ghaemiyeh.com
فصل الخطاب
في تاريخ قَتلِ ابن الخَطاب
وَتليهِ رسالة شَهادَةُ الأَثَر عَلَى إِيْمَان قاتِل عُمر
الشَّيخ أبو الحُسَين الخُوئيني
محرر الرقمي: زهراء شريفيان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمین و الصلاة والسلام سیدنا علی محمد وآله الطیبین والطاهرین و لعنة الله علی اعدائهم اجمعین من الان إلی قیام یوم الدین
الطبعة الأولى 1427 ه - 2006 م
هيئة خدام المهدي علیه الصلاة والسلام
هيئة تثقيفية إسلامية تطوعية هدفها تنمية المجتمعات إيمانيا وفق رسالة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
مكتب لندن 00442084510764 - 00447930888699
فاكس: 00448706221998
KMO
PO Box 864
Wembely - London
HA9 1BL
UK
البريد الإلكتروني: kmolondon@yahoo.co.uk
موقع محاضرات الشيخ الحبيب: www.alqatrah.org
تصميم الغلاف: مارتن ستيوارت (المنبر جرافيك - بيروت)
توزيع:
مركز نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بيروت - حارة حريك - بئر العبد
خلف البنك الفرنسي
فصل الخطاب في تاريخ قتل ابن الخطَّاب
وَتليهِ رسالة شَهادَةُ الأثَر عَلى إيمان قاتِل عُمَر
الشَّيخ أبو الحُسَين الخُوئيني
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا
صدق الله العلي العظيم
إلى سرِّ الله المَكين، ومِشكاةِ نومرِه الوَضاء، والدُّرِة البيضاء إلى كعبةِ الآمال، وأمينةِ الوحي، ورُكنِ الهدى، الإنسيَّةِ الحوراء
إلى المُحدَّثِة العليمة، الكريمةِ الرَّحيمة، العفيفةِ الشَّهيدة
إلى الصوّامةِ القوّامة والحنّانةِ الميمونة والصّابرِة المهضومة إلى البتولِ الطّاهرِة، حليفةِ العبادة، وآيةِ النبوّة، الرَّشيدةِ المعصومة
مولاتي، يا فاطمة، قد مسَّنا وأهلَنا الضُّر وجئناكِ في يومِ عيدِكِ بضاعةٍ مزجاة، فأو في لنا کیل الرِّضي، وتصدَّقي عليها بالشَّفاعة إن الله يَجزي المتصدِّقين
مُدْ حَلَّ يَوْمُ التَّاسِعَ اكْتَمَلَ النِّصاب *** وَعَلَى يَدَيْ عَبْد الوَصيِّ جَرى العقاب
شَهْرَ الرَّبيع الأولِ اسْعَد زاهياً *** فَاللهُ فيكَ دُعَاءَ فَاطِمَةَ اسْتَجَاب
واسْتَأصَلَ الجِبْتَ الَّذي عادى النَّبِيِّ *** وَآلَهُ جَهْراً فَعَاجَلَهُ العَذاب
مَنْ قالَ يَهْذي للنَّبي مُحَمَّد *** يَعْني بأن المُصطَفى فَقَدَ الصَّواب
فرْعَوْنَ آل البَيت غاصبَ حَقَّهُمْ *** سَلْ عَنْهُ بَابَ الدَّارِ وَاسْتَمِع الْجَواب
مَنْ حَرَّفَ القُرآن طبق مَذاقِهِ *** مِنْ بَعْدِ غَصْبٍ خَلافَةِ لأَبي تُراب
وأعادَ مَجْداً للنفاق وَأَبْدَعَ اللَ *** سُّنَنَ الَّتِي قَدْ خَالَفَتْ نَصَّ الكتاب
وَأَجابَ مَنْ سَأَلُوهُ عَنْدَ مَماته *** ما تَشْتَهي؟ قالَ النَّبيذ من الشَّراب
وَأَذاعَ في الأَرْضِ الْفَسَادَ فَأَظْلَمَتْ *** مِنْ كُفْرِهِ الدُّنْيا وَنَجْمُ الْخَيْر غَابِ
حَتّى أتى فَيروزُ مُؤْمِنُ فارسٍ *** وَفُوَادُهُ حُزْناً عَلَى الزَّهْراء ذاب
فَسَقَى ابْنَ حَنْتَمَةَ الرَّدى سَلَمَتْ يَدٌ *** كَمْ أَسْعَدَتْ عَيْناً وَكَمْ أَنْسَتْ مُصَابٌ
فَتَرى ديارَ الْمُؤمنينَ سَعيدةً *** وديارُ مَنْ والاهُ خاوِيَةٌ خَراب
قَدْ حَرَّفَوا تاريخَ يَوْمِ هَلاكِهِ *** لِيُكَذِبُوا مَشْهُورَ أَتْباعِ الصَّواب
لكِنَّ أَيَّامَ النِّفَاقِ قَدِ انْتَهَتَ *** أَرْحْ لَقَدْ كَشَفَ الدُّجى فَضَلُ الْخِطَابُ
134 400 48 200 643
المجموع: 1425 ه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله قاصم الجبارين، مبير الظالمين، مدرك الهاربين، خير الماكرين والصلاة والسلام على بشير المؤمنين ونذير المنافقين والكافرين محمد المصطفى وآله المظلومين المقتولين المضطهدين.
واللعن الدائم على أعدائهم الذين قال الله تعالى في حق الذين تولَّوا الحكم والخلافة منهم: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ»(1).
وقال في حقِّهم لما كتموا فضائل أهل البيت علیهم السلام: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَتُهُمُ اللَّاعِنُونَ»(2).
وقال في حقِّ أتباعهم الذين اختاروا الجبت والطاغوت بدلاً عمَّن اختارهم الله تعالى، وقدَّموهما عليهم: «يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاء أهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ
يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً»(1).
وأخبر عن حالهم لمّا آذوا الله ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم في حياته، وبعد وفاته بإيذاء بضعته الزهراء وبعلها وبنيها عليهم السلام بقوله: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً»(2).
وأخبر عن خلودهم في النار يوم القيامة وأمر الناس بلعنهم تأسِّياً به تعالى وبملائكته الكرام بقوله: «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفِّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ»(3).
وبعد، فقد اختلفت كلمة علماء الشيعة في تحديد تاريخ قتل عمر بن الخطاب، وتضاربت أقوالهم في ذلك.
فمنهم: من ذهب إلى أنه كان في التاسع من ربيع الأول، طبقاً لما هو المشهور بين جمهور الشيعة وما وردت به الرواية عن المعصومين علیهم السلام عندهم.
ومنهم: من ذهب إلى كونه في آخر ذي الحجة، تبعاً لما هو مجمع عليه عند العامّة، ووردت به الرواية عندهم.
ومنهم: من تردد بين القولين، فمال في بعض كتبه إلى القول الأول، وفي بعضها الآخر إلى القول الثاني.
ولما لم تكن المسألة تاريخيّة فحسب، بل كانت ذات جذور عن عقائدية، إذ أن إثبات كون ذلك قد تم في التاسع من الربيع فضلاً كونه يكشف عن أمر لا يستهان بخطورته، ولا يغفل عن أهميته، ألا وهو دينهم وضع الروايات الكثيرة كذباً وتدليساً وزوراً في أهم مصادر العامة وكتبهم - كما سيسفر عنه كتابنا هذا بإذن الله تعالى - التي هي منبع استقاء و معتقدهم، فإنه يكشف عن صحّة ما اشتهر بين عوام الشيعة على مرِّ العصور من تاريخ قتله، مما يدلِّل على أهمِّية أمثال هذه الشهرات العاميّة(1)
فاشتهار أمر بينهم بهذا النحو وفي جميع الأمصار والأعصار يكشف لا محالة عن كونهم أخذوه من العلماء الأبرار وهم بدورهم من أصحاب الأئمّة من الأئمّة عليهم السلام.
نعم نستثني من ذلك الشهرات الحادثة في المائة الأخيرة، حيث بدأ بعض الشيعة ينحون آخر غير الذي كان عليه من سبقهم من أسلافهم، فبدؤوا يتنازلون عن عقائدهم المذهبية، وشعائرهم الدينيّة، سيما المرتبط منها بجنبة التبري، متنكرين بذلك للدماء الزكيّة الطاهرة التي سفكت في سبيل حمل الدين وإيصال المذهب الحق إليهم، والتي على رأسها دماء العترة الطاهرة علیهم السلام، ويليها دماء أصحاب الأئمة، ثم العلماء الأبرار - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - الذين ضحوا بكل غال ونفيس، وبذلوا مهجهم الشريفة في سبيل أن (نعرف ولي الله فنواليَه، ونعرف عدو الله فنعاديَه). وذلك يرجع إلى أسباب عديدة، ولعلَّ أهمها أمران:
1 - دخول الكثير من المعمَّمين في الآونة الأخيرة في المعترك السياسي، مما نتج عنه:
أولاً: انشغال جماعة منهم بذلك عن الوظيفة الأساسيّة لرجل الدين، وهي الدفاع عن المذهب، وتثبيته في قلوب الشيعة من خلال تقوية الشعائر الدينيّة - الولايتيّة والبراءتية - وتعزيزها بالأدلة القطعيّة والبراهين الجليّة.
ثانياً: حدوث هوة بين رجال الدين وعوام الشيعة لكثرة ما يستلزمه الخوض في معترك السياسة من تناقضات وأخطاء أدت إلى سلب وثوق العامة من الناس بصنف رجال الدين بشكل عام، واعتزالهم له، مما أدى إلى صيرورتهم فريسة سهلة للشبهات.
2 - تفطّن أعداء الدين والمذهب إلى عدم جدوى الحرب الخارجيّة على التشيع على مرِّ التاريخ، وعدم إثمارها إلا ازدياد هذا المذهب قوة وانتشاراً، سيما بين أبناء العامّة أنفسهم، فعمدوا في الآونة الأخيرة إلى شراء بعض الأقلام والكُتّاب والرموز وال.. في داخل الوسط الشيعي، ووظّفوهم لمحاربة جنبة التبري التي هي الفصل المقوِّم للمذهب الشيعي والمميِّز له عن سائر المذاهب المنتسبة إلى الإسلام، وتفريغه من محتواه الحقيقي، وجعله جسداً بلا روح، وذلك تحت عناوين براقة خداعة أخطرها عنوان (الوحدة الإسلاميّة)، حيث يُنادون بالوحدة العقائدية لا السياسيّة، ويريدون لها العصر أن تكون السيف الذي يُذبح به التبري الذي هو قوام التشيُّع، كما كانت على مرِّ التاريخ السلاح الذي غُصبت به الخلافة، وظلمت به الزهراء علیها السلام وغُصبت حقَّها، وسُمَّ به الحسن علیه السلام، وقُتل به الحسين علیه السلام و..، بل سبب جميع الظلامات التي وقعت على عترة النبي الطاهرة، وعلى شيعتهم في طول التاريخ
، ولزوم الاعتناء بها وأخذها بعين الاعتبار، خلافاً لما اشتهر بين1) والسرّ في ذلك أن عوام الشيعة على مرِّ الأعصار، وفي جميع البلاد الشيعية، كبلاد عاملة، وإيران، والعراق، والهند ونحوها، كانوا تبعاً لعلمائهم وانعكاساً عنهم فيما يرتبط بالشعائر الدينيّة سواء الولايتيّة - وهي التي تظهر جنبة التولي في المذهب - أو البراءتيّة - وهي التي تظهر جنبة التبري فيه - والتي من أهمِّها الاحتفال في يوم موت عمر بن الخطاب، حيث منحی إنه من أهم شعائر ومظاهر التبري من أعداء الله وأعداء النبي والعترة الطاهرة عليهم السلام.
متأخِّري هذه الأعصار من أنه كلَّما كان العالِم أبعد من المشهورات العاميَّة ومخالفاً لها كان أكثر موضوعيّة وأقرب إلى الصواب!
فمن أجل ذلك، قمنا - بتوفيق الله وعنايته - بتأليف كتاب يتناول القضية بشكل وافٍ، ويعتمد على الأمور المتفق عليها بين الخاصّة والعامة والمذكورة في مصادر الفريقين، أو على خصوص ما تفردت به مصادر العامة وصحّت فيه الرواية عندهم، من باب إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم، إحقاقاً للحق وإزهاقاً للباطل فإن الباطل مهما علا شأنه وطال أمده مصيره إلى الأفول والزوال «إنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً»(1).
وسيتضح لأهل العدل والإنصاف أن ما اشتهر بين الشيعة منذ القدم من اتخاذهم يوم التاسع من ربيع الأول عيداً اعتقاداً منهم بأن هلاك عمر بن الخطاب كان فيه هو الحق الصراح الذي قامت عليه الأدلة القطعية والبراهين الجليّة.
1) الإسراء: من الآية 81
وأن ما اتُّفق عليه بين العامة من كون قتله قد وقع في آخر ذي الحجة، لا يعدو كونه أكذوبة من أكاذيبهم التي لا يكاد يخلو منها كتاب من كتبهم في جميع الحوادث التاريخية التي لا ربط لها بالعقائد المذهبية، فضلاً عن مثل هذه الواقعة التي مثل هذه الواقعة التي هي من رؤوس المسائل الخلافية بيننا وبينهم.
فإن اختلافنا معهم في اتخاذ اليوم الذي قتل فيه عمر عيداً وعدمه مرجعه إلى الاختلاف الواقع بيننا وبينهم في هذا الرجل، حيث يرونه أقدس شخصيّة في تاريخ البشريّة، بينما نعتقد تبعاً لما ثبت بالقطع واليقين من طرق العامة أنفسهم، وروي لنا أنه أئمتنا المعصومين علیهم السلام أنه أكبر صنم عرفته البشريّة منذ بدء نشأتها وحتى يومنا هذا، بل إلى آخر الدنيا.
ولما كان اتخاذ هذا اليوم عيداً عند أتباع مذهب أهل البيت علیهم السلام ملازماً للقول بكون القتل وقع في التاسع من ربيع الأول بحسب ما هو مشهور بينهم وما وردت به الرواية عن المعصومين علیهم السلام عندهم، فإنه كان من الطبيعي جداً أن يقوم العامة - الذين هم حزب عمر وأتباعه - بمحاربة تلك الظاهرة بطرق شتّى والتي من أبرزها إنكار كون القتل وقع في التاسع من الربيع وتشهير كونه قد وقع في تاريخ آخر - كالآخر من ذي الحجّة - تشكيكاً للشيعة بما اشتهر عندهم ووردهم عن أئمتهم علیهم السلام، لأنه إذا بطل أحد المتلازمين بطل الآخر كما لا يخفى.
ولكن هيهات هيهات، فإنه «لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأهْلِهِ»(1)،
1) فاطر: من الآية 43
وسنوضح في كتابنا هذا - إنشاء الله - أن الحكمة الإلهيّة اقتضت بقاء شواهد قطعيّة كثيرة في كتبهم ومؤلفاتهم نفسِها تشهد بتكذيب رواتهم ووضع رواياتهم التي حاولوا من خلالها تزوير تاريخ تلك الواقعة، وطمس مكانتها عند الشيعة والموالين «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ»(1).
هذا، وقد رتّبنا مطالب هذا الكتاب على مقدِّمة وأربعة فصول، ثمَّ ألحقناه برسالة في بيان حال أبي لؤلؤة رحمه الله، وذيَلناه بخاتمة، «وَتَمَّت كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ».
أبو الحسين الخوئيني
1) الأنفال: من الآية 30
قبل الشروع في الاستدلال على مطلوبنا لا بأس بالتنبيه على بعض المقدِّمات التي سنأخذها كأصول موضوعيّة مسَلَّمة في بحثنا هذا - وإن كنت ستعرف أن النتيجة التي توصَّلنا إليها تثبت ولو مع عدم قبول أكثر هذه المقدِّمات ولكن نذكرها لما فيها من فائدة حتى في غير موضوع بحثنا - موكلين تشييدها بالأدلة والبراهين إلى محلِّه من أبحاثنا الأصولية وغيرها.
إن الخبر تارة تتكثَّر طرقه بنحو يورث العلم أو الاطمئنان بصدوره، فيسمى الأول بالمتواتر والثاني بالمستفيض، وأخرى لا تكون طرقه بأحد هذين النحوين ولكن يحتف بقرينة توجب القطع أو الاطمئنان بصدوره، فيسمى الأول بالقطعي والثاني بالموثوق.
ولا إشكال كما لا خلاف في حجيّة جميع أقسام الخبر المزبورة وجواز الأخذ بها سواء في الاعتقاد أو العمل ضرورة الحجية الذاتية للعلم بكلا قسميه - القطع والاطمئنان - وعدم احتياجها إلى دليل شرعي يدلّ عليها، كيف وإليها ترجع حجيّة كل حجّة ودليلية كل دليل؟!
ويُقابل الأقسامَ المزبورة للخبر خبرُ الواحد وهو المتنازع في جواز العمل به وعدمه في علم الأصول.
وبهذا يظهر أن المراد من (خبر الواحد) هو كل خبر لم يُقطع أو يُطمأن بصدوره، سواء أكان راويه واحداً أم متعدِّداً، لا خصوص الذي يكون مخبره واحداً كما هو ظاهر العنوان.
هذا ويظهر إجماع قدماء علماء الشيعة إلى زمن الشيخ الطوسي قدس سرّه على عدم حجيّة أخبار الآحاد بما هي أخبار آحاد، وعدم جواز العمل بها حتى لو كان رواتها من الثقات، وأن القسم الأكبر من أخبارنا الموجودة في أصولنا وكتبنا المعتبرة إنما عملوا بها لاحتفافها بقرائن أوجبت وثوقهم بها واطمئنانهم بصدورها.
نعم قد يُفهم من كلام شيخ الطائفة الطوسي رحمه الله في (العدة) في مبحث خبر الواحد خلاف ذلك، بل قد يُدعى صراحته في جواز العمل بها.
ولكن المتأمل في أطراف كلامه رحمه الله لا يكاد يستظهر من كلامه أزيد من حجيّة الخبر الموثوق كما أشار إلى ذلك شيخنا الأعظم رحمه الله في رسائله(1).
ثم إن أول من أدخل التقسيم الرباعي للخبر إلى صحيح (ما كان رواته عدولاً إماميين)، وموثَّق (رواته عدول ولكن فيهم غير الإمامي)، وحسن (رواته إماميون ممدوحون ولكن لم يوثقوا صريحاً)، وضعيف
1) رسائل الشيخ الأنصاري قدس سرّه 1: 332
(لم يوثَّق أو ضُعِّف بعض رواته)، إلى كتب الشيعة ومصنفاتهم الفقهيّة والأصوليّة هو العلامة الحلي تبعاً لشيخه وأستاذه ابن طاوس، فتوهَّم بعض من جاء بعده من متأخري هذه الأعصار أن التقسيم المزبور هو الملاك في جواز العمل بالأخبار عند قدماء الأصحاب، فتركوا العمل بالأخبار الضعيفة واختلفوا في العمل بالحسان، فعمل أكثرهم بها، وخصَّ بعضهم العمل بالقسمين الأولين، بل شذَّ بعضهم وقصر العمل على الصحاح من الأخبار، غافلين عن كون أكثر هذه الضعاف ليست في عداد الآحاد حتى تُراعى فيها شروط الحجيّة والاعتبار، وإنما هي من الأخبار الموثوقة والمطمأن بصدورها عند الأصحاب.
إذا اتضح لك ذلك، تعرف أن المبادرة إلى رمي الخبر بالضعف وترك العمل به لمجرَّد عدم كون راويه ثقة، وكذلك المبادرة إلى العمل بالخبر لمجرّد كون رواته ثقات، كلاهما في غير محلِّه، وحتى أن مؤسس هذا الأساس وهو العلامة قدس سرّه لم يكن قصده من هذا التقسيم كون صفة الوثاقة أو الحسن تمام الملاك في القبول والرد، وإنما كان غرضه بيان المزايا السندية الدخيلة في القبول والرد في الجملة، لا ملاك حصر القبول والرد بها كما يظهر جلياً بمراجعة كتبه الفقهية والأصولية وغيرهما.
والحق والإنصاف، هو أنه لم يقم دليل على حجية خبر الواحد، وأن عمدة ما يُستدل به على ذلك وهو السيرة - عقلائيّة كانت أم متشرعيّة - لا تدل على أزيد من حجيّة الخبر الموثوق، نعم وثاقة الرواة من أهم موجبات الوثوق بالمروي، إلا أن هذا لا يعني أن المدار عليها كما لا يخفى. كيف، وقد تكون هي نفسها سبباً لسلب الوثوق بالمروي كما في
الخبر الصحيح المعرض عنه من قبل الأصحاب، فإنه قد اشتهر أنه (كلما ازداد صحّة ازداد بإعراض الأصحاب عنه وهنا)؟!
وعلى أي حال فالاستدلال على ما ذكرناه موكول إلى محلِّه أبحاثنا الأصوليّة، والذي نريد أن ننبِّه عليه هنا هو أن توليد الخبر للعلم والاطمئنان لا ينحصر بالعامل الكمي المصطلح عليه بالتواتر والاستفاضة، بل قد لا يكون الخبر على هذه الصفة ولكن لاشتماله على العامل الكيفي يولد لنا علماً أو اطمئنانا.
بل حتى في الخبر المتواتر والمستفيض يكون العامل الكيفي دخيلاً في توليد العلم والاطمئنان إلا أنه يكون ملحوظاً في مجموع رواة الخبر لا في جميعهم كما لا يخفى.
فتوليد الخبر مطلقاً للعلم والاطمئنان يبتني على عاملين اثنين:
أ - العامل الكمي: وهو عدد الطرق التي روي من خلالها الخبر.
ب - العامل الكيفي: ونريد منه صفات في الراوي وخصوصيات في متن الرواية يوجبان الوثوق بالمروي كفقاهة الراوي وجلالته، وعلو مضمون الرواية أو اشتمالها على الإخبار بالمغيبات ونحو ذلك.
وهذان العاملان ككفتي ميزان، يتأثران ببعضهما البعض بطريقة متعاكسة، لا بمعنى وجود التنافي بينهما - فإنهما ليسا مانعي الجمع، بل مانعي الخلو في الخبر المفيد للعلم أو الاطمئنان - بل بمعنى أن اشتمال قلة الخبر على العامل الكمي بأن يكون رواته مثلاً مائة شخص، يوجب الحاجة إلى التحقيق في الجنبة الكيفية للرواة من قبيل احتمال تواطئهم على الكذب ووثاقتهم وضبطهم وغير ذلك. ومعنى هذا أن فقدان الكيفية
يقلِّل من قيمة الكميّة بل ربما يسقطها عن درجة الاعتبار بالكلية بحيث تكون الكمية بالغة ما بلغت قاصرة عن الحجية لعدم توليدها العلم أو الاطمئنان بل حصول الاطمئنان أو العلم بكذب الخبر ولو مع تكثِّر رواته كثرة هائلة.
كما أن اشتمال الخبر على العامل الكيفي يقلِّل من الحاجة إلى العامل الكمي، فتقوم عشرة طرق في مثل هذا الخبر مقام مائة طريق من الكيفية.
والنتيجة الحتميّة لما ذكرنا، كون تواتر الروايات من طريق العامة أو استفاضتها، مضافاً إلى عدم إفادته للعلم أو الاطمئنان بالنسبة إلى من اطَّلع على مؤامراتهم من زمن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم وتجنيدهم الجنود وجمعهم للعدّة عن طريق العلم والعمل لتحريف الحقائق الدينيّة وإسقاط ما لا يوافق أهواءهم منها، وإضافة ما يؤيِّد بدعهم وأصنامهم إليها، ومن أبرز مصاديق هذه المؤامرات مسألة تاريخ قتل عمر بن الخطاب كما ستطَّلع على كيفيّة تأمرهم لتحريفه عن قريب، مضافاً إلى ذلك ربما يكون شاهداً على كذبهم وأن هناك حقيقة أرادوا طمسها من خلال الغوغاء واختلاق الروايات الكثيرة لإخفاء الحقيقة المظلومة في المسألة.
فإن الحجج الشرعية - بما فيها الأخبار - عند عند جمهور علماء الشيعة ليست حججاً تعبدية وإنما هي حجج عقلانيّة - وليس للعقلاء تعبّد في مورد من الموارد كما لا يخفى وإنما يعملون على طبق نكات مرتكزة عندهم وإن لم يلتفتوا إليها تفصيلاً - أمضاها الشارع وقبلها كطرق
للتوصُّل من خلالها إلى الأحكام الدينيّة.
فليس منشأ قبول خبر الثقة كون الشارع قد تعبّدنا بمضمون الخبر فيما إذا كان راويه ثقة، بحيث تكون وثاقة الرواة الناقلين له هي تمام الملاك في حجّيته شرعاً وكونه مما يُحتج به للمكلف وعليه، وبالتالي، فلا حجيّة لأي خبر لا يكون رواته على هذه الصفة.
بل منشأ قبوله هو جهة كاشفيته نوعاً عن الواقع المقتضي للاعتقاد أو العمل، بحيث يكون عدم العمل به لأجل الموارد النادرة التي لا يصيب الواقع فيها قبيحاً ومرفوضاً عند العقل والعقلاء.
وعليه، فلا تختص الحجيّة بأخبار الثقات بل كلّ خبر تحقّقت فيه تلك الجهة يكون حجّة حتى لو لم يكن راويه ثقة، وكلّ خبر لم تتحقق فيه تلك الجهة لا حجّية له وإن كان رواته من الثقات.
وهذا هو السر في أن آية النبأ الشريفة(1)بعد أن شهدت بكون الجائي بالخبر - الوليد بن عقبة / - فاسقاً، لم تحكم باطِّراح خبره وعدم الاعتناء به بالكليّة، بل أمرت بالتبين الذي هو نوع من الاعتناء كما لا يخفى.
ولهذا نرى أن فقهاءنا العظام سوى صاحب المدارك تبعاً لشيخه الأردبيلي من المتقدمين - حيث إنه يتشدَّد في السند ويُحاول عدم العمل إلا بالخبر الصحيح اصطلاحاً وإن خالف مبناه في كثير من الموارد
1) وهي قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأَ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبَحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» [الحجرات: 6]
ووافق المشهور في عدم جعل السند هو تمام الملاك في الحجيّة - وسيدنا الأستاذ الخوئي رحمه الله من المتأخرين - الذي يقصر نظره غالباً على وثاقة مفردات السند - كانوا يعملون بالأخبار الضعيفة سنداً إذا كانت محفوفة بالقرائن الموجبة للوثوق بصدورها من اشتهارها في الكتب المعتبرة وانجبارها بعمل الأصحاب ونحو ذلك.
كما أنهم كانوا يرفضون كثيراً من الأخبار الصحيحة سنداً - بحسب الاصطلاح المتأخر - إذا احتفت بما يوجب سلب الوثوق بصدورها كإعراض المشهور عنها أو نحو ذلك.
وحسبك شاهداً على ذلك مراجعة كتابي الرجال والفهرست للشيخ الطوسي قدس سرّه، ثم مراجعة كتبه الفقهية لترى أنه كم من راو ضعَّفه في الرجال وعمل بأحاديثه في الفقه، وكم هي الأحاديث الصحيحة وِفق موازينه الرجاليّة وقد رفض العمل بها في كتبه الفقهية، وقِس عليه غيره من الفقهاء سوى من ذكرنا.
والمنشأ الأصلي للنزاع بين من عرفت هو أن إثبات صدور الرواية هل ينحصر بالبحث السندي بحيث إنه إذا ثبت ضعف راوٍ أو جهالته تسقط الرواية عن الاعتبار من حيث صدورها، ولا يبقى وجه للبحث عن اعتبارها من حيث صدورها من جهات أخرى؟
أو أن وثاقة رجال السند لا موضوعيّة لها في إثبات صدور الرواية، وإنما هي أحد الطرق لتحصيل الوثوق بالمروي - أي المضمون والمتن - وعليه فلا ينسدّ أمامنا طريق إثبات صدور الرواية بمجرّد عدم وثاقة بعض رجال سندها، بل يبقى ذلك متاحاً لنا من خلال النظر في أمور
أخرى قد توجب واجديّة الرواية لها الوثوق بمضمونها؟
والأقوى عندنا، وفاقاً للمشهور أن مسألة وثاقة رواة السند لها دخل في إثبات صدور الرواية وعدمه بنسبة ضئيلة جداً، وأن الدخل المهم في ذلك للمرجحات السنديّة والمتنية المذكورة في باب التعارض وغيرها الأمور التي قد توجب قوة المضمون والوثوق بالمروي.
فالمرجحات المذكورة في باب التعارض مثل موافقة المضمون للكتاب الكريم أو اشتهاره بين الشيعة أو مخالفته للعامة، أو غير ذلك من المرجحات السنديّة أو المتنيَّة ليست مرجِّحات تعبّديّة تختص بباب التعارض فقط، بل هي قرائن عقلائيّة لها دور كبير في الكشف عن صدور الرواية أو عدم صدورها.
الظاهر أن المراد من الشهرة في قول الباقر علیه السلام: «.. خذ بما اشتهر يعم لا بين أصحابك..»(1)ما یعم الشهرة عند عامة الشيعة وجمهورهم، لا خصوص الشهرة الروائية أو الفتوائية إذ لا وجه للتخصيص بعد أن كان ملاك الحجيّة في الجميع واحداً، وهو تراكم الظنون بنحو يتضاءل احتمال الخلاف إلى درجة توجب تحقق الوثوق والاطمئنان فيما قامت عليه الشهرة وعدم الوثوق بما خالفه.
وقد عرفت فيما تقدّم أن الحجج الشرعيّة - بما فيها الشهرة أيضاً - ليست حججاً تعبّدية وإنما هي طرق عقلائيّة لتحصيل الوثوق
1) عوالي الآلي 4: 133
بالمضمون معمول بها عند العقلاء في الأمور الدينيّة وغيرها، قبل الشَّرع وبعده، في المجتمعات الدينيّة وغيرها، وقد أقرها الشارع وأمضاها.
فما ورد من الروايات المرتبطة بها إنما هو في مقام الإرشاد إلى تلك الطرق الإثباتيّة المعمول بها عند العقلاء على النحو المعمول به عندهم، لا في مقام التأسيس لأمر تعبّدي لا يمتّ إلى العقل والعقلاء بصلة.
ونحن إذا رجعنا إلى العقلاء في المجتمعات غير الدينية، نجد أن أي تجمع عقلائي أياً كانت صفته، وسواء أكان حزباً أو دولة أو غير ذلك، ينقسم إلى خاصة وعامة، وأن الخاصة منهم يرون أن اشتهار أمر ما بين العامة، وما هو مرتكز أذهانهم، يكشف لا محالة عن رأي رئيس الحزب أو الدولة فيما لو اشتبه عليهم ذلك لبعد عهدهم برئيسهم أو قائدهم. وليس ذلك إلا لأن شأن العوام بما هم منتمون إلى هذا التجمع يكونوا تبعاً للخاصة، الذين هم بدورهم تبع للرئيس أو القائد.
وبعبارة أخرى: إن الخاصة يبنون على أن ما اشتهر بين العامة هو رأي رئيس الحزب أو الدولة إلا أن يقوم عندهم الدليل القطعي على خلافه.
فإن أصل وجوب العمل بالأخبار المدوَّنة في الكتب المعروفة وإن كان أمراً مجمعاً عليه بل لا يبعُد كونه ضروري المذهب، كما نبَّه عليه الشيخ الأعظم قدس سرّه في فرائده(1)، إلا أن الحجيّة لا تختص بالروايات
1) فرائد الأصول للشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله 1: 239
المودعة في كتبنا الروائيّة المشهورة كالكتب الأربعة ونحوها، بل كلّ رواية وصلتنا بطريق معتبر - ونقصد به ما تقدَّم من كونه مما يوجب وثوق النفس - فهي حجّة وإن لم تكن مودعة في تلك الكتب.
فإن أصحاب تلك الكتب وإن لم يجمعوا في كتبهم إلا الروايات الموثوقة والمطمأن بصدورها بنظرهم كما تشهد بذلك ديباجات كتبهم من القرائن، إلا أنهم لم يدَّعوا أنهم جمعوا كلّ ما كان كذلك، بل خصوص ما ظفروا به بحسب تتبّعهم وكان إيراده مقصوداً لهم ودخيلاً فيما هو غرضهم من تأليف الكتاب.
وعليه، فلا يكون عدم وجود الرواية في كتبهم دليلاً على عدم كونها معتبرة في نفسها، إذ لعلّهم لم يظفروا بها، أو ظفروا بها ولم تكن معتبرة ينظرهم لشبهة عرضت لهم أو غير ذلك، أو ظفروا بها وكانت معتبرة بنظرهم إلا أنه لم يكن لهم داعٍ إلى إيرادها في كتبهم، إلى غير ذلك من المحتملات التي تجتمع مع حجيّة الرواية وعدم وجودها في الكتب المشهورة.
ولو كان ترك ذكر رواية في كتاب معتبر سبباً لسقوطها عن الحجيّة لكان كثير من الروايات التي رواها الصدوق والشيخ في كتبهما ساقطة عن درجة الاعتبار لإهمال الكليني رحمه الله لذكرها في الكافي، وكذلك ما تفرّد بروايته الشيخ رحمه الله دون الكليني والصدوق ولا يُظنُّ بأحد الالتزام بذلك.
كما أنه من الممكن جداً أن تصل بعض الروايات أو الأصول الروائيّة إلى بعض المتقدّمين ولا تصل إلى بعضهم الآخر، ومن الممكن أيضاً أن
تصل إلى متأخِّرهم ولا تصل إلى المتقدِّم منهم، وعلى ذلك شواهد كثيرة لا تخفى على من سبر غور علمي الرجال والحديث.
والسرّ في ذلك، أن تراثنا المروي لم يكن مجموعاً ومبوَّباً منذ القدم على النحو الذي هو عليه الآن، وإنما كان موزّعاً في ضمن أصول روائيّة منتشرة بين يدي الأصحاب في بلاد متباعدة، وقد اشتهر من بينها أربعمائة أصل سمِّيت بالأصول الأربعمائة جمع المحمَّدون الثلاثة(1)منها كتبهم الأربعة(2)، ورتبوها بحسب أبواب الفقه.
وأما بقيّة الكتب والأصول فلما لم يكن لها هذا الحظ من الاشتهار، والنصيب من العناية، كانت عرضة للتلف والزوال تارة، والنسيان وخمول الذكر تارة أخرى، حيث بقيت في زوايا المكتبات، أو انتقلت إلى يد من لا يعرف لها قيمة ولا يرى لها قدراً بوراثة أو شراء أو نحو ذلك، فضيّعها أو ضنَّ بها عمن ينتفع منها، وربّما وقعت بيد بعض أعداء الشيعة ممن له اهتمام بإخفائها، إلى أن وصلت إلى بعض علمائنا الأبرار بالوراثة أو الوجادة أو نحو ذلك، فأعطاها حقَّها من العناية والاهتمام وأوردها مستقلة أو في ضمن كتبه الروائية ومصنفاته الفقهية، وتحقَّقت على يديه الإرادة الإلهيّة في أن يرى بعض هذه الأصول النور من جديد ويرجع إلى سوح العلم وميادين العلماء، ويعود إلى احتلال مكانته اللائقة به في
1) وهم: محمد بن يعقوب الكليني الملقَّب بثقة الإسلام صاحب كتاب (الكافي)، ومحمد بن علي بن الحسين القمي الملقب بالصّدوق صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه)، ومحمد بن الحسن الطوسي الملقَّب بشيخ الطائفة صاحب كتابي (الإستبصار) و (تهذيب الأحكام)، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين
2) وقد صارت هذه الكتب الأربعة هي المدار في استنباط الأحكام الشرعية لدى فقهاء الشيعة الإماميّة على مرِّ العصور
ضمن منظومة تراثنا العلمي والروائي.
ويشهد لما ذكرنا أن المحقِّق رحمه الله في المعتبر يروي عن بعض الأصول التي لم تصل إلى من سبقه من العلماء كالشيخ الطوسي رحمه الله، والعلامة رحمه الله وصله كتاب ابن الغضائري مع اعتراف الشيخ والنجاشي بعدم ظفرهما به، والشهيد الثاني رحمه الله يختص برواية بعض الأصول التي لم تصلنا إلا عبره، وكذلك الميرزا النوري رحمه الله صاحب المستدرك، إلى غير ذلك من الشواهد. وقد ظفر السيد البروجردي رحمه الله - من المعاصرين - ببعض الأصول التي لم تكن عند من سبقه من المحدِّثين والفقهاء.
وهذا هو ديدن العلماء في جميع العلوم(1)، ومن هنا لا نستوحش من ترجيح بعض الفقهاء العظام للروايات العاميّة الناصّة على وقوع القتل في آخر ذي الحجة - والتي تعتبر المستند الوحيد لهذا القول كما سنذكره في طيات البحث - لعدم عثور أكثرهم على روايات التاسع من الربيع الشيعية السند، أو لترجيح بعضهم تلك الروايات عليها، غفلة منهم عن
1) وليس ذلك من باب التقليد في شيء، وإنما من باب كون غاية ما يشترط في جواز الأخذ بالخبر هو التبيّن في سبيل تحصيل الوثوق بمضمونه، كما هو المتيقَّن من سيرة العقلاء، ودلت عليه آية النبأ أيضاً، وليس بعد الرجوع إلى الفقهاء الكبار الذين هم رواة الآثار ونقاد الأخبار تبيّن، وليس بعد وثوقهم بالرواية واستنادهم إليها في مقام الاعتقاد أو العمل وثوق، فما نُسبَ إلى شيخ المحدّثين والفقهاء الصدوق رحمه الله من كونه مقلّداً لشيخه ابن الوليد لقبَوله ما قبله هذا الشيخ واعتماده على ما اعتمد عليه لا يخلو مَن مجازفة وإساءة أدب، نعم يمكن وقوع كل منهما في الخطأ في اجتهاده ولكن هذا شيء آخر كما لا يخفى
الجهات العقلية والعقلائيّة - الموجودة في كتب وروايات العامة عامة وفي روايات آخر ذي الحجّة خاصّة والتي سيأتي منا التعرض إلى كل منها في محلِّه المناسب من هذا البحث - وعن المناقضات التي اشتملت عليها تلك الروايات والتي توجب سقوطها عن الاعتبار في نفسها فضلاً عن عدم صلوحها لمعارضة الروايات الشيعيّة مع المرجحات الكثيرة الموجودة فيها.
الأصل(1)في قبول روايات الكتب الروائية هو وثاقة مؤلفيها وعدم كونهم في معرض الاتهام بالخيانة والدس والتزوير، فمن باب المثال: كتاب الكافي الشريف بعد كون أصل الكتاب متواتراً إلينا عن مؤلِّفه ولا نحتمل أن يكون قد دُسَّ في النسخة التي بين أيدينا ما لم يثبته مؤلفه فيه، فإن الأصل في قبول رواياته هو وثاقة مؤلِّفه بل كونه ممن قد أطبق على عدالته الخاصّ والعامّ حتى لقب بثقة الإسلام، ولولا ذلك لما أمكن الأخذ برواياته حتى لو كانت صحيحة الإسناد أو بالغة حدَّ الاستفاضة أو التواتر، لسهولة تلفيق الأسانيد وتركيبها على المتون سيما من متخصِّص في الحديث والرجال.
1) المراد بكون ذلك أصلاً هو أنه لا ينفع واجديّة الرواية لجميع شرائط الاعتبار طالما أن المؤلف الذي أوردها في كتابه ليس بثقة، لا أن نفس وثاقة المؤلف كافية في حجيّة الرواية حتى مع عدم واجديّتها لشيء من شرائط الإعتبار. نعم إذا كان المؤلف من العلماء الكبار ومن خرّيتي صناعة الحديث، فإن ذلك يعطي اعتباراً للروايات التي أوردها في كتابه في الجملة، بل قد تنضم إلى ذلك بعض المعطيات التي توجب إعطاء الاعتبار لروايات الكتاب بالجملة، كما في كتاب الكافي الشريف، بل وفي الكتب الأربعة كلِّها، وليس هنا محل تفصيله
وهنا يكمن السرُّ في عدم أخذنا بروايات العامّة المرويّة في كتبهم و مصادرهم الروائيّة، فإن أصحاب ومؤلفي هذه الكتب - كالبخاري وأضرابه - كلُّهم متَّهمون بالخيانة(1)
قضيّة أشبه بالمرزءة *** هذا البخاري إمام الفئة
بالصادق الصدِّيق ما احتج *** في صحيحه واحتج بالمرجئة
إلی أن قال:
إن الإمام الصادق المجتبى *** بفضله الآي أتت منبئة
أجلٌ من في عصره رتبة *** لم يقترف في عمره سيئة
قلامة من ظفر إبهامه *** تعدل من مثل البخاري مئة
والكذب بالنسبة إلينا لكونهم في الخط المقابل لأهل البيت علیهم السلام والمعادي لهم، فضلاً عن كون كثير منهم ممن ثبت ضعفه وعدم صحة الاعتماد عليه في الحديث بشهادة أئمّة الجرح والتعديل عند العامّة أنفسهم، فهم لا يتورَّعون عن جعل الحديث أو تحريفه عمدا وكم لهم من أمثال هذه الأمور.نعم، نأخذ برواياتهم التي تكون في صالحنا وعليهم من باب أنه لا يحتمل في حقِّهم - بل في حقِّ عاقل - أن يكذب حتى يجرَّ الضرر إلى نفسه والنفع إلى عدوِّه - وهم عقلاء بحسب الفرض - كما تشير إليه القاعدة العقلائيّة الممضاة في الإسلام وما قبله من الشرائع وهي: (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز).
1) فالبخاري مثلاً مع كونه ممن عاصر ثلاثة من أئمّة أهل البيت علیهم السلام، وأكثر من الرواية عن الضعفاء في كتابه، حتى أنه روى عن جماعة من شياطين النواصب أمثال عمران بن حطان الذي امتدح عبد الرحمن بن ملجم / قاتل أمير المؤمنين علیه السلام بأبيات من الشعر معروفة، ومروان بن الحكم اللعين ابن اللعين على لسان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ومئات من الرواة المضعفين في كتبهم الرجاليّة، لم يرو رواية واحدة عن أهل البيت علیه السلام ولا حتى عن الباقر أو الصادق علیهما السلام اللذين ملأت علومهمَا الخافقين، حتى قال الشاعر - ولنعم ما قال - في حقِّه:
وأما في المسائل الخلافيّة بيننا وبينهم فإنا لا نرى لرواياتهم صلاحيّة المعارضة لما رُوي من طرقنا مهما بلغت تلك الروايات عندهم من الصحّة والاعتبار، بل ومهما بلغت من الاستفاضة والتواتر.
وذلك أن الذين يروونه في هذا المجال ساقط في نفسه عن الحجيّة والاعتبار لكونه مرويّاً فى كتب علمائهم المتَّهمين بالكذب والخيانة عندنا، والذين نهانا أئمتنا علیهم السلام عن أخذ شيء من الدين منهم.
فعن أبي الحسن الكاظم علیه السلام لقوله لعلي بن سويد: «.. لا تأخذنَّ دينك عن غير شيعتنا، فإنك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم..»(1)، وعليه فلا يقوى ما عندهم على إثبات نفسه فضلاً عن أن يعارض ما عندنا وينفيه.
وهذا الذي ذكرناه واضح ومتفق عليه بين جميع علماء الشيعة أعزّهم الله، وإنما وقعت الشبهة في ذلك لبعض الأعاظم على مستوى الصغرى لا الكبرى، ومنها مسألتنا التي نحن بصددها.
فإن بعض العلماء الكبار توهَّموا أن تاريخ قتل عمر من المسائل التاريخيّة البحتة التي لا تمتّ إلى العقائد المذهبية بصلة، فليس لعلماء العامة ومحدِّثيهم داعٍ إلى الكذب والتدليس فيها، فوثقوا بما روته العامّة في ذلك في كتبها وما قاله علماؤها، واعتمدوا عليه غفلة منهم عن كون أكبر صنم عند العامّة، وكون قتله أفجع حادثة بالنسبة إليهم وأوجعها على قلوبهم، فكيف لا يكون لهم داعٍ إلى التلاعب بتاريخ تلك
1) وسائل الشيعة 27: 150
الواقعة لأجل نفي صحة ما اشتهر بين الشيعة من اتخاذ قتله عيداً؟! ولأجل تضعيف المشهورات الشيعيّة وتشكيك الناس فيها حتى يسري الشك من كون قتل عمر وقع في التاسع من الربيع إلى غيره من الأمور التي اشتهرت بين الشيعة وهي على خلاف ما يعتقده العامة والمجمع عليه بينهم؟!
ولو أن هؤلاء الأعلام تنبّهوا إلى ما ذكرناه فلا نظن بواحد منهم بعد ذلك أن يقبل ذلك القول أو تركن نفسه إلى تلك الروايات، كيف وقد عرفت أن اشتباههم في الصغرى وأن الكبرى القائلة بعدم حجيّة رواياتهم فيما هم متّهمون فيه بجرّ النفع إلى أنفسهم أو توجيه الضرر إلى أعدائهم - الشيعة - أمر متَّفق عليه بين الجميع.
فالشهرة ومخالفة العامة وغيرها من المرجحات المتنيّة أو السنديّة المذكورة في باب التعارض ليست مرجحات في باب التعارض فقط، بل هي قرائن عقلية وعقلائيّة لصدق الرواية وصدورها عن المعصوم علیه السلام ولو لم تكن معارَضة أصلاً.
فهذه المرجحات موازين عقلية وعقلائية لكشف صدور الكلام عن قائله وعدم صدوره يعمل بها جميع أهل الأديان والمذاهب بل والأحزاب الدينية واللادينيّة بما هم عقلاء.
كما أنهم يستخدمونها كموازين لتشخيص جهة الصدور - أي وهم كون الكلام صادراً لبيان الواقع أو تقيّة أو غير ذلك بعد الفراغ عن - أصل الصدور، فإنهم يستخدمونها للكشف عن أصل صدور الكلام فيما
لو ارتابوا في صدوره.
وليست الروايات إلا في مقام الكشف عن تلك الموازين وتقرير الاستناد إليها في مقام أخذ الأحكام الدينية.
ومن هنا قلنا في بحثنا الأصولي بعدم اختصاصها بباب التعارض، كما قلنا بالتعدي من المرجِّحات المنصوصة إلى غيرها من المرجِّحات غير المنصوصة والمعمول بها عند العقلاء وذلك لما أشرنا إليه من دخل هذه الجهة في أصل الصدور كما هي دخيلة في جهة الصدور إذا كان الصدور مقطوعاً أو مطمأناً به.
وإذا عرفت هذا، فإنه يتَّضح لك أن نفس كون رواية التاسع من الربيع على خلاف ما اشتهر بين العامة وموافقة للمشهور الشيعي - كما اعترف به حتى من لم يأخذ بها من علماء الشيعة - موجب للوثوق بصدورها عن المعصوم علیه السلام، شأنها في ذلك شأن كلّ المسائل الخلافيّة التي تتعدّد فيها الرواية بين أهل الأديان المختلفة، أو أهل المذاهب المختلفة المنتسبة إلى الدين الواحد، أو أهل الأحزاب المتحاربة المنتمية إلى المذهب الواحد.
فإنا نجد أهل كل دين أو مذهب أو حزب يجعلون موافقة مضمون الخبر لما هو مشهور بينهم في مسألة ما ومخالفته لما اشتهر عند أعدائهم في هذه المسألة دليلاً على كونه هو رأي رئيس الدين أو المذهب أو الحزب في هذه المسألة، إذا اختلفت النقولات عنه ولم يمكن الوصول إليه.
والحاصل، أننا لا نحتاج إلى إثبات اعتبار روايات التاسع من الربيع
في نفسها - صحّة سندها بحسب الإصطلاح المتأخِّر - حتى تصل النوبة إلى ترجيحها على معارضها من الروايات العاميّة الناصّة على آخر ذي الحجّة
هذا وسيأتي منّا، أنه حتى على الرأي الذي عليه بعض متأخري المتأخرين من اختصاص المرجحات المذكورة بباب التعارض، فإن الترجيح هو حليف الرواية الشيعيّة الناصّة على كون القتل وقع في التاسع من الربيع.
وبعد العرض الإجمالي لهذه المقدمات نشرع فيما هو مقصودنا من هذا الكتاب متوسِّلين بالنبي وآله صلی الله علیه وآله وسلم ومتبرِّتين من أعدائهم عليهم لعنة الله.
وقد اختاره جملة من أجلّة فقهائنا ومحدِّثينا منهم:
الشيخ الصدوق (ت 381 ه)، وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري (من علماء القرن الخامس) في (دلائل الإمامة)، والشيخ الجليل هاشم بن محمد (توفي في القرن السادس) في (مصباح الأنوار)، والسيد رضي الدين علي بن طاووس(1)خلف السيد ابن طاووس المشهور (ولد سنة 647 ه) في (زوائد الفوائد)، والشيخ حسن بن سليمان الحلي (توفي في القرن التاسع) في
1) هو الدین السيد رضي الدين علي أخو السيد صفي الدين محمد، وهما إبنا السيد رضي علي بن موسى بن جعفر بن محمد الطاووس الحلي الحسني الداودي، سُمِّي باسم والده صاحب التصانيف كالإقبال وكشف المحجة.. وذكر والده في كشف المحجة تاريخ ولادته وأنها يوم الجمعة 8 محرم 647 ه بمشهد أمير المؤمنين علیه السلام، وتولى النقابة بعد وفاة أخيه محمد في سنة 680 ه: الذريعة 12: 59
(المحتضر)، والسيد هاشم البحراني (ت 1107 ه) في (مدينة المعاجز)، والعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي (ت 1111 ه) في (بحار الأنوار)، والسيد نعمة الله الجزائري (ت 1112 ه) في (الأنوار النعمانية)، والمحدث الميرزا الشيخ حسين النوري الطبرسي (ت 1320 ه) في (مستدرك الوسائل)، والمحدث القمي(1)(ت 1359 ه) في (مفاتيح الجنان)، وبعض من علمائنا رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
هذا ولجمع من هؤلاء الأعلام رسائل خاصة في إثبات كون القتل وقع في التاسع من الربيع كصاحبي البحار والمستدرك.
ونتبرك بنقل عبارة غواص بحار أنوار أخبار الأئمة الأطهار علیهم السلام(2)العلامة المجلسي قدس سرّه في كتابه (بحار الأنوار)، فإنه بعدما تعرض لأقوال العامة ومن تأثر بآرائهم من علماء الشيعة قال:
«.. والمشهور بين الشيعة في الأمصار والأقطار في زماننا هذا اليوم التاسع من ربيع الأول، وهو أحد الأعياد، ومستندهم في الأصل ما رواه خلف السيد النبيل علي بن طاوس في كتاب زوائد الفوائد، والشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر.. ويظهر منه - أي من كلام ابن طاوس رحمه الله - ورود رواية أخرى عن الصادق علیه السلام بهذا المضمون رواها الصدوق رحمه الله، ويظهر من كلام خلفه الجليل ورود عدة روایات دالة على كون قتله في ذلك اليوم، فاستبعاد ابن إدريس وغيره
ليس في محله، إذ اعتبار تلك الروايات مع الشهرة بين أكثر الشيعة سلفاً وخلفاً لا يقصر عما ذكره المؤرخون من المخالفين، ويحتمل أن يكونوا غيروا هذا اليوم ليشتبه الأمر على الشيعة فلا يتخذوه يوم عيد وسرور.
فإن قيل: كيف اشتبه هذا الأمر العظيم بين الفريقين مع كثرة الدواعي إلى ضبطه ونقله.
