ghaemiyeh.com
رسالة في
الخبر الضعيف
فوائده وموقفنا الشرعي منه
الشيخ علي عيسى الزواد
الطبعة الأولى
2006 م - 1427ه-
محرر الرقمی:محمد رضا راهجو
الطبعة الأولى
2006 م - 1427ه-
يهدى ثواب طباعة هذا الكتاب إلى
روح المرحوم الحاج حسين شرف
وصهره ووالديه
الفاتحة مع الصلوات
رسالة في
الخبر الضعيف
فوائده وموقفنا الشرعي منه
الشيخ علي عيسى الزواد
دار الصديقة الشهيدة علیها السلام
لجنة أم البنين الخيرية علیها السلام
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
«وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»(التوبة:122)
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على المبعوث للعالمين المصطفى الأمجد المحمود الأحمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين... وبعد:
لقد شاع في هذه الأزمنة المتأخرة ردّ الخبر والاستهانة به لمجردوقوع بعض المجهولين أو الضعفاء في سند الرواية،حتى انجر البعض إلى التفكير بما يسمى بتنقيح كتب الأحاديث واستخراج الأحاديث المعتبرة سنداً وترك تدوين غيرها، ووصل هذا النوع من التداول إلى ألسنة العوام فاستهوته نفوسهم ومالت عقولهم الضعيفة إليه.
فأرادوا أن يكون لشيعة أهل البيت عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُعَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ كما للمخالفين من صحيح بخاري وغيره، وكأنّ المخالفين فعلوا خيراً لم يفعله شيعة الحق، وبقيت عند المرضى أو الجهّال حسرة وأمنية الإقتداء بمن خالف الحق واتبع الباطل، وهم يعلمون أنّ أعلام الطائفة بذلوا الغالي
والنفيس في سبيل حفظ تلك الأحاديث عن أهل بيت العصمة والطهارة، متقربين بذلك إلى الله تعالى مع علمهم التام بأنّ ما جمعوه من أحاديث فيه الصحيح وغيره، فلم يكن حفّاظ الحق وناصروه في غفلة أو عدم دين أو جهل حتّى يأتي المتطفلون على أحاديث أهل البيت عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُعَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ ويرفعون رايةً كأنّهم أصحاب الفتح الذي لم يسبقهم إليه أحد، ووجدوا أنّ هذا يستهوي ضعاف العقول والجهّال من أبناء الطائفة.
مع العلم بأنّ ما يُسمّى بالصحاح عند مخالفينا لو راجعت أسانيدهم، لوجدت بعض الذين رووا عنهم لا يمكن أن يسلموا من الجرح حتّى على مبانيهم وأصولهم.
ثُمّ مَن هم هؤلاء حتّى يخوضوا في تصحيح أو تضعيف الأخبار؟! وهم ليسوا مِن أهل هذه الصنعة وليسوا من أعلام هذه الأمة، وهم لا يعرفون القواعد الصحيحة والمناهج العلمية والطرق السليمة لتصحيح الأخبار والتمييز بين أسنادها. ورحم الله من عرف قدر نفسه فوقف عندها.
والبعض الداعي له إلى اتخاذ هذا المنهج، وسلوك هذه الطريقة هو أنه غير قادر على مواجهة المخالفين ببعض الروايات، كما أنّ
بعضهم الداعي له هو وجود مرض في قلبه يدعوه إلى إنكار أمر، فتشبّث بضعف سند ما دلّ على ذلك الأمر، كما أنّ المبرر لبعضهم هوجهله بما عليه الطائفة الحقة المحقة. فكان لزاماً علينا أن نوضح هذا الجانب الخطير - كما سيأتي - للذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. فأقول وعلى الله تعالى أتّكل وبه أستعين.
السُنّة: هي قول المعصوم أو فعله أو تقريره.
والخبر يطلق على كلام غير المعصوم الحاكي عن السنة الصادرة عن المعصوم ويرادفه الحديث.
ومما لا شك فيه أن السنة المطهرة المشتملة على الأحاديث المروية عن النبيصَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْوالأئمة الأطهار عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُعَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ، تعتبر المصدر الرئيسي من بين مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم ، إذ أن أكثر الأحكام الشرعية تستفاد من الأخبار النبوية والروايات عن الأئمة الهداة عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُعَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ، ومن هنا عكف علماؤنا الأعلام على تصنيف تلك الأخبار، وتحديد موارد أصنافها التي يُتمسّك بها، ويُعمل على طبقها.
واختلف العلماء في ما هو الحجّة من الخبر اختلافاً كثيراً، وبسبب ذلك الإختلاف قد يكون خبر عند فقيه غير معتبر، وعند آخر يكون نفس ذلك الحديث معتبراً ومقبولاً والعكس صحيح.
ولقد نشأ علما الدراية والرجال اللذان يبحثان عن سند الروايات، ويتم من خلالهما تحديد الضوابط التي يُقبل فيها الخبر.
ومن تلك الأصناف الخبر الضعيف، الذي قد يكون في سنده إرسال أو قطع، أو يكون بعض رجاله مجهولين أو ضُعفاء، وغير ذلك منالإعتبارات التي لا تجعله في مصافّ الخبر الصحيح والحسن والموثّق.
-المقام الأول: فائدة الخبر الضعيف سنداً من حيث رجاله.
-المقام الثاني: عدم جواز الرد.
والكلام في الخبر الضعيف سندا يقع في مقامين:
وهنا في هذا المقام نورد بعض الموارد التي يكون فيها الخبر ضعيفا سنداً، ومع ذلك تكون له عظيم فائدة بل يصح الأخذ به والعمل على طبقه، وليست هذه الموارد على نحو الإحصاء والحصر ولكن فيها الكفاية لمن أراد نيل الحقيقة وأراد صيانة الدين.
*الأول: في المستحبات.
*الثالث: في المستفيض والمتواتر.
*الرابع: المحفوف بالقرينة.
*الخامس: مضمون الخبر.
*السادس: الأحاديث يفسّر بعضها بعضاً.
*السابع: في المواعظ والسيرة.
