ghaemiyeh.com
ام ابیها
من كنى الزهراء علیها السلام
الطبعة الأولى
1424ه - 2004م
يحق طباعة هذا الكتاب
لأي مؤمن يرى في طباعته فائدة
محرر الرقمی:محمد رضا راهجو
ام ابیها
من كنى الزهراء علیها السلام
عبد المحسن عبد الزهراء
الطبعة الأولى
1424ه - 2004م
يحق طباعة هذا الكتاب
لأي مؤمن يرى في طباعته فائدة
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
يا فاطمة، يا زهراء، يا منصورة، يا بتول...
أيتها المحدّثة العليمة... يا بضعة الرسول مشكاة النور، ويا زوج علي الغيور، يا أم الحسنين، يا أم الأئمة، يا أم المحسن...
يا أم أبيها، منكِ وإليكِ...
صلوات الله وسلامه عليك يوم ولدتِ ويوم استشهدتِ ويوم تبعثين شفيعةً للمذنبين من شيعتكِ ومحبيكِ ومواليكِ.
أقسم عليكِ بأبيكِ وبعلكِ وبنيكِ والسرّ المستودع فيكِ، أن تتقبلي عمل هذا العبد الذليل بين يديكِ، برأفتكِ وشفقتكِ ورحمتكِ الواسعة.
كلماتي العاثرة تقصر عن ثناءك، ولساني الكليل يعجز عن
وصفك، ويدي المرتعشة تنهار أمام تدوين شيء من فضائلك، وعقلي القاصر يعترف بالتقهقر أمام عظمتك، وقلبي المحب لك ينحني أمام علوّ مقامك. كِ ورحمتكِ وشفقتكِ ورأفتكِ والسرّ المستودع فيكِ أن تقبلي
هذا هو الموجود من البضاعة، وكما يقولون الجود بالموجود، وهذه بضاعتي قليلة، وأنتِ ممن يقبل القليلويعفو عن الكثير، وهذه بضاعتي هدية متواضعة، والهدية على مقدار مهديها، وأنت من يُضاعف الأضعاف، ويعطي من غير حدّ وخلاف، فلا يقف عطاؤكِ عندي، ولا ينتهي عند سطوري الذارفة للدمع عليك حُبّاً لكِ وتألماُ لما أصابكِ.
أنت في أعلى عليين، وأشرف منازل المقربين، وأعلى درجات المرسلين، فتفضلي على هذا العبد التريب، والمحب الكئيب، والموالي النحيب، الذي ليس له من السعادة نصيب.
أنتم المنفقون في السرّاء والضرّاء، فإن كان في عملي ما يغيظكم، فسؤالي كظم الغيظ عني، وإن كان في عملي ما يوجب المؤاخذة، فأسألكم العفو عني، فتفضّلوا على عبيدكم المحتاج لإحسانكم، والمعدم الفقير إلى نوائلكم، لأنّ الله سبحانه وتعالى أثنى عليكم بذلك فقال:
(ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ
ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 134)(1).
وأنا يا مولاتي مسكين، يتيم مِن أيتامكم، أسير أحزانه وكروبه، فتفضلوا عليه بما أنتم أهله، لأنّ الله تعالى أثنى عليكم بذلك فقال:
وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا 8 إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا 9(2).
يتيم من أيتامكم
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
الحمد لله ربّ الخلق أجمعين، فاطر السماوات والأرضين، وهو خير هادٍ ومعين، والصلاة والسلام على حبيب إله العالمين، سيّد الأنبياء والمرسلين، صاحب الكتاب المبين، الرؤوف بالمؤمنين، وآله الغر الميامين المعصومين المطهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أعداء الدين، من الأولين والآخرين.
اللهمّ إنّي خاضع خاشع ذليل بين يديك، أتحبب وأتودد وأتقرّب إليك، بنصرة أعزّ وأعظم وأشرف الخلق لديك، كما أنّي يا ربّي وسيّدي أتوكّل عليك، في أن يكون عملي هذا
مقبولاً عند ولِيَّيْك، محمد المصطفى وعليّ المرتضى حبيبَيك وصفوتَيك. فاجعل يا رحيم شفيعتي سيّدتي الزهراء، التي هي سيّدة العذراء، وكل ما أقلّت الغبراء وأظلّت الخضراء.قبل يوم واحد من المولد الفاطمي الزاهر، المليء بكلّ المفاخر والمآثر، جاءت العزيمة والهداية لهذا العبد الخائر، كي يسطّر مُجرّد محاولة لشدّة يقين والله تعالى عالم بالسرائر. حاولت من خلال هذا الكتاب، أن أحوم حول أثر من آثار أم لُبّ الألباب، بشيء من حسن الخطاب، رافعاً بعض الحجاب، عن شيء من ذلك الأثر للنّور الخلاّب.
قد يكون بالنسبة لغيري لا شيء فيه يستحق الإعجاب والإطناب، ولكنّه بالنسبة لمثلي المعدم من كلّ الأسباب، ذخر وشرف وتقرُّب إلى جميع السادة الأحباب، الميامين الأطياب، الذين أوضح الله تعالى بهم الكتاب، وطهّر بهم التراب، وأعظم بهم المصاب، صلوات الله عليهم من ربّ الأرباب.
فلو لم يكن في هذا الكتاب إلا تكفير الذنوب، ومحو المعاصي لكفى، فإنّ في ذكر فضائل أهل البيتعلیهم السلام المغفرة العظيمة.
روى اخطب خوارزم(1)عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنَّه قال: (إنَّ اللهتبارك وتعالى جعل لأخي علي بن أبي طالب فضايل لا تُحصى كثيرة، فمَنْ ذكر فضيلة من فضائله مقرَّاً بها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومَنْ كتب فضيلة مِنْ فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم، ومَنْ استمع فضيلة مِنْ فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع، ومَنْ نظر إلى كتاب فيه فضيلة مِنْ فضائل عليعلیه السلام غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر، ثُمَّ قال: النظر إلى عليعلیه السلام عبادة، وذكره عبادة، ولا يقبل الله إيمان عبد إلاّ بولايته والبراءة مِنْ أعدائه).
كتبت هذا في حبّ عليّعلیه السلام، وفي حبّ فاطمة صلی الله علیه و آله و سلم أيضاً لأنّ حبّهما واحد، وحبّها صلوات الله وسلامه عليها ينفع في
1) مناقب الخوارزمي ص245، وعنه كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي ص394، وعنه كشف الغطاء للشيخ جعفر كاشف الغطاء ج1 ص13. ومثله في أمالي الصدوق ص641، وعنه غاية المرام للسيد هاشم البحراني ج2 ص207. وأيضا أمالي الصدوق ص651 مجلس82 ح 15، وعنه غاية المرام للسيد هاشم البحراني ج5 ص148.
مائة موطن، والعدد هنا لا مفهوم له، فحبّها ينفع في أكثر من ملايين المواطن، بل في كلَّ موطن حيث تكون الحاجة، ويكون الفقر والفاقة، كما حدّثنا بذلك محمد بن أحمد القمي بسنده عن سلمان [الفارسي] قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : (يا سلمان مَنْ أحبَّ فاطمة ابنتي فهو في الجنة معي، ومَنْ أبغضها فهو في النار.
يا سلمان حب فاطمة علیها السلام ينفع في مائة موطن أيسر تلك المواطن: الموت والقبر [والميزان] والمحشر والصراط [والعرض والحساب]، فمن رضيتْ (ابنتي عنه) رضيتُ عنه، ومن رضيتُ عنه رضي الله عنه، ومن غضبتْ عليه فاطمة علیها السلام غضبتُ عليه، ومن غضبتُ عليه غضب الله عليه.يا سلمان ويل لمن يظلمها ويظلم بعلها [أمير المؤمنين] علياًعلیه السلام، [و] ويل لمن يظلم شيعتها وذريتها)(1).
1) مائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص126. عنه البحار ج27 ص116، وغاية المرام ص18 ح17. ورواه الخوارزمي في مقتل الحسينعلیه السلام 1 / 59 بإسناده عن ابن شاذان. وأورده القندوزي في ينابيع المودة ص263 عن زادان. والسيد علي الهمداني في مودة القربى ص116 عن سلمان، وعنهما إحقاق الحق ج10 ص166.
أسأل الله تعالى لي ولإخواني المؤمنين المغفرة العظيمة والتوبة الجليلة، بقراءة وسماع وكتابة فضائل أهل بيت العصمة والطهارة، وأن يرزقنا مِنْ حبِّ فاطمة حبّاً به ترضى عنّا، وفي ذلك الفوز العظيم، إنّه سميع مجيب.
رحم الله المقدس الحجَّة الشيخ فرج العمران(قدّس سرّه) حيث قال:
قالوا
ادَّخَرْتَ لدارِك الأخرى زا
داً؟ فقلتُ:
دَخَرْتُ لي ذُخْرا
قَالُوا فَهَلْ
يَكْفِيكَ؟ قلتُ: بلى
واللهِ. بَلْ
يكفي الوَرَى طرّا
قالوا:
فَمَاذَا الزَّادُ؟ قلتُ لهم:
إنّي ادَّخَرْتُ
محبَّةَ الزهرا(1)
ولم أكن بصدد الردّ على رائد الفتنة والضلال في هذا الكتاب، ولكنني كلّما دخلت في موضوع تذكّرت شيئاً من فساد آراءه، فوجدت من المناسب رفع الحجاب عن عطب إغواءه، وتزييف ودحر وإبطال أوهام إيحاءه. بياناً للحقيقة، ونصرة وتقرّباً لسادات الخليقة.لقد وعدت في كتاب المحسن بن فاطمة الزهراء صلی الله علیه و آله و سلم بالمواصلة
1) الروض الأنيق للشيخ فرج العمران ص35 - 36 .
والاستمرار في دحر باطل الضلال، ورفع غوائله وشبهاته عن المؤمنين الأخيار في كلّ مقام ومقال، وكانت نشرة العروة الوثقى بأعدادها المباركة خير طامة ووبال، على رؤوس الذين باعوا آخرتهم بغير منال، وكانت هي تلك المواصلة المحمودة، وجاء هذا الكتاب تتمّة غير مقصودة، لعلّ هذا يرفع شيئاً من المؤاخذة على السكوت عن الفتنة التي أجج نيرانها، ودلع لسانها، دجّال هذا العصر الذي ما برح يرمي بسهام حقده على أهل بيت العصمة والطهارة، يريد من ذلك أن يهلك الحرث والنسل، ولا يبقي لهذا الدين القويم باقية.
يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِ-ُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ 32(1).
وهذا الكتاب الذي بين يديك - أيها القارئ العزيز - تدور فصوله، وتبحث صفحاته، حول كنية فاطمة الزهراء علیها السلام بأم أبيها خاصة، وهي كنية غامضة الأسرار، عميقة الأغوار، عظيمة المعاني، كأنّها المثاني، لا يمكن أن يُحاط بها، وكيف لا تكون كذلك وهي صادرة من النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم في حقّ الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء علیها السلام ، وسنوافيك بشيء يتعلق بعظمة
1) سورة التوبة.
أسمائهمعلیهم السلام قبل سرد معاني أم أبيها.
حاولت بادئ بدئ أن أبيّن بعض مصادر الكنية، ثمّ أدرجت المعاني التي أمكنني فهمها، والتي استسغتها، ووجدت من المناسب ذكرها، وأعرضت عمّا ذكره البعضمما لم أفهمه، أو لم أستسغه، أو لم أجد من المناسب تسطيره وتحبيره، ثمّ أدرجت بعض الأساليب التي اتخذها أعداء أهل بيت النبوة ومعدن الرسالةعلیهم السلام في إطفاء نورهم وتضييع فضائلهم، وذكرت منها ستّة:
الأوّل: تغيير أسباب نزول الآيات لسلب فضيلة لأهل البيتعلیهم السلام.
الثاني: إنكار الأحاديث الصحيحة والمتواترة في فضلهمعلیهم السلام.
الثالث: الإضافة في أحاديث فضائلهمعلیهم السلام كي تفقد فضلهم.
الرابع: معارضة الأحاديث الواردة في فضلهمعلیهم السلام بوضع الأحاديث.
الخامس: تصحيف أحاديث فضائل أهل البيتعلیهم السلام.
السادس: تأويل أحاديث فضائلهمعلیهم السلام إلى معانٍ يُفقدها
المقصود.
ثمّ تحت عنوان الفهم المتجنّي ناقشت الضلال فيما فهمه من هذه الكنية العظيمة فهماً تجنّى فيه على الحق والحقيقة، فطعن في شخصيّة سيدنا ومولانا النبي الأعظم محمد صلی الله علیه و آله و سلم ، ونسب إليه ما لا ينبغي نسبته إلى الإنسان العادي.
ثمّ أدرجت ما حصلت عليه في هذه العجالة من الكتب التي عُنونت بأم أبيها، مبتغياً من ذلك تشييد هذه الكنية وبياناً لتعظيمها والاهتمام بها عند أهل العلم والفضيلة مِن الفريقين، ثمّ جمعت شيئاً من الشعر الذي قيل في أم أبيها فاطمة الزهراء علیها السلام شريطة أن يكون الشاعر قد صرّح أو أشار إلى تلك الكنية، سواء كان من المخالفين أم من المؤمنين، وسواء كان من السابقين أم من المتأخرين.ثمّ ختمت الكتاب بكلمة قصيرة.
أمّا بالنسبة لاسم المؤلف فإنني عندما وفّقت لكتابة كتاب المحسن بن فاطمة صلی الله علیه و آله و سلم ، اخترت هذا الاسم لدواعٍ لا داعي لذكرها وهي قائمة إلى الآن في الجملة، ولكن عند كتابتي لهذا الكتاب خطر ببالي أن أسأل الله تعالى أن يكون هذا الاسم الذي أُنادى به يوم المحشر، يوم تذهل كلّ مرضعة عمّا
أرضعت، ولكنّ أمنا الزهراء علیها السلام لن تذهل عن أولادها ومحبيها، فأحببت أن ألتصق بهذا الاسم.
كما لا يفوتني التنبيه والتنويه على أنّ هذا الكتاب لم يُكتب لشخص واحد، بل كُتب لشرائح من المجتمع، مختلفة العقول والأمزجة والأهواء، فقد تجد فيه شيئاً لا يُعجبك، ولا تتفاعل معه، ولكن قد يوجد شخص آخر بعكسك تماماً، يتفاعل مع ما لم تتفاعل معه، ويُعجَب بما لم يُعجبك.
كما أنّ هذا الكتاب - أكثره - هو مجرّد تأليف وليس تصنيفاً، فما هو في أكثره إلا مجرّد جهد لجمع شتات لعله يكون نافعاً لبعض المؤمنين.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبّل عملي، ويرفع درجتي، ويستر عليّ عورتي، وأن يجعلني ممن ينتصر به لدينه، ويوفقه للشهادة بين يدي وليّه، صاحب العصر والزمان روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء. والحمد لله ربّ العالمين.
حرره العبد المقصر القاصر
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله قد أفاض كثيراً في بيان منزلة فاطمة الزهراء علیها السلام ، ولم يترك مناسبة ولا موقفاً حسُن فيه ذكر فضيلة وكرامة لفاطمة الزهراء صلی الله علیه و آله و سلم إلاّ وانبرى مفصحاً عن مقام أم أبيها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها.
ولقد كنّى حبيبته الزهراء علیها السلام ب-(أم أبيها)، بياناً لمنزلتها، وإعلاءً لكلمتها، وإظهاراً لفضلها، وتشييداً لأمرها، وإجلالاً لقدرها، وتقديراً لعظمتها، وتعبيراً عن حبّها له وحبّه لها، ولم تكن تلك التكنية تشهياً واعتباطاً، وإنما هي عين الحكمة
والواقع، فإنّه صلی الله علیه و آله و سلم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى.
وتناقلها الرواة والمحدثون والعلماء والشعراء والخطباء، بجميع طبقاتهم، فاشتهرت وذاعت هذه الكنية فضيلةً انفردت وتميزت بها فاطمة علیها السلام ، ذكر ذلك المخالف والموالف، حتّى بعض النواصب لم يسعه تجاوز تلك الكنية الشريفة.فأكثر مَن ترجم للزهراء علیها السلام أو كتب كتاباً حولها لم يسعه ترك هذه الكنية الشريفة من ضمن كناها العديدة، ولم يتردد أحد – فيما نعلم - أو يناقش في كونها من كناها صلوات الله وسلامه عليها، وفي ذلك الشيوع والذيوع خير دليل على ثبوت تلك الكنية العظيمة للزهراء علیها السلام ، فلسنا بحاجة إلى النظر إلى سند الرواية.
نعم... كنية أرغمت المعاند على تدوينها، ورفرفت على قلب الموالي لتسطيرها وتحبيرها، فأصبحت الفضيلة فضيلتين، والكرامة كرامتين، فلا غرابة أن نقرأ ونسمع أنّ إحدى بنات الإمام موسى الكاظمعلیه السلام كان اسمها أم أبيها(1).
1) انظر الإرشاد: 302.
كما كان لعبد الله بن جعفر الطيار بنت كان اسمها أيضاً أم أبيها(1).
فقد روي عن جعفر بن محمد عن أبيه صلی الله علیه و آله و سلم : إن فاطمة كانت تكنى أمّ أبيها(2).
ومن المناسب ذكر بعض المصادر:
فراجع: الاستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج4 ص380، وراجع: المناقب لابن شهرآشوب ج3 ص357، والبحار ج43 ص19، وكفاية الطالب ص369، والبداية والنهاية ج6 ص332، وسير أعلام النبلاء ج2 ص119،والإصابة ج4 ص377، وأسد الغابة ج5 ص520، والسيدة فاطمة الزهراء لمحمد بيومي ص108، والحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى سنة 360 في المعجم الكبير ج22 ص397 ط مطبعة الأمة - بغداد. والشيخ زين الدين محمد بن عبد
الرؤوف المناوي الشافعي المتوفى سنة 1031 في إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل ص95 ط مكتبة القرآن بالقاهرة. وغيرهم كثير.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
قد يتراءى للبعض أنّ معنى هذه الكنية بسيط الفهم، وواضح المقصد، وسهل المنال، والواقع أنّ أسماء أهل بيت العصمة والطهارةعلیهم السلام التي اشتقت من أسماء الله سبحانه وتعالى، والتي سمّاهم الله تعالى بها، لا يمكن لمؤمن أن يتجرأ ويقول: إنّه غاص في بحرها اللجيّ، ووصل إلى قعرها العميق، وأدرك ساحلها البعيد.
ولو تمّت معرفة أسماء أهل البيتعلیهم السلام معرفة حقيقيّة لكان هذا مبلغاً في الإيمان والمعرفة يفوق معرفة الأنبياء والمرسلين، لأنّ معرفة الأسماء بما تحمل من صفات هي معرفة وإدراك لنفس الذات، وأنّى لبشرٍ الوصول إلى هذه
المرتبة العظيمة، لأنّ أشرف وأبدع وأجمل خلق خلقه الله تعالى لا يمكن الإحاطة به، وكيف...!!! ونحن البشر لم نستطع مع هذا التقدم العلمي الهائل أن نحيط علماً بأحقر خلق الله تعالى.
ولذا ورد في الزيارة الجامعة:
(فبلغ الله بكم أشرف محل المكرّمين، وأعلى منازل المقربين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه لاحق،ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في إدراكه طامع).
نعم... لا يلحقهم لاحق، ولا يفوقهم فائق، ولا يسبقهم سابق، ثمّ يترقّى الإمامعلیه السلام فيذكر أنّه لا يطمع في معرفتهم وإدراكهم طامع، وإن كان الإدراك هنا يحتمل معنيين: الوصول والمعرفة، إلاّ أنّه لابدّ من حمله على معنى المعرفة، لأنّ المعنى الآخر يمكن فهمه من العبارات السابقة، فلكيلا يتكرر المعنى لابد أنْ يكون الإدراك هنا بمعنى المعرفة.
ولقد ورد عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال: (يا علي، ما عرف الله إلاّ أنا وأنت، ولا عرفني إلا الله وأنت، ولا عرفك إلا الله وأنا)(1).
1) شرف الدين النجفي في تأويل الآيات الباهرة في العترة الطاهرة: 1 / 221 ح 15. وعنه مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج 2 ص 439. وأورده البرسي في المشارق: 112. وأخرجه في مختصر البصائر: 125، وفي المحتضر: 38 و165 ومناقب ابن شهرآشوب: 3 / 267 نحوه.
سياق الحديث في إثبات المعرفة هنا على نحو الحصر، فيخرج عن هذه المعرفة جميع البشر بمن فيهم الأنبياء والمرسلون والملائكة المقربون، نعم... لابدّ من إدخال الأئمةعلیهم السلام في ذلك فيراد من عليعلیه السلام بما له من وصف الإمامة والخلافة لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فيشمل بقية أئمة الهدى وسفن النجاة.
وكيف لا يكون علي بن أبي طالب صلی الله علیه و آله و سلم كذلك، وفضائله ومناقبه لا يمكن أنّ يعدّها العادّون، ولا يحصيهاالمحصون:
قال الشافعي:
يقولون لي قل في علي مدائحا *** فإن أنا لم أفعل يقولوا معاند
إلى أن قال:
فلو أن ماء السبعة الأبحر التي
خلقن مداداً والسماوات كاغد
وأشجار أرض الله أقلام كاتب***
إذا الخط أفناهن عدن عوائد
وكان جميع الجن والإنس كُتّْبَاً
***إذا كَلّ منهم واحد قام واحد
وراموا جميعا منقبا إثر منقب
***لماخط من تلك المناقب واحد
وفي المناقب للموفق الخوارزمي ص328: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : (لو أن البحر مداد، والغياض(1)أقلام، والإنس كتّاب، والجن حسّاب، ما أحصوا فضائلك يا أبا الحسن - قاله لعلي بن أبي طالبعلیه السلام-)(2).
1) جمع غيضة: وهي الأجمة.
2) رواه جماعة من أعلام القوم منهم أخطب خطباء خوارزم في المناقب ص18 وص229 ط تبريز. والگنجي الشافعي في كفاية الطالب ص123 ط الغري، وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج40 ص70. ومنهم الشيخ إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن حمويه الحمويني في فرائد السمطين. وشهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في لسان الميزان ج5 ص62 ط حيدر آباد الدكن، والسيد جمال الدين عطاء الله بن فضل الله الحسيني الشيرازي الهروي في الأربعين حديثا المخطوط. والشيخ سليمان البلخي القندوزي في ينابيع المودة ص121 و122 و241 ط اسلامبول. وعنه الآمرتسري في أرجح المطالب ص11 ط لاهور. ومنهم السيد علي بن شهاب الدين الهمداني في مودة القربى ص55 ط لاهور. والقندوزي في ينابيع المودة ص249 ط اسلامبول. والشيخ حسام الدين المردي الحنفي في ( آل محمد ) ص73 وص366 نسخة مكتبة السيد الأشكوري. وأبو نصر شهردار بن شيرويه بن شهريار الديلمي الحنفي في مسند الفردوس ج3 ص81 مخطوط، وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج40 ص75.ومنهم أحمد بن محمد الخافي الحسيني الشافعي في التبر المذاب ص49 نسخة مكتبة السيد المرعشي العامة بقم. راجع شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج4 ص 389، وج15 ص609، وج23 ص56.
نعم لا يحصي الخلق عشر المعشار ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}(1).
عن الشيخ الصدوق بسنده عن سعيد بن جبير قال: (أتيت عبد الله بن عباس فقلت له: يا ابن عم رسول الله، إني جئتك أسألك عن علي بن أبي طالب، واختلاف الناس فيه، فقال ابن عباس: يا ابن جبير، جئتني تسألني عن خير خلق الله من الأمة
1) سورة الكهف الآية 108.
بعد محمد نبي الله، جئتني تسألني عن رجل كانت له ثلاثة آلاف منقبة في ليلة واحدة وهي ليلة القربة، يا ابن جبير جئتني تسألني عن وصي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ووزيرهوخليفته وصاحب حوضه ولوائه وشفاعته. والذي نفس ابن عباس بيده لو كانت بحار الدنيا مداداً، وأشجارها أقلاماً، وأهلها كتّاباً، فكتبوا مناقب علي بن أبي طالب وفضائله من يوم خلق الله عزّ وجل الدنيا إلى أن يفنيها، ما بلغوا معشار ما آتاه الله تبارك وتعالى)(1).
قال العوفي:
ولو كانت الآجام كلّ بأسرها*** تقطع أقلاما وتبرى وتحضر
وكانت سماء الله والأرض كاغدا*** وكانت بأمر الله تطوى وتنشر
1) أمالي الصدوق ص 499، عنه غاية المرام ج1 للسيد هاشم البحراني ص248. وفي أمالي الصدوق أيضاً ص641 ح767، عنه غاية المرام لسيد هاشم البحراني ج2 ص207. وفي أمالي الصدوق أيضاً ص651 مجلس82 ح15 وعنه غاية المرام للسيد هاشم البحراني ج5 ص148، وج6 ص320. ومثله في مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البرسي ص 86 وص171، وعنه بحار الأنوار ج40 ص7.
وكان جميع الإنس والجن كُتّبا*** وكان مداد القوم سبعة أبحر
لكلت أياديهم وغار مدادهم*** ولم يعط عشر العشر من فضل حيدر
صلوات الله وسلامه عليك يا أبا الحسن، أنّى لأحد أن يُدرك فضيلة واحدة إدراكاً حقيقيّا، وإن أراد الخلق أجمع أن يُحصوا فضائلك إحصاءاً مجرّداً عن معانيها الواقعية – كما هو مدلول الرواية السابقة - مع ذلك لا يستطيعون، وهذه زوجتك فاطمة الزهراء أم أبيها علیها السلام قد فُطم الخلق ومنععن معرفتها:
ففي تفسير فرات الكوفي لفرات بن إبراهيم الكوفي ص581 بسنده عن أبي عبد اللهعلیه السلام انه قال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}(1)الليلة فاطمة والقدر الله فمن عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر، وإنّما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها - أو من معرفتها - الشك من أبي القاسم)(2).
والحديث عن أمير المؤمنين علیه السلام حديث عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وحديث عن الزهراء علیها السلام وأولادها المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والعكس صحيح، فإذا كان أمير المؤمنين علیه السلام لا تحصى فضائله فكذا الزهراء علیها السلام ، وإذا فُطم الخلق عن معرفة فاطمة علیها السلام فكذا أمير المؤمنين علیه السلام.
فإذا كانواعلیهم السلام كذلك، لا يُسبر لهم غور، ولا يُدرك لهم ساحل، وقد فطم الله الخلق عن معرفتهم صلوات الله عليهم، فهل يتجرأ عاقل على دعوى معرفتهم معرفة حقيقة، أو يدّعي الإحاطة بجميع فضائلهم وإن كان مجرّد عدّ، والتعبير ب-(الخلق) في الرواية السابقة له الشمولية لكلّ من خلق الله تعالى، بمن فيهم الأنبياء والمرسلون والملائكة المقربون.بل لا يصحّ من العبد أن يتجرأ ويطلب منازل الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين عليهم السلام أجمعين، لأنّه من تجاوز الحدّ والاعتداء في الدعاء، الذي قد نهينا عنه:
قال تعالى:
{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(1)
في عدة الداعي لابن فهد الحلي ص140:
قال المفسرون في قوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} أي تخشعا وتذللا سراً {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أي لا يتجاوز الحدّ في دعائه، كأن يطلب في دعائه منازل الأنبياء.
وقال أمير المؤمنينعلیه السلام: (يا صاحب الدعاء لا تسأل ما لا يكون، ولا يحل).
وقالعلیه السلام: (من سأل فوق قدره استحق الحرمان).
وهذا المعنى ذكره في تفسير مجمع البيان الشيخ الطبرسي ج4 ص271. وفي التحفة السنية (مخطوط)- السيد عبد الله الجزائري ص148. وفي فتح القدير الشوكاني ج2 ص215.
ولكن لا يعني ذلك أبداً أنّنا لا ندرك ولا نعلم شيئاً من أمرهمعلیهم السلام بمقدار عقولنا القاصرة، بل معرفتهم مطلوبة ومرغوبة، والسعاية إلى الرقي في إدراك فضيلتهم وكرامتهم مكتوبة محبوبة، لأنّه ما لا يُدرك كلّه لا يُترك كلُّه. ولا يسقط الميسور بالمعسور.
1) سورة الأعراف الآية 55.
نريد أن نتحدّث هنا في هذا الكتاب عن معاني كنيةواحدة من كنى سيّدة النساء فاطمة الزهراء علیها السلام ولكن تحت الضوابط التي مرّت آنفاً، فلا ندّعي الإحاطة والحصر – والعياذ بالله – كما لا ندّعي الإدراك التام لهذه الكنية.
وبقي شيء واحد:
لابدّ من التنويه له، والتنبيه عليه؛ وهو أنّ البعض عندما يتطرّق لمعنى اسم من أسماء أهل البيتعلیهم السلام يُحاول أن يحصره في معنى واحد فارد، وكأنّه يمتنع أن يكون سبب التسمية أكثر من معنى وسبب!!!
فما المانع أن تتعدد أسباب تسمية أمير المؤمنينعلیه السلام بعلي فنقول مثلا: لأنّه علا على مبارزيه في الحروب، وعلا على جميع الخلق، ولأنّ منزلته في الآخرة أعلى من منازل الأنبياء والمرسلين و... و... و... إلى آخر ما يمكن أن يقال.
والذي يدلّ على ما نقول، ويُثبت ما ندّعي هو ما ذكره الصدوق (رحمه الله) في العلل عن الحسن بن فضال انه قال: (سألت أبا الحسنعلیه السلام فقلت له: لم كني النبي صلی الله علیه و آله و سلم بأبي القاسم؟
فقال: لأنه كان له ابن يقال له (قاسم) فكني به.
قال: قلت: يا ابن رسول الله فهل تراني أهلاً للزيادة، أو لا تراني أهلا لما فوق ذلك؟
فقالعلیه السلام: نعم، أما علمت أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: أنا وعلي أبوا هذه الأمة. قلت: بلى.
قال: أما علمت أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أب لجميع الأمة؟ قلت: بلى.
قال: أولم يكن عليعلیه السلام من جملة أمته؟ قلت: بلى.قالعلیه السلام: أو ليس عليعلیه السلام قاسم الجنة والنار؟ قلت: بلى.
قال: فقيل له أبو القاسم، لأنه أبو قاسم الجنة والنار)(1).
ومن هذا الحديث الشريف نستفيد أنّ معاني الكنية أو الاسم لا يُفترض أن تكون كلّها من المعاني الغامضة، أو أنّها لا بدّ أن تكون معاني سهلة معروفة مألوفة، فإنّ تكنية النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم بأبي القاسم على أساس أنّ له ولد اسمه القاسم من المعاني المألوفة المعروفة لدى عامة الناس، ولكنّ المعنى الآخر المذكور في الرواية ربما لا يلتفت إليه خاصّة الخاصّة
1) علل الشرائع: 127 ح2 باب106، ومعاني الأخبار: 52 ح3، عنه البحار ج16 ص95 ح29.
لولا أنه ورد في هذه الرواية المباركة.
ومن هنا نقول أنّ المعنى ينبغي أن يكون ممكناً، أمّا أنّه هو الواقع فلا يتم إلا بدليل وقوعه، والمعاني التي نوردها نريدها أن تكون في دائرة الإمكان، وأمّا أنّ شخصاً لا يرتضي معنى من المعاني فنقول له: هل تجزم وتقطع بأنّ هذا المعنى لا يمكن أن يكون مراداً لأهل البيتعلیهم السلام؟ بحيث لو شافهت الإمامعلیه السلام لكان من المستحيل أن يأتي بهذا المعنى على أنّه من معاني أم أبيها؟
كما أنه قد يكون هناك معنى يأنس به شخص ومعنى آخر لا يأنس به شخص آخر، والمهم عندنا ألاّ يحتوي ذلك المعنى على محذور وباطل والعياذ بالله، أمّا أنْ نفرض أن نذكر المعاني التي يتعقّلها ويأنس بها كلّ أحد فهذا من المستحيل عادة، ولا يقوى عليه إلاّ من اطّلع على عقول البشر جميعاً فيُورد ما اتفقت عليه تلك العقول. على أنّ هذافيه تحجيم للمعرفة، وتضييع لكثير من المعارف الحقّة، فكم من المعارف تحتاج إلى نفوس عالية وعقول ثاقبة حتّى يتسنّى لها معرفة حقيقة من الحقائق.
وعندما نتحدّث عن كنية الزهراء علیها السلام ، ونذكر المعاني
المحتملة، لا تكون تلك المعاني على سبيل منع الخلو، ولا على سبيل منع الجمع، بل كلّ المعاني يصحّ أن تكون أسباباً ودواعي في تسمية فاطمة الزهراء علیها السلام ب-(أم أبيها).
وهذا ليس من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، الذي لا يرتضيه بعض العلماء، وإنّما هو من باب تعدد أسباب ودواعي التكنية والتسمية، وهذا من قبيل دواعي تسمية الولد بمثل (علي) فإنّ الأسباب قد تكون متعددة مثل تبركاً باسم أمير المؤمنينعلیه السلام، ولكي نغرس فيه حبّ الأميرعلیه السلام، ولكي يتردد هذا الاسم في هذا المنزل كثيراً، ولكي نتفاءل بإدراك المولود الجديد للمعالي، وغير ذلك من الأسباب. فالمانع - عند من يمنع - إنّما هو في استعمال واحد يُراد به أكثر من معنى على نحو الاستقلال، أما دواعي التسمية فتتعدد، كما أنّ معاني اللفظ الواحد تتعدد بتعدد الاستعمالات كما لا يخفى.
وسأذكر هنا أيُها القارئ المؤمن العزيز المعاني التي اهتديت لها، ووفقت لجمعها وتسطيرها، وحاولت جمع ما قيل فيها، فإن كان الصواب فمن الزهراء فاطمة علیها السلام ، وإن كان الخطأ فمن العبد الخطّاء. فأقول:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
إنّها علیها السلام كانت تحبُّ أباها صلی الله علیه و آله و سلم حبّاً عظيماً، وكانت تحنو عليه أعظم من حنو الأم على ابنها وفلذة كبدها، ولذا سمّاها مَن لا ينطق عن الهوى بأمّ أبيها، فهي في حنانها وحبّها له صلی الله علیه و آله و سلم كالأم.
ففي بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص40، عن مناقب ابن شهرآشوب عن أبي ثعلبة الخشني قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إذا قدم من سفره يدخل على فاطمة، فدخل عليها فقامت إليه واعتنقته وقبلت بين عينيه.
وفي المصدر السابق عن علي الصولي. قال عبد الله بن
الحسن: دخل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم على فاطمة فقدمت إليه كسرة يابسة من خبز شعير، فأفطر عليها ثم قال: يا بنية هذا أول خبز أكل أبوك منذ ثلاثة أيام، فجعلت فاطمة تبكي ورسول الله يمسح وجهها بيده.
نعم هي كالأم الحنون التي يُرفرف قلبها ويقطر عاطفةوحُبّاً عندما يُشرق عليها أبوها، فتعتنقه بكلّ شوق، وتقبله بين عينيه الكريمتين، وهي كالأم الحبيبة التي تتفجّع وتبكي عندما ترى فلذة كبدها لم يذق الطعام منذ ثلاثة أيّام.
وهذا مثال آخر تتجلَّى فيه أمومة فاطمة علیها السلام لآبيها صلی الله علیه و آله و سلم بصورة أوضح وأظهر:
في أمالي الشيخ الطوسي بسنده(1)عن عائشة قالت:... إلى أنْ قالت: "ودخلت عليه في مرضه فسارّها فبكت ثم سارّها فضحكت فقلت: كنت أرى لهذه فضلا على النساء فإذا هي امرأة من النساء، بينما هي تبكي إذ ضحكت، فسألتها فقالت: إذاً إني لَبَذِرَةٌ(2)، فلما توفي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم سألتها فقالت:
إنه أخبرني أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به فضحكت"(1).
هل يُمكن أن تتعقل امرأة تُخبر بموتها قريبا فتُسر بل تضحك فرحاً؟!!! لا يمكن تصوره عادة إلاّ عند النادر مِن الأمَّهات الآتي يحملن حُبّاً عظيماً يفوق حبَّ النفس وغريزة حبَّ البقاء.وأبرز مصداق لذلك الحب الكبير والحنان العظيم هو بكاؤها على أبيها محمد صلی الله علیه و آله و سلم حينما ارتحل إلى لقاء ربّه سبحانه وتعالى.
تقف جاريةٌ في بيت الله الحرام، والجمع غفير، شامخةً كالجبل، ينحدر منها سيل من الكلمات القوية تقطر دمعاً، تهزّ المشاعر والأحاسيس، ليست كأي جارية من الجواري، بل
1) بحار الأنوار العلامة المجلسي ج43 ص25. البذر الذي يفشي السر ويظهر ما يسمعه.
هي تلميذة نجيبة وفيّة للزهراء علیها السلام ، تلميذة دقيقة الوصف، تتكلّم فتجعل المستمع يعيش الحدث بكلّ مشاعره وأحاسيسه، وكأنّه قد حضر الأحداث الجسام، فصاحة وبلاغة تُفرغها في قوالب هي أقرب ما تكون إلى كلماتٍ عهدناها من بيت معدن النبوة والإمامة، عذوبة في كلماتها، هيجان في مشاعرها، دموع في عينيها، خشوع في قلبها، حزن في وجهها، حكمة في إشاراتها، تخلع بنبراتها القلوب من مقرها.
لقد بدأ النور ينهمر وسبقته رائحة عبقة، فأنصت معي بكل ما أوتيت من مشاعر جيّاشة وقلب منير، كي نستلهم من ذلك المعين العذب، ولا يفوتنّك شيء منه.
إنّها خاصّة الزهراء فاطمة علیها السلام ، إنّها التي أسندت الزهراء علیها السلام في محنتها، إنّها فضّة تقف في المسجد الحرام وتقول:
اللهم رب الكعبة الحرام، والحفظة الكرام، وزمزم والمقام، والمشاعر العظام، ورب محمد خير الأنام، صلی الله علیه و آله و سلم البررة الكرام. أسألك أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين، وأبنائهم الغر المحجلين الميامين.
ألا فاشهدوا يا جماعة الحجاج والمعتمرين. أنّ مواليَّخِيَرة
الأخيار، وصفوة الأبرار، والذين علا قدرهم على الأقدار، وارتفع ذكرهم في سائر الأمصار، المرتَدِين بالفخار(1).
قال ورقة بن عبد الله: فقلت: يا جارية إني لأظنك من موالي أهل البيتعلیهم السلام؟
فقالت: أجل.
قلت لها: ومن أنت من مواليهم؟
قالت: أنا فضة أمة فاطمة الزهراء ابنة محمد المصطفى صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.
فقلت لها: مرحبا بك وأهلا وسهلا، فلقد كنت مشتاقاً إلى كلامك ومنطقك، فأريد منك الساعة أن تجيبيني عن مسألة أسألك، فإذا أنت فرغت من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك وأنت مثابة مأجورة.
فافترقنا
فلما فرغتُ من الطواف، وأردتُ الرجوع إلى منزلي، جعلت طريقي على سوق الطعام، وإذا أنا بها جالسة في معزل عن الناس.
1) أي لابسين رداء الفخر.
فأقبلتُ عليها، واعتزلت بها، وأهديت إليها هدية، ولم أعتقد أنها صدقة.
ثم قلت لها: يا فضة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء علیها السلام ، وما الذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمد صلی الله علیه و آله و سلم .قال ورقة: فلما سمعت كلامي، تغرغرت عيناها بالدموع، ثم انتحبت نادبة.
وقالت: يا ورقة بن عبد الله، هيّجت عليَّ حزناً ساكناً، وأشجاناً في فؤادي كانت كامنة، فاسمع الآن ما شاهدت منها علیها السلام :
اعلم أنه لما قبض رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، افتجع له الصغير والكبير، وكثر عليه البكاء، وقل العزاء، وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب، ولم تلق إلا كلّ باك وباكية، ونادب ونادبة، ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب، والأقرباء والأحباب، أشدّ حزناً وأعظم بكاءً وانتحاباً من مولاتي فاطمة الزهراء علیها السلام ، وكان حزنها يتجدد ويزيد، وبكاؤها يشتد.
فجلست سبعة أيام لا يهدأ لها أنين، ولا يسكن منها
الحنين، كل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول.
فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن، فلم تطق صبراً، إذ خرجت وصرخت، فكأنها من فم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم تنطق، فتبادرت النسوان، وخرجت الولائد والولدان، وضج الناس بالبكاء والنحيب، وجاء الناس من كل مكان، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء، وخيل إلى النسوان أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد قام من قبره، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم.
وهي علیها السلام تنادي وتندب أباها: وا أبتاه، وا صفياه، وا محمداه! وا أبا القاسماه، وا ربيع الأرامل واليتامى، من للقبلة والمصلى، ومن لابنتك الوالهة الثكلى.
ثم أقبلت تعثر في أذيالها، وهي لا تبصر شيئا منعبرتها، ومن تواتر دمعتها، حتى دنت من قبر أبيها محمد صلی الله علیه و آله و سلم فلما نظرت إلى الحجرة، وقع طرفها على المئذنة فقصّرت خطاها، ودام نحيبها وبكاها، إلى أن أغمي عليها.
فتبادرت النسوان إليها، فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت، فلما أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول: رفعت قوتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوي،
والكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة، وحيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي، وانقطع ظهري، وتنغص عيشي، وتكدر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي، ولا راداً لدمعتي ولا معيناً لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، ومهبط جبرئيل، ومحل ميكائيل، انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، وتغلقت دوني الأبواب، فأنا للدنيا بعدك قالية، وعليك ما ترددت أنفاسي باكية، لا ينفد شوقي إليك، ولا حزني عليك.
ثم نادت: يا أبتاه والُبّاه.
ثم قالت:
إن حزني عليك حزن جديد***وفؤادي والله صب عنيد
كل يوم يزيد فيه شجوني***واكتيابي عليك ليس يبيد
جل خطبي فبان عني عزائي*** فبكائي كل وقت جديد
إن قلبا عليك يألف صبرا***أو عزاء فإنه لجليد
ثم نادت: يا أبتاه... انقطعت بك الدنيا بأنوارها، وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة، فقد أسودّ نهارها، فصار يحكي حنادسها رطبها ويابسها.
يا أبتاه... لا زلت آسفة عليك إلى التلاق.
يا أبتاه... زال غمضي منذ حق الفراق.
يا أبتاه... من للأرامل والمساكين، ومن للأمة إلى يوم الدين.
يا أبتاه... أمسينا بعدك من المستضعفين.
يا أبتاه... أصبحت الناس عنا معرضين، ولقد كنّا بك معظمين في الناس غير مستضعفين.
فأي دمعة لفراقك لا تنهمل.
وأي حزن بعدك عليك لا يتصل.
وأي جفن بعدك بالنوم يكتحل، وأنت ربيع الدين، ونور النبيين، فكيف للجبال لا تمور، وللبحار بعدك لا تغور، والأرض كيف لم تتزلزل.
رُميتُ يا أبتاه... بالخطب الجليل، ولم تكن الرزية بالقليل.
وطُرقتُ يا أبتاه... بالمصاب العظيم، وبالفادح المهول.
بكتك يا أبتاه... الأملاك، ووقفت الأفلاك، فمنبرك بعدك مستوحش، ومحرابك خال من مناجاتك، وقبرك فرح بمواراتك، والجنة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك.
يا أبتاه... ما أعظم ظلمة مجالسك.
فوا أسفاه عليك إلى أن أُقدم عاجلاً عليك، وأُثكل أبو الحسن المؤتمن أبو ولديك الحسن والحسين، وأخوك
ووليك وحبيبك، ومن ربيته صغيراً، وواخيته كبيراً، وأحلى أحبابك وأصحابك إليك، من كان منهم سابقاً ومهاجراً وناصراً.
والثكل شاملنا، والبكاء قاتلنا، والأسى لازمنا.ثم زفرت زفرة، وأنّت أنّة، كادت روحها أن تخرج(1).
أيّها القارئ العزيز أستميحك عذراً، لقد قطعت عليك رقي أحاسيسك مع الزهراء أم أبيها علیها السلام ، عذري هو أنْ لا أخرج كثيراً عن الموضوع.
وهنا أمر يحسن التنبيه عليه، وهو أنّ هذه الرواية من حيث المضمون تعضدها الروايات الكثيرة، وإنّما اخترناها لشموليتها للواقعة الأليمة والفاجعة العظيمة، من ناحية، ومن ناحية أخرى أردت أن يعيش القارئ الإحساس بشيء من محبة الزهراء علیها السلام لأبيها صلی الله علیه و آله و سلم ، فالمقام ليس فقط في التسليم والتعقّل لمحبتها علیها السلام بل أن يعيش المؤمن بكلّ مشاعره وأحاسيسه في شيء من تلك الأجواء للمحبة العظيمة.
فهذه الزهراء علیها السلام في عظيم حزنها وبكائها على فراق أبيها،
1) بحار الأنوار ج43 ص 174.
فاقت فيه جميع البكّائين، كما هي المتفوقة دائماً وأبداً، تبرز بحبّ لا تعرفه الأمهات، فيا لحبّها وحنانها على أبيها!!! إنّها حقّاً أمّ أبيها.
وهذا الوجه الأوّل من معاني أم أبيها قد ذكره كلّ من:
الشيخ محمد فاضل المسعودي في الأسرار الفاطمية ص273، حيث قال:
(إن التدقيق في حياة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم مع ابنته فاطمة علیها السلام يجعلنا نفهم معنى أم أبيها، حيث أن الزهراء علیها السلام كانت تقوم بمداراة أبيها رسول الله ورعايته أفضل ما تكون المراعاة بالنسبة لأم لولدها، وفي قبال ذلك كان الرسول يحترمها كما يحترم الولد أمه، وهذا نجده جليا وواضحا في سيرتهالشريفة وعلاقته بالبضعة الطاهرة علیها السلام ، حيث كان الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ينادي بالزهراء عندما تقبل عليه: مرحبا بأم أبيها، ويقدم لها ضروب الاحترام وألوان التعظيم، حتى وصل الأمر إلى أن يقوم لها إجلالا وتعظيما، ويأخذ يدها ويقبلها ثم يجلسها إلى جانبه ويقبل عليها بكليته، وكان إذا يقبلها يقول: أشم منها رائحة الجنة).