قلنا: نقلب الكلام عليكم، مع أن هذا الأمر ليس بأعظم من وفاة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، مع أنه وقع الخلاف فيه بين الفريقين، بل بين كل منهما مع شدة تلك المصيبة العظمى، وما استتبعته من الدواهي الأخرى، مع أنهم اختلفوا - أي العامة - في يوم القتل كما عرفت وإن اتفقوا في كونه في ذي الحجة، ومن نظر في اختلاف الشيعة وأهل الخلاف في أكثر الأمور التي توفرت الدواعي على نقلها كثرة حاجة الناس إليها، كالأذان والوضوء والصلاة والحج وتأمل فيها لا يستبعد أمثال ذلك، والله تعالى أعلم بحقائق الأمور»(1).
وأكثر ما ذكره هنا أورده في كتابه (زاد المعاد) باللغة الفارسية، كما أن له رسالة مستقلّة في مقتل عمر بالفارسية طُبعت مؤخَّرا.
وقد ذهب إليه جملة من علمائنا الأعاظم أيضاً:
كالشيخ المفيد، وابنا إدريس وطاوس والشيخ الكفعمي من
1) بحار الأنوار 31: 119
المتقدِّمين، وسيِّدنا الأستاذ الخوئي رحمه الله(1)من المتأخرين وفاقاً للعامة، بل ربما نسب هذا القول إلى مشهور فقهاء الشيعة(2)، مع اعترافهم بأنه خلاف ما هو المشهور بين جمهور الشيعة، وأنه لا توجد رواية بطريق شيعي تدل على قولهم.
وتردّد بعض العلماء في المسألة، فمال تارة إلى القول الأول، وأخرى إلى القول الثاني كالشيخ الأنصاري رحمه الله، فإن عبارته في تقريراته مشعرة بموافقته لما هو مشهور بين جمهور الشيعة من كون قتل عمر قد وقع في التاسع من الربيع لتصريحه (بالعفو ثلاثة أيام في ربيع الأعياد)(3).
وأما في كتاب الطهارة - عند الكلام عن الأغسال المستحبة - فقال: «ومنها الغسل للتاسع من ربيع الأول، حكاه المجلسي في زاد المعاد أحمد بن إسحاق القمي مُعلِّلاً بأنه يوم عيد، لكن المحكي عن المشهور بين علمائنا وعلماء الجمهور أن سبب هذا العيد اتَّفق في السادس والعشرين من شهر ذي الحجة، وقيل السابع والعشرين، وكيف كان فلم يُسنِد أحمد بن إسحاق الغسل إلا إلى كونه عيداً من الأعياد، ولعلَّ هذا المقدار يكفي للاستحباب بناء على احتمال أن يكون فتواه عن رواية عامة لجميع الأعياد»(4).
وفي كلامه قدس سرّه مسامحات واضحة:
منها قوله «لم يُسند أحمد.. إلخ»، إذ فيه أن الرواية تشتمل على قوله صلی الله علیه وآله وسلم
مخاطباً للحسنين علیهما السلام: «فإنه اليوم الذي يهلك الله فيه عدوَّه وعدوَّ جدِّكما، ويستجيب فيه دعاء أمِّكما».
وقوله صلی الله علیه وآله وسلم: «فإنه يُفقد فيه فرعون أهل بيتي وظالِمُهم وغاصبُ حقِّهم».
وقول حذيفة: «فقلت: يا رسول الله! وفي أمَّتك وأصحابك من ينتهك هذه الحرمة؟ فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: نعم يا حذيفة! جِبتٌ من المنافقين يترأس عليهم.. ويحمل على عاتقه درَّةَ الخزي.. ويشتمل على إرث ولدي.. ويتطاول على إمامه من بعدي.. ويُكذِّبني ويُكذِّب أخي ووزيري، ويُنحٌي ابنتي عن حقِّها، وتدعو الله عليه ويستجيب دعاءها في مثل هذا اليوم.. لكني سألت الله أن يجعل لليوم الذي يقبضه فيه فضيلة على سائر الأيام ليكون ذلك سُنَّةٌ يَسْتَنُ بها أحبائي وشيعة أهل بيتي ومحبّوهم».
وقوله: «ورَجَعْتُ عنه صلی الله علیه وآله وسلم وأنا غير شاكٍّ في أمر الشيخ - أي عمر - حتى ترأس بعد وفاة النبي صلی الله علیه وآله وسلم.. وأحرق بيت الوحي.. وردَّ شهادة أمير المؤمنين علیه السلام، وكَذَّب فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، واغتصب فدكاً، وأرضى المجوس واليهود والنصارى، وأسْخَنَ قُرَّةَ عين المصطفى ولم يُرضِها.. ودبَّرَ على قتل أمير المؤمنين علیه السلام.. ولطم وجه الزَّكيَّة.. وافترى على أمير المؤمنين علیه السلام وعانَدَه وسَفَّه رأيه.. فاستجاب الله دعاء مولاتي علیها السلام على ذلك المنافق، وأجرى قتله على يدِ قاتِلِه رحمة الله عليه».
وغير ذلك من العبائر التي تصرِّح بأن سبب كون هذا اليوم عيداً هو
وقوع قتل عمر بن الخطاب فيه، فدعوى أن رواية أحمد بن إسحاق لا تدلّ على أزيد من كونه عيداً بنحو مطلق من دون إشارة إلى سببه من عدم مراجعة الشيخ الأعظم قدس سرّه للرواية، والعصمة لأهلها.
ومنها: أن عبارة (زاد المعاد) صريحة في مواضع منها في أن كون التاسع من الربيع عيداً هو وقوع قتل عمر فيه، فإنه قدس سرّه قال: «إعلم أن الخلاف واقع بين علماء الخاصّة والعامة في تاريخ قتل عمر بن الخطاب.. ويظهر من الكتب المعتبرة كما هو هو المشهور الآن بين عوام الشيعة، أن قتله وقع في التاسع من ربيع الأول»، ثم ذكر قدس سرّه رواية أحمد بن إسحاق وغيرها من أدلة هذا القول وفنَّد أدلة القول الآخر.
فما ذكره الشيخ من أن عبارة (زاد المعاد) ليست صريحة في سبب كون هذا اليوم عيداً، الظاهر أنه أيضاً ناشئ عن عدم المراجعة إلى الكتاب المذكور.
ولعل الشيخ الأعظم قدس سرّه بعد كتابة هذه العبارة راجع رواية ابن إسحاق وعبارات الأصحاب كالمجلسي رحمه الله في (زاد المعاد) وغيره فعدل عما ذكره واعترف بوقوع القتل في التاسع من الربيع كما في تقريراته.
هذا، وستوافيك عبائر هؤلاء الأعلام التي تدلّ على رأيهم في المسألة في طيّات هذا البحث.
وقبل الورود في استعراض أدلة الفريقين ومستند كلا القولين نشير إلى أنه لا يوجد في البين رواية صحيحة أو موثقة - بحسب الاصطلاح المتأخر - دالة على أحد القولين.
فقول المحدِّث الجليل السيد هاشم البحراني رحمه الله في مدينة المعاجز بعد ذكر كلا القولين في المسألة: «.. والأول أصح..»(1)يريد به كون وقوع القتل في التاسع من الربيع أقرب إلى الواقع وأوثق في نفسه الشريفة لا الصحيح أو الأصح الاصطلاحي كما لا يخفى.
1) مدينة المعاجز 2: 97
إعلم أنه من أقوى الأدلة على ترجيح هذا القول كونه الرأي السائد والمشهور بين جمهور الشيعة قديماً وحديثا.
حيث إنه لما كان قتل عمر أمراً مهماً في نظر الشيعة، وكان من أهم الأعياد وأيام الفرح عندهم - كيف لا وهم قد خلقوا من فاضل طينة أئمَّتهم(1)، يحزنون لحزنهم ويفرحون لفرحهم(2)؟! - فإنه لا يحتمل حقِّهم التساهل فيه والتغافل عنه، بل كانوا يحيونه بشكل كبير
1) فعن الصادق علیه السلام قوله: «شيعتنا جزء منا خلقوا من فضل طينتنا يسوؤهم ما يسوؤنا ويسرّهم ما يسرّنا..»: الأمالي للطوسي قدس سرّه: 299
2) ففي حديث الأربعمائة المروي عن أمير المؤمنين علیه السلام قوله: «.. إن الله تبارك وتعالى اطّلع على الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعة ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أولئك منا وإلينا..»: الخصال للصدوق قدس سرّه: 610
ويظهرون فيه مظاهر الفرح والسرور في كل سنة، وكانوا يتعاهدونه خلفاً سلف.
وما كان هذا حاله من الاهتمام وشأنه من الشياع والانتشار بين الشيعة الأعصار والأمصار، فإنه لا يتمكن أحد من إيراد التحريف في جميع والتغيير فيه، بل لا يحتاج إثباته لإقامة الأدلة والبراهين لكونه من الضروريات التي يكفي للاعتقاد بها أدنى التفات، اللهم إلا لإزاحة الشبهة عن أذهان بعض الغافلين أو ردّ وإفحام الأعداء والمعاندين.
والظاهر أن هذا النحو من الاشتهار بين الشيعة متصل بزمن قتل عمر بن الخطاب إما عملاً باتخاذه عيداً لهم، أو اعتقاداً بتناقلهم له خلفاً عن سلف، ولو مع مراعاة شرائط التقيّة.
ولا أقل من أنه كان مقصوراً على الخُلَّص والخواص من الشيعة في زمن النبي صلی الله علیه وآله وسلم والأئمة السابقين علیهم السلام، ثم اشتهر في زمن الإمام أبي الحسن العسكري علیه السلام وما بعده، بعد ما أمر علیه السلام شيعته باتخاذ هذا اليوم عيداً، فشاع اتخاذه عيداً منذ ذلك الوقت، بدءً من قم المقدَّسة - بلدة أحمد إسحاق رحمه الله ناقل الرواية عن الإمام الهادي علیه السلام - ثم بعض البلاد المتمحِّضة بالتشيّع على مرِّ التاريخ مثل كاشان - مدفن أبي لؤلؤة رحمه الله - وسبزوار وغيرهما، إلى أن انتشر وتمَّ إحياؤه من قبل الشيعة في جميع بلاد العرب والعجم والهند وغيرها.
كما أنه أخذ صفة العيد الرسمي العام في بلاد إيران منذ زمن الحكومة العلويّة الصفوية - حشرهم الله مع أجدادهم - وإلى زماننا هذا، وسوف يستمرُّ ويصل إلى غاية ازدهاره بعد ظهور المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف
طالب ثار الزهراء علیها السلام.
وعليه، فإن هذا النحو من اشتهار المسألة قولاً وعملاً بين جمهور الشيعة في كلِّ الأمصار والأعصار بنحو متصل بزمن الأئمة الأطهار علیهم السلام يكشف لا محالة عن إمضائهم علیهم السلام لذلك، وتأييدهم لكون قتل قتل عمر وقع في التاسع من الربيع، وكون هذا اليوم ممّا يجب على المؤمنين أن يتّخذوه عيداً.
وهذه الشهرة بين أبناء المذهب الحق مشمولة لقوله علیه السلام: «.. خذ بما اشتهر بين أصحابك..»(1)، حيث قد عرفت شموله للشهرة بين عوام الشيعة وجمهورهم، بل هي المتيقَّن من مفاد هذا الحديث إذ هل يعقل أن يتَّفق أبناء المذهب الحق على مرأى ومسمع من أئمَّتهم علیهم السلام - أئمّة الحق - إلا على الحق؟!!
وأما ما ذكرناه من إطباق الشيعة على هذا الرأي قولاً وعملاً، قديماً وحديثاً فيشهد له ما نقله الكفعمي رحمه الله عن كتاب (مسارّ الشيعة) للشيخ المفيد قدس سرّه أنه قال: «.. وجمهور الشيعة يزعمون أن فيه - أي التاسع من ربيع الأول - قتل عمر بن الخطاب وليس بصحيح..»(2).
فقد اعترف قدس سرّه بأن عمل جمهور الشيعة إلى زمانه على اتخاذ التاسع من الربيع عيداً، اعتقاداً بأنه يوم قتل عمر بن الخطاب.
وقال العلامة المجلسي رحمه الله: «.. والمشهور بين الشيعة في الأمصار والأقطار في زماننا هذا أنه اليوم التاسع من ربيع الأول، وهو أحد
الأعياد...»(1).
وقد نقل الشهرة الشيعيّة على ذلك غير هؤلاء الأعلام أيضاً، ومثل هكذا شهرة لا تقصر من حيث الاعتبار عن الخبر المستفيض أو المتواتر، سيما بملاحظة أن الأصل في الخبر هو التناقل اللفظي، وأن الكتابة والتدوين أمر عارض دعت إليه الحاجة، والظروف الموضوعية التي تمَّ تناقل الأخبار في ظلَّها.
وعلى الرغم من ذلك لم يكن بناء الأصحاب على العمل بالخبر بمجرَّد كونه مدوَّناً في كتاب من كتب الطائفة وإن صحَّ سنده، بل ما كانوا يعملون في الأغلب إلا بروايات الكتب المشتهرة بين الطائفة، والتي عليها المعوّل وإليها المرجع(2).
فالمرجع في الحجيّة والاعتبار حتى في الروايات الصحيحة المدوَّنة في الكتب المعتبرة إلى الاشتهار بين الطائفة الحقَّة، فكيف لا تكون مثل هذه الشهرة كافية في إثبات الخبر بوقوع موت من ذُكر في التاسع من الربيع فيما نحن فيه؟!! وفي قول العلامة المجلسي رحمه الله: «إذ اعتبار تلك الروايات مع الشهرة بين أكثر الشيعة سلفاً وخلفاً لا يقصر عما ذكره
1) المصدر السابق
2) قال الشيخ الصدوق رحمه الله في مقدمة كتابه (من لا يحضره الفقيه)، ج 1 ص 3: «.. ما فيه مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعوَّل وإليها المرجع ..»، وقال شيخ الطائفة الطوسى رحمه الله في كتابه (عدّة الأصول)، ج 1 ص 126: «.. فإذا أفتى - أي أحد الأصحاب - بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور وكانوا راويه ثقة لا يُنكر حديثه سكتوا وسلَّموا الأمر في ذلك وقبلوا قوله، وهذه عادتهم وسجيَّتهم من عهد النبي صلی الله علیه وآله وسلم ومن بعده من الأئمّة عليهم السلام ومن زمن جعفر بن محمد علیه السلام الذي انتشر العلم عنه وكثرت الرواية من جهته..»
المؤرخون من المخالفين» إشارة إلى ذلك.
وخلاصة الكلام في الدليل الأول: أن الشيعة من زمن الأئمة علیهم السلام، بل منذ زمن قتل عمر وإلى يومنا هذا يتخذون يوم التاسع من ربيع الأول عيداً اعتقاداً منهم بأنه اليوم الذي قتل فيه عمر بن الخطاب، وهذا دليل قطعي على صحة هذا الرأي وكونه هو الحق في المسألة.
وليكن أول ما نذكره رواية أحمد بن إسحاق القمي رحمه الله لکونها هي الرواية الشيعيّة الوحيدة التي وصلتنا - بعين ألفاظها - عن أئمَّتنا علیهم السلام في تحديد تاريخ قتل عمر وبيان فضيلة اتخاذ قتله عيداً، وأما بقيّة يوم الروايات فقد أشار علماؤنا إلى وجودها ونقلوها إلينا بالمعنى كما سيأتي.
أقدم مصدر لهذه الرواية على ما نعلم هو كتاب (دلائل الإمامة)(1)
أقول: ومما ضاع من النسخة التامّة ل (دلائل الإمامة) ولم يصلنا رواية أحمد بن إسحاق رحمه الله المذكورة، حيث لا توجد في النسخة التي وصلتنا والمطبوعة من (دلائل الإمامة)، نعم نقلها المحدِّث الجليل السيِّد نعمة الله الجزائري في كتابه (الأنوار النعمانية) عن كتاب (دلائل الإمامة) للطبري مما يدلّ على أنها كانت موجودة في النسخة التامة الكتاب، ويؤيِّده رواية السيِّد علي بن طاووس نجل السيِّد ابن طاووس، والمسمى باسمه، لها في کتابه (زوائد الفوائد)، إذ من المظنون جداً أنه أخذها نسخة أبيه الكاملة من (دلائل الإمامة)
للشيخ للمحدِّث الجليل محمد بن جرير الطبري المعاصر للشيخ الطوسي من علماء الإمامية في القرن الخامس، حيث رواها مسنداً من الفصل المتعلق بأمير المؤمنين علیه السلام.1) بقي هذا الكتاب في زوايا الخمول منذ زمن تأليفه إلى أن وصلت نسخته التامّة إلى السيِّد ابن طاووس في القرن السابع، فعرف قدره واستخرج منه أنواع رواياته وأدرجها في تصانيفه، ومن المؤسف أنه بعد عصر ابن طاووس ضاعت تلك النسخة التامة، كما ضاعت عنا كثير من الكتب التي كانت مصادر لتأليفات ابن طاووس ولا طريق لنا إلى إثبات وجود تلك الكتب إلا من خلال وجود مضامينها في تصانيف ابن طاووس خریت صناعة معرفة الكتب، راجع الذريعة للطهراني رحمه الله 8: 247.
ورواها مسنداً الفاضل المحدِّث الشيخ هاشم بن محمد القرن السادس في كتابه (مصباح الأنوار) الذي ذكر المجلسي رحمه الله في حقه أنه «يروي من الأصول المعتبرة من الخاصة والعامة»(1)، على ما نقله عنهما المحدِّث الجليل السيد نعمة الله الجزائري رحمه الله في کتاب (الأنوار النعمانية)(2).
ونصُّ سند (دلائل الإمامة) قال: (أخبرنا السيد أبو البركات بن محمد الجرجاني هبة الله القمي، واسمه يحيى قال: حدثنا أحمد بن إسحاق بن محمد البغدادي قال: حدثنا الحسن بن الحسن السامري قال: كنت أنا ويحيى بن جريح البغدادي فقصدنا أحمد بن إسحاق القمي صاحب الإمام أبي محمد العسكري علیه السلام بمدينة قم..)، وساق الحديث.
ونصُّ سند (مصباح الأنوار) قال: (أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد القمي بالكوفة، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن جعدويه القزويني وكان شيخاً صالحاً زاهداً سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة صاعداً إلى الحج، قال: حدثني محمد بن علي القزويني، قال: حدثنا الحسن بن الحسن الخالدي بمشهد أبي الحسن الرضا علیه السلام، قال: حدثنا محمد بن العلا الهمداني الواسطي ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، قالا: تنازعنا في أمر أبي الخطاب (محمد بن أبي زينب)(3)
ويُحتمل أن تكون عبارة (أبي الخطاب) مصحَّفة عن (ابن الخطاب) فتكون عبارة (محمد بن أبي زينب) زيادة من الرواة أو النسّاخ للتوضيح، ويؤيَّده وجود عبارة (ابن الخطاب) من دون التصريح باسم (محمد بن أبي زينب) في بعض نسخ الرواية.
كما يُحتمل أن تكون كلمة (أبي الخطاب) من كلام ابن أبي العلاء ومحمد بن جريح، وتكون عبارة (ابن الخطاب) الواردة في النسخ الأخرى مصحَّفة عنها، أو من تصحيح الرواة أو النسّاخ دعاهم إلى ذلك خلو نسخهم عن التصريح باسم (ابن أبي زينب) وكون الرواية مرتبطة بعمر.
ويويِّد هذا الاحتمال قولهما (تنازعنا فى أمر.. واشتبه علينا أمره) إذ لا معنى لأن يكون المتنازع في أمره عمر فحاله أوضح من أن يختلف فيه اثنان من الشيعة، نعم أبو الخطاب لما كان له حالان حال استقامة وحال انحراف، وقد كان ممدوحاً من قبلهم علیهم السلام حال استقامته، ثمَّ لعنوه وأمروا الشيعة بلعنه والبراءة منه بعد انحرافه أمكن أن يشتبه حاله على بعض الشيعة، اللهم إلا أن يكون المراد أن الذي تنازعا فيه وأشتبه عليهما هو أمر تاريخ موته، ولكن لا يخفى ما فيه من بُعد.
وعليه فيكون اشتباه أمر أبي الخطاب عليهما هو المناسبة التي دعتهما لأن يقصدا إسحاق القمي رحمه الله يوم التاسع من الربيع، وكان ذلك سبباً لأن يوفَّقا إلى معرفة كون هذا اليوم عيداً عند النبي وأهل بيته صلی الله علیه وآله وسلم، لكونه يوم موت عمر ابن الخطاب، ومعرفتهما فضل التعيّد في هذا اليوم، من دون أن يكون ذلك هو المقصود لهما من مجيئهما إليه، كما أشارا إلى ذلك في ذيل الحديث بقولهما: «الحمد لله الذي قيَّضك لنا.. الخ»
واشتبه علينا أمره ..)،وساق الحديث.
ورواها السيد رضي الدين علي بن علي بن طاووس نجل السيد ابن طاووس صاحب المؤلفات المشهورة ك (الإقبال) وغيره في كتابه (زوائد الفوائد) مرسلاً، حيث قال: «روى ابن أبي العلاء الهمداني الواسطي ويحيي بن محمد بن جريح البغدادي قالا: ..»(1)، وساق الحديث.
ورواها الشيخ الجليل الحسن بن سليمان الحلي رحمه الله، من علماء القرن التاسع، وتلميذ الشهيد الأول في كتاب (المحتضر)، قال: «ومما جاء
1) مستدرك الوسائل للمحدِّث النوري 2: 522 نقلاً عن زوائد الفوائد المخطوط
في عمر بن الخطاب أنه كان منافقاً ما نقله الشيخ الفاضل علي بن مظاهر الواسطي عن محمد بن العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن جريح البغدادي، قالا: ..»(1)، وساق الحديث.
ورواها مؤلف كتاب (عقد الدرر في تاريخ وفاة عمر) ويسمى (الحديقة الناضرة)، نقل الرواية عن خط الشيخ علي بن مظاهر الواسطي، واحتمل الشيخ الطهراني رحمه الله في الذريعة أن يكون مؤلفه الشيخ حسن بن سليمان الحلي صاحب كتابي (مختصر البصائر) و(المحتضر)(2).
ورواها الشيخ زين الدين علي بن مظاهر الحلي في كتابه (مقتل عمر)، قال في الذريعة: «ذكره سيدنا الصدر، ومر في (عقد الدرر، ج 15 ص 289) رواية الشيخ حسن الحلي عن علي بن مظاهر الواسطي، فلعله روی مقتله هذا فراجعه.
وينقل عن هذا المقتل السيد هاشم التوبلي صاحب (مقتل أبي عبد الله علیه السلام) في بعض كتبه»(3).
ورواها العلامة المتبحِّر المجلسي رحمه الله في كتابه (بحار الأنوار) تارة عن كتاب (المحتضر) حيث ذكرها في كتاب الفتن والمحن) (31: 120) قائلاً: «قال الشيخ حسن: نقلته من خط الشيخ الفقيه علي بن مظاهر الواسطي، بإسناد متَّصل عن محمد بن العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، قالا:..»، وساق الحديث، وأخرى
عن كتاب (زوائد الفوائد) حيث ذكرها في كتاب الدعاء (95: 351) قائلاً: «روى ابن أبي العلاء الهمداني الواسطي ويحيي بن محمد بن جريح البغدادي قالا:..»، وساق الحديث.
كما أنه ذكرها في كتابه (زاد المعاد) الذي كتبه بالفارسية لعمل المؤمنين، ورتب عليها الأثر.
وألَّف رحمه الله رسالة مستقلة في مقتل عمر بالفارسية، وضمنها الرواية المذكورة، وقد طُبعت مؤخرا.
وفي كل هذه الكتب له رحمه الله إصرار على ترجيح هذه الرواية على الروايات العامية التي اعتمد عليها بعض علمائنا، وذكر مرجحاتها وأجاب عما يمكن أن يُورد عليها من الإشكال.
ورواها السيد مرتضى بن داود الحسيني المعاصر للمجلسي الثاني في كتابه (عقد الدرر في تاريخ قتل عمر)(1).
ورواها أبو الفتح محمد بن محمد جعفر الحسني الحائري في (يوم وفاة عمر) يرويه عن عماد الدين أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري(2).
وغيرهم ممن ألفوا الكتب والرسائل في تعيين مقتل عمر بن الخطاب في يوم التاسع من ربيع الأول.
عن محمد بن العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، قالا:
«تنازعنا في ابن الخطاب فاشتبه علينا أمره ، فقصدنا جميعاً أحمد بن إسحاق القمي صاحب أبي الحسن العسكري علیه السلام بمدينة قم، وقرعنا الباب، فخرجت إلينا صبية عراقية من داره، فسألناها عنه، فقالت: هو مشغول بعيده فإنه يوم عيد.
فقلنا: سبحان الله! الأعياد - أعياد الشيعة - أربعة: الأضحى والفطر، ويوم الغدير، ويوم الجمعة.
[تعيُّد أحمد بن إسحاق رحمه الله في هذا اليوم]
قالت: فإن أحمد بن إسحاق يروي عن سيِّدِه أبي الحسن علي بن محمد العسكري علیهما السلام أن هذا اليوم هو يوم عيد، وهو أفضل الأعياد عند أهل البيت علیهم السلام وعند مواليهم.
قلنا: فاستأذني لنا بالدخول عليه، وعرفيه بمكاننا، فدخلت عليه وأخبرته بمكاننا، فخرج علينا وهو متزر بمئزر له محتبي بکسائه یمسح وجهه، فأنكرنا ذلك عليه.
فقال: لا عليكما، فإني كنت اغتسلت للعيد.
قلنا: أو هذا يوم عيد - وكان يوم التاسع من شهر ربيع الأول -؟!
قال: نعم.
[تعيُّد الإمام الهادي علیه السلام في هذا اليوم]
قالا جميعاً: فأدخلنا داره وأجلسنا على سرير له، وقال: إني قصدت مولانا أبا الحسن العسكري علیه السلام مع جماعة إخوتي - كما قصدتماني - بسُرَّ من رأى، فاستأذنا بالدخول عليه فأذن لنا، فدخلنا عليه صلوات الله عليه في مثل هذا اليوم - وهو يوم التاسع من شهر ربيع الأول - وسيُّدنا علیه السلام قد أوعز إلى كل واحد من خدمه أن يلبس ما يمكنه من الثياب الجدد، وكان بين يديه مجمرة يحرق العود بنفسه، قلنا: بآبائنا أنت وأمهاتنا يا بن رسول الله! هل تجدد لأهل البيت علیه السلام في هذا اليوم فرح؟!
[تعيُّد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في هذا اليوم]
فقال: وأي يوم أعظم حرمة عند أهل البيت علیهم السلام من هذا اليوم؟! ولقد حدثني أبي علیه السلام أن حذيفة بن اليمان دخل في مثل هذا اليوم - وهو التاسع من شهر ربيع الأول - على جدي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، قال حذيفة: رأيت سيدي أمير المؤمنين مع ولديه الحسن والحسين علیهم السلام يأكلون مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، هو يتبسَّم في وجوههم علیهم السلام ويقول لولديه الحسن والحسين علیهما السلام:
كُلا! هنيئاً لكما ببركة هذا اليوم، فإنه اليوم الذي يهلك الله فيه عدوَّه وعدوَّ جدِّكما، ويستجيب فيه دعاء أمِّكما.
كُلا! فإنه اليوم الذي يقبل الله فيه أعمال شيعتكما ومحبيكما.
كُلا! فإنه اليوم الذي يَصدُق فيه قول الله: «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بمَا ظَلَمُوا».
كُلا! فإنه اليوم الذي يتكسَّر فيه شوكة مبغض جدِّكما.
كُلا! فإنه يوم يُفقد فيه فرعون أهل بيتي وظالِمُهم وغاصبُ حقِّهم.
كُلا! فإنه اليوم الذي يَقدم الله فيه إلى ما عمِلوا من عمل فيجعله هباء منثورا.
[إخبار النبي صلی الله علیه وآله وسلم عن جرائم عمر من بعده]
قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله! وفي أمَّتك وأصحابك من ينتهك هذه الحرمة؟
فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: نعم يا حذيفة! جِبتٌ من المنافقين يترأس
عليهم ويستعمل في أمتي الرياء، ويدعوهم إلى نفسه، ويحمل على عاتقه درَّةَ الخزي، ويصد الناس عن سبيل الله، ويُحَرِّف كتابه، ويغيِّر سنَّتي، ويشتمل على إرث ولدي، ويُنَصِّب نفسه علماً، ويتطاول على إمامه من بعدي، ويستحل أموال الله من غير حلِّها، ويُنفقها في غير طاعته، ويُكذِّبني ويُكذِّب أخي ووزيري، ويُنَحّي ابنتي عن حقِّها، وتدعو الله عليه ويستجيب الله دعاءها في مثل هذا اليوم.
قال حذيفة: قلت: يا رسول الله! لم لا تدعو ربَّك عليه ليُهلِكه في حياتك؟!
قال: يا حذيفة! لا أحب أن أجترئ على قضاء الله لما قد سبق في علمه، لکني سألت الله أن يجعل لليوم الذي يقبضه فيه فضيلة على سائر الأيام ليكون ذلك سُنَّةً يَسْتَنُّ بها أحبائي وشيعة أهل بيتي ومحبّوهم، فأوحى إليَّ جلَّ ذِكره، فقال لي:
[عمر أشد أهل النار عذاباً في الآخرة]
يا محمد! كان في سابق علمي أن تمَسَّك وأهلِ بيتك محَنُ الدنيا وبلاؤها، وظُلمُ المنافقين والغاصبين من عبادي، مَنْ نَصحِتَهم وخانوك، ومحضتَهم وغشّوك، وصافيتَهم وكاشحوك، وأرضيتَهم وكذَّبوك، وانتجيتَهم وأسلموك، فإني بحولي وقوتي وسلطاني لأفتَحَنَّ على روح من يَغصب بعدك علياً حقَّه ألف باب من النيران من سَفالِ الفَيلوق، ولأصلِيَنَّه وأصحابه قعراً يُشرف عليه إبليس فيلعنه، ولأجعلنَّ ذلك المنافق عبرةً في القيامة لفراعنة الأنبياء وأعداء الدين في المحشر، ولأحشرنهم وأولياءهم وجميع الظلمة والمنافقين إلى نار جهنم زُرقا كالحين أذِلَّةً خزايا نادمين، ولأخلِّدنَّهم فيها أبد الآبدين.
يا محمد! لن يوافقَك وصيُّك في منزلتك إلا بما يَمَسُّه من البلوى من فرعونه وغاصبه الذي يجترئ عليَّ ويُبدِّلُ كلامي، ويُشرك بي ویصدُّ الناس عن سبيلي، ويُنَصِّبُ من نفسه عِجلاً لأمَّتك، ويَكفر بي في عرشي.
[ملائكة السماء يحتفلون بعيد الزهراء علیها السلام في العالم العلوي]
إني قد أمرت ملائكتي في سبع سماواتي وشيعتَكم ومحبّيكم أن يتعيَّدوا في هذا اليوم الذي أقبَضُه إلي، وأمرتهم أن يَنصبوا كرسيَّ كرامتي حذاء البيت المعمور ويُثنوا علي ويستغفروا لشيعتِكم ومحبّيكم من ولد آدم، وأمرت الكِرام الكاتبين أن يَرفعوا القلمَ عن الخلق كلِّهم ثلاثة أيام من ذلك اليوم، ولا أكتب عليهم شيئاً من خطاياهم كرامةً لك ولوصيِّك.
[الثواب العظيم للشيعة لتعيِّدهم في هذا اليوم]
يا محمد! إني قد جعلت ذلك اليوم عيداً لك ولأهل بيتك ولمن تبعهم من المؤمنين وشيعتهم، وآلَيْتُ على نفسي بعزَّتي وجلالي وعلُوّي في مكاني لأحْبُوَنَّ من تعيَّدَ في ذلك اليوم محتسِباً ثواب الخافِقَين، ولأشَفَعَنَّه في أقربائه وذوي رحِمِه، ولأزيدَنَّ في ماله إن وسَّع على نفسه وعياله فيه، ولأعتِقَنَّ من النار في كل حولٍ في مثل ذلك اليوم ألفاً مواليكم وشيعتكم، ولأجعَلَنَّ سَعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، وأعمالهم مقبولة.
[تحقّق ما أخبر به النبي صلی الله علیه وآله وسلم من جرائم عمر]
من قال حذيفة: ثم قام رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فدخل إلى بيت أم سلمة، ورَجَعْتُ عنه وأنا غير شاكٍّ في أمر الشيخ - أي عمر - حتى ترأس بعد
وفاة النبي صلی الله علیه وآله وسلم وأتيح الشرُّ وعاد الكفرُ، وارتدَّ عن الدين، وتشَمَّر للمُلك، وحرَّف القرآن، وأحرق بيت الوحي، وأبدع السُنَن، وغيَّر المِلَّة، وبدَّل السُّنة، وردَّ شهادة أمير المؤمنين علیه السلام، وكَذَّب فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، واغتصب فدكاً، وأرضى المجوس واليهود والنصارى، وأسْخَنَ قُرَّةَ عين المصطفى ولم يُرِضها، وغيَّر السُّنَن كلَّها، ودبَّرَ على قتل أمير المؤمنين علیه السلام، وأظهر الجور، وحرَّم ما أحل الله، وأحلَّ ما حرم الله، وألقى إلى الناس أن يتَّخذوا من جلود الإبل دنانير، ولطم وجه الزَّكيَّة، وصعد منبر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم غصباً وظلماً، وافترى على أمير المؤمنين علیه السلام وعانَدَه وسَفَّه رأيه.
[استجابة دعاء الزهراء علیها السلام في حق عمر على يد أبي لؤلؤة رحمه الله]
قال حذيفة: فاستجاب الله دعاء مولاتي علیه السلام على ذلك المنافق(1)، وأجرى قتله على يد قاتِلِه رحمة الله عليه فدخلت على أمير المؤمنين علیه السلام لأهنِّئَه بقتل المنافق ورجوعه إلى دار الانتقام.
قال أمير المؤمنين علیه السلام: يا حذيفة! أتذكر اليوم الذي دخلتَ فيه على سيدي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وأنا وسبطاه نأكل معه، فدلَّك معه، على فضل ذلك اليوم الذي دخلت عليه فيه؟
1) قصة دعاء السيِّدة الزهراء علیها السلام على عمر - لما تَفَل في الكتاب الذي كتبه لها أبو بكر بردِّ فدك ومزَّقه - بقولها: «بَقَرَ اللهُ بَطَنَك كما بَقَرتَ كتابي» مشهورة، ذكرها أهل السير والتواريخ، وأرباب الكتب الحديثية والكلامية من الخاصَّة والعامة، منهم: محمد بن جرير الطبري في (دلالئل الإمامة): 119، وابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه على النهج 17: 235، وقد استجاب الله دعاءها - روحي فداها - في التاسع من ربيع الأول على يد أبي لؤلؤة رحمه الله حيث بَقَرَ بطن عمر في القصة المعروفة، ولذلك يُسمي الشيعة هذا اليوم (عيد البَقر) كما يسمونه (عيد الزهراء علیها السلام) و (فرحة الزهراء علیها السلام)
قلت: بلى يا أخا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
[أسماءُ يومِ قتل عمر]
قال: هو والله اليوم الذي أقرَّ الله به عين آل الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، وإني لأعرف لهذا اليوم اثنين وسبعين اسماً.
قال حذيفة: قلت: يا أمير المؤمنين! أحبُّ أن تُسمِعَني أسماء هذا اليوم، وكان يوم التاسع من شهر ربيع الأول، فقال أمير المؤمنين علیه السلام(1):
1 - هذا يوم الاستراحة
2 - ويوم تنفيس الكربة (تنفيس الهم والكرب)
3 - ويوم الغدير الثاني
4 - ويوم تحطيط الأوزار
5 - ويوم الخيرة (الحبوة)
6 - ويوم رفع القلم
7 - ويوم الهدي
8 - ويوم العافية (العقيقة)
9 - ويوم البركة
10 - ويوم الثّارات
11 - ويوم عيد الله الأكبر
1) الموجود فيما نقله صاحب البحار عن كتاب (المحتضر) ستة وستون اسماً إلا أنّا اسماً أتممناها اثنين وسبعين من خلال ضمّ ما ورد في نسخة ابن طاووس في (زوائد الفوائد) على ما نقله عنه صاحب البحار، كما قمنا بإصلاح بعض الأسماء من المقارنة بين النسختين
12 - ويوم يُستجاب فيه الدعاء
13 - ويوم الموقف الأعظم
14 - ويوم التوافي (التولية)
15 - ويوم الشَّرط
16 - ويوم نزع السواد (نزع الأسوار)
17 - ويوم ندامة الظالم (الظالمين)
18 - ويوم التصَفُّح (التصفيح)
19 - ويوم فرح الشيعة
20 - ويوم التوبة (التروية)
21 - ويوم الإنابة
22 - ويوم الزكاة العظمى
23 - ويوم الفطر الثاني
24 - ويوم سيل النغاب (سبيل الله)
25 - ويوم تجرِّع الرّيق (التجرّع بالريق)
26 - ويوم الرضا
27 - ويوم عيد أهل البيت علیهم السلام
28 - ويوم ظفرت به بنو إسرائيل
29 - ويوم يقبل الله أعمال الشيعة
30 - ويوم تقديم الصَّدَقة
31 - ويوم طلب الزيادة
32 - ويوم قتل المنافق
33 - ویوم الوقت المعلوم
34 - ويوم سرور أهل البيت علیهم السلام
35 - ويوم الشاهد
36 - ويوم المشهود
37 - ويوم يعضُّ الظالم على يديه
38 - ويوم القهر على العدو
39 - ويوم هدم الضلالة
40 - ويوم التنبيه (النيلة)
41 - ويوم التصريد
42 - ويوم الشهادة
43 - ويوم التجاوز عن المؤمنين
44 - ويوم الزهرة
45 - ويوم العذوبة
46 - ويوم المستطاب به
47 - ويوم ذهاب سلطان المنافق
48 - ويوم التسديد
49 - ويوم يستريح فيه المؤمن (المؤمنون)
50 - ويوم المباهلة
51 - ويوم المفاخرة
52 - ويوم قبول الأعمال
53 - ويوم التبجيل
54 - ويوم إذاعة السِّر
55 - ويوم نصر المظلوم
56 - ويوم الزيارة
57 - ويوم التودد
58 - ويوم التحبب
59 - ويوم الوصول
60 - ويوم التزكية
61 - ويوم كشف البدع
62 - ويوم الزهد في الكبائر
63 - ويوم التزاور
64 - ويوم الموعظة
65 - ويوم العبادة
66 - ويوم الإسلام
67 - ويوم انتصار الشيعة
68 - ويوم الفتح
69 - ويوم نفي الهموم
70 - ويوم النحيل
71 - ويوم النحيلة
72 - ويوم الشكر
قال حذيفة: فقمت من عنده - يعني أمير المؤمنين علیه السلام - وقلت في نفسي: لو لم أدرك من أفعال الخير وما أرجو به الثواب إلا فضل هذا اليوم
لكان مُناي.
قال محمد بن العلاء الهمداني، ويحيى بن محمد بن جريح: فقام كل واحد منا وقبَّل رأس أحمد بن إسحاق بن سعد القمي، وقلنا: الحمد لله الذي قيَّضك لنا حتى شرَّفتنا بفضل هذا اليوم، ورجعنا عنه، وتعيَّدنا في ذلك اليوم»(1).
1) بحار الأنوار للمجلسي رحمه الله 120:31 نقلاً عن كتاب (المحتضر)، وأوردها في 95: 351 نقلاً عن السيَّد ابن طاووس رحمه الله في كتاب (زوائد الفوائد)، وفي كتاب (المحتضر) المطبوع للشيخ حسن بن سليمان رحمه الله: 44، مع اختلافات يسيرة في الألفاظ
لا يخفى أنه ليس مرادنا من اعتبار الرواية إثبات صحّتها بالمعنى المصطلح عند المتأخرين وذلك لجهالة كل من محمد بن أبي العلاء ويحيى بن جريح الواسطي الراويين عن أحمد بن إسحاق القمي رحمه الله، بل مرادنا إثبات كونها موثوقة ومما تتطمئن النفس بصدورها عن أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام، وبعبارة أخرى: كونها صحيحة بالمعنى المصطلح للصحة عند متقدمي أصحابنا.
وقد وافاك في المقدمات التي نبهنا عليها في أول الكتاب، وسيوافيك في طيات هذا الكتاب الكثير من القرائن التي يوجب الإطلاع عليها لكل عاقل منصف العلم بصدور هذه الرواية عن المعصومين علیهم السلام، بل الكتاب من أوله إلى آخره معقود لهذا الغرض.
وإنما غرضنا هنا أن نذكر وجهاً آخر من وجوه تصحيح هذه الرواية أشار إليه خريت صناعتي الحديث والرجال الميرزا حسين النوري قدس سرّه في مستدركه وهو:
أنه نقل العلامة الشيخ الكفعمي رحمه الله عن كتاب (مسارّ الشيعة) للشيخ المفيد قدس سرّه قوله: «.. أنه من أنفق في اليوم التاسع منه - ربيع الأول - شيئاً غفر له ويستحب فيه إطعام الإخوان وتطييبهم والتوسعة في النفقة ولبس الجديد والشكر والعبادة وهو يوم نفي الهموم، وروي أنه ليس فيه صوم(1)..»(2).
والملفت للنظر أن الشيخ المفيد قدس سرّه قد ذكر في كلامه هذا عين
العبائر الواردة في رواية أحمد بن إسحاق رحمه الله الآتية الذكر من مستحبّات يوم التاسع من ربيع الأول، مما يدلّ على أنه استند إلى هذه الرواية في مقام الحكم باستحباب هذه الأمور في هذا اليوم.
ولا نريد أن نستدل بذلك على كون الرواية معتبرة بنظره لاحتمال كون مستنده في ذلك قاعدة التسامح في أدلة السنن التي نُسب القول بها إلى المشهور.
ولكن في مستدرك الوسائل نقل عن المفيد قدس سرّه في (مسارّ الشيعة) قوله: «.. وفي اليوم التاسع منه - يعني ربيع الأول - يوم العيد الكبير - وله شرح كبير في غير هذا الموضع، وعيَّد فيه النبي صلی الله علیه وآله وسلم وأمر الناس أن يُعيِّدوا فيه ويُتَّخذُ فيه المريس»، ثم عقَّبه بقوله: «وفيه إشارة إلى اعتبار الخبر المذكوره»(1).
وهو في محلِّه، إذ استناد الشيخ المفيد قدس سرّه إلى هذه الرواية في مقام الحكم بكون هذا اليوم - يوم التاسع من الربيع - عيداً لتعيُّد النبي صلی الله علیه وآله وسلم فيه وأمره بالتعيُّد فيه يدلُّ على قبوله لها وكونها معتبرة بنظره، ولما كان من المعلوم أنه قدس سرّه لا يرى حجية أخبار الآحاد(2)ولا يعمل إلا بالخبر العلمي فاعتبار الخبر بنظره مساوق لكونه مما يُعلم بصدوره عن المعصوم علیه السلام عنده، غاية الأمر أنه لم يلتزم بخصوص الفقرات
1) المستدرك 2: 522، وما نقله المحدث النوري رحمه الله عن مسار الشيعة موجود في النسخة الله المخطوطة لهذا الكتاب في المكتبة الرضوية تحت رقم (7940)
2) قال في (التذكرة في أصول الفقه): 44: «.. فأما خبر الواحد القاطع للعذر فهو الذي يقترن إليه دليل يُفضي بالناظر فيه إلى العلم بصحّة مخبره.. فمتى خلا خبر الواحد من يُقطع بها على صحة مخبره، فإنه كما قدمناه ليس بحجة ولا موجب علما ولا عملا على كل وجه»
المصرِّحة بكون موت عمر قد وقع في هذا اليوم - التاسع من الربيع - لا لقصور الخبر وعدم قيام الحجة به عنده، بل لتوهم معارضة خصوص هذه الفقرات من الرواية بما هو أقوى منها ألا وهو إجماع أهل السير والتواريخ على كون القتل قد وقع في الآخر من ذي الحجة، وسيأتي بيان كون ذلك أكذوبة متقنة وكبيرة من العامة انخدع بها بعض علمائنا.
واحتمال كون مستنده ذلك في هو قاعدة التسامح في أدلة السنن لا يرد هنا كما ورد في كلامه السابق إذ لم يحكم هنا باستحباب التعيّد والقيام بأعمال معينة حتى يُقال بأن مستنده في الحكم بذلك هو المذكورة، بل أثبت كون يوم التاسع عيداً وأن النبي صلی الله علیه وآله وسلم تعيّد فيه وأمر بالتعيّد فيه، وهذه الأمور من الوقائع الخارجية التي تحتاج في ثبوتها إلى العلم واليقين وليست من السنن حتى تشملها قاعدة التسامح.
وإذا كانت الرواية مقطوعة الصدور عند مثل الشيخ المفيد قدس سرّه فإن هذا يورثنا على أقل تقدير الوثوق والاطمئنان بصدورها، سيما بملاحظة قرب عهد المفيد قدس سرّه من زمن الإمام الهادي علیه السلام الذي روي عنه الخبر المذكور.
في رواية أحمد بن إسحاق رحمه الله الواردة في عيد التاسع من شهر ربيع الأول شبهة مشهورة، وهي ما ورد فيها من الحديث القدسي: «.. وأمرت الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن الخلق ثلاثة أيام من ذلك اليوم، ولا أكتب عليهم شيئاً من خطاياهم كرامة لك ولوصيك.»، حيث إن هذه الفقرة من الرواية تدل على عدم معاقبة العصاة على ما يرتكبونه من المعاصي والآثام في الأيام
الثلاثة المذكورة بدءً من تاسع ربيع الأول.
ولازم ذلك إغراء الناس بالمعصية، وبيان ذلك على ما جاء في تقريرات شيخنا الأعظم الأنصاري قدس سرّه في أواخر بحث (الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع) في نقض جواب الفاضل التوني رحمه الله عن الأشاعرة المنكرين للملازمة، حيث قال: «فإن قلت: إن من جملة ما يُقرِّب العباد إلى الطاعة ويُبعدهم عن المعصية هو وعد الله سبحانه على الطاعة ووعيده على ارتكاب المعصية، بل هذا من أعظم ألطافه على العباد جلَّت عظمته، فالإخبار بالعفو يوجب التهاون في مدركات العقول ويورث الإغراء في أفاعيلهم والذهول، فربما يُفرط المكلف فيما تشتهيه نفسه من ارتكاب المحرمات العقلية، وترك واجباتها، اتكالاً على عفوه تعالى واعتماداً على فضله، وذلك يُنافي ما هو المعلوم من طريقة الشرع الحثِّ على فعل الواجبات، والتحريض على ترك المحرمات، فهو نقض لغرضه تعالى..»(1).
وهذا الإشكال لا يختص بما ورد في رواية التاسع من ربيع الأول، بل هو ثابت يقيناً وبضرورة من الدين ونص آيات كثيرة من القرآن المبين، على ما ورد في كلام الشيخ الأعظم قدس سرّه في مقام الإجابة على يعم هذه الشبهة وأمثالها، وإليك نصّ كلامه:
([النقض] أولاً بالموارد التي وعد الله تعالى بالعفو عنها - المعاصي -
1) مطارح الأنظار (طبعة مؤسسة آل البيت علیهم السلام) ص 242
فيها، كما فيمن ترك الكبائر، فإنه عفو في صغائره على ما يشهد به الكتاب العزيز من قوله تعالى: «والذينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ..».
وكما في الظهار، فإن ما دل على حرمته قد دل أيضا على كونه معفواً عنه كما لا يخفى.
وكما في الصبي المراهق - بناء على ما هو التحقيق من ثبوت الأحكام العقلية في حقه دون الأحكام الشرعية - إلا أنه لا یرد نقضاً عليه، فالإغراء المذكور لازم في هذه الموارد فما هو الجواب عنها هو الجواب عنه.
وقد يتخيل أن التوبة أيضا مما يرد على المقام، وليس على ما ينبغي، فإن فيها حالةً ترتدع النفس بها عن القبائح حقيقةً كما هو الظاهر علی من شم رائحة المعنى.
ولا فرق في ذلك بین أن یکون العفو معلقاً علی إیجاد سببٍ، کالبکاء على الحسين علیه السلام، أو لم يكن، فإنه ربما يتوهم الجاهل، ويغتر بفعل القبائح نظراً إلى عدم تخلُّف وعده.. وعلى مثل هذا الجواب بنينا في أن يكون العفو معلقاً على إيجاد سبب، كالبكاء بین دفع الإشكال الوارد على العفو في ثلاثة أيام في ربيع الأعياد..)(1).
أقول: حاصل كلامه رحمه الله الإشارة إلى خمسة موارد للنقض، قَبِلَ منها أربعةً ولم يقبل الخامس.
1) المصدر السابق
وهو ما أشار إليه بقوله قدس سرّه: «.. كما فيمن ترك الكبائر فإنه عفو عن وهو صغايره..».
أقول: الفرق بين هذا وما سيأتي منا في النقض السادس من الوعد العام بالعفو: أن ذاك عفو مطلق من جميع الجهات، من جهة العاصي ونوع المعصية وغيرها.
بخلاف هذا فإنه وعد بغفران صغائر الذنوب مشروطاً باجتناب الكبائر، ونشير إلى آيتين في هذا المعنى:
الأولى: قوله تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَتُدْخِلُكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً»(1).
فقد وعد اللهُ عبادَه صريحاً في هذه الآية بأنهم إذا اجتنبوا كبائر المنهيَّات يكفّر عنهم بقية سيئاتهم، وهذا الوعد يشمل جميع أيام السنة، ومنها أيام ربيع الأعياد.
الثانية: قوله تعالى: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَة»(2).
ومحَصَّلُ مضمون هذه الآية عدم الاعتناء بالصغائر من الذنوب - اللمم - مع الالتزام بالاجتناب عن الكبائر منها.
وهذا بناءً على صحة الشبهة يكون سبباً للترخيص الدائم في المعاصي الصغار، والإغراء بفعلها أو تسهيله، نظير ما أورِدَ على العفو في
أیام عید الزهراء علیها السلام الثلاثة.
وهو ما أشار إليه قدس سرّه بقوله: «وكما في الظهار، فإن ما دل على حرمته قد دل أيضا على كونه معفواً عنه كما لا يخفى».
قال الشهيد الثاني رحمه الله: «لا خلاف بين العلماء في تحريم الظهار، لوصفه بالمنكر في قوله تعالى: «وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً»، والمنكر والزور محَرَّمان.
ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه يعفى عنه ولا يعاقب عليه في الآخرة لقوله تعالى: «وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ»، فعقَّبه بالعفو وهو يستلزم نفي العقاب.
وهذا القول ذكره بعض المفسرين، ولم يثبت عن الأصحاب..»(1).
وظاهر عبارة الشيخ الأعظم قدس سرّه في هذا المورد اختيار هذا القول الذي أشار إليه الشهيد الثاني رحمه الله.
والأظهر ما اختاره أكثر المفسرين من أن العفو الموجود في الآية الثانية خاصٌّ بالرجل الذي نزلت هذه الآيات في شأنه وشأن زوجته، فإن الله تعالى عفى عنهما من دون كفارة، وأما ساير الرجال المظاهرين لزوجاتهم فلا تدل الآية الشريفة على العفو عنهم قبل الكفارة، بل العفو عنهم مشروط بها.
