (فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون) [176] . 2 - قال له رجل: أوصني، فأوصاه عليهالسلام بهذه الوصية القيمة: «توسد الصبر، و اعتنق الفقر، و ارفض الشهوات، و خالف الهوي، و اعلم أنك لن تخلو من عين الله، فانظر كيف تكون..» [177] . 3 - كتب الامام الجواد عليهالسلام الي بعض أوليائه هذه الرسالة الموجزة و هي حافلة بالوعظ و الارشاد و قد جاء فيها: «أما هذه الدنيا فانا فيها معترفون، ولكن من كان هواه هوي صاحبه و دان بدينه فهو معه حيث كان [178] و الآخرة هي دار القرار..» [179] . [ صفحه 109] هذه بعض مواعظه الحافلة بالدعوة الي العمل بما يقرب الانسان من ربه، و يبعده عن عقابه، و فيها التحذير من اتباع النزعات الشريرة القائمة في نفس الانسان، و هي تدفعه الي الهلكة و المخاطر، و الانجراف في ميادين الرذائل و الجرائم. لقد عني الامام محمد الجواد عليهالسلام في وعظ الناس و ارشادهم كما عني آباؤه بذلك، فقد كانت هذه الظاهرة من ألمع ما نقرأه في سيرتهم و حياتهم.
و تبادل الامام الجواد عليهالسلام مع جماعة من القائلين بامامته جملة من الرسائل تناولت مختلف القضايا و من بين تلك الرسائل: 1- بعث الامام الجواد عليهالسلام رسالة الي رجل من أهل الحيرة جاء فيها بعد البسملة: «الحمدلله الذي انتجب من خلقه، و اختار من عباده، و اصطفي من النبيين محمدا صلي الله عليه و اله و سلم فبعثه بشيرا و نذيرا و دليلا علي سبيله الذي من سلكه لحق، و من تقدمه مرق، و من عدل عنه محق، و صلي الله عليه محمد و آله. أما بعد: فاني اوصي أهل الاجابة بتقوي الله الذي جعل لمن اتقاه المخرج من مكروهه، ان الله عزوجل أوجب لوليه ما أوجبه لنفسه و نبيه في محكم كتابه بلسان عربي مبين.. و قد بلغني عن أقوام انتحلوا المودة و نحلوا بدين الله، ودين ملائكته شكوا في النعمة، و حملوا أوزارهم و أوزار المقتدين بهم، و استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله و ما ورثوه من أسلاف صالحين، أبصروا فلزموا، و لم يؤثروا دنيا حقيرة علي آخرة مؤبدة، فأين يذهب المبطلون؟ سوف يأتي عليهم يوم يضمحل عنهم فيه الباطل، و تنقطع أسباب الخدائع، و ذلك يوم الحسرة اذ القلوب لدي [ صفحه 110] الحناجر [180] و الحمدلله الذي يفعل ما يشاء و هو العليم الخبير..» [181] . و لم تشر المصادر التي بأيدينا الي أسماء هؤلاء الأشخاص الذين انحرفوا عن الحق، و ظلوا عن الطريق، و لم نعلم الأسباب التي دعتهم الي رفضهم لمبدأ أهل البيت عليهمالسلام و انتحال دين آخر. 2 - وردت علي الامام أبيجعفر عليهالسلام رسالة رواها بكر بن صالح قال: كتب صهر لي الي أبيجعفر الثاني رسالة جاء فيها: «ان أبيناصب خبيث الرأي، و قد لقيت منه شدة وجهدا، فرأيك جعلت فداك في الدعاء لي، و ما تري جعلت فداك، أفتري أن اكاشفه أم اداريه؟». فأجابه الامام عليهالسلام بعد البسملة: «قد فهمت كتابك، و ما ذكرت من أمر أبيك، و لست أدع الدعاء لك ان شاء الله، و المداراة خير لك من المكاشفة، و مع العسر يسرا، فاصبر ان العاقبة للمتقين، ثبتك الله علي ولاية من توليت، نحن و أنتم وديعة الله التي لا تضيع ودايعه..» [182] . و دلت هذه الرسالة علي لزوم البر بالأب، و ان كان ناصبيا مبغضا لأهل البيت عليهمالسلام و أمرت الولد بالصبر علي ما يلقاه من أبيه من جهد و عناء، و بهذه الأخلاق الرفيعة كان الأئمة يوصون أتباعهم بالتحلي بها ليكونوا قدوة الي الناس. 3 - كان ابراهيم بن محمد وكيل الامام الجواد عليهالسلام بهمدان لتعليم الناس معالم دينهم، و قبض الحقوق الشرعية منهم، و ارسالها للامام عليهالسلام و كان قد بعث ما قبضه للامام عليهالسلام فأرسل عليهالسلام له هذه الرسالة: [ صفحه 111] «قد وصل الحساب تقبل الله منك، و رضي عنهم، و جعلهم معنا في الدنيا و الآخرة، و قد بعثت لك من الدنانير بكذا، و من الكسوة بكذا، فبارك الله فيك، و في جميع نعم الله اليك، و قد كتبت الي النصر أمرته أن ينتهي عنك، و عن التعرض لك، و لخلافك، و أعلمته بوضعك عندي و كتبت الي أيوب أمرته بذلك أيضا، و كتبت الي موالي بهمدان كتاب أمرتهم بطاعتك، و المصير الي أمرك، و أن لا وكيل سواك..» [183] . و أعربت هذه الرسالة عن مزيد ثقة الامام عليهالسلام بوكيله ابراهيم، و دعمه الكامل له فقد اتصل بالمناوئين له و أمرهم بطاعته، و المصير الي أمره، و تقوية مركزه.. و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض رسائله.
و فتح الله باب التوبة لعباده، و دعاهم الي طهارة نفوسهم، و انقاذهم مما اقترفوه من عظيم الجرائم و الذنوب، و قد روي أحمد بن عيسي في نوادره عن أبيه أن رجلا أربي [184] دهرا، فخرج قاصدا أباجعفر الجواد عليهالسلام، و عرض عليه ما ارتكبه من عظيم الاثم فقال عليهالسلام له: «مخرجك من كتاب الله، يقول الله: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهي فله ما سلف) و الموعظة هي التوبة، فجهله بتحريمه، ثم معرفته به، فما مضي فحلال و ما بقي فليستحفظ..» [185] . أما الأموال الربوية التي أخذها - بغير حق - فيجب عليه أن يردها الي أربابها [ صفحه 112] و لا تبرأ ذمته منها بالتوبة و الرواية ناظرة الي الحكم التكليفي.
و روي الامام الجواد عليهالسلام عن آبائه عليهمالسلام أن الله تعالي: «أوحي الي بعض الأنبياء أما زهدك في الدنيا فتعجلك الراحة، و أما انقطاعتك الي فيعززك بي، ولكن هل عاديت لي عدوا، و واليت لي وليا؟..» [186] .
و تحدث الامام الجواد عليهالسلام، عما يحتاج اليه المؤمن في هذه الحياة بقوله: «المؤمن يحتاج الي توفيق من الله، و واعظ من نفسه، و قبول ممن ينصحه» [187] .
للامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام مجموعة من الكلمات الذهبية التي تعد من مناجم التراث الاسلامي و من أروع الثروات الفكرية في الاسلام، و قد حفلت باصول الحكمة، و قواعد الأخلاق و خلاصة التجارب، و فيما يلي بعضها: 1 - قال عليهالسلام: «لا تعاجلوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، و لا يطولن عليكم الأمل فتقسوا قلوبكم، و ارحموا ضعفاءكم، و اطلبوا الرحمة من الله بالرحمة منكم...». و حفل هذا الحديث بامور بالغة الأهمية، و قد جاء فيه: أ - النهي عن العجلة و التسرع في الامور قبل أن يتبين حالها، و ذلك لما تجر من [ صفحه 113] الندامة و الخسران. ب - النهي عن طول الأمل لأنه مما يوجب قسوة القلب، و البعد عن الله. ج - الحث علي رحمة الضعفاء، و الاحسان الي المحرومين، فان ذلك مفتاح لطلب الرحمة من الله. 2 - قال عليهالسلام: «ثلاثة يبلغن بالعبد رضوان الله تعالي: كثرة الاستغفار، و لين الجانب، و كثرة الصدقة، و ثلاث من كن فيه لم يندم: ترك العجلة، و المشورة، و التوكل علي الله عند العزم..». و حفل هذا الحديث بالدعوة لما يقرب الانسان من ربه، فقد حث علي كثرة الاستغفار، و لين الجانب، و كثرة الصدقة، و هذه الخصال يحبها الله، و يبلغ بها العبد رضوانه تعالي كما حفل الحديث بما يسعد به الانسان في هذه الحياة، فقد دعاه الي الاتصاف بهذه الخصال الثلاث و هي: أ - ترك العجلة، فان العجلة تسبب للانسان كثيرا من المشاكل و الخطوب و قد قيل: قد يدرك المتأني بعض حاجته و قد يكون مع المستعجل الزلل ب - المشورة في الامور، و عدم الاستبداد فيها، فان الانسان كثير ما يخطيء. ج - التوكل علي الله تعالي عند العزم علي ما يريد أن يفعله الانسان، و الابتعاد عن التردد الذي يسبب القلق النفسي، و الاضطراب في الشخصية. 3 - قال عليهالسلام: «كيف يضيع من الله كافله، و كيف ينجو من الله طالبه؟..». و في هذا الحديث الشريف دعوة الي الاتصال بالله، و الوثوق بقدرته تعالي فان من المستحيل أن يضيع من يكفله الله، كما ان من المستحيل أن ينجو من كان الله يطلبه. [ صفحه 114] 4 - قال عليهالسلام: «يوم العدل علي الظالم أشبه من يوم الجور علي المظلوم..». و حذر الامام عليهالسلام من الظلم و الاعتداء علي الناس، فان الله تعالي لا بد أن ينتقم من الظالم ان عاجلا أو آجلا، و ان يوم العدل و القصاص الذي يمر عليه يكون شبيها في شدته و قسوته باليوم الذي كان علي المظلوم. 5 - قال عليهالسلام: «ما هدم الدين مثل البدع، و لا أزال الوقار مثل الطمع، و بالراعي تصلح الرعية، و بالدعاء تصرف البلية..». و صورت هذه الكلمات بعض الجوانب الدينية، و الاجتماعية و السياسية، و هي: أ - البدع التي تلصق بالدين فانها تشوه واقعه، و تلحق به الخسائر لأرصدته الروحية و الفكرية. ب - الأطماع التي تقضي علي أصالة الشخص، و تجره الي ميادين سحيقة من مجاهل هذه الحياة. ج - صلاح الراعي مما يوجب صلاح الشعب، و تطوره، و تنميته الفكرية و الاجتماعية. د - الدعاء الي الله فانه من موجبات صرف البلاء و دفع القضاء. 6 - قال عليهالسلام: «اعلموا أن التقوي عز، و ان العلم كنز، و ان الصمت نور». و لا شك في هذه الحقائق التي أدلي بها الامام العظيم عليهالسلام فان تقوي الله عز و شرف للانسان، كما أن العلم من أعظم الكنوز و أثمنها في هذه الحياة، أما الصمت فانه نور لأنه يعود علي صاحبه بأفضل النتائج و يجنبه كثيرا من المشاكل و الخطوب. 7 - قال عليهالسلام: «ما استوي رجلان في حسب و دين الا كان أفضلهما عند الله أدبهما.. الي أن قال: بقرائته القرآن كما أنزل، و دعائه الله من حيث لا يلحن، فان الدعاء الملحون لا يصعد الي الله..». [ صفحه 115] و أشادت هذه الكلمات بالآداب و جعلتها من مميزات الشخص، و من موجبات القرب الي الله تعالي، كما جعلت من صميم الآداب قراءة القرآن الكريم بعيدا عن اللحن، الذي يوجب كثيرا تشويه المعني و تحريفه كما شجب الامام عليهالسلام اللحن و ان الدعاء الملحون لا يصعد الي الله تعالي. 8 - قال عليهالسلام: «من شتم اجيب، و من تهور اصيب..». ما أروع هذه الكلمة التي حكت الواقع الاجتماعي، فان من يتعرض للناس بالسباب و الشتم فانه - حتما - يجاب بالمثل، كما أن المتهور يصاب من جراء تهوره بالهلاك و الدماء. 9 - قال عليهالسلام: «العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم..». العلماء غرباء في المجتمع الذي يسوده الجهل فان بضاعتهم لا يقيم لها الجهال وزنا بل و يزدرون بها، و أي غربة للعالم أعظم من هذه الغربة. 10 - قال عليهالسلام: «من طلب البقاء فليعد للمصائب قلبا صبور». ان من أراد البقاء و طول الحياة فليتسلح بالصبر، و لا يجزع من المصائب و الأحداث التي تمر به فان الجزع يقضي علي الانسان، و يعرضه للفناء و الأسقام. 11 - قال عليهالسلام: «من عمل بغير علم كان ما أفسد أكثر مما أصلح». ان العمل بغير هدي و بغير علم لا يوصل الي نتيجة صحيحة، و يكون مدعاة الي الخطأ و عدم اصابة الواقع، ففي الحقيقة ان ما يفسده أكثر مما يصلحه. 12 - قال عليهالسلام: «من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة». ان من يستفيد أخا في الله فقد ظفر بأفضل النعم و ذلك لما يستفيد منه من التوجيه نحو الخير و البعد عن الشر، و كل ما يزينه، و يبلغ به رضوان الله. 13 - قال عليهالسلام: «من أطاع هواه أعطي عدوه مناه». [ صفحه 116] ان اطاعة الهوي و الانقياد للشهوات تحقق للعدو أعظم أمانيه، فان أطاع ابليس فقد تحقق ما يبتغيه من حيلولة العبد عن ربه، و ان كان غيره فان اطاعة الهوي مما تسقط الشخص اجتماعيا، و هذا أعظم سرور الأعداء. 14 - قال عليهالسلام: «راكب الشهوات لا تقال عثرته..». ان من انقاد لشهواته صار أسيرا لها فانه لا تقال له عثرة، و لا يمنح العذر في ذلك. 15 - قال عليهالسلام: «عز المؤمن غناه عن الناس..». ان أهم ما يعتز به المؤمن اذا أغناه الله عن الناس، و لم تكن له أية مصلحة عندهم، فانه يكون حرا بذلك قد ملك عزه و شرفه. 16 - قال عليهالسلام: «لا يكن ولي الله في العلانية عدوا له في السر». ان الذي يتولي الله و يؤمن به انما يكون صادقا فيما اذا خاف الله في علانيته و سره، أما اذا تولاه أمام الناس، و عصاه سرا فانه لم يكن في ايمانه صادقا و انما كان كاذبا و منافقا. 17 - قال عليهالسلام: «اصبر علي ما تكره فيما يلزمك الحق، و اصطبر عما لا تحب فيما يدعوك الي الهوي..». أمر عليهالسلام الناس بالانقياد للحق و ان كان مخالفا للرغبات و الميول كما أمر بمجانبة الهوي و الابتعاد عنه. 18 - قال عليهالسلام: «قد عاداك من ستر عنك الرشد اتباعا لما يهواه». عرض عليهالسلام بذلك الي بعض الأذناب و العملاء من أتباع السلطة الذين يحجبون عن المسؤولين ما تحتاج اليه الامة من الاصلاح الشامل، ففي الحقيقة هؤلاء هم الأعداء، و ان أظهروا المودة و الاخلاص. [ صفحه 117] 19 - قال عليهالسلام: «اياك و مصاحبة الشرير فانه كالسيف المسلول، يحسن منظره، و يقبح أثره..». حذر الامام عليهالسلام من مصاحبة الشرير و ذلك لما تترتب علي مصاحبته من الآثار السيئة التي منها الوقوع في المهالك، و انه مهما حسن سمته فهو كالسيف المسلول يحسن منظره و يقبح أثره. 20 - قال عليهالسلام: «الحوائج تطلب بالرجاء، و هي تنزل بالقضاء». ان حوائج الناس انما تطلب بالرجاء من الله، و هي تنزل بقضائه، و لا دخل في ذلك لسعي الانسان و ارادته. 21 - قال عليهالسلام: «العافية أحسن عطاء..». ان من أفضل نعم الله التي أسبغها علي عباده هي الصحة و العافية، فهي الثروة و الغني، و من حرم العافية فقد حرم كل شيء في الحياة. 22 - قال عليهالسلام: «اذا نزل القضاء ضاق الفضاء..». ان قضاء الله اذا نزل بالانسان و اختاره تعالي الي جواره فان الفضاء علي سعته يضيق به. 23 - قال عليهالسلام: «لا تعادي أحدا حتي تعرف الذي بينه و بين الله فان كان محسنا لم يسلمه اليك، و ان كان مسيئا فعلمك به يكفيكه فلا تعاده». و حذر الامام عليهالسلام من العداوة للناس، و ان المسلم ينبغي أن يغرس في نفسه الحب و الولاء لأخيه المسلم، و أمر بالفحص عمن نعاديه فان كانت علاقته قوية مع الله تعالي فانه لا يسلمه لنا، و ان كان مسيئا فعلمنا باسائته يكفينا عن عدوانه. 24 - قال عليهالسلام: «التحفظ علي قدر الخوف، و الطمع علي قدر النيل..». ان الحذر و التحفظ من أي شيء كان انما هو علي قدر الخوف منه، فالتحفظ [ صفحه 118] - مثلا - من الوقوع في المعاصي انما هو علي قدر الخوف من الله فان كان الخوف قويا فيمتنع الانسان امتناعا كليا من اقتراف أي ذنب أو مخالفة لله و ان كان ضعيفا فانه قد يقع في الاثم و الحرام، كما أن الطمع في الشيء علي قدر النيل منه، فان كان النيل متوفرا له كان الطمع قويا و بالعكس. 25 - قال عليهالسلام: «كفي بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة..». ان أعظم دليل علي خيانة المرء لنفسه و امته أن يكون أمينا للخونة و معينا لهم. 26 - قال عليهالسلام: «ما شكر الله أحد علي نعمة أنعمها عليه الا استوجب بذلك المزيد قبل أن يظهر علي لسانه..». ان الله تعالي الذي بيده الخير و الحرمان قد وعد - و هو لا يخلف الميعاد - من شكره بالمزيد قال تعالي: (لئن شكرتم لأزيدنكم) و هو يعطي المزيد فيما اذا نوي العبد الشكر قبل أن يظهره بلسانه. 27 - قال الامام عليهالسلام: «من أمل فاجرا كان أدني عقوبته الحرمان..». لا ينبغي لأي انسان يملك وعيه و اختياره أن يأمل غير خالقه، فاذا أمل فاجرا فأقل ما يعاقب به الحرمان و عدم قضاء حاجته. 28 - قال الامام عليهالسلام: «موت الانسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل، و حياته بالبر أكثر من حياته بالعمر..». يشير الامام عليهالسلام الي الحياة المعنوية، فمن يقترف الذنوب و الجرائم فهو ميت بين الأحياء و من يعمل البر و يسدي الخير لامته و بلاده فهو حي و مخلد ذكره و ان مات. 29 - قال عليهالسلام: «من أخطأ وجوه المطالب خذلته وجوه الحيل». يريد الامام عليهالسلام ان من يخطيء في سلوكه فان وجوه الحيل و طرقه تخذله و لا يصل الي نتيجة صحيحة. [ صفحه 119] 30 - قال الامام عليهالسلام: «من استحسن قبيحا كان شريكا فيه». ان من يستحسن القبيح، أو يدافع عنه فانه يتحمل وزره و اثمه و يكون شريكا لفاعله. 31 - قال الامام عليهالسلام: «من كتم همه سقم جسده..». لا اشكال أن كتمان الهم، و عدم نشره بين الأهل و الاخوان مما يوجب تدهور الصحة و اذابة الجسم، و اشاعة السقم فيه. 32 - قال الامام عليهالسلام: «أربع خصال تعين المرء علي العمل: الصحة، والغني، و العلم و التوفيق..». هذه الامور الأربعة: التي أدلي بها الامام عليهالسلام من المقدمات التمهيدية لايجاد فعل الخير و تحققه في الخارج. 33 - قال الامام عليهالسلام: «العامل بالظلم، و المعين عليه، و الراضي به شركاء...». ان هؤلاء الأصناف الثلاث كلهم يشتركون في الاثم، و العقاب، فان الظلم الذي هو أبغض شيء الي الله تعالي يستند الي بعض هؤلاء بالمباشرة، و الي البعض الآخر بالرضا. 34 - قال الامام عليهالسلام: «الصبر علي المصيبة مصيبة للشامت». ان الصبر علي المصيبة و عدم ابداء الجزع عليها تكون من أعظم المصائب علي الشامت الذي يريد أن تحرق المصيبة من شمت به. 35 - قال الامام عليهالسلام: «لو سكت الجاهل ما اختلف الناس». ان انطلاق الجاهل في المواضيع التي يجهلها هي التي أوجدت الاختلاف بين الناس. 36 - قال الامام عليهالسلام: «مقتل الرجل بين فكيه». [ صفحه 120] ان هلاك الانسان بمنطقه فكثيرا ما يجر الكلام الدمار لصاحبه، و قد لاقي أحرار العالم القتل بسبب ما أدلوا به من النقد لحكام الظلم و الجور. 37 - قال الامام عليهالسلام: «الناس أشكال، و كل يعمل علي شاكلته». و ألمت هذه الكلمة بالواقع الاجتماعي الذي يعيشه الناس، فهم أصناف مختلفة في الميول و الاتجاهات، و كل يعمل وفق اتجاهه الفكري، و العقائدي. 38 - قال الامام عليهالسلام: «الناس اخوان فمن كانت اخوته في غير ذات الله، فانها تعود عداوة، و ذلك قوله عزوجل: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين). ان الصداقة اذا لم تقم علي أساس المحبة في الله و قامت علي أساس المنافع و المصالح الشخصية فانها - حتما - تنقلب الي العداوة و البغضاء حينما تتأثر المصالح القائمة بينهما بمؤثرات اخري. 39 - قال الامام عليهالسلام: «كفر النعمة داعية للمقت..». لا شك أن الكفر بالنعمة و عدم الشكر لها مما يوجب المقت عند الله و الناس. 40 - قال الامام عليهالسلام: «من جازاك بالشكر فقد أعطاك أكثر مما أخذ منك». ان مجازاة المحسن بالشكر و اذاعة فضائله و معروفه هي في الحقيقة أكثر من عطائه لأنها توجب له الذكر الحسن الذي هو أعظم مكسب للانسان. 41 - قال الامام عليهالسلام: «من وعظ أخاه سرا فقد زانه، و من وعظه علانية فقد شأنه». ان موعظة الأخ و الصديق اذا كانت سرا فانها تنم عن الاخلاص و الصدق في الموعظة و اذا كانت علانية فانها لا تخلو من التشهير به. 42 - قال الامام عليهالسلام: «ما أنعم الله علي عبد نعمة يعلم أنها من الله الا كتب الله [ صفحه 121] علي اسمه شكرها له قبل أن يحمده، و لا أذنب العبد ذنبا فعلم أن الله يطلع عليه ان شاء عذبه، و ان شاء غفر له، الا غفر له قبل أن يستغفر..». ان الانسان اذا اتصل بربه، و ارتبط بخالقه فانه تعالي يكتبه من الشاكرين لنعمته قبل أن يتلفظ العبد بالشكر، كما يغفر له خطيئته قبل أن يستغفر منها. 43 - قال الامام عليهالسلام: «الشريف كل الشريف من شرفه علمه، و السؤدد كل السؤدد لمن اتقي الله ربه..». ان الشرف كل الشرف انما هو بالعلم لا بغيره من الاعتبارات التي يؤل أمرها الي التراب كما أن حقيقة السؤدد انما هي في تقوي الله و طاعته، و اجتناب معاصيه. 44 - قال عليهالسلام: «من شهد أمرا فكرهه كان كمن غاب عنه، و من غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده...». جاء في الحديث: لكل امريء ما نوي» فاذا حضر أمرا و كان كارها له و غير راض به فانه يكون كمن غاب عنه، و لا يكتب عليه اثمه، ان كان فيه اثم، و من غاب عن أمر فرضي به يكون كمن شهده فيكتب له خيره أو شره. 45 - قال عليهالسلام: «من أصغي الي ناطق فقد عبده، فان كان الناطق عن الله فقد عبدالله، و ان كان الناطق ينطق عن لسان ابليس، فقد عبد ابليس..». ان من أصغي الي ناطق و آمن بقوله، و اعتقد به، فان كان ذلك الناطق مبلغا عن الله فقد عبدالله، و ان كان الناطق مبلغا عن ابليس فقد عبده. 46 - قال عليهالسلام: «اظهار الشيء قبل أن يستحكم مفسدة له». ان اذاعة أية فكرة سياسية أو اجتماعية قبل أن تستحكم و يتم أمرها، فانه مفسدة لها، و ربما توجب اقبارها قبل أن تظهر الي حيز الوجود. 47 - قال عليهالسلام: «نعمة لا تشكر سيئة لا تغفر». [ صفحه 122] ان عدم شكر النعمة من السيئات التي لا تغفر؛ لأن في ذلك تضييعا للاحسان الذي يجب أن يشكر. 48 - قال عليهالسلام: «من هجر المداراة قاربه المكروه..». ان من لا يداري الناس فقد تعرض للمكروه و الاساءة الي نفسه. 49 - قال عليهالسلام: «من انقاد الي الطمأنينة قبل الخبرة، فقد عرض نفسه للهلكة و العاقبة المتعبة..». ان من يطمئن الي شيء ويثق به قبل أن يختبره و يفحصه فانه من الطبيعي قد عرض نفسه الي الهلكة و الخسران. 50 - قال عليهالسلام: «من لم يعرف الموارد أعيته المصادر..». ان من جهل موارد الأشياء و مداخلها فقد أعيته المصادر و الخروج منها. 51 - قال عليهالسلام: لا يغرك من سخطه الجور..». و في هذا الحديث تحذير من الاتصال بالظالمين الذين اذا سخطوا قابلوا الناس بالاستبداد و الجور. 52 - قال عليهالسلام: «الأيام تهتك الأمر عن الأسرار الكامنة..». كلما تقدمت الأيام و كرت الليالي ستنكشف أسرار الطبيعة، و خفايا الحقائق و ما جهله الانسان في عالم الفضاء و دنيا الكواكب، و غير ذلك من الأسرار المذهلة في هذا الكون. 53 - قال عليهالسلام: «من عتب من غير ارتياب أعتب من غير استعتاب..». اذا كان العتاب من غير ريبة قبل العتاب، و لا يقابل بالاستعتاب. 54 - قال عليهالسلام: «أفضل العبادة الاخلاص..». الاخلاص جوهر العبادة و روحها فاذا تعرت عنه فقد فقدت أهم عناصرها [ صفحه 123] و مقوماتها. 55 - قال عليهالسلام: «الثقة بالله تعالي ثمن لكل غال، و سلم الي كل عال..». ان الحياة انما تسمو فيما اذا كانت مشفوعة بالثقة بالله تعالي خالق الكون و واهب الحياة كما أن الثقة به تعالي هي السلم الذي يبلغ به الانسان القمم العالية في دنيا الوجود. هذه بعض كلمات الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام [188] و قد عالج بها مختلف القضايا، و قد عرض فيها لعلم الاجتماع و علم النفس، و وضع برامج الأدب، و خلاصة التجارب و ما ينفع الناس. [ صفحه 125]
و احتف جمهور كبير من العلماء و الرواة بالامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام و هم يقتبسون من نمير علومه التي ورثها من جده رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم و كانوا يدونون أحاديثه و فتاواه و ما يدلي به من روائع الحكم و الآداب، و لهؤلاء الأعلام يرجع الفضل في تدوين ذلك التراث القيم الذي يعد من ذخائر الثروات الفكرية في الاسلام. لقد عمل أصحاب الأئمة عليهمالسلام بوحي من عقيدتهم الدينية التي ألزمتهم بالحفاظ علي أحاديث الأئمة و تدوينها، و التي يرجع اليها فقهاء الشيعة الامامية في استنباطهم للأحكام الشرعية، و لولاها لما كان للشيعة هذا الفقه المتطور العظيم الذي اعترف بأصالته و عمقه جميع رجال الفكر و القانون في العالم. و الشيء الذي يدعو الي الاعتزاز و الفخر بأصحاب الأئمة عليهمالسلام هو أنهم قد جهدوا علي ملازمة الأئمة و تدوين أحاديثهم في وقت كان من أعسر الأوقات، و أشدها حراجة، و أعظمها ضيقا فقد ضربت الحكومات العباسية الحصار الشديد علي الأئمة و منعت من الاتصال بهم لئلا تتبعهم الجماهير الاسلامية، و قد بلغ من الضيق علي العلماء و الرواة أنهم كانوا لا يستطيعون أن يجهروا باسم أحد الأئمة الذين أخذوا عنه و انما كانوا يلمحون اليه ببعض أوصافه و سماته من دون التصريح باسمه خوفا من قتل أو السجن. و علي أي حال فنعرض الي ما نعثر عليه من تراجم أصحاب الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام لأن ذلك من متممات البحث عن حياته فانه يكشف جانبا أصيلا من [ صفحه 128] حياته الفكرية و العلمية، و فيما يلي ذلك:
اليعقوبي عده الشيخ مرة من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام و اخري من أصحاب الامام الهادي عليهالسلام [189] و ذكره البرقي في أصحاب الامام الجواد و الامام الهادي عليهماالسلام [190] و الظاهر أنه امامي مجهول الحال.
الهمداني عده الشيخ من أصحاب الامام الرضا و الجواد عليهماالسلام و ذكر الكشي في ترجمته له أنه كان وكيلا و أنه حج أربعين حجة، و قد ذكرنا في البحوث السابقة رسالة الامام أبيجعفر عليهالسلام له و هي تدل علي وثاقته، و عظيم منزلته عند الامام عليهالسلام، و روي الكشي بسنده عنه أنه قال: كتبت الي أبيجعفر عليهالسلام أصف له صنع السبع بي، و كتب بخطه: «عجل الله نصرتك ممن ظلمك، و كفاك مؤنته، و ابشرك بنصر الله عاجلا، و بالأجر آجلا، و أكثر من حمد الله» [191] و ذكر سيدنا الاستاذ طبقته في الحديث [192] .
أبواسحاق الأهوازي، له كتاب البشارات [193] عده الشيخ في رجاله من [ صفحه 129] أصحاب الامام الجواد عليهالسلام و من أصحاب الامام الهادي عليهالسلام و روي الكشي عن أحمد بن علي بن كلثوم قال: «و كان من الفقهاء، و كان مأمونا علي الحديث قال: حدثني محمد بن ابراهيم بن مهزيار، قال: ان أبي لما حضرته الوفاة دفع الي مالا، و أعطاني علامة، و لم يعلم بتلك العلامة أحد الا الله عزوجل، و قال، من أتاك بهذه العلامة فادفع اليه المال، قال: فخرجت الي بغداد، و نزلت في خان، فلما كان اليوم الثاني اذ جاء شيخ و دق الباب، فقلت للغلام: انظر من هذا؟ فقال: شيخ بالباب، فقلت: ليدخل، فدخل و جلس، فقال: أنا العمري، هات المال الذي عندك، و هو كذا و كذا، و معه العلامة، قال: فدفعت اليه المال [194] . و قد وقع ابراهيم بن مهزيار بهذا العنوان في اسناد كثير من الروايات تبلغ خمسين موردا [195] . ذكره الصدوق في باب من شاهد الامام المنتظر عجل الله فرجه، و ذكر له حديثا مفصلا و طريقا في هذا النوع [196] .
من أهل جسر بابل، عده الشيخ من أصحاب الجواد عليهالسلام، و الظاهر أنه امامي مجهول الحال [197] .
