نقد الاراءِ المنطقیة و حل مشکلاتها

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

نَقدُ الاراءِ المَنطِقيَة وَ حَلٌ مُشْكِلَاتِها الجُزْء الاول

في التصورات

لمؤلفه :سماحة الحجة الشيخ على

كاشف الغطاء

مؤسسة النعمان للطباعة والنشر والتوزيع

بيروت - حارة حريك - شارع و تماس صوب: 25/229

محرر الرقمي: صديقة الحسني

المجلد 1

الفهرس

محتويات الكتاب

مقدمة في تأريخ علم المنطق...4

واضع علم المنطق ...5

الكتب التي وضعها ارسطو لعلم المنطق...5

واضع الكليات الخمس ...5

نسبة وضع الشكل الرابع لجالينوس ...6

أول من ترجم كتب ارسطو في المنطق...6

الفارابي هو المهذب والمنقح لصناعة المنطق ...6

الغزالي هو أول من مزج علم المنطق بعلوم المسلمين ...6

ما أزاده المتأخرون على مسائل المنطق وما أخلو فيه ...6

مبدأ تاريخ النقد لعلم المنطق ...6

تحريم الفقهاء للمنطق ...7

حملة الفلاسفة الغربيين على المنطق ...7

محاربة الصوفية للمنطق ...8

القسم الأول في التصورات ...9

قراءة المقدمة بكسر الدال وفتحها وما يورد على ذلك ...10

التاء في المقدمة للتأنيث لا للنقل ...11

أخذ المقدمة من مقدمة الجيش . والتحقيق في النقل ...11

ان دعوى نقل المقدمة من مقدمة الجيش تنافي تصريحهم بجواز قراءة الدال منها بالفتح والكسر...12

فساد ما استدل به على استعمال المقدمة على سبيل التوصيف ...13

الفرق بين مقدمة الكتاب وبين مقدمة العلم من وجهين...14

الموجب لجعل مقدمة الكتاب من سنخ الألفاظ ومقدمة العلم من سنخ المعاني والاولى لا يجب الاطلاع عليها والثانية يجب الاطلاع عليها ...14

النسبة بين مقدمة الكتاب وبين مقدمة العلم...16

ما يورد على كون الموضوع والتعريف والغاية من مقدمة العلم...17

ظرفية الثلاثة للمقدمة ...19

التنافي بين جعلهم تصور الموضوع للعلم مقدمة للعلم وبين عدهم له من أجزاء العلم ...19

وجه توقف الشروع في العلم على التعريف للعلم وما يورد عليه ...19

لو كان طلب المجهول المطلق محالا لزم وجود علوم في النفس لا تتناهى...20

المناقشة في محالية طلب المجهول المطلق...21

المناقشة في ان تعريف العلم موجب للوقوف على جميع مسائل العلم اجمالا وفي انه يميز مسائله ...21

وجه توقف الشروع في العلم على بيان الحاجة له وما يورد عليه ...23

العلوم الحكمية تطلب لذاتها من دون معرفة الحاجة لها ...25

لابد من اثبات ان غاية العلم لا تحصل من غيره ...25

ان توهم الفائدة مصحح للشروع في العلم...26

مذهب الحكماء على ان الارادة تتوقف على اعتقاد النفع بخلاف الاشعرية ...27

وجه توقف الشروع في العلم على بيان موضوعه . وما يورد عليه ...28

صحة عد التصديق بالموضوعية من مقدمات الشروع ...30

ما اشتهر من تمايز العلوم بالغايات ...30

الرد على صاحب الكفاية فيما تمسك به على نفي تميز العلوم بموضوعاتها ...31

الدليل على وجود الموضوع للعلم ...31

جواز تميز العلوم بالمحمولات ...32

المناقشة في اختلاف الموضوعات باختلاف الحيثيات وتقسيم الحيثية الى تعليلية وتقيدية ...32

بيان موضوع العلم وتقسيم العرض الى ذاتي وغريب وما يورد على ذلك ...34

الوجه في تعريف مطلق موضوع العلم في علم المنطق ...34

صدق تعريف الموضوع على المساوي له ...35

تعريف الموضوع يقتضي ان لا تكون من مسائل العلم الشرطية والحملية السالبة ...35

صدق تعريف موضوع العلم على موضوع المسألة والباب ...35

لزوم خروج المسائل البدهية عن العلم ...36

ان مقتضى تعريف الموضوع ان يكون الموضوع واحداً لا متعدداً ...37

المراد بالواسطة هو الواسطة في الثبوت أو الاثبات أو العروض ...38

لا وجه لعد العارض بواسطة المباين ...40

ان في مسائل العلوم ما يعرض للموضوع بواسطة المباين...42

ان مقتضى تفسير الاعراض الذاتية ان تكون مسائل العلوم كلها اما ضرورية مطلقة أو دائمة مطلقة ...42

عدم الوجه في عد العارض بواسطة الجزء الأعم من الاعراض الذاتية ...43

المناقشة في ان العارض بواسطة المساوي من الاعراض الذاتية للموضوع ...45

المناقشة في عد العارض بواسطة الأخص من الاعراض الغريبة...46

ان الجزء لا يصح أن يكون واسطة في العروض ...47

ان نوع مسائل العلم تبحث عن العوارض بواسطة الأخص وهي من الأعراض الغريبة ...47

ان من مسائل العلم ما يبحث فيها عن العوارض بواسطة الأعم وهي غريبة ...54

العلم : تعريفه وما يرد عليه ...55

المناقشة في ذكرهم تعريف العلم في صدر كتبهم ...55

ان العلم حصول الصورة لا الصورة الحاصلة ...55

ان تعريف العلم لا يشمل الجهل المركب مع انهم جعلوا من أقسامه الجهل المركب ...56

معنى العقل ...56

المراد بصورة الشيء ...57

شمول تعريف العلم لعلم الواجب والمجردات مع عدم اتصافه بالبداهة والنظرية...57

عدم صحة تعريف العلم ...59

ان العرض المساوي يعرف به مساويه مع انه ليس بصورة له ...60

عدم شمول التعريف لعلم الاشياء بأنفسها ...60

عدم صحة تعريف العلم بالصورة ...61

ان تعريف العلم لا يشمل العلم بالمعدومات ...61

الرسالة التي الفناها في بيان حقيقة العلم وأقسامه ...61

تعاريف العلماء للعلم ...61

المناقشة في تعاريف العلماء للعلم ...62

ان حقيقة العلم عبارة عن وجود الشيء في صقع الذهن ...64

العلم أمر وجودي ...64

الشيء يوجد بنفسه في الذهن لا بشبحه ...64

حقيقة العلم نفس حصول الصورة لا الصورة الحاصلة ...65

العلم من الأمور الوجدانية وليس له ماهية وراء الوجود ...66

ان العلم لا يمكن حده ولا رسمه ...66

تقسيم العلم الى التصور والتصديق اختلاف العلماء في التصور والتصديق ...66

الاقسام عبارة عن المقسم المنظم اليه القيود المختلفة ...66

خطأ من جعل التصديق نفس الاذعان ...67

خطأ من قسم العلم الى التصور الساذج والتصديق ...67

ان التصديق ليس قسماً من العلم ...68

عدم صحة تقسيم العلم الى التصور والتصديق ..68

عدم صحة تفسير الحكم بأنه ادراك لوقوع النسبة أو لا وقوعها...69

تقسيم العلم الى التصور والتصديق . وما يورد عليه ...69

شبهة تقسيم المفهوم للكلي والجزئي مع ان المفهوم بنفسه كلي ...70

تعريفهم للتصور وما يورد عليه ...72

بيان التصديق وما يورد عليه ...73

وحدة المقسم معتبرة في الاقسام...77

ما يورد على تقسيم العلم الى البديهي والنظري ...78

تعريفهم البديهي وما يورد عليه ...80

ان بعض العلوم البدهية يقام عليها الدليل ..81

تعريف النظري وما يورد عليه ...82

الدليل على نظرية بعض التصورات والتصديقات وما يورد عليه ...83

البرهان على بداهة بعض التصورات والتصديقات وما يورد عليه ...84

أقسام المنكر للضروري ...84

اختيارية الحركة الفكرية ...86

الدليل على وجود الواجب ...87

تعريف الفكر والنظر وما يورد عليه...88

تعريف الحدس ...88

ان بالفكر تحصل للنفس حركتان ...89

الفرق بين الحدس والفكر ...89

أقوال العلماء في السبب في حصول المعرفة وانه هو الله تعالى أو غيره ...90

الاختلاف في هوية الانسان ...92

في افادة النظر للعلم ...93

بيان قاعدة ان الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً وما يورد عليها ...94

ان قاعدة الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسبة مختصة بالاكتساب التصوري فقط...95

كيفية ادراك النفس للأشياء ...97

بيان قاعدة ان البسيط لا يكون كاسباً ولا مكتسباً وما يورد عليها ...98

بيان الحاجة للمنطق وما يورد عليه...99

مصدر الخطأ في الذهن ...99

الخطأ في المادة ينتهي الى الخطأ في الصورة...99

الدليل الذي اقيم على عدم الحاجة الى المنطق والجواب عنه ...100

تعریف علم المنطق وما يورد عليه ...103

المنطق واسطة بين العقل ومباديء المطالب الكسبية...103

وجه وقوع من المنطقيين ...104

ان المنطق صناعة ...104

بيان حقيقة كل علم وان ما يذكر من تعاريف العلوم كلها من قبیل الرسوم ما يورد على ذلک...104

المنافاة بين قولهم حقيقة كل علم مسائله وبين جعلهم أجزاء العلوم ثلاثة ...105

بیان موضوع علم المنطق وما يورد عليه ...107

بیان ما له دخل في الايصال القريب والبعيد والا بعد...108 المنطق يبحث عن امور غير موصلة ...109

ان الايصال لا يصح بحث المنطقي عنه لأنه عرض غريب والجواب عنه... 110

ان موضوع المنطق الالفاظ لا المعلوم ...110

بيان ان موضوع المنطق هو المعقول الثاني ...111

بيان معنى المعقول الثاني ...111

تقسيم الحيثية الى اطلاقية . وتقيدية . وتعليلية ....114

بیان وجه تقدیم مباحث التصور على التصديق وما يورد عليه...115

وجه تصدير مباحث التصور بمبحث الألفاظ ...115

تعريف الدلالة وما يورد عليه ...117

بيان الدور في الدلالة والجواب عنه...119

ان الدلالة صفة قائمة بين المدلول والدال فلا وجه لجعلها صفة للدال...120

تقسيم الدلالة الى اللفظية وغيرها وما يورد عليه ...120

الاشكال في خروج دلالة المجاز عن الدلالة التي ذكرها المنطقيون والجواب عنه...121

الاشكال في خروج الدلالة المفهومية . والاقتضائية . والتنبيهية . والايمائية . والاشارية . والكنائية . والدلالة على اللوازم العقلية عن الدلالة التي ذكرها المنطقيون والجواب عنه...122

الاشكال في خروج دلالة اللفظ على نوعه أو جنسه أو مثله عن التي ذكرها المنطقيون والجواب عنه ....124

بيان الدلالة الوضعية وشرطها وما يورد عليه ...124

بيان الدلالة العقلية وشرطها وأقسامها وما يورد عليه...125

الفرق بين الدلالة الالتزامية والدلالة العقلية...127

بيان الدلالة الطبعية وشرطها وما يرد عليه...127

الفرق بين الدلالة الطبعية والعقلية ...127

المراد بالطبع في الدلالة الطبعية ...128

بيان الدلالة اللفظية الوضعية وكونها مقصودة بالبحث للمنطقي وما يرد على ذلك...128

الدلالة صفة قائمة باللفظ بعد الوضع لا تتوقف على الاستعمال ولا على ارادة المعنى من اللفظ...129

تصویر الدلالة في الانشائيات تكون بنحو الايجاد ...130

بیان الدور في تعريف الدلالة ...131

بیان تقسيم الدلالة الى المطابقة والتضمن والالتزام وما يرد عليه...132

وجه اختصاص تقسيم الدلالة الى المطابقة واخواتها باللفظية الوضعية ...132

الشبهة على دلالة اللفظ على الخارج عنه والجواب عنها ...133

شبهة ان الدلالة الالتزامية والتضمنية ليست من الدلالة الوضعية...134

شبهة ان الدلالة التضمنية والالتزامية لا وجود لهما . والجواب عنها ...135

وفيه يفهم وجه اشتراطهم اللزوم البين بالمعنى الأخص في الالتزامية وفيه يفهم معنى قولهم ان فهم الجزء واللازم في ضمن الكل ...135

شبهة اخرى في نفس الدلالة التضمنية ...135

انتقاض تعاريف الدلالات الثلاثة بعضها ببعض...136

ان الامور التي تختلف باختلاف الاعتبار قيد الحيثية معتبر في تعريفها ...137

وجه حصر الدلالة بالاقسام الثلاثة ...137

شبهة عدم حصر الدلالة بالاقسام الثلاثة...138

شبهة اخرى على عدم حصر الدلالة بالاقسام الثلاثة...138

شبهة اخرى تقتضي عدم حصر الدلالة بالاقسام الثلاثة... 139

شبهة اخرى تقتضي عدم حصر الدلالة بالاقسام الثلاثة...139

شبهة اخرى تقتضي عدم حصر الدلالة بالاقسام الثلاثة...140

شبهة اخرى تقتضي عدم حصر الدلالة بالأقسام الثلاثة... 141

شبهة أخرى تقتضي عدم حصر الدلالة بالاقسام بالاقسام الثلاثة...141

بيان المراد باللزوم الذي هو شرط للدلالة الالتزامية . وتقسيمه الى قسمين . ووجه اشتراطه . وما يرد على ذلك ...142

الشبهة التي تقتضي نفي الملازمة بين شيئين كلية...142

شبهة تقتضي عدم اعتبار البينونة في اللزوم ...143

التلازم بين الدلالات والبرهان عليه . وما يورد على ذلك...145

شبهة لزوم الالتزامية للمطابقة والتضمن... 145

شبهة انفكاك التضمن والالتزام عن المطابقة...145

شبهة لزوم الالتزامية للتضمن...146

شبهة وجود التضمن بدون المطابقة...146

تبعية التضمنية والالتزامية للمطابقة وما يرد عليها...147

كيفية دلالة اللفظ على جزئه ولازمه ...147

شبهة تفي تبعية الالتزامية للمطابقة ...149

شبهة نفي تبعية التضمنية للمطابقة ...149

تقسيم اللفظ الى مفرد ومركب وما يورد عليه ...149

شبهة خروج المجازات عن هذا التقسيم...140

شبهة لزوم كون الفعل مر مركباً...150

شبهة الدوال الأربع...100

شبهة الكلام من الساهي والغافل ونحوهما... 151

ظاهر القضية اذا أطلقت انها موجهة بجهة الفعلية ...151

الشبهة بمثل ( زيد ) في جواب ( من جائك ) ...152

الشبهة بالمركب من لفظين مترادفين من جهة عدم دلالة جزء اللفظ على جزء المعنى...152

الحروف التي هي أوائل سور القرآن مركبات ...153

الاشكال باستعمال المهملات ...153

الشبهة بالمركبات البدهية الكذب والكنايات...154

تقسيم المفرد الى الاسم والكلمة والأداة . وما ذكروا في تفسيرها . وما يرد على ذلك...154

المراد بصلاحية المفرد للاخبار به وحده ...154

المراد بالاستقلال في تعريف المفرد ...155

شبهة استقلال الحرف ...156

المناقشة في استقلال الفعل...157

المناقشة في عدم استقلال الحروف...158

الايراد على تعريف المركب والمفرد بالدوال الاربع...158

الايراد على تعريف الاسم بأسماء الزمان وأسماء الفعل...158

الايراد على تعريف الاسم بأسماء الفاعلين ونحوها ...159

الايراد على تعريف الفعل بالافعال الناقصة والافعال المنسلخة عن الزمان...159

الايراد على تعريف الفعل بفعل المضارع ...160

شبهة ان الفعل غير موجود في اللغة ...160

الايراد على تعريف الحرف بالحركات الاعرابية والنعوت...160

الايراد على تعريف الحرف بالافعال والمصادر ونحوها... 161

الايراد على تعريف الحرف بالاسماء المتضمنة للمعاني الحرفية... 161

الايراد على تعريف الحرف بمثل كل وبعض... 161

بیان دلالة الفعل على الزمان بهيئته والدليل على ذلك وما يرد على ذلك... 161

ان دلالة الماضي على الزمان الماضي ولو بالنسبة الى شيء آخر ولا يلزم أن يكون ماضياً بالنسبة لزمان النطق...162

تقسيم المفرد الى متحد المعنى ومتكثره وأقسامهما وما يرد على ذلك...164

صحة هذا التقسيم للمفرد ...165

المراد بوحدة المعنى وكثرته...165

المراد بالمعنى الموضوع له في التقسيم...166

المراد بالافراد في هذا التقسيم...167

الايراد بالفعل والحرف على هذا التقسيم... 168

الايراد على تعريف العلم بالاعلام الجنسية... 169

الايراد على تعريف العلم بالحروف والضمائر ونحوها...170

المراد بالتساوي في الصدق المعتبر في المتواطي ...170

الاشكال على المشكك...171

تفي المشكك...171

الاشكال على هذا التقسيم بالمرتجل...172

تقسيم المركب الى التام والناقص والى الخبري والانشائي وما يرد على ذلك...173

المراد بحسن السكوت ...173

بيان الجزئي والكلي وما يرد على ذلك...174

عدم اتصاف الافعال والحروف بالكلية والجزئية...175

ابدال كثيرين بالكثرة ...176

كيفية حكم العقل على الجزئي مع عدم حصوله في العقل... 177

شبهة تجويز العقل صدق مفهوم الجزئي على كثيرين... 177

الشبهة الاخرى على ذلك...178

شبهة ثالثة على ذلك وفيها يتضح كيفية ادراك الجزئي...180

وجه بحث المنطقي عن الجزئي ..181

الايراد على تعريف الجزئي بالاسماء الملازمة للظرفية ونحوها...181

المراد (بالفرض ) في تعريف الكلي والجزئي ...182

شبهة خروج بعض الكليات عن تعريف الكلي ...182

شبهة شمول تعريف الكلي للفعل وللجزئي وللجزئيات الموضوعة للأفراد المجتمعة ...183

شبهة جزئية الكلي ...184

تقسيم الكلي الى الممتنع والممكن . وتقسيم الممكن الى خمسة أقسام وما يرد على ذلك...184

المراد بالممكن . وشبهة امكنت ...185

المراد بممكن الافراد ..185

عدم انحصار تقسيم الممكن بذلك...185

شبهة عدم صحة عد واجب الوجود وشريك الباري من الكليات... 186

شبهة عدم انحصار أقسام الكلي بالخمسة...186

شبهة استعمال الامكان في التقسيم لأنه مشترك لفظي...186

تقسيم الكلي الى المنطقي والطبيعي والعقلي وهكذا الكليات الخمس والجزئي وما يرد على ذلك ...187

الايراد على تسمية الكلي الطبيعي بالطبيعي ...186

وجه عدم اطراد علة التسمية ...188

بیان مجيء ء هذا التقسيم في الجزئي...188

شبهة عدم كلية الكلي العقلي ...188

بيان معنى الكلي الطبيعي وما يرد عليه...189

تقسيم الماهية الى المجردة والمخلوطة والمطلقة...190

شبهة عدم كون الكلي الطبيعي هو الماهية بما هي وكيفية عروض الكلية لها..190

البرهان على عدم وجود الكلي المنطقي وما يرد على ذلك ...192

شبهة وجود الكلي المنطقي في الخارج ...193

شبهة اخرى في ذلك...193

شبهة ثالثة في ذلك ...194

البرهان على عدم وجود الكلي العقلي وما يرد عليه...194

شبهة وجود الكلي العقلي في الخارج ...195

البرهان على وجود الكلي الطبيعي في الخارج ومعنى وجوده وما يرد على ذلك ...195

توضيح النزاع في معنى وجود الكلي الطبيعي ...196

الدليل على ان الكلي الطبيعي ليس بأمر انتزاعي وما يرد عليه...202

شبهة اخرى على عدم وجود الكلي الطبيعي في الخارج...202

شبهة اخرى على ذلك ...203

شبهة اخرى على ذلك ...204

شبهة اخرى على ذلك ...204

شبهة اخرى على ذلك ...205

شبهة ابتناء النزاع في وجود الكلي الطبيعي على النزاع المعروف في أصالة الماهية أو الوجود ...205

شبهة اخرى على وجود الكلي الطبيعي ...206

بيان النسب الاربع بين الكليات وما يرد على ذلك...207

ما يمكن أن يكون وجهاً لتخصيصهم النسب بالكليات دون الجزئيات والرد عليه ...208

وجه تخصيصهم النسب بالكليات مع مجيئها بين القضايا ...209

لا وجه لتخصيصهم النسب بين الكليات بصورة نسبة أحدهما الى الآخر...209

بيان المراد بالصدق وتقسيم الحمل ...210

بیان المراد بالافراد التي اعتبروا تصادق الكليين عليها...210

لا وجه لحصر النسب بين الكليين بهذه الاربعة ...211

الايراد بالتباين الجزئي على حصر النسب بالكليات الأربع... 212

شبهة رجوع نسبة العموم المطلق الى نسبتين...212

فقدان النسب الاربع بين بعض الكليات...213

عدم ثبوت النسب بين المتناقضين ...213

شبهة اخرى كذلك ...214

شبهة اخرى مثلها ...214

شبهة اخرى نظيرها ...215

عروض بعض الكليات لنفسها...215

شبهة اخرى تقتضي عدم وجود التساوي بين الكليين...215

شبهة تقتضي عدم وجود النسب بين بعض الكليات... 216

شبهة تقتضي عدم التساوي بين مثل النائم والمستيقظ ...216

بيان مرجع النسب الاربع وما يرد عليه ...216

بیان النسبة بين نقيضي المتساويين وما يرد على ذلك...220

بيان النسبة بين نقيضي الاعم والأخص من مطلق وما يرد على ذلك ...222

وجه من خص البحث بالكليات الموجودة ...226

بيان النسبة بين نقيضي الاعم والاخص من وجه . وما يرد على ذلك... 227

بيان النسبة بين نقيضي المتباينين . وما يرد على ذلك...227

228 استدلالهم على النسب بين النقيضين وما يرد عليه...228 231 بيان النقيضين قد يرتفعان وبيان صحة قولنا الماهية من حيث هي ليست الا هي ...231

مبحث الكليات الخمسة . بيان جنسية عنوان الكلي لما تحته وما يرد عليها...232

أجناس الحقائق الاعتبارية وفصولها ..233

البرهان على حصر الكليات في خمسة وما يرد عليه...235

التقسيم انما هو للكليات ذات المفهوم الواحد ...236

بیان دخول الصنف في الخاصة ...237

ما يدل على تناهي أجزاء الماهية ...238

المقيد مع قيده يتصور على انحاء أربعة...242

جواز كون الكلي متصفاً بالكليات الخمس بلحاظات مختلفة...243

تسامحهم في تمثيلهم للكليات ...244

ما ذكروه في السؤال بما هو وما يرد عليه ...244

ما ذكروه في السؤال بأي شيء وما يرد عليه...246

ما يقع في جواب كيف هو عندهم ...247

ما ذكروه في الذاتي والعرضي وما يرد عليهم...248

بيان ان المميزات للذاتي عن غيره امور سنة وما يرد على ذلك..249

الدليل على عدم تركب الماهية من أمرين متساويين وما يرد على ذلك ...250

الدور المعي ليس بباطل ...252

الدليل الصحيح على امتناع تركب الماهية من أمرين متساويين...252

الجنس وأحكامه . تعريف الجنس . وما يرد على ذلك...253

ما يرد على قولهم الجنس تمام المشترك ....257

تقسيم الجنس الى القريب والبعيد . وما يرد على ذلك.. 258

شرح مراتب الاجناس . وما يرد على ذلك...258

البرهان على عدم وجود جنسين لماهية واحدة وما يرد على ذلك...259

الدليل على عدم تحصل أحد الجنسين بالآخر . وما يرد عليه...261

بیان قولهم ما لا جنس له لا فصل له وبالعكس والدليل على ذلك وما يرد عليه ...262

تقسيم النوع الى محصل والى اعتباري وان الجنس والفصل لا يكونان أمرين عدميين للنوع المحصل وما يرد على ذلك ...263

الجنس ماهية مبهمة بخلاف النوع وما يرد على ذلك...264

أرباب النوع التي قال بها الاشراقيون ...265

الجنس معلول للفصل دون العكس . والدليل على ذلك وما يرد عليه...226

الجنس الواحد لا يكون له فصلان لماهية واحدة...268

النوع وأحكامه ، تعريف النوع وما يرد عليه... 270

تعريف النوع الاضافي . وما يرد على ذلك ...272

النسبة بين النوع الاضافي والحقيقي على رأي القدماء وما يرد عليها ...274

النسبة بين النوع الاضافي والنوع الحقيقي على رأي المتأخرين وما يرد عليها...276

مراتب الانواع وما يرد عليها ...277

الصنف وتعريفه . وما يرد عليه ...277

الفصل وأحكامه . تعريف الفصل . وما يرد عليه...279

البرهان على بساطة الفصل وما يرد على ذلك ...280

بیان تقسيم الفصل الى القريب والبعيد . وما يرد على ذلك... 282

بیان تقسيم الفصل الى مقوم ومقسم وما يرد على ذلك... 283

العرض الخاص والعام وأحكامهما . تعريف الخاصة والعرض العام... 285

بیان تقسيم العرض الى اللازم والمفارق وما يرد على ذلك ...287

تقسيم العرض اللازم وما يرد عليه ...290

تقسيم اللازم الى البين وغير البين وما يرد على ذلك... 292

تعريف اللزوم البين بالمعنى الأخص في باب الكليات وما يرد عليه... 296

بحث المعرف . تعريف المتقدمين للمعرف وما يرد عليه...296

كيفية الترتيب بين الامور في التعريف بالمفرد ...298

تقسيم التعريف الحقيقي الى التعريف بحسب الحقيقة والتعريف بحسب الاسم...303

التعريف بالاجزاء الخارجية ...305

تعريف المتأخرين للمعريف . وما يرد عليه...305

شروط المعرف . اشتراط المعرف بالمساواة ...310

وقوع التعريف بالأمر المباين...311

التعريف بالمثال ...311

اشتراط المعرف بعدم الأعسية من المعرف . وما يرد على ذلك... 312

اشتراط المعرف بعدم الأخصية من المعرف . وما يرد على ذلك...312

اشتراط كون المعريف اجلى من المعريف . وما يرد عليه... 315

اشتراط تقديم الجنس على الفصل والخاصة في التعريف . وما يرد على ذلك...315

تقسيم المعريف الى حد ورسم وتام وناقص وما يرد على ذلك... 316

بیان اختصاص الحد التام بمعرفة الكنه وما يرد على ذلك... 320

تعريف البسائط وكيفية حصول كنهها في الذهن...321

معرفة الشيء بالرسم وما يرد عليه ...322

الفرق بين معرفة كنه الشيء ووجهه وبين معرفة الشيء بكنهه ووجهه وما يرد على ذلك...323

بيان صعوبة معرفة الحد . وما يرد على ذلك ...323

بيان التعريف اللفظي وما يرد عليه ...324

نَقدُ الاراءِ المَنطِقيَة وَ حَلٌ مُشْكِلَاتِها الجُزْء الاول

في التصورات

لمؤلفه :سماحة الحجة الشيخ على

كاشف الغطاء

مؤسسة النعمان للطباعة والنشر والتوزيع

بيروت - حارة حريك - شارع و تماس صوب: 25/229

بين يديك

كتاب وضعه مؤلفه صاحب الساحة الحجة الشيخ علي كاشف الغطاء دامت برکاته قبل خمس وعشرين سنة بعد ان درس هذا العلم ودرَّسه عشرات المرات لا سيما للكتابين المعروفين حاشية ملا عبدالله وشرح الشمسية وقد طلب منا رهط من سراة أهل الفضيلة نشره لما فيه من عظيم النفع وجليل الفائدة لرواد هذا العلم والله ولي التوفيق .

حرر في يوم 11 ذي القعدة الحرام سنة 1382 ه- .

الناشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين . وبعد فيقول المفتقر الى الله تعالى علي نجل المرحوم الشيخ محمد رضا شبل المرحوم الشيخ هادي من آل كاشف الغطاء قد ساعدني التوفيق الالهي والعناية الربانية على تحرير القواعد المنطقية وذكر ما يرد عليها او اورد عليها وما يصح أو يصلح للجواب عنها وتحقيق الحق فيها الا ما زاغ البصر عنه أو غاب بأسلوب سهل وحلة قشيبة ومادة غزيرة سائغة لروادها عذبة لطلابها تخرجك عن قيود التقليد الى ساحة التدقيق والتحقيق وتزيل لك الغبار والغموض عن وجه مقاصده ومسائله وتنمي فيك القوى العقلية بالتمرين على المناقشة في الحقائق العلمية ومزاولة البحث في طرق الاستدلال عليها والاستنباط لها ومعرفة انواع المغالطات والسفسطات التي يستخدمها المضلون في محاوراتهم ومناقشاتهم وتدرك به من هذا وذاك ان العلم حقائق كثرتها الشكوك والاوهام وان نورها و نورها لا زال يظهر من تصادم الافكار وقد سميته ( بنقد الآراء المنطقية وحل مشكلاتها ) ورتبته على مقدمة في تأريخ هذا العلم وقسمته الى قسمين حسب ترتيب الكتب المقرر تدريسها في المدارس الدينية الموضوعة في هذا العلم القسم الاول في التصورات والقسم الثاني في التصديقات وخاتمة في المغالطات والله الموفق للصواب .

مُقَدمَة في تَأريخ عِلم المَنطِقَ

علم المنطق ويسمى بعلم الميزان وسماه المعلم الثاني الفارابي : برئيس العلوم والشيخ ابن سينا : بخادم العلوم واهل الجزيرة بالمفعل وبعضهم : بعلم العقل .

يحدثنا التاريخ عنه : بان ارسطو المتوفى سنة 322 قبل الميلاد قد وضع هذا العلم ولم يكن قبله علما ولذا لقب بالمعلم الاول وكان ذلك منه بأمرذي القرنين ولذا قيل للمنطق انه ميراث ذي القرنين وقد أعطاه على ذلك خسمائة الف دينارا وأدر عليه كل سنة مائة وعشرين الف ديناراً وقد جعله ارسطو أول العلوم الحكمية الفلسفية وفاتحتها ويسمى مؤلفه الذي وضعه لهذا العلم ( بالنص ) وهو يشتمل على ثمانية كتب ( الاول ) في المقولات العشرة المسماة باليونانية القاطيغورياس ( الثاني) مباحث القضايا وهي المسماة باليونانية باريمينياس وترجمتها بالعربية العبارة ( الثالث ) مباحث القياس المسماة بانولوطيقاء الأولى ( الرابع ) مباحث البرهان المسماة بأنو لو طيقاء الثانية ( الخامس) المواضع الجدلية وهي القوانين للامور التي يلتأم بها صناعة الجدل ويصير بها افعالها اكمل وابصر المسماة بطوبيقا ( السادس ) مباحث المغالطات المسماة بسوفسطيقا ومعناها الحكمة المموهة ( السابع) مباحث الخطابة التي يعرف بها كيفية صنع الخطابة المسماة بالبريسطورية وبعضهم ادعى ان اسمها باليونانية ريطوريقا ( الثامن) مباحث الشعر التي يعرف بها صناعة الشعر المسماة بفونطيقا وبعضهم ادعى ان اسمها بويطيقا . ثم ظهر بعد ذلك فرفوريوس من أهالي مدينة صور من ساحل الشام المتوفى سنة 303م وكتب مقدمة الى كتب ارسطو المذكورة ساها بالايساغوجي وهي الكليات الخمس لايضاح ما في كتب ارسطو

وينسب الى جالينوس المتوفى سنة 160 م انه اضاف الشكل الرابع الى الاشكال الثلاثة . وكان اول من ترجم وكان اول من ترجم كتب ارسطو مع مقدمتها المذكورة الى العربية هو عبدالله بن المقفع ( كاتب ابي جعفر المنصور ) ثم جاء الفارابي فهذب صناعة المنطق ونفحها وشرح غامضها ونبه على ما أغفله الكندي وغيره من صناعة التحليل وانحاء التعليم فكانت كتب الفارابي في هذا الفن أحسن المؤلفات وأتقنها وسمي بذلك المعلم الثاني وقد كان أبن ميمون الفيلسوف يوصي ان لا تقرأ في المنطق الا كتب الفارابي . ويعتبر ابو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 ه- وسنة 1111 م الشخص الاول الذي مزج علم المنطق بعلوم المسلمين وقد مهد ذلك له استاذه امام الحرمين ابو المعالي عبد الملك المتوفى سنة 478 ه- حتى صار من مقدمات الاجتهاد عند الكثير منهم ونشأ من ذلك أن تحور الفكر الاصولي الى النهج المنطقي في التعاريف والادلة . هذا وقد زاد على مسائل علم المنطق المتأخرون مباحث الالفاظ وتقسيمها والقضايا الشرطية والاقيسة الشرطية وحذفوا منه مبحث المقولات العشر واختصروا الكلام في الصناعات الخمس اختصاراً مخلا يكاد يكون اهمالا لها مع كون البحث فيها من مهمات مسائل ه-ذا العلم وقد استهدف علم المنطق لسهام النقد في العصور المتأخرة ولا يمكن تحديد مبدئها على التحقيق اذ ان سني النقد لهذا العلم متاخمة متداخلة بعضها في بعض كخيوط العنكبوت وان امتاز بعضها عن بعض بخاصية ما وكان المنتقدون له قد زجوا تقدهم في مؤلفاتهم في موضوعات اقتضاه الاستطراد أو استدعته الحاجة وانطمس أغلبها ولم نظفر به الا على سبيل الحكاية ونقل القول . الا ان الذي يمكن أن نعتبره مبدأ لظهور النقد عليه

هو وقت الثورة على هذا العلم من قادة الفكر الاسلامي والاستهانة بعظمته التأريخية التي اكتسبتها مسائله من تطابق العقول الراجحة عليها سنين متطاولة. هو القرن الرابع الهجري فقد ألف فيه المسلمون في نقد المنطق كتبا كثيرة ككتاب الآراء والديانات لابن النوبختي الشيعي وكتاب الدقائق لأبي بكر بن الطبيب . والتقريب لحدود المنطق لابن حزم . وترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان للوزير الصنعاني . وصون المنطق والكلام في فن المنطق والكلام لجلال الدين السيوطي وغيرهم .

وقد لقي علم المنطق من كثير من الفقهاء مهاجمة شديدة حتى قال قائلهم من تمنطق تزندق وافتى ابن الصلاح المتوفي سنة 643 ه- بحرمة تعليمه وتعلمه وان على ولي الأمر أن يخرج المنطقي من المدارس وان يعرضهم على السيف حتى يستنيبوا وان أهل المنطق بجزيرة الاندلس كانوا يعبرون عن المنطق بالمفعل تحرزاً من صولة الفقهاء لأنهم يحرمون تعليمه وتعلمه ويقول ابن القيم الجوزي ان علم المنطق ما دخل على علم الا افسده وغير أوضاعه وشوش قواعده وينقل ان المنصور بن ابي عامر أحرق كتب المنطق . وفي كتاب الغيب والشهادة للمرحوم والدي قدس سره استحسن قول بعضهم ان المنطق آله خداعة يستعملها المحق والمبطل . كما ان فلاسفة الغرب في القرن الرابع عشر الميلادي شنوا الغارة على ارسطوا ومنطقه بعد ما كانت تعاليمه عندهم يستقى منها المعارف كما تستقى من الوحي والالهام والكتب المقدسة . ولعل أول من هاجمه اوكام المتوفى سنة 1349 م بتصريحه بأننا لو طبقنا المنطق على التعاليم المسيحية لوجدنا بينها من التناقض شيئا كثيراً فلندع العقل جانبا ولنؤمن بما اتى به الوحي ثم في هذا القرن

المذكور ظهرت الفلسفة الحديثة عندهم المطالبة بتغيير النظريات القديمة التي أظهر الزمان عدم صلاحيتها لاكتشاف الحقائق وتحصيل المعارف فاستهدف منطق أرسطو اذ ذاك لسهام النقد من زعماء هذه الحركة الحديثة بدعوى ان منطق أرسطو لا يقوى على معرفة المجهولات من مباديها ويبدء تاريخ هذه الفلسفة الحديثة بظهور بيكون وديكارت ويحدثنا التأريخ ان بيكون كان يعارض أرسطو أشد المعارضة وقد وضع أسسا جديدة لمعرفة الحقائق تعتمد على التجربة والملاحظة غير القوانين المنطقية بل خيل له ان كل الفلسفة والعلوم نظريات خلابة قائمة على أساس غير متين . هذا وانا أشرنا في مبحث غاية هذا العلم الى أهم النقود عليه.

وهناك فئة حاربت المنطق أشد المحاربة تسمى بالصوفية تدعي ان معرفتها للحقائق بواسطة بلوغ النفس مرتبة المكاشفة والمشاهدة بتصفية الذات بواسطة المخالفة لشهواتها البهيمية ورغباتها الحيوانية والمجاهدات الصعبة والرياضات الشاقة . وان المنطقين قد حرموا من الوصول الى معاينة المعاني الحقيقية ومشاهدة الموجودات الواقعية لأن معارفهم مشوبة باحكام الوهم وغير خالصة من عمل الخيال وطالما انتهت أقيستهم الى أخطاء شنيعة وأفكار فاسدة . والله العالم بحقيقة الحال وهو الموفق للصواب .

القسم الاوّل

في التَصورات

المقدمة

قالوا (ان المقدمة تقرأ بكسر الدال وفتحها ) . ويرد عليهم ایرادان : -

أولا : أنها لا يصح كسر الدال منها لأنها بالكسر لابد وان تكون اسم فاعل من قدَّم (بتشديد الدال ) وهي لا تخلو اما من المتعدي منه او من اللازم والاول باطل لان معناها ذات يصدر منها التقدم لقارئها على غيره والوصف المتعدي في مقام الاطلاق يذكر مع مفعوله فلو كانت المقدمة مأخوذة منه لقيل مقدمة القاري . والثاني : - يكون معناها ذات تلبست بالتقدم مع انها قد وقع عليها التقدم من المؤلف . وجوابه : انا نختار الاول ونقول : ان الاوصاف المتعدية قد تَؤخذ عنوانا بلا متعلقها فيقال جاء القائد ونختار الثاني ونقول : كونها أوقع عليها التقدم لا ينافي كونها بالذات وبالطبع متلبسة بالتقدم لاحتياج المقصود اليهافانه طالما وافق الوضع الطبع.

وثانياً : انه نقل عن الزمخشري في الفائق والاساس والفيروزبادي القاموس والسكاكي ان المقدمة لا تصح بفتح الدال والتفتازاني اقتصر في بعض كتبه على الكسر مضافا الى ان الفتح يقتضي كونها اسم مفعول من قدم (بتشديد الدال) المتعدية فيكون معناها ذات اوقع عليها التقدم مع انها مستحقة للتقدم بذاتها لا بجعل جاعل حيث يحتاج الشروع في المقصود اليها . وجوابه : ان المعنى اذا ساعد على الفتح فلا وجه للاعتماد على النقل المذكور بعد ثبوت الفتح في أصل اللغة لوجود اسم المفعول من (قدم ) المتعدي وقد حكى عن (تغلب) الاقتصار على الفتح دون الكسر

واستحقاق التقدم بذاتها لا ينافي ايقاع التقدم عليها من قبل الغير فان الوضع قد يوافق الطبع وقد يخالفه . نعم لو ثبت انها منقولة من المقدمة التي هي وصف تعين النطق بها على طبق ما نقلت منه لعدم جواز مخالفة المنقول للمنقول منه في الهيئة والمادة .

قالوا ( ان التاء في المقدمة للدلالة على نقلها من الوصفية الى الاسمية نظير الكافية والشافية والعلامة ).

ويرد عليهم ایراد واحد وهو ان التاء موجودة في المقدمة حال كونها وصفا لانها على ما زعموا وصف للطائفة المتقدمة من الجيش والمنقول يجب ان يبقى على هيئة المنقول منه فلاداعي للالتزام بتبديل تاء التأنيث بناء النقل .

جعل المنطقيون ( المقدمة التي يستعملونها في صدر كتبهم مأخوذة من مقدمة الجيش ) . ويرد عليهم ایرادات ثلاث : أولا انه لا وجه لجعلهم مأخوذة من مقدمة الجيش دون المقدمة التي هي صفة مع كثرة نقل المطلق الى المقيد هذا مع احتمال ان يكون نقل المقدمة الى مقدمة الكتاب أو العلم سابقا على نقلها الى مقدمة الجيش لاحتمال انها لم تكن منقولة لمقدمة الجيش وانما كانت مستعملة فيها على سبيل التوصيف والمنقول منه لابد من احراز سبقه على المنقول عليه في الوضع .

ان قلت : ان نقل الاسم من الاسم أولى من نقل الاسم من الصفة للسنخية فتكون منقولة من مقدمة الجيش التي هي الاسم.

قلنا : ان النقل تابع لنظر الناقل و لحاظه وليس للسنخية أي مدخل فيه صفة يمكن ان يلاحظها بما هي اسم فكما انه يمكن ان يلاحظها بما هي اسم

لمقدمة الجيش ولم يقم دليل على هذه الأولوية مع كثرة نقل الصفة الى الاسم.

ان قلت : نعم ولكن مع الشك يلحق الشيء بالاعم الأغلب ونقل الاسمالى الاسم هو الأعم الأغلب .

قلنا : لا نسلم انه اغلب من نقل الصفة الى الاسم .

ان قلت : ان العلماء قد نقلوا ذلك ونقل أرباب الفن حجة على مصطلحاتهم .

قلنا : هذا أمر ذكره المتأخرون من المؤلفين ولم يعلم موافقة المتقدمين لهم علیه فلم یعلم انه من مصطلحات المنطقين كيف : والظاهر ان مرادهم ان المقدمة كذلك سواء كانت في كتبهم أو كتب غيرهم من النحو والمعاني والبيان هذا على تقدير ان يراد بالاخذ هو النقل وأما على تقدير ان يراد بالاخذ هو الاستعمال مجازاً على سبيل الاستعارة فنقول :

ان ذلك راجع الى المستعير في مقام الاستعمال فله ان يستعيرها من المقدمة التي هي صفة وله ان يستعيرها من المقدمة التی هی السم لمقدمة الجيش فلا وجه لتخصيص الاستعارة بكونها من مقدمة الجيش هذا مع ما عرفت من عدم احراز وضع المقدمة لمقدمة الجيش ولعلها كانت مستعملة فيها على سبيل التوصيف .

وثانياً ان هذا منافي لما ذكروه من انه يجوز في المقدمة أن تقرأ بفتح الدال وكسرها اذ ان المنقول يجب ان يكون لفظه على طبق المنقول منه وعلى هيئته فلو كانت المقدمة المنقول منها مفتوحة الدال لما صح كسر الدال في المقدمة المنقولة وكذا لو كان الدال مكسوراً هناك لا يصح فتحه هنا نعم

يحتمل في المقدمة ذلك لا انه يجوز فيها ولكن الظاهر من کلمات بعض المنطقيين هو الجواز لا انه صرف احتمال.

ثالثا انه لا دليل على النقل ولا على الاستعارة ومع عدم الدليل عليهما فالاصل استعمالها في معناها الحقيقي وهو التوصيف لاصالة الحقيقة وعنده فتجوز قراءة الدال من المقدمة بالفتح والكسر .

هذا وقد استدل بعض من اشتهر بالتحقيق على كون استعمال المقدمة في هذ المقام على سبيل التوصيف لأعلى سبيل الاسمية بوجهين : الاول - ان المقدمة لو كانت منقولة من مقدمة الجيش أو مستعارة منه لوجب أن يقال في صدر الكتب مقدمة الجيش بالاضافة الى الجيش لاقطعها عن الاضافة اذ لا معنى لنقل اللفظ المفرد من المضاف او استعارته منه . اذ لابد من اتحاد اللفظ فيهما . والثاني - ان نفس المقدمة مستعملة في مقدمة الجيش على سبيل التوصيف والتاء لتأنيث الموصوف أعني الجماعة واستدل على ذلك بان صاحب الاساس عد استعمال المقدمة في الجيش من الحقيقة حيث قال قدمته وأقدمته فقدم بمعنى تقدم ومنه مقدمة الجيش ولا يخفى فسادهذين الوجهين . أما الاول - فلوضوح ان المراد لهم من كون المقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش ان المقدمة أخذت من المقدمة المستعملة في الطائفة التي تقدم أمام الجيش للاستطلاع وليست الاضافة مأخوذة في التسمية بها . وأما الثاني - فلانه أولا معارض بنقل غيره من أن المقدمة نقلت لمقدمة الجيش. وثانيا عده من الحقيقة لا ينافي كونها منقولة الى مقدمة الجيش اذ استعمال المنقول في المنقول اليه على سبيل الحقيقة وليس بلازم ان يكون استعمالها فيها على سبيل التوصيف . وثالثا - لو سلمنا انها مستعملة في

مقدمة الجيش على سبيل التوصيف فذلك لا يثبت انها مستعملة في صدر الكتب على سبيل التوصيف ايضا .

مقدمة الكتاب ومقدمة العلم

(التزم المنطقيون في مقدمة الكتاب بكونها طائفة من الكلام تنفع في المقصود وفي مقدمة العلم بكونها طائفة من المعاني يجب الاطلاع عليها فالفرق بينهما عندهم من وجهين : أحدهما كون كل منهما من مقولة غير مقولة الأخرى فمقدمة الكتاب من مقولة الكلام ومقدمة العلم من مقولة المعاني . وثانيهما ان مقدمة الكتاب تنفع في المقصود ومقدمة العلم يجب الاطلاع عليها ) . ويرد عليهم ايراد واحد وهو انه لا داعي الى جعل مقدمة الكتاب عبارة عن الكلام وجعل مقدمة العلم عبارة عن المعاني اذ مقدمة الشيء حقيقة عبارة عن الامر الذي قدم عليه ونفع فيه كما هو ظاهر معناها الوصفي فالالفاظ اذا دلت على أمور تنفع في العلم فهي باعتبار تلك المعاني مقدمة علم كما ان المعانى لو كانت تنفع في الكتاب كانت مقدمة كتاب وكذا النقوش وغيرها مما يدل على أمور تنفع في ذلك . نعم ان الذي ينفع أولا وبالذات في الكتاب والعلم هي المعاني ولكن الدال عليها باعتبار انه عنوان ووجه لها سرى النفع اليها فيصح نسبة النفع الى الالفاظ او النقوش بالعرض والمجاز . والذي ينقدح بالبال ان الذي دعاهم الى ذلك هو تخيلهم ان مقدمة الشيء لابد وان تكون من سنخه لانها جزء منه كما في الفائق للزمخشري حيث ذكر انه استعير لفظ المقدمة لأول كل شيء آه . مع جعلهم الكتاب عبارة عن الكلام لانهم رأوا ان وحدة الكتاب لا تزول مادام الكلام واحدا وان اختلفت النقوش الدالة عليه ومع اختلاف التعابير عن مسائل

العلم صار الكتاب متعددا ولذا كانت كتب النحو مثلا متعددة مع ان المسائل واحدة . وجعلهم العلم عبارة عن المعاني خاصة لانهم رأوا ان العلم لا تنثلم وحدته بتعدد التعابير فكتب النحو مثلا وان تعددت التعابير فيها الا ان العلم بينها واحد لأن المسائل الحاصلة منها واحدة فجعلوا مقدمة الكتاب عبارة عن الكلام ومقدمة العلم عبارة عن المعاني السنخية هذا مضافا الى عدم صحته في نفسه فان الكتاب والعلم ذكروا لهماعدة معاني مضافا الى ان مقدمة الشيء ليس بلازم ان تكون مسانخة له وتصريح الفائق لو سلم دلالته فهو معارض بدعوى اتفاقهم على ان مقدمة العلم خارجة عن العلم مضافا الى ان جزء الشيء لا يلزم ان يكون من سنخه .

اللهم الا ان يثبت لهم اصطلاح في ذلك وتواطىء عليه فيكون منشأ الجعل المذكور هو مجرد الاصطلاح . لكنه قد صرح بعضهم بان التقسيم حادث كما ان الذي ينقدح بالبال ان الذي دعاهم الى أن يلتزموا في مقدمة العلم بوجوب الاطلاع وفي مقدمة الكتاب بعدم الوجوب مع ان مقدمة الكتاب قد تدل على مقدمة العلم العلم هو ان مقدمة الكتاب لما كان مفادها المعاني جب الاطلاع عليها وغيرها من المعاني التي لا يجب الاطلاع عليها قالوا : بانها تنفع دون أن يقولوا ( يجب ) لان النفع يجتمع مع الوجوب وغيره . وقد كنا تتخيل في مجلس التدريس ان الوجه في ذلك هو انه لما كانت مقدمة العلم عبارة عن المعاني الخاصة فهي غير قابلة لأن يستغنى عنها ولا يستبدل بها غيرها لعدم تبدل نفَس المعاني وتغيرها بخلاف مقدمة الكتاب فانها لما كانت عندهم عبارة عن الالفاظ وهي قابلة لان تؤدى معانيها بتراكيب اخرى فهي قابلة لأن يستغنى عنها بغيرها من الكلام المؤدي لتلك

المعاني وهو فاسد لانه يمكن ان يستغنى عن تلك المعاني الخاصة بمعاني أخرى تقوم مقامها بان يستغى عن الرسم والغاية المذكوران في العلم برسم آخر وغاية أخرى كما يشاهد ذلك في أغلب طلبة العلم عند شروعهم في علم جديد فانهم يقرأونه لان باقي طلبة العلم قرؤه أو لانه مقرر دراسته عندهم من دون ملاحظة الغاية التي وضع العلم من أجلها وقد لا يعرفون شيئا من حده أو رسمه ويكتفون بأنه الذي اسمه كذا أو يقرأ بعد كذا أو الذي تقرؤه طلبة الدين كما شاهدنا نحن ذلك في أغلب من درس الحكمة أوالاصول .

ان قلت ان الوجوب على سبيل البدل بمعنى انه يجب الاطلاع على الرسم والغاية المذكورين أو على ما قام مقامهما من التعاريف والغايات .

قلنا : اذن فالتزم ذلك في مقدمة الكتاب الدالة على تلك المعاني المخصوصة فانه ايضا يجب الاطلاع عليها على سبيل البدل بمعنى انه لابد وان يطلع على تلك الالفاظ بنفسها أو ما قام مقامها من الذي يؤدي معناها .

إلا اللهم ان يقال ان اللابدية بالنسبة الى الالفاظ غير مسلمة فانه لو اطلع على المعاني بطريق الالهام او الحدس فلا يجب حينئذ أن يطلع على الالفاظ بخلاف المعاني فانه لابد وان يطلع عليها بأي طريق كان .

النسبة بين مقدمة الكتاب والعلم

قالوا : ( النسبة بين مقدمة الكتاب ومقدمة العلم عموم مطلق ) . ويرد عليهم ايراد واحد وهو : ان النسبة بينهما بالمعاني التي ذكروها لهما بحسب الصدق هو التباين لان أحدهما تصدق على الكلام والاخرى على المعاني

وأما بحسب التحقق والاجتماع في الوجود فالنسبة بينهما عموم من وجه اذ قد يجتمعان في مورد واحد كالكلام الدال على تعريف العلم وموضوعه وغايته فان نفس الكلام مقدمة كتاب ونفس المعاني مقدمة علم وتوجد مقدمة الكتاب بدونها فيما لو كان الكلام يدل على ما ينفع في المقصود كأسم المؤلف وتقسيم الكتاب ونحو ذلك وتوجد مقدمة العلم بدونها فيما لو ذكر التعريف والموضوع والغاية أثناء المقصود أو بعد المقصود کما صنع صاحب المفتاح فان الكلام الدال عليها لا يقال مقدمة كتاب لانه لم يقدم أمام المقصود ولمعانيها يقال لها مقدمة علم لكونها طائفة من المعاني يتوقف عليها الشروع في العلم . نعم لو اعتبر في لو اعتبر في مقدمة العلم التقديم أمام المقصود كانت النسبة العموم من مطلق بحسب الاجتماع والعموم في جانب مقدمة الكتاب .

محققات مقدمة العلم

قالوا : ( ان مقدمة العلم عبارة عن الموضوع والتعريف والغاية ) . ويرد عليهم ايرادات ستة . :

بانها طائفة

أولا ان هذا لا يلتئم مع ما عرفوا به مقدمة العلم لانه اما على تعريفها من المعاني قدمت أمام المقصود يجب الاطلاع اليها ويتوقف عليها الشروع لم تكن هذه الثلاثة واجباً الاطلاع عليها إذ بالرسم يستغنى عن الموضوع وبالعكس حيث بكل منهما يحصل التمييز فاذا ذكر الرسم حصل تمييز العلم عن غيره فلا يجب حينئذ الاطلاع على الموضوع لأن الموضوع انما يذكر لأجل تمييز العلم واذا ذكر الموضوع استغنى عن الرسم لحصول

التمييز به.

اللهم الا أن يقال ان الموضوع يميز مسائل العلم فانه كل مسألة وردت عليه رأى موضوعها موضوع العلم أو أن محمولها عرض ذاتي لموضوع العلم عدها منه وعرف انها منه . والتعريف يميز مجموع المسائل اعني نفس العلم إلا ان هذا خلاف تصريح المنطقيين من أن تمايز العلوم بموضوعاتها وسنبين انشاء الله تعالى فساد ذلك وان الرسم يميز المسائل .

وأما على تعريفهم لمقدمة العلم بانها طائفة من المعاني ويجب الاطلاع عليها بصيرة في الشروع فحينئذ لا وجه لتخصيص هذه الثلاثة بكونها هي مقدمة العلم بل عليهم ان يجعلوا كلما يفيد البصيرة مقدمة علم من ذكر المنفعة والسمة ومرتبة العلم ليقدم على ما يجب ويؤخر عما يجب وغير ذلك مما ينفع في العلم فان مراتب البصيرة غير منحصرة بذلك .

وثانيا ان الرسم والغاية لا يجب الاطلاع عليها بل الواجب الاطلاع على تمييزه بوجه ما ومعرفة غاية ما للشارع أي غاية كانت . - وجوابه - ان المراد بالوجوب هو الوجوب على سبيل البدل والرسم والغاية المذكوران في كتب المنطق هما من أفراد الواجب وهو التمييز بوجه ما وغاية ما .

وثالثاً ان تعريف مقدمة العلم يقتضي ان كل واحد منها يكون مقدمة العلم لأنه يتوقف عليه الشروع وحينئذ فلا وجه لجعل مجموعها مقدمة العلم كما هو ظاهر كلامهم.

ورابعاً ان الشروع في العلم لا يتوقف على الشروع في هذه الامور المذكورة أصلا لجواز أن يتصور جزءاً منه ويصدق بغايته فيحصله وهكذا في كل جزء حتى يحصل العلم بدون تصور العلم والتصديق بالغاية.

وجوابه - نعم ولكنه هذا ليس بشروع في العلم بل هو شروع في جزئه والحاصل ان قصد الشروع في كل شيء لابد فيه من تصوره وتصور الفائدة نعم حصول الشيء لا يلزم فيه ذلك لأنه قد يكون بطريق الالهام وقديكون بالنحو الذي ذكره المعترض وقد يكون بالصدفة والاتفاق ولكن هذا كله خارج عن محل الكلام لأن محل الكلام هو قصد تحصيله والشروع فيه . وخامسا ان هذا ينافي جعل المقدمة مظروفة لهذه الثلاثة انها عينها والظرفية تستدعي المغايرة . - وجوابه - ان المغايرة والظرفية هنا اعتبارية فبملاحظة هذه الامور اجمالا جعلت مظروفة وبملاحظتها تفصيلا جعلت ظرفا بضرب من التسامح والتوسع .

وسادسا ان تصور الموضوع من أجزاء العلم فكيف عده القوم من المقدمة للعلم . - وجوابه- ان الذي عدوه من المقدمة هو التصديق باموضوعية لا تصوره ولو سلمنا ذلك فنقول : ان تصور موضوعات المسائل بالعنوان الاجمالي من المقدمة والذي هو جزء من العلم هو تصور موضوعات المسائل تفصيلا ولو سلمنا فنقول : ان نفس الموضوع جزء من العلم وأما تعريفه فهو من المقدمة لتوقف الشروع في العلم عليه ولذا لم يعدوه من المبادي ويظهر من الشوارق ان القوم ذهبوا الى ان التصديق بالموضوعية من المقدمة والتصديق بوجود ذات الموضوع من أجزاء العلم .

وجه توقف الشروع على التعريف

قالوا : ان وجه توقف الشروع على تصور العلم فلان الشارع فيه لو لم يتصوره لكان طالبا للمجهول المطلق . وهو محال لامتناع توجه النفس

نحو المجهول المطلق . ويرد عليهم ايرادات اربعة :

أولا بأنه مصادرة على المطلوب لأن الطلب والتوجه شيء واحد والمحالية عبارة عن الامتناع فكان الدليل عين المدعى . - وجوابه - ان قولهم (الامتناع) من باب التنبيه على المدعي وليس بدليل عليه لبداهته . والتنبيه يكفي فيه تبديل اللفظ بلفظ آخر مع ان التوجه غير الطلب لأن الطلب ارادة الشيء والتصميم عليه والتوجه من مقدماته اذ النفس تتوجه نحو الشيء ثم تطلبه وحينئذ فاتنفاؤه انتفاء الطلب لأن عدم المقدمة يوجب عدم ذيها لتوقفه عليها .

وثانياً ان هذا الدليل لا يثبت المدعى لأن المدعى توقف الشروع في العلم على تصوره بتعريفه الحقيقي والدليل انما يثبت التوقف على تصور العلم بوجه ما ولو بوجه أعم . ودعوى ان تعريف العلم الحقيقي انما ذكر في المقدمة لا من حيث ذاته بل لأجل تحقق التصور للعلم بوجه ما في ضمنه فالمدعى هو التصور بوجه ما للعلم لا تصوره بالتعريف الحقيقي فاسدة فان الذي عدوه من مقدمة العلم هو التعريف لا التصور بوجه ما فالمقصود اقامة البرهان على توقف الشروع عليه لا على الأعم منه وقد عدوا من عيوب الدليل كونه أعم من المدعى .

وثالثاً انه لو كان طلب المجهول المطلق محالاً لزم وجود علوم في النفس لا تتناهى لأن طلب ذلك الوجه يستدعي تصوره بوجه ما فننقل الكلام الى هذا الوجه الثاني فنقول طلبه ايضا يستدعي تصوره بوجه ما وهلم جرا فيلزم وجود معلومات لا تتناهى وهو محال لان النفس حادثة . -وجوابه- ان النفس تحصل لها صور المحسوسات والبديهيات بدون طلب وتوجه

وينتهي التسلسل الى تلك الامور البديهية والمحسوسة الحاصلة بدون طلب. ورابعا بأن قولكم ( المجهول المطلق محال طلبه ) باطل لان الحكم بمحالية الطلب ان كان على المجهول المطلق فهو باطل لعدم تصوره اذا كان مجهولاً مطلقاً وان كان على المعلوم لزم اتصاف المجهول المطلق بالمعلومية وهذا ينافي الجهل به مطلقا.-وجوابه - ان المحكوم عليه هي الافراد لا عنوان الموضوع فالمجهول بعنوانه معلوم وهو عنوان للأفراد التي فرضها العقل مجهولة مطلقا فهذه الافراد قد تصورها العقل بهذا العنوان وحكم عليها فالعنوان معلوم والمحكوم عليه حقيقة المجهول مطلقا فالعقل قد جعل لما حكم عليه بالمحالية عنوانا حاكيا عنه .

ان قلت : ان هذه الحقيقة اذا تصورها العقل بهذا العنوان فقد خرجت عن كونها مجهولة مطلقا .

قلنا : العقل قد حكم عليها لا باعتبار تصورها بهذا المعنى وان كان حال حكمه قد تصورها بذلك العنوان لكنه عند حكمه قد فرضها غير متصورة وللعقل أن يفرض حتى المحال فيحكم عليه كما يحكم على الماهية من حيث هي بأنها ليست إلا هي مع انها موجودة بالوجود الذهني ولا يكون حكمه إلا من جهة عدم الاعتبار لهذا الوجود .

علل المنطقيون ( إفادة التعريف الشروع على بصيرة بأنه بتعريف العلم يقف على جميع مسائله إجمالاً حتى أن كل مسألة ترد عليه تمكِّن من معرفة انها منه أم لا ) . ويرد عليهم ایرادان :

أولاً أن التعريف هو الجامع لافراد المعرَّف المانع من غيرها لا لأجزائه فالحيوان الكاتب بيده الذي هو تعريف للانسان انما يميز أفراده عن غيرها

لا اجزاءه كيده ورأسه وعنده فلا معنى لزعم القوم ان تعريف العلم يميز مسائله عن غيرها اذ هي لیست افراده بل اجزاءه وقد كان لهذا الاشكال على تعليل القوم وقع في نفوس بعض المحققين فسلكوا في الجواب عنه مسالك غير صحيحة .

وأقول ان التحقيق في الجواب عنه ان العلم لو قلنا أنه كلي لمسائله ومسائله أفراد له فلا اشكال لأن شأن التعريف أن يميز الافراد وان قلنا أنه كل لمسائله ومركب منها كما هو مذهب الاغلب، فيكون مركبا اعتباريا والمركب الاعتباري تمييزه عن غيره قد يكون بامتياز أجزائه عن غيرها اذ ليس له حقيقة يمتاز بها عما عداها الا حقيقة أجزائه فاذا اريد استحضار صورته في الذهن ليمتاز عما عداه يستحضر صورة أجزائه الممتازة عما عداها بذكر خاصة مشتركة فيما بينها ولا توجد فيما عداها كما اذا أريد أن يعرف لك الرجال العشرة الذين قتلوا عمراً قيل هم الذين لابسوا الثياب الزرق عيونهم كذا وانوفهم كذا فانه حينئذ كل شخص ورد عليك تتمكن من معرفة أنه أولئك الرجال أم لا فحينئذ بهذه الخاصة يمتاز المركب عما عداه ويمتاز أجزاؤه عن أجزاء غيره وقد يكون بخاصة للمركب يكون كل جزء منه له دخل في حصولها كأن كان المركب انما التئم من هذه الاجزاء بلحاظ ترتب هذه الفائدة عليه فيكون الرسم يميز المركب بالذات ولأجزائه بالعرض.

وثانيا انهم ان ارادوا تعريف العلم بهذا التعريف المذكور في صدر كتبهم فالدليل المذكور لا يثبت توقف الشروع على بصيرة عليه اذ بكل تعريف للعلم يحصل ذلك وان أريد تعريف العلم بتعريف ما فالدليل المذكور

وان كان يثبت ذلك الا انه خلاف المدعى لأن المدعى توقف البصيرة في الشروع على هذا التعريف المذكور في صدر الكتب . - وجوابه - ان المدعى هو الثاني أعني توقف الشروع على بصيرة على مطلق التعريف لأن الذي عدوه من مقدمة العلم هو مطلق التعريف لا خصوص هذا التعريف المذكور في صدر كتبهم .

التوقف على بيان الحاجة

علل المنطقيون ( إفادة بيان الحاجة للشروع على بصيرة بأنه لو لم يعلم غاية العلم والغرض منه لكان طلبه عبثاً وبأن معرفتها تزيد الطالب جداً و نشاطاً ).

أقول : هذا المقام فيه نظر من جهات ثلاثة عشر :

الأولى ان عدم العلم بغاية العلم لا يوجب ان يكون طلبه عبثا اذ قد يتعلمه لغاية أخرى كأن يعلم الغير به كالفقير يتعلم الحساب ليعلِّم أهل التجارة به أو يدفع به كيد أهله كبعض الزهاد يتعلم السحر ليدفع كيد السحرة فاللازم في مقام التعلم للعلم هو معرفة منفعة يتحمل لأجلها مشقة تحصيل العلم سواء كانت هي الغرض من العلم أم لا فالاولى ان يقال ان الناس تحتاج اليه من جهة هذه الفائدة المرتبة عليه ولا داعي لهم على ترتيب العبثية على عدم العلم بالغاية التي ذكروها له .

الثانية أنه لم يكن في صدر كتب المنطق ما يوجب التصديق بالحاجة اليه ولا ما يوجب العلم بالغاية له وانما الموجود في صدرها هی اثبات الاحتياج الى علم يعصم الذهن عن الخطأ إما أن هذا العلم هو المنطق وان

علم المنطق يفي بهذه الغاية فلم يقيموا على ذلك برهانا كيف والعلم بالغاية انما يحصل للشخص الذي درس العلم فانه عند ذلك يشعر بحصول هذه الغاية من هذا العلم له أم لا وهكذا سائر العلوم والذي هو من مقدمات الشروع هو بيان الحاجة لنفس هذا العلم الذي يراد الشروع به لا إثبات الاحتياج الى علم ما تحصل به تلك الحاجة . - والحاصل -- ان ما يحصل التصديق به هو الاحتياج لعلم يفي بتلك الغاية وهو ليس من مقدمات الشروع ولا يرفع العبث عن طلب العلم الذي يراد الشروع به لعدم التصديق بانها هي غايته والذي هو من مقدمات الشروع عندهم هو التصديق بأن هذه الغاية غاية لهذا العلم الذي يراد الشروع به .

نعم انما يحصل الظن بترتب الغاية على هذا العلم من جهة ان أهل الخبرة وهم أرباب الفن قد أخبروا بترتبها عليه فاذا كان مرادهم بالعلم بالغاية ما هو أعم من الظن فلا اشكال لكنه على هذا يكون مجرد اخبارهم بذلك كاف ولا حاجة لاثبات الحاجة للعلم ثم بيان ان هذا العلم هو علم المنطق مع انه يلزم ان یصح الاستغناء بالرسم المشتمل على الغاية عن ذكرها لأنه لا أقل من أن يحصل منه الظن بالغاية .

ان قلت : ان الرسم يستلزم تصوّر الغاية المشتمل عليها لانه من التصورات كما ذلك زعم بعض المحققين

قلنا : الحد والرسم يجب أن يصدّق بثبوتهما للمحدود حتى يرتب أثرهما عليه وهو التمييز بهما فان من لم يحصل له التصديق بما اشتمل عليه الحد والرسم لا يعقل أن يميز أفراد المعرَّف عن غيره . وحصول التصديق بثبوتهما للمحدود كما يحصل من اقامة البرهان يحصل من اخبار

من تعتمد عليه النفس فيهما وكأن الخصم لمَّا رأى ان الحد والرسم قد جعلهما المنطقيون من المعلوم التصوري تخيل انه يكفي فيهما التصور ولا يعلم ان منشأ الجعل هو انه بتصوره يتصور افراد المحدود ويميزها عما عداها والا فالتعريف لا يجعل مقياسا وميزانا الا بعد التصديق به وبعد التصديق به تحصل معرفة الافراد وتمييزها فتأمل فانه يمكن ان يقال بل قد

قيل انه بمجرد التصور للتعريف يحصل تصور المعرُّف .

نعم لما كان الرسم قد لا يشتمل على الغاية فيذكران معاً تعارف ذكر كل منهما على حدة حتى مع اشتماله عليها .

الثالثة ان قولهم تذكر الغاية ليزداد الشارع في العلم جدا ويحصل له نشاطاً لا لأجل توقف الشروع عليها لما نراه من أن كثيراً من الطالبين للعلوم كالنحو والصرف يحصلها مع الذهول عن الغاية والى هذا يميل سعد الدين التفتازاني في السعدية فاسد لما تقرر في محله انه لابد للفاعل المختار عند شروعه في الفعل من أن يتصور له فائدة وغاية . أن يتصور له فائدة وغاية . نعم غاية العلم لا يلزم معرفتها بخصوصها كما قدمنا .

الرابعة ان العلوم الحكمية تطلب لأنفسها من دون معرفة الحاجة اليها فلو كان الشروع موقوفا على بيان الحاجة لما صح الشروع فيها بدون بيان الحاجة لها وفيها ما لا يخفى لما ذكرناه مراراً من استحالة الطلب بدون معرفة الفائدة والعلوم المذكورة قد تطلب لأجل اتصاف الطالب بها لشرفها أو كمال النفس بها أو لتعليم الغير بها .

الخامسة انه لابد من اثبات انغاية العلم لا تحصل من غيره ولا يكفي اثبات حصولها به فقط اذ الحاجة الى الشيء في أمر انما تثبت ذلك لو انحصر

حصول ذلك الامر به وفيها مالا يخفى فان المطلوب ترتب تلك الغاية عليه حتى لا يكون الطلب عبثاً ولذا الذي عد من مقدمات الشروع هو بيان الغاية لاوجه الحاجة ومن عدوجه الحاجة منهم فمراده به بيان الغاية .

السادسة ان توهم الفائدة تكفي في الشروع في الشيء ولا يكون

طلبه عبثا فان العقلاء بآمالهم وأمانيهم لفوائد يقومون بالاعمال وطالما رأينا كثيراً من أهل الرياضات يفعلونها لاحتمال حصول الفائدة بها غاية الأمر یجب أن يكون احتمالا عقلائيا بل بعض الفوائد المهمة جدا احتمال حصولها من عمل کاف في الشروع به وبهذا ظهر لك فساد ما اشتهر من لزوم ترتب الفائدة على الشيء في الخارج مع ان بعض العلوم كعلوم العربية لا تترتب عليها فوائدها في الخارج الا بضم بعض المقدمات اليها كحسن التطبيق ونحوه فان مجرد الظن والاحتمال العقلائي لترتبها كافي في تشويق النفس اليها .

السابعة انه لابد من اثبات اختصاص الفائدة والغرض بهذا العلم والا لزم الترجيح بلا مرجح فانه كما لا يمكن التوجه ما لم يشعر بالفائدة كذلك لا يمكن التوجه ما لم يعتقد باختصاصه بتلك الفائدة والا لزم الترجيح بلا مرجح فكان الواجب ان يعد من مقدمات الشروع اختصاص الفائدة بالعلم .-وجوابها - ان الترجيح لا يتوقف على العلم بالاختصاص بل بمجرد سهولة المنال أو جري العادة على ذلك أو عدم الاطلاع مع حصولها بغيره الى غير ذلك .

الثامنة ان الدليل المذكور انما يثبت ان الشروع والطلب لابد وان تكون له فائدة ولا يثبت ان لنفس العلم لابد وان تكون فائدة كما يقال ان بعض

من يدرس العلم يدرسه ليكون مصداقا لكونه مشتغلا به ليعطي بعض الموقوفات لا لاجل فائدة العلم . - وجوابها - ان الدليل يثبت ان المعتبر حصول الفائدة في المطلوب والمشروع فيه فان الطلب للشيء يقتضي كون متعلقه ذو فائدة والا لما كان وجه الارادته وطلبه واما لو كان نفس الشروع والطلب فيه الفائدة لكانا هما المطلوبان ولوجب تعلق الطلب بهما . التاسعة انه لا وجه لعد الطلب عبثا لو لم يعلم بالفائدة المرتبة على العلم لجواز أن يترتب عليه فائدة أخرى بعد الشروع فيه تكون اكمل منها وأحسن فلا يكون سعيه عبثاً . - وجوابها - نعم ولكن مقصود المستدل ان الطلب لا يصدر من الطالب العاقل عند عدم الشعور بالفائدة لأنه يراه عبثاً ولغوا فترتب الفائدة عليه بعد الشروع فيه لا یصحح صدور الطلب منه لعدم شعوره بالفائدة .

العاشرة ان أراد المستدل بان الشارع لابد وأن يعلم بأن للعلم فائدة ما وان لم يعينها ما هي فهو اجنبي عن المقام اذ المقصود إثبات توقف الشروع على معرفة غاية العلم وان أراد بأن الشارع لابد وان يعرف الفائدة بخصوصها فالدليل لا يثبت ذلك لأن الطلب العبث يزول بمعرفة ان له فائدة ما وان لم تشخص بنحو ما ذكر في تعريف العلم . وجوابها ان الشعور بأن له فائدة مالا يخرج الطلب عن كونه طلبا عبثا فان العاقل يرى نفسه عابثاً لو لم يشخِّص الفائدة.

الحادية عشرة ان هذا الدليل انما يستقيم على مذهب الحكماء والمعتزلة القائلين بتوقف الطلب والارادة على اعتقاد النفع وأما على رأي الاشعرية القائلين بوجود الارادة بدون اعتقاد النفع فلا يتم الدليل لإمكان

حصول الطلب بدون اعتقاد النفع .

الثانية عشرة انه يلزم على هذا الدليل ان لا يقع العبث في الافعال الاختيارية مع انه لا شك في وقوعه ولذا العقلاء يحترزون عنه . -وجوابها - ان العبث الواقع والذي يحترزون عنه العقلاء هو العبث عند العرف الذي يطلقونه على الفعل الذي يقصد منه فائدة غير معتد بها وأما الفعل بلا فائدة أصلا فمحال صدوره اختياراً للزوم الترجيح بلا مرجح في الارادة .

الثالثة عشر ان علماء كل فن قالوا بترتب غايته عليه مع انا نجد بعض العلوم لا تترتب فوائدها عليها كعلوم العربية . - وجوابها ان ذلك یرجع لاهمال بعض شروط ترتب الفائدة كحسن التطبيق ونحوه وقد تقدم في السادسة ما ينفعك .

التوقف على بيان الموضوع

علل متأخروا المنطقيين ( إفادة بيان الموضوع للشروع على بصيرة بأن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات فلو لم يعرف الشارع في العلم ان موضوعه أي شيء هو لم يتميز العلم المطلوب عنده ولم يكن له في طلبه بصيرة . ومعرفة ذلك موقوفة على التصديق بموضوعيته ) . ويرد عليهم ایرادات ثمانية :

أولا توقف الشروع على معرفة الموضوع ليس الا من جهة حصول التمييز به كما هو مقتضى تعليلهم وهو حاصل بالرسم فهو مستغن عنه .

وما قيل من أنه يفيد زيادة البصيرة ويميزه تمييزاً اعتبره المدون له

لا يدفع الاشكال لأن محل الكلام هو البصيرة لا زيادة البصيرة وإلا لكان من مقدمات العلم أشياء أخر مما يتوقف الشروع على زيادة البصيرة عليها كأسم المؤلف ومرتبة العلم .

ومن هنا ظهر فساد ما ذكره بعض المحققين في مقام الدفع عن هذا الاشكال من أن الرسم يميزه بحسب العوارض والموضوع بحسب الذات وذلك لأن المطلوب هو حصول التمييز سواء كان بأمر عارض أو داخل وهو حاصل بالرسم - واجيب - عنه بأن تصور العلم بالخاصة لا يميز العلم عما عداه فان بعض المسائل تكون مشتركة بين العلوم كمسألة الجمع والمثنى فانها مشتركة بين النحو والصرف فغاية ما يحصل من تصور العلم برسمه ان هذه المسألة من مسائله ، ولا يعلم انها ليست من مسائل العلم الآخر الا اذا حصل العلم بالموضوع فانه ح يعلم انها من مسائل هذا العلم بهذه الحيثية ومن مسائل ذلك العلم بتلك الحيثية .

وثانيا ان الشيء انما يكون مقدمة بالجهة الموجبة للشروع في العلم على بصيرة فمثلا التعريف له جهتان الاولى وهي التصديق بكونه تعريفا لهذا الشيء والثانية استدعاء تصوره لتصور أفراد المحدود بحيث تتميز عما عداها وهذه الجهة الثانية وان كانت موقوفة على الاولى الا ان المقصود من التعريف هو الجهة الثانية لأنه بها يحصل التمييز لا بالأولى بمعنى ان التعريف انما يذكر باعتبار الجهة الثانية لأن المقصود منه هو التمييز وهو انما يحصل بها .

ومن هنا اتفق المنطقيون على ان تصور الرسم من مقدمات الشروع لأن الرسم انما يجعل من مقدمات الشروع باعتبار حصول التمييز به وهو

انما يحصل بالتصور له وهكذا الكلام في الغاية فانها لها جهتان تصورها والتصديق بكونها غاية للشيء وهي بالجهة الثانية من مقدمات الشروع لأن التصديق بها أو بما قام مقامها هو الذي يتوقف عليه الشروع لا على تصورها .

اذا عرفت هذا فنقول : ان الموضوع انما يذكر في مقدمة الشروع انما هو باعتبار تمييزه للعلم عما عداه كما يظهر ذلك من بيان وجه توقف الشروع على بصيرة عليه والتمييز بالشيء انما يحصل بتصور المميز لا بالتصديق به فلا معنى لعد التصديق بالموضوعية من مقدمات الشروع .

وهذه الشبهة اختلجت بالبال وقد قررناها لبعض المحققين فلم يطق الجواب عنها ولكن بعد هذا انكشف لنا صحة ما ذهب اليه المنطقيون وذلك لأن المميز إن كان وجها للمميز (بالفتح) بأن كان تعريفاً له فالأمر كما ذكر بأنه بتصوره يتصور المعرف ( بالفتح) لأنه وجهاً له وعنواناً حاكياً عنه وأما اذا لم يكن وجها ولا تعريفا ولا منطبقا عليه كما هو شأن الموضوع بالنسبة الى العلم فلا يكفي تصوره في التمييز لأن تصور نفسه لا علاقة له بالعلم وتصور موضوعيته بدون التصديق بها لا يوجب ان يكون منفرداً عن سائر العلوم بهذا الموضوع عند المتصور بل تكون نسبته الى سائر العلوم على حد سواء فلابد من التصديق بموضوعيته له فانه هو الذي يميزه فالتصديق بموضوعية الكلمة للنحو هو الموجب لتميز النحو عما عداه وهذا الامر لا يختص بالموضوع بل كل شيء تكون نسبته هي الموجبة لتميزه به يكون التصديق بها هو المميز عند الطالب

وثالثاً انه اشتهر عند المتأخرين من أن الموضوع ليس بمميز للعلم وإنما

المميز له الاغراض الداعية الى تدوينه والا لكان كل باب من كل علم علما على حدة لتغاير موضوعاتها كما هو واضح .

ولا يخفى بطلانه لأن مميز الشيء انما يوجب تمييزه عما عداه في القدر المشترك بينهما وليس بعلة موجدة للقدر المشترك فاذا قلنا اللونية تمیز الانسان بعضه عن بعض فمعناه ان أفراد الانسان تمتاز عما يشاركها في الانسانية باللونية وليس معناه ان اللونية أينما وجدت وجب عد الشيء انسانا وهكذا اذا قلنا ان التعريف مميز للعلم معناه انه يميز كل علم عما يشاركه في كونه علما وليس بموجب لعد كل معرف علما حتى لو كان المعرف موضوعا خارجيا . فالموضوع ايضا كذلك فانه يميز علما عن علم في أمر اشتركا فيه وهو كون كل منهما علماً محتوياً على مسائل متعددة ويميز مسألة عن اخرى في الأمر الذي اشتركا فيه وهو كون كل منهما مسألة فليس شأن الموضوع الا التميز فقط بأن يميز كل شيء عما عداه فيما اشتركا فيه وليس بموجب لعد الشيء من ذلك المشترك أينما وجد فهو علامة فارقة وليس بعلة موجدة .

ورابعاً بعدم الدليل على وجوده حتى يجعل التمييز به .

ولا يخفى ما فيه فانه لو سلم فالمراد بتمايز العلوم بتمايز الموضوعات هو تمايز العلوم التي لها موضوعات كما يقال تفاوت الرجال بتفاوت العقول وتفاضل الاعمال بالغايات فان المراد تفاوت الرجال العقلاء بذلك وتفاضل الاعمال المغيات بذلك ولا اشكال في انه اكثر العلوم لها موضوعات مضافاً الى ان منشأ وجود الموضوع للعلوم هو انه لما كان كمال الانسان معرفة اعيان الموجودات من تصوراتها والتصديق بأحوالها بقدر

الطاقة البشرية ولما كان معرفتها باشخاصها وجزئياتها متعذر لعدم تناهيها أخذوا المفهومات الكلية الصادقة عليها وبحثوا عن أحوالها ولما كانت الاحوال متكثرة ومنتشرة وضبطها متعسر اعتبروا الاحوال الذاتية لكل مفهوم وجعلوها منفردة بالتدوين فذلك المفهوم هو الموضوع للعلم و سيجيء ء انشاء الله ما ينفعك هنا .

وخامسا انه يجوز تمايز العلوم بحسب المحمول بأن يكون محمولات العلم راجعة الى أمر واحد كمحمولات علم النحو فانها ترجع الى أمر واحد وهو الاعراب فلا وجه لحصرهم التمايز بالموضوعات.- وجوابه-ما عرفت من ان مرادهم ان العلوم التي لها موضوعات تكون متمايزة بها وهذا لا ينافي انها تتمايز بالمحمول اذا كان جامعة لمحمول المسائل.

وسادساً ان لازمه عدم اشتراك علمين في موضوع واحد مع إنا نجد العلوم العربية مشتركة في موضوع واحد وهو الكلمة والكلام العربي .

ان قلت : ان الموضوع فيها مختلف باختلاف الحيثيات .

قلنا : إن اريد الحيثيات التعليلية فهو فاسد لان علة وجود الموضوع مشتركة بين الجميع وعلة موضوعيته للعلم هو نفس البحث عن عوارضه الذاتية وهي ايضا مشتركة بين الجميع وان اريد الحيثيات التقيدية فلابد أن تكون منتزعة من محمولات ذلك العلم لتخصيص الموضوع بذلك العلم وهو أيضاً فاسد لأنه يلزم أن تكون مسائل العلم كلها ضرورية لأن البحث فيها عن عوارض موضوع العلم وهو مقيد بها فتكون من قبيل القضايا بشرط المحمول خصوصا ما كان موضوعها عين موضوع العلم أو نوعه -وجوابه - ان المراد الحيثية التقيدية التي تنتزع من الغاية التي دون لها

العلم فالكلمة من حيث صون اللسان يبحث عنها أو من حيث الاعراب والبناء يبحث عنها ودعوى ان هذه حيثية راجعة للبحث اذ البحث في النحو لا يقع عن جميع عوارض الكلمة الذاتية بل عن خصوص عوارضها الذاتية من حيث صون اللسان فالحيثية قيد للبحث لا للموضوع ضرورة ان الفاعل بما هو فاعل موضوع للرفع لا من حيث صون اللسان موضوع للرفع فاسدة فان المراد الجهة التي يثبت بها للشيء دخل في الغرض تعتبر قيدا لموضوعه فان الشيء بحسب استعداداته المختلفة التي لأجلها يثبت له أغراض مختلفة تكون له عناوين متعددة فبكل عنوان يكون موضوعا لعلم وانما نعبر بالاعراب والبناء مثلا لانه لا طريق الى معرفة تلك العناوين فنشير الى الموضوع بذلك فتكون محددة للعوارض التي يبحث عنها مع انه يقال انحيثية البحث لابد وان ترجع الى الموضوع لأن معنى البحث عن الشيء عبارة عن استعلام احواله ومعنى البحث عنه من حيث كذا عبارة عن استعلام الاحوال الطارئة عليه بواسطة الحيثية المذكورة فان البحث عن زيد من حيث العلم عبارة عن الاحوال الطارئة عليه من حيث علمه وهو عبارة أخرى عن استعلام أحوال العالمية المنطبقة على زيد ونفس الاستعلام غير قابل للتقيد اذ الاستعلام لا يتقيد بالاعراب والبناء ولا بالصحة والاعلال ففي الحقيقة يكون الموضوع هو نفس عنوان الحيثية المنطبق على الموضوع .

وسابعا ان ذلك يقتضي ان الموضوع خارج عن العلم مع انه قد عدوه من أجزاء العلم . - وجوابه - تقدم في محققات المقدمة .

وثامنا ان التصديق بالموضوعية انما يتحقق بعد كمال العلم فاذا قلنا الكلمة موضوع النحو لأنها ينظر في عوارضها الذاتية لم يعرف ذلك الا

بعد الاحاطة بعلم النحو وح فلا وجه لعده من مقدمة العلم . - وجوابه - نعم ان المراد التصديق بالموضوعية على سبيل الاجمال فأنه من المقدمات وما ذكر كان تصديقا تفصيليا وهو متأخر عن العلم .

موضوع العلم وتقسيم العرض الى ذاتي وغريب

قالوا : (موضوع كل علم ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية . وفروا العوارض الذاتية بالخارج المحمول العارض لذات الشيء بلا واسطة أو بواسطة المساوي أو بواسطة جزئه وجعلوا المقابل لها هي العوارض الغريبة وفسروها بالعارض بواسطة الامر الخارج الاخص أو الاعم مطلقاً أو من وجه أو المباين واستدلوا على ذلك بأن المقصود في العلوم بيان أحوال موضوعها والاعراض الذاتية للموضوع أحوال له ومستندة اليه دون الاعراض الغريبة فانها اجنبية عنه ) . ويرد عليهم اربعة وعشرون ایرادا .

أولا : ان هذا لا يتم يتم في العلم اذا كان بمعنى الملكة أو الادراك فان موضوع العلم ح هو نفس الشخص العالم به لأنه قائم به وحال فيه و انما يحسن فيما لو جعل العلم عبارة عن المسائل . -وجوابه - ان محط نظرهم هو العلم بمعنى المسائل فانَّه هو المقصود تمييزه عمَّا عداه . والشروع إنما يكون في العلم بهذا المعنى لا بالمعاني المذكورة .

وثانيا انه أي وجه لتعريف مطلق الموضوع للعلم في مقدمات الشروع وكان ينبغي الاكتفاء بذكر نفس موضوع المنطق كما في التعريف والغاية فانهم ذكروا نفس تعريف المنطق وغايته دون تعريف مطلق التعريف والغاية -وجوابه- انهم لما جعلوا التصديق بالموضوعية من مقدمات الشروع

تعرَّضوا لتعريف مطلق الموضوع لأن التصديق بالشيء فرع تصوره . واما التعريف فان المقدمة للشروع هو تصوره . وأما الغاية فهي وان كان يطلب التصديق بها الا ان مفهوم الغاية بدهي بخلاف الموضوع لذا احتاجوا الى بیانه دون غيره .

وثالثا : ان التعريف للموضوع يصدق على المساوي للموضوع لان كل عرض ذاتي لأحد المتساويين عرض ذاتي للآخر . --- وجوابه --- لو سلمنا ذلك وان كل عرض ذاتي لأحد المتساويين عرض ذاتي للآخر الا ان البحث في العلم لما كان من عوارض الموضوع بما هي عوارضه لم يصدق التعريف على المساوي له لانه في العلم لا يبحث عن عوارضه بما هي عوارضه .

ورابعا : ان تعريف الموضوع يقتضي ان لا تكون من مسائل العلم شرطية ولا حملية سالبة لعدم البحث فيهما عن عوارض الموضوع اذ الشرطية انما يبحث فيها عن التلازم بين قضيتين وفي السالبة يبحث عن السلب وعدم الربط والسلب ليس من العوارض اذ العارض ما يثبت للشيء ويحمل عليه والسلب لا حمل فيه ولا ربط . - وجوابه - انا نلتزم بذلك أو نرجع

الشرطية الى الحملية ونرجع السالبة الى الموجبة المعدولة المحمول .

وخامسا : ان هذا التعريف يصدق على موضوع المسألة والباب وان لم يكن نفس موضوع العلم فانه يبحث في تلك الباب والمسألة عن عوارضه وهي جزء من العلم . - وجوابه - ان البحث في المسألة أو الباب ليس عن عرض موضوعها من حيث انه عرض لنفس موضوعها بل من حيث انه عرض لموضوع العلم والبحث يختلف باختلاف الحيثيات مضافا الى انا نلتزم بأن المسألة والباب في حد ذاتهما علم موضوعهما موضوع علم .

وسادسا : انه يلزم خروج المسائل البديهية عن العلم لعدم الاحتياج فيها الى البحث لأن البحث اثبات النسبة الايجابية أو السلبية بالدليل وبعبارة أوضح ان عوارض الموضوع البديهية الثبوت تكون المسائل المشتملة عليها خارجة عن العلم لعدم الاحتياج الى البحث فيها . وعليه فتخرج مثل مسائل الشكل الاول عن علم المنطق . - وجوابه - ان البحث هو اثبات النسبة الايجابية أو السلبية بالدليل أو بالتنبيه فما احتاج من المسائل الى ذلك كانت من مسائل العلم والا فهي بديهية جلية لا فائدة في ايرادها في العلم .

وسابعا : ان العارض لطبيعة الموضوع دون افراده من الاعراض الذاتية مع انه لم يبحث عنه في العلم لأن مسائل العلم هي القضايا المتعارفة أعني المحصورات والعارض للطبيعة تكون المسألة منه قضية طبيعية وسيجييء انشاء الله انها لا يبحث في العلم عنها وجوابه أنه لابد في العلم انيبحث عن العواض الذاتية للموضوع ولكن لا يلزم ان يكون كل عرض ذاتي له يبحث عنه ولذا قلنا ان العرض الذاتي اذا كان بديهي الثبوت فلا يبحث عنه. ولو سلمنا ذلك كما ربما يدعى انه ظاهر التعريف بناء على ان اضافة الجمع الى الضمير تفيد العموم فهو اذا لم يكن هناك مانع كعدم الحاجة الى البحث أو كون القضية طبيعية .

وثامنا : ان العلم كما ذكروا في صدر كتبهم عبارة عن نفس المسائل فيكون موضوع العلم هو نفس موضوعات المسائل والا لكان العلم غير المسائل حيث ان اختلاف الموضوع فيهما ولو بجهة يوجب التغاير بينهما لان موضوع الشيء الواحد يكون واحدا فظهر ان موضوع العلم ليس بأمر واحد يبحث عن عوارضه ويقع به التمييز بل هو أمور متعددة بتعدد الابواب

والمسائل . - وجوابه - لو سلمنا ذلك وكانت الاضافة في قولهم موضوع العلم من قبيل اضافة الجزء الى الكل كان الامر كذلك بل هي اضافة بمعنى اللام وهي تصح لأدنى مناسبة فبأعتبار ان هذا الكلي يبحث في العلم عن عوارضه نسب الى العلم نظير ما يقال تعريف العلم فانه ليس المراد تعريف كل مسألة مسألة منه .

وتاسعا : انه لا وجه لتقييد موضوع العلم بما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية وذلك لان موضوع العلم انما هو الكلي الجامع لموضوعات مسائل العلم ومن المعلوم ان الميزان في جمع المسائل هو دخلها في الغرض الذي دوَّن له العلم ومن الممكن ان تكون بعض المحمولات فيها عرضا غريبا للقدر الجامع بين موضوعاتها . - وجوابه - ان الموضوع انما نقول به في

العلم الذي دوَّن لمعرفة حالات شيء خاص وح فلابد وان يذكر في مسائل العلم ما هو من حالاته والعرض الغريب ليس من حالات الشيء نعم لو دون لأجل غاية خاصة فلا يلزم حينئذ وجود الموضوع فضلا عن كون محمولات المسائل اعراضا ذاتية له .

وعاشرا : ان ظاهر التعريف ان موضوع العلم يقتضي ان يكون أمرا واحدا لا أمرين متباينين اذ لو كان متعددا لزم ان تكون كل مسألة باحثة عن عرضهما فيكون لكل مسألة موضوعان وهو غير صحيح مع انا نرى أن علم النحو موضوعه متعدد حيث يقال ان موضوعه الكلمة والكلام وهكذا علم المنطق يقال موضوعه المعلوم التصوري والتصديقي وهكذا علم الاصول موضوعه الادلة الاربعة والحاصل ان مسائل هذه العلوم ان كان كل واحد منها تبحث عن عوارض مواضيعها المتعددة لزم أن تكون كل مسألة واحدة

ذات موضوعين وهذا ينافي وحدتهاوان كان بعض مسائله يبحث عن موضوع والبعض الآخر يبحث عن موضوع آخر لزم تعدد العلم وهو ينافي وحدته مع انه يلزم ان لا يبحث في العلم عن العرض الذاتي لموضوعه لأن اعراض الموضوع الآخر ليست باعراض للموضوع الاول . -وجوابه- ان جميع ما تخيل ان موضوعه متعددفهو يرجع لموضوع واحد فالنحو يكون موضوعه اللفظ العربي والمنطق موضوعه المعلوم والاصول موضوعه الدليل ولهذا قال بعضهم على ما يبالي انه لابد من وجود المناسبة بين الموضوعات المتعددة لعلم واحد .

وحادي عشر : انهم ماذا أرادوا بالواسطة فان كانوا أرادوا بالواسطة الواسطة في الاثبات أعني الموجبة للعلم بثبوت العارض المعروضه فهو فاسد لأن الثابت بلا واسطة يقتضي ان يكون بديهيا وح فلا وجه للبحث في العلم عنه مع ان الخارج الاخص أو الاعم اذا كان واسطة في اثبات العارض لذي الواسطة لم يخرجه احد من مباحث العلم ويعده عرضا غريبا وان أرادوا بالواسطة الواسطة في الثبوت أعني الموجبة لعروض العارض للمعروض حقيقة واتصافه به على سبيل الحقيقة . بلا عناية ولا مسامحة سواء كانت هي ايضا متصفة به أم لا فهو ايضا فاسد فانه يقتضي أن يكون نوع العوارض من العوارض الغريبة لأن الواسطة في اتصاف المعروض بها أمر مباين وهو المبدأ الفياض ويقتضي أن يكون عروض مثل الوجود للماهيات عرض غريب لأنه بواسطة أمر مباين لها وهو الذات المقدسة وان أرادوا بالواسطة الواسطة في العروض بمعنى الموجبة لنسبة العارض الى المعروض بالمسامحة والعناية والمجاز وكانت متصفة بالعارض علي سبيل الحقيقة كما هو مصطلح أهل المعاني والبيان فهو

ايضا فاسد لأن هذا التقسيم للعارض حقيقة لا العارض مجازا فان الاعراض التي جعلوها غريبة المعروضاتها تنسب المعروضاتها على سبيل الحقيقة لا على سبيل المجاز وان أرادوا بالواسطة الواسطة في العروض بمعنى المتصفة بالعارض وموجبة لاتصاف ذي الواسطة حقيقة كالشرط والجزء والمعد ويقابلها الواسطة في الثبوت التي هي خصوص العلة الفاعلية المستقلة بالوجود كما هو مصطلح الفلاسفة فهو ايضا فاسد لانه يلزم أن يكون العارض بواسطة الخارج الاعم أو الاخص اعراضا ذاتية اذا كان الاخص أو الاعم واسطة في الثبوت لأن العرض الغريب على هذا خصوص ما اذا صار الاعم أو الاخص أو المباين واسطة في العروض . وجوابه - ان المراد بالواسطة هي الواسطة في العروض بمصطلح الفلاسفة فانه مضافا الى تصريح اكثرهم بذلك انك تجدهم يعللون كون العارض بواسطة المساوىء من الاعراض الذاتية بان المستند إلى المستند الى الشيء مستند لذلك الشيء فلو كان المراد الواسطة في الثبوت لكان العارض بواسطة المساوي مستند للمعروض حقيقة مضافا الى عدهم السطح من العوارض الذاتية للجسم مع انه عارض له بواسطة النهاية وعدهم الالوان عارضة بالذات للسطح مع انها عارضة بواسطة الملون فلو لم يكن المناط عندهم في العرض الغريب هو الواسطة في العروض لما كانت هذه الاعراض اعراضا ذاتية العروضها بالواسطة في الثبوت وهكذا لزم أن يكون نوع الاعراض الثابتة من الله تعالى للاشياء اعراضا غريبة عندهم مضافا الى لزوم كون أغلب العلوم تبحث عن الاعراض الغريبة فان الرفع واخويه يعرضان للكلمة بواسطة المتكلم أو العامل وهو أمر مباين . ودعوى لزوم أن العارض بالواسطة في الثبوت اذا كانت أعم أو أخص من الأعراض الذاتية

لا ضير فيها فانا ندعي ان الاخص أو الاعم أو المباين اذا كان واسطة في الثبوت كان العرض ذاتيا لعروضه للذات حقيقة واستناده اليها أولا وبالذات من دون اعتبار عروضه لغيرها . ان قلت : انهم قد مثلوا للعارض الغريب بواسطة المباين بمثل الحرارة العارضة للماء بواسطة النار مع ان الحرارة عارضة للماء حقيقة والنار واسطة في ثبوتها للماء فلو كان مرادهم بالواسطة الواسطة العروض لكانت الحرارة عرض ذاتي للماء . قلنا : هذا المثال صدر من بعض المتأخرين وهو صاحب القسطاس في مقام الرد على المتقدمين حيث جعلوا الاعراض خمسة فألحق القسم السادس وهو العارض بواسطة المباين ومثل له بهذا المثال فلم يكن هذا المثال من الامثلة المتسالم عليها بينهم كيف وقد ناقش فيه كثير ممن تأخر عنه وعلى كل فالمناقشة في المثال ليس من دأب المحصلين وهكذا الكلام في تمثيلهم للعارض بواسطة المساوي بالضحك العارض للانسان بواسطة التعجب فانه صدر من بعضهم غفلة عن حقیقة الحال وناقشه الآخرون في صحته وسيظهر لك انشاء الله في باقي الايرادات على هذا التعريف انها لا يمكن رفعها الا بتفسير الواسطة بالواسطة في العروض بالمعنى المذكور.

وثاني عشر : ان العارض بواسطة المباين غير صحيح لان الواسطة على ما عرفوها كما عن ابن سينا بما يقرن ( بلأنه كذا كما اذا قيل زيد محموم لأنه مسلول . وعليه فلابد أن تكون الواسطة محمولة على المعروض والا لما وقعت خبر (ان) والمباين لا يصح حمله على المعروض لفرض المباية بينهما وكلما تخيل انه عارض على شيء بواسطة المباين فهو يرجع الى الواسطة الخير المباينة ففي المثال المعروف يقال الماء حار لانه ملاصق للنار أو مجاور

لها والملاصق والمجاور يحمل على الماء فلا يكون عروض الحرارة للنار بواسطة المباين بل بواسطة الاعم . والتحقيق في الجواب أن يقال ان الواسطة إن اعتبرت نفس الطبايع في حد ذاتها كانت الوسائط كلها متباينة في الصدق لأن طبيعة الواسطة غير طبيعة ذاتها والطبايع جميعها في حد ذاتها متباينة فاللون العارض للجسم بواسطة السطح والضاحك العارض للانسان بواسطة التعجب والحركة العارضة للجالس في الطائرة بواسطة الطائرة والحرارة العارضة للماء بواسطة النار تكون الوسائط فيها مباينة لذي الواسطة ضرورة صدقها على طبيعة مغايرة لطبيعة ذي الواسطة نعم الوسائط به-ذا الاعتبار أعني باعتبار كونها نفس الطبايع قد تكون في الوجود والتحقق مساوية أو أخص أو أعم لا مباينة لانها لو كانت مباينة في التحقق والوجود مع ذي الواسطة أعني المعروض لما اجتمعت معه بل تنعدم عند وجوده وهو ینعدم عند وجودها فلا يعقل أن يكون العارض لها يعرض للمعرض بتوسطها والا لزم تأثير المعدوم في الموجود . والاشكال بالعلل المعدة قد أجيب عنه في محله مضافا الى ما عرفت من ان المراد بالواسطة هي الواسطة في العروض وانه بواسطتها ينسب العارض لذيها حقيقة وهي المتصفة به حقيقة فلا يعقل ان تكون معدومة حال اتصاف ذيها بالعارض والا لزم وجود العارض بدون موضوعه والحاصل ان الواسطة ان اعتبرت نفس الطبايع لاوجه لعد الواسطة المباينة من أقسام الواسطة في مقابل العامة والخاصة والمساوية لان تقسيمها بذلك الاعتبار ان كان ناظرا الى الصدق فقد عرفت انها لا تكون الا مباينة فقط وان كان ناظرا الى التحقق مع المعروض فقد عرفت انها لا يعقل ان تكون مباينة للمعروض وان اعتبرت الواسطة هي المحمولات والمشتقات المأخوذة

من ربط تلك الطبايع بالمعروض وعلاقتها به فعليه لابد وان تكون الوسائط محمولة على المعروض لا مباينة له ليصح نسبة العارض اليه وبعبارة أوضح ان المعروض لو لم يكن له ذلك الربط والعلاقة بتلك الطبائع لما صح نسبة العارض اليه خصوصا وقد عرفت ان المراد بالواسطة هي الواسطة في العروض اذ تكون نسبة العارض اليه حقيقية والنسبة الحقيقية لا تصح ما لم يكن للشيء علاقة بما كانت النسبة اليه حقيقة وحيث كان ذلك الربط متلبسا به المعروض كان المشتق المأخوذ منه الذي هو الواسطة محمولا على المعروض لا محال ففي الامثلة المعروفة تكون الواسطة هو الكائن في السفينة والمتأثر بالحرارة أو المجاور لها وفي مثال الجسم تكون الواسطة هو المسطح وفي مثال الضاحك تكون الواسطة هو المتعجب وعليه فلا يتصور كون الواسطة مباينة .

وثالث عشر : ان في مسائل العلوم ما يعرض للموضوع بواسطة المباين كالاحوال الاعرابية العارضة للكلمة بواسطة الوضع أو المتكلم والاحكام الشرعية العارضة لافعال المكلفين بواسطة الشارع فلم يكن البحث فيها عن الاعراض الذاتية لموضوع النحو والفقه . - وجوابه -- انا لوسلمنا وجود العارض بواسطة المباين فهو المباين الذي يكون واسطة في العروض والمذكورات وما أشبهها كان المباين واسطة في الثبوت فلا يضر في كونها اعراضا ذاتية .

ورابع عشر : انه يلزم ان تكون مسائل العلوم كلها قضايا ضرورية مطلقة ولا أقل من انها تكون دائمة مطلقة لأن الاعراض الذاتية اما عارضة للذات بدون واسطة فهي تقتضيها الذات أو عارضة بواسطة الجزء فهي

يقتضيها الجزء أو بواسطة المساوي فيقتضيها مالا ينفك عن الذات وذلك يقتضي كونها ضرورية مطلقة ولا أقل من كونها دائمة مطلقة . - وجوابه - انه لو كان مرادهم بالواسطة هي الواسطة في الثبوت أمكن أن يتم ماذكره المعترض والكن قد عرفت ان مرادهم بالوا اسطة هي الواسطة في العروض ومن المعلوم ان العارض بدونها قد تقتضيه ذات المعروض وقد لا تقتضيه وقد يكون دائم الثبوت وقد لا يكون وهكذا العارض بواسطة المساوي فان نسبته لذات المعروض بواسطة أمر خارج عن الذات فلا تقتضيها ذات المعروض أصلا هذا مضافا الى ان العارض على الذات لا يلزم أن تقتضيه الذات فان الفصل عارض على ذات الجنس وليس ضروري الثبوت له ولا دائم الثبوت له .

وخامس عشر : انه لا وجه لعد العارض بواسطة الجزء الاعم من الاعراض الذاتية لأمرين : أحدهما - ان المبحوث عنه في العلم الآثار المطلوبة لموضوعه اذ المقصود معرفة حال الموضوع لا حال ما هو أعم منه. والاثار المطلوبة هي الاثار المختصة به العارضة له بسبب استعداده المختص به لا بسبب الاستعداد الغير المختص به فهو نظير العارض بواسطة الخارج الاعم فان المناط واحد في المقامين وهو وجود العارض بدون المعروض والجزئية والخارجية لا تصلح فارقا . ثانيهما - ان العارض بواسطة الجزء الاعم يكون موضوعه الاعم لا موضوع العلم فمثلا الحساب موضوعه العدد فيبحث فيه عما يعرض العدد فلو بحث فيه عما يعرض العدد بواسطة الكم لكان موضوعه الكم لا العدد فيلزم اختلاط مسائل العلم الاعلى بمسائل العلم الادنى اذا كان الاعم موضوعا لعلم آخر ولزم ان يكون العلم الالهي

الذي موضوعه مطلق الموجود من مسائل العلم الذي موضوعه أخص منه كالعلم الطبيعي الذي موضوعه الجسم لأن المفروض ان عوارض الاعم عوارض ذاتية للاخص . - وجوابه - أما عن الامر الاول فبأنا لا نسلم ان الآثار المطلوبة هي خصوص الآثار المختصة به فان ما يختص بمقومه وجزئه ايضا من الآثار التي يطلب البحث عنها في العلم لاستنادها الى ما يتحد معه في الجعل والوجود بخلاف الخارج الاعم . وأما عن الامر الثاني ان ذلك لا يوجب كون الموضوع هو الاعم لأنه يبحث عن تلك الاحوال من حيث عروضها لما هو موضوع العلم لا من حيث عروضها لما هو أعم منه ففي علم الحساب اذا بحث عن عوارض العدد بواسطة الكم كان الموضوع هو هو العدد لا الكم نعم يكون الموضوع هو الكم لو كان البحث عنها باعتبار انها عوارض للكم ودعوی ازوم اختلاط مسائل الاعلى بالادنى ممنوعة لانه يحمل في الادنى على الاخص وفي الاعلى على الاعم فيختلف موضوع المسألة مضافا الى ان الخلط انما يلزم او وجب البحث في كل علم عن سائر الاعراض الذاتية لموضوعه وهو ممنوع فان تعريف الموضوع انما يقتضي البحث عن نوع عوارضه لا عن جميعها فان اضافة الجمع لا تقتضي الاستغراق .

و سادس عشر : ان العارض بواسطة الاجزاء المباينة كالاجزاء الخارجية عارض بواسطة المباين مع انه من الاعراض الذاتية لانه يكون من آثار المركب وحالاته . وقد عد من مسائل العلم الطبيعي الذي موضوعه الجسم الطبيعي قضية (الصورة تفسد وتتبدل بأخرى) ومن المعلوم ان الصورة جزء للجسم الطبيعي . - وجوابه - ما عرفته في جواب الايراد الثاني عشر من أن الواسطة ان كانت نفس الطبايع كانت مباينة وان كانت المشتقات المأخوذة

من الربط الخاص كان الواسطة فيما ذكر هو المشتق المأخوذ من ربط الجزء بكله .

وسابع عشر : ان العارض بواسطة الجزء الاخص لم يذكروه.وجوابه انه محال اذ من المحال أن يكون جزء الشيء أخص منه والا لزم تخلف الذاتي عن الذات ووجود الشيء بدون جزئه تحقيقا للعموم .

وثامن عشر : ان العارض بواسطة المساوي لم يذكروا أقسامه وهي الجزء المساوي والخارج المساوي كما ذكروا للعارض بواسطة الاعم أقسامه وهي الجزء الاعم والخارج الاعم . - وجوابه ان العارض بواسطةالمساوي لما كان بأقسامه عرض ذاتي عندهم لم يقسموه بخلاف العارض بواسطة الاعم فان أحد أقسامه وهو العارض بواسطة الجزء الاعم محل

خلاف فيما بينهم في انه عرض ذاتي أم لا .

وتاسع عشر : ان العارض بواسطة المساوي ليس من عوارض الموضوع الذاتية لانه من احوال ذلك المساوي ومن شؤنه كما ان العارض بواسطة الاعم والاخص قد جعلوه من أحوال الاعم والاخص فاللازم ان يبحث عنه في علم يكون موضوعه ذلك المساوي ودعوى ان عده من العوارض الذاتية باعتبار عدم انفكاك الواسطة عن المعروض فاسدة لان عدم الانفكاك لا یوجب أن بعد ما هو عارض لأحدهما عارض للآخر ولذا لا يعد عوارض الابوة عوارضا للبنوة مضافا الى ما نجده من بعض العوارض للساوي لا يصح نسبتها لمساويه كالشدة العارضة للبياض المساوي للجسم المفرق للبصر فان ه-ذا الجسم لا يوصف بالشدة وكالسرعة العارضة للحركة المساوية للجسم المنتقل فان الجسم لا يوصف بها وكعلية الفصل للجنس فانها غير عارضة للنوع

المركب منهما مع ان الفصل مساوي للنوع . - وجوابه - انه انما عد من العوارض الذاتية باعتبار شدة ارتباطه بالمعروض لاستناده الى الواسطة و استناد الواسطة ونسبتها اليه فصار من أحوال المعروض ومن شؤونه التي ينبغي أن يبحث عنها في ضمن البحث عن أحوال المعروض خصوصا اذا كان المعروض والواسطة متحدين وجودا كالعارض للانسان بواسطة الناطق اذا كانت الواسطة خفية وأما ماذكر من مثال الشدة والسرعة فكلا منا فيما يحمل على المعروض لانه قد عرفت ان المراد بالعارض هو الخارج المحمول . فما ليس فيه صلاحية الحمل لا يعد من العوارض

وعشرين : انه لا وجه لعد العارض بواسطة الاخص من الاعراض الغريبة فان الميزان في الذاتي هو ما كان معدودا من أدارة الذات ومنسوباتها وشؤنها وخواصها ولو كان عروضه بواسطة خارجة عن الذات كما في العارض بواسطة المساوي فانه لا وجه لعده من الأعراض الذاتية الا انه يكون من ادارة الذات وخواصها . - وجوابه - انه لما كان العارض بواسطة المساوي لا ينفك عن الذات ولا تنفك هي عنه مع نسبته اليها كان له شدة ارتباط بها أوجبت عده من أحوالها وشؤنها بخلاف العارض بواسطة الاخص لانفكاك الذات عنه فلم تكن له تلك الشدة من الارتباط بها لذا لم يكن من شؤون الذات وأحوالها مع انه لو كان العارض للأخص عرضا ذاتيا للاعم لزم اتحاد العلوم وان تدخل جميعها في العلم الالهي لان موضوعه مطلق الموجود وهو أعم من موضوعات سائر العلوم وقد فرض ان العارض للاخص عرض ذاتي للاعم فتكون عوارضها عوارض ذاتية له ومسائلها مسائله الا اللهم ان يقال بان العلم لا يلزم فيه ان يبحث عن جميع العوارض الذاتية لموضوعه

فلا يلزم التداخل.

وواحداً وعشرين : ان الجزء سواء كان مساويا أو أعم لا يصح ان يكون واسطة في العروض لان الواسطة ما كان عروض العارض بتوسطها بمعنى ان يكون لحوق العارض للواسطة ابتداء وللذات ثانيا وبالتبع للواسطة فلا يكون الا عروضا واحدا الا انه ابتدائي للواسطة وثانوي بالنسبة الى الذات وهذا غير معقول في الجزء لان الجزء عين الذات فلو لحقه لحق الذات بنفسها فلا تكون نسبة العرض للذات مجازا وهكذا الكلام في العارض بواسطة المساوي اذا كان المساوي متحد الوجود مع المعروض . - وجوابه - ان هذا لا يتم في الجزء الخارجي فانه غير الكل فنسبة عارض الجزء للكل يراها العرف متعددة وهكذا في الجزء العقلي اذ بالتحليل العقلي الجزء غير الكل والعقل يرى ان نسبة عارض الجزء للكل متعددة وهكذا المساوي بالنسبة الى مساويه اذا اتحدا وجودا فهذه تكون وسائط في العروض بحسب التعمل العقلي.

وثانيا وعشرين : انه عدوا من الاعراض التي يبحث في العلم عنها العارض بلا واسطة ومن المعلوم ان العارض بلا واسطة يكون بديهي الثبوت فلا يحتاج ان يبحث في العلم عنه . - وجوابه - ان المراد بلا واسطة ف العروض لا بلا واسطة في الاثبات والبديهي هو الثاني لا الاول .

وثالثا وعشرين : ان كثيراً من مسائل العلوم يكون البحث فيها عن عوارض نوع الموضوع ألا ترى انه في النحو يبحث عن عوارض الحرف وهو نوع من موضوعه الذي هو الكلمة وهكذا في المنطق يبحث عن عوارض

الشكل الثاني وهو نوع من موضوعه الذي هو المعلوم وكذا في الفقه فانه يبحث عن عوارض الصلوة وهي نوع من موضوعه الذي هو فعل المكاف وهي من العوارض الغريبة لانها تعرض لموضوع العلم بواسطة الاخص الذي هو نوعه فيلزم ان تكون هذه المسائل كلها خارجة عن العلم . ان قلت :انه كما ان موضوع العلم قد يغاير موضوعات مسائله كذلك محمول العلم قد يغاير محمولات مسائله والذي هو عرض ذاتي لموضوع العلم هو محمول العلم لا محمول المسألة . توضيح ذلك ان المسائل التي لها محمولات على موضوعات خاصة اعراض غريبة لموضوع العلم لكن هذه المحمولات اذا أخذت على سبيل التقابل وحصل منها مفهوم مردد دائر بينها كان هذا المفهوم محمولا لموضوع العلم وعرضا ذاتيا له بمعنى اذا اخذ هو ومقابله سواء كان مقابله مذكورا في مسألة اخرى أم لا كان عرضا ذاتيا لموضوع العلم فليس المراد بالبحث في العلم عن العوارض الذاتية لموضوعه ان يكون مبحوثا عنه بالذات بل المراد انه يرجع البحث اليها ولا شك ان البحث عن محمول المسألة يرجع الى البحث عن محمول العلم أعني العرض الذاتي لموضوعه بهذا النحو المردد فقولهم في العلم الطبيعي الماء بارد والنار حارة والعنصري يقبل الخرق والالتيام والفلك لا يقبلهما يرجع الى ان الجسم منقسم الى البارد والحار والى القابل للخرق والالتيام وغير القابل لهما فتعود الى العوارض الذاتية لموضوع العلم وحيث ان اثبات المفهوم المردد لا يمكن بدون اثبات الشقوق فلابد من ذكر المسائل لاثبات الشقوق المحتاجة الى الاثبات ولذا لا نحتاج في العلم الى ذكر المفهوم المردد ولا اثباته بعد ذكر المسائل .

قلنا : هذا المفهوم المردد اعتبار صرف لا تنرتب الفائدة بمعرفته فلا يعقل أن يبحث في العلم عنه مضافا الى ان محمولات بعض المسائل انما يكون مقابلها السَّلب والسَّلب ليس من الأعراض لأن العرض ما كان فيه ثبوت ولحوق للمعروض وحينئذ فلا يكون المفهوم المردد بينه وبين غيره عرض لشيء كيف ولو ارجع العرض الغريب الى الذاتي بالمقابلة ولو بالسلب لزم ان لا يبقى عرض غريب والتنظير بموضوع العلم غير تام إذ البحث عن موضوعات المسائل بحث عن موضوع العلم لأن الغرض معرفة أحواله وشئونه بخلاف المحمولات فان البحث عنها ليس بحثاً عن المفهوم المردد إن قلت : إن المعتبر في الموضوع للعلم هو نفس الطبيعة من حيث هي مع قطع النظر عن الخصوص والعموم والخلط والتعرية فلو احقها وان كانت بواسطة أنواعها فهي أعراض ذاتية لها من حيث هي لاتحادها بهذا النظر مع جميع مراتبها وحيثياتها نعم من حيث عمومها وخصوصه يكون عرضاً غريباً لها قلنا : يلزم عليه أن يكون العرض ذاتياً وغريباً بحسب الاعتبار واللحاظ مع ان مدار الغرابة والذاتية على ثبوت الواسطة مع انَّ العارض بواسطة الأخص لا يعرض الشيء بدون الأخص ولا يحكم العقل بعروضه له بدون ملاحظة الأخص مع انَّه لو تم إنما يتم فيما لو كان الأخص نوعاً من موضوع العلم كالفعل بالنسبة للكلمة دون العرضى كالفاعل بالنسبة للكلمة اذ لابد من قيام المبدأ في موضوع العلم إن قلت : انَّ العوارض التي تعرض لموضوع العلم بواسطة الأخص إنما تعرض لذات الموضوع وكونها أخص من الموضوع لا ينافي كونها اعراضاً ذاتية له فائه من العرض الذاتي ما يكون أخص من معروضه كالفصول بالنسبة للأجناس قلنا : انَّ كلامنا في الاعراض العارضة له بواسطة الأخص لا كلامنا في العارض

الأخص والمجيب كلامه إنما يتم في العارض الأخص لا في العارض بواسطة الأخص كما هو مورد البحث ان قلت : انَّ المعتبر في موضوع العلم أن يبحث العلم عن اعراضه الذاتية ولا يلزم من ذلك أن يكون كل ما يبحث في العلم عنه من الأعراض الذاتية بل يجوز أن يبحث أيضاً عن اعراضه الغريبة فانَّ الموجبة الكلية المستفادة من تعريف الموضوع تنعكس جزئية قلنا : هذا ينافي اتفاقهم على انَّ العلم لا يبحث عن الأعراض الغريبة لموضوعه وانَّ مسائل العلم تمتاز بالموضوع إن قلت : ان المسائل المذكورة ليس البحث فيها عن العوارض بما هي عوارض لموضوعاتها المخصوصة بل من حيث انها عوارض الموضوع العلم ففي علم النحو ليس المبحوث عنه عوارض الفاعل بما هو فاعل بل عن عوارضه بما هو كلمة فيكون المبحوث عنه عوارض ذاتية لموضوع العلم قلنا : انَّ حيثية البحث لا دخل لها بصيرورة العرض ذاتياً فانَّ العارض للأخص وبواسطته اذا نسب للأعم كان عرضاً غريباً للاعم سواء كان البحث عنه باعتبار عروضه للأعم أو للأخص وقد عرفت انَّ الأخص يكون واسطة في العروض لا في الثبوت ان قلت : ان الواسطة في العروض اذا كانت متحدة وجود مع ذيها كان العارض ذاتياً لا غريباً كالناطق فأنه واسطة في عروض الضحك للحيوان ولما كان متحداً وجوداً مع الانسان كان الضحك عرضاً ذاتياً له لاستناد العرض للذات وحمله عليها حقيقة وما ذكر من المسائل كانت الموضوعات فيها متحدة الوجود مع موضوع العلم قلنا : هذا التزام بكون الاعراض الغريبة أعراض ذاتية اذ جميعها من هذا القبيل مع انه يمكن أن يقال ان الواسطة على هذا تكون واسطة في الثبوت لا في العروض لأنها صارت سبباً لاتصاف الذات بالعارض حقيقة دون غيرها وبعبارة أخرى انها

هي العلة للاتصاف كحركة اليد التي هي علة لحركة المفتاح فأن الشخص واسطة في الثبوت لحركة اليد وحركة اليد واسطة في الثبوت لحركة المفتاح إلا اللهم أن يقال ان الواسطة في الثبوت هي العلة الفاعلية المستقلة بالوجود كما هو عند الفلاسفة مع انه إنما يتم في موضوعات المسائل التي هي أنواع لموضوع العلم أو فصولاً مقسمة له لا أخص عرضى إذ العام لا يتحدَّ معه وجوداً مع انه قد عرفت ان ذلك لا يوجب الاستناد حقيقة للشيء اذ بحسب التعمل العقلي تكون نسبته للشيء مجازية ان قلت : ان بعض الاساطين فسر البحث عن الشيء بجعل الشيء موضوعاً وجعل الاحوال محمولاً ويحكم باتنسابها اليه سلباً أو إيجاباً فمعنى البحث عن الأعراض الذاتية هو جعل تلك الأعراض موضوعات وعناوين لتحمل عليها احوالها سلباً أو ثبوتاً لاجعلها محمولات كما توهمه المستشكل ومن المعلوم ان الانواع والاصناف التي هي موضوعات المسائل أعراض ذاتية للموضوع فان الفاعل والمفعول ونحوهما أعراض ذاتية للكلمة اذ لا واسطة في عروضها لها وكذا الصلاة والحج والزنا أعراض ذاتية لفعل المكلف والبحث عن هذه الأعراض الذاتية عبارة عن استعلام أحوالها من الرفع والنصب والوجوب والحرمة والمستشكل حيث توهم ان المبحوث عنه هي المحمولات اشكل عليه الأمر لكون هذه المحمولات أعراضاً غريبة بالنسبة لموضوع العلم وغفل عن ان المراد الأعراض الذاتية لموضوع العلم هي المبحوث عنها لا نفس موضوع العلم وان معنى البحث عنها جعلها موضوعات لمسائله فالموضوع للعلم ما جعلت أعراضه الذاتية أعني أنواعه وأصنافه موضوعات لمسائله بأن كان يبحث عنها قلنا : هذا يقتضي أن يكون موضوعات المسائل بأجمعها أعراض ذاتية لموضوع العلم مع أنهم صرحوا

بأن موضوع المسئلة قد يكون نفس موضوع العلم وقد يكون نوعه وقد يكون عرض ذاتي له وقد يكون مركباً من الموضوع وعرضه الذاتي وقد يكون المركّب من نوعه وعرضه الذاتي هذا مع ان البحث هو التفتيش عنالشيء فالبحث عن الأعراض الذاتية هو التفتيش عنها لاثباتها لموضوع العلم فتكون هي محمولات المسائل ان قلت : ان ما ذكروه في حد الموضوع مسامحة في التعبير وان غرضهم ما يبحث فيه عما يعرض لذاته أو لنوعه أو لشخصه أو لعرضه الذاتي أو لجزئه وكأن القوم اجملوا في تعريف الموضوع اعتماداً على ما ذكروه في موضوع المسئلة من انه قد يكون عين موضوع العلم وقد يكون نوعه وقد يكون صنفه الى غير ذلك قلنا : مضافاً الى انه ارتكاب لخلاف الظاهر يقتضي اختلاط العلوم ودخول العلم الأدنى في العلى الاعلى اللهم إلا أن يقال أن الاختلاط إنما يلزم من عدم تمييز الموضوع لا من اندراج موضوع علم تحت موضوع آخر فان غاية ما يترتب عليه صحة جعل الادنى من اجزاء العلم الأعلى وهذا لا يمنع من افراده وتسميته علماً مستقلا تقريباً للأذهان ان قلت : ان الموضوع لكل علم هو المحيَّث بحيثيات موضوعات مسائله لا نفس الكلي وتكون خصوصيات موضوعات مسائله واسطة في عروض العوارض له فالموضوع لعلم الفقه ليس نفس فعل المكلف بما هو بل من حيث الاقتضاء والتخير وكذا موضوع علم النحو ليس الكلمة بما هي بل من حيث الاعراب والبناء والمراد بالحيثيات المذكورة هي استعداد ذات الموضوع لورود المحمول فالكلمة من حيث الفاعلية مستعدة للحوق المرفوعية وهكذا فعل المكلف من حيث الصلاتية والصومية مستعد للحوق التكليف الاقتضائي . والحيثيات المذكورة لا يمكن أن تكون عبارة عن

الحيثيات العوارض اللاحقة لموضوعات المسائل لان مبدأ المحمول في المسئلة لا يمكن أن يكون قيداً لموضوع العلم ولا لموضوع المسئلة والا لزم عروض الشيء لنفسه . اذا عرفت ذلك عرفت ان فعل المكلف المتحيّث بتلك الحيثيات المتقدمة عنوان انتزاعي من الصلاة والصوم وغيرهما لا انه كلي يتخصص في مراتب تنزله بخصوصيات تكون واسطة في عروض لواحقه له ومن الواضح ان المحمولات الطلبية والاباحية تحمل على معنون هذا العنوان الانتزاعي بلا توسط شيء في اللحوق والصدق قلت : ان أردت أن العنوان بقيد الحيثيات الخاصة المنتزعة من موضوعات المسائل هو الموضوع للعلم صار موضوع العلم متعدداً بتعدد موضوعات المسائل لأنه يصير عبارة عن الكلي المقيد بموضوعات المسائل فيلزم أن يكون لكل علم موضوعات متعددة لا موضوع واحد يتميز به عما عداه وازم أن لا يكون العلم باحثاً عن اعراض موضوعه لأن أعراض الموضوع الآخر ليست بأعراض للموضوع الأول .وان أراد العنوان مجرداً عن قيد الحيثية أو مقيداً بكلي الحيثية أي بكلي الاعراب والبناء مثلا كان عروض محمولات المسائل له بواسطة عروض موضوعاتها له وهي أخص منه وهو أعم منها ( والحق في الجواب ) أن يقال ان العارض بواسطة الأخص انما يكون عرضاً غريباً لو كان الأخص واسطة في العروض دون ما اذا كان واسطة في الثبوت وما يذكر من المسائل في العلوم مما كان محمولاتها عارضة بواسطة الأخص لموضوع العلم إنما كان الأخص فيها واسطة في الثبوت لا واسطة في العروض فلو فرض انه في أحدها كان واسطة في العروض التزمنا الاستطراد فيها ودعوى انه على هذا يلزم دخول العلم الأدنى في العلم الأعلى لأن العوارض في الأدنى تكون ذاتية لموضوع

العلم الأعلى لأن الاخص فيها واسطة في ثبوت العارض للأعم الذي هو موضوع الأعلى فاسدة لأنَّا لا نسلم أن الأخص واسطة في الثبوت بل في العروض مع أنه لو سلمنا فموضوع المسألة في الأدنى هو الأخص وفي الأعلى هو الأعم ولا يلزم البحث عن جميع الأعراض الذاتية مضافاً الى الاختلاف بالحيثية فموضوع الأعم هو الأعم من حيث هو أي يبحث عن عوارضه الذاتية التي تعرض له من حيث هو بدون ضم شيء له وموضوع الأخص هو الأخص من حيث الخصوصية فعوارض الجسم وان كانت أعراض ذاتية للموجود لكنها لما كانت تعرض للموجود من حيث انَّه جسم اختصت بالعلم الطبيعي ولا تذكر في العلم الالهي لأن موضوعه الموجود من حيث هو أي يبحث عن عوارضه التي تعرض له من حيث هو بدون ضم خصوصية له وهذا نظير الكلمة فائها بكل حيثية يبحث عن عوارضها الذاتية في علم من العلوم .

ورابعاً وعشرين : انَّ من مسائل العلم ما يبحث فيها عن العوارض العارضة لموضوع العلم بواسطة الأعم كالأحوال الصَّرفية العارضة على الكلمة بواسطة الوضع والوضع أعم من الكلمة لأنه يوجد في النقوش والاشارة وكدلالة الأمر على الوجوب والمفاهيم فانَّها بواسطة الوضع وهو أعم من الدليل الذي هو موضوع علم الأصول . - وجوابه - انَّ الأعم واسطة في الثبوت والذي يوجب كون العرض غريباً كونه واسطة في العروض وبعضهم من تكلَّف بارجاعه الى العرض الذاتي بقيود مخصَّصة(1).


1) قال المؤلف هذا ما كتبناه فيما سبق وفي شرحنا على الكفاية في الأصول ما يوضح الحقائق ويجلو لك الواقع . (الناشر)

تعريف العلم

(عرَّفوه بأنه الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل ) . ويرد عليهم أحد عشر ايرداً .

احدها : انَّه أي وجه لذكر تعريف العلم وتقسيمه في صدر كتبهم مع انَّ نوع العلوم لا يذكر فيها ذلك . - وجوابه - انَّ غاية المنطق موقوفة علىتقسيم العلم كما سيجيء ء انشاء الله وتقسيمه موقوف على معرفته لأن التقسيم حكم من أحكام المقسم .

ثانيها : انَّ العلم هو حصول الصورة لا الصورة الحاصلة إذ انَّ الصورة بنفسها ليست بعلم . وهل الوجود الذهني الذي هو الحصول إلا العلم . وهل الذي به الانكشاف إلا نفس حصول الصورة ووجودها في الذهن وإلا فالصورة موجودة في الخارج ولا يحصل الكشف بها ما لم توجد عند المدرك ) بالكسر ) . ودعوى انَّ العلم من مقولة الكيف وحصول الصورة من مقولة الاضافة لأنه نسبة بين العقل ونفس الصورة فاسدة لأنه بعد قيام البرهان لا مانع من الالتزام بأن العلم ليس من مقولة الكيف على انه لم يكن ثابتاً عندهم انَّ العلم من مقولة الكيف كما سيظهر لك انشاء الله ودعوى ان تقسيم العلم الى الكاسب والمكتسب إنما يتصور في العلم بمعنى الصورة لا في حصول الصورة لأن الحصول أمر اعتباري وهو لا يكون كاسباً ولا مكتسباً فاسدة لأن الكاسب هو الحصول وهو ليس بأمر اعتباري لأنه هو الوجود . نعم لو قلنا باصالة الماهية واعتبارية الوجود تعيّن تفسير العلم

بالصورة لأن الحصول أمر اعتباري والعلم حقيقة واقعية . ودعوى انَّ العلم يتصف بالمطابقة وعدم المطابقة و المتصف بهما هو الصورة الحاصلة دون الحصول لأن الحصول معنىً مصدري لا يتصف بالمطابقة ولا بعدمها فاسدة فانَّه ان أريد بالمطابقة الانكشاف للمعلوم فبالحصول يحصل الانكشاف وإن أريد الاتحاد بين العلم والمعلوم وإن الصورة هي المتحدة مع الخارج دون حصولها ففيه ان العلم اذا فسرناه بالحصول لا نعتبر فيه الاتحاد المذكور وانما نعتبر ذلك الاتحاد في صورته فيكون الوصف بحال المتعلق .

ثالثها : انَّ المتبادر من صورة الشيء هي الصورة المطابقة لواقع الشيء حيث انَّ الصورة الغير المطابقة ليست صورة للشيء في الواقع ونفس الأمر وحينئذ فالتعريف لا يشمل الجهل المركب مع انَّ كلام المنطقيين في العلم الذي يشمل الجهل المركب ولذا ذكروا في العلم انه قد يقع فيه الخطأ . - وجوابه - انَّ المتبادر هو المطابقة لمعلومها ذي الصورة لا للواقع ولا شك في ان كل صورة مطابقة لمعلومها ذي الصورة فمن تصوَّر الانسان بصورة الحيوان الصاهل كانت هذه الصورة مطابقة لمعلومها وهو الانسان الذي يكون حيواناً صاهلا لا المطابقة لواقع الانسان .

رابعها : انَّ العقل في الاصطلاحَ المشهور جوهر مجرد عن المادة غيرمتعلق بالبدن كالعقول العشرة وحينئذ فالتعريف لا يشمل علم الانسان لأنَّه إنما يكون في العقل المتعلق بالبدن . ولو أريد من العقل النفس وهي جوهر مجرد متعلق بالبدن لم يشمل علم الواجب ولا علم العقول العشرة بل ولا العلم بالجزئيات المادية فانَّ الحكماء ذهبوا الى انَّ النفس تدرك الكليات والجزئيات المجرَّدة عن المادة . وأما الجزئيات المادية فهي ترتسم في قوى

النفس والاتها - وجوابه - انَّ المراد بالعقل معناه اللغوي وهو المدركمطلقاً .

خامسها : انَّ المراد بالصورة ان كان شبح الشيء ومثاله فيخرج علم الواجب بل العلم بالكليات لعدم وجود شبح لها في الذهن مع انَّ شبح الشيء مباین لنفس الشيء والمباين كيف يكون كاشفاً عن المباين الآخر . وان كان المراد بها نفس الشيء فالأشياء لا توجد في الذهن وإلا لزم انقلاب الذهن خارجاً عند ما تتصور الأشياء . - وجوابه - انَّ المراد بالصورة هو ما به يتميز الشيء عن غيره عند المدرك سواء كان أمراً خارجياً كعلمنا بذاتنا وصفاتنا وعلم الواجب بذاته وبالممكنات أو علقياً كعلمنا بالكليات والجزئيات الخارجة عن ذاتنا وانقلاب الذهن خارجاً يلزم لو كانت الاشياء بوجودها الخارجي توجد في الذهن لا بماهيتها النفس الأمرية توجد فيه .

سادسها : انَّ هذا تعريف بالأعم لأنه يشمل علم الواجب وعلم المجردات وهما لا يتصفان بالنظرية والبداهة . امَّا بالنظرية فلوضوح انَّ علم الواجب لا يتوقف على كسب . واما بالبداهة فلأن البداهة عبارة عن عدم الكسب عما من شأنه أن يكتسب لأن مقابلة البديهي للنظري من قبيل مقابلة العدم والملكة وليس علم الواجب من شأنه أن يكتسب لأنه علم حضوري فلو كان العلم المعرَّف يشمل علم الواجب لم يكن تقسيم العلم الى البديهي والنظري تقسيماً حاصراً لوجود قسم ثالث لا بديهي ولا نظري وهو العلم الحصولي . ودعوى انَّ هذا التعريف مختص بالعلم الحصولي ولا يشمل الحضوري لأنَّه هو الذي يقع فيه الخطأ وقواعد الفن إنما تعمم بمقدار الحاجة مدفوعة بأنَّ هذا التعريف للحكماء وهم يبحثون عن العلم مطلقاً كيف والمنطق مقدمة

للحكمة ومن فصولها المهمة البحث عن العلم الحضوري - وجوابه - انَّ العلم الحضوري يتصف بالبداهة وهو وان لم يكن قابلاً للملكة وهي النظرية لكن جنسه القريب وهو ( العلم) قابل للاتصاف بها وقد قرر في علم الحكمة انَّ عدم الملكة يصدق على شيء اذا كان جنسه القريب قابلا للاتصاف بالملكة كما يقال للعقرب أعمى لأن جنسها القريب وهو الحيوان قابل لأن يتصف بالبصر مع انَّ البديهي قد عرَّفه المنطقيون بالعلم الذي لا يتوقف حصوله على نظر من دون تقييدهم له بالشأنية مع أن البداهة والنظرية أمران إعتباريان نظير الوحدة والكثرة والوجوب والامكان لا من قبيل العدم والملكة فالبداهة تعتبر في العلم الحضوري . وما يقال في الجواب من ان الشيء قد يلاحظ بنفسه مع قطع النظر عن جميع الحيثيات والاعتبارات حتى عن قيد الاطلاق ويعبر عنه بمطلق الشيء والماهية اللا بشرط المقسمي وهو موضوع القضية المهملة والكلي الطبيعي ويتحد مع الأفراد حتى أنَّه یصح أن ینسب الیه احكام بعض أفراده فيقال الانسان عالم ولذا قيل المهملة في قوة الجزئية . ومورد القسمة دائماً يكون هو الشيء المذكور لأن القسمة ضم قيود متخالفة الى الشيء ليحصل اقسام متخالفة وضم القيود إنما يكون لمطلق الشيء لا للشيء المطلق لتنافي الاطلاق مع التقييد والعموم مع الخصوص اذا عرفت ذلک من أنَّ أحكام بعض أفراد المقسم يصح نسبتها للمقسم عرفت صحة نسبة القسمة التي تكون لبعض أفراده الى نفس ذلك المقسم فهو فاسد لأنَّه لو تم فانَّما هو في القسمة الغير المرددة بين النفي والاثبات كما فيما نحن فیه فانَّها تقتضي الحصر بهما .

سابعها : انَّ العلم من أجلى البديهيات لأنَّه مبدأ ظهور الأشياء فكلَّ

شيء يظهر بالعلم وينكشف وفاقد الشيء لا يعطيه وما بالغير لابد وأن یرجع الى ما بالذات فالغير اذا كان ينكشف بالعلم فالعلم لابد وان يكون منكشفاً بنفسه مع أن العلم لو لم يكن بديهيا لزم الدور لأن غير العلم يظهر بالعلم فلو ظهر هو بغيره لزم الدور مع انَّ العلم بالعلم يكون حضورياً لما تقرر في محله من انَّ من علم النفس بذاتها وصفاتها حضورياً والحضوري لا يكون نظرياً وبداهة الخاص تستلزم بداهة العام فلابد أن يكون العلم ظاهراً فلا يصح تعريفه لأن التعريف طلب المجهول . ودعوى انَّ العلم لو كان بديهياً لما اختلف العلماء في انَّه من مقولة الكيف أو الاضافة أو الفعل أو الانفعال فاسدة لأن الماهية قد تكون خفية لشدة وضوحها كالشمس فانَّ الباصرة لا تدركها لكمال وضوحها وكذا الاشياء كلما قربت للعين صعب عليها ادراكها لأجل كمال وضوحها لديها وهكذا البصيرة قد تنحير عند النظر لأجلى البديهيات . - وجوابه - ان العلم قد اتفقوا على انه من مقولة من المقولات امَّا الاضافة أو الكيف أو الفعل أو الانفعال فلابد أن يكون له جنس وكلما كان له جنس كان له فصل وهما مجهولان لدينا للشك فيهما والجهل من جهة شدة الوضوح غير معقول فانَّ وضوح الشيء من جهة ينافي ستره من تلك الجهة . سلمنا انَّ الجهل من جهة الوضوح فكان بيان الجنس والفصل لازم للاطلاع على كنهه وحقيقته فصحَّ تعريفه بهما كيف وقد اشتهر انَّ كل ما له جنس وفصل فهو نظري مضافاً الى إنا نلتزم بأن العلم بديهي بصورته الاجمالية وهو لا ينافي نظريته بالصورة التفصيلية لأن البداهة والنظرية يختلفان في الشيء بحسب الاجمال والتفصيل نعم لو قلنا : ان العلم من مقولة الوجود وليس من الماهيات لم يكن له حدِّ لأن الوجود لا جنس له ولا

فصل . وامَّا دعوى انَّ العلم بالعلم حضوري فهي فاسدة لأن محل كلامنا في ماهية العلم الكلية والعلم بها يكون حصولياً لا حضورياً والذي هو الحضوري هو العلم بمصاديق العلم الخارجية كعلم زيد بعلومه .

إن قلت : انَّ الخاص اذا كان بديهياً كان العام بديهياً فلو كانت مصاديق طبيعة العلم بديهية كان العام وهو طبيعة العلم بديهية . قلنا : المصاديق بديهية بصورتها الاجمالية دون صورتها التفصيلية وبعبارة أخرى انَّ وجودها و امتيازها عما عداها بديهي لا إن حقيقتها بديهية . واما دعوى الدَّور فهي أيضاً فاسدة لأن معرفة الغير موقوفة على حصول مصاديق العلم لا على ماهيته وحقيقته الكلية وتصوُّر هذه الماهية وادراكها يكون موقوفاً على التصور الجزئي لغيرها فلا دور . وامَّا دعوى انَّ ما بالغير يرجع الى ما بالذات وان فاقد الشيء لا يعطيه ففاسدة أيضاً لأنها إنما تقتضي بداهة مصاديق العلم ونحن لا ننكر ذلك وإنما كلامنا في ماهيته وحقيقته فالحق انَّ مصاديقه بديهية دون حقيقته نظير ما قيل في الوجود .

ثامنها : انَّا نعلم الأشياء باعراضها كما نعلم الانسان بالكاتب والضاحك والعرض ليس بصورة للشيء لأن صورة الشيء جزئه كما صرح به الحكماء والمتكلمون من انَّ الشيء مركب من المادة والصورة فكيف يصح تعريفهم للعلم بالصورة الحاصلة - وجوابه - انَّ المراد بالصورة هنا بقرينة التقييد بالعقل هو الصورة الذهنية وهي ما به يمتاز الشيء عما عداه سواء كان نفس ذاته أو ماهيته أو فصله أو عرضه .

تاسعها : انَّه لا يشمل هذا التعريف علم الأشياء بأنفسها لأن ظاهر الظرفية المغايرة بين صورة الشيء والعقل وفي علم الشيء بنفسه كانت الصورة

عين العقل . - وجوابه - انَّ الظرفية هنا اعتبارية لكون العقل ليس بظرف حقيقي والظرفية الاعتبارية تصح لأدنى ملابسة واعتبار فالشيء باعتبار انَّه عالم ظرف وباعتبار انه معلوم مظروف .

عاشرها : انَّ العلم ضد الجهل فكيف يعرف بالصورة الحاصلة في العقل مع ان هذا التعريف يشمل الصورة سواء كانت مطابقة أو غير مطابقة بل يشمل الشك والوهم والخيال فانَّها داخلة في مفهوم الصورة فاذا فسر العلم بها دخلت في العلم وبطل ما بينه وبين الجهل من الضدية . - وجوابه - انَّ المراد بالعلم في صدر كتب المنطقيين هو ما كان مرادفاً للتصوُّر وإلا لما صح قولهم ( وقد يقع فيه الخطأ فاحتيج إلى قانون يعصم عنه ) لأن العلم الذي هو ضد الجهل لا يقع فيه الخطأ أصلاً . ولما صح أن يحصل من أقسامه الوهم والشك والتخيل وقد قيل انَّ اطلاق العلم على الادراك المطلق اصطلاح أهل الميزان وعلى اليقين فقط عند أهل اللغة وعلى مقسم التصور واليقين اصطلاح الحكماء وعلى الملكة اصطلاح أرباب الفن .

حادي عشرها : انَّه لا يشمل العلم بالمعدومات لأنه ليست بشيء إذ الشيئية تلازم الوجود كما قرر في الحكمة فأخذ الشيء في تعريف العلم موجب لخروج بعض أفراده . - وجوابه - انَّ المراد بالشيء في تعريف العلم هو الذات اعم من الموجودة والمعدومة وهو متعارف اطلاقه بهذا المعنى .

ولنا رسالة قد ألَّفناها في قديم الزمان في تعريف العلم وتقسيمه ننقلها هنا لما فيها من تحقيق رشيق وهي بعد الحمد والثناء : انَّ بعض المنطقيين عريف العلم بأنه الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل . والحكماء بحصول الصورة من الشيء في العقل وبعضهم تبعاً للمتكلمين انَّه اضافة بين العالم

والمعلوم وهي تعلق احدهما بالآخر وبعضهم فسَّره بعدم الجهل وبعضهم بقبول الذهن لصورة الشيء من المبدأ الفياض وانتقاش النفس بها وبعضهم با حاطة الذهن بصورة الشيء وبعضهم بانكشاف الواقع انكشافاً تاماً كما هو غير مجامع لاحتمال الخلاف وبعضهم بما اقتضى سكون النفس كما نقل عن ابي جعفر الطوسي وبعضهم باعتقاد الشيء على ما هو به مع طمأنينية النفس كما عن المعتزلة .

وتحقيق المقام يحتاج الى ذكر امور يعرف منها فساد هذه التعاريف وما هو الحق في المقام .

الأول : انَّ العلم الذي هو مقسماً للتصوُّر والتصديق يكون من اقسامه الشك والظن والاطمئنان والوهم والتخيل والجهل المركب وذلك لتصريحهم بذلك في كتبهم كما يظهر من كلمات صدر المتألهين في رسالته التي وضعها في التصور والتصديق وظاهر كلام الشارح ملا عبدالله . وتقسيمهم التصديق الى البرهاني والجدلي والخطابي والشعري والسفسطي وتقسيمهم التصور الى الشك والوهم والتخيل وغير ذلك . كيف وقد ذكروا وقوع الخطأ فيه وهو لا يتصور إلا اذا كان عندهم شاملاً لمجهل المركب مع انَّ العقل حاكم يكون هذه الأمور اقساماً للعلم لأن قسم الشيء ما وجد فيه ذلك الشيء وزيادة والتصوُّر والادراك موجود في هذه الاقسام المذكورة كلها مع خصوصية زائدة واذا ثبت أن العلم من أقسامه هذه الأمور المذكورة فلا وجه لتعريفه بنحو لا يشملها لأن تعريف الشيء لابد وان يكون مساوياً له لا أخص منه.وبهذا يظهر لك فساد جمیع ما نقلناه لك من التعاريف المذكورة .

امَّا تعريفه بالاضافة بين العالم والمعلوم فبطلانه من جهة ما تقرر في فن الحكمة

من انَّ الاضافيات لا استقلال لها في الوجود والتحصل إلا عند وجود المتضايفين فيلزم على هذا خروج الجهل المركب لعدم وجود المعلوم في الخارج.ان قلت : انَّ المراد بالمعلوم نفس الصورة وان لم تكن خارجية .

قلنا : على هذا كان العلم عين المعلوم فلا اضافة بينهما اصطلاحية . وامَّا بطلان باقي التعاريف فلظهور بعضها في اعتبار كون العلم هو الادراك المطابق للواقع كتعريفه بالصورة الحاصلة من الشيء عند العقل أو حصول الصورة وصريح البعض الآخر في ذلك كتعريفه بالانكشاف ونحوه .

وما يقال : انُّ نقصان الانكشاف قادح في صدق اسم العلم مانع عن ثبوته لغة وعرفاً عامَّاً وخاصَّاً ولذا كان الظن مقابلاً له غير داخل فيه ففيه نظر من وجوه الأول : انَّ الكلام في العلم عند المنطقيين الذي ذكروه في صدر كتبهم ولا إشكال انه يشمل الظنَّ ونحوه فعدم صدق اسم العلم على ذلك عرفاً ولغة لا يمنع من دخول الظن فيه بعد فرض انَّهم يريدون معنىً صالحاً لأن يدخل فيه الظن الثاني : انَّه عند العرف العام يطلق العلم على الاطمئنان وهو الظن القريب المعلم بل انَّ أغلب اطلاقهم العلم على ذلكوأما الانكشاف التام فغالب يخصونه باسم اليقين الثالث : انه كثير من علماء اللغة صرح بأنه يطلق على مطلق الادراك وقد اشتهر بين العلماء الأكابرانَّ لفظ العلم مشترك بين اليقين وبين مطلق الادراك كما يشير الى ذلك كلام القوم في مبحث الفكر . ودعوى انَّ العلم ضدَّ الجهل فلا يكون شاملاً للجهل المركب باطلة لأن الجهل عبارة عن عدم الملكة فيكون عبارة عن عدم العلم عما من شأنه انَّه يعلم فهو تابع لتفسير العلم فبأي شيء فسّر العلم فسر الجهل بعدمه فان فسر العلم بالصورة فالجهل عدمها عما من شأنه

أن يتصوَّر وإن فتر بالتصديق اليقيني المطابق للواقع فالجهل عدمه عما من شأنه ذلك فهو نظير المركَّب والمفرد .

الأمر الثاني : ان حقيقة العلم والادراك عبارة عن وجود نفس الشيء لا شبحه ومثاله عند المدرك فهنا ثلاثة مطالب : الأول انَّ العلم أمر" وجودي لا أمر عدمي . الثاني انَّ الشيء بنفسه يوجد في الذهن لا بشبحه ومثاله .

الثالث انَّ حقيقة العلم هو نفس وجود الصورة لا نفس الصورة .

والدليل على الأول هو الوجدان حيث انا نجد من أنفسنا من جهة كوننا عالمين حالة ثبوتية متميزة عن سائر أحوال النفس كالخوف والشهوة والغضب فلابد أن يكون العلم بالشيء ليس أمراً عدمياً بل وجودياً .

والدليل على الثاني هو أنَّه لو كان الموجود حال العلم شبح الشيء في الذهن لما كان هو المعلوم بنفسه بل كان المعلوم شبحه بداهة انَّ المعلوم هو ما تعلق العلم به واذا حصل شبح الشيء في الذهن فيكون العلم إنما تعلق بالشبح لا بنفس الشيء فلا يكون نفس الشيء معلوماً . وتحقيق الحال يطلب من كتبنا الحكيمة في مبحث الوجود الذهني . ولا يشكل علينا بالشك والتخيل والجهل المركَّب لأنه امَّا الشك فيرجع الى تصوَّر وجهل بالنسبة الحكمية والتصوُّر يكون تصوراً لأمر يكون كذلك في الواقع بمعنى انَّ وجوده الواقعي لو كان يكون لنفسه لا لما هو مثال له . وكذا التخيل فانَّه تصوُّر لأمر يكون هو الموجود في الواقع لو وجد فيه وان قطع بعدم وجوده فعلا في الواقع . وكذا الجهل المركَّب فانَّه ادراك لأمر يكون هو الموجود في الواقع على تقدير وجوده فيه ولم يكن ادراكاً لذلك الأمر المجهول فانَّ من اعتقد انَّ الحيوان الصاهل هو الانسان وعرَّفه به فهو لم يدرك الانسان

بادراكه الحيوان الصاهل ولذا كان الانسان مجهولاً له بحسب الواقع وإنما أدرك الحيوان الذي يكون كذلك .

والدليل على الثالث أمور أحدها أنَّ الميزان في حقيقة الشيء هو كون وجودها بوجوده وعدمها بعلمه . ونحن اذا نظرنا الى الصورة الموجودة في الذهن وجردناها عن الوجود في الذهن أو قل عن الوجود في صقع العلم ومحيطه رأينا انَّها لا تتصف بالعلم كما لو لاحظنا نفس وجودها رأينا أنَّه متصف به فتكون حقيقة العلم دائرة مدار هذا الوجود وهو مناط الاتصاف بالعلم . ثانيها ( ولعلَّه يرجع الى الأول ) هو صحة سلب العلم عن نفس الصورة والشيء لا يسلب عن نفسه .

إن قلت : انَّ صحة السَّلب إنما تنفي كون العلم نفس الصورة ولا تثبت بأنه عبارة عن وجود الصورة كما هو المطلوب .

قلنا : لما كان الوجدان يشهد بأن في حال العلم يوجد أمران الصورة ووجودها فاذا انتفى كون أحدهما هو العلم تعين الآخر . ثالثها انَّ الصورة لو كانت هي العلم لكانت بوجودها الخارجي أيضاً علم لاستحالة انفكاك الماهية عن ذاتياتها.

انَّ قلت : انَّ الصورة هي العلم بقيد وجودها العلمي أو المجموع المركب منها ومن الوجود هو العلم . قلنا : انَّ الغرض من هذه الأدلة هي تفي العلم عن نفس الصورة وامَّا نفيه عن المجموع المركَّب أو الصورة المقيدة بالوجود الذهني فهو أن يقال انَّ حقيقة العلم متقومة بالانكشاف والظهور وهو إنما يكون بنفس الوجود للمدرك دون أن يكون للصورة أي مدخل فيه . ان قلت : انَّ الدليل الثالث إنما يتم في العلم الحصولي وامَّا

في العلم الحضوري فغير مسلم لأن الاشياء بوجودها الخارجي تكون معلومة . قلنا : الأشياء بوجودها في نفسها ليست بمعلومة وإنما تكون معلومة باحاطة العالم بها وهذه الاحاطة هي العلم وهي من سنخ احاطة الذهن بالأشياء عند

العلم بها ولذا عبرنا بالصَّقع فيما مضى .

فظهر لديك انَّ حقيقة العلم عبارة عن وجود الشيء بنفسه في المدرك ولا فرق في ذلك بين أن يكون العلم حضورياً أو حصولياً وبين أن يكون كسبياً أو بديهياً وسواء كان علم المجردات أو علم الماديات وحينئذ فيتضح لك فساد تعريفه بالصورة الحاصلة وفساد تعريفه بعدم الجهل وفساد تعريفه بالاضافة لأن الوجود لا يدخل تحت مقولة من المقولات الى غير ذلك مما لا يخفى على الفطن .

الأمر الثالث انَّ العلم من الأمور الوجدانية التي ليست لها ماهية وراء الوجود وإنما هو من الامور التي ماهيتها عين وجودها لما عرفت انَّ العلم ليس إلا وجود الشيء عند المدرك واحاطته به . وعليه فلا يمكن حدّه ولا رسمه لأنَّ الحدَّ إنما يكون لأجل احظار ماهية الشيء عند المدرك والعلم لم يكن له ماهية حتى تحظر في ذهن أحد . وكذا لا يصح رسمه لأنه من الامور الوجدانية فهو ممتاز بنفسه عما عداه عند كل أحد فيكون رسمه من قبیل تحصيل الحاصل .

نعم لا بأس بالتنبيه عليه وتعريفه تعريفاً لفظياً وبهذا ظهر لك خطأ من حاول بيان حدّ العلم أو رسمه هذا حال حقيقة العلم .

وقد اتفق العلماء على تقسيمها الى التصوُّر والتصديق ولكنهم اختلفوا في كلِّ منهما فزعم حكماؤهم انَّ التصديق هو نفس الحكم وما عداه من

الادراكات فهي تصوُّر وتبعهم على ذلك أكثر متأخري المنطقيين . وزعم الرازي انَّ التصوُّر هو الادراك الساذج الذي ليس معه حكم والتصديق عبارة عن تصوُّر النسبة وتصور طرفاها والحكم وجعل التفتازاني التصديق عبارة عن الاذعان بالنسبة والتصور عبارة عن الادراك المجرد عنه . ثم انَّهم اختلفوا في الحكم فزعم قطب الدين بأنه إسناد أمر الى آخر واثباته له وينسب الى الحكماء انَّ الحكم عندهم هو نفس اقرار النفس وإذعانها بالشيء. وزعم صاحب مطالع الأنوار بأن الحكم إيقاع النسبة أو انتزاعها وزعم بعضهم انَّ الحكم هو إدراك النسبة على وجه يطلق عليه التسليم والقبول وذهب آخرون الى أنَّه ادراك وقوع النسبة اولا وقوعها . ولكي نوقفك على حقيقة الحال في هذا المقال لابد لنا من الكلام على أمور :

الأول : انَّ الأقسام عبارة عن المقسم المنظم اليه القيود المختلفة فقسم الشيء لابد وأن يكون عبارة عن ذلك الشيء المقيد بقيد وجودياً كان أو عدمياً وإلا لما كان قسماً منه بل أمراً أجنبياً عنه وبهذا يظهر لك خطأ من جعل التصديق نفس الاذعان أو الحكم المجرد عن الادراك إذ لم يكن المقسم وهو العلم موجوداً في التصديق.

الثاني : انَّ تصوُّر الموضوع وتصوُّر المحمول وتصور النسبة لا اشكال في أنه لابد من وجودها مع التصديق إذ لا يعقل التصديق بالنسبة بدونها ولذا ترى المنطقيين بين جاعل لها شرطاً للتصديق أو شطراً له واذا كان الأمر كذلك ظهر خطأ

من قسَّم العلم الى التصوُّر الساذج والتصديق مع تفسيره للساذج بأنه لا يكون معه حكم أصلاً إذ على هذا يكون قسماً ثالثاً للعلم وهو تلك التصوُّرات المذكورة ( أعني تصوُّر الموضوع والمحمول والنسبة) لأنها ليست

من التصوُّر الساذج حيث كانت مقترنة بالحكم لوجودها مع التصدیق وليست هي من التصديق في شيء إذ أنها امَّا أن تكون اجزاءه أو شروطه وكيف كان فهي مغايرة له لأن الجزء غير الكل والشرط غير المشروط .

الثالث : انَّه عند مراجعة الوجدان لا يرى الانسان في مقام التصديق بالنسبة إلا تصوُّر الموضوع والمحمول والنسبة ووقوعها اولا وقوعها وحكم النفس بذلك ( أي بالوقوع أو اللا وقوع ) واذعانها به وتسليمها به كما أن في مقام الشك توجد التصورات الأربعة ولكنه من دون أن يكون للنفس حكم بالوقوع أو اللا وقوع فحقيقة التصديق هو ذلك الحكم النفساني إذ لا معنى للتصديق بالشيء إلا قناعة النفس به لا تصوُّر أطرافه ومن المعلوم إن هذا الحكم ليس من التصوُّر في شيء فهو لا يكون من العلم أصلاً فالتصديق ليس من العلم في شيء فلا وجه لجعله قسماً من العلم لأنَّ المقسم معتبر في أقسامه . إن قلت : إن الاصطلاح واقع على تسمية تلك التصورات تصديقاً . قلنا : لم يعلم من المنطقيين ذلك بل نزاعهم فيه يدلُّ على انهم في مقام شرح حقیقته وبيان ما هيَّئته على انَّ هذا التقسيم للعلم إنما كان لبيان ما يوصل اليه قول الشارح وتوصل اليه الحجَّة والحجة إنما توصل لحكم النفس المذكور لا انها توصل للتصديق بالمعنى المعروف إذ لا توجب التصورات الأربعة وإنما يوجبها قول الشارح .

الرابع : إن من شرط التقسيم أن لا يكون أحد الأقسام داخل في القسم الآخر فلا أن يقسَّم الحيوان الى الانسان والانسان الرومي وعليه فلا يصح يصح تقسيم العلم الى التصوُّر والتصديق مع جعل التصديق عبارة عن الحكم وتفسير الحكم بادراك وقوع النسبة أو لا وقوعها حيث أنه على هذا

يكون التصديق قسماً من التصوُّر الذي هو قسم من العلم لأنه يكون ادراكاً للوقوع والادراك هو التصوُّر .