اشتهر بين فقهائنا العمل بالأخبار الضعيفة في المستحبات، وهذا ما يُسمى بالتسامح في أدلة السنن، وذلك لورود الروايات الكثيرة الدالة على جواز العمل بالروايات الصحيح منها والضعيف في مقام العمل بالمستحبات، والروايات بالغة من الكثرة بحيث عبّر عنها الشيخ الأنصاري قدس سره في رسائل فقهية ص142 بقوله:
(الأخبار المستفيضة التي لا يبعد دعوى تواترها معنى) وقال:
(وهذه الأخبار مع صحة بعضها غنية عن ملاحظة سندها، لتعاضدها وتلقيها بالقبول بين الفحول).
فالنتيجة أنّ هذه الأخبار الشريفة الآتية لا تصحُّ المناقشة في سندها؛ لصحّة بعضها، واشتهارها، واشتهار العمل بها، وبلوغها حدّ الإستفاضة على أقلّ تقدير، فهذه أمور أربعة يُصحّح كلّ واحد منها العمل بالخبر، فكيف إذا اجتمعت كلّها في بعض الأخبار، كما في هذه الروايات.
ومن تلك الروايات((1)):
مصححة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عَلَیْهِ السَّلاَمُ قال:
(من بلغه عن النبيصَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْشيء من الثواب فعمله، كان أجر ذلك له، وإن كان رسول اللهصَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْلم يقله).
ومنها:
حسنة أخرى - كالصحيحة - له، عن أبي عبد الله عَلَیْهِ السَّلاَمُ أيضا، قال:(من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه كان له
1) منقولة من رسائل فقهية للشيخ الأنصاري، الموجود في برنامج المعجم الفقهي. والمصححة في الوسائل 1: 60 الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 3.
أجره وإن لم يكن كما بلغه) ((1)).
ومنها: المروي عن صفوان، عن أبي عبد الله عَلَیْهِ السَّلاَمُ قال:
(من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمل به، كان له أجر ذلك وإن كان رسول الله صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ لم يقله) ((2)).
ومنها: خبر محمد بن مروان عن أبي عبد الله عَلَیْهِ السَّلاَمُ قال:
(من بلغه عن النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ شيء من الثواب، ففعل ذلك طلب قول النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ كان له ذلك، وإن كان النبي صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ لم يقله) ((3)).
ومنها: خبر آخر لمحمد بن مروان، قال: سمعت أبا جعفر عَلَیْهِ السَّلاَمُ يقول:
(من بلغه ثواب من الله على عمل ففعله التماس ذلك الثواب، أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه)((4)).
ومنها: المحكي عن ابن طاووس رحمة الله في الإقبال أنه روي عن الصادق عَلَیْهِ السَّلاَمُ قال:
(من بلغه شيء من الخير فعمل به كان ذلك له، وإن لم يكن الأمر كما بلغه)((5)).
1) الوسائل 1: 60 الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 6 وفيه: ) فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه ).
2) الوسائل 1: 59 الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 1.
3) الوسائل 1: 60 الباب 18 من أبواب العبادات الحديث 4 وفيه: (كان له ذلك الثواب... ).
4) الوسائل 1: 60 الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 7 وفيه: فعمل ذلك العمل التماس.. الخ.
5) إقبال الأعمال: في ما يختص بشهر رجب صفحة 277.
ومن طريق العامة ما عن عبد الرحمن الحلواني أنه رفع إلى جابربن عبد الله الأنصاري، قال:
قال رسول الله ‘:
(من بلغه من الله فضيلة فأخذ بها وعمل بها إيمانا بالله ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك، وإن لم يكن كذلك)((1)).
وغيرها من الروايات التي لسنا بصدد إحصائها ويكفي ما نقلناه.
راجع الوسائل ج1 ص80 باب استحباب الإتيان بكل عمل مشروع روي له ثواب عنهم عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ.
فإنّه إذا بلغنا عن أهل بيت العصمة والطهارة عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُعَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ أنّهم أمروا بعمل فيه ثواب فإننا نحصل على ذلك الثواب إن فعلناه وإن كان في الواقع أنّ المعصوم عَلَیْهِ السَّلاَمُ لم يقله، وفي الخبر الضعيف أيضاً بلغنا، ألا ترى أنّك عندما يخبرك الثقة بعد خبر غير الثقة يصحّ منك أن تقول: لقد بلغني ذلك ولكن لم أصدقه، فاعتبرت خبر غير الثقة بلوغاً.
وكذا أيضاً ما ورد في الرواية الأخرى (مَنْ سمع) فإنّ الخبر الضعيف أيضاً قد سمعته عن المعصوم عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ .
1) تاريخ بغداد 8: 296. ورواه عن طريقهم في عدة الداعي آخر المقدمة صفحة 13.
وقد يُشكل؛ بأنّ هذا يقتضي أن نقبل حتّى روايات المخالفين، فنقول:
ليس الأمر كذلك فإنّ روايات المخالفين يدّعون أنّها بلغتهم ولكنّها لم تبلغنا، كما أننا نُهينا عن الأخذ منهم والرجوع إليهم وإلى كتبهم، كما روى لنا ذلك الكشي في رجاله ص383 ح4 بسنده عن علي بن سويد السابي قال: كتب إليّ أبو الحسن عَلَیْهِ السَّلاَمُ وهو في السجن:
(وأمّا ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك، لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فانّك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانواالله ورسوله وخانوا أماناتهم، إنّهم ائتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ولعنة ملائكته ولعنة آبائي الكرام البررة ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة... - في كتاب طويل )((1))
المشهور عند فقهائنا الأبرار أنّ الخبر وإن كان ضعيف السند إلاّ أنّه يصحّ التمسّك به في المستحبّات، والخبر الضعيف كالصحيح،
1) وسائل الشيعة (الإسلامية) للحر العاملي ج18 ص109.