المروزي، ذكره الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام، كتب اليه الامام [ صفحه 130] الجواد عليهالسلام رسالة جاء فيها: «أما الدنيا فنحن فيها متفرجون في البلاد، ولكن من هوي صاحبه فان يدينه فهو معه و ان كان نائيا عنه، و أما الآخرة فهي دار القرار» [198] . جرت بينه و بين أبيالهذيل العلاف مناظرة، و قد أثبت أحمد فيها ضرورة الامامة، و فيما يلي نصها: - أحمد: اني أتيتك سائلا؟ - أبوالهذيل: سل و أسأل الله العصمة. - أحمد: أليس من دينك أن العصمة و التوفيق لا يكونان الا من الله لا بعمل تستحقه به. - أبوالهذيل: نعم. - أحمد: فما معني دعائك؟ اعمل و خذ. - أبوالهذيل: هات مسألتك. - أحمد: شيخي اخبرني عن قول الله عزوجل: (اليوم أكملت لكم دينكم). - أبوالهذيل: قد أكمل لنا الدين. - أحمد: شيخي، اخبرنا ان سألتك عن مسألة لا تجدها في كتاب الله، و لا في سنة رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم و لا في قول أصحابه، و لا في حيلة فقهائهم ما أنت صانع؟ - أبوالهذيل: هات. - أحمد: شيخي، خبرني عن عشرة كلهم عنين وقعوا في طهر واحد بامرأة، و هم مختلفوا الأمر، فمنهم من وصل الي بعض حاجته، و منهم من قارب حسب [ صفحه 131] الامكان منه، هل في خلق الله اليوم من يعرف حد الله في كل رجل منهم مقدار ما ارتكب من الخطيئة فيقيم عليه الحد في الدنيا و يطهر منه في الآخرة؟ و ليعلم ما يقول: في أن الدين قد كمل.. - أبوالهذيل: هيهات [199] . لقد كان أحمد بن حماد من أعلام الشيعة و ثقاتهم و قد وردت بعض الأخبار تقدح فيه الا أن الاستاذ الخوئي ناقشها، و أثبت عدم صحتها [200] .
الأشعري القمي، كان وافد القميين [201] ، روي عن الامام الجواد عليهالسلام و أبيالحسن، و كان من العلماء، ألف الكتب التالية: 1 - كتاب علل الصلاة. 2 - مسائل الرجال لأبيالحسن الثالث. و جاء في القسم الأول من الخلاصة أنه ثقة، و كان وافد القميين روي عن أبيجعفر الثاني، و أبيالحسن، و كان خاصة أبيمحمد، و شيخ القميين، رأي صاحب الزمان عجل الله فرجه. و مما يدل علي عظيم شأنه عند الأئمة عليهمالسلام ما رواه الكشي بسنده عن أحمد بن الحسين القمي الآبي أبوعلي، قال: كتب محمد بن أحمد بن الصلت القمي الي (الدار) كتابا ذكر فيه قصة أحمد بن اسحاق القمي و صحبته، و أنه يريد الحج، و احتاج الي ألف دينار، فان رأي سيدي أن يأمر باقراضه اياه، و يسترجع منه في البلد اذا انصرف [ صفحه 132] فافعل؟ فوقع عليهالسلام: هي له مناصلة، و اذا رجع فله عندنا سواها [202] . و وردت أخبار كثيرة في الثناء عليه، و أنه من عيون أصحاب الأئمة عليهمالسلام فضلا و زهادة و تحرجا في الدين.
ابنعيسي القمي الأشعري، ثقة له نسخة عن أبيجعفر الثاني عليهالسلام حسبما يقول النجاشي.
الكوفي، الكرخي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [203] .
ابن أبينصر البزنطي، كوفي ثقة، لقي الامام الرضا عليهالسلام و كان عظيم المنزلة عنده، روي عنه كتابا، له من الكتب ما يلي: 1 - كتاب الجامع. 2 - كتاب النوادر. 3 - كتاب نوادر. قال النجاشي: لقي الرضا، و أباجعفر عليهماالسلام، و كان عظيم المنزلة عندهما، و روي الكشي بسنده عنه أنه قال: دخلت علي أبيالحسن عليهالسلام أنا و صفوان بن يحيي و محمد بن سنان... فجلسنا عنده ساعة، ثم قمنا، فقال لي: أما أنت يا أحمد فاجلس، فجلست فأقبل يحدثني، فأسأله فيجيبني حتي ذهبت عامة الليل، فلما أردت الانصراف قال لي: يا أحمد، تنصرف أو تبيت؟ قلت: جعلت فداك، ذلك اليك ان [ صفحه 133] أمرت بالانصراف انصرفت، و ان أمرت بالقيام أقمت، قال: أقم فهذا الحرس، و قد هدأ الناس، و ناموا، فقام و انصرف فلما ظننت أنه دخل، خررت لله ساجدا فقلت: الحمدلله، حجة الله، و وارث علم النبيين أنس بي من بين اخواني، و حببني، فأنا في سجدتي و شكري فما علمت الا و قد أقبل الامام.. فأخذ بيدي فغمزها، ثم قال: ان أميرالمؤمنين عليهالسلام عاد صعصعة في مرضه، فلما قام من عنده قال: يا صعصعة لا تفتخرن علي أعوانك بعيادتي اياك، و اتق الله، ثم انصرف عني. ان أئمة أهل البيت عليهمالسلام لا يرضون بالزهو و لا بالافتخار و يرون ذلك ضربا من ضروب البعد عن الله، و ان اللازم علي المسلم أن يتصل بالله اتصالا واقعيا، و لا يشرك أي أحد في الاتصال به. طبقته في الحديث: وقع بهذا العنوان في اسناد جملة من الروايات تبلغ زهاء سبعمائة و ثمانية و ثمانين موردا، و ذكر الاستاذ الخوئي من روي عنه [204] . وفاته: توفي هذا العالم الكبير سنة (221) [205] و قد خسر المسلمون في وقته علما من أعلام التقوي و الفقه.
ابنعبيدة القمي الأشعري، من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام ذكر ذلك الشيخ [206] . [ صفحه 134]
ابنخالد البرقي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام، و من أصحاب الامام الهادي عليهالسلام، و لابد لنا من وقفة قصيرة للحديث عنه. مؤلفاته: ألف كتبا كثيرة منها المحاسن، و كتاب الابلاغ، و كتاب التراحم و التعاطف، و كتاب آداب النفس، و كتاب المنافع، و كتاب المعاشرة، و كتاب المعيشة، و غيرها مما يزيد علي المائة ذكرها النجاشي، و الشيخ في الفهرست. الطعن عليه: أما الطعن الذي يواجهه فهو روايته عن الضعفاء، و اعتماده علي المراسيل قال ابنالغضائري: طعن عليه القميون، و ليس الطعن فيه، انما الطعن فيمن يروي عنه، فانه كان لا يبالي عمن يأخذ عنه علي طريقة أهل الأخبار و كان أحمد بن عيسي أبعده عن قم ثم أعاده اليها و اعتذر اليه، و قال: وجدت كتابا فيه وساطة بين أحمد بن محمد بن عيسي و بين أحمد بن محمد بن خالف، لما توفي مشي أحمد بن محمد بن عيسي في جنازته حافيا حاسرا ليبريء نفسه مما قذفه به. طبقته في الحديث: وقع بعنوان أحمد بن خالد في اسناد جملة من الروايات تبلغ زهاء ثمانمائة و ثلاثين موردا، و ذكر سيدنا الاستاذ الخوئي من روي عنه [207] .
ابنبندار الأقرع مولي الربيع عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام، و ظاهره أنه امامي مجهول الحال [208] . [ صفحه 135]
ابنعبيدالله الأشعري القمي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام، و كذلك ذكره البرقي، قال النجاشي: انه شيخ أصحابنا ثقة روي عن أبيالحسن الثالث عليهالسلام.. له كتاب نوادر [209] .
ابنعيسي الأشعري القمي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام، و هو أول من سكن قم، يكني أباجعفر، قال الكشي: «و أبوجعفر (ره) شيخ القميين، و وجيههم و فقيههم غير مدافع و كان أيضا الرئيس الذي يلقي السلطان، و لقي الرضا عليهالسلام، و أباجعفر الثاني، و أباالحسن العسكري عليهالسلام.. مؤلفاته: و ألف مجموعة من الكتب، منها كتاب التوحيد، كتاب فضل النبي صلي الله عليه و اله و سلم، كتاب المتعة، كتاب النوادر و كان غير مبوب فبوبه داود بن كورة، و منها كتاب الناسخ و المنسوخ، كتاب فضائل العرب و غيرها. طبقته في الحديث: وقع أحمد بن محمد بن عيسي بهذا العنوان في اسناد عدة من الروايات تبلغ زهاء 2290 موردا.. روي عن الامام أبيجعفر عليهالسلام. و علي بن محمد عليهالسلام و عن أبيثابت،و أبيجعفر البغدادي و أبيالحسن و غيرهم. [210] .
نسب ابنداود في القسم الأول (135) الي رجال الشيخ ذكره في أصحاب [ صفحه 136] الامام الجواد عليهالسلام و توثيقه اياه ولكنه غير موجود فيه [211] .
يكني أباالقاسم، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [212] .
روي عن الامام الجواد عليهالسلام، و روي عنه محمد بن عيسي بن عبيد ذكره الكشي في ترجمة هاشم بن أبيهاشم، و أبيالسمهري [213] .
ابنالهاشم القمي، روي عن الامام أبيجعفر عليهالسلام و روي عنه علي بن مهزيار [214] .
ابنابراهيم الحضيني، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام و أضاف انه لقي الامام الرضا عليهالسلام [215] .
القبسي، الشامي، روي عن الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام له كتاب [216] قال ابنالغضائري: انه ضعيف الرواية في مذهبه ارتفاع [217] . [ صفحه 137]
اليعقوبي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [218] .
ابنيونس الأحول، الصيرفي، مولي بجيلة، روي عن الامام أبيجعفر الثاني عليهالسلام، و روي عنه أحمد بن عيسي له كتاب نوادر [219] .
الهاشمي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [220] . روي عن أبيحفص العطار، و روي عنه علي بن مهزيار [221] .
ابنسعد الأحول، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [222] ، و قال النجاشي: انه من رجال أبيجعفر الثاني.
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [223] ، روي عن زكريا بن آدم القمي، و روي عنه منصور بن العباس [224] . [ صفحه 138]
يكني أباعلي، مولي لآل المهلب، بغدادي، ثقة عده الشيخ من أصحاب الجواد عليهالسلام وعده المفيد في رسالته العددية من الفقهاء الأعلام و الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام الذين لا يطعن عليهم بشيء و لا طريق لذم واحد منهم. كان وكيلا للامام أبيالحسن العسكري عليهالسلام علي بغداد و ما والاها من القري و المدائن، و قد كتب الامام الي أهالي تلك المدن: «قد أقمت أباعلي بن راشد مقام علي بن الحسين بن عبد ربه، و من قبله من وكلائي و قد أوجبت في طاعته طاعتي، و في عصيانه الخروج الي عصياني» [225] . و دلت هذه الرسالة علي سمو مكانته، و عظيم منزلته عند الامام أبيالحسن عليهالسلام فقد قرن طاعته بطاعته، و عصيانه بعصيانه، و من الطبيعي أنه لم ينل هذه المنزلة الا بطاعته لله، و تحرجه في الدين، و مما يدل علي عظيم مكانته عند الامام العسكري عليهالسلام ما رواه الكشي بسنده عن محمد بن عيسي اليقطيني قال: كتب أبوالحسن العسكري عليهالسلام الي أبيعلي بن بلال في سنة 232هـ كتابا جاء فيه بعد البسملة: «أحمد الله اليك، و أشكر طوله و عوده، و اصلي علي محمد النبي و آله صلوات الله و رحمته عليهم، ثم اني أقمت أباعلي مقام الحسين بن عبد ربه و أتمنته علي ذلك بالمعرفة بما عنده الذي لا يقدمه أحد، و قد أعلم أنك شيخ ناحيتك، فأحببت افرادك، و اكرامك بالكتاب بذلك، فعليك بالطاعة له، و التسليم اليه، جميع الحق قبلك، و ان تخص موالي علي ذلك، و تعرفهم من ذلك، ما يصير سببا الي عونه [ صفحه 139] و كفايته فذلك توفير علينا، و محبوب لدينا، و لك به جزاء من الله و أجر، فان الله يعطي من يشاء ذو الاعطاء، و الجزاء برحمته و أنت في وديعة الله..» [226] . و دللت هذه الرسالة علي ما يتمتع به الحسن من مزيد الثقة عند الامام عليهالسلام، فقد أرجع اليه امور شيعته و ألزمهم بالانقياد لأمره و تسليم حقوقهم اليه.. و قد أبنه الامام العسكري بعد وفاته بقوله: «انه عاشر سعيدا، و مات شهيدا»، و ما نال هذه المنزلة عند الامام عليهالسلام الا بتقوي الله و طاعته، و زهده في الدنيا.
الأهوازي، كان مع أخيه الحسين بن أصحاب الامام الرضا عليهالسلام و الامام الجواد عليهالسلام حسبما يقول البرقي [227] ، و قال النجاشي: انه شارك أخاه في الكتب الثلاثين المصنفة، و هي: كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب العتق و التدبير و المكاتبة، كتاب الايمان و النذور، كتاب التجارات و الاجارات، كتاب الخمس، كتاب الشهادات، كتاب الصيد و الذبائح، كتاب المكاسب، كتاب الأشربة، كتاب الزيارات، كتاب التقية، كتاب الرد علي الغلاة، كتاب المناقب، كتاب المثالب، كتاب الزهد، كتاب المروة، كتاب حقوق المؤمنين و فضلهم، كتاب تفسير القرآن، كتاب الوصايا، كتاب الفرائض، كتاب الحدود، كتاب الديات، كتاب الملاحم، كتاب الدعاء..» [228] . و دلت هذه المؤلفات علي ثروته العلمية، فقد تناولت بالاضافة الي البحوث الفقهية تفسير القرآن الكريم، و الرد علي الغلاة، و المناقب و المثالب و غيرها من [ صفحه 140] البحوث الكلامية و التأريخية.
ابنالحريش، الرازي، أبوعلي، روي عن الامام أبيجعفر الثاني عليهالسلام قال النجاشي: انه ضعيف جدا، له (كتاب انا أنزلناه في ليلة القدر) و هو كتاب رديء الحديث، مضطرب الألفاظ [229] ، و قال: فيه ابنالغضائري: و هذا الرجل لا يلتفت اليه، و لا يكتب حديثه [230] .
ابنخراش، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [231] .
ابن أبيعثمان الملقب سجادة، أبومحمد، كوفي، ضعفه أصحابنا له كتاب (نوادر) [232] عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [233] . و روي الكشي رواية بسنده عن نصر بن الصباح تدل علي فساد عقيدته و بطلان مذهبه، و قد أعرضنا عن ذكرها.
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [234] .
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام، و وصفه بأنه ثقة صحيح [235] ، روي عن حماد بن عيسي، و روي عنه الحسين بن سليمان في ثواب زيارة الامام [ صفحه 141] الحسين في يوم عاشوراء [236] .
ابنحماد الأهوازي، ثقة، روي عن الامام الرضا عليهالسلام و أبيجعفر عليهالسلام و أبيالحسن الثالث عليهالسلام و هو أخو الحسن الذي تقدمت ترجمته، و ذكرنا أسماء الكتب الثلاثين التي ألفها مع أخيه: طبقته في الحديث: وقع في اسناد كثير من الروايات تبلغ خمسة آلاف و عشرين موردا، فقد روي عن أبيالحسن موسي عليهالسلام و أبيالحسن الرضا، و أبيجعفر عليهالسلام و غيرهم [237] .
ابننوح، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [238] و كذلك عده البرقي.
اليعقوبي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [239] .
القمي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [240] .
القمي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [241] روي عن الامام الرضا عليهالسلام و روي عنه الحميري [242] . [ صفحه 142]
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [243] و كذلك عده البرقي روي عن الامام أبيالحسين عليهالسلام، و روي عنه محمد بن اسماعيل [244] .
ابنجعفر عليهالسلام كان من أفذاذ أبناء الأئمة عليهمالسلام و قد سأله اعرابي عن الامام الجواد بقوله: من هذا الفتي؟ فأجابه الحسين: هذا وصي رسول الله [245] .
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [246] .
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [247] و كذلك ذكر البرقي روي عن الامام الهادي عليهالسلام، و روي عنه ابنعيسي [248] .
الأشعري، أبويعلي، القمي، روي عن الامام الرضا عليهالسلام و أبيجعفر الثاني عليهالسلام ثقة، وجه، له كتاب [249] .
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام و من أصحاب الرضا و موسي بن جعفر عليهالسلام [250] . [ صفحه 143]
القراطيسي، قال الكشي: وجدت في كتاب محمد بن الحسن بن بندار القمي بخطه: حدثني الحسين بن محمد بن عامر، قال: حدثني خيران الخادم القراطيسي قال: حججت أيام أبيجعفر محمد بن علي بن موسي عليهالسلام، و سألت عن بعض الخدم، و كانت له منزلة من أبيجعفر عليهالسلام فسألته أن يوصلني اليه فلما صرنا الي المدينة، قال لي: تهيأ فاني اريد أن أمضي الي أبيجعفر عليهالسلام، فمضيت معه فلما ان وافينا الباب، قال: ساكن في حانوت فاستأذن، و دخل فلما أبطأ علي رسوله خرجت الي الباب فسألت عنه، فأخبروني أنه قد خرج و مضي، فبقيت متحيرا، فبينما أنا كذلك اذ خرج خادم من الدار، فقال: أنت خيران؟ فقلت: نعم، قال لي: ادخل فدخلت، و اذا أبوجعفر عليهالسلام قائم علي دكان لم يكن فرش له ما يقعد عليه، فجاء غلام بمصلي فألقاه له، فجلس فلما نظرت اليه تهيبت و دهشت فذهبت لأصعد الدكان من غير درجة، فأشار عليهالسلام الي موضع الدرجة، فصدعت و سلمت، فرد السلام، و مد يده الي فأخذتها و قبلتها، و وضعتها علي وجهي فأقعدني بيده، فأمسكت يده مما داخلني من الدهشة، فتركها في يدي صلوات الله عليه، فلما سكنت خليتها، فسألني و كان الريان بن شبيب قال لي: ان وصلت الي أبيجعفر عليهالسلام قل له: مولاك الريان بن شبيب يقرؤك السلام، و يسألك الدعاء له و لولده، فذكرت له ذلك، فدعا له و لم يدع لولده، فأعدت عليه، فدعا له و لم يدع لولده، فأعدت عليه ثلاثا فدعا له و لم يدع لولده، فودعته و قمت، فلما مضيت نحو الباب سمعت كلامه، و لم أفهم ما قال: [ صفحه 144] و خرج الخادم في أثري، فقلت له: ما قال سيدي لما قمت؟ فقال: قال: من هذا الذي يري أن يهدي لنفسه، ولد هذا في بلاد الشرك، فلما أخرج فيها صار الي من هو شر منهم، فلما أراد الله أن يهديه هداه [251] .
ابناسحاق، بن عبدالله بن جعفر بن أبيطالب، أبوهاشم الجعفري كان عظيم المنزلة عند الأئمة عليهمالسلام، شريف القدر، ثقة [252] قال الشيخ: انه من أهل بغداد، جليل القدر، عظيم المنزلة عند الأئمة عليهمالسلام و قد شاهد جماعة منهم الرضا، و الجواد، و الهادي، و العسكري و صاحب الأمر عليهمالسلام و قد روي عنهم كلهم، و له أخبار و مسائل و له شعر جيد فيهم، و كان مقدما عند السلطان، و له كتاب [253] . و روي الكليني بسنده عن داود بن القاسم قال: دخلت علي أبيجعفر عليهالسلام و معي ثلاث رقاع غير معنونة، و اشتبهت علي فاغتممت، فتناول احداها و قال: هذه رقعة زياد بن شبيب، ثم تناول الثانية، فقال: هذه رقعة فلان، فبهت، فنظر الي فتبسم، فقلت: جعلت فداك اني لمولع بأكل الطين، فادع الله فسكت، ثم قال: لي بعد ثلاثة أيام ابتداءا منه، يا أباهاشم، قد أذهب الله عنك أكل الطين، قال أبوهاشم: فما شيء أبغض الي منه اليوم [254] . [ صفحه 145]
الصرمي، مولي بني قرة، ثم بني صرمة، كوفي، يكني أباسليمان، روي عن الامام الرضا عليهالسلام و بقي الي أيام أبيالحسن العسكري عليهالسلام و له (مسائل) [255] ، و روي عن الامام أبيجعفر الثاني عليهالسلام و روي عنه أحمد بن محمد بن عيسي في ثواب زيارة الامام الرضا عليهالسلام [256] .
الخزاعي، المنافح عن أهل البيت عليهمالسلام و المجاهد دونهم، فقد وهب حياته و فكره و عواطفه لنشر فضائلهم و اذاعة مآثرهم و قد لقي في سبيلهم أعنف المشاكل، و أقسي الخطوب، فقد طاردته مباحث الأمن العباسي، و لاحقته شرطتهم، الا أنه لم يحفل بذلك و بقي صامدا، يعلن فضائل أسياده الأئمة الطاهرين، و ينتقص خصومهم ملوك بني العباس الذين نهبوا أموال الشعوب الاسلامية، و أنفقوها علي ملاذهم و شهواتهم من دون أن تنفق علي تطور الحياة الاقتصادية و الاجتماعية في الاسلام. أما دراسة حياة هذا البطل العظيم فانها تستدعي كتابا خاصا، فقد حفلت حياته بالجهاد المشرق في سبيل مبدئه و عقيدته، و قد صارع أقوي دول العالم في ذلك العصر، فقد هجا ملوك بني العباس الذين كانوا يملكون معظم دول الدنيا، بأقسي ألوان الهجاء. و بالاضافة الي أنه من عمالقة الفكر السياسي و الأدبي في عصره فقد كان من كبار العلماء، وقد روي عن الامام أبيالحسن الرضا عليهالسلام و الامام أبيجعفر عليهالسلام، و روي عنه علي بن الحكم [257] و بهذا الكلمات الموجزة ينتهي الحديث عنه. [ صفحه 146]
هو أخو علي بن مهزيار من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [258] .
ابنعبدالله بن سعد الأشعري، القمي، كان ثقة جليلا، عظيم القدر و كان له وجه عند الامام الرضا عليهالسلام و له كتاب [259] . و روي الكشي بسنده عن عبدالله بن الصلت القمي قال: دخلت علي أبيجعفر الثاني عليهالسلام في آخر عمره فسمعته يقول: جزي الله صفوان بن يحيي و محمد بن سنان، و زكريا بن آدم عني خيرا فقد وفوا لي [260] و دل ذلك علي عظيم منزلته و سمو شأنه عند الامام عليهالسلام. و روي علي بن المسيب قال: قلت للرضا عليهالسلام: شقتي بعيدة، و لست أصل اليك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني؟ فقال عليهالسلام: من زكريا بن آدم القمي المأمون علي الدين و الدنيا. قال علي بن المسيب: فلما انصرفت قدمت علي زكريا بن آدم فسألته عما احتجت اليه [261] و كشفت هذه الرواية عن أن زكريا كان فقيها و كان مرجعا للفتيا بين المسلمين، و ذكر الرواة أخبارا كثيرة في مدحه و الثناء عليه. [ صفحه 147]
ابنالأحوص الأشعري، القمي، ثقة روي عن الامام الرضا و الامام الجواد عليهماالسلام كتابه المبوب [262] و قد دعا له و لزكريا بن آدم الجواد عليهالسلام كما تقدم.
الرازي قال فيه النجاشي: كان ضعيفا في الحديث غير معتمد عليه فيه، و كان أحمد بن محمد بن عيسي يشهد عليه بالغلو و الكذب، و أخرجه من قم الي الري، و كان يسكنها، و قد كاتب أبامحمد العسكري عليهالسلام علي يد محمد بن عبدالحميد العطار للنصف من ربيع الآخر سنة 255 هـ له كتاب (التوحيد) [263] و قد عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [264] .
النيشابوري، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [265] . [ صفحه 148]
يكني أباالخير الرازي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [266] قال النجاشي: صالح بن أبيحماد.. لقي أباالحسن العسكري، و كان أمره ملتبسا، يعرف، و ينكر، له كتب منها كتاب (خطب أميرالمؤمنين عليهالسلام) و كتاب نوادر [267] و ذكر سيدنا الاستاذ طبقته في الحديث [268] .
ابنسهل كان وكيلا للامام الجواد علي الأوقاف في قم، و قد روي الكليني بسنده عن علي بن ابراهيم عن أبيه قال: كنت عند أبيجعفر الثاني عليهالسلام اذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل، و كان يتولي له الوقف بقم، فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة آلاف في حل فاني أنفقتها، فقال له: أنت في حل، فلما خرج صالح قال أبوجعفر: أحدهم يثب علي أموال حق آل محمد و أيتامهم و مساكينهم و فقرائهم، و أبناء سبيلهم فيأخذه ثم يجيء فيقول: اجعلني في حل أتراه ظن أني أقول: لا أفعل؟ والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيا [269] .
الهمداني، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [270] و عده البرقي في أصحاب الامام الهادي عليهالسلام، و عده ابنشهرآشوب في المناقب من ثقات أبيالحسن علي بن محمد عليهالسلام روي عن ابراهيم بن اسحاق النهاوندي، و روي عنه أبوصالح شعيب بن عيسي.. في ثواب زيارة الامام علي بن موسي الرضا عليهالسلام [271] . [ صفحه 149]
البجلي: بياع السابري، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام كما عده من أصحاب الامام الكاظم عليهالسلام و الامام الرضا عليهالسلام [272] لقد تربي صفوان علي فكرة أهل البيت عليهمالسلام و اقتدي بهم في سلوكه و سار علي هديهم، فكان من عمالقة التقوي والدين في الاسلام، و من ألمع أصحاب الأئمة الطاهرين عليهمالسلام في فضائله و علومه، و لا بد من وقفة قصيرة للتحدث عنه. 1 - وثاقته: و اتفق الرواة و المترجمون علي وثاقته، فقد قال الشيخ: «انه أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث» [273] و قال النجاشي: «انه ثقة، ثقة» [274] . 2 - عبادته: كان صفوان أعبد أهل زمانه فكان يصلي كل يوم و ليلة مائة و خمسين ركعة، و صوم في السنة ثلاثة أشهر، و يخرج زكاة ماله في كل سنة ثلاث مرات [275] . 3 - شدة تحرجه في الدين: و كان صفوان من أشد الناس في تحرجه للدين، يقول الرواة: ان انسانا كلفه حمل دينارين الي أهله في الكوفة، فقال له: ان جمالي مكراة و أنا أستأذن الاجراء [276] و كان هذا منتهي ما وصل اليه المتقون من التحرج في الدين. 4 - معاهدته مع اخوانه: و عقد مع بعض اخوانه المتقين معاهدة في بيت الله الحرام تنص علي أن من مات [ صفحه 150] منهم فالباقي عليه أن يعمل لصاحبه ما يعمله لنفسه من الخيرات و المبرات، و قد التزموا بذلك، و كان آخر من بقي منهم صفوان فكان كلما يصنعه لنفسه يصنعه لصاحبيه [277] . 5 - عدم حبه للرياسة: و زهد صفوان في جميع مظاهر هذه الحياة، فقد رفض مظاهر الرياسة و قد قال الامام أبوالحسن عليهالسلام: ما ذئبان ضاريان في غنم قد غاب عنها رعاتها بأضر في دين مسلم من حب الرياسة.. ثم قال: لكن صفوان لا يحب الرياسة [278] . 6 - طاعته للأئمة: و كان صفوان مطيعا للأئمة الطاهرين عليهمالسلام لم يخالفهم و لم يشذ عن هديهم في قول و لا فعل، و قد أثني عليه الامام الجواد عليهالسلام لهذه الظاهرة فقد روي علي بن الحسين بن داود القمي، قال: سمعت أباجعفر عليهالسلام يذكر صفوان بن يحيي و محمد بن سنان، و قال: رضي الله عنهما برضاي عنهما، فما خالفاني و ما خالفا أبيعليهالسلام قط. [279] . 7 - فقاهته: كان صفوان من أبرز الفقهاء في عصره، روي الكشي بسنده عن الفقيه الكبير محمد بن سنان أنه قال: من كان يريد المعضلات فالي، و من أراد الحلال و الحرام فعليه بالشيخ يعني صفوان بن يحيي [280] . 8 - مؤلفاته: ألف صفوان ثلاثين كتابا منها كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتاب الزكاة، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الفرائض، كتاب [ صفحه 151] الوصايا، كتاب الشراء و البيع، كتاب العتق و التدبير، كتاب البشارات [281] ، و دلت هذه الكتب الفقهية علي مدي تضلعه و اختصاصه في علم الفقه. 9 - وفاته: توفي هذا العالم الكبير سنة (210) هـ بالمدينة، و بعث الامام أبوجعفر الجواد عليهالسلام بحنوطه و كفنه، و أمر أسماعيل بن موسي بالصلاة عليه [282] و قد واري جثمانه في البقيع، و انتهت بذلك حياته التي وهبها لله و رسوله و لأهل البيت عليهمالسلام.
الهمداني، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [283] .
النهاوندي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [284] .
، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [285] قال النجاشي: انه روي عن الامام الرضا عليهالسلام و روي أبوه أبونجران عن الامام أبيعبدالله عليهالسلام... و كان عبدالرحمن ثقة، ثقة، معتمدا علي ما يرويه، له كتب كثيرة و قد عد منها كتاب (المطعم و المشرب) و كتاب (يوم و ليلة) و كتاب (النوادر) [286] . روي عن أبي الحسن الثاني، و أبي جعفر الثاني عليهم السلام و عن أبي بصير، و أبي [ صفحه 152] جميلة، و أبيهارون المكفوف، و ابن أبيعمير و غيرهم [287] .
مولي بن تميم بن ثعلبة، يكني أباطالب، ثقة، من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام حسب ما ذكره الشيخ [288] و قد روي انه كتب الي الامام أبيجعفر عليهالسلام يستأذنه أن يندب أباه الامام الرضا عليهالسلام فكتب عليهالسلام اليه: «أن اندبني، و اندب أبي» [289] .
الرازي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [290] و الرجل مجهول الحال.
ابنحصين، الخضيني، الأهوازي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [291] ، قال النجاشي: انه ثقة، ثقة، له كتاب يرويه عدة من أصحابنا، أما اسم كتابه فهو «المسائل للرضا عليهالسلام» [292] .
ابنسهل، بن داود عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [293] .
ابنسالم بياع الزطي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [294] قال النجاشي: انه كوفي ثقة، و كان فطحيا جري بينه و بين علي بن مهزيار رسائل في ذلك [ صفحه 153] رجعوا فيها الي أبيجعفر الثاني عليهالسلام فرجع علي بن أسباط عن ذلك القول، و تركه، و قد روي عن الرضا عليهالسلام من قبل ذلك، و كان من أوثق الناس و أصدقهم لهجة، له كتاب (الدلائل) و له كتاب التفسير، و له كتاب المزار، و له كتاب نوادر مشهور [295] . روي عن أبيالحسن موسي عليهالسلام و أبيالحسن الرضا عليهالسلام و أبيجعفر الثاني عليهالسلام و عن غيرهم [296] .
بغدادي، ثقة، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [297] قال النجاشي: انه روي عن أبيالحسن الثالث عليهالسلام له كتاب [298] .
ابنحكيم، المدائني، الأزدي الساباطي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [299] و قال النجاشي: له كتاب [300] و قد أرشد الامام الجواد الي الاتمام به في صلاة الجماعة فقد روي الكشي بسنده عن أبيعلي بن راشد، قال: قلت لأبيجعفر الثاني عليهالسلام: جعلت فداك قد اختلف أصحابنا فاصلي خلف أصحاب هشام بن الحكم؟ قال عليهالسلام: عليك بعلي بن حديد، قلت: فأخذ بقوله؟ قال: نعم [301] روي عن الامام أبيالحسن الماضي، و الرضا و أبيجعفر الثاني، و عن غيرهم، و روي عنه [ صفحه 154] أبوجعفر، و ابن أبيعمير، و ابنجمهور و غيرهم [302] .
الواسطي، أبوالحسن القصير، المعروف بالمنمس، عمر أكثر من مائة سنة [303] عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [304] .
ابنعلي، بن عمر بن الحسين بن أبيطالب عليهالسلام والد الناصر الحسن بن علي من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [305] روي عن علي بن جعفر بن محمد و روي عنه علي ابنمهزيار. [306] .
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام روي عن سليمان بن نهيك، و روي عنه ابراهيم بن هاشم [307] .
كان زيديا ثم رجع الي القول بالامامة حينما شاهد معاجز الامام أبيجعفر الثاني عليهالسلام، و قد روي طرفا من مناقبه و فضائله، و قد روي عن الامام الجواد عليهالسلام و عن أحمد بن الحسن بن علي، و أحمد بن عبدوس و عبدالكريم و غيرهم و روي عنه [ صفحه 155] ابنسماعة، و الحسن بن محمد و سعد بن عبدالله و غيرهم [308] .
القمي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [309] قال النجاشي: انه ثقة من أصحابنا له كتاب (الاستطاعة) علي مذهب أهل العدل [310] .