وكيف كان، فعلى القول الأول يكون معنى الآية أن الظهار حرام،
1) مسالك الأفهام 9: 499
معفوٌّ عنه في المرة الأولى من غير كفارة، وإذا عاد فمع الكفارة، فيأتي إشكال الترخيص في المعصية بالنسبة إلى المرة الأولى كما كان في حديث عيد الزهراء علیها السلام، غاية الأمر أنه في عيد الزهراء علیها السلام يغفر الله بسببٍ يصلح للغفران وهو إظهار الفرح بموت عدو الله وأهل البيت علیهم السلام الذي هو من أبرز مظاهر التبري، ومن أعظم أسباب المغفرة، وفي الظهار بدونه.
والمراد بالصبي المراهق: الذي يعرف الحسن والقبح ويدرك الأحكام العقلية والعقلائية، مثل الكبار البالغين، إلا أنه رفع عنه القلم امتنانا.
وذلك قول الشيخ رحمه الله: «وكما في الصبي المراهق، بناء على ما هو التحقيق من ثبوت الأحكام العقلية في حقه دون الأحكام الشرعية».
أقول: حاصل النقض أن الصبي المراهق محكوم بما يدركه عقله من الواجبات والمحرمات العقلية، ولكنه مرفوع عنه القلم إلى أن يبلغ، وربما تكون مدة مراهقته سنة أو سنتين أو أزيد كما في بعض الصبيان الأذكياء.
فرفع القلم عنه ليس أقل إشكالاً من رفع القلم عن البالغين ثلاثة أيام في عيد الزهراء علیها السلام، واتفاق المسلمين بل جميع الأديان بل وأهل المجتمعات غير الدينية على رفع القلم عنه دليل على بطلان الشبهة عند العقلاء، وعدم ثبوت الإغراء بالمعصية في نظرهم.
وذلك في كل سبب - لعفوه تعالى - يكون من سنخ فعل المكلف الجوارحي، مثل البكاء على الإمام الحسين علیه السلام أو زيارة الأئمة علیهم السلام ونحو ذلك.
فإنه كما قال الشيخ رحمه الله حاكياً عن بعض المغالطين: «ربما يتوهم الجاهل ويغتر بفعل القبائح نظراً إلى عدم تخلف وعده».
وجه النقض: أن شبهة الاغترار والترخيص بالمعصية في مسألة الإمام الحسين علیه السلام أقوى وأعم، لشمولها جميع الأزمنة، بخلاف عيد الزهراء علیها السلام لاختصاصه بثلاثة أيام فقط.
إذ كون التوبة سبباً لتكفير الذنوب من ضروريات الدين وقد دلت علیه آیات الذكر الحكيم، منها:
قوله تعالى: «فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(1).
وقوله جل شأنه: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(2).
وقوله عزَّ وجل: «إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً»(3).
وقوله جلَّ وعلا: «وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ»(1).
وقوله سبحانه: «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ من قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ»(2).
وحاصل الآيات: أن العصاة ومرتكبي الكبائر إذا تابوا قُبِلت توبتهم، قبلت وصاروا مصداقاً لقول أبي جعفر علیه السلام: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»(3).
وبناءً عليه، لصاحب الشبهة أن يقول: إن قبول التوبة سبب لاغترار المجرمين وجرأتهم على المعصية اعتماداً على التوبة طول عمرهم.
وربما لا يوفقون للتوبة أصلا، أو يتوبون ولكن ينقُضون توبتهم مرات عديدة اعتماداً على التوبة من جديد.
فتكون التوبة سبباً لكثرة المعصية وجرأة العصاة أكثر من العفو في أيام عيد الزهراء علیها السلام.
وقد استشكل الشيخ رحمه الله في هذا النقض بأن التوبة ليست سبباً للاغترار والجرأة على المعصية بقوله: «لأن في التوبة حالة ترتدع النفس عن القبائح حقيقة».
أقول: ما ذكره رحمه الله صحيح، ولكنه لا ينافي اغترار العصاة بالتوبة كما
اغتر بها عمر بن سعد / في قتله للحسين علیه السلام فقال: «أتوب إلى الرحمن من سنتين».
فالمستشكل يعتمد على أن تشريع التوبة سبب للاغترار، ولا ينافي ذلك ما ذكره الشيخ من إحداثها لخصوصية في نفس التائب، لإمكان اجتماع الأمرين - الخصوصية في نفس التائب والاغترار - بالوجدان، مما يكشف عن أن هذه الخصوصية لم تصل إلى حد يمنع من صدور المعصية من التائب.
كما أن البكاء على الإمام الحسين علیه السلام أيضا يشتمل على آثار نفسية عظيمة، ولكنها لا تنافي اغترار الجهال به وبالتوبة بناء على زعم المستشكل.
ونحن نضيف على ما ذكره قدس سرّه نقضين لعلهما أهم مما ذكره:
فالشفاعة ثابتة للأنبياء والأئمة ولبعض الصالحين بضرورة الدين، وصريح آيات القرآن الكريم.
ولم ينكِرها أحد من فرق المسلمين إلا بعض من شذَّ من المعتزلة، والوهابية قاطبة مستدلين بكونها إغراءً بالمعصية، وتغريراً للعباد وتساهلاً في أمر العبودية.
فإن الاعتماد عليها - بزعمهم - سبب للتسامح والاغترار، ولكن لا قيمة
لقولهم المبتني على مقدمات فاسدة عقلاً ونقلاً، كما سيتضح في الجواب الحلّي.
ومعلوم أن مِلاك (الترخيص بالمعصية) فيها أقوى منه في مسألة عید الزهراء علیها السلام، لشمول الشفاعة لجميع المرتكبين للكبائر في جميع الأزمنة والأمكنة.
مع أن هذا الملاك إنما يختص في عيد الزهراء علیها السلام بثلاثة أيام في السنة، على فرض استلزامها للترخيص بالمعصية.
وهذا النقض لم يذكره الشيخ صريحاً، ولا يدخل في عموم قوله: «ولا فرق في ذلك أن يكون العفو معلَّقاً على إيجاد سبب كالبكاء على بین الحسين علیه السلام أو لم يكن.
لأن قوله (إيجاد سبب) يختص بما يكون العفو فيه مستنداً إلى إيجاد المكلف نفسه سبب العفو مثل البكاء وأمثاله، لا إلى السبب المتصل بين الله وبين عبيده والذي لا دخل للمكلف بإيجاده وهم أهل بيت النبوة علیهم السلام.
والإنصاف، شمول عبارة الشيخ للشفاعة أيضاً، فإن الشفاعة لا تشمل إلا من كان مرتبطا بالشفيع بنوعٍ ما من الربط، وأقله المحبة القلبية والاعتقاد، وهذه الصفة الباطنية فعل قلبي للمكلف يكون إيجاده من قِبَله سبباً لنيله شفاعة أهل البيت علیهم السلام وعفوه تعالى عنه.
وهو أقوى النقوض، فقد وردت الآيات والأخبار في عفوه تعالى
مطلقاً فصل الخطاب في تاريخ قتل ابن الخطاب من دون تعليقه على إيجاد سبب من قبل المكلف، ولا تخصيصه بنوع خاص من المكلفين، أو بقسم خاص من المعاصي، وهي كثيرة جداً، نشير إلى آيتين منها:
الآية الأولى: قوله تعالى: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»(1).
وقوله جل شأنه: «الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسهم» يشمل جميع العصاة، وإطلاق كلمة «أسْرَفُوا» وعموم كلمة «الذُّنُوبَ» وتأكيده بكلمة «جميعاً» شامل لكل إسراف وعصيان، وقوله «إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ» غير معلَّق على إيجاد سبب أصلا.
والإطلاق الأزماني لقوله «لا تَقْنَطُوا» وقوله «يَغْفِرُ الذُّنُوبَ» شامل لجميع أيام السنة، ومن ضمنها أيام عيد الزهراء علیها السلام الثلاثة المشار إليها في رواية أحمد بن إسحاق رحمه الله، بل هو مقتضى عظم رحمته تعالى المشار إليه في ذيل الآية بقوله «إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
ولا يخفى أن الإشكال الوارد في عيد التاسع من ربيع الأول یرد هنا بنحو أتم وأكمل، فإن الشبهة هناك كانت منحصرة بثلاثة أيام من ربيع الأول، والترخيص بالمعصية في تمام العمر أقبح منه في ثلاثة أيام، على فرض لزومه فيها.
الآية الثانية: قوله تعالى في موردين من سورة النساء: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ
1) الزمر: 53
أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ»(1).
فقوله عزَّ وجل: «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِك» يشمل كل معصية غير الشرك، وكل عاص غير المشرك، كما أن الإطلاق الأزماني في الآية شامل لكل أيام السنة التى منها أيام ربيع الأعياد، وهو عيد الزهراء علیها السلام.
وهاتان الآيتان تُغنياننا عن ذكر ما تواتر من الآيات والروايات.
وعليه، فكل الأمور السبعة المذكورة تصلح للنقض بها وإلى هنا تمام الجواب النقضي.
إن الناظر في عبارة الرواية الدالة على العفو ثلاثة أيام، إما أن يقطع بالعفو من دون البحث والفحص عن سائر الأدلة العقلية والنقلية الشارحة والمخصصة والمقيدة لها، أو الواردة أو الحاكمة عليها، وإما أن يقطع به بعد البحث عنها.
فعلى الأول لا يمكن حصول القطع بعموم مضمونها مع احتمال المخصص والمقيد والحاكم والوارد وسائر القرائن العقلية والنقلية.
1) النساء: من الآيتين 48 و 116
وعلى الثاني فكذلك لأنه إن كان احتمال وجود المخصص ونحوه من القطع بالعفو في الصورة الأولى، فإن الظفر بالمخصص والمقيِّد ونحوهما بعد التتبع والمراجعة يكون مانعاً عن حصول القطع بالعفو بطريق أولى.
اللهم إلا أن يخدع نفسه ويتساهل عامداً، وحينئذ لن يحتاج إلى هذه الرواية، بل يغتر بدونها أيضا.
ولذا قال الشيخ قدس سرّه: فالعالم بالعفو ممن له رتبة عالية لا يغتر بذلك، والمغتر لا يعلم والاستناد إلى ما لا يفيد العلم ولا الظن في الاغترار إنما هو كمن يغتر على الله بلا احتمال أيضا».
ثم إنه قدس سرّه نقل عن الشيخ الطوسي رحمه الله ما يؤيد هذا الجواب.
أقول: ما ذكره قدس سرّه - مع صحته - مجمل، وإحالة على المجهول!
وذلك لأنه ادعى أن من اجتهد وبحث وفحص يصل إلى معلومات تمنعه من الاغترار، وأن في نفس الرواية أو غيرها ما یمنع من الأخذ بعمومها والاغترار بها، ولكنه لم يذكر المخصص والمقيد بخصوصهما.
فللخصم أن يطالب بذكر خصوص المانع، وعدم الاقتناع بالإجمال.
إن كل واحد من الموارد المذكورة في النقض، وكذا العفو ثلاثة أيام من ریبع الأول إذا صار سبباً للأمن من مكر الله تعالى فهو خارج عن
عموم أدلة التوبة «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ»(1).
فالصبي المراهق إنما يُعفى عمّا يفعله مما تقتضيه طبيعة صباه، وأما إذا استغلَّ قاعدة العفو عن الصبي، وأقدم على أعمال قبيحة من هذا الباب من سرقة وقتل وزنا ونحو ذلك فحينئذ يُعامل معاملة الكبير، حيث إن ما دلّ على رفع القلم عن الصبي ظاهره إناطته بالصبي من حيث هو صبي، وأما استغلاله لرفع القلم عنه من أجل ارتكاب المحرَّمات والقبائح فليس من وإنما هو من حِيَل الكبار.
وخلاصة الأمر: أن قوله علیه السلام: «عمد الصبي وخطؤه واحد»(2)معناه أن الصبي من كان عمده يصدر منه مثل الخطأ من حيث عدم ابتنائه على تفكير عميق وتدبير وشيطنة ونحو ذلك، لا أن عمده الذي يصدر منه مثل الكبار يكون بمنزلة الخطأ، فتدبَّر.
وكذلك التوبة «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً»(3).
فالمستفاد من الآيات أن التوبة إذا جعلت ذريعة للمعصية لا تقبل، وإنما تقبل التوبة عن معصية لم تصدر اعتماداً على التوبة.
وكذا مورد الشفاعة هو المعاصي الصادرة غفلة لا اعتماداً على
الشفاعة، كما ورد في بعض الروايات عن أبي بصير قال: قال أبو الحسن الأول علیه السلام: «إنه لما حضر أبي الوفاة قال لي: إنه لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة»(1)فمن ترك الصلاة اعتماداً على شفاعتهم علیه السلام فإنه لا تناله الشفاعة.
والحاصل: أن العفو في جميع موارده - سواء كان بسبب الشفاعة أو التوبة أو بسبب البكاء على الإمام الحسين علیه السلام أو في عيد الزهراء علیها السلام - يختص بالمعاصي الصادرة بجهالة مع الخوف من عذاب الله، لا مع الأمن من مكره تعالى، ولا المسبَّبة عن هذه الأمور والمعلولة لها.
فالعفو المستلزم لنفي المعاصي وإزالتها هو الثابت في الشريعة، وأما العفو الموجب لكثرة المعاصي وجرأة العاصي فلم يثبت لأن الحكمةَ من تشريع العفو إبعاد العباد عن المعاصي وتطهيرهم عنها، لا دفعهم إليها وإيقاعهم في ارتكابها.
وبعبارة أخرى: تشريع التوبة والشفاعة والعفو - ومنه العفو ثلاثة أيام في ربيع الأعياد - ونحوها إنما هو من الألطاف الإلهية المقربة للعباد نحو الطاعة والمبعِّدة لهم عن المعصية فإذا رأينا العفو سبباً لكثرة المعاصي وجرأة العباد علمنا أنه غيرُ ما شرَّعه الله تعالى.
وفي ربيع الأعياد أيضا لا تكتب المعاصي التي صدرت في مقام إحياء شعيرة التبري بإظهار الفرح والسرور بموت عدو الله على نحو الغفلة
1) الكافي 3: 270
و (عمَل السوء بجهالة) تشجيعاً للشيعة على التعيّد وإظهار الفرح والسرور في هذا اليوم، وأما ما يصدر اعتماداً على هذا العفو فهو خارج عن عمومه.
والحاصل: أن مسألة العفو والشفاعة والتوبة وكون الكبائر كفارة عن الصغائر وأمثال ذلك إنما شُرِّعت لمنع العباد عن اليأس من رَوح الله، لا لحثهم على الأمن من مكر الله.
ولذا نرى، أن مقتضى الحكمة اختصاص كل هذه الأمور بمن لم يعتمد في معصيته على شيء من هذه الأمور، بأن يعصي الله لأنه غفور، أو لأن النبي وآله صلی الله علیه وآله وسلم: يشفعون، أو لأن الله يقبل التوبة من عباده، أو لرفع القلم في العديد من الزهراء علیها السلام.
فمن اعتمد على هذه الأمور في معصيته فقد أراد هدم قانون العفو والشفاعة والتوبة وتفسيره بما يخرجها عن قانون الحكمة إلى نقض الغرض حتى لا يكون لائقاً بشأنه تعالى، بل يكون نقصاً وقبيحاً لا يصدر منه تعالى.
وفي مسألتنا العفو ثلاثة أيام أو عدم كتابة الخطايا، أيضا يختص بمن غلبت عليه الشهوة والغضب وغيرهما، فزلت قدمه وعصى بجهالة، لا من اتخذ هذا العفو ذريعة للأمن من مكر الله تعالى، فعصاه آمناً غير خائف، اعتماداً على أنه تعالى لا يكتب في هذه الأيام الثلاثة شيئاً من الخطايا.
وذلك لما مرَّ من أن العفو عن العاصي بجهالة يتسبَّب بجلبه إلى الله تعالى، ويمنعه من اليأس من رَوح الله، فيكون موافقاً للحكمة.
بخلاف من عصى اعتماداً على هذا العفو فإن العفو عنه سبب من مكر الله، فيكون ناقضاً للغرض ومنافياً لحكمة الله جل وعلا، هذا أولاً.
إن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي اختصاص رفع القلم بالمعاصي التي تصدر في مقام إظهار الفرح والسرور، لا المعاصي التي لا ترتبط بالتعيّد، فضلاً عن كونها مما ينافيه.
كما أنه إذا قيل: (إن الله يغفر الذنوب في العرس) فيختص بما يكون من لوازم العرس ولا يشمل غيرها كقتل النفس المحترمة والسرقة ونحوهما.
وكذا في عيد الزهراء علیها السلام، فإن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي اختصاص رفع القلم بما يقع في مجالس الفرح والسرور من اللغو وذكر بعض ما لا واقع له من المضحكات، ونحو ذلك مما يُراد به الشماتة بعدو الزهراء علیها السلام وإدخال السرور إلى قلبها المبارك، لا ما يكون سبباً لحزنها وفرح عدوِّها الذي يفرح بصدور المعاصي من الشيعة.
إن الرواية تشتمل على عبارات تنافي حمل العفو الوارد فيها على العموم، منها:
أ - قوله علیه السلام في مقام ذكر أسماء عيد الزهراء علیها السلام: «.. ويوم الزهد في الكبائر..» إذ لو كان رفع القلم شاملاً للكبائر لم يكن معنى للزهد فيها،
بل كان يوم ارتكاب الكبائر، فحمل الرواية على العموم سببٌ لتناقض فقراتها، ولا يرتفع هذا التناقض إلا بتخصيص رفع القلم بغير الكبائر التي جعل الزهد بها من شعارات وأسماء هذا العيد.
ب - تعبيراته علیه السلام: «.. يوم التوبة والإنابة، ويوم التزكية، ويوم الاستسلام..» فإنها تقتضي ترك المعاصي والاشتغال بالتزكية والاستسلام في مقابل المولى، فلا تناسب حمل رفع القلم على عمومه، بل لا بد من حمله على ما لا ينافي التوبة والتزكية والاستسلام، مثل بعض الزلات والمعاصي الصغيرة التي تصدر بجهالة، وإلا لتناقضت تعبيرات الرواية بعضها مع بعض.
ج - قوله علیه السلام: «.. يوم العبادة..» إن عمَّمناه لكل ما يتعبد به العبد من فعل الطاعات وترك المعاصي فيقتضي التنزّه عن كل معصية فعلاً كانت أو تركاً.
وإن خصصناه بالأفعال فيقتضي لزوم اشتغال العبد بإتيان ما أمِر به من العبادات والاجتناب عن المعصية بتركها.
وهذا ينافي حمل جملة رفع القلم على عمومها بل يخصصها ببعض المعاصي.
وفي الرواية عبارات أخَر تشرح مراد الله تعالى من رفع القلم، مثل قوله علیه السلام: «.. يوم يقبل الله فيه الأعمال.. ويوم الموعظة..» ونحوها، مما تصلح قرينة لما ذكرنا من عدم عموم رفع القلم، واختصاصه بالصغائر التي تقع في مقام إظهار الفرح والسرور، غفلة وعن جهالة وانصرافه عن غيرها.
من لطائف كلام الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سرّه تسميته لهذا اليوم (ربيع الأعياد) لوقوعه في ربيع الأول.
إن قلت: لعل مراده من (ربيع الأعياد) ميلاد الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم، أو غيره من الأعياد الواقعة في ربيع الأول.
قلنا: إن العفو ثلاثة أيام لم يرد في سائر أعياد أو الأول، وإنما ربيع اختص بيوم التاسع منه، يوم قتل عمر ابن الخطاب، وهو مراد الشيخ رحمه الله من قوله: «.. وعلى مثل هذا الجواب بنينا في دفع الإشكال الوارد على العفو في ثلاثة أيام في ربيع الأعياد..».
فمراد الشيخ قدس سرّه بالعفو ثلاثة أيام قوله تعالى في الحديث القدسي الذي اشتملت عليه رواية أحمد ابن إسحاق رحمه الله: «.. وأمرت الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن الخلق كلهم ثلاثة أيام من ذلك اليوم، ولا أكتب عليهم شيئاً من خطاياهم كرامة لك ولوصيك..».
ومراده رحمه الله بربيع الأعياد ما ورد في رواية أحمد بن إسحق مکرراً مثل ما في أولها من قول الراوي: «.. فخرجت صبية عراقية من داره فسألناها عنه فقالت: هو مشغول بعيده فإنه يوم عيد..».
ثم قولها: «.. فإن أحمد بن إسحق يروي عن سيده أبي الحسن علي بن محمد العسكري علیهما السلام أن هذا اليوم هو يوم عيد وهو أفضل الأعياد عند أهل البيت وعند مواليهم..».
وقول أحمد بن إسحق رحمه الله: «.. فإني كنت اغتسلت للعيد، قلنا: أو هذا
يوم عيد؟ قال: نعم».
وقوله صلی الله علیه وآله وسلم: «.. فأوحى إلي جل ذكره، فقال لي: يا محمد! إني قد أمرت ملائكتي في سبع سماواتي وشيعتكم ومحبيكم أن يتعيِّدوا في هذا اليوم الذي أقبضه إلي..».
وقوله تعالى: «.. يا محمد! إني قد جعلت ذلك اليوم عيداً لك ولأهل بيتك ولمن تبعهم من المؤمنين و شيعتهم، وآليت على نفسي بعزتي وجلالي وعلوِّي في مكاني لأحبون من تعيَّد في ذلك اليوم محتسبا ثواب الخافقين..».
وقد أشير في أربعة وعشرين مورداً من هذه الرواية إلى كون يوم التاسع من ربيع الأول عيداً، إما لفظاً بالإتيان بكلمة العيد ومشتقاتها، وإما ما يرادفه في المعنى مثل كونه (يوم فرح الشيعة) أو (سرور أهل البيت علیه السلام)، أو بما يلازمه مثل تسميته ب(الغدير الثاني) أو (الفطر الثاني) أو نحو ذلك.
وحيث إن الرواية تصرِّح بكونه عيداً وكونه اليوم التاسع من ربيع الأول وتصرح بالعفو ثلاثة أيام فلذا سماه الشيخ الأنصاري قدس سرّه بربيع الأعياد.
ولعله قدس سرّه مضافاً إلى إرادة ربيع الأول من قوله (ربيع الأعياد) أراد التلميح إلى كونه أحسن الأعياد وأفضلها وأكثرها فرحاً ونشاطاً، كما أن الربيع أفضل الفصول وأكثرها فرحاً ونشاطاً، وأن حال الشيعي الواقعي ينبغي أن يكون في هذه الأيام من حيث البهجة والسرور والنضارة، كحال الطبيعة في فصل الربيع.
قال السيد علي بن طاووس رحمه الله في كتاب (الإقبال) بعد ذكر اليوم التاسع من ربيع الأول: «.. واعلم أن هذا اليوم وجدنا فيه رواية عظيمة الشأن، ووجدنا جماعة من العجم والإخوان يُعَظِّمون السرور فيه، ويذكرون أنه يوم هلاك بعض من كان يهون بالله جل جلاله ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم ويعاديه.
ولم أجد فيما تصفحت من الكتب إلى الآن موافقة أعتمد عليها للرواية التي رويناها عن ابن بابويه تغمده الله بالرضوان، فإن أراد أحد تعظيمه مطلقاً لسر يكون في مطاويه غير الوجه الذي ظهر فيه احتياطاً للرواية، فكذا عادة ذوي الرعاية..»(1).
أقول: مراده من قوله: (وجدنا فيه رواية عظيمة الشأن) رواية الصدوق رحمه الله عن الإمام الصادق علیه السلام كما صرَّح به في كلامه الآتي.
وأما قوله: (ولم أجد.. احتياطاً للرواية) فهو إنما يصحّ فيما لو كان الرأي المقابل عليه أدلة قوية إلا أنها لا تصل إلى حدِّ القطع واليقين، وكنا نريد أن نتركها ونحتاط لأجل هذه الرواية الشيعيّة.
ولكنا قد أشرنا إلى أن هذه الرواية ونظائرها أقوى ما يوجد في المسألة، وليس في مقابلها رواية حسنة ولا موثقة فضلاً عن الصحيحة، وإنما الموجود روايات قطعية الضعف مخالفة للمشهور بين الشيعة قولاً وعملاً، منقولة من كتب أعداء أهل البيت علیهم السلام وأتباع عمر.
1) إقبال الأعمال 3: 113
فالتردد في تقديم رواية الصدوق رحمه الله على تلك الروايات الواهية عجيب، وأعجب منه تقديم تلك الروايات عليها كما فعل ابن طاووس رحمه الله، فإن في تأويله لرواية الصدوق رحمه الله بخلاف ظاهرها - بل صريحها كما ستعرف - طرحاً لها في قبال روايات العامّة كما لا يخفى.
حاول السيد ابن طاووس رحمه الله تأويل الرواية بما يتناسب مع ما ادعته أن موت ابن الخطاب كان في آخر ذي الحجة، فقال: «.. وإن من كان يمكن أن يكون تأويل ما رواه أبو جعفر بن بابويه، في أن قتل من ذُكر كان يوم تاسع ربيع الأول، لعل معناه أن السبب الذي اقتضى عزمَ القاتل على قَتل من قَتَلَ كان ذلك السبب يوم تاسع ربيع الأول، فيكون اليوم الذي فيه سبب القتل أصل القتل، ويمكن أن يسمى مجازا بالقتل.
ويمكن أن يُأوَّلَ بتأويل آخر، وهو أن يكون توجُّهُ القاتل من بلده إلى البلد الذي وقع القتل فيه يومَ تاسع ربيع الأول، أو يومُ وصول القاتل إلى المدينة التي وقع فيها القتل كان يومَ تاسع ربيع الأول.
وأما تأويل من تأول أن الخبر بالقتل وصل إلى بلد أبي جعفر بن لأن الحديث الذي رواه ابن بابويه الأول فلا يصح، بابویه یوم تاسع ربیع عن الصادق علیه السلام تضمن أن القتل كان في يوم تاسع ربيع الأول فكيف يصح تأويل أنه يوم بلغ الخبر إليهم».
وعقَّب العلامة المجلسي رحمه الله على كلام السيد ابن طاووس رحمه الله
بقوله: «.. ويظهر منه ورود رواية أخرى عن الصادق علیه السلام بهذا المضمون رواها الصدوق رحمه الله..»(1).
أقول: صرَّح السيد ابن طاووس بوجود رواية للصَّدوق رحمه الله في قتل في التاسع من الربيع أولاً بقوله: «.. وجدنا فيه رواية عظيمة الشأن.. ولم أجد فيما تصفحت من الكتب إلى الآن موافقة أعتمد عليها للرواية التي رويناها عن ابن بابويه تغمده الله بالرضوان..»، وثانياً بقوله: «.. وإن كان يمكن أن يكون تأويل ما رواه أبو جعفر بن بابويه، في أن قتل من ذكر كان يوم تاسع ربيع الأول..».
ثم صرَّح بكون رواية الصدوق رحمه الله هذه مرويَّةً عن الصادق علیه السلام بقوله: «.. لأن الحديث الذي رواه ابن بابويه عن الصادق علیه السلام تضمن أن القتل كان في يوم تاسع ربيع الأول..».
فتكون رواية الصدوق رحمه الله هذه رواية أخرى مؤيِّدة لرواية أحمد بن إسحاق القمي رحمه الله، لأن رواية أحمد بن إسحاق رحمه الله كانت عن الإمام الهادي علیه السلام لا عن الإمام الصادق علیه السلام، فهما إذن روايتان لا رواية واحدة.
أما تأويله رحمه الله الخبر بما ذكره من أن المراد من (القتل) فيما تضمَّته الرواية من كون قتل عمر وقع في تاسع ربيع الأول، هو عزم القاتل على القتل، أو توجهه من بلده، أو وصوله إلى المدينة على نحو المجاز، ففيه:
1) بحار الأنوار 31: 132
أنا لم نجد في الاستعمالات العربية ما يوافق هذا التأويل، ولم نسمع بمن يسمي عزم القاتل أو حركة القاتل من بلده أو وصوله إلى بلد القتل قتلاً، ويا ليته رحمه الله جاء لكل واحد من هذه الاحتمالات بشاهد واحد من كلام العرب على الأقل.
وحيث إنه لم يأتِ - ولن يأتي هو ولا غيره - بشاهد واحد فيكون ما ذكره اجتهاداً في قبال السّماع أو استحساناً لغويّاً وهو باطل بالاتفاق.
وقد اشتبه السيد ابن طاوس رحمه الله في ما ذكره من تأويل لهذا الخبر حيث خلط بين التجوّز في الكلمة والتجوز في الإسناد.
فإنه وإن صحّ إسناد القتل إلى اليوم الذي تحقَّقت فيه الأمور المذكورة على نحو التجوّز في الإسناد من باب أن تحقّق هذه المقدِّمات يُشرف بالقتل على التحقّق فصار تحقّقها كأنه تحقّق له إلا أنه لا يصحّ إطلاق القتل على العزم عليه أو التوجه إلى بلد المقتول أو الوصول إليه حتى مجازاً، بل يُعدّ ذلك غلطاً فاحشاً.
ففرق بين أن نسند القتل بما له من معنى حقيقي إلى تاريخ تحقق مقدمته - كانطلاق القاتل من بلده مثلاً - لا تاريخ حصوله الواقعي على نحو التجوز في الإسناد، وبين أن نُسند مقدمة القتل - كانطلاق القاتل من بلده مثلاً - إلى تاريخ حصولها الواقعي فيكون الإسناد حقيقياً ولكن نعبِّر المقدمة مجازاً بالقتل.
وظاهر قول ابن طاوس رحمه الله: «فيكون اليوم الذي فيه سبب القتل أصل عن القتل ويمكن أن يسمى مجازاً بالقتل» هو الثاني وقد عرفت ما فيه.
ولو تنزلنا عما ذكرناه فنقول: إن حمل الكلام على هذا النحو من التجوّز يحتاج إلى قرينة تدلّ على ذلك وليست موجودة في المقام.
فمثلا في قولنا (قُتل الحسين علیه السلام في يوم السقيفة) معلوميّة تاريخ أئمتنا واقعة كربلاء وكونها من الوضوح بمكان، والعناية الشديدة من أئمتنا علیهم السلام بإرجاع جميع المصائب والجنايات التي نزلت بالإسلام وبأهل البيت علیهم السلام إلى ذلك اليوم المشؤوم، يوجبان صرف الكلام عن ظاهره وحمله على أن الأساس الذي أدى إلى استشهاد الحسين وأهل بيته علیهم السلام في كربلاء أسس في يوم السقيفة.
وفيما نحن فيه ليس الأمر كذلك إذ لا وجه لصرف هذا الخبر عن ظاهره وتأوّله بهذه المحامل البعيدة، إلا توهم ابن طاووس رحمه الله لكون قتل عمر قد وقع في الآخر من ذي الحجّة كما تقول به العامة العمياء.
وذلك أنه رحمه الله لما أكثر من الاعتماد على كتب العامة ورواياتهم - كما يظهر من مراجعة كتبه - استبعد تقديم رواية واحدة للصدوق رحمه الله - وإن كانت الرواية الوحيدة عنده بسند شيعي وموافقة للمشهور بين الشيعية - على الروايات المخالفة لها والمروية عند العامة - وستعرف حالها فيما يأتي - فاضطر إلى حمل الرواية على مثل هذه المحامل الباطلة أو البعيدة في نفسها(1)، فضلاً عن أنها لا دليل على حمل الكلام عليها.
1) فالمحتملان الأخيران وهما كون التاسع من الربيع تاريخاً لتحرّك أبي لؤلؤة من بلده أو وصوله إلى المدينة معلوما البطلان ضرورة اتفاق أهل السير والتواريخ على أن لم يسافر من بلده ويقدم المدينة بنية القتل، وأنه إنما أسِر ثم استقدم إلى المدينة ليستفيدوا من حرفه، وأما المحتمل الأخير وهو تسمية عزمه على القتل قتلاً فيكفي في بطلانه ما هو معلوم عندهم أيضاً من أنه كان بين توعَّد أبي لؤلؤة لعمر وقتله له بضعة أيام، مع أن الفاصل بين التاسع من الربيع وآخر ذي الحجّة عشرة أشهر تقريباً
قال نجل السيد ابن طاووس معلِّقاً على رواية ابن إسحاق رحمه الله: «ووجدنا فيما تصفحنا من الكتب عدة روايات موافقة لها، فاعتمدنا عليها فينبغي تعظيم هذا اليوم المشار إليه وإظهار السرور فيه مطلقاً لسر يكون في مطاويه على الوجه الذي ظهر احتياطاً للروايات»(1).
أقول: قوله (ووجدنا.. إلخ) صريح في وجود عدة روايات غير رواية ابن إسحاق رحمه الله تدل على وقوع قتل عمر في التاسع من ربيع الأول.
وبما أن أقل العدة ثلاثة، فلو كانت إحدى تلك الروايات هي رواية الشيخ الصدوق رحمه الله عن الصادق علیه السلام التي أشار إليها والدُهُ في كتاب (إقبال الأعمال) لبقي - على الأقل - روايتان أخريان في البين.
وعليه، يكون مجموع الروايات الواردة في كون قتل عمر في تاسع ربيع الأول أربع روايات على الأقل، إحداها عن الإمام الهادي علیه السلام وهي التي وصلتنا عبر أحمد بن إسحاق القمي رحمه الله، والثانية عن الإمام الصادق علیه السلام وهي التي أشار السيد ابن طاووس إلى رواية الصدوق رحمه الله لها، ولم تصل إلينا، شأنها في ذلك شأن الروايات الأخرى التي هي اثنتان على أقل تقدير والتي أشار نجله إلى وجودها من دون أن ينقلها لنا.
1) بحار الأنوار 95: 351
قال السيد هاشم البحراني رحمه الله في كتابه مدينة المعاجز: «وروي في حديث وفاة عمر بن الخطاب، عن ابن عباس وكعب الأحبار والحديث طويل وفيه: أنه قال عبد الله بن عمر: ولما دنت وفاة أبي كان يغمى عليه تارة ويفيق أخرى، فلما أفاق قال: يا بني أدركني بعلي بن أبي طالب قبل الموت، فقلت: وما تصنع بعلي بن أبي طالب، وقد جعلتها شورى، وأشركت معه غيره؟
قال: يا بني، سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يقول: إن في النار تابوتاً يُحشر فيه اثنا عشر رجلاً من أصحابي(1)، ثم التفت إلى أبي بكر، وقال: احذر أن تكون أولهم، ثم التفت إلى معاذ بن جبل وقال: إياك يا معاذ أن تكون الثاني، ثم التفت إلي ثم قال: يا عمر إياك أن تكون الثالث.
وقد أغمي علي يا بني الساعة، ورأيت التابوت وليس فيه إلا أبو بكر ومعاذ بن جبل وأنا الثالث لا أشك فيه.
قال عبد الله: فمضيت إلى علي بن أبي طالب وقلت: يا ابن عم رسول الله إن أبي يدعوك لأمر قد أحزنه، فقام علي علیه السلام معه، فلما دخل عليه قال له: يا ابن عم رسول الله ألا تعفو عني وتحللني عنك، وعن زوجتك فاطمة، وأسلم إليك الخلافة؟
فقال له علي نعم، غير أنك تجمع المهاجرين والأنصار، وأعطِ الحقَّ الذي خرجت عليه مَنْ مَلَكَهُ، وما كان بينك وبين صاحبك من معاهدتنا،
1) في كتاب مقتل عمر (مخطوط): «ستة من الأولين وستة من الآخرين من أصحابي»
وأقِرَّ لنا بحقنا، وأعفو عنك، وأحلِّلُك، وأضمن لك عن ابنة عمي فاطمة.
قال عبد الله: فلما ذلك أبي حوَّل وجهه إلى الحائط، وقال: النار سمع يا أمير المؤمنين ولا العار، فقام علي صلوات الله عليه وخرج من عنده.
فقال له ابنه: لقد أنصفك الرجل يا أبت، فقال له: يا بني إنه أراد أن ينشر أبا بكر من قبره، ويضرم له ولأبيك النار، وتصبح قريش موالين لعلي بن أبي طالب، والله لا كان ذلك أبدا.
قال: ثم إن علياً قال لعبد الله بن عمر: ناشدتك بالله يا عبد الله بن ما قال لك حين خرجت من عنده؟
قال: أما إذا ناشدتني الله وما قال لي بعدك فإنه قال: [إن بايعوا أصلع بني هاشم حملهم على المحجة البيضاء، وأقامهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم.
ثم قال علیه السلام: يا بن عمر فما قلت أنت عند ذلك؟
قال: قلت له: فما يمنعك - يا أبه - أن تستخلفه؟
قال: فما رد عليك؟
قال: ردَّ على شيئاً أكتمه.
قال علیه السلام: فإن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أخبرني بكل ما قال لك وقلت له.
قال: ومتى أخبرك؟
قال علیه السلام: أخبرني في حياته، ثم أخبرني به ليلة مات أبوك في منامي، ومن رأى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في المنام فقد رأه في اليقظة.
قال له ابن عمر: فما أخبرك؟
قال علیه السلام: أنشدك الله يا ابن عمر، لئن حدثتك به لتصدقني؟ قال: أو أسکت.
قال: فإنه قد قال لك - حين قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه - قال: الصحيفة التي كتبناها بيننا، والعهد الذي تعاهدنا عليه في الكعبة في حجة الوداع.
فسكت ابن عمر، فقال: أسألك بحق رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لما أمسكت عني.
قال سليم: فلقد رأيت ابن عمر في ذلك المجلس وقد خنقته العبرة وعيناه تسيلان دموعا](1)، ثم إن عمر تأوه ساعة ومات آخر ليلة التاسع من شهر ربیع الأول سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وقيل لأربع بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة والأول أصح..»(2).
أقول: الظاهر أن جملة «.. ثم إن عمر تأوه ساعة ومات آخر ليلة التاسع من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين من الهجرة..» من تمام كلام سليم بن قيس الهلالي، أو من كلام ابن عباس وكعب الأحبار.
وعليه، تكون هذه رواية أخرى دالة على وقوع القتل في التاسع من الأول، وذلك لأن الروايات السابقة كانت بأسناد شيعية مروية إما ربيع عن الإمام الصادق علیه السلام كما في رواية الشيخ الصدوق رحمه الله، وإما عن الإمام علي بن محمد العسكري علیهما السلام كما في رواية أحمد بن إسحاق
رحمه الله، أو لم يكن المروي عنه مذكورا ولكن كان مضمونها غير منطبق على ما في هذه الرواية، كما في الروايات التي أشار إليها نجل السيد ابن طاووس.
وأما هذه الرواية فقد رويت عن ابن عباس وكعب الأحبار، أو عن سليم كما عرفت، واشتمالها على وقوع القتل في التاسع من الربيع يجعلها رواية مستقلة مغايرة للروايات السابقة.
ويحتمل أن تكون هذه العبارة من كلام السيد البحراني رحمه الله نفسه، وحينئذ يكون هو من رجَّح رواية تاسع الربيع على رواية آخر ذي الحجة، وهو خريت صناعة الحديث وابن بجدتها، وكفى به موافقاً لنا فيما ذهبنا إليه من تاريخ قتل عمر.
وعلى هذا يحتمل أن يكون ترجيحه للتاسع من الربيع مستنداً إلى رواية مستقلة عن سابقاتها، لم ينقلها رحمه الله بل اكتفى بالإشارة إليها، كما يحتمل أن يكون مستنداً إلى إحدى الروايات السابقة.
وأما قوله: «وقيل.. والأول أصح» فالظاهر أنه من كلام السيد البحراني رحمه الله نفسه.
هذا الدليل يعتمد على المصادر العامية، بل على أهم مصادرهم، وبه يتحقق ما وعدنا به في مقدمة الكتاب من وجود شواهد قطعيّة في كتبهم وأقوالهم تشهد بتكذيب رواتهم واختلاق رواياتهم، التي جنَّدوا لها الجنود ومهَّدوا لها المقدمات الطويلة العريضة وصرفوا كل الطاقات، وحرفوا كثيراً من الحقائق التاريخية لأجل تبديل تاريخ قتل عمر من الربيع إلى ذي الحجة.
وقد مرّت الإشارة وستأتي إلى سبب اهتمامهم بترويج رواية آخر ذي الحجة الموضوعة، وعلة محاربتهم لكون القتل وقع في التاسع من ربيع الأول.
كما أن هذا الدليل سيَثبُت به صحة ما اشتهر بين الشيعة - أعزهم الله تعالی - على مرِّ العصور من أن موت عمر كان في ربيع الأول، فينقلب السحر على الساحر، ويصدق فيهم قول الله تعالى: «وَيُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ»(1)!!
أن المؤرِّخين وأصحاب السِيَر من الخاصة والعامة اتفقوا على أن شهادة
1) البقرة: 9
رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كانت في الآخر من صفر أو الأول من ربيع الأول، كما اتفقوا أيضاً على أن مدة خلافة شيخيهما أبي بكر وعمر لم تكن أقل من ثلاث عشرة سنة.
ولازم هذين الأمرين أن يكون موت عمر - على أقل تقادير مدة خلافة شيخيهما - غير واقع في ذي الحجة كما زعمته العامة، فيتعيَّن كونه واقعاً قي التاسع من الربيع كما هو المشهور بين الشيعة - أعزَّهم الله - إذ لا قول ثالث في البين.
المتفق عليه بين المؤرِّخين المعتبرين أن شهادة النبي صلی الله علیه وآله وسلم كانت في أواخر شهر صفر أو أوائل شهر ربيع الأول.
فالمشهور بين الشيعة والذي عليه معظم الأصحاب أنه صلی الله علیه وآله وسلم قُبض يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شهر صفر.
وقد صرَّح بذلك زعيم الطائفة الشيخ المفيد رحمه الله في (الإرشاد)(1)، وشيخها الشيخ الطوسي رحمه الله في (تهذيب الأحكام)(2)، والشيخ الحافظ أبو علي النيسابوري رحمه الله في (روضة الواعظين)(3)، وأمين الإسلام الطبرسي
رحمه الله في (إعلام الورى)(1)، والشيخ الفقيه قطب الدين الراوندي رحمه الله في (قصص الأنبياء)(2)، والعلامة الأربلي رحمه الله في (كشف الغمّة)(3)، وغيرهم كثير.
وقال العلامة المتتبع الشيخ المجلسي رحمه الله - بعد ما نقل كون شهادة النبي صلی الله علیه وآله وسلم في الثامن والعشرين من شهر صفر -: «هذا هو الموافق لما ذكره أكثر الإمامية»(4)، إشارةً منه إلى كون هذا الرأي هو المشهور بين النبي الشيعة.
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي - وهو من مَكَرَة العامة وشياطينهم -: «ثم مات صلی الله علیه وآله وسلم، فمن قائل يقول: إنه توفى لليلتين بقيتا من صفر، وهو القول الذي تقوله الشيعة..»(5)، فنسب هذا القول إلى عامّة الشيعة، إشارة إلى كون ذلك هو المشهور بينهم.
أقول: العمل عند الشيعة منذ القدم وإلى يومنا هذا على طبق هذه الرواية.
وأما ما عليه أبناء العامة، فما بين قائلٍ بأنَّ اليوم الذي قُبضَ فيه صلی الله علیه وآله وسلم هو الأول من ربیع الأول، وقائل إنه الثاني منه، وقائلٍ بأنه الثاني عشر منه، ومقتضى التحقيق لديهم هو القول الثاني.
قال إمامهم وشيخهم ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح
البخاري: «ثم عند ابن إسحاق والجمهور أنها في الثاني عشر منه، وعند موسى بن عقبة والليث والخوارزمي وابن زبير مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه ورجحه السهيلي..
وقد استشكل في ذلك السهيلي ومن تبعه، أعني كونه مات يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول، وذلك أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله الخميس فمهما فرضت الشهور الثلاثة توامّ أو نواقص أو يوم بعضها - أي بعضها تام وبعضها ناقص - لم يصح وهو ظاهر لمن تأمله وقد جزم سليمان التيمي أحد الثقات بأن ابتداء مرض رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر ومات يوم كان لليلتين خلتا من ربيع الأول.
فالمعتمد ما قال أبو مخنف»(1).
وقال إمامهم الحافظ إسماعيل بن كثير في كتابه (البداية والنهاية): «وقال سعد بن إبراهيم الزهري: توفي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة، رواه ابن عساكر ورواه الواقدي عن أبي معشر عن محمد بن قيس مثله سواء، وقاله خليفة بن خياط أيضا.
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: توفي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم یوم الاثنين مستهل ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مقدمه المدينة، ورواه ابن
1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 8: 98 - 99
عساکر أیضا.
وقد تقدم قريباً عن عروة وموسى بن عقبة والزهري مثله فيما نقلناه عن مغازيهما، فالله أعلم»(1).
وقال أيضاً في كتابه (السيرة النبوية): «وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أحمد بن كامل، حدثنا الحسين بن علي البزاز، حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه - وهو سليمان ابن طرخان التيمي - في كتاب المغازي، قال: إن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر، وبدأه وجعه عند وليدة له يقال لها ريحانة كانت من سبي اليهود، وكان أولُ يوم مرض يوم السبت، وكانت وفاته علیه السلام یوم الاثنین للیلتین خلتا من شهر ربیع الأول لتمام عشر سنین من مقدمه علیه السلام المدينة»(2).
وقال أيضا: «قال أبو القاسم السهيلي في الروض ما مضمونه: لا يتصور وقوع وفاته علیه السلام يوم الاثنين ثاني عشر ربيع من إحدى عشرة، وذلك لأنه علیه السلام وقف في حجة الوداع سنة عشر يوم الجمعة؛ فكان أول ذي الحجة يوم الخميس، فعلى تقدير أن تحسب الشهور تامة أو ناقصة أو بعضها تام وبعضها ناقص، لا يتصور أن يكون الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، وقد اشتهر هذا الإيراد على هذا يوم القول»(3).
أقول: لقد حل هذا الإشكال إمامهم وشيخهم ابن حجر العسقلاني بقوله: «وكأن سبب غلط غيره - أي غير أبي مخنف - أنهم قالوا مات في ثاني شهر ربيع الأول فتغيرت - أي صُحِفت كلمة (شهر) ب(عشر) - فصارت ثاني عشر واستمر الوهَم بذلك يتبع بعضهم بعضاً من غير تأمل والله أعلم»(1).
فتحصَّل: أن المشهور عند الشيعة - أعزّهم الله - أن وفاته الله كانت لليلتين بقيتا من صفر، وأما العامة فالتحقيق عندهم أنها كانت لليلتين خلتا من ربيع الأول.
1 - قال شيخ بخاريهم ابن أبي شيبة الكوفي (ت 235 ه) في كتابه (المصنَّف): «.. وولي أبو بكر.. سنتين ونصف..»(2).
2 - وقال ثقتهم ومعتمدهم البخاري (ت 256 ه) في كتابه (التاريخ الصغير): «حدثني محمود حدثنا وهب حدثنا أبي قال سمعت قتادة: ولي أبو بكر سنتين وستة أشهر»(3).
3 - وقال الطبراني (ت 360 ه) في كتابه (المعجم الكبير): «حدَّثنا علي بن عثمان بن صالح حدَّثنا سعيد بن أبي مريم حدّثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة.. قالت: .. توفي أبو بكر.. وهو ابن
ثلاث وستين لسنتين ونصف التي عاش بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم»(1).
وأورده الهيثمي في مجمعه معلِّقاً: «رواه الطبراني وإسناده حسن»(2).
4 - وقال أيضاً: «حدَّثنا الحسين بن إسحق التستري حدثنا هشام بن - عمار حدثنا الهيثم بن عمران قال سمعت جدي يقول: توفي أبو بكر.. وبه طرف من السلّ وولي سنتين ونصفا»(3).
وأورده الهيثمي كذلك معلِّقاً: «رواه الطبراني ورجاله ثقات»(4).
5 - وقال مؤرِّخهم المعروف ابن عساكر (ت 571 ه) في كتابه (تاريخ مدينة دمشق): «أخبرنا أبو البركات الأنماطي أخبرنا أبو الفضل الحسن أنبأنا أبو القاسم بن بشران أخبرنا أبو علي بن الصواف أحمد بن أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة أخبرنا أبي وعمي أبو بكر قال: ولي أبو بكر.. سنتين ونصف..»(5).
6 - وفيه أيضاً: «أخبرنا ابن أبي الدنيا أخبرنا أبو بكر بن منصور أخبرنا محمد بن وهب الدمشقي أخبرنا الهيثم بن عمران حدثني جدي قالوا: ولي أبو بكر سنتين ونصف»(6).
7 - وفيه أيضاً: «أخبرتنا أم البهاء العلويّة بنت محمد أخبرنا أحمد بن محمود أخبرنا أبو بكر بن المقرئ أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا عبد
الله بن سعد أخبرنا أحمد بن كثير أخبرنا إبراهيم بن كثير أخبرنا إبراهيم بن خالد أخبرني أمية بن شبل وغيره قالوا: ولي أبو بكر سنتين ونصف»(1).
8 - وقال شيخهم ابن حجر العسقلاني (ت 852 ه) في كتابه (تهذيب التهذيب): «وحكومة أبي بكر سنتين ونصف»(2).
أقول: فهذه روايات العامة وأقوال أئمّتهم ومؤرخيهم صريحة في أن مدة حكومة أبي بكر كانت سنتين وستة أشهر.
1 - روى شيخهم وثقتهم وشيخ بخاريِّهم خليفة بن خياط (ت 240 ه) في تاريخه قال: «حدثنا من سمع ابن عيينة عن الزهري قال: .. صلّى عليه - أي على عمر - صهيب بن سنان بين القبر والمنبر، وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وخمسة أيام أو تسعة»(3).
2 - وروى البخاري (ت 256 ه) في كتابه (التاريخ الصغير) قال: «حدثني محمود حدثنا وهب حدثنا أبي قال سمعت قتادة: .. وولي عشر سنين وستة أشهر وثمانية عشر يوما..»(4).
3 - وقال محدِّثهم وثقتهم عمر بن شبة النميري (ت 262 ه) في كتابه (تاريخ المدينة المنورة): «.. وكانت حكومته عشر سنين وستة
أشهر وخمس ليال..»(1).
4 - وقال مؤرِّخهم أبو حنيفة الدينوري (ت 282 ه) في كتابه (الأخبار الطوال): «.. وتوفي عمر بن الخطاب.. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر..»(2).
5 - وقال ابن حبان (ت 354 ه) في صحيحه: «ثم قتل عمر وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال»(3).
6 - وقال ابن عساكر في كتابه (تاريخ مدينة دمشق): «أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن أخبرنا أبو الحسن السيرافي أخبرنا أحمد بن إسحاق أخبرنا أحمد بن عمران أخبرنا موسى أخبرنا خليفة قال: وصلّى على عمر صهيب بن سنان بين القبر والمنبر.. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وخمسة أيام أو تسعة أيام»(4).
7 - وفيه أيضا: «أخبرنا أبو الأعز قراتكين بن الأسعد أخبرنا أبو محمد الجوهري أخبرنا أبو الحسن بن لؤلؤ أخبرنا محمد بن الحسين بن شهريار أخبرنا أبو حفص الفلاس قال: واستخلف أبو بكر عمر فملك عمر عشر سنين وستة أشهر وثمان ليال..»(5).
8 - وقال إمامهم الحافظ المعروف بابن الأثير (ت 620 ه) في كتابه (أسد الغابة): «.. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال
..»(1).
9 - وقال ابن أبي الحديد المعتزلي (ت 656 ه) في شرحه على (نهج البلاغة): «.. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر..»(2).
10 - وقال إمامهم الحافظ إسماعيل بن كثير (ت 774 ه) في كتابه (البداية والنهاية) «.. قتل عمر.. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام.. وقال ابن جرير: حُدِّثت عن هشام بن محمد قال: قتل عمر.. فكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام»(3).
11 - وقال علامتهم ابن خلدون المغربي (ت 808 ه) في كتابه (تاریخ ابن خلدون): «.. وصلى عليه صهيب وذلك لعشر سنين وستة أشهر من حكومته»(4).