وقال في ص273:
(ولعل وجه تكنيتها بأم أبيها هو أنه صلی الله علیه و آله و سلم يعاملها علیها السلام معاملة الولد أمه، وأنها تعامله معاملة الأم ولدها كما أن التاريخ يؤيد ذلك والأخبار تعضده، ففي الأخبار الكثيرة أنه صلی الله علیه و آله و سلم يقبل يدها ويخصها بالزيارة عند كل عودة منه إلى المدينة المشرفة ويودعها منطلقا عنها في كل أسفاره ورحلاته. وكأنه يتزود من هذا النبع الصافي عاطفة لسفره كما يتزود الولد المؤدب من أمه. ونلاحظ من جهة أخرى إن فاطمة الزهراء علیها السلام تحتضنه وتضمد جروحه وتخفف من آلامه كالأم المشفقة لولدها، وبالجملة كل ما يجده الولد في أمه من العطف والرقة والشفقة والأنس فهو صلی الله علیه و آله و سلم يجده في فاطمة وكأنها أمه).
ومحمد بيومي في كتابه السيدة فاطمة الزهراء علیها السلام ص108، قال: (سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقبها ب-(أم أبيها) لحنانها عليه وحبها الدائم).
قال أبو علم(1): (أنه كان يطلق عليها: أم النبي، لأنهاكانت وحدها في بيته بعد موت أمها، تتولى رعايته والسهر عليه).
1) سيرة الأئمة الإثني عشر لهاشم معروف الحسني - القسم الأول ص65، دار التعارف للمطبوعات ط 1406ه-.
وقال الأخ فضيلة العلامة الشيخ نزار سنبل من قصيدته التي سنوردها في ( أم أبيها في الشعر):
ويا أماً لوالدها المصفى*** وذا سر عرفت به الجلالا
حملت العبء من صغر وناغت*** على كفيك أنغام حبالى
فتحت القلب إذ ضاقت رحاب*** فلا سهلاً يضم ولا جبالا
فرشت الكون في عينيه زهراً*** وكنت الأم تمنحه الدلالا
أثارها رائد الفتنة والضلال، لم تتحمّل مشاعره المزيّفة، ويستوعب عقله القاصر، وتتسع ثقافته المستوردة، لكون الزهراء علیها السلام تبكي أباها ذلك البكاء.
فلابدّ من إيراد كلامه بطوله - حتّى لا يقول: إنّهم يقطعون كلامي كما هي عادته ويتشدّق بها أتباعه - ولكن سنقسمه إلى مقاطع كي نردّ على كلّ مقطع، ولكيلا يحتاج القارئ إلى الرجوع إلى المقالة الطويلة عند الردّ:
قبل البدء في مناقشته يحسن أن نُقدِّم مقدمة حول حسن ومشروعية البكاء الكثير، ويمكن أن ندلل على حسن
ومشروعية بل ورجحان البكاء الطويل - عند وجودمقتضيه ورجحانه ولم يمنع منه مانع – بأمور:
1- نبي الله يعقوبعلیه السلام بكى على يوسفعلیه السلام حتّى ابيضّت عيناه من الحزن، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم صريحاً في قوله تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ()قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ()قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(1).
فالقرآن الكريم صريح في أنّ البكاء المستمر ما دام في حبّ أولياء الله وقربة إلى الله فإنّه راجح وإن وصل إلى الحدّ الذي وصل إليه يعقوبعلیه السلام.
وورد في تفسير علي بن إبراهيم القمي: (وسئل أبو عبد اللهعلیه السلام: ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف؟ قال: حزن سبعين ثكلى على أولادها).
وفي تفسير العياشي عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللهعلیه السلام قال: قال له بعض أصحابنا: (ما بلغ من حزن يعقوب
1) سورة يوسف الآيات 84-86.
على يوسف؟ قال: حزن سبعين ثكلى حرّاء)(1).
2- بكاء الإمام زين العابدينعلیه السلام واستمراره إلى حين شهادته، ومما روي في ذلك:
في الملهوف على قتلى الطفوف ص87 عن الإمام الصادقعلیه السلام، أن زين العابدين بكى على أبيه أربعين سنة، صائما نهاره، قائما ليله، فإذا حضر الإفطار جاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول: كل يا مولاي،فيقول: قتل ابن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم جائعا، قتل ابن رسول الله عطشانا، فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبل طعامه بدموعه، ويمزج شرابه بدموعه، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل.
ووصف الشهيد الثاني في مسكن الفؤاد ص92 تلك الرواية بمشاهير الأخبار.
وفي المصدر السابق ص88 قال: وعن بعض مواليه قال: خرج يوما إلى الصحراء فتبعته، فوجدته قد سجد على حجارة خشنة، فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكاءه، وأحصيت له
1) تفسير نور الثقلين للشيخ الحويزي ج2 ص452.
ألف مرة وهو يقول: لا إله إلا الله حقاً حقاً، لا إله إلا الله تعبداً ورقاً، لا إله إلا الله إيماناً وصدقاً، ثم رفع رأسه من سجوده، وأن لحيته ووجهه قد غمرا بالماء من دموع عينيه.
فقلت: يا سيدي، ما آن لحزنك أن ينقضي؟! ولبكائك أن يقل؟!.
فقال لي: ويحك، إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبياً ابن نبي، وكان له اثنا عشر ابناً، فغيّب الله واحداً منهم، فشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغم والهم، وذهب بصره من البكاء، وابنه حي في دار الدنيا، وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين، فكيف ينقضي حزني ويذهب بكائي؟!(1).وفي الخصال للشيخ الصدوق ص517:
حدثنا المظفر بن جعفر [بن المظفر] بن العلوي
1) عنه وسائل الشيعة للحر العاملي ج 3 ص 282. وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج54 ص149. والعوالم، الإمام الحسينعلیه السلام للشيخ عبد الله البحراني ص449. ونور العين في مشهد الحسين صلی الله علیه و آله و سلم لأبي إسحاق الاسفرايني ص75. واللهوف في قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس الحسني ص121.
السمرقندي - رضي الله عنه - حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود العياشي، عن أبيه قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن خالد الطيالسي قال: حدثني أبي، عن محمد بن زياد الأزدي، عن حمزة بن حمران، عن أبيه حمران بن أعين، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر صلی الله علیه و آله و سلم قال: كان علي بن الحسين صلی الله علیه و آله و سلم يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة كما كان يفعل أمير المؤمنينعلیه السلام... إلى أن يقول: ولقد كان بكى على أبيه الحسينعلیه السلام عشرين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولى له: يا ابن رسول الله أما آن لحزنك أن ينقضي؟! فقال له: ويحك إن يعقوب النبيعلیه السلام كان له اثنا عشر ابناً فغيّب الله عنه واحداً منهم فابيضت عيناه من كثرة بكائه عليه، وشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغم، وكان ابنه حياً في الدنيا وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني(1).
وفي الخصال للشيخ الصدوق ص272:
1) عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج64 ص61.
حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا محمد ابن الحسن الصفار قال: حدثني العباس بن معروف،عن محمد بن سهل البحراني يرفعه إلى أبي عبد اللهعلیه السلام قال: البكاؤون خمسة: آدم، ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمد، وعلي بن الحسينعلیهم السلام.
فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية، وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره، وحتى قيل له: {...تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ}(1).
وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا له: إمّا أن تبكي الليل وتسكت بالنهار، وإمّا أن تبكي النهار وتسكت بالليل، فصالحهم على واحد منهما، أمّا فاطمة فبكت على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حتى تأذّى بها أهل المدينة فقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى المقابر - مقابر الشهداء - فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف.
وأما علي ابن الحسين فبكى على الحسينعلیه السلام عشرين سنة أو
1) يوسف: من الآية 85.
أربعين سنة(1)ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين.
قال:{...إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}(2)إني ما أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة(3).3- مما لا يختلف عليه اثنان أنّ البكاء في الجملة يمكن أن يكون طاعة لله تعالى يُتقرّب به إليه سبحانه وتعالى، فإذا
1) الترديد من الراوي.
2) يوسف: من الآية 86.
3) وفي أمالي الصدوق ص121: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن العباس بن معروف، مثله. ونقلهما في وسائل الشيعة للحر العاملي ج3 ص280. وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج21 ص264. وفي تفسير العياشي عن محمد بن سهل البحراني، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللهعلیه السلام وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج21 ص311. وفي مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي ص315 عن كتاب روضة الواعظين. وقصص الأنبياء للجزائري ص56. وكشف الغمة ج2 ص120. والعوالم ج11 ص790.
كان قليله طاعة فكثيره زيادة في الطاعة، ما دام المقتضي موجوداً والمانع مفقوداً، فبُكاؤنا على فقد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لا شكّ أنّه طاعة، فالإكثار من الطاعة حسن وراجح إن لم يمنع من ذلك مانع. والزهراء سلام الله عليها هي العارفة بوجود المانع أو عدمه، لا هذا الجاهل المعاند.
4- لم يشكّ أحد من المؤمنين في رجحان بكاء الزهراء علیها السلام الكثير، لأنّ فعلها شرع الله تعالى الذي يرضى لرضاها ويغضب لغضبها، ولو تنزّلنا مع هذا المبتدع – وفرض المحال ليس بمحال- وسلّمنا وجود شكّ في حرمة البكاء الكثير، وأنّ هذا مما يحتاج إلى الاستدلال فنقول: الأصل في الأشياء الإباحة لا الحرمة، وهنا الشبهة حكمية تحريميّة عنده والأصل فيها البراءة، فلمَ هذا النعيق؟!!!
وهنا سؤال وهو: أنّ البكاء ليلاً ونهاراً هل يكون من الجزع أم لا؟
وللجواب على هذا نقول: ليس كلّ بكاء مستمر وكثيريكون من الجزع، لأنّ الجزع هو الذي يُخرج الإنسان عن اتزانه العقلي، وتصرفه السوي، فقد يكون إنسان يستمر خوفه وخشيته من الله تعالى وتذرف عينه الدموع ويعلو نحيبه ومع
ذلك لا يخرج عن اتزانه العقلي، وتصرفه السوي.
وسؤال آخر: هل كل جزع محرّم؟
والجواب: ليس كلّ جزع محرّم، بل إنّ الجزع له أفراد محلّلة بل راجحة منها:
1- عُدّ شقّ الثوب عند المصيبة من الجزع، ومع ذلك استثنى فقهاؤنا الشق على الأب والأخ، ولم يعرف مخالف منّا سوى ابن إدريس، قال في جواهر الكلام للشيخ الجواهري ج4 ص369:
ومن استدلال الصادقعلیه السلام بشق موسى على أخيه هارون (على نبينا وآله وعليهما السلام)، ومرسلة المبسوط المتقدمة المنجبرة بفتوى الأصحاب عدا النادر، بل نسبه غير واحد إليهم بدون استثناء، يستفاد حكم المستثنى أي جواز الشق على الأب والأخ، مضافا إلى ما حكي في الفقيه وغيره مرسلا من شق العسكريعلیه السلام(1)قميصه من خلف وقدام عند موت أبيهعلیه السلام وعن كشف الغمة نقلا من كتاب الدلائل لعبد الله بن جعفر الحميري، عن أبي هاشم الجعفري قال: خرج أبو
1) الوسائل - الباب - 84 - من أبواب الدفن - حديث 4.
محمدعلیه السلام في جنازة أبي الحسنعلیه السلام وقميصه مشقوق، فكتب إليه ابن عون من رأيت أو بلغك من الأئمةعلیهم السلام شق قميصه في مثل هذا؟ فكتب إليه أبو محمدعلیه السلام يا أحمق وما يدريك ماهذا، قد شق موسى على هارون(1). ونحوه المحكي عن الكشي في كتاب الرجال مسندا.
فما عن ابن إدريس من القول بالحرمة فيهما ضعيف، بل لا يبعد القول حينئذ بالاستحباب للتأسي. كما انه من ذلك وما تقدم بل أولى منه يستفاد جوازه للمرأة أيضا فيهما، مع أنه لا خلاف فيه إلا منه أيضاً، وهو ضعيف كسابقه، لما عرفت مما تقدم، مضافا إلى ما في خبر خالد بن سدير عن الصادقعلیه السلام: ولقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود، الفاطميات على الحسين بن علي صلی الله علیه و آله و سلم ، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب. إذ من المعلوم فيهن بناته وأخواته.
2- الجزع على أهل البيتعلیهم السلام ليس بمحرّم بل هو راجح قطعاً مطلوب حتماً، فلقد روي استثناء الجزع على أهل البيتعلیهم السلام من حرمة الجزع، ومما يدلّ على ذلك روايات
1) الوسائل - الباب - 84 - من أبواب الدفن - حديث 5.
منها:
ما عن الأمالي للشيخ الطوسي ص161(1): عن معاوية بن وهب، قال: كنت جالسا عند جعفر بن محمد صلی الله علیه و آله و سلم إذ جاء شيخ قد انحنى من الكبر، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته.فقال له أبو عبد الله: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، يا شيخ ادن مني، فدنا منه فقبل يده فبكى.
فقال له أبو عبد اللهعلیه السلام: وما يبكيك يا شيخ؟
قال له: يا ابن رسول الله، أنا مقيم على رجاء منكم منذ نحو من مائة سنة، أقول هذه السنة وهذا الشهر وهذا اليوم، ولا أراه فيكم، فتلومني أن أبكي!
قال: فبكى أبو عبد اللهعلیه السلام ثم قال: يا شيخ، إن أخرت منيتك كنت معنا، وإن عجلت كنت يوم القيامة مع ثقل رسول
1) قال: حدثنا محمد بن محمد، قال: حدثنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه (رحمه الله)، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب الزراد، عن أبي محمد الأنصاري، عن معاوية بن وهب....
الله صلی الله علیه و آله و سلم .
فقال الشيخ: ما أبالي ما فاتني بعد هذا يا ابن رسول الله.
فقال له أبو عبد اللهعلیه السلام: يا شيخ، إن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله المنزل، وعترتي أهل بيتي، تجئ وأنت معنا يوم القيامة.
قال: يا شيخ، ما أحسبك من أهل الكوفة؟ قال: لا.
قال: فمن أين أنت؟ قال: من سوادها جعلت فداك.
قال: أين أنت من قبر جدي المظلوم الحسينعلیه السلام؟ قال: إني لقريب منه.
قال: كيف إتيانك له؟ قال: إني لآتيه وأُكثر.
قال: يا شيخ، ذاك دم يطلب الله (تعالى) به، ما أصيب ولد فاطمة ولا يصابون بمثل الحسينعلیه السلام، ولقد قتلعلیه السلام في سبعة عشر من أهل بيته، نصحوا لله وصبروا في جنب الله، فجزاهم أحسن جزاء الصابرين، إنه إذا كان يوم القيامة أقبل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ومعه الحسينعلیه السلام ويده على رأسهتقطر دما فيقول: يا رب، سل أمتي فيم قتلوا ولدي. وقالعلیه السلام: كل الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على
الحسينعلیه السلام(1).
أمّا من حيث السند فبعض العلماء وصفها بالصحيحة كالشيخ ميرزا جواد التبريزي (حفظه الله ورعاه وسدد خطاه) في صراط النجاة ج3 ص443:
س 1268: هل ترون أنه من الداعي إثارة مصيبة كربلاء بين الناس بشكل عنيف وحماسي أم لا؟
ج: البكاء الشديد والإبكاء المثير من الأمور المستحبة، التي دلت على رجحانها النصوص الكثيرة، ففي الوسائل باب 66 من أبواب المزار روايات كثيرة في استحباب ذلك، ومنها صحيح معاوية بن وهب عن الصادقعلیه السلام انه قال لشيخ: أين أنت عن قبر جدي المظلوم الحسين، قال: إني لقريب منه، قالعلیه السلام: كيف إتيانك له، قال: إني لآتيه وأُكثر، قال: ذاك دم يطلب الله تعالى به، ثم قال: كل الجزع والبكاء مكروه ما خلا
1) وعنه سائل الشيعة للحر العاملي ج3 ص282، والفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ج3 ص413، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج54 ص313، والعوالم، الإمام الحسينعلیه السلام للشيخ عبد الله البحراني ص533.
الجزع والبكاء لقتل الحسينعلیه السلام. والله العالم.
كما أنّ بعض العلماء وصفها بالحسنة كالسيد الخوئي (قدّس سرّه) في كتاب الطهارة ج9 ص227.وأمّا من حيث الدلالة فقد استثنت الجزع على الحسينعلیه السلام.
وقضية دعبل شاعر أهل البيتعلیهم السلام معروفة ومشهورة، حيث أنّ دعبل الخزاعي أنشد قصيدته التائية بحضرة الإمام الرضاعلیه السلام، وقد ورد فيها:
أفاطم لو خلت الحسين مجدلا*** وقد مات عطشانا بشط فرات
إذن للطمت الخد فاطم عنده*** وأجريت دمع العين في الوجنات
وقد أقره الإمام الرضاعلیه السلام على قوله، ولم يعترض، ولو بأن يقول له: إن جدتي فاطمة لا تفعل ذلك بل نجد أنهعلیه السلام - حسبما ورد في نصوص هذه الحادثة - قد زاد بيتين في هذه القصيدة وهما:
وقبر بطوس يا لها من مصيبة*** ألحت على الأحشاء بالزفرات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائما*** يفرج عنا الهم والكربات
ونفس المضمون روي في روايات أخرى مثل ما رواه
الحرّ العاملي في الفصول المهمة في أصول الأئمة عن كامل الزيارات ص100 بسنده عن أبي عبد اللهعلیه السلام قال: إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلا البكاء على الحسين بن علىعلیه السلام فانه فيه مأجور(1).
ثم قال الحرّ العاملي: أقول: والأحاديث فيه كثيرة.
قال في كتابه الزهراء القدوة ص72 - 79:
" يقول الإمام الصادقعلیه السلام فيما رواه الكليني بسنده الصحيح عنه: (عاشت بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم خمسة وسبعين يوماً، لم تُر كاشرة ولا ضاحكة، تأتي قبور الشهداء في كل أسبوع مرتين، الاثنين والخميس، فتقول: ههنا كان رسول الله، وههنا كان المشركون(2). وفي رواية أخرى، عن الصادقعلیه السلام:
أنها كانت تصلي هناك وتدعو، حتى ماتت(1). وهذا المقدار من الحزن والبكاء يليق بمكانة الزهراء علیها السلام ، ولا غضاضة فيه، لأنه حزن القضية الذي لا يلغي قيمة الصبر".
أقول: الرواية الأولى صحيحة السند، والرواية الثانية ليست صحيحة السند، والرواية الأولى لا تدل على أكثر من أنّ الزهراء علیها السلام كانت بعد وفاة أبيها صلی الله علیه و آله و سلم لم تر مبتسمة ولا ضاحكة، إلى شهادتها علیها السلام ، وأنّها كانت تذهب يومين في الأسبوع الاثنين والخميس إلى قبور الشهداء، وكانت تقول: ههنا كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وههنا كان المشركون.
والرواية الأخرى التي ليست صحيحة السند أضافتأنّها كانت تصلّي هناك وتدعو.
فالروايتان ليس لهما الدلالة على أكثر من ذلك:
1- فلا تدلان على أنّها لا تجلس عند قبر أبيها كلّ يوم، فخروجها علیها السلام إلى قبور الشهداء ساعتين أو أكثر في الأسبوع لا ينفي كونها تجلس عند قبر أبيها صلی الله علیه و آله و سلم كلّ يوم،
1) الكافي، ج 4، ص 561. (هذه الحاشية من رائد الفتنة والضلال)
وبالخصوص فيما إذا أخذنا بالاعتبار أنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم كان مدفوناً عندها أو في جوارها، لا يبعد عنها سوى بضعة أمتار.
2- ولا تنفيان وجود بيت أحزان الزهراء علیها السلام . لأنّ وجودها في بيت الأحزان في أغلب وقتها لا ينافيه الخروج إلى قبور الشهداء بضع ساعات في الأسبوع.
3- ولا تدلان على عدم بكائها الطويل ليلاً ونهاراً. فكونها تقول: ههنا كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وههنا كان المشركون يدلّ على تألّمها وتفجّعها من فراق النبي صلی الله علیه و آله و سلم فلا ينافي بكائها الطويل.
4- ولا تنفيان عدم تأذّي أهل المدينة من بكائها علیها السلام . فإنّهم إنّما كانوا يتأذون من بُكائها في بيتها وبجنب قبر أبيها صلی الله علیه و آله و سلم ، فابتعادها عنهم مما يخفف عليهم من وطأة بكائها علیها السلام .
5- ولا تدلاّن على انصرافها علیها السلام عن الظلامة، فإنّ الانشغال بالصلاة المتضمنة للدعاء، والانشغال بنفس الدعاء، لم يُبيّن في الروايتين أنّها كانت علیها السلام تدعو لمن وعلى من.
6- نحن لا نشكّ أنّ الزهراء علیها السلام كانت تبكي بكاء طويلاً، ولكنّ الروايتين ليس فيهما دلالة على بُكائها، فمن أين استنتج قوله: "وهذا المقدار من الحزن والبكاء يليق بمكانة الزهراء".
ثم... أليست الزهراء علیها السلام معصومة فقولها وفعلها وتقريرها حجّة على جميع الخلق؟! فإذا كان يُسلّم بذلك ففعلها مصدر التشريع، لا أنّ نُحدد فعلها بما نفهمه نحن من التشريع، حتّى نقول: هذا المقدار لا غضاضة فيه، وأكثر من هذا يُلغي قيمة الصبر!!!
"وأما ما أفاضت به بعض المرويات(1)، التي يقرأها بعض قراء العزاء، والتي تصور الزهراء وكأنها لا شغل لها إلا البكاء، فهذا ما نرسم حوله بعض علامات الاستفهام، لأني لا أتصور الزهراء علیها السلام إنسانة لا شغل لها في الليل والنهار إلا البكاء، ولا أتصور الزهراء، وهي المنفتحة على قيم الإسلام وعلى قضاء
1) جاء في مرفوعة محمد بن سهل البحراني عن أبي عبد اللهعلیه السلام في حديث البكاؤون الخمسة " وأما فاطمة، فبكت على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حتى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى المقابر. مقابر الشهداء. فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف " عوالم الزهراء ص 448. (هذه الحاشية من رائد الفتنة والضلال)
الله وقدره، إنسانة ينزعج منها أهل المدينة لكثرة بكائها كما تصور هذه الروايات حتى لو كان الفقيد على مستوى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فإن ذلك لا يلغي معنى الصبر، لأن الصبر قيمة إسلامية تجعل الإنسان يتوازن ويتماسك في أشد الحالات قساوة وصعوبة.
وهذا ما يجعلنا نعتقد أن حزن فاطمة علیها السلام كان حزنالقضية وحزن الرسالة أكثر مما هو حزن الذات، لأنها كانت تستشعر بفقدها أبيها محمد صلی الله علیه و آله و سلم أنها فقدت الرسول الذي انقطعت بموته أخبار السماء، كما جاء في بعض كلماتها(1).
على كلامه في هذا المقطع الثاني:
اعترض على الروايات التي أشار إليها بأمور:
الأوّل: أنّه لا يتصوّر أنّ الزهراء علیها السلام لا شغل لها في الليل والنهار إلاّ البكاء.
1) بحار الأنوار ج: 43، ص 207. وجاء فيها: " يا أبتاه انقطع عنا خبر السماء ". (هذه الحاشية من رائد الفتنة والضلال)
لا أدري من أين فهم هذا الفهّامة وعلامة زمانه، من الروايات أنّ الزهراء علیها السلام لا شغل لها في الليل والنهار إلاّ البكاء!!!
1- هل عندما يُقال: إنّ فلانا يبكي ليلاً ونهاراً، يعني ذلك أنّه لا يُصلّي ولا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يقضي حاجاته الضرورية؟! كلاّ... بل المراد أنّه يبكي في الليل ويبكي في النهار في أكثر أوقاته.
2- وعلى فرض استمرارية البكاء، هل يتنافى البكاء مع الصلاة والأكل والشرب وقضاء الحاجات الضرورية له؟!
3- إنّ التعبير بأنّها تبكي ليلها ونهارها - مثلا - تعبير مجازي عن كثرة بكائها وعظيم حزنها صلوات اللهوسلامه عليها.
الثاني: أنّه لا يتصوّر أنّ الزهراء علیها السلام يكثر بكاؤها حتّى ينزعج منها أهل المدينة.
لماذا لا يتصوّر؟ هل لقصور عقلي فيه؟ أم لأنّه تصوّر أنّ معنى ذلك أنّها بلغ بكاؤها وصراخها الشديدان إلى حدّ أنّه يسمعه أهل المدينة في عُقر دارهم، فهو صوت مزعج يخترق الجدران والأبواب والنوافذ وإن كانت موصدة؟
إن كان هذا فلا دلالة في الروايات على ذلك، وهذا من صنيع خياله ووهمه، ولابدّ أن نعرف مَن كان الذي يتأذى(1)؟ هل هم المؤمنون الموالون للزهراء علیها السلام ؟ كلاّ بل هم أعداء أهل البيتعلیهم السلام، ولا يتصوّر مؤمن أنّ مؤمناً يتأذّى من فاطمة الزهراء علیها السلام ، وإنّما كان تأذي أهل المدينة هؤلاء بسبب بكاء فاطمة الزهراء علیها السلام يُحتمل من أمور:
1- كانت عندما تبكي يجتمع بعض النسوة معها ويتناقلن الخبر فيكثر اجتماعهن ويتفاعلن معها، وإذا أخذنا فيالاعتبار أنّها عندما تتحدّث فكأنّها تُفرغ من فم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وهذا مما يؤذيهم من حيث تأثير ذلك على نسائهم، وهم
1) راجع عن تأذي أهل المدينة ببكاء الزهراء علیها السلام : الخصال: ج 1 ص272، وأمالي الصدوق: ص 121، والعوالم: ج 11 ص 449. وفي هامشه عمن تقدم وعن البحار: ج 43 ص 155 و177 و35 وج 46 ص 109 وج 11 ص 311 و204 وج 12 ص 264 وج 82 ص 86، وإرشاد القلوب: ص 95، وتفسير العياشي: ج 2 ص 188، وروضة الواعظين: ص 520، ومكارم الأخلاق: ص 335، ومناقب آل أبي طالب: (ط المطبعة العلمية) ج 3 ص 322، وكشف الغمة: ج 2 ص 124.
المشاركون أو المتزعمون للفتن التي حصلت بعد وفاة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، لأنّ الزهراء بذلك البكاء تؤلبهن على رجالهن، وهذا المعنى المحتمل يُفهم من خبر فضة المتقدم ففيه:
(فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن، فلم تطق صبرا، إذ خرجت وصرخت، فكأنها من فم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم تنطق، فتبادرت النسوان، وخرجت الولائد والولدان، وضج الناس بالبكاء والنحيب، وجاء الناس من كل مكان، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء، وخيل إلى النسوان أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد قام من قبره، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم).
2- كان منزل الزهراء علیها السلام بجانب المسجد، وكانت كل الأبواب قد سدت سوى بابها، وقبر أبيها بجانبها فكلّ مَن يدخل المسجد أو يريد زيارة النبي صلی الله علیه و آله و سلم يسمع ذلك البكاء، فإذا كان من المنحرفين عن أهل البيتعلیهم السلام فإنّه يتأذى، لأنّ هذا البكاء يُجسّد أفعالهم النكراء، والمجرم لا يُحبّ أي شيء يُذكّره بجريمته.
3- الوافدون إلى المدينة وبالخصوص في تلك الفترة التي هي عقب وفاة النبي صلی الله علیه و آله و سلم لا شكّ أنّهم يسألون عن
مدفنه صلی الله علیه و آله و سلم ، بل يسألون عن الزهراء علیها السلام سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، فإذا ذهبوا هناك وجدوا الزهراء علیها السلام باكية، أو ذهبوا إلى المسجد الذي هو مركز الحكم والقضاء والاجتماعات العامّة، فإنّهم سيسمعون الزهراء علیها السلام باكية،وهذا مما يُظهر تلك الجرائم النكراء، التي اقترفتها الزمرة المتآمرة وأعوانهم.
الثالث: أنّ كثرة البكاء بذلك المقدار يُنافي الصبر.
وهنا عليك بمراجعة ما ذكرناه آنفاً – إن لم تكن منه على ذكر - بأنّ كثرة البكاء أمر راجح، ولا يتصور أنّه مناف للصبر، كيف!!! وقد مرّ عليك كثرة بكاء يعقوبعلیه السلام وبكاء زين العابدينعلیه السلام، ولم يكن ذلك منافيا للصبر، لأنّ غير الصابر يخرج عن حدود الشرع، والأنبياء والأئمةعلیهم السلام لا يخرجون عنه.
الرابع: أنّ حزن الزهراء علیها السلام هو حزن الرسالة والقضيّة أكثر مما هو حزن الذّات.
إنّ حزن الزهراء علیها السلام كما تقدّم يحمل أهدافاً، ولذا يكون بحسب مبانيه هو حزن رسالة، ثمّ هل الحزن على الرسالة والقضية لا يقتضي بُكاءاً كثيرا؟! كلاّ... بل الحزن على الرسالة
والقضية يقتضي بكاءاً أكثر، وأيضاً من يُحدد البكاء الرسالي من غيره؟ هل ذلك الجاهل أم الزهراء علیها السلام بفعلها!!! وهل كان بكاء يعقوبعلیه السلام والإمام زين العابدينعلیه السلام ليس رسالياً؟!
ثمّ هل يُعقل في أهل البيتعلیهم السلام بُكاء رسالي وبُكاء غير رسالي؟ أيُريد أن يقول – بقوله كان حزن القضية وحزن الرسالة أكثر مما هو حزن الذات - أنّ بكاء الزهراء علیها السلام أكثره بكاء رسالي، وبعضه ليس برسالي، بل هو حزن الذات – كما عبّر – بعيدا عن الرسالة؟
إن كان كذلك فأين العصمة؟! وأين قوله تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(*)إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}(1).
إننا – نحن الشيعة - نعتقد في أهل البيتعلیهم السلام أنّ قولهم وفعلهم وتقريرهم شرع الله و{لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}(2)وكلّهم لا ينطقون ولا يفعلون عن الهوى.
(مشروعية البكاء وحدوده: وزيادة في توضيح هذا الأمر،
ودفعاً لبعض الالتباسات والاعتراضات نقول: إنّ فراق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لم يكن بالأمر الهين، لا سيما على ابنته السيدة الزهراء علیها السلام ، التي أحست أكثر من غيرها بعظيم الفادحة وثقل المصيبة التي ألمت بالمسلمين بوفاة رسول الله ولهذا كان حزنها عليه أعظم الحزن، وبكاؤها عليه أعظم البكاء، وكانت تخرج إلى قبره الشريف مصطحبة ولديها الحسنين صلی الله علیه و آله و سلم لتبكي أباها، وكل الشهداء الذين سقطوا معه، لتذكر المسلمين من خلال ذلك برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حتى لا ينسوه في غمرة الأحداث الكبيرة التي عاشوها).
أقول: ذكر هنا أنّ الزهراء علیها السلام عند خروجها إلى مقابر الشهداء كانت تبكي أباها صلی الله علیه و آله و سلم كما تبكي الشهداء. ولا نعرف من أين فهم أنّها كانت تذهب هناك لتبكي الشهداء، ففي الرواية المتقدمة التي ذكرها في المقطع الأوّل والتي هي مستنده الأساسي، تدلّ على أنّها كانت تذهب إلى مقابرالشهداء، ولقد بينّا أنّ الرواية لم تذكر البكاء مطلقاً فضلاً عن البكاء على الشهداء، وكلامها في تلك الرواية إنّما هو تذكير برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فتقول: "ههنا كان رسول الله، وههنا كان
المشركون".
نعم في رواية أخرى أنّها عندما منعت من البكاء أصبحت تذهب إلى قبور الشهداء كي تبكي أباها.
كما في الخصال للشيخ الصدوق ص272، أمالي الصدوق ص121 عن أبي عبد اللهعلیه السلام في حديث البكاؤون الخمسة... إلى أن يقول: وأما فاطمة، فبكت على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حتى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى المقابر. مقابر الشهداء. فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف(1).
فقبور الشهداء كمكان ناءٍ عنهم من ناحية، ومن ناحية أخرى تريد أن تبين بلسان الحال: هؤلاء الشهداء الذين قدّموا
1) ونقلهما في وسائل الشيعة للحر العاملي ج3 ص280. وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج21 ص264. وفي تفسير العياشي عن محمد بن سهل البحراني، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللهعلیه السلام وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج21 ص311. وفي مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي ص315 عن كتاب روضة الواعظين. وقصص الأنبياء للجزائري ص56. وكشف الغمة ج2 ص120. والعوالم ج11 ص790.
أنفسهم لأجل دين الله تعالى، أين أمثالهم الذين يدافعون عن حق علي وفاطمة صلی الله علیه و آله و سلم ؟ الذي هو حق رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فتستنهض بذلك الهمم، وتقيم الحجج.ثمّ ما مراده بتذكيرها بأبيها؟ هل هو تذكير بشخص النبي صلی الله علیه و آله و سلم مجرّدا عن أي مبدأ وفكر وشريعة؟ طبعا لا يُريد ذلك وهو الداعية إلى عدم الارتباط بأشخاص أهل البيتعلیهم السلام بل لا بدّ أن نرتبط بفكرهم، فإذا هو يريد الارتباط بفكر النبي وما جاء به صلی الله علیه و آله و سلم ، فمما جاء به الخلافة، ومحبة وتقدير واحترام الزهراء، وهذا ما نقوله من أنّها علیها السلام كانت ببكائها تهدد عروشهم.
ثمّ إنّ الزهراء علیها السلام تريد أن تذكّر من؟
هل تريد أن تذكّر أمير المؤمنينعلیه السلام والحسنين صلی الله علیه و آله و سلم وبني هاشم والمقداد وأبا ذر وسلمان وعمّار وأمثال هؤلاء؟
أم أنّها تريد أن تذكّر العتاة المردة ومن لفّ لفّهم من الذين تمرّدوا على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فاغتصبوا خلافته، وفعلوا ما فعلوا بأخيه وابن عمه، وتجرؤا على أمّ أبيها الزهراء فاطمة علیها السلام ، وعبثوا وغيروا في دين الله عزّ وجل؟
أمّا الفئة الأولى فليست ناسية لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وكيف! وهم
يعيشون إيماناً لا يُتصوّر معه النسيان لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .
وأمّا الفئة الثانية فليست ناسية لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أيضا، وكيف! وهم يعيشون نهب تراث وجهود الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، نعم هم يتناسون ويريدون أن ينسوا، ولكن من كان كذلك لا ينفع معه التذكير.
وليس هناك فئة ثالثة، فإنّ الساكت عن حقّ أهل البيتعلیهم السلام - مع شدّة وكثرة التأكيد عليه من قبل النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، بل صريح القرآن بذلك – هو شيطان أخرس، لأنّ المتفرجين هم الذين خذلوا الحق، وبخذلانهم للحق نصروا الباطل، ولا أتصور أنّ شخصا كان يعيش في ذلك الزمان لم يصلهكلام النبي صلی الله علیه و آله و سلم في مواقفه الكثيرة في مكانة وعظمة أمير المؤمنين والزهراء صلی الله علیه و آله و سلم ، ولم يصله القرآن الكريم في بيان حرمتهما وقداستهما صلی الله علیه و آله و سلم .
فيبقى السؤال قائماً، تريد الزهراء علیها السلام أن تُذكّر مَن؟؟؟
(ولكنها لم تكن تستغرق وقتها في الليل والنهار في البكاء، ولا أنها كانت كل هذه المدة (يغشى عليها ساعة بعد
ساعة)(1). وذلك:
1- لأن الصبر كما أشرنا قيمة إسلامية كبرى. ومن الطبيعي أن تمثل الزهراء علیها السلام أعلى درجات الصبر من خلال مقامها الرفيع عند الله، فهي ككل أهل البيتعلیهم السلام قدوتنا في الصبر، كما كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قدوة الناس كلهم في هذا المجال، وكما كان الرسل من قبله {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} {الأحقاف 35}.
وهذا هو معنى التأسي بهم، فالحزن على المصاب، لا سيما إذا كان أليما له دوره في رقة القلب. ولكن للصبر عليه درجة عظيمة لا مخصص لها.. فإن قوله تعالى: {والله يحب الصابرين} {آل عمران: 146} وقوله: {واصبروا إن الله مع الصابرين} {الأنفال: 46}، لا يقبل التخصيص، والتقيد، فهو من العمومات الأبية عن ذلك.
وكذلك قول الصادقعلیه السلام: (الصبر رأس الإيمان) وقوله الآخر: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذاذهب
1) كما جاء في بعض الروايات، راجع بحار الأنوار ج43 ص187 وعوالم الزهراء ص451.
الرأس ذهب الجسد، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان(1). فإن هذا اللون من البيان يأبى التخصيص والتقييد كما يقول علماء الأصول).
كلامه هذا يشتمل على أمور:
1- إنّ الزهراء علیها السلام لا يستغرق بكاؤها وقتها في الليل والنهار:
وقد أجبنا عن هذا في المقطع الثاني وما قلناه هناك:
لا أدري من أين فهم هذا الفهّامة من الروايات أنّ الزهراء علیها السلام لا شغل لها في الليل والنهار إلاّ البكاء؟!!!
ألف- هل عندما يُقال: إنّ فلانا يبكي ليلا ونهارا، يعني ذلك أنّه لا يُصلّي ولا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يقضي حاجاته الضرورية؟! كلاّ... بل المراد أنّه يبكي في الليل ويبكي في النهار في أكثر أوقاته.
باء- وعلى فرض استمرارية البكاء، هل يتنافى البكاء مع الصلاة والأكل والشرب وقضاء الحاجات الضرورية له؟!
1) أصول الكافي ج2 ص87.
تاء- إنّ التعبير بأنّها تبكي ليلها ونهارها مثلا تعبير مجازي عن كثرة بكائها وعظيم حزنها صلوات الله وسلامه عليها.
2- إنّها لم يكن ليغشى عليها ساعة بعد ساعة كلّ هذه المدة – في الليل والنهار-:وهنا أيضاً نقول له من أين فهمت أيّها الفهّامة أنّها علیها السلام يُغشى عليها ساعة بعد ساعة في كل ليلها ونهارها؟!!!
نعم هناك روايات ذكرت أنّه يُغشى عليها ساعة بعد ساعة:
ففي مناقب ابن شهرآشوب ج3 ص137: وروي أنها ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدّة الركن، باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة، وتقول لو لديها: أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرة بعد مرة؟ أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما فلا يدعكما تمشيان على الأرض؟(1).
وفي الأنوار العلوية للشيخ جعفر النقدي ص302 عن روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص150:
1) عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص180، وعنه اللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص861.
روي: أنّ فاطمة علیها السلام لا زالت بعد النبي صلی الله علیه و آله و سلم معصبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدّة الركن من المصيبة بموت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وهي مهمومة مغمومة محزونة مكروبة كئيبة حزينة، باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة حين تذكره وتذكر الساعات التي كان يدخل فيها عليها، فيعظم حزنها، وتنظر مرة إلى الحسن، ومرة إلى الحسين، وهما بين يديها علیها السلام فتقول: أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرة بعد مرة؟ أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما؟ فلا يدعكما تمشيان على الأرض، فإنا لله وإنا إليه راجعون.نلاحظ أنّ الرواية الأولى قد أطلقت الساعة بعد ساعة، أمّا الرواية الثانية فجاءت مبينة وشارحة، فإنّها يغشى عليها حين تذكر أباها وتذكر الساعات التي كان يدخل فيها عليها.
فالنتيجة أنّها كلّما ذكرت أباها وذكرت الساعات التي يدخل فيها عليها فإنّها يُغشى عليها، لا أنّها في كلّ وقت كذلك، والمراد ب-(ذكرت) أي باللسان لا أنّها ناسية فتتذكر أباها صلی الله علیه و آله و سلم .
3- إنّ بُكائها بتلك الكيفيّة ينافي الصبر:
لقد تقدّم أن ذكرنا أنّ كثرة البكاء لا يُنافي الصبر، وأمّا أنّها بتلك الكيفيّة – تستغرق وقتها في الليل والنهار في البكاء، وكانت كل هذه المدة يغشى عليها ساعة بعد ساعة - فلم يقل أحد أنّها بالكيفيّة التي أراد أن يُبشّع بها بكاء الزهراء علیها السلام ، ولم يدل على ذلك شيء من الروايات حتّى الضعيفة السند.
4- إنّ أدلّة الصبر آبية عن التخصيص.
ودعوى أنّ أدلّة الصبر آبية عن التخصيص غير سليمة على إطلاقها، ولا يُتوهم أنّ أحداً من الأصوليين قد قال بأنّ أدلّة الصبر آبية عن التخصيص في كتاب أصولي أو غيره، لأنّ الأصولي لا يبحث عن مثل هذه المصاديق، وإنّما الصحيح أن نقول:
إنّ الصبر إذا كان المراد منه هو عدم الاعتراض على قضاء الله وقدره، فهذا لا يقبل التخصيص لأنّ الاعتراض على الله تعالى لا يصح بأي وجه من الوجوه، وأما إذا كانالمراد بالصبر الالتزام بعدم فعل يكون ظاهره مناف للصبر، كخمش الوجه، وشق الجيب، ولطم الخد، فهذا مما يقبل التخصيص، وقد تقدم أن ذكرنا استثناء الفقهاء الشق على الأب والأخ، كما تقدّم استثناء الجزع على مصيبة أهل البيتعلیهم السلام، فإنّه الجزع لله
تعالى لا من الله.
2- ولأن الزهراء علیها السلام كانت مشغولة في معظم وقتها بالدفاع عن حق عليعلیه السلام في الخلافة، ومن أبرز مظاهر تحركها خطبتها في المسجد، وكلامها مع نساء المهاجرين والأنصار ورجالهن، وإذا صح الحديث بأن علياعلیه السلام كان يطوف بها على بيوت المهاجرين والأنصار أو جموعهم كما جاء في بعض الروايات. فهذا يعني أنها كانت تتحرك بشكل يومي نحو تحقيق هذا الهدف الكبير، مما لا يترك لها مجالا واسعا للانصراف إلى البكاء والاستغراق فيه.
أقول: هذا المقطع يشتمل على ضحالة وركاكة تضحك منه الثكلى، حيث لا منافاة بين كلّ هذا وذاك، فلو سألناه:
كم مرّة ذهبت الزهراء علیها السلام للخطبة في المسجد؟
كم مرة أخذها عليعلیه السلام إلى بيوت المهاجرين والأنصار؟
لا بدّ أنّ الجواب مرّة واحدة فقط خطبت في المسجد، وقد يقول يمكن أن يكون مرتين مكابرة.
فهل هذا المقدار اليسير لا يترك لها مجالاً أصلاً للانصراف إلى البكاء والاستغراق فيه – كما يدّعي-؟!!!نعم ترددها على بيوت المهاجرين والأنصار كان متكرراً إلا أنّه لا يعني أنّه مِن دون بكاء، ولا يعني أنّها لا تبكي في غير ذلك الوقت الذي تقضيه في الذهاب إلى بيوت المهاجرين والأنصار.
أمّا كلامها مع نساء المهاجرين والأنصار فلا يتنافى مع بكائها، بل هذا يؤكّد أنّها علیها السلام ببكائها جمعت النساء عندها وألّبتهن على رجالهن من خلال عرض مظلوميتها ومظلومية بعلها علیها السلام .
بل حتّى ذهابها إلى المسجد وخطبتها من يقول أنّها غير باكية سلام الله عليها؟!! فإنّها بكت وأبكت من في المسجد، ومما جاء في خطبتها علیها السلام :
" ثم أنّت أنّةً أجهش القوم لها بالبكاء، فارتجّ المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسوله صلی الله علیه و آله و سلم ، فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها "
وكذلك حين ذهابها إلى أحياء المهاجرين والأنصار.
رحمك الله يا أبا الحسن، وصلوات الله وسلامه عليك يا أمير المؤمنين، وصفت هذا وأمثاله بوصف واضح يتجدد عبر الزمن، لأنّ كلامكم نور وأمركم رشد:
ففي نهج البلاغة من خطبة لهعلیه السلام: إن نزل به إحدى المبهمات هيأ لها حشوا رثّاً من رأيه ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهل خبّاط جهالات....
3 - إننا لا ننكر مشروعية البكاء إسلاميا فقد بكى رسول الله على ولده إبراهيم(1)، وبكى يعقوب على يوسفعلیه السلام(2)ومن الطبيعي أن تبكي الزهراء علیها السلام لأنها بشر، والبشر من طبعه البكاء عند فقد الأحبة، لكننا ننكر أن يتحول البكاء إلى حالة
من الجزع أو ما يشبه الجزع بحسب الصورة التي تتلى في المجالس، ومفادها (أن أهل المدينة ضجوا من كثرة بكائها)(1). وأنهم شكوا الأمر إلى عليعلیه السلام وقالوا له: (إما أن تبكي أباها ليلا أو نهارا)، لأن هذه الصورة لا تليق بمكانة الزهراء في الواقع العام، ولا تنسجم مع عصمتها وعظمتها.
نقول: كلامه هنا يشتمل على نقاط:
1- إنّ الزهراء بشر، والبشر من طبعه البكاء عند فقد الأحبة:
ما المراد من هذا الكلام؟ هل أنّ الزهراء بُكاؤها كبُكاء البشر الآخرين على مختلف مستوياتهم، لمحض فقد الأحبة، وإن كان الحبيب بعيداً عن الله تعالى؟ أم أنّ العواطف عند الزهراء تقع في موازين الحق، وهي التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها؟نعم... هي المعصومة التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، ولذا يكون بُكاؤها مظهراً من مظاهر الحق والعدل،
1) تقدم الحديث في الهامش رقم 1 من الصفحة 51.
ولا يُقاس بأهل البيتعلیهم السلام أحد من الخلق، وكذلك بُكاء يوسفعلیه السلام وبكاء يعقوبعلیه السلام وبكاء مولانا زين العابدينعلیه السلام، ليس بكاؤهم يُقاس بالموازين البشرية العاديّة، وإلاّ لما كان هناك فرق بين المعصوم وغيره.
2- إنكار أن يتحول البكاء إلى حالة من الجزع أو ما يشبه الجزع:
لو سلمنا جدلاً - وفرض المحال ليس بمحال - أنّ الجزع هنا محرّم، فمن أين يُثبت لنا هذا المتفقّه العصري بأنّ ما يُشبه الجزع يكون محرّما حتّى ينكر الأمرين معاً؟!!!
على أنّ الجزع ليس مطلقاً محرّماً كما تقدّم، والحكم الشرعي يؤخذ من أفعالهم لأنّ فعلهمعلیهم السلام حجة، ولا يصحّ أن تحاكم أفعالهم بالشرع.