الخامس : انَّ الشاك مُدرك لوقوع النسبة أو لا وقوعها اذ هو متردد بينهما وعليه فلا يصح تفسير الحكم بأنه ادراك لوقوع النسبة أو لا وقوعها لأنه يلزم أن يكون الشاك عنده حكم . وما يقال : انَّ الشاك ليس عنده حكم بل هو متصوُّر للحكم فهو مدرك لادراك الوقوع أو اللا وقوع لا انَّه مدرك للوقوع واللا وقوع . - فجوابه - مضافاً الى كون ذلك خلاف الوجدان حيث يشهد أن ليس الشاك مدرك للادراك بل هو مدرك لنفس الوقوع واللا وقوع انَّه لا يرفع الاشكال لأنه اذا أدرك الشاك ادراك الوقوع فقد أدرك الوقوع فيوجد المعنى الذي ذكر للحكم تمت الرسالة بحمد الله .

تقسيم العلم الى تصور وتصديق

( اتفق المنطقيون على تقسيم العلم الى التصوُّر والتصديق) . ويرد عليهم سنتَة ايرادات ·

أولاً : انَّ هذا من قبيل تقسيم الشيء الى نفسه وغيره فانَّ كل علم تصوُّر وكل تصوُّر علم بل هو مرادف له . -وجوابه - انَّ المراد بالتصوُّر بقرينة المقابلة بالتصديق هو الادراك الذي يكون غير التصديق المسمَّى بالتصوُّر الساذج ولا شك انَّه قسم من العلم .

ثانياً : انهم إن أرادوا بالتصوُّر هو الادراك بشرط عدم الحكم أعني بشرط لا فيلزمه أن تكون التصوُّرات الموجودة مع التصديق شرطاً أو شطراً قسماً ثالثاً للعلم لأنها ليست من التصوُّر الساذج لكونها مع الحكم وليست

من التصديق لأنها امَّا أجزائه أو شروطه وجزء الشيء وشرطه غير الشيء . وان أرادوا بالتصوُّر هو نفس ذاته من دون اعتبار للحكم ولا لعدم الحكم أعني اللا بشرط بالنسبة للحكم فانَّه وإن كانت تلك التصوُّرات المعتبرة في التصديق داخلة في التصوُّر إلا أن التصوُّر بهذا المعنى عين العلم وعبارة عن نفس المقسم وبعبارة أخرى إن أردتم بالتصوُّر الادراك مطلقاً فهو مرادف للعلم فلا یصح جعله قسماًمن العلم وان أردتم به الادراك المقيد بعدم الحكم فلا یصح أخذه في التصديق شرطاً أو شطراً لأن الحكم معتبر في التصديق فلو أخذ فيه التصور لزم اعتبار الحكم وعدم الحكم في التصديق . وجوابه - انَّ المراد بالتصوُّر هو التصور لا على وجه الاذعان سواء اقترن بالاذعان ام لا فهو لا بشرط بالنسبة للاذعان والحكم فالتصورات المذكورة تكون داخلة فيه لانها لم تكن على وجه الاذعان وإنما الذي كان على وجه الاذعان هو خصوص التصويُّر الذي تعلَّق بالنسبة التَكامة عند التصديق بها وإنما كانت تلك التصورات مقارنة للاذعان . والتصوُّر بهذا المعنى قسم من العلم لا عينه لأنَّه لا يشمل التصوُّر على وجه الاذعان .

ثالثاً : انَّ العلم الذي هو المقسم يصدق عليه التصوُّر فالقسم صادق على المقسم وذلك مُفسد للتقسيم لاستلزامه كون المقسم قسماً من أقسامه.وجوابه. ان العلم في تقسيمه لم يؤخذ متعلقاً بغيره بل أخذ من حيث هو هو وبهذا الاعتبار لم يكن ادراكا لشيء حتى يكون تصوُّراً وامَّا ادراك نفس العلم فداخل في التصويُّر ولا مانع من صدق التصوُّر عليه فان المقسم قد يصدق عليه أحد أقسامه باعتبار كتقسيم المفهوم الى الكلي والجزئي مع انَّ المفهوم يصدق عليه الكلي .

رابعاً : إن التصديق إن كان عبارة عن الحكم أو المجموع المركَّب من التصورات الثلاثة مع الحكم فهو قسيم للتصوُّر ومقابل له والتصوُّر عبارة عن نفس العلم فيكون التصديق مقابلاً للعلم فكيف يُجعل قسماً من العلم وإن كان التصديق عبارة عن نفس التصور على وجه الحكم والاذعان كان قسماً من التصوُّر فكيف يجعل قسيماً للتصوُّر ومقابلاً له . - وجوابه -

ما عرفته من انَّ التصوُّر المرادف للعلم والذي يكون التصديق قسماً منه هو مطلق التصوُّر وهو ليس بقسمٍ من العلم وامَّا التصوُّر الذي جعل قسماً من العلم فهو ليس بمرادف للعلم لأن المراد به بقرينة المقابلة للتصديق هو التصوُّر الذي ليس بتصديق وهو نوع من العلم ومقابل للتصديق وحينئذ فالتصديق بأي معنىً جعل قسماً للعلم يكون قسيماً للتصوُّر الذي هو

قسم العلم.

وخامساً : أن التصوُّر والتصديق ينقسمان الى العلم والجهل ولذا يقع فيهما الخطأ فلو انقسم العلم اليهما يلزم انقسام العلم الى نفسه والى ضده وهو محال . وجوابه - لا بأس به فانَّ الحيوان ينقسم الى الأبيض والأسود مع انقسامهما الى الحيوان وغيره مضافاً الى أن العلم الذي هو المقسم أعم من أن يكون مطابقا للواقع أم لا فهو يشمل الجهل .

وسادساً : انَّ مورد القسمة علم لأن الكلام في تقسيمه وكل علم امَّا تصوُّر أو تصديق فينتج من الشكل الأول انَّ مورد القسمة امَّا تصور أو تصديق وهذه النتيجة فاسدة لأن مورد القسمة ان كان تصوراً لا یصح تقسیمه الى التصديق وان كان تصديقاً فلا يصح تقسيمه الى التصوُّر لأن التقسيم ضم قيود متخالفة لطبيعة واحدة مشتركة بين الأقسام وهذه شبهة سيَّالة

في كل تقسيم . وجوابه في مبحث المغالطات في المغالطة الرابعة والعشرين.

( عرَّفوا التصوُّر الذي هو قسم من العلم بأنه : ادراك ساذج غير مقترن بالحكم ) ويرد عليهم ايرادات ثلاثة :

أولاً : انَّه لا ادراك إلا ومعه حكم ولا أقل من الحكم بأنه ادراك للشيء فلا يكون للتصوُّر فرد موجود . وجوابه - ان كثيراً من الادراكات لا يلتفت فيها الى ذلك بل هي تصورات محضة كالانشائيات والمشكوكات مضافاً الى انَّ المراد انَّها مع قطع النظر عن الحكم هي تكون قسماً من العلم يسمَّى بالتصوُّر مع ما عرفت من انَّ المراد بعدم الاقتران بالحكم ليس نفي المصاحبة للحكم بل المراد عدم كون التصوُّر على وجه الحكم والاذعان وهذا لا ينافي المصاحبة للحكم.

وثانياً : انَّ هذا التعريف غير مانع لشموله لنفس الحكم لأن الحكم على ما هو المشهور هو الادراك على وجه الاذعان فهو تصوُّر ولا شك انه لا حكم معه اذ ليس للحكم حكم والتصديق هو الحكم عند المشهور فيلزم دخول التصديق في تعريف التصوير مع انَّه قسيم له . - وجوابه - ما عرفته مراراً من انَّ المراد بالساذج ما لم يكن على وجه الحكم لا تفي مصاحبة الحكم ولا اشكال انُّ الادراك على وجه الاذعان يكون ادراكاً على وجه الحكم فلا يشمله التعريف نعم لو اريد به نفي المصاحبة كان الاشكال وارداً .

وثالثاً : انَّ التصوُّر من الحقايق المتأصلة الواقعية لا الاعتبارية فلا

معنى لأن يعتبر فيها عدم الحكم لأنَّ العدم لا يقوِّم الحقايق الواقعية فانَّها موجودة في الخارج ووجودها يستدعي وجود اجزائها فلو كان العدم داخلا في قوامها لزم من وجودها وجوده وهو محال للزوم اتصاف الشيء بنقيضه مع انَّ العدم يثبت للشيء بالقياس الى ملكته وكلما ثبت للشيء بالقياس الى غيره لا يكون ذاتياً له اذ ما يثبت لنفس الذات يجب أن يكون منتزعاً من نفسها والعدم لا يثبت للذات إلا بلحاظ الغير الذي هو المسلوب عنها المسمىبملكة العدم . - وجوابه - انَّ عدم الحكم إنما ذكره المنطقيون اشارة للفصل الحقيقي للتصوَّر وكثيراً ما يعبرون عن الفصول الحقيقية بالامور العدمية وإلا فهو ليس بمعتبر في التصور ولا ذاتي له وإنما فصل التصوُّر أمر وجودي قد يعبَّر عنه بالساذجية وبعدم الحكم أخرى .

التصديق

(ذهب الحكماء الى انَّه عبارة عن الحكم المفسر بالاذعان . وذهب آخرون الى انَّه عبارة عن مجموع أمور أربعة تصوُّر الموضوع أو المقدَّم وتصوُّر المحمول أو التالي وتصوُّر النسبة والحكم ) ويرد عليهم تسعة ایرادات .

أحدها على تفسيره الأول وهو انَّ العلم ادراك والحكم ليس بادراك لأنه عبارة عن نفس اذعان النفس وتسليمها لا ترددها وانكارها فيكون فعلاً من أفعال النفس نظير السرور والغم والهم فانَّها كيفيات نفسانية غير الادراك كيف لا ونحن مكلفون بالتصديق بما جاء به النبي (ص) والمكلف به لابد وأن يكون فعلاً اختيارياً فالتصديق لابد وأن يكون فعلاً اختيارياً والادراك

ليس بفعل اذ المشهور عندهم انَّه من مقولة الكيف واذا لم يكن فعلاً فلا التكليف به . - وجوابه - انَّ الحكم ادراك على وجه الاذعان إذ به ينكشف الواقع إلا أنه يغاير التصور بالذات كما يغايره باللوازم إذ الحكم يحتمل الصدق والكذب دون التصوُّر وكما يغايره بالمتعلق لأن التصديق متعلَّقه خاص حيث لا يتعلق إلا بالنسبة التامة الخبرية بخلاف التصوُّر فانَّ متعلَّقه عام لأنه يتعلق بكل شيء نعم عند المتأخرين يتعلق بما عدى النسبة الخبرية التامة . ودعوى انَّ التكليف بالتصديق يستدعي كون التصديق فعلا للنفس وإلا لما كان مقدوراً . مدفوعة بأن القدرة عليه بواسطة القدرة على الموصل اليه وهو الحجَّة وقد تقرر في محله انَّ التكليف يتعلق بالمقدور بالواسطة . ودعوى انَّ التصديق لو كان عين الحكم والحكم عبارة عن التصوَّر المذكور لزم أن يكون التصور مكتسباً من الحجَّة لأن الحكم يكتسب من الحجة فلابد أن نقول : إن الحكم عبارة عن شيء غير الادراك فاسدة لأنَّا نلتزم بأن هذا التصوَّر المذكور يكتسب من الحجة وأي محذور فيه . وعلى تفسيره الثاني ثمانية ايرادات :

أولاً : أنَّ المنطقيين حصروا العلم بهذين القسمين وجعلوا الطريق للأول منهما هو التعريف وللثاني منهما هو الحجة فلو كان التصديق عبارة عن مجموع الأربعة المذكورة لزم أن يكون التعريف غير مختص بالتصوَّر لأن التصوُّرات الثلاثة طريقها التعريف وهذا بخلاف ما إذا فسرنا التصديق بالحكم فانَّه ينحصر طريقه بالحجة وينحصر طريق التصوُّر بالتعريف. - وجوابه - انَّا لو سلمنا حصر هم ذلك فانَّما هو لأجل تخيلهم تبعاً للحكماء انَّ التصديق عبارة عن نفس الحكم والقول بأن التصديق مركب من الأربعة

حادث متأخر عن صناعة المنطق فاتَّه من مبتكرات الرازي على ما قيل.

وثانياً : انَّ التصوُّر لو كان جزءاً من التصديق للزم اعتبار الحكم في التصديق وعدم اعتباره فيه لأن الحكم معتبر في التصديق لكونه جزءاً منه والتصور قد اعتبر فيه عدم الحكم فيلزم اجتماع النقيضين في محل واحد وهو التصديق . ودعوى إنَّ المعتبر في التصديق هو التصوُّر بمعنى الادراك المرادف للعلم وهو ليس بمعتبر فيه عدم الحكم معه وإنما المعتبر عدم الحكم معه هو التصوُّر الساذج وهو ليس بجزء من التصديق فلا اشكال فهي فاسدة لأن كل واحد من هذه التصورات تكون تصويراً خاصاً حيث انها تصويرات لأطراف القضية ولو كانت عبارة عن التصوُّر المطلق لصدقت على غيرها من التصوُّرات كما هو شأن المطلق مع ان تصورات الأطراف على تقدير كونها جزءاً للتصديق فهي أجزاء خارجية ولا يمكن أن يكون المطلق باطلاقه جزءاً خارجياً ما لم يتشخص . ودعوى ان كل واحد من هذه التصورات تصوُّراً ساذجاً لكنها اعتبرت في التصديق من حيث ذاتها مع قطع النظر عن ساذجيتها وعن اتصافها بعدم الحكم فانَّ الجدار متصف بعدم السقف معه لكنه حال كونه جزءاً من البيت يزول عنه هذا الوصف وهكذا الوحدة متصفة بعدم الكثرة معها لكنها حال كونها جزءاً من الكثرة يرتفع هذا الوصف عنها وهكذا الأعداد بالنسبة الى المراتب التي فوقها . فاسدة لأن ما ذكر أوصاف غير مقومة للحقيقة فاذا زالت تبقى الحقيقة على حالها بخلاف ما نحن فيه فان عدم الحكم ذاتي للتصوُّر الساذج نظير عدم الصاهلية للانسان فاذا زال زالت الحقيقة ولذا قلنا : التصديق مختلف بالذات مع التصوُّر . ودعوى انَّ اللازم في المقام هو اجتماع النقيضين في المفردات

وهو ليس بمحال اذا كان بنحو انضمام بعضها الى بعض كما لو ضم الانسان الى الفرس فانَّه حينئذ ينضم الانسان الى اللا إنسان والفرس الى اللا فرس وإنما المحال هو تصادقهما على موضوع واحد كأن يصدق الانسان واللا إنسان على شيء واحد وما نحن فيه من قبيل الأول فانَّ عدم الحكم صادق على التصوُّرات والحكم صادق على ادراك النسبة فاختلف الموضوع . فاسدة لأنه یرجع الى تصادقهما على موضوع واحد فانه يصدق على هذه التصورات إنها لا حكم معها لأنَّها تصوُّرات ساذجة وانَّها حكم معها لأنَّها أجزاء للتصديق . - وجوابه - ما عرفت من أن اعتبار عدم الحكم في التصوُّرات الساذجة ليس بنحو المعية حتى يمنع من تحققها مع الحكم بل المراد كونها بنحو عدم الحكم فعدم الحكم وصف لها لا أنَّه مقارن لها وحينئذ فلا مانع من تحققها مع الحكم نظير الجدار فانَّ ذاته متصفة بعدم السقف وهو لا ينافي مصاحبته للسقف فانَّه مع مصاحبته للسقف هو متصف بعدم السقفية لذاته نعم لو قلنا : بأن ذاته متصفة بمصاحبة عدم السقف وهذه المصاحبة ذاتية له لم يجز أن يجتمع مع السقف وهكذا التصوُّرات الساذجة المعتبرة في التصديق فانَّ ذاتها متصفة بعدم حكم وهو لا ينافي اجتماعها ومصاحبتها للحكم مضافاً الى أن هذا الاشكال لو تم فهو مشترك الورود على المتقدمين والمتأخرين لأنَّه كل منهم اعتبر هذه التصورات في التصديق غاية الأمر المتقدمون بنحو الشرطية والمتأخرون بنحو الشطرية .

وثالثاً : انَّ التصور مقابل للتصديق ومباين له لأنه قسيمه فكيف يجعل جزءاً منه لاستحالة تحقق المقابلة بين الجزء والكل . - وجوابه - انه لا مانع من ذلك في الأجزاء الخارجية فانها مباينة للكل والكل مباين لها كما انَّها متباين

بعضها عن بعض كما في أجزاء السكنجبيل فانَّها مباينة للسكنجبيل لعدم صدق السكنجبيل على الخل والعسل وعدم صدقهما عليه نعم لو كانا من المتضادين لم يمكن اجتماعهما في محل واحد . وقد عرفت ان التصورات المعتبرة في التصديق كلها أجزاء خارجية .

ورابعاً : انَّ التصديق على هذا ليس من العلم لأن الحكم عبارة عن اذعان النفس وهو ليس من الادراك فهو خارج عن حقيقة العلم والمركب من الداخل والخارج خارج فاللازم جعل التصديق عبارة عن التصوَّر المقيد بالحكم لا أنَّ الحكم جزء منه . - وجوابه - ما عرفته غير مرة من أنالحكم عبارة عن ادراك النسبة على وجه الاذعان فهو من العلم .

وخامساً : انَّه نسب الى القائلين بكون التصديق مركباً القول بأن التصورات كلها بديهية والحكم أيضاً تصوَّر لانَّه ادراك على وجه الاذعان فيلزم أن تكون التصديقات أيضاً بديهية والوجدان بخلاف ذلك .- وجوابه - انَّ غرضهم التصوُّرات التي لا تقع على وجه الاذعان فيخرج الحكم منها ويكون التصديق باعتباره كسبيَّاً اذا احتاج الى نظر وكسب .

وسادساً : انَّ وحدة المقسم معتبرة في الأقسام وإلا لما كان التقسيم حاصراً فانَّك اذا قلت : الكلمة اسم وفعل وحرف فلا يكون هذا التقسيم حاصراً إلا اذا أردت الكلمة الواحدة لا تخلو عن هذه الأمور الثلاثة وإلا لكان المجموع من كل اثنين أيضاً قسماً والمجموع الحاصل من الثلاثة أيضاً قسماً آخراً وهلم جرًا اذا عرفت ذلك ظهر عدم صحة اعتبار التصوَّرات في التصديق لأنَّ المقسم هو العلم الواحد والتصوَّرات الثلاثة علوم متعددة . ان قلت : انَّا نقسم الضرب الى الواحد والكثير قلنا : انَّ هذا من قبيل

تقسیم الشيء الى أمرين متباينين لأن المراد بالواحد بشرط لا وبالكثير بشرط شيء فليس أحد القسمين معتبر في الآخر . - وجوابه - انَّ اقتران الحكم بهذه التصوَّرات يجعل لها وحدة بها تكون نوعاً مغايراً للقسم الأول وبعبارة اخرى انَّ التصديق كيفية من الكيفيات النفسية فيجب أن يكون له وجود واحد ينحل الى تلك التصورات والحكم . إلا اللهم أن يقال : انَّا لا نسلِّم ان له وحدة حقيقية وإنما له وحدة اعتبارية والمقسم الذي هو العلم له وحدة حقيقية .

وسابعاً : إنه يلزم على هذا أن يكون التصديق متصفاً بالبداهة والكسبية في زمان واحد فيما كانت التصوُّرات بديهية والحكم نظرياً أو بالعكس وهو جمع بين الضدين والنقيضين . - وجوابه-انَّا تلتزمبالكسبية في هذه الصورة لعدم حصول التصديق والنتيجة تابعة لأخس مقدماتها ولو سلمنا فنلتزم بأنه بديهي من جهة وكسبي من اخرى ولا يلزم الجمع بين النقيضين أو الضدين لاختلاف الجهة والاضافة .

وثامناً : يلزم اكتساب التصديق من القول الشارح فيما لو كان الحكم بديهياً وتصويُّر أحد طرفيه نظرياً فانَّ التصديق على هذا يكون نظرياً يكتسب باكتساب أحد طرفيه بقول الشارح . - وجوابه - لا مانع من ذلك لو قلنا بأن التصديق مركب .

التقسيم الى البديهي والنظري

(قسموا كل من التصوُّر والتصديق الى البديهي والنظري ) . ويرد عليهم ايرادات أربعة :

أولاً : انهم لماذا لم يجعلوهما تقسيماً لنفس العلم فانَّه ينقسم اليهماكما ينقسم الى التصوير والتصديق . - وجوابه - انَّهم لما كانوا بصدد اثبات الاحتياج الى المنطق بقسميه المعرِّف والحجة احتاجوا الى بيان انقسام كل من التصور والتصديق الى البديهي والنظري واحتياج النظري منهما الى البديهي اذ لو لم يبينوا ذلك لجاز أن تكون التصورات كلها بديهية فلا تحتاج الى المعرِّف وجاز أن تكون التصديقات كلها بديهية فلا تحتاج الى الحجة وحينئذ فلا يثبت الاحتياج الى جزئي المنطق معاً .

وثانياً : انَّ هذا التقسيم غير حاصر لعدم شموله للعلم الحضوري إذ العلم الحضوري ليس بنظري كما هو واضح حيث لا يحتاج الى كسب ولا بديهي لأن البديهي عبارة عن العلم الذي لا يحتاج الى كسب ومن شأنه أن يكسب وبعبارة اخرى هما عدم وملكة لا سلب و ايجاب وإلا لاتصف بالبداهة كل شيء . - وجوابه - ما عرفته سابقاً في الجواب عن الاشكال السادس على تعريف العلم فراجعه .

وثالثاً : انَّ كلاً من التصوُّر والتصديق مفهومه قد جعل مورداً للقسمة وكل مفهوم امَّا بديهي أو نظري ينتج انَّ كلاً من التصور والتصديق امَّا بدیهي أو نظري واذا كان بديهياً فلا يصح تقسيمه الى النظري واذا كان نظرياً فلا يصح تقسيمه الى البديهي ونظير هذه الشبهة قد تقدم في تقسيم العلم وقد ذكرناها في المغالطات في المغالطة الرابعة والعشرين فراجع الجواب عنها .

ورابعاً : انَّ تصوُّر واجب الوجود بكنهه ليس ببديهي كما هو واضح ولا نظري لأن النظري ما يمكن حصوله بالنظر والكسب وكنه الواجب يمتنع

تصوُّره كما تقرر في الحكمة فلم ينحصر أقسام التصور بالبديهي والنظري بل هناك قسم ثالث ليس ببديهي ولا نظري كالعلم بكنهه جل اسمه . -وجوابه- مضافاً الى أن النظري هو ما احتيج في كسبه الى النظر لا ما امكن حصوله به انَّ التصوُّر لكنهه تعالى لم يكن ممكناً حتى يتصف بالبداهة والنظرية فعدم الاتصاف لعدم الموضوع لا أنَّ هناك علماً بذاته تعالى موجوداً عندنا لم يتصف بالبداهة والنظرية نعم نفس الواجب جل اسمه عالم بذاته وهو علم حضوري وقد عرفت انَّه متصف بالبداهة .

تعريف البديهي

( عرفوا البديهي بالعلم الذي لا يتوقف حصوله في الذهن على نظر وكسب ) ويرد عليهم ايرادات سبعة :

أولاً : انَّ تعريف البديهي يقتضي انَّ البديهي نظري لأنه لو لم يكن نظرياً لما احتاج الى تعريف حيث انَّ التصورات النظرية هي التي تحتاج في حصولها في الذهن الى التعريف . - وجوابه - إنا لو سلمنا انَّه تعريف حقيقي لا لفظي فالمتصف بالبداهة هي افراده . وامَّا نفس البداهة فهي نظرية ومحتاجة للتعريف دون معروضاتها . وهذا نظير الجزئي فانَّ نفس الجزئية متصفة بالكلية وإنما المتصف بالجزئية هي معروضاتها .

وثانياً : إن الضمير في حصوله عائد الى العلم والعلم قد اعتبر في مفهومه الحصول لأنه فسّر بالصورة الحاصلة فيلزم أن يكون للحصول حصول . - وجوابه - انَّ المراد بالحصول في تعريف البديهي هو الحصول المعتبر في مفهوم العلم بمعنى أن الصورة الحاصلة في العقل يكون حصولها

هذا لا يتوقف على النظر والكسب لا إن المراد أن حصول حصول الصورة يكون كذلك .

وثالثاً : إن بعض العلوم البديهية يقام عليها الدليل والنظر كالعلم بوجود الله فقد قال الله تعالى : ( أفي الله شك فاطر السموات والارض ) ومع هذا يستدل عليه بالدور والتسلسل فقد حصل هذا البديهي بالنظر وهكذا وجود الانسان وراء الجدار فانَّه قد يحصل بالنظر كما لو تكلم وقد يحصل بالبداهة كما لو شوهد . - وجوابه - إنا إن فسرنا التوقف بامتناع الحصول بدونه كانت هذه العلوم بديهية لعدم امتناع حصولها بدون النظر وإن فسرنا التوقف بمعنى الترتب عليه كانت هذه العلوم حال حصولها من النظر نظرية لأنها ترتبت على النظر وحال حصولها بالبداهة بديهية لأنها لم تترتب على نظر .

رابعاً : إن هذا التعريف يخرج منه العلم البديهي المتوقف على العلم النظري إذ يصدق على هذا العلم البديهي انَّه محتاج الى النظر بواسطة توقفه على العلم النظري كالعلم بأن النفوس حادثة الموقوف على اثبات امكانها فان امكانها يحتاج الى برهان لكنه اذا ثبت امكانها علم بالبداهة حدوثها لأن الحادث ما احتاج في وجوده الى الغير . -- وجوابه --- منحصر بأحد أمرين امَّا الالتزام بأنه نظري أو الالتزام بأن المتبادر من التعريف هو عدم توقف الحصول على النظر في حد ذاته وهنا الحصول قد توقف عليه بالواسطة.

خامساً : انَّ العلم قد يكون بديهياً بالنسبة الى شخص ونظرياً بالنسبة الى آخر كحدوث العالم فقد دخل في تعريف البديهي ما هو نظري وبالعكس وجوابه - إن البداهة والنظرية من الأمور الاعتبارية فهي تختلف باختلاف الاعتبارات والاضافات وقد تقرر في محله أن قيد الحيثية معتبر في تعريف

الامور الاعتبارية وإن لم يذكر فيه . كيف والعلوم الكسبية كلها تحصل لصاحب القوة القدسية بلا نظر فيصدق عليها التعريف للبديهي وحينئذ فلا يبقى شيء من العلوم نظرياً لو تم ذلك .

وسادساً : انَّ البديهي كما ذكره المنطقيون في مواد الأقيسة هو العلمالأولي كالكل أعظم من الجزء وقد عرَّفوه بما يكفي تصوُّر طرفيه مع النسبة الجزم به فكيف يعرف بالتعريف المذكور . - وجوابه - انَّ البديهي في في صدر كتبهم يطاق على ما رادف الضروري بخلاف اطلاقه هناك فانَّه يخص بخصوص العلوم الأولية .

وسابعاً : انَّ التصديق البديهي قد يحتاج الى النظر فيما اذا كانت أطرافه نظرية فيكون تعريف البديهي غير شامل له . - وجوابه - انَّ التصديق المذكور عند من قال بتركبه ليس ببديهي لأن أجزاءه قد توقفت على النظر واذا توقف الجزء على شيء فقد توقف الكل عليه وامَّا عند من قال ببساطة التصديق فالتصديق المذكور لم يتوقف على النظر بذاته بل بواسطة شروطه . وقد عرفت انَّ التوقف بالواسطة على النظر لا يشمله تعريف البديهي .

تعريف النظري

(عرَّفوا النظري بالعلم الذي يتوقف حصوله على نظر وكسب ) . ويرد عليهم ايرادات خمسة .

أولاً : انَّ التصورات والتصديقات لا يتوقف حصولها على النظر والكسب لأن صاحب القوة القدسية تكون الاشياء كلها بديهية عنده وكل

إنسان يمكنه أن يحصل القوة القدسية بالمجاهدة النفسانية والرياضة القلبية فاذن كل إنسان لا تتوقف تصوُّراته وتصديقاته على النظر لأنه يمكنه أن يحصلها بالقوة القدسية وهي ممكنة له . - وجوابه - ما عرفته منا من أن المراد بالتوقف هو الترتب لا امتناع الحصول إلا به وهذا المعنى متعارف ارادته من التوقف فانَّه يقال : هذا المعلول متوقف على هذه العلة مع أن له علة أخرى تقوم مقامها .

وثانياً وثالثاً ورابعاً وخامساً بما ورد على تعريف البديهي ثانياً ورابعا و خامساً وسابعاً فراجها .

الدليل على نظرية بعض التصورات والتصديقات

(استدلوا على أن بعض التصويرات والتصديقات نظرية بأنَّها لو كانت جميعها بديهية لما جهلنا شيئاً منها واللازم باطل بالوجدان فالملزوم وهو بداهة جميعها باطل مثله ) . ويرد عليهم ایراد واحد.

وهو : إنا نمنع من الملازمة لأن الجهل لا ينافي البداهة فقد يكون الشيء بديهياً ولا يتوقف حصوله على نظر ولكنه مجهول لنا لتوقف حصوله على الحدس أو التجربة أو الاحساس ونحو ذلك فالصواب أن يقال انَّها لو كانت جميعها بديهية لما احتجنا في تحصيل بعض الأشياء الى نظر مع انا بالوجدان نحتاج الى ذلك في بعض الأشياء - واشتهر الجواب عنه -- بأن المتبادر من الجهل هو الجهل المحوج الى النظر فانه الفرد الكامل والكلي عند الاطلاق يتبادر منه الفرد الكامل . ولا يخفى ما فيه فان الفرد الكامل لا يتبادر من الاطلاق ، مع انا لا نسِّلم أن المذكور هو الفرد الكامل .

البرهان على بداهة بعض التصورات والتصديقات

(استدلوا على أنَّ بعض التصوُّرات والتصديقات بديهية بأمرين بالبداهة وبأنها لو كانت جميعها نظرية للزم عند اكتساب أحدها الدور أو التسلسل واللازم باطل لأن الدور يستلزم توقف الشيء على نفسه وحصوله قبل حصول نفسه والتسلسل يستلزم استحضار ما لا نهاية له وهو محال فالملزوم وهو كون جميعها نظرية باطل مثله ) . ويرد عليهم ايرادات سبعة : أولاً : أن البداهة إنما تنفع مدعيها وإلا فللخصم أن ينكرها . -وجوابه - ان المنكر للضروري اما معاند مع عرفانه للحق فيعرض عنه لأن المكابرة تسد باب المناظرة ولذا تراهم يستدلون بالبداهة والوجدان في مقام المناظرة ويعدون إنكارها مكابرة . وامَّا جاهل بما أنكره فيفهَّم معناه ليرجع الى نفسه ويعدل عن انكاره . وامَّا غافل عن بداهته لشبهة عرضت له فتزال شبهته ويرجع لوجدانه وما نحن فيه من قبيل القسم الأول إذ لا يتصوُّر في حق أحد انَّه لا يعلم وجود بديهي في معلوماته التصورية والتصديقية ومن أنكر ذلك كان معاندا فيعرض عنه .

وثانياً : انَّ الشرطية اعني (لو كانت جميعها نظرية للزم الدور أو التسلسل) غير مسلَّمة لجواز ان تكون جميع التصديقات نظرية وتكتسب من تصوُّر بديهي وبالعكس ألا ترى أن تصور اللازم والملزوم قد يوجب التصديق باللزوم فهذا الدليل لا يثبت أن البعض من كل من التصور والتصديق نظرياً وجوابه - ان التصورات لا يمكن كسبها من

التصديقات ولا العكس لأن كل منهما حقيقة مباينة للأخرى ولابد من العلاقة بين العلة والمعلول وإلا لكان كل شيء علة لكل شيء بل والسنخية بينهما.

والجزم باللزوم في المثال المذكور من جهة أنه منهما . هذا بديهي لا انَّه نظري اكتسب منهما. هذا مع انه قد قيل بأن ما يكتسب به التصور لابد وان يكون تعريفاً والتعريف لابد وأن يكون مقولاً على المعرَّف والتصديق لا يقال على التصوُّر وبعبارة اخرى انَّ كاسب التصوُّر امَّا ذاتي أو عرضي ولابد وان يكون محمولاً على الشيء . ولا يخفى ما فيه فانَّ مدعي كسب التصور من التصديق يمنع اشتراط الحمل في الكاسب كيف و - ابن سينا - قد جوز التعريف بالأجزاء الخارجية - ان قلت : - إن التصديق بالنتيجة يكتسب من التصورات لأنه موقوف على القياس والقياس موقوف على القضايا والقضايا موقوفة على تصوُّر الموضوع والمحمول . قلنا : إن التصديق بالنتيجة إنما اكتسب من التصديق بالصغرى والكبرى وكون التصديق بهما موقوفاً على تصوير الموضوع والمحمول لا يوجب اكتسابه منهما .

وثالثاً : انَّ الخصم الذي يدعي نظرية جمیع التصورات والتصديقات له أن يقول : انَّ الشرطية وبطلان اللازم واطرافهما كلها نظرية فيحتاج في معرفتها الى الدور والتسلسل وهما محالان فتكون مقدمات هذا الاستدلال مجهولة لنا ومع الجهل بها فلا یصح الاستدلال بها على المدعى . - وجوابه - أن نفس حكمه بأن هذه المقدمات نظرية لابد فيه من تصور اطرافه والتصديق بالنسبة الموجودة فيه وحينئذ فان كانت بديهية فقد ثبت المطلوب وهو انَّ بعض التصورات والتصديقات بدهي وإلا فلابد ان ينتهي هذا الحكم الى إمرٍ بديهي عنده وإلا لما اكتسبه مع أنه قد قيل بأن هذه المقدمات معلومة

لنا بلا شبهة فيتم الاستدلال بها قطعاً . ولا يخفى انَّه للمكابر أن يمنع من معلوميتها وحينئذ فليس للمستدل إلا السكوت .

ورابعاً : انَّه يجوز ان تنتهي سلسلة الكسب في التصورات الى علمٍ حضوري تصوُّري وفي التصديقات الى علم حضوري تصديقي والعلمالحضوري لا يحتاج الى كسب . - وجوابه - انَّه بذلك يثبت المدعى إذ المدعى وجود علم بديهي يرجع اليه عند ارادة كسب العلم النظري نعم لو قلنا بمقالة المشهور من أنَّ الحضوري لا يتصف بالبداهة ولا النظرية أو أنه ليس من العلم المنقسم الى التصوُّر والتصديق كان الايراد محكماً إلا أن يمنع اكتساب التصوُّر والتصديق الحصوليين من الحضوريين لعدم السنخية ولا يخفى ما فيه فان السنخية موجودة وهو كون كل منهما من نوع واحد من تصوُّر أو تصديق .

وخامساً : إن الأشياء يجوز أن تكون جميعها نظرية ولا يلزم الدور ولا التسلسل عند الاكتساب لجواز اتنهاء سلسلة الاكتساب الى التصوُّر بوجه ما فانَّ كل شىء اذا توجه له العقل يتصوره بوجه ما ولو بكونه شيئاً أو ممكناً الى غير ذلك من المفاهيم العامة . - وجوابه - إنا ننقل الكلام الى ذلك الوجه إذ لابد وأن يكون متصوراً وإلا لما تصُّر به غيره فان كان

بديهية فهو المطلوب من ثبوت انَّ البعض بديهي وان كان نظرياً لزم الدور أو التسلسل .

و سادساً : انَّ الدَّور والتسلسل فرع امكان النظر مع انَّه على تقدير نظرية الكل لا يمكن حصول النظر لأن الحركة الفكرية حركة اختيارية فلابد من تصويرها بوجه ما والتصديق بفائدتها وعلى تقدير نظرية الكل يكون

تصوُّرها بوجه ما والتصديق بفائدتها نظريين فننقل الكلام اليهما وهكذا . - وجوابه - انا لو سلَّمنا انَّ الحركة الفكرية تحتاج الى التصوُّر بوجه ما والتصديق بالفائدة ولم نذهب الى ما ذكره بعضهم من انها غير اختيارية . أو ان اختياريتها بنفسها ويقتضيها حب الاستطلاع فلنا أن تقول بأن الدليل إنما ذكر لزوم الدَّور والتسلسل على تقدير الحركة الفكرية وهي تستلزم امكان النظر إذ مع عدم امكانه والكل نظري لزم تعطيل الذهن وهو خلاف الوجدان .

وسابعاً : إن أردتم بلزوم استحضار ما لا نهاية له على تقدير نظرية الكل استحضاره دفعة واحدة فغير مسلَّم فانَّ الافكار علل معدة لحصول المطلوب والمعدات لا يلزم أن تجتمع في الوجود دفعة واحدة كالخطوات المعدة للوصول للمطلوب وإن أردتم استحضارها في أزمنة غير متناهية فهو ليس بمحال لجواز أن يقال : إن النفس قديمة وليست بحادثة فتدرك أموراً

غير متناهية يترتب عليها المطلوب . - وجوابه - إن استحضار ما لا نهاية له في تحصيل المطلوب محال سواء قلنا أن النفس حادثة أو قديمة لعدم الانتهاء الى ما هو حاصل في الذهن حتى يستند الاكتساب اليه فانَّه لو كانت جميع السلسلة نظرية لم يمكن حصول شيء منها اذ ليس هناك شيء يصح استنادها اليه سواء كانت النفس حادثة أو قديمة . ومن هنا يظهر دليل مستقل على عدم نظرية الكل . وحاصله انَّه لو كان الكل نظرياً لاستدعى الاحتياج الى الغير في الحصول في الذهن والفرض إنه ليس حاصل فيه شيء لأن الجميع نظري وهذا نظیر ما استدل به على وجود الواجب تعالى بأن الممكن لا يستقل بالوجود فلو انحصر الموجود بالممكن لزم أن لا يوجد

أصلاً لعدم استناد الممكن الى شيء موجود يوجد به .

تعريف النظر

(اشتهر عندهم تعريف النظر الذي هو الفكر بأنه ترتيب امور معلومة لتؤدي الى مجهول ) . ويرد عليهم سبعة عشرة ايراداً .

أولاً : انَّه يخرج منه التعريف بالمفرد كالتعريف بالفصل فقط كقولنا الانسان ناطق . وكالتعريف بالخاصة فقط كقولنا : الانسان ضاحك والأولى تعريف النظر بأنه ملاحظة المعقول لتحصيل المجهول . - وجوابه - سيجي انشاء الله في جواب الايراد الخامس على تعريف القدماء للمعرف .

وثانياً - انَّه لا يمكن تحصيل المجهول إلا بعد تصوُّره بوجه ما وإلا لزم طلب المجهول المطلق وقد تقدم انه محال وحينئذ فلا يعقل ترتيب الامور لتؤدي الى المجهول وإنما هي لتؤدي الى المعلوم ولو بوجهٍ ما . - وجوابه - انَّه ليس المراد به المجهول المطلق بل المجهول المتصوُّر بوجه ما والقرينة على ذلك هو حكم العقل باستحالة طلب المجهول المطلق.

وثالثاً : أنه لا يشمل افراد النظر اذا كان من المظنونات أو المخيلات أو الجهليات إذ لم يكن فيها ترتيب أمور معلومة . - وجوابه - انَّ العلم يراد به هنا ما سبق في تعريفهم له وهو الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل المقسم الى تصوُّر وتصديق وهو يشمل جميع ما ذكر .

ورابعاً : انَّه يشمل الحدس لأنه عبارة عن اجتماع امور معلومة يحصل منها في الذهن أمر مجهول كما لو قيل لك : انَّ زيداً قد مد يديه وأسبل رجليه وانقطع نفسه فانك تحدس بأنه قد مات فقد ترتبت أمور معلومة

وحصل منها أمر مجهول وهو موت زيد . - وجوابه - انَّ بالفكر وبالنظر سواء كان لتحصيل المجهول التصوري أو التصديقي تحصل للنفس حركتان - احداهما هو ملاحظة الصور المخزونة فيها لتعيين ماهو مبدأ لتحصيل مطلوبها المجهول لديها فما تراه مبدأ لتحصيله تأخذه وما لا تراه تتركه وهذه الحركة كما عرفت تكون بعد تصوُّر المطلوب المجهول وثانيهما - هي حركتها من تلك الصور المناسبة المعلومة لديها لتحصيل المطلوب المجهول بأن ترتبها ترتيباً مؤدية للمطلوب وتنتقل بالتدريج منها اليه وهذه الحركة تكون بعد ما تعين النفس الصور المناسبة للمطلوب . وخطأ النفس في الحركة الأولى كثيراً ما يقع برؤية المبادي الغير المناسبة للمطلوب مناسبة له والكاذبة صادقة والكافل لرفع الخطأ فيها هي قوانين المادة المسماة بالصناعات الخمس من البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة . وامَّا الحركة الثانية فقليلاً ما يقع فيها الخطأ بأن ترتب تلك المبادي ترتيباً فاسدا والكافل لدفعه قوانين الصورة المعرِّف والحجة . وأما الحدس فانه لا يوجد فيه هذا الترتيب بين المعلومات بل هو الاتنقال الدفعي من المعلومات الى المجهولات بمعنى انَّه ليس فيه قصد توجه النفس لغرض تحصيل المجهول . ان قلت : اذا كان النظر عبارة عن هذين الحركنين فكيف يعرَّف بالترتيب مع انَّ الترتيب يكون لازماً للحركة الثانية . قلنا : نعم والقدماء كانوا يعرَّفونه بالحركنين المذكورتين ولكن المتأخرين عدلوا عن ذلك فعرفوه بالترتيب الذي هو لازم بحسب الوجود للحركتين المذكورتين دون القصد المذكور إذ لا يحمل عليهما وهما لا يحملان عليه حتى يقال : انَّه تعريف بالخاصة ولعل الحق مع المتقدمين إذ إن الحركة الاولي لو تحققت بدون الثانية كما قد يتفق ذلك يلزم أن يكون الشيء

بدهياً لعدم احتياجه الى النظر الذي هو الترتيب وهو باطل إذ يلزمه أن يرتفع الأمان من البديهيات لكثرة الخطأ في البديهي على هذا التقدير لما عرفت من كثرة الخطأ في الحركة الأولى .

وخامساً : إن هذا التعريف يدل على ان للنفس حال النظر تأثير وفعل مع انَّ ذلك لا يتم على سائر المذاهب فانَّ عند الحكماء انَّ حصول العلوم كلها من المبدإ الفياض سواء منها المبادي أو المطالب فانَّ النفس اذا استعدت أفاض عليها المبدأ الفياض المبادي ثم إذا استعدت اتم استعدادٍ بواسطة المبادي أفاض عليها المطالب فليس للنفس حال الفكر والنظر فعل وتأثير في شیء من الاشياء وعند الاشاعرة يكون حصول المطلوب عقيب ترتيب الأمور المعلومة بجريان العادة بمعنى انَّ الله قد أجرى عادته على انَّ يوجد المطلوب بعد هذه الأمور المرتبة المعلومة. نعم يتم على مذهب المعتزلة من انَّ حصول المطلوب بعد ترتيب الأمور المعلومة على سبيل التوليد من العبد الذي هو ايجاد العبد عملاً بتوسط عمل آخر صادر منه كقطع الخشبة بواسطة تحريك المنشار .

-وجوابه - انَّ التعريف لا يدل؛ إلا على أن الترتيب فعل من أفعال النفس وهو لا يعقل الشك فيه إذ الترتيب ليس إلا بتقديم بعض العلوم على بعض امَّا أن تلك العلوم أوجدتها النفس أو المبدأ الفياض فليس في التعريف دلالة عليه كما انَّ حصول المطلوب عقيبها أمر لا ينكر امَّا أن الموجد له هو النفس أو المبدأ الفياض فليس في التعريف دلالة عليه .

و سادساً : انَّه ينتقض بترتيب الجزئيات المعلومة اذا أدت لمجهول مع أن ترتيبها لا يسمى بالنظر لأن الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً . -وجوابه - انه سيجيء أن الجزئيات في التصديقات تكون كاسبة كقولنا :

(هذا زيد وزيد انسان فهذا انسان ) وهي من أقسام النظر وامَّا الجزئيات التي لا تكون كاسبة هي التي في التصورات وهي خارجة عن النظر لعدم التأدي الى المجهول بترتيبها ولو رتبت بخيال التأدي الى المجهول نلتزم انَّها من النظر الذي وقع فيه الخطأ وسيجيء انشاء الله في مبحث انَّ الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً ما ينفعك هنا .

و سابعاً : أنَّه يشمل صورة ما اذا رتب بعض أجزاء التعريف أو بعض مقدمات الحجَّة بأن ركب موضوعها ومحمولها ونسبتها - وجوابه - أن المراد ما أدى بنفسه وذاته لا بواسطة ضم شيء آخر اليه . وبعض أجزاء النظر إنما تؤدي بواسطة ضمها الى باقي الأجزاء . وبهذا تعرف خروج قياس المساواة من تعريف النظر فاته يؤدي بواسطة المقدمة الخارجية نعم هو مع المقدمة داخل في تعريف النظر . ولو فرض انَّها رتبت بخيال التأدية بذاتها فهو نوع من الفكر الذي وقع فيه الخطأ . ومن المعلوم أن تعريفهم هذا بشمل الفكر الصحيح والخطأ .

وثامناً : أن العلم لفظ مشترك بين اليقين وبين الأعم منه ومن الظن وبين مطلق الصورة وبين الملكة واستعمال اللفظ المشترك في التعاريف غير جائز. وجوابه - إن المشترك يصح أخذه في التعاريف اذا نصب قرينة على ارادة واحد معين منها كما فيما نحن فيه حيث فسروا العلم بمطلق الصورة وقسموه الى التصور والتصديق فان ذلك قرينة على ارادة المعنى المذكور في مورد استعماله.

و تاسعاً : انَّ النظر غالباً يكون مركباً من أمرين جنس وفصل أو خاصة فلا يكون فيه ترتيب أمور . - وجوابه - انَّ الجمع عند المنطقيين يستعمل

في الأكثر من الواحد حتى صار ذلك اصطلاحا لهم يعرفون به .

وعاشرا : انَّ التنبيهات على البديهيات المجهولة فيها ترتيب الامورٍ معلومة لتؤدي الى أمر مجهول بالفعل لدينا . - وجوابه - انَّ المراد الجهل المكامل وهو يختص بالنظري دون البديهي ولا يخفى ما فيه لأن المجهول يشمل الجميع على نحو الحقيقة والأولى في الجواب أن يقال : انَّ بالتنبيه على البديهي المجهول لا يوجد ترتيب بل إنما هو انتقال دفعي اليه وإلا

لما كان بديهيا .

والحادي عشر أنَّ النظر لو كان ترتيب أمور معلومة لزم أن تتوجه النفس لتلك الامور التي وقع فيها النظر حال التأدية للمجهول لأن المجهول إنما يستفاد من مجموعها لا من بعضها وتوجه النفس قصداً الى أمور متعددة في آنٍ واحد يشهد الوجدان ببطلانه . - وجوابه - حررناه مفصلاً في جواب الاشكال الخامس عشر على تعريف القياس .

والثاني عشر : أنَّ النظر كيف يؤدي الى المجهول مع انَّا نراه قد يخطأ . وبعبارة أوضح ان وجدان الخطأ في النظر يوجب التشكيك في كل نظر وفكر لاحتمال انَّه من النظر الذي وقع فيه الخطأ . - وجوابه - انَّه عند النظر لا يحتمل الخطأ ويعتقد الناظر انَّه صحيح فلا يتطرق هذا الاحتمال اليه.

والثالث عشر : انَّ أقرب الأشياء للانسان واظهرها لديه هو هويته التي يشير اليها كل أحد بقوله : أنا وأنت ولم يكن النظر مفيداً للعلم بها حتى كثر اختلافهم فيها فأكثر المعتزلة وجمع من الاشاعرة ذهب الى أنَّها هذا الهيكل المحسوس . وذهب أكثر القدماء الى انَّها جسم نوراني ساري في

هذا الهيكل سريان ماء الورد . وذهب العرفاء وقسم من الحكماء انَّها النفس الناطقة واذا كان حال أقرب الأشياء الى الانسان لم يدرك بالنظر فكيف بما هو أبعد منه . - وجوابه - انَّ ما ذكر لا يدل على عدم حصول العلم بالنظر فانَّ هؤلاء كلهم قد أدى نظرهم الى العلم بما ذهبوا اليه غاية الأمر انَّ بعضهم قد وقع الخطأ في نظره بسبب اختلال بعض الشرائط المعتبرة في النظر الصحيح.

والرابع عشر : انَّ النظر لا يفيد العلم أصلاً لأن افادته له امَّا ضرورية أو نظرية والأول باطل لأنه لو كانت ضرورية لما وقع فيه اختلاف العلماء مع انَّ السَّمنية أنكروا إفادته للعلم مطلقاً وجمع من الفلاسفة في خصوص الالهیَّات والطبيعيات حتى نقلوا عن ( ارسطو ) انّه قال : لا يمكن تحصيل اليقين في الالهيَّات وانَّ الغاية القصوى الأخذ فيها بالأولى والأقرب . والثاني باطل أيضا لأنه لو كان نظريا لافتقر الى نظر آخر يفيد العلم بأن الحاصل بعد النظر علم وهلم جرا فيتسلسل . - وجوابه - انَّ إفادة النظر للعلم بديهية وجدانية والاختلاف قد يقع في الضروريات لخفاءٍ في تصورات بعض الأطراف والعسر عليهم في تجريدها عن اللواحق المانعة عن ظهور الحكم كبعض المغالطات في البديهيات . ثم أن ما ذكره الخصم لاثبات مدعاه هو نظر من الانظار فانَّ أوجب العلم بدعواه فقد ثبت مطلوبنا وهو ان النظر يفيد العلم وإلا لكان ما ذكره لغواً لا يثمر شيئاً.

والخامس عشر : إن النظر مشروط بعدم العلم بالمطلوب وإلا لزم تحصيل الحاصل فلو كان النظر مفيداً للعلم ومستلزماً له لما كان مشروطاً بعدمه بداهة امتناع كون الملزوم مشروطاً بعدم لازمه . - وجوابه - انَّ معنى استلزام

النظر للعلم هو استنباعه للنظر بمعنى أنَّ العلم بالمطلوب يحصل بعد تمام النظر فالملزوم للعلم هو انتهاء النظر والمشروط بعدم العلم هو النظر قبل انتهائه .

والسادس عشر : انَّ الوجه المطلوب تحصيله بالنظر ان كان معلوماً لزم تحصيل الحاصل وهو محال . وان كان مجهولاً لزم طلب المجهول المطلق . وجوابه - إن الوجه كان مجهولاً لكنه ليس بمطلق بل هو معلوم بوجه ماكما نعلم الروح بأنها شيء به الحياة والحس والحركة وأنَّ لها حقيقة وهذه الأمور صفاتها فنطلب تلك الحقيقة المخصوصة بعينها بالكنه أو بوجه تمتاز به عما عداها ·

والسابع عشر : بما إذا تعدد النظر فانَّ النظر الثاني والثالث لم يوصلاالى مجهول لأنه قد علم بالنظر الأول . - وجوابه -- انشاء الله يجيء في تعرف المعرِّف والحجة .

الجزئي لا يكون كاسبا ولا مكتسبا

قالوا : ( إنَّ الجزئي لا يكون كاسباً لجزئي آخر ولا مكتسباً به لأن كل جزئي مباين للآخر فلا يصح أن يعرف به وهكذا الجزئي لا يكون كاسباً للكلي لأنه ان كان أعم منه فيلزم التعريف بالأخص للأعم وان كان مبايناً له فلا يكون وجها له وهكذا لا يكون الجزئي مكتسباً بالكلي لأن نسبة الكلي للجزئيات متساوية فليس له اختصاص به حتى يكتسب به . وبتعبير أوضح : أن اشتراط المساواة بين المعرَّف والمعريف يستدعي أن لا يكون الجزئي كاسباً ولا مكتسباً لأن الجزئي مع الجزئي الآخر بينهما تباين ومع الكلي امَّا عموم من مطلق أو تباين ) . ويرد عليهم أحد عشر ايراداً .

أولاً : انَّ الخاص اذا تصوّر بالكنه فقد اكتسب به العام الذي هو ذاتي له . فالجزئي اذا تُصوِّر بکنهه فقد اكتسبنا به الكليات التي تكون ذاتية له . - ويمكن الجواب عنه مضافاً الى ان هذا هدم لاشتراط المساواة في التعريف انَّ الخاص اذا تصور بالكنه فلابد من تصور ذاتياته قبله لتوقف التصور بالكنه على تصور الأجزاء فيكون الكلي الذاتي متصوراً قبل تصور الخاص فلو كان الكلي مكتسباً من الخاص لزم تقدم الشيء على نفسه وهو محال .

وثانياً : انُّ الاستقراء والتمثيل استدلال بحال الجزئيات على حال كليَّها . - والجواب عنه - أنَّ مرادهم أنَّ الجزئي بالنسبة الى التصورات لا يكون كاسباً ولا مكتسباً . والاستقراء والتمثيل إنما يكتسب بهما التصديق ولذا كانا من أقسام الحجة . ويشهد على انَّ مرادهم هو ذلك اختصاص استدلالهم المذكور بالتصوُّر . إذ كون الجزئي مبايناً لجزئي آخر أو أخص من الكليِّ إنما يمنع من الاكتساب التصوري به لا من الاكتساب التصديقي به .

وثالثاً : انَّ الجزئي قد يكون كاسباً لاتفاقهم على إنتاج الشخصية في صغرى الشكل الأول بل وكبراه أيضاً كما في قولنا : هذا زيد وزيد انسانينتج هذا إنسان وجوابه - ما عرفته من اختصاص هذه القاعدة بالتصورات دون التصديقات على أنَّ فيما نحن فيه لم يكن الجزئي كاسباً بل القضية كانت كاسبة وإنما كان الجزئي جزءاً من الكاسب .

ورابعاً - أنَّ الجزئي قد كان مكتسباً حيث انَّ المنطقيين قد عرفوه في مقابل الكلي . - وجوابه - انَّ الكلام في مصاديق الجزئي وأفراده انَّها لا تكون كاسبة ولا مكتسبة لا في مفهوم الجزئي فانَّه ليس بجزئي بل هو كلي .

وخامساً : انَّه قد تعرَّف بعض الجزئيات كما في كتب التراجم فانَّه يقال : افلاطون كذا صفته فتذكر مشخِّصاته الخارجية وهكذا قد تذكر مشخصات النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) والأئمة (علیهم السلام )وجوابه - ان ذلك لا يعرف منه إلا الكلي المتصف بهذه الصفات وامَّا تمييز الجزئي بها فهو يحتاج الى قوة الحدس لا بالنظر والكسب فأحسن طريق لنا في إدراك الجزئيات هو الادراك بالحواس وبهذا تعرف أنَّ عقولنا عاجزة عن إدراك شخصه تعالى .

وسادساً : انَّ الجزئي قد يكون كاسباً لجزئي آخر فانَّ إدراك صوت خاص موجب لادراك انسان خاص وكادراك المرئاة الموجب لادراك الوجه وكادراك الشيء من ادراك طعمه . - وجوابه - إنَّ هذه الأمور لو لم تكن مدركة سابقاً لما ادركت فعلا من هذه الاشياء فهذه الاشياء لا تحصل مجهولاًوإنما تلفت النظر الى معلومات النفس .

وسابعاً : انَّه اذا كان مركب خارجي محسوساً وكان مستوراً بشيء وازيل الستر عن أجزائه تدريجاً فانَّه يحصل من إدراك أجزائه على سبيل التدريج ادراكه نظير الحد التام فانَّه يحصل من العلم بالأجزاء مفصلا العلم بالكل اجمالا ومن هذا الباب حصول ادراك الكلمة المسموعة من إدراك حروفها . إن قلت : هذا ليس بنظر حتى يكون كسباً . قلنا : انَّه نظر لأنه ملاحظة المعلومات على وجه التفصيل ووقع الترتيب بينها وكان الانتقال فيها من الملاحظة التفصيلية الى الاجمالية فالقول بأن الحد التام كاسب دون هذا تحكُّم . كيف وقد نقل عن المحقق الطوسي (رحمة الله) التحديد بالأجزاء الغير المحمولة كتحديد البيت بالسقف والجدران فاذا سمَّى الانتقال من مفهوم السقف والجدران الى ماهية البيت تحديداً ونظراً فلماذا لا يكون الانتقال

من الاحساس بأجزائه الشخصية الى الاحساس بالبيت الشخصي تحديداً ونظراً . هذا مع ما ذكروه من أنَّ النفس أول ما تدرك الجزئيات بآلاتها ثم تننبه بينها من المشاركات والمباينات ثم تدرك منها بتوجه العقل أو بالحدس أو بالتجربة أوائل العلوم الضرورية ثم النظريات منها ، ولا شك أن هذه التأدية بطريق النظر لأن فيها تحصيل المجهول من ملاحظة المعلوم . ودعوى أن فيما ذكر من البيت والكلمة ادراك الأجزاء عين إدراك الكل لا انه هناك ادراكان أحدهما للأجزاء والآخر للكل . فاسدة لوضوح ان تصوير كل جزء غير تصور الكل . ودعوى انَّ هذا ليس بنظر بل هو استلزام إحساس لاحساس آخر فان النظر ان يكون الاحساس مرآة ووجها للاحساس بشيء آخر كالحد والرسم فانَّه وجه للمعرَّف وفيما نحن فيه لم يكن المذكورات وجهاً للمكتسب بها بل هي من قبيل العلل لمعلولاتها في الذهن . فاسدة فانَّ النظر بنحو الاستلزام والعلة للوجود الذهني ألا ترى انَّ القياس علة لوجود النتيجة مع أنه ليس وجهاً لها .

وثامناً : انَّه كما جاز ضم العامين من وجه بعضهما الى بعض ويكسب بهما النوع كما في تعريف الخفاش بالطائر الولود كذلك يجوز ضم الکلیات بعضها الى بعض الى أن تنتهي الى صورة جزئية وينتقل منها الى الجزئي فانَّ الجزئي هو ضم كليات بعضها الى بعض . - وجوابه - انَّ الجزئي ليس مجرد ضم كليات بعضها الى بعض بل لابد من ضم التشخص اليها وإلا فلم يمتنع فرض صدقه على كثيرين واذا قالوا : إن المتشخص لا يحد لأن معرفته لا تحصل إلا بتعيين مشخِّصاته بالاشارة اليها ونحوها كالتعبير باسم العلم أو الاشارة .

وتاسعاً : أنَّ الجزئي مركب من الماهية والتشخص فلم لم يعرَّف بما يفيد تصوُّر الأمرين بأن يذكر مميزات الماهية عن جميع ما عداها وهكذا مميزات ذلك التشخص عما عداه بحسب الوجود بذكر العوارض الملازمة له المختصة به لا أن يذكر ما يفيد تعينه وتشخصه فانَّ ذلك لا يحصل إلا بالاشارة ونحوها .

وعاشراً : أنَّهم قد جوزوا التعريف بالأعم اذا كان مختصاً مصداقه بالأخص كتعريف الشمس بأنها كوكب نهاري . وعليه فيجوز تعريف الجزئي بالأعم منه اذا كان مساوياً له بحسب الصدق فاته يفيد تميزه عما عداه . إلا اللهم أن يقال : هذا كسب للكلي المنحصر به لا كسب للجزئي .

وحادي عشر : إنا قد نكتسب الكلي من الجزئي كمن لا يعرف الببغاء فنشير الى فرد منها فانَّه يعرف الكلي للببغاء من إدراكه للفرد منها . وجوابه - أنه لم يكف ذلك ما لم يدرك أغلب الأفراد فيرجع الى الاشكال السابع .

البسيط لا يكون كاسبا ولا مكتسبا

( قالوا : انَّ البسيط لا يكون كاسباً لأنه ليس له أجزاء حتى تترتب فيكتسب بها غيره ولا مكتسباً لأن كاسبه امَّا عينه فيلزم توقف الشيء على نفسه ولا غيره لأن غيره ان كان بسيطاً مثله لزم كسب البسيط لغيره وقد عرفت بطلانه وان كان مركباً فيلزم تركيب البسيط ) . ويرد عليهم ایرادان :

أولاً : انَّ الفصل القريب والخاصة بسيطان مع انَّهما كاسبان هذا مع انَّ للخصم أن يمنع الترتيب بالكسب ويعرف النظر بملاحظة المعلوم لتؤدي للمجهول . - وجوابه - ما ستعرفه انشاء الله من لزوم الترتيب في الكاسب في جواب الايراد الخامس على تعريف المعرِّف وانَّ الكاسب لا يكون هو

الفصل وحده ولا الخاصة وحدها .

وثانياً : أنَّ البسيط يكون مكتسباً بالعوارض المختصة به فلا مانع من كسبه بالرسم . - وجوابه - انَّ مرادهم عدم اكتسابه بالكنه كما هو مقتضى دليلهم المذكور وسيجيء انشاء الله منا الكلام في ذلك في الاشكال على اختصاص معرفة الكنه بالحد التام .

بيان الحاجة الى المنطق وغايته

(أثبتوا الاحتياج الى المنطق بمقدمات ثلاثة : الأولى - انَّ العلم امَّا تصوُّر أو تصديق . الثانية - انَّ كل منهما امَّا أن يحصل بالنظر أو بلا نظر . الثالثة انَّ النظر قد يقع فيه الخطأ من الطالبين للصواب فانَّ تلك تستلزم الاحتياج الى العاصم عن الخطأ وهو المنطق ) . ويرد عليهم ايرادات عشرة :

أولا : انَّ الخطأ في الفكر تارة يكون ناشئاً عن المادة وهو الأغلب وتارة عن الصورة وهو قليل جداً . والمنطق إنما يستعان بقواعده على رفع الخطأ من حيث الصورة . ومن البديهي انَّ الخطأ من ناحية الصورة في غاية القلة فلا يستدعي رفعه هذه العناية وهذا الاهتمام . - وجوابه - انَّ الخطأمن جهة المادة ينتهي بالأخرة الى الخطأ من جهة الصورة وذلك لأن المبادي الأولية بديهية لا يقع فيها الخطأ أصلا فلو كانت صحيحة الصورة كانت المبادي الثانية أيضاً صحيحة وهلم جرا فلا يقع الخطأ حينئذ فيها أصلاً والحاصل انَّ وقوع الخطأ في الفكر لابد أن يكون لفساد الصورة في سلسلة الاكتسابات المنتهية الى المبادي الضرورية .

وثانياً : انَّ العاصم عن الخطأ هو مراعاة المنطق لا نفسه وإلا لم يعرض

للعالم بالمنطق الخطأ وليس كذلك . ويشهد بذلك هو تعريفهم له بأنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر. وهذه المقدمات الثلاثة إنما تثبت الاحتياج الى مراعاة المنطق لا الى نفس المنطق . - وجوابه - مضافاً الى امكان دعوى انَّ العاصم هو نفس المنطق والمراعاة شرط له . انَّ مراعاة الشيء اذا احتيج اليها فقد احتيج الى نفس الشيء إذ مراعاة الشيء فرع وجوده فهي موقوفة عليه .

وثالثاً : انَّه يجوز أن تكون الفطرة الانسانية كافية لرفع الخطأ في النظر ولا يحتاج الى تدوين قانون المنطق وجوابه - عدم عدم كفاية الفطرة الانسانية في ذلك لوقوع الخطأ من العلماء المتبحرين في الفكر مع أعمالهم لفطرتهم نعم من رزقه الله العصمة كالأنبياء والأوصياء كانوا في غنىً عنه إلا انهم قليلون ونحن كلامنا في حاجة نوع الناس له .

ورابعاً : انَّ الدليل قائم على عدم الاحتياج الى المنطق وذلك لأنه لو كانت قواعده بديهية لاستغني عن تعلمه ولو كانت كسبية لزم التسلسل أو الدور لأن المنطق مجموع قوانين الاكتساب فاذا فرضنا انَّ المنطق كسبي وحاولنا اكتساب قانون منه والفرض انَّ الاكتساب لا يتم إلا بالمنطق فيتوقف إكتساب ذلك القانون على قانون آخر وهذا أيضاً كسبي لأنه من المنطق وهلم جرا. فيلزم الدور أو التسلسل . - وجوابه - انّه يجوز ان يكون كله بديهياً خفياً فلا يستغنى عن تعلمه ، ويجوز أن يكون بعضه بديهيا كالشكل الأول والبعض الآخر كسبياً كباقي الاشكال الأربعة يكتسب من ذلك البديهي ولو سلم أنّه کله بدیهي أولي فهو إنما يثبت الاستغناء عن تعلمه ولا يثبت عدم الاحتياج اليه .

وخامساً : انّا نمنع استلزام وقوع الخطأ للاحتياج الى المنطق وذلك لأن الخطأ إنما يكون في الأفكار الخاصة الجزئية في قضايا خاصة وهو لا يستلزم إلا معرفة الطرق الجزئية الفكرية للكسب لا معرفة الطرق الكلية للكسب التي هي المنطق فمثلاً حدوث العالم يستلزم معرفة انّ قضية العالم متغیر مع قضية كل متغير حادث منتج لهذه النتيجة وليس يلزم معرفة انَّ الصغرى الموجبة مع الكبرى الكلية في الشكل الأول منتجة . - وجوابه - انَّ تلك الجزئيات لا تنحصر في عدد فالعلم بخصوصها تفصيلا متعسر بل متعذر لعدم تناهي الجزئيات فلابد من العلم بها بوجه عام شامل لها وهو العلم بالكليات الذي هو المنطق .

وسادساً : انُّ هذه المقدمات الثلاثة لا تثبت الاحتياج الى المنطق وإنما تثبت الاحتياج الى عاصم عن الخطأ وليس العاصم منحصراً بالمنطق لجواز أن یکون قانوناً آخراً عاصماً من الخطأ غير غير المنطق . - وجوابه - انَّ المراد يكون المنطق محتاجاً اليه في العصة هو انَّ العصمة مترتبة عليه لا انَّ العصمة لا تحصل بغيره فالاحتياج اليه باعتبار انّه أحد الأسباب الموجبة للعصمة وهذا نظير أن يقال : اني محتاج للماء لرفع العطش مع انّه يمكن رفع العطش بغير الماء مضافاً الى انَّ المراد بالمنطق هو القانون العاصم عن الخطأ فكل ما فرض انّه قانون عاصم فهو من المنطق مضافاً الى انا لم نجد بالاستقراء قانوناً عاصماً غير المنطق .

وسابعاً : إنما تلزم الحاجة الى المنطق اذا لم يكن طريق آخر الى تحصيل المطالب العلمية غير الفكر . وقد سبق انه يوجد طريق آخر لتحصيلها وهو تخلية النفس من الشواغل والتوجه الى المبدأ الفياض ليفاض عليه الحقايق

العلمية . - وجوابه - عين ما سبق في الجواب عن الاشكال السادس. مضافاً الى انَّ مثل هذا الشخص لم تكن العلوم بالنسبة اليه نظرية حتى تحتاج الى الفكر وكلامنا فيمن كانت العلوم بالنسبة اليه نظرية فائه محتاج الى الفكر والى العاصم عن الخطأ فيه .

وثامناً : انَّ اثبات الاحتياج الى المنطق لا يتوقف على بيان المقدمة الأولى وهي تقسيم العلم الى تصويُّر وتصديق إذ يكفي في اثبات ذلك هو كون بعض العلم نظري يقع فيه الخطأ . - وجوابه - انَّ المراد اثبات الاحتياج الى كلا جزئي المنطق أعني مباحث التصورات ومباحث التصديقات فلو لم يقسم العلم الى التصور والتصديق ويبين كون كل منهما يكون نظرياً يقع فيه الخطأ لم يثبت احتياج الناس الى كلا جزئي المنطق لاحتمال انَّ التصورات كلها بديهية والتصديقات نظرية أو بالعكس وحينئذ فيكون المحتاج اليه أحد جزئي المنطق فقط .

وتاسعاً : انَّ وقوع الخطأ لا يستلزم الاحتياج الى القانون العاصم لجواز أن يكون تمييز الخطأ عن الصواب بديهيا حاصلاً بمجرد الالتفات الى الرأي وملاحظة انه صحیح أو فاسد وحينئذ فلابد لنمن ضم مقدمة رابعة لتلك المقدمات الثلاثة وهي انُّ تمييز الخطأ عن الصواب ليس يحصل بمجرد الالتفات . - وجوابه - انَّ هذه المقدمة معلومة واضحة وإلا لم يقع الاختلاف بين العقلاء ولذا أهملها القوم ... ولعل نفس اثبات وقوع الخطأ يدل على عدم حصول التمييز . بمجرد الالتفات .

وعاشرا : انَّ كثيراً من الأنظار والأفكار لم يقع فيها الخطأ مع أنَّ أربابها لم يراعوا المنطق . كيف وقبل المنطق كان للفلاسفة آراء وأفكار لم يخطئوا

فيها فلو كان المنطق محتاجاً اليه لما استغنوا اولئك عنه . - وجوابه - انَّ ذلك امَّا بالصدفة والاتفاق أو بالعاصمية الالهيَّة نظير من لم يلحن ولم يعرف النحو ونحن كلامنا بالنسبة الى عامة العقلاء الذين لم يبرح الخطأ عن أفكارهم . على أنَّ هؤلاء قد اعملوا قواعد المنطق دون الالتفات اليها كما يعمل بقواعد الصحة دون الالتفات اليها فالاحتياج الى نفس المنطق موجود فيهم .

تعريف المنطق

(عرَّفوه بأنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر ) .

ويرد عليهم سبعة ايرادات .

أولاً : انَّ الآلة هي الواسطة بين الفاعل ومنفعله في وصول أثره اليه والمنطق ليس بآلة بين العقل والمطالب الكسبية لأن العقل ليس بفاعل ولا مؤثّر في المطالب الكسبية وإنما هو قابل لها . - وجوابه - انَّ المنطق واسطة بين العقل ومبادي المطالب الكسبية لأنه يرتبها بواسطة المنطق لتحصيل المطالب منها والترتيب أثر للعقل .

وثانياً : انَّ المنطق مجموع قوانين كثيرة فكيف يعرَّف بالقانون. -وجوابه - انَّ هذا إنما يرد على من عرَّفه بالقانون لا بالآلة فانّ - مجموع القوانين تكون آلة للاكتساب الصحيح لا بعضها إذ من لاحظ بعضها لا تحصل له العصمة عن الخطأ في الفكر

وثالثاً : انَّ المجاهدة النفسانية أيضاً عاصمة للذهن عن الخطأ فالتعريف يدخل فيه الغير . - وجوابه - نعم ولكن المجاهدة ليست بآلة قانونية وقواعد

كلية بل هي قوة تحصل للنفس فتنكشف بها الحقائق من دون حاجة للفكر نظیر عض الفطر السليمة والتأملات الدقيقة .

ورابعاً : انَّ المنطقيين قد يعرض لهم الخطأ فلو كان المنطق عاصماً لعصمهم عن الخطأ . - وجوابه - انَّ خطأهم لعدم رعايتهم لقواعده على الوجه الصحيح في الترتيب والهيئة .

وخامسا : انُّ المنطق علم . والآلة نفس المعلومات فيكون تعريفاً بالمباين ولذا ترى الأصوليين عرَّفوا الاصول بالعلم بالقواعد لا بنفس القواعد وهكذا النحویون. - وجوابه - مضافاً الى أن أسماء العلوم تطلق على نفس القواعد والمسائل في باب المقدِّمة . لا نسلمّ انَّ الآلة هي نفس المعلومات بل هي العلم بالمعلومات .

وسادساً : انَّ العصمة لفظ مشترك بين عدة معاني منها الوقاية عن الخطأ . والالتجاء . والعقد. والامتناع . واستعمال اللفظ المشترك في التعريف معيب عند أهل النظر . - وجوابه - انّه لا مانع من استعمال المشترك اذا كانت قرينة تعيِّن المعنى وذكر الخطأ في التعريف يعيِّن ارادة ( الوقاية ) من لفظ العصمة .

وسابعاً : انَّ المنطق صناعة لأن كل علم عندهم يتعلق بكيفية العمل فهو صناعة والمنطق يتعلق بكيفية عمل ذهني فكيف جعل آلة . - وجوابه - انه لا مانع من أن يكون صناعة بالاعتبار المذكور وآلة بالاعتبار المتقدم .

حقيقة كل علم

( قالوا : حقيقة كل علم مسائله لأنه قد حصلت تلك المسائل أولاً ثم وضع اسم العلم بأزائها فلا تكون له حقيقة وراء تلك المسائل وعليه فمعرِفته

بحسب حده لا تحصل إلا بالعلم بجميع مسائله وليس ذلك مقدمة للشروع فيه وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه فالمذكور في صدر الكتب رسماً للعلم لا حداً له ) . ويرد عليهم سبعة ايرادات :

أولاً : انَّ جعل حقيقة العلم المسائل فقط ينافي ما ذكروه من انَّ أجزاء العلوم ثلاثة الموضوع والمبادي والمسائل - وقد اشتهر الجواب عنه -بأن عدَّ الموضوع والمبادي من أجزاء العلوم على سبيل التسامح باعتبار أنَّ المسائل موقوفة معرفتها عليها وهو لدى الحقيقة إلتزام بالاشكال . ويمكن الجواب عنه بأنَّ الأجزاء أعم من الأجزاء المقومَّة وغيرها . والمسائل هي الأجزاء المقومَّة فقط فانّ المركبات الاعتبارية كالصلاة لها أجزاء مقومة كالركوع وأجزاء غير مقومَّة كالقنوت فمرادهم بأن أجزاء العلوم ثلاثة أعم من المقومة وغيرها ولا ينافي ذلك كون المقومَّة هي خصوص المسائل . مع امكان أن يقال ان المسائل هي حقيقة العلم فقط وما عداها أجزاء مشخصِّة له . والذي يدل على ان المسائل هي نفس حقيقة العلم انّها إن وجدت مع تلك المبادي أو بدونها كان العلم موجوداً وإلا فلا .

وثانياً : انَّ مسائل العلوم تتزايد يوماً فيوماً فانَّ العلوم والصناعات إنما تتكامل بتلاحق الأفكار فكيف يقال : ان المسائل قد حصِّلت أولاً ووضع اسم العلم بأزائها . - واجيب - بأن المسائل لوحظت إجمالاً بأن لوحظت بوجه عام ثم وضع اسم العلم بأزائها بأن كان اللفظ والمعنى شخصيين . وآلة الواضع مفهوم كلي يندرج فيه المسائل الموجودة والتي ستوجد بعد كما إذا قدر للرجل ابناً ثم وضع الاسم بازائه - وفيه ما لايخفى - فانَّ الموضوع له إن كان هو المسائل لا بشرط فلابدّ أن يكون

معنىً كليا يندرج فيه البعض والجميع وحينئذ فيكون ذلك المعنى الكلي هو حقيقة العلم لا نفس المسائل الخارجية وإن كان الموضوع له المسائل بشرط لا فما يلحق بها ليس من العلم . إلا اللهم أن يقال : انَّ الوضع عام والموضوع له خاص نظير أسماء الاشارة بأن يكون الموضوع له المسائل المجتمعة أي مقدار كانت .

وثالثاً : انَّ أسماء العلوم قد تطلق على الملكات وعلى التصديقات بالمسائل فهي بهذه المعاني ليس حقيقتها المسائل . - وجوابه -- انَّ مرادهم العلوم المدونة التي تدرس لأن الكلام فيها ولأن المقدمة وضعت لها .والملكات والتصديقات ليست هي المدوَّنة وإنما نفس المسائل هي المدونة.

ورابعاً : انَّ الحد إنما يكون بالأجزاء المحمولة وهي الجنس والفصل. والمسائل أجزاء غير محمولة على العلم إذ هي ليست بجنس ولا بفصل للعلم -وجوابه - انَّه سيجيء انشاء الله في مبحث المعرِّف انَّ المركبات الاعتبارية تحمل أجزاءها الخارجية مجتمعة عليها حيث لا حقيقة لها وراءها .

وخامساً : انَّ العلم بالمسائل هو التصديق بها ومعرفة العلم بحدَّه تصويُّره والتصور لا يستفاد من التصديق فلا وجه لقولهم انَّ معرفة العلم بحسب حده لا تحصل إلا بالعلم بجميع المسائل . - وجوابه -- انَّ بالتصدیق بالمسائل يحصل تصو-ُّرها فمن تصورها حصل له تصو-ُّر العلم . وسادساً : انُّ معرفة العلم بحده ليست منحصرة بالعلم بجميع مسائله لأن الحد منه ناقص ويكفي فيه معرفة الشيء ببعض ذاتياته نعم معرفته بحسب حده التام يلزم منها العلم بجميع مسائله وذاتياته . - وجوابه - انُّ تقسيم الحد الى التام والناقص إنما هو في حدود الماهيات التي لا تنميز

أجزاؤها بالوجود الخارجي بأن كانت لها وحدة حقيقية كالانسان لا في حدود الماهيات المتميزة أجزاؤها في الخارج بأن كانت لها وحدة إعتبارية فانٌّ معرفتها لا تكون إلا بجميع أجزائها إذ بعض أجزائها يكون أمراً مبايناً لها .

وسابعا : انُّ مقتضى ما ذكروه أن يكون العلم جزئيا لأنه موضوع لأجزاء مجتمعة نظير وضع زيد لأجزائه المجتمعة فلا يمكن اكتسابه لأن الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً فلا يمكن تحديده حتى بمسائله . - وجوابه - انُّ العلم بهذا المعنى يكون جزئياً اعتباريةً والقاعدة إنما هي في المركّب الحقيقي مع أن العلم كلي باعتبار تشخصات أجزائه فانًّ- مسائله قد تنشخص بهذا التدوين وقد تنشخص بتدوين آخر . إن قلت : انَّ- اسم العلم اذا وضع لنفس المسائل فنفسها غير متعددة ولو تعدد تدوينها . قلنا : انَّ- نفس الكلي لا يتعدد وإنما يتعدد مشخِّصاته .

موضوع علم المنطق

( قالوا : إنَّ موضوعه المعلوم التصوري من حيث انَّه يوصل لمطلوب تصوري والمعلوم التصديقي من حيث انه يوصل المطلوب تصديقي ) .

ويرد عليهم أحد عشر ايراداً .

اولاً : انّه يبحث في هذا العلم عن أحوال الجنس وأحوال الموضوع والمحمول وهي غير موصلة وإنما الموصل هو المعر-ُّف والحجُّة . --- وجوابه ---انَّ الأشياء كما يتوصَّل ببعضها الى بعض في الوجود الخارجي كما يتوصَّل بالنار الى الاحراق كذلك الأشياء يتوصل ببعضها الى بعض في الوجود الذهني كما يتوصَّل بالمعلومات الى المجهولات التصورية والتصديقية . ومن البديهي انه لابد من المناسبة والعلاقة المخصوصة بينهما كما بين العلة والمعلول في

الوجود الخارجي وإلا لتوصل بكل معلوم الى كل مجهول لعدم الترجيح بلا مرجح . وحيث انَّ- هذه المناسبة لا يمكن الاطلاع على جميع مواردها بنحو الجزئية بأن نطَّلع انَّ- في هذا المعلوم مناسبة وفي ذلك مناسبة لعدم تناهيها كان اللازم أن نطَّلع عليها على نحو الكلية . وحيث ثبت أن الاطلاع على المناسبة الموجبة للايصال إنما يكون بنحو الكلية ولم يكن ما يميِّز المعلومات التي توجد فيها تلك المناسبة والعلاقة الخاصة عن غيرها سوى كليات تعرض على المعلومات بشرط الوجود الذهني كالجنسية والفصلية والصغرى والكبرى ونحوها وجب البحث في هذا العلم عن تلك الكليات وأحوالها لنستطيع تمييز الموصل عن غيره فكل ما له دخل في تمييز الموصل ومعرفته يبحث عنه في هذا العلم سواء كان له دخل قريب كالمعر-ِّف والحجَّة وأحوالهما أو دخل بعيد كالصغرى والكبرى والجنس والفصل وأحوالها أو دخل أبعد كالموضوع والمحمول والمقدم والتالي والجنس البعيد والفصل البعيد وأحوالها . فالمراد بالحيثية في الموضوع هو ما كان له دخل في الايصال لا ما كان موصلاً بالفعل . وإن شئت قلت : انَّ- الموصل هو ما يحصل المجهول فان حصَّله بنفسه بدون الاحتياج الى شيء آخر كالمعر-َّف والحجة فهو موصل قريب وإن حصَّله بشرط الانضمام الى شيء واحد كالجنس فاته لا يحصِّل المجهول إلا اذا انضم الى الفصل وكالصغرى أو الكبرى فائهما لا يحصلان المجهول إلا اذا انضم إحداهما الى الاخرى فهو موصل بعيد وان حصَّله بشرط الانضمام الى أكثر كالموضوع فائه لا يحصل المجهول إلا اذا انضم الى المحمول ثم الى قضية اخرى وهكذا الجنس البعيد فائه اذا انضم الى الفصل البعيد فيحصل جنساً قريباً ثم ينضم الى فصل قريب فيحصل المجهول

فهو موصل أبعد .

وثانياً : اتَّه أي حاجة لتقييد البحث عنهما بهذه الحيثية ولماذا لم يجعل المعلوم بنفسه هو الموضوع لهذا الفن . - وجوابه - انَّ- المنطق لمَّا كان لا يبحث عن أحوال المعلوم مطلقاً ككونه جوهراً أو عرضاً وكونه حقيقة الأشياء أو شبحها وكونه موجوداً في الذهن أم لا وإنما كان يبحث عن أحوال المعلوم من حيث الايصال كان قيد الحيثية لابدَّ- منه للاحتراز عن أحواله العارضة له من غير هذه الحيثية المذكورة .

وثالثاً : انَّ في المنطق يبحث عن بعض المعلومات الغير الموصلة كالكليات الفرضية والكليات الممكنة الغير الموجودة ووجود الكلي الطبيعي وابهام الجنس وعلية الفصل للجنس واللزوم البين وغير البيِّن وهي ليست لها دخل في الايصال . - وجوابه - انّ البحث فيها كان على سبيل الاستطراد من الصناعة بما ليس منها أو من جهة انها من المبادي التصورية أو

جهة تنميم التصديقية .

ورابعاً : انُّ موضوع المنطق على هذا متعدّد فيلزم أن يكون المنطق علمين . - وجوابه - انَّ موضوعه المعلوم والمعلوم التصو-ُّري والمعلوم التصديقي أقسام له وقد تقدم في موضوع مطلق العلم في الايراد العاشر ما ينفعك في المقام فراجعه .

وخامساً : انَّ الايصال هو المبحوث عنه في علم المنطق لأنه المطلوب إثباته للمعلوم فكيف يؤخذ في موضوعه إذ مع أخذه في موضوعه يكون مفروض الوجود في العلم فلا يبحث عنه فيه لما عرفت من أنَّ موضوع العلم ما يبحث في العلم عن عوارضه لا عن نفسه . - وجوابه -بالنقض بموضوع

الطب حيث جعلوه بدن الانسان من حيث الصحة والمرض مع أنهما يبحث عنهما فيه وبموضوع الطبيعي حيث جعلوه الجسم من حيث الحركة والسكون مع انهما يبحث عنهما فيه وبالحل انَّ- هذه الحيثية اشارة الى الاستعداد في ذات الموضوع لترتَب الغاية عليه فهي حيثية يقصد منها تحديد العوارض الذاتية التي يبحث في العلم عنها التي بها تترتب الغاية فهي ليست بجزءٍ الموضوع بل إشارة الى الاستعداد المذكور وقد تقدم منَّا ذلك في مبحث تمايز العلوم بتمايز الموضوعات .

وسادساً : انَّ- الايصال عرض غريب للمعلوم لأنه يعرض عليه بواسطة الأخص وهو كونه تعريفاً أو حجة واللاحق بواسطة الأخص كما قرروه عرض غريب فلا يصح بحث المنطقي عنه . - وجوابه - انَّ- كونه تعريفاً أو حجَّة واسطة في الثبوت فلا يوجب كون العرض غريباً وإنما يوجبه اذا كان واسطة في العروض . وما قيل في الجواب عنه من انَه ليس في المنطق مسألة محمولها الايصال فلا يبحث عنه في هذا العلم . باطل لأنه من مسائله -- الحد موصل الى الكنه . والرسم موصل لامتياز الشيء عما عداه .

وسابعاً : انَّ- المعلوم لفظ مشترك بين الادراك والملكة والمسائل لأتَه مشتق من العلم ولا قرينة تعيِّن المراد منه . - وجوابه - لو سلمنا انَّ- لفظ العلم مشترك لكن لفظ المعلوم ظاهر في المدرك لوجود القرينة على ذلک وهي تقسيمه الى تصو-ُّر وتصديق فيما سبق .

وثامناً : انَّ- موضوع المنطق الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني كما ذهب اليه بعضهم فانَّ- المنطق يقال فيه الحيوان الناطق معر-ِّف والحيوان جنس . والناطق فصل . والضاحك خاصة . وانَّ- العالم متغيَّر صغرى .

وكل متغير حادث كبرى . وانَّ- المركّب منهما قياس . فمسائل علم المنطق يكون موضوعاتها الألفاظ باعتبار دلالتها على المعاني وانُّ-؛ مصطلحات المنطقيين كانت بأزائها فتكون هي موضوعة للبحث عن عوارضها . - وجوابه - انُّ نظر المنطقيين ليس في الألفاظ وانُّ تلك المصطلحات إنما هي أسماء للمعلومات من تلك الألفاظ وايراد الألفاظ ليس إلا لافادتها لتلك المعلومات بدليل انّ المعلومات هي الموصلة الى المجهولات والألفاظ إنما توصل بتبعها ولو أمكنهم التمثيل بنفس المعلومات وحدها لما أتوا بالألفاظ .

وتاسعاً : انَّ موضوع المنطق المعقول الثاني من حيث الايصال كما هو مذهب المتقدمين لا المعلوم من حيث الايصال كما هو مذهب المتأخرين وذلك لأنَّ المعلوم التصوُّري والتصديقي ان كان مفهومهما موضوعاً للمنطق فهو باطل لأن مفهومهما لا يصلح ان يبحث عنه في العلم من حيث الايصال إذ مفهومهما كسائر المفاهيم الكلية غير موصل. مع اتَه غير صالح للحوق العوارض المبحوث عنها في المنطق . وإن كان مصداقهما من الافراد موضوعاً للمنطق فهو أيضاً باطل لأنه يلزم عليه أن يكون كلَّ- موصل في جميع العلوم بل كل معلوم من شأنه الايصال موضوعاً للمنطق وليس كذلك بداهة انُّ المنطق لا يبحث عن تلك الأفراد وإنما يبحث عن أفرادهما باعتبار عروض الحديَّة والرسمية والحجية وغيرها من المعقولات الثانية عليها فيكون في الحقيقة موضوع علم المنطق هو خصوص المعقول الثاني من حيث الايصال الى المجهول كما هو مذهب المتقدمين . - وجوابه - مبني على مقدمتين الأولى ان المعقول الثاني هو ما كان عروضه في الذهن بحيث يكون وجوده النفس الأمري لمعروضه موطنه الذهن . والوجود الذهني للمعروض شرط

لعروضه كالكلية فانُّ عروضها للشيء لا يمكن حال وجوده في الخارج بل إنما هي تعرض للشيء بشرط وجوده في الذهن وهكذا الجنس والفصل والحاصل انُّ- القضية المركبة من المعقول الثاني تكون ذهنية ويسمَّى بالمعقول الثاني لأنه لا يوجد وجوداً حقيقياً في موطنه إلا في الذهن وهو لا يكون إلا بعد تعقل معروضه وإن كان يمكن تعقله بدونه عند تصو-ُّر كلي ماهيته فالكلية لا توجد في موطنها وهو الذهن إلا بعد تعقل معروضها وان كان يمكن تعقلها بنفسها عند عدم اضافتها لمعروضها سواء كان تعقله بالدرجة الثانية بعد تعقل معروضه كالكلية أو بالدرجة الثالثة كالتناقض فانَه يتعقل بعد تعقل القضية والقضية تنعقل بعد تعقل أطرفها أو بالدرجة الرابعة كأحكام التناقض فالجميع يسمَّى بالمعقول الثاني وما عداه بالمعقول الأول . الثانية انَّ موضوع العلم لا يبحث في العلم عنه بأن يكون محمولاً في مسائله لأن العلم إنما يبحث عن عوارضه وأحواله اذا عرفت ذلك فنقول : انُّ المعقول الثاني ليس بموضوع في المنطق لأنه من المعقولات الثانية ما يكون محمولاً في مسائله على المعقول الأول كالكلية والجزئية والموضوعية والمحمولية والمقدمية والتالية والجنسية والفصلية والخاصية فلو كان موضوعه المعقول الثاني لزم البحث فيه عن نفس الموضوع بخلاف ما إذا قلنا : انُّ موضوعه المعلوم أعم من أن يكون معقولاً أولاً أو ثانياً فانُّ البحث حينئذ يكون في تلك المسائل عن أحوال الموضوع لأنها يقع البحث عنها من حيث انَّها أحوال للمعلوم وان كانت هى بنفسها معلومات وبهذا الاعتبار تكون عوارض ذاتية للموضوع إلا اللهمَّ أن يلتزم الاستطراد في هذه المسائل واتَها ليست من مسائل المنطق أو هي من مباديها التصورية لأجل انَّ المسألة ما تعلق البحث

بها بمعنى الحمل وإثبات العارض والتصديق به لا ما تعلق بها الكشف عن ماهية الشيء وإلا كانت من المبادي التصورية وهذه القضايا أريد بها تصو-ُّر هذه العناوين الثانوية لكن لا يخفى ما فيه لأنُّ القضايا المذكورة اريد بها التصديق بتلك العناوين الثانوية للمعلومات واثباتها لها كاثبات الحديثَة والرسمية والحجية للمعلومات الأولية فلو كان موضوع المنطق المعقول الثاني لم تكن من المنطق في شيء بل من مسائل الفلسفة الأولى الباحثة عن أحوال الوجودات مطلقاً إذ هناك يبين انُّ المعلومات التصورية قد يعرض لها الكلية والجزئية والذاتية والعرضية والنوعية والفصلية والمعلومات التصديقية تعرض لها الحملية والشرطية ونقيض قضية وعكس أخرى الى غير ذلك من المعقولات الثانية التي وقعت محمولات في مسائل المنطق هذا كله مع أنُّ المراد للمتأخرين انُّ- طبيعة المعلوم التصوُّري والتصديقي السارية في أفرادها موضوع للمنطق كسائر ما يراد من موضوعات العلوم . قولكم يلزم أن يكون جميع المعلومات الموصلة موضوع المنطق . قلنا : نلتزم بذلك بل بجميع المعلومات التي لها مدخل في الايصال لأنهم أخذوا المعلومات بوجه كلي واعتبروا عوارضها العقلية التي يمتاز بها الموصل عن غيره وحكموا على تلك العوارض باحكام كلية لبيان أحكام تلك المعلومات لتتمكن أن نعرف أحوال جزئيات المعلومات في باب الايصال اذا رجعنا الى تلك العوارض وأحوالها .

وعاشرا : انَّ عروض الجنس والفصل والخاصة والقضية وأمثالها للمعلومات ليس مقيداً بالايصال فان الحيوان جنس سواء كان موصلاً أم لا فكيف يقيَّد موضوع المنطق بالايصال ومن شرط الموضوع أن يحفظ بقيوده في موضوعات المسائل. - وجوابه - ما عرفته هنا وفي جواب

الايراد السادس على تمايز الموضوعات من أن الحيثيات المأخوذة في موضوعات العلوم إنما هي للاشارة الى الاستعداد في ذات الموضوع الذي يرتب به الغرض عليه لا الى ما رتب عليه الغرض بالفعل ولا شك انَّ عروض ما ذكر للمعلوم وإثباته له في المنطق يكون له دخل في عصمة الذهن عن الخطأ فالمراد بالحيثية تحديد الأعراض المبحوث عنها ومن البديهي انَّ هذه الأمور تعرض للمعلوم الذي له دخل في الايصال .

وحادي عشر : انَّ الحيثية تارة تكون اطلاقية كقولنا : الانسان من حيث انَّه إنسان والغرض منها توضيح المحيَّث وتارة تقييدية كقولنا : الخمر من حيث اسكاره حرام والغرض منها إثبات الحكم لبعض الأفراد المقيَّدة بها . وتارة تعليلية كقولنا : أكرم زيداً من حيث انَّه عالم والغرض منها ذكر علَة الحكم وفيما نحن فيه ليست الحيثية اطلاقية كما هو واضح إذ ليس الغرض منها توضيح المحيَّث . ولا تقييدية لأن العوارض تعرض لذات الموضوع لا للذات المأخوذة لا للذات المأخوذة مع الحيثية المذكورة ولأنها لو كانت تقييدية لكانت جزءاً من الموضوع فلا يصح البحث عنها لأن موضوع العلم إنما يبحث عن أحواله لا عنه ولا عن أجزائه مع انه في المنطق يبحث عن الايصال كقولهم : الحدثُ موصل للكنه والرسم موصل للتمييز والبرهان موصل لليقين. ولا تعليلية لأن الايصال ليس بعلة لعروض تلك العوارض على الموضوع فانُّ- الايصال ليس بعلَّة لعروض الجنسية أو الفصلية على المعلوم مع اتَه يبحث في العلم عنه فلو كان علُّة للحوق العوارض المبحوث عنها في العلم لكان علُّة لنفسه فيلزم الدَّور . - وجوابه - ما عرفته غير مرة من انَّ الحيثية تقييدية بمعنى انها اشارة الى الاستعداد الذي في ذات الموضوع

الذي به تترتب الغاية على الموضوع لعدم وجود لفظ خاص يمكن أن يشار به اليه لتحديد العوارض الذاتية التي يبحث في العلم عنها وليست هي بنفسها قيداً .

وجه تقديم مباحث التصور على التصديق

( قالوا : إنما قدمنا مباحث التصوير على التصديق وضعاً بأن ذكرناها أولا لتقدم التصور على التصديق طبعاً لاحتياج التصديق اليه لأن التصور اما جزؤه أو شرطه على اختلاف المذهبين . ويرد عليهم ایرادان :

اولاً : انَّ- المتقدم على التصديق هو التصورات الثلاثة الموضوع والمحمول والنسبة والكلام في تقديم مباحث التصو-ُّر مطلقاً على مباحث التصديق لا خصوص هذه المباحث الثلاثة هذه المباحث الثلاثة . - وجوابه - انُّ- بعض أفرادالتصو-ُّر لما كانت متقدمة على التصديق كان لنوع التصو-ُّر تقدماً عليه.

وثانياً : اتَه لا يلزم من تقدم التصو-ُِّر طبعاً تقديم مباحثه والمقصود هنا بيان وجه تقديم مباحثه لا تقدم نفسه . - وجوابه . وجوابه - انَّ- مباحث التصور لما كانت مباحث لشيء متقدم على التصديق ناسب أن تتقدم على مباحثه

مبحث الالفاظ

(قد تعارف بين المنطقيين تصدير مباحث التصوي-ُّرات بهذا المبحث ) . ويرد عليهم ايراداً واحداً.

وهو : انُّ هذا المبحث ليس من مباحث الفن إذ ليس البحث فيه عن أحوال المعلوم التصو-ُّري أو التصديقي ولا يتوقف عليه الشروع فيها حتى یکون من مقدماتها ولا وجه لالتزام الاستطراد فيه إذ انه يذكر في صدرمباحث هذا الفن من دون سبق مناسبة تصحح التعرض له استطراداً مع أن

من لاحظه يراه من الأبواب المقصودة بالذات ، ودعوى أنُّ- المنطقي لابد له من الألفاظ الدالة على المعاني امَّا بالنسبة الى قفسه فلان التعقل لا ينفك عن تخيُّل الألفاظ وامَّا بالنسبة الى غيره فلأن الخطاب مع الغير لابد وأن يكون بلغة من اللغات فكان تعلمُّ هذا الفن متوقفاً على معرفة مبحث الألفاظ وبعد تعلمَّ هذا الفن اذا أراد تحصيل مجهول لنفسه احتاج الى الألفاظ لعدم انفكاك التعقُّل عن تخيلها واذا أراد تحصيل مجهول لغيره احتاج الى الألفاظ الدالة عليه فهذا الفن تعليمه وحصول غرضه يحتاج الى مباحث الألفاظ الدالة على المعاني فلذا أوردوا مباحث الألفاظ وجعلوها من لواحق المقدِّمة وبحثوا عنها . ففاسدة لأن هذا لو كان سبباً للبحث عنها لبحث عنها في سائر العلوم ولبحثوا عن العقل والقدرة لوجود نفس الاحتياج المذكور فيهما . ويمكن أن يكون الوجه لذكرهم مبحث الدلالة وأقسامها هو انُّ- الدلالة موجبة لتصو-ُّر الأمور المجهولة فانُّ- دلالة (جاء زيد ) على معناه أوجب حضور هذا المعنى في الذهن عند حضور اللفظ فيه ولذا كان البحث هنا عن الألفاظ ليس من حيث انها موجودة أو جوهر أو عرض أو عن كيفية حدوثها بل من حيث دلالتها على المعاني وقد ذكر بعض المنطقيين وجهاً آخراً لا يخلو عن حسن وهو انُّ- المنطقيين احتاجوا الى بيان معنى الدلالة وأقسامها لأنهم في مبحث الحد والحجة اعتبروا فيهما الدلالة المطابقية واختلفوا في اعتبار الالتزامية والتضمنية وذلك يتوقف على بيان معنى الدلالة وأقسامها واحتاجوا الى بيان معنى المفرد والمركب لأنهم ذكروا انُّ- الكليات الخمس معاني مفردة لا مركبة واختلفوا في وقوع التعريف بالمفرد أو لابد من وقوعه مركّباً وذلك يتوقف على بيان معنى المفرد والمركب واحتاجوا الى بيان

معنى المشترك والمجاز لأنهم أوجبوا الاحتراز عنهما في التعريف إلا مع القرينة أو النقل وذكروا انَّ المغالطة قد تحدث من الاشتراك وذلك يتوقف على بيان معنى المشترك والحقيقة والمجاز والمنقول واحتاجوا الى بيان معنى المتواطي والمشكك لأنهم اتفقوا على جواز التواطي في الجنس والفصل واختلفوا في التشكيك فذهب بعضهم الى عدم جواز التشكيك فيهما وذلك يتوقف على بيان معنى المشكك والمتواطي فحيث كانت هذه الاصطلاحات دائرة في ألسنتهم لذا ذكروا معانيها لتوقف الشروع عليها شأن سائر العلوم التي تذكر في صدرها بعض الاصطلاحات .

تعريف الدلالة

(عرَّفوا الدلالة بكون الشىء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر والأول هو الدال والثاني هو المدلول ) . ويرد عليهم سبعة ايرادات : -

أولاً : أّنَّ هذا التعريف يقتضي أن يكون اللفظ عند التكرار لا يدل على معناه لأنه عند النطق به أول مرة قد عُلم معناه فاذا بالمرة الثانية حصل العلم بمعناه لزم العلم بشيء معلوم وتحصيل الحاصل محال . - وجوابه -انَّهم قد صرحوا بأن المراد بالعلم في تعريف الدلالة مجرد الالتفات والتوجه ولا مانع من انَّ الشيء المعلوم تتوجه له النفس عدة مرات كلما نطق بالدال ودعوى انه بالدال الأول التشفت للمدلول فلو كان بالمرة الثانية يلتفت اليه لزم الالتفات الى المُلتفت إليه وتحصل الحاصل محال . فاسدة لأنه عند الالتفات للدال مرة ثانية لم يكن ملتفتاً للمدلول لامتناع الالتفات لشيئين في آنٍ واحد فيحصل الالتفات للمدلول مرة ثانية من حين الغفلة عنه فلا يلزم الالتفات للملتفت إليه . هذا كله مع امكان أن يقال : انَّ تعريف

الدلالة يقتضي أن يكون في الدال هذه الحيثية والقابلية وعند التكرار هذه القابلية والحيثية موجودة غاية الأمر كان هناك مانع من فعليَّتها .

وثانياً : انَّهم إن أرادوا باللزوم اللزوم في أحد الأزمنة الثلاثة كما هو ظاهر التعريف لأن القضية اذا لم تذكر فيها الجهة تحمل على المطلقة العامة فيلزم صدق التعريف على الألفاظ قبل وضعها لمعانيها وإن أرادوا باللزوم اللزوم بنحو الدوام فيلزم خروج المجاز والمشترك اللفظي إذ لا يلزم من العلم بالشيء فيهما العلم بمعناه إلا بالقرينة بل خروج سائر الدلالات فائه لا يلزم من العلم بالدال فيها العلم بالمدلول إلا بعد العلم بالوضع أو الطبع أو حكم العقل . - وجوابه - انَّ لفظ ( بحيث ) في التعريف كناية عن العلاقة بين الدال والمدلول الحاصلة بالوضع أو الطبع أو حكم العقل فالدلالة عبارة عن إتصاف الدال بهذه العلاقة . وعليه فتخرج الألفاظ قبل وضعها لعدم اتصافها بهذه الحيثية والقابلية والمراد بقضية ( يلزم ) في التعريف هو اللزوم في أحد الأزمنة الثلاثة ولا شك انَّ المجاز والمشترك يكون فيهما اللزوم المذكور في أحد الأزمنة الثلاثة وهو زمان وجود القرينة وهكذا لا شك انَّ الدال بالوضع أو بالطبع أو بحكم العقل فيه اللزوم المذكور في أحد الأزمنة الثلاثة وهو زمان الالتفات للوضع أو الطبع أو حكم العقل .

وثالثاً : انَّ هذا التعريف يشمل الدليل لأن الدليل يلزم من العلم به العلم بشيء آخر وهو النتيجة وهكذا يشمل القول الشارح لأنه يلزم من العلم به العلم المعرَّف . - وجوابه - انَّه لا مانع من الشمول وإن أبيت عن ذلك فنقول : انَّ ظاهر لفظ ( الشيء ) في تعريف الدلالة هو الأمر الواحد. وفي الدليل وقول الشارح يكون ترتيب أمور متعددة ولذا عرَّفوا الفكر

بأنه ترتيب أمور معلومة لنؤدي الى المجهول .

ورابعاً : أنَّ مقتضى هذا التعريف أن تكون الدلالة صفة قائمة بالدال ولا تتوقف على العلم بالعلاقة بين الدال والمدلول ولا على استعمال الدال في المدلول ولا على ارادة المدلول من الدال . - وجوابه - انَّ الأمر كذلك فانَّ الحيثية المذكورة تثبت للدال بمجرَّد حصول العلاقة الوضعية أو الطبعية أو العقلية من دون حاجة الى العلم بها ولو كان شرط الدلالة الاستعمال و الارادة المذكوران ازم خروج الدلالة الطبعية والعقلية عن التعريف لعدم اعتبار ذلك فيهما وإنما اعتبرهما المعتبر في الدلالة الوضعية وسيجيء انشاء الله الكلام فيهما مفصلاً .

وخامساً : انَّ العلم بالمدلول في الدلالة موقوف على العلم بالعلاقة بين الدال والمدلول أعني الوضع أو الطبع أو الملازمة الذاتية بينهما وإلا فلا يعقل ان يعلم به كما سيجيء انشاء الله والعلم بالعلاقة المذكورة موقوف على العلم بالدال والمدلول إذ المعنى الاضافي لا يتعقل بدون تعقل طرفيه فصار العلم بالمدلول موقوفاً على العلم بالمدلول وهو الدور الباطل . - وجوابه - انَّالعلم بالمدلول من الدال هو الموقوف على العلم بالعلاقة بينهما والعلم بالعلاقة بينهما ليس موقوفاً عليه وإنما هو موقوف على العلم بالمدلول في حدِّ نفسه وانَّه بينه وبين الشيء الكذائي علاقة الدلالة .

وسادساً : انَّ العلم لفظ مشترك بين الادراك وبين غيره من المعاني كالاعتقاد والظن والملكة فكيف صح استعماله في التعريف . - وجوابه - انَّ المشترك إذا قامت القرينة على إرادة أحد معانيه صح استعماله في التعريف والقرينة قد قامت على ارادة مطلق الادراك منه لأن العلم المذكور في صدر

كتبهم المقسم الى التصوُّر والتصديق لا يريدون به الا ذلك مضافاً الى اشتهاره و انصرافه عند اطلاقه الى هذا المعنى .

وسابعاً : أنَّ الدلالة صفة قائمة بمجموع الدال والمدلول . بمعنى انَّها نسبة وعلاقة بينهما فهي صفة للدال والمدلول فكيف تجعل صفة للدال ويقال : هي كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر فانَّ ذلك من آثار الدلالة . - وجوابه - انَّ الدلالة صفة قائمة بالدال متعلقة بالمدلول كالأبوة القائمة بالأب والمتعلقة بالابن لا حالة قائمة بهما معاً . وبهذا ظهر لك فساد تعريف الدلالة باتنقال النفس من تصوُّر أمرٍ إلى تصور آخر كما عن بعض الاصوليين وفساد تعريفها بفهم شيء من شيء آخر عند العلم به كما بعض البيانيين لأن الاتنقال والفهم المذكوران من صفات النفس لا من صفات الدال وهما من آثار الدلالة عند السامع.

تقسيم الدلالة

(قالوا : انَّ الدال إن كان لفظاً فهي لفظية وإلا فغير لفظية وكل منهما إن كان بحسب الوضع فوضعية كدلالة الانسان على ماهيته ودلالة الدوال الأربع على مداولاتها وان كان بسبب اقتضاء الطبع فطبعية كدلالة أح أح على وجع الصَّدر ودلالة سرعة النبض على الحمَّى وإن كان بسبب حكم العقل فعقلية كدلالة ديز المسموع من وراء الجدار على وجود اللافظ وكدلالة الدخان على النار ) . ويرد عليهم أربعة ايرادات .

أولا : انَّ حصر الدلالة في اللفظية وغيرها حصر عقلي لأنه دائر بين النفي والاثبات وامَّا حصرها في الوضعية والطبعية والعقلية فهو غير مسَّلم إذ من الجائز أن تكون العلاقة بين الدال والمدلول غير الأمور الثلاثة .

-وجوابه - انهم قد صرحوا بأن الحصر فيها استقرائي .

وثانياً : انّ دلالة اللفظ على معناه المجازي ليست بواحدة من هذه الدلالات الثلاثة إذ ليست بعقلية لما سيجيء انشاء الله من كون بين الدال العقلي ومدلوله العلاقة والملازمة الذاتية بأن يكون أحدهما أثرا للآخر أو أثرين لآخر ولا اشكال ان في استعمال اللفظ في ما جاور معناه ( كأنخ الراوية) لم يكن ذلك . ولا بطبعية اذ لا يقتضيها طبع اللافظ ولا وضعية لأن شرط الوضعية هي العلم بالوضع في مقام استفادة المعنى من اللفظ ونحن نستفيد المعنى من اللفظ المستعمل مجازاً بدون العلم بوضعه مجازاً كيف وقد أنكر وضع المجازات كثير من المحققين . مع انّ الوضع إنما يحتاج اليه حيث لا توجد علاقة بين اللفظ والمعنى ولا شك انِّ حسن الاستعمال في المعنى المجازي والمناسبة له مع المعنى الحقيقي توجب العلاقة بين اللفظ والمعنى المصححة للاستعمال ولذا تجد كل اللغات متفقة على هذا الاستعمال المجازي دلالة وضعية لاستنادها للوضع إذ - وجوابه - نعم ولكن مع هذا فهی لولا وضع اللفظ لهذا المعنى الحقيقي لما حصلت المناسبة مع المعنى المجازي انشاء الله ان الدلالة اذا استندت الى الوضع المصححة للاستعمال وسيجيء كانت وضعية وإن لم يكن الدال قد وضع بنفسه للمعنى ولذا عدوا الدلالة الالتزامية من الدلالة الوضعية مع عدم وضع اللفظ للازم إلا انها استندت للوضع هذا كله مع الاغماض عما ذكره عما ذكره القوم في كون وضع الألفاظ للمعاني المجازية وضع نوعي بدعوى انه لابد من ترخيص أهل اللسان في التصرف في لغتهم لمن أراد الجري على طريقتهم في المحاورات وإلا كان خارجاً عن طريقتهم في الكلام نظير إتيان الكلام على غير القوانين النحوية والصرفية فاذا

استعملت الفاظهم في غير معانيها مع عدم ترخيصهم كان قد أتى بلغة جديدة هذا مع الاغماض عما ذكره البيانيون من أن دلالة المجاز على معناه دلالة التزامية ضرورة انَّ المعاني المجازية من اللوازم الذهنية للمعاني الحقيقية ولو بحسب العرف والعادة بعد انضمام القرينة اليها فالانتقال الى المعاني المجازية يحصل من المعاني الحقيقية المنضمة الى القرينة ألا ترى انَّ من نفس الحيوان المفترس الذي يرمي القوس ينتقل الذهن الى الرجل الشجاع ومن نفس الخمر الذي يعصر ينتقل الذهن الى العنب ومن الراوية التي يطلب إنا ختها ينتقل الذهن الى الجمل وإلا لما كانت القرينة دالة على المعنى المجازي ولم ينتقل ذهن السامع منها الى المعنى المجازي بل ولا المتكلم منه الى المعنى المجازي كي يستعمل اللفظ فيه بهذه الكيفية وانتقال الذهن لا يلزم فيه التلازم الخارجي فانّ الذهن قد ينتقل من أحد الضدين الى الآخر فاذا تعارف انتقال الذهن من الحيوان المفترس الذي يرمي الى الرجل الشجاع كان دالا عليه بالدلالة الالتزامية كما يدل حاتم على الكرم . إن قلت : هذا لا یتم في المجاز الذي قرينته خفية لأن الدلالة الالتزامية شرطها كون اللزوم بيناً . قلنا : إنما تتحقق الدلالة في المجاز بعد ظهور القرينة . إن قلت : انّ الحيثية معتبرة في الدلالات كما تقدم والمجاز لم تكن الدلالة فيه من حيث اته لازم المعنى . قلنا : اتها حيثية تعليلية لا تقييدية هذا نعم مبني على جراز

وجود الدلالة الالتزامية بدون المطابقة وسيجيء انشاء الله تحقيق ذلك .

وثالثاً : انُّ دلالة المفاهيم كدلالة الشرطية على الاقتفاء عند الاقتفاء ودلالة الاقتضاء كقوله (صلی الله علیه وآله وسلم) : رفع عن امتي الخطأ فائه يدل بالاقتضاء على رفع المؤاخذة . ودلالة التنبيه والايماء كقول الامام (علیه السلام) : كفر بعد قول

الاعرابي واقعت أهلي في نهار رمضان فائه يدل بدلالة التنبيه والايماء على إنَّ المواقعة في نهار رمضان علَّة لوجوب الكفارة . ودلالة الاشارة كقوله تعالى : ( حمله وفصاله ثلاثون شهراً ) مع قوله تعالى : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) فانَّه يدل بدلالة الاشارة على كون أقلُّ الحمل ستة أشهر . ودلالة الكناية على المكنَّى عنه كقولهم : فلان كثير الرمَّاد فانَّه يدل بالكناية على انَّه كريم . والدلالة على اللوازم العقلية كدلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده ووجوب مقدمته فانَّ هذه الدلالة ليست بوضعية كما هو واضح اذ لم يوضع اللفظ لها ولا بالتزامية لعدم كون اللزوم في جميع مواردها بيِّنا بالمعنى الأخص ولا بالعقلية لأن العقلية على ما فسَّروها بوجود العلاقة والملازمة الذاتية بين الدال والمدلول ولا شك انَّ الالفاظ لا علاقة لها ذاتية بتلك المعاني فانَّ العلاقة والملازمة الذاتية هي ما كانت بنحو العلية والمعلولية وليس بين الألفاظ وتلك المعاني أي علية أو معلولية ولذا جعلوا نفس الدخان يدل على النار لا اللفظ الذي يدل عليه يكون دالا على النار لعدم وجود العلاقة الذاتية بینهما . - وجوابه - انَّ هذه ليست من الدلالات فانَّ الدلالة عندهم هو أن يكون العلم بالدّال موجباً للعلم بالمدلول وفيما ذكر لا يحصل العلم بالمدلول إلا بعد اعمال العقل والتفكير فليس بين الدال والمدلول علاقة خاصة وربط خاص نعم ما وجد فيه ذلك فهو يرجع الى أحد الدلالات الثلاثة انَّ كل واحد من هذه الدلالات قد ترجع الى عدة دلالات فاللفظ يدلك على معناه بالوضع ومعناه يدلُّ على لازمه الغير البين بالدلالة العقلية واللازم

العقلي يدل على المقصود بالطبع وإلا فنفس الدال لا يدل على المقصود .

ورابعاً : انَّ دلالة اللفظ على نوعه أو جنسه أو مثله لا يمكن أن تستند للوضع حتى تكون وضعية لما نجدها في المهملات كقولنا : ( ديز ثلاثي ) ولا عقلية لعدم العلاقة الذاتية بين الدال والمدلول ولا طبعيَّة لعدم اقتضاء طبع اللافظ لذلك . - وجوابه - انَّها طبعية يقتضيها طبع اللفظ فانَّ كل لفظ يقتضي طبعه ان يستعمل في ذلك في مقام الحكم عليه أو على نوعه أو جنسه .

الدلالة الوضعية

(يستفاد من كلامهم انَّها ما استندت الى ربط خاص وعلاقة خاصة بين الدال والمدلول وكان منشأ هذه العلاقة هو الوضع . وشرط فهم المدلول فيها العلم بالوضع ) . ويرد عليهم ثلاثة إيرادات.

أولاً : انَّ دلالة المشترك اللفظي والضمائر والاشارة والموصول دلالة وضعية مع انَّها استندت الى القرينة لأن فهم المعنى كان بواسطتها. -وجوابه - انَّ الدلالة استندت للوضع . والقرينة انَّما كانت لتشخيص مع انَّ استنادها الى القرينة لا ينافي استنادها الى الوضع المدلول وتعيينه مع فان الشيء اذا توقف على شيئين كان مستندا الى كل منهما .

وثانياً : انّش الدلالة التضمنية والالتزامية من الدلالة الوضعية مع انَّها لم تستند للوضع لعدم وضع الدال للمدلول فيهما وجوابه - إنا لم نعتبر في الدلالة الوضعية الاستناد الى وضع الدال للمدلول وإنما اعتبرنا فيها الاستناد الى الوضع . والدلالة التضمنية والالتزامية قد استندتا للوضع أعني وضع الدال للمعنى المطابقي .

وثالثاً : انَّهم ان أرادوا بالاستناد الى الوضع الاستناد الى الوضع

الشخصي وهو جعل عين الشيء بأزاء شيء آخر فيلزم خروج الأوضاع النوعية كأوضاع هيئات المشتقات فانَّ هيئاتها لم تكن موضوعة بخصوصها و شخصها بأزاء معانيها وإنما وضعت في ضمن قاعدة كلية وان أرادوا الاستناد الى الوضع أعم من الشخصي والنوعي فيلزم أن تكون دلالة المجازات وضعية لأنها موضوعة بأزاء معانيها في ضمن قاعدة كلية لأن اللغات توقيفية واذا كانت وضعية كان استعمال اللفظ فيها فيما وضع له فيلزم أن يكون حقيقة لا مجاز . - وجوابه - ما تقدم في جواب الايراد الثاني على تقسيم الدلالة من الالتزام بأنَّ المجازات وضعية وان لم تكن موضوعةً بالوضع أو النوعي الشخصي ولا يلزم أن يكون الاستعمال فيها حقيقة لأن الاستعمال إن كان بلحاظ المعنى الموضوع له الأول ورعاية العلاقة بينهما كان مجازاً وإن لم يكن فيه ذلك الحاظ كان حقيقة بل حتى لو قلنا بالوضع النوعي فيها لم يكن بسنخ الوضع النوعي في غيرها فانَّ الوضع النوعي في المجازات يكون المعنى ملحوظاً فيه العلاقة بالمعنى الأول ولذا لا يصح استعماله إلا برعاية هذه العلاقة حتى انَّ المنقول لمَّا كان مجازاً يلاحظ فيه العلاقة بالمعنى الأول لكن بعد النقل لم تلحظ العلاقة وان كانت موجودة بخلاف الوضع في الحقائق فانَّ الوضع فيها لنفس المعنى لا بلحاظ العلاقة بينه وبين موضوع له آخر .

الدلالة العقلية وشرطها وأقسامها

(يستفاد من كلامهم أنها ما استندت الى ربط خاص وعلاقة وملازمة ذاتية بين الدال والمدلول بأن يكونا معلولين لعلة ثالثة أو احدهما علة للآخر. وشرط فهم المدلول فيها العلم بالعلاقة بينهما . وهي على أقسام . دلالة الأثر

على المؤثر كدلالة الدخان على النار . أو بالعكس كدلالة النار على الدخان . أو دلالة أحد الأثرين على الآخر كدلالة الدخان على الحرارة ) . ویرد عليهم أربعة ايرادات :

أولاً : انَّه لا وجه لتسميتها عقلية فانَّ العقل يكون طريقاً لاستكشاف العلاقة والملازمة الذاتية بين الدال والمدلول كما يستكشف العلاقة الوضعية والطبعية بينهما وكان الأولى أن تسمى بالذاتية إلا اللهم أن يقال : انَّ التسمية لأدنى مناسبة .

وثانياً : انَّ اللوازم التي لا تكون بينها العلية والمعلولية حتى لشيء ثالث فانَّها بينها علاقة ذاتية كالزوجية للأربعة ويدل بعضها على بعض مع انَّ تعريف الدلالة العقلية لا يصدق عليها . - وجوابه - لو تصورنا ذلك كما ربما يقال في لوازم الماهية ولوازم واجب الوجود كان الاشكال محكم ولعل القوم لم يتصوروا اللزوم بغير النحو المذكور فاعتبروا في العقلية اللزوم

بذلك النحو .

وثالثاً : انَّ بعض العلل لا تدل على معلولاتها وبعض المعلولات لا تدل على عللها ولا أحد المعلولين يدل على الآخر مع وجود العلاقة الذاتية بينهما المذکورة. -وجوابه - انُّ شرط الدلالة العلم بالملازمة والالتفات اليها وإنما لم تحصل الدلالة لعدم العلم بالملازمة .

ورابعاً : انَّ اللفظ الدال على اللازم يدل على الملزوم بحكم العقل كدلالة لفظ الدخان في قولنا : ( دار فلان فيها دخان ) على النار مع انَّه بين اللفظ والملزوم لم تكن عليَّة أو معلولية ولو لشيءٍ آخر . -وجوابه - انَّ هنا دلالة وضعية وهي دلالة اللفظ على معناه ودلالة عقلية وهي دلالة المعنى

على ملزومه إن لم يكن اللزوم بيِّنا بالمعنى الأخص وإلا كانت التزامية وتوضيح ذلك انَّ اللفظ اذا كان لازم معناه يحصل في الذهن بمجرد تصوُّر معناه كانت الدلالة التزامية لا عقلية وإن كان لازم معناه يحصل بعد العلم بالملازمة والالتفات إليها فاللفظ لا يدل عليه وإنما دل عليه المعنى بالدلالة العقلية .

الدلالة الطبعية وشرطها

(يستفاد من كلامهم انَّها ما استندت لربط خاص وعلاقة خاصة بين المدلول والدال وكان منشأ تلك العلاقة الطبع والسجية التي جبل عليها الشيء . وشرط فهم المدلول فيها علم السامع باقتضاء الطبع ذلك ) . ويرد عليهم إيرادان :

اولاً : انَّ العلاقة اذا كانت ذاتية بنحو اللزوم كانت الدلالة عقلية وإن كانت لا بنحو اللزوم فلا دلالة في البين لعدم حصول العلم بالمدلول من الدال فدلالة أح أح اذا طالت مدتها على وجع الصدر إن كانت من جهة علية وجع الصدر له كانت الدلالة عقلية وإن لم تكن علية ولا تأثير بينهما جاز الانفكاك بينهما فلا يدل عليه . - وجوابه - انت في كل من الدلالة العقلية والطبعية لا ينفك الدال عن المدلول فأن كان عدم الانفكاك دائماً اتفاقياً بحيث يجوَّز العقل الانفكاك عنه أو غالباً بحيث قد ينفك عنه نادراً سميت طبعية وعلى الأول تفيد العلم وعلى الثاني تفيد الظن كدلالة الصوُّر الذهنية على الخارجية ودلالة سرعة النبض على الحمى ودلالة الغلبة على كون الشيء المشكوك منها المعبَّر عنها بالحاق الشيء بالأعم الأغلب ودلالة الاستصحاب على الظن

بالحكم السابق وإن كان العقل لا يجوز الانفكاك بينهما كانت عقلية .

وثانياً : انَّه ماذا اريد بطبع الشيء هو طبع الدال أو طبع المدلول أو طبع معروضهما أو طبع السامع . - وجوابه انَّ المراد الجميع فانَّ الدال قد يقتضي طبعه المدلول كاللفظ الدال على زجر الحيوان نحو اخ اخ فاتها بحسب طبعها تدل على زجر الحمار من دون وضع له ولعله منه دلالة اللفظ على نوعه وجنسه ومثله كقولنا : ديز ثلاثي أو مهمل وضرب فعل ماض . والمدلول قد يقتضي طبعه الدال كحسن الشكل الدال على حسن المناخ . وقد يكون طبع معروضهما حدوث احدهما عند حدوث الأخر كأح أح مستمراً يدل على وجع الصدر فانَّ طبع الانسان يقتضي اذا عرض له وجع الصدر يعرض له التلفظ بأح أح مستمراً . وقد يكون طبع السامع يتطير من صوت الغراب فان صوته عنده يدل على حدوث نازلة به بحسب طبعه وكما لو حكه وسط يده اليسرى فانَّه يدل بحسب طبعه على الرزق وكما لو ركب حذاؤه بعضه على بعض فانَّه يدل على السفر . وكما لو اتجه طرفا الحذاء الأخيران بعضهما لبعض دل على الرزق .

الدلالة اللفظية الوضعية

قالوا : والمقصود بالبحث في صدر كتب المنطق هي الدلالة اللفظية الوضعية وهي كون اللفظ بحيث متى اطلق فهم معناه للعلم بوضعه إذ عليها مدار الافادة والاستفادة ) . ويرد عليهم سبعة إيرادات :

أولاً : انَّ الموصولات لا يفهم معناها إلا بضم الصلة وهكذا الضمائر لا يفهم معناها إلا بذكر معوداتها وهكذا الحروف لا يفهم معناها إلا بذكر

مدخولها ومتعلقاتها فلم يكن عند الاطلاق يفهم معناها عند العلم بوضعها . -وجوابه- انَّ المراد بالفهم حسب قانون الوضع فانَّ الوضع في المذكورات إنما كان لفهم المعنى بهذا النحو فالضمائر وضعت لمعانيها على أن تفهم منها بهذا النحو وهكذا البقية .

وثانياً : أنَّ المشترك اللفظي لا يفهم معناه إلا بضم قرينة اليه وهكذا المجاز على القول بأن دلالته على معناه بالوضع فاته لا يفهم معناه إلا بالقرينة مع انَّ التعريف المذكور لا يشملهما لأنه أخذ فيه فهم المعنى من اللفظ عند تجرده عن القرينة لأن معنى قولهم فيه : ( متى أطلق ) هو متى تجريد عن القرينة ولم يقيد بها كما فسَّره به بعضهم . - وجوابه - انَّ المراد بالاطلاق في قولهم فيه : ( متى اطلق ) ليس هو الاطلاق المقابل للتقييد كما توهم هذا البعض وإنما المراد به هو الاستعمال أي متى استعمل فهم معناه . وعليه فالتعريف يشمل المشترك اللفظي والمجاز على تقدير وضعه لمعناه لأن فهم المعنى عند الاستعمال أعم من أن يكون بدون القرينة أو مع القرينة كما في المشترك أو المجاز أو يقال إن المشترك كانت القرينة تبيِّن الوضع الذي وقع الاستعمال على طبقه فان فهم المعنى في الدلالة الوضعية من اللفظ لابد فيه من العلم بالوضع الذي وقع الاستعمال على طبقه وإلا لو علم انَّ المشترك استعمل على طبق وضعه للمعنى الفلاني حمل اللفظ عليه ولم يحتج الى قرينة . والمجاز إنما احتاج الى القرينة لأن الوضع لمعناه كان على هذا النجو نظير ما ذكرناه في الموصولات .

وثالثاً : انَّ هذا التعريف للدلالة يقتضي أن تكون الدلالة صفة قائمة باللفظ بعد الوضع ولا تتوقف على الاستعمال ولا على ارادة المعنى من

اللفظ الجارية على قانون الوضع ولا على العلم بالوضع لأن الدلالة حسب التعريف المذكور عبارة عن ثبوت تلك الحيثية ومن البديهي انَّ ثبوت هذه الحيثية لا يكون موقوفاً على ذلك مع انَّهم صرحوا بأن الدلالة تابعة للعلمبالوضع وتابعة للارادة . - وجوابه - انَّ التحقيق انَّ الدلالة غير تابعة لشيء مما ذكر إذ الاستعمال فرع الدلالة . والارادة لا تتوقف عليها الدلالة لأن الساهي والنائم اذا تكلم انتقل الذهن الى المعنى انَّا تعلم انَّه لم يكن مراداً له . والعلم بالوضع من السامع شرط لفهم المدلول من اللفظ لا للدلالة بدليل ان الكلام يكون دالاً في نفسه حتى مع عدم علم السامع بالوضع . واما علم المتكلم بالوضع فهو شرط للاستعمال لا انه شرط للدلالة بدليل ان المتكلم بألفاظ موضوعة ينتقل الذهن الى معناها وإن لم يعلم المتكلم بمعناها .

و رابعاً : انَّ الدلالة اللفظية الوضعية في الانشاء لا يشملها التعريف المذكور إذ الدلالة في الانشائيات إنما تكون على وجه الايجاد لمنشئاتها والألفاظ فيها أداة لايجاد معناها وسبباً لحصوله بأن يكون معناها حاصلا یقصده من ألفاظها من غير أن يكون هناك معنى يلزم من العلم باللفظ العلم به إذ ليس فيها أدنى حكاية عن الواقع ولهذا قالوا : انَّ الخبر ماله خارج يطابقه أو لا يطابقه والانشاء ما ليس له خارج بل يحصل معناه بقصده من اللفظ . وقالوا : انَّ معنى قول اللغوي : صيغة افعل موضوعة للوجوب اتها مجعولة ليتسبب بها اليه كما يقال : ان السكينة موضوعة للقطع وحروف الهجاء موضوعة للتركيب فتكون اللام في قولهم : ( موضوعة لكذا ) للغاية بخلاف ما إذا قيل : ( زيد موضوع لكذا) فانَّ اللام فيها للاختصاص و نظير الدلالة الانشائية في الايراد على التعريف المذكور الايراد ب- ( ما )

الكافة فانَّها إنما وضعت لكف الحرف عن العمل و ( ان) المصدرية فانَّها وضعت لسبك ما بعدها بالمصدر وتنوين الترنم ونحو ذلك ما يوجد به الموضوع له . والحاصل انَّ قضية التعريف المذكور تستدعي وجود المعنى قبل وجود اللفظ وانَّ اللفظ من قبيل الحاكي عن الواقع فلا يصدق على الألفاظ التي يكون وضعها على نحو الآلة لايجاد معانيها وأدواتاً لحصولها . وجوابه - لو سلمنا ذلك وتعقلنا علية الألفاظ لمعانيها بجعل الجاعل وجوَّزنا كون مرتبة المعنى متأخرة عن مرتبة اللفظ فلا مانع من صدق التعريف المذكور عليها لأنه يصدق عليها انَّه يلزم من العلم بها العلم بمعناها ولذا كان تعريف مطلق الدلالة يصدق على العلة بالنسبة الى المعلول في الدلالة العقلية وتحقيق ذلك في مبحث الانشاء والاخبار.

وخامساً : انَّ التعريف المذكور يقتضي توقف فهم المعنى على العلم بالوضع مع انَّ العلم بالوضع موقوف على فهم المعنى لكون الوضع نسبة بين اللفظ والمعنى ومن المحال تعقل النسبة بدون تعقل طرفيها فلزم توقف المعنى على فهم المعنى وهو دور باطل . - وجوابه - انَّ الموقوف على العلم بالوضع هو فهم المعنى من اللفظ والموقوف عليه العلم بالوضع هو فهم المعنى في نفسه وحدِّ ذاته لا من اللفظ فاختلف الموقوف والموقوف عليه .

وسادساً : انَّ قيد العلم بالوضع مستدرك فانَّه شرط لفهم مدلول اللفظ ولا دخل له بمعنى الدلالة وحقيقتها فكان عليهم أن يبدلوا (العلم بالوضع ) ويقولون ( من جهة الوضع ) . - وجوابه - انَّ العلم بالوضع لم يؤخذ في مفهوم الدلالة وإنما أخذ في فهم المعنى من اللفظ وامَّا الدلالة فهي نفس تلك الحالة الموجودة في اللفظ حتى عند عدم العلم بالوضع .

وسابعا : انَّه لا وجه لتقييد الفهم بكونه عند العلم بالوضع لأن الدلالة قد تتحقق عند غير العالم بالوضع أيضاً ولولا ذلك لما صح عدِّ التبادر وصحة الحمل والاطراد من علامات الوضع . - وجوابه - انَّ المراد بالعلم بالوضع ما يتناول العلم التفصيلي والاجمالي الارتكازي الذي قد يغفل الانسان عنه ولا يلتفت اليه . والتبادر وصحة الحمل والاطراد لابد فيها من العلم بالوضع بالنحو الثاني .

تقسيم الدلالة الوضعية اللفظية

الى المطابقة والتضمن والالتزام

قالوا : انَّ الدلالة الوضعية اللفظية تنقسم الى أقسام ثلاثة مطابقة وتضمن وإلتزام لأن دلالة اللفظ بسبب الوضع امَّا على تمام ما وضع له فهي المطابقة وامَّا على جزئه فهي التضمّن وامَّا على الخارج اللازم فهي الالتزام ) . ويرد عليهم ستة عشر إيراداً .

أولاً : انَّ الأقسام المذكورة غير مختصة باللفظية بل غير اللفظية الوضعية تجيء فيها هذه الأقسام بل الدلالة العقلية والطبيعية أيضا تجيء فيها هذه الأقسام إلا اللهم أن يقال : أن يقال : هذا مجرد إصطلاح منهم .

وثانياً : انَّ تعريف المطابقة يقتضي اختصاص المطابقة بالمركّب لأن لفظ التمام يقتضي الاحاطة بجمیع الأجزاء فلا يتحقق معنى التمامية إلا فيما كانت أجزاء للمعنى وامَّا المعنى البسيط فلا معنى لدلالة اللفظ على تمامه لعدم وجود أجزاء له حتى يتصور التمامية بالنسبة اليها مع انَّ دلالة اللفظ على معناه البسيط أيضاً مطابقة . - وجوابه - انَّ المراد بالتمام هو عدم النقص ولو أبدل لفظ التمام (بنفس ) و ( ذات ) لكان أولى وأحسن .

وثالثاً : انَّ دلالة اللفظ على جزئه والخارج عنه دلالة على غير ما وضع له فهي مجاز والمجاز لا وضع فيه فكيف عدوهما من أقسام الدلالة الوضعية . - وجوابه - انه لو سلَّمنا انَّ المجاز لا وضع فيه وليست دلالته وضعية فنقول : انَّ اللفظ لو كان يستعمل في نفس الجزء أو الخارج من دون تبعية للموضوع له كان مجازاً . امَّا لو اطلق واريد الموضوع له وفهم الجزء والخارج بتبع فهم الموضوع له فيكونان مستندين للوضع لأنَّهما استندا لفهم الموضوع له وفهم الموضوع له استند للوضع والمستند الى المستند كان مستند لذلك الشيء وقد عرفت انَّ الوضعية ما استندت الى الوضع .

ورابعاً : انَّ اللفظ لو كان يدل على الخارج عنه فامَّا أن يكون مطلق الخارج عنه المغاير له فيلزم حضور ما لا يتناهى في الذهن لأن ما عدى المدلول لا يعد ولا يحصى وإن كان خصوص الخارج عنه اللازم له لزوماً ذهنياً بيناً بالمعنى الأخص فهو لا ينضبط لاختلاف اللوازم البينة باختلاف الأشخاص مع لزوم حضور ما لا يتناهى في الذهن أيضاً لعدم تناهي لوازم الشيء البينة إذ من لوازمه البينة كونه ليس غيره وذلك الغير يلزمه كونه ليس غيره وهلم جرا فيلزم وجود ما لا يتناهى في الذهن . - وجوابه انا نختار الثاني وهو منضبط لأن اللازم البيِّن بالمعنى الأخص يكون بينا لزومه عند جمیع الأشخاص وإلا لم يكن بيناً مع ان اختلاف المدلول الالتزامي باختلاف الأشخاص لا يوجب نفي الدلالة الالتزامية أصلاً ورأساً بل إنما تكون ثابتة لمن كان اللزوم موجوداً عنده دون غيره وإلا فالدلالة الوضعية تختلف باختلاف الأوضاع . وامَّا دعوى عدم تناهي اللازم البيِّن فهي فاسدة لأن الشيء يستحيل أن تكون له لوازم بيِّنة لا تتناهي وإلا لزم عدم وجوده في الذهن

لأن وجوده يستلزم حضور ما لا يتناهى فيه . إن قيل : انَّه ينقطع بانقطاع التعقُّل وبصرف الذهن عنه . قلنا : فمعنى ذلك انَّ نفس حضوره في الذهن ليس له لوازم لا تتناهى لاستحالة انفكاك الملزوم عن لوازمه . ودعوى انَّ من لوازمه البيِّنة كونه ليس غيره وذلك الغير ليس غيره وهلم جرا . فاسدة لأنا كثيراً ما نعقل الأشياء ونغفل عن كونها ليس غيرها .

و خامساً : انَّ الدلالة الالتزامية والتضمنية ليست من الدلالة اللفظية لأنها تستند الى نفس المعنى حتى لو حضر بدون اللفظ وهكذا ليست بوضعية لأنها تستند الى نفس المعنى حتى او لم يضع له الواضع شيئاً يدل عليه فانَّه بمجرد وجود المعنى في الذهن تحصل أجزاؤه ولوازمه الذهنية . ان قلت : انَّ كلاً من التضمن والالتزام يتوقف على مقدمتين : احدهما كلما فهم اللفظ فهم معناه وثانيهما كلما فهم معناه فهم جزؤه ولازمه . والأولى موقوفة على الوضع لأن فهم المعنى من اللفظ موقوف على الوضع له . والثانية موقوفة على حكم العقل لأن فهم الجزء واللازم موقوف على انتقال العقل من الكل الى الجزء ومن الملزوم الى اللازم فمن نظر الى توقف التضمنية والالتزامية على المقدمة الأولى سماهما وضعيتين ولفظيتين كالمناطقة ومن نظر إلى توقفهما على المقدمة الثانية سماهما عقليتين كالبيانيين . قلنا : لا نسلِّم توقفهما على المقدمة الأولى لما عرفت من انَّ مجرد وجود المعنى في الذهن ولو بدون وضع اللفظ ينتقل منه الذهن الى الجزء واللازم . - وجوابه - ما سيجيء انشاء اللهفي الايراد السادس من انَّ فهم الجزء واللازم لما كان عين فهم الموضوع له اللفظ بحيث يكون انتقال واحد من اللفظ الى المعنى كان مستند فهمهما لنفس اللفظ الموضوع لذلك المعنى .

و سادساً : انَّ الدلالة التضمنية والالتزامية لا وجود لهما لأن اللفظ الموضوع للمعنى المركّب يكون فيه إنتقال واحد من اللفظ الى المعنى المركّب بتوابعه وملاحظة واحدة" شخصية للمعنى المركب وتوابعه نظير ما اذا وقع بصرك على زيد فانّك تراه وترى أجزاؤه وعوارضه برؤية واحدة ففيما نحن فيه يكون شخص واحد من الفهم هو فهم الكل وهو عين فهم الأجزاء واللوازم إجمالا فالدلالة على الكل هي عين ونفس الدلالة على الأجزاء واللوازم لأن الذي يفهم هو الأجزاء بشرط الانضمام وهو عين الكل وهكذا الذي يفهم هو الملزوم بتوابعه . والحاصل انَّ فهم الكل لا يستلزم فهماً آخراً يتعلق بأجزائه وتوابعه على سبيل التفصيل كما في صورة وقوع البصر على المركبات الخارجية فانَّه لا يستلزم فهماً آخراً لأجزائها وتوابعها . - وجوابه - نعم انَّ الدلالة على الكل هي عين الدلالة على الجزء ولازمه لكن اذا اعتبر الفهم بالنسبة الى الكل واضيف اليه سمي فهم الكل ودلالة مطابقة وإن اضيف الى الجزء واعتبر بالنسبة اليه سمي فهم الجزء ودلالة تضمن وإن اعتبر بالنسبة الى اللازم سمی فهم الازم ودلالة التزامية فالمغايرة بين المطابقة والتضمن والالتزام بالاعتبار والاضافة . وبعبارة اخرى انَّ الفهم الواحد اذا لوحظ بالنسبة لتمام المعنى كان مطابقة والى جزء المعنى فهو تضمن والى ما لا ينفك عنه ذهنا إلتزام ولذا اعتبروا اللزوم الذهني البيِّن بالمعنى الأخص ومن هنا قالوا : ان التضمن والالتزام فهم الجزء واللازم في ضمن الكل ولو كان هناك فهمان أحدهما للكل والآخر لأجزائه وتوابعه لمَّا كان الثاني في ضمن الأول ولما استند فهم الجزء واللازم الى اللفظ وسيجيء انشاء الله ما ينفعك هنا .

وسابعاً : انَّ الدلالة التضمنية لا وجود لها لأن المدلول المطابقي حتى

للألفاظ الموضوعة للمركبات كالانسان الموضوع للحيوان الناطق هو المفهوم البسيط الذهني والصورة الوحدانية لمجموع تلك الأجزاء من دون التفات لأجزائه وإن كان وجوده في الخارج مركباً وجوابه - نعم ولكنَّ الأجزاء موجودة في الذهن معه بوجود واحد بنحو الاجمال فزيد اذا وجد معناه في الذهن وان كان صورة واحدة بسيطة لكن أجزاءه موجودة في الذهن إجمالاً بوجود تلك الصورة بحيث تنحل اليها . وهذا هو الفرق بين صور البسائط وصور المركّبات .

وثامناً : انَّ تعاريف الدلالات الثلاثة ينتقض بعضها ببعض وذلك فيما اذا كان اللفظ مشتركة لفظياً بين الكل والجزء ( كالامكان ) الموضوع لسلب الضرورة عن الطرفين المسمى بالامكان الخاص والموضوع لسلب الضرورة عن الطرف المخالف المسمى بالامكان العام فاذا استعمل لفظ ( الامكان ) في الامكان الخاص كانت دلالته على الامكان العام بالتضمن مع انه یصدق عليها انَّها مطابقة لأنها دلالة اللفظ على ما وضع له لفرض وضع الامكان للامكان العام أيضاً فكان تعريف المطابقة يشمل التضمن وهكذا لو استعمل لفظ الامكان في الامكان العام كانت دلالته عليه مطابقة مع انها يصدق عليها تعريف التضمنية لأنها كانت دلالة اللفظ على جزء الموضوع له لفرض وضع الامكان للامكان الخاص الذي يكون الامكان العام جزئه وداخلا فيه . وهكذا فيما اذا كان اللفظ مشتركة لفظياً بين المعنى ولازمه ( كالشمس ) الموضوع للجرم ولازمه وهو الضوء فانَّه اذا استعمل لفظ الشمس في الجرم كانت دلالته على الضوء إلتزامية مع انَّها يصدق عليها تعريف المطابقة لأنها دلالة اللفظ على ما وضع له لفرض وضع لفظ الشمس للضوء . وهكذا لو

استعمل لفظ الشمس في الضوء كانت دلالته عليه بالمطابقة مع انَّها یصدق عليها تعريف الالتزامية لأنها كانت دلالة على لازم الموضوع له . - وجوابه - انَّ قيود الحيثيات في تعريف الدلالات معتبر فدلالة اللفظ على تمام ما وضع له من حيث انَّه تمام ما وضع له تكون مطابقة . ودلالته على جزئه من حيث انَّه جزئه تضمن وعلى اللازم من حيث انَّه لازم التزام . وعليه فلا ينتقض تعاريف الدلالات الثلاثة بعضها ببعض فانَّ الامكان اذا أطلق واريد به الامكان الخاص كانت دلالته في هذا الحال على الامكان العام تضمن فقط ولا يصدق عليها تعريف المطابقة لأن دلالته على الامكان العام حينئذ من حيث انَّه جزء للموضوع له لا من حيث انَّه تمام الموضوع له وقس الباقي عليه . إن قلت : فعلى هذا كان عليهم أن يأخذوا قيد الحيثية في التعاريف . قلنا : انَّ الدلالات تختلف باختلاف الاعتبارات والامور التي تختلف باختلاف الاعتبارات قيد الحيثية معتبر في تعريفها مضافاً إلى أن تعليق الشيء بما يناسبه يشعر بالعلية فالمطابقة علقت بتمام الموضوع له فالدلالة من حيثيته وبواسطته تكون مطابقة . والتضمنية علقت بالجزئية فالدلالة من حيثيتها وبواسطتها تكون تضمنية . والالتزامية علقت بالخارج فالدلالة من حيثيته وبواسطته تكون التزامية .

وتاسعا : انَّه لا دليل على حصر الدلالة اللفظية الوضعية في الأقسام الثلاثة المذكورة إذ يجوِّز العقل الدلالة على الخارج الغير اللازم . - وجوابه انَّ الحصر في ذلك عقلي وإن لم يكن مردّداً بين النفي والاثبات إلا انَّ العقل حاكم بعدم قسم رابع لها لأن دلالة اللفظ امَّا على نفس الموضوع له أو لا والأول هي المطابقة والثانية امَّا على جزئه أو الخارج عنه اللازم والأول

التضمن والثانية الالتزام فلم يبق إلا الخارج الغير اللازم والعقل لا يجوِّز الدلالة عليه وإلا لدل كل شيء على كل شيء فتأمل لما سيجيء انشاء الله في الايراد الثالث عشر في هذا المقام .

وعاشراً : انَّ حصر الوضعية اللفظية بالأقسام الثلاثة غير صحيح لأن دلالة المركّب (كجاء زيد ) على معناه خارجة عن الدلالات الثلاثة لأن دلالته على المعنى المركّب ليس بالمطابقة لأن الواضع لم يضعه لهذا المركب بل لمفرداته فصارت باجتماعها مركبة ولا بالتضمن ولا بالالتزام لأنه تمام المعنى . إن قلت : إذن هذه الدلالة ليست بوضعية حتى تكون أحد أقسامها الثلاثة. قلنا : انَّها وضعية لأن الوضعية كما عرفت ما استندت للوضع وهذه مستندة للوضع كالالتزامية والتضمنية حيث عدَّوهما وضعيتين لاستنادهما للوضع . - وجوابه - انَّه عبارة عن عدة دلالات مطابقية مجتمعة وإن شئت قلت : انَّها مطابقة لأن المطابقة أعم من أن يكون فيها وضع اللفظ لمعنى كما في المفردات أو وضع أجزائه لأجزاء المعنى كما في المركبات فانَّ المركبات أجزائها المادية موضوعة لمعانيها المادية وهيئتها موضوعة للهيئة التركيبية المعنوية .

وحادي عشر : ان حصر الدلالة الوضعية اللفظية بالأقسام المذكورة الثلاثة غير صحيح وذلك لأن أحد جزئي المدلول اذا كان لازماً للجزء الآخر لزوماً ذهنياً فانَّه يكون للفظ دلالة عليه بواسطة انَّه جزء المدلول وبواسطة انَّه لازم للجزء الآخر ومن البديهي انَّ الدلالة عليه بواسطة انَّه لازم للجزء الآخر ليست داخلة في أحد الأقسام الثلاثة لأنها لا مطابقة لأنها ليست بالدلالة على تمام المعنى الموضوع له ولا بالتضمن لأن هذه الدلالة لم تكن بواسطة

انَّه جزء المعنى ولا بالالتزام لأنه لم يكن خارجاً عن المعنى وقد مثِّل له بلفظ ( هما ) اذا كان عائدا للابوَّة والبنوة فاته يدل عليهما مجموعاً وعلى كل واحد منهما بواسطة انَّه جزء المعنى وبواسطة انَّه لازم للجزء الآخر فالدلالة الأولى مطابقة والثانية تضمِّن والثالثة ليست بداخلة في أحد الأقسام الثلاثة فيلزم وجود قسم رابع للدلالات ويمكن التمثيل له أيضاً بمثل ( الانسان ) فانَّه دال على مجموع الحيوان الناطق بالمطابقة وعلى الحيوان بواسطة انَّه جزؤه وبواسطة انَّه لازم للناطق . فدلالته على الحيوان بواسطة انَّه لازم لجزئه الذي هو الناطق غير داخلة في أقسام الدلالات الثلاثة فالحصر بها غير صحيح . -وجوابه - منع تحقق الدلالة الثانية اعني الدلالة على الجزء بواسطة انَّه لازم للجزء الآخر وذلك لأن الجزئين يلتفت اليهما الذهن دفعة واحدة عند الالتفات للمعنى المطابقي لأنهما في مرتبة واحدة فلا يعقل أن يلتفت للجزء الآخر مرة ثانية حين التفاته للأول وإلا لزم حصول الشيء مرتين في الذهن في آنٍ واحد وهو أن الالتفات الى الملزوم منهما وهو محال .

وثاني عشر : انَّ حصر الدلالة الوضعية اللفظية في الأقسام الثلاثة المذكورة غير صحيح لأن اللفظ المشترك كما يدل على كل واحد من معانيه يدل على جميعها أيضاً ودلالته على جميعها ليست بمطابقة لعدم الوضع له ولا بالتضمن لأنه ليس بجزء المعنى ولا بالالتزام لأنه ليس بلازم ذهني لها . فالحصر في الأقسام الثلاثة غير صحيح . - وجوابه - انَّ المشترك كما حقق في محلِّه لا يمكن استعماله في أكثر من معنى واحد إلا على ضرب من التجوُّز وعليه يكون حينئذ حكمه حكم الدلالة المجازية .

وثالث عشر : انَّ حصر الدلالة الوضعية اللفظية بالأقسام الثلاثة المذكورة

غير صحیح لأن الدلالة المجازية غير داخلة في أحد أقسامها إذ المعنى المجازي ليس بتمام ما وضع له وإلا لكان معناً حقيقياً ولا إلتزاميا لأنه ليس بلازم للمعنى ولا بتضمن كما هو واضح . - وجوابه - أنا إن قلنا بوجود الالتزام بدون المطابقة كانت التزامية كما سبق في جواب الايراد الثاني على تقسيم مطلق الدلالة . وإن قلنا بالوضع النوعي فيه فهو مطابقة ولا يلزم كونه حقيقة لأنه وضع على أن يستعمل بالمناسبة للمعنى الأول مع القرينة بخلاف الحقيقة فاتها ليست كذلك كما تقدم نعم لو قلنا بأن الاستعمال فيه ليس باعتبار الوضع النوعي . والالتزام لا يوجد بدون المطابقة كانت دلالته لفظية وضعية لما تقدم في جواب الايراد الثاني على تقسيم مطلق الدلالة وليست بواحدة من الأقسام الثلاثة المذكورة . - ان قلت : انَّ كلامهم في خصوص الدلالة الوضعية التي تكون بنحو استعمال اللفظ فيما وضع له قلنا : هذا خلاف ظاهر كلامهم لأن ظاهر التقسيم لمطلق الدلالة الوضعية .

ورابع عشر : انَّ حصر الدلالة الوضعية اللفظية في الأقسام المذكورة الثلاثة غير صحيح لأن الأعداد تدل على المراتب التي تحتها فانَّ الستة تدل على الثلاثة مثلاً وهذه ليست بتمام الموضوع له حتى تكون مطابقة ولا بالتضمن فانَّهم قد صرحوا وحققوا بأن الأعداد ليست المراتب التي تحتها أجزاء لها وإلا لزم أن يكون الشىء قد دل اللفظ الواحد عليه بعدة دلالات فانَّ الواحد يدخل في كل مرتبة من مراتب العدد واللزم حضور عدة مراتب كثيرة عند حضور الأعداد الكبيرة وإنما العدد يدل على الوحدات فالستة تدل على وحدات الستة لا على الخمسة والأربعة والثلاثة والاثنين والواحد ولا بالالتزام لأن المراتب التي تحته ليست بلازمة لا لمدلول العدد المطابقي لأن مدلوله مرتبته

أكثر منها ولا لأجزائه لأن أجزاءه كما عرفت هي نفس الوحدات مع أنَّه يلزم خروج المرتبة عنه مع عدم خروج أجزائها عنه فلو كانت الأربعة دالة على الاثنين إلتزاماً لزم خروج الاثنين من الأربعة لأن الدلالة الالتزامية إنما تكون على الأمر الخارج مع عدم خروج أجزاء الاثنين من الأربعة لأن الأربعة دالة على وحدات الاثنين وأجزائها . - وجوابه - امَِا نلتزم بعدم الدلالة أصلاً لما ذكره الخصم من لزوم حضور مراتب كثيرة للأعداد الكبيرة مضافاً الى أن مراتب الأعداد مأخوذة بشرط عدم الزيادة والمرتبة الأعلى مأخوذة بشرط الزيادة فبينهما تباين لا التلازم الذهني .

وخامس عشر : ان الحصر المذكور غير صحيح لأنه يجوز أن يكون الخارج عن الموضوع له ثابتاً له دائماً لا بنحو اللزوم كالكرم لحاتم فانَّه دائم الثبوت لحاتم وليس بلازم له . - وجوابه - انَّه إن كان المراد بالدوام عدم الانفكاك في الذهن فهو المراد باللزوم الذهني المعتبر في الدلالة الالتزامية وإن كان المراد بالدوام عدم الانفكاك في الخارج فهو غير موجب لدلالة اللفظ عليه .

وسادس عشر : انَّ الحصر المذكور غير صحيح لأنه ان اعتبر في تعريف الدلالات الثلاثة الحيثية لم يكن الحصر عقلياً لعدم ترديده بين النفي والاثبات وإن لم يعتبر فيه الحيثية انتقض تعريف الدلالات بعضها ببعض فيما كان اللفظ مشتركة بين الجزء والكل وفيما كان اللفظ مشتركة بين الكل واللازم . -وجوابه - انَّ قيد الحيثية معتبر في تعاريفها ولا مانع من التزام كون الحصر استقرائي مضافاً الى أن كون الحصر لم يردد بين النفي والاثبات لایلزم منه انَّه غير عقلي إذ بالبرهان اذا نفى القسم الآخر كان أيضاً عقلياً

وإن كان على تقدير ما ذكرناه من احتمال كون المجاز غير موضوع لمعناه وإنما استعمل من جهة المناسبة له تكون دلالته وضعية لاستنادها الى الوضع لأنه لولا وضعه لذلك المعنى لما صح استعماله فيما يناسبه مع انها لم تكن من أحد الأقسام الثلاثة للدلالة الوضعية .

اللزوم الذي هو شرط الدلالة الانتزامية

(اشترطوا في الدلالة على خارج المعنى التي هي الدلالة الالتزامية أن يكون بين المعنى وخارجه لزوماً ذهنياً بيناً بالمعنى الأخص وهو ما كان يمتنع الالتفات الى الملزوم بدون الالتفات الى اللازم سواء كان هذا الامتناع من جهة العقل أو من جهة العرف ومجرى العادة . وإنما اشترطوا ذلك لأنه لولاه لما كان عند العلم بالدال يعلم بالمدلول الالتزامي فلا تتحقق الدلالة عليه ) . ويرد عليهم سبعة إيرادات .

أولاً : انَّ الملازمة لا توجد بين الشيء وخارجه لأن هذه الملازمة إن كانت غير لازمة لهما فلم تكن بينهما ملازمة وإن كانت لازمة لهما فقد تحققت ملازمة اخرى وننقل الكلام اليها وهلم جرا وهو التسلسل وبهذا يظهر انَّه لا وجه لدعوى الملازمة بين شيئين لا ذهناً ولا خارجاً . - وجوابه - انَّ الملازمة لازمة لهما وهي أمر اعتباري والتسلسل في الاعتبارات ليس بباطل لأنه ينقطع بانقطاع الاعتبار مع انه يمكن أن يقال انَّ الملازمة لازمة بنفسها نظير الضوء مضيء بنفسه ونظير الوجود موجود بنفسه .

وثانياً : انَّ اللزوم الذهني من جهة العادة والعرف يختلف باختلاف العادة والعرف فينبغي اسقاطه عن درجة الاعتبار كما أسقطه متقدمی المنطقيين وإنما ألحقه بعض متأخريهم تبعاً لأهل العربية . - وجوابه - انَّه لا وجه

لاسقاطه فانَّ البلغاء لا زالت تراعيه في تراكيبهم . واختلاف العرف والعادة لا يوجب اسقاطه وإلا لوجب اسقاط الدلالة الوضعية لاختلافها باختلاف الأوضاع .

وثالثاً : انَّه لو كان المعتبر في الدلالة الالتزامية هو كون اللزوم بينا لزم خروج كثير من المعاني المجازية والكنايات عن أن تكون مدلولات التزامية لعدم الالتفات الى اللازم فيها عند الالتفات الى الموضوع له فوراً وإنما يكون بعد التأمل في القرائن والامارات. ولما حصل الاختلاف في دلالة الالتزام في الوضوح والخفاء بل كانت كلها واضحة لأن كل واحد من اللوازم لما كان بيناً لزومه يلتفت اليه عند الالتفات الى الموضوع له من دون تفاوت في وضوح اللزوم وخفائه ووضوح القرائن وخفائها . إن قلت : انَّ دلالة المجاز والكناية على معانيها مشروط بالالتفات الى القرائن والامارات ومع الالتفات اليها ينتقل الذهن الى معانيها فوراً وإنما تتفاوت بالوضوح والخفاء باعتبار وضوح القرينة وخفائها واما بعد الالتفات الى القرائن لا شك ينتقل الذهن الى معانيها . قلنا : ان كثيراً من المجازات بعد الالتفات الى القرينة أيضايحتاج الالتفات الى معانيها الى زيادة تأمل - وجوابه - ما تقدم منا غير مرة من أن دلالة المجاز والكناية ليست بدلالة إلتزامية لأنها دلالة تبعية إذ انَّ فهم المعنى الخارج إنما يكون بالتبع لفهم الموضوع له والمجاز والكناية يدلان على خارج المعنى بالاستقلال ولا شك انَّ الدلالة التبعية غير الدلالة الاستقلالية فلا يصح جعلهما من واد واحد مع انَّ الحیثیة كانت تعليلية في الدلالات الثلاثة والمجاز لم تكن الدلالة فيه من حيث انَّه لازم المعنى بل من حيث العلاقة والمناسبة للموضوع له .

ورابعاً : انَّ الدلالة على خارج المعنى قد يكون بعلاقة السبب والمسبب و المجاورة والمشابهة وغير ذلك من العلاقات المعتبرة في المجاز فهذه دلالة على خارج المعنى مع انَّ الخارج ليس بلازم للمدلول . - وجوابه - انَّ هذه دلالة مجازية وليست بالتزامية .