المدائني، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [311] ، و كذلك عده البرقي.
عده البرقي من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [312] .
ابنسليمان النوفلي، روي عن الامام أبيجعفر الثاني عليهالسلام و روي عنه موسي ابنجعفر [313] .
ابنهارون بن الحسن بن محبوب من أصحاب الامام أبيجعفر الثاني عليهالسلام [314] . [ صفحه 156]
العلوي، الحسني عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [315] .
القلانسي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام. [316] .
من ألمع أصحاب الامام الجواد عليهالسلام، و من مشاهير علماء عصره فضلا و تقوي و نلمح الي بعض شؤونه: 1 - اسلامه: كان علي بن مهزيار ينتحل دين المسيحية فهداه الله الي الايمان فأسلم و أخلص في اسلامه كأشد ما يكون الاخلاص [317] . 2 - عبادته: و لم ير مثل علي بن مهزيار في طاعته و تقواه، و بلغ من عبادته انه اذا طلعت الشمس سجد لله فلا يرفع رأسه من السجود حتي يدعو لألف رجل من اخوانه بمثل ما دعي لنفسه، و كان علي جبهته مثل ركبة البعير [318] من كثرة السجود لله. 3 - وثاقته في الرواية: و أجمع المترجمون له علي وثاقته في الرواية فقد قال النجاشي: «كان ثقة في روايته لا يطعن عليه» [319] . [ صفحه 157] 4 - مؤلفاته: و ألف مجموعة من الكتب تدل علي سعة علومه و معارفه، و من بينها: كتاب «الوضوء» كتاب «الصلاة» كتاب «الزكاة» كتاب «الصوم» كتاب «الحج» «كتاب «الطلاق» كتاب «الحدود» كتاب «الديات» كتاب «التفسير» كتاب «الفضائل» كتاب «العتق و التدبير» كتاب «المكاسب» كتاب «المثالب» كتاب «الدعاء» كتاب «التجمل و المروة» كتاب «المزار» كتاب «الرد علي الغلاة» كتاب «الوصايا» كتاب «المواريث» كتاب «الخمس» كتاب «الشهادات» كتاب «فضائل المؤمنين و برهم» كتاب «الملاحم» كتاب «التقية» كتاب «الصيد و الذبائح» كتاب «الزهد» كتاب «الأشربة» كتاب «النذور و الايمان و الكفارات» كتاب «الحروف» كتاب «القائم» كتاب «البشارات» كتاب «الأنبياء» كتاب «النوادر» «رسائل علي بن أسباط» [320] و معظم هذه المؤلفات حسب أسمائها من الفقه، و هي تدل علي أنه من كبار الفقهاء في الاسلام. 5 - رسائل الامام الجواد له: و بعث الامام الجواد عليهالسلام الي علي بن مهزيار عدة رسائل، و هي تكشف عن عظيم صلته بالامام عليهالسلام و سمو منزلته و مكانته عنده و من بين هذه الرسائل: أ - من رسائل الامام الجواد عليهالسلام اليه هذه الرسالة، و قد جاء فيها بعد البسملة: «قد وصل الي كتابك، و فهمت ما ذكرت فيه، و قد ملأتني سرورا، فسرك الله، و أنا أرجو من الكافي الدافع أن يكفيك كيد كل كائد ان شاء الله تعالي..» [321] . و دلت هذه الرسالة علي قيام علي بن مهزيار بخدمة الامام عليهالسلام و قد ملأت قلبه [ صفحه 158] الشريف فرحا و سرورا فراح يدعو له بأن يجزل له الله المزيد من الثواب و الأجر. ب - جاء في رسالة اخري للامام عليهالسلام اليه: «قد فهمت ما ذكرت من أمر القميين خلصهم الله، و فرج عنهم ، و سررتني بما ذكرت من ذلك، و لم تزل له تفعل سرك الله بالجنة، و رضي عنك، برضائي عنك، و أنا أرجو من الله العفو و الرأفة، و أقول: حسبنا الله و نعم الوكيل» [322] . و كشفت هذه الرسالة عن انقاذ علي للقميين من محنة كانوا فيها مما أوجب سرور الامام و دعائه له بالفوز بالفردوس الأعلي مقر الأنبياء و الصالحين. ج - و من رسائل الامام اليه: «فأشخص الي منزلك صيرك الله الي خير منزل في دنياك و آخرتك..» [323] . لقد أمره الامام عليهالسلام بالشخوص الي منزله بعد ما أدي ما عليه من الخدمة للامام عليهالسلام. د - و جاء في رسالة اخري للامام الي علي بن مهزيار ما نصه: «و أسأل الله أن يحفظك من بين يديك، و من خلفك، و في كل حالاتك فابشر فاني أرجو أن يدفع الله عنك، و اسأل الله أن يجعل لك الخيرة فيما عزم لك به عليه من الشخوص في يوم الأحد، فأخر ذلك الي يوم الاثنين ان شاءالله، صحبك الله في سفرك، و خلفك في أهلك، و أدي عنك أمانتك، و سلمت بقدرته..» [324] . لقد دعا الامام عليهالسلام بأحر الدعاء الي علي، و طلب منه تأجيل السفر من يوم الأحد الي يوم الاثنين، و ذلك لما فيه من المصلحة التي تقضي بذلك. هـ - و كتب علي الي الامام الجواد عليهالسلام رسالة يسأله التوسعة عليه و تحليله لما في يده من مال للامام فأجابه عليهالسلام: [ صفحه 159] «وسع الله عليك، و لمن سألت له التوسعة في أهلك و أهل بيتك، ولك يا علي عندي أكثر من التوسعة، و أنا أسأل الله أن يصحبك بالتوسعة و العافية، و يقدمك علي العافية، و يسترك بالعافية انه سميع الدعاء» [325] . و قد أجاز الامام عليهالسلام بما طلبه من المال و دعا له بأخلص الدعاء. و - و كتب علي بن مهزيار الي الامام عليهالسلام رسالة يطلب فيها الدعاء له فأجابه عليهالسلام: «و أما ما سألت من الدعاء فانك بعد لست تدري كيف جعلك الله عندي و ربما سميتك باسمك و نسبك، مع كثرة عنايتي بك، و محبتي لك و معرفتي بما أنت عليه فأدام الله لك أفضل ما رزقك من ذلك و رضي عنك، و بلغك أفضل نيتك، و أنزلك الفردوس الأعلي برحمته انه سميع الدعاء حفظك الله و تولاك، و دفع عنك السوء برحمته.. و كتبت بخطي» [326] . لقد احتل علي بن مهزيار قلب الامام عليهالسلام بصلاحه و تقواه، و مزيد خدماته له. ز - و من بين رسائل الامام الي علي هذه الرسالة و قد رواها الحسن بن شمون، و قد جاء فيها بعد البسلمة: «يا علي أحسن الله جزاك، و أسكنك جنته، و منعك من الخزي في الدنيا و الآخرة، و حشرك الله معنا، يا علي قد بلوتك، و خبرتك في النصيحة، والطاعة، و الخدمة و التوقير، و القيام بما يجب عليك، فلو قلت: اني لم أر مثلك لرجوت أن أكون صادقا، فجزاك الله جنات الفردوس نزلا، و ما خفي علي مقامك، و لا خدمتك في الحر و البرد، و الليل و النهار، فاسأل الله اذا جمع الخلائق للقيامة أن يحبوك برحمة [ صفحه 160] تغتبط انه سمع الدعاء..» [327] . و أعطت هذه الرسالة و غيرها من رسائل الامام عليهالسلام الي علي صورة مشرقة عن سمو منزلته و عظيم مكانته عند الامام عليهالسلام و انه نسخة لا ثاني لها في تقواه و ورعه، فلم ينسي الامام عليهالسلام خدماته و ما أسداه عليه من ألوان البر و المعروف. 6 - طبقته في الحديث: وقع علي بن مهزيار في اسناد كثير من الروايات تبلغ أربعمائة و ثلاثين موردا. روي عن الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام و أبيالحسن الثالث عليهالسلام و عن أبيداود المسترق، و أبيعلي بن راشد و ابن أبيعمير و غيرهم [328] و ينتهي بهذا البحث عن سيرة هذا العملاق العظيم الذي وهب حياته لخدمة الامام الجواد عليهالسلام حتي أخلص له الامام أعظم الاخلاص، و أحبه كأشد ما يكون الحب.
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [329] و كذلك عده البرقي و قد كتب الي الامام الجواد عليهالسلام رسالة يسأل فيها عن رجل اعتمر في شهر رمضان ثم حضر الموسم أيحج مفردا للحج أو يتمتع أيهما أفضل؟ فكتب عليهالسلام اليه: يتمتع [330] .
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [331] و كذلك عده البرقي [332] . [ صفحه 161]
يكني أباالحسين يروي عنه كتاب «ثواب انا أنزلناه» عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [333] .
البزنطي صاحب أيوب بن نوح، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [334] .
الحضيني، الأهوازي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [335] و قال حمدان الحضيني للامام الجواد عليهالسلام: ان أخي - يعني محمدا - مات، فقال عليهالسلام: رحم الله أخاك، فانه كان من خصيص شيعتي [336] . روي محمد عن الامام أبيجعفر، و روي عنه علي بن مهزيار [337] .
الرازي، أصله من قم، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [338] و كذلك [ صفحه 162] عده القمي.
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [339] روي عن عبدالرحمن بن أبينجران، و روي عنه سعد بن عبدالله [340] .
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [341] .
عده البرقي من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [342] .
ابنحماد، المحمودي يكني أباعلي، روي الكشي بسنده عنه، ان الامام الجواد عليهالسلام عزاه بوفاة أبيه، فقد كتب له: «قد مضي أبوك رضي الله عنه و عنك، و هو عندنا علي حال محمودة، و لن تبعد من تلك الحال..» [343] .
ابنبزيع، عده الشيخ من أصحاب الامام الرضا و الامام الجواد عليهماالسلام [344] و كان من خيار أصحاب الأئمة عليهمالسلام في ورعه و تقواه، و نتحدث - بايجاز - عن بعض شؤونه. [ صفحه 163] اتصاله بالامام الرضا: و اتصل محمد بالامام الرضا عليهالسلام اتصالا وثيقا فكان عليهالسلام ينظر اليه بعين الاكبار و التقدير، و قد روي الحسين بن خالد الصيرفي قال: كنا عند الامام الرضا عليهالسلام و نحن جماعة، فذكر محمد بن اسماعيل فقال عليهالسلام يخاطب أصحابه: «وددت أن فيكم مثله...». و قد روي عن الامام الرضا عليهالسلام أنه قال: «ان لله تعالي بأبواب الظالمين من نور الله له البرهان، و مكن له في البلاد، ليدفع بهم عن أوليائه، و يصلح الله به امور المسلمين، اليهم ملجأ المؤمن من الضرر، و اليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، و بهم يؤمن الله روعة المؤمن في دار الظلمة، اولئك المؤمنون حقا، اولئك امناء الله في أرضه، اولئك نور في رعيتهم يوم القيامة، و يزهر نورهم لأهل السماوات كما تزهر الدرية لأهل الأرض، اولئك من نورهم يوم القيامة تضييء منهم القيامة، خلقوا و الله للجنة، و خلقت الجنة لهم، فهنيئا لهم، ما علي أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله، قال: قلت: بماذا جعلني الله فداك؟ قال: يكون معهم فيسرنا بادخال السرور علي المؤمنين من شيعتنا، فكن منهم يا محمد [345] . و أشاد الامام الرضا عليهالسلام بمن يتصل بالسلطة ليقوم بقضاء حوائج المسلمين و دفع الغائلة و المكروه عنهم، فان ذلك من أفضل ألوان الخير، و من أعظم ما يتقرب به المسلم الي الله تعالي. مع الامام الجواد: و اتصل محمد بن اسماعيل بالامام الجواد اتصالا وثيقا، فقد قال بامامته، و قد [ صفحه 164] روي عنه بعض الأحاديث المتعلقة في أحكام الشريعة، و قد سأل من الامام أن يمنحه بقميص قد وضعه علي بدنه ليجعله كفنا له فبعث اليه الامام عليهالسلام ذلك [346] . مؤلفاته: و ألف محمد بن اسماعيل مجموعة من الكتب كان منها كتاب (الحج) و كتاب (ثواب الحج) و غيرهما [347] .
الرازي روي عن الامام الجواد عليهالسلام، و روي عنه السياري كما روي عن سليمان ابنجعفر الجعفري، و روي عنه سهل بن زياد [348] .
ابن أبيخالد الأشعري، روي عن الامام أبيجعفر عليهالسلام، و روي عنه الحسين ابنسعيد [349] .
ابنعمار، روي عن الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام، و روي عنه محمد بن خلاد [350] .
ابنمحبوب عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [351] . [ صفحه 165]
الواسطي، من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [352] و روي الفضل ابنشاذان انه كان كريما علي أبيجعفر عليهالسلام و ان أباالحسن عليهالسلام أنفذ اليه نفقة في مرضه و كفنه و أقام مأتما عند موته [353] .
ابنشمون البصري، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [354] قال ابنالغضائري: محمد بن الحسن بن شمون، أصله بصري، واقف، ثم غلا، ضعيف متهافت، لا يلتفت اليه، و لا الي مصنفاته و سائر ما ينسب اليه [355] . و قال النجاشي فيه: كان ضعيفا جدا، فاسد المذهب، و أضيف اليه أحاديث في الوقف - أي في الوقف علي الامام موسي بن جعفر و انه حي لم يمت - و كان من أباطيله ما زعمه انه سمع الامام موسي بن جعفر عليهالسلام يقول: من أخبرك انه مرضني، و غسلني، و حنطني، و كفنني و ألحدني، و قبرني و نفض يده من التراب فكذبه».. و قال: «من سأل عني، فقل: حي و الحمدلله، لعن الله من سأل عني فقال مات». له من الكتب، كتاب (السنن و الآداب و مكارم الأخلاق) كتاب (المعرفة)، كتاب (نوادر). كان له من العمر (114 سنة) [356] . [ صفحه 166]
الأشعري، روي عن الامام أبيجعفر عليهالسلام و روي عنه علي بن مهزيار [357] .
ابن أبيالخطاب، أبوجعفر الزيات الهمداني عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [358] قال فيه النجاشي: انه «جليل من أصحابنا، عظيم القدر، كثير الرواية ، ثقة، عين، حسن التصانيف مسكون الي روايته، له كتاب (التوحيد) كتاب (المعرفة و البداء) كتاب (الرد علي أهل القدر) كتاب (الامامة) كتاب (اللؤلؤة) كتاب (وصايا الأئمة عليهمالسلام كتاب (النوادر) [359] . وقع محمد بن الحسن في اسناد كثير من الروايات تبلغ مائة و تسعة و ثمانين موردا، روي عن أبيداود المنشد، و ابن أبينصر و ابنمحبوب و غيرهم [360] .
العلوي، روي عن الامام الجواد عليهالسلام، و روي عنه علي بن مهزيار قال: كتب محمد بن أبيحمزة العلوي الي أبيجعفر عليهالسلام «مولي لك أوصي الي بمائة درهم، و كنت أسمعه يقول: كل شيء هو لي فهو لمولاي، فمات و تركها و لم يأمر فيها بشيء و له امرأتان اما احداهما فببغداد، و لا أعرف لها موضعا الساعة، و اخري بقم، ما الذي تأمرني في هذه المائة درهم» فكتب اليه «انظر أن تدفع من هذه الدراهم الي زوجتي الرجل حقهما، و حقهما من ذلك الثمن ان كان له ولد فان لم يكن له ولد فالربع، [ صفحه 167] و تصدق علي من تعرف أن له اليه حاجة ان شاء الله» [361] . و دلت هذه الرواية علي ثقة الامام عليهالسلام به حيث جعله وكيلا عنه في التصرف في المال.
أبوعبدالله البرقي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [362] . و قد وثقه الشيخ، و قال: في الفهرست له كتاب (النوادر) روي عنه أحمد بن محمد بن عيسي، و أحمد بن أبيعبدالله، و قد ضعفه النجاشي: و قال: كان ضعيفا في الحديث و كان محمد أديبا حسن المعرفة بالأخبار و علوم العربية له كتب منها كتاب «التنزيل و التعبير» كتاب «يوم و ليلة» كتاب «التفسير» كتاب «مكة و المدينة» كتاب «حروب الأوس الخزرج» كتاب «العلل» كتاب في «علم الباري» كتاب «الخطب». و ضعفه ابنالغضائري قال: حديثه يعرف و ينكر، و يروي عن الضعفاء كثيرا، و يعتمد المراسيل [363] و اعتمد بعض المحققين في علم الرجل علي توثيق الشيخ له، و لم يعن بتضعيف النجاشي و الغضائري له.
ابنعبدالحميد، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [364] . [ صفحه 168]
أبوجعفر الزهري الخزاعي عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [365] و قال في (الفهرست) محمد بن سنان روي رسالة أبيجعفر الي أهل البصرة، و قد ضعفه النجاشي، و قال: انه ضعيف جدا، و قال الفضل بن شاذان: لا أحل لكم أن ترووا أحاديث محمد بن سنان [366] و قال محمد بن سنان: عند موته لا ترووا عني مما حدثت شيئا فانما هي كتب اشتريتها في السوق [367] و قد طعن في حديثه و اتهم بالغلو، و عدم التحرج في الدين، و قد روي الكشي قال: رأيت في بعض كتب الغلاة.. عن الحسن ابنعلي، عن الحسن بن شعيب عن محمد بن سنان، قال: دخلت علي أبيجعفر الثاني عليهالسلام فقال لي: يا محمد كيف أنت اذا لعنتك، و برئت منك، و جعلتك محنة للعالمين، أهدي بك من أشاء و اضل بك من أشاء، قال: قلت له: تفعل بعبدك ما تشاء ما سيدي، أنت علي كل شيء قدير.. ثم قال: يا محمد أنت عبد أخلصت لله اني ناجيت الله فيك فأبي أن الا يضل بك كثيرا و يهدي بك كثيرا [368] و كثير من أمثال هذه المنكرات و الخرافات رويت عنه.
أبيالصهبان، القمي عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام، ورد توثيقه في الوجيزة، و البلغة، و مشتركات الكاظمي [369] .
المدائني، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [370] و أضاف انه لحق الامام [ صفحه 169] موسي بن جعفر عليهالسلام يعني لما أخذ من المدينة الي بغداد [371] .
ابنمهران، أبوجعفر الكرخي عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام مضيفا انه يرمي بالغلو و الضعف [372] قال النجاشي: انه غال كذاب، فاسد المذهب، و الحديث مشهور بذلك له كتب منها كتاب (الممدوحين و المذمومين) كتاب (مقتل أبيالخطاب) كتاب (الملاحم) كتاب (التبصرة) كتاب (النوادر) و هو أقرب كتبه الي الحق و الباقي تخليط [373] .
يكني أبابشير عده الشيخ من غير توصيف من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [374] .
الرخجي [375] عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [376] كان من وجوه الشيعة، و لما توفي الامام محمد الجواد عليهالسلام اجتمعت عنده الشيعة لمعرفة الامام القائم بعد الجواد [377] و له أخبار حسان ذكرها المترجمون له.
الناب، عده البرقي من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [378] . [ صفحه 170]
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [379] .
عده البرقي من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [380] .
الخزاز، الكرماني، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [381] .
ابنعبدالرحمن عده الشيخ من أصحاب الامام الرضا عليهالسلام و اخري من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [382] و روي الكشي ان الحكومة العباسية لما أجبرت ابنأبيعمير علي تسمية الشيعة لتعتقلهم، فأبي أن يخبر بأسمائهم فضرب مائة سوط و كاد أن يسميهم من شدة التعذيب الا انه لما سمع نداء محمد بن يونس: «يا محمد بن أبيعمير اذكر موقفك بين يدي الله، صبر علي التعذيب و لم يخبر بأسمائهم [383] .
العبدي، البصري، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام و أضاف انه ثقة [384] .
ابنأبيحفصة، مولي بني العجل، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [385] . [ صفحه 171] و روي الكشي عن محمد بن مسعود قال: سألت علي بن الحسن عن مروك بن عبيد، فقال: ثقة، شيخ صدوق [386] و ذكر الشيخ في الفهرست أن له كتابا.
المدايني، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [387] و قد أدرك الامام الصادق عليهالسلام، و روي عنه، و عن الامام موسي بن جعفر عليهالسلام و قد كان أجلاء العلماء و الفقهاء، و قد رمي بالفطحية، و قد عمر مائة سنة [388] .
ابنعمار الدهني، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [389] قال النجاشي: معاوية بن حكيم بن عمار الدهني، ثقة جليل من أصحاب الرضا عليهالسلام قال أبوعبدالله الحسين بن عبيدالله: سمعت شيوخنا يقولون: روي معاوية بن حكيم أربعة و عشرين أصلا لم يرو غيرها، و له كتب منها كتاب (الطلاق) و كتاب (الحيض) و كتاب (الفرائض) و كتاب (النكاح) و كتاب (الحدود) و كتاب (الديات) و له نوادر [390] قال الكشي: انه فطحي، و هو عدل عالم [391] .
عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [392] الا أن النجاشي قال: منذر بن محمد بن سعيد بن أبيالجهم القابوسي، أبوالقاسم من ولد قابوس بن النعمان بن [ صفحه 172] المنذر... ثقة من أصحابنا من بيت جليل له كتب منها «وفود العرب الي النبي صلي الله عليه و اله و سلم» و كتاب (جامع الفقه) و كتاب (الجمل) و كتاب (صفين) و كتاب «الغارات» [393] .
أبوالحسين الرازي، عده الشيخ تارة من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام، و اخري من أصحاب الامام الهادي عليهالسلام [394] قال النجاشي: انه سكن بغداد و مات بها، و كان مضطرب الأمر، له كتاب (نوادر) [395] .
اليعقوبي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام، و من أصحاب الامام الهادي عليهالسلام [396] و هو مجهول الحال.
المنقري، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [397] و هو مجهول الحال.
ابنعبدالملك بن هشام، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [398] و هو مجهول الحال.
ابنبزيع، مولي المنصور، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [399] قال [ صفحه 173] النجاشي: انه ثقة، كوفي له كتاب [400] و ورد توثيقه في الوجيزة و البلغة و الخلاصة.
ابنمعاوية، بن وهب البجلي، عده الشيخ من أصحاب الامام الرضا عليهالسلام و من أصحاب الامام الجواد [401] قال النجاشي: انه ثقة جليل، واضح الحديث، حسن الطريقة، له كتب منها كتاب «الوضوء» كتاب «الصلاة» كتاب «الزكاة» كتاب «الحج» كتاب «النكاح» كتاب «الطلاق» كتاب «الحدود» كتاب «الديات» كتاب «الشهادات» كتاب «الايمان و النذور» كتاب «أخلاق المؤمنين» كتاب «الجامع» كتاب «الآداب» [402] .
البغدادي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام، و نقل عن الفضل بن شاذان انه كان فقيها صالحا مرضيا [403] .
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [404] قال النجاشي: انه ثقة [ صفحه 174] صدوق، روي عن أبيه له كتاب نوادر [405] .
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [406] و هو مجهول الحال.
أما الذين عرفوا بالكنية من أصحاب الامام و اشتهروا بها فهم
البصري عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [407] و قد وثقه الكشي فقد روي عن الفضل بن شاذان قال: حدثني أبوجعفر البصري و كان ثقة صالحا فاضلا [408] .
عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [409] .
المهري، البصري، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [410] . [ صفحه 175]
عده الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [411] و هو مجهول الحال.
كوفي، عده الشيخ من أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [412] و هو مجهول الحال. هؤلاء بعض الرواة الذين رووا عن الامام أبيجعفر عليهالسلام.
أما السيدات اللاتي روين عن الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام فهن:
ابنيحيي عدها الشيخ من جملة أصحاب الامام الجواد عليهالسلام [413] .
عدها الشيخ بهذا العنوان من السيدات اللاتي تشرفن بسؤال الامام الجواد عليهالسلام [414] . و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أصحاب الامام الجواد عليهالسلام و قد كان فيهم جماعة من أعلام الفكر و العلم و الأدب في ذلك العصر، و قد دلت هذه الجمهرة من أصحابه علي مدي ما يتمتع به الامام من الثروات العلمية الهائلة فانهم انما صحبوه للاستفادة من نمير علمه. [ صفحه 179]
أما عصر الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام، فقد كان من أزهي العصور الاسلامية و أروعها، فقد تميز في نهضته العلمية و حضارته الفكرية، و قد ظل المسلمون و غيرهم أجيالا و قرونا يعيشون علي موائد الثروات الفكرية و العلمية التي اسست في ذلك العصر. و لابد لنا من الحديث - بايجاز - عن معالم الحياة في عصر الامام عليهالسلام فقد أصبحت دراسة العصر من المباحث المنهجية التي لا غني للباحث عنها لأنها تكشف عن أبعاد الشخصية، و تدلل علي مناحيها الفكرية، و سائر اتجاهاتها، و فيما يلي عرض لذلك:
أما الحياة الثقافية في ذلك العصر فتعتبر من أبرز معالم الحياة في العصور الاسلامية علي الاطلاق، فقد ازدهرت الحركات الثقافية، و انتشر العلم انتشارا واسعا، و تأسست المعاهد الدراسية، و انتشرت المكاتب العامة، و أقبل الناس بلهفة علي طلب العلم، يقول نيكلسون: «و كان لانبساط رقعة الدولة العباسية، و وفرة ثروتها، و رواج تجارتها أثر كبير في خلق نهضة ثقافية لم يشهدها الشرق من قبل، حتي لقد بدا أن الناس جميعا من الخليفة الي أقل أفراد العامة شأنا غدوا فجأة طلابا للعلم أو علي الأقل أنصارا للأدب، و في عهد الدولة العباسية كان الناس يجوبون ثلاث قارات سعيا [ صفحه 180] الي موارد العلم و العرفان ليعودوا الي بلادهم كالنحل يحملون الشهد الي جموع التلاميذ المتلهفين، ثم يصنفون بفضل ما بذلوه من جهد متصل هذه المصنفات التي هي أشبه شيء بدوائر المعارف، و التي كان لها أكبر الفضل في ايصال هذه العلوم الحديثة الينا بصورة لم تكن متوقعة من قبل.» [415] و نلمح الي بعض المعالم الرئيسية من تلك الحياة الثقافية.
أما المراكز الثقافية في عصر الامام أبيجعفر عليهالسلام فهي:
و كان يثرب من أهم المراكز العلمية في ذلك العصر، فقد تشكلت فيها مدرسة أهل البيت عليهمالسلام و قد ضمت عيون الفقهاء و الرواة من الذين سهروا علي تدوين أحاديث أئمة أهل البيت عليهمالسلام و قد عنوا بصورة موضوعية بتدوين أحاديثهم الخاصة في الفقه باعتباره روح الاسلام و جوهره، كما تشكلت في يثرب مدرسة التابعين و هي مدرسة فقهية عنت بأخذ الفقه مما روي عن الصحابة، و يرجع بما لم يروا عنهم الي ما يقتضيه الرأي و القياس حسب ما ذكروه.
و تأتي الكوفة بعد يثرب في الأهمية، فقد كان الجامع الأعظم من أهم المعاهد، و المدارس الاسلامية، فقد انتشرت فيه الحلقات الدراسية، و كان الطابع العام للدراسة هي العلوم الاسلامية من الفقه و التفسير و الحديث و غيرها. و كانت الكوفة علوية الرأي، فقد عنت مدرستها بعلوم أهل البيت عليهمالسلام و قد حدث الحسن بن علي الوشاء فقال: أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - [ صفحه 181] تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد [416] و من أهم الاسر العلمية التي درست في ذلك الجامع هي آل حيان التغلبي و آل أعين، و بنو عطية و بيت بني دراج و غيرهم [417] . و لم يكن الفقه وحده هو السائد في مدرسة الكوفة، و انما كان النحو سائدا أيضا، فقد انشأت في الكوفة مدرسة النحويين، و كان من أعلامها البارزين: الكسائي الذي عهد اليه الرشيد بتعليم ابنيه الأمين و المأمون، و من الجدير بالذكر ان هذا العلم الذي يصون اللسان عن الخطأ قد اخترعه الامام أميرالمؤمنين عليهالسلام فهو الذي وضع قواعده و اصوله.
أما البصرة فقد كانت مركزا مهما لعلم النحو، و كان أول من وضع أساس مدرسة البصرة أبوالأسود الدوئلي تلميذ الامام أميرالمؤمنين عليهالسلام، و كانت هذه المؤسسة تنافس مدرسة الكوفة، و قد سمي نحاة البصرة (أهل المنطق) تمييزا عن نحاة الكوفة و كان من أعلام هذه الصناعة سيبويه الفارسي، و هو صاحب كتاب سيبويه، الذي هو من أنضج الكتب العربية و أكثرها عمقا و أصالة يقول ديبور: فلو نظرنا الي كتاب سيبويه لوجدناه عملا ناضجا، و مجهودا عظيما، حتي ان المتأخرين قالوا: انه لا بد أن يكون ثمرة جهود متضافرة لكثير من العلماء، مثل قانون ابنسيناء [418] . و كما كانت البصرة ميدانا لعلم النحو كذلك كانت مدرسة لعلم التفسير الذي كان من علمائه البارزين أبوعمرو بن العلاء، و كانت مدرسة أيضا لعلم العروض [ صفحه 182] الذي وضع اصوله الخليل بن أحمد صاحب كتاب (العين) الذي هو أول معجم وضع في اللغة العربية.
أما بغداد فقد ازدهرت بالحركات العلمية و الثقافية، و قد انتشرت فيها المدارس و المعاهد و لم يعد هناك شيء أيسر و لا أبذل من العلم، و لم تختص بغداد في علم خاص كما كانت بقية المراكز الاسلامية، و انما شملت جميع أنواع العلوم من العقلية و النقلية، و كذا سائر الفنون، و قد أصبحت أعظم حاضرة علمية في ذلك العصر، و قد توافد عليها طلاب العلوم و المعرفة من جميع أقطار الدنيا يقول لغوستان لوبون: كان العلماء و رجال الفن و الادباء من جميع الملل و النحل من يونان و فرس و أقباط و كلدان يتقاطرون الي بغداد، و يجعلون منها مركزا للثقافة في الدنيا، قال أبوالفرج: عن المأمون انه كان يخلو بالحكماء، و يأنس بمناظرتهم، و يلتذ بمذاكرتهم علما منه بأن أهل العلم هم صفوة الله من خلقه و نخبته من عباده [419] هذه بعض المراكز الثقافية في ذلك العصر.
و كان من العلوم السائدة التي أقبل الناس علي تعلمها، هي:
أما علوم القرآن الكريم، فمن بينها ما يلي:
و يعني هذا العلم بالبحث عن قراءة القرآن و قد وجدت سبع طرق في [ صفحه 183] القراءات، كل طريقة منها تنسب الي قاريء، و من أشهرهم في العصر العباسي يحيي بن الحارث الذماري المتوفي سنة (145هـ ) و حمزة بن حبيب الزيات المتوفي سنة (156هـ ) و أبوعبدالرحمن المقري المتوفي سنة ) 213هـ ) و خلف بن هشام البزار المتوفي سنة ) 229هـ ). [420] .
و يراد به ايضاح الكتاب العزيز و بيان معناه، و قد اتجه المفسرون في تفسيره الي اتجاهين. الأول: التفسير بالمأثور، و نعني به تفسير القرآن بما أثر عن النبي صلي الله عليه و آله و سلم و أئمة الهدي و هذا ما سلكه أغلب مفسري الشيعة كتفسير القمي، و العسكري و البرهان، و حجتهم في ذلك ان أئمة أهل البيت عليهمالسلام هم المخصوصون بعلم القرآن علي حقيقته و واقعه، و قد أدلي بذلك الامام أبوجعفر الباقر عليهالسلام بقوله: «ما يستطيع أحد أن يدعي ان عنده جميع القرآن كله ظاهره و باطنه غير الأوصياء [421] و قد تظافرت الأدلة علي وجوب الرجوع اليهم في تفسير القرآن يقول الشيخ الطوسي: «ان تفسير القرآن لا يجوز الا بالأثر الصحيح عن النبي صلي الله عليه و اله و سلم و عن الأئمة الذين قولهم حجة كقول النبي صلي الله عليه و اله و سلم..» [422] . الثاني: - التفسير بالرأي، و يراد به الأخذ بالاعتبارات العقلية الراجعة الي الاستحسان و قد ذهب الي ذلك المفسرون من المعتزلة، و الباطنية فلم يعنوا بما أثر عن أئمة الهدي في تفسير القرآن الكريم، و انما استندوا في تفسيره الي ما يرونه من [ صفحه 184] الاستحسانات العقلية [423] . و علي أي حال فان أول مدرسة للتفسير بالمأثور كانت في عهد الامام أميرالمؤمنين عليهالسلام فهو أول مفسر للقرآن الكريم و عنه أخذ عبدالله بن عباس و غيره، من أعلام الصحابة، و كذلك اهتم به اهتماما بالغا الأئمة الطاهرون، فتناولت الكثير من محاضراتهم تفسير القرآن، و أسباب نزول آياته و فضل قراءته.