3- صورة أن يضجّ أهل المدينة من كثرة بكائها حتّى يشكوها إلى أمير المؤمنين، لا تليق بمكانة الزهراء في الواقع العام، ولا تنسجم مع عصمتها وعظمتها:
أقول: أمّا أنّ أهل المدينة يضجّون من كثرة بُكائها علیها السلام حتّى شكوها إلى أمير المؤمنينعلیه السلام، فلقد مضت الإجابة عليه في المقطع الثاني، وخلاصة ما قلناه هناك، أنّ الذي يتأذى هم
أعداء الزهراء علیها السلام الغاصبون أو المؤيدون لكلّ الجرائم التي اقترفتها الزمرة الحاكمة آنذاك، وبكاؤها له أهدافه؛ فعندما تبكي يجتمع بعض النسوة معها ويتناقلن الخبرفيكثر اجتماعهن ويتفاعلن معها، وهذا مما يؤذيهم من حيث تأثير ذلك على نسائهم، وهم المشاركون أو المتزعمون للفتن، كما أنّ منزل الزهراء علیها السلام بجانب المسجد، وقبر أبيها بجانبها فكلّ مَن يدخل المسجد أو يريد زيارة النبي صلی الله علیه و آله و سلم يسمع ذلك البكاء، فإذا كان من المنحرفين عن أهل البيتعلیهم السلام فإنّه يتأذى، لأنّ هذا البكاء يُجسّد أفعالهم النكراء، والمجرم لا يُحبّ أي شيء يفضح أفعاله بل يبتعد عن كلّ ما يُذكّره بجريمته، وإن كان من الوافدين إلى المدينة وبالخصوص في تلك الفترة التي هي عقب وفاة النبي صلی الله علیه و آله و سلم لا شكّ أنّهم يسألون عن مدفنه صلی الله علیه و آله و سلم ، فإذا ذهبوا هناك وجدوا الزهراء علیها السلام باكية، أو ذهبوا إلى المسجد الذي هو مركز الحكم والقضاء والاجتماعات العامّة، فإنّهم سيسمعون الزهراء علیها السلام باكية، وهذا مما يُظهر تلك الجرائم النكراء، التي اقترفتها الزمرة المتآمرة وأعوانهم.
فما الذي لا يليق بمكانة الزهراء في الواقع العام، ولا
ينسجم مع عصمتها وعظمتها؟ هل نصرة الحق، والمطالبة بالحق، وتزييف الباطل، وفضح المؤامرات لا يليق بالزهراء علیها السلام ؟!!! أم أنّ مكانة النبي صلی الله علیه و آله و سلم لا تستحق كلّ هذا البكاء والنحيب؟!!!
كيف والجزع مذموم شرعاً وعقلاً. يقول أمير المؤمنين لبعض أصحابه وقد فقد ولداً: (إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنتمأزور)(1)وقال أيضا وهو يلي غسل رسول الله وتجهيزه: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والإنباء، وأخبار السماء. ولولا أنك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لأنفذنا عليك ماء الشؤون)(2). وأما ما جاء في بعض النصوص، مثل ما روي عن أمير المؤمنين عندما وقف على قبر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ساعة دفنه أنه قال: (إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك، وإن
المصاب بك لجليل، وإنه قبلك وبعدك لجلل)(1)، فمحمول على شدة الحزن وعظيم الفاجعة والمصيبة، وإلا فحسن الصبر وقبح الجزع لا يقبلان الاستثناء والتخصيص كما أشرنا.
أقول نجيب عليه في نقاط:
1- هنا يتحدّث عن قبح الجزع وكأنّ بكاء الزهراء علیها السلام وصلت إلى ذلك الحد، وقد قلنا أنّه ليس كذلك، ولو تنزلنا وقلنا أنّه من الجزع فلقد بيّنا أنّه ليس كلّ جزع محرّم، ويكفي في رجحانه أنّ الزهراء علیها السلام قد فعلته.
2- جعل الجزع قبيحاً عقلا، في حين أن الجزع قد استثني منه موارد جائزة كما تقدّم منّا، ولو كان كله قبيحاً عقلاً لما صحّ الاستثناء منه.3- ما أورده من الروايتين عن أمير المؤمنينعلیه السلام مخاطباً النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فكل منهما مروي في نهج البلاغة(2)فلِمَ خرّج ما
رجّحه من نهج البلاغة، وما لم يرجّحه خرّجه من البحار؟
4- الروايتان المتعارضتان – ظاهراً - مرويتان في نهج البلاغة، فلم رجّح إحداهما على الأخرى بلا مرجّح؟
5- عبّر عن النص الأول بقوله: وقال أيضا، وهو يلي غسل رسول الله إلخ...، ولكنه بالنسبة للنص الثاني قال: وأما ما جاء في بعض النصوص، مثل ما روي عن أمير المؤمنينعلیه السلام....، فأرسل الأول إرسال المسلمات، والثاني بطريقة تحدث عنه بروي، تقليلا من شأن النص، بالنسبة للأوّل.
6- لماذا لا يكون وجه الجمع بين الروايتين بحمل الرواية الأولى على أنّ النهي عن الجزع والأمر بالصبر قد كُلّف به أمير المؤمنينعلیه السلام، والرواية الثانية ناظرة إلى الجزع وعدم الصبر في نفسهما، فالجزع وعدم الصبر في نفسهما فيهما اقتضاء القبح، وأمّا بالنسبة للحزن والبكاء على النبي صلی الله علیه و آله و سلم فهما حسنان، كما نقول إنّ في الكذب اقتضاء قبح، ولكن إذا كان
لحفظ النبي فهو حسن.
7- وأمّا دعواه أنّ حسن الصبر وقبح الجزع لا يقبلان التخصيص.
فهي دعوى ساقطة، مع وجود المخصصات كما تقدّم ذكر المخصصات، وقلنا أيضا أن قبح الجزع اقتضائي وليس على نحو العلّة، كقبح الكذب فإنّه اقتضائي وليس على نحو العلّة، وإذا كان البكاء الكثير من الجزع فليكن مخصّصاً ولذا ساغ فعل يعقوبعلیه السلام والإمام زين العابدينعلیه السلام وفاطمة الزهراء علیها السلام وغيرهم، ممن بكى حتّى عدّ من البكائين.
" إن هناك وصية خاصة من رسول الله لابنته فاطمة في هذا الخصوص، وهي ما رواه الصدوق بإسناده عن عمرو بن أبي المقدام، قال سمعت أبا الحسن وأبا جعفر (عليهما السلام) يقول في هذه الآية: {ولا يعصينك في معروف} {الممتحنة: 12}، قال: (إن رسول الله قال لفاطمة علیها السلام (إذا أنا مت فلا تخمشي عليّ وجهاً، ولا ترخي عليّ شعراً، ولا تنادي بالويل ولا تقيمي عليّ نائحةً) ثم قال: هذا المعروف الذي قال
الله عز وجل في كتابه: (ولا يعصينك في معروف)(1). ونستوحي من هذا الحديث التحفظ عما نسب إلى سيدتنا فاطمة الزهراء من الحزن الذي يقرب من الجزع، لأنهذه الوصية تدل على أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أراد لها أن تبتعد عن مظاهر الحزن الشديد ".
أقول: يرد عليه أمور:
1- لماذا لم يُبيّن ضعف الرواية؟ فعندما يجد الرواية التي يتوهم أنّها تؤيّد ميوله يذكرها وكأنّه لا كلام في سندها، وعندما يجد رواية صريحة على خلاف رأيه يُحاول أن يُسقطها عن الإعتبار من حيث السند فإذا لم يجد لذلك سبيلاً قال: إنّه لا يجد لها تفسيراً معقولاً. كالروايات الدالة على أنّ الخلق خلق لأجلهمعلیهم السلام.
2- ومع غض النظر عن سند الرواية لا وجه للإستدلال
1) معاني الأخبار للشيخ الصدوق، ص 39، منشورات جماعة المدرسين، قم، إيران.
بالرواية التي ذكرها، لأنّ الزهراء علیها السلام ، لم تخمش وجهاً، ولم ترخي شعراً، ولم تناد بالويل، ولم تقم عليه نايحة، نعم هي علیها السلام ناحت بنفسها على أبيها صلی الله علیه و آله و سلم ولكنّ النوح بالحق جائز، وأمّا النوح بالباطل فهو المحرّم وعليه تُحمل الرواية، ولأجل بيان أنّ الزهراء علیها السلام ناحت وانّ النوح بالحق جائز نورد لك ما ذكره صاحب الجواهر حول النوح فقال:
"ولعله من جواز البكاء يستفاد جواز النوح عليه أيضاً لملازمته له غالبا، مضافاً إلى الأخبار(1)المستفيضة حد الاستفاضة المعمول بها في المشهور بين أصحابنا، بل في المنتهى الإجماع على جوازه إذا كان بحق، كالإجماع علىحرمته إذا كان بباطل، وروي "أن فاطمة علیها السلام ناحت على أبيها، فقالت: يا أبتاه من ربه ما أدناه، يا أبتاه إلى جبرئيل أنعاه، يا أبتاه أجاب ربا دعاه" كما روي عن عليعلیه السلام "أنه أخذت قبضة من تراب قبر النبي صلی الله علیه و آله و سلم فوضعتها على عينها ثم قالت:
ماذا على من شمّ تربة أحمد*** أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا
صُبّت عليّ مصائب لو أنها*** صُبّت على الأيام صرن لياليا
1) الوسائل - الباب - 70 - من أبواب الدفن
وروي "أن أم سلمة ندبت ابن عمها المغيرة بين يدي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بعد أن استأذنت منه للمضي إلى أهله، لأنهم أقاموا مناحة وقالت:
أنعى الوليد بن الوليد*** أبا الوليد فتى العشيرة
حامي الحقيقة ماجدا*** يسمو إلى طلب الوتيرة
قد كان غيثا في السنين*** وجعفرا غدقا وميرة
فلم ينكر عليها" وعن الصادقعلیه السلام في الصحيح(1)أنه قال: "قال أبي: يا جعفر أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى" وقد يستفاد منه استحباب ذلك إذا كان المندوب ذا صفات تستحق النشر ليقتدى بها. وعن النبي صلی الله علیه و آله و سلم (2)" لما انصرف من وقعة أحد إلى المدينة سمع من كل دار قتل من أهلها قتيل نوحا، ولم يسمع من دار عمه حمزة، فقال صلی الله علیه و آله و سلم : لكن حمزة لا بواكي له،فآلى أهل المدينة أن لا ينوحوا على ميت ولا يبكوه حتى يبدأوا بحمزة
وينوحوا عليه ويبكوا، فهم إلى اليوم على ذلك" إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الصريحة في المطلوب، وهي وإن كانت هناك أخبار(1)في مقابلها تدل على خلافها، بل الشيخ وابن حمزة في المحكي عنه عملا بمضمونها من عدم الجواز، مدعيا الأول منهما الإجماع، لكنها مع ضعفها وعدم صراحتها محتملة للتقية، وللنوح بالباطل المشتمل على لطم الوجه والضرب وقول الهجر ونحو ذلك، كما يفهم من بعضها ويقتضيه قواعد الإطلاق والتقييد، بل يحتمل تنزيل كلامهما عليه أيضا، ويرشد إليه دعوى الإجماع منه، لما عرفت من أن ما نحن فيه مظنة الإجماع لا العكس، وبذلك يظهر أنه لا بأس بأجر النائحة نوحا محللا، كما دلت عليه بعض الأخبار وتقتضيه الأصول والقواعد".
ومن هنا أفتى فقهاؤنا الأبرار في رسائلهم العملية بجواز النوح الذي لا يشتمل على باطل فمن المعاصرين:
منهاج الصالحين - السيد الخوئي ج2 ص9:
(مسألة 29) يحرم النوح بالباطل، يعني الكذب، ولا بأس
1) الوسائل - الباب - 83 - من ابواب الدفن
بالنوح بالحق.
هداية العباد - السيد الگلپايگاني ج1 ص89:
(مسألة 435) يجوز البكاء على الميت، بل قد يستحبعند اشتداد الحزن والوجد، ولكن لا يقول ما يسخط الرب، وكذا يجوز النوح عليه بالنظم والنثر إذا لم يشتمل على الباطل من الكذب وسائر المحرمات، بل ولم يشتمل على الويل والثبور على الأحوط.
منهاج الصالحين - السيد محمد الروحاني ج2 ص10:
(مسألة 28) يحرم النوح بالباطل - يعني الكذب - ولا بأس بالنوح بالحق.
منهاج الصالحين - السيد علي السيستاني ج2 ص14:
(مسألة 32) يحرم النوح بالباطل، أي بما يكون كذبا ولا بأس بالنوح بالحق.
منهاج الصالحين - السيد محمد صادق الروحاني ج2 ص10:
(مسألة 29) يحرم النوح بالباطل، يعني الكذب، ولا بأس بالنوح بالحق، وأما كسب النائحة فالظاهر انه جائز إذا لم تشارط وقبلت ما أعطيت).
3- لقد تحفّظ عن دعوى حزن الزهراء علیها السلام الذي يقرب من الجزع، فتارة يذكر أنّ الحزن المذكور هو من الجزع، وتارة هو يقرب من الجزع، وقلنا أنّه ليس كلّ جزع محرّم، وعلى فرض حرمته جدلاً، فمن أين يُثبت أنّ ما يُقارب الجزع يكون محرّماً؟
4- استوحى من الرواية أنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم أراد للزهراء علیها السلام أن تبتعد عن مظاهر الحزن الشديد، فنقول إنّ الرواية نهت عن أمور محددة، والزهراء علیها السلام لم تفعلها، فما هذه الاستيحاءات البعيدة كلّ البعد عن مداليل الألفاظ وقواعد اللغة، وفهم العقلاء؟!
4 - إن الزهراء علیها السلام نفسها أمرت نساء بني هاشم اللاتي جئن يساعدنها عند وفاة أبيها صلی الله علیه و آله و سلم بأن يقتصرن على الدعاء، ففي الكافي بإسناده عن أبي عبد اللهعلیه السلام، عن أمير المؤمنين قال: (مروا أهاليكم بالقول الحسن عند موتاكم، فإن فاطمة علیها السلام لما قبض أبوها صلی الله علیه و آله و سلم أسعدتها بنات هاشم فقالت: اتركن
التعداد وعليكن بالدعاء)(1). ونستوحي من هذا الحديث أن الزهراء علیها السلام كانت متوازنة إبان وفاة أبيها، رغم فداحة المصيبة.
1- الرواية ضعيفة السند عنده فكيف يبني عليها؟ أم أنّ كلّ ما توهّم أنّه يُحقق غرضه يأتي به على أنّه من المسلّمات التي لا تقبل النقاش من حيث السند.
2- هذا استيحاء من استيحاءاته الكثيرة البعيدة عن واقع النص، فإنّ الرواية في أوّلها الأمر بالقول الحسن عند موت الشخص، فالإمامعلیه السلام يُطالب بالقول الحسن، فلا معنى لأن يستشهد بنهي الزهراء علیها السلام ، فلابدّ – بمقتضى القرينة في صدر الحديث – أنّ يكون نهي الزهراء علیها السلام عن القول الغير حسن، مثل النوح بالباطل، ولذا نهتهن فاطمة الزهراء علیها السلام ، وأمرتهن بالدعاء بدل أن يخضن في قول غير حسن.
وأما ما قد يقال: بأنها كانت تبكي إظهاراً: لمظلوميتها
1) الكافي، ج: 3 ص: 217، رواية: 6 ورواه الصدوق في الخصال ص 610 ح1.
ومظلومية زوجها، وتنبيهاً على غصب حقّ أمير المؤمنينعلیه السلام في الخلافة، وحزناً على المسلمين بعد انقلاب جملة منهم على أعقابهم، فيرد عليه:
أولا: إن إظهار ذلك لا ينحصر بالبكاء، بل يتحقق في خطبتها في المسجد، وفي أحاديثها الصريحة مع المسلمات والمسلمين، وفي حديثها مع أبي بكر وعمر اللذين تحدثت معهما عن غضبها عليهما من خلال غصبهما فدكا وغصبهما للخلافة(1).
وثانيا: إن الأحاديث الواردة في كلامها أو التي تحدثت عن بكائها استهدفت ذكرى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .
إننا نرى أن أهل البيتعلیهم السلام قمة في العطاء والصبر، وفي مقدمتهم السيدة الزهراء علیها السلام ، التي تمثل القدوة في الصبر حتى في طريقة بكائها، فهي تبكي بكاء الصابرين الرساليين الشاكين إلى الله سبحانه وتعالى.
نعم، إن بكاء علي بن الحسينعلیه السلام كان إظهارا لمظلومية أبيه الإمام الحسينعلیه السلام، لأن زين العابدينعلیه السلام كان يتحدث
1) عوالم الزهراء ص 445.
عن مظلومية أبيه، وهو يبكيه، لكي يتذكر الناس الواقعة ويدفعهم ذلك إلى الثورة على بني أمية.
أقول: هنا نقل القول بأنّ الزهراء علیها السلام كانت تبكي إظهاراً: لمظلوميتها ومظلومية زوجها، وتنبيها على غصب حقأمير المؤمنينعلیه السلام في الخلافة، وحزنا على المسلمين بعد انقلاب جملة منهم على أعقابهم.
ونحن نقول: ليس الأمر منحصراً بما ذكره، بل إنّ بُكائها أيضاً على فقد أبيها، فحصر البكاء فيما ذكره فقط، ليس صواباً، ولا دليل عليه بل الدليل على عدمه قائم.
كما أنّ بكاء الإمام زين العابدينعلیه السلام لا دليل على انحصاره فيما ذكر من السبب، فهناك الدواعي الأخرى التي يمكن أن تكون أسباباً، بل إنّ بُكاءهعلیه السلام وإن كان له ذلك الأثر الذي ذكره إلا أنّه لا يصح أن يكون سبباً للبكاء، فإنّ بكاء الشخص إذا لم يكن عن عاطفة حقيقيّة فإنّه يكون من التصنّع، والإمامعلیه السلام لم يكن ولا يعقل أن يكون متصنّعاً للبكاء.
وهذا بذاته ما نقوله في حق الزهراء علیها السلام فإنّ بُكاءها سببه
عاطفي وإن ترتب عليه الآثار الكثيرة والفوائد الجمّة.
وأمّا ما ردّ به على ذلك القول:
فجواب الأوّل: إذا كان إظهار ذلك لا ينحصر بالبكاء، فعلى هذا يمكن أن يكون بالبكاء وغيره، وهذا المقدار لا يردّ ذلك القول، لأنّها من حقّها أن تستخدم كلّ الأساليب التي تحقق هدفها سلام الله عليها، وبالخصوص الأسلوب الأشد تأثيراً وهو البكاء.
وجواب الثاني: أمّا حديثها أنّه كان مقتصراً على ذكرى أبيها فنقول:
1- عدم ذكر الشيء لا ينفيه، فإذا لم تذكره بلسانها فهل يعني ذلك أنّها لم تكن باكية من أجله أيضا؟ وهل يُفترضبأي إنسان أن يُبيّن كل دوافع فعله؟ فلم لا يكون بكاؤها أيضاً على أمير المؤمنين وضياع حقّه، وعلى المؤمنين وضياعهم بحرمانهم من أئمتهم، بسبب تلك الفعال؟ أو غير ذلك مما لا نعلم... ثُمَّ الرواية لم تدلّ على الحصر بل قد يكون ذكرت أمورا أخرى لم تُنقل إلينا.
2- إن الزهراء علیها السلام كثيراً ما تستنجد وتنادي أباها، وتلهج باسمه في أشد الحالات، وفي أحلك الظروف التي تواجهها،
لأنّ كلّ ما جرى عليها وعلى بعلها وعلى جميع المؤمنين إنّما يستهدف أولاً وبالذات رسالة النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم فكانت في الأزمات الشداد تنادي أباها، ولا تنادي علياً، لأنّه علیه السلام لم يكن مقبولاً عندهم.
ولذا نقول إنّها حينما تذكر أباها صلی الله علیه و آله و سلم في الفجائع والمصائب التي جرت عليها، لا يعني ذلك أبداً أنّ بُكائها كان على أبيها فقط، فحين وجأ عمر جنبيها نادت: وا أبتاه. وحين ضرب ذراعها نادت: (يا رسول الله لبئس ما خلفك به الخ.. وفي نص آخر صاحت: يا أبتاه.. وحين دخلوا عليها بغير إذن، وما عليها خمار نادت بنفس هذا النداء..)(1). وحين ضربها على خدها حتى بدا قرطاها تحت خمارها وهي تجهر بالبكاء وتقول: (وا أبتاه، وا رسول الله، ابنتك تُكذّب وتُضْرَب، ويقتل جنين في بطنها)(2). وعن النبي صلی الله علیه و آله و سلم : (كأني بفاطمة بنتي، وقد ظلمت بعدي، وهي تنادي يا أبتاه، فلا يعينها أحد من
أمتي)(1). وأنشدت مخاطبة أباها:
قد كان بعدك أنباء وهنبثة*** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها*** واختل قومك لمّا غبتَ وانقلبوا(2)
وأنشدت أيضا:
ضاقت عليّ بلاد بعدما رحبت*** وسيم سبطاك خسفا فيه لي نصب(3)
3- من قال لك أنّها لم تذكر غير أبيها صلی الله علیه و آله و سلم ، فهذه خطبتها في المسجد تطالب بحقها فيها، وهي أشهر من أن تُذكر، وحديثها مع نساء المهاجرين والأنصار في بيان حق أمير المؤمنينعلیه السلام - كما ذكر ضمن كلامه السابق -، وذهابها إلى أحياء المهاجرين والأنصار مطالبة بحق بعلهاعلیه السلام، وغير ذلك من المواقف والأقوال التي صرّحت الزهراء علیها السلام من خلالها بمصائبها المتنوعة الكثيرة.
4- إنّ بُكاءها على أبيها بكاء على فقده، وبفقده فقدت قيم كثيرة، وظهر ظلم فظيع، فبموت النبي صلی الله علیه و آله و سلم جرى ما جرى من عظائم الاعتداء على بضعته الزهراء علیها السلام ، وجرت الدواهي على أخيه وابن عمه أمير المؤمنينعلیه السلام، وغيّروا وبدّلوا في دين الله عزّ وجل بما تهوى أنفسهم، وما يخدم مصالحهم.وأمّا قوله: "إننا نرى أن أهل البيتعلیهم السلام قمة في العطاء والصبر، وفي مقدمتهم السيدة الزهراء علیها السلام ، التي تمثل القدوة في الصبر حتى في طريقة بكائها، فهي تبكي بكاء الصابرين الرساليين الشاكين إلى الله سبحانه وتعالى".
فنحن لا نقول غير ذلك، ولكنّك تعتبر أنّ بكائها علیها السلام خارج عن هذا الإطار، ونحن نقول لك بل هو داخل فيه، ومشرّع له، ومؤسس لضوابطه.
وما المانع من أن تكون الزهراء علیها السلام أيضا كابنها زين العابدينعلیه السلام أرادت هدفاً من بُكائها زيادة على الأمر الأسمى والأعلى وهو النبي صلی الله علیه و آله و سلم ؟! الذي بذهابه تهدّم صرح الإيمان وسقطت المُثل والقيم.
الحزن الرسالي:
ومحصل ما نريد قوله: إن الزهراء علیها السلام لم تعرف الفرح في الفترة القصيرة التي قضتها بعد وفاة أبيها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم (1). لكن حزنها كان حزناً إسلاميّاً.. لم يكن جزعاً ولا ابتعاداً عن خط التوازن. والرواية التي يمكن الوثوق بها في هذا المقام هي التي تقول: إنها كانت تخرج في الأسبوع مرة أو مرتين إلى قبر النبي صلی الله علیه و آله و سلم وتأخذ معها ولديها الحسن والحسين صلی الله علیه و آله و سلم ، وتبكيه هناك، وتتذكر كيف كان يخطب هنا، وكيف كان يصلي هناك، وكيف كان يعظ الناسهنالك(2). وأرادت بذلك أن تعيد للأمة الغارقة في متاهات الدنيا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في معناه الرسالي، ولذا لم تتحدث عنه صلی الله علیه و آله و سلم في ما نقل في الروايات الموثوقة حديثاً عاطفيّاً شخصيّاً لأنها كانت الرسالة مجسدة ".
أقول: نعم إنّ الزهراء علیها السلام لم تعرف السرور في الفترة
القصيرة التي قضتها بعد وفاة أبيها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، ولقد كان حزنها حزناً ينسجم مع تعاليم الإسلام، بل هي الرائدة في مثل هذا التشريع، وهي المعيار والميزان لخط التوازن، ولكن ليس بالمفهوم الذي يراه الضلال، وإنّما بالمفهوم الذي عليه الطائفة الحقة.
والرواية التي تقدّمت في المقطع الأوّل عرفنا مدى دلالتها، ولم تدلّ على البكاء، وإنّ دلّ غيرها على البكاء، وأمّا أنّها كانت تتذكّر عند قبر النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنّه كان يخطب هنا، ويصلّي ويعظ الناس هناك، فهذا مما لا دلالة للرواية عليه، وما هذا إلاّ من استيحاءات خياله ووهمه.
وأيضاً الرواية ذكرت مرتين في كلّ أسبوع ولم يُذكر فيها الترديد بين اليوم واليومين، كما لا يوجد ذكر للحسنين صلی الله علیه و آله و سلم في الرواية، فكلّ ذلك من استيحاءاته، وليس من الرواية.
وإذا كانت أرادت أن تعيد للأمّة الغارقة في متاهات الدنيا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في معناه الرسالي، فهو اعتراف وتراجع عن كلامه السابق من إصراره على أنّها فقط بكت علىأبيها، دون أن يكون وراء هذا البكاء أي هدف سوى البكاء على الأب الفقيد، كأي بنت محبّة لأبيها فقدت الأب الحنون المرتبطة به.
ودعوى أنّ الزهراء علیها السلام لم تتحدّث عن أبيها صلی الله علیه و آله و سلم حديثاً عاطفيّاً، فالرواية الصحيحة التي ذكرها حجة عليه، وإلاّ فما معنى قولها علیها السلام : ههنا كان رسول الله، وههنا كان المشركون، أليس هذا من حديث العاطفة؟ ولكنّها العاطفة التي لا تعرف إلاّ الحق والنور والهدى والصلاح والفلاح، لا العاطفة التي تسير خلاف رضا الرب سبحانه وتعالى.
كيف لا!!! وهي التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها.
هذا آخر ما أردنا مناقشة الضلال فيه، وإن كانت كلماته كثيرة جدّا مبثوثة في كتبه والأشرطة المسجّلة بصوته، إلاّ أننا اقتصرنا على ما ذكره في كتابه الزهراء القدوة ص72 – 79.
والحمد لله ربّ العالمين، وهو خير هادٍ ومعين.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
إنّ النبي محمداً صلی الله علیه و آله و سلم يُحبّ ابنته فاطمة الزهراء علیها السلام حبّاً عظيماً، ويجلّها إجلالاً كبيراً، وكيف لا يحبّها ويجلّها، وقد جعلها الله سبحانه وتعالى سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، وكان يُعاملها كالأمّ في الاحترام والتقدير والمحبّة، ومن هنا صحّ تكنيتها بأم أبيها، فإنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم كان يُعاملها ويحبّها كالأم.
ومما يؤيّد هذا المعنى
ما في كشف الغمة في فضل فاطمة علیها السلام : كان النبي صلی الله علیه و آله و سلم
يعظم شأنها، ويرفع مكانها، وكان يكنيها بأم أبيها، ويحلّها من محبته محلاً لا يقاربها فيه أحد ولا يوازيها(1).
فيظهر منه أنّ سبب التسمية هو حبّ الرسول صلی الله علیه و آله و سلم لها علیها السلام .
قال الشيخ الواعظ محمد باقر الكجوري في كتابه الخصائص الفاطمية ص131:أتذكّر إنّي حضرتُ يوماً بين جماعة من الفقهاء والمجتهدين وكان المرحوم الفقيه الفريد والمجتهد الوحيد الحاج ملاّ ميرزا محمد الأندرماني & حاضراً فسألني عن معنى هذه الكُنية الشريفة، وطلب منّي جواباً يصحّ عليه السكوت، فانبرى له المرحوم المغفور فحل المحققين الحاج الآغا محمد نجل المرحوم ساكن الرضوان الآغا محمود الكرمانشاهاني عليهما المغفرة والرضوان، وأجابه ببيان ظريف، فاستحسنه السائل وأذعن لجوابه المليح، واستفدت منه استفادة جمّة، وسوف لن أنسى حظي الوافر الذي نلته في ذلك المحضر الشريف.
قال: إنّ من الشائع على الألسن أن يُخاطب الأب ابنه في
1) كشف الغمة ج1 ص462
مقام النصيحة بلغة الرأفة والترحم، فيقول له: أبي العزيز... بابا... أبتا، ويُخاطب ابنته فيقول لها: أمّي العزيزة... أمّاه... ماما، وهذا النمط من الاستعمال شائع بين العرب والعجم، من قبيل أخي.. أخي.. يا أخاه ونظائرها، وهذا النوع من العبارات والاستعمالات تُعبّر عن فرط المودة والمحبّة والشفقة والمبالغة في التعبير عن ذلك في مقام التخاطب بين الأب وأبنائه.
فيكون الاستعمال في أم أبيها استعمالاً مجازيّاً لا حقيقيّا، وهو عبارة عن أسلوب للتعبير المتداول بين الآباء والأبناء للإعراب عن المحبّة والعطف، وبذلك أراد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يُخاطب ابنته العزيزة فاطمة الزهراء علیها السلام ، كأنّه قال يا أمّي ليحكي عن شدّة حبّه لابنته ويشهد له قوله في الحديث:(يحبّها ويكنّيها بأم أبيها).
وقال في اللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص122:أن النكتة في هذه التكنية إنما هي محض إظهار المحبة، فإن الإنسان إذا أحب ولده أو غيره وأراد أن يظهر في حقه غاية المحبة، قال: يا أماه في
خطاب المؤنث، ويا أباه في خطاب المذكر، تنزيلا لهما بمنزلة الأم والأب في المحبة والحرمة، على ما هو معروف في العرف والعادة.
وفي الأسرار الفاطمية للشيخ محمد فاضل المسعودي ص271 قال:
إن التدقيق في حياة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم مع ابنته فاطمة علیها السلام يجعلنا نفهم معنى أم أبيها حيث أن الزهراء علیها السلام كانت تقوم بمداراة أبيها رسول الله ورعايته أفضل ما تكون المراعاة بالنسبة لأم لولدها وفي قبال ذلك كان الرسول يحترمها كما يحترم الولد أمه.
وقال في فاطمة الزهراء علیها السلام بهجة قلب المصطفى لأحمد الرحماني الهمداني ج1 ص204(1):
ولعل وجه تكنيتها بأم أبيها هو أنَّه صلی الله علیه و آله و سلم يعاملها علیها السلام معاملة الولد أمه، وانها تعامله معاملة الأم ولدها كما أن التاريخ يؤيد ذلك والأخبار تعضده، ففي الأخبار الكثيرة أنه صلی الله علیه و آله و سلم يقبل يدها ويخصها بالزيارة عند كل عودة منه إلى المدينة المشرفة ويودعها منطلقا عنها في كل أسفاره ورحلاته.
1) عنه الأسرار الفاطمية للشيخ محمد فاضل المسعودي ص273.
وفي الروض النضير للشيخ فارس حسون كريم ص394:
(وتكبر فاطمة وتشب، ويشب معها حب أبيها لها، ويزداد حنانه عليها، فيسميها " أم أبيها ").
أقول: لابدّ لنا هنا أن نُبيّن شيئاً من مظاهر الحب والتقدير والإجلال الذي كان النبي صلی الله علیه و آله و سلم يُمارسه في حق فاطمة الزهراء علیها السلام حيث كان يُعاملها كأمّه احتراماً وتقديراً ومحبّة.
ففاطمة علیها السلام أعزّ الناس إليه صلی الله علیه و آله و سلم وأحبهم من النساء إليه، بضعة منه، من سرّها فقد سرّه، ومن أساء إليها فقد أساء إليه، يكثر من تقبيلها ويشمّ منها رائحة شجرة طوبى، إذا أراد سفراً كان آخر الناس عهداً بفاطمة، وإذا قدم كان أول الناس عهداً بفاطمة:
ففي تفسير علي بن إبراهيم القمي بسنده عن أبي عبد اللهعلیه السلام قال: كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يكثر تقبيل فاطمة علیها السلام فأنكرت ذلك عائشة، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : يا عائشة إني لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة، فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى، وناولني من ثمارها، فأكلته فحول الله ذلك ماءاً في ظهري، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة، فحملت
بفاطمة، فما قبلتها قط إلا وجدت رائحة شجرة طوبى منها(1).
وفي مجالس الشيخ المفيد، وأمالي الشيخ الطوسي عن المفيد بسنده عن سعد بن مالك يعني ابن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول: فاطمة بضعة مني من سرها فقدسرني ومن ساءها فقد ساءني فاطمة أعز الناس علي(2).
وفي أمالي الشيخ الطوسي، بسنده عن جميع بن عمير قال: قالت عمتي لعائشة وأنا أسمع: لله أنت مسيرك إلى عليعلیه السلام ما كان؟
قالت: دعينا منك إنه ما كان من الرجال أحب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من عليعلیه السلام ولا من النساء أحب إليه من فاطمة علیها السلام (3).
وفي أمالي الشيخ الطوسي بسنده(4)عن عائشة قالت: ما
رأيت من الناس أحدا أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من فاطمة كانت إذا دخلت عليه رحّب بها وقبّل يديها وأجلسها في مجلسه فإذا دخل عليها قامت إليه فرحبت به وقبلت يديه، ودخلت عليه في مرضه فسارّها فبكت ثم سارّها فضحكت فقلت: كنت أرى لهذه فضلا على النساء فإذا هي امرأة من النساء، بينما هي تبكي إذ ضحكت، فسألتها فقالت: إذاً إني لَبَذِرَةٌ(1)، فلما توفي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم سألتها فقالت: إنه أخبرني أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني أولأهله لحوقا به فضحكت(2).
وحدّث أبو السعادات في فضائل العشرة وابن المؤذن في الأربعين بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس، وعن أبي ثعلبة الخشني، وعن نافع، عن ابن عمر قالوا: كان النبي صلی الله علیه و آله و سلم إذا أراد
سفرا كان آخر الناس عهدا بفاطمة، وإذا قدم كان أول الناس عهدا بفاطمة، ولو لم يكن لها عند الله تعالى فضل عظيم لم يكن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يفعل معها ذلك، إذ كانت ولده وقد أمر الله بتعظيم الولد للوالد، ولا يجوز أن يفعل معها ذلك وهو بضد ما أمر به أمته عن الله تعالى(1).
ويبقى سؤال وهو:
لماذا لم ندرج المعنى الثاني في المعنى الأوّل كما صنع البعض؟
وفي الجواب على هذا السؤال أقول: أردت أن يأخذ كلٌّ مِن محبّة وتقدير النبي صلی الله علیه و آله و سلم للزهراء علیها السلام ، ومحبّة وتقدير الزهراء علیها السلام للنبي حيّزاً مستقلاً يُعاش كشيء مستقل، وليس هذا مجرّد تبادل عواطف بمقدار ما هو أمر قائم بذاته، فحبّ الزهراء علیها السلام للنبي صلی الله علیه و آله و سلم لم يكن أجراً وعوضاً عن حبّ النبي لها، بل كان حبّ الزهراء للنبي صلی الله علیه و آله و سلم لذاته، كما كان حبّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم لذاتها صلوات الله وسلامه عليها، وكلا الحبين والتقديرين يتناغمان وينسجمان ليمثّلا الحبّ في الله تعالى
1) بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 43 ص 40.
لأهله.
كما أنّ كلّ واحد من الحبّين يصلح أن يكون سببا مستقلاً فلماذا ندمجهما ونجعل كل واحد منهما جزء سبب.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
في الصحاح للجوهري: أُمُّ الشيء: أصله.
آدم (على نبينا وآله وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة والسلام) أبٌ لجميع البشر في عالم الشهود، فإنّ جميع البشر من حيث النسل والوجود في دار الدنيا يرجعون إلى آدمعلیه السلام أبناءً، فآدم أبو الزهراء علیها السلام .
والزهراء علیها السلام أمّ لأبيها آدم لأنّها أصله في عالم الخلق، حيث أنّهعلیه السلام لولاها لما خُلق، فهي علیها السلام وأبوها وبعلها وبنوها علّة غائيّة في خلق آدمعلیه السلام، كما يستفاد ذلك من بعض الروايات - وسيأتي بحثه في المعنى الرابع- ومنها:
ما في الفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي ص126(1):ما رواه سلمان، والمقداد بن الأسود الكندي، وعمار بن ياسر العنسي، وأبو ذر الغفاري، وحذيفة بن اليمان، وأبو الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، رضي الله عنهم أنهم دخلوا على النبي صلی الله علیه و آله و سلم فجلسوا بين يديه، والحزن ظاهر في وجوههم.
فقالوا: نفديك يا رسول الله بأموالنا وأولادنا وأنفسنا وبالآباء والأمهات، إنا نسمع في أخيك علي بن أبي
1) في روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص82: روي عن مجاهد عن أبى عمر: وأبى سعيد الخدري قالا: كنا جلوسا عند رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، إذ دخل سلمان الفارسي... إلى آخر الحديث. وفيه اختلاف يسير. وعنه- حلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ج 2 ص 55. ونفلها في مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج 1 ص 51. وفي بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 53 ص 19، عن كتاب الروضة وروضة الواعظين. ونقله في شرح إحقاق الحق ج 5 للسيد المرعشي ص 9 عن العلامة المحدث العارف الشيخ جمال الدين محمد بن أحمد الحنفي الموصلي الشهير بابن حسنويه المتوفى سنة 680 في كتابه " در بحر المناقب " (ص 265 مخطوط).
طالبعلیه السلام ما يحزننا، أتأذن لنا بالرد عليه.
فقال صلی الله علیه و آله و سلم : وما عساهم أن يقولوا في أخي؟
فقالوا: يا رسول الله، يقولون: أي فضل لعلي بن أبي طالب في سبقه الإسلام، وإنما أدركه طفلاً، ونحو ذلك، فهذا يحزننا.
فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلم : هذا يحزنكم؟ قالوا: نعم يا رسول الله.
... إلى أن قال صلی الله علیه و آله و سلم :... (وقد علمتم جميعاً أني أفضل الأنبياء، قد خُلقت أنا وعلي من نور واحد، وأن نورنا كان يُسمع تسبيحه من أصلاب آبائنا، وبطون أمهاتنا، في كل عصر وزمن، إلى عبد المطلب، فكان نورنا يظهر في آبائنا، فلما وصل إلى عبد المطلب انقسم النور نصفين، نصفاً إلى عبد الله، ونصفاً إلى أبي طالب عمّي، وإنهما كانا جالسين في ملأ من الناس يتلألأ نورنا في وجهيهمامن دونهم، حتى أن السباع والهوام كانت تسلّم عليهما لأجل نورنا، حتى خرجنا إلى دار الدنيا.
وقد نزل عليّ جبرئيل عند ولادة ابن عمي وقال: يا محمد ربّك يقرئك السّلام، ويقول لك الآن ظهرت نبوتك، وإعلان وحيك، وكشف رسالتك، إذ أيدك الله تعالى بأخيك وخليفتك ووزيرك من بعدك، والذي أشدد به أرزك، وأعلن
به ذكرك، عليّ أخيك وابن عمك، فقم إليه واستقبله بيدك اليمنى، فانه من أصحاب اليمين، وشيعته الغر المحجلون.
قال: فقمت فوجدت أمي بعد أمي بين النساء، والقوابل من حولها، وإذا بحجاب قد ضربه جبرئيل بيني وبين النساء، فإذا هي قد وضعته فاستقبلته.
قال: ففعلت ما أمرني به جبرئيل، ومددت يدي اليمنى نحو أمّه، فإذا بعلي قد اقبل على يدي، واضعاً يده اليمنى في أذنه يؤذن ويقيم بالحنفية، ويشهد بالوحدانية لله وبرسالتي، ثم انثنى إليّ وقال: السلام عليك يا رسول الله.
فقلت له: اقرأ يا أخي، فوالذي نفسي بيده، قد ابتدأ بالصحف التي أنزلها الله تعالى على آدم، فقام بها شيث فتلاها من أولها إلى آخرها حتى لو حضر آدم لأقر له انه أحفظ لها منه، ثم تلا صحف نوح، ثم صحف إبراهيم، ثم تلا التوراة حتى لو حضر موسى لشهد له انه احفظ لها، ثم قرأ الإنجيل حتى لو حضر عيسى لأقر له انه احفظ لها منه، ثم قرأ القرآن الذي أنزل الله عليّ من أوله إلى آخره.
ثم خاطبني وخاطبني وخاطبته بما يخاطب به الأنبياء، ثم عاد إلى طفوليته، وهكذا أحد عشر إماماً من نسله، يفعل في
ولادته مثل ما فعل الأنبياءعلیهم السلام.
فما يحزنكم! وما عليكم من قول أهل الشرك بالله تعالى، هل تعلمون أني أفضل الأنبياء؟ وأنّ وصيي أفضل الأوصياء. وإن أبي آدم لما رأى اسمي واسم أخي وأسماء فاطمة والحسن والحسين مكتوبات على ساق العرش بالنور.
فقال: إلهي هل خلقت خلقا قبلي هو أكرم عليك مني؟
فقال: فقال الله تعالى: يا آدم لولا هذه الأسماء لما خلقت سماءاً مبنية، ولا أرضاً مدحيّةً، ولا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، ولولاهم لما خلقتك.
فقال: إلهي وسيدي فبحقهم عليك إلا غفرت لي خطيئتي.
ونحن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فقال: ابشر يا آدم، فان هذه الأسماء من ولدك وذريتك.
فعند ذلك حمد الله تعالى آدمعلیه السلام، وافتخر على الملائكة انه لم يُعطِ نبيا شيئا من الفضل إلا أعطاه لنا.
فقام سلمان وأبو ذر ومن معهما، وهم يقولون: نحن الفائزون.
فقال صلی الله علیه و آله و سلم : أنتم الفائزون، ولكم خلقت الجنة، ولعدوكم
خلقت النار.
وممن ذكر هذا الوجه التبريزي الأنصاري في اللمعة البيضاء ص125:
"ولو جعل المراد كونها أمّ آدمعلیه السلام فالوجه ظاهر".
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
لقد تقدّم في المعنى السابق أنّ الزهراء علیها السلام أم أبيها آدمعلیه السلام في عالم الخلق، لأنّها أصله وعلته الغائيّة، ودلّت الروايات على ذلك، وبما أنّ النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم ابن لآدم في عالم الشهود، لأنّه من نسله وصلبه، فيكون آدمعلیه السلام أبا للنبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم ، فتكون الزهراء علیها السلام أم أبي أبيها، فتكون أمّاً للنبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم بالواسطة، لأنّ أم الأب أمٌّ.
وبهذا المعنى تكون أمّا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعلیه السلام أيضاً، وأمّاً لجميع البشر بمن فيهم الأنبياء
والمرسلين، لأنّها علیها السلام كما قلنا هي أصل لوجود آدمعلیه السلام فتكون أمّا لآدمعلیه السلام، وآدم أبو البشر من ناحية النسل، فهي علیها السلام أم أبي البشر، فتكون أمّا لجميع البشر، لأنّ أم الأب هي أم.
وعليه وُجّه البيت المنسوب لأمير المؤمنينعلیه السلام(1):
ولدت أمي أباها إن ذا من عجبات
.
وأبي طفل صغير في حجور المرضعات
.هكذا نُقل وفيه ما فيه.
ومعنى البيت على هذا الوجه – كما قيل-:
ولدت أمي (الزهراء علیها السلام ) أباها (النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم ) وهذا من العجب، فهي أم أبيها في الوقت الذي كان أبي (أبو طالبعلیه السلام) طفل صغير في حجور المرضعات، ولا يمنع ذلك من كونها أم أبيها قبل ولادة أبي طالب، وإنّما هذا البيت يكون وارداً مورد بيان أنّ والده لم يتزوّج ولم ينجبه وأمّه أم أبيها، فتكون أمّه أم أبيها قبل ولادتهعلیه السلام وقبل ولادة أبيها. ولا شكّ أنّ هذا المعنى معنى مجازي. كما يحتمل محامل أخرى.
وممن ذكر هذا الوجه التبريزي الأنصاري في اللمعة البيضاء ص125:
1) التبريزي الأنصاري في اللمعة البيضاء ص125.
"لكن يمكن أن يراد أنها أم لآدم من حيث خلقة آدمعلیه السلام وكذا حواء من نورها، كما أشير إليه سابقا من جهة فيضان الفيوض الإلهية إليهما بوساطتها، وقد تولد منهما أبوها وزوجها، وهي تكون أم أبيها وزوجها أيضا بالواسطة".
رائد الفتنة والضلال لا يتعقّل ولا يتصوّر ولا يجد داعياً ومبرراً في أن يكون الكون خلق من أجلهم صلوات الله وسلامه عليهم، وقبل نقل كلامه علينا أن نستعرض بعض ما دلّ على ذلك فنقول:
1- الحديث الذي أوردناه في المعنى السابق المروي في الفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي ص126:ما رواه سلمان، والمقداد بن الأسود الكندي، وعمار بن ياسر العنسي، وأبو ذر الغفاري، وحذيفة بن اليمان، وأبو الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، رضي الله عنهم أنهم دخلوا على النبي صلی الله علیه و آله و سلم فجلسوا بين يديه، والحزن ظاهر في وجوههم.
فقالوا: نفديك يا رسول الله بأموالنا وأولادنا وأنفسنا
وبالآباء والأمهات، إنا نسمع في أخيك علي بن أبي طالبعلیه السلام ما يحزننا، أتأذن لنا بالرد عليه.
فقال صلی الله علیه و آله و سلم : وما عساهم أن يقولوا في أخي؟... إلى أن يقول: وإن أبي آدم لما رأى اسمي واسم أخي وأسماء فاطمة والحسن والحسين مكتوبات على ساق العرش بالنور.
فقال: إلهي هل خلقت خلقا قبلي هو أكرم عليك مني؟
فقال: فقال الله تعالى: يا آدم لولا هذه الأسماء لما خلقت سماء مبنية، ولا أرضا مدحيّة، ولا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، ولولاهم لما خلقتك.
2- الجواهر السنية للحر العاملي ص267:
روى الشيخ رجب الحافظ البرسي، في كتابه الموسوم بمشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنينعلیه السلام:
قال: وروى وهب بن منبه قال: إن موسى ليلة الخطاب وجد كل شجرة ومدرة في الطور ناطقة بذكر محمد ونقبائه.
فقال: رب إني لم أر شيئاً مما خلقت إلا وهو ناطق بذكر محمد ونقبائه.فقال الله: يا ابن عمران إني خلقتهم قبل الأنوار، وجعلتهم
خزانة الأسرار، يشاهدون أنوار ملكوتي، وجعلتهم خزانة حكمتي، ومعدن رحمتي، ولسان سري وكلمتي، خلقت الدنيا لأجلهم والآخرة.