وخامسا : انّه قد يفهم اللازم الغير البيِّن من اللفظ بعد التأمل كالحدوث للعالم فان كانت هذه دلالة التزامية لم يكن يعتبر في الدلالة الالتزامية اللزوم البين وان كانت غير التزامية فيلزم كون الدلالات أكثر من ثلاثة . -وجوابه - انَّ المعتبر في الدلالة الالتزامية أن يكون فهم اللازم عين فالكل كما في التضمن لا أنه هناك فهمان أحدهما للكل والآخر للازمه وإلا كانت عقلية غير مستندة للفظ بل للمقدمات العقلية وقد تقدم في جواب الايراد السادس على تقسيم الدلالة الوضعية اللفظية ما ينفعك في المقام .

وسادساً : انَّ المعميات تدل على المعاني المقصودة منها مع انَّه لا لزوم بيناً بالمعنى الأخص بين معانيها والمقصود منها . - وجوابه ان دلالتها من قبيل الدلالة المجازية .

وسابعاً : انَّه يجوز أن يكون المعنى الخارج لازم لنفس الوضع أو لنفس الوضع مع اللفظ أو لجميعها أو لنفس اللفظ فانَّه في الجميع يكون اللفظ دال على هذا الخارج - وجوابه - انَّه في جمیع هذه الصور كان الخارج لازماً للمعنى الموضوع له وإلا لما كان اللفظ دالاً عليه عند استعماله في الموضوع له إذ اللفظ كان لازماً للموضوع له وهذا كان لازماً للمعنى الخارج عنه ولازم اللازم لازم .

في تلازم الدلالات الثلاثة

( قالوا : انَّ المطابقة تلزم التضمن والالتزام فلا يوجدان بدونها إذ الدلالة على جزء الموضوع له ولازمه فرع الدلالة على نفسه . ولا عكس لجواز كون الموضوع له بسيطاً لا جزء له ولا لازم . وامَّا بين التضمن والالتزام فلا تلازم لجواز وجود أحدهما بدون الآخر كما لو كان جزء للموضوع له ولا لازم وكما لو كان لازم للموضوع له ولا جزء له ) . ويرد عليهم خمسة ايرادات :

أولاً : انَّ الدلالة الالتزامية لازمة للمطابقة والتضمن فانَّ كل معنىً من المعاني له لازم وأقله انَّه ليس غيره أو إنه شيء أو إنه معلوم أو انه مفهوم أو انه ممتاز عما عداه . - وجوابه - ما عرفته من ان المعتبر في الدلالة الالتزامية هو اللزوم الذهني البيِّن بالمعنى الأخص وهو ما كان تصوُّر اللازم لا ينفك عن تصور المعنى ومن البديهي انَّا كثير ما تتصور المعنى ولا يخطر ببالنا تلك اللوازم وإن كانت في الواقع لا تنفك عنه . إن قلت : انَّ العلم بالشيء عبارة عن انكشافه بحيث يمتاز عن غيره فالامتياز عما عداه من لوازم العلم به ذهناً . قلنا : نعم ولكن لا يلزم تصور صفة الامتياز عن الغير عند تصوره فانَّا كثيراً ما تتصور الأشياء ونغفل عن وجودها في الذهن فضلاً عن تميزها عن غيرها.

وثانياً : انَّ اللفظ قد يستعمل في الجزء بدون الكل كما لو استعمل البيت في سوره وقد يستعمل في اللازم دون الملزوم كالشمس تستعمل في الضوء الذي هو لازم الجرم وعليه فيوجد كلاً من التضمن والالتزام بدون المطابقة . - وجوابه - انَّ عند المناطقة لا تكون هذه الدلالة دلالة تضمنية

ولا التزامية لأن التضمن عندهم هو الدلالة على ما كان في ضمن المعنى .والالتزام عندهم هو الدلالة على لازم المعنى المستعمل فيه اللفظ من حيث انَّه لازم المعنى . والدلالتان المذكورتان ليستا كذلك وإنما هما مجازان ويكونإن مطابقتين ان قلنا بأن الألفاظ موضوعة بوضع نوعي للمعاني المجازية . نعم عند أهل العربية يسميان بالتضمن والالتزام لأن التضمن عندهم هو الدلالة على جزء المعنى ولو لم يكن في ضمن الاستعمال في المعنى . والالتزام الدلالة على لازم المعنى ولو لم يكن بتبع الدلالة على نفس المعنى ولذا عندهم التضمن والالتزام إنما يلزمان المطابقة تقديراً بمعنى أن تكون للفظ دلالة مطابقة وإن لم تكن موجودة فعلاً حال الدلالة التضمنية والالتزامية . إن قلت : انَّ قيد الحيثية معتبر في الدلالات والدلالة على هذه الاشياء تكن من حيث إنَّها جزء المعنى او لازمه بل من حيث انها معاني مجازية . قلنا : قد عرفت انَّ قيد الحيثيات قيد تعليلي ومن البديهي انَّ العلة كانت في الاستعمال هو كون المعنى جزءاً أو لازماً للموضوع له وقد عرفت انَّ الحق مع المناطقة فانَّ سنخ الدلالة في هذين الصورتين أعني استعمال اللفظ في الجزء أو اللازم بدون الموضوع له سنخ الدلالة المجازية وقد عرفت وستعرف أيضاً انها غير داخلة في قسم من هذه الدلالات الثلاثة .

وثالثاً : انَّ الالتزام لازم للتضمن لأن التضمن لا يوجد إلا في المركبات والتركيب من لوازم المركِّب فاللفظ الدال على المركب دال على التركيب بين أجزائه .-وجوابه - انَّه يدل على الصورة الواحدة المركبة من دون التفات الى تركيبها ·

ورابعاً : انَّ الفعل موضوع للحدث مع النسبة كما صرح به جمع" من

العلماء فلو استعمل بدون الفاعل يفهم جزء معناه وهو الحدث دون النسبة لأن فهم النسبة موقوف على فهم المنتسب اليه وهو غير مذكور فتكون النسبة غير مفهومة فيوجد التضمن بدون المطابقة . - وجوابه - امَّا على مسلك أهل العربية فلا اشكال لأن المطابقة موجودة تقديرا . وامَّا على مسلك المناطقة فنقول : الموضوع له الحدث مع النسبة الى فاعل ما وهي مفهومة وان لم يذكر الفاعل على ان الكلام في الألفاظ المستعملة استعمالاً صحيحاً .

وخامسا : انَّ التعليل بجواز كون الموضوع له بسيطاً لا لازم له لا يفيد اليقين بالمدعى إذ الجواز لا يوجب الا احتمال ذلك لا تعين وقوعه حتى يجزم بالمدعى . وبعبارة أوضح انَّ الجواز الذي جعل تعليلاً لنفي العكس يفيد عدم العلم بالعكس لا انه يوجب نفيه في الواقع إذ الجائز يمكن أن لا يكون واقعاً في الخارج . - وجوابه - انَّ مرادهم بیان حكم العقل بالملازمة وانَّ العقل حاكم بها من طرف التضمن والالتزام للمطابقة دون أن يحكم بها من طرف المطابقة لهما لتجويز العقل وجود ماهية بسيطة ذهناً لا لازم لها في الذهن قد وضع اللفظ بازائها .

التبعية بين الدلالات

( قالوا : ويتبع التضمن والالتزام للمطابقة) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات :

أولاً : أنَّه قد سبق انَّ اللفظ الموضوع للمركّب يكون فيه اتنقال واحد من اللفظ الى المعنى المركب وملاحظة واحدة شخصية المعناه ويفهم الأجزاء منه اجمالاً بعين فهم الكل . فهنا شخص واحد من الفهم هو فهم الكل وهو عين فهم الأجزاء إجمالاً نظير ما اذا وقع بصرك على زيد فانَّك تراه وترى أجزاءه برؤية واحدة فالدلالة على الكل لا تغاير الدلالة على

الأجزاء بل بالاضافة والاعتبار فان اعتبر هذا الفهم بالنسبة الى الكل واضيف اليه سمي فهم الكل ودلالة مطابقة وإن اضيف الى الجزء واعتبر بالنسبة اليه سمي فهم الجزء ودلالة تضمنية فلم يحصل في الذهن صورتان متغايرتان وفهمان مختلفان بالذات بل لو كان فهمنا بحيث كان فهم الجزء بعد التأمل في فهم الكل كانت دلالة عقلية لأنها كانت بمقدمات عقلية . وهكذا الكلام في الدلالة الالتزامية فانَّها عين الدلالة المطابقية وليس هناك فهمان وصورتان متغايرتان بالذات بل هو نظير ما اذا وقع بصرك على زيد بعوارضه ولوازمه فانَّه ليس الموجود في الذهن إلا شيء واحد وصورة واحدة للمعنى ولازمه وإنما تغاير الدلالة بينهما كان بالاعتبار والاضافة فالفهم المذكور إن نسب ولوحظ للمعنى الموضوع له سمي مطابقة وإن لوحظ للازم سمي التزامية ولهذا قلنا ان سنخ التضمن والالتزام غير سنخ المجاز بل قد عرفت انَّ فهم اللازم لو كان بعد فهم الكل بحيث كان هناك فهمان وصورتان كانت الدلالة على اللازم دلالة عقلية لا التزامية . - وجوابه - نعم وانَّ المراد بالتبعية هو التبعية بحسب الاعتبار لا بحسب الحقيقة فانَّ الدلالة على الجزء واللازم حيث انَّها حاصلة بواسطة الدلالة على الكل كانت تابعة لها فالتبعية هنا عبارة عن تبعية أحد الاعتبارين للآخر . إن قلت : انَّ في المركّب تكون التبعية حقيقة لأن المركّب (كقام زيد ) لا يتصور فيه اتحاد الفهمين فهم الكل وفهم الجزء فانَّ فهم الجزء فيه سابق على فهم الكل إذ بعد فهم الأجزاء بالتفصيل يفهم المركب فليس فهم الكل عين فهم الجزء . قلنا : نعم ولكن الدلالة على الأجزاء فيه لم تكن تضمنية بل مطابقية فانَّ المركّب عبارة عن اجتماع عدة دلالات مطابقية كما تقدم .

وثانياً : انَّ فهم بعض اللوازم الذهنية مقدم على الملزومات كما في الألفاظ الموضوعة لاعدام الملكات فان فهم الملكات فيها متقدم على العدم الموضوع له الفاظها لأن الموضوع له فيها ليس مطلق العدم بل العدم المضاف والمضاف موقوف معرفته على المضاف اليه لأنَّ قيد الاضافة مأخوذ فيه كالعمى بالنسبة الى البصر . - وجوابه - انَّ كلامنا في التبعية في الفهم من اللفظ وهو إنما يكون بعد فهم الموضوع له لأنه كان بتوسطه يفهم اللازم مع انَّ فهم الملكات إنما يكون سابقاً في الفهم التفصيلي لا في الفهم الاجمالي الذي كان فهماً واحداً للموضوع له مع لازمه فان الجميع يفهم أولاً ثم لازمه

فهم في ضمنه .

وثالثاً : انَّ فهم الجزء سابق على فهم الكل لتوقف الكل عليه في التعقل فكيف يكون التضمن تابع للمطابقة . - وجوابه - عين ما تقدم في جواب الايراد الثاني حرفاً بحرف .

المفرد والمركب

( قالوا : انَّ اللفظ الموضوع إن قصد بجزء منه الدلالة على جزء المعنى فمركّب وإلا فمفرد ) . ويرد عليهم ثلاثة عشر إيراداً .

أولاً : انَّ تقييد اللفظ بالموضوع يقتضي أن يكون التقسيم للَّفظ بالنسبة الى معناه الحقيقي ولازم ذلك خروج المجازات من المركّبات والمفردات فمثل ( أسد ) مراداً به الرجل الشجاع ليس بمفرد ولا مركّب لأنه ليس بلفظ موضوع له ومثل اشرق البدر مراداً به ظهور الحبيب ليس بمفرد ولا بمركّب لأنه ليس الاشراق موضوع للظهور ولا البدر موضوع للحبيب ولو أبدلوا الموضوع بالمستعمل لما ورد هذا الاشكال . - وجوابه - انَّ

المجازات موضوعة عندهم بالوضع النوعي مضافاً إلى إمكان أن يقال انَّ مرادهم انَّ اللفظ الذي وضع وكان متلبساً بالوضع والمجازات كانت موضوعة لأن لها معاني حقيقية غاية الأمر أن يكون المراد بالمعنى هو المعنى الأعم من الموضوع له أو المستعمل فيه .

وثانياً : انَّه يلزم على ما ذكروه أن يكون الفعل المسمى بالكلمة عندهم مركباً لتصريحهم بأن مادته موضوعة للحدث وهيئته موضوعة للزمان فكان جزء لفظه يدل على جزء معناه وهكذا اسم الفاعل واسم المفعول وباقي المشتقات بناء على انَّ الهيئة موضوعة فيها لمعنى غير ما وضعت له المادة . إن قلت : انَّ المراد بالأجزاء هي الأجزاء المرتبة في السمع . والهيئة والمادة يسمعان دفعة واحدة كما أجاب بذلك نوع المناطقة . قلت : مضافاً الى انهم لم يقيدوا الأجزاء في التعريف بكونها مرتبة في السمع لا يتم في الأفعال المقترنة بالحروف الدالة على المعاني كتاء المطاوعة والف المشاركة والألف والسين والتاء الدالة على الطلب وهكذا الألف والنون في المثنى والواو والنون في الجمع إلا أن يلتزم بكون هذه الكلمات مركبة كما التزم ابن سينا بأن الفعل المضارع للمتكلم ( كأقوم ) مركب لدلالة الهمزة على المتكلم.

وثالثاً : انَّ تعريف المركّب يشمل صورة ما لو ضم لفظ الى لفظ آخر أجنبي عنه كما لو قيل(رجل فرس) فيلزم أن يكون هذا مركباً . - وجوابه -انَّه لما لم يكن المراد منه معنىً واحد فليس له أجزاء ويكون جزء اللفظ دال على جزء المعنى وإن ابيت فلا مانع من الالتزام بأنه مركّب .

ورابعاً : انَّه كان عليهم أن يقيدوا الموضوع باللفظ فيقولون : اللفظ الموضوع فانَّ الدوال الأربع لا توصف بالأفراد والتركيب اصطلاحاً .

-وجوابه - ما عرفت من انهم صرحوا بأن محل البحث هو الدلالة اللفظية الوضعية لكون مدار الافادة والاستفادة عليها . وإنما ذكروا الموضوع لبيان المقسم لهما .

وخامسا : انَّه يلزم على هذا التعريف انَّ المركّبات عند عدم قصد معانيها كالمركّبات الصادرة من الساهي والغافل والنائم بل المغني الغير الملتفت للمعنى بل المركبات قبل استعمالها أن تكون مفردات من جهة انَّها موضوعة مع انَّها لم يقصد بجزء منها الدلالة على جزء المعنى فالأصح أن يسقط لفظ ( القصد ) من التعريف كما سلكه بعض المتقدمين . إن قلت : انَّا لو لم نعتبر القصد لزم أن يكون مثل ( حيوان ناطق ) علماً لزيد مركّباً لأنه قد دل جزء اللفظ على جزء المعنى إلا انَّه لم تقصد هذه الدلالة . قلنا : ان الأفراد والتركيب مفهومان اعتباریان وقد عرفت ان قيد الحيثية معتبر في تعريف المفاهيم الاعتبارية فاللفظ من حيث دلالة جزئه على جزء معناه يكون مركباً ومن حيث عدم دلالته فهو مفرد ( فالحيوان الناطق ) من حيث دلالة جزئه على جزء معناه يكون مركّباً ومن حيث عدم دلالته كما لو كان مستعملاً في العلمية يكون مفرداً • إن قلت : انَّ المراد بالقصد قصد الواضع والمركبات المذكورة كان الواضع قد قصد بجزء منها الدلالة على جزء المعنى . قلنا : انَّ الواضع ليس وظيفته إلا الوضع ولم يلزم ان يقصد المعاني من الألفاظ. ان قلت : انَّ المراد بالقصد أعم من الفعلي أو الإمكاني والمركبات المذكورة يمكن فيها القصد المذكور . قلنا : ظاهر القضية هو الفعلية فانَّ القضايا اذا كانت مجردة عن الجهة فظاهرها انها الفعلية أعني المسماة بالمطلقة العامة مع انَّه يلزم دخول مثل ( الحيوان الناطق ) علماً في تعريف المركّب لأنه يمكن

فظسطظيه القصد المذكور .

و سادساً : انَّ مثل ( زيد ) في جواب من قال ( من جاءك ) بل مثل (اضرب ) فعل أمر لا اشكال انَّه يصح السكوت عليه فلابد أنَّ يكون مركّباًمع انَّه ليس له جزء لفظ يدل على جزء المعنى . - وجوابه - انَّ نفس زيد واضرب في المثالين لا يقال لهما مركب وإنما هما مفردان نعم مع ملاحظة اللفظ المقدر يكونان مركبين ويكون جزء اللفظ دالاً على جزء المعنى ولا يشترط في المركّب أن تكون أجزاؤه اللفظية فعلية بل أعم من أن تكون فعلية أو مقدرة .

وسابعاً : انَّ اللفظ المركّب اذا كان له لازم واحد فيلزم أن يكون مركباً باعتبار معناه المطابقي لدلالة جزء اللفظ على جزء المعنى المطابقي ومفرد باعتبار عدم دلالة جزء اللفظ على جزء المعنى الالتزامي وهكذا لو كان باعتبار المعنى التضمني كذلك فيلزم اجتماع المتنافيين في موضع واحد ولذا بعض المناطقه من المتأخرين قيد المعنى بالمطابقي . -وجوابه - انَّك عرفت انَّ وجوابه . الأفراد والتركيب معنيان اعتباريان فيجوز أن يكون اللفظ مركباً باعتبار المعنى المطابقي ومفرداً باعتبار المعنى التضمني أو الالتزامي كما قلنا في (الحيوان الناطق ) علماً لزید.

و ثامناً : انَّ المركب من لفظين مترادفين كما في حمل الشيء على نفسه كقولنا : ( الانسان إنسان ) وكقول اللغويين ( الأسد غضنفر ) وكقول المنطقيين : ( الكلي كلي ) وكما في التأكيد مثل ( زيد زيد ) في قولنا : جاء زید زيد . وكما في التفصيل مثل قولنا : ( بابا بابا) في قولنا : ( قرأت الحساب بابا بابا ) فانَّه بناء على وضع الالفاظ لنفس المعاني كما هو الحق

لا للصور الذهنية لم يكن جزء اللفظ دالاً على جزء المعنى إذ لم يكن المعنى متعدداً فتتكون المذكورات مفردات . إن قلت : انَّ المعنى مركّب بتكراره بمعنى انَّه مركب من أجزاء متماثلة . قلنا : لو كانت الألفاظ موضوعة للصور الذهنية صح ذلك ولكنها موضوعة للواقع والواقع واحد لا تعدد فيه .

وتاسعاً : انَّ الذي يتعلق به القصد هو جزء المعنى وفي التعريف قد تعلق القصد بالدلالة . - وجوابه - انَّ الفارق بين الافراد والتركيب هو تعلق القصد بنفس الدلالة فانَّ (الحيوان الناطق ) اذا قصد الدلالة بجزء منه على جزء المعنى كان مركّباً وإن لم يقصد كان مفرداً وامَّا القصد الى جزء المعنى فيوجد في المركّب والمفرد لأنه اذا قصد الكل فقد قصد الجزء .

وعاشراً : انَّه لو كان الافراد والتركيب تابع لقصد الدلالة لزم أن يكون مثل ( زيد ) لو قصد بجزء منه الدلالة على جزء معناه بأن قصد المتكلم دلالة الزاء على رأسه والياء على يديه والدال على باقي بدنه أن يكون مركباً مع انه لا اشكال في انه مفرد عند القوم حتى مع هذا القصد . - وجوابه - انَّ المراد القصد الجاري على قانون الوضع والقصد المذكور لم يجر على قانون الوضع . ولو سلم كما قد يجعل بعض الحروف رمزا لعدة مطالب وكما يقال ذلك في أوائل سور القرآن الكريم فهو من المركّبات.

و حادي عشر : لا شك انَّه اذا كان جزء اللفظ دالاً على جزء المعنى والبعض الآخر مهمل كقولنا : ( ديز مهمل ) أو ( ديز مقلوب زيد ) يكون اللفظ مركّباً مع انَّ تعريف المركب لا يشمله لأنه لم يكن اللفظ الموضوع جزئه قد دل على جزء المعنى بل نفسه قد دل على جزء المعنى إلا اللهم أن يقال : انَّ اللفظ المهمل قد استعمل في نوعه أو جنسه أو شخصه

وثاني عشر : انَّه كيف صح منهم تقديم تعريف المركّب على تعريف المفرد مع انَّ المفرد يتوقف عليه المركّب لأنه جزء المركّب . - وجوابه - انَّ المقام لما كان في بيان مفهومهما ومفهوم المركب وجودي ومفهوم المفرد عدمه كانت معرفته متقدمة على معرفته نظير تقدم معرفة الملكات على اعدامها وما ذكر إنما يقتضي تقديم المفرد بحسب الذات ولذا في مقام التقسيم وبيان الأحكام قدم أغلبهم المفرد على المركّب .

وثالث عشر : انَّ تعريف المركّب لا يتم في المركبات البديهية الكذب كقولنا : ( الانسان يطير بجناحيه) والمركّبات الكنائية التي لم يقصد معناها الحقيقي كقولنا : ( زيد كثير الرماد ) كناية عن كرمه فانَّه لم يقصد معناها فضلا عن قصد دلالة أجزائه على جزء معناه . - وجوابه - انَّ المراد بالقصد في تعريف المركّب هو القصد الاستعمالي لا القصد الجدي والمركبات المذكورة كان القصد الاستعمالي لمعانيها موجوداً وإنما القصد الجدي لها كان مفقوداً .

تقسيم المفرد الى الاسم والكلمة والاداة

(قسَّموا المفرد الى أقسام ثلاثة اسم وكلمة وأداة ولهم في تفسيرها وتمييز بعضها عن بعض وجهان . أحدهما انَّ المفرد ان لم يصلح للاخبار به وحده فهو الأداة وان صلح لذلك فان دل بهيئته على زمان معيَّن من الأزمنة الثلاثة فهو الكلمة وإلا فهو الاسم. وثانيهما ان المفرد إن استقل فمع الدلالة بهيئته على أحد الأزمنة فكلمة وبدونها إسم وإلا فأداة ) . ويرد عليهم عشرون إيراداً فعلى التفسير الأول ايراداً واحداً وهو :

انَّهم أن أرادوا بصلاحية الاخبار به وحده هو صلاحيته بحسب لفظه

لذلك بمعنى انَّ لفظه يمكن أن يقع خبراً لمبتدأ بحسب الصناعة اللغوية بحيث يكون عند النحويين في مقام الاعراب خبر لمبتدأ فيشكل عليهم بالضمائر المتصلة والمنفصلة الملازمة للنصب على الظرفية أو المصدرية فائها بألفاظها لا تصلح لأن تقع خبر المبتدأ وهكذا الأمر والنهي وأفعال التعجب عند بعضهم انَّها لا تقع خبرا . وإن أرادوا بصلاحية الاخبار به وحده هو صلاحيته بحسب معناه بمعنى انَّ معناه يصلح أن يخبر به امَّا بهذا اللفظ أو بلفظ آخر يدل عليه وحينئذ فلا يرد عليه الاشكال المذكور لأن المذكورات تصلح لأن يخبر بمعناها لو أدي بلفظ آخر يدل عليه إلا انَّه يرد عليه الاشكال بالظروف الملازمة للنصب على الظرفية فانَّها لا يصلح معناها لأن يخبر به وحده ولذا قدروا الخبر في مثل زيد عندك بكائن أو استقر وأيضا يخرج اسماء الاستفهام والشرط فانَّ معانيها لا تصلح لأن يخبر بها وحدها . وما اشتهر عند النحويين من انَّ مثل ( كيف ) في قولنا : ( كيف زيد ) خبر لزيد فهو بحسب الصناعة النحوية من دون ملاحظة للمعنى أصلاً إذ ليس في هذا المثال إخبار عن زيد وحكاية عن حاله .

وعلى التفسير الثاني يرد عليهم خمسة ايرادات :

أولاً : انَّهم إن أرادوا بالاستقلال الاستقلال بحسب الدلالة بأن يدل اللفظ على معناه في نفسه بحيث لا يفتقر في الدلالة الى ضم ضميمة كما فسَّره الشارح ملا عبدالله (ره) فيخرج عن الاسم مثل الضمائر المتصلة وأسماء الموصولة ونحوها لأنها تفتقر في الدلالة على معناها الى ضم ضميمة بل الألفاظ المجازية تخرج أيضاً . وإن أرادوا بالاستقلال الاستقلال بحسب المعنى بأن يكون اللفظ معناه ملحوظاً بنفسه مقصوداً بذاته لا يتبع أمر آخر وحالة

للغير فيخرج عن الاسم مثل أسماء الشرط والاستفهام ومثل كل وبعض وانَّ أرادوا بالاستقلال الاستقلال بحسب الوضع بأن يوضع اللفظ بنفسه لا في ضمن شيء آخر كالهيئة في الكلمة حيث وضعت في ضمن وضع الفعل فيلزم أن تكون الأدوات كلها مستقلة حيث ان جميع الألفاظ الموضوعة يكون وضعها استقلالياً لا في ضمن لفظ آخر ولذا عرف النحويون الكلمة بأنها لفظ مستقل . . . الخ .

وثانياً : انَّه كيف يدعى انَّ الحرف غير مستقل مع انَّ اللغويين يقولون في (من) انَّها موضوعة للابتداء و (في) للظرفية ونحو ذلك ولا يخفى انَّ الابتداء والظرفية من المعاني المستقلة لأنهما اسمان والحاصل انَّ تفسير علماء العربية الحرف بالاسم يقتضي كون الحرف مستقلاً كالاسم وإلا لما صح تفسیره به . قلنا : لما كانت الحروف موضوعة للنسب الخاصة والعلاقات الجزئية وحيث انَّها لا يمكن ملاحظتها أولاً وبالذات وإلا كانت مستقلة لذا في مقام بيان معانيها أتوا بلازم معناها وهو معاني مستقلة اسمية .

وثالثاً : انَّهم إن أرادوا بالاستقلال هو الاستقلال بالدلالة المطابقية خرجت سائر الأفعال عن الكلمات لأنه قد اشتهر عندهم ان معنى الفعل مرکب من ثلاثة امور الحدث والزمان والنسبة الى الفاعل وانَّ مادته تدل على الحدث وهيئته تدل على النسبة والزمان ومن المعلوم انَّ النسبة غير مستقلة والمركب من المستقل وغير المستقل لا يكون مستقلاً لأن النتيجة تتبع أخس المقدمات فالأفعال غير مستقلة وإن أرادوا الاستقلال بحسب مطلق الدلالة ولو كانت التزامية أو تضمنية فيلزم أن تكون الأفعال الناقصة ليست بأدوات لأن معناها التضمني وهو الزمان مستقل بل سائر الأدوات تكون

مستقلة لأن لمعانيها لوازم مستقلة . - وجوابه - انَّ مرادهم الدلالة المطابقية ونقول انَّ الفعل دلالته على نفس الحدث مطابقية لأن نفس المادة موضوعة له فقط والهيئة موضوعة بوضع آخر للنسبة مع الزمان فهو نظير دلالة أجزاء المركّب على معانيها فانها مطابقة فان دلالة ( زيد ) و ( بدر ) في قولنا : (زید بدر ) على معناهما مطابقة لا تضمن وإنما التضمن كما سبق هو دلالة اللفظ على أجزاء معناه الموضوع له بوضع واحد . أو نقول : انَّ الفعل معناه معنىَّ واحد اجمالي مستقل بالمفهومية يحلله العقل الى تلك الأمور الثلاثة ولا ينافي ذلك كون بعض أجزائه اذا لوحظ بالتفصيل يكون غير

مستقل بالمفهومية . لأن الاستقلال وعدمه صفتان للملاحظة فاذا لوحظ الشيء بلحاظ استقلالي يكون مستقلاً واذا لوحظ من حيث كونه مرآة لغيره يكون غير مستقل . وفي صورة لحاظ الفعل لمعناه اجمالاً لا يلاحظ أجزاؤه بحيث يكون أحدها ممتازاً عن الآخر ليكون غير مستقل وفي صورة لحاظ أجزائه تفصيلا يكون غير مستقل والفعل إنما وضع لتلك الامور على سبيل الاجمال أو نقول : انَّ الفعل اذا كان معناه النسبة الى فاعل ما كان مستقلا لأنه يتعقل بتصوُّر فاعل ما إجمالاً وهو أمر يفهم بنفس ذكر الفعل من غير ذكر الفاعل نظير لفظ الابتداء فانَّ معناه يتصور بتصور متعلق إجمالا يفهم من نفس لفظ الابتداء . وامَّا إن كان معنى الفعل هو النسبة الى فاعل معين كان غير مستقل لأنه لا يفهم معناه ما لم ينضم الى ذكر الفاعل ولنا في هذا المقام تحقيق يطلب من الأصول .

ورابعاً : انَّ الفعل لو كان معناه مستقلاً لصح أن يكون محكوماً عليه و مخبراً به لامكان ملاحظة معناه في حدِّ ذاته والحكم عليه . - وجوابه -

انَّ الفعل قد وضع لذلك المعنى مأخوذاً على أنه مسند ومحكوم به .

و خامساً : انَّ الحروف دلالتها لفظية وضعية وقد سبق انَّها كون اللفظ بحيث متى اطلق فهم معناه للعلم بوضعه وهذا يقتضي كون الحروف مستقلة بالدلالة كذا أورده الوالد (ره) . - وجوابه - يعلم مما ذكرناه في جواب . الايراد الأول والثاني على الدلالة اللفظية الوضعية .

( وعلى التفسيرين ) أربعة عشر إيراداً :

أولاً : انَّ الدوال الأربع الخط والعقد والنصب والاشارة تدل على معنىً في نفسها غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة أو مقترن به أو على معنىً في غيرها مع انَّها ليست بواحدة من الكلمة أو الاسم أو الحرف . - وجوابه انَّ هذه أقسام للمفرد الذي هو من أقسام اللفظ الموضوع .

وثانياً : انَّ تعريف الاسم لا يشمل الأسماء الدالة على الزمان كالصبوح الذي هو الشرب أول النهار والغبوق الذي هو الشرب آخره والقيل الذي هو الشرب وسطه فانَّها دلت على المعنى مقترناً بالزمان . - وجوابه - انَّها لم تدل بهيئتها وصيغتها على الزمان وإنما دلت بمجموع مادتها وهيئتها عليه .

وثالثاً : انَّ تعريف الاسم لا يشمل اسم الزمان كموعد ومجلس بمعنى وقت الوعد ووقت الجلوس فانه دال بهيئته على الزمان مع صحة الاخبار به واستقلاله . - وجوابه - انَّه لم يدل على زمان معيَّن من الأزمنة الثلاثة بمعنى انَّه لا يدل على خصوص الزمان الماضي أو الحال أو المستقبل بل هو يدل على زمن وقوع الحدث أي كان .

ورابعاً : انَّ تعريف الاسم لا يشمل أسماء الأفعال إذ يقترن معناها بزمان معيَّن من الأزمنة الثلاثة نحو (صه) فانَّه يدل على السكوت المقترن

بالحال نظير اسكت . - وجوابه - انَّها لا تدل بهيئتها على الزمان بل تكون دلالتها عليه بحسب وضعها للأفعال الدالة على الزمان .

وخامسا : انَّ تعريف الاسم لا يشمل أسماء الفاعلين والمفعولين حيث انَّها تدل على أحد الأزمنة الثلاثة بهيئتها ومادتها تدل على الحدث ولذا اشتهر عند أئمة الاصول انها حقيقة في الحال . - وجوابه - انَّ هيئتها تدل علىالنسبة والزمان يفهم من القرائن الموجودة ولذا كانت دلالتها على الزمان إنما تحصل اذا عملت . ودعوى انَّ هذا مخالف لما ذكره أئمة الأصول من انه حقيقة في الحال . فاسدة لأن مرادهم انَّ اطلاقه على المتصف به في زمان الحال حقيقة وهذا لا يقتضي كونه دالاً بالوضع على زمان الحال ألا ترى أن اطلاق الجوامد على معانيها حقيقة في الحال بالاتفاق نحو ( هذا سرير )

ولا قائل بأن الجوامد دالة على الزمان .

وسادساً : انَّ تعريف الكلمة التي هي الفعل لا يشمل الأفعال الناقصة ككان وأخواتها فانَّها لا تصلح للاخبار بها وحدها وليست بمستقلة لدلالتها على الربط الزماني بين المبتدأ والخبر مع انها كلمات ولذا سميت بالأفعال الناقصة وتقبل علامة الفعل كتاء التأنيث ويأتي منها المضارع والأمر . وجوابه - انَّها أفعال على مسلك النحويين واما على مسلك المناطقة فهي أدوات أو نقول انها أدوات لكنها سميت أفعالاً لما اشبهت الأفعال في التصرف حيث يأتي منها المضارع والأمر وباقي المشتقات وفي دلالة هيئتها على الزمان نعم تختلف عنها في المادة إذ دلالة مادة الأفعال على الحدث ودلالة مادتها على النسبة .

وسابعاً : انَّ تعريف الكلمة لا يشمل الأفعال المنسلخة من الزمان كصيغ

العقود كبعت وأفعال المقاربة وأفعال المدح والذم كنعم وبئس وأفعال التعجب كقولنا : ما أحسن زيد . واجيب بأنها بحسب الوضع دالة على الزمان والانسلاخ إنما كان بحسب الاستعمال .

وثامناً : انَّ تعريف الكلمة لا يشمل المضارع لأنه لا يدل على أحد الأزمنة الثلاثة معيناً بل يصلح للحال والاستقبال ويكون مردداً بينهما عند التجرد عن القرينة .-وجوابه -انَّهم زعموا انَّه مشترك لفظي بينهما فهو بحسب الوضع دال على زمان معيَّن وإنما عرضت له عدم الدلالة بحسب الاستعمال نظير صيغ العقود وامَّا من زعم بأنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر فالأمر عنده سهل لأنه حينئذ يكون دالاً على أحد الأزمنة الثلاثة .

وتاسعاً : انَّ الكلمة غير موجودة في لغة العرب لأن الكلمة هی الفعل والفعل لا يخلو عن الضمير لأنه لابد له من فاعل فيكون مركبّا والكلمة من أقسام المفرد . - وجوابه - انا لو سلمنا ذلك إلا انَّ كثيراً من الكلمات ما هي خالية عن الضمائر كقام في قولنا : ( قام زيد ) مما كان الفاعل ملفوظاً به .

وعاشراً : انَّ تعريف الحرف يشمل الحركة الاعرابية لأنها تدل على معنىً في غيرها فانَّ الضمة تدل على الفاعلية في الاسم . - وجوابه - انَّ الحرف من أقسام اللفظٍ المفرد والحركة ليست بلفظٍ مفرد مع انَّ الحركة غير دالة على معنىٍ بل هي علامة .

و حادي عشر : انَّ تعريف الحرف يشمل النعت لأنه يدل على معنى في غيره وهو المنعوت فانَّ عاقل في قولنا :(جاء رجل عاقل ) دال على وجود العقل في الرجل ويشهد لذلك قول النحاة النعت تابع دال على معنى في متبوعه . -وجوابه - انَّ النعت ليس سمته إلا سمة الوصف للشيء ولا دلالة له

إلا على النسبة للموصوف ومراد النحاة هو وجود المعنى في متبوعه بنحو وجود العرض في معروضه .

وثاني عشر : انَّ تعريف الحرف يشمل الأفعال والمصادر وأسماء الفاعلين والمفعولين لأنها تدل على معنىٍ في غيرها كالحروف لأنها تدل وضعاً على نسبة الحدث الى مرفوعها . - وجوابه - انَّا لا ننكر انَّ الهيئة فيها دالة على معنى حرفي ولكن لا يقال للهيئة حرف لأنها ليست بلفظ مفرد لعدم تركبها من الحروف الهجائية بل هي كيفية للفظ.

وثالث عشر : انَّ تعريف الحرف يشمل الأسماء المتضمنة للمعاني الحرفية نحو أسماء الاستفهام والشرط فائها تدل على معنىً في غيرها مع أنها ليست بحروف . - وجوابه - انَّها أسماء باعتبار دلالتها على معاني مستقلة.

ورابع عشر : انَّ تعريف الحرف يشمل الأسماء التي يبين فيها كمية الأفراد ككل وبعض وكافة وجميع لأنها تدل على معاني في غيرها . - وجوابه - انَّها معاني مستقلة ولكنها حالة بالغير حلول العرض بمعروضه فتأمل .

دلالة الفعل على الزمان بهيئته

( قالوا : تبعاً للنحويين الكلمة تدل على أحد الأزمنة الثلاثة بهيئتها وصيغتها الحاصلة للحروف باعتبار حركاتها وسكناتها وتقديمها وتأخيرها . واستدلوا على ذلك باختلاف الأزمنة عند اختلاف الهيئات وإن اتحدت المادة كضرب يضرب اضرب واتحاد الأزمنة عند اتحاد الصيِّغ وإن اختلفت المادة نحو ضرب وقتل ) . والذي يرد على أصل دلالة الفعل على الزمان وعلى الاستدلال المذكور أمور تسعة : -

أحدها - ازوم التجوز في الكلمة عند اسنادها الى غير الزماني كأفعال

الله تعالى وهو خلاف الوجدان لعدم العناية والتوسع والتأويل في معناها عند اسنادها لغير الزماني . - وجوابه – انَّ عدم العناية إنما كان لأجل عدم شعور المستعملين بأن المسند اليه غير زماني ويتخيلون انَّ له زمان أو لأن التوسع والتصرف في معناها صار ارتكازياً بحيث لا يحتاج الى عناية . ثانيها : انَّ الكلمة مركبة من هيئة ومادة ولا شبهة في انَّ المادة لا تدلإلا على الحدث والهيئة لا تدل إلا على ما هو من أحوال المادة وخصوصياتها وشؤونها ولا ريب انَّ الزمان من المفاهيم الاسمية المستقلة في اللحاظ التي تأبى بطبعها عن أن تكون من مدلول الهيئة فلم يبق في الكلمة ما يدل على الزمان . - وجوابه - انَّ من يدعي دلالة الكلمة على الزمان لا يدعي دلالتها على مفهومه حتى يأتي ما ذكره الخصم بل يدعي دلالتها على النسبة الخاصة الواقعة في الزمان فانَّ معنى الكلمة هو نسبة الحدث الى الفاعل الواقعة في أحد الأزمنة المعينة على نحو يكون التقييد بالزمان داخلاً فيها دون الزمان لا ان الزمان مأخوذاً فيها على نحو الاستقلال .

وثالثها : انَّ المانع الذي ذكروه لعدم جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد جاري ههنا لأنه يلزم من دلالة الكلمة على الحدث والزمان استعمالها في أكثر من معنىً واحد . - وجوابه - ما عرفته من انَّ معنى الكلمة معنى واحد إجمالي يحلله العقل الى الحدث والنسبة والزمان نظير دلالة زيد على أجزائه لا ان كل واحد منها مقصود بالاستقلال وبالذات .

ورابعها : انَّ الزمان في الماضي قد يكون مستقبلاً حقيقة كقولك : مجيء زيد لي بعد عام وقد أكرم الناس قبل مجيئه بأيام وقد يكون في المضارع ماضياً كقولك : مجيء زيد في الشهر السابق وهو كان يعطي في وقت مجيئه

دون أن يكون أدنى توسع أو تأويل فلو كان الماضي دال على الزمان الماضي والمضارع على الزمان المضارع لكان في الاستعمال المذكور تجوُّز وتوسع . -وجوابه - لو سلمنا ذلك فنقول : انَّ الماضي حقيقة في الزمان الماضي ولو بالنسبة الى شيء آخر وليس بموضوع لخصوص الزمان الماضي بالنسبة الى زمان النطق وهكذا المضارع .

وخامسها : انَّ الهيئة إن كانت مستقلة بالدلالة على الزمان بحيث لا يكون للمادة مدخل فيها يلزم أن تكون الهيئة في ( ديَزَ ) المهمل أو نحوها مما هو على هيئة (ضرب) في مادة غير موضوعة دالة على الزمان وإن لم تكن مستقلة بل يكون للمادة أيضاً دخل فيها يلزم أن يكون مثل صبوح وأمس مما يدل على أحد الأزمنة الثلاثة بمادته وهيئته داخلا في تعريف الكلمة وقد اشتهر هذا الاشكال عندهم . - وجوابه - انَّ الهيئة بنفسها دالة بشرط أن تكون في مادة موضوعة متصرف فيها وحينئذ فلا يرد النقض ( بديز ) لأن مادته غير موضوعة ولا النقض (بأمس) لأن الهيئة ليست بنفسها موضوعة

الزمان بل هی مع المادة .

وسادسها : انَّ الصيغ تختلف مع اتحاد الزمان ألا ترى انَّ يضرب وتضرب ونضرب وأضرب صيغ مختلفة مع اتحاد الزمان بل المبني للمجهول مع المعلوم مختلفان صيغة ولا يختلف الزمان وهكذا المجرد والمزيد مختلفان صيغة مع عدم اختلاف الزمان . - وجوابه - انَّه من قبيل المترادفات أو يقال انَّ المجهول فرع المعلوم والمزيد فرع المجرد . والهيئة غير مختلفة في المضارع المخاطب والمتكلم والغائب .

وسابعها : انَّ المضارع يدل على الحال وعلى الاستقبال والصيغة واحدة

فلو كان اتحاد الصيغة موجباً لاتحاد الزمان لكان الزمان فيه واحدا .- وجوابه - انَّ المضارع ان قلنا بأنه حقيقة في أحد الزمانين مجاز في الآخر فلا اشكال لكونه لا يدل إلا على زمان واحد وهو ما كانت الصيغة حقيقة فيه وامَّا من قال بالاشتراك بينهما فلا مناص امَّا أن يلتزم بالاشتراك المعنوي بأن تكون الهيئة موضوعة للنسبة في غير الزمان الماضي وحينئذ فالهيئة تدل على زمان معيَّن وهو غير الماضي أو يلتزم بأن الهيئة مشترك لفظي بينهما فالصيغة حينئذ من قبيل المشتركات اللفظية .

وثامنها : إن اتحاد الزمان مع اتحاد الصيغة واختلاف المادة لا يدل على استناد الزمان الى الصيغة لامكان استناده الى المواد المختلفة ضرورة جواز اشتراك المختلفات في أمر واحد فمادة ضرب تدل على الزمان الماضي ومادة نصر تدل عليه لا هيئاتهما . - وجوابه - انَّ المادة لو كانت دالة للزم أن تدل عليه حتى لو كانت في ضمن المصدر أو اسم الآلة أو اسم المكان.

وتاسعها : انَّ ضربا وضربوا مختلفان بالصيغة مع عدم اختلاف الزمان وبأن لم يضرب وضرب مختلفان بالهيئة مع عدم اختلاف الزمان وبأن لم يضرب ولا يضرب متحدان في الهيئة مع اختلاف الزمان . - وجوابه - انَّ هذه من المركّبات من الأفعال والضمائر أو الأداة ونحن كلامنا في هيئة المفرد .

متحد المعنى ومتكثره

(ذكروا انَّ المفرد إن اتحد معناه فمع تشخصه وضعاً علم . وإن لم يتشخَّص فمتواطي إن تساوت أفراده ومشكك ان تفاوتت بأولية أو أولوية أو زيادة أو أشدية. والأولية هي الأسبقية بالذات كما لو كانت بعض الأفراد علة لبعض . والأولوية ان يكون صدقه على بعض أولى وأنسب بنظر العقل

كما لو كان صدقه عليه غير محتاج الى أمر خارج عنه كلوازم الذات وكصدق الوجود على الله تعالى . والأشدية ان تكون آثار الماهية موجودة بنحو أتم وهي تكون في الكيفيات . والزيادة أن يكون وجود الماهية بنحو أوسع وهي تكون في الكميات . وإن كثر معناه فان وضع لكل على حدة فمشترك وإلا فان هجر معناه واشتهر في معنى آخر لمناسبة المعنى الأول فمنقول ينسب الى الناقل وإلا فحقيقة و مجاز ) .ويرد عليهم ثمانية عشر ايراداً :

اولاً : انَّ هذا لا يصح جعله تقسيماً للمفرد لعدم وجود المتواطي والمشكك والعلم في الفعل والأداة لأنهما لا يتصفان بالكلية والجزئية عندهم ولهذا جعله بعضهم تقسيماً للاسم وبعضهم جعله تقسيماً للمستقل . - وجوابه انَّ التقسيم إنما هو ذكر أنواع للمقسم بحيث لا يوجد المقسم بدونها امَّا وجود الأقسام في كل نوع من المقسم فليس بلازم والا لبطلت أكثر التقاسيم ألا ترى انَّهم يقسمون الاسم الى مفرد ومضاف ثم يقسمونه الى منصرف وغير منصرف مع انَّ الذي يوجد في المضاف هو خصوص المنصرف فقط .

وثانياً : انَّهم ان أرادوا بوحدة المعنى وكثرته هو وحدة المعنى الملحوظ وكثرته بمعنى انَّهم أرادوا بوحدة معنى اللفظ هو لحاظه بالنسبة الى معنى واحد لا معاني متعددة وأرادوا بكثرة معنى اللفظ هو لحاظه بالنسبة الى مع اني متعددة فهو باطل لأنه لا يتم في أسماء الاشارة والضمائر والموصولة بل والحروف بناء على ان الموضوع له فيها هي الأفراد المشخصة الجزئية كما هو المشهور فانَّها اذا لوحظت بالنسبة الى معانيها تكون من قبيل اللفظ المتكثر المعنى مع انَّها ليست بداخلة في قسم من أقسامه لوضوح انَّها ليست بحقيقة ولا مجاز ولا بمنقول ومنقول اليه وليست بمشتركة لأن شرط

الاشتراك هو أن يكون اللفظ موضوعاً لكل واحد من المعاني على حدة وهي موضوعة لمجموعها بوضع واحد . واذا لوحظت بالنسبة الى معنىً واحد تكون اعلاماً لأنه قد تشخص معناها وضعاً مع انَّها لا تسمى أعلاما . وإن أرادوا بوحدة المعنى وكثرته هو الوحدة في الواقع ونفس الأمر بمعنى انَّ للفظ واقعاً معنىً واحداً غير متعدد وأرادوا بكثرته ان يكون له معاني متعددة في الواقع ونفس الأمر فمضافاً الى انَّه لا يوجد فرد لمتحد المعنى إلا لفظ الجلالة يلزم أن لا تكون الأعلام المشتركة أعلاماً لأنها متكثرة المعنى والعلم من أقسام متحد المعنى وكذا يلزم أن لا يوصف اللفظ المشترك كعين بالنسبة الى أحد معانيها الكلية بالتواطي والتشكيك لأنها من أقسام متحد المعنى و ( العين ) من متكثر المعنى بل يلزم أن لا تكون أعلاماً ولا متواطيات ولا مشككات لأن كل من الألفاظ المفردة اما أن تكون مشتركة أو منقولة أو لها مجاز فيكون بحسب الواقع من متكثر المعنى والمذكورات من أقسام متحد المعنى . ان قلت : انَّ المراد وحدة المعنى وكثرته بحسب اللحاظ وانَّ المذكورات داخلة في متكثر المعنى إلا انَّها غير داخلة في واحد من أقسامه لأن التقسيم لا يستلزم ذكر جميع الأقسام إذ كثير ما يقع في عبارة المؤلفين تقسيم الشيء الى أقسام لا ينحصر فيها ألا ترى الى ما في شرح التلخيص من تقسيم الوحشي الى الغريب الحسن والغريب القبيح مع عدم انحصار الوحشي فيهما كما ذكره بعض الشارحين لشرح التلخيص . قلنا : هذا صحيح لو لم تكن أقسام الشيء مرددة بين النفي والاثبات فانَّها تقتضي الحصر وأقسام متكثر المعنى كانت كذلك.

وثالثاً : انَّهم ان أرادوا بالمعنى المعنى الموضوع له الحقيقي فقيد وضعاً

في تعريف العلم مستدرك ولا وجه لعد الحقيقة والمجاز من أقسام متكثر المعنى لعدم تكثر معناه الموضوع له . وإن أرادوا به الأعم لزم أن يكون اللفظ المستعمل مجازاً في معنى متشخص علماً والمستعمل مجازا في معنىً كلي متواطي أو مشكك ولزم أيضاً أن يدخل نحو أسماء الاشارة والموصولات في متكثر المعنى لأنها تستعمل في أكثر من معنىً واحد مع انها ليست بأحد أقسامه إذ ليست بمشتركة حيث لم يكن الوضع لكل واحدٍ من معانيها على حدة ولا بمنقول ولا منقول اليه ولا بحقيقة ومجاز ولزم أن يدخل اللفظ بلحاظ معانيه المجازية المتعددة في متكثر المعنى مع خروجه عن أقسامه . وهذا الايراد وان كان وارداً إلا انَّه بعض المحاذير المذكورة فيه غير لازمة لأن قيد وضعاً ليس بمستدرك على ذلك التقدير لأنه يكون لاخراج ما اذا كان المعنى متشخصاً بالقرائن بنحو تعدد الدال والمدلول ولأن اللفظ المستعمل مجازا في معنى متشخص غير داخل في العلم لأنه لم يتشخص معناه بحسب الوضع بل بحسب الاستعمال .

ورابعاً : انَّهم إن أرادوا بالافراد الافراد في نفس الأمر خرجت الكليات الفرضية كاللا شيء واللا موجود واللا ممكن بالامكان العام عن المتواطي و المشكك لعدم وجود افراد لها حتى تكون متساوية أو متفاوتة الصدق بالنسبة اليها بل والكليات الممتنع وجود الافراد لها كشريك الباري واجتماع النقيضين بل والكليات التي لها فرد واحد ويمتنع الغير كالواجب ومبدأ المبادي والقديم بالذات . وإن أرادوا الأعم من الأفراد بحسب نفس الأمر والفرض اتنفى المتواطى لأنه كل كلي يمكن فرض افراد له تكون متفاوتة بالنسبة اليه .-والجواب عنه - للقوم فيه مسلكان أحدهما انَّ هذا التقسيم مخصوص

بالكليات التي لها افراد بحسب نفس الأمر لأنها المشتهرة في المحاورات وثانيهما : انَّ المراد بالافراد النفس الأمرية وكون الافراد فرضية لا ينافي كون التساوي والاختلاف في الافراد بحسب نفس الأمر فان المراد بهما انَّه لو كانت للشيء افراداً محققة كان صدقه عليها متساوياً أو مخلتفاً بحسب نفس الأمر والواقع ولا ريب انَّ هذا المعنى لا يتوقف على تحقق الأفراد بحسب نفس الأمر والواقع .

وخامساً : انَّ الفعل والحرف من المفرد فيقتضي انَّه اذا اتحد معناهما يكونان داخلين تحت أقسام متحد المعنى فيتصفان بالعلمية والتواطي والتشكيك مع انَّهما لا يتصفان بذلك لأنهم لا يسمونها بهذه الأسماء ودعوى ان الذي يتصف بالعلمية هو الجزئي والذي يتصف بالمتواطي والمشكك هو الكلي والفعل والحرف لا يتصفان بالكلية والجزئية لأن معناهما غير مستقل حتى يصلح للحكم عليه بالكلية والجزئية فانَّ معنى الحرف يلحظ آلة لتعرف حال الغير وكذا الفعل فانَّه يشتمل على حدث ونسبة وتلك النسبة آلة لملاحظة الحدث والفاعل فالمجموع غير مستقل . باطلة فان في الحكم على الشيء لا يلزم ان يلحظ الشيء بنفسه بل تكفي الاشارة اليه كما في الحكم على الله تعالى مضافاً الى انَّا لا نسلم ان معنى الفعل غير مستقل مضافاً الى انَّا نحكم على معني الحرف والفعل بأحكام كثيرة فنقول : انهما غير مستقلين وانَّهما آلة لملاحظة الغير مضافاً الى انَّ عدم صلاحية الحكم عليهما بشيء اتصافهما واقعاً به مضافاً الى انَّه لو تم ذلك لزم أن يكون

يوجب عدم مثل ( الرجل ) مما هو محلى بلام التعريف أن لا يحكم عليه بشيء لأنه مركّب من معنى لام التعريف التي هي الحرف ومعنى رجل فيكون مجموع معنيهماپ

غير مستقل وهكذا لا يجوز الحكم على مثل ( هذا ) لأنه مركّب من حرف التنبيه واسم الاشارة إلا ان يقال : انَّ الحكم على جزء معنيهما . ودعوى ان تقسيم الشيء الى أقسام لا يوجب وجودها في جميع الأنواع المندرجة تحته فلا يجب وجود المتواطي والمشكك والعلم في جميع أنواع المفرد حتى الفعل والحرف . فاسدة إذ هي إنما تنفع الصحة جعل هذا التقسيم للمفرد ولا تنفع في رفع هذا الاشكال من صدق متحد المعنى وأقسامه على الفعل والحرف مع عدم اتصافهما بشيء من أقسامه . ودعوى انَّ الفعل والحرف لا يتصفان بمتحد المعنى ومتكثره . فاسدة أيضاً لشهادة الوجدان باتصافهما بذلك ولذا كانت الأفعال والحروف تتصف بالاشتراك والنقل والحقيقة والمجاز .

وسادساً : انَّ هذه الأقسام تتداخل فانَّ المشترك والمنقول قد يكون حقيقة ومجازاً وكل من العلم والمتواطي والمشكك قد يكون مشتركا أو منقولا أو حقيقة ومجازا . - وجوابه - انَّ قيد الحيثية معتبر في تعريفها لأن هذه الأشياء من الأمور الاعتبارية وقد سبق ان قيد الحيثية معتبر في تعريفها في مبحث الدلالة .

وسابعاً : انَّ المتواطي والمشكك من متكثر المعنى لا متحده لأنه تحتهما افرادا كثيرة وتلك معاني لها . - وجوابه - انَّهما موضوعان لمعنى واحد ويستعملان فيه وهو الطبيعة لا بشرط . والافراد ليست بمعاني لهما حتى لو استعمل في الافراد كان مجازاً .

وثامنا : انَّ تعريف العلم لا يشمل الاعلام الجنسية كاسامة فانَّها اعلام مع انَّ معانيها كلية غير متشخصة . - وجوابه - انها اعلام عند أدباء العرب . وامَّا المناطقة فانهم يرونها كليات وليست باعلام مع امكان ان يكون مرادهم بالتشخص أعم من التشخص في الخارج أو الذهن والاعلام الجنسية

عندالقوم متشخصة ذهناً كما قرروه في محله .

وتاسعاً : انَّ تعريف العلم يصدق على الحروف والضمائر وأسماء الاشارة والموصولات بناءً على انَّ الموضوع له فيها هو الجزئيات المتشخصة كما هو المشهور لأنه يكون حينئذ معناها قد تشخَّص وضعاً . - وجوابه - انَّه على هذا البناء لا تكون من أقسام متحد المعنى حتى تكون أعلاماً بل من متكثر المعنى والتحقيق أن يقال : انَّه ان كان مرادهم بمتحد المعنى هو الاتحاد بحسب الواقع فالجواب صحيح لأن معناها على هذا متكثر في الواقع وان كان مرادهم به الاتحاد بحسب اللحاظ فالاشكال وارد لأنها باللحاظ الى الجزئي منها تكون متحدة المعنى إلا اللهم أن يقال انَّ المراد بالنشخص وضعاً أن يكون نفس الوضع شخصي والمذكورات لم يكن الوضع فيها شخصي بل كان عاماً وإنما كان الموضوع له مشخَّصاً دون الوضع فانَّه عام .

وعاشراً : انَّ معنى التشخص هو تعيين المعنى وضعاً بحيث لو تصور يمتنع عند العقل فرض صدقه على كثيرين وعليه فمعاني بعض الأعلام الغير المحسوسة كالله تعالى وجبرئيل ونحوها مما لا يدرك بالحس تنصور بمعاني كلية مساوية لها فأين التشخص • - وجوابه - انا لو سلمنا انَّها لا يمكن تصورها إلا كذلك فهو لا ينافي تشخصها في متن الواقع وانَّ اللفظ موضوع لوجودها الخاص الذي به تنشخص على انَّها على هذا التقدير لم تكن متصورة بنفسها والمراد يكون المعنى متشخصاً انَّه لو تصور بنفسه لا بصورته الكلية يكون ممتنع الصدق على الكثيرين .

وحادي عشر : انَّ التساوي المعتبر في المتواطي هو عدم التفاوت بين الافراد وعليه فيلزم أن لا تتفاوت افراد المتواطي في صدقه أصلا مع انَّها

لا اشكال في اختلافها ولو بالأشرفية والأقدمية بالزمان . - وجوابه - انَّ عدم التفاوت مطلقاً بين الافراد محال فلا يعقل ارادته بل مرادهم منه عدم التفاوت بالأمور المذكورة التي يحصل التشكيك عند التفاوت بأحدها.

وثاني عشر : ان حقيقة المشكك هو أن يكون الناظر الى أفراده يحتمل ابتداء انَّه موضوع لكل منها على حدة وانَّه مشترك لفظي بينها وهذا هو السر في تسميته بالمشكك وعليه فالكلي الذي يكون فيه ذلك للبعد بين افراده بحيث يتخيل انَّه موضوع لكل منها على حدة يكون مشككاً وإن لم تتفاوت افراده في تلك الأمور الأربعة المذكورة كلفظ ( الأمر ) فانَّه يتخيل انَّه موضوع لافراده من العمل والعرض والطلب مع انَّه موضوع للقدر الجامع بينها وهو الشيء فلا وجه لحصرهم التشكيك بالتفاوت بالأقسام المذكورة بل يجوز أن يكون بحسب الدلالة باعتبار فهم الافراد من اللفظ ظهوراً وخفاء وعدمه كالاختلاف بالأشهرية والأكملية والأوفقية بالارادة . مع انَّ التفاوت بهذه الامور الأربعة قد لا يوجب التشكيك المذكور فلا يكون الكلي مشككاً ألا ترى انَّ أشدية السواد الغير القوية واضعفية السواد الغير المتناهية لا توجب التشكيك المذكور وكذا الأولوية والزيادة بل والأولية كما لو كان أحد الألمين علة للآخر فان صدق الألم عليهما لا يكون فيه تشكيكاً مع انَّ أحدهما علة للآخر وبهذا التحقيق تعرف الحال في المتواطي وانَّه هو الكلي الذي لا يوجد فيه هذا التشكيك حتى لو كانت افراده مختلفة بالأولوية ونحوها اللهم إلا انَّ يدعي ان الاصطلاح واقع على ما ذكروه وانَّ ما ذكروه في المشكك كان علة للتسمية لا بيانا لحقيقة المشكك عندهم .

وثالث عشر : انَّه لا وجود للمشكك لأن ما حصل به التفاوت ان كان

داخلاً في التسمية كان اللفظ مشتركا لفظياً وإن لم يدخل بل وضع للقدر المشترك فهو المتواطي . - وجوابه - انَّه لم يدخل في التسمية بل كان موضوعاً للقدر المشترك لكن القدر المشترك في بعض الأفراد أولى من بعض أو أقدم أو أزيد أو أشد فالتفاوت إنما كان في المصاديق لا في الصادق عليها .

ورابع عشر : انَّ المرتجل هو ما وضع ثانياً بلا مناسبة للمعنى الأول فهو من متكثر المعنى مع انه غير داخل في أحد الأقسام . - وجوابه - انَّه داخل في المشترك .

وخامس عشر : انَّ ما وضع لمعنى بمناسبة المعنى الأول من دون أن يسبقه الاشتهار كما في أغلب الأعلام الشخصية لا يدخل تحت الأقسام المذكورة إذ ليس بمشترك لأنه لم يوضع لكل منهما على حدة لأن الوضع للثاني كان بمناسبة الأول وليس بالمنقول لأنه لم يستند الاستعمال فيه الى الشهرة والغلبة ولا بالحقيقة والمجاز كما هو واضح . ولعل بعضهم يدخله في المنقول ولم يشترط الشهرة والغلبة في المعنى الثاني وبعضهم الحقه بالمشترك لأنه كان اللفظ موضوعاً للمعنى الثاني على حدة لا بالغلبة والشهرة .

و سادس عشر : انَّه لا معنى للحصر بالحقيقة والمجاز عند اقتفاء النقل والاشتراك بل يجوز أن يكون حقيقة وكناية وأيضاً اللفظ الموضوع قبل الاستعمال ليس بحقيقة ولا مجاز لأن الحقيقة هو استعمال اللفظ فيما وضع له والمجاز استعماله في غير ما وضع له . - وجوابه - انَّ المجاز في كلام المنطقيين أعم من الكناية وبأن الحقيقة والمجاز عندهم غير مشروطة بالاستعمال .

وسابع عشر : انَّه على القول بالوضع للمجازات يلزم دخول الحقيقة والمجاز في المشترك لأنه موضوع لكل منهما على حدة . - وجوابه - انا لو

سلمنا الوضع فيها فالمراد بالوضع المأخوذ في التقسيم هو الوضع الغير المشروط بالقرينة والمجاز كان الوضع مشروطاً فيه بالقرينة .

وثامن عشر : انَّه لا شك في انَّ مثل الانسان والحيوان والنبات من المتواطي مع انَّ بعض الافراد مقدم على بعض بالعلية فانَّ الأب مقدم على الابن بالعلية لتوقفه عليه فيلزم أن يكون من المشكك . -- وجوابه - انَّه لا علية بينهما في نفس الماهية وإنما كانت العلية بينهما في الوجود فلذا كان صدق الانسان عليهما بالسوية وإنما كان التشكيك في صدق الوجود .

تقسيم المركب

( قسَّموا المركّب الى التام وهو الذي يصح السكوت عليه والناقص وهو بخلافه وقسَّموا التام منه الى خبر وهو ما احتمل الصدق والكذب والى إنشاء وهو بخلافه وقسموا الناقص منه الى تقييدي وهو ما كان الجزء الثاني قيداً للأول والى غير تقييدي وهو بخلافه ) . ويرد عليهم مضافاً الى ما سیجيء انشاء الله في تعريف القضية في مبحث التصديقات ايرادات ثلاثة :

أولاً : انَّ الخبر من أقسام اللفظ والذي يحتمل الصدق والكذب هو المعنى لا نفس اللفظ . - وجوابه - انَّ الألفاظ باعتبار فنائها في المعاني حتى انَّ قبح المعاني وحسنها يسري اليها كانت صفة المعنى تنسب اليها وإن شئت قلت : انَّ احتمال الصدق والكذب صفة للتفظ باعتبار المعنى .

وثانياً : انَّهم إن أرادوا بحسن السكوت عليه هو سكوت المتكلم باعتبار انَّ التكلم صفة للمتكلم فكذلك السكوت يكون صفة له فلازمه أن يكون كلام الساهي ونحوه كالنائم والسكران المفيد ليس من المركّب التام لأنه لا يحسن أن يسكت المتكلم عليه لعدم حصول مقصوده به وإن

أرادوا سكوت المخاطب بحيث لا يبقى المخاطب في استفادة المعنى منتظرا لشيء آخر كانتظاره للمسند عند ذكر المسند اليه فهو مضافاً الى انَّ للمخاطب أن لا يلتفت للكلام ولا يسمع باقيه يلزمه أن لا يكون من المركَّب التام في صورة ما اذا أراد المتكلم إفهام الاسناد فقط والمخاطب يريد معرفة بعض المتعلقات فانَّه لا يحسن سكوت المخاطب وهكذا اذا لم يستمع استماعاً صحيحاً لم يحسن سكوته على المركَّب الذي سمعه وهكذا كلام المستفهم مركَّب تام مع انَّه لا يحسن سكوت المخاطب عليه . - وجوابه --- انَّ المراد بحسن السكوت هو سكوت المتكلم وكلام الساهي والنائم والسكران والمجنون ليس من المركّب التام لعدم الاعتداد به عند العقلاء والأخذ به عند العرف العام .

وثالثاً : انَّه إن أرادوا بحسن السكوت عليه إن كان حسن السكوت بذکر جمیع ما يتعلق بالكلام لزم عدم صدق التعريف على لفظ مفيد أصلاً لأن متعلقات الكلام تكاد أن لا تتناهى وحسن السكوت عليها موقوف على ذكرها بأجمعها . وإن كان المراد حسن السكوت بذكر بعض ما يتعلق بالكلام كان التعريف يصدق على غير المفيد اذا ذكر بعض ما يتعلق به ثم انَّ حسن السكوت على بعض المتعلقات دون بعض ترجيح بلا مرجح مرجح . --- وجوابه --- انَّ للكلام حداً يدركه من كان له ذوق سليم لو وصل التكلم اليه لحسن سكوت المتكلم به عليه .

الجزئي والكلي

( عرَّفوا الجزئي والكلي بأن المفهوم ان امتنع فرض صدقه على كثيرين فجزئي وإلا فكلي ) . ويرد عليهم اثنان وعشرون ايراداً :

أولاً : انَّ الأفعال والحروف ليست بكلية ولا جزئية باتفاق المنطقيين وإن اختلفوا في سبب ذلك مع ان مفاهيمها امَّا أن يمتنع فرض صدقها على كثيرين فتكون جزئية أو لا يمتنع فتكون كلية لاستحالة ارتفاع النقيضين . فالأولى أن يجعل تقسيماً للاسم .

وثانياً - انَّ مقتضى هذا التعريف للكلي والجزئي اختصاصهما بالحقايق الكلية والجزئية بعد تصورها ووجودها عند العقل ولا تنصف بهما قبل ذلك لأنها ليست إذ ذاك من المفاهيم لأن المفهوم ما كان حاصلاً عند العقل. وهکذا یقتضی اختصاصهما بخصوص ما يفهم من اللفظ دون مطلق المعلوم لأن المفهوم هو خصوص ما يفهم من اللفظ .-جوابه- انَّ مرادهم بالمفهوم هو ما من شأنه أن يحصل عند العقل من اللفظ سواء كان حاصلاً فيه بالفعل أو لا وسواء كان اللفظ دالا عليه أو لا ولذا فسَّره بالماهية لا بشرط شيء على انَّ الذي عليه عامة المنطقيين انَّهما من صفات الصور العقلية أعني المعاني الحاصلة في الذهن فعلا ولذا عدوهما من المعقولات الثانية واللوازم الذهنية لأن امتناع الصدق وجوازه عبارة عن امتناع الحمل وجوازه ومن المعلوم انَّه ليس من شأن الأعيان الخارجية الحمل والصدق وإنما هو من شأن الصور العقلية . إن قلت : على هذا لا یصح ان يقال تصورت أمراً كلياً لأن الشيء لا يكون كلياً إلا بعد التصور . قلنا : هو على ضرب من المجاز نظير قولهم : ( من قتل قتيلاً فله سلبه ) . ان قلت : انَّ امكان الحمل وامتناعه يثبتان للسعاني في حد ذاتها حتى لو لم يوجد ذهن أو عقل فتكون الكلية والجزئية من صفات المعاني . قلنا : امكان الحمل وعدمه إنما يثبت الموضوع الذي قابل للحمل وعدمه والموضوع القابل للحمل هو

الصور العقلیه.

وثالثاً : انَّ مقتضى تعريف الكلي والجزئي هو اختصاصهما بالمعاني التي تكون مصاديقها ممن يعقل لأن لفظ ( الكثيرين ) جمع مذكر سالم وهو مختص بالعقلاء ولذا يقال قوم كثيرون ولا يقال خيل أو كلاب كثيرون بل كثيرة فالأولى ابداله بالكثرة .

ورابعاً : انَّ ( الكثيرين) جمع لكثير وأقل مراتب الكثير ما فوق الاثنين وأقل مراتب الجمع ما فوق الواحد عند المنطقيين فيكون أقل مراتب (الكثيرين) كثرتين كل كثرة أقلها ثلاثة فيكون أقل ما يصدق عليه الكثيرين هو ستة . وعليه فلو كان مفهوم يمنع العقل من تجويز صدقه على سنة ولم يمنع من صدقه على ثلاثة أو أربعة أو خمسة أن لا يكون كلياً لكون العقل يمنع من صدقه على كثيرين . - وجوابه - انَّ العقل متى ما جوز صدق المفهوم على أكثر من واحد فقد جوَّز صدقه على ما لا يتناهى من الافراد لأن حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد فاذا كان المفهوم ليس فيه اباء عن تعدد مصداقه فالعقل لا يمنع بالنظر الى نفس ذلك المفهوم عن تعدد افراده بأي مرتبة فرضت .

وخامساً : انَّه كما انَّ للجزئي الحقيقي شيئاً بملاحظته يمنع العقل عن صدقه على كثيرين وهو التشخص كذلك للكليات الفرضية كاللا شيء واللا ممكن شيء بملاحظته يمنع العقل عن صدقها على كثيرين وهو انَّ نقائضها صادقة على جميع الأشياء إذ انَّ العقل عند ما يلاحظ ذلك يراها غير قابلة للصدق على شيء وإلا لزم اجتماع النقيضين . - وجوابه - انَّ التشخص داخل في مفهوم الجزئي فلهذا كان نفس المفهوم يمتنع فرض صدقه على كثيرين

بخلاف الكليات الفرضية فانَّ صدق نقائضها على جميع الأشياء غير داخل في مفهومها.

وسادساً : انَّه لا حاجة لاعتبار حال المفهوم في العقل في تقسيمه الى الكلية والجزئية دون الواقع ونفس الأمر بأن يجعل امتناعه عن الاشتراك وعدمه في نفس الأمر والواقع مناطاً للجزئية والكلية . - وجوابه - انَّه يلزم خروج مثل واجب الوجود ومثل شريك الباري والكليات الفرضية عن تعريف الكلي لأنها في نفس الأمر يمتنع اشتراكها بين الكثيرين . إن قلت : فليخرج مثل الكليات المذكورة عن تعريف الكلي وتدخل في تعريف الجزئي . قلنا : لا يصح ذلك لأن أحكام الكليات تشملها دون أحكام الجزئيات خصوصاً مثل واجب الوجود وشريك الباري .

وسابعاً : انَّ الجزئي لا يحصل في العقل فكيف العقل يحكم بعدم صدقه على الكثيرين وكيف يجعل قسماً من المفهوم مع ان المفهوم ما حصل في العقل . - وجوابه - انَّ الجزئي وإن كان يحصل في الحس المشترك بواسطة أحد الحواس إلا انه تحصل صورته بعد هذا في العقل ولذا يحكم عليه العقل بالأحكام الخاصة به . ومراد الحكماء بأنه لا يحصل في العقل ابتداء من غير استعانة بآلة ادراكية وسيجيء انشاء الله لهذا زيادة توضيح وبيان في جواب الايراد الثاني عشر في هذا المقام .

وثامنا - انَّ مفهوم الجزئي يجوِّز العقل صدقه على كثيرين بدليل انَّا اذا رأينا شبحاً ولم نميزه عن غيره يجوّز العقل بأنه زيد أو عمر أو خالد أو غير ذلك فقد جوَّز العقل صدق هذه الصورة على كثيرين مع انَّها مفهوم جزئي وصورة جزئية وهكذا اذا رأينا شيئاً خارجياً وكانت له أمثال

كثيرة ثم اختلط بأمثاله فما ارتسم في عقل الرائي من ذلك الشيء يجوز العقل صدقه على كثيرين لأنه يجوز صدقه على كل واحد من أمثاله ولذا يبقى الذهن متردداً بينها وقد مُثل له بالصورة الحاصلة من بيضة خاصة اذا بدلت بأخرى من دون التفات الرائي فانَّه يجوِّز العقل صدقها على كل واحدة منها وأمثلة المقام أكثر من أن تحصى . - وجوابه - انَّ العقل لم

يجوز صدقه على كثيرين وإنما يراه صادقاً على فرد واحد مشخص لا غير غاية الأمر انَّه اشتبه عليه ذلك الفرد فهو جزئي معيَّن لا يعلم مميزه عن غيره ولذا لو اجتمعت تلك الافراد لم يصدق عليها بأجمعها كما هو شأن الكلي اذا اجتمعت أفراده فهو نظير الصورة للشيء المأخوذة في القرطاس في ترددها بين كثيرين . والحاصل انَّ التجويز العقلي في مثل الشبح والبيضة إنما هو بمعنی الشك والترديد والتجويز العقلي في الكلي هو جزم العقل بأنه صالح في نفسه للصدق على كثيرين .

وتاسعاً : انَّ مفهوم الجزئي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين لأن كل جزئي يمكن فرض صور متعددة له في الأذهان ويكون مفهومه صادقاً عليها صدق المفهوم على أفراده لأن الاشياء توجد بأنفسها في الذهن فقد جاز صدق الجزئي على كثيرين فيكون كلياً . توضيح ذلك انَّ زيدا مثلاً اذا تصوره جماعة من الناس فقد حصلت صورته في ذهن كل واحد منهم وقد تقرر في فن الحكمة انَّ الأشياء تحصل بأنفسها في الذهن لا بأشباحها فيكون مفهوم زيد صادقاً على جميع هذه الصور لأنها نفس ( زيد ) . - وجوابه - نعم الأمر كذلك ولكن المعتبر في الكلي هو جواز صدقه على افراده النفس الأمرية إذ المتبادر من الكثيرين هو الكثرة في نفس الأمر لا الكثرة الذهنية

والمتبادر من الصدق هو الحمل بالنحو المتعارف والمفهوم الحاصل من زيد وإن كان له صور كثيرة في الذهن لكنه لا يحمل عليها بالنحو المتعارف وإنما يكون متحداً معها عند حذف العوارض الذهنية منها وليس له كثرة في نفس الأمر لأن جميع صور ( زيد ) الذهنية عين ذاته في نفس الأمر . إن قلت : انَّ من الكليات ما لا يكون لها افراد إلا في الذهن كالكليات الفرضية نحو اللا شيء وكالمعقولات الثانية انتي ظرف عروضها الذهن كالنوع والجنس والفصل . قلنا : امَّا الكليات الفرضية فانَّما كانت كليات لأن العقل لو نظر اليها في حد ذاتها يجوِّز صدقها على الكثيرين بالكثرة الخارجية والميزان في الكلية هو الجواز العقلي لا فعلية الصدق . وامَّا المعقولات الثانية فلان أفرادها النفس الأمرية هي تلك المعلومات الذهنية . وافرادها الذهنية هي تصور تلك المعلومات لأن الأفراد النفس الأمرية هي الافراد الموجودة في موطنها ويرتب عليها الآثار سواء كان موطنها الخارج أو الذهن . وافرادها الذهنية هي تصور تلك الأفراد وتعقلها في الذهن بنحو الحكاية عن تلك

الافراد النفس الأمرية .

وعاشراً - انَّ ظاهر تعريف الجزئي هو انَّه يحمل على غير الكثيرين مع انَّه قد تقرر عندهم ان الجزئي لا يحمل ولذا أولوا المحمول في مثل (العالم زيد) بالمسمى بزيد . - وجوابه - انَّا لو سلمنا عدم جواز حمل الجزئي وأوَّلنا مثل هذا زيد فتعريف الجزئي غير ظاهر منه ذلك لأن الحمل على كثيرين لا يستلزم الحمل على غير الكثيرين .

وحادي عشر : انَّه قد اشتهر عندهم بأن الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً وهنا قد اكتسب الجزئي حيث انَّهم قد عرَّفوه وجوابه -

إن المعرَّف هنا هو مفهوم الجزئي والذي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً عندهم هو مصاديق الجزئي كما عرفته في ما سبق .

وثاني عشر : انَّ الجزئي يجوِّز العقل صدقه على كثيرين لأنه عبارة عن كلي مقيد بكليات كثيرة أوجبت تخصصه بفرد واحد فيكون ادراك الجزئي نظير ادراك الكلي المقيد فانَّ التقييد وإن كان بالآلاف من الكليات لا يخرجه عن الكلية وجواز الصدق على كثيرين . - وجوابه - انَّ الجزئي اذا أدركه العقل بنحو الكلي المقيد كما اذا أدرك ) زيد ) بأنه الانسان الاحمر الطويل كان كلياً واذا أدركه العقل بهذيته وهويته الشخصية من دون التفات الى كلياته أصلا فهو جزئي ويمتنع صدقه على كثيرين . وقد اجيب - عن الاشكال بأن المناط في الكلية والجزئية اختلاف نحوي الادراك فانَّه على قسمين قسم يسمى بالعلم التعقلي وهو عبارة عن حصول صورة الشيء في النفس . وقسم يسمى بالعلم الاحساسي الشامل للمشاهدة والتخيل والتوهم وهو عبارة عن حصول صورة الشيء في آلات النفس الادراكية المسماة بالحواس الظاهرة والباطنة (فزيد) إن أدرك بالعلم الاحساسي فهو جزئي وإن أدرك بالتعقلي فهو كلي كذا قرره صاحب الشوارق . وقد أورد عليه بأن هذا لا يتم في الجزئيات المجردة عن المادة فانَّا لا ندركها إلا بالنفس دون آلاتها إذ هي ليست بمحسوسة وهكذا ادراك المجرد لذاته أو لغيره وقد اجیب عنه -بأن الجزئيات المجردة لا ندركها إلا بنحو الكلية بأن نشير اليها بمفاهيم كلية عامة تختص بها كما اذا أدركنا ( زيد ) بأنه انسان عالم طويل أحمر ابن فلان وغير ذلك فانَّ هذا مفهوم كلي في حد ذاته لكنه منحصر في فرد وهو ( زيد ) فالجزئيات المجردة يكون ادراكنا لها من هذا القبيل .

وإما ادراك المجرد لذاته فهو علم حضوري لا كلام لنا فيه إذ كلامنا فيما يكون له صورة عقلية يجوز العقل صدقها على كثيرين أو لا يجوِّز . وامَّا ادراك المجرد لغيره من الماديات والمجردات فيمكن أن يكون بنحو الكلي أو بنحو الحضور أو بالآلات الادراكية الباطنة المسماة بالحواس الباطنة .

-والتحقيق - انَّ المدركات سواء كانت كلية أو جزئية تحصل في نفوسنا نعم إن كانت جزئية فهي بواسطة آلاتها وإن كانت كلية فهي تحصل بذاتها لحكم النفس بالكلي على الجزئي كقولنا : ( زيد" عالم ) والحاكم يجب أن يدرك موضوع حكمه ومحموله فلو لم يكن الجزئي مدركة للنفس لما استطاع الحكم عليه .

وثالث عشر : انَّ المنطقي لا يبحث عن الجزئيات لتغيرها وعدم انضباطها وعدم تناهيها فكيف عرَّفوا الجزئي هنا وذكروا تقسيمه الى الاضافي والحقيقي وانَّ النسبة بينهما عموم من وجه . - وجوابه - انَّ ذكر تعريفه والنسبة بين معنييه إنما كان لأجل ايضاح معناه ليتضح معنى الكلي الذي هو محط بحث المنطقي . مضافاً الى انَّ تعريف الشيء ليس بحثاً عنه لأن البحث في الاصطلاح هو بيان أحكام الشيء وأحواله ولو سلم فانَّما وقع استطراداً .

ورابع عشر : انَّ تعريف الجزئي يصدق على الكليات الملازمة للنصب على الظرفية أو المفعولية كالضمائر أو المصدرية كسبحان فانَّها ليست قابلة للحمل على الكثيرين لأن الحمل يستدعي كونها خبراً عن أفرادها وهي ملازمة للظرفية أو المفعولية أو المصدرية . - وجوابه - انَّها تحمل بمعناها عند العقل . ولعله عند المنطقيين حالها حال الأفعال والحروف في عدم اتصافها بالكلية والجزئية .

وخامس عشر : انَّ مفهوم الجزئي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين لأنه يمكن فرض كل شيء حتى المحالات فيكون سائر الجزئيات كليات . -وجوابه - نعم لو كان ( الفرض ) في التعريف بمعنى التقدير إذ يمكن تقدير كل شيء حتى اجتماع النقيضين ولكن ( الفرض ) هنا بمعنى التجويز العقلي ولا شك انَّ العقل لا يجوِّز صدق مفهوم الجزئي على كثيرين . إن قلت : انَّ من الكليات ما لا يجوّز العقل صدقها على كثيرين كالكليات الفرضية وكشريك الباري واجتماع النقيضين وتنافي الضدين . قلنا : انَّ المراد بتجويز العقل بالنظر الى نفس المفهوم لا باعتبار لحاظ الأمور الخارجة عنه وهذه الكليات إنما امتنع صدقها على الكثيرين بالنظر الى البراهين الدالة على انتفائها . إن قلت : انَّ استعمال المشترك في التعاريف مستهجن . والفرض له له معنيان أحدهما التقدير والآخر تجويز العقل . قلنا : بأن القرينة موجودة على ارادة المعنى الثاني وهو شياع استعماله عندهم بهذا المعنى كما في تعريف الجسم بأنه جوهر" يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه . وتعريف الجزء الذي لا يتجزأ بأنه جوهر يمتنع إنقسامه خارجاً وفرضاً ووهماً . وتعريف النقطة بأنها عرض يمتنع إنقسامه خارجاً وفرضاً ووهما . مضافاً الى القرينة العقلية علیه وهي انَّ الفرض بمعنى التقدير يوجد في جميع المفاهيم فلا يصح جمله مورداً للنفي والاثبات بخلاف الفرض بمعنى الجواز فانَّه ليس كذلك فيصح جمله مناطاً للنفي والاثبات.

وسادس عشر : انَّ تعريف الكلي لا يشمل الكليات التي تأبى بحسب مفهومها عن الصدق على كثيرين كاللا تكثر واللا صدق واللا وجود . وجوابه : انَّ هذه المفهومات يمتنع صدقها على كثيرين بلحاظ نقائضها وإلا

في حد ذاتها لا تأبى عن ذلك لعدم أخذ التشخص والهديَّة في مفاهيمها .

وسابع عشر : انَّ تعريف الكلي يشمل الفعل لأنه يصدق على كثيرين حيث يقال في مثل ( يضرب ) : زيد يضرب ، وعمرو يضرب ، وخالد يضرب مع انَّه عند المنطقيين ليس بكلي . - وجوابه انَّ المراد بالصدق هو حمل هو هو بحيث يصح التعبير بالمحمول عن الموضوع وهو المسمى بحمل المواطات لا حمل ذي هو المسمى بحمل الاشتقاق والفعل من قبيل القسم الثاني لا الأول .

وثامن عشر : انَّ تعريف الكلي غير مانع لشموله للجزئي فانَّ مفهوم الجزئي يصدق على كثيرين لصدقه على مثل زيد وعمرو وخالد وغيرهم من الجزئيات . وجوابه - انَّ مفهوم الجزئي من الكليات وهو غير متصف بالجزئية وإنما الذي يتصف بالجزئية هي مصاديقه وافراده .وتاسع عشر : انَّ تعريف الكلي غير مانع لشموله لبعض الجزئيات الموضوعة لأكثر من فرد واحد كما لو سمينا عشرة رجال باخوان الصفا أو سمينا عدة مدن باسم العراق أو سمينا عدة مسائل مخصوصة باسم النحو فان هذه الجزئيات تصدق على الكثيرين . - وجوابه - انَّ مرادهم بالصدق على الكثيرين بنحو تعدد الصدق لا بنحو وحدة الصدق والامور الذكورة تصدق على كثيرين بنحو وحدة الصدق . وإن شئت قلت : انَّ ( الكثيرين ) في التعريف صفة ( للافراد ) والمذكورات ليس الكثيرين افراد لمفاهيمها بل إنما هي أجزاء المفاهيمها .

وعشريناً : انَّ تعريف الكلي غير مانع لشموله للجزئي الصادق على الكليات المجتمعة في الفرد الواحد فانه يكون صادقاً على كثيرين ألا ترى

انَّ ( زيد ) صادق على الانسان والحيوان والضاحك والمتحرك وغيرها من الكليات الموجودة في شخصه الخارجي . وجوابه : ما عرفته من انَّ المراد بالكثيرين هي الافراد ، والمذكورات أجزاء له لأنه من قبيل الكل بالنسبة اليها.

وواحداً وعشرين : انَّ تعريف الكلي غير مانع لشموله للجزئي الصادق على الذات التي لها عناوين متعددة فانَّ الذات حينئذ باعتبار كل عنوان مصداق لذلك الجزئي ألا ترى انَّ مثل ( زيد ) يصدق على ذاته بعنوان الكاتب والعالم والشاعر أي على زيد العالم وزيد الشاعر وزيد الكاتب فمفهوم ( زيد) يصدق على ذاته باعتبار العناوين الطارئة عليها . وذاته بهذا الاعتبارات تكون متكثرة . - وجوابه - ما عرفته من انَّ المراد ( بالكثيرين ) الافراد ، والمذكورات لم تكن افراداً للجزئي وإن شئت قلت : انَّ المعتبر في الكلي التكثر الذاتي لا الاعتباري .

وثانياً وعشرين : انَّ الكلي اذا حصل في العقل كان متشخصاً لأن الشيء اذا وجد تشخص فيكون جزئياً لا كلياً . كيف والادراك العقلي إنه يكون باكتناف الصور العقلية بالعوارض الذهنية والصور العقلية من حیث اكتنافها بالعوارض جزئية . - وجوابه - انَّ التشخص الذهني لا ينافي الكلية ولا تصير الصورة بعروضه جزئياً حقيقياً لأن التشخص الذهني لا يمنع من فرض العقل صدقه على كثيرين في الخارج والواقع الذي هو معيار الكلية.

تقسيم الكلي الى الممتنع والممكن

(قسَّموا الكلي الى قسمين : ممتنع الافراد كشريك الباري وممكن الافراد . وقسَّموا الممكن الى خمسة أقسام الأول : ما كانت افراده غير موجودة كالعنقاء . والثاني : ما وجد الواحد منها فقط مع امتناع الغير

كواجب الوجود . الثالث : ما وجد الواحد منها مع امكان الغير كالشمس . الرابع : ما وجد له افراد كثيرة متناهية كالكوكب السيار وسائر الكليات الخارجية . الخامس : ما وجد له افراد كثيرة غير متناهية كمعلوم الباري ) . ويرد عليهم ستة ايرادات :

أولاً : انَّهم إن أرادوا بالممكن الذي جعلوه مقابلاً للممتنع هو ما كان ممكناً بالامكان العام أعني ما أمكن وجوده أو عدمه فالممتنع ممكن بهذا المعنى لأن عدمه كان ممكناً إذ لو لم يمكن عدمه لما كان معدوماً وعليه فلا وجه لجعله قسيماً ومقابلاً للممكن . وإن أرادوا بالممكن هو ما كان ممكناً بالامكان الخاص أعني ما أمكن وجوده وعدمه معا فواجب الوجود ليس بممكن بهذا المعنى لأنه لا يمكن عدمه وعليه فلا وجه لجعله قسماً من الممكن . - وجوابه - انَّ المراد بالامكان هو : امكان الوجود فقط بقرينة مقابلته للممتنع وهو قسيم للامتناع لأن الممتنع غير ممكن الوجود . وواجب الوجود قسماً منه إذ أن واجب الوجود لو لم يكن ممكن الوجود لما وجد .

وثانياً : انَّ ما وجد فرد منه مع امتناع الغير كواجب الوجود ليس من أقسام ممكن الافراد ، إذ الممكن منه هو فرد واحد لا أفراد متعددة . - وجوابه - انَّ ( أل ) في الافراد للجنس لا للاستغراق والمراد به ما كانت الفردية له ممكنة الوجود أعم من أن يكون الفرد الواحد هو الممكن أو الأكثر نظير قوله تعالى : ( انَّ الله يحب الصابرين ) ونظير أن يقال : انَّ الانسان تصدر منه الشرور فانَّ المراد انَّ الشرية تصدر منه أعم من أن تكون واحدة أو متعددة .

وثالثا : انَّ التقسيم غير منحصر بذلك لأنه من المحتمل أن يكون كلياً

معدوم الافراد بأجمعها إلا انَّ الممكن منه فرد واحد مع امتناع الغير مثل فناء البشر في الآن الأول من يوم الجمعة من شهر معين فانَّه لا يمكن منه إلا فرد واحد وإلا للزم تحصيل الحاصل وهكذا من المحتمل أن يكون كلياً معدوم الافراد باجمعها إلا أنَّ أفراده متناهية كما في فناء الكواكب السبع السيارة فانَّه كلي معدوم الأفراد إلا ان افراده متناهية . وامَّا غير المتناهية فذلك مثل العنقاء لأن الذهن له أنَّ يتصوَّر افراداً لا تنحصر بحد إذ كلما حدها تصور أكثر منها . -وجوابه - انَّ ما ذكر داخل في القسم الأول من قسم الممكن.

ورابعاً : انَّ الممتنع كشريك الباري كيف يعد من أقسام الكلي مع انَّ العقل لا يجوَّز صدقه على كثيرين لقيام البرهان على وحدانية الباري تعالى ، وهكذا الكلام في مثل واجب الوجود -وجوابه - انَّ المراد بتجويز العقل للصدق على كثيرين بالنظر الى نفس المفهوم وفي حد ذاته من دون لحاظ للبرهان على امتناع وجوده في الخارج .

وخامساً : انَّ الكليات الفرضية كاللا شيء غير داخلة في قسم من هذه الأقسام . - وجوابه : انَّها داخلة في ممتنع الوجود فائها في حد ذاتها يجوِّز العقل صدقها على كثيرين ، ولكن البرهان قام على امتناع وجودها للزوم اجتماع النقيضين .

وسادساً : انَّهم لم يبينوا المراد بالامكان ما هو مع انَّه مشترك لفظي بين الامكان العام والخاص واستعمال المشترك بدون نصب قرينة مستهجن.- وجوابه - انَّ القرينة قائمة على ارادة الامكان العام لجعل واجب الوجود أحد أقسامه حيث أن الممكن الخاص مباين لواجب الوجود وعلى انَّ المراد

به الامكان العام بالنظر اللوجود دون العدم لعده في مقابل الممتنع .

تقسيم الكلي الى المنطقي و الطبيعي والعقلي

(قالوا : مفهوم الكلي من حيث هو يسمى كلياً منطقياً لأن المنطقي يبحث عنه . ومصداق هذا المفهوم كالانسان يسمى كلياً طبيعياً لوجوده في الطبايع أي في الخارج، والمجموع المركب منهما كالانسان بوصف انَّه كلي یسمی عقلياً لأنه لا وجود له إلا في العقل ، وهكذا الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام فانَّها تجري فيها هذه الاعتبارات الثلاثة ، وهكذا تجري في الجزئي ويرد عليهم ايرادات خمسة :

أولاً : انَّ المنطقي لا يبحث عن نفس هذا المفهوم كيف ولو بحث عنه كانت المسألة طبيعية والطبيعية ليست من مسائل العلوم كما سيجيء انشاء الله، وإنما يبحث عن مصاديقه إذ الموصل هو مصاديق الكلي لا نفس مفهومه . -وجوابه - أن ليس المراد انَّه يبحث عن نفس المفهوم بل معناه انه يبحث عنه باعتبار حكايته عن مصاديقه من غير أن يخصص بمصداق خاص كالأجناس والأنواع .

وثانياً : انَّه كيف تجعل العلة لتسمية الكلي الطبيعي ذلك والحال من المكليات الطبيعية ما لا وجود له في الخارج كالعنقاء بل منها ما هو ممتنع الوجود في الخارج كشريك الباري والكليات الفرضية مضافاً الى انَّ هذا إنما يتم على القول بوجود الكلي الطبيعي في الخارج دون من قال بعدم وجوده فيه ، مضافاً الى انَّ لفظ الطبيعة بمعنى الخارج لم اطلع عليه بهذه العجالة وإنما هو بمعنى ( الحقيقة ) فالاولى جعل لفظ الطبيعي نسبة للطبيعة

بمعنى الحقيقة وتكون النسبة لتمييزه عن المنطقي والعقلي نظير ان يقال : عين بصرية أو نبعية .

وثالثاً : انَّ ما ذكروه وجها لتسمية العقلي موجود في الكلي المنطقي لأن الكلي المنطقي هو نفس الكلية وهي أمر" عقلي لا يوجد في الخارج .-وجوابه- انَّ علة التسمية لا يلزم فيها إطراد التسمية لأنها عبارة عن المناسبة الملحوظة في مقام التسمية ولا شك أن المناسبة بوجه قد تلحظ في مقام التسمية بشيء ويغفل عنها أو تهمل لوجه أقوى منها في مقام التسمية بشيء آخر .

ورابعاً : انَّ هذا التقسيم لا يجري في الجزئي إذ لا يقال : جزئي طبيعي. -وجوابه - انَّا إذا قلنا : انَّ الطبيعي نسبة للطبائع بمعنى الخارج فالجزئي يقال له طبيعي بهذا المعنى لأنه منسوب للخارج وامَّا لو قلنا : بأن الطبيعي نسبة للطبيعة بمعنى الحقيقة فالجزئي أيضاً طبيعي لأنه فرد من الطبيعة والنسبة تكون لأدنى مناسبة .

وخامسا : انَّ الكلي العقلي ليس بكلي أصلا لأنه لا فرد له فانَّ الحيوان الكلي لا فرد له في الخارج ولا في الذهن إذ هو عبارة عن تلک الصورة الذهنية بوصف عدم امتناع الصدق على كثيرين ولذا سماه بعضهم بالجزئي الحقيقي الذهني كيف يكون له فرد ولازم الفردية امتناع الصدق على كثيرين، ولازم تقيد الكلي العقلي بالكلية هو جواز الصدق على كثيرين ، وهذا بخلاف الكلي الطبيعي فانَّه لم يؤخذ فيه الوصف بالكلية فلا مانع من تشخصه وهكذا الكلي المنطقي بالنسبة لافراده كالانسان والفرس وغيرهما من المفاهيم العامة . - وجوابه - انَّ عدم وجود الفرد له لا يرفع كليته ولذا كانت

الكليات الفرضية كليات ولا فرد لها ، مضافاً الى أن انضمام الكلية الى مفهوم عام يكون من قبيل تقيد العام بقيد وهو لا يرفع كليته ولذا قيل : إن الكلي اذا انضم إليه آلاف القيود هو باقي على كليته وإنما ينحصر مصداقه في فرد ، مضافاً الى انَّ الكلي العقلي إنما يمتنع صدقه على كثيرين لو كانت الافراد التي يصدق عليها جزئيات حقيقية وهو ممنوع لجواز أن تكون تلك الأفراد جزئيات اضافية كلية ففرديتها للكلي العقلي لا تستدعي امتناع الصدق على كثيرين مثلا ( الحيوان الكلي) كلي عقلي يصدق على الانسان الكلي والفرس الكلي والحمار الكلي ونحوها من الكليات العقلية وهكذا (الانسان الكلي) يصدق على الانسان الرومي الكلي والانسان الزنجي الكلي وغيرها من من الكليات العقلية . إن قلت : انَّا ننقل الكلام الى الكليات العقلية المندرجة تحته وهلم جرا فامَّا ان تنتهي الى جزئيات حقيقية وهو باطل لما عرفته لأن قيد الكلية للكلي العقلي يمنع من صدقه على الجزئيات الحقيقية أو يلزم التسلسل وهو محال . قلنا : لا تنتهي السلسلة الى الجزئيات الحقيقية ولا يضر التسلسل في المقام لأنه تسلسل في أمرٍ إعتباري وهو غير باطل لأنه ينقطع بانقطاع الاعتبار .

معنى الكلي الطبيعي

(قال أكثر المنطقيين : انَّ الكلي الطبيعي هو : الماهية المعروضة للكلية بما هي معروضة لها لا من حيث هي . ويرد عليهم ايرادات أربعة :

أولاً : انَّ معروض الكلي بما هو معروضه يكون عين الكلي العقلي إذ لا معنى للمجموع من العارض والمعروض إلا لحاظ المعروض بما هو معروض للعارض وحينئذ فلا معنى لجعله مقابلا للكلي العقلي إلا أن يلتزم

في الطبيعي بدخول التقيد دون القيد وفي العقلي بدخول الجميع .

وثانياً : انَّ هذا منافي لتصريحهم بأن الكلي الطبيعي موجود في الخارج فان الشيء بما هو معروض للكلية محال وجوده في الخارج إلا على ضرب من التأويل .

وثالثاً : انَّ هذا منافي لتقسيمهم الكلي الطبيعي الى الماهية المجردة والمخلوطة والمطلقة إذ المجردة هي الماهية بشرط لا المجردة من كل المقارنات حتی النكلية . والمخلوطة هي الماهية بشرط شيء والمطلقة هي الماهية لا بشرط أعني الماهية من حيث هي وعلي ما ذكره القوم يكون الكلي الطبيعي غير منقسم الى هذه الثلاثة وإنما يكون هو خصوص الماهية المخلوطة لاشتراطه بالكلية واقترانه بها .

ورابعاً : انَّه منافي لقولهم الكلي العقلي مركّب من المنطقي والطبيعي لأنه يلزم اعتبار المنطقي مرتين في العقلي مرة على سبيل التقييد ومرة على سبيل الجزئية ولا يعهد في شيء اعتباره قيداً وجزء في آن واحد . إن قلت : لو كان الكلي الطبيعي هو الماهية بما هي لزم أن تكون افراد الكليات الطبيعية و اشخاصها كليات طبيعية لأن ما ثبت للشيء بما هو يثبت له في سائر أطواره سواء كان مطلقاً أو مقيدا بمشخصاته فاذا كانت الكلية ثابتة للانسان مثلاً بما هو إنسان كانت ثابتة لزيد وعمرو وخالد لأن ما ثبت للانسان بما هو يثبت له في أي حال من أحواله سواء كان مطلقاً أو مجردا من كل قيد أو مقيداً بمشخصاته فوجب أن يفسّر الكلي الطبيعي بالماهية بما هي معروضة للكلية حتى لا تثبت الكلية الطبيعية للأفراد وهكذا الكلام في باقي الأنواع الخمسة من الجنس واخوانه . قلنا : الكلية والجنسية والنوعية لما كانت من

المعقولات الثانية كان عروضها للماهية بما هي في ظرف وجودها الذهني فالماهية في الذهن تعرض لنفسها الكلية والجنسية وإن شئت فقل : انَّ الكلية تعرض للماهية بما هي في ظرف عدم تشخصها كما انَّ سائر العوارض تعرض للشيء في ظرف عدم ضدَّها فالزوجية تعرض ماهية العدد في ظرف عدم الفردية وهكذا السواد يعرض الماهية في ظرف عدم البياض فكذلك ما نحن فيه فانَّ الكلية تعرض الماهية عند عدم تشخصها والجنسية تعرض الماهية عنه عدم تنوعها . إن قلت : لو كان الكلي الطبيعي هو الماهية بما هي ازم عدم الفرق بين الكلي الطبيعي والجنس الطبيعي لأن كلاً منهما يكون معناه هو نفس الماهية بما هي بخلاف ما اذا اعتبر بما هو معروض الكلية والجنسية فانَّه يكون الكلي الطبيعي هو الماهية بوصف انَّها معروضة للكلية والجنس الماهية بوصف انَّها معروضة للجنسية فيكون بينهما فرق و امتياز الطبيعي هو بالحيثية إذ يكون مثل الحيوان كلياً طبيعياً من حيث كليته وجنساً طبيعياً من حيث جنسيته . قلنا : إن أراد اتحاد مفهومهما فهو باطل لأن مفهوم الكلي الطبيعي ما كان يصدق على كثيرين سواء كان عين حقيقتها أم لا ومفهوم الجنس الطبيعي هو ما كان يصدق على كثيرين وكان تمام المشترك الذاتي بينها وإن أراد اتحاد مصداقها فهو باطل أيضاً لكون الكلي الطبيعي أعم مطلقاً من الجنس الطبيعي اصدق الكلي الطبيعي على مثل الانسان دون صدق الجنس الطبيعي عليه . إن قلت : انَّ الماهية بما هي ليست إلا هي فلا تكون متصفة بشيء من صفاتها وعوارضها اللازمة وغير اللازمة وإن كانت من المتقابلات مثل الوجود والعدم والوحدة والكثرة والكلية والجزئية ، وعليه ففي هذه الحالة لا تعرض لها الكلية حتى تكون كلياً طبيعياً . قلنا : انَّ

الكلي الطبيعي هو نفس الماهية القابلة للاتصاف بكل صفة فانَّها تصير موجودة بضم الوجود اليها ومعدومة بضم العدم اليها وكذا الحال في باقي العوارض ومرادهم من قولهم انَّ الماهية بما هي ليست إلا هي هو عدم اعتبار ما عداها معها وجوداً أو عدماً فانَّ الماهية في حدِّ ذاتها ليست إلا نفسها وأجزائها لا شيء آخر معها بخلاف ما إذا لوحظت مع قيدها فانَّها تكون عبارة عن ذاتها و أجزائها وما اعتبر معها فقولهم : ( بما هي) أو (من حيث هي ) لبيان إطلاق الماهية وعدم تقيدها بشيء ء أصلاً حتى بالاطلاق وعدم التقيد . إن قلت : انَّ الماهية بما هي نفسها طبيعة من الطبايع أي حقيقة من الحقائق لا انَّها منسوبة للطبيعة حتى يطلق عليها الكلي الطبيعي وإنما المنسوبة للطبيعة هي الصورة الحاصلة في العقل للماهية فهي الطبيعي كما انَّ المتصف بالكلية هي نفس الصورة العقلية لا الماهية بما هي . قلنا : انَّ اطلاق الكلي عليها مجرد اصطلاح وينسب للطبيعة لتمييزه عن المنطقي والعقلي نظير أن يقال : العين البصرية والتبعية مضافاً الى انَّ التحقيق انَّ الصورة الذهنية ليست كلية وإنما الكلي هو الماهية الحاصلة في الذهن التي هي معروضة للتشخص الذهني فصورة الانسان في الذهن من حيث تشخصها في الذهن ليس بكلي لأنه صورة جزئية وإنما نفس مفهوم الانسان مع قطع النظر عن تشخصه الذهني هو الكلي ومشتركاً بين كثيرين .

وجود الكلي المنطقي

(قالوا : إن الكلي المنطقي غير موجود في الخارج لأن الكلية إنما تعرض للمفهومات في العقل ) . ويرد عليهم أربعة ايرادات :

أولاً : انَّ هذا المبحث خارج عن فن المنطق لأنه إنما يبحث فيه عن المعلومات من حيث الايصال للمجهولات ووجود الكلي وعدمه لا دخل له بالايصال أصلاً . إلا اللهم أن يقال : انَّ هذا بحث عن وجود الموضوع لأن الکلیة من المعقولات الثانية التي هي موضوع علم المنطق عندهم فيكون هذا البحث من المبادي التصديقية لهذا الفن .

وثانياً : انَّ الكلي المنطقي موجود في الخارج وإلا لم يكن فرق بين وجوده وعدمه مع انَّا نرى بعض الأشياء تتصف بالكلية وبعضها تسلب عنها فيقال : الانسان كلي ، وزيد ليس بكلي . وقد ذهب أغا حسين الخونساري الى انَّ الكلية من لوازم الماهية . - وجوابه - انَّ هذا منقوض بسائر الأمور الاتنزاعية فانَّها غير موجودة في الخارج ولازم ذلك عدم الفرق بين وجودها وعدمها وحله : انَّ الكلية وأمثالها من الامور الانتزاعية يكون وجودها بوجود منشأ انتزاعها ومعنى نفي وجودها عن الخارج هو نفي تأصلها ووجودها بنفسها لا نفي وجودها مع وجود منشأ انتزاعها .

وثالثاً : انَّ الكلية من المعاني الاضافية لأنها نسبة بين المفهوم وافراده نظير الابوة والبنوة والمعاني الاضافية موجودة في الخارج لأن الاضافة من المقولات العشر فالكلي المنطقي موجود في الخارج . - وجوابه - انَّ الكلية من المعقولات الثانية نظير الجنسية والفصلية فلا يعقل أن تكون من الأمور الخارجية . مضافاً الى ما قيل من أن الكلية لو عرضت في الخارج لشيء فذلك الشيء امَّا مبهم أو معيَّن والأول باطل فانَّ المبهم لا يعقل وجوده في الخارج لأن الوجود ملازم للتعين والثاني باطل لأن التعين من لوازمه التشخص المنافي للكلية .

ورابعاً : انَّ الكلي يكون كلياً طبيعياً لأنه معروض للكلية ومن افراد الكلي ومصاديقه وسيجيء ء انشاء الله انَّ الكلي الطبيعي موجود في الخارج فتكون الكلية موجودة في الخارج . - وجوابه - انه سيجيء إن شاء الله انَّ الكلي الطبيعي الذي قالوا بوجوده في الخارج هو الذي يكون له فرد موجود في الخارج وامَّا مثل الفوق والتحت والعنقاء وغير ذلك مما ليس له فرد في الخارج فلم يقل أحد بوجوده في الخارج والكلية ليس لها فرد في الخارج إذ مثل كلية الانسان وكلية الفرس وكلية الشجر ليست موجودة في الخارج نظير فوقية السطح وفوقية السماء .

وجود الكلي العقلي

(قالوا : إن الكلي العقلي غير موجود في الخارج لأنه مركّب من المنطقي والطبيعي والمنطقي منتفي في الخارج وانتفاء الجزء يوجب انتفاء الكل ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات :

أولاً : انَّه على القول بوجود الكلي الطبيعي في الخارج كيف يوجد الكلي العقلي في العقل لأن أحد أجزائه لا يوجد إلا في الخارج وهو الكلي الطبيعي وإذا انتفى الجزء انتفى الكل . - وجوابه - انَّه ليس معنى وجود الكلي الطبيعي في الخارج انَّه لا يوجد في العقل وانَّه ينحصر وجوده بالخارج بل هو له نحو وجود في العقل امَّا بنفسه أو بشبحه أو بالاضافة ، والكلي العقلي يكون مركباً من الكلي الطبيعي بالنحو الذي يوجد في العقل ومن الكلي المنطقي .

وثانياً : انَّ هذا المبحث خارج عن صناعة المنطق لعدم كونه بحثاً عن

الايصال إلا اللهم أن يقال : انَّه بحث عن وجود الموضوع لأنه بحث عن المعقول الثاني حال عروضه المعروضه فيكون من المبادي التصديقية .

وثالثاً : انَّ الكلي العقلي موجود في الخارج وإلا لما صدقت الموجبة القائلة : ( الانسان كلي ) ونحوها لأن الصدق هو مطابقة القضية للواقع فاذا كانت كلية الانسان في الواقع غير موجودة كذبت القضية المذكورة . -وجوابه - عين ما سبق من انَّ الامور الانتزاعية موجودة بوجود منشأ انتزاعها في الواقع ومعنى نفيها عن الواقع أو الخارج هو نفي تأصلها ووجودها

بنفسها لا بمنشأ انتزاعها .

وجود الكلي الطبيعي

( قالوا : انَّ الكلي الطبيعي موجود في الخارج خلافاً لبعضهم ممن قال: انَّ الموجود في الخارج هو الهوية الشخصية البسيطة الغير المركّبة من ذات الكلي والتشخص وانَّ منها ينتزع العقل الكليات الطبيعية ، ثم انَّ القائلون بوجوده في الخارج اختلفوا في كيفية وجوده في الخارج على قولين : احدهما مذهب المحققين من الحكماء انه موجود بعين وجود اشخاصه لا بوجود مغاير لها بل الوجود واحد والموجود اثنان ذات الكلي الطبيعي والتشخص إن كان النوع بسيطاً وإن كان مركباً فالموجود أكثر . وثانيهما : ان كل واحد من الجنس والفصل والتشخص موجود في الخارج بوجود على حدة مغاير للآخر بحيث يكون الوجود متعدداً بتعدد الموجود وكيف كان فقد استدل القائلون بوجوده في الخارج بأن الكلي الطبيعي جزء من الموجود الخارجي وجزء الموجود في الخارج لابد وإن يكون موجوداً فيه لا تتفاء الكل في ظرف

انتفاء الجزء فمثلاً الانسان جزء من هذا الانسان الخارجي والسواد جزء من هذا السواد الخارجي وغير ذلك من الكليات بالنسبة الى أشخاصها الخارجية فلو انتفى الانسان والسواد عن الخارج لكان شخص الانسان وشخص السواد منتفيين عنه لأنهما مركّبان من الكلي الطبيعي والتشخص والجزء اذا انتفى في ظرف انتفى المركّب فيه ) . ويرد عليهم ايرادات عشرة :

أولاً - انَّ هذا المبحث خارج عن علم المنطق لما عرفت انَّه يبحث عن المعلومات الموصلة للمجهولات ووجود الطبيعي وعدمه لا دخل له بالايصال أصلا . ودعوى انَّه نافع في أمثلة بعض مسائله فانَّ تمثيلهم للجنس المقول على الحقايق المختلفة بالحيوان المقول على الانسان والفرس والبقر يتضح عند ما يعرف انَّ الكلي الطبيعي موجود لأن الحقيقة هي الطبيعة الموجودة دون المعدومة ولذا لا يطلق على العنقاء عنوان الحقيقة . وعليه فلا نعرف أن تلك الطبايع أعني الانسان والفرس والبقر حقائق مع انَّها كليات طبيعية ما لم يثبت انَّ الكلي الطبيعي موجود في الخارج . فاسدة لأنه مضافاً الى انَّ ماله دخل في توضيح المثال خارج عن الفن . انَّ مثل الانسان ونحوه حقائق حتى لو قلنا بعدم وجود الكلي الطبيعي في الخارج لأن النزاع ليس في أصل وجود الكلي الطبيعي إذ لا شك في وجوده اذا وجدت افراده وإنما النزاع في معنى وجوده فهل هو موجود في ضمن افراده بوجود مغایر لتشخصها نظير وجود القوة الكهربائية في الأسلاك والآلات أو بعين وجودها أو ان معنى وجوده بمعنى انَّ أشخاصه وما يطابقه موجود في الخارج وهو منتزع منها نظير وجود الفوقية بوجود السطح فانَّ معنى وجودها عبارة عن وجود السطح وهي منتزعة منه ، ولذا ترى انَّ من ينكر وجود الكلي الطبيعي

يطلق عنوان الحقيقة على مثل الانسان ونحوه .

وثانياً : ان من الكلي الطبيعي ما لا يوجد في الخارج أصلاً كالكليات الفرضية والاعتبارية والانتزاعية وكالمعقولات الثانية فانَّها كليات طبيعية لعروض مفهوم الكلي عليها مع عدم وجودها في الخارج .-وجوابه -انَّ محط نظرهم و مورد نزاعهم هو الكلي الطبيعي اذا وجد له فرد في الخارج وكان الكلي الطبيعي ذاتي له كالسواد فانَّ له فرد في الخارج والسواد ذاتي له وهكذا مثل الانسان .

وثالثاً : إن اريد بهذا الانسان في الدليل المذكور هو الشخص الخارجي كزيد مثلاً فلا نسلم انَّ الانسان جزء له إذ يجوز أن يكون زيد ماهية بسيطة لا جزء لها في الخارج والانسانية منتزعة من ذاته نظير انتزاع الامكان من الذات ولو سلم فهو جزء عقلي والجزء العقلي للموجود في الخارج لا يلزم أن يكون موجوداً في الخارج ولذا البسائط الخارجية قد يكون لها جنس وفصل كما سيجيء انشاء الله . وإن اريد المفهوم التركيبي أعني زيد الانسان مثلاً فالانسان قطعاً جزء منه ولكن لا نسلم ان هذا المفهوم التركيبي موجود في الخارج بل هو أول البحث ، على انه منقوض بقولنا : هذه الفوقية وهذه التحتية فانَّها لا إشكال في كونها اموراً اعتبارية لا وجود لها في الخارج . ان قلت : لا مجال للاحتمال المذكور أعني كون زيد ماهية بسيطة والانسانية منتزعة منها وإلا لزم عدم إدراك الأشياء بكنهها وحقيقتها . قلنا : نلتزم بأن الكنه والحقيقة هو نفس المفاهيم هي المنتزعة من الذات البسيطة والعوارض المنتزعة من الذات بلحاظ الأمور الخارجية كالأسود والأبيض المنتزع من الذات المتصفة بالسواد والبياض فالعقل يدرك الأمر الخارجي بكنهه لحصول

ما هو منتزع من ذاته لأنه يكون مرآت لمشاهدة نفسه ويدرك الأمر الخارجي بوجهه بحصول ما هو منتزع من ذاته بلحاظ الأمور الخارجة عنه . إن قلت : على هذا الأشياء لا توجد بنفسها في الذهن بل بالعناوين المنتزعة منها وقد تقرر في علم الحكمة وسبق منا في مبحث العلم : انَّ الأشياء توجد بنفسها في الذهن . قلنا : امَّا الجزئيات فهي توجد بنفسها في الذهن لحصول هويتها الشخصية فيها وامَّا الكليات فهي بنفسها أيضاً توجد في الذهن لا بأشباحها ولكن حكايتها عن الجزئيات وعنوانيتها للجزئيات من قبيل عنوان الأمر الانتزاعي لمنشأ انتزاعه . إن قلت : على تقدير كون ( الانسان ) جزءا عقلياً (لزيد) فلابد أن يكون موجوداً في الخارج لما تقرر في فن الحكمة أن الأجزاء العقلية هي الأجزاء الخارجية والفرق بينها بأن العقلية مأخوذة بنحو اللا بشرط والخارجية بنحو بشرط لا ولذا قالوا : الجنس عين الهيولى والصورة عين الفصل والفرق بينها باللا بشرط وبشرط لا . قلنا : هذا عند من التزم بأن الجزئيات الخارجية مركبة من الهيولى والصورة واما عند من قال : بأنها هويات بسيطة غير مركبة فلا يقول بهذه المقالة . إن قلت : على هذا تكون الماهية كالحيوانية والناطقية والانسانية امورا معدومة فلا یصح تركب القضية الموجبة منها بأن يقال الانسان حيوان أو زيد انسان . قلنا : هي موجودة بوجود منشأ انتزاعها نظير وجود الفوقية بوجود السطح . إن قلت : فعلى هذا لا توجد عندنا أجزاء عقلية إذ الجنس والفصل والنوع كلها خارجة عن قوام الأمر الخارجي ومنتزعة عنه . قلنا : نعم وإنما هو مجرد إصطلاح باعتبار انتزاعها عن نفس الذات فما كان مشتركا فهو جنس وما كان مختصاً فهو فصل والمجموع منهما نوع . إن قلت : فما الفرق حينئذ

بين الماهيات البسيطة كالواجب تعالى والعقول والنفوس والمركّبة المادية کالانسان وغيره اذا كانت جميع الموجودات الخارجية ماهياتها هويات بسيطة لا تركّب فيها وهذا بخلاف ما اذا كان الطبيعي موجوداً في الخارج فانَّ الماهيات المادية المركبة يكون في الخارج لها أجزاء متعددة وإن كان لها وجود واحد إلا انَّ الموجود كان متعدداً . قلنا : انَّ الفرق بينهما انَّ العقل ينتزع من الماهيات المركبة صور مختلفة ومن الماهيات البسيطة صورة واحدة .إن قلت : كيف ينتزع العقل الصور المختلفة كالحيوانية والناطقية من ذات الهوية البسيطة الغير المركّبة وكيف يتصور مطابقة المفاهيم المختلفة لذات الأمر الواحد البسيط في الخارج فلابد من القول بأن الهوية الخارجية في مرتبة ذاتها مركبة من صور متغايرة ليصح انتزاع الكليات كالحيوان والناطق منها قلنا : هذا منقوض بذات الواجب تعالى مع انَّ الانتزاع إنما كان من جهة تعدد آثار نفس الذات . إن قلت : لو كان الأمر كذلك لم يكن زيد في حد ذاته انسانا ولا حيوانا ولا ناطقاً لأن الشيء في حد ذاته ليس إلا هو وقد كان زيد في حد ذاته هوية بسيطة لا تركيب فيها من تلک المفاهيم ولازم ذلك أن يكون اتصافه بتلك المفاهيم الكلية محتاجاً الى العلة كما هو شأن الاتصاف بسائر اللواحق بالذات كالبياض والطول (فزيد ) كما يحتاج الى جاعل يجعله أبيضاً طويلاً يحتاج الى جاعل يجعله انساناً إذ المفروض انَّ ( زيد ) في حد ذاته غير الانسان وقد اشتهر فيما بينهم انَّ الذاتي كالنوع والجنس والفصل لا يعلل قلنا : لما كانت هذه المفاهيم الكلية منتزعة عن نفس الذات تكون كلها في مرتبة الذات فمحال سلبها عن الذات فيكون جعلها جعل الذات ووجودها وجود الذات ولا تحتاج الي

جعل آخر يتوسط بينها وبين الذات . إن قلت : انَّ الكلي الطبيعي ماهية لشخصه الخارجي وماهية الشيء ما به الشيء هو هو فكيف يمكن كون الشيء موجوداً مع كون ما به ذلك الشيء هو هو غير موجود . قلنا : لا نسِّلم انَّ الكلي الطبيعي هو الماهية بمعنى ما به الشيء هو هو وإنما هو الماهية بمعنى ما يقع في جواب ما هو والماهية بهذا المعنى أعني ما يقع في جواب ما هو هي محط البحث في إنها موجودة في الخارج أو منتزعة من الهوية البسيطة الخارجية . إن قلت : انَّ كون الحيوان مثلا موجوداً أمراً ضرورياً لا يمكن إنكاره . قلت : قد اجيب عن ذلك بأن الضروري انَّ الحيوان موجود بمعنى انَّ ما صدق عليه الحيوان موجود وامَّا انَّ الطبيعة الحيوانية موجودة فهو ممنوع فضلاً عن كونه ضرورياً . إن قلت : انَّ الشخص عبارة عن الماهية المعروضة للتشخص أو المركب منهما فاذا كانت الماهية غير موجودة في الخارج فالشخص لا يكون موجوداً في الخارج . قلنا : لا نسلم انَّ الشخص عبارة عما ذكر بل إنما هو هوية بسيطة غير الماهية والتشخص وإنما العقل ينتزعهما من هذه الهوية الخارجية البسيطة . إن قلت : عرفوا ماهية الشيء بما به الشيء هو هو وعلى هذا لا تكون الماهية النوعية للاشخاص من هذا القبيل بل أمر ينتزع مما هو ماهية لها في الواقع مع انهم حكموا بأن النوع تمام ماهية ما تحته من الأشخاص وإن الامتياز بينها بالعوارض المشخصة التي لا مدخل لها في ماهيتها . قلنا : نعم ولكن الطبيعة النوعية إنما حكموا بأنها تمام ماهية ما تحتها بمعنى ما يقع في جواب ما هو ولو سلمنا انَّهم حكموا بمعنى ما به الشيء هو هو فلا نسلم صحة حكمهم وليس هو بأزيد من حكمهم بوجود الكلي الطبيعي الذي هو محط البحث . إن

قلت : انهم قالوا : ان ماهية الواجب تعالى عين وجوده لأنه لو كان له ماهية لزم اتصافها بالوجود فعلة الاتصاف إن كانت نفس الماهية لزم تأثير المعدوم بالموجود وإن كانت غيرها لزم احتياج الواجب تعالى للغير في وجوده ولازم ذلك امكانه . فان هذا الاستدلال يقتضي وجود الكلي الطبيعي لأن احتياج الاتصاف الى الغير إنما يلزمه الامكان لو كان الاتصاف في الخارج ولا يكون الاتصاف في الخارج إلا اذا كان الموصوف وهو الماهية التي هي الكلي الطبيعي في الخارج اذ لو كانت الماهية أمراً اعتباريا لكان اتصافها بالوجود في الذهن وعلته اعتبار المعتبر ولا يلزم منه الامكان وهكذا قالوا : بأن ماهية الممكنات متصفة بالتشخص فلابد له من علة فان كانت نفسها لزم انحصارها في فرد فلابد أن يكون أمر خارجاً غيرها . فان هذا الاستدلال مبني على وجود الكلي الطبيعي في الخارج لأن الاتصاف بالتشخص إنما يحتاج الى علة لو كانت الماهية التي هي الكلي الطبيعي موجودة في الخارج إذ لو كانت اعتبارية فاتصافها بالتشخص تابع لاعتبار المعتبر . قلنا : من أنكر وجود الكلي الطبيعي في الخارج فانه يعمل هذين الدليلين المذكورين في الهوية الشخصية البسيطة التي هي الماهية للشيء بمعنى ما به الشيء هو هو فيثبت انها عين الوجود في ذات الواجب تعالى بالدليل الأول ويثبت بالدليل الثاني ان تشخصها في الممكنات محتاج الى علة خارجية وتحقيق ذلك يطلب في علم الحكمة الالهية . - وجوابه - انه يراد ( بهذا الانسان ) في الدليل المذكور على وجود الكلي الطبيعي هو الشخص الخارجي كزيد . وقولكم انه لا نسلم انه جزء له في الخارج إذ يجوز أن يكون زيد ماهية بسيطة لا جزء لها في الخارج . فاسدة لأن المعيار في الجزئية هو تقويم الذات بالشيء

بحيث بانعدامه تنعدم الذات وتنقلب لذات اخرى ولا نشك ان الكليات الطبيعية بالنسبة لأشخاصها الخارجية كذلك فانَّ (زيد ) لو فرض إنعدام الانسانية أو الحيوانية عنه لاستحال الى طبيعة اخرى وفردا آخر وهكذا الشخص الخارجي من السواد فانَّه لو انتفت عنه اللونية أو السوادية لاستحال الى ذات اخرى وطبيعية ثانية وهذا أدل دليل على جزئيته له في الخارج نعم هذه الطبيعة مع فردها موجودان بوجود واحد لا متعدد وإلا لما صح حمل أحدهما على الآخر . وامَّا قولهم هذه الفوقية وهذه التحتية مشيراً بالاشارة الحسية لما هو فوق وتحت فهو على ضرب من المجاز تنزيلاً لمنشأ الانتزاع منزلة المنتزع إذ الاشارة إنما كانت لمنشأ الانتزاع لأن هو الموجود في الخارج دون أفراد الفوقية والتحتية ونحن كلامنا في الكلي الطبيعي الذي توجد أفراده في الخارج هل يكون موجوداً في الخارج أم لا وليس كلامنا في الكليات الطبيعية التي لا توجد افرادها في الخارج فانَّه لا كلام لنا في عدم وجودها في الخارج .

ورابعاً : انَّ الكلي الطبيعي لو كان موجوداً في الخارج لزم أن يكون الشيء الواحد متصفاً بالصفات المتضادة والأمكنة المتعددة لأنه لو وجد في الخارج فلابد وان يكون في ضمن الأفراد ويكون الموجود في كل منها عين الموجود في الآخر وإلا فلا يكون كلياً لأن الكلي هو الأمر المشترك بين الكثيرين وحيث ان الافراد مختلفة الأمكنة ومتصفة بالصفات المتضادة فيكون ذلك الأمر المشترك الوحداني له أمكنة متعددة وصفات متضادة في زمان واحد . - وجوابه انَّه لا مانع من اتصافه بالصفات المتضادة ووجوده بالأمكنة المتعددة بواسطة ما طرء عليه من جهة تعدده بتعدد ما لحقه من

التشخصات وانحاء الوجودات . وبعبارة اخرى : انُّ المحال هو إتصاف الواحد بالشخص بالصفات المتضادة والأمكنة المتعددة لا الواحد بالنوع والواحد بالجنس . والكلي الطبيعي ليس بواحد بالشخص بل هو واحد بالنوع أو الجنس وان شئت فقل : انَّه نظیر شعاع الشمس المنبسط على العالم فانَّ له أمكنة متعددة وصفات متضادة ونظير الخشبة الممتدة الملونة

بألوان متعددة .

وخامسا : انَّه لو كان الكلي الطبيعي موجوداً فلا يخلو امَّا أن يكون بعين وجود الشخص بمعنى انَّ الكلي الطبيعي والتشخص موجودان بوجود واحد فيلزم قيام الوجود الواحد بمحلين وهو باطل لأن الوجود عرض فلا يحل بمحلين . وإن كان الكلي الطبيعي موجوداً بوجود مغاير له فلا يصح الحمل لأنَّ الحمل يقتضي الاتحاد في الوجود . - وجوابه - انَّ الكلي مع التشخص موجودان بوجود واحد . والمحال إنما هو قيام العرض الواحد بمحلين إذا كانا متعددي الوجود وامَّا اذا كانا متعددين بالذات كما فيما نحن فيه فلا مانع من قيام العرض بهما . كيف والاعراض عندنا بأجمعها تعرض للماهيات المركبة من الجنس والفصل وهما متعددان بالذات لا بالوجود مع انُّ الكلي الطبيعي باعتبار ابهامه محتاج في وجوده الى التشخص نظير احتياج الجنس الى الفصل في وجوده والمحال إنما هو قيام العرض الواحد بأمرين لا يحتاج أحدهما الى الآخر في عروض ذلك العارض عليه إذ مع الاحتياج اليه في عروضه عليه فمحال عروضه له بدونه إذ انه حينئذٍ من لوازم العروض . إن قلت : اذا كان الوجود الواحد عارضاً على الكلي والتشخص اللذين أجزاء للشخص الخارجي فلا تكون أجزاء المركب متقدمة

عليه بالوجود مع تقومه بها في الخارج وقد تقرر في محله انَّ الجزء مقدم على الكل بالوجود فاذن كيف يوجد بعين وجود الكل . قلنا : حيث انَّ الكلي والتشخص أجزاء عقلية للشخص فالتقدم هنا إنما هو بحسب العقل بمعنى انَّه اذا نسب الوجود الى الجزء والى الكل حكم بأن الأول هو الأول وهذا لا يقتضي تغاير الجزء والكل بحسب الوجود .

وسادساً : انَّ الكلي الطبيعي لو وجد فامَّا أن يكون نفس الجزئيات وعينها في الخارج أو جزءاً منها في الخارج أو مغايراً لها في الخارج امَّا الأول فباطل لأنّه يلزم منه أن يكون كل واحد من الجزئيات عين الآخر منها في الخارج ضرورة انُّ كل واحد منها قد فرض أنه نفس الطبيعة الكلية وهي عين الجزء الآخر . وعين العين عين فيكون كل واحد من الجزئيات عين الآخر وهو باطل بالوجدان للتغاير بين الجزئيات والتمايز بينها . واما الثاني فلانه لو كان جزء منها في الخارج لتقدم عليها في الوجود لأن الجزء الخارجي مقدم على المركب في الوجود فيكون مغايراً له فلا حمله عليه كما لا يصح حمل الجدار على البيت والخل على السكنجبيل . وأما الثالث فهو واضح الاستحالة لاقتضائه عدم صحة حمله عليها مع استلزامه أن يعقل کنه تلك الأفراد مع الغفلة الطبعة وجوابه - انَّه عينها ونفسها عن الخارج لكن العينية بحسب الوجود لا الوجود لا بحسب المفهوم ومن البديهي انَّ العينية بحسب الوجود لا تنافي اشتمال الجزئيات على أمر زائد موجب للتغاير بينها كما انَّ كون الجنس عين النوع في الوجود لا ينافي اشتماله على الفصل ولا يلزم منه كون كل واحد من الأنواع عين الآخر .

وسابعاً : انَّ الكلي الطبيعي لو كان موجودا في الخارج لما صح حمله

على كثيرين لأن الموجود الخارجي متشخص لأن الشيء ما لم يتشخص لم يوجد والمتشخص يمتنع حمله على كثيرين وعليه فلا يتصور كونه موجوداً في الخارج وكونه كلياً للمنافاة بين الوجود الخارجي والكلية . - وجوابه - انَّه إنما يحمل على كثيرين من حيث هو هو مع قطع النظر عن تشخصه ملاحظة تشخصه الخارجي . ومع ملاحظة تشخصه في ضمن فرد خاص فلا يحمل على الكثيرين أبداً .

وثامناً : انَّ الكلي الطبيعي هو الماهية من حيث هي والماهية من حيث هي من المجردات فلو كان الكلي الطبيعي موجوداً لكان من المجردات لا من الماديات وهو واضح البطلان . وجوابه : انَّا لا نقول بوجوده في الخارج مستقلاً حتى يلزم كونه من المجردات بل إنما نقول بوجوده في ضمن الاشخاص المكتنفة بالعوارض المادية فلا يلزم كونه من المجردات.

و تاسعاً : انَّه لا وجه للنزاع في هذه المسألة وإنما هي مبنية على النزاع في مسألة إصالة الوجود أو الماهية فمن قال باصالة الوجود كما هو المشهور بين المتأخرين يكون الكلي الطبيعي ليس بموجود في الخارج عنده وإنما الموجود هو نفس الوجود لأنه الأصل والكلي الطبيعي أمر انتزاعي منتزع من حدود الوجود لا وجود له في الخارج ومن قال باصالة الماهية كما هو المشهور بين المتقدمين يكون الكلي الطبيعي هو الموجود عنده في الخارج والوجود أمر اعتباري منتزع من الماهية فلا وجه لتحرير النزاع في هذه انَّ هذه المسألة غير مبتنية على إصالة الوجود المسألة على حدة . - وجوابه الوجود أو اصالة الماهية فائه على القول باصالة الوجود يجري النزاع فيما نحن فيه بأن الذي ينسب له الوجود على سبيل الحقيقة هو نفس الكلي الطبيعي

أو الهوية الشخصية الجزئية البسيطة والكلي الطبيعي منتزع منها نظير نسبة الوجود الى السطح على سبيل الحقيقة والفوقية منتزعة منه وهكذا بناءً على اصالة الماهية يجري النزاع فيما نحن فيه بأن الماهية الأصلية التي ينتزع منها الوجود وينسب اليها على سبيل الحقيقة هي الكلي الطبيعي أو الهوية الشخصية الجزئية البسيطة والكلي الطبيعي منتزع منها. والحاصل انَّه على كلا القولين في مسألة اصالة الوجود والماهية يجري النزاع بأن الذي ينسب حقيقةً اليه الوجود سواء كان أصيلاً أم لا هو الكلي الطبيعي أو الهوية الشخصية فالنزاع فيما نحن فيه هو في المنسوب اليه الوجود على سبيل الحقيقة وفي تلك المسألة في نفس المنسوب وهو الوجود انَّه أصيل أم لا .

وعاشراً : انَّ الكلي الطبيعي لو وجد في الخارج فالتشخص امَّا عين الكلي أو جزء من الكلي أو خارج منضم اليه أو منتزع عنه أو منفصل عنه لا سبيل الى الأول والثاني لأن التشخص اذا كان عين الكلي أو جزء الكلي كان مشتركة بين جميع الافراد على حد سواء وعليه فلا امتياز بين الأفراد أصلاء لاتحاد تشخصها لاتحاد الكلي فيها ولا سبيل الى الثالث لأن انضمام التشخص الى الكلي يستدعي تشخصاً آخراً له قبله ضرورة ان تشخص الحال إنما يكون بتشخص المحل وانضمام شيء لشيء إنما يتصور بعد تشخص المنضم اليه وهكذا فيلزم التسلسل في التشخصات ولا سبيل الى الرابع لأن الأمر الانتزاعي تابع لا تتزاع المنتزع والتشخص ليس كذلك بداهة انَّ تميَّز الأشخاص بعضها عن بعض بنفسها من دون اعتبار معتبر واتتنزاع منتزع ولا سبيل الى الخامس لحمل التشخص على الكلي فيقال : «الكلي متشخص والأمر المنفصل لا يحمل على ما كان منفصلاً عنه واذا بطلت هذه الاحتمالات في

التشخص بالنسبة الى الكلي بطل وجوده في الخارج بداهة انَّه لا یوجد مجرداً عن التشخصات فاذن لا يوجد في الخارج إلا التشخصات المحضة والكليات كلها منتزعة عنها . إن قلت : اذا كانت الكليات الطبيعية منتزعة من الهويات والتشخصات الخارجية فلماذا كان بعضها ذاتياً وبعضها عرضياً . قلنا : انَّ ما كان من الكليات الطبيعية منتزعاً من نفس الهوية والتشخص الخارجی كالجوهرية والناطقية والانسانية المنتزعة من ذات زيد وعمرو وبكر تسمى بالذاتيات تشبيهاً لها بالذاتي لأن الذاتي ما كان ثابتاً للشيء في مرتبة ذاته وكذلك هذه الكليات لما كانت منتزعة من ذات الهويات الشخصية كانتثابتة للشيء في مرتبة ذاته وما كان الكليات الطبيعية منتزعاً من منتزعاً من الذات بالنظر الى غيرها كالأسود ينتزع من زيد بالنظر الى السواد يسمى بالعرضيات -وجوابه - انَّ التشخص عين الكلي الطبيعي خارجاً بحسب الوجود لا بحسب المفهوم ، والعينية ، والعينية بحسب الوجود لا تنافي اشتمال الأشخاص على أمر زائد موجب للتغاير بينها كما انَّ تكون النوع عين الجنس في الوجود لا ينافي اشتمال الأنواع على الفصول الموجبة للتمايز بينها .

النسب الاربعة

(قالوا : كل كلي اذا نسب الى كلي آخر فلابد أن يكون بينهما أحد النسب الأربعة امّا التساوي أو التباين أو العموم والخصوص المطلق أو العموم والخصوص من وجه لأنه إن صدق كل منهما على جميع ما صدق علیه الأخر فهما متساويان وإن لم يصدق أحدهما على شيء مما صدق عليه الآخر فهما متباينان وإن صدق أحدهما على جميع ما صدق عليه الآخر دون العكس فهما أعم وأخص مطلقاً وإن صدق كل منهما على بعض ما صدق عليه الآخر

فقط فهما أعم وأخص من وجه ) . ويرد عليهم سبعة عشر ايراداً :

أولاً : انَّ البحث عن النسب الأربع ليس بحثاً عن الكاسب والمكتسب فلا وجه للتعرض له في هذا الفن . - وجوابه - انَّ معرفة النسب المذكورة لها دخل في معرفة اكتساب التصورات لأنه بها يعرف نسبة المعريف الى المعريّف ونسبة أجزاء التعريف بعضها الى بعض ولها دخل في معرفة الكليات الخمس ولها دخل في التصديقات لتوقف معرفة النسبة بين الحد الأوسط وبين كل واحد من الأصغر والأكبر عليها بل هي مما يحتاج اليها في العكوس والتناقض في القضايا .

وثانياً : انَّه لا وجه لتخصيصهم النسب بالكليات وعدم تعميمها للجزئيات بأن يتعرضوا للنسب بين مطلق المفاهيم ويجعلوا العنوان مطلق المفهوم لا خصوص الكلي من المفاهيم لأن قواعد هذا الفن عامة . إن قلت : انَّ النسب المذكورة لا توجد بأجمعها بين الجزئيين إذ لا يوجد بينهما عموم من مطلق أو من وجه لأن العموم ينافي الجزئية وهكذا لا توجد بين الكلي والجزئي إذ لا يوجد بينهما عموم من وجه لأن الجزئي لا عموم فيه حتى يكون أعم من الكلي من وجه . قلنا : يكفي في تعميمهم النسب للجزئيين أو الكلي والجزئي وجود بعض النسب فيها فانَّ بين الجزئيين قد يكون تباين وقد يكون تساوي كما في أسماء الاشارة اذا قيست للموصولات أو الضمائر أو بالعكس على القول بأن معانيها جزئيات وقد استعملت في جزئي واحد نظير ما اذا اشير الى ( زيد ) ب- ( هذا ) وعبر عنه بالموصول ( بالذي ) وعاد عليه الضمير ب- ( هو ) فائه يكون بينها تساوي وهكذا بين الكلي والجزئي قد يكون تباين كزيد والحمار وقد يكون عموم من مطلق كزيد والانسان

فكما انَّ الكلمة قسِّمت إلى إسم وفعل وحرف مع أن هذه الأقسام لا توجد في الضمائر والاشارة وإنما يوجد بعضها وهو الاسم فيها كذلك ما نحن فيه تقسم النسبة بين المفاهيم الى تلك الأربعة وإن لم توجد جميعها بين الجزئيات أو بين الجزئيات مع الكليات . والحاصل انَّ قسمة النسب بين المفهومين لا تقتضي وجود هذه النسب بأجمعها في كل نوع من المفهومين وإنما تقتضي انحصار المجموع بالمفهومين شأن كل قسمة بالنسبة الى أقسامها . إن قلت . انَّ الجزئيات لا يبحثون عنها في هذا الفن لأن الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً ولا كمال في معرفتها وتعميم قواعد هذا الفن بقدر الحاجة لذا لم يتعرضوا للنسب بينها أو بينها وبين الكليات . قلنا : أجاب صاحب منتقى الجمان المحقق الشيخ هادي شليلة انَّ الجزئي لا يبحثون عنه بخصوصه لا اتهم لا يبحثون عنه بوجه كلي شامل لكافة الجزئيات وغيرها كما في المقام فالأولى التعرض للنسب بين مطلق المفهومين .

وثالثاً : انَّ بين القضايا توجد هذه النسب الأربعة كما سيجيء إن شاء الله ذلك في مبحث القضايا فلا وجه لتخصيصهم لها بالكليات . - وجوابه - انَّ كلامهم هنا في التصورات فخصوا بيان النسب بالكليات ، والنسب بين القضايا إنما تكون في التصديقات . مع انَّ النسب بين الكليات إنما هي بحسب الصدق والحمل والنسب بين القضايا إنما هي بحسب التحقق في الواقع والاجتماع وجوداً في نفس الأمر لا بحسب الصدق والحمل لعدم حمل القضية على شيء أصلا فكيف يجمع بينهما في مبحث واحد ؟ .

ورابعاً : انَّ اتصاف الكليين بالنسب المذكورة ثابت في الواقع لا في الذهن سواء نسب أحدهما للآخر أم لا فالانسان في الواقع مساوي للناطق

سواء نسب اليه الناطق أم لا وعليه فلا وجه لتخصيصهم ثبوت النسب للكليين بصورة نسبة أحدهما للآخر . - وجوابه -- انَّا لا نسلم ذلك وتقول : ان إتصاف الكليات بهذه النسب في الذهن وانَّ هذه النسب من المعقولات الثانية نظير الجنسية والنوعية والفصلية ولو سلمنا أنّها أمور واقعية فان قولهم : ( اذا نسب ) ظرف لحكم العقل بالنسبة بين الكليين نظير قولنا : (اذا تأملت هذا الشيء فهو أبيض) فانُّ التأمل ظرف لحكم العقل بالبياض .

وخامساً : إن أرادوا بالصدق هو الحمل الأولي الذي ملاكه عينية الموضوع للمحمول ذاتاً لزم أن يكون مثل الضاحك والكاتب بينهما تبايناً كلياً لعدم حمل أحدهما على الآخر حملاً أولياً وإن أرادوا بالصدق هو الحمل الشايع الصناعي المتعارف الذي ملاكه الاتحاد بين الموضوع والمحمول وجوداً لزم أن يكون مثل الأسد والغضنفر تبايناً كلياً لأن أحدهما لا يحمل على الآخر بالحمل الشائع لكون أحدهما عين الآخر وإنما يحمل عليه بالحمل الأولي . - وجوابه - ان المراد بالصدق هو الحمل الشائع ومثل الأسد والغضنفر ليس بينهما شيء من النسب الأربع لأنهما ليسا بكليين وإنما هما كلي واحد لأن المفهوم منهما شيء واحد وإنما هما مترادفان .

وسادساً : انّهم إن أرادوا بصدق أحد الكليين على أفراد الآخر وعدم الصدق هو الصدق على خصوص الأفراد الممكنة الوجود فاللازم ان لا تكون النسب ثابتة في الكليات الممتنعة الوجود كشريك الباري ورحيم الباري وكخالق وموجد الباري وأن لا تكون النسبة ثابتة بين الكليات الفرضية كالانسان الصاهل وكاللا شيء واللا ممكن والحال أنهم قد جعلوا النسب في سائر الكليات وإن أرادوا الصدق حتى على الأفراد

الممتنعة فاللازم عدم وجود التباين بين كليين لأمكان فرض افراد ممتنعة الوجود لكل كليين يجتمعان فيها كأن تفرض للانسان والحجر أفرادا منصفة بالانسانية والحجرية بل تنحصر النسب الأربعة في نسبة العموم والخصوص من وجه لأن كل كليين نعرض لهما مورد اجتماع ونفرض لكل منهما مورد افتراق . نعم لو التزم بكون موضوع البحث للقوم الكليات التي لها مصادق في نفس الواقع كما التزم بذلك جملة من المتأخرين ارتفع الاشكال .-وجوابه - انَّ المراد بالصدق على ما لها من الأفراد في حد ذاتها سواء كان بحسب الفرض أو الواقع . ودعوى انَّه حينئذٍ يلزم أن تنحصر النسب في العموم من وجه لامكان فرض مورد اجتماع و افتراق لكل كليين . فاسدة فانَّ المراد الافراد التي تكون لها في حد ذاتها لو خليت وطبعها بحيث لو وجدت في الخارج كانت هي الموجودة لا غيرها وعليه فلا وجه لفرض افراد للانسان متصفة بالحجرية إذ هي ليست افراداً للانسان في حد ذاته لو خلي وطبعه بحيث لو وجد لكانت هي الموجودة لأن طبيعة الانسان تنافي الحجرية .

وسابعاً : انَّه لا وجه لحصر النسب بين الكليين بهذه الأربعة فانَّه توجد بينها نسب كثيرة لا يصدق عليها شيء من النسب الأربعة كالتضايف بين الابوة والبنوة وكالتضاد بين السواد والبياض وكالتناقض بين الانسان واللا إنسان وكالتخالف بين الحلاوة والسواد . - . وجوابه - انَّ المراد حصر النسب بين الكليين بحسب الصدق وعدمه الممتنعة الاجتماع في الأربعة المذكورة لا حصر مطلق النسب في الأربعة المذكورة ومن البديهي انَّ نسبة التضاد والتناقض والتضايف وغيرها ليست ثابتة المكلي بحسب الصدق وإنما تثبت له بحسب المفهوم كالتناقض والتضايف أو الاقتران في الوجود وعدمه كالتضاد والتخالف .

وثامناً : انّه لا وجه لحصر النسب في الأربعة لما ذكروه في نقيضي المتباينين والأعم والأخص من وجه من وجود التباين الجزئي بينهما وعليه فتكون النسب خمسة . - وجوابه - انَّ التباين الجزئي ليس بنسبة فيمقابل النسب الأربع بل هو قدر جامع بين التباين الكلي والعموم من وجه فاذا قيل : ان النسبة هنا المباينة الجزئية كان حاصله انَّ النسبة هي المباينة الكلية في بعض الصور والعموم من وجه في البعض الآخر .

و تاسعاً : انَّه لا وجه لحصر النسِّب في الأربعة لأن العموم والخصوص المطلق عبارة عن نسبتين ولذا كان كل واحد من الكليين الذين بينهما العموم والخصوص المطلق يتصف بغير صفة الآخر فانَّ أحدهما يتصف بالعموم والآخر بالخصوص وبهذا يظهر لك غلط قولهم : ( هذان الكليان بينهما عموم و خصوص من مطلق) لأن العموم والخصوص إن كانا صفة لكل واحد من الكليين لزم اتصاف كل واحد منهما بأنه عام وخاص وإن كانا صفة لمجموعهما لزم أن یصح أن يقال : مجموعهما عام تارة وخاص أخرى . -- وجوابه --- مضافاً الى إمكان الالتزام بأن النسبة هي نفس العموم ولكن العموم تارة يكون مطلقاً واخرى من وجه . ان هذه النسب الأربعة من النسب المتكررة المعدودة من مقولة الاضافة كالاخوة فان النسبة من أحد الكليين للآخر تستدعي نسبة من الآخر اليه فاذا كان أحد الكليين مساوية للآخر أو مبايناً له كان الآخر كذلك فكل واحدة من هذه النسب الأربعة تستلزم نسبة اخرى غاية الأمر تارة تكون من نوعها كالتساوي والتباين واخرى من غير نوعها كالعموم المطلق المستلزم للخصوص المطلق فهذه النسب أسماء للنسبتين المتلازمتين وعليه فلا يكون في تعبيرهم العموم والخصوص المطلق غلط أصلا فائه نظير

التعبير بالابوة والبنوة عن النسبتين بين الأب والابن ونظير التعبير بالقرب والبعد عن النسبتين بين القريب والبعيد .

وعاشرا : انُّ من الكليات ما اذا نسبت الى كليات اخر لا توجد بينها إحدى هذه النسب الأربعة المذكورة مثل الكلي والنوع والجنس اذا نسب الى معروضه من الكليات كالانسان والجوهر فائه لا توجد بينها احدى هذه النسب الأربعة المذكورة فانَّه لا يمكن أن يدعى انَّ بين الانسان وبين الكلي مثلاً التساوي ولا العموم المطلق أو من وجه إذ لا يجتمعان في الصدق على مورد واحد فانَّه لا يصدق الكلي على ما صدق عليه الانسان والا لزم اتصاف أفراد الانسان كزيد بالكلية وكذا ليس بينهما تبايناً كلياً لأن مرجع التباين الكلي الى سالبتين كليتين وفيما نحن فيه لا تصدق السالبتان الكليتان لكذب لا شيء من الكلي بانسان اصدق بعض الكلي إنسان لأن الانسان من الكلي ومن هذا الباب الكلي واللا كلي والمفهوم واللا مفهوم والمتصور واللا متصور فائه لا توجد بينهما إحدى هذه النسب الأربعة المذكورة بالبيان المتقدم . . - وجوابه - بأنه لابد من تقييد الكليتين بما يكون من سنخواحد بأن يكونا من قبيل المعقول الأول أو يكونا من قبيل المعقول الثاني لا ان أحدهما من قبيل المعقول الأول والآخر من قبيل المعقول الثاني ومن هذا ظهر لك جواب اشكال معروف وهو : انَّ الجنس أعم من الحيوان والحيوان أعم من الانسان والأعم من الأعم أعم من ذلك الشيء فيكون الجنس أعم من الانسان فانك قد عرفت انَّ الجنس ليس بأعم من الحيوان ولا يوجد بينهما شيء من النسب الأربعة .

وحادي عشر : انَّ من الكليات ما اذا نسب الي كليات اخر لم تكن

بينها إحدى النسب الأربعة المذكورة كالنقيضين مثل الانسان واللا إنسان فائه ليس بينهما احدى النسب الأربعة إذ ليس بينهما تبايناً لعدم إطلاق المتباينين عليهما اصطلاحاً وليس باقي النسب توجد بينهما لعدم اجتماعهما في الصدق أصلا . وجوابه إنهما متباينان فانَّ تعريف التباين يشملهما ولم يعلم اصطلاح المنطقيين على عدم ثبوت التباين لهما .

وثاني عشر : انَّ من الكليات ما لا توجد بينها هذه النسب الأربع كنقائض المفهومات العامة كاللا شيء واللا ممكن بالامكان العام إذ لاتباين بينهما لأن بين عينيهما وهو : الشيء والممكن تساوي ونقيض المتساويين لا تباين بينهما وهكذا ليس بينهما باقي النسب الأربعة لانهما لا يصدقان على شيء أصلا لأن كل ما وجد في الخارج أو في الذهن فهو شيء وممكن بالامكان العام فلا يعقل أن يصدق نقيضيهما عليه . - وجوابه -- ان بين اللا شيء واللا ممكن تساوي بحسب افرادهما الفرضية الثابتة لهما في حد ذاتهما كما تقدم في جواب الايراد السادس من ايرادات هذا المبحث .

وثالث عشر : انَّ من الكليات ما لا توجد بينها إحدى هذه النِّسب الأربع وهي الكليات المنحصرة في فرد كالشمس على القول بائها كلي فائه لا توجد بينها وبين مثل الكوكب النهاري إحدى النسب الأربع وهكذا بين الواجب بالذات وبين القديم بالذات لا توجد إحدى النسب الأربع فائه لا تباين ولا عموم من مطلق أو من وجه بينها كما هو واضح ولا تساوي بينها لعدم صدق كل واحد منهما على جميع ما صدق عليه الآخر إذ ليس إلا مصداق واحد لا مصاديق متعددة . - وجوابه- مضافاً الى ما سبق في جواب الايراد السادس في هذا المبحث انَّ المراد (بجميع ما صدق عليه )

هو أن لا يخرج ما يصدق عليه أحدهما عن الآخر كما في قولهم : العلة التامة هي جميع ما يتوقف عليه الشيء مع ان العلة التامة قد تكون شيئاً واحداً .

ورابع عشر : إن الكليات ما لا توجد بينها إحدى هذه النسب الأربع وهی الكليات اذا نسبت الى نفس النسب الأربع كالانسان مع التباين فاتَّه لو وجدت بينهما إحدى النسب الأربع لزم عروض النسب الأربع لأنفسها وهكذا الكلام في نسبة النسب الأربع بعضها الى بعض . --- وجوابه --- انَّ الموجود بينها هو نسبة التباين لأن كل منهما طبيعة مستقلة وهكذا النسب الأربعة يباين بعضها بعضاً ولا ينافي عروضها على نفسها فان المفهوم يعرض لنفسه والكلية تعرض لنفسها والعرضية تعرض لنفسها والوجود يعرض لنفسه وذلك لسعة هذه الأمور هذا مضافاً الى ما عرفت من أن المعقولات الثانية مع المعقولات الأولى ليس بينها شيء من النسب لأنها ليست في مرتبتها والنِّسب من المعقولات الثانية فلا توجد بينها وبين مثل الانسان احدى النِّسب المذكورة وقد تقدم ذلك في الايراد العاشر .

وخامس عشر : انَّ حصر النِّسب في أربع لا وجه له لعدم وجود التساوي بين كليين أصلا وكل ما تخيل من هذا القبيل فبينهما عموم من وجه وذلك لأن الكلي لا يكون فرداً لنفسه فهما يجتمعان في مصداقهما الواقعي ويفترق كل منهما عن الآخر في نفسه فالانسان يفترق عن الضحاک في نفس الضاحك بمعنى انَّ نفس طبيعة الضاحك لا تكون فرداً للضاحك لأن الكلي لا يكون فرداً لنفسه لأن الفردية تستدعي الخصوصية وتكون فرداً للانسان وهكذا الانسان ليس بفرد لنفسه إذا لوحظ ذاته من غير اعتبار خصوصية لأن الفردية تستدعي الخصوصية . - وجوابه انَّه إن اريد

حصص الكلي لا يصدق عليها وليست بأفراد له فهو باطل فانَّها افراده حقيقة وهي مغايرة له بحسب الخصوصية وإن اريد نفس الماهية فهو صحيح لكن المساوي الآخر لا يصدق عليها أيضاً فقد عرفت ان بين المفاهيم تباين كلي .

وسادس عشر : انَّ من الكليات ما لا توجد بينها إحدى هذه النِّسب الأربع وهي الكليات المستنعة : كشريك الباري واجتماع النقيضين إذ لا تباين بينها لأن التباين مأخوذ فيه التفارق وهو صدق كل منهما على غير ما صدق عليه الآخر والكليات الممتنعة لا تصدق على شيء أصلا وأما باقي النسب فاتتفائها واضح. - وجوابه - انَّ وجود النِّسب بينها بحسب افرادها الفرضية كما سبق في جواب الايراد السادس من هذا المبحث .

وسابع عشر : انَّ مثل النائم والمستيقظ ومثل الضاحك والغضبان وغير ذلك من العوارض المتضادة المفارقة المختصة بموضوع واحد فان عند القوم بينهما تساوي مع أن أحدهما لا يصدق على ما صدق عليه الأخر في آن واحد . وجوابه - انَّ المراد بصدق كل منهما على جميع عليه الآخر هو اتحاد مصداقهما ذاتاً لا زماناً .

( قالوا : إن مرجع التساوي الى موجبتين كليتين مطلقتين عامتين لأن المساواة بين الكليين أن يتصادقا بالفعل سواء كان دائمياً ذلك أم لا ومرجع التباين الى سالبتين كليتين دائميتين لأن المباينة بين الكليين هي أن لا يتصادقا أصلاء سواء أمكن التصادق أم لا ومرجع العموم المطلق الى موجبة كلية مطلقة عامة وسالبة جزئية دائمة ومرجع العموم من وجه الى موجبة جزئية مطلقة عامة وسالبتين جزئيتين دائمتين والحاصل ان في مرجع النسب عندهم

تكون الموجبة مطلقة والسالبة دائمة ) . ويرد عليهم سبعة ايرادات .

أولاً : إنَّ بين العارض المفارق ونقيضه تباين لأن نقيض كل شيء يباينه ويعانده كالكاتب واللا كاتب مع انَّ مرجع العموم والخصوص موجود بينهما لصدق الموجبة الكلية المطلقة والسالبة الجزئية الدائمة بينهما فيقال في المثال المذكور : كل كاتب لا كاتب بالفعل كالانسان وبعض اللا كاتب ليس هو بكاتب دائماً كالحمار . - وجوابه - انَّ التباين غير التناقض فانَّ الميزان في التباين اختلاف المفهوم وذات المصداق في جميع الموارد وفي التناقض اختلاف نفس المفهوم وفيما نحن فيه ذات المصداق لم تختلف في سائر مواردها لأن الكاتب يجتمع مع اللا كاتب في ذات واحدة وهي الانسان الذي يكتب مرة ولا يكتب اخرى فلا يكون بينهما تباين • إن قلت : انَّ المتناقضين لا يجتمعان . قلنا : نعم ولكن المراد عدم اجتماعهما في زمان واحد لا انّهما في ذات واحدة لا يجتمعان حتى مع اختلاف الزمان وعليه فلا مانع من وجود التناقض بدون وجود التباين كما فيما نحن فيه .

وثانياً : انَّه يلزم أن يكون بين مثل النائم والمستيقظ تساوي لصدق المطلقتين العامتين بينهما لصحة كل نائم مستيقظ بالفعل وكل مستيقظ نائم انّهما متضادان لمنافاة النوم لليقظة . - وجوابه -- ما عرفته من بالفعل مع ان الميزان في التساوي هو اتحاد ذات المصداق بين الكليين وهنا قد اتحدت ذات مصداق المستيقظ والنائم فهما يصدقان على الانسان فيكون بينهما تساوي وكونهما متضادين إنما يمنع من اجتماعهما في ذات واحدة في زمان واحد ولا يمنع من وحدة ذاتهما مع اختلاف زمانهما وعليه فلا مانع من وجود التساوي مع التضاد بين الكليين .

وثالثاً : انَّ نقيضي المتساويين متساويان كما سيجيء إن شاء الله مع انَّه قد لا تصدق المطلقتين بينهما كما لو كانا المتساويان من قبيل العرض المفارق المختص ومعروضه من الأنواع نظير نقيضي الضاحك والانسان فاتّهما متساويان مع عدم صدق المطلقتين بينهما لكذب كل لا ضاحك لا إنسان بالفعل لأن من اللا ضاحك ما هو انسان بالفعل . - وجوابه --- ان المساوي للانسان هو الضاحك بالقوة والامكان وحينئذ فنقيضه هو اللا ضاحك بالضرورة لأن نقيض القوة والامكان هو الضرورة وعليه فتصدق المطلقتين بينهما لأن كل لا ضاحك بالضرورة لا انسان وكل لا انسان لا ضاحك بالضرورة على أن يكون قيد (بالضرورة ) قيداً لنفس الموضوع والمحمول لا للنسبة . إن قلت : انَّ أخذ الموضوع بنحو الضرورة لا يصح في القضايا المعتبرة عندهم لأن صدق وصف الموضوع عندهم على ذاته بالفعل فلابد أن يفرض الموضوع ( كل لا ضاحك بالفعل ( لا بالضرورة وعليه فلا تصدق الكلية المذكورة أعني ( كل لا ضاحك لا انسان ) وهم اذا ذكروا المرجع فائما يريدون به القضايا المعتبرة عندهم . - وجوابه - نعم لكن هذا فيما اذا لم يكن الموضوع في نفسه مقيداً بقيد خاص فانَّه لا محالة من أخذة بذلك القيد وإلا لم يكن نفس ذلك الموضوع هو المأخوذ . نعم الذي يمكن أن يقال على هذا الجواب انَّ المساوي للانسان هو نفس الضاحك من دون تقييد له بالقوة والامكان لأن الميزان في التساوي اتحاد ذات المصداق وليس يشترط اتحاد زمان الصدق وهكذا الكلام في سائر العوارض المختصة المفارقة حرفاً بحرف .

