نهج البلاغة هذا ما جمعه السید الشریف الرضی من خطب وکلام ورسائل وعهود وأقوال الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

نهج البلاغة

هذا ما جمعه السيد الشريف الرضي من خطب وكلام ورسائل

وعهود وأقوال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)

تعلیق

آية اللّه العظمى السيد محمّد الحسيني الشيرازي

(أعلى اللّه درجاته)

إعداد

الأستاذ ذعبد الحسن حسيني

دارالعلوم

للتحقيق والطباعة

وَالنّشر والتوزيع

محرّر الرقمي: محمد رادمرد

نهج البلاغة

تعلیق

آية اللّه العظمى

السيد محمد الحسيني الشيرازي

(أعلى اللّه درجاته)

دار العلوم

اشارة

نهج البلاغة

هذا ما جمعه السيد الشريف الرضي من خطب وكلام ورسائل

وعهود وأقوال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)

تعلیق

آية اللّه العظمى السيد محمّد الحسيني الشيرازي

(أعلى اللّه درجاته)

إعداد

الأستاذ ذعبد الحسن حسيني

دارالعلوم

للتحقيق والطباعة

وَالنّشر والتوزيع

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ للّه رَبِّ الْعَالَمِين * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ.

الجزء الأول

كلمة الناشر

بسم اللّه الرحمن الرحيم

قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : أنا مدينة العلم وعلي بابها وقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : علمني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ألف باب من العلم ينفتح من كل باب ألف باب، أو علمني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ألف باب يفتح كل باب ألف باب. وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً : سلوني عمّا شئتم فلا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به.

هذا بعض ما قاله رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهذا بعض ما قاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن علمه الذي بثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خطبه ومواعظه وحكمه وكتبه ورسائله، وهي إلى جانب ذلك تعتبر مبادىء في الحكم والأخلاق، والسياسة، والإدارة، والفلسفة... الخ ناهيك عن البلاغة التي اتسمت بها بحيث اعتبر كتاب نهج البلاغة الذي حواها سيد الكتب في هذا المجال بلا جدال كما يجمع أهل العلم والبلاغة أن أمير المؤمنين عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو سيد البلغاء بعد الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

لقد تصدى العديد من العلماء والمفكرين لشرح كتاب نهج البلاغة، إلا أن ما يميز الشرح الذي بين يديك انه جاد به قريحة علم من أعلام الفكر والفقه والعلم والدين لشرح الذي كان يعد بحق ظاهرة من ظواهر عصره وهو الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، وهو من تزخر المكتبة الإسلامية بمؤلفاته الكثيرة والتي تتناول مختلف علوم العصر، ومختلف قضايا الإنسان وشؤونه الحياتية من فقه وتربية وأخلاق، وسياسة وإدارة وعلى رأس هذه المؤلفات كتاب الفقه.

ولقد قام (قدس سره) كما أشرنا بشرح نهج البلاغة وأسماه (توضيح نهج البلاغة) وهو يعد من المؤلفات المتقدمة للإمام الراحل، فقد كتبه في منتصف الثمانينيات الهجرية 1385 هـ / 1965م عندما كان (قدس سره) يقيم في مدينة

كربلاء المقدسة، وطبع أول مرّة في الثمانينيات الميلادية في طهران (في أربعة أجزاء)، ثم نشر في مدينة قم المقدسة سنة 1410هـ / 1990م في مجلدين من قبل مؤسسة الفكر الإسلامي، ثم تولت دار العلوم تحقيق ونشر الطبعة الثالثة في أربعة مجلدات بإخراج فني مميز.

ثم قدم اليوم - دار العلوم - هذه الطبعة المميزة من توضيح نهج البلاغة بعد أن قامت لجنة التحقيق باختصاره إلى مجلد واحد باستخلاص خلاصة الشرح للإمام الشيرازي (قدس سره) مع المحافظة على روحية الشرح لسماحته، وقامت اللجنة بجعل الشرح على شكل هوامش بحيث يشرح كل هامش مقطعاً من مقاطع الخطبة أو الكتاب أو الحكمة.

وكان الهدف الذي وضعته دار العلوم من ذلك العمل التسهيل والتخفيف على القارىء والباحث الكريم، ثم قامت الدار بتدقيقه ومراجعته، وخاصة المتن، وتدارك ما به من أخطاء مطبعية، ووضع فهارس عدة في آخر الكتاب ليكون العمل أكثر اتقاناً وتميزاً ومنفعة ثم أتمت ذلك بطباعته بحلة أنيقة وبإخراج فني مميز بشكل يليق بالكتاب وشارحه وبالقارىء أو الباحث الكريم.

نأمل أن ينال هذا العمل إعجاب وسرور القارىء أو الباحث وبالتالي أن ينتفع به، ونسأل اللّه المولى القدير أن يوفقنا لما فيه مرضاته وما فيه المنفعة للجميع والحمد للّه رب العالمين.

دار العلوم

بيروت - لبنان

6/ شوال/ 1429 هـ

6/ تشرين الأول/ 2008م

المقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد : فإنَّ من الضروري أن يتقرب الإنسان إلى علوم الإسلام الخمسة...

وهي أصول الدين.. التفسير.. الأخلاق.. تاريخ الإسلام. فقه الأحاديث.

والتقرب إلى هذه العلوم لا يمكن إلّا بالعلم باللغة العربية، فإنَّ هذه اللغة مفتاح فهمها، وقد تطورت الظروف في البلاد الإسلامية إلى ترك هذه العلوم وهذه اللغة، بالرغم من أن عمل المسلمين السابقين كان على تعلم هذه الأمور الستة ونشرها ولذا يقول المؤرخون : إن المسلمين كانوا ينشرون دينهم ولغتهم في كل مكان يسيطرون عليه.. وبانحطاط هذه الأمور الستة، وقف مدّ الإسلام عن الارتفاع وآل كيانهم إلى الإضمحلال و شارفت شمس عزهم على الأفول، بينما كان المسلم أمنع من عقاب الجو، في نظر العالم، لا تُفكر أكبر دولة في منازلتهم، نرى اليوم (والأمر يملكه النسوان والخدم).

هذا من ناحية..

ومن ناحية أخرى : إذا دققنا في كتاب (نهج البلاغة) للإمام المرتضى أمير المؤمنين عليه آلاف التحية والثناء الذي جمعه الشريف الأجل السيد الرضي (قدس اللّه تربته)، رأينا أن الأمور ستة مجتمعة فيه إجمالاً وتفصيلاً، بسطاً أو تحريضاً، فإنَّه يشرح أصول العقائد من توحيد ورسالة ومعادٍ وإمامة شرحاً، ويحث إلى القرآن حثا، ويلمح إلى الأخلاق الفاضلة تلميحاً، ويشير إلى تاريخ الإسلام

الماعاً.. وكله حديث، بالإضافة إلى أنه سنام اللغة ومنتجعها، ومنبثقها ومرعاها.

...عزمت على أن أجني من ثمرة هذا الكتاب العظيم ما أتمكن عليه كي أقدمه إلى الطلاب، لعل اللّه سبحانه أن يحيي - بقدرته - آثار الإسلام الدارسة ويعيد إلى أهل العلم ما فقدوه عن عمد وعن غير عمد من الحركة والنشاط الإسلامي الذي أُخمِدَ منذ زمن ترك هذه العلوم بين المسلمين.

واللّه الموفق، وهو المستعان.

كربلاء المقدسة : محمد بن المهدي

مقدمة السيد الشريف الرضي

بسم اللّه الرحمن الرحيم

أما بعد حمد اللّه الذي جعل الحمد ثمناً لنعمائه ومعاذاً من بلائه ووسيلاً إلى جنانه (1)، وسبباً لزيادة إحسانه، والصلاة والسلام على رسوله نبي الرحمة، وإمام الأئمة، وسراج الأمة المنتجب من طينة الكرم وسلالة المجد الأقدم ومَغرِس الفخار المُعرق، وفرع العلاء المُثمر المورق، وعلى أهل بيته مصابيحُ الظلم، وعِصَم الأمم، ومنار الدين الواضحة، ومثاقيل الفضل الراجحة. فصلى اللّه عليهم أجمعين صلاةً تكون إزاءً لفضلهم، ومكافأة لعملهم، وكفاء لطيب أصلهم وفرعِهِم، ما أنار فجر طالع وخوى نجم ساطع، فإني كنت في عنفوان السن، وغضاضة الغصن ابتدأتُ تأليف كتاب في خصائص الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ): يشتمل على محاسن أخبارهم، وجواهر كلامهم، حداني عليه غرضُ ذكرته في صدر الكتاب وجعلتُه أمام الكلام، وفرغتُ من الخصائص التي تخص أمير المؤمنين عليّاً (صلوات اللّه عليه) وعاقت عن إتمام بقيّة الكتاب محاجزات الأيام ومماطلات الزمان، وكنتُ قد بوّبت ما خرج من ذلك أبواباً، وفصلته فصولاً، فجاء في آخرها فصلِّ يتضمّن مَحاسِنَ ما نُقل عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الكلام القصير في المواعظ والحكم والأمثال والآداب، دونَ الخُطب الطَّويلة، والكتب المبسوطة فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدّم ذكره معجبين ببدائعه، ومتعجبين من نواصعه، وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جميع فنونه، ومتشعبات غصونه :


1) في بعض النسخ وسبيلاً.

من خُطب، وكتب، ومواعظ، وأدب، علماً أنّ ذلك يتضمن من عجائب البلاغة، وغرائب الفصاحة، وجواهر العربية، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية، ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ولا مجموع الأطراف في كتاب إذ كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَشْرَع الفصاحة وموردها، ومَنْشَأ البلاغة ومولدها، ومنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ظهر مَكنُونُها، وعنه أُخِذَتْ قوانينها، وعلى أمثلته حَذا كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ ومع ذلك فقد سبق وقصروا وتقدّم وتأخروا لأنّ كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الكلام الذي عليه مسحةٌ من العلم الإلهي وفيه عبقةٌ من الكلام النبوي، فأجبتهم إلى الابتداء بذلك، عالماً بما فيه من عظيم النفع، ومنشور الذكر، ومذخور الأجر. واعتمدتُ به أن أبين من عظيم قدر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الفضيلة، مضافةً إلى المحاسن الدّثرة، والفضائل الجمة، وأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الأولين، الذين إنما يُؤثَرُ عنهم منها القليلُ النّادرُ، والشَّاذَ الشارِدُ ؛ فأما كلامه فهو البحرُ الذي لا يُساجَل، والجمّ الّذي لا يُحافل.

وأردتُ أن يسوغ لي التمثل في الافتخار به (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقول الفرزدق :

أولئك آبائي فجئني بمثلِهِم*** إذا جمَعَتْنا يا جريرُ المَجامعُ

ورأيت كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدور على أقطاب ثلاثة أوّلها الخُطب والأوامر، وثانيها الكُتُب والرَّسائلُ، وثالثها الحكم والمواعظ، فأجمعتُ بتوفيق اللّه سبحانه على الابتداء باختيار محاسنِ الخُطب، ثمَّ محاسنِ الكُتُب، ثم محاسن الحِكَم والأدبِ، مُفرِدا لكل صنف من ذلك باباً، ومُفصَّلاً فيه أوراقاً، ليكون مقدّمة لاستدراك ما عساه يشذ عني عاجلاً، ويقَعُ إلي آجلاً، وإذا جاء شيء من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخارج في أثناء حوارٍ أو جواب سؤال، أو غرض آخر من الأغراضِ - في غير الأنحاء التي ذكرتُها، وقررتُ القاعدة عليها - نَسبته إلى أليق الأبواب به، وأشدّها ملامحة لغرضهِ. وربّما جاء فيما أختارُه من ذلك فصول متسقة ومحاسنُ كلم غير منتظمة، لأنّي أورِدُ النُّكَت واللّمَعَ، ولا أقصد التّالي والنسق.

ومن عجائبه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، التي انفرد بها وأمِنَ المشاركة فيها، أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ، والتذكير والزَّواجر، إذا تأمله المتأمل، وفكر فيه المُفكِّر، وخلع من قلبه أنّه كلام مثله ممّن عَظُمَ قدرُه، ونفذ أمرُه، وأحاط بالرِّقاب مُلكه، لم

يعترضه الشكّ في أنّه كلام من لا حظ له في غيرِ الزّهادة، ولا شُغلَ لهُ بغيرِ العبادة، قد قبع في كسر بيتٍ أو انقطع إلى سفح جبل لا يَسمعُ إلا حسَّه، ولا يرى إلا نفسه ولا يكاد يوقن بأنّه كلام من يَنغمس في الحرب مُصلتاً سيفه، فيقُطٌ الرّقابَ، ويُجدِّلُ الأبطال، ويعودُ بهِ ينطف دماً، ويقطر مهجاً، وهو مع تلك الحال زاهدُ الزُّهاد، وبَدَلُ الأبدال. وهذه من فضائله العجيبة، وخصائصه اللطيفة، التي جَمَع بها بين الأضداد وألّف بين الأضداد وألّف بين الأشتات وكثيراً ما أذاكِرُ الإخوان بها، وأستخرجُ عجبهم منها، وهي موضع العبرة بها، والفكرة فيها.

وربّما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردد، والمعنى المكرّر، والعُذر في ذلك أنّ روايات كلامه تختلف اختلافاً شديداً ؛ فربّما اتفق الكلام المختار في روايةٍ فَنُقِلَ على وجهه، ثمّ وُجِد بعد ذلك في روايةٍ أخرى موضوعاً غير وضعه الأول : إما بزيادة مختارة، أو بلفظ أحسنَ عبارة ؛ فتقتضي الحالُ أن يُعاد استظهاراً للاختيار، وغيرةً على عقائل الكلام، وربَّما بَعُدَ العهد أيضا بما اختير أوّلاً فأعيد بعضُه سهواً ونسياناً، لا قصداً أو اعتماداً. ولا أدعي - مع ذلك - أنني أحيط بأقطار جميع كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى لا يشذ عني منه شاذ، ولا يند ناد، بل لا أبعد أن يكون القاصِرُ عنّي فوق الواقع إليّ، والحاصل في ربقتي دونَ الخارج من يدي، وما عليّ إلّا بذل الجهد وبلاغة الوسع وعلى اللّه سبحانه وتعالى نهج السبيل وإرشاد الدليل، إن شاء اللّه.

ورأيتُ من بعد تسمية هذا الكتاب بـ (نهج البلاغة) ؛ إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها، ويقرّب عليه طلابها، وفيه حاجةُ العالم والمتعلم، وبغية البليغ والزاهد، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل، وتنزيه اللّه سبحانه وتعالى عن شَبَه الخلق، ما هو بلال كل غُلّة، وشفاء كُلّ عِلَّة، وجلاء كل شبهة. ومن اللّه سبحانه أستمد التوفيق والعصمة، أتنجّزُ التسديد والمعونة وأستعيذه من خطأ الجنَان قبل خطأ اللّسان ومِن زلّة الكلم، قبل زلة القدم، وهُو حَسبي ونعم الوَكيلُ.

نهج البلاغة

آية اللّه العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي

«قدس سره»

الجزء الأول

فَمِنْ خُطبة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يذكر فيها ابتداءً خلق السماء والأرض، وخلق آدم

إشارة:

الحَمْدُ للّه الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ، وَلَا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ، وَلَا يُؤَدِّي حَقَّهُ المُجْتَهِدُونَ (1)، الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلَا يَنَالُهُ غَوْضُ الفِطَنِ الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌ مَحْدُودٌ، وَلَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلا وَقْتُ مَعْدُودٌ، وَلَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ (2).

فَطَرَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ (3).


1) (الحمد للّه) جميع المحامد راجعة إليه (الذي لا يبلغ مدحته) أي لا يبلغ مقدار حق مدحه والثناء عليه (القائلون) الذين يقولون الحمد ويتكلمون به ولا يحصي نعماءه العادّون أي أن الذين لهم علم بالحساب والعدد لا يتمكنون من إحصاء نعمه لكثرتها (ولا يؤدّي حقه المجتهدو)ن المجتهدون في العبادة والطاعة، وإنما لا يؤدون حقه تعالى لأن أعمال العباد في جنب الطافه إليهم أقل من المقدار اللازم.

2) (الذي لا يدركه بعد الهمم) الإنسان مهما كانت همته رفيعة ونظره دقيقاً، فإنَّه لا يعرف من اللّه سبحانه، إلا أنه موجود له صفات كمالية منزه عن النقائص، أما ما هو ؟ وكيف هو.. ؟ وأمثال ذلك فلا يدرك الإنسان شيئاً منها (ولا يناله غوص الفطن) أي أن الأذكياء كلما غاصوا في بحار العلوم والمعارف لمعرفة حقيقته تعالى والالتقاط من درر كنهه سبحانه، لا يقدرون على الوصول والالتقاط (الذي ليس لصفته حد محدود) لا حد لصفاته، فعلمه غير محدود بحدود، وقدرته تشمل كل شيء، وحياته أزلية أبدية وهكذا (ولا نعت موجود) النعت يقال لما يتغير أما علمه سبحانه فلا تَغيّر فيه (ولا وقت معدود) كأن نقول أن علمه مدته خمسة أيام، أو ألف سنة (ولا أجل) أي وقت (ممدود) أي طويل قد مدّ، كأن يقال إنه يعلم الأشياء إلى حين انقضاء الدنيا ولا أن يقال علمه ينتهي إلى الزمان الفلاني.

3) (فطر) خلق (الخلائق) جميع أصناف الخلق (بقدرته) فإنَّ الخلق لا يكون إلا بالقدرة، وهي الإبداع عن إرادة (ونشر الرياح) أي بسطها في السماء والأرض (برحمته) حيث إن الرياح - غالباً - رحمة وفضل (ووتَّد) أي سكن عن الاضطراب، كالوتد الذي يحفظ الشيء عن السقوط والاضطراب (بالصخور) جمع صخرة، والمراد به الجبل (ميدان) أي اضطراب من [ماد] إذا اضطرب (أرضِهِ) فإنَّ الأرض تضطرب، بسبب الحركة والجاذبية لولا الصخور التي هي كالأوتاد لها.

أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ (1)، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الأخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الأخْلاصِ لَهُ نَفي الصِّفَات عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصَّفَةِ (2). فَمَنْ وَصَفَ اللّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَه، وَمَنْ قَرَتَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَاهُ، وَمَنْ جَزَّاهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ (3)، وَمَنْ قَالَ [فِيمَ] فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ [علام؟] فَقَدْ أَخْلى مِنْهُ كَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ، مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ، فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالأَلَةِ (4)، بَصِيرٌ


1) (اول الدين) الدين الطريقة السماوية التي جاءت لهداية البشر (معرفته) فمن لا يعرف الله كيف ينبع منهاجه (وكمال معرفته التصديق به) بأن يبني الإنسان بناء عملياً على الإذعان والاعتراف، وإلا فمن عرفه قلباً ولم يصدق فهو ناقص المعرفة (وكمال التصديق به توحيده) بأن لا يجعل له شريكاً.

2) (وكمال توحيده الإخلاص له) فإن التوحيد لا يكمل إلا إذا أخلص الإنسان في سره وباطنه الله تعالى وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه بأن لا يجعل الإنسان ذات الإله شيئاً، وصفاته شيئاً آخر، كما هو كذلك في الإنسان وصفاته (لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف) لو قال: هناك ذات وصفة غير الذات ملاصقة بها - نحو التصاق أوصافنا بذواتنا - دلت الصفة على غير الموصوف فتحدث الاثنينية (وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة) فإن كل شيء يشهد - شهادة تكوينية - على أنه غير الشيء الآخر.

3) (ومن قرنه) تعالى بأوصافه (فقد ثناه) أي جعله اثنين الذات والصفات ومن ثناه فقد جزاء) أي جعله ذا أجزاء، كما الإنسان واحد أو أجزاء (ومن جزاء فقد جهله) أي لم يعرفه حق معرفته لومن جهله فقد أشار إليه إن الجهل يستلزم أن يعده الإنسان كالأمور الجسمانية القابلة للإشارة الحسية، أو كالأمور العقلية - كالجنس والفصل - القابلة للإشارة العقلية، والله سبحانه منزه عن أمثال هذه الإشارات (ومن أشار إليه فقد حده) أي جعله محدوداً، إذ الإشارة تستلزم التوجه إلى ناحية خاصة (ومن حَدَّهُ فقد عَدَّهُ) أي ادخله تحت التعداد، إذ يكون المشار إليه حينئذ واحداً، والجانب الآخر ثانياً، والجانب الآخر ثالثاً، وهكذا، والله منزّه عن أن يدخل تحت العد.

4) (ومن قال فيم) أصله في ما وإذا دخلت حروف الجر على [ما] الاستفهامية حذف الفها نحو قيم] و [كم] و [عم] ونحوها.. يعني من سئل قائلاً (فيم الله؟) (فقد ضمنه) أي جعله ضمن شيء آخر (ومن قال علام؟) أي سال [الله على أي شيء؟) (فقد لخلى منه) أي كان لازم سؤاله أن بعض الجهات خالية عنه تعالى (كائن) أي أن الله سبحانه موجود (لا عن حدث) أي مبتدأ عن حدوث بأن لم يكن ثم كان كما هو شأن سائر الكائنات (موجود لا عن عدم) لم يكن سابقاً معدوماً ثم وُجِدَ (مع كل شيء لا بمقارنة) أي أن المعية ليست بمعنى اقتران الله بالأشياء. كما هو كذلك في الأمور الجسمانية، بل اقترانه تعالى بالأشياء بمعنى أنه عالم بها قادر عليها (وغير كل شيء لا بمزايلة) أي أنه تعالى مغاير للأشياء لكن ليست المغايرة بمعنى أنه تعالى زائل عنها غير مرتبط بها (فاعل لا بمعنى الحركات والآلة) يعني أنه لا يتحرك إذا أراد أن يفعل شيئاً، كما هو كذلك بالنسبة إلينا.

إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحْدٌ إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَلَا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ. أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاء وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاء (1)، بِلَا رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا، وَلَا تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا، وَلَا حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا، وَلَا هَمَامَةِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِيهَا. أَحَالَ الْأَشْيَاءَ لأوْقَاتِها، وَلامَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِها وَغَرَّزَ غَرائِزَهَا، وَأَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا (2)، عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، مُحيطاً بِحُدُودِها وَانْتِهَائِهَا، عَارِفاً بِقَرَائِتِهَا وَأَحْنَائِهَا. ثُمَّ أَنْشَا سُبْحَانَهُ فَتْقَ الأَجْوَاءِ (3)وَشَقَّ الأَرْجَاءِ، وَسَكَائِكَ الْهَوَاءِ، فَأَجْرَى فِيهَا مَاءً


1) (بصير) أي عارف بالأشياء (إذ) أي في زمان (لا منظور إليه من خلقه) أي كان سبحانه متصفاً بانه بصير في وقت لم يكن مخلوق موجوداً (متوحد) أي واحد، ولكن ليست وحدته كوحدثنا، فإن الوحدة فينا معناها أن هناك غيرنا ممن إذا ابتعد عنا نستوحش، وإذا اقترب إلينا نأنس (إذ لا سكن يستأنس به) الاستئناس ضد الوحشة التي تطرأ على الإنسان حال الانفراد (ولا يستوحش لفقده) بالابتعاد عنه أو فنائه وهلاكه و[إذ] للعلة (انشأ الخلق إنشاء) والإنشاء غالباً يستعمل في الإبداع، وهو الإيجاد بدون احتذاء مثال واتباع الغير (وابتداء ابتداء) كان هو الأول في الخلق لا سابق عليه والابتداء أعم - مفهوماً. من الإنشاء.

2) (بلا روية) بمعنى الفكر (أجالها) أي أدارها وردّدها، والله سبحانه يخلق بلا فكر وترديد (ولا تجربة استفادها) من غيره (ولا همامة نفس) أي بدون اهتمام حدث في نفسه سبحانه (اضطرب فيها) بأن اهتم في الأمر مضطرباً (أحال الأشياء لأوقاتها) أحال كل شيء مما يحدث في الكون لوقته، فمثلاً لحال الفواكه لفصل الصيف والأمطار لفصل الشتاء (ولام بين مختلفاتها) أي جعل الالتئام والوفاق والائتلاف بين الأشياء المختلفة (وغرز غرائزها) جعل لكل شيء طبيعة خاصة، ذلك الجنس أسود، وهذا الجنس أبيض، هذا بارد، وذاك حار (والزمها أشباحها) الزم سبحانه الغرائز اشخاصها فلا تتبدل الغرائز عن الأشباح ولا الأشباح عن الغرائز.

3) (عالماً بها) أي بالأشياء (قبل ابتدائها) وخلقها فكان تعالى يعرف مزايا الأشياء التي يريد خلقها بلا زيادة أو نقيصة (محيطاً) إحاطة علم (بحدودها) أجناسها وفصولها وسائر الأمور المرتبطة بها (وانتهائها) أي يعلم وقت ما ينتهي كل شيء ويتحول من الوجود إلى العدم لانقضاء أمده (عارفاً بقرائتها) جمع قرينة وهي ما يقترن بالشيء (وأحنائها) جمع حنو بالكسر - بمعنى الجانب (أنشأ سبحانه فتق الأجواء) جمع جو وهو الفضاء بين السماء والأرض ومعنى فتق الأجواء شقها، أن صار محلاً لشيء بعد أن كان فضاء بحثاً.

مُتَلاطِماً تَيَّارُهُ، مُتَرَاكِماً زَخَّارُهُ. حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ العَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَعِ القَاصِفَةِ، فَأَمَرَهَا بِرَدْهِ (1)، وَسَلَّطَهَا عَلَى شَدّهِ، وَقَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ الْهَوَاءُ مِنْ نَحْتِها فَتِيقٌ، وَالْماءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ. ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهبَّهَا، وَأَدَامَ مُرَبَّهَا، وَأَعْصَف مَجْراها (2)، وَأَبْعَدَ مَنْشَاهَا، فَأَمَرَهَا بِتَصْفِيقِ المَاءِ الزَّخَارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ الْبِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السَّقَاءِ، وَعَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ. تَرُدُّ أَوَّلَهُ إِلَى آخِرِهِ، وَسَاجِبَهُ إِلَى مَاثِرِهِ، حَتَّى عَبْ عُبَابُهُ (3)، وَرَمَى بالزَّبَدِ


1) (وشق الأرجاء) جمع (رجاء] على وزن [عصى) بمعنى الجانب، أي شق أطراف الفضاء (وسكائك الهواء) جمع [سكاكة] على وزن تلاقة بمعنى الهواء الملاقي أعالي الفضاء (فاجرى فيها ماء متلاطماً (تياره) التيار الموج يعني أن أمواجه كانت متلاطمة (متراكماً زخارة) التراكم هو كون الشيء بعضه فوق بعض مع زيادة وكثرة، والزخار وهو الممتد المرتفع (حمله) أي الماء على متن الريح العاصفة وهي الشديدة الهبوب (والزعزع) الربح لأنها تزعزع أي تحرك الأشياء الثابتة (القاصفة) الربح الشديدة التي من شأنها أن تحطم (فامرها برده) أي رد الماء عن الهبوط.

2) (وسلطها) أي الريح (على شده) أي شد الماء حتى يبقى مجتمعاً لا يفترق (وقرتها إلى حده) أي حد الماء كان السطح الأعلى للربح مماساً للسطح الأسفل للماء (الهواء من تحتها فتيق) الهواء من تحت الربح مشقوق فإن الريح الحاملة للماء كانت قد فتقت الهواء حتى أخذت مكانها و(الماء من فوقها دقيق) الماء من فوق الريح يتدفق ويتحرك بشدة، فالريح متوسطة بين الهواء والماء (ثم انشا) أي خلق (ريحاً اعتقم مهبها) المهب بمعنى الهبوب والجري واعتقم بمعنى كانت عقيمة لا تلد، وتلك الريح كانت عقيمة لأنها لم تكن تلقح بل تحرك الماء فقط (وأدام مربها) العرب من أرب بالمكان - بمعنى لازمه أي أدام الله إلزام تلك الريح لمكانها فلم تكن تسير من هناك (وأعصف مجراها) جعل جري تلك الريح شديداً.

3) (وأبعد منشاها) جعل محل إنشاء تلك الريح بعيداً (فامرها) لعل المراد: الأمر تكوينياً، لا تشريعياً -(بتصفيق الماء الزخار) التصفيق هو التحريك والتقليب والزخار هو الممتد المرتفع (وإثارة موج البحار) بأن تثير وتهيج أمواج تلك المياه وسماها بحاراً (فمخضته مخض السَّقَاءِ) المخض هو التحريك بشدة والشقاء هو الجلد الذي يصنع منه وعاء للماء واللبن والدهن وما أشبه (وعَصَفَت به صَفَها) أي مثل عصفها وشدة هبوبها (بالفضاء) كما تجري في القضاءبشدة وقوة (ترد أوله إلى آخره) أي أول الماء إلى آخره في تمويجه له وتحريكه إياه (وساجيه) من سجا بمعنى سكن إلى مايره من [مار] بمعنى تحرك، أي كلما سكن بعض الماء ردته إلى المتحرك حتى صار الماء دائم التحرك (حتى عب عبابه) [عب] أي ارتفع الماء ارتفاعه المقصود.

رُكَامُهُ، فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ، وَجَوَ مُنْفَهِقٍ، فَسَوّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، جَعَلَ سُفْلاهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفًا (1)، وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَسَمْكَاً مَرْفُوعاً، بِغَيْر عَمَدٍ يَدْعَمُهَا، وَلا دِسَارٍ يَنْظُمُها. ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزينَةِ الْكَوَاكِبِ، وَضِبَاءِ الثَّوَاقِبِ، وَأَجْرَى فيها سِرَاجاً مُسْتَطِيراً وَقَمَراً مُنِيراً : في فَلَكٍ دَائِرٍ (2)، وَسَقْفٍ سَائِرٍ، وَرَقِيمِ مَائِرٍ. ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَواتِ الْعُلا، فَمَلأَهُنَّ أَطواراً مِنْ مَلائِكَتِهِ (3).

مِنْهُمْ سُجُودٌ لا يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لَا يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُونَ لَا يَتَزَايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لَا يَسْأَمُونَ، لَا يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ، وَلَا سَهْمُ الْعُقُولِ، وَلَا فَتْرَةُ الأَبْدَانِ، وَلَا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ، وَأَلْسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْرِهِ (4)، وَمِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ، وَالسَّدَنَةُ لأَبْوَابِ جِنَانِهِ.


1) (ورمى بالزيد) وهو ما يعلو البحر (ركامه) أي ارتفاعه، بأن تجمع الزيد في أعلى الماء (فرفعه) أي ذلك الزيد والمراد به بخار الماء، وهذا لا ينافي ما ورد في القرآن الكريم من أن السماوات خلقت من الدخان، إذ المراد بالدخان ذلك أيضاً (في هواء) المراد به جهة العلو (منفتق) قد انشقت تلك السماء بسبب هذا الدخان (وجو) فضاء (منفهق) المفتوح الواسع (فسوّى) أي صنع اللّه سبحانه (منه) أي من ذلك الزيد (سبع سموات جعل فلاهن) أي أسفل السماوات (موجاً مكفوفاً) الممنوع من السيلان، فإن الغاز الموجود شبيه بالموج.

2) (وعلياهن) أي السماء العليا (سقفاً محفوظاً) أما بمعنى حافظاً أو المراد محفوظاً من وصول الشياطين، ومن الفساد والاختلال (وسمكاً مرفوعاً بغير عمد يدعمها) أي ليس للسماء عماد يحفظها عن السقوط والانهيار (ولا دسار) مفرد النسر، وهو الخيط والمسمار الذين بهما تشد السفينة (ينظمها) ينظم السماء ويربط بعض أجزائها ببعض ثم زينها بزينة الكواكب بيان (زينة) أي بزينة هي الكواكب (و) بـ (ضياء الثواقب) جمع [ثاقبة] اسم الكوكب لأنه بنوره يثقب السماء حتى يصل إلى الأرض (وأجرى فيها سراجاً) أي مصباحاً، والمراد به الشمس (مستطيراً) أي منتشراً (وقمراً منيراً) أي يعطي النور والضياء (في فلك دائر) أي يدور والمراد بالفلك المدار الذي يدور فيه الشمس والقمر.

3) (وسقف سائر) السماء التي هي سقف - تشبيها بسقوف البيوت - تسير بأحد الاعتبارين الأولين (ورقيم) اسم من أسماء الفلك سمي به لأنه مرقوم فيه بالكواكب كاللوح الذي رقم فيه الخط (مائر) متحرك (فتق) شق (ما بين السماوات العلا) بإيجاد الملائكة فيها (ملاهن أطواراً) اقساماً (من ملائكته) والملك هو الجسم الروحاني اللطيف المنزه عن العصيان.

4) (لا يركعون) هم دائماً في السجود تعظيماً الله سبحانه (لا ينتصبون) لا يستقيمون إلى القيام كما هو عادة الراكع (وصافون) قد اصطفوا أمام عظمة الله سبحانه كما يصطف الجند امام الملك تعظيماً واحتراماً (لا يتزايلون) هم في حالة الاصطفاف دائماً (ومسبحون) ينزهونه عن النقائص (لا يسأمون) لا يملون (لا يغشاهم) أي لا يعرض على أولئك الملائكة المذكورين (نوم العيون) أي النوم الذي يعرض على العين (ولا سهو العقول) بان يسهو عن شيء كما يسهر الإنسان ولا فترة الأبدان بأن تضعف أبدائهم من العبادة ولا غفلة النسيان بأن يغفلوا عن الشيء بسبب نسيانه فإن الملائكة معصومون عن الخطأ والنسيان وما أشبه (امناء على وحيه) جمع أمين وهم الذين يأتون بالوحي إلى الأنبياء كجبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) (والسنة إلى رسله) جمع لسان، فهم مثل اللسان في التعبير للغير عن القلب، فإن الملائكة تأتي بكلام الله إلى الرسل (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ومختلفون) الاختلاف هو المراودة بالمجيء والذهاب (بقضائه وأمره) فيأتون بالقضاء الذي قضاء الله على الناس من موت وحياة وسعة رزق وضتك وما أشبه، وبأوامر الله سبحانه تكوينا أو تشريعاً.

وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ في الأَرْضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ، وَالمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاتُهُم، وَالخَارِجَةُ مِنَ الأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ، وَالمُناسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ (1). نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ، مُتَلَفّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ، وَأَسْتَارُ الْقُدْرَةِ. لَا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بالتصوِيرِ(2)


1) (الحفظة لعباده) الذين يحفظونهم عن العطب والهلاك أو المراد من الحفظة الكاتبون الذين يحفظون أعمال العباد ويسجلونها عليهم (والسدنة) جمع سادن وهو الخادم الحافظ للشيء الذي أنيط به (لابواب جنانه) بيدهم مفاتيح الأبواب وهم الحافظون عليها (الثابتة، الأرضين السفلي اقدامهم) أي الطبقات السفلة من الأرض (والمارقة) الخارجة من (مرق) بمعنى خرج (من السماء العليا). هي السماء السابعة (أعناقهم) فهم بهذا الطول المدهش (والخارجة من الأقطار) جمع (قطر) وهو الناحية (أركانهم) جمع ركن بمعنى الجانب أي أن جوانب جسمهم خارجة من أقطار الأرض، فبعضها في هذا القطر وبعضها في ذلك القطر وهكذا (والمناسبة لقوائم العرش) قائمة جمع وهي رجل السرير، والعرش: هو سرير الملك، وأصله بمعنى الارتفاع، ولذا يقال للسقف عرش (أكتافهم) فهم خلقوا بحيث إن أكتافهم مناسبة لقوائم العرش طولاً وعرضاً وصلابة.

2) (ناكسة دونه) أي دون عظمة الله سبحانه (ابصارهم) أي أنهم خفضوا أبصارهم لجلاله سبحانه لو أن الضمير يرجع إلى [العرش] والحال في المعنيين واحد (متلفعون) من [تلفع] بمعنى التحف بالثوب (تحته) تحت العرش (بأجنحتهم) كان المراد أنهم قد التقوا بأجنحتهم وجعلوها أمام أمينهم خوفاً وإجلالاً (مضروبة بينهم) أي بين أولئك الملائكة (وبين من دونهم) من سائر الناس الذين هم دونهم في الرتبة والعظمة (حجب العزة) فقد شبهت العزة التي أحاطت بأولئك الملائكة باستار تمنع من مشاهدتهم (واستار القدرة) أي استار قدرة الله تعالى التي خلقهم بهذه الكيفية اللطيفة حتى لا يتمكن الإنسان من رؤيتهم أو عرفان مزاياهم وخصوصياتهم (لا يتوهمون ربهم بالتصوير) بأن يصوروا له صورة في أوهامهم وأذهانهم.

وَلَا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِينَ، وَلَا يَحُدُّونَهُ بِالأَمَاكِنِ، وَلَا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بالنظائر (1).

صفة خلق آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الأَرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبِّحْهَا، تُرْبَةٌ سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ (2)، وَلَاطَهَا بِالْبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَوُصُولٍ، وَأَعْضَاء وَنُصُولٍ : أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَها حتى صَلْصَلَتْ، لَوَقْتِ مَعْدُودٍ، وَأَمَدٍ مَعْلُومٍ (3)، ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانِ يُجيلُهَا، وَفِكَرِ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَأَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا، وَمَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بها بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالأَذْوَاقِ وَالْمَشَامُ، وَالألْوَان وَالأَجْنَاس (4)، مَعْجُوناً بطِينَةِ الألْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْأَشْبَاهِ المُوتَلِفَةِ، وَالْأَضْدَادِ


1) (ولا يُجرون عليه صفات المصنوعين) كان يصفونه بالولد والزوجة والشريك وما أشبه ذلك من الجهل والعجز (ولا يحدُّونَه بالأماكن) بان يقولوا إنه موجود في السماء، أو في الأرض، أو ما الشبه (ولا يشيرون إليه بالنظائر) بأن يقولوا إن الله نظير الإنسان أو شبيه النور، أو نحو ذلك.

2) (سبحانه) مصدر لفعل محذوف، أي أسبحه سبحانه - بمعنى أنزهه عن النقائص تنزيهاً (من حزن الأرض) الحزن على وزن فلس: الغليظ الخشن (وسهلها) وهو ضد الحزن (وعنيها) هيالأرض التي لا ملح فيها ((وسبخها) وهي الأرض المالحة (تربة) أي تراباً (سلها) خلطها(بالماء حتى خلصت) أي صارت طيناً خالصاً.

3) (ولاطها) خلطها وعجنها (بالبلة) أي الرطوبة (حتى لزبت) صلبت وتداخلت بعضها في بعض (فجبل) خلق (صورة) المراد بها صورة آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ذات أحناء) جمع حنو بالكسر بمعنى ما فيه اعوجاج في البدن كالأضلاع وما أشبه (ووصول) جمع كثرة للوصل، وجمع قلته أوصال، وهي المفاصل (وأعضاء) جمع عضو كاليد والرجل (وفصول) لعل المراد بها الأحوال المختلفة كفصل الشباب وفصل الهرم، أو المراد ما هو أعم من العضو فالرأس فصل، بينما العين في الرأس عضو وهكذا (اجمدها) أي جعل تلك التربة جامدة بأن يبست (حتى استمسكت) تماسك بعض أجزائها ببعض (وأصلدها) جعلها صلدة، وهي الصلبة الملساء (حتى صلصلت) أي تسمع لها صلصلة إذا هبت عليها الرياح كالفخار (لوقت معدود) هو الوقت الذي ينفخ فيه الروح (وأمد معلوم) الأمد هو المدة من الزمان باعتبار الامتداد.

4) (نفخ فيها من روحه) إضافة الروح إلى الله سبحانه للتشريف، نحو بيت الله] و[ناقة الله والمراد بالنفخ، الضغط على الروح حتى يدخل كالنفخ الذي هو ضغط على الهواء حتى يدخل في الشيء أو يهب على الشيء (فمثلت) تلك التربة من [مثل] على وزن (كرم) أي قام منتصباً (إنساناً) هو آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ذا اذهان) جمع [ذهن] وهو قوة التعقل (يجيلها) أي يحرك تلك القوى العقلية في الأمور لتحصيل وجه الرأي فيها ولعل وجه الإتيان بـ [الأذهان] جمعاً باعتبار مختلف القوى الباطنة، من مدركة للمبصرات، والمسموعات والمعقولات، وهكذا. (وفكر) جمع فكرة وهو الذي يجيل الذهن ويصرفه من هنا إلى هناك - فالمراد بالأذهان المتحرك، وبالفكر المحرك - (يتصرف بها) أي بتلك الفكر في أموره (وجوارح) جمع جارحة وهي العضو سمي بالجارحة، لأنها تجرح وتفعل (يختدمها) أي يجعلها في حوائجه، كالخادم الذي يستعمله الإنسان في حوائجه (وأدوات)جمع أداة وهي الآلة، ولعلها أعم من الجارحة فإنها تصدق على الإصبع والجارحة لا تصدق عليها إلا بعناية (يقلبها) أي يحركها في حوائجه وأموره (ومعرفة) أي عرفان وقوة إدراك (يفرق بها) أي بسبب تلك المعرفة (بين الحق والباطل) فيعرف الحق، ويعرف الباطل وهذه القوة غير القوى السابقة (والأنواق) جمع ذوق وأصلة ما يدرك باللسان ثم تستعمل في كل شيء يدركه الإنسان بالقوى اللامسة أو نحوها (والمشام) جمع مشم والمراد به آلة الشم ولعل الإتيان بالجمع باعتبار أفراد الإنسان (والألوان) جمع لون كالأحمر والأخضر (والأجناس)جمع جنس كالعربي والتركي والفارسي أو جنس الحرارة والبرودة وهكذا، والأول أقرب.

الْمُتَعَادِيَةِ، وَالأَخْلاطِ الْمُتَبَايَنَةِ، مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالْبِلَّةِ وَالْجُمُودِ (1)، وَاسْتَادى اللهُ سُبْحَانَهُ الْمَلائِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتَهُ إِلَيْهِمْ، فِي الإِذْعَان بالسُّجُودِ لَهُ، وَالخُشُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ) (2)اعْتَرَتْهُ الْحَمِيَّةُ وَغَلَبَتْ عليه الشَّقْوَةُ، وَتَعَزَّزَ بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَهُونَ خَلْقِ الصَّلْصَالِ (3)، فَأَعْطَاهُ اللهُ النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتِتْمِاماً لِلْبَلِيَّةِ،


1) (معجوناً بطيئة الألوان المختلفة) يعني أن الإنسان قد عجن في أصل طينته بالألوان المختلفة والظاهر أن المراد باللون: القسم (والأشباه) جمع شبه، وهو ما يشبه بعضه البعض (المؤتلفة) التي اختلف بعضها مع البعض (والأضداد) جمع ضد وهو المخالف للشيء (المتعادية) التي يعادي بعضها بعضاً تكوينا (والأخلاط) جمع خلط وهو ما يخلط أجزاؤه بعضها ببعض (المتباينة) المخالف بعضها بعضاً (والبلة) الرطوبة (والجمود) هو اليبس.

2) سورة البقرة: ٣٤.

3) (واستادى اللّه) أي طلب الاداء وهو إعطاء ما بذمة الشخص (الملائكة وديعته لديهم) فقد شبه ما كان بذمتهم من لزوم السجود لآدم - حسب أمر الله تعالى - بالوديعة المستودعة عند الشخص وقد طلبها سبحانه لوصول وقت أدائها (وعهد وصيته إليهم) أي ما عهده سبحانه إليهم حيث أوصاهم بالسجود لآدم، فالسجدة وديعة والأمر بها وصية إليهم (في الإذعان) الانقياد (بالسجود له) أي لآدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (والخشوع) الخضوع (لتكرمته) لتكريم الله سبحانه له (اعترثه الحمية) أي عرضت عليه الانفة والاستكبار (وغلبت عليه الشقوة) ضد السعادة (وتعزز) ظن نفسه عزيزاً (بـ) سبب (خلقة النار) لكونه مخلوقاً من النار، وأن آدم قد خلق من الطين، زاعماً أن النار الفضل من التراب (واستهون) رأه هيناً خفيفاً (خلق الصلصال) أي خلقة الإنسان من الصلصال، وهو الطين الذي يبس فسمع له صليل وصوت

وَإنجازاً لِلْعِدِةِ، فَقَالَ: (إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) (1)، ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْهَدَ فِيهَا عَيْشَهُ، وآمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ، وَحَذْرَهُ إِبْلِيسَ وَعَدَاوَتَهُ (2)، فَاغْتَره عدُوهُ نَفَاسَةٌ عِلِيهِ بِدِارِ الْمُقَامِ، وَمُرَافَقَةِ الْأَبْرَارِ، فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكْةِ، وَالْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ، وَاسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلاً، وَبِالاِغْتِرَارِ نَدَماً (3)، ثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ، وَلقَاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ، وَوَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ، وَأَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الْبَلِيَّةِ وَتَنَاسُلِ الذُّرِّيَّةِ. وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكَثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ الله إِلَيْهِمْ (4)فَجَهِلُوا حَقَّهُ، وَاتَّخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ


1) سورة ص ۸۰ و ۸۱.

2) (فاعطاه الله النظرة) البقاء والانتظار إلى يوم الوقت المعلوم (استحقاقاً للشخطة) ليستحق بذلك الأمد السخط والغضب الشديد من الله بما يصدر منه من الكفر والمعاصي زيادة على عصيانه بترك السجود (واستتماما للبلية) البلية - والابتلاء - بمعنى الامتحان أي إنما أعطاء الله المهلة طلباً لتمام الامتحان (وإنجازاً للعدة) أن ينجز وعده، ولعله سبحانه كان وعد سابقاً إبقاء الشيطان (من المنظرين) الذين أنظروا وأمهلوا إلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُوم اليوم الذي عُيِّن فيه وقت إهلاكك المعلوم لديه سبحانه - وهو يوم القيامة، أو يوم ظهور الإمام المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف)، كما في بعض الأحاديث – (ثم تسكن آدم داراً) هي الجنة أرغد فيها عيشه) أي أوسعه بان هيا له من جميع الملاذ (وآمن فيها محلته) أي محل حلوله فإن الجنة دار أمان لا خوف فيها من فقر أو مرض أو جهل أو عدو أو ما أشبه (وحذره) خوف الله سبحانه آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) .

3) (فاغتره عنوه) جعل الشيطان آدم مغروراً، بما وسوس إليه وحلف له (نفاسة عليه) النفاسة: الحسد (بدار المقام) في دار البقاء والإقامة الأبدية (ومرافقة الأبرار) المرافقة. مي البقاء مع الرفيق، وسمى الرفيق بذلك، لرفق كل منهما بصاحبه (باع اليقين) الذي قاله الله سبحانه بالمنع من أكل الشجرة (بشكه) بالشك الذي القاه الشيطان إليه (والعزيمة) أي العزم الأكيد الذي كان ينبغي له - في اتباع أمر الله تعالى - (بوهنه) بأن وهن وضعف في إنقاذ أمر الله تعالى (واستبدل بالجذل) الفرح الذي غمره بكونه في الجنة (وجلا) بالخوف من حلول العقاب (وبالاغترار ندماً) استشعر الندم بسبب ذلك الاغترار.

4) (بسط الله سبحانه) ومعنى البسط إجازة التوبة (ولقاء كلمة رحمته) أي أعطاه ولقنه الكلمة التي إذا قالها آدم رحمه الله سبحانه، وفي الأحاديث، أن المراد بها أن يقسم على الله تعالى بحق الخمسة الطيبين محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم اجمعين (ووعده المَرَدُ) الرد (إلى جنَّتِهِ وأهبطه إلى دار البلية) الدار التي يبتلى فيها الإنسان والمراد بالدار، الدنيا (وتناسل الذرية) التناسل التوالد، والذرية الأولاد والأحفاد (واصطفي) اختار (انبياء) مرسلين (أخذ على الوحي ميثاقهم) الميثاق هو العهد الأكيد والمعنى أخذ عليهم الميثاق أن يبلغوا ما أوحى إليهم (وعلى تبليغ الرسالة) أي إبلاغ الناس رسالة الله سبحانه (امانتهم) كانه أعطى الرسالة واخذ الأمانة، فإن بلغوا الرسالة رد إليهم الأمانة فهم نووا أمانة، وإن لم يبلغوا الرسالة، لم يرد عليهم الأمانة ويبقون بلا أمانة - وهذا من بديع البلاغة – (لما بدل أكثر خلقه عَهِدَ الله إليهم) إن الله سبحانه عهد إلى الناس أن يؤمنوا به والعهد عبارة عما أودع فيهم من الفطرة الدالة على توحيده وسائر الأصول والمعارف - إجمالاً.

مَعْرِفَتِهِ وَاقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ (1)، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكَّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرِةِ : مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوع، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعِ، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُفْنِيهِمْ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ (2)، وَلَمْ يُخْلِ اللهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لَازِمَةٍ، أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ : رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ


1) (فجهلوا حَقَّهُ) حق الله عليهم (واتخذوا الأنداد) جمع [ند] وهو [الضد] و[المثل] والمراد هنا الآلهة الباطلة (واجتالتهم) الاجتيال الصرف، أي صرفت الناس (واقتطعتهم) قطعتهم (وواتر) أي أرسل واحداً بعد الآخر.

2) (ليستانوهم) أي يطلب الانبياء من الناس أداء (ميثاق فطرته) أي العهد الأكيد المودوع في فطرتهم والفطرة بمعنى الخلقة فإن كل إنسان قد أودع في فطرته معرفته سبحانه حتى أنه مضطر إلى العرفان وإن أنكر باللسان وفي الأحاديث [أن الميثاق كان في عالم الذر] (ويذكروهم منسي نعمته) نعم الله المنسية فإن الإنسان المغمور في النعمة ينساها لألفه بها، فيحتاج إلى المذكر حتى يشكر ويذكر (بالتبليغ) بأن تتم الحجة عليهم حيث بلغوهم فمن لم يعمل كان مستحقاً للنكال والعقاب (ويثيروا) من [الإثارة] وهي إظهار المخفي (دفائن العقول) أي كنوز العقول المخفية (آيات المقدرة) الأدلة الدالة على الصانع تعالى التي قدرت وخلقت (من سقف فوقهم مرفوع) والمراد به السماء (ومهاد) هو المهد، شبهت الأرض به لأنها محل استراحة الإنسان كما أن المهد محل استراحة الطفل (ومعايش) جمع معيشة، وهي ما يستعيش بها الإنسان (تحبيهم) أي توجب حياتهم وبقاءهم من المأكل والمشارب وما أشبه (وآجال تفنيهم) إذا وصلوا إليها فنوا وهلكوا - ونسبة الإفناء إلى الآجال - مجاز كما لا يخفى (وأوصاب) جمع [وصب] وهو [التعب] (تهرمهم) أي تسبب هرمهم وشيخوختهم فإن المتاعب تهرم الإنسان (وأحداث) جمع [حدث] وهو ما يحدث على الإنسان طول عمره (تتابع) أي تتوارد.

عَدَدِهِمْ، وَلَا كَثرَةُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ مِنْ سَابِقِ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ (1): عَلَى ذَلِكَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ، وَمَضَتِ الدُّهُورُ، وَسَلَفَتِ الآبَاءُ، وَخَلَفَتِ الأَبْنَاءُ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رِسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لإِنْجَازِ عِدَتِهِ، وَتمَامِ نُبُوَّتِهِ، مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ، كَرِيماً ميلاده (2). وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمِئِذٍ مِلِلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَوَائِفُ مُتَشَتّتةٌ، بَيْنَ مُشَبَّهِ لِلّهِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ فِي اسْمِهِ أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِهِ، فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ بِمَكانِهِ مِنْ الْجَهَالَةٍ (3)، ثُمَّ الْخَتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّدٍ (صَلَّى


1) (ولم يخل الله) من الخلاء بمعنى الفراغ (أو حجة لازمة) قد لزمت الناس كالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء وخلفاؤهم (أو محجّة قائمة) المحجة هي الطريق الواضح، ومعنى قائمة القويمة المستقيمة المسلوكة، ولعل المراد بها التقاليد والعادات التي بقيت من عند الرسل مستمرة في الأمة.. (رسل) أي هم رسل (لا تقصر بهم قلةٌ عَندهم) أي أن قلة عددهم لا توجب لهم أن يقصروا في تبليغ الرسالة خوفاً (ولا كثرة المكتبين لهم) فإنهم مع كثرة من يكتبهم لا تنهار أعصابهم ليتركوا واجبهم في : الإرشاد والهداية (من سابق) رسول سابق (سمي له من بعده) بأن أوحى الله تعالى باسم الرسول الذي يأتي من بعده ليبشر به الناس كما بشر موسى وعيسى بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (او غابر) رسول لاحق (عرفه من قبله) بأن جاء وهو معروف لدى الناس بسبب تعريف النبي السابق له وحيث إن الديانات كلها واحدة من عند إله واحد كان الأنبياء يبشر السابق منهم باللاحق ويصدّق اللاحق منهم السابق.

2) (نسلت) ولدت (القرون) جمع قرن وهو مدة من الزمان يقترن فيها أعمار الجيل بعضهم لبعض - كمائة سنة، أو ثلاثين سنة، أو نحو ذلك حسب اختلاف الانظار – (ومضت الدهور) جمع دهر وهو القطعة من الزمان (وسلفت الآباء) فإن كل أب يذهب ويموت قد كان معاصراً لنبي. سابق مبشر بنبي لاحق (وخلفت الأبناء) فإن الأولاد إنما يخلفون آبائهم وهم معاصرون لنبي سابق يبشر باللاحق، أو نبي لاحق قد عرف من قبل النبي السابق (لإنجاز عدته) مصدر وعد أبدلت الواو بالتاء، فقد كان الله سبحانه وعد الأنبياء السابقين بإرسال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فانجز بإرساله وعده سبحانه (وتمام نبوته) والآن تتم النبوة المنسوبة إلى الله تعالى بمجيء خاتم الانبياء (ماخوذاً على النبيِّين ميثاقه) أخذ الله عهد النبيين بأن يبشروا أممهم بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والميثاق هو العهد الأكيد، من وثق (مشهورة سمانه) جمع سمة بمعنى العلامة من الوسم أي أن أوصاف الرسول كانت مشهورة لدى الأمم السابقة حيث عرفها الأنبياء لهم (كريماً ميلاده) بمعنى أن ولادته كانت نقية شريفة، من أصل طاهر، وآباء طيبين.

3) (ملل متفرقة). جمع. ملة وهي الفرقة من الناس، أي فرق مختلفة العقائد والعادات والتقاليد (وأهواة منتشرة) قد كان لكل جماعة هوًى واتجاه بلا حجة أو دليل (وطوائف متشتتة) جمع طائفة، وهي الجماعة من الناس والتشتت هو التفرق بين مشبه الله بخلقه) أي جماعة قد شبهت الله سبحانه بالمخلوقين، فزعموا أن له ولداً وصاحبة وزوجة وهكذا (أو ملحد في اسمه) من الحد بمعنى مال، أي ماثل عن اسم الله سبحانه فجعله بصفات لا تليق به، أو بمعنى الذين يلحدون فينكرونه سبحانه، والمراد بـ (الاسم) المسمى (أو مشير إلى غيره) بأن يشرك معه إلها آخر (فهداهم) (من الضلالة) الانحراف عن جادة الهدى (وأنقذهم) خلصهم (بمكانه) أي مكان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ويطلق المكان على المكين بعلاقة الحال والمحل (من الجهالة) التي عمتهم حول الله سبحانه وصفاته.

اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِقاءَهُ، وَرَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، وَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا، وَرَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَامِ الْبَلْوَى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الأنبياء في أُمَمِها، إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً بغَيْر طَريقٍ وَاضِحٍ، وَلَا عَلَمٍ قَائِمٍ (1)كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ: مُبَيِّناً حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ، وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثَالَهُ، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ (2)مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ، وَمُبَيِّنَنا غَوَامِضَهُ. بَيْنَ مَأْخُودٍ


1) (ثم اختار الله سبحانه لمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لقاءه) المراد به لقاء كرامته (ورضي له ما عنده) أي عنده تعالى بأن أراد أن يمنحه الثواب والجنة ويخلصه من أتعاب الحياة (وأكرمه عن دار الدنيا) كان الدنيا ليست دار كرامة ولذا أكرمه عن هذه الحياة المشوبة بالكدورات (ورغب به) أي بالرسول، بمعنى رفعه (عن مقام البلوى) أي الابتلاء الموجود في الدنياء بأن أراد إبعاده عن المصائب والمتاعب (فقبضه إليه) أي منتهياً القبض إلى ثوابه وفضله (كريماً) ذا كرامة ورفعة وجاه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) جملة خبرية (ما خلفت الانبياء في أممها) والمراد بـ (ما) الشيء الذي يرجع إليه. السعادة والاسترشاد (إذ لم يتركوهم فمَلاً) أي مُهملين بلا طريق وهداية (بغير طريق) إلى الحق (واضح) ظاهر يعرفه الكل (ولا علم قائم) أي بدون منار يستنير به الناس ليعرفوا الصحيح من الفاسد والهداية من الضلالة.

2) (كتاب ربكم فيكم) [كتاب] منصوب على أنه بدل من [ما] المنصوب بـ [خلف] أي خلف الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيكم كتاب الله تعالى والمراد به القرآن في حال كون ذلك الكتاب (مبيناً حلاله وحرامه) أي ما أحل الله وما حرمه تعالى (وفرائضه) واجباته (وفضائله) ما رغب فيه (وناسخه) وهو الحكم الذي نسخ غيره وبين انتهاء آمده (ومنسوخة) وهو الحكم الذي بين انتهاء أمده، من نسخ الضوء الظل إذا أزاله وأبطله (ورُخصة) جمع رخصة كغرفة وغرف وهو ما رخص فيه (وعزائمه) جمع عزيمة وهي التي لا رخصة فيها (وخاصه) وهو ما يخص فرداً أو طائفة أو ما أشبه (وعائه) وهو ما يقم أفراداً (ويبره) جمع عبرة، وهي ما يعتبر به الإنسان من قصص الماضين وأحوالهم وما آل إليه أمرهم (وأمثاله) جمع مثل وهو الشيء الذي يقرب المطلب إلى الذهن بتطبيق الكلي على الفرد (ومُرسَلَه) هو المطلق (ومحدوده) هو المقيد (ومحكمه) وهو الذي يعرف المراد منه لظهوره في معنى خاص (ومتشابهة) وهو الذي يتشابه المراد منه بأن يتحمل اللفظ لمعنيين أو أكثر فلا يعرف أيهما يراد من اللفظ.

مِيثَاقُ عِلْمِهِ وَمُوَسَّعٍ عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ، وَبَيْنَ مُثْبَتٍ فِي الْكِتَابِ فَرْضُهُ، ومعلوم في السُّنَّةِ نَسْخُهُ، وَوَاجبٍ في السُّنَّةِ أَخُذُهُ وَمُرَخَصٍ فِي الْكِتَابِ تَرْكُهُ، وَبَيْنَ وَاجِبٍ بِوَقْتِهِ وَزَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ وَمُبَايِنٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ، مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صغيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ، وَبَيْنَ مَقْبُولٍ فِي أَدْنَاهُ، مُوَسَّعٍ فِي أَقْصَاهُ (1).

منها في ذكر الحج

وَفَرَضَ عَلَيْكُمُ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةٌ لِلأَنَامِ يَرِدُونَهُ وُرُودَ


1) (مفسراً مجمله) أي في حال كون الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد فشر وأوضح ما أجمل في الكتاب، مثلاً قال الكتاب: [أقيموا الصلاة] فبين الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) المراد بالصلاة وأوقاتها وخصوصياتها (ومبيناً غوليضة) والغوامض هي الأمور التي يصعب على الإنسان فهمها (بين مأخوذ ميثاق علمه) أي قد أخذ على العباد العهد والميثاق بأن يعلموه كالاحكام وما شبهها (وموسع على العباد في جهله) بأن لا يلزم علمه فمن شاء تعلمه ومن شاء لم يتعلمه كالآداب غير الواجبة وكخصوصيات الآخرة، فإن اللازم تعلم الفرائض والعلم للآخرة في الجملة (وبين مثبت في الكتاب) أي في ظاهر القرآن الحكيم (فرضه) كقوله سبحانه: (وأنكحوا الأيمی منكم) [النور:٣٢] مما ظاهره الوجوب لأنه بصيغة الأمر (ومعلوم في السنة) المفسرة للكتاب، الواردة عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (نسخه) فإن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين فضل النكاح والمكاتبة لا وجوبهما، وتسمية هذا نسخاً بالمجاز، وإنما ارتكبنا ذلك لوضوح أن السنة لا تنسخ الكتاب (وواجب في السنة اخذه) بان كان ظاهر السنة وجوب الأخذ به - لما ورد من الأمر به - الظاهر في الوجوب (ومرخص في الكتاب تركه) بعكس القسم السابق كقوله سبحانه (فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يطوف بهما) [البقرة: ١٥٨] مما ظاهره جواز ترك السعي، ولكن السنة دلت على وجوب السعي - هذا حسب ما استظهرناه من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وبين واجب بوقته) كالحج الذي يجب في أشهر الحج (وزائل في مستقبله) فإذا فاتت الأشهر زال الوجوب الفعلي حتى تأتي الأشهر من جديد ومباين بين (محارمه) أي بين لحكام مباين بعضها مع بعض في الحرمة ومقدارها (من كبير أوعد عليه نيرانه) كقوله سبحانه (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فجزاؤُهُ جَهنَّمُ خالداً فيها) [النساء: ۹۳] (أو صغير أرصد) أي هيا (له غفرانه) أي مغفرته كالصغائر - وبها فسر قوله تعالى (إلا اللم) [النجم: ۲۲] – (وبين مقبول في ادناه) أي يقبل أنني ذلك التكليف وأخفه (موسع في اقصاه) وسع للإنسان بأن يأخذ بأقصى التكليف واثقله، كما يقبل في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين الذي هو اننى وأخف كفارة على الإنسان، ويوسع للإنسان في أن لا يأخذ بالأدنى بل يكسي العشرة، أو يعتق رقبة.