12 - وقال علامتهم العظيم آبادي (ت 1329 ه) في شرحه على (سنن أبي داوود): «قال العلقمي قال شيخنا:.. ومدة عمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام»(5).
13 - وقال علامتهم المناوي (ت (1331 ه) في شرحه على (الجامع الصغير): «.. ومدة عمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام..»(6).
14 - وقال أبو العلا المباركفوري (ت 1353 ه) في شرحه على
(جامع الترمذي): «قال شيخنا - يعني الحافظ السيوطي-: .. ومدة عمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام»(1).
أقول: هذه النقولات المتواترة، على اختلاف مضامينها - مدلولها المطابقي - متَّفقة في الدلالة على مدلول التزامي واحد وهو أن مدّة حكومة عمر لم تكن أقل من عشر سنين وستة أشهر.
وعليه، فإذا ضممنا المقدّمتين الأخيرتين إلى بعضهما البعض، تكون مدّة حكومة شيخيهما أبي بكر وعمر على ما صرَّح به مؤرِّخوهم، و استفاضت بل تواترت به الرواية عندهم على أقل التقادير ثلاث عشرة سنة تامّة.
وبما أن أبا بكر قد بويع في سقيفة بني ساعدة المشؤومة في الیوم الذي قُبض فيه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، أو في اليوم الذي يليه على ما هو المعروف بين أهل السير والتواريخ.
وبما أن مجموع مدّة حكومة أبي بكر وعمر لم يكن أقل من ثلاث عشرة سنة كما عرفت فيما تقدَّم.
فإنه يتعيَّن أن يكون موت عمر - على أقل التقادير - بعد الثامن والعشرين من صفر - أقل تقادیر شهادته صلی الله علیه وآله وسلم - أي بعد شهرين من التاريخ المزعوم لموته وهو الآخر من ذي الحجة، ليتحقق الفصل بين
1) تحفة الأحوذي 6: 395
شهادته صلی الله علیه وآله وسلم وموت عمر بثلاث عشرة سنة تامة الذي هو أقل التقادير لمدة خلافة أبي بكر وعمر كما عرفت.
وعليه فيستحيل أن يكون شهر ذي الحجّة هو الشهر الذي مات فيه عمر، بل المتعيّن بحسب المقدِّمات التي ذكرناها لك، والمتَّفق عليها عند خصومنا من العامّة، أن لا يكون موت عمر قد وقع في ذي الحجة أصلاً، بل بعده بشهرين على الأقل.
وبالتالي يكون ما روَوه في كتبهم وتواريخهم المعتبرة عندهم من تاريخ شهادة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ومدّة حكومة شيخيهما أبي بكر وعمر، مكَذِّباً بشكل واضح وصريح لما روَوه من أن موت عمر كان في الآخر من ذي الحجّة، بل مثبتاً لصحّة ما ذهبت إليه الشيعة - أعزَّهم الله - قديماً وحديثاً من وقوع موته في التاسع من الربيع.
وذلك أن الإجماع المركّب بين المسلمين قد قام على أن موت عمر ابن الخطّاب كان في أحد هذين التاريخين، فإنه يكفينا بطلان أحدهما لإثبات صدق الآخر.
وبما أنه قد ثبت كذب كون موت عمر قد وقع في ذي الحجة، باعتراف محدِّتي العامة ومؤرِّخيهم أنفسِهم، تعيّن كونه في التاسع من الربيع كما تقول به الشيعة إذ لا قول ثالث المسألة أصلاً.
وفي هذا الدليل نستغني عن التمسك بالإجماع المركّب في إثبات صحّة ما ذهبت إليه الشيعة الإمامية - أعزهم الله - وذلك أن المقدِّمات التي تقدّمت كما أنها تنفي جزماً وقوع القتل في ذي الحجة، فإن لازمها الحتمي والقهري هو كون القتل قد وقع في التاسع من الربيع كما تقول به الشيعة أعزَّهم الله.
وتوضيح ذلك: أن تلك النقولات المتواترة في تحديد مدّة حكومة على اختلافها في التعبير لا تنافي بينها في المضمون أصلاً، ومآلها إلى قول واحد، وهو أنّ مدّة حياة عمر بعد النبي صلی الله علیه وآله وسلم كانت ثلاث عشرة سنة وتسعة أيام.
وذلك أن (الأربعة أيام) و (الخمسة أيام) و(الخمس ليال) المذكورة في بعضها، ترجع إلى قول واحد، فإن عمر - كما هو معلوم - قد طعن بين الطلوعين، وستعرف أن التواريخ المذكورة ناظرة إلى تحديد مدّة حكومته إلى حين طُعن.
وعليه، فمن جرى من المؤرخين على ما عليه الشرع من جعل مبدء النهار طلوع الفجر عبّر بخمسة أيام لأن طعنه بناء على ذلك يكون فجر اليوم الخامس. ومن جرى على ما عليه العرف من جعل مبدأ النهار طلوع الشمس، عبّر بأربعة أيام أو خمس ليال، لعدم احتساب ما بين الطلوعين من اليوم الخامس، بل يكون محسوباً من ليل الخامس أو من
اليوم الرابع إلحاقاً للَّيلة باليوم الذي سبقها كما هو المتعارف.
ولمّا كان من المعلوم أيضاً أن بقي بعد طعنه ثلاثة أيام، فمن عمر المحتمل جداً أن يكون سبب التعبير ب(ثمانية أيام) تارة وب(تسعة أيام) أخرى، هو أنه مات بين الطلوعين أيضاً، أي فجر اليوم التاسع، فالذين عبّروا بالثمانية احتسبوا ما بين الطلوعين من ليلة اليوم التاسع فألحقوها باليوم الثامن، والذين عبّروا بالتسعة اعتبروه من اليوم التاسع.
ويمكن أن يكون رجوع الثمانية إلى التسعة باعتبار أنه وإن مات في اليوم الثامن إلا أن وقوع الدفن كان في اليوم التاسع.
وعلى كلا التقديرين فإن مرجع كلا القولين - أي الثمانية أيام والتسعة - سيكون إلى واحد.
كما أن الروايات التي حدَّدت الأيام بالخمسة - على اختلافها في التعبير كما عرفت - مرجُعها أيضاً إلى الروايات التي حدَّدت الأيام بالتسعة - على اختلافها في التعبير كذلك - باعتبار أن طعن عمر كان في اليوم الخامس، وقد مات بعد ثلاثة أيام كما عرفت فالذين عبَّروا بالخمسة اعتبروا أن منتهى مدّة حكومته كان طعنه، والذين عبّروا بالتسعة اعتبروا أن يوم حکومته استمرَّت إلى حين موته.
ولعلّ الوجه في هو ما ورد في بعض مصادرهم المعتبرة من أن عمر بعد ما طعنه أبو لؤلؤة رحمه الله أعلن بأنه ليس بخليفة للمسلمين بعد يوم طعنه.
فقد أورد إمامهم الحافظ الشهير بابن أبي شيبة الكوفي في كتابه (المصنَّف) رواية مقتل عمر بن عمر بن الخطاب، وفيها أن عمر قال لابنه عبد
الله: «إذهب إلى عائشة.. فسلِّم وقل: يستأذن عمر بن عمر بن الخطاب - ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست لهم اليوم بأمير - أن يدفن مع صاحبيه»(1).
وروى هذه الرواية أيضا جمعٌ من أئمتهم ومحدِّثيهم، منهم: ابن حبان في صحيحه(2)، ومحمد بن سعد في طبقاته(3)، وابن عساكر في تاريخه(4)، وغيرهم.
والمؤرخون كانوا بصدد ذكر مدة حكومته، فمن حدَّدها بعشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام أو خمس ليال أو خمسة أيام، أخذ بتلك الروايات التي تجعل يوم الطعن هو يوم انتهاء حكومة عمر، لتصريح عمر نفسه بذلك كما مرّ.
ومن حددها بعشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام أو تسعة اعتبر أن حكومة عمر استمرَّت إلى ساعة موته.
وبعبارة مختصرة: الذي أوجب هذا الاختلاف في التعبير في نقولاتهم أنهم لاحظوا تارة النظرة الشرعيّة وأخرى النظرة العرفية في تلك هو احتساب مبدأ النهار، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى لاحظوا تاريخ الطعن تارة وتاريخ الموت أخرى في احتساب منتهى مدّة حكومة عمر.
وأما ما يوجد في عبارة بعض متأخريهم، مثل ابن أبي الحديد وابن خلدون من الاكتفاء بذكر عشر سنين وستة أشهر من دون ذكر الأيام، فإن له نظائر كثيرة في كتب التواريخ حيث تجدهم كثيراً ما يقتصرون على ذكر السنين والشهور ولا يعتنون بذكر الأيام، فلا يُعَدُّ هذا قولاً آخر غير القول الذي ذكرناه وبيَّنا أن جميع العبارات المتقدِّمة ترجع إليه.
وعليه، فمرجع هذه العبارات جميعاً إلى قول واحد وهو: أن ولي الحكم عشر سنين وستة أشهر وتسعة أيام وطعن فجر اليوم الخامس ومات فجر التاسع.
وأما ما شذَّ عن تلك الروايات المتواترة - التي يجمعها عدم النقيصة الأربعة أيام وعدم الزيادة على التسعة - وهما الروايتان اللتان جعلتا عن الليالي أربعاً وثمانياً، والرواية التي جعلت الأيام ثمانية عشر، فالنفس مطمئنة بأنها إما من سهو قلم المؤلفين أو النسّاخ - بذكر الليالي بدلاً عن الأيام أو بزيادة كلمة (عشر) بعد (ثمانية) - أو من تحريف الوضَّاعين. وعلى فرض عدم السهو والتزوير فإن هذه الروايات الشاذة لا تنهض لمعارضة تلك الروايات المتواترة.
وعلى فرض الإغماض عما ذكر والبناء على صحة هذه النقولات الشاذة، فإنها أيضاً تبطل وقوع القتل في ذي الحجة وتثبت وقوعه في ربیع الأول، إما قبل التاسع منه أو بعده بأيام قلائل.
وبهذا يتضح أن جميع رواياتهم ونقولاتهم حتى الشاذ منها يُكذِّب ما زعموه من وقوع القتل في ذي الحجة.
وإذا عرفت أن مدّة حكومة عمر، أو فقل مدّة بقائه بعد النبي صلی الله علیه وآله وسلم كانت ثلاث عشرة سنة وتسعة أيام، فإنه بناءً على ما هو المشهور بين الشيعة وما هو التحقيق عند العامة من كون شهادته صلی الله علیه وآله وسلم آخر صفر أو أول ربيع الأول لا ينطبق تاريخ موت عمر إلا على خصوص التاسع من الربيع الأول، وهو عين ما تقول به الشيعة أعزَّهم الله.
ولا يخفى على ذي مسكة أن الفارق اليسير بيوم أو يومين من حيث النقيصة والزيادة لا يضرّ بإثبات مطلوبنا.
ولم نجد أحداً ممن سبقنا تنبَّه إلى هذه المناقضة عند العامّة، ونبَّه إلى أن التزامهم بتلك التواريخ فيما يرتبط بشهادة النبي الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم ومدّة حكومة شيخيهما لازمه القهري عدم وقوع موت عمر في ذي الحجة وكونه قد وقع في التاسع من ربيع الأول كما هو المشهور بين الشيعة - أعزّهم الله - قديماً وحديثاً، فنشكره سبحانه وتعالى على ما ألهم.
لسائل أن يقول: ما هو سبب إصرار العامّة على اختيار خصوص الآخر من ذي الحجة تاريخاً لموت عمر؟
وهل إن اختيارهم لهذا التاريخ في قبال التاريخ الواقعي والمشهور بين الشيعة كان اعتباطياً لعدم توقف هدفهم على تاريخ مخصوص؟ أم أن ذلك كان عن دراسة منهم وتخطيط؟
إن هجرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم وقعت في ربيع الأول كما هو متفق عليه عند الفريقين:
أما عند الشيعة الإمامية - أعزهم الله - فلا خلاف بينهم في ذلك، قال
أمين الإسلام الطبرسي في (إعلام الورى): ودخل المدينة يوم الحادي عشر من شهر ربيع الأول»(1)، ومثله في (مناقب آل أبي طالب علیه السلام)(2)لابن شهر آشوب رحمه الله، و(قصص الأنبياء)(3)للراوندي رحمه الله وغيرهم(4).
وأما عند المخالفين فقد تواترت رواياتهم أن النبي صلی الله علیه وآله وسلم هاجر من مكة إلى المدينة في الأول من شهر ربيع الأول، ووصل إليها في الثاني عشر منه.
روى ذلك معظم مؤرخيهم وثقاتهم، منهم:
إمامهم بل شيخ أئمتهم محمد بن إسحق المطلبي (ت 151 ه) في كتابه (سيرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم) الذي هذَّبه ابن هشام الحميري (ت 218 ه) فعرف فيما بعد ب(سيرة ابن هشام)(5).
وإمامهم الحافظ إسماعيل بن كثير في كتابه (البداية والنهاية) روى ذلك عن إمامهم أحمد(6).
وإمامهم الحافظ ابن عساكر في كتابه (تاريخ مدينة دمشق)(7)، فقد
1) إعلام الورى بأعلام الهدى 1: 53
2) مناقب آل أبي طالب علیه السلام لابن شهر آشوب 1: 151، إلا أنه قال: «ودخل المدينة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول وقيل الحادي عشر»
3) قصص الأنبياء للراوندي رحمه الله: 315
4) راجع بحار الأنوار 19: 69 و 121، وج 22: 531 و 534، والحدائق الناضرة 17: 423، وغيرهم
5) سيرة ابن هشام 2: 427
6) البداية والنهاية 3: 218
7) تاريخ مدينة دمشق 1 : 47 و 48 و 49، و ج 3: 68
روى ذلك بعدة أسانيد، ولم يروِ ما يخالفه.
بل في عبارات بعضهم أن عليه الإجماع(3).
فحاصل ما رواه الفريقان: أن الهجرة النبوية الشريفة - على مهاجرها وآله آلاف التحية والسلام - من مكّة إلى المدينة قد تمت في أوائل شهر الأول، ووصل صلی الله علیه وآله وسلم إلى المدينة في الحادي عشر أو الثاني عشر ربيع منه.
وعليه فإذا كانت هجرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم في الأول من ربيع وشهادته صلی الله علیه وآله وسلم في الأول منه كذلك كما تقدّم، فإن الفاصل الزمني بين هجرته وشهادته صلی الله علیه وآله وسلم سيكون عشر سنوات تامات، وهي مدَّة إقامته في المدينة المُنوَّرة على ما هو المشهور بين المسلمين قاطبة والمتفق عليه بين الفريقين.
فإذا ضممنا إليها ثلاث عشرة سنة وتسعة أيام - مدّة حكومة أبي بكر وعمر - فإنه يتحتم أن يكون الفاصل الزمني بين موت عمر وهجرة النبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم ثلاث وعشرون سنة وتسعة أيام.
وعليه، فيلزم أن يكون موت عمر قد وقع بعد تسعة أيام لتمام ثلاث
وعشرين سنة من مهاجَر النبي صلی الله علیه وآله وسلم.
وإذا تغاضينا عن الأيام كما هو ديدن المؤرخين كما عرفت، فإن موت عمر سيكون آخر سنة ثلاث وعشرين من مهاجَر النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وستكون بداية حكم خليفته عثمان أول سنة أربع وعشرين من مهاجَره صلی الله علیه وآله وسلم.
ولكن هل يكون موت عمر في آخر سنة ثلاث وعشرين هجرية بالتقويم المتعارف - أي الذي مبدأه أول محرَّم - يا ترى؟ وهل تكون بداية حكومة خليفته عثمان في أول سنة أربع وعشرين هجرية بالمتعارف يا ترى؟
أم أن موته يكون آخر سنة ثلاث وعشرين من مهاجَره صلی الله علیه وآله وسلم ولكن في الشهر الثالث من سنة أربع وعشرين هجريّة؟ وكذلك بداية حكومة عثمان في أول سنة أربع وعشرين من مهاجَره صلی الله علیه وآله وسلم ولكن في الشهر في الثالث من سنة أربع وعشرين هجرية؟
وما هو الفرق بين هذين التعبيرين يا ترى؟
لمعرفة الإجابة الصحيحة عن هذين السؤالين لا بدَّ من إلقاء الضوء على مسألة مهمّة، وهي:
من هو أول من وضع تأريخاً للمسلمين؟
ذهب جمهور المؤرِّخين من العامة إلى أن أول من وضع التأريخ الهجري الإسلامي وأرَّخ به هو عمر بن الخطاب في زمن حكومته،
ورووا في ذلك قصصاً مختلفة.
وقد بحث العلامة المحقِّق السيد جعفر مرتضى العاملي - حفظه الله - في كتابه (الصحيح من السيرة) المسألة بحثاً علمياً وافياً، وأثبت بالأدلّة القطعيّة أن أول من وضع التأريخ الهجري الخاص بالمسلمين هو النبي الأعظم محمد صلی الله علیه وآله وسلم، وأنه صلی الله علیه وآله وسلم أرّخ به في حياته الشريفة أكثر من مرّة وفي أكثر من مناسبة، وأنه جعل مبدأ الحساب في تأريخه هجرته المباركة لشرافة هذا الحدث وأهميّته من جهة، ولمعلوميّة وقوعها في الأول لكلّ أحد من جهة أخرى.
ولئن لم تسلم منقبة وضع التأريخ الهجري لعمر، لا أقل بنظر علماء الشيعة ومحققيهم، إلا أنه ثمة منقبة أخرى ثابتة له عندهم، وهي أنه أول من حوَّل مبدأ التأريخ الإسلامي عمّا حدّده النبي صلی الله علیه وآله وسلم وهو شهر ربيع الأول تاريخ هجرته المباركة إلى شهر محرّم كما كان عند العرب في الجاهليّة.
ولعلَّ هذه البدعة من عمر کانت هي منشأ نسبة وضع التأريخ الإسلامي إليه دون النبي صلی الله علیه وآله وسلم، باعتبار أن ما وضعه النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وهو ابتداء السنة أول الربيع، نُسخ وغلبت بدعته على سنَّة النبي صلی الله علیه وآله وسلم إلی يومنا هذا.
وتبعة هذه الجريمة على خلفاء العامة وحكامهم وعلمائهم الذين رجّحوا بدعة عمر على سنّة النبي صلی الله علیه وآله وسلم مع وضوح أن هذا التأريخ أن هذا المبتدع لا ربط له بهجرته صلی الله علیه وآله وسلم أصلاً، ضرورة معلومية كون هجرته المباركة في شهر الربيع لا المحرم باتفاق علماء الإسلام كما مر.
وعليه، فقد تبيَّن أن تسمية (التأريخ العمري) الذي يُبدأ من محرَّم ب- (التأريخ الهجري) كذبة عظيمة واسم بلا مسمّى إذ لا ربط له بهجرة النبوية المباركة على صاحبها ألف تحية وسلام.
مبدأ السنة الهجريّة
وعلى أي حال، فسواء أكان عمر هو الذي وضع التأريخ الهجري وجعل مبدأه شهر محرَّم - كما تزعمه العامة - أم أنه غيَّره في زمن حكومته عما كان عليه على عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وهو شهر ربيع الأول إلى ما كان عليه في الجاهلية وهو شهر محرّم - كما أثبته العلامة العاملي - فإن المسلمين قد درجوا منذ زمن عمر وحتى يومنا هذا على أن مبدأ السنة الهجريّة هو المحرَّم، وهم يؤرخون وقائعهم والأحداث التي تهمّهم منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا على هذا الأساس.
وعليه، فإن عمر قد قام عمليّاً بإضافة شهرين على السنة الهجريّة الواقعيّة.
فكلّ واقعة تؤرَّخ بناء على التقويم الهجري الذي وضعه عمر والمعمول به حتى يومنا هذا تكون زائدة شهرين عن الهجرة الواقعيّة للنبي صلی الله علیه وآله وسلم.
فمن باب المثال: نحن اليوم في آخر صفر من سنة 1425 ه، وصفر هو الشهر الثاني من السنة، إلا أن هذا لا يعني أننا على فاصلة 1425 سنة وشهرين من هجرته صلی الله علیه وآله وسلم، لأنه صلی الله علیه وآله وسلم في الواقع هاجر بعد شهرين من مبدأ التقويم الهجري الذي حدَّده عمر، وبالتالي فنحن على فاصلة 1425 سنة فقط من هجرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم بإنقاص الشهرين اللذين أضافهما عمر.
ومن هنا، إذا وقعت حادثة مهمة في أوّل محرّم مثلاً وأرادوا بيان زمن وقوعها بحسب التأريخ الهجري العمريّ المعمول به، يقولون وقعت في أول السنة الهجرية فيقولون مثلاً إن الحسين بن علي علیهما السلام استشهد على رأس سنة إحدى وستين هجرية. وإذا جرى حدث عظيم في آخر ذي الحجة يقولون إنه حدث في آخر السنة الهجرية كما يقولون نصَّب النبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم علیّاً علیه السلام أميراً على المؤمنين في غدير خم آخر السنة العاشرة للهجرة.
ولكنهم إذا أرادوا بيان أن الفاصلة الزمنيّة بين حادثة ما وهجرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم ثلاث وعشرون سنة تامةً، فإنهم لا يقولون إنها وقعت سنة ثلاث وعشرين هجرية، لأن هذا سيعني أنها وقعت على أبعد تقدير آخر ذي من سنة ثلاث وعشرين ضرورة كون شهر ذي الحجّة هو الشهر الأخير من السنة الهجرية بحسب التقويم العُمري.
وبالتالي، سيكون معنى كلامهم هذا أنها وقعت على فاصلة اثنين وعشرين سنة وعشرة أشهر من مهاجَره صلی الله علیه وآله وسلم! وهذا خلاف الواقع، لأن المفروض أنها وقعت بعد ثلاث وعشرين سنة تامّة من مُهاجَره صلی الله علیه وآله وسلم.
فكيف يصح أن يُقال إن هذه الحادثة وقعت في آخر سنة ثلاث وعشرين هجرية؟!
أفلا يفهم المسلمون من ذلك أنها وقعت آخر شهر ذي الحجّة أي قبل شهرين من تاريخ وقوعها الحقيقي؟!!
أولا يُعدُّ ذلك كذباً وتدليساً على عامة المسلمين؟!!!
قد صرَّح الحفاظ والمؤرِّخون الأوائل من العامة كما عرفت بأن مدة حكومة شيخيهما كانت ثلاث عشرِة سنة وبضعة أيام، ولذلك عندما أرادو أن يأرِّخوا لموت عمر، تغاضَوا عن الأيام القلائل، إلا أنهم لم يطلقوا القول بأنه مات في آخر سنة ثلاث وعشرين هجرية لأنه يتنافى . مع ما ذكروه من مدَّة حكومة شيخيهما على ما أوضحنا لك، وذلك أنه يُنقص شهرين من مدة حكومتهما، بل كانوا دقيقين في التعبير فعبّروا موته كان على ثلاث وعشرين سنة من مُهاجَر النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وشتان ما بأن بين التعبيرين.
قال إمامهم الحافظ ابن أبي شيبة (ت 235 ه) في كتابه (المصنَّف): «وولي عمر بن الخطاب عشر سنين ونصف، وقتل سنة ثلاث وعشرين من مهاجَر النبي صلی الله علیه وآله وسلم»(1).
وقال إمامهم الحافظ ابن أبي عاصم الضحاك (ت 287 ه) في كتابه (الآحاد والمثاني): «توفي - أي عمر - سنة ثلاث وعشرين من مهاجَر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم»(2)، ومثلهما غيرهما من المؤرِّخين.
والملاحظ أن هؤلاء - الذين راعوا الدقة في التعبير من جهة ونقلوا ورووا مدة حكومة أبي بكر وعمر بما لا يتناسب إلا مع موت الأخير في التاسع من ربيع من جهة أخرى، كابن أبي شيبة وابن خياط والبخاري وغيرهم - متقدّمون زماناً على الإمام الهادي علیه السلام بحيث إنهم ماتوا قبله
بمدّة أو أن موتهم كان قريباً من تاريخ شهادته علیه السلام.
وقد عرفت في أوائل الكتاب أن هذا العيد الجليل وهو عيد التاسع من الربيع كان حكراً على الخواص من الشيعة كحذيفة بن اليمان وأضرابه، في زمن الأئمّة المتقدِّمين علیهم السلام ثم انتشر بين الشيعة وذاع أمره بعد أن أمر الإمام الهادي علیه السلام شيعته باتخاذه عيداً وأوضح لهم أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وسائر الأئمة كانوا يتخذونه عيداً ويظهرون الفرح والسرور في هذا اليوم.
وعليه، فإنه لم يكن ثمّة شهرة شيعيّة في زمن هؤلاء المؤرِّخين والمحدِّثين على أن التاسع من الربيع عيدٌ لكونه تاريخ قتل عمر، يوم فمن المظنون جداً بل المطمأن به - بحسب معرفتنا بعداء هؤلاء وأضرابهم لأهل البيت علیهم السلام وشيعتهم - أن الذي حملهم على التزام جادة الصدق وعدم التدليس في التعبير ليس هو النزاهة وتوخي الأمانة العلميّة وتقوى الله - إذ كم لهم من كذب وتدليس في غير هذه المسألة - بل الذي حملهم على ذلك هو عدم توفر الداعي عندهم إلى الكذب والتدليس والتحريف كما توفّر عند من تأخر عنهم حيث كان قد اشتهر هذا العيد بين الشيعة وعرف ذلك عنهم.
وأما الغالب من علمائهم ومؤرخيهم، وبالخصوص من تأخر منهم فمع اضطرارهم إلى الاعتراف بأن الفاصل الزمني بين مقتل عمر وهجرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم ثلاث وعشرون سنة كما مرت عليك تصريحاتهم، لعدم النبي تمكنهم من تكذيب من سبقهم من المؤرخين الكبار - الذين هم أئمة
التأريخ ورواية الحديث عندهم - ولا من ردّ رواياتهم المتواترة التي أوردوها في كتبهم المعتبرة.
مع ذلك، فإنهم حينما أرادوا التأريخ لموت عمر أطلقوا القول بأنه مات سنة ثلاث وعشرين هجرية والذي لا يُفهم على ضوء ما هو مركوز أن أول السنة الهجريّة هو شهر محرم إلا بأن في عمر من أذهان المسلمين من مات على أبعد تقدير في آخر ذي الحجّة.
بل تراهم ترقَّوا في كذبهم فصرحوا بأن موته كان في آخر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وأن خليفته عثمان ولي الناس مطلع سنة أربع وعشرين هجرية.
ولا أقل أن من جماعة منهم فعلوا ذلك عمداً، ثم تابعهم على ذلك الآخرون تقليداً منهم لمن سبقهم - كما هو ديدنهم في أمور الدين - وجهلاً منهم بحقيقة الحال.
قال إمامهم الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري: «وكان ذلك - أي قتل عمر - سنة ثلاث وعشرين بالاتفاق»(1).
وقال الحافظ النيسابوري المعروف عندهم بالحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث): «لم يختلفوا في وقت وفاته - أي عمر - أنه توفى في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين»(2).
ولا يخفى أن التركيز على نفي الخلاف ودعوى الاتفاق نوع إرهاب فكري يُراد منه المنع من التأمل في لوازم ما نقلوه مما يُكذِّب هذه
الدعوى، وتمرير كذبتهم هذه.
ثم إنهم رووا في ذلك روايات عدة، سيأتي منا ذكرها والتعرض إلى مناقشتها سنداً ومتنا.
محصَّل ما ذكرناه: أن لمن تأخَّر منهم إصراراً على جعل تاريخ موت من الشيعة آخر ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين هجرية والذي دفعهم إلى ذلك هو تغيير تاريخ قتل عمر من التاريخ الواقعي - المشهور بين والمرسوم عندهم تبعاً للنبي والأئمة علیهم السلام اتخاذه عيداً، والذي هو لازم ما صرَّح به علماء العامة أنفسهم من مدّة خلافة شيخيهما - إلى تاريخ آخر.
ولما كان تاريخ موت عمر في الواقع في اليوم التاسع بعد مُضي وعشرين سنة من مهاجَر النبي صلی الله علیه وآله وسلم، لم يكن تاريخ أنسب لهم يدَّعون كونه تاريخ قتل عمر أكثر من آخر ذي الحجّة لأنه هو التاريخ الوحيد أئمة الذي يمكن أن يُتوهَّم عدم تنافيه مع من ما ورد عمَّن تقدَّم من محدِّثيهم ومؤرِّخيهم واعترفوا هم أنفسهم ،به من كون الفاصل الزمني بين موت عمر والهجرة ثلاثاً وعشرين سنةً وتسعة أيام.
فإن المتبادر للوهلة الأولى من كون موته في آخر سنة ثلاث وعشرين أن الفاصل بينه وبين هجرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم هو هذه المدّة وبالتالي لا يُلتفت إلى منافاته لما اعترفوا به من أن مدّة حكومة شيخيهما ثلاث عشرة سنة، ويكونون قد تخلّصوا من الشهرين الذين قد أنقصوهما من حكومتهما بناء على ادعائهم موته في آخر ذي الحجة من دون أن يلاحظ أحد ذلك.
وأما الأيام التسعة الموجودة في أكثر كتب التاريخ والسيرة فلازمها وقوع الموت في التاسع من المحرَّم، ولكنَّهم تخلَّصوا منها بترك ذكرها حتى لا يلتفت المتأخرون لما فيها من المناقضة مع ما ذكروه من تاريخٍ لموت عمر.
ومن كان قادراً على إخفاء شهرين كاملين من مدّة حكومة شيخيهما لن تُعجزه تسعة أيام يقينا.
وبعبارة أخرى: إن آخر شهر ذي الحجة هو التاريخ الوحيد الذي فيه خاصية إضافة الشهرين الذين حذفوهما من مدّة ولاية أبي بكر وعمر بشكل غير ملفت.
فإن هذا التاريخ فيه خاصيّة صلاحيّته للتعبير عنه بأنه آخر سنة (ثلاث وعشرين هجرية) مما يوهم مضي (ثلاث وعشرين سنة من هجرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم) واتحاده مع مدة حكومة أبي بكر وعمر كما صار واضحاً من واتحاده مع خلال ما تقدم بما لا مزيد عليه.
وبعبارة مختصرة: إن المتأخرين منهم غيّروا مقتل عمر من تاسع الربيع إلى آخر ذي الحجّة - آخر سنة ثلاث وعشرين للهجرة - لأن الشهرين الذين يلزم نقصانهما من مدة حكومة شيخيهما بناء على هذا التغيير قد أضافهما عمر نفسه بتبديله مبدأ السنة الهجرية من الأول من ربيع الأول إلى الأول من المحرَّم.
ولكنهم غفلوا عن أن الله بالمرصاد «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ»(1).
1) آل عمران: 54
يظهر من كتب بعض العامة أنه لاحظ إمكانية انكشاف الخطّة السابقة والتنبُّه إليها، فلم يجد من حيلةٍ سوى اختلاق روايات تنقص شهرين من مدة حكومة أبي بكر وعمر، إما من إحداهما أو موزَّعة على كلتيهما، فعمد إلى وضع روايات تدلُّ على ذلك، بل إلى وضع روايات في مدّة حكومتهما لا تنطبق على شيء من القولين في تاريخ موت عمر - لا آخر المسألة - ذي الحجّة ولا التاسع من الربيع - من باب إيجاد اللغط والتشكيك في حتى يُغطّي على حيلتهم تلك ويحتار الباحث فلا يتوصَّل إلى ما هو الحقُّ والصواب من كون مقتله في التاسع من الربيع، وإليك بعضاً من هو تلك المرويَّات:
ففي تاريخ دمشق لابن عساكر بإسناده عن الوليد بن مسلم قال: «حدثني الشيخ الأموي عن أبيه أن أبا بكر ولي سنتين وأربع أشهر»(1).
وفيه عن ابن الهيثم: «.. كانت ولاية أبي بكر.. سنتين وثلاثة أشهر»(2).
وفيه عن نافع مولى ابن عمر قال: «كانت - يعني حكومة عمر - عشر سنين وخمسة أشهر»(3)، إلى غير ذلك من الروايات التي أوردوها.
فترى كيف أنهم أسقطوا تارة شهرين من حكومة أبي بكر، وأخرى
ثلاثة أشهر، وثالثة شهراً من حكومة عمر، لجبران النقص الذي ورد على مدة حكومتهما نتيجة لتحريف تاريخ قتل عمر من تاسع الربيع إلى آخر ذي الحجة، أو للتعمية على التاريخ الواقعي لمدة حكومتهما حتى يُتوصَّل إلى التاريخ الحقيقي لموته.
وهذه الروايات فضلاً عن كون أكثرها مروياً عمّن تأخر من مؤرِّخيهم ومحدّثیهم أمثال ابن عساكر ممَّن هو متَّهم بالدسِّ والتزوير في سبيل ومحدثيهم محاربة المشهور الشيعي من كون موت عمر في التاسع من الربيع.
وفضلاً عن كون بعضها معلوم البطلان لعدم انطباقه على شيء من القولين الموجودَين بين المسلمين في تاريخ قتل ابن الخطاب.
فإنها لا تقوى على معارضة تلك الروايات المتواترة والمأخوذة عن أئمّة مؤرِّخيهم ومحدِّثيهم - وفيهم من لم يكن له داعٍ بعدُ إلى خيانة التاريخ والدس والتزوير في هذه المسألة - والناصَّة على أن مدة حكومة شيخيهما كانت ثلاث عشرة سنة وتسعة أيام والتي لا تنطبق إلا على كون مقتل عمر في التاسع من ربيع الأول كما عرفت.
ولو تنزَّلنا عن ذلك، فلا أقل من أن مدة حكومة شيخيهما فيها طائفتان متعارضتان من الروايات عند العامة:
ولا شكَّ أن الطائفة الأولى لما كانت:
1 - موافقة لما هو مروي عندنا معاشر الشيعة الإمامية عن أئمتنا علیهم السلام من أن قتله كان في التاسع من الربيع، وقد تقدَّم ذكر هذه الروايات.
2 - موافقة لما هو المشهور بين جمهور الشيعة قديماً وحديثاً تاریخ قتل عمر.
3 - مروية عمن لم تتوفَّر عندهم دواعي الكذب في كالبخاري وشيخيه خليفة بن خياط وابن أبي شيبة والضحاك وأضرابهم، لتقدُّمهم على الشهرة الشيعيّة بخلاف الطائفة الثانية.
فإنه من الوضوح والبداهة بمكان أن الترجيح سيكون حليفها.
استدل من ذهب من علمائنا إلى قول العامّة في تاريخ قتل بالإجماع، واتفاق المؤرخين وأصحاب السير على ذلك.
قال ابن إدريس رحمه الله في كتابه (السرائر): «.. وقد يلتبس على بعض أصحابنا يوم قبض عمر بن الخطاب، فيظن أنه يوم التاسع من ربيع الأول، وهذا خطأ من قائله بإجماع أهل التاريخ والسِيَر، وقد حقَّق ذلك شيخنا المفيد في كتابه (كتاب التواريخ) وذهب إلى ما قلناه»(1).
وقال الكفعمي رحمه الله بعد نقله كلام ابن إدريس: «وإنما قتل يوم بعد لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، نصَّ على
1) السرائر 419:1
ذلك صاحب (الغرّة) وصاحب (المعجم) وصاحب (الطبقات) وصاحب کتاب (مسارّ الشيعة) وابن طاووس بل الإجماع حاصل من الشيعة وأهل السنّة على ذلك»(1).
وفيه أولاً: أنه كيف تأتى للكفعمي رحمه الله أن يدَّعي في ذيل كلامه إجماع الشيعة على ذلك، نقله لقول ابن إدريس رحمه الله: «قد يلتبس على بعض أصحابنا يوم قبض عمر ابن الخطاب، فيظن أنه يوم التاسع من ربيع الأول».
فإنه إن أراد من (أصحابنا) عوام الشيعة فقد عرفت أن المشهور بينهم قديماً وحديثاً هو كون قتل عمر في التاسع من الربيع.
وإن أراد منه علماء الشيعة - كما هو ظاهر هذه اللفظة - فمع اعترافه بأن بعض علماء الشيعة قد ذهب إلى خلاف هذا القول والتزم بالتاسع من الربيع تاريخاً لموت عمر كيف يتأتى له دعوى إجماع علماء الشيعة على ذلك؟!!
وهل أن مجرد اعتقاده بأن ذهاب من ذهب من علماء الشيعة إلى مجرد التاسع من الربيع تاريخاً لقتل عمر كان اشتباهاً ومن باب التباس الأمر عليهم يُسوِّغ له دعوى إجماع الشيعة على ذلك؟!
أفهل ينعقد إجماع للشيعة على كون موت عمر في الآخر من ذي
1) الجنة الواقية للكفعمي، نقلاً عن بحار الأنوار 31: 119
الحجّة مع ذهاب شيخ الشيعة وفقيههم ومحدِّثهم الصدوق رحمه الله، والشیخ الفاضل محمد بن جرير الطبري رحمه الله، والشيخ الجليل هاشم بن محمد رحمه الله، وغيرهم ممن تقدَّم على الكفعمي رحمه الله أو عاصره إلى خلاف ذلك؟!!
فضلاً عن الكثيرين غيرهم الذين شاطروهم هذا الرأي ممن تأخر عن الكفعمي رحمه الله!
أوليس هؤلاء من أهل السير والتواريخ عند الشيعة أعزَّهم الله؟!!
وثانياً: من المطمأن بل المقطوع به أن ذهاب من ذهب من علماء الشيعة إلى آخر ذي الحجّة تاريخاً لموت عمر لم يكن لظفرهم بدليل معتبر من طرقنا على أن موته كان في هذا التاريخ، وإنما انساقوا في ذلك وراء تهويل العامة بقيام الإجماع واختلاق الروايات الكثيرة لإثبات ذلك، جهلاً منهم بالروايات الشيعيّة الواردة في المقام أو اعتقاداً بعدم نهوض هذه الروايات الشيعية في قبال هذا الإجماع وتلك الروايات، لا أقل في مثل هذه المسألة غير المرتبطة بالعقائد المذهبيّة منهم والتي لا تتوفر الدواعي لدى العامة إلى الكذب فيها بنظرهم.
إذ لو كان لهؤلاء العلماء من الشيعة دليل غير ما ذُكر لأوردوه، حيث إنه لا معنى لتكتُّمهم عليه. ولا أقل لأورده ابن إدريس رحمه الله نفسه وهو في مقام المحاجّة والخصومة وتخطئة الغير، فلما لم يورده في مثل هذا المقام الذي هو أحوج ما يكون فيه إلى الدليل والبرهان من طرقنا لإفحام من خالفوه في الرأي من علماء الشيعة، واكتفى بذكر إجماع أهل التاريخ والسير من العامة عُلم أن ليس له دليلٌ سوى ذلك، وقد قيل في
المثل: «لا عطر بعد عرس».
وعليه، فليس إجماع أهل التواريخ والسير من الشيعة، أو فقل ذهاب من ذهب منهم إلى ذلك، إجماعاً واتفاقاً في عرض إجماع العامة واتفاقهم حتى يصحَّ عدُّه دليلاً آخر في المسألة، بل هو في طول إجماع العامة ومتفرِّع عليه لشبهة عرضت لهم في المقام. فإذا ثبت بطلان إجماع وعدم صحّة الاعتماد عليه في المقام فإنه لا يبقى لذهاب من ذهب من علماء الشيعة إلى هذا القول قيمة ولا أثر في إثبات صحّة هذا القول أو رجحانه.
ومما يؤيِّد ما ذكرناه أن مؤرِّخاً ثبتاً كاليعقوبي رحمه الله تصريحه بأن عمر ولي الخلافة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة أو لسبع بقين منه سنة ثلاث عشر من الهجرة، وأن مدّة حكومته كانت عشر سنين وثمانية أشهر(1)، مما لازمه أن يكون موته في التاسع من ربيع الأول كما هو المشهور بين الشيعة - إذ لا يخفى أن فارق الأيام اليسيرة غير ضائر في المقام - تراه يصرِّح بأن طعنه كان لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين(2)!!
فترى كيف أذهله إجماع العامة وتكثيرهم للروايات في المقام، عن الالتفات إلى مناقضة ما التزم به من تاريخ لموت عمر لما ذكره من تاريخ لتوليه الحكم ومدة حكومته.
وثالثاً: قد عرفت ذهاب كثير من علمائهم ومؤرِّخيهم إلى تحديد مدّة
حكومة أبي بكر وعمر بما يتنافى مع كون موته في ذي الحجة، ولا يتوافق إلا مع كونه في التاسع من الربيع كما هو المشهور بين الشيعة أعزَّهم الله.
بل قد عرفت أن هذا هو المشهور بينهم وما استفاضت بل تواترت به الرواية عندهم في تحديد مدّة حكومة شيخيهما.
وعليه، فكيف يصح القول بأن أهل السير والتواريخ من مجمعون على كون موته في الآخر من ذي الحجّة؟!!
ورابعاً: أن إجماع أهل التاريخ والسيَر من العامة أمثال ابن سعد والطبراني والطبري وأضرابهم ممن تقدَّم ابن إدريس من مؤرِّخي العامة، الذين هم المقصودون من قوله (أهل التاريخ والسير) كما عرفت، لا حجيّة له أصلاً.
فإنا لو أردنا الاعتماد على إجماعاتهم واتفاقاتهم في الأمور التاريخية - خصوصاً فيما خالف سيرة الشيعة ومروياتهم - فيجب علينا قبول خلافة أبي بكر، وأن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أمره أن يؤم الناس جماعة مكانه صلی الله علیه وآله وسلم، وأنه قال: إن أبا بكر وعمر أفضل الناس بعده، وغير ذلك من عشرات الإجماعات والاتفاقات التي لا يمكن لشيعي الالتزام بها، فضلاً عن مثل ابن إدريس رحمه الله الذي هو من أساطين المذهب.
وبعبارة أخرى: القول بحجيّة إجماعاتهم واتفاقاتهم مما لا يليق بشأن ابن إدريس رحمه الله وأمثاله. كيف، ويلزم منه أن نرفع اليد عن مذهبنا ونتَّبع مذهبهم؟!! عِلماً بأنا قد اُمِرنا بأن نأخذ من الآراء الموجودة بين الشيعة بما يخالفهم، ونترك ما يميلون إليه، فكيف بما يجمعون عليه؟!!
وكم لهم من إجماع واتِّفاق على خلاف ما اشتهر القول به بين الشيعة الإماميّة!!
وكم لهم من تواتر على خلاف ما تواتر أو استفاض أو صحَّت الرواية به عند الشيعة الإماميّة!!
فهل يُظن بمثل ابن إدريس رحمه الله الالتزام بخلاف ما تقوله الطائفة المحقّة في كلِّ هذه الموارد؟!
ولَئن أمكن أن تجانب الطائفة الحقّة الحقَّ فيما اشتهر بين أبنائها مرّةً فهل يمكن أن تكون كذلك في أغلب شهراتها؟!
وما هو الموجب - بنظر ابن إدريس رحمه الله - لحجيّة هذا الإجماع دون غيره من إجماعات العامّة يا ترى؟!!
وخامساً: أن من يراجع تواريخ العامة يرى أن أبناء كثير وأثير وخلدون بل كل من تأخر عن الطبري اعتمدوا على ما جمعه الطبري، وصرحوا بذلك في أوائل كتبهم.
فقد صرح بعضهم أنه لم يقصد إلا ذِكر ما في تاريخ الطبري مع إسقاط الأسانيد، وبعضهم قصد ذلك مع إسقاط المكررات، إلى غير ذلك مما يصب في خانة المتابعة والتقليد.
مع وقد أشار إلى ذلك العلامة الأميني رحمه الله صاحب (الغدير) - حشره الله أمير الغدير علیه السلام - وكذلك العلامة الجليل السيد جعفر مرتضى العاملي صاحب (الصحيح من السيرة) وغيرهما من المحققين.
وعليه، فليست كل هذه الكتب بمصادر متعددة عرضية، بل هي
مصادر طولية يرجع أكثرها إلى الطبري، فلا وجه لجعلها أدلة متعددة كما لا يخفى.
وسادساً: إن إجماع العامة على هذا القول مستند بلا شكِّ إلى رواياتهم التي روَوها في هذا المجال وقد عرفت كونها معارضة بما روي متواتراً عندهم في مدة حكومة شيخيهما، وسيوافيك تمام البحث عنها من حيث السند والمتن فانتظر.
إن قلت: إن تاريخ موت عمر بن الخطاب مسألة تاريخية بحتة، وليست من المسائل المذهبيّة، فلا داعي عند العامة إلى الكذب والتدليس فيها فاستناد مثل ابن إدريس رحمه الله إلى الروايات العاميّة في هذا المجال واعتماده على أجماع علمائهم في محلِّه.
قلنا: قد تقدم منا في أوائل هذا البحث ما ينفع في دفع هذه الشبهة ونزيد ذلك بياناً فنقول:
إن الاستناد إلى أقوال العامّة ورواياتهم وإن وجد أحيانا عند بعض علمائنا خصوصاً المتأخرين منهم بسبب حسن ظنهم بالعامة، متوهمين أن المسألة ليست من المسائل الخلافية التي لهم داعٍ إلى الخيانة فيها.
إلا أنه قد ظهر بعد التحقيقات الجديدة التي جاء بها عدة من المحققين الأفذاذ أمثال: صاحب (عبقات الأنوار)، والعلامتين الأميني والسيد جعفر مرتضى العاملي، والشيخ نجاح الطائي وغيرهم، أن حسن الظن بالعامة في الموارد غير المذهبية خطر كبير على تاريخ الإسلام
وأصوله وفروعه.
وقد ظهر لنا بالمراجعات الكثيرة أن مجعولات رواة العامة وعلمائهم لا تنحصر بالمسائل المذهبية، بل تعمها وغيرها من المسائل التي ترتبط بحياة الأنبياء علیهم السلام وغزوات النبي صلی الله علیه وآله وسلم والحروب التي كانت في زمن الخلفاء ونحو ذلك.
بل الصحيح أنهم عمدوا إلى تحريف كل حقيقة عن واقعها إلى خلافه بقدر الإمكان، وجعل واختلاق أساطير لا ترتبط بالإمامة ولا بغيرها من الأمور المذهبيّة.
وعليه فالروايات المتواترة الناهية عن الأخذ بروايات العامة بقول مطلق، بل المصرَّح بعموم النهي فيها، لا تُخَصَّص إلا نادراً جداً كما في موارد (إقرار العقلاء في حق أنفسهم جائز) أو (والفضل ما شهدت به الأعداء).
وههنا نكتة مهمة التفتنا إليها بعد طول تتبُّعٍ وتأمُّل، ولم نرَ من تنبَّه إليها قبلنا، وهي:
أنه من جملة أهداف علماء العامة ومؤرِّخيهم محاربة مشهورات الشيعة، والتشكيك فيها، وإن لم ترتبط بالمسائل المذهبية.
فترى أن لهم إصراراً على أن يجعلوا قاتل سيِّد الشهداء علیه السلام (سنان بن أنس) أو (خولي) أو غيرَهما، لمجرَّد أن المشهور بين الشيعة بل المتفق عليه بينهم أن قاتله علیه السلام هو (شمر بن ذي الجوشن) عليه وعلى
جمیع أعداء أهل البيت علیهم السلام عائن الله.
ولهم عناية كبيرة في أن ينكروا، ولادة أمير المؤمنين علیه السلام في الكعبة، وكون قبره الشريف في النجف الأشرف، ويزعمون أن ورود أهل البيت علیهم السلام من الشام إلى كربلاء لم يكن في أربعين السنة التي استشهد فيها الحسين علیه السلام، حتى أنه وقع التشكيك من بعضهم في أصل حادثة كربلاء وشهادة الإمام الحسين علیه السلام فيها، إلى غير ذلك من الأمور التي يحرصون على إنكارها أو التشكيك فيها لمجرد كونها من المشهورات الشيعية أو من مسلَّمات و ضروريات تاريخ الشيعة.
والسرّ في ذلك، أنهم إذا أفلحوا في تشكيك الشيعة ببعض مفردات مشهوراتهم، فإن التشكيك سيسري شيئاً فشيئاً إلى أصل قيمة المشهور الشيعي وستسقط قيمته في نظر الشيعة أنفسهم، وبالتالي سيكون من الممكن للعامة فيما بعد أن يشككوا الشيعة في مشهوراتهم العقائدية والفقهية التي هي موضع نزاع وخلاف بينهم وبين العامّة.
ولا أقل، أن تشكيكهم في بعض المشهورات يفتح الباب أمام من يأتي بعدهم للاستناد إلى تشكيك من سبقه في مقام المناظرة والمحاجّة.
ومن الطبيعي جداً أن يختار العامة في سبيل تحقيق هدفهم هذا بادء ذي بدء مفردات مشهورة ليست خلافية بين الشيعة والعامة، أو يظن الناظر للوهلة الأولى أنها ليست من الأمور الخلافية بيننا وبينهم، حتى تنطلي الخدعة على الشيعة فينساقوا وراء تلك التشكيكات العاميّة ظنّاً منهم أن لا داعي لهم إلى الكذب والتدليس في مثل هذه الأمور.
ولمّا غفل بعض علمائنا عن ذلك، ولم يتفطّنوا إلى أن زعزعة قيمة
المشهورات الشيعيّة من أهم الأهداف المستقلّة لعلماء العامّة ومؤرِّخيم، فلا يتوقَّف كذبهم وتدليسهم في مسألة ما على كونها من المسائل المذهبيّة الخلافيّة بيننا وبينهم انخدعوا بتشكيك العامّة في هذه المشهورات حيث رأوا أنها ليست من المسائل الخلافية، فتوهَّموا أن لا مصلحة للعامة في إنكارها ولا داعي لهم إلى الكذب فيها، فظنّوا أن كون هذه المسائل من المسلَّمات عند المؤرِّخين من العامة يكفي في كونها المسلَّمات عندنا أيضاً على الرغم من كون خلافها مروياً عند الشيعة بل من مشهوراتهم ومسلَّمات تاريخهم في كثير من الأحيان، ولم يتفطَّنوا إلى أن التشكيك في مسلَّمات الشيعة وضروريات تاريخهم من أهم أهداف أعداء الشيعة حتى يسري التشكيك إلى بقية المسائل التي تمسّ صمیم مذهب التشيع وترتبط بخصوص الولاية لمحمد وآل محمد صلی الله علیه وآله وسلم والبراءة من أعدائهم عليهم لعنة الله.
وفضلاً عما تقدَّم من عدم الحاجة إلى كون المسألة من المسائل المذهبية الخلافية بيننا وبينهم حتى يكون لهم داع إلى الكذب والتدليس فيها، وأنه لا نحتاج في وجوب ردِّ روايات العامة المخالفة لروايات الشيعة إلى كون المسألة كذلك، بل رواياتنا المتواترة دلت على وجوب رد رواياتهم بالكلية، سواء كانت في مورد المسائل المذهبية الخلافية أم غيرها.
فكل مسألة كان فيها خبران متعارضان أحدهما موافق للعامة والآخر مخالف لهم فالرشد في خلافهم، سواء كانت المسألة خلافية بيننا وبينهم
أم لا.
مضافاً إلى ذلك كلِّه، فإن قتل عمر في التاسع من الربيع من المسائل الخلافيّة بيننا وبينهم والتي كثرت دواعي الهجوم عليها من قبل أعداء الشيعة، وذلك باعتبار أن الشيعة كانوا يتخذونه عيداً، ويعملون فيه أعمالا كثيرة إظهاراً للفرح والسرور بأمر من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم والأئمة علیهم السلام.