ورابعاً : انَّ في مثل ما اذا اختص مركوب زيد بالفرس يكون بين

مركوب زيد والحمار عموم من وجه لاجتماعهما في الحمار الذي يمكن أن يركبه زيد ويفترق الحمار في الحمار الذي لا يمكن أن يركبه زيد ويفترق مركوب زيد في الفرس مع انه لا تصدق الموجبة الجزئية المطلقة العامة بينهما لصدق السالبة الكلية الدائمة بينهما وهي لا شيء من مركوب زيد بحمار دائما لأن وصف الموضوع إنما يصدق على ما هو فرد له بالفعل . وجوابه : انّه في الصورة المذكورة يكون بين مركوب زيد والحمار تباين كلي لأن المعتبر عندهم في النسب هو الصدق الفعلي كما في الكليات المحققة الوجود أو فرض الصدق الفعلي كما في الكليات المغير الموجودة . والحمار لا يصدق عليه مركوب زيد بالفعل ولم يفرض صدقه عليه بالفعل .

وخامسا : انّهم قد ذكروا انَّ بين الجزئيين تباين اذا اختلف مصداقهما مع عدم رجوعهما الى سالبتين كليتين .-وجوابه - انّ كلامهم في مرجع النسب بين الكليات لا الجزئيات.

وسادساً : انَّ في مرجع العموم من وجه قد اعتبروا موجبة جزئية واحدة ولم يعتبروا موجبتين جزئيتين كما اعتبروا فيه سالبتين جزئيتين . --- وجوابه --- ان الموجبة الجزئية لما كانت تنعكس موجبة جزئية كان اعتبارها اعتباراً لموجبتين جزئيتين بخلاف السالبة الجزئية فانّها لا تنعكس أصلا فلم يكن اعتبارها اعتباراً لسالبتين جزئيتين لذا اعتبروهما في مرجع العموم من وجه مع موجبة جزئية واحدة .

وسابعاً : انَّ الكليات الغير الموجودة لم تكن لها افراداً فعلية بل افرادا تقديرية فرضية فلا يتحقق بينها القضايا المذكورة في مرجع النسب . وجوابه --- ان افرادها الفرضية تفرض فعلية وتقدر فعلية فتصدق بينها القضايا المذكورة

فرضاً وتقديراً .

نقيض المتساويين

( قالوا : إن نقيضي المتساويين متساويان ) . ويرد عليهم ايرادات أربع :

أولاً : أنّه لا حاجة لذكر النسب بين النقيضين بعد ذكر موازين النسِّب بين مطاق الكليات فانَّ النقيضين من جملة الكليات فتعلم النسِّبة بینهما من تلك الموازين المذكورة إلا اللهم أن يقال : ان إفرادها بالذكر المجرد الايضاح وتسهيلا للمعرفة . إن قلت : إنّ ما ذكروه كان بين العينين . قلنا : انّه لا وجه لتخصيص ما ذكروه بالعينين إذ هو يشمل كل كليين ولو سلمنا اختصاصه بالعينين فالنقيضان عينان بالنسبة الى العينين والعينان نقيضان بالنسبة الى النقيضين فكما يصح أن يقال : إن الحيوان عين للا حيوان واللا حيوان نقيضه كذلك يصح العكس بأن يقال : إن اللا حيوان عين للحيوان والحيوان نقيضهما

وثانياً : انَّ الكليات الممتنعة بين نقائضها تساوي مع عدم التساوي بين أعينها لعدم صدق أعينها على ما صدق عليه الآخر فمثلا لا شريك الباري ولا اجتماع النقيضين بينهما تساوي لصدق كل لا شريك الباري ولا اجتماع النقيضين وكل لا اجتماع النقيضين لا شريك الباري مع انَّ بين نقيضيهما وهما شريك الباري واجتماع النقيضين لا يوجد التساوي لعدم صدق أحدهما على ما صدق عليه الآخر . - وجوابه - انَّ الكليات الممتنعة اذا فرض لها افراداً فعلية كان بينها تباين كلي لعدم صدق كل منها على ما صدق عليه الآخر وكان بين تقائضها عموم من وجه لصدق كل من النقيضين على افراد الآخر المفروضة بدون الآخر وإن لم يفرض لها افراد لم يكن بينها شيء من النسب

وكان بين تفائضها تساوي لعدم انفراد أحد النقيضين عن الآخر في المصداق ونحن إنما نعيِّن النسبة بين النقيضين اذا كانت بينهما نسبة وكان لهما مصداق محقق أو مقدر . وتوضيح ذلك : انَّ لا شريك الباري ولا اجتماع النقيضين يكون بينهما عموم من وجه لو فرضت افراداً لنفس شريك الباري واجتماع النقيضين لصدق كل من نقيضيهما على افراد عينيهما الفرضية التقديرية ويكون بينهما تساوي اذا لم يفرض لنفس شريك الباري واجتماع النقيضين افراداً لعدم وجود مورد الافتراق لهما لا محققاً ولا مقدراً ولا يضر ذلك بقاعدة ( ان نقيضي المتساويين متساويان) لأنها انّما تجري في مقام يكون بين النقيضين تصادق محقق أو فيضي ولم يكن بين نقيضي المتساويين فيما نحن فيه تصادق فلا توجد بينهما نسبة أصلا وإنما ينقض القاعدة لو وجد بينهما نسبة ولم تكن تساوي .

وثالثاً : انَّ الكليات الشاملة العامة نظير الموجود والممكن الشاملين حتى للموجود والممكن بحسب الفرض والتقدير يكون بينها تساوي مع إنّ بين نقائضها كاللا موجود واللا ممكن لا يوجد التساوي لعدم صدقهما على شيء ولابد في التساوي من الصدق على جميع ما صدق عليه الآخر .-وجوابه - يعلم من جواب الايراد الثاني في هذا المبحث .

ورابعاً : انَّ الأعراض المختصة المفارقة تكون النسبة بينها وبين معروضاتها هو التساوي كالضاحك والانسان مع انَّ بين نقائضها لا يوجد التساوي لافتراق اللا ضاحك عن اللا انسان في نفس الانسان فانّه يصدق عليه لا ضاحك لاتصافه بعدم الضحك في أحد الأزمنة الثلاثة فيكون الانسان من افراده لأن صدق وصف الموضوع على ذاته بالفعل . -- وجوابه -- انَّ

المساوي للانسان هو الضاحك في الجملة أعني في أحد الأزمنة الثلاثة فنقيضه هو اللا ضاحك دائماً لأن تفيض الاطلاق هو الدوام وحينئذ فيكون نقيض الضاحك مساوياً لنقيض الانسان لأن نقيضه هو اللا ضاحك دائماً وهو لا يصدق على الانسان أو تقول : انَّ المساوي للانسان هو الضاحك بالامكان وحينئذ فنقيضه هو اللا ضاحك بالضرورة لأن نقيض الامكان الضرورة ومن البديهي انَّ (اللا ضاحك بالضرورة) لا يصدق على الانسان فيكون مساوية لنقيض الانسان وقد تقدم في جواب الايراد الثالث على مرجع النسِّب ما ينفعك هنا فراجعه .

نقيض الاعم والاخص مطلقا

( قالوا : انَّ بين نقيضي الأعم والأخص مطلقاً عموماً وخصوصاً مطلقاً لكن بالعكس بأن يكون نقيض الأعم أخص ونقيض الأخص أعم ) . ويرد عليهم ايرادات خمسة :

أولاً : انَّ نقائض الكليات الممتنعة يكون بينها وبين الكليات الموجودة عموم وخصوص مطلقاً انَّ نقائضها لا توجد تلك النسبة بينها فمثلا اللا ممتنع والانسان بينهما عموم وخصوص مطلقاً لصدق اللا ممتنع على الانسان وغيره من الموجودات مع أن نقيضيهما وهو ( الممتنع ) و ( اللا انسان ) ليس بينهما عموم وخصوص مطلقاً لاستحالة صدق الممتنع على شيء لأن الصدق يستلزم الوجود والممتنع يستحيل وجوده واذا استحال وجوده لم يجتمعا في الصدق الذي هو لازم العموم . وإن شئت قلت : انُّ لازم صدق ( اللا انسان ) الذي هو نقيض الأخص على ( الممتنع ) الذي هو نقيض الأعم هو وجود الممتنع لأن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له . إن قلت :

على هذا يلزم ارتفاع النقيضين لأن الممتنع لا يصدق عليه ( اللا انسان ) كما قررتم ولا ( الانسان ) لعدم وجوده فقد ارتفع النقيضان عن الممتنع . قلنا : انُّ المتناقضين في المفردات لا يرتفعان عن الموارد الموجودة لا عن الموارد

المعدومة ولذا يرتفعان عن الماهية في مرتبة ذاتها : وإن أبيت فنقول : إن التناقض في المفردات هو اعتبار الشيء ورفعه في نفسه من غير اعتبار حملهما على شيء إذ لو اعتبر حملهما على شيء فلا تناقض بينهما لجواز إرتفاع حملهما بارتفاع الموضوع وحينئذ فالنقيض هو السلب لأنه المفهوم المعاند البعيد غاية البعد عن نقيضه لا المفهوم المحصل والسلب صادق ولو بانتفاء الموضوع فيصدق سلب الانسان عن ( الممتنع ) في ضمن السالبة البسيطة بأن يقال : ( الممتنع ليس بانسان ) والسالبة تصدق مع اقتفاء الموضوع وسيجيء إن شاء الله تحقيق ذلك في استدلالهم على النسب بين النقيضين . إن قلت : انّ النقيض اذا فرض انَّه السلب البسيط وهو صادق على ( الممتنع ) في ضمن السالبة البسيطة فقد ثبت المطلوب وهو صدق نقيض علی الانسان مع أنّه الممتنع فيكون أعم من الممتنع مطلقاً لصدقه عليه وعلى غيره من الفرس والشجر . قلت : الميزان تصادقهما على شيء واحد تحقيقاً للعموم لا مجرد صدق أحدهما على الآخر وإلا فالكلي صادق على الانسان لا نسبة بينهما و ( الممتنع ) قد عرفت انه لا يصدق على شيء وإلا لزم وجوده وهذا الايراد سار في نقائض الكليات الممتنعة -- وجوابه - ما سبق في جواب الايراد الثاني على نقيض المتساويين من أن الممتنع إن فرض له افراد كانت النسبة بينه وبين اللا انسان عموم وخصوص من مطلق والعموم في جانب اللا انسان لصدق اللا انسان عليها وإلا فلا نسبة بينهما لأن النسبة

انّما تكون فيما يوجد المصداق للطرفين .

وثانياً : انَّ الاعراض المفارقة التي هي أعم مطلقاً من موضوعاتها كالماشي بالنسبة للانسان ليست النسبة بين نقائضها ونقائض موضوعاتها ما ذكروه فان ( اللا ماشي ( الذي هو نقيض الأعم ليس بأخص من ( اللا انسان ) الذي هو نقيض الأخص لأن من الذي هو ) لا ماشي ) هو نفس الانسان لاتصافه بعدم المشي فلا يصدق عليه ( اللانسان ) . وبعبارة اوضح ان مرجع العموم والخصوص من مطلق لا يوجد بين اللا ماشي واللا انسان إذ لا يصدق كل ( لا ماشي لا انسان ( لأن من اللا ماشي ما هو إنسان اذ أن افراد الموضوع ما كان يصدق عليها وصفه بالفعل عندهم واللا ماشي يصدق على الانسان في أحد الأزمنة الثلاثة . - وجوابه - يعلم مما سبق في جواب الايراد الرابع على نقيضي المتساويين من أن الذي هو أعم مطلقاً هو الماشي في الجملة أعني في أحد الأزمنة الثلاثة وحينئذ فيكون نقيضه هو اللا ماشي دائماً لأن نقيض الاطلاق الدوام ومن البديهي ان الانسان ليس من مصاديق ( اللا ماشي دائماً ) أو نقول : ان الأعم هو ( الماشي بالامكان ) ونقيضه حينئذ هو ( اللا ماشي بالضرورة ) لأن نقيض الامكان هو الضرورة والانسان ليس من افراده وهكذا الكلام في سائر الأعراض المفارقة التي هي أعم من موضوعاتها فاتها إنما تكون أعم اذا أخذت بنحو الاطلاق أو الامكان وقد تقدم فيما حولناك عليه ما ينفعك هنا . وثالثاً : ان الكليات العامة الشاملة لأنواع الموجودات كالامكان العام ذلك

والشيء والوجود المطلق مع كلي أخص منها كالانسان لا يكون نقيض الأخص أعم من نقائضها فاللا انسان لا يكون نقيضه أعم من نقيض اللا شيء

إذ لو كان أعم لصدق قولنا : ( كل لا شيء فهو لا انسان ) لأن مرجع العوم المطلق الى موجبة كلية وهذه الموجبة الكلية نضمها الى كبرى معلومة الصدق وهي ( كل لا انسان فهو شيء ) لأن اللا انسان لا يخلو اما أن يكون واجباً أو ممكناً خاصاً أو ممتنعاً وكلها شيء لأن كل منها ماهية من الماهيات فيصير لدينا شكل أول ينتج(كل لا شيء شيء ) . والحاصل انَّ كل لا شيء لا انسان وكل لا انسان اما واجب أو ممكن أو ممتنع فينتج من الشكل الأول كل لا شيء اما واجب أو ممكن أو ممتنع ونضمه الى كبرى مسلمة وهي كل واجب أو ممكن أو ممتنع فهو شيء ينتج من الشكل الاول كل لا شيء شيء وهذه النتيجة فاسدة لأنها اشتملت على اجتماع النقيضين وفسادها ائما نشأ من كون نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم ومن هذا الباب المغالطة المعروفة وهي كل ما ليس بممكن بالامكان العام فهو ليس بممكن بالامكان الخاص وكل ما ليس بممكن بالامكان الخاص فهو امّا واجب أو ممتنع ينتج كل ما ليس بممكن بالامكان العام فهو واجب أو ممتنع ثم نضمه الى كبرى وهي كل واجب أو ممتنع فهو ممكن بالامكان العام ينتج كل ما ليس بممكن بالامكان العام فهو ممكن بالامكان العام . - وجوابه - سيجيء إن شاء الله في المغالطة السادسة والعشرين من باب المغالطات .

ورابعاً : انَّ بين الكلي الشامل لسائر الموجودات كالشيء والممكن العام ونقيض ما هو أخص منه كاللا انسان عموم وخصوص عموم وخصوص مطلقاً والعموم في جانب الكلي لوجود مرجعه وهو الموجبة الكلية المطلقة العامة والسالبة الجزئية الدائمة فائه يصدق (كل لا انسان شيء ) وبعض الشيء ليس بلا انسان ) وهو الانسان نفسه فاته شيء ولا يصح سلب الانسانية عنه ومع

هذا فانَّ بين نقيضيهما وهو ( اللا شيء) (والانسان ) تباين كلي دون العموم والخصوص المطلق . - وجوابه - يعلم مما سبق في جواب الايراد الثاني على نقيضي المتساويين والايراد الأول في هذا المبحث . من أنَّ (اللا شيء) إذا فرض له افراد كان بين ( اللا انسان ) و ( الشيء ) عموم من وجه لا عموم من مطلق لصدق اللا إنسان على أفراد اللاشيء وحينئذ فالقضية المذكورة وهي (كل لا إنسان شيء ) تكون كاذبة وان لم يفرض ( للا شيء ) افراد لم تكن بينه وبين ( الانسان ) أحد النسب الأربعة لعدم وجود المصداق له لا انَّه يكون بينهما تبايناً وقد عرفت انَّ المراد بقولهم : يكون بين النقيضين كذا النسبة فيما لو كان بينهما تصادق . وقد استراح من هذا الايراد وأمثاله من خص البحث في المنطق بالكليات الموجودة لأنه مقدمة للحكمة ودون لأجلها والحكمة إنما تبحث عن الأعيان الموجودة . ونقائض الكليات العامة وغيرها من الكليات الفرضية كالانسان المتصف بالشجرية ليس منها ولذا لا تجد في مسائل الحكمة ولا في مباديها البحث في نقائض الأمور العامة ولأن عموم قواعد المنطق بقدر الطاقة البشرية ولا طاقة لنا بادخال تلك الكليات الفرضية في قواعد المنطق لاختلاف أحكامها مع أحكام غيرها ولا تتصور ضابطاً كلياً يجمعها ولأنه لا فائدة معتد بها تقصد بالبحث عنها

وخامساً : انَه كلما صدق نقيض الأعم صدق نقيض الأخص وكلما صدق نقيض الأخص لا يجب أن يصدق نقيض الأعم تحقيقاً للعموم المطلق بينهما فينتج من الشكل الأول ما هو المحال وهو كلما صدق نقيض الأعم لا يجب أن يصدق نقيض الأعم يصدق نقيض الأعم . - وجوابه - سيجي إن شاء الله في المغالطة الثامنة من باب المغالطات .

نقيض الاعم والاخص من وجه

(قالوا : ان بين نقيضي الأعم والأخص من وجه تبايناً جزئياً ) . ويرد عليهم إيراد واحد .

هو : انَّ النِّسب قد حصروها في الأربعة المذكورة ولم يكن منها التباين الجزئي . - وجوابه - ما تقدم في جواب الايراد الثامن في مبحث النِّسب الأربعة .

نقيض المتباينين

(قالوا : ان بين نقيضي المتباينين تبايناً جزئياً ) ويرد عليهم ایرادات خمس .

أولاً : ما أورد على نقيض الأعم والأخص من وجه وجوابه : الجواب.

ثانياً : انَّ نقائض الكليات العامة لأنواع الموجودات كاللا شيء واللا ممكن بالامكان العام واللا موجود اذا نسبت للكليات الخاصة الموجودة كالانسان و نحوه كان بينها تبايناً كلياً مع ان بين نقائضها عموماً وخصوصا مطلقاً لا تبايناً جزئياً فان مثل اللا شيء والانسان بينهما تباين كلي مع انَّه بين نقيضيهما وهو الشيء واللا إنسان عموماً وخصوصاً من مطلق ضرورة انَّ ( كل لا إنسان شيء ) و ( ليس كل شيء لا إنسان) فانَّ الانسان شيء وهو ليس بلا إنسان ومن هذا الباب اللا ممكن العام مع المعدوم فانَّ بينهما تبايناً كلياً لأن المعدوم ممكن بالامكان العام عدمه فنفي الممكن مباين له مع انَّ بين نقيضيهما وهو الممكن واللا معدوم عموماً من مطلق لشمول الممكن لسائر أفراد اللا معدوم .

وجوابه - يعلم من جواب الايراد الرابع على نقيض الأعم والأخص من مطلق .

وثالثاً : انَّ المفهومات العامة لسائر أنواع الموجودات كالشيء والممكن العام يكون بين نقائضها وهو اللا شيء واللا ممكن تباين كلي لعدم صدق أحدها على شيء مما صدق عليه الآخر لعدم وجودها مع انَّ بين نقائضها كالشيء والممكن في المثال المذكور تساوياً . - وجوابه - يعلم من جواب الايراد الثالث على نقيضي المتساويين .

ورابعاً : انَّ الكليات الممتنعة كشريك الباري ونقائض الكليات الموجودة كاللا إنسان بينها تباين كلي مع انّه بين نقائضها كاللا شريك الباري والانسان في المثال المذكور عموم من مطلق . - وجوابه - يعلم مما سبق في جواب الايراد الأول على نقيضي الاعم والاخص مطلقاً .

وخامسا : انَّ الكليات الممتنعة كشريك الباري واجتماع النقيضين يكون بينها تباين كلي مع انَّ بين نقائضها كاللا شريك الباري واللا اجتماع النقيضين تساوياً . - وجوابه - يعلم مما سبق من جواب الايراد الثاني على نقيضي المتساويين.

استدلالهم على النسب بين النقيضين

(لا زال المنطقيون يأخذون في استدلالهم على النسبة بين النقيضين القضية الشرطية المشهورة وهي اذا صدق أحد النقيضين بدون النقيض الآخر لصدق مع عين الآخر وهي ترجع الى أنَّ انساب النقيض يستلزم صدق عينه ) . ويرد عليهم إيراد واحد .

هو انَّ هذه الشرطية ترجع الى دعوى الملازمة بين السالبة المعدولة المحمول

وبين الموجبة لأن معناها انَّ أحد النقيضين اذا كان مسلوباً عن الآخر فيثبت عينه للآخر فاذا صدق (بعض اللا إنسان ليس بلا ناطق) صدق بعض اللا انسان ناطق . ومن البديهي انَّ السالبة أعم من الموجبة لصدقها مع انتفاء الموضوع بخلاف الموجبة فانَّه لابد في صدقها من وجود الموضوع فيجوز أن يكون أحد النقيضين مسلوباً عن النقيض الآخر لكون هذا النقيض الآخر منتفياً في الخارج وحينئذٍ لا يثبت له عين الآخر لأن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له وقد فرض انَّ المثبت له منتف في المقام كما في صورة المفهومات العامة الشاملة لأنواع الموجودات كالشيء والممكن بالامكان العام فانَّ بينهما تساوياً ويصدق سلب أحد نقيضيهما عن الآخر بأن يقال : ( بعض اللا ممكن العام ليس بلا شيء ) لكون ( اللا ممكن) منتفياً في الخارج فتصدق السالبة لانتفاء موضوعها ولا تصدق الموجبة أعني : ( بعض اللا ممكن العام شيء ) لأن ( اللا ممكن ( غير موجود فلا يصح اثبات شيء له الى غير ذلك من نقائض المفهومات المعامة كاللا موجود واللا متحصل واللا مشخص مما ليس لها أفراد في نفس الأمر لأن كل ما وجد في عالم الواقع لابد وأن يكون شيئاً وممكنا و مشخصاً ومحصلا وموجوداً . إن قلت : انَّ نقيض الشيء سلبه كما تقدم في الايراد الأول على نقيض الأعم والأخص المطاق ( فاللا إنسان ) الذي هو نقيض الانسان يكون سلباً للانسان لأن النقيض هو المفهوم البعيد غاية البعد عن نقيضه وهو لا يكون إلا اذا كان سلباً له لا مفهوماً محصلا معاندا له فاذا قلنا : ( كل لا ناطق لا إنسان ) معناه سلب الانسانية عن اللا ناطق وكذا قولنا : ( كل لا حيوان لا إنسان) معناه سلب الانسانية عن اللاحيوان

ومن المعلوم انَّ كذب السالبة إنما يكون بعدم تحقق السلب ولا مدخلية

لانتفاء الموضوع أو وجوده في كذبها ففرض كذب ( كل لا ناطق لا إنسان ) التي ثبت انَّها سالبة لا موجبة لا يكون من جهة عدم وجود ( اللا ناطق ) لأن السالبة تصدق مع انتفاء الموضوع وإنما يكون من جهة عدم تحقق السلب فيها بمعنى عدم ثبوت سلب الانسانية عن اللا ناطق ولازم عدم ثبوت سلب الانسانية هو ايجاب الانسانية وإلا ارتفع النقيضان فثبت المدعى وهو أنّه النقيض الآخر لصدق عين الآخر فاذا فرض لو لم يصدق أحد النقيضين مع انه لم يصدق : ( كل لا ممكن لا شيء ) فلابدّ أن يكون عدم صدقه ليس من جهة عدم تحقق ( اللا ممكن) الذي هو الموضوع لما عرفت من ان عدم تحقق الموضوع في السالبة يوجب صدقها بل لابد وأن يكون من جهة عدم تحقق سلب الشيئية عن ( اللا ممكن ) ولازم عدم تحققه أن يثبت ايجاب الشيئية للا ممكن لاستحالة ارتفاع النقيضين . وإن شئت قلت : انَّ نقيض حمل أحد النقيضين على الآخر مثل قولنا : ( اللا ناطق لا إنسان ) هو حمل عينه عليه أعني قولنا : ( اللا ناطق إنسان) لأن نقيض السلب هو الايجاب وليس نقيضه سلب النقيض أعني قولنا : ( اللا ناطق ليس بلا إنسان ) لأن نقيض السلب هو الايجاب لا سلب السلب . قلنا : انَّ نقيض المفرد ليس هو سلب المفرد بل عدله المشتمل على رفعه فان المفردات هي المفهومات الملحوظة بدون ربط لها بالغير ونقائضها هو رفعها الغير الملحوظ مع الغير ولذا يصح الحكم على نقائضها فلو كانت نقائضها هو سلبها عن الغير لما صح الحكم عليه وأخذه موضوعاً . والحاصل انَّ نقائض المفردات مفاهيم محصلة ويكون حمل بعضها على بعض قضية موجبة لا سالبة كيف ونقيض كل شيء رفعه فلو كانت قضية سالبة لما كان ذلك رفعاً للمفرد بل رفعاً للربط

بين الشيئين كما هو التحقيق في السالبة . إن قلت : لو كانت نقائض المفردات مفاهیم محصلة لزم ارتفاع النقيضين فيما لو كان الموضوع منتفياً فزيد اذا كان غير موجود يكون الكاتب واللا كاتب مرتفعين عنه مع انَّ النقيضين لا يرتفعان . قلت : هذا في تناقض القضايا صحيح امّا في تناقض المفردات فانمَّا لا يجوز ارتفاعهما في الموضوع الموجود ولذا صح أن يقال : انَّ الماهية من حيث هي ليست إلا هي يرتفع في مرتبتها النقيضان . فتلخص من ذلك كله ان قولنا : ( اللا ناطق لا انسان ( ليس معناه سلب الانسان عن اللا ناطق) بل هو اثبات مفهوم اللا انسان للناطق وحينئذ فيكون نقيضه قولنا : ( بعض اللا ناطق ليس بلا إنسان ) لأن نقيض الايجاب السلب . إن قلت : انَّ السالبة المعدولة المحمول تكون ملازمة للموجبة المحصلة المحمول فقولنا : ( بعض اللا ناطق ليس بلا إنسان ) ملازم لقولنا : ( بعض اللا ناطق إنسان لما تقرر من انَّ تفي النفي إثبات . قلنا : نفي النفي وسلب السلب إنما يكون سلباً لربط السلب ولذا لا يعتبر فيه وجود الموضوع . والاثبات والايجاب إنما يكون اثباتا وايجاباً للربط واذا اعتبر فيه وجود الموضوع وما اشتهر من (انّ تفي اننفي اثبات) فالمراد به أنه يلزمه الاثبات لا أن مدلوله الاثبات وهو إنما يلزمه ذلك فيما لو كان الموضوع موجوداً دون ما اذا كان معدوماً . ) والذي يمكن أن يقال في الجواب عن هذا الايراد ) هو : انَّ لازم الشرطية المذكورة هو فرض وجود الموضوع في القضية السالبة المشتملة على سلب أحد النقيضين عن الآخر إذ لولا الفرض المذكور لما كان المقدم فيها ( اذا صدق. . .الخ ) بل كان اللازم أن يقال : اذا لم يصدق أحد النقيضين على الأخر واذا فرض في السالبة المذكورة وجود الموضوع كانت الشرطية صادقة

لأن نفي النفي عن أمر موجود يكون اثباتاً للمنفي لذلك الموجود هذا بناء على مسلك القوم . وإلا فالتحقيق انَّ مرادهم انَّ الفرد الذي يحمل عليه اللا إنسان يحمل عليه اللا ناطق وإلا لحمل عليه الناطق لاستحالة ارتفاع النقيضين عن ذلك الفرد المفروض الوجود . فالموضوع عندهم مفروض الوجود ولو تقديراً ومرادهم انطباق المفردات لا صدق القضايا وإنما يلزم الاشكال لو اريد صدق القضايا دون انطباق المفردات ففي اللا شيء اذا فرض فرد ينطبق عليه في حد ذاته كان فرداً للا ممكن وإلا لكان فرداً للممكن لاستحالة ارتفاع النقيضين عما فرض وجوده وتحققه في حد ذاته فيلزم وجود المسكن بدون مساويه وهو ( الشيء ) في الفرد المفروض المذكور وهو خلف .

الكليات الخمسة

جنسية الكلي لما تحته

(زعموا انَّ الكلي جنس تحته أنواع خمسة : الجنس ، والنوع والفصل، و الخاصة ، والعرض العام ، لأنه مأخوذ في مفاهيمها وداخل في قوامها وتمام الذاتي المشترك بينها ) . ويرد عليهم ايرادان .

مطلقاً أولاً : أنَّه يلزم أن يكون الكلي أعم من الجنس وأخص مطلقاً منه امّا الأول أعني انَّ الكلي أعم من الجنس مطلقاً فلانه جنس للجنس وجنس الشيء إعم منه مطلقاً ولأن الكلي مأخوذ في تعريف الجنس وتعريف غيره من النوع وباقي الكليات الخمسة وامَّا الثاني اعني كون الكلي اخص من الجنس مطلقاً فلاتِصاف الكلي بعنوان الجنس ويصدق الجنس عليه كصدقه على الحيوان والجسم والشجر فكما انَّ هذه الثلاثة أخص من مطلق الجنس كذلك الكلي فلزم من جنسية الكلي لما تحته أن يكون أعم من الجنس

مطلقاً وأخص منه مطلقاً وهو محال لاجتماع المتنافيين الأعمية وهي والأخصية المطلقة من شيء واحد وهو الجنس . ودعوى انَّ الكلي ليس بجنس لما تحته من الكليات الخمسة . فاسدة لأن الحقائق الاعتبارية والاتنزاعية كالحقائق المتأصلة لها أجناس وفصول فما اعتبر وما انتزع إن كان له جزء يحمل عليه يكون تمام المشترك بينه وبين غيره كان جنساً له . وإن كان له جزء يحمل عليه مختصاً به كان فصلا له ولا شك انَّ الكلية مأخوذة في هذه المعاني الخمسة . وقد أصر الشيخ على كون تعاريفها حدودا بدعوى أن هذه المعاني قد حصلها المنطقيون ووضعوا الألفاظ بازائها فلابد وأن يكون الكلي جنساً لها لأنه تمام الذاتي المحمول عليها المشترك بينها . ودعوى انَّ أعمية الكلي من الجنس باعتبار الذات لأن الجنس مأخوذ في ذاته الكلية وهي داخلة في قوامه لكونها جنس الجنس وجنس الشيء مقوم له وأخصية الكلي من الجنس باعتبار عروض الجنسية عليه فان الجنسية ليست مقومة للكلي ولا داخلة في قوامّه وإنما هي عارضة عليه إذ لو كانت داخلة في قوامه لما وجد الكلي بدون الجنسية مع انّه يوجد بدونها كما في الخاصة والعرض العام وحيث كانت أعمية الكلي باعتبار الذات وأخصيته باعتبار عروض الجنسية عليه فقد ارتفعت المنافاة بين الأعمية والأخصية في الكلي حيث لا إمتناع في كون الشيء أعم من شيء آخر باعتبار ذاته وأخص باعتبار عروضه عليه لأن الأحكام تختلف باختلاف الاعتبارات وقد اشتهر فيما بینهم أنّه لولا الاعتبارات لبطلت الحكمة . فاسدة لأن مجرد اختلاف الاعتبار لا يوجب رفع التنافي مع كون نسبة العموم والخصوص المطلقة لشيء واحد فانّ لازم العموم ان يوجد الكلي بدون الجنس ولازم الخصوص أن يمتنع وجود الكلي بدون الجنس

سواء كان اتصاف الكلي بالأعمية والأخصية المطلقتين من الجنس باعتبارواحد أو باعتبارين . - وجوابه - ان يقال : إن المقدمة الثانية من الايراد أعني كون الكلي أخص من الجنس مطلقا) باطلة إذ مرجع الخصوص المطلق ليس بموجود بينهما فانَّه لا يصدق كل كلي جنس فانَّ النوع ليس بجنس .ومجرد الاتصاف بالجنسية لا يوجب الأخصية منها فانَّ الأعم يتصف بالأخص كالحيوان فاتَّه يتصف بالضاحكية والناطقية مع انهما أخص منه فلنا أن نلتزم بأن الجنسية أخص من الكلية وهي متصفة بها بل التحقيق كما تقدم في الايراد العاشر في النِّسب الأربع انَّ المعقولات الثانوية وإن اتصف بها معروضاتها إلا انَّه لا توجد بينها وبين معروضاتها أي نسبة من النِّسب الأربع لأنها تعرض لنفس الطبيعة في حد ذاتها في الذهن والنسب إنما تتصور بين الكليات بحسب أفرادها ومصاديقها.

وثانياً : انَّ الكلي لا يعقل أن يتصف بالجنسية إذ لازم عروض الجنسية عليه أن يعرض الشيء على نفسه حيث انَّ الجنسية من أجزائها الكلية فلو عرضت على الكلي لكان عروضها بأجزائها جميعها عليه وإلا لما كانت عارضة عليه فلازم عروض الجنسية على الكلي عروض الكلي على الكلي وهو باطل لأن عروض شيء على شيء لازمه صحة سلبه عن ذاته فيلزم صحة سلب الشيء عن نفسه . - وجوابه - انَّ- للشيء مفهوم وذات والأول هو الصورة الذهنية والثاني هو ذاته الواقعية المرتبة عليها آثاره النفس الأمرية . والجنسية إنما تعرض لمفاهيم الأشياء لا لذواتها ألا ترى انَّ مفهوم الحيوان أو الجوهر أو الحجر جنس لا ذواتها النفس الأمرية . والكلي كذلك أي إنما تعرض الجنسية له على حد سائر الأشياء أعني لمفهومه حيث ان مفهومه هو الجنسِ

للأنواع الخمسة لا انّها تعرض لذاته الواقعية ألا ترى انَّ كلية الانسان أو غيرها لا تعرضها الجنسية . ولا شك انَّ مفهوم الشيء قد تعرض له ذاته إذا كان يترتب عليه آثار ذاته ولذا كان مفهوم الكلي تعرض عليه الكلية لأن آثارها وهي الصدق على كثيرين موجودة فيه وهكذا مفهوم العلم يعرض عليه العلم لأن آثاره موجودة فيه وهكذا مفهوم المفهوم يعرض عليه المفهوم لأن آثاره موجودة فيه فمفاهيم الأشياء تعرض عليها ذات الأشياء اذا كانت آثار الذات موجودة فيها وحينئذ فتحمل الأشياء على تلك المفاهيم بالحمل الشايع بخلاف مثل مفهوم الانسان فانَّه لا تعرض له الانسانية لأن آثار الانسان ليست موجودة فيه ولذا لا تحمل الانسانية بالحمل الشايع عليه واذا حملت عليه فانَّما تحمل بالحمل الأولي بل الشيء قد يعرض على مفهوم نقيضه اذا كانت آثاره موجودة في نقيضه فان الكلية تعرض على مفهوم اللا كلية والمفهوم يعرض على مفهوم اللا مفهوم والمعلوم يعرض على مفهوم اللا معلوم لوجود آثارها في مفاهيم نقائضها فتحمل على نقائضها بالحمل الشائع وعليه فلا مانع من عروض الجنسية لمفهوم الكلي وحملها عليه بالحمل الشائع لوجود آثار الجنسية فيه وهي مقوايته على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو .

البرهان على حصر الكليات في خمسة

(استدلوا على حصر الكليات في الخمسة المذكورة بالاستقراء حيث انَّ المتتبع لا يراها أكثر من هذه الخمسة المذكورة وبالعقل حيث انَّ الكلي اذا نسب الى افراده المحققة في نفس الأمر امّا أن يكون عين ماهية تلك الأفراد بحيث لا تزيد الأفراد عليه إلّا بالعوارض المشخصة فهو النوع أو جزء ماهيتها

فان كان تمام المشترك بين ماهيتها وبين ماهية مباينة لها فهو الجنس وإلا فهو الفصل أو خارجاً عنها ويقال له العرض فاما ان يختص بأفراد ماهية واحدة أو لا والأول هو الخاصة والثاني هو العرض العام ) . ويرد عليهم ثلاثةوعشرون ايراداً.

أولاً : انَّ الاستقراء التام غير حاصل بل غير مقدور لنا والناقصلا يفيد اليقين

وثانياً : انَّ الحصر ممنوع لأن الكليات المركبة كالانسان الضاحك أو الحيوان الضاحك أو الجوهر الناطق اذا لوحظ مجموعها فانَّه كلي من الكليات مع انه ليس بداخل تحت قسم من أقسامها المذكورة لأنّه ليس بجنس ولا فصل ولا نوع ولا عرض عام ولا خاص . - وجوابه - انَّه محط بحثهم وتقسيمهم وحصرهم للكليات ذات المفهوم الواحد أعني التي لها صورة في الذهن واحدة وإن كان التعبير عنها بمركب ولذا كان الحد التام عندهم ليس من النوع فان الحاصل في الذهن من النوع صورة واحدة إجمالية والذي يحصل من الحد صورتان يكونان تفصيلا لتلك الصورة الاجمالية ولكن هذا الجواب ينافيه تمثيلهم للجنس بالجسم النامي وتقسيمهم المخاصة الى مفردة ومركبة وتمثيلهم للثاني بالطائر الولود . إلا أن يلتزم بأنه من التسامح أو جهلاً بحقيقة الحال من بعضهم .

وثالثاً : انَّ الحصر ممنوع لأن الشيء والموجود ليسا من الذاتيات الثلاثة بالنسبة الى افرادهما كما هو واضح ولا من الاعراض لها لأن معروضها إن كان شيئاً وموجوداً ازم عروض الشيء لنفسه وإن كان ليس بشيء ولا بموجود لزم اجتماع النقيضين . - وجوابه - انهما عارضان لأفرادهما

وما ذكره الخصم لو تم لزم أن لا يعرض كل شيء لشيء آخر ، مع انّهما يعرضان للماهية في حد ذاتها المسماة باللا بشرط المقسمي كما قرر في محله فراجع كتب الحكمة .

ورابعاً : انَّ الحصر ممنوع فانَّ الصنف كالرومي والتركي والزنجي خارج عن هذا الحصر لوضوح عدم دخوله في واحد من هذه الأقسام الخمسة . -وجوابه - أنّه داخل في الخاصة إن اعتبر بالنسبة الى الأفراد التي يختص بها وإن اعتبر بالنسبة الى الأفراد التي لا يختص بها كان عرضاً عاماً .

وخامساً : انَّ الحصر ممنوع فانَّ الكليات الممتنعة كشريك الباري أو التي تحتها فرد واحد كالشمس أو كانت معدومة الأفراد كالعنقاء خارجة هذا الحصر لأنها ليست لها أفراد بحسب نفس الأمر لكونها معدومة.

-وجوابه - انَّ مرادهم بالأفراد هي الأفراد التي تكون للكليات في حد ذاتها او خليِّت وطبعها بحيث لو وجدت في الخارج كانت تلك الأفراد هي الموجودة . وبعضهم أجاب : انَّ المقصود الأصلي لما كان معرفة أحوال الموجودات إذ لا كمال في معرفة المعدومات خصوا البحث بها . لكنه ينافيه عموم قواعد الفن .

وسادساً : انَّ الحصر ممنوع فانَّ الكلي بالنسبة الى مباينه غير داخل في الأقسام المذكورة الخمسة . - وجوابه وجوابه - انَّ القسمة إنما كانت للكلي بالنسبة الى أفراده .

وسابعاً : انَّ الحصر ممنوع فانُّ الماهية اذا كانت عامة لجميع الأشياء المحققة والمقدَّرة الخارجية والذهنية كالشيئية فالأعراض المختصة بها ليست بعرض عام لعدم شمولها لماهية أخرى ولا خاصة لعدم التمييز لها عن غيرها

تمييزاً عرضياً . - وجوابه - انَّها تكون خاصة لأنها تميز الماهية المذكورة تمييزاً عرضياً عن سائر المفهومات بحسب ذاتها وإن لم تكن مميزة لها بحسب وجودها ومصداقها .

وثامناً : انَّ الحصر ممنوع لأن الماهية اذا أخذت معراة عن كل شيء ولوحظت في حد ذاتها فانَّها لا تنصف بأحد هذه الأقسام الخمسة لأن الماهية من حيث هي ليست إلا هي . - وجوابه - إنا لو سلمنا عدم إتصافها في الواقع في هذه الحال فنقول : انَّ- الكلي إنما كان منحصراً في تلك الأقسام الخمسة اذا لوحظ بالنسِّبة الى أفراده لا اذا لوحظ في حد ذاته مجرداً عن كل شيء .

وتاسعاً : انَّ الحصر ممنوع إذ يجوز أن تكون الأجزاء المشتركة بين الماهية والنوع المباين لا تقف عند حد بمعنى انّها لا تتناهى كما في إنقسام المقادير الى غير النهاية وحينئذ فليس بعض هذه الأجزاء مختصاً لاشتراكه بين الماهية والمباين ولا بعضاً من تمام المشترك لعدم وجود تمام المشترك بين تلك الماهية والمباين تكون تلك الأجزاء أجزاء له . - وجوابه - انّ هذا الحصر مبني على تناهي أجزاء الماهية وإلّا لما أمكن ادراكها بالكنه على وجه التفصيل مضافاً الى انَّ برهان التضايف يدل على امتناع تركب الماهية من الأجزاءً التي لا تتناهى حتى لو كانت أجزاء ذهنية وهكذا برهان التطبيق يدل على ذلك بناء على انَّ الأجزاء الذهنية عين الأجزاء الخارجية والفرق بينها بالاعتبار.

وعاشراً : انَّ الحصر ممنوع لجواز أن يكون بين الماهية والنوع المباين أجزاء مفردة لا يكون المركب منها له وحدة حقيقية حتى يكون جنساً وعليه

فهذه الأجزاء لا تكون فصولاً لأنه لا جنس لها وما لا جنس له لا فصل له وهكذا ليست بأجناس لأن كل واحد منها ليس بتمام المشترك . وجوابه -انَّ هذا الفرض محال لأن كلامنا في الماهيات التي لها وحدة حقيقية والماهية المركبة من الأجزاء المفردة لا وحدة حقيقية لها.

وحادي عشر : انَّ الحصر ممنوع لأن الماهية اذا تركبت من أمرين متساويين لم يكن كل منهما بفصل لأن ما لا جنس له لا فصل له ولا بنوع لأنه ليس بتمام ماهية ما تحته ولا بجنس لأنه ليس بتمام المشترك بين الماهية وغيرها ولا بعرض لأنه جزء الحقيقة . - وجوابه -- انَّ هذا الحصر مبني على عدم تركب الماهية من أمرين متساويين ولو سلمناه إلتزمنا بأن كل واحد منهما فصلا ولا نسلم انَّ- كل ما لا جنس له لا فصل له .

وثاني عشر : انَّ- الحصر ممنوع لاحتمال كون جزء الماهية عرضاً لماهية اخرى أو جزء من ماهية أخرى غير محمول عليها بأن كان من الأجزاء الخارجية لها أو تمام حقيقة اخرى بأن يكون نوعاً لها فحينئذ جزء هذه الماهية لا يكون داخلاً تحت واحدٍ من هذه الأقسام الخمسة فاته ليس بفصل لأنه لم يكن مميزاً لها وليس من باقي الأقسام كما هو واضح . - وجوابه - انَّه على تقدير صحة هذه الاحتمالات فيكون الجزء المذكور بالنسبة الى الماهية التي هو جزؤها فصلاً مميزاً لها عما عداها الكون في ما عداها لم يكن هو جزءاً محمولاً ولا يكون جنساً لأن الجنس هو الجزء المحمول على الماهيات التي يكون تمام المشترك بينها .

وثالث عشر : انَّ نسبة الفصل الى الجنس نسبة الخاصة الى معروضها کما سيجيء إن شاء الله مع انَّها ليست بنسبة الى أفراده لكون الجنس أعم

من الفصل وليس بفرد له . ويقوى الاشكال على من عبَّر في الحصر المذكور بقوله : ( بالنسبة الى ما تحته) فانَّ- الجنس ليس تحت الفصل حيث انَّه ليس بأخص منه . - وجوابه - انَّ المراد بالتحتية والفردية كونه من مصاديقه وانّه يحمل عليه ولا شك انَّ- الجنس من مصاديق الفصل والفصل يحمل عليه ألا ترى انَّ الأعم من وجه يكون من أفراد الأعم الآخر ومما يندرج تحته بهذا المعنى.

ورابع عشر : انَّه يجوز أن يكون جزء وليس بتمام المشترك أصلاً مع انَّه ليس بفصل كجنس الفصل . - وجوابه - انَّ- الفصل أمر بسيط مع لا يعقل أن يكون له جنس كما سيجيء إن شاء الله تعالى.

وخامس عشر : انَّ- الفصل تمام المشترك بين ماهيته وبين النوع فانَّ- الناطق تمام المشترك بين الانسان وبين ماهية النطق فكيف يجعل في الحصر المذكور عبارة عما لا يكون تمام المشترك - وجوابه - انّه لم يكن بتمام المشترك بين ماهية وماهية مباينة كما هو المذكور في الحصر فانَّ- ماهية الفصل غير مباينة لنوعه.

وسادس عشر : انَّ- الفصل تمام المشترك بين نوعه وبين الجنس فانَّ- الناطقية تمام المشترك بين الانسان وبين الحيوان إلا انها جزء للانسانية وعارضة على الحيوانية لما سيجيء إن شاء الله من انَّ- الفصل عارض على الجنس فكيف في الحصر المذكور يجعل الفصل عبارة عما لا يكون تمام المشترك . وجوابه - عين الجواب عن الايراد الخامس عشر .

وسابع عشر : انَّ- النوع تمام المشترك بين صنفين منه وهما ماهيتان متباينتان فانَّ- الانسانية تمام المشترك بين الزنجي والتركي وهما ماهيتان متباينتان وهكذا يكون تمام المشترك بين ماهيته المطلقة والمقيدة فان الانسانية

تمام المشترك بين مطلق الانسان والانسان الكاتب . --- وجوابه --- انّه ليس بجزء من ماهيتهما كان تمام المشترك بينهما بل هو عين ماهيتهما . والحصر إنما حكم فيه بالجنسية على الجزء الذي هو تمام المشترك مضافاً الى انّه هذه ماهيات اعتبارية والكلام في الماهيات ذات الوحدة الحقيقية مضافاً الى ان الثاني ليس بماهية مباينة .

وثامن عشر : انَّه يجوز أن يكون الكلي جزءاً لماهية وعارضاً لجميع ما عداها كالشيئية لو كانت جزءاً لماهية وحينئذٍ فهي فصل مع انّها تمام المشترك بين الماهية التي هي جزؤها وما عداها . - وجوابه --- انّها لم تکن تمام الذاتي المشترك فانّها حسب الفرض كانت عارضة على ما عداها والأولى إرجاع هذا الايراد الى الايراد الثاني عشر والجواب الجواب .

وتاسع عشر : انَّه يجوز أن يكون جزء الماهية ليس بتمام المشترك مع انَّه ليس بفصل كما لو كان للماهية تمام مشترك بينها وبين نوع آخر ولها أيضاً تمام مشترك آخر بينها وبين نوع آخر ويكون لتانتها جزء موجود هو جزء لتمام المشترك الأول ولتمام المشترك هو الحیوان لنفس الانسان والفرس تمام مشترك أخر وهو الجسم النامي المنتصب القامة فانَّ النامي هو جزء للحيوان وللجسم المنتصب القامة وهما جنسان للانسان وليس بفصل لواحد منهما لأنه لا يميزه عما عداه . - وجوابه - هذا مبني على امكان وجود جنسين في مرتبة واحدة وسيجيء إن شاء الله عدم امكانه ولو سلمنا فلنا أن نقول : ان

النامي إن كان تمام المشترك بين الجنسين المذكورين فهو جنس لهما وإذ كان بعض من تمام المشترك بينهما فهو فصل له .

وعشرين : انَّه لا وجه لملاحظتهم الكلي بالنسبة لأفراده النفس الأمرية دون الأفراد الفرضية مع انَّه عندنا من الكليات ما لا يكون لها إلا أفراد فرضية كاللا شيء واللا ممكن . - وجوابه - انَّ الكليات بالنسبة الى افرادها الفرضية لا يجري فيها الحصر المذكور فانُّ- الأنسان بالنسبة الى أفراده التي يقرض اللها ليمنت بخيوان ليس بواحد من الكليات الخمس فانَّه لما استحال تحققها جاز أن يستلزم محالاً وهو أن لا يكون بالنسبة اليها كلياً من الكليات الخمس . مع انَّه يجوز أن يفرضه العقل بالنسبة الى كل طائفة من افراده عينها أو جزئها أو خارجاً عنها وعليه فيصدق الكليات الحمس على كلي واحد بالنسبة الى شيء واحد . نعم الخصر يجري في الكليات بالنسبة الى أفرادها الفرضية بالمعنى المتقدم في جواب الايراد الخامس وهو بهذا المعنى يشمل حتى الكليات الفرضية كاللا شيء واللا ممكن واللا موجود .

وواحداً وعشرين : انَّ- النوع ليس بعين حقيقة ما تحته من الأفراد لأن الفرد عبارة عن الماهية المقيدة بالتشخص على نحو يكون القيد والتقيد داخلين فيه فيكون النوع جزءاً من حقيقة الأفراد لا أنه عينها . - وجوابه --- انَّ- المقيد مع قيده الذي هو التشخص يتصور على أنحاء أربعة : الأول - ما يكون التقييد والقيد خارجين عن الذات وسمِتهما سمِة العارض بالنسبة الى معروضه وهذا هو الشخص لأن الشخص هو الماهية العارضة للتشخص على ما هو التحقيق عند أرباب الحكمة . الثاني : ما يكونان داخلين في الذات وهو الفرد. الثالث : ما يكون التقيُّد خارجاً والقيد داخلاً ولم يجعل بازائه

إسم ، وقد حكي عن بعض تسميته بالشخص • الرابع : ما يكون القيد خارجاً والتقيد داخلاً وهو المسمى بالحصة فعلى هذا يكون النوع عين حقيقة الأشخاص لا الأفراد واذا أطلق الأفراد في هذا الباب فائما يراد بها الأشخاص . وما أجيب من أن المراد بالعينية هو الاتحاد في الوجود الخارجي فانَّ- النوع متحد مع الأفراد في الوجود الخارجي . ففاسد لأن الجنس والفصل كذلك فالعينية بهذا المعنى لا تختص بالنوع .

وثانياً وعشرين : انَّ- الكلي الواحد قد يكون نوعاً وفصلاً وعارضاً كالناطق فانَّه بالنسبة الى حصصه الخارجية أعني النطق الموجود في الخارج يكون عين حقيقتها فهو نوع بالنسبة اليها وبالنسبة الى الانسان فهو فصل له لأنه جزء حقيقته المميز له عما عداه وبالنسبة للحيوان خاصة لأنه عارض على حقيقته ومختص بها فيلزم تداخل الأقسام وقد قيل : انَّ الحساس فصل للحيوان وجنس للسمع والبصر ونوع لحصصه وعرض عام للضاحك وخاصة للجسم.-وجوابه- انُّه لا مانع من التداخل اذا اختلفت الاعتبارات وتغايرت اللحاظات ولا يكون التداخل عيباً فيها . كيف والقسمة هنا اعتبارية لكونها كانت للكلي بالنسبة الى أشخاصه لا بالنسبة الى نفس ذاته نظير قسمة الكلي الى الأعم والأخص والمساوي والمباين فانَّ الكلي الواحد قد يتصف بسائر هذه الأقسام لكنه باعتبارات مختلفة ولحاظات متعددة لكونها كانت بالنسبة الى الغير وهو الكلي الآخر وعليه فتكون القسمة هنا مانعة خلو".

وثالثاً وعشرين : انَّهم إن أرادوا ح انهم إن أرادوا حصر أقسام الكلي الأولية فهي منحصرة في ثلاثة لأنه امَّا أن يكون عين ماهية ما تحته من الأفراد وامَّا أن يكون جزءا منها وامَّا أن يكون خارجاً عنها وإن أرادوا حصر أقسام الكلي مطلقاً

فهي تسعة لانقسام كل من الجنس والفصل الى القريب والبعيد وانفسام الخاصة والعرض العام الى اللازم والمفارق بل الى أكثر من ذلك . وجوابه - انَّ- مرادهم إنحصار أقسام الكلي الأولية المحصلة والثلاثة المذكورة ليست بمحصلة لأن الجزء والخارج مبهمان وأقسام الجنس والفصل والخاصة والعرض العام أقسام ثانوية .

تسامحهم في تمثيلهم تلكليات

( قد اشتهر فيما بينهم التمثيل للكليات الخمسة للنوع بالانسانية و للجنس بالحيوانية وللفصل بالناطقية وللعرض العام بفردية الثلاثة وللخاصة بالضحك والسواد ) . ويرد عليهم انَّ- هذه الكليات لا تقال ولا تحمل على ما هي نوع أو جنس أو خاصة أو عرض عام له وقد أخذوا في تعريف الكليات الخمس الحمل فالأصح أن يمثلوا بالانسان والحيوان والناطق والفرد والضاحك والأسود حتى تكون قابلة للحمل لكنهم تسامحوا فذكروا مبدأ المحمول لأنه أصرح في الدلالة على طبيعة المحمول ونحن في هذه المباحث قد جاريناهم في ذلك محافظة على أداء المقصود بأساليبهم فاته أقرب الى ذهنية الطالب في مقام البحث .

السؤال بما هو (زعموا انَّ ( ما هو ) سؤال عن تمام الحقيقة فان اقتصر في السؤال على ذكر أمر واحد كان السؤال عن تمام الماهية المختصة به فيقع النوع في الجواب إن كان المذكور أمراً شخصياً والحد التام إن كان المذكور حقيقة كلية وإن ذكر في السؤال أمور متعددة كان السؤال عن تمام الماهية المشتركة فان كانت متحدة وقع الجواب النوع أيضاً وإن كانت مختلفة وقع الجنس ) .

ويرد عليهم ثمانية ايرادات .

أولاً : انّه لا يصح تخصيص ما هو بالسؤال عن تمام الحقيقة مع انَّ- ما هو يستعمل لشرح الاسم فيقع الجواب : العرض وغيره من سائر المميزات بل التعاريف اللفظية أيضاً .

وثانياً : انَّ- النوع مثل الحد التام في كونه تمام حقيقة ما تحته فأي وجه لتخصيص النوع بالوقوع في جواب ما هو عند السؤال عن الشخص الواحد ؟ مع انَّ- الحد التام مثل النوع في كونه تمام حقيقته أيضاً . ودعوى وجود الفرق بين الحد التام والنوع بالتفصيل والاجمال ولا حاجة الى التفصيل مع كفاية الاجمال . مدفوعة بأن هذا تابع لرغبة المجيب ومقتضيات الأحوال فقد يكون من البلاغة الاجابة بالتفصيل . كيف وهو ألذ لطالب المعرفة وانكشاف الواقع لزيادة البصيرة به .

وثالثاً : اذا جمع في السؤال بين امور متعددة لماذا كان السؤال عن تمام الماهية المشتركة دون ماهية كل واحد منها بخصوصه .

ورابعاً : انَّ- الصنف ينبغي أن يقع في جواب ما هو لأنه دال على النوع . والجواب عن الجميع : انَّ- ذلك مجرد اصطلاح من المنطقيين أو يقال : انَّ- ما هو كناية عن السؤال عن تمام الحقيقة المشتركة عند تعدد المسؤول عنه أو المختصة تفصيلاً عند وحدة المسؤول عنه الكلي واجمالاً عند وحدة المسؤول عنه الشخصي ولذا قسموا ( ما ) الاستفهامية الى شارحة وهي ما يطلب بها شرح الاسم . وما الحقيقية وهي التي يطلب بها معرفة الحقيقة مع انها في أصل اللغة موضوعة لمطلق الاستفهام .

وخامساً : انَّ- ما هو اذا كان السؤال بها عن تمام الحقيقة فاذا سئل عن

الشخص الواحد كان اللازم ان يقع في الجواب النوع مع التشخص لأن تمام حقيقة الشخص هو ذلك . وجوابه - انَّ حقيقته هو النوع فقط والتشخص عارض عليه ولذا لو تبدل تشخصه لا تتبدل ذاته وحقيقته بخلاف ما اذا تبدل نوعه .

وسادساً : انّه بالسؤال بما هو عن الله عز اسمه لا يجاب بالنوع ولا بالحد التام وإلا لزم تركبه من الماهية والتشخص فلابد أن يقع الجواب غيرهما فلا تعم الكلية المذكورة . - وجوابه - انَّ ما ذكر يقتضي أن لا يصح السؤال عنه بما هو لا انّه يسئل بما هو عنه فيقع الجواب غيرهما .

وسابعاً : انَّ- فصل الجنس يدل بالالتزام على الحقيقة المشتركة أعني الجنس . وفصل النوع يدل بالالتزام على الماهية المختصة أعني النوع لأن الفصل يستحيل وجوده بدون ما هو فصل له فينبغي أن يقع الفصل في جواب ما هو . --- وجوابه --- انَّ- الفصل لا يدل بالالتزام على الحقيقة وإن كانت لازمة له خارجاً لأن مناط الدلالة الالتزامية هو اللزوم الذهني ولا لزوم ذهني بينهما وإلا لكان التعريف بالفصل فقط حداً تاماً .

وثامناً : انَّ- النوع لو كان يقع في جواب ما هو اذا كان المسؤول عنه هو الشخص لزم أن يكون الجزئي مكتسباً . - وجوابه - إنما تكتسب حقيقته وهي كلیة لا ذاته وشخصه .

السؤال بأي شيء ( ويتلخص كلامهم في جواب (أي) انَّه يطلب بها ما يسيز المسؤول عنه في الجملة عما يشاركه فيما اضيفت اليه أي فاذا اضيفت الى الشيء طلب ما يميزه عن المشاركات في الشيئية فيقع الجواب بالفصول أو الخواص واذا

فيِّذ في ذاته أو في جوهره بأن فيل : ( أي شيء هو في ذاته ) وقعت الفضول فقط سواء كانت قريبة أو بعيدة واذا قيِّد في عرضه بأن قيل : ( أي شيء هو في عرضه ) وقعت الخواص فقط وإذا اضيفت الى جنس بعيدة أو قريب كان الأمر كذلك بمعنى يطلب المميزات له عن المشاركات في ذلك الجنس وتقع الفصول أو الخواص واذا قيد في ذاته وجوهره كأن قيل : ( أي حيوان هو في ذاته ) وقعت الفصول فقط واذا قيِّد في عرضه كان قيل : ( أي حيوان هو في عرضه) وقعت الخواص فقط ولا يقع العرض العام في جواب أي عندهم نعم بعضهم ذكر أنه يقع في جواب كيف هو ) . ويرد عليهم ايرادان.

أولاً : انَّ- الحد التام والنوع لماذا لم يقعا في جواب أي شيء هو في ذاته مع انّهما يحصل بهما التمييز الذاتي الفصل . ودعوى أنَّ- الجنس لا يقع به التمييز فلا وجه لذكره الفني في النوع ولا التفصيلي في الحد التام . مدفوعة بأنه لا إشكال في حصول زيادة الايضاح به أو غرض عقلائي آخر يكون مصححاً لذكره والذي ينفع الخصم اثبات وجود المانع من ذكره عدم المقتضي له على انّه قد يقع به التمييز أيضاً كالفصل البعيد فانَّه اذا سئل عن الانسان بأنه أي جسم هو في ذاته وذكر في جوابه : الحيوان فقد ميزه في الجملة . إن قلت : انَّ- الجنس باعتبار انَّه مشترك بين الطبايع لا يكون مميزاً . قلنا : نعم بهذا الاعتبار لا يكون مميزاً بعضها عن البعض المشارك له فيه وهذا لا ينافي أن يكون مميزاً لها عما لم يشاركه فيه باعتبار اختصاصه به بالاضافة اليه فالحيوان باعتبار الفرس والانسان لا يميز بعضها عن بعض لكن باعتبار الشجر والحجر يميز الانسان عنها واذا وقع في جواب أي شيء إنما يقع بالاعتبار الثاني . ودعوى إنا لا نسأل عن الفصل إلا بعد أن

نعلم انَّ- للشيء المسؤول عنه جنساً فيكون ذكر الجنس لغوا . مدفوعة بأنا لا نسلم ذلك حيث لا دليل على المنع عن السؤال بأي شيء اذا لم يعلم الجنس مضافاً الى انَّه لا يتم على القول بتركب الماهية من أمرين متساويين مضافاً

الى انَّه قد يكون المعلوم الجنس العالي دون السافل فيصح الجواب بالسافل إن قلت : إذا علم الجنس العالي فلا يصح وقوع الجنس السافل لأن السافل عبارة عن العالي وباقي الفصول . قلنا : هذه المعلومية لا تمنع من الوقوع الضمني بل ولا التفصيلي فانَّه لا مانع من التأكيد وزيادة الايضاح . ودعوى ان الحد التام والنوع يقعان في جواب ما هو فلا يقعان في جواب( أي شيء ) فاسدة لأن وقوعهما في جواب ما هو لا يمنع من قوعهما في جواب أي شيء .

وثانياً : انَّ- الجنس والعرض العام لماذا منع من وقوعهما في جواب أي انهما كالفصل البعيد في حصول التمييز بهما في الجملة ولِم خصوا مع وقوع العرض العام بجواب كيف هو . والجواب عن هذين الايرادين بما ذكرناه في ( ما هو ) من انَّه وقع الاصطلاح منهم على ذلك أو تقول : انَّه ليس مقصودهم ( بأي شيء ) السؤال بهذا اللفظ بل هو كناية عن السؤال عن جزء الماهية الذي ليس بتمام المشترك والحد التام أو النوع تمام المشترك بين أفرادهما وهكذا الجنس واما العرض العام فهو ليس بجزء فلذا لم تقع هذه الكليات في جواب أي شيء .

الذاتي والعرضي

(قالوا : انَّ- الجنس والفصل والنوع يقال لها ذاتيات . والخاصة والعرض العام يقال لها العرضي . ويرد عليهم : انَّ- الذاتي ما ينسب الى الذات والنوع عين الذات لأنَّه عين حقيقة ما تحته من الأفراد فلا تصح

نسبته اليها لأنه يلزم نسبة الشيء الى نفسه وهكذا العرضي ما ينسب الى العرض والخاصة والعرض العام بأنفسهما عرض غاية الأمر أحدهما عرض خاص والثاني عرض عام فكيف يصح اطلاق العرضي عليهما لأن النسبة تقتضي الاثنينية . - وجوابه - اما عن الذاتي فان نسبة النوع الى الذات باعتبار انَّها معروضة للتشخص . وامَّا عن العرضي فباعتبار انَّ مبدأ الخاصة والعرض العام عرض فانَّ- مبدأ الضاحك هو الضحك فكانا منسوبين للعرض الذي هو مبدئهما هذا مضافاً الى ان الاصطلاح قد وقع منهم على تسمية ما ليس بعرض بالذاتي وعلى ما هو عرض بالعرضي وليس استعمالهم فيه بحسب الوضع اللغوي ولا مشاحة في الاصطلاح .

في كيفية تمييز الذاتي عن غيره

( الذي يتحصل من كلام متقدميهم ومتأخريهم انَّ- المميز للذاتي عن غیره امور سنة ( أحدها) عدم تحقق الشيء بدونه ( ثانيها ) عدم احتياج الاتصاف به الى الواسطة في الثبوت بمعنى انَّ- ثبوته للشيء لا يحتاج الى العلة الموجدة ولذا اشتهر انَّ الذاتي لا يعلل ( ثالثها ) ما كان بيِّن الثبوت للشيء ومستنع الحكم بسلبه عنه ( رابعها ( ما لا تتصور الماهية بدونه بمعنى انه اذا قصد تصور الماهية الحاصلة في ذهنه على سبيل الاجمال تفصيلا كان لابد من تصوره نظير ما اذا وقع بصرنا على زيد إجمالاً ثم لما حدقنا نظرنا فيه نميز أجزاءه عن غيرها ( خامسها) ما يتقدم على الشيء في الوجودين الذهني والخارجي تقدماً ذاتياً لاحتياج ذاته اليها بحسب الوجود فما حكم العقل بثبوت هذا التقدم له فهو ذاتي وإلا فلا ( سادسها) الأخذ من مقام الذات فالمفهوم الذي يؤخذ من مقام الذات فهو ذاتي . ويرد عليهم أربعة

إيردات .

أولاً : انًّ- المميّز الأول يوجد في علل وجود الشيء لعدم تحقق الشيء بدونها ويوجد في لوازمه فانّه لا يتحقق بدونها . - وجوابه انَّ- كلامهم فيما كان متحد الوجود مع الشيء ولا يعلم انه ذاتي له أم لا وعلل الشيء لم تكن متحدة الوجود معه نعم لوازم الشيء اذا قلنا : بأنها قد تتحد وجوداً معه كما قد يقال في الزوجية للأربعة والامكان للممكن والشيئية للشيء كان الايراد محكماً بالنسبة اليها .

وثانياً : انَّ- المميز الثاني والثالث والرابع يوجد في لوازم الماهية البينة بالمعنى الأخص كما هو واضح .

وثالثاً : انَّ- المميز الخامس من العسر جداً إعماله فكان من الصعوبة بمكان تمييز الذاتي به عن غيره .

ورابعاً : انَّ المميز السادس يوجد في المفهوم المأخوذ من البسائط منمقام ذاتها مع انَّه لا جنس لها ولا فصل . --- وجوابه -- انّا نلتزم بأنه ما كان كذلك فهو عين حقيقتها فهو نوع لها فيكون ذاتياً لها . نعم يمكن أن يورد عليه بلوازم ذات الماهية كالامكان إلا اللهم أن يجاب انَّها لا تؤخذ من مقام ذاتها بل بلحاظ الغير وامَّا اذا اخذت من مقام ذاتها فهي ذاتية لها .

عدم تركب الماهية من أمرين متساويين

(زعموا انَّه لا يمكن أن تتركب الماهية من أمرين متساويين مستدلين على ذلك بأنه لو تركبت منهما فامَّا أن يحتاج أحدهما الى الآخر أم لا والثاني باطل ضرورة احتياج أجزاء الماهية بعضها الى بعض لتحصل الوحدة الحقيقية بينهما وامَّا أن يحتاج كل منهما الى الآخر أو أحدهما الي الآخر والأول يلزم

منه الدَّور والثاني ترجيح بلا مرجِّح لأنهما متساويان ) . ويرد عليهم إيرادات سبعة .

أولاً : انَّ الحاجة يمكن أن تكون من جهة انَّ أحدهما عليَّة للآخر دون العكس . -- وجوابه -- انَّ العلية تستدعي الاثنينية في الوجود لاختلاف المعلول والعلة في الوجود فلا تكون الماهية المركبَّة منهما ذات وحدة حقيقية مضافاً الى انَّ العلية لو كانت من أحد الطرفين دون الآخر لم تحصل الوحدة الحقيقية بين الأجزاء .

وثانياً : امكانَ أن تكون حاجة كل منهما الى الآخر بالتلازم . وجوابه - انَّ التلازم لا يكون إلا بين العلة والمعلول أو معلولين لعلة ثالثة فهو يرجع الى الحاجة بنحو العلية وقد عرفت عدم وجودها بين أجزاء الماهية .

وثالثاً : انَّ أحدهما مفتقر الى الآخر لتمييزه عما يشاركه في الوجود وعلة لرفع ابهامه . - وجوابه - انَّ الماهيات لا تحتاج في تمييزها عما يشاركها في الوجود أو غيره من العوارض العامة الى غير ذواتها إذ لو احتاجت لزم تركب كل ماهية من أجزاء لا تتناهى بل يلزم التسلسل لأنه كل جزء من أجزائها مشارك لغيره في الوجود أو الشيئية أو الامكان فيحتاج الى جزء مميَّز وننقل الكلام الى ذلك الجزء وهلم جرا . وللزم عدم وجود ماهية بسيطة لاحتياجها الى جزء يسيزها عما يشاركها في الوجود أو غيره من العوارض .

ورابعاً : إنا لا نسلم وجوب الاحتياج في الأجزاء المحمولة لأنها أجزاء ذهنية لا تمايز بينها في الوجود الخارجي وإنما يجب ذلك في الأجزاء الخارجية المتمايزة بحسب الوجود الخارجي الوجود الخارجي . - وجوابه - بأن دليل الحاجة لو تم فهو يدل على وجوب الاحتياج مطلقاً كيف والأجزاء الذهنية مأخوذة من

الخارجية كيف ولولا الحاجة لما حصلت وحدة حقيقية منها مصححة لحمل بعضها على بعض مضافاً الى ما قيل من انَّ تركَّب الماهية من الأجزاء العقلية إنما هو في مرتبة التقرر المتقدمة على مرتبة الوجود وهي متمايزة فيها فلابد من الحاجة بينها.

و خامساً : انَّ الدَّور بين المتساويين يكون دوراً معياً وهو ليس بمحال . -وجوابه - انَّ الدَّور المعي لا يتوقف فيه أحد الشيئين على الآخر لا بوجوده ولا بذاته وإنما بقاء هيئة هذين الشيئين يستند الى وجودهما بهذه الكيفية وإلا فأصل وجودهما يستند الى جعل جاعل نظير هيئة سائر المركبات الاعتبارية بخلاف ما نحن فيه فانَّه لابد وان تكون نفس ذات الأجزاء بينها الارتباط والحاجة .

وسادساً : انَّ التساوي بينها إنما كان في الصدق وهو لا يلزم منه التساوي في مقتضيات الطبيعة فيجوز أن يكون أحدها فيه اقتضاء الاحتياج دون الآخر فلا يلزم الترجيح بلا مرجح نظير العارض والمعروض المتساويين والعلة والمعلول المتساويين.

وسابعاً : انَّ كلاً منها يحتاج الى الآخر من جهتين كاحتياج الجنس الى الفصل والفصل الى الجنس من جهتين فانَّ الجنس محتاج الى الفصل من جهة رفع ابهامه والفصل محتاج الى جنسه من جهة حلوله فيه كما سيجيء إن شاء الله وكالهيولى والصورة فانَّ الهيولى محتاجة الى الصورة في التشكل أو البقاء والصورة محتاجة اليها في الوجود أو التشخص كما قيل . والأولى ان يستدل على امتناع تركَّب الماهية من أمرين متساويين بأنه لابد من وجود الحاجة بين أجزاء الماهية لتحصل بينهما وحدة حقيقية ولا يمكن أن تكون

من أحد الجانبين فقط وإلا لم تحصل الوحدة الحقيقية وكانا من قبيل العارض والمعروض والعلة والمعلول المتساويين بل لابد أن تكون الحاجة من الجانبين ولا يمكن أن تكون بنحو العلة والمعلول لما عرفت من انَها تستدعي الاثنينية في الوجود وهي تنافي الوحدة الحقيقية بينهما ولا بنحو رفع أحدهما ابهام الآخر لتساويهما فلابد أن تكون الحاجة بينهما بالحلولية بأن يكون كل منهما حالاة في الآخر ومحلاً له ولازم ذلك هو الدَّور لأن الحال متوقف على محله فيكون متقدماً عليه .

اتجنس وأحكامه

تعریف انجنس

(عرَّفوه بأنه المقول على الكثرة المختلفة الحقايق في جواب ما هو ) . ويرد عليهم ايرادات عشرة .

أولاً : انَّه لا دليل على تحقق الجنس في ماهية من الماهيات الحقيقية فانَّ ذلك ليس مما يحكم العقل بداهة به نعم التركَّب من الأجزاء في الماهيات الاعتبارية متحقق ولكن التركب من الأجزاء المتساوية فيها مما اتفق العقلاء على جوازه . - وجوابه - ان الدليل عليه هو وجدان المحمولات المشتركة بين الماهيات التي لو زالت عن الماهيات لتبدلت حقيقتها فان الحيوانية لو اتتفت عن الانسانية لتبدلت حقيقتها الى غير ذلك من المميزات المذكورة في تمييز الذاتي فانَها لو وجدت في تمام مشترك كان جنساً لا محالة . مضافاً الى ان الجنس عبارة عن المادة و الهيولى فالدليل الدال على وجود المادة والهيولى يكون دليلا على وجود الجنس .

وثانياً : انَّ الكثرة تطلق على ما يقابل الوحدة أي التعدد وتطلق على

ما يقابل القلة فيقال : واحد وكثير ويقال : قليل وكثير فاستعمالها في التعريف استعمال للمشترك بدون قرينة .-وجوابه - انَّ الكثرة بأي واحد من المعنيين أريدت كان التعريف صحيحاً فلا يضر استعمالها فيه بدون قرينة .

وثالثاً : انَّ الحد التام لكل جنس يدخل في هذا التعريف فالحد التام للحيوان اعني ( الجسم الحساس المتحرك بالارادة ) أيضاً كذلك . وجوابه - المنع من وقوع الحد التام للجنس في جواب ما هو عند السؤال عن الحقايق المختلفة وإنما يصح وقوعه لو سئل بما هو عن نفس الجنس كأن قيل : (ما الحيوان) لأنه لا يقال إلا بحسب الخصوصية . ولو سلمنا وقوعه فهو خارج عن أصل المقسم لأن هذه الكليات أقسام للكلي وهو يخص المفاهيم المفردة والحد التام مفهومه مركَّب . إلا اللهم أن يقال : إن الكلي لا يختص بالمفاهيم المفردة بل يعم المركبة .

ورابعاً : انَّ الجنس جزء الماهية وجزء الشيء لا يقال عليه فانَّ السقف لا يحمل على البيت والرقبة لا تحمل على الانسان إلا تجوُّزا . -- وجوابه - انُّ الأجزاء العقلية ومنها الجنس باعتبار اتحاد وجودها مع المركب فهي عينه في الخارج ويصح حملها عليه بخلاف الأجزاء الخارجية فانَّ لها وجودَّ استقلالياً في الخارج غير المركَّب فلذا لم يصح حملها عليه لأنها غيره خارجاً . وخامساً : ان الكلي لا يعلم انَه مقول على الكثرة المختلفة الحقائق إلا اذا علم انه جنس ومقتضى تعريف الجنس بالمقول ان الكلي لا يعرف انَه جنس إلا اذا علم انَه مقول كذلك فلزم الدَّور . - وجوابه -- انَّ هذا الايراد لو تم لما صح تعريف كل شيء . وحله انَّ المقدمة الأولى غير صحيحة فانَّ كون لما الكلي كذلك يعلم من كونه تمام المشترك الذاتي أو الوجدان أو الأخذ من

المادة والهيولى مضافاً الى انَّ ما ذكره الخصم لا يجيء بالنسبة الى العالم والمستعلم .

و سادساً انَّ التعريف لا يجيء في الأجناس التي لا أفراد لها في الخارجلأنها لا تقال على الكثره وهكذا في الأجناس التي لم يلتفت اليها الذهن .ودعوى انَّه اريد المقول بالقوة أو بالفرض أو بالشأن أو بالامكان . فاسدة للزوم التجوُّز في التعريف لكون المشتق حقيقة فيئن تلبس بالمبدأ مضافاً الى أنهم أخذوا في التعريف لفظ ( الحقيقة ) وهي مختصة بالماهيات الموجودةوأيضاً ما هو سؤال عن الحقيقة ولا حقيقة إلا للموجودات الخارجية . -وجوابه - ان المراد (بما يقال ) هو القول بالفعل وليس يلزم خروج الأجناس المذكورة لأن مرادهم انه يحمل ويقال في وقت السؤال بما هو ولا اشكال انّه عند السؤال بما هو عما ذكر يكون الجواب هو الجنس ويحمل عليها بالفعل. هذا مضافاً الى انّه لا مانع من أن يراد به القول بحسب الاقتضاء والصلاحية فانَّ شأن التعاريف هو ذلك كتعريف الانسان بأنه متعجب أو ضاحك . وامَّا لفظ الحقيقة فعند المنطقيين يطلقونه على الماهية سواء كانت موجودة أو معدومة وامَّا السؤال بما هو فليس مختصاً بالحقيقة الموجودة بل يصح السؤال به عن الماهية المعدومة أيضاً.

وسابعاً : انَّ الجنس جزء الماهية والجزء يتقدم على الكل في الوجود وشرط المحمول أن يتحد مع الموضوع في الوجود . --- وجوابه --- انَّ الجزء لا دليل على تقدمه في الوجود وإنما يتقدم بالذات أو بالطبع كما انَا لا نسلم انَّ شرط المحمول ان يتحد مع الموضوع في الوجود فانَّ الأعراض تحمل على موضوعاتها وليست بمتحدة الوجود معها .

وثامناً : انَّ الجنس ان كان موجوداً كان مشخصاً إذ الشيء ما لم يتشخص لم يوجد كما قرر في علم الحكمة واذا كان مشخصاً كان جزئياً واذا كان جزئياً فليس بمقول على الكثرة وليس من أقسام الكلي وان كان الجنس معدوماً في الخارج لم يكن بمقوِّم لما تحته من الحقائق المختلفة لأنها موجودات فلا يعقل ان يقوِّمها الأمر العدمي لأن المحصل لا يكون جزؤه أمراً عدمياً واذالم يكن الجنس مقوماً فلا يقع في جواب ما هو لأنه لا يقع في جوابه إلا نفس الماهية أو جزئها المقوم للمسؤول عنه به . - وجوابه - انَّ الجنس موجود ولكن الوجود ليس بسقوم له وجزء منه وإلا لاستحال عدمه وانما هو عارض عليه فيكون التشخص الحاصل بسبب الوجود عارض على الجنس لا أنه مقوِّم له . وعليه فالجنس في وعليه فالجنس في حد ذاته ليس فيه ما يسع من مقوليته على كثيرين فانَّ التشخص كان خارجاً عن ذاته فهو باعتبار ذاته كلى ومقول على الكثرة ومشترك بين الحقائق المختلفة وباعتبار الأمر الخارج عنه يكون شخصياً وجزئياً ومختصاً فيقوليته على الكثرة في مرتبة وتشخصه وجزئيته في مرتبة اخرى فلا تنافي بينهما وقد تقدم في الكلي الطبيعي ما ينفعك هنا .

وتاسعاً : انَّ من الأجناس ما يسكن أن يكون منحصراً في نوع أو منحصراً في نوعين فحينئذٍ لم يكن مقولاً على الكثرة المختلفة الحقائق إذ أقل الجمع ثلاثة. -وجوابه- مضافاً الى ما سبق من جواب الايراد السادس : انَّ الجنس المنحصر في نوع واحد لا يوجد إذ لا يعلم جنسيته إلا اذا كان تمام المشترك بين نوعين فصاعداً وامَّا الجنس المنحصر في نوعين

فيشمله التعريف لأن الجمع المنطقي أقله اثنان .

وعاشراً : انَّ النوع الاضافي داخل في تعريف الجنس لأنه قد يكون

كلياً مقولاً على الكثرة المختلفة الحقائق في جواب ما هو كالحيوان فانَّه نوع اضافي مع انَّه جنس . - وجوابه - انَه لا مانع من دخوله بعد ما كانالنوع الاضافي يجتمع مع الجنس مصداقاً . نعم يكون ذلك المصداق كالحيوان جنساً باعتبار انَه يقال على الكثرة ويكون نوعاً اضافياً باعتبار انَه يندرج تحت الجنس .

الجنس تمام المشترك

(قالوا انَّ الجنس تمام المشترك بين الحقائق المتعددة). ويرد عليهم ايرادان .

أولاً : انَّ الأجناس العالية كالجوهر فانَها ليست بتمام المشترك بين الحقائق التي تحتها كالانسان والفرس وهكذا الاجناس المتوسطة كالجسم النامي فانَها بأجمعها أجزاء لتمام المشترك وهو الجنس القريب . -وجوابه - انَّ مرادهم انَّ الجنس يكون تمام مشترك بين حقائق متعددة لا أنه تمام المشترك بين كل ما فرض من الحقائق المتعددة تحته ولا شك ان الجوهر تمام مشترك بين الانسان والملك وهكذا الجسم النامي تمام مشترك بين الشجر والانسان . وان شئت فقل : انَّ الجنس لابد وان يكون تمام المشترك بين جميع ما تحته ولا يلزم أن يكون تمام المشترك بين كل بعض وبعض منه .

وثانياً : انَّ الأجناس البسيطة كالجوهر ليست بمركُّبة من أجزاء حتى تكون تمام المشترك . - وجوابه - انَّ المراد بتمام المشترك هو انَّه تمام ما كان مشترك فيه من الحقائق بمعنى انَه لا يكون جزء مشترك بينها خارجاً عنه بل هو امَّا نفسه أو جزئه وليس المراد بتمام المشترك أنه تمام الأجزاء المشتركة فالأجناس البسيطة تمام المشترك بالمعنى الأول .

تقسيم الجنس الى القريب والبعيد

(قالوا : انَّ الجنس إن كان جواباً عن الماهية وعن كل ما يشاركها فيه فالجنس قريب كالحيوان فانَه يقع جواباً للسؤال عن الانسان وعن كل ما يشاركه في الحيوانية وان لم يقع جواباً عن الماهية وعن كل ما يشاركها فيه فبعيد كالجسم فانَه يقع جواباً عن الانسان والحجر ولا يقع جواباً عن الانسان والفرس ) . ويرد عليهم ایرادان .

أولاً : انَّ تعريف الجنس القريب صادق على الجنس البعيد وذلك لأن الجسم يقع جواباً عن السؤال عن الانسان والحجر ويقع جواباً عن الانسان اذا ضم الى جميع ما يشاركه في الجسم . - وجوابه --- انَّ هذا يتم لو كان

المراد بالكل الكل المجموعي ولكن المراد به الكل الافرادي بأن يكون المراد وعن كل واحدة من مشاركاتها لا عن المشاركات بأجمعها ومن المعلوم ان الجسم لا يكون جواباً عن الماهية اذا ضمت لأي واحد من المشاركات فيه فانَه لا يقع جواباً عن الانسان والفرس .

وثانياً : انَّ تعريف الجنس القريب لا يصدق على الجنس المنحصر نوع واحد إذ لم يكن يقع جواباً عن المشاركات فيه لعدم وجودها . - وجوابه - لو سلمنا وجود مثل هذا الجنس لعدم العلم بأنه تمام المشترك بين الحقائق المختلفة فنقول : إنه يقع جواباً عن جميع الماهيات التقديرية المشاركة للنوع فيه .

مراتب الاجناس

( قالوا : مراتب الجنس أربع لأنه امَّا أعم الأجناس وهو الجنس العالي ويسمى بجنس الأجناس أو أخصها وهو الجنس السافل وما بينهما متوسطات

أو ليس فوقه جنس ولا تحته جنس وهو الجنس المفرد ) . ويرد عليهم أربع ايرادات .

أولاً : انُّ السافل من الأنواع يسمى بنوع الأنواع دون العالي وهنا في الأجناس انعكس الأمر فالعالي يسمى بجنس الأجناس دون السافل .- وجوابه - انَّ نوعية النوع لنوع آخر إنما كانت باعتبار اندراجه تحته فنوعية الانسان للحيوان باعتبار اندراج الانسان تحته فكان السافل من الأنواع نوعاً لسائر الأنواع التي فوقه بخلاف جنسية الجنس الجنس آخر فائما تكون باعتبار أعميته منه لأن الجنس للشيء إنما يكون جنسأ له اذا كان أعم منه فكان العالي من الأجناس جنساً لسائر الأجناس التي تحته .

وثانياً : انَّ الجنس المفرد ليس من المراتب لأنه ليس بينه وبين الأجناس ترتب فكان عليهم أن يبدِّلوا المراتب بالأقسام أو يخصُّوها بالثلاثة كما صنعه بعضهم .

وثالثاً : انَّ تعريف الجنس المفرد كان بأمر عدمي مع انَّه أمر محصل -وجوابه - : انَه رسم وذلك الأمر العدمي خاصة له . ورابعاً : انَّ مراتب الأجناس اذا لم تكن تتناهى الأجناس فليس لها جنس الأجناس . - وجوابه - انَه قد تقرر في محله انَّ الأجناس لابد من تناهيها وإلا للزم تركب الماهية من الأجزاء التي لا تتناهى وقد اثبتنا بطلانه في جواب الايراد التاسع على حصر الكليات في خمسة .

عدم وجود جنسين في مرتبة واحدة

( قالوا : لا يوجد جنسان لماهية واحدة بفصل واحد في مرتبة واحدة بأن لم يكن أحدهما جنساً للآخر سواء كانا قريبين أو بعيدين وإلا لزم

الاستغناء عن الذاتي لأن الماهية النوعية تتقوم بجنس واحد فاذا حصل أحد الجنسين معالفصل استغنى عن الآخر ) . ويرد عليهم ايرادان.

أولاً : انَه يمكن أن يكون الجنس مع الفصل فصلاً للجنس الآخر .-وجوابه - انَه سيجيء إن شاء الله ان الفصول كلها بسيطة لا تتركب من الأجناس والفصول .

وثانياً : انَّ للخصم ان يلتزم بأن هذه الماهية متقومة بهذين الجنسين لا بأحدهما . ودعوى انَّ الجنس هو تمام المشترك فاذا كانت الماهية متقومة بالجنسين كان كل منهما بعض المشترك ويكون مجموعهما هو تمام المشترك فيكون مجموعهما هو الجنس . فاسدة إذ للخصم أن يفرض انَّ بين هذين الجنسين عموم من وجه ويكون مورد اجتماعهما هذه الماهية فحينئذ يكون كل منهما تمام المشترك بينها وبين بعض الماهيات ويقع أحدهما لو سئل عن هذه الماهية وعن مشاركاتها فيه لكونه تمام المشترك بينهما ويقع الآخر لو سئل عنها وعن مشاركاتها فيه . والأولى أن يستدل على ذلك انَه لما كان الجنس هو المادة والفصل هو الصورة وانما الفرق بينهما باللا بشرطية وبشرط لا وقد تقرر في محله ان الماهية لها مادة واحدة وصورة واحدة كان للماهية جنس واحد وفصل واحد وهذا الدليل إذا تم ينفع في موارد كثيرة في هذا الباب . أو أن يستدل على ذلك بتمهيد مقدمتين احداهما : انَّ أجزاء الماهية ذات الوحدة الحقيقية لابد من وجود الحاجة بينها وإلا لكانت الأجزاء كالحجر الى جنب الانسان واستقل كل منها بوجوده عن الآخر فلم تحصل بينها الوحدة الحقيقية المتماسكة . وثانيهما : انَّ الجنس محتاج الى الفصل في تحصله أي تحقق النوع به ورفع إبهامه والفصل محتاج الى الجنس احتياج

الحال الى محله اذ الفصل حال في الجنس لأنه لو لم يحتج اليه لما كانت وحدة حقيقية بينهما لما تقدم من أن الاحتياج من أحد الطرفين دون الآخر لا يوجب الوحدة الحقيقية وإنما كان احتياج الفصل الى الجنس بهذا النحو دون التلازم أو العلية إذ لو كانا متلازمين لما انفك أحدهما عن الآخر مع انَّ الجنس ينفك عن الفصل ولو كانا بنحو المعلولية لكان كل منهما مستقلاً عن الآخر في وجوده فانَّ وجود المعلول غير وجود العلة مع انَّ العلية إنما تنفع من جانب الجنس إذ الكلام في احتياج الفصل الى الجنس ومن المعلوم انَّ الجنس لو كان علة لمَا وجد بدون الفصل لأن العلية لابد وأن تكون بين ذاتيهما إذ لو كانت موقوفة على الغير كانت الماهية موقوفة ذاتها على غيرها واذا كانت ذات الجنس علة تامة للفصل استحال انفكاك الفصل عن الجنس . وكون الفصل علة للجنس إنما هو في رفع ابهامه لا في الوجود والتحقق مضافاً الى أن الفصل لا ينفك عن الجنس . اذا عرفت ذلك من انَّ أجزاء الماهية لابد من وجود الحاجة بينها والفصل حال في الجنس فنقول : انَّ أحد الجنسين مع الفصل تكون بينهما الحاجة فيبقى الجنس الآخر لا حاجة بينه وبين الجنس الآخر . ولا الفصل محتاج اليه أيضاً لأن الفصل قد حل بذلك الجنس فاستغنى عنه مضافاً الى أنه محال ان يحل شيء واحد بمحلين .

عدم تحصل أحد الجنسين بالاخر

(قالوا : لا يمكن أن يكون لماهية واحدة جنسان يكون كل منهما فصلاً للآخر ومميزا لهذه الماهية عما يشاركها في الجنس الآخر بأن يكون بينهما عموم من وجه ويزول باجتماعهما ابهام كل منهما بالآخر من دون وجود فصل لهما وقد توهم بعضهم ان الانسان من هذا القبيل بدعوى ان الناطقية

جنس مشترك بينه وبين الملك والجن والحيوانية جنس مشترك بينه وبين سائر الحيوانات فالناطقية تميزه عن المشاركات في الحيوانية والحيوانية تميزه عن المشاركات في الناطقية واستدلوا على محاليته بلزوم احتياج كل منهما للآخر في تحصيله وتكميله ورفع ابهامه فيكون كل منهما علة للآخر في ما ذكر وهو الدور الباطل ) . ويرد عليهم . انَّ كلاً منهما علة للآخر في رفع ابهامه من جهة غير جهة الآخر فانَّ كلاً منهما باعتبار أخصيته عن الآخر يكون رافعاً لابهامه . والأولى أن يستدل على ذلك بأن الفصل كما تقدم عارض على الجنس فاذا كان كل منهما فصلاً للآخر والآخر جنس له لزم كون كل منهما عرضاً ومعروضاً . ودعوى انَّ اختلاف الجهة يصحح ذلك فانَه باعتبار أخصية كل منهما يكون عارضاً فاسدة لأن اختلاف الاعتبار یصحح لا العارضية والمعروضية إذ الدور لازم لتوقف كل منهما على الآخر في ذاته واما مثال الانسان فنقول : انَّ الناطقية ان كان المراد بها الصورة النوعية للانسان أو النفس الناطقة فهو ليس بمشترك بين الانسان والملك بل مختص بالانسان وإن كان المراد بها قوة ادراك المعقولات فهو ليس بفصل للانسان بل هو من آثار فصله نظير قوة الشجاعة والكتابة .

ما لا جنس له لا فصل له وبالعكس

( قالوا : انَّ ما لا جنس له لا فصل له وبالعكس لأن الماهية اذا تركبت من أمرين فأحدهما إن كان أعم فهو الجنس وإلا فيكونان متساويين وقد برهن على بطلان تركب الماهية من أمرين متساويين ) . ويرد عليهم . انَه من الممكن تركبها من أمرين بينهما عموم من وجه أو متباينين . - وجوابه -انَه لا يمكن تركب الماهية من أمرين بينهما عموم من وجه كما تقدم في عدم

تحصل أحد الجنسين بالآخر . ولا من متباينين لأن الكلام في الأجزاء الذهنية للماهية وهي متحدة الوجود في الخارج وإلا لما حصلت وحدة حقيقية منهما فلابد أن يتصادقا على الماهية ومع التصادق عليها لا تكون بينهما مباينة كما انَه لا معنى لفرض انَّ أحدهما أخص لأنه ان كان المراد به أخص من الماهية لزم تحقق الماهية بدون جزئها وان كان المراد به أخص من الجزء الآخر فمعناه ان الجزء الآخر يكون أعم منه فيكون جنساً وهو المطلوب .

لا يجوز أن يكون الجنس والفصل أمرين عدميين

( قالوا : انَّ النوع منه ما هو موجود في الخارج وله وحدة حقيقية ويسمى بالمحصَّل . ومنه ما هو من مخترعات العقل ويسمى بالاعتباري والاول لا يكون أحد أجزاء ماهيته وهما الجنس والفصل أمراً عدمياً وإلا لكان النوع عدمياً لأن انتفاء الجزء موجب لانتفاء الكل . والثاني يجوز فيه ذلك لأنه من مخترعات العقل ووجوده يكون في العقل والعدمي يوجد في العقل ولذا كانت حدود الأمور الاعتبارية مشتملة على أمور عدمية غالباً ). ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : انُّ الجنس والفصل أمران ذهنيان فلا يلزم من كونهما عدميين أن يكون المركَّب منهما أمراً عدمياً لجواز أن تحصل المطابقة للحقيقة الخارجية بأمور علمية في الذهن كما نجد ذلك في الخط فانَّه يقال : انَه كم متصل له طول لا عرض له فعدم العرضية كان جزء له في الذهن وإنما يلزم ذلك لو كانا جزئين خارجيين . - وجوابه وجوابه - انَهما كانا متحدين مع النوع المحصل في الجعل والوجود الخارجي . والعدمي يستحيل أن یتحد مع شيء آخر في

ذلك . وان شئت قلت : انَهما مأخوذان من الأجزاء الخارجية المادة والصورة . وامَّا النقض بالخط فنقول : انَّ عدم العرض كان من لوازمه لا انَه فصل له.

وثانياً : انَّ الفصل صادق على النوع وعلى نفسه كالناطق فانَه صادق على الانسان وعلى نفس النطق فيكون مشاركة للنوع في طبيعته بمعنى انَّ طبيعة الفصل مشاركة للنوع في نفس الفصل فالناطقية قدر جامع بين الانسانية والناطقية إلا انَّ طبيعة الفصل تمتاز عن النوع بعدم دخول الجنس فيها وما به الامتياز يكون هو الفصل فيكون الفصل مركباً من أمر وجودي وهو طبیعته ومن أمر عدمي وهو عدم الجنس . - وجوابه - انَّ عدم الجنس ليس بفصل للفصل لعدم تركب الفصل كما سيجيء إن شاء الله مضافاً الى انه لو كان عدم الجنس جزء من الفصل لزم تركب النوع من الجنس لأنه جزوه ومن عدم الجنس لأنه جزء لفصله . والفصل إنما يمتاز بذاته وبنفسه شأن سائر الماهيات البسيطة .

وثالثاً : انَّ النوع الاعتباري اذا كان موجودا فكيف يمكن أن يكون العدمي جزءاً منه فانَّ العدم لا يتصف بالوجود . - وجوابه - انَه موجود في العقل لا في الخارج والعدمي يتصف بالوجود في العقل .

الجنس ماهية مبهمة بخلاف النوع

( قالوا : انَّ الجنس ماهية مبهمة لأنها ناقصة مفتقرة في تحصلها وتتميمها الى ضم أمر آخر وهو الفصل بخلاف النوع فانَه ماهية كاملة تامة الذات لا تحتاج الى شيء آخر فلم يبق لها تحصل منتظر إلا باعتبار الوجود الخارجي والاشارة الحسية وذلك إنما يحصل بالأعراض المشخصة ) . ويرد عليهم. انَّ الجنس والنوع كل منهما بحسب ماهيته الجنسية أو النوعية تام كامل

متحصل لا نقصان في ذاته حيث لا يحتاج لشيء آخر ولا ابهام فيه بل هما متعينان تمام التعين والجنس إنما يحتاج الى الفصل ليس من جهة تقوِّم ماهيته به بل من جهة أن يصير نوعاً فهو نظير النوع في احتياجه للتشخص لأن يصير شخصاً . ودعوى انَّ الجنس مأخوذ لا بشرط والماهية التي لا بشرط لا تكمل إلا اذا انضمت الى شيء آخر بخلاف النوع . فاسدة فانَّ النوع أيضاً كذلك فاته ماهية لا بشرط ولذا صح حمله على الافراد المختلفة بالأعراض والأصناف. ودعوى ان ابهام الجنس من جهة وجوده لأن وجوده في كل المراتب فانياً في النوع سواء كان في العقل أو في الخارج فان الحيوانية التي تتعقلها مجردة عن كل الفصول ليست بجنس لأنها لا تقال على الكثرة وإنما الجنس هو الحيوانية اللا بشرط المتحدة الوجود مع الأنواع والفانية فيها لأنها هي التي تقال على الكثرة . وعليه فيكون وجود الجنس هو الوجود المردد بين الأنواع فلم يكن لوجوده تحصل استقلالي بخلاف النوع فانَه يوجد في الذهن مستقلا لا سيما على مسلك الاشراقيين القائلين بأرباب الأنواع فانَّ النوع يكون عندهم موجوداً مجرداً عن العوارض من الأين والكيف والوضع وغيرها بخلاف الأجناس فائها لا لها رب عندهم فکان لوجود النوع تحصُّل استقلالي في الذهن وفيما وراء المادة . فاسدة فانَّ النوع أيضاً وجوده فانياً في وجود أفراده . وامَّا النوع الذي يوجد مستقلا في الذهن فهو أيضاً ليس بنوع لأنه لا يقال على الكثرة وإنما النوع هو الذي يحمل عليها ويتحد بها فالانسان اللا بشرط هو النوع لا الذي بشرط لا . وامَّا رب النوع فعلى القول بوجوده يكون فرداً من النوع الكلي وهو متشخص بحسبه فانَّ الشيء اذا وجد تشخص . ودعوى انَّ النوع في الذهن

يوجد بدون الفرد لأن الفرد لو حصل في الذهن انقلب الذهن خارجاً فلا يكون النوع وجوده فانيا في وجود أفراده بجميع أطوارها . فاسدة أيضاً لأن الأفراد توجد في الذهن فان لزيد وجود ذهني يكون وجود الانسان فانياً فيه وعينه . وامَّا النوع الذهني المستقل بنحو الماهية المجردة فهو ليس بنوع لعدم حمله على الكثرة . - وجوابه - انَّ الجنس والنوع بالنسبة الى الاشخاص تكون ماهيتهما مبهمة على حد سواء ولكن الأجناس ابهامها أزيد باحتياجها الى الفصول دون الأنواع فالأنواع بالنسبة الى الفصول ماهيتها محصلة دون الأجناس فكل ما احتاج النوع لرفع ابهامه كان الجنس أيضاً محتاج اليه دون العكس .

الجنس معلول للفصل دون العكس .

(قالوا : انَّ الجنس معلول للفصل والفصل علة له فالناطقية علة للحيوانية في الانسان مستدلين على ذلك بأنه لو لم يكن بينهما عليَّة لاستغنى كل منهما عن الآخر فلا توجد بينهما حقيقة واحدة بل يكون كالحجر بجنب الانسان واذا ثبت انَه لابد أن تكون بينهما عليَّة فلا يعقل أن يكون الجنس علة للفصل وإلا لما انفك عن الفصل فتعين العكس وهو عليَّة الفصل للجنس ) . ويرد عليهم أربعة ايرادات .

أولاً : انَه إن أرادوا بكون الفصل علة للجنس انَه علة تامة فالأمر كما ذكر ولكن الحاجة التي يجب تحققها وثبوتها بين أجزاء الماهية غير مستلزمة أن يكون أحدهما علة للآخر بنحو العلة التامة . مضافاً الى انَّ ما ذكر انَما يلزم اذا كان الجنس له أنواعاً متعددة وامَّا اذا كان له نوع واحد فلا يلزم منه ذلك لأن كون الجنس علة تامة للفصل لا يقتضي وجود

الفصل في غير ذلك النوع لعدم وجود نوع آخر له . وان اريد بالعلية العلة الناقصة فيجوز أن يكون الجنس علة للفصل ولا يلزم من ذلك وجود الفصل في جميع موارد الجنس . - وجوابه - انَه لابد وان يكون علة تامة وإلا لصارت أجزاء الماهية تزيد على الجنس والفصل لأن الماهية تكون حينئذ محتاجة الى جزء آخر تتوقف عليه عليَّة الجنس للفصل وامَّا وجود الجنس المنحصر في نوع واحد فغير معلوم لأن الجنس إنما يعلم وجوده اذا كانت الماهيات متعددة ووجد بينها تمام ذاتي مشترك . ولو سلمنا وجوده فحكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد فلو لم يكن الجنس علة للفصل لم يكن له في سائر الموارد وإلا كان علة له في سائر الموارد .

وثانياً : انَّ عليَّة الفصل كالناطق مثلاً إن كانت للجنس المطلق كالحيوان المطلق لم يكن الفصل مقسماً له لأن المعلول كان مطلقاً لا حصة خاصة . وان كانت للجنس المخصوص كالحيوان المخصوص لزم أن يخصص الجنس أولا وبعد تخصيصه لم يبق له حاجة بالفصل فيستغنى عن الفصل لارتفاع ابهامه بالتخصیص. -وجوابه- انه علة لمطلق الجنس ويقسمه باعتبار أنه بانضمامه الى المطلق يصير مقسماً له .

وثالثاً : انَّ الفصل ليس بعلة للجنس وإلا لتعدد وجودهما فانَّ وجود العلة غير وجود المعلول مع انَّهما متحدان في الوجود والجعل حتى في الذهن - وجوابه - انَّ الفصل علة للجنس في تكميله ورفع ابهامه وتحصله أي تحقق النوع به . والعلية بهذا المعنى لا تستدعي تعدد الوجود .

ورابعاً : انَّ الماهية المركّبة من ذات وصفة كالحيوان الكاتب تكون الذات جنسها والصفة فصلها مع امتناع كون الصفة علة للذات لتأخرها عنها .

-وجوابه - مضافاً الى ما عرفت من انَّ العليّة هنا بمعنى رفع الابهام لا مانع منها . إن الكلام في الماهيات ذات الوحدة الحقيقية والماهية المذكورة ماهية اعتبارية.

الجنس الواحد لا يكون له فصلان

في ماهية واحدة

(قالوا : انَّ الماهية الواحدة لا يكون لجنسها فصلان في مرتبة واحدة والمراد بكونهما في مرتبة واحدة انَه ليس أحدهما فصل لجنس أعلى والآخر فصل لجنس أدنى كالحساس والناطق فاتهما فصلان للانسان لكنهما ليسا في مرتبة واحدة والحاصل ان الفصل القريب للماهية الواحدة لابد وان يكون واحداً واستدلوا على ذلك بأن الفصل لما كان علة للجنس كان تعدده في الماهية الواحدة موجباً لتوارد العلل على معلول واحد وهو جنس تلك الماهية ) . ويرد عليهم ايرادات خمسة .

أولاً : انَّ المستحيل هو توارد العلل على الواحد بالشخص وهنا قد تواردت العلل على الحصة من الجنس وهي واحدة بالنوع . - وجوابه - انَه قد تواردت في المقام على الواحد بالشخص أيضاً لأنه أي حصة شخصية من هذا الجنس كان لها فصلان مشخصان ، مضافاً الى ما تقدم في مبحث عدم جنسين لماهية واحدة من وجوب حاجة أجزاء الماهية بعضها الى بعض . والجنس اذا تحصَّل وارتفع ابهامه بأحد الفصلين لم تبق بينه وبين الفصل الآخر أي حاجة .

وثانياً : انَه لا مانع من توارد العلل على معلول واحد . - وجوابه - انَه قد تقرر في محله عدم جواز ذلك للزوم استغناء المعلول عن العلة لأنه اذا حصل بأحدهما فالأخرى لا أثر لها فهي ليست بعلة وان حصل بالمجموع

فالمجموع هو العلة لا كل واحد منها .

وثالثاً : ان الجنس يتحصل بهما معاً لا بواحد منهما منفرداً فلا تتوارد العلل على معلول واحد . - وجوابه وجوابه - انَه على هذا صار المجموع فصلاً واحداً لا كل منهما مضافاً الى لزوم تركب الفصل من أمرين متساويين وقد تقدم بطلانه .

ورابعاً : انَّ الحساس والمتحرك بالارادة فصلان قريبان في مرتبة واحدة للحيوان . - وجوابه - انَّ ماهية الفصل قد تكون غير معلومة إلا باعتبار عوارضها فيدل عليه بأقرب عوارضه ويطلق عليه الفصل تسامحاً كما فيما نحن فيه فانهم وضعوا الحساس والمتحرك بالارادة مكان الفصل الحقيقي للحيوان فتخيل انَهما فصلان قريبان له .

و خامساً : انَّ الجنس كما يصدق على فرد واحد من أفراده يصدق على الكثرة من أفراده بلا تفاوت كما مر في تعريف الجنس من انَه يقال على الكثرة فكما ان الواحد فرد له كذلك الكثرة فرد له فيكون له فردان كل واحد واحد من افراده وكل كثرة كثرة من افراده فالحيوان كما يكون كل من الفرس والانسان على الانفراد فرداً له كذلك مجموعهما أيضاً فرداً له لصدقه عليهما بلا تفاوت أصلاً وحيث انَّ أفراد الجنس تحتاج الى فصل يميز بعضها عن بعض فلابد لهذا المجموع من الانسان والفرس من فصل يميزه عما عداه ومن المعلوم انَّ فصل هذا المجموع هو الصاهل والناطق ولا شك انَهما اثنان فيلزم أن يكون للماهية الواحدة وهي المجموع المركِّب من یالانسان والفرس فصلان قريبان مع انَّ الجنس واحد وهو الحيوان. -وجوابه - إنا لو سلمنا انَّ المجموع فرد واحد وانَه يصدق عليه بصدق

واحد لا بأصداق كثيرة فنقول : انَّ المجموع يكون فصله هو مجموع الفصلين لا انَّ كل واحد منهما فصل له إذ ليس أحدهما يميز المجموع عما عداه ألا ترى انَّ الناطق لا يميز مجموع الانسان والفرس عما عداه اذ لا يميِّزه عن الانسان وحده نعم مجموع الناطق والصاهل يميِّز مجموع الانسان والفرس عن جميع ما عداه فهما فصل واحد لا فصلين مضافاً الى انَّ المجموع ماهية اعتبارية ليست لها وحدة حقيقية ونحن كلامنا في الماهيات ذات الوحدة الحقيقية ولذا كان فصلها مركبَّاً وإلا فالفصل لا يتركِّب من أمرين متساويين لما تقدم من عدم تركَّب كل ماهية حقيقية من أمرين متساويين .

النوع وأحكامه

تعريف النوع

(عرَّفوه بأنه : المقول على الكثرة المتفقة الحقيقة في جواب ما هو ) . ويرد عليهم ثلاثة عشر ايراداً .

أولاً : أنهم قد قدَّموا الكلام في النوع على الفصل مع انَّ الفصل کانجنس جزء منه . - وجوابه - انَه لما كانت معرفة بعض أحكام الفصل موقوفة على معرفة النوع ككونه مقوماً أو مقسماً قدَّموا الكلام فيه على الفصل .

وثانياً : انَّ الكثرة التي يقال عليها النوع ليست بمتفقة الحقيقة فانَّ؛ حقيقة افراد النوع مركّبة من نفس الماهية النوعية مع المشِّخصات فحقيقة زيد عبارة عن الانسانية مع مشخصاته . - وجوابه انَّ الحقيقة هي نفس النوع والمشخصات عوارض غير معتبرة في حقيقة أفراد النوع ولذا لو تبدلت لم يخرج الفرد عن ذلك النوع وقد تقدَّم في جواب الايراد الثالث

على حصر الكليات ما ينفعك هنا .

وثالثاً : انَّ النوع لا يكون عين حقيقة ما تحته من الأفراد لأن الفرد عبارة عن الماهية المقيدة بالتشخص على نحو يكون القيد والتقيد داخلاً فيه فيكون النوع جزءاً من حقيقة الأفراد لا انَه عينها . - وجوابه - ما سبق في جواب الايراد الثالث على حصر الكليات .

ورابعاً : انَّ هذا التعريف يشمل الأجناس بالنسبة الى حصصها فانّالأجناس تقال على الكثرة المتفقة الحقيقة وهي حصصها في جواب ما هو. -وجوابه - انَه لا مانع من ذلك كما سبق في جواب الايراد الثاني والعشرين على حصر الكليات في خمس .

وخامسا : انَّ تعريف النوع غير مانع لدخول الجنس فيه فانَّ الجنس أيضاً يقال على الكثرة المتفقة الحقيقة في جواب ما هو اذا ضم اليها ما يخالف حقيقتها فالحيوان يقال في جواب ما هو عند السؤال عن زيد وعمرو وبكر اذا ضم اليها الفرس . - ودعوى انَّ الظاهر هو المقولية بالذات لا بالعرض ومقولية الحيوان على المتفقة الحقيقة بالعرض بواسطة وجودها في ضمن السؤال المشتمل على المختلفة الحقيقة . فاسدة . فان المقولية ليست بظاهرة في ذلك . ودعوى انَّ المراد المقولية على المتفقة الحقيقة فقط والجنس لا يقال على المتفقة الحقيقة فقط بل يقال على المختلفة الحقيقة أيضاً . فاسدة لأن تعاريف القوم خالية عن قيد فقط . - وجوابه - انَّ الظاهر من الوصف بمتفق الحقيقة انَه لم ينضم اليها ما يخالفها وإلا لكان مختلف الحقيقة فانَّ ظاهر الأوصاف والقيود في التعاريف انَها احترازية .

وسادساً : وسابعاً : وثامناً : وتاسعاً : وعاشرا : وحادي عشر : وثاني عشر

وثالث عشر : بما أوردناه على تعريف الجنس . أولاً : وثانياً : وثالثاً : وخامساً : وسادساً : وثامناً : وتاسعاً : وعاشراً .

النوع الاضافي

( قالوا : انُّ النوع الاضافي ما يقال على الماهية المقول عليها وعلى غيرها الجنس في جواب ما هو ) . ويرد عليهم ایرادات خمس .

أولا : إن اريد بالماهية ما به الشيء هو هو شمل هذا التعريف الشخص والصنف لأنه يقال عليهما الجنس عند السؤال عنهما وعما يغايرهما في الحقيقة في جواب ما هو وإن اريد بها الأمر المعقول كما ينسب للحكماء استعمالها فيه فالتعريف يشمل الصنف لأنه من المعقولات ويشمل الشخص أيضاً على القول بوجود الجزئيات في العقل وإن أريد بها ما يقال في جواب ما هو فالتعريف لا يشمل الشخص ولا الصنف لكونهما ليسا بماهية بهذا المعنى حيث انَهما لا يقالان في جواب ما هو لكن قيد ( المقُول عليها وعلى غيرها الجنس في جواب ما هو ) زايد في التعريف لأنه إنما أتي به لاخراج الفصل والخاصة والعرض العام مع انَّ هذه الامور تخرج عن التعريف بلفظ (الماهية) بهذا المعنى حيث انَّ المذكورات لا تقال في جواب ما هو . - وجوابه - انَّ المراد بالماهية هو المعنى الثالث ولا يلزم زيادة القيد المذكور لأنه يكون لاخراج النوع الحقيقي الغير الاضافي كالنوع البسيط على القول به ولاخراج جنس الأجناس كالجوهر فانَه ليس بنوع اضافي مع انه ماهية بالمعنى المذكور إلا إنه لا يقال عليه الجنس وألا لمَا كان جنس الأجناس فلولا هذا القيد لدخل في تعريف النوع الاضافي . ودعوى لزوم استعمال اللفظ المشترك في التعريف مدفوعة : بأنَّ هذا المعنى هو المشتهر عندهم .

و ثانياً : انَّ قيد (في جواب ما هو) زائد في التعريف ويغني عنه (المقول عليها وعلى غيرها الجنس ) . - وجوابه - انَه يكون لاخراج فصول الأجناس فانَها أنواع حقيقية بالنسبة لحصصها ويقال عليها الجنس لاتحاده معها وجوداً إلا انَه ليس في جواب ما هو لكونه خارجاً عن حقيقتها فائك قد عرفت انُّ الفصول حالة في الأجناس.

وثالثاً : انَّ أخذ كل من المتضايفين في تعريف الآخر باطل لتوقف معرفة كل منهما على الآخر . والجنس مضايف للنوع فانَّ جنسية الجنس بالنسبة الى ما تحته من الأنواع ونوعية النوع الاضافي بالنسبة الى ما فوقه من الأجناس . وبعبارة اخرى انَّ التضايف بين الجنس والنوع الاضافي هو بالفوقية والتحتية المعنويتين وكل منهما قد عرِّف بهذه الجهة فالجنس قد عرِّف بجهة الفوقية المعنوية التي هي المقولية على الأنواع المختلفة والنوع الاضافي قد عرّف بجهة التحتية المعنوية التي هي الاندراج تحت الجنس فهو نظير أن يعرف زيد بأنه الأب لعمرو ثم يعرِّف عمرو بأنه الابن لزيد هذا .

مضافاً الى انَّ المأخوذ في تعريف الجنس الحقيقة وهي عبارة عن النوع الاضافي وقد أخذ في النوع الاضافي الجنس فلزم الدَّور . -- وجوابه -- انَّ المقولية عليه والاندراج تحته ليستا عنواني الاضافة بل هما متصفان بالاضافة أعني انَّ المقولية عليه متصفة بالفوقية لا انَها عينها وهكذا الاندراج تحته متصف بالتحتية لا انَه عينها ولا إشكال في صحة أخذ المتصف بالاضافة في التعريف كما يقال : ( الحقَّة أربعة أواق والوقية أربعة أرباع ) فانَّ أربعة أواق متصف بالزيادة وأربعة أرباع متصف بالنقيصة وهما متضايفان . وامَّا دعوى لزوم الدَّور ففاسدة لأن المأخوذ في تعريف الجنس هو لفظ (الحقيقة)

وهي ما به الشيء هو هو وهي غير النوع الاضافي ولم يعتبر في معناها الاضافة للجنس .

ورابعاً : انَه صادق على الحد التام فانَه يقال عليه الجنس في جواب ما هو فاتَك اذا سئلت عن الحيوان الناطق والحجر وقع الجسم في الجواب . - وجوابه - انَا لو سلمنا انَّ الحد التام يقال عليه الجنس . فنقول : انَّظاهر لفظ الماهية هو المفهوم الواحد والحد التام مفهوم مركِّب .

وخامساً : انَّ الخاصة والعرض العام اذا كانا مركِّبين من جنس وفصل كان جنسهما يقال عليهما في جواب ما هو فيشملهما تعريف النوع الاضافي .-وجوابه- انَهما بهذا الاعتبار لا مانع من دخولهما في النوع الاضافي .

النسبة بين النوع الاضافي والحقيقي

(ذهب متقدِّموهم الى أن بينهما عموم من مطلق والعموم في جانب النوع الاضافي لأن كل حقيقي مندرج تحت مقولة من المقولات العشر لانحصار الممكنات فيها والمقولات العشر أجناس فيكون كل نوع حقيقي اضافي ) . ویرد علیهم ایرادان.

أولاً : انَّ النوع الحقيقي أعم من الاضافي مطلقاً لأن كل فصل بالنسبة الى حصصه الخاصة يكون نوعاً حقيقياً فانَّ الناطق بالنسبة الى النطق الموجود في افراد الانسان يكون نوعاً حقيقياً لأنه عين حقيقة ما تحته من الأفراد وهو ليس بنوع اضافي لعدم مقولية الجنس عليه في جواب ما هو لكونه ليس بجزء من حقيقته بل نسبته اليه كما قرر نسبة العارض لمعروضه وهكذا كل جنس عالي بالنسبة الى حصصه نوع حقيقي وليس باضافي لعدم مقولية الجنس عليه فظهر انَّ كل نوع اضافي كالحيوان فهو نوع حقيقي لأنه بالنسبة الى

حصصه يكون نوعاً حقيقياً لكونه عين حقيقتها ويكون مقولاً عليها في جواب ما هو وليس كل نوع حقيقي نوع اضافي فانَّ الفصول والأجناس العالية أنواع حقيقية وليست باضافية . ودعوى انَّ مثل الحيوان نوع اضافي إنما هو بالنسبة الى الانسان دون الحصص الحيوانية وكونه نوعاً حقيقياً إنما هو بالنسبة الى الحصص الحيوانية دون الانسان إذ ليس تمام حقيقته فكانت حيثية كونه نوعاً حقيقياً غير حيثية كونه نوعاً اضافياً فلا يصدق كل نوع اضافي نوع حقيقي من تلك الحيثية . فاسدة فانَّ الميزان في النسب وحدة المصداق وتعدده لا وحدة الحيثيات واختلافها وإلا لما وجد التساوي بين الكليات ألا ترى انَّ صدق الضاحك على الانسان من حيث الضحك وصدق الكاتب عليه من حيث الكتابة مع انَّ بينهما تساوي . - وجوابه -- انَّ كلام القوم في النسبة بينهما بلحاظ الأفراد الواقعية لا الحصص الاعتبارية كما انَّ حكمهم على الكليات بالجنسية والنوعية بلحاظ هذه الأفراد الواقعية لا بلحاظ تلك الحصص وإلا لكانت الكليات كلها أنواعاً .

وثانياً : عدم تسليم كون المقولات أجناساً لما تحتها ومع التسليم المنع من اندراج كل نوع حقيقي تحت مقولة وإنما يكون كذلك لو كان كل نوع حقیقي ممكناً مع إنًّ من النوع الحقيقي ما ليس بممكن كواجب الوجود وأيضاً نمنع انحصار الممكنات في المقولات العشر فانَه لا دليل لهم عليه إلا الاستقراء وما ذكروه من الأدلة العقلية عليه مناقش فيها وقد منعوا من صحة الاستقراء بأن الوحدة والنقطة والعقل أنواع حقيقية ممكنة وليست بمندرجة تحت مقولة من المقولات المقولات . - وجوابه - وجوابه - انَّ هذا الدليل إنما اقيم لمن قال بجنسية المقولات لما تحتها وانحصار الممكنات فيها وانَّ كل نوع حقيقي

ممكن وتحقيق ذلك يطلب من علم الحكمة فان تمت هناك تم المطلوب وإلا فالدليل المذكور لأعمية النوع الاضافي غير صحيح .

(ذهب متأخر وهم الى انَّ النسبة بين النوع الاضافي والحقيقي عموم من وجه لوجود الحقيقي بدون الاضافي لأن الماهيات امَّا بسائط أو مركّبات فإن كانت بسائط فكل منها نوع حقيقي وليس بنوع اضافي وإلا لتركّبت من جنس وفصل وهو خلاف المفروض وإن كانت مركّبات فهي لا محالة تنتنهي الى البسائط فتكون تلك البسائط أنواعاً حقيقية لا اضافية وقد مثلواللنوع الحقيقي البسيط بواجب الوجود والوحدة والنقطة والعقل ). ویرد علیهم ایرادان .

أولاً : انَّ المركّبات إنما تنتهي الى الماهيات البسيطة التي هي فصول أو أجناس لا أنواع حقيقية إذ الماهيات لا تتركب من الأنواع الحقيقية إلا بالمعنى الذي ذكرناه في الايراد الأول على مذهب المتقدمين في هذا المقام . وامنّا واجب الوجود فان أريد به المفهوم فهو ليس بنوع وإن اريد به مصداقه وهو الذات فهو ليس بكلي . وامَّا النقطة وباقي المذكورات فهي بسيطات خارجية والتركيب من الجنس والفصل لا ينافي البساطة الخارجية لأنهما أجزاء عقلية فلا دليل على عدم تركُّبها من الجنس والفصل.

وثانياً : انَّ كل ما سوى الله فهو حادث فالأنواع كلها حادثة وقد تقرر في محله انَّ كل حادث مسبوق بالمادة فيكون كل نوع مسبوق بالمادة والمادة عين الجنس ذاتاً فيكون كل نوع مسبوقاً بجنس وداخلاً تحت جنس .وعليه فلا يوجد نوع حقيقي بسيط لا جنس له فيبطل ما ذكره المتأخرون.- وجوابه - انَّ القاعدة المذكورة أعني كل حادث مسبوق بالمادة لو سلمت

فانَّما تسلم في الحوادث الزمانية لا في المجردات .

مراتب الانواع

( قالوا : مراتب الأنواع أربع لأنه امَّا أعم الأنواع وهو النوع العالي أو أخصها وهو النوع السافل ويسمى بنوع الأنواع وما بينهما أنواع متوسطة أو ليس فوقه نوع ولا تحته نوع وهو النوع المفرد ) . ويرد عليهم ايرادات خمسة .

أولاً : انَّ هذه المراتب لا تجيء في النوع الحقيقي لأن النوع الحقيقي تمام حقيقة ما تحته من الأفراد فلو كان فوقه نوع حقيقي لزم أن تكون لتلك الأفراد ماهيتان تامتان وهو محال لأن احداهما إن كانت كافية في تحقق حقيقتها تكون الاخرى خارجة عنها فتكون عارضة عليها وان لم تكن كافية بل محتاجة الى المجموع تكون كل منهما جزءاً للماهية لاتمامها هف . وثانياً : انَّهم قد خصوا الجنس والنوع بهذا التقسيم دون أن يقسموا الفصل اليها فيجعلوا فصل النوع العالي عالياً وفصل السافل سافلاض وفصل المتوسط متوسطاً وفصل النوع المفرد مفردا . - وجوابه - انَّ الذي دعاهم الى ذلك هو ملاحظتهم في هذا التقسيم كون الجنس له جنس والنوع له نوع . والفصل لا يكون له فصل كما سيجيء إن شاء الله ذلك .

وثالثاً : ورابعاً : وخامساً : بما أوردناه على مراتب الأجناس . أولاً : وثانياً : وثالثاً .

الصنف

( عرَّفوه بأنه : النوع المقيَّد بصفات عرضية كلية كالرومي ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : انَّ النوع اذا قيِّد بالصفات المساوية كالانسان اذا قيِّد بالضاحك ليس بصنف مع انَّ التعريف يشمله . - وجوابه - انَّ الصفات المساوية ليست بقيود حيث انَها لا تضيق دائرة المقيَّد بها وإنما هي صفات توضيحية واطلاق القيد عليها مسامحة .

وثانياً : انَّ الصنف اذا كان نفس النوع المقيِّد لم يكن صدقه على ما تحته صدقا عرضياً لأن صدق النوع على ما تحته صدقاً ذاتياً مع انٌّهم قد صرحوا بأن صدق الصنف على ما تحته صدقاً عرضياً . - وجوابه - انَّ المركّب من الداخل والخارج خارج عن حقيقة الشيء لعدم كونه بمجموعه مقوما له .

وثالثاً : انَّ الصنف او كان نفس النوع المقيَّد للزم التكرار في قولنا : الانسان الزنجي أسود اللون الى غير ذلك مما ذكر في المشتق لو كان الموصوف مأخوذاً في مفهومه فالحق انَّ النوع لم يؤخذ في مفهوم الصنف وإنما كان الصنف منتزعاً من الذات باعتبار نسبتها لبلد أو قبيلة أو نحو ذلك فهو نظير العرض الخاص أو العام في عدم أخذ النوع أو الجنس في مفهومهما .إلا اللهم ان يدعى انَّ هذا مجرد تباني من المنطقيين فانَّهم تسهيلاً للمتعلم رتبوا الكليات فجعلوا الجنس ثم تحته النوع ثم تحته الصنف ثم تحته الشخص وجعلوا كل مرتبة مأخوذ فيها المرتبة الأعلى منها فالشخص مأخوذ فيه الصنف والصنف مأخوذ فيه النوع والنوع مأخوذ فيه الجنس . ولذا قالوا : انَّ الصنف يعرف بالنوع مع الكلي المقيد به .

الفصل وأحكامه

تعريف الفصل

(عرَّفوا الفصل بأنه : المقول على الشيء في جواب أي شيء هو في ذاته ) . ويرد عليهم اثنا عشر ايرادا

أولاً : انَّ امتياز الماهية بالفصل انما هو عند العقل وهو موقوف على معرفة انَه فصل لها ومعرفة ذلك موقوف على حصول الماهية عند العقل إذ من المحال الحكم على المجهول وحصولها فيه موقوف على امتيازها عنده لأن الشيء ما لم يتميز لم يحصل فظهر انَّ امتيازها بالفصل موقوف على نفسه ويكون التمييز به من قبيل تحصيل الحاصل . - وجوابه - امَّا بالنسبة الى العالم والمستعلم فواضح وامَّا بالنسبة الى الانسان نفسه فهو ان الامتياز بالذاتي غير الامتياز بوجه ما فالماهية تحصل في الذهن بوجه ما فيعرف فصلها فيميزها به تميزاً ذاتياً .

وثانياً : انَّ الماهية اذا كانت شاملة لجميع الأشياء الذهنية والخارجية المحققة والمقدَّرة كالشيئية والامكان العام لا يكون جزؤها المختص بها ميزاً لها عما عداها أصلا لشموله لجميع الماهيات لأنه جزء الماهية الشاملة . - وجوابه - انَّ مثل هذه الماهية بسيطة لا فصل لها لأن لازم وجود الفصل لها وجود الجنس لها حيث أن ما لا جنس له لا فصل له ولازم وجود الجنس لها أن تكون هناك ماهية مباينة لها يكون الجنس تمام المشترك بينهما وهذا ينافي فرض عمومها . نعم لو قلنا بجواز تركب الماهية من فصلين بدون جنس أمكن فرض فصل لها وحينئذ فالفصل يميزها عن سائر المفهومات من حيث ذاتها لا من حيث وجودها ومصاديقها .

وثالثاً : انَّ المقول في جواب أي شيء إن اريد به خصوص المميَّز عن جمیع المشاركات للنوع خرج الفصل البعيد وان كان المراد به المميز في الجملة دخل الجنس لأنه يسيَّز في الجملة كالفصل البعيد ألا ترى انَّ الحيوان يميز الانسان عن الشجر والمدر . - وجوابه - انَّ المراد الأول والفصل البعيد يميِّز الجنس عن جميع المشاركات وإنما لا يميِّز النوع عن جميع المشارکات ولنا أن نقول : انُّ المراد الثاني ولكن بشرط أن لا يكون تمام المشترك .

ورابعاً : انَّ الفصل علة لحصة من النوع ويمتنع حمل العلة على المعلول . - وجوابه - مضافاً إلى أنه ليس بعلة لحصة من النوع وإنما هو علة لحصة من الجنس . انَّ العلة إنها لم تحمل اذا تغايرت مع المعلول في الوجود وامَّا اذا اتحدت في الوجود معه فلا مانع من حملها عليه والفصل متحد مع النوع في الوجود فيصح حمله عليه وقد تقدم بيان عليَّة الفصل للجنس في مباحث الجنس .

و خامساً : وسادساً : وسابعاً : وثامناً : وتاسعاً : وعاشرا : وحادي عشر : وثاني عشر : بما أوردناه . أولاً : وثالثاً : ورابعاً : وخامسا : وسادساً : وسابعاً : وثامنا : على تعريف الجنس وأولا على تعريف النوع .

بساطة الفصل

( ظاهر كلماتهم انَّ الجنس يتركب من جنس وفصل كالحيوان يتركب من الجسم النامي والحساس واما الفصل فانَه لا يتركّب لا من أمرين متساويين لأن الجنس يحتاج لأحدهما دون الآخر لارتفاع ابهامه باحدهما . مضافاً الى ما تقدم من عدم تركُّب الماهيَّة من أمرين متساويين . ولا من جنس وفصل لأن جنسه لا يرتفع به ابهام جنس الماهية لعمومه فيكون جنس الماهية إنما

يحتاج هذا الجزء المساوي للماهية لأنه هو الذي يرفع ابهامه فيكون هو فصله لا المجموع منهما مضافاً الى ما عرفت من عدم امكان تقوُّم جنسيین فصل واحد . ولا من عامَّين من وجه لعدم تركُّب الماهية منهما كما في مبحث عدم تحصل أحد الجنسين بالآخر فظهر أن الفصل دائماً يكون بسيطاً عقلياً كجنس الأجناس ) . ويرد عليهم ایرادان ·

أولاً : انَّ كل فصل يندرج تحت جنس الماهية المركّبة منه فالناطق يندرج تحت الحيوان والجوهر فلابد له من فصل يميزه عن المشاركات له في هذا الجنس وكل ما كان له فصل فله جنس لامتناع تركُّب الماهية من أمرين متساويين فظهر انَّ كل فصل مركّب من جنس وفصل . - وجوابه - انَّه لو تم لزم وجود التسلسل في أجزاء الماهية لأنا ننقل الكلام الى فصل الفصل وهلم جرا . ولو سلمنا جواز التسلسل في أجزاء الماهية . فنقول : ان الاندراج تحت الجنس لا يوجب أن يكون الجنس ذاتياً له وإنما يكونذاتياً له لو كان مقوِّماً له والجنس ليس بمقوِّم للفصل . والشيء اذا يكن له مشترك ذاتي يكون تميَّزه عن باقي الماهيات بنفسه وذاته كما في سائر البسائط .

وثانياً : انَّ الفصل لا يكون أعم المحمولات الذاتية لأن أعم المحمولات الذاتیه هي الأجناس العالية المسماة بالمقولات العشر والفصل كالناطق ليس منها قطعاً ولأنه المميز لأنواع تلك الأجناس كما يقتضيه تعريفه والأعم من الأجناس لا يميِّز شيئاً فلابد أن يكون الفصل داخلاً تحت أعم المحمولات الذاتية التي هي المقولات العشر لعدم خروج الممكن عنها عندهم فتكون جنساً له لأنها جنس لما اندرج تحتها فلابد له فصل يميزه عما يشاركه في تلك

المقولة لأن ما به الاشتراك غير ما به الامتياز فثبت انَّ الفصل مركّب من جنس وفصل . - وجوابه - انَه لو تم لزم التسلسل في أجزاء الماهية لأنا ننقل الكلام الى فصل الفصل على انَا لو سلمنا اندراج كل ممكن تحت مقولة من المقولات العشر فلا نسلم انَها جنس لكل ما اندرج تحتها فانَّ الماهيات البسيطة الممكنة مندرجة تحت أحد المقولات المذكورة لفرض عدم خروج الممكن عنها والحال انَّ المقولات عارضة عليها اذ لو كانت ذاتية لها لزم تركيبها . هف . فالفصل أمر بسيط يمتاز بنفسه عما عداه شأن سائر الماهيات البسيطة واندراجه تحت المقولات لا يوجب كونها جنساً له وفي المقام تحقيق تقدم فراجعه .

تقسيم الفصل الى القريب والبعيد

( قالوا : انَّ الفصل قريب اذا ميَّز النوع عن مشاركاته في الجنس القريب كالناطق للانسان وبعيد إن ميزه عن مشاركاته في الجنس البعيد كالحساس للانسان ) . ويرد عليهم خمسة ايرادات .

أولاً : انَّ الماهية المركّبة من أمرين متساويين كل من الأمرين فصل لها مع انَه لا يميزها لا عن المشاركات في الجنس القريب ولا البعيد حيث انَّها لا جنس لها فلا تنحصر الفصول في هذين القسمين. -وجوابه - مضافاً الى ما سبق من محالية مثل هذه الماهية يمكن أن يقال : انَّ القوم لم يكن غرضهم حصر الفصول بهذين القسمين وإنما كان غرضهم بيان وجود هذين القسمين في الفصول .

وثانياً : انَّ التقسيم يقتضي المغايرة والحال انَّ الفصل الواحد قد يكون قريباً وبعيدا معاً فانَّ مثل الحساس بالنسبة الى الحيوان قريب لأنه يميزه عن

جميع المشاركات له في الجسم النامي وبعيد بالنسبة الى الانسان لأنه إنما يميِّزه عما شاركه في الجنس البعيد وهو الجسم النامي دون القريب وهو الحيوان . - وجوابه - انَّ القرب والبعد من الاضافات والاضافات تتغاير بحسب المضاف اليه وهنا قد تغايرت بحسب المضاف اليه فانَّ الحساس إنماكان قريباً بالنسبة الى الحيوان وبعيداً بالنسبة الى الانسان

وثالثاً : انَّ النوع لفظ مشترك بين النوع الاضافي والحقيقي فاستعماله في التعريف لا يصح مع عدم القرينة المعينة للمراد . - وجوابه - انَّ مرادهم النوع الاضافي ومن راجع كلماتهم وجد القرائن على ذلك .

ورابعاً : انَّ تعريف القريب يصدق على البعيد لأن القريب يميِّز الشيء عن المشاركات في الجنس البعيد أيضاً فانَّ الناطق يميِّز الانسان عما يشاركه في الجوهر . - وجوابه - انَّ قيد ( فقط) مراد في تعريف البعيد بقرينة المقابلة بالقريب .

وخامسا : انَّهم خصوا الجنس والفصل بهذا التقسيم ولم يعمموه للنوع مع امكان أن يقال : انَّ النوع الاضافي الذي يختص بالماهية نوع قريب وما فوقه من الأنواع نوع بعيد كيف والجنس القريب هو نوع اضافي- وجوابه - انَّ القرب والبعد إنما هو بالنسبة الى الماهية الواحدة باعتبار شمول الجزء لها ولغيرها أو اختصاصه بها والنوعية الاضافية إنما تكون باعتبار اندراجه تحت الجنس .

تقسيم الفصل الى مقوم ومقسم

( قالوا : انَّ الفصل اذا نسب الى النوع المركّب منه يكون مقوِّماً له واذا نسب الى جنس ذلك النوع كان مقسماً له وكل فصل يقوِّم العالي فهو

يقوِّم السافل من غير عكس وكل فصل يقسم السافل فهو يقسم العالي من غیر عکس ) . ويرد عليهم ايرادات ثلاثة .

أولاً : انَّ الفصل لا يقسم الجنس الى قسمين فانَّ الناطق لا يقسم الحيوان الى قسمين حيوان ناطق وحيوان غير ناطق فانَّ غير الناطق ليس قسماً من الحيوان إذ الماهية الحقيقية لا تكون لها فصول عدمية فالفصل لا يقسِّم الجنس وجوداً وعدماً إذ لا ينقسم بذلك الى قسمين حقيقيين .-وجوابه - انَّ المراد انَه بضمه اليه يحصِّل قسماً له لا انَه يحصل له قسمين ولا شك انَّ مثل الناطق اذا ضم الى الحيوان يحصل قسماً من الحيوانحقيقاً .

وثانياً : ان بعض مقوِّم السافل مقوم للعالي وهي مقومات العالي فانَّها مقوِّمات للسافل فكان العكس وهو الموجبة الجزئية ثابت فكيف صح نفیه وهكذا بعض مقسم العالي مقسم للسافل وهو مقسم السافل فانَّه يقسِّم العالي فالعكس وهو الموجبة الجزئية صادق فكيف صح نفيه . --- وجوابه --- انَّ مرادهم تفي العكس بنحو الكلية كما صرح به الكثير منهم وإلا فالموجبة الكلية لابد وأن تنعكس جزئية فاذا نفى عكسها فالمراد هو العكس بنحو الكلية دون الجزئية .

وثالثاً : انَّ الفصل اذا نسب الى الأشخاص أو الى الأصناف المندرجة تحته يكون مقومِّاً فالناطق مقوِّم للتركي ولزيد مثلاً فلماذا خصوا التقويم بالنسبة الى النوع فقط وهكذا الفصل اذا نسب الى الفصل البعيد أو العرض العام كان مقسماً فانَّ الناطق اذا نسب للحساس أو الماشي كان مقسماً فلماذا خصوا التقسيم بنسبته الى الجنس فقط . - وجوابه - انَّ الصنف

لو قلنا بأنه : عبارة عن النوع مع قيود كليته فيكون تقويم الفصل له بواسطة النوع وإلا فهو ليس بمقوَّم له أصلاً وهكذا الشخص كان تقويم الفصل له بواسطة النوع وهكذا كان تقسيمه للفصل البعيد والعرض العام بواسطة تقسيمه للجنس هذا لو قلنا ان معنى تقسيم الفصل هو جعل الشيء قسمين وإلا لو قلنا انَّ معناه هو انه بضمه الى الجنس يحصل قسماً حقيقياً فالأمر واضح لأن العرض العام والفصل البعيد لا يحصل بضم الفصل لهما ماهية حقيقية .

الخاصة والعرض العام وأحكامهما

تعريف الخاصة والعرض العام

عرَّفوا الخاصة بالخارج المقوِّل على ما تحت حقيقة واحدة فقط .وعرَّفوا العرض العام بالخارج المقول على ما تحت ماهية واحدة وغيرها ) . ويرد عليهم ثلاثة عشر ايراداً

أولاً : انَه لا يشمل خاصة الجنس كالماشي فانَه خاصة للحيوان والحال انه لا يقال على ما تحت حقيقة واحدة فقط بل يقال على ما تحت حقائق متعددة . - وجوابه - انَّ المراد بالحقيقة أعم من الحقيقة الجنسية والحقيقة النوعية .

وثانياً : انَه لا يشمل التعريف لخاصة الماهية المعدومة ولا عرضها العام لأن اسم الحقيقة مختص بالماهيات الموجودة . - وجوابه - انَّ اسم الحقيقة عند المنطقيين يعم الماهيات الموجودة والمعدومة .

وثالثاً : إن كل عرض عام داخل في الخاصة لأنه لابد وأن يكون مختصاً بماهية جنسية أو نوعية وعليه فتكون الكليات أربعة . - وجوابه - انَّ

من العوارض العامة ما لا يختص بماهية جنسية أو نوعية كالوجود والشيئية والامكان . مضافاً الى انَّ تقسيم الكليات الى هذه الأقسام بالاعتبار فانَّ الحيوان جنس باعتبار أنواعه ونوع باعتبار حصصه وعرض عام باعتبار فصله .

ورابعاً : انَّ من الأعراض العامة ما لا تقال على ما تحت الماهية كالجنسية والنوعية وغيرها من المعقولات الثانية فانَها أعراض عامة لماهية الحيوانوالانسان مع أنها لا تقال على ما تحت الحيوان والانسان من الأفراد .-وجوابه - انَها تقال على الماهيات بوجودها الذهني والماهيات بوجودها الذهني تحت ماهياتها المطلقة .

وخامساً : انَه لا يشمل تعريف الخاصة خواص الواجب تعالى لأنه ليس له حقيقة بل هو وجود صرف عند المتأخرين . وإن شئت قلت : انَّ خواصه تعالى ليست بخواص لما تحت حقيقة واحدة إذ لو كان لذات الباري تعالى حقيقة وهو فردها لزم تركبه من الحقيقة والتشخص . - وجوابه - انَّ المراد بالحقيقة هو الماهية بمعنى ما به الشيء هو هو وبهذا المعنى تطلق الحقيقة على صرف الوجود . نعم الماهية بمعنى ما يقال في جواب ما هو لا تطلق على الوجود لأنه لا يقال في جواب ما هو وأراد بالتحتية هو الانطباق ولا شك انَّ ذات الباري عز اسمه تنطبق عليها حقيقة واحدة وتشخصِّها عين ذاتها لا انَه زائد عليها نظير سائر صفاته تعالى .

وسادساً : انَّ الخاصة تنقسم الى قسمين مطلقة وهي المختصة بالشيء بالنسبة الى ما عداه كالضاحك للانسان واضافية وهي المختصة بالشيء بالقياس الى بعض ما عداه كالماشي فانَه مختص بالانسان بالنسبة الى الشجر والحجر . والتعريف للخاصة لا يشمل القسم الثاني منها لأنه لا يقال على ما تحت حقيقة

واحدة . - وجوابه - انَّ الخاصة التي هي من الكليات الخمس عندهم هي الأولى فقط وإنما تسمى الثانية بالعرض العام .

وسابعاً : انَّ الخارج عن الماهية أخص من ( المقول ) خصوصاً بعد ما كان المراد بالحقيقة أعم من الجنسية والنوعية وفي التعاريف يقدم الأعم على الأخص فيقال في تعريف (الانسان) الحيوان الناطق لا الناطق الحيوان لأن الأعم أظهر وأشهر . - وجوابه - انَا لو سلمنا وجوب التقديم فانَما نقول به في الجنس و ( المقول ( ليس بجنس للكليات لأنه أمر قائم بين المقول والمقول عليه فلا يعقل ان يكون داخلا في حقيقة أحدهما وسيجيء إنشاء الله في مبحث المعرِّف ما ينفعك هنا .

وثامناً : انَّ تعريف الخاصة يشمل الفصول بالنسبة الى أجناسها لأنها خارجة عنها ومقولة على ما تحتها فقط . - وجوابه - انَه لا مانع من ذلک فانَك قد عرفت انَّ تقسيم الكلي الى هذه الأقسام بالاعتبار واللحاظ فالفصول بالنسبة الى أجناسها خاصة وبالنسبة لأنواعها فصول .

وتاسعاً : انَّ تعريف العرض العام يشمل الأجناس بالنسبة الى فصولها لأنها بالنسبة اليها خارجة عنها ومقولة على ما تحتها وما تحت غيرها من الماهيات فانَّ الحيوان يقال على ما تحت الناطق وعلى ما تحت الصاهل والنابح . - وجوابه - ما سبق من جواب الايراد الثامن هنا .

وعاشراً : وحادي عشر : وثاني عشر : وثالث عشر : ما أوردناه على تعريف الجنس . ثالثاً : وخامساً : وسادساً : وثامناً.

العرض اللازم والمفارق

( قسموا الخاصة والعرض العام الى قسمين لازم وعرَّفوا بما يمتنع

انفكاكه عن الشيء ومثلوا له بالسواد للحبشي ومفارق وعرَّفوه بما يجوز انفکاکه عن الشيء ولو كان دائم الثبوت له كالحركة للفلك . ويرد عليهم خمسة ايرادات .

أولاً : انَّ القسمة غير حاصرة لخروج العرض الذي يمكن صدقه على معروضه ولم يصدق عليه أصلاً كالطيران للانسان . - وجوابه - انَّ هذا خارج عن المقسم لأن المقسم هو العرض الخاص أو العام وفي كل منهما اعتبر الصدق والحمل على الحقيقة . فلابد من تحقق الحمل وفعليته ولا يكفي امكانه .

وثانياً : انَّ القسمة غير حاصرة لجواز وجود عرض لم يصدق على معروضه في بعض ازمنة الوجود وبعد صدقه عليه يكون دائم الثبوت له کا لشيخوخة للانسان . - وجوابه - انَّ هذا داخل في الدائم ان فكرنا الدائم بما كان دائماً بعد عروضه أو داخل في المفارق الغير الدائم إن فسرنا الدائم بما دامت الذات .

وثالثاً : انَّ الظاهر من كلامهم بمقتضى اطلاقه وتشيلهم بالسواد للحبشي إنَّ المراد بما يستنع انفكاكه عن الشيء أعم من الذي يمتنع انفکاکه عن الشيء لذاته كالامكان والتحيُّز والحاجة الى الفاعل والتقرر أو بواسطة العلة كا السواد للحبشي فانَه لازم له بواسطة وجود علة السواد له وعلى هذا فلا يبقى لنا عرض مفارق لأن كل عرض بلحاظ وجود علته المعروضه يكون ممتنع الانفكاك عنه لاستحالة تخلف المعلول عن علته . فالأصح ان يجعل اللازم عبارة عما انفکاکه يمتنع عن الشيء لذاته ولا يمثل للازم بالسَّواد للحبشي أو الاحراق للنار فانَهما إنما تلزم اذا وجدت العلة الخارجية ولا أقل عدم المانع فانَه اذا وجد المانع من الاحراق كرطوبة المحل ينفك الاحراق عن النار

وهكذا اذا وجد المانع من السواد للحبشي كالبرص ينفك السواد عنه وإنما يمثل له بالتحيُّز للجسم والضاحك بالقوة للانسان .

ورابعاً : انَّه لا وجه لعدِّ العرض الدائم من العرض المفارق لأن الدوام إنما يكون بدوام السَّبب المنتهي إلى الواجب فيمتنع انفكاكه فالحركة للفلك لا بد لها من علة وهذه العلة امَّا واجبة أو منتهية بواسطة أو وسائط الى الواجب بذاته فيكون وجود الواجب مستلزماً لوجود هذا العرض الدائم فيمتنع انفكاكه عنه لاستحالة تخلف المعلول عن العلة ويكون وجوده لازماً لمعروضه . وإن شئت قلت : انَّ نفس الدوام لابد له من علة وهي امَّا واجبة أو منتهية الى الواجب فيستحيل عدمه فيمتنع انفكاك العرض الدائم عن معروضه فيكون لازماً . - وجوابه - يظهر مما ذكرناه في الايراد الثالث من انَّ الأصح في هذا التقسيم أن يكون بلحاظ ذات المعروض من دون نظر لعلته ولا شك انَّ العرض الدائم بلحاظ ذات المعروض يجوز انفكاكه عن معروضه لا انَه يمتنع انفكاكه عنها وإنما يمتنع بلحاظ علته .

وخامساً : انَّ تعريف اللازم بما انفکاکه يمتنع عن الماهية يخرج منه اللازم الأعم كالضوء للشمس فانَه لازم للشمس مع انَه ينفك عنها لوجوده في النار والكهرباء وهكذا الامكان للانسان فانَه لازم له مع انه ينفك عنه لوجوده في باقي الماهيات . - وجوابه - انَّ المراد عدم وجود الماهية بدونهلا عدم وجوده بدون الماهية ولا شك انَّ اللازم مطلقاً لا يوجد الملزوم بدونه وإلا لما كان لازماً وفي الأمثلة المذكورة كذلك فان الماهية لا توجد بدون الامكان ولا الشمس توجد بدون الضوء .

تقسيم العرض اللازم

( قسَّموا العرض اللازم للماهية الى ثلاثة أقسام . أحدها : لازم الماهية وعرَّفوه باللازم بالنظر لنفس الماهية ومثلوا له بالزوجية للأربعة فانَّ الأربعة اذا اتصف بها الشيء في الذهن أو في الخارج ثبتت لها الزوجية فاذا تصورت أربعة كليات ثبتت لها الزوجية وهكذا الموجودات الخارجية . وثانيها : لازم لنفس الوجود الخارجي كحرارة النار . وثالثها : لازم لخصوص الوجود الذهني كالكلية للانسان ) . ويرد عليهم سبعة ايرادات .

أولاً : انَّ هناك قسم رابع وهو اللازم للوجودين الذهني والخارجي كالتشخص للماهية فانَه لم يلزمها بالنظر لذاتها بل باعتبار وجودها الذهني أو الخارجي والحق انَّ الزوجية للأربعة من هذا القبيل فانها لا تلزم ماهية الأربعة بل لا تلزم وجودها الذهني والخارجي .

وثانياً : انَّ لوازم الماهية غير معقولة لأن الماهية من حيث هي ليست إلا هي أي غير واجدة لشيء من صفانها وعوارضها . - وجوابه - انَّ لوازم الماهية هي التي تقتضيها ذاتها وامَّا كونها من حيث هي ليست إلّا هي فهذا يقتضي انفكاكها عنها وإنما هو لقصر النظر على خصوص ذاتها فانَّ مثل الامكان الماهية والوجوب للواجب والامتناع لشريك الباري والتقرر للماهيات والوجود للواجب ) على رأي المتكلمين من انَّ للواجب ماهية ) كلها تلزم الماهية لذاتها من دون دخل أي الوجودين الذهني أو الخارجي فيه.

وثالثاً : ان هذا تقسيم للازم لنفسه ولغيره لأن الماهية المأخوذة في المقسم عبارة عن الماهية من حيث حيث هي وهي عين الماهية المأخوذة في القسم

وهذا يلزمه فسادان - أحدهما - أن يكون الشيء قسماً لنفسه . وثانيهما ان القسم الآخر لابد وأن يكون مبايناً للقسم الاول واذا كان مبايناً للقسم الاول فقد كان مبايناً للمقسم لأن المقسم قد فرض انه نفس القسم الاول والمباين لا يكون قسماً للشيء ونظير هذا الايراد ما أورده على تقسيم الماهية بالقياس الى عوارضها الى مجردة ومخلوطة ومطلقة فان المقسم لهذه الثلاثة هو الماهية المطلقة وقد جعلت قسماً منها . وجوابه : ان المأخوذ في المقسم الماهية من حيث هي هي الخالية عن جميع الاعتبارات واللحاظات حتى عن لحاظ الاطلاق والارسال ويسمى اطلاقها باللابشرط المقسمي والمأخوذ في القسم هي الماهية المعتبر فيها الاطلاق والارسال لكن في اللحاظ لا في الملحوظ حتى تصير مقيَّدة ومخلوطة بخلاف المأخوذ في المقسم فانها لم يعتبر فيها الاطلاق والارسال أصلا ويسمى اطلاقها باللا بشرط القسمي وتحقيق ذلك وتنقيحه في محل آخر .

ورابعاً : ان لازم الوجود ليس من أقسام لازم الماهية لكون الوجود غير الماهية فلا یصح جعله قسماً منه .وجوابه : ان مرادهم لازم الماهية بشرط الوجود كما يظهر من تمثيلهم وسياق كلامهم .

وخامساً : ان الملازمة لا توجد بين الشيء والخارج عنه لأن هذه الملازمة إن كانت غير لازمة لهما فلم تكن بينهما ملازمة . وان كانت لازمة لهما فقد تحققت ملازمة أخرى وهلمَّ جرا وهو التسلسل . - وجوابه : ما سبق في جواب الايراد الأول على اللزوم الذهني الذي هو شرط الدلالة الالتزامية .

و سادساً : ان هناك قسم آخر وهو لازم الماهية بحسب العدم كالامتناع

لشريك الباري فهو نظير لازم الماهية بحسب الوجود . وجوابه : ان هذا لازم لنفس الماهية لا للماهية بشرط عدمها مع انه يمكن أن يقال : ان الامتناع مرتبة من مراتب العدم كما قد قيل ذلك في وجوب الوجود لكن لا يخفى أن هذا الجواب انما كان جوابا عن المثال لا انه جواباً عن أصل الايراد إذ الجواب لم يتضمن دليلا على محالية اللازم للماهية بشرط العدم كيف ؟ وقد قيل : ان عدم أحد النقضين يلزمه وجود الآخر .

وسابعاً : ان لوازم الماهية الغير الموجودة كلوازم العنقاء من کونها طائراً وكلوازم الغول من كونه ماشياً ليست من لوازم نفس الماهية كما هو واضح ولا من لوازم وجودها لأنها غير موجودة . وجوابه : انها من لوازم الماهية الموجودة فان مرادهم بالماهية الموجودة أعم من أن تكون موجودة بوجود محقق أو مقدر ومثل المذكورات من لوازم الماهية على تقدير وجودها. تقسيم اللازم الى البين وغير البين.

( قالوا : ان العرض اللازم أما بيَّن وهو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم وأما غير بيَّن وهو الذي يفتقر في جزم العقل باللزوم بينهما الى وسط وقد يقال البين على اللازم الذي يلزم تصوره من تصور ملزومه كالكرم لحاتم ويخص الاول بالبين بالمعنى الأعم والثاني بالبين بالمعنى الأخص لكون الأول أعم من الثاني ). ويرد عليهم ايرادات ستة .

أولا : ان اللازم البَّين بالمعنى الأعم هو ما يكفي تصور الملزوم مع تصوره مع تصور النسبة في الجزم باللزوم فلابدَّ فيه من تصورات ثلاثة لا اثنين وإلا لكان ما يكفي فيه ذلك غير بيَّن انه بين قطعاً لعدم احتياجه الى وسط إن قلت : ان تصور النسبة مراد لهم إلا انهم تركوا ذكره لأنهم

في مقام التفرقة بين البيَّن وغير البيَّن وتصور النسبة أمر لازم في كليهما لاستحالة الجزم باللزوم فيهما بدون تصور النسبة فهو أمر مشترك بينهما ومن هذه الجهة لم يعتبرونه في مقام ذكر التفرقة بينهما . قلنا : فعلى هذا ينبغي أن يتركوا تصور الملزوم واللازم ويكتفوا بذكر الاحتياج الى الوسط وعدم الاحتياج اليه لأن تصورهما أمر مشترك بين البيَّن وغير البيَّن لاستحالة الجزم باللزوم بدون تصور الأطراف نعم الفارق بينهما هو الاحتياج الى الوسط في غير البيَّن وعدم الاحتياج اليه في البيَّن والحاصل ان كلامهم في بيان مقدار التصورات التي يستدعيها الجزم باللزوم لا في خصوص بيان الفرق بينهما . إن قلت : انهم لو اعتبروا تصور النسبة للزم أن يخرج عن البين ما كان يكفي فيه تصور الملزوم واللازم فقط في الجزم باللزوم قلنا : لا يلزم ذلك لأن ما كان يكفي فيه التصوران المذكوران قطعاً يكفي فیه التصورات الثلاثة في الجزم باللزوم إن قلت : ان مرادهم تصور اللازم بما هو لازم وتصور الملزوم بما هو ملزوم فانه يستلزم تصور النسبة بينهما . قلنا : غرضهم ذات اللازم وذات الملزوم لأنهم لو أرادوا التصور بصفة اللزوم فلابدَّ ان يريدوا تصور صفة اللزوم لخصوص الآخر وعليه فيكون تصور أحدهما بصفة اللزوم كاف في الجزم باللزوم لأنه يتصور معه النسبة إذ لو أرادوا تصور صفة اللزوم المطلق فلا يكفي ما ذكر في الجزم باللزوم لأنه لا يستلزم تصور النسبة بينهما بل لابد من تصور النسبة بينهما في الجزم باللزوم مضافاً الى انه لو كان الأمر كما ذكره الخصم من التصور بصفة اللزوم لخصوص الآخر لكان في اللازم بالمعنى الأخص تصور الملزوم بما هو ملزوم للازم موجباً لتصور اللازم وحينئذ فلابد من تصور اللازم قبله

فيكون تصورهما معا معتبراً في الجزم باللزوم فلم يبق فرق بينه وبين البيَّن بالمعنى الأعم . وجوابه : انه يمكن أن يقال : انهم تركوا تصور النسبة مع انه مرادهم اعتماداً على قرينة المقابلة لأن غير البيَّن عندهم ما يحتاج الى وسط فكل ما عداه يكون بينا وحينئذ اذا كان يكفي في الجزم باللزوم التصورات الثلاثة لا يحتاج الى الوسط فهو من البيَّن إلا اللهم ان يدعى العكس ويقال ان البيَّن عندهم ما يكفي فيه التصوران فما عداه غير البيَّن وما لابد فيه من التصورات الثلاثة لا يكفي فيه التصوران فهو غير البيَّن .

وثانياً : ان الوسط على ما فسره القوم ما يقترن بقولنا لأنه حين يقال لأنه كذا كقولنا : العالم حادث لأنه متغير فان المقارن لقولنا : لأنه وهو المتغير يسمى بالوسط ومنه يقال الحد الأوسط ولا ريب أن عدم احتياج الجزم باللزوم الى الوسط لا يلزم منه ان يكفي مجرد تصور اللازم والملزوم في الجزم باللزوم لجواز توقف الجزم باللزوم على شيء آخر من حدس أو تجربة أو حس أو غير ذلك فلو اعتبر الاحتياج الى الوسط في مفهوم غير البيَّن لم ينحصر اللازم في البيَّن وغير البيَّن لوجود قسم ثالث وهو ما توقف على الحدس ونحوه . وجوابه : ان الوسط انما يطلق بذلك المعنى في باب التصديقات ومرادهم به هنا معناه اللغوي وهو ما كان خارجاً عن الاطراف وواسطة في اثبات الشيء للغير سواء كان حدا أو وسطاً أو غيره فيكون اللازم المذكور داخلا في غير البيَّن .

وثالثاً : ان من الجائز أن يكون من اللوازم ما يمتنع حصول الجزم باللزوم فيها وعليه فهي خارجة عن القسمين أما عن الأول فواضح وأما عن الثاني لان الفرض عدم امكان الجزم باللزوم فيها فلا يحصل الوسط حتي

يجزم باللزوم فيها . وجوابه : انها داخلة في القسم الثاني أعني اللوازم الغير البينة لأن المراد بها ان الجزم باللزوم موقوف على الوسط سواء كان الوسط ممكن الحصول أو غير ممكن ولا شك ان المذكورات كان الجزم باللزوم فيها موقوفاً على الوسط غاية الأمر ان الوسط لم يكن ممكن الحصول .

ورابعاً : ان القسمة الى البيَّن وغير البيَّن انما جعلوها قسمة للازم الماهية ولازم الماهية. الماهية يجب أن يكون لازماً ذهنياً لا ينفك عنها حتى في الذهن وإلا لم يكن لازماً لها لأن لازم الشيء لا ينفك عنه أينما وجد وحينئذ فلازم الماهية يكون دائماً بيناً . وجوابه : مضافاً الى ما عرفت من ان لازم الماهية قد يكون بحسب الوجود الخارجي أو الذهني وقد يكون بحسبهما : هو ان لازم الماهية حتى في الذهن هو ما اذا وجدت الماهية في الذهن وجد معها وكانت متصفة به ولا يلزم من ذلك أن يكون متصوراً ومشعوراً به فان كثيراً من الاشياء الموجودة في الذهن قد لا يلتف الى وجودها فيه فان الفرس الموجودة في الذهن قد لا يلتفت الى كليتها بل ولا الى وجودها في الذهن أو انها ليست غيرها . كيف ؟ ولو كان كل ما وجد في الذهن مدركا للزم وجود مالا يتناهى في الذهن لأن ادراك الماهية يلزمه أن يوجد الادراك في الذهن فيكون مدركا فننقل الكلام الى هذا الادراك وهلم جرَّا فظهر ان لازم الماهية يجوز أن يكون غير بيَّن ويحتاج الى وسط .