فيفتون باستحباب ما دلّ عليه الخبر الضعيف، كما يفتون باستحباب ما دلّ الخبر الصحيح على استحبابه، قال المحقق النراقي رحمة الله في مستند الشيعة ج4 ص111:
(مع أن الخبر الضعيف في مقام الاستحباب في حكم الصحيح ولا يعجز عن إثبات الحكم).
هناك روايات ضعيفة السند ولكن مشهور المتقدمين تلقاها بالقبول وعمل بها، بل في بعض الموارد في مقابل تلك الروايات روايات صحيحة السند أعرض عنها مشهور المتقدمين مع قربهم من زمان الأئمة عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ، ولذا ذهب مشهور المتأخرين إلى أنّ تلك الشهرة جابرة للخبر الضعيف وموهنة للخبر الصحيح.
قال السيد الخوئي قدس سره في كتاب الطهارة ج5 ص307: ( فإن بنينا على ما بنى عليه المشهور من أن الرواية بلغت من الصحة ما بلغت إذا اعرض عنها المشهور سقطت عن الاعتبار فلا مناص من الأخذ بالطائفة الأولى الدالة على عدم الفرق في وجوب الغسل بالإنزال بين المرأة والرجل وذلك لإعراض الأصحاب عن الطائفة الثانية ولم ينسب العمل بها إلى احد من أصحابنا وحيث ان الإعراض يوجب سقوط الرواية عن الاعتبار فتبقى الطائفة الأولى من غير معارض.)
وفي الدر المنضود للسيد الگلپايگاني رحمة الله ج 1 ص 330: (وقد اشتهر انه كلما ازدادت صحةً ازدادت وهناً بإعراض المشهور، وكلما ازدادت ضعفا ازدادت قوة بعملهم وذلك لان بناءهم على العمل بالروايات، فإذا كانت الرواية في متناول أيديهم ولم يحتمل في حقهم عدم وصولها إليهم ومع ذلك لم يعملوا بها فان ذلك كاشف عن شيء فيها، وقد خفي علينا، ويقل الاطمينان بها.)
وقال السيد البروجردي رحمة الله فيما حكاه عنه مقرر بحثه الشيخ علي الاشتهاردي في كتاب تقريرات في أصول الفقه ص298: (ما اشتهر بينهم خصوصا بين المتأخرين منهم، بل استقر بينهم من أن الشهرة جابرة لضعف السند مطلقاً وإن كانوا لم يستندوا في ذلك إلى تلك الرواية فإنه يصير معناها حينئذ أن المشهور المطابق للخبر لا ريب فيه، وهذا لا فرق فيه بين الاستناد وعدمه.)
والشهرة هي من القرائن الموجبة للوثوق بالخبر وإن كان من حيث السند ضعيفاً. حيث إنّ الحجة في الأخبار عند بعض الأعلام هو الخبر الموثوق لا خبر الثقة، فعلى هذا المبنى يصحّ الأخذ بالخبر الموثوق وإن كان من حيث السند ضعيفاً.
ففي نهاية الأفكار لآقا ضياء العراقي ج 4 ص 227:
(بناءاً على ما هو المعروف في زماننا هذا - المحرر في الأصول - من كون مدار الحجية على الخبر الموثوق الصدور، فتقل فائدة الرجال جداً لمكان حصول الوثوق بصدور الخبر باتكال المشهور عليه، وان كان بحسب القواعد الرجالية في منتهى درجة الضعف، كما أنّ إعراضهم عنه يوجب وهناً فيه وإن كان جميع رجال أسناده عدولاً، لكشف إعراضهم عنه - مع كونه بين أظهرهم - عن وجود خلل فيه يوجب سلب الوثوق بصدوره، ولذا اشتهر أنّ الخبر كلما ازداد صحة واعتبارا ازداد بإعراض الأصحاب عنه ضعفاً وانكساراً)
إنّ تحقق الاستفاضة والتواتر لا يُشترط فيهما صحة السند، بل يمكن تحقق كل من الاستفاضة والتواتر بالأخبار الضعيفة السند إذا تضافرت الروايات ووصلت لحد التواتر أو الاستفاضة.
قال الشهيد الأوّل في القواعد والفوائد((1)): (إذا كان للحديث الواحد طرق متعددة، وأسانيد متنوعة، فسنة أهل الحديث أنّهم لا يهتمون بتصحيح السند، والتعمق في حال رجاله، ويلحقون مثل هذا بالمتواترات أو المستفيض.)((2))
فبحذف الأخبار الضعيفة نفقد المتواتر والمستفيض من الأخبار،حتّى لو بقي الصحيح فإنّ الصحيح قد لا يصل إلى حدّ التواتر، فنفقد اليقين الذي أفاده الخبر المتواتر.
الخبر الضعيف سنداً إذا احتف بالقرينة، فإنّ تلك القرينة توجب الاطمئنان بصدور الخبر، بل قد تفيدنا القطع بصدوره.
ألا ترى أنّه لو أخبرك شخص عن مرضه عند الطبيب، مع دلالة لونه على ذلك، وكذا لو أخبرك بموت شخص مثلا، وعلمت بارتفاع النياح والصياح من بيته،ولبسهم السواد ونحو ذلك مع سبق العلم بمرضه، فإنّك تقطع بصحة الخبر.
وأمثال ذلك كثير وقضاء الوجدان بحصول العلم عند احتفاف القرائن يكفينا حجة.
ففي خاتمة المستدرك للميرزا النوري ج 5 ص 44:
(قال في التكملة: هذا خبر محفوف بقرائن الصدق فيكون حجة، فان الخبر المحفوف بالقرائن وان ضعف يكون حجة بالاتفاق، بل أقوى من الصحيح الخالي عن القرائن.)((1)).
1) التكملة للكاظمي 2: 232
القرينة منها ما هو قرينة داخلية ومنها ما هو خارجية:
من القرائن الداخلية علو المضمون الذي لا يصدر إلا عن أهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال السيد محمد باقر الحسيني المرعشي الداماد - في مقام بيان العلامات التي يتميز بها الحديث الضعيف من غيره-:
(ويعرف كون الحديث موضوعا بإقرار واضعه بالوضع أو ما ينزل منزلة الإقرار من قرينة الحال الدالة على الوضع والاختلاق، فبإقراره يحكم على ذلك الحديث بحسب ظاهر الشرع بما يحكم على الموضوع في نفس الأمر وإن لم يكن يحصل بذلك حكم قطعي بات بالوضع لجواز كذبه في إقراره.