الأَنْعَامِ، وَيَأْلَهُونَ إِلَيْهِ وُلُوه الْحَمَامِ، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلَامَةٌ لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ (1)، وَالْخَتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَصَدَقُوا كَلِمَتَهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَالِهِ، وَتَشَبَّهُوا بِمَلَائِكَتِهِ الْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ، يُحْرِزُونَ الأَرْبَاحَ فِي مَنْجَرٍ عِبَادَتِهِ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ (2)، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلإِسْلامِ عَلَماً، وَلِلعَائِذِينَ حَرَماً، فَرَضَ حَجَّهُ، وَأَوْجَبَ حَقَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وَفَادَتَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ (وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَن الْعَالَمِينَ) (3)، (4).


1) (حج بيته الحرام) أصل الحج القصد، ووصفه بالحرام باعتبار كونه ذا حرمة واحترام (الذي جعله قبلة للأنام) يقابلونه في صلواتهم ونبحهم ويوجهون أمواتهم إليه (يردونه) يقال ورد إذا وصل (ورود الأنعام) أي كما ترد البهائم على الماء عطاشى وهذا لبيان شدة شوق الناس إلى البيت (ويألهون) من [اله] بمعنى فزع أي يفزعون (ولوه الحمام) أي كما يفرغ الحمام إلى محله عند الخوف، فإن الحمام يظهر عليه أثر اللوذ بكثرة (جعله علامة) أي دليلاً (لتواضعهم لعظمته) أي تواضع البشر وخشوعهم وخضوعهم (وإذعانهم) إنقيادهم.

2) (واختار من خلقه سُماعاً) جمع سامع كزراع جمع زارع (أجابوا إليه دعوته) إلى الحج (وصدقوا كلمته) فقد وافق عملهم لما قاله سبحانه من وجوب الحج والصدق هو مطابقة شيء لشيء (ووقفوا مواقف انبيائه) في عرفات والمشعر ومنى والمطاف والسعي فإن الأنبياء قد حجوا ووقفوا في تلك المواقف (بملائكته المطيفين بعرشه) من طاف إذا دار، فإن لله تعالى ملائكة يطوفون حول العرش خضوعا وانقياداً (يحرزون الأرباح) جمع ريح والمراد به الثواب (في متجر عبادته) متجر العبادة والطاعة لا المال والمادة (ويتبادرون) يسابق بعض الحجاج بعضاً (عند موعد مغفرته) أي عند المحل الذي وعد الله الغفران في ذلك المحل.

3) سورة آل عمران: ۹۷.

4) (جعله) أي كالاعلام التي تخفق فيأوي إليها الجيش أو المراد بالعلم - الجبل - فهو كالجبل الأشم الذي يلوذ بكتفه الناس من الحر والبرد وسائر المخاوف (وللعائذين) جمع عائذ وهو المستجير (حرما) أي محل أمن وسلامة (فرض) أوجب (وأوجب حقه) أي حق البيت بالحج والاحترام (وكتب عليكم وفادته) الوفادة: الزيادة، ومعنى كتب فرض أي الزم على الناس زيارة البيت (وَللّه عَلَى النَّاسِ حجّ الْبَيْتِ) أي حق لله على الناس أن يحجوا بيته (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) أي تمكن من السير إليه بالزاد والنفقة وما أشبه (ومن كفر) لم يحج (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَن الْعَالَمِينَ) لا يضر الله، وإنما يضر نفسه ولا يخفى أن المراد بالكفر هنا وفيما أشبهه الكفر العملي لا الكفر العقيدي.

ومِنْ خُطبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد انصرافه من صفين

أَحْمَدُهُ اسْتِتْمَاماً لِنِعْمَتِهِ، وَاسْتِسْلَاماً لِعِزَّتِهِ، وَاسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ. وَأَسْتَعِينُهُ نَاقَةً إِلى كِفايَتِهِ (1)، إِنَّهُ لَا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ، وَلَا يَيْلُ مَن عَادَاهُ، وَلَا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ، فَإِنَّهُ أَرْجَحُ ما وُزنَ، وَأَفْضَلُ مَا خُزِنَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، شَهَادَةً مُمْتَحَناً إخلاصُهَا، مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا، نَتَمَسَّكُ بها أبداً ما أَبقانًا، وَنَدَّخِرُهَا لأَهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا (2)، فَإِنَّهَا عَزِيمَةُ الإِيمَانِ، وَفَاتِحَةُ الإِحْسَانِ، وَمَرْضَاةُ الرَّحْمَنِ وَمَدْحَرَةُ الشَّيْطَانِ، وَاشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ المَشْهُورِ، وَالْعَلَمِ المَأْثُورِ، وَالْكِتَابِ المَسْطُورِ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ، وَالضَّيَاء اللامع، وَالأمْرِ الصَّادِعِ، إِزَاحَةً لِلشَّبُهَاتِ، وَاحْتِجَاجاً بِالبَيِّنَاتِ، وَتَحْذِيراً بِالآيَاتِ، وَنَخْويفاً بِالْمَثُلاتِ (3)، وَالنَّاسُ فِي فِتَنٍ انْجَدَمَ


1) (استنماياً لنعمته) طلباً لتمامها فإن الشكر يوجب زيادة النعمة كما قال تعالى (ولئن شكرتم لأزيدنكم) [إبراهيم: ٧]، (واستسلاماً لعزّته) الاستسلام هو الانقياد والعزة هي الرفعة والغلبة (واستعصاماً) طلباً للحفظ والعصمة (من معصيته) من عصياته فإن الحمد يوجب زيادة الطاقه تعالى، وإذا كثرت الطاقه تعالى بالنسبة إلى أحد ابتعد عن العصيان (وأستعينه) أطلب إعانته (فاقة) لأجل الفاقة والاحتياج (إلى كفايته) أن يكفيني ما احتاج به إليه تعالى.

2) (لا يضل من هداه) إذا هدى أحداً فإنه لا يضله، وإن كان ربما ضل بسوء عمله. (ولا يئل) من وئل بمعنى خلص من عاداه إن عدوه المخالف لأوامره لا ينجو من العقاب (ارجع ما وزن) أرجح الطاعات في ميزان الحسنات (وافضل ما خُزن) احسن الاشياء التي يخزنها الإنسان ويدخرها ليوم حاجته (ممتحناً إخلاصها) خالصة قد امتحنت فإن أعمال الإنسان تدل على أنه هل يشهد بإخلاص، أم أن شهادته سطحية؟ (معتقداً مصاصها) مصاص كل شيء خالصه، أي أن خالص تلك الشهادة هو المعتقد لنا، فعقيدتنا هي الشهادة الخالصة عن شوائب الشرك (وندخرها) تجعلها ذخيرة (لأهاويل) جمع أهوال وهو جمع هول والمراد بذلك ما يخاف منه من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة.

3) (عزيمة الإيمان) أي الأمر الضروري بالنسبة إلى الإيمان حتى أنه لا إيمان بدون هذه الشهادة (وفاتحة الإحسان) أي أن كل إحسان إنما يبدأ بالشهادة (لئن أشركت ليحبطن عملك) [الزمر: ٦٥] (و مرضاة الرحمن) أي موجبة لرضى الله سبحانه عن العبد (ومدخرة الشيطان) أي موجب لدحره، والدحرة الطرد والبعد (بالدين المشهور) المراد الدين الظاهر الذي لا خفاء فيه (والعلم) هو الذي يهتدى به من العلامة، ومنه يسمى اللواء علماً (الماثور) من [اثر] بمعنى ورد (والكتاب المسطور) والمراد به القرآن، الذي سطر وكتب إما في اللوح المحفوظ لو في الصحائف التلاوة الناس (والنور الساطع) أي المتعالي الظاهر، وهذا من باب التشبيه فكما يرى الإنسان بسبب النور الأشياء المحسوسة كذلك يرى بسبب نور الهداية طريق السعادة(والضياء اللامع) عطف بيان للجملة السابقة (والأمر الصادع) يقال صدع بالأمر إذا قام به (إزاحة للشبهات) لأجل إزالة الشبهات (واحتجاجاً بالبينات) جمع بينة وهي الحجة الواضحة (وتحذيراً بالآيات) يحذرهم ويخوفهم بما يبين لهم من الآيات الدالة على علم ! الله وقدرته ونكاله للظالمين (وتخويفاً بالمثلات) العقوبات التي حلت بالأمم السابقة التي صارت مثلاً للناس يذكرونها ويخافون منها.

فيها حَبْلُ الدِّينِ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي الْيَقِينِ وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ، وَتَشَتَّتَ الأَمْرُ، وَضَاقَ الْمَخْرَجُ، وَعَمِي المَصْدَرُ، فَالْهُدَى خَامِلٌ، وَالْعَمَى شَامِلٌ (1). عُصِيَ الرَّحْمنُ، وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ، وَخُذِلَ الإِيمَانُ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ، وَعَفَتْ شُرُكُهُ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُّوا مَنَاهِلَهُ (2)، بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ، فِي فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا،


1) (في فتن) جمع فتنة، وهي البلية (انجذم) انقطع (حبل الدين) وإنما يقال للدين حبل لأنه كالحبل الذي يتعلق به الإنسان الموجود في الهاوية، ليجره الذي فوق إلى الأعلى (وتزعزعت) أي تحركت وتزازات (سواري) جمع. سارية وهي الدعامة والعمود (واختلف النجر) الأصل أي اختلفت الأصول التي اعتمد الناس عليها (وتشتت الأمر) أي اختلف فكل يسلك سبيلاً و ويسير سيراً مخالفاً لسير الآخر (وضاق المخرج) شبه الخروج عن الأهواء والتقاليد الفاسدة بمن يريد الخروج من شدة، لكن الباب ضيق لا يتمكن من الخروج (وعمي المصدر) أي ضاع وخفي محل صدور الناس في تقاليدهم وعقائدهم (فالهدى خامل) يقال خمل الأمر إذا خفي (والعمى شامل) عدم معرفة الحق شامل للناس يعمهم.

2) (نصر الشيطان) والمراد إطاعته في الكفر والعصيان فإن ذلك نصر له على جنود الرحمن (وخُذل الإيمان) ترك ولم يعمل به (فانهارت دعائمه) الانهيار: هو السقوط، أي سقطت دعامات الإيمان والدعامة ما يستند إليها (وتذكرت معالمه) التنكر تحول الشيء من حال معروف إلى حال منكر، والمعالم جمع معلم وهو موضع العلامة التي يهتدى بها للطريق، أي أن علائم الإيمان قد تنكرت فلم يعرفها الإنسان حتى يسير في هدايتها لئلا يضل (و درست) الاندراس الانطماس وذهاب الأثر (سبله) طرق الإيمان (وعفت شركه) جمع شركة بالفتحات وهي وسط الطريق، أي اندرست طرق الهدى (فسلكوا مسالكه) أي طرقه جمع مسلك وهو الطريق المسلوك (ووردوا مناهله) جمع منهل وهو مورد الشرب في النهر.

وَوَطئْتُهُمْ بأَظْلافِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا (1)، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ في خَيْر دَارٍ، وَشَرِّ جِيرَانِ. نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بأَرْضِ عَالمُها مُلْجَمٌ، وَجَاهِلُها مُكْرَم (2).

ومنها يعني آل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَلَجَأَ أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالَ دِينِهِ بِهِمْ أَقامَ انحناءَ ظَهْرِهِ، وَأَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ (3).

ومنها يعني قوماً آخرين

زَرَعُوا الْفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الْغُرُورَ، وَحَصَدُوا النُّبُورَ، لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ


1) (وقام لواؤه) أي أنّ الناس هم السبب لغلبة الباطل على الحق (في فتن) جمع فتنة وهي البلية (داستهم) سحقتهم (بأخفافها) جمع خف وهو رجل البعير ممّا يمس الأرض، فكان الفتنة سحقت الناس حتى ذلوا وهشمت عظامهم ووطئتهم بأظلافها جمع ظلف بالكسر، وهو رجل البقر والشاة ممّا يمس الأرض (على سنابكها) جمع سنبك كقنفذ وهو طرف الحافر.

2) (مفتونون) قد فتنوا والمفتون هو الذي استهوته الفتنة والضلال فتبعها (في خير دار) أي مكة (وشرٌ جيران) وهم عبدة الأوثان والكفار الذين جاوروا مكة (نومهم سهودٌ) أي أنهم دائموا الخوف لا ينامون (يسهدون) أي يسهرون من الخوف (وكحلهم دموع) كان الدمع كحلهم الملازم لعينهم (عالمها ملجم) قد الجم وسدّ لسانه بلجام فلا يتمكن أن يتكلم بالحق خوفاً (وجاهلها مكرم) يكرمه الناس إنقاء لشره وطيشه أو لأنّهم على شاكلته والناس إلى أمثالهم أشبه.

3) (موضع سرّه) يضع أسراره فيهم، والمراد بالسر هو الأمر الذي لا يصلح إظهاره كالآجال والأرزاق وما أشبه (ولجاً أمره) اللجاء ما يلتجئ إليه الناس ويلوذون به فهم مركز الأوامر الصادرة من عنده سبحانه، كما أن الأشراف ملجأ الناس ومأواهم وعيبة علمه العيبة: الوعاء فهم محل علمه تعالى (وموئل حكمه) أي مرجع حكم اللّه تعالى من آل يؤول بمعنى رجع (وكهوف كتبه) جمع كهف وهو المغارة في الجبل، والمراد بالكتب القرآن وكتب الأنبياء السابقين وجبال دينه) فكما أنّ الجبل لا يتزلزل، كذلك لا يتزلزل آل محمد عليهم الصلاة والسلام في الأمور الدينية (انحناء ظهره) أي ظهر الدِّين، وانحنائه كناية عن ضعفه (ارتعاد) تحرك البدن خوفاً (فرائصه) جمع فريصة وهي اللّحمة بين الجنب والكتف وبين الثدي والكتف، ترتعد عند الخوف والفزع.

أَبَداً (1): هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمَادُ الْيَقِينِ. إلَيْهِمْ يَفِيء الْغَالِي، وَبِهِمْ يُلْحَقُ التّالي. وَلَهُمْ خَصَائِصُ حقِّ الْوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوِرَاثَةُ، الآنَ إِذْ رَجَعَ الحقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَنُقِلَ إِلَى مُنتَقَلِهِ (2)!

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَهِيَ المَعرُوفَة بِالشَّقِشَقِيَّةِ

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَهِيَ المَعرُوفَة بِالشَّقِشَقِيَّةِ (3)

أَمَا وَاللّه لَقَدْ تَقَمَّصَها فُلانٌ، وَإِنَّهُ لِيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى (4). يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً،


1) (زرعوا الفجور) جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) القبائح التي ارتكبوها كزرع زرعوه، والفجور العصيان (وسقوه الغرور) فإنَّ الاغترار بالدنيا لما يرى الشخص فيها من المهلة بمنزلة السقي، الذي يوجب ريع الزرع وقوته (وحصدوا) أي قطعوا الثمر (الثبور) الهلاك، فإنَّ ثمرة الفجور الهلاك (ولا يسوى بهم) التسوية: التعديل، أي لا يعادلهم (من جرت نعمتهم عليه أبداً) أي من أنعموا عليه، فإنَّ المتفضّل لا يعادل بمن تفضّل عليه.

2) (يفيء) يرجع (الغالي) الذي غلا في دينه فهم الهادون الراشدون فمن تجاوز حد العقيدة الصحيحة إنّما يعرف العقيدة بسببهم (وبهم يُلحَقُ التالي) أي الذي قصر في العقيدة، وتأخر في هذا المجال إنّما يصحح عقيدته بهم (خصائص حقِّ الولاية) فإنّ الولاية العامة على الناس حق من اللّه وله خصائص وميّزات ككون الولي معصوماً واشجع الناس وأحسنهم خلقاً وأفضلهم (وفيهم الوصية) من الرسول حيث أوصى قائلاً إني تارك فيكم خليفتين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً، كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي. (والوراثة) فإنَّهم الذين ورثوا الرسول في مادّيّاته ومعنوياته (الآن - إذ - رجع الحق إلى أهله) حينما ذهب الخلفاء الثلاثة وصارت النوبة لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد نصبه الرسول يوم غدير خم خليفة من بعده فالمراد بـ [الآن] عند ممات عثمان و [ إذ] زائدة والمراد بالحق الخلافة (إلى منتقله) أي المحل الذي انتقل منه.

3) (بالشقشقية) لقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في آخرها [تلك شقشقة هدرت].

4) (أما) كلمة تنبيه (تقمصها) أي تقمّص الخلافة وقد شبه الإمام الخلافة بالقميص الذي يلبسه الإنسان، لأنّها تحيط بالإنسان إحاطة اللباس بالبدن، ولأنّها جمال وزينةٌ مثل اللباس هو جمال وزينةٌ (فلانٌ) في بعض النسخ [ابن أبي قحافة] مكان [فلان] (محل القطب من الرحي) الرحى ما يطحن فيه الحبوب وما أشبه والقطب هو محور الرحى الذي يُدار عليه وبدون القطب لا تتمكن الرحى من العمل والإنتاج يعني أن أبا بكر يعلم أني قطب رحى الخلافة، كما كان الإمام - بعد الرسول - قطب رحى الإسلام.

وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَطَفِقْتُ ارْتئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى. طَخْيَةٍ عَمْياءَ، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَانَا أَحْجَى (1)، فَصَبْرتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذى، وَفِي الْحَلْقِ شَجاً، أَرَى تُرَاثي نَهْباً، حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلانٍ بَعْدَهُ. ثم تمثل بقول الأعشى:

شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا ***وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ (2)

فَيَا عَجَباً !! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ، إِذْ عَقَدَهَا لَآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ! لَشَدَّ مَا تَشَطَرًا ضَرْعَيْهَا ! فَصَيَّرَهَا في حَوزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كلمُها، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا، وَيَكْثُر الْعِثَارُ فِيهَا وَالاِعْتِذَارُ مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإِنْ


1) (ينحدر عني السيل) شبه الإمام نفسه بالجبل الأشم الذي تتجمع عليه الأمطار والثلوج ثم تنحدر عنه إلى العيون والأودية والبساتين فإنَّ العلم قد انحدر من الرسول إلى الإمام ومنه انحدر إلى غيره، وقد كان الخلفاء قبله يأخذون منه، حتى قال عمر في سبعين موضع [لولا علي لهلك عمر] (ولا يرقى إلي الطير) أي لا يطير الطير طيراناً يصل إلي لسمو مقامي (فسدلت) سدل الثوب إرخاؤه (دونها ثوبا) وذلك كناية عن أني لبست ثوباً آخر غير ثوب الخلافة، لما رأيتها مغتصبة (وطويت عنها كشحا) هي الخاصرة يعني أني أعرضت عن الخلافة، فإنَّ الإنسان المعرض عن الشيء يطوي ويلف خاصرته نحو اتجاه آخر لإفادة إعراضه وعدم الاكتراث بذلك الشيء (وطفقت) طفق بمعنى جعل وشرع (أرتئي) أي شرعت أجيل رأيي في الأمر، وماذا ينبغي أن أفعل (أن أصول بيد جذاء) يقال [صال] إذا حمل نفسه على الشيء بكل قوة وإقدام والجذاء بمعنى المقطوعة وذلك كناية عن عدم الناصر والمعين – (على طخية) الظلمة (عمياء) والمراد بذلك الهضم والظلم الذي صدر منهم بحق الإمام وبحق الإسلام ونسبة [عمياء] إلى [طخية ] بعلاقة السبب والمسبب إذ من في [الطخية ] هو الذي لا يبصر (يهرم) يشيب غاية الشيب ويكدح فيها مؤمن الكدح هو السعي والعمل (على هاتا) أي هذه فإنَّها لغة في [هاتي] للإشارة والمراد بها [الصبر] (أحجى) أي الزم وأولى.

2) (في العين قذى) ما يقع في العين من غبار ونحوه (وفي الحلق شجا) الشجا ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه (تراثي) هو الميراث، أي ما وصل إلي من الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، من الخلافة، أو الأعم من ذلك ومن [فدك] (الأول) أبو بكر (لسبيله) المقرر له وهو الموت فأدلى بها أرسل الخلافة إلى (فلان يعني عمر، وفي بعض النسخ [إلى ابن الخطاب] (بعده) حيث أوصى أبو بكر بأن يكون الخليفة من بعده عمر (شتان) بمعنى أفترق (كور) الرحل الذي يوضع على الناقة (حيان) كان سيداً في بني حنيفة مطاعاً بني حنيفة مطاعاً فيهم و (جابر) أخو حيان أصغر منه.

أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ (1)، فَمُنِي النَّاسُ - لَعَمْرُ اللّه - بَخَبْط وَشِمَاسٍ وَتَلَوُّنِ واعْتِرَاضٍ (2)، فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ، حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ (3)، فَيَا للّه وَلِلشورى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الأَوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَةُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِر! لكِنَّى أسففتُ إِذْ أسفوا، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا (4)، فَصَغَى رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضغْنِهِ، وَمَالَ الآخَرُ لِصِهْرِهِ، مَعَ هَن وهنٍ إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ، بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ، وَقَامَ


1) (بينا هو) أي أبو بكر (يستقيلها) أي يطلب الإقالة من الخلافة حين كان حياً فقد روى علماء العامة والخاصة أن أبا بكر قال [أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم] (إذ عقدها) أي الخلافة (لآخر) وهو [عمر] لشد ما تشطرا (ضرعيها تشطرا أي أخذ كل من أبي بكر وعمر شطراً وجزءاً (ضرعيها) الضرع هو الثدي والضمير عائد إلى الخلافة (في حوزة) هي المحل الذي يحاز فيه الشيء (خشناء) اي خشنة والمراد بها [عمر] (يغلظ كلمها) هي الأرض الغليظة التي يصعب المشي فيها ويخشن مسها أي لمسها والاقتراب منها (ويكثر العثار فيها) يقال عثر إذا أصابت رجله حجراً أو نحوه فآلمها أو أوجب سقوط الإنسان (والاعتذار منها) أي يكثر الاعتذار (فصاحبها) أي الذي يمشي في تلك الأرض ويصاحبها (كراكب الصعبة) وهي الناقة العاصية التي لا تسير سيراً هيناً وإنما تشمس وتؤذي الراكب (إن أشنق لها) أشنق بمعنى جرّ الزمام لإيقافها (خرم) أي سبب شق أنفها الذي هو محل الزمام (وإن أسلس لها أي أرخى لها الزمام حتى تجري الناقة كما تشاء (تقحم) أي أدخلت نفسها في مواضع الهلكة.

2) (فمني) ابتلوا وأصيبوا (لعمر (اللّه) قسم باللّه (بخبط) والخلط في الأمور (وشماس) هو إباء الفرس عن الركوب (وتلون) كان يوم في لون غير لون اليوم السابق (واعتراض) السير على خط غير مستقيم.

3) (حتى إذا مضى) عمر (السبيله) كناية عن موته (جعلها) أي جعل الخلافة (في جماعة زعم أني أحدهم) وهم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعثمان، وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، ولفظة [زعم] باعتبار أن محله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أرفع منهم، لا بمعنى الزعم المتعارف - كما لا يخفی.

4) (فيا اللّه) اللام للإستغاثة (وللشورى) أي استغيث باللّه من الشورى وهي المشورة في أمر الخلافة، وبالأخص بالكيفية التي جعلها عمر، فإنَّ الشورى غير جائزة في الأمر المنصوص (متى اعترض الريب) أي الشك (حتى صرت أقرن) بمعنى أجعل قريناً (إلى هذه النظائر) جمع نظير وهو المثيل، أي أمثل بعثمان وأشباه عثمان (لكني أسففت إذ أسفوا) يقال أسف الطائر إذا دنا من الأرض (وطرت إذ طاروا) يعني أني لم أخالفهم - حفظاً على بيضة الإسلام - فكان مثلي مثل طائر في سرب طائر الذي يدنو إلى الأرض إذا دنو منها ويطير ويصعد إذا طاروا وصعدوا.

مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللّه خِضْمَةَ الإِبِل نِبْتَةَ الرَّبِيعِ، إلى أَن انتَكَثَ فَتْلُهُ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَكَبَتْ بهِ بِطنَتُهُ (1)فَمَا رَاعَني إِلا وَالنَّاسُ إِلَيَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ، يَنْتَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، حَتَّى لَقَدْ وُطِيءَ الْحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَاي، مُجْتَمِعِين حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ (2). فَلَمَّا نَهَضْتُ بالأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَقَسَط آخَرُونَ (3)كَأَنَهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا كلامَ اللّه سُبْحَانَهُ حيث يَقُولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُريدُونَ عُلُوّاً في الأَرْضِ وَلَا


1) (فصغى) إي مال أو استمع رجل منهم من أهل الشورى ويريد بذلك [سعد] (لضغنه) أي عداوته وحسده الكامن في صدره (ومال (الآخر) وهو عبد الرحمن بن عوف (لصهره) المراد به عثمان فقد كان عبد الرحمن زوجاً لأم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط وهي أخت عثمان لأمه أروى بنت كريز (مع هن وهن كناية عن وجود أمور أخرى سببت عدم بيعتهم للإمام (نافجاً حضنيه) النافج هو النافخ والحضن ما بين الإبط والكشح - أي الخاصرة - (بين نثيله) وهو الروث (ومعتلفه) وهو محل العلف (بنو أبيه) هم بنو أمية أشباه مروان يخضمون مال اللّه الخضم الأكل بملء الفم كما يأكل البعير النبات (خضمة الإبل) أي مثل خضمة الإبل وأكلها إلى أن انتكث أي انتقض وأصله : إبطال أمر مبرم (فتله) أي ما أبرمه من الرئاسة وجمع الأموال والسيطرة (وأجهز عليه) أي قتله ما عمل يقال: أجهزت على الجريح أي قتلته وكبت به من [كبو] إذا سقط ومنه الجواد قد يكبو (بطنته) وهي التخمة والإسراف في الشبع، أي أن أكله للأموال أورث سقوطه.

2) (فما راعني) الروع: الفزع أي ما أفزعني (إلا والناس إلي) مقبلون إليّ لأخذ البيعة والمعنى ما راعني إلا إقبال الناس (كعرف الضبع) الضبع حيوان من نوع السباع تأكل الأموات إن وجدتها، وعرفها الشعر الكثير الذي على عنقها (ينثالون) أي يزدحمون (وشق عطفاي) العطف طرف الرداء، سُمي به لأنه يعطف باستدارة البدن (كربيضة الغنم الربيضة: الطائفة الرابضة من الغنم.

3) (فلما نهضت بالأمر) أي قبلت البيعة وقمت بالإمارة الظاهرية - بعد ما كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الخليفة من اللّه والرسول على المسلمين - (نكثت) أي نقضت بيعتي (طائفة) وهم أصحاب الجمل كطلحة والزبير ومن إليهما، فقد بايعوا الإمام ثم نقضوا بيعته (ومرقت أخرى) المروق هو الخروج، والمراد بهم أهل النهروان - الخوارج - فإنَّهم خرجوا من الدين بعد ما كانوا فيه، كما يمرق السهم من الغرض بعد دخوله فيه (وقسط آخرون) أي فسق والمراد بهم معاوية وأصحابه الذين فسقوا ولم يدخلوا في طاعة الإمام، بعد مبايعة الناس له، ويحتمل أن يكون المراد بالمارقة معاوية وأجناد الشام، وبالقاسطة: الخوارج حسب الترتيب الخارجي.

فَسَاداً، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (1)بَلَى وَاللّه لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلَكِنَّهُمْ حَلِيتَ ! الدُّنْيَا في أَعْيُنِهِمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا ! أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلَا حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللّه عَلَى الْعُلَمَاءِ أن لا يُقَارُّوا عَلَى کِظَةِ ظَالِمٍ، وَلا سَغَبٍ مَظْلُومٍ (2)، لأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِهَا، وَلأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ (3)!

قالوا : وقام إليه رجل من أهل السوادِ (4)عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته، فناوله كتاباً قيل : إن فيه مسائل كان يريد الإجابة عنها، فأقبل ينظر فيه فلما فرغ من قراءته قال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين لو اطَّرَدَتْ خُطْبَتُكَ من حيث أفضيت (5)

فَقَالَ : هَيْهَاتَ بِابْنَ عَبَّاسِ ! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ (6)!


1) سورة القصص: 83.

2) (وراقهم) أي أعجبهم (زبرجها) أي زينة الدنيا وزخارفها (فلق الحبة) شقها وأخرج منها النبات (وبرأ) خلق (النسمة) وهي الإنسان أو الروح (لولا حضور الحاضر) الذي حضر لبيعة الإمام والامتثال لأوامره (وقيام الحجة) من اللّه على الإمام، بأن يقول له لم لم تنهض بالأمر وقد هيئ لك الجو (بوجود الناصر) أي بسبب وجود الناصر للإمام على أعدائه (أن لا يقاروا) من قرّ على الأمر إذا لزمه ولم يغيره (على كظة ظالم) الكظة هي الألم الذي يجده الإنسان في بطنه من كثرة الأكل وامتلاء الطعام (ولا سغب مظلوم) السغب شدة الجوع بمعنى أن اللّه عهد إلى العلماء أن لا يسكتوا على ظلم الظالم.

3) (لألقيت حبلها) أي حبل الخلافة (على غاربها) الغارب : الكاهل. فقد شبه الإمام الخلافة بالناقة وإلقاء الحبل على الغارب كناية عن إهمالها وإرسالها وعدم التصدي لها (ولسقيت آخرها) أي آخر الخلافة (بكأس أولها) فكما تركت الأمر في أيام أبي بكر، كنت أترك الأمر بعد عثمان (ولا لفيتم) أي وجدتم (عفطة عنز) وهي ما ترسله من أنفها.

4) (أهل السواد) والمراد به العراق وسمي سواداً لكثرة زرعه والعرب تسمي الأخضر أسود، لأنه يميل إليه.

5) (لو) اطردت) أي لاسترسلت.

6) (من حيث أفضيت) أي من حيث انتهيت إليه (هيهات) كلمة تقال بمعنى [ابتعد] أي بَعُدَ ذلك (شقشقة) هي شيء كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج (هدرت) خرجت خروج الهدير وهو صوت البعير (ثم قرت) سكنت فلا زيادة عليها.

قال ابن عباس : فو اللّه ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألاً يكون أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلغ منه حيث أراد.

قال الشريف الرضي (رَحمهُ اللّه) : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) [لكراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم] يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها، وإن أرخى لها شيئاً مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها، يقال : أشنق الناقة، إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه وشنقها أيضاً : ذكر ذلك ابن السكيت في [إصلاح المنطق] وإنما قال [أشنق لها] ولم يقل [أشنقها ] لأنه جعله في مقابله قوله [أسلس لها ] فكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها بالزمام.

وَمِنْ خُطْبَةِ لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هداية الناس وكمال يقينه

بِنَا اهْتَدَيْتُمُ في الظُّلْمَاءِ، وَتَسَنَّمْتُمُ الْعَلْيَاءِ، وبِنَا أَفْجَرْتُمْ عَنِ السِّرَارِ، وَقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الْوَاعِيَةَ، وَكَيْفَ يُرَاعِي النَّبْأَةَ مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ؟ رُبِطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الْخَفَقَانُ (1)، مَازِلْتُ أَنْتَظِرُ بَكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ، وَأَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُعْتَرِّينَ، سَتَرنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ، وَبَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النّيّةِ(2). أَقَمْتُ لَكُمْ


1) (في الظلماء) ظلمة الكفر والمعاصي (وتسنمتم العلياء) تسنم ركب سنام البعير، وهو الموضع العالي في ظهره، والمعنى ارتقيتم مراقي الشرف والسؤدد (وبنا أفجرتم) أي دخلتم في الفجر (عن السرار) وهو آخر ليلة من الشهر يختفي فيها القمر (وقر سمع) أي صمّ وهذا دعاء بالصم على السمع الذي (لم يفقه الواعية) وهي العبر والمواعظ التي تصرخ بالإنسان لتهديه إلى السبيل وكيف يراعي (النبأة) وهي الخبر بصوت خفي (من أصمته الصيحة) هي الصوت الشديد؟ والمعنى أن من أصمت سمعه الصيحة - فلم يسمعها - كيف يمكن أن يسمع الصوت الضعيف؟ (ربط جَنَان) الجنان القلب، وسمي بذلك لاختفائه، والمراد الدعاء للقلب الخائف من اللّه بالرباطة والقوة (لم يفارقه الخفقان) الاضطراب.

2) (عواقب الغدر) عواقب غدره من التآمر والإفساد وخلع الطاعة ونحو ذلك (وأتوسّمكم) التوسم التفرس أي اتفرس فيكم من حركاتكم وسكناتكم - بحلية (المغترين) أي بعلائم الأشخاص المغرورين (جلباب الدين) الجلباب هو الثوب الفضفاض الذي تلبسه المرأة، وجلباب الدين أحكامه التي توجب ستر الإنسان عن السيئات فلا يرى أعماله السيئة (وبصرنيكم) أي أراني واقعكم وما خفي في صدوركم (صدق النية) أي النية الصادقة الكامنة في صدري فإنَّها تتفرّس بواطنكم السيئة.

عَلَى سُنَنِ الْحقِّ في جوادُ الْمَضَلَّةِ، حَيْثُ تَلْتَقُونَ وَلا دَلِيلَ، وَتَحْتَفِرونَ وَلا تُمِيهُونَ. الْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمِاءَ ذاتَ الْبَيَانِ غَرَبَ رَأْيُّ امْرِىءٍ تَخَلَّفَ عَنّي ! مَا شَكَكْتُ في الحقِّ مُذْ أُرِيتُهُ (1)! لَم يُوجِسٌ مُوسى (عَلَيْهِ السَّلام) خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ وَدُوّل الضَّلالِ الْيَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سبيل الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. مَنْ وَيْقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأ (2)!

وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

وخاطبه العباس وأبو سفيان ابن حرب في أن يبايعا له بالخلافة

أَيُّها النَّاسَ شُقَّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفْنِ النَّجَاةِ، وَعَرْجُوا عَنْ طَريقِ الْمُنَافَرَةِ، وَضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ (3). أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ، أو اسْتَسْلَمَ


1) (على سنن الحق) والسنن هي الطريق الواضح في (جواد) جادة وهي الطريق (المضلة) هي جمع الأرض التي يضل سالكها، أي أني أقمتكم على طريق الحق (حيث تلتقون ولا دليل) أي حيث يلتقي بعضكم بعض ليتساءل عن الطريق لكن الكل تائهون لا يعرفون الطريق (ولا تميهون) يقال [أماه] أي أخرج الماء، أي لا تجدون الماء (اليوم) أنطق لكم العجماء ذات البيان العجماء هي البهيمة التي لا تتكلم ومعنى كونها ذات البيان أنها مع عدم تكلمها تبين عن الشيء بالدلالة والإشارة، و[العجماء] العبر والعظات التي هي أعجم لا تنطق ولكنها تدل وتشير إلى الأمور (غرب) غاب وضل (تخلف عني) أي لم يتبعني فإنَّ الإمام هو الحق، وكل من تخلف عنه على باطل.

2) (لم يوجس موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) خيفة على نفسه) أي لم يكن خوف موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) على نفسه وإنما خاف من أن يموه السحرة على الناس فلا يقبلوا كلام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (بل أشفق) أكثر شفقة وخوفاً (من غلبة الجهال) هم السحرة (ودول الضلال) جمع دولة وهي السلطة، أي سلطة فرعون (اليوم توافقنا) تلاقينا نحن وأنتم (على سبيل الحق والباطل) فمن سار معي كان على الحق، ومن خالفني كان على الباطل من وثق بماء لم يظما من كان واثقاً بأحد لم يحتج إلى غيره فمن اللازم أن يحصل الإنسان على الثقة بإمامه حتى لا يحتاج إلى غيره، كما أن الشخص الذي يعلم أن عنده ماء يكفيه للشرب لم يهج به العطش.

3) (سفن النجاة) هي الطرق الموصلة إلى رضوان اللّه سبحانه، وشقها كناية عن السير في الطريق القويم الموجب للوصول إلى الساحل (وعرجوا) ميلوا واعزفوا (عن طريق المنافرة) أي منافرة بعضكم لبعض والنفرة هي الابتعاد عن كره (وضعوا) اتركوا (تيجان المفاخرة) الذي يفتخر كأنه شمخ برأسه ووضع عليها تاجا من الافتخار كتيجان الملوك.

فَأَراحَ. هذَا مَاءٌ آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بها اكِلُهَا. وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ (1). فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا : حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ، وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا : جَزَعَ مِنَ الْمَوْتِ هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي وَاللّه لابنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لاضْطَرَبْتُمُ اضْطِرابَ الأَرْشِيَةِ في الطَّوِي الْبَعِيدَةِ (2)

وَمِنْ كَلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أشير عليه بألا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال

وَاللّه لا أَكُونُ كالضَّبُعِ : تَنَامُ عَلى طُولِ اللَّدْمِ، حَتَّى يَصلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا، وَيَخْتِلَها رَاصِدُها (3)، وَلكِنِّي أَضْرِبُ بِالمُقْبِلِ إِلَى الْحَقِّ الْمُدْبِرِ عَنْهُ، وَبِالسَّامِع المُطيع العاصي المُريبَ أَبَداً، حَتَّى يَأتِي عَلَي يَوْمِي (4). فَوَاللّه مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً


1) (أفلح من نهض بجناح) أي فاز بالظفر من نهض بالأمر وكان له جناح يساعده (أو استسلم) لم ينهض (فأراح الناس) لم يوقعهم في المهلكة (هذا) الذي تدعواني للنهوض به من الإمرة والخلافة (ماء أجن) أي كالماء المتعفن الذي لا يستساغ طعمه فإنَّ الخلافة تشوبها المكاره والمصاعب والمتاعب (ولقمة يغص بها آكلها) معنى [غص] بالشيء، بقي في حلقه فلم يتمكن من بلعه (ومجتني الثمرة) من [اجتنى] بمعنى قطف الغير وقت إيناعها قبل بلوغها النضج والكمال (كالزارع بغير أرضه) الذي لا يحصل شيئاً من ثمره.

2) (فإن أقل) إن الخلافة لي وأنتم غاصبون لها (يقولوا حرص على الملك) بأن يسيطر ويتسلط على الملك والمنصب (جزع من الموت) وخاف أنه إذا طلب حقه وقامت المحاربة، قتل في سبيل ذلك (هيهات) أي شتان بين هذه المزاعم وبين الواقع (بعد اللتيا والتي) أي تلك المزعمة الأولى والمزعمة الثانية أي بعد التجاوز عن هذين الكلامين الباطلين، واللتيا مصغر التي، وتصغيرها شاذ (أنس بالموت) أي أكثر إنساً بأن يموت (من الطفل بثدي أمه) (اندمجت) أي انطريت واشتملت (على مكنون علم) هو ما أعلم من نتائج الأمور وعواقبها (لو بحت به) من باح بسره إذا أظهره (اضطراب الارشية) جمع رشاء بمعنى الحبل (في الطوى) جمع طوية وهي البئر (البعيدة) أي العميقة.

3) (واللّه لا أكون كالضبع) هو حيوان من السبع كل الأموات إذا وجدها تنام على طول اللدم اللدم هو الضرب بشيء ثقيل يسمع صوته (طالبها) الذي يريد صيدها (ويختلها) الختل الخديعة (راصدها) أي الصائد الذي رصدها.

4) (ولكني اضطرب بالمقبل إلى الحق) الذي يبغي (المدبر عنه أي عن الحق، وهو من خالف الإمام حتى يأتي علي يومي) أي مماتي.

عَنْ حَقِّي، مُسْتَأْثِراً عَلَيَّ، مُنْذُ قَبَضَ اللّه نَبِيَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حَتَّى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا (1).

وَمِن خُطبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يذم فيها أتباع الشيطان

اتَّخَذُوا الشَّيْطَان لأمْرِهِمْ مِلاكاً، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وَفَرَّخَ في صُدُورِهِمْ، ودبَّ وَدَرَجَ في حُجُورِهِمْ، فَنَظَر بِأَعْيُنِهِمْ، وَنَطقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ (2)فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الْخَطَلَ فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ فِي سُلْطَانِهِ، وَنَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ (3)!

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك الكلام

يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ، وَلَمْ يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْبَيْعَةِ، وَادَّعَى الْوَلِيجَةَ. فَلْيَأْتِ عَلَيها بِأمْرِ يُعْرَفُ، وَإِلا فَلْيَدْخُلْ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ (4).


1) (فواللّه مازلت مدفوعاً عن حقي) أي دفعني الناس عن الحق الذي هو لي (مستأثراً علي) أي أن الناس استأثروا واستبدوا بحقوقي على ضرري.

2) (ملاكاً) الملاك قوام الشيء الذي يملك به، ويعني أن قوام أمرهم إطاعة الشيطان (أشراكا) جمع شرك وهو ما يصاد به فهم آلة الشيطان في الإضلال إذ بسببهم يضل سائر الناس (فباض وفرخ في صدورهم) هذا كناية عن استيطان الشيطان لقلوب هؤلاء (ودب) أي تحرك (ودرج) أي مشى (في حجورهم) جمع حجر، وهو الحصن (فنظر بأعينهم) كناية عن أن نظر هؤلاء إلى المحارم والشرور إذ نظر الشيطان إليهما، فقد اتحد بهم وامتزج معهم (ونطق بالسنتهم) فكلامهم كلام الشيطان.

3) (فركب بهم الزلل) أي أن الشيطان أوقفهم في مواقف الزلة حتى زلوا ولم يثبتوا (وزين لهم الخطل) هو أقبح الخطأ (شركه الشيطان في سلطانه) صار شريكاً لهم في سلطتهم على الأمور (ونطق بالباطل على لسانه) فلسانهم يتكلم لكن بإيحاء من الشيطان وإلقاء منه إليهم.

4) (أنه قد بايع بيده ولم يبايع بقلبه) فكان في البيعة مكرهاً غير راض (وادعى الوليجة) الدخيلة في الأمر، إدعاء، والمقر مأخوذ بإقراره ما لم يثبت بحجة واضحة خلاف الإقرار (فليأت عليها) أي على الوليجة التي ادعاها (بأمر يعرف) أي بحجة واضحة معروفة (وإلا فليدخل فيما خرج منه) من طاعتي وتسليم الأمر إلي.

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصف أصحاب الجمل وأنهم أصحاب قول لا أصحاب عمل

وَقَدْ أَرْعَدُوا وَأَبْرَقُوا، وَمَعَ هَذَيْنِ الأَمْرينِ الْفَشَلُ، وَلَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ، وَلا نُسِيلُ حَتَّى نُمْطَرَ (1).

وَمِنْ خُطبةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم الشيطان ووعيده لقوم

أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَرَجِلَهُ، وَإِنَّ مَعِي لَبَصيرَتي : مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي، وَلَا لُبْسَ عَلَيَّ (2). وَايْمُ اللّه لأفْرِطَنَ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ لَا يَصْدِرُونَ عَنْهُ، وَلا يَعُودُون إِلَيْهِ (3).

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابنه محمد ابن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل

تَزُولُ الْجِبَالُ وَلَا تَزُلْ عَضَّ عَلَى نَاجِدَكَ أمر اللّه جُمْجُمَتَكَ. يذ في


1) (وقد أرعدوا وأبرقوا) شبههم (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالسحاب الذي يرعد ويبرق الماعا إلى المطر فإنَّهم كانوا يقولون ويسبون ويظهرون الشجاعة والبسالة (الفشل) فقد اعتزل الزبير الحرب وطلحة قتل بدون محاربة معلومة (ولسنا نرعد) بأن نقول ونهرج (حتى نوقع) بالعدو ونوسع فيهم القتل والضرب (ولا نسيل) بالكلام (حتى نمطر) أي نظهر العمل فإننا نجري الأمور لا الأقوال.

2) (الا) حرف تنبيه، أي ليتنبه السامع (وإنّ الشيطان قد جمع حزبه) المراد بالشيطان إما حقيقة أو كناية عن شخص وقد ذكروا أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطبها بمناسبة حركة طلحة والزبير (واستجلب) أي طلب (خيله ورجله) أي فرسانه ورجالاته (وإن معي لبصيرتي) عرفاني بالأمور (ما لبست على نفسي) التلبيس الإشتباه أي لم أسبب الإشتباه على نفسي حتى لا أدري هل أنا على الحق أم لا (ولا لبس عليَّ) بأن شكك لي مشكك فشككت.

3) (وأيم اللّه) أي قسماً باللّه (لأفرطن) يقال أفرطه إذا ملأه حتى فاض (ماتحه) يقال متح الماء إذا نزح الماء، والمعنى أني أهيئ لهم الجيش الجم الذي أنا متوليه بحيث (لا يصدرون عنه) أي لا يخرجون عن الماء - كناية عن أنهم يقتلون فلا ينجون بسلامة – (ولا يعودون إليه) إذ لو ماتوا لا يتمكنون من الذهاب والإياب.

الأَرْضِ قَدَمَكَ ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ، وَغُضَّ بَصَركَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللّه سُبْحَانَهُ (1).

وَمِنْ كَلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أظفره اللّه بأصحاب الجمل

لما أظفره اللّه بأصحاب الجمل، وقد قال له بعض أصحابه: وددت أن أخي فلاناً كان شاهداً ليرى ما نصرك اللّه به على أعدائك

فَقَالَ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَهَوَى أَخِيكَ مَعَنَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ؟ قَالَ : فَقَدْ شَهِدَنَا، وَلَقَدْ شَهِدَنَا في عَسْكَرِنَا هذَا أَقْوَامُ في أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، سَيَرْعَفُ بِهِمُ الزَّمَانُ، ويَقْوَى بِهِمُ الإيمَانُ (2).

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم أهل البصرة بعد وقعة الجمل

كُنتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ، رَغَا فَأَجَبْتُمْ، وَعُقِرَ فَهَرَبْتُمْ. أَخْلاتُكُمْ دِقَاقٌ،


1) (عض على ناجذك) النواجذ أقصى الأضراس، وإذا عض الإنسان على أسنانه اشتدت أعصاب رأسه فكان أكثر عزيمة واشد شكيمة (أعر اللّه) من (أعار يعير) أي أبذل بنحو العارية للّه (جمجمتك) أي رأسك فإنه سبحانه يأخذه هنا ويعطيك هناك. ومعنى هذا أن يصمم للقتل (تد) أثبت الوتد في الجدار ونحوه (في الأرض قدمك) أي اجعلها كالوتد حتى إذا جاءت كتيبة لا تنهزم ارم ببصرك أقصى القوم أي انظر إلى آخر معسكر الأعداء حتى تجد في نفسك العزم على مقاتلة الجمع الكثير (وغض بصرك) أي بعد أن نظرت إلى آخر القوم أرم بصرك على الأرض لئلا يهولنك السيوف والرماح المشرعة نحوك.

2) (فقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ): أهوى أخيك معنا) ؟ أي هل ميله ورغبته معنا، وأنه يحبنا ويكره أعداءنا ؟ (فقد شهدنا) فإنَّه شريك معنا في الأجر (ولقد شهدنا في عسكرنا) أي كان كالحاضر معنا (وأقوام في أصلاب الرجال) جمع صلب وهو عظم الظهر موضع المني (وأرحام النساء) المراد بهم الأجنة (سيرعف بهم الزمان) أي يخرجهم الزمان إلى الوجود وأصل الرعاف الدم الذي يخرج من الأنف، فكأن الزمان يرعف ورعافه أولئك المشاركون معنا.

وَعَهْدُكُمْ شِقَاقٌ، وَدِينُكُمْ نِفَاقٌ، وَمَاؤُكُمْ زُعَاقٌ (1)وَالْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنْ بَذَنْبِهِ، وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكَ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ. كَأَنِّي بِمَسْجِدكُمْ كَجُوجُوِ سَفِينَةٍ. قَدْ بَعَثَ اللّه عَلَيْها الْعَذَابَ مِنْ فَوْقِها وَمِنْ تَحْتِها (2)، وَغَرقَ مَنْ فِي ضِمْنِها.

وفي رواية : وَأَيْمُ اللّه لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنَّي أَنْظُرُ إِلى مَسْجِدِهَا تَجُوجُوِ سَفِينَةٍ، أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ.

وفي رواية : كَجُوجُوِ طَيْرِ في لُجَّةِ بَحْرٍ (3).

وفي رواية أخرى : بِلادُكُمْ أَنْتَنُ بِلادِ اللّه تُربةً: أَقْرَبُها مِنَ الْمَاءِ، وَأَبْعَدُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَبِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الشَّرِّ الْمُحْتَبَسُ فِيهَا بِذَنْبِهِ، وَالْخَارِجُ بِعَفْوِ اللّه (4). كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ قَدْ طَبَّقَهَا الْمَاءُ، حَتَّى


1) (المرأة) يعني عائشة (وأتباع البهيمة) يعني الجمل (رغا) وهو صوته (وعقر) أي قطعت أرجله وجرح (أخلاقكم دقاق) جمع دقيق وهو الدنيء إذ الشيء الدقيق لا يستقر على حال، ولا يتحمل مختلف الأشياء (وعهدكم شقاق) عهدكم مخالفة ومشاقة (ودينكم نفاق) تظهرون هنا وجهاً وهناك وجهاً، (وماؤكم زعاق) أي مالح والماء المالح يؤثر في أخلاق الإنسان حرافة وتعنتاً.

2) (والمقيم بين أظهركم) جمع ظهر، والمعنى في وسطكم (مرتهن بذنبه) أي أنه ملازم للذنب (والشاخص عنكم) أي المسافر عن بلادهم إلى غيرها (متدارك برحمة من ربه) قد أدركته الرحمة ولذا وفق للفرار منهم ومن بلدهم (كأني بمسجدكم) وهو مسجد كبير بين (البصرة) الحالية (والزبير) ربما قدّر بمائة ألف متر (كجؤجؤ سفينة) وهو صدرها الظاهر للأبصار من.بعيد من فوقها أي الطرف الأعلى منها (ومن تحتها) أي من الطرف الأسفل منها قالوا وقد غرقت البصرة مرتين في أيام القادر باللّه ومرة في أيام القائم بأمر اللّه كما أخبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3) (وأيم اللّه) أي قسماً باللّه فإنَّ [أيم] بمعنى القسم (نعامة جاثمة) أي واقعة على وجه الأرض، فإنَّ شرفات المسجد لعلوها لم يغمرها الماء بل بقيت ظاهرة (في لجة بحر) أي في وسطه، فإنَّ الإنسان يرى الطير الرابض على ماء البحر والذي يملأ عين الإنسان منه هو الصدر منه.

4) (أنتن بلاد اللّه تربة) لكثرة البخار المتصاعد من المياه الموجب للرطوبة والعفونة (أقربها من الماء) لانخفاض مستواها حتى أنها قريبة من مستوى المياه الداخلية وسطح البحر (وأبعدها من السماء) أي من الرحمة، والمراد [الهواء النقي] أنَّ الأرض كلما كانت أرفع كانت أقرب إلى الهواء النقي الذي لم تشبه الأبخرة والعفونات (تسعة أعشار الشر) هذا عدد يقال للمبالغة، لا للحصر الحقيقي والمعنى أن فيها شر كثير (المحتبس فيها) أي الباقي - وقد شبهه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمحبوس، لأنها مثل الحبس في رداءتها (بذنبه) مرتهن بذنبه وحذف [مرتهن] لدلالة الكلام عليه (والخارج بعفو اللّه) فإنَّ بقاءَهُ هناك الموجب لتخلقه بأخلاقهم معصية تحتاج إلى عفو اللّه سبحانه للخلاص منها.

مَا يُرَى مِنْهَا إِلا شُرَفُ الْمَسْجِدِ، كَانَّهُ جُوجُو طَيْرِ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ (1)!

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مثل ذلك

أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَاء بَعِيدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. خَفَّتْ عُقُولُكُمْ، وَسَفِهَتْ حُلُومُكُمْ، فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِلٍ، وَأُكْلَةٌ لَآكِلِ، وَفَرِيسَةٌ لِصَائِل (2).

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان

وَاللّه لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزوّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الإِمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ، فَإِنَّ في الْعَدْلِ سَعَةٌ، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ (3)!

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما بويع في المدينة

ذِمَّتي بِمَا أَقولُ رَهِينَةٌ، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ، إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ الْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ


1) (كأني أنظر إلى قريتكم هذه) والقرية تطلق في مقابل الصحراء، وإن كانت بلدة كبيرة (قد طبقها الماء) أي شملها (إلا شرف المسجد) جمع شرفة وهي ما يبنى في أعالي جدار المسجد للزينة.

2) (قريبة من الماء) لانخفاض مستواها (بعيدة من السماء) أي الرحمة أو الهواء النقي (خفت عقولكم) تشبيه للعقل بالشيء الخفيف الذي يحركه هبوب الرياح (وسفهت حلومكم) أي أنكم سفهاء لا كمال لعقولكم (فأنتم غرض لنابل) الغرض هو الشيء الذي ينصب ليرمى بالسهام والنابل الضارب بالنبل وهو السهم (وأكلة لأكل) يعني أنكم لا حصانة لكم، حتى أن كل أحد يطمع في أكلكم كلقمة سائغة (وفريسة لصائل) أي من صال من السباع والفريسة هو الحيوان الصغير الضعيف الذي يفترسه السباع وصال بمعنى هاجم ووثب بقوة

3) (واللّه لو وجدته) أي وجدت المال الذي اقطعه عثمان (فإن في العدل سعة) العدل يسع الكل، ولا يوجب التخصيص ببعض دون بعض - كما في الظلم – (ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق) الإنسان إنما يفر من العدل خوفاً أن لا يرضى به أهل المطامع والمطامح، فإذا جار هذا الإنسان إرضاء لرغبة أولئك كان الناقمون عليه أكثر، ويكون هو في ضيق أشد.

مِنَ الْمَثُلاتِ، حَجَزَتْهُ التَّقْوَى عَنْ تقَحْمِ الشُّبُهَاتِ (1)، أَلَا وَإِنَّ بَلِيَّتِكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْتَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللّه نَبِيكُم (صَلى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (2). وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبلُنَّ بَلْبَلَةٌ، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ، وَأَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ (3)، وَلَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا، وَلَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا وَاللّه مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً، وَلا كَذَبْتُ كِذْبَةٌ، وَلَقَدْ نُبِّثْتُ بَهَذَا الْمَقَامِ وَهَذَا الْيَوْمِ (4)أَلَا وَإِنَّ الْخُطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُها، وَخُلِعَتْ لُجُمُهَا، فَتَقَعَّمَتْ بِهِمْ في النَّارِ، أَلَا وَإِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُل (5)، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا،


1) (ذمتي بما أقول رهينة الذمة) هي النفس الملتزمة بشيء، أي أن نفسي مرتهنة بصحة ما أقول (زعيم) أي كفيل بصدق ما أقول (أنّ من صرّحت له العبر) جمع عبرة، وهي الموعظة ومعنى تصريح العبرة دلالتها على النتيجة عما بين يديه من المثلات) بمعنى العقوبات. أي أن العبر تكشف عن العقوبات التي تقدمت ومعنى بين يديه ما تقدم على زمانه كانه أمامه (حجزته التقوى) أي منعته تقواه - واتقاؤه عن العذاب – (عن تقحم الشبهات) الشبهة هي ما يشتبه حاله، فلا يدري أحل هو أم محرم، والتقحم الدخول بلا رؤية.

2) (الا) فليتنبه السامع (وإن بليتكم) أي ابتلاؤكم واختباركم (قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيكم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) فكما بعث النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لو كان موجباً للامتحان العظيم ليظهر المؤمن والكافر والمنافق كذلك أخذ الإمام بالزمام أوجب امتحان الناس، وان أيهم يتبع الحق وأيهم يتبع الباطل.

3) (والذي) أي قسماً باللّه الذي (لتبلبلن بلبلة) يقال بلبلت الألسن بمعنى اختلطت أي يخلط بعضكم بعضاً ولتغربلن غربلة هي نخل الدقيق في الغربال، كأنهم في الأحداث الآتية ينخلون فيبقى القوي الإيمان (ولتساطن سوط القدر) السوط تحريك ما في القدر بألة ونحوها، يعني تكونون هكذا (حتى يعود أسفلكم) جاهاً ورتبة وديناً (أعلاكم) لما فيه من الجوهر الكامن الذي يرتفع عند الأحداث (وأعلاكم أسفلكم) لما فيه من الضعف الموجب لسقوطه في الفتن.

4) (وليسبقن) إلى الجهاد والخير والفضيلة (واللّه ما كتمت وشمة) هي الكلمة، أي لم اكتم شيئاً من الحق (ولقد نبئت) أي أخبرت، والمخبر له هو الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بهذا المقام الذي اقوم فيه لبيعتكم (وهذا اليوم) الذي تبايعونني فيه.

5) (الا) فليتنبه السامع (وإن الخطايا) جمع خطيئة وهي المعصية سميت بها، لأن الإنسان يأتي بها خطاء وإلا فالعاقل لا يفعل ما يضره (خيل شمس) جمع شموس، وهي الفرس التي تمنع ظهرها عن الركوب، وتقتحم في المهالك (حمل عليها) أي على تلك الخيل - وهو اسم جنس - (اهلها) أي أهل الخطايا والذنوب، تشبيه للمذنب براكب الفرس الشموس التي لا يأمن الإنسان منها وخلعت لجمها أي أفلتت من يد الراكب لجامها الحافظ لها عن تقحم المهالك (فتقحمت بهم في النار) أي أدخلتهم فيها (ألا وإن التقوى) المراد ب- [التقوى] الجنس ولذا وصف بالجمع بقوله (مطايا) جمع [مطية ] وهي المركوب، فإنَّ التقوى تمنع الإنسان عن المهالك، بعكس الخطايا فإنَّها توردها في المهالك.

وَأَعْطُوا أَزِمَّتَهَا، فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ. حقٌّ وباطل، وَلِكُلِّ أَهْلٌ، فَلَكِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَديماً فَعَلَ، وَلَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ فَلَرُبَّما وَلَعَلَّ، وَلَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ (1)!

وَمِنْ هَذِهِ الخُطْبَةِ

شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ أَمَامَهُ سَاعَ سَريع نجا، وَطَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا، وَمُقَصِّرُ في النَّارِ هَوَى (2). الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ، عَلَيْهَا باقي الْكِتَابِ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ، وَمِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ وَإِلَيْهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ. هَلَكَ مَنِ ادَّعى، وَخَابَ مَنِ افْتَرَى (3). مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ.


1) (وأعطوا أزمتها) جمع زمام (فأوردتهم الجنة) في سير مريح، وهذا تحريض على اجتناب المعاصي والآثام والتزام التقوى في الأمور (حق وباطل) فإنَّ اللّه سبحانه حيث جعل الدنيا دار اختبار اسلس قياد كل من الحق والباطل ليختبر فيها الناس (ولكل أهل) فبعض يختار الحق وبعض يختار الباطل (فلئن أمر الباطل) أي تسنم مقام القيادة والأمر والنهي (لقديما فعل) أي فعل الباطل قديماً ذلك حيث كان الباطل من قديم الزمان يأخذ بزمام الأمر والنهي (ولئن قل الحق) أي أتباعه (فلربما) يغلب الباطل مع قلته (ولعل) يأتي يوم يغلب الحق الباطل (ولقلما أدبر شيء فأقبل) هذا استبعاد منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يعود الحق إلى نصابه كما كان فإنَّ الشيء إذا أدبر كان بسبب ذهاب مقوماته، ومع ذهاب المقومات لا يعود كما كان، وكان هذا إشارة إلى ما وقع فعلاً من عدم رجوع الناس إلى سنة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

2) من جملة هذه الخطبة تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام : (شغل من الجنة والنار أمامه) الإنسان الذي يعلم بأن أمامه الجنة أو النار، يشتغل بذلك عن غيره، فلا بد وأن يعمل ليل نهار لتحصيل الجنة والابتعاد عن النار (ساع سريع نجا) أي أسرع في السير إلى رضوان اللّه سبحانه نجا بنفسه وفاز بالجنة (وطالب) لرضوان اللّه وجناته (بطيء) في سيره فمرة يعمل بالخير ومرة بالشر (رجا) أي رجاء الثواب والجنان (ومقصر في النار هوى) أي سقط لأنه لم يعمل بالواجب ولم يترك المحرم.

3) (اليمين والشمال مضلة) أي أن ما زاغ عن جادة الشريعة نحو الإفراط أو التفريط، ضلال وانحراف عن الحق كالطرفين في الطريق إذا سلكهما الإنسان ضل وحاد عن الجادة الموصلة (والطريق الوسطى) صفة الطريق، لأنها مؤنث ساعي (هي الجادة) الموصلة إلى الهدف (باقي الكتاب وآثار النبوة) أي الكتاب الباقي، وأثر الأنبياء (ومنها) أي من الطريق الوسطى (منفذ السّنة) أي أن سنة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تنفذ وتسير من الجادة وتصل للهدف، فالسائر في الجادة سائر على منهاج السنة (وإليها) أي إلى الجادة (مصير العاقبة) أي أن العاقبة المحمودة للإنسان تصير إلى الجادة، أما من كانت عاقبته سيئة فإنه يخالف الجادة حتى يصل إلى تلك العاقبة السيئة (هلك من ادعى) أنه على الحق وهو يسير في اليمين والشمال (وخاب من افترى) أي خسر وكذب بنسبة اليمين والشمال إلى اللّه سبحانه، كأهل الأهواء الباطلة الذين ينسبون أعمالهم المنحرفة إلى اللّه سبحانه ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وَكَفَى بِالِمَرْءِ جَهْلاً أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ. لَا يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلِ، وَلَا يَظْمَأ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْم فَاسْتَتِرُوا بِبُيُوتِكُمْ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ وَلَا يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلا رَبَّهُ، وَلَا يَكُمْ لَائِمٌ إِلا نَفْسَهُ (1).