فاحتال فقهاء المخالفين ومحدّثوهم ومؤرخوهم في جعل رواية تغير عمر عن تاسع ربيع الأول إلى وقت آخر حتى يُكذِّبوا الشيعة في مقتل إسناد هذا العيد إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وإلى أئمة أهل البيت علیهم السلام.
وقد أشار العلامة المتتبع الشيخ المجلسي رحمه الله إلى هذه الجهة حيث قال: «.. ويحتمل أن يكونوا غيَّروا هذا اليوم ليشتبه الأمر على الشيعة فلا يتخذوه يوم عيد وسرور»(1).
أقول: ويؤيِّده أنهم اختاروا بديلاً للتاريخ الواقعي لقتل عمر آخرَ ذي الحجة المتصل بشهر محرم الحرام - الذي جرت سيرة الشيعة تبعاً لأئمتهم علیهم السلام على اتخاذه شهر حزن وعزاء وبكاء من أول ليلة فيه - حتى لا يتمكن الشيعة من اتخاذه عيدا.
وليَكُن هذا وجهاً آخر لاختيارهم خصوص الآخر ذي الحجة تاريخاً بدلاً عن تاريخه الواقعي مضافاً إلى الوجه الذي ذكرناه.
1) بحار الأنوار 31: 133
الدّليل الثّاني الذي استُدل به على القول الثاني هو الروايات المروية في كتب العامة الدالة على أن قتل عمر كان في ذي الحجة.
وقبل الكلام في تلك الروايات من حيث السند والدلالة لا بأس بذكر مقدمة نتعرَّض فيها لبيان حال كتبهم وكونها ساقطة عن الاعتبار وغير الله صالحة لأن يأخذ المسلم العاقل منها دينه ويحتج بها فيما بينه وبين عزَّ وجلّ.
حال كتب العامة
وسنجعل محور كلامنا صحاحهم ومسانيدهم سيما البخاري ومسلم، وإن كان كلّ ما سنذكره في حقهما ثابتاً في حقِّ بقيّة كتبهم كما لا يخفى على من راجع كتبهم المعدَّة للجرح والتعديل ونقد الحديث، إلا أنه إذا اتَّضح لك حال هذين الكتابين اللذين هما أجل الكتب عندهم على الإطلاق، وأصحُ صحاحهم(1)
وقد نقل خرافاتهم تلك الشيخ محمد صادق النجمي في كتابه (أضواء على الصحيحين) في الصفحة 75 وما بعدها فليراجع ثمّة.
أقول: ليت شعري، كيف يرضى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بنسبة كل ما في البخاري إليه، وفيه الروايات المشتملة على الكفر الصريح؟!! كتجسُّم الله سبحانه! وكإثبات المكان والانتقال والنزول والصعود والتغيّر له! وكعروض العوارض عليه كالضحك ونحوه! .. إلى غير ذلك يوجب الإمكان، والانحطاط إلى رتبة المخلوقين! تعالى الله عما ينسبه إليه الجاهلون مما علواً كبيرا.
وأما الروايات المشتملة على توهين رسالات الله ورسله، والحط من مقامهم الشريف ومساواتهم بأراذل الناس فحدَّث عنها ولا حرج!!
و كنموذج لذلك تُراجع الروايات التي تنسب إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الجهل بكونه رسولاً بعدما نزل الوحي عليه، حتى علمه رجل نصراني أنه رسول الله!! وتنسب أموراً إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لا تليق بالمؤمنين العاديين، بل بذوي الشرف وأهل المروءة، مما يستحي القلم من تسطيره ويندى له جبين المسلم الغيور!!!
ولعمري لئن أهدر دمُ الزنديق الملحد سلمان رشدي صاحب كتاب (آيات شيطانيّة)، لإساءته إلى كرامة النبي محمد صلی الله علیه وآله وسلم وحطّه من مقامه الشامخ حتى أبرزه بصورة نُجلُّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من أن ننسبها إليه ولو في مقام الحكاية عن الغير، فإن صدور هذا الحكّم في حقّه يستلزم الحكم بزندقة وهدر دم البخاري وأمثاله وأمثاله من علماء العامّة ومؤلّفيهم الذين مَلؤوا كتبهم بأمثال هذه الروايات حتى تأتى لسلمان رشدي وأمثاله من مرضى القَلوب أن يطعنوا في نبيِّنا صلی الله علیه وآله وسلم بما طعنوا فيه.
ولا أكون مبالغاً إن قلت إن أكثر ما في كتاب (آيات شيطانيّة) للشيطان سلمان رشدي من افتراءات وتجنيات على ساحة النبي الأقدس محمد صلی الله علیه وآله وسلم مأخوذ من كتب العامة التي أسموها صحاحاً وأدعوا أنها عدل القرآن الكريم!!!
حيث جعلوهما عدل القرآن الكريم لا1) ذهبت العامة إلى أن البخاري ومسلم هما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، واختلفوا في أن أياً منهما أرجح، وأكثرهم على ترجيح الأول، بل قال من يسمّونه بإمام الحرمين: «لو حلف رجل بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحَّته هي مع الواقع وهي مما حكاه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، كان حلفه صحيحاً ولا كفارة عليه..»، وحكوا في ذلك عدّة رؤى ومنامات عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يقول فيها البخاري كتابي!!! ويأمر فيها بتحديث كل ما في البخاري عنه ونسبته إليه!!!
يأتيهما الباطل من بين يديهما ولا من خلفهما، فإنه يتَّضح لك حال بقية كتبهم التي جعلوها مصادر استقاء دينهم وأخذ أحكامهم بطريق الأولويّة، فنقول:
ذهب الكثير من حفَّاظ العامة وثقاتهم إلى القدح في (صحيح البخاري) سواء من خلال تضعيف البخاري نفسه أو من خلال كثرة
اعتماده على الضعفاء والكذابين والمجهولين من الرواة في تخريج أحاديث كتابه.
أما فيما يرتبط بالبخاري نفسه فإن بعضهم قال بضلال البخاري وانحرافه وفساد عقيدته حتى أفتى شيخ البخاري نفسه - وهو إمامهم الذهلي - فتواه المشهورة فقال: «ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه»(1).
ولذلك فإنك لن تجد في (صحيح البخاري) رواية واحدة فيها تصريح بالاسم الكامل لشيخه الذهلي، حقداً من البخاري على شيخه، وكرهاً له.
وجاء في كتاب (شرح معاني الآثار) للحافظ أحمد بن محمد سلمة: «وقد قيل في البخاري أنه سرق كتاب العلل الشيخه علي بن المديني وعزا ما فيه إلى نفسه كما في كتاب الصلة المسلمة بن القاسم الأندلسي المتوفي سنة 353 ه»(2).
وحكى إمامهم ابن حجر في تهذيبه كيفية سرقة البخاري لكتاب شيخه المديني، فراجع(3).
وروى الخطيب البغدادي عن سعيد بن عمرو قال: «شهدت أبا زرعة الرازي - وأبو زرعة هذا من أكابر ثقاتهم ومحدثيهم - ذَكَرَ كتاب
الصحيح الذي ألَّفه مسلم بن الحجاج ثم المصوغ على مثاله البخاري، فقال لي أبو زرعة: هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا شيئا يتشوَّفون - يتظاهرون ويتوجَّهون - به، ألفوا كتاباً لم يُسبقوا إليه ليقيموا لأنفسهم رئاسة قبل وقتها»(1).
وذكر الذهبي(2)قصَّة أبي زرعة ولكنه أتى بكلمة يتسوَّقون - يتاجرون بدلاً عن كلمة يتشوَّفون.
وسواء أكانت عبارة أبي زرعة (يتشوَّفون) أم (يتسوَّقون) - وليست العبارتان مانعتي جمع - فهي إنَّ دلت على شيء فهي تدلَّ على أن السبب الحقيقي الذي دفع هؤلاء إلى تأليف تلك الكتب هو جرُّ عرض الحياة الدنيا إلى أنفسهم، فكيف تكون تلك الكتب التي هذا حال مؤلّفيها، حجّة فيما بين العبد وبين ربِّه؟!!
وقال أيضاً في (ميزان الاعتدال) في ترجمة عبد الله بن صالح بن محمد الجهني المصري: «روى عنه البخاري في الصحيح.. ولكنه يدلِّسه(3)فيقول: حدَّثني عبد الله، ولا ينسبه»(4).
وقد كان البخاري يدلّس في صحيحه محمد بن سعيد المصلوب،
1) تاریخ بغداد 5: 29
2) راجع (سير أعلام النبلاء) 12: 571
3) قال ابن الصلاح في مقدِّمته في علوم الحديث ص 59: «تدليس الشيوخ: هو أن يروي الراوي عن شيخ حديثاً سمعه منه، فيسميه أو يكنّيه ويصفه بما لم يُعرَف به كيلا يُعرَف». وقال ابن حجر في طبقات المدلّسين ص 17: تدليس الشيوخ فهو أن يصف شيخه بما لم يشتهر به من اسم أو لقب أو كنية أو نسبة.. وقد يفعل ذلك لضعف شيخه وهو خيانة تعمَّده كما إذا وقع ذلك في تدليس الإسناد والله المستعان»
4) میزان الاعتدال 2: 442
الكذاب الشهير كما نقله عنه الذهبي أيضاً في ترجمة ابن سعيد(1)، إلا أنه حلا للذهبي أن يحمله على الخطأ لا العمد!
وقد ثبت عندهم أن إمامهم البخاري حرَّف الكثير من أسماء رواة صحيحه، حتى ألَّف أبو حاتم الرازي كتابه (بيان خطأ البخاري)، وفيه بيَّن أسماء الرواة التي حرفها بخاريُّهم، ولكن كعادتهم نسبوه إلى الخطأ!! فراجع.
فإذا كان هذا حال بخاريِّهم الذي هو إمام أئمَّتهم وشيخ ثقاتهم ومحدِّثيهم فكيف حال غيره يا ترى؟! وكيف تُعتبر أخبارهم؟! وكيف يصحّ لعاقل الاحتجاج بها أو تركن نفسه إليها؟!
هذا والتدليس طريقة شائعة مستمرّة بين جميع طبقات محدّثيهم وأهل الحديث والتاريخ والسير عندهم، فهذا ابن حجر ينقل عن ابن مندة قوله في حق مسلم: «كان يقول فيما لم يسمعه من مشايخه: (قال لنا فلان) وهو تدلیس»(2).
وهذا شعبة يقول: «ما رأيت أحداً من أصحاب الحديث إلا يدلِّس إلا ابن عون وعمرو بن مرّة»(3).
والتدليس كذب وخيانة من فاعله، قال ابن الجوزي: «من دلَّس كذاباً
فالإثم له لازم، لأنه أثر أن يؤخذ في الشريعة بقول باطل»(1).
فهو وإن خصَّص الإثم بتدليس الكذّاب إلا أنه علَّله بما يوجب تعميمه لمطلق التدليس، حتى لو كان المدلَّس ضعيفاً من غير جهة الكذب، لأن الضعيف مطلقاً لا يجوز الاحتجاج بقوله في الشريعة، بل حتى لو كان المدلَّس ثقة بنظر المدلَّس، إذ لعلَّه لو اطَّلع عليه غيره لا يكون ثقة بنظره، فكيف يغرِّر بالآخرين، ويوقعهم في الأخذ بما لا يرون حجّيَّته؟!
فيلزم على ذلك فسق أكثر رواة العامة ومحدِّثيهم وبالتالي سقوط رواياتهم المرويّة في كتبهم عن درجة الاعتبار.
وأنت إذا رجعت إلى كتبهم المعدّة للجرح والتعديل تجد صدق ما ذكرناه، فهذا ابن معين يتَّهم أحمد بن حنبل بالكذب(2)، والمقبلي يتّهمه بدسِّ الروايات، وبالخيانة وردّ الروايات تعصّباً(3).
وهذا الذهبي يتَّهم الترمذي بالتلبيس(4)، ولا يعتدّ بتصحيحه أو تحسينه للسند، بل ينسب ذلك إلى العلماء كافة(5).
إلى غير ذلك مما لا حاجة بنا إلى ذكره، فإن فيما قدّمناه كفاية لأولي النهى والدراية.
هذا كلّه قليل ممّا يرتبط بحال مؤلفي صحاحهم وكتبهم كالبخاري وأضرابه، وأما ما يرتبط بحال رواة أحاديثهم فحدِّث ولا حرج!!
إن رجال رواياتهم - خصوصا رواة الصحاح الستة - معظمهم مطعون فيهم عندهم بغير التدليس أيضاً، فهم موصوفون عندهم بالكذاب والوضاع والمدلس والخارجي والضعيف والمتروك حديثه وغيرها من صفات الجرح، كما يظهر من مراجعة أحوالهم في الكتب المعدَّة لذلك(1).
وقال ابن حجر في مقدمة شرحه على (صحيح البخاري): «فقد تناول جماعة من المحدثين وعلماء الرجال أكثر من ثلاثمائة من رجال البخاري فضعفوهم»(2).
وهذا أبو زرعة وهو من أكابر ثقاتهم ومحدِّثيهم كما مرت الإشارة إليه، يوم رجل بكتاب الصحيح من رواية مسلم فجعل ينظر فيه فإذا حديث عن أسباط بن نصر، فقال: «ما أبعد هذا من الصحيح يدخل في كتابه أسباط بن نصر! ثم رأى في كتابه قطن بن نسير فقال لي: وهذا أطمُّ من الأول»(3).
1) فانظر (تاريخ ابن معين) للدارمي، و(كتاب الضعفاء والمتروكين) لإمامهم للنسائي، و(ضعفاء العقيلي) لحافظهم العقيلي، و(الجرح والتعديل) لإمامهم أبي حاتم الرازي، و (كتاب المجروحين) لإمامهم الحافظ ابن حبان، وغيرها الكثير من الكتب التي ألفوها في ضبط المدلسين والكذابين والمجروحين والضعفاء الذين اعتمدوا على رواياتهم في صحاحهم ومسانيدهم وسنتهم وبقية كتبهم الحديثية
2) هدي الساري (مقدمة فتح الباري في شرح صحيح البخاري): 382، نقلاً عن (أضواء على الصحيحين) للشيخ محمد صادق النجمي: 87
3) رواه إمامهم الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) 5: 29، وإمامهم الحافظ المزي في (تهذيب الكمال) 1: 419
وقال الأديب المصري أحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام): «وقد ضعف الحفاظ من رجال البخاري نحو ثمانين، وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل لأن بعض من ضُعِّف من الرواة لاشك أنه كذاب، فلا يمكن الاعتماد على قوله، والبعض الآخر منهم مجهول الحال، ومن هنا فيشكل الأخذ عنه..
ومن هؤلاء الأشخاص الذين روى عنهم البخاري وهم غير معلومي الحال عكرمة مولى ابن عباس، وقد ملأ الدنيا حديثاً وتفسيرا، فقد رماه بعضهم بالكذب، وبأنه يرى رأي الخوارج، وبأنه كان يقبل جوائز الأمراء، ورووا عن كذبه شيئاً كثيرا»(1).
وها نحن ذا نذكر لك نموذجاً من الرواة الذين اعتمد عليهم البخاري ومسلم وغيرهم من أصحاب الصحاح والمسانيد والكتب حتى يتَّضح لك الحال أكثر فأكثر.
ولو أنّا أردنا استقصاء كل ما قيل في حقِّ رواة صحاحهم ومسانيدهم وكتب تواريخهم وسيرهم من ذلك لطال بنا المقام، وخرجنا عن الهدف من هذا الكتاب ولكن فيما نذكره كفاية لذوي العقول والدراية.
1) ضحى الإسلام 117: 2، نقلاً عن (أضواء على الصحيحين) للشيخ محمد صادق النجمي: 89
1 - إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي /:
والجوزجاني هذا من غلاة النواصب، مشهور بالنصب(1)شديد الانحراف فيه(2).
فعن ابن حبان: أنه «حروري المذهب» - أي كان خارجياً - وفي نسخة «حريزي المذهب» أي على رأي حريز بن عثمان وطريقته في النصب(3)، وكان حريز هذا يلعن علياً علیه السلام سبعين مرّة في الصباح وسبعين مرة بالعشي(4).
بل زاد على حريز في النصب بشدة تعصّبه في الجرح والتعديل فإنه من المعلوم من سيرته أنه ما كان يمرّ براوٍ فيه رائحة تشيّع إلا جرحه وطعن في دينه وعبَّر عنه بأنه زائغ عن بأنه زائغ عن الحق متنكِّب عن الطريق مائل عن السبيل، وكان يكفي عنده في اتِّهام الرجل بالتشيّع أن يروي فضيلة في حقِّ علي علیه السلام(5)!!
وعن ابن عدي: «كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميل على علي علیه السلام»(6)، وعن الدارقطني: «فيه انحراف عن علي علیه السلام، اجتمع على بابه أصحاب الحديث، فأخرجت جارية له فروجة لتذبحها، فلم
تجد من يذبحها، فقال سبحان الله فرّوجة لا يوجد من يذبحها، وعلي يذبح في ضحوة نيفاً وعشرين ألف مسلم!»(1).
وعلى الرغم من ذلك فهو من أكابر ثقاتهم ومحدِّثيهم، بل أحد أئمة الجرح والتعديل عندهم!!
وثَّقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في (الثقات) واصفاً له بأنه «صلب في السنّة»(2)
ولنعم ما قال الصاحب بن عباد رحمه الله:
حب علي بن أبي طالب *** هو الذي يهدي إلى الجنة
إن كان تفضيلي له بدعة *** فلعنة الله على السنّة
وهو من ألفاظ المدح عندهم.وقال الخلال: «إبراهيم جليل جداً، كان أحمد بن حنبل يكاتبه ويكرمه إكراماً شديداً»(3).
أقول: لعلّ شدّة إكرام أحمد له لشدّة نصبه العداء لعلي علیه السلام!!
حدث عنه أبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي في سننهم وغيرهم.
2 - حريز بن عثمان الحمصي /:
ذكروا في حقِّ حريز هذا ما يسوِّد وجهه ووجوه من اتَّخذوه حجّة فیما بینهم وبین الله، من التحامل على أمير المؤمنين علیه السلام، والسبِّ له، والمداومة على لعنه، والانتقاص منه، والإجهار ببغضه له، ووضع
الأحاديث المكذوبة في الحط من شأنه وإثبات فسقه بل وكفره والعياذ بالله.
ولكن على الرغم من ذلك كلِّه تجدهم طفحت كلماتهم بمدحه وتوثيقه! واحتجوا به في صحاحهم! وهذا إن دلَّ على شيء فإنه يدلّ على أن سرائِرهم واحدة «تشابَهَت قُلوبُهم قد بيَّنا الآيات لِقَومٍ يوقنون».
قال في (تهذيب التهذيب): «قال صاحب تاريخ الحمصيين: .. لا يُختلف فيه، ثبت في الحديث.
وقال معاذ بن معاذ: حدثنا حريز بن عثمان ولا أعلم أني رأيت بالشام أحداً أفَضِّله عليه.
وقال الآجري.. وسألت أحمد بن حنبل عنه فقال: ثقة ثقة، وقال أيضاً: ليس بالشام أثبت من حريز.. وقال أيضاً: وقال أيضاً: عن أحمد وذُكر له حريز وأبو بكر بن أبي مريم وصفوان، فقال: ليس فيهم مثل حريز، ليس أثبت منه..
وقال إبراهيم بن الجنيد: عن ابن معين حريز وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وابن أبي مريم هؤلاء ثقات.
وقال ابن المديني: لم يزل من أدركناه من أصحابنا يوثِّقونه.
وقال دحيم: حمصي جيد الإسناد صحيح الحديث، وقال أيضاً: ثقة.
وقال المفضل بن غسان ثبت.
.. وقال أحمد بن أبي يحيى عن أحمد حريز صحيح الحديث.. إلا أنه يحمل على علي.
وقال المفضل بن غسان: يقال في حريز مع تثبته أنه كان سفيانياً.
وقال العجلي: شامي ثقة وكان يحمل على علي، وقال عمرو بن علي كان ينتقص علياً وينال منه.. وقال في موضع آخر: ثبت شديد التحامل على علي.
وقال ابن عمار: يتهمونه أنه كان ينتقص علياً ويروون عنه ويحتجون به ولا يتركونه.
وقال أحمد سليمان الرهاوي: سمعت يزيد بن هارون يقول - وقيل له كان حريز يقول: لا أحب علياً قتل آبائي - فقال: لم أسمع هذا منه، كان يقول: لنا إمامنا ولكم إمامكم.
وقال الحسن بن علي الخلال: عن يزيد نحو ذلك، وزاد سألته أن لا يذكر لي شيئاً من هذا مخافة أن يضيِّق عليَّ الرواية عنه.
وقال الحسن بن علي الخلال: سمعت عمران بن أياس سمعت حريز بن عثمان يقول: لا أحبه قتل آبائي يعني علياً.
وقال أحمد بن سعيد الدارمي: عن أحمد بن سليمان المروزي سمعت إسماعيل بن عياش قال: عادلت حریز بن عثمان من مصر إلى مكة فجعل يسب علياً ويلعنه.
وقال الضحاك بن عبد الوهاب: .. حدثنا إسماعيل بن عياش سمعت حريز بن عثمان يقول: هذا الذي يرويه الناس عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» حق، ولكن أخطأ السامع، قلت فما هو؟ فقال: إنما هو «أنت مني بمنزلة قارون من موسى»..
وحكى الأزدي في الضعفاء أن حریز بن عثمان روی: «أن النبي صلی الله علیه وآله وسلم لما أراد أن يركب بغلته جاء علي بن أبي طالب فحلَّ حزام البغلة ليقع النبي صلی الله علیه وآله وسلم».. وقال ابن عدي قال يحيى بن صالح الوحاظي: أملى علي حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم حديثاً في تنقيص علي بن أبي طالب لا يصلح ذكره حديث معقل منكر جداً لا مثله يروي من يتقي الله، قال الوحاظي فلما حدثني بذلك قمت عنه وتركته.
وقال غنجار قيل ليحيى بن صالح لِمَ لَم تكتب عن حريز؟ فقال: كيف أكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين فكان لا يخرج من المسجد حتى يلعن علياً سبعين مرة!!
وقال ابن حبان: كان يلعن علياً بالغداة سبعين مرة وبالعشي سبعين مرة فقيل له في ذلك فقال: هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي وكان داعية إلى مذهبه يتنكب حديثه»(1).
قال ابن أبي الحديد: «قال أبو جعفر:.. وقد كان في المحدِّثين من يبغضه - يعني علياً علیه السلام - ويروي فيه الأحاديث المنكرة، منهم حريز بن عثمان، كان يبغضه وينتقصه، ويروي فيه أخباراً مكذوبة.
.. روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب (السقيفة)، قال حدثني أبو جعفر بن الجنيد، قال حدثني إبراهيم بن الجنيد، قال حدثني محفوظ بن المفضل بن عمر، قال حدثني أبو البهلول يوسف بن يعقوب، قال حدثني حمزة بن حسان.. قال حضرت حریز بن عثمان
1) تهذيب التهذيب لابن حجر 2: 208
وذُكر علي بن أبي طالب علیه السلام، فقال: ذاك الذي أحل حزام بغلة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حتی كاد يقع.
قال محفوظ: قلت ليحي بن صالح الوحاظي: قد رويت عن مشايخ من نظراء حريز، فما بالك لم تحمل عن حريز؟ قال: إني أتيته فناولني كتاباً، فإذا فيه: حدثني فلان عن فلان: «أن النبي صلی الله علیه وآله وسلم لما حضرته الوفاة أوصى أن تُقطع يد علي بن أبي طالب علیه السلام»، فرددت الكتاب ولم أستحلّ أن أكتب عنه شيئا.
قال أبو بكر: وحدثني أبو جعفر قال: حدثني إبراهيم، قال: حدثني محمد بن عاصم صاحب الخانات، قال: قال لنا حريز أنتم يا أهل العراق تحبون علي بن أبي طالب ونحن نبغضه، قالوا: لم؟ قال: لأنه قتل أجدادي»(1).
أقول: إنما أطلنا في ترجمة هذا الخبيث المخبَّث بنقل كلامهم فيه لأنه ممن روى عنه البخاري ،وغيره كالنسائي وأبو داود وابن ماجة والترمذي، وعدَّلوه وذبّوا عنه حميّة وتعصُّباً للباطل، واتَّخذوه إماماً وحجّة في دينهم.
ومن خلال ما ذكروه في حريز هذا تعرف ما قيمة قولهم في حقِّ راوِ ما «ثقة ثبت» أو «صاحب سُنَّة» إلى غير ذلك من أوصاف المدح والإطراء التي يكيلونها جزافاً لكلاب النار، والفجار والمنافقين الوضاعين المبدلين للدين، أعداء النبي وأهل بيته الطاهرين علیهم السلام.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 4: 69
هذا ونحن لا نشك، أن ما نقلوه وبلغنا من فظائع هذا المارد إنما هو قطرة من بحر خبثه ونفاقه، لعلمنا بمحبَّتهم لستر فضائح سلفهم، الذين رووا عنهم وأخذوا دينهم منهم.
وإذا تأمَّل المنصف الموَفَّق ما تقدَّم نقله في حريز من قول أبي حاتم: «لا أعلم بالشام أثبت منه»، وقول معاذ بن معاذ: «لا أعلم أني رأيت بالشام أفضل منه»، وقول ابن عمار: «يروون عنه ويحتجون به ولا يتركونه»، ينفتح له في معرفة موازين الجرح والتعديل عند العامة باب، ينفتح منه ألف باب، ويستغني به عن كثرة البحث والتفتيش في كتب رجالهم وأحاديثهم، والله الموفِّق للصواب.
3 - عمران بن حطان السدوسي /:
قال الذهبي: «.. من رؤوس الخوارج»(1).
ويكفي في بيان خبث ونفاق هذا الملعون ما ثبت عنه من مدحه لعبد الرحمن بن ملجم - لعنه الله ولعن عمران معه - لقتله أميرَ المؤمنين علیه السلام بأبيات معروفة وهي:
يا ضربة من تقى ما أراد بها *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حينا فأحسبه *** أوفى البرية عند الله ميزانا
أكرم بقوم بطون الطير قبرهم *** لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا(2)
وقد طفحت كتبهم بالرواية عن عمران هذا والاحتجاج به، فروى عنه البخاري وابن حبان في صحيحيهما، وأحمد في مسنده، والنسائي وأبو
داود والبيهقي في سننهم، والطبراني في معجمه، وابن سعد في طبقاته، وغيرهم كثير.
وليت شعري، أي عذر لهؤلاء في الرواية عن مثل هذا الرجل والاحتجاج بحديثه؟!
وهل يُرجى ممن لا يرعى حرمة أخي النبي صلی الله علیه وآله وسلم ونفسه، أن يكون صادقاً في قوله ثقة في نقله؟!
سيما مع ملاحظة ما هو معلوم من حال الخوارج من أنهم كانوا إذا هوَوا أمراً صيَّروه حديثا(1)!!
ولذلك حاول بعضهم أن يعتذر للبخاري بأنه أخرج عنه قبل أن يرى رأي الخوارج، ولكن أجاب عن ذلك شيخهم ابن حجر بأنه أخرج له من رواية يحيى بن أبي كثير عنه، ويحيى إنما سمع منه في من الحجاج، وكان الحجاج طلبه ليقتله من أجل المذهب، وقصته في هر به مشهورة(2).
ولکنه حال هروبه ولكنه حاول هو الآخر أن يعتذر للبخاري بأن عمران بن حطان لم يمت حتى رجع عن رأي الخوارج حيث قال: «ذكر أبو زكريا الموصلي عن محمد بن بشير العبدي الموصلي قال: لم يمت عمران بن حطان حتى رجع عن رأي الخوارج، وهذا أحسن ما يُعتذر به عن تخريج
البخاري له»(1).
أقول: أولاً: إن هذا غير كافٍ في إثبات توبته كما لا يخفى، حيث أحرز كونه خارجياً معادياً لعلي علیه السلام وشامتاً بقتله، وقيل: إنه تاب!! فضلاً عن أن الله تعالى اشترط في توبة المبتدع أن يصلح ما أفسده ويبيِّن الحقَّ الذي حاربه بقوله: «إِلا الذينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»(2).
وقول ابن حجر: «وهذا أحسن ما يُعتذر به..» واضح في أن مسألة التوبة إنما اختُلقت لتبرير نقل البخاري عنه، ولو أن بخاريَّهم روى عن إبليس / لتمحَّلوا له توبة.
على أنه لو كانت توبة عمران ثابتة لاشتهر أمرها لكونه من رؤوس الخوارج، ولما انحصر نقلها بالموصلي.
وثانياً: إن التوبة المتأخرة لو سُلّمت لا تبرِّر الرواية عنه حال كونه على مذهبه الفاسد.
وثالثاً: هل اقتصر الأمر عند البخاري على الرواية عن عمران بن حتى تبرأ ساحته بمثل هذه الاعتذارات؟!
وهل ترك البخاري في صحيحه ابن.. أو ناصبياً أو خارجياً أو عدواً للعترة الطاهرة ولم يروِ عنه ويحتج بحديثه؟!!
نعم أكثر البخاري في صحيحه الرواية عن أولاد ال.. ولكنه تعمَّد
ترك الرواية عن أبناء رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
قاله وكذلك غيره من أهل الحديث والسير والتواريخ من علماء العامة؟!!
ولعلَّ روايتهم عن عمران هذا كانت تعظيماً له وشكراً منهم على ما من الشعر في مدح ابن ملجم!!
4 - مروان بن الحكم بن العاص -:
الوزغ بن الوزغ، والملعون بن الملعون على لسان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
روى الحاكم في مستدركه عن عبد الرحمن بن عوف قوله: «كان لا يولد لأحد مولود إلا أتي به إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم فدعا له، فأدخل عليه مروان بن الحكم فقال: الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون»، ثم علَّق قائلاً: «وهذا حديث صحيح لم يُخرجاه»(1).
وبغضه للنبي صلی الله علیه وآله وسلم ولأهل بيته علیهم السلام أوضح من أن يُستدلَّ عليه، وقصته مع دفن الإمام الحسن علیه السلام، وجمعه الخيل والرجل من بني لمنع الحسن علیه السلام من أن يُدفن بجوار جدِّه صلی الله علیه وآله وسلم، وقوله: «أيدفن عثمان في البقيع ويُدفن حسن في بيت النبي صلی الله علیه وآله وسلم؟! والله لا يكون ذلك وأنا أحمل السيف!!» وقول عائشة لا يُدفن في بيتي من لا أحب» ورميهم لنعشه الشريف بالسهام، مشهورة(2)، بل من مسلَّمات التاريخ.
كما أن مروان / هو المشير بقتل الحسين علیه السلام والساب له ولأخيه
1) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري 4: 479، وراجع (كتاب الفتن): 73 لنعيم بن حماد المروزي، و (ينابيع المودَّة للقندوزي) الحنفي 2: 469
2) راجع (دلائل الإمامة) لمحمد بن جرير الطبري الشيعي رحمه الله: 160، و(الإرشاد) للشيخ المفيد رحمه الله 2: 18، و تاریخ دمشق لابن عساکر 13: 289، وغير ذلك من المصادر
ولأبيه علیهم السلام، وأخباره في ذلك مشهورة.
روى عنه أغلب أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والتواريخ، كالبخاري والشافعي وأحمد والدارمي وابن ماجة والبيهقي والنسائي والطبراني والطبري وغيرهم.
أقول: وهل يروي عن ملعون ابن ملعون إلا..؟!!
1 - عمر بن سعد بن أبي وقاص /:
روى عنه مسلم في صحيحه، والبخاري في تاريخه الكبير، وأحمد بن حنبل في مسنده مترضياً عليه(1)!! والترمذي والبيهقي والنسائي في سننهم، والطبري والطبراني وغيرهم من أرباب السيَر والتواريخ.
وقد ذكره العجلي في كتابه (معرفة الثقات) موثِّقاً له، وحاول أن يبرِّر له قتله للحسين علیه السلام بأنه كان أمير الجيش ولم يباشر قتله بنفسه(2)!!
وكذلك المباركفوري في تحفته حيث قال: «عمر بن سعد بن أبي وقاص، المدني نزيل الكوفة صدوق، لكن مقته الناس لكونه أميراً على الجيش الذي قتل الحسين بن علي علیهما السلام»(3).
أقول: هل يقبلون وثاقة أمير الجيش الذي حاصر عثمان وقتله بحجة
أنه لم يباشر قتله بنفسه؟!
ولست أدري ما الذي أوجب وثاقة ابن سعد وكونه صدوقاً بنظرهم؟!!
ولعلّ أكبر مصداق لصدقه / بنظرهم هو إخباره وبشارته في كتابه إلى يزيد وابن زياد. بقتله لسيد شباب أهل الجنة علیه السلام مظلوماً عطشاناً بأرض كربلاء وسبيه الحريم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم!!
فهنيئاً لأهل السنة دينهم الذي أخذوه من عمر بن سعد وأمثاله من الثقات الصدوقين!!
ورحم الله القائل:
إن كان هذا نبياً *** فالكلب لا شكّ ربي
وليت شعري، إن كانت هذه هي موازين التوثيق عندهم، فهل يلومنا عاقل بعد ذلك على قولنا: لا وثوق لنا بأهل الحديث والسير والتواريخ عندهم ولا بكتبهم؟!!
2 - شَبَث بن ربعي التيمي اليربوعي /:
أول من ارتد بعدما أسلم في حياة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فصار مؤذن سَجَاح(1)
وسَجَاح: هي امرأة من بني يربوع كانت رفيعة الشأن في قومها، كانت متكهَّنة قبل ادعاء النبَوَة، كذبت مسيلمة الكذاب ثم آمنت به، فتزوَّجها من غير صداق! ثم أصدقها بأن وضع عن قومها صلاتي الفجر والعشاء الآخرة!!
، وأول من حزَّب الحرورية(2)، وخرج على علي علیه السلام، وكانممن يسب أمير المؤمنين علیه السلام(1)، وهو ممن كاتب الحسين علیه السلام ثم غدر به، وكان قائداً من قواد جيش ابن زياد / الذين شاركوا في قتله علیه السلام، وهو من بين الأربعة الذين جدَّدوا مساجدهم بالكوفة فرحاً بقتل الحسين علیه السلام(2).
روى عنه البخاري في تاريخه الكبير، وابن حنبل في علله، والنسائي وأبو داود في سننهما والطبراني في كتاب الدعاء وغيرهم.
ذكره الذهبي في كشافه قائلاً: «خرج - أي على علي علیه السلام - ثم تاب، وكان شريفاً له من كل المال»(3).
وذكره العجلي في عداد الثقات في كتابه (معرفة الثقات)(4).
والظاهر أن أكبر دليل عندهم على وثاقته تفضيله سجاح المتنبِّئة على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ومعاوية على أمير المؤمنين علیه السلام، ويزيد على سيد رسول الله شباب أهل الجنة علیه السلام، ختمه حياته المشؤومة بالمشاركة في سفك الدماء الطاهرة لعترة النبي صلی الله علیه وآله وسلم.
فمرحباً بالصحاح والتواريخ التي يكون هذا نموذج ثقاتهم!!
1) روى الحاكم النيسابوري في مستدركه 3: 121، بإسناده عن أبي عبد الله الجدلي قال: «حججت وأنا غلام فمررت بالمدينة وإذا الناس عنق واحد فاتَّبعتهم فدخلوا على أم سلمة زوجة النبي صلی الله علیه وآله وسلم، فسمعتها تقول يا شبث بن ربعي، فأجابها رجل جلف جاف لبيك يا أمتاه، قالت: يُسب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في ناديكم!! قال: وأنّى ذلك! قالت: فعلي بن أبي طالب علیه السلام؟ قال: إنا لنقول أشياء نريد عرض الدنيا، قالت: فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يقول: من سبَّ علياً فقد سبَّني، ومن سبَّني فقد سبَّ الله تعالى»
2) المزار لابن المشهدي: 118، وغيره
3) الكشاف في معرفة من له رواية في الكتب الستّة للذهبي 1: 477
4) معرفة الثقات للعجلي 1: 448
1 - نعيم بن حماد الخزاعي(1)(شيخ البخاري):
فضلاً وهو عن كونه قيل فيه: إنه «ضعيف.. وليس في الحديث بشيء»، وإنه ضعيف يُخطأ كثيراً»، فإن أبناء العامة أنفسهم قد أعترفوا بأنه «كان يضع الحديث في تقوية السنة»، وهو الذي روى عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم أنه كان يقول: «رأيت ربي في أحسن صورة، شاباً موفراً، في خضرة عليه نعلان من ذهب»!!
ولكنك تراهم بعد ذلك يصفونه بأنه «صاحب سنة» و«إمام في السنة»!!
أقول: فمرحباً بسنة يكون (صاحب سنتهم وإمامها) رجلاً يكذب على الله وعلى رسوله صلی الله علیه وآله وسلم، ويضع الأحاديث في سبيل تقوية مذهبه.
روى عنه البخاري، ومسلم في صحيحيهما، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم، وغيرهم من أهل السير والتواريخ.
وعلى كل حال، فبعد اعتراف السنة أنفسهم أنهم يروون عمن كان يضع الحديث في تقوية السنة، فهل يُلام الشيعي إذا لم يعبأ بالسنة وبكتبهم؟!!
2 - إسماعيل بن إبراهيم بن معمر(2):
قال ابن معين: «لا صلى الله عليه، ذهب إلى الرقّة فحدَّث بخمسة
آلاف حدیث، أخطأ في ثلاثة آلاف!»
ولشدة طعن ابن معين على إسماعيل هذا، لم يحدِّث إسماعيل حتى مات ابن معين.
وقد كان شديد التعصّب للسنة حتى نُقل عنه أنه «من شدّة إدلاله بالسنة - تشاوفه بكونه سنياً - كان يقول: لو تكلَّمت بغلتي لقالت: إنها سنيّة».
أقول: والحقُّ ما قال، وإلا فكيف تكون بغلة؟!! فإن التشيُّع علامة الفهم والبغال لا فهم لها.
ولعلَّ شدّة تعصُّبه لمذهبه، حتى أخطأ في ثلاثة آلاف حديث من أصل خمسة آلاف، هو الذي رفع من عندهم وأوجب وصفهم له بأنه «صاحب سنة»!!
روى عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأبو داود والنسائي والترمذي والدارقطني، وغيرهم من أهل السير والتواريخ.
وعلى كلِّ حال، فنحن معاشر الشيعة نُجل أنفسنا عن قبول روايات من يدين بدين البغال؟!!
3 - إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس بن عبد الله الأصبحي:
قال ابن حجر في تهذيبه: «قال معاوية بن صالح عنه: هو وأبوه ضعيفان.. عن ابن معين: إبن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث.. عن يحيى: مخلط يكذب ليس بشيء.. وقال الدولابي في الضعفاء: سمعت النصر بن سلمة المروزي يقول: إبن أبي أويس كذاب.. وقال العقيلي في
الضعفاء: حدثنا أسامة الرفاف البصري، سمعت يحي بن معين يقول: إبن أبي أويس يسوى فلسين.. عن عبد الله بن عبيد الله العباسي صاحب اليمن أن إسماعيل ارتشى من تاجر عشرين ديناراً حتى باع له على الأمير ثوباً يسوى خمسين بمائة.. قال لي سلمة بن شبيب سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم».
ثم قال بعد نقله لكل هذه الفضائح عن إسماعيل هذا: «والبخاري يحدث عنه الكثير»، وحاول أن يعتذر للبخاري عن روايته عن هذا الساقط الكذاب الوضَّاع بقوله: «ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته - أي أيام شبابه - ثم انصلح»(1).
أقول: ولعله لم ينصلح وبقي كذلك إلى شيبته، ولكن أكثر البخاري الرواية عنه وعن أمثاله لأن (الطيور على أشكالها تقع).
وهل لقوله (لعله انصلح) خصوصية في المقام، أم أنه يجري في حق كل كذاب وضاع أكثر البخاري من الرواية عنه؟!!
وهل يقبل عاقل ديناً بُني على ليت ولعل؟!! ولنعم ما قال الشاعر: (ليت وهل يَنفع شيئاً ليتُ؟!!).
روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.
وعلى كلِّ حال، إن كان بنظر العامة أنفسهم يسوى فلسين، فما تكون عند الشيعة قيمته وقيمة من أكثروا الرواية عنه وأخذوا دينهم منه
1) تهذيب التهذيب لابن حجر 1: 271
یا تری؟!!
4 - أحمد بن عيسى المصري:
حلف يحيى بن معين بالله الذي لا إله إلا هو إنه كذّاب(1).
وعن سعيد بن عمر البرذعي عن أبي زرعة قال: «ما رأيت أهل يشكّون في أنه.. وأشار إلى لسانه كأنه يقول الكذب»(2).
روى عنه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم الكثير.
أقول: صار الحال معلوماً مما تقدم فلا حاجة بنا إلى التعليق.
مناقشة أسانيد روايات الآخر من ذي الحجة
وبعد هذه المقدمة حول كتب العامة وصحاحهم وتواريخهم ومدى إمكانية الاعتماد عليها، نرجع إلى ذي المقدمة وهو رواياتهم الدالة على أن موت عمر كان في الآخر من ذي الحجة فنقول:
هذه الروايات كلها ساقطة عن الحجية والاعتبار، سنداً ومتناً، لنبدأ ببیان سقوطها عن الاعتبار سنداً:
قال: «أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه قال طعن عمر بن الخطاب يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ودفن يوم الأحد..»(1).
أقول: حاصلها أنه مات إما لسلخ ذي الحجة أو في التاسع والعشرين منه.
أولاً: إن إسماعيل بن محمد بن سعد - الذي ينتهي به سند الرواية -
1) الطبقات الكبرى 3: 365
مات سنة 134 هجرية(1)، وعمر بن الخطاب مات سنة 23 هجرية، فيكون بين موته وموت عمر 111 سنة تقريباً، فلا تصح روايته لتاريخ موت عمر مباشرة من غير واسطة، ومع عدم ذكر الواسطة في سند الرواية تكون الرواية مرسلة وبالتالي ساقطة عن الحجيّة.
ثانياً: إن محمد بن عمر المذكور في أول السند هو الواقدي المشهور شيخ ابن سعد وأستاذه، ومع استعراض آراء علمائهم فيه يتضح حال الرواية:
قال إمامهم البخاري: «محمد بن عمر الواقدي قاضي بغداد عن مالك ومعمر متروك الحديث مات سنة تسع ومائتين أو بعدها بقليل»(2).
وقال إمامهم النسائي: «محمد بن عمر الواقدي متروك الحديث»(3).
وقال إمامهم الذهبي: «قال أحمد بن حنبل: هو كذاب، يقلب الأحاديث»(4).
وقال المغيرة بن محمد المهلبي: «سمعت ابن المديني يقول: الهيثم بن عدي أوثق عندي من الواقدي، لا أرضاه في الحديث، ولا في الأنساب، ولا في شيء.
وقال إسحاق بن الطباع رأيت الواقدي في طريق مكة يسيئ
الصلاة»(1).
قال إمامهم ابن حبان: «سمعت محمد بن المنذر، سمعت عباس بن محمد، سمعت يحيى بن معين يقول: الواقدي ليس بشئ.
أخبرني محمد بن عبد الرحمن سمعت أبا غالب ابن بنت معاوية بن عمرو، سمعت علي بن المدينى يقول: الواقدي يضع الحديث»(2).
قال إمامهم أبو حاتم الرازي: «أخبرنا عبد الرحمن أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: كُتب الواقدي كذب»(3).
أقول: خلاصة آرائهم فيه: أنه ليس بشيء، يضع الحديث، كذاب، كتبه كذب، يقلب الأحاديث، لا يعتمد عليه في الحديث ولا في الأنساب ولا في شيء، متروك الحديث!!
فهل يجوز لأحد من حاله كما المسلمين أن يعتمد على رواية من تری؟!!
قال الطبري: «حدثني سلمة بن جنادة قال: حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثنا أبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة - وكانت أمه عاتكة بنت عوف - قال: .. ثم توفي - عمر - ليلة الأربعاء
لثلاث ليال بقين من ذي الحجة..»(1).
أولاً: يكفي في بطلان هذه الرواية اشتمال سندها على (المسور بن مخرمة) ابن أخت عبد الرحمن بن عوف، وقد كان من أعداء(2)علي علیه السلام، و عن الزبير بن بكار أن الخوارج كانت تغشاه وينتحلونه(3)، وعن عروة قوله: «لم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلّى عليه»(4)، وكان ممن يلزم عمر بن الخطاب(5)، ثم صار من خواص ابن الزبير المعروف بنصبه حتى أن ابن الزبير [كان لا يقطع أمراً دون المسور بمكّة](6)، وهو الذي وضع حديث (خطبة علي علیه السلام من بنت أبي جهل).
ومن الغريب ما رواه مسلم في صحيحه من قول المسور بن مخرمة في خطبة عليٍّ بنت أبي جهل: «.. فسمعت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وهو
1) تاريخ الطبري 3: 265
2) روى الشيخ الطوسي رحمه الله في (الأمالي): 730، بإسناده عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: «لما ولي علي ابن أبي طالب علیه السلام أسرع الناس إلى بيعته، المهاجرون والأنصار [إلى أن قال] وكان علي بن أبي طالب علیه السلام أكثر ما يسكن القناة، فبينا نحن في المسجد بعد الصبح، إذ طلع الزبير وطلحة فجلسا في ناحية عن علي علیه السلام، ثم طلع مروان وسعيد وعبد الله بن الزبير والمسور بن مخرمة فجلسوا، وكان علي علیه السلام جعل عمار بن ياسر على الخيل، فقال لأبي الهيثم بن التيهان ولخالد بن زيد أبي أيوب ولأبي حية ولرفاعة بن رافع في رجال من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: قوموا إلى هؤلاء القوم فإنه قد بلغنا نكره من خلاف أمير المؤمنين إمامهم والطعن عليه، وقد دخل معهم قوم من أهل الجفاء والعداوة وإنهم سيحملونهم على ما ليس من رأيهم..»
3) سير أعلام النبلاء للذهبي 3: 391
4) سير أعلام النبلاء للذهبي 3: 392
5) تهذيب التهذيب 10: 137
6) سير أعلام النبلاء للذهبي 3: 393
يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا هذا وأنا يومئذ مُحتِلم..»(1)، مع أنهم اتفقوا على أنه ولد بعد الهجرة بسنتين، فيكون عمره عند وفاته صلی الله علیه وآله وسلم ثماني سنوات كما صرَّح به المزي في تهذيبه(2)، فكيف يكون قد رأى النبي صلی الله علیه وآله وسلم وهو محتِلم أي بالغ مبالغ الرجال؟!!
ولذا قال إمامهم ابن حجر معلِّقاً على هذا الحديث: «.. وهذا يدل ولد قبل الهجرة ولكنهم أطبقوا على أنه ولد بعدها!»(3).
أقول: لما كان بغضه لأمير المؤمنين علي علیه السلام يمنعه من الاعتراف بكذب الرواية وكونها من موضوعات بعض أعداء علي علیه السلام كابن مخرمة، عمد إلى توجيه كلمة (محتلم) بأنها [من الحلم - بالكسر - لا من الحُلُم بالضم، يريد أنه كان عاقلا ضابطاً لما يتحملَ(4)] فلا يتنافى مع كونه ابن أقل من ثماني سنوات، إذ كون ابن أقل من ثماني سنوات عاقلاً ضابطاً وإن كان أمراً قليلاً ومن الندرة بمكان ولكنه ليس ممتنعاً من كالأول.
أقول: لو فسره بالشيطنة والخبث لكان أنسب، وإلا فأي عقل يدعو صاحبه إلى اختلاق أسطورة تكون إهانة للنبي صلی الله علیه وآله وسلم ولأمير المؤمنين علیه السلام و للبضعة الطاهرة الزهراء علیها السلام؟!!
ويا ليته جاء بشاهد واحد من الكتاب والسنة، أو من كلام العرب استعملت فيه كلمة (محتلم) بمعنى (العاقل الضابط)، ونحن نطالب
أعداء علي علیه السلام الذين هم في مسور وابن حجر أن يأتوا ولو بشاهد واحد من لغة العرب على ذلك.
أو يعترف الكل بأن بغض أمير المؤمنين علیه السلام قد أثَّر في جميع العلوم حتى في اللغة العربية.
وثانياً: إن سلمة بن جنادة لم يوثقه أحد، إلا أن ابن حبان ذكره في كتاب (الثقات)، ومن عرف منهج ابن حبان في كتابه عرف أنه لا قيمة لذكره للرجل في كتابه، وأنه لا يدل على الوثاقة بوجه.
وليُرجع في ذلك إلى ما ذكره محقق كتاب (المعجم الكبير) للطبراني في حق ابن حبان(1).
وثالثاً: إن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف مهمل مثل ابنه، ولو لم يرث سوى قطرة من بحر نفاق أبيه لكفى في ضعفه.
ورابعاً: إن سليمان بن عبد العزيز مجهول لم يوثَّق، ولا يبعد أن يتوارث شيئاً من نفاق جدّه وأبيه.
وخامساً: إن عبد الله بن جعفر - في هذه الطبقة - مشترك بين أشخاص فيهم المجهول والضعيف.
وسادساً: إن اشتراك عبد الله يسري إلى أبيه، ويتفرع عليه جهالته أو ضعفه.
فالرواية مهملة مجهولة عندهم، وضعيفة ثابتة الوضع عندنا، وعلى كلا
1) المعجم الكبير 1: 12 - 16 (تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي)
الاحتمالين فهي ساقطة عن الاعتبار والحجية.
قال: «حدثني أحمد بن ثابت الرازي قال: حدثنا محدثٌ، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة»(1).
مناقشة سند الرواية:
وفيه أولاً: أن نقل الطبري المتوفى سنة 310 ه رواية قتل عمر بأربع وسائط محال عادة، ففي الرواية وسائط ساقطة، وعليه فتكون الرواية مرسلة ساقطة عن الاعتبار.
وثانياً: أن أحمد بن ثابت لم يوثَّق.
وثالثاً: أن أحمد ثابت حدث عن محدِّثٍ، ولم يذكر اسمه حتى بن يُبحث عن وثاقته أو ضعفه، فالسند إذن مجهول.
وأما إن كان مراده من كلمة (محدث) إسم علم لشخص، فهو مهمل لم يذكر في كتب رجالهم، فالسند مهمل.
ورابعاً: أن إسحاق بن عيسى مشترك بين كثيرين.
وخامسا: أن نصر بن طريف قال واصفاً أبا معشر: «أبو معشر أكذب
1) تاريخ الطبري 3: 266
من في السماء والأرض»(1).
أقول: يظهر أن نصراً هذا يعتقد أن أبا معشر أكذب من إبليس إذ لا نعلم في السماء كذّاباً غيره!!
وروى إمامهم أبو حاتم الرازي بإسناده عن عمرو بن علي قال: «كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن أبي معشر، ويضعفه ويضحك إذا ذكره»(2).
وقال العقيلي: قال البخاري: «أبو معشر منكَر الحديث»(3).
ونقل الذهبي، والمزي، وابن حجر عن إمامهم أحمد أنه قال في حق أبي معشر: «حديثه عندي مضطرب»(4).
والخلاصة: أن الرواية ساقطة سنداً من عدّة جهات.
قال: «وأما المدائني فإنه قال - فيما حدثني عمر عنه - عن شريك، عن الأعمش أو عن جابر الجعفي، عن عوف بن مالك الأشجعي وعامر بن أبي محمد، عن أشياخ من قومه وعثمان بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب الزهري قالوا: طعن عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة وقال غيرهم لست بقين منه»(5).