وقد يعرف أيضا بركاكة ألفاظ المروي وسخافة معانيها وما يجري مجرى ذلك، كما قد يحكم بصحة المتن مع كون السند ضعيفا إذا كان فيه من أساليب الرزانة وأفانينالبلاغة وغامضات العلوم وخفيات الأسرار ما يأبى إلا أن يكون صدوره من خزنة الوحي وأصحاب العصمة وحزب روح القدس ومعادن القوة القدسية ) ((1)).
1) الرواشح السماوية: ص 193.
قال الشيخ الأنصاري في كتاب الصوم ص 95:
(والخدشة في الرواية سندا... غير مسموعة، لأنّ في الرواية آثار الصدق).
وقال أيضاً في فرائد الأصول ج1 ص304:
(دل هذا الخبر الشريف اللائح منه آثار الصدق على جواز قبول قول من عرف بالتحرز عن الكذب).
وقال السيد الخوئي في مصباح الفقاهة ج 1 ص 268:
(ولا إشكال في جواز ارتزاق القاضي من بيت المال في الجملة كما هو المشهور. لأنّ بيت المال معد لمصالح المسلمين والقضاء من مهماتها. ولما كتبه علي أمير المؤمنين عَلَیْهِ السَّلاَمُ إلى مالك الاشتر في عهد طويل فقد ذكر عَلَیْهِ السَّلاَمُ فيه صفات القاضي ثم قال: (وأفسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس ). والعهد وإن نقل مرسلا إلا أن آثار الصدق منه لائحة، كما لا يخفى للناظر إليه).
وقال السيد عبد الله شُبّر في شرح الزيارة الجامعة ص 29:
(لا يخفي على أولي البصاير النقادة، وأرباب الأذهان الوقادة، وذوي العقول السليمة، وأصحاب الأفهام المستقيمة، أنّ الزيارة
الجامعة الكبيرة أعظم الزيارات شأناً وأعلاها مكانة ومكاناً، وانّ فصاحة ألفاظها وفقراتها، وبلاغة مضامينها وعباراتها، تناديبصدورها من عين صافية نبعت عن ينابيع الوحي والإلهام، وتدعو إلى أنّها خرجت من ألسنة نواميس الدين، ومعاقل الأنام، فإنّها فوق كلام المخلوق، وتحت كلام الخالق الملك العلاّم.
قد اشتملت على الإشارة إلى جملة من الأدلة والبراهين المتعلقة بمعارف أصول الدين، وأسرار الأئمة الطاهرين، ومظاهر صفات رب العالمين، وقد احتوت على رياض نضرة، وحدائق خضرة، مزينة بأزهار المعارف والحكمة، محفوفة بثمار أسرار أهل بيت العصمة، وقد تضمنت شطراً وافراً من حقوق أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، وأهل البيت الذين حث الله على متابعتهم، وذوي القربى الذين أمر الله بمودتهم، وأهل الذكر الذين أمر الله بمسألتهم، مع الإشارة إلى آيات فرقانية، وروايات نبوية، وأسرار إلهية، وعلوم غيبية، ومكاشفات حقية، وحكم ربانية...
إنّ هذه الزيارة قد رواها جملة من أساطين الدين، وحملة علوم الأئمة الطاهرين، وقد اشتهرت بين الشيعة الأبرار، اشتهار الشمس في رابعة النهار، وجواهر مبانيها، وأنوار معانيها، دلائل حق وشواهد صدق
على صدورها عن صدور حملة العلوم الربانية، وأرباب الأسرار الفرقانية، المخلوقين من الأنوار الإلهية، فهي كسائر كلامهم الذي يغني فصاحة مضمونه، وبلاغة مشحونه، عن ملاحظة سنده، كنهج البلاغة، والصحيفة السجادية، وأكثر الدعوات والمناجات).
بعض الأخبار الضعيفة السند مشتملة على مضمون صحيحكالإستدلال على أمر، وقد يخفى علينا هذا الدليل لولا وجوده في مثل هذه الرواية وإن كانت ضعيفة السند.
عن محمد بن حماد عن أخيه احمد بن حماد عن إبراهيم عن أبيه عن أبي الحسن الأول((1)) عَلَیْهِ السَّلاَمُ قال: - في حديث – :
(إن الله تعالى يقول في كتابه:
)وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعاً(((2))، وقد ورثنا هذا القرآن، ففيه ما يقطع به الجبال ويقطع المداين به ويحيى به الموتى ونحن نعرف الماء تحت الهواء
وان في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر إلى أن يأذن الله به، مع ما فيه إذن الله، فما كتبه للماضين جعله الله في أم الكتاب، إن الله يقول في كتابه: )وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(((1)) ثم قال: )ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا(((2)) فنحن الذين اصطفانا الله فورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شيء)((3)).
فإنّ هذا الخبر لو فرضنا أنّه ضعيف السند إلاّ أنَّه يشتمل على استدلال قرآني واضح المعنى قوي الحجة ولولا أمثال هذه الروايات لما اهتدينا إلى مثل هذه الاستدلالات ولما حصلنا على مثل هذه المعارف.***
بعض الأخبار تفسر بعض الأخبار، فعند وجود رواية وإن كانت صحيحة قد لا يظهر لنا معناها بصورة واضحة فتأتي الرواية الأخرى -وإن كانت ضعيفة السند- توضّح لنا المراد من الرواية الأولى.
فورد عنهم عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ شيعتنا هم العرب، وجاءت رواية أخرى فسّرت ذلك بالمعربين والمظهرين لولاية أهل البيت.
وكذلك ما ورد أنّه لو كان العلم في الثّريا لناله رجال من فارس، فوردت الرواية الأخرى التي تفسر هذه الرواية بالمتفرِّس، لقولهم عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ: اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله.