وخامساً : ان تصور الطرفين قد يكون موجباً للظن باللزوم لا للجزم به مع انه من ألبين . وجوابه : انه ليس من البيَّن وانما هو من غير البين كما صرح به جماعة.

و سادساً : انا لا نسلم ان الأول أعم من الثاني فانه قد يكون تصور الملزوم

كافياً في تصور اللازم كما في المعنى الثاني ولكن العقل لا يجزم باللزوم بينهما إلا بعد تصورهما مع النسبة والوسط نعم لو قالوا في المعنى الثاني : ان تصور الملزوم كافي في تصور اللازم والجزم باللزوم كان الأول أعم منه لأنه كلما كان تصور الملزوم كافياً في الجزم باللزوم كان تصور الثلاثة كافياً في الجزم باللزوم. وجوابه : ان مرادهم ذلك وان تصور الملزوم كافي في الجزم باللزوم وحذفوه اعتماداً على وضوحه .

الزوم البين بالمعنى الاخص

في الكليات وفي الدلالة

( قالوا : ان اللزوم البيَّن بالمعنى الأخص هو اللزوم الذهني المعتبر في الدلالة الالتزامية ) . ويرد عليهم .

إن اللزوم البيَّن بالمعنى الاخص في باب الكليات يعتبر فيه الحمل والاتصاف علاوة على التلازم في التصور لأنه من أقسام الخاصة والعرض العام بخلاف اللزوم الذهني في باب الدلالة فان ملاكه التلازم في التصور سواء كان حمل بينهما كالكرم لحاتم أم لا كالبصر بالنسبة للعمى فاللازالذهني في باب الدلالة أعم من من اللازم بالمعنى الاخص .

المعرف

تعريف المتقدمين للمعرف

( عرف المتقدمون المعرف (بالكسر) بأنه الذي يستلزم تصوره تصور الشيء أو امتيازه عن كل ما عداه ) . ويرد عليهم مضافاً الى بعض ما تقدم في تعريف النظر ثمانية عشر ايراداً .

أولا : ان التعريف يشمل النوع المقول على فرده أو صنفه في جواب

ما هو حيث يستلزم تصوره تصور الفرد أو الصنف وهكذا الجنس المقول على الحقائق في جواب ما هو فانه يستلزم تصوره تصور الماهية المشتركة بینهما مع انهما لم يعدوهما يعدوهما من التعريف في شيء . إن قلت : انهما يكونان من قبيل التعريف بالأعم وهو فاسد لأن الجنس أعم من المسؤل عنه بما هو والنوع أعم من المسؤل عنه بما هو لأنه يشمله وغيره من الافراد . قلت : المسئول عنه هو الماهية النوعية في النوع وإلا لكان الجواب باطلاً لأنه لا يوضح الفرد المسئول عنه بمميزاته والماهية النوعية مساوية للنوع وهكذا المسئول عنه في الجنس هو الماهية الجنسية والجنس مساوي لها . إن قلت : انها تعاريف لفظية . قلت : هذا ينافي ما ذكروه من ان ما هو لطلب الحقيقة غاية الأمر تكون اجمالية لا تفصيلية .

ثانياً : انَّ التعريف يشمل المعرَّف (بالفتح) في صورة ما اذا جعل تعريفا للمعرف ( بالكسر ) كما لو عرف الحيوان الضاحك بالانسان واستلزم تصوره تصوره لاتحادهما بالذات مع انه لم يجعلوه من أقسام التعريف. وجوابه : انه ان كان أعرف منه فلا اشكال في صحة التعريف به كمن جهل حقيقة الاسطقص فوق الاستقصات فعرف له بالنار وان لم يكن أعرف فهو من التعريف بالأخفى نظير التعريف بالأخص وسيجيء انشاء الله الكلام فيه من أن التعريف يشمله أم لا .

ثالثاً : ان المعرَّف ( بالفتح ) ان كان معروفا ومعلوما فلا يمكن تعريفه لأنه تحصيل الحاصل وان كان مجهولا فمن المستحيل توجه النفس لتحصيله لاستحالة طلب المجهول . وجوابه : انه معلوم من جهة ويطلب معرفته بوجه آخر فمن يعلم بالانسان انه جسم طويل القامة ذو حس فيطلب معرفة حقيقته

أو تمييزها عما عداها فنحن نلتزم بان المطلوب ليس بمعلوم من جميع الوجوه ولا بمجهول من جميعها وقد تقدم في جواب الايراد السادس عشر على تعريف النظر ما ينفعك هنا .

رابعاً : ان التعريف لشيء واحد اذا تعدد فالتعريف الثاني والثالث لا يكون مفيداً لتصور المطلوب لأنه قد تصور بالتعريف الاول ويستحيل تحصيل الحاصل . وجوابه : ان تعدد التعريف انما يتصور في الرسم دون الحد لعدم تعدد الذاتيات إلا اذا قلنا بجواز تعدد الجنس والفصل لماهية واحدة وكيف كان فنقول : ان التعريف يفيد تصور الشيء بالوجه المذكور فيه وحينئذ فالتعريف الثاني يفيد تصوره بالوجه الذي ذكر فيه وهلم جرا وحينئذ فكل تعريف يفيد تصور الشيء بالوجه المذكور فيه فان ذلك الشيء يكون مجهولا بذلك الوجه .

خامساً : ان التعريف من أقسام النظر والنظر على ما قرروه هو ترتيب أمور معلومة لتؤدي الى أمر مجهول فلابد أن يكون التعريف مركباً من أمور مع ان التعريف المذكور يشمل التعريف بالمفرد كتعريف الماهية بالفصل وحده أو بالخاصة وحدها . وجوابه : انه على تفسير النظر بملاحظة المعلوم للتأدي الى مجهول يدخل في النظر التعريف بالمفرد . وأما على تفسيره بالترتيب فنقول : ان التعريف بالمفرد أيضا فيه ترتيب أيضا فان النفس اذا طلبت معرفة شيء لابد وأن تدركه بوجه حتى تطلبه وإلا لكان طلبا للمجهول المطلق وهو محال وعليه اذا عرَّف بشيء انضم ذلك الشيء لذلك الوجه فعُرِّف منه المعرِّف (بالفتح ) فمثلا نعرف الانسان بانه شيء ثم نطلب ما يعرفه لنا فيقال : انه الضاحک فينضم الضاحك للشيئية التي طلبت تمييزها فيحصل الانسان

إذ مع عدم الضم بأن تصورت شيئية الانسان وتصورت الضاحك ولم تتصور نسبته لشيئية الانسان المعلومة لديك لا يحصل الانسان في ذهنك بوجه كونه ضاحكاً لأن العلم بوجه الشيء لا يستلزم العلم بالشيء من ذلك الوجه. إن قلت : مبنى الايراد على عدم تحقق الترتيب في التعريف بالمفرد فاندفاعه لا يكون إلا باثبات الترتيب الذي هو في التصورات عبارة عن لحاظ أحد المعنيين أولاً ثم لحاظ الآخر ثانياً ثم تقيد أحدهما بالآخر بحيث يكون الآخر محصلا له ومتحداً معه بالذات أو بالعرض والحال انه من الواضح انه لا ترتيب بهذا المعنى بين الوجه والمفرد . قلنا : لا اشكال ان الوجه يلحظ أولا ثم المفرد ثانياً بحيث يصير قيداً له فيتحقق الترتيب . إن قلت : لو كان هذا يستلزم التركيب في التعريف للزم أن لا يكون مثل الحيوان الناطق حدا تا ماعلى تقدير ان يعلم الانسان قبل التعريف به بمثل الشيئية لتركب التعريف وحينئذ من العرض وهو الشيء ومن الذاتيات وهي الحيوان والناطق قلنا : التعريف انما يقسم باعتبار الوجه الذي صار سبباً للمعرفة أعني الوجه المنضم دون المنضم اليه وان شئت فقل : ان التعريف غير النظر فالنظر هو

المجموع المركب والتعريف خصوص الوجه المنضم إذ به حصل التعريف فينهدم الاشكال من أصله إذ على هذا لا منافاة بين أن يكون النظر مركباً وبين أن يكون التعريف مفرداً . ان قلت : ان الوجه الذي علم به المطلوب لو كان داخلا في النظر لزم النظر في المجهول المطلق لأن الوجه الذي علم به قد فرض دخوله في النظر فلم يبق ما يعلم به المطلوب والنظر في المجهول المطلق محال لاستحالة توجه النفس نحو المجهول المطلق قلنا : لا يلزم ذلك فان المطلوب يعلم بذلك الوجه أولا ثم ذلك الوجه يدخل في النظر ثانيا فلا يلزم طلب

المجهول المطلق ان قلت : على هذا لو كان المطلوب متصوراً بذاتي له لزم اعتبار جزء واحد مرتين ولا يجوز التكرار في أجزاء الماهية قلنا : التكرار في اجزاء الماهية في حد ذاتها غير جائز وأما فيما نحن فيه باعتبار تعريفها فلا مانع منه أصلا .

وسادساً : ان التعريف لابد وان يشتمل على أمر فان كان معلوما وجوده في المطلوب فلا يصح تحصيله به لأنه يرجع لتحصيل الحاصل وان كان مجهولا فلا يصح تعريفه به لوجوب تقدم العلم بالتعريف على العلم بالمطلوب لانه مستفاد منه . وجوابه : انه معلوم لنا ومجهول وجوده في المطلوب والتعريف يطلعنا على حصوله فيه وانه وجه للمطلوب ومرآة له.

وسابعاً : ان التعريف ان كان معلوما فقد كان المطلوب معلوما لاتحادهما بالذات أو بالعرض ومع معلوميته فأي شيء يحصل بالتعريف وان كان مجهولا كان حاله كحال المطلوب في كون كل منهما مجهولا فمثلا الحيوان الناطق ان كان مجهولا فلا يصح تعريف الانسان به وان كان معلوما فقد كان الانسان معلوماً لاتحاده معه فلا يصح الاكتساب به . وجوابه : انه معلوم ولكن لا يعلم به المطلوب إلا اذا جعل مرآة كاشفة عنه فالتعريف وضيفته جعل المعلوم كاشفاً عن أمر لم يكن معلوماً من هذه الناحية .

وثامناً : ان الشيء اما أن يعرَّف بنفسه من غير تصريح باجزائه أو بجزئه أو بالخارج عنه والاقسام بأسرها باطلة أما الاول فلانه يستلزم معرفة الشيء قبل معرفة نفسه وأجلى منها ضرورة ان التعريف يجب أن تكون معرفته متقدمة على معرفة المعرَّف وأجلى منه وأما الثاني فان كان بجميع الأجزاء فبطلانه من جهة انه تعريف للشيء بنفسه وان كان ببعض الأجزاء

فبطلانهمن جهة انه انما يعرف جزءاً منها وذلك الجزء اما نفسه فيلزم تعريف الشيء بنفسه واما غيره فيلزم التعريف بالخارج لأن كل جزء خارج عن حقيقة الجزء الآخر والتعريف بالخارج باطل بما سنذكره في هذا الشق الثالث وأما الثالث فبطلانه من جهة ان الخارج لا يعرُّف الماهية إلا اذا علم بأنه شامل لجميع أفرادها دون شيء مما عداها ليكون مميزاً لها عما سواها والعلم بذلك الاختصاص يتوقف على معرفتها وهو دور باطل لأن معرفتها كانت متوقفة على معرفة اختصاص الخارج بها ومعرفة اختصاص الخارج بها موقوف على معرفتها . - وجوابه - مضافاً الى عدم تمامية ما ذكر بالنسبة الى المتعلفانَا نختار التعريف بجميع الأجزاء وهي وإن كانت نفس الماهية بالذات لكن إنما يمنع التعريف بها لو لم تغايرها بالاعتبار فان للماهية صورتان احداهما الاجمالية والأخرى التحليلية المركبة من الجنس والفصل فيطلب تعريف الأولى بالثانية . وتوضيح ذلك ان الممتنع هو تعريف الشيء بنفسه بحسب الوجود الذهني بمعنى انهما كانا موجودين بوجود واحد في الذهن فانَه لا یصح جعل أحدهما تعريفاً للآخر اما لو إتحدا في الوجود الخارجي واختلفا في الوجود الذهني وكان أحدهما أجلى صح أن يجعل تعريفاً ففيما نحن فيه كانت أجزاء الماهية قد تصور كل واحد منهما على التفصيل والترتيب مجتمعة بعد ان كانت منتشرة بين سائر المعلومات فتكون كاسبة ومعرفة للأجزاء عند ما تصورت بتصور واحد عندما لوحظ المجموع من حيث المجموع فكان في الذهن وجودان لا وجود واحد للأجزاء . وبعبارة اخرى انَّ أجزاء الماهية قد توجد في الذهن بوجود واحد وهي الماهية المعرَّفة وقد يوجد كل منها بوجود مستقل مجتمعة فتكون معرفة فلا يكون في افق التعريف الذي هو

افق الوجود الذهني تعريف للشيء بنفسه فانَّ وجود الأجزاء على سبيل التفصيل في الذهن غير وجودها فيه على سبيل الاجمال . وأيضاً نختار التعريف ببعض الأجزاء فانَّ الأجزاء تكون مدركة على سبيل الاجمال في المعرَّف والجزء مُدرَك على سبيل التفصيل في التعريف عين ما ذكرناه في التعريف بجميع الأجزاء فلا يلزم من تعريفه للماهية تعريف الشيء لنفسه وأيضاً نلتزم بأن الجزء يعرف غيره . وقولكم : بأنه يلزم تعريف الشيء بالخارج عنه. صحيح إلا أنه لا محذور فيه بما سنذكره في اختيارنا لتعريف الشيء بالخارج عنه . وأيضاً نختار التعريف بالخارج عنها وهو لا يتوقف على العلم بالاختصاص بل على تحقق الاختصاص في نفسه فان الخارج اذا كان لازماً لها مختصاً بها وكان بحيث ينتقل الذهن من تصوره الى تصورها صلح أن يكون معرفاً لها ولو سلمنا وجوب العلم بالاختصاص في التعريف بالخارج إلا أنه إنما يتوقف على تصور الماهية بوجه ما لا على تصورها بذلك الخارج عنها حتى يلزم الدَّور .

و تاسعاً : انَّ المعرَّف لا يحتاج الى التعريف وإلا للزم الدَّور أو التسلسل لأنا ننقل الكلام الى تعريفه فان احتاج الى التعريف بالأول لزم الدَّور وإن احتاج الى غيره نقلنا الكلام اليه فما ذكره المتقدمون من التعريف له إنما كان على سبيل التنبيه . - وجوابه - انَه يحتاج الى التعريف لعدم بداهة ماهيته وتكون أجزاء ذلك التعريف بديهية أو منتهية الى البديهي.

وعاشرا : انَّ هذا تعريف للمعرِّف الحقيقي كما صرحوا به والمعرِّف الحقيقي مخصوص بالماهيات المعلومة الوجود وامَّا الغير المعلومة كالعنقاء والغول فتعاريفها سواء كانت حدا أو رسماً هي تعاريف اسمية لا حقيقية

والحال انَّ التعريف المذكور يشملها . - وجوابه - انَّ التعريف على قسمين حقيقي ولفظي والحقيقي على قسمين . أحدهما ويسمى تعريفاً بحسب الحقيقة وهو تعريف ما علم وجوده في نفس الأمر . وثانيهما ويسمى تعريفاً بحسب الاسم وهو تعريف ما لم يعلم بوجوده في نفس الأمر فالتعريف بحسب الاسم من أقسام التعريف الحقيقي فلابد أن يشمله تعريفه .

وحادي عشر : انَّ التعريف المذكور يشمل الموضوع للعلم فانَّ الموضوع يفيد امتياز العلم عما عداه عندهم ولذا ذكروه في مقدمات الشروع .

وثاني عشر : انَّ التعريف المذكور يشمل المعلولات بالنسبة الى عللها فيما اذا لوحظت المعلولات لتستفاد منها العلل فيكون كسبها بطريق النظر والفكر كمن لاحظ الدخان فتصور منه النار . - وجوابه -- انَه انما يحصل منها التصديق بوجود العلة لا تصور حقيقة العلة أو امتيازها عما عداها .

وثالث عشر : انَه يشمل الملزومات بالنسبة للوازمها البينة بالمعنى الأخص فانَه من تصورها تصور لوازمها المذكورة كالعمى بالنسبة للبصر والجهل بالنسبة الى العلم والسقف بالنسبة الى الدعامة بل كل دالِّ بالنسبة لمدلوله. ودعوى انَّ المراد بالاستلزام في التعريف هو الاستلزام بطريق النظر بمعنى أن ينتقل من المبادي الى المقدمات ثم منها للمبادي وهذا لا يوجد في الملزومات بالنسبة للوازمها المذكورة فانَّ الانتقال اليها فوري بلا سابقة شيء والقرينة على ارادة هذا المعنى من الاستلزام في التعريف هو انَّ المنطق كما يعلم من أول الكتب المؤلفة فيه انَه يبحث عن الموصل للتصور والتصديق بطريق النظر . وذكروا في صدرها انَّ المعرّف هو الموصل للتصوُّر فيكون هذا قرينة على اعتبار الكسب النظري في تعريف المعرِّف . فاسدة إذ الاعتماد

على مثل هذه القرائن الخارجية البعيدة خروج عن مسلك التعريف لأن الغرض منه الايضاح واحضار صورة المعرَّف بأجلى بيان فهو يشبه التعريف بالأخفى.

ورابع عشر : انَّ تعريف المتقدمين لا يشمل أغلب التعاريف فانَه لا يستلزم من تصوُّرها تصوُّر المعرف اذا لم تنسب اليه فانَّ من تصور الكاتب من دون نسبته الى الانسان لا يتصور منه الانسان وتبقى ماهيته مجهولة لديه لعدم معرفة انَها هي التي تنطبق عليها ماهية الكاتب أم غيرها وهكذا الحيوان الناطق اذا لم ينسب الى الانسان تبقى ماهية الانسان مجهولة . --- وجوابه --- انَّ للخصم ان يلتزم انَه ليس بتعريف في هذه الحال وإنما يكون تعريفاً عند استلزامه ذلك وهو حال نسبته للمعرَّف .مع انا لنا أن نقول : انَّ الماهية تحصل في الذهن بذلك العنوان ويكون مثل الانسان يحتاج الى تعريف لفظي فانَّ التعاريف اللفظية هي التي تعين ماهية اللفظ ومدلوله من بين المعاني الموجودة في الذهن .

وخامس عشر : إن اريد بالتصور في تعريفهم أعم من أن يكون بالكنه أو بالوجه استغنى عن قيد أو امتيازه عن جميع ما عداه وإلا فقيد أو امتيازه عن جمیع ما عداه يغني عن قيد (تصور ذلك الشيء ) لأن بالتعريف بالكنه يحصل الامتياز عن جميع ما عداه . - وجوابه - انَّ المقصود بالذات في التعريف، قد يكون هو الأول أعني الاطلاع على الذاتيات دون الامتياز وقد يكون هو الثاني أعني الامتياز دون الاطلاع على الذاتيات فأرادوا بالتصوُّر هو الاطلاع على الذاتيات الذاتيات • إن قلت : انَه على هذا لا يصح او قصدا معاً قلنا : الترديد على سبيل منع الخلو .

وسادس عشر : انَه اشتمل على الترديد لاشتماله على ( أو ) والترديد ينا في التعريف لعدم الاطلاع معه على حقيقة الشيء وعدم تمييزه عما عداه . -وجوابه - انَه لا مانع من الترديد اذا كان المقصود به ذكر أقسام الشيء وإنما لا يصح لو كان المقصود به التشكيك فانَه ينافي التعريف .

وسابع عشر : انَه يشمل التعريف بالأجزاء الخارجية كما اذا عرَّف البيت بالسَّقف والجدران والسور والهيئة المخصوصة فانَّه يستلزم تصوُّرها تصور المعرَّف مع انَّهم لم يعدوها من التعريف في شيء . ودعوى انُّ التعريف بها لا يصح لعدم التغاير بينها وبين المحدود لكون الصورة الحاصلة منها عين الصورة الحاصلة من المحدودة فاسدة لما عرفت من انَّ الميزان في التغاير بين المعرِّف والمعرَّف هو اختلاف الوجود الذهني لهما وفيما نحن فيه قد اختلفا في الاجمال والتفصيل نظير الاختلاف بين الحد المركّب من الجنس والفصل ومحدوده . -وجوابه- انَّ هذا إنما يرد على من لا يصحح التعريف بالأجزاء الخارجية وامَّا من صححه وجوَّزه كالشيخ ابن سينا وجماعة فلا يرد عليه .

وثامن عشر : انَّ التعريف يشمل الجزء الأخير من التعريف فانَّه يستلزم تصوُّره تصور ذلك الشيء المطلوب تعريفه . - وجوابه - انَّ ظاهر التعريف هو الاستلزام بنفسه . والجزء الأخير لم يستلزم ذلك بنفسه بل بواسطة استلزامه لتمام التعريف .

تعريف المتأخرين للمعرف

( عرَّف المتأخرون المعرِّف بما يقال على الشيء الأفادة تصوُّره ) . ويرد عليهم تسعة عشر ايراداً .

أولاَ : انُّ التعريف لا يقال على الشيء ولا يحمل عليه فانَّ قولنا :

الحيوان الناطق في تعريف الانسان لم يحمل على الانسان لأنه لم يقصد به التصديق بحال الموضوع وإنما قصد به افادة تصوُّر المعرَّف وحضوره في الذهن وليس بينهما حكم ولذا لا يصح أن يكذَّب وإنما يصح أن يقال انَه ليس بتعريف وانَّ هذا ليس بفصل أو خاصة . وإنما يقرأ بالرفع لا لأنه خبر لمبتدء محذوف بل لأنه مرفوع لوقوعه بعد (أي ) التفسيرية المقدَّرة .-وجوابه - انَه محمول على المعرَّف غاية الأمر لم يقصد بالحمل بيان حال المعرَّف وإنما قصد به تصوره كما هو شأن سائر ما يقال في جواب ما هو أو أي شيء .

وثانياً : انا اذا تصورنا الحيوان الناطق وتصوَّرنا منه الانسان بدون تحقق الحمل بينهما فانَه لا إشكال يكون معرِّفاً له في هذه الحال إذ التعريف من المطالب التصوُّرية والمقصود بالذات هو التصور وليس هو من المطالب التصديقية حتى يعتبر فيه الحمل كما لو تصورنا الفرس بالحيوان الصاهل بدون الألفاظ وإن أبيت عن عدم الحمل فيه فانظر الى قولنا تعريف الانسان : هو الحيوان الناطق أو قولنا : الحيوان الناطق مميِّز الانسان أو معرِّفه فانَه لم يكن الحيوان الناطق في هذه الأمثلة محمولاً على الانسان مع انَه لا إشكال في انَه يكون تعريفاً له . ودعوى انَّ المراد به ما من شأنه أن يحمل عليه خلاف ظاهر التعريف فانَه ظاهر في الحمل الفعلي مع انَّه يشمل ما إذا ذكر التعريف للمعرَّف لبيان الحكم عليه لا لأفادة مع تصوُّره إذ يلزم أن يكون معرِّفاً لأنه من شأنه ذلك مع انه ليس من المعرِّف شيء . - وجوابه - انَّ المراد بما يقال عليه هو الصور المنطبقة عليه والحاكية عنه والوجه له فانَّ الفلاسفة لا يتقيدون بالألفاظ وأحكامها فما ذكر تكون

تعاريفاً بالذات فيما اذا كانت صورة للمعرَّف بالذات وإلا فهي تلزم التعريف فيما كان لازمها ذلك .

وثالثاً : انَّ الأجزاء الخارجية قد يعرَّف بها الشيء مع انَّها لا تقال على المعرَّف كما يعرف البيت بأنه سقف وجدار وسور مع الهيئة المخصوصة وهكذا قد يعرَّف الانسان بأنه لحم ودم وعظم مع الهيئة المخصوصة . وفي المحكي عن الحكمة المشرقية للشيخ جواز التحديد به . ودعوى انَّ التحديد به فاسد لعدم التغاير بينه وبين المحدود لكون الصورة الحاصلة منه عين الصورة الحاصلة من المحدود . فاسدة للاختلاف بينهما بالاجمال والتفصيل نظير الاختلاف بين الحد المركّب من الجنس والفصل ومحدوده . - وجوابه - انَّ مجموع الأجزاء الخارجية غير مباينة للمركّب منها لاتحاده مع المجموع وجوداً والاتحاد في الوجود هو المصحح للحمل وما اشتهر من انَّ الأجزاء الخارجية لا تحمل إنما المراد لا يحمل كل واحد منها لا مجموعها .

ورابعاً : انَّ مثل الحيوان الناطق أو الضاحك اذا قيل على الانسان لا لافادة تصوُّره بل للحكم عليه أن لا يكون تعريفاً مع انه لا اشكال يوجب كسبه لمن أراد معرفة الانسان كسباً منطقياً كيف ؟ وقد قالوا في صدر كتبهم : انَّ المعرِّف هو الموصل للمجهول التصوري . - وجوابه - انَه حال الحكم به لا يكون صورة للشيء ومحصلا له امَّا بالنسبة الى نفس الشخص فواضح وامَّا بالنسبة الى العالم والمستعلم فلأن المستعلم ما لم يعلم بأن هذا المحمول صورة للمجهول لا يكسبه به ومع جعله حكماً عليه لا يكون صورة له عند المستعلم .

وخامساً : انَّ التعريف يشمل صورة ما اذا قيل المباين على الشيء لافادة

تصوُّره كما اذا قيل على الانسان انَّه حيوان صاهل مع أنه ليس بتعريف لعدم كونه كاسباً له . إن قلت : انَّ المراد بتعريف المتأخرين ما من شأنه أن يقال عليه وفسرت الشأنية بالصحة فيكون المعنى ما يصح حمله عليه لافادة تصوُّره والمباين لا يصح حمله على الشيء لافادة تصوره فلا يصدق على مثل ذلك تعريف المتأخرين سلمنا ان المراد به الحمل الفعلي كما هو ظاهر اللفظ إلا ان المراد به الحمل الصادق في نفس الأمر ويكون قصد الافادة به قصداً صحيحاً والمباين ليس كذلك . قلنا : هذا خلاف الظاهر إذ الحمل والافادة ظاهران في خصوص الفعلي منهما وانهما أعم من المطابق منهما للواقع والمخالف له إذ هما من أفعال النفس التي قد تطابق الواقع وقد تخالفه ولو سلمنا ذلك كما يقال : انَّ شأن التعاريف كذلك فيلزم أن يدخل في التعريف مثل الانسان نطق والانسان ضحك لأنه یصح حمله عليه بحمل الاشتقاق كأن يقال : الانسان ناطق أو ضاحك أو بحمل ذو هو بأن يقال : الانسان ذو نطق وذو ضحك . إن قلت : انَّ هذا تعريف للمعرِّف الصحيح والمذكور ليس بمعرِّف صحیح . قلت : صحة المعرِّف تعلم من تعريفه إذ هو الميزان في معرفة صحته وعدمها -وجوابه - انَّ من اطلع على حقيقة الحال فلا يعقل ان يعرفه بذلك وامَّا عند الجاهل بحقيقة الحال فهو تعريف عنده .

وسادساً : انَّه لا يشمل الرسم لأن الرسم لا يفيد تصور الشيء وإنما یفید امتيازه عن جميع ما عداه ولذا المتقدمون في تعريفهم عطفوا ( بأو) الامتياز عن جميع ما عداه على تصور الشيء كما تقدم.- وجوابه - انَّ تصور الشيء اذا اطلق فهو ظاهر في الأعم من تصوره بالكنه أو بوجه يمتاز به عن جميع ما عداه فيشمل الحد والرسم وفي عبارة المتقدمين لما عطفوا عليه

الامتياز ( بأو ) علم انَّ مرادهم بالتصور هو التصور بالكنه لأن العطف ( بأو ) يقتضي المغايرة .

و سابعاً : انَّ المفيد لتصوُّر الشيء هو المبدأ الفياض لا القول فكيف تنسب الافادة للقول . - وجوابه - انَا لو سلمنا ذلك فالتعريف جار على ما هو المرتكز في الأذهان من انَّ القول هو المفيد لا على الدقة العقلية والآراء الفلسفية.

وثامناً : انَّه يشمل التعريف بالأعم والأخص اذا قيل على الشيء لافادة تصوُّره . وبعبارة أوضح انَّ تصوُّر الشيء يشمل سائر تصوراته ولو بوجه ما والتعريف بالأعم أو الأخص يحصل به تصور الشيء بوجه ما فكان عليه أن يقيَّد بالكنه أو بوجه يمتاز عما عداه . ودعوى انَّ هذه شروط شان ومن الشروط أن لا تكون داخلة في حقيقة المشروط ويمكن وجود المشروط بدونها .

فاسدة فانَّهم لم يجعلوها شروطاً وإنما قالوا : انَه لابد في التعريف منها واللا بدية ظاهرة في اعتبارها في الحقيقة . ودعوى انَه تعريف للمعرِّف الصحيح . فاسدة لأن صحة المعرَّف تعلم من التعريف إذ هو الميزان في معرفة كون الشيء معرِّفاً أم لا . وجوابه - انَّ شرط المساواة ليس بداخل في مفهوم المعرِّف وإنما الحقه بعضهم فمن ألحقه قال : انَّ التعريف بالأعم والأخص لم يفد التصور فيكون خارجاً عن التعريف ومن لم يشترطه قال انَه يفيد التصور فيكون داخلاًّ فيه .

و تاسعاً : انَّ الظاهر من التعريف انَّ المعرِّف علة لتصوُّر المعرَّف مع انا كثيراً ما نذهل عن التعريف مع بقاء تصور المعرِّف . - وجوابه - انَّه لو سلمنا ذلك فهو علة محدثة لا مبقية

وعاشراً ، وحادي عشر ، وثاني عشر ، وثالث عشر ، ورابع عشر ، وخامس عشر ، وسادس عشر ، وسابع عشر ، وثامن عشر ، وتاسع عشر ، ما أوردناه على تعريف المتقدمين أولا ، وثانياً ، وثالثاً ، ورابعاً ، وخامساً ، وسادسا ، وسابعاً ، وثامناً ، وتاسعاً ، وعاشراً .

شروط المعرف

اشتراط المعرف بالمساواة

(اشترطوا في المعرِّف أن يكون مساوياً للمعرَّف لما قرروه من عدم كونه أعم منه أو أخص منه أو مبايناً له ) . ويرد عليهم سبعة ايرادات.

أولاً : انَّ العلم بالمساواة تستدعي معرفة المعرَّف وتمييزه عما عداه وإلا لم يحرز مساواته حتى يكتسب به . - وجوابه - انَّ الكسب من مقولة التصورات لا من التصديقات فالعلم بالشيء الذي هو وجه للشيء الآخر موجب لمعرفة الآخر لا محالة فاذا أدرك الفرس بعنوان الصاهل فقد أدرك الفرس لا محالة بالصاهل وان لم يلتفت الى المساواة بينهما فهي شرط واقعي بمعنى لو انكشف عدم مساواته انكشف انه لم يدرك الشيء بوجه مميز له مضافاً الى انَّه لا يتم بالنسبة الى العالم والمستعلم .

وثانياً : انَّ ادراك أحد المتلازمين يستلزم ادراك الآخر مع انَّه لا تساوي بينهما . - وجوابه - انَّ ادراك أحد المتلازمين إنما يوجب ادراك وجود الآخر والتصديق بوجوده لا تصويره ونحن كلامنا في التصوُّر . نعم لو كان بينهما لزوم ذهني كان إدراك أحدهما موجباً لادراك الآخر كالعمى والبصر ولكن هذا يكون قبل التعريف .

وثالثاً : انَّه سيجيء ان شاء الله ان شرط المعريف أن يكون أجلى من المعرِّف فكيف اعتبروا فيه المساواة للمعرَّف . - وجوابه - انَّ المرادبالمساواة هنا المساواة في الصدق التي هي من أقسام النِّسب الأربع وهذا لا ينافي اعتبار كونه أجلى في المعرفة من المعرَّف وأظهر منه .

ورابعاً : ان اشتراط المساواة في المعرِّف ينافيه التعريف به لأن التعريف إنما هو لبيان مفهوم المعرَّف لا لبيان افراده. والمساواة انما تكون بين الافراد وهي غير مقصودة ، وجوابه - نعم انه لبيان المفهوم لكن شرط المفهوم المبيِّن هو المساواة مع المعرَّف في الافراد هذا كله مع الاغماض عن دعوى كون المقصود في التعريف هو بيان المفهوم لتمييز الأفراد .

وخامساً : انَّه قد يكون بين المتباينين خصوصية بحيث يفيد تصوُّر أحدهما تصور الآخر . وقد عرَّفوا الدلالة بفهم المعنى مع انَّه أمر مباين لهالأن فهم المعنى من توابع الدلالة . وعرَّفوا فصاحة المفرد : بالعدم مع أنَّه أمر مباين لها لأن الفصاحة أمر وجودي وهكذا اللازم البين بالمعنى الأخص يحصل عند حصول ملزومه في الذهن فيكون من الموصل للمجهول التصوري فلا وجه لاشتراط المساواة . ويمكن الجواب عنه بما أجبنا به عن الايراد السابع الذي سيجيء .

و سادساً : انَّ كثيراً ما يُعرَّف الشيء بالمثال وقد يكون أخص كقول النحاة : الفعل كضرب والاسم كزيد وقد يكون مباينا كقولهم : العلم كالنور فلا وجه لاشتراط المساواة . - وجوابه - انَّ التعريف لم يكن بنفس المثال وإنما كان بالمشابهة وهي ان كانت خاصة به كان رسماً وإلا كان تعريفاً لفظياً مقصد به مجرد الالتفات لمدلول اللفظ .

وسابعاً : انَّ التعريف قد يكون بالعلل الأربع كتعريف النظر بترتيب امور معلومة لتؤدي الى أمرٍ مجهول فانَّه قد اشتهر فيما أنَّه تعریف بينهم بالعلل الأربع ولا ريب انَّه من قبيل التعريف بالمباين لأن وجود العلل غير وجود المعلول . كيف ؟ والعلة الغائية والفاعلية خارجان عن حقيقة الشيء . - وجوابه - انَّ مرادهم بالتعريف بالعلل الأربع ليس انَّ العلل انفسها معرِّفات بل المعرَّف في هذه الصورة هي العناوين المنتزعة للشيء باعتبار مقایسته للعلل الأربع كما يعرَّف الكوز بالاناء الذي يشرب منه الماء فانَّه باعتبار مقايسته الى علته الغائية انتزع له عنوان ( الذي يشرب ) وذلك العنوان يحمل على الشيء وليس بمباين له .

اشتراط المعرف بعدم الاعمية

(ذهب متأخر و المنطقيين الى عدم جواز التعريف بالأعم معللين ذلك بأنه لا يفيد تصوُّر الشيء بكنهه ولا امتيازه عن جميع ما عداه ) . ويرد عليهم. انَّ هذا اشبهه بالمصادرة إذ الكلام في لزوم كون التعريف لابد فيه من ذلک وعدم كفاية الامتياز عن بعض ما عدى المعرَّف والأولى في التعليل أن يقال : ان شأن التعريف هو ما يوجب العلم بالشيء وإلا لما كان كاسباً له والعلم بالشيء إنما يكون بحصول صورته في الذهن والأعم ليس بصورة للأخص وإنما هو صورة لما هو أعم من الأخص فلم يكن بموجب للعلم بالشيء فلا يصلح أن يكون كاسباً له .

اشتراط المعرف بعدم الاخصية

(ذهب متأخر و المنطقيين الى عدم جواز التعريف بالأخص فلا يجوز تعريف الحيوان بالانسان معللين ذلك بأنه أخفى في نظر العقل من الأعم لأنه أقل وجوداً فيه من الأعم وما هو أقل وجوداً في العقل فهو أخفى في نظره وقد

استدلوا على كون الخاص أقل وجوداً في العقل بدليلين أحدهما ان الخاص كلما وجد وجد العام وربما يوجد العام بدون الخاص . وثانيهما : انَّ شروط تحقق الخاص ومعانداته أكثر فانَّ كل شرط ومعاند للعام فهو شرط ومعاند للخاص ولا ينعكس وما يكون شروطه ومعانداته أكثر يكون وقوعه في العقل أقل وما هو أقل وجوداً في العقل فهو أخفى عند العقل ) . ويرد عليهم ثلاثة إيرادات .

أولا : إن أصل القاعدة وهو انَّ كل ما كان أقل وجوداً في العقل فهو أخفى غير مسلَّم فانَّ الشيء قد يكثر وجود نظائره في العقل فيكون أظهر عند العقل مع انَّه يكون أقل وجوداً من غيره الذي لا يكثر نظائره وكان نظرياً ويكثر وجوده في العقل . مع انَّ كثيراً من الأحكام البديهية تكون أقل وجوداً في عقولنا من بعض الأحكام النظرية لكونها ليست بمحل الابتلاء مثل النظرية وطالما كان الخاص أكثر وجوداً من العام لكون الاحتياج اليه أكثر من العام فيكون وجوده في العقل أكثر منه .

وثانياً : انَّ الوجهين المذكورين إنما هما في الخاص بالنسبة الى العام الذاتي له بحسب الوجود الخارجي حيث انَّ العام الذاتي للخاص يوجد بدون الخاص ولا عكس وهكذا كلما كان شرطاً ومعاندا لهذا العام في الوجود الخارجی فهو شرط ومعاند لهذا الخاص في الوجود الخارجي ولا عكس وامَّا بالقياس الى الوجود الذهني فهو غير مسلَّم فانَّ الخاص قد يتصور بوجه ما ولا يلزم حينئذ من تصوُّره تصور الأعم فانَا اذا تصورنا الانسان بأنه ضاحك لم يلزم أن تتصور في ضمنه الحيوان وقد يكون الخاص متصوُّراً بالكنه لا على سبيل التحليل كما لو كان متخيلاً في الذهن بنفسه بدون أن

يكون أي شيء واسطة لملاحظته كما لو تصورنا الملك بنفسه لا بجنسه وفصله فهي ملاحظة للشيء بكنهه لا على سبيل التحليل كما هو الشأن في البسائط العقلية فانَّه في هذه الصورة لا يلزم تصوُّر العام حتى لو كان ذاتيا . وهكذا الخاص قد يتصوُّر من دون التفات الى ما هو أعم منه من الأعراض . نعم إنما يلزم من تصور الخاص تصور العام لو كان العام لازماً بيناً للخاص أو تصوُّر الخاص بكنهه على سبيل التحليل فانَّه يتصور الذاتي الأعم منه . والتحقيق لعدم صحة التعريف بالأخص هو انَّه وان ميَّز الأعم عما عداه لكنه يميز نفس الأعم عن الاغيار بل إنما ميَّز نوعاً خاصاً منه فهو لا يوجب حصول صورة نفس الأعم في الذهن فلا يكون كاسباً له وإنما كان كاسباً لنوع منه . مضافاً الى امكان دعوى اظهرية العام من الخاص لكثرة الاحساس بأفراده من الخاص والاطلاع عليها أوفر منه لكن هذا إنما يتم في العام الذي تكون افراده محسوسة وامَّا العمومات التي لا تكون افرادها محسوسة كالمجردات فلا يتم فيها ذلك .

وثالثاً : انَّ تعريف المعرِّف أخص من المعريِّف لأنه من أفراده ولأن ليس كل معرِّف هو نفس ما يقال على الشيء فظهر جواز كون التعريف بالأخلاص. -وجوابه - انَّ بينهما تساوي إذ كل ما صدق عليه المعرِّف يصدق عليه انَّه يقال على الشيء لافادة تصوُّره وبالعكس . إن قلت : انَّ المعرِّف يصدق على تعريفه والتعريف لا يصدق على نفسه وإلا لزم كون الشيء فرداً لنفسه . قلنا : قد تقدم في النسب انَّ هذا لا يضر بالتساوي .

اشتراط كون المعرف أجلى

( قالوا : لابد في المعرِّف أن يكون أجلى من المعرَّف حتى يكون سبباً لمعرفته وإلا فلا توجب معرفته معرفة المعرف إذ فاقد الشيء لا يعطيه). ویرد علیهم ایرادان .

أولاً : انَّ الحد لا يلزم أن يكون أجلى لأن أجزاء الشيء واحدة لا تتغير فاذا كانت نظرية لا يمكن تبديلها بأجزاء غيرها في التعريف . وجوابه - انَّه لابد في هذه الصورة من كسبها واطلاع العقل عليها ثم يعرَّف بها وإلا فلا يحصل بها شيء أصلا . وثانياً : إن اريد انَّ المعرِّف للشيء لابد وأن يكون أجلى من جميع المعرفات التي تصلح له فهو مضافاً الى انَّه خلاف ظاهر كلامهم غير لازم وإنَّ اريد انه أجلى من المعرِّف فهو يقتضي المشاركة في الجلاء مع انَّ المعرِّف لا جلاء فيه ولا ظهور له في العقل وإلا لما احتاج للتعريف . - وجوابه - انَّ المعرَّف لابد وأن يكون متصوراً بوجه ما ومجليَّاً عند العقل بوجه ما وإلا طلب المجهول المطلق فيكون فيه جلاء نوعاً ما إلا انَّ المعرِّف أجلى منه .

اشتراط تقديم الجنس على الفصل

(قالوا : يجب تقديم الجنس على الفصل والخاصة في التعريف فلا يقال في تعريف الانسان ناطق حيوان . وقد عللوا ذلك بأن الجنس لأعميته أوضح وأجلى فالنفس له أقبل وبأن الجنس مبهم والفصل محصِّل له ومميِّز ويسهل الانتقال من المبهم الى المميِّز والمحصِّل . وبأن الفصل قيد للجنس والمقيد مقدَّم على القيد ) . ويرد عليهم .

انَّ التعليل الأول لا يثبت الوجوب لأن الأعم لو سلمَّ انَّه أوضح لكن فيما كان ذاتياً للأخص والجنس ليس بذاتي للفصل سلمنا انَّ الأعم مطلقاً أوضح لكن أي موجب لتقديمه . وكونه أقبل للنفس لا يمنع من قبول النفس له لو أخر وهكذا الكلام في التعليل الثاني فانَّ سهولة الانتقال لا موجب لها إلا أن الخاص اذا ذكر أولا واطلع عليه لم تبق النفس متجهة لما هو الأعم لأن المعرفة حصلت بالأول بخلاف ما اذا ذكر العام أولاً بقيت النفس متجهة للميز ومن المعلوم انَّ هذا لا يوجب التقديم بل إنما يقتضي استحسانه وهكذا الكلام في التعليل الثالث فانَّ الصفة قد تقدم على الموصوف مع انها قيد له كما يقال : جرد قطيفة واعتق مؤمنة الرقاب وصل خلف عدول الرجال.

تقسيم المعرف

(قسَّموا المعرِّف الحقيقي الى قسمين حدّ إن اشتمل على الفصل القريب ورسم إن اشتمل على الخاصة وقسموا كل منهما الى تامِّ وهو ما اشتمل على الجنس القريب وناقص إن لم يشتمل عليه ) . ويرد عليهم أحد

عشر ايراداً .

أولاً : انَّ المركبات الاعتبارية التي لها وحدة اعتبارية كالصلاة يكون حدها بذكر أجزائها المتباينة وليس لها جنس ولا فصل وهذا القسم من التعريف ليس بداخل في واحد من الأقسام . ودعوى انَّه أسقط لندرته . فاسدة لأن قواعد هذا الفن عامة وفي باب التصديقات تذكر أقسام للقضايا نادرة التحقق . - وجوابه - انَّ كلامهم في تعريف المركبات الحقيقية ذات الوحدة الحقيقية ·

وثانياً : انُّ الصنف يعرَّف بالنوع كتعريف الحبشي بالانسان الأسود

فأنَّه تعريف شائع مستعمل في العلوم كما في تعريف أقسام موضوعات مسائلها وهو ليس بداخل في واحد من الأقسام المذكورة . لا يقال : انَّ هذا حدَّ تامَّ لأن النوع عبارة عن الجنس والفصل . لانا نقول : ان النوع غير الحد التام لاختلافه معه بالاجمال والتفصيل ولذا يعرَّف به . لا يقال : النوع بالنسبة الى أصنافه يكون جنساً لأن-ه تمام الذاتي المشترك بينها فان الأصناف حقائق اعتبارية وتمام الذاتي المشترك بينها هو النوع ولا إستحالة في كون الشيء نوعاً حقيقياً للجزئيات وجنساً لحقائق عرضية لأنا نقول : انَّ النوع تمام حقيقتها وإنما كان الاختلاف بينها بالعوارض فهو نوع لها كما هو نوع للجزئيات . - وجوابه - انَّ الأصناف ماهيات اعتبارية ونحن كلامنا في الماهيات الحقيقية .

وثالثاً : انَّ التعريف بالمثال كما يقال : النفس هي كالملك بالنسبة الى المدينة ، وكقولهم : العلم كالنور والجهل كالظلمة أو بالضد كما يقال : العلم هو عدم الجهل والنور عدم الظلمة ومنه تعريف النحويين للاسم بقولهم : كزيد وللفعل بقولهم : كضرب هو ليس بداخل في أحد الأقسام المذكورة . - وجوابه - انَّ التعريف إنما وقع بالمماثلة والمعاندة وهما من الأعراض فانُّ اختص المعرَّف بهما كان تعريفاً بالخاصة وإلا كان تعريفاً لفظياً.

ورابعاً : انَّ التعريف بالجنس القريب مع العرض العام بحيث يكون المجموع منهما يخص المعرَّف ويساويه كتعريف الانسان بالحيوان المنتصب القامة فانَّه تحصل به صورة الشيء في الذهن مع انَّه ليس بداخل في أحد الأقسام وهذا بخلاف التعريف بالمركّب من العرضين العامين كتعريف الخفاش بالطائرة الولود فانَّه يمكن دعوى انَّه خاصة مركَّبة فيكون من قبيل الرسم

وسيجيء إن شاء الله الكلام فيه .

وخامسا : انَّ التعريف المركَّب من الفصل والخاصة كتعريف الانسان بالناطق الضاحك ليس بداخل في أحد الأقسام مع حصول التعريف به بوجه أكسل . - وجوابه - ان هذا تعريفان حدَّ ورسم لا تعريف واحد .

وسادساً : انَّ المركَّب من حد الجنس مع الفصل أو الخاصة كتعريف الانسان بالجسم الحساس المتحرك بالارادة الناطق أو من حد كليهما هو ليس بداخل في أحد الأقسام . - وجوابه - انَّه يمكن أن يقال : انَّ المراد بالجنس أو الخاصة أعم من نفسها أو تعاريفها .

وسابعاً : انَّ الحد التام أو الرسم التام كما يحصل بما ذكروه كذلك يحصل بما ذكروه مع انضمام الفصل البعيد أو الجنس البعيد أو غير ذلك وهكذا الحد الناقص والرسم الناقص . ودعوى انَّه لا حاجة الى الضم المذكور حيث انَّ الاطلاع على الكنه أو الامتياز يحصل بما ذكروه من دون الضميمة . مدفوعة بأن الاطلاع والامتياز يحصل بوجه أكمل من حيث التفصيل والاجمال . - وجوابه - انَّ غرضهم انَّ تمامية الحد والرسم و نقصانهما يحصلان بما ذكر سواء ضم لهما شيء آخر أم لا .

وثامناً : انَّ الماهية لو تركبت من أمرين متساويين كان التعريف بهما أو بأحدهما ليس بحدِّة ولا برسم إذ هما ليسا بفصلين حيث ما لا جنس له لا فصل له وليسا بخاصة لكونهما ذاتيين للماهية . - وجوابه - إنا نمنع من تركب الماهية من ذلك كما تقدم ولو جاز التركب منهما كانا فصلين ونمنع من قاعدة ما لا جنس له لا فصل له .

و تاسعاً : انَّ التعريف المركَّب من العلل الأربعة كما اشتهر في تعريف

النظر ليس بداخل في أحد الأقسام لعدم كونها من الجنس والفصل .-وجوابه - ما عرفته في جواب الايراد السابع على اشتراط المساواة في المعرِّف من أن التعريف إنما يكون بالعناوين المنتزعة للشيء بمقايسته اليها وتلك العناوين إن كانت من الذاتيات كان التعريف حدا وان كانت من الأعراض الخاصة كان التعريف رسماً .

وعاشراً : انُّهم اعتبروا في الرسم أن يكون بالخاصة والخاصة من الكليات المفردة مع أنه قد يكون التعريف بالخاصة المركبة من عرضين عامين كتعريف الخفاش بالطائر الولود .

وحادي عشر : انَّ التعريف بالخاصة وحدها أو بالفصل وحده لا یصح لأن التعريف من أقسام الفكر والفكر هو ترتيب أمور . ولأن المفرد ان كان مجهولاً لم يصح التعريف به . وان كان معلوماً كان المعرَّف أيضاً معلوماً لعدم تخلفه عنه في المعلومية فلا طلب ولا كسب ولا يأتي هذا في المركُّب لجواز كون التركيب مجهولا . ولأن الفصل والخاصة لا يدلان على المعرَّف بالمطابقة وإلا لكانا اسمه ويكون التعريف لفظياً بل انَّما يدلان عليه بالالتزام والالتزام يقتضي القرينة الموجبة لنقل الذهن من الملزوم الى اللازم فيكون المعريف واقعاً هو تلك القرينة مع الفصل أو الخاصة وعليه فلم يمكن التعريف بهما وحدهما . - وجوابه - امَّا عن التعليل الأول فيظهر الحال فيه مما ذكرناه في جواب الايراد الخامس على تعريف المتقدمين للمعرِّف وامَّا عن التعليل الثاني فيعلم مما ذكرناه في جواب الايراد السابع على تعريف المتقدمين للمعرِّف وامَّا عن التعليل الثالث فانَّ المعرِّف ليس سنخه من سنخ الدال وإنما هو احضار للشيء بنفسه أو بوجهه . والاحتياج الى القرينة لا يضر بالتقسيم

فانَّ الغرض كما عرفت غير مرة انَّ المراد انَّ التعريف بهما بدون الجنس القريب ولو انضم اليهما ألف قرينة يكون تعريفاً ناقصاً .

اختصاص الحد التام بمعرفة الكنه

(خصوا الحد التام بأنه الموصل الى الكنه دون غيره ) . ويرد عليهم ایرادات ثلاثة .

أولاً: انَّ بعض الرسوم قد توجب الاطلاع على الحقائق لأن المعرِّفات والحجج إن قلنا : انَّها معدات لفيضان المطلوب من المبدأ الفياض فيجوز أن يستعد الذهن القوي لفيضان كنه الحقيقة بمجرد تصوِّر الخواص .وإن قلنا : انُّها أسباب لحصول المطلوب في الذهن فيجوز أن يكون لبعض الخواص نسبة مخصوصية للماهية وملازمة ذهنية بينهما بسببها يحصل كنه الشيء عند حصول تلك الخاصة فانَّ الذهن قد ينتقل الى الضد بسجرد خطور الضد الآخر فيه . ولعل البسائط الذهنية من هذا القبيل إذ حقيقتها وماهيتها لها صورة واحدة لا تعدد فيها حتى يعرَّف إحداهما بالأخرى بخلاف الماهيات المركَّبة فانُّ ماهياتها لها صورتان إحداهما اجمالية والاخرى تفصيلية مركَّبة من جنس وفصل فيطلب تعريف الأولى بالثانية . وبعبارة اخرى انَّ الصورة الكاسبة لطبيعة البسيط إن كانت عينها كانت طبيعة البسيط موجودة في الذهن وإنما أتى بلفظ آخر مرادف لها ويكون من باب التعريف اللفظي وإن كانت غيرها صادقة عليها كانت وجهاً لها ويكون التعريف رسماً فالبسيط لا يمكن كسب كنهه إلا اذا قلنا : انَّ الخواص التي هي وجهاً له موجبة لحضور نفس كنهه في الذهن .- وجوابه - انَّ التعريف هو صورة الشيء الحاكية عنه فهي لا تحكي إلا عما هو صورة له وليس لها أدنى استعداد أو سبب للحكاية

عن غيرها وإلا لصلح أن تحكي صورة كل شيء عن كل شيء ومن المعلوم انَّ صورة الوجه لا تحكي إلا عن الشيء بذلك الوجه وامَّا اذا قلنا : بأن الأشياء توجد بنفسها في الذهن فليس التعريف إلا إيجاد نفس الشيء في الذهن فتارة يوجد بنفسه واخرى بوجهه وخاصته فالأمر أوضح إذ ان خاصة الشيء اذا وجدت في الذهن كان الشيء بوجهه موجوداً فيه لا بنفسه وحقيقته . وامَّا دعوی امكان التلازم الذهني فهي أجنبية عن المقام لأن هذا ليس من التعريف في شيء إذ لو فرض انَّ بالتعريف بالوجه تحصل صورة الشيء بوجهه وصورته بكنهه وحقيقته كان المكتسب بالتعريف هو الصورة بالوجه لأنها وقع التعريف بها دون غيرها من لوازمها وتوابعها ولذا لا يصح أن يتعرَّف أحد الضدين بالآخر وإن كانت بينهما ملازمة . مع انَّ التلازم الذهني إنما يتصور فيما اذا كان كل منهما حاضراً في الذهن قبل التعريف . والتلازم بين الضدين إنما يوجد لأجل تكرر اقتران وجودهما . والتحقيق في البسائط امَّا أن يقال انَّها بديهية كلها لأن تصوُّرها لا يحتاج الى ترتيب امور فهي لا تحتاج الى التفكير والكسب بل بمجرد الالتفات اليها تحصل حقائقها في الذهن بلا كاسب أو يقال : انَّ النظري منها يحصل باستقراء نوع افراده فتحصل حقائقها بالتحليل والتقسيم . ودعوى انَّ الماهيات البسيطة لما لم يكن لها جنس وفصل لا يمكن حصولها في الذهن • مدفوعة بأنها دعوى بلا برهان فائه أي مانع من حصولها وإن لم يكن لها جنس وفصل ألا ترى الى المفاهيم الاعتبارية والاتنزاعية اذ اكانت وحدانية فان حقائقها وهي نفس تلك المعاني الوحدانية الاعتبارية أو الاتتزاعية تحصل بنفسها في الذهن مع انه لا جنس لها ولا فصل وهكذا الماهيات الحاصلة بصورتها الاجمالية في الذهن من دون التفات لجنسها

ولا لفصلها وهكذا الماهيات البديهية قد حصلت ماهيتها بصورتها الاجمالية من دون التفات لجنسها ولا لفصلها وهي حاصلة بكنهها الاجمالي .

وثانياً : انَّ معرفة الكنه بالحد التام انَّما تكون بمعرفة جميع ذاتيات الشیء وجمیع ذاتيات الشيء عينه ونفسه فتعريف الشيء بالحد التام تعريف له بعينه ونفسه . وجوابه - وجود الفرق بينهما بالاجمال والتفصيل .

وثالثاً : انَّ الجنس والفصل قد يكونان معلومين بالخاصة لا بذاتهما و كنههما وحينئذ فالتحديد بهما لا يحصل معرفة المعرف بكنهه. -وجوابه - انَّ معرفة كنه الشيء هي معرفة أجزائه وفيما نحن فيه قد عرفت الأجزاء للمعرَّف نعم الأجزاء لم تعرف بكنهها .

معرفة الشيء بالرسم

( قالوا : انَّ الرسم تحصل به معرفة الشيء ) . ويرد عليهم ايرادان .

أولاً : انَّ الرسم امَّا أن يُحصَّل به نفس المرسوم وذاته فيلزم أن يكون الرسم محصلا للكنه وامَّا أن يحصَّل به أمر مجمل حاصل من وحدة العوارض المأخوذة في الرسم ويكون هذا الأمر المجمل مرآة لملاحظة نفسالمرسوم وذاته فيعود المحذور وهو أن یُحصَّل الكنه من العوارض مع انَّه لا وجه لجعل المجمل مرآة دون المفصَّل وامَّا ان لا يحصل شيء فيلزم أن لا يحصَّل المجهول بالرسم . - وجوابه - انَّه يحصل بالرسم نفس الشيء ولكن لا بالذاتيات كما في الحد بل بوجه يمتاز عما عداه . وبعبارة اخرى ان حصول نفس الشيء تارة يكون بحصول ما هو متحد معه بالذات وتارة بحصول ما له اختصاص به .

وثانياً : انَّ الرسم لا يمكن بعد معرفة الشيء بالكنه لأن المقصود

بالرسم ان كان نفس الشيء فقد تم بحصول الكنه وإن كان غيره فيكون نفس الشيء غير مقصود فلا يكون المرسوم مرسوماً . - وجوابه -انَّ المقصود حصول نفس الشيء ولكن بالوجه العارض عليه لا بالوجه الذي هو عين ذاته وهو مجهول قد حصِّل بالرسم .

الفرق بين معرفة كنه الشيء ووجهه

وبين معرفة الشيء بكنهه ووجهه

( قد اشتهر الفرق عندهم بين معرفة كنه الشيء وبين معرفة الشيء بكنهه والفرق بين معرفة وجه الشيء وبين معرفة الشيء بوجهه ) . ويرد عليهم. انَّه لا فرق بينهما إذ في كل منهما قد عُرِّف الشيء بالكنه أو بالوجه . -وجوابه - انَّ العلم بالذاتيات أو بالوجه ان كان مرآة لمعرفة ذيها كان هذا معرفة للشيء بكنهه أو بوجهه وإن لم يكن مرآة لمعرفة ذيها بل لوحظت بنفسها لنفسها كان معرفة لكنه الشيء أو لوجهه فقط حيث لم يعرف بها الشيء . وقد فرَّق المتقدمون بينهما بأن مثل الضاحك اذا اعتبر صدقه على شيء أو اتحاده معه كما في موضوع القضية المحصورة بالنسبة لمصاديقه كان علماً للشيء بوجهه واذا اعتبر مع قطع النظر عن ذلك كان علماً بالوجه كما هو حال موضوع القضية الطبيعية .

صعوبة معرفة الحد

(قالوا : من العمر جداً معرفة حقيقة شيء من الأشياء وإنما نعرفها بالخواص واللوازم دون حدودها الحقيقية لأن الحقيقة لا تعرف إلا بمعرفة الجنس الواقعي والفصل الواقعي بحيث لا يشك بهما ولا يشتبه فيهما وهذا

أمر متعذر لأن الجنس يشتبه بالعرض العام لكون كل منهما كلي عام والفصل بالعرض الخاص لكون كل منهما كلي مختص مميز للشيء عما عداه ) . ويرد علیهم ایرادان .

أولاً : انَّ هذا يناقض ما ذكروه في باب الكليات من المميزات للذاتي عما عداه إذ مع وجود الممِّيزات لا تبقى صعوبة . إلا اللهم أن يناقش في صحتها كما تقدم منا .

وثانياً : انَّ هذا لا يجيء في مفاهيم الألفاظ ومداليلها لأن المعاني معلومة بالطرق المذكورة من التبادر ونحوه فما أخذ فيها كان ذاتيا لها وإلا فخارج عنها فتحديدها في غاية السهولة وهكذا الماهيات الاعتبارية والاتنزاعية فانَّ العقل لا يشك في مخترعاته كما انَّ المركِّبات حدها بالأجزاء الخارجية لا صعوبة فيه أصلاً للاطلاع على الأجزاء بالحس.

التعريف اللفظي

( عرَّفوه بأنه : ما يقصد به تفسیر مدلول اللفظ وقالوا : انَّه لم يكن فيه تحصيل مجهول من معلوم ) . ويرد عليهم ایرادان .

أولاً : انَّ التعريف الحقيقي قد يكون تعريفاً لفظياً فيما اذا كان المعرَّف معلوماً وكانت دلالة اللفظ عليه مجهولة كما لو قيل لمن يعرف الحيوان الناطق ويجهل دلالة الانسان عليه : ( الانسان حيوان ناطق ) فانَّه يكون تعريفاً لفظياً مع انَّه تعريف حقيقي لاشتماله على الجنس والفصل . - وجوابه - لا مانع من ذلك فالحيوان الناطق تعريف حقيقي بالنسبة لمن يجهل حقيقة الانسان وتعريف لفظي لمن يعرف حقيقته ويجهل دلالة لفظ الانسان عليه.

وثانياً : انَّ في التعريف اللفظي تحصيل مجهول من معلوم فانَّه قبل التعريف اللفظي يجهل مدلول اللفظ وبعد التعريف يعلم مدلوله . والحاصل

انَّ المعنى وإن كان حاصلاً في الذهن قبل التعريف لكنه لم يعلم انَّه مدلول اللفظ وبعد التعريف يعلم ذلك . - وجوابه - ان ليس غرضهم نفي ذلك كلية بل غرضهم انَّه لم يكن فيه تحصيل مجهول من معلوم كما في التعريف الحقيقي فانَّ في التعريف الحقيقي كان المجهول نفس المعرَّف وبعد التعريف يعلم به بخلاف اللفظي فان نفس المعرَّف معلوم ولكن نجهل دلالة اللفظ عليه .

المجلد 2

اشارة

نقد الأداء المنطقية

حَلٌ مُشْكِلَاتِها

الجزء الثاني

في التصديقات

وَيَليه

خاتمة في المغالطات

لمؤلفه

سماحة الحجة الشيخ على كاشف الغطاء

مؤسسة النعمان للطباعة والنشر والتوزيع

بسم الله الرحمن الرحيم

القضية

تعريف القضية

( عرَّف المنطقيون القضية بأنها : قول يحتمل الصدق والكذب ) . ويرد علیهم خمسة عشر إيراداً :

أولاً : انَّ هذا التعريف لا يشمل الانشائيات من القضايا فانَّها لا تحتمل الصدق والكذب . - وجوابه - انَّ القضية عند المنطقيين هي مخصوصة بالخبرية . مضافاً الى انَّ محل بحثهم في التصديقات هو القضايا التي تصلح لأن تقع احدى مقدمتي الدليل امَّا صغرى أو كبرى لأنها هي مبادي الحجة والانشائيات لا تقع صغرى ولا كبرى لشكل من الاشكال.

وثانياً : انَّ هذا التعريف يشمل الخبر وقد عرَّف القوم الخبر بذلك كما تقدَّم في مبحث تقسيم المركِّب . - وجوابه - انَّ المركّب التام المحتمل للصدق والكذب من حيث اشتماله على الحكم يسمى قضية ومن حيث اشتماله على الحكاية عن الواقع يسمى خبراً ومن حيث كونه جزء الدليل يسمى مقدمة ومن حيث يطلب بالدليل يسمى مطلوباً ومن حيث يحصل بالدليل يسمى ومن نتیجة حيث يسئل عنه يسمى مسألة .

وثالثاً : انُّ القضايا البدهية لا تحتمل الكذب كقولنا : الكل أعظم من الجزء واخبار النبي (ص) فانَّها لا تحتمل الكذب . وما اشتهر في الجواب عنه من أنَّ المراد احتمال ذلك بالنظر الى نفس مفهوم الكلام مع قطع النظر

عن الخصوصيات المكتنفة به . مدفوع بأن القضايا البديهية الأولية كما ذكروه انَّ نفس تصوُّر أطرافها من موضوعها ومحمولها والنسبة موجب للجزم بها فنفس الكلام يمنع من احتمال الكذب . - وجوابه - انَّ مرادهم ما كان - بحسب طبعه يحتمل فيه ذلك بمعنى انه لو جرد عن المادة لكان يحتمل فيه ذلك فلو أبدل الموضوع والمحمول في القضايا البدهية لكان يحتمل فيه الصدق والكذب بخلاف الانشائيات فانَّه لا يحتمل فيها ذلك ولو ابدل موضوعها ومحمولها إلا أن تخرج عن حقيقة الانشاء الى الاخبار .

ورابعاً : انّ الدّور لازم لهذا التعريف حيث عرفوا الصدق والكذب في مبحث المفرد والمركِّب بمطابقة الخبر للواقع وعدم مطابقته فكانت معرفة الصدق والكذب موقوفة على معرفة الخبر لأنه أخذ في تعريفهما ومن المعلوم انَّ الخبر نفس القضية فاذا عرَّفت القضية بالتعريف المذكور كانت معرفتها موقوفة على معرفة الصدق والكذب لأن معرفة المعرَّف موقوفة على معرفة أجزاء التعريف فصار كل منهما معرفته موقوفة على معرفة الآخر وهو الدَّور . وقد اجيب عنه بعدة أجوبة مرجع بعضها الى تعريف الصدق والكذب بما لا يتوقف على الخبر كتعريفهما بمطابقة الحكاية أو النسبة أو الأمر الذهني أو الحكم للواقع وعدمها . ومرجع بعضها الى تعريف القضية والخبر بما لا يتوقف على الكذب والصدق كتعريف الخبر والقضية بما قصد به الحكاية عن الواقع أو ما كان لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه . ومرجع بعضها الى أنها تعاريف لفظية ويجوز فيها الدور وحيث انَّ الأمر ليس بذي بال فلا يهمنا تحقيق الحال .

وخامساً : انَّ مثل قول القائل : ( كلامي هذا الآن كاذب ) مشيراً الى

نفس هذا الكلام بمعنى انَّه يريد بقوله : ( كلامي ) هو هذا الكلام أعني كلامي هذا الآن كاذب أو قال : ( كلامي هذا اليوم كاذب ) ولم يتكلم بغير هذا الكلام . فانَّه لا ريب في انَّه قضية لاشتماله على الموضوع والمحمول والنسبة التامة الخبرية وكل ما كان كذلك فهو قضية مع انَّه لا يحتمل الصدق والكذب لأنه لو كان صادقاً لكان المحمول فيه وهو ( كاذب ) ثابتاً له لأن الصدق عبارة عن ثبوت المحمول للموضوع في نفس الأمر فصار صدقه يستلزم إتصافه بالكذب لأن ما ثبت له كاذب فهو كاذب وليس الكلام الذي أخذ موضوعاً لهذه القضية إلا نفس هذه القضية لفرض انه لا كلام سواها فيكون كاذباً وصادقا وهو اجتماع النقيضين وهو محال فيكون احتمال الصدق باطلا . وهكذا لا وجه لاحتمال كذبه لأنه على تقدير كذبه يكون المحمول وهو ( كاذب ( مسلوباً عنه لأن القضية الكاذبة هي المسلوب محمولها عن موضوعها واذا كان الكذب مسلوباً عن هذا الكلام صار صادقا وقد فرض كذبه فيلزم على تقدير كذبه إتصافه بالصدق وهو اجتماع النقيضين ويسمى هذا الاشكال بالجذر الأصم وقد ألفت فيه رسائل .-وجوابه- مضافاً الى ما مرَّ من ان المراد احتمال الصدق والكذب فيما لو جرَّد عن المادة كما لو عبَّر عنها ب- ( ب ) و ( ج ) أن يقال : انَّ هذه القضية امَّا أن تكون شخصیه بمعنى أن يراد بموضوعها وهو ( كلامي ) شخص هذا القول فهو غير صحيح لأنه يلزم أن يجتمع في آن واحد اللحاظان الآلي والاستقلالي لأن القضية إنما تلحظ بلحاظ آلي للكشف عن الواقع وإراءته فهي في هذه الحال لا ينظر اليها بالنظر الاستقلالي وفي مقام الحكم عليها بالصدق أو الكذب أو المناقضة لقضية اخرى تلحظ بالاستقلال لأن المحكوم عليه ينظر الى ذاته

وينسب اليه فلو كانت هذه القضية بالحكم فيها يحكم عليها لزم اجتماع اللحاظين في آن واحد وهو محال . وامَّا أن تكون حقيقية بمعنى انَّ المراد بموضوعها وهو ( كلامي ) طبيعة الكلام الصادر منه هذا الآن باعتبار وجودها الخارجي وهي تنحصر في هذا الفرد الذي نطق به فعلا وهو قوله : ( كلامي الآن كاذب) فقد صحت القضية لأن موضوعها هو نفس طبيعة الكلام ونفس الطبيعة شمولها لأفرادها قهري فشمول الطبيعة لهذه القضية بالذات من دون حاجة الى لحاظ نفس هذه القضية حتى يلزم اجتماع اللحاظين للقضية .ألا ترى الى القضايا التي تشمل نفسها فانَّ قولنا : ( القضية قول يحتمل الصدق والكذب ) لما كان المراد به طبيعة القضية شمل حتى نفس هذه القضية . وهكذا قولنا : ( المركِّب التام ما صح السكوت عليه ) لما كان المراد به طبيعة المركِّب شمل حتى نفس هذا المركِّب وهكذا قولنا : ( نقيض كل شيء رفعه ) يشمل حتى هذا الكلام فانَّ نقيضه هو رفعه وهكذا قولنا : ( كل حمد الله ) يشمل حتى هذا القول لو كان نفسه أيضاً حمدا وعلى هذا فقس ما سواه ولكننا نلتزم بأنها كاذبة لأن صفة الكذب إنما تثبت للقضية باعتبار وجودها في نفسها لأن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له ولذا قول العقيم : ( كلام ولدي كاذب) قضية كاذبة لعدم وجود طبيعة كلام ولده فتكون القضية كاذبة لا تتفاء موضوعها وفيما نحن فيه كان الكلام الذي هو موضوع القضية المذكورة مع قطع النظر عن الحكم منتف كما هو الفرض فيكون اثبات صفة الكذب له من قبيل الموجبة المنتفية الموضوع وهي كاذبة. إن قلت : يلزم من كذبها أن يثبت صدقها فان صفة الكذب اذا اتنفت من الكلام ثبت صدقه لعدم ارتفاعهما عن الكلام . قلنا : لا يلزم ذلك فانَّ اقتفاء

صفة الكذب عن الكلام لانتفاء الكلام لا يوجب ثبوت صفة الصدق له بل يكونان مرتفعين معاً فانَّ ( كلام ولد العقيم ) لا يتصف بالصدق ولا بالكذب لانتفائه في الخارج . إن قلت انَّ ما نحن فيه ليس كذلك لأن طبيعة الكلام موجودة فانَّ نفس هذه القضية اعني (كل كلامي هذا اليوم كاذب ) من افرادها القهرية وقد وجد فلم تكن من قبيل الموجبة المنتفية الموضوع . قلنا : هذا لا يرفع كذب القضية الثابت لها من جهة انتفاء الموضوع فانَّ وجود الموضوع لما كان بوجودها كان وجود الموضوع موقوفاً عليها وهي علة لتحققه فيكون في مرتبة متأخرة عن القضية فتكون القضية في مرتبة نفسها موضوعها غير موجود فهي كاذبة وبتعبير آخر ان المعتبر وجود الموضوع في مرتبة موضوعيته حتى يكون الحكم عليه حكم على موجود وتكون الصفة ثابتة بعد ثبوت المثبت له فوجوده بعد الحكم لا ينفع في صدق القضية . هذا مع امكان أن يقال : انَّ القضية لا تشمل نفسها وإنما يسري لها الحكم بتنقيح المناط فمثل قولنا : ( المركِّب التام ما يصح السكوت عليه ) لا يشمل نفسه وإنما يشملها بتنقيح المناط نظير ما ذكر من انَّ الأحكام لا تشمل حالتي العلم والجهل و الاطاعة والعصيان لأنها مراتب متأخرة عنها وعليه فيكون الحكم فيها موضوعه غير موجود لعدم شموله للفرد الموجود . وقد اورد على صحة هذا الكلام بایرادین آخرین . احدهما انَّ هذا الكلام خبر والخبر لا بد فيه من الحكاية وهي غير المحكي عنه وفيما نحن فيه ليس سوى هذا الكلام كلام يحكى عنه فاتحد الحكاية والمحكي عنه بالذات ولابد من التغاير بينهما لأن حكاية الشيء عن نفسه غير معقولة وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه ولزم النظر الى الشيء آلياً واستقلالياً . وثانيهما انَّ الموضوع

لابد وأن يكون مستقلاً كما تقرر في موضعه والموضوع هنا نفس هذا الكلام وهو مشتمل على النسبة وكلما هو كذلك يكون غير مستقل فيلزم كون الموضوع غير مستقل وهو خلف . والجواب عنهما : انَّ المغايرة بين الحاكي والمحكي عنه تكفي بالاعتبار نظير الدلالة كما في الدعاء ( يا من دل على ذاته بذاته ) فهنا تلحظ نفس هذه القضية ويحكى بها عن نفسها فبلحاظها الاجمالي محكى عنها وبلحاظها التفصيلي تكون حاكية . وامَّا الموضوع هو نفس هذه القضية وهي مستقلة لأن الجزء الغير الاستقلالي كان قائماً بأجزائها لا بأمر خارج عنها .

وسادساً انَّ النسبة الوصفية كزيد العالم في قولنا : جاء زيد العالم محتملة للصدق بأن يكون في الواقع عالماً وللكذب بأن لا يكون كذلك ولذا من يكيل أوصافاً لغير مستحقيها يقال له : كاذب . - وجوابه - انَّ وصفي الصدق والكذب انّما هما باعتبار الحكاية عن الواقع والأوصاف انَّما تذكر لا بهذا القصد وإنما هي بقصد التعريف والتشخيص أو غير ذلك فعدم مطابقتها نظير عدم مطابقة الاسم للمسمى كمن قال : ( هذا زيد قد جاء ) مع انّه هو عمرو فانَّ مثل ذلك يسمى بالاشتباه لا بالكذب نعم بعض الأوصاف يعلم حال المتكلم انَّه قد ذكرها بقصد الأخبار والحكاية فهي حينئذ تدل علىمن قضية خبرية هي التي تنصف بالصدق والكذب .

وسابعاً : انَّ القضية المشكوكة كمن قال : زيد قائم وهو شاك فيه أو طالب للدليل عليه فانَّ المطالب التصديقية في مقام الاستدلال عليها تكون مشكوكة حتى عند نفس الشخص الذي لم يستحضر الدليل عليها ويريد أن يقيمه عليها فائها من القضايا مع انها لا تحتمل الصدق والكذب لعدم قصد

الحكاية بها عن الواقع لشكه فيه . إن قلت : انَّها ليست من القضايا للشك فيها كما هو مذهب الكثير من المنطقيين . قلنا : هي من القضايا لأن الشك بديل اليقين والظن وهما إنما يتعلقان بالقضايا مع انَّ العلم والتصديق والاذعان لو كان داخلاً في القضية لزم أن يكون المتكلم المعتقد الكذب بقضاياه ان لا تكون اخباره قضايا ولزم عند العلم بالقضية علمان علم جزء منها وعلم بها إذ لو كان علم واحد لدخل العلم في المعلوم وتقويم المعلوم به . إن قلت : انَّ المشكوكة توجد فيها الحكاية عن الواقع فانَّ الشيء ما لم يكن فيه حكاية عن الواقع لا يقع الشك والترديد فيه إذ الشك والترديد عبارة عن تجويز مطابقة الحكاية وعدمها لنفس الأمر تجويزاً مساوياً من غير ترجيح. قلنا : الصدق والكذب تابع لقصد الحكاية بحيث لو كان الكلام فيه حكاية ولكنها لم تقصد لم يتصف بهما ألا ترى ان كلام الساهي والنائم لا يوجب اتصافهما بالصادق أو الكاذب كما يتصف بالمتكلم فلو كان الصدق والكذب بمجرد الحكاية من دون قصد لاتصفا بالصدق والكذب كما يتصفان بالكلام . وجوابه - أن يقال : انَّ القضية المشكوكة إن قصد بها الحكاية عن الواقع نظير الكذاب الذي يقصد بكلامه الحكاية عن الواقع فهي داخلة في القضية والخبر والتعريف يشملها وإن لم يقصد بها الحكاية وإنما ألقيت على سبيل الترديد والتشكيك فهي من الانشائيات نظير القضايا الاستفهامية حتى لمن طلب الدليل عليها من نفسه فاته مستفهم من نفسه وإن ابيت عن ذلك فنقول : انَّ التعريف المذكور تعريف للقضية المعتبرة في العلوم الحكمية ، والمشكوكة ليست منها لأن المقصود في الحكمة هو تكميل النفس وإدراك أحوال الاشياء على ما هو عليها في الواقع وهذا لا يحصل بدون الاذعان .

وثامناً : انَّ طرفي الشرطية المقدَّم والتالي من القضايا لما ذكروه من انَّ الشرطية تنحل الى قضيتين إحداهما المقدَّم والأخرى التالي مع انَّ المقدم و التالي لا يحتملان الصدق والكذب . - وجوابه - انَّه لا يحتمل فيهما ذلك حال كونهما جزءً للشرطية وهما في هذه الحالة ليسا بقضية وبعد الانحلال و قصد الحكاية بهما عن الواقع يحتمل فيهما ذلك ويكون كل منهما قضية فاطلاق القضية عليهما مجازاً بعلاقة المشابهة في الصورة كما صرح به جملة من المناطقة .

و تاسعاً : انَّ هذا التعريف لا يشمل القضية المعقولة لأن الصدق والكذب لا يتصف بهما المعقول فانَّ من وجد في ذهنه صورة لكون الباري جسما ولكون حاتم بخيلا لا يقال له : كاذب وإنما يقال له : مخطيء وذلك لما عرفت من أن الصدق والكذب مأخوذ فيهما قصد الحكاية عن الواقع والمتصوِّر لم يقصد الحكاية بالصورة الذهنية عن الواقع لأنه يرى الواقع بنفسه من دون التفات للصورة ولا أقل من عدم شمول التعريف للقضايا المعقولة التي لم يلتفت الى حكايتها ولو سلَّمنا قصد الحكاية فيها فالصدق والكذب إنما هما موضوعان لخصوص حكاية الدال اللفظي واتصاف الكتابة والاشارة بهما باعتبار الدلالة على اللفظ والعجيب انهم فسروا ( القول ) المأخوذ في تعريف القضية باللفظي والعقلي ليشمل التعريف القضية المعقولة وما التفتوا الى انها لا تحتمل الصدق والكذب .

وعاشراً : انّ القول امَّا مشترك لفظي بين المعقول والملفوظ كما يظهر من كلامهم حيث قالوا : ( يطلق تارة على الملفوظ واخرى على المعقول ) فيلزم استعمال المشترك اللفظي في التعريف وامَّا حقيقة في أحدهما ومجاز في الآخر

كما قيل : انَّه ظاهر في اللفظي ومجاز في العقلي للتبادر فتخرج القضية المعقولة عن التعريف مع انَّ أحكام هذا الفن تشمل الملفوظ والمعقول كيف والمنطق إنما وضع للمعقول لأنه الموصل بالذات واللفظ إنما تسري الأحكام اليه بواسطة دلالته عليه . - وجوابه - ان القول عندهم مشترك لفظي بين الملفوظ والمعقول والقضية أيضاً عندهم مشترك لفظي بين المعقولة والملفوظة فجاز أن يذكر أحدهما في تعريف الآخر وسيجيء إن شاء الله في تعريف القياس توضيح ذلك .

وحادي عشر : انَّ هذا التعريف يصدق على الرابطة التي هي جزء القضية فانها قول وهي تحتمل الصدق والكذب لدلالتها على النسبة التامة ومدار مطابقة القضية للواقع وعدمها على مطابقة النسبة وعدمها فالذي يحتمل الصدق والكذب هو الرابطة . - وجوابه - نعم ولكن الصدق والكذب من مختصات القضية بحسب العرف لا يطلقان على غيرها .

وثاني عشر : انَّ هذا التعريف لا يصدق على شيء من القضايا لأن القضية امَّا أن تكون مطابقة للواقع أم لا فان كانت مطابقة فلا تحتمل الكذب وإن لم تكن مطابقة فلا تحتمل الصدق . - وجوابه - انَّ المراد بالاحتمال هو تجويز العقل فيها ذلك ولا شك انَّ كل قضية في حد ذاتها يجوِّز العقل فيها ذلك مع قطع النظر عن خصوصيات المادة . وقول الخصم : انَّ القضية اذا كانت مطابقة للواقع فلا تحتمل الكذب غير صحيح فانَّ القضية المطابقة للواقع إذا لم يعلم مطابقتها له فهي تحتمل الكذب .

وثالث عشر : انَّ قول المجنون أو النائم : ( زيد قائم ) يحتمل الصدق والكذب مع انَّه ليس بقضية عندهم بل ملحق بألحان الطيور . -- وجوابه --

انَّه يحتملهما لو فرض انَّهما قصدا الحكاية عن الواقع وعلى هذا الفرض يكون الكلام من القضية وإن لم يقصد به الحكاية فلا يحتملهما .

ورابع عشر : انَّ القدماء قد عرفوا القضية بأنها : قول يصح أن يقال لقائله انَّه صادق فيه أو كاذب فأي وجه لعدول المتأخرين عنه الى ه-ذا التعريف . - وجوابه - إنه لما كان تعريف القدماء تعريف للشيء بحال متعلقه والتعريف المذكور تعريف للشيء بحال نفسه عدلوا عنه اليه .

وخامس عشر : ما أوردناه أولاً على تقسيم المركُّب .

القضية العملية

( قالوا : إن الحملية إن كان الحكم فيها بثبوت شيء لشيء فموجبة وإن كان بنفيه عنه فسالبة ) . ويرد عليهم أربعة عشر ايراداً .

أولاً : انَّ الحكم عند المنطقيين يطلق على معنيين أحدهما هو الاذعان والجزم وقد يعبَّر عنه بادراك الوقوع ويسمى بالتصديق عند الحكماء ويجعل في مقابل الشك والثاني بمعنى الاسناد ويسمى بالايقاع وبالاثبات وهو متعلق الحكم بالمعنى الأول وهو ما اشتهر عند المنطقيين كما قد اشتهر اطلاق الحكم في ألسنة الفقهاء على المحمول فيقال : حكم الخمر الحرمة وكما قد اشتهر اطلاقه عند الاصوليين على القضايا فيقال : الحكم الشرعي المستفاد من هذه الأدلة أو من هذا الأصل انَّ الصلاة واجبة - والحكم بالمعنى الأول الذي هو الاذعان لا شك في خروجه عن القضية وإلا لزم أن تكون قضايا المعتقد للخلاف والشاك القاصد للحكاية عن الواقع ليست بقضايا كما ان

الحكم بالمعنى الثاني الذي هو الاسناد يكون جزءً للقضية غاية الأمر يكون الجزء الثالث لها عند القدماء من المنطقيين والجزء الرابع عند المتأخرين كما سيجيء إنشاء الله منا توضيح ذلك . وعليه فلا وجه لجعل الحكم في القضية متعلقاً بثبوت المحمول للموضوع دون أن يجعل نفس الثبوت لأن الحكم المتعلق بالثبوت والوقوع هو الاذعان والادراك وقد عرفت انَّه ليس بجزء من القضية . - وجوابه - انَّ المراد بالثبوت والاثبات والوقوع والايقاع هو معنى واحد وهو إنصاف الموضوع بالمحمول وتلبسه به واستناده اليه غاية الأمر باعتبار صدوره من المتكلم يسمى إيقاعاً واثباتاً وباعتبار تحققه في نفسه يسمى بالوقوع والثبوت والحكم إنما يطلق عليه بالاعتبار الأول فيكون تعلق الحكم بالثبوت نظير تعلق الايجاد بالوجود والتحقق كما يقال الايجاد في هذا المورد بتحقق هذا الشيء فيكون المعنى الايقاع في الحملية إن كان بثبوت شيء لشيء فموجبة وإلا فسالبة فتكون الباء للتصوير نظير قولنا ضربته بهذا النحو من الضرب .

وثانياً : انَّ القدماء عرَّفوا الحملية بما كانت طرفيها مفردين فأي موجب لعدول المتأخرين عنه . - وجوابه - انَّ المتقدمين لمَّا كان يرد على تعريفهم مثل : ( الانسان حيوان ينعكس الى بعض الحيوان انسان ) ومثل : (زید ضربه عمرو ) لذا عداوا عنه الى هذا التعريف . إن قلت : انَّ المراد بالمفرد في كلام المتقدمين أعم من المفرد بالفعل أو بالقوة وفي الأمثلة المذكورة الطرفان في المقام في قوة أن يقال : هذا ذاك أو الموضوع محول . ودعوى انَّ الشرطية أيضاً طرفاها في قوة المفرد فانَّها أيضاً في قوة أن يقال : هذا ملزوم ذاك. وفاسدة بأن قضية هذا ملزوم ذاك حملية والمطلوب أن تكون في قوة قضية

حقيقتها كحقيقتها إن شرطيَّة فشرطية وإن حمليَّة فحملية وطرفاها مفردان وهذا لا يعقل في الشرطيَّة لأن الشرطية الحكم فيها باتصال نسبتين أو انفصالهما ولا شك انَّه يقتضي ملاحظة النسبة بخلاف الحكم في الحملية فانَّه باتحاد الطرفين فلابد من ملاحظة كل منهما بنحو الشيء الواحد ليمكن الاتحاد بينهما . قلت : انَّ استعمال اللفظ فيما هو الأعم من الفعل والقوة مجاز فانَّ اللفظ حقيقة فيما كان منتَصف به بالفعل . على انَّ القوة تختلف بحسب القرب والبعد . فالشرطية تكون في قوَّة تلك الحمليَّة لأنها في المؤدى واحد على انَّ مثل : ( زيد ضربه عمرو ) لم يكن المقصود في النسبة هو اتحاد زيد بعنوان مضروب عمرو حتى ترجع الى قضية هذا ذاك بل المقصود نسبة وقوع الضرب عليه .

وثالثاً : انَّ السالبة لم يكن الحكم فيها بالنفي إذ ليس لها نسبة مستقلة مقابلة لنسبة الايجاب وإنما الموجود فيها هو رفع نسبة الايجاب وإلا لما كان السلب نقيض الايجاب بل ضده لأن نقيض كل شيء رفعه فيكون الحكم في السالبة هو الحكم في الموجبة إلا انَّ النفي قد سلطَّ عليه . ودعوى انَّ ذلک يوجب التناقض في كل سالبة لأنه يلزم أن لا يتحقق السلب إلا بعد الايجاب فيجتمع السلب والايجاب في مورد واحد . مدفوعة بأنه ليس بلازم فانَّ العمى عدم البصر مع انَّه لا يلزم من تحققه تحقق البصر وهكذا كل عدم مضاف الى الوجود . وسره انَّ أجزاء المفهوم لا يجب فيها أن تكون أجزاء الذات . والايجاب جزء لمفهوم السلب لأنه لا يعقل إلا مضافا اليه لا انَّه جزء لذات السَّلب بحيث لا تتحقق ذات السِّلب إلا بعد تحققه .

ورابعاً : انَّ القضية الممكنة لم يكن فيها ثبوت شيء لشيء حيث لم يثبت

فيها المحمول بالفعل للموضوع . - وجوابه - ان المراد بالثبوت هو الاسناد وهو متحقق فيها قطعاً . وإن شئت قلت : انَّ المراد بالثبوت أعم من الثبوت بالفعل أو بالامكان .

وخامسا : انَّ مثل ( ضُرِبَ في الدار) ومثل ( ضُرِبَ يوم الجمعة ) مما كان نائب الفاعل ظرفاً . قضية حملية لم يكن فيها ثبوت شيء لشيء وإنما كان فيها وقوع العمل في مكان مخصوص أو زمان مخصوص . إلا اللهم أن يقال : انَّ فيها اثبات العمل للكائن في ذلك المكان أو الزمان .

وسادساً : انَّ القضية المرددة المحمول والمركّبة كان الحكم فيها بالثبوت والنفي معاً لا بأحدهما . إلا اللهم أن يلتزم بأنها قضيتان .

وسابعاً : انَّهم إن أرادوا من التعريف هو قيام المحمول بالموضوع كما هو المتبادر من لفظ الثبوت فلا يشمل التعريف مثل قولنا : ( زید انسان ) إذ الحكم فيه بالاتحاد لا بالقيام وإن أرادوا الاتحاد كما هو المتبادر من قولهم : (أحدهما هو الآخر في تعريفهم الموجبة بأنَّها : ما حكم فيها بأن أحدهما هو الآخر فلا يشمل التعريف مثل ( مات زيد ) لأن الحكم فيها بالقيام لا بالاتحاد . - وجوابه - انك قد عرفت انَّ المراد بالثبوت هو الاسناد والاسناد أعم من أن يكون بنحو القيام أو بنحو الاتحاد .

وثامناً : انَّ الهَّلية البسيطة مثل : الانسان موجود وهكذا الانسان معدوم على القول بأنها موجبة ليس فيها ثبوت شيء لشيء وإنما ثبوت شيء وعدم شيء فمفهوم الوجود والعدم يرتبط بالموضوع بنفسه من دون حاجه لنسبة تربط بينهما . - وجوابه - ان المراد بالثبوت هو النسبة التامة الخبرية ايجابية كانت أو سلبية في مرتبة الحكاية عن الواقع فائه لابد في انعقاد أي

قضية في هذه المرتبة أعني مرتبة الحكاية عن الواقع من هذه النسبة وإلا لكان كل من الموضوع والمحمول مفهوماً مستقلا عن الآخر . نعم في مرتبة المحكي عنه يوجد فرق بين الهلية البسيطة والمركّبة إذ في المركبة يكون الوجود الرابطي والعدم الرابطي غير مبدأ المحمول بخلاف البسيطة فانَّه يكون عينه ذاتاً مضافاً الى أن مفهوم الوجود والعدم إن كان مستقلا فلا يرتبط بالموضوع بدون رابطة وهي نسبته للموضوع وإن لم يكن مستقلاً لم يصلح لأن يكون محمولا لأن المحمول لابد وان يلحظ مستقلاً . مضافاً الى انَّ قولنا : الضاحك موجود هلية بسيطة تنعكس الى قولنا : بعض الموجود ضاحك فهذا العكس إن اشتمل على النسبة التامة الخبرية فلم يكن العكس مجرد تبديل الطرفين بل تبديل الطرفين مع حدوث نسبة تامة خبرية وإن لم يشتمل على النسبة لزم خلو الهلية المركّبة من النسبة .. ودعوى انَّ الفُرس في الهليَّة البسيطة يقولون : زيد هست وزید نیست بدون الرابطة . يدل على عدم الرابطة في الهلية البسيطة . فاسدة لامكان دعوى حذفها في لغة الفرس والحقايق العلمية لا تصادمها الاطلاقات العرفية .

وتاسعاً : انَّ القضية المشتملة على إثبات الذاتيات للذات كقولنا : الانسان حيوان أو ناطق لم يكن فيها ثبوت شيء لشيء لاستدعائه أن يكون هناك شيئان والحيوانية الثابتة للانسان لیست شیئیتها مغايرة لشيئية الانسان بل هي عينها لوحدة وجودهما . - وجوابه - انَّ المراد بالثبوت هو اسناد مفهوم لمفهوم في مرتبة الحكاية عن الواقع وهو إنما يستدعي المغايرة بين المفهومين في مرتبة الحكاية لا المغايرة بينهما حتى في مرتبة التحقق الخارجي وفيما نحن فيه كانت المغايرة بينهما مفهوماً موجودة وإنما اتحدا خارجاً

مضافاً لما سيجيء إنشاء الله تعالى في جواب الايراد الثاني عشر .

وعاشرا : انَّ مثل ظننت زيداً قائماً وعلمت زيداً قائماً قضية حمليَّة مع انَّه ليس في نسبة ظننت الى زيداً قائماً ثبوت شيء لشيء وإنما ثبوت جملة لجملة . -- وجوابه - انَّ الشيء أعم من المفرد والجملة ولم يقيد بكونه مفرداً.

وحادي عشر : انَّ مثل زيد اضربه مما وقع الانشاء خبراً لمبتدأ فانَّه قضية حمليَّة مع انَّه لم يكن فيها ثبوت شيء لشيء -

وجوابه- انا نلتزم بانها إنشاء وكونها مبتدأ وخبر إنما هو من كلمات النحويين جرياً على مقتضى قواعدهم . أو نلتزم بالتأويل بمقول في حقه ( اضربه) .

وثاني عشر : انَّ الشيء قد يحمل على نفسه كالانسان انسان فانَّه مثل هذه القضايا طالما تستعمل في العلوم كما في مقام عدم تعلق الجعل بالذات فيقال : انَّ المشمش مشمش لا بجعل جاعل وإنما أوجد الجاعل المشمش فانَّ مثل هذه القضية حملية مع انَّه لم يكن فيها ثبوت شيء لشيء لاقتضاء المغايرة بينهما بحسب المفهوم مع انَّ المفهوم منها شيء واحد . --وجوابه --- انَّ ثبوت شيء لشيء أعم من أن يكون ثبوت الشيء لنفسه أو لغيره فلا يقتضي المغايرة بينهما بحسب المفهوم كما في الحمل الأولي ولكن لا يخفى ما فيه لما عرفته في جواب الايراد التاسع . والأولى أن يقال ان هذا تعريف للقضايا المتعارفة في العلوم وهذا النحو من القضايا غير متعارف فيها . على انَّ القضية المذكورة كان المحمول فيها هو الجعل وهو مفهوماً مغاير للماهية .

وثالث عشر : انَّ الشيء مخصوص بالموجودات ولذا قالوا : انَّ الشيئية تساوق الوجود وعليه فالقضايا الحمليَّة التي يكون موضوعها معدوماً كقولنا : (الغول ممكن. ولا شيء من شريك الباري موجود) تكون خارجة عن التعريف .

-َوجوابه - ان المراد هنا شيئية الماهية . والمساوقة للوجود هي شيئية الوجود لا شيئية الماهية.

ورابع عشر : انَّ القضايا الكواذب الموجبات التي ليس فيها صحة في نفس الأمر ولا عند القائل لم يكن فيها ثبوت شيء لشيء لا في نفس الأمر ولا عند القائل فهي ليست بموجبات ومن البديهي انها ليست سوالب وهكذا المغالطات والشعريات . - وجوابه - ما عرفته منا غير مرة من انَّ المراد بالثبوت هو اسناد مفهوم الى مفهوم في مرتبة الحكاية عن الواقع ولا شك في الكواذب وأمثالها كالشعريَّات كان هذا الاسناد موجوداً .

أجزاء القضية

(لا نزاع بين المنطقيين في انَّ الشرطية أجزاؤها ثلاثة . مقدَّم وتالي ونسبة اتصال أو انفصال بينهما أو سلبها وإنما وقع النزاع بين المتأخرين والمتقدمين في أجزاء الحمليَّة فقد ذهب المتأخرون الى انها مركّبة من أجزاء أربعة أحدها الموضوع وثانيها المحمول وثالثها النسبة وهي المعبَّر عنها في السنتهم بالنسبة الحكميَّة التقييديَّة وقد يعبرون عنها بالربط وبالتعلق ويعرفونها بالنسبة التي هي بين بين أي بين السلب والايجاب والوقوع واللا وقوع ورابعها وقوع النسبة أو لا وقوعها وهو المسمى بالسلب والايجاب والثبوت واللا ثبوت وهو المسمى بالنسبة التامة الخبرية وهو المسمى بالحكم والاسناد وهو الذي تعلق به التصديق وهو المكتسب بالحجة بخلاف الأجزاء الاخرى فائها تكتسب بالمعريف وقد ذهب المتقدمون الى ان أجزاءها ثلاثة الموضوع والمحمول واسناد المحمول الى الموضوع الذي هو ثبوت المحمول

نللموضوع أو نفيه عنه ووقوعه عليه أو لا وقوعه وهو متعلق الاذعان عندهم وهو المسمى بالنسبة التامة الخبرية فالمتقدمون ينكرون الجزء الثالث للقضية الذي هو النسبة بين بين ويقولون انَّ الوقوع واللا وقوع والثبوت واللا ثبوت متعلق بالمحمول والمتأخرون يقولون بالجزء الثالث وهو النسبة بين بين ويقولون انَّ الوقوع واللا وقوع والثبوت واللا ثبوت متعلق بالنسبة التي هي الجزء الثالث ويتفق الجميع على انَّ الرابطة إنما تدل على الوقوع واللا وقوع والثبوت واللا ثبوت المسمى بالنسبة التامة الخبرية عند الجميع الذي هو الجزء الثالث عند المتقدمين والرابع عند المتأخرين غاية الأمر تكون دلالتها على الجزء الثالث عندهم بالالتزام لأن الدال على وقوع النسبة دال على نفس النسبة بالالتزام كدلالة العمى على البصر إلتزاماً ، والذي دعى المتأخرين الى هذا القول هو أنهم رأوا في صورة الشك تتصور النسبة بدون الوقوع واللا وقوع إد الشك إنما يتعلق بالنسبة لا بوقوعها أو لا وقوعها وإلا لزم ادراك وقوعها أو لا وقوعها فلم يبق فرق بينه وبين الجزم إذ بالجزم يدرك وقوعها أو لا وقوعها وقد فرض انَّه في الشك كذلك فلم يحصل فرق بينهما وهو خلاف ضرورة الوجدان ) . ويرد على المتأخرین ایرادان .

أولاً : أنَّه لا يفهم من القضية إلا نسبة واحدة لا نسبتين والشك إنما يتعلق بعين ما تعلق به الجزم والجزم إنما يتعلق بالوقوع واللا وقوع فكذلك الشك والفرق بينهما انَّه بالشك ندرك احدهما إدراكا لم يبلغ حدث الاذعان وفي الجزم ندركه إدراكا يبلغ حدُّ الاذعان فهما يختلفان بذاتهما لا بمتعلقهما كيف والنسبة بدون الوقوع واللا وقوع لا يتصوَّر الشك فيها .

وثانياً : انَّ نسبة الوقوع واللا وقوع لنفس النسبة التي ذكرها

المتأخرون من قبيل نسبة الوجود أو العدم للماهيات فانَا لا تتصور من وقوع النسبة إلا وجودها ومن لا وقوعها إلا عدمها ولعله لهذا ذهبوا الى تعلق الشك بنفس النسبة بتخيُّل انَّ الشك يتعلق بنفس الماهيات باعتبار وجودها وعدمها فعدوا نفس النسبة جزءاً من القضية ووجودها أو عدمها جزء آخراً ولو سلمنا صحته كان اللازم أن يعدوا أجزاء القضية ستة الموضوع ووجوده أو لا وجوده والمحمول ووجوده أو لا وجوده والنسبة ووجودها أو لا وجودها وإلا فأي وجه لعد النسبة ووجودها جزئين دون الموضوع والمحمول . مضافاً الى عدم صحة ذلك في نفسه فانَّ حقيقة ارتباط الموضوع بالمحمول هي وجود رابطي محض لا أنه وجود وماهية والحاصل ان المحمول له وجود في نفسه ووجود لغيره والنسبة هي عبارة عن وجوده لغيره إذ ليس في الخارج إلا الموضوع والمحمول ووجود المحمول للموضوع الذي الوجود الرابطي وليس هناك شيء يسمى بالنسبة يكون موجوداً بوجود مستقل كالموضوع والمحمول ولا شك انَّ القضية العقلية تطابق القضية الخارجية .

متعلق التصديق في القضية

(ذهبوا الى انَّ متعلق التصديق هو النسبة التامة الخبرية لا نفس القضية ) . ويرد عليهم ايرادان •

أولاً : انَّ النسبة غير مستقلة لأنها من المعاني الحرفية التي لا تلاحظ بالاستقلال . والتصديق إنما يتعلق بما هو مستقل . وإن شئت قلت : انَّ النسبة مرآة لملاحظة الموضوع والمحمول وآلة التعرف حالهما والمرآة غير

مقصودة وكل ما هو غير مقصود لم يتعلق به التصديق وعليه فيكون التصديق متعلقاً بالقضية لأنها مستقلة . ودعوى انَّ القضية غير مستقلة لانَّها مركّبة من غير المستقل وهو النسبة . مدفوعة بأن غير المستقل اذا كان يتقوَّم بأجزاء المركَّب فلا يضر باستقلال المركَّب . - وجوابه - انَّ التصديق يتعلق بالامور الغير المستقلة اذ هو يتعلق بالمعاني الحرفية فان كون المال في الكيس مما يتعلق به التصديق . كيف والنسبة يتعلق بها أشياء كثيرة كقصد بيانها والزمان والمكان والجهة كالضرورة والدوام .

وثانياً : انَّ التصديق هو الاذعان بصدق القضية أي الاذعان بأن معنى القضية مطابق للواقع وهذا يقتضي تعلقه بنفس القضية لا بالنسبة . -وجوابه - انَّ التصديق بهذا المعنى المذكور إنما يتعلق بنسبة المطابقة للقضية أعني نسبة الصدق اليها . مضافاً الى انَّه ليس هو المبحوث عنه في المنطق وإنما المبحوث عنه والذي توصل اليه الحجة هو التصديق والاذعان بأن المحمول ثابت للموضوع في الواقع فهو متعلق بنسبة القضية بخلاف المعنى الأول فانّه متعلق بنسبة الصدق اليها . نعم المعنى الثاني الذي هو المبحوث عنه في المنطق يلزمه المعنى الأول فانه اذا اذعن بثبوت المحمول للموضوع في الواقع فقد أذعن بصدق القضية ومطابقتها للواقع .

الموضوع

صدق وصف الموضوع على ذاته

(قالوا : انَّ الفارابي اعتبر في افراد الموضوع اتصافها بعنوان الموضوع بالامكان الذاتي المقيد بجانب الوجود حتى يدخل في - كل أبيض رومي -

الحبشي الذي يمكن أن يكون أبيضاً وان كان لم يتصف بالبياض أصلاً . والشيخ الحسين ابن سينا لمَّا رأى انَّ مذهب الفارابي مخالف للعرف واللغة إذ لا يفهم من الموضوع ما أمكن اتصافه به وان لم يتصف به أصلاًّ اعتبر في افراد الموضوع اتصافها بمفهومه وعنوانه بالفعل بمعنى في أحد الازمنة الثلاثة ومعنى القضية المذكور عنده ان كل ما كان أبيضاً في أحد الأزمنة الثلاثة فهو رومي ولا يدخل فيها الحبشي ) . ويرد عليه ايرادات عشرة .

أولاً : انَّ الحق انَّ صدق وصف الموضوع على ذاته بالضرورة وذلك لأن فردية الشيء لعنوان إنما هو بأعتبار وجوده فيه لأن صدقه عليه باعتبار تلك الحصة الموجودة في ضمنه بل الفرد له بالذات هو نفس تلك الحصة منه وإلا لزم أن يكون كل شيء فردا نكل عنوان . وبهذا ظهر لك أنَّه لا مجال للنزاع في ان الجنس اذا وقع موضوعاً لقضية هل أنه يكوُن افراده هي الأنواع والأشخاص أو خصوص الأول أو خصوص الثاني ووجه الظهور ان الفرد والمصداق في الحقيقة هو تلك الحصة وهي عين النوع وعين الشخص فالحيوان صدقه على الانسان بعين صدقه على زيد : فظهر انَّ ذات الموضوع هو تلك الحصص الخارجية منه وصدق العنوان على حصصه بالضرورة نعم المحمول تختلف نسبته اليه فتارة قبل تحقق تلك الحصص كقولنا : الفقيه دارس للنحو وقد يكون بعدها كقولنا : الفقيه داخل للجنة وقد يكون في حينها كقولنا : الفقيه من كانت عنده ملكة الاستنباط وإلا فالموضوع دائماً يراد به تلك الحصص خصوصاً على ما ذهبنا اليه من ان القضايا المحصورة يحكم فيها على الطبيعة . والحاصل ان الفرق بيننا وبين ابن سينا انَّ ابن سينا يقول : انَّ المصداق والفرد لعنوان الموضوع هو الوجود المستمر الذي

ثبت له العنوان في أحد الأزمنة الثلاثة . امَّا نحن فنقول : انَّ المصداق هو الوجود حال تلبسه بالعنوان بل نفس الحصة من العنوان فقولنا : كل كاتب متحرك على رأي ابن سينا يكون الفرد والمصداق هو نفس زيد اذا تلبَّس بالكتابة آنا ما امَّا نحن فنقول : هو زيد حال تلبسه بالكتابة بل الحصة من الكاتب الموجودة في زيد ولا ريب انَّ صدق الكاتب على حصصه يكون بالضرورة . نعم لو نسب العنوان وهو الكاتب الى زيد كان بالفعل ولكن في الموضوع لا توجد نسبة وإنما يوجد انطباق والانطباق إنما يكون بالنسبة الى الحصص لا الى ما هو الخارج عنها إذ لا تطابق بينهما ولكن المحمول هو الذي ينسب الى تلك الذات أعم من أن يكون قبل وجود الحصة فيها أو بعدها أو معها ولذا في العرفية العامة والمشروطة العامة قيدت النسبة بوقت الاتصاف .

وثانياً : انَّ كثيراً من القضايا البديهية لا تصدق لو كان صدق الوصف على ذات الموضوع بالامكان أو بالفعل فانَّ قولنا : ( كل اربعة زوج ) غير صادق لأن الثلاثة تتصف بالأربعة بضم واحد لها كما يتصف الانسان بالأسود بضم السواد له فالثلاثة أربعة بالامكان وفي أحد الأزمنة الثلاثة وأيضاً قولنا : (كل انسان حيوان) يقتضي أن تكون النطفة حيواناً لأنها تنصف بأحد الأزمنة الثلاثه بالانسانية كما يمكن أن تكون انساناً . ودعوى ان الفعلية أو الامكان إنما يثبت مع عدم تبدل الطبيعة واما مع تبدلها بطبيعة اخرى فالفعلية تثبت لتلك الطبيعة الاخرى فالانسان لا يثبت للنطفة لا بالامكان ولا بأحد الأزمنة الثلاثة لأنه عند ثبوته لها تنبدل حقيقتها بحقيقة اخرى وهي الحيوانية الناطقية وهكذا الثلاثة تتبدل حقيقتها بضم واحد اليها إذ حقيقة

مراتب الأعداد متقومة بما ينضم اليها بخلاف السواد فان حقيقة الانسان لا تتبدل به اذا انضم اليه . مدفوعة بأن المسداق لمَّا كان هو الوجود الخارجي وكان الميزان هو إتصافه بأحد الأزمنة أو بالامكان ووجود النطفة الخارجي يصح حمل الانسان عليه بأحد الأزمنة الثلاثة أو بالامكان ألا ترى الى صحة قولنا هذه النطفة انسان في المستقبل أو بالامكان . نعم لو كان المصداق نفس الطبيعة كما ذهبنا اليه في الايراد الأول لم يرد شيء من ذلك . ودعوى انَّ المراد بالامكان في كلام الفارابي هو الامكان الذاتي وامكان اتصاف النطفة بالانسان امكان استعدادي • مدفوعة بأن الامكان الذاتي موجود في كل مورد يتحقق فيه الامكان الاستعدادي فان النطفة لو لم تكن الانسانية ممكنة لها بالذات لكانت ممتنعة بالذات إذ لا تخلو مادة من المواد من أحد الجهات الثلاثة امَّا الوجوب الذاتي أو الامتناع الذاتي أو الامكان الذاتي ولو كانت ممتنعة بالذات لكان من المحال تحققها للنطفة لاستحالة الممتنع بالذات كشريك الباري واجتماع النقيضين لمورد واحد ولو وجدت سائر المعدات والعلل . ودعوى انه يصدق لا شيء من النطفة بانسان بالضرورة فسلب الانسانية عنها ضروري . فاسدة لكذبها على تقدير صدق وصف الموضوع على ذاته بالامكان اذ معنى تلك القضية ان لا شيء مما أمكن ان يكون نطفة بانسان وهذا كاذب قطعاً لأن شيئية الانسان قد امكن ان تكون نطفة إذ هي مبدئها وامَّا على تقدير ان يكون وصف الموضوع يصدق بالفعل فيكون معناها : لا شيء مما هو نطفة في أحد الأزمنة الثلاثة بانسان وهذا أيضاً كاذب لأن شيئية الانسان كانت نطفة في السابق إلا اللهم أن يقال : انَّ محل كلامهم في الأوصاف لا في الأسماء كالانسان والأربعة وزيد وعمرو

وخالد وإلا لما صدقت أغلب الكليات فان قولنا : كل إنسان حيوان بالضرورة لو كان المراد به ما كان انساناً في أحد الأزمنة الثلاثة لكانت كاذبة لأن الميت من الانسان كان انساناً في الزمان الماضي مع انَّه ليس بحيوان وهكذا قولنا : زيد متحرِّك بالدوام فانَّه بعد موته ليس بمتحرك.

وثالثاً : انَّ قواعد المنطق غير مقيدة بالعرف واللغة وإنما هي مقيَّدة بحكم العقل مع ان رأي ابن سينا مخالف للعرف واللغة فانَّهم يفهمون منها ما كان متلبِّساً بالوصف حالا لا في أحد الأزمنة الثلاثة ولذا قد حقق انَّ المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدأ بالحال وبهذا ظهر لك انَّ ما ذهبنا اليه في الايراد الأول من انَّ الاطلاق بلحاظ حين الاتصاف موافق للعرف واللغة كما انَّه موافق لحكم العقل .

ورابعاً : انَّ القضايا التي تكون موضوعاتها ممتنعة بالذات لا يصدق وصف الموضوع على ذاتها لا بالفعل ولا بالامكان لامتناع وجودها فانَّ مثل : كل خلاء ممتنع وشريك الباري غير موجود واجتماع النقيضين محال لا يصدق وصف موضوعاتها على ذواتها لا بالفعل ولا بالامكان لأن لازم الصدق هو الاتصاف والاتصاف لازمه الوجود وقد فرض ان ذواتها ممتنعة الوجود. - وجوابه - انَّ المراد به الأفراد التقديرية نظير قولنا : كل عنقاء طائر أي كل ما قديَّر انَّه خلاء أو أنَّه اجتماع للنقيضين فهو محال وممتنع . ولا شك ان ما قدر انه كذلك يكون متصفاً بعنوان الموضوع في حدِّ ذاته بالامكان وبالفعل . وامَّا اذا قلنا ان هذه القضايا ذهنية كما هو المشهور فالموضوع فيها ما تصوَّر بهذا العنوان ولا اشكال انَّ افراده هي الصُّور الذهنية وهي متصفة بالتصور بهذا العنوان بالفعل وبالامكان . وامَّا على مسلكنا فالانطباق

يكون على الحصص منها وهو واضح لانطباق الشيء على نفسه وإن كان ممتنعاً . وإن شئت قلت : انَّ صدق وصف الموضوع على ذاته لا يستدعي وجود الذات في الخارج لأنه ليس بحكم عليه وإنما هو انطباق عليها ونسبة تقييدية نظير قولنا : ( غلام زيد) فانَّها لا تستدعي وجود الغلام .

وخامساً : انَّ ما ذكروه لا يتم على اطلاقه فانَّ الموضوع لو قيِّد بجهة خاصة كان صدقه على ذاته بتلك الجهة كما لو قيل كل انسان بالضرورة حيوان كان صدق الانسان على ذاته بالضرورة وهكذا قولنا : كل متحرك بالدوام فلك كان صدق المتحرك على ذاته بالدوام.

وسادساً : انَّه لا فرق بين رأي الفارابي وابن سينا لأن ابن سينا على ما يظهر من كتبه انه قائل بكفاية الفعلية الفرضية سواء طابقت الواقع ونفس الأمر أم لا وليس بقائل بالفعلية النفس الأمرية فقط ففي محكي الشفاء في معنى اتصاف الذات بوصف الموضوع بالفعل انَّه ( على معنى انَّ العقل يصفه بأنَّ وجوده بالفعل يكون كذا سواء وجد أم لم يوجد فيكون قولك : كل أبيض معناه كل واحد مما يوصف عند العقل بأن يجعل وجوده بالفعل أنَّه أبيض) وقال في الاشارات : ( اذا قلنا : كل ج ب نعني به انَّ كل واحد ممَّا يوصف بج ، كان موصوفاً بج في الفرض الذهني أو في الوجود الخارجي اه ) فانَّ كلامه يقتضي انَّ الذات الغير المتصفة بوصف الموضوع اذا فرضها العقل منتَصفة به بالفعل تكون من أفراد الموضوع فاذا قلنا : كل رومي أبيض دخل في ( الأبيض ( الأبيض في الخارج والحبشي اذا فرضه العقل أبيضاً بالفعل فالفارابي وابن سينا كل منهما يدخل الحبشي في الموضوع إلا أن الفارابي بدون فرض الذهن وابن سينا مع فرض الذهن له أبيضاً . وجوابه -

انَّ مراد ابن سينا من فرض الذهن ليس فرض الاتصاف حتى يدخل الحبشي لو فرض اتصافه بالسَّواد بل مراده فرض وجود الموضوع في نفس الأمر والحاصل ان افراد الموضوع التي تتصف بوصفه بالفعل سواء كانت موجودة خارجاً أو فرضها العقل موجودة يثبت لها المحمول بعين ما ذكر في موضوع القضية الحقيقية فالأفراد عند ابن سينا لابد لها من الاتصاف في نفس الأمر بوصف الموضوع وإنما هي أعم من أن تكون خارجية أو مقدرة كما هو شأن القضية الحقيقية فالفرق بين ابن سينا والفارابي ان الحبشي لم يكن داخلاء في المثال عند ابن سينا لأنه في نفس الأمر لم يكن اتصافه بالبياض فعلي ويكون عند الفارابي داخلا في المثال لأنه ممكن بياضه .

وسابعاً : انه يلزم على مذهب الفارابي والشيخ أن لا تصدق المشروطة والعرفية لأن وصف الموضوع يكون مأخوذاً بالامكان أو بالفعل . ومن الواضح انَّ الوصف ما دام ممكناً أو في أحد الأزمنة الثلاثة لا ضرورة ولا دوام للمحمول ألا ترى الى كذب قولنا : كل كاتب متحرك بالضرورة أو بالدوام ما دام كاتباً بالامكان أو بالفعل . - وجوابه - انَّ الحكم فيهما ما دام وصف الموضوع ثابتاً ومتحققاً لذاته بمعنى انَّ المحمول فيهما مقيد باتصاف ذات الموضوع بوصف الموضوع وان كان الوصف يصدق على الذات بالفعل أو بالامكان لكنه في طرف المحمول لابد من صدقه حالاً وفعلاً وامَّا على مسلكنا فلا يرد هذا الاشكال أصلاً ولا يحتاج الى التزام انَّ وصف الموضوع تختلف جهة صدقه على ذاته في عقد الحمل مع جهة صدقه في عقد الوضع .

وثامناً : انَّ مثل الانسان حيوان لم يكن صدق وصف الموضوع على

افراده بالامكان ولا بالفعل بل هو بالضرورة . - وجوابه - انَّ المراد انَّ الامكان أو الفعل لابد منه فلو كانت جهة أخص منها فقد حصل الأعم فاذا صدقت الضرورة أو الدوام فقد صدق الفعل والامكان .

وتاسعاً : انَّ هذا لا يتم فيما كانت القضية شخصية كزيد قائم أو طبيعية كالانسان نوع وهكذا القضايا المشتملة على الحمل الأولي الذاتي كالانسان حيوان ناطق بل والقضايا الذهنية كشريك الباري ممتنع إذ ليس للموضوع وراء المفهوم مصداق . - وجوابه - انَّ كلامهم في المحصورات إذ هي المعتبرة في العلوم عندهم.

وعاشراً : انَّ صدق وصف الموضوع على ذاته لو كان بالفعل لما كانت القضية تشمل الأفراد المعدومة لأنها لم يصدق عليها الوصف بالفعل بل بالامكان . - وجوابه - انَّها تشملها كما تقدم بيانه في الايراد السادس .

اعتبار وجود الموضوع في الموجبة دون السالبة

أو القاعدة الفرعية

(قالوا : لابد في الموجبة من وجود الموضوع لقاعدة انَّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له بداهة ان ما لا ثبوت له لا يصلح لأن يرتبط به كل شيء إذ الصفة لا تقوَّم إلا بالموصوف بخلاف السالبة فانَّه لا يجب وجود موضوعها لصحة السَّلب عن الأمور المعدومة ) . ويرد عليهم خمسة وعشرون ايراداً .

أولاً : انَّ الممكنة الموجبة لا تستدعي إلا امكان الموضوع لا وجوده

لجواز أن يكون الحكم فيها على أمر معدوم كما لو قلنا : العنقاء تطير بالامكان . - وجوابه - مضافاً الى انه لا يتم عند من قال انَّ الممكنة ليست بقضية كما ذهب اليه جماعة انَّ المقصود بالقضايا الممكنة التي تكون من هذا القبيل هو الحكم على موضوعاتها بامكان تلك الصفات على تقدير وجودها فالمراد بالقضية المذكورة انَّ العنقاء على تقدير وجودها يمكن طيرانها فيكون الموضوع في ظرف الاتصاف موجوداً وثابتاً كما هو الحال في سائر القضايا الحقيقية فانَّ المعتبر في الموجبة هو ثبوت الموضوع وقت الاتصاف والتلبُّس بالصفة لا وقت الحكم فاذا قيل : ابنك يتكلم بعد خمس سنين لابد من وجود الابن وقت التكلم لا حين هذا الحكم . إن قلت : لو أريد بها ثبوت امكان الطيران للعنقاء حالاً نظير ثبوت امكان وجودها حالاً . قلنا: سیجيء انشاء الله الكلام فيه في الايراد الخامس على هذا المقام .

وثانياً : انَّ الهليَّة البسيطة كقولنا : زيد موجود في الخارج لم يكن الموضوع موجوداً فيها فلو كان ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له لكان ثبوت الوجود لزيد فرع ثبوت زيد فيكون موجوداً قبل هذا الوجود ثم تنقل الكلام الى هذا الوجود وهلم جرا فيلزم التسلسل وإن يكون الشيء الواحد موجوداً بأكثر من وجود واحد . إن قلت : انَّ الهليَّة البسيطة ليست فيها ثبوت شيء لشيء وإنما فيها ثبوت شيء فقط إذ الوجود ليس بشيء وراء الثبوت فهي خارجة عن موضوع القاعدة . مضافاً الى انَّه لا يعقل أن تكون هذه القاعدة تشمل الثبوت لأنه أخذ في المثبت له فلو كان ثبوته يحتاج الى ثبوت ازم التسلسَل .قلنا : انَّ ما ذكر إنما يرفع الاشكال عن القاعدة الفرعية أعني ثبوت شيء لشيء يستدعي ثبوت المثبت له امَّا الاشكال على

انَّ الموجبة لابد فيها من وجود الموضوع فهو باقي على حاله لأن الهليَّة البسيطة موجبة ولم يكن الموضوع موجوداً فيها . - وجوابه - انك قد عرفت انَّ الموجبة لابد من وجود الموضوع فيها حين الاتصاف بالمحمول ولا شك انَّ في الهلية البسيطة يكون الموضوع موجوداً حين الاتصاف بالمحمول غاية الأمر يكون وجوده بعين وجود محموله وهذا لا يضر بالحكم المذكور فانَّ المنطقيين لم يشترطوا وجود الموضوع للموجبة بغير وجود محموله بل هو أعم مما كان بوجود محموله أو بغيره . والحاصل انَّ النقض بالهليَّة البسيطة على القاعدة نرفعه بأن لم يكن فيها ثبوت شيء لشيء . وعلى لابدية وجود الموضوع في الموجبة نرفعه بأن الموضوع موجود . نعم يرد الاشكال عليهم بأن الاستدلال بالقاعدة على لابدية وجود الموضوع في الموجبة أخص من المدعي والأولى الاستدلال عليه بأن الموجبة لما كان مفادها ثبوت شيء لشيء فلابد فيها من تحقق شيء يكون حاملا لذلك الوصف .

وثالثاً : انَّه ان كان المراد بثبوت المثبت له في الخارج فالموجبات الذهنية ليست كذلك لأن المثبت له كان في الذهن وإن كان الأعم من الثبوت الخارجي والذهني فالسوالب لابد من وجود موضوعها في الذهن لاستحالة الحكم على المجهول المطلق . - وجوابه - انَّ القضية لها مرتبتان : مرتبة انعقادها قضيَّة وحكايتها عن الواقع من حيث حكايتها سواء كانت مطابقة للواقع أم لا وبهذه المرتبة لابد من وجود الموضوع لها في الذهن سالبة كانت أم موجبة لاستحالة الحكم في الذهن على أمر غير موجود فيه . ومرتبة ثبوتها وصدقها وتحققها ووجودها النفس الأمري الذي هو مناط الصدق والكذب والسالبة لا يلزم وجود موضوعها في هذه المرتبة لأن المعدومات يصح سلب صفاتها

عنها فانَّ ما لا ثبوت له في نفسه لا يثبت له غيره . ودعوى انَّ الموضوع اذا كان موجوداً في السالبة حال الحكم فيلزم مساواة الموجبة الذهنية والسالبة الذهنية ولا يبقى الفرق بينهما في القضايا الذهنية . فاسدة لأن السالبة لابد فيها من وجود الموضوع حال الحكم في الذهن فقط لا مادام السَّلب بخلاف الموجبة فانَّها تستدعي وجوده ما دام الايجاب . وإن شئت قلت : انَّ الموجبة الذهنية لها وجودان أحدهما الحاكي عن الواقع المسمى بالظلي وثانيهما الوجود النفس الأمري الذي هو مناط الصدق والكذب المسمى بالأصلي فالموضوع في الثاني يكون موجوداً بخلاف السالبة مضافاً الى انَّ السالبة لو كانت تستدعي وجود الموضوع لزم ارتفاع التناقض بينها وبين الموجبة فاذا قلنا : كل عنقاء صفراء وقلنا : بعض العنقاء ليست بصفراء واشترطنا وجود الموضوع في السالبة كذب كلاهما لعدم وجود الموضوع بخلاف ما اذا قلنا : انَّ السالبة تصدق بانتفاء الموضوع كان قولنا : بعض العنقاء ليس بصفراء صادقة وهكذا لو قلنا : انَّ الموجبة تصدق مع انتفاء الموضوع كالسالبة لزم عدم التناقض بينهما لصدق القضيتين المذكورتين معاً.

ورابعاً : انَّ الموجبة لو كانت تستدعي وجود الموضوع لكان مثل قولنا : الغول معدوم والعنقاء غير موجودة بنحو الموجبة المعدولة المحمول يستدعي وجود الغول والعنقاء حال اتصافهما بالعدم ، وهل هو إلا جمع بين المتنافيين في موضوع واحد ونظير ذلك قولنا : شريك الباري ممتنع واجتماع النقيضين محال وتأخر العلة عن المعلول غير ممكن وانفكاك المتلازمين ضروري العدم الى غير ذلك من القضايا التي محمولاتها منافية لثبوت موضوعاتها . ودعوى انَّه لم يكن فيه ثبوت شيء لشيء وإنما فيه ثبوت العدم أو المحالية

أو ضرورة العدم وهي ليس بشيء . لا تنفع في المقام لأنها إنما ترفع الاشكال عن القاعدة الفرعية لا عن اشتراط وجود الموضوع في الموجبة ودعوى انَّ المراد بها انَّ صورة الفول والعنقاء في الذهن يتَصفان بالعدم واللا موجودية في الخارج فتكون القضية ذهنية وهكذا صورة شريك الباري واجتماع النقيضين في الذهن ممتنعة في الخارج فتكون هذه القضايا ذهنية وموطن الاتصاف هو الذهن وعليه فيكون الموضوع هو الصورة الذهنية وهی ثابتة في الذهن والثبوت الذهني لا ينافي العدم والامتناع الخارجي . وإن شئت قلت : ان امثال هذه القضايا يكون الحكم فيها على الافراد الفرضية الذهنية بمعنی کلما يوجد في الذهن ويفرضه شريكاً للباري فهو معدوم وممتنع في الخارج نظير ما قالوا في الحقيقية : من أن كلما يوجد في الخارج ويفرضه العقل يكون محكوماً بحكمها غاية ما في الباب انَّ في الحقيقية يكون الحكم على الأفراد المقدَّر وجودها في الخارج وفيما نحن فيه على الافراد المقدر وجودها في الذهن فيكون مناط الحكم هو تصوُّر تلك الأفراد بعنوان الموضوع اعني بعنوان ( شريك الباري ( ومناط صدق القضية هو الوجود الفرضي لتلك الأفراد . مدفوعة بأن موطن الاتصاف كان في الخارج فانَّ شريك الباري يتصف بالعدم في الخارج لا بالعدم في الذهن إذ هو موجود في الذهن . نعم مثل قضية شريك الباري كلي تكون ذهنية لأن الكلية من الامور الذهنية لا الخارجية . مضافاً الى انَّهم إن أرادوا بوجوده الذهني وصورته الذهنية هو الوجود الذي يحصل له حين تعلَّق العلم به فيلزم أن لا تكون هذه المحمولات ثابتة له حين عدم تعلق العلم به فيكون شريك الباري اذا لم يتعلق به العلم لم يثبت له الامتناع ويلزم أيضاً أن تكون

نفس الصورة الذهنية هي الممتنعة لا الماهية في حدِّ ذاتها ممتنعة لأن الحكم كان على الصورة والوجود الذهني ويلزم أن يكون للصورة الذهنية صورة ذهنية لأنه لابد من تصور المحكوم عليه وإن أرادوا وجوده النفس الأمري بمعنى يكون الحكم على الصورة الذهنية بما هي حاكية عن الوجود النفس الأمري فيلزم أن يكون ما ثبت له العدم والامتناع والمحالية موجوداً في نفس الأمر . ودعوى انَّها موجبات ترجع للسَّوالب إذ أنها وإن كانت بحسب الصورة موجبات لكنَّها لدى الحقيقة سوالب فانَّ قولنا : شريك الباري ممتنع أو معدوم أو محال يرجع الى قولنا : شريك الباري لا يمكن وجوده أو ليس بموجود . مدفوعة انَّ مفاد بعضها إنَّ لم يكن جميعها هو ثبوت وصف المحمول للموضوع نظير المعدولة المحمول فلا وجه لارجاعها الى السوالب إذ مفادها سلب وصف المحمول مع انَّ المفاهيم الثلاثة جهات و خصوصيات للممكن العام ثابتة له في نفسه سواء عبر عنها بعبارة الايجاب أو السلب وسواء فرضها العقل أم لا . ودعوى انَّ هذه صفات بحال المتعلق بمعنى انها صفات للوجود حقيقة فانَّ قولنا : شريك الباري ممتنع انَّ الوجود ممتنع له وهكذا معنى معدوم انَّ الوجود لم يتحقق له فهي نظير أن يقال :(زيد كريم أبوه) فانَّه يصح حتى لو كان زيد معدوماً لأنّه لم يكن صفة له . إن قلت : لو تم هذا لزم عدم اعتبار وجود الموضوع في المعدولة المحمول لأن العدم يكون وصفاً لها بحال متعلق الموضوع فانك اذا قلت : ( زيد لا كاتب) كان عدم الكتابة وصفاً لزيد بحال متعلقه وهو الكتابة . قلت : انّ الغرض تارة يكون إثبات الاتصاف وعليه فلابد من ثبوت الموضوع وتارة يقصد الاتصاف وإنما يقصد تحقق هذا الأمر لموضوعه فلا يلزم ثبوت

الموضوع لأنه لم يثبت له شيء . فمدفوعة بأنه لو تم فانَّما يرفع الاشكال عن القاعدة الفرعية ولا يرفع الاشكال عن المنطقيين بدعواهم لابد للموجبة من وجود الموضوع لأن هذه موجبات وموضوعها غير موجود مضافاً الى انَّ في هذه القضايا كان المطلوب الاتصاف بمحمولاتها نظير المعدولة المحمول . - وجوابه - انَّ الدليل الذي يقتضي وجود الموضوع للموجبة لا يقتضي أزيد من تحقق الموضوع على نحو يتمكن من تحمُّل وصف المحمول فاذا كان المحمول من الموجودات الخارجية فلابد من وجوده في الخارج وإن كان من الذهنيات فلابد من وجوده في الذهن وإن كان المحمول من الامور الاعتبارية التي لا تحقق لها إلا بتحقق منشأ انتزاعها فيكفي في تحقق موضوع موجبتها تحققه على وجه يكون منشئاً لا تتزاع الوصف وفيما نحن فيه كان التحقق المفهومي كافي لانتزاع هذه المحمولات فانَّ شريك الباري واجتماع النقيضين والعنقاء بتحققها المفهومي تكون حاملة لتلك الأوصاف لأنها تنتزع منها بتحققها المفهومي . وإن شئت قلت : انَّ الماهيات والمفهومات بأجمعها توجد بالوجود الخارجي والوجود الذهني وللعقل ان يلحظها مجرَّدة عنهما وإن كان تخليتها عين تحليتها فاذا فرض انَّ الماهية بنفسها منشأ لا تتزاع بعض الأوصاف كالامكان والعدم في الخارج والامتناع كانت هذه الأوصاف ثابتة لها عند وجودها الذهني لأنها منشأ انتزاعها وقد كانت موجودة فالأوصاف تكون ثابتة لها بنفسها لا لوجودها الذهني وصورتها الذهنية لكن حال وجودها في الذهن ولو بنحو ملاحظتها مجرَّدة عن الوجود الذهني والخارجي والحاصل انَّ مناط الحكم في هذه القضايا هو تصوُّر موضوعاتها كما هو الحال في سائر القضايا ومناط صدقها هو الوجود لموضوعاتها بوجود آخر

في الذهن يكون منشئاً لا تنزاع هذه الصفات إذ الاتصاف بها ذهنياً انتزاعياً . إن قلت : فحينئذ عند عدم وجود شريك الباري في ذهن أحد أصلاً يقتضي أن لا يتصف بالامتناع لعدم وجود الماهيَّة في موطن من المواطن . قلنا : نعم ولكن لا يلزم منه أن يتصف بالامكان لعدم وجود منشأ الانتزاع وليس في الواقع إلا السلوب عنه .

وخامسا : انَا نحكم على الماهيات بالامكان وبالاحتياج الى الغير وبالوجوب بالغير ونحكم على الباري بوجوب الوجود فلو كان ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له لكان ثبوت هذه الصفات لتلك الموضوعات فرع وجود تلك الموضوعات مع انَّ وجود هذه الموضوعات متفرع على ثبوت هذه الصفات فانَّ الماهيات تكون ممكنة ومحتاجة الى الغير وتجب بالغير ثم توجد وهكذا الوجوب ثبوته مقدَّم رتبة على الوجود . - وجوابه - ما عرفته في جواب الايراد الرابع في المقام . وامَّا الفرعية فالمراد بها الفرعية في الذهن وحكم العقل لا الفرعية الواقعية بمعنى انَّ العقل يحكم بثبوت شيء لشيء بعد حكمه بثبوت المثبت له . على انَّه يمكن أن يقال : بنفي القاعدة الفرعية في المقام لأنه لم يكن ثبوت شيء لشيء إذ مثل الامكان والوجوب بالغير ليس بشيء بل هو أمر اعتباري محض .

وسادساً : انَّ حمل الذات أو الذاتيات أو لوازم الماهيات على الذات يكون فيه ثبوت شيء لشيء وليس فرع ثبوت المثبت له وإلا لزم ثبوت الذات قبل ذاتها وذاتياتها ولوازمها وانسلاخها عنها فانُّ مثل قولنا : ( الانسان انسان ، أو الانسان حيوان ناطق ، أو الانسان حيوان ، أو الانسان ممكن ) لو كان ثبوت المحمول فيه للانسان فرع ثبوت الانسان لزم أن يكون الانسان

ثابتاً قبل نفسه وذاتياته ولوازمه وانسلاخها عنه واجتماع النقيضين لأنه يصدق على الانسان انسان ولا انسان وحيوان ولا حيوان ومثل ذلك حمل الجنس على الفصل أو بالعكس فانَّ عروض الفصل للجنس وحلول الجنس فيه سابق على الوجود لأنه في مرحلة تألف الماهية والماهية مقدمة على الوجود بحسب الرتبة وهكذا الكلام في عوارض الماهية فانَّها تعرض لها قبل الوجود ألا ترى ان اتصاف الأربعة بالزوجية في مرتبة لا يلاحظ فيها الوجود والعدم فلو كان الاتصاف بها يستدعي وجود الموضوع استحال الاتصاف بها حال العدم . ودعوى انَّ الوجود الذهني كاف في ذلك . فاسدة لأن ظرف الاتصاف هو الخارج لا الذهن ألا ترى ان صيرورة الأربعة زوجاً لا تتوقف على تصوُّر متصور لها . ودعوى انَّ الأشياء بحقائقها توجد في الذهن فاسدة فان الوجود الذهني ليس إلّا انكشاف الواقع للشخص فهو تابع لما هو عليه في الواقع ولا يعقل أن يكون مؤثراً في شيء من جهات الواقع والا لزم تقدم الشيء على نفسه . ودعوى انَّه لم يكن في مثل ما ذكر اثبات شيء لشيء فانَّ الثبوت يستدعي الاثنينية وليست شيئية المحمول فيها غير شيئية الموضوع بل أحدهما منتَحد مع الآخر في الشيئية . مدفوعة بأنها لو سلَّمت في الجميع فهي إنما ترفع الاشکال عن القاعدة الفرعية ولا ترفع الاشکال عن المنطقيين القائلين بوجوب وجود الموضوع للموجبة ودعوى ان المراد بحمل الذاتيات أو لوازم الماهية هو الانتساب للموضوع والارتباط به لا الثبوت له الذي هو الوجود المقابل للعدم . مدفوعة بأنها لو سلمت فهي انما ترفع الاشكال عن القاعدة الفرعية ولا ترفع الاشكال عن المنطقيين القائلين بوجوب وجود

الموضوع للموجبة كما تقدم.- وجوابه - ما سبق في الايراد الرابع في

المقام . وإن شئت قلت : أن الماهيَّات في حال العدم ليست بشيء حتى انَّه تسلب نفسها عنها ولذا عُدَّ لوازم الماهية في مبحث العارض اللازم من لوازم الوجودين الذهني والخارجي وهذا لا ينافي كون صدق الشيء على نفسه ضرورياً وسلبه عن نفسه ممتنعاً ولا ينافي ما تقررَّ عندهم من انَّ الماهية من حيث هي ليست إلا هي لأن هذا إنما يكون فيما اذا كانت الماهية شيئاً بأن كانت متصفة بأحد الوجودين الذهني أو الخارجي لأن المعدوم الذي لا يتصف بهما يكون معدوماً مطلقاً فلا يتصوَّر كونه شيئاً . وماهيته لا في الخارج ولا في الذهن . والحاصل : انّش ثبوت الماهية أو أجزائها أو لوازمها إنما يكون للماهية في حين وجودها لا بشرط وجودها فثبوت هذه الأشياء للماهية فرع وجودها وإن كان العقل في ظرف الوجود يثبتها للماهية في ذاتها . إن قلت : انَّ القاعدة إنما تقتضي ثبوت الموضوع في موطن الاتصاف وموطن الاتصاف هو الماهية قبل الوجود . قلت : انَّما تقتضي حين الاتصاف وحين الاتصاف هي موجودة بأحد الوجودين على انَّ موطن الاتِّصاف ليس قبل الوجود وإنما يكون الاتصاف حين الوجود إلا انَّه لذات الماهية . وإن شئت قلت : انَّها قضايا حقيقية بمعنى انَّه على تقدير الوجود تكون الذات ثابتة فمعنى قولنا : الانسان انسان أو ناطق انَّ كل ما وجد في الخارج وكان انساناً فهو انسان و ناطق شأن سائر القضايا الحقيقية .

وسابعاً : انَّ مثل قولنا : العدم لشيء مراد أو مقدور أو معلوم أو مفهوم أو مطلوب أو ممكن قضية موجبة واشتملت على ثبوت شيء لشيء فلو كان ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له والموجبة تستدعي وجود الموضوع لكان العدم منتَصفاً بالثبوت . ودعوى انَّ العدم لشيء له نحو

تحقق في الخارج فانَّه يقتضي الوجود ومحال إرتفاع النقيضين . مدفوعة لأن فرض كلامنا انَّ المعدوم لا يكون موضوعاً للموجبة . -- وجوابه --- انَّ العدم أمر اعتباري فله وجود وثبوت على نحو ثبوت الامور الاعتبارية نظير الفوقية والتحتية فيصح بهذا الاعتبار أن يكون موضوعاً للموجبة . مضافاً الى ان بعضها قضايا ذهنية .

وثامناً : انَّ مثل قولنا : الوجود ممكن أو حادث أو قديم أو معلول قضية موجبة فلو كان لابد من وجود الموضوع في الموجبة لزم أن يتصف الوجود بالوجود فيتَصف الشيء بمماثله . - وجوابه - انَّ الوجود موجود بنفسه وثابت بنفسه لا بثبوت آخر والموجبة لابد من وجود موضوعها أعم من أن يكون بنفسه أو بغيره إذ الدليل لا يقتضي أكثر من ذلك .

وتاسعاً : انَّ القضايا الطبيعية لم يحكم فيها إلا على نفس الطبيعة لا باعتبار وجودها الخارجي ولا باعتبار وجودها الذهني لأن كل موجود ولو ذهناً فهو متشخص . - وجوابه - يظهر من جواب الايراد الرابع في المقام .

وعاشرا : انَّ الأحكام الشرعية تثبت لموضوعاتها فيقال : الحج واجب والصلاة واجبة وشرب الخمر حرام وهي لم تثبت للموجود منها فان الصلاة الموجودة ليست بواجبة وإلا لزم طلب الحاصل وهكذا شرب الخمر الثابت في الخارج لا معنى لحرمته لاستحالة طلب ترك ما هو حاصل . - وجوابه - ما سبق في جواب الايراد التاسع لأنها قضايا طبيعية .

وحادي عشر : انَّ قولنا : نقيض المتساويين متساويان ، ونقيض الأعم والأخص أعم وأخص ونقيض المتباينين متباينان تبايناً جزئياً واللا شيء يساوي اللا ممكن قضية موجبة مع انَّ موضوعها غير ثابت لأنه أمر عدمي . وجوابه -

انَّ الحكم في هذه القضايا على المفهوم لأن النسب تثبت للمفاهيم باعتبار مصاديقها فتكون هذه القضايا ذهنية .

وثاني عشر : انَّ مثل قولنا : المجهول المطلق يمتنع الحكم عليه يقتضي ثبوت المجهول المطلق . - وجوابه - انَّ المجهول المطلق ثابت في الخارج إذ كل منَّا يجهل عدة أشياء في الخارج جهلاً مطلقاً دون أن يلتفت اليها بعنوان من العناوين.

وثالث عشر : انَّ مثل قولنا : العدم المطلق مقابل للوجود . والعدم المطلق لا يصح الحكم عليه . والعدم شر محض . واللا موجود باطل . قضية موجبة مع انَّ موضوعها لو كان ثابتاً لزم اتصاف الشيء بنقيضه . وما ربما يتخيل من ان القاعدة الفرعية لا تشمل هذه القضايا لأن موضوعها الشيء والقضية المذكورة كان الحكم فيها على اللا شيء . باطل لأن هذا تسليم بجواز ثبوت شيء لأمر معدوم . - وجوابه - ما سبق في جواب الايراد السابع في هذا المقام .

ورابع عشر : انَّ كل موجبة معدولة الموضوع يكون موضوعها معدوماً مع انَّها موجبة كقولنا : اللا متحرك ساكن فانَّ اللا متحرك لو كان موجوداً لزم أن ينتَصف المعدوم بالوجود وهكذا قولنا : اللا انسان يغاير الانسان ويناقضه وينافيه . - وجوابه - انَّ المعتبر هو ثبوت ذات الموضوع في الموجبة وذات اللا متحرك كالحجر ونحوه موجودة وثابتة وعنوان اللا متحرك اشارة اليه وهكذا الحال في سائر الموجبات المعدولة الموضوع على انَّها موجودة بوجود منشأ اتتزاعها نظير الصفات العدمية كالعمى .

وخامس عشر : انَّ الموجبة المعدولة المحمول لا يلزم فيها ثبوت الموضوع

لأن المحمول المعدول إن لم يصدق على الموضوع المعدوم صدق نقيضه وهو الوجود لاستحالة ارتفاع النقيضين فيلزم اتصاف الأمر العدمي بالأمر الوجودي مثلا اذا قلنا : انَّ اللا أبيض لا يصدق على العنقاء فلابد وأن يصدق الأبيض عليها وإلا لارتفع النقيضان عن العنقاء . ومن المعلوم انَّ اتِّصاف العنقاء بالأبيض لازمه اتصاف الأمر العدمي بالأمر الوجودي فيتعين اتصافها باللا أبيض وهو الموجبة المعدولة المحمول . وبعبارة أوضح : انَّ العنقاء لا يحمل عليها الأبيض فلابد أن يحمل عليها نقيضه وهو اللا أبيض وهو الموجبة المعدولة المحمول وبعضهم فراراً من هذا الاشكال إلتزم بجواز ارتفاع النقيضين عن المعدوم . - وجوابه - انَّ الموجبة المعدولة المحمول لا تصدق فيما نحن فيه مما كان الموضوع معدوماً ولا يلزم من ذلك إرتفاع النقيضين لأن الصادق هو القضية السالبة وذلك لأن نقيض الوجود هو السلب والسلب لا يستدعي وجود الموضوع وليس النقيض هو العدم المحمول فاته يستدعي الانتَّصاف بالموضوع وإنما النقيض هو عدم المحمول الذي هو سلب محض ونفي محض وهو لا يستدعي وجود الموضوع.

وسادس عشر : انَّ الموجبة لو كان يجب فيها وجود الموضوع لوجب في السالبة وجود الموضوع أيضاً وذلك لأن عقد الوضع في السالبة مشتمل على حمل ايجابي لأنه عبارة عن حمل عنوان الموضوع على ذاته بالفعل كما هو رأي الشيخ وبالامكان كما هو مذهب الفارابي والحمل الايجابي يستدعي وجود الموضوع . - وجوابه - انَّ عقد الوضع ليس فيه حمل وإنما فيه حكاية عن الأفراد المسلوب عنها الحكم ومرآتية لها كما هو شأن سائر العناوين والنسبة بينهما تقييدية وهي لا تستدعي وجود المنسوب اليه كما لو

قلت : ( الشيء الذي هو شريك الباري ) أو ( ابن زيد ) ولم يكن زيد موجوداً ولا ابنه بل هي ترجع الى التسمية والتعبير عن مفهوم بمفهوم آخر .

وسابع عشر : انَّ الموجبة لو وجب وجود موضوعها بخلاف السانية لم يبق تناقض بين الموجبة الكلية والسالبة الجزئية لأن الموجبة الكلية تثبت الحكم للموضوع الموجود والسالبة الجزئية يجوز أن تنفيه عن أفراده المعدومة فيجمتعان في الصدق فيصدق كل انسان ضاحك وبعض الانسان ليس بضاحك -وجوابه - انَّ شرط التناقض وحدة الموضوع فالسالبة التي هي نقيض الموجبة يكون موضوعها عين موضوع الموجبة فان كان موجوداً في الخارج كان كذلك وإن كان ذهنا كان ذهناً وإن مقدّشراً فمقدَّراً .

وثامن عشر : انَّ السالبة تستدعي تمييز المحمول عن الموضوع وتغايرهما وتعددهما وإلا لما صح سلب أحدهما عن الآخر واذا ثبت التمييز والمغايرة لموضوع السالبة وجب وجوده لأن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له فهذه القاعدة بنفسها تقتضي وجود موضوع السالبة . - وجوابه - إنما يقتضي ذلك التمييز في الذهن والتغاير فيه عند السلب وحال الحكم ولا شك

ان السالبة يكون موضوعها موجوداً في الذهن في هذه الحال كما سبق .

و تاسع عشر : انَّ كل سالبة ترجع لموجبة لأن المحمول اذا كان مسلوباً عن الموضوع كان سلبه ثابتاً له فيصدق قضية موجبة دالة على ثبوت ذلك السلب للموضوع والموجبة تقتضي وجود الموضوع فتكون السالبة كذلك.- وجوابه - انَا لا نسلِّم ذلك إذ السلب ليس بوصف للموضوع ولو سلمناه فانَّما نسلِّمه في السالبة التي كان موضوعها موجوداً .

وعشرين : ما ينسب للمحقق الدواني انَّ البرهان دل على انَّه جميع

المفهومات موجودة في نفس الأمر إذ ما من مفهوم إلا ويصح الحكم عليه بحكم ايجابي صادق في الواقع ولا أقل من صدقه على نفسه وذلك يدل على وجوده في نفس الأمر وموضوع السالبة مفهوم من المفاهيم فيكون موجوداً في نفس الأمر . - وجوابه - انَّه لو كان كذلك للزم وجود شريك الباري واجتماع النقيضين في نفس الأمر . كيف ؟ ومثل اللا شيء واللا ممكن والمعدوم المطلق لو كانت موجودة لما صدقت على أفرادها . مضافاً الى انه إن أراد بوجود المفهومات هو تحقق العناوين في الذهن فذلك غير الوجود في نفس الأمر وأيضاً هو غير كاف في صدق الحكم الايجابي إذ شرطه تحقق ذات العنوان في نفس الأمر ليصلح أن يكون حاملاً للمحمول وإن أراد به به تحقق ذات العناوين في نفس الأمر بحيث يترتب عليها آثارها فهو غير مسلِّم بل قام البرهان على بطلانه وامَّا ما استدل به فجوابه يظهر من جواب الايراد الرابع والسادس في هذا المقام .

و واحداً وعشرين : انَّ مثل قولنا : شريك الباري ليس بموجود ولا شيء من اللا موجود بمحسوس فأنَّه ينتج ليس شريك الباري بمحسوس فان فرضت الصغرى فيه سالبة لزم أن لا يعتبر في انتاج الشكل الأول ايجاب الصغرى وإن فرضتها موجبة معدولة المحمول لزم أن لا يشترط في الموجبة وجود الموضوع وهو المطلوب . - وجوابه - انَّها سالبة وإنما انتج الشكل الأول لخصوصية المادة والعلم الخارجي وهذا لا ينكره أحد في الأقيسة وإنما الكلام في الانتاج بالنسبة الى نفس الذات بحيث لا يتخلف عن مادة من المواد وليس الأمر كذلك كما قرر في محله .

وثانياً وعشرين : انَّ السالبة لابد فيها من وجود الموضوع لأنها إن

كانت حقيقية فالحكم فيها على الأفراد المقدَّرة الوجود وإن كانت خارجية أو ذهنية فالحكم فيها على الأفراد الموجودة في الخارج أو الذهن . نعم الشخصية يصح فيها ذلک وهي غير معتبرة في العلوم . - وجوابه - انَّ السالبة الحقيقية أو الخارجية أو الذهنية يكون السلب مسلَّط فيها على الايجاب فهي ترفع الحكم الثابت للموضوع الموجود لا انَّها تثبت الرفع للموضوع الموجود وحينئذ صدقها وتحققها لا يناط بتحقق الموضوع ووجوده بخلاف الموجبة فانَّ صدقها وتحققها يناط به .

وثالثاً وعشرين : انَّه لابد في السالبة من وجود الموضوع وإلا لما انتج الشكل الأول فيما اذا كانت كبراه سالبة لأن الموضوع في كبراه يجب أن يكون عين المحمول في صغراه وإلا لما تعدى الحكم من الأوسط الى الأصغر والمحمول في صغراه موجود لأنها يجب أن تكون موجبة فموضوع الكبرى یجب أن يكون موجوداً . - وجوابه - انَّ هذا إنما يثبت لزوم وجود الموضوع للسالبة اذا كانت كبرى للشكل الأول ونحن لا ننكر انَّ السَّلب لخصوصية المورد يستدعي وجود الموضوع كما فيما نحن فيه.

ورابعاً وعشرين : انَّ ثبوت شيء لشيء لو كان يستدعي ثبوت له لاستدعى ثبوت المثبت أيضاً إذ كل منهما حاشية للثبوت وطرفا له مع انَّ المحمول قد يكون معدوماً في الخارج كحمل الانتزاعيات وكالمحمول في الموجبة المعدولة المحمول . - وجوابه - نعم ولكن في موطنه فانَّ الانتزاعيات واعدام الملكات ثابتة في محلها ولذا يوجد الفرق بينها وبين اعدامها .

و خامساً وعشرين : انَّه لا وجه للاستدلال بالقاعدة الفرعية على وجود الموضوع في الموجبة فانَّ المثبت له غير الموضوع وذلك لأن المثبت له هو

الذي ثبت له المحمول في الواقع بلا اعتبار معتبر وبلا ملاحظة العقل والموضوع ما اعتبره العقل محكوما عليه ولا يكفي وجوده الواقعي بدون العلم فيجوز أن يكون الموضوع للموجبة أمراً عدمياً هو وجه وعنوان للمثبت له كما في موضوع الموجبة المعدولة الموضوع نحو كل لا حيوان جماد . - وجوابه - انَّ هذا يتم لو كان المراد بالمثبت له هو المثبت له في الواقع لا المثبت له في القضية الموجبة وعليه فلابد من إقامة الدليل على وجوب وجود الموضوع للموجبة .

المحمول

(قالوا : انَّ المحمول يراد به المفهوم والوصف لا الذات وإلا لزم انحصار القضايا في الضرورية بداهة انَّ ذات الموضوع عين ذات المحمول ويشترط فيه مغايرته للموضوع ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : انَّ مثل هذا زيد أو المنطلق زيد لم يرد بالمحمول الوصف وإنما اريد به الذات . - وجوابه - انَّ كلامهم في القضايا المتعارفة وهي المحصورات لا القضايا الشخصية .

وثانياً : انَّ الحمل الأولي البديهي كقولنا : الانسان انسان لم يكن المحمول مغايراً للموضوع . - وجوابه - مضافاً الى انَّ كلامهم في المحصورات لأنها القضايا المتعارفة هو : انَّ المطلوب في المحمول أن يكون مغايراً للموضوع في الوجود الذهني أعم من أن يكون في الوجود الذهني فقط كما في حمل الشيء على نفسه إذ لكل من الموضوع والمحمول وجود في الذهن غير وجود الآخر أو في الوجود الذهني والعنوان كحمل صفات الباري على ذاته فانَّه

بينها تغاير في الوجود الذهني والعنوان وهكذا حمل الحدِّ التام على محدوده أو في الوجود الذهني والعنوان والذات كحمل الصفات العارضة على الذات كقولنا : الانسان أبيض فانَّ ذات الانسان غير ذات البياض .

وثالثاً : انَّ المحمول إذا كان مغايراً للموضوع فكيف يصح حمله عليه مع انَّه لابد من الاتحاد بينهما وإلا لصح حمل كل شيء على كل شيء . -وجوابه - انَّ مرادهم انَّه لابد من التغاير بينهما في الوجود الذهني لا التغاير من جميع الوجوه وهو لا ينافي الاتحاد بين الموضوع والمحمول من بعض الوجوه .

الرابطة

(الظاهر من المنطقيين انَّه لمَّا كان حق القضية اللفظية أن تدل أجزاؤها على أجزاء القضية الواقعية وإلا لما كانت دالة عليها . ولمَّا كان الدال على الموضوع والمحمول واضح أمره دون النسبة عقدوا البحث في الدال على النسبة فقالوا : انَّ الدال على النسبة التامة الخبرية المقترنة بالزمان ( كان ) وأخواتها وانَّ الدال على غير المقترنة بالزمان لفظ ( هو ) كقولنا ( زيد هو عالم ) وانَّ الدال على النسبة في الشرطية هو أدوات الاتصال والانفصال وان الدال على النسبة في السوالب هو أدوات النفي ) . ويرد عليهم ستة إيرادات.

أولاً : انَّ الدال على النسبة هو الهيئة التركيبية للجملة فانَّها هي التي يتبادر منها النسبة بين الموضوع والمحمول على حدِّ سائر النسب التي كانت الهيئة التركيبية موضوعة لها كالنسبة المفعولية والتمييزية والاضافية ألا ترى

انَّ من قولنا : ( ضرب زيد خالد ) برفع خالد و نصب زيد يستفاد انُّ الموضوع هو خالد كما لو عكس الأمر استفيد انُّ زيد هو الموضوع وعليه فلا حاجة لدعوى دلالة هو على النسبة وتقديرها عند حذفها وجعل القضية ثنائية . لوجود الدال على النسبة وهو الهيئة التركيبية . كيف ؟ ولا يصح تقدير ( هو ) في مثل أنا قائم أو قمت أو نحن نقوم أو أنت تقوم أو أنت قائم . والحاصل ان الربط يفهم من الهيئة التركيبية سواء ذكرت هو أم لم تذكر . ودعوى ان علماء المنطق استعاروا لفظ : ( هو ) للدلالة على النسبة والربط . فاسدة لما عرفت من عدم الحاجة للاستعارة لوجود الدال على النسبة في كلام العرب مضافاً الى انُّ المنطقي بصدد بيان الرابطة في اللغة فلابد أن يعيُّن ما هو موضوع في اللغة للربط لا أن يحدث أمراً دالاً عليها من نفسه . وبعبارة اخرى انُّ المتبادر من لفظ ( هو ) هو الاسم الاسم المتقدِّم عليها ويؤيد ذلك اختلافه باختلافه افراداً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً وقد ذكر له علماء النحو فائدة لفظة وهي : الفرق بين النعت والخبر وسموه بضمير الفصل . وذكر له علماء المعاني فائدة معنوية وهي الحصر والتأكيد فليس للمنطقي الذي هو بصدد بيان الدال على النسبة في اللغة أن يذكر ما لم يدل عليها فيها .

وثانياً : انَّه لا ما ذكروه في الهليَّة البسيطة كقولنا : زيد موجود وزيد معدوم فانَّه ليست فيه نسبة رابطة بدليل انَّه يقال في الفارسية : زيد هست و نیست دون أن يذكروا الرابطة عندهم وهي : است كما يقولون في (زید کاتب ) : زیذ نویسنده . وسرَّه انَّ الوجود والعدم يثبت بنفسه للشيء بخلاف باقي الأشياء فانَّ ثبوت بعضها لبعض بالواسطة فيحتاج الى لفظ يدل عليها . وبعبارة اخرى لو كان الوجود يرتبط بالواسطة فننقل الكلام الى

تلك الواسطة ونقول ارتباطها بالموضوع امَّا بواسطة أم لا فان لم يكن بالواسطة فقد كانت القضية المركبة من هذا الموضوع وهذه الواسطة ثنائية تحتاج الى رابطة وهو المطلوب فانَّ المطلوب إثبات قضايا لا رابطة لها وإن کان بواسطة فننقل الكلام الى تلك الواسطة وهلم جرا فيلزم التسلسل في الخارجيات لأن الارتباط أمر خارجي . - وجوابه - انَّه تقدَّم في تعريف الحملية انَّ الرابطة انَّما تدل على النسبة الخبرية التامة في مقام الحكاية عن الواقعيات المعبَّر عنها بثبوت المحمول وما ذكره المشكل انَّما هو في مقام المحكي ولا يتم في مقام الحكاية فراجع .

وثالثاً : انَّ الدال على الرابطة يكون أداة وحرفاً لأن الربط معنى حرفي والمعنىً الحرفي لا يصلح أن يثنَّى ويجمع ويؤنث ويذكر ولا أن يشتق منه مع انّا نجد لفظ ( هو ) يثنَى ويجمع ولفظ ( كان ) يشتق منها اسم الفاعل والمضارع والأمر . - وجوابه - مضافاً الى امكان دعوى ان كل واحد منها أداة بوضع على حدة وليست بتثنية أو جمع أو مشتق . انَّ الحروف قد تثنتَى وتجمع كما ذكر ذلك في كاف الخطاب في إياك فانَّه حرف یثنتی ویجمع فيقال : إيّاكما وإيَّاكم وهكذا هاء الغيبة فاته يقال : إيَّاه وايَّاهما وايناهم فلا مانع من أن يكون الدال على المعنى الحرفي يثنتَى ويجمع باعتبار متعلق المعنى الحرفي وهكذا لا مانع من الاشتقاق فيما دلَّ على المعنى الحرفي ألا ترى انَّه يشتق من ليس الليسية . والسِّر في ذلك هو وجود اختلاف الدلالة عليه بنحو التوصيف فصح الاشتقاق منه بأوزان الوصف كما يشتق من الجوامد ذلك فيقال : الحجرية والمتحجرية مضافاً الى امكان دعوى انَّها تدل على الربط بالالتزام وعليه فلا تكون أدوات ولا حروف إلا انَّ

الظاهر انَّ المنطقيين يدَّعون دلالتها بالمطابقة .