و من العلوم السائدة دراستها في ذلك العصر «الحديث» الذي هو من أهم مصادر التشريع الاسلامي، و نعني به ما أثر عن النبي صلي الله عليه و اله و سلم أو عن أحد أوصيائه الأئمة الطاهرين، من قول أو فعل أو تقرير لشيء و يعبر عن ذلك كله بالسنة. و قد سبق الشيعة الي تدوين الأحاديث، فقد حث الأئمة الطيبون أصحابهم علي ذلك، فقد روي أبوبصير قال: دخلت علي أبيعبدالله عليهالسلام فقال: «ما يمنعكم من الكتابة، انكم لن تحفظوا حتي تكتبوا، أنه خرج من عندي رهط من أهل البصرة يسألو عن أشياء فكتبوها» و قد انبري جماعة من أصحاب الامام الرضا عليهالسلام الي جميع الأحاديث الصحيحة في جوامع كبيرة، و هي الجوامع الاولي للامامية و التي تعد الأساس لتدوين الجوامع الأربعة لمشايخ الاسلام الثلاثة [424] .
و من أميز العلوم التي ساد انتشارها في ذلك العصر بل في جميع العصور الاسلامية هو علم الفقه الذي يناط به معرفة التكاليف اللازمة علي المكلفين و عليهم المسؤولية عند الله في امتثالها و تطبيقها علي واقع حياتهم، و من ثم كان الاهتمام بدراسة [ صفحه 185] علم الفقه أكثر من سائر العلوم، و قد قام أئمة أهل البيت عليهمالسلام بدور فعال في انشاء مدرستهم الفقهية التي تخرج منها كبار الفقهاء و العلماء أمثال زرارة، و محمد بن مسلم، و جابر بن يزيد الجعفي و أمثالهم من عيون العلماء، و قد دونوا ما سمعوه من الأئمة الطاهرين في اصولهم التي بلغت زهاء أربعمائة أصل، ثم هذبت، و جمعت في الكتب الأربعة التي يرجع اليها فقهاء الامامية في استنباطهم للأحكام الشرعية. و لم يقتصر هذا النشاط في طلب علم الفقه و الاقبال عليه علي الشيعة، و انما شمل جميع الطوائف الاسلامية.
و أسس هذا العلم الامام أبوجعفر الباقر عليهالسلام حسبما حققناه عند البحث عن حياته، و هذا العلم مما يتوقف عليه الاجتهاد و الاستنباط، و كان موضع دراسة في ذلك العصر.
و هو من العلوم التي لعبت دورا مهما في العصر العباسي، فقد كانت بحوثه موضع جدل، و قد عقدت لها الأندية في قصور الخلفاء و جري في بعض مسائله نزاع حاد بين علماء هذا الفن، و قد تخصص بهذا العلم جماعة من الأعلام في ذلك العصر في طليعتهم الكسائي و الفراء و سيبويه، و قد أسس هذا العلم الامام أميرالمؤمنين عليهالسلام رائد العلم و الحكمة في الأرض.
من العلوم التي انتشرت في ذلك العصر علم الكلام، و يقصد به الدفاع عن المعتقدات الدينية بالأدلة العلمية، و قد أس الفن أئمة أهل البيت عليهمالسلام و تخصص به جماعة من تلاميذهم، يعد في طليعتهم العالم الكبير هشام بن الحكم، و من أشهر [ صفحه 186] المتكلمين عند أهل السنة و اصل بن عطاء، و أبوالهذيل العلاف، و أبوالحسن الأشعري و الغزالي.
و انتشر علم الطب في ذلك العصر، و قد شجع ملوك بني العباس علي دراسته، و منحوا الجوائز و الأموال الطائلة للمتخصصين فيه أمثال جبريل بن بختشوع الطبيب النصراني.
و من العلوم التي نالت الاهتمام في ذلك العصر هو علم الكيمياء، و قد تخصص فيه جبار بن حيان مفخرة الشرق العربي، و قد تلقي بحثوه من الامام الصادق الدماغ المفكر في الانسانية فهو الذي أسس هذا العلم.
الهندسة المعمارية و المدنية.
هذه بعض العلوم المنتشرة و السائدة في عصر الامام الجواد عليهالسلام و قد ألفت فيها مئات الكتب مما فقد أو هو مخطوط في خزائن المكتبات في العالم.
و كان من مظاهر تطور الحياة الثقافية في ذلك العصر الاقبال علي ترجمة الكتب من اللغة الأجنبية الي اللغة العربية، و قد تناولت كتب الطب، و الرياضة، و الفلك، و أصناف العلوم السياسية و الفلسفة، ذكر أسماء كثير منها: ابنالنديم في الفهرست، و كان يرأس ديوان الترجمة حنين ابناسحاق، و قد روي ابنالنديم أن «المأمون كان بينه و بين ملك الروم مراسلات، و قد استظهر عليه المأمون فكتب اليه يسأله الاذن في [ صفحه 187] انفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة، المدخرة ببلد الروم فأجابه الي ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر و ابنالبطريق و سلم صاحب بيت الحكمة و غيرهم، فأخذوا مما وجدوا، فلما حملوه اليه أمرهم بنقله فنقل..» [425] . و قد ساعدت تلك الكتب المترجمة علي نمو الفكر العربي، و ساهمت في تطور العلوم في البلاد الاسلامية فقد اشتغل الكثيرون من المسلمين في تفسيرها الي الناشئة العلمية.
و أنشأت الحكومة العباسية في بغداد المدارس و المعاهد لتدريس العلوم الاسلامية و غيرها، فقد أنشئت فيها حوالي ثلاثون مدرسة، و ما فيها من مدرسة الا و يقصر القصر البديع عنها، و أعظمها و أشهرها النظامية [426] . كما اسست فيها المكتبات العامة التي كان منها مكتبة بيت الحكمة، فقد نقل اليها الرشيد مكتبته الخاصة، و أضاف اليها من الكتب ما جمعه جده المنصور و أبوه المهدي، و في عهد المأمون طلب من أمير صقلية بعض الكتب العلمية و الفلسفية، فلما وصلت اليها نقلها الي مكتبة بيت الحكمة، كما جلب اليها من خراسان الكثير من الكتب، و كان حيث ما سمع بكتاب جلبه لها، و ظلت هذه الخزانة التي هي من أثمن ما في العالم قائمة يرجع اليها البحاث و أهل العلم فلما استولي السفاك المغول علي بغداد سنة (656هـ ) عمد الي اتلافها، و بذلك فقد خسر العالم الاسلامي أعظم تراث له. [ صفحه 188]
و كان من مظاهر ألوان التقدم الثقافي و الحضاري في ذلك العصر أن المأمون أمر بوضع خريطة للعالم سميت (الصورة المأمونية) و هي أول خريطة صنعت للعالم في العصر العباسي، كما أمر بانشاء مرصد فلكي فانشأ بالشماسية و هي احدي محلات بغداد [427] . ففي هذا الجو العلمي الزاهر كان الامام أبوجعفر الجواد عليهالسلام الرائد الأعلي للحركة الثقافية، فقد التف حوله العلماء أثناء اقامته في بغداد و هم ينتهلون من نمير علومه، و قد سألوه عن أدق المسائل الفلسفية و الكلامية فأجابهم عنها حسب ما ذكرناه في البحوث المتقدمة.
أما الحياة السياسية في عصر الامام أبيجعفر عليهالسلام فقد كانت بشعة و حرجة للغاية لا للامام فحسب و انما كانت لعموم المسلمين و ذلك لما فيها من الأحداث الجسام، فقد منيت الامة بموجات عارمة من الفتن و الاضطرابات، و قبل أن نتحدث عنها نري من اللازم ان نعرض لمنهج الحكم في العصر العباسي و غيره مما يتصل بالموضوع و فيما يلي ذلك:
أما منهج الحكم في العصر العباسي فانه كان علي غرار الحكم الاموي، لم يتغير و لم يتبدل، و قد وصفه (نكلسون) بأنه نظام استبدادي، و ان العباسيين حكموا [ صفحه 189] البلد حكما مطلقا علي النحو الذي كان يحكم به ملوك آل ساسان قبلهم [428] . لقد كان الحكم خاضعا لرغبات ملوك العباسيين و امرائهم، و لم يكن له أي التقاء مع القانون الاسلامي، فقد شذت تصرفاتهم الادارية و الاقتصادية و السياسية عما قننه الاسلام في هذه المجالات. لقد استبد ملوك بني العباس بشؤون المسلمين و أقاموا فيهم حكما ارهابيا لا يعرف الرحمة و الرأفة، و هو بعيد كل البعد عما شرعه الاسلام من الأنظمة الخلاقة الهادفة الي بسط العدل، و نشر المساواة، و الحق بين الناس.
و لم تخضع الخلافة الاسلامية حسب فيمها الأصيلة الي أي قانون من قوانين الوراثة و لا لأي لون من ألوان المحاباة أو الاندفاع وراء الأهواء و العواطف، فقد حارب الاسلام جميع هذه المظاهر و اعتبرها من ألوان الانحطاط و التأخر الفكري للمسلمين، و أناط الخلافة بالقيم الكريمة، و المثل العليا، و القدرة علي ادارة شؤون الامة، فمن يتصف بها فهو المرشح لهذا المنصب الخطير الذي تدور عليه سلامة الامة و سعادتها. أما الشيعة فانما خصت الخلافة بالأئمة الطاهرين من أهل البيت عليهمالسلام لا لقرابتهم من الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله و سلم و و انهم ألصق الناس به و أقربهم اليه، و انما لمواهبهم و عبقرياتهم، و ما اتصفوا به من الفضائل التي لم يتصف بها أحد غيرهم. و أما الذين طبلوا بالوراثة فهم العباسيون، فاعتبروها القاعدة الصلبة لاستحقاقهم للخلافة لأنهم أبناء عم الرسول صلي الله عليه و اله و سلم و قد بذلوا الأموال الطائلة لأجهزة [ صفحه 190] الاعلام لنشر ذلك و اذاعته بين الناس. و قد هبت الي الأوساط العباسي الأوساط المرتزقة تتقرب بانتقاص العلويين و تشهد بأن ذئاب بني العباس هم أولي بالنبي صلي الله عليه و اله و سلم من السادة الأطهار من آل الرسول صلي الله عليه و اله و سلم. و يقول الرواة: ان أبان بن عبدالحميد كان مبعدا عن العباسيين لولائه لأهل البيت عليهمالسلام فخف الي البرامكة و طلب منهم أن يوصلوه الي الرشيد فأشاروا عليه انه لا سبيل الي ذلك الا أن يعرض في شعره أن بنيالعباس هم ورثة النبي صلي الله عليه و اله و سلم و أولي بالخلافة من العلويين فأجابهم الي ذلك و نظم قصيدة جاء فيها: نشدت بحق الله من كان مسلما أعم بما قد قلته: العجم و العرب أعم رسول الله أقرب زلفة لديه أم ابنالعم في رتبة النسب و أيهما أولي به و بعهده و من ذا له حق التراث بما وجب فان كان عباس أحق بنسلكم و كان علي بعد ذاك علي سبب فأبناء عباس هم يرثونه كما العم لابن العم في الارث حجب و لما قرأ قصيدته علي الرشيد ملئت نفسه اعجابا فمنحه الرضا و منحه الأموال الطائلة.
و لما التزم العباسيون بقانون الوراثة، قاموا بتصرفات شاذة و نابية و معادية لمصلحة الامة و كان من بينها: 1 - اسناد الخلافة الي الذين لم يبلغوا سن الرشد، فقد عهد الرشيد بالخلافة الي ابنه الأمين، و كان له من العمر خمس سنين، و الي ابنه المأمون و كان عمره ثلاث عشر سنة. و قد انحرف بذلك عما قرره الاسلام من ان منصب الخلافة انما يسند الي من [ صفحه 191] كان يتمتع بالحكمة و التجارب، و ممارسة الشؤون الاجتماعية و الدراية التامة بما تحتاج اليه الامة في جميع مجالاتها، و ليس من سبيل لاسنادها للأطفال و الصبيان. 2 - اسناد ولاية العهد لأكثر من واحد فان في ذلك تمزيقا لشمل الامة و تصديعا لوحدتها و قد شذ الرشيد عن ذلك فقد أسند الخلافة من بعده الي الأمين و المأمون، و قد ألقي الصراع بينهما، و عرض الامة الي الأزمات الحادة، و الفتن الخطيرة، و سنعرض لها في البحوث الآتية.
من الأجهزة الحساسة في الدولة العباسية هي الوزارة، فكانت - علي الأكثر - وزارة تفويض، فكان الخليفة يعهد الي الوزير بالتصرف في جميع شؤون دولته و يتفرغ هو للهو و العبث و المجون، فقد استوزر المهدي العباسي يعقوب بن داود، و فوض اليه جميع شؤون رعيته و انصرف الي ملذاته، و فيه يقول الشاعر: بني امية هبوا طال نومكم ان الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا خليفة الله بين النادي و العود و استوزر الرشيد يحيي بن خالد البرمكي و منحه جميع الصلاحيات و اتجه نحو ملاذه و شهواته فكانت لياليه الحمراء في بغداد شاهدة علي ذلك. و تصرف يحيي في شؤون الدولة الواسعة الأطراف حسب رغباته، فقد أنفق الأموال الطائلة علي الشعراء المادحين له، و اتخذ من العمارات و الضياع التي كانت وارداتها تدر عليه بالملايين، و هي التي سببت قيام هارون الرشيد باعتقاله، و قتل ابنه جعفر و مصادرة جميع أموالهم. و في عهد المأمون أطلق يد وزيره الفضل بن سهل في امور الدولة فتصرف فيها حيثما شاء، و كان الوزير يكتسب الثراء الفاحش بما يقترفه من النهب و الرشوات، [ صفحه 192] و قد عانت الامة من ضروب المحن و البلاء في عهدهم بما لا يوصف فكانوا الأداة الضاربة للشعب، فقد استخدمتهم الملوك لنهب ثروات الناس و اذلالهم و ارغامهم علي ما يكرهون. و كان الوزراء معرضين للسخط و الانتقام و ذلك لما يقترفونه من الظلم و الجور، و قد نصح دعبل الخزاعي الفضل بن مروان أحد وزراء العباسيين فأوصاه باسداء المعروف و الاحسان الي الناس، و قد ضرب له مثلا بثلاثة وزراء ممن شاركوه في الاسم و سبقوه الي كرسي الحكم، و هو الفضل بن يحيي، و الفضل بن الربيع، و الفضل بن سهل، فانهم لما جاروا في الحكم تعرضوا الي النقمة و السخط، يقول دعبل: ألا ان في الفضل بن سهل لعبرة ان اعتبر الفضل بن مروان بالفضل و في ابنالربيع الفضل للفضل زاجر ان ازدجر الفضل بن مروان بالفضل و للفضل في الفضل بن يحيي مواعظ ان اتعظ الفضل بن مروان بالفضل اذا ذكروا يوما و قد صرت رابعا ذكرت بقدر السعي منك الي الفضل فابق جميلا من حديث تفز به و لا تدع الاحسان و الأخذ بالفضل و لم أر أبياتا من الشعر قبلها جميع قوافيها علي الفضل و الفضل و ليس لها عيب اذا هي أنشدت سوي ان نصحي الفضل كان من الفضل و من غرائب ما اقترفه الوزراء من الخيانة ان الخاقاني وزير المقتدر بالله العباسي ولي في يوم واحد تسعة عشر ناظرا للكوفة و أخذ من كل واحد رشوة [429] و كثير من أمثال هذه الفضائح و المنكرات عند بعض وزراء العباسيين. [ صفحه 193]
لعل من أبرز الأحداث السياسية التي جرت في عصر الامام محمد الجواد عليهالسلام هي الفتنة الكبري التي وقعت بين الأمين و المأمون، و أدت الي اشعال نار الحرب بينهما، و قد كلفت المسلمين ثمنا باهضا و ذلك بما بذلوه من الدماء و ازهاق الأنفس في سبيل استقرار الملك و السلطان لأحدهما و قبل أن نعرض الي ذكر هذه الأحداث نشير - بايجاز - الي بعض شؤون الأمين و أحواله:
و لم تكن في الأمين أية صفة كريمة يستحق بها هذا المنصب الخطير في الاسلام، فقد أجمع المترجمون له علي انه لم يتصف بأية نزعة شريفة، و انما قلده الرشيد منصب الخلافة نظرا لتأثير زوجته السيدة زبيدة عليه و فيما يلي بعض صفاته.
كان الأمين ينفر من العلم، و يحتقر العلماء، و كان اميا لا يقرأ و لا يكتب [430] و اذا كان بهذه الصفة كيف قلده الرشيد الخلافة الاسلامية.
و كان الأمين ضعيف الرأي، و قد اعطي الملك العريض و لم يحسن سياسته، و قد وصفه المسعودي بقوله: «كان قبيح السيرة ضعيف الرأي يركب هواه، و يهمل أمره، و يتكل في جليلات الخطوب علي غيره، و يثق بمن لا ينصحه» [431] و وصفه الكتبي بقوله: «و كان قد هان عليه القبيح فاتبع هواه، و لم ينظر في شيء من عقباه. [ صفحه 194] و كان من أبخل الناس علي الطعام، و كان لا يبالي أين قعد، و لا مع من شرب» [432] . و مما لا شبهة فيه أن أصالة الفكر و الرأي من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يلي امور المسلمين.
و احتجب الأمين عن الرعية كما احتجب عن أهل بيته و امرائه و عماله و استخف بهم [433] و انصرف الي اللهو و الطرب، و قد عهد الي الفضل بن الربيع امور دولته، فجعل يتصرف فيها حسب رغباته و ميوله، و قد خف الي الأمين اسماعيل بن صبيح، و كان أثيرا عنده، فقال له: يا أميرالمؤمنين ان قوادك و جندك و عامة رعيتك، قد خبثت نفوسهم، و ساءت ظنونهم و كبر عندهم ما يرون من احتجابك عنهم، فلو جلست لهم ساعة من نهار فدخلوا عليك فان في ذلك تسكينا لهم، و مراجعة لآمالهم. و استجاب له الأمين فجلس في بلاطه و دخل عليه الشعراء فأنشدوه قصائدهم، ثم انصرف فركب الخراقة الي الشماسية، و اصطفت له الخيل و عليها الرجال، و قد اصطفوا علي ضفاف دجلة، و حملت معه المطابخ و الخزائن، أما الخراقة التي ركبها فكانت سفينة علي مثال أسد و ما رأي الناس منظرا كان أبهي من ذلك المنظر، و قد ركب معه أبونؤاس و كان ينادمه فقال: سخر الله للأمين مطايا لم تسخر لصاحب المحراب [434] . [ صفحه 195] فاذا ما ركابه سرن بحرا سار في الماء راكبا ليث غاب أسدا باسطا ذراعيه يعدو أهرت الشدق كالخ الأنياب [435] . لا يعانيه باللجام و لا السوط و لا غمز رجله في الركاب عجب الناس اذ رؤوك علي صورة ليث تمر مر السحاب سبحوا اذ رؤوك سرت عليه كيف لو أبصروك فوق العقاب [436] . ذات زدون منسر جناحين تشق العباب بعد العباب تسبق الطير في السماء اذا ما استعجلوها بجيئة و ذهاب بارك الله للأمين و أبقاه له رداء الشباب ملك تقصر المدائح عنه هاشمي موفق للصواب [437] . هذه بعض نزعات الأمين و صفاته، و هي تصور لنا انسانا تافها قد اتجه الي ملذاته و شهواته و لن يعن بأي شأن من شؤون الدولة الاسلامية.
و تقلد الأمين الخلافة يوم توفي الرشيد، و قد ورد عليه خاتم الخلافة و البردة و القضيب التي يتسلمها كل من يتقلد الخلافة من ملوك العباسيين و حينما استقرت له الامور خلع أخاه المأمون، و جعل العهد لولده موسي و هو طفل صغير في المهد و سماه الناطق بالحق، و أرسل الي الكعبة من جاءه بكتاب العهد الذي علقه فيها الرشيد، و قد جعل فيه ولاية العهد للمأمون بعد الأمين، و حينما أتي به مزقه و كان ذلك - فيما يقول المؤرخون - برأي الفضل بن الربيع و بكر بن المعتمر. [ صفحه 196] و هذا ليس غريبا عليه فقد اقترف كل ما هو مجاف للأخلاق و الأعراف.
و بعد ما خلع الأمين أخاه المأمون عن ولاية العهد، و أبلغه ذلك رسميا ندب الي حربه علي بن عيسي، و دفع اليه قيدا من ذهب، و قال له: أوثق المأمون، و لا تقتله حتي تقدم به الي و أعطاه مليوني دينار سوي الأثاث و الكراع، و لما علم المأمون ذلك سمي نفسه أميرالمؤمنين، و قطع عنه الخراج، و ألغي اسمه من الطراز و الدراهم و الدنانير، و أعلن الخروج عن طاعته، و ندب طاهر بن الحسين، و هرثمة بن أعين الي حربه، و التقي الجيشان بالري، و قد التحما في معركة رهيبة جرت فيها أنهار من الدماء و أخيرا انتصر جيش المأمون علي جيش الأمين، و قتل القائد العام للقوات المسلحة في جيش الأمين، و انتهبت جميع أمتعته و أسلحته، و كتب طاهر ابنالحسين الي الفضل بن سهل وزير المأمون يخبره بهذا الانتصار الباهر و قد جاء في رسالته «كتبت اليك، و رأس علي بن عيسي في حجري، و خاتمه في يدي و الحمد لله رب العالمين» و دخل الفضل علي المأمون فسلم عليه بالخلافة، و أخبره بالأمر، و أيقن المأمون بالنصر فبعث الي طاهر القائد العام في جيشه بالهدايا و الأموال، و شكره شكرا جزيلا علي ذلك، و قد سماه ذا اليمينين، و صاحب خيل اليدين، و أمره بالتوجه الي احتلال العراق و القضاء علي أخيه الأمين.
و خفت جيوش المأمون الي احتلال بغداد بقياده طاهر بن الحسين، فحاصرت بغداد، و قد دام الحصار مدة طويلة تخربت فيها معالم الحضارة في بغداد، و عم الفقر و البؤس جميع سكانها و كثر العابثون، و الشذاذ فقاموا باغتيال الأبرياء، و نهبوا الأموال و طاردوا النساء، حتي تهيأت جماعة من خيار الناس تحت قيادة رجل يقال له [ صفحه 197] سهل بن سلامة فمنعوا العابثين و تصدوا لهم بقوة السلاح حتي أخرجوهم من بغداد [438] . و علي أي حال فقد منيت بغداد بأفدح الخسائر من جراء تلك الفتنة الكبري، و قد فقدت الكثير من أبنائها، و قد زحفت جيوش المأمون الي تطويق قصر الأمين، و الحاق الهزائم بجيشه فلم تتمكن من الصمود أمام جيش المأمون الذي كان يتمتع بروح معنوية عالية بالاضافة الي ما يملكه من العتاد و السلاح.
و كان الأمين في تلك المحنة الحازبة مشغولا بلهوه و طربه، و يقول المؤرخون: انه كان يصطاد سمكا مع جماعة من الخدم و كان فيهم (كوثر) الذي كان مغرما به فكانت توافيه الأنباء بهزيمة جنوده، و محاصرة قصره فلم يعن بذلك، و كان يقول: اصطاد كوثر ثلاث سمكات و ما اصطدت الا سمكتين، و هجمت عليه طلائع جيش المأمون فأجهزت عليه، و حمل رأسه الي طاهر بن الحسين فنصبه علي رمح و تلا قوله تعالي: «اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممن تشاء» [439] و قال فيه بعض الشعراء: اذا غدا ملك باللهو مشتغلا فاحكم علي ملكه بالويل و الخرب أما تري الشمس في الميزان هابطة لما غدا و هو برج اللهو و الطرب [440] . و بهذا ينتهي بنا الحديث عن الخلاف بين الأمين و المأمون، و هو من أعظم الأحداث السياسية في ذلك العصر. [ صفحه 198]
من الأحداث السياسية في ذلك العصر خلافة ابراهيم الخليع الذي لم يترك لونا من ألوان المجون الا ارتكبه، و كان مدمنا علي الخمر في أكثر أوقاته، و قد نصبه العباسيون خليفة عليهم، و ذلك لحقدهم علي المأمون و كراهيتهم له، و قد بايعه الغوغاء، و أهل الطرب من الناس، و من الطريف أن الغوغاء أرادوا منه المال فجعل يسوفهم، و طال عليهم الأمر فأحاطوا بقصره فخرج اليهم رسوله فأخبرهم أنه لا مال عنده، فقام بعض ظرفاء بغداد فنادي: «أخرجوا الينا خليفتنا ليغني لأهل هذا الجانب ثلاث أصوات، و لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات فتكون عطاءا لهم...» [441] . و قد سخر به دعبل في أبيات له، فقد وصفه بأبشع الصفات و جعل مصحفه البربط، و وصفه رسترستين بقوله: «لم تكن له مواهب الحاكم، ولكنه كان رجلا سليم الذوق، يهتم بالموسيقي و الغناء» [442] .
و زحف المأمون بجيوشه نحو بغداد للقضاء علي تمرد ابراهيم، فلما علم ذلك هرب، و هرب من كان يعتمد علي نصرته، و قال في هجائهم: فلا جزيت بنو العباس خيرا علي رغمي و لا اغتبطت بري اتوني مهطعين و قد أتاهم بواد الدهر بالخبر الجلي و قد ذهل الحواضن عن بنيها وسد الثدي عن فمه الصبي و حل عصائب الأملاك منها فشدت في رقابي بنيعلي فضجت أن تشد علي رؤوس تطالبها بميراث النبي [443] . [ صفحه 199] و ظل ابراهيم مختفيا في بغداد يطارده الرعب و الخوف، و قد ظفر به المأمون فعفا عنه لأنه لم يكن له أي وزن سياسي حتي يخشي منه.
من أعظم الثورات الشعبية التي حدثت في عصر الامام أبيجعفر عليهالسلام هي ثورة أبيالسرايا التي استهدفت القضايا المصيرية لجميع الشعوب الاسلامية، فقد رفعت شعار الدعوة الي (الرضا من آل محمد صلي الله عليه و اله و سلم) الذين هم الأمل الباسم للمضطهدين و المحرومين، و كادت أن تعصف هذه الثورة بالدولة العباسية، فقد استجاب لها معظم الأقطار الاسلامية، فقد كان قائدها الملهم أبوالسرايا ممن هذبته الأيام، و حنكته التجارب، و قام علي تكوينه عقل كبير، فقد استطاع بمهارته أن يجلب الكثير من أبناء الامام موسي بن جعفر عليهالسلام و يجعلهم قادة في جيشه، مما أوجب اندفاع الجماهير بحماس بالغ الي تأييد ثورته و الانضمام اليها الا أن المأمون قد استطاع بمهارة سياسية فائقة أن يقضي علي هذه الحركة، و يقبرها في مهدها، فقد جلب الامام الرضا عليهالسلام الي خراسان، و أرغمه علي قبول ولاية العهد، و أظهر للمجتمع الاسلامي أنه علوي الرأي، فقد رفق بالعلويين، و أوعز الي جميع أجهزة حكومته بانتقاص معاوية و الحط من شأنه، و تفضيل الامام أميرالمؤمنين علي جميع صحابة النبي صلي الله عليه و اله و سلم فاعتقد الجمهور أنه من الشيعة و استطاع بهذا الاسلوب الماكر أن يتغلب علي الأحداث و يخمد نار الثورة كما ألمحنا الي ذلك في بعض فصول هذا الكتاب. هذه بعض الثورات التي حدثت في عصر الامام محمد الجواد عليهالسلام و هي تحكي عن عدم استقرار الوضع السياسي في ذلك العصر.
و لم يشك أحد من المسلمين أن أهل البيت أولي بالخلافة و أحق بها من العباسيين، كما أن العباسيين كانوا لا يرون أنهم أهل للخلافة مع وجود العلويين و قد [ صفحه 200] بايعوا بالاجماع الزعيم العلوي الكبير محمد ذا النفس الزكية، فقد اجتمعوا بالأبواء مع العلويين، فانبري صالح بن علي فقال لهم: «انكم القوم الذين تمتد اليهم أعين الناس فقد جمعكم الله في هذا الموضع فاجتمعوا علي بيعة أحدكم، و تفرقوا في الآفاق، فادعوا الله لعله أن يفتح عليكم و ينصركم..». و بادر المنصور الدوانيقي فدعاهم الي بيعة محمد الذي تؤيده جميع القوي الاسلامية في ذلك العصر، فقال: «لأي شيء تخدعون أنفسكم، والله لقد علمتم ما الناس أصور - أي أميل - أعناقا، و لا أسرع اجابة منهم الي هذا الفتي - و أشار الي محمد بن عبدالله -..». و صدقوا جميعا مقالته قائلين بلسان واحد: «والله صدقت انا نعلم هذا..». و بادر العلويون و العباسيون الي بيعة محمد، و كان ممن بايعه السفاح و المنصور [444] و كان أشدهم اندفاعا في خدمته و التملق اليه المنصور الدوانيقي فكان يأخذ بركابه، و يسوي عليه ثيابه، و يقول: انه مهدينا أهل البيت [445] . و كانت بيعة المنصور لمحمد موضع وفاق، فقد جييء بعثمان بن محمد الزبيري أسيرا الي المنصور بعد فشل ثورة محمد، فصاح بن المنصور. «يا عثمان أنت الخارج علي مع محمد..». فأجابه عثمان بمنطق الأحرار، و هو ساخر من الحياة، و هازيء بالموت قائلا: «بايعته أنا و أنت بمكة فوفيت ببيعتي، و غدرت ببيعتك..». و كانت هذه الكلمات كالصاعقة علي رأس الطاغية فشتمه الا أن عثمان لم يعن [ صفحه 201] به و أجابه بالمثل، فأمر السفاك بقتله، فقتل [446] و يذكر أبوفراس الحمداني في شافيته نكث العباسيين لبيعتهم للعلويين بقوله: بئس الجزاء جزيتم في بني حسن أباهم العلم الهادي و امهم لابيعة ردعتكم عن دمائهم و لا يمين و لا قربي و لا ذمم لقد بايع العباسيون بالاجماع العلوي الثائر محمد ذا النفس الزكية الا أنهم نكثوا بيعتهم، و خاسوا بعدهم فقتلوه و قتلوا كل من كان متصلا به من العلويين و غيرهم.