أقول: سند هذه الرواية مشتمل على خلط شديد، والظاهر أن جملة «أو عن جابر» عُطفت على «الأعمش»، بمعنى أن شريكاً نقل عن أحدهما، إما عن الأعمش وإما عن جابر، ثم هما يرويان عن عوف بن مالك وعن عامر بن أبي محمد عن أشياخ من قومه.
وحاصله: انتهاء السند إلى «أشياخ من قومه»، وهؤلاء الأشياخ لم تُذكر أسماؤهم حتى نبحث عن وثاقتهم أو ضعفهم، فالسند مجهول الحال بجهالة أشياخ قومه.
وأما قوله: «وعثمان بن عبد الرحمن عن ابن شهاب الزهري» فالظاهر كونه عطفا على قوله «وعامر بن أبي محمد» وعليه فيسري إليه كل علة في صدر السند، مضافا إلى علته من جهة عثمان بن عبد الرحمن.
لأن عثمان بن عبد الرحمن هذا هو الوقاصي، وقد قال عنه إمامهم النسائي: «متروك الحديث»(1).
وقال العقيلي: «عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي الزهري، حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا عباس قال: سمعت يحيى بن معين يقول: عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي ضعيف.
وقال في موضع آخر: ليس بشئ.
حدثني آدم بن موسى قال: سمعت البخاري قال: عثمان بن عبد
1) كتاب الضعفاء والمتروكين: 215
الرحمن الوقاصي تركوه»(1).
وأما الزهري فهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري(2)وقد كان عاملاً لبني أمية، ومن المنحرفين عن أمير المؤمنين علیه السلام، وكان مع عروة بن الزبير يجلسان في مسجد النبي صلی الله علیه وآله وسلم وينالان من علي علیه السلام، وعدَّه الشيخ الطوسي رحمه الله(3)من أعداء أهل البيت علیهم السلام، وقد أثنى عليه العامة كثيراً لذلك، والحاصل أنه غير موثوق به.
وعليه فالرواية مجهولة ضعيفة السند عندهم من جهات عديدة، ولا يمكن الاعتماد عليها، وهي موضوعة عندنا، كيف لا، والراوي المباشر للحديث هو ابن شهاب الزهري الناصبي الأموي؟!!
قال الطبري: «وأما سيف، فإنه قال فيما كتب إليَّ به السري يذكر أن شعيباً حدثه عنه عن خليد بن ذفرة ومجالد قال: استخلف عثمان لثلاث مضين من المحرم»(4).
أقول: هذا السند وأمثاله - وهو السري عن شعيب عن سيف - الذي ملأ الطبري كتابه به من أهم الأسباب التي أسقطت كتابه عن الاعتبار عند
المحققين كما يظهر ممَّا ذكره العلامة الأميني رحمه الله في كتاب (الغدير) وغيرُه.
وللننقل هنا نص عبارة العلامة الأميني فهي كافية ووافية، قال رحمه الله: «قال ابن حبان: كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الأثبات، وقال: قالوا: إنه كان يضع الحديث واتهم بالزندقة(1).
وقال الحاكم: اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط(2)، وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يُتابع عليها(3).
قال البرقاني عن الدارقطني: متروك، وقال ابن معين: ضعيف الحديث فُليسٌ - تصغير فلس - خير منه(4).
وقال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي(5).
وقال أبو داود: ليس بشيء(6)، وقال النسائي: ضعيف(7).
وقال السيوطي: وضاع، وذكر حديثاً من طريق السري بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف فقال: موضوع فيه ضعفاء أشدهم سيف»(8).
1) كتاب المجروحين 1: 345، وعبارة ابن حبان هكذا: «سيف بن عمر الضبي الأسيدي أهل البصرة، اتَّهم بالزندقة، يروي عن عبيد الله بن عمر، روى عنه المحاربي، من الكوفة يروَي الموضوعات عن الأثبات، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام ببيروت، سمعت جعفر بن أبان يقول: .. وكان سيف يضع الحديث، وكان قد اتُّهِم بالزندقة»
2) تهذيب التهذيب 4: 260
3) الكامل 2: 62
4) تهذيب التهذيب 4: 259
5) الجرح والتعديل 4: 278
6) تهذيب التهذيب 4: 259
7) كتاب الضعفاء والمتروكين: 187
8) الغدير 8: 84
وحاصله: إثبات زندقة سيف، وكونه كذاباً وضاعاً لا يُعبأ به في الحديث ولا يُعتمد على روايته في شيء.
قال الطبري: «كتب إليَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي قال: اجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث مضين من المحرم..»(1).
أقول: ولازمه وقوع موت عمر قبله بثلاثة أيام، للاتفاق على اتصال أيام الشورى بموته، وأن الفصل بين موته وبين اختيار عثمان لم يكن أزيد من ثلاثة أيام، فيكون موت عمر في آخر ذي الحجة.
والبحث فيه مثل سابقه بلا تفاوت، فالرواية ساقطة عن الاعتبار كسابقاتها.
وقد تبين مما ذكرنا حال رواياتهم التي استندوا إليها في اتفاقهم على كون موت عمر في الآخر من ذي الحجة.
ولعل هذا هو السبب في أن كثيراً من مؤرخيهم وأصحاب السير عندما تعرّضوا لذكر الروايات الدالة على كون قتل في الآخر من ذي الحجة حذفوا الأسناد وروَوها مرسلة، لِما رأوا من الفضيحة في عندهم عمر ذكر أسانيدها.
1) تاريخ الطبري 3: 266
يظهر من خلال التأمل في مضامين روايات قتل عمر الواردة من طرق العامة وجود تناقضات وأموراً غير معقولة تدل على كونها موضوعة، وإليك بعضها:
1- تعارض الروايات المتفقة على وقوع القتل في ذي الحجة في تعيين اليوم الذي وقع الطعن فيه، فقد ورد أنه ليومين أو لثلاث(1)أو لأربع(2)أو لست أو لسبع(3)أو لتسع(4)بقين من ذي الحجة.
2 - تعارض الروايات أيضاً في يوم موته أنه في آخر ذي الحجة أو لأربع(5)أو لثلاث(6)، أو لتسع بقين منه(7)، والكل يقول: إنه كان يوم الأربعاء!!!
3 - تعارض الروايات التي ذكرت عدد طعنات أبي لؤلؤة رحمه الله لعمر بن الخطاب، أنها طعنة واحدة(8)أو طعنتان(9)أو ثلاث طعنات(10)أو
1) تاريخ خليفة بن خياط: 109، والتعديل والتجريح 3: 1054، وتاريخ مدينة دمشق 44: 14
2) التاريخ الكبير للبخاري 6: 138، ومسند إمامهم أحمد 1: 49
3) تاریخ مدينة دمشق 13:44
4) راجع (مجمع الزوائد 9: 79) للهيثمي، حيث قال: «وطعن يوم الأربعاء لتسع بقين من ذي الحجة»، والمعجم الكبير 1: 70
5) السنن الكبرى 8: 150، والمعجم الكبير 1: 70، وتاريخ خليفة بن خياط: 109
6) مجمع الزوائد 9: 79، وقال: رواه الطبراني
7) المعجم الكبير 1: 70
8) الطبقات الكبرى 3: 348
9) المصنف لابن أبي شيبة 8: 579، وفتح الباري 7: 50، والآحاد والمثاني 1: 108، وتاريخ المدينة 3: 894
10) نيل الأوطار 6: 160، والمصنف لابن أبي شيبة 8: 579، وغيرهما
ستة ضربات(1)أو طعنات من دون تحديد عددها(2).
4 - تعارض الروايات التي ذكرت عدد من طعنهم أبو لؤلؤة رحمه الله بعد ما بقر بطن عمر بن الخطاب أنه طعن نفراً(3)، أو رهطاً(4)، أو أحد عشر رجلا(5)، أو اثني عشر رجلا(6)، أو ثلاثة عشر رجلا(7)، أو سبعة عشر(8).
5 - تعارض الروايات التي ذكرت عدد الذين ماتوا من جراء طعن أبي لؤلؤة رحمه الله لهم، أنهم: اثنان(9)أو خمسة أو ستة أو سبعة أو تسعة(10).
6 - تناقض الروايات في كيفية قتل أبي لؤلؤة رحمه الله عمر: ففي بعضها أن عمر كان يوقظ الناس للصلاة فوثب عليه أبو لؤلؤة رحمه الله وطعنه(11)، وفي بعضها «فأقبل وقد أقيمت الصلاة، فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فناجاه غير بعيد، ثم طعنه»(12)، وفي بعضها «فلما كبَّر طعنه في كتفه وفي خاصرته فسقط»(13)، وورد غير ذلك أيضا.
1) تاريخ الطبري 3: 264
2) تاریخ مدينة دمشق 44: 413
3) الطبقات الكبرى 3: 346
4) الطبقات الكبرى 3: 347
5) شرح النهج لابن أبي الحديد 21: 185
6) تاريخ المدينة لابن شبة 3: 897 و 900
7) بغية الباحث: 185، والطبقات الكبرى 3: 341، وتاريخ المدينة 3: 898 و 899
8) تاريخ المدينة لابن شبة 3: 901
9) فتح الباري 7: 50
10) تاريخ المدينة لابن شبة 3: 900 - 901
11) فتح الباري 7: 50، وكنز العمال 12: 682، والطبقات الكبرى 3: 345، وتاريخ مدينة دمشق 44: 413
12) تاريخ المدينة 3: 896، وبغية الباحث: 185، والطبقات الكبرى 3: 341
13) فتح الباري 7: 50، وسنن البيهقي 4: 16، وانظر 8: 48، ومجمع الزوائد 9: 76
7 - لما قال أبو لؤلؤة رحمه الله عمر إنه سيصنع أهل الأمصار، ففي بعض الروايات: «فأقبل عمر على من معه فقال: توعدني العبد»(1)، وفي بعضها: «ففزع عمر من كلمته - وعلي معه - فقال: ما تراه أراد؟ قال: أوعدك»(2)، وفي بعض الروايات غير ذلك أيضا.
8 - تناقض الروايات في تحديد خراج أبي لؤلؤة رحمه الله، ففي بعضها أن المغيرة جعل له خراجاً ستين درهماً في كل يوم درهمين(3)وفي بعضها مائة درهم في كل يوم أربعة دراهم(4)، وفي بعضها مائة وعشرين درهماً في كل يوم أربعة دراهم(5)، وفي بعضها ديناراً(6)، كل ذلك ورد في رواياتهم.
9 - اعتراف الصحابة كلهم بإسلام بنت أبي لؤلؤة لإجماعهم على طلب الاقتصاص من عبيد الله بن عمر لقتله لها، وأنكر المؤرخون من العامة إسلام أبي لؤلؤة رحمه الله، مع أنه لا وجه للحكم بإسلامها إلا تبعيّتها لأبيها!! فالجمع بين إسلام التابع وكفر المتبوع مناقضة، وسيأتي تفصيله.
10 - يظهر من بعض الروايات أن عمر عرف قاتله عندما طعنه ولذلك جاء في بعضها أنه قال: «قتلني الخبيث»(7)، وفي بعضها: «قتلني
1) فتح الباري 7: 50، ونيل الأوطار 6: 161، والمصنف للصنعاني 5: 475، والطبقات الكبرى 3: 345
2) كنز العمال 12: 684، والطبقات الكبرى 3: 347، وتاريخ مدينة دمشق 44: 409، وأسد الغابة 4: 79
3) تاريخ الطبري 3: 263
4) كنز العمال 12: 682، و شرح النهج لابن أبي الحديد 12: 185
5) كنز العمال 12: 684، والطبقات الكبرى 3: 347
6) الثقات لابن حبان 2: 237
7) الثقات لابن حبان 2: 238
الكلب أو قال: أكلني الكلب»(1)، وفي بعضها «دونكم الكلب»(2).
والبعض الآخر يدل على أنه لم يعرف من قتله، ولذلك جاء في بعض الروايات أنه لما أفاق من غشيته سأل الحاضرين عمن قتله فأجابوه أنه أبو لؤلؤة رحمه الله(3)، وفي بعضها أنه أرسل ابنه عبد الله ليسأل الناس عمَّن قتله(4)، وفي بعضها الآخر أرسل ابن عباس ليسأل الناس عن ذلك(5).
ویکفي شاهداً على وضع ويكفي هذه الروايات أن الصحاح منها - باعتقادهم - متفقة على أن ابن عباس كان يصلي يومها خلف عمر مباشرة(6)، وفي نفس هذه الصحاح يقول عمر لابن عباس: «يابن عباس: أنظر من قتلني؟ فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة»(7).
فكيف وقف ابن عباس خلف عمر مباشرة، ولم يرَ القاتل، مع راوي الرواية الذي كان واقفا خلف ابن عباس رأى أبا لؤلؤة رحمه الله وعرفه(8)؟!! ولكن لا حافظة لكذوب.
1) صحيح البخاري 204:4
2) فتح الباري 7: 50، وبغية الباحث: 185، وكنز العمال 12: 679، والطبقات الكبرى 3: 341، وتاريخ المدينة 3: 897
3) المدونة الكبرى لإمامهم مالك 2: 9، وفتح الباري 7: 51، وإرواء الغليل للألباني 6: 129، وكنز العمال 12: 695، وتاريخ المدينة لابن شبة 3: 903
4) تاريخ الطبري 3: 265، وتاریخ ابن خلدون 2: 125
5) صحيح البخاري 4: 205، والمصنف للصنعاني 5: 476، وسنن البيهقي 8: 47، ونيل الأوطار: 158، وغيرها
6) المصنف لابن أبي شيبة 8: 575، صحیح ابن حبان 15: 350، فتح الباري لابن حجر 7: 49، وغير ذلك من المصادر
7) المصادر السابقة
8) وهو عمرو بن ميمون كما في الطبقات الكبرى 3: 341، والإمامة والسياسة 1: 39، وغيرهما من المصادر
11 - دلالة بعض رواياتهم على أن عمر شهيد ومن أهل الجنة(1)، وتصريح روايات متواترة في كثير من كتبهم المعتبرة بأنه حينما اقترب خروج روحه ورأى مكانه في البرزخ كان يقول: «ليتني أخرج منها كفافاً لا أجر ولا وزر»(2)، ويقول أيضا: «ما أصبحت أخاف على نفسي إلا إمارتكم هذه»(3)، و«أن عمر بن الخطاب لم يتشهد في وصيته»(4)، وأنه قال لعبد الله ابنه: «ويل لي، ويل لأمي إن لم يغفر لي، لو أن لي ما على الأرض لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه»(5)، وأنه «أخذ نبتة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه النبتة، ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أك شيئاً، ليتني كنت نسياً منسيا»(6)، وقوله: «ولكن ويل لعمر من النار»(7)، وقوله: «ولكن شقي وقوله: ولكن شقي عمر إن لم يغفر الله له»(8)، إلى غير ذلك من العبارات الصريحة بأنه كان متيقناً أنه ليس من أهل النجاة عندما كُشف له عن عالم البرزخ.
12 - عدة من الروايات تتهم أبا لؤلؤة رحمه الله بالمجوسية، وأنه لم يسجد لله سجدة قط بتصريح من عمر.
1) التاريخ الكبير للبخاري 6: 139، وتاريخ مدينة دمشق 12:44
2) تاريخ المدينة 3: 915 و 916، وسنن البيهقي 10: 97، والطبقات الكبرى 3: 351
3) المصنف لابن أبي شيبة 8: 580، وكنز العمال 12: 677، والطبقات الكبرى 3: 355
4) الطبقات الكبرى 3: 357، وكنز العمال 12: 687
5) تاريخ المدينة 3: 909
6) تاریخ مدينة دمشق 313:44
7) تاريخ المدينة 3: 910
8) الأدب المفرد للبخاري: 244
ولكن دخوله في المسجد ووقوفه في الصف الأول ونجواه مع عمر هناك، وغير ذلك مما صرحت به رواياتهم يدلُّ على كونه مسلماً نظر الصحابة والتابعين ويكذِّب اتهامه بالمجوسية.
وسيأتي البحث المفصل حول إيمان أبي لؤلؤة رحمه الله فضلاً عن إسلامه بأدلة معتبرة من طرق الفريقين في رسالتنا الملحقة بهذا الكتاب (شهادة الأثر على إيمان قاتل عمر).
13 - جاء في بعض الروايات أن عمر قال: «إني رأيت كأن ديكا نقرني نقرةً أو نقرتين وإني لا أرى ذلك إلا لحضور أجلي»(1)، وفي بعضها: «إني رأيت في النوم ديكاً نقرني ثلاث نقرات حول سرتي»(2)، وفي بعضها الآخر: «.. فقالت: يا أمير المؤمنين رأيت في النوم كأن ديكاً نقرك ثلاث نقرات، فقال: فما أوَّلته يا خولة؟ قالت أولته أن رجلاً من العجم يطعنك ثلاث طعنات»(3).
14 - تناقض روايات مصير أبي لؤلؤة رحمه الله، ففي بعضها أن رجلاً اسمه حطان التميمي ألقى عليه برنساً(4)، وبعضها أن الذي طرح عليه البرنس هاشم بن عتبة(5)، وبعضها الآخر أنه عبد الله بن عوف(6)، وفي بعضها «رجل من
المسلمين»(1).
ثم إن بعض الروايات زعمت أن أبا لؤلؤة رحمه الله قتل نفسه(2)، وفي بعضها أن أبا لؤلؤة رحمه الله فرَّ من المسجد فخرج في طلبه رجل من بني تمیم فقتله(3)، وفي بعضها «وخرج أبو لؤلؤة على وجهه يريد البقيع، وطعن في طريقه اثني عشر رجلا، فخرج خلفه عبيد الله بن عمر، فرأى أبا لؤلؤة والهرمزان وجفينة.. فقتل عبيدُ الله أبا لؤلؤة والهرمزان وجفينة ثلاثتهم»(4).
أقول: تناقضات هذه الروايات كثيرة، ولكن نكتفي بذكر هذا المقدار تيمُّنا بعدد المعصومين الأربعة عشر صلوات الله وسلامه عليهم.
ولباب ما في هذا الكتاب أن رواية أحمد بن إسحق رحمه الله الناصَّة عدّة موارد منها على كون التاسع من ربيع الأول عيداً لكونه تاريخ قتل عمر بن الخطاب - من الجهات الفنية والأبحاث العلمية الكلاميّة - والأصوليّة والرجاليّة والفقهيّة وغيرها - مما الأخذ يتعين بها سنداً ومتناً، ولا يُنظر إلى أقوال بعض من أنكرها إذ لم يذكروا دليلهم أو استدلوا بروايات عامية، مضامينها متناقضة غير مقبولة، ومتونها غير معقولة، رواها مؤلفون عُلم سوء حالهم من تراجمهم التي مرت في طيات هذا الكتاب، عن رواة ضعفاء وضَّاعين كما نقلنا لك شيئاً من تراجمهم من كتبهم المعتمدة لديهم.
إن استيفاء البحث حول الجوانب المختلفة لشخصيّة أبي لؤلؤة رحمه الله والتعرُّض لكلِّ ما قيل فيها من قبل محبيها ومبغضيها يحتاج إلى بحث مفصل وكتاب مستقل.
وقد ألَّف بعض علمائنا في ذلك كتباً تفي بالمطلوب لمن أراد التوسُّع في ذلك:
منها: (الرسالة الفيروزيّة)(1)للميرزا عبد الله أفندي رحمه الله.
ومنها: رسالة (فضل عيد بابا شجاع الدين) للقاضي نور الله التستري أو للأمير السيد حسين المجتهد العاملي(2).
والذي نهدف إليه من رسالتنا هذه هو الإشارة إلى جانبين مهِمَّين من جوانب هذه الشخصيَّة العظيمة، وقع فيهما خلاف شديد على مرِّ التاريخ بين الشيعة - أعلى الله كلمتهم - ومخالفيهم.
أحدهما: ما اشتهر بين أبناء العامة ومؤرِّخيهم من اتهامه بالمجوسيّة(3)
1) مخطوطة موجودة عند بعض أهل العلم في قم المقدَّسة
2) فيض الإله في ترجمة القاضي نور الله قدس سرّه: 75
3) اشتهرت تهمة أبي لؤلؤة رحمه الله بالمجوسية بين علماء العامة ومؤرخيهم، ولكن يظهر من ابن كثير في (البداية والنهاية 7: 154) التشكيك في ذلك حيث قال: «فاتفق له أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الأصل الرومي الدار»، بل قد روي عندهم أن أبا لؤلؤة كان مجوسياً في أصله مما يدلّل على أنه قد تشرَّف بالإسلام بعد سكناه المدينة فراجع (المصنَّف) للصنعاني 5: 474
بل إن حزب عمر وأتباعه من بني أميّة الذين أمكنهم تشهير أن أمير المؤمنين علیه السلام لم يكن يُصلي، مما دعا أهل الشام عندما وصلهم خبر استشهاده علیه السلام في المحراب إلى القول: «وهل كان علي يُصلي؟!!»، لن يُعجزهم تشهير أن أبا لؤلؤة رحمه الله لم يسجد لله سجدة قط !!
، في مقابل اشتهار إيمانه، ومعروفيّة كونه من خُلَّص شيعة أمير المؤمنين علیه السلام بين الشيعة(3)أعزّهم الله.ثانيهما: مسيره ومصيره بعد قتله لعمر، حيث اختلفت أساطير المخالفين بين أنه قتل نفسه، أو قتله غيره، إلى غير ذلك مما ذكروه.
بينما المشهور عند الشيعة - أعزَّهم الله - أنه فرَّ وانتقل إلى كاشان - بإعجازٍ من أمير المؤمنين علیه السلام، ومات فيها وقبره هناك معروف يُزار.
1) المستدرك للحاكم النيسابوري 3: 91، وراجع بحار الأنوار 31: 118، وسفينة البحار 7: 561 عن رياض العلماء عن الذهبي، وغير ذلك من المصادر
2) ورد في كثير من روايات العامة قول عمر: «الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يخاصمني يوم القيامة في سجدة سجدها الله»، وغير ذلك من العبائر التي أريد منها إثبات كفر أبي لؤلوة. هذا، وليس اتهام العامة لأبي لؤلؤة رحمه الله بأنه لم يسجد لله سجدة قط، إلا كاتهامهم أبا طالب والد أمير المؤمنين علیهما السلام بأنه مات كافراً!! لا لشيء ولكن فقط وفقط لانتسابه إلى علي علیه السلام!! فكيف بأبي لؤلؤة رحمه الله الذي مضافاً إلى ارتباطًه القوي بعلي علیه السلام وكونه من خُلَّص شيعته، قتل إله آلهتهم وربَّ أربابهم ألا وهو عمر بن الخطاب!!
3) قال الميرزا عبد الله أفندي (رياض العلماء) 5: 507 والمعروف كون أبي لؤلؤة من خيار شيعة علي علیه السلام»
قد استدلَّ كلٌّ من الفريقين على مدَّعاه بأمور، ونحن نشيّد أولاً أدلة الشيعة على إيمانه، ثم نفنِّد مزاعم المخالفين حول مجوسيَّته وكفره.
وقبل ذكر الأدلة على كمال إيمان أبي لؤلؤة رحمه الله نشير إلى نكتة وجدانية في المقام تصلح بنظرنا كدليل، بل هي من أقوى الأدلّة على إیمانه رحمه الله، ولكن لما كان دليلنا عليها الوجدان وهو وإن كان أقوى من ألف برهان، إلا أنه لما كان يختص بنا وبمن يشاركنا في وجداننا هذا ولا يصلح لإلزام الخصم، فإننا نعتبرها على أقل تقدير مؤيداً قوياً لما إيمانه نعتقده - تبعاً لما هو معروف بين الشيعة أعزَّهم الله - من إيمانه رحمه الله.
أبو لؤلؤة رحمه الله محطِّم أكبر صنم في تاريخ البشرية(1)
إن الاعتبار العقلي والوجدان يساعدان على إيمان محطِّم أكبر صنم عرفته البشرية على طول التاريخ، وذلك أنه لم يوجد منذ أول يوم من أيام الدنيا وحتى يومنا هذا ولن يوجد صنم أكبر وأعظم من عمر بن الخطاب.
فهو عند أتباعه أكبر من كل شيء، من الإسلام والقرآن وأصول الدين
1) لا يخفى أن التحطيم الحقيقي لهذا الصنم لا يتحقق إلا بالقضاء على نهجه، وأن ذلك لن يكون إلا ييد إمامنا المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف الذي يقضي على بدع عمر ويحيي دين جده رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وإنما نظرنا في قولنا (أبو لؤلؤة رحمه الله ومحطم أكبر صنم) إلى الجنبة المادية الجسمانية لهذا الصنم فقط لا غير، فإن القضاء على هذا الصنم مادياً وتصفيته جسدياً بحد نفسه أيضاً توفيق كبير لا يُلقاه إلا ذو حظ عظيم
وفروعه، بل ومن جميع الأوصياء والأنبياء حتى النبي محمد صلی الله علیه وآله وسلم، بل ومن الله سبحانه وتعالى!!
والدليل على ذلك: أنه لم تعارض آراءُ عمر وأحكامُه شيئاً إلا قدموها عليه، سواء أكان المعارَض نصاً قرآنياً، أم حديثاً نبوياً صحيحاً صريحاً، أم مسألة عقلية بديهية، أم حكماً عرفياً متفقاً عليه عند جميع العقلاء.
فهو إله آلهتهم ورب أربابهم، ولا يوجد صنم أفرط أتباعه في تعظيمه وتقديسه كما أفرط أتباع عمر في ذلك، ولم يغالِ الناس في حق موجود على الإطلاق كغلوِّ أتباع عمر في حقه.
مضافاً إلى أنه لم يوجد صنمٌ يعبده ملايين الناس طيلة ألف وأربعمائة سنة بل وحتى ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف في آخر الزمان، فكل من نعرفه من الأصنام البشرية وغيرها كانت مدة تأليهه أقصر، وعدد أتباعه أقل من عمر.
والأدلة على ما ذكرنا كثيرة، لا تخفى على الناظر في كتبهم المعتبرة عندهم - لا سيما الفقهية منها - وليس هنا محلّ التعرض إليها، ولكن حسبك من ذلك تحريمه للمتعتين - متعة النساء ومتعة الحج - وابتداعه الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد وبغير شهود، وابتداعه صلاة النافلة جماعة - المعروفة بصلاة التراويح - وإرجاعه مقام إبراهيم علیه السلام إلى حيث كان في الجاهلية، وتحويله مبدأ السنة الهجرية من ربيع الأول - تاريخ الهجرة النبوية المباركة الذي عينه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مبدءاً للتأريخ الإسلامي - إلى المحرَّم كما كان عليه في الجاهلية، إلى غير ذلك من بدعَه التي وقف فيها
في قبال الله ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم علناً وجهاراً.
كيف لا، وهو المكذب صريحاً لقوله تعالى في حق نبيِّه صلی الله علیه وآله وسلم: «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَمَا غَوى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يوحى»(1)بكلمته المشهورة: إن الرجل ليهجر!!
وكيف لا، وهو المكذب صريحاً لقول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله» - عندما قالت له فاطمة علیها السلام: «أو محرق عليَّ بيتي يا بن الخطاب؟!» وقال له الناس: «إن في البيت فاطمة» بقوله: وإن.
وكيف لا، وهو القائل - بعد اعترافه صريحاً بأن المتعتين هما مما جاء بهما محمد صلی الله علیه وآله وسلم من عند الله عز وجل وعمل بهما الصحابة في زمن رسول الله وأبي بكر وبرهة من زمن عمر -: أنا أحرِّمهما!!
وكيف لا، وهو القائل صريحاً بعدما ابتدع صلاة التراويح مفتخراً ببدعته: بدعة ونعمت البدعة!!
ثم إنا نرى أن أهل السنة في جميع هذه الموارد تركوا قول الله وسنة رسوله صلی الله علیه وآله وسلم واتّبعوا عمرا!!
هذا وقد مُلئَت كتب علمائنا الكلامية ببيان بدع الخلفاء الثلاثة - لا سيما عمر - ومخالفاتهم الصريحة لله ولرسوله صلی الله علیه وآله وسلم، فمن أراد التوسُّع في الاطلاع على مخالفات عمر الصريحة لله ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم فليراجع كتاب
1) النجم: 2 - 4
(الإيضاح) للفضل بن شاذان القمي رحمه الله، وكتاب (الإستغاثة من بدع الثلاثة) وكتاب (تقريب المعارف) - للعلامة المؤرِّخ علي بن أحمد الكوفي رحمه الله، وکتاب (تقریب المعارف) - باب النكير - لأبي الصلاح الحلبي قدس سرّه، وكتب فريد عصره السيد عبد الحسين شرف الدين تثل ككتابي (النص والاجتهاد) و(المراجعات)، وكتاب (الغدير) للعلامة الأميني قدس سرّه، وكتاب (سبعة من السلف) للفيروزآبادي قدس سرّه، وغيرها من الكتب.
وبالتأمل فيما ذكرناه من موارد تعارض قول عمر أو فعله مع قول الله تعالى ونص القرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة، ثم اتفاق أهل السنة بل إجماعهم على الأخذ بقول في تلك الموارد كلِّها ونبذ القرآن عمر الكريم والسنة النبوية المباركة وراء ظهورهم يتضح جلياً معنى قولنا: إن عمر ابن الخطاب أكبر صنم عرفه تاريخ البشرية.
وكيف لا يكون عمر كذلك بالنسبة لأتباعه والله تعالى يقول في كتابه الكريم «اتَّخَذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْباباً مِن دونِ الله.. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا واحداً..»(1)، فنسب بني إسرائيل إلى عبادة أحبارهم ورهبانهم واتخاذهم لهم آلهة مع اتفاق المفسرين والمؤرخين من الفريقين تبعاً لما استفاضت به الرواية عندهم على أنهم ما كانوا يصلّون لهم ولا يصومون، ولكن أحلوا لهم حراماً وحرَّموا عليهم جلالاً فاتَّبعوهم، فعدَّ الله اتِّباعهم لهم في غير الحق وإطاعتهم لهم في معصية الله عبادة وتربيبا(2).
ومثل هكذا لا صنم يوفَّق لكسره وتحطيمه إلا من أكرمه الله واختصه
برحمته الخاصة وفضله الذي يؤتيه من يشاء من عباده.
بل الظاهر عندنا، أن أبا لؤلؤة رحمه الله كان في إقدامه على هذا العمل تحت رعاية أمير المؤمنين علي علیه السلام وإرشاده، ولو بواسطة الهرمزان وجماعته الذين كانوا من خلص شيعة مولانا أمير المؤمنين علیه السلام.
فكون القتل بإشارته علیه السلام، يوجب أن يكون هو الكاسر الأصلي لهذا الصنم بالتسبيب والإشارة، وأبو لؤلؤة رحمه الله بالمباشرة.
ومع ذلك، فمهمَّة أبي لؤلؤة رحمه الله لا يُلقّاها إلا ذو حظ عظيم، إذ على يديه جرى أعظم عمل ونُفِّذت أكبر مهمة لم يعرفها العالم قبله ولن يعرفَها بعده، ألا وهي ما أشرنا إليه من (كسر أكبر صنم عرفه التاريخ).
وهذا الدليل يكشف عن اتصاف أبي لؤلؤة رحمه الله بأرفع المقامات التي لا يوفَّق للوصول إليها إلا الخلَّص من المؤمنين.
ولنشرع الآن بذكر الأدلة على إيمان أبي لؤلؤة رحمه الله.
إن من راجع تلك الرواية الشريفة يرى أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وصف قاتل عمر بأوصاف كثيرة وجليلة تدل على وصوله إلى أعلى مراتب ،الإيمان، وإليك بعضها:
1 - هو الذي بيده أهلك اللهُ عدوَّه وعدوَّ رسوله صلی الله علیه وآله وسلم.
2 - هو الذي على يده استجاب الله دعاء الصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء علیها السلام.
3 - هو الذي صدق قوله تعالى: «فَتِلْكَ بُيوتُهُمْ حَاوِيَةٌ بِما ظَلَمُوا».
4 - هو الذي كسر شوكة مبغضِ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.
5 - هو الذي به نسف الله فرعون أهل بيت النبي صلی الله علیه وآله وسلم وغاصب حقهم ومن انتهك حرمتهم.
6 - هو الذي قتل جبت المنافقين ورئيسهم.
7 - هو الذي أقر الله به عين الرسول صلی الله علیه وآله وسلم.
8 - هو الذي نفَّس الله به كربة أهل البيت علیهم السلام.
9 - هو الذي أخذ بثارات أهل البيت علیهم السلام.
10 - هو الذي نزع السواد عن أهل البيت علیهم السلام وعن أتباعهم.
11 - هو الذي نفى الهموم عن أهل البيت علیهم السلام.
12 - هو الذي أدخل السرور على شيعة أهل البيت علیهم السلام.
13 - هو الذي أحدث عيداً لأهل البيت علیهم السلام.
14 - هو الذي أدخل السرور على أهل البيت علیهم السلام.
15 - هو الذي قهر عدوَّ أهل البيت علیهم السلام.
16 - هو الذي هدم الضلال.
17 - هو الذي أراح المؤمنين.
18 - هو الذي أذاع سرَّ المنافقين.
19 - هو الذي نصر المظلوم.
20 - هو الذي كشف البدع.
إلى غير ذلك من الصفات التي وردت في رواية أحمد بن إسحق القمي رحمه الله.
فكون أبي لؤلؤة رحمه الله واسطةً في تحقيق أكبر المهمات، وكشف أعظم الكُرُبات، وتصديق جملة من الآيات، وتخصيصه دون غيره بهذه المكَرُمات، دليل ينادي بعلو الدرجات، وعظيم منزلته عند أهل البيت علیهم السلام، وقبول عمله من الله تبارك وتعالى «إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقينَ».
ولا يخفى أن هذا الاعتناء الشديد من النبي صلی الله علیه وآله وسلم بذكر كلّ هذه الألقاب الدينية لأبي لؤلؤة رحمه الله، وبيانه لتحقق كل هذه المهمات الجليلة على يديه - والتي لو لم يكن منها سوى أنه أسعد قلب الزهراء علیها السلام، بقتله من صدرت منه تلك الجنايات العظيمة في حقِّها، من كسر ضلعها، وإسقاط جنينها، وإحراق باب بيتها وغير ذلك، لكفى - يكشف عن أنه صلی الله علیه وآله وسلم لما كان عالماً بأن قاتل عدوِّه وعدوِّ أهل بيته علیهم السلام ستُجيَّش الجيوش وتُسخَّر الأقلامُ وتوضع الروايات في كونه على غير ملَّة النبي صلی الله علیه وآله وسلم، أراد أن يدفع هذه التهمة عنه قبل تحقُّقها بذكر أوصاف في حقه لا يشك عاقل أنها تبطل كل ما اختلقه حزب عمر وأتباعه في حقه من عليه وان عليه الله، اتهامات وقصص وخيالات.
وذلك أن أصحابنا الإمامية - قديماً وحديثاً - ما كانوا يشكّون في أن أبا لؤلؤة رحمه الله كان من شيعة أمير المؤمنين علي علیه السلام، بل من خواصِّ شیعته وكانوا يمدحونه ويترحَّمون عليه، وينشدون في مدحه القصائد
والأشعار.
فلا تجد في كتب التراجم الشيعية تشكيكاً في إيمانه رحمه الله، على الرغم من إصرار أتباع عمر على التشكيك في إسلامه فضلاً عن إيمانه، هذا مع عدم غياب هذه الآراء المغرضة عن نطاق أنظار علماء الشيعة ومحققيهم، بل تصدى بعضهم لرد هذه الأوهام كما سيأتي إنشاء الله تعالى.
وقد كان سيدنا الأستاذ آية الله العظمى الخوئي قدس سرّه يكرر ويؤكد على حجية ارتكاز أذهان المتشرعة، ويستشهد به في كثير من المسائل الفقهية والأصولية، فثبوت هذا الارتكاز في المقام من أقوى الأدلة على إيمان أبي لؤلؤة رحمه الله.
ومما ذكرنا يظهر أن مسألة إيمان أبي لؤلؤة رحمه الله كانت من المسائل الخلافية الحادة بين الشيعة والعامة، حيث كانت العامة تركز جميع طاقاتها من جعل واختلاق واتهام وغيره من حيلهم لإثبات عدم إيمانه واتهامه حتى بالأمور المتناقضة كقولهم: إنه مجوسي تارة، ونصراني تارة أخرى، مع عدم إمكان اجتماع هذين الوصفين في شخص واحد، إضافة إلى ما سيأتي من شهادتهم أنفسهم بإسلامه من حيث لا يشعرون.
وفي مقابل العامة كان الشيعة الإمامية - أعزهم الله تعالى - منذ القديم متفقين ومصرّين على إيمانه بل علو شأنه ومقامه كما أسلفنا.
ويشهد على شهرة هذا النزاع بين الشيعة والسنة ما ذكره ابن قتيبة - المتعصب ضد الشيعة - حيث قال: «حدثني خالد بن محمد الأزدي قال حدثنا شبابة بن سوار قال سمعت رجلاً من الرافضة يقول: رحم الله
أبا لؤلؤة، فقلت: تترحَّم على رجل مجوسي قتل عمر بن عمر بن الخطاب؟!! فقال: كانت طعنتُه لعمر إسلامَه»(1).
فترى أن الشيعة في ذلك الوقت كانوا معتقدين بإيمان أبي لؤلؤة رحمه الله، وكانوا يتقربون إلى الله تعالى بالترحُّم عليه.
وحيث إن ابن قتيبة مات في سنة 276 ه، وهو يروي ترحّم هذا الشيعي على أبي لؤلؤة رحمه الله بواسطتين، فلو فرضنا فاصلة كل تلميذ مع أستاذه 20 سنة، يكون زمان تكلم هذا الشيعي وترحمّه على أبي لؤلؤة رحمه الله حدود سنة 230 ه.
هذا إذا كان ابن قتيبة قد روى ذلك في أواخر أيام حياته، وأما لو كانت روايته لهذه القصة في أوائل حياته فيكون حدوث ذلك قبل ما ذكرنا، لأن ابن قتيبة ولد سنة 213 ه كما ذكروا، فلو فرضنا أنه تحمل الحديث وهو ابن سبعة عشر سنة فإن روايته لهذه القصة ستكون في حدود سنة 230 ه، مما أن يعني تاریخ ترحّم هذا الشيعي على أبي لؤلؤة رحمه الله سيكون قبل عام 200 ه.
وإذا كان الشيعة - أعزهم الله تعالى - يترحمون على أبي لؤلؤة رحمه الله في محضر أتباع عمر وفي تلك الأوقات الحرجة، فما بالك بالبلاد الشيعية المحضة مثل النجف وكربلاء وقم ومشهد وكاشان وسبزوار وغيرها، خصوصاً في محافلهم الخاصة الخالية من أتباع عمر.
وأما قول هذا الشيعي النافذ البصيرة: (كانت طعنتُه لعمر إسلامَه) فهو
1) عيون الأخبار لابن قتيبة 2: 143
إشارة منه إلى ما تقدّمت منا الإشارة إليه من أن منشأ اتهام أبي لؤلؤة رحمه الله بالمجوسية أو بالنصرانية من قبل العامة هو إقدامه على قتل عمر، وإلا فلو لم يَقتل عمراً، أو قتل صحابياً آخر لم يكن من أصنامهم، فنحن نقطع أنه لم يكن لتجنياتهم واتهاماتهم عين ولا أثر، بل لامتلأت كتبهم بالأدلة على إسلامه وإخلاصه، كما تراهم يتكلفون ذلك في حق ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين علیه السلام، وخالد بن الوليد قاتل خاصّة أمير المؤمنين علیه السلام مالك بن نويرة والزاني بزوجته في نفس الليلة، ووحشي قاتل حمزة عمِّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وأبي سفيان محزِّب الأحزاب ضد الإسلام، وساير أعداء محمد صلی الله علیه وآله وسلم.
فكأنه قال: ما أوجب مجوسيته عندكم - وهو طعنته لعمر - هو بعينه دليل قطعي على إسلامه عند الشيعة، بل على كونه في أعلى درجات الإيمان.
روى الحسين بن حمدان الخصيبي (ت 334 ه) في كتابه (الهداية الكبرى) عن أبيه أحمد عن بن الخصيب عن أبي المطلب جعفر بن محمد بن المفضل عن محمد بن سنان الزاهري عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن مديح بن هارون بن سعد، قال: سمعت أبا الطفيل عامر بن واثلة يقول: سمعت أمير المؤمنين علیه السلام يقول لعمر:
«.. ولَمَا ظلمتَ عترة النبي صلی الله علیه وآله وسلم بقبيح الفعال، غير أني أراك في الدنيا قتيلاً بجراحة ابن عبد أم معمر، تحكم عليه جوراً فيقتلك توفيقاً يدخل والله الجنان على رغم منك.
فقال عمر: يا أبا الحسن أما تستحي لنفسك من هذا التكهُّن؟!
فقال له أمير المؤمنين علیه السلام: ما قلت لك إلا ما سمعت وما نطقت إلا ما علمت..»(1).
فنحن لا أجد جملةً أصرح في إسلام أبي لؤلؤة رحمه الله من قول أمير المؤمنين علیه السلام في حقه مخاطباً عمر ابن الخطاب: «.. فيقتلك توفيقاً يدخل والله الجنان على الرغم منك..».
فإن الأمير علیه السلام لقد صرح بأن قتل أبي لؤلؤة رحمه الله لعمر بن الخطاب توفيقٌ من الله تعالى، فالداعي إلى القتل إذاً لم يكن دنيوياً كما زعمته زمرة المخالفين.
ثم إن الأمير علیه السلام شهد بأن أبا لؤلؤة رحمه الله يدخل الجنان، فلو كان مجوسياً أو نصرانياً كما زعموا وكان داعيه إلى قتل عمر أمراً دنيوياً وهو المال(2)
وروى في ص 80 عن جابر الأنصاري رحمه الله أنه قال:
«لما طعن أبو لؤلؤة عمراً قال عمر: يا عدو الله، ما حملك على قتلي؟ ومن الذي دسك إلى قتلى؟!
قال: اجعل بيني وبينك حكماً حتى أتكلم معك.
فقال عمر: بمن ترضى بيننا حكمَ عدلٍ؟!
قال: بعلي بن أبي طالب علیه السلام.
فلما جاءه الإمام علي علیه السلام، قال عمر قال عمر لأبي لؤلؤة: تكلم، فقد حكم بيننا حكم عدل!
فقال: أنت أمرتني بقتلك يا عمر.
قال: وكيف ذلك؟!
قال: إني سمعتك تخطب على منبر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وأنت تقول: كانت بيعتنا لأبي بكر فلتة وقانا الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وقد عدت أنت إلى مثلها.
فقال له: صدقت، ثم أغمي عليه ومات».
وهذان الخبران يؤيِّدان ما أثبتناه في رسالتنا هذه من إيمان أبي لؤلؤة رحمه الله، وكونه من خُلَّص شیعة علي علیه السلام، وكون قتله لعمر بدافع ديني ولائي سامٍ، لا بدافع دنيوي رخيص كما زعمته العامة.
وما تضمنته الرواية الأخيرة من كون أبي لؤلؤة قد أخذ حياً، وأنه عاش إلى ما بعد موت عمر، لا يتنافى مع ما سنثبته في البحث الثاني من أنه فرَّ وانتقل بإعجاز من أمير المؤمنين علیه السلام إلى كاشان، إذ لعله أمسك به ثم أفلت منهم حين انشغالهم ودهشتهم بموت عمر، فاغتنمها أبو لؤلؤة فرصة ونجا بنفسه، كما ذكره المحقق العاملي عند تعليقه على هذه الرواية
لما ناسب أن يعبر أمير المؤمنين علیه السلام حاكياً عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم1) الهداية الكبرى: 162
2) كما زعمه العامة وبذلوا في طريق إثبات ذلك كل جهودهم، وملؤوا به الكتب حتى انخدع به بعض البسطاء من الشيعة، وهدفهم من ذلك التغطية على دافعه الحقيقي لقتل عمر، قال في (عقد الدرر): 64: «قال الراوي: إن أبا لؤلؤة فيروز لما اطلع على فساد عمر وبغضه لأهل البيت علیهم السلام مضى إلى الحداد واتخذ منقاراً طويلاً له رأسان وله مقبض في وسطه ووقف لعمر في مضيق فلما خرج عمر لصلاة الفجر استقبله أبو لؤلؤة فطعنه طعنتين».
بأن قتله لعمر بن الخطاب (توفيق من الله) ولما ناسب أن يكون هذا القتل سبباً لدخوله الجنة كما جاء في الرواية، بل لصدر من النبي صلی الله علیه وآله وسلم في حقِّه مثل ما صدر من علي علیه السلام في حقِّ قاتل الزبير مما يدلّ على أن القاتل والمقتول كلاهما في النار.
وأما قوله علیه السلام: «على رغمٍ منك» فهو من إخباراته الغيبيّة صلوات الله عليه، حيث إنه بيَّن أنه على الرغم من أن عمر وأتباعه على مرِّ التاريخ سيحاولون إثبات مجوسيتة أبي لؤلؤة رحمه الله و وكونه من أهل النار، إلا أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أرغم أنا فهم جميعاً بشهادته له أنه من أهل الجنة.
وهذا الحديث رواه الديلمي في كتابه (إرشاد القلوب)(1)، وكذا رواه الشيخ الحافظ رجب البرسي في كتابه مشارق (أنوار اليقين)(2)، عن محمد بن سنان بدون واسطة وظاهره أنه رواه من كتاب ابن سنان
مباشرة، ورواه أيضا السيد هاشم البحراني رحمه الله في كتابه (مدينة المعاجز)(1)، والعلامة المجلسي رحمه الله في كتابه (بحار الأنوار)(2).
أقول: الذي يظهر من سيرة الأصحاب أن هذا الإسناد لم يكن إسناد رواية، بل إسناد الحسين بن حمدان إلى كتاب محمد بن سنان، فلا أثر لضعف السند إلى محمد بن سنان أو جهالته في تضعيف الرواية، لأن كتب محمد بن سنان كان مشتهرة بين الطائفة في تلك الأزمنة، ومستغنيةً عن السند.
بم وأما محمد سنان نفسه فقد أثبتنا - تبعاً لكثير من الأعاظم - في البحث الرجالي وثاقته، وقد وثقه الشيخ المفيد في (الإرشاد) والعلامة في (المختلف) وجملة وافرة من أكابر علمائنا كما حققه الوحيد البهبهاني رحمه الله في فوائده بما لا مزيد عليه، حيث قال في نهاية البحث: «واستبان من الجميع أن الأصح توثيق محمد بن سنان»(3)، وعليه فلا وجه للإشكال في سند الرواية من جهته.
نعم السند من ابن سنان إلى أمير المؤمنين علیه السلام ضعيف لا أقل بالأصم الذي هو في غاية الضعف، فتكون الرواية مؤيِّدة لإيمان أبي لؤلؤة رحمه لله.
من جملة الأدلة على إسلام أبي الولوة رحمه الله عليه أن المسلمين كانوا يمنعون أهل الكتاب من دخول المساجد مطلقاً، فلو كان أبو لؤلؤة رحمه الله كافراً عندهم لما أذنوا له في دخول المسجد، بل لما كان يجرأ هو على دخوله خوفاً من التعذيب.
ومع ذلك ترى صحاحهم وتواريخهم ذكرت أنه دخل المسجد ووقف في الصف الأول خلف عمر مباشرة(1)، بل جاء في رواياتهم في وصف حال عمر أنه لما رأى أبا لؤلؤة تناجيا بينهما(2)، وعلى أقل الاحتمالات قد تواتر عندهم في وصف عمر أنه كان لا يكبِّر للصلاة حتى يلتفت إلى خلفه فإن رأى رجلاً متقدماً من الصف أو متأخرا ضربه بالدرة(3)، مما يستلزم أن يكون قد رأى أبا لؤلؤة واقفاً خلفه لا محالة.
فهل يمكن لعاقل بعد ذلك أن يتهمه بالمجوسية أو النصرانية وهو يصلي في مسجد المدينة جماعة في الصف الأول على مرأى من المهاجرين والأنصار وسائر المسلمين بل من عمر نفسه؟!!
وقد نقل الشيخ النمازي رحمه الله في مستدرك سفينة البحار عن الميرزا عبد الله الأفندي في كتابه (رياض العلماء) ما ملخصه: (أبو لؤلؤة فيروز الملقب ببابا شجاع الدين النهاوندي الأصل والمولد المدني قاتل ابن الخطاب، وقصته في كتاب لسان الواعظين لنا.. [إلى أن قال:] إعلم أن فيروز هذا قد كان من أكابر المسلمين والمجاهدين بل من خلص أتباع أمير المؤمنين علیه السلام، وكان أخاً
لذكوان، وهو أبو أبي الزناد عبد الله بن ذكوان عالم أهل المدينة بالحساب والفرائض والنحو والشعر والحديث والفقه، فراجع الاستيعاب.
وقال الذهبي في كتابه المختصر في الرجال: عبد الله بن ذكوان أبو عبد الرحمن، هو الإمام أبو الزناد المدني مولى بني أمية، وذكوان هو أخو أبي لؤلؤة قاتل عمر، ثقة ثبت روى عنه مالك والليث والسفيانان، مات فجأة في شهر رمضان سنة 131 ه.
ثم قال صاحب الرياض: وهذا أجلى دليل على كون فيروز المذكور من الشيعة وحينئذ فلا اعتماد بما قاله الذهبي من أن أبا لؤلؤة كان عبداً نصرانيا لمغيرة بن شعبة. وكذا لا اعتداد بما قاله السيوطي في تاريخ أن أبا لؤلؤة كان عبداً لمغيرة ويصنع الأرحاء، ثم روى عن من ابن عباس أن أبا لؤلؤة كان مجوسيا.
الخلفاء ثم إن في المقام كلاماً آخر وهو أن النبي الله قد أمر بإخراج مطلق مكة والمدينة، فضلاً عن مسجديهما، والعامة قد نقلوا ذلك الكفار من وأذعنوا بصحة الخبر الوارد في ذلك الباب. فإذا كان أبو لؤلؤة نصرانياً أو مجوسياً كيف رخصه عمر في أيام خلافته أن يدخل مدينة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من غير مضايقة ولا نكير، فضلاً عن مسجده؟! وهذا منه - أي من عمر - إما يدل على عدم مبالاته في الدين أو على عدم صحة ما نسبوه إليه(1).
ولو تنزَّلنا عن ذلك نقول: كان أول أمره من الكفار ومن مجوس بلاد نهاوند، ثم تشرف بعدُ بدين الإسلام)(2).
قد مرَّ في رواية أحمد بن إسحق رحمه الله قول حذيفة رحمه الله: «.. فاستجاب الله دعاء مولاتي على ذلك المنافق وأجرى قتله على يد قاتله رحمه الله..».
وحيث إن حذيفة من أعاظم أصحاب النبي صلی الله علیه وآله وسلم وصاحبُ سرِّه حيث خصَّه صلی الله علیه وآله وسلم بتعريفه المؤمنين والمنافقين بأسمائهم، ومن خواص أمير المؤمنين علیه السلام، فيكون ترحُّمه كاشفاً عن ترحُّم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وأمير المؤمنين علیه السلام، لكونه تبعاً لهما صلوات الله عليهما وألهما في جميع أقواله وأفعاله.
ولا يوجد في المسلمين من يترحَّم على الكافر خصوصاً الصحابة الأجلاء أمثال حذيفة.
بل كون الناقل لهذا الترحم هو المعصوم - الإمام الهادي علیه السلام - دليل قطعي على أن هذا الترحُّم صدر من أهله ووقع في محلِّه.