ففي الاختصاص للشيخ المفيد ص 143:
عن الإمام الصادق عَلَیْهِ السَّلاَمُ أنه قال: المؤمن هاشمي لأنه هشم الضلال والكفر والنفاق والمؤمن قرشي لأنه أقر للشيء ونحن الشيء وأنكر اللاشيء الدَّلام((1)
شهد الإله بأنني متبرئ
وبراءة الخلعي من عصب الخنا
.
من حبترٍ ومن الدَّلام
ونعثلا
تبنى على أن البرا أصلُ الوَلا
.
)1) الدَّلام كسحاب: السواد أو الأسود، ويكنى به غالبا في الأخبار عن الثاني تقية، وقد يطلق على سابقه أيضا إما لسواد باطنهما بالكفر والنفاق، أو لانتشار الظلم والفتن بهما في الآفاق. قال الشاعر الشيخ الخليعي:
وأتباعه، والمؤمن نبطي لأنه استنبط الأشياء فعرف الخبيث من الطيب، والمؤمن عربي لأنه أعرب عنا أهل البيت، والمؤمن أعجمي لأنه أعجم عن الدَّلام فلم يذكره بخير والمؤمن فارسي لأنه يفرس فيالإيمان لو كان الإيمان منوطا بالثّريا لتناوله أبناء فارس يعني به المتفرس فاختار منها أفضلها واعتصم بأشرفها وقد قال رسول الله ‘: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.
ولا يُشكل علينا في هذا المورد بأنّ القرينة أيضاً بحاجة إلى أن تكون معتبرة في ذاتها، فنقول: إنّ المراد مِن مثل هذه الموارد أنّه إذا كان اللفظ يظهر منه ظهوراً أوّليّاً بدويّاً معنى من المعاني ولكنّ هذا المعنى قامت القرينة القطعية على خلافه فينصرف اللفظ إلى غيره من المعاني، فتأتي الرواية الضعيفة لِتُلفِت انتباهنا إلى المعنى الآخر، فيتعين الحمل عليه لعدم صحة المعنى الأول.
فهنا نجد أنّ شيعتنا هم العرب في الظهور الأوّلي البدوي أنّ المراد من العرب هم الناطقون باللغة العربية، ولكنّنا نجد أنّ هذا المعنى غير صحيح بالوجدان، فإنّ الإسلام ليس مخصوصاً بقومية دون أخرى، فينتفي هذا المعنى من الرواية، وعند ورود الرواية الضعيفة التي ألفتت انتباهنا إلى أنّ هناك معنى آخر للعرب وهو المعربون عن الولاية، فعندئذ نحمل الرواية الأولى على المعنى الثاني لانتفاء المعنى الأوّل.
إنّ من الفوائد الجليلة للخبر الضعيف أنّه يُثري الخطيب بالمواعظ والسِّيَر التاريخيّة، كما ينتفع به المؤمن عبرة وموعظة، ولو حذفنا كلّ الروايات الضعيفة لفقدت الموعظة مكانتها وتأثيرها في أغلب الأحيان، كما نفقد الكثير من العِبَر من سيرة السابقين التي لم تصلنا إلاّ بطريق ضعيف.
والمواعظ والعِبَر يُراد منها إيجاد التأثُر في قلب قارئها ومستمعها،كي ينعكس ذلك سلوكاً صالحاً وإيماناً راسخاً.
ولا يُقصد منها تحريم أو وجوب ولذا مهما كانت من الضعف بمكان فإنّها تُستعمل لتلك الآثار الجليلة، ما دامت تُحكى على أنّها رواية مروية عن أهل بيت العصمة عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ.
نعم لا يصحّ أن ننقل ما عُلم أنّه موضوع ومُختلق، فما دامت الرواية لم تخرج من دائرة إمكان صدورها من المعصوم عَلَیْهِ السَّلاَمُ جاز نقلها والاستشهاد بها، واسستغلالها في التأثير والتأثُّر.
فكم للأخبار - وإن كانت ضعيفة - الأثر البالغ في التأثير والتأثر بما جرى على أهل العصمة والطهارة عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ، بل كان لها الأثر البالغ في نشر مظلوميّتهم واستعطاف الناس وإلفاتهم إلى الحقّ الذي عليه السادة المعصومون عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ.
والعقل السليم لا يرى ضيراً في استغلال الخبر الضعيف في مثل تلك الأمور الجليلة، بل العقل يقضي بحسن ورجحان نقل الخبر وإن كان ضعيفاً وبالخصوص مع ترتُّب تلك الآثار المفيدة العظيمة عليها.
كما أنّ النقل يعضد العقل ويُناصره، ومنها بعض روايات (من بلغه) الشاملة للمورد التي مرّت عليك سابقاً، كما يؤيِّد ذلك ما دلّ على رُجحان الإعانة على البر والتقوى، كقوله تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(المائدة: من الآية2).
وكذلك ما دلّ على رجحان البكاء والإبكاء على سيد الشهداء عَلَیْهِ السَّلاَمُ وأنّ من أبكى وجبت له الجنة((1)).ومن هنا تجد تصريح العلماء الأعلام بتشييد مآتم العزاء على أبي
1) راجع بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج44 ص278، باب 34 (ثواب البكاء على مصيبته، ومصائب سائر الأئمة عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ، وفيه أدب المأتم يوم عاشوراء).
عبد الله الحسين عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ ، سواء كان ما يُلقيه الخطيب من الروايات الضعيفة أم كانت تلك الروايات صحيحة السند، وممن انبرى لتوضيح هذا الأمر المرحوم المبرور المدافع عن الحق الذي لا تأخذه في الله لومة لائم آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي رحمة الله حيث وُجّه إليه السؤال:
(ما يذكره الخطباء على المنابر من وقائع الطف ويوم عاشوراء مما جرى على الإمام الحسين وأصحابه عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ . على أيِّ شيء يعتمدون في نقل الأحداث والقضايا التي جرت على سيد الشهداء وأهل بيته وأصحابه عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ؟).