و اختلس العباسيون السلطة من العلويين، فقد أوعزوا الي دعاتهم في بداية الثورة برفع شعار الدعوة الي الرضا من آل محمد صلي الله عليه و اله و سلم، و أن يموهوا بكل حذر علي الجماهير بأن الخلافة لأهل البيت عليهمالسلام، و لا نصيب فيها لغيرهم، و في سبيل هذه الدعوي الغالية ضحي المسلمون بأفلاذ أكبادهم، فقد أيقن المسلمون و آمنوا أن لا منقذ لهم، و لا محرر لهم من جور الامويين و ظلمهم سوي أهل البيت حماة العدل، و دعاة الحق في الاسلام، يقول السيد مير علي: «و كانت كلمة أهل البيت هي السحر الذي يؤلف بين قلوب مختلف طبقات الشعب، و يجمعهم حول الراية السوداء..» [447] . و تستر العباسيون تحت هذا الظلال الوارف الذي جمع ما بين العواطف و المشاعر و أخذوا يرددون الشعارات التي ترددها الجماهير و هي أن لا حاكم للمسلمين سوي الرضا من آل محمد صلي الله عليه و اله و سلم و انطلقت الامة في مسارها و هي تدك حصون الظالمين و تبيد دعاتهم و جيوشهم، و لما تم النصر و اذا بالعباسيين قد زحفوا الي دست الحكم و احتلوا منصب أهل البيت عليهمالسلام و سرقوا جهود الجماهير. [ صفحه 202]
و خابت آمال المسلمين حينما تسلم العباسيون قيادة الامة، فلم تتغير أية جهة من معالم السياسة الاموية، فقد عاد الجور، و انفتح باب الظلم علي مصراعيه يقول الدكتور أحمد محمود صبحي: «ولكن ذلك المثل الأعلي للعدالة و المساواة الذي انتظره الناس من العباسيين قد أصبح وهما من الأوهام، فشراسة المنصور و الرشيد و جشعهم، و جور أولاد علي بن عيسي و عبثهم بأموال المسلمين يذكرنا بالحجاج و هشام و يوسف بن عمر الثقفي، و عم الاستياء أفراد الشعب بعد أن استفتح عبدالله المعروف بالسفاح، و كذلك المنصور بالاسراف في سفك الدماء علي نحو لم يعرف من قبل» [448] و قد صور شعراء ذلك العصر مدي خيبة المسلمين و ضياع آمالهم في الحكم العباسي، يقول أبوعطاء السندي: يا ليت جور بني مروان عاد لنا يا ليت عدل بني العباس في النار و قال عطاء يذكر ارتفاع الأسعار: بنيهاشم عودوا الي نخلاتكم فقد قام سعر التمر صاعا بدرهم و قال أحمد بن أبينعيم: لا أحسب الجور ينقضي و علي الا مة و ال من آل عباس و قال أبودلامة في المنصور: و كنا نرجي من أمير زيادة فزاد لنا فيها بطول القلانس و قال سليم العدوي: حتي متي لا نري عدلا نسر به و لا نري لولاة الحق أعوانا مستمسكين بحق قائمين به اذا تلون أهل الجور ألوانا [ صفحه 203] يا للرجال لداء لا دواء له و قائد ذي عمي يقتاد عميانا و يقول دعبل الخزاعي: ألم تر للأيام ماجر جورها علي الناس من نقض و طول شتات و من دول المستهترين و من غدا بهم طالبا للنور من الظلمات و قال سديف: انا لنأمل أن ترتد الفتنا بعد التباعد و الشحناء و الاحن و تنقضي دولة أحكام قادتها فينا كأحكام قوم عابدي وثن و لما سمع الطاغية المنصور بهذين البيتين كتب الي عامله عبدالصمد أن يدفنه حيا ففعل [449] . لقد انهارت الأماني التي كانت تأمل بها الشعوب الاسلامية، و تبددت أحلامهم الي سراب، فقد كان الحكم العباسي قائما علي الجبروت و الطغيان، و متعطشا الي سفك الدماء، و ربما كانت معالم الحياة السياسية في العهد الاموي خيرا منها بكثير في العهد العباسي الأول فقد كانت لبني امية من الفواضل ما لم تكن للمنصور الدوانيقي السفاك علي حد تعبير الامام الصادق عليهالسلام.
و اضطهدت أكثر الحكومات العباسية رسميا العلويين، و قابلتهم بمنتهي القسوة و الشدة، و قد رؤوا من العذاب ما لم يروه في العهد الاموري و أول من فتح باب الشر و التنكيل بهم الطاغية فرعون هذه الامة المنصور الدوانيقي [450] و هو القائل: «قتلت من ذرية فاطمة ألفا أو يزيدون و تركت سيدهم و مولاهم جعفر بن محمد» [451] و هو [ صفحه 204] صاحب خزانة رؤوس العلويين التي تركها لابنه المهدي تثبيتا لملكه و سلطانه و قد ضمت تلك الخزانة رؤوس الأطفال و الشباب و الشيوخ من العلويين [452] و قد ادخرها الفاجر لآخرته ليقدمها هدية الي جدهم رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم فالويل له يوم حشره و نشره.. و قد قال أبوالقاسم الرسي العلوي حينما هرب من سجنه: لم يروه ما أراق البغي من دمنا في كل أرض فلمي قصر من الطلب و ليس يشفي غليلا في حشاه سوي أن لا يري فوقها ابنبنت نبي [453] . و هو الذي وضع أعلام العلويين في سجونه الرهيبة حتي قتلتهم الروائح الكريهة وردم علي بعضهم السجون حتي توفوا، لقد اقترف هذا الطاغية السفاك جميع ألوان التصفية الجسدية مع العلويين، و عانوا في ظلال حكمه من صنوف الارهاب و التنكيل ما لا يوصف لفضاعته و قسوته. أما موسي الهادي فقد زاد علي سلفه المنصور، و هو صاحب واقعة فخ التي لا تقل في مشاهدها الحزينة عن واقعة كربلاء، و قد ارتكب فيها هذا السفاك من الجرائم ما لم يشاهد مثله، فقد أوعز بقتل الأطفال و اعدام الأسري، و ظل يطارد العلويين، و يلح في طلبهم فمن ظفر به قتله، ولكن لم تطل أيام هذا الجلاد حتي قصم الله ظهره. أما هارون الرشيد فهو لم يقل عن سلفه في عدائه لأهل البيت عليهمالسلام و التنكيل بهم و هو القائل: «حتام اصبر علي آل بني أبيطالب، و الله لأقتلنهم و لأقتلن شيعتهم، و لأفعلن و أفعلن» [454] و هو الذي سجن الامام الأعظم موسي بن جعفر عليهالسلام حفنة من السنين، و دس اليه السم حتي توفي في سجونه، لقد جهد الرشيد في ظلم العلويين و ارهاقهم، فعانوا في عهده جوا من الارهاب لا يقل فضاعة عما عانوه في [ صفحه 205] أيام المنصور. و لما آلت الخلافة الي المأمون رفع عنهم المراقبة، و أجري لهم الأرزاق و شملهم برعايته و عنايته، ولكن لم يدم ذلك طويلا فانه بعد ما اغتال الامام الرضا عليهالسلام بالسم، أخذ في مطاردة العلويين و التنكيل بهم كما فعل معهم أسلافه. و علي أي حال فان من أعظم المشاكل السياسية التي امتحن بها المسلمون امتحانا عسيرا هي التنكيل بعترة النبي صلي الله عليه و اله و سلم و ذريته و تقطيع أوصالهم بيد الزمرة العباسية الخائنة التي لا تقل في قسوتها و شرورها عن بنيامية، فقد انتهي الأمر بأبناء النبي صلي الله عليه و اله و سلم أنهم كانوا يتضوعون جوعا حتي بلغ الحال بالقاسم بن ابراهيم أنه كان يطبخ الميتة و يأكلها لفقره و سوء حاله [455] الي غير ذلك من المآسي التي حلت بهم، و من الطبيعي أنها قد كوت قلب الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام، و أخلدت له الأسي و الحزن.
لعل من أعقد المشاكل السياسية التي ابتلي بها المسلمون في ذلك العصر هي محنة خلق القرآن فقد أشاعت الفتن و الخطوب في البلاد، فقد أظهر المأمون هذه المسألة في سنة) 212هـ ). و قد امتحن بها العلماء امتحانا شديدا، و ارهقوا الي حد بعيد فمن لا يقول بمقالة المأمون سجنه أو نفاه أو قتله [456] و قد حمل الناس علي ما يذهب اليه بالقوة و القهر. ان هذه المسألة تعتبر من أهم الأحداث الخطيرة التي حدثت في ذلك العصر، و قد تعرض الفلاسفة و المتكلمون الي بسطها و ايضاح غوامضها و لولا خوف الاطالة [ صفحه 206] و الخروج عن الموضوع لتحدثنا عنها بالتفصيل.. الي هنا ينتهي بنا الحديث عن الحياة السياسية في عصر الامام الجواد عليهالسلام.
و جهد الاسلام علي تطوير الحياة الاقتصادية و ازدهارها، و اعتبر الفقر كارثة مدمرة يجب القضاء عليه بكافة الطرق و الوسائل، و ألزم ولاة الامور و المسؤولين أن يعملوا جاهدين علي تنمية الاقتصاد العام، و زيادة دخل الفرد،و بسط الرخاء و الرفاهية بين الناس ليسلم المسلمون من الشذوذ و الانحراف الذي هو - علي الأكثر - وليد الفقر و الحرمان، و كان من بين ما عني به أنه حرم علي ولاة الامور انفاق أموال الدولة في غير صالح المسلمين، و منعهم أن يصطفوا منها لأنفسهم و أقربائهم، و من يمت اليهم، ولكن ملوك بنيالعباس قد جافوا ما أمر به الاسلام في هذا المجال فاتخذوا مال الله دولا و عباد الله خولا، و أنفقوا أموال المسلمين علي شهواتهم و ملاذهم من دون أن يتحرجوا في ذلك، و قد أدت هذه السياسية الملتوية الي أزمات حادة في الاقتصاد العام، فقد انقسم المجتمع الي طبقتين: الاولي الطبقة الراقية في الثراء التي لا عمل لها الا التبطل و اللهو، و الاخري الطبقة الكادحة التي تزرع الأرض، و تعمل في الصناعة، و تشقي في سبيل اولئك السادة من أجل الحصول علي فتات موائدهم، و ترتب علي فقدان التوازن في الحياة الاقتصادية انعدام الاستقرار في الحياة السياسية و الاجتماعية علي السواء [457] و نحدث - بايجاز - عن شؤون الحياة الاقتصادية في ذلك العصر:
أما واردات الدولة الاسلامية في العصر العباسي الذي عاش فيه الامام أبوجعفر [ صفحه 207] الجواد عليهالسلام فقد كانت ضخمة للغاية، فقد أحصي ابنخلدون الخراج في عهد المأمون فكان مجموعه ما يزيد علي 400 مليون درهم [458] ، و قد بلغ من سعة المال و وفرته أنه كان لا يعد، و انما كان يوزن، فكانوا يقولون: انه بلغ ستة أو سبعة آلاف قنطار من الذهب [459] ، و قد حسب عامل المعتصم علي الروم خراجها فكان أقل من ثلاثة آلاف ألف، فكتب اليه المعتصم يعاتبه، و مما جاء في عتابه: «ان أخس ناحية عليها أخس عبيدي خراجها أكثر من خراج أرضك» [460] و من المؤسف أن هذه الأموال الوفيرة لم تنفق علي تقديم المسلمين و تطوير حياتهم، و انما كان الكثير منها يصرف علي الشهوات و الملذات، و قد عكست تلك الأموال الهائلة ترف بغداد في ذلك العصر ذلك الترف الذي تحكيه قصص (ألف ليلة و ليلة) التي مثلت حياة اللهو في ذلك العصر.
و تهالك الناس في ذلك العصر علي جمع المال بكل وسيلة سواء أكانت مشروعة أم غير مشروعة، فقد أصبح المال هو المقياس في قيم الرجال، و أخذ يتردد في الأمثلة الجارية في بغداد «المال مال، و ما سواه محال» و توسل الناس الي جمعه بكل طريق لا يعفون عن محرم، و لا يتورعون عن خبيث، و أصبح الخداع و الغش هو الوسيلة في جمعه [461] .
و تضخمت الثروات الهائلة عند بعض الناس خصوصا في بغداد التي هي [ صفحه 208] عاصمة العالم الاسلامي، فقد وجدت فيها طبقة رأسمالية كانت تملك الملايين، و كذلك البصرة فقد ضمت طبقة كبيرة من أهل الثراء العريض فقد كانت البصرة ثغر العراق و المركز التجاري الخطير الذي يصل بين الشرق و الغرب، و تستقبل متاجر الهند، و جزر البحار الشرقية، و من أجل ذلك سميت البصرة أرض الهند و ام العراق. [462] .
و كان من ألوان ذلك الاسراف و البذخ في أموال المسلمين هو ما أنفقه المأمون من الأموال الطائفة المذهلة في زواجه بالسيدة بوران فقد أمهرها ألف ألف دينار، و شرط عليه أبوها الحسن بن سهل أن يبني بها في قريته الواقعة (بفم الصلح) فأجابه الي ذلك، و لما أراد الزواج سافر الي (فم الصلح) و نثر علي العسكر الذي كان معه بألف ألف دينار و كان معه في سفره ثلاثثون ألفا من الغلمان الصغار و الخدم الصغار و الكبار و سبعة آلاف جارية.. و عرض العسكر الذي كان معه فكان أربع مائة ألف فارس، و ثلثمائة ألف راجل.. و كان الحسن بن سهل يذبح لضيوفه ثلاثين ألف رأس من الغنم، و مثليها من الدجاج، و أربع مائة بقرة، و أربعمائة جمل و سمي الناس هذه الدعوة «دعوة الاسلام» ولكن هذا ليس من الاسلام في شيء، فان الاسلام قد احتاط كأشد ما يكون الاحتياط في بيت مال المسلمين فحرم انفاق أي شيء في غير صالحهم. و حينما بني المأمون ببوران نثروا من سطح دار الحسن بن سهل بنادق عنبر فاستخف بها الناس، و زهدوا فيها، و نادي شخص من السطح قالا: كل من وقعت بيده بندقة فليكسرها فانه يجد فيها رقعة، و ما فيها له و كسر الناس البنادق فوجدوا فيها رقاعا في بعضها تحويل بألف دينار و في اخري خمسمائة دينار الي أن تصل الي [ صفحه 209] المائة دينار، و في بعضها فرس و في بعضها عشرة أثواب من الديباج، و في بعضها خمسة أثواب، و في بعضها غلام، و في بعضها جارية، و حمل كل من وقعت بيده رقعة الي الديوان و استلم ما فيها [463] كما أنفق علي قادة الجيش فقط خمسين ألف ألف درهم [464] و يقول الباهلي مهنئا للحسن و ابنته و للمأمون: بارك الله للحسن و لبوران في الختن يابن هارون قد ظفرت ولكن بنت من [465] . و لما كانت ساعة الزفاف اجلست بوران علي حصير منسوج من الذهب و دخل عليها المأمون و معه عماته و جمهرة من العباسيات فنثر الحسن بن سهل علي المأمون و زوجته ثلثمائة لؤلؤة وزن كل واحد مثقال، و ما مد أحد يده لالتقاطها، و أمر المأمون عماته بالتقاطها، و مد يده فأخذ واحدة منها «فالتقطتها العباسيات» و قال المأمون: قاتل الله أبانواس كأنه حضر مجلسنا هذا حيث قال في وصف الخمرة: كان صغري و كبري من فواقعها حصباء در علي أرض من الذهب [466] . لقد أنفق الحسن و المأمون هذه الأموال الطائلة علي زواجه، وهي من بيت مال المسلمين، و قد أمر الله بانفاقه علي مكافحة الفقر و مطاردة البؤس و الحرمان. و من الجدير بالذكر أن هارون الرشيد لما تزوج بالسيدة زبيدة صنع وليمة لم يسبق مثلها في الاسلام، فقد جعل الهبات غير محصورة، فكانت أواني الذهب مملوءة بالفضة، و أواني الفضة مملوءة بالذهب و نوافج المسك و قطع العنبر [467] و كان [ صفحه 210] هذا هو الاسراف و التبذير الذي حرمه الاسلام حفظا علي الاقتصاد العام في البلاد.
و وهب ملوك بنيالعباس أموال المسلمين بسخاء الي المغنين و المغنيات و الخدم و العملاء، فقد غني ابراهيم بن المهدي العباسي محمد الأمين صوتا فأعطاه ثلاثمائة ألف ألف درهم فاستكثرها ابراهيم، و قال له: يا سيدي لو قد أمرت لي بعشرين ألف ألف درهم فقال له الخليفة: هل هي الا خراج بعض الكور [468] ، و غني ابنمحرز عند الرشيد بأبيات مطلعها «و اذكر أيام الحمي ثم انثن» فاستخف به الطرب فأمر له بمائة ألف درهم، و أعطي مثل ذلك للمغني دحمان الأشقر [469] و لما تقلد المهدي العباسي الخلافة وزع محتويات احدي خزانات بيت المال بين مواليه و خدمه [470] الي غير ذلك من الهبات و الهدايا التي كانت من الخزينة المركزية التي ألزم الاسلام بانفاقها علي المشاريع الحيوية التي تزدهر بها البلاد.
و بدل أن يتجه ملوك بني العباس الي الصلاح البلاد و تنميتها الاقتصادية فقد اتجهوا بنهم و جشع الي اقتناء الجواري، و المغالاة في شرائها، فقد جلبت الي بغداد الجواري الملاح من جميع أطراف الدنيا، فكان فيهن الحبشيات، و الروميات، و الجرجيات، و الشركسيات، و العربيات من مولدات المدينة و الطائف و اليمامة و مصر ذوات الألسنة العذبة، و الجواب الحاضر، و كان بينهن الغانيات اللاتي يعزفن بما عليهن من اللباس الفاخر و ما يتخذن من العصائب التي ينظمنها بالدر و الجواهر، [ صفحه 211] و يكتبن عليهن بصفائح الذهب [471] و قد كان عند الرشيد زهاء ألفي جارية، و عند المتوكل أربعة آلاف جارية [472] و قد زار الرشيد في يوم فراغه البرامكة فلما أراد الانصراف خرجت جواريهم فاصطففن مثل العساكر صفين صفين، و غنين و ضربن بالعود و نقرن علي الدفوف الي أن طلع مقاصير القصر [473] و كان عند والدة جعفر البرمكي مائة وصيفة لباس كل واحدة منهن و حليها غير لبوس الاخري و حليها [474] لقد كان اقتناء الجواري بهذه الكثرة من نتائج وفرة المال و كثرته عند هذه الطبقة الرأسمالية التي حارت في كيفية صرف ما عندها من الأموال.
و تفنن ملوك بنيالعباس في بناء قصورهم، فأشادوا أضخم القصور التي لم يشيد مثلها في البلاد و قد بنوا في بغداد قصر الخلد تشبيها له بجنة الخلد التي وعد الله فيها المتقين، و كان من أعظم الأبينة الأيوان الذي بناه الأمين، و قد وصفه المؤرخون بأنه جعله كالبيضة بياضا ثم ذهب بالابريز المخالف بينه باللازورد، و كان ذا أبواب عظام و مصاريع غلاظ تتلألأ فيه مسامير الذهب التي قمعت رؤوسها بالجوهر النفيس و قد فرش بفرش كأنه صبغ بالدم و قد نقش بتصاوير من الذهب، و تماثيل العقيان، و نضد فيه العنبر الأشهب و الكافور المصعد [475] و قد أنفق جعفر البرمكي علي بناء داره نحوا من عشرين مليون درهم [476] ، و قد تفنن الناس في بناء القصور و قد وصفها [ صفحه 212] ابنالجهم بقوله: صحون تسافر فيها العيون و تحسر عن بعد أقطارها و قبة ملك كأن النجوم تصغي اليها بأسرارها فوارة ثأرها في السماء فليست تقصر عن ثأرها اذا أوقدت نارها بالعراق أضاء الحجاز سنا نارها ترد علي المزن ما أنزلت علي الأرض من صوب أقطارها لها شرفات كأن الربيع كساها الرياض بأنوارها [477] . و بلغ البذخ و الترف في ذلك العصر أن كثيرا من أبواب الدور في بغداد كانت من الذهب في حين أن الأكثرية الساحقة كانت تشكو الجوع و الحرمان.
و حفلت قصور العباسيين بأنواع الأثاث و أفخرها في العالم، و يقول المؤرخون: ان السيدة زبيدة قد اصطفت بساطا من الديباج جمع صورة كل حيوان من جميع الأجناس، و صورة كل طائر من الذهب، و أعينها اليواقيت و الجواهر يقال انها أنفقت علي صنعه مليون دينار [478] ، كما اتخذت الآلة من الذهب المرصع بالجوهر، و الابنوس، و الصندل عليها الكلاليب من الذهب الملبس بالوشي و الديباج، و السمور، و أنواع الحرير، كمثل اتخاذها شمع العنبر، و اصطناعتها الخف مرصعا بالجوهر و اتخاذها الشاكرية [479] . أما مجالس البرامكة فكانت مذهلة، فكان الرشيد اذا حضر مجالس البرامكة [ صفحه 213] و هو بين الآنية المرصعة و الخزائن المجزعة، و المطارح من الوشي و الديباج و الجواري يرفلن في الحرير و الجوهر، و يستقبلنه بالروائح التي لا يدري لطيبها ما هي، خيل اليه أنه في الجنة بين الجمال و الجوهر و الطيب [480] .
و كان من نتائج بذخ العباسيين و ترفهم ما ذكره ابنخلدون أنه كانت دور في قصورهم لنسج الثياب تسمي دور الطراز، و كان القائم عليها ينظر في امور الصناع و تسهيل آلاتهم و اجراء أرزاقهم [481] .
و تعددت ألوان الطعام بسبب تقدم الحضارة فقد روي طيفور عن جعفر بن محمد الأنماطي أنه تغذي عنه المأمون فوضع علي المائدة ثلاث مائة لون من الطعام [482] و نظرا لتعدد ألوان الطعام فقد فسدت أسنانهم مما اضطرهم الي شدها بالذهب للعلاج [483] .
و خلف ملوك بنيالعباس و وزرائهم من الأموال ما لا يحصي، و فيما يلي بعض ما تركوه:
و ترك الطاغية البخيل المنصور الدوانيقي من الأموال التي سرقها من المسلمين [ صفحه 214] ما يقرب من (600 ستمائة مليون درهم) و (14 أربعة عشر مليون دينار) [484] و قد كدس هذه الأموال الهائلة في خزائنه و ترك الفقر و البؤس يهيمنان علي جميع أنحاء البلاد الاسلامية.
من المال ما يقدر بنحو (900 تسعمائة مليون درهم) [485] .
و توفيت الخيزران ام الرشيد: فكانت غلتها ألف ألف و ستين ألف درهم [486] .
و ترك عمرو بن سعدة أحد وزراء المأمون ما يقرب من ثمانية ملايين دينار فأخبروا المأمون بذلك في رقعة فكتب عليها «هذا قليل لمن اتصل بنا، و طالت خدمته لنا فبارك الله لولده فيه» [487] . و معظم هذه الأموال قد اختلست من المسلمين، و نهبت من الخزينة المركزية. و قد خالفوا بذلك ما أمر به الاسلام من الاحتياط الشديد في أموال المسلمين و عدم صرفها و انفاقها الا في صالحهم.. و بهذا ينتهي بنا الحديث عن الحياة الاقتصادية في عصر الامام عليهالسلام.
و عاش أكثر خلفاء بنيالعباس عيشة لهو و طرب و مجون، ليس فيها ذكر لله و لا لليوم الآخر، لقد قضوا أيامهم في هذه الحياة التافهة التي تمثل السقوط و الانحطاط، يقول الشاعر في بعض خلفائهم: [ صفحه 215] خليفة في قفص بين وصيف و بغا يقول ما قالا له كما تقول الببغا و قد روي أحمد بن صدقة قال: دخلت علي المأمون في يوم السعانين [488] و بين يديه عشرون وصيفة جلبا روميات مزنرات قد تزين بالديباج الرومي و علقن في أعناقهن صلبان الذهب، و في أيديهن الخوص و الزيتون، فقال المأمون: ويلك يا أحمد قد قلت في هؤلاء أبياتا فغني فيها ثم أنشده: ظباء كالدنانير ملاح في المقاصير جلاهن السعانين علينا في الزنانير و قد رزقن أصداغا كأذناب الزرازير و أقبلن بأوساط كأوساط الزنابير فغناه بها فلم يزل يشرب، و ترقص الوصائف بين يديه أنواع الرقص [489] و قد حفلت كتب التأريخ و الأدب بالشيء الكثير من مجونهم و طربهم و انشغالهم عن النظر في امور المسلمين بالدعارة و الفجور. و كان من مظاهر الحياة اللاهية لعبهم بالنرد و الشطرنج، و العناية بتربية الحمام و المغالاة في أثمانه [490] كما تهارشوا بالديوك و الكلاب [491] و لعبوا بالميسر و قد انتشر ذلك حتي في حانات الفقراء [492] . [ صفحه 216] و من المؤسف أن الطرب و المجون قد سري الي بعض المحدثين الذين يجب أن يتصفوا بالايمان و الاستقامة فقد ذكر الخطيب البغدادي عن المحدث محمد بن الضوء انه ليس بمحل لأن يؤخذ عنه العلم؛ لأنه من المتهتكين بشرب الخمر و المجاهرة بالفجور، و كان أبونواس يزوره في الكوفة في بيت خمار يقال له جابر [493] .
و بجانب حياة اللهو و الطرب التي عاشها الناس في عصر الامام أبيجعفر عليهالسلام فقد كانت هناك طائفة من الناس قد اتجهت الي الزهد و التقشف و نظرت الي مباهج الحياة نظرة زهد و احتقار، فكان من بينهم ابراهيم بن الأدهم و هو ممن ترك الحياة الناعمة و أقبل علي طاعة الله و كان يردد هذا البيت: اتخذ الله صاحبا ودع الناس جانبا و كان يلبس في الشتاء فروا ليس تحته قميص [494] مبالغة منه في الزهد و كان ممن عرف بالتقشف معروف الكرخي فكان يبكي و ينشد في السحر: أي شيء تريد مني الذنوب شغفت بي فليس عني تغيب ما يضر الذنوب لو اعتقتني رحمة بي فقد علاني المشيب [495] . و كان من زهاد ذلك العصر بشر بن الحارث و هو القائل: قطع الليالي مع الأيام في خلق و القوم تحت رواق الهم و القلق أحري و أعذر لي من أن يقال غدا اني التمست الغني من كف مختلق قالوا: قنعت بذا؟ قلت: القنوع غني ليس الغني كثرة الأموال و الورق [ صفحه 217] رضيت بالله في عسري و في يسري فلست أسلك الا أوضح الطرق [496] . و من الطبيعي أن هذه الدعوة الي الزهد انما جاءت من افراط ملوك العباسيين و الطبقة الرأسمالية في الدعارة و المجون و عدم عفافهم عما حرمه الله من الملاهي. و بهذا ينتهي بنا الحديث عن عصر الامام الجواد عليهالسلام. [ صفحه 221]
عاش الامام أبوجعفر محمد الجواد عليهالسلام معظم حياته في عهد المأمون، و لم يلبث بعده الا قليلا حتي وافاه الأجل المحتوم.. و يري بعض المؤرخين أن المأمون كان يكن له أعظم الود و خالص الحب، فزوجه من ابنته امالفضل، و وفر له العطاء الجزيل، و كان يحوطه، و يحميه و يخشي عليه عوادي الدهر، و يضن به علي المكروه، و كان يصرح أنه يبغي بذلك الأجر من الله، و صلة الرحمة التي قطعها آباؤه، و فيما أحسب أن ذلك التكريم لم يكن عن ايمان بالامام أو اخلاص له، و انما كان لدوافع سياسية، نعرض لها في البحوث الآتية. و علي أي حال فلابد لنا من وقفة قصيرة لدراسة حياة المأمون، و الوقوف علي اتجاهاته الفكرية و العقائدية، و النظر فيما صدر منه من تكريم للامام عليهالسلام فان ذلك مما يرتبط ارتباطا موضوعيا في البحث عن حياة الامام أبيجعفر عليهالسلام، و فيما يلي ذلك:
من أبرز نزعات المأمون و صفاته ما يلي:
و لم تعرف الدبلوماسية الاسلامية في العصر العباسي من هو أذكي من المأمون، و لا من هو أدري منه في الشؤون السياسية العامة فقد كان سياسيا من الطراز الأول، فقد استطاع بحدة ذكائه، و قدراته السياسية أن يتغلب علي كثير من الأحداث [ صفحه 222] الرهيبة التي ألمت به، و كادت تطوي حياته، و تقضي علي سلطانه، فقد استطاع أن يقضي علي أخيه الأمين الذي كان يتمتع بتأييد مكثف من قبل الاسرة العباسية، و السلطات العسكرية، كما استطاع أن يقضي علي أعظم حركة عسكرية مضادة له، تلك ثورة أبيالسرايا التي اتسع نطاقها فشملت الأقاليم الاسلامية حتي سقط بعضها بأيدي الثوار، و كان شعار تلك الثورة الدعوة «الي الرضا من آل محمد صلي الله عليه و اله و سلم» فحمل الامام الرضا عليهالسلام الي خراسان، و كان عليهالسلام زعيم الاسرة العلوية و عميدها، فأرغمه علي قبول ولاية العهد، و عهد الي جميع أجهزة حكومته باذاعة فضائله و مآثره، كما ضرب السكة باسمه، فأوهم علي الثوار و القوي الشعبية المؤيدة لهم أنه جاد فيما فعله، حتي أيقنوا أنه لا حاجة الي الثورة و اراقة الدماء بعد أن حصل الامام عليهالسلام علي ولاية العهد، و قضي بذلك علي الثورة، و طوي معالمها، و هذا التخطيط من أروع المخططات السياسية التي عرفها العالم في جميع مراحل التاريخ.
وصفة اخري من صفات المأمون البارزة، هي القسوة، و انعدام الرحمة و الرأفة من آفاق نفسه، أما ما يدعم ذلك فهو قتله لأخيه حينما استولت عليه قواته العسكرية، و لو كان يملك شيئا من الرحمة لما قتل أخاه. كما أنه قابل العلويين بعد قتله للامام الرضا عليهالسلام بمنتهي الشدة و القسوة، فعهد الي جلاديه بقتلهم و التنكيل بهم أينما وجدوا.
و ظاهرة اخري من نزعات المأمون و صفاته و هي الغدر، فقد بايع للامام الرضا عليهالسلام بولاية العهد، و بعد ما انتهت مآربه السياسية دس اليه السم فقتله ليتخلص منه. [ صفحه 223]
أما الميل الي اللهو فقد كان عنصرا من عناصر حياته، فقد أقبل عليه بنهم و فيما يلي بعض ما أثر عنه:
و لم يكن شيء من الملاهي أحب الي المأمون من الشطرنج [497] فقد هام في هذه اللعبة و قد وصفها بهذه الأبيات: أرض مربعة حمراء من أدم ما بين الفين موصوفين بالكرم تذاكرا الحرب فاحتلا لها شبها من غير أن يسعيا فيها بسفك دم هذا يغير علي هذا و ذاك علي هذا يغير و عين الحرب لم تنم فانظر الي الخيل قد جاشت بمعركة في عسكرين بلاد طبل و لا علم [498] . و ألم هذا الشعر بوصف دقيق للشطرنج، و لعله أسبق من نظم فيه الشعر الذي أحاط بأوصافه، و كان أبوه الرشيد مولعا بالشطرنج، و قد أهدي الي ملك فرنسا أدواته، و توجد حاليا في بعض متاحف فرنسا.
و كان المأمون مولعا بالغناء و الموسيقي، و كان له هوي شديد في ذلك و كان معجبا كأشد ما يكون الاعجاب بأبي اسحاق الموصلي، الذي كان من أعظم العازفين و المغنيين في العالم العربي، و قد قال فيه: «كان لا يغني أبدا الا و تذهب عني وساوسي المتزايدة من الشيطان» [499] . [ صفحه 224] و كان يحيي لياليه بالغناء و الرقص، و العزف علي العود، و لم يمر اسم الله و لا ذكره في قصوره و لياليه. الي هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض نزعات المأمون وصفاته، و هي تكشف عما كان يتمتع به من القابليات الدبلوماسية، كما كشفت عن ميوله و رغباته الخاصة في اللهو و الدعارة و المجون.
و الشيء الذي يهمنا هو البحث عن تظاهر المأمون بالتشيع، حتي اعتقد الكثيرون من البحاث أنه من الشيعة؛ لأنه قام بما يلي:
و رد المأمون فدكا للعلويين بعد أن صادرتها الحكومات السابقة عليه و كان قصدها اشاعة الفقر بين العلويين، و فرض الحصار الاقتصادي عليهم حتي يشغلهم الفقر و البؤس عن مناهضة اولئك الحكام، و قد أنعش المأمون العلويين، و رفع عنهم تلك الضائقة الاقتصادية التي كانت آخذة بخناقهم، و يعتبر كثيرون من البحاث هذا الاجراء دليلا علي تشيعه، و لما سجل لهم فدكا قام دعبل فأنشد أبياتا أولها: أصبح وجه الزمان قد ضحكا برد مأمون هاشم فدكا
و قام المأمون باجراء خطير فقد أعلن رسميا فضل الامام أميرالمؤمنين رائد العدالة الاجتماعية في الأرض علي عموم الصحابة كما أعلن الحط من معاوية بن أبيسفيان الذئب الجاهلي. و كان هذا الاجراء من أهم المخططات التي تلفت النظر الي تشيعه، فقد جري [ صفحه 225] سلفه علي انتقاص الامام، و الحط من شأنه، و تقديم سائر الصحابة عليه.