وَمِنْ كَلامَ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل

إِنْ أَبْغَضَ الْخَلائِقِ إِلَى اللّه رَجُلانِ : رَجُلٌ وَكَلَهُ اللّه إِلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، مَشْغُوفٌ بِكَلام بِدْعَةٍ، وَدُعَاءِ ضَلَالَةٍ (2)، فَهُوَ فِتْنَةٌ لمن افْتَتَنَ بِهِ ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، مُضِلَّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ، رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ (3)، وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً، مُوضِع فِي


1) (من أبدى صفحته للحق) أي من بارز الحق صريحاً، فإنَّ العدو يبدي صفحة وجهه لعدوه (هلك) لان الحق يحطمه ويهلكه وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره إذا لم يعرف الإنسان قدر نفسه أضاعها أو الحق بها الشقاوة في الدنيا والآخرة، وأي جهل أعظم من هذا الجهل الموجب لخسارة الدنيا والآخرة (لا يهلك على التقوى سنخ أصل) السنخ النبت، أي أن أصل نبات الإنسان لا يهلك إذا كان مقترنا بالتقوى ولا يظمأ عليها أي لا يعطش إذا كان مقترناً بالتقوى (زرع قوم) فالأعمال الخيرية إذا كانت بدون تقوى صاحبها عطشت عطشاً يوجب فسادها (فاستتروا ببيوتكم) أي الزموا البيوت، ولا تعرضوا أنفسكم لمقابلة الحق (وأصلحوا ذات بينكم) فكأن الصلة شيء بين الطرفين، إذا صارت بينهما منافرة، فسدت، وإصلاحها إرجاعها إلى نصابها الصالح الموجب للسعادة والألفة والتوبة من ورائكم تتمكنون من الاتصال بها (ولا يحمد حامد إلا ربه) إذ جميع النعم منه تعالى (ولا يلم لائم إلا نفسه) والمراد لزوم اشتغال كل إنسان بعيوب نفسه عن عيوب الآخرين.

2) (الخلائق) جمع خليقة (رجلان) أي صنفان من الرجال (رجل وكله اللّه إلى نفسه) إذا رأى الهدى فلم يتبعه تركه سبحانه وشأنه ولا يلطف به الألطاف الخفية الموجبة لعونه ومدده وكأن المراد بهذا الصنف الحكام الجائرون فهو جائر أي مائل (عن قصد السبيل) أي وسط الطريق الموصل إلى الهدف مشغوف بكلام (بدعة أي مولع به (ودعاء ضلالة) فهو يتكلم بما هو بدع - أي جديد - في الدين ويدعو الناس إلى الضلالة.

3) (فهو فتنة) أي موجب لامتحان والفتنة هي ما توجب تحريف الإنسان عن جادة الهدى إلى الضلالة (ضال عن هدى من كان قبله) لم يسر على طريق من قبله من الصالحين (حمّال خطايا غيره) أي أنه كثير الحمل لخطايا الذين اتبعوه، [فإن من سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة] (رهن بخطيئته) أي أنه مرتهن بعصيانه، معاقب عليه.

جُهَّالِ الأُمَّةِ. عَادٍ في أغْبَاش الفِتنةِ، عَمِ بِمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ، بَكرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ، مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ ممّا كَثُرَ (1)، حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مَنْ آجِنٍ وَاكْتَنَزَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ، جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً، ضَامِناً لِتَخْلِيصٍ مَا الْتَبسَ عَلَى غَيْرِهِ (2)، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى المُبْهَمَاتِ هَيَّاً لَهَا حَشْواً رَتْاً مِنْ رَأْيِهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ في مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ : لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ (3). جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالَاتٍ، عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ لَمْ يَعَضُّ عَلَى الْعِلْمِ بَضِرْسٍ قَاطِعِ يُدْري الرِّوَايَاتِ إِذْرَاءَ الرِّيحِ لْهَشِيم لَا مَلِيءٌ - وَاللّه - بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَلَا هو أَهل لما فُوِّضَ


1) (ورجل) هو الصنف الثاني، وهم العلماء الضالون المضلون (قمش) أي جمع - وأصل القمش جمع التفرق - (جهلاً) فمثلاً قال بعدم عدالة اللّه كما يقول الأشعري ولعدم حشر الأجساد كما يقول الفلاسفة غير المتألهين وهكذا فما جمعه إنما هو جهل، لا علم (موضع في جهال الأمة) أي مسرع بالإفساد في جهال الناس، فإنَّهم هم الذين يفسدون بفساده (عاد) أي مسرع (في أغباش الفتنة) جمع [غبش] بالتحريك، بمعنى الظلمة، أي أنه يسرع في ظلمات الفتن (عم) صفة مشتقة من [العمى ] (بما في عقد الهدنة) بالهدنة والمسالمة بين الناس - التي يعقدها العقلاء - ذات منافع جمة ومثل هذا الشخص جاهل بما فيه من المصالح، ولذا يسعى للاضطراب والفتن (قد سماه اشباه الناس) الذين هم في صورة الناس، وليس لهم حقيقة الإنسانية لعدم انطوائهم على العلوم والمعارف (بكر) أي أصبح (فاستكثر من جمع ما قل منه خير ممّا كثر) يأتي كل صباح ليحفظ ويتلقى دروساً من الأضاليل والأباطيل.

2) (حتى إذا ارتوى) أي امتلا كالعطشان الذي يرتوي من الماء (من أجن) هو الماء المتعفن المتغير طعمه ولونه (واكتنز) أي جمع في نفسه ما عده كنزاً من العلوم (من غير طائل) أي بدون فائدة لأنه شيء خسيس حقير، فقد جمع أقوالاً فارغة وأدلة وهمية وأحاديث موضوعة وما أشبه ذلك (جلس بين الناس قاضياً) ليقضي بينهم في أمور الحلال والحرام والدعاوي والمرافعات (ضامناً لتخليص ما التبس على غيره) فإنَّ الذي يجلس مجلس القضاء والإفتاء كان إظهار الضمان لذلك، ومعنى (تخليص ما التبس) أنه يظهر الحق، ويخلصه من بين المشتبهات والمحتملات.

3) (فإن نزلت به إحدى المبهمات) أي جاءته إحدى القضايا المبهمة المشكلة (هيا لها حشواً) أي كلاماً زائداً فارغاً (رثا) بالياً ضد الجديد (ثم قطع به) جعله المطلب المقطوع به المصيب لكبد الحقيقة من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت) يعني أنه شاك في نفسه لا يعلم أن حكمه صحيح أو باطل.

إليه (1). لَا يَحْسَبُ الْعِلْمَ في شَيْءٍ ممّا أَنْكَرَهُ، وَلَا يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ فَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وَتَعِجُ مِنْهُ المَوَارِيتُ (2)إِلَى اللّه أَشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعيشُونَ جُهَّالاً وَيَمُوتُونَ ضُلالاً، لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةُ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاوَتِهِ وَلَا سِلْعَةٌ أنفِقُ بَيْعاً وَلَا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ المَعْرُوفِ، وَلَا أَعَرَفُ مِنَ المُنْكَرِ (3).


1) خباط جهالات يقال [خبط] أي سار في الليل على غير هدى، أي أنه يسير في الجهالات بدون دليل ومرشد (عاش) هو الذي ضعف بصره حتى لا يميز بين الأمور وإنما يرى الأشباح ركاب عشوات جمع عشوة، وهي ركوب الأمر على غير هدى، أي أنه يركب الأمور ويفتي بها بدون هداية ودليل (لم يعض على العلم بضرس قاطع) إنَّ الإنسان إذا أراد اختيار عود أنه ليّن أو صعب، عض عليه فيعرف حقيقته، والجازم في الأمور العالم بها كذلك بخلاف الجاهل الذي لا يدري حقيقة الأشياء (يَذري الروايات) أي يطرحها (إذراء الريح الهشيم) الهشيم ما يبس من النبت وتفتت (لا ملئ) الملي هو الذي يحسن القضاء ويجيده وهذا الناصب نفسه للقضاء ليس مجيداً له (بإصدار ما ورد عليه) أي بأن يحكم في القضية بما هو الحق، حتى تصدر القضية عنه وقد بلغت نصابه من الحق وأعطيت حقها من الفصل والحكم (ولا هو أهل لما فوض إليه) أي للقضاء الذي فوّضه الخليفة إليه.

2) (لا يحسب العلم في شيء ممّا أنكره) أي أنه إذا لم يعرف شيئاً يزعم أنه ليس بعلم، وأن العلم منحصر فيما عرفه (ولا يرى أنّ من وراء ما بلغ مذهباً لغيره) فيزعم أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه وان أظلم عليه أمر اكتتم به بمعنى أنه جهله حتى كأن الأمر في ظلمة فلا يرى يعني أنه إذا لم يعرف شيئاً كتمه وستره (لما يعلم من جهل نفسه) فإنه يظن أن لو أظهر جهله بعدم إطلاعه على المسألة الفلانية تبدّل رأي الناس في كونه عالماً (تصرخ من جور قضائه الدماء) يعني أن الدماء التي يريقها في الحدود والديات التي حكم فيها بغير حق تصرخ إلى اللّه سبحانه للانتقام منه، وهذا كناية عن بطلان أحكامه في الدماء (وتعج منه المواريث) العجيج رفع الصوت أي أن المواريث التي يحكم فيها بغير ما أنزل اللّه ترفع صوتها شاكية إلى اللّه سبحانه بأنه جار فيها وأعطاها غير أهلها.

3) (إلى اللّه اشكو من معشر) أي جماعة، وتسمى الجماعة معشراً، لمعاشرة بعضهم لبعض (يعيشون جهالاً ليس فيهم سلعة) أي متاع (أبور) أي أكثر كساداً (من الكتاب إذا تلي حق تلاوته) أي عمل به كما ينبغي العمل به، وإنما جيء بلفظ [التلاوة] لأنها طريق إلى العمل (من الكتاب) أي القرآن الكريم (إذا حرّف عن مواضعه) أي فسّر بغير معناه (ولا عندهم أنكر) أي أكثر إنكاراً من (المعروف) فإنَّهم ينكرون المعروف لأنه يصادم مصالحهم (ولا أعرف من المنكر) لأنه يوافق مآربهم وأمورهم.

ومن كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم اختلاف العلماء في الفتيا

تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَضِيَّةُ فِي حُكْمِ مِنَ الْأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ، ثُمَّ تَرِدُ تلك الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلافِه، ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْقُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الإمام الَّذِي اسْتَقْضَاهُمْ، فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَميعاً - وَإِلَهُهُمْ وَاحِدًا وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدًا وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ، أَفَأَمَرَهُمُ اللّه - سُبْحَانَهُ - بِالاِخْتِلَافِ فَأَطَاعُوهُ أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ! أَمْ أَنْزَلَ اللّه سُبْحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِثْمَامِهِ! أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ، فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى (1)؟ أَمْ أَنْزَلَ اللّه سُبْحَانَهُ دِيناً تاماً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَنْ تَبْلِيغِهِ وَأَدَائِهِ إليهمْ وَاللّه سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (2)وقال (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(3)، (4)، وَذَكَرَ أَنْ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضَهُ بَعْضاً، وَأَنَّهُ لَا اخْتِلافَ فِيهِ.


1) (عند الإمام الذي استقضاهم) أي طلب منهم أن يكونوا قضاةً (فيصوب آراءهم جميعاً) فإنَّه يحكم بأن كل أولئك مع اختلافهم على صواب وسداد، وهذا هو الفرق بيننا نحن - الشيعة - وبين أهل السنة، فإنا نقول بان حكم اللّه واحد وأن من أصابه فقد أصاب الحق، ومن لم يصبه فقد اخطأ، لكنه معذور إذا لم يقصر في المقدمات بخلاف أهل السنة القائلين بأن المجتهدين المختلفين على صواب كلهم، وإن تناقضوا في الآراء والفتاوى (فأطاعوه) ؟ هذا استفهام إنكاري فإنَّ اللّه لم يأمر إلا بالإتحاد والائتلاف لا بالاختلاف والتعدد في الفتيا (أم نهاهم عنه فعصوه)؟ ولم هذا العصيان بعد النهي؟ (أم أنزل اللّه ديناً ناقصاً فاستعان بهم) أي بهؤلاء القضاة (على إتمامه)؟ بأن يقولوا من عند أنفسهم، ولذا استغنوا عن الكتاب والسنة باجتهاد آرائهم ومعلوم أن الرأي يختلف باختلاف أصحاب الرأي (وعليه أن يرضى) ؟ كما هو حال الشريك مع شريكه إذ كل واحد لا بد وأن ينفذ آراء شريكه، وإلا انفسخت الشركة بينهما.

2) سورة الأنعام 38.

3) سورة النحل: 89.

4) (فقصر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن تبليغه) ولذا فما وصل بيد الناس دين ناقص يحتاج إلى الإتمام، وأداء القضاة بمنزلة المتمم له، ولكن هذا خلاف القرآن الحكيم (ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) أي ما قصرنا في القرآن من أمر يحتاج إليه الناس، وقال تعالى (تبياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) أي بيان كل ما يحتاج الناس من الخطوط العامة لأمور دينهم ودنياهم (و) لا تناقض في القرآن حتى يقول كل صاحب رأي أنا أخذت بطرف منه وجانب ممّا بين فيه ويكون ذلك منشأ الاختلاف.

فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّه لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (1)وَإِنَّ الْقُرآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وباطنه عَمِيقٌ، لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلَا تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ، وَلَا يُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلا بِهِ (2).)### وَمِنْ كَلامٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ قاله للأشعث بن قيس وهو على منبر الكوفة)قاله للأشعث بن قيس وهو على منبر الكوفة يخطب، فمضى في بعض كلامه شيء اعترضه الأشعث فيه، فقال: يا أمير المؤمنين، هذه عليك لا لك، فخفض (عَلَيهِ السَّلَامُ إليه بصره ثم قال:)مَا يُدرِيكَ مَا عَلَي ممّا لي عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللّه وَلَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ! حَائِكَ ابْنُ حَاتِكَ مُنَافِقٌ ابْنُ كَافِرٍ وَاللّه لَقَدْ أَسَرَكَ الْكُفْرُ مَرَّةٌ، والإِسْلامُ أُخْرَى (3فَمَا !)


1) سورة النساء: 82.

2) (أن الكتاب يصدق بعضه بعضاً) لا أنه يناقض بعضه بعضاً (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّه لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرا) فإنَّ أعظم المنكرين لا يمكن أن يؤلف كتاباً في ظرف ثلاث وعشرين سنة، وتطرأ عليه مختلف الأحوال والأطوار العجيبة، ومع ذلك يأتي بالكتاب الذي الفه في أسلوب واحد ونسق واحد بلا اختلاف وتناقض وتهافت (وإن القرآن ظاهره أنيق) حسن معجب بأنواع البلاغة والبيان والأسلوب الحسن والانسجام المدهش، يقال أنقني الشيء أي أعجبني (وباطنه عميق) فلا يدرك أسراره إلا الراسخون في العلم (لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه) فقد أضفى اللّه سبحانه عليه حالة تجدد بحيث كلما طالعه الإنسان وتلاه رآه عجيباً مدهشاً (ولا تكشف الظلمات) أي ظلمات المناهج في الحياة.

3) (ما يدريك ما علي ممّا لي) ؟ إنَّك لم تفهم الكلام حتى تعرف هل أنه في ضرري أو نفعي (عليك لعنة اللّه ولعنة اللاعنين) وقد كان أشعث هذا منافقاً، واشترك - أخيراً - في قتل الإمام في مؤامراته مع ابن ملجم، كما اشتركت ابنته [جعدة] في قتل الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بإسقائه السم الذي بعثه إليها معاوية، واشترك ابنه [محمد] بن الأشعث في قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم عاشوراء، فقد كان من قواد جيش ابن سعد (حائك ابن حائك) أما حقيقة بأن كان هو وأبوه حائكين، فقد كان أهل اليمن يحيكون الأثواب، أو مجازاً يراد به نقصان العقل، فإنَّ الحائك حيث إنه مشتغل بالحياكة طول وقته يجمد فكره على جهة خاصة ولا يتسع أفق عقله، ولذا لا يكون له دقة سائر الناس المطلقة الأفاق، ولذا ورد نقصان عقل الحائك، هذا بالإضافة إلى أن حركات بدن الحائك في حال الحياكة توجب خفة فيه (واللّه لقد أسرك الكفر مرةً) وأسرك (الإسلام أخرى) فقد وقع بين طائفتين من الكفار مقاتلة فغلب الجانب الآخر وأسروا في جملة أسراهم الأشعث، وارتد الأشعث بعد موت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقاتله المسلمون وغلبوا عليه وأسروه إلى أبي بكر ثم عفا عنه.

فَدَاكَ مِنْ وَاحَدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَلَا حَسَبُكَ وَإِنَّ امْرَعاً دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ وَسَاقَ إِلَيْهِمُ الْحَنْفَ، لَحَرِيٌّ أَنْ يَمْقُتَهُ الأَقْرَبُ، وَلَا يَأْمَنَهُ الأَبْعَدُ (1!)### ومن كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ وفيه تخويف الناس من الموت، وترغيبهم للطاعة)فَإِنَّكُمْ لَوْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ، وَسَمِعْتُمُ وَأَطَعْتُمْ، وَلَكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَا يَطْرَحُ الْحِجَابُ! وَلَقَدْ يُصْرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَأَسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ (2، وَبِحَقِّ أَقولُ لَكُمْ: لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ الْعِبَرُ، وَزَجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزدَجَرٌ. وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللّه بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إِلا الْبَشَرُ (3))


1) (فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك) أي لم ينفعك أموالك ولا مزاياك في عدم الأسر، فلقد أسرت مع ما كان لك من الأموال والحسب - كما زعمت (وإنّ امرءاً دل على قومه السيف) أي أرشد السيف إلى قومه ليقتلهم، فإنَّه فتح باب الحصن حتى هجم المسلمون وقتلوا ثمانمائة رجل من قومه، وكان ذلك منه استيثاراً لنفسه وترجيحاً لنجاته على نجاة قوم (وساق إليهم الحتف) هو الموت - واللفظان كناية - (الحري) أي جدير (أن يمقته الأقرب) أي يغضب عليه أقرباؤه وعشيرته (ولا يأمنه الأبعد) إذ من يفعل مع قريبه ذلك، لا يأمن من شره الأباعد الذين ليسوا من قومه وعشيرته.

2) (لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم) أي أبصرتم الأهوال والشدائد التي عاينها الأموات (لجزعتم ووهلتم) هو الخوف والفزع الشديد من [وهل] بمعنى خاف (وسمعتم) كلام اللّه سبحانه (وأطعتم) أوامره (ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا) أي مستور ما شاهدوه من الشدائد (وقريب ما يطرح الحجاب) والمراد بذلك حين موت الإنسان، فإنَّه يرى ما حجب عنه (ولقد بصرتم) أي أراكم الرسول وأُرِيتم الطريق (إن أبصرتم) بمعنى لقد انتفعتم لو أردتم الانتفاع والبصيرة (وأسمعتم) المواعظ والزواجر (إن سمعتم) أي انتفعتم بالمسموعات الدينية إن أردتم الاستماع لها والعمل بها (وهديتم) هداكم الكتاب والسنة (أن اهتديتم) أي إن أردتم الاهتداء وسلوك الطريق المستقيم.

3) (وبحق أقول لكم) أي أن قولي حق مطابق للواقع (لقد جاهرتكم العبر) أي أن المواعظ ظهرت لكم في جهر، بلا خفاء وتستر (وزجرتم) أي منعتم ونهيتم (بما فيه مزدجر) مصدر ميمي أي بالنواهي المحذرة التي تكفي لزجر الإنسان عن المعاصي والآثام (وما يبلغ عن اللّه بعد رسل السماء إلّا البشر) يعني هل تنتظرون أحداً غيري؟ فإن تبليغ الأحكام والمواعظ لا يكون إلا على أيدي الرسل وبعد الرسل يبلغ البشر أحكامه وتخويفاته، وقد بلغتكم وأنذرتكم.

### ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ يزهد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الناس في الدنيا، ويرغبهم في الآخرة)فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ، وَإِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يُنتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ (1.)قال السيد الرضي نعمل (رَحمهُ اللّه :)أقول : إن هذا الكلام لو وزن بعد كلام اللّه سبحانه وبعد كلام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏بكل كلام لمال به راجحاً وبرز عليه سابقاً، وأما قوله [تخففوا تلحقوا] فما سمع كلام أقل منه مسموعاً ولا أكثر منه محصولاً، وما أبعد غورها من كلمة وأنفع نطفتها من حكمة وقد نبهنا في [كتاب الخصائص ] على عظم قدرها وشرف جوهرها.)### ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ فيمن اتهموه بقتل عثمان)ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ (2))أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَّرَ حِرْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ، لِيَعُودَ الْجَوْرُ إلَى أَوْطَائِهِ، وَيَرْجِعَ الْباطِلُ إِلَى نِصْابِهِ. وَاللّه مَا أَنْكَرَوُا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلَا جَعَلوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصِفاً، وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقًّا هُمْ تَرَكُوهُ، وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ (3: فَلَئِنْ)


1) (فإن الغاية أمامكم) الغاية هي الجنة والسعادة وهي أمام الإنسان لأن الإنسان يسير حتى يصل إليها، (وأن وراءكم الساعة تحدوكم) فكان القيامة كالسائق الذي يسوق الإنسان ليوصله إلى غايته ويعبر إلى غايته (تخففوا) أي خففوا من أثقالكم وذنوبكم (تلحقوا) بالغاية المترقبة من السعادة والجنة (فإنما ينتظر بأولكم آخركم) أي أن الأموات الذين ذهبوا قبلكم، إنما هم باقون في البرزخ، ليلحق بهم سائر الناس الآخرون، حتى يذهبوا جميعاً إلى المحشر للحساب والجزاء.

2) قد بلغ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خبر الناكثين لبيعته، فخطب هذه الخطبة، مبيناً أن الناكثين هم مريقو دم عثمان.

3) (قد ذمر حزبه) أي حثهم وخصهم يقال: [ذمر فلاناً بالأمر] أي حثه عليه (واستجلب جلبه) الجلب بمعنى ما يجلب من بلد إلى بلد، يعني أحضر جيشه من هنا وهناك، ليحارب الحق ويلقي الفتن (ليعود الجور) أي الظلم والباطل (إلى أوطانه) أي محاله الأولى التي أزالها الإسلام عنها (ويرجع الباطل إلى نصابه) أي أصله، وقد ظهر صدق كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد انقسم المسلمون بهذه الحركة قسمين، فتفرقوا بعد الإلفة، وتعادوا بعد الحب والوداد، وجاء الباطل يسوق معاوية فأخذ مكان الحق وهكذا (واللّه ما أنكروا) أي هؤلاء الناكثون لبيعتي كطلحة والزبير ومن لف لفهم (علي منكراً) بأني عملت عملاً منكراً (ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً) أي لم يحكموا العدل بيني وبينهم ليعدلوا في الأمر، وإنما جاؤوا بالكذب والمكر وهم يبتغون وراء ذلك رئاسة وسلطة (ليطلبون حقاً هم تركوه) فإنَّهم تركوا عثمان بين الشرار والناقمين عليه ودماً هم سفكوه فقد كانت عائشة وطلحة والزبير يصرون على قتل عثمان ويحرضون الناس حتى أن عائشة كانت تقول [اقتلوا نعثلاً قتله اللّه].

كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصيبَهُمْ مِنْهُ، وَلَئِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي، فَمَا التَّبِعَةُ إِلا عِنْدَهُمْ، وَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ، يَرْتَضِعُونَ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ، وَيحيون بِدْعَةٌ قَدْ أُمِيتَتْ (1. يا خَيْبَةَ الدَّاعِي مَنْ دَعَا وَإِلَامَ أُجِيبَ وَإِنّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللّه عَلَيْهِمْ وَعِلْمِهِ فِيهِمْ. فَإِنْ أَبُوا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ، وَنَاصِراً لِلْحَقِّ وَمِنَ الْعَجَبِ بَعْتُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطَّعَانِ وَأَنْ أَصْبِرَ لِلْجلاد (2)! هَبلَتْهُمُ الْهَبُولُ لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلَا أَرْهَبُ بِالضَّرْبِ ! وَإِنِّي لَعَلَى يَقِينِ مِنْ رَبِّي، وَغَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِيني (3).)


1) (فلئن كنت شريكهم فيه) على الفرض والتقدير (فإن لهم لنصيبهم منه) فلا حق لهم في أن يطالبوني في ما هم شركاء فيه (ولئن كانوا ولوه) أي تولوا قتله وإراقة دمه (دوني) بأن لم أكن شريكا معهم - كما هو الواقع - (فما التبعة إلا عندهم) التبعة ما يتبع الإنسان من الإثم ولوازم السوء من جراء عمله للشيء (وإن أعظم حجتهم) التي يحتجون بها علي - من قتل عثمان - (لعلى أنفسهم) لأنهم هم المحضرون المسببون (يرتضعون أما قد فطمت) أي أنهم يريدون إحياء الجاهلية بعد انقضاء أوانها (ويحيون بدعة قد أميتت) فإن بدع الجاهلية وضلالاتها قد أماتها الإسلام وهؤلاء يريدون إحياءها بشق عصى المسلمين وإلقاء الفتن والتفرقة فيهم.

2) (يا خيبة الداعي) يعني أن الداعي إلى هذه البدعة خائب خاسر (من دعا) ؟ تحقير للداعي، بأنه إنسان لا قيمة له (وإلام اجيب) ؟ يعني الذين أجابوه إلى أي شيء أجابوه؟ وهذا تحقير للمطلب (وإني لراض بحجة اللّه عليهم) أي بما يحتج عليهم يوم القيامة من ما ارتكبوه من الآثام (وعلمه فيهم) فإنَّه سبحانه يعلم ما يفعلون كما هو عالم بنواياهم وسيجازيهم عليها فإن أبوا أي امتنعوا عن الانقياد للحق والرجوع إلى الطاعة (أعطيتهم حد السيف) أي أجبرت على مقاتلتهم بتراً للفساد (وكفى به شافيا من الباطل) إذ الباطل الذي لا يرتفع بالنصح والهداية لا بد وأن يرتفع بالسيف (أن ابرز للطعان) أي استعد يا علي للطعان (وأن أصبر للجلاد) أي المجالدة والمحاربة.

3) (هبلتهم الهبول) هبلتهم أي ثكلتهم، والهبول المرأة الثكلى التي لا يبقى لها ولد، وهذا دعاء عليهم بالموت (لقد كنت وما أهدّد بالحرب) لم يكن يهددني أحد بالحرب، لأنهم يعلمون أني لا أخافها (ولا أرهب بالضرب) لا أخوّف بأن أضرب وأقاتل (وأني لعلى يقين من ربي) المتيقن لا يخاف الموت وغير شبهة من ديني) فأعرف أن الدار الآخرة خير لي من الدنيا.

### ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في وصيته بالقرابة والعشيرة)أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الأَمْرَ يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ كَفَطَرَاتِ الْمَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ، فَإذا رَأَى أَحَدُكُمْ لأَخِيهِ غَفِيرَةٌ فِي أَهْلِ أَوْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ فَلَا تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةٌ (1، فَإِنَّ المرء الْمُسْلِمَ الْبَريء مِنَ الْخِيَانَةِ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةٌ تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ، وَتُغْرَى بِهَا لِقَامُ النَّاسِ، كانَ كَالْفَالِجِ الْبَاسِرِ الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَورَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ، وَيُرْفَعُ بِهَا عَنْهُ الْمَغْرَمُ (2). وَكَذلِكَ الْمَرْءُ المُسْلِمُ الْبَرِيءُ مِنَ الْخِيَانَةِ يَنْتَظِرُ مِنَ اللّه إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِمَّا دَاعِيَ اللّه فَمَا عِنْدَ اللّه خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللّه فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلِ وَمَالٍ وَمَعَهُ دِينُهُ وَحَسَبُهُ، إِنَّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، وَالْعَمَلُ الصَّالِحَ حَرْتُ الآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللّه تَعَالَى لأقْوَامٍ (3)، فَاحْذَرُوا مِنَ اللّه ما حذركم من)


1) (أما بعد) اصله مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة، فقلبت [مهما] [اما] وحذف سائر الكلام وبقيت لفظة [بعد] (فإن الأمر) المراد به الجنس من الآجال والأرزاق، والمناصب، وما أشبه ذلك (ينزل من السماء إلى الأرض) كناية عن أن التقديرات إنما تكون في السماء (فإذا رأى أحدكم لأخيه غفيرة) أي زيادة وكثرة (في أهل أو مال أو نفس) بأن صار له أهل وعشيرة، أو أموال كثيرة، أو أولاد وبنين وحفدة (فلا تكونن له فتنة) امتحاناً، بأن يحسد هذا الإنسان الذي يرى أخيه ويعمل للحط منه.

2) (فإن المرء المسلم البريء من الخيانة) حاصله أن المسلم أرفع من أن يحسد غيره (ما لم يغش دناءة) من [غشي] بمعنى ارتكب وأحاط بالشيء، والدناءة: العمل الدنيء القبيح (تظهر) أي دناءة ظاهرة، في مقابل ما لو غشي دناءة جاهلاً بكونها دناءة (فيخشع لها إذا ذكرت) أي يخاف من ذكرها ويوجل، فإنَّ الإنسان العامل للقبيح يخجل من ذكر عمله ويخشع نفسياً من إفشائه (وتغرى بها لئام الناس) فإنَّ الدناءة يغرّ بها الأدنياء (كالفالج الياسر) الياسر هو المقامر، والفالج بمعنى الظافر (الذي ينتظر أول فورة) أي نجاح من قداحه جمع [قدح] وهو سهم المقامرة، فإنَّهم كانوا يكتبون على السهام أسماء الأنصبة أو أسماء الأشخاص فيجعلون، بعض السهام أعلى من بعض، وبعض السهام فارغة لا نصيب لها (المغنم) أي الغنيمة والفائدة وربح القمار (المغرم) أي الغرامة.

3) (وكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة) فإنَّ العاصي خائن لنفسه ولدينه (ينتظر من اللّه إحدى الحسنيين) أي أحد الأمرين الحسنيين (إما داعي اللّه) أي الموت، الذي يؤتي بسبب داعي اللّه وهو ملك الموت الذي يدعو من قبله سبحانه (وإما رزق اللّه) في الدنيا (حرث الدنيا) أي زرعها الذي يزرعه الإنسان في دار الدنيا ثم يرى حاصل زرعه في الدنيا.

نَفْسِهِ، وَاخْشَوْهُ خَشْيَةٌ لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ، وَاعْمَلُوا في غَيْرِ رِيَاءِ وَلَا سُمْعَةٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللّه يَكِلْهُ اللّه إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ نَسْأَلُ اللّه مَنَازِلَ الشُّهَدَاء، وَمُعَايَشَةَ السُّعَدَاء، وَمُرَافَقَةَ الأنبياء (1.)أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ - وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ - عَنْ عشيرتِهِ، وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَالْسِنَتِهِمْ، وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةٌ مِنْ وَرَائِهِ، وَالَمُهُمْ لِشَعَثهِ، وَأَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ. وَلِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللّه لِلْمَرْءِ في النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُوَرِّثُهُ غَيْرُه (2.)ومنها : أَلَا لَا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَن الْقَرَابَة يَرَى بِهَا الْخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلَا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ، وَمَنْ يَقْبِضُ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عنهم يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ، وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّةَ (3.)


1) (واخشوه خشية ليست بتعذير) أي خشية خالية من الأشياء الموجبة لعذر الإنسان (واعملوا في غير رياء ولا سمعة) فلا يكن إتيانكم بالعمل الصالح لأجل أن يرى الناس عملكم أو يسمعون بما عملتم فيحسنون عملكم (فإنه من يعمل لغير اللّه) أي يأتي بالأعمال الصالحة لكن بدون أن يكون قصده اللّه سبحانه (يكله اللّه إلى من عمل له) أي أن اللّه سبحانه لا يعطيه أجر عمله، وإنما ينبغي أن يطلب ثواب عمله ممن راءى لأجله.

2) (عن عشيرته) أي قبيلته التي جمعهم وإياه أحد الأجداد والقريبين (ودفاعهم عنه) أي لا يستغني عن دفاع العشيرة عنه (بأيديهم والسنتهم) العشيرة تأخذها الحمية نحو قريبهم فهم يدافعون عنه في المشاكل والأزمات (وهم أعظم الناس حيطة) أي إحاطة، كالسور المحيط بالبلد الذي يحفظه من هجوم الأعداء (من ورائه) يحفظونه من مهاجمة الأعداء وهمز الحساد والأنداد (والمهم لشعثه) أي أكثر الناس لما وجمعاً لتفرقه وانتشاره فإنَّ الشعث بمعنى الانتشار، فإنَّ الإنسان باعتبار عرضه وماله وأهله منتشر في الناس فإذا لم يكن له بجمع أمره، نال كل عدو شيئاً منه، (وأعطفهم عليه) أي يميلون إليه (عند نازلة) أي مصيبة لأنها تنزل من السماء، بكونها مقدرة هناك من فقد مال أو جاه أو أهل أو ما أشبه (ولسان الصدق يجعله اللّه للمرء في الناس) سمي لسان الصدق، لأن الإنسان النزيه، إذا مدحه الناس كانوا صادقين في مدحهم له وإذا ذموه كانوا كاذبين (خير له من المال يورثه غيره) معلوم أن الذكر الطيب خير من جمع الإنسان للمال حتى يبقى بعده.

3) (آلا) كلمة تنبيه (لا يعدلن أحدكم عن القرابة) بأن يهمل قريبه ولا يرعاه بالمال والعطف (يرى بها الخصاصة) الخصاصة الفقر، أي إذا رأى بقريبه الفقر (أن يسدها) أي يسد تلك الخصاصة ومعنى سدّها رفعها بالمال (لا يزيده إن أمسكه) فإنَّ أموال الدنيا وسائر شؤونها إذا أمسكها الإنسان لا تزيد الإنسان شيئاً، فإنَّ المقدّر كائن لا محالة (ولا ينقصه إن أهلكه) يعني لو بذل ذلك المال وأهلكه في سبيل قريبه، لا ينقص منه شيء (ومن يقبض يده عن عشيرته) أي لا يساعدهم بالمال والعون (فإنما تقبض منه) أي من هذا الإنسان (عنهم) أي عن العشيرة (يد واحدة) فإنَّ يد الإنسان واحدة لا أكثر (وتقبض منهم) أي من جانب عشيرته (عنه) أي من هذا الإنسان القابض يده (أيد كثيرة) فإنَّ الإنسان إذا لم يساعد الناس كفت كل يد المساعدة عنه وليس من العقل أن يكف الإنسان يده ليخسر أيادٍ كثيرة (ومن تلن حاشيته) بمعنى أن يكون إنساناً ليناً، والحاشية الأطراف تشبيه بالشيء اللين جوانبه (يستدم من قومه المودة) أي يكون بلين الحاشية طالباً لدوام حب قومه له.

وقال السيد الرضي (رَحمهُ اللّه : الغفيرة ههنا الزيادة والكثرة من قولهم للجمع الكثير، الجم الغفير والجماء الغفير، ويروى [عفوة من أهل أو مال] والعفوة الخيار من الشيء يقال : أكلت عفوة الطعام أي خياره وما أحسن المعنى الذي أراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : ومن يقبض يده عن عشيرته إلى تمام الكلام فإنّ الممسك خيره عن عشيرته إنما يمسك نفع يد واحدة فإذا احتاج إلى نصرتهم واضطر إلى مرافدتهم قعدوا عن نصره وتثاقلوا عن صوته، فمنع ترافدهم الأيدي الكثيرة وتناهض الاقدام الجمة.)### ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في الحث على قتال الخوارج)وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الحَقِّ، وَخَابَطَ الْغَيَّ، مِنْ إِدْهَانِ وَلَا إيهَان (1، فَاتَّقُوا اللّه عِبَادَ اللّه، وَفِرُّوا مِنَ اللّه إِلَى اللّه، وَامْضُوا فِي الَّذِي نَهَجَهُ لكُمْ، وَقُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ، فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفَلْحِكُمْ آجِلاً إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلاً (2).)


1) (ولعمري) [اللام] للقسم و [عمري] بمعنى الحياة وبمعنى الدين، أي قسماً بحياتي أو قسماً بديني - والأول أقرب – (ما عليّ من قتال من خالف الحق) أي ليس علي في قتال المخالفين (وخابط الغي) أي داخل الضلال وخالطه (من إدهان) أصله [اندهان] بمعنى المصانعة والمداهنة على جهة الباطل (ولا إيهان) أي الدخول في الوهن إما بمعنى الضعف أو المراد به نصف الليل، فيكون كناية عن التستر والمخاتلة.

2) (عباد اللّه) منادی حذف منه حرف النداء (وفروا من اللّه إلى اللّه) من عذابه إلى رضوانه (وامضوا) أي سيروا (في) أي في الطريق (الذي نهجه لكم) أوضحه من الأحكام والشرائع (وقوموا بما عصبه بكم) أي ربطه وكلفكم بأدائه، فإنَّ الإنسان مربوط بتكاليفه (ضامن لفلجكم) أي ظفركم، فإنَّ الفلج بالمعنى الفوز بالمرغوب فيه (أجلاً إن لم تمنحوه) أي تعطوا الظفر (عاجلاً) سريعاً، في الدنيا.

### وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ عند وصول بسر إلى اليمن)مَا هِي إِلا الْكُوفَةُ، أَقْبِضُهَا وَأَبْسُطُهَا إِنْ لَمْ تَكُوني إِلا أَنْتِ، تَهبُّ أَعَاصِيرُكَ فَقَبَّحَكِ اللّه !وتمثل بقول الشاعر :لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّني ***عَلَى وَضر- مِنْ ذَا الإِناءِ – قَلِيل (1)ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: أُنْبِثْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ، وَإِنِّي وَاللّه لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ في الحَقِّ، وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ وَبِأَدَائِهِمُ الأَمَانَةَ إلَى صَاحِبِهِمْ وَخِيَانَتِكُمْ، وَبِصَلَاحِهِمْ فِي بِلادِهِمْ وَفَسَادِكُمْ (2). فَلَوِ ائتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لخشيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاقَتِهِ، اللّهمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَمَلُّونِي،)


1) (ما هي إلا الكوفة) أي ليس في يدي على نحو التمام والاستقلال إلا مدينة الكوفة (أقبضها وأبسطها) أي هي تحت تصرفي أتصرف فيها كما أشاء (إن لم تكوني) يا كوفة (إلا أنت) تحت تصرفي (تهب أعاصيرك) وهب الأعاصير كناية عن اختلاف الآراء الموجودة في الكوفة (فقبحك اللّه) أي جعلك اللّه قبيحةً، وقد أراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ذلك إظهار ضجره وبيان قلة ما يعتمد عليه من ملكه (الوضر) هو غسالة السقاء والقصعة وبقية الدسم في الإناء، و (عمر أبيك) أي قسما بحياته، (والخير) صفة للأب والمراد أن الذي بقي من الملك ممّا اعتمد عليه، كالوضر الباقي في الإناء الذي هو شيء قليل، في مقابل الإناء الممتلئ بالماء أو الطعام.

2) (بسرا) ابن أرطاة وكان سفاكاً من عملاء معاوية (قد اطلع اليمن) أي بلغها وتمكن منها، وقد فعل بسر باليمن ما تقدم بعضه (وإني واللّه لأظن أن هؤلاء القوم) أي معاوية وأتباعه (سيدالون منكم) أي ستكون لهم الدولة، عوضاً عنكم (باجتماعهم على باطلهم) وهو التمسك بطاعة معاوية (وتفرقكم عن حقكم) فإنَّ أهل الكوفة كانوا متفرقين عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لا يطيعون أوامره (وبمعصيتكم إمامكم) أمير المؤمنين (في الحق) الذي يأمر به (وطاعتهم) أي أصحاب معاوية (إمامهم) معاوية (في الباطل) الذي يأمر به (وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم) فلو أمرهم بشيء أنجزوا ما قال بدون أية خيانة (وخيانتكم) فواحد منكم يشرد وواحد منكم ينهب المال (وبصلاحهم في بلادهم) يحبون بلادهم ويصلحونها ويجلبون إليها الخير (وفسادكم) فإنَّ أهل الكوفة كانوا بالعكس (فلو ائتمنت أحدكم على قعب) القعب القدح الضخم (لخشيت أن يذهب بعلاقته) أي يده.

وَسَئِمْتُهُمْ وَسَئمُونِي، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي (1، اللّهمَّ مُثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاتُ الْمِلْحُ فِي الْماءِ، أَمَا وَاللّه لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فِرَاس مِنْ غَنْمٍ.)هُنَالِكَ، لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ*** فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الْحَمِيم (2)قال الرضي (رَحمهُ اللّه : الأرمية : جمع رمى وهو السحاب والحميم ههنا وقت الصيف وإنما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر لأنه أشد جفولاً وأسرع خفوفاً، لأنه لا ماء فيه وإنما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء، وذلك يكون في اكثر ازمان الشتاء، وإنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا والإغاثة إذا استغيثوا والدليل على ذلك قوله : هنالك لو دعوت أتاك منهم.)### ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في ذم من بايعه بشروط)إِنَّ اللّه بَعَثَ مَحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينِ وَفِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ)


1) (اللّهم إني قد مللتهم وملوني) فالناس لا يستعدون للمداقة، لذا يملهم الحاكم الدقيق ويملونه، أي يحصل لهم منه السام والضجر والملل (وسئمتهم وسئموني) وهي بمعنى الملالة، وكأنها رتبة بعد الملل (فأبدلني بهم خيراً منهم) والمراد الأنبياء والصلحاء في الآخرة (وأبدلهم بي) أي بعوضي (شراً مني) عقوبة لأعمالهم.

2) (اللّهم مث) من [ماث] بمعنى [اذاب] قلوبهم كما يماث الملح في الماء) وذلك كناية عن إزالة القوة والصلابة عنها، فإنّ القلب إذا لم يقو، جرّ الإنسان إلى كل شر، إذ قوة القلب هي مبعث العزة والسعادة وسائر الفضائل (أن لي بكم) أي عوضكم (ألف فارس من بني فراس بن غنم) وهم قبيلة مشهورة بالشجاعة، ومنهم ربيعة حامي الظعن حياً وميتاً ولم يحم الحريم أحد وهو ميت غيره، عرض له فرسان من بني سليم، ومعه ظعائن من أهله يحميهن وحده فرماه أحد الفرسان بسهم أصاب قلبه فنصب رمحه في الأرض واعتمد عليه وأشار إليهن بالمسير فسرن حتى بلغن بيوت الحي وبنو سليم قيام ينظرون إليه لا يتقدم أحد منهم نحوه خوفاً منه حتى رموا فرسه بسهم فوثبت من تحته فسقط وتبين للقوم أنه كان ميتاً منذ أصابه السهم، يعني لو دعوت بني فراس لرفع الضيم أتاك منهم راكبين خيولهم - فإنَّ الفارس الشجاع الراكب للخيل - وهم مثل سحب الصيف في السرعة، فإنَّ [أرمية] جمع [رمي] وهو السحاب سمي به لأنه يرمى به في الهواء، والحميم وقت الصيف من [حم] بمعنى الحرارة.

خُشْنِ، وَحَيّاتٍ صُمٌ (1، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ الأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ (2).)ومنها: أي بعض هذه الخطبةفَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ، وَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجى، وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظم، وَعَلَى أَمَرٌ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ (3.)ومنها : وَلَمْ يُبَايِعُ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يؤتِيهِ عَلَى الْبَيْعَةِ ثَمَناً، فَلَا ظَفِرَتْ يَدُ


1) (نذيراً للعالمين) أي لينذر الناس ويخوفهم من الكفر والمعاصي، والمراد بالعالمين الإنس والجن ومن في الأجرام الأخرى إلى يوم القيامة (وأميناً على التنزيل) أي كان مؤتمناً على القرآن والوحي لا يزيد فيهما ولا ينقص منهما (وأنتم معشر العرب على شر دين) وهو الكفر والشرك فإنَّه شر طريقة (وفي شر دار) إذ كان دارهم - وهي مكة - محلاً للأوثان والأصنام والشرك والفسوق والعصيان (منيخون) من أناخ بالمكان إذا أقام به، وفي بعض النسخ [متنخون] من باب التفعيل على وزن [مصرّفون] وهو المعنى السابق (بين حجارة خشن) جمع خشناء بمعنى الخشونة ضد اللين، وحيث إن المراد بالحجارة الجنس، جيء لها بوصف الجمع (وحيات صم) جمع صماء وهي التي تمشي في طريقها لا تتلوى على شيء.

2) (تشربون الكدر) الذي غَيّره البقاء الطويل، وأمال لونه إلى الكدرة لعدم توفر المياه لديهم، إلا مياه الغدران والآبار والأمطار وما أشبه (وتأكلون الجشب) الطعام الغليظ، أو الذي لا ادام معه (وتسفكون دماءكم) بعضكم يريق دماء بعض (وتقطعون أرحامكم) فلا تواصلونهم بالبر والإحسان (الأصنام فيكم منصوبة) تجعلونها للعبادة والخضوع لها (والآثام) جمع إثم وهو المعصية (بكم معصوبة) أي مشدودة بكم فأنتم ملازمون لها.

3) (فنظرت فإذا ليس لي معين) يعينني لأخذ حقي من الذين جلسوا مجلسي بعد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (إلا أهل بيتي) من أبناء عمومتي وأولادي ومن إليهم (فضننت بهم عن الموت) أصل الضن البخل، والمراد هنا تحفظت عليهم أن لا يموتوا في سبيل أمري، أنا حاربت القوم (واغضيت على القذى) القذى ما يقع في العين من ذرات التراب وما أشبه فيؤذي العين أذية كثيرة، والإغضاء هو الإغماض، وذلك كناية عن شدة تألمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الغاصبين لمكانه (وشربت على الشجي) هو ما يعترض في الحلق من عظم ونحوه ممّا يؤذي الإنسان أذية كبيرة، والشرب عليه أكثر إيذاء، حيث لا بد للإنسان من الشراب (وصبرت على أخذ الكظم) الكظم الحلق أي أني كنت كالشخص الذي اخذ حلقه يخنق من جهة أولئك الذين تقدموا علي، وفي شدة كشدّة الإختناق (وعلى أمر من طعم العلقم) أي الحنظل.

الْبَائِعِ، وَخَزِيَتْ أَمَانَةُ المُبْتَاعِ، فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا وَأَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا، فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا، وَعَلَا سَنَاهَا، وَاسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ، فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلى النَّصْرِ (1.)### وَمِنْ خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ في الحث على الجهاد)أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللّه لِخَاصّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللّه الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِقَةُ (2. فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللّه ثَوْبَ الذُّلّ، وَشَمَلَةَ الْبَلاء، وَدُيّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالأَسْدادِ وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْييعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ (3)أَلَا وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلى قِتَالِ هؤلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً وَنَهَاراً، وَسِرّاً.)


1) (ولم يبايع) عمرو بن العاص معاوية (حتى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمناً) بأن يوليه مصر لو تمت له وخرجت من يد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فلا ظفرت يد البائع) هذا دعاء على البائع وهو معاوية بعدم الظفر والفوز (وخزيت أمانة المبتاع) هو عمرو بن العاص الذي ابتاع ملك مصر بالبيعة لمعاوية، ومعنى خزيت ذلت وسفلت والمراد بالأمانة الدين الذي جعله اللّه أمانة عند الناس (فخذوا للحرب أهبته) أي استعدادها (وأعدوا لها عدتها) أي لوازمها من سلاح ونحوه (فقد شب) أي اشتعل (لظاها) أي نار الحرب واللظى هي النار المشتعلة (وعلا سناها) أي ضوؤها، وهذا كناية عن قرب الحرب (واستشعروا الصبر) أي اجعلوه شعاركم، فإنَّ الإنسان المصمم على الصبر ينجح (فإنه أدعى إلى النصر) أي أكثر دعوة، فإنَّ الإنسان الصابر لا يفر من الميدان بل يصمد مهما كلف الأمر، والصمود سر النجاح.

2) (أما بعد) أصله مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة، فأبدلت [مهما] بـ [أما] وحذفت الجملة وبقي لفظ [بعد] دالاً عليها (فإن الجهاد باب من أبواب الجنة) إذ كما أن باب الدار منفذ إليها، كذلك الجهاد منفذ إلى الجنة (فتحه اللّه لخاصة أوليائه) معنى ذلك أنه لا يوفق للجهاد إلا خواص عباد اللّه الصالحين (وهو لباس التقوى) فكما التقوى تقي الإنسان من المعاصي وتجمله بين الناس لتحليه - بسببها - بالفضائل (ودرع اللّه الحصينة) أي التي تحصن الإنسان وتحفظه عن الآثام والمعاصي، وعن النار والنكال في الآخرة (وجنته) هي [المجن] أو بمعنى وقايته (الوثيقة) التي يوثق بها.

3) (فمن تركه رغبة عنه) أي تنفراً عنه، وذلك لا يكون إلا بعد اجتماع الشرائط (وشملة البلاء) الشملة هي ما يشتمله الإنسان ويلبسه، فإنَّ الأعداء إذا تسلطوا على الإنسان أحاطوا بأنواع البلاء في ماله وعرضه وسائر أموره، حتى كأنه لبس شملة منه (وديث) أي ذل (بالصغار) مقابل الكبر (والقماءة) يقال [قمئ] الرجل على وزن [كرم] أي ذل وأهين (وضرب على قلبه بالأسداد) جمع سد، وهو الحجاب الذي يحول بين الإنسان وبين الحسنات (وأديل الحق منه) أي أخذ انتقام الحق منه، حيث لم ينصره من [دال] بمعنى أخذ الدولة (وسيم الخسف) الخسف الذل والمشقة، وسيم بمعنى كلّف أي كلفه الباطل ما يذله وما يشق عليه (ومنع النصف) بمعنى العدل، أي لم يعدل الأعداء فيه.

وَإعْلاناً، وَقُلْتُ لَكُمُ : اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْزُوكُمْ فَوَاللّه مَا غُزِيَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلا ذَلُّوا فَتَوَاكَلْتُمْ وَتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ الْغَارَاتُ عَلَيْكُمُ وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأَوْطَانُ (1.)وَهذَا أَخُو غَامِدٍ وَقَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الأَنْبَارَ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِي وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحهَا، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَالأُخْرَى المُعَاهَدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلْبَهَا وَقَلَائِدَهَا وَرِعَاثَهَا مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلا بِالاِسْترْجَاعِ وَالاِسْتِرْحَامِ (2. ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ، وَلَا أُريقَ لَهُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ امْرَءاً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْد هذا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بهِ عِنْدي جَديراً (3)، فَيَا عَجَباً ! - واللّه - يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِن اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ القَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقكُمْ عَنْ)


1) (ألا) فلينتبه السامع (وإعلاناً) أي جهاراً (في عقر دارهم) عقر الدار وسطها (إلا ذلوا) فإنَّ الإنسان إذا بقي في داره لم يستعد للقتال، فإذا جاءه جيش مستعد غلب على أهل الدار فأذلهم (فتواكلتم) أي أوكل الأمر بعضكم إلى بعض (وتخاذلتم) أي تنحى كل واحد منكم ناحية (حتى شنت الغارات) جمع غارة، وهي الدفعة من هجوم العدو. وشنّها الهجوم.

2) (وهذا أخو غامد) هو سفيان بن عوف من بني غامد قبيلة من اليمن بعثه معاوية لشن الغارات على أطراف العراق تهويلاً لأهلها (قد وردت خيله الأنبار) بلدة عراقية كما ذكروا (وقتل حسان بن حسان البكري) والي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هناك (وأزال خيلكم عن مسالحها) جمع مسلحة وهي الثغر سمي بذلك لأنه محل السلاح (الأخرى المعاهدة) أي المسيحية واليهودية اللتين في عهد الإسلام وذمته (فينتزع حجلها) أي خلخالها وهو الذهب والفضة المصنوع لزينة الرجل (وقلبها) وهو السوار زينة اليد (وقلائدها) جمع قلادة ما تلبسها المرأة في عُنقها للزينة (ورعاثها) جمع رعثة بمعنى القرط ما يلبس في الأذن (ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع) بأن تقول [إنا للّه وإنا إليه راجعون] أو تردد صوتها بالبكاء (والاسترحام) بأن تطلب رحمته وشفقته لكي لا ينالها بمكروه.

3) (وافرين) تامين عددهم لم ينقص أحدهم بالقتل (ما نال رجلاً منهم كلم) أي جرح لأنه لم يقابلهم أحد من جيش العراق ورجاله (ولا أريق لهم دم) أي لم يجرحهم أحد حتى يراق على الأرض دمهم (أسفاً) أى حزناً (ما كان به ملوماً) فلا يلام على موته لم قد مات ؟ (بل كان به عندي جديراً) أي حقيقاً حرّيا.

حَقَّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً، حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى (1:)يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلَا تُغيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلَا تَغْزُونَ وَيُعْصَى اللّه وَتَرْضَوْنَ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيرُ إِلَيْهِمُ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ : هَذِهِ حَمَارَةُ الْقَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبِّحْ عَنَّا الْحَرُّ، وإذا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشَّتَاءِ قُلْتُمْ : هَذِهِ صَبَّارَةُ الْقُرِّ أَمْهِلْنَا يَنْسَلِحْ عَنَّا الْبَرْدُ (2، كُلُّ هذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ فَإذا كنتمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ، فَأَنْتُمْ وَاللّه مِنَ السَّيْف أَفَرُّ! يَا أَشْبَاءَ الرِّجَالِ وَلَا رِجَالَ حُلُومُ الأَطفَالِ، وَعُقُولُ رَبَّاتِ الحِجَالِ (3)، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفُكُمْ مَعْرِفَةٌ - واللّه -جَرَّتْ نَدَماً، وَأَعَقَبَتْ سَدَماً. قَاتَلَكُمُ اللّه لقَدْ ملاتُمْ قَلْبِي قَيْحاً وَشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التّهمَام أَنْفَاساً، وَافْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالعِصْيَانِ وَالْخِذْلانِ، حَتَّى قَالَتْ قُرَيْسُ : إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ وَلَكِنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ (4). للّه أَبُوهُمْ وَهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً وَأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنّي !)


1) (فيا عجباً) أي يا عجبي (من اجتماع هؤلاء القوم) أي معاوية وأصحابه (على باطلهم) الذي هو دعوى الخلافة والاستقلال في الإمارة وسائر أعمالهم المنكرة (وتفرقكم عن حقكم) فإنَّ لكم آراء مختلفة لا تجتمعون على الطاعة (فقبحاً لكم) منصوب بفعل محذوف أي قبح اللّه قبحاً لكم (وترحا) الترح مقابل الفرح بمعنى الهم والحزن (غرضاً يرمى) هو ما يجعل في محل ليجرب الرماة مقدار إصابتهم الهدف فيرميه كل واحد منهم.

2) (يغار عليكم) أي يهاجمكم أصحاب معاوية (ولا تغيرون) فلا تهاجمون معاوية وبلاده (وتغزون) أي يغزوكم العدو (ولا تغزون) فإنَّكم لا تردون الاعتداء بمثله (ويعصى اللّه) يعصيه معاوية وأصحابه (وترضون) فإنَّ السكوت علامة الرضا (هذه حمارة القيظ) أي شدة الحر (أمهلنا يسبخ عنا الحر) التسبيخ حتى يخف الحر (هذه صبارّة القر) بمعنى البرد والصبارة شدة برد الشتاء (أمهلنا ينسلخ) أي يذهب.

3) (فانتم واللّه من السيف افر) أي أكثر فراراً (يا أشباه الرجال) جمع شبه أي انتم في شكل الرجال (ولا رجال) ليس فيكم حقيقة الرجولية فإنَّ الرجل يكون ذا غيرة وحمية وأنفة من أن يغار ويهان ويذل (حلوم الأطفال) أي فيكم عقول الأطفال (وعقول ربات الحجال) جمع [ربة] وهي المرأة العروسة التي في الحجلة، فإنَّ عقلها غير كامل ولا ناضج لأنها جديدة العهد بالدخول في مزدحم الحياة.

4) (لوددت أني لم أركم) بأن لم أكن سافرت من الحجاز إلى العراق لأراكم (ولم أعرفكم معرفة) أي أن معرفتي لكم معرفة (واللّه - جرت ندماً) إليّ (وأعقبت) أي خلفت (سدماً) أي هما وأسفاً (قاتلكم اللّه) دعاء عليهم بأن يهلكهم اللّه (لقد ملأتم قلبي قيحاً) هذا تشبيه فإن المحل المتقيح يتالم ويشتد وجعه (وشحنتم صدري غيظاً) أي ملاتم، وإنما نسب إلى الصدر لأن القلب الذي هو محل النفس في الصدر، والغيظ هو الحزن على الأمر مع إرادة الانتقام والدفع (وجرعتموني نغب) جمع نغبة مثل جرعة لفظاً (التهمام) بمعنى الهم (أنفاساً) جمع نفس، أي أشربتموني بعدد أنفاسي جرعاً من الهم والحزن بما فعلتم من المعصية ومخالفة الأمر (وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان) فقد عصيتموني وتركتم أوامري، والخذلان هو ترك الشخص وحده بلا نصرة وإعانة (رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب) لو كان عالماً بالحرب لم يغلبه معاوية ولم تدر قريش أن عدم نصرتي إنما هي من أصحابي الذين لا يطيعون أوامري ويخذلونني.

لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ، وَهانَذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِينَ! وَلَكِنْ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ (1!)### وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ في التحذير من الدنيا والترغيب في الآخرة)أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَشْرَفتْ باطلاع، أَلَا وَإِنَّ الْيَوْمَ المَضْمَارَ، وَغَداً السِّبَاقَ وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ، وَالْغَايَةُ النَّارُ (2، أَفَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ! عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمٍ بُؤْسِهِ! أَلَا)


1) (للّه أبوهم) كلمة تعجب واستغراب (أشد لها مراساً) مصدر [مارسه] أي عالجه وزامله حتى عرف جميع خصوصياته (وأقدم فيها مقاماً مني) أي قياماً بشؤونها وخوضاً فيها (لقد نهضت فيها) أي في الحرب (وها) للتنبيه (ولكن لا رأي لمن لا يطاع) فإنَّ أصحابي إذا لم يطيعوني لا ينفذ رأيي حتى يتبين أن آرائي مصيبة وخططي في الحرب تفوق خطط معاوية ومَنْ ماثله من الانتهازيين.

2) (أما بعد) أصلها مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة، فبدلت [مهما] بـ [اما] وحذفت سائر الجملة ما عدا [بعد] (فإن الدنيا قد أدبرت) فإنَّ الإنسان إذا جاء إلى الدنيا، كانت الدنيا مدبرة عنه إذ في كل ساعة ينقص من عمره جزء وتتأخر الدنيا عنه (وأذنت بوداع) أي أعلنت بأنها تودع أهلها للرحيل عنهم، وآذانها ما تري الناس من مصرع آبائهم أو أصدقائهم (وإن الآخرة قد أشرفت باطلاع) الاطلاع هو الإتيان فجأة، وإشراف الآخرة قربها، فإنَّ كل يوم تتقدم الآخرة إلى الإنسان بمقدار تأخر الدنيا عنه (ألا وإن اليوم المضمار) محل ضمور الخيل، فإنَّ الخيل إذا أريد المسابقة عليها تضمر لتهزل فتتمكن من الجري سريعاً، والمعنى أن الإنسان في الدنيا كالخيل في محل الإضمار فإن عمل بما يجب عليه سبق هناك وإن لم يعمل تأخر (وغداً) أي يوم القيامة (السباق) أي المسابقة، لأنه يُعرف هناك مَنْ السابق إلى الجنة - باختلاف درجاتها - ومن التأخر إلى النار - باختلاف دركاتها) - (والسبقة الجنّة) هي الغاية التي يجب على السابق أن يصل إليها (والغاية النار) فأن الموطن الأخير الذي ينتهي إليه الإنسان الذي لم يعمل هو النار.

وَإِنَّكُمْ في أَيَّامٍ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ. وَمَنْ قَصَّرَ في أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورٍ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ (1. أَلَا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ. أَلا وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلَا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، أَلَا وَإِنَّهُ مَنْ لا يَنْفَعُهُ الحقُّ يَضُرُّهُ البَاطِلُ، وَمَنْ لَم يَسْتَقِمْ بِهِ الْهُدَى، يَجُرُّ بِهِ الضَّلَالَ إِلى الرَّدَى (2). أَلَا وَإِنَّكُمْ قد أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَدُلِلْتُمْ عَلى الزَّادِ، وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ : اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الأَمَلِ، فَتَزَوَّدُوا مِنَ الدُّنْيَا مَا تحرزُونَ أَنْفُسَكُمْ بهِ غداً (3).)


1) (افلا تائب من خطيئته ؟) استفهام ترغيبي يريد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الترغيب في التوبة (قبل منيته) أي قبل موته (ألا عامل لنفسه) أي لنجاتها وخلاصها (قبل يوم بؤسه) البؤس: سوء الحالة، واشتداد الحالة (ألا) فلينتبه السامع (وإنكم في أيام أمل) يأمل كلّ حسن العاقبة (من ورائه أجل) أي من وراء الأمل الموت (فمن عمل في أيام أمله) في الدنيا (قبل حضور أجله) وموته (فقد نفعه عمله) لأنه يرى ثوابه في الآخرة (ولم يضره أجله) إذ غير العامل يضره أجله، لما يلاقي من الأهوال والعذاب ومن قصر في أيام أمله بأن لم يعمل كما ينبغي (قبل حضور أجله) وموته (فقد خسر عمله) الذي عمل من الآثام والمعاصي (وضره أجله) لأنه يبتلى هناك بالعذاب والنكال.

2) (ألا فاعملوا) أيها الناس (في الرغبة) أي في السراء والحالات الحسنة (كما تعملون في الرهبة) أي في الضراء والحالات السيئة، فإنَّ من عادة الإنسان أن ينسى اللّه سبحانه حالة السراء ويذكره حالة البؤس والشدائد (نام) طالبها) [نام] بمعنى لم يعمل (كالنار نام هاربها) أي الذي يخاف منها، وهذا كناية لعدم العمل الموجب للجنة والخلاص من النار مع عظم الأمرين (ألا وإنه من لا ينفعه الحق) بأن لم يتبعه لينتفع به (يضره الباطل) إذ هناك طرفان فمن لم يلتحق بطرف الحق لا بد وأن يلتحق بطرف الباطل ويضره ذلك (ومن لم يستقم به الهدى) أي لم ينفعه الهدى فلم يقمه عن الاعوجاج والضلال (يجر به الضلال إلى الردى) أي الهلاك.