فأجاب قدّس سرّه:
(جملةٌ معتدٌّ بها مما جرى على سيد الشهداء وأصحابه عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ واردةٌ في أخبارنا عن أهل البيت عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ. كيف؟ وأنَّ الإمامَ عليَّ بن الحسين ’ وزينبَ عقيلة بني هاشم ÷ وبعضَ العلويات الموجودات كانوا جميعاً شاهدين على تلك الوقايع، ووصلت إلينا أخبارُهم بطريق النقل عن أهل البيت عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ.
وهذه الروايات إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعض يُعلم منها مصائبٌ أخرى، كما روي أنَّ الحسينَ عَلَیْهِ السَّلاَمُ طلب من القوم الماءَ لولده الصغير، فيُعلم منه أنه لم يكن في الخيم ماءٌ ولا لأُمه لبن، فإنَّ لبنَ الأم
للرضيع يُغنيه عن الماء، ولذا يُقال أنَّ أمَّه بعدما شربت الماء درَّ لبنُها، وكانت تنادي: يا ولدي، كما هو عادة الأم بالنسبة لولدها بعد فقدها إياه إذا درَّ لبنُها بثديها. ونظير هذه المصائب مما لا يُحصى ولا يُطيقها البشر المتعارف. فيُعلم من صبره عَلَیْهِ السَّلاَمُ وصبر أهل بيته عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ مقامُ سيد الشهداء ومقامُ أهل بيته وأصحابه (سلام الله عليهم أجمعين)).نعم بعضُ الروايات غير معتبرة سنداً ولكن يُحتمل صدقُها، فللخطيب وغيره نقلُها كسائر الروايات المنقولة. وجملة معتد بها مسجلة في الكتب التاريخية، حيث كان في كربلاء بعض مَن يسجّل وقائعَها، فهذه القضايا كسائر الوقائع التاريخية التي سجلها بعض المؤرخين، فيجوز نقلُها ما لم يُعلم أو يُطمئن بكذبها.
ولا يخفى أنَّ بعضَ المحبين من الشعراء وغيرهم، لكمال إرادتهم وحبهم لأهل البيتعَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ وشدّة حُزنهم عليهم، ربما يُضيفون ما يسمّونه بالاصطلاح (لسان الحال)، وهذا لا يُعدُّ من الكذب بشيء، ولا بأس بنقله وقراءته.
وأيضاً ربما من المؤمنين الصُلحاء والمؤمنات الصالحات يرَون في المنام وقائعَ ينقلونها للناس، ولأجل اعتماد الناس على أولئك الصالحين ينقلونها في المجالس وعلى المنابر ولا بأس بذلك أيضاً.
ومما ينبغي للقارئ والمستمع التنبه له: أنَّ ما يُقال في مجالس التعزية ويعتمد القارئ في قراءته عليه، ليس كاعتماد الفقيه في تعيين التكاليف والوظائف الشرعية لآحاد المكلفين، حيث أنَّ الفقيهَ يبذل جهدَه في إحراز الوظائف والتكاليف الشرعية التي قامت عليها حجةٌ معتبرة من قِبَل الشارع، ولا يكتفي بالاحتمال والرجاء ونحو ذلك، وهذا بخلاف ما يُقرأ أو يُسمع بالنسبة لمصائب سيد الشهداء عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ ، فإنه قد ذكرنا أنه يجوز للخطيب والقارئ أنْ ينقلَ ما يَحتمل صدقه بحسب ما وصل إليه النقل دون ما يَعلم كذبه . . . واللهُ يؤيد الجميعَ لحفظ شعائر أهل البيت عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ.
ومن جملة العلماء الأعلام الذين أوضحوا السبيل في التعاطي بالأخبار في القضايا التاريخيّة، المرجع الكبير اية الله السيد محمد سعيد الحكيم أطال الله بقاءه ولا حُرمنا من فوائده، حيث يقول:
(لا يفترض في التاريخ أن يعتمد على اليقينات، ولا على الحججالشرعية وإلاّ لم يبق تاريخ، بل أحسن ما يتوقع أن يعتمد على الوثوق والاطمئنان، وحينئذٍ فالأحاديث التي لم تشتمل على شرائط الحجية
المصحِّحة للفتوى في الأحكام الشرعية، قد توجب الاطمئنان بلحاظ بعض القرائن.
منها: تعدد تلك الأخبار ودعم بعضها لبعض.
ومنها: ذكرها في كتب أهل التثبت والتمحيص ممن يحترمون أنفسهم وكتبهم.
ومنها: اشتمالها على صياغة بيانية أو مضامين عالية يصعب افتعالها من قبل الكذابين.
ومنها: مناسبتها للواقع القائم في ظرفها.
ومنها: ذكرها في كتب المخالفين إذا كانت مخالفة لخطهم، إذْ ليس من شأنهم أن يذكروا ما يخالف خطهم لولا وضوحه عندهم وفرضه عليهم بحقيقته... إلى غير ذلك من القرائن التي يدركها الباحث المنصف.
أما مع عدم احتفافها بالقرائن فهي لا تنهض دليلاً بل تكون مؤيداً لا غير، فيصح أن يُستشهد بها لتأكيد حقيقة ثابتة أو تحفيز العواطف ونحوها، من دون أن تنهض بإثبات أمر مشكوك فيه)((1)).
1) رسالة أبوية ومسائل تهمُّ طلبة الحوزة والمبلّغين ص53.
وقال الشيخ الأنصاري في رسائل فقهية ص157:
(الرابع الخبر الضعيف في القصص والمواعظ:
حكي عن الشهيد الثاني قدس سره في الدراية أنه قال: (جوّز الأكثر العملبالخبر الضعيف في نحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال، لا في صفات الله وأحكام الحلال والحرام، وهو حسن حيث لم يبلغ الضعيف حد الوضع والاختلاق.)
أقول: المراد بالخبر الضعيف في القصص والمواعظ هو نقلها واستماعها وضبطها في القلب وترتيب الآثار عليها، عدا ما يتعلق بالواجب والحرام.