ورابعاً : إن ( كان ) لو كانت رابطة زمانية لانعكس مثل قولنا : ( كل شیخ كان شاباً) وكل عنب كان حصرماً الى قولنا : بعض الشاب كان شيخاً وبعض الحصرم كان عنباً على ما هو مقتضى العكس لأنه في العكس تكون النسبة على طبق الأصل وإنما يبدل فيه طرفي القضية مع انَّ العكس المذكور كان كاذباً والصحيح أن يقال في عكسها : بعض الكائن شاباً شيخ وبعض الكائن حصرماً عنب فيعلم انَّ لفظ ( كان ) داخل في المحمول ليدل على تعيين الزمان لا انَّه للربط وهكذا قولنا : بعض الشاب سيكون شيخاً لا ينعكس الى : بعض الشيخ سيكون شاباً وهكذا قولنا : بعض الشاب صار شيخاً لا ينعكس الى بعض الشيخ صار شاباً ولو كانت هذه روابط الصحت العكوس المذكورة لأنه في العكس تكون النسبة طبق الأصل . - وجوابه - سيجيء إنشاء الله في النقض الأول على عكس الموجبة .

وخامساً : إن لفظ ( كان ) ليس برابطة لأنه إن كان المعتبر في الرابطة الدلالة على الربط فقط فلا تكون الأفعال الناقصة رابطة لأنها تدل على الربط مع الزمان وإن كان المعتبر الدلالة على الربط ولو مع شيء آخر فالأفعال التامة كلها أدوات لأنها تدل على الربط مع الحدث فلا وجه لاختصاص الأفعال الناقصة بالربط الزماني . - وجوابه - انهم خصوا ( كان ) وأخواتها بالربط الزماني لا بمطلق الربط . ولا ريب انَّ الذي يدل على الربط الزماني فقط هو كان وأخواتها وحدها دون باقي الأفعال لأن باقي الأفعال عندهم تدل على الربط الزماني مع الحدث فلم تنمحض للدلالة على الربط الزماني عندهم . وبعبارة اخرى انَّ الأفعال الناقصة عندهم تدل على الربط الزماني بمادتها

وهيئتها دون باقي الأفعال فانَّها بمادتها تدل على الحدث وعلى الربط الزماني بهيئتها .

وسادساً : انَّ الأفعال الناقصة لو كانت دالة على الربط الزماني دون الحدث لاتحد معناها فيصير معنى كان وأمسى وأصبح وأضحى وغيرها : من قبيل المترادفات . - وجوابه - انَّ ما ذكر دالَّ على الربط الزماني ولكن لما كان كل منها في زمان مخصوص لم يكن بينها ترادف فانَّ أمسى تدل على الربط الزماني في خصوص المساء وأضحى تدل على الربط الزماني في خصوص الضحى وكان تدل على مطلق الربط الزماني في الماضي . نعم بعضها قد يكون دالاً على الحدث شأن سائر الأفعال التامة كما يمكن أن يدعى ذلك في (صار) وحينئذ فلا يلتزم المنطقي بكونها رابطة زمانية .

تقسيم القضية باعتبار موضوعها الى الشخصية والمحصورة والمهملة والطبيعية

( قالوا : انَّ موضوع الحملية إن كان شخصاً معيَّناً سميت مخصوصة وشخصية وإن كان كلياً فانَّ بيَّن فيها كمية الأفراد بأن بيَّن انَّ الحكم على كلها أو بعضها سميت محصورة ومسوَّرة وإن لم يبيِّن فيها كمية الأفراد فان صلحت لأن تصدق كليَّة أو جزئية بأن كان الحكم فيها على أفراد الموضوع سمِّيت مهملة وإن لم تصلح سميت طبيعية كقولنا : الحيوان جنس ) : ويرد عليهم تسعة إيرادات.

أولاً : انُّ التقسيم غير حاصر إذ هناك قسم من القضايا لم يكن

موضوعها شيئاً مما ذكر وهي القضايا التي يكون موضوعها الكل المجموعي كقولنا : كل أهل مكة تُزيل هذا الجبل ، وكل حملة السلاح من المسلمين يستطيعون مقاومة هذا الجيش أو يكون موضوعها البعض المجموعي كقولنا : بعض الزنجي أبيض يراد به عضامه . ودعوى انه لا يضرُّة خروجها عن حصر القضايا بذلك لأنها غير معتبرة في العلوم . والمنحصر هي القضايا المعتبرة في العلوم . مدفوعة بأن غرضهم حصر القضايا المعتبرة وغيرها في هذا التقسيم بدليل ذكرهم الطبيعية فيه بل والشخصية بل والمهملة إذ الاهمال لا يناسب العلم لأنه معه لا تنكشف قواعده وقوانينه . ودعوى انَّها مهملة لأن كل قضية لم يذكر فيها السوُّر للموضوع فهي مهملة والموضوع فيما نحن فيه نفس الكل المجموعي لأنَّه هو المحكوم عليه وهو غير مسوَّر. مدفوعة بأنه لا إهمال فيه إذ لم يجهل كمية المحكوم عليه . ودعوى انها شخصية لامتناع صدق موضوعها على كثيرين ذهناً وخارجاً . مدفوعة بأن المحكوم عليه يكن شخصاً معيناً فانَّه لا يمتنع صدقه على كثيرين فانَّ أهل مكة في هذا الوقت غير أهل مكة بعد ألف سنة . نعم لو دخل كل المجموعي على شيء معين كانت شخصية .-وجوابه - انَّ المجموع لمَّا كان هو الموضوع فان حكم على مجموع معين كانت شخصية وإن كان على مجموع كلي بحيث يصدق على مجموعات كثيرة فان بيَّن كمية الأفراد فهي محصورة وإن يبيِّن فان صلحت لأن تصدق كلية أو جزئية كانت مهملة وإن لم تصلح كانت طبعية .

وثانياً : انَّ التقسيم غير حاصر لأن القضية التي يكون موضوعها الماهية الشاملة لجميع موضوعات الأقسام المذكورة اعني التي يكون موضوعها

الماهية في ذاتها مع قطع النظر عن تشخصها كما في موضوع الشخصية أو عن انطباقها على جميع الأفراد أو بعضها كما في موضوع المحصورة أو عن صلاحيتها لأن تصدق كلية أو جزئية كما في موضوع المهملة أو عن عدم صلاحيتها لذلك كما في موضوع الطبيعية . وبعبارة اخرى : الماهية التي بانضمام القيود المعتبرة اليها تحصل الأقسام المذكورة للقضية . - وجوابه - انَّ اعتبار المقسم على وجه يصير أحد الأقسام مما لا طائل تحته وإلا لم يكن شيء من التقاسيم حاصراً فاذا قلت : الكلمة تنقسم الى اسم وفعل وحرف وجعل منها قسم آخر وهي الكلمة المعتبرة على وجه يصلح لأن يكون صادقاً على كل من الثلاثة امكن أخذها على وجه يشمل الثلاثة والقسم المأخوذ فيكون قسماً خامساً وهلم جرا .

وثالثاً : انَّ الكلي ظاهر في المفرد فيلزم خروج مثل قولنا : ( كل رقبة مؤمنة محترمة ) مما كان الموضوع في القضية مركباً لا مفردا . - وجوابه - بعد تسليم ان الكلي ظاهر هنا في المفرد فنقول : انَّ الموضوع هو الرقبة والمؤمنة قيد للموضوع لا انَّها جزء منه وإن المجموع هو الموضوع .

ورابعاً : انَّ الحكم في المحصورات على نفس الحقيقة والطبيعة باعتبار وجودها لا على الأفراد كما ذكروه وذلك لأن وقت الحكم لا يتصور نفس الأفراد ولا يلتفت اليها وإنما الملتفت اليه هو الطبيعة من حيث وجودها وانطباقها وسريانها في الجميع كما في الكلية أو في البعض كما في الجزئية فاذا قلنا : ( كل انسان حیوان) كان الحكم على طبيعة الانسان على النحو المعيَّن وهو كونها في جميع مواد تحققها على ما أفاده لفظ ( كل ) دون شيء من الأشخاص كزيد وعمر وخالد وليس الفرد محكوماً عليه في المحصورة أصلاً

إلا بالتبع بمعنى أنَّ الحكم يقع على الطبيعة بالنحو المذكور ويتعدى منه الى الفرد بواسطة انطباقها عليه . والسر في ذلك ان الحكم والاسناد هو إثبات شيء لشيء والنفس لا تثبت شيئاً إلا لأمر حاصل عندها وموجود لديها. والموجود لديها وقت الحكم هو الطبيعة بذلك النحو فتكون هة المسند إلیها الحكم وامَّا الأفراد فتكون موجودة عندها بالعرض والتبع فلذا كان المحكم عليها بالعرض والتبع . إن قلت : انَّ المحكوم عليه لابد من توجه النفس له بالذات ولا ريب انَّ الأفراد هى المتوجهة لها النفس بالذات دون الطبيعة فانَّها غير مقصودة بالحكم . قلنا : انَّ النفس متوجهة للطبيعة باعتبار سريانها في موارد تحققها فهي مقصودة لها من دون نظر للأفراد من زيد وخالد وعمرو . إذ النسبة أمر نفسي وطرفاها القائمة بهما لابد وان يوجدا في النفس والافراد لا توجد فيها فلا يعقل ان تكون طرفاً لها . ومن هنا ظهر انَّ الأحكام الشرعية الواردة بلسان القضايا الحملية كقولنا : ( كل بيع حلال ) ليس الحكم فيها على الأفراد كما هو حال متعلقات الأوامر والنواهي . إن قلت : لو كان الحكم على الطبيعة في المحصورات لاقتضى عدم صحة الايجاب فيما كان الموضوع امرأ عدمياً كما في الموجبة المعدولة الموضوع كقولنا : ( اللا متحرك ساكن ) لأن الايجاب يقتضي وجود الموضوع فلو كان الموضوع نفس الطبيعة للزم عدم صدق الايجاب هنا لكونه أمراً عدمياً . قلنا : هذا الأمر العدمي هو بنفسه ماهية وطبيعة خاصة وهي موجودة بوجودها الخاص بها بدليل صدقها على الأفراد الموجودة والصدق يستدعي الوجود فانَّ الصفات العدمية كالعمى والأمور الاعتبارية والأشياء الانتزاعية تكون موجودة بوجود منشأ اتنزاعها ومصاديقها . إن قلت : فيما كان الوضع عاماً والموضوع له خاصاً

يكون المتصوّر هو الأمر العام والوضع إنما يكون للأفراد فكذا هنا المتصور وأن كان عاماً لكن الحكم على الأفراد . قلنا : فرق بين الاسناد والوضع فان الاسناد إنما يكون لما وجد في النفس فينسب له الشيء والوضع إنما هو علقة خارجية بين اللفظ ونفس المعنى وهي توجد بجعل اللفظ لنفس المعنى سواء تصوَّر ذلك المعنى بنفسه أو بوجهه . إن قلت : انَّ الطبيعة التي أخذت في الموضوع قد تكون منافية للمحمول كقولنا : ( كل نائم مستيقظ وكل كاتب ساكن الأصابع ) فكيف يصح الحكم بثبوت المحمول لنفس طبيعة الموضوع مع انَّ وصف الموضوع ليس متحدا مع الأشخاص حين ثبوت المحمول . قلنا : مضافاً الى عدم قبول الطبع لمثل هذه القضية وإنما صححتها قوانين الفن التي منها انَّ الحكم في المحصورة على الأفراد فلنا أن نمنع صحتها خصوصاً على ما ذهبنا اليه من صدق وصف الموضوع على ذاته بالضرورة انَّ الطبيعة المحكوم عليها هي مطلق طبيعة النائم لا طبيعة النوم والمنافي للاستيقاظ هو طبيعة النوم لا طبيعة النائم فانَّها تنصف بالاستيقاظ الانسانية المنتصفة بالنوم آنا ما . كيف ؟ وعلى تقدير الحكم فان طبعته هي على الأفراد لم يكن الحكم على خصوص المنتَصف بالنوم حال إتصافه به بل على المنتصف به آنا ما . إن قلت : فما الفرق بين المحصورة وبين القضية الطبيعية : قلنا : انَّ الحكم في المحصورة على الطبيعة من حيث سريانها في الأفراد بخلاف القضية الطبيعية فانَّه يحكم عليها من حيث وجودها في الذهن . إن قلت : انَّ الأفراد معلومة بالوجه الكلي فيصح أن يحكم عليها لالتفات النفس اليها بهذا الوجه . قلنا : نعم ولكن الملتفت اليه بالذات هو الطبيعة وتلك تكون ملتفت اليها بالعرض والنفس إنما تستند للملتفت اليه

بالذات لكونه هو الذي يكون طرفاً للنسبة الموجودة فيها . إن قلت : انَّه إذا قلنا : ( كل انسان حيوان أو بعض الحيوان انسان ) فامَّا أن تتصوَّر معنى كل وبعض أم لا والثاني بعيد جدا والأول متضمن لادراك الأفراد ومستلزم أن يكون الحكم عليها كلاء أو بعضاً . قلنا : تتصوَّر معنى كل وبعض ولكن ذلك لا يقتضي إلا ملاحظة الطبيعة بنحو السَّريان في جميع مواد تحققها أو بعضها بمعنى ملاحظة وجودها السعي أو الضيق لا ملاحظة الأفراد .

و خامساً : انۀَ القضية المسوّرة بالعدد كسبعون رجلاً عندي قد بيَّن فيها كمية الأفراد مع انَّ جلَّهم قد أنكروا كون العدد من السوّر وذهبوا الى انَّ الحكم على المجموع . كيف ؟ ولو كانت مراتب مراتب العدد من السوّر لزم ارتفاع النقيضين فانَّ الموجبة المسوَّرة باحدى مراتب العدد قد تجتمع في الكذب مع السَّالبة الكلية مع انَّ الفرض إنَّها موجبة جزئية والموجبة الجزئية نقيض السالبة الكلية ألا ترى انه لو فرض في الدار أربعة رجال فانَّه يكذب قولنا : لا رجل في الدار وهكذا يكذب قولنا : خمسة رجال في الدار بخلاف ما لو جعلنا سور الموجبة الجزئية (بعض ) أو ما أدى معناه فانّتصدق الموجبة الجزئية وهي : بعض الرجال في الدار . - وجوابه - انَّ الذي يبيِّن الأفراد هو الكل والبعض الأفراديين امَّا الكل والبعض المجموعيين فهما يبيِّنان الأجزاء لا الأفراد والعدد يدل على البعض المجموعي إذ العدد عبارة عن الكثرة المعروضة للهيئة الاجتماعية العددية فهو يبين أجزاء الموضوع لا أفراده وقد علمت في جواب الايراد الأول على هذا المقام انَّ القضية التي يكون موضوعها البعض أو الكل المجموعي من أي قسم من القضايا هي .

وسادسا : انَّ المهملات الكواذب لا تصلح لأن تصدق كلية أو جزئية فيلزم خروجها من الأقسام المذكورة حيث انهم اعتبروا في المهملة صلاحية صدقها كلية أو جزئية . - وجوابه - ان مرادهم الصلاحية حسب مقتضى القضية بمعنى انَّها لو كانت صادقة صلحت أن تصدق كليَّة أو جزئية .

وسابعاً : انَّ تعريفهم المهملة بأنها تصلح لأن تصدق كليَّة أو جزئية يشمل القضية التي يحمل الحد فيها على المحدود فانَّها طبيعية لأن الحكم كان فيها على نفس الطبيعة مع انها تصلح لأن تصدق كليَّة أو جزئية . -وجوابه - انَّهم قد فسَّروا الصلاحية المذكورة بأن يكون الحكم على الأفراد وفي حاشية ملا عبد الله (رحمة الله ) : جعل المهملة من القضايا التي يحكم فيها على الأفراد . وفي منظومة السبزواري .

والحكم إن كان على الأفراد له * ولم يبن كميَّة فمهملة والقضية المذكورة لم يحكم فيها على الأفراد بل على نفس الطبيعة مع قطع النظر عن الأفراد .

وثامناً : انَّ الطبيعية هي التي يحكم فيها على نفس الحقيقة كما في متن التهذيب أعم من أن يكون تصلح لأن تصدق كلية أو جزئية كما في القضية المركبة من الحدِّة والمحدود أو لا تصلح كقولنا : الانسان نوع وسواء كانت مقيَّدة بالوحدة الذهنية والتجريد عن سائر العوارض بحيث لا تحمل عليها إلا الأحوال الذهنية كالكلية والنوعية والمعقولية والمحمولية أو غير مقيَّدة كالمقسم بالنسبة الى أقسامه وكقولنا : الحيوان مقوِّم للانسان أو ذاتي له أو الانسان موجود . وعليه فلا وجه لحكمهم على الطبيعية بأنها لا تصلح لأن تصدق كلية أو جزئية . إن قلت : انَّ القضية الطبيعية هي التي أخذ موضوعها

نفس الطبيعة على نحو لا يسري الحكم فيها الى شيء من أفرادها بمعنى انَّ الطبيعة أخذت فيها بنحو التجرد عن المخصصات والمقيدات وحينئذ يكون لها وحدة ذهنية ولا يمكن الحكم عليها إلا ببعض الأحوال الذهنية كالكلية والنوعية والمعقولية والمحمولية وغيرها من المعقولات الثانية ولا جرم تكون القضية الطبيعية على هذا قضية ذهنية صرفة لا يتعدى الأحكام فيها الى الأفراد فلهذا لا تصلح للكلية ولا للجزئية . قلنا : لو كان الأمر كذلك للزم وجود قسم من القضايا غير داخلة في أحد الأقسام كالقضية المركبة من الحدد والمحدود وغيرها مما حكم فيها على الطبيعة من دون ملاحظة الأفراد وسريانها فيها لأنها غير داخلة في الشخصية والمحصورة كما هو واضح ولا في المهملة لأن المهملة كما عرفت يكون الحكم فيها على الأفراد أو الطبيعة باعتبار سريانها في أفرادها من دون نظر لعمومها وخصوصها ولذا كان تلازم الجزئية .-وجوابه - انَّ مرادهم من عدم صلاحية الطبيعية للكلية والجزئية هو عدمالحكم فيها على الأفراد بقرينة تفسيرهم الصلاحية للكلية والجزئية في المهملة بالحكم على الأفراد .

وتاسعاً : انَّ المحكوم عليه في القضية الطبيعية هو الطبيعة الموجودة في الذهن فيكون الموضوع فيها مشخصاً لأن الشيء اذا وجد تشخص فهي داخلة في الشخصية . - وجوابه - انَّ المحكوم عليه في القضية الطبيعية ليس هو الطبيعة بما بما هي موجودة في الذهن ومشخصة فيه وإلا لامتنع إتصافه بالكلية والنوعية بل على الطبيعة من حيث هي وهي غير جزئية وإلا فكل موضوع لقضية موجود واو ذهناً فيكون متشخصاً وعليه فلا يكون في القضايا غير الشخصية .

مبحث اعتبار المحصورات في العلوم فقط تلازم المهملة والجزئية

( زعموا في مقام بيان انَّ المعتبر في العلوم هي المحصورات الأربعة . انَّ المهملة في قوة الجزئية الموافقة لها في الكيف على معنى تلازمهما في الصدق).ویرد عليهم خمسة ايرادات .

أولاً : انَّ مثل : بعض الانسان جزئي قضية جزئية صادقة مع عدم صدق المهملة وهي قولنا : الانسان جزئي وقس عليه مثل قولنا : بعض الحيوان نوع مع كذب الحيوان نوع . - وجوابه - اته إن اريد بقضية ( الانسان جزئي) الطبيعة فهي قضية طبيعية لا انَّها مهملة وإن اريد بها أفراد الانسان فهي تصدق بنحو الاهمال كما تصدق بنحو الكلية والجزئية وقس على ذلك الباقي من الأمثلة .

وثانياً : انَّ القضية التي موضوعها كلي منحصر في فرد مثل : الشمس مضيئة . والواجب قديم . والهلال مقوس . تصدق مهملةً ولا تصدق جزئية ألا ترى انَّه يكذب . بعض الشمس مضىء وبعض الواجب قديم وبعض الهلال مقوَّس لأن الحكم على البعض يستدعي تعدد المضاف اليه وفيما نحن فيه لم يكن للمضاف اليه فرد آخر إذ لا يوجد للشمس فرد آخر غير مضيء ولا للواجب فرد آخر غير قديم ولا للهلال فرد آخر غير مقوَّس. -وجوابه - انَّ الكلي إن اريد به الفرد المعيَّن تكون القضية شخصية لا مهملة وإن أريد

به المفهوم الكلي جاز أخذ القضية بنحو الاهمال وبنحو الجزئية . والحكم على البعض لا يستدعي تعدُّد خصوص الأفراد الموجودة للمضاف اليه وإنما يستدعي تعدد افراده سواء كانت موجودة أو معدومة . وهكذا لا يستدعي اختصاص الحكم بالبعض بل يجوز أن يكون الحكم عاماً للجميع .

وثالثاً : انَّ التلازم لا يوجب أن يستغنى عن المهملة في العلوم فلم لم يعكس الأمر فتكون المهملة هي المعتبرة . نعم التلازم إنما يصحح قيام كل منهما مقام الأخرى فيكون كل منهما معتبراً على سبيل البدل فالواجب أن يضم لذلك مقدِّمة اخرى وهي انَّ الجزئية لمَّا كان مقابلها الكلية وهي معتبرة فی العلومناسب اعتبارها لجعل القضايا المعتبرة كلها من باب واحد . أو يقال انَّ العلوم يناسبها الايضاح دون الاهمال والجزئية توضح كمية الأفراد أو يقال : انَّ المهملة لا يناسب استعمالها في بعض المقامات فانَّ من ادعى كليَّة والثابت هي الجزئية لا يناسب في مقام رده ذكر المهملة إذ لا يعلم منها المخالفة للكلية .

ورابعاً : ان المهملة يبحث عنها في العلوم فائها تقع في مسائل العلم فيقال : المهملة لا تقع في كبرى الشكل الأول وانها تلازم الجزئية . وانت المهملة عند القدماء غير الممهلة عند المتأخرين . - وجوابه --- ان مرادهم عدم اعتبار أفرادها بمعنى ان مسائل العلوم لا تكون قضايا مهملة .

وخامسا : ان تلازم المهملة والجزئية وعدم كمالية العلم بالجزئيات والطبيعة . لا يثبت اعتبار المحصورة في العلوم . - وجوابه --- انه لما كانت القضايا لا تخلو عن ان تكون محصورة أو شخصية أو طبيعية أو مهملة وقد ثبت عدم اعتبار الثلاثة الأخيرة فيتعين اعتبار الأولى .

(زعموا انَّ القضية الشخصية غير معتبرة في العلوم لعدم انحصار الجزئيات لأن كل كلي له افراد لا تتناهى ولأنه لا كمال في معرفتها لأنها لا ترتسم في النفس وإنما ترتسم في آلاتها فاذا تعطلت آلاتها زال العلم بها ولتبدلها ولعدم بقائها ولعدم الضبط بها فليست الصورة الحاصلة منها مطابقة لها دائماً وحاكية عن واقعيتها في كل حال وزمان ) . ويرد عليهم سنة ايرادات .

أولاً : انَّه إن كان المراد بالعلوم أعم من العقلية والنقلية فهو واضح البطلان إذ أكثر قضايا العلوم النقليَّة كالتاريخ والدراية والجغرافيا وغيرها شخصية وإن كان المراد خصوص العلوم العقلية فمن المعلوم انَّ في مسائلها قضايا شخصية كالبحث عن وجود الله تعالى وانَّ حقيقته عين وجوده أم لا وهكذا ذاته عين صفاته ونبوة محمد (ص) وامامة علي (ع) بل والبحث عن المعاد والصراط والبرزخ والعقول العشر والأفلاك فانَّه قد تقدَّم في جواب الايراد الثاني على تلازم المهملة والجزئية بأنَّ الكلي اذا اريد منه فرد معيَّن كانت القضية شخصية كما صرح به المنطقيون ومن المعلوم انَّ معرفة هذه الامور عين الكمال وإن كان المراد علوم الانسان ومعارفه المستعملة في أقيسته لمعرفة شئونه وأحواله فالشخصية طالما تقع في طريق استنباطاته في أقيسته التمثيلية والاستقرائية واشكاله الاستنتاجية صغرى وكبرى وأصلاً وفرعاً .

وثانياً : انَّ عدم الانحصار لا يقتضي عدم البحث عنها لأن الكليات أيضاً غير منحصرة على انَّ عدم الانحصار إنما يقتضي عدم البحث عنها بأجمعها

لا عدم البحث حتى عن بعضها .

وثالثاً : إنا لا نسلم عدم ارتسام الجزئيات في النفس غاية الأمر انَّها ترتسم بها بواسطة الآلات بخلاف الكليات فانَّها ترتسم بها بدون الآلات .

ورابعاً : انَّ تبدُّل الجزئيات وتغيِّرها لا يوجب عدم بقاء العلم بها فانَّه يجوز التصديق بالأحوال المتغيِّرة على وجه الاطلاق العام وحينئذ لا مانع من البقاء المذكور . - وجوابه - انَّه على هذا يكون التصديق بها في ضمن التصديق بالمحصورات وهذا لا كلام لهم فيه فانَّهم صرحوا بأن الشخصية يبحث عنها في ضمن المحصورات إنما محل كلامهم في البحث عنها بنفسها إستقلالاً.

و خامساً : انَّ بعض الأحوال لا تتغيَّر بل هي لازمة لازمة للجزئي كالحكم بالامكان والحدوث.

وسادساً : انَّ المتبدل هي الجزئيات المادية دون المجردة فانَّها لا تنغير أصلاً . ودعوى انَّ البحث يكون عنها على وجه كلي إذ لا طريق لنا الى ادراكها على وجه جزئي . باطلة . فانَّا نبحث عن ذاته تعالى على وجه جزئي وهكذا عن العقول ويكون إدراكنا لها على وجه جزئي بنحو الاشارة العقلية لها بشخصها . وقد تقرر عندهم انَّ القضية التي موضوعها كلي اريد به معيَّن تكون شخصية .

عدم اعتبار الطبيعية في العلوم

(قالوا : انَّ الطبيعية لا يبحث عنها في العلوم فانَّ الطبائع كليَّة من حيث نفس مفهومها كما هو موضوع الطبيعية لا من حيث تحققها في ضمن

الأشخاص غير موجودة في الخارج ) . ويرد عليه خمسة ايرادات.

أولاًّ : انَّ موضوع الطبيعية كما هو التحقيق هو الطبيعة من حيث هي والطبيعة من حيث هي موجودة في الخارج بوجود أفرادها . نعم لو قلنا بأن موضوع الطبيعية هي الطبيعة المجردة من العوارض والفردية أعني التي لها وحدة ذهنية كقولنا : ( الانسان نوع ) تم ما ذكروه لكنك قد عرفت في الايراد الثامن على تقسيم القضية الى المحصورة والمهملة والشخصية والطبيعية فساده .

وثانياً : انَّ التعاريف والتقاسيم قضايا طبيعية للحكم فيها على الطبيعة ونفس المفهوم مع كثرة وجودها في العلوم .

وثالثاً : ليس كل ما لا يوجد في الخارج لا كمال في معرفته كيف . وعلم المنطق يبحث عن المعقولات الثانية وتمام الكمال بمعرفتها وهكذا يقع البحث عن أحوال العدم وعدم تمايزه وعدم اعادته وغير ذلك وهو ليس بموجود في الخارج .

ورابعاً : انَّ أغلب قضايا المنطق قضايا طبيعية كمسألة انَّ الجنس موصل بعيد والمعرِّف أجلى من المعرَّف والفصل موصل قريب فيحكم فيها على الطبائع -وجوابه- انَّه يمكن للخصم أنَّ يدعي ان هذه القضايا محصورات وانَّ؛ الحكم فيها على افراد الجنس والمعريف والفصل لا على مفهومهما . نعم مثل مسألة النسبة بين النوع الاضافي والحقيقي تكون قضية طبيعية .

و خامساً : انَّ القضية الطبيعية يبحث عنها في المنطق فانَّ من مسائل المنطق انَّ الطبيعية لا تكون كبرى للشكل الأول . - وجوابه - ما سبق في جواب الايراد الرابع على تلازم المهملة والجزئية .

تقسيم المحصورة

الى الحقيقية والخارجية والذهنية

( ذهبوا الى انَّ الحكم في القضية المحصورة امَّا على الموضوع الموجود في الخارج محققاً فالقضية خارجية نحو : كل من في البلد قتل ونحو : كل انسان حيوان بمعنى انَّ كل انسان موجود في الخارج فهو حيوان في الخارج وقد اعتبر في افراد موضوعها ان تكون موجودة في الخارج . وامَّا على الموضوع المفروض وجوده في الخارج سواء كان فرض وجوده من جهة كونه موجوداً فعلاً في الخارج أو من جهة انَّه قديَّر وجوده فيه فالقضية حقيقية نحو : كل انسان حيوان بمعنى انَّ كل ما لو وجد في الخارج كان انساناً فهو بحيث لو وجد كان حيواناً في الخارج وقد اعتبروا في أفراد موضوعها ان تكون ممكنة لا ممتنعة . وامَّا على الموضوع الموجود في الذهن فالقضية ذهنية كقولنا شريك الباري ممتنع بمعنى انَّ كل ما يوجد في العقل ويفرضه شريكاً للباري فهو موصوف في الذهن بالامتناع في الخارج وقد اعتبروا هذا القسم من القضية في الموضوعات التي ليس لها أفراد ممكنة التحقق في الخارج كما في المثال إذ لا يمكن أخذه بنحو الخارجية كما هو واضح ولا بنحو الحقيقية كما هو واضح حيث لا يصدق كلما وجد في الخارج كان شريكاً للباري فهو بحيث لو وجد كان ممتنعاً لأنه على تقدير وجوده يكون ممكناً لا ممتنعاً ) . ويرد عليهم ثمانية عشر ايراداً .

أولاً : انَّ من القضايا ما لا يكون الحكم فيها بلحاظ الوجود أصلاً

لا الخارجي المحقق ولا المقدَّر ولا الذهني بل هو على الطبيعة مع قطع النظر عن الوجودين الخارجي أو الذهني كفولنا : الأربعة زوج والمثلث كذا والحيوان مقوِّم للانسان والعدد امَّا زوج أو فرد والعنقاء معدومة الى غير ذلك من القضايا التي يحكم فيها على الطبيعة المستعملة في العلوم الرياضية كالحساب والهندسة . - وجوابه - انَّ هذا التقسيم يخص القضايا المحصورة لأنها هي المعتبرة عندهم في العلوم والقضايا المذكورة قضايا طبيعية خارجة عن المقسم ولولا ذكر جمع من المنطقيين لهذا الاشكال لما تعرضنا له . نعم يمكن تقريبه بوجه آخر بأن يقال انَّ هذه القضايا المستعملة في العلوم الرياضية لو حكم على أفرادها مطلقاً سواء كانت موجودة في الخارج أو مقدرة فيه وسواء كانت موجودة في الذهن أو مقدَّرة فيه كانت قضايا محصورة مع انها لیست بخارجية ولا ذهنية كما هو واضح ولا حقيقية لكونهم اعتبروا الحكم فيها على الأفراد الخارجية المقدَّرة الوجود في الخارج فقط دون الذهن. -وجوابه - انَّه يمكن أن يقال انَّ مرادهم من انَّ الحقيقية ما حكم فيها على الأفراد المقدَّرة في الخارج انَّ هذا أقل ما يتصوَّر فيها وإلا فهي يحكم فيها على مطلق الأفراد المتأصلة الموجودة أو المفروضة الوجود فان كانت مما لا توجد إلا في الخارج اختصت الحقيقية بالخارج كما لو حكم على أفراد النار بالحرارة وإن كانت توجد في الخارج والذهن كانت الحقيقية تعملها كما لو حكم على افراد الأربعة بالزوجية . نعم لوكانت الافراد المتأصلة للموضوع تختص بالذهن كأفراد العلم أو أفراد اليقين أو أفراد الفرح أو السرور أو الألم فالحكم عليها أيضاً قد يقال انه يكون قضية حقيقية وقد يقال : انَّه ذهنية والحق انها عندهم ذهنية لأن أفرادها لا توجد إلا في الذهن

ويمتنع وجودها في الخارج .

وثانياً : انَّ هذه التعاريف لا تشمل السَّوالب من هذه القضايا لأن السَّوالب قد سلب فيها الحكم المذكور فانَّ الخارجية السالبة يسلب فيها الحكم عن الأفراد الموجودة في الخارج وهكذا الباقي منها . --- وجوابه --- انَّ ما ذكر تعريفاً للموجبات والسوالب تعرف بالقياس على الموجبات أو تقول : بأن المذكور لهذه القضايا من قبيل الخواص لها لا من قبيل التعريف لها .

وثالثاً : انَّ القضايا الخارجية والحقيقية قد يكون اتصاف ذات الموضوع بالوصف العنواني فيها في الذهن كما في المعدولة الموضوع فانَّ اتِّصاف ذات الموضوع بوصف الموضوع الذي هو مفهوم عدمي يكون في الذهن وهكذا لو كان عنوان الموضوع أمراً اعتبارياً كقولنا : كل ما هو فوقنا فهو ملوَّن فانَّ اتصاف السطوح التي فوقنا بالفوقية أمر ذهني اعتباري . وعليه فلا وجه لأخذهم قيد ( في الخارج ) في جانب الموضوع وجوابه - انَّه ظرف لذات الموضوع أو لطبيعة الموضوع باعتبار سريانها في الافراد إذا قلنا : انَّ الحكم في المحصورة على الطبيعة .

ورابعاً : انَّ قيد (في الخارج ) الثاني الذي أخذ في جانب المحمول في القضية الخارجية والحقيقية إن جعل قيداً للمحمول فهو لا وجه له لأن المحمول فيها قد يكون أمراً ذهنياً كقولنا : كل من في البلد زعيم أو كل انسان ممكن وهكذا المعدولة المحمول الحقيقية أو الخارجية فانَّ الاعدام غير موجودة في الخارج . وإن جعل قيداً لحمل المحمول على الموضوع وإتصافه به بمعنى انَّ الحمل والاتصاف في الخارج فهو أيضاً لا وجه له لأن الحمل والاتصاف أمر ذهني . - وجوابه - انَّ خارج كل شيء بحسبه وهو وجوده في موطنه

المعبَّر عنه بالوجود النفس الامري والوجود الأصلي في مقابل تصوُّره في الذهن فالأمور الاعتبارية خارجها عبارة عن وجودها في عالم الاعتبار وهكذا الانتزاعية خارجها وجودها في عالم الانتزاع . وعليه فيمكن أن يكون ( في الخارج) راجعاً للمحمول و للحمل في مقابل تصورهما المعبر عنه بالوجود الظلي . وخامسا : انَّه لو كان الموضوع في الحقيقية الأفراد المفروض وجودها في الخارج لزم انقلاب الكليَّة الحقيقية الى الجزئية لأن المحكوم عليه يكون بعض أفراد الموضوع وهي خصوص الأفراد المفروضة الوجود اما الأفراد الممكنة التي لم يفرض وجودها فلا يشملها الحكم مع انَّ الحكم يشملها قطعاً . - وجوابه - انَّا نلتزم بأن غير المفروض الوجود لا یصح الحكم عليه ولا يشمله الحكم لصحة سلبه عن نفسه هذا على مسلك القوم . وامَّا على مسلكنا من انَّ الحكم في المحصورات على الطبيعة من حيث سريانها في أفرادها ففي الحقيقية من حيث سريانها في جميع أفرادها الممكنة وفي الخارجية من حيث سريانها في خصوص الموجودة فعلاً في الخارج فلا اشكال .

و سادساً : انَّ تفسيرهم الحقيقية ب- ( كلما لو وجد في الخارج الخ ... ) لازمه رجوع الحقيقية الى القضية الشرطية لأنه لو حذف (كلما ) التي هي أداة الربط بقى قضيتان وهي ( لو وجد في الخارج كان انسانا . ولو وجد في الخارج كان حيواناً ) . - وجوابه - انَّ ( كلما ) ليست بأداة شرطية وإنما هي ( كل ) قد دخلت على ( ما ) الموصولة أو الموصوفة وهي مبتدا وخبرها ( فهو بحيث ) .

وسابعاً : انَّ مقتضى تفسيرهم الحقيقية ب- ( كلما لو وجد الخ ... ) انَّ كل من عقد الوضع وعقد الحمل يرجع الى شرطية مع انَّ عقد الوضع

يرجع الى تركيب تقييدي معناه ما فرضه العقل من افراد الموضوع وعقد الحمل يرجع الى تركيب خبري فكيف يرجع كل من معناهما الى شرطية متصلة. - وجوابه - نعم ولكن انَّما عبروا بالشرطية لبيان انَّ الحقيقية تشمل الأفراد المحققة الوجود والمفروضة الوجود فانَّ الشرطية تستعمل في المحققات والمقدرات وفي عقيدتي انَّ بعضهم فراراً عن هذا الاشكال عطف جواب الشرط في عقد الوضع بالواو فقال : لو وجد في الخارج وكان انساناً . وعلى هذا تكون ( لو ) غير شرطية بل استعملت لمجرد الفرض كما قال صاحب الكشاف في قوله تعالى (ولو اعجبك حسنهن ) مفروض اعجابك حسنهن كما انَّ بعضهم لم يعبر عن عقد الحمل بالشرطية بل قال : ( فهو على تقدير وجوده في الخارج حيوان ) .

وثامناً : انَّ جعلهم عقد الوضع عبارة عن الشرطية المنتَصلة يقتضي أن يكون المراد خصوص الأفراد التي يلزمها عنوان الموضوع كأفراد الانسان دون ما كان عرضاً مفارقاً إذ لا ملازمة بينهما وهكذا جعل عقد الحمل شرطية متصلة يقتضي أن يكون المحمول ملازماً للموضوع فلا تصدق المطلقة العامة ولا الممكنة . - وجوابه - انَّ اللزوم بين ذات الموضوع ووصفه يكون ولو بنحو الاتفاق ولو بنحو الجزئية واما المحمول فهو مع الجهة أيضاً لازم للموضوع ولو بنحو الاتفاق ولو بنحو الجزئية وهذا كافي في صدق الشرطية والأولى أن يجعل في عقد الوضع ( لو ) فرضية وفي عقد الحمل تُبدل الشرطية بما أبدلها بعضهم بقوله : ( فهو على تقدير وجوده في الخارج ... ) كما أسلفناه في جواب الايراد السابع .

وتاسعاً : انَّه لو أخذت في القضية الحقيقية خصوص الأفراد الممكنة

لزم أن تكون القضية الحقيقية جزئية لخروج الأفراد الممتنعة عنها . وجوابه - انَّ كليتها وجزئيتها انَّما يكونان بحسب الأفراد الممكنة فقط إذ لو كانت تشمل الافراد الممتنعة لم تصدق كلية أصلا لأن من أفراد الموضوع الممتنعة ما يستحيل اتِّصافها بالمحمول ويصدق سلب المحمول عنها فمثلاً كل انسان حيوان لو كانت تشمل الافراد الممتنعة للإنسان لمَا صدقت كليَّة لأن من جملة الأفراد الممتنعة هو الانسان الذي ليس بحيوان وهكذا كل انسان كاتب فانَّ من جملة أفراده الممتنعة الانسان الذي يستحيل اتِّصافه بالكتابة . إن قلت : يجوز أن يستلزم المحال محالاً وعليه فمن الجائز أن تنصف الأفراد الممتنعة بالمحمول وان كان محالا إتّصافها بالمحمول للزوم اجتماع المتناقضين فان الممتنع لا مانع من استلزامه محالا بل لعله يؤكد محاليته وطالما كان الممتنع لا يوجد لأن وجوده يستلزم محالا كشريك الباري . قلنا : لو كان الأمر كذلك لم تكن لنا قضية متيقنة كليتها لأنه لا أقل من أن يكون ممتنعاتها لا يعلم اتصافها بالمحمول مع انَّ منها ما هو متيقِّن كليتها قطعا كقولنا : كل انسان حيوان ونحوه . إن قلت : اذا كان المحمول أمراً شاملاً كقولنا : کل انسان شيء فيشمل حتى الأفراد الممتنعة فانَّ الانسان الذي هو لا شيء يكون شيئاً . قلنا : لا نسلِّم ذلك فان ما لا وجود له في الخارج والذهن لا يتَّصف بالشيئية على انَّ وجود بعض الموارد الخاصة لا يوجب تعميم القواعد.

وعاشراً : ان يلزم انَّه لا تصدق القضايا التي لم يكن لموضوعاتها فرد ممكن بنحو القضية الحقيقية مثل : كل ممتنع معدوم وكل مستحيل وكل اجتماع للنقيضين محال حيث لا فرد لها ممكن وجوابه - نعم

و نلتزم بأن مثل هذه القضايا لا تصدق إلا بنحو القضية الذهنية أو الطبيعية .

وحادي عشر : انَّه لا حاجة لتقييد الافراد بالممكنة في القضية الحقيقية فانَّ صدق وصف الموضوع على ذاته بالامكان على رأي الفارابي وبالفعل على رأي الشيخ يغني عن اعتبار امكان وجود الافراد فانَّ الانسان الذي ليس بحيوان لا يصدق عليه الانسان لا بالفعل ولا بالامكان فلا يدخل في قولنا : كل انسان حیوان . - وجوابه - انَّ الافراد الممتنعة يصدق عليها وصف الموضوع في نفس الأمر بالفعل أو بالامكان وإلا فلا معنى لفرضها من أفراده فانَّ الانسان الذي ليس بحيوان يصدق عليه الانسان وإلا فكيف يفرض من افراد الانسان ويدلك على هذا انَا لو قلنا بمقالة الشيخ کانت الأفراد الممكنة الوجود داخلة مع أن الوصف يصدق عليها بالفعل فانَّ قولنا : کل انسان حيوان بنحو القضية الحقيقية يدخل فيه كل ما أمكن وجوده من أفراد الانسان . والحاصل انَّ فيما نحن فيه يؤخذ الامكان قيداً لوجود الأفراد لا لصدق وصف الموضوع على ذاته وبينهما بون بعيد جداً .

وثاني عشر : انَّ مثل قولنا : كل واجب الوجود لا علة له قضية حقيقية مع انَّ افرادها واجبة لا ممكنة . - وجوابه - انَّا لو سلَّمنا ذلك فالمراد بالامكان الامكان العام المقيد بجانب الوجود فيشمل الواجب والممكن الخاص.

وثالث عشر : انَّ بعض القضايا الحقيقية يتعيَّن الحكم فيها على الأفراد الممتنعة كقولنا : ( كل ناسي للصلاة يقضيها . وكل مجهول مطلق يمتنع الحكم عليه . وكل غافل عن الصوم يقضيه ) وذلك لأن لازم ثبوت الحكم الأفراد موضوع هذه القضايا أن لا تكون متصفة بعنوان الموضوع فان ( الناسي ) انَّما يقضي لو كان متذكرا وهو فرض ممتنع للناسي . والشيء

إنما يحكم عليه بأنه يمتنع الحكم عليه لو عرف بأنه مجهول مطلق ومع معرفته بذلك يكون معلوماً بوجه وليس بمجهول مطلق . و ( الغافل ) انَّما يثبت له القضاء لو كان ملتفتاً فكان المحكوم عليه في هذه القضايا الأفراد التي يمتنع اندراجها تحت هذه الموضوعات ومثلها كل نائم مستيقظ وكل متحرك ساكن وكل واجب الوجود ممكن اذا احتاج الى الغير . - وجوابه - انَّ افراد الموضوع لا يعتبر اتِّصافها بالعنوان عند ثبوت المحمول وإنما الوصف العنواني آلة لملاحظة الأفراد وحاكياً عنها والفردية له لا تستدعي الاتِّصاف به في سائر الأوقات وإلا لزم أن لا يكون العرض المفارق له فرد أصلاً بل يكفي في الفردية أن يتصف به وقتاً ما بل اكتفى الفارابي بامكان الاتصاف .

ورابع عشر : انَّ الذهنية قد تكون افرادها ممكنة الوجود في الخارج فانَّ القضايا المنطقية ذهنية لأنها يحكم فيها على الأفراد الموجودة في الذهن كقولهم : ( كل نوع يقال على الكثرة المتفقة الحقيقة ) فانَّ الحكم فيها إنما كان على الأنواع الموجودة في الذهن لأنها هي التي تحمل على الكثرة ولا شك انَّ الأنواع موجودة في الخارج . ودعوى انَّ هذا مبني على وجود الكلي الطبيعي . باطلة لأنهم أرادوا بالوجود الخارجي هنا هو ما یصح معه نسبة الوجود اليه في مقابل الوجود الذهني بكل معنى فُسر وجود الكلي الطبيعي . - وجوابه - انَّه يمكن أن يقال انَّ مرادهم انَّ القضايا التي تكون أفراد موضوعها ممتنعة الوجود في الخارج لا تكون إلا ذهنية لا انَّ كل ذهنيةٍ كذلك . ودعوى انَّ مرادهم انَّها حال الاتصاف بالمحمول ممتنعة التحقق في الخارج فانَّ الانسان بوصف انَّه مقول على الكثرة لا يكون إلا ذهنياً . مدفوعة بأنه لا مانع من أن يكون الشيء الموجود في الذهن موجوداً

في الخارج فانَّ الصُّور الذهنية للامور الخارجية موجودة في الخارج والذهن فانَّ الانسان المحكوم عليه في الذهن بأنه مقول على الكثرة موجود في الخارج وإلا لما صح حمله عليها لأن ملاك حمل الأجزاء هو الاتحاد في الوجود . نعم الماهية بقيد وجودها في الذهن غير موجودة في الخارج ولذا كانت الماهية ( بشرط لا ) لا تحمل على الأفراد الخارجية . والتحقيق انَّه لا وجه لاعتبار امتناع الأفراد في موضوع الذهنية زيادة على اعتبار كونها في الذهن ولم يسعني الوقت لأرى انَّ المنطقيين قد اعتبروه كما اعتبره المحشي ملا عبدالله رحمه الله واتباعه أم لا .

وخامس عشر : انَّ ظاهر كلامهم اختصاص القضية الذهنية بالأفراد الموجودة في الذهن حالاً دون المقدَّرة فيه حيث أطلقوا لفظ الوجود والمتبادر منه هو الوجود الفعلي الحالي مع انَّ القضايا الذهنية قد يحكم فيها على الأفراد الموجودة في الذهن فعلاً نظير الخارجية في الحكم فيها على الأفراد الموجودة في الخارج فعلا وقد يحكم فيها على الأفراد الموجودة في الذهن بالفعل والمقدَّرة الوجود فيه كالقضايا المنطقية فانَّ الحكم فيها على المفاهيم الموجودة أو التي قديَّر وجودها ومنها القضايا الممتنعة كقولهم : كل شريك للباري مستنع فانَّ؛ معناها ما يتصوَّر بعنوان شريك الباري وانَّه من أفراده فهو ممتنع في الخارج نظير ما قالوه في الحقيقية . ودعوى انَّ الحكم في الذهنية لو كان على الأفراد المقدَّرة ازم أن لا تصدق ذهنية كلية لأنه يجوز أن يفرض الذهن فرداً لا يتصف بالمحمول أصلاً فيفرض نوعاً لا يصدق على كثيرين وشريكاً للباري ممكن الوجود كالصنم فانَّ للذهن أن يتصوَّر ما يشاء ويفرض ما يريد . فاسدة لأن المراد ما يكون فرضه فيه صحيحاً والنوع

المذكور لم يكن فرضاً صحيحاً لأن الجنس لابد من حمله والصنم ليس بشريك للباري لأنه لا يقدر على شيء .

وسادس عشر : انَّ الحكم لو كان على الصُّور الذهنية في القضية الذهنية لما صح الحكم بالامتناع في مثل شريك الباري ممتنع لوجودها في الذهن وقيامها به فهي غير ممتنعة . - وجوابه - انَّ الحكم انَّما كان بامتناع وجود تلك الصُّور في الخارج لا في الذهن .

وسابع عشر : انَّ القضية الذهنية لو كانت موجودة لم يكن فرق بين السالبة والموجبة في عدم وجود الموضوع لأن الذهنية لم يوجد موضوعها إلا في الذهن . والسالبة أيضاً لابد من وجود موضوعها في الذهن وإلا لزم الحكم على المجهول المطلق . - وجوابه - تقدم في جواب الايراد الثالث على قاعدة اعتبار وجود الموضوع في الموجبة .

وثامن عشر : انَّ هذا التقسيم لِمَه خصُّوه بالحملية مع انَّ الشرطية يمكن أن يكون الحكم فيها شاملاً لجميع التقادير الخارجية أو الذهنية أو المنكنة التحقق . وجوابه : انَّ المعتبر عندهم من الشرطية هي ما كان الحكم فيها على جميع التقادير الممكنة أو يقال : انهم اعتمدوا على هذا التقسيم في معرفة تقسيم الشرطية الى ذلك .

تقسيم القضية

الى المعدولة والمحصلة

( ذكروا انَّ المعدولة ما كان حرف السَّلب جزءاً من جزئها ) . ويرد عليهم ايرادات ستة .

أولاً : انَّ هذا التعريف يصدق على السالبة البسيطة فانَّ حرف السَّلب فيها جزء من النسبة والنسبة جزء من القضية فالتعريف غير مانع . - وجوابه - انَّ حرف السَّلب في السالبة ليس جزءا من نسبة القضية وإنما هو رافع للنسبة ومزيل لها ولذا يَعبَّر عن السَّلب بنفي الربط . ورفع الشيء لا يكون جزء من الشيء المرفوع .

وثانياً : انَّ هذا التعريف يقتضي انَّ مثل : زيد أعمى أو جاهل أو أصم أو معدوم مما دل على السلب المضاف ليس من المعدولات لعدم كون حرف السلب جزء منها . والالتزام بأنها قضايا محصَّلة غير معدولة . فاسد لاشتمالها على ملاك العدول وهو ربط السَّلب واعتبار العدم المضاف في مفهوم المحمول و نظر المنطقي الى المعاني لا الى الألفاظ ولذا لو كانت القضية المعقولة مأخوذ في أحد أجزائها العدم كانت معدولة عنده وان لم يدل عليها لفظ . إلا اللهم أن يقال : انَّ مرادهم من هذا التعريف انَّ السلب اذا كان جزءا من جزئها ولو بحسب المعنى دون اللفظ تكون القضية معدولة .

وثالثاً : انَّ مثل قولنا : الانسان غير حجر أو مسلوب عنه الحجرية أو عدمت عنه الحجرية أو معدومة عنه الحجرية ونحوها مما دل على السلب غير الحرف قضايا معدولة مع انَّ الدال على السَّلب ليس بحرف وكان اسماً أو فعلا .

ورابعاً : انَّ سالبة المحمول يكون حرف السَّلب فيها جزءاً من المحمول لأنها عبارة عن الموضوع والمحمول والنسبة ثم نرفعها ثم نعود وتثبت ذلك الرفع للموضوع بخلاف السالبة البسيطة فانَّ فيها يتصوَّر الموضوع والمحمول والنسبة ثم نرفع النسبة من دون أن نثبت هذا الرفع للموضوع . وجوابه -

انَّا لو سلمناه وتصوَّرنا انَّ السلب الذي هو رابط يمكن أن يكون جزءاً للمحمول فنقول : إنها معدولة ويعتبر فيها وجود الموضوع إذ ما لا ثبوت له لا يصلح أن يرتبط به شيء أصلا .

و خامساً : انَّ حرف السَّلب لا يعقل أن يكون جزءاً من جزء القضية لأن المركّب يتبع أجزاءه فاذا كان مركّباً من معنى مستقل وغير مستقل كان غير مستقل . والحرف ليس بمستقل فاذا جعل جزءاً للموضوع أو المحمول صار كلاً من الموضوع والمحمول غير مستقل فكيف يصح أن يكونا محكوماً عليه أو به . - وجوابه - انَّ حرف السَّلب كان محتاجاً لمدخوله فقط فيكون هو مع مدخوله مستقلا فيصح الحكم عليه والحكم به .

وسادساً : انَّهم لماذا خصُّوا هذا التقسيم بالحملية مع انَّ الشرطية قد يكون حرف السَّلب جزءاً من جزء منها بأن يكون المقدم سالبة أو التالي سالبة . - وجوابه - انَّ حرف السَّلب لم يعدل فيها عن معناه بل هو مستعمل في معناه لأن الحكم فيها كان بين النسبتين .

الفرق المعنوي

بين الموجبة المعدولة المحمول

وبين السالبة البسيطة

( ذكروا من جملة الفروق بينهما انَّ الموجبة المعدولة المحمول تستدعي وجود الموضوع لأنها تشتمل على ربط السَّلب وثبوته للموضوع وثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له بخلاف السالبة البسيطة فانَّها لا يعتبر فيها ذلك لاشتمالها على سلب الربط بين الموضوع والمحمول ) . ويرد عليهم .

انَّ المحمول أمراً عدمياً فلا يكون ثابتا للغير لأن ثبوته للغير فرع ثبوته في نفسه فيمتنع أن تكون معدولة المحمول موجبة فلا تستدعي وجود الموضوع . -وجوابه- انَّ المحمول في المعدولة وان كان العدم داخلاً في مفهومه إلا ان له حظا من الوجود من حيث كونه وصفاً انتزاعياً نظير سائر الأمور الاتنزاعية و من حيث كونه مقابلاً للملكة عند بعضهم فيكون حكمه حكم الأمر الوجودي فيستدعي ثبوته ثبوت الموضوع .

الفرق اللفظي

بين الموجبة المعدولة المحمول

وبين السالبة البسيطة

(ذكروا من جملة الفروق بينهما انَّ الموجبة المعدولة المحمول تتقدم الرابطة فيها على حرف السَّلب بخلاف السالبة فانَّها تتأخر فيها عن حرف السلب ) . ويرد عليهم ايرادان .

أولاً : انَّ بعض اللغات ليست كذلك ففي لغة فارس يقدِّمون حرف السَّلب على الرابطة في القضية المعدولة فيقال : ( زيد نادبيرست ) إلا اللهم أن يقال : انَّ نظر المنطقي الى لغة العرب لأن العلم كان مدوناً بلغتهم .

وثانياً : انه لا يتم في مثل : زيد كان لم يكتب فانَّها سالبة مع تأخر السَّلب عن الرابطة وهي : ( كان ) وكذا زيد هو ليس بكاتب فاتها سالبة إذ انَّ ( ليس ) كانت لسلب النسبة بقرينة دخول الباء في خبرها مع تأخر السلب عن الرابطة ، ودعوى انَّ مرادهم التأخر والتقدم بحسب لب المعنى وقصد المتكلم في مقام الحمل فان كان قصده حمل السَّلب كانت معدولة وإن

كان قصده سلب الحمل كانت سالبة . فاسدة لأن الغرض من هذه الفروق هو تمييز الغير لها بحيث يكون المميز علامة فارقة له عند اشتباه الحال .

القضايا الموجهات

( قالوا : كل نسبة حملية ثبوتية أو سلبية مكيفة في نفس الأمر بكيفية مثل : الضرورة واللا ضرورة والدوام واللا دوام والامكان والامتناع فتلك الكيفية تسمى مادة القضية وعنصرها . والدال عليها يسمى جهتها فان ذكر في القضية سميت موجَّهة ومنوعة ورباعية وإن لم يذكر سميت مطلقة كما انَّه إن طابق المادة صدقت القضية وإلا كذبت . ويرد عليهم اثنا عشر ايراداً .

أولاً : انَّ ثبوت المحمول للموضوع ونسبته له في نفس الأمر لا تخلو عقلاً من أقسام ثلاثة امَّا أن تكون مكيفة بالوجوب أو بالامتناع أو بالامكان وذلك لأن الثبوت في نفس الأمر اما أن يستحيل انفكاكه عن الموضوع فتكون النسبة مكيفة بالوجوب أو لا يستحيل وحينئذٍ فامَّا أن يستحيل ثبوته له فالنسبة مستنعة أو لا يستحيل فالنسبة ممكنة فالمواد للقضية .ثلاثة : الوجوب والامتناع والامكان فكيف جعل المنطقيون المواد أكثر من ذلك وعدوا الدوام واللا دوام والاطلاق العام منها . - وجوابه - نعم ولكن جميع ما ذكروه هذه المنطقيون يرجع الى الثلاثة فان ضرورة الايجاب هي مادة الوجوب . وضرورة السَّلب هي مادة الامتناع . والدوام والاطلاق العام والامكان الخاص هي مادة الامكان . والألفاظ الدالة على مادة الوجوب عندهم هو لفظ الضرورة أو بالضرورة . والألفاظ الدالة على مادة الامكان عندهم هي

دائماً أو بالدوام أو بالفعل أو باسكان العام أو الخاص . وامَّا مادة الامتناع فلم يكن لها لفظ يدل عليها بخصوصها عندهم حيث لا يحتاج الى ذلك لأن ما يكون ثبوته مستحيلاً فلابد أن يكون عدمه واجباً فكان اللفظ الدال على مادة الوجوب دالاً عليها إلا أنه لابد أن تكون القضية المشتملة على هذه الجهة سالبة أو موجبة معدولة أو محصَّلة محمولها العدم أو ما في معناه .

وثانياً : انَّ القضايا التي لا نسبة لها في الواقع كالانسان حجر حتى تكون مكيَّفة فكيف يذهبون الى أن كل نسبة مكيفة في الواقع بكيفية . - وجوابه - انَّ نظرهم الى النسب الواقعية لا نسب القضايا اللفظية أو العقلية ولا شك انَّ كل نسبة متحققة في الواقع لا تنفك عن كيفية خاصة بل كل شيء اذا قيس الى شيء آخر في الواقع تكون بينهما نسبة ثبوتية أو سلبية وتلك النسبة متِّصفة بكيفية خاصة .

وثالثاً : انَّ النسبة السلبية من حيث هي سلب تكون قطعاً للنسبة ورفعاً للايجاب وفكاً للربط فلا نسبة حتى تكون لها مادة وعنصر . - وجوابه - نعم ولكن نفس الرفع والفك يكون في الواقع مكيفاً بكيفية خاصة فنفس عدم ربط الحجرية بالانسان مكيف بالضرورة وكيف يلتزم بعدم النسبة للسالبة وإلا لم يكن القضية السالبة صالحة للتصديق والتكذيب .

ورابعاً : انَّ النسبة لا تكون كيفيتها الامتناع إذ الامتناع يرفع النسبة ويزيلها فهو ينافيها ويضادها لا انه كيفية لها . - وجوابه- انَّ الامتناع یراد به الوجوب الذي يكون جهة للعدم فهو عبارة عن الضرورة وقد تقدم في جواب الايراد الأول ما ينفعك هنا .

و خامساً : انَّ هذه المواد ليست بكيفيات للنسبة في الهليات البسيطة

فانَّ الشيء يكون ممكناً أو واجباً ثم يوجد ويكون ممتنعاً ثم يعدم ولذا قسمت الأشياء الى الواجب والممتنع والممكن . - وجوابه - انَّ هذا التقسيم إنما كان للاشنياء بحسب وجودها فهي كيفيات للهليَّة البسيطة وهي عين الكيفيات للهلية المركبة لكن حيثما يطلق الواجب وقسيماه في صناعة الفلسفة يتبادر الى الذهن ما بحسب الهليَّة البسيطة أعني ما يجب وجوده وما يمكن وجوده وما يمتنع وجوده بخلاف صناعة الميزان فانَّ المتبادر فيها ما بحسبالهلية المركّبة أعني ما يجب محموله له وما يمكن وما يمتنع .

و سادساً : انَّ اللا ضرورة واللا دوام سلب للكيفية فكيف عدوهما من المتأخرون الکیفیات . - وجوابه - انَّ اللا ضرورة عبارة عن الامكان . واللا دوام عبارة عن الاطلاق العام أو يقال انَّها جهات للقضايا المركّبة .

وسابعاً : انَّ مثل قولنا : كل انسان حیوان بالامكان قد خالفت الجهة المادة لأن المادة هي الضرورة مع انَّها ليست بكاذبة . - وجوابه - انَّه لم تكن مخالفة في ما ذكر بين الجهة والمادة لأن المادة اذا كانت ضرورية فقد كانت ممكنة . وسره واضح لأن الامكان أعم الجهات ثم الاطلاق العام ثم الدوام ثم الضرورة وكلما وجد الخاص وجد العام .

وثامناً : انَّ كذب القضية وصدقها كما تقدم باعتبار مطابقة النسبة أو لا مطابقتها فكيف يجعل باعتبار الجهة . - وجوابه - انَّ النسبة في القضية الموجَّهة مقيدة بالجهة والقيد اذا لم يطابق لم يطابق المقيد . وبعبارة أوضح انَّ النسبة اذا قيدت تكون مطابقتها باعتبار مطابقة قيودها حتى اذا كان قيداً واحداً لم يطابق اتنفت مطابقتها ·

و تاسعاً : انَّ الجهة ما دلت على الكيفية الواقعية فاذا فرض مخالفة

الدال للكيفية الواقعية لم يكن الدال جهة القضية لعدم دلالته على الكيفية الواقعية فلا تتصور مخالفة الجهة للمادة . - وجوابه - انَّ الجهة مثل الموضوع والمحمول والنسبة فكما انَّ هذه قد تطابق الواقع فتكون القضية صادقة وقد تخالفه فتكون كاذبة كذلك الجهة . إن قلت : انَّهم قد صرحوا بأن الجهة دالة على الكيفية الواقعية . قلنا : نظرهم في ذلك الى دلالة الكلام ونظر المتكلم وإن كان في الواقع ليس المدلول هو الكيفية الواقعية فمرادهم انَّ الجهة هي الدال الذي يفهم منه انَّ الكيفية الثابتة في نفس الأمر هي هذه سواء كان ذلك حقاً أو باطلاً .

وعاشراً : انَّ النسبة لو كانت لها كيفية وجهة فتلك الكيفية تكون لها نسبة لنفس النسبة فهي أيضاً لابد لها من كيفية وهلم جرا فيلزم وجود كيفيات لا تتناهى . وجوابه انَّها أمر اعتباري والتسلسل ينقطع بانقطاع الاعتبار .

وحادي عشر : انَّ نسبة التالي الى المقدَّم في الشرطية أيضاً مكيفة بكيفية في نفس الأمر . إذ نسبة التالي الى المقدَّم امَّا أن تكون واجبة أو ممتنعة أو ممكنة فلماذا خصوا الكلام بالحمليات . - وجوابه - نعم ولكن لمَّا كان إعتبار هذه الامور في الشرطية ليس فيه فائدة يعتدُّ بها لعدم الأثر لها في التناقض والعكوس كما في الحمليات لذا خصوا الكلام في الحمليات . هذا مضافاً الى انَّ اللزوم والعناد والاتفاق في الشرطيات يشبه الوجوب والامتناع والامكان في العمليات .

وثاني عشر : انَّ القضية قد تكون كاذبة مع مطابقة الجهة للمادة كقولنا : لا شيء من الانسان بحيوان بالضرورة فانَّ المادة لنسبة الحيوان الى الانسان هي الضرورة هي الضرورة والجهة المذكورة كانت مع انَّ القضية المذكورة

كاذبة . - وجوابه - انَّ المراد بالمطابقة هو عدم التباين بينهما بما هي كيفيات وحالات للنسبة وبعدم المطابقة التباين بما هي كذلك لا مجرد الاتحاد وعدمه ولا شك انَّ الضرورة بما هي كيفية للسَّلب وحالة للسلب مباينة لنفسها من حيث كونها كيفية للايجاب وحالة للايجاب وإن كانا متحدين ذاتاً .

البسيطة والمركبة

(ذكروا انَّ القضية الموجَّهة امَّا بسيطة وهي ما تكون مشتملة على ايجاب فقط أو سلب فقط وامَّا مركبة وهي التي تكون حقيقتها مركّبة من الايجاب والسلب مع كون الموضوع فيها واحداً ذاتا وكما بشرط أن لا يكون الجزء الثاني فيها مذكوراً بعبارة مستقلة . ويرد عليهم سبعة ايرادات .

أولا : انَّ القضايا التي لها مفهوم مخالف كمفهوم الوصف على القول به كقولنا : الانسان الكاتب شاعر فاته كما يدل على حكم ايجابي يدل على حكم سلبي وهو سلب الشاعرية عن الانسان الغير الكاتب وهكذا مفهوم الغاية وهكذا مثل لا غير أو فقط أو أدوات الحصر ونحو ذلك فانَّها جميعها مثل الممكنة الخاصة مع انَّها ليست بمركبات عندهم . - وجوابه - انَّه

لابد في المركّبة أن يستفاد الحكم الآخر من الجهة لا من شيء آخر وفيما نحن فيه استفيد من الوصف أو الغاية أو لا غير أو نحوها من القرائن الحالية أو المقالية.

وثانياً : انَّ مثل لا شيء من الانسان بحجر بالضرورة اشتمل على حكم سلبي وهو نفي الحجرية عن الانسان وحكم ايجابي وهو كون هذا النفي

ضرورياً فينبغي أن تكون مركبة مع انَّها عندهم من البسائط . - وجوابه - انَّه لابد وان يكون السَّلب والايجاب متحدين في الموضوع والمحمول والكم في القضية المركّبة وفيما ذكر كان موضوع الايجاب هو ( النفي ) ومحموله هو ( الضرورة ) غير موضوع السَّلب وهو الانسان ومحموله وهو الحجر .

وثالثاً : انَّ الممكنة الخاصة مركبة مع انها لا تركيب فيها بحسب اللفظ من الايجاب والسلب . - وجوابه - انَّ المراد بالتركيب في المركّبات ما كانت بحسب المعنى مركبة من الايجاب والسلب وقد صرح علماء الميزان بأنها مركبة من الممكنة العامة المقيدة بلا ضرورة الجانب الموافق وقد عبَّروا عن الامكان العام واللا ضرورة بالامكان الخاص فيكون استفادة الحكم الثاني منها من الجهة فليست هي كالقضايا التي لها مفهوم مخالف .

ورابعاً : انَّ المحصورات كان الحكم فيها على الأفراد عندهم فتکون القضية مركّبة من عدةً قضايا موضوعها الأشخاص وهكذا مثل قولنا : زيد وعمرو عالمان أو مثل قولنا : زيد شاعر كاتب فانَّها كانت بحسب الحقيقة مركّبة من قضايا . - وجوابه - . نعم لكنها تختلف بالسلب والايجاب ولم يُستفد تعدد الحكم من الجهة ولم يكن الموضوع في بعضها واحداً .

وخامساً : انَّهم ذكروا في العكس المستوي انَّ الخاصتين السالبتين تنعكسان الى عرفية عامة سالبة كلية مقيدة باللا دوام في البعض وانَّ اللا دوام في البعض اشارة الى مطلقة عامة موجبة جزئية وهذا يقتضي ان الجزء الثاني في المركبة لا يشترط فيه الاتحاد مع الاول في كمية الموضوع . - وجوابه - انَّ ما ذكروه هنا فيما اذا لم يقيد الجزء الثاني بما يدل على المخالفة في الكمية أو نلتزم بأنها ليست بمركبة وإنما هي قضية بسيطة قد قيلت بقيد

زائد كسائر البسائط المقيدة بقيود كثيرة .

وسادساً : انَّ المركبة لا وجه لبحث المنطقي عنها لأن الأحكام في علم المنطق إنما تخص الصورة ولا تعلق لها بالمادة . والتركيب إنما هو من لوازم المادة وذلك لأن القضية المشروطة العامة إذا كان الوصف فيها ملازمة للذات

لم يصح تقييدها باللا دوام وهكذا المطلقة العامة اذا كانت في ضمن الضرورة أو الدوام لا يصح تقييدها باللا ضرورة أو هذا التقیید لازماً للصورة بل هو لازم للسادة فيختلف باختلافها كسائر القيود وهذا بخلاف العكوس والتناقض والأقيسة فائها لازمة للصورة .

وسابعاً : انَّ المركبة اذا كانت مركبة من الايجاب والسَّلب فلا وجه التسمية بعضها بالموجبة وبعضها بالسالبة فتسميتهم لها بذلك ينافي تركيبها منهما . - وجوابه - انَّ العبرة في ايجابها وسلبها لمَّا كان بالجزء الأول لتقدمه واصالته واستقلاله صح تسميتهم لها بالموجبة أو السالبة باعتبار الجزء الأول منها .

الضرورية

تقسيمها

( قسَّموا الضرورية البسيطة الى أربعة أقسام لأنه إن حكم فيها بضرورة النسبة ما دامت ذات الموضوع موجودة فضرورية مطلقة أو مادام وصفه فمشروطة عامة أو في وقت معيَّن فوقتية مطلقة أو غير معيَّن على معنى انَّه التعيين غير معتبر فيها فمنتشرة مطلقة ) . ويرد عليهم : انَّ الضرورة على

ستة أقسام لأن ضرورة النسبة امَّا ان تكون مشروطة أم لا والثاني هي الضرورة الحاصلة أزلاً وأبداً والأول امَّا أن تكون مشروطة بشرط داخل في القضية أو خارج عنها والأول وهو الداخل ثلاثة أقسام لأنه امَّا متعلق بذات الموضوع أو بوصفه أو بوصف المحمول إذ لا ذات للمحمول والثاني وهو الخارج على قسمين لأن الخارج امَّا وقت معيَّن لها أو غير معين لا على معنى انَّ عدم التعيين معتبر فيه بل على معنى انَّ التعيين غير معتبر فيه والأول تسمى بالضرورة الأزلية وواجب الوجود والثاني تسمى بالضرورة الذاتية والثالث الضرورة الوصفية والرابع الضرورة بشرط المحمول والخامس الضرورة الوقتية والسادس الضرورة المنتشرة . إن قلت : عندنا قسم سابع وهو الضرورة المشروطة بوصف الموضوع الذي هو ليس بوصفه العنواني كقولنا : الانسان متحرك ما دام كاتباً . قلنا : انَّها داخلة في القسم الخامس وهو الضرورة الوقتية لأن الوصف المذكور يكون من قبيل الوقت للنسبة . إن قلت : عندنا ضرورة مشروطة بالمكان أو نحوه من الأعراض كقولنا : زيد يبرد بالضرورة في السِّرداب . قلنا : كلها قابلة للارجاع الى القسم الخامس وهي الضرورة الوقتية فانَّ معناه انَّه يبرد وقت وجوده في السِّرداب فلا حاجة لتكثير الأقسام وحيث تبيَّن انَّ أقسام الضرورة ستة أو أكثر فكيف خصوها بأربعة . وجوابه انَّ الضرورة الأزلية والضرورة الذاتية جعلوهما داخلين في الضرورية المطلقة کما سیجي أإنشاء الله وامَّا الضرورة بشرط المحمول فهي ضرورة ثبوت المحمول للموضوع أو سلبه عنه بشرط الثبوت أو السَّلب فلا فائدة فيها لأن كل نسبة ضرورية للموضوع بهذا المعنى

الضرورية المطلقة

(جعلوا الميزان في كون القضية ضرورية مطلقة هو الحكم بضرورة النسبة ما دامت ذات الموضوع موجودة ) . ويرد عليهم ايرادات ثمانية .

أولاً : انَّ الذاتيات ضرورية الثبوت للماهية وهكذا لوازم الماهية مع انَّ ضرورة ثبوتها ليس ما دام الموضوع موجوداً بل هي مع قطع النظر عن الوجود . نعم لوازم الوجود تكون ضرورية ما دامت الذات موجودة وهكذا الحال في سائر الضروريات الأزلية كقولنا : ( الله حي ) فانَّ ضرورة ثبوت الحياة له تعالى ليست مقيَّدة بظرف أو شرط لاستحالة انتفاء الحياة عن ذاته تعالى . - وجوابه - انَّ هذا لا ينافي كونها ضرورية مطلقة إذ أن الثابت أزلاً وأبداً ثابت حال وجود الموضوع . مضافاً الى ما سبق منَّا في جواب الايراد السادس على اعتبار وجود الموضوع في الموجبة من انَّ ثبوت الذاتيات للماهية انما يكون في ظرف الوجود الخارجي أو الذهني إذ الماهية قبل وجودها عدم محض وسلب مطلق حتى انَّه يصح سلب نفسها عنها وإنما

تثبت هذه الأشياء لها في ظرف وجودها وان لم يلتفت الى وجودها .

وثانياً : انَّ القضايا التي يكون موضوعها الممكن ومحمولها الوجود كقولنا : الانسان موجود لم تكن ضرورية مطلقة قطعاً وإلا لكانت الممكنات واجبة الوجود والحال ان ما جعلوه ميزاناً للضرورية موجوداً فيها بداهة انَّ الغول يكون موجوداً بالضرورة ما دام موجوداً لأن كل محمول يكون ضروري الثبوت للموضوع ما دام الموضوع متصفاً به . هذا مضافاً الى لزوم اجتماع متنافيين لأن الضرورية المطلقة تنافي الممكنة الخاصة لأن الامكان

الخاص سلب الضرورة من الجانبين وهو ينافي ثبوتها في أحد الجانبين ولا شك انَّ الممكنة الخاصة صادقة فيما نحن فيه لصحة قولنا : زيد موجود بالامكان الخاص فلو صدق زيد موجود بالضرورة لزم اجتماع المتنافيين هذا مضافاً الى لزوم ارتفاع التناقض بين الضرورية المطلقة والسالبة الممكنة العامة لاجتماعهما في الصدق في الممكنات المعدومة وهكذا الايراد وارد في حمل لوازم الوجود كقولنا : زيد متحيِّز أو له الجهات الست أو الأبعاد الثلاثة أو له مكان أو زمان فاته ما دام موجوداً يكون ثبوت التحيِّز له ضرورياً . وجوابه - انَّ صريح عبارتهم انَّ وجود الموضوع يؤخذ ظرفاً لثبوت المحمول لا شرطاً له والضرورة إنما تثبت هنا بشرط المحمول لا في ظرفه إذ لو كانت الضرورة تثبت في ظرف المحمول لكانت كل قضية ضرورية بداهة ان كل محمول يثبت للموضوع في ظرف ثبوت المحمول له بخلاف ما اذا كان الموضوع. بشرط المحمول فانَّ المحمول يكون واجب الثبوت له ولو سلمنا ذلك . قلنا : انَّها تكون ضرورية بشرط المحمول وهي لا تستدعي وجوب الوجود الذاتي ولا تنافي الامكان الخاص .

وثالثا : انَّه لا وجه لتقييد ضرورة النسبة (بما دام الموضوع موجوداً ) في الموجبة الضرورية المطلقة لأن الضرورة إنما كانت للحكم الايجابي وهو ثابت في ظرف وجود الموضوع لما تقدَّم من اعتبار وجود الموضوع في الموجبة فليس وجه لهذا التقييد لأن الحكم قاصر في حدِّ نفسه عن الثبوت فيما عداه حتى يقيَّد به ليخرج الحكم فيما عداه فان من المحال تحقق الحكم الايجابي في ظرف عدم الموضوع . - وجوابه - انَّ هذا لا يوجب عدم ظرفية وجود الموضوع للحكم الايجابي وإنما يؤكد ظرفيته له . وظرفية شيء لشيء

لا تستدعي صلاحية المظروف للوجود في غير الظرف .

ورابعاً : انَّه لا وجه لتقييد ضرورة النسبة (بما دام الموضوع موجوداً ) في السالبة الضرورية المطلقة لأنه لازم ذلك ان لا تصدق ولا تنحقق مع انتفاء الموضوع لكون الحكم فيها بضرورة السلب في ظرف وجود الموضوع فمع اقتفاء الموضوع ليس للموضوع وجود حتى تتحقق وتصدق ضرورة السلب فيه لاستحالة تحقق المظروف بدون ظرفه فلا يصدق مثل قولنا : ( لا شيء من العنقاء بانسان بالضرورة ) أو مثل : ( لا شيء من شريك الباري بموجود بالضرورة ) لا تتفاء الموضوع فيها ولازمه صدق نقيضه وهو : ( بعض العنقاء انسان بالامكان العام وبعض شريك الباري موجود بالامكان العام ) وهو باطل قطعاً فاعتبار قيد (ما دام الذات موجودة) في ضرورة السلب باطل قطعاً . والحاصل انه لازم هذا الاعتبار أن لا يكون بين السالبة الكليةالضرورية المطلقة وبين الموجبة الجزئية الممكنة العامة تناقض لاجتماعهما في الكذب في مورد انتفاء الموضوع هذا مضافاً الى لزوم مساواة السالبة مع الموجبة المعدولة المحمول لأنه لا وجه لأعميَّة السالبة منها إلا عدم اعتبار وجود الموضوع في السالبة واعتباره في المعدولة فلو اعتبر في السالبة كما اعتبر في المعدولة كان بينهما تساوي وهو خلاف المقرر عندهم . هذا مضافاً الى ان كل سلب ضروري مطلقاً يكون ثابتاً أزلا وأبداً لامتناع ان يثبت المحمول للموضوع حال عدمه مع اتتفائه عنه حال وجوده فأي موجب لتقييد ضرورته بما دام الذات موجودة . ان قلت : انَّ القيد المذكور يكون للثبوت الذي تضمنه السلب وانَّ المعنى انَّ ثبوت المحمول للموضوع ما دام الذات موجودة منتفى ومرتفع بالضرورة وحينئذ فيجوز صدقها بانتفاء الموضوع لأن قيد

وجود الموضوع كان للمسلوب لا للسلب ويرشد الى ذلك تصريح علماء المعاني بأنَّ النفي اذا دخل على جملة مشتملة على أمرٍ زائد على النسبة توجه النفي للزائد . قلنا : مضافاً الى انه اعتراف بأن ضرورة السلب غير مقيَّدة بوجود الموضوع انه يلزم عدم انعكاس السالبة الضرورية المطلقة الى نفسها وعدم تناقضها مع الموجبة الجزئية الممكنة العامة وكذب نتيجة الشكل الأول المركب من صغرى موجبة ضرورية مطلقة وكبرى سالبة ضرورية مطلقة وذلك لأن قيد(ما دام الذات موجودة ) اذا جعل ظرفاً للثبوت الذي تضمَّنه السلب لزم منه صدق السالبة فيما كان المحمول يرتفع في بعض أوقات وجود الموضوع ويثبت في بعضها فاته إذ ذاك لم يكن الموضوع في جميع أوقات وجوده يثبت له المحمول فيصح أن يسلب عنه بالضرورة فانَّه على ما ذكره الخصم يصدق مثل قولنا : ( لا شيء من الانسان يضحك بالضرورة ) لأن المعنى على ما ذكره الخصم هو ان ثبوت الضحك للانسان في جميع أوقات وجود الانسان منتفي بالضرورة وهو بهذا المعنى صادق مع صدق نقيضه وهو قولنا : بعض الانسان يضحك بالامكان لأن المطلقة العامة وهي قولنا : ( بعض الانسان يضحك بالفعل ) صادقة وهي أخص من الممكنة العامة واذا صدق الأخص صدق الأعم فيلزم أن يجتمع النقيضان في الصدق كما ان عكسها غير صادق إذ لا يصدق (لا شيء من الضاحك بانسان بالضرورة ) . كما انَّ الشكل الأول المركّب من قولنا : ( كل ضاحك انسان بالضرورة ولا شيء من الانسان بضاحك بالضرورة ) تامُّ الشرائط والصغرى والكبرى صادقتان على رأي الخصم مع أنَّ النتيجة كاذبة لعدم صدق قولنا : لا شيء من الضاحك بضاحك بالضرورة وهكذا الحال في كل محمول يرتفع عن الموضوع في بعض أوقات

وجود الموضوع بالضرورة ويثبت له في البعض الآخر كالكتابة والشاعرية والعلم للانسان وكالكسوف للشمس والخسوف للقمر فانَّه على رأي الخصم تكون السالبة الضرورية الكلية المركبة منها صادقة حيث انَّ ثبوت المحمول للموضوع في جميع أوقات وجود الموضوع منتفي بالضرورة فيصدق لا شيء من القمر بمنخسف بالضرورة على رأي الخصم مع صدق نقيضه وهو بعض القمر منخسف بالامكان العام وكذب عكسه وهو لا شيء من المنخسف بقمر بالضرورة وكذب تنيجة الشكل الأول المركب منها وهو كل منخسف قمر بالضرورة ولا شيء من القمر بمنخسف بالضرورة فانَّه ينتج لا شيء من المنخسف بمنخسف بالضرورة وهو كاذب مع اجتماع شرائط الانتاج . وامَّا تصريح علماء المعاني فهو فيما كان النفي متأخراً عن الأمر الزائد لا فيما كان الأمر الزائد متأخراً عنه كما فيما نحن فيه . إن قلت : انَّ المراد بوجود الموضوع الذي أخذ ظرفاً لضرورة السَّلب هو الوجود المحقق أو المقدَّر المفروض في نفس الأمر ففي صورة عدم وجود الموضوع يكون وجوده مقدراً وهذا يكفي لصدق السالبة فيصدق قولنا : لا شيء من العنقاء بانسان بالضرورة باعتبار تقدير وجود الموضوع . قلنا : انَّ السالبة تصدق وتتحقق حتى مع عدم هذا التقدير إذ لو كذبت مع عدم هذا التقدير لزم اجتماع النقيضين وهما هذه السالبة ونقيضها الموجبة الجزئية الممكنة العامة . هذا مضافاً الى انَّ الموجبة يكفي في صدقها وتحققها تقدير الوجود للموضوع كما في الحقيقية فلو كان يعتبر في السالبة ذلك أيضاً لم تكن أعم من الموجبة المعدولة المحمول . - وجوابه - انَّه يؤخذ ما دام الذات ظرفاً للحكم السلبي لا ظرفاً لصدقه ألا ترى انَّه يصدق مثل قولنا : ( زيد لم يجىء وقت الخسوف)

إذا لم يكن خسوف أصلاً وقد سبق في جواب الايراد الحادي عشر على القضية الى حقيقية وخارجية وذهنية ما ينفعك هنا وهكذا تقدم في جواب الايراد الثالث على القاعدة الفرعية ما يوضح لك هذا المقام .

و خامساً : انَّ هذه القضية تسمى بالضرورية المطلقة وزعموا انَّ جهتها الضرورة المطلقة ومقتضى ذلك ان تكون الضرورة فيها غير مقيَّدة فكيف تقيد بما دام الذات موجودة.-وجوابه - ان الاطلاق باعتبار عدم تقيدها بالوصف أو بالوقت لا انَّه من جميع الجهات .

وسادساً : انَّ هذا الميزان للضرورية المطلقة يقتضي انحصار موجبتها بما اذا كان الموضوع أزلياً واجباً لأن الشيء ما لم يجب وجوده لم يجب له شيء في جميع أوقات وجوده وهكذا يقتضي انحصار سالبتها في الممتنع لأن الشيء ما لم يمتنع وجوده لم يمتنع عنه شيء أصلاً . - وجوابه - انَّا لا نسلِّم ذلك فانَّ الممكنات لا يجب وجودها ولا عدمها مع انَّه في جميع أوقات وجودها يجب ثبوت ذاتياتها ولوازمها لها ويجب ارتفاع اضدادها عنها .

وسابعاً : انَّه ليس فرق بين الضرورة المطلقة والمشروطة العامة فيما كان الوصف العنواني للموضوع مفهوم الوجود كقولنا : كل موجود شيء فانَّه تصدق المشروطة أيضاً . - وجوابه - انَّه لا مانع من الالتزام بوجود معنى الضرورية المطلقة والمشروطة العامة في مورد واحد اذا لم يكن بينهما تباين فانَّه لا مانع من أن تكون القضية الواحدة تصدق عليها عدة قضايا باعتبارات مختلفة وفيما نحن فيه تصدق الضرورية باعتبار ثبوتها ما دام الذات والمشروطة باعتبار ما دام الوصف . وثامناً : انَّ المناط في كون النسبة ضرورية إن كان وجوبها الذاتي

اختصَّت الضرورية بالأزلية ( كالله حي بالضرورة ) ولا يلتزم به أحد وان كان الأعم منه ومن الوجوب الغيري كان الدوام مساويا لها إذ لا شيء يدوم ما لم يجب بالغير وهو خلاف ما صرحوا به من أعمية الدائمة وأيضاً لو كانا متساويين لزم تساوي نقيضيهما وهما الممكنة العامة والمطلقة العامة لأن نقيضي المتساويين متساويان ولا شك انَّ الممكنة العامة أعم من المطلقة العامة. -وجوابه - ما سيجيء في جواب الايراد الأول على ميزان الدائمة المطلقة.

الدائمة

تقسيمها

( قسَّموا القضية الدائمة البسيطة الى قسمين لأن الحكم إن كان فيها بدوام النسبة ما دام ذات الموضوع موجودة فدائمة مطلقة أو ما دام الوصف فعرفية عامَّة ) . ويرد عليهم : انَّ أقسام النسبة الضرورية تجيء في النسبة الدائمة فلماذا اعتبروا قسمين منها وبحثوا عنهما ولا أقل من اعتبار أربعة منها نظير ما اعتبروا في الضرورية ذلك ولو سلَّمنا انَّ الدوام المنتشر لا يتصوَّر فانَّا لا نسلِّم انَّ الدوام في وقت معيَّن لا يتصور .

الدائمة المطلقة

(جعلوا الميزان في انَّ القضية دائمة هو كون الحكم فيها بدوام النسبة ما دامت ذات الموضوع موجودة وقد عبَّروا عن هذا الدوام بالدوام الذاتي ) . ويرد عليهم سبعة ايرادات .

أولاً : انَّ كل دوام يكون ضرورياً إذ لابد له من علة ضرورية الوجود

امَّا بنفسها أو بواسطة انتهائها الى ضروري الوجود ومع ضرورة وجود العلة يكون المعلول ضروري الثبوت ومع عدمها يمتنع . إن قلت : انَّ القضايا تلحظ في أنفسها مع قطع النظر عن الامور الخارجية فما كان يستحيل انفكاكه عن الموضوع كالذاتيات للماهية أو لوازمها كانت القضية فيه ضرورية وما كان لا يستحيل لكنه لا ينفك عن الموضوع كان دائماً وما كان ينفك وقد يثبت كان فعلياً وما كان قابلاً للثبوت كان ممكناً . قلنا : هذا منافي لتصريح بعضهم ففي شرح المطالع ان الضرورة استحالة انفكاك المحمول عن الموضوع سواء كانت ناشئة عن ذات الموضوع أو أمر منفصل عنه مضافاً الى انَّه في المشروطة العامة غالباً تكون الضرورة بملاحظة الغير . - وجوابه - انَّ الجهة باعتبار المعتبر فربما يعتبر في النسبة الدوام نظراً لجواز انفكاكها عقلاً وعدم ملاحظة ما يوجب وجودها وربما يلحظ ما يوجب وجودها أو یری استحالة انفكاكها لاقتضاء ذات الموضوع لها فيحكم بضرورتها وإلا للزم انحصار القضايا بأجمعها في الضرورية الموجبة أو السالبة لأن النسبة بالنظر لعلتها امَّا واجبة أو ممتنعة .

وثانياً ، وثالثاً ، ورابعاً ، وخامساً ، وسادساً ، وسابعا : بما أوردناه على الضرورية المطلقة أولاً ، وثانياً ، وثالثاً ، ورابعاً ، وخامساً ، وسابعاً .

المطلقة

تقسيمها

( جعلوا القضية البسيطة التي حكم فيها بفعلية النسبة هي المطلقة العامة ) . ويرد عليهم : انَّ النسبة قد يحكم بفعليتها مطلقاً أو مقيَّدة بما دامت ذات الموضوع موجودة أو بما دام الوصف أو بالوقت المعيَّن أو غير المعيَّن

على نحو ما تقدَّم في الضرورية ولذا ترى بعض المنطقيين سمى القسم الأول والثاني بالمطلقة العامة والثالث بالحينية المطلقة والرابع بالمطلقة الوقتية والخامس بالمنتشرة الوقتية .

المطلقة العامة

( فسَّر بعضهم الفعلية المأخوذة في تعريف المطلقة العامة بأحد الأزمنة الثلاثة وفسرها بعضهم بالخروج من القوة الذي عبارة عن التحصل والتحقق ). ويرد على التفسير الأول .

انَّ القضايا المطلقة العامة التي يكون موضوعها الزمان كقولنا : یوم الجمعة مجيء زيد بالفعل والزمان موجود بالفعل وهكذا التي موضوعها المجردات كقولنا العقل منطبع فيه صور الأشياء بالفعل والله حي والله خالق فان هذه القضايا لو دلت على وقوع النسبة في أحد الأزمنة الثلاثة لزم ان يكون للزمان زمان وللمجرد زمان . إن قلت : إنا نلتزم بأن المطلقة العامة لا تصدق في هذه الموارد . قلنا : هذا ينافي أعميتها من سائر القضايا ما عدى الممكنة . ويمكن الجواب عنه انَّ المراد بالأزمنة هي : القبليَّة والحالية والبعدية بالنسبة الى نطق المتكلم بالقضية فانَّ نفس الزمان يتصف بالقبلية والبعدية بالنسبة الى بعض الحوادث فيقال : انَّ يوم الجمعة قبل يوم السَّبت وبعد يوم الخميس فانَّ القبليَّة وأخواتها معاني اضافية قابلة لأن تنسب لكل موجود بالنسبة لموجود آخر حتى المجردات .

ويرد على التفسير الثاني : انَّ الفعل بهذا المعنى ليس بكيفية للنسبة

لأن معناه ليس إلا تحقق النسبة ووقوعها والكيفية لابد وأن تكون أمراً مغايراً لوقوع النسبة ولذا كانت الجهة جزءا للقضية وراء وقوع النسبة ، وجوابه - انَّ الفعلية أمر زائد على الوقوع الذي هو جزء للقضية بدليل انَّ الوقوع قد يتصف بالامكان وقد يتصف بالفعلية فلو كانت الفعلية عينه لمَا انفك عنها و اتصف بالامكان المحض وسيجيء ذلك في بحث الممكنة مفصلاً انشاء الله . هذا مضافاً الى انَّ الوقوع الذي هو جزء القضية يقابله اللا وقوع الذي هو جزء السالبة والفعلية تكون صفة لهما أعني للوقوع الذي هو جزء الموجبة واللا وقوع الذي هو جزء السالبة فلو كانت عين الوقوع لمَا اتصف بها اللا وقوع .

الممكنة

تقسيمها

( جعلوا القضية البسيطة التي حكم فيها بعدم ضرورة خلافها ممكنة عامة ) . ويرد عليهم : انَّ عدم ضرورة الخلاف قد يكون سلباً للضرورة الأزلية أو الذاتية أو الوصفية أو الوقتية المعينة أو غير المعينة لأن السلب تابع للمسلوب فاذا كان المسلوب وهو الضرورة له أقسام فالسلب يتعدد بتعدد الأقسام ولذا ترى بعض المنطقيين سمى القسم الأول والثاني بالممكنة العامة والثالث بالحينية الممكنة والرابع بالممكنة الوقتية والخامس بالممكنة الدائمة .

الممكنة العامة

(ذكروا انَّ الممكنة العامة : ما كان الحكم فيها بأن خلاف النسبة ليس ضرورياً ) . ويرد عليهم خمسة ايرادات .

أولاً : انَّها ليست بقضية لأن القضية ما اشتملت على الحكم وهو

الوقوع أو اللا وقوع والممكنة لم يحكم فيها بوقوع شيء على شيء أو سلبه عنه وإنما حكم فيها بامكان الثبوت أو اللا ثبوت فهي ليست بقضية ولا موجبة ولا سالبة ودعوى انَّ الممكنة مشتملة على الحكم لأنها يحكم فيها بسلب الضرورة عن الجانب المخالف . مدفوعة بأن محل الكلام هو الحكم بنسبة المحمول للموضوع وامَّا ما ذكره الخصم فهو حكم على النسبة المتصورة بين طرفيها نظير الحكم عليها بالدوام لا أنه الحكم الذي هو المناط في تحقق القضية وعدمها . - وجوابه - انَّ الوقوع قد يلاحظ ويقيَّد بقيد الامكان وقد يلاحظ ويقيَّد بقيد الفعلية نظير الوجود فانَّه قد يوصف بالامكان فيقال :

وجود ممكن وبالقوة وقد يوصف بالفعلية فيقال : وجود بالفعل كيف ؟ والوقوع لو لم يتصف بالامكان أولاً لمَا صار فعلياً أو دائماً أو ضرورياً بل الوقوع قد يلاحظ ويقيد بقيد الامتناع كقولنا : وجود شريك الباري ممتنع ويدلك على صحة الاتصاف هو صحة التعبير بقولنا : ( يمتنع الوقوع ) ولكن هذه القضية غير مألوفة لدى الأذهان . والحاصل : انَّ هذه الامور اعتبارية يمكن اعتبارها حتى لأنفسها هذا مضافاً الى انَّ الوقوع يتصف بالوقوع وبعدمه كالوجود .

وثانياً : انَّ الامكان ليس بكيفية للنسبة وإنما هو نفسه ينسب للموضوع فاذا قيل : ( الانسان يطير بالامكان فمعناه نسبة امكان الطيران له لا نسبة نفس الطيران له ) فهو يرجع لقولنا : ( الانسان يمكن طيرانه ) . وجوابه - انَّ هذا منقوض بالكيفيات جميعها فانَّ قولنا : ( الانسان حيوان بالضرورة ) يرجع الى قولنا : ( الانسان ضروري حيوانيته ) والفلك متحرك بالدوام يرجع لقولنا : ( الفلك تدوم حركته ) . وحله انَّ هذه الكيفيات امور اعتبارية

يصح اعتبارها محمولات بنفسها أو كيفيات لغيرها فتارة تعتبر محمولات وحينئذ تكون نسبتها لموضوعاتها على حد سائر النسب مكيَّفة باحدى الكيفيات وبهذا الاعتبار أرجع صاحب حكمة الاشراق القضايا كلها الى الضرورية المطلقة وتارة اخرى تعتبر كيفيات للنسب وصفات لها وبهذا الاعتبار تكون جهات القضايا .

وثالثاً : انَّ الممكنة ان كانت مشتملة على الحكم في الجانب الموافق كانت مركّبة لاشتمالها على حكمين مختلفين : الموافق كما هو الفرض والمخالف لدلالتها على سلب الضرورة عنه . وان كانت غير مشتملة على الحكم في الجانب الموافق لم تكن قضية لأن المذكور فيها لم يقصد به الحكم وحينئذ لا معنى لا تصافها بالسلب والايجاب باعتباره . - جوابه - انَّ الامكان الذي جعل جهة للممكنة العامة هو الامكان بالمعنى الذي يفهمه العرف العام كما صرَّح به المنطقيون في كتبهم المطولة ولا شك ان العرف العام لا يفهم هذا المعنى المذكور اعني (سلب الضرورة عن الجانب المخالف ) وإنما هو لازم المعنى ولذا بعضهم فسَّره : بعدم استحالة النسبة المذكورة وبعضهم فسَّره : بسلب الامتناع عن الطرف الموافق . ومعناه المتبادر منه هو جواز الوقوع وقابليته فيكون معنى زيد كاتب بالامكان العام هو جواز وقوع الكتابة منه وقابلية وقوعها وحينئذ فيكون الحكم فيها في الجانب الموافق من دون نظر للجانب المخالف.

ورابعاً : انَّ الامكان لو كان سلب الضرورة عن الطرف المخالف كان مقابلاً للضرورة مع انَّهم قد أجمعوا على انَّ الامكان أعم الجهات فيلزم أن يكون قسم الشيء قسيماً له . - وجوابه - انَّ المقابل للامكان هو الضرورة

المختلفة معه بالايجاب والسَّلب وأعميته انما هي بالنسبة الى الجهات الموافقة له بالايجاب والسلب .

و خامساً : انَّ الامكان اذا كان جهة كانت القضية فعلية لأن الموجبة إنما تصدق اذا ثبت محمولها لموضوعها بالفعل . - وجوابه - انَّ الايجاب لا يستدعي الثبوت بالفعل فانَّ الموجبة ما فيها النسبة بالثبوت أعم من أن تكون بالفعل أو بالامكان وقد تقدم في جواب الايراد الرابع والثامن على تعريف الحملية ما ينفعك هنا .

مباحث الشرطية

تعريفها

( عرَّف المنطقيون الشرطية تارة بالتي : لم يحكم فيها بثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه واخرى بالتي : يكون طرفاها قضيتين وثالثة بالتي : يحكم فيها بصدق قضية على تقدير صدق اخرى أو بالتنافي بين القضيتين أو بسلب ذلك). ويرد عليهم خمسة ايرادات .

أولا : انَّه ليس بين المتصلة والمنفصلة قدر جامع وجودي يصح أن يسمى بالشرطية فانَّ المنفصلة لا يوجد فيها اشتراط قضية باخرى بل هي بالعكس حيث يحكم فيها بالتنافي بين القضيتين . نعم القدر الجامع الذي يوجد بينهما والمختص بهما هو أمر عدمي كما في التعريف الأول والشرطية ليست بأمر عدمي . إن قلت : يوجد بينهما قدر جامع وهو انحلالهما الى قضيتين أو تركبهما من قضيتين . قلنا : هذا المعنى لا يصلح لنقل لفظ الشرطية بملاحظته

حيث لا مناسبة بينه وبين المعنى اللغوي وإنما هذه ميزة ذكرت للشرطية . هذا مضافاً الى وجودها في غير الشرطية من القضايا المركبة والى عدم تماميتها في نفسها فانَّ طرفي الشرطية ليسا بقضيتين لأنهما لا يحتملان الصدق والكذب حيث لم يقصد بهما الحكاية عن الواقع كيف يكونان قضيتنين ؟ مع عدم استقلالهما واحتياجهما الى ضم كل منهما الى اخرى والأولى أن يجعل هذه ميزة للقضايا المركبة . إن قلت : على هذا لا يصح تقسيم القضايا الى موجبة وسالبة لعدم وجود معانيها من الحمل والاتصال والانفصال التي سميت بها في سوالبها فلم يكن بينها قدر جامع وجودي . قلنا : صح اطلاقها على السوالب باعتبار مشابهتها في الصورة لموجباتها كما اطلق النحويون الفاعل على من سلب عنه الفعل على انَّ التحقيق ان معانيها موجودة في سوالبها غاية الأمر سلِّط عليها حرف السلب وإلا لمَا صارت السالبة نقيضاً للموجبة إذ نقيض كل شيء رفعه . إن قلت : انَّ المنفصلة في قوة الشرطية لأن قولنا : اما أن يكون العدد زوجاً أو فرداً بمنزلة أن يقال : ان كان العدد زوجاً فهو ليس بفرد وان كان فرداً فهو ليس بزوج . قلنا : رجوعها بحسب التحليل العقلي

الی ذلک لا یوجب استفادته منها والعبرة في وجود المعنى هو الاستفادة من اللفظ فالحق أن نجعل المنفصلة قسماً في مقابل الشرطية وتثلث أقسام القضيةالى الحملية والشرطية والمنفصلة .

وثانياً : ان تعريفهم الأول يشمل الجملة الانشائية فائها لم يحكم فيها بثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه . - وجوابه - انَّ المقسم معتبر في الأقسام والمقسم هو القضية . والانشائية كما عرفت في مبحث القضية ليست بقضية .

وثالثاً : انَّ تعريفهم الثاني يشمل مثل قولنا : زید عالم يناقضه زيد ليس

بعالم . - وجوابه - ما تقدم في تعريف الحملية .

ورابعاً : انَّ تعريفهم الثاني والثالث لا يشمل مثل : إن جاءك زيد اكرمه فانَّ الانشاء ليس بقضية عندهم . - وجوابه - سيجيء إنشاء الله في الايراد الخامس في مبحث تقسيم الشرطية الى الموجبة والسالبة انَّه من الحمليات لا من الشرطيات.

وخامساً : ما نذكره خامساً في المبحث الذي بعد هذا المبحث .

تقسيم الشرطية الى الموجبة والسالبة

( قالوا : الشرطية امَّا متصلة موجبة إن حكم فيها يثبوت نسبة على تقدير اخرى . وامَّا متصلة سالبة إن حكم بعدم ثبوتها على تقدير اخرى . وامَّا منفصلة موجبة إن حكم فيها بالتنافي بين النسبتين وامَّا منفصلة سالبة إن حكم بعدمه ) . ويرد عليهم عشرة ايرادات .

أولاً : انَّ تعريف المتصلة السالبة يشمل المنفصلة الموجبة لأن المنفصلة الموجبة قد حكم فيها صريحاً بعدم ثبوت قضية على تقدير اخرى إذ لا معنى للانفصال والتنافي إلا ذلك وهكذا تعريف المنفصلة السالبة يشمل المتصلة الموجبة بناءً على انَّ المراد بالحكم ما يعم الضمني والصريحي لأن المتصلة الموجبة قد حكم فيها ضمناً بعدم التنافي بين القضيتين والأولى جعل سالبة كل منهما ما يحكم فيها برفع نفس موجبتها .

وثانياً : انَّ المحكوم عليه لابد وان يكون إسماً .

قال ابن مالك :

بالجر والتنوين والندا وأل*** ومسند للاسم تمييز" حصل

وطرفا الشرطية ليسا باسم فكيف يحكم عليهما بالاتصال والانفصال .

-وجوابه - انَّا لا نسلِّم انَّ المحكوم عليه لابد وان يكون إسماً كيف ؟ و بعض الأحكام تخص المركبات كما يحكم على القضية بأنها صادقة أو كاذبة أو بليغة أو منعكسة ونحو ذلك ونظر أهل العربية الى المفردات لا المركبات بمعنى انَّ المفرد الذي يحكم عليه هو الاسم لا الفعل والحرف .

وثالثاً : انَّ تعريف المتصلة السالبة يشمل المتصلة الموجبة التي يكون التالي فيها قضية سالبة نحو : ( ان كانت الشمس طالعة فالليل ليس بموجود ) لأنَّها قد حكم فيها بعدم ثبوت نسبة وهي نسبة الوجود الى الليل على تقدير اخرى وهي طلوع الشمس مع انَّها متصلة موجبة . - وجوابه - إن الحكم فيها كان بثبوت نسبة السلب على تقدير اخرى لا بعدم نسبة على تقدير أخرى . وقد عرفت انَّ الأولى تعريف السالبة بما يحكم فيها برفع نفس موجبتها حتى لا يتوهم ورود مثل هذا الاشكال عليه .

ورابعاً : ان التعاريف المذكورة تشمل الحمليات التي صرح فيها باللزوم أو الاتصال أو العناد مثل قولنا : وجود النهار يلزمه أو يثبت على تقديره طلوع الشمس أو يعانده وينافيه وجود الليل . - وجوابه - انَّ الحكم هنا لم يكن بالاتصال بين النسبتين أو العناد بينهما بل هو إثبات لزوم وجود لآخر أو عناد وجود لآخر فلم يلحظ النسبة بين الطرفين فيهما . وبعبارة اخرى : انَّ المحمول هو يلزم أو ينافي والجملة بعده من متعلقاته فيكون اثبات المنافاة واللزوم لشيء لا انَّ الحكم هو المنافاة أو اللزوم. هذا مضافاً الى انَّ المقسم ملاحظ في الأقسام فالشرطية مأخوذة في الأقسام وما ذكر ليس بشرطية .

و خامساً : انَّ معنى الشرطية المتصلة هو كون الشرط قيداً لحكم الجزاء بمعني انَّ المسند في الجزاء يكون الشرط قيدا له نظير الظرف والحال فمعنى

قولنا : ( ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود ) انَّ النهار موجود حال طلوع الشمس فتكون المتصلة عبارة عن القضية الحملية المقيَّدة بقيد خاص فلا معنى لعدَّها في مقابل الحملية ولا وجه للقول بأنَّها يحكم فيها بثبوت نسبة على تقدير اخرى . - وجوابه - إن جعل معنى الشرطية المتصلة هو ما ذكر هو رأي علماء العربية وامَّا علماء المنطق فهم لا يوافقونهم عليه ويجعلون معناها هو الحكم بالاتصال والملازمة بين الشرط والجزاء وقد استدل كل على مدَّعاه . وحيث أنَّ هذا البحث يرجع الى مفاد اللفظ وهو ليس من شأن المنطقي فكان الجدير بنا الاعراض عنه وإيكال ذلك الى قصد المتكلم كما انَّه لا ينكر انَّ الحق مع أهل العربية في بعض الشرطيات التي جزاؤها قضية انشائية كقولنا اذا جاءك زيد فاكرمه أو فأنت حرِّ وكما هو الظاهر اذا عبَّر باذا الشرطية كما ان الحق مع المنطقيين فيما لو عبَّر بلو وإن الشرطيتين . وسادساً : انَّ المنفصلة قد يحكم فيها بالتنافي بين ثلاثة نسب أو أكثر كقولهم : امَّا أن تكون القضية المحصورة كلية أو جزئية أو مهملة وكقول النحاة : امَّا أن تكون الكلمة اسماً أو فعلا أو حرفاً وعليه فلا وجه لقولهم انَّ المنفصلة الموجبة يحكم فيها بالتنافي بين النسبتين . إن قلت : انَّ الانفصال لا يتصور إلا بين اثنين لا أزيد لأن الانفصال نسبة واحدة والنسبة الواحدة لا تقوم إلا بين اثنين كما انَّ الحملية اذا تعدَّد موضوعها تنعدد فالأمثلة المذكورات منفصلات متعددة . قلنا : الانفصال وإن كان نسبة واحدة إلا انَّها قد تكون بين ثلاثة وتقوم بالثلاثة بأن تكون الأمور الثلاثة لا تجتمع ولا ترتفع فهي نظير نسبة الجد لابنه مع ابن ابنه . إن قلت : انَّها ترجع عند الحقيقة الى منفصلتين هما قولنا : انَّ الكلمة امَّا اسم أو غير اسم وغير الاسم

من الكلمة امَّا فعل أو حرف . قلنا : نعم يمكن ذلك ولكن يحكم فيها بالمنافاة بين الثلاثة من دون ملاحظة الرجوع المذكور . إن قلت : إن المنفصلة الحقيقية لو تركبت من ثلاثة أجزاء فالجزء الثالث اما صادق فيجتمع مع صادق من الاثنين أو كاذب فيجتمع مع الكاذب منهما فلا يكون بين الجزئين والثالث انفصال حقيقي . قلنا : انَّ هذا إنما يثبت عدم الانفصال الحقيقي بين أحد الاثنين والثالث وهذا نحن لا ننكره وإنما ندعي ان الانفصال الحقيقي يكون بين كل واحد منها مع الاثنين الباقيين لا مع أحد الاثنين بمعنى انَّ مجموع الثلاثة لا ترتفع ولا تجتمع . واعل بعض المناطقة إنما اكتفى بذكر الاثنين لأنهما أقل ما يوجد في الانفصال .

وسابعاً : انَّ تعريف المنفصلة الموجبة يشمل الحملية المرددة المحمول كقولنا : هذا العدد امَّا زوج أو فرد . - وجوابه - انَّ المنفصلة تكون المنافاة فيها بين القضيتين فصاعداً في التحقق والوجود . والحملية المرددة المحمول تكون المنافاة فيها بين مفهومين أو أكثر قد حملا على موضوع واحد فهي تدل على المنافاة في الحمل والصدق على موضوع واحد . وبعبارة أوضح ان المنفصلة تدل على المنافاة بين القضايا وتلك تدل على المنافاة بين المفردات .

وثامناً : انَّ المتصلة يمكن أن تتركّب من كاذبين كقولنا : إن كان شريك الباري موجوداً فالعالم فاسد أو من كاذب وصادق كقولنا : ان كان شريك الباري موجوداً فالانسان ناطق فلا يكون الحكم فيها بثبوت نسبة على تقدير اخرى لأن الاخرى وهي المقدَّم كاذبة غير مقدَّر وجودها . - وجوابه - انَّ ثبوت نسبة على تقدير اخرى لا يستدعي ان تكون الاخرى صادقة في نفس

الأمر وإنما تستدعي أن تكون هي صادقة لو تحقق صدق الاخرى في نفس الأمر .

وتاسعاً : انَّ مثل امَّا أن يكون زيد نائماً أو مستيقظاً منفصلة صادقة مع انَّ كلاً منهما صادق لأنهما مطلقتين عامتين فلم يتنافيا في الصدق .-وجوابه- انَّ المراد بالمنافاة في الصدق هو عدم الاجتماع في الوجود والتحقق والمنافاة في الكذب هو عدم الاجتماع في العدم والانتفاء فليس المراد بالصدق والكذب هو معناهما المتعارف بل المراد بهما الوجود والتحقق والعدم والانتفاء ولا شك انَّ زيد نائم أو مستيقظ لا يجتمعان في التحقق والوجود وانَّ اجتمعا في الصدق كذا ذكر المنطقيون إلا انَّ التحقيق خلافه فانَّا لا نسلَّم تركُّب المنفصلة مما ذكر وأيضاً الصدق لازمه التحقق بنحو الاطلاق.

وعاشرا : انَّ المتصلة قد حكم فيها بالتنافي بين النسبتين وهو نقيض أحد طرفيها مع الآخر وهكذا المنفصلة قد حكم فيها بالتلازم بين أحد الطرفين مع نقيض الآخر بناءً على تلازم الشرطيات فينتقض تعريف كل منهما بالآخر .-وجوابه- انَّ المقصود الحكم بالاتصال والانفصال بنحو المطابقة لا بنحو الالتزام .

تقسيم المتصلة الى اللزومية والاتفاقية

(قالوا : انَّ الشرطية إن كان الاتصال فيها لعلاقة فهي لزومية وإلا فاتفاقية ) . ويرد عليهم ايرادان .

أولاً : انَّ التعريف لا يشمل السالبة منهما كما هو واضح لأنه يسلب الاتصال فيهما وهكذا لا يشمل الكاذبة منهما لعدم كون الاتصال في اللزومية

الكاذبة في متن الواقع لعلاقة ولعدم كون الاتصال في الاتفاقية الكاذبة في متن الواقع لغير علاقة . إن قلت : إن مرادهم انَّ اللزومية ما كان الحكم فيها بالاتصال لعلاقة والاتفاقية ما كان الحكم فيها بالاتصال لغير علاقة ومن المعلوم انَّ الكاذبة منهما مشتملة على الحكم المذكور غاية الأمر انَّه غير مطابق للواقع كالحملية . قلنا : على هذا ينبغي تثليث الأقسام إذ من الممكن ان تخلو المتصلة من الحكم بالاتصال لعلاقة أو لغير علاقة وحينئذ تكون مشتملة على الحكم بالاتصال من دون نظر للعلاقة أو لعدمها وعليه تكون المتصلة لها أقسام ثلاثة أحدها : ما حكم فيها بالاتصال فقط من دون نظر للعلاقة أو عدمها وينبغي أن تسمى بالمطلقة لأن اللزوم والاتفاق كما هو الحق من كيفيات الاتصال فهما من قبيل الجهتين للمتصلة . والمتصلة الخالية منهما نظير الحملية الغير الموجهة فكما سميت الحملية الغير الموجهة بالمطلقة فينبغي أن تسمى هذه المتصلة بالمطلقة . ثانيها . اللزومية . ثالثها : الاتفاقية .

وثانياً : انَّه لا تتعقل الاتفاقية إذ لابد من تحقق العلاقة المقتضية لاجتماع المقدم والتالي لأن معيتهما أمر ممكن فلابد لها من علة . وإن شئت قل : انَّ الأشياء كلها معلولات بالذات أو بالواسطة للواجب تعالى فتكون الأشياء مشتركة في المعلولية لعلة واحدة وهي الباري عز اسمه فدائماً أبدا يكون الاتصال لعلاقة ويمكن الجواب عنه : انَّ المراد به هو الاتفاق واللزوم بحسب نظر العامة . مضافاً الى امكان ان يقال : انَّ اشتراكهما في العلة لا يقتضي الارتباط بين المقدم والتالي لجواز صدورهما من علة واحدة بجهتين مختلفتين بحيث لا يكون بينهما إلا المصاحبة في الوجود مع تجويز العقل انفكاكهما .وبعبارة اخرى انَّ المراد بكونهما معلولين لعلة واحدة علي نحو الارتباط بينهما

بحيث يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر نظير العلة التامة مع معلولها ونظير الماهية ولوازمها ومنه المعلولين لعلة تامة موجبة منحصرة . وامَّا العلة المختارة فيمكن التفكيك بين أفعالها كما في أفعالنا الصادرة منا بالاختيار فانَّ مجرد اشتراكها في الفاعل لا يوجب الارتباط بينها ارتباطاً يحيل العقل معه الانفكاك ألا ترى انَّه لو صدر من الانسان باختياره في آن واحد عملان كأن تكلم ونظر الى الأجنبية لم يكن بين هذين العملين ملازمة وإن اتَّحد الفاعل لهما . وإن شئت قل : انَّ اللزومية ما كان بين الشيئين ارتباطاً بحيث يحيل العقل الانفكاك بينهما لذاتهما بأن تستدعي ذات كل منهما أن لا توجد بدون الآخر لا مجرد امتناع الانفكاك بينهما لأمر خارج عن ذاتيهما ولعل ما كان بين معلولين لعلة موجبة منحصرة يكونان من قبيل القسم الأول .

تقسيم المنفصلة الى عنادية واتفاقية

(قالوا : إن كان التنافي بين جزئي المنفصلة لذاتهما فهي عنادية وإلا فاتفاقية ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات.

أولاً : ما أوردناه أولاً على تقسيم المتصلة الى لزومية واتفاقية والكلام الكلام .

وثانياً : ما أوردناه ثانياً على التقسيم المذكور اعني تقسيم المتصلة الى لزومية واتفاقية فانَّه يمكن أن يقال : انَّ التنافي أمر ممكن فلابد له من علة فما لم یجب لم يوجد فيكون الجزء آن متنافيين بواسطة العلة وقد عرفت انَّ التنافي أعم من أن يكون بالذات أو بواسطة الغير والجواب الجواب .

وثالثاً : انَّ التنافي لذات الحزئين لا يكون إلا بين الشيء ونقيضه ولذا

أخذوه في تعريف التناقض حيث انَّ ذات احدهما لا تجتمع مع ذات الآخر وامَّا ما عداهما كالضدين فانَّما يقع التنافي بواسطة لزوم كل واحد منها لأحد المتناقضين فلم يكن التنافي لذاتهما بل بواسطة الغير كما قرر في مباحث الحكمة وعليه فلا تنحقق العنادية بين الشيء والمساوي لنقيضه أو الأخص منه أو الأعم منه مع انهم جعلوا العنادية تتحقق بينهما فانَّ من الأول تتألف الحقيقية ومن الثاني مانعة الجمع ومن الثالث مانعة الخلو إلا اللهم أن يكون المراد بالتنافي للذات هو التنافي مع قطع النظر عن الواقع الاتفاق لا انَّ الغرض منه هو قطع النظر عن كل أمر خارج عن ذاتهما . وعليه فيشمل التنافي الثابت لذات الجزئين من جهة ذاتهما أو بواسطة ملازمة أحدهما لما ينافي الآخر بالذات صدقاً أو كذباً أو كليهما .

تقسيم المنفصلة

الى حقيقية ومانعة الجمع ومانعة الخلو

( قالوا : المنفصلة ما حكم فيها بتنافي النسبتين أو لا تنافيهما صدقا وكذباً وهي الحقيقية أو صدقاً فقط فمانعة الجمع أو كذباً فقط فمانعة الخلو وانَّ الأولى لا تتركب إلا من قضية مع نقيضها أو ما يساوي نقيضها وان الثانية تتركب من قضية مع أخص من نقيضها وان الثالثة تتركب من قضية مع ما هو أعم من نقيضها ). ويرد عليهم ثلاثة ايرادات.

أولاً : انَّ قولنا : امَّا أن يكون العدد زوجاً أو لا زوجاً منفصلة حقيقية مع انَّ الجزء الثاني موجبة معدولة المحمول وهي ليست بنقيض للجزء الأول

لأن نقيضه سالبة محصلة وهي أعم من الموجبة كما تقرر في محله ويزداد الاشكال وضوحاً في قولنا : إما أن يكون العدد فرداً أو زوجاً فانَّ الجزء الثاني موجبة محصلة والنقيض للجزء الأول سالبة محصلة وقد عرفت انَّها أعم من الموجبة . - وجوابه - امَّا - عن الاول فنقول : انا لا نسلِّم انَّ الجزء الثاني موجبة معدولة المحمول وإنما هي سالبة بسيطة لأن المنافاة كانت بين القضيتين لا بين المحمولين والا صارت حملية مرددة المحمول ولهذا يصدق امَّا أن يكون شريك الباري متكلماً أو لا متكلماً منفصلة حقيقية ولا يصدق حملية مرددة المحمول . وامَّا الثاني فهو إنما يصح بشرط المساواة للنقيض ومع وجود الموضوع يكون النقيض سالبة موجود موضوعها فتساويها الموجبة فالعدد لما كان موجوداً كان قولنا : العدد ليس بزوج مساوي لقولنا : ( العدد فرد ) نعم اذا كان الموضوع ليس بموجود لم يكن يساويه كما في قولنا : شريك الباري واحد . فانَّه لا يساوي قولنا : شريك الباري ليس بمتعدد لأن القضية الثانية لمَّا كانت سالبة صدقت لانتفاء موضوعها بخلاف الأولى فانَّها لمَّا كانت موجبة كذبت لا تتفاء موضوعها وعليه فلا تتركب المنفصلة منهما فلا يقال : امَّا أن يكون شريك الباري واحداً أو متعدداً لاجتماعهما في الكذب لانتفاء موضوعها وانَّما يصح ان تتركب منهما منفصلة اذا أخذ أحدهما سالبة فيقال : امَّا ان يكون شريك الباري واحداً أو ليس بواحد كما يصح في الموضوع الموجود ذلك كما لو قلنا : امَّا أن يكون الضرب واحداً أو متعدداً .

وثانياً : انَّ ما ذكروه انَّما يتم فيما لو كانت القضية المنفصلة مركبة من جزئين وامَّا اذا جاز تركبها من ثلاثة أجزاء فلا يتم ما ذكروه الا أن يفرض

ذلك بين كل جزء وباقي الأجزاء وحينئذ فتكون منفصلة ذات جزئين .

وثالثاً : انهم إن أرادوا بمنع الجمع في مانعة الجمع عدم الاجتماع في الوجود فيلزم أن لا يكون منع الجمع بين الواحد والكثير لأن الواحد جزء الكثير وجزء الشيء يجامعه في الوجود مع انهم قد صرحوا بمنع الجمع بينهما وإن أرادوا بمنع الجمع عدم الاجتماع في الصدق على ذات واحدة فيلزم أن يكون بين كل قضيتين منع الجمع لاستحالة أن تصدق قضية على ما صدقت عليه الاخرى لاختلاف واقعهما . - وجوابه - ان المراد هو الأول أعني عدم الاجتماع في التحقق والوجود وامَّا ما ذكره الخصم من لزوم عدم وجود مانعة الجمع بين الواحد والكثير مع تصريحهم بوجودها بينهما فالمراد ان بين قضية هذا واحد وقضية هذا كثير مانعة الجمع إذ لا يمكن أن يجتمعا في الوجود والتحقق لأن اجتماع القلة والكثرة من جهة واحدة مستحيل .

تقسيم الشرطية الى المحصورة والمهملة

(ذهبوا الى انَّ الشرطية إن بيَّن انَّ الحكم فيها على جميع تقادير المقديَّم وأوضاعه فكلية أو على بعضها المعيَّن فشخصية أو على بعضها الغير المعيَّن فجزئية وإن سكت عن بيان الكلية والبعضية فمهملة فالتقادير والأوضاع في الشرطية مطلقاً بمنزلة الأفراد في الحملية ) . ويرد عليهم خمسة ايرادات .

أولاً : ان الطبيعية قد جعلوها قسماً خامساً في الحملية فلماذا لم يصنعوا ذلك في الشرطية مع انَّ مثل قولنا : اذا كان الحيوان جنساً فله أنواع کان الحكم فيها على طبيعة الحيوان نظير قولنا : الحيوان له أنواع . وقد اشتهر الجواب عن هذا الاشكال بما توضيحه منا بأن التقادير في الشرطية بمنزلة

الأفراد في القضية الحملية فالطبيعية من الشرطية انما تتصور فيما كان الحكم بالاتصال أو الانفصال بين طبيعة نسبة المقدَّم وبين التالي من دون ملاحظة تقادير المقدَّم وإلا متى ما لو حظت صارت الشرطية محصورة أو شخصية أو مهملة وخرجت عن كونها طبيعية واذا كان الأمر كذلك فنقول : انَّ الاتصال أو الانفصال لا يكون بدون ملاحظة تقادير المقدَّم واعتبارها لأن الشرطية هي ما حكم فيها بثبوت نسبة على تقدير أخرى أو بعدم ثبوتها على تقدير اخرى . ويمكن أن يقال عليه بأنا لا نسلِّم ذلك وندعي انَّ الشرطية قد يحكم فيها بالاتصال بين طبيعتي النسبتين أو الانفصال بينهما خصوصاً المنفصلة فانَّهم عرَّفوها بالتنافي بين النسبتين من دون ذكر التقدير فيها .

وثانياً : انَّهم لم يقسموا الشرطية الى معدولة ومحصلة مع انَّ حرف السلب قد يكون جزءً من المقدَّم أو التالي كما في قولنا : كلما لم تكن الشمس طالعة كان الليل موجوداً فانَّ النسبة الأولى سلبية والسلبية يكون حرف السلب جزءً منها . وهكذا لم يقسموها الى الخارجية والحقيقية والذهنية مع انَّه من الجائز أن يكون الحكم فيها على تقادير المقدَّم المحققة في الخارج فتكون خارجية أو يكون الحكم فيها على تقادير المقدم المحققة والمقدَّرة فتكون حقيقية أو يكون الحكم فيها على تقادير المقدَّم الذهنية فتكون ذهنية كقولنا : كلما حصل الشكل الأول أنتج المطلوب . ويمكن أن يجاب عنه بأن التقاسيم المذكورة انَّما كانت للحملية باعتبار اشتراطهم وجود الموضوع في موجبتها واختلاف أحوالها صدقا وكذباً وعموماً وخصوصاً بذلك بخلاف الشرطية فانَّه لا يعتبر في موجبتها ولا سالبتها وجود المقدَّم فانَّها تصدق مع عدم المقدَّم كقولنا : اذا كان شريك الباري موجوداً كان

العالم فاسداً .

وثالثاً : انَّه يجب في اللزومية والعنادية أن يخصص التقادير للمقدم بالممكنة تحققها أو مجامعتها للمقدم لا مطلق التقادير إذ من التقادير في المتصلة ما لا يلزم معها التالي للمقدَّم كتقدير عدم التالي أو عدم لزوم التالي للمقدَّم فلا تصدق حينئذ الكلية أصلاً لأنه اذا فرض المقدم مع هذين التقديرين لا يكون التالي لازماً له وهكذا من التقادير في المنفصلة ما لا يعاند معها التالي المقدَّم إذ منها تقدير اجتماع الطرفين وارتفاعهما فلا تصدق الكلية أصلاً لأنه اذا فرض انَّ المقدم يجتمع مع التالي لا يكون التالي معاندا له بل بعضهم اعتبر امكان التقادير للمقدم لا امكانها في نفسها لكونها في بعض الصور تكون ممتنعة في نفسها ولكنها ممكنة باعتبار الاجتماع مع المقدم كما في قولك : كلما كان زيد حماراً كان جسماً فانَّ من تقادير المقدَّم كون زيد ناهقاً وهو ممتنع في نفسه إلا انَّه ممكن اجتماعه مع المقدَّم فانَّه اذا فرض زید حماراً كان ناهقاً . وامَّا الاتفاقية فيجب أن يخصص التقادير الكائنة بحسب نفس الأمر إذ لو عممناها للممكنة لزم أن لا تصدق كلية اتفاقية أصلاً لأنه ليس بين طرفيها علاقة توجب الملازمة بين المقدَّم والتالي فيمكن أن يجتمع عدم التالي مع المقدَّم وإلا كان بينهما ملازمة فعلى بعض التقادير الممكنة للمقدم يصدق عدم التالي وقد تقدم في جواب الايراد التاسع على تقسيم المحصورة الحملية الى الحقيقية والخارجية والذهنية ما ينفعك هنا.

ورابعاً : انَّ حصر الشرطية واهمالها وشخصيتها انَّما هو باعتبار كلية موضوع المقدم والتالي واهماله وشخصيته فمثل ان كان كل انسان حيوان فکل كاتب حيوان تكون كلية ومثل كلما كان زيد يكتب فهو يحرِّك يده

شخصية لا بعموم التقادير وخصوصها واهمالها .-وجوابه - انَّ كلية القضية وعدمها باعتبار كلية الحكم وعدمه ولذا كانت الكلية في الحمليات باعتبار كلية الحمل وعدمه وهكذا هنا لما كان الحكم فيها بالاتصال والانفصال كان الكلية فيها باعتبار كلية الاتصال والانفصال فمثل : ( كلما كان زيد يكتب فهو يحرك يده ) تكون كلية لعموم الاتصال فيها لجميع التقادير . وخامساً : انَّه يوجد التلازم الجزئي بين كل أمرين حتى بين النقيضين والبرهان على ذلك من الشكل الثالث أن يقال كلما تحقق مجموع هذين الأمزين تحقق أحدهما وكلما تحقق مجموعهما تحقق الآخر ينتج من الشكل الثالث انَّه قد يكون اذا تحقق أحدهما تحقق الآخر وعليه فلا تصدق المحصورة السالبة اللزومية الكلية لثبوت اللزوم الجزئي بين كل أمرين ولا المحصورة الموجبة الكلية المنفصلة لثبوت اللزوم الجزئي بين كل أمرين . - وجوابه - ان هذا البرهان قد ذكرناه في المغالطة العشرين مع الجواب عنه فراجعه .

طرفا الشرطية

(قالوا : انَّ طرفا الشرطية في الأصل قضيتان حمليتان أو متصلتان أو منفصلتان أو مختلفتان ) . ويرد عليهم : بالشرطية المركبة من حملية وانشائية كقولنا : إن جاءك زيد فاكرمه . ويمكن أن يجاب عنه : بأن هذه ليست بشرطية عند المنطقيين وإنما هي قضية انشائية مقيَّدة بظرف المجيء نظير قولنا : اكرم زيداً عند مجيئه .

صدق الشرطية وكذبها

(قالوا : انَّ صدق الشرطية وكذبها دائر مدار مطابقة الحكم بالاتصال والانفصال لنفس الأمر لا بصدق جزئيها ولذا كانت المتصلة الموجبة اللزومية

الصادقة تتركّب من صادقين كقولنا : إن كان زيد انسانا فهو حيوان وكاذبين كقولنا : إن كان زيد حجراً فهو جماد ومن مجهولي الصدق والكذب كقولنا : إن كان زيد يكتب فهو متحرك ومن مقدم كاذب وتالي صادق دون العكس كقولنا : ان كان زيد حماراً فهو حيوان لاستحالة ان يستلزم الكاذب للصادق وإلا لزم انفكاك المتلازمين وامَّا الكاذبة منها فتتركب من كاذبين كقولنا : إن كان زيد حماراً فهو جماد ومن مقدم كاذب وتالي صادق كقولنا : ان كان شريك الباري موجوداً فزيد انسان وبالعكس إن كان زيد انسانا فشريك الباري موجود ومن صادقين : إن كانت الشمس طالعة فزيد انسان وامَّا الاتفاقية فصدقها عن كاذبين محال وكذبها عن صادقين محال . وامَّا المنفصلة الحقيقية فتتركب من صادق وكاذب وكاذبتها تتركب من صادقين وكاذبين ومانعة الجمع الصادقة تتركب من كاذبين ومن صادق وكاذب وكاذبتها تتركب من صادقين فقط ومانعة الخلو الصادقة تتركب من صادقين وصادق وكاذب وكاذبتها تتركب من كاذبين فقط . والسالبة الصادقة في الجميع تتركب مما تكذب فيه الموجبة والسالبة الكاذبة تتركب مما تصدق فيه الموجبة لأنه مع ارتفاع الايجاب يصدق السلب ومع ارتفاع السلب يصدق الايجاب لاستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما معاً ) . ويرد عليهم ستة ايرادات .

أولاً : انَّ أدوات الشرط والجزاء اخرجت المقدَّم والتالي عن كونهما قضيتين فضلاً عن الصدق والكذب فهما ليسا فيهما صدقا وكذباً . وجوابه - انَّ مرادهم بالصدق والكذب هو تحققهما وعدم تحققهما أو مرادهم بعد التحليل واعتبار الحكم فيهما .

وثانياً : انَّ كل موجبة تنعكس موجبة والمتصلة الموجبة الصادقة اذا

كانت مركّبة من مقدَّم كاذب وتالي صادق فهي تنعكس الى متصلة موجبة مركّبة من مقدم صادق وتالي كاذب فكيف منعوا من تركب المتصلة الموجبة الصادقة من مقدَّم صادق وتالي كاذب . - وجوابه - انَّهم إنما منعوا منتركب المتصلة الموجبة الكلية من ذلك لا الجزئية والصادقة في العكس هي الجزئية لا الكلية .

وثالثاً : انَّ قولهم انَّ الاتفاقية المركّبة عن صادقين كذبها محال لا وجه له لأن الاتفاقية يجوز أن تتركّب من صادقين مع انَّها كاذبة إذ شرط صدقها عدم وجود علاقة بينهما تقتضي الملازمة فمع وجودها بينهما تصدق اللزومية بينهما وتكذب الاتفاقية بينهما . إلا اللهم أن يقال : انَّ المعتبر في الاتفاقية هو مجرد الحكم باتفاق الطرفين في الصدق أعم من أن يكون العلاقة أم لا .

ورابعاً : انَّ قولهم الاتفاقية المركّبة من كاذبين صدقها محال لا وجه له لأنها إنما يحكم فيها بصدق التالي على تقدير صدق المقدم بمجرد الاتفاق ولا شك انَّ الحكم بالصدق على تقدير صدق المقدم بمجرد الاتفاق لا يستلزم الصدق في نفس الأمر فيجوز أن يكونا كاذبين . وجوابه - انَّ الاتفاقية قد أخذ في معناها اتفاقهما في الوجود والتحقق في نفس الأمر على انَّ هذا الحكم لا يصح مع عدم وجود العلاقة بينهما إذ من أين يحرز ذلك .

وخامسا : انَّ المنفصلة تتركّب من الأقسام الأربعة المذكورة في المتصلة فلماذا اعتبروها في المتصلة دون المنفصلة . - وجوابه - انَّ المنفصلة لما كان المقدم فيها غير ممتاز عن التالي بالطبع اعتبروا القسمين فيها وهو المقدم الصادق والتالي الكاذب أو بالعكس قسماً واحداً .

وسادساً : انَّ مجهولي الصدق والكذب يرجعان الى الأقسام الباقية

فلا وجه لعدِّهما في مقابلها . - وجوابه - انَّ المراد بالأقسام المقابلة له هي المعلومة الصدق والكذب .

التناقض

(عرَّفوه بأنه : اختلاف القضيتين بحيث يلزم لذاته من صدق أحدهما كذب الآخر وبالعكس ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : انه لا يشمل تناقض المفردات كالانسان واللا انسان . ودعوى انَّ المقصود لهم من التناقض منحصر بتناقض القضايا لأن هذا البحث إنما يذكر من باب المقدمة لبيان قياس الخلف الذي هو العمدة في اثبات العكوس وانتاج الأقيسة وذلك لم يكن موقوفاً إلا على التناقض بين القضايا فلا حاجة لتعميم التعريف لتناقض المفردات . فاسدة لأن الحاجة الى معرفة تناقض المفردات لا تكاد تخفى التوقف عكس النقيض والقضية المعدولة والنسب بين النقيضين عليه . كيف ؟ والمنطق وضع مقدمة للمباحث العقلية وهي موقوفة على معرفة تناقض المفردات لابتناء أكثر مباحثها عليه . - وجوابه- انَّ التحقيق انَّ التناقض لا يكون بين المفردات لأن مفاهيمها مع رفعها ممكنة التحقق في ذاتها فان الانسان مع اللا إنسان متحققان في الخارج لصدق اللا انسان على الفرس وهذا بخلاف القضايا فانها لا يمكن تحققها مع نقاضها أصلاً . إن قلت : انَّ المفردات مع رفعها لا يمكن صدقها على موضوع واحد فاذا لوحظت بالنسبة الى موضوع واحد فهي لا تجتمع صدقاً ولا كذباً فيكون رفعها تفيضاً لها باعتبار صدقها على موضوع واحد ونسبتها له وبهذا الاعتبار اهملها القوم لرجوعها الى تناقض القضايا لأن صدق المفرد على الموضوع

عبارة عن قضية موجبة وصدق رفعه عبارة عن قضية سالبة . قلنا : انَّ تناقض القضايا باعتبار النسب وتناقض المفردات باعتبار مفاهيمها فانَّ اللا نسان رفع لمفهوم الانسان بخلاف قولنا : الفرس ليس بانسان فانه رفع النسبة الانسانية

فبينهما تغاير بحسب الذات فلا يرجع احدهما الى الآخر . ثم انَّ صدق رفع المفرد على شيء يرجع الى موجبة معدولة لا الى سالبة محصلة ومن المعلوم ان الموجبة المعدولة لا تناقض الموجبة المحصلة لاجتماعهما في الكذب عند ارتفاع الموضوع هذا مضافاً الى انَّ التحقيق انَّ الممتنعات يرتفع عنها المفردات المتناقضة بدعوى انَّ مثل شريك الباري يرتفع عنه الانسان واللا انسان إذ يصدق عليه انه ليس بانسان وليس بلا انسان وهكذا الماهية في مرتبة ذاتها يرتفع عنها المفردات المتناقضة وقد تقدم في الايراد على استدلالهم على النسب بين النقيضين ما ينفعك.

وثانياً : انَّ القضايا المسورَّة بمراتب الأعداد جزئية للحكم فيها على بعض الأفراد وهي قد تجتمع في الكذب مع السوالب الكلية ألا ترى انه يكذب قولنا : خمسة رجال عندي ولا شيء من الرجال عندي فيما لو كان عنده رجلان . - وجوابه - ما تقدم سابقاً منا في مبحث السور من انَّ القضايا المسوَّرة بالعدد مهملات نعم الايراد يتحكم على مثل التفتازاني ممن صرح بأن مثل واحد واثنين وثلاثة سور للجزئية .

وثالثاً : انَّ المراد ( لذاته ) هو ذات الاختلاف ولا شك انَّ كل اختلاف فذاته وشخصه يقتضي ما ذكر . - وجوابه - انَّ المراد بالذات هو الصورة مع قطع النظر عن المادة .

شروط التناقض

(قالوا : ولابد فيه من اختلاف القضيتين في الكيف والكم والجهة ) . ويرد عليهم ستة ايرادات ·

أولاً : انَّ المركبة الكلية سواء كانت موجبة أو سالبة قد جعلوا نقيضها قضية منفصلة مانعة الخلو موجبة فيلزم على تقدير كون المركبة موجبة ان يكون نقيضها موجبة أيضاً ويتحد النقيضان في الكيف . وهكذا المركبة الجزئية فانَّهم جعلوا نقيضها موجبة حملية مرددة المحمول سواء كانت موجبة أو سالبة ولازم ذلك اتحاد النقيضين بالايجاب . ودعوى انَّهما لازما النقيض لا انَّهما نقيضان صريحان . مردودة بتصريحهم بأنها نقائض كيف ؟ وتعريف التناقض صادق عليهما لأن الاختلاف المذكور في تعريفه لم يقيِّد بكونه اختلافاً في الكيف . ودعوى انَّ هذه شروط مختصة بالبسائط دون المركّبات فاسدة . لأنهم عللوا كون المركبة الجزئية نقيضها كلية باعتبار اشتراط الاختلاف في الكم في التناقض .

وثانياً : انَّ شرط الاختلاف في الكم لا يجيء في مثل الشخصيات فانَّ التناقض ثابت بينها مع عدم اختلافها في الكم فانَّ قولنا : زيد حي وزيد ليس بحي متناقض مع عدم الاختلاف في الكم وأيضاً ذكروا انَّ المهملة تناقض الكلية مع عدم اختلافها معها في الكم . - وجوابه - انَّ الشخصية غير معتبرة في العلوم عندهم فلم تكن مقصودة بالبحث . والمهملة ترجع للجزئية . أو يقال انَّه شرط تقديري بمعنى انَّ التناقض على تقدير وجوده في المحصورات فلابد من اختلاف المتناقضين في الكم .

وثالثاً : انَّ الشرطيات تكون نقائضها متحدة معها في الجهة فانَّ اللزومية نقيضها لزومية والعنادية نقيضها عنادية والاتفاقية نقيضها اتفاقية وهكذا المنفصلة الحقيقية ومانعة الجمع والخلو فجهة النسبة بين النقيضين واحدة وإنما يختلف النقيضان فيها في الكم والكيف فقط فلذا قالوا : نقيض العنادية عنادية مثلها غاية الأمر ان احدهما موجبة والاخرى سالبة وأحدهما كلية والاخرى جزئية وعلى هذا فقس البواقي . إلا اللهم أن يقال : انَّهم لا يرون العناد واللزوم والاتفاق جهات للشرطية ولكنا قد أثبتنا انَّها جهات لها .

ورابعاً : انَّه قد تقرر في محله انَّ نقيض المركبة الكلية كلية فقد اتحد النقيضان في الكم مع صدق تعريف التناقض عليهما

وخامساً : انَّ المطلقة الوقتية هي التي حكم فيها بفعلية النسبة في وقت معين كقولنا : زيد كاتب صباح الجمعة وهي غير الوقتية المطلقة فائها التي حكم فيها بضرورة النسبة في وقت معين وهي قضية موجهة حتى لو قلنا بأن الاطلاق ليس من الجهات لأن الاطلاق في وقت معين أمر زائد على فعلية النسبة إذ كون النسبة حاصلة في وقت معين غير فعليتها فيكون كيفية من كيفياتها وإلا لم يكن الدوام من الجهات إذ لا معنى له إلا حصول النسبة في سائر الأوقات فلو كان هذا كيفية فكون النسبة في وقت معين أيضا كيفية وجهة للقضية . إذا عرفت هذا فنقول في تحرير الأيراد : انَّ المطلقة الوقتية نقيضها مطلقة وقتية مثلها فقولنا : كل انسان كاتب صباح الجمعة يناقضه بعض الانسان ليس بكاتب صباح الجمعة إذ الثبوت في وقت معين يناقضه السلب في ذلك الوقت المعيَّن كما انَّ الثبوت لشخص معين يناقضه السلب عن شخص معين وحينئذ فيلزم أن يتحد النقيضان في الجهة . - وجوابه -

انَّ الجهة فيما ذكر هو نفس الاطلاق وامَّا كونه في زمان معيَّن فهو مما لا بد من اتحاد المتناقضين فيه للزوم وحدة الزمان في التناقض وحينئذ فان كان كل منهما جهتها الاطلاق لم يكن بينهما تناقض لامكان تحقق النسبة وسلبها في زمان واحد . نعم لو كان الزمان آنا واحدا فلا يمكن تحقق الايجاب والسلب فيه لخصوصية المادة وعليه فلابد في التناقض بينهما من جعل أحدهما دائمة في ذلك الوقت . ويرشدك الى ذلك ان الوقتية المطلقة التي يحكم فيها بضرورة النسبة في وقت معين نقيضها الممكنة الوقتية وهي التي يحكم فيها بامكان النسبة في ذلك الوقت.

و سادساً : انَّه لا وجه لاشتراط الاختلاف في الجهة إذ ليس للقضية الموجبة الموجهة نقيض إلا سلبها بجهتها لأن نقيض كل شيء رفعه ولأن مدلول القضية السالبة هو رفع النسبة الايجابية وقطعها وليس فيها حمل ولا ربط ولا نسبة سوى النسبة الايجابية التي هي مدخول حرف السلب وعليه فلا وجه لجعل الجهة لها حتى تختلف مع موجبتها في الجهة ولا وجه لجعل نقيض الضرورية إلا سلبها لا الممكنة . - وجوابه - انَّ السلب وإن كان كما ذكرتم إلا أن هذا القطع وعدم الربط قد اثبتنا انَّه لابد له في الواقع من جهة الجهات كما انَّ عدم شريك الباري موصوف بالوجوب وعدم زيد موصوف بالامكان.

عدم التناقض بين الجزئيتين

( قالوا : ان بين الجزئيتين لا تناقض وإن اجتمعت فيهما الوحدات الثمانية لاجتماعهما في الصدق كقولنا : بعض الحيوان انسان وبعضه ليس بانسان وإنما نقيض الجزئية هو الكلية ) . ويرد عليهم ايرادان .

أولاً : انُّ الجزئيتين المذكورتين إنما صدقتا لاختلاف الموضوع وعدم وحدته فانَّ البعض الذي حكم عليه بالانسانية غير البعض الذي حكم عليه بعدمها ولو كان واحداً لما صدقا معاً بل كان يلزم من صدق أحدهما كذب الاخرى . - والجواب - انَّ الأحكام الثابتة للقضايا إنما تثبت لها باعتبار مفاهيمها دون مصاديقها الخارجية وفيما نحن فيه كان مفهوم الموضوع فيهما واحد وهو بعض الحيوان وإن اختلف بحسب المصداق لأن المصداق أمر خارج عن القضية وسيجيء إنشاء الله مزيد تحقيق فيه في مبحث الوحدات المعتبرة في التناقض .

وثانياً : انَّ الجزئيتين إنما صدقتا لاختلاف الشرط وعدم اتحاده فانَّ شرط بعض الحيوان انساناً كونه ناطقاً وشرط بعض الحيوان ليس بانسان كونه ليس بناطق فالحق انَّ الجزئيتين المختلفتين بالكيف والجهة مع وجود الوحدات المعتبرة في التناقض يكون بينهما تناقض إذ يلزم من صدق كل منهما كذب الأخرى وإنما كانت الكلية نقيضاً للجزئية باعتبار اشتمالها على الجزئية المناقضة لتلك الجزئية . كيف ؟ والجزئيتان الجامعتان لوحدات التناقض بمنزلة الشخصيتين لأن الحكم فيهما يكون على عين المحكوم عليه في الاخرى وسيجيء إنشاء الله مزيد تحقيق في مبحث وحدات التناقض .

وحدات التناقض وشروطه

(ذهب قدماء المنطقيين الى اعتبار اتحاد القضيتين المتناقضتين بثماني وحدات . وذهب متأخروهم الى الاكتفاء بوحدتين وحدة الموضوع ووحدة المحمول بدعوى انَّ وحدة الشرط ووحدة الكل والجزء مندرجة تحت وحدة الموضوع لاختلافه باختلافها وانَّ وحدة المكان ووحدة الزمان ووحدة الاضافة

ووحدة القوة والفعل مندرجة تحت وحدة المحمول لاختلافه باختلافها وذهب متأخري متأخريهم الى الاكتفاء بوحدة النسبة الحكمية حتى يكون السَّلب وارداً على ما ورد عليه الايجاب لأنه متى اختلفت تلك الامور الثمانية اختلفت النسبة ) . والايراد عليهم يقع في مقامين الأول في الوحدات المذكورة والثاني في ارجاعها لما ذكر امَّا المقام الأول فالذي يرد عليهم أحد عشر ايراداً .

أولاً : انَّ التناقض ثابت بين مثل قولنا : الزمان موجود وبين قولنا : الزمان ليس بموجود مع انَّهما ليسا بمتحدين في الزمان والمكان إذ ليس للزمان زمان وليس له مكان حتى يتحد القضيتان فيهما وكذا بين قولنا : زيد جسم وبين قولنا : زيد ليس بجسم فانَّ الجسمية ثابتة لزيد مطلقاً من دون شرط الى غير ذلك من الأمثلة فكيف يشترطون تحقق الوحدات الثمانية في المتناقضين . - وجوابه - انَّ مرادهم متى أمكن اعتبار وحدة من الوحدات الثمانية المذكورة وجب اعتبارها فيهما وإلا فلا .

وثانياً : انَّ هنا وحدات أخر كوحدة الفاعل والمفعول به والآلة والمميز والحال إذ لا تناقض بين قولنا : زيد مضروب أي لخالد وليس بمضروب أي لبكر وزيد ضارب أي للبقرة وليس بضارب أي للكلب وزيد ضارب أي بالسوط وزيد ليس بضارب أي بالبندقية وزيد ضارب أي قائماً وزيد ليس بضارب أي جالساً . ودعوى انَّ هذا یرجع الی عدم الاتحاد في المحمول فوحدة المحمول تغنى عنه . فاسدة لأن المراد بوحدة المحمول هو وحدته مفهوماً في القضيتين المتناقضتين وفيما نحن فيه كان مفهوم المحمول واحداً فيهما مضافاً الى انَّ وحدة المحمول لو كانت تغني عن ذلك لاستغنى بها عن ذكر الوحدات الآخر الراجعة اليها . ودعوى انها راجعة لوحدة الشرط إذ

المراد بالشرط هو القيد المعتبر في الحكم . فاسدة لأنه على هذا يقتضي استغنائهم بها عن وحدة المكان والزمان لأنهما قيدان اعتبرا في الحكم . والأولى أن يلحق بها وحدة أخرى نسميها بوحدة المتعلق .

وثالثاً : انَّ هنا وحدة أخرى لابد من اعتبارها في القضيتين المتناقضتين وهي وحدة الحمل بأن يكون الحمل في القضيتين المتناقضتين من نوع واحد إما شايعاً أو أولياً ولهذا لا تناقض بين قولنا : الجزئي جزئي بالحمل الأولي وبين قولنا : الجزئي ليس بجزئي بالحمل الشايع وعدم العدم المطلق ليس بعدم بالحمل الأولي لأنه رفع للعدم وهو عدم بالحمل الشايع لأنه من أفراد مطلق العدم وهكذا اللا متصور واللا مفهوم واللا ثابت في الذهن واللا ممكن العام واللا شيء فانَّها تصدق عليها عناوينها بالحمل الأولي وتصدق نقائضها عليها بالحمل الشايع وهو المتصوُّر والمفهوم والثابت والممكن والشيء كما انَّ صدق النقيضين قد يكون باعتبارين أحدهما باعتبار حمل المواطاة والآخر باعتبار حمل الاشتقاق على شيء ثالث كما يقال لزيد انَّه موجود وانَّه لا وجود . - وجوابه - انَّ كلامهم في القضايا المتعارفة وهي التي يكون الحمل فيها شائعاً .

ورابعاً : انَّ هنا وحدة اخرى لابد من اعتبارها في القضيتين المتناقضتين وهي وحدة نوع القضية بأن يكون القضيتان المتناقضتان ذهنيتين أو غيرهما فلو كانت احدهما ذهنية والأخرى خارجية لم يقع التناقض بينهما كما لو قلت : زيد أعمى في الخارج وزيد ليس بأعمى في الذهن لم يكن بينهما تناقض وقد ذكروا في تناقض الشرطيات لزوم الاتحاد في نوع القضية من لزومها وعنادها واتفاقها حتى انَّ الاتفاقية لا تكون نقيضاً للزومية عندهم . وهكذا

ذكروا فيه وحدة جنس القضية من الاتصال والانفصال حتى انَّ المنفصلة عندهم لا تكون نقيضاً للمتصلة .

و خامساً : انَّ وحدة الجزء والكل ليست بلازمة مطلقاً فانَّ الايجاب اذا كان ثابتاً للكل فالسَّلب يناقضه وإن كان عن الجزء فانَّ قولنا : الثلج أبيض أي ( كله ( يناقضه الثلج ليس بأبيض أي ) بعضه ) لأن الثبوت للكل ينافيه السَّلب عن البعض . وهكذا اذا اتحد السلب والايجاب في الحكم على الجزء ولكن اختلفا مصداقاً لا يكون بينهما تناقض مع وحدة الجزء والكل كقولنا : الزنجي أسود أي (بعضه) وليس بأسود أي (بعضه الآخر ) . وهكذا وحدة الشرط ليست بلازمة مطلقاً فانَّ الحكم اذا كان ثابتا للموضوع بشرط يناقضه سلبه عن الموضوع مطلقاً فانك إذا قلت : الجسم مفرق للبصر أي ( بشرط كونه أبيضاً ) يناقضه الجسم ليس بمفرق للبصر أي ) مطلقاً ) . ويمكن الجواب عنه بأنه في هذه الصورة كانت وحدة الجزء والشرط ثابتة لأنه اذا حكم بالايجاب على الكل فقد حكم على أجزائه فتكون الأجزاء محكومة بالايجاب والسَّلب وهكذا اذا حكم على الموضوع مطلقاً فقد حكم عليه حال التلبس بالشرط فتكون القضية المحكومة عليها كلاً مناقضة للمحكوم عليها جزءاً بواسطة اشتمالها على ذلك الجزء وهكذا المطلقة بالنسبة الى المشتملة على الشرط وامَّا اذا اتحدا في الجزء واختلفا في المصداق فلأن عدم التناقض من جهة اختلاف الموضوع أو الشرط كما قلنا في الجزئيتين.

و سادساً : انَّ وحدة القوة والفعل عبارة عن وحدة الجهة لأن القوة هي الامكان والتهيؤ . والفعل هو الاطلاق العام وحينئذ فاعتبار الوحدة فيهما ينافي اعتبار الاختلاف في الجهة في التناقض . - وجوابه - ان المراد

بالقوة ليس ما ذكر وإنما المراد بها عدم الحصول في زمان الحال مع التهيؤ لحصوله . والمراد بالفعل هو الحصول في الحال الحاضر فهما قيدان للمحمول بخلاف الامكان والاطلاق فانهما قيدان للنسبة .

وسابعاً : ان وحدة الزمان مستلزمة لوحدة المكان ضرورة امتناع أن يكون الشيء في زمان واحد في مكانين . - وجوابه - انَّه لا يلزم ذلك إذ يجوز مع وحدة الزمان اختلافهما في المكان كقولنا زيد قائم الآن في السوق وليس بقائم الآن في البيت . ومنه يظهر الجواب عما قيل : بأن وحدة الزمان والمكان تستلزم وحدة القوة والفعل بدعوى انه مع وحدتهما يكون المحمول في الواقع اما ثابتاً بالفعل أو بالقوة .

وثامناً : انَّ نقيض القضية رفعها وذلك بايراد كلمة السَّلب على لفظها قصداً الى سلب معناها فلا حاجة في تحقق التناقض بين الشيء ورفعه الى اعتبار شيء من تلك الشروط . - وجوابه - انَّ الرفع قد يكون له مفهوم قضية محصَّلة عند العقل من القضايا المعتبرة فأرادوا تعيين ذلك المفهوم المحصل لينتفع به في العكوس والأقيسة .

و تاسعاً : انَّ هذه الوحدات في الحملية دون الشرطية فانَّها يشترط فيها وحدة المقدم والتالي إذ مع اختلافهما لا تناقض فكان عليهم أن يعبروا بما يشملهما :

وعاشرا : انَّ اعتبار الاتحاد في الموضوع ينافي اعتبار الاختلاف في الكم فانَّه مع الاختلاف في الكم يختلف الموضوع ضرورة انَّ موضوع الكلية هو جميع الأفراد وموضوع الجزئية هو بعضها . - وجوابه - انَّ الكم هو سور الموضوع والموضوع هو نفس مدخوله فلا منافاة .

وحادي عشر : انَّ الطبيعة تكون محلاً للمتنافيات فيجتمع فيها قضيتان متناقضتان مع وجود الوحدات بأجمعها فيقال : الانسان كاتب والانسان ليس بكاتب . - وجوابه - انَّ كلامهم في المحصورات والقضيتان المذكورتان إن کاتنا من المهملات فالمهملة في قوة الجزئية والجزئيتين لا تناقض بينهما وان كانت من الطبيعيات فلا بحث للمنطقي عنها ولا تشملها أحكام المنطق . وامَّا المقام الثاني فالذي يرد عليهم ايرادات ثلاثة .

أولاً : انَّه لا يصح ارجاع الوحدات المذكورة الى وحدة الموضوع والمحمول لأنهم إن أرادوا بوحدتهما هو وحدتهما مفهوماً فمن المعلوم انَّ وحدتهما مفهوماً لا يلزمها تلك الوحدات المذكورة فانَّ قولنا : ( الجسم مفرق للبصر ) بشرط انَّه أبيض ( والجسم ليس بمفرق للبصر ) بشرط انّه أسود لم يكن الموضوع وهو الجسم فيه مختلفاً مفهوماً لاستعماله في معنى واحد في كليهما لا انَّه استعمل في كل منهما بمعنى غير معنى الآخر وإلا لزم التجوُّز نعم اختلفت مصاديقه وشروطه وهكذا اذا قلنا : ( زيد جالس ) أي في الدار أو یوم الجمعة و ( ليس بجالس) أي في السوق أو يوم السبت لم يكن المحمول وهو جالس مختلفاً مفهوماً لاستعماله في معنى واحد الذي وضع له وهو الجلوس وإلا لزم التجوُّز في أحد الاستعمالين . نعم إنما اختلفت مصاديقه . وهكذا اذا قلنا : ( زيد أب ) أي لعمرو و ( ليس بأب ) أي لخالد فانَّ مفهوم الأب في كليهما واحد . وهكذا ( الخمر مسكر ) أي بالقوَّة و ( ليس بمسكر ) بالفعل فانَّ مفهوم مسكر في كليهما واحد . والحاصل انَّ وحدة الموضوع والمحمول مفهوماً لا تستلزم الوحدات الثمانية . وان أرادوا ان وحدتهما بحسب المصداق يلزمها تلك الوحدات الثمانية المذكورة

فهو صحيح لكن الوحدة بحسب المصداق لا وجه لاعتبارها لما صرحوا به في الجزئيتين من ان النظر في مبحث التناقض الى مفاهيم القضايا لا الى مصاديقها لأن مصداق القضية خارج عن حقيقة القضية وقد تقدم انه يشترط في التناقض

كما هو ظاهر تعريفه أن يستند التنافي لذات القضيتين لا لأمر خارج عنهما .

كيف ؟ ولو كانت الوحدة هي الوحدة بحسب المصداق لكان عدم التناقض بين الجزئيتين يستند لعدم وحدة الموضوع مصداقا لا لاتحادهما في الكم مضافاً الى انه لو كان المعتبر هو الوحدة المصداقية لكان بين القضيتين اللتان موضوعهما متساويان أو عموم مطلق تناقض لوحدة موضوعهما مصداقا وإن اختلفا مفهوماً فيكون مثل : كل انسان ضاحك ، وبعض الناطق ليس بضاحك متناقضين لاتحاد موضوعيهما مصداقاً وهكذا الحال في المحمول . ومن هذا كله يظهر لك عدم وجه ارجاعها لوحدة النسبة فانهم . إن أرادوا بها وحدتها مفهوماً فلا اشكال انَّ النسبة مع اختلاف الشرط أو المكان أو الزمان واحدة مفهوماً فانَّ النسبة المفهومة من قولنا : الانسان ضاحك بشرط التعجب عين النسبة المفهومة من قولنا : الانسان ليس بضاحك بشرط الغضب . وإن أرادوا وحدة النسبة مصداقاً فهي وإن كانت لازمة للوحدات الثمانية لكنك قد عرفت خروج المصداق عن ذات القضية . لا يقال : انَّ النسبة المفهومة من القضية غين مصداقها . لأنا نقول : مضافاً الى مخالفة الوجدان ولعله يرجع الى انقلاب الذهن خارجاً انَّه لو كان الأمر كذلك لما صح جعلهم بعض القضايا أعم من بعض ومن الغريب مع كثرة تفحصي لم أر أحداً تنبه أو لوَّح لهذا الاشكال مع انَّه في غاية الوضوح والجلاء.