3) (ألا) فلينتبه السامع (وإنكم قد أمرتم بالظعن) أي الرحيل عن الدنيا (ودللتم على الزاد) أي دلكم الكتاب والسنة على لوازم هذا السفر الطويل وهو تقوى اللّه والعمل الصالح (وإن أخوف ما أخاف عليكم) أي اشد الأشياء التي أخافها عليكم (اثنتان) أي خصلتان (اتباع الهوى) الهوى ميل النفس إلى الملذات حلالاً كانت أو حراماً (وطول الأمل) بأن يأمل الإنسان البقاء في الدنيا طويلاً فتزودوا من الدنيا) أي خذوا زادكم للآخرة (ما تحرزون أنفسكم به) أي تحفظون أنفسكم به عن النار (غدا) في الآخرة.

قال السيد الشريف الرضي (رَحمهُ اللّه:)أقول : لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا ويضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام وكفى به قاطعاً لعلائق الآمال، وقادحاً زناد الاتعاظ والازدجار، ومن أعجبه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (ألا وإن اليوم المضمار وغداً السباق والسبقة الجنة والغاية النار) فإنّ فيه مع فخامة اللفظ وعظم قدر المعنى وصادق التمثيل وواقع التشبيه سراً عجيباً ومعنى لطيفاً وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (والسبقة الجنة والغاية النار) فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين. ولم يقل السبقة النار، كما قال السبقة الجنة لأن الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب وغرض مطلوب وهذه صفة الجنة وليس هذا المعنى موجوداً في النار نعوذ باللّه منها فلم يجز أن يقول : السبقة النار بل قال والغاية النار لأن الغاية قد ينتهي إليها من لا يسره الانتهاء إليها ومن يسرّه ذلك، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معاً فهي فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل، قال اللّه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا للّه أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) (1)ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال سبقتكم (بسكون الباء) إلى النار فتأمل ذلك فباطنه عجيب وغوره بعيد وكذلك أكثر كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ). (وفي بعض النسخ) وقد جاء في رواية أخرى (والسبقة الجنة) بضم السين، والسبقة عندهم : اسم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض والمعنيان متقاربان لأن ذلك لا يكون جزاءً على فعل الأمر المذموم، وإنما يكون جزاءً على فعل الأمر المحمود.

وَمِنْ خُطْبَةِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم المتخاذلين

أَيُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ الْمُختَلِفَةُ أَهَوَاؤُهُمْ، كَلامُكُم يُوهِي الصُّمَّ الصَّلابَ (2)، وَفَعْلُكُمْ يُطْمَعُ فيكُمُ الأَعْدَاء تَقُولُونَ فِي المَجَالِسِ : كَيْتَ


1) سورة إبراهيم 30.

2) (أيها الناس المجتمعة أبدانهم) بعضهم تلو بعض (المختلفة أهواؤهم) أي أراؤهم (كلامكم يوهي) أي يضعف (الصم) جمع [أصم] وهو من الحجارة الصلب شُبه بالأصم الذي لا يؤثر فيه الكلام لفقد سمعه (الصلاب) أن كلامكم بقوته وبريقه يؤثر في الحجر فيوهيه.

وَكَيْتَ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ : حِيدِي حَيَادِ مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ، وَلَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ (1)، أَعَاليلُ بأَضَالِيلَ وَسَأَلْتُمُونِي التَّطويل، دِفاع ذي الدَّيْن الْمَطول.

لَا يَمْنَعُ الصضّيْمَ الدَّلِيلُ وَلَا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلا بِالْجِد (2)! أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ، وَمَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ؟ الْمَغْرُورُ وَاللّه مَنْ غَرَرْتُمُوهُ. وَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَد فَازَ - وَاللّه - بِالسَّهْمِ الأخْيَبِ، وَمَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ (3). أَصْبَحَتُ وَاللّه لا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ.


1) (وفعلكم) المنبئ عن ضعفكم وعدم عزمكم على الأمر (يطمع فيكم الأعداء) فإنَّ الأعداء إذا رأوا قولهم خافوا وإذا رأوا فعلهم المنبئ عن ضعفهم طمعوا (كيت وكيت) أي كذا وكذا، وهذا كناية عن قولهم إنما نعمل بالأعداء ونهجم عليهم ونبيدهم وما أشبه ذلك قلتم حيدي حياد هذه كلمة يقولها الهارب. وهي من مصطلحاتهم عند الفرار من الحرب من [حاد] بمعنى مال وأغرب (ما عزت دعوة من دعاكم) أما جملة خبرية أي ليست عزيزة دعوته لأنكم تخونون ولا تنصرون أو دعاء عليهم بأن يكونوا أذلاء حتى لا يعتمد أحد عليهم (من قاساكم) أي رافقكم لأنكم تخالفونه فهو في تعجب دائم منكم.

2) (أعاليل) بمعنى علل، جمع علة، وهو مرض ونحوه ممّا يتعلّل به الإنسان (بأضاليل) جمع أضلوله وهو الباطل أي أنكم تتعللون لخذلانكم وتفرقكم بألف باطل وضلال (وسألتموني التطويل) في موعد الحرب بأن تتأخروا عن النفور إليها، فإنَّكم تدفعون الحرب عن أنفسكم (دفاع ذي الدِّين) أي المديون (المطول) أي الكثير المطل، وهو تأخير أداء الدين بغير عذر لا يمنع الضيم أي الظلم (الذليل) فإنَّ الإنسان الذليل لا قوة له حتى يتمكن من دفع الظلم (ولا يدرك الحق إلا بالجد) في مقابل الهزل.

3) (أي دار بعد داركم تمنعون) أي إذا لم تدافعوا عن بلادكم فعن أي بلاد تدافعون؟ (ومع أي إمام بعدي تقاتلون)؟ فإنَّ الإمام(عَلَيهِ السَّلَامُ) كان جامعاً لشرائط الإمامة فلو كان الإنسان يدافع عن إمامه لكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحق الناس بالدفاع عنه (المغرور واللّه - من غررتموه) فإنَّ الذي يخدع بكم، هو المخدوع الكامل، إذ لا تمدون إليه يد العون أبداً (ومن فاز بكم) بأن صار رئيسكم (فقد فاز واللّه - بالسهم الأخيب) وهو من سهام الميسر الذي لا حظ له (ومن رمى بكم) كناية عن معاضدتهم في الحرب كالرامي الذي يعتمد على سهمه ورميه في الحرب (فقد رمى بأفوق) ناصل [الفوق] موضع الوتر من السهم، والأفوق السهم المكسور فوقه والناصل العاري عن النصل، وهو الحديد الذي يغرز في الجسم على راس خشب السهم يعني أن من رمى بأهل الكوفة فكأنما رمى بسهم لا يثبت في الوتر حتى يرمى، وإن رمى به لم يقتل أحداً إذ لا نصل له.

وَلَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ، وَلَا أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ. مَا بَالُكُمْ؟ مَا دَوَاؤكُمْ؟ مَا طِبْكُمْ الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ. أَقَوْلاً بِغَيْرِ عمل ! وَغَفْلَةٌ مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ وَطَمَعاً في غَيْرِ حَقٌّ (1)؟!

وَمِنْ كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معنى قتل عثمان

لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلاً، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِراً، غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَمَنْ خَذَلَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : نَصَرَهُ مَنْ هُوْ خَيْرٌ مَنِّي (2). وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ، اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الأَثَرَةَ، وَجَزِعْتُمْ فَاسَأْتُمُ الْجَزَعَ، وَللَّهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ فِي الْمُسْتَأْثِرِ وَالْجَازِعِ (3).


1) (ولا أوعد العدو بكم) الإيعاد هو وعد الشيء، أي لا أتمكن من تهديد العدو بأن لي جنود الكوفة لعلمي بعدم نصرتكم (ما بالكم) ؟ استفهام إنكاري (ما دواؤكم) لا دواء لدائكم النفسي (ما طبكم)؟ استفهام إنكاري، أي لا يمكن شفاؤكم من مرض التفرق والتشتت وعدم الاستقامة وعدم العمل (القوم) أصحاب معاوية (أقولاً بغير عمل)؟ استفهام إنكاري أي هل تقولون قولاً - بأن ما نفعل كذا وكذا - بغير أن تعملون بقولكم (وغفلة من غير ورع)؟ أي أنكم غافلون عن شؤون دنياكم، لا مثل غفلة الناس المتقين الذين غفلتهم عن الدنيا إنما هي لاشتغالهم بأمور الآخرة (وطمعاً في غير حق)؟ أي إنكم تطمعون طمعاً في المال حين تقسيم بيت المال، وفي الجاه والمنصب بغير أن يكونوا مستحقين لذلك.

2) (لو أمرت به) أي بقتل عثمان (لكنت قاتلاً) لأن السبب كالمباشر في الفعل (أو نهيت عنه) أي عن قتله (لكنت ناصراً) له فإنَّ الإمام حيث نصح الطرفين ولم ينفع فيهما النصح اعتزل الأمر فلم يأمر ولم ينه (خذله مَنْ أنا خير منه) فمروان - مثلاً - لا يتمكن أن يقول أنا خير من الثائرين لأني نصرت عثمان وهم خذلوه (ومن خذله) كالثائرين (لا يستطيع أن يقول نصره من هو خير مني) كان يجعلوا مروان خيراً من أنفسهم، إذ نصرة عثمان لا توجب خيرية الناصر من الخاذل.

3) (وأنا جامع لكم أمره) أي أمر قتل عثمان، ومعنى [جامع] ملخص لكم الواقعة (استأثر) أي استبد بآرائه (فأساء الأثرة) فان المستبد برأيه الذي يسلك طريق الحق لا غضاضة عليه، أما المستبد المسيء فإنَّه يستحق كل لوم وإثم (وجزعتم) عن أعماله واستبداده (فأساتم الجزع) إذ الجزع أورث قتلاً سبب انقسام المسلمين (وللّه حكم واقع) في الدنيا، أو المراد حكمه في الآخرة (في المستأثر) وهو عثمان (والجازع) وهم الثوار، فإنَّه يعاقب - في الآخرة - المخطئ منهما.

وَمِنْ كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن عباس لما أرسله إلى الزبير قبل وقوع حرب الجمل

لَا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ، يَرْكَبُ الصَّعْبَ وَيَقُولُ: هو الذَّلُولُ (1)وَلَكِنِ الْقَ الزُّبَيْرَ، فَإِنَّهُ اَلْيَنُ عَرِيكَةٌ، فَقُلْ لَهُ : يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ : عَرَفْتَني بِالْحِجَازِ وَأَنْكَرْتَنِي بِالْعِرَاقِ، فَمَا عَدَا ممّا بَدَا (2).

قال السيد الشريف: أقول : وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) أول من سمع منه هذه الكلمة أعني : فما عدا ممّا بدا.

وَمِنْ خُطَبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جور الزمان، ويقسم الناس إلى أقسام

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا في دَهْرٍ عَنُودٍ وَزَمَنِ كَنُودِ، يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسِيئاً، وَيَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُوا، لَا نَتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، وَلَا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، وَلَا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتى تَحُلَّ بِنَا (3). فالناسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ : مِنْهُمْ مَنْ لَا يَمْنَعُهُ


1) (لا تلقين) يا بن عباس (طلحة فإنَّك إن تلقه) من [لقى] بمعنى المواجهة والمكالمة حول رجوعه عن الحرب (تجده كالثور عاقصاً قرنه) من عقص الشعر إذا فتله ولواه وهذا كناية عن كبريائه (يركب الصعب) أي الأمور الشاقة كناية عن إقدامه عليها (ويقول هو الذلول) الذلول الجمل سهل القياد الذي لا يؤذي صاحبه.

2) (ولكن الق الزبير) ابن العوام (فإنه الين عريكة) هي بمعنى الطبيعة (ابن خالك) يعني نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ)وعلي ابن خال الزبير لأن أبا طالب وصفية أم الزبير من أولاد عبد المطلب بن هاشم (عرفتني بالحجاز) حيث بايعتني وأنكرتني بالعراق حيث جئت لمحاربتي (فما عدا ممّا بدا) أي ما الذي صرفك ممّا ظهر منك - في الحجاز - من بيعتي.

3) (في دهر عنو)د الدهر قطعة من الزمان، وقد يطلق على الزمان كله، وعنود بمعنى جار، ووصف الدهر بالعنود، باعتبار ما يقع فيه من الجور بعلاقة الحال والمحل (وزمن كنود) أي الكفور (يعد فيه المحسن مسيئاً) لأن طبائع الناس إذا مالت إلى الإساءة نفرت من الإحسان فيعدون العامل به مسيئاً (ويزداد الظالم فيه عتوا) أي تكبراً وتجبراً، لما يجد من الأنصار والأعوان (لا ننتفع بما علمنا) من عادة البلغاء أن ينسبوا إلى أنفسهم القضايا العامة، تلييناً للموقف، وبياناً للعموم (ولا نسأل عما جهلنا) من الأحكام والآداب (ولا نتخوف قارعة) هي الخطب العظيم ينزل على الناس من قحط أو غلاء أو أمراض أو تسلط الأعداء أو ما أشبه، وسميت قارعة لأنها تقرع الناس بالشدة، والقلوب بالفزع.

الْفَسَادَ إِلا مَهَانَةُ نَفْسِهِ، وَكَلَالَةٌ حَدِّهِ وَنَضِيضُ وَفْرِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ، وَالْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ وَالْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ، وَأَوْبَقَ دينَهُ لِحُطام يَنتهِزُهُ أَوْ مِقْنَب يَقُودُهُ، أو مِنْبَرِ يَفْرَعُهُ (1). وَلَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللّه عِوَضاً! وَمِنْهُمْ مَنْ يَطلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَلَا يَطْلُبُ الآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا (2)، قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ، وَقَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ، وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ وَزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ، وَاتَّخَذَ سِتْرَ اللّه ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيةِ (3).


1) (من لا يمنعه الفساد) أي من الفساد (إلا مهانة نفسه) من [هان] بمعنى ذل وخف أي خمولها وعدم وجود أنصار وقوة بهما فيفسد (وكلالة حده) أي ضعف سلاحه عن القطع (ونضيض وفره) النضيض القليل والوفر المال أي قلة ماله (ومنهم المصلت لسيفه) يقال أصلت سيفه، أي شهره على الناس يعني أنه مبطل قوي يشهر سيفه في وجه المحق (والمعلن بشره) أي المظهر شره (و المجلب بخيله ورجله) أي جمع أنصاره ممن له فرس أو راجل وهذا كناية عن جمعه أنصاره لمكافحة الحق وإظهار الباطل (قد أشرط نفسه) أي هياها وأعدها للفساد وأوبق دينه أي أهلك دينه بما عمل من الآثام (لحطام) هو المتكسر من النبات بعد اليبس وقد شبه الدنيا بذلك لأن مال آخرها إلى ذلك (ينتهزه) أي يختلسه ويحصل عليه (أو مقنب) طائفة من الخيل (يقوده) يعني أنه إنما ما فعل إما للجاه بأن يحصل على الحطام، وإما بأن يرأس فئةً (أو منبر يفرعه) أي يعلوه بأن يحصل على منصب الجمعة والجماعة والخطابة.

2) (ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمناً) أي بئست التجارة تجارة من يتاجر للدنيا، لأنه يراها ثمناً لأتعابه وأعماله مع أن الدنيا دار رحيل وزوال (ومما لك عند اللّه) أي ثواب الذي لك عند اللّه سبحانه (عوضاً) بأن تترك الثواب وتأخذ الدنيا بدله (ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة) أي يعمل أعمال الآخرة، ولكن ينوي بها تحصيل الدنيا (ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا) فإنَّ الإنسان يتمكن أن يجعل ضروريات الأمور الدنيوية من قبيل الأكل والمقاربة والتجمل للآخرة فياكل للتقوي على العبادة ويقارب لأمر اللّه تعالى وحفظ نفسه عن الآثام ويتجمل لتقوية الحق بتحصيل الشوكة له، وهكذا.

3) (قد طامن) فعل من الطمأنينة، أي خفض (من شخصه) أي تواضع فلن يخدع الناس بأنه إنسان خائف من اللّه، مع أنه في قلبه يريد بذلك اصطياد السذج وتمكين نفسه في قلوب البسطاء (وقارب من خطوه) بأن يمشي بخطى متقاربة تشبها بالصالحين، ليخدع الناس بأنه منهم (وشمر من ثوبه) أي رفعه من الأرض ليظهر أنه متق يتجنب من أن يمس ذيله الأراضي المحتملة للنجاسة (وزخرف من نفسه للأمانة) أي زين نفسه بزينة الصالحين كالخضاب ولبس الخواتيم وما أشبه ذلك، كل ذلك لأن يرى صلاحه، فيأتمن الناس به، ويجعلوه في محل القدس والتقوى (واتخذ ستر اللّه) له بأن لم يظهره سبحانه على حقيقته وخداعه (ذريعة) أي وسيلة (إلى المعصية) لأنه مخادع يريد بهذه الأعمال النيل من الدنيا والرئاسة على الناس.

وَمِنْهُمْ مَنْ أَقعده عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُؤّولَةٌ نَفْسِهِ، وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ، فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ على حاله، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ، وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذلِكَ في مَرَاحٍ وَلَا مَغْدى (1)وَبَقِي رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٌ وَخَائِفِ مَقْمُوعِ، وَسَاكِتٍ مَكْمُومٍ، وَدَاعٍ مُخْلِصٍ، وَثَكْلَانَ مُوجَع (2)، قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ، وَشَمِلَتْهُمُ الذُّلَّةُ فَهُمْ في بَحْرٍ أَجَاجِ، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ وَقُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ، وقَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُوا، وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا، وَقُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا (3)، فَلْتَكُن الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ،


1) (ضؤولة نفسه) أي صغرها، فهو إنما يترك طلب الملك لا تورعاً وخوفاً من التلوث بالآثام بل لأن نفسه ضئيلة حقيرة لا ترتفع إلى معالي الأمور (وانقطاع سببه) أي لا أسباب له بها يتوصل إلى الملك من مال وقوة وعشيرة وما أشبه (فقصرته الحال على حاله) أي حضرته ضؤولة نفسه على حاله الذي هو فيه (فتحلى) أي تزين (باسم القناعة) بأن أظهر نفسه أنه قانع لا يريد الملك (وتزين بلباس أهل الزهادة) بأن أظهر نفسه زاهداً في الأمر غير راغب في الملك (في مراح ولا مغدى) المراح المحل الذي تأوي إليه الماشية بالليل والمغدى المحل الذي تأوي إليه بالنهار وهذا كناية عن أنه لا محل له في وصف الزهاد، في أي وقت من الأوقات.

2) (غض أبصارهم) أي غمضها (ذكر المرجع) أي المعاد، فإن خوفهم من يوم القيامة أوجب أن يغمضوا أبصارهم عن شهوات الدنيا ومتعها (وأراق دموعهم) أي اسبلها (خوف المحشر) فإنَّ الإنسان إذا خاف من شيء خوفاً كثيراً بكى (فهم بين شريد) يشرد من الناس خوف أن يشترك معهم في عصيان يرتكبونه (نادٍ) هو الهارب من الجماعة إلى الوحدة (وخائف) من اللّه وهو في المجتمع (مقموع) أي مقهور قد اشتمل على ذل العبودية (وساكت مكعوم) من [كعم البعير] إذا شد فاه لئلا يأكل أو يؤذي باسنانه أي أن الخوف قد شد فاه فلا يتكلم خوفا من أن يجلب إليه الكلام عصياناً وإثماً (وثكلان) الشكل الحزن على فقد بعض الأشياء المحبوبة (موجع) أي أنه محزون حزناً شديداً على فقد بعض المراتب منه في الآخرة.

3) (قد أخملتهم التقية) يقال أخمله أي أسقط ذكره، والتقية هي إتقاء المعاصي، فإنَّ الإنسان المتقي يتجنب المجتمعات خوف الوقوع في المعاصي، فيخمل ذكره (وشملتهم الذلة) أي ذلة العبودية والطاعة للّه تعالى فهم في بحر (أُجاج) أي بحر مالح وهذا كناية عن عدم انسياقهم وراء شهواتهم حتى يلتذون بالمعاصي (أفواههم ضامزة) من [ضمز] بمعنى [سكن] أي لا تتكلم بشر ولا تتكلم كثيراً (وقلوبهم قرحة) أي مجروحة وهذا كناية عن تألم قلوبهم خوفاً من الآخرة، وتألمها لما يرون من الكفر والعصيان في الناس (وقد وعظوا من ملوا) أي ملّهم الناس وسئموا من كلامهم أو أنهم ملوا من كثرة الوعظ وأخذهم السام (وقهروا) أي قهرهم الأعداء (حتى ذلوا) فإنَّ الأعداء إذا قهرهم ذلوا، إذ الإنسان المقهور ذليل في نفسه (وقتلوا حتى قلوا) أي قتل منهم الأعداء حتى قل عددهم وهذا تحفيز للأخيار على مقارعة الأشرار وإن قهروهم وقتلوا منهم.

وَقُرَاضَةِ الجَلَم، وَاتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَارْقُضُوهَا ذَمِيمَةٌ فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ (1).

قال الشريف أقول : هذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية وهي من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي لا يشك وأين الذهب من الرغام والعذب من الأجاج،، وقد دلّ على ذلك الدليل الخريت ونقده الناقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ، فإنَّه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان والتبيين وذكر من نسبها إلى معاوية ثم قال : هي بكلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشبه، وبمذهبه في تصنيف الناس وبالإخبار عما هم عليه من القهر والإذلال ومن التقية والخوف أليق قال : ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد ومذاهب العباد؟

ومِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند خروجه لقتال أهل البصرة

إِنَّ اللّه بَعَثَ مَحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً، وَلَا يَدَّعِي نُبُوَّةٌ، فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، وَبَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، فَاسْتَقَامَتْ قَناتُهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ صِفَاتُهُمْ (2).


1) (أصغر من حثالة القرظ) الحثالة القشارة وما لا خير والقرظ ورق السلم يدبغ به فإنَّ حثالة القرظ لا ينظر إليها أحد نظر الاعتبار (وقراضة الجلم) الجلم هو المقراض يجز به الصوف ونحوه وقراضته ما يسقط منه عند القرض والجز (واتعظوا) أي خذوا العبرة والوعظ (بمن كان قبلكم) من الناس الذين أسلبهم الدهر نعمهم (قبل أن يتعظ بكم من بعدكم) بأن يسلب الدهر نعمكم فتكون عبرة وموعظة للذين يأتون من بعدكم، (وارفضوها) أي الدنيا (ذميمة) فلستم ترفضون شيئاً ممدوحاً بل شيئاً مذموماً (أشغف بها منكم) أي أشد تعلقاً بالدنيا منكم.

2) (وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً) أى كتاباً سماوياً صحيحاً فإنَّ الكتب السماوية كانت قد حرفت (ولا يدعي نبوة) وهذا كناية عن عدم وجود نبي مرشد بين العرب فلم يكونوا يهتدون سبيلاً، إذ الحق يظهر أما بالكتاب أو بالنبي (فساق الناس حتى بواهم) أي أعطاهم المحل والمنزل (محلتهم) أي منزلهم اللائق بالإنسان من الالتزام بالعقائد الحقة والفضائل والآداب والأعمال الصالحة والنظام الصحيح (وبلغهم منجاتهم) أي محل نجاتهم (فاستقامت قناتهم) القناة هي الرمح، والمعنى صاروا بعد الاعوجاج مستقيمين، والاعوجاج هو في العقيدة والشريعة وسائر العادات (واطمأنت صفاتهم) أي أن صفاتهم كانت متزلزلة لا رسوخ ولا ثبات فيها، إذ كانت الفوضى تشملهم.

أَمَا وَاللّه إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا : مَا عَجَزْتُ وَلَا جبُنْتُ، وَإِنَّ مَسِيري هذَا لِمِثْلِهَا، فَلأَنْقُبِنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ. مَالِي وَلِقُرَيْشٍ ! وَاللّه لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ، وَلأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ، وَإِنِّي لَصَاحِبَهُمْ بالأمس، كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْيَوْمَ (1)!

وَمِنْ خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في استنفار الناس إلى أهل الشام

أُفٍّ لَكُمْ! لَقَدْ سَيْمْتُ عِتَابَكُمْ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ عِوَضاً؟ وَبِالذُّلِّ مِنَ الْعِزَّ خَلَفَاً؟ إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ (2)، كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ في غَمْرَةٍ وَمِنَ الذُّهُولِ في سَكْرَةٍ، يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حَوَارِي فَتَعْمَهُونَ، وَكَأَنَّ قُلوبَكُمْ مَألوسَةٌ، فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ (3). مَا أَنْتُمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ اللَّيَالِي،


1) (أما واللّه إن كنت) أي إني كنت (لفي ساقتها) وهي مؤخرة الجيش التي تسوق الجيش حتى لا يبق منه أحد لا يسير (حتى تولت) أي فرت (بحذافيرها) أي بجميعها (وأن مسيري هذا لمثلها) أي أن سيري إلى قتال أهل البصرة مثل تلك المسيرة في زمان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (فلانقبن الباطل) النقب هو الثقب (حتى يخرج الحق من جنبه) فكان الباطل لباس نغشي به الحق فإذا نقب فيه خرج من جنبه الحق، حتى يظهر للناس (مالي و لقريش) يعني (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلحة والزبير وأمثالهما من حاربوا الإمام ونصبوا له العداء (واللّه لقد قاتلتهم كافرين) تحت راية الرسول في حال كونهم كافرين باللّه واليوم الآخر (ولأقاتلنهم مفتونين) الآن قد فتنتهم زهرة الحياة الدنيا وزخرفها، وإن أظهروا الإسلام (وإني لصاحبهم بالأمس) أي الذي حاربهم في زمن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (كما أنا صاحبهم اليوم) وهذا كناية عن عدم تغيره عن الحالة التي كان عليها في زمان الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

2) (أف لكم) [أف] كلمة تضجر (لقد سئمت) السام الملالة (عتابكم) أي أن أعاتبكم في الأمر لما أرى من انحرافكم (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً) كيف رضيتم أن تكون الدنيا بدلاً من الآخرة بان تركتم عمل الآخرة (وبالذل من العز خلفاً) أي هل رضيتم أن تذلوا تحت إمرة معاوية عوض العز الذي أنتم فيه (دارت أعينكم) بمعنى اضطربت من الخوف والجزع (كانكم من الموت في غمرة) غمرة الموت: شدة كربه، فإن الإنسان إذا كان في حال الاحتضار، تدور عينه ليجد مخلصاً ممّا هو فيه، وسميت (غمرة) لأنها تغمر الإنسان وتغشاه كالماء الذي يغمر الغريق.

3) (ومن الذهول) الفزع والنسيان (في سكرة) كالإنسان الذي شرب الخمر فسكر ولا يشعر بشيء (يرتج عليكم) يقال رتج الباب إذا غلقه (حواري) أي كلامي والمعنى يغلق فهمه عليكم (فتعمهون) من العمه وهو شدة العمى، أي تتحيرون في كلامي بماذا تجيبون؟ (وكأن قلوبكم مالوسة) من المس بمعنى اختلط بالجنون.

وَمَا أَنْتُمْ بِرُكْنٍ يمال بِكُمْ، وَلَا زَوَافِر عِزِّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ (1). مَا أَنْتُمْ إِلا كَإِبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُها، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ، لَبِئْسَ - لَعَمْرُ اللّه - شعر نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ! تُكَادُونَ وَلَا تَكِيدُونَ، وَنُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلَا تَمْتَعِضُونَ، لَا يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ سَاهُونَ، غُلِبَ وَاللّه الْمُتَخَاذِلُونَ (2)! وَأَيْمُ اللّه إِنِّي لأظنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى، وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبِ انْفِرَاجَ الرَأسِ (3).

وَاللّه إِنَّ أَمْراً بِمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ، وَيَفْرِي جِلْدَهُ، لَعَظِيمٌ عَجْرُهُ، ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ (4). أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَوَاللّه دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فراش


1) (سجيس الليالي) أي ما دامت الليالي فإن سجيس بمعنى [أبداً] (وما أنتم بركن يمال بكم) أي يميل الإنسان إليكم لتحفظوه من كوارث الزمن (زوافر عز) جمع [زافرة] وهي ركن البناء وعشيرة الرجل وأنصاره (يفتقر) أي يحتاج الإنسان.

2) (ما أنتم إلا كابل ضل رعاتها) فإنَّ الإبل إذا ضل راعيها، تفرقت وتشتتت، وكانت عرضة لكل خطر (انتشرت من آخر) إذ لا تنقاد إلّا بالراعي دون سواه من يريد جمعها (لبئس - لعمر اللّه) أي قسماً باللّه، فإنَّ [عمر] بمعنى الحياة ثم استعمل لمطلق القسم (سعر نار الحرب أنتم) أي ما توقد به الحرب وهذا كناية عن استعدادهم للحرب الجبنهم وفساد رأيهم (تكادون) أي يكيد الأعداء عليكم (ولا تكيدون) لهم بالاستعداد لمحاربتهم ومقاتلتهم (وتنتقص أطرافكم) بأن يغير معاوية على أطراف بلادكم فيسلبها ويأخذها (فلا تمتعضون) الامتعاض : الغضب الكثير (لا ينام عنكم) أي أن الأعداء ساهرون على أذاكم والكيد بكم.

3) (وأيم اللّه) حلف باللّه، ويجوز في [أيم] وجوه كثيرة منها [أيمن] (إني لأظن بكم أن لو حمس الوغى) الوغى الحرب، ومعنى حمس أشتد اشتعل (واستحر الموت) أي بلغ في النفوس غاية حدته (قد انفرجتم) أي تفرقتم (انفراج الرأس) أي كما ينفرج الرأس من البدن، الذي لا التئام بعده ولا حياة للإنسان بعد ذلك.

4) (واللّه إن أمراً يمكن عدوه من نفسه) بأن لا يأخذ للعدو عدته بل يسهل في الأمر حتى يسيطر العدو عليه بسبب أنه ترك الحزم ولم يأت باللازم للحرب، حتى (يعرق لحمه) أي يأكل العدو لحمه (ويهشم عظمه) أي يكسر عظمه (ويفري جلده) أي يشق ويقطع جلده وهذا كناية عن شدة تسلط العدو (لعظيم عجزه) يدل ذلك على أنه عاجز كمال العجز وإلا لم يسمح بالعدو أن يفعل به ذلك (ما ضمت عليه جوانح صدره) جوانح جمع جانحة وهي الضلع وتسمى بذلك لأنها كالجناح للإنسان في طرفه، والمراد بـ [ما ضمت] القلب، أي أنه ضعيف القلب غير مقدام.

الهام، وَتَطيحُ السَّوَاعِدُ وَالأَقْدَامُ، وَيَفْعَلُ اللّه بَعْدَ ذلِكَ مَا يَشَاءُ (1).

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَي حَقٌّ : فَأَمَّا حَقُكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرَ فَيْئكُم عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا (2).

وَأَمَّا حَقّى عَلَيْكُمْ فَالوَفَاءُ بِالبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ، وَالإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ (3).

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد التحكيم

الْحَمْدُ للّه وَإِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِح وَالْحَدَثِ الْجَلِيلِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا اللّه وحده لا شَرِيكَ لَهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِلَهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) (4). أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الحيرة، وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ. وَقَدْ كَنْتُ أَمَرْتُكُمْ في هذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي وَنَخَلْتُ لَكُمْ مَخْرُونَ رَأْيِي لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرُ (5)! فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ


1) (دون أن أعطي ذلك) أي أمكن العدو من نفسي حتى أعطيه ما يريد (ضرب بالمشرفية) هي السيف سمي بها نسبة إلى المشارف) وهي بلدة كانت تصنع السيوف الجيدة تطير منه فراش الهام) الهام الرأس، وفراشه العظام الرقيقة المفروشة عليه (وتطيح) أي تسقط (السواعد) جمع ساعد وهو اليد (والأقدام) جمع قدم وهي الرجل (ويفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء) من نصرتي وعدمها.

2) (إن لي عليكم حقاً) بصفتي أميركم (ولكم علي حق) بصفتكم رعيتي (فأما حقكم علي فالنصيحة لكم) أي أنصحكم وأرشدكم إلى سعادة الدنيا والآخرة (وتوفير) أي تكثير (فيئكم) أي الخراج ومال بيت المال.

3) (فالوفاء بالبيعة) بعدم نكثها وفعل ما ينافيها (والنصيحة في المشهد والمغيب) أي تعملون لي فعل الناصح سواء كنت حاضراً أو غائباً وذلك بـ [الدعاية] الحسنة.

4) (الدهر) أي الزمان (بالخطب) هو الأمر العظيم (الفادح) أي الثقيل (والحدث) هو الأمر الحادث (الجليل) أي العظيم.

5) (أما بعد أصله مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة قلبت [مهما] [اما] وحذفت الجملة باستثناء لفظة [بعد] (فإن معصية الناصح الشفيق) هو الذي يشفق على الإنسان أي يخاف عليه أن يتأذى بمؤذي (العالم المجرب) الذي جرب الأمور وعرف نتائج الأعمال (تورث الحيرة) أي توجب المعصية تحيّر المخالف له إذ المخالفة تؤول إلى ما لا يحمد (وتعقب الندامة) أي أن يندم المخالف (وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة) أي نصب حكمين لإنهاء أمر القتال (أمري) بأنها مكيدة معاوية للفرار من الحرب والتخلص من الانهزام الذي ظهرت بوادره لمعاوية وأصحابه (ونخلت) أي أخلصت تشبيه بما ينخل من الدقيق ونحوه لأن يظهر خالصه (لكم مخزون رأيي) أي الرأي الحصيف الذي كان مخزوناً في صدري (لو كان يطاع لقصير أمر) هذا مثل، وقصير اسم رجل.

الْمُخَالِفِينَ الجناة، وَالمَنَابِذِينَ الْعُصاةِ، حَتَّى ارْتَابَ النّاصِحُ بِنُصْحِهِ : وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ، فَكُنْتُ وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخو هَوَازِنَ :

أَمَرْتُكُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللَّوَى*** فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ (1)

وَمِنْ خُطْبَةِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تخويف أهل النهروان

فَأَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَكناف هذَا النَّهَرِ وَبِأَهْضَام هذَا الْغَائِطِ، عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلَا سُلْطَانٍ مُبِينٍ مَعَكُمْ (2): قَدْ طَوَّحَتْ بِكُمُ الدَّارُ، وَاحْتَبَلَكُمَ الْمِقْدَارُ، وَقَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هذِهِ الْحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ


1) (فابيتم علي) أي خالفتم رأيي (إباء المخالفين) أي كأنكم مخالفون لي أعداء معي، لا كأنكم أنصاري وأصحابي (الجناة) جمع الجاني وهو الذي يجني على الآخر (والمنابذين) من نبذ بمعنى طرح أمر الطرف المقابل (العصاة) جمع عاصي (حتى ارتاب الناصح بنصحه) يعني أن مخالفتهم كانت بحيث شك الناصح في أن نصيحته هل هي صحيحة أم لا؟ وهذا كناية عن شدة مخالفتهم، لا أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شك في صحة نصيحته (وضن) أي بخل (الزند) وهو الحجر الذي يصك بآخر فيخرج منه النار (بقدحه) أي بإخراجه النار، وهذا كناية عن إمساكه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بآرائه المصيبة المضيئة النافعة فإن الإنسان إذا رأى عصيان الناس لرأيه لا يظهر آراءه ضناً بها أن تذهب سدى (فكنت أخو هوازن) دريد بن الصمة، أي أنه من تلك القبيلة في بيان أنهم عصوه فرأوا عاقبة عصيانهم (منعرج اللوى) اسم مكان أي أني أمرتكم بنصيحتي في ذلك المكان وأنتم خالفتموني، ولم تعلموا صدق كلامي إلا غداً عند الضحى حيث فات الأوان.

2) (نذير) أي منذر مخوف (أن تصبحوا صرعى) جمع صريع، وهو القتيل الذي يقع مصروعاً طريحاً (باكناف) جمع كنف بمعنى الطرف (هذا النهر) الذي كان قرب الكوفة، وكان يسمى بالنهروان (وباهضام) جمع هضم وهو المنخفض من الوادي (هذا الغائط) الغائط ما سفل من الأرض (على غير بينه) أي دليل واضح (من ربكم) أي أن قتلكم بلا حجة في خروجكم، فهناك معاقبون على فعلكم فتخسرون الدنيا والآخرة (ولا سلطان مبين معكم) أي دليل واضح وحجة ظاهرة منكم في خروجكم علي.

الْمُخَالِفِينَ المَنَابِذِينَ، حَتَّى صَرَفْتُ رَأيِي إِلَى هَوَاكُمْ(1)، وَأَنْتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفَّاءُ الْهَامِ، سُفَهَاءُ الأَحْلام، وَلَمْ آتِ - لَا أَبَا لَكُم - بُجْراً، وَلَا أَرَدْتُ لَكُمْ ضُرّا (2).

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجري مجرى الخطبة

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجري مجرى الخطبة (3)

فَقُمْتُ بالأمر حِينَ فَشلُوا، وَتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا وَنَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا، وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللّه حِينَ وَقَفُوا (4). وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً، وَأَعْلَاهُمْ فَوْتاً،


1) (نذير) أي منذر مخوف (قد طوحت) القتكم في المتاهة والضلالة (بكم الدار) أي دياركم فخروجكم ليس إلى الطريق حتى تهتدون سبيلاً وتصلون إلى غاية سعيدة، وإنما إلى متاهة وضلال (واحتبلكم) أي أوقعكم في حبالته - وهي شرك الصائد الذي يصيد به - (المقدار) أي الأمر الذي قدّر لكم، والمقدار، هو المسافة الزمنية المحدّدة يسير الناس فيها حتى يصلوا إلى زمان موتهم، فكان القدر أحاط بهم كما تحيط الحبالة بالصيد (وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة) أي التحكيم في أمر الخلافة، فإنَّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يرى زيفها وأنها مكيدة (فأبيتم علي) أي خالفتم كلامي ورأيي (إباء المخالفين) أي كأنهم مخالفون لأعداء، لا كأنكم أنصاري وأوليائي (المنابذين) من نبذ بمعنى طرح ويسمى المعادي منابذاً، لأنه يطرح الطرف المقابل ولا يبالي به (حتى صرفت رأيي إلى هواكم) أي أجبرت الإسلاس قيادتكم.

2) (وأنتم معاشر أخفاء الهام) الهام: الرأس، وخفة الرأس كناية عن عدم وجود العقل فيه ليرشد الإنسان إلى الصلاح (سفهاء الأحلام) أي أن لكم عقول السفهاء، والسفيه ضد الرشيد (ولم آت - لا أباً لكم) جملة معترضة، وهذه كلمة تستعمل لكل من المدح والذم فكونها مدحاً، باعتبار أن من لا أب له يملك أمر نفسه فليس تحت طاعة غيره وكونها ذما باعتبار أن من لا أب له لا كافل له - وهي دعاء في صورة الخبر - (بجرا) أي شراً، أي أن أمر هذا التحكيم كان منكم ولم أت شراً، حتى تخرجون علي وتحاربونني.

3) ومعنى جريه مجرى الخطبة أنه أنشأ بذلك الأسلوب وقد أشرنا سابقاً إلى أن الخطبة إنما هي في مجمع من الناس وتبتدئ بالحمد وتنشأ باتكاء صوت، وفي مرتفع وما أشبه ذلك.

4) (فقمت بالأمر) أي بأمر الإسلام بالجهاد في ميادين القتال والصبر والثبات (حين فشلوا) أصابهم الوهن والضعف، فإنَّ الخلفاء الذين تقدموا على الإمام وكثيراً من صناديد الأصحاب كانوا يفرون عن القتال (وتطلعت) أي ظهرت (حين تقبعوا) التقبع هو الاختفاء، ضد التطلع والظهور (ونطقت) أي تكلمت بالحق في محل الخوف عن إظهار الحق (حين تعتعوا) التعتعة الاضطراب في الكلام (ومضيت بنور اللّه حين وقفوا) أي أني سرت نحو الهدف من إظهار الإسلام وإعلاء كلمته حين وقف القوم.

فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا، وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا كَالْجَبَلِ لَا تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ، وَلَا تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ (1). لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ فِي مَهْمَزٌ وَلا لِقَائِلِ فِي مَغْمَزٌ. الدَّلِيلُ عِنْدي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَويٌّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ (2). رَضِينَا عَنِ اللّه قَضَاءَهُ، وَسَلَّمْنَا للّه أَمْرَهُ أَتَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) (3)وَاللّه لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ، فَلَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ. فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي، فَإِذَ طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي، وَإِذَا المِيثَاقُ في عُنُقِي لِغَيْرِي (4).

وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معنى الشبهة

وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشَّبْهَةُ شُبْهَةٌ لأَنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقِّ فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللّه فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا


1) (وكنت أخفضهم صوتاً) وهذا كناية عن رباطة جأشه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقوة قلبه فإنَّ الخائف يرفع صوته جزعاً وهلعاً أما المطمئن الشجاع فإنه يتكلم بكل هدوء واطمئنان (وأعلاهم فوتاً) الفوت السبق، أي ارفع مقاماً منهم من حيث السبق إلى كل فضيلة (فطرت بعنانها) هذا كناية عن سرعة سيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) نحو الفضيلة، فالعنان زمام الفرس و(استبددت) الاستبداد بالشيء الاختصاص به (برهانها) الرهان هو الجعل الذي يقرر لمن سبق في مضمار المسابقة، وهذا كناية عن تقدمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليهم في الفضائل (كالجبل لا تحركه القواصف) جمع قاصفة وهي الكارثة المهلكة (ولا تزيله العواصف) جمع عاصفة وهي الريح الشديدة الهبوب.

2) (لم يكن لأحد في مهمز) المهمز الوقيعة، أي لم اكن مورداً للوقيعة، إذ لا نقص في (ولا لقائل في مغمز) الغمز: هو الإشارة بالسوء نحو أحد (الذليل عندي عزيز) أي أنزله منزلة الأعزاء (والقوي عندي ضعيف) لا أبالي بقوته ولا أخاف بطشه وسطوته.

3) (رضينا عن اللّه قضاءه) أي الذي حكم بأن نكون نحن سادةً وأمراء وجعلنا بمنزلة تكون محلاً لهجوم الأعداء، يداً ولساناً (وسلمنا للّه امره) التسليم عبارة عن عدم معارضة الإنسان قلبا أو لساناً مع ما قدر اللّه من الأمور (أتراني أكذب على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) ؟ أي كيف اكذب عليه فيما أخبر به عنه من الأخبار الغيبية.

4) (فنظرت في أمري) بعد ممات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - وكان هذه الجملة باعتبار قوله أول مصدق به - (فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي) فإنَّ اللّه سبحانه أوجب على الناس طاعتي، قبل أن يأخذ الرسول منهم البيعة لي في غدير خم (وإذا الميثاق) أي العهد الأكيد (في عنقي لغيري) وهو اللّه سبحانه يعني أنه أخذ علي الميثاق بأن أقوم بأعباء الخلافة ولذا تعرضت للأمر وإلا لم أكن أوقع نفسي في ميثاق الخلافة ومعارضتها.

الْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى (1)، وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللّه فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلال، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمَى، فَمَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ (2).

وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم المتقاعدين عن القتال

مُنِيتُ بِمَنْ لَا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ وَلا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ، لَا أَبَا لَكُمْا مَا تَنتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ؟ أَما دِينٌ يَجْمَعُكُمْ، وَلَا حَمِيَّةٌ تُحْمِشُكُمْ (3)! أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرخحاً وَأُنَادِيكُمْ مُتَغَوِّثاً، فَلَا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلاً، وَلَا تُطِيعُون لِي أَمْراً، حَتَّى تَكَشَفَ الأُمُورُ عَنْ عَوَاقِب الْمَساءَةِ (4)، فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ، وَلَا يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ، دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْر إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الأَسَرِّ، وَتَثَاقَلْتُمْ


1) (الشبهة) وهو الأمر المشكل وجهه هل هو حلال أم حرام ؟ (تشبه الحق) فلا يعلم أنها حق أم باطل؟ (فأما أولياء اللّه) أي أحباؤه إذا وقعوا في الشبهة (فضياؤهم فيها اليقين) أي يستضيؤون باليقين العام الذي لهم في الأمور، فإذا كانت الشبهة من مصاديق الباطل تركوها وإذا كانت من مصاديق الحق اقتحموا فيها (ودليلهم سمت الهدى) أي طريقه فإنَّ الهدى بادي العلاقة في أن الإمام على الحق.

2) (وأما أعداء اللّه) الذين لا يريدون اتباع الحق (فدعاؤهم فيها) أي في الشبهة (الضلال) أي إنما يدعون إلى الضلالة (ودليلهم العمى) أي أنهم كالذين يتقدمهم أعمى في القيادة حتى يوردهم موارد الهلكة لأنه لا يبصر الطريق (فما ينجو من الموت من خافه) فالإنسان وإن خاف الموت لا بد وأن يلاقيه ولا يعطى البقاء من أحبه) أي أحباء البقاء الأبدي فكل نفس هالكة إلا وجهه، وما كان لبشر من قبلك الخلد.

3) (منيت) أي ابتليت (لا أبا لكم) كلمة تستعمل في المدح - باعتبار أن الذي لا أب له يملك أمر نفسه وفي الذم - باعتبار أن من لا أب له تسوء تربيته ولا ظهر له (ما تنتظرون بنصركم ربكم) ؟ وهذا استفهام استنكاري أي ليس هناك غاية أحسن من نصر اللّه، فإنَّه موجب للسعادة في الدنيا والآخرة، فهل بعد ذلك انتصار آخر؟ (أما دين يجمعكم) ؟ على كلمة واحدة حتى تجاهدون في سبيلها (ولا حمية) أي أنفة ورفعة ونفس (تحمشكم؟) أي تغضبكم حتى تقوموا بالانتقام من أعدائكم ؟ من حمشه أي ساقه بغضب.

4) (أقوم فيكم مستصرخاً) أي أطلب صرختكم وانتصاركم لي، فإنَّ الناصر يصرخ للمنصور له حتى يسمع الصوت من هو بعيد فيأتي للنصرة (وأناديكم متغوثاً) أي قائلاً واغوثاه، والغوث هو الذي يغيث الإنسان وينقذه من أيدي أعدائه (حتى تكشف الأمور) أصله تنكشف حذفت إحدى تاءيه على قاعدة المضارع إذا اجتمعت في أوله تاءان (عن عواقب المساءة) أي أن الأمور في المستقبل تظهر عن العواقب التي توجب المساءة والحزن والذي يسوء.

تَثاقُلَ النَّضْوِ الأَدْبَرِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ، (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) (1)، (2).

[قال الرضي: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) متذائب أي مضطرب من قولهم تذائب الريح أي اضطراب هبوبها ومنه سمي الذئب ذئباً لاضطراب مشيته ].

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)في الخوارج لما سمع قولهم: «لا حكم إلا للّه»

كَلِمَةُ حَقٌّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إلا للّهِ، وَلَكِنَّ هؤلاء يَقُولُونَ : لَا إِمْرَةَ إِلا لِلّهِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلناسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ (3)، وَيُبَلِّغُ اللّه فِيهَا الأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْء


1) سورة الأنفال 6.

2) (فما يدرك بكم ثار) الثار هو الدم المراق ظلماً، أي أنكم لستم أنصاراً مجدين حتى يدرك الموتور ثاره بسببكم (ولا يبلغ بكم مرام) المرام المقصد أي لا يبلغ الإنسان بنصركم مقصده إذ أنتم لا تنصرونه (دعوتكم إلى نصر إخوانكم) فقد خطب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الخطبة بعد أن أغار نعمان بن بشير على عين التمر أحد أعمال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فجرجرتم جرجرة الجمل الأسر) الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته والأسر صفة للبعير الذي أصيب بداء السرر وهو مرض في سرته ينشأ من الدبرة التي تصيب البعير، وإذا مرض بذلك أظهر صوتاً رخيماً شجياً يدل على الضعف والوهن والمرض (وتثاقلتم) التثاقل هو التعاجز (تثاقل النضو) هو المهزول من الإبل (الأدبر) هو البعير المجروح في ظهره من القتب ونحوه (جنيد) تصغير جند أي جند قليل (متذائب) كأنه الشمعة المذابة (كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ) من الخوف والوجل (وَهُمْ يَنْظُرُونَ) فإنَّ الذي يرى الموت بعينه يكون بطيئاً في الحركة أكثر ومظاهر الوجل والخوف عليه أظهر.

3) (كلمة حق يراد بها باطل) يعني أن كون الحكم للّه كلمة حق إذ المشرع هو اللّه وحده لا الناس وإنما استعمل هذه الكلمة - الخوارج - في نفي تعيين الحاكم، وهذا غير مربوط بتلك الكلية، فإنَّ الحكم غير الحاكم، فالكلي صحيح والتطبيق باطل (لا إمرة إلا للّه) أي لا حكم إلا لله، والحاكم الذي يسوس الرعية غير الحكم والشريعة فالكبرى استعمالها في هذه الصغرى من باب المغالطة (برٍّ أو فاجر) فالبر يدير الشؤون حسب موازين الإسلام والتقوى، والفاجر يدير الشؤون حسب آرائه أو آراء الناس، لكنه يحفظ المجتمع في الجملة عن الانهيار والفوضى (يعمل في إمرته المؤمن) أي أن المؤمن في إمارة الأمير وحكومته يعمل لأجل آخرته (ويستمتع فيها الكافر) أي أن الكفار تحت إمارة الأمير يستمتعون بما قدر لهم من أنواع الاستمتاعات في الدنيا

وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُو وَتَأْمُنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ القَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بِهِ بَرَّ وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ (1).

وفي رواية أخرى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما لما سمع تحكيمهم قال حُكْمَ اللّه أَنْتَظِرُ فِيكُمْ. وقال : أَمَّا الإِمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا التقِيُّ وَأَمَّا الإِمْرَةُ الْفاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ، إلى أنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ وَتُدْرِكَهُ منيتَهُ (2).

وَمِن خُطبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الوفاء

إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ، وَلَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ، وَلا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ. وَلَقَدْ أَصْبَحْنا في زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً، وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْنِ الْحِيلَةِ (3). مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللّه! قَدْ يَرَى الحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهُ مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللّه وَنَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ


1) (ويبلغ اللّه فيها) أي في إمرة الأمير (الأجل) أي ينتهي كل شيء إلى أجله الطبيعي، وذلك بخلاف ما لو عاش الناس بلا أمير فإنَّ الاضطراب ينقص الآجال (ويجمع به الفيء) أي المال اللازم التمشية الأمور المصالح العامة (ويقاتل به) أي بالأمير (العدو) إذ الأمير هو الذي يجمع الناس لمحاربة الأعداء (وتأمن به السبل) جمع سبيل وهو الطريق، فإنَّ اللصوص وقطاع الطرق إنما يخافون بأس الحكومات والسلطات (حتى يستريح به بر) إذ يعيش في كنفه في أمن وسلام (ويستراح من فاجر) يريد أذى الناس وإشاعة الفوضى في البلاد.

2) (حكم اللّه أنتظر فيكم) أي أني منتظر أن يحكم اللّه بقتلهم فأقتلهم حسب أمره، فإني، مطبق ما ذكروا من أنه لا حكم إلا للّه (البرة) أي الصالحة (فيعمل فيها التقي) بجميع موازين التقوى (إلى أن تنقطع مدته) المقررة لبقائه فيها (وتدركه منيته) أي موته.

3) (ولا أعلم جنة أوقى منه) أي من الوقاء فإنَّه أحفظ للإنسان من سائر أقسام الجنة والوقاية (ولا يغدر) بنقض العهد (من علم كيف المرجع) أي من كان عالماً بأحوال الآخرة (اتخذ أكثر أهله) الظاهر أن المراد بالأكثرية بالنسبة إلى من بيدهم العقد والحل (الغدر كيساً) أي عقلاً وسياسة ودهاء (ونسبهم أهل الجهل فيه) أي في الزمان أو في الغدر، أي الجاهلون في هذا الزمان، أو الجاهلون بعواقب الغدر (إلى حسن الحيلة) أنه حيلة حسنة.

بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَريجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ (1)

وَمِنْ كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اتباع الهوى وطول الأمل

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ : اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الأَمَلِ، فَأَمَّا اتِّباعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ (2). أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُهَا (3). ألَا وَإِنَّ الآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بامِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الْيَومَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابٌ وَغَداً حِسَابٌ، وَلَا عَمَلٌ (4).


1) (ما لهم قاتلهم اللّه) دعاء عليهم بالهلاك (قد يرى الحول) أي البصير بتحويل الأمور القادر على الخروج من المشاكل (القلب) العارف بتقليب الأمور القادر على أن يقلب الأمر ليخرج من الأزمة (وجه الحلية) يعرف طريق الخلاص (ودونه مانع من أمر اللّه ونهيه) فهو لا يفعل شيئاً لأن اللّه أمره بلزوم عمله، فلا يغدر مثلاً لأن اللّه نهى عن الغدر (فيدعها) أي الحيلة (رأي عين) أي في حال كونه قد رآها رأي العين، فليس عدم عمله لجهله بالمخرج وإنما لمانع له عن ذلك (وينتهز) أي يستلب ويأخذ (فرصتها) أي فرصة وجه الحيلة (من لا حريجة له في الدين) الحريجة التحرج والتحرز من الآثام.

2) (أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم) أي أن أكثر الأشياء خوفاً عليكم (اثنتان) أي خصلتان الأولى: (اتباع الهوى) بأن يتبع الإنسان ميوله النفسية التي تأمره بالملذات والمشتبهات المحرمة، (و) الثانية (طول الأمل) بأن يمني نفسه بالبقاء في الدنيا طويلاً (فيصد) أي يمنع (فينسي الآخرة) إذ الإنسان إذا طال أمله اشتغل بأمور الدنيا وانغمس في ملذاتها وذلك يوجب نسيان الآخرة.

3) (الا) فليتنبه السامع (قد ولت) أي أدبرت (حذاء) أي ماضية سريعة التصرم والانقضاء (إلا صبابة) هي البقية من الماء واللبن التي تبقى في الإناء معرضة للصب (اصطبها) أي تركها (صابها) أي تاركها.

4) (ألا) فليتنبه السامع (وإن الآخرة قد أقبلت) وكل آت مقبل، وكلما مضى يوم من أيام الدنيا، اقتربت الآخرة بمقدار يوم (ولكل منهما) أي من الدنيا والآخرة (بنون) فبنو الدنيا من يهتمون لها وبنو الآخرة من يستعدون لأجلها (فإن كل ولد سيلحق بأمه يوم القيامة) فمن كان من أبناء الدنيا يلحق بالدنيا ويلقى في جهنم ومن كان من أبناء الآخرة يلحق الآخرة ويذهب إلى الجنة (وإن اليوم عمل ولا حساب) إذ كل عامل خيراً وشراً لا يحاسب من عند اللّه سبحانه ولا يجازى ما يستحق من الجزاء (وغداً حساب ولا عمل) فبالموت ينقطع العمل ويحاسب كل فريق بما عمل.

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الإستعداد لحرب أهل الشام

وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جرير بن عبد اللّه البجلي إلى معاوية

إِنَّ اسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَجَرِيرٌ عِنْدَهُمْ، إِغْلَاقٌ لِلشَّامِ، وَصَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَيْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ. وَلَكِنْ قَدْ وَقَتْ لِجَرِيرٍ وَقْتاً.

لا يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلا مَخْدُوعاً أَوْ عاصِياً. وَالرَّأْيُ عِنْدِي مَعَ الأَنَاةِ فَأَرْوِدُوا وَلَا أَكْرَهُ لَكُمُ الإعْدَادَ (1).

وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الأَمْرِ وَعَيْنَهُ، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطْنَهُ، فَلَمْ أَرَ إِلا الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى النَّاسِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً، وَأَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالاً فَقَالُوا، ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا (2).


1) (إن استعدادي لحرب أهل الشام) بأن أعد العدة للمحاربة (إغلاق للشام) أي إغلاق لأبواب السلم في وجوههم (وصرف لأهله عن خير إن أرادوه) في إطاعة الإمام (وقت لجرير وقتاً) أي حدّدت له موعداً (إلا مخدوعاً أو عاصياً) فاعل أي إن أقام بعد الوقت على المخالفة، لم يخل حاله عن أحد :أمرين: أما أنه قد خدع وغرّ، فلا يأتي إلى الطاعة، وأما إنه عاصٍ وفي كلا الحالتين قد أتممت الحجة، ولا غضاضة في المحاربة، بعد ذلك (والرأي عندي مع الأناة) أي أن نصبر (فأرودوا) من الإرواد وهو السير برفق (ولا أكره لكم الإعداد) أي لا مانع من أن تستعدوا للحرب، ولكن لا تحاربوا حتى تظهر العاقبة.

2) (ولقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه) وهذا مثل يراد به الاستقصاء في البحث والطلب فكما أن من يضرب عين إنسان وأنفه فقد هزمه بتغيير ملامحه وتشويهه كذلك من يستقصي في الأمر، فكأنه غلب على الأمر وهزمه (وقلبت ظهره وبطنه) وهذا تشبيه آخر، فإنَّ الإنسان إذا أراد الاطلاع على الشيء يقلبه ظاهراً وباطناً حتى لا يبقى شيء معضلاً لا يعرفه بل يطلع على خفاياه كما اطلع على ظاهره (فلم أر إلّا القتال) بأن نقاتلهم (أو الكفر) فإنَّهم إن بقوا قلبوا الأمة كافرين (أنه قد كان على الناس وال) أي عثمان (أحدث أحداثاً) أي أبدع بدعاً في الإسلام (وأوجد للناس مقالاً) أي فتح على نفسه باباً، أن يقول المسلمون فيه كل شر (ثم) لما يروا منه تغييراً للمفاسد (نقموا) وغضبوا عليه (فغيروا) بأن اجتمعوا فقتلوه.

وَمِنْ كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هروب مصقلة بن هبيرة إلى معاوية

لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية، وكان قد ابتاع سَبْي بني ناجية من عامل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأعتقهم، فلما طالبه بالمال خاس به وهرب إلى الشام

قَبَّحَ اللّه مَصْقَلَةَ فَعَلَ فِعْلَ السَّاداتِ، وَفَرَّ فِرَارَ الْعَبِيدِ! فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ، وَلَا صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ، وَلَو أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ، وَانْتَظَرْنا بِمَالِهِ وُفُورَهُ (1).

وَمِنْ خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يوم الفطر

الْحَمْدُ للّه غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلَا مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ، وَلَا مَأْيُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ، وَلَا مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ الَّذِي لَا تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ، وَلَا تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ (2). وَالدُّنْيَا دَارٌ مُنِي لَهَا الْفَنَاءُ، وَلأَهْلِهَا مِنْهَا الْجَلاءُ، وَهِيَ حُلْوَةٌ


1) (قبح اللّه مصقلة) هذا دعاء عليه بأن يقبحه اللّه تعالى الجملة الخبرية (فعل فعل السادات) فإنَّ الإنسان السيد يعطف على الضعفاء ويفك الاسراء (وفر فرار العبيد) إذ العبد إذا لم يجد للعسر يسرا فر، (فما أنطق مادحه) أي أنه بفعله فعل السادات جعل الناس يمدحونه (حتى أسكته) فإنَّ الإنسان إذا عمل سيئاً بعد عمل حسن، لم يمدحه أحد لأن السيئات تحبط الحسنات ولا صدق واصفه فمن كان يصفه - سابقاً - بالفضيلة كان فعله مصدقاً له (حتى بكته) التبكيت هو الإسكات بعنف وتقريع (ولو أقام) في مقامه ولم يفر (لأخذنا ميسوره) أي المال الذي كان متيسراً عنده (وانتظرنا بماله وفوره) أي زيادة ماله في المستقبل حتى نأخذ منه الباقي، فلم نكن نضيق عليه.

2) (غير مقنوط من رحمته) أي لست مأيوساً من رحمته تعالى (ولا مخلو من نعمته) يعني أن نعمه سبحانه دائمة التهطال عليّ (ولا مأيوس من مغفرته) أي أني آمل وراج أن يغفر لي، وهذا لا ينافي عصمته (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فإن الانبياء والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) حيث كانوا يرون أنفسهم في محضر اللّه سبحانه كانوا يعدون الضروريات الجسدية خلاف الأولى، فكانوا يستغفرون منها (ولا مستنكف عن عبادته) أي لا أتكبر عن عبادته سبحانه وطاعته (الذي لا تبرح منه رحمة) أي أن رحمته دائمة لا تنقطع (ولا تفقد له نعمة) فإنَّ نعمه سبحانه متواترة دائمة لا يفقدها الإنسان، في وقت من الأوقات.

خَضِرَةٌ، وَقَدْ عَجِلَتْ ِللطَّالِبِ، وَالْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ (1)، فَارْتَحِلُوا عِنهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، وَلَا تَسْأَلُوا فيها فَوْقَ الْكَفَافِ، وَلَا تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلاغِ (2).

وَمِنْ كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند عزمه على المسير إلى الشام

اللّهمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَابَةِ المُنْقَلبِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالمَالِ (3). اللّهمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ. وَأَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، وَلَا يَجْمَعُهُما غَيْرُكَ، لأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لَا يَكُونُ مُسْتَصْحَباً، وَالمُسْتَصْحَبُ لَا يَكُونُ مُسْتخْلَفَاً (4).

وَمِنْ كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكر الكوفة

كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ وَتُرْكَبِينَ


1) (والدنيا دار مني لها الفناء) أي قدر لها (ولأهلها منها الجلاء) أي الخروج (وهي حلوة خضرة) فمذاقها حلو، ومنظرها خضر يانع جالب (وقد عجلت للطالب) أي أسرعت إليه، فإنَّ من طلب الدنيا أسرعت الدنيا إليه (والتبست بقلب الناظر) أي أن الدنيا اختلطت بقلب الذي ينظر إليها، فإنَّ محبتها داخلة في القلب.

2) (فارتحلوا عنها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد) أي هيئوا لأنفسكم أحسن الزاد الذي تتمكنون منه، وهو الإيمان باللّه والعمل الصالح (ولا تسألوا فيها فوق الكفاف) أي فوق المقدار الذي يكفيكم حتى يكون عليكم حسابه ووباله (ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ) أي الذي يبلغكم إلى الآخرة، حتى تكونوا خزاناً لغيركم وعليكم وبال المفاضل.

3) (اللّهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر) اصل [اللّهم] ياللّه حذف حرف النداء، وعوض عنه [الميم] والوعثاء المشقة (وكآبة المنقلب) أي الرجوع، بمعنى أن لا نرجع محزونين للحوق الانهزام بنا (وسوء المنظر في الأهل والمال) بأن أرى منظراً يسوءني في أهلي أو مالي.