وثمة أمر آخر استند اليه القائلون بتشيعه و هو عقده لولاية العهد الي الامام الرضا عليهالسلام و قد أخرج بذلك الخلافة من العباسيين الي العلويين. هذه أهم الامور التي استند اليها القائلون بتشيعه، و الذي نراه - بكثير من التأمل - أن الرجل لم يكن من الشيعة، و لم يكن يتعاطف معهم، و انما صنع الامور المتقدمة تدعيما لسياسته و أغراضه، و يدل علي ذلك ما يلي: أولا: انه كان مختلفا كأشد ما يكون الاختلاف مع الاسرة العباسية الذين كانت ميولهم مع أخيه الأمين لأن امه زبيدة كانت من أندي الناس كفا، و من صميم العباسيين، أما ام المأمون فهي مراجل، فكانت من اماء القصر العباسي، و كان العباسييون ينظرون اليه نظرة احتقار باعتبار امه، فأراد المأمون بما أظهره من التشيع ارغام اسرته الذين كانوا من ألد الأعداء الي آل رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم و شيعتهم. ثانيا: انه أراد كشف الشيعة، و معرفة السلطة بهم بعدما كانوا تحت الخفاء، و لم تستطع الحكومات العباسية معرفتهم و الوقوف علي أسمائهم و خلاياهم، فأراد المأمون بما صدر منه من احسان لهم أن يكشفهم، و قد دلت علي ذلك بعض الوثائق الرسمية التي صدرت منه. ثالثا: انه أراد القضاء علي الحركة الثورية التي فجرتها الشيعة بقيادة الزعيم الكبير أبيالسرايا، فرأي المأمون أن خير وسيلة للقضاء عليها و شل فعالياتها هو الاحسان الي الشيعة. هذه بعض الأسباب التي أدت الي تظاهر المأمون بالتشيع، و التزامه ببعض القضايا التي تذهب اليها الشيعة. [ صفحه 226]
و الذي يهم القراء - فيما اعتقد - هو البحث عن علاقة الامام أبيجعفر عليهالسلام بالمأمون و مدي ارتباطه به، و سائر شؤونه معه، و فيما يلي ذلك:
و جري أول التقاء بين الامام أبيجعفر عليهالسلام و المأمون في بغداد، حينما كان المأمون خارجا مع حاشيته في موكب الي الصيد فاجتاز في الطريق علي صبية فلما رؤوه انهزموا خوفا منه سوي الامام الجواد، فبصر به المأمون فوقف يسأله عن عدم فراره، فأجابه عليهالسلام بحكمة و تدبر: «ليس في الطريق ضيق حتي اوسعه لك، و ليس لي جرم فأخشاك منه، و الظن بك حسن انك لا تضر من لا ذنب له..». و بهر المأمون من هذا المنطق الفياض فراح يسأله: ما أسمك؟ محمد. ابن من؟ ابن علي الرضا. و لم يستكثر عليه المأمون هذا الذكاء المفرط، فهو من أهل بيت النبوة و معدن الرسالة و مركز الوعي، و الاحساس في الأرض، و ترحم المأمون علي الامام الرضا عليهالسلام و انطلق في مسيرته نحو البيداء للصيد، و لما انتهي الي موضع الصيد أرسل بازيا كان معه فغاب عنه، و بعد فترة عاد و في منقاره سمكة صغيرة فيها بقايا الحياة، فتعجب المأمون و قفل راجعا الي بلاطه، و التقي بالامام الجواد عليهالسلام، و بادره المأمون قائلا: [ صفحه 227] «يا محمد ما في يدي؟..». فأجابه الامام: «ان الله تعالي خلق في بحر قدرته سمكا صغيرا تصيده بازات الملوك و الخلفاء، كي يختبروا بها سلالة بني المصطفي..». و لم يملك المأمون اعجابه بالامام فراح يقول: «أنت ابنالرضا حقا!!». و أخذه معه، و أحسن اليه، و بالغ في اكرامه [500] و كان هذا الاجتماع أول التقاء بين الامام و المأمون.
و أجمع المؤرخون علي أن المأمون قد رغب في زواج الامام أبيجعفر عليهالسلام من ابنته ام الفضل، فهو الذي دعاه الي هذه المصاهرة، و من الجدير بالذكر أنها ثاني علاقة تكون بهذا المستوي بين الاسرتين العلوية و العباسية بعد ما انهارت جميع اسس العلائق و القرابة التي كانت بينهما، و لم يعد أي تقارب أو التقاء بين الاسرتين، و كان ذلك منذ عصر الطاغية اللئيم المنصور الدوانيقي، و جري أبناؤه علي ذلك فنكلوا بالعلويين كأفظع ما يكون التنكيل.
و ذكر الرواة و المؤرخون عدة أسباب لاقدام المأمون علي هذه المصاهرة و هذه بعضها: 1 - ما أدلي به نفس المأمون حينما عزم علي أن يزوج الامام من ابنته فقال: [ صفحه 228] «أحببت أن أكون جدا لمرء ولده رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم و علي بن أبيطالب عليهالسلام». و فيما اعتقد أن هذا ليس هو السبب الحقيقي في هذه المصاهرة، فان المأمون لم يؤمن بقرارة نفسه في هذه الجهة، و لو كان صادقا فيما يقول لما اغتال الامام الرضا عليهالسلام و ما أوعز الي جهاز حكومته بمطاردة العلويين و قتلهم. 2 - ان الذي دعا المأمون الي ذلك اعجابه بمواهب الامام الجواد عليهالسلام و عبقرياته التي أصبحت حديث الأندية و المجالس، و هذا الرأي لم يحظ بأي تأييد علمي. 3 - انه أراد التمويه علي الرأي العام باظهار براءته من اغتياله للامام الرضا عليهالسلام فانه لو كان قاتلا له لما زوج ابنه من ابنته. 4 - انه حاول الوقوف علي نشاط الامام الجواد عليهالسلام و الاحاطة باتجاهاته السياسية، و معرفة العناصر الموالية له، و القائلة بامامته، و ذلك من طريق ابنته التي ستكون زوجة له. 5 - لعل من أهم الأسباب، و أكثرها خطورة هو أن المأمون قد حاول من هذه المصاهرة جر الامام الي ميادين اللهو و اللعب ليهدم بذلك صرح الامامة الذي تدين به الشيعة، و الذي كان من أهم بنوده عصمة الامام و امتناعه من اقتراف أي ذنب عمدا كان أو سهوا، و كان من الطبيعي أن يفشل في ذلك فان الامام عليهالسلام لم يتجاوب معه بأي شكل من الأشكال، و لو كان في ذلك ازهاق نفسه، أما ما يدل علي ذلك كله فهو ما رواه ثقة الاسلام الكليني قال ما نصه: «احتال المأمون علي أبيجعفر عليهالسلام بكل حيلة [501] فلم يمكنه فيه شيء، فلما اعتل و أراد أن يبني عليه ابنته [502] دفع الي مائتي وصيفة من أجمل ما يكون الي كل واحدة منهن جاما فيه جوهر [ صفحه 229] يستقبلن أباجعفر اذا قعد في موضع الأخيار، فلم يلتفت اليهن، و كان هناك رجل يقال له مخارق، صاحب صوت و عود، و ضرب، طويل اللحية فدعاه المأمون، فقال: يا أميرالمؤمنين ان كان شيء من أمر الدنيا فأنا أكفيك أمره، فقعد بين يدي أبيجعفر عليهالسلام فشهق مخارق شهقة اجتمع عليه أهل الدار، و جعل يضرب بعوده، و يغني، فلما فعل ساعة و اذا أبوجعفر لا يلتفت اليه يمينا و لا شمالا، ثم رفع اليه رأسه، و قال: اتق الله ياذا العثنون [503] قال: فسقط المضراب من يده و العود، فلم ينتفع بيديه الي أن مات، فسأله المأمون عن حاله قال: لما صاح بي أبوجعفر فزعت فزعة لا افيق منها أبدا [504] . و كشفت هذه الرواية عن محاولات المأمون لجر الامام عليهالسلام الي ميادين اللهو، فقد عرض له جميع ألوان المغريات، و كان الامام آنذاك في ريعان الشباب، فاعتصم عليهالسلام بطاقاته الروحية الهائلة، و امتنع عما حرمه الله عليه، و قد أفسد عليهالسلام بذلك مخططات المأمون الرامية الي ابطال ما تذهب اليه الشيعة من عصمة ائمتهم، و كان هذه الجهة - فيما نحسب - هي السبب في اضفاء لقب التقي عليه لأنه اتقي الله في أشد الأدوار، و أكثرها صعوبة، فوقاه الله شر المأمون [505] .
و فزع العباسيون كأشد ما يكون الفزع حينما علموا أن المأمون قد عزم علي مصاهرة الامام الجواد عليهالسلام فعقدوا اجتماعا حضره كبارهم و ذوو الرأي و المسهورة منهم، و عرضوا فيما بينهم خطورة الأمر، و ما قد ينتهي اليه من نقل الخلافة و الملك [ صفحه 230] من العباسيين الي العلويين، و بعد مداولة الحديث، و مناقشة الأمر من جميع جهاته، أجمع رأيهم علي الاجتماع بالمأمون، و ابداء المعارضة التامة لما أقدم عليه.
و هرع الي البلاط العباسي الأدنون من المأمون من العباسيين، و قد نخر الحزن قلوبهم و ساد فيهم صمت رهيب، و انبروا الي المأمون فقالوا له: «ننشدك الله يا أميرالمؤمنين أن تقيم علي هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابنالرضا، فانا نخاف أن تخرج عنا أمرا قد ملكناه الله، و تنزع منا عزا ألبسناه، فقد عرفت ما بيننا و بين هؤلاء القوم قديما و حديثا، و ما كان عليه الخلفاء الراشدون من تبعيدهم، و التصغير بهم، و قد كنا في وهلة من عملك مع الرضا ما علمت، حتي كفانا الله المهم من ذلك، فالله الله، أن تردنا الي غم قد انحسر عنا، و اصرف رأيك عن ابنالرضا، و اعدل الي ما تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره..». و وضع العباسيون أمام المأمون النقاط الحساسة المثيرة للعواطف، فقد نبهوه بأحقاد آبائه وعدائهم للعلويين، و ما صنعه بهم الخلفاء السابقون من تبعيدهم عن مراكز الحكم، و ما صبوه عليهم من صنوف التنكيل و التعذيب و ليس له أن يشذ عن سنة آبائه و سيرتهم فانه يشكل بذلك خطرا علي اسرته، و لم يعن المأمون بذلك و راح يفند ما قالوه، قائلا: «أما ما بينكم و بين آل أبيطالب فأنتم السبب فيه، و لم أنصفتم القوم لكانوا أولي بكم، و أما ما كان يفعله من قبلي بهم، فقد كان به قاطعا للرحم، و أعوذ بالله من ذلك، و الله ما ندمت علي ما كان مني من استخلاف الرضا، و لقد سألته أن يقوم بالأمر، و أنزعه عن نفسي فأبي، و كان أمر الله قدرا مقدورا، و أما أبوجعفر محمد بن [ صفحه 231] علي قد اخترته لتبريزه علي كافة أهل الفضل في العلم و الفضل مع صغر سنه، و الاعجوبة فيه بذلك، و أنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه، فيعلموا أن الرأي ما رأيت فيه..». و ندد المأمون بالعباسيين فهم الذين قطعوا أواصر الرحم و القربي بينهم و بين العلويين، و لو أنصفوا نفوسهم، و رجعوا الي حوازب أفكارهم لرؤوا أن العلويين أولي بمقام النبي صلي الله عليه و اله و سلم و مركزه منهم لأنهم ذريته و أبناؤه، و لأن هذا الدين قد بني بتضحياتهم و جهادهم، و أما العباسيون قديما و حديثا فليست لهم أية خدمة للاسلام و لا للمسلمين، و أنما صنعوا ما أضر بالاسلام و المسلمين. و عرض المأمون في حديثه الي الامام أبيجعفر عليهالسلام فأبدي اعجابه البالغ به فهو الاعجوبة الكبري الذي بز جميع أهل العلم و الفضل، و تفوق عليهم مع صغر سنه. و انبري العباسيون فطلبوا منه أو يؤجل زواج الامام حتي يكبر و يتفقه في الدين قائلين: «ان هذا الفتي و ان راقك من هديه فانهي صبي لا معرفة له، و لا فقه، فامهله ليتأدب، و يتفقه في الدين، ثم اصنع ما تراه بعد ذلك..». و رد عليهم المأمون بما عرفه من واقع أهل البيت عليهمالسلام قائلا: «ويحكم اني أعرف بهذا الفتي منكم، و ان هذا من أهل بيت علمهم من الله، و مواده و الهامه، لم يزل آباؤه أغنياءا في علم الدين و الأدب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فان شئتم فامتحنوا أباجعفر بما يتبين لكم ما وصفت من حاله..». ان المأمون لعلي بينة بأئمة أهل البيت عليهمالسلام الذين آتاهم الله من العلم و الحكمة ما لم يؤت أحدا من العالمين. و اتفق المأمون مع العباسيين علي امتحان الامام الجواد عليهالسلام لعله يعجز عن [ صفحه 232] الجواب فيفسد بذلك مصاهرته للمأمون بالاضافة الي أنهم سيتخذون من ذلك وسيلة لبطلان ما تذهب اليه الشيعة من أن الامام أعلم أهل عصره و أفضلهم و انبري العباسيون قائلين: «قد رضينا لك يا أميرالمؤمنين و لأنفسنا بامتحانه، فخل بيننا و بينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة فان أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، و ظهر للخاصة و العامة سداد رأي أميرالمؤمنين، و ان عجز عن ذلك، فقد كفينا الخطب في معناه..» [506] . و انصرف العباسيون، و هم يفتشون عن شخصية علمية تتمكن من امتحان الامام و تعجيزه.
و أجمع رأي العباسيين علي اختيار يحيي بن أكثم قاضي قضاة بغداد، و أحد أعلام الفقه في ذلك العصر، لامتحان الامام أبيجعفر عليهالسلام، و عرضوا عليه الأمر، و منوه بالأموال الطائلة ان امتحن الامام و عجز عن جوابه، فان يحقق لهم أعظم الانتصارات، و أجابهم يحيي الي ذلك، و انصرف الي منزله، وراح يفتش في كتب الفقه و الحديث عن أعقد المسائل و أهمها ليمتحن بها الامام عليهالسلام و انطلق العباسيون الي المأمون فعرفوه باستجابة يحيي لهم، و طلبوا منه تعيين يوم لامتحان الامام، فعين لهم يوما خاصا.
و لما حضر اليوم المقرر لامتحان الامام عليهالسلام هرع العباسيون الي بلاط المأمون [ صفحه 233] و حضر الاجتماع أهل الفضل و أعلام الفكر و سائر طبقات الناس و كان يوما مشهودا، و قد غصت قاعة الاجتماع علي سعتها بالناس، و أمر المأمون أن يفرش للامام أبيجعفر عليهالسلام دست، و يجعل له فيه مسورتان فصنع له ذلك، و جلس فيه الامام عليهالسلام و كان له من العمر تسع سنين و أشهر، و جلس يحيي بن أكثم بين يديه، و جلس المأمون في دست متصل بدست الامام عليهالسلام. و استحال الجمع الي آذان صاغية، و انبري يحيي الي المأمون فطلب منه أن يأذن له في امتحان الامام فأذن له في ذلك، و اتجه يحيي صوب الامام و قال له: «أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟..». و قابله الامام ببسمات فياضة بالبشر قائلا: «سل ان شئت..». و وجه يحيي مسألته الي الامام قائلا: «ما تقول جعلني الله فداك في محرم قتل صيدا؟..». و حلل الامام عليهالسلام هذه المسألة الي عدة مسائل، و شققها الي مجموعة من الفروع و سأل يحيي أي فرع منها أراد قائلا: «قتله في حل أو حرم، عالما كان المحرم أم جاهلا، قتله عمدا أو خطأ، حرا كان المحرم أم عبدا، صغيرا كان أم كبيرا، مبتدءا بالقتل أم معيدا، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيره، من صغار الصيد أم من كبارها، مصرا كان أو نادما، في الليل كان قتله للصيد أم نهارا، محرما كان بالعمرة اذ قتله أو بالحج كان محرما..». و ذهل يحيي، و تحير، و بان عليه العجز اذ لم يتصور هذه الفروع المترتبة علي مسألته، و علت في القاعة أصوات التكبير و التهليل، فقد استبان للجميع أن أئمة أهل البيت عليهمالسلام هم معدن العلم و الحكمة و ان الله منح كبارهم و صغارهم بما منح به أنبياءه [ صفحه 234] من الكمال و العلم. لقد شقق الامام عليهالسلام هذه المسألة الي هذه الفروع و ان كان بعضها لا يختلف فيه الحكم كما اذا كان القتل للصيد في الليل أم في النهار فان الحكم فيهما واحد، و انما ذكر الامام عليهالسلام ذلك لتبكيت الخصم الذي سأل الامام للامتحان لا للفهم. و علي أي حال فان المأمون لما رأي العجز قد استبان علي يحيي فلم يطق جوابا أقبل علي بنيالعباس فقال لهم: «الحمدلله علي هذه النعمة، و التوفيق لي في الرأي.. أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه..» [507] . و استبان لبني العباس فضل الامام، و انه من عمالقة الفكر و العلم في الاسلام. كما ظهر لهم صحة ما قاله المأمون: انهم لا يعرفون أهل البيت عليهمالسلام.
و أنكر ابنتيمية هذه الرواية، و اعتبرها من الموضوعات - بغير أدب في التعبير - فقد علق عليها بما نصه: «ان هذه الحكاية التي حكاها عن يحيي بن أكثم من الأكاذيب التي لا يفرح بها الا الجاهل، و يحيي بن أكثم أفقه و أعلم و أفضل من أن يطلب تعجيز شخص بأن يسأله عن محرم قتل صيدا، فان صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة، فليست من دقائق العلم و غرائبه، و لا ما يختص به المبرزون في العلم، ثم مجرد ما ذكره ليس فيه الا تقسيم أحوال القاتل ليس فيه بيان حكم هذه الأقسام، و مجرد التقسيم لا يقتضي العلم بأحكام الأقسام، و انما يدل ان دل علي حسن السؤال، و ليس كل من [ صفحه 235] سئل أحسن أن يجيب. ثم ان كان ذكر الأقسام الممكنة واجبا فلم يستوف الأقسام، و ان لم يكن واجبا فلا حاجة الي ذكر بعضها، فان من جملة الأقسام أن يقال: متعمدا كان أو مخطئا، و هذا التقسيم أحق بالذكر من قوله: عالما كان أو جاهلا، فان الفرق بين المتعمد و المخطيء ثابت بالاثم باتفاق الناس، و في لزوم الجزاء في الخطأ نزاع مشهور، فقد ذهب طائفة من السلف و الخلف الي أن المخطيء لا جزاء عليه، و هو أحد الروايتين عن أحمد، قالوا: ان الله قال: «و من قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم» فخص المتعمد بوجوب الجزاء، و هذا يقتضي أن المخطيء لا جزاء عليه، لأن الأصل براءة ذمته، و النص انما وجب علي المتعمد، فبقي المخطيء علي الأصل، و لأن تخصيص الحكم بالمتعمد يقتضي انتفاءه عن المخطيء فان هذا مفهوم صفة في سياق الشرط، و قد ذكر الخاص بعد العام، فانه اذا كان الحكم يعم النوعين كان قوله: (و من قتله منكم متعمدا) فزاد اللفظ، و نقص المعني، و كان هذا مما يصان عنه كلام أدني الناس حكمة فكيف كلام الله الذي هو خير الكلام و أفضله، و فضله علي سائر الكلام كفضل الله علي خلقه، و الجمهور القائلون: بوجوب الجزاء علي المخطيء يثبتون ذلك بعموم السنة و الآثار، و بالقياس علي قتل الخطأ في الآدمي، و يقولون: انما خص المتعمد بالذكر لأنه ذكر من الأحكام ما يخص به المتعمد و هو الوعيد لقوله: (ليذوق و بال أمره عفا الله عما سلف و من عاد فينتقم الله منه) فلما ذكر الجزاء و الانتقام كان المجموع مختصا بالمتعمد و لم يلزم أن يثبت بعضه مع عدم العمد، و مثل هذا قوله: (و اذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) فانه أراد بالقصر قصر العدد و قصر الأركان، و هذا القصر الجامع للنوعين متعلق بالسفر و الخوف، و لا يلزم من الاختصاص بمجموع [ صفحه 236] الأمرين أن لا يثبت أحدهما مع أحد الأمرين، و لهذا نظائر، و لذلك كان ينبغي أن يسأله أقتله و هو ذاكر لاحرامه، أو ناس، فان في الناسي نزاعا أعظم مما في الجاهل، و يسأل هل قتله لكونه صال عليه، أو لكونه اضطر الي مخمصة أو قتله عبثا ظلما بلا سبب، و أيضا فان في هذه التقاسيم ما يبين جهل السائل، و قد نزه الله من يكون اماما معصوما عن هذا الجهل، و هو قوله: «أفي حل قتله أم في حرم» فان المحرم اذا قتل الصيد وجب عليه الجزاء سواء أكان في الحل أم في الحرم فاتفاق المسلمين، و الصيد الحرمي، يحرم قتله علي المحل و المحرم، فاذا كان محرما و قتل صيدا حرميا توكدت الحرمة ولكن الجزاء واحد. و أما قوله: «مبتدئا أو عائدا» فان هذا فرق ضعيف لم يذهب اليه انسان من أهل العلم، و أما الجماهير فعلي أن الجزاء يجب علي المبتديء و علي العائد و قوله في القرآن: «و من عاد فينتقم الله منه» قيل: ان المراد من عاد الي ذلك في الاسلام بعد ما عفي الله عنه في الجاهلية، و قيل: نزول هذه الآية كما قال: «و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف» و قوله: «و أن تجمعوا بين الاختين الا ما قد سلف» و قوله: «قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف» يدل علي ذلك، انه لو كان المراد غفر الله في أول مرة لما أوجب عليه جزاءا، و لا انتقم منه و قد أوجب عليه الجزاء أول مرة. و قال: «ليذوق و بال أمره» فمن أذاقه الله و بال أمره كيف يكون قد عفي عنه، و أيضا قوله: «عما سلف» لفظ عام و اللفظ العام المجرد عن قرائن التخصيص لا يراد مرة واحدة، فان هذا ليس من لغة العرب، و لو قدر أن المراد بالآية عفي الله عن أول مرة، و ان قوله: «و من عاد» يراد به العود الي القتل فان انتقام الله منه اذا عاد لا يسقط الجزاء عنه فان تغليظ الذنب لا يسقط الواجب كمن قتل نفسا بعد نفس لا [ صفحه 237] يسقط عنه قود و لا دية و لا كفارة..» [508] . و حفل كلام ابنتيمية بالمغالطات التي هي أبعد ما تكون عن الحق و ألصق ما تكون بالباطل، و التي كان منها ما يلي: أولا: انه برأ يحيي و نزهه من الاقدام علي امتحان الامام عليهالسلام فهو - علي حد تعبيره - أفقه و أعلم و أفضل من أن يطلب تعجيز شخص، و الذي نراه - حسب التحقيق العلمي - أنه لا مانع من اقدام يحيي علي ذلك بعد ما طلب منه العباسيون، و منوه بالأموال، و قد كان القضاء في العصر العباسي أداة بيد السلطة، فكانوا يسايرون رغبة الخلفاء و يقضون و يفتون علي حسب ميولهم، و كان مما رواه المؤرخون في ذلك، ان هارون الرشيد قد شغف بجارية لأبيه المهدي، كان قد دخل بها فامتنعت عليه، و قالت له: «لا أصلح لك ان أباك قد طاف بي..». فلم يمتنع عنها و ازداد شغفه و غرامه بها، فأرسل خلف القاضي أبييوسف فقال له: «أعندك شيء في هذا..». فأفتي أبويوسف بما وافق هوي هارون و خالف كتاب الله و سنة نبيه قائلا: «يا أميرالمؤمنين أو كلما ادعت أمة شيئا ينبغي أن تصدق لا تصدقها، فانها ليست بمأمونة..». و قد خالف بفتواه ما حكم به الاسلام صراحة من أن النساء مصداقات علي فروجهن، و علق ابنالمبارك علي هذه الفتوي بقوله: «لم أدر ممن أعجب من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين و أموالهم لا يتحرج عن حرمة أبيه، أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أميرالمؤمنين، أو [ صفحه 238] من هذا فقيه الأرض و قاضيها!! قال: اهتك حرمة أبيك واقض شهوتك، و صيره في رقبتي..» [509] . و هناك فتاوي كثيرة لأبييوسف شذت عن القواعد الفقهية، و اتفقت مع رغبات السلطة الحاكمة.. ان القضاء لم يكن مستقلا في العصر العباسي و انما كان خاضعا لرغبات الخليفة و ميوله. ثانيا: ان هذه المسألة التي سأل يحيي عنها الامام عليهالسلام ليست من المسائل البسيطة - كما يقول ابنتيمية - و انما هي من دقائق علم الفقه باعتبار ما يتفرع عليها من الفروع و ما يتشعب عليها من المسائل، و أكبر الظن أن يحيي انما سأل الامام عنها باعتبار ذلك اذ ليس من السذاجة، و عدم الدراية بشؤون الفقه حتي يسأل الامام عن مسألة بسيطة. ثالثا: ان ابنتيمية ذكر أن الامام عليهالسلام لم يعرض الي بيان حكم هذه الأقسام التي فرعها علي المسألة، و هذا يدل علي عدم تتبعه، و نظرته للامور بصورة سحطية فان الامام عليهالسلام قد تعرض بالتفصيل لأحكام هذه الأقسام - كما سيأتي -. رابعا: أنكر ابنتيمية أن يكون الامام عليهالسلام عالما بأحكام هذه الأقسام فقد قال: «و مجرد التقسيم لا يقتضي العلم بأحكام هذه الأقسام» ان الامام الذي استمد علومه من آبائه العظام الذين هم ورثة الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله و سلم قد عرض بصورة شاملة لبيان أحكام الأقسام، ولكن ابنتيمية قد وضع حجابا علي عينيه فلم يبصر ما ذكره الامام عليهالسلام. خامسا: ذكر ابنتيمية أن ذكر الأقسام الممكنة ان كان واجبا فلم يستوف [ صفحه 239] - أي الامام - الأقسام، و ان لم يكن واجبا فلا حاجة الي ذكر بعضها، اني لا أعرف كلاما حافلا بالمغالطات مثل هذا الكلام اذ أي علاقة أو ربط بين الحكم التكليفي الالزامي و هو الوجوب و بين ذكر الأقسام التي أدلي بها الامام، لقد فرع الامام علي سؤال يحيي تلك الفروع و من الطبيعي أن ذكرها غير مرتبط أصلا بأي حكم من الأحكام. سادسا: من مؤاخذات ابنتيمية علي كلام الامام أنه لم يذكر المتعمد و المخطيء، و هو أحق بالذكر من غيره، و هذا من الغرابة بمكان لقد أدلي الامام عليهالسلام بذلك، و لم يهمله، ولكن ابنتيمية قد أخفاه للتشهير بالامام، و النيل منه. سابعا: من مؤاخذات ابنتيمية علي الامام عليهالسلام انه لم يستوف ذكر الأقسام، و قد عد ابنتيمية جملة منها، و هذا من المغالطات لأن الامام عليهالسلام ليس في مقام بيان استيعاب جميع صور المسألة حتي يشكل عليه بذلك، و انما ذكر بعض صورها لافحام يحيي. هذه بعض المؤاخذات التي تواجه كلام ابنتيمية الذي خلا من كل صيغة علمية.. و لنعد بعد هذا الي ما جري للامام عليهالسلام بعد فشل يحيي في مسألته.
و بعد ما أفحم يحيي بن أكثم، و ظهر عليه العجز، و بان لحضار الحفل فضل الامام أبيجعفر عليهالسلام و تقدمه في العلم علي غيره - مع صغر سنه - التفت اليه المأمون فقال له: «أتخطب يا أباجعفر؟..». و أظهر الامام عليهالسلام الرضا بذلك، فأسرع المأمون قائلا: «اخطب - جعلت فداك - لنفسك فقد رضيتك، و أنا مزوجك امالفضل ابنتي، [ صفحه 240] و ان رغم قوم لذلك..». و انبري الامام فأنشأ خطبة العقد قائلا: «الحمد لله اقرارا بنعمته، و لا اله الا الله اخلاصا لوحدانيته، و صلي الله علي سيد بريته، و الأصفياء من عترته، أما بعد: فقد كان من فضل الله علي الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: «و انكحوا الأيامي منكم و الصالحين من عبادكم و امائكم ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم». ثم ان محمد بن علي بن موسي يخطب امالفضل بنت عبدالله المأمون و قد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد صلي الله عليه و اله و سلم خمسمائة درهم جيادا فهل زوجتني يا أميرالمؤمنين علي هذا الصداق؟..». و انبري المأمون بحسب وكالته عن ابنته أو ولايته عليها فيما اذا كانت صغيرة، فقال: «نعم قد زوجتك يا أباجعفر علي هذا الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟». قال الامام عليهالسلام: قد قبلت ذلك و رضيت به [510] و أمر المأمون الناس علي اختلاف مراتبهم بالجلوس و عدم التفرق من المجلس، قال الريان: و لم نلبث أن سمعنا أصوات الملاحين في محاوراتهم، فاذا الخدم يجرون سفينة قد صنعت من الفضة قد شدت بحبال من الابريسم، و هي مملوءة من الغالية، فأمر المأمون - أولا - بأن تخضب لحاء الخاصة، و بعدهم العامة و تطيب الجميع، ثم وضعت الموائد فأكل الناس منها [511] . [ صفحه 241]
و طلب المأمون من الامام أبيجعفر عليهالسلام ايضاح المسألة السابقة التي سأله عنها يحيي بن أكثم، فأجابه عليهالسلام الي ذلك، و قد روي جوابه بصورتين: الاولي: ما رواه الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول مرسلا عن أبيجعفر الجواد عليهالسلام، و قد جاء في الجواب: «ان المحرم اذا قتل صيدا في الحل، و كان الصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة، فان أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، و ان قتل فرخا في الحل فعليه حمل قد فطم، و ليس عليه القيمة لأنه ليس في الحرم، و اذا قتله في الحرم فعليه الحمل و قيمة الفرخ لأنه من الحرم، و ان كان من الوحش فعليه في حمار وحش بدنة، و كذلك في النعامة بدنة، فان لم يقدر فاطعام ستين مسكينا، فان لم يقدر فليصم ثمانية عشر يوما فان كان بقرة فعليه بقرة، فان لم يقدر فليطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يقدر فليصم تسعة أيام، و ان كان ظبيا فعليه شاة فان لم يقدر فليطعم عشرة مساكين، فان لم يجد فليصم ثلاثة أيام، و ان أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة حقا واجبا أن ينحره ان كان في حج بمني حيث ينحر الناس، و ان كان في عمرة ينحره بمكة في فناء الكعبة، و يتصدق بمثل ثمنه حتي يكون مضاعفا، و كذلك اذا أصاب أرنبا أو ثعلبا فعليه شاة، و يتصدق بمثل ثمن شاة، و ان قتل حماما من حمام الحرم فعليه درهم يتصدق به، و درهم يشتري به علفا لحمام الحرم، و في الفرخ نصف درهم، و في البيضة ربع درهم، و كلما أتي به المحرم بجهالة و خطأ فلا شيء عليه الا الصيد فان عليه فيه الفداء بجهالة كان أم بعلم، بخطأ كان أم بعمد، و كلما أتي به العبد فكفارته علي صاحبه مثل ما يلزم صاحبه، و كل ما أتي به الصغير الذي ليس ببالغ فلا شيء عليه فان عاد فهو ممن ينتقم الله منه، و ان دل علي الصيد و هو محرم و قتل الصيد فعليه فيه [ صفحه 242] الفداء و المصر عليه يلزمه بعد الفداء العقوبة في الآخرة، و النادم لا شيء عليه بعد الفداء في الآخرة، و ان أصابه ليلا أو كارها فلا شيء عليه، الا أن يتصيد، فان تصيد بليل أو نهار فعليه فيه الفداء و المحرم بالحج ينحر الفداء بمني حيث ينحر الناس، و المحرم بالعمرة ينحر الفداء بمكة. و أمر المأمون أن يكتب ذلك عن أبيجعفر عليهالسلام و التفت المأمون الي أهل بيته الذين أنكروا تزويجه فقال لهم: هل فيكم من يجيب بهذا الجواب؟ قالوا: لا والله و لا القاضي.. يا أميرالمؤمنين كنت أعلم به منا فقال: ويحكم!! أما علمتم أن أهل هذا البيت ليسوا خلقا من هذا الخلق، أما علمتم أن رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم بايع الحسن و الحسين عليهماالسلام و هما صبيان، و لم يبايع غيرهما طفلين، أو لم تعلموا أن أباهم عليا عليهالسلام آمن برسول الله صلي الله عليه و اله و سلم و هو ابنتسع سنين فقبل الله و رسوله ايمانه، و لم يقبل من طفل غيره و لا دعا رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم طفلا غيره، أولم تعلموا أنها ذرية بعضها من بعض يجري لآخرهم ما يجري لأولهم [512] . و ألم جواب الامام بأحكام جميع جوانب الصيد و فروعه، سواء في الحج أم في العمرة، في الحل كان الصيد أم في الحرم، فيما اذا كان الصائد محرما. الثانية: ما رواها الشيخ المفيد أن المأمون قال لأبي جعفر عليهالسلام: ان رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه فيما فصلته من وجوه قتل الصيد لنعلمه و نستفيده؟ فقال أبوجعفر عليهالسلام: نعم ان المحرم اذا قتل صيدا في الحل، و كان الصيد من ذوات الطير، و كان من كبارها فعليه شاة، فان أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، فاذا قتل فزخا في الحل فعليه حمل قد فطم من اللبن و اذا قتله في الحرم فعليه [ صفحه 243] الحمل وقيمة الفرخ، و ان كان من الوحش و كان حمار وحش فعليه بقرة، و ان كان نعامة فعليه بدنة، و ان كان ظبيا فعليه شاة، فان قتل شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة، و اذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه، و كان احرامه بالحج نحره بمني، و ان كان احرامه بالعمرة نحره بمكة، و جزاء الصيد علي العالم و الجاهل سواء، و في العمد له المأثم و هو موضوع عنه في الخطأ و الكفارة علي الحر في نفسه و علي السيد في عبده، و الصغير لا كفارة عليه و هي علي الكبير واجبة، و النادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة، و المصر يجب عليه العقاب بفي الآخرة. فقال له المأمون: أحسنت يا أباجعفر أحسن الله اليك [513] . أما الرواية الاولي فهي أوسع و أكثر شمولا لأحكام الصيد في الحج دون الرواية الثانية.