والحاصل:
أن العمل بكلِّ شيء على حسب ذلك الشيء، وهذا أمر وجداني لا ينكر، ويدخل حكاية فضائل أهل البيت عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ ومصائبهم، ويدخل في العمل الإخبار بوقوعها من دون نسبة إلى الحكاية على حد الإخبار بالأمور الواردة بالطرق المعتبرة، بأن يقال: كان أمير المؤمنين عَلَیْهِ السَّلاَمُ يصلي كذا ويبكي كذا، ونزل على مولانا سيد الشهداء عَلَیْهِ السَّلاَمُ كذا وكذا، ولا يجوز ذلك في الأخبار الكاذبة، وإن كان يجوز حكايتها، فان
حكاية الخبر الكاذب ليس كذباً، مع أنه لا يبعد عدم الجواز إلا مع بيان كونها كاذبة).
وقال الشيخ محمد تقي في هداية المسترشدين ص423:
(قال الشهيد رحمة الله في الذكرى: إنّ أحاديث الفضائل يتسامح فيهما عند أهل العلم).
إنّ ما يَرِد عن أهل بيت العصمة والطهارة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) لا تجوز الاستهانة به والجرأة على مخالفته وإن ورد ووصل إلينا بطريق ضعيف، فإنّ الخبر الصحيح لا يخرج عن كونه ظنيا، ويحتمل فيه عدم الصدور عنهم عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ، والخبر الضعيف يُحتمل أنيكون صادراً عنهم ولكنه لم يصل إلينا بطريق صحيح، نعم إنّ الخبر المعتبر مع توفر شرائط حجيته يصح التعبد به، والخبر الضعيف يكون حجة في بعض الموارد كما مرّ عليك آنفاً.
ورحم الله الشيخ عباس القمي، فانّه قال في كتابه منازل الآخرة والمطالب الفاخرة ص262:
(ولا يكاد ينقضي عجبي من قوم دخلاء على أحاديث بيت العصمة والطهارة يتجرؤون ويتجاسرون على أهل البيتعَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ، وهم يدّعون أنهم من شيعتهم!!! فينسبون لأهل البيتعَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ ما يعجبهم من الأخبار، ويروون عنهم مالا يفهمون ولا يفقهون، وكأنهم أولياء عليهم لا أولياء لهم.
أعاذنا الله تعالى من أقوالهم. وعليه فيصححون بعض الأخبار بحسب عقولهم وسليقتهم، وينفون غيرها بذلك.، كما عمل ذلك بعض من علق على بحار العلامة المجلسي أعلى الله تعالى مقامه فهم:
لا يعرفون أن السند إذا صح كان حجة على العباد لأن خبر الثقة حجة. وإن لم يصح لا يجوز رده لاحتمال أن يكون قد صدر عن أهل البيتعَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ فيكون ردّاً عليهم كما ورد في الخبر الشريف – إلى أن يقول بعد إيراد بعض الأخبار: - والروايات في هذا المعنى قد بلغت كثرتها حد التواتر).
ومن تلك الروايات:
الرواية الصحيحة في بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفارباب في من لا يعرف الحديث فرده ص 557:
ح1 حدثنا احمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ قال: سمعته يقول: أما والله إن أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم وأكتمهم بحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالا وامقتهم إلي، الذي إذا سمع الحديث يُنسب إلينا، ويُروى عنا فلم يعقله ولم يقبله قلبه اشمأز منه وجحده وكفر بمن دان به، وهو لا يدرى لعل الحديث من عندنا خرج، وإلينا أسند، فيكون بذلك خارجا من ولايتنا((1)).
1) ووردت أيضاً في مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص 98. وفي مستطرفات السرائر لابن إدريس الحلي ص 591. والوسائل، الباب 8 من ابواب صفات القاضي، ح 39.
ح2 حدثنا الهيثم النهدي، عن محمد بن عمر بن يزيد، عن يونس، عن أبي يعقوب بن اسحق بن عبد الله، عن أبي عبد الله عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ قال: إن الله تبارك وتعالى حصر عباده بآيتين من كتابه، ألا يقولوا حتى يعلموا، ولا يردوا ما لم يعلموا، إن الله تبارك وتعالى يقول: )...أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ...( ((1)). وقال: )بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ...( ((2)).
ح3 حدثنا محمد بن عيسى، عن محمد بن عمرو، عن عبد الله بن جندب، عن سفيان بن السيط قال: قلت لأبي عبد الله عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ : جعلت فداك إن الرجل ليأتينا من قبلك فيخبرنا عنك بالعظيم من الأمر فيضيق بذلك صدورنا حتى نكذبه. قال: فقال أبو عبد الله عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ : أليس عني يحدثكم؟ قال: قلت: بلى. قال: فيقول لليل انه نهار وللنهار انه ليل؟ قال: فقلت له: لا. قال: فقال: رُدَّه إلينا فانك إن كذَّبت فإنما تكذِّبنا.
ح4 حدثنا محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن
حمزة بن بزيع، عن علي السناني، عن أبي الحسن عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ انه كتب إليه في رسالة: ولا تقل لما بلغك عنّا أو نسب إلينا هذا باطل، وان كنت تعرف خلافه، فانك لا تدري لم قلنا، وعلى أي وجه وصفة.
ح5 حدثنا احمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن جعفر بن بشير، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ أو عن أبي عبد الله عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ قال: (لا تكذِّبوا بحديث أتاكم به احد، فإنكم لا تدرون لعله من الحق فتكذِّبوا الله فوق عرشه).
فردّ الخبر والاستهانة به قد يُعرّض العبد إلى الخروج عن ولاية أهل البيت عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ، ويكون تكذيبا لله تعالى في عرشه، فعلى العبد أن لا يستخف ولا يردّ الخبر وإن كان يعرف خلافه.
قال الفاضل الدربندي رحمة الله في أسرار الشهادة ج1 ص690:
(ثُمّ أقول: إنّ المسارعين إلى الإنكار، عندما تعجز عقولهم عن تحمل بعض ما يسمعون، مما ورد في فضائل آل محمد، والمبادرين إلى نسبة مدعي رواية في مثل ذلك إلى الكذب والافتراء، أبغض الخلق وأمقتهم إلى الله تعالى والحجج الطاهرين.