4) (أنت الصاحب في السفر) أي تصحب عنايتك ورعايتك المسافر فلا يصيبه أذى وانت الخليفة في الأهل أي تبقى رعايتك خلفاً للمسافر، عند أهله لئلا يصيبهم مكروه (ولا يجمعهما غيرك) أي الاستصحاب للمسافر والبقاء عند أهله، فإنَّ غير اللّه سبحانه لا يقدر على هذا الجمع بين المتنافيين.

بِالزَّلَازِلِ (1)، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلا ابْتَلَاهُ اللّه بِشَاغِل وَرَمَاهُ بِقَاتِل (2)!

وَمِنْ خُطْبَةِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند المسير إلى الشام

الْحَمْدُ للّه كُلَّما وَقَبَ لَيْلٌ وَغَسَقَ، وَالْحَمْدُ للّه كُلّمَا لَاحَ نَجْمٌ وَخَفَقَ، وَالْحَمْدُ للّه غَيْرَ مَفْقُودِ الإِنْعَامِ، وَلَا مُكَافِ الإِفْضَالِ (3). أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدَّمَتِي وَأَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا المَلْطَاطِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَقْطَعَ هذِهِ الْنُّطْفَةَ إِلَى شِرْدِمَةٍ مِنْكُمْ مُوَطَّنِينَ أَكْنَافَ دَجْلَةَ، فَأُنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ، وَأَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ الْقُوَّةِ لَكُمْ (4).


1) (كأني بك) أصله كأني أرى بواسطتك، والشيء إذا صار على حالة رأى الإنسان تلك الحالة بواسطة ذلك الشيء (يا كوفة) ومثل هذا الخطاب للسامعين، وإن كان موجهاً نحو شيء لا يعقل (تمدين مد الأديم العكاظي) عكاظ كان سوقاً للعرب قرب الطائف يجتمعون إليه من أول ذي القعدة ليتعاكظوا - أي يتفاخروا - كل بما لديه من فضيلة أو أدب فكان يباع فيه كل شيء، وأكثر ما يباع فيه [الأديم] وهو الجلد المدبوغ، ولذا نسب إليه، والمعنى أنه كما يمد الأديم [ كالمطاط] كذلك تمدين أنت يا كوفة بواسطة العسف والحروب والانقلابات والثورات (تعركين بالنوازل) جمع نازلة وهي المصيبة الشديدة سميت بذلك لأنها تنزل من السماء والعرك: الدلك وتركبين بالزلازل جمع زلزلة وهي الأمر الذي يوجب الاضطراب والتحرك العنيف، أي أن الزلازل تركبك، وتكون فيك.

2) (بشاغل) أي بما يشغله عنك، من مرض أو موت أو ما أشبه ممّا يصرفه عنك ورماه) بقاتل) أي بأمره يقتله ويهلكه.

3) (كلما وقب ليل) أي دخل الليل (وغسق) أي اشتدت ظلمته (كلما لاح نجم) أي ظهر في السماء (وخفق) أي غاب، أو تموج بسبب هبوب الهواء (غير مفقود الإنعام) أي أن نعمه لا تفقد بل تستمر وتتوالى ولا مكافا الإفضال أي أن الإنسان لا يتمكن أن يكافئ، فضله وإحسانه.

4) (مقدمتي) أي مقدمة جيشي - كما مر ا(لملطاط) هو حافة الوادي وشفيره وساحل البحر (وقد أردت أن أقطع هذه النطفة) أي الفرات لأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عبره إلى المدائن، والنطفة هي الماء القليل (إلى شرذمة منكم) أي جماعة منكم، وهم أهل المدائن (موطنين أكناف دجلة) أي الذين أخذوا الوطن في جوانب نهر دجلة، فإنَّ اكناف جمع كنف وهو الطرف (فأنهضهم معكم إلى عدوكم) أي أجعلهم يتعاونون معكم لمحاربة معاوية (وأجعلهم من أمداد القوة لكم) الأمداد: جمع مدد وهو ما يتقوى الجيش به من الرجال والسلاح.

يقول السيد الرضي : يعني (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالملطاط ههنا السمت الذي أمرهم بلزومه وهو شاطئ الفرات، ويقال ذلك أيضاً لشاطئ البحر فأصله ما استوى من الأرض، ويعني بالنطفة ماء الفرات وهو من غريب العبارات وعجيبها.

وَمِنْ خُطْبَة لِه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفات الربوبية والعلم الإلهي

الْحَمْدُ للّه الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الأُمُورِ، وَدَلَّتْ عَلَيهِ أَعْلَامُ الظُّهُورِ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصيرِ، فَلَا عَيْنُ مَنْ لَمْ ترهُ تُنْكِرُهُ، وَلَا قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُه (1): سَبَقَ فِي الْعُلُو. فَلَا شَيْءٍ أَعْلَى مِنْهُ، وَقَرُبَ فِي الدُّنو فَلَا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ. فَلَا اسْتِعْلاؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ. لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، وَلَمْ يَحْجُبُهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ (2)، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلَامُ الْوُجُودِ، عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي


1) (بطن خفيات الأمور) معنى بطن الخفيات علمها، وخفيات الأمور، ما خفي على الحواس من أعماقها، وما غاب عنها (أعلام الظهور) جمع علم، وهو علامة الشيء الدالة عليه، والمراد بها الأدلة الظاهرة التي تدل عليه سبحانه (وامتنع على عين البصير) فإنَّ الإنسان المبصر لا يشاهده ولا يراه لا في الدنيا ولا في الآخرة لفقد شرائط الرؤية بالنسبة إليه كما ذكروه في علم الكلام (فلا عين من لم تره تنكره) إذ العين إنما تنكره غير المبصر إذا لم يدل عليه دليل وقد دلت الأدلة على وجوده تعالى (ولا قلب من أثبته يبصره) أي المثبت لوجوده تعالى لا يتمكن من رؤيته، والمراد أن غير الرائي لا يتمكن من إنكاره والمثبت لا يتمكن من إبصاره.

2) (سبق في العلو) هو قبل كل عال، كما أنه أعلى من كل عال رتبة (فلا شيء أعلى منه) فإنَّ المخلوق لا يمكن أن يكون أعلى من الخالق (وقرب في الدُّنو) دنو علم وقدرة (فلا شيء أقرب منه) حتى أنه سبحانه أعلم بالإنسان وأقدر على الإنسان من الإنسان بالنسبة إلى نفسه (فلا استعلاؤه) أي علوه (باعده عن شيء من خلقه) كما هو الشأن في الأجسام فكلما علا جسم على جسم ازداد ابتعاداً عنه (ولا قربه ساواهم في المكان به) إذ ليس القرب هنا بمعنى القرب الجسمي حتى يكون المتقارب إلى الشيء مساوياً له في المكان، بل كما تقدّم علوّ معنوي وقرب بالعلم والقدرة والإحاطة (لم يطلع العقول على تحديد صفته) فإنَّ عقل الإنسان لا يتمكن من إدراك صفته سبحانه، إذ المدرك يحيط بالمدرك، واللّه سبحانه لا يحاط بذاته ولا أوصافه لأنها غير متناهية والشيء المتناهي لا يحيط بما لا يتناهى (ولم يحجبها عن واجب معرفته) أن العقل وإن لم يطلع على كنه صفاته تعالى، ولكنه يعرف مقداراً قليلاً - ممّا وجب أن يدرك ويعرف.

الْجُحُودِ، تَعَالى اللّه عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كَبيراً (1)!

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وقوع الفتن

إِنَّمَا بَدءُ وُقُوع الفتَنِ أهواءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتابُ اللّه، وَيَتَوَلَّى عَلَيْها رجالٌ رِجَالاً عَلَى غَيْرِ دِينِ اللّه (2). فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزاج الحقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقِّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ لَانْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ، وَلَكِن يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هذَا ضِعْثٌ، فَيُمْزَجَانِ ! فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللّه الْحُسْنَى (3).

وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما غلب أصحاب معاوية على شريعة الفرات

لما غلب أصحاب معاوية أصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على شريعة الفرات بصفين ومنعوهم من الماء

قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ، فَأَقِرُوا عَلَى مَذَلَّةٍ، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ، أَوْ رَدُّوا


1) (الذي تشهد له أعلام الوجود) أي أدلته والمراد بها الموجودات (على إقرار قلب ذي الجحود) يعني أن الإنسان الذي يجحد وينكر وجوده تعالى باللسان، فإنَّما هو مقر بالقلب، لما يعرف من اعلام الوجود والآيات الكونية (تعالى اللّه) أي ترفع (عما يقوله المشبهون به) فهو ارفع من مزاعم الوثنيين الذين يشبهون اللّه بخلقه، ومزاعم الذين يظنون أن اللّه بخلقه، ومزاعم الذين يظنون أن اللّه جسم او له صفات الأجسام (والجاحدون له) أي المنكرون له فإنَّه أرفع عن الإنكار (علواً كبيراً) أي علواً زائداً.

2) (إنما بدء وقوع الفتن) جمع فتنة، أي ابتداء وقوعها (اهواء تتبع) بأن يتبع ملقي الفتنة هواه صارفاً نظره عن الحق والدين (وأحكام تبتدع) بأن يبتدع الشخص حكماً جديداً أحدثه من نفسه، ثم يجمع له أنصاراً حتى يصطدم بالمحقين ويسبب الفتنة والاضطراب (رجال رجالاً) بأن يستعين الأناس المبتدعون بأناس آخرين (على غير دين اللّه) يعني على الهوى والبدعة.

3) (فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق) إن كان الباطل في جانب والحق في جانب آخر (لم يخف) الباطل (على المرتادين) من أرتاد بمعنى طلب، والمراد به طالب الحق. (ولو أن الحق خلص من لبس الباطل) بأن لم يلبس على الحق لباس الباطل (لانقطعت عنه السن المعاندين) فإنَّ الذين يعاندون الحق إنما يمدون السنتهم إلى الحق بالطعن فيه من جهة الباطل الذي صار لباساً له، بأعمال الذين يلبسون الحق بالباطل (ضغث) أي قبضة ومقدار (فيمزجان) ويخلط أحدهما بالآخر (فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه) أي أحبائه والتابعين له، بأن يأخذون الباطل باسم الحق ويطعنون في الحق، لأنه ملبوس بالباطل (وينجو) من التردي (الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى) أي الذين علم اللّه سبحانه أنّ لهم الصفة الحسنى، فلا يأخذون إلا بالحق.

السُّيُوفَ مِنَ الدَّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ (1)، فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ وَالْحَيَاةُ في مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ. أَلَا وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَّةً مِنَ الغُواةِ وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنيَّة (2).

وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التزهيد في الدنيا، ونعم اللّه على الخلق

أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بِوَدَاع، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ، فَهِيَ تَحْفِرُ بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا، وَتَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا (3)، وَقَدْ أَمَرَّ مِنهَا مَا كَانَ حُلُوا وَكَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الإِدَاوَةِ أَوْ


1) (قد استطعموكم القتال) أي طلبوا منكم أن تطعموهم، وذلك لأن عملهم ذلك كان في معنى طلب القتال (فأقروا على مذلة) أي أما أن تقروا على الذل ولا تحاربوهم (وتأخير محله) أي تأخير المنزلة عن رتبة الشرف والشجاعة والدفاع عن الحقوق (أو رَوُّوا) من الارتواء بمعنى الشرب من الماء إلى أن يذهب الظمأ (السيوف من الدماء) بتكثير القتل فيهم (ترووا من الماء) لأنهم إذا وجدوا السيف انزاحوا عن الماء.

2) (فالموت في حياتكم مقهورين) أي أن الإنسان المقهور ميت، وإن كان في الظاهر حياً (والحياة في موتكم قاهرين) لأن القاهر تبقى آثار الحيوية وذكره الجميل بعده، وذلك ثمرة الحياة (ألا) فليتنبه السامع لمة من الغواة اللمة: الذين يجمعون من اللّم بمعنى الجمع، والغواة جمع غاوي، بمعنى الضال (وعمس عليهم الخبر) أي أخفى الحقيقة عليهم (حتى جعلوا نحورهم أغراض المنية) نحور جمع نحر، وأغراض جمع غرض وهو الهدف كأنهم استعدوا لأن يموتوا في سبيل معاوية، وهذا تحريض لأصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقتالهم وبيان مقدار صمود أولئك حتى يقدّورا موقفهم فإنَّ بيان مقدار استعداد العدو موجب للاستعداد في الطرف المقابل.

3) (الا) فلينتبه السامع (قد تصرمت) أي انقطعت وذهبت (وآذنت) أي أعلمت (بوداع) بأنها تذهب وتنقضي (وتنكر معروفها) أي صار المعروف قليلاً حتى أنه ينكر ولا يعرف (وأدبرت حذاء) أي مسرعة في الذهاب والرحيل (فهي تحفز) أي تدفع (بالفناء) أي نحو الموت (سكانها) الذين هم ساكنون فيها في حياة وعيش (وتحدو) أي تسوق (بالموت جيرانها) الذين يجاورونها فالدنيا سائقة والموت عصاها والهلاك الغاية.

جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ، لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعُ (1). فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللّه الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ، وَلَا يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الأَمَلُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ (2). فَوَاللّه لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلهِ الْمِجَالِ، وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ وَجَأَرْتُمْ جُوَارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللّه مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ، الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ، أَوْ غُفْرَان سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَكَانَ قَلِيلاً فِيمَا أَرْجُو لَكُم مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ(3). وَاللّه لَوِ انْمَانَتْ قُلوبُكُمُ انْمِيَاناً، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا ما الدُّنْيَا بَاقِيَةٌ مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ عَنْكُمْ - وَلَوْ لَمْ


1) (وقد أمر) أي صار مُراً (ما كان حلوا) هذا كناية عن المشاكل التي حدثت فيها (وكدر منها ما كان صفواً) أي تغير لونه من الصفاء إلى الكدورة (سملة) بقية الماء في الحوض ونحوه (الإداوة) هي المطهرة التي يتطهر بها وذكر ذلك لتأكيد الحقارة (أو جرعة) هي المقدار الذي يتجرعه الإنسان مرة واحدة (المقلة) المقلة حصاة كان المسافرون يضعونها في الإناء ثم يصبون الماء فيه إلى أن يغمرها ويتناول كل منهم مقدار ما غمره يفعلون ذلك لتسوية القسمة فيما شح ماؤهم (لو تمززها) التمزز: الامتصاص قليلاً قليلاً (الصديان) هو العطشان (لم ينقع) أي لم يرو من العطش.

2) (فاز معوا) أي اعزموا يا (عباد اللّه الرحيل) فإنَّ مريد السفر يخفف حمله ويهتم بالأمر، وليس كالظاعن الذي لا يبالي (المقدور على أهلها الزوال) أي أن اللّه سبحانه قدر وحكم على زوال أهلها وعدم بقائهم فيها (ولا يغلبنكم فيها الأمل) فتأملون البقاء الطويل، وتهتمون بها (ولا يطولن عليكم الأمد) بأن إذا رأيتم أنه قد طال أمدكم في البقاء، تركنون إليها وتنسون الآخرة.

3) (لو حننتم) التحنن العطف والميل (حنين الولّه) جمع واله، وهي الإبل التي فقدت ولدها (العجال) جمع عجول وهي الإبل التي فقدت ولدها (بهديل الحمام) هديله صوته الشجي لفقد إلفه (وجأرتم) من الجوار وهو الصوت المرتفع (متبتلي الرهبان) المتبتل المنقطع للعبادة والرهبان جمع راهب، وهو الخائف غلب على المسيحي المنقطع عن الدنيا إلى العبادة (وخرجتم إلى اللّه) أي إلى محل تعبدونه فيه (من الأموال والأولاد) لئلا تتعلقون بعلائقها فتصرفكم عن العبادة (التماس القربة إليه) أي لأجل طلب التقرب إليه تعالى والمراد تقرب المنزلة والمرتبة فإنَّه سبحانه منزه عن المكان (في ارتفاع درجة عنده) بأن يتفضل عليكم برفع الدرجات في الآخرة (أحصتها) أي أثبتتها (كتبه) جمع كتاب، وهو ما يدرج فيه أعمال الخلائق (وحفظتها رسله) وهم الملائكة، كما قال سبحانه (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]. (لكان قليلاً) جواب [لو] (فيما أرجو لكم من ثوابه) فإنَّ ثوابه سبحانه شيء عظيم جداً، حتى أنه لا يخطر بقلب بشر من كثرته وعظمته (وأخاف عليكم من عقابه) إذ عقابه لا يطاق.

تبقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ - أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ، وَهُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلإِيمَان (1).

وَمِنْ كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكرى يوم النحر وصفة الأضحية

وَمِنْ تَمَامِ الأُضْحِيَةِ اسْتِشْرافُ أُذُنِهَا، وَسَلامَةُ عَيْنِهَا، فَإِذَا سَلِمَتِ الأُذُنُ وَالْعَيْنُ سَلِمَتِ الأَضْحِبَةُ وَتَمَّتْ، وَلَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ الْقَرْن تَجُرُّ رِجْلَها إِلَى الْمَنْسَكِ (2).

قال السيد الشريف الرضي والمنسك هنا المذبح.

وَمِنْ خُطْبَةِ لَه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند تزاحم الناس لبيعته

فَتَدَاكُوا عَلَيَّ تَدَاكَ الإِبِلِ الْهِيم يَوْمَ وِرْدِهَا، قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِليَّ، أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَي (3)، وَقَدْ قَلَّبْتُ


1) (لو إنماثت قلوبكم انمياثاً) انماث: بمعنى ذاب، وهذا كناية عن انكسار النفس خوفاً ووجلاً تشبيهاً للمعقول بالمحسوس (وسالت عيونكم) أي دموعها، (من رغبة إليه) إلى ثوابه ورضاه تعالى (أو رهبة منه) أي خوفاً من نكاله وسخطه (دما) فإنّ الإنسان إذا بكى كثيراً جف ماء عينيه ويوجب الضغط إخراج الدم من آماقه (عمرتم في الدنيا ما الدنيا باقية) أي إلى آخر أيام الدنيا (ما جزت اعمالكم عنكم) جواب [لو] ومفعول [جزت] ما يأتي من قوله [أنعمه] يعنى أنكم لو كنتم كذلك، لم تكن تجزي أعمالكم في مقابل نعمه تعالى، فكيف إذا لم تكونوا كذلك؟ (ولو لم تبقوا شيئاً من جهدكم) يعني أنكم لو عملتم بمنتهى طاقتكم مع ذلك لا تؤدّون حق نعم اللّه سبحانه (وهداه إياكم للإيمان) فالهداية نعمة تشريعية، وسائر النعم نعم تكوينية، وأنّى للإنسان أن يقوم بأداء حق هذه النعم التي لا تقابل بشيء؟.

2) (ومن تمام الأضحية) هي المنسوبة إلى الأضحى، إذا كان ذبحها وقت الضحى في اليوم العاشر من ذي الحجة [من تمامها] من الشروط أو الآداب (استشراف اذنها) أي طولها، وذلك كناية عن عدم نقصها خلقة أو عارضاً، (وسلامة عينها) بأن لا تكون عوراء ونحوها (ولو كانت عضباء القرن) أي مكسورته (تجر رجلها إلى المنسك) وهذا كناية عن عرجتها والمنسك المذبح.

3) (فتداكوا) بمعنى التزاحم، (الهيم) جمع هائم، وهي الوالهة عطشاً (يوم وردها) أي يوم شربها الماء، فإنَّ الإبل في ذلك اليوم تزاحم بعضها بعضاً تزاحماً عجيباً (قد أرسلها) أي أطلقها على الماء (وخلعت مثانيها) أي أن الحبال قد فكت عنها (حتى ظننت أنهم قاتلي) ومعنى ظننت أن المحل كان محل الظن فإن شدة الازدحام يوجب أن يداس الإنسان، وأن يضيق عليه التنفس ممّا يوجب إزهاق الروح (أو بعضهم قاتل بعض لدي) لعين السبب الذي ذكر.

هذَا الأَمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُني إِلا قِتَالُهُمْ أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءني بِهِ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (1)فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أهون عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الآخِرَةِ (2).

وَمِنْ كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين

أَمَّا قَوْلُكُمْ : أَكُلَّ ذلِكَ كَرَاهِيَةَ المَوْتِ ؟ فَوَاللّه مَا أُبَالِي، أَدَخَلْتُ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَيَّ (3). وَأَمَّا قَوْلُكُمْ شَكّاً فِي أَهْلِ الشَّامِ! فَوَاللّه مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلَّا وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَق بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِي بِي، وَتَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي، وَذلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلَالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوهُ باتامها (4).


1) (وقد قلبت هذا الأمر) أي قلبت وجوه الرأي في مقاتلة هؤلاء القوم (بطنه وظهره) من يريد الإقدام على عمل مهم يفكر في وجوهه ومحتملاته (حتى منعني النوم) أي أن الفكر منعني عن النوم (فما وجدتني) أي لم أجد نفسي (يسعني إلا قتالهم) أي يجوز لي ذلك، لأنهم أهل الباطل (أو الجحود) أي الإنكار (بما جاءني به محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) فإنَّ من ترك قتال البغاة كان منكراً لأمر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بلزوم قتالهم.

2) (فكانت معالجة القتال) أي أعالجه وأقاسي مشقاته (من معالجة العقاب) في الآخرة، الناشئ عن مخالفة اللّه ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وموتات الدنيا) أي أهوالها وشدائدها الشبيهة بالموت صعوبة وانية - ممّا تسببها الحرب – (أهون علي من موتات الآخرة) التي تسببها مخالفة اللّه والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وهذا كناية عن أنه يرى قتالهم، ولكنه إنما لا يقدم لمصالح آخر، كما ذكر بعضها، فليس في تأخيره قتالهم تردداً وشكاً، وإنما مصلحة وحكمة.

3) (أكل ذلك كراهية الموت؟) أي كان المنع عن القتال لأجل أن الإمام يكره الموت (أدخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ) هذا تشبيه للموت بسبع في وجاره يدخل الإنسان إليه تارة فيفترسه ويخرج هو إلى الإنسان مرة فيقتله.

4) (شكا في) جواز قتال (أهل الشام فـ) ليس كذلك إذ (واللّه ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة) من أصحاب معاوية (فتهتدي بي) أي بسببي إلى الحق فإنَّ الخداع لا يلبث أن يزاح فيظهر الحق (وتعشو) يقال عشا إلى النار إذا أبصرها ليلا فقصدها (إلى ضوئي) ويكون ذلك سبباً لنجاتهم من النار (تبوء بآثامها) أي تحمل خطاياها، فتأخيري للرفق لا لخوف الإثم.

وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم صفين حين أمر الناس بالصلح

وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، نَقْتُلُ آبَاءَنا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنا وَأَعْمَامَنَا : مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إِلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الألم وَجِداً في جِهَادِ الْعَدُو (1). وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ فَمَرَّةٌ لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، وَمَرَّةٌ لعدوّنا مِنَّا (2)، فلمّا رَأَى اللّه صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَمُتَبَوِّداً أَوْطَانَهُ (3). وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ وَلَا الحضَرَّ لِلإِيمَانِ عُودٌ. وَايْمُ اللّه لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً، وَلَتتبِعُنَّهَا نَدَماً (4)!


1) (نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا) يريد بذلك أنهم كانوا مستعدين لأن يضحوا في سبيل الإسلام بأقرب أقربائهم (إلا إيماناً وتسليماً) فلم نكن نجد في أنفسنا غضاضة في الإسلام والإيمان، بل كنا نزيد صموداً (ومضياً على اللقم) هو جادة الطريق (وصبراً على مضض الألم) أي لذعته وشدته، (وجداً في جهاد العدو) فتقوى أنفسنا على الجهاد أكثر فاكثر.

2) (ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصلولان) أي يطلب كل واحد منهما إزهاق روح الآخر، فإنَّ التصاول هو أن يحمل كل قرن على قرنه يريد قتله (تصاول الفحلين) من الشاة (يتخالسان أنفسهما) أي يريد كل منهما أن يختلس روح الآخر ويسلبها عن بدنه (أيهما يسقي صاحبه كأس المنون) المنون هو الموت (فمرة لنا من عدونا) فنغلبهم (ومرة لعدونا منا) فيكون الغلب لهم.

3) (فلما رأى اللّه صدقنا) في الجهاد والمثابرة وأنا ماضون سواءً غَلبنا أو غُلبنا (أنزل بعدونا الكبت) أي الذل والخذلان (وأنزل علينا النصر) حتى انتصرنا عليهم في نهاية المطاف. (حتى استقر الإسلام) بأن لم يخف إزالته ومحوه عن الوجود (ملقياً جرانه) جران البعير: مقدم عنقه من مذبحه إلى منخره، والبعير إذا نام آمناً القى جرائه على الأرض، وهذا كناية عن استقرار الإسلام وعدم الخوف عليه من الأعداء (ومتبوئاً أوطانه) يقال تبوأ الدار إذا جعلها منزلاً ومأوى له، يعني أن الإسلام اتخذ لنفسه أوطاناً هي محل اجتماع المسلمين وداراً لهم.

4) (ولعمري) أي قسماً بحياتي (لو كنا نأتي) في سبيل الإسلام مثل (ما أتيتم) أنتم أيها المعاصرون لي من الضعف والجبن والوهن (ما قام للدين عمود) فكما أن الخباء يقوم بالعمود كذلك الدين يقوم بشعائره وأحكامه (ولا اخضر للإيمان عود) كناية عن عدم حياته، فإنَّ الشجر إذا لم يخضر عوده كان دليلاً على موته. (وأيم اللّه) أي قسماً باللّه سبحانه (لتحتلبنها دماً) أي ستجنون من أعمالكم شيئاً سيئاً كما أن من يحتلب الناقة فيأتي الدم مكان الحليب يكون وبالاً عليه (ولتتبعنها ندماً) أي تندمون على وهنكم وضعفكم.

وَمِنْ كَلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصف به معاوية

أَما إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُوم، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ، وَيَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ! (1)أَلَا وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي، فَأَمَّا السَّبُ فَسُئُونِي، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ وَلَكُمْ نَجَاةٌ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فِلَا تتبرّأوا مِنِّي، فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَسَبَقْتُ إِلى الإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ (2).

وَمِنْ كَلَام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلم به الخوارج

أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ، وَلَا بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرا بَعْدَ إِيمَاني بِاللّه. وَجهَادِي مَعَ رِسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ؟ (لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ !) (3)فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ. وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الأَعْقَابِ. أَمَا إِنَّكُمْ !


1) (أما) للتنبيه (إنه سيظهر عليكم) أي يتسلط عليكم يا أهل الكوفة (بعدي رجل رحب البلعوم) أي واسع مجرى الحلق، وذلك كناية لكثرة أكله، وكبر لقمته (مندحق البطن) أي عظيم البطن، بارزه (ياكل ما يجد) من الملك، ومن الطعام، فإنَّ معاوية كان كثير الأكل بعد ما دعا عليه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بقوله : اللّهم لا تشبع بطنه، كما أنه كان حريصاً على توسيع سيطرته (ويطلب ما لا يجد) من المأكل والأملاك، (فاقتلوه ولن تقتلوه) هذا إخبار عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنهم لم يفعلوا ذلك، وإن كان مستحقاً للقتل ولو كان المسلمون قتلوه يوم وجدوه لم يجرهم إلى تلك الويلات التي يقاسي المسلمون عواقبها إلى يومنا هذا.

2) (الا) فتنبهوا (وأنه سيأمركم بسبي) فقد كان معاوية لعنه اللّه يأمر بسب الإمام وشتمه لإسقاط منزلته عن القلوب (والبراءة مني) بأن تتبرأوا مني باطناً، فإنَّ السب لساني، والبراءة باطنية (فأما السب فسبوني) وقد أباح الإسلام إظهار السب باللسان لإنقاذ الحياة، (فإنه لي زكاة) أي تطهير عند اللّه سبحانه، (ولكم نجاة) عن القتل الذي ينزله معاوية بكم إن امتنعتم عن سبي (وأما البراءة فلا تتبرأوا مني) ولا تقطعوا ودكم وصلتكم القلبية عني (فإني ولدت على الفطرة) أي فطرة الإسلام، (وسبقت إلى الإيمان) حيث كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أول الناس إيماناً (والهجرة) مع الرسول إلى المدينة، فلا يوجد في ما يبرر البراءة مني، لأني متصل الإيمان والإطاعة.

3) (أصابكم حاصب) هي ريح شديدة تحمل الحصباء إذا أصابت الإنسان أعطبته، والجملة دعاء عليهم بالهلاك (ولا بقي منكم آبر) أي رجل يقوم بتأبير النخل وإصلاحه، من أبر النخل إذا لقحه، وهذا دعاء عليهم بالفناء جميعاً (أشهد على نفسي بالكفر) أي كيف أشهد وأنا أول مؤمن وأول مجاهد فإنَّ الكافر لا يكون مؤمناً ولا مجاهداً.

سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاً شَامِلاً، وَسَيْفاً قاطعاً، وَأَثَرَةٌ يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سنَّة (1).

قال الرضي (رَحمهُ اللّه) : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا بقي منكم آبر يروى بالباء والراء من قولهم رجل آبر للذي يأبر النخل أي يصلحه، ويروى آثر وهو يأثر الحديث أي يرويه ويحكيه وهو أصح الوجوه عندي، كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لا بقي منكم مخبر، ويروى آبز بزاي المعجمة، وهو الواثب والهالك أيضاً يقال له آبز.

وَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما عزم على حرب الخوارج وقيل له: أنهم قد عبروا جسر النهروان

مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ، وَاللّه لا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ (2).

قال الرضي (رَحمهُ اللّه) [ يعني بالنطفة ماء النهر وهو افصح كناية عن الماء وإن كان كثيراً جما ].


1) (فأوبوا شرّ مآب) أي ارجعوا عن دينكم إلى شر مجمع وهو الكفر. (وارجعوا على أثر الأعقاب) جمع عقب، وأثرها العلائم التي تتركها على الأرض عند المشي، وذلك لتأكيد كون الرجوع في نفس المسير الذي ساروا فيه، والأمر في المقامين للتهديد، وإظهار التضجر. (ستلقون بعدي ذلاً شاملاً) أي ذلاً يشملكم فقد وضع آل أمية فيهم السيف وعمموهم بالذل بلا هوادة ولا رحمة (وسيفاً قاطعاً) كناية عن قتلهم بأيدي الرؤساء من بعد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) [وأثرة] هي الاختصاص بالملك دون الخوارج (يتخذها الظالمون فيكم سنة) أي عادةً مستمرة لا يحيدون عنها.

2) (مصارعهم) أي مواضع وقوعهم قتلى على وجه الأرض (دون النطفة) أي قبل الفرات والنطفة أصلها الماء القليل، واستعملت في الماء الكثير أما بعلاقة الضد أو باعتبار قياسه إلى ماء البحر (واللّه لا يفلت منهم عشرة) أي لا ينجو من الخوارج عشرة فإنَّهم قتلوا جميعاً باستثناء تسعة منهم ولا يهلك منكم أصحابي (عشرة) فإنَّه قتل منهم ثمانية أشخاص فقط.

وَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قتل الخوارج فقيل له يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم!

كَلاً وَاللّه، إِنَّهُمْ، نُطَفٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلّابِينَ (1).

وَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكر الخوارج

لَا تَقتِلُوا الْخَوَارِجَ مِنْ بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقِّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ (2).

وَمِنْ كَلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما خوّف من الغيلة

وَإِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللّه جُنَّةٌ حَصِينَةٌ، فَإِذا جَاءَ يَوْمِي انْفَرَجَتْ عَنِّي وَأَسْلَمَتْنِي فَحِينَئِذٍ لَا يَطِيشُ السَّهْمُ، وَلَا يَبْرَأُ الْعَلمُ (3).


1) (كلا واللّه) [كلا] للردع أي أنهم لم يهلكوا جميعاً (إنهم نطف في أصلاب الرجال) نطف جمع نطفة، وأصلاب جمع صلب، وهو فقار الظهر، (وقرارات النساء) أي ترائبهن وهي عظام الصدر وهذا كناية عن أنهم يمتدون ويخرجون من آبائهم إلى الوجود، وقد كان كما أخبر الإمام فإنَّ بعض الخوارج لم يقتلوا ثم أخذوا يكثرون بالتوالد وبإغواء الناس حتى قتلوا الإمام وافسدوا في بلاد الإسلام، وبقوا إلى يومنا هذا. (نجم) أي ظهر (قرن) أي فئة، وسميت قرناً لكونها شبيهاً به في ظهوره أول ما يظهر من أجزاء الحيوان (قطع) أي استأصل، (حتى يكون اخرهم) أي مآل آخرهم أن يصبحوا (لصوصاً سلابين) فإنَّهم إذا لم يتمكنوا من مواجهة السلطات علنا التجأوا إلى الجبال والصحارى يسلبون الناس ويفسدون في الأرض.

2) (لا تقتلوا الخوارج من بعدي) وإنما نهى عن قتلهم لأنه علم عدم ولاية الأمر - بعده - من يستحقه ومن المعلوم أنه لا يجوز لغير الولي الشرعي قتل الناس - هكذا قيل، لكن فيه نظر لما ذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) من التعليل بقوله (فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه) فإنَّ الخوارج كانوا قد طلبوا الحق لكنهم أخطأوه، بخلاف معاوية وأصحابه الذين أرادوا الباطل فأصابوه.

3) (الغيلة) القتل على غفلة من المقتول (جنة حصينة) أي وقاية تحصنني عن القتل وتحفظني من الاغتيال ما دام لم يأت وقتي (فإذا جاء يومي) أي يوم موتي (انفرجت عني) أي ابتعدت الجنة عني والانفراج هو الانشقاق (لا يطيش السهم) من طاش السهم بمعنى انحرف عن الغرض والمراد سهم المنية (ولا يبرأ الكلم) أي الجرح أي لا يطيب بل يفعل المقدور أثره.

وَمِنْ كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التزهيد

أَلا وإنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لَا يُسْلَمُ مِنْهَا إِلا فِيهَا، وَلَا يُنْجَى بِشَيْءٍ كَانَ لَهَا : ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةٌ، فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ، وَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامُوا فِيهِ (1)، وأَنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيَءِ الظَّلِّ، بَيْنَا تَرَاهُ سَابِعاً حَتَّى قَلَصَ، وَزَائِداً حَتَّى نَقَصَ (2).

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الاستعداد للموت

فَاتَّقُوا اللّه عِبَادَ اللّه، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأعْمَالِكُمْ، وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَتَرَحْلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ (3)وَكُونُوا


1) (ألا) فليتنبه السامع (وإن الدنيا دار لا يسلم منها إلا فيها) الإنسان إذا عمل صالحاً وهو في الدنيا نجا من شرورها وعواقبها، وإن لم يعمل صالحاً حال كونه فيها ابتلي بعواقبها السيئة (ولا ينجى بشيء كان لها) إنما النجاة بما يعمل للآخرة (فتنة) أي لأجل الاختبار والامتحان (فما أخذوه منها) لها لأجل دنياهم من المال والجاه وما أشبه (أخرجوا منه) لأن الموت إذا جاء أخرج الإنسان ممّا هيأه من ملاذه وشهواته (وحوسبوا عليه) فإنَّ الإنسان يحاسب على ما جمع من الدنيا. (وما أخذوه منها لغيرها) ممّا قدموه لآخرتهم من الإنفاق والعمل الصالح (قدموا عليه) فإنَّ الإنسان يذهب نحو أعماله الصالحة التي أرسلها إلى آخرته في حياته (وأقاموا فيه) أي بقوا مخلدين في النعيم الذي قدموه لأنفسهم.

2) (عند ذوي العقول) الذين لهم عقول سليمة (كفيء الظل) أي الظل الذي يفيء ويرجع وهو ظل ما بعد الزوال، أو المراد الظل الذي يفيء، وهو ما قبل الزوال ممّا تنسخه الشمس، وهذا أقرب معنى والأول اظهر لفظاً (سابغاً حتى قلص) أي انقبض (وزائداً حتى نقص) والدنيا هكذا لا تلبث أن تزول وتعدم.

3) (فاتقوا اللّه) أي خافوا عقابه (وبادروا أجالكم بأعمالكم) أي اعملوا قبل أن يوافيكم الأجل (وابتاعوا) أي اشتروا (ما يبقى لكم) من الآخرة (بما يزول عنكم) من الدنيا، وذلك بأن يصرف الإنسان جسمه وماله في مرضاة اللّه حتى ينال الآخرة (وترحلوا) أي انتقلوا، والمراد به هنا تهيئة الزاد للآخرة (فقد جدّ بكم) أي حثثتم للرحيل (واستعدوا للموت) بتهيئة الأمور اللائقة للآخرة (فقد أظلكم) تشبيه لقربه بالشيء الذي يظل الإنسان لأنه اقترب إليه حتى أنه صار على رأسه والقى ظلاله عليه.

قَوْماً صِبحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا، فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكُكُمْ سُدّى، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ (1). وَإِنْ غَايَةٌ تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُها السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بقِصَر الْمُدَّةِ. وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ : اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الأَوْبَةِ(2). وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالفَوْزِ أَو الشَّقْوَةِ لَمُسْتَحِيٌّ لأَفْضَلِ العُدَّةِ. فَتَزَوَّدُوا مِن الدُّنْيَا، في الدُّنْيَا، مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً (3)، فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبِّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ، قَدَّمَ تَوْبَتَهُ وغَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ وَالشَّيْطَانُ مُوَكَّلْ بِهِ، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا، وَيُمَنِّبِهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا، حَتَّى تَهجم مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكونُ عَنْهَا (4). فَيَا لَهَا حَسْرَةٌ عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ


1) (صيح بهم) والصائح هم الأنبياء والأئمة والصلحاء حيث أرادوا تنبيههم عن نومهم الذي هم فيه (فانتبهوا) أي تيقظوا وقاموا من النوم (ليست لهم بدار) أي دار بقاء (فاستبدلوا) أي باعوا هذه الدار واشتروا الدار الآخرة (لم يخلقكم عبثاً) أي بلا غاية وغرض حتى يهملكم (ولم يترككم سدى) أي هملاً بلا تكليف.

2) (وإن غاية تنقصها اللحظة) إنَّ مدة بقاء الإنسان في الدنيا تنقصها كل لحظة من لحظات الإنسان (وتهدمها الساعة) فإنَّ كل ساعة تهدم جزءاً من أجزاء العمر (لجدير بقصر المدة أي حقيق بأن تكون ذات مدة قصيرة (وإن غائباً) والمراد به الموت أو أمور الآخرة (يحدوه) أي يسرعه ليحضر (الجديدان الليل والنهار) سميا بذلك لأن كلا منهما يتجدد كل يوم (لحري) أي حقيق (بسرعة الأوبة) أي الرجوع.

3) (وإن قادماً) هو الموت أو أمور الآخرة (يقدم بالفوز أو الشقوة) وذلك إذا كان الإنسان من أهل الصلاح أو إذا كان الإنسان طالحاً (لمستحق لأفضل العدّة) أي أن يعد الإنسان له أفضل عدة حتى توجب تلك العدة أن يقدم بالفوز لا بالشقوة (فتزودا) أي خذوا الزاد (من الدنيا) بالأعمال الصالحة، والحال أنتم في الدنيا فإن زاد الآخرة إنما يحصل في حال كون الإنسان في الدنيا (ما تحرزون به أنفسهم غد) أي تحفظون عن العذاب والسخط عند الموت وبعده - وجعله باعتبار مقابلة اليوم الذي هو مجموع عمر الإنسان في الدنيا.

4) (فاتقى عبد ربه) أي خاف من ربه، فلم يعص (نصح نفسه) والنصح هو أن يظهر الإنسان ما يوجب سعادة الطرف، وكأن الإنسان بالعمل الصالح يكون ناصحاً للطرف، فطرف ناصح وطرف منصوح - والسر أن الإنسان يجد في نفسه ازدواجاً، ولذا يكون فيها تجاذب وتدافع، نحو كل عمل خيراً أو شرّاً، هذا يأمر وهذا ينهى (قدَّم توبته) لم يؤخر حتى يفلت الزمام من يده (وغلب شهوته) أي اشتهاءه للمعاصي والآثام وما يوجب بعده عن ساحة القرب (فإنَّ أجله) الذي يوجب انتقاله من الدنيا إلى الآخرة (مستور عنه) إذ لا يعلم الإنسان أنه أي وقت يموت (وأمله خادع له) يخدعه فربما لا يصل إلى أمله (والشيطان موكل به) أي هو كالموكل الذي يلاحظ أموره ويوجهه نحو الضلال (يزين له المعصية) فيبين له فوائدها ويصرف نظره عن مضارها (ليركبها) أي يرتكبها (ويمنيه التوبة) أن التوبة ممكنة في المستقبل (ليسوفها) أي ليؤجّلها.

عَلَيْهِ حجةٌ، وَأَنْ تُؤدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشَّقْوَةِ نَسْأَلُ اللّه سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ وَلَا تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ، وَلَا تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَلَا كَابَةٌ (1).

وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تنزيه اللّه تعالى

الْحَمْدُ للّه الَّذِي لَمْ يَسْبِقُ لَهُ حَالٌ حَالاً، فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً، كُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرُهُ قَلِيلٌ، وَكُلُّ عَزِيزِ غَيْرُهُ ذَلِيلٌ، وَكُلُّ قَوِيٌّ غَيْرُهُ ضَعِيفٌ، وَكُلُّ مَالِكِ غَيْرُهُ مَمْلُوكٌ، وَكُلٌّ عَالِمِ غَيْرُهُ مُتَعَلِّمٌ، وَكُلُّ قَادِرٍ غَيْرُهُ يَقْدِرُ وَيَعْجَرُ (2)، وَكُلُّ سَمِيع غَيْرُهُ


1) (فيا لها حسرة) وهذه حكاية حال الذي تأتي إليه المنية وهو أغفل ما يكون، إذ يتحسّر أشد الحسرة (على كل ذي غفلة) هذه الحسرة الهائلة إنما هي للإنسان الغافل عن آخرته أن يكون عمره عليه حجة يحتج اللّه سبحانه بعمره عليه فيقول (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾ [فاطر: 37] (وأن تؤديه أيامه إلى الشقوة) أي شقاء أبدي في الآخرة (لا تبطره نعمة) أي لا توجب بطره وطغيانه ونسيانه الآخرة ومعنى [يجعلنا] أن يلطف بنا الألطاف الخفية حتى نتجنب عن الطغيان (ولا تقصر به عن طاعة ربه غاية) أي أن بلوغ بعض الغايات الدنيوية لا تسبب تقصيره عن طاعة ربه حتى لا يطيع (ولا تحل به بعد الموت ندامة) بأن يندم على تقصيره في الدنيا (ولا كآبة) وهي الحزن وانقباض النفس.

2) (الحمد للّه الذي لم يسبق له حال حالاً) كأن يكون موجوداً قبل أن يكون عالماً، وأن يكون عالماً قبل أن يكون قادراً، وهكذا، كما هو صفة الخلق، والسرّ في ذلك أن اللّه فيكون أولاً قبل أن يكون آخراً فإنَّ اللّه سبحانه لا زمان له حتى يعتبر في بعض أحواله [أولاً] وفي بعض أحواله [آخراً] (ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً) كما هو الشأن في الأشياء فإنَّها ظاهرة ثم تبطن (كل مسمى بالوحدة غيره قليل) أي الأشياء المتفردة التي تطلق عليها الوحدة، كالإنسان الواحد والشجرة الواحدة غيره تعالى قليل لأنه في مقابل الكثرة، بخلافه سبحانه فإنَّه مع وحدته أقوى من كل شيء (وكل عزيز غيره ذليل) إذ عزته وقتية إضافية، لا عزة له بذاته، ولا دوام لعزته بخلافه تعالى (وكل قوي غيره ضعيف) بذاته، وإن كان قوياً بالإضافة (وكل مالك غيره مملوك) فكونه مالكاً لا يوجب سيادته بعد كونه بذاته مملوكاً للّه تعالى، أما اللّه تعالى فهو المالك بقول مطلق الذي لا مالك له وكل عالم غيره متعلم) قد تعلم العلم، فإنَّ الإنسان حين يأتي إلى الدنيا ليس بعالم وإنما يحصل العلم، بخلافه سبحانه فإنَّه عالم بذاته لم يتعلم العلم من أحد (وكل قادر غيره يقدر ويعجز) أي يقدر على شيء ويعجز عن شيء، ويقدر في وقت ويعجز في وقت بخلافه سبحانه فإنَّه قادر على كل شيء في كل زمان، لا حد لقدرته.

يَصُمُّ عَنْ لَطِيفِ الأَصْوَاتِ، وَيُصِمُّهُ كَبِيرُهَا وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا، وَكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرُهُ يَعْمَى عَنْ خَفِي الْأَلْوَانِ وَلَطِيفِ الأَجْسَامِ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرُهُ بَاطِنٌ، وَكُلٌّ بَاطِنٍ غَيْرُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ (1). لَمْ يَخْلُقُ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلَا تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانِ، وَلَا اسْتِعَانَةٍ عَلَى نِدٍّ مَثَاوِرٍ، وَلَا شَرِيكٍ مُكَابِرٍ، وَلَا ضِدّ مُنَافِرٍ، وَلَكِنْ خَلَائِقُ مَرْبُوبُونَ، وَعِبَادٌ دَاخِرُونَ لَمْ يَحْلُلْ فِي الأَشْيَاءِ فَيُقَال : هُوَ كَائِنٌ، وَلَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ : هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ (2). لَمْ يَؤُدُهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ وَلَا


1) (وكل سميع غيره يصم) أي لا يسمع (عن لطيف الأصوات) أي الأصوات الضعيفة بخلافه سبحانه فإنَّه يسمع كل صوت وإن كان في منتهى الإخفات واللطافة (ويصمه كبيرها) فإنَّ الصوت الهائل يوجب صمم الإنسان لخرقه محل السماع ويذهب عنه ما بعد منها أي أن الأصوات البعيدة لا يسمعها الإنسان، وهذا بخلافه سبحانه، فإنَّ الأصوات الهائلة والخافتة والبعيدة والقريبة كلها متساوية عنده تعالى، إذ ليس سمعه بالألة والجسمية حتى يفرق الأمر عنده (وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان) أي الألوان المختلفة في خلايا الأجسام أو الألوان الضعيفة، فإنَّ العين لا تدرك إلا الألوان الظاهرة الشديدة، ولذا نرى بالمجهرات الألوان الضعيفة بينما لا نراها بالعين المجردة، وهناك ألوان لا ترى حتى بالمجهر (ولطيف الأجسام) أي الأجسام الدقيقة كالجراثيم الصغيرة والذرات، وقد توصل العلم إلى اختراع الميكروسكوبات ولكنها لا ترى الأدق من مدى المجهر (وكل ظاهر غيره باطن) فإنَّ الأشياء مهما كانت معروفة، فإنَّها مستورة عن كثير الناس، والظهور هو الانكشاف بعكس البطون (وكل باطن غيره غير ظاهر) فإنَّ الشيء المخفي والشيء المعدوم غير ظاهر ولا منكشف للناس، وذلك بخلافه سبحانه فإنَّه مع كونه باطناً ظاهر بالآيات والأدلة.

2) (لم يخلق ما خلقه) من جميع الأكوان (لتشديد سلطان) أي لأجل أن تقوى سلطته كما هو الشأن الناس (ولا تخوف من عواقب زمان) بأن خاف أن يدور زمانه إلى زمان سيئ فخلق ما خلق ليكون له ذخيرة في يوم حاجته وزمان فقره (ولا استعانة) لأن يستعين به (على ند) أي أي مثل (مثاور) أي المحارب (ولا شريك مكابر) بأن يكون له شريك يريد أن يستعلي عليه ولا ضد

تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ وَلَا وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ، وَلَا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شبهةٌ فِيمَا قَضَى وَقَدَّرَ (1)، بَلْ قضَاءٌ مُنْقَنٌ وَعِلْمٌ مُحْكَمٌ، وَأَمْرٌ مُبْرَمٌ، الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَم والْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ (2)!

وَمِنْ كَلَامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأصحابه يوم صفين

في تعليم أصحابه كيفية القتال، قالوا، وقد قال هذا الكلام في صفين ليلة الهرير، أو غيرها

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ : اسْتَشْعِرَوا الْخَشْيَةَ، وَتَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ وَعَضُّوا عَلَى النَّوَاجِدِ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ. وَأَكْمِلُوا اللّامَةَ وَقَلْقِلُوا السُّيوف في أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلْهَا. وَالْحَظُوا الْخَزْرَ، وَاطْعَنُوا الشَّزْرَ، وَنَافِحُوا بِالظُّبَا، وَصِلُوا

منافر) أي مغالب بأن يريد الضد أن يغلبه في الرفعة والعلو (خلائق مربوبون) أي مملوكون، فإنَّه مفعول من [رب] والرب الحقيقي - أي المربي في جميع المراحل - هو المالك (وعباد داخرون) أي أذلاء، لا ضدية ولا ندية ولا شراكة لهم مع اللّه سبحانه (لم يحلل في الأشياء فيقال: هو كائن) فيها، فإنَّه سبحانه منزّه عن المكان، إذ المكان من عوارض الحادث، واللّه سبحانه أزلي، وقوله [فيقال هو كائن] أي كائن بهذا النحو، إذ ليس المراد نفي كونه [كائناً] بقول مطلق (ولم ينأ عنها أي عن الأشياء (فيقال هو منها) أي من الأشياء (بائن) أي منفصل، وليس كالجسم الذي إن حلّ في شيء كان كائناً فيه، وإن لم يحل كان بائناً.


1) (لم يؤده خلق ما ابتدأ) لم يثقل عليه شيء (ولا تدبير ما ذرأ) [ذرا] بمعنى خلق أي أن تدبير أمور المخلوقين لا يثقل عليه سبحانه (ولا وقف به عجز عما خلق) بأن يكون له مقدار من القدرة، حتى إذا أعملها انتهت وعجز عما سوى ذلك (ولا ولجت عليه) أي دخلت عليه تعالى (شبهة فيما قضى وقدر) كما هو صفة الإنسان إذا عمل عملاً رأى بعض النقائص فيه تدخله الشبهة هل كان مصيباً فيما عمل أم لا.

2) (قضاء متقن) لا تدخله الشبهة (وعلم محكم) لا حد له ولا وقوف ولا تزلزل (وأمر مبرم) من [أبرم] بمعنى قتل الحبل فتلاً محكماً (المأمول مع النقم) يعني أنه سبحانه وإن أنزل النقمة بعبد من عباده، لا ينقطع رجاء ذلك العبد عنه تعالى (والمرهوب مع النعم) يعني أنه تعالى مع أنه ينعم، مرهوب.

السيوف بِالْخُطَا (1)، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَينِ اللّه، وَمَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللّه. فَعَاوِدُوا الْكَرَّ، وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ، فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الأَعْقَابِ وَنَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ. وَطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً، وَامْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً (2)، وَعَلَيْكُمْ بِهذَا السَّوَادِ الأَعْظَمِ، وَالرِّوَاقِ المُطَنَّبِ، فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي


1) (معاشر المسلمين) منادى محذوف منه حرف النداء، وهو جمع معشر بمعنى الجماعة (استشعروا الخشية) أي لازموها في حال الحرب، فإنَّ الإنسان الذي يخشى من اللّه سبحانه يعمل بجد وإخلاص ولا يقف لخوف من الناس أو مأرب من مآرب الدنيا (وتجلببوا السكينة) من الجلباب، وهو الثوب الطويل الذي تلبسه المرأة فوق ثيابها لستر جميع جسدها (وعضوا على النواجذ) جمع ناجذ وهو أقصى الأضراس والعض على النواجذ يوجب قوة إرادة الإنسان لازدياد الحرارة في أعصاب الرأس، والحرارة تلازم شدة البطش (فإنه أنبى للسيوف عن الهام) أي موجب لإبعاد سيف العدو، والذي افهم من هذا الكلام أنه كناية عن ما يلازم تلك الصفات أو الصفة الأخيرة من قوة الإنسان، وبعض الشراح فسروه بقولهم أنه إذا عض الإنسان على ناجذه كانت هامته أصلب على مقاومة السيف فكان أنبي عنها وأبعد عن التأثير فيها (واكملوا اللامة) هي الدروع، أو مطلق آلات الحرب، وإكمالها، الإتيان بها كاملاً، لزيادة التهيؤ للحرب (وقلقلوا السيوف) أي جربوها بالإخراج والإدخال مراراً (في أغمادها قبل سلها) جمع غمد وهو قراب السيف، وإنما يفعل ذلك لئلا يعصى السيف حال الحرب فلا يخرج من غمده فيكون الغلب للعدو حيث إنه مسلح، وهذا أعزل (والحظوا الخزر) الخزر النظر، ومعنى لحظ، إلقاء النظر قوياً نظر مغضب، فإنَّ الإنسان إذا لحظ لحظاً قوياً بخزر هاج غضبه فيكون أقدر على القتال (واطعنوا الشزر) الشزر هو الطعن في الجوانب يميناً وشمالاً، والمراد بذلك تكثير الطعن بالضرب يميناً وشمالاً، حتى يحمى وطيس الحرب ويكون التسلط لهم على الأعداء (ونافحوا بالظبا) النفح هو الضرب، وظبا جمع ظبية وهي طرف السيف وحده، ولعلّ هذا لأجل عدم الاقتراب كثيراً من العدو أو المراد المحاربة بالسيف دون الرمح والنبل فإنَّ المحاربة به أوجب لإلقاء الهزيمة في العدو (وصلوا السيوف بالخطا) أي تقدموا نحو العدو بخطوات وأنتم تضربونه بالسيف فإنَّه يوجب الهزيمة في العدو لما يجد من الجرأة والجسارة.

2) (بعين اللّه) أي أنه سبحانه ينظر إليكم وإلى أعمالكم، وذلك أوجب للإقدام، والخوف من الانهزام (ومع ابن عم رسول اللّه) (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أي إنكم مع الحق، والإنسان الذي علم أنه مع الحق يكون أربط جاشاً وأقوى قلباً (فعاودوا الكر) بأن كلما رأيتم طرفاً من جيش الأعداء اهجموا عليهم، وهذا ممّا يوجب النصر(واستحيوا من الفر) اخجلوا من الفرار (عار في الأعقاب) جمع عقب، فإنَّ الأولاد والأحفاد يعيرون بفرار آبائهم (ونار يوم الحساب) كما قال سبحانه: وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَدِ... فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّه وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ [الأنفال : 16] (وطيبوا عن أنفسكم نفساً) أي ادفعوا هذه النفوس لتأخذوا بدلها نفساً أخرى في يوم القيامة منعمة مكرمة. (مشياً سجحاً) بمعنى سهلاً، وهذا تحريض لهم على اقتحام غمار الحرب غير مبالين بالموت المحتمل.

كِسْرِهِ، وَقَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً وَأَخَرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً. فَصَمْداً صَمْداً! حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ، وَاللّه مَعَكُمْ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (1).

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الإحتجاج على الأنصار

قالوا: لما انتهت إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنباء السقيفة بعد وفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت منا أمير ومنكم أمير

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فَهَلاً احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟

قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَوْ كَانَتِ الإِمَامَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ(2). فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ


1) (بهذا السواد الأعظم) المراد به جماهير أهل الشام الذين كانوا في ركاب معاوية، وذلك كناية عن اقتحام وسط الحرب لا التناوش من أطرافها وجوانبها (والرواق المطنب) الرواق الفسطاط، والمطنب بمعنى المشدود بالإطناب والمراد به خيمة معاوية والواقعة في وسط الجماهير (فاضربوا ثبجه) الثبج الوسط (فإن الشيطان كامن في كسره) أي في وسط هذا الرواق، والمراد به معاوية، أو أن المراد أن الشيطان إنما يبث كيده ومكره من هناك، والمراد بالكسر الشق الأسفل، ولعل وجه التخصيص بذلك أن الأوامر تصدر من شقوق الخيمة السفلى، فهو تمثيل لطيف (وقد قدم للوثبة يداً) أي الشيطان، حيث يريد أن يقفز للأمام إذا وجد الفرصة، (وأخر للنكوص رجلاً) أي أنه ينظر إلى المعركة فإنَّ وجد هزيمة من الطرف وثب إلى الأمام، وإن وجد صلابة ارتد إلى الخلف، فإنَّ نكص بمعنى رجع (فصمداً صمداً) أي ثبوتاً ثبوتاً (حتى ينجلي لكم) أي يظهر (عمود الحق) أي وسطه القوي، فإنَّ المحن توجب الريب والشك في الحق فإذا انزاحت ظهر الحق جلياً لا غبار فيه ولا شبهة تعتريه (ولن يتركم أعمالكم) أي لا ينقصكم شيئاً من جزائها.

2) (فهلا احتججتم عليهم) أي على الأنصار، وهذه لفظة ردع وتأنيب (بأن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وصى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ؟ والظاهر أن المراد من حديث الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) التجاوز عن الإساءة التي لا توجب حكماً شرعياً من حكماً شرعياً من حد أو تعزير أو ما أشبه - كما لا يخفى - (وما في هذا من الحجة عليهم) أي كيف يحتج بهذا الأنصار وكيف يكون كلام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) موجباً لبطلان إماراتهم التي أرادوها ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم) فلو كان الأنصار أمراء، كان اللازم أن يوصيهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بأن يعطفوا على الناس لا أن يوصي الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بأن يُعطف عليهم.

قالوا : احتجت بأنها شجرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ (1).

وَمِنْ كَلامَ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قلد محمد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل

وَقَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةً مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُنبَةَ، وَلَوْ وَلَّيْتُهُ إيَّاهَا لما خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ، وَلَا أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ بِلا ذمّ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً، وَكَانَ لِي رَبِيباً (2).

وَمِنْ كَلامَ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوبّخ فيه أصحابه

كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ، وَالثّيَابُ الْمُتَدَاعِيَةُ! كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبِ تَهَتّكَتْ مِنْ آخَرَ، أَكُلَّمَا أَضَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ


1) (فماذا قالت قريش) ؟ أي المهاجرون في جواب كلام الأنصار (قالوا احتجت) لكونها أحق بالخلافة (بأنها شجرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) لأنهم من عشيرته والعشيرة بعضهم أولى ببعض في الأمور (قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة) فالثمرة آل البيت وعلى رأسهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يعني أنه لو كانت الخلافة بالقرابة، لكان الإمام أحق بها من سائر قريش، لأن المقصود بالشجرة الثمرة.

2) (وقد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة) دون محمد بن أبي بكر، فقد كان محمد شاباً قليل الخبرة، ولذا غلبه عمرو بمكره ودهائه (ولو وليته) أي هاشم (إياها) أي مصر (لما خلّى لهم العرصة) أي عرصة مصر، وأصل العرصة فناء الدار، وكل بقعة واسعة بين الدور (ولا)أنهزهم الفرصة) أي لم تأتهم فرصة الغلبة على مصر واستلابها من محمد، ولعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان ولى محمد ولم يول هاشماً لمحذور كان هناك، وهذا لا ينافي علمه بالواقع، وليس هذا تأسفاً بل إخباراً (بلا ذم لمحمد بن أبي بكر) أي أن ذلك ليس ذماً لمحمد، فإن الإنسان إذا خانته الأقدار والظروف ليس مذموماً بعد أن بذل جهده (ربيباً) أي ابن زوجتي فقد كانت [أسماء] زوجة [جعفر ابن أبي طالب] وولدت له [عبد اللّه ] ثم لما قتل (عَلَيهِ السَّلَامُ) تزوجها (أبو بكر بن أبي قحافة] فأولدها [محمداً] ولما مات أبو بكر، تزوجها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان محمد ربيب الإمام أي ابن زوجته.

أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ، وَانْجَحَرَ انْجِحَارَ الضَّبَّةِ فِي جُحْرِهَا، وَالضَّبُعِ فِي وجَارِهَا (1).

الذّلِيلُ وَاللّه مَنْ نَصَرْتُمُوهُ وَمَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ. وَإِنَّكُمْ - واللّه - لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ، قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ، وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ، وَلكِنِّي لَا أَرَى إِصْلَاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي (2). أَضْرَعَ اللّه خُدُودَكُمْ، وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ لَا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلِ، وَلَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ (3)!


1) (كم أداريكم) المداراة المماشاة مع الطرف بحيث لا يعاقبه الإنسان ولا يقاطعه وإن أوجب ذلك (كما تدارى البكار) جمع بكر وهو الفتى من الإبل (العمدة) وهو من الإبل الذي انفضح باطن سنامه لكن ظاهره سلم، فإنَّ الإنسان يداري هذه الإبل لئلا تكثر جراحها (والثياب المتداعية) أي الخرقة التي قد انخرقت، فإنَّ الإنسان لا يقدر أن يلبسها كما يلبس البزة الجديدة، فلا مبالاة ولا مداراة (كلما حيصت من جانب) أي خيطت تلك الثياب من جوانبها المشقوقة تهتكت من جانب آخر أي تخرقت من جانب آخر لتداعيها وتهالكها (أكلما أطل عليكم) أي أشرف عليكم (منسر) هو القطعة من الجيش التي تتقدم أمام الجيش الكثير (أغلق كل رجل منكم بابه) كناية عن تخفيه خوفاً من أن يُرى فيكلّف الجهاد والذهاب لرد العادية (وانجحر) بمعنى دخل في الجحر (انجحار الضبة) هي نوع من حيوان البر شبية بالقط - نوعاً ما - (في جحرها) أي ثقبها، فإنَّها إذا رأت الإنسان خافت واختفت في دارها التي حفرتها في جوف الأرض (و الضبع) هو حيوان سبع (في وجارها) أي بيتها.