وثانياً : انه لا وجه لارجاع الوحدات الى ما ذكر لأن غرضهم من تفصيل

شرائط التناقض هو صون الذهن عن الخطأ في أخذ النقيض ورفع الاشتباه في تعينه فانَّ الانسان معرض للذهول والنسيان فاذا ذكرت الشروط بوجه مجمل كان معرضاً للغفلة عن بعضها ألا ترى انَّه اذا قيل : الخمر مسكر في الدن وليس بمسكر فيه قد يتخيل وحدة النسبة ويغفل عن الاختلاف في القوة والفعل.

وثالثاً : انَّ وحدة النسبة كيف تعتبر مع اشتراط الاختلاف في الكيف فانَّ النسبة الايجابية غير السلبية وهكذا كيف يصح اعتبارها مع اشتراط الاختلاف في الجهة فانَّه مع تعدد الجهة تنعدد النسبة . . - وجوابه - انَّ السلب هو رفع الايجاب فالمراد بالاتحاد هو انَّ النسبة التي كانت في الايجاب بنفسها يرد عليها السَّلب وهكذا يجاب عن الجهة بأن الجهتين تردان على نفس النسبة الواحدة.

نقیض كل شيء رفعه

(الظاهر من كلماتهم انَّ هذا هو الميزان في كون الشيء نقيضاً لشيء آخر حيث جعلوه العلة في كون الممكنة نقيضاً صريحاً للضرورية من جهة انَّ الامكان رفعاً للضرورة . وكون المطلقة العامة نقيضاً ضمنياً للدائمة لكون الاطلاق لازم لرفع الدوام وعلى هذا فيكون هو المميز للنقيض عما عداه ) . ويرد عليهم عشرة ايرادات .

أولاً : انَّه لو كان هذا هو الميزان في النقيض للزم أن يكون بينه وبين تعريف التناقض مساواة في التحقق مع انَّه ليس كذلك فانَّه مقتضى تعريف التناقض انَّ المطلقة نقيض صريح للدائمة لصدقه على الاختلاف بينهما صدقا

حقيقياً مع انَّ قاعدة نقيض كل شيء رفعه تقتضي انها ليست بنقيض لها لكونها ليست برفع لها كما اعترف به نفس المنطقيين وهكذا اغلب النقائض التي ذكروها للقضايا ليست بمفهومها رافعة لها وإنما هي لازمة لرفعها فلا تعمُّها القاعدة المذكورة مع انَّ تعريف التناقض يعمها . إن قلت : انَّ المراد (بالرفع) المذكور في القاعدة أعم من الحقيقي وما يلزمه وحينئذ فتعمها القاعدة كما يعمثها تعريف التناقض • قلنا : مضافاً الى انَّه خلاف ما صرح به نفس به نفس المناطقة

يقتضي أن يكون أحد الضدين نقيضاً للآخر لأنه يستلزم رفعه .

وثانياً : انَّ السالبة الكلية ترفع الموجبة الكلية مع انَّه لا تناقض بينهما وهكذا كل قضية موجبة اذا سلط عليها حرف السلب فانَّها تكون سالبة رافعة للموجبة مع انها ليست في اصطلاحهم نقيضاً لها .

وثالثاً : انَّ سلب السَّلب رفع لنفس السلب مع انَّه ليس بنقيض له لاتفاقهما في الكيف ولأنه يلزم أن يكون للسَّلب نقيضان أحدهما الايجاب والآخر سلب السلب . وقد اشتهر بينهم انَّ لكل شيء نقيضاً واحداً مع انَّه يمكن ارتفاعهما بأن يكون الموضوع غير موجود لأن السلب يصدق باقتفاء الموضوع فلو فرض ان ( زيد) غير موجود فائه يصدق عليه انه ليس بكاتب وليس بلا كاتب . ودعوى انَّ الايجاب عين سلب السَّلب ولذا قيل : نفي النفي اثبات فلا يكون للسلب تقيضان بل نقيض واحد وهو الايجاب. مدفوعة بأنهما مفهومان مختلفان بدليل انَّ مفهوم سلب السَّلب موقوف على تصوُّر نفس السلب لاستحالة تصور مضاف بدون المضاف اليه بخلاف الايجاب فانَّ تصوُّره غير موقوف على تصور السلب . - وجوابه - انَّ

السَّلب لا يمكن رفعه بالسلب فلا يعقل سلب السلب لأن حقيقة السلب هو

عدم الربط بين الموضوع والمحمول فلابد أن يتصور في البين ربط حتى يرفعه السَّلب وقد عرفت ان لا ربط مع السلب حتى يسلط عليه سلب يرفعه وما تخیل من هذا القبيل كله من نوع السالبة المعدولة المحمول . هذا في القضايا كما هو محل الكلام وامَّا المفردات فالأمر أوضح فانَّ العدم انما يرفع وجود الشيء فلا يعقل أن يسلط على نفس العدم لأن الأمر الغير الثابت كيف يزال عن صفحة الوجود إلا اذا فرض عنواناً لأمر له نحو من الثبوت فدائماً يكون النفي فيها رافعاً للوجود لا للسَّلب فظهر انَّه لا يتصور سلب السلب حتى يكون نقيضاً لنفس السلب . ودعوى انَّ السلب ليس بمقصور على الاضافة للوجود فانَّه قد يضاف الى مفهوم السلب ومرجعه رفع العقد السلبي عن الواقع كقولنا : ليس زيد ليس بكاتب . فاسدة فانَّ السلب في القضايا انَّما يسلط على نسبة المحمول للموضوع لا على المجموع من حيث المجموع وإلا كان سلباً للمفرد فاذا كانت القضية سالبة لم يكن ربط حتى يرفع بالسَّلب وامَّا في المفردات فلأن السلب لا يسلط على نفي الثابت إلا اذا فرض له معنى محصَّل .

ورابعاً : انَّ الايجاب نقيض السَّلب مع انَّه ليس رفع للسلب فانَّ مفهوم الايجاب هو الثبوت لا الرفع. -وجوابه- انَّ الرفع الحقيقي لكل شيء بحسبه فرفع السلب الحقيقي هو المفهوم الذي يدل على الثبوت والتحقق فانَّ المفاهيم صور للواقع فكما انَّ الوجود رافع حقيقة بذاته للعدم في عالم الواقع كذلك مفهومه يكون رافعاً له حقيقة حيث يدل على زوال ذلك البطلان المحض وارتفاع تلك الظلمة بنفس دلالته على الثبوت والوجود كيف لا ؟ ومعاندته له بالذات بدون واسطة بخلاف باقي الأشياء فانَّ المعاندة بينهما

بواسطتهما فانَّ المتضادين كان بينهما المعاندة باعتبار اقتضاء كل منهما عدم الآخر دون أن يكون بينهما معاندة بالذات . هذا مع ما عرفت من انَّ السَّلب لا يرفعه السَّلب فلابد أن يرفعه الايجاب وإلا كان لا رافع له ولا نقيض له .

وخامساً : انَّ الموجبة الجزئية رفعها ليس بنقيض لها فان قولنا : بعض الانسان حيوان ليس نقيضه ( ليس بعض الانسان حيوان ) وانما نقيضها السَّالبة الكلية وهذا بخلاف تعريف التناقض فانَّه لا يشمله كما عرفته. إلا اللهم أن يجاب عنه بأن الموضوع مختلف وقد سبق تحقيق ذلك منا .

وسادساً : انَّ المطلقة العامة رفعها ليس بنقيض لها فان قولنا : كل انسان قائم بالفعل لا يناقضه ليس كل انسان قائم بالفعل بخلاف تعريف التناقض فانه لا يشمله.

وسابعاً : انَّه اذا كان نقيض كل شيء رفعه فما الفائدة في تعيين نقيض كل قضية قضية فانَّه نعمد للقضية ونرفعها فيحصل نقيضها . واجيب عنه : بأن الغرض من ذلك هو سهولة أخذ نقائض القضايا ولوازمها المساوية لها ليسهل استعمالها في العكوس والأقيسة والمطالب العلمية .

وثامناً : انَّ رفع النقيضين يكون نقيضاً للنقيضين لأن نقيض كل شيء رفعه ورفع النقيضين محال واستحالة أحد النقيضين يستلزم وجوب الآخر فيكون النقيضان واجبين فيجتمعان لأنه يستحيل عدم وجود الواجب .-وجوابه - انَّ نقيضيهما هو رفعهما وهو أعم من رفع كليهما معاً أو رفع أحدهما وبقاء الآخر لأن رفع المركب يكون برفع كلا جزئيه أو برفع أحدهما فنقيضهما ليس بمحال تحققه وإنما المحال تحقق أحد فرديه وهو ارتفاعهما معاً وامَّا فرده الآخر وهو ارتفاع أحدهما وبقاء الآخر فهو ليس بمحال بل إنما

هو واجب ولذا لم يجز وجودهما معاً .

و تاسعاً : انَّ التناقض من النسب المتكررة بمعنى انَّ الشيء اذا كان ققيضاً لشيء آخر كان ذلك الآخر نقيضاً له أيضاً نظير القرب والبعد عن شيء وهذا التعريف يدل على انَّ الرفع فقط هو النقيض دون المرفوع لأن المرفوع ليس برفع للرفع فلا يكون التناقض من النسب المتكررة . -- وجوابه ما ذكرناه في الجواب عن الايراد الرابع . وما ذكره بعضهم جواباً عنه بأن الرفع أعم من الحقيقي أو اللزومي فيشمل التعريف المرفوع لأنه يلزمه الرفع . ففاسد لأنه ارتكاب لخلاف الظاهر مضافاً الى انه يلزم منه أن تكون لوازم المرفوع أيضاً نقائض ورفع مساويه أو الأعم منه أيضاً نقيضاً له فيتعدد النقيض لشيء واحد فرفع الانسان يكون نقيضه الانسان والضاحك والناطق وهو خلاف الاصطلاح .

وغاشراً : انُّ العدم المطلق يكون نقيضه بمقتضى التعريف المذكور هو عدمه أعني عدم العدم المطلق والتناقض يقتضي المنافاة بينهما مع انَّ عدم العدم المطلق من أفراد العدم المطلق وهكذا الكلام في الجزئي واللا جزئي والمفهوم واللا مفهوم والمتصُّور واللا متصور والموجود واللا موجود فانُّ أحد النقيضين يكون فردا للآخر . وبهذا تنخرم القاعدة القائلة بأن المتناقضين لا يجتمعان حيث انَّهما اجتمعا في الأمثلة المذكورة . - وجوابه - ان المضاف اليه لا يكون فيه شمول للمضاف فان العدم المطلق لا يشمل العدم الذي اضيف اليه وإلا لكان معدوماً ليس بثابت . توضيح ذلك ان عدم العدم المطلق لو كان يشمله العدم المطلق الذي اضيف اليه لكان هذا العدم للعدم المطلق معدوماً لا انه ثابت فلابد ان يراد بالعدم المطلق ما عدى هذا العدم الذي

اضيف اليه . نعم هذا العدم الذي اضيف اليه مندرج تحت عدم مطلق أوسع من هذا المضاف اليه وهو ثابت لا انَّه معدوم لوجود فرده وهو العدم المذكور المضاف للعدم المطلق وهكذا الكلام في باقي المذكورات فانَّ العدم المضاف للمفهوم لا يشمله هذا المفهوم وإلا لما كان المفهوم معدوماً بل كان ثابتاً لثبوت فرده وهو عدم المفهوم . نعم يشمله مفهوم أوسع من هذا المفهوم وهكذا عدم المتصوُّر لا يشمل هذا المتصور وإلا لما كان معدوماً وإنما يشمله متصور أوسع منه وهكذا كل تصوير عدم لما هو أوسع من المذكور وذلك لنقصان القابل والمضاف اليه عن السعة لهذا الفرد . وقد اجيب عن هذا الايراد بعدة أجوبة . منها ما تقدم في مبحث وحدات التناقض في جواب الايراد الثالث في المقام الأول منه من أن شرط التناقض وحدة الحمل وهنا الحمل لم يتحد فانَّ الجزئي يحمل على معناه بالحمل الأولي واللا جزئي بالحمل الشائع وكذا اللا مفهوم يحمل على معناه بالحمل الأولي ويحمل عليه المفهوم بالحمل الشايع ولكن مادة الاشكال فانَّ الفرد لعدم العدم المطلق يحمل عليه هذا الجواب لا یحسم عدم العدم بالحمل الشايع لأنه فرده ويحمل عليه العدم المطلق لأنه من أفراد العدم وهكذا الفرد للا مفهوم كذلك .

نقيض الضرورية الممكنة

( قالوا : انَّ النقيض الصريح للضرورية المطلقة ، الممكنة العامة ) . ويرد علیهم ثلاثة ايرادات

أولاً : انَّ الامكان العام وإن كان نقيضاً صريحاً وحقيقياً للضرورة الذاتية لكن من حيث اعتبار الكمية تكون الممكنة العامة مساوية لنقيض الضرورية فانَّ قيض الموجبة الكلية هو رفعها لأن نقيض كل شيء رفعه

ولیس رفعها عين مفهوم السالبة الجزئية بل هو لازم لها فانَّ ليس كل انسان كاتب لازمه بعض الانسان ليس بكاتب لا انه عينه . وفيه ما لا يخفى فانه مضافاً الى انَّ كلامهم بلحاظ نفس الجهة وانَّ الامكان نفسه نقيض صريح للضرورة بعكس الاطلاق فائه لازم للنقيض الدوام هو انَّ( ليس كل ) سور السالبة الجزئية ويرفع الايجاب الكلي وهكذا السلب الكلي يرفعه الايجاب الجزئي حقيقة لما عرفت من عدم صحة سلب السلب . هذا مع انَّ الاشكال لا يتم في القضايا الشخصية والطبيعية .

وثانياً : انَّ مثل ( زيد موجود) ضرورية مطلقة لأن الوجود يثبت له بالضرورة ما دام موجوداً لأن المحمول يكون ضروري الثبوت للموضوع ما دام الموضوع متصفاً به . وقد عرفوا الضرورية المطلقة بأنها : ما كان الحكم فيها بضرورة النسبة ما دام ذات الموضوع موجودة مع صدق نقيضه وهو زيد ليس بموجود بالامكان فاجتمع النقيضان في الصدق . - وجوابه - ما تقدم من انَّ قضية (زيد موجود) ليست بضرورية مطلقة وإنما هي ضرورية بشرط المحمول.

وثالثاً : انَّ المطلقة العامة نقيض للضرورية المطلقة لأن فعلية أحد الطرفين تنافي ضرورة الطرف الآخر فانَّ تعريف التناقض صادق عليهما . - وجوابه - انَّهما قد يجتمعان في الكذب كما في مادة الدوام فانَّه يكذب قولنا : كل فلك متحرك بالضرورة ويكذب قولنا : بعض الفلك ليس بمتحرك بالفعل .

نقیض المشروطة العامة

( قالوا : انَّ قيض المشروطة العامة الحينية الممكنة وهي التي حكم فيها بامكان النسبة ما دام الوصف ) . ويرد عليهم : انَّه انَّما یتم اذا أخذت

المشروطة العامة بمعنى الضرورة حين الوصف إذ لو أخذت بشرط الوصف لم تكن الحينية الممكنة نقيضاً لها لاجتماعهما في الكذب في مادة لا يكون للوصف دخل في الضرورة كما في قولنا : كل كاتب حيوان بالضرورة بشرط كونه كاتباً فاته كاذب لأن حيوانية الكاتب ليست مشروطة بكتابته وهكذا يكذب نقيضه أعني بعض الكاتب ليس بحيوان بالامكان حين هو كاتب لأن ثبوت الحيوانية للكاتب ضروري مطلقاً . واجتماعهما في الكذب يوجب عدم تناقضهما لما عرفت من ان النقيضين لا يجتمعان في الكذب ولا في الصدق وهذا بخلاف ما اذا أخذت المشروطة العامة بمعنى الضرورة حين الوصف كانت صادقة ولم تجتمع مع تلك الحينية الممكنة في الكذب . وقد اجيب عنه بتقريب منا : بأن الحينية الممكنة أيضاً لها معنيين أحدهما الامكان بشرط الوصف والثاني الامكان حين الوصف وكل منهما نقيض للمشروطة العامة المقابلة له فانَّ المشروطة العامة حين الوصف مقابلها الحينية حين الوصف والمشروطة العامة بشرط الوصف مقابلها الحينية بشرط الوصف لأن الضرورة على تقدير خاص اذا ارتفعت صدق رفعها الذي هو الامكان على ذلك التقدير وإلا لزم ارتفاع النقيضين وهما الضرورة وعدمها على ذلك التقدير . ولا يخفى ما فيه فانَّ ذلك التقدير لو كان ظرفا تم ما ذكر لأنه يكون على طبق الواقع بل هو الواقع المفروض والواقع لا يخلو عن النقيضين واما اذا أخذ ذلك التقدير شرطاً جاز خلو الواقع من النقيضين إذ يجوز أن يكون وجود الشيء وعدمه غير مشروط بذلك التقدير ألا ترى انَّ ناهقية الحمار وعدمها ليست مشروطة بناطقية الانسان . اذا عرفت ذلك ظهر لك انَّ الوصف اذا أخذ شرطاً جاز في متن الواقع انَّه لم يكن شرطاً للضرورة ولا شرطاً لعلمها الذي

هو الامكان ولذا في المثال المتقدم تكذب القضيتان اذا أخذ الوصف فيهما شرطاً كما هو أوضح من أن يخفى . إن قلت : على هذا لم يكن تناقض بين الضرورية المطلقة والممكنة العامة اذا اتحدا في الشرط فانَّه في المثال المذكور

تفرضهما ضرورية مطلقة وممكنة عامة وقد اتحدا في الشرط وهو الكتابة وقد عرفت انَّ شرط التناقض وحدة الشرط . قلت : انَّ وحدة الشرط المعتبرة في التناقض هي شرط الموضوع ولذا ارجعوها لوحدة الموضوع لا شرط جهة القضية وفيما نحن فيه لو كانت الكتابة شرطاً للموضوع وكانت الضرورة والامكان مطلقين لم يجتمعا في الكذب لصدق الضرورية فانَّ الكاتب بشرط کونه كاتباً تثبت له الحيوانية بالضرورة المطلقة .

نقيض الوقتية والمنتشرة المطلقتين

( لقد أهمل جل المنطقيين بيان نقيض الوقتية الذي هو الممكنة الوقتية التي حكم فيها بامكان النسبة في وقت معيبَن وهكذا اهملوا بيان نقيض المنتشرة المطلقة الذي هو الممكنة المنتشرة وهي التي حكم فيها بامكان النسبة في وقت غير معيَّن وعلل ذلك بعضهم بعدم تعلق الغرض بمعرفته فيما سيأتي من مباحث العكوس والأقيسة ).

وقد اشتهر الاشكال عليه بأن الغرض متعلق بذلك فانَّ الوقتيتين تنعكسان الى مطلقة عامة وبيان انعكاسهما موقوف على دليل الخلف ودليل الخلف موقوف على معرفة تقيض كل منهما ومعرفة نقيض كل منهما موقوفة على معرفة نقيض كل جزء منهما لأن نقيض المركبة المفهوم المردد بين نقيضي الجزئين ومعرفة قيض كل جزء منهما موقوفة على معرفة نقيض الوقتية المطلقة

والمنتشرة المطلقة لأنهما الجزء الأول منهما . ولا يخفى ما في هذا الاشكال فانَّ دليل الخلف لا يتوقف على معرفة نقيض الوقتيتين وإنما يتوقف على معرفة نقيض المطلقة العامة لأنه كما سيجيء إن شاء الله انَّه يؤخذ نقيض العكس ويضم الى الأصل لينتج المحال ولكن الحق انَّ الأنسب بنظر الاعتبار أن يجعل السَّبب في إهمالهم لذلك هو ما ذكرناه في مجلس الدرس من انَّ المنطقيين بعد ما ذكروا انَّ نقيض الضرورة الذاتية هو الامكان الذاتي ونقيض الضرورة الوصفية هو الامكان الوصفي فعلم بالمقارنة والمقايسة انَّ نقيض الضرورة الوقتية هو الامكان في ذلك الوقت وان نقيض الضرورة المنتشرة هو الامكان في وقت غير معيَّن.

نقیض الدائمة المطلقة

(زعموا انَّ الدائمة لازم نقيضها المطلقة العامة لأن نقيض الدوام رفعه لأن تقيض كل شيء رفعه ولمَّا لم يكن لرفع الدوام مفهوم محصَّل معتبر من بين القضايا المتعارفة وكان للازمه وهو اطلاق الطرف المقابل مفهوم محصل وهو المطلقة العامة جعلوا قيض الدائمة المطلقة لازم تقيضها وهو المطلقة العامة ) . ويرد عليهم أربعة ايرادات .

أولاً : انَّه يلزم اجتماعهما في الكذب فانَّ المطلقة العامة تكذب في مورد لا يكون الزمان ظرفاً للنسبة كما في قولنا : بعض زمان الوصال طيب فانه لو قيِّدت هذه النسبة بالاطلاق العام كان معنى القضية انَّ زمان الوصال طيب في أحد الأزمنة الثلاثة وهو كاذب قطعاً وإلا لزم أن يكون للزمان زمان وهكذا نقيضها وهي الدائمة المطلقة أيضاً كاذبة وهي لا شيء من زمان الوصال

يطيب دائماً . - وجوابه - ما عرفته في تعريف المطلقة العامة وصدقها في مثل هذه الموارد .

وثانياً : انَّه يلزم اجتماعهما في الصدق في مورد يحمل الوجود أو لوازمه على الموضوع كقولنا : زيد موجود وزيد قابل للكتابة فانَّ الدائمة المطلقة صادقة لأنها ما كان المحمول فيها دائماً ما دام الذات ومن المعلوم انَّ الوجود يكون دائم الثبوت ما دامت ذات زيد موجودة مع صدق نقيضه وهو زيد ليس بموجود بالاطلاق العام . - وجوابه قد تقدم في الكلام على

الدائمة المطلقة .

وثالثاً : انَّ تعريف التناقض المتقدِّم وهو اختلاف القضيتين صادق على سبيل الحقيقة على الاختلاف بين المطلقة العامة والدائمة المطلقة فيكون كل منهما نقيضاً للآخر حقيقة لا لازم للنقيض وإلا لكان التعريف أعم من المعريف .

ورابعاً : ما حكي عن مطالع الأنوار واختاره الشيخ عبدالهادي الهمداني صاحب المنظومة واستاذ والدي (ره) في هذا العلم انَّ رفع دوام الايجاب عين ثبوت السَّلب في الجملة ورفع دوام السلب عين ثبوت الايجاب بالجملة وبالعكس لا انَّه يلازمه عند العقل فانَّ عدم ثبوت النسبة دائماً عبارة عن ثبوت سلبها في الجملة سواء كان دائماً أو غير دائم كما انَّ معنى عدم ثبوتها في الجملة دوام سلبها فدعوى لزوم كل من الأمرين للآخر غير بيِّنة ولا مبينة -وجوابه - مبني على التنبيه على أمرين وهما انَّ المفهوم العدمي غير المعهوم الوجودي ولذا قلنا : انَّ سلب السلب ليس عين الاثبات وإنما هو لازمه وانَّ الكلام في التناقض بحسب الجهة وان نقيض الجهة هو رفعها اذا عرفت ذلك فنقول : انَّ نقيض الدوام هو رفعه وهو مفهوم عدمي فلا يعقل أن يكون

عبارة عن مفهوم وجودي وهو الثبوت في الجملة الذي هو مفهوم الاطلاق وهكذا قيض الاطلاق هو رفعه فلا يعقل أن يكون عبارة عن مفهوم وجودي وهو الدوام وهذا بخلاف الامكان فانَّ مفهومه لمَّا كان عبارة عن عدم الضرورة صار عبارة عن رفع الضرورة .

نقيض المركبة

(ذهبوا الى انَّ النقيض للمركبة الكلية هو منفصلة مانعة خلو موجبة مركبة من نقيضي الجزئين فقولنا : كل انسان كاتب بالفعل لا دائماً نقيضه امَّا بعض الانسان كاتب دائماً واما بعضه كاتب دائماً وانَّ النقيض للمركبة الجزئية هو قضية حملية كلية مردد فيها محمول نقيض الجزئين وتسمى بالحملية المرددة المحمول فقولنا : بعض الانسان كاتب بالفعل لا دائماً نقيضه كل انسان امَّا ليس بكاتب دائماً أو كاتب دائماً ) . ويرد عليهم أحد عشر ايرادا.

أولاً : انَّه لماذا جعل نقيض المركّبة رفع أحد جزئيها دون رفع كليهما معا . - وجوابه - انَّ رفع المركّب ليس يلزمه رفع كلا جزئيه إذ قد يرتفع برفع أحد جزئيه فقط بخلاف رفع أحد الجزئين فانَّه لازم لرفع المركّب حيث انَّ المركّب إن ارتفع بكلا جزئيه فقد ارتفع بأحدهما وإن ارتفع بأحدهما فهو المطلوب فرفع أحد الجزئين لا ينفك عن رفع المركّب ويكون لازماً مساوية له دون رفع كلا الجزئين فانَّه لازم أخص ولما لم يكن لرفع المركبة مفهوم معتبر بين القضايا وكان للازمه المساوي وهو رفع أحد جزئيها لا على التعيين مفهوم معتبر بين القضايا وهو المنفصلة المانعة الخلو أو الحملية المرددة

المحمول جعلوهما نقيضاً للمركّبة .

وثانياً : انَّه برفع أحد الجزئين على التعيين يرتفع المركّب فلماذا خص النقيض برفع أحدهما لا على التعيين . - وجوابه - انَّ رفع احدهما على التعيين أخص من نقيض المركب لا انه مساوي له إذ يجوز أن يكون مرتفعاً بالجزء الآخر فيجتمعان في الكذب فانَّ المركّبة قد تكون كاذبة بالجزء الآخر الذي لم يرفع وجزؤها المرفوع بعينه كان صادقاً فيكون نقيضه كاذباً واجتمع النقيضان على الكذب .

وثالثاً : انَّ المركّب يرتفع برفع جزئيه على سبيل منع الجمع أو الانفصال الحقيقي فلماذا خص رفعه بنحو منع الخلو . - وجوابه - انَّ رفعهما على سبيل الانفصال الحقيقي أو منع الجمع أخص من رفع المركّبة لأن المركبة قد تكون مرتفعة بارتفاع كلا جزئيها وحينئذ فتكون هي كاذبة ومنع الجمع والانفصال الحقيقي بين نقيضي جزئيها أيضاً كاذب لأن شرط صدقهما التنافي في الصدق وقد اجتمع نقيض الجزئين في الصدق لفرض كذب المركّبة بكذب كلا جزئيها.

ورابعاً : انَّ الترديد على سبيل منع الخلو حملية أو منفصلة قد يجتمع في الكذب مع المركّبة فانَّ المنفصلة المانعة الخلو هي ما حكم فيها بالتنافي في الكذب والاجتماع في الصدق وحينئذ ففي المادة التي تكذب المركّبة بكذب أحد جزئيها تكون مانعة الخلو أيضاً كاذبة لعدم اجتماع جزئيها في الصدق . وجوابه - انَّ مرادهم بمانعة الخلو بالمعنى الأعم وهي التي حكم بالتنافي بين جزئيها كذباً أعم من التنافي في الصدق أم لا .

وخامساً : انَّ من شرط التناقض الاختلاف في الكيف والمركّبة جزئية

كانت أو كلية اذا كانت موجبة فنقيضها أيضاً موجبة مانعة الخلو أو حملية مرددة المحمول فلم يختلفا في الكيف ولا مناص لهم في الجواب عن هذا الاشكال إلا بالالتزام بأن صدق النقيض عليها مجاز في اصطلاحهم .

وسادساً : انَّ المنفصلة التي هي نقيض المركبة الكلية يجب أن تكون كلية وإلا لاجتمعتا في الصدق فانَّ قولنا : كل انسان متحرك الاصابع بالامكان الخاص لو كان نقيضه قد يكون امَّا أن يكون بعض الانسان ليس بمتحرك الأصابع بالضرورة وامَّا أن يكون بعض الانسان متحرك الأصابع بالضرورة لاجتمعا في الصدق لأن المنفصلة الجزئية ما كان الحكم فيها بالمنافاة على بعض التقادير الممكنة ولا شك انَّه من الممكن في بعض التقادير ان لا يخلو الواقع عن كون بعض أفراد الانسان متحرك الأصابع بالضرورة أو غير متحرك الأصابع بالضرورة وهو تقدير كونه كاتباً أو تقدير كونه ميِّت الأصابع وهذا بخلاف ما اذا كانت المنفصلة كلية فانَّهما لا يجتمعان في الصدق فوجب كون امنفصلة الکلیة هي النقيض للمركّبة الكلية ويلزمه كون النقيضين لم يختلفا في الكم ولا مناص للجواب عنه إلا بما ذكرناه سابقاً من الالتزام بأنه لازم للنقيض الاصطلاحي.

وسابعاً : انَّ الحملية الجزئية المرددة المحمول على سبيل منع الخلو تصلح لان تكون نقيضاً للمركبة الكلية فقولنا : كل انسان كاتب بالفعل لا دائماً نقيضه بعض الانسان امَّا ليس بكاتب بالدوام أو كاتب دائماً لأنه مع كذب المركبة لابد وأن يثبت أحد نقيض محمولي جزئيها لبعض الافراد وإلا لارتفع النقيضان واذا صلحت الحملية المرددة لنقيض المركّبة الكلية کانت هي الأجدر بجعلها تقيضاً للمركبة الكلية لتتساوى الكلية والجزئية في

النقيض على حدِّ سائر القضايا وإجراء للباب على نسق واحد ولانَّها قضية حملية من جنسها .

و ثامناً : يلزم أن يكون للمنفصلة المانعة الخلو نقيضان أحدهما المركبة الكلية والثاني سلبها وقد اشتهر عندهم بأن النقيض لا يكون إلا واحدا . - وجوابه - انَّ مرادهم انَّ رفعه الحقيقي لا يكون إلا واحدا لاستحالة أن يكون للشيء الواحد رفعان وإلا لكان له وجودان ولكن لا مانع من أن يكون رفعه له عدة لوازم .

وتاسعا : انَّه أي فرق بين المانعة الخلو والحملية المرددة المحمول مع انَّ كل منهما فيها ترديد على سبيل منع الخلو وكل منهما مركّبة من قضيتين بالتحليل . - وجوابه - انَّ الأولى يكون حرف العناد مقدَّم على الموضوع والثانية يكون مؤخراً عنه فاذا قلنا : امَّا أن يكون العدد زوجاً أو فردا كانت منفصلة واذا قلنا : العدد امَّا أن يكون زوجاً أو فرداً كانت حملية ولذا الأولى لا يشترط فيها وجود الموضوع بخلاف الثانية وقد تصدق الثانية بدون الأولى فيما لو كان الحكم ثابتاً لبعض الأفراد دون بعض فلو قلنا : امَّا أن يكون كل عدد زوجاً بالضرورة وامَّا أن يكون كل عدد ليس بزوج بالضرورة منفصلة مانعة خلو كانت كاذبة بخلاف ما اذا قلنا : كل عدد امَّا زوج بالضرورة أو ليس بزوج بالضرورة فاتها صادقة لعدم خلو العدد عن النقيضين.

وعاشرا : انَّ الحملية المرددة المحمول لا تصلح لأن تكون نقيضاً للمركّبة لأنها أخص من نقيضها ويجتمعان في الكذب لأن نقيض المركّبة هو رفعها وهو يصدق مع انتفاء الموضوع بخلاف الحملية المرددة المحمول فأنها لا تصدق مع إنتفائه لكونها كما عرفت موجبة. والموجبة لابد فيها من وجود الموضوع فاذا

قلنا : بعض العنقاء يتكلم بالفعل لا دائما كانت كاذبة لكونها موجبة موضوعها منتف وهكذا نقيضها وهو كل عنقاء امَّا يتكلم دائماً أو لا يتكلم دائماً كاذب لعدم الموضوع بخلاف رفعها فاته صادق لأن السلب يصدق مع اقتفاء الموضوع .

والحاصل : انَّ الحملية لا تصلح نقيضاً للمركّبة بقسميها لاجتماعها معها في الكذب في صورة ارتفاع الموضوع وإنما أوردنا الايراد السابع عليهم من جهة انَّهم خصوا نقيض المركّبة الجزئية بالحملية المرددة دون الكلية . وكيف كان فلابد لنا من أن نلتمس نقيضاً للجزئية المركّبة غير الحملية المرددة المحمول وسيتضح لك انشاء الله في الاشكال الآتي .

وحادي عشر : انَّ المركّبة الجزئية لِمَ لم يجعل نقيضها مانعة خلو كالكلية أجراء للباب على نسق واحد ) وقد اشتهر الجواب عن هذا الاشكال ) بين المتقدمين والمتأخرين بأن المركّبة كلية كانت أو جزئية أو شخصية يكون موضوع الايجاب والسلب فيها واحداً حتى انَّ قولنا : بعض الانسان كاتب بالفعل لا دائماً يكون الحكم بعدم الكتابة على بعض الانسان الذي حكم عليه بالكتابة وبهذا الاعتبار كانت المركّبة الجزئية أخص من الجزئيتين البسيطتين لاحتمال أن يكون موضوع احدى البسيطتين غير موضوع الاخرى كما في قضية : بعض الحيوان انسان بالفعل لا دائماً فانَّه أخص من قضية : بعض الحيوان انسان بالفعل وبعض الحيوان ليس بانسان بالفعل لأنه في الأولى كان البعض المحكوم عليه بالانسانية هو البعض المحكوم عليه بعدمها والذاتي لا يتخلف فكانت كاذبة بخلاف الثانية اعني القضيتين البسيطتين فانَّه يحتمل أن يكون البعض المحكوم عليه بالانسانية غير البعض المحكوم عليه بعدمها ولذا كاننا صادقتين واذا ثبت انَّ البسيطتين الجزئيتين أعم من المركّبة

الجزئية كان نقيضهما أخص من نقيض المركّبة لأن نقيض الأعم أخص من نقيض الأخص . والحاصل : انَّ الجزئيتين البسيطتين وإن كان لازم نقيضهما المانعة الخلو المشتملة على نقيضهما لكنه ليس بلازم لنقيض المركّبة الجزئية بل هو أخص من نقيضها هذا غاية ما يمكن من تقريب جوابهم عن هذا الاشكال . ولكن التحقيق خلافه وانَّ المركّبة الجزئية كالكلية نقيضها مانعة الخلو مركّبة من نقيضي الجزئين من دون فرق بينهما . وبيان ذلك هو انَّ الجزء الثاني في المركّبة الجزئية موضوعه مقيَّد بكونه عين موضوع الجزء الأول فانَّ معنى اللادوام في قولنا : بعض الحيوان انسان بالفعل لا دائماً هو انَّ بعض الحيوان الذي ثبت له الانسانية بالفعل ليس بانسان بالفعل واذا كان موضوع الجزء الثاني مقيداً بالذي ثبت له محمول الجزء الأول إن كان موجباً وبالذي سلب عنه إن كان سالباً فلابد أن يكون موضوع نقيضه مقيَّداً بذلك القيد للزوم اتحاد النقيضين في الموضوع فيكون نقيض اللادوام في تلك القضية هو قولنا : كل حيوان ثبت له الانسان بالفعل انسان دائما وليس نقيضه كل حيوان انسان دائماً وحينئذ فطريق أخذ نقيض المركبة الجزئية عين طريق أخذ نقيض المركّبة الكلية وهو ان تأخذ نقيض الجزء الأول وتركبه مع نقيض الجزء الثاني المقيد موضوعه بعين قيد موضوع اللا دوام و تركب منهما منفصلة مانعة الخلو وتكون لازماً مساوياً لنقيض الجزئية فنقول في نقيض تلك القضية المذكورة : امَّا أن يكون لا شيء من الحيوان بانسان دائماً وامَّا أن يكون كل حيوانٍ ثبت له الانسانية بالفعل انسان دائماً فيكون النقيض صادقاً لا محالة عند كذب الجزئية والذي اوقع القوم في الاشتباه هو عدم تقييدهم موضوع نقيض الجزء الثاني بقيد موضوع اللادوام فاحتاجوا

الى جعل قيضها غير ذلك . كيف ؟ ولو كانت المركّبة الجزئية كاذبة من جهة كذب جزئها الثاني وكانت المانعة الخلو كاذبة لزم اجتماع النقيضين الجزء الثاني من المركّبة ونقيضه في الكذب وهو محال وهكذا الكلام في المركّبة الجزئية السالبة فانَّ نقيض اللا دوام يكون قضية مقيداً موضوعها بالسلب المحمول في الجزء الأول لأن نفس اللا دوام كان موضوعه مقيداً بذلك .إن قلت انَّ الجزء الأول من المركبة الجزئية أيضاً يكون الحكم فيه على عين موضوع الجزء الثاني فلماذا لم تقيده وتقيد نقيضه كما صنعت في موضوع الجزء الثاني . قلنا : مضافاً الى انه لا مانع من التقييد انَّ الجزء الثاني تابع للجزء الأول في الموضوع ولذا يختلف كماً باختلافه دون العكس فيكون الحكم في الجزء الأول من قبيل الوصف لموضوع الجزء الثاني . إن قلت : انَّه يجوز أن يكون فرداً واحداً فقط للموضوع ينسب له المحمول دائماً . وباقي الأفراد يسلب عنها المحمول دائماً ففي هذه المادة تكذب المركّبة الجزئية لكذب اللا دوام فيها ويكذب تفيض الجزء الأول منها وهو السالبة الكلية لثبوت المحمول لأحد أفراد الموضوع دائماً ويكذب نقيض الجزء الثاني منها وهو الموجبة الكلية التي قيِّد موضوعها بمحمول الجزء الأول من المركبة لاقتضاء الكلية تعدد الأفراد والفرض انَّه لا فرد لها إلا واحد فيجتمع النقيضان في الكذب مثال ذلك اذا قلنا : بعض الآلهة موجود بالفعل لا دائماً فانَّها كاذبة لكذب الجزء الثاني منها وهكذا يكذب نقيضها بالنحو المذكور أعني مانعة خلو وهو قولنا : امَّا لا شيء من الآلهة بموجود دائماً أو كل الآلهة موجودة بالفعل موجودة دائماً امَّا كذب الجزء الأول من مانعة الخلو فواضح وامَّا الجزء الثاني منها فلأن الكلية ليس لها افراد متعددة إذ لا فرد لها غير الله

تعالى والكلية تقتضي تعدد الأفراد . قلنا : انَّ الكلية الموجبة التي هي الجزء الثاني من مانعة الخلو المذكورة صادقة ولا يقتضي صدقها تعدد الأفراد ألا ترى أنَّه يصدق كل شمس مضيئة وكل قمر منير وكل واجب الوجود حي مع انَّه لها فرد واحد .

العكس المستوي

( عرفوه بتبديل طرفي القضية بقاء الصدق والكيف ) . ويرد عليهم خمسة ايرادات .

أولاً : انَّه يشمل تبديل طرفي المنفصلة مع انهم صرحوا بأنه لا عكس لها . - وجوابه . انَّه مرادهم لا عكس لها يكون له معنى محصل بمعنى انه يستفاد منه غير ما استفيد من الأصل لا نفي نفس العكس فهي لها عكس لكنه لا ثمرة فيه وسيجيء انشاء الله في مبحث الأدلة التي أقاموها على نفي العكوس لبعض القضايا زيادة توضیح و بیان .

وثانياً : انَّ التبديل يشمل صورة تغير الموضوع بموضوع آخر والمحمول بمحمول آخر كما لو بدلنا قولنا : كل انسان حيوان بقولنا : كل حجر جماد بل لفظ التبديل ظاهر في هذا النحو من التغيير وهكذا صورة تقديم الخبر على المبتدا كقولنا : قائم الرجل . وما اجيب به عنه انَّ اضافة تبديل الى ما بعده عهدية كما هو الأصل في الاضافة أي التبديل المعهود فهو . فاسد لعدم تقدُّم عهد بتبديل كذلك. فكان الأولى إبدال التبديل بقولهم إبدال الموضوع بالمحمول أو بقولهم : نقل وصفي الموضوع والمحمول من كل منهما مكان الآخر ونحو ذلك.

وثالثاً : انَّ اريد بالطرفين هما طرفا القضية واقعاً فهو غير صحيح لأن طرف الموضوع هو الذات وطرف المحمول هو المفهوم فاذا جعل الموضوع محمولاً لم يرد منه الذات بل يراد منه المفهوم فلم يكن نفس الموضوع الواقعي الذي هو الذات قد بدِّل وجعل محمولاً وهكذا الكلام في طرف المحمول فانَّه اذا جعل موضوعاً اريد منه الذات دون المفهوم فلم يكن ما هو محمول واقعاً موضوعاً في العكس . وإن اريد بالطرفين هما طرفا القضية لفظا فهذا مضافاً الى انه يوجب خروج القضية المعقولة فهو يشمل حتى التبديل مع اختلاف المعنى كما لو بدلنا ( كل أسد مفترس) الى قولنا : بعض المفترس أسد واريد بالأسد في أحدهما غير ما اريد بالآخر أن يكون عكساً له لوقوع التبديل اللفظي فيه . - وجوابه - انَّ مرادهم بالطرفين هما نفس المعنيين فانَّهما الصورتان في القضية العقلية فانَّه في طرف المحمول نفس المعنى هو المراد وفي طرف الموضوع إنما تراد الذات بتوسط ارادة المعنى وإلا لكان اللفظ مستعملاً مجازاً في طرف الموضوع لأنه لم يوضع للذات وإنما وضع للمعنى .

و رابعاً : انَّ هذا التعريف يشمل صورة عكس الموجبة الكلية الى موجبة كلية كعكس كل انسان ناطق الى قولنا : كل ناطق انسان وعكس السالبة الجزئية الى سالبة جزئية لأن كان فيهما تبديل طرفي القضية مع بقاء الصدق والكيف وكان عليهم أن يقولوا مع لزوم الصدق ليخرج مثل ذلك لعدم لزوم الموجبة الكلية لمثلها في الصدق وعدم لزوم السالبة الجزئية لمثلها في الصدق كما انه ينبغي تقييد اللزوم بكونه لذات الأصل لا بالواسطة ليخرج ما كان لازماً للأصل بواسطة لزومه لعكسه فانَّ السالبة الضرورية كما سيجيء انشاء

الله تنعكس عندهم الى سالبة دائمة والسالبة الدائمة يلزمها المطلقة العامة والممكنة العامة لأنهما أعم منها فلو كان اللزوم ولو بالواسطة للزم عكس الضرورية الى المطلقة العامة والممكنة العامة مع انهم لم يجعلوهما عكساً لها ولا منشأ له إلا ذلك . مثاله : لا شيء من الانسان بحمار بالضرورة ينعكس عندهم الى : لا شيء من الحمار بانسان دائماً ويلزم هذا العكس صدق لا شيء من الحمار بانسان بالفعل أو الامكان العام فلو كان مطلق اللزوم في الصدق كافٍ لصح أن تكون هذه الممكنة العامة وهذه المطلقة العامة عكساً لتلك الضرورية المطلقة وبهذا الاعتبار خصوا عكوس الموجهات ببعض القضايا دون بعض مع انه لازم للأصل في الصدق . ثم لا يخفى انه ليس المراد بلزوم الصدق هو وجوب الصدق في الواقع بل المراد منه انه متى ما فرض الأصل صادقا لزم من صدقه صدق العكس ومتى ما فرض كذب العكس لزم من كذبه كذب الأصل .

وخامساً : انَّ هذا التعريف يقتضي أن يكون السور في العكس جزء من المحمول لأنه جزء من الموضوع في الأصل فيقتضي أن يكون كل انسان حيوان عكسه حيوان كل انسان أو بعض الانسان وإلا لما ابدل الموضوع بالمحمول لأن تبديل الموضوع هو تبديله بسائر أجزائه لا بعضها وهكذا هذا التعريف يقتضي أن يكون في عكس السالبة حرف السلب جزءاً من الموضوع لأنه في الأصل هو جزء من المحمول . - وجوابه - انَّ السور خارج عن الموضوع وليس بجزء منه ولذا في التناقض مع اشتراطهم وحدة الموضوع يعتبر عندهم فيه الاختلاف في الكم وامَّا حرف السلب فكذلك أجنبي عن الموضوع والمحمول وإنما دال على سلب النسبة .

عكس الموجبة

(قالوا : انَّ الموجبة كلية كانت أو جزئية شرطية أو حملية تنعكس الى جزئية ) . ولا بأس بايراد أمثلة ذكرت نقضاً لهذه القاعدة أو يمكن ذكرها كذلك تقوية للذهن وتنقيحاً للقاعدة .

منها : كل شيخ كان شاباً وكل انسان كان نطفة وكل كاتب كان أمياً الى غير ذلك من الصفات التي انقضت عن الذات ولم تتصف بها فعلاً فانَّها قضايا موجبة لا يصدق عكسها وهو بعض الشاب كان شيخاً وبعض النطفة كانت انسانا والأمي كان كاتباً . فانَّ ( كان ) دالة على النسبة وليست جزءاً من المحمول فيجب أن تبقى على حالها وقد اجيب عنه بعدة أجوبة. أحدها : ما بيانه بتوجيه منا هو ان محمول هذه القضايا ليس بمفرد بل هو جملة (كان شاباً) لأن كان تدخل على المبتدأ والخبر والجملة هي الخبر (لكل شيخ ) وحينئذ فالعكس يكون عنوان موضوعه هو الجملة ويقال في عكس المثال المذكور بعض من كان شاباً فهو شيخ وقس الباقي عليه فتكون عكوس تلك القضايا صادقة ولعل ما ذكره بعض المحققين منهم من انَّ المحمول هنا هو النسبة اراد ما ذكرناه وإلا فلا وجه لحمل النسبة مع انها رابطة بين الموضوع والمحمول . ولا يخفى ما في هذا الجواب فانَّه لا يجيء فيما لو جعلنا المحمول مفرداً وقلنا كان كل شيخ شاباً هذا مع انَّ ( كان ) تدل على النسبة وهي رابطة بين الموضوع والمحمول فكيف تجعل جزءا من المحمول وتقدَّم معه فتكون موضوعاً . ثانيها : العكس لا يلزم أن يتفق مع الأصل في زمان النسبة فيجوز أن تكون النسبة في الأصل ماضوية وفي العكس

استقبالية كما صح أن يختلف الأصل مع العكس في جهة النسبة وعليه فنقول في تلك الأمثلة : انَّ عكوسها تنقلب نسبها الى استقبالية فيكون عكسها بعض الشاب يكون شيخاً وقس الباقي عليه وسيظهر لك فساده في الجواب الثالث انشاء الله . ثالثها : انَّ هذه القضايا لما كان الحكم فيها بفعلية النسبة في الزمان الماضي فهي مطلقة وقتية وهي غير الوقتية المطلقة فانَّ الأولى ما حكم فيها بفعلية النسبة في وقت معيَّن والثانية ما حكم فيها بضرورة النسبة في وقت معيَّن وقد تقرر في محله انَّ كلاً منهما أعنى المطلقة الوقتية والوقتية المطلقة تنعكسان مطلقة عامة فتلك القضايا تعكس الى مطلقة عامة أعني قولنا : بعض الشاب شيخ في أحد الأزمنة الثلاثة وقس عليه الباقي وبهذا ظهر لك فساد الجواب الثاني لأنه يلزم عليه أن تكون المطلقة الوقتية تنعكس كنفسها مطلقة وقتية لأن النسبة تكون في العكس فعلية مقيدة بزمان الاستقبال (ومنها) مثل بعض الحيوان غير انسان فانَّه لا يصدق عكسه وهو بعض الانسان غير حيوان فانَّ ( غير ) دالة على النسبة السلبية وليست جزءا للمحمول فيجب بقاؤها بحالها . - وجوابه - انَّ غير جزء للمحمول وإلا كانت القضية ء انشاء الله انها لا تنعكس واذا ثبت انَّها جزء للمحمول سالبة جزئية وسيجيء كان العكس للقضية المذكورة بعض غير الانسان حيوان وهو صادق . ( ومنها ) مثل كل واجب بالذات هو الله ومثل بعض الانسان زيد فانَّه لا ينعكس الى جزئية إذ لا يصدق بعض الله واجب بالذات ولا بعض زيد انسان وإنما ينعكس الى قضية شخصية وهي الله واجب بالذات وزيد انسان . ودعوى انَّ محط نظرهم المحصورات والشخصية ليست منها مدفوعة . بأن الأصل كان من المحصورات فانَّ المثال الأول كان قضية كلية والثانية جزئية فموضوع

القاعدة يشملها دون حكمها فلابد لهم امَّا ارادة الأعم من الشخصية والجزئية من لفظ الجزئية أو منعهم من حمل الشخص على الكلي وانَّ مثل تلك القضايا غير صحيحة ( ومنها) مثل بعض النوع انسان وبعض الجنس حيوان والمورد للقسمة الى اسم وفعل واداة فهو الكلمة والمقسم للتصوُّر والتصديق فهو العلم فانَّه لا يصدق عكسه وهو بعض الكلمة مورد للقسمة المذكورة وبعض الانسان نوع بدليل صدق نقيضه وهو لا شيء من الانسان بنوع ولا شيء من الكلمة بمورد للقسمة المذكورة . -وجوابه - انَّ الكلام في القضايا المتعارفة وهي التي يكون صدق وصف المحمول على ذات الموضوع صدق الكلي على أفراده وهو المسمى بالحمل الشايع والقضايا المذكورة لم يكن الحمل فيها كذلك إذ ليس حمل الانسان على بعض النوع وحمل الكلمة على مورد القسمة إلا من قبيل حمل الشيء على نفسه لأن ذلك البعض من النوع الذي حمل عليه الانسان هو نفس طبيعة الانسان لا فرد له والمورد للقسمة نفس طبيعة الكلمة لا فرد لها فيكون الحمل أولياً لا حملاً متعارفاً والعكوس لمثل هذه القضايا هو أن يقال الكلمة مورد القسمة والانسان بعض النوع لكون البعض صار جزءاً من الموضوع في الأصل لكون الحمل عليه حملاً أولياً فيجب أن يأخذ في المحمول وليس بسور حتى يؤخذ في موضوع العكس . ( ومنها) مثل كل ملك على السرير وكل وتد في الحائط فانَّ (على)و (في) دالان على نسبة الاستعلاء والظرفية فهما ليسا بجزء من المحمول وحينئذ يجب أن يبقيا على حالهما في العكس ويكون العكس بعض السرير على الملك وبعض الحائط في الوتد وهما كاذبان مع صدق الأصل . وجوابه - انَّ علي وفي جزء للمحمول إذ ليس المراد إثبات السرير للملك وإنما المراد

اثبات الاستعلاء على السرير للملك والعكس حينئذ هو بعض الذي على السرير ملك وبعض الذي في الحائط وتد وهو صادق . ( ومنها ) : مثل كل ما ليس بممكن عام فهو ليس بممكن خاص فانَّه صادق مع كذب العكس أعني بعض ما ليس بممكن خاص فهو ليس بممكن عام اذ أن ما ليس بممكن خاص هو امَّا واجب أو ممتنع وكل منهما ممكن عام . واجيب بمنع كذب العكس لأن ما ليس بممكن خاص يشمل ما يكون واجباً وممتنعاً وما يكون ضروري الطرفين بالنسبة الى ذاته ولو فرضاً ولعل هذا الجواب یرجع الى انَّ أفراد ( ما ليس بممكن عام ) تكون فرضية وهي غير الواجب والممتنع ومن المعلوم انَّ نفس هذه الأفراد الفرضية تصلح لأن تكون مصداقاً لما ليس بممكن خاص فيصدق العكس بالنسبة الى تلك الأفراد الفرضية . ( ومنها ) الحملية الموجبة المرددة المحمول فان المحمول المردد كيف يجعل موضوعاً فقولنا : كل حيوان امَّا انسان دائماً أو ليس بانسان دائماً كيف ينعكس ؟ مع انَّه لم يعهد عندهم قضية مرددة الموضوع . - وجوابه - انَّ نفس الحملية المرددة المحمول لم تكن معهودة عندهم ولذا لم يذكروها في تعداد القضايا وإنما ذكروها في نقيض المركّبة الجزئية لعدم نقيض لها في رأيهم سواها فلا بأس اذا كان عكسها أيضاً غير معهود عندهم وعليه فيقال في العكس للقضية المزبورة بعض الذي هو انسان دائماً أو ليس بانسان دائماً حيوان بنحو القضية المرددة الموضوع . ( ومنها ) بعض زيد رقبة ولا يصح أن يقال : بعض الرقبة زيد . - وجوابه - انَّ البعض هنا ليس بسور بل المراد به بعض الكل اعني البعض المجموعي والسُّور هو بعض الكلي اعنى البعض الافرادي . نعم لو أراد به بعض أجزاء زيد رقبة كان سوراً وكان العكس

بعض الرقبة أجزاء زيد . ( ومنها ) بعض الحيوانات انسان فانَّه صادق مع كذب عكسه وهو بعض الانسان حيوانات . - وجوابه - انَّ المراد بالحيوانات هو طبيعة الحيوان ولا شك في صحة حملها على بعض أفراد الانسان وإنما يصح العكس من ناحية الصناعة العربية وإلا فالمعنى صحيح ولذا الفن المنطقي مع الصناعة العربية يقتضي أن يكون العكس بعض الانسان حيوان .(ومنها) مثل زيد انسان فاتها موجبة ولا تنعكس الى بعض الانسان زيد فانَّه يلزم فيها حمل الجزئي وقد تقرر عدم جواز حمله . - وجوابه - مضافاً الى انَّها قضية شخصية وكلامنا في الجزئية انَّا لا نسلم عدم جواز حمل الجزئي وإنما ذهب له قوم من المتأخرين وردَّ عليهم الكثير من المنطقيين .

ویرد على القاعدة المذكورة ثلاث ايرادات .

أولاً : إنَّما تسلم فيما كانت الموجبة مركبة من عامين من وجه أو من مطلق وامَّا اذا كانت المركبة من متساويين فهي تنعكس كلية أو كان محمولها أخص فهي تنعكس كلية فلا وجه لجعلهم عكس الموجبة جزئية مطلقاً . -وجوابه - انَّ قواعد الفن ناظرة الى ما هو لازم الصورة مع قطع النظر عن المادة ولذا عبَّروا عن الموضوع ( بج ) وعن المحمول ( بب ) والتفصيل المذكور يناسب النظر الى المادة وإلا فمع قطع النظر عنها لا يميز المساوي عن غيره .

وثانياً : انَّ القضية الموجبة التي يكون محمولها الفعل مثل كل انسان يمشي مستقيماً أو كان محمولها نكرة فان المحمول في هذه القضايا لا يصلح أن يكون موضوعاً لعدم صحة الاخبار عن النكرة ولا عن الفعل . وجوابه - انَّه يصلح بجعل عنوان متصيِّد من المحمول موضوعاً ولو باتيان اسم موصول

للفعل وأل للنكرة وهذا الجواب يتم بناء على انَّ المراد بالطرفين في العكس هما الطرفان بالفعل أو القوة .

وثالثاً : انَّ المتصلة الصادقة الموجبة يجوز أن تتركَّب من مقدَّم كاذب وتالي صادق كقولنا : ان كان زيد حماراً كان حيواناً مع انا لو عكسناها كانت المتصلة مركّبة من مقدَّم صادق وتالي كاذب وهو غير جائز عندهم .- وجوابه - انَّ الذي هو غير جائز عندهم هو تركب المتصلة الكلية الموجبة من ذلك وامَّا الجزئية فيجوز أن تتركب من ذلك والعكس المذكور موجبة

جزئية لا كلية فيجوز تركبها مما ذكر .

عكس السالبة الكلية

(قالوا : والسالبة الكلية شرطية أو حملية تنعكس كنفسها ) . ولا بأس بايراد أمثلة ذكرت تقضاً لهذه القاعدة أو يمكن ذكرها كذلك توضيحاً للقاعدة وتحقيقاً لها ( منها ( لا شيء من الانسان بنوع فانها قضية صادقة لأن مصاديق موضوعها أعنى الانسان اشخاص لا أنواع مع انَّ عكسها وهو ( لا شيء من النوع بانسان كاذب لصدق نقيضه وهو ( بعض النوع انسان ) . إن قلت : قد تقدم انَّ محل كلام القوم في القضايا المتعارفة وهي المشتملة على الحمل الشائع أو سلبه وفيما نحن فيه كان السلب عن أفراد النوع سلباً للحمل الأولي لأن افراد النوع هي الطبايع وحمل الانسان على أحدها يكون حملا أولياً لا شايعاً فسلبه عنها سلب للحمل الأولي . قلت : انَّ الأصل وهو كان سالبة كلية والسلب فيه سلب للحمل المتعارف لا شيء من الانسان بنوع لأن المراد سلب النوع عن افراد الانسان فموضوع القاعدة أعني ( السالبة الكلية تنعكس كلية ) صادق عليها ومنطبق عليها فلابد من تخصيص القاعدة

بغير المعقولات الثانية . (ومنها) لا شيء من الحجر بزيد فانها سالبة كلية تنعكس الى سالبة شخصية وهي زيد ليس بحجر والكلام فيه كالكلام في النقض الثالث على عكس الموجبة . ( ومنها ) لا شيء من الجسم بمتحيز بجميع أنحاء العالم ولا شيء من الجسم بممتد في الجهات الى غير النهاية فانَّ كلاً منهما قضية سالبة صادقة مع كذب عكسها وهو لا شيء من المتحِّيز انحاء بجميع العالم بجسم ولا شيء من الممتد في الجهات الى غير النهاية بجسم لأن كل متحيِّز وكل ممتد في الجهات فهو جسم وهذه تجري في كل سالبة كان محمولها ذاتياً للموضوع مقيَّداً بقيد لا يوجد فيه كما في مثل لا شيء من الانسان بناطق من جهتين فانَّ عكسها وهو لا شيء من الناطق بجهتين بانسان كاذب لصدق كل ناطق انسان . وقد اشتهر الجواب عنه بأن الأصل إن كان. قضية خارجية بمعنى انَّ الحكم كان فيها على الافراد الموجودة في الخارج كان العكس أيضاً قضية خارجية كالأصل وعليه فيكون العكس صادقاً لأن السالبة الخارجية تصدق بانتفاء موضوعها كما تصدق بانتفاء المحمول وموضوع العكس كان هو ( المتحيِّز بجميع العالم ) و ( الممتد في الجهات الى غير النهاية ) غير موجود في الخارج كما في علم الحكمة وامَّا اذا اريد بالأصل القضية الحقيقية بأن كان الحكم فيه حتى على الافراد المقدَّرة منعنا صدق الأصل لأن من افراد الجسم المقدَّرة ما كان لا نهاية لها في التحيِّز . ( ومنها ) لا شيء من الحائط في الوتد ولا شيء من السرير على الملك فانَّ كلاً منهما صادق مع كذب العكس وهو لا شيء من الوتد في الحائط ولا شيء من الملك على السرير لصدق نقيضه وهو بعض الوتد في الحائط وبعض الملك على السرير.- وجوابه - انّ هذه ليست بعكوس لتلك القضايا إذ لم ينقل المحمول

بمجموعه فانَّ كلمة ( في ) و ( على ) جزء من المحمول فيجب جعلها جزءاً من الموضوع في العكس وعليه فتكون عكوس تلك القضايا لا شيء مما في الوتد بحائط ولا شيء مما على الملك بسرير . (ومنها) انَّ كل غول معدوم فانها سالبة لأن معناها سلب الوجود عنه مع انَّ عكسها وهو بعض المعدوم غول موجبة لا سالبة . - وجوابه - انَّها ليست بسالبة بل هي موجبة كلية قد حمل فيها مفهوم العدم ولو التزمنا انها سالبة لالتزمنا بأن عكسها المذكور أيضاً سالبة لأن معناه سلب الوجود عن الغول .

عکس السالبة الجزئية

( قالوا : انَّ السالبة الجزئية لا تنعكس أصلاً لجواز عموم الموضوع أو المقدَّم وعنده فلو انعكست لزم سلب الأعم عن الأخص وهذا ينافي عمومه ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات

أولاً : انَّ سلب الأعم عن الأخص لا مانع منه اذا كان الأعم ثابتاً للأخص بالاطلاق العام أو بالامكان مثلاً يصح أن يقال بعض الماشي ليس بانسان بالاطلاق العام ويصح سلب الماشي عن الانسان بالاطلاق العام فیقال بعض الانسان ليس بماشي بالفعل مع انَّ الماشي أعم مطلقاً من الانسان وهكذا يقال بعض المتحرك ليس بفلك بالامكان ويصح أن يقال : بعض الفلك ليس بمتحرك بالامكان مع انَّ المتحرك أعم مطلقاً من الفلك . - وجوابه - انَّ العكس لابد وان يكون لازماً لهيئة الأصل بحيث لا ينفك عن الهيئة في ضمن أي مادة تحققت فلو تخلف في بعض المواد لم يكن العكس لازماً لها لاستحالة انفكاك اللازم عن الملزوم ويكفينا في التخلف في السالبة الجزئية صورة ما اذا كان الموضوع أعم من المحمول وهو ذاتي له كقولنا : بعض

الحيوان ليس بانسان فانَّه يستحيل سلب الذاتي عما هو ذاتي له حتى بنحو الامكان واذا تخلف في هذه الصورة علم بأنه غير لازم للأصل .

ثانياً : انَّ الموضوع والمحمول اذا كان بينهما عموم من وجه انعكست السالبة الجزئية الى مثلها وكان العكس لازماً لها في هذا المورد كما ذكروا في الخاصتين من السالبة الجزئية . - وجوابه - ما عرفته منا من انَّ قواعد الفن ناظرة الى ما هو لازم لصورة القضية وهيئتها مع قطع النظر عن المادة والعكس المذكور للسالبة الجزئية في المورد المذكور يناسب النظر الى المادة إذ مع قطع النظر عنها لا يميِّز الأعم من غيره وهذا بخلاف الخاصتين فانَّ العكس لازم لهيئتهما من دون نظر الى المادة .

وثالثاً : انَّه لو تم ما ذكرتموه لزم عدم انعكاس السالبة الجزئية منالخاصتين لمجيء التعليل فيها والقواعد العقلية غير قابلة للتخصيص .-وجوابه - انَّ هذا تخصص لا تخصيص والتعليل كما عرفت هو احتمال كون الموضوع ذاتي أعم وفي الخاصتين لا يجيء هذا الاحتمال وإلا لم يصدق اللا دوام فيهما فيكون العكس فيهما لازماً لصورتهما وهيئتهما .

الادلة التي أقاموها على عكوس القضايا دليل الافتراض

(استدلوا على انعكاس القضايا بعضها الى بعض بأربعة أدلة : الافتراضوالخلف ، والعكس ، واللزوم. والافتراض يرجع الى الشكل الثالث وتقريره وتوضيحه ان تفرض ذات الموضوع شيئاً ويحصل من هذا الفرض قضيتان

شخصيتان أحدهما موضوعها الذات المفروضة ومحمولها وصف الموضوع بداهة اتصاف ذات الموضوع بعنوانه وإلا لمَا كانت ذاتا له والثانية موضوعها الذات المفروضة ومحمولها وصف المحمول ضرورة انَّ مؤدى القضية هو اتصاف ذات الموضوع بوصف المحمول وتجعل الثانية صغرى والأولى كبرى لينتج العكس من الشكل الثالث فقولنا : كل انسان حيوان اذا أردنا أن نثبت انَّ عکسها بعض الحيوان انسان فنقول : نفرض انَّ ذات الانسان زيد فيحصل من هذا الفرض قضية زيد انسان وقضية زيد حيوان فنجعل الثانية صغرى والأولى كبرى ونقول زید حیوان وزید انسان وهو ضرب أول من الشكل الثالث ينتج موجبة جزئية وهي بعض الحيوان انسان وهي نفس العكس المطلوب إثباته ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : انّه إن استدل به على عكس الموجبات فهو باطل للزوم الدور وذلك لأن دليل الافتراض يرجع الى الشكل الثالث والشكل الثالث إنما تثبت حجيته بارجاعه الى الشكل الأول وإنما يرجع الى الشكل الأول بعكس صغراه وعكس صغراه مبني على انعكاس الموجبة لأن صغراه لا تكون إلا موجبة فيكون الاستدلال به على انعكاس الموجبة دور باطل وإن استدل به على عكس السوالب فهو باطل أيضاً لأن السوالب لا يصح فرض موضوعها شيئاً لاحتمال انَّها سالبة بانتفاء الموضوع فلا يكون لها ذات . - وجوابه - انا نختار الشق الأول وانَّه لا يرجع الى الشكل الثالث بل هو ليس من الأقيسة بالمرة فانَّ محصلة توصيف ذات الموضوع بوصف الموضوع ووصف المحمول والتوصيف ليس بقضية بل تركيب تقييدي واذا اجتمع الوصفان في ذات واحدة يحمل احدهما على الآخر فيصح حمل المحمول على الموضوع فالمراد

بالافتراض هو اثبات المطلوب بهذا النحو لا بنحو الشكل الثالث .مع انَّه من بيَّن العكس بالافتراض لا يبيِّن حجية الشكل الثالث بطريق العكس لعدم انحصار طريق إثباته في ذلك وباختيار الشق الثاني وانَّه يصح الاستدلال به في السوالب المركّبة لاعتبار وجود الموضوع فيها وإلا لم يصدق اللا دوام فيها .

وثانياً : انَّه لا يصح الاستدلال به في القضايا التي عكوسها كلية لأن دليل الافتراض ينتج نفس العكس المطلوب وهو باعتبار فرض الذات أو رجوعه الى الشكل الثالث لا تكون نتيجته إلا جزئية فلا ينتج العكس المطلوب اذا کان کلیاً .-وجوابه - انَّه يكفينا في صحة الاستدلال به ولو في بعض الموارد .

وثالثاً : انَّه لا يثبت العكس لأن العكس يعتبر فيه أن يكون أخص القضايا اللازمة بطريق التبديل ولذا جعلوا عكس السالبة الكلية سالبة كلية انه يلزمها السالبة الجزئية ومن المعلوم انَّ دليل الافتراض إنما يفيد صدق القضية المذكورة ولا ينفي صدق الأخص منها فلا یجرز انَّها هي العكس ولعلها من لوازم العكس التي هي أعم فلابد من ضم دليل آخر لنفي صدق ما هو أخص من تلك القضية .

دليل الخلف

(ومن الأدلة التي أقاموها على انعكاس القضايا هو دليل الخلف وتفريره وتوضيحه هو أن نقول : انَّه اذا لم يصدق العكس صدق نقيضه لاستحالة ارتفاع النقيضين لكن نقيض العكس كاذب فينتج انَّ العكس صادق. وقد أقاموا البرهان على كذب نقيض العكس بأن نقيض العكس نضمه الى

الأصل لينتج من الشكل الأول سلب الشيء عن نفسه الذي هو محال وكاذب بالضرورة وكذب هذه النتيجة امَّا ناشئاً عن الأصل أو من هيئة القياس أو من نقيض العكس لكن الأولين مفروضا الصحة فيتعين من الثالث وهو نقيض العكس فيكون باطلاً فيكون العكس حقاً وهو المطلوب ففي المثال المذكور نقول لو لم يصدق العكس لصدق نقيضه وهو لا شيء من الحيوان بانسان فنضمه الى الأصل بأن نجعله كبرى لأنه سالبة والأصل صغرى وتقول كل انسان حيوان ولا شيء من الحيوان بانسان ينتج من الشكل الأول لا شيء من الانسان بانسان وهو كاذب ضرورة ثبوت الشيء لنفسه . وكذبه ليس من الهيئة ولا من الأصل لأنهما مفروضاً الصحة فتعيَّن من قفيض العكس فيكون كاذباً فلابد أن يكون العكس صادقا لاستحالة ارتفاع النقيضين ) ويرد عليهم تسعة ايرادات .

أولاٌ : انَّ سلب الشيء عن نفسه ليس بباطل فانَّ المعدوم يصدق سلبه عن نفسه لأنه مرتفع بالمرة فيصح أن يقال لشريك الباري انَّه ليس بشريك للباري نعم الشيء الموجود والثابت لا يصح سلبه عن نفسه لأنه بعد اعتبار ثبوته تكون نفسه ثابتة له فسلبها يوجب اجتماع النقيضين وعليه فالنتيجة في دليل الخلف لم يعلم بطلانها إذ لعل الموضوع فيها معدوم وحينئذ فيصح سلبه عن نفسه. واشتهر الجواب عن هذا الاشكال : بأن الموضوع فيها مفروض الوجود لأنه عين موضوع الموجبة التي هي جزء من القياس لأن موضوع النتيجة لابد وان يكون عينه موجودة في احدى مقدمتي القياس وقد عرفت انَّ الموجبة لابد من وجود موضوعها .

وثانياً : انَّ هذا الدليل يثبت انَّ عكس السالبة الكلية سالبة جزئية

حيث يقال مثلاً اذا صدق لا شيء من ج ب صدق عكسه وهو ليس بعض ب ج وإلا لصدق نقيضه وهو كل ب ج فنضمه الى الأصل ونقول كل ب ج ولا شيء من ج ب ينتج الشكل الأول لا شيء من ب ب وهو محال منشأة نقيض العكس فيكون العكس وهو السالبة الجزئية حقاً . - وجوابه - انَّ السالبة الجزئية لازمة للسالبة الكلية فاذا صدق العكس سالبة كلية صدق سالبة جزئية فدليل الخلف قد أثبت ما هو لازم العكس لا ما ينافيه

وثالثاً : انَّ سلب الشيء عن نفسه قد يكون صحيحاً كما لو قلنا : كل نائم مستيقظ بالفعل ولا شيء من المستيقظ بنائم ما دام مستيقظا فانَّه شكل أول ينتج لا شيء من النائم بنائم بالفعل وهو سلب الشيء عن نفسه وهو صحیح وانما الباطل هو سلب الشيء عن نفسه وقت اتصافه بعنوانه .-وجوابه - انَّ دليل الخلف انما تتمسك به فيما اذا كانت النتيجة كذلك كما سيظهر لك انشاء الله في عكس الموجهات ·

ورابعاً : انَّ هذا الدليل يحتاج الى ضم شق رابع وهو انَّ الاستنتاج صحيح لجواز أن يكون منشأ المحال هو عدم صحة الاستنتاج فانَّ كثيراً من الأصحاب من يخطأ في استنتاجه فيستنتج نتيجة لم تكن لهذا الضرب من القياس فيكون فساد النتيجة ليس بناشىء عن هيئة القياس ولا عن مقدماته وانَّما نشأ من عدم كون هذه النتيجة نتيجة لهذا الضرب فكان على المنطقيين أن يقرروا هذا الدليل بهذا النحو بأن يقولوا ليس فساد النتيجة من الأصل لأنه مفروض الصدق ولا من الهيئة لأنها هيئة الشكل الأول ولا من الاستنتاج لأنه تتيجة هذا الضرب من هذا الشكل تكون بهذا النحو فتعيَّن أن يكون

من نقيض العكس .

و خامساً : انَّه كما انَّ سلب الشيء عن نفسه محال كذلك ايجاب الشيء لنفسه محال لأن الايجاب يستدعي الاثنينية كما هو شأن سائر النسب القائمة بين طرفين فلا يعقل القياس ينتج هذه النتيجة وعليه فنقول انَّ نفس العكس المراد إثباته باطل لأنا لو ضممناه مع الأصل لانتج اثبات الشيء لنفسه مثلاً لنفرض انَّ الاصل كل انسان حیوان فانَّه لو صح عكسه وهو بعض الحيوان انسان لصبح ضمه الى الأصل بأن يجعل صغرى والأصل كبرى فينتج بعض الحيوان حيوان وهو اثبات الشيء لنفسه وقد عرفت انَّه باطل كسلب الشيء عن نفسه . - وجوابه - انَّ كلامنا في القضايا المتعارفة التي يراد من موضوعها الافراد ومن محمولها المفهوم فالمراد سلب المفهوم عن الذات وهو أمر متصوَّر ومحال تحققه كما انَّ اثبات المفهوم للذات ضروريّ تحققه .

وسادساً : الايراد الأخير الذي أوردناه على الدليل الأول.

وسابعاً : انَّ سلب الشيء عن نفسه قد يكون نتيجة المقدَّمات الصحيحة كقولنا : بعض النوع انسان ولا شيء من الانسان بنوع فانَّه ينتج بعض النوع ليس بنوع مع ان الصغرى صادقة كما هو واضح والكبري صادقة لأن الحكم على ذات الانسان لكونها قضية محصورة وذات الانسان اشخاص لا أنواع - وجوابه - انَّ الصغرى لمَّا كان الحمل فيها حملاً أولياً لم يصح جعلها صغرى وسيجيء انشاء الله توضيح ذلك في مبحث القياس .

وثامناً : انَّه يمكن أن يكون المحال لازماً لمجموع الأصل ونقيض العكس لا الهيئة التركيبية ولا لخصوصية الأصل أو نقيض العكس ألا ترى ان قيام زيد وعدم قيامه اجتماعهما يستلزم محالاً وهو اجتماع النقيضين مع انَّ كل

واحد منهما صحيحاً في نفسه فنقيض العكس صحيح في نفسه وهكذا الأصل لكن اذا اجتمعا يستلزمان محالاً . - وجوابه - انَّ المقصود صدق العكس حين صدق الأصل وليس اجتماع النقيضين في الوجود إلا صدقهما معاً فاذا كان اجتماعهما يستلزم المحال كان معناه انَّ صدقهما يستلزم ذلك فلابد من صدق احداهما وكذب الاخرى حين صدق تلك وحيث انَّ الأصل مفروض الصدق كان نقيض العكس هو الكاذب حين فرض صدق الأصل وهو المطلوب وهكذا نقول انَّ قيام زيد وعدمه لا يمكن اجتماعهما في الصدق فلابد من كون أحدهما كاذباً حين صدق الآخر فاذا فرض كون أحدهما صادقاً كان الآخر هو الكاذب .

وتاسعاً : ان الشيء قد يسلب عن نفسه بالضرورة كما يقال : الجزئي ليس بجزئي بالضرورة لأن الجزئي متصف بالكلية لصدقه على كثيرين . والعلم والضمير والموصول واسم الاشارة ونحوها فانها تسلب عن نفسها بالضرورة فيقال : العلم ليس بعلم . وجوابه ان هذا كله سلب عن مفهوم الشيء لا عن ذاته وحقيقته أعني مصاديقه .

دليل العكس

(من الأدلة التي أقاموها على انعكاس القضايا دليل العكس وهو أن يعكس نقيض العكس فيحصل ما ينافي الاصل فلابد أن يكون العكس صحيحاً وإلا لكان نقیضه صادقا ولابد ان يكون عكسه صادقا لملازمة العكس للأصل في الصدق ولازم ذلك عدم منافاة هذا العكس للأصل لكون الأصل مفروض الصدق فمثلاً تقول : كل انسان حيوان ينعكس الى بعض الحيوان انسان فلو لم

يصدق العكس لصدق نقيضه وهو لا شيء من الحيوان بانسان مع انه كاذب لأنه ينعكس الى قولنا : لا شيء من الانسان بحيوان وهو ينافي الاصل المفروض صدقه ) . ويرد عليهم اربعة ايرادات -

أولاٌ : ان الاستدلال به على انعكاس الموجبات مبني على انعكاس السالبة الكلية وانعكاسها غير ثابت في جميع الموارد فانه سیجیء انشاء الله ان جملة من القضايا لا تنعكس سالبتها الكلية ولعل تلك السالبة منها . وجوابه انا نلتزم بجريانه في خصوص ما كانت السالبة الكلية منعكسة فيه ويكفي في الدليل جريانه في بعض الموارد مضافاً الى انا لسنا بحاجة الى انعكاس السالبة بل السالبة الكلية اذا صدقت كانت منافية للأصل بحكم العقل فان الثبوت في بعض الموارد ينافي السلب الكلي في موارد منافاة عكسه للأصل .

وثانياً : ان عكس نقيض العكس قد لا ينافي الأصل كقولنا : كل انسان ضاحك فان عكسه بعض الضاحك انسان ونقيضه لا شيء من الضاحك بانسان وعكس هذا النقيض لا شيء من الانسان بضاحك فانه صادق بنحو المطلقة العامة والممكنة العامة مع صدق الاصل . وجوابه : انه بمراعاة الجهة يحصل التنافي ولا يصدق العكس للنقيض لأن الاصل لنفرضه مطلقة عامة فعكسه كذلك ولابد أن يكون نقيضه دائمة مطلقة والعكس له أيضاً دائمة مطلقة ومن المعلوم ان السلب الدائمي ينافي الايجاب ولو بنحو الاطلاق العام .

وثالثاً : ان الاستدلال به علی انعکاس الموجبات والسوالب يلزم منه الدور لان الاستدلال به على انعكاس الموجبات يتوقف على معرفة انعكاس السوالب والاستدلال به على انعكاس السوالب يتوقف على معرفة انعكاس الموجبات فلو استدل به على انعكاس الجميع توقف معرفة انعكاس كل منهما

على انعكاس الآخر . وقد اشتهر الجواب عن هذا الاشكال بالالتزام بأن الذي يستدل به على انعكاس إحداهما لا يستدل به على انعكاس الاخرى .

ورابعاً : الايراد الاخير الذي ذكرناه على الدليل الاول .

دليل اللزوم

(من الأدلة التي أقاموها على انعكاس القضايا دليل اللزوم وهو : انعكاس الأعم من القضية فانه يثبت به انعكاس الاخص منها لأن لازم الأعم لازم للأخص ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : ان مثل الكلية والنوعية لازمة للانسان والانسان أعم من زيد مع ان الكلية غير لازمة لزيد فلازم الأعم لم يكن لازماً للأخص . وجوابه - انَّ المعقولات الثانية إنما هي لازمة للأشياء بوجودها الذهني دون الخارجي فالانسان في الخارج هو اللازم لزيد وهو حصصه من طبيعة الانسان وليس هو كلي فالكلية ليست بلازمة للانسان في جميع أطواره بل لازمة له في وجوده الذهني دون الوجود الخارجي .

وثانياً : انه قد تقدم بان من شرط العكس أن يكون ازومه لذات الأصل لا بالواسطة وهذا الدليل يقتضي ان ازوم العكس للأخص بواسطة لزومه للأعم . وجوابه : ان اللزوم للأعم كان دليلا على اللزوم للاخص لا انه كان عاماً وواسطة في اللزوم الأخص فالعكس لازم لذات الاخص والدليل عليه هو لزومه لذات الأعم .

وثالثاً : الايراد الأخير الذي ذكرناه على الدليل الاول .

الادلة التي أقاموها على عدم الانعكاس

(استدلوا على عدم انعكاس بعض القضايا بأدلة ثلاثة ( أحدها ) عدم وجود معنى محصلا للعكس غير المعنى المحصل من الاصل كما في المنفصلة فانها لا تنعكس عندهم لأن المعنى المحصل من الأصل هو المعاندة بين جزئيها وهذا هو المعنى المحصل من عكسها ) ثانيها ( إنفكاك العكس عن الأصل في الصدق ولو في مادة واحدة فان العكس ما كان لازماً للاصل ( ثالثها ) عدم انعكاس الاخص لأن الاخص اذا لم ينعكس لم ينعكس الأعم لأن العكس لازم للأعم والأعم لازم للأخص ولازم اللازم لازم فلو لم ينعكس الأخص علم ان الأعم ليس له عكس وإلا لنفك اللازم عن ملزومه ) . ويرد على الدليل الأول . أولا : ان المفهوم من المنفصلة غير المفهوم من عكسها فان المفهوم من قولنا : أما أن يكون العدد زوجا أو فرداً الحكم على زوجية العدد بمعاندة الفردية ومن قولنا : اما أن يكون العدد فرداً أو زوجاً الحكم على فردية العدد بمعاندة الزوجية ولا شك انَّ المفهوم من معاندة هذا لذاك غير المفهوم من معاندة ذاك لهذا فيكون للمنفصلة أيضاً عكس مغايراً لها في المفهوم . والجواب عنه : انَّ الحكم في المنفصلة بالعناد بين الطرفين على ما يشهد به تفسير المنفصلة ويقتضيه تعقل مفهوما وليس معناها ان الأول معاند للثاني .

وثانياً : ان العكس لا ينحصر فائدته بان يكون له معنى محصل بل هناك فوائد أخر كارجاع الاشكال الثلاثة الى الشكل الأول بعكس احدى مقدماتها فان المنفصلة اذا كانت احدى المقدمات التي بعكسها يرجع القياس الى الشكل الاول احتيج الى عكسها كما لو كانت كبرى في الشكل الثاني من ضربه الاول والثالث أو كانت صغرى من ضربه الثاني فانها بعكسها يرجع القياس

للشكل الأول وقس باقي الاشكال على ذلك فلو منعنا من عكسها لما رجع القياس المركّب منها الى الشكل الأول فالحق صحة عكسها .

ويرد على الدليل الثاني :

ان الدليل أخص من المدعى إذ المدعى عدم انعكاس القضية مطلقاً وما ذكر من الدليل يقتضي عدم انعكاسها في هذه المادة أو في قسم منها . وجوابه : ما مرَّ مكرراً من انَّ العكس هو اللازم المستحيل انفكاكه عن هيئة القضية فلو انفك عن هيئة القضية ولو في مورد واحد لم يكن بلازم لها فلا يصلح لأن يكون عكساً .

ويرد على الدليل الثالث .

تنفك عن

انَّ الأعم قد ينفك عن الأخص كما في العوارض المفارقة كالمشي والضحك فانَّها قد تفارق الرجل مع انها أعم منه وعليه فيمكن أن يكون الشيء ينفك عن الاخص وهو لازم للأعم فان الحركة لازمة للمشي وهي تنفک عن الاخص وهو الانسان . وجوابه : ان الأعمية في الصدق يتصور فيها ذلك كما في الكليات اما الأعبية في التحقق كما في القضايا فلا يتصور فيها ذلك إذ الأعمية في التحقق تستدعي الملازمة في الوجود والا لكان مقارناً ومفارقاً وما نحن فيه الاعمية من هذا القبيل لأنها بين القضايا لا المفردات .

عکس الموجبات الموجهات

( قالوا : تنعكس الدائمتان والعامتان حينية مطلقة بالخلف ) . ويردعليهم .

ما عرفته سابقاً انَّ الخلف لا يثبت العكس ما لم ينضم اليه ما يدل على عدم انعكاس هذه الاربعة الى ما هو أخص من الحينية المطلقة لأن العكس هو أخص قضية لازمة للأصل كما تقدم ولذا بعضهم أضاف لدليل الخلف هنا بان أخص هذه الاربعة هي : الضرورية المطلقة وهي لا تنعكس الى ما هو أخص من الحينية المطلقة وهو العرفية العامة لتخلفها في بعض الموارد كفولنا كل كاتب انسان بالضرورة ولا ينعكس الى قولنا : بعض الانسان كاتب بالدوام ما دام انساناً وعدم انعكاس الاخص الى شيء يوجب عدم انعكاس الأعم اليه .

( قالوا : الوجوديتان والوقتيتان والمطلقة العامة تنعكس مطلقة عامة بالخلف . ) ويرد عليهم

ما سبق من انَّ الخلف لا يثبت كون المطلقة العامة عكساً لهذه الخمسة لأن الأعم من العكس أيضاً يثبت بالخلف ولذا ضم بعضهم الى دليل الخلف هنا بأن أخص هذه الخمسة الوقتية وهي لا تنعكس الى ما هو أخص من المطلقة العامة وهو الحينية المطلقة لتخلفها في بعض الموارد لصدق كل منخسف مضيء بالتوقيت لا دائماً مع كذب بعض المضيء منخسف حين هو مضى و عدم انعكاس الاخص الى شيء يوجب عدم انعكاس الاعم اليه كما تقدم منا ذلك .

( قالوا : انَّ الخاصتين تنعكسان حينية مطلقة مقيَّدة باللا دوام واستدلوا على ذلك بأن الجزء الأول من العكس لازم للعامتين وهما لازمتان للخاصتين ولازم اللازم لازم وانَّ الجزء الثاني من العكس نضم نقيضه الى الجزء الأول من الأصل فينتج نتيجة ثم نضمه الى الجزء الثاني من الأصل فينتج ما ينافي

تلك النتيجة ) ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : إنا نقتصر على ضمه الى الجزء الثاني فينتج سلب الشيء عن نفسه وهو محال ولا حاجة لضمه للجزء الأول . - وجوابه - انَّ الجزء الثاني لمَّا كان مطلقة عامة سالبة كلية كان هو الكبرى والنقيض للادوام العكس هو الدائمة المطلقة الموجبة الكلية وهو الصغرى فتكون النتيجة سالبة كلية مطلقة عامة والشيء يسلب عن نفسه بالاطلاق العام ألا ترى انَّه يصح أن يقال : لا شيء من الكاتب بكاتب بالفعل لأن ذات الكاتب تسلب عنها الكتابة في أحد الأزمنة الثلاثة فلذا احتيج إلى ضم نقيض اللا دوام العكس الى الجزء الثاني لينتج ما ينافي تلك النتيجة .

وثانياً : انَّ هذا لا يتم فيما لو كان الخاصتان جزئيتين لأن الجزء الثاني من الأصل يكون حينئذ سالبة جزئية فلا يصلح لضم نقيض اللا دوام اليه لأن السالبة الجزئية لا تصلح صغرى ولا كبرى للشكل الأول ولذا بعضهم التجأ للاستدلال عليه بالافتراض .

وثالثاً : انَّ الاستدلال المذكور غير كاف بل لابد من بيان انَّه لا ينعكس الى ما هو أخص منهما لجواز أن يكون صدق الحينية بواسطة انَّها أعم من عسكهما .

( قال متأخروا المنطقيين : انَّ الممكنتين لا عكس اهما لأنه لمَّا كان صدق وصف الموضوع على ذاته بالفعل كان مفهومهما انَّ ذات الموضوع يثبت لها وصف الموضوع بالفعل ويثبت لها وصف المحمول بالامكان ولابد في العكس أن تكون تلك الذات يثبت لها وصف المحمول بالفعل حتى يكون وصفالمحمول عنواناً لها في العكس وغير معلوم حينئذ لزوم العكس للأصل لاحتمال

انَّ الامكان لم يخرج الى الفعلية ) . ويرد عليهم خمسة ايرادات.

أولاً : انَّه كلما صدقت الممكنة أمكن صدق المطلقة العامة وكلما أمكن صدق المطلقة العامة أمكن في عكسها صدق المطلقة العامة للملازمة بين الأصل والعكس فينتج كلما صدقت الممكنة أمكن في عكسها صدق المطلقة العامة ونضمَّه الى كبرى بديهية وهي كلما أمكن في عكسها صدق المطلقة العامة أمكن في عكسها صدق الممكنة العامة لكون الممكنة العامة أعم فينتج كلما صدقت الممكنة أمكن في عكسها صدق الممكنة العامة . - وجوابه - انَّ هذا إنما يثبت امكان صدق الممكنة العامة في عكس الممكنة ولا يثبت انه لازم لها والعكس لابد من اثبات لزومه للأصل لا امکان صدقه معه .

وثانياً : انَّ دليل الخلف يثبت انعكاس الممكنة فانَّه اذا صدق بعض ج ب بالامكان صدق بعض ب ج بالامكان العام وإلا لصدق نقيضه وهو لا شيء من ب ج ونضمه الى الأصل بجعله كبرى لسلبه والأصل صغرى لايجابه فينتج من الشكل الأول بعض ج ليس بج بالضرورة وهو محال . -وجوابه - انَّ قياس الخلف في المقام غير تام لأن الصغرى فيه تكون ممكنة وهي لا تصلح لصغروية الشكل الأول.

وثالثاً : انَّ دليل الافتراض يثبت انعكاس الممكنة بفرض الموضوع (د) فيكون (د ب ) و ( دج ) فيصدق بعض ب ج . - وجوابه - بأن صدق ب على د كان بالامكان لأن القضية ممكنة فاذا أخذ ( ب ) في الموضوع لم يعلم صدقها على ( د ) لأن صدق وصف الموضوع على ذاته بالفعل فلم ثبت بعض ب ج هذا اذا لم نرجع دليل الافتراض الى الشكل الثالث وإن ارجعناه ففساده أوضح لأن ( د ب ) لمَّا كانت ممكنة لم تصلح لصغروية

الشكل الثالث .

ورابعاً : انَّ دليل العكس يثبت انعكاس الممكنة بأن يقال : لو كذب بعض ب ج بالامكان العام الذي هو العكس لصدق نقيضه وهو لا شيء من ب ج بالضرورة وينعكس الى لا شيء من ج ب بالضرورة وهو ينا في الأصل . -وجوابه - انَّ الضرورية السالبة لا تنعكس الى نفسها وإنما تنعكسدائمة والدوام لا ينافي الامكان .

وخامساً : انَّ صدق وصف الموضوع على ذاته بالامكان لا بالفعل وحينئذ فتنعكس الممكنة ممكنة عامة لصلاحيتها لصغروية الشكل الأول والثالث ولانعكاس الضرورية الى نفسها . - وجوابه - انَّه قد مر مننَّا انَّ صدق وصف الموضوع على ذاته في القضايا المتعارفة ليس بالامكان .

ما لا ينعكس من السوالب الكلية

( قالوا : لا تنعكس من السَّوالب الوقتية المطلقة والمنتشرة المطلقة والمطلقة العامة والممكنة العامة من البسائط والوقتيتان والوجوديتان والممكنة الخاصة من المركّبات لأن أخصها الوقتية لا تنعكس ومتى لم ينعكس الأخص لم ينعكس الأعم امَّا الوقتية لا تنعكس فلصدق قولنا : لا شيء من القمربمنخسف بالضرورة وقت التربيع لا دائماً مع كذب قولنا ليس بعض المنخف قمر بالامكان الذي هو أعم الجهات لصدق نقيضه وهو كل منخسف قسر بالضرورة وكذب العام يوجب كذب الخاص ) . ويرد عليهم : انَّ العكس لا نسلِّم كذبه لأن السالبة تصدق باتفاء الموضوع وصدق الموجبة الكلية

لا يوجب كذب العكس لأنها انَّما تناقض العكس لو اتحدا في الموضوع وليس كذلك فانَّ الايجاب انَّما يكون على الافراد المقدَّرة لاعتبار وجود الموضوع في الموجبة والسلب قد فرض على الأفراد المعدومة . - وجوابه - انَّ الموضوع موجود في العكس بشهادة لا دوام الأصل الذي هو موجبة كلية فيكون السلب مسلَّطاً عليها مضافاً الى انَّ الحكم على الأفراد في العكس ونقيضه هي الأفراد المقدَّرة فالموضوع فيهما واحد وإلا لما كان تناقض بين الموجبة والسالبة أصلاً .

عكس الضرورية المطلقة الكلية

( قالوا : السالبة الضرورية المطلقة تنعكس سالبة دائمة مطلقة بالخلف وطريق العكس ) . ويرد عليهم ستة ايرادات .

أولاً : انَّ العكس أخص قضية وكما يجب اثبات لزوم العكس بالبرهان يجب بيان انَّ الأخص غير لازم في العكس فلابد أن يبينوا انَّ الضرورية غير الازمة في العكس ولذا إلتجأ بعضهم لاقامة البرهان على ذلك بأنه لو فرضنا انَّ زيد لم يركب إلا الفرس صدق لا شيء من مركوب زيد بحمار بالضرورة ولا يصدق لا شيء من الحمار بمركوب زيد بالضرورة لصدق نقيضه وهو بعضالحمار مركوب زيد بالامكان فالضرورية في عكس الضرورية غير لازمة .

وثانياً : انها تنعكس كنفسها وذلك لأنه لو صدق لا شيء من ج ب بالضرورة فلابد أن يصدق لا شيء من ب ج بالضرورة وإلا لصدق نقيضه وهو بعض ( ب ج ) بالامكان لكن صدق هذا النقيض محال لأن كل ممكن انَّما يصير ممكناً اذا لم يلزم من وقوعه محال وإلا لكان ممتنعاً ولو وقع

النقيض المذكور أعنى بعض ب ج بالامكان لصدق بعض ب ج بالفعل لأن معنى وقوع الممكن هو خروجه من الامكان الى الفعل وصدق بعض ب ج بالفعل محال لأنا لو عكسناه لكان منافياً للأصل ولو ضممناه الى الأصل بأن جعلناه لايجابه صغرى والأصل لسلبه كبرى صار شكلاً أولاً ينتج لا شيء من بب بالضرورة وهو محال لا منشأ له إلا تحقق الممكن فيكون تحققه محالاً ممتنعاً واذا ثبت انَّ صدق بعض ب ج بالفعل، محال كذب بعض ب ج بالامكان لأن الممكن ما كان وقوعه ليس بمحال واذا كذب بعض ب ج بالامكان صدق نقيضه وهو لا شيء من ب ج بالضرورة وهو المطلوب . ويتلخص الاشكال انَّ الضرورية اذا لم تصدق في عكس الضرورية فلابد ان يصدق الامكان لاستحالة ارتفاع النقيضين ولازم صدق الامكان هو جواز وقوعه وتحققه وإلا لما صار الشيء ممكناً بل يصير ممتنعاً ووقوع الامكان فيما نحن فيه محال لأنه لو ضم الى الأصل اتنج سلب الشيء عن نفسه بالضرورة فيمتنع وقوعه فلا يصدق الامكان فيثبت نقيضه وهو الضرورة . واجيب عنه بتوضيح منا انَّ الامكان لا يستلزم جواز الوقوع لأن الامكان هو سلب الضرورة عن الطرف المقابل في حدِّ ذاته وهو لا ينافي امتناع الطرف الموافق بواسطة الغير ألا ترى انَّ سائر الممكنات الغير الموجودة ممتنعة بواسطة عدم العلة لها أو وجود المانع منها .

وثالثاً : انَّ الدوام في الكليات لا ينفك عن الضرورة لأن الدوام يستدعي دوام العلة التامة ودوامها يستدعي ضرورة المعلول لاستحالة انفكاك المعلول عن علته التامة واذا ثبت انَّ الضرورة تنعكس دائمة والدائمة تستلزم الضرورية صدقت الضرورية في عكس الضرورية . - وجوابه - انَّ الضرورة إن كانت

ناشئة من الذات فليست بلازمة للدوام لأن الضرورة الناشئة من وجود العلة التامة لم تكن من جهة الذات وان كانت أعم من الناشئة من الذات أو من الغير كان الدوام ملازماً للضرورة لأن الدوام يستحيل معه العدم بلحاظ استلزامه لوجود العلة التامة وقد تقدم في مبحث الدائمة ما ينفعك في تقريب الايراد ودفعه فراجع .

ورابعاً : ما حاصله بتنقيح منا وتوضيح انَّه اذا فرض انَّ ذات الموضوع اتصافها بوصف المحمول كما هو معنى الضرورية المطلقة كانت ذات يمتنع المحمول يمتنع اتصافها بوصف الموضوع حيث انَّه لو اتصف ذات المحمول بوصف الموضوع اجتمع الوصفان على ذات واحدة فيصدق الايجاب الجزئي وهو ينافي الأصل الذي هو السلب الكلي الضروري واذا ثبت انَّ ذات المحمول يمتنع اتصافها بوصف الموضوع صدقت الضرورية المطلقة في طرف العكس لأن العكس الضروري عبارة عن انَّ ذات المحمول يمتنع اتصافها بوصف الموضوع . - وجوابه - انَّه اذا فرض انَّ ذات الموضوع يمتنع اتصافها بالمحمول فلا يلزم أن تكون ذات المحمول يمتنع اتصافها بالموضوع وإنما يلزم عدم الاتصاف بالموضوع لا امتناع الاتصاف وما ذكر من العلة إنما يكون علة لعدم وقوع الاتصاف لا لامتناعه كما يشهد بذلك المثال المتقدم وهو مركوب زيد فلذا يكون العكس ليس بضروري .

و خامساً : ان الضرورية ببرهان الخلف تنعكس ضرورية لأنه اذا صدق لا شيء من ج ب بالضرورة صدق لا شيء من ب ج بالضرورة وإلا لصدق نقيضه وهو بعض ب ج بالامكان ونضمه الى الأصل فينتج بعض ب ليس ب بالضرورة وهو محال . - وجوابه - ان دليل الخلف غير جار هنا لأن -

نقيض الأصل ممكنة جزئية وهي لا تصلح صغرى ولا كبرى في الشكل الأول .

وسادساً : انَّ الضرورية تنعكس كنفسها بطريق العكس بأن نقول لو لم تصدق الضرورية في عكس الضرورية لصدق نقيضها وهو الممكنة وهي تنعكس الى ما ينافي الأصل ألا ترى انه اذا صدق لا شيء من ج ب بالضرورة صدق لا شيء من ب ج بالضرورة وإلا لصدق نقيضه وهو بعض ب ج بالامكان ونعكسه الى بعض ج ب بالامكان وهو ينا في الأصل . - وجوابه - انَّه لا يتم فيما نحن فيه لأنه مبني على انعكاس الممكنة وقد عرفت عدمه .

عكس الدائمة المطلقة السالبة

( قالوا : الدائمة المطلقة السالبة تنعكس كنفسها ) . ويرد عليهم : انَّ العرض الخاص المفارق كالضحك للانسان يسلب عن جميع أفراد معروضه في وقت مَّا وإلا لما كان عرضاً مفارقاً فيصدق لا شيء من الانسان بضاحك وقت منَّا واذا صدق سلبه في وقت ما أمكن سلبه دائماً إذ لو لم يكن السلب دائماً لزم انقلاب الممكن الذاتي الى الممتنع الذاتي لأن السلب ممكن ذاتي وإلا لما تحقق في وقت فلو لم يمكن تحققه دائماً لكان ممتنعاً ذاتاً وقد تقرر في فن الحكمة استحالة انقلاب الممكن الذاتي الى الممتنع الذاتي وحيث انَّ الممكن هو ما جاز وقوعه وتحققه فاذا أمكن السلب دائماً بمعنى أنه أمكن دوام سلب الضاحكية عن الانسان جاز وقوعه وتحققه وصدقه بأن يصدق لا شيء من الانسان بضاحك دائماً فلو كانت السالبة الدائمة تنعكس كنفسها لانعكست هذه القضية الى لا شيء من الضاحك بانسان دائماً وهو کاذب لصدق نقيضه وهو بعض الضاحك انسان بالفعل فثبت أن السالبة الدائمة يمكن صدقها مع كذب عكسها مع انَّ من شرط العكس الملازمة للأصل في

الصدق ولا يعقل إمكان أحد المتلازمين مع عدم امكان الآخر . - وجوابه - بالنقض بالأمور الغير القاره كالحركة والكلام فانها متحققة الوجود ولا يمكن دوام وجودها وإلا لكانت قارة وحينئذ فيتحقق سلب الضاحكية عن الانسان وقتاً مَّا ولا يستلزم امكان دوام السلب وبالحل بأن الانقلاب المحال هو انَّ الشيء في وقت امكانه يكون ممتنعاً امَّا انَّه لو امتنع في زمان آخر فهذا ليس بمحال . وعليه لو انَّ الشيء تحقق في وقت فلا مانع من أن يكون ممتنعاً في وقت آخر كما في الأمور الغير القارة وبهذا ظهر انَّ التحقق في وقت مَّا لا يستلزم امكان دوامه . مضافاً الى انَّ امكان السلب ليس إلا سلب الضرورة ولا يستلزم جواز التحقق فانَّ الشيء قد يكون ممكنا في ذاته ولكن يمتنع تحققه من جهة اخرى .

عكس السالبة المشروطة العامة الكلية

( قالوا : المشروطة العامة تنعكس عرفية عامة لأنه لو لم يصدق عكسها لصدق نقيضه وهو الحينية المطلقة ونضمها الى الأصل فينتج سلب الشيء عن نفسه بالضرورة ) . ويرد عليهم ايرادان .

أولاً : ما سبق من انَّ مجرد ذلك لا يكفي في بيان الانعكاس الى العرفية العامة بل لابد من إثبات عدم انعكاسها الى نفسها إذ يجوز أن تكون العرفية العامة أعم من العكس فان الخلف يجري في الأعم ولذا التجأ جلهم الى ضم دليل يثبت عدم انعكاسها الى نفسها وهو أن نقول في المثال المعروف لا شيء من مركوب زيد بحمار بالضرورة ما دام مركوب زيد ولا يصدق في عكسه المشروطة العامة لكذب لا شيء من الحمار بمركوب زيد بالضرورة ما دام حماراً لصدق نقيضه الحينية الممكنة وهو بعض الحمار مركوب زيد

بالامكان حين هو حمار .

وثانياً : انَّ المشروطة العامة هي التي يحكم فيها بالضرورة لأجل الوصف العنواني كقولنا : لا شيء من الساكن بمتحرك بالضرورة ما دام ساكناً ولا شيء من العالم بجاهل بالضرورة ما دام عالماً وحينئذ فتكون بين وصف الموضوع ووصف المحمول معاندة لأن منشأ ضرورة السلب هو وصف الموضوع فلابد أن يكون في وصفه عناد ومنافاة ذاتية مع وصف المحمول ولازم ذلك أن يكون وصف المحمول معانداً لوصف الموضوع لأن العناد والتنافي أمر قائم بين الشيئين واذا ثبتت المعاندة من الطرفين والمنافاة الذاتية بين الوصفين استحال ثبوت كل منهما لذات الآخر حين اتصافها بالآخر فيصدق

العكس ضرورياً ما دام الوصف والمثال المعروف لا تصدق المشروطة العامة فيه لعدم دخل الوصف في المنافاة . - وجوابه - إنا لا نسلِّم بأن المشروطة العامة هي ما ذكره الخصم بل هي ما كانت ضرورتها بشرط الوصف أو ما دام الوصف فلا تدل على العناد بين الوصفين فيها هذا ولا يخفى انَّ أغلب ما ذكر في عكس السالبة الضرورية يجري هنا فراجع وهكذا ما ذكر في عكس السالبة الدائمة يجري في عكس السالبة العرفية العامة .

عكس السالبتين الخاصتين الكليتين

(قالوا : انَّ الخاصتين السالبتين الكليتين تنعكسان عرفية عامة سالبة كلية مقيَّدة باللا دوام في البعض وهو اشارة الى مطلقة عامة موجبة جزئية ) .ويرد عليهم ایرادان .

أولاً : انَّ اللا دوام في المركبات حسب ما ذكروه اشارة الى قضية مطلقة عامة موافقة للأصل في الكم وهنا قد خالفه في الكم . - وجوابه -

انَّ ذلك فيما اطلق اللا دوام كما هو شأن سائر الألفاظ فانَّها تدل على معانيها مع اطلاقها و تجردها عن القرينة امَّا مع القرينة فتكون القرينة هي المتبعة .

وثانياً : انَّ المشروطة الخاصة تنعكس الى مشروطة خاصة وذلك لأنه في المشروطة الخاصة بواسطة اللادوام تكون ذات الموضوع عين ذات المحمول لدلالته على الايجاب الكلي فاذا الوصفان تنافيا وتعاندا في ذات الموضوع فقد تنافيا في ذات المحمول فيكون كل منهما مسلوباً عن ذات المحمول بالضرورة حين اتصافها بالآخر . - وجوابه - انَّه من الجائز أن یعم المحمول افراداً أخر غير ذات الموضوع يمكن اتصافها بوصف الموضوع وحينئذ فلا یصح سلب وصف الموضوع عن جميع أفراد المحمول بالضرورة فمثلاً اذا فرضنا امكان ان يكتب ساكن الاصابع بفمه فيصدق لا شيء من الكاتب بساكن الأصابع بالضرورة ما دام كاتباً لا دائماً ولا يصدق لا شيء من ساكن الأصابع بكاتب بالضرورة ما دام ساكن الأصابع لصدق نقيضه وهو بعض ساكن الأصابع كاتب بالامكان حين هو ساكن الأصابع وهو الذي يمكن أن يكتب بفمه والغريب انَّ من تعرَّض لهذا الاشكال لم يتعرض لجوابه مع وضوحه نعم يمكن اثبات انعكاس المشروطة الخاصة الكلية السالبة الى مشروطة خاصة جزئية سالبة بهذا الدليل وكأن القوم إنما اختاروا انعكاسها الى العرفية الخاصة الكلية دون المشروطة الخاصة الجزئية مع انَّ بينهما عموم من وجه هو اجراء لباب السوالب الكلية على نسق واحد ولأن الكلية أهم من الجزئية باعتبار شمولها وضبطها للافراد ويرد هنا أغلب ما أوردناه على انعكاس السالبة الضرورية والدائمة فراجع ترشد انشاء الله .

عكس السالبتين الجزئيتين الخاصتين

(ذهب قدماء المنطقيين الى انَّ السالبة الجزئية مطلقاً لا تنعكس ولكن اثير الدين المفضل بن عمر الأبهري تفطن الى انعكاس الخاصتين منها وتبعه المتأخرون على ذلك وزعم جلهم انَّهما ينعكسان الى عرفية خاصة فاذا صدق بالضرورة أو بالدوام بعض الكاتب ليس بساكن الأصابع ما دام كاتباً لا دائماً صدق في عكسه ليس بعض ساكن الأصابع بكاتب دائماً ما دام ساكن الأصابع لا دائماً مستدلين على ذلك بدليل الافتراض وذلك بأن نفرض ذات الموضوع ( زيد ) ومن هذا الفرض تصدق قضيتان أحدهما ( زيد كاتب ) لأن وصف الموضوع ينسب لذاته ومصاديقه و ( زيد ساكن الأصابع ) لأن مفهوم لا دوام الأصل بعض الكاتب ساكن الأصابع بالفعل والقضية المحصورة يكون المحمول فيها ثابتاً لذات الموضوع فيكون ( سكون الأصابع ) ثابتاً لزيد فيصدق بعض ساكن الأصابع كاتب بالفعل وهو الجزء الثاني من العكس وببيان آخر انَّ لا دوام الأصل لمَّا كان موجبة جزئية كان ينعكس كنفسه موجبة جزئية وهي لا دوام العكس . ثم تقول لاثبات الجزء الأول من العكس بأن لازم الجزء الأول من الأصل أن يصدق ( زيد ليس كاتباً بالدوام ما دام ساكن الأصابع ) لأنه لو لم يصدق لصدق نقيضه وهو الحينية المطلقة أعني زيد كاتب حين هو ساكن الأصابع ولازم هذا النقيض صدق زيد ساكن الأصابع حين هو كاتب لأن الوصفين اذا تفارنا في ذات ثبت كل منهما في زمان الآخر وهذا اللازم للنقيض باطل لأنه ينافي الجزء الأول لأنه قد كان مقتضاه انَّ زيداً ليس ساكن الأصابع حين هو كاتب فيكون ملزومه وهو النقيض

باطل فيصدق زيد ليس بكاتب ما دام ساكن الأصابع فيصدق الجزء الأول من العكس لأن زيد بعض ساكن الأصابع بحكم لا دوام الأصل أو لأنا نضمه كبرى الى ما استفدناه من لا دوام الأصل وهو ( زيد ساكن الاصابع ) بأن تنقول : زيد ساكن الأصابع وزيد ليس بكاتب ما دام ساكن الأصابع فينتج من الشكل الثالث بعض ساكن الأصابع ليس بكاتب بالدوام ما دام ساكن الأصابع وهو الجزء الأول من العكس . وببيان آخر لاثبات الجزء الأول من العكس وهو أن نقول : انَّ وصف الكتابة مع وصف سكون الأصابع متنافيان في زيد بحكم الجزء الأول من الأصل حيث انَّ مفهومه انَّ زيدا ما دام متصفاً بالكتابة لا يتصف بسكون الأصابع فلابد أن يكون وصف السكون منافياً لوصف الكتابة في ( زيد ( إذ لا يعقل أن يوجد التنافي في أحد الطرفين دون الآخر فصار ( زيد ) ساكن الأصابع بحكم لا دوام الأصل وكان حال اتصافه بسكون الأصابع لا يتصف بالكتابة بحكم الجزء الأول من الأصل وحينئذ فيصدق بعض ساكن الأصابع ليس بكاتب ما دام ساكن الأصابع وهو الجزء الأول من العكس ) . ويرد عليهم أربعة ايرادات.

أولاً : انَّ مثل قولنا : بالضرورة أو بالدوام بعض الانسان ليس بكاتب ما دام انساناً لا دائماً صادق مع كذب العكس حتى لو كان ممكنة عامة لكذب قولنا : بعض الكاتب ليس بانسان بالامكان العام لصدق نقيضها وهو كل كاتب انسان بالضرورة .- وجوابه - انَّ هذه القضية ليست بصادقة لأن المشروطة التي هي محل كلام المنطقيين لابد وأن يكون الوصف له مدخلية في تحقق الضرورة أو كانت الضرورة في جميع أوقات الوصف وسلب الكتابة عن الانسان لم يكن لوصف الانسان مدخلية في ضروريته ولا انَّ ضرورته

ثابتة في جميع أوقات الانسانية وإلا لما صدق اللا دوام في المثال ·

وثانياً : انَّ المشروطة الخاصة تنعكس كنفسها لا عرفية خاصة عامة لأن الوصفين لمَّا تعاندا تعانداً ضرورياً في ذات الموضوع امتنع ثبوت كل منهما في زمن الآخر بالضرورة لأن التعاند صفة قائمة بالطرفين .

وثالثاً : انَّ البيان المذكور لو تم لاقتضى انعكاس العامتين السالبتين الجزئيتين الى عرفية عامة لأنه اذا صدق بعض ج ليس ب ما دام ج كان الوصفان متنافيين في ذات الموضوع فما هو ب لا يكون ج ما دام به وإلا لکان ج ب في أوقات كونه ج فيجتمع الوصفان على ذات واحدة وقد كانا متنافین.- وجوابه - انَّ الأصل إنما يقتضي منافاة الوصفين في ذات الموضوع وهو لا يقتضي ثبوت المنافاة بينهما في ذات المحمول لجواز انَّها غير ذات الموضوع ألا ترى انَّه يصدق بعض الحيوان ليس بانسان بالضرورة ما دام حيواناً ولا يصدق عكسه لكون ذات الموضوع كانت مثل الفرس وذات المحمول هو الانسان وهذا بخلاف الخاصتين فانَّه يجب أن يكون ذات الموضوع متحدة مع ذات المحمول بحكم اللا دوام .

ورابعاً : انَّ مثل قولنا بعض متحرك الأصابع ليس بكاتب ما دام متحرك الأصابع لا دائماً صادق مع كذب العكس وهو بعض الكاتب ليس بمتحرك الأصابع ما دام كاتباً لا دائماً كاتباً لا دائماً . - وجوابه - انَّا لا نسلِّم كذبه لامكان انه كان يكتب بوضع القلم في فمه.

عكس النقيض

(اشتهر تعريفه بينهم بأنه تبديل نقيضي الطرفين مع بقاء الكيف والصدق ) . ويرد عليهم ایرادان

أولاً : انَّ التبديل لنقيضي الطرفين يشمل صورة جعل كل من النقيضين مکان طرفه فمثل كل انسان کاتب لو بدل بكل ما ليس بانسان ليس بكاتب صدق عليه تبديل نقيضي الطرفين وكان الأصح تعريفه بتبديل كل من الطرفين بنقيض الآخر . إلا اللهم أن يدعى انَّ المتبادر منه هو التبديل بين النقيضين وانَّ الصورة المذكورة لم يكن فيها تبديل بين النقيضين .

وثانياً : انَّ اشتراط الصدق يغني عن اشتراط الكيف لأن بقاء الصدق يستلزم بقاء الكيف . واجيب عنه بأن الصدق قد يكون مع عدم بقاء الكيف كقولنا : ليس بعض الانسان بلا حيوان مع صدق بعض الحيوان لا انسان وهما مختلفان في الكيف فأحدهما لا يستلزم الآخر وأغلب ما تقدم في تعريف عكس المستوي يجيء هنا فجدير بنا أن لا نطيل الكلام في تعريفه ولا في قواعده .

عكس النقيض في الموجبات

(قالوا : انَّ حكم الموجبات هنا حكم السوالب في المستوي حتى انَّ الموجبة الكلية تنعكس كنفسها لأنه اذا صدق كل انسان حیوان صدق كل ما ليس بحيوان ليس بانسان وإلا لصدق نقيضه وهو ( بعض ما ليس بحيوان انسان ) وينعكس بالعكس المستوي الى ( بعض الانسان ليس بحيوان ) وهو ينافي الأصل أو نضمه الى الأصل بأن يجعل صغرى والأصل لكليته كبرى فيقال بعض ما ليس بحيوان إنسان وكل انسان حيوان ينتج بعض ما ليس بحيوان حيوان وهو محال ) .. ويرد عليهم ستة ايرادات .

أولاً : أن ( بعض ما ليس بحیوان انسان ) ليس بنقيض للعكس لأنه موافق مع العكس في الايجاب ومن شرط النقيض الاختلاف في الكيف وإنما

نقيض العكس المذكور هو سالبة جزئية أعني ( ليس بعض ما ليس بحيوان ليس بانسان) وقد تقدم انَّ السالبة الجزئية لا تنعكس بالعكس المستوي رسيجيء إنشاء الله انَّها لا تصلح في الشكل الأول لا صغرى ولا كبرى . إن قلت : انَّ (بعض ما ليس بحیوان انسان) لازم لقولنا : ( ليس بعض ما ليس بحيوان ليس بانسان) لأن نفي النفي ايجاب . قلنا : انَّ الأولى موجبة معدولة الموضوع والثانية سالبة معدولة الطرفين والسالبة أعم من الموجبة لصدقها مع اقتفاء الموضوع بخلاف الموجبة والأخص لا يلازم الأعم فالايراد محكم . وقد اشتهر الجواب عنه : بأن العكس لم يكن موجبة معدولة الطرفين بل هو قضية سالبة المحمول لأن حرف النفي فيه دال على السَّلب وليس بجزء للموضوع ولا للمحمول ولذا أتى بلفظ ( ليس ) دون لفظ ( لا ) وحينئذ فيكون نقيضه الموجبة الجزئية المذكورة وهي ( بعض ما ليس بحيوان انسان ) . وهذا الجواب في منتهى الغرابة منهم فانَّهم قد اشترطوا في عكس النقيض الموافقة في الكيف مع الأصل ومقتضى هذا الجواب هو مخالفة العكس للأصل في الكيف . مضافاً الى انَّ سلب النسبة ليس بنقيض للمفردات فلم يكن على هذا تبديل قيضي الطرفين . ودعوى انَّ العكس موجبة سالبة الطرفين وهي في حكم السالبة . باطلة لأنها ان اريد بها معدولة الطرفين فقد عاد المحذور وجاء الكلام المتقدم وإن اريد انَّها غير معدولة لزم اجتماع الحكمين الايجاب والسلب في القضية الواحدة البسيطة وهو خلاف ما قرروه في القضية والتحقيق في المقام أن يعدل عن هذا الاستدلال على انعكاس الموجبة الكلية الى نفسها الى دليل آخر ويقال انَّ الموجبة الكلية اذا فرض صدقها فلابد أن يكون محمولها مساويا لموضوعها أو أعم مطلقاً

منه وعلى كل حال فيصدق عكس النقيض لأن نقيض المتساويين متساويان فيحمل كل منهما على الآخر حملاً كلياً ونقيض الأخص أعم من تقيض الأعم فيحمله على نقيض الأعم حملا كلياً .

وثانياً : بالحمليات التي محمولاتها المفهومات العامة كقولنا : ( كل لا انسان ممكن عام أو شيء أو موجود بأحد الوجودين الذهني أو الخارجي ) فانَّها موجبة كلية مع انَّ عكسها بعكس النقيض كاذب لكذب قولنا : ( كل لا ممكن عام أو لا شيء أو لا موجود مطلقاً انسان ) إذ غير الممكن وغير الشيء وغير الموجود لا يعقل أن يكون انساناً . وقد اشتهر الجواب عنه : بأن المنطقي لا يبحث عن القضايا التي تكون محمولاتها المفهومات العامة إذ لا مسألة في العلوم يكون محمولها من المفهومات العامة وتعميم قواعد الفن انَّما هو بقدر الطاقة .

وثالثاً : انَّ مثل قولنا الانسان نوع صادق مع انَّ عکسه بعكس النقيض كاذب لكذب قولنا : كل اللا نوع لا انسان فانَّ افراد الانسان لیست بنوع مع انَّها انسان وهكذا الكلام في قولنا : الحيوان جنس والجسم كلي ونحو ذلك . - وجوابه- انَّها قضايا طبيعية خارجة عن محل البحث .

ورابعاً : بالممتنعات اذا حمل عدمها على عدم بعضها كقولنا : كل لا اجتماع للنقيضين لا شريك الباري وكل لا اجتماع المثلين لا اجتماع الضدين مع انَّ عكس نقيضهما كاذب لكذب كل شريك الباري اجتماع للنقيضين وكل اجتماع الضدين اجتماع المثلين لعدم اتحادهما مفهوماً ولا مصداقا ولأن كلا منهما موجبة منتفية الموضوع فتكون كاذبة وقد عرفت انَّ العكس هو

ما كان لازماً للأصل لا يتخلف عنه في مادة اصلاً . وقد اجيب عنه بوجهين أحدهما انَّ الأصل كاذب فانَّ من افراد (اللا اجتماع النقيضين ) هو نفس شريك الباري فلا يصدق الأصل وهو كل لا اجتماع النقيضين لا شريك الباري وهكذا المثال الثاني فانَّه من افراد اللا اجتماع المثلين هو اجتماع الضدين فلا يصدق الأصل وهو كل لا اجتماع المثلين لا اجتماع الضدين إن قلت : هذا اذا أخذنا الأصل قضية حقيقية واما اذا أخذناه قضية خارجية فلم يكن من أفراد الموضوع الامور الممتنعة فلا يكون من افراد ( لا اجتماع النقيضين) شريك الباري فيصدق الأصل ويكذب عكس نقيضه ويتم الایراد قيل : القضية الخارجية ليس لها عكس نقيض بدليل تخلف عكس النقيض فيها حتى في غير الممتنعات من المعدومات فانَّ قولنا : ( كل لا عنقاء لا غول ) صادق بنحو القضية الخارجية مع كذب (كل غول عنقاء ) . ثانيهما ان نلتزم بأن أحكام المنطق يستثنى منها المفهومات العامة والأصل المذكور من المفهومات العامة .

وخامساً : بالمفهومات العامة كقولنا : كل شيء ممكن بالامكان العام مع كذب عكس نقيضها كل لا ممكن بالامكان العام لا شيء لعدم ثبوت الموضوع لعدم وجود اللا ممكن بالامكان العام إذ كلما وجد فهو ممكن بالامكان العام . - وجوابه - تقدم في مبحث النسب .

وسادساً : كل ممكن عام شيء فانَّه عكس نقيضه كاذب لأن عكس نقيضه كل لا شيء لا ممكن عام لأن المعدوم لا شيء مع انَّه ممكن عام .-وجوابه - انَّ الموجبة كاذبة لأن من الممكن العام المعدوم مع انَّه ليس بشيء ولولا انَّ بعض محشي الشمسية يذكر هذا الايراد لما ذكرناه .

الموجبة الكلية الشرطية

( قالوا : انَّها تنعكس بعكس النقيض كنفسها لأنه اذا صدق كلما كان النهار موجوداً كان الضوء موجوداً صدق كلما ما كان الضوء موجوداً ما كان النهار موجوداً لأن اقتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم والا لجاز انتفاء اللازم مع بقاء الملزوم وهو يهدم الملازمة بينهما ) . ويرد عليهم : إن من الجائز أن تنتفي الملازمة على تقدير اقتفاء اللازم واذا اقتفت الملازمة جاز التفكيك بينهما فيبقى الملزوم دون اللازم . - وجوابه - انَّ الكلام في العكس على تقدير الملازمة .

عکس نقيض السوالب

(قالوا : حكم السوالب هنا حكم السوالب في المستوي حتى انَّ السالبة الكلية تنعكس سالبة جزئية). ويرد عليهم : بمثل لا شيء من اللا ممكن بانسان ولا شيء من اللا شيء بانسان مع كذب عكس نقيضهما لكذب قولنا : ليس بعض اللا انسان بممكن عام وليس بعض اللا انسان بشيء لأن كل لا انسان ممکن عام وكل لا انسان شيء . - وجوابه يظهر مما سبق .

القياس

(قالوا : القياس قول مؤلف من قضايا يلزمه لذاته قول آخر ) . ويرد عليهم مضافاً الى ما تقدم في تعريف النظر ثلاثة وعشرون ايراداً .

أولاً : انَّ القول ظاهر في الملفوظ كما يظهر من كلماتهم في تعريف القضية وحينئذ فالتعريف لا يشمل القياس المعقول . ودعوى انَّه موضوع للمفيد أو للمركّب أعم من اللفظي والعقلي فيكون مشتركا معنوياً بينهما والتعريف شامل لكليهما . فاسدة لعدم وجود القدر الجامع بينهما فان المفيد يطلق على الموجود الخارجي الذي يترتب عليه الفائدة فهو أعم من القول وهكذا المركّب أعم من القول فانَّه يطلق على المركّبات الخارجية ولا يطلق

عليها القول . ويمكن الجواب عنه : بدعوى انَّه في اصطلاح المنطقيين مشترك لفظي بين الملفوظ والمعقول وصح أخذه في التعريف مع انَّ المشترك اللفظي لا يصح استعماله فيه هو انَّه لو أريد به أي معنى منه صحت ارادته فان اريد منه المعقول كان تعريفاً للقياس المعقول وإن اريد منه الملفوظ كان تعريفاً للقياس الملفوظ كما يمكن أن تقول انَّ المراد به المعقول بقرينة انَّ القياس من أقسام الحجة والحجة هي المعلوم التصديقي الموصل للمجهول التصديقي والمقسم معتبر في أقسامه فيكون هذا قرينة على ارادة القول المعقول.

وثانياً : انَّ ذكر المؤلف يغني عن ذكر القول لأن المراد بالمؤلف هو القول المتناسب الأجزاء وذكر الخاص يغني عن ذكر العام . - وجوابه - انَّ ذكر الخاص بعد العام متعارف في التعاريف كقولنا : حيوان ناطق في تعريف الانسان . ودعوى انَّ الخاص بعد العام إنما يصح ذكره اذا لم يكن العام مأخوذا في الخاص كالحيوان فانَّه غير مأخوذ في مفهوم الناطق بخلاف القول فانَّه مأخوذ في المؤلف . فاسدة لأن المؤلف هو المركّب الذي بين أجزائه مناسبة وارتباط أعم من أن يكون قولاً أو غيره فالقول غير مأخوذ في المؤلف وبهذا ظهر لك انَّ بينهما عموم من وجه لوجود التأليف في المركّبات الخارجية

ووجود القول في الألفاظ والصور العقلية المجتمعة التي لا مناسبة بينها. وعلى هذا فيكون مراد المجيب بالخاص والعام هما الخاص والعام من وجه .

وثالثاً : انَّ القياس يؤلف من قضيتين صغرى وكبرى وتعريف القياس يقتضي أن يؤلف من ثلاثة فصاعدا لأنه أخذ فيه التأليف من قضايا وأقل الجمع ثلاثة . - وجوابه - انَّ الجمع قد تعارف استعماله عند المنطقيين في الأكثر من واحد حتى صار عندهم حقيقة عرفية .

ورابعاً : انَّه إن اريد بالقضايا ما كان قضية بالفعل فيلزم خروج القياس الشعري لما سيجيء من انَّه مركّب من المخيلات وهي ليست بقضايا لعدم اشتمالها على التصديق وإن كان المراد بها ما كان قضية بالقوة دخلت القضية الشرطية والمركّبة بالنسبة لعكسها بل وعكس نقيضها . - وجوابه - انَّالمراد بالقضايا الفعلية والشعري لا وجه لخروجه فانَّ المخيلات قد عليها المنطقيون من أقسام القضايا فانَّ التصديق ليس بمعتبر في القضايا كما سبق في تقسيم القضية ولو سلمنا فالتصديق بها موجود تنزيلاً لأنها كانت بداعي قبض النفس وبسطها وهما لا يحصلان من القضية إلا اذا صدرت مصدقاً بها ادعاءً .

وخامساً : انَّ التعريف يشمل القضية المركّبة الكلية عند حل أجزائها فانها يلزمها العكس حتى حال حل أجزائها . ودعوى انَّ المتبادر من القضایا ما يعد في عرفهم قضايا والمركّبة ليست كذلك . فاسدة لأنها إنما تنفع لو اشكل على التعريف بالمركّبة قبل حل أجزائها لا بعد حل أجزائها فانَّها بعد حل أجزائها تكون قضيتين صريحتين يلزمهما العكس للمركبة منهما . ودعوى ان لزوم العكس لهما لم يكن بطريق النظر والمعتبر في تعريف القياس هو اللزوم بطريق النظر . فاسدة للزوم الدَّور بأخذ المعرَّف في تعريفه . ويمكن الجواب عنه : بأنه لا تأليف بينهما نظير الأقيسة المذكورة في كتب القوم فائها لا تأليف فيها أو نقول انها داخلة في القياس وانَّها تكون منه وإنما لم يذكروها من أقسامه لعدم دورانها في العلوم .

و سادساً : انَّ هذا التعريف شامل لقياس المساواة بالنسبة الى نتيجته الأولى فانَّ قياس المساواة بذاته تلزمه تنيجة وتضم تلك النتيجة الى المقدمة

الخارجية فينتج المطلوب فقولنا : زيد شبيه لبكر وبكر شبيه لخالد ینتج لذاته انَّ زيد مشابه لمشابه خالد ثم نضمه الى المقدمة الخارجية وهي مشابه المشابه مشابه فينتج زید مشابه لخالد فاذن تعريف القياس يصدق على قياس المساواة بالنسبة الى النتيجة الأولى منه . ودعوى انَّه داخل في الاقتراني الحملي لأنه ما كان القول الآخر مذكوراً فيه بمادته دون هيئته والنتيجة الأولى لقياس المساواة كذلك. فاسدة لأنهم حصروا الاقتران الحملي بالاشكال الأربعة وقياس المساواة ليس بواحد منها . - وجوابه - انَّه من أقسام انقياس وإنما لم يعدوه من أقسامه لعدم دورانه في الكلام بالنسبة الى

نتيجته الأولى .

وسابعا : انَّ هذا التعريف ليس بشامل للشكل الثاني والثالث والرابع لأن لزوم هذه الأشكال للنتيجة ليس لذاتها بل بواسطة اجنبية وهي ردها الى الشكل الأول . - وجوابه - انَّ المراد باللزوم أعم من البيِّن وغير البيّن والأشكال المذكورة لازمة للنتيجة . والرد الى الشكل الأول لأجلالاستدلال على لزومها للنتيجة لا انَّ اللزوم متوقف عليه في الواقع كما توقف في الواقع انتاج قياس المساواة على المقدمة الخارجية في اتناجه للنتيجة الثانية .

وثامناً : انَّ القياس على قسمين ملفوظ وهو الذي يتلفظ به ومعقول وهو المفهوم العقلي والصورة الذهنية التي يستنتج بها النتيجة المطلوبة وهذا التعريف لا يشمل الملفوظ من جهة انَّ الملفوظ لا يستلزم القول الآخر لذاته بل إنما يستلزمه بواسطة القياس المعقول مع انَّ التلفظ بالمقدمات لا يستلزم التلفظ بالقول الآخر . - وجوابه - انَّ القياس الملفوظ إنما يصير قياساً باعتبار دلالته على القياس المعقول فهو شرط لانتاج الملفوظ لا انَّه واسطة

في انتاجه والملفوظ وإن لم يستلزم التلفظ بالنتيجة لكنه يستلزم ادراك النتيجة فهو يستلزم القول الآخر المعقول وبهذا يظهر لك انَّ المراد ( بالقول الآخر ) هو المعقول دون الملفوظ لأنه اللازم للقياس . ولكن يرد عليه انَّه يلزم على هذا استعمال المشترك في التعريف وارادة أحد معانيه من دون نصب قرينة إلا أن يجعل اللزوم هو القرينة . أو يكون عده من أقسام المعلوم الموصل للتصديق قرينة .

وتاسعاً : انَّ الاستقراء التام والتمثيل الذي عليه قطعية يفيدان القطع بالنتيجة ويكون القول الآخر لازم لذاتهما فيشملهما تعريف القياس مع انَّهما خارجان عنه . - وجوابه - انا فلتزم بأنهما اذا كانا بتلك الصفة يكونان من القياس ولذا يسمى الاستقراء المذكور بالقياس المقسم .

وعاشراً : انَّ مثل لا شيء من الانسان بفرس وكل فرس صاهل فانَّه يلزمه لا شيء من الانسان بفرس مع انَّه ليس بقياس لكونه فاقدا لشرائط الأشكال الأربعة . - وجوابه - انَّ اللزوم في مثله كان لخصوصية المادة لا لذاته إذ لو أتى بهذه الهيئة في مادة اخرى صادقة قد يكذب القول الآخر ألا ترى انَّا لو أبدلنا الكبرى بقولنا وكل فرس حيوان لما صدق لا شيء من الانسان بحيوان وهكذا الكلام في سائر الضروب العقيمة التي قد يلزم بعضها القول الآخر لخصوصية في المادة لا للذات ولهذا اختار أرباب العلوم التمثيل بالحروف دون المواد لتعرية الأمثلة عن المواد التي ربما أوجبت الزيغ عن الطريق . وحادي عشر : انَّه لا وجه لتقييد ( القول ) بالآخر لأن أخذه في تعريف القياس يوجب خروج مثل كل انسان حيوان وكل حيوان حيوان فانَّ نتيجته كل انسان حيوان وهو عين الصغرى . - وجوابه - انَّا نلتزم بأن مثل هذا

ليس بقياس كيف ويلزمه توقف الشيء على نفسه لأن العلم بالنتيجة يكون موقوفاً على الصغرى وهي نفسها .

وثاني عشر : انَّ هذا التعريف لا يشمل القياس الثاني الذي يقام على نتيجة القياس الأول لأنه إن أفاد العلم بالنتيجة لزم تحصيل الحاصل وإن لم يفد العلم بها لم يكن القول الآخر لازماً له . - وجوابه - انَّه يفيد العلم بتلك النتيجة ولا يلزم تحصيل الحاصل لأن القياس يكون وجها للعلم بها فيكون تعدُّد الدليل تعدداً لوجه العلم بها نظير ما اذا تعدُّد الاحساس بشيء واخد من عدة طرق سمعاً وبصراً ولمسا فانَّ كل واحد منها يفيد العلم به من جهة خاصة وفائدة ذلك هو حصول الاطمئنان بالنتيجة وتركيزها في النفس. و بعبارة اخرى : انَّ حصول العلم بها يؤكد العلم الأول نظير ما اذا لمس الشيء ثم رآه فيكون المطلوب بالقياس الثاني هو تأكيد العلم الأول وهو غير حاصل .

وثالث عشر : انَّهم إن أرادوا باللزوم اللزوم بحسب العلم يعني اذا علم القياس علم منه القول الآخر كما هو المشهور بينهم ففيه انَّ العلم المذكور غير لازم كما في الشكل الثاني والثالث والرابع فانَّه لم يعلم منها بالنتيجة الا بعد الارجاع الى الأول بل والشكل الأول أيضاً فانَّ البليد غاية البلادة قد يعلم القضايا ولا يعلم النتيجة إلا اذا تفطن الى سريان الحكم من الأوسط الى الأصغر وإن أرادوا اللزوم بحسب نفس الأمر والواقع فهو مضافاً الى انَّه خلاف المشهور يكون اللزوم لنفس القضايا وليس للتأليف بينها دخل فيه هذا مضافاً الى انَّ القياس إنما يبحث عنه في المنطق لأجل ايصاله للمجهول فالمناسب أخذ اللزوم بحسب العلم فيه لا اللزوم الواقعي . - وجوابه - انَّه

اريد به اللزوم في الذهن ونفس الأمر معاً إلا انَّه بحسب الذهن أعم من اللزوم البِّين وغير البيّن ولا شك في اللزوم الذهني بهذا المعنى بين الاشكال ونتائجها إذ بعد ملاحظة الدليل ينتقل الذهن الى النتيجة لا محالة كما هو الحال بين كل قضية وعكسها .

ورابع عشر : انَّه ينبغي أن يزاد في التعريف قيد ( متى سلمت ) كما صنعه بعضهم ليشمل القياس المؤلف من القضايا الكاذبة كقولنا : ( العالم مستغن عن المؤثر وكل مستغن عن المؤثر قديم ) فانَّه قياس عندهم مع انَّه لا يلزمه القول الآخر وهو العالم قديم إلا اذا سلمت قضاياه وهكذا قياس المغالطة والشعري والخطابي والجدلي فانها من القياس عندهم مع انَّها لا يلزمها القول الآخر ولا تفيد اليقين به إلا اذا أخذت قضاياها بنحو التسليم بها حتى الشعري منه وهكذا يلزم خروج قياس الخلف فانَّ المورد فيه لم يكن صادقا وإنما لو سلم كان منتجاً . - جوابه - انَّ اللزوم بين شيئين خارجاً وذهناً لا يتوقف على تحقق الملزوم فانَّ الفساد لازم لشريك الباري وهو لم يتحقق ووجود النهار لازم لطلوع الشمس سواء كانت طالعة أم لا إذ معنى اللزوم هو انَّه متى ما تحقق الملزوم يتحقق اللازم سواء كان الملزوم متحققاً أم لا فظهر لك انَّ القول الآخر لازم لتلك الأقيسة في الخارج لأنها متى تحققت قضاياها في الخارج يوجد القول الآخر وهكذا لازم لها في الذهن لأنها متى تحققت قضاياها في الذهن وعلم بها علم بالقول الآخر . وبعبارة اخرى انَّ قضاياها بأي نحو وجدت في الذهن سواء كان بنحو الشك أو الظن أو اليقين يوجد القول الآخر فيه بذلك النحو وهذا عين اللزوم في الذهن . إلا انَّ التحقيق انَّه لابد من التقييد لأنه عند عدمه يكون الملزوم هو نفس القضية

وهي موجودة في تلك الأقيسة المذكورة مع عدم وجود لازمها وهو القول الأخر بخلاف ما اذا قيِّدت القضايا بالمسلُّمة يكون الملزوم هو القضية المسلَّم بها . والحاصل انَّ اللزوم إنما هو بين القضايا المسلَّم بها وبين القول الآخر وليس اللزوم بين نفس القضايا والقول الآخر وهذا لا ربط له يكون اللزوم يتوقف على تحقق الملزوم أم لا .

وخامس عشر : انَّ القياس لو كان مفيداً للعلم بالقول الآخر لاجتمعت القضايا التي ركِّب منها القياس في الذهن حال الاستنتاج لأن الذهن إنما يستفيد القول الآخر من مجموعها لا من بعضها واجتماع قضايا في الذهن دفعة واحدة محال لأن توجه النفس قصداً الى حكمين في آن واحد محال وقد تقدم تقريره في تعريف النظر . - وجوابه - مضافاً الى انَّه شبهة في مقابل البداهة انَّه إن اريد بتوجه النفس التفاتها بكليتها للشيء بحيث تكون منصرفة عما سواه فمسلَّم انَّها في هذه الحالة لا يمكن أن تتوجه لشيئين ولكن هذا التوجه من النفس غير معتبر في القياس ولا يتوقف عليه الانتاج ولو سلمنا توقف الانتاج عليه كان التوجه للقضايا لتحصيل القول الآخر من قبيل الاسباب المعدَّة لحصول المطلوب ولا يلزم اجتماع الأسباب المعدَّة في الوجود كما في المسائل الحسابية والهندسية وإن اريد بتوجهها الحضور عندها وإدراكها فالأشياء تجتمع في الحضور عندها دفعة واحدة وتدركها في آن واحد كما في طرفي الشرطية وكما في ادراك زيد بمجموع أجزائه بنظرة واحدة كيف والنفوس طالما تجتمع فيها علوم عديدة وأفكار كثيرة وبه تتفاوت مراتب العقول في المعرفة .

وسادس عشر : انَّ القياس لا يفيد العلم بالقول الآخر لأنه مع ظهور

المعارض له يحصل الشك قطعاً لأن الجزم بمقتضاهما يوجب اعتقاد المتنافيين والجزم بمقتضى أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح واذا كان ظهور المعارض موجباً للشك فاحتماله يوجب عدم افادة القياس للعلم بالقول الآخر لأن كل قياس يحتمل وجود المعارض له . ودعوى القطع بعدم المعارض عند قيام القياس . مدفوعة بأن عدم محالية وجوده بل كثرة وجوده توجب الشك فيه ومع الشك لا نجزم بالقول الآخر . ودعوى اقامة الدليل على انتفائه لا تنفع . لأنا تنقل الكلام الى هذا الدليل الآخر فنقول أيضاً يحتمل وجود المعارض له فلا يفيد العلم فيحتاج الى دليل ثالث وهلم جرا . - وجوابه - انَّ القياس نفس مقدماته تفيد القطع بعدم المعارض لأن العلم بالمقدمات واليقين بها يستلزم العلم بعدم ما ينافيها ويعارضها وهو يستلزم العلم بعدم ما ينافي نتيجتها .

وسابع عشر : انَّ العلم بالقول الآخر ليس بلازم للقياس لأنه امَّا أن يكون العلم يحصل معه أو بعده والأول باطل لأن حال النظر في القياس يكون شاکاً حتی اذا كملت مقدماته حصل العلم والثاني باطل أيضاً لجواز أن يحصل مانع عن العلم بعد القياس بلا فصل كنوم أو موت أو غفلة أو نسيان فالقياس لا يلازم العلم بالنتيجة أصلاً . - وجوابه - انه يلازمه بعده بشرط عدم المانع كما قرر في محله .

وثامن عشر : انَّ الحاصل عقيب القياس قد يكون علماً مطابقاً للواقع وقد يكون جهلاً مركباً إن لم يطابق الواقع والتمييز بينهما متعذر ومع هذا الاحتمال فلا يحصل العلم بالنتيجة من القياس . - وجوابه - انَّ القياس لمن قام عنده يرى ان ما حصل عنده علم مطابق للواقع ولا يحتمل عدم المطابقة اصلاً فهو يلازم اليقين عند من قام عنده وإن كان في الواقع جهلاً مركباً .

وتاسع عشر : ما أورده بعض الأفاضل من ان القياس الاستثنائي خارج عن هذا التعريف لأن النتيجة مذكورة فيه بمادتها وهيئتها كما سيجيء انشاءاللهوعليه فلا تكون النتيجة فيه قولاً آخراً . وجوابه - انَّ الذكر بالمادة والهيئة لا ينافي المغايرة لأنه في القياس جزء للشرطية وفي النتيجة مستقل بالوجود فهو مغاير للقياس .

وعشرين : انَّه توجد قياسات مركّبة من قضية واحدة كقولنا : فلان يتنفَّس فهو حي وانَّ الشمس لطالعة فالنهار موجود . - وجوابه - انَّ أمثال هذه الأقيسة لا تتم إلا بقضية محذوفة فالمثال الأول القضية المحذوفة : وكل متنفس حي وفي المثال الثاني المحذوفة : وكلما كانت الشمس طالعة كان النهارموجوداً ولولا هذه القضايا المحذوفة لمَا أتنج القياس .

وحادياً وعشرين : انَّه يدخل في التعريف القضية الواحدة اللازمة لعكسها أو عكس نقيضها . ودعوى انَّها قضية واحدة والمأخوذ في تعريف القياس التألیف من القضايا لا من قضية واحدة . مدفوعة بأن القضية الواحدة من حيث هي واحدة لا تستلزم العكس ولا غيره ما لم ينضم اليها باللفظ أو الفكر البرهان على العكس كأن يقال انها موجبة والموجبة تنعكس جزئية . وجوابه - أنَّه مع الانضمام لا شك يحصل قياس ولكن العكس لو انتقل الذهن اليه من القضية بمجرد الارتكاز لم يكن قياساً.

وثانياً وعشرين : انَّ القياس قد يؤلف من مقدمات ممكنة بعضها أو كلها فكيف يلزم عنه قول آخر بالضرورة والنتيجة تتبع أخس المقدمات . -وجوابه - انَّ المراد انَّ اللزوم ضروريا وبالذات لا أن اللازم يكون ضرورياً وإنما ذكرنا هذا الاشكال مع وضوح فساده لذكر بعض المحققين له .

وثالثاً وعشرين : انَّه لو اجتمع قضيتان أو أكثر في الصدق وإن لم يكن بينهما حدَّ أوسط تصدق أحدهما فيلزم لصدقهما صدق أحدهما مع انَّه ليس بقياس . - وجوابه - انَّه وإن استلزم المجموع صدق أحدهما لكنه ليس بقول آخر وقد قيد في تعريف القياس القول بالآخر .

تقسيم

القياس الى اقتراني واستثنائي

( قالوا : ان كانت النتيجة مذكورة في القياس بمادتها وهيئتها فاستثنائي وإن كانت مذكورة فيه بمادتها فاقتراني) ويرد عليهم ثلاث ايرادات.

أولاً : انَّ مثل قولنا : إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن النهار ليس بموجود ينتج (الشمس ليست بطالعة ) مما كان المستثنى في القياس الاستثنائي نقيض التالي قد انتج نقيض المقدم مع انَّ هذه النتيجة غير مذكورة في القياس وإنما المذكور نقيضها فانَّ هيئة الايجاب غير هيئة السلب. -وجوابه - انَّ المراد بالمادة الموضوع والمحمول والمراد بالهيئة هو الربط بينهما بأن يتصل أحدهما بالآخر لفظاً أو عقلاً ويكونان جزئين لشيء واحد والايجاب والسلب على هذا يكونان كيفيتين للهيئة .

وثانياً : انَّ اشتمال القياس على القول الآخر بمادته وهيئته ينافي ما اعتبروه في القياس من وجوب مغايرة القول الآخر له . - وجوابه - قد عرفته مما سبق بأن الاشتمال لا ينافي المغايرة إذ الموجود في القياس بنحو الجزء للقضية لا يشتمل على الحكم والقول الآخر كان قضية مشتملة على الحكم .

وثالثاً : انَّ القياس المركّب من حملية مرددة المحمول على سبيل الانفصال الحقيقي يكون إثبات كل منهما ينتج رفع الآخر كما لو كان الترديد على سبيل منع الجمع ورفع كل ينتج إثبات الآخر كما لو كان الترديد على سبيل منع الخلو ومن المعلوم انَّ هذا النحو من القياس ليس بداخل في قسم من أقسام القياس إذ ليس باقتراني لأنه ليس بأحد الاشكال الأربعة ولا استثنائي لأنهم اشترطوا فيه أن يكون مركباً من شرطية وحملية .

الاوسط

( قالوا : والمتكرر أوسطا لتوسطه بين موضوع النتيجة ومحمولها وهو امَّا محمول في الصغرى أو موضوع في الكبرى فهو الشكل الأول أو بالعكس فالرابع أو موضوعهما فالثالث أو محمولهما فالثاني ) ويرد عليهم سنة ايرادات .

أولاً : انَّ الأوسط لم يتوسط بين موضوع النتيجة ومحمولها إلا في الشكل الأول فقط وامَّا باقي الاشكال فلا لا سيما الرابع منها فانَّ؛ الأوسط وقع طرفاً فيه . ولعل نظرهم في ذلك الى انَّه لمَّا كان متوسطاً في الشكل الأول وباقي الأشكال ترجع للأول فكأنه صار متوسطاً في جميعها أو انَّ نظرهم الى كونه واسطة لنسبة المحمول للموضوع في الذهن وفي اللفظ إذ بواسطته توجد النتيجة وينسب المحمول للموضوع .

وثانياً : انَّ في الشكل الأول والرابع لم يتكرر فيهما الأوسط لاختلاف المراد منه فانَّه في صغرى الشكل الأول كان محمولاً والمحمول في القضية يراد به المفهوم وفي كبراه كان موضوعاً والموضوع في القضية يراد به الافراد وفي الشكل الرابع كذلك لأنه موضوع في الصغرى فيراد به الافراد ومحمول

في الكبرى فيراد به المفهوم ومع اختلاف المراد لم يحصل التكرار . وجوابه - انَّ التكرار إنما يكون بتعدد الذكر مع كون المعنى واحداً وإن اختلفت انحاء الارادة وفيما نحن فيه كان الأوسط كذلك حيث يتعدد ذكره بمعنى واحد وإنما اختلفت أنحاء الارادة فتارة يراد به المعنى من حيث هو هو وأخرى يراد به المعنى من حيث تحققه في ضمن افراده ومصاديقه .

وثالثاً : انَّ المتكرر قد يكون من متعلقات المحمول وحينئذ فالأوسط لا يكون محمولاً ولا موضوعاً في الصغرى نظير ذلك ما اذا علم بأن زيد ابن لشخص ولكن شك في انَّه ابن لجاهل أو لعالم فيقال زيد ابن لبكر وبكر عالم فانَّه ينتج زيد ابن لعالم فالمتكرر وهو عالم لم يكن محمولاً ولا موضوعاً في الصغرى وهكذا نعلم بأن زيد مقتول ولكن لا نعلم انه مقتول بآلة حديدية أو بغيرها فيقال زيد مقتول بالسيف والسيف آلة حديدية فينتج زيد مقتول بآلة حديدية فالأوسط وهو السيف لم يكن محمولاً ولا موضوعاً في الصغرى .

ورابعاً : ما اذا كان المتكرر في أحدهما معدولاً كقولنا كل انسان حيوان وكل شجر لا حيوان بنحو معدولة المحمول فانَّه يلزمه لذاته لا شيء من الانسان بشجر لأنه لو كان بعض الانسان شجراً صدق الحيوان عليه باعتبار انَّه انسان وصدق اللاحيوان عليه باعتبار انه شجر فيجتمع النقيضان فهذا القياس ونحوه لم يكن المتكرر محمولاً ولا موضوعاً في الكبرى بل كان معدوله محمولاً فيها . ودعوى انَّه إنما اتنج بواسطة مقدمة خارجية وهي لا شيء من الشجر بحيوان . مدفوعة بأنه ليست هذه مقدمة خارجية نظير ارجاع الاشكال الى الشكل الأول بعكس المقدمة التي بها خالف وهي ذلك الشكل للشكل الأول كما انَّ الحق انَّ المقدمة إنما تكون خارجية اذا

كانت غير لازمة لاحدى مقدمتي القياس كما في قياس المساواة وهذه لازمة للكبرى لأن الموجبة المعدولة المحمول الكلية تلزمها السالبة الكلية لكونها أعم منها والأعم يلزم الأخص .

و خامساً : انَّ المتكرر في القياس قد لا يكون أوسطاً كبعض الأقيسة التي ذكروها في مباحث العكوس مما كانت النتيجة فيها هو سلب الشيء عن نفسه فانَّ الأصغر يكون فيها عين الأكبر فيكون المتكرر فيها غير الأوسط والأولى تعريف الأوسط بما كان واسطة في معرفة ثبوت الأكبر للأصغر .

و سادساً : انَّ مثل الانسان حيوان والحيوان جنس انَّ الحد الأوسط قد تكرر ولم ينتج . - وجوابه سیجیءانشاء الله في باب المغالطات في المغالطة السادسة .

بداهة انتاج الشكل الاول

(قالوا : انَّ انتاج الشكل الأول بدهي لأن الكبرى تدل على ثبوت الحكم لكل ما ثبت الأوسط له والاصغر مماثبت الأوسط له فيثبت له الحكم بلا حاجة الى إعمال روية أو تأمل ) . ويرد عليهم : انَّ الاستدلال بهذا الشكل دوري فاسد فضلاً عن أن يكون بديهيا لأن العلم بالنتيجة موقوف على العلم بالكبرى ضرورة توقف العلم بالنتيجة على العلم بمقدماتها والعلم بالكبرى الكلية موقوف على العلم بثبوت الحكم بالأكبر لكل من أفراد الأوسط التي من جملتها الأصغر فيكون العلم بالكبرى الكلية موقوفاً على العلم بثبوت الأكبر للأصغر الذي هو عين النتيجة وقد كان العلم بالنتيجة موقوفاً على العلم بالكبرى وهو الدور المحال .- وجوابه - مضافاً الى عدم مجيء

الايراد بالنسبة الى العالم والمستعلم يكون بوجهين . أحدهما وهو المعروف وأحسن تقريب له أن يقال انَّ العلم بالكبرى لا يتوقف على العلم بثبوت الأكبر لكل فرد من أفراد الأوسط على سبيل التفصيل وإلا لزم أن يكون العلم بالكليات علماً بما لا يتناهى لأن أفراد الكليات لا تتناهى وإنما العلم بالكبرى يستلزم العلم بثبوت الأكبر لافراد الأوسط على سبيل الاجمال شأن سائر القضايا الكلية وحينئذ فالكبرى تكون موقوفة على العلم بالنتيجة على سبيل الاجمال والموقوف على الكبرى هو العلم بالنتيجة على سبيل التفصيل فتغاير الموقوف والموقوف عليه . والحاصل : انَّ العلم التفصيلي بالنتيجة غير حاصل لنا والعلم الاجمالي حاصل لنا فنريد أن نستفيد العلم التفصيلي بها من العلم الاجمالي بها بهذا الطريق ويزداد وضوحاً هذا الجواب عند من يقول ان الحكم في الكليات على نفس الطبايع لا على أفرادها .والثاني : انَّ الحكم يختلف باختلاف أوصاف الموضوع حتى يكون معلوماً ثبوته للموضوع بحسب وصف ومجهولاً ثبوته للموضوع بحسب وصف آخر فزيد بحسب ذاته لا نعلم بثبوت وجوب الاكرام له وباعتبار انه عالم نعلم ثبوت الوجوب له فبالصغرى يثبت انه عالم وبالكبرى يثبت انَّ العالم یجب اكرامه وحينئذ فنستفيد ثبوت الحكم لزيد بوصف انَّه زيد من الحكم عليه بوصف انه عالم . والحاصل : انَّ الأصغر بوصف الأوسط يثبت له الحكم في الكبرى وبوصف آخر يثبت له الحكم في النتيجة ويعلم الثاني من الأول.

شروط انتاج الشكل الاول

(قالوا : انَّه يشترط فيه إيجاب الصغرى وفعليتها ليتعدى الحكم من الأوسط الى الأصغر لأن الحكم في الكبرى إنما هو ثابت لما هو الأوسط بالفعل لما بنوا عليه من صدق وصف الموضوع على ذاته بالفعل ويشترط فيه كلية الكبرى ليندرج الأصغر تحت الأوسط حتى يشمله حكم الأوسط في الكبرى فلو حكم على بعض الأوسط في الكبرى لم يعلم انَّ الأصغر مندرج تحت ذلك البعض فلا يعلم انَّ الحكم الثابت لذلك البعض ثابت له ) . ويرد عليهم سنة ايرادات .

أولاً : انَّ السالبة المركّبة لمَّا كانت مشتملة على الايجاب فهي دالة على اندراج الأصغر تحت الأوسط بالفعل فيتعدى الحكم اليه من الأوسط .-وجوابه - انَّ المنتج في هذه الصورة هو الجزء الايجابي في الصغرى دون الجزء السلبي فانَّه لا علاقة له بالانتاج أصلا .

وثانياً : انَّ الكبرى في الشكل الأول قد تكون شخصية منتجة كقولنا : هذا زيد وزید انسان فهذا انسان فكيف اشترطوا كليتها . - وجوابه - انَّ الكلام في القضايا المعتبرة في العلوم عندهم والشخصية غير معتبرة فيها عندهم .

وثالثاً : انَّ ايجاب الصغرى وكلية الكبرى ليس شيء منهما شرطاً في انتاج الشكل الأول لتحقق الانتاج فيما لو كانت الصغرى سالبة كلية والكبرى موجبة جزئية كقولنا : لا شيء من ( جب ) وبعض ( ب 1 ) ينتج سالبة جزئية يكون موضوعها هو المحمول في الكبرى ومحمولها الموضوع في الصغرى

عكس الترتيب في نتائج الأقيسة والدليل على انتاج هذه الصورة هو دليل الخلف فانَّه لو لم تصدق النتيجة المذكورة لصدق نقيضها ونضمه الى الصغرى فينتج نتيجة تنعكس الى ما يناقض الكبرى . - وجوابه - انَّ هذه الصورة المذكورة تكون شكلاً رابعاً عكس ترتيبه حيث قدمت كبراه على صغراه لأنه ما كان فيه موضوع النتيجة يكون هو الصغرى وقد كان موضوع النتيجة في القضية الثانية وما وجد فيه محمول النتيجة يكون هو الكبرى وقد كان في القضية الأولى ولولا نسبة هذا الاشكال للشيخ لما تعرضنا له .

ورابعاً : انَّ الأكبر اذا كان مساوياً للأوسط جاز أن تكون الصغرى سالبة لأنه حينئذ يلزمه سلب الأكبر عن الأصغر لأن سلب أحد المتساويين عن شيء يلزمه سلب الآخر عنه لتساوي نقيضيهما فاذا قلنا لا شيء من الحجر بانسان وكل انسان ناطق أنتج لا شيء من الحجر بناطق . - وجوابه - ما عرفته في التناقض والعكس من ان قواعد هذا الفن ناظرة الى الصورة من دون ملاحظة خصوصية المادة وهنا إنما انتج القياس بواسطة ملاحظة خصوص المادة وهو التساوي بين الأوسط والأكبر ولذا لو ابدلت الكبرى بقولنا : وكل انسان شيء كانت النتيجة كاذبة .

وخامساً : انَّ الصغرى يجوز أن تكون سالبة على أن يكون موضوع الكبرى ما سلب عنه الأوسط فانَّ الأكبر اذا ثبت لما سلب عنه الأوسط فقد ثبت للأصغر لأنه قد سلب عنه الأوسط فمثلا اذا صدق لا شيء من الحجر بمتحرك بالارادة وكل لا متحرك بالارادة جماد انتج موجبة كلية وهي کل حجر جماد . - وجوابه - موضوع الكبرى حينئذ يكون معدولاً فيراد به الافراد التي ثبت لها عنوانه المعدول بالفعل . وصدق السالبة لا يوجب ثبوت

العنوان المعدول لموضوعها بالفعل إذ لعل صدقها باقتفاء الموضوع وعليه فلا تكون الصغرى السالبة متكفلة لبيان كون الأصغر من أفراد العنوان المعدول فلا يقطع بسريان الحكم من العنوان المعدول للأصغر.

وسادسا : انَّ الدوام مساوي للضرورة بالمعنى الأعم وهي الضرورة المطلقة سواء كانت بحسب الذات أو بحسب الغير لأن الدوام لا يخلو من العلة فهو لا يخلو من الضرورة بحسب العلة فيكون مساوياً للضرورة بهذا المعنى . والامكان والفعلية نقيضاهما فيكونان متساويين لأن نقيضي المتساويين متساويان فاذا ثبت انَّ الامكان مساوي للفعلية والفعلية يحصل بها لزم حصول الانتاج مع الممكنة أيضاً فلا وجه لاشتراط فعلية الصغرى. -وجوابه - انَّ الامكان بمعنى سلب الضرورة مطلقاً سواء كانت ناشئة عن الذات وعن الغير هو النقيض للضرورة بالمعنى المذكور وهو المساوي للفعلية وهذا لا اشكال في صحة الانتاج معه ولكنه ليس محط نظر القوم وإنما كلامهم في الامكان الذاتي الذي هو سلب الضرورة بالنظر الى الذات سواء كان ممتنعاً بالغير أم لا وهذا الامكان لا يستلزم الفعلية لأنه يصدق مع الامتناع بالنظر للغير كعدم العقل الأول على رأي الحكماء فانَّه ممكن عندهم مع انه ممتنع بالنظر للواجب لأن عدمه يستلزم عدم الواجب في نظرهم .

الشكل الثاني

(زعموا انَّه يشترط فيه بحسب الكيف اختلاف المقدمتين في الكيف وبحسب الكم كلية الكبرى وبحسب الجهة صدق الدوام على الصغرى أو كون الكبرى من الضروريات الثلاثة أو الدوائم الثلاثة) . ويرد عليهم ايرادان .