فقال موسى: رب فاجعلني من أمة محمد.
فقال: يا ابن عمران إذا عرفت فضل محمد وأوصيائه، وعرفت حقهم، وآمنت بهم فأنت من أمته.
قال: وإن الله يقول: عبادي من كانت له إليكم حاجة فسألكم بمن تحبون أجبتم دعاءه، ألا فاعلموا أنّ أحبّ عبادي إليّ وأكرمهم لديّ محمد وعلي حبيبيّ ووليي، فمن كانت له إلي حاجة فليتوسل إليّ بهم، فإنّي لا أردّ سؤال سائل سألني بهما وبالطيبين من عترتهما، فمن سألني بهم فإنّي لا أردّ دعاءه، وكيف أردّ دعاء من سألني بحبيبي وصفوتي ووليي وحجتي وروحي ونوري وآيتي وبابي ورحمتي ووجهي ونعمتي، ألا واني خلقتهم من نور عظمتي وجعلتهم أهل كرامتي وولايتي، فمن سألني بهم عارفاً بحقهم ومقامهم وجبت له مني الإجابة، وكان ذلك حقا علي.
3- حديث الكساء(1):في شرح إحقاق الحق ج2 للسيد المرعشي ص554:
بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ عبد الله البحراني صاحب العوالم، رأيت بخط الشيخ الجليل السيد هاشم البحراني، عن شيخه الجليل السيد ماجد البحراني، عن الشيخ الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني، عن شيخه المقدس الأردبيلي، عن شيخه ابن عبد العالي الكركي، عن الشيخ علي بن هلال الجزائري، عن الشيخ أحمد بن فهد الحلي، عن الشيخ علي بن الخازن الحائري، عن الشيخ ضياء الدين علي بن الشهيد الأول، عن أبيه، عن فخر المحققين، عن شيخه ووالده العلامة الحلي، عن شيخه المحقق ابن نما الحلي، عن شيخه محمد بن إدريس الحلي، عن ابن حمزة الطوسي صاحب ثاقب المناقب، عن الشيخ الجليل محمد بن شهرآشوب، عن الطبرسي صاحب الاحتجاج، عن شيخه الجليل الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي، عن أبيه شيخ
1) منتخب الطريحي ص63 والأسرار الفاطمية للشيخ محمد فاضل المسعودي ص183.
الطائفة الحقة، عن شيخه المفيد، عن شيخه ابن قولويه القمي، عن شيخه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن قاسم بن يحيى الجلاء الكوفي، عن أبي نصر، عن أبان بن تغلب، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، رحمة الله عليهم أجمعين أنه قال:
بسم الله الرحمن الرحيم، سمعتُ فاطمة الزهراء عليها سلام الله [بنت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ](1)أنها قالت: دخل عَلَيّ أبيرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في بعض الأيام.
فقال: السلام عليك يا فاطمة. فقلتُ: وعليكَ السلام يا أبتاه.
فقال: إني لأجد في بدني ضعفاً. فقلتُ له: أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف.
فقال: يا فاطمة، ائتيني بالكساء اليماني وغطيني به.
فأتيته وغطيته به، وصرت أنظر إليه فإذا يتلألأ كأنه البدر في ليلة تمامه وكماله، فما كانت إلا ساعة وإذا بولدي
1) ما بين المعكوفتين خ ل.
الحسنعلیه السلام قد أقبل.
فقال: السلام عليكِ يا أماه. فقلتُ: وعليك السلام يا قُرةَ عيني وثمرةَ فؤادي.
فقال لي: يا أماه إني أشم عندك رائحة طيبة، كأنها رائحة جدي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم . فقلتُ: نعم يا ولدي إن جدك تحت الكساء.
فأقبل الحسنُعلیه السلام نحوَ الكساء. وقال: السلام عليك يا جداه يا رسول الله، أتأذن لي أن أدخل معك. فقال: وعليك السلام يا ولدي، وصاحبَ حوضي، قد أذنت لك. فدخل معه تحت الكساء، فما كانت إلا ساعة، فإذا بولدي الحسينعلیه السلام قد أقبل، وقال: السلام عليك يا أماه. فقلت: وعليك السلام يا قرة عيني، وثمرة فؤادي. فقال لي: يا أماه إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة جدي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم . فقلت: نعم يا بني إن جدك وأخاك تحت الكساء.
فدنى الحسينعلیه السلام نحو الكساء وقال: السلام عليك يا جداه،السلام عليك يا من اختاره الله، أتأذن لي أن أكون معكما تحت هذا الكساء؟
فقال: وعليك السلام يا ولدي، ويا شافع أمتي، قد أذنت لك.
فدخل معهما تحت الكساء، فأقبل عند ذلك أبو الحسن علي بن أبي طالب.
وقال: السلام عليك يا فاطمة يا بنت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم . فقلت: وعليك السلام يا أبا الحسن ويا أمير المؤمنين. فقال: يا فاطمة إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة أخي وابن عمي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .
فقلت: نعم ها هو مع ولديك تحت الكساء، فأقبل عليٌ نحو الكساء. وقال: السلام عليك يا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء؟
فقال له: وعليك السلام يا أخي وخليفتي وصاحب لوائي في المحشر، نعم قد أذنت لك. فدخل عليٌّ تحت الكساء. ثم أتيت نحو الكساء وقلت: السلام عليك يا أبتاه يا رسول الله، أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء؟
قال لي: وعليك السلام يا بنتي ويا بضعتي قد أذنت لك.
فدخلت معهم، فلما اكتملنا واجتمعنا جميعا تحت الكساء،
أخذ أبي رسول الله بطرفي الكساء وأومى بيده اليمنى إلى السماء. وقال: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي وحامّتي، لحمهم لحمي، ودمهم دمي، يؤلمني ما يؤلمهم،ويحزنني ما يحزنهم، وأنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وعدو لمن عاداهم، ومحب لمن أحبهم، وإنهم مني وأنا منهم، فاجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك وغفرانك ورضوانك علي وعليهم، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
فقال عز وجل: يا ملائكتي ويا سكان سماواتي إني ما خلقت سماءاً مبنية، ولا أرضا مدحيّة، ولا قمرا منيرا، ولا شمسا مضيئة، ولا فلكا يدور، ولا بحرا يجري، ولا فلكا تسري، إلا لمحبة هؤلاء الخمسة، الذين هم تحت الكساء.
فقال الأمين جبرئيل يا رب: ومن تحت الكساء؟
فقال الله عز وجل: هم أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، وهم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها.
فقال جبرئيل: يا رب أتأذن لي أن أهبط إلى الأرض لأكون معهم سادسا؟
فقال الله عز وجل: قد أذنت لك. فهبط الأمين جبرئيل. وقال لأبي: السلام عليك يا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، العلي الأعلى
يقرئك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام، ويقول لك: وعزتي وجلالي، إني ما خلقت سماءاً مبنية، ولا أرضا مدحيّة، ولا قمرا منيرا، ولا شمسا مضيئة، ولا فلكا يدور، ولا بحرا يجري، ولا فلكا تسري إلاّ لأجلكم ومحبتكم، وقد أذن لي أن أدخل معكم، فهل تأذن لي أنت يا رسول الله؟
فقال أبي: وعليك السلام يا أمين وحي الله، نعم قد أذنت لك.فدخل جبرئيل معنا تحت الكساء، فقال جبرئيل لأبي: إن الله قد أوحى إليكم يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.
فقال علي: يا رسول الله أخبرني ما لجلوسنا هذا تحت هذا الكساء من الفضل عند الله، فقال صلی الله علیه و آله و سلم : والذي بعثني بالحق نبيا، واصطفاني بالرسالة نجيا، ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبينا إلا ونزلت عليهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، واستغفرت لهم إلى أن يتفرقوا.
فقال علي: إذا والله فزنا، وفاز شيعتنا ورب الكعبة.
فقال أبي: يا علي والذي بعثني بالحق نبيا، واصطفاني بالرسالة نجيا ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبينا وفيهم مهموم إلا وفرج الله همه، ولا مغموم إلا وكشف الله غمه، ولا طالب حاجة إلا وقضى الله حاجته. فقال علي إذا والله فزنا وسعدنا، وكذلك شيعتنا فازوا وسعدوا في الدنيا والآخرة ورب الكعبة.
انتهى ما وجدته بخط المرحوم العالم الزاهد البافقي المذكور. ثم طلبت من الفاضل الجليل الحجة الشيخ محمد الصدوقي اليزدي أن يستكتب من نسخة العوالم سند الحديث ومتنه، فأسعف مأمولي دام توفيقه فأتاني بالمرجو، فقابلته مع نسخة المرحوم البافقي فوجدتهما متطابقتين حرفا بحرف، ولم يكن بينهما فرق بنحو من الأنحاء، غير أن الصدوقي ذكر في كتابه أنه وجد الحديث وسنده مكتوبافي هامش العوالم. وممن نقل المتن العلامة الجليل الثقة الثبت شيخنا فخر الدين محمد العلي الطريحي الأسدي النجفي صاحب مجمع البحرين في كتاب المنتخب الكبير ولا فرق بينه وبين المنقول عن العوالم إلا زيادة أجوبة التسليمات وجملة قوله صلی الله علیه و آله و سلم اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي...الخ. وممن يوجد في كلماته هذا
المتن العلامة الجليل الديلمي صاحب الإرشاد في كتابه الغرر والدرر فيوجد ما يقرب من نصف الخبر. وكذا الحسين العلوي الدمشقي الحنفي من أسرة نقباء الشام وقد رأيته بخطه، ونقل العالم الجليل الحجة خازن روضة العظيم بالري الحاج الشيخ محمد جواد الرازي الكني في كتابه (نور الآفاق ص4 طبع طهران) المتن الذي نقلناه بواسطة المرحوم البافقي عيناً حرفاً بحرف، وقال ما لفظه: وسمعت عن شيخي الثقة الحاج الشيخ محمد حسين السيستاني في سند هذا الحديث الشريف قال: سمعت عن السيد حسن بن السيد مرتضى اليزدي قال: روى صاحب العوالم... إلى آخر السند الذي نقلناه ويظهر من كلامه أن الحديث مذكور في موردين في المجلد الحادي عشر والمجلد الثاني والستين فلاحظ.
قال آقا بزرگ الطهراني في الذريعة ج16 ص36:
غرر الأخبار ودرر الآثار في مناقب الأطهار للشيخ أبي محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي، من أهل آخر المائة السابعة وبعدها إلى أواسط الثامنة... إلى أن يقول: ينقل عن (الغرر) المولى محمد حسين الكرهرودي المعاصر، المتوفى بالكاظمية في 1314 في تأليفاته كثيراً، منها (حديث
الكساء) بالترتيب الموجود في (منتخب الطريحي) باختلاف يسير جداً، بأسانيد عديدة.
4- وفي علل الشرائع(1)بسنده عن عبد الجبار بن كثير التميمي اليماني قال سمعت محمد بن حرب الهلالي أمير المدينة يقول: سألت جعفر بن محمد(عليهما السلام) فقلت له: يا ابن رسول الله في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها فقال: إن شئت أخبرتك بمسألتك قبل أن تسألني وإن شئت فسل...
إلى أن يقول:... أما علمت أنّ محمداً وعليّاً صلوات الله عليهما كانا نوراً بين يدي الله عزّ وجل قبل خلق الخلق بألفي عام، وأنّ الملائكة لما رأت ذلك النور رأت له أصلاً قد تشعّب منه شعاع لامع فقالت: إلهنا وسيّدنا ما هذا النور؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليهم؛ هذا نور من نوري، أصله نبوة وفرعه إمامة، أمّا النبوة فلمحمد عبدي ورسولي، وأمّا الإمامة فلعلي حجتي ووليي، ولولاهما ما خلقت خلقي....(2).
5- في الفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي ص152 عن ابن مسعود أنّه قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : لمّا خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد الله. فأوحى الله تعالى إليه، حمدتني عبدي. وعزتي وجلالي لولا عباد أريد أن أختلقهم من ظهرك لما خلقتك، فارفع رأسك يا آدم انظر، فرفع رأسه فرأى في العرش مكتوباً لا إله إلا الله،محمد رسول الله نبي الرحمة، وعلي أمير المؤمنين مقيم الحجة، فمن عرف حقه زكا وطاب، ومن أنكر حقّه كفر وخاب، أقسمت على نفسي وبعزتي وجلالي أنّي أدخل الجنة من أطاعه وإن عصاني، وآليت على نفسي أن أدخل النار من عصاه وإن أطاعني.
6- وفي فرائد السمطين للحموي ج1 ص36 بإسناده عن أبي هريرة، عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنه قال: لما خلق الله آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه التفت آدم يمنة العرش، فإذا في النور خمسة أشباح سجّداً وركّعاً، قال آدم: يا رب هل خلقت أحداً من طين قبلي؟ قال: لا يا آدم، قال: فمن هؤلاء الخمسة الذين أراهم في هيئتي وصورتي؟
قال: هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك، هؤلاء
خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار، ولا العرش ولا الكرسي، ولا السماء ولا الأرض، ولا الملائكة ولا الجن ولا الانس. فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا ذو الإحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين، آليت بعزتي أنّه لا يأتيني أحد بمثقال ذرة من خردل من بغض أحدهم إلاّ أدخلته ناري ولا أبالي، يا آدم هؤلاء صفوتي من خلقي، بهم أنجيهم وبهم أهلكم، فإذا كان لك إليّ حاجة فبهؤلاء توسل.
فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلم : نحن سفينة النجاة من تعلق بها نجا ومن حاد عنها هلك، فمن كان له إلى الله حاجة فليسأل بنا أهلالبيت(1).
1) ورواه الآمر تسري في " أرجح المطالب " (ص461 ط لاهور) وأخرجه أبو القاسم عبد الكريم بن محمد ابن عبد الكريم الرافعي، وعنهما شرح إحقاق الحق ج9 للسيد المرعشي ص203. ورواه أبو الفتح النطنزي في كتاب الخصائص العلوية، وعنه مجلة تراثنا ج59 مؤسسة آل البيت ص21.
وغيرها من الأحاديث المروية من طرقنا، المبثوثة في كتب علمائنا الأبرار وفقهائنا الأخيار.
ومن شاء سعة الإطلاع فعليه بمراجعة الكتب الموسّعة
(1)، فإنّ فيها الشفاء لمن يريده.كما أنّ الرواية بأنّه لولاهمعلیهم السلام لما خلق الله تعالى آدم علیه السلام ولما خلق الكائنات قدّ سلّم بها المخالفون(2)وأوردوها فيكما أنّ الرواية بأنّه لولاهمعلیهم السلام لما خلق الله تعالى آدم علیه السلام ولما خلق الكائنات قدّ سلّم بها المخالفون(3)وأوردوها في
1) في مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي ج3 ص166: أمّا الحديث القدسي: " لولاك لما خلقت الأفلاك " فقد روى أبو الحسن البكري أستاذ الشهيد الثاني في كتاب الأنوار عن أمير المؤمنين علیه السلام: أنه قال: كان الله ولا شيء معه، فأوّل ما خلق نور حبيبه محمد صلی الله علیه و آله و سلم قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والأرض واللوح والقلم - إلى أن قال: - والحق تبارك وتعالى ينظر إليه ويقول: يا عبدي أنت المراد والمريد، وأنت خيرتي من خلقي، وعزتي وجلالي لولاك لما خلقت الأفلاك. من أحبك أحببته. ومن أبغضك أبغضته - الخبر. في حديث المعراج بعد تصريحه تعالى باختياره نبيه وأولياءه الأئمة المعصومينعلیهم السلام قال تعالى: فلولاكم ما خلقت الدنيا والآخرة ولا الجنة والنار - الخبر. في الحديث القدسي المروي عن الصادق علیه السلام المروي في المعاني والعلل بعد بيان نبوة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم وإمامة أمير المؤمنين علیه السلام: ولولاهما ما خلقت خلقي - الخبر. العلل، والعيون، والإكمال: عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنينعلیهم السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : ما خلق الله عز وجل خلقا أفضل مني ولا أكرم عليه مني - إلى أن قال: - يا علي، لولا نحن ما خلق آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض - الخبر. وقد ذكرنا مواضع الرواية في " خدم ". في النبوي العلوي علیه السلام: ولولانا لم يخلق الله الجنة ولا النار ولا الأنبياء ولا الملائكة - الخ. في رواية المفضل عن الصادق علیه السلام في وصف خلقة الأرواح قبل الأجساد بعد ما رأى آدم أسماء النبي والأئمة صلوات الله عليهم على ساق العرش قال تعالى: لولاهم ما خلقتكما - الخ. تمام الرواية في البحار. تفسير العسكري علیه السلام في حديث معجزاته صلی الله علیه و آله و سلم قال للشجرة: دعوتك لتشهد لي بالنبوة بعد شهادتك لله بالتوحيد، ثم تشهدي بعد شهادتك لي لعلي هذا بالإمامة وأنه سندي وظهري وعضدي وفخري وعزي، ولولاه ما خلق الله عز وجل شيئاً مما خلق - الخبر. ويشهد على ما تقدم ما في البحار. ورواية العيون عن الرضا علیه السلام، كما في البحار. قال المجلسي: إن الرسول وأمير المؤمنين صلی الله علیه و آله و سلم أبواب هذه الأمة لصيرورتهما سبباً لوجود كل شيء وعلة غائية لجميع الموجودات، كما ورد في الحديث القدسي: لولاكما لما خلقت الأفلاك - الخ. والروايات في ذلك أكثر من أن تحصى: منها ما في مدينة المعاجز. رواية كريمة غريبة كالدر في وصف خلقة النبي وآله المعصومين وجوامع فضائلهم وأنه لولاهم ما خلق الله شيئاً. روى العامة من طرقهم عن أبي هريرة، عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنه قال: لما خلق الله تعالى آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه التفت آدم يمنة العرش، فإذا في النور خمسة أشباح - إلى أن قال: - قال تعالى: هؤلاء خمسة من ولدك، لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي لولاهم ما خلقت الجنة والنار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجن - الخبر. هذه الرواية بعينها في الإحقاق. وسائر الروايات الواردة من طرقهم فيه. كتاب مجمع النورين للفاضل المرندي قال: وفي الحديث القدسي: لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، كما ذكره الوحيد البهبهاني. وروي في بحر المعارف: لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك. وفي ضياء العالمين للشيخ أبي الحسن الجد الأمي للشيخ محمد حسن صاحب الجواهر بزيادة فقرة: ولولا فاطمة لما خلقتكما. ونحوه من كتاب المرندي. ويأتي في " فضل ": رواية أخرى في ذلك.
2) في كتاب دفع الشبه عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلم للحصني الدمشقي ص137: (توسل أبي البشر آدم علیه السلام بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم ليغفر له) وهذا آدم علیه السلام توسّل به، كما هو مشهور، ورواه غير واحد من الأئمة. منهم الحاكم في (مستدركه على الصحيحين) من حديث عمر، قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : (لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ بحقّ محمد لما غفرت لي. فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنّك لمّا خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعرفت أنّك لم تضف إلى اسمك إلا أحبّ الخلق إليك. فقال: يا آدم إنه لأحبّ الخلق إليّ، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد لما خلقتك). قال الحاكم: صحيح الأسناد، ورواه الطبراني، وزاد: (وهو آخر الأنبياء من ذريتك). ورواه الحاكم أيضا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بزيادة بلفظ: (أوحى الله إلى عيسى: يا عيسى آمن بمحمد، ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار. ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن) قال الحاكم في (مستدركه): هذا صحيح الأسناد، ولم يخرجاه، يعني البخاري ومسلم. فهذا الأمام الحافظ قد كفانا المؤنة وصحّح الحديث، وقد رواه غير واحد من الحفاظ وأئمة الحديث بألفاظ: منهم أبو محمد مكي، وأبو الليث السمرقندي وغيرهما: (أنّ آدم علیه السلام عند اقترافه قال: اللهم بحق محمد عليك اغفر لي خطيئتي). ويروي نفيل: (فقال الله: من أين عرفت محمداً؟ قال: رأيت في كلّ موضع من الجنة مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله). ويروى: (محمد عبدي ورسولي)، ويروي نفيل: (فقال الله: من أين عرفت محمداً؟ قال: رأيت في كل موضع من الجنة مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله). ويروى: (محمد عبدي ورسولي، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك، فتاب الله عليه وغفر له). وفي رواية الحافظ الآجري: (فقال آدم: لمّا خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك، فإذا فيه مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي إنه لآخر النبيين من ذريتك، ولولاه ما خلقتك. قال: وكان آدم علیه السلام يكنى: أبا محمد). بدا مجده من قبل نشأة آدم * وأسماؤه في العرش من قبل تكتب.
3) في كتاب دفع الشبه عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلم للحصني الدمشقي ص137: (توسل أبي البشر آدم علیه السلام بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم ليغفر له) وهذا آدم علیه السلام توسّل به، كما هو مشهور، ورواه غير واحد من الأئمة. منهم الحاكم في (مستدركه على الصحيحين) من حديث عمر، قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : (لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ بحقّ محمد لما غفرت لي. فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنّك لمّا خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعرفت أنّك لم تضف إلى اسمك إلا أحبّ الخلق إليك. فقال: يا آدم إنه لأحبّ الخلق إليّ، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد لما خلقتك). قال الحاكم: صحيح الأسناد، ورواه الطبراني، وزاد: (وهو آخر الأنبياء من ذريتك). ورواه الحاكم أيضا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بزيادة بلفظ: (أوحى الله إلى عيسى: يا عيسى آمن بمحمد، ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار. ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن) قال الحاكم في (مستدركه): هذا صحيح الأسناد، ولم يخرجاه، يعني البخاري ومسلم. فهذا الأمام الحافظ قد كفانا المؤنة وصحّح الحديث، وقد رواه غير واحد من الحفاظ وأئمة الحديث بألفاظ: منهم أبو محمد مكي، وأبو الليث السمرقندي وغيرهما: (أنّ آدم علیه السلام عند اقترافه قال: اللهم بحق محمد عليك اغفر لي خطيئتي). ويروي نفيل: (فقال الله: من أين عرفت محمداً؟ قال: رأيت في كلّ موضع من الجنة مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله). ويروى: (محمد عبدي ورسولي)، ويروي نفيل: (فقال الله: من أين عرفت محمداً؟ قال: رأيت في كل موضع من الجنة مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله). ويروى: (محمد عبدي ورسولي، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك، فتاب الله عليه وغفر له). وفي رواية الحافظ الآجري: (فقال آدم: لمّا خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك، فإذا فيه مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي إنه لآخر النبيين من ذريتك، ولولاه ما خلقتك. قال: وكان آدم علیه السلام يكنى: أبا محمد). بدا مجده من قبل نشأة آدم * وأسماؤه في العرش من قبل تكتب.
كتبهم وصحّحوها كالحاكم النيسابوري في مستدركه.
الشيخ الصدوق في الهداية ص23 قال:
ويجب أن يعتقد أنّ الله تعالى لم يخلق خلقاً أفضل من محمد صلی الله علیه و آله و سلم ومن بعده الأئمة صلوات الله عليهم، وأنهم أحب الخلق إلى الله عزّ وجل، وأكرمهم، وأولهم إقراراً به لمّا أخذ
الله ميثاق النبيين في الذر، وأشهدهم على أنفسهم:ألست بربكم؟ قالوا: بلى، وبعدهم الأنبياءعلیهم السلام، وأن الله بعث نبيه صلی الله علیه و آله و سلم إلى الأنبياءعلیهم السلام في الذر، وأن الله أعطى ما أعطى كلّ نبي على قدر معرفته ونبيّنا صلی الله علیه و آله و سلم سبقه إلى الإقرار به. ويعتقد أنّ الله تبارك وتعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته صلی الله علیه و آله و سلم ، وأنه لولاهم ما خلق الله السماء والأرض، ولا الجنة ولا النار، ولا آدم ولا حواء، ولا الملائكة، ولا شيئاً مما خلق، صلوات الله عليهم أجمعين(1).
العلاّمة الشيخ المجلسي في بحار الأنوار ج1 ص103 قال:
وقد ثبت في الأخبار كونهمعلیهم السلام علة غائية لجميع المخلوقات، وأنه لولاهم لما خلق الله الأفلاك وغيرها.
السيد الخوئي في مصباح الفقاهة ج5 ص35 قال:
... لا شبهة في ولايتهم على المخلوق بأجمعهم كما يظهر من الأخبار لكونهم واسطة في الإيجاد وبهم الوجود، وهم السبب في الخلق، إذ لولاهم لما خُلق الناس كلها، وإنّما
1) ونقل عنه تلك العبارة الشيخ المفيد في الاعتقادات ص93.
خلقوا لأجلهم، وبهم وجودهم، وهم الواسطة في الإفاضة، بل لهم الولاية التكوينية لمادون الخالق، فهذه الولاية نحو ولاية الله تعالى على الخلق ولاية إيجاديّة وإن كانت هي ضعيفة بالنسبة إلى ولاية الله تعالى على الخلق....
أقول: لقد تلونا عليك تلك الأحاديث التي لا تقبل الجدل من ذي بصيص من المعرفة، ولا تقبل تشكيكاً حتى منالجاهل فضلاً عن العالم، ونقلنا لك بعض كلمات علمائنا الأعلام فجاء الوقت الذي تقرأ فيه رأي الضلال:
"وهكذا نجد السؤال يفرض نفسه في الأحاديث التي تدل على أن الله خلق الكون لأجلهم، فإننا لا نستطيع أن نجد له تفسيراً معقولاً حتّى على مستوى وعي المضمون في التصور الفكري، فهل القضية واردة في نطاق التشريف، أو في نطاق الدور الرسالي، أو نطاق الهداية أو ما إلى ذلك؟ إن القضية ليست في الحديث عما هو الممكن والمستحيل في الجانب التجريدي من حيث الحكم العقلي، بل هي في إيجاد المبررات الواقعية للمضمون على أساس العلاقة بين النبوة أو الإمامة وبين هذه الأمور، وإذا كان البعض يتحدث بأنّ ما لا
نفهمه من هذه الأمور لا بدّ أن يردّ علمه إلى أهله، فإن ذلك يفرض علينا إهمالها وعدم اعتبارها من أصول العقائد باعتبار أنّ العقيدة لا بد أن تمثل وعياً في الفكر وقناعة في الوجدان"(1).
كلامه هنا يشتمل على نقاط:الأولى: إن الكون خلق من أجلهمعلیهم السلام لا يجد له تفسيراً معقولا على المستوى العملي، ولا على المستوى الفكري.
كم هي الأمور الشرعيّة التي لا يمكن أن ندركها، سواء كان في الفقه أم في العقيدة، فهل يستطيع أن يُبين لنا ويُفسر لنا ويبرر لنا لماذا كانت صلاة الصبح ركعتين، والمغرب ثلاثا، والظهرين والعشاء أربعاً؟ هل يترك الصلاة لأنّه لا يجد
1) مع الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد: ص13 المنشور في العدد التاسع من مجلة الفكر الجديد، وكذا المنشور في العدد 28 - 31 من مجلة المعارج: ص327 - 328.
تفسيراً معقولا لعدد ركعتها؟ وإذا لم يُدرك تفسيراً معقولا لآية من آيات القرآن فهل يحذفها؟ بحجة أنّه لا يجد لها تفسيراً معقولا!!!
والملائكة والجن والصراط والميزان وتطاير الكتب والرجعة كلّ هذه لم تُعلم إلاّ بالإجمال دون التفصيل، فإذا لم يتعقلها تفصيلا ولم يجد لها مبرراً معقولاً في الواقع العملي والفكري، فهل ينتفي الاعتقاد بها؟
هل هو قد أحاط بعلم الله عزّ وجل، فلم يجد ذلك في علمه سبحانه وتعالى، ولذا يلجأ إلى نفيها؟ وهل يجب على الله سبحانه وتعالى أن يبرر كلّ فعل له عزّ وجل لأمثال ذلك الجاهل، أو هذا المعاند؟ وليكن المبرر هو التشريف لمحمد وآله صلوات الله وسلامه عليهم، فهل يضيق صدرك من هذا الفضل الذي تكرّم به الله سبحانه وتعالى على أولياءهعلیهم السلام.
اقرأ معي كلمات النور من الأنوارعلیهم السلام:
الرواية الصحيحة في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار باب فيمن لا يعرف الحديث فرده ص557:
ح1 حدثنا احمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عنجميل بن صالح، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفرعلیه السلام
قال: سمعته يقول: أما والله إن أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم وأكتمهم بحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالا وامقتهم إلي، الذي إذا سمع الحديث يُنسب إلينا، ويُروى عنا فلم يعقله ولم يقبله قلبه اشمأز منه وجحده وكفر بمن دان به، وهو لا يدرى لعل الحديث من عندنا خرج، وإلينا سند، فيكون بذلك خارجا من ولايتنا(1).
ح2 حدثنا الهيثم النهدي، عن محمد بن عمر بن يزيد، عن يونس، عن أبي يعقوب بن اسحق بن عبد الله، عن أبي عبد اللهعلیه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى حصر عباده بآيتين من كتابه، ألا يقولوا حتى يعلموا، ولا يردوا ما لم يعلموا، إن الله تبارك وتعالى يقول:
... أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ...169(2).
وقال: بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ...39(3).
ح3 حدثنا محمد بن عيسى، عن محمد بن عمرو، عنعبد الله بن جندب، عن سفيان بن السيط قال: قلت لأبي عبد اللهعلیه السلام: جعلت فداك إن الرجل ليأتينا من قبلك فيخبرنا عنك بالعظيم من الأمر فيضيق بذلك صدورنا حتى نكذبه. قال: فقال أبو عبد اللهعلیه السلام: أليس عني يحدثكم؟ قال: قلت: بلى. قال: فيقول لليل انه نهار وللنهار انه ليل؟ قال: فقلت له: لا. قال: فقال: رده إلينا فإنك إن كذبت فإنما تكذبنا.
ح4 حدثنا محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل عن حمزة بن بزيع، عن على السناني، عن أبي الحسنعلیه السلام انه كتب إليه في رسالة: ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا هذا باطل، وان كنت تعرف خلافه، فإنك لا تدري لم قلنا، وعلى أي وجه وصفة.
ح5 حدثنا احمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن جعفر بن بشير، عن أبي بصير، عن أبي جعفرعلیه السلام أو عن أبي عبد اللهعلیه السلام قال: لا تكذبوا بحديث أتاكم أحد، فإنكم لا تدرون لعله من الحق فتكذبوا الله فوق عرشه.
ورحم الله الشيخ عباس القمي، فكأنّه يعني من كلامه هذا الضلال في هذا الزمان حيث يقول في كتابه منازل الآخرة
والمطالب الفاخرة ص262:
ولا يكاد ينقضي عجبي من قوم دخلاء على أحاديث بيت العصمة والطهارة يتجرؤون ويتجاسرون على أهل البيتعلیهم السلام، وهم يدّعون أنهم من شيعتهم!!! فينسبون لأهل البيتعلیهم السلام ما يعجبهم من الأخبار، ويردون مالا يفهمون ولا يفقهون، وكأنهم أولياء عليهم لا أولياء لهم.
أعاذنا الله تعالى من أقوالهم. وعليه فيصححون بعض الأخبار بحسب عقولهم وسليقتهم، وينفون غيرها بذلك،كما عمل ذلك بعض من علق على بحار العلامة المجلسي أعلى الله تعالى مقامه فهم:
لا يعرفون أن السند إذا صح كان حجة على العباد لأن خبر الثقة حجة. وإن لم يصح لا يجوز ردّه لاحتمال أن يكون قد صدر عن أهل البيتعلیهم السلام فيكون ردّاً عليهم كما ورد في الخبر الشريف عن الإمام الباقرعلیه السلام الذي رواه الكليني في الكافي الشريف في باب الكتمان عن أبي عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفرعلیه السلام يقول: (والله إن أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا، وان أسوأهم عندي حالا وامقتهم الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا، ويروى عنا فلم يعقله
اشمأز منه وجحده، وكفر من دان به، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا اسند، فيكون بذلك خارجا من ولايتنا). وفي البصائر روى الشيخ الثقة محمد بن الحسين الصفار بإسناده عن أحدهما صلی الله علیه و آله و سلم قال: (لا تكذبوا بحديث أتاكم به أحد، فإنكم لا تدرون لعله من الحق فتكذبوا الله فوق عرشه). والروايات في هذا المعنى قد بلغت كثرتها حد التواتر.
وأقول: أيها الشيخ الجليل، في زماننا هذا ينطبق كلامك على هذا الضال المضل، بل يتجرأ على الأحاديث الصحيحة لأنّه لم يقبلها قلبه فلا يجد لها مبرراً معقولاً، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الثانية: ليس الحديث عن الإمكان العقلي، بل الكلام في إيجاد المبرر لأن يُخلق الكون من أجلهم، من حيث العلاقة بين النبوة والإمامة من جهة، والكون خلق من أجلهم من جهة أخرى.
سؤال يوجّه لربّ العالمين، لماذا لا تعلمنا كلّ ما لهالعلاقة بالنبوة والإمامة وكل ما لا علاقة له بالنبوة والإمامة؟
هل جعلك الله سبحانه وتعالى من الشاهدين على خلقه،
حتّى تعلم بوجود علاقة وعدم وجود علاقة؟
يُفترض بالمؤمن أن يُسلّم بكل ما ورد عنهمعلیهم السلام، ولا يستمع إلى نداء الشيطان الرجيم اللعين، ما أنت إلا عبد من عباد الله سبحانه وتعالى عليك أن تقبل ولا تعترض، وإذا كنت لا تجد العلاقة فلماذا لم تذهب لعالم لعلّه يفتح ما أغلق عليك، لا أن تسطّر هذا على الجهّال من أتباعك والناعقين معك.
ألا تعلم إنّ أمر محمد آله صلی الله علیه و آله و سلم ومرتبتهم وكمالاتهم لا تقتصر على مقام النبوة والإمامة، فإنّ فالنبوة والإمامة ما هي إلاّ مرتبة شريفة من مراتبهم التي رتّبهم الله فيها، ومنزلة من منازلهم التي فضلهم الله تعالى بها، وكيف تُحيط بهم علماً ولا يعرفهم إلاّ الله تعالى، وكيف تُحصى فضائلهم ولو كانت البحار مداداً والأشجار أقلاماً والجنّ والإنس كُتّاباً.
الثالثة: البعض الذي يقول بأنّ الذي لا نفهمه يردّ علمه إلى أهله فهذا يفرض علينا الإهمال، وعدم اعتبارها من أصول العقيدة. لأنّ العقيدة لابدّ أن تمثّل وعيا في الفكر وقناعة في الوجدان، وهذا لا ينطبق على قضية الكون خلق من أجلهم.
من هذا البعض الذي يستهين به الضلال، ولا يريد أن يقبل
كلامه، ويردّ عليه؟ إنّه الإمام الصادقعلیه السلام كما مرّ عليك في الحديث الثالث عن بصائر الدرجات حيث قال: قلتلأبي عبد اللهعلیه السلام: جعلت فداك إن الرجل ليأتينا من قبلك فيخبرنا عنك بالعظيم من الأمر فيضيق بذلك صدورنا حتى نكذبه. قال: فقال أبو عبد اللهعلیه السلام: أليس عني يحدثكم؟ قال: قلت: بلى. قال: فيقول لليل انه نهار وللنهار انه ليل؟ قال: فقلت له: لا. قال: فقال: رده إلينا فإنك إن كذبت فإنما تكذبنا.
فرائد الضلال يعترف بإمكان أن يكون الكون خلق من أجلهمعلیهم السلام، وهذا يُعلم من قوله:" ليس الحديث عن الإمكان العقلي، بل الكلام في إيجاد المبرر" إذ لم يُقل له بأنّ النهار ليل والليل نهار، فلماذا يُنكر؟ ثُم ألا يكفي الاعتقاد بالأمر ولو إجمالا كما يقول هو في مثل الرجعة والملائكة والجن؟
الكون خلق لأجلهمعلیه السلام اعتقاد يحمله كلّ شيعي، وهو مما تواتر نقله كما مرّ عليك، فلا ينبغي لجاهل فضلا عن عالم أن يُشكك فيه إلاّ المعاند.
لم يكتف رائد الضلال بذلك بل إنّه شكك فيما يُستبعد
التشكيك فيه، لأنّ الموالف والمخالف قد أقرّه واعترف ودان به، ولكنّ الذي يعتقد أنّ الناس همج رعاع يقول ما يشاء بلا ميزان علمي وخلقي تجبّراً وغروراً، وكأنّه الرب الذي لا بدّ من عبادته والعياذ بالله.
وهل تعتقد أنّ أحداً يمكن أن تتطرّق إليه شُبهة في حديث الكساء، فإنّ التشكيك فيه تشكيك في نزول آية التطهير في أهل البيت النبوي صلوات الله عليهم، أليس هذا فعل مَن يريد أن يشكك في العصمة وفضل أهل بيتالعصمة والطهارةعلیهم السلام؟!
وليته تكلّم بمنطق العالم. بل اتخذ أسلوب الجاهل المعاند للحق الذي لا يعرف كيف يرفض الحق إلاّ لأنّه حق كما كان من قوم لوط حيث قال تعالى:
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ 82(1).
وعلى كلّ حال تعال معي نقرأ بإمعان ما ذكره في هذا الصدد من مصادره المعتمدة عنده:
1) سورة الأعراف.
"س: ما صحّة رواية أهل الكساء؟
ج: الرواية مشهورة ولكن بعض العلماء يناقش في سندها؛ باعتبار أنّ بعض رجال السند ضعاف."
"هناك حديث كساء موجود في مفاتيح الجنان غير أن هناك جدلاً حول صحّة هذا الحديث الطويل، أي الرواية التي سردها القمي في المفاتيح.
ولقد تحدّثت في مجلّة الموسم قبل عشر سنوات عن حديث الكساء الموجود في المفاتيح الذي اختصّ بروايتهصاحب كتاب عوالم العوالم، أمّا الحديث المتواتر فلا مجال للشكّ فيه ولو بنسبة الواحد إلى المائة."
والمناقشة في كلامه تتمحور في نقاط خمس:
كلامه: فنقول: أمّا الجريدة فهي مفروغ عنها لكونها جريدته الرسميّة التي يقوم أتباعه بتوزيعها في مراكزه ولا يشكّ أحد في ذلك كما لا ينكر هو ذلك، وأمّا المجلّة فلقد كتب بخط يده في أوّلها ما يلي: "وقد رأى بعض الشباب المؤمن جمع هذه الحوارات والأسئلة في كتاب من خلال تفريغ الأشرطة التسجيليّة لتقديمها إلى المؤمنين لتعم بها الفائدة. وقد عرضها عليّ، وأوكلت ملاحظتها إلى بعض تلاميذي في عمليّة تدقيق الأجوبة التي كانت تنطلق عفو الخاطر، وقد أجرى عليها - بإشرافي - بعض الملاحظات الخفيفة."
وهذا صريح بأنّ ما في المجلّة تمّ بإشرافه المباشر فلا شكّ في تحمّله لمسؤوليّة ما فيها.
لا شكّ أنّه لا توجد أي قرينة على ذلك، بل لو لاحظت تعبيره في الجريدة لوجدت وكأنّه يتحدّث عن شيء آخر غير ما هو موجود في مجلة الموسم. أليس هذا من الكذب؟! فليس في المجلة مفاتيح ولا عوالم العوالم.
فإمّا أنّه إنسان لا ضابط له ولا فرق عنده بين السنة والعشر، وإما أنّه الكذب الذي يوقعه في مغالطات ينسى كلّ مرّة ما يقول وفي أي وقت قال، فهذا مما أعان الله على الكاذب في فضيحته:
روي عن أبي عبد اللهعلیه السلام انّه قال: إن مما أعان الله به على الكذابين النسيان.
والتشكيك في سند حديث الكساء الموجود في مفاتيح الجنان لا معنى له ولا يخضع لميزان علمي، وهذا لا يصدر من أقلّ الطلبة المطلعين بعض الشيء على علم الرجال لأنّ رجال سنده في أعلى المراتب والحديث من الصحيح الأعلائي.
أمّا دعوى وجود مّن ناقش في هذا السند بل حسب دعواه أنّ هناك جدلاً في ذلك فهذا كذب وافتراء وتهويل لا
واقع له ولا يمتّ إلى الصحة والصواب بأدنى شيء كيف!!! وقد عرفت أنّ الحديث من الصحيح الأعلائي الذي لا يختلف فيه أقلّ الطلبة فضلاً عن العلماء. وليذكر لنا شخصاً غيره شكك في هذا الحديث، وأنّى له ذلك!!!!!(1).
1) نشرة العروة الوثقى العدد 3 ص4-5.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
كلّ إنسان له أم تظهره إلى عالم الوجود والشهود، لأنّ كلّ إنسان تحمل به أنثى وتضعه، ما عدا آدم وحواءعلیهم السلام، فالأمهات إنّما تكون من النساء، وسيدتهم الزهراء علیها السلام ، لأنّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين، فهي سيدة جميع الأمهات، وبما أنّ سيّد القوم ورئيسهم يُقال له أم، فرئيس القوم أمهم – كما نصّ على ذلك الجوهري في صحاحه- فسيدة النساء تكون أم النساء بهذا المعنى، فتكون أماً لكلّ أم، ومن الأمّهات أم النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم ، فالزهراء أمها، فتكون الزهراء أم أم النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وأم الأم أم، فهي أم أبيها.
وهذا المعنى ذكره التبريزي الأنصاري في كتابه اللمعة البيضاء ص126 حيث قال:
"فهي سيدة نساء العالمين، ولا مذكر في عالم الخلق إلا وهو مضمن في بطن أم بالنسبة إليه تربيه وتقويه، وتظهره إلى عالم الوجود وتؤديه إلى عالم الشهود، وسيدة الجميع هي سيدة النساء.
أثار الضلال شبهة: هل أنّ الزهراء علیها السلام سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، فتكون أفضل النساء وسيدة النساء على الإطلاق؟
لا يشكّ مؤمن في أنّ سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين هي فاطمة الزهراء علیها السلام ، كما لا يشك مؤمن في أنّ الزهراء أفضل نساء العالمين من الأولين والآخرين على الإطلاق، بل هي أفضل الخلائق بعد أبيها وبعلها صلوات الله عليهما وآلهما.
وهذا من الأمور البديهية عند كلّ شيعي، ولا يغفل عنه الجاهل فضلاً عن العالم. إلاّ رائد الفتنة والضلال، فإنّه لا
يروق له أن تكون الزهراء علیها السلام أفضل من مريم علیها السلام ، ولا يعجبه أن تكون أمُّ أبيها علیها السلام هي سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.
ونستعرض لك أيها القارئ العزيز، والمؤمن الغيور، بعض ما دلّ على أنّ فاطمة الزهراء علیها السلام هي سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين ومنهم مريم علیها السلام ، ومما دلّ على ذلك:
في دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص80 وص 152(1):بسنده(2)عن عيسى بن زيد بن عليعلیه السلام، قال: سمعت أبا
1) علل الشرائع ص182. وعنه بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 41 ص 206 وج 34 ص 26. وعنه التفسير الصافي - الفيض الكاشاني ج 1 ص 336. وراجع العدد القوية - علي بن يوسف الحلي ص 226.
2) أخبرني أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري، قال: أخبرني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى، قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا الحسن بن علي السكري، عن محمد بن زكريا الجوهري، قال: حدثني شعيب بن واقد، قال: حدثني إسحاق بن جعفر بن محمد...، وفي علل الشرائع: 178 / 1: أبو سعيد الحسن بن علي بن الحسين السكري.
عبد اللهعلیه السلام يقول: سميت فاطمة محدثة لان الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما كانت تنادي مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة، إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا فاطمة، اقنتي لربك، الآية، وتحدثهم ويحدثونها. فقالت لهم ذات ليلة: أليست المفضلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إن مريم كانت سيدة نساء عالمها، وإن الله جعلك سيدة عالمك، وسيدة نساء الأولين والآخرين.
وأيضاً في دلائل الإمامة ص149: بسنده(1)عن المفضل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد اللهعلیه السلام: أخبرني عن قول رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في فاطمة أنها سيدة نساء العالمين، أهي سيدة نساء عالمها؟ فقال: تلك مريم، كانت سيدة نساء عالمها، وفاطمة
1) أخبرني الشريف أبو محمد الحسن بن أحمد المحمدي النقيب، قال: أخبرني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى، قال: حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر....
سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين(1).
وفي الطرائف للسيد ابن طاووس الحسني ص262: وروى صاحب كتاب الجمع بين الصحاح الستة أيضا في الجزء الثالث من جزئين من الكراس الخامس من النسخة المنقول منها من باب مناقب فاطمة من صحيح أبي داود بإسناده أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أشار إلى فاطمة فقال ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء العالمين، قالت: يا أبة فأين مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون؟ فقال: مريم سيدة نساء عالمها وآسية سيدة نساء عالمها(2).
وروى البخاري في صحيحه في الجزء الرابع في مناقب فاطمة بإسناده قال: قال النبي صلی الله علیه و آله و سلم : فاطمة سيدة نساء أهل الجنة(3).
1) معاني الأخبار ص107. وعنه شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي ج 3 ص 520. والمنتخب من الصحاح الستة لمحمد حياة الأنصاري ص210. ونحوه في مشكل الآثار 1: 51، وحلية الاولياء 2: 42، وذخائر العقبى: 43، ومقتل الحسينعلیه السلام للخوارزمي 1: 79.
2) أبو داود في مسنده: 196، وأبو نعيم في حلية الأولياء: 2 / 42.
3) البخاري في صحيحه: 5 / 36.
وفي أمالي الصدوق ص436 - 437 قال(1):
بسنده(2)عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كان جالسا يوماًوعنده علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: " اللهم إنك تعلم أن هؤلاء أهل بيتي وأكرم الناس علي فأحب من أحبهم، وأبغض من أبغضهم ووال من والاهم، وعاد من عاداهم واجعلهم مطهرين من كل رجس، معصومين من كل ذنب، وأيدهم بروح القدس ". ثم قال صلی الله علیه و آله و سلم : " يا علي أنت إمام أمتي، وخليفتي عليها بعدي، وأنت قائد المؤمنين إلى الجنة، وكأني أنظر إلى ابنتي فاطمة قد أقبلت يوم القيامة على نجيب من نور، عن يمينها سبعون ألف ملك، وعن يسارها سبعون ألف ملك، وبين يديها سبعون ألف ملك، ومن خلفها سبعون ألف ملك تقود مؤمنات أمتي إلى الجنة، فأيما امرأة
1) عنه غاية المرام للسيد هاشم البحراني ج1 ص182. وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج34 ص24.
2) حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم قال: حدثنا جعفر بن سلمة الأهوازي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الثقفي، عن إبراهيم بن موسى ابن اخت الواقدي قال: حدثنا أبو قتادة الحراني، عن عبد الرحمن بن العلاء الحضرمي، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس....
صلت في اليوم والليلة خمس صلوات، وصامت شهر رمضان، وحجت بيت الله، وزكت مالها، وأطاعت زوجها، ووالت عليا بعدي دخلت الجنة بشفاعة ابنتي فاطمة، وأنها لسيدة نساء العالمين " فقيل له يا رسول الله أهي سيدة نساء عالمها؟ فقال صلی الله علیه و آله و سلم : " ذاك مريم بنت عمران، وأما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين وإنها لتقوم في محرابها فيسلم عليها سبعون ألف ملك من الملائكة المقربين، وينادونها بما نادت به الملائكة مريم فيقولون: يا فاطمة ...إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ}(1)ثم التفت إلى عليعلیه السلام فقال: " يا علي إن فاطمة بضعة مني، وهي نور عيني، وثمرة فؤادي، يسوؤني ما ساءها، ويسرني ما سرها، وإنها أوّل من يلحقني من أهل بيتي فأحسن إليها بعدي، وأما الحسن والحسين فهما ابناي،وريحانتاي، وهما سيدا شباب أهل الجنة، فليكونا عليك كسمعك وبصرك "، ثم رفع صلی الله علیه و آله و سلم يده إلى السماء فقال: " اللهم إني أشهدك أني محب لمن أحبهم، ومبغض لمن أبغضهم، وسلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، وعدو لمن عاداهم، وولي لمن والاهم ".
1) آل عمران: من الآية42.
وغير تلك الروايات الكثيرة(1).
وليس ذلك فقط هو الذي يدلّ على أنها علیها السلام أفضل نساء العالمين، بل تقدّم أنّ الخلق خلق من أجلهم فهم علّته الغائيّة، فتكون الزهراء علیها السلام أفضل الخلق بعد أبيها وبعلها صلی الله علیه و آله و سلم ، كما أنّ ما دلّ من الروايات على أنّه لو لا أنّ الله خلق علياعلیه السلام لم يكن لفاطمة علیها السلام كفؤ من آدمعلیه السلام فمن دونه(2)، وغيرذلك
1) راجع الخصال عنه بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 34 ص 26. وبشارة المصطفى لمحمد بن علي الطبري ص 118، عنه البحار 39: 278، ورواه الصدوق في أماليه: 109 مع اختلافات. وراجع الشرف المؤيد للنبهاني ص54 وعنه شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج10 ص39 وج19 ص20. والمناقب لابن المغازلي، وعنه شرح إحقاق الحق ج19 للسيد المرعشي ص 18. وعيون الأخبار في مناقب الأخيار ص46، وعنه شرح إحقاق الحق ج 25 للسيد المرعشي ص 42. وروضة الواعظين- الفتال النيسابوري ص 148. ومناقب أمير المؤمنينعلیه السلام لمحمد بن سليمان الكوفي ج 2 ص197 وص513. والحاكم وصححه هو والذهبي في باب فضائل فاطمة صلى الله عليها من كتاب المستدرك: ج3 ص156.
2) راجع تفسير القمي لعلي بن إبراهيم القمي ج2 ص337، وكشف الغمة لابن أبي الفتح الإربلي ج2 ص99، وينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ج2 ص80 وص244 وص286، وحياة الإمام الحسنعلیه السلام للقرشي ج1 ص15، والمحجة البيضاء، ج4، ص210.
مما يدلّ على أفضليتها علیها السلام ، مما لسنا بحاجة إلى الإطالة فيه.
وبعد هذا كلّه تعال معي نستمع إلى ما يقوله المرجع الكبير في صراط النجاة الميرزا جواد التبريزي ج3 ص441:
س 1265: ما هو المراد بمصحف فاطمة علیها السلام ؟: المراد بمصحف فاطمة علیها السلام ما ورد في الروايات المعتبرة في الكافي (أن ملكا من الملائكة كان ينزل على الزهراء علیها السلام بعد وفاة أبيها، ويسليها ويحدثها بما يكون من الأمور، وكان عليعلیه السلام يكتب ذلك الحديث فسمي ما كتب مصحف فاطمة علیها السلام ، فهو ليس قرآناً كما توهم، ولا كتاباً مشتملاً على الأحكام، فإن هذا التوهم مخالف للنصوص. ولا غرابة في حديث الملائكة مع الزهراء علیها السلام فقد ذكر القرآن أن الملائكة حدّثت مريم ابنة عمران: وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ(1)ومن المعلوم أفضلية الزهراء على مريم ابنة عمران، كما ورد في النصوص المعتبرة، من أن مريم سيدة نساء عالمها، وأن فاطمة سيدة نساء العالمين.
1) سورة آل عمران الآية 42.
"فكرة تفضيل نبي على آخر، أو تفضيل إمام على نبيكما قد يثار ذلك لدى بعض الفرقاء، أو فيما يثار من تفضيل فاطمة الزهراءعلیه السلام على مريم أو العكس، فإن هذا حديث لا يجني الخائض فيه أية فائدة على مستوى الدين أو الدنيا، سوى إتعاب الفكر أو إرضاء الزهو الذاتي...(1).
"هذه الأمور ليست جزءاً من العقيدة وليست جزءاً من الخط"(2).
"كيف نعلم أن السيدة الزهراء صلوات الله عليها هي سيدة نساء العالمين؟ هناك حديث أن مريم سيدة نساء عالمها باعتبار أنّ الله اصطفاها، وأنّ فاطمة سيدة نساء العالمين، ويمكن يكون اثنينهم سيدة نساء العالمين، ما فيه مشكلة، يعني الآن ممكن فاطمة سيدة نساء العالمين ومريم سيدة نساء العالمين، الجماعة ليسوا مختلفين فنحن نُخلف بينهم لماذا؟...
يمكن الحل أن نقول: فاطمة سيدة نساء العالمين وأنّ مريم سيدة نساء العالمين.
الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. الحسن سيد شباب أهل الجنة والحسين سيد شباب أهل الجنة، هما سيدا أهل الجنة، وهما سيدتا أهل الجنة"(1).
هذا كلامه وأنت خبير بما فيه من الخلل بعد أن تلونا عليك تلك الأدلّة ولا بأس بالتعليق على قوله هذا في نقاط:
1- تفضيل نبي على آخر، أو تفضيل إمام على نبي أوتفضيل فاطمة الزهراء علیها السلام على مريم علیها السلام يدّعي ظلماً وعدواناً أنّه يثيره بعض الفرقاء وهو من إتعاب الفكر أو إرضاء الزهو الذاتي.
هل تعلم من هم الفرقاء الذين أتعبوا فكرهم وأرضوا زهوهم الذاتي؟
إنّهم الله سبحانه وتعالى حيث يقول:
تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ
1) من شريط مسجل بصوته.
ٱلۡقُدُسِۗ...}(1).
والنبي محمّد صلی الله علیه و آله و سلم حيث يقول:
أنا أفضل ولد آدمعلیه السلام ولا فخر، وأنا سيد النبيين، ولا فخر.
وأمير المؤمنينعلیه السلام حيث يقول:
أنا أفضل الأوصياء. وسلوني قبل أن تفقدوني فلن تجدوا أعلم بما بين اللوحين مني.
وكذا الزهراء علیها السلام والأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فهل هؤلاء الذين أتعبوا فكرهم بما لا فائدة فيه؟! وهل هؤلاء قالوا بذلك من منطلق الزهو الذاتي والعياذ بالله، هل كان أهل البيتعلیهم السلام عندما يتحدّثون عن أفضليتهم على جميع الخلق يكون زهواً ذاتيّاً؟! أم أنّه من بيان الواقع والحقيقة تفضّلاً منهمعلیهم السلام حتّى يعرف الناس الحق، وحتّى يعظم فيالنفوس من أراد الله تعالى له العظمة.
هل ما أفاضوه في الآيات والأحاديث كان مما لا فائدة فيه
1) سورة البقرة آية 253.
لا في الدين ولا الدنيا؟ هل كان كلامهم من اللغو والعبث؟! أيبقى هذا الإنسان مسلماً بعد هذه المقالات الفاسدة، والعقائد الهدّامة؟!
2- هل هذه الأمور ليست جزءاً من العقيدة وليست جزءا من الخط؟
ما هي العقيدة إذاً؟ الاعتقاد بأفضلية النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم على جميع الخلق، والاعتقاد بأفضليّة عليعلیه السلام على جميع ما خلقه الله تعالى عدا النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم ، وأفضلية الزهراء علیها السلام على مريم علیها السلام ، وأفضلية الأئمة الهداة المعصومينعلیهم السلام على جميع الخلق، ليس من العقيدة؟
هذه العقائد منها ما هو ضرورة إسلامية ومنها ما هو ضرورة مذهبية، وإنّ الارتقاء في معرفة أولياء الله سبحانه وتعالى مما يزيد الشخص تقرّبا منه عز وجل، وإنّ الناس يتفاوتون في مراتبهم الاعتقاديّة من خلال هذه النواحي وغيرها.
وما هو الخط الأعوج الذي يكون الاعتقاد فيه بفضل أهل بيت العصمة والطهارةعلیهم السلام ليس جزءاً منه – كما يدّعي-؟
لا شكّ إنّه خطّ الشيطان، وخطّ النواصب لعنة الله عليهم
أجمعين، من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين، فعنده يتم الأخذ بالحق المبين.
أمّا خطّ المؤمنين الموالين الغيورين على دين اللهالمحبين لصفوة خلق الله فإنّهم يعتقدون بفضلهمعلیهم السلام وأنّه ما خُلقتْ سماءٌ مبنية، ولا أرض مدحيّة، ولا قمر منير، ولا شمس مضيئة، ولا فلك يدور، ولا فلك تسري، ولا بحر يجري، إلا لأجل النبي المحمود الأحمد والمصطفى الأمجد أبي القاسم محمد وآله الغر الميامين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
3- يقول: "هناك حديث أن مريم سيدة نساء عالمها".
وهذا من الدجل والكذب، وكيف!!!... وقد تلونا عليك الكثير من الأحاديث، وليس بحديث واحد، بل نَقَلَ هذا أهل الباطل كما سطّره أهل الحق. وتلك الأحاديث على كثرتها أقل ما يُقال فيها أنّها مستفيضة، فكيف يحق له أن يستهين ويقلل من شأن تلك الأحاديث عن أهل البيتعلیهم السلام؟!
وقلنا أنّه يعضدها الكثير من الأدلّة التي تدلّ على أنّ الزهراء علیها السلام ليست أفضل من مريم علیها السلام فقط، بل تدلّ دلالة واضحة قطعية على أن الزهراء علیها السلام أفضل الخلق بعد أبيها وبعلها صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما.
4- اختلق مشكلة بين الزهراء علیها السلام ومريم علیها السلام ، وكأنّهن من النساء اللواتي يتنازعن ويختلفن، فأوجد لهنّ الحل كي يرضيهن، فهو يتعامل مع سيدات نساء العالمين وكأنّهنّ ناقصات العقول، يحتجنّ إلى بعض كلمات ترفع خلافهنّ المزعوم فيُنهيه.
هل يتعقّل مؤمن خلافاً بين السيدة فاطمة الزهراء علیها السلام وأَمتها مريم علیها السلام ؟!
كلاّ... كلّ من لديه أدنى ذرّة من الإيمان لا يتصوّر أنّ الله تعالى يصطفي من خلقه الصفوة التي تتنازع علىمنصب أو عنوان.
الأمر عظيم ومؤذٍ وفظيع على الأَمَة مريم علیها السلام أن يُقحمها هذا المفتري الكذّاب في خلاف يصطنعه نُصبه بينها وبين سيّدتها سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين أم أبيها فاطمة الزهراء علیها السلام . تلقاه يوم القيامة مريم علیها السلام مطالبة بحقّها فيما جنى به عليها هذا الضال المضل.
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ 6 وَيۡلٞ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ 7(1).
1) سورة الجاثية الآيات 6- 7.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
كرّم الله سبحانه وتعالى نبيه وحبيبه محمداً صلی الله علیه و آله و سلم بأن جعل زوجاته أمّهات للمؤمنين فقال تعالى: ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ...(1).
والمراد من كونهنّ أمّهات المؤمنين، أنّه لا يحل زواجهنّ لأحد من الناس، وعلى المؤمنين احترامهنّ وتقديرهنّ وحبّهنّ كالأمّهات مادمن على هدي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم . قال تعالى:
وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ
1) سورة الأحزاب الآية 6.
أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا 53(1).
وأمّا إذا خرجن عن طاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله صلی الله علیه و آله و سلم فسيكنّ عملاً غير صالح ويفقدن ذلك الاحترام والاعتبار، كما اعتبرت الآية المباركة الآتية أن ابن نوح علیه السلام ليس من أهله، قال تعالى:
قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡ-َٔلۡنِ مَالَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ 46 (2).
وإذا كن نساء النبي صلی الله علیه و آله و سلم هنّ أمّهات المؤمنين، فهنا سؤال يفرض نفسه وهو: أين موقع سيّدة النساء فاطمة الزهراء علیها السلام ؟
هل هنّ أمّهات لها باعتبار أنّها واحدة من المؤمنات؟ فيجب عليها أن تعاملهن كأمّهات بالنسبة لها.
فلابدّ أن يكون الجواب: إنّ فاطمة الزهراء علیها السلام هي أمّ أبيها صلی الله علیه و آله و سلم ، فلها عليه احترام وتقدير ومحبّة الأم.
فإذا كان نساء النبي صلی الله علیه و آله و سلم أمّهات المؤمنين فسيدة النساءعلیه السلام هي أمّ أبيها وأين هذا من ذاك.
فتذهب بتلك الكنية العظيمة كلّ الأوهام والوساوس أدراج الرياح، وتبقى فاطمة أم أبيها سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين بمن فيهم زوجات النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم . فليس لهنَّ الاستعلاء عليها أو فرض احترامهنّ عليها.
وهذا المعنى ذكره في الأسرار الفاطمية الشيخ محمد فاضل المسعودي ص273 فقال:
إن الله عز وجل لما شرف وكرم أزواج النبي صلی الله علیه و آله و سلم بتكنيتهن بأمهات المؤمنين صرن في معرض أن يخطر ببالهن أنهن أفضل النساء حتى من بضعة المصطفى فاطمة الزهراء علیها السلام ، ولأجل ذلك كناها أبوها بأم أبيها صونا لهذه الخواطر والوساوس، يعني يا نساء النبي إن كنتن أمهات المؤمنين،ففاطمة علیها السلام أم النبي، أم المصطفى، أم الرسول، أم أبيها.
كما ذكر هذا المعنى الشيخ محمد سند في كتابه مقامات الزهراء علیها السلام ص99 فقال: وإذ أكرم الله زوجاته صلی الله علیه و آله و سلم بأن جعلهنّ أمّهات للمؤمنين لقوله تعالى: ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ.... إشارة إلى بعض آثار الأمومة من الاحترام والتكريم لهنّ كاحترام الأم الحقيقية وتكريمها، فإنّ فاطمة علیها السلام قد فاقت منزلتها بحجيتها الإلهية لتكون أمّا للنبي صلی الله علیه و آله و سلم وعلى لسانه بقوله (فاطمة أم
أبيها).
وذكره أيضاً الشيخ الواعظ محمد باقر الكجوري في كتابه الخصائص الفاطمية ص134.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
وردت الروايات التي تدلّ على أنّ الزهراء علیها السلام هي أصل الشجرة النبوية، وتلك الروايات - لوجود الاختلاف في ألفاظها - نوردها لك أيها القارئ العزيز مصنّفةً.
تصنيف روايات الشجرة المحمدية:
1- فاطمة أصلها وفرعها:
أورد الحديث كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة بسنده(1)عن ميناء بن ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف أنه
1) في (بغية الطلب في تاريخ حلب) (ج 6 ص 2581 ط دمشق) قال: أخبرنا أبو حامد محمد بن عبد الله الإسحاقي الحلبي بها، قال أخبرنا عمي أبو المكارم حمزة بن علي الحلبي بها، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي جرادة الحلبي بها، قال حدثني أبو الفتح عبد الله بن إسماعيل بن الجلي الحلبي بها، قال حدثنا أبو الحسن ابن الطيوري الحلبي بها، قال حدثنا أبو القاسم بن منصور، قال حدثنا عمر بن سنان، قال حدثنا أبو عبد الغني الحسن بن علي الأهوازي، قال حدثنا عبد الرزاق، عن أبيه، عن ميناء بن ميناء
قال: ألا تسألون قبل أن تشاب الأحاديث بالأباطيل، قالرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : أنا شجرة وفاطمة أصلها وفرعها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرها - فذكر الحديث الشريف(1).
وعن شهر بن حوشب قال: أتيت أم سلمة أعزيها على الحسين بن علي فقالت دخل علي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فجلس على منامة لنا فجاءته فاطمة بشيء فوضعته فقال أدع لي حسناً وحسيناً وابن عمك علياً فلمّا اجتمعوا عنده قال: اللهم هؤلاء خاصّتي وأهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا... أنا شجرة وفاطمة أصلها وفرعها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرها وشيعتنا ورقها والشجرة وأصلها في
1) عنه شرح إحقاق الحق ج 26 - السيد المرعشي ص 247.
عدن والأصل والفرع واللقاح والورق والثمرة في الجنة(1).
في " ميزان الاعتدال للذهبي " (ج 1 ص234 ط القاهرة) بسنده عن عبد الرحمان بن عوف أنه قال: ألا تسألوني قبل أن تشوب الأحاديث الأباطيل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا شجرة وفاطمة أصلها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرها.
في الكامل لعبد الله بن عدي ج2 ص336 بسنده عنمينا بن أبي مينا مولى عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عوف انه قال ألا تسألوني قبل أن تشيب الأحاديث بالأباطيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا شجرة وفاطمة أصلها أو فرعها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرتها وشيعتنا ورقها فالشجرة أصلها في جنة عدن والأصل والفرع
1) عنه من هم آل محمد وعترته وأهل بيتهعلیهم السلام؟مركز المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم ص34.
واللقاح والورق والثمر في الجنة(1).
في الأمالي للشيخ المفيد ص245 بسنده عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: قال لي عبد الرحمن: يا مينا ألا أحدثك بحديث سمعته من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ؟ قلت: بلى، قال: سمعته يقول، أنا شجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، ومحبوهم من أمتي ورقها(2).
1) ومثله في الكامل أيضا ج 6 ص 459. ومثله أيضا في تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج14 ص 168. وترجمة الإمام الحسينعلیه السلام لابن عساكر ص 180.
2) ذكره في الأمالي للشيخ الطوسي ص 18. وعنه بحار الأنوار ج37 ص38. وراجع الأمالي للشيخ الطوسي ص610، وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج35 ص31. وراجع الأمالي للشيخ الطوسي ص611، عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج65 ص69. وراجع بصائر الدرجات ص18، عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج24 ص139. وراجع بصائر الدرجات ص18، عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج24 ص139. ومثله وفي تفسير فرات الكوفي ص79 عن إسماعيل بن إبراهيم. وفي تفسير العياشي ج2 ص224 عن ابن يزيد مثله.
وفي المستدرك للحاكم النيسابوري: (حدثنا) أبو بكر محمد بن حيويه بن المؤمل الهمداني، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله، عن عبد الرزاق بن همام حدثني أبي، عن ميناء بن أبي ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف، قال: خذوا عني قبل أن تشاب الأحاديث بالأباطيل، سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول: أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، وأصل الشجرة في جنة عدن، وسائر ذلك في سائر الجنة) (1).
قال الحاكم النيسابوري: هذا متن شاذ وان كان كذلك فان إسحاق الدبري صدوق وعبد الرزاق وأبوه وجده ثقات وميناء مولى عبد الرحمن بن عوف قد أدرك النبي صلی الله علیه و آله و سلم وسمع منه والله أعلم.
فهنا يعترف الحاكم النيسابوري في المستدرك بصحة
1) المستدرك للحاكم النيسابوري ج3 ص160. راجع أيضا محب الدين في (الرياض) 2 ص253، وابن الصباغ (في الفصول) ص11، والصفوري في (نزهة المجالس) 2 ص222.
الحديث، إلاّ أنّه اعتبره شاذّاً، ولا نعلم بوجه الشذوذ؟!
ومثله في شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج1 ص407(1).وراجع: بشارة المصطفى لمحمد بن علي الطبري ص75، وإعلام الورى بأعلام الهدى للشيخ الطبرسي ج1 ص296، ومقتل الخوارزمي ص61.
1) قال: أخبرنا أبو القاسم القرشي وكتبه لي بخطه، قال: أخبرنا علي بن بندار، قال: حدثني أبو بكر الرازي، قال: حدثني محمد بن أبي يعقوب، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثني عبد الرزاق... إلى آخر الحديث بتغيير يسير. وفي ص408 قال: حدثني أبو عبد الله الدينوري قال: حدثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، قال: حدثنا محمد بن الفيض بن محمد بدمشق قال: حدثنا مؤمل بن يهاب، قال: حدثنا عبد الرزاق... إلى آخر الحديث بتغيير يسير. وأيضا في ص408 قال: أخبرنا أبو عثمان الحيري قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن منصور النوشري قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن موسى بن عمران البلخي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد بصنعاء اليمن قال: حدثنا عبد الرزاق... إلى آخر الحديث بتغيير يسير.
ولقد أجاد الشاعر في قوله:
يا حبذا دوحة في الخلد نابتة*** ما مثلها نبتت في الخلد من شجر
المصطفى أصلها والفرع فاطمة*** ثم اللقاح علي سيد البشر
والهاشميان سبطاه لها ثمر*** والشيعة الورق الملتف بالثمر
إني بحبهم أرجو النجاة غدا*** والفوز في زمرة من أفضل الزمر
هذا مقال رسول الله جاء به*** أهل الرواية في العالي من الخبر
ومن هذا التصنيف للروايات نستنتج أنّ الزهراء علیها السلام يدور أمرها بين أن تكون أصلاً لتلك الشجرة النبوية أو فرعها الذي لا فرع غيره، ولا يمكن أن تكون الشجرة شجرة من دون فرعها، فإنّ الشجرة لو لم يكن بها فروع لما قيل لها شجرة بل مجرّد جذع شجرة، ومن هنا نقول إنّ الأصل هنا والفرع مؤداهما واحد بالنتيجة، وكلّ منهما لولاه لماكانت هناك شجرة.
فالنتيجة: أنّ الزهراء هي أصل الشجرة النبوية، فهي أصل النبي صلی الله علیه و آله و سلم بمقتضى الحديث، وبما أنّ الأم يأتي بمعنى الأصل، فالزهراء علیها السلام أصل أبيها صلی الله علیه و آله و سلم أي أم أبيها.
وهذا المعنى ذكره في الأسرار الفاطمية الشيخ محمد فاضل المسعودي ص273 فقال:
(... يمكن أن يقال: إنه صلی الله علیه و آله و سلم أراد منها أن ابنتي فاطمة هي أصل شجرة الرسالة وعنصر النبوة، كما قال الباقرعلیه السلام: الشجرة الطيبة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وفرعها عليعلیه السلام، وعنصر الشجرة فاطمة علیها السلام ، وثمرتها أولادها، وأغصانها وأوراقها شيعتها... إلى أن يقول:
ولتمام البحث فاستمع لما يتلى من بعض الأخبار في هذا المعنى: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : أنا شجرة، وفاطمة أصلها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرها...).
ولقد قدّمنا ذكر بعض تلك الأحاديث.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
إنَّ الله تبارك وتعالى يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها، وهذا الحديث مشهور رواه علماؤنا وتلقوه بالقبول(1)كما أنّ العامّة أيضاً رووه في كتبهم وصححوه(2)بل هو مع اختلاف
1) الأمالي للشيخ الصدوق ص467، وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ص149، والأمالي للشيخ الطوسي ص427، ومثله في الإحتجاج للشيخ الطيرسي ج2 ص103، ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص107، وعيون أخبار الرضا علیه السلام للشيخ الصدوق ج1 ص51، وشرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج3 ص29. وغيرهم الكثير.
2) الغدير للشيخ الأميني ج3 ص 20، عن مستدرك الحاكم ج3 ص154 وصحَّحه، ذخائر العقبى ص39، تذكرة السبط ص175، مقتل الخوارزمي ج1 ص52، كفاية الطالب ص219، شرح المواهب للزرقاني ج3 ص202، كنوز الدقائق للمناوي ص30، أخبار الدول للقرماني هامش الكامل ج1 ص185، كنز العمال ج7 ص111 عن الحاكم وابن النجار، تهذيب التهذيب ج12 ص443، الإصابة ج4 ص378، الصواعق ص105، الإسعاف ص171 عن الطبراني، ينابيع المودة ص173.
الفاظه مستفيض عندنا وعندهم، ومن مجموعالاستفاضتين يُمكن دعوى التواتر، فلا يصحّ التشكيك في صدور تلك الرواية مِن النبي صلی الله علیه و آله و سلم .
ولا شكَّ أنَّ النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم أيضاً يرضى الله لرضاه ويغضب لغضبه، ومِن يريد رضا الله تعالى فعليه أن يجد موضع رضى فاطمة علیها السلام فيعلم بموضع رضا الله تبارك وتعالى.
فالنبي صلی الله علیه و آله و سلم لا شكَّ أنَّه يسعى لرضا فاطمة علیها السلام ، كما أنَّها تسعى لرضاه.
كما لا شكَّ فيه أنَّ الابن يسعى لرضا إُمِّه، روي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنَّه قال: (رضى الله مع رضى الوالدين، وسخط الله مع
سخط الوالدين)(1). وعنه صلی الله علیه و آله و سلم أنَّه قال: (من أصبح مرضيا لأبويه، أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة...)(2).
ولمّا كان النبي صلی الله علیه و آله و سلم يسعى لرضا الزهراء علیها السلام كسعي الابن إلى رضا أمّه صحَّ أن يُقال أنّ الزهراء علیها السلام هي أم أبيها صلی الله علیه و آله و سلم .
وكون النبي يسعى لرضا فاطمة فالأحاديث فيه كثيرة ننقل منها اليسير مما يفي بالغرض:
روي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال: (فاطمة بضعة مني يسخطني ما يسخطها ويرضيني ما يرضيها)(3).وذكر ابن قتيبة(4)انهما جاءا إلى فاطمة علیها السلام معتذرين، فقالت: نشدتكما بالله ألم تسمعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة ابنتي من سخطي؟. ومن
أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟. قالا: نعم، سمعناه. قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي صلی الله علیه و آله و سلم لأشكونكما إليه).
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
إنّ أمَّ كلِّ شيء أصله ومجتمعه، ولقد صرَّح أهل اللغة بأنّ أُمَّ كُلِّ شيءٍ: أصْلُهُ وعِمادُهُ. فيُقال بمعنى العماد: أُمُّ القَوْمِ: رئيسُهُم(1).
وكُلُّ آيةٍ مُحْكَمَةٍ من آياتِ الشَّرائِعِ والأَحْكامِ والفَرائِضِ هي أمُّ الكتاب كما في قوله تعالى:
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ...7.
1) راجع القاموس الحيط.
بمعنى أنَّ الآيات المحكمة يرجع إليها في المتشابه، فالمحكمة هي الأصل الذي يرجع إليه.
ويُقال: أُمُّ القُرَى: مكَّةُ، لأنَّها دُحيت الأرض وانبسطت مِنها، فأنشئت المدن الأخرى بعد ذلك، فأصل المدن (القرى) الذي ترجع إليه المدن الأخرى هو مكَّة.ويُقال: أُمُّ الرأسِ: للجِلْدَةِ الرَّقيقةِ أعلى الرأس، فهي مجمع الرأس وأصله.
ومِن هنا سُميت فاتحة الكتاب بمعانٍ عدّة والذي يهمنا في البحث هنا هو ذكر معنيين لربطهما بأم أبيها علیها السلام :
بمعنى أنّها اشتملت على أفضل ما في الكتاب فهي عماد الكتاب، ويؤيّد هذا ما روي عن أمير المؤمنينعلیه السلام:
(إنَّ {بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ } آية من فاتحه الكتاب وهي سبع آيات تمامها {بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ } سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قال لي: يا محمد وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي
وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ 87(1).
فأفرد الامتنان عليَّ بفاتحه الكتاب وجعلها بإزاء القرآن العظيم.
وإنَّ فاتحه الكتاب اشرف ما في كنوز العرش، وإنَّ الله عزَّ وجلَّ خصَّ محمداً صلی الله علیه و آله و سلم وشرَّفه بها، ولم يشرك معه فيها احداً مِنْ انبيائه ما خلا سليمانعلیه السلام، فانَّه اعطاه منها {بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ }: يَحكي عن بلقيس حين قالت: أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ 29 إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 30(2).
ألا فمن قرأها معتقداً لموالاة محمد وآله الطيبين منقاداً لأمرها مؤمناً بظاهرهما وباطنهما اعطاه الله عزَّ وجلَّ بكلِّ حرف منهاحسنة، كلُّ واحدة منها أفضل مِنَ الدنيا وما فيها مِنْ اصناف اموالها وخيراتها، ومَنْ استمع إلى قارئ يقرؤها كان له بقدر ما للقارئ، فليستكثر احدكم مِنْ هذا الخير المعرض لكم، فانه غنيمة لا يذهبن اوانه فتبقى قلوبكم في الحسرة)(3).
1) سورة الحجر.
2) سورة النمل.
3) عيون أخبار الرضاعلیه السلام للشيخ الصدوق ج2 ص270 قال: حدثنا محمد بن القاسم المفسِّر المعروف بأبي الحسن الجرجاني رضى الله عنه، قال: حدثنا يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار، عن ابويهما، عن الحسن بن علي، عن أبيه علي بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه الرضا علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن على، عن اخيه الحسن بن علىعلیهم السلام قال: قال أمير المؤمنينعلیه السلام:. والأمالي للشيخ الصدوق ص240.
فالفاتحة - بحسب هذه الرواية - فيها أشرف ما في كتاب الله القرآن الكريم، وحاوية لذلك الشرف العظيم.
إنَّ فاتحة الكتاب سُمِّيت بأمِّ الكتاب بمعنى أصلهُ ومجمعه إجمالاً المتفرَّع عليه، فالفاتحة اشتملت على اساسيات العقيدة والعمل، وأذكرها إجمالاً في الإجمال:
أمّا مِن ناحية العقيد ففيها الاعتقاد بالله تعالى وبصفاته ومنها الإشارة إلى عدله حيث ذكرت سورة الحمد: (الله، الرحمن، الرحيم، المستحق للحمد المالك ليوم القيامة...)، كما فيها الاعتقاد بالمعاد حيث قال الله تبارك وتعالى فيها: {مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 4}، وفيها الاعتقاد بمحمّد واله صلی الله علیه و آله و سلم أي النبوّة
والإمامة {صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ}.
وأمّا مِن ناحية العمل، فقوامه:
أوّلاً: ذكر الله عزَّ وجلَّ والثناء عليه حيث قال تبارك وتعالى: {بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 1 ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ}.
ثانياً: طلب الثواب مِن الله تبارك وتعالى المؤدِّي إلى النجاة يوم القيامة حيث قال تبارك وتعالى: {مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 4}.
ثالثاً: اخلاص العبادة لله تبارك وتعالى وحده حيث قال تبارك وتعالى: {إِيَّاكَ نَعۡبُدُ}.
رابعاً: طلب العون مِن الله تبارك وتعالى فإنَّ العبد لا حول ولا قوّة له إلاّ بالله، ولا يقدر على العبادة إلا بعون الله تبارك وتعالى ولذا قال تبارك وتعالى: {وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ}.
خامساً: طلب الهداية مِن الله تبارك وتعالى، فإنَّ العبد وإن أُعطي القدرة على الفعل لا ينفعه ذلك إلاّ إذا كانت العبادة على هدى مِن الله تبارك وتعالى، وبالطريقة القويمة التي يرتضيها الله تبارك وتعالى لعبادته حيث قال تبارك وتعالى: { ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ }.
سادساً: التولي لأولياء الله تبارك وتعالى، والسير على
هداهم وطريقهم وطرقتهم، ولا قبول للطاعات إلاّ باتباعهم فقال عزَّ وجلَّ: {صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ}.
سابعاً: لابُدّ مِن التَّبَرِّي أيضاً في قبول العمل والوصول به إلى مرضاة الله تبارك وتعالى فقال عزَّ وجلَّ:
{ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ }.
فالفاتحة اشتملت على الاعتقاد والعمل إجمالاً وما فيبقية القرآن الكريم تفصيل لها.
وممن نقل هذا المعنى الشيخ الطبرسي(قدس سره) حيث قال: "وقيل: سميت بذلك لأنها أصل القرآن. والأم: هي الأصل، وإنما صارت أصل القرآن، لأنَّ الله تعالى أودعها مجموع ما في السور، لأن فيها إثبات الربوبية والعبودية، وهذا هو المقصود بالقرآن"(1).
إنّ كون فاتحة الكتاب اشتملت على أشرف ما في كتاب
1) تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي ج1 47.
الله تبارك وتعالى - وكلُّه شريف – فهي عماده وأمُّه، وكذلك أمُّ أبيها علیها السلام فإنّا حوت على أعظم ما عند رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وأشرف ما يحويه، وكيف لا تكون كذلك وهي روحه التي بين جنبيه، وهل هناك عند النبي صلی الله علیه و آله و سلم ما هو أعظم مِن روحه التي بين جنبيه؟!!! وهل يبقى الكائن حيّاً بلا روح؟!!! كما أنّها علیها السلام مُهجة قلبه وبَهجته، علاوة على ذلك حوت على أعظم فضائل النبي صلی الله علیه و آله و سلم وأشرفها وأجلِّها وأخطرها.
لقد تقدَّ بيانه، وقلنا أنّ الفاتحة اشتملت على كلِّ ما في الكتاب إجمالاً، وهذا المعنى في أم الكتاب قد تبناه بعض العلماء، وبنوا عليه ما ورد في الكتاب العزيز مِن التعبير بأمِّ الكتاب والكتاب المبين، فاعتبروا أنّ ما هو في أمِّ الكتاب هو الإجمال: كما في قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُوَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ}(1).
فعندهم أشارت الآية الكريمة إلى المحو والإثبات وذكرت أنّه مغاير لأمِّ الكتاب الذي لا يتغير ولا يتبدَّل.
1) سورة الرعد الآية39.
والكتاب المبين فيه التفصيل ولذا ورد التفصيل في قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}(1).
فهنا الآية تتحدَّث عن التفصيل فنسبته إلى الكتاب المبين.
فأم الكتاب هو الإجمال وتفصيله الكتاب المبين.
وعلى كلِّ حال الفاتحة إجمال كما بيَّنا وبقية القرآن الكريم تفصيلها على هذا المعنى.
وكذلك أمُّ أبيها علیها السلام فإنّها الجامعة لما عند رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، ورسول الله صلی الله علیه و آله و سلم تفصيلها.
وإنّما جمعنا بين المعنيين في المعنى الجامع أردنا أن نقول أنّه لا مانع مِن الاعتبارين معاً، بل بعض الوجوه السابقة تدخل هنا ومتضمنة في هذا المعنى الجامع، ولا يخفى ذلك على القارئ العزيز فلا نطيل، وإنّما أذكر هنا بعض الأحداث والأحاديث التي تندرج في هذا المعنىالجامع.
1) سورة الأنعام الآية 59.
عن أمير المؤمنين عليعلیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : أي شيء خير للمرأة؟ فلم يجبه أحد قال: فرجعت فذكرت ذلك لفاطمة قالت: فما أجابه إنسان؟ قلت: لا. قالت: ليس شيء خيرا للمرأة [من] أن لا يراها الرجل ولا تراه!! قال: [فرجعت إلى النبي] فأخبرته بما قالت فاطمة [ف-] قال: فاطمة بضعة مني أو مضغة مني)(1).
والروايات في هذه القضية متعددة، وكذا فيما يأتي فلا نعيد.
نجد هنا أنَّ الزهراء علیها السلام قد أنبأت بشرع لا يعرفه الناس، وما هذا إلاّ مِنْ جامعيتها لخير ما عند رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، والنبي أكّد هذا الأمر ببيان أنّها بضعته وهي مِن نوره والحاوية لشريف صفاته.
1) مناقب الإمام أمير المؤمنينعلیه السلام لمحمد بن سليمان الكوفي ج2 ص210-211. وما يقرب منه في بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج37 ص69، وج100 ص238-239. جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج20 ص264 عن الدعائم.
وعنه علیه السلام: سَأَلَنَا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عن المرأة ما هي؟ قلنا: عورة، فقال: فمتى تكون أدنى مِنْ ربِّها؟ فلم ندر. فقالتفاطمة لعلي صلی الله علیه و آله و سلم : ارجع إليه فأعلمه أن أدنى ما تكون من ربها أن تلزم قعر بيتها. فانطلق، فأخبر رسول الله بما قالت فاطمة علیها السلام . فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : إن فاطمة بضعة مني)(1).
مَن يعرف منازل القرب مِن الله تبارك وتعالى غير أمِّ أبيها علیها السلام ، أدقّ اللطائف لا يعرفها إلاّ الخبيرة الملهمة التي هي بضعة مِن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فيكون حديثها حديثه، وبيانها بيانه، ونورها مِن نوره.
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعلیه السلام قالعلیه السلام: استأذن أعمى على فاطمة - صلوات الله عليها - فحجبته، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : لم حجبته وهلا يراك؟ فقالت علیها السلام : إن لم يكن يراني فأنا أراه، وهو يشمُّ الريح. فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم :
1) النوادر لفضل الله الراوندي ص119. بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج100 ص249-250.
أشهد أنك بضعة مني)(1).
ما أعظم أمّ أبيها علیها السلام ، قمّة العفاف والستر، وقمّة المعرفة، وقالت: (خير للمرأة ألا ترى الرجال ولا الرجال تراها) فطبَّقته أعظم تطبيق، فهي ذات العلم والعمل كأبيها صلی الله علیه و آله و سلم ، وببيان النبي صلی الله علیه و آله و سلم بأنّها بضعة منه يدلُّ دلالة واضحة جليَّة أنّها إنّما تُفرغ عن لسان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .
عن النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم : (... وأمَّا ابنتي فاطمة علیها السلام فإنها سيدةنساء العالمين مِنَ الأولين والآخرين، وهي بضعة مني، وهي نور عيني، وثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي، وهي الحوراء الانسية، متى قامت في محرابها بين يدي ربِّها جلَّ جلاله زهر نورها للملائكة في السماء كما يزهر الكواكب لأهل الأرض فيقول الله عز وجل للملائكة: يا ملائكتي انظروا أمتي فاطمة سيدة نساء خلقي، قائمة بين يدي ترتعد فرائصها
1) النوادر لفضل الله الراوندي ص118-119. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج101 ص38. جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج20 ص299، عن الجعفريات.
من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أُشهدكم أني قد آمنت شيعتها من النار...)(1).
النبي صلی الله علیه و آله و سلم هو سيد ولد آدم مِن الرجال والنساء مطلقاً بلا استثناء لأحد مِن الخلق، وفاطمة سيدة النساء مِن الأولين والآخرين، وهذه السيادة تشمل جميع نساء البشر جميعاً، وأليس السيادة على النساء بعض السيادة على النساء والرجال؟!!! لذا بعد أن ذكر أنَّها علیها السلام سيدة نساء العالمين ذكر أنّها بضعة منه، ليُدخل هذه السيادة في سيادته وتكون سيادتها مِن سيادته وبعضاً منها.
أمّا بالنسبة لعينه فهي نورها، ومن دون النور لا يتم الإبصار، وهنا لابدّ أن تستذكر أنّه فُطم الخلق عن معرفتها، فمن يعرف هذا السر العظيم وهو نور عين النبي الأعظم محمد صلی الله علیه و آله و سلم . كما هي ثمرة فؤاده، وعليك أن تستغرق في بحر خيالك كي تتصوّر أنّ قلب النبي الأعظم وهو أعظم قلب في أعظم مخلوق وهذا القلب النابض بأجلِّ حبٍّ للباري تعالى، كيف ستكون ثمرة ذلك القلب ونتاجه، أليست الثمرة هي
1) الفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي ص9.
الغاية ومِن دون ثمرة لا قيمة لتلك الشجرة، فهل يُمكن لأحد أن يتصور ثمرة فؤاد النبي صلی الله علیه و آله و سلم الذي لا ينطق عن الهوى، كلاّ وألف كلاّ بل لا يُمكن إدراك الشجرة فكيف بثمرتها. إنّه بلاغ عجيب غريب بعيد عن أفهام العقلاء وفوق طاقة عقولهم، ويتجاوز كلَّ أحاسيسهم ومشاعرهم، تكلّ العقول قبل الألسن معترفة بالعجز التام عن نيل أدنى غاياته فضلاً عن أعلاها، إنّه فُطم الخلق عن معرفتها.
وهي روحه التي بين جنبيه، وهل وجدتَّ حيَّاً مِن دون روح، وجسماً ينبض بالحياة مِن دون روح؟!!!! كلاّ ثُمّ كلاّ، إنّ هذه العلقة بالنبي البعضيَّة لا يُمكن أنْ يُدرك لها ساحل كما لا يُمكن الوصول إلى قعر بحرها المتلاطم، إنَّها أسرار فُطم الخلق عن معرفتها.
وعبادتها يُباهي بها الله تبارك وتعالى ملائكتهعلیهم السلام، وكيف لا؟!!! وهي نور عين حبيبه وثمرة فؤاده وروحه التي بين جنبيه، بضعة منه، وبضعة الحبيب حبيبة.
روي عن سلمان الفارسي أنَّه قال: حدثني عمار وقال:
أخبرك عجباً؟ قلت: حدثني يا عمار. قال: نعم؛ شهدت علي بن أبي طالبعلیه السلام وقد ولج على فاطمة علیها السلام فلمَّا بصرت به نادت ادن لأُحدثك بما كان وما هو كائن وبما لم يكن إلى يوم القيامة حين تقوم الساعة. قال: فرأيت أمير المؤمنينعلیه السلام يرجع القهقري، فرجعت برجوعه، إذ دخل على النبي صلی الله علیه و آله و سلم فقال له: ادن يا أبا الحسن فدنا فلمَّا اطمأن به المجلس قال له: تحدثني أم أحدثك؟ فقال: الحديث منكأحسن يا رسول الله. فقال: كأنِّي بك وقد دخلت على فاطمة وقالت لك كيت وكيت فرجعت. فقال عليعلیه السلام: نور فاطمة مِن نورنَا. فقال صلی الله علیه و آله و سلم : أولا تعلم. فسجد عليٌّ شكراً لله تعالى.
قال عمَّار: فخرج أمير المؤمنين وخرجت بخروجه فولج على فاطمة علیها السلام وولجت معه. فقالت: كأنَّك رجعت إلى أبي صلی الله علیه و آله و سلم فأخبرته بما قلته لك. قال: كان كذلك يا فاطمة. فقالت: اعلم يا أبا الحسن إنَّ الله تعالى خلق نوري وكان يسبِّح الله جلَّ جلاله، ثُمَّ أودعه شجرة من شجر الجنة فأضاءت، فلمَّا دخل أبي صلی الله علیه و آله و سلم إلى الجنة أوحى الله تعالى إليه الهاماً ان اقتطف الثمرة من تلك الشجرة، وأَدِرْهَا في لهواتك ففعل، فأودعني الله تعالى صلب أبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ثم أودعني خديجة
بنت خويلد علیها السلام فوضعتني، وأنا مِنْ ذلك النور، أعلم ما كان وما يكون وما لم يكن يا أبا الحسن. المؤمن ينظر بنور الله تعالى)(1).
هذا الخبر مِنْ لطائف الأخبار وأبدعها، وكلّ كلامهم وأفعالهم لطيفة بديعة، فتح لنا أبواباً مِن المعرفة، ولم يكن المقصود هو أمير المؤمنينعلیه السلام مِن خطاب الزهراء علیها السلام بل كان المقصود هو المرافق لأمير المؤمنينعلیه السلام وهو عمّار (رضي الله عنه)، وتراجع أمير المؤمنينعلیه السلام إنّما كان رأفة بعمار، ولذا لكي يَتمَّ يقين عمّار ويطمئن أخذه إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .
الدرس الذي تعلمه عمّار وأخبر به سلمان ليس لهمافقط وإنّما هو لنا أيضاً، ولذا جادت رحمتهم بنقل الخبر إلينا ووصوله إلى زماننا.
والكلام عمّا نستفيده مِن الخبر يطول، ولكننا سنقتصر على اليسير مِنه، وأدعوا القارئ العزيز أن يتأمَّل ويُنعم النظر،
1) عيون المعجزات لحسين بن عبد الوهاب ص46-47. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص7-8.
وأسأل الله تبارك وتعالى الواهب الرازق أنْ يُفيض على المتأمِّل مِن فيض معرفة أولياءه، وأنْ يوفق القارئ العزيز للالتفات إلى عوارض الكلام وقرائن المقال، إنَّه سميع مجيب.
إنَّ علم ما كان وما هو كائن أمر قد طرق مسامعنا كثيراً وهو لا يخرج عن العلم بالحوادث وكذلك علم ما سيكون، أمّا علم ما لم يكن - في كلام الزهراء علیها السلام - فهذا أمر غريب عجيب، حيث أنّ هذا لا يُحصى كثرة وإن كان لابدّ أن يُفهم باعتبار وجود المقتضي للوجود ولكنّه لم يوجد سواء كان في البداء أم في غيره، لأنّ الذي لا اقتضاء فيه للوجود لا يكون إلاّ عدماً محضاً لا يتعلق به علم.
تقول الزهراء علیها السلام : (ادن لأُحدثك بما كان وما هو كائن وبما لم يكن إلى يوم القيامة حين تقوم الساعة). ظاهر الكلام أنّها في خلال دقائق معدودة ستُخبر بما كان وما هو كائن وما لم يكن، وهذا نظير ما قاله أمير المؤمنينعلیه السلام: (علمني رسول الله
ألف باب مِن العلم يُفتح لي مِن كلِّ باب ألف باب) أيمليون باب مِن العلم في دقائق معدودة، وهذا لا يتمّ إلى مع تجاوز الزمان، وتجاوز اللسان المحكوم بالزمان.
وكما قلنا إنّما كان ذلك لمعرفة شيء مِن مقام الزهراء علیها السلام لعمار (رضي الله عنه) لا لأمير المؤمنينعلیه السلام.
في هذا الخبر الشريف قد تمّ ربط "علم ما كان وما هو كائن وما لا يكون" بنور خلقتها علیها السلام ، وهذا ما هو واضح مِن كلام أمير المؤمنينعلیه السلام وأقرّه النبي على ذلك.