2) (الذليل - واللّه - من نصرتموه) لأن نصرتهم كانت قليلاً تغني فكان الذي ينصروه بتلك النصرة الضئيلة ذليلاً لتغلب الأعداء عليه (ومن رمى بكم) أي من جعلكم كالسهم يرمي به أعداءه (فقد رمى بأفوق ناصل) الأفوق من السهام ما كسر فوقه أي موضع الوتر منه والناصل العاري من النصل - وهو حديدة الرمح التي ترتكز في الخشب وتدخل في الإنسان لدى رميه بالسهم - ومن المعلوم أن السهم إذا كان مكسور الفوق عارياً عن النصل لم يؤثر في الرمية – (لكثير في الباحات) جمع باحة وهي الساحة (قليل تحت الرايات) جمع راية وهي العلم الذي يرفع للقتال أي أنكم لكثرتكم تملؤون كل ساحة أما إذا كان وقت القتال تفرون فلا يوجد منكم إلا القليل (ويقيم أودكم) الأود: الاعوجاج، ومراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك السيف والشدة (ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي) فإنَّ الجنوح إلى سياسة الشدة يوجب الظلم المفسد للظالم إذ يفسد عليه دنياه وآخرته.

3) (أضرع اللّه خدودكم) أي أذل وجوهكم، وهذا دعاء عليهم بالذلة والهوان وقد استجيب دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وأتعس جدودكم) التعس الانحطاط والهلاك، وجدود جمع جد بمعنى الحظ.

وَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سحرة اليوم الذي ضرب فيه

وَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سحرة (1)اليوم الذي ضرب فيه

مَلَكَتْنِي عَيْنِي وَأَنَا جَالِسٌ فَسَنَحَ لي رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللّه، مَاذَا لَقِيتُ مِنْ أُمِّتِكَ مِنَ الأَوَدِ وَاللَّدَدِ (2)؟

فَقَالَ : (ادْعُ عَلَيْهِمْ) فَقُلْتُ : أَبْدَلَنِي اللّه بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لهم مني (3).

قال السيد الشريف (رَحمهُ اللّه) يعني بالأود: الاعوجاج... وباللدد الخصام وهذا من من أفصح الكلام.

وَمِنْ خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم أهل العراق

أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ وَمَاتَ قَيْمُهَا، وَطال تأيُّمُها وَوَرِثَهَا أَبْعَدُهَا. أَمَا وَاللّه مَا أَتَيْتُكُمُ اخْتِيَاراً، وَلَكِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً. وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونُ : عَلِيٌّ يَكْذِبُ (4).


1) السحرة - السحر الأعلى القريب من الفجر.

2) (ملكتني عيني وأنا جالس) أي غلبني النوم في حال جلوسي (فسنح) أي ظهر في المنام (لي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) وقد كان رؤيته للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حقيقة فإنَّ الشيطان لا يتمثل بالرسول والأئمة كما في بعض الأحاديث، وإن وردت أحاديث آخر بخلاف ذلك - كما في الوسائل – (الأود واللد) الأود الاعوجاج، واللد الخصومة، وهذا استفهام لبيان الانزعاج والاشمئزاز.

3) (عليهم) جزاءً لسوء أعمالهم (فقلت أبدلني اللّه بهم) الباء للبدل، أي عوضاً عنهم (خيراً منهم) وهذا لا يدل على وجود الخير فيهم، فإنَّ مثل هذا اللفظ كناية عن الخلاص إلى الخير، وإن كان الأصل فيه التفضيل (وأبدلهم بي) أي أعطاهم بدلاً مني (شراً لهم مني) وهذا أيضاً منسلخ فيه معنى الفضل فلا يدل على وجود شر في الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

4) (أما بعد) أي مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة - كما تقدم - فلما أتمت الحمل بأن أنقضت المدة (أملصت) أي القت ولدها ميتاً (ومات قيمها) أي القائم بأمور معيشتها وحفظها وهو الزوج، (وطال تأيمها) أي خلوها عن الزوج فإنَّ [الأيم] المرأة أو الرجل الذي لا زوج لهما، (وورثها أبعدها) أي الأباعد، إذ لا زوج لها ولا ولد حتى يكون إرثها للقريب سبباً أو نسباً، فهي في حالتي الحياة والممات مضاعة مهانة (أما واللّه) حرف تنبيه (ما أتيتكم اختياراً) بأن اختار مجاورتكم على جوار الحجاز (ولكن جئت إليكم سوقاً) فلولا وقعة الجمل، وأن طلحة والزبير وعائشة جاؤوا إلى العراق يفسدون أهلها، ما جاء الإمام إلى هنا.

قَاتَلَكُمُ اللّه. فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ؟ أَعَلَى اللّه؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ! أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ كَلاً وَاللّه وَلَكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا وَلَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا. وَيْلُمِّهِ كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَنٍ، لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حين (1).

وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) علم فيها الناس الصلاة على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

اللّهمَّ دَاحِيَ الْمَدْحَوَاتِ وَدَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ وَجَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا شَقِيْهَا وَسَعِيدِهَا (2). اجْعَلْ شَرَائِفِ صَلَوَاتِكَ، وَنَوَامِي بَرَكاتِكَ، عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْخَاتِمِ لِما سَبَقَ، وَالْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ، وَالْمُعْلِنِ الْحَقِّ بالحقِّ،


1) (قاتلكم اللّه) هذا دعاء عليهم بالموت (فعلى من اكذب)؟ هذا بيان لعدم الداعي على الكذب (لهجة غبتم عنها) أي ضرب من الكلام الذي يلهج - أي يتكلم - به متصفة بأن السامعين غابوا عنها حين علمها الإمام من كلام اللّه والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكل غائب عن شيء لا يدركه (ولم تكونوا من أهلها) فإنَّ الإمام يعرف كليات الأمور ويقدر على تطبيقها على المصاديق والجزئيات أما من سواه فليس من أهل ذلك (ويلمه) أصل هذه الكلمة [ويل أمه] وهو دعاء على الشخص، بأن يموت حتى تصاب أمه بمصيبة (كيلاً بغير ثمن) أي يكيل الكلام جزافاً، كما إذا كال شخص مالاً بغير ثمن أو المراد أن الإمام يكيل لهم الكلام الحسن من الإخبارات الغيبية والعلوم بدون أن يأخذ منهم بدلاً وثمناً، ومع ذلك هم يكذبونه (لو كان له وعاء) أي لو كان لهذا العلم الذي أفيضه عليهم حملة يعونه ويقبلونه برحابة صدر وتصديق لأفدتهم من العلوم كثيراً.

2) (اللّهم) أصله [ يا اللّه] حذف حرف النداء، وعوض عنه الميم (داحي المدحوات) أي باسط الأشياء المبسوطة، والمراد منها الأرضين (وداعم المسموكات) من سمك بمعنى رفع والمراد من المسموكات السماوات التي رفعت عن الأرض في النظر، وإن كانت محيطة بالأرض في الواقع، والدعم بمعنى الحفظ والإقامة (وجابل القلوب على فطرتها) جبل بمعنى خلق والفطرة هي كيفية الخلقة التي يسير المخلوق عليها في دور كونه في هذه النشأة، أي أنه سبحانه خلق القلوب كلّاً بفطرة خاصة وكيفية مخصوصة (شقيها وسعيدها) الشقوة والسعادة طرأت عليها بعد أن خلقها سبحانه مختارة تقدر على اكتساب أي الأمرين.

وَالدَّافِعِ جَيْشَاتِ الأَبَاطِيلِ، وَالدَّامِغِ صَوْلَاتِ الأَضَالِيلِ (1)، كَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ، قَائِماً بِأَمْرِكَ مُسْتَوْفِزاً فِي مَرْضَاتِكَ، غَيْرَ نَاكِل عَنْ قُدُمِ، وَلَا وَاهٍ فِي عَزْمِ، وَاعِباً لِوَحْيِكَ، حَافِظاً لِعَهْدِكَ، مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ (2)حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ وَأَضاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ، وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ، وَأَقَامَ مُوضِحَاتِ الأَعْلَامِ وَنَيِّرَاتِ الأَحَكَامِ، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ، وَخَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وَبَعِيتُكَ بِالْحَقِّ، وَرَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ(3). اللّهمَّ


1) (شرائف صلواتك) الصلاة هي العطف وتلك من اللّه سبحانه إنزال الرحمة، وشرائفها هي الرحمات الوسيعات، فإنَّ للرحمة أنواعاً وألواناً بعضها فوق بعض (ونوامي بركاتك) البركة هي الخير المستقر والنوامي جمع نامية، وهي الخير الذي ينمو (الخاتم لما سبق) من النبوات ورسالات السماء (والفاتح لما انغلق) فقد كانت القلوب منغلقة بالضلال لا يدخل فيها الحق ولا يخرج منها الخير كما أن أبواب السعادة كانت منغلقة، وإنما فتحها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، بمناهجه وتعاليمه (والمعلن الحق بالحق) فإنَّ الشخص قد يعلن الحق بالباطل، بأن يجعل الباطل وسيلة لإظهار الحق، وقد يجعل الحق وسيلة لإظهار الحق (والدافع جيشات الأباطيل) جيشات جمع جيشة من جاش القدر إذا ارتفع غليانه، وأباطيل جمع باطل، كأن الأباطيل كانت تغلي وتفور فدفعها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). (والدامغ) من دمغه بأن ضربه على رأسه حتى بلغ دماغه (صولات الأضاليل) السطوة، وأضاليل جمع ضلال، فإنَّ للضلال الصولة هي سطوة وهجوماً، والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دمعها حتى لا تتحرك ولا تبدي حياة.

2) (كما حمّل فاضطلع) والاضطلاع النهوض بالأمر، بكل قوة وقدرة من الضلاعة بمعنى القوة (قائماً بأمرك) وهذا كناية عن أداء الأمر (مستوفزاً) أي مسارعاً مستعجلاً (في مرضاتك) أي رضاك، (غير ناكل) الناكل الذي ينكص ويتأخر (عن قدم) القدم بمعنى المشي إلى الحرب وقد يستعمل في مطلق الإقدام تشبيهاً (ولا واه في عزم) لم يكن عزمه ضعيفاً حتى يتردّد في الإقدام والإحجام، أو السكوت والكلام واعياً لوحيك أي فاهماً فهماً صحيحاً (حافظاً لعهدك) والمراد به الأحكام (ماضياً على نفاذ أمرك) أي عاملاً لتنفيذ أمر اللّه وتطبيقه في الناس بلا مبالاة أو تلكؤ.

3) (حتى أورى) أي أظهر الضياء، من أورى الزند بمعنى قدحه حتى خرج ناره (قبس القابس) القبس شعلة من النار، والقابس الذي يطلب النار، أي أن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). أظهر شعلة النار لمن أراد أخذها (للخابط) الخابط: هو الذي يسير ليلاً في الظلام على غير هدى، خارجاً عن الجادة (بعد خوضات الفتن) خوضات جمع خوضة، وهي الولوج في الشيء، كأن القلوب كانت تخوض في الفتن مرة بعد مرة، فنجت ببركة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن الخوض والفتنة هي الأمر المشتبه الذي يوجب شقاء الدنيا والآخرة (موضحات الأعلام) أي الأعلام الموضحة للطريق (ونيرات الأحكام) أي الأحكام النيّرة بمعنى الواضحة (أمينك المأمون) الذي لا يخون في أداء الرسالة

افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلِّكَ، وَاجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ (1). اللّهمَّ أَعْلِ عَلَى بَنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ، وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ، وَاجْزِهِ مِنِ ابْتِعَاثِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ، وَمَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ، ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ، وَخطَّةٍ فَضلٍ (2)، اللّهم اجْمَعْ بَيْنَنَا وبينه فِي بَرْدِ العَيْشِ وَقَرَارِ النِّعمَةِ، وَمُنَى الشَّهَوَاتِ، وَأَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ، وَرَخَاءَ الدَّعَة، وَمُنْتَهَى الطُّمَأْنِينَةِ، وَتُحَفِ الْكَرَامَةِ (3).

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله لمروان بن الحكم بالبصرة

قالوا : أُخِذَ مروان بن الحكم أسيراً يوم الجمل، فاستشفع الحسن

الملقاة على عاتقه (وخازن علمك المخزون) لقد كان علم اللّه سبحانه وتعالى بالشريعة وطريق السعادة مخزوناً محفوظاً لديه سبحانه، ثم حمله تعالى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وشهيدك) أي الذي تستشهد به على الناس (يوم الدين) الدين بمعنى الجزاء، والمراد به يوم القيامة (وبعيثك بالحق) أي الذي بعثته وأرسلته، إرسالاً بالحق، مقابل إرسال الظلمة رسلهم بالباطل، (ورسولك إلى الخلق) أي الذي أرسلته إليهم لهدايتهم، والمراد بالخلق أما العام أو الإنس والجن فقط.


1) (مفسحاً) أي محلاً فسيحاً واسعاً (في ظلك) المراد به الآخرة، وهذا دعاء بأن يعطي الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هناك أماكن رحمة وقصوراً واسعة.

2) (أعل على بناء البانين بناءه) هذا كناية على إظهار دينه على سائر الأديان (واكرم لديك منزلته) بأن تكون له منزلة ومقام كريم، يكرم صاحبها (وأتمم له نوره) أما كناية عن الارتفاع، فكما أن الأتم نوراً - من المصابيح - يكون أظهر وأرفع، وإما حقيقة بأن يراد إعطاء النور (واجزه من إبتعاثك له) أي أعطه جزاء بعثته (مقبول الشهادة) أي اجعل جزاء بعثك له: أن تقبل شهادته فيما يشهد به. (ومرضئ المقالة) بأن يكون قوله مرضياً عند اللّه يرتب عليه الأثر، وهذا إما اعم من [مقبول الشهادة] أو المراد به ما يقابل ذلك من سائر الأقوال التي لا ترتبط بالشهادة (ذا منطق عدل) أي في حال كونه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ذا كلام مستقيم فليس جزاءه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بـ[مقبول الشهادة ومرضي المقالة] اعتباطاً، وهذا كما يقول أحدنا للآخر: إقبل كلام زيد، فإنَّه صادق (وخطة فصل) أي أن طريقته في القول والعمل فصل بين الحق والباطل.

3) (اللّهم اجمع بيننا وبينه في برد العيش) البرد مقابل الحرب، تقول العرب عيش بارد أي لا حرب فيه، أو مقابل الحر والمراد بذلك الجنة (وقرار النعمة) أي النعمة القارة التي لا زوال لها (ومنى الشهوات) المنى ما يتمناه الإنسان من ألوان الراحة والسعادة، والشهوات ما يشتهيها الإنسان (وأهواء اللذات) فإنَّ الإنسان يهوى اللذة (ورخاء الدّعة) الدّعة : سكون النفس واطمئنانها بالخير (ومنتهى الطمأنينة) أي واطمئنان واستقرار النفس، والجنة منتهى ذلك، إذ لا زوال لها ولا اضمحلال (وتحف الكرامة) جمع تحفة، وهي ما يتحف به الإنسان من الأشياء الثمينة النادرة.

والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكلماه فيه، فخلى سبيله، فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟ فقال :

أَوَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ؟ لَا حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ! إِنَّهَا كَفَّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبَّتِهِ (1). أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةٌ كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ، وَهُوَ أَبُو الأَكْبُش الأَرْبَعَةِ، وَسَتَلْقَى الأُمَّهُ مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ (2)!

وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما عزموا على بيعة عثمان

لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي، وَوَاللّه لأَسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلا عَلَيَّ خَاصَّةُ الْتِمَاساً لأَجْرِ ذلك وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ (3).


1) (إنها كف يهودية) تشبيه لكف مروان بكف اليهود، حيث من طينتهم الغدر والخيانة (لو بايعني بكفه لغدر بسبته) السيّة الأست، قالوا أن سفهاء أهل الجاهلية كانوا إذا بايعوا أحداً وعهدوا معه ثم أرادوا نقضه حبقوا وأشاروا إلى مقعدهم، وهذا بيان لسفالة مروان حتى أنه كأولئك لا تنفع بيعته.

2) (أما) للتنبيه (إن له إمرة) أي إمارة على المسلمين (كلعقة الكلب أنفه) هذا تصوير لقصر مدة إمارة مروان، والمراد بلعقة أنفه لحسه إياه (وهو أبو الأكبش الأربعة) أكبش جمع كبش، وهو رئيس القوم، شبه بكبش الغنم الذي يتقدم عليه، فقد تولى أربعة أولاد لمروان الولايات ويمكن أن يراد بالأكبش أولاد عبد الملك بن مروان فقد كان لعبد الملك أربعة أولاد كلهم ولوا الخلافة أحدهم بعد الآخر (يوما أحمر) كناية عن كثرة ظلمهم وسفكهم للدماء.

3) (لقد علمتم) الظاهر كون الخطاب موجهاً إلى أصحاب الشورى الذين رشحوا عثمان للخلافة (أحق الناس بها من غيري) أي الخلافة وذلك لنص رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عليه، بالإضافة إلى مؤهلاته شخصية (لأسلمنّ) أي أكون مسالماً في مقابل المحارب (ما سلمت أمور المسلمين) أي ما دامت أمور المسلمين تجري على ظواهر الإسلام (ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة) فإنَّ انتزاع الخلافة من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان له مضرات ثلاث الأولى - كونه جوراً على الإمام. الثانية - كونه جوراً على المسلمين حيث حرموا من عدل الإمام وفضله. الثالثة - ما رافقه من أقسام الجور على الأمة كضرب من لا يستحق الضرب وأخذ مال من لا يستحق أخذ ماله وهكذا. لكن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تنازل عن حقه الشخصي بالنسبة إلى نفسه وبالنسبة إلى حرمان المسلمين حيث كانت ظواهر الإسلام محفوظة وحيث إنه لم يكن يقدر على النهوض إلا بإيجاد انشقاق داخلي بين المسلمين ربما أودى بالإسلام نفسه، أما ما رافق الأمر من الجور والخروج عن خطة الإسلام فكان الإمام يعارض ويحارب كما فعل في زمن معاوية، ولا يقال إن المنصب للإمام الهي فلا يصح التنازل عنه، لأن التنازل إذا كان اعتباطا كان خلافاً للشريعة أما التنازل إذا لم يجد الإمام أنصاراً كافين وكان القيام ذا خطر أكبر فالتنازل هو المتعين لترجيح أقل الضررين (التماساً لأجل ذلك وفضله) أي أن تسليمي إنما هو رجاء أن يعطيني اللّه سبحانه لهذا العمل الذي هو للإبقاء على الإسلام أجراً وفضلاً (وزهداً) أي ولأجل الزهد والنفور (فيما تنافستموه من زخرفه) تشبيه للخلافة بالذهب الذي يتنافس فيه الناس (وزبرجه) هو الزينة.

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما بلغه اتهام بني أمية له بالمشاركة في دم عثمان

أَوَ لَمْ يَنْهَ بَنِي أُمَيَّةَ عِلْمُهَا بِي عَنْ قَرْفي؟ أَوَ مَا وَزَعَ الْجُهَّالُ سَابِقَتِي عَنْ تُهْمَتِي وَلَمَا وَعَظَهُمُ اللّه بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِي (1). أَنَا حَجِيجُ الْمَارِقِينَ، وَخَصِيمُ ! النَّاكِثِينَ الْمُرْتَابِينَ، وَعَلَى كِتَابِ اللّه تُعْرَضُ الأَمْثالُ، وَبِمَا فِي الصُّدُورِ تُجَازَى الْعِبَادُ (2)!

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موعظة الناس

رَحِمَ اللّه أمْرَاً سَمِعَ حُكْماً، فَوَعَى وَدُعِي إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا، وَأَخَذَ بِحُجْزَةِ


1) (أو لم ينه بني أمية علمها بي) المعنى أن علم بني أمية بي لم ينههم (عن قرفي) أي عن أن يعيبوني، فإنَّ القرف بمعنى العيب أي كيف يعيبني بنو أمية وهم يعلمون براءتي من دم عثمان، وتحرجي من إراقة الدماء ؟ (أو ما وزع الجهال) أي منع جهال بني أمية (سابقتي) في الإسلام والتحرج عن العصيان وارتكاب المآثم وما ينافي الفضيلة (ولما وعظهم اللّه به أبلغ من لساني) أن وعظ اللّه سبحانه، بالاجتناب عن سوء الظن والهمز واللمز، والقول بغير علم، والاجتناب عن الغيبة خاصة، أبلغ من وعظي لهم.

2) (أنا حجيج المارقين) أي خصيمهم الذي أحتج عليهم، والمارق هو الخارج عن الدين بنكث بيعة الإمام، والمخالفة له في إثارة الفتن وخلق الاضطراب (وخصيم الناكثين المرتابين) أي الذين ارتابوا وشكوا في الأمر، والمراد بذلك إما في الآخرة، أو الأعم منها ومن الدنيا (وعلى كتاب اللّه تعرض الأمثال) يعني أن كل شيء يماثل شيئاً أحدهما حق والآخر باطل - كخلافة الإمام ونقض الناكثين - إنما يعرض على كتاب اللّه ليعرف أيهما حق وأيهما باطل وما دام الكتاب يصدق أعمال الإمام وأقواله، فمن خالفه على باطل (وبما في الصدور تجازى العباد) وهذا كناية عن أن مخالفيه يعلمون أن الإمام على حق وأنهم على باطل، وإنما تخالف أعمالهم ما في قلوبهم.

هَادٍ فَنَجَا. رَاقَبَ رَبَّهُ، وَخَافَ ذَنْبَهُ، قَدَّمَ خَالِصاً، وَعَمِلَ صَالِحاً (1). اكْتَسَبَ مَذْخُوراً، وَاجْتَنَبَ مَحْذُوراً، رَمَى غَرَضاً، وَأَحْرَزَ عِوَضاً. كَابَرَ هَوَاهُ وَكَذَّبَ مُنَاهُ (2). جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ وَالتَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ. رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ، وَلَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ اغْتَتَمَ الْمَهَلَ، وَبَادَرَ الأَجَلَ، وَتَزَوَّدَ مِنْ العَمَلِ (3).

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حال بني أمية

إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوِّقُونَني تُراثَ مَحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) تَفْرِيقاً، وَاللّه لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ لأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللَّحَامِ الْوِذَامَ الثَّرِبَةَ (4)!


1) (حكماً) من أحكام الإسلام (فوعى) أي أدركه وحفظه ليعمل به (ودعي إلى رشاد) أي ما يوجب رشده (فدنا) أي اقترب إلى الداعي ليسترشد به ويأخذ بقوله (واخذ بحجزة هاد) الحجزة معقد الإزار، وهذا تشبيه للمعقول بالمحسوس، أي من أراد النجاة من مزالق الدنيا وعقوبات الآخرة يتبع الذي يهديه إلى الحق (راقب ربه) أي لاحظ في كل عمل يعمله ربه راضياً عنه أم لا (وخاف ذنبه) فإنَّ الذي يخاف الذنب - سواء عمله أم لم يعمله - لا بد وأن يتجنب عنه (قدم خالصاً) إلى آخرته عملاً عن الرياء والإثم (وعمل صالحاً) مقابل العمل الفاسد.

2) (اكتسب مذخوراً) فإنَّ أجر الآخرة ودرجاتها مذخورة باقية، واكتسابها إنما هو بالعمل المحرز لها (واجتنب محذوراً) أي المحرّم الذي حذره اللّه عنه (رمى غرضاً) فكأن العامل للدنيا يطيش سهمه إذ لا يصل إلى هدفه الذي هو السعادة الأبدية، بخلاف الذي يعمل للآخرة (وأحرز عوضاً) أي حصل على عوض عمله، وهو سعادة الآخرة (كابر هواه) غالبه فغلبه (وكذَّب مناه) الأماني غالباً سراب خادع تمنع الإنسان عن العمل الصالح ثم لا يعرف الإنسان بعد ذلك أنه كان مخدوعاً لم يصل إلى الأمنية، وذهب عمره ضياعاً، وذلك بخلاف من يكذب مناه فإنَّه يعمل صالحاً.

3) (جعل الصبر مطية نجاته) إذا جعل الصبر قرينه - كالمطية التي يركب الإنسان عليها لتسهل له قطع المسافة - لم تمر الأيام إلا وقد انحلت المشكلة وحصلت الغاية المرجوة (والتقوى عدة وفاته) اتقاء المعاصي خير زاد للآخرة (ركب الطريقة الغراء) أي النيّرة الواضحة، والمراد بركوبها العمل بها، (ولزم المحجة البيضاء) أي الطريقة الواضحة اللامعة (اغتنم المهلة) المراد به ما بقي من عمره، واغتنام العمر عبارة عن العمل فيه لأجل السعادة والآخرة (وبادر الأجل) أي سابقه كالذي يسبق الآخر ليفوز بالجائزة، فكأن الأجل يريد اختطاف الإنسان والحيلولة بينه وبين العمل الصالح، والإنسان يعمل مبادراً لئلا يقع في مخالبه قبل إتمام عمله الذي يوجب السعادة (وتزود من العمل) أي عمل صالحاً ليكون زاده في الآخرة.

4) (ليفوقونني) أي يعطونني من المال قليلاً قليلاً (تراث محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) المراد ما خلفه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من السيطرة والحكم (تفويقاً) للمبالغة في الإعطاء قليلاً قليلاً (واللّه لأن بقيت لهم) كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لئن بقيت قادراً عليهم (لانفضنّهم) النفض تحريك الشيء بعنف ليطير منه ما لصق به من تراب ونحوه (نفض اللحام) أي بائع اللحم - كالقصاب ونحوه - (الوذام) جمع وذمة وهي القطعة من الكرش ونحوها (التربة) أي التي أصابها التراب، فإنَّ القصاب إذا جعل الكرش والمعي على الأرض فتلطخت بالتراب نفضها نفضاً شديداً إذا أخذها ليزيل التراب والقذر الذي لصق بها من الأرض وإنما شبههم بذلك تحقيراً لهم.

قال السيد الرضي (رَحمهُ اللّه) : التراب الوذمة وهو على القلب، ثم قال السيد (رَحمهُ اللّه)(رَحمهُ اللّه) : ليفوقونني أي يعطونني من المال قليلاً قليلاً كفواق الناقة وهو الحلبة الواحدة من لبنها، والوذام جمع وذمة وهي الحزّة من الكرش أو الكبد تقع في التراب متنفض.

وَمن كَلِماتِ كانَ يَدْعُو بها (عَلَيهِ السَّلَامُ)

اللّهمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَيَّ بِالْمَغْفِرَةِ. اللّهمَّ اغَفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي، ولمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِي اللّهمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَاني، ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي. اللّهمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتَ الْأَلْحَاظِ، وَسَقِطَاتِ الأَلْفَاظِ وَشَهَوَاتِ الْجَنَانِ وَهَفَوَاتِ اللَّسَانِ (1).


1) (اللّهم اغفر لي ما أنت أعلم به مني) لقد كان الأنبياء والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) يرون ما يصدر عنهم من أنواع المباح، بل حتى الضروريات الجسدية، خلاف ما يليق بعظمة اللّه سبحانه، وإن لم تكن تلك معاصي شرعية، وعلى هذا كان استغفارهم، والمراد بما أنت أعلم الخلاف الذي يكون اللّه سبحانه أعلم به من العبد، فإنَّ علم اللّه بالأشياء انفذ وأقوى حتى من علم نفس العامل (فإن عُدتُ) إلى ترك الأولى (فعد عليّ بالمغفرة) مصدر ميمي لمغفر، بمعنى عفى عن الذنب وستره (ما وأيت) أي وعدت (من نفسي ولم تجد له وفاءً عندي) بأن وعدت أن أترك تلك المخافة، ثم لم أف بذلك (اللّهم اغفر لي تقربت به إليك بلساني ثم خالفه قلبي) كأن شكر اللّه بلسانه، ثم سخط على أحواله وما فيه من ضيق باطناً (اللّهم اغفر لي رمزات الألحاظ) جمع رمز بمعنى الإشارة، والألحاظ جمع لحظ وهو باطن العين والمراد طلب الغفران من الإشارات التي تصدر عن العين خلاف مرضاته سبحانه، والمراد هنا ما كان تركاً للأولى - كما تقدم – (وسقطات الألفاظ) أي الألفاظ الساقطة عن درجة الاعتبار وطريقة الأدب، كاللغو من الألفاظ والهدر من الكلمات (وشهوات الجنان) الجنان القلب سمي بذلك لاختفائه، والمراد بشهوات الجنان الميول القلبية إلى غير الفضيلة، وإن كان مباحاً (وهفوات اللسان) جمع هفوة وهي الزلة ولعل الفرق بين هذا وبين قوله سقطات الألفاظ، أن ذاك أشبه بالعمد، وهذا أشبه بالسهو.

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج إلى الخوارج

قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج فقال له يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم، فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ) :

أَتَزْعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ؟ وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ التي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُ؟ فمن صَدَّق بِهذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الاعانَةِ بِاللّه فِي نيل الْمَحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوءِ، وَتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ. لأَنَّكَ - بِزَعْمِكَ - أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ. وَأَمِنَ الضُّرَّ (1)!!

ثم اقبل (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الناس فقال :

أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلَّمَ النُّجُومِ، إِلا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بُرِّ أَوْ بَحْرٍ، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَة وَالمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ! سِيرُوا عَلَى اسْم اللّه (2).


1) (إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء) بأن لا يصيبه مكروه، لأن سيره كان في ساعة حسنة (وتخوف من الساعة التي من سار فيها حاق به) أي أحاط وحل (الضر) أي الضرر لأنه سار في ساعةٍ نحسة (فمن صدق بهذا فقد كذب القرآن) لأن القرآن يقول: وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِي أَرْضِ تَمُوتُ [لقمان: 34] (واستغنى عن الإعانة باللّه في نيل المحبوب ودفع المكروه) فإنَّ الإنسان إذا علم المستقبل بحيث لا يغير ولا يبدل كما هو مقتضى إخباره القطعي لم يك ليطلب من اللّه سبحانه أن يتفضل عليه بما يريده من الأمور المحبوبة، أو بما يخشاه من الأمور المكروهة، وهذا خلاف ضروري الإسلام من الدعاء والرجاء والخوف وما أشبه (وتبتغي) أيها المنجم المخبر عن المستقبل (في قولك) أخباراً عن المستقبل مخاطبك (للعامل بأمرك أن يوليك الحمد) أي أن يحمدك لما كشفت له عن المستقبل المحبوب، أو المستقبل المكروه فاجتنبه (دون ربه) تعالى لأنك أفدته أكثر من إفادته سبحانه، إذ لولا أنت لوقع في المحذور، فأنت الدافع الوحيد للمحذور (إلى الساعة التي نال فيها النفع وأمن الضرر) فلولا أنت لم ينل النفع، ولولا أنت لوقع في الضرر.

2) (أيها الناس إياكم وتعلم النجوم) [إياكم] المراد النجوم التي توجب الإخبار عن المغيبات لا النجوم التي تعرف بها الأزمان (إلا ما يهتدي به في بر أو بحر) فإنَّ النجوم دليل الإنسان في الليالي المظلمة إلى كيفية السير نحو المقصد، والظاهر أن هذا من باب المثال وإلا فكل اهتداء جائز بالنجم، مثلاً أكثر الزراع يهتدون بالنجوم لأوقات الزرع ونحوه (تدعو إلى الكهانة) وهي تقوية النفس تقوية خاصة للاتصال بالشياطين والأرواح غير المرئية، ثم تلقى الأخبار المستقبلة منها فقد تصدق تلك الأخبار وقد تكذب. وإنما كانت النجوم تدعو إلى الكهانة لأن المنجم كثيراً ما يحلو له إطلاعه عن المستقبل بواسطة النجوم - خصوصاً إذا صدقت جملة من أخباره الموجبة لعلو منزلته عند الناس (والمنجم كالكاهن) لأن كلاً منهما يخبر عن المستقبل بأدلة حدسية لكن الأول يستدل بالنجوم عليها والثاني يستدل بالأرواح غير المرئية عليه (والكاهن كالساحر) والفرق بين الكهانة والسحر، أن الأول مجرد الإطلاع عن المستقبل بواسطة الأرواح والثاني التأثير في الناس تأثيراً غريباً بواسطة الأرواح (والساحر كالكافر) لأن كليهما خارج عن إطاعة اللّه سبحانه (والكافر في النار) وبقياس المساواة: المنجم في النار (سيروا على اسم اللّه) وهكذا خرج الإمام لحرب أهل النهروان بدون الاعتناء إلى ذلك المنجم، وظفر رغماً على إخباره بأنه يخشى أنه لا يظفر بمراده.

وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد حرب الجمل في ذم النساء

مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الإِيمَانِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ : فَأَمَّا نُقصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاةِ وَالصَّيَامِ فِي أَيَّامٍ حَيْضِهِنَّ وَأَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظهِنَّ فَمَوَارِيتُهُنَّ عَلَى الأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ، وَأَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ (1)، فَاتَّقُوا شِرارَ


1) (إن النساء نواقص الإيمان) شرعاً، وذلك تبعاً لنقصان عقولهن كما سيأتي، والمراد بنقص الإيمان عدم إدراكهن الإيمان الكامل الذي يتمكن الرجل أن يتوصل إليه (نواقص الحظوظ) جمع حظ وهو الأمر الذي يسعد الإنسان، وهذا أيضاً شرعي تبعاً لنقصان عقولهن وضعف أجهزتهن خلقة (نواقص العقول) وهذا خلقي، فقد خلق اللّه تعالى المرأة لشؤون المنزل فهي بين إدارة بيت وحمل وولادة، وتبعاً لذلك جعل فيه العاطفة القوية حتى تحنو على المنزل والأولاد، وبهذه النسبة من قوة العاطفة تقل القوة العقلية المتوفرة في الرجل (فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن) الحيض: دم تراه المرأة في كل شهر غالباً إذا صارت بالغة ولم تبلغ سن اليأس، وأقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، ولعل الحكمة في سقوط الصلاة والصيام عنهن التعويض بذلك عن مرضهن، فإنَّ الحيض مرض كما قال سبحانه: وَيَسئتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة : 222] (وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال) كما قال سبحانه (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ) [النساء: 11] وهذا غالبي وإلا فربما صار حظها مساوياً أو أكثر من الرجل والحكمة في تقليل حظها أن مؤونتها أقل، فالأم والبنت والزوجة - وهن غالب النساء - نفقاتهن على الولد والأب والزوج (وأما نقصان عقولهن) وقد استدل الإمام لذلك بدليل شرعي بقوله: (فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد) في كثير من أبواب الشهادة، كما يعرفها المطّلع على الفقه.

النِّسَاءِ، وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ، وَلَا تُطِيعُوهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ حَتَّى لا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَرِ (1).

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تعريف الزهد في الدنيا وتعيين الزاهد

أَيُّهَا النَّاسُ الزَّهَادَةُ قِصَرُ الأَمَلِ، وَالشَّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ، وَالوَرَعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ، فَإِنْ عَزَبَ ذلِكَ عَنْكُمْ فَلَا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ (2)، وَلَا تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شَكْرَكُمْ، فَقَدْ أَعْذَرَ اللّه إِلَيْكُمْ بِحُجَجِ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَكُتُبِ بَارِزَةِ الْعُذْرِ (3)وَاضِحَةٍ.


1) (فاتقوا شرار النساء) ولا تملكوهن أزمة الأمور، فإنَّ الناقص إذا كان شراً وملك أوجب الفساد والتبار (وكونوا من خيارهن على حذر) لأن الخير العملي لا يوجب تبدلاً في الخلقة، فمثلاً السفيه إذا كان خيراً، لا يوجب كونه خيراً، رشداً وحصافة في عقله وتصرفاته (ولا تطيعوهن في المعروف) بأن لا يكون عملكم بالمعروف صادراً عن إطاعتهن، بل صادرا عن أنفسكم وحسن المعروف الذاتي (حتى لا يطمعن في المنكر) فإنَّ الإنسان إذا رأى نفسه مطاعاً تدرّج من الأمر بالحسن إلى الأمر بالقبيح.

2) (الزهادة قصر الأمل) بأن لا يكون الإنسان طويل الأمل، ومعنى طول الأمل أن يأمل الإنسان أن يبقى في الدنيا طويلاً (والشكر عند النعم) لأن الزاهد نظره إلى الآخرة وكلما كان نظر الإنسان إلى الآخرة يكون متوجهاً إلى اللّه سبحانه ممّا يوجب شكره لكل نعمة (والورع عند المحارم) فإنَّ الزاهد يعرف عظم خطر المحرمات فيتجنب عنها (فإن عزب ذلك عنكم) عزب بمعنى غرب وبعد (فلا يغلب الحرام صبركم) بأن تقتحموا المحرمات حسب شهوة النفس، ولا تتمكنوا من كف النفس عن الشهوة.

3) (ولا تنسوا عند النعم شكركم) بأن تتركوا الشكر إطلاقاً (فقد أعذر اللّه إليكم) يقال معنى أعذر اللّه أنه تعالى أقام العذر حتى إذا عاقب يكون قد أتم الحجة، ولم يكن عقاباً بلا بيان (بحجج مسفرة ظاهرة) من أسفر إذا بان وظهر والحجج هي الأنبياء والأئمة الذين نصبهم لهداية العباد وإرشاد الناس (وكتب بارزة العذر) أي كون تلك الكتب السماوية ظاهرة في إتمام الحجة الموجبة لأن يكون للّه عذر في عقابكم إذا خالفتم.

وَمِنْ كَلَام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفة الدنيا

مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءُ، فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ (1)مَنِ اسْتَغَنى فِيهَا فُتِنَ، وَمَن افَتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ (2).

قال السيد الرضي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أقول : وإذا تأمل المتأمل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): من أبصر بها بصرته، وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد ما لا تبلغ غايته ولا يدرك غوره، ولاسيما إذا قرن إليه قوله : ومن أبصر إليها أعمته فإنَّه يجد الفرق بين أبصر بها وأبصر إليها واضحاً نيراً وعجيباً باهراً.


1) (أولها عناء) أي تعب ونصب و[ما] استفهامية، وكون أول الدنيا عناءً واضح فإنَّ الإنسان لا يردها إلا بصعوبة في الحمل والوضع وما أشبه (وآخرها فناء) أي عاقبة الناس فيها الموت أو عاقبة نفس الدنيا أن تفنى عند قيام الساعة (في حلالها حساب) إذ يحاسب اللّه سبحانه الإنسان يوم القيامة كل ما عمل الإنسان من خير أو شر والمراد بالحلال - على الظاهر - كل ما ليس بحرام، بقرينة المقابلة.

2) (من استغنى فيها) غناء في المال أو لجاه أو ما أشبه (فتن) بمعنى أنه يعرض عن الذي يجب عليه بالنسبة إلى ما أعطاه اللّه تعالى، فإذا صار صاحب مال بخل أو صاحب جاه لم يقض الحوائج وتكبر، أو صاحب علم لم يبذل وشمخ بأنفه وهكذا (ومن افتقر فيها حزن) ومن المعلوم لزوم النفرة عن شيء يوجب كلا طرفيه المشقة والإنحراف (ومن ساعاها) أي سعى لأجلها (فاتته) أي تفوته الدنيا (واتته) أي أتته الدنيا، فليس حصولها بالسعي، وإن كان السعي مدخلاً (ومن أبصر بها) أي جعل الدنيا آلة البصيرة ليرى بها الأشياء ويعتبر بها الأمور كيف تتصرف وتنتقل من حال إلى حال (بصَّرته) أي أرته الأمور مجاريها ومصايرها، فلا يغتر بها لمعرفته حقيقتها (ومن أبصر إليها) بأن جعل غاية نظره الدنيا يتطلب جاهها ومالها وعزها (أعمته) وتسبب له الهلاك، فإنَّ النظر إلى الدنيا كالنظر إلى المرآة قد تكون نظرة آلية وقد تكون نظرة استقلالية.

وَمِنْ خُطْبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي من الخطب العجيبة وتسمى [الغراء]

إشارة:

الْحَمْدُ للّه الَّذي عَلَا بِحَوْلِهِ، وَدَنَا بِطَوْلِهِ، مَانِحِ كُلِّ غَنِيمَةٍ وَفَضْلٍ، وَكَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَةٍ وَأَزْلٍ (1). أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ، وَسَوَابِعْ نِعَمِهِ، وَأُومِنُ بِهِ أَوَّلاً بادِياً، وَأَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً، وَأَسْتَعِينُهُ قَاهِراً قادراً، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) - عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ، وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ وَتَقْدِيمِ نُذْرِهِ (2).

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه بِتَقْوَى اللّه الَّذي ضَرَبَ الأمْثَالَ لَكُمْ، وَوَقَتَ لَكُمُ الآجَال وَأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاسَ، وَأَرْفغَ لَكُمُ الْمَعَاسَ، وَأَحَاطَ بِكُمُ الإحْصَاءَ، وَأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ، وَآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِعِ، وَالرِّفَدِ الرَّوَافِغَ (3)، وَأَنْذَرَكُمْ


1) (علا) أي ترفع (بحوله) قدرته (ودنا) أي قرب إلى الخلق قرباً معنوياً بالإطلاع والإحسان (بطوله) أي قريب بفضله وكرمه (مانح كل غنيمة وفضل) فإنَّ كل ما يغتنمه الإنسان من خير وما يأتيه من فضل وإحسان فإنَّه من اللّه سبحانه (وكاشف كل عظيمة) بلية عظيمة فإنَّه تعالى هو الذي يزيل المكاره (وأزل) هو الضيق والشدة.

2) (أحمده على عواطف كرمه) العطف هو الميل نحو الغير، ونسبته إلى الكرم مجاز من باب علاقة السبب والمسبب لأن الكرم لا يعطف وإنما الشخص يعطف (وسوابغ نعمه) جمع سابغة وهي النعمة الشاملة من سبغ الظل إذا عم وشمل (أولاً بادياً) أي في حال كونه تعالى أول الأشياء شيء قبله أو معه، وكونه بادياً أي ظاهراً لا خفاء فيه (وأستهديه) أي أطلب هدايته في حال كونه (قريباً) إلى الإنسان بالعلم والقدرة (هادياً) يهدي الناس من الظلمات إلى النور ومن الباطل إلى الحق (واستعينه قاهراً قادراً) فإنَّه يتمكن من عون الإنسان لقدرته ويتمكن من قهر الصعاب وتذليلها (وأتوكل عليه) التوكل هو تفويض الأمر إلى اللّه سبحانه ليتولى إنفاذه وإمضاءه (كافياً) يكفي من كل شيء (ناصراً) ينصر من طلب النصرة منه في أموره (لإنفاذ أمره) أي إيصال أمر اللّه تعالى إلى المأمورين (وإنهاء عذره) العذر هو الحجة، والمعنى إبلاغ أحكام اللّه تعالى التي توجب الحجة من اللّه على الناس (وتقديم نذره) النذر: جمع نذير وهو التخويف، والمعنى أن يبين الرسول المخوّفات للناس.

3) (بتقوى اللّه) أي اتقاءه والخوف منه (الذي ضرب لكم الأمثال) جمع مثل، وهو يذكر ممّا أصاب الأولين الذين عصوا وخالفوا الأوامر، أو المراد مطلق المثل الذي جيء به لتوضيح الكلام (ووقت لكم الآجال) جمع أجل وهو آخر مدة الإنسان، أو مدة كونه في الحياة (والبسكم الرياش) وهو اللباس الجميل الذي يتزين به الإنسان والمراد إما الألبسة، وإما صورة الإنسان التي بها جمال الإنسان على سائر أنواع الحيوانات (وأرفع لكم المعاش) يقال رفع عيشه رفاغة أي اتسع (وأحاط بكم الإحصاء) أي أنه سبحانه أحصاكم ويعلم تعدادكم (وأرصد لك الجزاء) أي أعده لكم فكل إنسان يلقى جزاءه (وآثركم) أي اختاركم (بالنعم السوابع) جمع سابغة وهي (والرفد الروافغ) الرفد جمع رفدة وهي الواسعة العطية والروافع جمع رافع وهي المتسعة.

بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغ، وَأَحْصَاكُمْ عَدَداً، وَوَفَّفَ لَكُمْ مُدَداً، فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ، وَدَارِ عِبْرَةٍ، أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا ومُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا. فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا، رَدِغ مَشْرَعُها، يُونِقُ مَنْظَرُهَا، وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا (1)، غُرُورٌ حَائِلٌ، وَظِلٌّ زَائِلٌ، وَسِنَادٌ مَائِلٌ، حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا، واطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا فَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا، وَقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا، وَأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا، وَأَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ (2)قَائِدَةً لَهُ إِلَى


1) (وأنذركم بالحجج البوالغ) جمع بالغة أي الحجة الواصلة إليكم (وأحصاكم عدداً) فهو يعلم عددكم (ووظف لكم مدداً) أي جعل لكم مدة وامتداداً في الحياة لا تتجاوزون عنها (في قرار خبرة) أي أن الإحصاء والتوظيف في مستقر - هو الدنيا - جعل ذلك للاختبار والامتحان (ودار عبرة) فإنَّ الدنيا دار الاعتبار والاتعاظ. (أنتم مختبرون فيها) فإنَّ اللّه سبحانه يمتحن الإنسان في الدنيا (ومحاسبون عليها) المراد الحساب على تعاطي الإنسان الدنيا (فإن الدنيا رنق مشربها) الرنق هو الكدر، وهذا كناية عن آلام الدنيا وهمومها (ردغ) مشرعها المشرع المحلّ الذي يتمكن الإنسان من الوصول إلى ماء النهر ونحوه والردغ: الكثير الطين والوحل (يونق منظرها) أي يعجب منظر الدنيا (ويوبق) أي يهلك (مخبرها) أي الأخذ بها.

2) غرور (حائل) أي أن الدنيا غرور يحول ويزول فلا يبقى (وظل زائل) أي أن الدنيا كالظل تنسخه الشمس فلا يبقى وإنما يمكث برهة (وسناد مائل) السناد: ما يستند إليه الإنسان فإنَّ كان ثابتاً قائماً استقر المستند إليه، وإن كان مائلاً مشرفاً على الوقوع كان المستند إليه في معرض السقوط (حتى إذا أنس نافرها) النافرة من الحيوان الذي لا يأنس، وأنس النافر كناية عن التعب لأجل الإيلاف، كما يتعب من يريد تذليل الحيوان الوحش ليأنس (واطمأن ناكرها) كناية عن الاطمئنان والاستقرار الذي يحصل للإنسان بعد جهد وجد، من جهة الملاذ والمكانة الاجتماعية وما أشبه (قمصت بأرجلها) يقال قمصت الدابة إذا رفعت يديها معاً وطرحتهما وفي ذلك طرح الراكب لأنه يميل إلى الخلف بهذا العمل (وقنصت بأحبلها) أي اصطادت بالشباك التي بسطتها لإقتناص الناس، وذلك عن طريق إيجاد المشاكل لهم، أو إماتتهم (وأقصدت بأسهمها) جمع سهم أي أرسلت سهامها إلى هذا الإنسان المطمئن حتى تجرحه وتؤذيه (وأعلقت المرء أوهاق المنية) الأوهاق جمع وهق وهي حبال في رأسها عصي معقوفة يطرحونها على الحائط ثم يتسلقونها يعني أن الدنيا تطرح على المرء حبال الموت لتجره نحو الفناء والهلاك، أو بمعنى يصعد الموت إليه بسبب الوهق.

ضَنْكِ الْمَضْجَعِ وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ، وَمُعَايَنَةِ الْمَحَلِّ وَثَوَابِ الْعَمَلِ، وَكَذلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ، لا تَفَلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً، وَلَا يَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً، يَحْتَذُون مِثَالاً، وَيَمْضُونَ أَرْسَالاً، إِلَى غَايَةِ الإِنْتِهَاءِ، وَصَيّور الْفَنَاءِ(1). حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الأُمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ وَأَزَفَ النُّشُورُ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ، وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ، وَأَوْجِرَةِ السَّبَاعِ، وَمَطَارِحَ الْمَهَالِكِ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ، مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ، رَعِيلاً صُمُوتاً، قِيَاماً صُفُوفاً (2)، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاِسْتِكانَةِ، وَضَرَعُ الاِسْتِسْلَامِ وَالذِّلَّةِ، قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ، وَانْقَطَعَ الأَمَلُ، وَهَوَتِ الأَفْئِدَةُ


1) (قائدة له إلى ضنك المضجع) أي تقود الدنيا الإنسان إلى ضيق القبر (ووحشة المرجع) فإنَّ الإنسان يستوحش من الآخرة لعدم انسه بها (ومعاينة المحل) أي مشاهدة مكانه في الآخرة (وثواب العمل) أي جزاء ما عمله في الدنيا (وكذلك الخلف بعقب السلف) فإنَّه تذهب الأجيال جيلاً بعد جيل، وكلها تبتلى بالدنيا (لا تقلع المنية اختراماً) أقلع عن الشيء امتنع عنه، والاخترام الموت، أي لا تمتنع المنية عن إهلاك الأحياء، بل الموت جاد ومستمر في إهلاك الناس. (ولا يرعوي الباقون اجتراماً) أي لا يكف الناس الباقون عن اقتراف الآثام والجرائم، فإنَّهم لا يعتبرون بموت آباءهم وأسلافهم (يحتنون مثالاً) احتذى بمعنى اقتدى والمعنى أن الباقين يقتدون في أعمالهم أثار السابقين مثلاً بمثل بلا ارعواء ولا انقلاع (ويمضون أرسالا) أي أن الناس كالأغنام يسير بعضهم أثر بعض (إلى غاية الانتهاء) أي إلى غاية هي انتهاء الإنسان في الحياة (وصيور الفناء) على وزن تنور مشتق من صار بمعنى مصير الشيء وما يؤول إليه أمره.

2) (حتى إذا تصرمت الأمور) أي انقضت أمور هذا العالم ممّا قدرها اللّه سبحانه (وتقضت الدهور) انقضت وتمت (وأزف النشور) أي اقترب يوم القيامة، ويسمى بالنشور لنشر الناس فيه بعد الممات (أخرجهم من ضرائح القبور) جمع ضريح وهو الشق وسط القبر (وأوكار الطيور) جمع وكر وهو مسكن الطير، فإنَّ بعض الطيور يأكل الأموات ويجمع أجزاءهم من عظام ونحوها في مساكنها (وأوجرة السباع) جمع وجار وهو مسكن السبع ونحوه فإنَّ السباع تأكل الأموات وتبقى فضلاتهم في محلاتها (ومطارح المهالك) أي الأماكن التي طرحت فيها أجزاء أولئك الأموات (سراعاً إلى أمره) أي يسرعون لحضور القيامة (مهطعين) أي مسرعين (إلى معاده) أي المحل الذي قرره اللّه سبحانه لعود الإنسان وهو المحشر (رعيلاً) أي في حال كون البشر كالرعيل، وهي القطعة من الخيل شبهوا بها لتلاحق جماعات الناس بعضهم ببعض كما تتلاحق قطع الخيل (صموتاً) أي ساكتين لا يتكلمون لخوف الموقف (قياماً) جمع قائم فإنَّ الدهشة تمنعهم من الإستراحة والجلوس (صفوفاً) مصطفين كل صنف صف.

كَاظِمَةً وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةٌ، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ، وَعَظُمَ الشَّفَقُ، وَأُرْعِدَتِ الأَسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ، وَنَكَالِ العِقَابِ، وَنَوَالِ الثَّوَابِ (1)عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً، وَمَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً، وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً، وَمُضَمَّنُونَ أجْدَاثاً، وَكَائِنُونَ رُفَاتاً، وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً، وَمَدِينُونَ جَزَاءٌ، وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً (2). قَدْ أُمْهِلُوا في طَلَبِ الْمَخْرَجِ، وَهُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَج وَعُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعَتِبِ، وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدّفُ الرِّيَبِ، وَخُلُّوا لِمضْمَارِ الْجِيَادِ، وَرَوِيَّةِ الاِرْتِيَادِ وَأَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ، فِي مُدَّةِ الأَجَلِ،


1) (ينفذهم البصر) والظاهر أن المراد أنه لا مخفي منهم حتى أن الإنسان إذا نظر إليهم يحيط بهم بغير أن يمنع عن رؤيتهم مانع (ويسمعهم الداعي) فإنَّ الذي يدعوهم من قبله سبحانه يسمع جميعهم (عليهم لبوس الاستكانة) هي بمعنى الخضوع، واللبوس : ما يلبس (وضرع الاستسلام) خاضعون لأمر اللّه تعالى، حيث لا قوة تمنعهم عن حكمه (والذلة) فهم أذلاء لا عزة لهم ولا منعة (قد ضلت الحيل) لا حيلة لهم لدفع مكاره يوم القيامة فقد انقطعت الحيل التي كانوا يباشرونها في دار الدنيا (وانقطع الأمل) فلا رجاء لهم في غيره سبحانه وتعالى (وهوت الأفئدة) جمع فؤاد، ومعنى هوت اضطربت (كاظمة) قد كظمت غضبها لأنه لا منفذ للغضب هناك (وخشعت الأصوات) أي خفيت كما قال سبحانه: (مهينمة) الهينمة: الكلام الخفي فإنَّ من طبع الإنسان أن يتكلم عند المخوف بالهمس والإخفات (والجم العرق) فإنَّ الإنسان إذا عرق كثيراً جرت المياه من رأسه إلى طرف فمه فكأنه لجام على فيه، أو المراد أنهم يعرقون حتى يبلغ العرق من أقدامهم إلى أفواههم فهم في بحر من عرقهم (وعظم الشفق) أي الخوف (وأرعدت الأسماع) أي عرتها الرعدة، فإنَّ الإنسان إذا سمع صوتاً مزعجاً يحس برعدة في أذنه (لزبرة الداعي) من زبرة بمعنى زجرة، والمراد بالداعي الملك الذي يدعو الناس بشدة (إلى فصل الخطاب) أي الخطاب الفاصل بين الحق والباطل (ومقايضة الجزاء) أي قبض جزاء أعمالهم (ونكال العقاب) أشد أنواع العقاب (ونوال الثواب) يقال ناله إذا وصل إليه، ومن المعلوم أن الخوف ليس من الثواب، وإنما الخوف من أنه هل يعاقب أو يثاب؟.

2) (مخلوقون اقتداراً) أي خلقهم اللّه تعالى بقدرته (ومربوبون اقتساراً) المربوب هو المملوك، والاقتسار من القسر بمعنى الجبر (ومقبوضون احتضاراً) أي يقبضهم اللّه سبحانه حال احتضارهم وهو حالة الموت (ومضمنون أجداثاً) جمع جدث وهو القبر، إذا أراد سبحانه أن يميته أماته بدون اختياره وأقبره في المحل الذي قدره له (وكائنون رفاتاً) أي حطاماً مهشمة مبعثرة (ومبعوثون أفراداً) فإنَّ كل إنسان يحشر وحده ليس معه عشيرته وأفراد أسرته (ومدينون جزاءً) أي مجزيون بجزاء أعمالهم، فإنَّ الدين بمعنى الجزاء (ومميزون حساباً) كل يحاسب على عمله مميزاً عما سواه فلا تزر وازرة وزر أخرى.

وَمُضْطَرَبِ الْمَهْلِ (1). فَيَا لَهَا أمثالاً صَائِبَةٌ وَمَوَاعِظَ شَافِيَةً، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةً، وَآرَاءً عَازِمَةً، وَأَلْبَاباً حَازِمَةً (2). فَاتَّقُوا اللّه تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ، وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ وَوَجِلَ فَعَمِلَ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ، وأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وعُبِّر فَاعْتَبَرَ وحُذِّر فَازْدَجَرَ وَأَجَابَ فَأَنَابَ، وَرَجَعَ فَتَابَ، وَاقْتَدَى فَاحْتَذَى وَأُرِي فَرأَى، فَأَسْرَعَ طَالِباً، وَنَجَا هَارِباً، فَأَفَادَ ذَخِيرَةً، وَأَطَابَ سَرِيرةً، وَعَمَّرَ مَعَاداً، وَاسْتَظْهَرَ زَاداً، لِيَوْمٍ رَحِيلِهِ وَوَجْهِ سَبِيلِهِ وَحَالَ حَاجَتِهِ، وَمَوْطِنِ فَاقَتِهِ، وَقدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارٍ مُقَامِهِ (3). فَاتَّقُوا اللّه عِبَادَ


1) (قد أمهلو)ا أمهلهم اللّه سبحانه في الدنيا (في طلب المخرج) أي الخروج من الذنوب والمعاصي بالتوبة والعمل الصالح (وهدوا سبيل المنهج) أي أرشدهم اللّه سبحانه إلى الطريق الواضح للسعادة (وعمّروا مهل المستعتب) هو الذي يطلب رضاه من استعتبه إذا استرضاه، والمعنى أن اللّه سبحانه أعطى الإنسان من العمر بمقدار مهلة المستعتب (سدف الريب) السدف: جمع سدفة بمعنى الظلمة، والريب: جمع ريبة وهي الشبهة أي أن ظلم الشبهات قد كشفت عن الناس ببركة الأدلة والحجج (وخلوا لمضمار الجياد) أي تركوا في مجال من أعمارهم يتمكنون به من التسابق إلى الخيرات (الارتياد) بمعنى طلب ما يراد أن يختاره الإنسان، والمعنى أنّهم أمهلوا فلم يؤخذوا سريعاً حتى لا يكون لهم مجال فكر وعمل (أناة المقتبس المرتاد) الأناة: التوئدة مقابل العجلة، والمقتبس الذي أخذ قبساً من الضياء - كمصباح أو نحوه - والمرتاد الذي يريد شيئاً، فإنَّ الإنسان إذا طلب شيئاً في الليل وبيده مصباح يستنير به ليظفر بمطلبه تأنى في الحركة والطلب والمعنى أن الناس في الدنيا أمهلوا كمثل هذه المهلة وهذا كناية عن طول الأمل في مدة الأجل أي في امتداد الأجل المضروب للإنسان في الحياة (ومضطرب المهل) أي مدة الاضطراب، وهو بمعنى الاختلاف مجيئاً وذهاباً.

2) (فيا لها أمثالاً صائبة) [يا] حرف نداء و [اللام] للاستغاثة و[ها] تعود إلى الأمثال، باعتبار ذكرها سابقاً، كأن المتكلم يستغيث بالأمثال لتحضر فيفهمها السامع، ويستجيب لدعوة القائل (ومواعظ شافية) أي أنها عظات تشفي من داء الجهل والعصيان (لو صادفت قلوباً زاكية) أي قلوباً ذات زكاة وطهارة (وأسماعاً واعية) تعي وتستوعب الحق (وأراء عازمة) أي تعزم على الحق، فإنَّ بعض الناس لا ملكة لهم تسبب عزمهم على الأمور الخيرة، وبالعكس من ذلك بعض الناس الذين لهم عزم قوي وإرادة شديدة، (والباباً حازمة) جمع لب وهو العقل، والحازم هو المقدّر للأمور المعطي كل شيء قدره.

3) (فاتقوا اللّه) أي خافوه، بمعنى لا تعصوه (تقية من سمع) الموعظة (فخشع) أي خضع للّه سبحانه فأطاع أوامره (واقترف فاعترف) الاقتراف تعاطي الذنب، وحيث إن الاعتراف فيه خضوع وندم، كان الاعتراف بالذنب لديه تعالى حسناً (ووجل) أي خاف الآخرة (فعمل) ما يوجب سعادته (وحاذر) أي خاف الفوت (فبادر) أي سارع إلى العمل الصالح (وأيقن) أي تيقن بصدق ما أخبره الأنبياء حول أمور الآخرة (فأحسن) في العمل (وعبّر فاعتبر) أي اتعظ وانزجر (وحُذِّر) أي خوف من العذاب والنكال (فازدجر) أي انتهى عن المعاصي والآثام (وأجاب) داعي اللّه (فأناب) أي رجع عن طريقته السابقة الضالة وإنما أخذ يتبع الداعي من قبله سبحانه (ورجع) عن أعماله السابقة (فتاب) إلى اللّه توبة نصوحاً (واقتدى) بالصالحين كالأنبياء والأئمة (فاحتذى) جعل عمله طبق عملهم (وأُري) أي أراه الأنبياء طريق الهداية (فرأى) الطريق المنجي المسعد، بمعنى اتبعه (فأسرع) نحو عمل الخير (طالباً) للنجاة (ونجا) من المهالك بحزمه (هارباً) أي في حال كونه هارباً عن المعاصي والآثام (فأفاد ذخيرة) استفاد الذخيرة الصالحة التي يدخرها لآخرته في دنياه (وأطاب سريرة) أي طيب باطنه (وعمّر معاداً) أي عمل ما يوجب تعمير آخرته وسعادة محشره (واستظهر زاداً) أي حمل الزاد لآخرته (ووجه سبيله) أي لطريقه الذي يسلكه إلى الآخرة (وحال حاجته) وهو ما بعد الموت الذي يحتاج الإنسان فيه إلى العمل الصالح (وموطن فاقته) أي محل فقره (لدار مقامه) فإنَّ الإنسان يقيم في الآخرة إلى الأبد.

اللّه جهة مَا خَلَقَكُمْ لَهُ، وَاحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاسْتَحِقُوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُزِ لِصِدْقٍ مِيعَادِهِ وَالْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ (1).

ومنها : جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِي مَا عَنَاهَا، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا، وَأَشْلَاءٌ جَامِعَةً لأَعْضَائِهَا، مُلائِمَةً لأَحْنَائِهَا، فِي تَرْكِيبٍ صُورِهَا، وَمُدَدِ عُمُرِهَا، بِأَبْدَانِ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاتِهَا وَقُلُوبٍ رَائِدَةٍ الأَرْزَاقِهَا، فِي مُجَلَّلَاتِ نِعَمِهِ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ، وَحَوَاجِزِ عَافِيتِهِ (2). وَقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ، وَخَلَّفَ


1) (جهة ما خلقكم له) أي توجّهوا إلى الناحية التي خلقتم لها وهي جهة العمل الصالح، والاجتناب عن المحرمات والآثام (كنه ما حذركم من نفسه) لقد حذرنا سبحانه من معاصيه، وحيث إن كنه الشيء نهايته من جهة السر، أعير بمعنى النهاية والغاية، أي احذروا غاية الحذر (واستحقوا منه) أي اعملوا عملاً تستحقون بذلك العمل (بالتنجز لصدق ميعاده) المعنى أنهم يستحقون الوفاء بالوعد الذي وعدهم سبحانه بإعطائهم الجنة والرضوان (والحذر من هول معاده) أي احذروا من أهوال معاده باجتناب المعاصي حتى تستحقون ما أعد لكم.