أولاً : ما تقدم ذكره في الشكل الأول من انَّ الاختلاف في الكيف لا یلزم فيما اذا تألف القياس من القضايا المركبة فراجع ما حررناه هناك .

وثانياً : انَّه اذا تركب الشكل الثاني من وقتيتين وكان الوقت فيهما واحد ينتج وقتية مطلقة لأن الأوسط اذا كان ضروري الثبوت لشيء في وقت معيَّن وضروري السلب في ذلك الوقت عن شيء آخر كان بين الشيئين تنافي في ذلك الوقت لأنهما لو كانا متحدين في ذلك الوقت لما اختلفا في ايجاب الحكم الضروري وسلبه في ذلك الوقت . - وجوابه - ما عرفته غير مرة من انَّ النظر في التناقض والعكوس والأقيسة الى الصور دون المواد وفي هذا المقام إنما انتج الشكل الثاني باعتبار اتحاد الوقت وهو يستدعي النظر للمادة .

( قالوا : انَّ الصغرى اذا كانت ممكنة وجب أن تكون الكبرى احدى الضروريات الثلاثة لا غير وان كانت الكبرى ممكنة وجب أن تكون الصغرى ضرورية مطلقة لا غير ) . ويرد عليهم أربعة ايرادات .

أولاً : انَّ الصغرى الممكنة مع الكبرى العرفية الخاصة تنتج مطلقة عامة سالبة بدليل الخلف لأنه لو لم تصدق المطلقة العامة لصدق نقيضها وهو الدائمة المطلقة فنضمها صغرى لكبرى القياس فينتج من الشكل الأول دائمة لا دائمة وهي كاذبة فمثلاً اذا صدق لا شيء من الكاتب بساكن بالامكان وكل مقيَّد ساكن ما دام مقيداً بالدوام لا دائماً ينتج لا شيء من الكاتب بمقيد بالفعل لأنه لو لم تصدق هذه النتيجة لصدق نقيضها وهو ( بعض الكاتب مقيد دائماً ) فنضمها الى الكبرى فيكون شكلاً أولاً ينتج دائمة لا دائمة أعنى (بعض الكاتب ساكن دائماً لا دائماً) وهو محال ولذا كان الشكل الأول لا يلتئم من الدائمة والعرفية الخاصة فلابد من كذب أحدهما

والكبرى مفروضة الصدق فيتعين كذب الصغرى التي هي نقيض النتيجة فتثبت النتيجة وهو المطلوب . - وجوابه - انَّ صدق الكبرى بنفسه موجب للمطلقة العامة حتى لو فرض كذب الصغرى الممكنة وذلك لأن موضوع العرفية الخاصة أي شيء فرضته فهو لابد من سلبه عن تلك الذات بالفعل إذ لولا ذلك للزم الشكل المذكور وحينئذ فالنتيجة المذكورة لازمة لنفس المركّبة لا للقياس . إن قلت : على هذا يلزم أن لا تنتج الصغرى الممكنة مع المشروطة الخاصة لكون النتيجة لازمة لنفس المشروطة الخاصة مع انهم التزموا بانتاجها معها . قلنا : انَّ انتاجها لما بين بطريق يتوقف على صدق الصغرى وهو انَّ نقيض النتيجة مع الكبرى ينتج ما يناقض الصغرى فيكون لكل من الصغرى والكبرى دخل في الانتاج حتى لو قطع النظر عن لا دوام الكبرى وهذا بخلاف الممكنة مع العرفية الخاصة فانَّه لا يتم فيها ذلك البيان .

وثانياً : انَّ الصغرى الممكنة تنتج مع الكبريات الست المنعكسة السوالب لأن الكبرى منها ان كانت سالبة فقد دلت على منافاة الأوسط للأكبر والصغرى على امكان ثبوت الأوسط للاصغر واذا أمكن ثبوت أحد المتنافيين لشيء أمكن سلب الآخر عن ذلك الشيء فينتج القياس ممكنة سالبة وإن كانت الكبرى منها موجبة فقد دلت على لزوم أوسط للأكبر . والصغرى على امكان سلب ذلك الأوسط عن الأصغر وأحد المتلازمين اذا أمكن سلبه عن شيء وجب امكان سلب الآخر عنه فينتج القياس ممكنة سالبة. وجوابه - انَّ في الصورة الأولى نمنع من كون امكان ثبوت أحد المتنافيين لشيء يستلزم امكان سلب الآخر عن ذلك الشيء مطلقاً وإنما يستلزم اذا كانت المنافاة ضرورية وقد قلنا : انَّ القياس ينتج معها وامَّا اذا كانت غير ضرورية كالدائمة

والعرفيتين فلا استلزام بين الامكانين فانَّ الساكن منافي للفلك دائماً وممكن الثبوت لنفس الفلك مع ان سلب الفلك

عن نفسه غير ممكن وامَّا في الصورة الثانية فالكبرى لا تدل على الملازمة بين الأوسط والأكبر مطلقاً وإنما تدل لو كانت الكبرى ضرورية ونحن نقول بالاتناج معها .

وثالثاً : انَّ الصغرى الممكنة تنتج مع الكبريات الست المنعكسة السوالب اذا كانت سوالب وذلك بعكس الكبرى ليرتد الى الشكل الأول . وجوابه - انَّه بعكس الكبرى لا يرتد الى الشكل الأول لأن شرط انتاج الشكل الاول هو عدم امكان الصغرى والفرض هنا انَّ الصغرى ممكنة.

ورابعاً : انَّ الصغرى الممكنة تنتج مع الست المنعكسة السوالب اذا كانت سالبة بدليل الخلف وهو ضم نقيض النتيجة الى الكبرى لينتج من الأول نقيض صغرى الشكل الثاني .-وجوابه - انَّ النتيجة لمَّا كانت ممكنة فنقيضها ضرورية فاذا ضمت الى كبرى القياس وكانت كبرى القياس عرفية لم ينتج القياس ضرورية ومن المعلوم انَّ صغرى الشكل الثاني التي هي

الممكنة نقيضها هو الضرورية .

( ذكروا انَّ الدليل على انتاج الضرب الأول والثالث من الشكل الثاني هو عكس الكبرى فيصير شكلاً أولاً فينتج المطلوب ) . ويرد عليهم : انَّ هذا الدليل لا يتم في هذين الضريين في صورة ما اذا كانت صغراهما ممكنة إذ بعكس الكبرى وإن صار شكلاً أولاً إلا انَّه لم يكن منتجاً لعدم كون صغراه فعلية إلا اللهم أن يقال : انَّ غرضهم جريانه فيهما في الجملة في مقابل عدم جريانه أصلاً في باقي الضروب .

( زعموا انَّ الدليل على انتاج الضرب الثاني من الشكل الثاني هو

عكس الصغرى ثم بعكس الترتيب فيجعل عكس الصغرى كبرى والكبرى صغرى فينتج نتيجة تنعكس الى النتيجة المطلوبة ) . ويرد عليهم : انَّ هذا لم يتم في هذا الضرب اذا كانت صغراه ممكنة إذ هي غير قابلة للانعكاس إلا اللهم أن يقال انَّ غرضهم جريانه في الجملة في مقابل السلب الكلي .

الشكل الثالث

( قالوا : يشترط في الشكل الثالث ايجاب الصغرى وفعليتها مع كلية احداهما ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : بعض ما أوردناه على الشكل الأول ككون الصغرى لا يلزم ایجابها مع تركبها وغيره فلاحظ.

وثانياً : انَّ ايجاب الصغرى ليس بشرط في انتاج هذا الشكل وذلك لأنه لو تركّب من سالبة صغرى وموجبة كبرى كقولنا : لا شيء من الانسان بحجر وكل انسان شيء فانه ينتج موجبة جزئية معدولة الموضوع وهي في المثال بعض اللا حجر شيء وذلك لأن موضوع الصغرى الذي هو المتكرر يكون موجوداً لكونه موضوعاً للكبرى الموجبة فيكون نفي الأصغر صادقا عليه بحكم الصغرى وقد ثبت له الأكبر والوصفان اذا تصادقا على موضوع واحد ثبت كل منهما للآخر في الجملة فيثبت وصف الأكبر لعنوان العدولي للأصغر في الجملة وهو المطلوب وباعتبار هذه النتيجة يجوز أن تكون الصغرى سالبة جزئية لكن مع كون الكبرى موجبة كلية نعم لو كانت الصغرى سالبة كلية جاز أن تكون الكبرى موجبة جزئية فكلية أحدهما لازمة في المقام .

وثالثاً : انَّ من ضروب الشكل الثالث أن تكون الصغرى موجبة كلية والكبرى سالبة كلية واذا كان هذا الضرب منتجاً للسلب الجزئي وجب أن يكون عكسه بأن تجعل الصغرى سالبة كلية والكبرى موجبة كلية منتجاً لنفس هذه النتيجة إذ عكس الترتيب من الأدلة على انتاج الأقيسة فلا يكون حينئذ ايجاب الصغرى شرطاً في انتاج هذا القياس وهذا الاشكال يتوجه على كثير من الضروب للاشكال الأربعة . - وجوابه - انَّه بعكس الترتيب لا ينتج عين النتيجة فانَّه بعكس الترتيب تصير الصغرى كبرى والكبرى صغرى فيصير الأصغر أكبراً والأكبر أصغراً فلا يلزم من صدق نتيجة ذلك الضرب صدق نتيجة عكس ترتيبه وما ربما يتوهم من انَّ النتيجة اذا صدقت هنا فقد صدق عكسها مدفوع بأن النتيجة سالبة جزئية وهي لا عكس لها .

( قالوا : انَّ من أدلة انتاج الشكل الثالث هو عكس الكبرى ثم الترتيب ثم عكس النتيجة وذلك حيث تكون الكبرى موجبة ليصلح عكسها صغرى للشكل الأول وتكون الصغرى موجبة لتصلح كبرى ) . ويرد عليهم : انَّ هنا شرطاً آخراً قد غفلوا عنه وهو أن لا تكون الكبرى ممكنة لأنه لا عكس لها ولو كان لكان قضية ممكنة وهي لا تصلح صغرى للشكل الأول .

الشكل الرابع

( قالوا : يشترط فيه بحسب الكيفية والكمية أحد الأمرين وهو امَّا ايجاب المقدمتين مع كلية الصغرى أو اختلافهما في الكيف مع كلية أحدهما وبحسب الجهة امور خمسة أن لا تكون مقدمتاه احدى الممكنتين . وانعكاس السالبة المستعملة فيه . والضرب الثالث منه امَّا أن يصدق الدوام على صغراه

أو العرف العام على كبراه. والضرب الرابع منه كبراه من المنعكسة السوالب . والضرب الثامن صغراه احدى الخاصتين وكبراه مما يصدق عليها العرف العام ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : ما أوردناه في الشكل الأول في ايجاب الصغرى فيجوز أن يتركّب الشكل الرابع من سالبتين على أن تكون احداهما مركّبة وكلية لأن المركّبة تكون مشتملة على الايجاب . والجواب الجواب .

وثانياً : انَّ الشكل الرابع يجوز أن يتركب من السالبة الوقتية مع احدى الخاصتين فانَّه ينتج سالبة مطلقة عامة إذ لو لم تصدق لصدق نقيضها وهو الدائمة فنضمه الى الكبرى فيلزم تركب الشكل الأول من صغرى دائمة وكبرى إحدى الخاصتين وهو يستلزم المحال لكون النتيجة دائمة لا دائمة واذا ثبت صحة استعمال السالبة الوقتية في هذا الشكل ظهر لک عدم صحة اشتراط كون السالبة فيه من الست المنعكسة . - وجوابه - ما عرفته في الشكل الثاني بأن المستلزم للنتيجة نفس احدى الخاصتين لا جمیع المقدمات والنتيجة يجب أن تكون لازمة من جميع ما وضع في القياس من المقدمات بحيث يكون لكل مقدمة دخل في الانتاج . واعترض على هذا الجواب بأن ذلك قادح في جميع الأقيسة التي صغرياتها لا دائمة إذ النتيجة حاصلة من مجرد الاثبات . واجيب : انَّ القضايا المركَّبة اذا اختلط بعضها ببعض أو بالبسائط يحصل أقيسة متعددة فالنتيجة إن توقفت على مجموعها فهي نتيجتها وإلا كانت تتيجة لخصوص ما توقفت عليه .

وثالثاً : انَّ الضرب السادس مركَّب من سالبة جزئية صغرى وموجبة كلية كبرى ينتج سالبة جزئية مع انَّا نرى الحق في قولنا : بعض الانسان

ليس بكاتب وكل ناطق انسان هو الايجاب لا السلب وهكذا الضرب السابع مركّب من موجبة كلية صغرى وسالبة جزئية كبرى ينتج سالبة جزئية مع انَّا نرى الحق في قولنا : كل انسان ناطق وبعض الحيوان ليس بانسان هو الايجاب وهكذا الضرب الثامن مركّب من صغرى سالبة كلية وكبرى موجبة جزئية ينتج سالبة جزئية مع انَّا نرى الحق في قولنا : لا شيء من الانسان بفرس وبعض الحيوان انسان هو الايجاب . وقد أجاب عنه المتأخرون : بأن هذه الضروب إنما تنتج اذا كانت السالبة المستعملة فيها احدى الخاصتين فلا تنهض هذه النقوض لأن السالبة المستعمل فيها كانت بسيطة . والدليل على انتاجها هو انَّ السالبة اذا كانت احدى الخاصتين انعكست وحينئذ فالضرب السادس تنعكس صغراه فيرجع الى الشكل الثاني فينتج عين النتيجة والضرب السابع تنعكس صغراه فيرجع الى الشكل الثالث فينتج عين النتيجة والضرب الثامن بعكس ترتيبه فيرجع الى الشكل الأول والشكل الأول ينتج سالبة جزئية احدى الخاصتين تنعكس الى ما هو عين نتيجة الضرب الثامن ومن المعلوم ان هذا الجواب مبني على انعكاس الخاصتين السالبتين الجزئيتين وقد تقدم الكلام في ذلك .

دليل الخلف

في الشكل الرابع

( قالوا : انَّ دليل الخلف وهو ان يأخذ قيض النتيجة ويضم الى احدى المقدمتين لينتج من الشكل الأول ما ينافي عكسه المقدمة التي وضع محلها النقيض ويختص بالضروب الخمسة من الشكل الرابع ) . ويرد عليهم : انَّه

أيضاً يجري في الضرب السادس لأن الضرب السادس مركّب من سالبة جزئية صغرى وموجبة كلية كبرى وهو ينتج سالبة جزئية ونقيضها لما كان موجبة كلية فهو يصلح صغرى للشكل الأول وكبراه لكلِّيتها كبرى للشكل الأول . وأجاب عنه المتأخرون بأنه وإن كان الأمر كذلك لكن شرط دليل الخلف هنا أن تنعكس نتيجة الشكل الأول الذي أرجع اليه الى ما ينافي المقدمة المحذوفة من الضرب وهنا تتيجة الشكل الأول موجبة كلية وهي تنعكس الى موجبة جزئية التي لا تنافي صغرى الضرب المذكور المحذوفة لأنها سالبة جزئية اذ السلب الجزئي لا ينا في الايجاب الجزئي لجواز أن يصدق الايجاب باعتبار بعض الافراد ويصدق السلب باعتبار البعض الآخر . ويمكن أن يتوهم جريانه فيه بأن نقول نجعل نقيض النتيجة كبرى لصغرى الضرب المذكور ولا ينافي كون الصغرى سالبة جزئية لكونها مركبة لما عرفت من اشتراط كونها احدى الخاصتين والسالبة منها تصلح لصغروية الشكل الأول فيرجع الضرب السادس الى الشكل الأول المركّب من صغرى سالبة جزئية وكبرى موجبة كلية وقد تقدم أنَّه ينتج سالبة جزئية تنعكس كنفسها لأنها احدى الخاصتين وهي تنافي المقدمة المحذوفة لأنها كانت موجبة كلية . ولكن الحق عدم صحة ذلك فانَّ الشكل الأول المذكور ينتج موجبة جزئية بسيطة لا سالبة جزئية مركبة لكون صغراه وان كانت سالبة مركبة إلا انَّه لا عبرة بالسلب في صغرى الشكل الأول وانما العبرة بالجزء الايجابي فيكون الشكل الأول المذكور لدى الحقيقة مركب من صغرى موجبة جزئية وكبرى موجبة كلية وهو ينتج موجبة جزئية وهي تنعكس الى موجبة جزئية كنفسها والموجبة الجزئية لا تنافي الموجبة الكلية .

الاستدلال بالرد الى الثاني

( قالوا : ويستدل عليه بالرد الى الشكل الثاني بعكس صغراه وينتج المطلوب ) . ويرد عليهم : انَّ الاستدلال على انتاج هذا الشكل بالرد الى الثاني باطل للزومه الدور إذ قد ذكروا من أدلة انتاج الشكل الثاني هو عكس الصغرى ليرجع الى الرابع ثم عكس الترتيب ليصير شكلاً أولاً ينتج ما عكسه عين المطلوب فقد توقف الاستدلال بالشكل الثاني على الرجوع الى الرابع فلو كان الاستدلال بالرابع موقوفاً على الرجوع الى الثاني لزم الدَّور . - وجوابه - انَّ توسط الشكل الرابع هناك أعني في الاستدلال على الشكل الثاني لا دخل له في انتاج الشكل الثاني لعدم اعتبار انتاج الشكل الرابع في الاستدلال المذكور وانما توقف على ذاته بخلافه هنا فانَّ انتاج الشكل الثاني كان له مدخل في الاستدلال على انتاج الشكل الرابع فتغاير الموقوف والموقوف عليه.

الاستدلال بالرد الى الثالث

(قالوا : ويستدل عليه بالرد الى الشكل الثالث بعكس الكبرى فينتج عين المطلوب ) . ويرد عليه عين الايراد السابق .

فانهم استدلوا على الشكل الثالث بعكس المكبرى فيصير شكلاً رابعاًثم عكس الترتيب ليصير شكلاً أولاً ينتج ما ينعكس الى المطلوب فقد توقف انتاج الشكل الثالث على الرابع فلو توقف الرابع على الثالث لزم الدَّور . - وجوابه - عين ما سبق من انَ الشكل الثالث إنما توقف على نفس

الرابع لا على انتاجه والرابع إنما توقف على انتاج الثالث فتغاير الموقوف والموقوف عليه .

الضابطة

( قالوا : ضابطة شرائط الأشكال الأربعة انَّه لابد امَّا من عموم موضوعية الأوسط ملاقاته للأصغر بالفعل أو حمله على الأكبر واما من عموم موضوعية الأكبر مع الاختلاف في الكيف ومع منافاة نسبة وصف الأوسط الى وصف الأكبر لنسبته الى ذات الأصغر ) . ويرد عليهم ثمانية ايرادات .

أولاً : انَّ الضابطة إنما تنفع في المقام اذا كان بمراعاتها بنفسها من دون تشخيص نوع القياس كان القياس منتجاً ومع عدم اشتمالها على شرائط الشكل الرابع بحسب الجهة لم تحصل منها هذه الفائدة لأنها لوجدت في القياس احتمل انَّه الرابع وهي غير مستوفية لشروطه وجوابه - انَها تكون ضابطة لشروط الأقيسة لا للأقيسة نفسها فهي تنفع بعد معرفة ان القياس غير الشكل الرابع فاذا وجدت فيه علم انه قد تست شرائط انتاجه واذا علم انَّه من الرابع ووجدت فيه علم وجود شرائطه بحسب الكم والكيف .

وثانياً : انَّ اعتبار عمومية موضوعية الأوسط يقتضي اشتراط كلية الصغرى والكبرى في الشكل الثالث لأن الأوسط فيهما موضوع وقد عرفت عدم اعتبار ذلك فيه . - وجوابه - انَّه غرضهم لابد من وجود هذا الشرط في القياس سواء كان وجد في أحد مقدمتيه أو في كليهما ولا دلالة في كلامهم على اعتبار وجوده في كليهما .

وثالثاً : انَّ هذا يشمل بعض الأقيسة الغير المنتجة فانَّها تشمل الضرب السابع والثامن من الشكل الرابع اذا كانت السالبة المستعملة فيهما بسيطة غير مركَّبة مع انَّه قد حقق في موضعه انَّ هذه الضروب لا تنتج إلا اذا كانت السالبة المستعملة فيها مركّبة واحدى الخاصتين . امَّا وجود الضابطة في السابع فلانه مركَّب من صغرى موجبة كلية وكبرى سالبة جزئية وقد عرفت انَّ الأوسط موضوع في صغراه فيوجد فيه عموم موضوعية الأوسط مع ملاقاته للأصغر بالفعل لأن هذا الشكل لا تستعمل فيه الممكنات . وامَّا وجودها في الثامن فلان فيه عموم موضوعية الأوسط لأن صغراه سالبة كلية مع حمل الأوسط على الأكبر لأن كبراه موجبة جزئية والأوسط محمول فيها على الأكبر ومتى شملت القاعدة أمراً لا يصح أن تشمله لم تصلح لأن تكون مقياساً يرجع لها عند الاشتباه والشك . إن قلت : انَّه هذه الضابطة ضابطة لشرائط الاشكال الأربعة بحسب الكم والكيف ولشرائط الاشكال بحسب الجهة لما عدى الرابع وما ذكرته إنما هو راجع الى تخلف الشرائط في الشكل الرابع بحسب الجهة لا بحسب الكم والكيف . قلنا : البساطة والتركيب في القضايا لا دخل لها في جهة القضية فاللا دوام واللا ضرورة لا يكونان من جهات القضية المقيدة بهما حيث انَّ جهة القضية على ما عرفوها هي : اللفظ الدال على كيفية القضية وصفتها واللا ضرورة واللا دوام إنما يكونان عندهم اشارة الى قضية اخرى ونسبة ثانية وكل منهما لها جهة تخصها وبهذا ظهر لك خطأ بعض المنطقيين الذين عدوهما من الجهات .

ورابعاً : انَّ الشكل الثاني اذا كانت الصغرى منه دائمة أو ضرورية والكبرى فعلية فانَّه يكون منتجاً ولا توجد فيه الضابطة وذلك لأنه وإن

وجد فيه عموم موضوعية الأكبر والاختلاف في الكيف إلا انَّه لم يوجد فيه المنافاة المذكورة بين النسبتين أعني المنافاة بين نسبة وصف الأوسط الى ذات الأصغر وبين نسبة وصف الأوسط الى وصف الأكبر لأن نسبة وصف الأوسط الى ذات الأصغر هي دوام الايجاب مثلا ونسبة وصف الأوسط الى ذات الأكبر فعلية السلب وهي وإن كانت منافية لدوام الايجاب إلا انَّ نسبة وصف الأوسط الى وصف الأكبر لا يلزم أن تكون عبارة عن فعليَّة السلب بل قد تكون عبارة عن ضرورة الايجاب فانَّ الشيء اذا كان مسلوباً عن شيء آخر بالفعل لا يلزم أن يكون مسلوباً عن وصفه بالفعل ألا ترى انَّه يصح قولنا : ( لا شيء من الكاتب بمتحرك الأصابع بالفعل ) فيكون تحرك الأصابع مسلوباً عن ذات الكاتب بالفعل وليس بمسلوب عن وصفه بالفعل ضرورة ثبوت تحرك الأصابع للكاتب ما دام كاتباً وبهذا ظهر لك عدم صحة ما ذكره محشي الضابطة في هذا المقام من انَّ المطلقة العامة تدل على سلب الأوسط عن ذات الأكبر بالفعل واذا كان مسلوباً عن ذات الأكبر بالفعل كان مسلوباً عن وصفه بالفعل قطعاً آه . واذا ثبت انَّ فعلية السلب عن الذات قد تجتمع مع ضرورة الايجاب أو دوامه بالنسبة الى الوصف ثبت انَّه لا منافاة حينئذ بين النسبتين لأن كل من النسبتين تكون ضرورة ايجاب أو دوامه . إن قلت : انَّ مرادم بنسبة وصف الأوسط الى وصف الأكبر هو نسبة وصف الأوسط الى ذات الأكبر وإنما عبَّر (بوصف الأكبر) بلحاظ انَّ الأكبر يكون محمولاً في النتيجة التي هي المطلوب وإلا فالأكبر يكون موضوعاً في الشكل الثاني فتكون النسبة في الكبرى الى ذاته لا الى وصفه وحينئذ في الصورة المذكورة تكون المنافاة موجودة لأن الصغرى تكون نسبتها هو ضرورة الايجاب أو

دوامه والكبرى فعلية السلب والفعلية منافية للضرورة والدوام . قلنا : هذا خلاف لصريح العبارة إذ ظاهرها انَّ نسبة وصف الأوسط لوصف الأكبر في الكبرى منافية للنسبة في الصغرى ولا ينافي ذلك كون الأكبر موضوعاً في كبرى هذا الشكل إذ كونه موضوعاً لا يمنع من أن تكون للأوسط نسبة المقصودة بالمنافاة مضافاً الى انَّه لو كان المراد ما ذكر لورد الى وصفه وهي عليها الاشكال بصورة ما اذا كانت صغرى الشكل الثاني ممكنة والكبرى مشروطة عامة فانَّه يكون منتجاً مع انه لو قلنا الشرط هو المنافاة بين نسبة وصف الأوسط لذات الأكبر وبين نسبة وصف الأوسط لذات الأصغر أعنى نسبة الصغرى لم تكن هذه المنافاة موجودة في المقام لأنه حينئذ نسبة وصف الأوسط لذات الأصغر هي امکان الايجاب مثلاً ونسبة وصف الأوسط الى ذات الأكبر يمكن أن تكون فعلية السلب ولا منافاة بين امكان الايجاب وفعلية السلب وإن ابيت إلا عن كونها ضرورية فهي إنما تكون ضرورة السلب ما دام الوصف ومن المعلوم انه لا منافاة بين امكان الايجاب وضرورة السلب المشروطة بالوصف العنواني وإنما ينافي امكان الايجاب الضرورة المطلقة نعم لو جعلنا الشرط هو منافاة وصف الأوسط لذات الأصغر لنسبته الى وصف الأكبر كان الشرط في الفرض المذكور موجوداً لأنه اذا كانت الكبرى مشروطة عامة كانت نسبة وصف الأوسط لوصف الأكبر هي الضرورة المطلقة وهي تنافي الامكان . ولعل هذا هو السر في اعتبار نسبة وصف الأوسط الى وصف الأكبر دون ذاته لا ما ذكره بعضهم من انَّ التعبير بوصف الأكبر من جهة كون الأكبر محمولاً في النتيجة المطلوبة لأن ذلك لا يصح بنفسه داعياً للتعبير اذا فرض انَّ المراد به ذاته لا وصفه .

وخامساً : انَّ الشكل الثاني اذا كانت صغراه ضرورية مطلقة والكبرى ممكنة فانَّ الشكل الثاني يكون منتجاً مع انَّه حينئذ قد لا تكون منافاة بين نسبة الصغرى وبين نسبة وصف الأوسط الى وصف الأكبر كما لو كانت الصغرى الضرورية موجبة والكبرى ممكنة سالبة وكان الأوسط ضروري الايجاب لوصف الأكبر أو بالعكس بأن كانت الصغرى الضرورية سالبة والكبرى الممكنة موجبة وكان الأوسط ضروري السلب عن وصف الأكبر فانَّه من الجائز أن تكون الممكنة محمولها ضروري لوصف موضوعها كقولنا : كل كاتب ساكن الأصابع بالامكان فانها قضية ممكنة صادقة لكون سكون الأصابع ممكن الثبوت لذات الكاتب ولكن بالنظر الى وصف الكتابة يكون ضروري السلب وهكذا قولنا : لا شيء من الكاتب بمتحرك الأصابع بالامكان فانَّها قضية ممكنة صادقة لأن تحرك الأصابع ممكن سلبه عن ذات الكاتب ولكن بالنظر الى وصف الكتابة يكون ضروري الايجاب . وكيف كان ففي هذه الصورة لا توجد المنافاة المذكورة لأنه تكون النسبتان ضرورتي السلب أو الايجاب متفقتين في السنخ .

وسادساً : انَّ الشكل الثاني اذا كان مركباً من صغرى مشروطة عامة سالبة مثلاً وكبرى ممكنة موجبة وكان وصف الأوسط ضروري الثبوت لوصف الأكبر وان كان ممكناً بالنسبة الى ذاته كما في قولنا : كل كاتب متحرك الأصابع بالامكان فان مقتضى هذه الضابطة أن يكون هذا الشكل الثاني منتجاً لعمومية موضوعية الأوسط فيه مع الاختلاف في الكيف مع منافاة نسبة الصغرى لنسبة وصف الأوسط لوصف الأكبر لمنافاة ضرورة السلب ما دام الوصف مع ضرورة الايجاب المطلقة بحسب الوصف لفرض

انَّ الكبرى وان كانت ممكنة إلا انها ضرورية بحسب الوصف مع انَّ الشكل الثاني بهذه الصورة غير منتج لما قرر في شرائطه بحسب الجهة انَّ الممكنة اذا كانت كبرى لا تنتج معها إلا الضرورية المطلقة إلا اللهم أن يقال : انَّ الكبرى حينئذ تكون مشروطة عامة لا ممكنة لفرض معرفة المنافاة من معرفةثبوت الضرورة بحسب الوصف والمقصود تحقق منافاة ذات النسبتين لا من جهة مادة خاصة كما هو الشأن في سائر القوانين المنطقية .

وسابعاً : ما أورده بعض المعلقين انَّ الضابطة تقتضي ان يوجد الاختلاف في الكيف مع المنافاة المذكورة بين النسبتين في كل ما وجد فيه عموم موضوعية الأكبر بدون عموم موضوعية الأوسط وهذا لا يستقيم بالنسبة الى الضرب الثالث والرابع والخامس والسادس من الشكل الرابع فانَّ المنافاة المذكورة لا يجب أن تنحقق فيها مع وجوب الاختلاف في الكيف . وقد أجاب عنه : بأن المنافاة المذكورة مخصوصة بصورة ما اذا كان الأوسط محمولاً على ذات الأصغر والشكل الرابع لا يكون الأوسط محمولاً فيه على الأصغر أصلاً فلا يقتضي كلامه اشتراط المنافاة في تلك الضروب ويمكن أن يقال انَّ اشتراط المنافاة إنما هو ناظر الى الاشتراط بحسب الجهة والشكل الرابع قد عرفت انَّ الضابطة لا تتعرض الى شرائطه بحسب الجهة إلا استطرادا یکن شرط المنافاة ناظراً لشرائط الرابع بحسب الجهة .

وثامناً : ما كنا نورده أيام تدريسنا لكتاب الحاشية للمرحوم ( ملا عبدالله ) وهو انهَّ الممكنة الصغرى مع الكبرى المشروطة العامة اذا تركب منهما الشكل الثاني كان منتجاً مع انَّه لو كانت المنافاة موجودة بين نسبتيهما لكانت المنافاة موجودة فيما اذا تركب الشكل الثاني من صغرى مشروطة

عامة وكبرى ممكنة حيث لا فرق بين الصورتين فانَّه في كل منهما كان الشكل مركّباً من ممكنة ومشروطة عامة غاية الأمر انَّه في الصورة الأولى الصغرى هي الممكنة والكبرى هي المشروطة وفي الثانية بالعكس فلو كان هناك تنافي بين النسبتين لكان في كلا الصورتين مع انَّ الأولى منتجة والثانية ليست بمنتجة وقد أوردت هذا الايراد على المحشي (رحمه الله) حيث صرح بالتنافي في الصورة الأولى وعدم التنافي في الصورة الثانية . ولكن بعد ذلك انكشف لنا فساد هذا الايراد وذلك لأن الملحوظ في الضابطة على ما قررناه هو المنافاة بين نسبة وصف الأوسط الى ذات الأصغر وبين نسبة وصف الأوسط الى وصف الأكبر لا الى ذاته ففي الصورة الأولى أعني ما اذا كانت الصغرى ممكنة والكبرى مشروطة تكون نسبة وصف الأوسط الى ذات الأصغر هي الامكان ونسبة وصف الأوسط الى وصف الأكبر هي الضرورة المطلقة لا المشروطة لأن المحمول اذا كان ضرورياً للذات ما دام الوصف فهو بالنسبة الى الذات كانت ضرورته مقيدة وامَّا بالنسبة الى الوصف فهي مطلقة اذ ليست مقيدة بشيء بالنسبة اليه . ولا اشكال في منافاة الامكان مع الضرورة المطلقة . وفي الصورة الثانية أعني صورة ما اذا كانت الصغرى مشروطة والكبرى ممكنة تكون النسبتان هما الضرورة المقيدة بالوصف مع الامکان لا الضرورة المطلقة مع الامكان وذلك لأن الملحوظ في الصغرى هي النسبة وصف الأوسط الى ذات الأصغر لا الى وصفه وهي كما عرفت ضرورة مقيدة نعم لو كان الملحوظ في الصغرى هو نسبة وصف الأوسط الى وصف الأصغر كانت النسبة ضرورية مطلقة وهي تنافي الامكان الموجود في الكبرى لكنك قد عرفت انَّ الضابطة إنما لوحظ فيها نسبة وصف الأوسط الى ذات الأصغر

وهي ضرورة مقيدة في الصورة المذكورة ولا منافاة بين الضرورة المقيدة مع الامكان .

ضابطة النتيجة

(قالوا : النتيجة تابعة لأخس المقدمتين لأنها فرعهما فلا تتفوق عليهما وذلك لأن احدى المقدمتين ان كان فيها حكم جزئي كانت النتيجة جزئية لأن الجزئية أخس من الكلية وان كان فيها حكم سلبي كانت النتيجة سالبة لأن السلب أخس من الايجاب وان كان فيها حكم غير فعلي كانت النتيجة غير فعلية وإن كان فيها حكم غير ضروري كانت النتيجة غير ضرورية ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : بالضرب الأول والرابع من شكلي الثالث والرابع فانَّهما مركّبان من الكليات مع انَّها تنتج جزئية . - وجوابه - انَّ التبعية لأخس المقدمات لا يلزمها التبعية في الشرف اذا كانت المقدمات بأجمعها شريفة فانَّ الأخسية علة وجود الأخسية في النتيجة وليس عدمها علة لعدم أخسية النتيجة .

وثانياً : انَّ القياس قد يتألف من قضية مركّبة سالبة مع انَّ النتيجة تكون موجبة فلابد ان تخص الضابطة بالأقيسة المؤلفة من البسائط . وجوابه : انَّ المنتج في الصورة المذكورة ليس هو المركّبة بل جزؤها الايجابي فلذا كانت النتيجة موجبة. وثالثا : أنَّ الشكل الثاني اذا تركب من صغرى ضرورية مطلقة وكبرى ممکنة ینتج دائمة فقد كان فيه حكم غير فعلي والنتيجة فعلية وإن الشكل الثالث اذا ترکب من مطلقة عامة صغرى وكبرى ضرورية مطلقة تكون النتيجة

ضرورية مع انَّه قد كان فيه حكم غير ضروري . فالحق انَّ هذه تصلح لأن تكون ضابطة للنتيجة بحسب الكم والكيف دون الجهة . ولعل الغرض من هذه الضابطة هو بيان انَّ النتيجة تنبع أخس المقدمتين بحسب المادة أي إن كان في القياس ظنية كانت النتيجة كذلك وإن كانت فيه وهمية كانت النتيجة كذلك وهلم جراً .

المختلطات

في الشكل الاول

( ذهبو الى انَّ النتيجة في الشكل الأول تكون موجهة بجهة الكبرى إن كانت الكبرى غير الوصفيات الأربعة التي هي المشروطتان والعرفيتان وذلك لأن الكبرى قد دلت على ثبوت الأكبر بالجهة المذكورة فيها لما هو أوسط بالفعل والأصغر قد كان أوسطاً بالفعل وإن كانت الكبرى احدى الوصفيات الأربعة فالنتيجة تكون موجهة بجهة الصغرى لأن الكبرى تدل على دوام الأكبر بدوام الأوسط فيكون ثبوت الأكبر للأصغر بحسب ثبوت الأوسط للأصغر إن دائماً فدائماً أو موقتاً فموقتاً ولكن النتيجة إنما توجه بجهة الصغرى بشرطين ( أحدهما) إن تحذف الضرورة المختصة بالصغرى لأن الكبرى اذا لم يكن فيها ضرورة جاز انفكاك الأكبر عما ثبت له الأوسط فيجوز انفكاك الأكبر عن الأصغر وإن كان ثبوت الأوسط للأصغر بالضرورة . نعم لو كانت الكبرى فيها ضرورة كالصغرى كانت النتيجة ضرورية لأن الأكبر ضروري الثبوت للأوسط والأوسط ضروري الثبوت للأصغر والضروري للضروري ضروري و ( ثانيهما ) أن يحذف اللا ضرورة واللا دوام عن الصغرى لأن اللا دوام واللا ضرورة في الصغرى يكونان من السالبة والسالبة لا تنتج

في صغرى الشكل الأول فيكون الباقي بعد الحذف هو جهة النتيجة منضماً اليها قيد اللا دوام واللا ضرورة ان كان موجوداً في الكبرى لأن الكبرى تدل على انَّ الأكبر غير دائم لكل ما هو أوسط بالفعل والأصغر مما هو أوسط بالفعل فيكون الأكبر غير دائم له . والمراد بحذف الضرورة المختصة بالصغرى ان الصغرى إن كانت ضرورية ذاتية تكون النتيجة دائمة وان كانت

مشروطة عامة تكون النتيجة عرفية عامة وإن كانت وقتية مطلقة تكون النتيجة مطلقة وقتية وإن كانت منتشرة مطلقة كانت النتيجة مطلقة منتشرة ) . ويرد عليهم خمسة ايرادات.

أولاً - انَّ ما ذكروه في تعليل كون النتيجة كالكبرى جاري في جميع اختلاطات هذا الشكل فلو تم التعليل للزم كون النتيجة كالكبرى في جميع الموارد . - وجوابه - كما هو المعروف انَّه لا ريب في تبعية النتيجة للكبرى في جميع اختلاطات هذا الشكل المنتجة لكن اذا كان الأوسط مستلزماً للأكبر كما اذا كانت الكبرى إحدى الوصفيات الأربعة كان ثبوت الأكبر للأصغر بحسب ثبوت الأوسط للأصغر من الدوام والتوقيت والضرورة لأن الدائم للدائم لشيء دائم لذلك الشيء وهكذا الضرورة .

وثانياً : انَّ ما ذكروه في تعليل حذف اللا دوام واللا ضرورة إنما يقتضي أن لا ينتج اللا دوام واللا ضرورة مع الكبرى لا انَّه يقتضي عدم اعتبارهما في النتيجة فانَّ الأوسط اذا كان مستلزماً للأكبر فبأي جهة ثبت الأوسط للأصغر كان ثبوت الأكبر له مقيداً بها ولا يتوقف ذلك على انتاج اللا دوام في صغرى الشكل الأول أو عدم اتناجه . - وجوابه - كما هو المقرر عندهم :

بأن حمل الأكبر على الأوسط وإن كان مقيداً بدوامية الوصف لكن لا يلزم

منه أن يكون مقتصراً على وقت ثبوت وصف الأوسط بل يجوز أن يكون دائماً لكل ما ثبت له الأوسط فلا يصدق لا دوام الصغرى كقولنا : كل انسان ضاحك لا دائماً وكل ضاحك حيوان ما دام ضاحكاً مع كذب كل انسان حيوان لا دائماً . ولكن هذا المثال إنما يتم على تقدير تفسير الوصفية بما دام الوصف لا لأجل الوصف أو بشرط الوصف .

وثالثاً : انَّ مقتضى الضابط المذكور انَّ الصغرى الضرورية مع الكبرى السالبة الدائمة تنتج دائمة لعدم صدق الوصفيات الأربعة على الكبرى مع انَّ البرهان يقتضي أن تنتج ضرورية بدليل عكس الكبرى ليرتد الى الشكل الثاني فينتج المطلوب بعينه وبدليل الخلف وهو ان يجعل نقيض النتيجة صغرى لكبرى الأصل لينتج من الشكل الثاني ما يناقض الصغرى . - وجوابه - انَّ برهان العكس غير صحيح لمنع انتاج الضرورية في الشكل الثاني للضرورية وإن برهان الخلف أيضاً غير صحيح لمنع إنتاج الممكنة مع الدائمة في الشكل الثاني.

ورابعاً : انَّ الكبرى اذا كانت احدى العامتين والصغرى مطلقة عامة فالنتيجة بمقتضى الضابط المذكور مطلقة عامة مع انَّ البرهان يقتضي انها مطلقة وقتیة وهي أخص من المطلقة العامة وذلك لأن الكبرى دلت على انَّ كل ما ثبت له الأوسط فالأكبر ثابت له ما دام الأوسط . والصغرى دلت على ثبوت الأوسط للأصغر فيلزم ثبوت الأكبر لذات الأصغر في وقت معيَّن وهو وقت ثبوت الأوسط له . - وجوابه - انَّهم لمَّا حذفوا الأوسط اقتصروا على الاطلاق العام ولكن للخصم أن يناقش في صحة هذا الاقتصار .

وخامساً : انَّ الضابط المذكور يقتضي أن الصغرى الدائمة المطلقة مع

مشروطة العامة تنتج دائمة مع انَّ البرهان يقتضي انَّها تنتج ضرورية مطلقة لأن معنى الكبرى انَّ كل ما ثبت له الأوسط ثبت له ضرورة الأكبر ما دام الأوسط ثابتاً له . وذات الأصغر قد ثبت لها الأوسط دائماً فيثبت له ضرورة الأكبر لتحقق شرط الضرورة له وهو دوام الأوسط . - وجوابه - كما هو مسطور في كتبهم انَّ الضرورة المعتبرة في الكبرى هي الضرورة بشرط الوصف فلا يلزم منه إلا تحقق الضرورة للأصغر بشرط الوصف وهي ليست ضرورة ذاتية . نعم لو أخذنا الكبرى ضرورية بحسب أوقات وصف الأوسط تم ما ذكر .

المختلطات

في الشكل الثاني

(ذهبوا الى انَّ النتيجة في الشكل الثاني دائمة إن كانت احدى مقدمتيه دائمة مطلقة أو ضرورية مطلقة وإلا فالنتيجة كالصغرى لكن بشرط أن يحذف عن الصغرى قيد الضرورة الوصفية والوقتية وقيد اللا دوام واللا ضرورة امَّا انَّ النتيجة لابد وأن تكون كذلك فبدليل الخلف والعكس والافتراض وامَّا لزوم حذف قيد الضرورة عنها لعدم تعديها الى النتيجة . وامَّا حذف قيد اللا دوام واللا ضرورة عنها لعدم انتاجه مع الكبرى ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : انَّ مقتضى التعليل لحذف لا دوام الصغرى ولا ضرورتها عن النتيجة جاري في لا دوام الكبرى ولا ضرورتها فلا وجه لتخصيصهم الحذف بالصغرى . - وجوابه - أنَّ الضابط المذكور يقتضي حذف لا دوام الكبرى ولا ضرورتها لاقتضائه عدم كون النتيجة موجهة بجهة الكبرى اذا كانت مقيدة

بقيد اللا دوام أو اللا ضرورة لأنه مع تقييدها بهما تكون النتيجة كالصغرى .

وثانياً : انَّ المقدمتين اذا كانت الكبرى ضرورية انتج القياس ضرورية لأن كبراه ضرورية تنعكس كنفسها فيرتد الى الشكل الأول والشكل الأول الذي كبراه ضرورية ينتج ضرورية وهكذا لو كانت كبراه مشروطة . وجوابه : انَّ هذا مبني على عدم انعكاس الضرورية مطلقة كانت أو مشروطة الى نفسها .

وثالثاً : انَّ المقدمتين اذا كانتا ضروريتين فمقتضى الضابط المذكور أن تكون النتيجة دائمة مع انَّ البرهان يقتضي انَّها ضرورية لأن الأوسط اذا كان ضروري الثبوت لأحد الطرفين وضروري السلب عن الطرف الآخر كان بين الطرفين مباينة ضرورية فيكون احدهما ضروري السلب عن الآخر .- وجوابه - انَّ الأوسط في هذا الشكل لمَّا كان محمولاً على الطرفين

فيكون ضروري الثبوت لذات أحدهما وضروري السلب عن ذات الآخر فيكون بين ذات الطرفين مباينة ضرورية وهو ليس مفاد النتيجة وإنما مفادها سلب وصف أحد الطرفين وهو الأكبر عن ذات الطرف الآخر وهو الأصغر ومن المعلوم انَّ التباين الضروري بين الذاتين لا يلزم منه التباين الضروري بين وصف أحدهما وذات الآخر لصدق قولنا في المثال المعروف : لا شيء من الحمار بفرس بالضرورة وكل مركوب زيد فرس بالضرورة مع كذب قولنا : ليس بعض الحمار مركوب زيد بالضرورة لصدق نقيضه وهو كل حمار مركوب زيد بالامكان. نعم لو كانت الضرورية صغرى والكبرى مشروطة لأجل الوصف انتجت ضرورية لأن الكبرى إن كانت سالبة دلت على المباينة الضرورية بين وصف الأوسط ووصف الأكبر وقد كان وصف الأوسط لازم ضروري لذات الأصغر والمباين للازم مباينة ضرورية مباين لملزومه كذلك وإن كانت الكبرى

موجبة فالأوسط لازم لوصف الأكبر وقد كان منافي لذات الأصغر واللازم اذا كان منافياً لشيء كان ملزومه أيضاً منافيا له ولكن هذا لا يتم إلا اذا كانت المشروطة لأجل الوصف لا ما اذا كانت ما دام الوصف وحيث انَّها عند القوم ما دام الوصف لذا لم تنتج عندهم ضرورية .

المختلطات

في الشكل الثالث

( ذهبوا الى انَّ جهة النتيجة في هذا الشكل كالكبرى بعينها إن كانت الكبرى غير الوصفيات الأربعة كما هو الحال في الشكل الأول وإن كانت الكبرى احدى الوصفيات الأربعة فجهة النتيجة كعكس الصغرى لكن يحذف من العكس اللا دوام إن كان مقيداً به ويضم اللا دوام الى النتيجة إن كانت الكبرى احدى الخاصتين امَّا انَّ النتيجة كذلك فبالخلف والعكس والافتراض. وامَّا حذف اللا دوام من عكس الصغرى فلان عكس صغرى هذا الشكل لا محالة تكون موجبة فيكون اللادوام فيها سالبة والسالبة لا تنتج في صغرى هذا الشكل وامَّا ضم لا دوام الكبرى الى النتيجة فلأنه ينتج بانضمامه الى الصغرى لا دوام النتيجة . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : ان مقتضى الضابط المذكور أن تكون الضرورية أو الدائمة مع المطلقة العامة تنتج مطلقة عامة مع انَّ البرهان يقتضي أن تنتج حينية مطلقة إذ لابد من اجتماع وصفي الأصغر والأكبر حيناً ما فيما لو كانت الكبرى موجبة لاتصاف الأوسط بالأصغر دائماً واتصافه بالأكبر بالفعل وفيما اذا كانت الكبرى سالبة لابد من عدم اجتماع الوصفين في الأوسط حيناً ما . والحاصل : انَّ النتيجة لابد وان تكون أخص قضية لازمة للقياس وفيما نحن

فيه كان يلزم القياس الحينية المطلقة وهي أخص من المطلقة العامة .

وثانياً : انَّ الضرورية أو الدائمة مع الوجودية اللا ضرورية بمقتضى الضابط المذكور تنتج وجودية لا ضرورية ولكن مقتضى البرهان أن تنتج حينية لا ضرورية لما تقدم في الايراد الأول من ان الحينية المطلقة لازمة للقياس المذكور لا المطلقة العامة واما اللا ضرورة فهي مأخوذة من الكبرى .

وثالثاً : انَّ الضرورية أو الدائمة مع الفعليات الثلاثة الوجودية اللا دائمة والوقتية والمنتشرة بمقتضى الضابط المذكور تنتج كالكبرى ان مقتضى البرهان كما عرفته من الايراد الأول والثاني ان تكون حينية لا دائمة .

المختلطات

في الشكل الرابع

(ذهبوا الى انَّ جهة النتيجة في هذا الشكل في الضربين الأوليين تابعة لعكس الصغرى اذا لم تكن الصغرى احدى الوصفيات الأربعة وإن كانت احدى الوصفيات الأربعة فتكون جهة النتيجة تابعة لعكس كبراه بعد حذف قيد اللا دوام واللا ضرورة إن كان فيها وضم لا دوام الصغرى الى النتيجة وان شئت قلت : انَّ جهة النتيجة في الضربين الأولين عكس الصغرى ان كانت ضرورية أو دائمة أو كان القياس مؤلفاً من الست المنعكسة السوالب وإلا فمطلقة عامة . وامَّا في الضرب الثالث فالنتيجة تكون دائمة إن كان احدى مقدمتيه ضرورية أو دائمة وإلا فعكس الصغرى وامَّا في الرابع والخامس فالنتيجة دائمة ان كانت الكبرى ضرورية أو دائمة وإلا فعكس الصغرى محذوفاً عنه اللا دوام والبرهان على ذلك هو الخلف والعكس والافتراض وامَّا في السادس فالنتيجة كما في الشكل الثاني بعد عكس الصغرى . وامَّا

في السابع فالنتيجة كما في الشكل الثالث بعد عكس الكبرى . وامَّا في الثامن فالنتيجة كما في الشكل الأول بعد عكس الترتيب وعكس النتيجة . وبالجملة لمَّا كانت هذه الضروب الثلاثة الأخيرة ترتد الى الاشكال الثلاثة المذكورة لما ذكرنا من الطرق كانت نتائجها نتائج تلك الأشكال بعينها في السادس والسابع وبعكسها بعد عكس الترتيب في الثامن ) . ويرد عليهم : ما أوردناه على نتائج مختلطات الشكل الأول والثاني والثالث لرجوعها اليها .

القياس الاقتراني الشرطي

(ذهبوا الى انَّ القياس الاقتراني الشرطي مركَّب امَّا من الشرطيات فقط أو من الشرطيات والحمليات ) . ويرد عليهم ایرادان.

أولاً : انَّ من القياس ما هو حكمه حكم القياس الاقتراني الشرطي مع انَّه ليس مركباً مما ذكروه وهو القياس المركب من الحملية المرددة المحمول مع غيرها من الحمليات كيف ؟ واغلب ما مثلوا به للقياس الشرطي المركّب من المنفصلة كان من نوعه وينبغي أن يقسم الى أربعة أقسام الأول : ما تركب من حملية مرددة المحمول وحملية غير مرددة المحمول . الثاني : ما تركب من حملية مرددة المحمول وشرطية متصلة . الثالث ما تركب من حملية مرددة المحمول وشرطية منفصلة . الرابع : ما تركب من حمليتين مرددتي المحمول والمتأمل يستطيع استخراج أحكامها مما ذكروه في الشرطي. وثانياً : انَّه كان عليهم أن يخصصوا الكلام بالشرطية الغير الاتفاقية لأن الاتفاقيتين لا يتركب القياس الشرطي منهما لعدم الامتياز بين أجزاء الاتفاقيات فلا يتميز الاشكال الأربعة فيها بعضها عن بعض مع انَّ القياس ما كان موصلاً لمجهول تصديقي والمركّب منها لا يوصل لمجهول تصديقي

لكون النتيجة فيها معلومة قبل تركب القياس وذلك لأن الاتفاقية لمَّا لم يكن بين اطرافها علاقة كان مفهوم الكبرى في الشكل الأول مثلاً انَّ الأكبر موجود في نفسه على تقدير المقدم مع سائر الأمور الواقعة الثابتة في نفس الأمر ومن الأمور الواقعة الأصغر فيكون وجوده مع الأصغر معلوماً وإن لم يلتفت للأوسط فلم يفد ادخال الأوسط بين الأصغر والأكبر في نسبة أحدهما الى الآخر . - وجوابه - امَّا عن عدم الامتياز فبأن الامتياز بحسب الوضع فانَّ وضع أحدهما أولاً والآخر ثانياً يكفي في امتياز الاشكال الأربعة فيها . وامَّا عن عدم الايصال فانَّه من الجائز أن يكون الأكبر مجهولاً ثبوته على تقدير الأصغر مع سائر الامور الواقعة في نفس الأمر فانَّ المطلوب ليس وجود الأكبر في نفسه بل موافقته للأصغر فربما تكون خفية لا يتنبه لها إلا بعد العلم بموافقته للأوسط وموافقة الأوسط للأصغر على انَّ الميزان في القياس استلزام قول آخر بحسب الصورة والايصال فيه شأني ولذا القياس لا يخرج عن كونه قياساً لمن كان يعلم بالنتيجة قبل تركيبه .

تقسيم القياس الشرطي

( قالوا القياس الشرطي ينقسم الى خمسة أقسام : الأول : المركب من متصلتين . الثاني : المركّب من منفصلتين . الثالث : من حملية ومتصلة . الرابع : من حمليَّة ومنفصلة . الخامس : من متصلة ومنفصلة ) . ويرد علیهم ایرادان .

أولاً ما عرفته انَّه قد يتركب من حمليتين وهما الحملية المرددة المحمول مع حملية غير مرددة .

وثانياً : انَّه قد يتركب من حملية ومتصلة ومنفصلة كقولنا : المتحرك

بالارادة حيوان وكلما كان حيواناً كان حساساً ودائماً امَّا ان يكون الحيوان انساناً أو غيره ينتج أمَّا أن يكون المتحرك بالارادة حساساً انسانة وامَّا أن يكون حساساً غير انسان وهذا ليس جعله قسماً بأقل من جعل المنفصلة . حمليات متعددة قسماً منه وعليه فتكون أقسام الشرطي سبعة .

الاشكال الاربعة المنعقدة في الشرطي

( قالوا : وتنعقد فيه الأشكال الأربعة ) . ويرد عليهم : انَّ هذا واضح فيما لو كان المكرر جزءاً تاماً من كلتا المقدمتين بأن كان تالياً في الصغرى ومقدماً في الكبرى فانَّه يكون من الشكل الأول وبالعكس من الشكل الرابع أو تالياً فيهما فالشكل الثاني أو مقدماً فيهما فالشكل الثالث وامَّا اذا كان المكرر جزءاً غير تام منهما أو تام في أحداهما وغير تام في الاخرى فالأمر مشكل لأن ما كان محمولاً في مقدم الصغرى وموضوعاً في تالي الكبرى من أي الاشكال هو فان كان العبرة بالتقدم والتأخر كان شكلاً رابعاً لأن المقدم سمته سمة الموضوعية والتالي سمته سمة المحمولية وإن كان التقدم في الذكر فهو قد ذكر في أول الأجزاء وفي آخر الأجزاء فهو أيضاً شكل رابع مع انَّه قد عند عندهم شكلاً أولاً . - وجوابه - انَّ العبرة فيما اذا كان المكرَّر ليس بجزءٍ تام هو بالموضوعية والمحمولية لا بالتقدم في الذكر ولا بكونه جزءً في المقدم أو التالي فانَّ الشكل المذكور يكون من الأول لأن المكرر كان موضوعاً في الصغرى ومحمولاً في الكبرى وهكذا ما كان بالعكس فهو الرابع وما كان محمولاً فيهما فالثاني وما كان موضوعاً فيهما فالثال .

القسم الاول من الشرطي

(قالوا : انَّ القسم الأول من الشرطي وهو المركّب من متصلتين اذا

كانا لزوميتين انتج لزومية ) ويرد عليهم أربعة ايرادات .

أولاً : انَّه منقوض بقولنا : كلما كان الاثنان فرداً كان عدداً وكلما كان عددا كان زوجاً فانَّه صادق مع كذب النتيجة وهي كلما كان الاثنان فرداً كان زوجاً للتنافي بين الفردية والزوجية . - وجوابه - انشاء الله يجيء في باب المغالطات ·

وثانياً : انَّه منقوض بقولنا كلما تحقق النقيضان تحقق أحدهما وكلما تحقق النقيضان تحقق الآخر فانَّه شكل ثالث ينتج قد يكون اذا تحقق أحد النقيضين تحقق الآخر . - وجوابه - سیجژ انشاء الله في مبحث المغالطات .

وثالثاً : انَّ الكبرى قد حكم فيها بملازمة التالي للمقدم في نفس الأمر على جميع الأوضاع والتقادير الممكنة وذلك لا يستلزم ثبوت الملازمة على تقدير الأصغر لاحتمال انَّ الأصغر ممتنع الثبوت في نفسه فليس هو من التقادير الممكنة للكبرى وعليه فلا يلزم الأصغر لأوسط الكبرى ولا يحصل الانتاج واشتهر المثال له بكلما كان هذا اللون سواداً وبياضاً كان سواداً وكلما كان سواداً لم يكن بياضاً فينتج انَّه كلما كان هذا اللون سواداً وبياضاً لم يكن بياضاً وهو محال للزوم اجتماع النقيضين البياض وعدمه في مورد واحد وقد مثلت له بقولنا كلما كان شريك الباري موجوداً كان الله تعالى موجوداً وكلما كان الله موجوداً كان العالم ليس بفاسد ينتج كلما كان شريك الباري موجوداً كان العالم ليس بفاسد . - وجوابه - انَّ الأوسط ان أخذ في الكبرى على نحو أخذه في الصغرى حتى يكون في الكبرى من لوازمه الأصغر كما كان في الصغرى اتنج القياس لا محالة لأن لازم اللازم لازم قطعاً وإن لم يكن يؤخذ كذلك لم يكن الأوسط متكرراً فلا يحصل القياس

ففي المثالين المذكورين ان جعل السواد المأخوذ في الكبرى هو السواد المستلزم للأسود والأبيض كانت الكبرى كاذبة لأن السواد المستلزم للأسود والأبيض يكون بياضاً وإن كان غيره وهو طبيعة السواد المضادة للبياض لم يتكرر الأوسط لأن المأخوذ في الصغرى لم يكن مضادا للبياض وفي الكبرى كان مضادا البياض وهكذا في المثال الثاني فانَّ وجود الله تعالى اذا أخذ في الكبرى بنحو المستلزم لوجود الشريك كانت الكبرى كاذبة لأن وجود الله مع الشريك محال موجب لفساد العالم وان كان بنحو يضاد شريك الباري لم يتكرر الأوسط .

و رابعاً : انَّ الشكل الأول من هذا القسم لا ينتج منه إلا الضربان اللذان تركيا من الموجبتين وامَّا الضربان الآخران اللذان تكون كبراهما سالبة كلية فلا ينتجان لأن الصغرى إنما تدل على ملازمة الأصغر للأوسط ملازمة كلية أو جزئية والكبرى إنما تدل على عدم ملازمة الأوسط للأكبر أصلا والأوسط اذا لم يستلزم لشيء فلا يلزم عدم استلزام الأصغر له ألا نرى انَّه يصدق كلما كانت العشرة موجودة فالثلاثة موجودة وليس البته اذا كانت الثلاثة موجودة فالسبعة موجودة مع كذب النتيجة وهي ليس البتة اذا كانت العشرة موجودة كانت السبعة موجودة لاستحالة وجود العشرة بدون السبعة لتقومها بها . - وجوابه - انَّ الأوسط اذا لم يستلزم شيئاً أصلاً لفرض انَّ الكبرى سالبة كلية لأن شرط الشكل الأول أن تكون كبراه كلية فلابد أن يكون الأصغر غير مستلزم لذلك الشيء لأن الأصغر لو كان مستلزماً له لكان الأوسط أيضاً مستلزماً له لأن الأوسط لازم للأصغر لفرض ایجاب الصغرى ولازم اللازم لازم لا محالة واللازمين لشيء واحد يكون

أحدهما لازم للآخر بواسطة ذلك الشيء والا ثبت عدمأحدهما معه وهو يرفع الملازمة له وامَّا القياس المذكور فكبراه كاذبة لأن الثلاثة قد تستلزم السبعة وهي الثلاثة الموجودة في ضمن السبعة فانها مستلزمة للسبعة .

القسم الثاني من الشرطي

(قالوا : القسم الثاني من القياس الشرطي ما يتركب من منفصلتين ويشترط في انتاجه ايجاب المقدمتين وكلية أحداهما وان لا تكونا مانعتي الجمع ) . ويرد عليهم ایرادان .

أولاً : انَّ المركّب من ما نعتي الجمع ينتج متصلة جزئية من نقيضي الطرفين لاستلزام الأوسط نقيض كل واحد من الطرفين فاذا قلنا : امَّا أن يكون الحيوان ناطقاً أو صاهلاً وامَّا أن يكون صاهلاً أو انساناً أتتج القياس قد يكون اذا لم يكن الحيوان ناطقاً لم يكن انساناً .

وثانياً : انَّه يضاف الى ذلك شرطاً رابعاً وهو أن لا يتركب من المنفصلتين الحقيقيتين وذلك لأن الأوسط إن كان نقيضاً للأصغر والأكبر أو لازماً مساوياً لنقيضه لم يكن بين الأصغر والأكبر معاندة بل كان بينهما تساوي لاستحالة مناقضة الشيء الواحد لشيئين وان لم يكن نقيضاً لهما ولا لازم لنقيضيهما لزم كذب الحقيقتين لأن الحقيقية ما استحال اجتماع أجزائها في الصدق والكذب وهو إنما يتصور بين الشيء ونقيضه أو لازم نقيضه . وأجاب عنه المتأخرون : بالالتزام بأنهما لا ينتجان عناد الأصغر للأكبر ولكنهما ينتجان متصلة مؤلفة من عين الأصغر والأكبر أو منفصلة حقيقية مؤلفة من عين أحدهما ونقيض الآخر لاستحالة الاجتماع بين الشيء ونقيض لازمه المساوي صدق أو كذباً كقولنا : اما أن يكون العدد زوجاً أو فردا وامَّا أن يكون فردا أو منقسماً

بمتساويين فانَّه ينتج كلما كان العدد زوجاً فهو منقسم بمتساويين وينتج أيضاً امَّا أن لا يكون زوجاً أو يكون منقسماً بمتساويين .

القسم الثالث من الشرطي

(قالوا : القسم الثالث من الشرطي ما كان مركّباً من حملية ومتصلة منه ما كانت المتصلة صغرى والحملية كبرى والشركة مع تالي المتصلة ونتيجته متصلة كقولنا : كلما كان الناطق انسانا كان حيواناً وكل حيوان جسم ينتج كلما كان الناطق انساناً كان جسماً ) . ويرد عليهم : انَّ الحملية إنما يحكم فيها بثبوت المحمول للموضوع على جميع التقادير الممكنة ولعل تقدير صدق المقدَّم ليس من التقادير الممكنة فقولنا : كل حيوان جسم إنما يحكم فيه على جميع تقادير الممكنة للحيوان ولعل تقدير كون الناطق انساناً محالاً لا تصدق الحملية على تقديره فلا تصدق المتصلة المركبة منهما كقولنا كلما كان القرطاس انساناً كان حيواناً وكل حيوان متحرك بالارادة فينتج كلما كان القرطاس انسانا كان متحركة بالارادة وكقولنا كلما كان الخلاء موجوداً كان بعداً وكل بعد في مادة ينتج ان كان الخلاء موجوداً فهو في مادة وهل هذا الا عين المحال لأن الخلاء المادة لا يجتمعان . والحاصل : انَّ مع انتاج هذا النوع موقوف على مقدمات ثلاثة لابد من تسليمها الشرطية والحملية وانَّ الحملية مسلمة على تقدير صدق المقدم والقياس انما اشتمل على تسليم المقدمتين الأوليين دون الثالثة . وإن شئت قلت : إنه على تقدير صدق مقدم المتصلة لم يحرز صدق الحملية فانَّ صدق الحملية في نفس الأمر لا يلزمه صدقها على تقدير مقدَّم المتصلة . ودعوى انَّ الشرطية المأخوذة في القياس كانت مسلَّمة في نفس الأمر شأن كل مقدمة تؤخذ في كل قياس وحينئذ فيكون

مقدمها مفروض الصدق في نفس الأمر وإن كان محالاً فيصدق معه التالي كذلك وقد فرض الحملية صادقة في نفس الأمر فتجتمع القضايا الثلاثة في الصدق في نفس الأمر وحينئذ تصدق النتيجة لأن الحملية حينئذ تكون صادقة على تقدير المقدم لاجتماعها معه في نفس الأمر . فاسدة لأن صدق المتصلة بصدق لزومها ولا تقتضي صدق جزئيها فهي تصدق حتى لو فرض عدم صدق جزئيها . ودعوى انَّا لا نسلِّم كذب النتيجة لأن المحال يجوز أن يستلزم المحال . باطلة لأن الكلام في أصل اقتضاء القياس للاستلزام من جهة عدم اقتضائه لثبوت الحملية على تقدير مقدم الشرطية وما يمكن أن يتوهم في الجواب عن الاشكال بأن موضوع الحملية إن أخذ فيها على نحو لا يشمل محمول تاليها لم يتكرر الأوسط وإن أخذ على نحو يشمله ومن أفراده كان القياس منتجاً للمتصلة وذلك لأن حكم الحملية يكون لازماً لتالي الشرطية وتالي الشرطية ملازم لمقدمها ولازم اللازم لازم فتكون الحملية لازمة لمقدم الشرطية ففي المثال المذكور نقول انَّ الحيوان الذي هو موضوع الحملية إن كان يعم الحيوان الذي هو تالي للشرطية كان الحكم بالتحرك بالارادة على الحيوان حكم على التالي وإن كان لا يعمه لم يتكرر الأوسط . فاسد لأنه لو سلم ولم نلتزم بأن القضايا تؤخذ بصرف طباعها في الأقيسة ولم نقل بأن الحكم في الحملية على الأفراد الممكنة وحيوانية القرطاس في المثال ونظائره ليست من الافراد الممكنة فلا تكون مشمولة لحكم الحملية حتى يتكرر الأوسط فيه فلو سلمنا ذلك كله فهو فاسد إذ لا دلالة في القياس على ملازمة حكم الحملية لحكم التالي. والأولى ان نقول في الجواب عن هذا الاشكال : بأن هذا القياس انما يصح استعماله في الزام الخصم عند ما يدعي الخصم

امكان تحقق مقدمة المتصلة فمن يدعي امكان (انسانية القرطاس ) ذكر في جوابه هذا القياس كما انَّ الاشكال يضعف فيما كانت المتصلة اتفاقية لصدق التالي والحملية معاً على تقدير صدق المقدم .

القسم الرابع من الشرطي

(قالوا : القسم الرابع ما تركب من الحملية والمنفصلة وهو على نوعين احداهما المسمى بالمقسم وهو ما كان عدد الحمليات بعدد أجزاء الانفصال والعمليات بأجمعها مشتركة في أحد طرفي النتيجة وأجزاء الانفصال بأسرها مشتركة في طرف النتيجة الآخر ويشترط فيه أن تكون المنفصلة كلية موجبة غير مانعة الجمع وهو ينتج حملية كقولنا : اما أن تكون الكلمة اسماً أو فعلا أو حرفاً والاسم لفظ والفعل لفظ والحرف لفظ ينتج الكلمة لفظ والنوع الآخر المسمى بغير المقسم ) . ويرد عليهم : انَّ الحملية إنما تشمل الافراد الممكنة ولعل الفرد الموجود في المنفصلة ليس من الأفراد الممكنة فلا ينتج القياس لعدم تكرر الأوسط فمثلاً لو قلنا : امَّا أن يكون القرطاس انساناً أو فرساً والفرس صاهل فانَّه يمكن أن يقال انَّه لا ينتج امَّا أن يكون القرطاس انساناً أو صاهلاً لأن الحكم بالصاهلية على افراد الفرس الممكنة وفرسية القرطاس ليست بممكنة فلا يشملها الحكم في الحملية . - وجوابه - انَّ الانتاج فيها لابد فيه من فرض شمول موضوع الحملية للفرد الموجود في المنفصلة أو دعوى انَّ الحكم في الطبيعية على الطبيعة أينما وجدت وفرضت أو نلتزم بأن القياس ردُّ للخصم الذي يفرض امكان جزء المنفصلة المشترك مع الحملية .

القسم الخامس من الشرطي

( القسم الخامس ما تركب من المتصلات والمنفصلات ) . ويرد عليهم : انَّه لابد من اشتراط كون المنفصلات غير مشتركة مع المتصلات في مقدمها بمعنى لا يكون الحد الأوسط هو المقدم في المتصلة لأن مقدم المتصلة هو الملزوم ومنع الجمع والخلو والانفصال الحقيقي مع الملزوم لا يوجب منع الجمع والخلو والانفصال الحقيقي مع اللازم لجواز كونه أعم ألا ترى انَّه يصدق دائماً امَّا أن يكون الليل موجوداً أو يكون النهار موجوداً وكلما كان النهار موجوداً كان الضوء موجوداً مع عدم صدق قولنا دائماً امَّا أن يكون الليل موجوداً وامَّا أن يكون الضوء موجوداً ولا يسعني التأمل في هذا الاشكال لضيق الأحوال وعدم سعة المجال كما انَّ ذلك هو الذي دعاني لأن اختصر الكلام في القياس الشرطي فانَّ البحث فيه يحتاج الى الوقت

الطويل .

القياس الاستثنائي

(ذكر متأخروا المنطقيين انَّ القياس الاستثنائي هو ما تركَّب من مقدمة شرطية ومقدمة حملية يستثنى فيها عين أحد جزئي الشرطية أو نقيضه وهو على قسمين : أحدهما ما كانت الشرطية فيه متصلة . وثانيهما ما كانت الشرطية

فيه منفصلة ) . ويرد عليهم ايرادان .

أولاً : انَّ المقدمة التي يقع فيها الاستثناء قد تكون شرطية كما قد تكون حملية وذلك فيما لو كانت المقدِّمة الأولى شرطية مركّبة من شرطيتين كقولنا كلما إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود فكلما لم يكن النهار

موجوداً لم تكن الشمس طالعة فانَّه لو استثنى مقدمها وقيل : لكن كلما كانت الشمس طالعة فالنهار طالعة فالنهار موجود فانَّه كلما ينتج لم يكن النهار موجوداً لم تكن الشمس طالعة .

وثانياً : بما اذا تركب الاستثنائي من حملية مرددة المحمول وحملية يستثنى فيها عين أحد جزئيها أو نقيضه فانَّه يجري عليه أحكام القياس الاستثنائي فينبغي أن يجعل قسماً ثالثاً له .

شروط انتاج الاستثنائي

الشرط الاول لانتاجه

(ذكروا الشرط الأول لانتاج القياس الاستثنائي أن تكون الشرطية موجبة لأنه اذا لم يكن بين الشيئين إتصال أو انفصال لم يلزم من وضع أحدهما أو رفعه وضع الآخر أو رفعه ) . ويرد عليهم : انَّ السالبة الكلية الشرطية تستلزم موجبة كلية فهي تنتج بالرد الى الموجبة ما تنتج نفس الموجبة توضيح ذلك انَّ السالبة الكلية المتصلة تستلزم موجبة كلية متصلة موافقة لها في المقدم ومناقضة لها في التالي فالسالبة المذكورة استثناء مقدمها ينتج نقيض تاليها لأنه في الحقيقة يكون استثناء لمقدم الموجبة اللازمة لها وحينئذ فتكون النتيجة هو تالي تلك الموجبة الذي هو عبارة عن نقيض السالبة المذكورة كقولنا : ليس البته اذا كان النهار موجوداً فالعالم مظلم فانَّه ملازم لقولنا كلما كان النهار موجوداً لم يكن العالم بمظلم وحينئذ فاذا استثنينا مقدم تلك السالبة وقلنا : ( لكن النهار موجود) كان استثناءً المقدم هذه الموجبة. واستثناء مقدم هذه الموجبة نتيجته (فلم يكن العالم بمظلم ) فتكون هي نتيجة الاستثناء لمقدم السالبة المذكورة . وهكذا استثناء تالي السالبة المذكورة

ينتج نقيض مقدمها لأنه يكون استثناء لنقيض تالي تلك الموجبة واستثناء نقيض تالي تلك الموجبة يوجب انتاج نقيض مقدمها الذي هو عين نقيض مقدم السالبة المذكورة لكون مقدمهما واحد كما هو الفرض . - وجوابه - مضافاً الى عدم تسليم الملازمة بين السالبة الشرطية والموجبة فانَّ المتأخرين قد منعوا منه انَّ هذا بالحقيقة لم يكن انتاج للسالبة بل هو انتاج للموجبة اللازمة لها ولذا كانت النتيجة تابعة لها لا للسالبة .

الشرط الثاني لانتاج الاستثنائي

( ذكروا ثاني شروط انتاج القياس الاستثنائي هو كون الشرطية المستعملة فيه ليست باتفاقية وإلا لزم الدور لأن العلم بصدق الاتفاقية موقوف على العلم بحال طرفيها صدقاً أو كذباً فلو استفيد العلم بحال أحد طرفيها من العلم بصدق الاتفاقية لزم الدَّور ) . ويرد عليهم : انَّ هذا یتم في المتصلة لأن الاتفاقية منها بالمعنى الأعم ما كان التالي فيها صادقا سواء كان المقدم صادقاً أو كاذباً وبالمعنى الأخص ما صدق كليهما وحينئذ فادراك انَّها اتفاقية صادقة موقوف على صدق التالي بالمعنيين فلا يعقل جهل صدق التالي حتى يستفاد صدقه من صدق المقدم ولا يمكن رفعه ليستفاد رفع المقدم للعلم بثبوته. ولكن لا يتم في المنفصلة الاتفاقية إذ يجوز بحسب الاتفاق أن يكون وصفان لا يجتمعان أو لا يرتفعان أو لا يجتمعان ولا يرتفعان معاً فحينئذ يكون استثناء وضع أحدهما يوجب رفع الآخر واستثناء رفع أحدهما يوجب وضع الآخر لعدم الاطلاع على الموجود منهما فعلاً . ودعوى انَّ المنفصلة الاتفاقية لابدَّ من العلم بوجود أحد أجزائها على التعيين . فاسدة وإلا لزم أن يكون حصر المنفصلة بالعنادية والاتفاقية غير صحيح لوجود قسم ثالث وهو ما فرضناه

وهو ما اذا كان بحسب الاتفاق لا يجتمع الجزءآن في الصدق أو في الكذب أو فيهما معاً كما لو علمنا امَّا ان يكون زيد خارج الدار أو يكتب ولكن لا ندري الآن متصفاً بأي منهما فاذا قلنا : ( لكنه يكتب ) انتج القياس فهو ليس بخارج الدار واذا قلنا : ( لكنه خارج الدار ) انتج انه ليس يكتب .

الشرط الثالث لانتاج الاستثنائي

( ذكروا انَّ الشرط الثالث لانتاج الاستثنائي أحد أمرين على سبيل منع الخلو كلية الشرطية أو كلية الاستثناء إذ لو اتنفى الأمران احتمل أن يكون الاتصال والانفصال على بعض الأوقات والاستثناء في وقت آخر فلا يلزم من وضع أحد جزئي الشرطية أو رفعه ثبوت الآخر أو رفعه ) . ويرد علیهم ایرادان .

أولاً : انَّه يجوز أن ينتفي الأمران والقياس منتج فانَّهما لو كانا جزئيين ووقت الاتصال والانفصال هو بعينه وقت الاستثناء كقولنا إن جاء زید عصراً فانَّه يكرمه خالد لكنه جاء عصراً ينتج فهو يكرمه خالد ولذا بعضهم قيد الشرط المذكور بما اذا لم يكن وقت الاتصال والانفصال متحداً مع وقت الاستثناء .

ثانياً : انَّ الاستثناء لا تنفع کلیته مع كون الشرطية جزئية لجواز أن تكون الشرطية الجزئية إنما كانت على بعض الاوضاع الغير الثابتة في نفس الأمر وكلية الاستثناء هو عمومه للأفراد فلا يشمل ذلك الوضع مثاله قد يكون اذا كان الانسان قادراً يقول للشيء كن فيكون لكن كل انسان قادر مع كذب قولنا : ( انَّه يقول للشيء كن فيكون ) لأن الاستثناء إنما يعم الأفراد

بكليته لا انَّه یعم الأوضاع والتقادير حتى يدل على ثبوت القضية المستثناة

على التقدير الذي كانت ملازمة فيه للتالي بل ربما تكون الشرطية الجزئية على وضع غير ممكن كقولنا : قد يكون اذا كان الواجب موجوداً يكون جزوه موجوداً ( على تقدير تركبه ) لكن الواجب موجود دائماً مع کذب قولنا : انَّ جزءه موجود . - وجوابه - انَّ الاستثناء لما كان لجزء من الشرطية والشرطية كليتها بعمومها للأزمان والأوضاع والتقادير كان مرادهم بكلية الاستثناء هو عمومه لسائر الأزمان والأحوال والأوضاع والتقادير المأخوذة في الشرطية لا عمومه للأفراد وفي المثالين لم يكن الاستثناء له العموم المذكور اما المثال الأول فلأن القضية المستثناة وهي : ( كل انسان قادر ) لا تدل على ثبوت القدرة له حتى لحالة اطاعته الله الطاعة يكون بها مثله وهكذا المثال الثاني فانَّ القضية المستثناة لا تدل على ثبوت الوجود للباري حتى على تقدير تركّبه.

نتيجة القياس الاستثنائي

( قالوا : إن كانت الشرطية المستعملة فيه متصلة فاستثناء عين المقدم ينتج ثبوت التالي واستثناء نقيض التالي ينتج رفع المقدم والا لبطل اللزوم بينهما ) . ويرد عليهم أربعة ايرادات .

أولاً : انَّه من الجائز أن يكون التالي مساوياً في اللزوم للمقدم كقولنا : كلما كان النهار موجوداً كانت الشمس طالعة وحينئذ فرفع كل من المقدم والتالي ينتج رفع الآخر ووضع كل منهما ينتج وضع الآخر لاستحالة انفكاك المتساويين وجوداً وعدماً وإلا لما كان بينهما تساوي . - وجوابه - ما عرفته غير مرة من انَّ الملحوظ في هذا الفن هو الصورة دون المادة والانتاج المذكور إنما هو من جهة كون المادة مادة المساواة وإلا فالصورة لا توجب غير ما ذكروه

لجواز كون اللازم أعم .

وثانياً : انَّ التالي اذا كان مطلقة عامة أو ممكنة فلا ينتج استثناء رفعه رفع المقدم بشهادة صدق قولنا : كلما كان هذا انساناً كان متنفساً بالاطلاق العام لكنه ليس بمتنفس مع انَّ النتيجة وهي : ( فهو ليس بانسان ) ليست بلازمة لجواز انَّ الانسان لا يتنفس فعلاً . وهكذا اذا قلنا : كلما كان هذا انسانا كان عالماً بالامكان لكنه ليس بعالم فانَّ النتيجة وهي : ( فهو ليس بانسان) ليست بلازمة لجواز كون الانسان ليس بعالم . - وجوابه - انَّ المراد من استثناء رفع التالي هو استثناء نقيض ذلك التالي لا مطلق رفعه وفي المثالين لم تكن القضية المستثناة نقيضاً للتالي فانَّه في المثال الأول النقيض للتالي هو الدائمة فيقال ( لكنه ليس بمتنفس دائماً ) فانَّه يلزمه انه ليس بانسان . وفي المثال الثاني النقيض هو الضرورية فيقال : لكنه ليس بعالم بالضرورة فانَّه يلزمه انَّه ليس بانسان .

وثالثاً : انَّا لا نسلم انَّ وضع المقدم يوجب وضع التالي ولا رفع التالي يوجب رفع المقدم لجواز أن تكون الشرطية مركّبة من ملزوم ولازم على تقدير الوجود كالعلل والأجزاء فانَّها على تقدير وجودها للشيء تكون لازمة له فانَّ الفرس على تقدير جزئية الناطقية لها تكون الناطقية لازمة لها وحينئذ يصدق إن كانت الفرس موجودة كانت الناطقية التي هي جزؤها موجودة وهكذا يصدق إن كان الباري موجوداً فما كان جزء له أو علة له موجودا مع انَّ وضع المقدم لا ينتج وضع التالي فيها ولا رفع التالي ينتج رفع المقدم لكذب النتيجة فيهما ففي المثال الأول لو استثنينا وضع المقدم وقلنا : ( لكن الفرس موجودة ) فالنتيجة وهي (كانت الناطقية التي جزء الفرس موجودة)

كاذبة وهكذا في المثال الثاني لو استثنينا وضع المقدم أو رفع التالي كانت النتيجة كاذبة . - وجوابه - انَّ القضايا الشرطية المذكورة لم تكن كلية وإنما هي شخصية لأن الحكم باللزوم فيها على تقدير معين ففي المثال الأول كان على تقدير كون الناطقية جزءً للفرس وفي المثال الثاني كان على تقدير انَّ الباري له علة وجزء والاستثناء لم يكن على هذا التقدير فان قولنا : ( لكن الفرس موجودة ) لم يكن على تقدير كون الناطقية جزءاً لها وهكذا استثناء (لكن الباري موجود ) لم يكن على تقدير أن يكون له جزء أو علة وهكذا استثناء رفع التالي في المثال الأول أعني قولنا : ( لكن الناطقية التي هي جزؤها ليست بموجودة ) لم يكن على تقدير كون الناطقية جزءاً للفرس وإلا لكان الاستثناء كاذباً وهكذا استثناء رفع التالي في المثال الثاني أعني قولنا : ( لكن الجزء أو العملة للباري ليس بموجود ) لم يكن على تقدير أن يكون له جزء أو علة وإلا لكان الاستثناء كاذباً وقد عرفت فيما سبق ان الشرطية اذا لم تكن كلية إنما ينتج الاستثناء معها اذا كان صدقه على التقدير الذي تصدق فيه .

ورابعاً : انَّا لا نسلِّم انَّ اقتفاء التالي يوجب انتفاء المقدم مطلقاً وإنما يوجبه لو كان اللزوم باقياً عند انتفاء التالي وهو ممنوع مطلقا لجواز أن يكون انتفاء التالي محالاً في نفسه ولم يبق اللزوم على تقدير انتفائه فانَّ اقتفاء المحال قد يستلزم المحال واذا لم يبق اللزوم لم يلزم من اقتفاء التالي انتفاء المقدم لعدم الملازمة بينهما . - وجوابه - انَّ القياس الاستثنائي انما ينتج اذا كانت مقدمتاه مفروضتي الصدق واذا كان انتفاء التالي أمراً محالاً في نفسه كانت القضية المستثناة المشتملة على ذلك الانتفاء كاذبة فلا ينتج القياس .

نتائج المنفصلة المستعملة في الاستثنائي

(قالوا : إن كانت الشرطية المستعملة فيه منفصلة فالحقيقية استثناء عين كل من جزئيها ينتج رفع الآخر واستثناء رفع كل من جزئيها ينتج عين الآخر للتنافي بينهما صدقاً وكذباً ومانعة الجمع استثناء عين كل منهما ينتج رفع الآخر فقط لعدم اجتماعهما في الصدق ومانعة الخلو استثناء نقيض كل منهما ينتج عين الآخر فقط لعدم خلو الواقع عن أحدهما ) . ويمكن أن يقال عليهم : انَّ المنفصلة لو جاز تركبها من أكثر من جزئين كقولنا : امَّا أن تكون الكلمة اسماً أو فعلاً أو حرفاً فانَّ استثناء رفع كل واحد يوجب وضع الباقي لا على التعيين حتى لو استثني رفع الوسط منها كان الأمر كذلك .

قياس الخلف

(زعموا انَّ قياس الخلف هو الذي يقصد به إثبات المطلوب بابطال نقيضه وانه يقابله القياس المستقيم وهو ليس بقياس واحد بل هو قياسان أحدهما اقتراني شرطي والآخر استثنائي متصل يستثنى فيه نقيض التالي فيقال هكذا كلما لم يثبت المطلوب ثبت نقيضه لاستحالة ارتفاع النقيضين وكلما ثبت نقيضه ثبت المحال ينتج كلما كلما لم يثبت المطلوب ثبت المحال لكن المحال ليس بثابت فيلزم ثبوت المطلوب ) .

أقول : قد تقدم منا بعض الاشكالات عليه والجواب عنها في مباحث العكوس مفصلاً والمقصود هنا بيان عدم ارجاعه الى قياسين وانه لدى الحقيقة قياس واحد استثنائي وهو انَّه كلما لم يثبت المطلوب ثبت نقيضه لكن نقيضه ليس بثابت فينتج انَّ المطلوب ثابت لأن حقيقة قياس الخلف هو

إثبات المطلوب بابطال قيضه وهذا القياس الاستثنائي متكفل لذلك . نعم القضية المستثناة وهي : لكن نقيضه ليس بثابت قد تكون بديهية وقد تحتاج الى دليل آخر كما انَّه لو قلنا بأنه مركّب من قياسين فانَّ بيان الشرطية أعنى كلما ثبت نقيضه ثبت المحال قد يفتقر الى دليل وإنما نحن كلامنا في المقدار الذي لابد منه في قياس الخلف . مضافاً الى انَّ الناظر في الكتب العلمية الى قياسات الخلف يجد شاهدا على ما ذكرناه من انه ليس همة المؤلف إلا ابطال النقيض ليثبت المطلوب . وسيجيء انشاء الله تعالى في باب المغالطات المغالطة الثالثة والعشرون التي تتعلق بهذا القياس فراجعها .

الاستقراء

(عرَّفوه بأنه : تصفَّح الجزئيات لاثبات الحكم الكلي ) . ويرد عليهم ثلاثة ايرادات .

أولاً : انَّ الاستقراء قسم من الحجة والحجة عبارة عن معلوم تصديقي يوصل الى مجهول تصديقي . والمقسم معتبر في أقسامه فالاستقراء لابد وأن يكون من قبيل المعلوم التصديقي مع انَّ التصفح فعل خارجي . وهذا الايراد هو الذي ألجأ بعضهم الى العدول عن هذا التعريف الى تعريفه بالحجة التي يستدل فيها من حكم الجزئيات على حكم كليها . ودعوى انَّ الباعث على هذا التسامح هو الاشارة الى انَّ تسمية هذا القسم من الحجة بالاستقراء ليس على سبيل الارتجال بل على سبيل النقل . مدفوعة بأن الاشارة تحصل حتى لو عرَّف بالتعريف الصحيح فلا موجب للعدول عنه . ودعوى انه كما يطلق العكس على المعنى المصدري اعنى التبديل وعلى القضية الحاصلة بالتبديل كذلك الاستقراء يطلق على المعنى المصدري وهو التنبع والتفحص المذكور

وعلى الحجة الحاصلة به فما ذكره تعريف للاستقراء بالمعنى الأول ويعرف الثاني بالمقايسة . فاسدة لأنه بالمعنى المصدري ليس من أقسام الحجة ومقصود المنطقي هو الحجة منهما لا غيره .

وثانياً : انَّ الحد يشمل القياس المقسم لأنه فيه تصفح الجزئيات بأسرها لاثبات حكم كلي كقولنا الحيوان ناطق أو غير ناطق وكل ناطق حساس وكل غير ناطق حساس ينتج كل حيوان حساس وهذا ليس من الاستقراء في شيء لأن الاستقراء عندهم يفيد الظن بالحكم الكلي والقياس المقسم يفيد القطع وأيضاً القياس المقسم قد عدوه من أقسام الشرطي الاقتراني كما قرر في محله وتقدم منا ذلك فيكون قسيمة للاستقراء عندهم فكيف يجعل قسماً من الاستقراء ولهذا قيد بعضهم التعريف المذكور بالتصفح لأكثر الجزئيات وسیجيء انشاء الله ما ينفعك ويوضح لك حقيقة الحال .

وثالثاً : انَّ الاستتقراء نوع من القياس امَّا التام منه فقد عرفت رجوعه للقياس المقسم وامَّا الناقص منه فهو أيضاً راجع للقياس المقسم أيضاً غاية الأمر تكون بعض مقدماته ظنية والقياس يجوز أن تكون بعض مقدماته ظنية بل كاذبة كالخطابة والشعر غاية الأمر يشترط فيه انَّه اذا سلمت يلزمها القول الآخر وفي المثال المعروف تقول الحيوان امَّا انسان أو غيره والانسان يحرك فكه الأسفل عند المضغ وغيره من الحيوانات يحرك فكه الأسفل عند المضغ فينتج ان الحيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ وهذا قياس مقسم جامع للشروط غاية الأمر انَّ مقدمته وهي : (وغيره من الحيوانات يحرك فكه الأسفل عند المضغ ) قضية ظنية وهي لا تنافي كونه قياساً لأنها متى سلمت مع باقي المقدمات المذكورة لزمتها النتيجة المذكورة . ويمكن الجواب

عنه : بأن في الاستقراء يكون الحد الأوسط فيه هو ملاحظة أكثر الجزئيات ومعرفة حالها بخلاف القياس فانَّه يكون الحد الأوسط فيه هو الكلي. وبعبارة اخرى : انَّ معرفة حال أكثر الجزئيات إن عرف منها حكم الكلي لأن الشيء تابع للأعم الأغلب كان استقراءً وامَّا لو نزل الغير الملحوظ من الجزئيات منزلة الملحوظ وجعل قضية كلية صار قياساً لأنه على الأول لو سلمت القضايا لا يلزم منها القول الآخر لأنها عبارة عن قضايا مشتملة على أحكام أكثر الجزئيات فلو جزم بها لا يلزم الجزم بالحكم الكلي بل يظن به منها بخلافه على الثاني فانَّها لو سلمت وجزم بها لزمها القول الآخر لأنه اذا نزل الجزئي الغير الملحوظ منزلة الملحوظ وحكم على الكلي صارت القضية كلية فاذا ضمت الى تلك القضايا الكلية صارت قياساً مقسماً لأنها لو سلمت وجزم بها لزمها القول الآخر ففي المثال المذكور اذا نزلنا الحيوانات الغير الملحوظة منزلة الملحوظة وقلنا في القياس المذكور : ( وغيره يحرك فكه الأسفل عند المضغ ) بنحو الكلية صار قياساً لأنه لو سلمت قضاياه يلزمها القول الآخر وامَّا مع عدم التنزيل والادعاء فلا تكون القضية المذكورة كلية وانما تكون جزئية يحكم فيها على أكثر الجزئيات وحينئذ فلو سلمت لم يلزم منها القول الآخر .

الاستقراء التام

( قالوا : انَّ الاستقراء لجميع الجزئيات المسمى بالتام هو يرجع للقياس المقسم ويفيد القطع بالحكم ) . ويرد عليهم : انَّ استقراء الجزئيات إن اريد منه حتى المعدومة حال الاستقراء فهو غير ممكن فانَّ المعدوم غير موجود فلا

يمكن معرفة حاله بالاطلاع عليه . نعم إنما يعرف حاله بحكم العقل وهو ليس باستقراء ولذا لمَّا كان الحكم بحيوانية الانسان من جهة العقل بقيام البرهان عليه لا من جهة التتبع لأفراده لم يكن حكماً استقرائياً وإن اريد منه الاستقراء لجميع الجزئيات الموجودة كما هو ظاهر كلامهم فهو لا يفيد القطع بالحكم الكلي لاحتمال أن يكون من الأفراد المعدومة التي ستوجد غير ثابت لها الحكم المذكور . والقياس المقسم المنتج للحكم الكلي لابد فيه من قضية منفصلة وحمليات بعددها كما تقدم وهذا إنما يتم لو علم ثبوت الحكم لسائر أقسام الكلي الموجود منها والمعدوم وهو كما عرفت إنما يحصل لو كان الحكم ثابتاً لنفس الموضوع بحدِّ ذاته من جهة الدليل عليه دون الاستقراء للافراد لأن من الأفراد ما هو معدوم لا يمكن العلم بحاله بتتبعه والتفحص عنه وبهذا ظهر لك انَّ الاستقراء بجميع أقسامه يفيد الظن حتى التام منه والتعريف هذه الناحية صحيح لا غبار عليه فلا وجه لتقييد بعضهم التفحص بالأكثر .

من التمثيل

( عرَّفوه بأنه بیان مشاركة جزئي لجزئي آخر في علة الحكم ليثبت فيه ) . ويرد عليهم ایرادان .

أولاً : انَّ التمثيل من أقسام الحجة وهي من قبيل الادراكات التصديقية الموصلة للمجهول التصديقي والبيان المذكور ليس من نوعها وبعضهم فراراً من هذا الاشكال فسره بالحجة التي يقع فيها ذلك البيان وقد تقدم في تعريف الاستقراء ما ينفعك في هذا المقام .

وثانياً : انَّه یرجع الى القياس الاقتراني وذلك بأن يجعل علة الحكم حداً أوسطاً والأصغر نفس المشبه والأكبر نفس الحكم المطلوب إثباته ولا

نحتاج الى المشبَّه به فنقول في المثال المعروف : النبيذ مسكر وكل مسكر حرام ينتج من الشكل الأول النبيذ حرام . وعليه فلا وجه لمده قسيماً ومقابلاً للقياس . ويمكن الجواب عنه بنحو ما ذكرناه في الاستقراء : من انَّه اذا علم أو ادعي بأن العلة التامة للحكم هو نفس الوصف رجع الى ما ذكر من القياس ويستفاد الحكم من الشكل الأول ولا حاجة الى ذكر المشبَّه به . واذا لم يعلم ولم يدعى ذلك بل استفيد الحكم من جهة انَّ الحكم في المشبه به علته هو الوصف صار تمثيلاً لأنه لو جزم بذلك لا يحصل اليقين بالحكم لاحتمال انَّ للمشبَّه به خصوصية تقتضي تأثير هذه العلة في الحكم أو في المشبه خصوصية مانعة من تأثير هذه العلة في الحكم وحينئذ فلا يصدق تعريف القياس عليه لأن قضاياه لو سلمت لم يلزم منها قول آخر . هذا مع انَّه سیجيء منَّا انَّ التمثيل يكون بمجرد المشابهة فانَّ مقاربة أوصاف الشيء لآخر موجبة لالحاقه به في الحكم ظناً من دون معرفة لعلة الحكم أصلاً . نعم يدرك ظناً انَّ ما كان علة للحكم في المشبه به موجود في المشبه من دون تشخيص لها .

شروط التمثيل

( قالوا : لابد في التمثيل من مقدمات ثلاثة : الأولى انَّ الحكم ثابت في المشبه به . الثانية : انَّ علة الحكم في المشبه به الوصف الكذائي .الثالثة : انَّ ذلك الوصف موجود في المشبَّه ) . ويرد عليهم : انَّه إن اريد معرفة العلة التامة للحكم فلازمه عدم الاحتياج الى المقدمة الأولى ولا حاجة

الى قياس التمثيل للجزم بالحكم منها . ودعوى احتمال انَّ في المشبَّه به خصوصية توجب تأثيرها فيه أو في المشبَّه خصوصية مانعة من تأثيرها . فاسدة لأنه معناها عدم معرفة العلة التامة للحكم . وإن اريد العلة الناقصة فهي لا يلزم تعينها ومعرفتها بخصوصها لأن الظن بالحكم يحصل للشيء بمجرد أن يرى انَّه يشبه شيئاً آخراً في أوصافه حيث يظن بأن علة الحكم موجودة فيه من دون تشخيص لها فلا يلزم معرفتها بأنها الوصف الكذائي ولذا اشتهر بأن كل شيء أشبه شيء اعطي حكمه ولعل القياس التمثيلي الدارج عند عوام الناس كله من هذا القبيل حيث بالمشابهة يلحقون الشيء بالمشبَّه به في الحكم دون نظر للعلة .

الطرق لمعرفة علة الحكم

( ذكروا انَّ العمدة في معرفة علة الحكم طريقان أحدهما الدوران وهو ثبوت الحكم عند وجود الوصف وعدمه عند عدمه والدوران علامة كون المدار عليه وهو الوصف علة للدائر وثانيهما الترديد وهو سبر أوصاف المشبه به ثم ابطال علية بعض أقسامها ليعين أن الباقي هو العلة ) . ويرد على الأول : انَّ الدوران ليس علامة كون المدار عليه علة للدائر وذلك لأن الجزء الأخير للعلة كذلك.

ويرد على الثاني : انَّ حصر العلة في الأوصاف المذكورة ممنوع فجاز أن تكون العلة مما خفي علينا من الأوصاف ولو فرض الانحصار وسلب العلية عما عدى الوصف المدَّعى فلا يستفاد من ذلك كون الوصف المدعى علة تامة

للحكم لجواز أن تكون في المشبه خصوصية مانعة من التأثير . ويمكن الجواب عنهما : انَّ هذين الطريقين لا يراد بهما معرفة العلة التامة للحكم وإلا لما احتيج إلى التمثيل بل يكون قياساً اقترانياً شكلاً أولاً وإنما يراد بهما الظن بالعلة ولا شك انَّهما يولدان الظن بها لأن الغالب فيما كان كذلك يكون علة تامة والشيء يلحق بالأعم الأغلب .

خَاتمَة في المغَالطَات

مغالطات مشهورة

ولنختم كتابنا بذكر بعض المغالطات المشهورة ووجه الغلط فيها لئلا يقع الغير في الخطأ فيها وليزداد بصيرة بالاطلاع عليها والله ولي التوفيق .

المغالطة الأولى : القياس المستفاد من الآية الشريفة وهو ( لو علم الله فيهم خيراً الأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا) فانَّه شكل أول ينتج بعد اسقاط المتكرر نتيجة كاذبة وهي لو علم الله فيهم خيراً لتولوا . فانَّ الانصراف عن الحق ينافي علم الله فيهم الخير . - وجوابها - انَّ هذا قياس شرطي مركّب من متصلتين ومن شرط انتاجه أن تكون الكبرى لزومية اذا كانت الصغرى لزومية وفيما نحن فيه وإن كانت الصغرى لزومية لأنه يجب على الله من باب اللطف أن يُسمع من يعلم فيه الخير ولكن الكبرى اتفاقية فانَّه بحسب الاتفاق انَّ هؤلاء اذا أسمعهم الله يتولون من دون أن تكون ملازمة بين الاسماع والتولي إذ لو كانت ملازمة بينهما للزم أن يكون كل من أسمعه الله يتولى فلا يوجد مطيع في العالم وحتى الآن لم أجد من تعرض للجواب عن هذا القياس بهذا النحو وإنما أول بعضهم السماع في الصغرى بالسماع القلبي وفي الكبرى بالسماع اللفظي فيكون الحد الأوسط غير متكرر وهو تأويل لا يساعد عليه الذوق .

المغالطة الثانية : كل انسان ناطق ولا شيء من الناطق من حيث هو ناطق بحيوان ينتج نتيجة كاذبة وهي لا شيء من الانسان بحيوان . - وجوابها - انَّ الأوسط غير متكرر لأن قيد (من حيث هو ناطق ) لو قيد به الصغرى كما قيد به الكبرى كذبت الصغرى لأن كل ماهية من حيث هي ليست إلا هي

إذ كل شيء في مرتبة ذاته ليس إلا ذاته . فالناطق من حيث هو غير الانسان ولو حذف من الكبرى كما حذف من الصغرى كذبت الكبرى لصدق نقيضها وهو بعض الناطق حيوان .

المغالطة الثالثة : الانسان وحده ضاحك أو الانسان دون غيره ضاحك وكل ضاحك حيوان ينتج نتيجة كاذبة وهي الانسان وحده حيوان لأن قيد (وحده ) أو ( دون غيره ) في الصغرى راجع للأصغر فيجب ذكره في النتيجة واشتهر الجواب عنها : بأن الصغرى ترجع الى قضيتين الأولى الانسان ضاحك والثانية مستفادة من قيد ( وحده ) وهي غير الانسان ليس بضاحك والأولى وهي الموجبة تنتج مع الكبرى دون الثانية لا تنتج لأنها سالبة فتكون نتيجة القياس ( الانسان حيوان ) من دون ذكر وحده . والاولى في الجواب أن يقال : انَّ المراد (بوحده) الوحدة في الضحك وحينئذ فالنتيجة غير كاذبة لأن معناها انَّ الانسان الذي يتوحَّد في الضحك حيوان إذ القيود التي موجودة في مقدمات القياس تؤخذ في النتيجة بحدودها ومعناها ولم أر من تعرَّض لهذا الجواب عن هذه المغالطة المشهورة .

المغالطة الرابعة : كل انسان له شعر وكل شعر ينبت فانَّه ينتج كل انسان ينبت ونظيره الانسان على السرير وكل سرير جماد ينتج نتيجة كاذبة وهي الانسان جماد ونظيرها الجدار له فارة وكل فارة لها اذن ينتج الجدار له اذن . وجوابها بوجهين احدهما : انَّ القياس غير صحيح فانَّ الأوسط يتكرر لأن المحمول في الصغرى ) له شعر ) وهو لم يكن موضوعاً في الكبرى إذ الموضوع فيها هو الشعر وهو جزء المحمول فكان ينبغي أن تكون الكبرى ( كل ما له شعر ينبت ) وهي كاذبة . وثانيهما : سلمنا انَّ القياس

صحيح والحد الأوسط يجوز أن يكون جزء المحمول ولكن النتيجة غير ما ذكر لأنه يجب أن تشتمل النتيجة على ما لم يتكرر في القياس ولفظ ( له ) لم تتكرر في القياس الأول فينبغي أن تكون نتيجته ( وكل انسان له ما ينبت ) وهكذا لفظ على لم تتكرر في القياس الثاني فيجب أن تكون نتيجته والانسان على جماد .

المغالطة الخامسة : كل نائم مستيقظ بالفعل ولا شيء من المستيقظ بنائم بالفعل ينتج لا شيء من النائم بنائم بالفعل وهي كاذبة لأنه يلزم سلب الشيء عن نفسه ونظيره كل ساكت متكلم بالفعل ولا شيء من المتكلم بساكت بالفعل ينتج لا شيء من الساكت بساكت . وجوابها ما تقدم منَّا في مبحث العكس من جواز سلب الشيء عن نفسه اذا كان من العناوين الغير الملازمة وفي الحقيقة انَّه لم يكن سلب للشيء عن نفسه وإنما هو عن مصاديقه والشيء قد يسلب عن مصداقه اذا كان من المفارقات .

المغالطة السادسة : كل انسان حيوان والحيوان جنس ينتج تنيجة كاذبة وهي الانسان جنس وله نظائر كثيرة كقولنا : زيد انسان والانسان كلي فينتج زید كلي ولو ابدلت الكبرى بالانسان نوع انتج القياس زيد نوع . وجوابها انَّ الكبرى المذكورة قد كانت طبيعية وهذه الأقيسة من الشكل الأول وشرط انتاجه أن تكون كبراه محصورة كلية .

المغالطة السابعة : كل انسان مباين للفرس والحيوان ليس بمباين للفرس ينتج من الضرب الأول من الشكل الثاني لا شيء من الانسان بحيوان والنتيجة كاذبة مع انَّ المقدمتين صادقتان امَّا الصغرى فواضح صدقها وامَّا الكبرى فلان الحيوان بينه وبين الفرس عموم من مطلق لا التباين. وجوابها : انَّه

ان اريد بالمباينة في الكبرى هي التباين الذي هو أحد النسب الأربعة فالكبرى تكون قضية طبيعية لأن النسب إنما تثبت للمفاهيم والطبيعية لا تصلح لكبروية الشكل الثاني لأنها یجب أن تكون محصورة كلية وإن اريد بالمباينة هو التنافي والمغايرة فالكبرى كاذبة لصدق فقيضها وهو بعض الحيوان مباين للفرس.

المغالطة الثامنة : كلما صدق نقيض الأعم صدق تفيض الأخص وكلما صدق نقيض الأخص لا يجب أن يصدق تقيض الأعم ينتج ما هو المحال وهو كلما صدق نقيض الأعم لا يجب أن يصدق تقيض الأعم ونظيره كلما كان النهار موجوداً كان الضوء موجوداً وكلما كان الضوء موجوداً لا يجب وجود كلما كان النهار موجوداً لا يجب وجود النهار ونظيرها كلما صدق

النهار ينتج عليه الانسان يلزم أن يصدق عليه الحيوان وكلما صدق عليه الحيوان لا يلزم أن يصدق عليه الانسان ينتج كلما صدق عليه الانسان لا يلزم أن يصدق عليه الانسان . وجوابها : انَّ الكبرى كاذبة لأنه قد يجب عند صدق قيض الأخص أن يصدق نقيض الأعم كما في المورد الذي يجتمع فيه نقيض الأخص مع نقيض الأعم وهكذا كبرى القياس الثاني كاذبة فانَّه قد يجب اذا وجد الضوء أن يوجد النهار كما لو كانت الشمس طالعة وهكذا كبرى القياس الثالث كاذبة اذ بعض ما صدق عليه الحيوان يلزم أن يصدق عليه الانسان . وهو الانسان نفسه .

المغالطة التاسعة : الحدوث حادث وكل حادث فله حدوث ينتج الحدوث له حدوث ولازمه التسلسل لأنه ننقل الكلام الى هذا الحدوث الثاني. وجوابها : انَّه لا مانع من أن يكون لنفس الحدوث حدوث لأنه أمر اعتباري ذهني والتسلسل في الاعتبارات جائز وإلا فنقول حدوثه بنفسه لا بحدوث

آخر نظير الوجود فانَّه من قال أصيل يقول انَّه موجود بنفسه كالضوء مضىء بنفسه .

المغالطة العاشرة : كلما كانت الأربعة موجودة كانت الثلاثة موجودة وكلما كانت الثلاثة موجودة فهي فرد ينتج من الشكل الأول نتيجة كاذبة وهي كلما كانت الأربعة موجودة فهي فرد . وجوابها : انَّ الضمير في قولنا فهي فرد في الكبرى راجع للثلاثة ففي النتيجة يجب أن يكون معاد الضمير فيها أيضاً كذلك فتكون نتيجة القياس (كلما كانت الأربعة موجودة فالثلاثة فرد ) وهي صادقة لا كاذبة .

المغالطة الحادية عشر : هيئة السَّرير جزء من الجوهر ( لأنها جزء من السَّرير الذي هو جوهر) والجزء من الجوهر جوهر فينتج هيئة السرير جوهر مع انَّها عرض ومثله البياض جزء من الجوهر ( لأنه جزء من الأبيض الذي هو جوهر) وجزء الجوهر جوهر ينتج البياض جوهر. وجوابها : ان الكبرى كاذبة لأن جزء الجوهر إنما يلزم أن يكون جوهراً اذا كان عنوان ( الجوهر )

محمولا عليه حملاً ذاتياً كما يحمل عنوان الجوهر على الجسم .

المغالطة الثانية عشر : بعض المنقوش فرس وكل فرس حيوان ينتج بعض المنقوش حيوان . وجوابها : عدم تكرر الأوسط فانَّ الفرس المحمول في الصغرى استعمل في صورة الفرس مجازاً والموضوع في الكبرى هو الفرس الحقيقي .

المغالطة الثالثة عشر : الانسان كلي وكل كلي معدوم في الخارج ( لأن الشيء ما لم يتشخص لم يوجد) ينتج انَّ الانسان معدوم في الخارج .وجوابها : انَّ الانسان الذي هو الأصغر أمر ذهني لا خارجي لعروض

الكلية عليه في الصغرى وحينئذ فالنتيجة صادقة لأن الانسان الكلي معدوم في الخارج.

المغالطة الرابعة عشر : الجالس في السفينة ماشي وكل ماشي لا يثبت على موضع واحد ينتج انَّ الجالس في السفينة لا يثبت على موضع واحد وهو كاذب لأنه ثابت في محله . وجوابها : انَّ الأوسط ليس بمتكرر لأن الماشي المحمول في الصغرى هو الماشي بالعرض والماشي الموضوع في الكبرى هو الماشي بالذات .

المغالطة الخامسة عشر : لو كان العدم متصوراً لكان متميزاً ولو كان متميزاً لكان موجوداً في الخارج ينتج لو كان العدم متصوراً لكان موجوداً في الخارج . وجوابها : انَّ الأوسط غير متكرر لأنه اريد بالمتميز في تالي الصغرى هو المتميز ذهناً وبالمتميز في مقدم الكبرى هو المتميز خارجاً .

المغالطة السادسة عشر : ان شريك الباري لو فرضنا وجوده لكان غير ممتنع وكل غير ممتنع ممكن ينتج ان شريك الباري لو فرضنا وجوده لكان ممكناً وهي كاذبة لأن شريك الباري قد يفرض وجوده فيلزم أن يكون ممكناً . وجوابها : انَّه إن اريد بغير الممتنع الذي هو تالي الصغرى انَّه غير ممتنع في الواقع فالشرطية كاذبة لأن مجرد الفرض لا يخرج الشيء عن ذاتياته ولوازمه وإن اريد انه غير ممتنع بحسب ذلك الفرض صحت الشرطية لكن يجب مراعاة هذا القيد في تاليها وتكون النتيجة انَّ شريك الباري ممكن بحسب ذلك الفرض .

المغالطة السابعة عشر : بعض النوع انسان ولا شيء من الانسان بنوع ینتج نتيجة كاذبة وهي بعض النوع ليس بنوع مع صدق المقدمتين امَّا الصغرى فواضح صدقها وامَّا الكبرى فلأنها محصورة فالحكم فيها على

أفراد الانسان ومن البديهي انَّ أفراد الانسان لا تنصف بالنوعية لأنها جزئیات شخصية . وجوابها : انَّ الأوسط ليس بمتكرر لأن الانسان المحمول في الصغرى هو الانسان الذهني إذ الانسان الخارجي لا يتصف بالنوعية فانَّها من المعقولات الثانية كالكلية . والانسان الذي هو الموضوع في الكبرى هو الانسان الخارجي فانَّه هو الذي تسلب عنه النوعية دون الذهني . المغالطة الثامنة عشر : انَّ الاثنين عدد وكل عدد امَّا زوج أو فرد ينتج انَّ الاثنين امَّا زوج أو فرد ونظيره : زيد شيء وكل شيء امَّا انسان أو لا انسان ينتج انَّ زيد انسان او لا انسان ونظيره الاسم كلمة والكلمة امَّا اسم أو فعل أو حرف ينتج الاسم امَّا اسم أو فعل أو حرف بل يزداد الاشكال في مثل : الاثنان عدد والعدد امَّا اثنان أو لا اثنان ينتج الاثنان اما اثنان أو لا اثنان فانَّ هذه كلها من الشكل الأول من القياس الشرطي المركّب من حملية ومنفصلة ونظيرها الممكن مفهوم وكل مفهوم امَّا واجب أو ممتنع أو ممكن ينتج الممكن اما واجب أو ممتنع أو ممكن . وجوابها : انَّ النتائج هذه كلها صحيحة فانَّه لا مانع من ترديد الشيء بين نفسه وغيره كما يردد المبهم بين نفسه وغيره فيقال للشبح الذي يرى من بعيد انَّه انسان أو فرس مع انَّه في الواقع انسان .

المغالطة التاسعة عشر : كل من قال بالاهية فرعون قال بجسميته وكل من قال بجسميته فهو صادق ينتج كل من قال بالاهية فرعون فهو صادق . وجوابها : ما تقدم منا الاشارة اليه انَّ أجزاء النتيجة يجب أن تكون نفس المذكورات في القياس والمذكور هنا في القياس هو الصدق بالقول بجسميته فتكون النتيجة للقياس المذكور : انَّ كل من قال بالاهية فرعون فهو صادق

بالقول بجسميته.

المغالطة العشرون : كلما تحقق النقيضان تحقق أحدهما وكلما تحقق النقيضان تحقق الآخر ينتج من الشكل الثالث الشرطي قد يكون اذا تحقق أحد النقيضين تحقق الآخر ويمكن ارجاعه الى الشكل الأول بعكس صغراه بأن يقال هكذا قد يكون اذا تحقق أحدهما تحقق مجموعهما وكلما تحقق المجموع تحقق الآخر منهما فينتج قد يكون اذا تحقق أحدهما تحقق الآخر منهما وهذا القياس يجري في كل أمرين متناقضين فيقال : كلما تحقق مجموعهما تحقق أحدهما وكلما تحقق مجموعهما تحقق الآخر فينتج قد يكون اذا تحقق أحدهما تحقق الآخر ولازم هذا ثبوت اللزوم الجزئي بين كل أمرين وعليه فلا تصدق السالبة اللزومية الكلية لأنه يحكم فيها بسلب اللزوم على جميع التقادير وقد كان اللزوم الجزئي ثابتاً بين كل أمرين وهكذا لا تصدق الموجبة الكلية المنفصلة لثبوت التلازم الجزئي بين كل أمرين ونظيره في الحمليات كل انسان وفرس فهو انسان وكل انسان وفرس فهو فرس ينتج من الشكل الثالث بعض الانسان فرس وهكذا في كل أمرين متنافيين . وجوابها : امَّا عن القياس الشَّرطي بأنه إن اريد بالتحقق لأحدهما الذي هو موضوع النتيجة والتالي في الصغرى هو التحقق منفكاً عن الآخر فهو كذب لأن التحقق لأحدهما اللازم لتحقق المجموع هو التحقق المنضم للآخر وإن اريد به التحقق منضماً للآخر صحت النتيجة لأنه يصدق قد يكون اذا تحقق أحد النقيضين في ضمن تحققهما تحقق الآخر . وبعبارة أوضح : انَّ التالي في الصغرى الذي هو الأصغر في النتيجة إن أخذ بمعنى التحقق المطلق فلا نسلِّم كلية الصغرى وإن أخذ المقيَّد بالانضمام الى الآخر فالنتيجة صادقة ولا يلزم اقتفاء المسالبة

الكلية اللزومية ولا اقتفاء الكلية الموجبة الشرطية المنفصلة لأن النتيجة تكون صادقة على تقدير محال وهو انضمام أحد المتنافيين للآخر . وامَّا الجواب عن القياس الحملي فبأن المقدمتين كاذبتان لعدم وجود الموضوع فيهما . وقد هذه المغالطة : بأن الصغرى غير صحيحة لعدم الملازمة بين الكل اجيب عن و الجزء حيث لا اقتضاء بينهما وهو فاسد فانَّ الملازمة ليست إلا عبارة عن عدم الانفكاك ولا شك انَّ الكل لا ينفك عن الجزء .

المغالطة الحادية والعشرون : كلما وجدت العلة للانسان وجد الانسان وكلما وجدت العلة للا انسان وجد اللا انسان ينتج من الشكل الثالث قد يكون اذا وجد الانسان يوجد اللا انسان وهو محال للزوم اجتماع النقيضين وجوابها : انَّ الأوسط غير متكرر فانَّ الأوسط في الصغرى هو وجود العلة للانسان والأوسط في الكبرى وجود العلة للا انسان وهما متغايران. المغالطة الثانية والعشرون : كلما كان الاثنان فرداً كان عدداً وكلما كان عدداً كان زوجاً ينتج من الشكل الأول كلما كان الاثنان فرداً كان زوجاً وهو محال للزوم اجتماع المتنافيين وهذه المغالطة أوردها الشيخ في الشفاء على انتاج اللزوميتين . وجوابها : بالنقض والحل امَّا النقض فهو انَّ كل ما هو محال واريد نفيه رتبوا عليه أمراً فاسداً بيِّناً بهذا النحو فيقال : كلما كان شريك الباري موجوداً كان العالم فاسداً وكلما كان العالم فاسداً يختل النظام ینتج كلما كان شريك الباري موجوداً اختل النظام . وامَّا الحل : وهو انَّ النتيجة صادقة فانَّ المحال قد يلزمه محال آخر كوجود شريك الباري الذي يلزمه اختلال نظام العالم وهكذا ما نحن فيه فان فرض الفردية للاثنين التي هي محال يلزمه أن تجتمع هذه الفردية مع زوجيتها الذي هو أيضاً محال لأن

الزوجية لازمة لطبيعة الاثنين ولازم الماهية يستحيل انفكاكه على جميع تقاديرها فعلی تقدیر كون الاثنين فردا فلازمه كون الفردية والزوجية قد اجتمعا في الاثنين .

المغالطة الثالثة والعشرون : كلما لم يكن المطلوب ثابتاً كان نقيضه ثابتاً لاستحالة ارتفاع النقيضين وكلما كان نقيضه ثابتاً كان شيء من الأشياء ثابتاً لأن نقيضه شيء من الأشياء فينتج من الشكل الأول من القياس الشرطي : كلما لم يكن المطلوب ثابتاً كان شيء من الأشياء ثابتاً وتنعكس هذه النتيجة بعكس النقيض الى قولنا : كلما لم يكن شيء من الأشياء ثابتا كان المطلوب ثابتاً وهو محال لأن المطلوب أيضاً شيء من الأشياء فاذا انتفى جميع الأشياء كيف يتصور ثبوت المطلوب وهل هو إلا جمع بين النقيضين واذا كان عكس النقيض باطلا كانت النتيجة باطلة لملازمته لها في الصدق واذا كذبت النتيجة يلزم عدم انتاج القياس لأن مادته صحيحة وهيئته جامعة للشروط . وجوابها : امَّا على رأينا من انَّ القاعدة القائلة بأن الموجبة الكلية تنعكس بعكس النقيض مختصة بما سوى نقائض الأمور العامة فالأمر سهل عندنا لأن النتيجة المذكورة كان تاليها وجود شيء من الأشياء وهو من الامور العامة . وامَّا عند غيرنا فقد يجاب بمنع كلية الصغرى تارة إذ من تقدير عدم ثبوت المطلوب عدم ثبوت شيء من الأشياء وعلى هذا التقدير كيف يكون نقيضه ثابتاً إذ النقيض شيء من الأشياء فالصغرى امَّا أن تكون جزئية أو مهملة واذا ضمت الى الكبرى المذكورة كانت النتيجة جزئية وهي لا تنعكس بعكس النقيض ولا يخفى مافيه لأن كلية الشرطية باعتبار التقادير الممكنة وتقدير عدم ثبوت شيء من الأشياء من التقادير الغير الممكنة لأنه لازمها تقدير عدم وجود واجب

الوجود لأنه شيء من الأشياء . وقد يجاب تارة اخرى بمنع الكبرى لأنه ثبوت النقيض لا يلزمه ثبوت شيء من الأشياء إذ النقيض قد يكون رفع شيء وسلبه والسلب من حيث هو لا يكون شيئاً فانَّ الشيئية كما برهن في الحكمة مساوقة للوجود . وفيه ما لا يخفى فانَّ المراد بالشيء هنا ما يعم الاعدام الخاصة كالنقائض فانَّها لها شيئية بها صلح ان تكون نقيضاً لهذا الوجود دون ذلك الوجود . ولو سلمنا فنبدل الكبرى بقولنا : وكلما كان نقيضه ثابتاً كان قضية من القضايا صادقة أو كان مفهوماً من المفاهيم ثابتاً أو كان ممکناً من الممكنات العامة ثابتاً فينتج القياس مثل تلك النتيجة وتنعكس بعكس النقيض الى ما هو المحال . وقد يجاب تارة ثالثة بأن عكس النقيض المذكور ليس بعكس إذ (الشيء) في النتيجة وعكسها مختلف بالعموم والخصوص فانَّه في النتيجة كان خاصاً لأنه عبارة عن النقيض وفي العكس كان عاماً لأنه عبارة عن مطلق الأشياء ومن المعلوم انَّه يجب أن يكون فيهما مأخوذاً على نحو واحد ففي النتيجة لمَّا كان ( الشيء ) عبارة عن الشيء الخاص أعنى النقيض إذ انَّ معناها انَّه كلما لم يكن المطلوب ثابتاً كان شيء من الأشياء وهو نقيضه ثابتاً وجب في عكسها ان يكون المراد به أيضاً ذلك الشيء الخاص أعني ( النقيض ) لا مطلق الأشياء فيكون معناه كلما لم يكن شيء من الاشياء وهو النقيض ثابتاً كان المطلوب ثابتاً وحينئذ فيصدق العكس ولا محذور ولا يخفى ما فيه فان العكوس تؤخذ فيها المفاهيم من دون تقييد بالمصاديق فاذا قلنا : ( كل انسان حيوان ) فانَّ الحيوان وان كان المراد به بحسب المصداق خصوص الانسان لكن في مقام العكس يراد به مطلق مصادیقه فاذا عكس بعكس النقيض وقيل : كل لا حيوان لا انسان لم يكن المراد بالحيوان

فيه الحيوانية المختصة بالانسان بل مطلق الحيوانية وهكذا لو عكس بعكس المستوي فاتنَّه لو كان يراد به خصوص الحيوانية المختصة بالانسانية لما قيد بالبعض بل قيل كل حيوان انسان . وبعبارة أوضح : انَّ العكوس لا تقيد بالمصاديق بل هي تابعة لنفس المفاهيم وفيما نحن فيه كان الشيء المأخوذ في النتيجة مفهومه عام لسائر الأشياء وإنما كان خاصاً من ناحية المصداق فكذا في العكس يكون مفهومه عامَّاً لسائر الأشياء . وقد يجاب عنه تارة رابعة : بأنَّ عكس النقيض صادق لأن المقدم فيه محال إذ عدم شيء من الأشياء محال لكونه موجباً لعدم واجب الوجود والمحال قد يستلزم محالا آخراً . وفيه ما لا يخفى فانَّ ثبوت المطلوب هو اللازم في العكس وهو ليس بمحال.

المغالطة الرابعة والعشرون : انَّ مورد القسمة الى التصوُّر والتصديقعلم وكل علم امَّا تصوُّر أو تصديق ينتج من الشكل الأول انَّ مورد القسمة الى التصور والتصديق امَّا تصور أو تصديق وهذه تنيجة فاسدة لأن مورد القسمة إن كان تصوراً لا يصح تقسيمه الى التصديق وإن كان تصديقاً لا تقسيمه الى التصور لأن التقسيم ضم قيود مختلفة لطبيعة واحدة مشتركة وإلا لكان ترديداً لا تقسيماً وهذه شبهة سيالة في كل تقسيم تجري . وجوابها : انَّ الأوسط لم يتكرر وذلك لأن المراد بالصغرى انَّ مورد القسمة هو عين طبيعة العلم وفي الكبرى انَّ افراد العلم لا تخلو امَّا أن تكون تصوُّراً أو تصديقاً على انَّ الصغرى كان الحمل فيها أولياً فهي لم تكن من القضايا المتعارفة أعنى من المحصورات الأربعة حتى تنتج في الشكل الأول .

المغالطة الخامسة والعشرون : انَّ الفعل والحرف كلمة والكلمة اسم ينتج انَّ الفعل والحرف اسم . وجوابها : انَّ الكبرى ليست بكلية لأن الحكم

فيها على لفظ الكلمة لا على مصاديقها .

المغالطة السادسة والعشرون : انَّ (كل لا شيء لا انسان ) لأن الشيء أعم من الانسان ونقيض الأعم أخص من نقيض الأخص وكل ( لا انسان امَّا واجب أو ممكن أو ممتنع ) لعدم خلو الواقع عن أحد هذه الثلاثة فينتج من الشكل الأول ( كل لا شيء امَّا واجب أو ممكن أو ممتنع ) ثم نضم هذه النتيجة الى كبرى مسلمة وهي ( كل واجب أو ممكن أو ممتنع شيء ) لأن كل ماهية شيء فينتج من الشكل الأول ما هو المحال وهو كل لا شيء شيء فانَّه اجتماع للنقيضين ومن هذا الباب المغالطة المعروفة وهي : كل ما ليس بالممكن بالامكان العام فهو ليس بممكن بالامكان الخاص وكل ما ليس بالممكن بالامكان الخاص فهو امَّا واجب أو ممتنع وكل واحد منهما ممكن بالامكان العام فينتج كل ما ليس بممكن بالامكان العام فهو ليس بممكن بالامكان العام وانَّه اجتماع للنقيضين وهذه المغالطة تجري في نقائض المفاهيم العامة بالنسبة لنقائض المفاهيم الخاصة . وجوابها : انَّ الأوسط لم يتكرر في القياس الثاني لأن افراد الواجب والممكن والممتنع الذي حكم عليها بالشيئية في كبرى القياس الثاني هو ما كان شيئاً إذ الذي لم يكن منها شيئاً لا يحكم عليه بالشيئية ومن المعلوم انَّ الواجب والممكن والممتنع المحكوم بها على اللا شيء في صغرى القياس الثاني قد فرض من افرادها اللا شيء وإلا لما حكم بها عليه . وبعبارة اخرى : انَّ هذه الثلاثة لو اريد بها ما يشمل اللا شیء كما هو مقتضى الصغرى كانت الكبرى كاذبة إذ لا يصح الحكم حينئذ علی جمیع أفرادها بالشيئية . وان اريد بها خصوص ما كان شيئاً كانت الصغرى كاذبة إذ لا يصح الحكم حينئذ بها على اللاشيء . وان اريد بها في

الصغرى ما هو يشمل اللاشيء وفي الكبرى خصوص ما كان شيئاً كان الأوسط في كبرى الشكل الأول أخص من الأوسط في صغراه وقد تقرر انَّ الشكل الأول لا ينتج إذا كان كذلك لاشتراط كلية كبراه.

المغالطة السابعة والعشرون : انَّه لو كانت الشمس موجودة لكان وجودها مستلزما لأحد النقيضين (لامتناع وجودها بدون أحد النقيضين أي نقيضين كانا وإلا لزم جواز ارتفاع النقيضين) لكن أحد النقيضين ليس بموجود لأنهما لا يجتمعان فينتج من القياس الاستثنائي انَّ الشمس ليست بموجودة . وجوابها : انَّ المستثنى ليس بتالي الشرطية لأن تالي الشرطية أحد النقيضين الموجود منهما والمستثنى أحد النقيضين المعدوم منها .

المغالطة الثامنة والعشرون : انَّ المطلق اذا اتنفى انتفى المقيَّد واذا صدق المقيد صدق المطلق والله تعالى يصدق عليه العدم المقيَّد فيقال : الله معدوم النظير الله معدوم الجسم فينبغي أن يصدق عليه العدم المطلق اذ لو اتنفى المطلق انتفى المقيد . وجوابها : انَّ المطلق هنا هو المعدوم أعم من أن يكون نفسه أو جسمه أو نظيره وهو صادق عليه قطعاً وانما الذي لا يصدق عليه هو المعدوم نفسه وهو ليس بمطلق بل هو مقيد نظير الاعدام المقيدة.

المغالطة التاسعة والعشرون : ما اشتهر على الألسن كل طلاق موقوف على النكاح الشرعي وكل نكاح شرعي موقوف على رضا الطرفين فينتج ان الطلاق موقوف على رضاء الطرفين . وجوابها : ان هذا من قبيل قياس المساواة فانتاجه موقوف على مقدمة خارجية وهي ان الموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء حيث ان الأوسط الم يتكرر فيه . فانَّ الأوسط هو قولنا ( موقوف على النكاح الشرعي ) ان قلت : انَّ المقدمة

الخارجية المذكورة صادقة لحكم العقل بها قلنا : نعم انها صادقة ولكن بالنسبة لنفس الشيء وفيما نحن فيه نقول انَّ الطلاق موقوف على رضاء الطرفين بالنكاح لأنه هو الشيء الموقوف على الموقوف عليه والباطل إنما هو توقف الطلاق على الرضاء بنفس الطلاق . والرضاء بنفس الطلاق لم يكن موقوفا عليه النكاح.

المغالطة الثلاثون : زيد الظالم حسن الوجه وكل حسن الوجه فهو محبوب أو ليس بقبيح أو ممدوح فينتج زيد الظالم محبوب أو ليس بقبيح أو ممدوح وجوابها : انَّ الكبرى غير مسلَّمة لأنا لا نسلِّم انَّ كل حسن الوجه حتى المظالم فهو محبوب .

المغالطة الواحدة والثلاثون : انَّ الواجب نور وكل نور ( محس ) محسوس ينتج الواجب محسوس . ونظيرها انَّ الواجب ليس بمتكلم بمثل كلام الآدميين وكل ما ليس بمتكلم بكلام الآدميين فهو أخرس ينتج انَّ الواجب أخرس ( نعوذ بالله من ذلك ) . وجوابها : انَّ الكبرى غير مسلَّمة لأنا لا نسلم انَّ كل نور محسوس لأن من النور ما لا يحس وهو النور المعنوي غير المادي ولا نسلِّم انَّ كل ما ليس بمتكلم أخرس فانَّ الأخرس هو الانسان الغير المتكلم .

المغالطة الثانية والثلاثون : انَّه لو لم يتمكن الباري تعالى من الجمع بين النقيضين أو الضدين أو خلق شريك له لكان عاجزاً لكن كون الباري تعالى عاجزاً محال فينتج انَّ الجمع بين النقيضين أو الضدين او خلق شريك الباري تعالى ممكن . وجوابها : انَّ العجز هو عدم القدرة على الممكنات دون الممتنعات فعدم تعلق قدرة الله تعالى بالممتنعات لا يوجب عجزه وذلك لعدم

قابليتها للوجود لنقصها الذاتي .

المغالطة الثالثة والثلاثون المعروفة بالشبهة الحمارية : وهي ما يستلزم وجوده وعدمه حمارية زيد هل هو موجود أو معدوم فان كان موجوداً لزم أن يكون زيد حماراً وهو محال وإن كان معدوماً لزم أن يكون زيد حماراً لفرض ان عدمه يستلزم حمارية زيد أيضاً وهو محال أيضاً . ولا يخفى انَّ هذه الشبهة يمكن اجرائها في اثبات كل محال اريد اثباته بأن يقال ان ما يستلزم وجوده وعدمه شريك الباري هل هو موجود أو معدوم وعلى كلا التقديرين يلزم وجود شريك الباري الذي هو محال . ويحكى انَّ المرحوم الشيخ البهائي دخل مرة لمدرسة من المدارس الدينية للوضوء من حوضها فزاحمه بعض الطلاب في الوضوء منه فقال له ما يلزم من وجوده وعدمه حماريتك هل هو موجود أو معدوم فان قلت انَّه موجود لزم حماريتك وإن قلت معدوم لزم أيضاً حماريتك فاشغل الطلاب بها . وأوجب ذلك الاستهزاء بذلك الطالب وقد استدل بها العلامة (رحمه الله) في المختلف على جواز الصلاة في التنكة والقلنسوة المعمولتين من وبر غير المأكول (بأن الملزوم للمدعى وجوداً وعدماً ان كان ثابتاً ثبت المطلوب وكذا ان كان منفياً) فانَّ ظاهره انَّ ما يستلزم وجوده وعدمه للمدعى وهو جواز الصلاة في المذكورتين ان كان ثابتاً ثبت المطلوب وكذا إن كان معدوماً . وجوابها : كما أشار اليه نفس العلامة (رحمه الله) إن الاستلزام المذكور غير موجود بمعنى انَّه لا شيء يتصف بالاستلزام وجود؟ وعدماً لحمارية زيد فنحن نختار انَّ الشيء المستلزم الحمارية زيد معدوم وليس عدمه متصف بالاستلزام الحمارية زيد .

المغالطة الرابعة والثلاثون في اختيارية الفعل : انَّ الفعل الاختياري

محال لأنه موقوف على القصد والقصد ليس باختياري لأنه لو كان اختيارياً لتوقف على قصد آخر ثم ننقل الكلام الى هذا القصد الآخر وهلم جرا الى غير النهاية . وجوابها : قد حررناه في الاصول في مبحث اتحاد الارادة والطلب وفي مباحث الحكمة في اختيار العبد في أفعاله .

(وهناك مغالطات اخرى) قد تقدمت (منها) المغالطة في لزوم الدور في الدلالة ص 119 .

منها ( المغالطة الأعمية : وهي ان الجنس أعم من الحيوان . والحيوان أعم من الانسان والأعم من الأعم أعم من ذلك الشيء فيقتضي انَّ الجنس أعم من الانسان وهو باطل لعدم صدق الجنس على الانسان وقد تقدمت ص 213.

( منها) المغالطة الكلية : وهي كون الكلي أعم من الجنس مطلقاً لأنه يشمل الجنس وغيره من الكليات الخمس وكونه أخص منه مطلقاً لأن الكلي متصف بالجنسية لأنه جنس للكليات الخمس وقد تقدمت ص 232 .

(منها ) المغالطة العرضية : وهي انَّ العارض اما أن يعرض للشيء المتصف به فیلزم عروض الشيء لنفسه واما أن يعرض له عند عدم اتصافه به فیلزم اجتماع النقيضين وقد تقدمت ص 236 .

( منها) المغالطة في تلازم الجزئية والمهملة مثل قولنا بعض الحيوان نوع وبعض الانسان جزئي مع عدم ملازمته لقولنا الحيوان نوع والانسان جزئي ومثل قولنا الشمس مضيئة صادق ولم يصدق بعض الشمس مضيئة وقد تقدمت ص 381 .

و ( منها ) مغالطة النقيضين : وهي انَّ رفع النقيضين نقيض للنقيضين .

والنقيضان يستحيل ارتفاعهما فيستحيل ان يرتفع رفعهما وعينهما وقد كانت عينهما محالاً تحققهما فيجب أن يتحقق رفعهما وهو محال لاستلزامه ارتفاع النقيضين وقد تقدمت ص 451 0

و ( منها) المغالطات العشر التي أوردناها في مبحث عكس الموجبة ص 469 .

و (منها) مغالطة عكس الموجبة المتصلة الصادقة المركبة من مقدم كاذب وتالي صادق المتقدمة ص 474 .

و ( منها) المغالطات الخمس التي أوردنا في مبحث عكس السالبة ص 476.

و ( منها) مغالطة سلب الشيء عن نفسه كما تقول الجزئي ليس بجزئي . والضمير ليس بضمير وقد تقدمت ص 483 .

و ( منها) مغالطة لازم الأعم فانهم ذكروا انه لازم الأعم لازم للاخص لأن الأعم لازم للأخص ولازم اللازم لازم . مع ان الكلية والنوعية ونحوها لازمة للانسان وهو أعم من زيد مع انها ليست بلازمة لزيد وقد تقدمت ص 485 .

و ( منها ) مغالطة المعقولات الثانية في عكس النقيض مثل كل انسان نوع مع كذب عكس نقيضه وهو كل لا نوع لا انسان لأن من افراد اللا نوع افراد الانسان وهي انسان وقد تقدمت ص 504 .

و (منها) مغالطة الممتنعات اذا حمل عدمها على عدم بعضها في عكس النقيض كقولنا كل لا اجتماع النقيضين لا شريك الباري مع كذب عكس نقيضه وهو كل اجتماع النقيضين شريك الباري وقد تقدمت ص 504 .

و (منها) مغالطة المفهومات العامة في عكس النقيض كقولنا كل شيء ممكن بالامكان العام مع كذب عكس نقيضه كل لا ممكن بالامكان العام لا شيء لأنه موجبة لم يكن موضوعها موجوداً اذ كلما وجد فهو ممكن بالامكان العام وقد تقدمت ص 505 .

و ( منها ) مغالطة القياس الشرطي وهي كلما كان شريك الباري موجوداً كان الله تعالى موجوداً وكلما كان الله تعالى موجوداً كان العالم ليس بفاسد ينتج كلما كان شريك الباري موجوداً كان العالم ليس بفاسد وقد تقدمت ص 551 .

و (منها) مغالطة الخلاء وهي قولنا كلما كان الخلاء موجوداً كان بعداً وكل بعد في مادة ينتج ان كان الخلاء موجوداً فهو في مادة وهو محال لأن المادة وقد تقدمت ص 554 .

الخلاء لا يجتمع مع و ( منها ) مغالطة القياس الاستثنائي وهي قد يكون اذا كان الانسان قادراً يقول للشيء كن فيكون لكن كل انسان قادر مع كذب النتيجة . هي قولنا الانسان يقول للشيء كن فيكون وقد تقدمت ص 560 .

وهناك مغالطات اخرى تعرضنا لها في هذا الكتاب لا أهمية لها هذا آخر ما وفقنا الله تعالى لانجازه وهو المسدد والموفق للصواب .

لفت نظر

طرق استنتاج المجهولات

قد وضع المؤلف سماحة الامام الشيخ علي كاشف الغطاء كتاباً قيماً يشتمل على القواعد والأمور التي يستنتج منها المجهولات وشرحها شرحاً وافياً واليك قسماً منها :

قاعدة المقتضي وعدم المانع ، قاعدة التلازم ، قاعدة انتفاء العلة يستلزم انتفاء المعلوم، ترجيح المصالح على المفاسد ، القياس والمقارنة ، الحاق الشيء بالأعم الأغلب ، الاستقراء ، بناء العقلاء ، السيرة ، التقليد ، الاستدلال بالعلة على المعلول ، الألفاظ والكتابات ، العكس المستوي وعكس النقيض ، نفي النفي اثبات فيما أحرز الموضوع ، استحالة وجود الكل بدون الجزء ، استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، حكم الأمثال في ما لا يجوز ويجوز واحد ، الدليل متى تطرقه الاحتمال بطل فيه الاستدلال ، قاعدة المقابلة مثل اذا كان الشيء محبوباً كان ضده مبغوضاً . قاعدة الترشح مثل اذا كان الشيء مطلوباً كانت مقدماته مطلوبة ، الدوران والترديد الى غير ذلك .

محتوَياتُ الكتاب

الجزء الثاني

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الصفحة...اسم الموضوع

326 ... القسم الثاني في التصديقات

327 ... تعريف القضية . وما يرد عليه

327 ... الفرق بين القضية . والخبر . والمقدمة . والمطلوب . والنتيجة .والمسألة .

328 ... لزوم الدور في تعريف القضية

328... حل الشبهة المسماة بالجذر الاصم أو شبهة اجتماع الصدق والكذب في ( كلامي هذا الآن كاذب )

334 ... القضايا المعقولة لا تنصف بالصدق والكذب

336 ... تقسيم القضية الحملية وبيانها وما يرد على ذلك

336 ... معنى الحكم عند المنطقيين والفقهاء والاصوليين

337 ... وجه عدول المتأخرين عن تعريف المتقدمين

342 ... اجزاء القضية الشرطية والحملية . ونزاع المتأخرين والمتقدمين في ذلك وما يرد على ذلك

344 ... متعلق التصديق في القضية وما يرد على ذلك

344 ... تعلق التصديق بالنسبة دون القضية

345 ...صدق وصف الموضوع على ذاته عند الفارابي وعند الشيخ وما يرد على ذلك

346 ... الحق عندنا ان صدق وصف الموضوع على ذاته بالضرورة

352 ... اعتبار وجود الموضوع في الموجبة دون السالبة والقاعدة الفرعية وما يرد على ذلك

354 ... الأولى في الاستدلال على اعتبار الموضوع في الموجبة

354 ... ان للقضية مرتبتان مرتبة انعقادها وحكايتها عن الواقع ومرتبة ثبوتها وصدقها

368 ... محمول القضية وما يراد به فيها وما يشترط فيه وما يرد على ذلك

369 ... بيان الرابطة في القضية الحملية والشرطية وما يرد على ذلك

373 ... تقسيم القضية الى الشخصية والمحصورة والمهملة والطبيعية وبيان معناها وما يرد على ذلك

375 ... بيان ان الموضوع في المحصورات نفس الطبيعة باعتبار وجودها لا الافراد

381 ... مباحث اعتبار المحصورات في العلوم

381 ... تلازم المهملة والجزئية وما يرد على ذلك

383 ... بیان عدم اعتبار الشخصية في العلوم وما يرد على ذلك

384 ... بیان عدم اعتبار الطبيعية في العلوم وما يرد على ذلك

386 ... تقسيم المحصورة الى الحقيقية والخارجية والذهنية وبيان حقائقها وما يرد على ذلك

395 ... تقسيم القضية الى المعدولة والمحصلة وبيان حقيقتهما وما يرد على ذلك

397 ... الفرق المعنوي بين الموجبة المعدولة المحمول وبين السالبة البسيطة وما يرد على ذلك

398 ... الفرق اللفظي بين الموجبة المعدولة المحمول والسالبة البسيطة وما يرد على ذلك

399 ... بيان القضايا الموجهات وشرح الجهة والكيفية والمادة ومناط الصدق باعتبارها وما يرد على ذلك

401... وجه عد اللا ضرورة واللا دوام عند المتأخرين من الكيفيات

403 ... بيان القضية البسيطة والمركبة وما يرد على ذلك

405 ...اعتبار الايجاب والسلب بالجزء الاول من المركبة

405 ... بيان الضرورية وأقسامها الاربعة وما يرد على ذلك

407... بيان الميزان في الضرورية المطلقة وما يرد على ذلك

413 ... بيان تقسيم الدائمة الى قسمين وما يرد على ذلك

413 ... الميزان في الدائمة المطلقة

414 ... تقسيم المطلقة وما يرد عليه

415 ... المطلقة العامة وبيان المراد بالفعلية فيها وما يرد على ذلك

416 ... تقسيم الممكنة وما يرد عليه

416 ... بيان الممكنة العامة وما يرد عليه

419 ... مباحث الشرطية . تعاريفهم للشرطية الثلاثة وما يرد على ذلك

419 ... عدم وجود قدر جامع بين الشرطية المتصلة وبين الشرطية المنفصلة

420 ... توجيه تقسيم الحملية الى موجبة وسالبة مع عدم وجود القدر الجامع بينهما

421 ... بيان تقسيم الشرطية الى الموجبة والسالبة . وما يرد على ذلك

423 ... معنى الشرطية عند أهل العربية وعند أهل المنطق مختلف وألحق في ذلك

423 ... المنفصلة المركبة من ثلاثة أجزاء . وكيفية الحكم بين أجزائها

424 ... الفرق بين المنفصلة والحملية المرددة المحمول

425 ... تقسيم المتصلة الى اللزومية والاتفاقية

427 ... تقسيم المنفصلة الى عنادية واتفاقية

428 ... بيان تقسيم المنفصلة الى حقيقية ومانعة الجمع ومانعة الخلو وما تتركب كل واحدة منه وما يرد على ذلك

430 ... تقسيم الشرطية الى المحصورة والمهملة وبيانها . وما يرد على ذلك

432 ... بيان المراد بالتقادير في الشرطية

433 ... بيان طرفا الشرطية . وما يرد على ذلك

433 ... مناط صدق الشرطية وكذبها وما تتركب منه صادقتها وكاذبتها وموجبتها وسالبتها وما يرد على ذلك

436 ... تعريف التناقض وما يرد عليه

438 ... بیان شروط التناقض وما يرد على ذلك

439 ... الفرق بين المطلقة الوقتية وبين الوقتية المطلقة

440 ... بیان عدم التناقض بين الجزئيتين وما يرد على ذلك

441 ... بيان وحدات التناقض وشروطه ورأي المتأخرين . ومتأخري المتأخرين في ذلك وما يرد على ذلك

448 ... قاعدة نقيض كل شيء رفعه و موارد استدلالهم بها . وما يرد على ذلك

449... عدم تعقل سلب السلب

453 ... بيان النقيض للضرورية المطلقة . وما يرد على ذلك

454 ... بیان نقيض المشروطة العامة . وما يرد على ذلك

405 ... للحينية الممكنة معنيان

456 ... بيان نقيض الوقتية والمنتشرة المطلقتين . وما يرد على ذلك

456 ... معنى الممكنة الوقتية . والممكنة المنتشرة

457 ... بيان نقيض الدائمة المطلقة وما يرد على ذلك

458 ...استاذ والد المؤلف في علم المنطق

459 ... بيان نقيض المركبة . وما يرد على ذلك

462... الفرق بين مانعة الخلو والحملية المرددة المحمول

463 ... البسيطتين الجزئيتين أعم من المركبة الجزئية

466 ... بيان العكس المستوي وما يرد على ذلك

468 ... المراد بلزوم الصدق في العكس

469 ... بيان عکس الموجبة وما يرد على ذلك

470 ... الفرق بين المطلقة الوقتية والوقتية المطلقة

474 ... بيان عكس السالبة الكلية وما يرد على ذلك

476 ... بيان عكس السالبة الجزئية وما يرد على ذلك

477 ... بیان دليل الافتراض وما يرد عليه

479 ... بیان دليل الخلف وما يرد على ذلك

483 ... بیان دليل العكس وما يرد على ذلك

485 ... بیان دليل اللزوم وما يرد عليه

486 ... بيان الأدلة التي أقاموها على عدم انعكاس بعض القضايا وما يرد على ذلك

487 ... بیان عکس الدائمتين والعامتين وما يرد على ذلك

488 ... بیان عكس الوجوديتين والوقتيتين والمطلقة العامة وما يرد على ذلك

488 ... بیان عکس الخاصتين وما يرد على ذلك

489 ... بيان عدم انعكاس الممكنتين وما يرد على ذلك

491 ... بیان عدم انعكاس السوالب التسع الكلية وما يرد على ذلك

492 ... بيان عکس الضرورية المطلقة السالبة وما يرد على ذلك

495 ...بیان عكس الدائمة المطلقة السالبة وما يرد على ذلك

496 ... بيان عکس السالبة المشروطة العامة الكلية وما يرد على ذلك

497 ... هل المشروطة العامة هي التي يحكم فيها بالضرورة بشرط الوصف أو ما دام الوسف أو لأجل الوصف

497 ... بیان عکس السالبتين الخاستين الكليتين وما يرد على ذلك

499 ... عکس السالبتين الجزئيتين الخاصتين وما يرد على ذلك

501 ... بیان عکس النقيض وما يرد عليه

502 ... بیان عكس النقيض في الموجبات وما يرد على ذلك

506 ... بیان انعکاس الموجبة الكلية الشرطية وما يرد على ذلك

506 ... عکس نقيض السوالب وما يرد على ذلك

506 ... بيان القياس وما يرد على ذلك

513 ... كيفية توجه النفس عند الاستنتاج للنتيجة

516 ...تقسيم القياس الى اقتراني و استثنائي وما يرد على ذلك

517 ... تقسيم القياس الاقتراني الى الاشكال الاربعة وبيان الاوسط وما يرد على ذلك

519 ... بيان بداهة انتاج الشكل الاول وما يرد على ذلك

521 ... بیان شروط انتاج الشكل الاول وما يرد على ذلك

523 ... بیان شرائط انتاج الشكل الثاني وما يرد على ذلك

524 ... بیان شرط استعمال القضية الممكنة في الشكل الثاني وما يرد على ذلك

526 ... الدليل على انتاج الضرب الاول والثالث من الشكل الثاني وما يرد على ذلك

526 ... الدليل على انتاج الضرب الثاني من الشكل الثاني وما يرد على ذلك

527 ... شرائط انتاج الشكل الثالث وما يرد على ذلك

528 ... بيان دلیل انتاج الشكل الثالث وما يرد على ذلك

528 ... بيان شرائط انتاج الشكل الرابع وما يرد على ذلك

530 ... بیان الاستدلال بالخلف على انتاج الشكل الرابع وما يرد على ذلك

532 ... بيان الاستدلال على انتاج الشكل الرابع بالرد الى الشكل الثاني وما يرد على ذلك

532 ... بيان الاستدلال على انتاج الشكل الرابع بالرد الى الشكل الثالث وما يرد على ذلك

533...بیان ضابطة شرائط الاشكال الاربعة وما يرد عليها

534 ... خطأ المنطقيين الذين عدوا اللا دوام واللا ضرورة في الجهات

540 ... بيان ضابطة النتيجة وانها تتبع أخس المقدمتين وما يرد على

541 ... بيان المختلطات في الشكل الاول وما يرد على ذلك

544 ... بيان المختلطات في الشكل الثاني وما يرد على ذلك

546 ... بيان المختلطات في الشكل الثالث وما يرد على ذلك

547 ... بيان المختلطات في الشكل الرابع وما يرد على ذلك

548 ... القياس الاقتراني الشرطي . وما يتركب منه وما يرد على ذلك

549 ... تقسيم القياس الشرطي الى خمسة أقسام بحسب ما يتركب منه وما يرد على ذلك

550 ... بيان ان الاشكال الأربعة تنعقد في الشرطي وما يرد على ذلك

550 ... القسم الاول من الشرطي . وما يتركب منه وما ينتجه وما يرد على ذلك

553 ... القسم الثاني من الشرطي . وما يتركب منه وشرائط انتاجه . وما يرد على ذلك

554 ... القسم الثالث من الشرطي . وما يتركب منه وما ينتجه وما يرد على ذلك

556 ... القسم الرابع من الشرطي وما يتركب منه . وشرائط انتاجه . وما ينتجه و تقسيمه الى القياس المقسم وغير المقسم وما يرد على ذلك

557 ... القسم الخامس من الشرطي . وما يتركب منه وما يرد على ذلك

557 ... القياس الاستثنائي وما يتركب منه وأقسامه وما يرد على ذلك

558 ...بيان الشرط الاول لانتاج الاستثنائي وما يرد على ذلك

559 ...بيان الشرط الثاني لانتاج الاستثنائي وما يرد على ذلك

560 ... الشرط الثالث لانتاج الاستثنائي وما يرد على ذلك

561 ... بيان نتيجة القياس الاستثنائي وما يرد عليها

564 ... بيان نتائج المنفصلة المستعملة في الاستثنائي وما يرد على ذلك

564 ... بيان حقيقة قياس الخلف وما يتركب منه وما يرد على ذلك

565 ... بيان قياس الاستقرائي وما يرد عليه

565 ... التسامح في تعريف القياس الاستقرائي

566 ... تحقيق ان القياس الاستقرائي بجميع أقسامه لا يفيد الا الظن

567 ... بيان القياس الاستقرائي التام وما يرد على ذلك

568 ... بيان القياس التمثيلي وما يرد عليه

568 ... ارجاع القياس التمثيلي الى القياس الاقتراني وما يرد على ذلك

569 ... شروط القياس التمثيلي الثلاثة وما يرد على ذلك

570 ... الطرق لمعرفة علة الحكم : طريق الدوران وطريق السبر وما يرد على ذلك

572 ... الخاتمة في المغالطات

573 ... المغالطة المستفادة من الآية الشريفة ( او علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو اسمعهم لتولوا )

573 ... مغالطة مثل كل انسان ناطق ولا شيء من الناطق من حيث هو ناطق بحيوان

574 ... مغالطة مثل الانسان وحده ضاحك وكل ضاحك حيوان

574 ... مغالطة مثل كل انسان له شعر وكل شعر ينبت

575 ... مغالطة مثل كل نائم مستيقظ بالفعل ولا شيء من المستيقظ بنائم بالفعل

575... مغالطة مثل كل انسان حيوان والحيوان جنس

575 ... مغالطة مثل كل انسان مباين للفرس والحيوان ليس بمباين للفرس

576 ... مغالطة مثل كلما صدق نقيض الاعم صدق نقيض الاخص وكلما صدق نقيض الاخص لا يجب أن يصدق نقيض الاعم

576... مغالطة مثل الحدوث حادث وكل حادث فهو حدوث ينتج الحدوث له حدوث

577... مغالطة مثل كلما كانت الاربعة موجودة كانت الثلاثة موجودة وكلما كانت الثلاثة موجودة فهي فرد

577 ... مغالطة مثل هيئة السرير جزء من الجوهر والجزء من الجوهر جوهر

577... مغالطة مثل بعض المنقوش فرس وكل فرس حيوان

577 ... مغالطة مثل الانسان كلي وكل كلي معدوم في الخارج

578 ... مغالطة مثل الجالس في السفينة ماشي وكل ماشي لا يثبت على موضع واحد

578 ... مغالطة مثل لو كان العدم متصوراً لكان متميزاً ولو كان متميزاً لكان موجوداً في الخارج

578 ... مغالطة مثل ان شريك الباري لو فرضنا وجوده لكان غير ممتنع وكل غير ممتنع ممكن

578... مغالطة مثل بعض النوع انسان ولا شيء من الانسان بنوع

579... مغالطة مثل ان الاثنين عدد وكل عدد اما زوج أو فرد

579 ... مغالطة مثل كل من قال بالاهية فرعون قال بجسميته و وكل من قال بجسميته فهو صادق

580 ... مغالطة كلما تحقق النقيضان تحقق أحدهما وكلما تحقق النقيضان تحقق الآخر

580 ... مغالطة مثل كل انسان وفرس فهو انسان وكل انسان وفرس فهو فرس

581... مغالطة مثل كلما وجدت العلة للانسان وجد الانسان وكلما وجدت العلة للا انسان وجد اللا انسان .

581... المغالطة التي أوردها الشيخ في الشفاء على انتاج اللزوميتين . وهي كلما كان الاثنان فرداً كان عدداً وكلما كان عدداً كان زوجاً

582... مغالطة كلما لم يكن المطلوب ثابتاً كان نقيضه ثابتاً لاستحالة ارتفاع النقيض . وكلما كان نقيضه ثابتاً كان شيء من الاشياء ثابتاً

584 ...مغالطة مثل ان مورد القسمة الى التصور والتصديق علم وكل علم اما تصور أو تصديق

584... مغالطة مثل ان الفعل والحرف كلمة والكلمة اسم ينتج ان الفعل والحرف اسم

585 ... مغالطة مثل كل لا شيء لا انسان وكل لا انسان اما واجب أو ممكن أو ممتنع

586 ... مغالطة مثل لو كانت الشمس موجودة لكان وجودها مستلزماً لأحد النقيضين لكن أحد النقيضين ليس بموجود

586 ... مغالطة ان المطلق اذا انتفى انتفى المقيد واذا صدق المقيد صدق المطلق والله تعالى يصدق عليه العدم المقيد فيقال الله معدوم النضیر

586... مغالطة مثل كل طلاق موقوف على النكاح الشرعي وكل نكاح شرعي موقوف على رضا الطرفين

587... مغالطة مثل زيد الظالم حسن الوجه وكل حسن الوجه فهو محبوب

587... مغالطة مثل ان الواجب نور وكل نور محس او محسوس

587... مغالطة انه او يتمكن الباري تعالى من الجمع بين النقيضين لكان عاجزاً لكن كون الباري تعالى عاجزاً محال

588 ... المغالطة المعروفة بالشبهة الحصارية التي استدل بها العلامة في المختلف على جواز الصلاة في التكة والقلنسوة من غير مأكول اللحم . وهي ما يستلزم وجوده وعدمه حسارية زيد هل هو موجود أو معدوم فان كان موجوداً لزم أن يكون زيد حساراً وهو محال وان كان معدوماً لزم أن يكون زيد حساراً وهو محال .

588... المغالطة في اختيارية الفعل وهي « ان الفعل الاختياري موقوف

على القصد والقصد ليس باختياري »

589 ...المغالطة في لزوم الدور في الدلالة

589... المغالطة الاعسية وهي ان الجنس أعم من الحيوان والحيوان أعم من الانسان والأعم من الأعم أعم من ذلك الشيء

589... المغالطة الكلية وهي كون الكلي أعم من الجنس وأخص من الجنس لأنه متصف بالجنسية

589... المغالطة العرضية وهي ان العرض اما ان يعرض للشيء المتصف به واما ان يعرض له عند عدم اتصافه به

589 ... المغالطة في تلازم الجزئية والمهملة مثل قولنا (بعض الحيوان نوع وبعض الانسان جزء )

589 مغالطة النقيضين وهي ان رفع النقيضين نقيض للنقيضين ، والنقيضان يستحيل ارتفاعهما

590 ... المغالطات العشرة في عكس الموجبة

590 ... مغالطة عكس الموجبة الشرطية المتصلة

590... المغالطات الخمس في عكس السالبة

590 ... مغالطة سلب الشيء عن نفسه

590 ... مغالطة لازم الاعم لازم للأخص ولازم اللازم لازم

590 ... مغالطة المعقولات الثانية في عكس النقيض مثل كل انسان نوع مع كذب عكس نقيضه وهو كل لا نوع لا انسان

590 ... مغالطة الممتنعات اذا حمل عدمها على عدم بعضها في عكس النقيض

1

كقولنا كل لا اجتماع النقيضين لا شريك الباري

590... مغالطة المفهومات العامة في عكس النقيض . مثل قولنا كل شيء ممكن بالامكان العام

591 ... مغالطة القياس الشرطي وهي كلما كان شريك الباري موجوداً كان الله تعالى موجوداً وكلما كان الله تعالى موجوداً كان العالم ليس بفاسد

591 ... مغالطة الخلاء وهي كلما كان الخلاء موجوداً كان بعداً وكل بعد في مادة

591 ... مغالطة القياس الاستثنائي وهي قد يكون اذا كان الانسان قادراً يقول للشيء كن فيكون لكن كل انسان قادر .

592 ... لفت نظر - طرق استنتاج المجهولات .

الصورة