روى أهل السير والتواريخ عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن بنت أبي لؤلؤة الصغيرة كانت تدَّعي الإسلام أو تصف الإسلام(1)، ولما كان أبو لؤلؤة من سبي نهاوند التي فتحها عمر في أول سنة 19(2)أو في سنة
21(1)للهجرة، فسكوت المؤرخين عن ذكر ابنة له حين أسِر، وتسميته لها (لؤلؤة) يُقرِّبان ولادتها في المدينة، إذ لا وجود لاسم (لؤلؤة) في بلاد العجم، بل يرادفه اسم (مرواريد)، وعليه فيكون عمر ابنته حين قتِله لعمر على أبعد التقادير أربع سنوات.
ولو تنزلنا عن ذلك، فقد أجمع أهل السير والتواريخ على أنها كانت جارية صغيرة دون سن البلوغ، ومعلوم أن البنت التي تكون في هذا السن - سيما في تلك الأعصار - لا تدعي الإسلام وتظهره إلا تبعاً لوالدها، لا لاستقلال فكرها.
فيظهر أن أبا لؤلؤة رحمه الله كان من شدة اهتمامه بالإسلام قد ربَّى ابنته الصغيرة ولقنها الإسلام على نحو كان ادّعاؤها للإسلام أمراً ظاهراً للعيان ومتفقاً عليه عند الصحابة، وهذا يدل على غاية كمال إيمان أبيها.
على أن نفس بقاء أبي لؤلؤة رحمه الله ما يقرب من أربع سنوات في المدينة قبل قتله لعمر يُبعِّد بقاءه على المجوسية كما لا يخفى، سيما بملاحظة أن الإسلام كان قد فشا وشاع في العلوج الذين كانوا بيد المسلمين، حتى باعتراف عمر نفسه حيث يذكرون أنه لما طُعن عمر قال لابن عباس: «لقد كنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقاً، فقال: إن شئت فعلت، أي إن شئت قتلنا.
قال: كذبت، بعدما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم..»(2).
بل إن اتفاق أهل السير والتواريخ على أن عمر كان قد عمد إلى إخراج غير المسلمين من جزيرة العرب لحديث روي عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وهو قوله: «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» فأجلاهم جميعا(1)، كاشف قطعي عن كون أبي لؤلؤة قد تشرف بالإسلام بعد أسره.
وهناك طريق آخر لإثبات إسلام أبي لؤلؤة عن طريق إسلام ابنته، وهو اتفاقهم على مطالبة غير واحد من الصحابة وعلى رأسهم علي علیه السلام والمقداد رحمه الله بقتل ابن عمر لقتله - عندما سمع بخبر طعن أبيه - الهرمزان وجفينة وابنة أبي لؤلؤة(2)، بل لقتله بنت أبي لؤلؤة رحمه الله بالخصوص.
فعن المطلب بن عبد الله قال: قال علي علیه السلام العبيد الله بن عمر: «ما ذنب بنت أبي لؤلؤة حين قتلتها؟! فكان رأي علي حين استشاره عثمان ورأي الأكابر من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على قتله»(3).
وهذا يدل أن أمير المؤمنين علیه السلام وأكابر الصحابة كانوا يعتبرون ابنة أبي لؤلؤة في جملة أهل الإسلام، ولذلك طالبوا بقتل قاتلها، وإلا فإنه لا يقتل المسلم بكافر.
وإذا كانت ابنة أبي لؤلؤة صغيرة لم تبلغ سن التكليف بل التمييز كما عرفت، فإن لحوق حكم الإسلام بها إنما يكون من أجل تبعيتها لأبيها.
وأما الاستشكال فيه من جهة أن محكوميتها بالإسلام قد تكون تبعاً لأمها لا لأبيها، فلا يكون ما ذكر دليلاً بل مؤيداً لإسلامه.
فهو إن تمّ ينفي ما تقدَّم منا من دليلية إظهار ابنته للإسلام على إسلامه أيضاً، إذ يُحتمل أن يكون ذلك لإسلام أمها وتلقينها لها الإسلام.
ولكن يدفع هذا الإشكال: أن زوجة أبي لؤلؤة إن كانت مسلمة أصلية فإن تزويجه بها يكشف عن إسلامه إذ لا تزوَّج المسلمة من كافر.
وإن كانت مجوسية الأصل ولكنها أسلمت بعد ورودها المدينة دونه هو، فإن هذا يقتضي انفساخ زواجها منه، ومثل هكذا أمر لو كان لنقلوه إلينا كما نقلوا أنه كان له ابنة تظهر الإسلام، فيستكشف من عدم نقل أحد من أهل السير والتواريخ له عدمه.
كما تدل عليه رواية الشيخ الجليل عماد الدين الطبري الآتية الذكر والتي ورد فيها: «لما قسَّموا الغنائم وقع فيروز في سهم المغيرة، ولكنه سرعان ما بدء يتردَّد على بيت أمير المؤمنين علیه السلام.. وفرَّ وذهب إلى بيت علي علیه السلام..».
كما أنك قد عرفت أنه لما قَتل عبيدُ الله بن عمر الهرمزان وجفينة وابنة أبي لؤلؤة 1، كان أمير المؤمنين علیه السلام والمقداد وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وجماعة أخرى من الصحابة يطلبون القود والقصاص من عبيد الله بن عمر لقتله هؤلاء.
وكان أشدهم في ذلك أمير المؤمنين علیه السلام، فإنه كان يهدد عبيد الله بأنه متى تمكن اقتص منه، ولذا بمجرد أن وصل أمير المؤمنين
إلى الخلافة الظاهرية فرَّ عبيد الله إلى معاوية / وبقي معه حتى قتل في صفين(1).
وكان عثمان يقول لعبيد الله: «.. قاتلك الله، قتلت رجلاً يصلي وصبيَّة..»(2).
وروى عبد الرحمن بن أبي بكر وغيره أن الأرض أظلمت يوم قَتَلَ عبيد الله الهرمزان وابنة أبي لؤلؤة(3).
وحكمهم بالقصاص شهادة منهم على إسلامهم، إذ لا يقتل مؤمن بكافر، وحيث إن المؤرخين اتفقوا على أن أبا لؤلؤة رحمه الله كان من جماعتهم ومن خلص أصحابهم وشديد الارتباط بهم، فيبعد جداً أن يدخلوا في جماعتهم كافراً.
إن الشيعة في إيران منذ قديم الزمان قد بنوا على قبر أبي لؤلؤة رحمه الله القبة والأبراج، وجعلوا له رواقا وصحناً، وما زالوا يحسِّنون بناءه، تعظيماً لشأنه، وتسهيلاً على الزائرين الذين يأتون من كل أقطار العالم الشيعي، متقربين إلى الله تعالى بزيارته، معتقدین بعلو مقامه، وكونه ممن يقضي الله بهم الحاجات.
وكل هذا كان بمرأى ومنظر من العلماء الكبار، الذين كانوا موجودين في - مدينة كاشان - مدفن أبي لؤلؤة رحمه الله - دار العلم والإيمان، وبقرب
مدينة قم المقدَّسة التي كانت مقراً لأكبر حوزة علمية في إيران في طول القرون، وأكبر حوزة علمية على الإطلاق في بعض الحقبات الزمنية. بل كان أكثر علماء الشيعة يزورونه، خصوصاً في أيام عيد الزهراء علیها السلام حيث يزدحم حرمه الشريف بالعلماء والموالين من كافة المناطق والبلدان.
وهذه المظاهر تكشف عن أن الشيعة من علماء وعوام قديماً وحديثاً كانوا على الاعتقاد الجازم بعلو شأن أبي لؤلؤة رحمه الله وكونه ممن يرجى قضاء الحوائج عند قبره.
وبما أن الكلام قد وصل بنا إلى هنا، نذكر بحثاً موجزاً عن تاريخ قبة أبي لؤلؤة رحمه الله.
قال السيد مجتبى عصيري - دام توفيقه - متولي حرم أبي لؤلؤة رحمه الله في رسالته الصغيرة الموسومة ب- (مختصري در آشنائي با حضرة أبو لؤلؤ رحمه الله) أي (مختصر في معرفة أحوال أبي لؤلؤة رحمه الله) ما مختصره - مع تعريب منا -:
(إن البناء الموجود على قبر هذا الرجل العظيم - باتفاق رأي جمع من أهل الخبرة في الآثار - هو من بقايا أبنية ملوك الإيلخانية المغولية ويرجع تاريخه إلى ما بين 700 إلى 800 للهجرة.
وفي دراسة جديدة قام بها بعض خبراء الآثار من دائرة (التراث الثقافي لمدينة كاشان) ألفت النظر إلى أمر أثار الحيرة والتعجب لكل من اطّلع عليه، وهو أنهم خلصوا إلى النتيجة التالية:
«بالنظر إلى المعلومات التي جُمعت من تفحص الأبنية الأثرية المختلفة الموجودة في كاشان ثبت أنه حصلت زلزلة شديدة ومدمِّرة في سنة 1192 ه - أي حدود 233 سنة قبل يومنا هذا - بحيث دمَّرت مدينة كاشان بكاملها وقتل أكثر أهلها بحيث قتل من كلِّ 800 إنسان 600 وبقي مائتان - أي قتل ثلاثة أرباع السكان وبقي الربع - ووقع في أوائل ذلك القرن أيضاً زلزال شديد أقل تخريباً منه، ولم يسلم من الأبنية الأثرية في كاشان من آثار الزلزال سوى قبة أبي لؤلؤة رحمه الله، فإن هذا البناء الفريد الذي هو من أقوى وأمتن الأبنية المشيدة على الطراز القديم لم
يصبه شيء من الأضرار بسبب هذه الزلازل».
وهذا على الرغم من قلة الاهتمام بل بعض الإهانات التي تصدر من سلاطين الجور في حق هذا البناء العظيم التي كان تصل إلى حد التصميم على تخريبه من قبل بعضهم.
.. وقال المهندس أمينيان المعاون الفني للدائرة المذكورة: «إن بيدنا شواهد أثرية قوية تؤيد أن تأسيس البناء الأصلي على قبر أبي لؤلؤة رحمه الله كان في حدود القرن الثاني أو الثالث للهجرة أي قبل 1200 أو 1100 سنة من يومنا».
ولازم ذلك معروفية قبره الشريف بين المؤمنين المخلصين من الشیعة في زمن الأئمة علیهم السلام، وكونه منذ ذلك الوقت مزاراً لهم ومحل تكريمهم واحترامهم.
.. ومما يُلفت نظر كل زائر متأمل في تلك البقعة وجود مرقد العالم الكبير السيد عز الدين من أحفاد الإمام زين العابدين علیه السلام تحت قبته، فإنه قدس سرّه أوصى عند موته بأن يُدفن تحت قبة أبي لؤلؤة وبالخصوص عند رجليه، وتحت أقدام زواره حينما يدخلون إلى مرقده، ويزوره المؤمنون العارفون مع أبي لؤلؤة رحمه الله).
ولنا تعليق على كلام المهندس أمينيان، وهو: أنه من الطبيعي لمهندس يعمل في دائرة الآثار أن يُرجع بقاء قبة أبي لؤلؤة رحمه الله - في ظل هذه الزلازل المدمرة التي هدمت كل الأبنية القديمة والقوية في کاشان - إلى متانة بنائها وقوة أساساتها، ولكن لا يخفى على أحد أن القبب المبنية على قبور أولاد الأئمة علیهم السلام والعلماء العظام المدفونين في
كاشان أكبر وأكثر متانة وقوة من قبة أبي لؤلؤة، فلم يكن استثناء قبته الشريفة من عموم التدمير والخراب إلا لنكتة مهمة تختص به ولا تشمل غيره، وهي:
أولاً: ما سيأتي من آية الله السيد محمد اليثربي من أنه هذه القبة الشريفة هي القبة الوحيدة التي هي رمز للتبري من أكبر صنم لأعداء أهل البيت علیهم السلام، بخلاف بقية القباب الشريفة فإنها كلها رموز للتولي.
وثانياً: أن الذي حفظ قبته أن بقية القباب لو هدمت لما كان ذلك سبباً لشماتة أعداء أهل البيت علیهم السلام بقدر شماتتهم فيما لو خربت قبة أبي لؤلؤة رحمه الله.
وثالثاً: أن بقية أصحاب المزارات ليس خراب مقاماتهم سبباً للتشكيك فيهم كما هو الشأن في أبي لؤلؤة رحمه الله، فإن أعداءه يتشبثون بكل حشيش لأجل الحط من قدره والتشكيك في إيمانه ومقامه الشامخ.
ثم نقل السيد المذكور كلاماً لبعض العلماء الأجلاء في تعظيم شأن أبي لؤلؤة رحمه الله والتأكيد على زيارته، وإليك نصَّ كلامهم.
بعد كلام مفصَّل لآية الله العظمى الوحيد الخراساني بيّن فيه لزوم تعظيم وتكريم تلك البقعة المباركة وصاحب ذلك المرقد الشريف، كان له تأكيد وإصرار على (أنه يوجد عندنا أدلة محكمة ومتقنة تثبت أن السيرة المستمرة للسلف وقدماء الشيعة من قديم الأيام كانت على تعظيم واحترام هذه الشخصية العظيمة).
وبعد السؤال منه دام ظلّه عن جواز التعبير عن أبي لؤلؤة رحمه الله بكلمة (حضرة أبي لؤلؤة) تكريماً وتعظيماً له، أجاب: (بعد حضرات المعصومين علیهم السلام أي شخص أولى بهذا التعظيم من مثل هذا الشخص؟).
لما اطَّلع المعظَّم له على ما قمنا به من تجديد القبر وتشييده أظهر السرور والابتهاج الشديد بذلك ثم خاطبني بكلام تأثرت به كثيراً حيث قال: (أول ما تتشرف بزيارته ويقع نظرك على قبره سلِّم عليه نيابة عني بهذا السلام: سلام من العبد الحقير الله تعالى إلى عبده الصالح).
وكان ابن المعظَّم له يُكثر زيارة أبي لؤلؤة رحمه الله وسمعنا منه كثيراً قوله:
(بالله العظيم نحن نقصد هذه البقعة الشريفة لقضاء حوائجنا الاضطرارية).
قال - دام حفظه -: (إن لوجود هذا البناء والمزار الشريف في كاشان تأثيراً مهماً في تقوية العقائد القلبية والاستقامة العملية لأهل كاشان، وقد كان آباؤنا والأعاظم من علمائنا منذ قديم الزمان يهتمون بحفظ وحراسة هذه القبة الشريفة حتى أوصلوها إلينا فهي الآن أمانة في أيدينا، فيجب علينا أن نبذل كلَّ جهدنا في سبيل حفظ وحراسة هذا البناء الذي هو أمانة إلهية.
.. كل المزارات الموجودة للمعصومين علیهم السلام وأولادهم في جميع البلاد الإسلامية إنما يتجلى فيها التولي والحب بالنسبة إليهم علیهم السلام، والخصوصية التي ينفرد بها
هذا المقام هي أنه المكان الوحيد للشيعة في كل العالم الذي يتجسَّد فيه التبري ويبرز فيه العداوة لأعداء أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام.
وكان جدنا آية الله العظمى اليثربي الكبير قدس سرّه يمشي حافياً مع أهل کاشان من داخل البلد إلى هذا المزار الشريف لزيارته، مما يُنبئ عن العناية الفائقة من أعاظم علمائنا القدماء بهذه البقعة المباركة).
ثم إن صاحب الرسالة السيد العصيري ذكر بعض الكرامات التي حصلت في مقام أبي لؤلؤة رحمه الله، ناقلا لها عن عدة من الثقات، منهم:
آية الله الشيخ حسن إثنا عشري رحمه الله.
الشيخ عباس حيدري من فضلاء الحوزة العلمية في كاشان.
الحاج حسن توكلي من خيار تجار طهران.
الحاج حسن بورسينا المسؤول الفني لضريح الإمام الرضا علیه السلام.
السيد صادق بهجتي زاده.
كما نقل كرامة عاينها بنفسه، ونحن نحيل القارئ الكريم للاطلاع على تفصيل ذلك إلى الرسالة المذكورة.
ربما يُتوهم أن أبا لؤلؤة رحمه الله لو كان مؤمناً واقعياً لامتنع عن قتل عمر لو غيلةً، لأن «الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن»، كما روي عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من طرق الفريقين(1)، ولكن هذه الشبهة مردودة لأمور.
1) الكافي 7: 375، ومسند أحمد 1: 166، وغيرهما من المصادر
فإن الفتك عبارة عن القتل غدراً، بأن تؤمن شخصاً أو يكون في يرى نفسه آمناً ثم تقتله، كما دبَّر أبو بكر وعمر الفتك بأمير المؤمنين علیه السلام في مسجد النبي صلی الله علیه وآله وسلم في حال الصلاة على يد خالد بن الوليد، ولكن فشلت مؤامرتهم للفتك به علیه السلام، إلا أنهم نجحوا في الفتك بالصحابي الجليل مالك بن نويرة رحمه الله، وكذلك بالنسبة إلى سعد بن عبادة رحمه الله، وأما هدَّد شخصاً صريحاً أو إشارةً - بحيث إنه أحسَّ من بالشرِّ، وصار يرى نفسه مسلوب الأمان وفي معرض القتل - ثم قتله ولو على حين غرّة، فهذا لا يُسمى فتكاً بل غيلة(1).
وقد كان من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أن أهدر دم بعض الكفار، وأباح أن يُقتلوا على أية حالة كانوا، وقد قتل بعضهم غيلة.
فكما لم يُعتبر قتله صلی الله علیه وآله وسلم لهؤلاء فتكاً، فكذلك قتل أبي لؤلؤة رحمه الله لمن هو أحقُّ بالقتل من أولئك، ألا وهو عمر بن الخطاب.
وأما الدليل على أنه هدده ثم قتله فهو ما استفاض في كتب الحديث وبين أهل السير والتاريخ من أن أبا لؤلؤة رحمه الله قال لعمر: «الأديرنَّ لك
1) راجع الكافي 3: 251، قصة إهدار رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم دم المغيرة بن أبي العاص وقتل أمير المؤمنين علیه السلام له، والبداية والنهاية 4: 342 والسيرة النبوية لابن كثير 3: 298، قصة مقيس بن صبابة الذي هو أحد الأربعة الذين أهدر صلی الله علیه وآله وسلم دمهم يوم الفتح وأمر بقتلهم على أية حال كانوا، فقتل بين الصفا والمروة، وغير ذلك من المصادر
رحى يتحدث بها الناس»، أو ما شابه ذلك مما يفيد هذا المعنى(1).
فقد جاء في كثير من رواياتهم أن عمر فهم من كلامه التهديد بالقتل، ولذا قال: «أوعدني العبد»(2).
وفي رواية «ففزع عمر من كلمته»، وقد فهم من كلام أبي لؤلؤة رحمه الله هذا التهديدَ غير عمر جماعة من الصحابة كعلي علیه السلام وابن عباس وغيرهما فراجع(3).
ثم إن أمير المؤمنين علیه السلام أنذره - كما مرَّ - بقوله: «.. غير أني أراك الدنيا قتيلا بجراحة ابن عبد أم معمر، تحكم عليه جوراً فيقتلك توفيقاً يدخل والله الجنان على رغم منك..».
في فإن هذا التهديد منه علیه السلام - مع كون الفرس الموجودين في المدينة تبعاً لسلمان وهرمزان وكلهم من أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام - هو الذي أوجب سوء ظن عمر بأمير المؤمنين علیه السلام وسؤاله له كراراً بعد أن طُعن بقوله «يا علي أعن ملا منك كان هذا؟»(4)، ولم يسأل شخصاً آخر بخصوصه هكذا سؤال.
أضف إلى ذلك ما توصلنا إليه خلال بحثنا في مسألة تزويج ام كلثوم بنت أمير المؤمنين علیه السلام من عمر أن الصحيح فيها أن العقد وقع عن إكراه
1) الطبقات الكبرى 3: 345، تاريخ دمشق 44: 413، كنز العمال 12: 682، وغيرها من المصادر
2) المصادر السابقة
3) الطبقات الكبرى 3: 347، أسد الغابة 4: 76، تاريخ دمشق 44: 409، کنز العمال 12: 684، وغيرها من المصادر
4) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1: 40، تاريخ المدينة 3: 933، المصنَّف للصنعاني 6: 52، وغير ذلك من المصادر
ولكنه قُتل قبل الوصول إليها.
ونحن مطمئنون بأن السبب الأصلي لقتله هو المنع من وصوله إلى بنت أمير المؤمنين علیه السلام التي هي كالقرآن المصون لا يمسه إلا المطهرون.
فلما رأى خواص أمير المؤمنين علیه السلام كهرمزان وغيره من الشيعة تجاسر عمر بن الخطاب على عرض أمير المؤمنين علیه السلام بالإكراه دبَّروا قتله دفاعاً عن حرم رسول الله وعرضه صلی الله علیه وآله وسلم، ويكون ما نُقل من مسألة الخراج مع المغيرة بن شعبة تغطية على ما أجمعوا أمرهم عليه، كي تصل أصابع الاتهام إلى أمير المؤمنين علیه السلام، وإن كان عمر رغم ذلك كلِّه قد عرف حقيقة الأمر ولوَّح باتهامه له علیه السلام كما أشرنا سابقا.
هو لا أنه ولعل الذي منع عمر من اتهامه علیه السلام صريحاً بالشركة في قتله علم أن دفاع أمير المؤمنين علیه السلام عن نفسه سيكون هو أن ما أخبره به من أنه سيقتل على يد أبي لؤلؤة لم يكن من عنده وإنما كان خبراً رواه - المصدَّق عند المسلمين - عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم، والخبر كما تضمَّن وهو الإخبار بقتل أبي لؤلؤة رحمه الله لعمر فقد تضمَّن الإخبار بدخول القاتل الجنة لقتله إياه مما يستلزم كون المقتول في النار.
قال أمير المؤمنين علیه السلام: «الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله»(1).
فإن حرمة الفتك تختصُّ بمورد كون القتل ابتدائياً كما فيمن يُقتل
1) نهج البلاغة (قصار الحكم): حكمة رقم 259
فتكاً لأجل كفره أو ضلالته في نفسه، ولا تشمل صورة كون القتل دفاعياً كمن يكون مهاجِماً للمؤمنين، مضلاً لهم، سافكاً لدمائهم متعدياً على أعراضهم وحرماتهم، ولو عرض مؤمن واحد منهم - وإن لم تكن تعدياته وتهجماته من طريق الفتك - وكان لا يرتدع إلا بالقتل فلا خلاف في جواز قتله في مقام الدفاع بأي نحو اتفق.
وحيث إن عمراً كان مهاجماً لعرض النبي صلی الله علیه وآله وسلم وأمير المؤمنين علیه السلام ويريد التزويج من أم كلثوم قهراً وجبراً، وكان أبو لؤلؤة رحمه الله من خُلَّص أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام والمدافعين عنه بنفسه، قتله حتى لا يصل إليها، ودفع شره عنها قبل أن يمسها والدفاع لا يكون فتكاً، وإنما الفتك يختص بالهجوم.
فمن كانت سيرته الفتك في موارد كثيرة، منها إقدامه على الفتك بالنبي صلی الله علیه وآله وسلم في عقبة تبوك، وبعد غدير خم في عقبة هرشي، ومنها فتكه هو وأبو بكر بالنبي صلی الله علیه وآله وسلم في حجرة عائشة، بسقيه السمَّ بيد ابنتيهما وإن حاولوا إخفاء جريمتهم تلك فأسموا سُمَّهم هذا في صحاحهم و تواريخهم (لُداً) تمويهاً للأمر، ومنها إرساله خالداً للفتك بأمير المؤمنين علیه السلام في المسجد، ومنها إرساله المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة للفتك بسعد بن عبادة في الشام ففتكوا به وقالوا قتله الجن ووضعوا في ذلك أشعاراً، ومنها فتكه بأبي بكر بالسم بناءً على ما أثبته بعض
المحقَّقين(1)في كتابه (إغتيال أبي بكر)، وغير ذلك من الأعمال التي صدرت منه وكانت من سنخ الفتك، فمثله لا الفتك به، بل يجوز يحرم بقاعدة الإلزام، ولعموم قوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»(2)وغير ذلك من الأدلة.
قال العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي - دام حفظه - في كتابه الشهير (الصحيح من السيرة): «ثمّة رواية تفيد أن الفتك لا يجوز إلا بإذن الإمام، وقد حكم على من فتك بشاتمي أمير المؤمنين علیه السلام أن يذبح كبشاً، ولو أنه قتلهم بإذن الإمام لم يكن شيء عليه، وذلك لأن الفتك لو شاع لانعدم الأمن وسلبت الراحة من كل أحد».
أقول: مراده بقوله (ثمة رواية) ما رواه الكليني قدس سرّه تدل في (الكافي) بإسناده عن بعض أصحاب أبي عبد الله عليه السلام - أظنه أبا عاصم السجستاني - قال: «زاملت عبد الله بن النجاشي وكان يرى را رأي الزيدية فلما كنا بالمدينة ذهب إلى عبد الله بن الحسن وذهبت إلى أبي عبد الله علیه السلام فلما انصرف رأيته معتماً فلما أصبح قال لي: استأذن لي على أبي عبد الله علیه السلام فدخلت على أبي عبد الله علیه السلام وقلت: إن عبد الله بن النجاشي يرى رأي الزيدية وإنه ذهب إلى عبد الله بن الحسن وقد سألني أن استأذن له عليك، فقال: إيذن له، فدخل عليه فسلَّم فقال: يا ابن رسول الله إني رجل أتولاكم وأقول: إن الحق فيكم، وقد قتلت سبعة ممن
سمعته يشتم أمير المؤمنين علیه السلام فسألت عن ذلك عبد الله بن الحسن فقال لي: أنت مأخوذ بدمائهم في الدنيا والآخرة، فقلت: فعلامَ نعادي الناس إذا كنتُ مأخوذا بدماء من سمعتُه يشتم علي بن أبي طالب علیه السلام؟!
فقال له أبو عبد الله علیه السلام: فكيف قتلتهم؟ قال: منهم من جمع بيني وبينه الطريق فقتلته، ومنهم من دخلت عليه بيته فقتلته، وقد خفي ذلك علي كله.
قال: فقال له أبو عبد الله علیه السلام: يا أبا خداش عليك بكل رجل منهم قتلته كبش تذبحه بمنى لأنك قتلتهم بغير إذن الإمام، ولو أنك قتلتهم بإذن الإمام لم يكن عليك شيء في الدنيا والآخرة»(1).
وقوله: (لأن الفتك لو شاع لانعدم الأمن) مراده أنه لو كان الفتك جائزاً بغير إذن الإمام لكثر وشاع، لأن كل أحد يجتهد في حق من الفتك، ولو شاع الفتك لاختل النظام وانعدم الأمان.
فحرمة الفتك بغير إذن الإمام لا لحرمة من يجب الفتك به واحترامه عند الشارع، بل لاحترام الأمن الاجتماعي وكون مصلحة حفظه أهم من مصلحة قتل بعض المفسدين.
ولذلك على الرغم من إقرار الإمام علیه السلام للنجاشي في قوله (فعلامَ نعادي الناس إذا كنتُ مأخوذا بدماء من سمعتُه يشتم علي بن أبي طالب علیه السلام) الدال على عدم الحرمة لشاتم علي علیه السلام وجواز الفتك به،
1) الكافي 7: 376
فإنه حكم على النجاشي بوجوب التكفير لا لحرمة القتل بل (لأنه قتلتهم بغير إذن الإمام، ولو أنه قتلتهم بإذن الإمام لم يكن عليه شيء في الدنيا والآخرة)، وأما بعد أن قتلهم بغير إذنه علیه السلام فلا شيء عليه في الآخرة ولكن عليه في الدنيا دم كبش.
وعليه: فلو تنزلنا وقبلنا أن قتل أبي لؤلؤة رحمه الله عمر كان فتكاً، فإن أصل قتله له بهذه الكيفية أو بغيرها لا معصية فيه، بل هو من مصاديق قوله تعالى «.. جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وأغلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَيَمْسَ الْمَصِيرُ»(1)، غاية الأمر لو كان فعله هذا بغير إذن أمير المؤمنين علیه السلام لكان عليه دم كبش لا لقتله لعمر إذ الكبش خير منه، بل لعدم استئذانه من الإمام الحق.
إلا أنا قد عرفناك فيما سبق أن عمله هذا كان دفاعاً عن عرض أمير المؤمنين علیه السلام وبإذنه، فلا شيء عليه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يدخل الجنة على رغم أنف أعداء فاطمة الزهراء علیها السلام كما أخبر بذلك أبوها صلی الله علیه وآله وسلم.
هذا هو خلاصة الكلام في البحث الأول: وقد أثبتنا صحة ما اشتهر بين الشيعة عامهم وخاصِّهم من أن أبا لؤلؤة رحمه الله كان مسلماً مؤمناً من خُلَّص شيعة أمير المؤمنين علیه السلام، وأن قتله لعمر كان منه عملاً جهادياً عظيماً استحق به الجنَّة بشهادة أمير المؤمنين علیه السلام والنبي الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم.
1) التوبة: من الآية 73
الذي نعتقده أن أبا لؤلؤة رحمه الله لم يُقتل، بل نقل إلى كاشان بإعجاز من أمير المؤمنين علیه السلام، والدليل على مختارنا أمور:
المشهور بين الشيعة أن أبا لؤلؤة انتقل بإعجاز أمير المؤمنين علیه السلام إلی كاشان، وقبره هناك معروف يُزار إلى الآن، وقد مرَّ في طيَّات كتابنا هذا الكلام عن أهميَّة أمثال هذه الشهرات ولزوم الاعتناء بها.
ولعل السر في اختيار كاشان دون غيرها هو أن أمير المؤمنين علیه السلام عَلم أن أهلها وأهل قم لن يتسنَّنوا في طول التاريخ، بل يثبتون على تشيعهم على مرِّ القرون، وأما بقية بلاد إيران فكانوا في بعض الأزمنة من أتباع عمر، أو غلب عليهم التسنن، فلو كان قبر أبي لؤلؤة رحمه الله فيها لنبشوا قبره وخرَّبوا قبته.
أما في كاشان فقد بقي قبره مزاراً للشيعة إلى اليوم، وبقيت قبته سالمة من شر حزب عمر وأتباعه.
ويُحتمل أن يكون أصله من كاشان، ولكنهم نسبوه إلى نهاوند إما لكون أسر في نهاوند التي وقع فيها أكبر الحروب بين المسلمين والفرس، أو لكون كاشان من توابع نهاوند في نظر العرب المحاربين الذين كانت نهاوند من أعرف بلاد إيران في نظرهم.
1 - رواية ابن أعثم الكوفي
روى المؤرِّخ الكبير أحمد بن أعثم الكوفي (ت 314 ه) في كتاب (الفتوح): «أن أبا لؤلؤة جرح عمر ثلاث جراحات، جراحتين في سرته، وجراحة فوق سرته، ثم شق الصفوف، وخرج هارباً»(1)، مما يدلّ على أن الرأي القائل بنجاة أبي لؤلؤة رحمه الله وتمكنه من الفرار بعد قتله لعمر كان موجوداً بين المؤرخين منذ القدم.
2 - رواية الشيخ الجليل عماد الطبري رحمه الله
وقد روى قصَّة هروب أبي لؤلؤة رحمه الله أيضاً الشيخ الجليل والمتكلم الكبير عماد الدين الطبري رحمه الله (من علماء القرن السابع هجري) في كتابه (كامل البهائي) في ضمن رواية طويلة تحكي قصة قتله لعمر حيث قال ما معرَّبه أنه:
«.. لما قسَّموا الغنائم وقع فيروز في سهم المغيرة، ولكنه سرعان ما بدء يتردَّد على بيت أمير المؤمنين علیه السلام، فجعل المغيرة عليه ،دانقين، أي ثلث دينار، فكان أبو لؤلؤة رحمه الله يؤدي، ثم زاد فجعلها ثلاثة دوانيق نصف دينار فكان يؤدي، فجعلها أربعة ثم خمسة. وكل ذلك يفعله المغيرة بأمر من عمر، ثم قال له: إن تركت ترددك على بيت علي علیه السلام أجعلك حراً بدون ضريبة، فرفض أبو لؤلؤة..».
ثم نقل قتله لعمر بسيف صنعه له إلى أن قال: «وفرَّ وذهب إلى
1) الفتوح لابن أعثم 2: 88
بيت علي علیه السلام وكان علیه السلام جالساً على دكة بيته فقام وجلس إلى دكة أخرى، فجاء القوم يستخبرون منه، فحلف علیه السلام أنه ما مرَّ بي أحدٌ مذ كنت هنا، ثم إنه أركب أبا لؤلؤة فرسَه وقال له: إنزل في البلد الذي توصلك إليه هذه الفرس..»(1).
فالخبر المذكور يدل كون أبي لؤلؤة رحمه الله شيعياً، بل من خُلَّص شيعة أمير المؤمنين علیه السلام، بحيث كان يتحمَّل الضرر والأذى المتوجِّه إليه من مولاه لأجل أن لا يترك تردده على علي علیه السلام وتشرُّفه بمحضره الشريف، كما يُثبت صحة ما اشتهر بين الشيعة - أعلى الله كلمتهم - من كونه رحمه الله لم يُقتل، بل نُقل بإعجاز من أمير المؤمنين علیه السلام.
3 - رواية عقد الدرر
وروى هروبه كذلك صاحب كتاب (عقد الدرر في تاريخ قتل عمر) حيث قال: «فلما خرج عمر لصلاة الفجر استقبله أبو لؤلؤة فطعنه طعنتين، واحدة في قلبه، وأخرى في سرته، وولى هارباً، فوثب الناس خلفه، وهم يقولون: خذوه، خذوه، فلم يقدروا عليه.
.. وكان أبو لؤلؤة رجلاً شجاعاً سريع الركض، وكان كل من لحقه من الناس ضربه بذلك المنقار، حتى قتل ثلاثة عشر رجلاً، ونجى هارباً»(2).
1) كامل البهائي (مخطوط): 383، كما أنه نقل عين هذه القصة في كتابه (أسرار الإمامة): 325، إلا أنه لم يصرِّح باسم أبي لؤلؤة رحمه الله بل قال: «كان علي علیه السلام جالساً على دکة بیته فمرَّ به جان فقام وجلس إلى دكة أخرى.. إلخ»، ولا يخفى أن المراد من (فمرَّ به جان) أنه مرَّ به شخص هو جان بنظر الناس الذين يطلبونه ولكنه بريء في الواقع، لأن فعله وإن كان بنظر الناس جناية ولكنه في الواقع جهاد في سبيل الله، ولذلك استعمل أمير المؤمنين علیه السلام التورية في الكلام لأجل إنجائه وعدم وصولهم إليه
2) عقد الدرر: 74
4 - رواية الشيخ أبي الحسن المرندي رحمه الله
روى الشيخ أبو الحسن المرندي رحمه الله في كتابه (مجمع النورين)(1)قصة في طويلة في قتل أبي لؤلؤة رحمه الله لعمر بن الخطاب فيها اضطراب شديد وعجمة، والذي يهمنا منها هو قوله: «وأخذ أبو لؤلؤة بتلاببيه - أي عمر - وضرب بطنه ضربة شديدة وقطع عروق كبده.. ومشى أبو لؤلؤة رأسا إلى منزل أمير المؤمنين علیه السلام وكان خارج المنزل ينتظر قدومه، ووصل إليه وقبل يديه وقصَّ عليه القصة، وقال: يا أمير المؤمنين ضربت الرجل وشققت بطنه.
فلما سمع على علیه السلام ذلك بكى بكاء شديداً، وتمنى أن فاطمة علیها السلام كانت على قيد الحياة حتى تسمع ذلك، ثم إن أمير المؤمنين علیه السلام أعطاه كتاباً وقال له: خذ هذا وأخرج خارج المدينة واقرأ فاتحة الكتاب سبع مرات تذهب إلى أي مكان تريد وتصل إليه، ففعل كما أمره أمير المؤمنين علیه السلام ووصل إلى بلد يقال له کاشان».
وقد تقدَّم في طيات كتابنا (فصل الخطاب) الكثير مما ينفع في تثبيت مثل هذا الروايات في النفوس، وإن كانت فاقدةً للإسناد الصحيح بالمصطلح المتأخر، فلا تغفل.
وعليه فوجود روایات هروبه رحمه الله، بل نقل أمير المؤمنين علیه السلام له من المدينة إلى مكان آخر عن طريق الإعجاز في كتب التاريخ من الشيعة منذ القدم، بضميمة ما هو مشهور بينهم من كون القبر الموجود وغيرهم في كاشان والذي يزوره المؤمنون والعلماء منذ القدم والمعروف بقبر
1) مجمع النورين للمرندي: 222
(بابا شجاع الدين) هو قبره، يورثان الاطمئنان بصحة ما ذهبنا إليه واشتهر بين الشيعة من كونه رحمه الله نُقل بإعجاز منه علیه السلام إلى كاشان ثم توفي ودفن هناك.
أولاً: إن الروايات التي روت قصة قتل عمر في الآخر من ذي الحجة تضمَّنت قصة قتل أبي لؤلؤة رحمه الله لنفسه، وقد عرفت منا عند الكلام عن تلك الروايات أن عدم اعتبار الكتب التي نقلتها، وكون رواتها متهمين بالكذب والوضع والتعصُّب الشديد لعمر بن الخطاب، إلى غير ذلك من الأمور التي مرَّ بيانها، مما يسقطها عن الحجية التاريخية فضلا عن الحجية الأصولية، ويكفي لردِّها وضربها بعرض الجدار.
ثانياً: مضافاً إلى ما ذكرناه، يدل على كذب هذه الروايات أيضاً الاضطراب الشديد الواقع فيها، ففي بعضها أن أبا لؤلؤة رحمه الله وجأ - طعن - نفسه فقتلها(1)، وفي بعضها الآخر أنه نحر نفسه(2)، وفي ثالثة أن عبيد الله بن عمر قتله(3)، وفي رابعة طلبه رجل من بني تميم فقتله(4)، وفي خامسة أن عبد الله بن عوف احتزَّ رأسه(5)، وروي غير ذلك أيضا.
ومما يدل على عدم قتلهم له سكوت هذه الروايات الكثيرة عن خبر جسده بعد القتل مع ما في قلوبهم من الحقد، فكان مقتضى التشفي ذكر ما صنعوا بجسده، وهل أحرق أو بقي في البادية أو دفن في حفرة أو نحو ذلك.
فاهتمامهم بهذا العمل كان يقتضي ذكر جزئيات ما صنعوا بجسده كما ذكروا جزئيات مجيئه ووقوفه في الصف الأول وتناجيه مع عمر، وعدد الطعنات وعدد الذين طُعنوا وما صدر من عمر ومن غيره بعد الطعن، وحتى جزئيات ما يرتبط بقتله وأنه من الذي ألقى عليه البرنس وهل طعن نفسه أو نحرها وغير ذلك مع اشتماله على المناقضات.
ولكن حينما تصل النوبة إلى ما بعد قتله من دفنه وغير ذلك من الأمور فلا نرى أثراً في كتب التاريخ لهذه الأمور.
وهذا السكوت العام عن هذا الأمر مع كثرة الاهتمام منهم به، وتوفّر دواعي النقل له، يكشف عن عدم وقوع جسده بيدهم.
فإما أنهم لم يظفروا به حتى يقتلوه، أو أنهم قتلوه ثم خُطف جسده من حيث لا يشعرون.
وحيث إن خطف جسده لم يحتمله أحد من الفريقين.
كما أن وقوع الدفن وغيره مما يرجع إلى جسد أبي لؤلؤة رحمه الله مع عظم ما صدر منه، ثم سكوت الصحابة عن نقل شيء مما يرجع إلى حاله بعد قتله، أو سكوت المؤرخين عن نقل ما ذكره الصحابة في هذا الشأن، يشبه المحالات العادية التي لا يُرى مثلها في مثل هذه القضية
المهمة عندهم.
فلا يبقى أدنى شك في صحة بل تعيُّن ما دلت عليه الروايات الشيعية المتقدِّمة من نقل أمير المؤمنين علیه السلام له إلى كاشان عن طريق الإعجاز.
ومن جملة الشواهد على ما ذكرنا من عدم قتلهم لقاتل عمر إصرار بن عمر على قتل الهرمزان، مع أنهم لو كانوا قد قتلوا أبا لؤلؤة الذي هو القاتل الأصلي لعمر، لم يكن وجه لإصراره على قتل من يحتمل دخله في قتل أبيه بعد قتل المباشر للقتل.
فإنَّ قتل السبب على فرض جوازه عندهم، إنما يكون في صورة عدم قتل المباشر، وأما الجمع بين قتل المباشر وقتل السبب المحتمل فلا يصدر من مسلم، خصوصاً بملاحظة تصميمه على قتل كلِّ سبيِ في المدينة(1)مما يكشف أنه أراد التشفي لعدم ظفره بقاتل أبيه وذهاب دمه هدراً، وإلا فمن المحال العادي أن يكونوا قد اشتركوا جميعاً في قتل عمر.
مضافاً إلى أن السبب من تستند إليه إرادة القتل من القاتل، لا من صاحبَهُ أو رُئِيَ معه أو رئي يتكلّم معه وبيده السيف من دون أن يُسمع كلامُهما ويُعلم بتحريكه له ودفعه إلى القتل.
هذا كله، على فرض صحة هذه الأساطير، مع أن علائم الوضع عليها
1) المحلى لابن حزم 11: 115، المصنَّف للصنعاني 5: 479
لائحة، والتي من جملتها إصرارهم في تلك الروايات على تكفير الهرمزان، غفلة منهم عن الروايات التي وردت في مشاورة عثمان للمهاجرين والأنصار في شأن عبيد الله بن عمر بعد قتله الهرمزان، وإصرار أمير المؤمنين علیه السلام على قتله بالهرمزان بقوله: «أرى أن تقتله»، كما أن عثمان نفسه - قبل الوصول إلى الخلافة - كان مصراً على قتل الله بن عمر، وكذلك سعد بن أبي وقاص وغيره من الصحابة.
فلو لم يكن إسلامه متفقاً عليه بين الصحابة لوُجد من يدافع عن عبيد الله بعنوان: أنه لَمْ يقتل مسلماً، ولكن لم يقله أحد حتى عبيد الله نفسه، بل لم يقله عثمان حينما أراد إنقاذه من القتل والعفو عنه، وغاية ما تشبَّث به للعفو عنه قوله: «قُتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم..»(1).
وحيث إن المؤرخين وأصحاب التراجم قد اتفقوا على إسلام الهرمزان تبعاً لاتفاق الصحابة على ذلك، فالبحث عن ثبوت إسلامه توضيح للواضحات.
فقد روى البخاري في تاريخه الصغير قال: «حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا حميد حدثنا أنس أن الهرمزان نزل على حكم فقال عمر: يا أنس أستحيى قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور، فأسلم وفرض له.
وقال الزهري عن أنس: قُتل البراء على قنطرة السوس، وأسلم الهرمزان قبل نهاوند وأذربيجان وأصبهان وفارس، ثم قتله عبيد الله بن
1) أسد الغابة :3 342، تاريخ الطبري 3: 302
عمر بن الخطاب حين قُتِل عمر»(1).
وروى ابن سعد في طبقاته قال: «ودعا عمر الهرمزان وأصحابه إلى الإسلام.. فأسلموا وفرض لهم عمر في ألفين ألفين»(2).
وروي أيضا عن المسور بن مخرمة أنه قال: «رأيت الهرمزان بالروحاء مُهِّلاً بالحج مع عمر عليه حلّة حبرة»(3)، وروي هذا المضمون بأسانيد أخرى.
ولكن حلا لبعضهم أن ينقل قصة قتل عبيد الله بن عمر للهرمزان على نحو يظهر جلياً سعيه لإخراج الهرمزان من الإسلام إلى الكفر، وتبرأة عبيد الله بأمور تشبه الأساطير.
منها: قولهم: «فلما وجد - الهرمزان - حد السيف قال: لا إله إلا الله»(4)، أرادوا إثبات أن الهرمزان كان كافراً إلى ذلك الحين.
وقد أرادوا الانتقام منه بهذه التهمة، غفلة منه بهذه التهمة غفلة منهم عن أن هذا ردٌّ لآراء علماء الرجال وأصحاب التراجم والسير والتاريخ، تبعاً لجميع المهاجرين والأنصار.
ولعلهم أرادوا أن يقيسوا الهرمزان الذي أسلم باختياره على رؤساء حزب السقيفة الذين كان جماعة منهم كعمر وأبي بكر وعثمان وابن عوف وسعد بن أبي وقاص وابن الجراح أظهروا الإسلام طمعاً فيما
سمعوه من علماء اليهود في حق النبي صلی الله علیه وآله وسلم وغلبته على العرب كما روي الاعتراف به عن عمر وأبي بكر في مصادر أهل السنة(1)
وهذا الذي ذكرناه من ارتباط هؤلاء بعلماء اليهود عليه شواهد كثيرة من كتب السيرة والتواريخ، فراجع جامع البيان لابن جرير الطبري 1: 609، والدر المنثور للسيوطي 1: 90، وكنز العمال: 2 353، وغيرها من المصادر
فضلاً عن المصادر الشيعية.وجماعة أخرى من أصنامهم مثل أبي سفيان ومعاوية وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة وأكثر بني أمية والمهاجرين الذين كانوا من الطلقاء ومسلمة الفتح، أو فقل مستسلمة الفتح.
والحاصل: أن حزب السقيفة بأجمعهم، بل أكثر القبائل من المهاجرين أسلموا بعدما يئسوا من الكفر بالكلية، ولم يبق أمامهم إلا ما القتل أو إظهار الإسلام حقناً لدمائهم، فهؤلاء هم الذين يناسبهم ذكروه في حق الهرمزان، من أنهم لما وجدوا حدَّ السيف قالوا: لا إله إلا الله.
1) روى الشيخ الصدوق قدس سرّه في (كمال الدين وتمام النعمة): 456، بإسناده عن سعد بن عبد الله الأشعري القمي في ضمن خبر طويل سأل فيه صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف عن مسائل أعضلت عليه منها قول أحد النصَّاب له: أخبرني عن الصديق والفاروق أسلما طوعاً أو كرها؟ قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «ولما قال: أخبرني عن الصديق والفاروق أسلما طوعاً أو كرها؟ لمَ لمْ تقل له: بل أسلما طمعاً، وذلك بأنهما كانا يجالسان اليهود ويستخبرانهم عما كانوا يجدون في التوراة وفي سائر الكتب المتقدمة الناطقة بالملاحم من حال إلى حال من قصة محمد صلی الله علیه وآله وسلم هو من عواقب أمره، فكانت اليهود تذكر أن محمداً يسلط على العرب كما كان بختنصر سلط على بني إسرائيل ولا بد له من الظفر بالعرب كما ظفر بختنصر ببني إسرائيل، غير أنه كاذب في دعواه أنه نبي. فأتيا محمداً فساعداه على شهادة ألا إله إلا الله وبايعاه طمعاً في أن ينال كل واحد منهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت أموره واستتبت أحواله فلما آيسا من ذلك تلثما وصعدا العقبة مع عدة من أمثالهما من المنافقين على أن يقتلوه، فدفع الله تعالى كيدهم وردهم بغيظهم لم ينالوا خيراً..».
ولكن أتباع مدرسة الخلفاء مع علمهم بنفاق هؤلاء وأنهم كما قال أمير المؤمنين علیه السلام: «ما أسلموا بل استسلموا»(1)يصرون على إيمانهم ويختلقون أحاديث في فضلهم من أجل شيء واحد ألا وهو: محاربتهم لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وإيذاؤهم له، وعداوتهم الأمير المؤمنين علیه السلام.
كما أن إصرارهم على كفر الهرمزان وأبي لؤلؤة I وأمثالهما ليس إلا لأنهم كفروا بالجبت والطاغوت وآمنوا بمن نصَّبه الله تعالى وهو أمير المؤمنين علیه السلام.
وكذلك إصرار عمر على قتل العجم بقدر الإمكان، ومنعه لهم من دخول المدينة، وابتداعه أحكاماً ظالمة في حقهم، لم يكن سببه إلا أنهم ببركة هداية سلمان والهرمزان كانوا كلُّهم أو معظمهم من حزب أمير المؤمنين علیه السلام وشيعته.
ومما يدل عليه قول عمر «ما أدري ما هذا، أنظروا إذا أنا متُّ فاسألوا عبيد الله البينة على الهرمزان هو قتلني، فإن أقام البينة فدمه بدمي..»(2).
فإن قوله: «فاسألوا البينة هو قتلني؟» وقوله: «فدمه بدمي» صريح بعدم أخذهم بثاره وأنهم لم يقتلوا به أحداً، وإلا لقالوا له: «دم أبي لؤلؤة بدمك وقد اقتُصَّ من قاتلك وقُتل لأجلك».
ولو أنهم ظفروا بقاتله الأصلي أبي لؤلؤة لم يكن معنى لقولهم إن الهرمزان قتل عمر، بل لقالوا أنه شرك في دمه، أو أنه حرض القاتل وما شابه ذلك.
فإن من علموا قاتله وقتلوه ثم ذهبوا يبحثون عمن شاركه في قتله بالتحريض عليه لا يقال: «فاسألوه البينة أن الهرمزان قتلني؟» فهذا التعبير صريح بعدم ظفرهم بالقاتل الأصلي.
ومن جملة الشواهد على أن أبا لؤلؤة رحمه الله لم يُقتل إصرار عبيد الله بن عمر على اتهام المهاجرين والأنصار بقتل أبيه، كما نقل الطبري وغيره أنه كان يقول: «والله لأقتلن رجالاً ممن شرك في دم أبي، يعرِّض بالمهاجرين والأنصار»(1).
فإن تعريضه بهم وتهديده لهم ينشأ من أمر يوجب اتهامهم، وليس هو إلا إلا غَيْبَة أبي لؤلؤة رحمه الله واختفاءه فجأة من بينهم.
فإنه لم يغب إلا بمساعدة ظاهرية مثل أن يخفيه أحد في بيته - ولم يَقُل به أحد - أو بمساعدة غيبية وإعجاز كما اشتهر وروي عن أمیر المؤمنين علیه السلام أنه نقله بطي الأرض إلى كاشان.
ومن الشواهد ما تقدم من أن عمراً نفسه كان يتَّهِم المهاجرين والأنصار على العموم بقوله: «أعن ملأ منكم ورضا كان هذا؟» ويتهم أمير المؤمنين علیه السلام بالخصوص بقوله: «أعن ملأ منكم ورضا يا علي؟» إذ لا وجه لهذا الاتهام وسوء الظن إلا وجود أمر مريب لا يمكن توجيهه إلا بمساعدة هؤلاء.
وهذا الأمر المريب ليس إلا فوت القاتل الأصلي، وغيابه بنحو مجهول غامض، فإن هذا هو الذي أوجب اتهامه لهم بالشركة في دمه حتى يقول
1) الغدير 8: 135، تاريخ الطبري 302:3
ابنه: «لأقتلن رجالاً ممن شرك في دم أبي».
والظاهر عندنا أن عمر وابنه كانا يذكران العموم ويريدان الخصوص، أعنى أمير المؤمنين علیه السلام، وكأنهم أحسوا بأن غيبة أبي لؤلؤة رحمه الله لا تمكن إلا بإعجاز من أمير المؤمنين علیه السلام ولكنهم لم يجرؤوا على التصريح باسمه الاعتراف بإعجازه وخوفهم من سطوته مع عدم الدليل على ما لأنفتهم عن يقولونه.