2) (التعي) أي تدرك (ما عناها) أي أهمها، فإنَّ الإنسان يصرف سمعه فيما يهمه لا في كل شيء (وأبصاراً لتجلو) من جلا عن المكان بمعنى فارقه (عن عشاها) العشى ظلمة تعرض للعين بالليل. أي تفارق الظلمة إلى البصيرة، وذلك كناية عن رؤية الحق (وأشلاء) جمع شلو وهو عضو الجسد (جامعة لأعضائها) فإنَّ لكل عضو من أعضاء الإنسان أعضاء، مثلاً في اليد الأصابع والكف والعضد وهكذا (ملائمة لأحنائها) جمع حنو بالكسر، وهو كل ما اعوج عن البدن والمراد تناسب الأعضاء للمفاصل والمنعطفات (في تركيب صورها) أي في حال كون الأشلاء ملابساً لتركيب الصور فلكل عضو صورة خاصة وهيئة مخصوصة (ومدد عمرها) فإنَّ لكل عضو عمر خاص به فالأسنان تعمر أقل، والعين والأذن قد تعمران أقل من سائر الأعضاء، فيصيبها العمى والصمم، (بأبدان) أي أن تلك الأشلاء وسائر جهات الجسم ملابسة بالبدن (قائمة بأرفاقها) المراد بها المنافع، ومعنى ذلك أن قيام البدن بسبب وصول المنافع إليه، أو أن البدن يأتي لنفسه بما ينفعه (وقلوب رائدة) أي طالبة (لأرزاقها) فإنَّ القلب يصرف همه لطلب الرزق للأشلاء (مجللات نعمه) أي أن نعمه سبحانه تغمر الأنام (وموجبات مننه) أي النعم التي هي مِنَّةٌ منه سبحانه على البشر ممّا توجب الشكر (وحواجز عافيته) أي تحجز وتمنع الإنسان أن يصل إليه سوء.

لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثار الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ مِنْ مُسْتَمْتَع خَلاقِهِمْ وَمُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ. أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الآمَالِ، وَشَذّ بِهِمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الآجَالِ، لَمْ يُمْهِدُوا فِي سَلَامَةِ الأَبْدَانِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنْفِ الأَوَانِ (1). فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلا حَوَانيَ الْهَرَمِ؟ وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصَّحة إِلَّا نَوَازِلَ السّقَمِ؟ وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ؟ مَعَ قُرْبِ الزَّيَالِ، وأُزُوفِ الانْتِقَالِ وَعَلَزِ الْفَلَقِ، وَأَلَمٍ الْمَضَض وغصصِ الْجَرَضِ، وَتَلَفَّتِ الاسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَالأَقْرِباء، وَالأَعِزَّةِ وَالْقُرَنَاءِ (2)! فَهَلْ دَفَعَتِ الأَقَارِبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ، وَقَد غُودِرَ فِي


1) (وقدر لكم أعماراً سترها عنكم) فإنَّ الإنسان لا يعلم قدر عمره (وخلّف لكم عبراً) جمع عبرة وهي ما يوجب اعتبار الإنسان وتبصره (من آثار الماضين) فإنَّ أخبار السالفين الباقية للأجيال توجب لهم تبصراً وعبرة (من مستمتع خلاقهم) الخلاق النصيب أي نصيبهم الذي أوجب استمتاعهم بالحياة، فإنَّ ما وصلنا من أخبار نعم الماضين مثلاً، موجب لأن نعتبر (ومستفسح خناقهم) الخناق حبل يخنق به، فإذا كان فيه سعة وفسحة لم يجعل الهلاك بالمخنوق، وهذا كناية عما نعلمه من طول مدة حياة الماضين أي أنهم كانوا نوي أعمار طويلة، ومع ذلك لم يتوبوا، وأخذوا فأهلكوا - مثلاً - (أرهقتهم) أي أهلكتهم (دون الآمال) أي قبل أن يصلوا إلى أمانيهم (وشذ بهم عنها) أي عن الآمال، ومعنى شذ بهم، بعدهم (تخرم الآجال) الخرم بمعنى القطع والشق، أي أن آجالهم التي أهلكتهم بعدتهم عن الوصول إلى آمالهم (لم يمهدوا) أي لم يهيئوا وسائل راحتهم في الآخرة (في سلامة الأبدان) بل صرفوا أبدانهم السليمة في اللّهو واللعب (ولم يعتبروا في أنف الأوان) أنف الأوان بمعنى أوله يقال أمر أنف، أي أول لا شيء قبله وكأنه مأخوذ من الأنف الذي هو أول الجسم نتوءاً.

2) (أهل بضاضة الشباب) البضاضة امتلاء البدن وقوته ورونقه (إلا حواني الهرم) الهرم الشيخوخة، فإنَّها موجبة للحنو، أي الميل نحو الضعف والعجز (وأهل غضارة الصحة) الغضارة: طيب العيش فإنَّ الصحيح طيب العيش (إلا نوازل السقم) جمع نازلة، فإنَّ السقم ينزل بالإنسان (وأهل مدة البقاء) أي الذين لبقائهم مدة وامتداد (إلا آونة الفناء) آونة الشيء وقته (مع قرب الزيال) أي قرب زوال الإنسان عن الدنيا وانتقاله إلى الآخرة (وأزوف) بمعنى اقترب (وعلز القلق) العلز: كالرعدة تأخذ المريض، فإنَّ الإنسان قد يكون مطمئناً هادئ البال، ثم ينقلب حاله إلى القلق والاضطراب (والم المضض) هو بلوغ الحزن إلى القلب، فإنَّ ذلك يؤلم الإنسان أشد الإيلام، والمراد بهذه الجملة وسابقها ولاحقها إما وقت الموت وإما وقت تبدل النعم إلى شدة وضنك (وغصص الجرض) هو الريق، وغصص جمع غصة، وهي عدم نزول الماء إلى الجوف لآفة فى الحنجرة أو شبه ذلك (وتلفت الاستغاثة) فإنَّ الإنسان المحتضر يتلفت إلى من حوله مستغيثاً بهم (بنصرة الحفدة) أي يستغيث لينصره الحفيد ممّا به من الكرب والهم (والقرناء) جمع قرين وهو قرين الإنسان في عمره، أو عمله، أو ما شابه.

مَحَلَّةِ الْأَمْوَاتِ رَهِيناً، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلدَتهُ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ، وَمَحَا الْحَدَثَانِ مَعَالِمَهُ (1)، وَصَارَتِ الأَجْسَادُ شَحِبَةٌ بَعْدَ بَضَّتِهَا وَالْعِظَامُ نَخِرَةٌ بَعْدَ قُوَّتِهَا، وَالأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةًبِثِقَلِ أَعْبَائِهَا، مُوقِنَةً بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا، لَا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهَا، وَلَا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّئ زَلَلِهَا (2)أَوَلَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالآبَاءَ، وَإِخْوَانَهُمْ وَالأَقْرِبَاءَ؟ تَحْتَذُونَ أَمْثلَتَهُمْ، وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَتَطؤوُونَ جَادَّتَهُمْ؟ فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا، لَاهِيَةٌ


1) (فهل دفعت الأقارب) ما ينزل بالمرء من الكرب والمصائب، وهذا استفهام إنكاري، أي أنهم لا يتمكنون من الدفع (أو نفعت النواحب) جمع ناحبة وهي الباكية لمصيبة الإنسان (وقد غودر) أي ترك وبقي (رهيناً) أي مرهوناً محبوساً (وفي ضيق المضجع) أي القبر (قد هتكت الهوام جلدته) الهوام جمع هامة، وهي الحيوان الصغير كالدود والنمل وما أشبه، أو ما له سم كالحية والأفعى (وأبلت) من البلاء مقابل الجدة (النواهك) جمع ناهكة، وهي التي تضعف الإنسان وتؤذيه (جدته) وهذا كناية عن تغير جسمه وتبدل طراوته (وعفت) أي محت وأذهبت (العواصف) جمع عاصفة، وهي الريح الشديدة الهبوب (آثاره) فإنَّ القبر يندرس بالعواصف (ومحا الحدثان) أي الليل والنهار (معالمه) جمع معلم، وهو ما يستدل به والمراد أما معالم جسده، أو معالمه في الخارج.

2) (شحبة) من الشحوب بمعنى الذبول (بعد بضتها) أي إمتلائها بالسمن والنضارة (والعظام نخرة) أي بالية (والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها) يعني أن الأرواح التي خرجت عن الأجساد هناك في تعب والم لما فعلت في دار الدنيا، فهي كالرهينة التي ليست منافعها لصاحبها (موقنة بغيب أنبائها) فإنَّ الاخبار التي تقال لها في الدنيا - وقد كانت تشك فيها - صارت يقيناً هناك إذ شاهدت أحوال الآخرة خيرها وشرها (لا تستزاد من صالح عملها) أي لا يطلب منها زيادة العمل الصالح لأن محل العمل قد فات بعد الموت (ولا تستعتب) أي لا يطلب منها تقديم العتبى أي التوبة (من سيئ زللها) أي الأعمال السيئة التي عملها في حال الحياة.

عَنْ رُشْدِهَا، سَالِكَةٌ في غَيْرِ مِضْمَارِهَا كَأَنَّ الْمَعْنِي سِوَاهَا، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ في إِحْرَازِ دُنْيَاهَا (1). وَاعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَمَزَالِقِ دَحْضِهِ وَأَهَاوِيلِ زَلَلِهِ، وَتَارَاتِ أَهْوَالِهِ (2)، فَاتَّقُوا اللّه عِبَادَ اللّه تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُرُ قَلْبَهُ، وَأَنصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ، وَأَسْهَرَ التَّهَجُدُ غِرَارَ نَوْمِهِ، وَأَظْمَأُ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ وَظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ، وَأَرْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ، وَقَدَّمَ الْخَوْفَ لَأَمَانِهِ، وَتَنَكَّبُ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ، وَسَلَكَ أَقْصَدَ الْمَسَالِكِ إِلَى النَّهْجِ الْمَظْلُوبِ، وَلَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلَاتُ الْغُرُورِ، وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الأُمُورِ (3)ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرى،


1) (أولستم أبناء القوم والآباء) وقد ماتوا وبقيتم أنتم (وإخوانهم والأقرباء) وهذا استفهام الفاتي (تحتذون أمثلتهم) أي تفعلون مثل ما فعلوا (وتركبون قدتهم) أي تسيرون في طريقتهم التي ساروا فيها (وتطؤون جادتهم) أي تسيرون في المحل الذي ساروا فيه (فالقلوب قاسية عن حظها) أي أنها صلبت فلا يدخلها الحظ، وهذا كناية عن عدم العمل بما يوجب إسعادها (لاهية عن رشدها) فإنَّها مشغولة باللّهو ذاهلة عن الرشد (سالكة في غير مضمارها) المضمار هو المحل الذي يضمر فيه الخيل لتتهيأ للسباق، وإذا سلكت في غير تلك المضمار فاتها السبق وهكذا الإنسان الذي لا يعمل بما يسعده (كان المعني سواها) أي المقصود بالأوامر والزواجر سواها (وكأن الرشد في إحراز دنياها) أي جمعها وحفظها لا في إحراز الآخرة.

2) (مجازكم) أي محل عبوركم (على الصراط) وهو جسر بين المحشر وبين الجنة تحته النار، فمن عمل صالحاً جازه ومن عمل سيئاً وقع في النار (ومزالق دحضه) جمع مزلق، وهو الموضع الذي يقع فيه الإنسان لعدم استواء الطريق، والدحض مقابل الرفع، أي أن في الصراط محلات يزلق فيها الإنسان إلى النار (وأهاويل زلله) جمع أهوال، وهو جمع هول، فإنَّ الإنسان إذا زل خاف وهاله الأمر (وتارات أهواله) جمع تارة، وهي المرة، أي أن في الصراط أهوال مكررة يتلو بعضها بعضاً.

3) (ذي لب) أي صاحب عقل (شغل التفكر قلبه) أي التفكر في مصيره وسائر أموره (وأنصب الخوف بدنه) أي أتعبه (وأسهر التهجد غرار نومه) غرار النوم النوم القليل الذي يتقطع بالسهر، ومعنى أسهر التهجد : أزال قيام الليل للعبادة نومه القليل المتقطع (وأظماً الرجاء) أي رجاء الثواب (هواجر يومه) جمع هاجر وهي الساعة الحارة من النهار والمعنى أنه يصوم اشتياقاً إلى الثواب في الأيام الحارة (وظلف) أي منع (وأرجف الذكر بلسانه) كان في لسانه رجفة من كثرة ذكر اللّه سبحانه (وقدم الخوف لأمانه) أي لأن يأمن هناك، فإنَّ الخائف في الدنيا يعمل صالحاً ليأتي آمناً يوم القيامة (وتنكب) أي مال عن الشيء (المخالج) جمع مخلج وهو الطريق المتشعب عن الجادة المؤدي إلى الهلكة (أقصد المسالك) أي أعدل الطرق المؤدية إلى النهج المطلوب الجنة والثواب (ولم تقتله) من فتله بمعنى صرفه (فاتلات الغرور) أي الأشياء الموجبة للانصراف والتي يبعث عليها غرور الإنسان بالدنيا (ولم تعم عليه مشتبهات الأمور) أي أن الأمور المشتبهة بالحل والحرمة لا تشتبه عليه وإنما يعرف الصواب من الانحراف.

وَرَاحَةِ النُّعْمَى، في أنعم نَوْمِهِ، وَآمَنِ يَوْمِهِ قَدْ عَبَرَ معبر الْعَاجِلَةِ حَمِيداً، وَقَدَّمَ الآجِلَةِ سَعِيداً، وَبَادَرَ مِنْ وَجَلٍ، وَأَكْمَشَ فِي مَهَلٍ، وَرَغِبَ فِي طَلَبٍ وَذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ، وَرَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ، وَنَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ، فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَنَوَالاً، وَكَفَى بِالنَّارِ عِقاباً وَوَبَالاً ! وَكَفَى بِاللّه مُنْتَقِماً وَنَصِيراً! وَكَفَى بِالْكِتَابِ حَجيجاً وَخَصِيماً (1)!

أَوصِيكُمْ بِتَقوَى اللّه الذِي أَعْذر بِمَا أَنْذَرَ، وَاحْتَحَّ بِمَا نَهَجَ، وَحَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً، وَنَفَثَ فِي الآذَانِ نَجِياً فَأَضَلَّ وَأَرْدَى، وَوَعَدَ فَمَنّى وَزَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ، وَهَوَّنَ مُوبِقَاتِ العَظَائِمِ، حَتَّى إِذا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ، وَاسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ، أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ وَاسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ، وَحَذَرَ مَا أَمَّن (2).


1) (ظافراً بفرحة البشرى) أي أنه فاز - بسبب تلك الأتعاب - بفرح بشارة السعادة ونيل رضى اللّه ودرجات الآخرة (وراحة النعمى) بمعنى سعة العيش ونعيمه الذي يناله في الآخرة (أنعم نومه) أي النوم الهنيء الذي لا مخاوف فيه ولا وساوس لديه (وآمن يومه) أي أن يومه أكثر أمناً من سائر أيامه السالفة وسائر أيام الناس (قد عبر معبر العاجلة) أي الدنيا (حميداً) أي في حال كونه محموداً غير مذموم (وقدم الآجلة) أي الآخرة (سعيداً) قد سعد بسبب ما عمله سابقاً في دار الدنيا (وبادر) أي أسرع في عمل الحسنات (من وجل) الخوف من العذاب والنكال فالخوف أوجب أن يبادر إلى عمل الصالحات (وأكمش) أي أسرع (في مهل) أي في وقت كونه ذا مهلة، وهو في الدنيا (ورغب) في الآخرة والثواب (في طلب) فلم تكن رغبته مجردة، وإنما هي مع العمل الصالح (وذهب عن هرب) أي انصرف عن المحرمات هرباً منها وخوفاً من تبعاتها (في يومه) في الدنيا (غده) بمعنى أنه عمل لآخرته (ونظر قدماً) أي سابقاً (أمامه) بمعنى أنه نظر إلى الآخرة فلم يغفل عنها (نوالاً) النوال : ما يناله الإنسان من خير وسعادة (عقاباً ووبالاً) الوبال تبعة أعمال الإنسان السيئة، أي أن هذين الأمرين يكفيان في سوق الإنسان نحو الأعمال الصالحة، وردعه عن الأعمال السيئة (منتقماً) لمن عصاه (ونصيراً) لمن أطاعه وكفى بالكتاب أي القرآن (حجيجا) أي ما يحتج به على الإنسان، فإذا عمل شيئاً يقال له: ألم يكن القرآن نهاك عنه؟ (وخصيماً) أي خصماً لمن خالفه.

2) (أعذر بما أنذر) أي أنه سبحانه حيث أنذر الناس بالعقاب لمن خالف وأتى بالمحرمات، فقد ترك مجال عذر المعتذر (واحتج بما نهج) أي احتج على العباد، بسبب ما وضّح لهم من الأحكام والشرائع (نفذ في الصدور خفياً) فإنَّ الشيطان حيث كان جسماً لطيفاً ينفذ في داخل الإنسان، فيوسوس في القلب الذي هو في الصدر (ونفث) أي قال وتكلم (في الآذان نجياً) أي كلاماً خفياً (ووعد فمنى) أي صور الأماني والغايات الحسنة كذباً (وزين) أي حسن في نظر الإنسان (سيئات الجرائم) أي المعاصي السيئة (وهون) أي قال إن المعصية الفلانية هيئة لا خوف منها (موبقات العظائم) الموبقة المعاصي العظيمة الموجبة للهلاك (حتى إذا استدرج قرينته) قرينة الشيطان هي النفس الأمارة، فإنَّ الشيطان يقترن معها والاستدراج هو أن يجلب الشيطان الإنسان درجة من الصلاح إلى الفساد واستغلق رهينته أي جعل النفس التي هي رهينة بعملها بحيث لا يمكن فكها (أنكر ما زين) لا يبقى صديقاً وفياً للعاصي، بل يعاديه (واستعظم ما هون) فيقول للعاصي لماذا فعلت تلك المعصية العظيمة، بينما كان الشيطان قد هوّن العصيان في نظر العاصي قبل ذلك (وحذر ما أمنً) أي أنه يخوف عن المعصية، بعد ما قال إنه لا خوف منها، وأنها محل الأمان، فلا يلحق الإنسان منها تبعة.

ومنها في صفة خلق الإنسان

أَمْ هذا الَّذِي أَنشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ، وَشُغُفِ الأَسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقاً، وَعَلَقَةً مِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً وَبَافِعاً، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِساناً لافِظاً لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً (1)، حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثَالُهُ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، وَخَبَطَ سَادِراً، مَاتِحاً فِي غَرْبٍ هَوَاهُ كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ أَرَبِهِ (2)، لا يَحْتَسِبُ رَزِيّةً


1) (وشغف الأستار) جمع شغاف وهو غلاف القلب، ثم استعمل لكل غلاف والمراد بالاستار هي التي ذكرناها ممّا يحتوي الجنين، في حال كونه (نطفة دهاقاً) من دهق إذا صب بقوة، (وعلقة محاقاً) فإنَّ المني بعد استقراره في الرحم ومضي مدة عليه يكون كالعلقة، وهي الدودة التي تمتص الدم، ومعنى محاقاً، أنه ممحوق فيه الصورة، إذ لا صورة إنسانية له (ويافعاً) وهو الغلام (حافظاً) يحفظ الأشياء فإنَّ الألوان والطعوم والأشكال وسائر الأمور إنما تحفظ بالقلب، ولذا إذا رأها الإنسان عرفها (ولساناً لافظاً) يلفظ ويتكلم (معتبراً) أي أن يأخذ العبرة (ويقصر مزد جراً) أي ممتنعاً عن الرذائل منها بسبب العقل.

2) (حتى إذا قام اعتداله) بمعنى اعتدل واستوى وكملت مشاعره الظاهرة والباطنة (واستوى مثاله) وهذا عبارة أخرى عن الجملة الأولى وكأن الإنسان مثالاً إذا بلغ ذلك القدر كان مستوياً غير زائد ولا ناقص (نفر مستكبراً) أي تنفر عن اللّه سبحانه وأحكامه، لكبر فيه ونخوة في رأسه (وخبط سادراً) الخبط هو الخلط بين الصحيح والسقيم، والسادر: المتحير الذي يمشي بلا هداية يعني يتناول الآثام والمعاصي كالخابط السادر (ماتحا) يقال متح الماء إذا نزعه من البئر (في غرب) هو الدلو العظيمة (هواه) أي أنه يملأ دلو حياته من الملذات والمشتهيات من غير مراعاة للأحكام الشرعية (كادحاً) الكدح : شدة السعي والعمل الدائب (سعياً لدنياه) فإنَّه يخصص عمله وسعيه الدائب للدنيا بلا أن يعمل للآخرة شيئاً (في لذات طربه) الطرب خفة تعرض للإنسان حال شدة الفرح (وبدوات أربه) أي أنه يمضي فيما يبدو له من الرغائب، بدون أن يتقيد بشريعة أو دين.

وَلَا يَخْشَعُ نَقِيَّةٌ، فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً، وَعَاشَ فِي هَفْوتِهِ بِسِيراً، لَمْ يُفِدْ عِوَضاً وَلَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً. دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ وسُنَنِ مِرَاحِهِ (1)، فَظَلَّ سَادِراً وَبَاتَ سَاهِراً، فِي غَمَرَاتِ الآلام. وَطَوَارِقِ الأَوْجَاعِ وَالأَسْقَامِ، بَيْنَ أَخٍ شَقِيقٍ، وَوَالِدٍ شَفِيقٍ، وَدَاعِيَةِ بِالْوَيْل جَزَعاً، وَلَادِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً، وَالمُرءُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِيَةٍ، وَغَمْرَةٍ كَارِثَةٍ، وَأَنَّةٍ مُوجِعَةٍ، وَجَذْبَةٍ مُكْرِبَةٍ وَسَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ. ثُمَّ أُدْرجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً (2)، وَجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً، ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الأَعْوَادِ رَجِيعَ وَصَبٍ، وَنِضْوَ سَقَم، تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ، وَحَشَدَةُ الإِخَوَانِ، إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ وَمُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ (3)، حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ


1) (لا يحتسب رزية) أي أنه لا يفكر في احتمال وقوع المعصية عليه كما هو شأن الغافلين اللاهين (ولا يخشع) أي لا يخضع (تقية) من اللّه وخوفاً من عقابه (فمات في فتنته) أي افتتانه بالدنيا وملذاتها (غريراً) مغروراً، قد ظن بقاء الدنيا ولذاتها (وعاش في هفوته) أي خطأه وزلته (يسيراً) فإنَّ عمر الدنيا مهما طال يسير (عوضاً) من دنياه وأعماله، لأنه لم يصرف عمره في التجارة والثواب بل في المعصية والعقاب (ولم يقض) أي لم يأت (مفترضاً) أي فريضة فرضها اللّه سبحانه (دهمته) أي غشيته ووردت عليه فجأة (فجعات المنية) الفاجعة المصيبة النازلة، والمنية : هي الموت (في غبر جماحه) غبر جمع غابر، والجماح العتق والنفوذ أي أنه حيث جمح وعتى في سابق عمره أتاه الموت الموجب لمصيبته ورزيته (وسنن مراحه) طرق المرح وشدة الفرح والبطر.

2) (سادراً) حائراً ماضياً في الشر (وبات ساهراً) ليله في الشر (وبات ساهراً) ليله في ألم وتعب (في غمرات الآلام) كان الألم يغمره ويتجاوز راسه (وطوارق) جمع طارقة وهي النازلة التي تنزل بالإنسان ليلاً، على حين غفلة وغرّه (وداعية) من النساء كالأم والأخوات والزوجة (بالويل جزعاً) تقول يا ويلي، من تألمها وجزعها على الرجل المريض الذي هو قريبها (ولادمة) أي ضاربة (في سكرة) فإنَّ الموت إذا نزل غطّى على عقل الإنسان كما تغطي الخمرة (ملهية) أي تلهيه السكرة وتشغله عن الالتفات إلى أهله وأقربائه. (وغمرة كارثة) الغمرة ما يغمر الإنسان من الماء أو ما أشبه والمراد هنا الشدة التي تحيط بالعقل والرأس ممّا يحول دون الإنسان ودون التعقل والتفهم والكارثة : المصيبة الشديدة (وأنّة موجعة) لكونها من شدتها توجع وتؤلم من حول المريض (وجذبة) أي جذب الموت لروحه، أو جذبه للنفس بشدة (مكربة) أي موجبة للكرب والألم (وسوقة) أي سوق الموت له (أدرج) أي وضع (مبلساً) من أبلس بمعنى يئس.

3) (الأعواد) أي الجنازة فقد كان من المتعارف رص الأعواد وحمل الميت عليها (رجيع وصب) أي الراجع إلى الآخرة، رجوع تعب وأذية، حيث إنه لم يعمل في الدنيا ما يوجب راحته ونضو سقم) أي أنه هزيل من الأسقام والآلام التي شاهدها عند الاحتضار وبعد الموت (إلى دار غربته) وهي القبر، فإنَّه فيها غريب عن الأهل والأصدقاء (ومنقطع زورته) أي تنقطع زيارته.

الْمُشَيِّعُ وَرَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّوَالِ، وَعَثْرَةِ الامْتِحَانِ (1). وَأَعْظَمُ مَا هُنالِكَ بَلِيَّةٌ نُزُولُ الْحَمِيمِ وَتَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ وَفَوْرَاتُ السَّعِيرِ، وَسَوْرَاتُ الزِّفِيرِ، لَا فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ وَلَا دَعَةٌ مُزِيحَةٌ، وَلَا قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ، وَلا مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ ولَاسِنَةٌ مُسَلِّيَةٌ بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ، وَعَذَابِ السَّاعَاتِ (2)! إِنَّا بِاللّه عَائِذُونَ عِبَادَ اللّه، أَيْنَ الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا، وَعُلِّمُوا فَفَهِمُوا، وَأُنْظِرُوا فَلَهُوا وَسُلِّمُوا فَنَسُوا! أَمْهِلُوا طَوِيلاً، وَمُنِحُوا جَمِيلاً، وَحُذِّرُوا أَلِيماً، وَوُعِدُوا جَسِيماً (3)! احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَةَ وَالْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةَ أُولِي الأَبْصَارِ وَالأَسْمَاعِ، وَالْعَافِيَةِ وَالْمَتَاعِ، هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلَاصٍ، أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلَاذٍ أَوْ فِرَارِ أَوْ مَحَارٍ! أَمْ لَا؟ (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ!) أَمْ


1) (أقعد في حفرته) فإنَّ نكيراً ومنكراً يقعدان الميت في القبر، والمراد إقعاد ما يتعلق بجسمه من بقايا الروح التي كانت ممدودة بمد جسمه لا أنه يقعد جسمه. (نجيا) أي ليناجي، ويتكلم خفياً، لا يعرف كلامه الأحياء، ولذا شبه بالنجوى (لبهتة السؤال) فإنَّ السؤال الذي يوجه إلى الميت موجب لتحيّره كيف يجيب؟ هل بالصدق فيعذب، أم بالكذب فيفضح ؟ (وعثرة الامتحان). فإنَّ إمتحانه هناك - هل عمل صالحاً أم لا ؟ - يوجب عثرته ورسوبه.

2) (الحميم) هو الماء الحار، فإنَّ الإنسان إذا كان عمل الموبقات والمعاصي في الدنيا يكون شرابه هنالك من الماء الحار المغلي (وتصلية الجحيم) من صلاها إذا وردها ووصل إليها (وفورات السعير) السعير النار الملتهبة، وفورتها زبانيتها (وسورات الزفير) الزفير: صوت النار عند توقدها والسورة الصولة والشدة (لا فترة مريحة) فإنَّ العذاب لا يفتر عن أهل النار حتى يستريحوا (ولا دعة) أي راحة (مزيحة) تزيح عنهم العذاب والنصب الذي يلحقهم من الألم والحرق. (ولا قوة حاجزة) أي تحجز وتمنع العذاب من أن يصل إليهم (ولا موتة ناجزة) الناجزة: الحاضرة، أي لا موت حاضر، حتى يموتوا فيستريحوا من العذاب (ولا سنة) هي أول النوم (مسلية) أي تسليهم وتلهيهم، فإنّ النعاس يخفف آلام الإنسان (بين أطوار الموتات) فإنَّ كل لون من ألوان العذاب في الشدة والصعوبة كالموت (وعذاب الساعات) فإنّ لكل ساعة عذاباً ونكالاً.

3) (فنعموا) أي تنعموا بأنواع النعم (وعلموا) علمهم الأنبياء خيرهم وشرهم (ففهموا) أدركوا، فلم يكونوا جاهلين، ولكن مع ذلك انحرفوا وعصوا (وأنظروا) أي أمهلوا في الدنيا (فلهوا) أي اشتغلوا باللّهو واللعب دون العمل الصالح الموجب لسعادتهم (وسلموا) من الأمراض والمخاوف (فنسوا) الآخرة (أمهلوا طويلاً) فإنَّ عمر الإنسان طويل بالنسبة إلى تمكنه من الأعمال الصالحة (جميلاً) من المال والجاه وسائر نعم الدنيا (ووعدوا جسيماً) كبيراً، إذا أطاعوا.

أَيْنَ تُصْرَفُونَ! أَمْ بِمَاذَا تَغْتَرُّونَ (1)! وَإِنَّمَا حظّ أَحَدِكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، ذَاتِ الطولِ وَالْعَرْضِ، قِيدُ قَدِّهِ مَتَعَفِّراً عَلَى خَدِّهِ! الآنَ عِبَادَ اللّه وَالْخِنَاقُ مُهْمَلٌ، وَالرُّوحُ مُرْسَلٌ فِي فَيْنَةِ الإِرْشَادِ، وَرَاحَةِ الأَجْسَادِ، وَبَاحَةِ الاحْتِشَادِ وَمَهَلِ الْبَقيَّةِ، وَأُنْفِ المَشِيَّةِ وَإِنْظَارِ التَّوْبَةِ، وَانْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ، قَبْل الضَّنْكِ وَالمَضِيقِ، وَالرَّوْعِ وَالزُّهُوقِ، وَقَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ المُنتَظَرِ وَأَخْذَةِ الْعَزيزِ الْمُقْتَدِرِ (2).

قال الرضي (رَحمهُ اللّه): في الخبر أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما خطب بهذه الخطبة، اقشعرت لها الجلود وبكت العيون، ورجفت القلوب، ومن الناس من يسمي هذه الخطبة [الغراء].

وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكر عمرو بن العاص

عَجَباً لابْنِ النَّابِغَةِ يَزْعُمُ لأَهْلِ الشَّامِ أنَ فِي دُعَابَةً، وَأَنِّي امْرُلٌ تِلْعَابَةٌ : أُعَانِسُ وَأُمَارِسُ (3): لَقَدْ قَالَ باطِلاً، وَنَطَقَ آثِماً. أَمَا - وَشَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ -


1) (الذنوب المورطة) أي المهلكة التي توقع الإنسان في الهلكة (والعيوب المسخطة) أي التي توجب السخط والغضب، والمراد بالعيوب المعاصي (أولى الأبصار والأسماع) فأنتم تبصرون وتسمعون الآن (والعافية) البدنية وما أشبه (والمتاع) أي أمتعة الدنيا وأثاثها (هل من مناص) عن الموت والعقاب - لمن عصى – (أو خلاص أو معاذ) يستعيذ به الإنسان (أو ملاذ) يلوذ ويلتجئ إليه (أو فرار) يتمكن من الفرار من العذاب (أو محار) أي مرجع إلى الدنيا بعد فراقها، من حار (فأنى تؤفكون) أي كيف تصرفون عن الحق إلى الباطل وعن الطاعة إلى المعصية أم أين تصرفون في طريقكم عن الحق إلى المتاهة (أم بماذا تغترون) فلا أحد منجي ولا شيء مفيد.

2) (قيد قده) أي مقدار طوله (متعفراً على خده) فإنَّ خده يوضع على تراب أرض القبر، (والخناق مهمل) الخناق: الحبل الذي يخنق به الإنسان والمراد بـ (مهمل) عدم شدّه على العنق (والروح مرسل) في بدن الإنسان غير مقبوض (في فينة) أي حال (الإرشاد) أي قد أرشدتم إلى العمل الصالح (وراحة الأجساد) فإن أجسادكم ليست في النار والعذاب والأتعاب. (الاحتشاد) أي الاجتماع على البر والتعاون على الخير (ومهل البقية) أي في مهلة من بقايا عمركم، وإن كان ذهب بعضه فإن في باقيهِ كفاية (وأنف) أي المستأنف (المشية) أي الإرادة (وإنظار التوبة) بحيث لكم وقت للتوبة (وانفساح الحوبة) أي اتساع حالتكم قبل الضنك هو الضيق (والزهوق) أي الاضمحلال والفناء من الدنيا (الغائب المنتظر) أي الموت (واخذة العزيز المقتدر) الاخذة، بمعنى العقاب والعزيز المقتدر هو اللّه سبحانه.

3) (النابغة) هي المرأة الزانية، من نبغ إذا ظهر كأن الزانية تظهر وتشتهر بينما سائر النساء في خفاء وستر، وقد كانت أم عمرو بن العاص زانية مشهورة (دعابة) أي المزاح واللعب، وقد كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يمازح أحياناً - وكان مزاحه بالحق (وأني أمرؤ تلعابة) أي كثير اللعب (أعافس) عفس إذا مازح (وأمارس) الممارسة: المعالجة بالقرص والمصارعة ونحوهما.

إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ، وَيَسْأَلُ فَيُلْحِفُ، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ، وَيَخُونُ الْعَهْدَ، وَيَقْطَعُ الإِلَّ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ وآمرٍ هو! ما لم تأخُذِ السُّيوف مآخذها، فإذا كان ذلك كان أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقِرْمَ سُبَّتَهُ (1).

أَما واللّه إِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ، وَإِنَّهُ لَيَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الآخِرَةِ، إِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ مُعَاوِيَة حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ آتِيَّةً، وَيَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً (2).

وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الموعظة والأمر بالتقوى

وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللّه وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ : الْأَوَّلُ لَا شَيْءٍ قَبْلَهُ، وَالآخِرُ لَا غَايَةَ لَهُ، لَا تَقَعُ الأَوْهَامُ لَهُ علَى صِفَةٍ، وَلَا تَقْعُدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ، وَلَا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ وَالتَّبعيضُ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الأَبْصَارُ وَالْقُلُوبُ (3).


1) (فيلحف) أي يلح في السؤال، وهذا من الخصال المذمومة (ويقطع الإل) هي بمعنى القرابة، أي يقطع الرحم (فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو) أي أنه محرض للحرب وآمر وناه (ما لم تأخذ السيوف مآخذها) أي ما لم تتحرك السيوف للقتال، وما لم تشتبك الجيوش. (أكبر مكيدته أن يمنح القرم) أي يظهر للشجاع الذي جاء لمنازلته ومقاتلته (سبته) أي أسته فقد بارز ابن العاص يوم صفين فقابله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولما رأى ابن العاص أنه لا مفر من ضربة الإمام القى بنفسه على الأرض وأخرج عورته أمام الإمام لما كان يعلم من إعراض الإمام عن النظر فنجا بذلك، واشتهر بعتيق أسته.

2) (أما واللّه إني ليمنعني من اللعب المنسوب إلي كذباً (ذكر الموت) فإنَّ الإنسان الذاكر للموت مشتغل بأمر الآخرة. (حتى شرط أن يؤتيه) أي يعطيه معاوية (أتية) عطية (ويرضخ له) الرضخ العطية التي تعين لمن فعل شيئاً (رضيخة) والمراد بذلك ولاية مصر.

3) (الأول لا شيء قبله) فإنَّه سبحانه قبل جميع الأشياء، والأولية ليست زمانية، إذ لا زمان له تعالى كما تقرر في محله (والآخر لا غاية له) كما هو مقتضى وجوب الوجود، إذ لا يتطرق العدم في واجب الوجود إطلاقاً، وإلا كان خلفاً (لا تقع الأوهام) المراد بالأوهام: الأفكار، لا الوهم مقابل الظن (على صفة) إذ كنهه سبحانه مجهول فإنا نعلم أن اللّه سبحان عالم - مثلاً - أما كيفية علمه فلا ندركها (ولا تقعد القلوب منه على كيفية) القعود كناية عن استقرار الحكم فكما أن الشخص القاعد مستقر، كذلك العالم بالشيء مستقر النفس، والفرق بين الجملتين أن الأولى بالنسبة إلى الأوصاف والثانية بالنسبة إلى الذات، فإنَّ ذاته تعالى مجهولة لا يدركها العقل. (ولا تناله التجزئة) فليس له تعالى أجزاء حسية، كأجزاء الإنسان من يد ورجل وما أشبه، ولا أجزاء عقلية كالجنس والفصل (والتبعيض) بأن يكون له أبعاض، وهذا أما عطف بيان وإما يراد به الجزء من الشيء الواحد، كالجزء من الدم مثلاً، في مقابل التجزئة التي هي جزء من الشيء كاليد من الإنسان (ولا تحيط به الأبصار والقلوب) فلا يراه أحد ولا يعرفه أحد لأن الرؤية محالة في حقه، والعرفان غير ممكن إذ الإنسان محدود فلا يحيط بغير المحدود وإلا لزم الخلف.

ومنها : فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللّه بالعِبَرِ النَّوَافِعِ، وَاعْتَبِرُوا بِالآي السَّوَاطِعِ، وَازْدَجِرُوا بِالنُّذْرِ البَوَالِغ، وانْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَالْمَوَاعِظِ، فَكَأَنْ قدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ، وَانْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلَائِقُ الأُمْنِيَّةِ، وَدَهِمْتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الأُمُورِ، وَالسَّيَاقَةُ إِلَى الْوِرْدِ المَوْرُودِ (وَكُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) (1): سَائِقٌ يَسُوتُها إِلَى مَحْشَرِهَا، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا (2).

ومنها في صفة الجنّة : دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلَاتٌ، وَمَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ، لَا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا، وَلَا يَظْعَنُ (3)مُقيمُهَا، وَلَا يَهْرَمُ خَالِدُهَا، وَلَا يَيَأَسُ سَاكِنُهَا.


1) سورة ق 21.

2) (واعتبروا بالآي) جمع آية والمراد بها آيات القرآن الحكيم، أو كل دليل (السواطع) جمع ساطعة، وهي الظاهرة اللامعة (وازدجروا) أي امتنعوا عن المحرمات (بالنذر) جمع نذير (البوالغ) جمع بالغة، يعني النواهي والإنذارات التي بلغتكم (وانتفعوا بالذكر) أي بما يذكركم (والمواعظ) التي تر شدكم إلى طريق الصلاح. (فكان قد علقتكم) أي تعلقت بكم (مخالب) جمع مخلب وهو أظافر الطيور المفترسة (المنية وانقطعت منكم علائق الأمنية) فالإنسان إذا علم بقرب موته انقطعت علائقه بالدنيا، وأمانيه فيها (ودهمتكم) أي حلت بكم حلولاً مفاجئاً (مفظعات الأمور) أي شدائدها (السياقة إلى الورد المورود) أي سوقكم إلى الموت، فقد شبه الموت بالماء الذي يرده الإنسان ليشربه، (وكل نفس معها سائق) يسوقها (وشهيد) يشهد بما عملت (سائق يسوقها إلى محشرها) أي محل جمع الناس للمحاسبة، فإنَّه اسم مكان من حشر بمعنى جمع (وشاهد يشهد عليها بعملها) في الدنيا من خير أو شر.

3) (درجات متافضلات) فإنَّ بعض منازلها أعلى من بعض (ومنازل متفاوتات) في الكرامة، فبعضها أكرم من بعض (ولا يظعن) أي لا يرتحل.

نهج البلاغة

آية اللّه العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي

«قدس سره»

الجزء الثاني

إشارة:

وَمِنْ خَطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عظة الناس وأمرهم بالتقوى

قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ، وَخَبَرَ الضَّمَائِرَ، لَهُ الإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامٍ مَهَلِهِ قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ، وَفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغْلِهِ، وَفِي مُتَنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِعَظَمِهِ وَلْيُمهِّد لِنَفْسِهِ وَقَدَمِهِ، وَلْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ (1). فَاللّه اللّه أَيُّهَا النَّاسُ، فِيمَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، وَاسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبثاً، وَلَمْ يَتْرُكُكُمْ سُدّى، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ وَلا عَمِّى (2)، قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ، وَعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ وَكَتَبَ أَجَالَكُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ (الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (3)، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ - فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ - دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْهَى إِلَيْكُمْ - عَلَى لِسَانِهِ - مَحَابَّهُ مِنَ


1) (السرائر) جمع سريرة، وهي القلب والضمير، فإنَّ جميع النوايا التي ينويها الإنسان يعلمها سبحانه وتعالى (وخبر) أي اطلع وعلم (الضمائر) جمع ضمير، وهذا عطف بيان للجملة السابقة، تأكيداً (له الإحاطة بكل شيء) ومعنى إحاطته استيلاؤه بالعلم والقدرة والغلبة لكل شيء) فهو غالب على جميع الأشياء (والقوة على كل شيء) فهو القوي الغالب المحيط (في أيام مهله) وهي أيام كونه في الدنيا، فإنَّ له مهلة فيها للعمل الصالح (قبل إرهاق أجله) أي: قبل أن يرهقه ويستأصله (وفي فراغه قبل أوان شغله) المراد بالفراغ إما الفراغ في الدنيا قبل الآخرة، أو وقت فراغه، فإنَّ الإنسان قد يكون فارغاً، وقد يكون مشغولاً (وفي متنفسه) ما دام حيّاً قبل أن يؤخذ بكظمه الكظم هو الحلق لنفسه وقدمه ذكر القدم لأنه من أهول الأحوال (من دار ظعنه) أي الدنيا التي يظعن وينتقل منها (لدار إقامته) أي الآخرة.

2) (فيما استحفظكم من كتابه) أي جعلكم حفظة عليه، فاحفظوه، وحفظه عبارة عن العمل به (واستودعكم من حقوقه) أي جعلكم محلاً لوديعته والمراد بها الأحكام الشرعية، فإنها حق اللّه على الناس، وهي ودائعه تعالى عندهم (عبثاً) أي بلا غاية ولا مقصد (سدى) أي بلا تكليف وسدًى بمعنى الإهمال (ولم يدعكم في جهالة) لا تعرفون الأصول والفروع بل علمكم بسبب الأنبياء (ولا عمى) فإنّ الإنسان الجاهل كالأعمى الذي لا يبصر.

3) إشارة إلى الآية 89 من سورة النحل.

الأعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ، وَنَوَاهِبَهُ وَأَوَامِرَهُ، وَأَلْقَى إِلَيْكُمُ الْمَعْذِرَةَ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، وَانْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (1). فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ، وَاصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ، وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ، وَلا تُرَخِّصُوا لأَنْفُسِكُمْ، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ فِيهَا مَذَاهِبَ الْظُّلَمَةِ، وَلا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الإِدْهَانُ عَلَى الْمُصيبَة (2). عِبَادَ اللّه، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ، وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ، وَالْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ، وَالْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ (3). وَاعْلَمُوا أَنَّ


1) (قد سمّى آثاركم) أي كتب قبل أن تعملوها، وهذا كناية عن علمه سبحانه بما يعملون (وكتب آجالكم) أي مدّة بقائكم في الدنيا (وأنزل عليكم الكتاب) المراد به إما جنس الكتب المنزلة على الأنبياء، أو خصوص القرآن الحكيم (تبياناً) والتبيان أكثر إفادة من البيان. (الذي رضي لنفسه) بمعنى أنه سبحانه ارتضاه ديناً لنفسه أي طريقة يصل الخلق منها إلى مرضاته (وأنهى إليكم) أي أوصل إليكم (محابه من الأعمال) أي الأعمال التي يحبّها سبحانه (والقى إليكم المعذرة) أي ما يوجب عذركم إن أطعتموه وعذره - في عقابكم - إن عصيتموه، لأنه بيّن لكم فخالفتم (واتخذ عليكم الحجّة) وهي ما يحتج به المولى على العبد - إن خالف - والعبد على المولى - إن أطاع - (وقدم إليكم بالوعيد) أي بين لكم العقاب الذي يأتيكم إن خالفتم (وأنذركم بين يدي عذاب شديد) أي قبل عذاب شديد، الذي هو عذاب الآخرة.

2) (فاستدركوا) أي أدركوا فلا يفوتكم (واصبروا لها أنفسكم) مفعول اصبروا، ومعنى تصبير النفس أمرها بالصبر (قليل في كثير الأيام التي تكون منكم فيها الغفلة) في: بمعنى النسبة، يعني إن ما بقي من الأيام قليل بالنسبة إلى الأيام الماضية التي غفلتم عن اللّه فيها، وإنما كانت قليلة بالنسبة إلى مجموع الناس بالنسبة إلى المجموع، وإن كانت الأيام الباقية بالنسبة إلى الشاب أكثر من الأيام الماضية، أو الكلام [خطابي] لتهوين أمر الصبر لديهم كما جرت عادة البلغاء في تهوين المشاق للناس حتى يركبوها (والتشاغل عن الموعظة) أي عدم الاعتناء بها (ولا ترخصوا لأنفسكم) أي لا تبيحوا لها عمل المحرمات (مذاهب الظلمة) جمع ظالم، أي تسير النفس كما يسير الظالمون في ارتكاب المحرمات، وترك الواجبات (ولا تداهنوا) المداهنة إظهار خلاف ما في الضمير مجاملة للعاصي (فيهجم بكم الإدهان على المصيبة) فإنَّ الإنسان لو داهن يكون مصيره إلى النار التي هي أعظم المصائب، وذلك لأن المداهنة خلاف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3) (إن أنصح النّاس لنفسه أطوعهم لربّه) أي أكثرهم إطاعة، وإنما كان أنصح لأنه يهيئ لنفسه أحسن المقامات في الآخرة (وإن أغشهم لنفسه) أي أكثرهم غشاً لها (أعصاهم لربه) لأنه يهيئ لها مستقبلاً سيّئاً (والمغبون من غبن نفسه) فإنَّ من يغبن نفسه بأعمال توجب لها هواناً وعقاباً فإنَّه أحق باسم المغبون من المغبون في معاملته، (والمغبوط) الذي يغبطه الناس (من سلم له دينه) بأن لم يفسد بالمعاصي والآثام، (والسعيد) الذي نال السعادة (من وعظ بغيره) بأن رأى غيره تضرر من المعاصي فلم يعمل بها، (والشقي من انخدع لهواه) من استسلم لهواه فقد شقي واستحق العقاب (وغروره) أي النفس التي تغرّه وتزين له العصيان.

يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلإِيمَانِ، وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيطان. جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبُ لِلإِيمَانِ الصَّادِقُ عَلَى شَرَفِ مَنْجَاةٍ وَكَرَامَة، وَالْكَاذِبُ عَلَى شَفَا مَهْوَاة وَمَهَانَة (1). وَلا تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، وَلا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ، وَيُنْسِي الذِّكْرَ. فَأَكْذِبُوا الأمَلَ (2)فَإِنَّهُ غُرُورٌ، وَصَاحِبُهُ مَغْرُورٌ.

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فناء الدنيا، وذم البدعة

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا، مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ! لا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلاّ بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلا بِهَدْم آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ، وَلا تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلا بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ، وَلا يَحْيَى لَهُ أَثَرٌ، إِلا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ، وَلا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدُ إلا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ، وَلا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إلا وَتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ. وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا، فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ(3)!

منها : وَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إلا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ. فَاتَّقُوا الْبِدَعَ، وَالْزَمُوا الْمَهْيَعَ. إِنَّ عَوَازِمَ الأُمُورِ أَفْضَلُهَا، وَإِنَّ مُحْدِثَاتِهَا شِرَارُهَا (4)


1) (يسير الرياء شرك) للرّياء هو أن يعمل الإنسان الأعمال الصالحة ليراه الناس فيمدحوه، وهذا شرك لأن المرائي عمل لغير اللّه سبحانه (ومجالسة أهل الهوى) الذين ينساقون وراء هواهم وشهواتهم (منساة للإيمان) أي توجب نسيان الإيمان (ومحضرة للشيطان) فإنّ الشيطان يحضر عند أهل الهوى والمعصية (الصادق على شرف منجاة) أي أن صدقه يوجب نجاته (وكرامة) أي تكريم اللّه والنّاس له، فإنَّ الصِّدق فضيلة يمدحها النّاس (على شفا) [شفا] جرف الوادي، ممّا أشرف على السقوط (مهواة) أي هوى في المشكلة والسقوط (ومهانة) عند اللّه سبحانه وعند النّاس فإنّهم متى ما عرفوا أنّ فلاناً كاذب سقط من أعينهم، فهو قريب الوقوع والمهانة عند النّاس.

2) (الحالقة) التي تحلق وتزيل كل خير وسعادة (الأمل يسهي العقل) أي يوجب سهوه وذهوله (وينسي الذكر) أي يوجب أن لا يذكر الإنسان ربّه، إذ يترقب أن يتوب في كبره وآخر عمره (فاكذبوا الأمل) أي إذا قال لكم أنتم تبقون في الدنيا مدة مديدة، اعملوا عمل من لا يبقى إلا مدة قليلة.

3) (غرض) الغرض الهدف الذي يرمى بالسّهم (تنتضل فيه المنايا) جمع منية، وهي الموت، وتنتضل بمعنى تترامى إليه، فإنَّ سهام الموت تقصد الإنسان وتتوجه نحوه (مع كل جرعة) يتجرّعها الإنسان من الماء ونحوه (شرق) هو الماء يذهب في مجرى التنفس، وأحياناً يسبب هلاك الإنسان (وفي كل أكلة غصص) في اللقمة لا يتمكن الإنسان من ازدرادها، وربما سببت الهلاك (لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى) فمثلاً نعمة النضج الفكري تتوقف على فقد الشباب، ونعمة الزوجة لا تنال إلّا بفقد الفراغ، ونعمة الثّروة لا تكون إلا بفقد الرّاحة، وهكذا (ولا يعمر معمر منكم يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله) فكل يوم يعمره الإنسان، إنما يكون قد هدمه وأزاله عن مدته المقرّرة كونه في الدنيا (ولا تجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها) أي ما قبل تلك الزيادة (من رزقه) فمثلاً قدر أن يصل إلى الإنسان في يوم السبت دينار، وفي يوم الأحد ديناران، فإنَّ وصول الدينارين، إنما هو بعد نفاد الدينار الأولى، أي بعد وصوله إليه وعدم ترقبه (ولا يحيى له أثر إلا مات له أثر) فإنّ الأثر الذي يؤثره الإنسان في الماء والهواء والأرض وما أشبه يأخذ في الزوال - بمقتضى أن العالم كون وفساد - فكل وقت جديد، يأتي فيه أثر جديد، يذهب الأثر القديم (ولا يتجدّد له جديد إلا بعد أن يخلق له جديد) يخلق أي يبلى، فإنَّ الدّنيا دار بلاء (ولا تقوم له نابتة) أي الشَّجرة التي تنبت (إلا وتسقط منه محصودة) أي ثمرة قد حصدت (وقد مضت أصول) من أجدادنا وآبائنا (نحن فروعها) فإنَّ الأولاد كالفرع بالنسبة إلى الآباء (فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله) بمعنى أنه لا بقاء له.

4) (وما أحدثت بدعة) وهي التي يؤتى بها بعنوان أنها من الإسلام، وليس من الإسلام، بأن لم يدل على جوازها دليل عام أو خاص (إلا ترك بها سنة) فإنّ البدعة إنّما توضع في مكان السنّة (المهيع) هو الطَّريق الواضح، والمراد طريق الإسلام (إنّ عوازم الأمور أفضلها) جمع [عوزم] كجعفر بمعنى المتقادم أي الأمور التي كانت في زمن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وجاء بها الدليل - مقابل البدعة التي هي شيء جديد - (وإنّ محدثاتها) أي ما يحدث ويبدع من الأمور (شرارها) الشرّ كل شيء يأتي منه الشّقاء والعناء فإنّ البدع توجب خسران الدنيا والآخرة.

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه

إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلا خِذْلانُهُ بِكَثْرَةٍ وَلا قِلَّةٍ. وَهُوَ دِينُ اللّه الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ، وَطَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ، وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللّه، وَاللّه مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ (1). وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالأمْرِ مَكَانُ النّظام مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ : فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ وَذَهَبَ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَا فِيرِهِ أَبَداً. وَالْعَرَبُ الْيَوْمَ، وَإِنْ كَانُوا قَلِيلاً، فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالإِسْلامِ، وَعَزِيزُونَ بِالاِجْتِمَاعِ !

فَكُنْ قُطْباً، وَاسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ، وَأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ، فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هذِهِ الأرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَأَقْطَارِهَا. حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ ممّا بَيْنَ يَدَيْكَ (2).


1) (الشخوص) الذهب والسفر (إن هذا الأمر) أي الفتح (لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة) من باب اللف والنشر المرتب (أظهره) من الغيب للناس (وجنده) الظاهر أن المراد كون المسلمين - المفهوم من الكلام – (الذي أعده وأمده) أي هيّاه وجعل له مدداً (حتى بلغ ما بلغ) أي المقدار الذي بلغ من السعة والقدرة (وطلع حيث طلع) أي ظهر في الأماكن (ونحن على) أمر (موعود من اللّه) حيث قال سبحانه: وَلَيَنصُرَنَّ اللّه مَن يَنصُرُهُ [الحج : 40].

2) (ومكان القيم بالأمر) أي الخليفة القائم بأمر المسلمين (مكان النّظام) أي السلك (من الخرز) اسم جنس وهو ما تنظم في سلك، كحبة السبحة ونحوها (يجمعه ويضمه) أي يجمع السلك الخرز، ويضم بعضها إلى بعض (فإن انقطع النظام) أي السلك (تفرق) الخرز (وذهب) بدداً (ثم لم يجتمع بحذافيره) أي بتمامه (أبدا) فإنَّ السعادة إذا ذهبت هيهات أن ترجع (فهم كثيرون بالإسلام) فإنّ الإسلام قد أوجد فيهم طاقة هائلة، وأورث لهم هيبة كبيرة (وعزيزون بالاجتماع) لأن كلمتهم واحدة تحت لواء الإسلام (واستدر الرّحى) أي أدرها (بالعرب) فهم الّذين يذهبون ويفتحون، كما تدور الرحى على القطب لتحطيم الحبّات وطحنها (وأصلهم) أي العرب والإصلاء إيصال الشيء إلى النار (فإنّك إن شخصت) أي ذهبت وسافرت (انتقضت عليك العرب من أطرافها) فإنّهم جديدو عهد بالإسلام ومستعدين للارتداد (وأقطارها) جمع قطر، بمعنى الناحية (حتّى يكون ما تدع وراءك من العورات) الجبهات التي تفتح ضد الإسلام، والعورة هي المكان الذي يخشى منه إن أغفل فيه (أهم إليك ممّا بين يديك) أي الفرس، فالإنسان إذا تحطم داخله كان أشدّ عليه، ممّا إذا لم يكن له قوة في الخارج.

إِنَّ الأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا: هذَا أَصْلُ الْعَرَبِ، فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ فَيَكُونُ ذلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ، وَطَمَعِهِمْ فِيكَ.

فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ، وَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْبِيرِ مَا يَكْرَهُ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ (1)!

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفيها بيان علة البعثة وفضل القرآن

فَبَعَثَ اللّه مُحَمَّداً (صلى اللّه عليه وآله) بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الأوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ، بِقُرْآنٍ قَدْ بَيْنَهُ وَأَحْكَمَهُ، لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَلِيُقِرُّوا بِهِ إِذْ جَحَدُوهُ، وَلِيُنْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ (2).


1) (إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا هذا أصل العرب) الذين يحاربوننا (فإذا اقتطعتموه) أي قتلتموه (استرحتم) مؤونة هجومهم من جديد وفتحهم لبلادنا (فيكون ذلك) الذي يسبب جرأة الأعاجم (أشدّ لكلبهم عليك) أي ضراوتهم وشدّتهم (وطمعهم فيك) فيكون رواحك بنفسك سبباً لتشدّد الأمر على المسلمين، وضعف جانب الدّاخل منهم (فإن اللّه سبحانه هو أكره لمسيرهم منك) لأن اللّه تعالى أكثر حباً للإسلام من كل أحد (وهو أقدر على تغيير ما يكره) بأن يثني عزمهم ويلقي الرعب في قلوبهم فلا يتمكنون من السير (وأما ما ذكرت من عددهم) وأنهم عدد هائل وعدد المسلمين قلة (فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة) بأنا أكثر عدداً من الأعداء (وإنما كنّا نقاتل بالنّصر) من اللّه سبحانه (والمعونة) أي إعانته.

2) (بقرآن) أي مع قرآن (قد بيّنه) اللّه سبحانه (وأحكمه) فإنَّ أحكامه متقنة لا خلل فيها ولا نقص (وليقروا به إذ جحدوه) أي أنكروه (وليثبتوه بعد إذ أنكروه) فلم يعترفوا بوجوده، ولعلّ الجحود مع الاستيقان والإنكار مع الشك والجهل عدم المعرفة إطلاقاً (فتجلى سبحانه لهم) أي ظهر - ذاته وصفاته – (في كتابه من غير أن يكونوا رأوه) فإنه سبحانه قد عرّف نفسه في القرآن الكريم (بما أراهم من قدرته) فإنّ الإنسان إذا ذكّر بآثار أحد عرفه، فإنه سبحانه قد ذكر في القرآن صنوفاً من مظاهر قدرته، ممّا يلفت الإنسان إلى معرفته (وخوفهم من سطوته) أي عقابه، بما بين من العذاب الدنيا والآخرة لمن خالف وعصى (وكيف محق) أي أهلك (بالمثلات) أي بالعقوبات التي صارت مثلاً للنّاس (واحتصد) أي حصد كما يحصد السنبل (بالنقمات) جمع نقمة وهي العقوبة.

فَتَجَلَّى سُبْحَانَهُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ، وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاتِ، وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ! وَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ، وَلا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَلا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللّه وَرَسُولِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةُ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاوَتِهِ، وَلا أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلا فِي الْبِلادِ شَيْءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَلا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ ! فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتْهُ، وَتَنَاسَاهُ حَفَظْتُهُ (1): فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ مَنْفِيَّان طَرِيدَانِ، وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لا يُؤْوِيهِمَا مُؤْوِ. فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ، وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ! لأنَّ الصَّلالَةَ لا تُوَافِقُ الْهُدَى، وَإِنِ اجْتَمَعَا، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ، وَافْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ (2)، كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إلا اسْمُهُ، وَلا يَعْرِفُونَ إِلا خَطَّهُ وَزَبْرَهُ، وَمِنْ قَبْلُ مَا مَثْلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ


1) (أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته) [أبور] يعني لا رواج له إطلاقاً، بمعنى أنه لا يعمل به، ومعنى [تلي] عمل به، فإنَّ حق التلاوة العمل (ولا أنفق منه) أي أروج من الكتاب (إذا حرّف عن مواضعه) بمعنى فسر كما تشاء أهواء بني أمية (فقد نبذ الكتاب) أي طرحوا العمل به (حملته) كأصحاب الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمثال أبي هريرة (وتناساه) أي جعلوا أنفسهم كأنهم ناسين لأحكامه - مع أنهم في الحقيقة غير ناسين - (حفظته) الذي حفظوه.

2) (فالكتاب - يومئذ - وأهله) الحقيقيون كشيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (منفیان طریدان) طردهم أهل الباطل عن المجامع، ينفون من بلد إلى بلد، كما فعل بحجر وأصحابه (وصاحبان مصطحبان) أي صديقان يكون أحدهما صاحباً للآخر، لا يفارقه وهما (في طريق واحد) من الخير والصلاح (لا يؤويهما مؤو) الإيواء: إعطاء المكان والمسكن، وذلك كناية عن الاحتفاء بهما، والاهتمام بشأنهما كالغريب الذي لا يؤويه أحد (فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في النّاس) بهياكلهما وجسومهما (وليسا فيهم) بأرواحهما، لعدم الالفة بين النّاس وبين الكتاب وأهله (ومعهم) جسماً وهيكلاً (وليسا معهم) روحاً وعملاً (لأن الضلالة) التي بأيدي الناس (لا توافق الهدى) الذي يدعو إليه الكتاب وأهله (وإن اجتمعا) بأجسامهما في محل واحد - وهذا علّة لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليسا فيهم، وليسا معهم – (فاجتمع القوم) أي النّاس المناوئون للكتاب وأهله (على الفرقة) أي التفرق، كما هو الطابع العام لأهل الشام ومن إليها في زمن الأمويين ومعنى الفرقة الابتعاد عن الكتاب وأهله (وافترقوا على الجماعة) العاملة بالكتاب.

مُثْلَةٍ، وَسَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللّه فِرْيَةٌ، وَجَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ (1).

وَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَتَغَيُّبِ آجَالِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ، وَتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، وَتَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَالنِّقْمَةُ (2).

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللّه وُفِّقَ، وَمَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، فَإِنْ جَارَ اللّه آمِنٌ وَعَدُوَّهُ خَائِفٌ وَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللّه أَنْ يَتَعَظَّمَ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ، وَسَلامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ (3). فَلا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ


1) (كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم) إذ لو كان الكتاب إمامهم اتبعوه (ولا يعرفون إلا خطّه وزبره) أي كتبه يقال زبره بمعنى كتبه والمعنى أنهم لا يعرفون مقاصده العالية وأحكامه السامية (ومن قبل) في أزمنة بني إسرائيل ونحوها (ما) زائدة للتزيين (مثلوا بالصالحين كل مثلة) أي كل أنواع المثلة، والمثلة عبارة عن التنكيل والعقاب الذي يسبب أن يجعل ذلك مثلاً عند الناس لفظاعته، كأن تصلم الأذن، أو تفقأ العين أو يجدع الأنف، ونحو ذلك (فرية) أي افتراء (وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة) فالحسنة التي هي الإسلام والتوحيد، كانت لدى بني أمية - قبل إظهارهم للإسلام - لها عقوبة السيئة، فكانوا ينكلون بالمسلمين ويعاقبونهم - وهذا إن كان المراد بالجمل السابقة بني أمية، وإن كان المراد الأمم السابقة، فالمصداق غير بني أمية وإنما عتاة الأمم البائدة، وعلى أي حال ففي هذه الجمل بيان حال الجبابرة والعتاة في كل زمان.