و طلب المأمون من الامام الجواد عليهالسلام أن يوجه سؤالا الي يحيي بن أكثم فأجابه الامام عليهالسلام الي ذلك و التفت الي يحيي فقال له: «اسألك؟...». فأجابه يحيي بتأدب: «ذاك اليك، جعلت فداك، فان عرفت جواب ما تسألني عنه، و الا استفدت منك». فقدم له الامام سؤالا شبيها باللغز و ذلك لمصلحة تقتضيها الظروف التي هو فيها، و التي كان منها اظهار فضله أمام العباسيين الذين جحدوا فضله و فضل آبائه، [ صفحه 244] قال عليهالسلام: «أخبرني عن رجل نظر الي امرأة في أول النهار فكان نظره اليها حراما عليه،فلما ارتفع النهار حلت له، فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلت له، فلما غربت الشمس حرمت عليه، فلما دخلت عليها وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما كان انتصاف الليل حرمت عليه، فلما طلع الفجر حلت له، ما حال هذه المرأة؟ و بماذا حلت له؟ و حرمت عليه؟ و بهر يحيي، و حار في الجواب، و التفت الي الامام قائلا: «و الله ما اهتدي الي جواب هذا السؤال، و لا أعرف الوجه فيه، فان رأيت أن تفيدنا فيه؟..». و أخذ الامام في تحليل المسألة قائلا: «هذه أمة لرجل من الناس نظر اليها أجنبي في أول النهار فكان نظره اليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلت له، فلما كان عند الظهر اعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلما كان وقت العشاء الآخرة كفر عن الظهار فحلت له، فلما كان في نصف الليل طلقها واحدة فحرمت عليه، فلما كان عند الفجر راجعها فحلت له..». و ذهل الحاضرون من علم الامام عليهالسلام - و هو بهذا السن - و أقبل المأمون علي اسرته قائلا: «هل فيكم أحد يجيب عن المسألة بمثل هذا الجواب، أو يطرق القول فيما تقدم من السؤال؟..». فانبروا جميعا قائلين: [ صفحه 245] «لا والله ان أميرالمؤمنين أعلم بما رأي..» [514] . لقد آمنوا بفضل الامام بعد ما رأوه قد خاض مع يحيي أعقد المسائل و أدقها، و لم يهتد المأمون و لا يحيي الي الاجابة عنها.
و لما كان اليوم الثاني من بعد اجراء عقد الزواج حضر الناس في البلاط العباسي و في مقدمتهم قادة الجيش، و سائر الجهاز الرسمي، و غيرهم و من عامة الناس، و هم يرفعون آيات التهاني الي الامام الجواد عليهالسلام و الي المأمون بهذه المناسبة السعيدة، و أمر المأمون بأن تقدم لهم الهدايا و العطايا، فقدمت لهم ثلاثة أطباق من الفضة فيها بنادق مسك و زعفران معجون في أجواف تلك البنادق، و فيها رقاع مكتوبة بأموال جزيلة، و عطايا سنية، و اقطاعات فأمر المأمون بنثرها علي القوم في خاصته، فكان كل من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها، و التمسه، فأطلق له، و وضعت البدر فنثر ما فيها علي القواد و غيرهم، و انصرف الناس و هم أغنياء بالجوائز و العطايا، و تقدم المأمون بالصدقة علي كافة المساكين [515] .
و احيط الامام الجواد أثناء اقامته في بغداد بهالة من التكريم و التعظيم و التفت حوله الجماهير فقد رأت فيه امتدادا ذاتيا لآبائه الطاهرين الذين أضاؤا الحياة بجوهر الاسلام و واقع الايمان، فكان الامام اذا سار في الشارع اصطفت له المارة و علا منها التكبير و التهليل، و هي ترفع صوتها عاليا: » هذا ابنالامام الرضا». [ صفحه 246] و قد حدث عن مظاهر ذلك التكريم القاسم بن عبدالرحمن، و كان زيديا، قال: خرجت الي بغداد، فرأيت الناس يتشوفون و يقفون، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ابنالرضا، فقلت: والله لأنظر اليه، فطلع، و كان راكبا علي بغل أو بغلة، فلعنت أصحاب الامامة اذ يقولون: ان الله افترض طاعة هذا، و بصر بي الامام فعدل الي، و قال: يا قاسم بن عبدالرحمن «أبشرا واحدا نتبعه انا اذا لفي ضلال و سعر» و ذهلت لما عرف نيتي، و قلت بامامته [516] .
و استغل الامام أبوجعفر عليهالسلام مدة بقائه في بغداد بالتدريس [517] و بلورة الفكر العام بالعلوم و المعارف الاسلامية، و كان يلقي محاضراته القيمة علي العلماء و الرواة في بهو بيته، و قد تناولت مختلف العلوم و الفنون من علم الحديث، و التفسير، و علم الفقه، و علم الكلام، و علم الاصول الا أن علم الفقه قد حظي بالجانب الأكبر من اهتمامه.
و سافر الامام أبوجعفر عليهالسلام بعد أن عقد علي امالفضل الي يثرب، و قد استقر بها حفنة من السنين، و قد قام بشؤون العلويين، كما قام باعاشة الفقراء و المحرومين، فكان موئلهم، أما هو فقد عاش عيشة بسيطة كعيشة آبائه، فلم يرفه علي نفسه، و انما حملها من أمره رهقا. و قدا حتف به الفقهاء و العلماء و رواة الحديث، و هو يفيض عليهم من نمير علومه و معارفه، و قد روي عنه العلماء جوانب كثيرة من الفقه و غيره و قد ألمحنا اليها [ صفحه 247] في البحوث السابقة.
و بعد ما بلغ الامام الجواد عليهالسلام سن الخامسة عشر سافر الي بغداد للزواج بام الفضل التي عقد عليها، و قدم الي بغداد في شهر صفر ليلة الجمعة، و أقام فيها. و كان المأمون بتكريت، فقصده، و قابله المأمون بمزيد من الحفاوة و التكريم، و أمر أن تدخل عليه زوجته امالفضل فادخلت عليه في دار أحمد بن يوسف، و كانت داره علي شاطيء دجلة، فأقام بها حتي موسم الحج ثم خرج منها [518] .
و وفد جماعة من أعيان بغداد و غيره علي الامام و هم يهنئونه بزواجه، و يبدون أفراحهم بهذه المناسبة، و كان ممن وفد عليه محمد بن علي الهاشمي و لنستمع الي حديثه، قال: دخلت علي أبيجعفر صبيحة عرسه بابنة المأمون، و كنت تناولت من أول الليل دواءا فأصابني العطش، و كرهت أن ادعو بالماء، فنظر أبوجعفر في وجهي، و قال: أراك عطشانا؟ قلت: أجل، قال: يا غلام اسقنا ماءا فقلت في نفسي: الساعة يأتون بماء مسموم، و اغتممت لذلك، فأقبل الغلام و معه الماء، فتبسم في وجهي، ثم قال: يا غلام ناولني الماء فتناوله و شرب، ثم ناولني فشربت و أطلت عنده، و عطشت فدعا بالماء، و فعل كما فعل بالمرة الاولي، و خرجت من عنده و أنا أقول: أظن أن أباجعفر يعلم ما في النفوس كما تقول الرافضة [519] . لقد خاف محمد علي الامام أبيجعفر عليهالسلام من العباسيين أن يغتالوه بالسم [ صفحه 248] و لا تمنعهم مصاهرتهم له لأنها لم تكن عن حسن نية. و ممن وفد علي الامام عليهالسلام مهنئا أبوهاشم الجعفري، فقد قال له: «لقد عظمت علينا بركة هذا اليوم - أي يوم زواج الامام -». ورد عليه الامام قائلا: «يا أباهاشم عظمت بركات الله علينا فيه..». لقد أسند أبوهاشم عظمة البركة الي اليوم الذي تزوج فيه الامام و الحال ليس كذلك فان الأيام لا توجد البركة و انما يوجدها الله خالق الكون و واهب الحياة.. و شعر أبوهاشم ان كلامه لا يخلو من زحاف فقال للامام: «يا مولاي فما أقول في اليوم؟». «تقول: فيه خيرا فانه يصيبك». «يا مولاي افعل هذا و لا اخالفه». ان الأيام ليس فيها بركة أو خير علي الانسان، و انما ذلك بيد الله تعالي فهو الذي يفيضه علي من يشاء من عباده، و قد قال له الامام: «اذا ترشد و لا تري الا خيرا».
و غادر الامام محمد الجواد عليهالسلام بغداد بعد زواجه بام الفضل، و قد خرج معه أهله و عياله فتوجه بهم الي بيت الله الحرام لأداء الحج [520] و قد سر العباسيون بمغادرته بغداد، و ذلك لحقدهم البالغ عليه، لما ظهر من عظيم فضله، و انتشار علمه علي صغر سنه، الأمر الذي صار حديث الأندية و المجالس في بغداد و غيرها فخافوا أن يعهد له المأمون بالخلافة كما عهد لأبيه الامام الرضا عليهالسلام من قبل.. لقد غادر الامام بغداد ليقيم في يثرب و يكون بمنأي عن مؤامرات العباسيين و أحقادهم. [ صفحه 249]
و أجمع المؤرخون و الرواة علي أن الامام لما خرج من بغداد متوجها الي يثرب جرت له في أثناء الطريق كرامة، و لنترك الشيخ المفيد يحدثنا عنها قال: لما توجه أبوجعفر عليهالسلام من بغداد الي المدينة و معه امالفضل خرج الناس يشيعونه، و لما صار الي شارع باب الكوفة انتهي الي دار المسيب عند مغيب الشمس، فنزل و دخل المسجد، و كان في صحنه نبقة لم تحمل بعد فدعا بكوز فيه ماء فتوضأ في أصل النبقة، و قام عليهالسلام فصلي بالناس صلاة المغرب، فقرأ في الاولي منها الحمد و اذا جاء نصر الله وقرأ في الثانية الحمد، و قل هو الله، وقنت قبل ركوعه فيها، و صلي الثالثة و تشهد و سلم، ثم جلس هنيئة يذكر الله جل اسمه، و قام من غير أن يعقب فصلي النوافل أربع ركعات، و عقب تعقيبها، و سجد سجدتي الشكر ثم خرج فلما انتهي الي النبقة رأها الناس و قد حملت حملا حسنا، فتعجبوا من ذلك، و أكلوا منه فوجدوا نبقا حلوا لا عجم له، و ودعوه و مضي من وقته [521] . ان الله تعالي قد منح أئمة أهل البيت من الكرامات و المعاجز ما لا يحصي كما منح جدهم الرسول صلي الله عليه و اله و سلم ليؤمن بهم الناس، و يلتجأوا اليهم في السراء و الضراء، فيجعلوا منهم وسائط الي الله تعالي.
و شاء الله تعالي أن تحرم امالفضل الذرية من الامام الجواد عليهالسلام فاضطر الامام عليهالسلام الي أن يتسري ببعض الاماء ممن لها دين، فرزقه الله منها الذرية الصالحة، فتميزت امالفضل غيظا، و رفعت رسالة الي أبيها تشكو فيها صنع الامام معها، فأجابها المأمون «يا بنية انا لم نزوجك أباجعفر لنحرم عليه حلالا فلا تعاودي لذكر [ صفحه 250] ما ذكرت بعدها» [522] و ظلت امالفضل حاقدة علي الامام، حتي اغتالته بالسم كما يقول بعض المؤرخين.
و أجري المأمون مرتبا سنويا للامام أبيجعفر عليهالسلام يبلغ مليون درهم [523] و لم ينفق الامام هذه الأموال مع ما يرد اليه من الحقوق الشرعية علي شؤونه الخاصة، و انما كان ينفقها - بسخاء - علي الفقراء و المحرومين من العلويين و غيرهم.
و خرج المأمون عن عاصمته بغداد الي طرطوس [524] للتنزه و الراحة، و قد أعجبته كثيرا، و ذلك لما تتمتع به من المناظر الطبيعية، و أخذ يتجول في بعض متنزهاتها فراقه مكان فيها كان حافلا بالأشجار و المياه الجارية و عذوبة الهواء، فأمر أصحابه أن ينزلوا فيها، فنزلوا فيها، و نصبت لهم المائدة فجلسوا للأكل، و التفت المأمون الي أصحابه فقال لهم: ان نفسي تطالبني الآن برطب جني و يكون ازاذ [525] و بينما هم في الحديث اذ سمعوا قعقعة ركب البريد الواصل في بغداد، و فيه أربع كثات [526] من الخوص ملؤها رطب زاذ لم يتغير كأنه جني في تلك الساعة فقدمت بين يديه، و شعر من ذلك بقرب أجله المحتوم فكان يقول: [ صفحه 251] «ملكت الدنيا، و ذلت لي صعابها، و بلغت آرابي». و كان يذكر وصول الرطب في أكثر أوقاته، و هو يقول: آخر عهدي بأكل الرطب، فكان كما قال: فقد ألمت به الأمراض و اشتدت به العلة، و كان نازلا في دار خاقان المفلحي، خادم الرشيد، و لما دنا منه الموت أمر أن يفرش له الرماد، و يوضع عليه، ففعل له ذلك، و كان يتقلب علي الرماد، و هو يقول: «يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه» [527] . و اشتد به النزع، و كان عنده من يلقنه فعرض عليه الشهادة، و كان ابنماسويه الطبيب حاضرا، فالتفت الي من يلقنه قائلا: «دعه فانه لا يفرق في هذه الحال بين ربه و ماني..». و فتح المأمون عينيه، فقد لذعته هذه الكلمات، و قد أراد أن يبطش به الا أنه لم يستطع فقد عجز عن الكلام [528] ، و لم يلبث قليلا حتي وافاه الأجل المحتوم، و كان عمره (49 سنة) أما مدة خلافته فعشرون سنة، و خمسة أشهر و ثمانية عشر يوما [529] ، و يقول فيه أبوسعيد المخزومي: هل رأيت النجوم أغنت عن المأمون في ثبت ملكه المأسوس خلفوه بعرصتي طرطوس مثل ما خلفوا أباه بطوس [530] . و كان عمر الامام أبيجعفر عليهالسلام في ذلك الوقت يربو علي اثنين و عشرين عاما، و كان - فيما يقول المؤرخون - ينتظر موت المأمون بفارغ الصبر لعلمه أنه لا يبقي [ صفحه 252] بعده الا قليلا ثم يرحل الي جوار الله، و يفارق هذا العالم المليء بالفتن و الأباطيل، و قد قال: «الفرج بعد وفاة المأمون بثلاثين شهرا..». و لم يلبث بعد وفاة المأمون الا ثلاثين شهرا حتي توفي [531] و سنذكر ذلك في البحوث الآتية من هذا الكتاب. و في نهاية هذا الحديث نود أن نبين أن المأمون أسمي شخصية سياسية و علمية من ملوك بنيالعباس فقد استطاع أن يتخلص من أشد الأزمات السياسية التي أحاطت به، و كادت تقضي علي ملكه و سلطانه و كان من ذكائه الخارق أنه تقرب الي العلويين و أتباعهم فأوعز الي أجهزة الأعلام بنشر فضل الامام أميرالمؤمنين عليهالسلام علي جميع الصحابة كما رد فدكا الي العلويين، و عهد الي الامام الرضا عليهالسلام بولاية العهد، و زوج الامام الجواد عليهالسلام من ابنته امالفضل، و لم يصنع ذلك عن ايمان أو اخلاص لأهل البيت عليهمالسلام و انما صنع ذلك ليتعرف علي الحركات السرية و الأجهزة السياسية التي كانت تعمل تحت الخفاء للاطاحة بالحكم العباسي و ارجاع الخلافة الي العلويين. لقد استطاع المأمون بعد هذه العمليات التي قام بها أن يتعرف علي الخلايا و ما تقوم به من النشاطات السياسية ضد الحكم العباسي و قد جهد قبله ملوك بنيالعباس أن يتعرفوا علي ذلك فلم يستطيعوا و لم يهتدوا الي ذلك بالرغم مما بذلوه من مختلف المحاولات التي كان منها التنكيل الشديد بأنصار العلويين و شيعتهم، و انزال أقصي العقوبات بهم، فانهم لم يصلوا الي أية معلومات عنهم، و لم يكشفوا أي جانب من جوانبهم السياسية. [ صفحه 255]
و قبل أن أبدأ الحديث عن النهاية الأخيرة من حياة الامام العظيم أبيجعفر الجواد عليهالسلام، اقدم عرضا موجزا لسيرة المعتصم العباسي، الذي اغتال الامام بالسم، فان لذلك صلة موضوعية في البحث عن حياة الامام عليهالسلام و فيما يلي ذلك:
أما صفات المعتصم و نزعاته التي عرف بها فهي كما يلي:
و كان من صفات المعتصم الحماقة، و قد وصفه المؤرخون بأنه اذا غضب لا يبالي من قتل و لا ما فعل [532] و هذا منتهي الحمق الذي هو من أرذل نزعات الانسان.
و كان المعتصم يكره العلم، و يبغض حملته، و قد كان معه غلام يقرأ معه في الكتاب، فتوفي الغلام فقال له الرشيد: يا محمد مات غلامك قال: نعم يا سيدي و استراح من الكتاب، فقال له الرشيد: و ان الكتاب ليبلغ منك هذا دعوه لا تعلموه [533] . و بقي اميا، و حينما ولي الخلافة كان لا يقرأ و لا يكتب، و كان له وزير عامي، [ صفحه 256] و قد وصفه أحمد بن عامر بقوله: «خليفة امي و وزير عامي» [534] . لقد كان عاريا من العلم، و الفضل، و عاريا من كل صفة شريفة يستحق بها منصب الخلافة في الاسلام التي هي أخطر منصب يناط به اقامة الحق و العدل بين الناس، هذه بعض الصفات الماثلة فيه.
و كان المعتصم شديد الكراهية و البغض للعرب و قد بالغ في اذلالهم و الاستهانة بهم فقد أخرجهم من الديوان و أسقط أسماءهم، و منعهم العطاء كما منعهم الولايات [535] .
كان المعتصم يكن في أعماق نفسه خالص الولاء و الحب للأتراك، فقد أخذ يستعين بهم في بناء دولته، و يعود السبب في ذلك الي أن امه (ماردة) كانت تركية فكان يحكي الأتراك في طباعهم و نزعاتهم، و قد بعث في طلبهم من فرغانة، و اشروسنة و استكثر منهم [536] و قد بلغ عددهم في عهده سبعين ألفا، و قد حرص المعتصم علي أن تبقي دماؤهم متميزة فجلب لهم نساءا من جنسهم فزوجهم بهن، و منعهم من الزواج بغيرهن [537] و قد ألبسهم أنواع الديباج، و المناطق الذهبية [538] و قد [ صفحه 257] أسند لهم قيادة الجيش، و جعل لهم مراكز في مجال السياسة و الحرب و حرم العرب مما كان لهم من قيادة الجيوش، و قد آثرهم علي الفرس و العرب في كل شيء. و قد أساء الأتراك الي المواطنين فكانوا يسيرون في شوارع بغداد راكبين خيولهم دون أن يعبؤا بالمارة فكانوا يسحقون الشيخ و المرأة و الطفل و قد ضجت بغداد من اعتدائهم و عدم مبالاتهم [539] . و قد وصف دعبل الخزاعي مدي تسلط الأتراك علي المعتصم و بنوع خاص وصيف واشناس التركيين يقول: لقد ضاع أمر الناس اذ ساس ملكهم وصيف واشناس و قد عظم الكرب و ذكر دعبل أن المعتصم عهد بوزارته الي الفضل بن مروان و كان نصرانيا في الأصل قال: و فضل بن مروان سيثلم ثلمة يظل لها الاسلام ليس لها شعب
و أترعت نفس المعتصم بالحقد و الكراهية للامام الجواد عليهالسلام فكان يتميز من الغيظ حينما يسمع بفضائل الامام و مآثره، و قد دفعه حسده له أن قدم علي اغتياله كما سنتحدث عن ذلك.
و أشخص المعتصم الامام الجواد الي بغداد فورد اليها لليلتين بقيتا من المحرم سنة (220 هـ) [540] . [ صفحه 258] و قد فرض عليه الاقامة الجبرية فيها ليكون علي علم بجميع شؤونه و أحواله كما فرض عليه في نفس الوقت الرقابة الشديدة، و حجبه من الاتصال بشيعته، و القائلين بامامته.
و من المؤسف حقا أن تصدر الوشاية بالامام الجواد عليهالسلام من أبيداود السجستاني الذي كان من أعلام ذلك العصر، أما السبب في ذلك فيعود الي حسده للامام عليهالسلام. و الحسد داء خبيث ألقي الناس في شر عظيم، لقد حقد أبوداود علي الامام كأشد ما يكون الحقد و ذلك حينما أخذ المعتصم برأيه في مسألة فقهية و ترك بقية آراء الفقهاء، فتميز أبوداود غيظا و غضبا علي الامام عليهالسلام، و سعي الي الوشاية به، و تدبير الحيلة في قتله، و بيان ذلك ما رواه زرقان الصديق الحميم لأبي داود قال: انه رجع من عند المعتصم و هو مغتم، فقلت له: في ذلك.. قال: ان سارقا أقر علي نفسه بالسرقة و سأل الخليفة تطهيره باقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه، و قد أحضر محمد بن علي عليهالسلام فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع؟ فقلت: من الكرسوع [541] لقول الله في التيمم: «فامسحوا بوجوهكم و أيديكم» و اتفق معي علي ذلك قوم، و قال آخرون: بل يجب القطع من المرفق»، قال: و ما الدليل علي ذلك؟ قالوا: لأن الله قال: «و أيديكم الي المرافق» قال: فالتفت الي محمد بن علي عليهالسلام فقال: ما تقول في هذا يا أباجعفر؟ قال: قد تكلم القوم فيه يا أميرالمؤمنين قال: دعني مما تكلموا به، أي شيء عندك؟ قال: اعفني عن هذا يا أميرالمؤمنين، قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرتني بما عندك فيه، فقال: اذا أقسمت علي بالله اني أقول: [ صفحه 259] انهم أخطأوا فيه السنة، فان القطع يجب أن يكون من مفصل اصول الأصابع فيترك الكف، قال: لم؟ قال: لقول رسول الله صلي الله عليه و اله و سلم: السجود علي سبعة أعضاء: الوجه و اليدين و الركبتين و الرجلين فاذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، و قال الله تبارك و تعالي: «و ان المساجد لله» يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها «فلا تدعوا مع الله أحدا» و ما كان لله لم يقطع، قال: فأعجب المعتصم ذلك فأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف. قال زرقان: ان أباداود قال: صرت الي المعتصم بعد ثالثة فقلت: ان نصيحة أميرالمؤمنين علي واجبة، و أنا اكلمه بما أعلم اني أدخل به النار قال: ما هو؟ قلت: اذا جمع أميرالمؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته و علماءهم لأمر واقع من امور الدين فسألهم عن الحكم فيه، فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك. و قد حضر المجلس أهل بيته و قواده و وزرائه، و كتابه، و قد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثم يترك أقاويلهم كلهم، لقول رجل: يقول شطر هذه الامة بامامته، و يدعون أنه أولي منه بمقامه، ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء. قال: فتغير لونه، و انتبه لما نبهته له، و قال: جزاك الله عن نصيحتك خيرا..» [542] . لقد اقترف أبوداود أخطر جريمة في الاسلام، فقد دفع المعتصم الي اغتيال امام من أئمة أهل البيت عليهمالسلام الذين فرض الله مودتهم علي هذه الامة، و الويل لكل من شرك في دمائهم.
و استشف الامام الجواد عليهالسلام من وراء الغيب أن الأجل المحتوم سيوافيه و أن عمره [ صفحه 260] كعمر الزهور، و قد أعلن ذلك لشيعته في كثير من المواطن و هذه بعضها: 1 - روي محمد بن الفرج قال: كتب الي أبوجعفر عليهالسلام: احملوا الي الخمس، لست آخذ منكم سوي عامي هذا، و لم يلبث عليهالسلام الا قليلا حتي قبض و اختاره الله الي جواره [543] . 2 - روي أبوطالب القمي، قال: كتبت الي أبيجعفر بن الرضا عليهالسلام أن يأذن لي أن أندب أباالحسن - يعني أباه - قال: فكتب أن اندبني و اندب أبي [544] . 3 - و أخبر عليهالسلام عن وفاته في أيام المأمون، فقد قال: «الفرج بعد المأمون بثلاثين شهرا» و لم يلبث بعد المأمون بثلاثين شهرا حتي قبض و اختاره الله الي جواره [545] . 4 - روي اسماعيل بن مهران أن المعتصم العباسي لما أشخص الامام أباجعفر عليهالسلام الي بغداد قال: قلت له: جعلت فداك أنت خارج فالي من هذا الأمر من بعدك؟ فبكي حتي اخضلت لحيته، ثم التفت الي فقال: عند هذه يخاف علي، الأمر من بعدي الي ابني علي [546] . لقد كان الامام عالما بأحقاد المعتصم عليه، و أنه لا يتورع من اغتياله و الاجهاز عليه، فلذا أحاط أصحابه و شيعته علما بمفارقته للحياة في عهد هذا الطاغية الجبار.
و نص الامام الجواد عليهالسلام علي امامة ولده علي الهادي، و نصبه علما و مرجعا للامة [ صفحه 261] من بعده. فقد روي الصقر قال: سمعت أباجعفر محمد بن علي الرضا عليهالسلام يقول: ان الامام بعدي ابني علي، أمره أمري، و قوله قولي، و طاعته طاعتي... [547] . و روي الخيراني عن أبيه أن الامام أباجعفر عليهالسلام بعث اليه رسولا فقال له: ان مولاك يقرأ عليك السلام و يقول لك: اني ماضي، و الأمر صائر الي ابني علي، و له عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي [548] و كثير من أمثال هذه الروايات نصت علي أن الامام أباجعفر عليهالسلام أقام ولده الامام الهادي اماما من بعده و أوجب علي شيعته طاعته.
و لم يمت الامام محمد الجواد حتف أنفه، و انما اغتاله المعتصم العباسي [549] فقد قدم الطاغية علي اقتراف هذه الجريمة النكراء. و قد اختلف المؤرخون في الشخص الذي أوعز اليه المعتصم للقيام بسم الامام عليهالسلام و فيما يلي بعض الأقوال: 1 - ذكر بعض الرواة أن المعتصم أوعز الي بعض كتاب وزرائه بأن يدعو الامام الي منزله، و يدس اليه السم، فدعاه الا أن الامام عليهالسلام اعتذر من الحضور في مجلسه، و أصر عليه الكتاب بالحضور لأجل التبرك بزيارة الامام له، و أضاف أن أحد الوزراء. أحب لقاءه و لم يجد عليهالسلام بدا من اجابته، فصار اليه، و لما تناول الطعام أحس [ صفحه 262] بالسم فدعا بدابته للخروج من المنزل فسأله صاحب المنزل أن يقيم عنده فقال عليهالسلام: خروجي من دارك خير لك [550] . 2 - صرحت بعض الروايات أن المعتصم أغري بنت أخيه زوجة الامام امالفضل بالأموال، فدست اليه السم [551] . و علي أي حال فقد قطع المعتصم بسمه للامام أواصر القربي و لم يرع حرمة النبي في أبنائه.
أما دوافع اغتيال المعتصم للامام فهي - فيما نحسب - تتلخص بما يلي: أولا: وشاية أبيداود فقد دفعت المعتصم الي اغتيال الامام. ثانيا: حسد المعتصم للامام عليهالسلام علي ما ظفر به من الاكبار و التعظيم عند عامة المسلمين فقد تحدثوا مجمعين عن مواهبه و عبقرياته و هو في سنه المبكر، كما تحدثوا عن معالي أخلاقه من الحلم و كظمه للغيظ، و بره بالفقراء و احسانه الي المحرومين الي غير ذلك من صفاته التي عجت بذكرها الأندية و المحافل، مما دفع المعتصم الي فرض الاقامة الجبرية عليه في بغداد ثم القيام باغتياله. هذه بعض الأسباب التي دفعت المعتصم الي اقتراف هذه الجريمة النكراء.
و أثر السم في الامام تأثيرا شديدا، فقد تفاعل مع جميع أجزاء بدنه و أخذ يعاني منه آلاما مرهقة، فقد تقطعت أمعاؤه من شدة الألم، و قد عهدت الحكومة العباسية الي [ صفحه 263] أحمد بن عيسي أن يأتيه في السحر ليتعرف خبر علته [552] و قد أخبر الامام عليهالسلام بوفاته من كان عنده في الليلة التي توفي فيها فقال لهم: نحن معشر اذا لم يرض الله لأحدنا الدنيا نقلنا اليه [553] و أخذت الآلام من الامام مأخذا عظيما. فقد كان في ريعان الشباب و غضارة العمر و لما أحس بدنو الأجل المحتوم منه أخذ يقرأ سورا من القرآن الكريم، و قد لفظ أنفاسه الأخيرة و لسانه يلهج بذكر الله تعالي و توحيده، و قد انطفت بموته شعلة مشرقة من الامامة و القيادة الواعية المفكرة في الاسلام. لقد استشهد الامام عليهالسلام علي يد طاغية زمانه المعتصم العباسي و قد انطوت بموته صفحة من صفحات الرسالة الاسلامية التي أضاءت الفكر و رفعت منار العلم و الفضيلة في الأرض.
و جهز بدن الامام عليهالسلام فغسل و ادرج في أكفانه، و بادر الواثق و المعتصم فصليا عليه [554] و حمل الجثمان العظيم الي مقابر قريش، و قد احتفت به الجماهير الحاشدة، فكان يوما لم تشهد بغداد مثله فقد ازدحمت عشرات الآلاف في مواكب حزينة و هي تردد فضل الامام و تندبه، و تذكر الخسارة العظمي التي مني بها المسلمون في فقدهم للامام عليهالسلام. و حفر للجثمان الطاهر قبر ملاصق لقبر جده العظيم الامام موسي بن جعفر عليهالسلام فواروه فيه و قد واروا معه القيم الانسانية، و كل ما يعتز به الانسان من المثل الكريمة. [ صفحه 264]
أما عمره الشريف فكان خمسا و عشرين عاما [555] و هو أصغر الأئمة الطاهرين عليهمالسلام سنا، و قد قضي معظم حياته في نشر العلم، و اذاعة الفضيلة بين الناس فكانت حياته الغالية مدرسة للفكر و الوعي و معهدا للايمان و التقوي.