قال العلامة الأميني قدس سرّه تتمثل في غديره الشريف(1)، تحت عنوان (عذر مفتعل):
(إن المحب الطبري أعماه الحب وأصمه فجاء بعذر مفتعل - لابن عمر في قتله الهرمزان - .. قال في (الرياض النضرة 2: 150): «.. عنه جوابان:
الأول: أن الهرمزان شارك أبا لؤلؤة في ذلك وملأه، وإن كان المباشر أبو لؤلؤة وحده لكن المعين على قتل الإمام العادل يباح قتله عند جماعة من الأئمة، وقد أوجب كثير من الفقهاء القود على الآمر والمأمور وبهذا اعتذر بن عمر وقال: إن عبد الرحمن بن أبي بكر أخبره أنه رأى أبا لؤلؤة و الهرمزان وجفينة يدخلون في مكان ويتشاورون وبينهم خنجر له رأسان مقبضه في وسطه فقتل في صبيحة تلك، فاستدعى عثمان عبد الرحمن ذلك فقال: انظروا إلى السكين فإن كانت ذات طرفين فلا أرى عن عبيد الله فسأله
1) الغدير 8: 141
القوم إلا وقد اجتمعوا على قتله، فنظروا إليها فوجدوها كما وصف عبد الرحمن، فلذلك ترك عثمان قتل عبيد الله بن عمر لرؤيته عدم وجوب القود لذلك، أو لتردده فيه فلم يرَ الوجوب للشك.
والجواب الثاني: أن عثمان خاف من قتله ثوران فتنة عظيمة لأنه كان بنو تيم وبنو عدي مانعون من قتله، ودافعون عنه، وكان بنو أمية أيضاً جانحون إليه، حتى قال له عمرو بن العاص: «قتل أمير المؤمنين عمر بالأمس، ويقتل ابنه اليوم؟! لا والله لا يكون هذا أبدا»، ومال في بني جمح، فلما رأى عثمان ذلك اغتنم تسكين الفتنة وقال: أمره إلي وسأرضي أهل الهرمزان منه».
قال الأميني: إن إثبات مشاركة هرمزان أبا لؤلؤة في قتل الخليفة على سبيل البت لمحض ما قاله عبد الرحمن بن أبي بكر من أنه رآهما متناجيين وعند أبي لؤلؤة خنجر له رأسان دونه خرط القتاد. فإن من المحتمل أنهما كانا يتشاوران في أمر آخر بينهما، أو أن أبا لؤلؤة استشاره فيما يريد أن يرتكب فنهاه عنه الهرمزان، لكنه لم يصغ إلى قيله فوقع القتل غدا، إلى أمثال هذين من المحتملات، فكيف يلزم الهرمزان والحدود تدراً بالشبهات؟!
هب أن عبد الرحمن شهد بتلك المشاركة، وادعى أنه شاهد الوقفة بعينه، فهل يقتل مسلم بشهادة رجل واحد في دين الله؟! ولم تعقد البينة الشرعية مصافقة - إجماعاً - لتلك الدعوى، ولهذا لما أنهيت القضية - اختلاء الهرمزان بأبي لؤلؤة إلى آخرها - إلى عمر نفسه قال: «ما أدري هذا، انظروا إذا أنا مت فاسألوا عبيد الله البينة على الهرمزان، هو قتلني؟ فإن أقام البينة فدمه بدمي، وإذا لم يقم البينة فأقيدوا عبيد الله من
الهرمزان».
وهب أن البينة قامت عند عبيد الله على المشاركة، فهل له أن يستقل بالقصاص؟ أو أنه يجب عليه أن يرفع أمره إلى أولياء الدم؟ لاحتمال العفو في بقية الورثة مضافاً إلى القول بأنه من وظائف السلطان أو نائبه، وعلى هذا الأخير الفتوى المطردة بين العلماء.
على أنه لو كانت لعبيد الله أو لمن عطل القصاص منه معذرة كهذه لأبداها أمام الملأ المنتقد، ولما قال مولانا أمير المؤمنين علیه السلام: «أقتل هذا الفاسق»، ولما تهدده بالقتل متى ظفر به، ولما طلبه ليقتله أبان خلافته، ولما هرب عنه عبيد الله إلى معاوية، ولما اقتصر عثمان بالعذر بأنه ولي الدم، وأن المسلمين كلهم أولياء المقتول، ولما وهبه واستوهب المسلمين، ولما كان يقع الحوار بين الصحابة الحضور في نفس المسألة، ولما قام إليه سعد بن أبي وقاص وانتزع السيف من يده وجزه من شعره حتى أضجعه وحبسه في داره.
وهب أنه تمت لعبيد الله هذه المعذرة فبماذا كان اعتذاره في قتل بنت أبي لؤلؤة المسكينة الصغيرة، وتهديده الموالي كلهم بالقتل؟!
أنا لا أدري من أين جاء المحب بهذا التاريخ الغريب من نهضة تيم وعدي ومنعهم من قتل عبيد الله، وجنوح الأمويين إليهم بصورة عامة حتى يخافهم الخليفة الجديد؟! وأي خليفة هذا يستولى عليه الفَرَق من أول يومه؟! فإذا تبينت عليه هذه الضؤولة في مفتتح خلافته، فبأي هيبة يسوس المجتمع بعده ويقتص القاتل، ويقيم الحدود؟! ولكل مقتص منه أو محدود قبيلة تغضب له، ولها أحلاف يكونون عند مرضاتها.
ليس في كتب التاريخ والحديث أي أثر مما ادعاه المحب المعتذر، وإلا لكان سعد بن أبي وقاص أولى بالخشية يوم قام إلى عبيد الله وجز شعره، وحبسه في داره، ولم يُر أي تيمي طرق باب سعد، ولا عدوي أنكر عليه، ولا أموي أظهر مقته على ذلك، لكن المحب يريد أن يستفزَّهم وهم رمم بالية).
أقول: وأقوى ما يدلّ على بطلان هذه الأساطير المختلقة اتفاق الصحابة على وجوب القود على ابن عمر وعدم إفتاء أحد منهم بسقوطه، إلا ابن العاص الذي أفتى فتوى عاطفية من بقايا أحكام الجاهلية بقوله: «قتل عمر بالأمس ويقتل ابنه اليوم!»، «أَفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»(1).
1) المائدة: 50
بعدما بحثنا في هذا الكتاب حال قتل عمر من كل جوانبه:
فبيَّنا حال القتل وأنه وقع في التاسع من ربيع الأول كما هو مشهور بين الشيعة أعزَّهم الله ووردت به الرواية عن الأئمة المعصومين علیهم السلام!
وبيَّنا حال القاتل وأنه من خيار المؤمنين ومن خُلَّص شيعة أمير المؤمنين علیه السلام.
وبيَّنا حال المقتول وأنه أكبر صنم عرفته البشرية على طول التاريخ.
وأثبتنا صحة رواية أحمد بن إسحاق القمي رحمه الله، وتعيُّن الأخذ بها، وعدم ورود شيء من الإشكالات السندية والمتنية المزعومة عليها.
فإنه يتَّضح لأهل العدل والإنصاف أن يوم التاسع من ربيع الأول عيد، حيث صرَّح المعصوم علیه السلام في أزيد من عشرين مورداً من هذه الرواية بكونه عيداً، بل هو أهم الأعياد الشيعية على الإطلاق، كيف لا وقد جَعله أمير المؤمنين علیها السلام في الرواية المذكورة عدلاً لعيد الغدير وسمّاه (الغدير الثاني).
وكيف لا يكون كذلك، وهو المكمِّل لعيد الغدير، إذ الدين يتقوَّم بركنين (التولي والتبري)، فإذا كان الغدير عيدَ التولي، فلا بدَّ للتبري من عيد وليس من يوم أنسب ليكون عيداً للتبري من اليوم الذي قتل فيه
أعدى أعداء الولاية، ألا وهو يوم التاسع من ربيع الأول.
وهذا الذي ذكرناه وحده كافٍ في إبراز عظمة هذا اليوم، وأهميَّة التعيُّد فيه، فكيف إذا انضم إليه قوله تعالى في الحديث القدسي الذي تضمنته رواية ابن إسحاق رحمه الله: «وآلَيتُ على نفسي بعزَّتي وجلالي وعلُوّي في مكاني لأحْبُوَنُّ من تعيَّدَ في ذلك اليوم محتسِباً ثواب الخافِقَين، ولأشَفْعَنَّه في أقربائه وذوي رحِمِه، ولأزيدَنَّ في ماله إن وسع على نفسه وعياله فيه». فهل هناك مؤمن عاقل يزهد بهذا الثواب الجزيل والأجر العظيم(1)
اللهم إلا أن يكونوا من المكابرين والمعاندين، فيدَّعون الجزم ببطلان كون القتل قد وقع في التاسع من الربيع على رغم كل ما ذكرناه من أدلة وبراهين، أو أنهم يجزمون بوقوع القتل فيه - كما هو مقتضى الإنصاف - أو يحتملون ذلك، ولكن يمتنعون من إحياء هذه الشعيرة لبقية بقيت في قلوبهم من حب الظالمين!! ولا يبعد رجوع الأول إلى الثاني، أعاذنا الله شرور أنفسنا
!!فشأن المؤمن العاقل أن يقول كما قال حذيفة بن اليمان بعدما عرَّفه أمير المؤمنين علیه السلام فضل هذا اليوم، وثواب التعيُّد فيه: «لو لم أدرك من أفعال الخير وما أرجو به الثواب إلا فضل هذا اليوم لكان مُناي».
هذا ولما كان من أهم مظاهر إحياء هذه الشعيرة والتعيُّد في هذا اليوم زيارة قبر أبي لؤلؤة رحمه الله - الذي ببركته وعلى يديه صار هذا اليوم عيداً عند أهل البيت علیهم السلام - وإقامة مراسم العيد والبهجة والسرور عنده أحببنا أن نتكلم قليلاً عن افضل زيارته رحمه الله.
1) ولئن بقي عند بعض أصحاب النفوس المريضة والسلائق المعوَجّة - بعد كل الذي ذكرناه في كتابنا هذا ورسالتنا الملحقة به - شك في صحة رواية ابن إسحاق رحمه الله وكون عمر قد قتل في التاسع من الربيع، فإن هذا لا ينبغي أن يكون مانعاً لهم من التعيُّد في هذا اليوم وإبراز الفرح والسرور فيه، إذ يكفي لنيل الثواب العظيم المذكور في رواية ابن إسحاق رحمه الله أن يتعيدوا في هذا اليوم احتياطاً ورجاء المطلوبية، فينالون ذلك الثواب رجل بمقتضى روايات (من بلغه) المتواترة، إذ المتيقَّن من مفادها هو ذلك، وما ذكرناه لا أقل يورثهم احتمال كون يوم التاسع من الربيع عيداً لقتل عمر فيه.
يكفي في إثبات فضل زيارة قبر أبي لؤلؤة رحمه الله ما رواه فقهاء الطائفة ومحدثوها وثقاتها - رضوان الله عليهم أجمعين - بأسانيد متعدِّدة عن ثقات الأصحاب وأجلَّتهم، عن الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم من الروايات الدالة على فضل زيارة قبر المؤمن وعظيم ثوابها، وإليك بعضاً منها:
1 - ما رواه كل من ابن قولويه والصدوق والمفيد وغيرهم بأسنادهم عن الإمام موسى بن جعفر أبي الحسن الأول علیه السلام أنه قاله: «من لم يقدر أن يزورنا فليزر صالحي موالينا، يُكتَب له ثواب زيارتنا..»(1).
2 - ما رواه ابن قولويه والكليني والصدوق وغيرهم عن الإمام الرضا علیه السلام أنه قال: «من أتى قبر أخيه [المؤمن]، ثم وضع يده على القبر، وقرأ «إنا أنزلناه في ليلة القدر» سبع مرات أمِنَ يوم الفزع الأكبر»(2).
3 - ما ما رواه الصدوق قدس سرّه عن الإمام الرضا علیه السلام أنه قال: «ما من عبد [مؤمن] زار قبر مؤمن، فقرأ عنده «إنا أنزلناه في ليلة القدر» سبع مرات إلا غفر الله له ولصاحب القبر»(1).
هذا، وقد عرَّفناك بما لا مزيد عليه في رسالة (شهادة الأثر على إيمان قاتل عمر) الملحقة بهذا الكتاب إيمان أبي لؤلؤة رحمه الله وكونَه من خُلَّص شيعة أمير المؤمنين علیه السلام، وعليه فأبو لؤلؤة رحمه الله داخل تحت عموم هذه الروايات ومشمول لها.
بل مما لا شكَّ فيه، أن أبا لؤلؤة رحمه الله من أبرز مصاديق عنوان (المؤمن) المذكور في هذه الروايات، وأن زيارته أولى وأوجب من زيارة سائر المؤمنين.
وذلك أبا لؤلؤة رحمه الله مؤمن واقعي، وأما بقية المؤمنين فإن ظاهرهم الإيمان في الحياة الدنيا ولا علم لنا بواقعهم ولا بما يؤول إليه أمرهم يوم القيامة «يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ»(2)، وإنما نزورهم من باب أن ظاهرهم الإيمان وأننا نرجو لهم أن يكونوا من أصحاب الإيمان المستقر، فلا يعدلون عن إيمانهم عند سكرات الموت، ويكونون من أهل النجاة يوم القيامة. ولعل كنا نخالهم مؤمنين في الدنيا ينكشف لنا نفاقهم وأنهم من كثيرين ممن القيامة، وحسبك شاهداً على ذلك قصة (قزمان) المشهورة أهل النار يوم والتي رواها الفريقان حيث جاء عن أبي عبد الله علیه السلام أنه:
«ذُكر لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم رجل من أصحابه يقال له قزمان بحُسن معونته لإخوانه وزَكّوه، فقال صلی الله علیه وآله وسلم: إنه من أهل النار، فأتي رسول الله وقيل: إن قزمان استشهد، فقال: يفعل الله ما يشاء، ثم أتي فقيل: إنه قتل نفسه، فقال: أشهد أني رسول الله.
قال علیه السلام: وكان قزمان قاتل قتالا شديداً، وقتل من المشركين ستة أو سبعة، فأثبتته الجراح، فاحتمل إلى دور بني ظفر، فقال له المسلمون: أبشر يا قزمان فقد أبليت اليوم، فقال: بمَ تبشرون؟! فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت فلما اشتدت عليه الجراحة جاء إلى كنانته فأخذ منها مشقصاً فقتل به نفسه»(1).
فلولا الإخبار الغيبي لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بأنه من أهل النار، ونطق قزمان نفسه بكلمات الكفر في آخر لحظات حياته، كان المسلمون يعتقدون صلاح قزمان وأنه شهيد ومن أهل الجنة، وكانوا بعد موته يترحَّمون عليه ويزورون قبره.
وأما أبو لؤلؤة رحمه الله فنزوره لعلمنا بكونه مؤمناً واقعياً لا عملاً بالظاهر، والدليل على كونه رحمه الله مؤمناً واقعياً أمران:
الأول: شهادة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم له بأنه من أهل الجنة بسبب قتله لعمر في رواية محمد بن سنان رحمه الله المتقدمة، مضافاً إلى ترحُّم حذيفة بن اليمان
1) بحار الأنوار 20: 98
الثاني: قال تعالى: «قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالَ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ»(1).
فبيَّنت الآية الكريمة أن من شرائط الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلی الله علیه وآله وسلم أن يكون الله والرسول أحب إلى نفس الإنسان من كلِّ شيء حتى نفسه وأهله وماله، وقد تواتر من طرق الفريقين عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قوله: «لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وتكون عترتي أحب إليه من عترته، ويكون أهلي أحب إليه من أهله ويكون ذاتي أحب إليه من ذاته»(2).
ولكن، لما كان من السهل لكلِّ أحد أن يدَّعي أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أحب إليه من كل شيء حتى من نفسه، وبالتالي أنه مؤمن واقعي، حتى
من هو في الواقع أعدى أعداء النبي وعترته الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين، أعطى صلی الله علیه وآله وسلم ضابطة وعلامة يميَّز من خلالها الصادق من الكاذب والمنافق في دعواه هذه، وهي ما رواه الشيخ الطوسي قدس سرّه في أماليه بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «لا يكون العبد مؤمناً حتى أكون أحب إليه من نفسه ومن ولده وماله وأهله.
قال: فقال بعض القوم(1): يا رسول الله! إنا لنجد ذلك بأنفسنا.
فقال صلی الله علیه وآله وسلم: بل أنا أحب إلى المؤمنين من أنفسهم.
ثم قال: أرأيتم لو أن رجلا سطا على واحد منكم فنال منه باللسان واليد، كان العفو عنه أفضل أم السطوة عليه والانتقام منه؟
قالوا: بل العفو، يا رسول الله.
قال: أفرأيتم لو أن رجلا ذكرني عند أحد منكم بسوء وتناولني بيده
1) يظهر أن القائل هو عمر بن الخطاب، ففي (الصراط المستقيم 3: 168) عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أنه لما جاءه عمر معاتباً له في شأن ابنته حفصة قال صلی الله علیه وآله وسلم له: «والله إن قلبك لوَعر، وإن لسانك لقَذر، وإن دينك لعَور، ثم إنك لأضَلُّ مُضلَّ ذُكر، وإنك من قوم عذر، أَما والله لولا ما أمرَني الله من تَألُّف ،عباده، لأبديَنَّ للناس أمَرّكم، أعزُب عني! فوالله ما يؤمن أحدكم حتى يكون النبي أحب إليه من أبيه وأمه وولده وماله، فقال عمر: والله أنت أحب إلي من نفسي فَأنزل «وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلا وَهُم مُّشْرِكُونَ»، وفي (مسند أحمد 4: 233) بإسناده عن زهرة بن معبد عن جَدهَ قال: «كنا مع النَبي صلی الله علیه وآله وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب.. فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، فقال النبي صلی الله علیه وآله وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه، فقال عمر: فلأنت الآن والله أحب إلي من نفسي، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: الآن يا عمر!!». أي هذه الدّعوى منك والتي يسهل ادِّعاؤها من كلِّ أحد ليس الآن وقت إثبات صدقها أو كذبها، وإنما سيتَّضح لكل أحد مدى محبَّتك لي بعد وفاتي ورحيلي من الدنيا، بغصبك علياً علیه السلام حقَّه، وقتلك ابنتي علیها السلام مغصوبة حقَّها، مكسوراً ضلعُها، مسقَطاً جنينها، إلى غير ذلك من الجنايات التي ستصدر منك في حقي وحق عترتي الطاهرة!!
كان الانتقام منه والسطوة عليه أفضل أم العفو عنه؟
قالوا: بلى الانتقام منه أفضل.
قال: فأنا إذن أحب إليكم من أنفسكم»(1).
فبيَّن صلی الله علیه وآله وسلم أنه وإن كان كل مسلم يرى من نفسه أن النبي صلی الله علیه وآله وسلم وعترته علیهم السلام أحب إليه من نفسه وعترته، إلا أن الذي يكشف صدق هذه الدعوى من كذبها هو: (أن يكون الإنسان كما يسطو وينتقم إذا اعتدي ضل عليه أو على عترته، فكذلك إذا اعتدي على النبي صلی الله علیه وآله وسلم وعلى عترته علیهم السلام فإنه يسطو وينتقم حتى لو كان نوع الاعتداء مما يمكن أن يعفوَ عنه فيما لو كان متوجهاً إلى نفسه وعياله).
وبعبارة أخرى: (أن يكون ممن يغضب الله تعالى ولرسوله صلی الله علیه وآله وسلم ولأهل بيته علیهم السلام كما يغضب لنفسه وأهله وعياله، بل أزيد).
وأبو لؤلؤة رحمه الله كان خيرَ مصداق لهذه الضابطة التي أعطاها النبي صلی الله علیه وآله وسلم، حيث إنه على الرغم من الشدة والتعذيب الذي كان يلقاه من مولاه المغيرة بن شعبة، لم يفكر بالثأر والانتقام لنفسه بقتله المغيرة، بل ثأر وانتقم لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من عمر - على الرغم من على الرغم من أنه ولو ظاهراً ساعده وطلب من المغيرة أن يرفق به كما رورد في بعض الروايات(2)- وذلك لأنه غصب علياً علیه السلام الخلافة من بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وقتل ابنته علیها السلام ومنعها إرثها، وصدرت منه أعظم الجنايات في حق أهل البيت علیهم السلام.
ومن المعلوم أن ذلك قد كلَّف أبا لؤلؤة رحمه الله فقد ابنته الوحيدة لؤلؤة التي قتلها ابن عمر ظلماً وعدواناً ثأراً لأبيه.
فيكون أبو لؤلؤة بذلك قد صدَّق عملاً دعوى (كون النبي صلی الله علیه وآله وسلم أحب إليه من نفسه وعترة النبي صلی الله علیه وآله وسلم أحب إليه من عترته وابنة النبي صلی الله علیه وآله وسلم أحب إليه من ابنته)، وهذا يدل على كمال إيمانه، وكون إيمانه إيماناً واقعياً راسخاً، لا مجرَّد دعوى زائفة وكذباً ونفاقاً كمن نزل في حقِّه قوله تعالى «وَمَا يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلا وَهُم مُّشْرِكُونَ».
وثمة وجه آخر لكون زيارة أبي لؤلؤة رحمه الله الأولى وأوجب من زيارة سائر المؤمنين أهم من الوجه السابق، وهو:
أنه قد ورد في كثير من الروايات عن الأئمة علیهم السلام أنه من حق المؤمن على أخيه المؤمن أن حياً وميتاً، كما أنه یزوره إذا فعلت ذلك ورد وأديت إلى أخيك المؤمن حقوقه والتي منها الزيارة «فقد وصلت ولايتك بولايته، وولايته بولاية الله عزَّ وجل»(1)، وعليه فزيارة قبر المؤمن من شعارات التولي، تولي الله ورسوله وأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، ومظهراً من مظاهر قوله تعالى: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاء بَعْضٍ».
وأما أبو لؤلؤة رحمه الله فإنه لا يزوره من المؤمنين إلا من كَمُل إيمانه،
1) الخصال: 351
وقويت بصيرته، ورزق كمال التبري من أعداء الله والنبي وأهل البيت علیهم السلام، فزيارته من شعارات التبري ومن أهم مظاهر قوله تعالى: «وَلَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أَوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم يَرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(1).
هذا، وفي هذه الآية الكريمة نكتة مهمة، وهي: أن الآية بعدما بيَّنت وجوب التبري من الذين حادّوا الله ورسوله، وأن مودَّتهم تتنافى مع الإيمان بالله واليوم الآخر، ذكرت للتبري أربع فوائد:
1 - أن المؤمن المتبري يُكتب الإيمان في قلبه «أَوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ»، والكَتب استعمل في القرآن الكريم بمعنى إثبات الشيء وإقراره بنحوٍ لا يزول «كَتَبَ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ»، وبما أن الإيمان كما بيَّن القرآن بنحو الكريم «مُسْتَقِرٌّ وَمُسْتَودَع»، فإن فائدة التبري ستكون أنه يجعل إيمان المرء إيماناً مستقراً ثابتاً في القلب لا يزول عند الفتن والهزاهز، ولا يَعدل عنه عند سكرات الموت، بخلاف المؤمن المتولي الذي يَضعف عن البراءة من أعداء أهل البيت علیهم السلام، حيث إن إيمانه إيمان مستودَع، يُسلبه عند أول فتنة في الدنيا، أو يعدِل عنه قبل الخروج منها.
2 - أن المؤمن المتبري مؤيد بروح من الله «وَأَيَّدَهُم بِرُوحِ مِّنْهُ»، كما ورد قول الإمام الصادق علیه السلام الهشام بن الحكم: «لا تزال مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك»، فإن هذا النحو من التأييد لا يكون إلا لمن يكون
1) المجادلة: 22
متمحضاً في ولايتهم والبراءة من أعدائهم، وينصرهم علیهم السلام في إظهار مثالب أعدائهم وبيان وجوب البراءة منهم، كهشام رحمه الله وأمثاله.
3 - أن المؤمنين المتبرئين «رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» فمقامهم في الجنة هو جنة الرضوان «وَرِضوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ» لا جنة النعيم المادي، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
4 - أن المؤمنين المتبرئين هم «حِزبُ اللهِ» دون غيرهم كما يقتضيه قوله تعالى: «أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ» الدال على الحصر، فكون المؤمن من الله الغالبين في الدنيا والمفلحين في الآخرة بحسب النظرة القرآنية حزب يبتني على ركنين:
الأول: أن يكون ممن يتولى الله ورسوله وأهل البيت علیهم السلام كما دل عليه قوله تعالى «إِنَّما وَلِيُّكُمُ الله وَرَسولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبونَ».
الثاني: أن يكون ممن يتبرأ من أعدائهم أياً كانوا كما دلت عليه آية «وَلا تَجِدُ قَوْماً..».
وبما أن الاحتفال بعيد الزهراء علیها السلام في التاسع من الربيع، وزيارة قبر أبي لؤلؤة رحمه الله من أهم مظاهر وشعائر التبري من أعداء النبي صلی الله علیه وآله وسلم والعترة الطاهرة علیهم السلام، والصديقة الزهراء علیها السلام بالخصوص، فإن هذه الفوائد العظيمة والمهمة المبيَّنة في الآية الآنفة الذكر كلّها ستترب على هذين الأمرين، فضلاً عن الثواب العظيم الذي وعده الله لمن يتعيَّد من الشيعة في هذا اليوم، فنسأل الله أن يوفِّقنا لأداء حقِّ هذا اليوم، وإحياء
هذه الشعيرة البراءتيَّة العظيمة، بمحمَّدٍ وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
وليكن هذا آخر ما نورده في كتابنا هذا، فنحمده تعالى على ما وفقنا لإتمامه، ونسأله أن يتقبَّله منا بعظيم مَنّه وإحسانه، وأن يجعلَنا ممن ينقلب بنعمة منه وفضل ويتَّبع رضوانه، إنه ذو فضل عظيم.
وليكن مسك الختام قصيدة ولائيَّة بمناسبة حلول عيد الزهراء علیها السلام من أنفاس بعض خدّام مذهب أهل البيت علیهم السلام.
آیاتُ السَّعْدِ غَدَتْ سُوَرًا *** وَعَبِيرُ الياس قد انْتَشَرا
ووَعَلى أَلحان خيوط الشَّمْس *** الصُّبْحُ اسْتَيْقَظَ مُبْتَشرا
وَهَديلُ حَمامِ الدَّوحِ عَلا *** والكَأسُ اشتاقَ فَمَ السَّكْرى
كَأسٌ ما لَذَّت لِسِوانا *** فَسِوانا في عُمَر سَكِرا
كأس قَدْ مُلَئَتْ ذَوَبَاناً *** بِغَرامِ الآل بَني الزَّهرا
حَنَّت لِشِفاه تَتَغَنَّى *** بِأُناسٍ قَد سادوا الْبَشَرا
لِشفاهٍ لاَ تَفْتَؤُ تَلعَن *** جبتاً بالله لَقَدْ كَفَرا
وَتَمَايَلَتِ الدُّنيا طَرَباً *** وسَحابُ الأَخزانِ اندَثَرا
لِم لا واليَوْمُ التّاسِعُ مِن *** شهر رَبِيعِ الأوَّلِ سَفَرا
يَومٌ للآل غَدا عيداً *** فَبه صَنَمْ الْكُفْرِ انْكَسَرا
يَوْمٌ رَفَعَ الرَّحْمَنُ به ال *** أَقَلَامَ وَحَطَّ بِهِ الوَزَرا
یَومٌ لِلشّیعَةِ رَبُّ الکَو *** ن جَميعَ خَطاياهُمْ غَفَرا
يَوْمَ بَنْيانُ الشِّرك بِهِ *** زُلْزِلَ وَتَصْدَعَ فَانْتَثَرا
يا مَنْ في دار الدُّنيا وَال *** أُخرى بِرِضا الْمَوْلى ظَفرا
يا مَنْ قَدْ حَدَّثَ عَنْ طَهَ *** حَيدَرَةٌ في حَقِّكَ خَبَرا
وَاللهِ سَتَدْخُلُ جَنّاتٍ *** ولَدَيْنَا الْخَبَرُ قَد اعْتُبِرا
يا مَنْ بيَدَيْهِ اللهُ لفا *** طمَ مِمَّنْ آذاها انْتَصَرا
يا مَنْ حَقَّقَت دُعاءَ الطُّه *** رِ وَشَوْكَةَ مُبْغضها كَسَرا
يا مَنْ قَدْ أَسْعَدَ قَلْبَ عَلي *** وَالْحَسَنَيْنِ مَعَ الْكُبْرِى
يا مَنْ بديار الشَّيعَة قَدْ *** نَشَرَ الْبُشْرِى وَنَفى الْكَدَرا
يا مَنْ قَدْ حَوَّلَ دُورَ الظُّلْ *** مِ خَراباً خاوِيَةٌ غُبْرا
يا مَنْ أنهى أَيَّامَ الجب *** ـتِ وبَطْنَ أَبي حَفْص بَقَرا
أَأَبا لُؤلُؤَةٍ لا شُلَّتْ *** كَفٌّ أَرْدَيْتَ بِها عُمَرا
إليك قائمة بأسماء الكتب والمصادر التي اعتمدنا عليها في هذا الكتاب مرتبة بحسب الترتيب الأبجدي للعناوين:
الضحاك إبن أبي عاصم - الآحاد والمثاني، دار الدراية، ط 1، 1411 ه.
ابن حزم الأندلسي، علي - الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق أحمد شاكر.
الدينوري، أبو حنيفة - الأخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر، ط 1، 1960 م.
البخاري، محمد بن إسماعيل - الأدب المفرد، مؤسسة الكتب الثقافية، ط 3، 1409 ه.
المفيد محمد بن محمد بن النعمان - الإرشاد، مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث.
الديلمي، الحسن بن أبي الحسن - إرشاد القلوب.
الألباني، محمد ناصر الدين - إرواء الغليل، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1405 ه.
إبن الأثير، محمد بن محمد الشيباني - أسد الغابة، إسماعيليان، طهران.
الطبري، عماد الدين الحسن بن علي - أسرار الإمامة، مؤسسة الطبع التابعة للأستانة الرضوية المقدِّسة، ط 1، 1422 ه.
إبن حجر العسقلاني، أحمد بن علي - الإصابة في تمييز الصحابة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1415 ه.
أبو رية، محمود - أضواء على السنة المحمدية، دار الكتاب الإسلامي.
النجمي، محمد صادق - أضواء على الصحيحين، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، ط 1، 1419 ه.
الطبرسي، الفضل بن الحسن - إعلام الورى، مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث، قم، ط 1، 1417 ه.
الطوسي، محمد بن الحسن - الأمالي، مؤسسة البعثة، قم، ط 1، 1414 ه.
15 إبن قتيبة، عبد الله بن مسلم - الإمامة والسياسة، قم، ط 1، 1413 ه.
الجزائري، السيد نعمة الله - الأنوار النعمانية، إيران، 1316 ه.
المجلسي، محمد باقر - بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط 2، 1403 ه.
إبن كثير، إسماعيل - البداية والنهاية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1، 1408 ه.
الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر - بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، دار الطلائع.
إبن خلدون عبد الرحمن بن محمد - تاریخ ابن خلدون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 4.
الطبري، محمد بن جرير - تاريخ الأمم والملوك، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
الخطيب البغدادي، أحمد بن علي - تاريخ بغداد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1417 ه.
العصقري، خليفة بن خياط - تاريخ خليفة بن خیاط، دار الفكر، بيروت، 1414 ه.
البخاري، محمد بن إسماعيل - التاريخ الصغير، دار المعرفة، بيروت، ط 1، 1406 ه.
البخاري، محمد بن إسماعيل - التاريخ الكبير، المكتبة الإسلامية، ديار بكر.
النميري عمر بن شبة - تاريخ المدينة تحقيق فهيم محمد شلتوت.
إبن عساكر، علي بن الحسن - تاريخ مدينة دمشق، دار الفكر، 1415 ه.
اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب - تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت.
المباركفوري، محمد بن عبد الرحمن - تحفة الأحوذى في شرح جامع الترمذي، درا الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 10.
المفيد، محمد بن محمد بن النعمان - التذكرة بأصول الفقه، دار المفيد، بیروت، ط 2، 1414 ه.
الباجي، سليمان خلف - التعديل والتجريح، تحقيق أحمد لبزار.
إبن حجر العسقلاني، أحمد بن علي - تقريب التهذيب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1415 ه.
الطوسي، محمد بن الحسن - تهذيب الأحكام، تحقيق السيد حسن خرسان، ط 4، 1365 ه.ش.
إبن حجر العسقلاني، أحمد بن علي - تهذيب التهذيب، دار الفكر، ط 1، 1404 ه.
المزي، أبو الحجاج يوسف - تهذيب الكمال، مؤسسة الرسالة، ط 4، 1406 ه.
الطبري، محمد بن جرير - جامع البيان، دار الفكر، بيروت، 1415 ه.
القرطبي، محمد بن أحمد - الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405 ه.
الرازي، عبد الرحمن بن أبي حاتم - الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1، 1371 م.
البحراني، الشيخ يوسف - الحدائق الناضرة، جماعة المدرسين، قم.
الصدوق، محمد بن علي بن بابويه - الخصال، جماعة المدرسين، قم.
السيوطي ، جلال الدين - الدر المنثور، دار المعرفة، ط 1، 1365 ه.
الطبري، محمد بن جرير بن رستم - دلائل الإمامة، مؤسسة البعثة، قم، ط 1، 1413 ه.
الطهراني، الشيخ آغا بزرك - الذريعة إلى تصانيف الشيعة، دار الأضواء، بيروت، ط 2 ، 1403 ه.
الطوسي، محمد بن الحسن - رجال الطوسي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1415 ه.
النيسابوري، محمد بن الفتال - روضة الواعظين، تحقيق السيد محمد مهدي الخرسان، قم.
الأفندي، الميرزا عبد الله - رياض العلماء.
الحلي، محمد بن إدريس - السرائر، جامعة المدرسين، قم، ط 2، 1410 ه.
القمي، الشيخ عباس - سفينة البحار.
البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي - السنن الكبرى، دار الفكر، بيروت.
الذهبي، محمد بن أحمد - سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة بيروت، ط 9، 1413 ه.
إبن هشام الحميري أبو محمد عبد الملك - سيرة ابن هشام، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، 1383 ه.
إبن كثير إسماعيل - السيرة النبوية، دار المعرفة، بيروت، ط 1، 1396ه- . 53 إبن سلمة، أحمد بن محمد - شرح معاني الآثار، دار الكتب العلمية، ط 3، 1416 ه.
المعتزلي، إبن أبي الحديد - شرح نهج البلاغة، المرعشي النجفي، قم.
العاملي، علي بن يونس - الصراط المستقيم، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
إبن حبان، محمد - صحيح ابن حبان، مؤسسة الرسالة، ط 2، 1414 ه.
البخاري، محمد بن إسماعيل - صحيح البخاري، دار الفكر، بيروت.
النيسابوري، مسلم بن الحجاج - صحيح مسلم، دار الفكر، بيروت.
البخاري، محمد بن إسماعيل - الضعفاء الصغير، دار المعرفة، بيروت، ط 1، 1406 ه.
العقيلي، محمد بن عمرو - الضعفاء الكبير، دار الكتب العلمية بیروت، ط 2، 1418 ه.
ابن سعد، محمد - الطبقات الكبرى، دار صادر، بیروت.
62 . إبن حجر العسلاني، أحمد بن علي - طبقات المدلسين، مكتبة المنار، ط 1.
الحلي، علي بن يوسف - العدد القوية، مكتبة المرعشي، قم، ط 1، 1408 ه.
عقد الدرر في تاريخ قتل عمر، دار الهدى بيروت.
الإحسائي إبن أبي جمهور - عوالي اللآلي، مطبعة سيد الشهداء، قم، ط 1، 1403 ه.
العظيم آبادي محمد شمس الحق - عون المعبود في شرح سنن أبي داود، درا الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1415ه.
إبن قتيبة، عبد الله بن مسلم - عيون الأخبار.
الأميني، عبد الحسين - الغدير، دار الكتاب العربي، بيروت، 1379 ه.
إبن حجر العسقلاني، أحمد بن علي - فتح الباري في شرح صحيح البخاري، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ط 2.
المغربي، أحمد بن الصديق - فتح الملك العلي، مكتبة أمير المؤمنين علیه السلام، أصفهان.
71 إبن أعثم الكوفي، أحمد - الفتوح، حيدر آباد الدكن الهند، ط 1، 1389 ه.
الأنصاري، الشيخ مرتضى - فرائد الأصول، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، قم، ط 1، 1419 ه.
الطوسي، محمد بن الحسن - الفهرست، مؤسسة النشر الإسلامي، ط 1، 1417 ه.
بحر العلوم، السيد محمد مهدي - الفوائد الرجالية، مكتبة الصادق علیه السلام،
طهران، ط 1، 1363 ه.
الحسيني، جلال الدين - فيض الإله في ترجمة القاضي نور الله.
المناوي، محمد بن عبد الرؤوف - فيض القدير في شرح الجامع الصغير، درا الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1415ه.
الراوندي، قطب الدين - قصص الأنبياء، مؤسسة الهادي، قم، ط 1، 1418 ه.
الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، دار القبلة للثقافة الإسلامية، ط 1، 1413 ه.
الكليني، محمد بن يعقوب - الكافي، تحقيق علي أكبر غفاري، ط 3، 1388 ه.
الطبري، عماد الدين الحسن بن علي - كامل البهائي، مخطوط.
إبن عدي، أبو أحمد عبد الله - الكامل في ضعفاء الرجال، دار الفكر، بيروت، ط 3 ، 1409 ه.
82 إبن حبان محمد - كتاب الثقات، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن الهند، ط 1، 1393 ه.
الهلالي، سليم بن قيس - كتاب سليم بن قيس الهلالي، تحقيق محمد باقر الأنصاري.
النسائي، أحمد بن علي بن شعيب - كتاب الضعفاء والمتروكين، دار المعرفة، بيروت، ط 1، 1406 ه.
إبن حبان محمد - كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، تحقيق محمود إبراهيم زايد.
الإربلي، علي بن عيسى - كشف الغمة، دار الأضواء بيروت، ط 2، 1405 ه.
الصدوق، محمد بن علي بن بابويه - كمال الدين وتمام النعمة، مؤسسة
النشر الإسلامي، 1405 ه.
المتقي الهندي علاء الدين علي - كنز العمال، مؤسسة الرسالة، بيروت.
الهيثمي، نور الدين - مجمع الزوائد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1408 ه.
المرندي، أبو الحسن - مجمع النورين.
الحلي حسن بن سليمان - المحتضر، المطبعة الحيدرية، النجف، ط 1، 1370 ه.
الأندلسي، إبن حزم - المحلّي، دار الفكر بيروت.
إبن أنس، مالك - المدوَّنة الكبري، السعادة، مصر.
البحراني، السيد هاشم - مدينة المعاجز، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، ط 1، 1413 ه.
المسعودي، علي بن الحسين بن علي - مروج الذهب، مؤسسة إسماعليان للمطبوعات، ط 2، 1970 م.
إبن المشهدي الشيخ محمد - المزار الكبير، مؤسسة النشر الإسلامي، ط 1، 1419 ه.
الشهيد الثاني، زين الدين بن علي - مسالك الأفهام، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، ط 1، 1413 ه.
النمازي، الشيخ علي - مستدرك سفينة البحار، مؤسسة النشر الإسلامي، 1419 ه.
الحاكم النيسابوري، محمد بن محمد - المستدرك على الصحيحين، دار المعرفة، بيروت، 1406 ه.
النوري، الميرزا - حسين مستدرك الوسائل، مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث، قم، ط 1، 1408 ه.
الطيالسي أبو داود - مسند أبي داود، دار الحديث، بيروت.
التميمي، أحمد بن علي - مسند أبي يعلى، دار المأمون للتراث.
إبن حنبل، أحمد - مسند أحمد، دار صادر، بيروت.
البرسي، الحافظ رجب - مشارق أنوار اليقين.
الصنعاني، عبد الرزاق - المصنَّف، المجلس العلمي.
الكوفي، إبن أبي شيبة - المصنَّف، دار الفكر، بيروت، ط 1، 1409 ه.
الأنصاري، الشيخ مرتضى - مطارح الأنظار.
الطبراني، سليمان بن أحمد - المعجم الكبير، دار إحياء التراث العربي، ط 2.
العجلي، أحمد بن عبد الله - معرفة الثقات، مكتبة الدار، المدينة النورة، ط 1، 1405 ه.
النيسابوري، محمد بن عبد الله - معرفة علوم الحديث، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 4، 1400 ه.
العصيري، السيد مجتبى - معرفة مختصرة لأحوال أبي لؤلؤة رحمه الله.
الشربيني، الشيخ محمد - مغني المحتاج، دار إحياء التراث العربي، 1377 ه.
القمي، الشيخ عباس - مفاتيح الجنان.
إبن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن - مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1416 ه.
المفيد، محمد بن محمد بن النعمان - المقنعة، جامعة المدرسين، قم، 1410ه.
إبن شهر آشوب، محمد بن علي - مناقب آل أبي طالب علیه السلام، المطبعة الحيدرية النجف، 1376 ه.
الصدوق، محمد بن علي بن بابويه - من لا يحضره الفقيه، جامعة المدرسين، قم، ط 2، 1404 ه.
الهيثمي، علي بن أبي بكر - موارد الظمآن، دار الكتب العلمية، بيروت.
الذهبي، محمد بن أحمد - ميزان الاعتدال، دار المعرفة، بيروت، ط 1، 1382 ه.
الشوكاني، محمد بن علي بن محمد - نيل الأوطار، دار الجيل، بيروت.
نهج البلاغة، تحقيق محمد عبده، دار المعرفة بيروت.
الحر العاملي، محمد بن الحسن - وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث، قم، ط 2، 1414 ه.
الإهداء...8
تاريخ الكتاب:...7
مقدمة المؤلِّف...9
مقدمة الكتاب...15
مقدمات يَحسُن التنبيه عليها...15
أولاً: تقسيمات الخبر وكيفية توليد التواتر للعلم...15
ثانيا: الحجيّة للخبر الموثوق لا لخبر الثقة...19
ثالثاً: لا ينحصر طريق إثبات حجية الخبر بوثاقة رواته...20
رابعاً: الشهرة بين عامة الشيعة من المرجِّحات...22
خامساً: الحجيّة لا تختصّ بروايات الكتب المشهورة...23
سادساً: الفقيه الكبير لا تُردُّ روايته ولكن يمكن رد درايته...26
سابعا: وثاقة المؤلف أصل في قبول روايات كتابه...27
ثامناً: الترجيح بالشهرة ونحوها لا يختص بباب التعارض...30
الفصل الأول...33
أقوال علماء الشيعة في تاريخ قتل عمر...33
القول الأول: أنه كان في التاسع من ربيع الأول...33
القول الثاني: أن مقتله كان في الآخر من ذي الحجّة...35
الفصل الثاني...41
أدلة القول الأول...41
الدليل الأول: الشهرة بين الشيعة...41
الدليل الثاني: روايات المذهب الحق...45
أ - رواية الثقة الجليل أحمد بن إسحاق القمي رحمه الله...45
مصادر الرواية...55
اعتبار رواية أحمد بن إسحاق رحمه الله...59
شبهة مشهورة حول رفع القلم في ربيع الأعياد...62
خمسة موارد للنقض في كلام الشيخ الأعظم قدس سرّه...63
الأول: النقض بتكفير الكبائر للصغائر...63
الثاني: النقض بالظهار...66
الثالث: النقض بالصبي المراهق...67
الرابع: النقض بعزاء الحسين علیه السلام ونحوه...67
الخامس: النقض بالتوبة...68
نقضان إضافيان...70
السادس: النقض بالشفاعة...70
السابع: وعده تعالى بالعفو عن الذنوب...71
الأجوبة الحَليّة للشبهة...73
الجواب الأول: للشيخ الأعظم قدس سرّه...73
التحقيق في تفصيل ما أجمله قدس سرّه...74
العفو تنزيه لا تغرير...76
الجواب الثاني: مناسبة الحكم والموضوع...78
الجواب الثالث: القرائن الداخلية...78
كلمة العيد في كلام المعصوم علیه السلام...80
ب - رواية الشيخ الصدوق رحمه الله...82
تأويل السيد ابن طاووس رحمه الله...83
الجواب عن تأويلات ابن طاوس رحمه الله...84
منشأ الاشتباه في تأويل ابن طاوس رحمه الله...85
تأويل بلا دليل...86
ج - الروايات التي أشار إليها في زوائد الفوائد...87
د - كلام صاحب مدينة المعاجز...88
الدليل الثالث: مصادر العامة و(الإجماع المركب)...92
بيان هذا الدليل على نحو الإجمال...92
تفصيل الدليل يتوقف على تمهيد مقدِّمات...93
الأولى تاريخ شهادة النبي صلی الله علیه وآله وسلم...93
الثانية: مدة حكومة أبي بكر...97
الثالثة: مدة حكومة عمر بن الخطاب...99
نتيجة حتميّة...102
الدليل الرابع: مصادر العامة والملازمة العقلية)...104
نتيجة حتميّة...108
الفصل الثالث...109
لماذا اختيار الآخر من ذي الحجّة؟...109
الإجابة عن هذا السؤال تتضح من خلال ذكر مقدِّمات...109
الأولى: تاريخ هجرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم...109
الثانية: التقويم الهجرى الإسلامي...112
الثالثة: المؤرخون الأوائل...116
الرابعة: غفلة أم تغافل؟...117
تلخيص واستنتاج...119
محاولة يائسة...121
روايات مختلفة...121
تعليقنا على هذه الروايات...122
ومع التنزّل...122
الفصل الرابع...125
أدلة القول الثاني ومناقشتها...125
الدليل الأول: إجماع أهل السير والتواريخ...125
مناقشة هذا الدليل...126
حسن ظنِّ في غير محله...131
إجتهاد العامة في محاربة مشهور الشيعة...132
تاريخ قتل عمر مسألة خلاقیة...134
الدليل الثاني: روايات العامة...136
حال كتب العامة...137
حال أصحاب الكتب عند العامة...137
حال رواة الأحاديث عند العامة...142
الرواية عن أعداء أهل البيت علیهم السلام...144
الرواية عن قتلة الحسين علیه السلام...154
الرواية عن الكذابين والوضّاعين...157
مناقشة أسانيد روايات الآخر من ذي الحجة...161
الأولى: رواية ابن سعد...161
مناقشة سند الرواية:..161
الثانية: رواية مسور بن مخرمة...163
مناقشه سند الرواية:...164
الثالثة: رواية أبي معشر...167
مناقشة سند الرواية:...169
الرابعة: رواية ابن شهاب...168
مناقشة سند الرواية:...172
الخامسة: رواية الطبري عن سيف...170
مناقشة سند الرواية:...172
السادسة: رواية أخرى للطبري عن سيف...172
مناقشة سند الرواية:...172
وأما سقوط هذه الروايات عن الاعتبار متناً فنقول:...173
لباب الكتاب...180
رسالة مختصرة للمؤلف في إيمان أبي لؤلؤة رحمه الله...181
مقدمة رسالة (شهادة الأثر على إيمان قاتل عمر)...181
البحث الأول: إيمان أبي لؤلؤة...183
أبو لؤلؤة رحمه الله محطم أكبر صنم في تاريخ البشرية...183
الدليل الأول: أوصافه المستفادة من رواية ابن إسحاق رحمه الله...187
الدليل الثاني: ارتكاز أذهان المتشرّعة...189
الدليل الثالث: إخبار الأمير علیه السلام بدخول أبي لؤلؤة الجنة...192
الدليل الرابع: صلاته جماعة في مسجد المدينة...196
الدليل الخامس: ترحُّم حذيفة بن اليمان على أبي لؤلؤة رحمه الله...198
الدليل السادس: إظهار ابنة أبي لؤلؤة رحمه الله للإسلام...198
الدليل السابع: ارتباطه بأمير المؤمنين علیه السلام وخواص أصحابه...201
الدليل الثامن: تكريم مزار أبي لؤلؤة رحمه الله عند الشيعة...202
قبة التبري...204
كلام المرجع الكبير آية الله الوحيد دام ظلّه...206
كلام المرجع الكبير آية الله التبريزي دام ظلّه...207
کلام آية الله السيد محمد اليثربي الكاشاني...207
شبهة فتك أبي لؤلؤة رحمه الله بعمر...208
أجوبة هذه الشبهة...209
الأول: لا فتك مع التهديد...209
الثاني: الغدر بأهل الغدر وفاء...211
الثالث: الفاتك يُقابّل بالمثل...212
الرابع: هل يَحرم الفتك بغير إذن الإمام علیه السلام؟...213
البحث الثاني: أبو لؤلؤة نُقل أم قُتل؟...217
الأول: الشهرة بين الشيعة...217
الثاني: الروايات الشيعية...218
الثالث: ضعف روايات القتل سنداً ومتنا...221
الرابع: سكوتهم عن حال أبي لؤلؤة بعد القتل المزعوم...222
الخامس: إصرار ابن عمر على قتل الهرمزان رحمه الله...223
تحقيق بديع للعلامة الأميني قدس سرّه...229
الخاتمة: أهمية التعيد في التاسع من الربيع...233
زيارة أبي لؤلؤة رحمه الله...235
فضل زيارته:...235
إعطاء الزائر ثواب زيارة الأئمة علیهم السلام...235
الأمن يوم الفزع الأكبر...235
غفران الذنوب للزائر والمزور...236
أبو لؤلؤة رحمه الله مبشَّر بالجنة...237
أبو لولوة رحمه الله صدَّق عملُه قولَه...238
زيارة أبي لؤلؤة رحمه الله من أهم شعائر التبري...241
قصيدة ولائية بمناسبة عيد الزهراء علیها السلام...245
مصادر الكتاب...247
فهرس الموضوعات...255
اختلفت الأمة في مسألة تحديد تأريخ مقتل الطاغية عمر بن الخطاب وانقسم علماؤها إلى قسمين؛ الأول يرى أن وقوعه كان في التاسع من شهر ربيع الأعياد، والثاني يرى أن وقوعه كان في آخر شهر ذي الحجة.
وحيث أن هذه المسألة تعتبر من المسائل المرتبطة بالعقيدة وبالذات من جهة التبري من أعداء الله، فقد أصبح من الواجب التحقيق في المسألة للوصول إلى الحقيقة التأريخية، سيما أن المؤمنين اعتادوا في يوم التاسع من ربيع من كل عام على إحياء مناسبة مقتل ابن الخطاب تعبيرا عن الفرح والسرور بانتقاله إلى الجحيم والعذاب الأبدي لما ارتكبه من جرائم على رأسها قتل ابنة رسول الله فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه علیهما وآلهما.
وقد تكفّل بالتحقيق في هذه المسألة سماحة العلامة المحقق البارع الشيخ أبي الحسين الخوئيني دام مجده، حيث أثبت في كتابه القيّم هذا أن تأريخ مقتل ابن الخطاب إنما هو في التاسع من شهر ربيع كما جاء في الآثار عن أهل بيت النبوة عليهم السلام، مفندا محاولات تزييف هذا التأريخ من قبل زعماء المخالفین بهدف تعطیل مجالس الفرح التي یحییها المؤمنون في هذا العید العظیم.
وقد ألحق المؤلف دام حفظه كتابه برسالة أخرى قيّمة تثبت إيمان الفارس الشجاع المبشّر بالجنة أبي لؤلؤة فيروز النهاوندي رضوان الله تعالى عليه، ذلك البطل الذي تعرّضت شخصيته النقية إلى الافتراءات والتشويهات لا لشيء سوى أنه كان السبّاق لتطبيق القصاص العادل على المجرم القاتل.
وفي الكتاب أيضا ردّ لكثير من الشبهات التي ترتبط، بأصل هذا الموضوع، حيث ناقشها الشيخ المؤلف برصانة علمية نفض فيها الغبار المتراكم على الحقائق التأريخية حتى جعلها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
فلله درّه وعليه أجره.
هینۀ خدام المهدي