فإنّ أمير المؤمنينعلیه السلام لمّا ذهب لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم سأل النبي صلی الله علیه و آله و سلم سؤالاً في تعليلٍ لعلم الزهراء علیها السلام فقال: (نور فاطمة مِن نورنَا؟) والنبي صلی الله علیه و آله و سلم أقرّه على ذلك بقوله: (أولا تعلم؟).
ومعنى هذا أنّ كلَّ مَن هو مِن نورهم عنده علم ما كان وما هو كائن وما لم يكن فيشمل بقية المعصومين الأربعة عشرعلیهم السلام، فيكون مِن خصائص ذلك النور ذلك العلم.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
ليست هذه أوّل فضيلة يحاول طمسَها أعداءُ وحُسّاد أهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله عليهم، فكم لها من مثيلات، لو حاول الباحث أن يحصيها لوجدها مما تنوء عن حمله القوافل، فكم حاول أعداء الدين أن يطفئوا نور الله حسداً:
قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}(1)
وقال جل شأنه: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ
1) سورة التوبة آية 32.
فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا}(1)
ولقد ذهبت أفعال العابثين الحاقدين أدراج الرياح، فلم ينالوا ما أرادوا، وأوقدوا لأنفسهم نار جهنم وبئس المصير:قال تعالى:{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ 17 لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}(2)
ولا بأس بأن نورد شيئا يسيرا جداً من عبث الحاقدين، نذكّر به القارئ العزيز قال تعالى:{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}(3)كما أنّ في ذكره التواصي بالحق، قال تعالى:
{وَالْعَصْرِ1 إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ 2 إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(4).
ويمكن أن نقسّم عبث العابثين في سلب أهل البيتعلیهم السلام فضائلهم على أنحاء – لا على سبيل الحصر - ونكتفي بإيراد مثال واحد كي لا نستطرد كثيراً يخرجنا عن المقصود:
الآية: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}(1)
هذه الآية المباركة نزلت في حقّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعلیه السلام عندما فدى النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم ونام على فراشه.
قال أبو جعفر الاسكافي كما في شرح البلاغة لابن أبيالحديد ج3 ص270: حديث الفراش قد ثبت بالتواتر فلا يجحده إلا مجنون أو غير مخالط لأهل الملة، وقد روى المفسرون كلهم: إنَّ قول الله تعالى:
{وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ... الآية}(2). نزلت في علي ليلة المبيت على الفراش.
وروى الثعلبي في تفسيره: إن النبي صلی الله علیه و آله و سلم لما أراد الهجرة إلى المدينة خلف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه وأداء الودايع التي كانت عنده، وأمر ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه وقال له: اتشح ببردي الحضرمي الأخضر ونم على فراشي فإنه لا يصل منهم إليك مكروه إن شاء الله تعالى ففعل ذلك عليعلیه السلام فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل: إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب؟ آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، إهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه. فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا علي؟ يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة. فأنزل الله على رسوله وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله.
ولكنّ معاوية لم يعجبه ذلك، فجعلها بماله أنّها نزلت في ابنملجم، وأبدلها بالآيات: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ204وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ205وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ206}(1)
وبماله جعل هذه الآيات نزلت في أمير المؤمنينعلیه السلام.
فإن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم ليروي أن قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ...} (2). نزل في ابن ملجم أشقى مراد. وقوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ... الآيات}(3). نزل في علي أمير المؤمنينعلیه السلام. فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم، فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل(4).
فهذا ابن تيمية – وما أدراك ما ابن تيمية؟! – إنّه ليس
مدلاساً ناصبياً فحسب بل هو التدليس والنصب في أبرز مصداق، فلو أراد النصب والتدليس أن يظهرا بصورة شبيهة بالبشر لما كانت تلك الصورة تعدوا ابن تيمية، ولا ينقضي تعجبي من هذا الكذّاب في وضح النهار وأمام الملأ بلا حياء ولا خجل، ولو راجع أي إنسان ذي بصيصمن عقل لوجد في ذلك الكتاب المسمى بمنهاج السنة – وهو منهاج النصب – ما تخجل منه الإنسانية.
وليس هذا من التجني في شيء، بل هو أقل بكثير مما يستحقه ذلك الناصبي من عناوين تليق به، فهل يُعقل من رجل ذي ومضة من فهم، أو ذي رشحة من كرامة ودين، أن يُنكر وجود حديث ولو بسند ضعيف، وقد ملأ الطوامير، وتناقلته الأمة الإسلامية، على اختلاف مذاهبها، وسارت به الركبان، فطبقت شهرته الآفاق؟!
ولكن إذا لا تستحي فقل ما شئت.
(علي مع الحق والحق مع علي) ذلك الحديث الذي رواه الكثير بل وعمل به أهل الخلاف فضلا عن أهل الحق، فهذا الرازي صاحب التفسير المعروف والمشهور عندما يرد قول لأمير المؤمنينعلیه السلام وقول لغيره يرجّح قول الأمير علي بن أبي
طالبعلیه السلام بذلك الحديث، قال الرازي في تفسيره ج1 ص111: وأما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى والدليل عليه قولهعلیه السلام: اللهم أدر الحق مع علي حيث دار.
تعال معي نقرأ عبارته في منهاجه ص167، 168:
قال: حديث أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: علي مع الحق، والحق يدور معه حيث دار، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض. من أعظم الكلام كذبا وجهلا، فإن هذا الحديث لم يروه أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، وهل يكون أكذب ممن يروي (يعني العلامةالحلي) عن الصحابة والعلماء أنهم رووا حديثا والحديث لا يعرف عن أحد منهم أصلا؟ بل هذا من أظهر الكذب، ولو قيل: رواه بعضهم وكان يمكن صحته لكان ممكنا وهو كذب قطعا على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كلام ينزه عنه رسول الله.
فأقول: ورد هذا الحديث الشريف بمضامين متعددة:
فمنها ما ورد بلفظ: وأدر الحق معه حيث دار(1)
ورواه أبو الفتح الأشعري الشهرستاني. قال في (الملل والنحل) المطبوع في هامش الفصل لابن حزم 1 ص 220.
ورواه أبو عبد الله الزرقاني المالكي قال في " شرح المواهب " 7 ص 13 ص 300: وخصه لمزيد علمه، ودقائق استنباطه وفهمه، وحسن سيرته، وصفاء سريرته، وكرم شيمه، ورسوخ قدمه (إلى أن قال): وللطبراني وغيره بإسناد صحيح: وفيه: وزعم بعض أن زيادة: أللهم وال. إلخ. موضوعة، مردودة بأن ذلك جاء من طرق صحح الذهبي كثيرا منها.
راجع الغدير للشيخ الأميني ج1 ص 34، 145، 276، 308.
:ومنها ما ورد بلفظ: علي مع الحق والحق مع علي ولنيفترقا حتى يردا علي الحوض(2).
1) رواه ابن طلحة الشافعي في مطالب السئول ص 16 من طريق الطبراني، ورواه أبو العرفان الشيخ محمد بن علي الصبان الشافعي في إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وفضايل أهل بيته الطاهرين (ط هامش نور الأبصار) ص 152: رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون صحابيا وكثير من طرقه صحيح أو حسن.
2) رواه الخطيب في التأريخ ج 14 ص 321. وابن مردويه في (المناقب) والسمعاني في (فضائل الصحابة) أخرجاه بالإسناد عن محمد بن أبي بكر عن عايشة. راجع الغدير للشيخ الأميني ج3 ص176، 178.
ومنها ما ورد بلفظ: الحق لن يزال مع علي وعلي مع الحق لن يختلفا ولن يفترق(1).
ومنها ما ورد بلفظ: علي الحق والحق مع علي(2).
ومنها ما ورد بلفظ: علي مع الحق والقرآن، والحق والقرآن مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض(3).
ومنها ما ورد بلفظ: علي مع الحق والحق معه وعلى لسانه، والحق يدور حيثما دار علي(4).
لا داعي لتكثير المصادر لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أمّا من كان يضع أصابعه في آذانه كي لا يسمع فلا يعي
فهو من أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وعلى أبصارهم وعلى أسماعهم، وما أجمل تلك الكلمات التي حبّرتها يراع شيخ الولاء الأميني تعليقا على كلام ذلكالناصبي فقال:
وهنا نسأل الرجل عن أن هذا الكلام لماذا لا يمكن صحته؟ أفيه شيء من المستحيلات العقلية كاجتماع النقيضين أو ارتفاعهما؟ أو اجتماع الضدين أو المثلين؟ وكأن الرجل يزعم أن الحقيقة العلوية غير قابلة لأن تدور مع الحق وأن يدور الحق معها. كبرت كلمة تخرج من أفواههم...
إلى أن يقول: وليت شعري هذا الكلام لماذا ينزه عنه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ألاشتماله على كلمة إلحادية؟! أو إشراك بالله العظيم؟! أو أمر خارج عن نواميس الدين المبين؟!. أنا أقول عنه لماذا: لأنه في فضل مولانا أمير المؤمنين والرجل لا يروقه شيء من ذلك. ونعم الحكم الله، والخصيم محمد... إلى أن يقول: فإذا كان ما يراه ابن تيمية غير ممكن الصدور عن مبدأ الرسالة فهذه الأحاديث كلها مما يغزو مغزاه يجب أن ينزه صلی الله علیه و آله و سلم عنها، ولا أحسب أن أحدا يقتحم ذلك الثغر المخوف إلا من هو كمثال ابن تيمية لا يبالي بما يتهور فيه،
فدعه وتركاضه، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون(1).
حديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها
تظافر نقله، وأرسله المسلمون إرسال المسلمات، فاشتهر وذاع حتّى ملأ الخافقين، أخرجه جمع كثير من الحفاظ وأئمة الحديث، فإليك جم غفير ممن ذكره في تلكمالقرون الخالية محتجين به، مرسلين إياه إرسال المسلم، مدافعين عنه قالة المزيفين، وجلبة المبطلين.
منهم الحافظ عز الدين عبد العزيز المعروف بابن فهد الهاشمي المكي الشافعي المتوفى 922، أشار إليه في أبيات له يمدح بها أمير المؤمنين عليعلیه السلام وهي:
ليث الحروب المدره الضرغام من *** بحسامه جاب الدياجي والظلم
صهر الرسول أخوه باب علومه *** أقضى الصحابة ذو الشمائل والشيم
الزهد والورع الشديد شعاره *** ودثاره العدل العميم مع الكرم
في جوده ما البحر؟ ما التيار؟ ما *** كل السيول؟ وما الغوادي والديم؟
1) الغدير للشيخ الأميني ج3 ص 179.
ومنهم شهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي المكي، ذكره في " الصواعق " ص73، وفي شرح الهمزية للبوصيري(1)عند شرح قوله:
كم أبانت آياته من علوم *** عن حروف أبان عنها الهجاء؟
وفي شرح قوله:
ووزير ابن عمه في المعالي *** ومن الأهل تسعد الوزراء
وفي شرح قوله:
لم يزده كشف الغطاء يقينا *** بل هو الشمس ما عل يه غطاء
ومنهم الشيخ علي القاري الهروي الحنفي، ذكره في"المرقاة" شرح المشكاة.
قال:الحافظ الشيخ عبد الرؤوف بن تاج العارفين المناوي الشافعي المتوفى 1031، ذكره في " فيض القدير " شرح الجامع الصغير 3: 46 وفي " التيسير " شرح الجامع الصغير وقال في الأول: فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلها، ولا بد للمدينة من باب، فأخبر
1) شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد الدلاصي المتوفى 694.
أن بابها علي كرم الله وجهه، فمن أخذ طريقه دخل المدينة، ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى.
وقد شهد بالأعلمية الموافق والمخالف والمعادي والمحالف، خرج الكلاباذي أن رجلا سأل معاوية عن مسألة فقال: سل عليا هو أعلم مني، فقال: أريد جوابك. قال: ويحك كرهت رجلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزه بالعلم عزا. قال: إن أكابر الصحب يعترفون له بذلك، وكان عمر يسأله عما أشكل عليه، جاءه رجل فسأله فقال: ههنا علي فاسأله، فقال: أريد أن أسمع منك يا أمير المؤمنين! قال: قم لا أقام الله رجليك. ومحى اسمه من الديوان وصح عنه من طرق: أنه كان يتعوذ من قوم ليس هو فيهم حتى أمسكه عنده ولم ير له شيئا من البعوث لمشاورته في المشكل. وأخرج الحافظ عبد الملك بن سليمان قال ذكر لعطاء: أكان أحد من الصحب أفقه من علي؟ قال: لا والله. قال الحرالي: قد علم الأولون والآخرون أن فهم كتاب الله منحصر إلى علم علي ومن جهل ذلك فقد ضل عن الباب الذي من ورائه، يرفع الله عن القلوب الحجاب حتى يتحقق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء. ا ه.
نص غير واحد من علماء القوم بصحة الحديث من حيث السند، وهناك جمع يظهر منهم اختيارها، وكثيرون من أولئك يرون حسنه مصرحين بفساد الغمز فيه، وبطلان القول بضعفه، وممن صححه:
1 - الحافظ أبو زكريا يحيي بن معين البغدادي، نص على صحته كما ذكره الخطيب وأبو الحجاج المزي وابن حجر وغيرهم.
2 - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، صححه في تهذيب الآثار.
3 - أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، صححه في المستدرك.
4 - الخطيب البغدادي، عده ممن صححه المولوي في القول المستحسن.
5 - أبو محمد الحسن السمرقندي، في بحر الأسانيد.
6 - مجد الدين الفيروز آبادي، صححه في النقد الصحيح.
7 - جلال الدين السيوطي، صححه في جمع الجوامع كما مر.
8 - السيد محمد البخاري، نص على صحته في " تذكرة الأبرار ".
9 - الأمير محمد اليماني الصنعاني، صرح بصحته في " الروضة الندية ".
10 - المولوي حسن الزمان عده من المشهور الصحيحفي القول المستحسن
1 - عن الحرث وعاصم عن عليعلیه السلام مرفوعا: إن الله خلقني وعليا من شجرة أنا أصلها، وعلي فرعها، والحسن والحسين ثمرتها، والشيعة ورقها، فهل يخرج من الطيب إلا الطيب؟ وأنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها. وفي لفظ حذيفة عن عليعلیه السلام: أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها. وفي لفظ آخر لهعلیه السلام: أنا مدينة العلم وأنت بابها، كذب من زعم أنه يصل إلى المدينة إلا من قبل الباب. وفي لفظ لهعلیه السلام: أنا مدينة العلم وأنت بابها، كذب من زعم أنه يدخل المدينة بغير الباب قال الله عز وجل: وأتوا البيوت من أبوابها.
2 - عن ابن عباس: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد
العلم فليأت بابه " الباب " وفي لفظ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: يا علي أنا مدينة العلم وأنت بابها، ولن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب.
3 - عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وهو آخذ بيد علي يقول: هذا أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره. مخذول من خذله، ثم مد بها صوته فقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب. وفي لفظ له: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب(1).
وبعد أن سرد علينا وأفاض غدير الولاء الشيخ الأميني+ تلكم المصادر وغيرها الكثير، نعلم أنّ النواصب لا يقر لهم قرار، فها هو الحق قد انطق الموالف والمخالف، فانبرى ابن الجوزي إلى إنكار هذا الحديث الشريف، مع ما هو عليه من الاشتهار.
ولم ينفع ذلك الإنكار، فعمدوا إلى جريمة نكراء بلا خجل ولا حياء، فأضافوا على ذلك الحديث إضافات واهية، يمجها
1) - الغدير - الشيخ الأميني ج 6 ص61- 79.
الذوق الرفيع، والقلب السليم، ويستحي من الإنصات إليها كلّ ذي ذرة من حياء، فقالوا:
أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها.
هكذا تركبت، وهكذا ترتبت، فكان الأمير هو الأخير.
ولنا أن نناقش هذا الحديث المزعوم بزيادته من جهتين:
أمّا من جهة قواعدنا الرجالية، وموازين ضوابطنا العلمية، وأسس أصولنا العقائدية، فهو ساقط عن الاعتبار، لا صحة له، ولا يوجد ما يؤيده، بل هو مخالف لضرورة مذهبنا. وأمّا بالنسبة لهم، فإنّه وإن ذكره ابن حجر في كتابيه الصواعق والزواجر، إلاّ أنّه يظهر أنّه افتضح أمره، وأصبح مهزلة عند أهله، فزيفه في الفتاوى الحديثية ص197.
فقال ابن درويش الحوت في أسنى المطالب ص73: لا ينبغي ذكره في كتب العلم لا سيما مثل ابن حجر الهيثمي ذكر ذلك في الصواعق والزواجر وهو غير جيد من مثله.ومعاوية بن أبي سفيان، أخذته الغيرة، كيف لا يكون مع
عليعلیه السلام في هذا الحديث، فحذف الثلاثة وتفرد بالإضافة، فروي أيضا عن أنس مرفوعا: أنا مدينة العلم، علي بابها، ومعاوية حلقتها.
ولكن قال العجلوني في كشف الخفا ج1: 204: روى الديلمي في " الفردوس " بلا إسناد عن ابن مسعود رفعه: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها. وروي أيضا عن أنس مرفوعا: أنا مدينة العلم، علي بابها، ومعاوية حلقتها. قال في المقاصد: وبالجملة فكلها ضعيفة وألفاظ أكثرها ركيكة(1).
فلا يحتاج الأمر إلى أكثر من هذا.
هل هناك عاقل يقبل هذا التشبيه بالمدينة؟! وهل هناك بليغ لا يأنف أن يتفوه بمثل هذا؟! وهل هناك شخص عنده رشفة من ذوق يقبل مثل هذا؟! إنّه مما تمجه الأسماع، وتنفر من الطباع.
1) راجع الغدير للشيخ الأميني ج7 ص197 وج5 ص322.
من يتعقل السقف لمدينة؟! السقف للبيوت والدكاكين والمرابط وغيرها؟! ليس من شأن المدينة أن تُسقف، ومعاوية أراد أن يكون حلقة ظنّ أنّه يُدقّ به أمير المؤمنينعلیه السلام حسداً وحقداً، وفاته أنّ تلك المدينة هي رحمةالله على العالمين، فبابها لا يوصد في وجه أحد، وليس بحاجة إلى تلك الحلقة حتّى يُدقّ بها عليه.
قال تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا}
لقد روي عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(1)
راجع حياة الإمام الحسينعلیه السلام - الشيخ باقر شريف القرشي ج1 ص89.
...1) روى ذلك أبو سعيد الخدري كما في صحيح الترمذي 2 / 306، مختصر صفة الصفوة (ص 62) مسند أحمد بن حنبل 3 / 62، حلية الاولياء 5 / 71، تاريخ بغداد 9 / 231، ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 167 بسنده عن ابن عمر قال صلی الله علیه و آله و سلم : " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما " وبهذا النص ورد في مسند الامام زيد: وفي الاصابة 1 / 266 روى جهم قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول: " إن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني وفي الجامع الكبير للسيوطي عن ابن عساكر بسنده عن حذيفة أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: أتاني ملك فسلم علي نزل من السماء لم ينزل قبلها فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.
وهذا الحديث الشريف قد تسالم على صحته المسلمون، ولم يكن هناك مجال لإنكاره أو الخدشة فيه، فعمد مخالفوا الحق إلى أمرين:
أ- الخدشة في معناه:فقالوا: يلزم كونهما سيدا أبيهما وجدهما.
قلنا: خرج النبي بقوله صلی الله علیه و آله و سلم : أنا سيد ولد آدم. وخرج عليعلیه السلام بقوله صلی الله علیه و آله و سلم : وأبوهما خير منهما.
قالوا: فلزم كونهما خيرا من الأنبياء قلنا: نعم هما كذلك، ولو فرضنا أنّهما ليسا كذلك فنقول: جاز إطلاق العام وإرادة الخاص مثل
قوله تعالى: {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ...}(1)أي: من كل شيء يؤتى الأنبياء والملوك. وقيل: من كل ما يطلبه طالب لحاجته إليه، وانتفاعه به. وقيل: من كل شيء علما وتسخيرا في كل ما يصلح أن يكون معلوما لنا، أو مسخرا لنا، غير أن مخرجه مخرج العموم، فيكون أبلغ وأحسن.
ب- وضع حديث كي تضمحل هذه الفضيلة أمام حديث مزعوم موضوع نسبوه إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حسداً وبغضاً لأهل بيت العصمة والطهارةعلیهم السلام:
فرووا أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة.
وهذا الحديث يلوح منه الكذب والوضع الفاضحان، فلنا أن نناقش في كلّ من سنده ومتنه؛
أمّا سنده:
وقع أبو العباس محمد بن يونس القرشي السامي وهو الكديمي في سند رواية ابن عساكر وهو ضعيف(2). كما وقع
يحيى بن عنبسة في طريق الحديث وقد ذكره الذهبي في الضعفاء. وأورد الحديث السيوطي في اللئالئ المصنوعة ص165 وفي سنده أبو بكر عبد الرحمن بن عفان الصوفي، وقال السيوطي: أبو بكر وشيخه كذابان. وأخرج ابن قتيبة في " الإمامة والسياسة " الحديث وفي طريقه ابن أبي مريم هو ذلك الكذاب الوضاع، وروي بطريق بشار بن موسى البصري، وقال عنه ابن معين: ليس بثقة إنه من الدجالين. وقال عمرو بن علي: ضعيف الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث.
وغيرهم ممن يسلّم القوم بضعفهم. هذا من ناحية السند.
وأمّا متنه:
نلاحظ على متن هذا الحديث الموضوع أمور:
1- إنّ أهل الجنّة كلهم شباب وليس فيهم كهل ولا عجوز، وهذا أمر مشهور ومعروف بين المسلمين عامة، فكيف يكون لكهولهم سادة!
وهذا الإيراد على معنى هذا الحديث المزعوم، قد ذكره الإمام الجوادعلیه السلام فيما روي عنه، وإليك الرواية بطولها إتماماً للفائدة:
روي أنّ المأمون بعدما زوج ابنته أم الفضل أبا جعفرعلیه السلام، كان في مجلس وعنده أبو جعفرعلیه السلام ويحيى بن أكثم وجماعة كثيرة. فقال له يحيى بن أكثم: ما تقول يا ابن رسول الله في الخبر الذي روي: انه (نزل جبرئيلعلیه السلام على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وقال: يا محمد إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك: سل أبا بكر هل هو عني راض فاني عنهراض).
فقال أبو جعفرعلیه السلام: لست بمنكر فضل أبي بكر، ولكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في حجة الوداع: (قد كثرت علي الكذابة وستكثر بعدي فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله وسنتي، فما وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به) وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله قال الله تعالى:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}(1)فالله عز وجل خفي عليه رضاء أبي بكر
1) سورة ق آية 16.
من سخطه حتى سأل عن مكنون سره، هذا مستحيل في العقول.
ثم قال يحيى بن أكثم: وقد روي: (إن مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل جبرئيل وميكائيل في السماء). فقال: وهذا أيضا يجب أن ينظر فيه، لان جبرئيل وميكائيل ملكان لله مقربان لم يعصيا الله قط، ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة، وهما قد أشركا بالله عز وجل وإن اسلما بعد الشرك. فكان أكثر أيامهما الشرك بالله فمحال أن يشبههما بهما. قال يحيى: وقد روي أيضا: (أنهما سيدا كهول أهل الجنة) فما تقول فيه؟ فقالعلیه السلام: وهذا الخبر محال أيضا، لان أهل الجنة كلهم يكونون شبابا ولا يكون فيهم كهل، وهذاالخبر وضعه بنو أمية لمضادة الخبر الذي قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في الحسن والحسين صلی الله علیه و آله و سلم : بأنّهما (سيدا شباب أهل الجنة)(1).
ولقد حاولوا دفع هذا الإيراد، فقالوا: المراد من قوله صلی الله علیه و آله و سلم : سيدا شباب أهل الجنة، من مات شاباً، وفي أبي بكر وعمر
1) الاحتجاج للشيخ الطبرسي ج2 ص245. وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج50 ص80.
من مات كهلاً، وقد مات الحسنان كهلين فيكون الشيخان لهما سيدين.
قلنا: أولاً: لو كان الحديثان يحتملان هذا المعنى لانتصر به يحيى بن أكثم وأمثاله - الذين كانزا يُصارعون الحق، وتخصصوا في الدفاع عن الباطل - فإنّه أذعن للإيراد، ويُستبعد أن يكون ذلك المعنى ظاهرا منه ولم يلتفتوا له.
ثانياً: أحد علمائهم وهو العاقولي في شرحه للمصابيح قال: لم يرد سن الشباب لأن الحسنين ماتا كهلين، بل ما يفعله الشاب فيقال: فلان فتى إذا كان ذا مروة وفتوة وإن كان شيخا، فعلى هذا هما سيدا الشباب والكهول.
وفيه تصريح بكذب سيدا كهول أهل الجنة فالمخالف يجتهد بإبطال تلك الفضائل المزعومة!!!
ثالثاً: هذا تأويل على خلاف الظاهر وبحاجة إلى قرينة، ولا قرينة في البين، فإنّه على ذلك التأويل المزعوم يحتاج إلى كثرة التقدير لكثرة الحذف ومع أنّ التقدير والحذف خلاف الأصل كذلك هو بلا قرينة فنقول في الحديث الأوّل: الحسن والحسين سيدا الشباب الذين ماتوا حالشبابهم أو في عمر الشباب، وكانوا من أهل الجنة. فأي قواعد عربية تحتمل هذا
الحذف وإن كان مع القرينة، فما بالك بحذف بدون قرينة. وكذا الكلام في الحديث الثاني المزعوم فلا نعيد.
رابعاً: السيد في كلام العرب هو الرئيس، فإذا كانا رئيسين على الكهول والمدعى أنّهما رئيسان على الحسنين صلی الله علیه و آله و سلم الذين هما كهلان وسيدا شباب أهل الجنة، فالنتيجة أنهما سيدا الكهول وغيرهم فهما رئيسان على جميعهم وإذا كانا رئيسين على الجميع فهما سيدا الجميع لأنّ رئيس الرئيس رئيس، وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة في قول الرسول صلی الله علیه و آله و سلم : هما سيدا كهول أهل الجنة، بل ينبغي أن يقول – حسب زعمهم -: هما سيدا أهل الجنة.
خامساً: على هذا المعنى المزعوم أنّهما ليسا سيدا شيوخ وعجائز أهل الجنة، وهو خلاف دعواهم، بأنّهم سادة الجميع عدا الأنبياء والمرسلين.
ولورود تلك الإشكالات عليهم لجأ بعضهم إلى التماس معنى آخر فقال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ج1 ص117:
(سيدا كهول أهل الجنة) يعني الكهول عند الموت لأنه ليس في الجنة كهل إذ هو من ناهز الأربعين وخطه الشيب
وأهل الجنة في سن ثلاث وثلاثين فاعتبر ما كانا عليه عند فراق الدنيا ودخول الآخرة كذا قرره القرطبي وغيره وهو غير قويم إذ لو اعتبر ما كانا عليه عند الموت لما قال كهول بل شيوخ لأنهما ماتا شيخين لا كهلين فالأولى ما صار إليه بعضهم من أن المراد بالكهل هنا الحليم الرئيسالعاقل المعتمد عليه يقال فلان كهل بني فلان وكاهلهم أي عمدتهم في المهمات وسيدهم في الملمات.
وهذا أراد أن يكحلها فعماها، حيث أن الكاهل تجمع على كواهل، أمّا الكهل فيجمع على كهول. وما أراده من المعنى يناسب كواهل ولا يناسب كهول. على أنّه لو صحّ لكان معنى مجازياً يحتاج إلى قرينة، مع أنّ القرينة لو تمّت لكان المعنى يقتضي أنّهما سيدا عمدة وسادة أهل الجنة، ومن هم سادة أهل الجنة غير الأنبياء والمرسلين؟! وهم خارجون عن الحديث، فالنتيجة أن الحديث حينئذ يناقض نفسه، فصدره يثبت أنهما سادة السادة وهم الأنبياء والمرسلون وعجزه أخرج الأنبياء والمرسلين، كما أنّهم لا يدّعون تفضيلهم على الأنبياء والمرسلين.
2- إنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، وفي الدنيا كهول،
وليس في جنة الآخرة كهول، فإذا كانا سيدا كهول أهل الجنة، فهي جنة الكافر وهي الدنيا التي فيها الكهول دون جنة الآخرة، فيكونان سيدا كهول الكفّار، فهما رؤوس الكفر.
3- هل جيم الجنة مكسورة؟ فإذا كان كذلك فهما سيدا كهول أصحاب الجن الذين يتصلون بالجن، إما لأنّ لهم شياطين من الجن تعتريهم – كما روي عن أبي بكر ذلك – وإمّا أنّهم سادة المتمرسين في التعامل مع الجن وهم السحرة، والساحر كافر.
والجميل في الأمر أنّ هذا المنكر من القول أنكرته حتى عائشة مع ما هي عليه من المواقف ضدّ أهل البيتعلیهم السلام، ففي شرح الأخبار - للقاضي النعمان المغربي ج3 ص55:روى عن الربيع بن صبيح(1)، بإسناده عن عائشة - زوج النبي صلی الله علیه و آله و سلم - أنها سئلت: أي النساء أحب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ؟
قالت: فاطمة. ومن الرجال، علي.
قيل لها: وكيف، وقد بلغنا أنه سئل أي النساء أحب إليك؟
1) وهو أبو بكر، الربيع بن صبيح السعدي البصري، خرج غازيا إلى السند فمات في البحر ودفن في إحدى الجزر سنة 160 ه.
فقال: عائشة بنت أبي بكر. وقيل: أي الرجال أحب إليك؟
قال: أبوها.
فقالت عائشة: اللهم غفراً لا تخدعوني، إني والله أنا عصبته فأقول مالا أملكه، إنهم إنما سألوه عن أي الناس أحب إليه، ولم يسألوه عن نفسه. وكيف يكون ذلك، وفاطمة التي يقول لها: [فداك] نفسي أنت سيدة نساء العالمين. فقيل له: يا رسول الله فأين مريم؟ قال: تلك سيدة نساء قومها. فقال لها: يا فاطمة، زوجتك سيد العرب. فقيل له: يا رسول الله، فأنت؟ قال: أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب، وأبناؤه الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
قيل لها: فإن ما بلغنا أن أبا بكر وعمر سيدا كهول الجنة من الأولين والآخرين.
فقالت: إني والله ما أدري ما هذا، ولان يكون كذلك أحب إلي من حمر النعم، فإن كان قاله، فأين إبراهيم خليل الرحمان؟ ولكني سمعته يقول: أهل الجنة شباب جرد مرد ليس عليهم شعر إلا على رؤوسهم والحواجب منهم وأشفارالعيون. ولم أسمعه يقول إن فيها كهولا. ولقد علمت أنكم إنما تدرأون فضل علي فو الله ما يمنعه أن يكون له الفضل
وهو أول المؤمنين إيمانا برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وأسبقهم إلى نصرته، وأقولهم بالحق، ولقد كان صواما وقواما وآخر الخلق عهدا برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حتى فاضت نفسه في يده، ولقد أوصى إليه بما لم يطمع فيه غيره.
فاطمة أمّ أبيها علیها السلام ، هذه الكنية التي اشتهرت بها الزهراء علیها السلام ، استعظمها البعض، وما خنعت نفسه المريضة أن يُسطّرها من دون تصحيف، فأبدل الياء بالنون، فصارت أم ابنها، فهذا ابن حجر في تهذيب التهذيب ج12 ص440 صحّف كلمة (أبيها) ب (ابنها). وكأنّ الذي صحّف يريد من ذلك: أن يشتهر التصحيف ويُنسى الأصل فتنتفي عن الزهراء علیها السلام هذه الفضيلة العظمى، وهي مغنم بالنسبة إليه. ومن خلاله يحصل على ما يبرّد غليل نصبه بأن الرسول صلی الله علیه و آله و سلم أراد من ذلك أنّ ابنها منها ولا يُقال هذا إلاّ في مقام رفع تهمة في البين!!!
{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ}(1).
وفي الإصابة ج8 ص262 يقول ابن حجر:
فاطمة الزهراء بنت إمام المتقين رسول الله محمد بنعبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمية صلى الله على أبيها وآله وسلم ورضي عنها كانت تكنى أم أبيها بكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ونقل بن فتحون عن بعضهم بسكون الموحدة بعدها نون وهو تصحيف وتلقب؛ الزهراء.
وفي سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي ج11 ص37:
وكانت تكنى أم أبيها - بكسر الموحدة بعدها مثناة، تحتية - ومن قال غير ذلك فقد صحّف.
فهؤلاء يصرّحون أنّ هناك من صحّف، ولم يقولوا إنّه وقع الخطأ، مما يدلّك على أنّ هناك قصداً وراء ذلك التصحيف.
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}(2)
في عصرنا هذا كثر هذا النوع من حمل الأحاديث الشريفة على غير محملها، وإعطائها معنى بعيداً عن ظاهرها، وتمييع تلك المعاني الحقيقية حتى تكون متلائمة مع نفوسهم الخبيثة، وعقولهم الضعيفة، وقلوبهم الخسيسة.
ومن ذلك جرأتهم على معنى (أم أبيها) وسنتناول ذلكفي البحث القادم مستقلاً إن شاء الله تعالى تحت عنوان الفهم المتجنّي.
ونأخذ هنا مثالاً آخر:
الحديث المشهور: علامات المؤمن خمس.
روي عن الإمام أبي محمد الحسن العسكريعلیه السلام، وروي عن الإمام أبي الحسن الثالث علي الهاديعلیه السلام، وروي عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادقعلیه السلام.
رواها السيد ابن طاووس الحسني في إقبال الأعمال ج3 ص100:
روينا بإسنادنا إلى جدي أبي جعفر الطوسي، فيما رواه
بإسناده إلى مولانا الحسن بن علي العسكري صلوات الله عليه انه قال: علامات المؤمن خمس: صلاة(1)إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين(2)، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمان الرحيم.
ورواها الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام ج6 ص52:
روي عن أبي محمد الحسن العسكريعلیه السلام انه قال: علامات المؤمن خمس: صلاة الخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم في اليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
ورواها ابن أبي جمهور الأحسائي في عوالي اللئالي ج4 ص37:
روي عن الصادقعلیه السلام انه قال: علامات المؤمن خمس،صلاة إحدى وخمسين، وتعفير الجبين، والتختم باليمين، وزيارة الأربعين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
وغيرهم الكثير(3).
1) صلوات (خ ل).
2) في اليمين (خ ل).
3) فرواها الشيخ في مصباح المتهجد: 730، والوسائل 10، 373 أبواب المزار وما يناسبه ب 56 ح1. والشيخ المفيد في المزار ص53. والعلامة الحلي في منتهى المطلب ج2 ص892. محمد بن المشهدي في المزار ص352. وابن قولويه في كامل الزيارات: 325، والبحار ج101 ص106. والسيد ابن طاووس في الإقبال 3: 100 ومصباح الزائر ص347. والكفعمي في مصباحه ص489. وغيرهم.
بل إنّ فقهائنا رضوان الله عليهم استدلوا بحديث علامات المؤمن على استحباب تعفير الجبين، واستحباب التختم باليمين، واستحباب إكمال الصلوات الواجبة إلى إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة منها الواجب ومنها المستحب.
كما نصّ فقهاؤنا رضوان الله تعالى عليهم على تأكّد استحباب زيارة الإمام الحسينعلیه السلام في يوم الأربعين، أمّا أصل الزيارة فهي مستحبة في كلّ وقت.
ولقد عقد الحر العاملي في وسائل الشيعة ج41 ص478. باباً خاصّا في تأكّد استحباب زيارة الأربعين.
كما أنّ كلّ فقيه تعرض للاستدلال على تأكّد استحباب زيارة الأربعين استدلّ بحديث علامات المؤمن.
وعبّر عن تلك الرواية السابقة آقا رضا الهمداني فيمصباح الفقيه ج2 ق1 ص304: بالمستفيضة. كما عبّر المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة ج2 ص5. عن ذلك الخبر بالمشهور. كما عبّر عنها أيضاً السيد علي الطباطبائي في رياض المسائل ج3 ص406: بالمعتبرة المستفيضة، بل المتواترة.
وزيارة الأربعين أورد علماء الإمامية لها كيفيتان:
زيارة الأربعين الأولى:
روى السيد ابن طاووس الحسني في إقبال الأعمال ج3 ص100 بإسناده إلى صفوان بن مهران قال:
قال لي مولاي الصادقعلیه السلام في زيارة الأربعين: تزور عند ارتفاع النهار فتقول: السلام على ولي الله وحبيبه، السلام على خليل الله ونجيبه(1)، السلام على صفي الله وابن صفيه، السلام على الحسين المظلوم الشهيد، السلام على أسير الكربات وقتيل العبرات (2).
زيارة الأربعين الثانية:
في بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج89 ص329:
قال عطا: كنت مع جابر بن عبد الله يوم العشرين من صفر فلما وصلنا الغاضرية اغتسل في شريعتها، ولبس قميصا " كان معه طاهرا "، ثم قال لي: أ معك شيء من الطيب يا عطا؟ قلت: معي سعد، فجعل منه على رأسه وساير جسده، ثم مشى حافيا حتى وقف عند رأسالحسينعلیه السلام وكبر ثلاثا ثم خر مغشيا عليه، فلما أفاق سمعته يقول:
السلام عليكم يا آل الله، السلام عليكم يا صفوة الله، السلام عليكم يا خيرة الله من خلقه، السلام عليكم يا سادات السادات، السلام عليكم يا ليوث الغابات، السلام عليكم يا سفينة النجاة، السلام عليك ورحمة الله وبركاته... إلى آخر الزيارة(1).
وبعد كلّ هذا أيشكّ أحد في أنّ معنى زيارة الأربعين هي زيارة الإمام الحسين في يوم العشرين من شهر صفر المظفر؟!
نعم إنّ رائد الضلال والفتنة في هذا العصر، لا يروق له هذا
1) مصباح الزائر ص 151 - 152.
المعنى فابتدع معنى عجيبا غريبا وفي شريط مسجّل بصوته:
سئل: هل صحيح أن فكرة إحياء الأربعين بالنسبة للموتى والشهداء وحتى أربعين الإمام الحسين هي فكرة يهودية، وإذا كانت كذلك فلماذا تم اعتمادها من قبل المسلمين؟.
فأجاب: "ليس من الضروري أن كل الأفكار الموجودة في تاريخ اليهود أن تكون سيئة، ليس من الضروري ذلك، قد يكون بعض الأشياء مصدرها ديني. والواقع أنه في الإسلام ما عندنا أربعين أصلا، بالتشريع الإسلامي ما عندنا لا أسبوع ولا أربعين، عندنا ثلاثة أيام تعزية... ثلاثة أيام ثم أغلقوا الباب، انسوا الميت خلاص، فقط اذكروه بالدعاء والصدقة، أما بالقعدة من أول أربعين، ونعمل سنةوسنة ما أدري مرور سنتين، كل هذا ليس من الإسلام في شيء لا أقول إنه محرم، لا.. ليس حرام لكن ليس تقليدا إسلاميا. يمكن له أصل يهودي أو غير يهودي الله أعلم.
وأما زيارة أربعين الإمام الحسين فلم ترد عندنا، عندنا حديث يقول إنه من علامات المؤمن التختم باليمين والابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم وصلاة إحدى وخمسين وزيارة الأربعين، بعض الناس فسروها زيارة
أربعين يعني زيارة الحسين في يوم الأربعين، لا... ليس هكذا، بل زيارة أربعين مؤمن، لكن طبعا الحسين شهيد إمام، عندنا زيارة عرفة، زيارة عاشوراء، زيارة شعبان، أما زيارة الأربعين ما فيها استحباب".
أقول: هذا المبتدع الضال لا يتورّع عن أي شيء يتهجّم به على هذه الطائفة الحقّة، حتّى ولو كان التهجّم يمس أقدس مقدساتها، وليته يتحدّث بأسلوب علمي يمكن حمله على مجرّد الاشتباه والخطأ، ثمّ لو تنزلنا وحملناه على الخطأ في مورد أو عشرة، فهل يسوغ لعاقل أن يتجاهل ذلك الكم الهائل من التجاوزات على هذا المذهب الحق!!!
والعجب أنّه يحضر أربعينات فلان وفلان ويُلقي ويمتدح ويتملّق، وعندما تصل النوبة لشهيد الطف الإمام الحسينعلیه السلام يظهر بمظهر العالم المحقق الذي لا يُشقّ له غبار، عجيب أمر هذا الضلال!!! وما يتعلق بزيارة الأربعين نأخذ عليه نقاط:
الأولى: كيف يمكن لمسلم أن يجرؤ ويقول: أنّ أربعين الحسينعلیه السلام يمكن أن يكون لها أصل يهودي أو غير يهودي!!! لمجرَّد التشكيك والإستخفاف.الثانية: يدّعي أنّه ما وردت زيارة الأربعين إلاّ في ذلك
الحديث، في حين إننا تلونا عليك نصّ الزيارة المروية عنهمعلیهم السلام في يوم الأربعين فراجع.
الثالثة: العجيب أيضاً أنّ عنده معنى زيارة الأربعين في الحديث هو زيارة أربعين مؤمن!!! مع أنّ علماء الطائفة كافة بل حتّى جهالها لا يفهمون هذا المعنى العجيب الغريب الذي هو أبعد ما يكون عن ظاهر اللفظ.
الرابعة: قوله: "بعض النّاس" توحي وكأن جماعة قليلة قالت بذلك، في حين أنّه قول علمائنا قاطبة في تفسير هذا الحديث، ولذا تقدّم أنّ كلّ من تطرّق إلى بيان وجه استحباب زيارة الأربعين ذكر ذلك الحديث من جملة الأدلّة.
الخامسة: ألا تكفي هذه السيرة من جميع الطائفة على اختلاف طبقاتها في أنّ يتوقّف ولا ينفي الاستحباب بضرس قاطع؟!!! فيراجع على الأقل الروايات وأقوال الطائفة؟!!! لكنّه من الواضح أنّه لا يريد ذلك، بل هذا لا يخفى على البعيد عن أوساط الشيعة فكيف يخفى على من يعيش في كنفهم.
إذاً هو الضلال الذي يريد أن يُبعد الناس عن أهل البيتعلیهم السلام، بجعل السُمّ في العسل.
صدقت مولاتي وسيدتي الصدّيقة الصغرى زينب الكبرى علیها السلام حين قالت ليزيد الصنف لا الشخص:( فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين).
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم هو الكامل في جسده وعقله ونفسه وعاطفته وكلّ قواه، مما نعلم وما لا نعلم، وهو البشر الكامل الذي ما بعده كمال بشري، والإنسان الذي شاءت عناية المبدع الخالق سبحانه وتعالى أن يجعله في أحسن تقويم في كلّ جوانبه وشؤونه صلی الله علیه و آله و سلم ، فهو صنيعة الله سبحانه وتعالى التي لم يُخلق لها مثيل ولا نظير إلاّ أهل بيته وخاصّته وصفوة الخلق من بعده.
فهو صلی الله علیه و آله و سلم الرحمة التي وسعت كلّ شيء، وهو الذي وصفه سبحانه وتعالى بأنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وهو على خلق عظيم:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(1){لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(2){وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(3).فقال صلی الله علیه و آله و سلم بحق: أدّبني ربّي فأحسن تأديبي.
اجتباه الله سبحانه وتعالى سيّدا على الأنبياء وعلى جميع خلقه، فكان سيّداً في قوله، وسيّداً في فعله، وسيّداً في عقله، وسيّداً في عاطفته، وسيّدا في نفسه، فجعله الغني غنياً في كلّ ذلك كلّه وغيره.
لم يُعاني من نقص في شيء، ولا حاجة إلى شيء، ولا جهل بشيء، فجعله الله سبحانه وتعالى عيبة علمه، وخزانة أسراره، ومستودع حكمته، ومشكاة نوره، وعنده الكتاب المبين، فما من غائبة في السماوات والأرضين إلاّ كانت هو وعاؤها ومستقرّها قال تعالى:
{وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}.
في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص134(1):
(عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبيه، عن أبي الحسنالأول(2)علیه السلام قال: قلت له: جعلت فداك النبي صلی الله علیه و آله و سلم ورث علم النبيين كلهم؟ قال لي: نعم. قلت: من لدن آدم إلى أن انتهى إلى نفسه؟ قال: نعم. قلت: ورثهم النبوة وما كان في آبائهم من النبوة والعلم؟ قال: ما بعث الله نبيا إلا وقد كان محمد صلی الله علیه و آله و سلم اعلم منه. قال: قلت: إن عيسى بن مريم كان يحيى الموتى بإذن الله. قال: صدقت. وسليمان بن داود كان يفهم كلام الطير. قال: وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقدر على هذه المنازل؟ فقال: إن سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده
1) عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج26 ص161، وج 89 ص84. وفي الكافي للشيخ الكليني ج1 ص226، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، أو غيره، عن محمد بن حماد، عن أخيه أحمد ابن حماد، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الحسن الأولعلیه السلام... ثمّ أورد الحديث باختلاف يسير. ونقله في المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص164. وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج26 ص65. وفي ينابيع المعاجز للسيد هاشم البحراني ص9.
2) الإمام الكاظمعلیه السلام.
وشك في أمره:
{مَا لِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ}
وكانت المردة والريح والنمل والإنس والجن والشياطين له طائعين، وغضب عليه فقال: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} وإنما غضب عليه لأنه كان يدله على الماء، فهذا - وهو طير- قد أعطي ما لم يعط سليمان، وإنما أراده ليدله على الماء، فهذا لم يعط سليمان وكانت المردة له طائعين، ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء وكانت الطير تعرفه، إن الله يقول في كتابه:
{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى}
فقد ورثنا نحن هذا القرآن، فعندنا ما يقطع به الجبال، ويقطع به البلدان، ويحيى به الموتى بإذن الله، ونحن نعرف ما تحت الهواء، وان كان في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر من الأمور التي أعطاه الله الماضين النبيين والمرسلين إلا وقد جعله الله ذلك كله لنا في أم الكتاب، إنالله تبارك وتعالى يقول:
{وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}
ثم قال عز وجل: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} فنحن الذين اصطفانا الله، فقد ورثنا علم هذا القرآن الذي فيه تبيان كل شيء).
فكان صلی الله علیه و آله و سلم محلّلا لغوامض الأسرار، له آياته ورموزه في الطواسيم قال تعالى: {طسم1تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} كما أنّ غيب "ألر" آية من آياته. فقال تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} فمن هذا شأنه حقيق بأن يكون هو القسم العظيم وسر "حم" فقال تعالى: {حم1وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ2إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ3وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}
وأمّا في مقام ظهوره صلی الله علیه و آله و سلم البشري يأمره مولاه عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ}.