توفي الامام الجواد عليهالسلام سنة (220 هـ) [556] يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي القعدة [557] و قيل لخمس ليال بقين من ذي الحجة [558] و قيل لست ليال خلون من ذي الحجة [559] . و بهذا ينتهي بنا الحديث عن حياة هذا الامام العظيم الذي هو من عظماء أئمة أهل البيت عليهمالسلام الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، و قبل أن أقفل هذا الكتاب اكرر ما أعلنته في المقدمة من أن هذا الكتاب علي ما فيه من جهد شاق فانه لا يعطي الا صورة موجزة عن حياة الامام أبيجعفر عليهالسلام، فلم يلم بجميع شؤون حياته بل و لا ببعضها، و لم يكن ذلك عن مبالغة في القول أو غلو في المذهب و انما هو الواقع الذي نخلص له، و نؤمن به يفرض علينا ذلك. [ صفحه 265] و قبل أن أختتم الكتاب أري من الحق علي أن أرفع آيات الشكر الي سماحة الاستاذ حجة الاسلام و المسلمين الشيخ حسين الخليفة علي ما تفضل به من المساهمة في الانفاق علي طبع هذا الكتاب سائلا من الله أن يتولي جزاءه فانه ولي ذلك و القادر عليه. كما أن من الوفاء أن أذكر - باعتزاز - الجهود الشاقة التي بذلها سماحة الحجة الشيخ هادي القرشي من مراجعة بعض الموسوعات و غيرها التي أمدتنا بمعلومات كثيرة عن حياة الامام أبيجعفر الجواد عليهالسلام بالاضافة الي ملاحظاته الفنية في هذا الكتاب سائلا من الله تعالي أن يمد في حياته، و أن يجزيه عني خير ما يجزي أخا عن أخيه.
[1] سنعرض لهذه المسألة و غيرها في البحوث الآتية.
[2] اثبات الهداة 6: 185.
[3] عقيدة الشيعة: ص 200.
[4] الذريعة 1: 315، الأعلام 7: 155.
[5] عيون أخبار الرضا 2: 147.
[6] الصواعق المحرقة: ص 207.
[7] بحر الأنساب 2: 19 من مصورات مكتبة الامام أميرالمؤمنين، دلائل الامامة: 29، ضياء العالمين: ج 2، مخطوطات مكتبة الحسينية الشوشترية.
[8] الفصول المهمة: 252، تذكرة الخواص لابن الجوزي 321.
[9] المقنعة: 482. [
[10] دلائل الامامة: 209.
[11] الارشاد: 356.
[12] عمدة الطالب: 188.
[13] دلائل الامامة: 209.
[14] مختصر البحار في أحوال الأئمة - لنور الدين - مخطوطات مكتبة كاشف الغطاء.
[15] بحارالأنوار 12: 103.
[16] بحارالأنوار 12: 104.
[17] جامع الرواة 2: 311.
[18] مختصر البحار في أحوال الأئمة.
[19] النجوم الزاهرة 2: 231، الفصول المهمة: 252.
[20] دلائل الامامة: 209.
[21] نور الأبصار: 146، الفصول المهمة لابن الصباغ: 252.
[22] المكاسب - كتاب القيافة.
[23] مصباح الفقاهة: 384.
[24] النجوم الزاهرة 2: 231، الفصول المهمة: 252، الارشاد: 356.
[25] دلائل الامامة: 209، و جاء في مكارم الأخلاق: 92، عن محمد بن عيسي قال: سمعت الموفق يقول: كنت قدام أبيجعفر الثاني، و أراني خاتما في اصبعه، فقال لي: أتعرف هذا الخاتم؟ فقلت: له: نعم أعرف نقشه، فأما صورته فلا، و كان خاتم فضة كله، و حلقته و فصه فص مدور و كان عليه مكتوبا (حسبي الله) و فوقه و أسفله وردة، فقلت له: خاتم من هذا؟ فقال: خاتم أبيالحسن، فقلت له: و كيف صار في يدك؟ قال: لما حضرته الوفاة دفعه لي و قال: لا تخرجه من يدك الا الي علي ابني.
[26] تنقيح المقال 3: 317، بحارالأنوار 12: 117.
[27] كشف الغمة 3: 152.
[28] أخبار الدول: 115.
[29] بحارالأنوار 12: 104، اثبات الهداة 6: 161.
[30] بحارالأنوار 12: 104.
[31] بحارالأنوار 12: 117، اصول الكافي 1: 380.
[32] تاريخ الاسلام: 8، ورقة 158 (مصور).
[33] منهاج السنة 2: 127.
[34] الوافي بالوفيات 4: 105.
[35] تذكرة الخواص: 321.
[36] جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام: 149.
[37] الأعلام 7: 155.
[38] مطالب السؤل في مناقب آل الرسول 2: 74.
[39] كشف الغمة 3: 160.
[40] نور الأبصار: 138.
[41] المناقب 4: 361.
[42] النسناس: دابة و همية علي شكل الانسان.
[43] التيه: الكبر.
[44] المناقب 4: 361.
[45] المسح: الكساء من الشعر.
[46] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 178، المناقب4: 360.
[47] المناقب 4: 360.
[48] بحارالأنوار 12: 28.
[49] المناقب 4: 361 - 362.
[50] كشف الغمة 3: 107.
[51] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 180.
[52] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 179.
[53] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 179.
[54] حياة الامام الرضا (ع): 143.
[55] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 183.
[56] حياة الامام الرضا (ع): 143.
[57] الامامة في الاسلام: 125.
[58] الصولي: هو أبواسحاق ابراهيم بن العباس الصولي كان كاتبا بليغا، و شاعرا مجيدا، و من شعره: و لرب نازلة يضيق بها الفتي ذرعا و عند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت و كان يظنها لا تفرج و من كلامه: مثل أصحاب السلطان مثل قوم علوا جبلا ثم وقعوا منه فكان أقربهم الي التلف أبعدهم في الارتقاء.. يروي عن الامام الرضا (ع)، توفي بسر من رأي، في منتصف شهر شعبان سنة (243هـ ) جاء ذلك في الكني و الألقاب 2: 432 - 433.
[59] مناقب آل أبيطالب 4: 332.
[60] عيون أخبار الرضا (ع): 142 - 143.
[61] المناقب 4: 362.
[62] تاريخ ابنخلدون 4: 9.
[63] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 147.
[64] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 147.
[65] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 146.
[66] ضياء العالمين: ج 2، من مخطوطات مكتبة الحسينية الشوشترية.
[67] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 8.
[68] الدر النظيم، ورقة 218 من مصورات مكتبة الامام أميرالمؤمنين.
[69] الفصول المهمة لابن الصباغ: 251، اصول الكافي 1: 379.
[70] القذة: بضم القاف و فتح الذال ريش السهم، يقال: حذو القذة بالقذة اذا تساويا في المقدار حيث يقدر كل واحد منهما علي قدر صاحبه و يقطع و يضرب مثلا للشيئين يتساويان.
[71] الفصول المهمة: 251، بحارالأنوار 12: 103.
[72] بحارالأنوار 12: 117.
[73] بحارالأنوار 12: 104، اثبات الهداة 6: 161.
[74] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 172.
[75] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 239.
[76] عيون التواريخ: 3، ورقة 227.
[77] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 239.
[78] مناقب آل أبيطالب 4: 372.
[79] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 151 - 150، نور الأبصار: 143.
[80] عيون أخبار الرضا (ع) 2: 243.
[81] عيون التواريخ: 3، ورقة 227.
[82] الارشاد: 355.
[83] الارشاد: 355.
[84] الحدائق الوردية 2: 219.
[85] في أنوار اليقين من مخطوطات مكتبة كاشف الغطاء جاء هذا البيت: فليأت طوسا فان الله أسكنها سلالة من رسول الله منتجبه.
[86] حياة الامام الرضا (ع): 432.
[87] وسائل الشيعة 10: 437.
[88] وسائل الشيعة 10: 437.
[89] وسائل الشيعة 10: 442.
[90] مقتضب الأثر: 51.
[91] في كثير من المصادر أن عمر الامام الجواد كان سبع سنين و أشهر.
[92] دلائل الامامة: 250، فرق الشيعة: 59.
[93] الدر النظيم: ورقة 218 من مصورات مكتبة الامام أميرالمؤمنين.
[94] وسائل الشيعة 18: 512 - 511.
[95] الدر النظيم: ورقة 219.
[96] وسائل الشيعة 5: 298.
[97] وسائل الشيعة 5: 243.
[98] وسائل الشيعة 5: 242.
[99] وسائل الشيعة 10: 232. [
[100] وسائل الشيعة 9: 515.
[101] أعيان الشيعة 2 و 4: 245.
[102] اصول الكافي 2: 534.
[103] اثبات الهداة 6: 185.
[104] الوافي بالوفيات 4: 105، بحارالأنوار 12: 109.
[105] مرآة الزمان: 6، ورقة 105 من مصورات مكتبة الامام أميرالمؤمنين.
[106] وسائل الشيعة 6: 499.
[107] سجستان: بكسر أوله و ثانيه، و هي جنوبي هراة، قال محمد بن بحر الرهني: سجستان: احدي بلدان المشرق، و لم تزل لفاحا علي الضيم ممتنعة من الهضم منفردة بمحاسن، متوحدة بمآثر لم تعرف لغيرها من البلدان، ما في الدنيا سوقة أصح منهم معاملة، و لا أقل منهم مخاتلة و أضاف في تعداد مآثرها أنه لعن علي بن أبيطالب علي منابر الشرق و الغرب، و لم يلعن علي منابرها الا مرة، و امتنعوا علي بنيامية حتي زادوا في عهدهم أن لا يلعن علي منبرهم أحد... و أي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله (ص) علي منبرهم، و هو يلعن علي منابر الحرمين مكة و المدينة؟ - المعجم 3: 191 - 190.
[108] الخردل: نبات حبه صغير جدا.
[109] بحارالأنوار 12: 129.
[110] بحارالأنوار 12: 126.
[111] وسائل الشيعة 2: 874.
[112] وسائل الشيعة 2: 893.
[113] نزهة الجليس 2: 111، الوافي بالوفيات 4: 106، الأئمة الاثنا عشر: 103.
[114] الدلجة: المسير في الليل.
[115] مرآة الجنان 2: 81، نزهة الجليس 2: 111، الوافي بالوفيات 4: 106، الأئمة الاثنا عشر: 103.
[116] بحارالأنوار 12: 101.
[117] نفس المصدر.
[118] وسائل الشيعة 8: 58.
[119] وسائل الشيعة: 18: 131.
[120] بحارالأنوار 12: 129 - 128.
[121] التوحيد: 143 - 142.
[122] التوحيد: 164.
[123] التوحيد: 64.
[124] التوحيد: 69، نسب هذا الحديث الي الامام الباقر (ع) و هو اشتباه.
[125] التوحيد: 44.
[126] السنجاب: حيوان علي حد اليربوع أكبر من الفأرة شعره في غاية النعومة يتخذ من جلده الفراء يلبسه المتنعمون، و هو شديد الختل ان أبصر الانسان صعد الي الشجرة العالية، و هو كثير في بلاد الصقالبة و أحسن جلوده الأزرق، جاء ذلك في مجمع البحرين.
[127] الفنك: دويبة برية يؤخذ منها الفرو، يقال: ان فروها أطيب من جميع أنواع الفراء، جاء ذلك في مجمع البحرين.
[128] الخز: دابة من دواب الماء تمشي علي أربع تشبه الثعلب، ترعي في البر، و تنزل في البحر، لها و بر يعمل منه الثياب، تعيش في الماء، جاء ذلك في مجمع البحرين.
[129] وسائل الشيعة 3: 253.
[130] وسائل الشيعة 3: 489.
[131] وسائل الشيعة 3: 303.
[132] وسائل الشيعة 7: 263.
[133] وسائل الشيعة 6: 131.
[134] وسائل الشيعة 6: 348.
[135] سورة الجمعة: 105 - 103.
[136] وسائل الشيعة 6: 350.
[137] الحدائق الناضرة.
[138] وسائل الشيعة 8: 37.
[139] اللمعة الدمشقية 2: 177.
[140] وسائل الشيعة 8: 43.
[141] نفس المصدر.
[142] وسائل الشيعة 8: 177.
[143] اللمعة 2: 324.
[144] وسائل الشيعة 9: 153.
[145] وسائل الشيعة 16: 221.
[146] تهذيب الأحكام 8: 311.
[147] وسائل الشيعة 16: 248.
[148] وسائل الشيعة 13: 308.
[149] وسائل الشيعة 13: 304.
[150] وسائل الشيعة 13: 322.
[151] وسائل الشيعة 9: 213.
[152] وسائل الشيعة 14: 207.
[153] وسائل الشيعة 15: 320.
[154] وسائل الشيعة 14: 296.
[155] وسائل الشيعة 15: 476.
[156] وسائل الشيعة 17: 567.
[157] وسائل الشيعة 17: 324.
[158] وسائل الشيعة 17: 446.
[159] علق الشيخ الحر علي ذلك بقوله: أقول: لا يلزم من جواز البيع بعد عشر سنين الحكم بموته لجواز بيع الحاكم مال الغائب مع المصلحة ذكر ذلك جماعة من علمائنا.
[160] وسائل الشيعة 17: 584.
[161] وسائل الشيعة 15: 452، علل الشرائع: 172، المحاسن: ص 303.
[162] وسائل الشيعة 15: 594.
[163] اكمال الدين و اتمام النعمة 2: 49 - 48، و الكفاية و النصوص من مخطوطات مكتبة كاشف الغطاء العامة.
[164] سورة البقرة: 148.
[165] اكمال الدين و اتمام النعمة 2: 49، الكفاية و النصوص.
[166] الفصول المهمة لابن الصباغ: 373.
[167] جوهرة الكلام: 150.
[168] الدر النظيم: ورقة 223.
[169] الاتحاف بحب الأشراف: 77، الدر النظيم: ورقة 223.
[170] الفصول المهمة لابن الصباغ: 258.
[171] الفصول المهمة لابن الصباغ: 258.
[172] جوهرة الكلام: 150.
[173] الاتحاف بحب الأشراف: 78.
[174] الاتحاف بحب الأشراف.
[175] الدر النظيم.
[176] تحف العقول: 456.
[177] نفس المصدر.
[178] في نسخة: فاذا كان ميلك و هواك الي و تحبني كنت معي حيث كنت أنا.
[179] تحف العقول: 456.
[180] هكذا في الأصل و لعل الصحيح بلغت الحناجر.
[181] الدر النظيم: ورقة 323 - 322.
[182] بحارالأنوار 12: 112.
[183] بحارالأنوار 12: 162.
[184] أربي دهرا: أي كان يتعاطي الربا زمنا.
[185] وسائل الشيعة 12: 433.
[186] تحف العقول: 456 - 455.
[187] تحف العقول: 457.
[188] المصادر التي اقتبسنا منها هذه الكلمات الذهبية هي: تحف العقول: ص 457 - 455، نزهة الجليس 2: 111، مرآة الجنان 2: 80، مجموعة ورام: 109، أعيان الشيعة 4 - 2: 244، وسائل الشيعة، جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام.
[189] رجال الطوسي: 397.
[190] رجال البرقي: 57.
[191] رجال الكشي: 2: 869.
[192] معجم رجال الحديث 1: 157.
[193] رجال النجاشي: 12.
[194] رجال الكشي 2: 813.
[195] معجم رجال الحديث 1: 169.
[196] تنقيح المقال 1: 37 - 36.
[197] تنقيح المقال 1: 35.
[198] الكشي 2: 833.
[199] الكشي 2: 834.
[200] معجم رجال الحديث 2: 102.
[201] وافد القميين: كانت أهالي قم توفده الي الأئمة (عليهمالسلام) لأخذ المسائل الفقهية عنهم.
[202] رجال الكشي 2: 831.
[203] رجال الطوسي: 399.
[204] معجم رجال الحديث 2: 242 - 235.
[205] رجال النجاشي: 75.
[206] رجال الطوسي: 398.
[207] معجم رجال الحديث 2: 274 - 267.
[208] تنقيح المقال 1: 81.
[209] رجال النجاشي: 79.
[210] معجم رجال الحديث 2: 303.
[211] معجم رجال الحديث 2: 351 - 350.
[212] رجال الطوسي: 398.
[213] معجم رجال الحديث 3: 31.
[214] معجم رجال الحديث 3: 32.
[215] رجال الطوسي: 397.
[216] النجاشي: 105.
[217] معجم رجال الحديث 3: 277.
[218] رجال الطوسي:399.
[219] النجاشي:120.
[220] رجال الطوسي:399.
[221] معجم رجال الحديث 4: 130.
[222] رجال الطوسي: 399.
[223] رجال الطوسي: 399.
[224] معجم رجال الحديث 4: 139.
[225] الغيبة: 350.
[226] رجال الكشي 2: 800 - 779.
[227] رجال البرقي: 56.
[228] النجاشي: 58.
[229] النجاشي: 60.
[230] معجم رجال الحديث 4: 270.
[231] رجال الطوسي: 400.
[232] رجال النجاشي: 61.
[233] رجال الطوسي: 400.
[234] رجال الطوسي: 400.
[235] رجال الطوسي: 400.
[236] معجم رجال الحديث 5: 201.
[237] معجم رجال الحديث 5: 248.
[238] رجال الطوسي: 400.
[239] رجال الطوسي: 400.
[240] رجال الطوسي: 400.
[241] رجال الطوسي: 400.
[242] معجم رجال الحديث 6: 84.
[243] رجال الطوسي: 400.
[244] معجم رجال الحديث 6: 91.
[245] معجم رجال الحديث 6: 98.
[246] رجال الطوسي: 400.
[247] رجال الطوسي: 400.
[248] البرقي: 456.
[249] النجاشي: 141.
[250] رجال الطوسي: 401.
[251] الكشي 2: 868 - 867.
[252] النجاشي: 113.
[253] معجم رجال الحديث 7: 121.
[254] اصول الكافي: 569.
[255] النجاشي: 116.
[256] معجم رجال الحديث 7: 130.
[257] معجم رجال الحديث 7: 148.
[258] رجال الطوسي: 401.
[259] النجاشي: 124.
[260] الكشي 2: 792.
[261] الكشي 2: 858.
[262] النجاشي: 127.
[263] النجاشي: 132.
[264] رجال الطوسي: 401.
[265] رجال الطوسي: 402.
[266] رجال الطوسي: 402.
[267] النجاشي: 140.
[268] معجم رجال الحديث 9: 58.
[269] الكافي 1: 130.
[270] رجال الطوسي: 402.
[271] معجم رجال الحديث 9: 86.
[272] رجال الطوسي: 402.
[273] رجال الطوسي: 402.
[274] النجاشي: 139.
[275] النجاشي: 140.
[276] النجاشي: 140.
[277] النجاشي: 140.
[278] الكشي 2: 793.
[279] الكشي 3: 793.
[280] الكشي 2: 796.
[281] النجاشي: 140.
[282] الكشي 2: 792.
[283] رجال الطوسي: 404.
[284] رجال الطوسي: 404.
[285] رجال الطوسي: 404.
[286] النجاشي: 164 - 163.
[287] معجم رجال الحديث 9: 312.
[288] رجال الطوسي: 403.
[289] الكشي 2: 834.
[290] رجال الطوسي: 403.
[291] رجال الطوسي: 403.
[292] النجاشي، 157.
[293] رجال الطوسي: 403.
[294] رجال الطوسي: 403.
[295] النجاشي: 252.
[296] معجم رجال الحديث 11: 260.
[297] رجال الطوسي: 404.
[298] النجاشي: 278.
[299] رجال الطوسي: 403.
[300] النجاشي: 274.
[301] الكشي 2: 840.
[302] معجم رجال الحديث 11: 333.
[303] النجاشي: 276.
[304] رجال الطوسي: 404.
[305] رجال الطوسي: 402.
[306] معجم رجال الحديث 11: 365.
[307] معجم رجال الحديث 11: 381.
[308] معجم رجال الحديث 12: 8 - 7.
[309] رجال الطوسي: 404.
[310] النجاشي: 254.
[311] رجال الطوسي: 403.
[312] البرقي: 57.
[313] معجم رجال الحديث 12: 147.
[314] معجم رجال الحديث 12: 165.
[315] رجال الطوسي: 403.
[316] رجال الطوسي: 404.
[317] الكشي: 825، النجاشي: 253.
[318] الكشي 2: 825.
[319] النجاشي: 253.
[320] النجاشي: 253.
[321] الكشي 2: 826.
[322] الكشي 2: 826.
[323] الكشي 2: 826.
[324] الكشي 2: 826.
[325] الكشي 2: 827 - 826.
[326] الكشي 2: 827.
[327] الغيبة: 349.
[328] معجم رجال الحديث 12: 217.
[329] رجال الطوسي: 404.
[330] من لا يحضره الفقيه 2: 204.
[331] رجال الطوسي: 404.
[332] رجال البرقي: 57.
[333] رجال الطوسي: 404.
[334] رجال الطوسي: 404.
[335] رجال الطوسي: 405.
[336] الكشي 2: 835.
[337] معجم رجال الحديث 14: 225.
[338] رجال الطوسي: 407.
[339] رجال الطوسي: 407.
[340] معجم رجال الحديث 14: 264.
[341] رجال الطوسي: 407.
[342] رجال البرقي: 57.
[343] الكشي 2: 303.
[344] رجال الطوسي: 405.
[345] معجم رجال الحديث 15: 107.
[346] الكشي 2: 835.
[347] رجال النجاشي: 330.
[348] معجم رجال الحديث 15: 226.
[349] معجم رجال الحديث 15: 226.
[350] معجم رجال الحديث 15: 274.
[351] رجال الطوسي: 408.
[352] رجال الطوسي: 408.
[353] الكشي 2: 832.
[354] رجال الطوسي: 407.
[355] معجم رجال الحديث 15: 248.
[356] النجاشي 336 - 335.
[357] معجم رجال الحديث 15: 323.
[358] رجال الطوسي: 407.
[359] النجاشي: 334.
[360] معجم رجال الحديث 15: 229.
[361] تنقيح المقال 3: 110.
[362] رجال الطوسي: 404.
[363] تنقيح المقال 3: 113.
[364] رجال الطوسي: 406.
[365] رجال الطوسي: 405.
[366] تنقيح المقال 3: 124.
[367] تنقيح المقال 3: 124.
[368] الكشي 2: 449.
[369] تنقيح المقال 3: 135.
[370] رجال الطوسي: 406.
[371] تنقيح المقال 3: 145.
[372] رجال الطوسي: 406.
[373] النجاشي: 350.
[374] رجال الطوسي: 405.
[375] الرخجي: كورة و مدينة من نواحي كابل.
[376] رجال الطوسي: 405.
[377] تنقيح المقال 3: 171.
[378] رجال البرقي: 57.
[379] رجال الطوسي: 405.
[380] رجال البرقي: 57.
[381] رجال الطوسي: 406.
[382] رجال الطوسي: 406.
[383] الكشي 2: 855.
[384] رجال الطوسي: 406.
[385] رجال الطوسي: 406.
[386] الكشي 2: 835.
[387] رجال الطوسي: 406.
[388] تنقيح المقال 3: 218.
[389] رجال الطوسي: 406.
[390] النجاشي: 412.
[391] الكشي 2: 635.
[392] رجال الطوسي: 406.
[393] النجاشي: 418.
[394] رجال الطوسي: 407.
[395] النجاشي: 413.
[396] رجال الطوسي: 407.
[397] رجال الطوسي: 405.
[398] رجال الطوسي: 405.
[399] رجال الطوسي: 405.
[400] النجاشي: 409.
[401] رجال الطوسي: 405.
[402] النجاشي: 405.
[403] رجال الطوسي: 408.
[404] رجال الطوسي: 408.
[405] النجاشي: 439.
[406] رجال الطوسي: 408.
[407] رجال الطوسي: 409.
[408] الكشي 2: 832.
[409] رجال الطوسي: 408.
[410] رجال الطوسي: 408.
[411] رجال الطوسي: 409.
[412] رجال الطوسي: 409.
[413] رجال الطوسي: 409.
[414] رجال الطوسي: 409.
[415] تاريخ الاسلام 2: 322.
[416] حياة الامام موسي بن جعفر 1: 82.
[417] تاريخ الاسلام 2: 338.
[418] تاريخ الفلسفة في الاسلام: 39.
[419] حضارة العرب: 218.
[420] المعارف: 231 - 230، الفهرست: 45 - 42.
[421] التبيان 1: 4.
[422] حياة الامام محمد الباقر 1: 181.
[423] حياة الامام محمد الباقر 1: 181.
[424] مقدمة المقنع و الهداية: 10.
[425] الفهرست: 339.
[426] رحلة ابنجبير: 208.
[427] عصر المأمون 1: 375.
[428] اتجاهات العشر العربي: 49.
[429] تاريخ التمدن الاسلامي 4: 182.
[430] السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي 1: 16.
[431] التنبيه و الاشراف: 302.
[432] عيون التواريخ: 3، ورقة 212.
[433] سمط النجوم 3: 306.
[434] صاحب المحراب: هو سليمان بن داود الذي بني بيت المقدس.
[435] هرت الشدق: واسعه. كالخ الأنياب: كاشرها.
[436] العقاب: احدي السفن التي كانت معدة للأمين.
[437] أبونواس لابن منظور: 104 - 103.
[438] اتجاهات الشعر العربي: 73.
[439] عيون التواريخ: 3، ورقة 211.
[440] حياة الحيوان للدميري 1: 78.
[441] الأغاني.
[442] دائرة المعارف الاسلامية البريطانية 1: 140.
[443] التنبيه و الاشراف: 303. الولاة و القضاء: 168.
[444] مقاتل الطالبيين.
[445] مقاتل الطالبيين.
[446] تاريخ ابنالأثير.
[447] روح الاسلام: 308.
[448] نظرية الامامة: 381.
[449] العمدة لابن رشيق 1: 76- 75.
[450] تاريخ الخلفاء للسيوطي: 261.
[451] الأدب في ظل التشيع: 68.
[452] تاريخ الطبري 10: 446.
[453] النزاع و التخاصم للمقريزي: 51.
[454] حياة الامام موسي بن جعفر 2: 47.
[455] الحدائق الوردية 2: 220.
[456] عصر المأمون.
[457] الادارة الاسلامية في عز العرب: 82.
[458] المقدمة: 180 - 179.
[459] المقدمة.
[460] أحسن التقاسيم للمقدسي: 64 (طبع ليدن).
[461] مقدمة البخلاء: 24.
[462] مقدمة البخلاء: 24.
[463] الطبري 7: 149، و ابنالأثير 4: 206.
[464] تزيين الأسواق للأنطاكي 3: 117.
[465] الحدائق الوردية 2: 220.
[466] حضارة الاسلام.
[467] الاسلام و الحضارة العربية.
[468] الاسلام و الحضارة العربية 2: 231.
[469] المستطرف: 184 - 182.
[470] تاريخ بغداد 5: 393.
[471] حضارة الاسلام: 98.
[472] الأغاني 9 / 88.
[473] حضارة الاسلام في دار السلام: 96.
[474] الجهشياري: 246.
[475] طبقات الشعراء لابن المعتز: 209.
[476] تاريخ الطبري 10: 92.
[477] ضحي الاسلام 1: 127.
[478] حضارة الاسلام: 95، نقلا عن المستطرف: 96.
[479] حضارة الاسلام: 95.
[480] حضارة الاسلام: 96.
[481] المقدمة: 267.
[482] تاريخ بغداد ليطفور: 36.
[483] التنظيمات الاجتماعية و الاقتصادية لصالح أحمد: 177.
[484] امراء الشعر العربي: 45.
[485] امراء الشعر العربي: 45.
[486] الاسلام و الحضارة العربية 2: 230.
[487] الاسلام و الحضارة العربية 2: 231.
[488] يوم السعانين: عيد للنصاري.
[489] الأغاني 19: 138.
[490] حياة الحيوان 3: 91.
[491] الأغاني 6: 75.
[492] حياة الحيوان 5: 115.
[493] الأوراق: 61.
[494] حلية الأولياء 7: 373 - 367.
[495] حلية الأولياء 2: 181.
[496] صفة الصفوة 2: 189.
[497] العقد الفريد 3: 254.
[498] المستطرف 2: 306.
[499] الحضارة العربية لجاك س. ريسلر: 108.
[500] نور الأبصار: 146، أخبار الدول: 116، الاتحاف بحب الأشراف: 64. بحر الأنساب 2: 19 (من مصورات مكتبة الامام أميرالمؤمنين).
[501] أراد أن ينادمه الامام، و يدخل معه - و العياذ بالله - في ميادين الدعارة.
[502] يبني عليه ابنته: أي يزفها اليه.
[503] العثنون: اللحية، أو ما فضل منها بعد العارضين أو طولها.
[504] اصول الكافي 1: 495-494.
[505] البحار و غيره.
[506] الارشاد: 360 - 359.
[507] الارشاد: 361. الوسائل 9: 187.
[508] منهاج السنة 2: 128- 127.
[509] حياة الامام موسي بن جعفر 2: 44.
[510] الارشاد: 362 - 361. وسائل الشيعة 8: 115.
[511] الارشاد: 362.
[512] تحف العقول: 453 - 452. وسائل الشيعة 9: 188.
[513] الارشاد: 362.
[514] الارشاد: 363.
[515] الارشاد: 363، وسائل الشيعة 14: 519.
[516] اثبات الهداة 6: 19.
[517] عقيدة الشيعة: 200.
[518] تاريخ بغداد لأحمد طيفور 6: 33 (من مخطوطات مكتبة الامام كاشف الغطاء). تاريخ الطبري 1: 623.
[519] بحارالأنوار 12: 112.
[520] تاريخ بغداد 6: 363.
[521] الارشاد: 364، أخبار الدول: 116، وسائل الشيعة 4: 1059.
[522] الارشاد: 364.
[523] شذرات الذهب 2: 48. العبر في خبر من غير 1: 380. النجوم الزاهرة 2: 231. الوافي بالوفيات 4: 105. مرآة الجنان 2: 80. مرآة الزمان: 6، ورقة 105.
[524] طرطوس: بلدة في أرض الشام - معجم البلدان.
[525] ازاذ: الرطب الجديد.
[526] كثات: لعل المراد منه المكتل من الخوص.
[527] الأنباء في تاريخ الخلفاء: 104.
[528] تاريخ ابنالأثير 5: 227.
[529] التنبيه و الاشراف: 404.
[530] أخبار الدول: 154.
[531] اثبات الهداة 6: 190.
[532] الاسلام و الحضارة العربية 2: 237، أخبار الدول: 155.
[533] أخبار الدول: 155.
[534] وفيات الأعيان.
[535] الاسلام و الحضارة العربية 2: 449.
[536] مروج الذهب 4: 9.
[537] ظهر الاسلام 1: 5 - 4.
[538] تاريخ الخلفاء: 223.
[539] تاريخ الحضارة الاسلامية في الشرق: 24.
[540] شرح ميمية أبيفراس: 36. الفصول المهمة: 262.
[541] الكرسوع: طرف الزند الذي يلي الخنصر.
[542] تفسير العياشي 1: 319، البرهان 1: 471، البحار 12: 99، وسائل الشيعة 18: 490.
[543] المحجة البيضاء 4: 308.
[544] الكشي 2: 838.
[545] اثبات الهداة 6: 190.
[546] الارشاد: 369.
[547] اكمال الدين 2: 50.
[548] الارشاد: 369.
[549] بحرالأنساب: 28. سبك الذهب في سبك النسب. مرآة الجنان 2: 81، نزهة الجليس 2: 111.
[550] تفسير العياشي 1: 320. بحارالأنوار 12: 99. البرهان 1: 471.
[551] نزهة الجليس 2: 111. المناقب 4: 391.
[552] الارشاد: 369.
[553] بحارالأنوار 12: 99.
[554] نزهة الجليس 2: 111. و في مرآة الجنان 2: 81 أنه صلي عليه الواثق بن المعتصم.
[555] تاريخ الاسلام للذهبي: 8، ورقة 158 (مصور)، روض المناظر في تاريخ الأوائل و الأواخر لمحمد بن شحنة (مخطوط)، منتخب مرآة الجنان و عبرة اليقضان لليافعي (مخطوط)، تاريخ قم ترجمة البراقي (مخطوط).
[556] تاريخ الخميس 2: 375، منتخب مرآة الجنان و عبرة اليقضان، بحر الأنساب 2: 19 تاريخ قم (مخطوط)، شذرات الذهب 2: 48، روض المناظر في تاريخ الأوائل و الأواخر.
[557] نزهة الجليس 2: 61. مرآة الجنان 2: 81.
[558] النجوم الزاهرة 2: 231.
[559] الفصول المهمة لابن الصباغ: 262.