فاستفيد من هذا الخبر المعتبر - المذكور في كتب جمع من نُقّاد
الأخبار، حتّى في كتاب ابن إدريس الغير عامل بأخبار الآحاد، إلاّ إذا صارت محفوفة بالقرائن مفيدة للعلم - أنّ محض احتمال الصدور من الأئمة المعصومين كاف في سدّ باب الردّ والإنكار.
وإنّ المسارع إلى ذلك مع تمشية هذا الإحتمال يخرج عن ولاية الأئمة الأطهار عليهم السلام).
وأمّا ما ورد عنهم عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ من روايات العرض على كتاب الله فما خالف كتاب الله أو لم يوافقه فهو زخرف أو باطل، كما في صحيحة أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله عَلَیْهِ السَّلاَمُ يقول: كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف((1)).
فإنّ المراد من عدم الموافقة هو المخالفة لكتاب الله نصّا لا يحتمل التوجيه، وتكون النسبة بينهما التباين الكلي أو الجزئي.
كيف وإلا لزم عدم جواز تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد لكون الخاص والمقيد مخالفاً ظاهراً للعام والمطلق، وإن كان العرف قد لا يعده مخالفة.
1) الكافي 1: 69.
قال السيد الخوئي قدس سره في محاضرات في أصول الفقه ج 5 ص 312:
(فالمراد من المخالفة في تلك الأخبار هو المخالفة بنحو التباين للكتاب أو العموم والخصوص من وجه حيث ان هذه المخالفة تعد مخالفة عندهم حقيقة وتوجب تحيرهم في مقام العمل).
ولو احتملنا التوجيه والتأويل بمعنى من المعاني فلا يجوز ردّه وعلى العبد أن يتوقف حتّى يلقى إمامه عجّل الله تعالى له الفرج القريب.
نعم لو كان الخبر مخالفاً نصاً لما هو معلوم قطعا فلا يصح نسبة المضمون الظاهر من الرواية إليهم صلوات الله وسلامه عليهم كما احتمل ذلك الشيخ الأنصاري+ عن تلك الأخبار في الفرائد ج1ص251:
(فالأقرب حملها على الأخبار الواردة في أصول الدين، مثل مسائل الغلو والجبر والتفويض التي ورد فيها الآيات والأخبار النبوية، وهذه الأخبار غير موجودة في كتبنا الجوامع، لأنها أخذت عن الأصول بعد تهذيبها من تلك الأخبار).
وأما روايات الترجيح بالموافقة فالمراد منها الموافقة الظاهرية.
والأخذ بالراجح وترك المرجوح لا يعني أنّهم عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ لم يقولوه ولم يصدر عنهم عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ.
نتيجة البحث:
إنّ الخبر الضعيف له موارده وفائدته، لا غنى لمؤمن عنها، ولا يعني أنّه يصحّ التمسُّك به في كلِّ مورد، كما أنّ الخبر المعتبر سنداً أكثر فائدةً وأعظم خطراً، ولا يعني ذلك أنّ كلّ ما صحّ سنده جاز التمسُّك به مع عدم ملاحظة ما يوهنه.
وإنّ البعض الذي يريد أن يحذف روايات أهل البيت عَلَیْهِمُ اَلسَّلاَمُ وإن كانت ضعافاً إنّما يُقدم على جريمة نكراء في حق أحاديث أهل بيت العصمة والطهارة، وبفعله يريدنا أن نفقد كلّ تلك الفوائد العظيمة الجليلة.
أسأل الله تعالى لي ولإخواني المؤمنين الهداية، والبصيرة في الدين، والابتعاد عن شرك الشيطان اللعين الرجيم.
هذا آخر ما أردنا إيراده في هذه الرسالة المختصرة، أسأل الله تعالى أن ينفعني بها في يوم لا ينفع مال ولا بنون بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
تمّ الفراغ من هذه الرسالة في
22/5/1427ه-
القرآن الكريم
الاختصاص
للشيخ المفيد.
أصول الفقه
للسيد الخوئي.
إقبال الأعمال
للسيد ابن طاووس.
بحار الأنوار
للشيخ المجلسي.
بصائر الدرجات
لمحمد بن الحسن الصفار.
تقريرات في أصول الفقه السيد
البروجردي
للشيخ علي الاشتهاردي
الدر المنضود
للسيد الگلپايگاني.
رسائل فقهيّة
الشيخ مرتضى الأنصاري
شرح الزيارة الجامعة
للسيد عبد الله شُبّر
فرائد الأصول
للشيخ الأنصاري.
القواعد والفوائد
للشهيد الأول.
الكافي
للشيخ الكليني.
كتاب الصوم
للشيخ الأنصاري.
كتاب الطهارة
للسيد الخوئي.
المستدرك
للميرزا النوري.
مستدرك مقباس الهداية
للشيخ محمد رضا المامقاني
منازل الآخرة والمطالب الفاخرة
للشيخ عباس القمي.
هداية المسترشدين
للشيخ محمد تقي
وسائل الشيعة
المقدمة 3
تمهيد 9
المقام الأول: فائدة الخبر الضعيف سندا من حيث رجاله: 11
الأول: في المستحبات: 12
روايات من بلغه: 13
نتيجة التمسّك بأخبار " من بلغه ":16
الثاني: الشهرة:18
أقوال بعض الأعلام في الشهرة: 18
الخبر الموثوق وخبر الثقة: 19
الثالث: في المستفيض والمتواتر:21
الرابع: المحفوف بالقرينة:22
القرائن الداخلية والخارجية: 23
القرينة الخارجية: 23
القرينة الداخلية: 24
الخامس: مضمون الخبر: 28
السادس: الأحاديث يفسّر بعضها بعضاً:30
السابع: في المواعظ والسيرة: 33
المقام الثاني: عدم جواز الرد41
روايات عدم جواز ردّ الخبر:43
روايات العرض على كتاب الله تعالى:47
نتيجة البحث: 51
المصادر53
الفهرس 55