فالظاهر للعيان عند العامة من البشر هو أنّه صلی الله علیه و آله و سلم بشر رسول نذير مبين، ولم تقف شخصيّة النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم عند هذا الحدّ بل غيبه وأسراره أعظم من هذا الظهور.
هذا بعض ما عليه قلب المؤمن انعقد، في حقّ مولانا
السيّد المصطفى الأمجد، وذاك من هدي المحمود الأحمد، أبي القاسم النبي محمد، صلوات ربّي على ذلكالمحبوب الممجّد، وآله سادات الورى والكون المعقّد.
وماذا ينضح من غير المؤمن:
يقول: (.. وإذا كانت كلمة (أم أبيها) تعني الإحساس القوي باستعادة عاطفة الأم التي فقدها في طفولته فعاش فراغها في مشاعره من خلال ابنته فاطمة... إلى أن يقول: إن النبي استعاد أمه في ابنته ومعنى ذلك أنه عاش الامتلاء الروحي العاطفي الشعوري الذي يحتاجه في بشريته حتى وهو في قمة الفعلية لأن الرسول بشر يتألم ويفرح ويحزن ويتعب ويتحسس كل الأجواء التي تثبت موقفه وتثبت موقعه وتطلق آفاقه...)(1).
ونجده يقول أيضا: (بدأ النبي حياته وهو يشكو فقد حنان الأم لأن حنان الأم ليس شيئا يمكن أن تتكفله مرضعة أو مربية إنه شيء من عمق الروح من عمق القلب لأن الولد جزء من الأم ولذلك فإن إحساسه كإحساس الإنسان بنفسه ليس
1) مقابلة مع إذاعة النور بتاريخ 22 - 11 - 1997. يوجد منه تسجيل بصوته.
شيئا خارجا عن حياته ولكنه شيء داخل في حياته وكانت هي جزءا من الرسول والجزء يتفاعل مع الأجزاء الأخرى ولذلك أعطته أمومتها باحتضانها له وقالها رسول الله وهو يشعر أن ذاك الفراغ الذي فقده بفقدان أمه استطاع أن يملأه من خلال ابنته فابنته هي أمه بالروح وابنته بالجسد ولذلك قال عنها أنها (أم أبيها) كم تحمل هذه الكلمة من دلالات؟.. الخ)(1).ويقول في نص آخر: (إن كلمة النبي صلی الله علیه و آله و سلم عن الزهراء علیها السلام إنها (أم أبيها) توحي لنا: أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم عاش مع ابنته الزهراء علیها السلام حنان الأم وعطفها بحيث عوضته عما فقده من حنان أمه وعاطفتها حتى إنه صلی الله علیه و آله و سلم وهو يتمثلها كيف ترعاه وتحنو عليه وتبكي إذا مسه سوء كان يحس لو أن أمه كانت تفعل ذلك وتعيش معه وليس هذا عقدة نقص في شخصيته صلی الله علیه و آله و سلم وهو صلی الله علیه و آله و سلم لم يشك عقدة نقص على الإطلاق). إلى أن قال: (فالنبي صلی الله علیه و آله و سلم يمثل الكمال كله. وعلى هذا فإن إحساس البشر بالجوع لا يعني نقصا فيه وليس هناك فرق
1) الندوة ج 1 ص 58.
بين الجوع إلى الطعام وبين الجوع إلى الحنان. فنحن نعيش الجوع إلى الحنان كما نعيش الجوع إلى الطعام. فهل هناك نقص في النبي صلی الله علیه و آله و سلم عندما يحس بالجوع إن كان جوعا للحنان أو للطعام؟.. الخ)(1).
ويقول: " لقد سمعتم أن النبي كان يناديها بأنها " أم أبيها ". لماذا هذه الكلمة؟.. لأن النبي كان يعاني جوعا من حنان الأم كأي إنسان يفتقد في طفولته(2).
إلى أن يقول: "وربما نجد أن كثيرا من الناس من يعيشون قيادة الأمة، أو من يعيشون قيادة أي خلية من خلايا المجتمع، ربما نجد أن الجفاف العاطفي الذي عاشوه في طفولتهم ينعكس على طريقتهم في الحياة، وطريقتهم في العلاقات، وطريقتهم في كل حركة العمل. ولهذا فإن هذا الجانب يمكن أن يمثل في حياة الإنسان ليس فقطحركة عاطفية تتصل بالشخص، ولكنها حركة عملية تتصل بحركة هذا الشخص
في الحياة "(1)
هذا كلامه وهو مشتمل على أمور:
1- فقد النبي صلی الله علیه و آله و سلم عاطفة الأم في طفولته فعاش فراغها في مشاعره.
أيّ فراغ يتحدّث عنه هذا الجاهل؟!
ألم يملأه حبّ الله تعالى الذي غلب على مشاعره؟! بل إنّ كلّ مشاعره هي حبّ الله تعالى، وليس له أي مشاعر إلاّ من خلال معبوده ومحبوبه الله عزّ وجل.
الفراغ نقص يحتاج إلى الملئ، وهل يتصور مؤمن أنّ في قلب النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم فراغا لم يشغله حبّ الله تعالى؟!
حبّ الله سبحانه وتعالى له وحبّه لله لم يجعل لأحد أي حبّ إلاّ من خلال محبّة الله تعالى، هو سيّد أمّه وليس السيّد هو المحتاج إلى عطف العبد والأمَة، بل العبد والأمة يحتاجان إلى عطف وحنان السيّد، ومن هنا قيل للسيّد والرئيس " أمّاً "، فراجع كتب اللغة إن شئت.
1) دور المرأة الرسالي: ص 24 و25.
2- الرسول بشر يتألم ويفرح ويحزن ويتعب ويتحسس كلّ الأجواء التي تثبّت موقفه وتثبّت موقعه وتطلق آفاقه.
يريد من هذا أن يقول: إنّ النبي محمداً سيّد الخلائقلولا أن حظي بحبّ يملأ ذلك الفراغ العاطفي عنده لما ثبت موقفه ولما ثبت موقعه ولما انطلقت آفاقه، فهو إنسان بالنتيجة يستحوذ عليه الضعف والحاجة إلى العاطفة من الغير، فلو لم يفقد أمّه علیها السلام وهو صغير وملأت ذلك الفراغ لما احتاج إلى شخص يملأ ذلك الفراغ. ولكنّه احتاجه ووجده عند ابنته فاطمة الزهراء علیها السلام ، فلو وجده عند غيرها لتكرّمت تلك المرأة بملأ ذلك الفراغ، فتكون تلك المرأة بذلك قد ثبّتت موقف النبي صلی الله علیه و آله و سلم حتى لا يتزلزل، وثبّتت موقعه حتى لا يًجهل، وأطلقت آفاقه حتى لا تكون تلك الآفاق ضيّقة محدودة.
3- النبي يشكو حنان الأم.
من أين علم هذا الجاهل بأنّ النبي كان يشكو من فقد حنان الأم؟!
هل الآيات القرآنيّة نصّت على تلك الشكوى؟!
القرآن الذي بأيدينا لم ولن نجد فيه ما يدلّ على شكواه
من حنان الأم.
وهل الأحاديث النبويّة بيّنت تلك الشكاية والمعاناة؟!
الأحاديث التي بأيدينا لا يوجد فيها عين ولا أثر لدعواه المزعومة.
أم أنّ هذا الضال قد انكشف له هذا الواقع المحزن أو شكى له النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم المسكين فقده لحنان أمّه؟!
لا يجرأ أن يدّعي ذلك وهو على هذا الحال من عظيم الانحراف والزيغ عن طريق الهدى والصلاح.4- إن الفراغ الذي فقده بفقدان أمّه استطاع أن يملأه من خلال ابنته. عوضته عمّا فقده من حنان أمّه وعاطفتها.
فلو لم يستطع أن يملأه من خلال ابنته الزهراء علیها السلام فهل سيبقى ذلك المحروم المسكين الذي يبحث عن مربية له وامرأة تتصدّق عليه بالعطف والحنان؟! وهو المبعوث لفيض الكمال، وهو الذي أرسل رحمة للعالمين، وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم، كما وصفه الله تعالى فقال في محكم كتابه المجيد:
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(1){وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(2).
5- وليس هناك فرق بين الجوع إلى الطعام وبين الجوع إلى الحنان.
بل هناك الفارق الكبير، وهو قياس مع الفارق، بل الفوارق الكثيرة، فإنّ حنان الأم يحتاجه الطفل العادي الصغير ولا يحتاجه الرجل الكبير، وإذا قال الرجل أنا أحتاج إلى حنان الأم وعطفها أصبح محلّ السخرية بين العقلاء، بخلاف ما إذا قال إنّه جائع يريد طعاماً فإنّه سواء كان الإنسان صغيرا أو كبيرا فهو محتاج إلى الطعام، والطعام غذاء الجسد في حين أنّ العاطفة حاجة النفس، والحنان الطفولي يحتاجه – على حسب مبانيه – مرّة واحد في العمر يتلقاه بشكل دفعات، بخلاف الطعام فإنّه حاجة يوميّة تستمر تلك الحاجة مادام به رمق من الحياة...إلى غير ذلك من الفوارق التي لا تخفى على عامّة الناس.
6- النبي صلی الله علیه و آله و سلم يعاني جوعا من حنان الأم كأي إنسان يفتقد
في طفولته.
هناك أشخاص لا يفهمون أهل البيتعلیهم السلام إلاّ من خلال نظرهم لأنفسهم، فإذا رأوا أنفسهم يجهلون ويخطؤون وينسون ويذنبون ويحتاجون إلى الكثير من الأشياء فيقولون في أهل البيتعلیهم السلام ما يرونه في أنفسهم، في حين أنّ ما يرونه في أنفسهم لا ينطبق تماما على كلّ البشر من أمثالهم. فكم من أشخاص فقدوا حنان الأمومة ولم ينشأ لديهم ذلك الفراغ، وكم من إنسان حظي بحنان عظيم من أمه وبقي يحنّ إلى ذلك الحنان ولم يملأ ذلك الفراغ ولا يمتلئ، فإذا كان هذا قد يختلف ويتخلّف عند الناس العاديين فلم الإصرار على هذا الجوع من حنان الأم عند النبي صلی الله علیه و آله و سلم .
وهل أهل البيتعلیهم السلام يُقاس بهم أحد؟ وهم صنايع الله تعالى والخلق من بعدهم من صنايعهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
7- إن كثيرا من الناس من يعيشون قيادة الأمة، أو من يعيشون قيادة أي خلية من خلايا المجتمع، ربما نجد أن الجفاف العاطفي الذي عاشوه في طفولتهم ينعكس على طريقتهم في الحياة، وطريقتهم في العلاقات، وطريقتهم في
كل حركة العمل.
وهنا يريد أن يؤكّد قياسه النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم على غيره، ولكنّه وقع من حيث لا يعلم. فعبّر ب-" ربّما " فنقول له وأيضاربّما أنّ الجفاف العاطفي الذي عاشوه في طفولتهم لا ينعكس على طريقتهم في الحياة، وطريقتهم في العلاقات، وطريقتهم في كلّ حركة العمل. فلماذا تصرّ وتؤكّد على أن تجعل النبي صلی الله علیه و آله و سلم من هذا القسم دون ذاك؟
ثمّ ما الذي جناه الجفاف العاطفي الذي عاشه النبي صلی الله علیه و آله و سلم – على حدّ تعبيره – على طريقته في الحياة، وطريقته في العلاقات، وطريقته في كل حركة العمل؟ هل بسبب ذلك الجفاف العاطفي كان النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم جافّا في تعامله سيء الخلق فظا غليظا – والعياذ بالله – والله سبحانه وتعالى يقول في حقّ نبيّه ورسوله وحبيبه محمد صلی الله علیه و آله و سلم :
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(1). {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(2). {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}(1).
فما هي الظواهر في شخصيّة النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم التي دعتك للإصرار على ذلك الفراغ العاطفي؟ الذي لم يُملأ – حسب زعمك – إلاّ بعد الخمسين من عمره الشريف.
وفي الختام نقول له: إنّ النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم لم يكن لديه جوع عاطفي، بل هو يُعطي الكائنات كلّها عاطفة ورحمة، وعلى فرض أنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم يحتاج إلى تلك العاطفة فلقد كانت قبل فاطمة الزهراء علیها السلام فاطمة بنت أسد علیها السلام والدة أمير المؤمنينعلیه السلام التي كان يناديها النبي صلی الله علیه و آله و سلم بأمّه، فلماذا لم يتطرّقإليها لا من قريب ولا من بعيد؟!
لأنّ ذكرها يهدم دعواه بالجوع العاطفي، وإليك أيها القارئ العزيز صورة من صور محبّة النبي صلی الله علیه و آله و سلم لأمه فاطمة بنت أسد علیها السلام ومن تلك الصورة ينبثق تور محبّة فاطمة بنت أسد علیها السلام إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم :
قال السيد المرعشي في شرح إحقاق الحق ج15 ص76:
1) سورة آل عمران الآية 159.
ما رواه جماعة من أعلام القوم: منهم العلامة الشهير بابن حسنويه في (در بحر المناقب ص15 مخطوط) روى إنه: لما ماتت فاطمة بنت أسد والدة أمير المؤمنين رضي الله عنها أقبل عليعلیه السلام باكيا.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ لا أبكى الله عينيك.
قال: توفيت والدتي يا رسول الله.
قال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل والدتي يا علي، فلقد كادت تجوع أولادها وتشبعني، وتشعث أولادها وتدهنني، والله لقد كان في دار أبي طالب نخلة، وكانت تسابق إليها من الغداة لتلقط ما يقع منها في الليل، فكانت رضي الله عنها تأمر جاريتها فتلقط ما تحتها من الفلس ثم تخبيه، فإذا خرجوا بني عمي تناولني ذلك.
ثم نهض وأخذ في جهازها وكفنها بقميصه صلى الله عليه وسلم، وكان في حال تشييع جنازتها يرفع قدما ويتأنى في رفع الأخرى، وهو حاف القدم، فما صلى عليها كبر سبعين تكبيرة، ثم لحدها في قبرها بيده الكريمة بعد أننام في قبرها، ولقنها الشهادة، فلما أهلّ عليها التراب وأراد الناس
الانصراف جعل صلى الله عليه وسلم يقول لها: ابنك ابنك علي بن أبي طالب، ابنك ابنك لا جعفر ولا عقيل.
فقالوا له: يا رسول الله فعلت فعلا ما رأينا مثله قط. مشيك حافي القدم، وكبرت سبعين تكبيرة، ونومك في قبرها وقميصك عليها، وقولك لها: ابنك ابنك لا جعفر ولا عقيل، ابنك ابنك علي بن أبي طالب.
فقالعلیه السلام: أما التأني في رفع أقدامي ووضعها في حال تشييع الجنازة فلكثرة ازدحام الملائكة.
وأما تكبيري سبعين تكبيرة فإنها صلى بها سبعين صفا من الملائكة.
وأما نومي في لحدها فإنني ذكرت لها في حال حياتها ضغطة القبر فقالت: واضعفاه، فنمت في لحدها حتى كفيتها ذلك.
وأما كفنها بقميصي فإنني ذكرت لها القيامة وحشر الناس عراة فقالت: واسوأتاه فكفنتها لتقوم به يوم القيامة.
وأما قولي لها ابنك ابنك فإنه لما نزل عليها الملكان وسألاها عن ربها فقالت: الله ربي، وقالا لها: من نبيك؟ قالت محمد صلی الله علیه و آله و سلم نبيي، وقالا لها: من وليك وإمامك؟ فاستحيت أن
تقول: ولدي، فقلت لها: ابنك علي بن أبي طالب، فأقر الله بذلك عينها(1).
1) راجع الاعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق ص37، والاعتقادات للشيخ المفيد ص58، وكشف اليقين للعلامة الحلي ص193، وخلاصة عبقات الأنوار للسيد حامد النقوي ج9 ص262.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
يتفنن الكاتب في عنوان كتابه، لأنّه أوّل ما يقع عليه النظر، ويطرق السمع، فإذا كان العنوان جذّاباً رغب القارئ في قراءة الكتاب، وإذا كان العنوان لا يحمل أي معنى من معاني الإثارة فقد لا تحصل للقارئ الرغبة في اقتناءه وقراءته.
وكم من كتاب فقد قيمته من خلال عنوانه، وكم من كتاب تمّ تسويقه لمجرّد عنوان ذي بريق ملفت للانتباه ومحرّك للفضول عند بني البشر.
ومن هنا كان من البلاغة براعة الاستهلال، كي يُقبل المستمع بكلّ مشاعره على بقية الكلام، لما أثاره الاستهلال في نفسه من الرغبة في تمام تلك العبارات.
فإذا شُفع اسم الوليّة المحبوبة والسيدة المرهوبة فاطمة الزهراء علیها السلام بكنية تُثير في النفس إسعاداً، وفي العقل تحييراً وأبعادا، تاقت النفس إلى الاقتناء، والعقل إلى الاقتفاء.
وهذا لم يكن حكراً على المؤمنين الموالين، بل تطلّع إليه يراع المخالفين المعاندين، فكان هذا اللفيف اللطيف من المؤلَّف، والعقد الجميل من اللؤلؤ الرطب المغلّف:1- فاطمة الزهراء علیها السلام أم أبيها في بنات النبي صفحة 159 - 219. للكاتبة الشهيرة الدكتورة بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن – المصريّة - طباعة بيروت، دار الكتاب العربي، عام 1399 ه 1979م(1).
2- فاطمة الزهراء علیها السلام أم أبيها - فارسي - لعبد الحسين الأميني. تقرير وصياغة: حبيب چايچيان. طباعة طهران، منشورات أمير كبير، سنة 1366 ه. ش / 1987 م، الطبعة الثالثة، عدد صفحاته 120 صفحة، القطع الكبير. وعرّبه محمد شعاع فاخر، طبع في عام 1422ه- في 162 صفحة.
3- فاطمة الزهراء علیها السلام أم أبيها لشاكر الأنصاري. طباعة
1) مجلة تراثنا ج 14 - مؤسسة آل البيت ص 86
بيروت، مؤسسة الوفاء، 1404 ه، عدد صفحاته 124 صفحة.
4- فاطمة الزهراء علیها السلام أم أبيها لفاضل الحسيني الميلاني. بحث مقدم في مسابقة الكتابة حول الزهراء علیها السلام التي أجرتها مكتبة العلمين في النجف الأشرف عام 1387 هجرية في النجف الأشرف، عام 1968 م.
5- الزهراء علیها السلام أم أبيها: للأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود الكاتب المصري الشهير مؤلف الموسوعة العلوية (الإمام علي بن أبي طالب)(1). وله عدة كتب نافعة منها السقيفة والخلافة.6- أم أبيها (فارسي) لرضا الشيرازي، من منشورات بيام آزادي، طباعة طهران 1370 ه- ش. فاطمة أم أبيها تُرجم وطبع بدار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع -بيروت- لبنان. الصفحات: 104.
7- أم أبيها علیها السلام (فارسي) لسبيده كاشاني، من منشورات تبليغات إسلامي، طباعة طهران 1369ه- ش.
8- أم أبيها (فارسي) ل- (ف ه- الطهراني)، من منشورات
1) آراء المعاصرين حول آثار الإمامية - السيد مرتضى الرضوي ص 101
مكتب الإمام المنتظر ، طهران 1977م.
9- أم أبيها علیها السلام (تركي اسطمبولي)، لإبراهيم الأميني، من منشورات تركية عام 1996م.
10- أم أبيها صديقة كبرى (فارسي)، لأسد الله ناصح.
11- أم أبيها مادر نمونه إسلام، (فارسي) لغلام علي رحيميان، من منشورات أمير بقم عام 1354ه- ش.
12- تحقيق كنيت حضرت فاطمة أم أبيها، (أردو) للسيد عنايت علي السامانوي عام 1848-1907م، من منشورات الهند.
14- چهل حديث در مناقب أم أبيها وخطبة أن حضرت (فارسي) لعلي أكبر مهدي بور، من منشورات انتشارات رسالت، فم، 1373ه- ش.
15- أم أبيها، في صحاح المسلمين ومسانيدهم، لحسين فاضلي، من منشورات دار المحجة البيضاء عام 2001م-1422ه.
16- أم أبيها بقلم د. محمد الدمرداش العقالى. عدد الصفحات: 288 صفحة. مشاهد من حياة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء بنت رسول الله، البتول، الحوراءالأنسية،
الصديقة، الريحانة، أم الأئمة، الطاهرة، الصادقة، بضعة المختار، أم الحسنين. التي اجتمع لها من الشرف ما لم ولن يجتمع لأحد قبلها ولا بعدها من النساء، وكيف لا وهي أشبه الناس برسول الله، والتي كانت إذا دخلت عليه قام إليها يُقبِّلها ويُجلسها في مجلسه. يغوص الكاتب بقلمه الرشيق في سطور وصفحات هذه الرواية في سرد روائي مشوِّق سلس لينقلك بين محطات حياة هذه السيدة العظيمة، التي حوت من المشاهد الإنسانية أعظم المواقف، منذ لحظات ميلادها حتى ساعة انتقالها إلى الرفيق الأعلى لتكون أول أهل بيت النبوَّة لحوقًا بوالدها العظيم خاتم الرسل أجمعين.
17- رواية أم أبيها عن حياة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها ابنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، تناسب اليافعين من 10 سنوات وأكثر. تأليف: محمد خير الموصللي. إعداد ومتابعة ومراجعة وتدقيق المادة الشرعية والعلمية والتاريخية: فضيلة الشيخ حمزة بن عبدالكريم النحاس.
18- فاطمة أم أبيها.. رضي الله عنها. تأليف: محمد بن عبد الرحمن السقاف. عدد الصفحات: 96 ص.
19- أم أبيها: السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة.
ل- محمد إبراهيم سليم. تاريخ النشر: 01/01/1998م. الناشر: مكتبة القرآن للطبع والنشر والتوزيع، النوع: ورقي غلاف عادي، مجلد واحد.
20- أم أبيها علیها السلام لمحمد الحمزاوي. عربي. مطبوع.21- أم أبيها علیها السلام لغزل تاج بخش. فارسي. مطبوع.
22- أم أبيها علیها السلام لمحبوبة الأحمدي المعين. فارسي. مطبوع.
23- أم أبيها علیها السلام صديقة كبرى لأسد الله الناصح. فارسي. مطبوع.
24- أم أبيها: سيدة نساء العالمين، لمحمد عدلي، وُلِد بالقاهرة، مصر.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
الشعر أداة ذات حدّين، له وقعه على النفوس والمشاعر، بالشعر، والشعر وسيلة إعلامية سابقا ولا حقاً وإن أصبح في زماننا هذا أقلّ وطأة وتأثيراً مع وجود الوسائل الإعلاميَّة الأخرى الحديثة، قد تُحرَّك جيوش وتنتصر، وبالشعر قد يُكبح جماح الجيش الجرّار، تلك الكلمات الموزونة قد ترفع المعنويات وقد تسحقها، قد تُستعمل في نصرة حق ودحض باطل، وقد تُستخدم في محاربة الحق وتأييد الضلال.
تلك صناعة الشعر التي قد يُذمّ بها من يستحق المدح، ويُمدح من هو أهل للذمّ، وقد يُحسن استعمالها فيُمدح من
يستحقه، ويذم من هو أهل له.
قد تستخدم في صيانة الأعراض، وقد تنحدر لهتك الحرمات.ولذا نجد القرآن الكريم ذمّ طائفة من الشعراء، واستثنى منهم المؤمنين المخلصين الذين اتخذوا الشعر أداة لنصرة الحق ودحض الباطل:
قال تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ224أَلَمْ تَرَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ225وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ226إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ227}(1).
ومن هنا كان عِدل القرآن الكريم أئمة أهل البيتعلیهم السلام ذموا الشعر الباطل بمثل ما روي في الخصال ج1 ص160 عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن أبي جميلة، عن ابن طريف، عن ابن نباتة، عن أمير المؤمنينعلیه السلام قال: ستة لا ينبغي أن يسلم عليهم: اليهود، والنصارى، وأصحاب النرد والشطرنج، وأصحاب الخمر والبربط والطنبور،
1) سورة الشعراء الآيات 224-227.
والمتفكهون بسبِّ الأمهات، والشعراء(1).
كما شجّعواعلیهم السلام على الشعر الهادف الناصر للحق، والمحيي للكلمات الإلهيّة، والآثار النبوية، والمواقف العلوية، والنبرات الفاطميّة، والفيوضات الإماميّة.
وكان النبي صلی الله علیه و آله و سلم يستأنس بشعر أبي طالبعلیه السلام، فذات مرّة لمّا استسقى فسقي قال: (لله در أبي طالب، لو كان حيا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله؟)
فقام عمر بن الخطاب فقال: عسى أردت يا رسول الله:
وما حملت من ناقة فوق ظهرها*** أبر وأوفى ذمة من محمد
فقال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : (ليس هذا من قول أبي طالب، هذا من قول حسان بن ثابت).
فقام علي بن أبي طالبعلیه السلام وقال: كأنك أردت يا رسول الله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ***ربيع اليتامى عصمة للأرامل
تلوذ به الهلاك من آل هاشم ***فهم عنده في نعمة وفواضل
1) ومثله في السرائر ص490. كما في بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج67 ص293.
فقال رسول الله: (أجل)(1).
وروي أنّ الإمام الصادقعلیه السلام قال لأحد أصحابه وهو العبدي الكوفي: قل شعرا تنوح به النساء.
كما روي عنهعلیه السلام أنّه قال: يا معشر الشيعة علموا أولادكم شعر العبدي فإنه على دين الله(2).
وهذا الشاعر العبدي إنّما كان شعره في نصرة الحق، ومن يُطلّ على شعر العبدي لا يجد إلا الحق، حتّى قيل أنّه لم يقل شعرا إلا في أهل البيتعلیهم السلام نصرة لهم ودفاعاً عنهم ونشراً وإذاعة لذكرهم صلوات الله وسلامه عليهم.
ومن شعره
آل النبي محمد *** أهل الفضايل والمناقب
المرشدون من العمى***والمنقذون من اللوازب
الصادقون الناطقون***السابقون إلى الرغائب
فولاهم فرض من الر***حمن في القرآن واجب
وهم الصراط فمستقيم*** فوقه ناج وناكب
صديقة خلقت لصد***يق شريف في المناسب
اختاره واختارها***طهرين من دنس المعايب
إسماهما قُرنا على سطر***بظل العرش راتب
كان الإله وليها***وأمينه جبريل خاطب
والمهر خمس الأرض موهبة***تعالت في المواهب
وتهابها من حمل طوبى***طيبت تلك المناهب
ومن شعره أيضاً:
مرابن عباس على قوم وقد***سبوا عليا فاستراع وبكا
وقال مغتاظا لهم: أيكم***سب إله الخلق جل وعلا؟!
قالوا: معاذ الله قال: أيكم***سب رسول الله ظلما واجترا؟!
قالوا: معاذ الله قال: أيكم***سب عليا خير من وطئ الحصا؟!
قالوا: نعم قد كان ذا فقال: قد***سمعت والله النبي المجتبا
يقول: من سب عليا سبني***وسبتي سب الإله واكتفا
محمد وصنوه وابنته***وابنيه خير من تحفى واحتذا
صلى عليهم ربنا باري الورى***ومنشئ الخلق على وجه الثرى
صفاهم الله تعالى وارتضى***واختارهم من الأنام واجتبى
لولاهم الله ما رفع السما***ولا دحى الأرض ولا أنشا الورى
لا يقبل الله لعبد عملا***حتى يواليهم بإخلاص الولا
ولا يتم لامرء صلاته***إلا بذكراهم ولا يزكوا الدعا
لو لم يكونوا خير من وطئ الحصا***ما قال جبريل بهم تحت العبا:
هل أنا منكم؟! شرفا ثم علا***يفاخر الأملاك إذ قالوا: بلى
لو أن عبدا لقي الله بأع***مال جميع الخلق برا وتقى
ولم يكن والى عليا حبطت***أعماله وكب في نار لظى
وإن جبريل الأمين قال لي***عن ملكيه الكاتبين مذدنا
إنهما ما كتبوا قط على***الطهر علي زلة ولا خنا
ومن هذه الأمثلة الولائيّة الرائعة، والأنفاس الشيعية الصادقة، نعلم أنّ الشعر له مكانته المرموقة مادام يخدم الحق كوسيلة رائعة جميلة، بيد أنّ الشعر الصادق رواية للحق في بوتقة أخرى.
وهنا أحببنا أن نعيش مع كنية أم أبيها في أوزان الشعر والشعور، تخليدا لهذه الكنية العظيمة، وترنماً بهذه الفضيلة الكريمة، وأوردت العديد من القصائد وأوردتها بطولها لأجل أن أكون ممن يُوفّق لأن يكون مثل هذا الكتاب موردا لانتهال هذه القصائد العذبة في الإحتفال بذكراها، فأكون ممن شارك في إحياء ذكراها صلوات الله وسلامه عليها، فلا تبخل عليّ أيّها القارئ بهذا الطمع للتعرض إلى هذه النفحة العطرة من شذى ذكراها صلوات الله وسلامه عليها:
حلم جميل(1):
كم ذا أُريتُ بعتمة الإغلاس***حُلُماً جميلاً هزَّلي إحساسي
حشرٌ ونشرٌ وازدحامٌ مرعبٌ***وترادف الألوان والأجناسِ
وتزاوجٌ وتمازجٌ وتماوجٌ***وتدافعٌ كتدافع الأفراسِ
ومع الخلائق قد حشرت كما أنا***دوني وخلفي جِنَّةٌ وأُناسي
قد كلَني عرق تصَّببَ سَيْلُهُ***وأصابني بالهمّ والإيلاسي
جسدي تجهَّم لي وأبدى نُفْرَةً***مني وروحي من جفاه تقاسي
والنفس قد ندمت على ما قدَّمت***وتقدمت للروح بالإيناس
بينا أنا متجهمٌ متحيرٌ***قلق وقد كتم الأسى أنفاسي
وإذا بحانية عليَّ تقودني***بين الورود وخضرة الميماس
تقول لي اختر لنفسك دوحةً***في روضة موفورة الإيناس
هذي جنان الخلد فادخل هانئاً***ولك التنقل دونما حراسٍ
ولك القصور العاليات وغرفةٌ***والحور تخطر بكرة وأماسي
1) مجلة المرشد العددان 7-8 السنة الرابعة – 1997م- 1418ه-. صفحة 417.
فشكرت حانيةً عليَّ لفضلها***وعجبت كيف شربت من ذي الكاسِ
وسألت يا بنت الكرام أ فاطمٌ زهراء***قالت أيا لفؤادك الحساسِ
سيدة النساء تحيةً***من مذنب قد غاص في الأدناسِ
لايكتفي بالذنب يفعل خلسةً***حتى يذيع برنَّة الأجراسِ
فيمَ الشفاعةُ لي وإني غارقٌ*** في الإثم من قدمي لقمَّةِ راسي؟!
مالت على الداء الوبيل تجسُّهُ***تستأصل الأورام مثل نطاسي
وتهدهد القلب الحزين بنظرة***نبوية تدعوه للإسلاسِ
قالت ذنوبك كلها مغفورةٌ***محيت بما قدمت من أغراسٍ
لاتعجبن إذا أتتك شفاعتي***فلكم رجمت وسَاوِسَ الوِسواسِ
ولكم هتفت بحب آل محمد***حتى تصدَّعَ خافقُ الخنَّاسِ
إلى أن يقول:
هي للنبي الأُم والبنت التي *** تأسو الجراح بخبرة ومراسٍ
احمد علي سليمان عبد الرحيم(1).
بردة فاطمة بنت محمد رضي الله عنها!
يقول فيها:
وللقصيدة قطفٌ من بلاغتها***تُسبي حجا الذائق المستبصر الفهم
وللبسيط ترانيمٌ تليق به***إيقاعه ضاق بالقرطاس والقلم
حِتى نقدّمَ للزهراء بردتَها***في حُلة صُبغت بالورس والعَنم
نُجلُ قدْرَك يا زهراء عن رغب***فإن قدْرَك سام بالغ العظم
ولا نخصك بالألقاب بالغة***جو السما عفة السيماء في شمم
ولا نسوقُ لك الألقابَ لامعة***يكفيك أنك بنت المصطفى الهشم
كَمُلت خَلقاً وخُلقاً يا أميرَتنا***أبوك أشرف من سعى على قدم
زهراءُ أنت بك الأوصاف ساطعة***كالشمس تذهب بالظلام والغسم
إلى أن يقول:
كذا (علي) أتى يوماً ليخطبها***بنص قول من الغموض مُنعجم
ورغم بلغته أوْما بطلبته***فوافق المصطفى بالسيد العَلَم
وقال: أين الصداقَ الشرِعُ يفرضهُ***فكان أصدقها بدرعه الحطمي
كان البناء بها بعد انتها أحد***طابَ البناءَ على منهاجه اللقم
1) احمد علي سليمان عبد الرحيم ولد سنة 1963 في بورسعيد لسانس آداب لغة انجليزية يقوم بتدريس اللغة الإنجليزية لجميع المراحل هاوي للشعر العربي من 40 سنة له دواوين.
لا رِقصِ، لا عُريَ، لا استهتارَ، لا *** ولا اختلاطاً، ولا شيئاً من النغم
لكنه العَرسُ قد جلتْ مباهجه *** عن أن تُخالفَ شرِعَ الواحد الحكم
وعشت زوجاً تحبُ الزوج طيعة *** ومن تطعْ زوجها تفز وتغتنم
فكم عجنت عجيناً دونما نصب *** وكم خدمت عيالك أعظم الخدم
وكم غسلت ثياباً غسل متقنة *** وكم طِبخت، فطارت ألسِنُ الأَيم
وكم كنست فناء الدار دون عنا *** حسنَ التبعل يبلي الستَ بالسقم
وليس في الدار يا زهراء خادمة *** وكم بيوت شكتْ جرائم الخَدم
لكنْ محالٌ دوام الحال، نحن هنا *** للابتلاء، ومن يأباه ينقصم
لذاك جئت رسولَ الله شاكية *** من التكاليف تُبلي الجسمَ بالألم
ترجين من يخدم العيال، خدمتهم *** أمست تصيبك بالهزال والوصم
فقال: ذكرك رب الناس منقبة *** تُغنيك عن خدمة الأناس كلهم
فكبّري ربك الرحيم في وجل *** وسبّحي تحصدي جلائل النعم
ثم احمدي الله أنْ أصبحت مسلمة *** هل نعمة في الدنا كنعمة السلم؟
وهللي، واتقي، وحوقلي أبداً *** وحولقي، واشكري لله في نهم
يكفيك ربك ما تشكين من تعب *** ومن تردْ فرجاً بالله تعتصم
فعَدت للدار، والأذكار تتْحفها *** ومن ترد سعة بالذكر تلتزم
إلى أن يقول:
صديقة أنت يا فضلى وسيدة *** وطيبُ أصلك باد غيرُ منبِهم
وعشت ما عشت في الدنيا مباركة *** وخير (طاهرة) بين النسا العصم
أنت (الزكية) فالزكاء صنعتها *** كم أنقذتْ فطنة من حالك الإزم
وأنت (أم أبيها) يا له لقباً *** يَزين (فاطمة) بالمظهر السنم
أنت (البتول)، فللعبادة انقطعتْ ***ومَن تعشْ للهُدى في الناس
أسماؤك انتظمتْ، طوبى لمطلقها ***دَقتْ كحبات عقد غير منفصم
إلى أنْ يقول:
فكنت خير نساء الجنة ابتشري *** يا ربة الجود والإخلاص والشيم
وكنت أشبه بالهادي محمدنا *** في الشكل والسمت والأخلاق
وكنت أشبه بالفضلى خديجتنا *** وما لفاطمة في العالمين سمي
ومنك أبقي نسل المصطفى كرماً *** من المهيمن نسلاً غير مصطلم
وكنت دافعت عن أبيك تكرمة *** لَمَّا رفعت سَلا الجزور في شمم
إلى أن يقول:
وخصك المصطفى بالسر يودعه *** لما أحس بلقيا الله ذي النعم
نعى إليك رحيلاً جاء موعده *** حتى بكيت بكا ثاو ومنفحم
وقال: أنت به بالقرب لاحقة *** فعاودتْ بسمة خصتْ بخير فم
وكنت أوصيت أسماءً وصيتها *** وللوصية أقوامٌ ذوو همم
مغسلوك هما الاثنان وحدهما *** أسماء ثم (عليّم) خيرة الرحِم
ومت يا غادة النساء، إذ أجلٌ *** أتى، وذي سنة الديان في النسم
وأقبلتْ تنشدُ التغسيلَ عائشة *** لكنّ (أسماءَ) ردتْها بلا ندم
قالت: ورب الورى هذي وصيتها *** لا تحزني أمنا، كلا، ولا تهمي
جاؤوك بالنعش يا زهراء مؤتلقاً *** برغم دفن جرى في حلكة الظلم
الكوثر النبوي(1):
أيا سائلا عني إذا شئت أن تقرا *** فقلّب كتاب المجد لا تتركن سطرا
ستعلم أني في عيون سطوره *** ازينها كحلا وأمنحها سحرا
وأني الذي والى النبي وآله *** هم قدوتي دنياهم عدتي اخرى
رجالهم خير الرجال مكانة كفاني بهم *** عزا كفاني به فخرا
وإن عدّ غيري في المفاخر نسوة *** كفاني إذا ما قلت فاطمة الزهرا
لئن سادت العذراء نسوة عصرها *** فقد سادت الزهراء في قدرها العصرا
تعجبت للتاريخ يكتم أمرها *** فساءلته يوما فأبدي لي العذرا
وأعرض عني قائلا إن في فمي *** فقلت اقذف الماء الذي يورث القهرا
وحدث عن الزهراء بضعة أحمد *** ومن كانت الآيات في حقها تترى
ألم تك أمّاً للنبي وكوثرا وكان *** رسول الله يوصي بها خيرا
فهل حفظوا بعد النبي مقامها *** فصانوا لها ودا وكانت لهم ذكرى
فقال لي التاريخ والدمع هاطل *** أحلت فؤادي منذ ساءلتني جمرا
لقد بدأت كل الرزايا برزئها *** ومن فدك كانت رزيتنا الكبرى
1) من قصائد الشعراء الذين تشرفوا بمدح الزهراء علیها السلام - مركز المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم ص11:
وكان الذي قد كان من أمر دارها
***فظن به خيرا ولا تكشفن سترا
فقلت إذا أحسنت ظنا بما جرى***
فما بال بنت المصطفى ووريت سرا
فقال كفى لا تستزد من عنائها
***فقد زدتني هما وأرهقتني عسرا
ولا تطلب التفصيل عما جرى لها
***ورفقا بحالي إن لي كبدا حرى
تكلفني الأيام مالا أطيقه***
أرى صفوة الأخيار مغبونة جهرا
ومن أبيات قصيدة أخرى له(1):
أيا بنت النبي وذاك يكفي
***ويا أمّ النبي فما يُقالُ
ويا بعض النبي بلا جدال
***ويا خير النساء ولا جدالُ
ويا صوت النبوّة مشرئبًا
***يهز ضمير من ماتوا ومالوا
ويا نبع الإمامة مستطاباً
***إليه إليه ينتسب الزلال
أم أبيها (2):
بدار الوحي يا خير النساء***
حظيت بكل آيات الثناء
تجمّعت الفضائل فيك حتى***
كسَتكِ بنفسها مثل الرداء
فإنّك بنتُ خير نساء أرض *** توّلت دينها قبل النساء
ومن بيت النبوة بيت طه *** نشأت على ابتهالات الدعاء
حباك الله نعمتَّهُ وساماً
*** به قأَّصرت من أهل الكساءِ
فئلت الحبّ والتقديس منّا *** لأنّ الله خصّك بالنداء
وعطف أبيك ما جاراه عطف
*** عليك مع المحبة والرجاء
أ أم أبيك من سماك هذا *** سوى من كان يحنث في حراءِ
أطعت أبا ومبعوثا رسولا
*** لينعم بالسعادة والهناء
وينشر دعوة الإسلام حتى
*** تعم العالمين على السواء
وزوجك النبي إلى علي
*** ربيب المصطفى بطل الفداء
فكنت المرأة المثلى لزوج *** كريم الخلق مشهود الولاء
وكنت الام للحسنين اما
*** سقت أبناءها وحي السماء
1) مجلة المرشد العددان 7-8 السنة الرابعة – 1997م- 1418ه-. صفحة 390.
دون ما تستحق إيوان كسرى*** واللآلي وحلية الزباء(1)
ولو أنَّ الدهناء تبْرٌ لكانت *** بعض شيئ بجانب الزهراء
بضعةٌ من أبٍ عظيمٍِ يراها *** نور عينيه مشرقاً في رداء
فهي أحلى من جفنه من لذي *** ذ الحلم غبّ الهجود والإعياء
وهي قطب الجنان في صدر طه *** واختصار البنات والأبناء
غيّب الموت من خديجةَ وجهاً *** فإذا فاطم معين العزاء
تحسب الكون بسمة من أبيها *** فهي أُمّ تذوب في الإرضاءِ
هالها ما يناله من عذاب *** وامتداد الكفار في الأسواء
وتراهم يرمونه بحجار *** أو يكبُّونه على الدقعاءِ(2)
فجراح كأنهنَّ شفاه *** شاكيات لله فرط البلاء
فاطم تمسح الجراح بعين *** حين تنهلّ أختها بالبكاء
رضاه رضاها (3).
يا سماء افرحي ويا أرض جودي *** نجم سعد أنار كل الوجود
كتب الفجر في شفاه الليالي *** ولدت فاطم ابنة المحمود
قد تباركت يا إله فبارك *** مولد الكوثر البتول الولود
باركوا للنبي أفضل يوم *** ولزوج الرسول تلك الودود
ثم للمرتضى الوصي علي *** بركات من ربنا المعبود
فاطم الأم تلك أم أبيها *** بضعة منه أورثت كل جودِ
لعلي رب العباد اجتباها *** فحوت فخر كل مجدِ
تليد هي أم لشبر وشبير *** سادت الخلق في جنان الخلود
ولها زينب اما قد تجلى *** دورها الفذ في الفدا والصمود
فاطم أنت من أنا أين شعري *** كيف يرقى لوصف سر الوجود
فاطم أنت من أكون تراني *** كيف أصبحت في قوافي قصيدي
لست أدري وقد أحار جوابا *** غير أني عرفت سر وجودي
قل لتاريخنا الذي قد تساوى *** سيد القوم رتبة بالمسود
من تكون التي فداها أبوها *** وهو طه رسول رب حميد
من تكون التي رضاه رضاها *** وأذاها يؤذي الإله ... أفيدي
لي عتاب على الذين تناسوا *** فضلها والعتاب جد شديد
أين أقلامكم وأين القوافي *** ألف آه أقولها في نشيدي
في 1444/6/22هج
النجاة بحبِّ فاطمة علیها السلام
ولاؤها حتم ودين مفترض *** على البرايا فيه تحقيق الغرض
والغرض الوصول للإله *** ولا يكون ذاك عند اللاهي
وفرضه على البرايا لازم *** من الإله وهو حق قائم
من أزل أقامه المولى الأجل *** تعالى ربي خالقي عز وجل
قد أوضح المولى رفيع الشأن *** ذلك في آي من القرآن
فآية المودة الكريمة *** قد بينت محبة العظيمة
ام العلا وبنت سيد البشر *** فاطمة ام الأئمة الغرر
الأجر كل الأجر في المودة *** ذاك هو الفوز الذي اعده
مودة الزهراء خير العمل *** يمحو به الله عظيم الزلل
محبها ينجو من البلاء *** في ذلك اليوم بلا امتراء
إذ ليس يدنوه لهيب الحاطمة *** فاطمة يوم القيام فاطمة (عاصمة)
قد أكرم الله البتول الطاهرة *** من أول الدنيا ليوم الاخرة
فقد حوت في ذاتها من الأزل *** فضائل الكمال بل ولم تزل
جامعة الأسرار والعلوم *** من كل غيب العالم المكتوم
لهذا لم تعرف بذات وصفة *** قدعجز (توقف) العلم وأهل
ام ابيها بل أئمة الغرر *** صلى عليها الله ما بدا قمر
بل وعلى المختار سيد البشر *** وآله الأطهار صبحا وسحر
واسأل الله الهدي على الولاية *** من أول العمر إلى النهاية
بضعة المصطفى(1):
طال شوقي فضاعة إنشائي *** لحن حبّ بمولد الزهراء
خير بشرى لأحمد حين وافت *** وهي قدس من لطف ربّ السماء
يوم أسرت خديجة الطهر فخراً *** فاطميّا بروضة الأنبياء
بضعة المصطفى وليس سواها *** أوجب الله ودّهم بالولاء
وحباها الهادي الأمين وساما *** يوم سادت على عموم النساء
قصر الشعر كيف يرقى مقاما *** شاء الله رحمة الاقتداء
منح الله من حباها فاطماً *** فيه منجى من اللظى والبلاء
من يروم الولاء نصًّا وروحا *** واقتداء يجزى بخير جزاء
أيّ بنت تُدعى بأم أبيها *** وتراه قد خصّها بحباء
فهي من خافقيه نبض وشجن *** ونسيج من فيضه المعطاء
من سواها غير البتولة تُدعى *** فاطم بنت سيّد الأنبياء
مولد الخير(2):
عليكم سلام الله في هذه الذكرى *** ورحمته في مولد الخير والبشرى
ويا حبذا ذكرى علينا عزيزةٌ *** بمولد بنت الوحي فاطمة الزهراء
وماذا أراني قائلاً في كريمة *** محاسنها قد فاقت الحد والحصرا
ومن قد حباها الله جلَّ جلاله *** مقاماً منيعاً حير الوهم والفكرا
ومن يسخط الباري لما سخطت له *** ويرضى بما ترضى به وكفى قدرا
لها مكرمات ليس يمكن عدها *** وغر معان تعجز النظم والنشرا
وماذا يقول المادحون بشأنها *** وفي شأنها الرحمن قد أنزل الذكرا
إلى أن يقول:
وما ابنةُ عمران على رغم فضلها *** ببالغة من فضل فاطمة عُشرا
وما أُم اسماعيل هاجر في العلى *** أو المجد يوماً تشبه البضعة الطهرا
ولولا علي لم يكن كفؤها امر *** اذ اختار باريها لها المرتضى البرا
فلله بنت قد دعاها لفضلها *** أبوها له أُماً فزادت به فخرا
قد انعقدت في الأصل نطفتها بما *** تناوله المختار في (ليلة الإسرا)
ومن نورها في (طور سيناء) حينما *** رأى قبساً موسى بن عمران قد خرّا
ولو شاء كتاب الورى أن يسجلوا *** محامدها يوماً وأفضالها الكثرا
وكل بحار الأرض كانت مدادهم ***لما كتبوا من سفر أمجادها سطرا..
فيا مجمع البحرين هدياً ورفعةً *** ويا ليلة القدر التي خفيت قدرا
ويا آية الفجر الذي نسماته *** إلى أبد الآباد فواحةً عطرا
بجاهك ندعوا ربنا أن ينيلنا *** شفاعتك المرجاة إذ نرد الحشرا...
بمولدك الزاكي نقيم احتفالنا *** وقد زادت الذكرى لنا الأُنس والبشرا
عليك مدى الأيام خير تحية *** وأزكى صلاة الله دائمة تترى
من ملحمته الموسومة بنهج الأزرية(1):
أو ما قال أحمد الطهر فيها *** فاطم بضعتي مراراً أحكاها
فرضاها رضاي في كل حال *** وأذاي مستجلبٌ من أذاها
لعن الله من تجرأ عليها *** ورعى الله مؤمناً قد رعاها
بأبي درة الجلالة في سو *** ق البلايا بهنَّ كان اشتراها
درةٌ قد غلت لدى الله شأناً *** وبحسن الحفاظ قد أغلاها(2)
بعد ما أُردعت (لدی) صدف الحك *** مة أضحت تسام في بلواها
جلبت بني كل وغد دني *** وعزيز على الجلال جلاها
حجر الحكمة الذي منه سالت *** أعينٌ أفعم الوجود نداها
كُنِّيَتْ في الورى بأُمِّ أبيها *** حسبها سؤددا به وكفاها
فطمت من أحبها من لظى النا *** ر والله فاطماً سماها
وبزهراء لقبت حيث أن قد *** أزهر الكون من جمال بهاها
بأبي والبنين والنفس منّي *** افتديتها وقلَّ منِّي فداها
يوم جائت أبا الشرور وفيها *** قبسات الأسى تشب لظاها
قد ألمَّت بقلبها زفراتٌ *** قلّبتها على مقالي جواها
زفرات بكربها كربت أن *** تنسف الكائنات في إفناها
لكن الله بالوصي عليّ *** وبشبليه والبتول(1)وقاها
تشتكي والمهاجرون مع الأنص *** ار قد أحدقت به زعماها
وتنادي بهم وكلٌ لديها *** مطرقٌ لا يعي بليغ نداها(2)
وله أيضاً من قصيدة:
شرفت الدنيا(3):
في قلبي حبّ الزهراء *** ينجيني من كلّ بلاء
في روحي كنز لولاء *** باق في مدى الإبقاء
أسماء الطهر معانيها *** طالت عرفان الحكماء
هي نور نبويّ صيغت *** في بدء زمان الإنشاء
فالانسية في مولدها *** حوراء جنان خضراء
أم أبيها شمس هداها *** تشرق من برج العلياء
في مكة من نور ولدت *** زهراءٌ أيّة زهراء
شرّفت الدنيا في مجد *** أحيا دائرة الأحياء
أولاها ذو العزة قدرا *** يتسامى في طيب نقاء
بقيت في معناها فرداً *** قرآنيّا في الآلاء
جوهرة الأسماء الحسنى *** فيها أسرار الأسماء
وعليها ياربّ صلّ *** في كلّ صباح ومساء
المدينة المنورة 14/1/1440 للهجرة.
تحت عنوان "المغيب"
أنت شمس الوجود كيف تغيب *** كيف يدنو إلى سناك الغروب
تترك الكون قابعا في ظلام *** إن دعا للأفول منك المغيب
تصبح الأرض كالأسيرة حتى *** إن دعا الداع لا يرى من يجيب
مذ رماك الردى بسهم منون *** وبدا بدرك المنير يغيب
استشاطت ضغائن خافيات *** واستبيحت محارم وذنوب
حين نادى النبي بالصحب إيتوا *** بدواة فقد دعاني الحبيب
سوف افضي لكم كتابا عظيما *** وستحيا به لديكم قلوب
ورماه حقدا بيهجر طاغٍ *** ونهى القوم قائلا لا تجيبوا
علموا مايريد حين رموه *** بسهام منه الفؤادَ تصيب
يا حبيب القلوب فاطم ثكلى *** وعليّ بهمَّه مكروب
وكذا شبر بكا وشبير *** مذ تراءى لك الفراق القريب
بقلوب حرى ينوحون حزنا *** وعلى صدره لَيعلو النحيب
فاطم قد بكت وعز عليه *** أن يراها ودمعها مسكوب
فبكى وانثني ليلثم منها *** موضع الصفع يوم يسطو المريب
فأسرَّ النبي أمَّ ابيها *** بحديث تذوب منه القلوب
ونعى نفسه وعز عليها *** إن يوم الفراق يوم عصيب
وعلي بجنبه في ذهول *** ولجبريلَ زفرةٌ ونحيب
طرق الباب طارق يالقلبي *** يطلب الإذن وهو أمر مريب
اذن المصطفى لقاضي المنايا *** فقضى والفؤاد منه منيب
أعولت فاطم وضج علي *** وبكاء السبطين دمع سكوب
كان يوما على البتول عظيما *** أن ترى الشمس في التراب تغيب
مناجاة الزهراء علیها السلام (1):
يا جوهر الطهر المصّفى والتقى *** الله يا بنت الهدى زكّاك
وعلى نساء العالمين بفضله *** شرف السيادة والعلا أعطاك
واختار رب العرش جل جلاله *** لك خير كفؤ فاهنأي بشراك
هذا علي أخو النبي ونفسه *** وفتى الحنيفة يا بتول فتاك
والمهر من عند الكريم شفاعةٌ *** سبحانه من فضله أهداك
واختار نسلك كوثراً من كوثر *** وسنا الإمامة ذخره حسناك
وسننت نهجاً للأُمومة خالداً *** عبر العصور يشع منه سناك
يكفيك من شرف الأمومة أنَّه *** يدعوك أُمَّاً ما أبوك دعاك
قد عشت في قلب الرسول وروحه *** وسموت حتى لا ينال علاك
خلق الرسول يفوح منك ونوره *** باد عليك ومن نهاه نهاك
وبعطفه وحنانه ووداده *** وبظله السمح الكريم رعاكِ
حتى دعاه إليه جل جلاله *** عزَّت مشيئته عن الإدراك
1) مجلة المرشد العددان 7-8 السنة الرابعة – 1997م- 1418ه-. صفحة 497.
ومضى الرسول إلى لقاء حبيبه *** وجرى القضاء وأظلمت دنياك
زهراء كيف غدوت يوم فراقه *** الله أكبر كيف كان أساك
لله أي مصيبة وفجيعة *** وجليل خطب يا بتول دهاك
الكون أظلم يا بتول لموته *** والكائنات على أبيك بواك
إلى أن يقول:
والشعر مهما غذ في طيرانه *** صعداً يقصِّر عن بلوغ علاك
معناك سيدتي عظيم وليس لي *** بالشعر أن أرقى إلى معناك
لكنها نفحات حب خالص *** متخشعاً قلبي بها ناجاكِ
أنا يا ابنة الهادي الحبيب متيم *** بهوى أبيك وحيدر وهواك
وهوى الأئمة من بنيك وحبكم *** ذخري وفيض نداهم ونداكِ
زادي إلى يوم الحساب وعدتي *** من لي سواهم شافعٌ وسواكِ
من كالبتول علیها السلام بنسكها وعفافها(1):
يا آيةً حوت الفضائل كلها *** منك القصائد ألحمت معناها
ففضائل الزهراء يعيي حصرها *** عبثاً يحاول مدَّعٍ أحصاها
1) مجلة المرشد العددان 7-8 السنة الرابعة – 1997م- 1418ه-. صفحة 438.
مهما وصفت فإن شعري قاصر *** فالوصف يعجز عن بلوغ مداها
لا لن تكون كما ادعى أعداؤها *** زهراء أعظم أن ينال علاها
فولاؤها فرض بأعناق الورى *** وقلوبنا لا ترتضي بسواها
إمنح إلهي رحمةً أبنائها *** شفِّع بنا يوم الحساب أباها
أيتامها نحن الضعاف وحزبها *** لم ندر ما درب الهدى لولاها
كم زادنا عزاً بفاطم عندما *** أُمَّاً لنفس محمد أسماها
مهما أقمنا فالحياة هنيهة *** والروح راجعةٌ إلى مولاها
والله أنزل في جليل كتابه *** نفس الشقاوة خاب من دسَّاها
أما التقي ففي النعيم مقامه *** قد فاز كل موحد زكاها
فمبارك يا آل أحمد عيشكم *** فنفوسكم وجدت هناك حماها
فالصَّدر في دار الخلود لأحمد *** ويطوف حيدر حوله وابناها
رباه عهداً لن نحيد بخطوة *** لنتابعن السير في مسراها
فحياتها منهاجنا ونجاتنا *** ومدى الحياة سنقتدي بهداها
من يرضها يظفر بجنَّة ربَّه *** فرضى البتولة من رضا مولاها
في ميلاد فاطمة علیها السلام:
بمولد بنت المصطفى لكم البشرى *** فذي نعم الباري عليكم بها تترى
فحق لكم ان تعقدوا نادي الهنا *** بذكر اياديها واوصفها الغرا
تستطيع الخلق إحصاء فضلها *** كما لم يحيطوا بالذي قد حوت
وهيهات ان يحصوا ايادي كريمة *** لخق جميع الكائنات غدت سرا
فما في نساء العالمين مماثل *** إليها ولاشبه ولامريم العذرا
وهل في نساء نظيرها *** فمن ذا ترى منهن انسية حورا
وخير نساء العالمين تنزلت *** إلى الأرض في بشر لكي تقبل ازهرا
ومريم عيسى أعقبت وهي أعقبت *** هداة يرى عيسى اتباعهم فخرا
وان تك نادتها الملائكة باصطفى *** إليها وتطهير لها اوجب الفخرا
ففاطم نادتها بذاك وأين ما *** به نوديت مما به نوديت قدرا
فسل آية التطهير عن فضل فاطم *** فقد أعطين من ربها العصمة الكبرى
هي العصمة الكبرى التي الله ما حبا *** بها غير طه والوصيين والزهرا
فلولا علي لم يكن للبتول من *** شبيه وكفء بني ادم طرا
فكل يره الله من نور احمد *** فكل بكل حيث شابهه اجرا
لعمرك ما الدنيا سوى عمر ساعة *** حوت مكرمات لاتحيط بها خبرا
وما هي إلا سعة شمل حيدر *** بفاطم مجموع فقد طوت الدهرا
هي النور من نور وبأنور زوجت *** تبارك رب فيهما جمع الخيرا
فنور علي قد غشي نور فاطم *** فاولدها نجما واعقبها بدرا
اضاءت بها الاكوان والارض والسما *** قديما وفي الدنيا وفي النشاة الاخرى
وما زال في الادوار يشرق نورها *** ومن اجل ذلك النور سميت الزهرا
كما الله سماها بفاطم اذ قضى***بفطم محبيها من النار في الاخرى
يام ابيها كنيت اذ بفاطم *** بقي ذكره في الناس والملة الغرا
عليكم صلاة الله تترى مسلما *** كما لم تنزل في الخلق أيدكم تترى
(1). أي يوم يجل فيه العزاء *** ومصاب يطيب فيه البكاء
ء
مثل يوم مرزء مستحم***غربت في سمائه الزهرا
لا السماوات بعدها مشرقات *** حين تخبو ولا الضياء الضياء
يشحذ البدر من مطالعها النور *** وتمتاح من سناها ذكاء
أترى شفها بعاد أبيها *** فاستحم الجوى وحن اللقاء
بضعة المصطفى وأم أبيها *** وشذاه والنفح واللألاء
أمُّ أسباطه وخير البرا *** والتراث الأجل والآلاء
يا
قصر الخافقان عنها عطاء *** وونى عن لحاقها الأنبياء
قبل المصطفى يديها وما كان *** لغير الزهراء هذا العطاء
مبعث النور والأئمة منها *** شهب ما مضى الزمان وضاء
1) من قصائد الشعراء الذين تشرفوا بمدح الزهراء علیها السلام - مركز المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم ص20.
(1) فيا حوراء طه لي صلاةٌ *** إليكِ بأدمع المزن الرويِّ
أجيء لروضة ما بين قبر *** ومنبر سيد الخلق العليِّ
أعَقِّرُ جبهتي وأمدُّ كفّي *** لأضرعَ بالصّلاة على النبيِّ
ومن قد أحْصَنَتْ لله نفساً *** بقول الحقِّ والنَّهج السّويِّ
فحرَم نسلها من لمس نار *** وشيعتها، فيما مَن بالغَريِّ
عليكَ سلامُ ربِّكَ في جنان *** مع الحوراء بالنُّور البَهيِّ
فحيّوا بالصلاة مقام طه *** وحيّوا بالولاية للوصيِّ
وخير الخلق من إنس وجن *** وباب العلم من بعد النبيّ
به الآياتُ قد نزلت تباعاً *** وفي خُمّ وخيبرَ من عليِّ
لأمِّ أبيها فاطمة البتول *** ووارثة الطهارة والنبيِّ
قرينة سيّد الثقلين تشكو *** لربِّ العرش مَظْلمةَ الجنيِّ
هي الحوراءُ لا أبغي سواها *** ببر أقتفي نهج الرضيِّ
قسيم النار والجنّات روحي *** فداكَ أبا تراب من وصيّ
1) زهرة الكون ص340.
التوسل بفاطمة علیها السلام (1):
توسلت بالحوراء فاطمة الزهرا *** لتلهمني حتى أقول بها شعرا
فجاء بحمد الله ما كنت أبتغي *** فأبديت للمعبود خالقي الشكرا
أجل هي روح المصطفى كفء حيدر *** وأم أبيها هل ترى مثله فخرا
أو المثل الأعلى بكل خصالها قدرا *** جلالا كمالا عفة شرفا
حوت مكرمات قط لم يحو غيرها *** فمن بالثنا منها ألاقل لنا أحرى
وسيلتنا والله خير وسيلة *** بحق كما وهي الشفيعة في الأخرى
أيا قاتل الله الذي راعها وقد *** عليها قسى ظلما وروعها عصرا
وسود متنيها وأحرق بابها *** وأسقطها ذاك الجنين على الغبرا
أيا من تواليها أتنسى مصابها *** وتسلو وقد أمست ومقلتها حمرا
من الضرب ضرب الرجس يوم تمانعت *** بأن يذهبوا بالمرتضى بعلها قسرا
وعادت تعاني هظمها ومصابها *** بفقد أبيها وهي والهفتا عبرى
إلى أن قضت روحي فداها ولا تسل *** عن أحوالها والله من كلنا أدرى
1) الأسرار الفاطمية للشيخ محمد فاضل المسعودي ص29. وموسوعة أدب المحنة ص651.
موشح في ميلاد السيدة الزهراء علیها السلام
من كنوز الغيب من فيض الجواد *** غُمر الكونُ بطيب الكوثر
يوم لبىّ دعوة الرب الجليل *** مجتباه أحمد خير خليل
فعلا نحو العلى مع جبرئيل *** فحباه ربه من خير زاد
عنصر اللطف لطيف العنصر
حُملت نوراً بصلب المصطفى *** أودعت رحم طهور وكفى
فهي طهر من طهور لطفا *** وبهذا خبر الوحي أفاد
فهي مشكاة الضيا من نيّر
نطقت وهي جنين بالصوابْ *** فتحت عن كامن الأسرار بابْ
فهي أم الأوصياء عدل الكتاب *** وهي كفؤ المرتضى والمستجاد
وهي أم لأبيها الأطهر
أشرقت أرض الهدى من نورها *** إذ تعالى شأنها في مهدها
في سجود لجلال ربها *** قرنت ذاك بحق الاعتقاد
ملتقى النورين نبع الطهر
هكذا تم انتقاء الخيرة *** صفوة الخلق الكرام البررة
من أب زاك وأم طاهرة *** حجج الله على كل العباد
من بدو الأمر حتى الآخر
شيعة الحق استنيروا بالهدى *** واقتفوا نهج ينابيع الندى
مَن زكوا أصلاً وطابوا محتدى *** كي تنالوا الفوز في يوم المعاد
وترووا من نمير الكوثر
يا فتاة الجيل هيا فاقتفي *** خطوات الطهر أم الشرف
وخذي نهج حياة واغرفي *** من معين ليس يأتيه نفاد
هديها هدي لكل الأعصر
يا جلال المرتقى يوم المعادْ *** نكست أنوارها روس العبادْ
تنتقي الحسن وتلقي بالفساد *** التقاط الطير للحب الجياد
مأمن الشيعة يوم المحشر
في مولد الصديقة الطاهرة سيدة النساء فاطمة سلام الله عليها(1):
جوهرة القدس من الكنز الخفي *** بدت فأبدت عاليات الأحرف
وقد تجلى من سماء العظمة *** من عالم الأسماء أسمى كلمة
بل هي أم الكلمات المحكمة *** في غيب ذاتها نكات مبهمة
أم أئمة العقول الغربل *** أم أبيها وهو علة العلل
روح النبي في عظيم المنزلة *** وفى الكفاء كفو(2)من لا كفو له
تمثلت رقيقة الوجود *** لطيفة جلت عن الشهود
تطورت في أفضل الأطوار *** نتيجة الأدوار والأكوار(1)
تصورت حقيقة الكمال *** بصورة بديعة الجمال
فإنها الحوراء في النزول *** وفى الصعود محور العقول
يمثل الوجوب في الإمكان *** عيانها بأحسن البيان(2)
فإنها قطب رحى الوجود *** في قوسي النزول والصعود(3)
يدور عليها الطبق الأعلى وقطب رحى الوجود أي مدار الوجود.
وليس في محيط تلك الدائرة *** مدارها الأعظم إلا الطاهرة
مصونة عن كل رسم وسمة *** مرموزة في الصحف المكرمة
صديقة لا مثلها صديقة *** تفرغ بالصدق عن الحقيقة(4)
بدا بذلك الوجود الزاهر *** سر ظهور الحق في المظاهر
هي البتول الطهر والعذراء *** كمريم الطهر ولا سواء
فإنها سيدة النساء *** ومريم الكبرى بلاخفاء
وحبها من الصفات العالية *** عليه دارت القرون الخالية
تبتلت عن دنس الطبيعة *** فيالها من رتبة رفيعة(1)
مرفوعة الهمة والعزيمة *** عن نشأة الزخارف الذميمة
في أفق المجد هي الزهراء *** للشمس من زهرتها الضياء
بل هي نور عالم الأنوار *** ومطلع الشموس والأقمار
رضيعة الوحي من الجليل *** حليفة لمحكم التنزيل(2)
مفطومة من زلل الأهواء *** معصومة عن وصمة الأخطاء(3)
معربة بالستر والحياء *** عن غيب ذات بارئ الأشياء
راضية بكل ما قضى القضا *** بما يضيق عنه واسع الفضا
زكية من وصمة القيود *** فهي غنية عن الحدود
يا قبلة الأرواح والعقول *** وكعبة الشهود والوصول
من بقدومها تشرفت منى *** ومن بها تدرك غاية المنى
طلب مني بعض الأخوة أن أشرح أبيات الشيخ الأصفهاني
هذه ولكنني وجدت أنّ الشرح يطول هذا إذا وفّقت لشيء
مِن فهم مرامي الشيخ(قدس سرّه) ولمثل هذه الأبيات أهلها الذين يفهمونها، ولكن لا يسقط الميسور بالمعسور.
وقلت في جوابي:
انا أءنس بشعر الشيخ الاصفهاني قدس سره ولكنني لا افهمه بصورة جيدة وسأحاول شرح البيت الأول فقط:
وهو قوله في الشطر الأول:
"جوهرة القدس من الكنز الخفي"
الزهراء علیها السلام هي الجوهرة الثمينة النادرة جدَّاً النابعة من الكنز الخفي.
وهي أعلى من المقدسين المتلبسين بالقداسة وإن كان تلبسهم بها حقيقيَّاً، فهي مظهر تجلي القداسة الالهية بل هي التحفة النادرة من تجلي القداسة، وهذا معنى "جوهرة القدس".
والمراد من الكنز الخفي هو الله تبارك وتعالى اشارة الى الحديث المشهور "كنت كنزا مخفياً فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق كي أُعرف"
وإنما اختار الكنز الخفي في التعبير عن الله تبارك وتعالى،
لبيان انه بها علیها السلام تمت معرفة الله تعالى وان معرفتها لله تعالى محققة لغرض الوجود وهو معرفة الله تبارك وتعالى.
فبمعرفتها لربها تحققت الغاية القصوى من خلق الخلق.وفيه دلالة على احتوائها لكنوز الباري تعالى.
وقوله: "بدت فأبدت عاليات الأحرف"
بدت أي تجلت، وبتجليها تجلت معرفة وعظمة النبي محمد واله المعصومين.
فالحروف العالية المراد منها هم النبي محمد واله المعصومين.
كما أن الحروف الدانية هم الانبياء والمرسلون.
وهذا يحتاج لبيان.. فأقول:
عُرِف النبي عيسىعلیه السلام بأنَّه كلمة الله، ولكن كل الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين هم كلمات الله تعالى.
وعبر عنهم بكونهم كلمات الله تعالى باعتبار أننا إذا أردنا أن نوصل مرادنا الى الغير نستخدم الكلمة.
والله تعالى عندما يريد ايصال مراده الى الناس فإنه
يستعمل الحججعلیهم السلام مِن الأنبياء والمرسلين والأوصياء، فهم كلمته في ايصال مراده الى الخلق.
والكلمة تارة يراد منها فرد واحد فنقول النبي محمد كلمة الله وأمير المؤمنين كلمة الله وهكذا كل حجة من حججه، وعندما تجمع الكلمة تكون كلمات الله وهم جميع الحجج الالهية.
والكلمات التامة او التامات هم النبي وآله إن لم ينظر لغيرهم، فان قيسوا بالأنبياء والرسل فيكونوا الكلمات الأتم كما في الدعاء: "اللهم إني اسألك من كلماتك بأتمها وكلكلماتك تامه اللهم إني اسألك بكلماتك كلها".
وهكذا في الدعاء أعوذ بكلمات الله التامات.
في الاول عبر عن النبي واله بالكلمات الاتم وفي الثاني بالكلمات التامات.
والكلمة عندما يراد منها مجموع الحجج مجتمعة فحينئذ ينظر الى الكلمة باعتبارها مشتملة على حروف فيكون النبي واله هم الحروف العالية وغيرهم من الحجج هم الحروف الدانية.
فقوله: "بدت فأبدت عاليات الأحرف"
أي: تجلّت وبتجلَّيها أظهرت عاليات الأحرف وهم المعصومون الثلاثة عشر.
انتهى ما أردناه مِن شرح البيت الأوَّل.
نهج الكوثرية (1).
يا أول نور قد صور *** وبه كل نبي بشر
إنا أعطيناك الزهرا *** إنا أعطيناك الكوثر
أبناء الزهراء نجوم *** إذ قيل لشانئك الأبتر
فهم أول من قد صلى *** أول من هلل أو كبر
الجنة أكبر من وصف *** وفواكهها حسنا أكبر
والزهرا فاكهة منها *** ولذا فيها سحر يؤثر
والشعر علا بمدائحها *** لا يذكر شيء إن تذكر
أنوار مدائحها تطغى *** حتى في الصبح إذا أسفر
وعبير مدائحها يذكو *** حتى في المسك أو العنبر
1) من قصائد الشعراء الذين تشرفوا بمدح الزهراء علیها السلام - مركز المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم ص25.
ورقيق مدائحها حر *** لسواها بالملك فلاقر
وجمال مدائحها يبدو *** كجمال الروض إذا أزهر
كالورد الأحمر إذ يبدو *** يجلس في محراب أخضر
وإذا ما شئت لها وصفا *** فالنور لها أقرب مصدر
ولذا في المحشر لا تبدو *** حتى بالغض لنا يؤمر
فسنا برق الزهرا سحر *** يخطف ألباب ذوي المحشر
ويكاد سنا برق الزهرا *** يذهب بالأبصار إذا مر
وربيع مدائحها فيض *** من جنبات العرش تحدر
وبه أرض الشعر ستنمو *** وسماوات الشعر ستكبر
وتكاد سماوات الشعراء *** بمدح الزهرا تتفطر
الزهرا مشكاة فيها *** مصباح يا حسن المنظر
والمصباح إذا ما يبدو *** في نور زجاجته مغمر
دري كوكبها يعلو *** وبه نور الله تكور
يوقد من زيتونة خير *** وله الله لهذا استأثر
ويكاد الزيت يضئ ولو *** لم تمسسه النار فيؤمر
نور في نور يتجلى *** سبحان الله إذا صور
قد قال لها الهادي قولا *** حسبي هذا وبه أفخر
الباري يرضى لرضاها *** وبذا حتى الشانئ قد قر
ويكنيها أُم أبيها *** وتخص بآيات أكثر
ويقبل حبا إكراما *** يدها والأمر هنا أبهر
فالهادي لا ينطق هجرا *** لا يفعل إلا ما يؤمر
شيعتها فازوا بولاها *** قد فطموا من نار تسعر
في مولد الزهراء علیها السلام (1).
ذكرى هي الّنّور للأجيال والحقب *** وفرحة الدّهر للإسلام والعرب
ذكرى لمن يتأسّى بالرّسول غدت *** عيداً إقامته من أشرف القرب
عبداً أفاض على الأيام بهجته *** فالدّهر في فرح والكون في طرب
وقد أخير بخلق الله مبتهج *** بخير مولودة جاءت لخير أبي
ومهبط الوحي في أرجائه بزغت *** شمس إلى اليوم لم تأفل ولم تغب
شمس الفضائل من أمّ الأئمّة في *** أمّ القرى رحاب البيت ذي الحجب
جاءت مع الملة الغرّاء على قدر *** لأنها بالهدى موصولة السّبب
تبارك الله ماذا للهدى جمعت *** في النّفس في الرّوح في الآباء في العقب
زهراء قيل لها من أنها ازدهرت *** بها الجنان وما أحلاه من لقب
1) زهرة الكون ص349.
وفاطماً إذ موالوها بها فطموا *** لطفاً من النّار ذات الحر واللهب
تكنّى بأمّ أيها يا له من لقب *** نالت به من أبيها أشرف الرَّتب
والفرع يحمل سرّ الأصل وابتها *** قد سُمّيت وبأمر الله زين أبي
والفاطمية نورٌ في تسلسلها *** وناتج الّنّور نورٌ غير منقلب
يا من بها مرج البحرين وامتزج *** النوران حتى أتت بالسادة النّجب
ومعدن الطيب في الدنيا ومصدره *** وكلّ ذي طيبة لولاك لم يطب
سيدة الحزن والكبرياء(1):
أريج النبوة فيك ابتدى *** وفيض الهداية منك اهتدى
وأنغام عزك في الخافقين *** لها الدهر من وله انشدا
ونورك يا بضعة المصطفى *** أضاء أضاء فغطى المدى
حنانيك أم النبي الكريم *** وأم الأئمة نور الهدى
شربنا ولاءك منذ الرضاع *** فأورق حبا غزير الندى
1) من قصائد الشعراء الذين تشرفوا بمدح الزهراء علیها السلام - مركز المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم ص27.
وحلق في حزنك المستديم *** حنين بأشواقه يقتدى
فحزنك يسكن أضلاعنا *** لهيبا توقد لن يخمدا
وصوتك رغم رنين الأسى *** له في نفوس الهداة صدى
فصارت شعاعا بما تحتوي *** قلوب لدى وجدها سجدا
وصارت بذكراك أيامنا *** معطرة عزة سؤددا
وصارت ليالي الأسى ثرة *** بذكراك نيرة فرقدا
وصرنا إذا ضامنا حاقد *** وطوقنا بالهموم العدى
طلبناك نستكشف العاديات *** ذكرناك نستنجح المقصدا
فذابت على عتبات الهوى *** مغاليق أحكامه كالردى
وعادت لأنفسنا بسمة *** تكاد من الحزن أن توأدا
(1) زَهْراءُ أمُّ أبيها قُدوةً خُلقَتْ *** للنّاَس كي يَنْقُذَ الظمآنَ راويه
ما زلت تلقين للنساء وهل *** رأي لفاطم ينبو حدّ ماضيه
علّمتهنّ دروب الحقّ واضحة *** لا لبس فيها وأنّ الله يحميه
علّمتهنّ لماذا خلقهنّ وما
*** حبّ الإله ليمشي في مراضيه
أنت اقتنعت بتسبيح على طهر *** عن خادم والضَّنا بالجسم يذويه
1) زهرة الكون ص386.
لتعلون فعلك المعطاء صرخته *** هذا رضا الله في أجلى معانيه
يا فرحة الخلق يا ميلاد فاطمة *** ولاك كلّ زوايا الأرض تحييه
طُوبى فيا أيّها الميلاد هل سمعت *** أذناك نصاً عن الزهراء ترويه
فقال- أي- ذا رسول الله كم نطقت *** شفاهه بحديث الفضل تحويه
هي سادت الأجيال وانطلقت *** إلى العُلا لتدوي في مرافيه
تجييء تلتقط الأحباب فاطمةٌ *** كالطير يلقط من حبّ غواليه
إلى الجنان وقد فاز الذي علقت *** بفضل فاطمة في الحشر أيديه
فإنّه سائر للخلد تخدمه *** الحور الحسان وفي أعلى مراقيه
من كان أعماله في النار تُلقيه *** لَحُبُّ فاطمة الزهراء يُنجيه
1) من قصائد الشعراء الذين تشرفوا بمدح علیها السلام - مركز المصطفى صلی الله علیه و آله و سلم ص30:
تطير إلى معانقة المعاني *** فتبرز كالسراج إذا تلالا
وشلال الشعور إذا تهادى *** يضيئ لفرحة الهادي احتفالا
فسوسنة الجنان تفوح عطرا *** وتنشر في الدنى أرجا زلالا
ترانيم الملائك وهي جذلى *** وتغريد الثغور إذا تعالى
تبث الوحي في شفتي شعرا *** وألحانا تشف لها اختيالا
فما غنت طيور الأيك إلا *** لتسكب من فضائلها الخصالا
وما عطرت زهور الروض حسنا *** تعبق منه أخيلة ثمالى
وما بزغت خيوط الفجر إلا *** ونور الطهر يكسوها الجمالا
أيا زهراء يا ألق المعاني *** ويا فجرا تبلج واستطالا
ويا إشراقة التأريخ نالت *** بها الأيام أو سمة تلالا
نشرت الهدي في الآفاق نورا *** تسلسل في الزمان رؤى جذالا
ويا نبعا تحف به ورود *** ويملأ كل جادبة ظلالا
ويا أُمّاً لوالدها المصفى *** وذا سر عرفت به الجلالا
حملت العبء من صغر وناغت *** على كفيك أنغام حبالى
فتحت القلب إذ ضاقت رحاب *** فلا سهلا يضم ولا جبالا
فرشت الكون في عينيه زهرا *** وكنت الأم تمنحه الدلالا
فلا عجب إذا غنت سماء *** ترتل من مناقبها مقالا
فما خلق الإله لها مثيلا *** وما عرف الزمان لها مثالا
فاطمة علیها السلام خير نساء الأُمة(1):
فاطمة خير نساء الأُمّة *** من كلِّ ذنب عصمت ووصمة
خيرُ النساء فاطم الزهراء *** يزهر نورها إلى السماء
قد فطمت عن الجحيم الحاطمة *** شيعتها فسميت ((بفاطمة))
ما مثلها في كل أقربائه *** لا من بناته ولا من نسائه
قد ولدت من بعد عام البعثه *** وقد حوت دون بنيه إرثه
وكان منها دون من عداها *** من أهل نسل النبي طه
((أُمُ أبيها)) وهي أُمُّ أبنيه *** أحب أهل بيته إليه
لولا ((عليٍّ) لم يكن كفؤٌ لها *** من (آدم) إلى من الخلق انتهى
من بهم تاب الأله وعفى *** عن آدم وقد كفاه شرفا
ومن بهم باهل سيد الورى *** وقل تعالوا أمرها لن ينكرا
وهل أتى في حقّها وكم أتى *** من آية ومن حديث ثبتا
1) الذريعة - آقا بزرگ الطهراني ج1 ص497. وفاة الصديقة الزهراء علیها السلام للسيد عبد الرزاق المقرّم ص123، وعنه موسوعة أدب تامحنة للسيد محمد علي الحلو ص407، ومجلة المرشد العددان 7-8 السنة الرابعة – 1997م- 1418ه-. صفحة 428.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله تعالى.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا أبي القاسم محمد وآله المنتجبين، الغر الميامين، المطهرين المعصومين.
واللعن الدائم على مخالفيهم، ومنكري فضائلهم، من الأولين والآخرين.
لا شكّ أنني لم ولن أتمكن من استيعاب البحث حول هذه الكنية العظيمة، ولكن هذا غاية المجهود، ونهاية ما وهبنيه المعبود، فأدعو أهل المعارف الحقّة، وأهل الحق
والحقيقة، من جميع هذه الخليقة، أن يحاولوا الوقوف على تلك السواحل والموائد البتولية، فإنّهم بذلك ينالون المراتب العليّة، وعندها يكونون من خير البريّة.
شدّة اليقين بفاطمة الزهراء علیها السلام مطلوب ومرغوب، وطلبه يحتاج أنْ يكون بإلحاح الدعاء وبكثير من العمل المندوب مصحوباً، وأن يكون بطول التفكّر متعوباً، ولا ينسىالأخوة المؤمنون، الشيعة المخلصون، أن التواصي بالحق ومنه التواصي بفضل فاطمة علیها السلام من موجبات التوفيق والتسديد، للحصول على المراتب العالية، والمنازل الرفيعة، والمقامات السامية، ولمثل هذا فليعمل العاملون.
وخير ما نختم به كتابنا هذه البشارة من كلام الإمام الصادقعلیه السلام فإنّ كلام الإمام إمام الكلام، تبرُّكاً بذكرها، ونشراً لفضائلها، وأُنساً بالحديث عنها علیها السلام :
روي في تفسير فرات بن إبراهيم، عن سهل بن أحمد الدينوري بإسناده عن الصادقعلیه السلام قال: قال جابر لأبي جعفرعلیه السلام: جعلت فداك يا ابن رسول الله، حدثني بحديث في فضل جدتك فاطمة، إذا أنا حدثت به الشيعة فرحوا بذلك، قال أبو جعفرعلیه السلام: حدثني أبي، عن جدي، عن رسول
الله صلی الله علیه و آله و سلم قال: إذا كان يوم القيامة نصب للأنبياء والرسل منابر من نور، فيكون منبري أعلى منابرهم يوم القيامة.
ثم يقول الله: يا محمد اخطب، فأخطب بخطبة لم يسمع أحد من الأنبياء والرسل بمثلها، ثم ينصب للأوصياء منابر من نور، وينصب لوصيي علي بن أبي طالب في أوساطهم منبر من نور، فيكون منبره أعلى منابرهم.
ثم يقول الله: يا علي اخطب، فيخطب بخطبة لم يسمع أحد من الأوصياء بمثلها، ثم ينصب لأولاد الأنبياء والمرسلين منابر من نور، فيكون لابنَيّ وسبطَيّ وريحانتَيّ أيام حياتي منبر من نور.
ثم يقال لهما: اخطبا، فيخطبان بخطبتين لم يسمع أحد من أولاد الأنبياء والمرسلين بمثلها.
ثم ينادي المنادي وهو جبرئيلعلیه السلام: أين فاطمة بنتمحمد؟ أين خديجة بنت خويلد؟ أين مريم بنت عمران؟ أين آسية بنت مزاحم؟ أين آم كلثوم أم يحيى بن زكريا؟ فيقمن.
فيقول الله تبارك وتعالى: يا أهل الجمع لمن الكرم اليوم؟ فيقول محمد وعلي والحسن والحسين: لله الواحد القهار.
فيقول الله تعالى: يا أهل الجمع إني قد جعلت الكرم لمحمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة، يا أهل الجمع طأطئوا الرؤوس وغضوا الأبصار فإن هذه فاطمة تسير إلى الجنة، فيأتيها جبرئيل بناقة من نوق الجنة مدبحة الجنبين، خطامها من اللؤلؤ الرطب، عليها رحل من المرجان، فتناخ بين يديها فتركبها، فيبعث الله مائة ألف ملك ليسيروا عن يمينها، ويبعث إليها مائة ألف ملك ليسيروا عن يسارها، ويبعث إليها مائة ألف ملك يحملونها على أجنحتهم حتى يصيروها على باب الجنة، فإذا صارت عند باب الجنة تلتفت.
فيقول الله: يا بنت حبيبي ما التفاتك وقد أمرت بك إلى جنتي؟
فتقول: يا رب أحببت أن يعرف قدري في مثل هذا اليوم.
فيقول الله: يا بنت حبيبي ارجعي فانظري من كان في قلبه حب لك أو لأحد من ذريتك خذي بيده فأدخليه، الجنة.
قال أبو جعفرعلیه السلام: والله يا جابر إنها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبيها كما يلتقط الطير الحب الجيد من الحب الرديء، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا، فإذا التفتوا.
يقول الله: يا أحبائي ما التفاتكم وقد شفعت فيكم فاطمة بنت حبيبي؟
فيقولون: يا رب، أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم.
فيقول الله: يا أحبائي ارجعوا وانظروا من أحبكم لحب فاطمة، انظروا من أطعمكم لحب فاطمة، انظروا من كساكم لحب فاطمة، انظروا من سقاكم شربة في حب فاطمة، انظروا من رد عنكم غيبة في حب فاطمة فخذوا بيده وأدخلوه الجنة.
قال أبو جعفرعلیه السلام: والله لا يبقى في الناس إلا شاك أو كافر أو منافق، فإذا صاروا بين الطبقات نادوا كما قال الله تعالى: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ 99 وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ}(1)فيقولون: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}(2).
قال أبو جعفرعلیه السلام: هيهات هيهات منعوا ما طلبوا {... وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (3)} (4).
اللهم ارزقني شفاعة الزهراء علیها السلام في الدنيا والآخرة،واجعلني وجيهاً عندك بالزهراء وأبيها وبعلها وبنيها، بحق المحمدية المحمودة والعلوية العالية والفاطميّة البيضاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
عبد المحسن عبد الزهراء
القرآن الكريم
نهج البلاغة
إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب ... لمحمد المناوي الشافعي
الاحتجاج ... للشيخ الطبرسي
الأربعين ... للشيخ الماحوزي
أرجح المطالب ... للآمرتسري
الاستيعاب ... للطبراني
إسعاف الراغبين ... لمحمد الصبان الشافعي
الإصابة ... لابن حجر
إقبال الأعمال ... للسيد ابن طاووس الحسني
آل محمد ... للشيخ حسام الدين المردي الحنفي
الأمالي ... للشيخ المفيد
الأمالي ... للشيخ الصدوق
الإمامة والسياسة ... لابن قتيبة
بحار الأنوار ... للشيخ المجلسي
تأويل الآيات الباهرة في العترة الطاهرة ... لشرف الدين النجفي
التبر المذاب ... لأحمد الخافي الحسيني الشافعي
التحفة السنية ... للسيد عبد الله الجزائري
تفسير الثعلبي ... للثعلبي
تفسير فرات الكوفي ... لفرات بن إبراهيم الكوفي
تفسير مجمع البيان ... للشيخ الطبرسي
تهذيب التهذيب ... لابن حجر
التيسير شرح الجامع الصغير ... للمناوي الشافعي
حلية الأبرار ... للسيدهاشم البحراني
حياة الإمام الحسين علیه السلام ... للشيخ باقر شريف القرشي
الخصال ... للشيخ الصدوق
الدعاء ... للطبراني
ربيع الأبرار ... للزمخشري
روضة الواعظين ... للفتال النيسابوري
رياض المسائل ... للسيد علي الطباطبائي
سبل الهدى والرشاد ... للصالحي الشامي
السيدة فاطمة الزهراء علیها السلام ... لمحمد بيومي
شرح إحقاق الحق ... للسيد المرعشي
شرح الأخبار للقاضي ... النعمان المغربي
شرح المواهب ... للزرقاني المالكي
شرح نهج البلاغة ... لابن أبي الحديد
العوالم، الإمام الحسين علیه السلام ... للشيخ عبد الله البحراني
العوالم، الزهراء علیها السلام ... للشيخ عبد الله البحراني
عوالي اللئالي ... لابن أبي جمهور الأحسائي
الغدير ... للشيخ الأميني
فتح القدير ... للشوكاني
فرائد السمطين ... للحمويني
فضائل الصحابة ... للسمعاني
فيض القدير شرح الجامع الصغير ... للمناوي الشافعي
الكافي ... للشيخ الكليني
كامل الزيارات ... لابن قولويه
كفاية الطالب ... للگنجي الشافعي
لسان الميزان ... لابنحجر العسقلاني
اللمعة البيضاء ... للتبريزي الأنصاري
اللهوف في قتلى الطفوف ... للسيد ابن طاووس الحسني
مائة منقبة ... لمحمد بن أحمد القمي
مجمع الفائدة ... للمحقق الأردبيلي
مدينة المعاجز ... للسيد هاشم البحراني
المرقاة شرح المشكاة ... للقاري الهروي الحنفي
المزار ... للشيخ المفيد
المزار ... لمحمد بن المشهدي
مسند الفردوس ... للديلمي الحنفي
مشارق أنوار اليقين ... للحافظ رجب البرسي
المصباح ... للكفعمي
مصباح الزائر ... للسيد ابن طاووس الحسني
مصباح الفقيه ...لآغا رضا الهمداني
مصباح المتهجد ... للشيخ الطوسي
معاني الأخبار ... للشيخ الصدوق
معجم أحاديث الإمام المهدي علیه السلام ... للشيخ علي الكوراني
المعجم الكبير ... للطبراني
مقتل الحسين علیه السلام ... للخوارزمي
الملل والنحل ... للشهرستاني
المناقب ... لابن مردويه
المناقب ... لابن المغازلي
المناقب ... لابن شهرآشوب
المناقب ... للخوارزمي
منتهى المطلب ... للعلامة الحلي
مودة القربى ... للسيد عليّ الهمداني
نور العين في مشهد الحسين علیه السلام ... لأبي إسحاق الاسفرايني
وسائل الشيعة ... للحر العاملي
ينابيع المودة ... للقندوزي وغيرها مما لم يسعني تدوينه.
الإهداء * 5
المقدمة * 9
مصادر الكنية 18
المعنى الأوّل: محبّة الزهراء علیها السلام 35
بقيت شبهة بكاء الزهراء علیها السلام : 47
مشروعية البكاء الكثير 47
المقطع الأوّل من كلام الضلال: 61
الجواب: 62
المقطع الثاني من كلام الضلال: 64
الجواب: 65
المقطع الثالث من كلام الضلال: 70
الجواب: 71
المقطع الرابع من كلام الضلال: 74
الجواب: 76
المقطع الخامس من كلام الضلال: 80
الجواب: 80
المقطع السادس من كلام الضلال: 82
الجواب: 83
المقطع السابع من كلام الضلال: 86
الجواب: 87
المقطع الثامن من كلام الضلال: 89
الجواب: 90
المقطع التاسع من كلام الضلال: 95
الجواب: 96
المقطع العاشر من كلام الضلال: 96
الجواب: 98
المقطع الحادي عشر من كلام الضلال 102
الجواب: 103
المعنى الثاني: محبّة النبي صلی الله علیه و آله و سلم 106
المعنى الثالث: أم آدمعلیه السلام 115
المعنى الرابع: أمّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم بالواسطة 121
بقيت شبهة في خلق الكون من أجلهمعلیهم السلام: 123
من أقوال العلماء: 141
قال الضال المضل: 143
الجواب على كلام الضلال: 144
التشكيك في حديث الكساء: 151
المعنى الخامس: سيّدة النساء علیها السلام 157
بقيت شبهة سيدة النساء: 158
المعنى السادس: بالنسبة لأمّهات المؤمنين 172
المعنى السابع: أصل الشجرة النبوية 176
المعنى الثامن: يرضى لرضاها 184
المعنى التاسع: المعنى الجامع 188
المعنى الأوّل لتسمية الفاتحة بأمِّ الكتاب: 189
المعنى الثاني لتسمية الفاتحة بأمِّ الكتاب: 191
ارتباط المعنيين بكنية أمِّ أبيها علیها السلام : 193
امّا المعنى الأوّل: 193
امّا المعنى الثاني: 194
الأوّل: خير للمرأة ألا ترى الرجال 196
الثاني: أدنى ما تكون المرأة مِن ربِّها: 197
الثالث: إنّه يشمُّ الريح: 197
الرابع: كعبادة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : 198
الخامس: علمها بضعة مِن علمه: 200
الفائدة الأولى: علم ما لم يكن: 203
الفائدة الثانية: إفاضة العلم: 203
الفائدة الثالثة: ربط العلم بالنور: 204
محاولات تضييع الحقيقة 205
الأوّل: تغيير أسباب نزول الآيات لسلب فضائلهمعلیهم السلام: 207
الثاني: إنكار الأحاديث الصحيحة والمتواترة في فضلهم: 209
الثالث: الإضافة في أحاديث فضائلهم كي تفقد فضلهم: 215
صحة الحديث: 218
لفظ الحديث: 219
الأولى: في سنده: 221
الثانية: في متنه: 222
الرابع: معارضة الأحاديث في فضلهم بوضع الأحاديث: 223
الخامس: تصحيف أحاديث فضائل أهل البيتعلیهم السلام: 234
السادس: تأويل أحاديث فضائلهم إلى ما يُفقدها المقصود: 236
الفهم المتجني 245
مؤلفات حملت اسم أم أبيها 263
أم أبيها في الشعر 269
الأستاذ إبراهيم جواد 275
احمد علي سليمان عبد الرحيم 277
الأستاذ بدر الشبيب 280
الأستاذ بشار كامل الزين 281
الأستاذ بولس سلامة: 282
الأستاذ سعيد معتوق الشبيب 283
الشيخ سلمان جواد العُوَّى 285
الشيخ صادق الشيخ جعفر الهلالي 286
الأستاذ عبد العزيز العندليب 286
الشيخ عبد الله الوائلي الأحسائي 288
الخطيب عبد المطلوب الهاجوج 290
الأستاذ عبد النبي البزي 292
الأستاذة عزيزة صندوق 293
الشيخ علي الجشي 294
الأستاذ علي حمدان الرياحي 296
المهندسة كوثر شاهين 297
الشيخ محسن الفاضلي 298
سماحة العلامة الشيخ محسن المعلم حفظه الله 299
الشيخ محمد حسين الاصفهاني 300
الشيخ محمد حسين الأنصاري 306
الحاج محمد بن الحاج حسين آل رمضان الأحسائي 308
الأستاذ مصطفى المهاجر 309
الشيخ مهدي المصلي 310
الشيخ نزار سنبل 311
الشيخ هادي آل كاشف الغطاء 313
*مصادر الكتاب * 321