2) (وإنما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم) جمع أمل، وهو أن يرجو المرء أن يفعل في المستقبل أشياء مرتبطة بالدنيا (وتغيب آجالهم) أي أنه غاب عن أنظارهم أجلهم (حتّى نزل بهم الموعود) وهو الموت (الذي ترد عنه المعذرة) أي لا يقبل فيه عذر، بأن يعتذر الإنسان عن الموت، فيرجع الموت، ولا يأخذ من جاء لأجله (وترفع عنه التوبة) أي لا تفيد التوبة بعده إذا جاء (وتحل معه) أي تنزل أي مع الموت (القارعة) أي الداهية المهلكة، كأنها تقرع الإنسان وتدقه (والنقمة) أي العقاب.

3) (أيها النّاس إنه من استنصح اللّه) له، بمعنى اتخذ اللّه ناصحاً له، باتباع أوامره، وانتهاج مناهجه (وفق) لكل خير وسعادة (ومن اتخذ قوله) أي قول اللّه تعالى (دليلاً) يدله على مواضع الخير (هدي للتي هي أقوم) أي للطريقة التي هي أقوم وأحسن الطرق (فإن جار اللّه) أي الذي اتخذ أحكامه (آمن) عن المكاره (وعدوه خائف) إن عاش كان في ضيق، وإن مات فإلى النار (وإنه لا ينبغي لمن عرف عظمة اللّه أن يتعظم) إذ الإنسان يعرف الأشياء بأضدادها، فمعرفة عظمة اللّه ملازمة لمعرفة حقارة النفس، فلا ينبغي بعد ذلك التعاظم (فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له) ففي تواضعهم رفعة لهم، إذ التواضع يدل على الفهم، وتقدير الأشياء حق قدرها وكلا الأمرين موجب للرفعة (وسلامة الذين يعلمون ما قدرته) أي سلامتهم عن العقوبة (أن يستسلموا له) بالإنقياد، وإطاعته الأوامر.

مِنَ الأجْرَبِ، وَالْبَارِي مِنْ ذِي السَّقَم. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ، وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ، وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ (1). فَالْتَمِسُوا ذلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُمْ عَيْسُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ، هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، لا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ، وَصَامِت نَاطِقٌ (2).

وَمِنْ كَلام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكر أهل البصرة

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الأَمْرَ لَهُ، وَيَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ، لا يَمُتَانِ إِلَى اللّه بِحَبْلٍ، وَلا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبْ


1) (فلا تنفروا من الحق نقار الصحيح) أي مثل نفار الصحيح من الحيوان (من الأجرب) الذي أصيب بداء الجرب - وهو داء خبيث يوجب العدوى (والباري) أي الإنسان الصحيح البري من المرض (من ذي السقم) أي المريض (واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتّى تعرفوا الذي تركه) فإنَّ الإنسان لا يدرك حسن الأشياء، إلا إذا رأى قبح أضدادها (ولن تأخذوا بميثاق الكتاب) أي بأحكامه المحكمة التي هي بمنزلة المواثيق والعهود بين بمنزلة المواثيق والعهود بين اللّه وبين خلقه (حتى تعرفوا الذي نقضه) فإنَّ قبح الناقض يوجب ترفع الإنسان عن أن يماثله، وذلك موجب للأخذ بالكتاب (ولن تمسكوا به) أي بالكتاب والتمسك قوة الأخذ والعمل بأحكامه (حتّى تعرفوا الذي نبذه) أي طرح العمل به.

2) (فالتمسوا ذلك) أي اطلبوا العمل بالكتاب والمراد العلم بمقاصد الكتاب (من عند أهله) وهم الأئمة والعلماء الربانيون (فإنهم عيش العلم) بهم يعيش العلم، ويبقى في الحياة (وموت الجهل) أي انعدامه ونفيه، فإنَّ العلماء هم الذين يميتون الجهل وينيرون الناس بالعلم (هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم) فإنَّ الإنسان إذا حكم في قضية، عرف من حكمه أنه عالم أو ليس بعالم (وصمتهم عن منطقهم) فإنَّ العالم صموت، والجاهل ثرثار، فصمت الإنسان دليل علمه (وظاهرهم عن باطنهم) فإن الظاهر عنوان الباطن، فإذا كان الظاهر حسناً، دل على قلب حسن مليء بالفضيلة والتقوى (لا يخالفون الدين) بترك أوامره، والإتيان بنواهيه (ولا يختلفون فيه) بأن يكون لكل واحد اتجاه يخالف اتجاه الآخر (فهو) أي القرآن (بينهم شاهد صادق) يشهد بحسن أعمالهم، لمطابقة أعمالهم له (وصامت ناطق) فإنَّه لا يتكلم، لكنه يعلم ويبين ويرشد.

لِصَاحِبِهِ، وَعَمَّا قَلِيلٍ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ (1)! وَاللّه لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هذَا نَفْسَ هذَا، وَلَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَى هذَا، قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ! فَقَدَ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ، وَقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ. وَلِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ، وَلِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ. وَاللّه لا أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ، يَسْمَعُ النَّاعِيَ، وَيَحْضُرُ الْبَاكِيَ، ثُمَّ لا يَعْتَبر (2)(عَلَيهِم السَّلَامُ).

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل موته

أَيُّهَا النَّاسُ، كُلُّ امْرِئٍ لاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ، وَالأجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ، وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ. كَمْ أَظْرَدْتُ الأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الأمْرِ، فَأَبَى اللّه إلا إخْفَاءَهُ، هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ (3)! أَمَّا وَصِيَّتِي : فَاللّه لا تُشْرِكُوا بِهِ !


1) (كل واحد منهما) أي من طلحة والزبير (يرجو الأمر له) أي أمر الخلافة (ويعطفه عليه) أي يحيل الأمر إلى نفسه (لا يمتان إلى اللّه بحبل) أي لا يتصلان إليه سبحانه بحبل الدين والإيمان (ولا يمدان إليه بسبب) فلا سبب بينهما وبينه تعالى من أسباب الإيمان (كل واحد منهما حامل ضب لصاحبه) الضب حيوان معروف، والعرب تضرب المثل به في الحقد أي أن كل واحد من طلحة والزبير يحقد صاحبه ويحسده، وإنما جمعتهما المصلحة المشتركة، في قبال الخلافة (وعمّا قليل يكشف قناعه) أي قناع كل واحد منهما (به) أي بسبب الحقد الذي يطوي عليه لصاحبه.

2) (واللّه لئن أصابوا الذي يريدون) من انتزاع الأمر من يدي والاستبداد به (لينتزعنّ هذا) أي أحدهما (نفس هذا) أي الآخر (وليأتين هذا) أحدهما بالقتل (على هذا) أي الآخر، أي لقامت الحرب بينهما حتى أن كل واحد منهما يريد قتل الآخر والاستراحة منه (قد قامت الفئة الباغية) التي تبغي وتظلم، وتهدم الإسلام (فأين المحتسبون) أي الذين يجاهدون حسبة لله، أي في حسابه وقربة إليه (فقد سنت لهم السنن) أي دلّوا على الخير (وقدم لهم الخبر) فعلموا من على الحق ومَن على الباطل (ولكل ضلّة) أي ضلال (علة) هذا بيان لعلة ضلال هؤلاء، وهي طلب الخلافة (ولكل ناكث) ينكث البيعة ويخون العهد (شبهة) ما يسبب له اشتباه الحق بالباطل - عن عمد أو جهل - كما كانت شبهة هؤلاء دم عثمان (كمستمع اللدم) هو ضرب الإنسان على صدره ووجهه عند المصيبة (يسمع) مستمع اللدم (الناعي) الذي يخبر بموت شخص (ويحضر الباكي) أي يراه (ثم لا يعتبر) والمعنى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يتغافل عن هؤلاء، بعد ما عرف نواياهم، وظهرت له آثار نكثهم.

3) (كل امرئ لاق) أي يلقى (ما يفرّ منه أي الموت (في فراره) فإنَّ الإنسان بمواظبته على صحة جسده ووقايته عن الآفات كالفار عن الموت، لكن الفرار ليس ظاهرياً، بل عملياً وقائياً (والأجل مساق النفس) أي أن الأجل يسوق الإنسان حتى يوصله إلى ساعته المقررة فيموت فيها (والهرب منه) أي من الموت (موافاته) أي يوجب الوصول إليه، إذ الهرب يحتاج إلى الزمان، وكلما انقضی زمان اقترب الإنسان بمقدار ذلك الزمان إلى الموت كم أطردت الأيام) إسناد الإطراد إلى الأيام مجاز، والأصل [ أطردت] ما أريد في الأيام، نحو صائم النهار، وأطرد الشيء جعله طريداً لاقتناصه والتحصيل عليه (ابحثها) أي أبحث في الأيام وأطلب (عن مكنون هذا الأمر) أي وقت الموت (فأبى اللّه إلّا إخفاءه) وهذه الجمل كناية عن عدم الفائدة في إتعاب النفس لمعرفة وقت الموت (علم مخزون) قد خزن في الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه سبحانه، ولمن شاء سبحانه أن يعلّمه.

شَيْئاً، وَمُحَمَّداً (صلى اللّه عليه وآله)، فَلا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ. أَقِيمُوا هذَيْن الْعَمُودَيْنِ، وَأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ، وَخَلاكُمْ ذَمّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا (1). حُمِّلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ، وَخُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ، أَنَا بِالأمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ، غَفَرَ اللّه لِي وَلَكُمْ! إِنْ تَثْبَتِ الْوَطأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ، وَإِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّمَا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ، وَمَهَابِّ رِيَاحٍ، وَتَحْتَ ظِلٍّ غَمَام، اضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا (2)، وَعَفَا فِي الْأَرْضِ مَخَطُّهَا، وَإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً، وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةٌ خَلاء : سَاكِنَةٌ بَعْدَ حَرَاكِ، وَصَامِتَةٌ بَعْدَ نُطْقٍ (3). لِيَعِظُكُمْ هُدُوِّي، وَخُفُوتُ إِطْرَافِي، وَسُكُونُ


1) (أقيموا هذين العمودين) أي التوحيد والنّبوّة (وأوقدوا هذين المصباحين) أي أبقوا لهما ضوئهما والمراد الاستنارة الدائمة منهما (وخلاكم ذم ما لم تشردوا) أي ليس عليكم ذم ما لم تفروا من هذين الأمرين.

2) (حمل كل امرئ منكم مجهوده) أي ليحمل كل إنسان ما يقدر عليه من العمل، وهذا تحريض على العمل بمنتهى الطاقة (وخفف عن الجهلة) أي ليخفّف كل إنسان أحكامه على الجمال، كأهل البوادي ومن أشبه (أنا بالأمس) في حال صحتي (صاحبكم) الذي صحبكم وكان منكم (وأنا اليوم عبرة لكم) تعتبرون بي كيف أن الإنسان يفارق الحياة، ولا يقدر - في مقابل قضاء اللّه على شيء (وغداً مفارقكم) بالموت والذهاب إلى الآخرة (إن تثبت الوطأة) أي الثقل، أي إن بقيت حياً في دار الدنيا (في هذه المزلة) أي محل ذلّة الحياة، حيث ضرب (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وإن تدحض القدم) أي تزل وتزلق، وهذا كناية عن موته (عَلَيهِ السَّلَامُ) (إنّما كنا في أفياء) جمع فيء، وهو الظَّل (أغصان) جمع غصن (ومهابٌ رياح) جمع مهب وهو محل هبوبها، فإنّ الرّياح لا تلبث أن تسكن فلا يتمتع الإنسان بها (وتحت ظل غمام) أي السحاب (اضمحل في الجو) أي إنعدم في الفضاء (متلفقها) أي المنضم بعضه إلى بعض.

3) (وعفا في الأرض مخطّها) أي المكان الذي تخط الرياح في الأرض، فإن آثار الرياح تذهب سريعاً.

أَطْرَافِي، فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ البليغ وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ (1). دَاعِيكُمْ وَدَاعُ امْرِي مُرْصِدٍ لِلتَّلاقِي! غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي، وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي، وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وَقِيَام غَيْرِي مَقَامِي (2).

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الملاحم وفي وصف أهل الضلال

وَأَخَذُوا يَمِيناً وَشِمَالاً طَعْناً فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ، وَتَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ. فَلا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ، وَلا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ. فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِل بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمُ يُدْرِكْهُ (3). وَمَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرٍ غَدٍ! يَا قَوْمِ، هَذَا


1) (ليعظكم هدوّي) أي سكوني (وخفوت إطرافي) من خفت بمعنى السكون والإطراف جمع طرف بمعنى الأعين (وسكون أطرافي) جمع طرف بمعنى الأعضاء (من المنطق البليغ) الذي يبلغ المتكلم مراده من الوعظ (والقول المسموع) الذي يسمعه المستمع.

2) (وداعيكم) أي أنا أودعكم - والأصل وداعي لكم - وداع) امرئ مرصد) أي منتظر (للتلاقي) في الآخرة (غداً ترون أيامي) في الآخرة تكون أيامي عامرة بالسيادة والعزة لا كأيام الدنيا التي كانت علي (ويكشف لكم عن سرائري) فإنّ السرائر في الدنيا مخفية لا يعلم حسنها من سيّئها، فإذا صارت القيامة وظهرت السرائر يظهر نقاء سريرة الإمام وكدورة سرائر أعداءه (وتعرفونني) في الدنيا (بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي) فإنّ الإمام كان عطوفاً رؤوفاً يعدل ويقسم المال بالسوية، وإذا قام غيره مقامه، أظهر كلّ فساد وظلم وتعد.

3) (يميناً وشمالاً) أي في طرق الضلال، فإنّ جادة الهدى، هي الوسط (طعناً) أي ولوجاً (في مسالك الغيّ) أي الضّلال (وتركاً لمذاهب الرّشد) أي طرقه، فإنَّ مذاهب جمع مذهب، وهو الطريق (فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد) لقد كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخبرا بأمور مستقبلة، فكان الناس يستعجلون في صيرورتها (وما أقرب اليوم من تباشير غد) تباشير الشيء أوله، والمعنى أنّ الغد قريب حتّى أنّ الإنسان - وهو في يومه هذا - قريب من طلائع الغد (إبان) أي قرب وقت (ورود كلّ موعود) من مواعيد الرّسول والإمام حول تسلّط الأمويين (ودنو) أي قرب (من طلعة ما لا تعرفون) يقال طلع الشَّيء إذا ظهر بعد اختفائه (ألا ومن أدركها) أي الموعودات (يسري فيها بسراج منير) فإنّ تلك الفتن الموعودة لا تؤثر فيهم انحرافاً، (ويحذو فيها) أي يتبع (على مثال الصالحين) من الأنبياء والمرسلين، وهذا تحريض للناس على اتباعهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) في الفتن (ربقا) جمع ربقة، وهي الحبل الذي فيه عدة عرى لربط البهائم، أي يريد الإمام حلّ رقاب النّاس من الهلكة (ويعتق رقاً) أي عبوديّتهم، فكأن النّاس في الفتن عبيد شهواتهم وعبيد الظالمين، والأئمة يعتقونهم من العبوديتين (ويصدع شعباً) الشعب التفرق، والصدع الجمع (ويشعب) أي يفرق (صدعاً) أي جمعاً في معسكر الضّلال، وأنهم يبصرون الطريق ويهدون الناس إلى السبيل.

إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ، وَدُنُوّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لا تَعْرِفُونَ. أَلا وَمَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاج مُنِيرٍ، وَيَحْذُو فِيهَا مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِزْقاً، وَيُعْتِقَ رِقّاً، وَيَصْدَعَ شَعْباً، وَيَشْعَبَ صَدْعاً، فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ لا يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَلَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ، ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ، تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ، وَيُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ، وَيُغْبَقُونَ كَأسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوح (1)!

منها في أهل الضلال : وَطَالَ الأمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ، وَيَسْتَوْجِبُوا الْغِيَرَ، حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الأَجَلُ، وَاسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ، وَأَشَالُوا عَنْ لَقَاحِ حَرْبِهِمْ، لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللّه بِالصَّبْرِ، وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ (2)، حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلاءِ، حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ، وَدَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ، حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللّه رَسُولَهُ (صلّى اللّه عليه وآله) رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الأعْقَابِ، وَغَالَتْهُمُ السُّبُلُ، وَاتَّكَلُوا عَلَى الوَلائِجِ، وَوَصَلُّوا غَيْرَ


1) (في سترة عن النّاس) أي في حال كونهم متسترين عن الناس، أو في حال سترة للحق عن الناس بحيث لا يرونه، (لا يبصر القائف) وهو الذي يعرف الآثار ويستدلّ بها على الأمور (أثره) أي أثر نفسه، وهذا بيان لشدّة الظَّلام وتراكم الباطل على الحق (ولو تابع نظره) بأن نظر مرّة بعد مرة ليرى أثره (ليشحذنّ) من شحذ السكين ونحوها بمعنى حدّدها (قوم شحذ القين) أي الحداد (النصل) أي هي حديدة السيف والسكين ونحوهما، والمراد أن في تلك الفتن تتقوى أذهان جماعة من الناس فتصير مستعدة لدرك العلوم والمعارف وفهم الحقائق (تجلى بالتنزيل) أي القرآن (أبصارهم) فإنّهم حيث يرون الفتن يرجعون إلى القرآن ليجدوا حلاً لها فتنكشف لديهم أسرار القرآن (ويرمى بالتفسير في مسامعهم) حيث يسألون عن تفسير الآيات، فتفسر لهم كأنه إلقاء في المسامع (ويغبقون) أي يسقون (كأس (الحكمة) أي تفهم الأشياء وإدراك الأمور (بعد الصبوح) أي بعد ما شربوها بالصباح، وهذا كناية عن دوام تعلّمهم الأمور في كل صباح ومساء.

2) (ليستكملوا الخزي) أي يكملوا سخط اللّه سبحانه بهم (ويستوجبوا الغير) أي أحداث الدهر ونوائبه، فإنّ الإنسان إنّما يستوجب تغيّر النّعمة عنه إذا تمادى في الطغيان والظلم (حتى إذا اخلولق الأجل) أي استوى يقال: اخلولق السحاب إذا استوى وصار خليقاً أن يمطر، والمعنى قرب أجلهم (واستراح قوم إلى الفتن) تركوا الفتنة تأخذ مجراها بدون أن يقوموا بتغيّرها (وأشالوا) أي رفعوا أنفسهم (عن لقاح حربهم) أي عن تهييج المحاربة مع أهل الفتنة، فإنّ الفتنة إذا دخلها جماعة هاجت فكانت كالنّاقة إذا لقحت للحمل (لم يمنّوا على اللّه بالصبر) لما يلقون من الأذى في سبيل الجهاد.

الرَّحِمِ، وَهَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ، وَنَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَضٌ أَسَاسِهِ، فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ (1). مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَأَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ. قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ، وَذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ، عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: مِن مُنْقَطِع إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنِ، أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنِ (2).

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحذر من الفتن

وَأَحْمَدُ اللّه وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاخِرِ الشَّيْطَانِ وَمَزَاجِرِهِ، وَالاعْتِصَامِ مِنْ حَبائِلِهِ وَمَخَاتِلِهِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللّه، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَنَجِيبُهُ وَصَفْوَتُهُ، لا يُوَازَى فَضْلُهُ، وَلا يُجْبَرُ فَقْدُهُ (3). أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلادُ بَعْدَ


1) (حتّى إذا وافق وارد القضاء) أي القضاء الإلهي الوارد في وجوب الجهاد (انقطاع مدة البلاء) بأن جاء القضاء بالجهاد وانقطعت مدّة البلاء (حملوا بصائرهم على أسيافهم) فكأنهم جعلوا البصائر - جمع بصيرة بمعنى العقيدة الصحيحة - على السّيف يدعون إلى البصيرة، وإلا فالسيف (ودانوا لربّهم بأمر واعظهم) الذي هو الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (رجع قوم على الأعقاب) بمعنى ارتدوا إلى الجاهليّة كما كانوا سابقاً (وغالتهم) أي هلكتهم (السّبل) المتفرقة التي سلكوها عوض سلوك سبيل الحق (على الولائج) جمع وليجة، أي دخائل المكر والخداع (ووصلوا غير الرحم) أي غير رحم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، حيث نحتوا لأنفسهم الخليفة (وهجروا السبب) المتصل باللّه سبحانه - يعني نفسه الشريفة (ونقلوا البناء عن رص أساسه) أي عن سمت أساسه كناية عن تزحزح الأمر من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو أساس الإسلام، إلى أبي بكر (فبنوه) أي البناء - وهو كناية عن الخلافة - (في غير موضعه) الذي هم آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

2) (معادن كلّ خطيئة) بيان لـ [ غير موضعه] (وأبواب كلّ ضارب في غمرة) الغمرة: الشّدّة والضارب في الغمرة كناية عن المثيرين للفتن (قد ماروا) أي تحرّكوا واضطربوا (في الحيرة) أي في ما يوجب التحيّر وعدم فهم حلّ المشاكل (وذهلوا في السكرة) فهم كالسكران الذي لا يعلم من يختار وما يعمل (على سنّة من آل فرعون) فإنَّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً.

3) (على مداحر الشيطان) الدحر بمعنى الطّرد، بمعنى الأمر الذي به يدحر الشيطان يعني أستعين اللّه سبحانه على أن يوفقني لطرد الشيطان. (ومزاجره) جمع مزجر: بمعنى الزجر، أي على أن يوفقني لزجر الشيطان (والاعتصام من حبائله ومخاتله) أي أن يحفظني سبحانه لثلاً أقع في حبائله، وهي جمع حبالة، بمعنى شرك الصياد والمخاتل جمع مختل، بمعنى المحل الذي يختل ويختفي فيه الشيطان (ونجيبه) أي انتجبه واختاره لرسالته (وصفوته) أي مختاره (لا يوازى) أي لا يقابل (ولا يجبر فقده) فلا يسد مكانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) شيء.

الضَّلالَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَالْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ، وَالْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ، وَالنَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ، وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ، يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ، وَيَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةِ (1)! ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ، وَاحْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ، وَتَثَبِّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ، وَاعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا، وَظُهُورِ كَمِينِهَا، وَانْتِصَابِ قُطْبِهَا، وَمَدَارِ رَحَاهَا (2). تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ، وَتَؤُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّة. شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلامِ، وَآثَارُهَا كَآثَارِ السّلامِ، تَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ! أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ، وَآخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ، يَتَنَافَسُونَ في دُنْيَا دَنِيَّةٍ، وَيَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ. وَعَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتبوع، وَالْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ، فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ، وَيَتَلاعَنُونَ عِنْدَ اللّقَاءِ (3). ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ


1) (أضاءت به البلاد) فكما أنّ الظُّلم تمنع عن اهتداء الإنسان للطريق، كذلك الجهل بالمناهج المسعدة (يستحلون الحريم) أي المحرم المحظور من الأشياء (ويستذلون الحكيم) فإنّ الجاهل لا يعرف قدر العالم العارف بالأشياء ولذا لا يقدّره، بل يستذله (يحيون على فترة) أي خلو من الشرائع السماوية (ويموتون على كفرة) أي على هيئة الكفر والإنكار للّه سبحانه.

2) (أغراض بلايا قد اقتربت) أي إنّ البلايا تقصدكم كما يرمي الغرض بالسهم (فاتقوا سكرات النّعمة) فإنّ الإنسان إذا رأى نفسه منعماً أخذته الغفلة - التي هي كالسكرة (بوائق النقمة) بوائق جمع بائقة، وهي الدّاهية الواردة والنقمة ضدّ النعمة (وتثبتوا) أي تروّوا ولا تعملوا شيئاً بدون تدبّر وتبصر (في قتام العشوة) القتام الغبار والعشوة أن يركب الإنسان الأمر بلا بصيرة، يعني في حالات الفتن والاضطرابات لا تركبوا الأمور بدون تثبت وتفحّص لئلاً تضلوا وتشقوا (واعوجاج الفتنة) فإنّ الفتنة لها طرق ملتوية معوجة (عند طلوع) أي ظهور (جنينها) أي جنين الفتنة، فكأن الفتنة تحمل أولاً ثمّ تظهر نتائجها (وظهور كمينها) من يكمن ويختفي ليظهر ويلقي الفتنة على غرّةٍ وفجأة (وانتصاب قطبها) وهو الذي تدور عليه الفتنة من المنافقين والكفّار (ومدار رحاها) أي دوران رحى الفتنة.

3) (تبدأ في مدارج خفيّة) جمع مدرج: وهو محل الدرج والحركة، أي أنّ الفتنة تبتدئ في اختفاء (وتؤول) أي تنتهي (إلى فظاعة جليّة) أي إلى شناعة واضحة غير مخفيّة (شبابها) أي شباب الفتنة، والمراد أولها حين قوّتها (كشباب الغلام) الذي له نشاط متزايد وسرعة في النّمو والحركة (وآثارها كآثار السّلام) الحجارة الصّم واحدها سلمة، أي أنّ لها في الأبدان كأثر الحجارة من الرض والجرح والكسر (بالعهود) يعهد بعضهم إلى بعض، كما عهد معاوية إلى يزيد وهكذا (في دنيا دنية) وضيعة لا قيمة لها (ويتكالبون) كما يتهارش الكلاب (على جيفة مريحة) أي منتنة (وعن قليل) أي بعد قليل - حين الموت ومشاهدة آثار الأعمال في الآخرة (فيتزايلون) أي يزول بعضهم عن بعض ويفارق أحدهم الآخر (بالبغضاء) بالعداء لا كمثل مفارقة الأحباء بعضهم لبعض (ويتلاعنون عند اللقاء) أي يلعن بعضهم بعضاً، إذا جمعوا في الآخرة (طالع الفتنة) أي الفتنة الطالعة الظاهرة - فتنة التتار - (الرّجوف) الكثيرة الرجفة والاضطراب (والقاصمة) الكاسرة لظهر الإسلام والمسلمين (الزحوف) التي تزحف من بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام (فتزيغ قلوب) أي تميل من الإسلام (وتلتبس الآراء) أي حقها بباطلها (عند نجومها) أي ظهور تلك الفتنة.

ذلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ، وَالْقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ، فَتَزِيعُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ، وَتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلامَةٍ، وَتَخْتَلِفُ الأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا، وَتَلْتَبِسُ الآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا. مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ، وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ، يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ! قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ، وَعَمِيَ وَجْهُ الأمْرِ (1). تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ، وَتَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ، وَتَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا، وَتَرُضُهُمْ بِكَلْكَلِهَا! يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ، وَيَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ، تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ، وَتَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ، وَتَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ، وَتَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ، تَهْرُبُ مِنْهَا الأكْيَاسُ، وَتُدَبِّرُهَا الأرْجَاسُ (2). مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ، كَاشِفَةٌ


1) (من أشرف لها) أي جعل ينظر إلى تلك الفتنة - خارجاً عنها - أو المعنى أراد دفعها (قصمته) أي كسرته (ومن سعى فيها) بأن صار جزءاً لها (حطمته) أي أهلكته وأبادته (يتكادمون) أي يعض بعضهم بعضاً (تكادم الحمر) جمع حمار (في العانة) وهي القطيع من حمر الوحش، أي إذا كانت حمر الوحش في جماعة من أنفسها كيف يعض بعضها البعض كذلك هؤلاء (قد اضطرب معقود الحبل) أي الحبل المعقود في رقاب الاجتماع الجامع لهم على منهاج الإسلام واضطرابه كناية عن اضطراب النّاس في الآراء والأخلاق والأعمال والعقائد، كما هو المشاهد في زماننا هذا (وعمي وجه الأمر) فلا يعرف الحق من الباطل أو الصحيح من السقيم.

2) (تغيض) أي تغور وتنضب (الحكمة) فلا حكمة عند النّاس ولا حكماء لهم. (وتدق أهل البدو بمسحلها) هي آلة النّحت وذلك كناية عن شدّة وقعها عليهم كشدّة وقع آلة النّحت على الشّيء المنحوت (وترضهم) رض الشيء دقه وهشمه (بكلكلها) أي بصدرها (يضيع في غبارها الوحدان) جمع واحد أي المتفردون، والمراد الفضلاء (ويهلك في طريقها الركبان) أي أنّ أهل القوة الخائفين في تلك الفتنة يهلكون، فكيف بسائر النّاس (ترد بمرّ القضاء) أي القضاء الإلهي الذي هو مر في أذهان الناس (وتحلب عبيط الدّماء) أي الغليظ من الدّم الطّري، وحلبها له كناية عن إيجاب تلك الفتنة إراقة الدماء، كما يحلب الإنسان اللبن (وتثلم) أي تكسر وتهدم تلك الفتنة (منار الدين) كالعلماء والمدارس الدينية وما أشبه ذلك (وتنقض عقد اليقين) فإنّها تسبب زوال يقين النّاس لما تلقيه من الشَّبهة والإشكالات (الأكياس) جمع كيس وهو الحاذق العاقل (وتدبّرها) أي تهيئها وتدير شؤونها (الأرجاس) جمع رجس وهو القذر، والمراد أشرار الناس.

عَنْ سَاقٍ! تُقْطَعُ فِيهَا الأرْحَامُ، وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الإِسْلامُ! بَرِيُّهَا سَقِيمٌ، وَظَاعِنُهَا مُقيم (1)!

منها : بَيْنَ قَتِيلٍ مَظْلُولٍ، وَخَائِفِ مُسْتَجِيرٍ، يَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الأَيْمَانِ وَبِغُرُورِ الإِيمَانِ، فَلا تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ، وَأَعْلامَ الْبِدَعِ، وَالْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ، وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ، وَاقْدَمُوا عَلَى اللّه مَظْلُومِينَ، وَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ (2)، وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ، وَمَهَابِطَ العُدْوَانِ، وَلا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لَعَقَ الْحَرَامِ، فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ، وَسَهَّلَ لَكُمْ سُبُلَ الطَّاعَةِ (3).

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفة اللّه سبحانه، وصفة أئمة الدين

الْحَمْدُ للّه الدَّالُ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لا شَبَهَ لَهُ لا تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ، وَلا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ،


1) (مرعاد مبراق) أي لتلك الفتنة أصوات هائلة كالرّعد وكثوف عجيبة كالبرق، تشبيه بالسحاب الموجب للهول لرعده وبرقه (كاشفة عن ساق) إشارة إلى عملها المتواصل، كالذي يريد العمل فيكشف عن ساقه لئلا يمانعه الثّوب (بريها سقيم) يعني أن الداخل فيها ولو كان بري الجسم، لكنّه سقيم النّفس (وظاعنها مقيم) أي أنّ من يسافر فراراً عنها تدركه الفتنة، فهو والمقيم سواء في اشتمال الفتنة عليهم جميعاً.

2) (بين قتيل مطلول) يقال طل دمه بمعنى هدر فلم يقتص من القاتل (يختلون) أي أن الناس يخدعون (بعقد الأيمان) فالظالمون يقولون لهم إنّا مؤمنون، حتى يخدعوهم ويقضون منهم مأربهم (وبغرور الإيمان) جمع يمين أي يحلفون لهم بحسن نواياهم، ليخدعوهم فيظنون أنّ حلفهم صادق (أنصاب الفتن) أي لا تكونوا من حماة الفتنة حتّى يقصدكم النّاس الذين يريدون الفوضى والشغب (والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة) وهي الكتاب والسنّة، فإنّهما كالحبل المعقود في رقاب المسلمين.

3) (واتقوا مدارج الشيطان) جمع مدرج، وهو محل درجه وسيره، والمعنى المعاصي (ومهابط العدوان) أي المحلات التي أسست على التعدي على الناس كمراكز الحكومة والسلطان الظالمة (ولا تدخلوا بطونكم لعق الحرام) جمع لعقة، وهي ما تأخذه في الملعقة (فإنّكم بعين من حرم عليكم المعصية) أي أنه سبحانه يراكم، وسيجازيكم عليه (وسهّل لكم سبل الطّاعة) حتّى لا تصعب عليكم.

لاِفْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَالْمَصْنُوعِ، وَالْحَادٌ وَالْمَحْدُودِ، وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ (1)، الأحَدِ بِلا تأْوِيلِ عَدَدٍ، وَالْخَالِقِ لا بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ، وَالسَّمِيعِ لا بِأَدَاةٍ، وَالْبَصِيرِ لا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ، وَالشَّاهِدِ لا بِمُمَاسَّةٍ، وَالْبَائِنِ لا بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ، وَالظَّاهِرِ لا بِرُؤيَةٍ، وَالْبَاطِنِ لا بِلَطَافَةٍ. بَانَ مِنَ الأشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَبَانَتِ الأشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ (2)، مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ، وَمَنْ قَالَ: (كَيْفَ) فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَمَنْ


1) (الدال على وجوده بخلقه) فإنَّ الخلق أثر له سبحانه، والأثر يدل على المؤثر (وبمحدث خلقه على أزليته) إذ لو كان محدثاً هو سبحانه، لاحتاج إلى محدث، فلم يكن إلهاً (وباشتباههم) أي مشابهة بعضهم لبعض (على أن لا شبه له) إذ الأشباه تجمعها الصفة الواحدة، فلو كان سبحانه شبيهاً للخلق، لكان وإياهم، داخلين في صفة واحدة، وذلك يستلزم الإمكان، وحيث إنّ الأشياء تعرف بما يقابلها، عرف أزليته وعدم شباهته بحدوث الأشياء وأنها يشبه بعضها بعضاً (لا تستلمه المشاعر) أي لا تصل إليه سبحانه الحواس، فلا يبصر، ولا يلمس وهكذا (ولا تحجبه السواتر) عالم بكل شيء، وإن كان مخفياً تحت الأستار (لافتراق الصانع والمصنوع) فالمصنوع حادث نو شبه يمكن حجبه والصانع بالعكس من كل ذلك (والحادّ) الذي جعل الحدود (والمحدود) الذي جعل له الحدود.

2) (الأحد بلا تأويل عدد) واحد، لكن لا بالوحدة العددية، بأن يكون داخلاً في الأعداد، حتّى يكون واحداً من جنس ما يكون له ثان وثالث وهكذا (والخالق لا بمعنى حركة ونصب) أي التعب فكونه خالقاً، إنما هو بالإرادة لا كما في الإنسان الذي لا يتمكن من خلق وصنع شيء إلا إذا تحرك وتعب (والسميع لا بأداة) أي آلة السّمع كالأذن بل يسمع سبحانه بذاته (والبصير لا بتفريق آلة) فإنَّ الإبصار في الإنسان ونحوه لا يكون إلا بتفريق الأجفان وفتح أحدهما عن الآخر، وليس له سبحانه عين حتى يكون هكذا (والشاهد) أي الحاضر (لا بمماسة) أي مس جسم الشاهد لهواء خاص ومكان خاص، حتّى يكون مقترباً من المشهود عليه، فاللّه سبحانه منزّه عن القرب المكاني والمماسة الجسمية (والبائن) أي المنفصل عن الأشياء (لا بتراخي مسافة) أي بابتعاد شيء عن شيء في المسافة، فإنّ ذاته سبحانه مباين للأشياء (والظاهر) في العالم (لا برؤية) الإنسان له بل ظاهر بآثاره وأدلته (والباطن) أي الخفي ذاته (لا بلطافة) فإنَّ الأشياء الباطنة كالماء الذي يتسرب في الباطن وما أشبه يحتاج إلى لطف حتى يتسرب ويبطن وليس اللّه سبحانه هكذا (بان من الأشياء بالقهر لها) أي أنه سبحانه منفصل عن الأشياء انفصالاً قاهراً لها - لا انفصالاً محايداً - (والقدرة عليها) فهو قادر على التصرف فيها والتقليب لها (وبانت الأشياء منه بالخضوع له) فكلّ شيء خاضع له سبحانه مطيع لأمره (و الرّجوع إليه) فكلّ شيء يرجع في بقائه وتقلباته - تكويناً - إليه تعالى.

قَالَ: (أَيْنَ) فَقَدْ حَبَّزَهُ. عَالِمٌ إِذْ لا مَعْلُومٌ، وَرَبِّ إِذ لا مَرْبُوبٌ، وَقَادِرٌ إِذْ لا مقدور (1).

منها: قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ، وَلَمَعَ لامِعٌ، وَلاحَ لائِحٌ، وَاعْتَدَلَ مَائِلٌ، وَاسْتَبْدَلَ اللّه بِقَوْمٍ قَوْماً، وَبِيَوْمٍ يَوْماً، وَانْتَظَرْنَا الْغِيَرَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ (2). وَإِنَّمَا الأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللّه عَلَى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ (3)، لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ إلاّ مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ إِنَّ اللّه تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالإِسْلامِ وَاسْتَخْلَصَكُمْ [وَاسْتَخَصَّكُمْ] لَهُ، وَذلِكَ لأَنَّهُ اسْمُ سَلامَةٍ، وَجِمَاعُ كَرَامَةٍ. اصْطَفَى اللّه تَعَالَى مَنْهَجَهُ، وَبَيَّنَ حُجَجَهُ، مِنْ ظَاهِرِ عِلم وَبَاطِنِ حِكَم. لا تَفْنَى غَرَائِبُهُ، وَلَا تَنْقَضِي


1) (من وصفه فقد حدّه) والمراد من وصفه بصفات الأشياء بأن بين كيفيته وخصوصياته، فإنَّ ذلك مستلزم لتحديده وحصره في جانب واحد، واللّه سبحانه غير متناه ولا وصف بصفات المخلوقين (ومن حده فقد عده) أي جعله معدوداً في ردف سائر الموجودات فهو واحد منهم (ومن عده فقد أبطل أزله) إذ لو كان سبحانه كالموجودات لم يكن أزليّاً (ومن قال: كيف) بأن بيّن كيفيته سبحانه (فقد استوصفه) أي وصفه بما هو بريء منه، فإنّ اللّه سبحانه لا كيف له، أو المراد أن من قال كيف - على سبيل الاستفهام - فقد طلب وصفه (ومن قال أين) أي أنّه تعالى في المكان الكذائي (فقد حيّزه) أي جعل له حيّزاً ومكاناً خاصاً، واللّه لا مكان له (عالم إذ لا معلوم) إذ علمه بالأشياء منذ الأزل (ورب) أي له صفة الربوبية - التي معناها التربية – (إذ لا مربوب) وليس أن وجدت له صفة الرّبوبية، وصلاحية الخلق، بعد أن لم تكن له تلك الصلاحية (وقادر إذ لا مقدور) إذ القدرة صفة ذاتية لا أنّها وجدت حين خلق المقدورات.

2) (قد طلع طالع) أي خرج إلى الخلافة، قالوا خطب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الخطبة بعد مقتل عثمان، فلعلّ المراد بالأوصاف اوصاف نفسه الشريفة والأئمة من ذريته، أو أنها أوصاف الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ولمع لامع) أي أشرق (ولاح) أي ظهر (لائح) وهذه الجمل تفيد المفاجآت غير المترقبة (واعتدل مائل) فإنّ الأمر كان مائلاً في زمن الخلفاء نحو الانهيار واعتدل في زمن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (واستبدل اللّه بقوم قوماً) جعل القوم الذين على الحق في مكان القوم الذين كانوا على الباطل (وبيوم يوماً) أي جعل يوم الحق مكان يوم الباطل (وانتظرنا الغير) أي صروف الدهر حتّى تأتي بالحق (انتظار المجدب المطر) أي الذي في القحط.

3) (قوام اللّه) أي القائمون من طرفه سبحانه (وعرفاؤه على عباده) جمع عريف بمعنى النقيب المطّلع على أحوال الناس.

عَجَائِبُهُ (1). فِيهِ مَرَابِيعُ النِّعَمِ، وَمَصَابِيحُ الظُّلَمِ، لا تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إلا بِمَفَاتِيحِهِ، وَلا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إلا بِمَصَابِيحِهِ. قَدْ أَحْمَى حِمَاهُ، وَارْعَى مَرْعَاهُ فِيهِ شِفَاءُ الْمُشْتَفِي، وَكِفَايَةُ الْمُكْتَفِي (2).

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفة الضّال

وَهُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللّه يَهْوِي مَعَ الْغَافِلِينَ، وَيَغْدُو مَعَ الْمُذْنِبِينَ، بِلا سَبِيلِ قَاصِدٍ، وَلا إِمَامٍ قَائِد (3).

منها : حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ، وَاسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلابِيبِ غَفْلَتِهِمُ اسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً، وَاسْتَدْبَرُوا مُقْبِلاً، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ، وَلَا


1) (واستخلصكم له) أي طلب منكم أن تخصّصوا أنفسكم للإسلام بأن تعملوا من أجله ولإعلائه (لأنه اسم سلامة) أي علامة على سلامة الدّنيا والآخرة، فينبغي أن يخصص الإنسان نفسه لأجله (وجماع كرامة) أي مجتمع الكرامات الدنيوية والأخروية فمن عمل به سعد في النشأتين (اصطفى اللّه تعالى منهجه) أي اختار طريق الإسلام للنّاس (وبين حججه) أي الأدلة الدالة على أنّه أحسن الأديان والمناهج (من ظاهر علم) أي أنّ ظاهر حجج الإسلام علم (وباطن حكم) فلكل حجة من حجج الإسلام حكمة ومصلحة وعمق لا تفنى غرائبه فكلما تعمق الإنسان في الإسلام ظهرت له غرائب أحكام تدلّ على أنه من جعله سبحانه لا من جعل البشر. (ولا تنقضي عجائبه) أي الأمور العجيبة المودعة في الإسلام.

2) (مرابيع النعم) جمع مرباع وهو المكان الذي ينبت فيه نبت الرّبيع (لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه) يعني أن الخير لا يتوجّه نحو الإنسان إلا إذا سلك الإنسان السبيل الذي جعل اللّه للخير وقرّره في الإسلام (قد أحمى) اللّه أي حفظ ورعى (حماه) والحمى هو المحل الذي يحظر استطراقه لاحترام جعل له (وأرعى مرعاه) أي هيا الإسلام لأن يكون مرعى للعلم والحكمة والخير (شفاء المشتفي) أي من أراد الشفاء من الآثام والشقاء (وكفاية المكتفي) أي الذي ليس حريصاً، وإنما يكتفي بالخير والوسط في الإسلام كفاية له.

3) (في مهلة من اللّه) قد أخر أجله لينظر عمله (يهوي) وينزل في دركات الآثام (مع الغافلين) الذين غفلوا عن اللّه وأحكامه (سبيل قاصد) أي متوسط يوصل إلى المطلوب والمراد به سبيل الحق (ولا إمام قائد) له إلى السعادة والخير.

بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ (1). إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ، وَنَفْسِي، هذِهِ الْمَنْزِلَةَ، فَلْيَنْتَفِعِ امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي وَالضَّلالَ فِي الْمَغَاوِي، وَلا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُوَاةَ بِتَعَسُّفِ فِي حَقٌّ، أَوْ تَحْرِيفِ فِي نُطْقٍ، أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ (2).

فَأَفِقْ أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ، وَاسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَتِكَ، وَاحْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَأَنْعِمِ الْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الأُمِّيِ (صلّى اللّه عليه وآله) ممّا لا بُدَّ مِنْهُ وَلا مَحِيصَ عَنْهُ، وَخَالِفٌ مَنْ خَالَفَ ذلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، وَدَعْهُ وَمَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ (3)، وَضَعْ فَخَرَكَ، وَاحْظ كِبْرَكَ، وَاذْكُرْ قَبْرَكَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ،


1) (واستخرجهم) أي أخرجهم (من جلابيب غفلتهم) جمع جلباب، وهو الثّوب الواسع الذي يلبس الإنسان، فكأنهم كانوا في جلباب من الغفلة لا يهتدون إلى الحق حتى إذا جاءهم الموت خرجوا من ذلك الجلباب (استقبلوا مدبراً) أي العذاب الأخروي (واستدبروا مقبلاً) أي الدنيا ومتاعها (فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم) يعني أنّ ما أدركوه في الدّنيا من لذائذها وشهواتها، لم ينفعهم إذا أدبرت ولم تبق معهم (ولا بما قضوا من وطرهم) أي حاجتهم فإنّ حوائجهم الدنيوية التي قضيت لم تنفعهم في الآخرة، حيث انقطعت الدنيا بما فيها.

2) (فلينتفع امرؤ بنفسه) وذلك بالعمل الصالح، وهذا أمر وطلب لأن لا يضيع الإنسان نفسه في الدّنيا، بطلب الشهوات والغفلة عن الآخرة (سلك جدداً) أي طريقاً (واضحاً) هو طريق الحق والهدى (يتجنّب فيه) أي في ذلك الجدد (الصرعة) أي الوقوع والهلاك (في المهاوي) جمع مهوى، وهو المحل المنخفض الذي يقع فيه الإنسان، وذلك كناية عن المعصية والإثم، فإنّها توجب هوي الإنسان عن مراتب الكمال إلى النّقص، ثم العقاب في الآخرة (والضلال) وأن يتيه الإنسان (في المغاوي) جمع مغواة، وهي محل الغوي والضلال، كما يضل الإنسان الطريق في الصحارى المجهولة (ولا يعين على نفسه الغواة) جمع غاوي وهو الضال عن طريق الهداية، أي لا يعينهم - باتباع طريقهم - ضد نفسه وهلاكها (بتعسّف في حق) بأن يتكلف الباطل ويترك طريق الحق أو تحريف في نطق بأن ينطق بالباطل ويحرف بكلامه الحق (أو تخوف من صدق) بأن لا يصدق خوفاً من الناس، فإنَّ الإنسان إذا عمل هذه الأعمال كان معيناً للغواة، فإنَّهم يطمعون فيه ويأخذونه معهم.

3) (من سكرتك) السكرة كناية عن الغفلة (واختصر من عجلتك) أي سرعتك في طلب الدنيا والاختصار التأني ليرى الصحيح من السقيم، والنافع من الضار (وأنعم الفكر) أي تفكّر فكراً حسناً (فيما جاءك على لسان النّبي الأمي) محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) المنسوب إلى أم القرى، وهي مكة (مما لا بدّ منه) أي في الأحكام التي لا بد للإنسان من الأخذ بها، أو المراد من أمور الآخرة التي لا بد وأن تصل إلى الإنسان (ولا محيص) أي لا مفرّ (عنه) إذ لا يمكن الفرار من الأحكام لمن أراد السعادة، أو لا يمكن الفرار من أمور الآخرة فإنَّها آتية لا محالة (وخالف من خالف ذلك) الإشارة إلى [ما لا بد منه] (إلى غيره) أي العصاة الذين خالفوا الأحكام وما جاء به الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) خالفهم، ولا تتبع طريقتهم (وما رضي لنفسه) من الآثام.

وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ، وَمَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً، فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ، وَقَدَّمْ لِيَوْمِكَ. فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ! وَالْجِدَّ الْجِدَّ أَيُّهَا الْغَافِلُ! وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (1).

إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللّه فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ الَّتِي عَلَيْهَا يُثِيبُ وَيُعَاقِبُ، وَلَهَا يَرْضَى وَيَسْخَط، أَنَّهُ لا يَنْفَعُ عَبْداً - وَإِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ، وَأَخْلَصَ فِعْلَهُ - أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا، لاقياً رَبَّهُ (2)بِخَصْلَةٍ مِنْ هذِهِ الْخِصال لَمْ يَتُبْ مِنْهَا : أَنْ يُشْرِكَ بِاللّه فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ، أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلاكِ نَفْسٍ، أَوْ يُقِرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةٌ إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ، أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، أَوْ يَمْشِيَ فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ اعْقِل ذلِكَ فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ (3).


1) سورة فاطر، الآية: 14.

2) (وضع فخرك) أي لا تفتخر فإنّ الافتخار دليل صغر النّفس (واحطط كبرك) أي لا تتكبر فإنّ الكبر دليل خفّة النّفس وعدم الوزن لها (واذكر قبرك) فإنّ ذكر القبر يوجب أن يعمل الإنسان صالحاً وكما تدين تدان أي كما تعمل تجزى (وكما تزرع تحصد) المراد هنا الأعمال التي يعملها الإنسان (فامهد) أي هيئ في الآخرة (لقدمك) أي المكان الذي تضع فيه قدمك، وذلك بطيب الأعمال ليكون محلك هناك حسناً (وقدم ليومك) أي الآخرة فإنّه يوم نجاح الإنسان أو سقوطه (فالحذر الحذر) أي احذر الحذر اللازم (والجد الجد) أي جد جداً لأن تعمل بما يجب عليك (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)، أي لا يخبرك عن الواقع، مثل الإنسان الخبير المطلع على الأمور (إن من عزائم اللّه) جمع عزيمة، وهي الفريضة، مقابل الرخصة، والمراد هنا المحرمات (من الدنيا لاقياً ربّه) ملاقاة اللّه كناية عن الوصول إلى المحل الذي أعده اللّه سبحانه للثّواب والعقاب، ووجه الكناية: أنّ الإنسان يلاقي الحاكم لدى المحاكمة، فالتشبيه للمعقول بالمحسوس.

3) (أو يشفي غيظه بهلاك نفس) بأن يقتل أحداً شفاء لغضبه، لا أن يكون القتل له سبحانه، كالحدود والقصاص (أو يقرّ بأمر فعله غيره) لعلّ المراد بذلك، أن يقول الإنسان فعلت كذا من الخير والحال أنّه لم يفعله، بل فعله غيره أو المراد قذف إنسان، فالمعنى القول بأن الغير فعل كذا (أو يستنجح حاجة إلى النّاس) أي يطلب نجاح حاجته من الناس (بإظهار بدعة في دينه) بأن يبدع في الدين ما ليس منه (أو يلقى الناس بوجهين) فإذا حضروا مدحهم وإذا غابوا ذمهم (أو يمشي فيهم بلسانين) لسان مدح وإطراء، ولسان ذمّ وازدراء، ولعلّ الجملتين لمفاد واحد فإنّ المثل دليل على شبهه) أي أنّ الأحوال التي تجري على الأشياء، دليل على أن مثل تلك الأشياء أيضاً تجري عليه مثل تلك الأحوال، مثلاً: الحكم الذي يجري على صاحب هذا السلطان من العزّة والجاه يجري على صاحب السلطان الآخر.

إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا، وَإِنَّ الرِّبَاعَ هَمُّهَا الْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا، وَإِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْفَسَادُ فِيهَا، إِن الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ إِن الْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ. إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَالِفُونَ (1).

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فضل أهل البيت والإرشاد

وَنَاظِرُ قَلْب اللبيب بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ، وَيَعْرِفُ غَوْرَهُ وَنَجْدَهُ. دَاعٍ دَهَا، وَرَاعٍ رَعَى (2)، فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي، وَاتَّبِعُوا الرَّاعِيَ. قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ، وَأَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ. وَأَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ، وَنَطَقَ الصَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ، نَحْنُ الشِّعَارُ وَالأصْحَابُ، وَالْخَزَنَةُ وَالأبْوَابُ، لا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً (3).


1) (إنّ البهائم) جمع بهيمة وهي الحيوان الذي لا يفصح، ولذا سمّي بهيمة (وإنّ النساء همهنّ زينة الحياة الدنيا، والفساد فيها) إذ المرأة بوصف كونها عاطفيّة تهتم بالفساد كلّما هاجت منها العاطفة نحو جانب، فهي مفرطة في جانب، ومفرطة في جانب آخر، بخلاف الرّجال الذين ترتفع فيهم قوتا العقل والعاطفة (إنّ المؤمنين مستكينون) أي خاضعون للّه عزّ وجل من استكان بمعنى تضرّع (إنّ المؤمنين مشفقون) أي خائفون متعطّفون، من أشفق بمعنى خاف وتعطّف (أنّ المؤمنين خائفون) والخائف لا يهتم بالزينة والفساد.

2) (وناظر) أي عين (قلب اللبيب) - أي العاقل - وعين القلب، كناية عن إدراكه للأشياء، كما يدرك البصر للمتبصرات (يبصر أمده) أي منتهى أمره (ويعرف غوره) أي عمقه وانخفاضه (ونجده) أي ارتفاعه أي يرى ما يوجب الرّفعة وما يوجب الضّعة (داع دعا) والمراد به الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وراع رعى) النّاس في مواضع الرّفاه والسعادة، والجملتان السابقتان كالمقدمة لهذه الجمل، حيث إن البصير يدرك الحقيقة، فمن الضروري أن يتبع الحق المتمثل في الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

3) (قد خاضوا) أي دخلوا (بحار الفتن) حيث أهلكوا أنفسهم من غير بصيرة (وأخذوا بالبدع دون السنن) جمع سنّة، أي: الطرائق التي سنّها الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وأرز المؤمنون) أي انقبضوا وثبتوا ولانوا بالصمود لئلا ينحرفوا مع المنحرفين (ونطق الضّالّون المكذبون) للّه ورسوله حيث استولوا على الأمور بالقوّة، وأخذوا ينطقون بما يشاؤون (نحن الشّعار) للدّين، وهو الثّوب الذي يلبس ملاصقاً للجلد، وسمّي شعاراً باعتبار اتصاله بشعر جسم الإنسان، فكأنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) لشدّة لصوقهم بالدّين كالشعار للجسد (والخزنة) جمع خازن: وهو الحافظ للشيء النفيس، فهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) خزان علم الكتاب وسنّة الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (والأبواب) للعلم والمعرفة، فكما أنّ الإنسان لا يتمكن من الدخول في الدار ونحوها إلا بطرق الباب، كذلك لا يتمكن الإنسان من الدخول في مدائن العلم والعرفان إلا بالسؤال منهم (فيهم) نزلت (كرائم القرآن) جمع كريمة: وهي الآيات المادحة الموجبة لتكريم المراد منها (وهم كنوز الرحمن) فكما أنّ الكنز محلّ الشّيء الثّمين، فهم محلّ العلوم والمعارف الثّمينة بإيداع اللّه سبحانه ذلك فيهم (وإن صمتوا لم يسبقوا) أي لم يسبقهم أحد بالكلام لهيبتهم.

منها : فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ، وَهُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا، وَإِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا فَلْيَصْدُقُ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَلْيُحْضِرْ عَقْلَهُ، وَلْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ، وَإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ (1). فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ، يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ : أَعَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ (2). فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ. فَلا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ إِلا بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ. وَالْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ. فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ : أَسَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ (3)!

وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ، وَمَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ. وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ (صلّى اللّه عليه وآله) : [إِنَّ


1) (فليصدق رائد أهله) الرّائد هو الذي يتقدّم القوم المسافرين لينظر لهم مكاناً حسناً، لنزولهم فيه، والمراد هنا أنّ رواد العلم الذين يأخذون العلوم والأحكام، يلزم عليهم أن يصدقوا الناس في ذكر فضائلهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأنّهم هم الأئمة والخلفاء دون سواهم (وليحضر عقله) أي يعمل عقله في تميز الحق من الباطل (فإنّه منها) أي من الآخرة (قدم) فإنّ آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان في الجنّة، ثم جاء إلى الأرض (وإليها ينقلب) أي يرجع بعد موته.

2) (فالناظر بالقلب) نظر تبصر وتعقل (العامل بالبصر) أي الذي يعمل بنهج البصيرة والإدراك، لا بنهج الجهّال (يكون مبتدأ عمله أن يعلم أعمله عليه أم له ؟) أي أنّ الذي يريد الشروع فيه، هل يوجب له الخير والسعادة والثواب أم الشر والشقاوة والعقاب؟ (فإن كان له) أي نافعاً له (مضى فيه) وعمله (وإن كان عليه وقف عنه) ولم يرتكبه لئلا يتضرر به.

3) (فلينظر ناظر) أي عامل يريد السير في طريق (أسائر هو) سيراً يوصله إلى غايته (أم راجع) يوجب سيره الخزي والندامة.

اللّه يُحِبُّ الْعَبْدَ، وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَيُحِبُّ الْعَمَلَ وَيُبْغِضُ بَدَنَهُ ] (1). وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَباتاً وَكُلُّ نَبَاتٍ لا غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ، وَالْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا طَابَ سَقْيُهُ، طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ. وَمَا خَبُثَ سَقْيُهُ، خَبُثَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ (2).

وَمِنْ خَطبَة (عَلَيهِ السَّلَامُ) يذكر فيها بديع خلقة الخفاش

الْحَمْدُ للّه الَّذِي انْحَسَرَتِ الأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ، وَرَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ، فَلَمْ تَجِدْ مَسَاعَاً إِلَى بُلُوغ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ! هُوَ اللّه الْحَقُّ الْمُبِينُ، أَحَقُّ وَأَبْيَنُ ممّا تَرَى الْعُيُونُ (3)، لَمْ تَبْلُغَهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهَا، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الأوْهَامُ بِتَقْدِيرِ فَيَكُونَ مُمَثَلاً، خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ، وَلا مَشُورَةِ مُشِيرٍ، وَلا مَعُونَةِ مُعِينٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَأَذْهَنَ لِطَاعَتِهِ، فَأَجَابَ وَلَمْ يُدَافِع،


1) (واعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله) أي مثل ذلك الظاهر (فما طاب ظاهره طاب باطنه) فإنّ الظاهر عنوان الباطن (وما خبث ظاهره خبث باطنه) وذلك لأن خبيث السريرة لم يتمالك من تصحيح ظاهره، وإن أراد إخفاء سريرته، (ويحب العمل) الصالح (ويبغض بدنه) أي الشخص الذي عمل ذلك العمل، إذا كان خبيث السريرة، فاسد الضمير.

2) (واعلم أنّ لكلّ عمل نباتاً) أي ثمراً ونموّاً ونتيجة (وكل نبات لا غنى به عن الماء، والمياه مختلفة) فالعمل مثلاً كتأليف الكتاب والنبات هو الثمر الذي يترتب عليه من إرشاد الناس، والمياه هو المحل الذي استقى منه المؤلف الرشد - من القرآن، أو كتب الفلاسفة - فما طاب سقيه طاب غرسه) أي نباته (وحلت) من الحلاوة (ثمرته) كالمستقي من القرآن الحكيم - في المثال - (وما خبث سقيه خبث غرسه) ونموه (وأمرت ثمرته) أي صارت مرة لا تستساغ، وهذا تحريض على صحة العمل وتحسين الشخص لنواياه التي هي بمنزلة الماء وانتقاء مصدر العمل.

3) في حمد اللّه وتنزيهه، ويذكر فيها بديع خلقة الخفّاش (الحمد للّه الذي انحسرت) أي انقطعت وانفرجت (الأوصاف) أي أوصاف النّاس له سبحانه (عن كنه معرفته) فلا تدرك الأوصاف معرفة كنهه سبحانه (وردعت عظمته العقول) التي تريد إدراكه (فلم تجد) العقول (مساغاً) أي محلاً ممكناً، يسوغ - أي يجوز - عليها الوصول إلى ذلك المحل (إلى بلوغ غاية ملكوته) أي ملكه الواسع (المبين) الظاهر بآثاره (أحق وأبين) أي أظهر (ممّا ترى العيون) فإنّ العين يمكن أن تخطئ، كما ترى الماء الكثير أسود، وكما ترى الشمس صغيرة وهي كبيرة، أما العقل فلا يمكن خطأه.

وَانْقَادَ وَلَمْ يُنَازِعُ (1). وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، وَعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الضّياءُ البَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَيَبْسُطُهَا الظَّلامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيّ (2)، وَكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا، وَتَتَّصِلُ بِعَلانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا، وَرَدَعَهَا بِتَلالُوِ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِي فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا، وَأَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ فِي بُلَجِ ائْتِلاقِهَا (3)، فَهِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَحْدَاقِهَا، وَجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا، فَلا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ، وَلا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِي فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ. فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا، وَبَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا، وَدَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الضِّبَابِ فِي وِجَارِهَا، أَطْبَقَتِ الأجْفَانَ عَلَى مَآقِيهَا، وَتَبَلَّغَتْ بِمَا اكْتَسَبَتْه مِنَ المَعَاشِ


1) (لم تبلغه العقول بتحديد) بأن يحدّده العقل ويعرف حدوده (فيكون) سبحانه (مشبّهاً) شبيهاً بسائر الأمور المحدودة (ولم تقع عليه الأوهام) أي العقول (بتقدير) بأن يبين قدره تعالى (فيكون ممثلاً) أي مثلاً لسائر المخلوقات، ولعلّ المراد بالتحديد الحد المنطقي - أي الجنس والفصل - وبالتقدير، الكم والكيف، وما أشبه (خلق الخلق على غير تمثيل) أي لم يكتسب مثالاً للخلق، حتّى يكون صنعه للخلق حسب ذلك المثال (ولم يدافع) سبحانه بأن يأبى الخلق من الانقياد التكويني له (وانقاد) أي خضع الخلق (ولم ينازع) سبحانه بأن يخاصمه أحد في خلقه.

2) (ومن لطائف صنعته) أي دقائقها (وعجائب خلقته) أي الخلق المورث للعجب (الخفافيش) جمع خفاش وهو حيوان معروف (التي يقبضها الضياء الباسط لكلّ شيء) الخفاش ينقبض ويأوي إلى بيته بالنّهار لأنّ الضّياء يؤذيه (ويبسطها) بالحركة والانتشار (الظَّلام القابض لكلّ حيّ) ممّا يسبب له إخماد الحسّ والحركة.

3) (وكيف عشيت) العشاء: سوء البصر [ضعفه] ويسمّى خفاشاً لذلك، لأن الخفش بمعنى ضعف البصر (أعينها عن أن تستمد من الشمس المضيئة نوراً) فإنَّها ضعيفة البصر، ولذا تؤذيها الشمس فتفر منها فلا (تهتدي به في مذاهبها) جمع مذهب، وهو طريق الذهاب والإياب (وتتصل بعلانية برهان الشمس) أي بظهور دليل الشمس - والمراد بدليلها - نورها (إلى معارفها) إلى المواضع التي تتعرّف إليها الخفافيش (وردعها) أي منع النور الخفافيش (بتلألؤ ضيائها) أي ضياء الشَّمس (سبحات إشراقها) أي درجاتها وأطوارها (وأكنّها) أي أستر النور الخفافيش (في مكامنها) جمع مكمن، وهو: محل الاختفاء (عن الذهاب في بلج) أي ضوء (ائتلاقها) أي لمعان الشمس.

فِي ظُلَمِ لَيَالِيهَا (1). فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَمَعَاشَاً، وَالنَّهَارَ سَكَناً وَقَرَاراً! وَجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةٌ مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيِّرَانِ، كَأَنَّهَا شَظَايَا الآذَانِ، غَيْرَ ذَوَاتِ رِيشٍ وَلا قَصَب إلا أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيِّنَةً أَعْلاماً لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقّا فَيَنْشَقّا، وَلَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلا(2). تَطِيرُ وَوَلَدُهَا لاصِقٌ بِهَا لاجئ إِلَيْهَا، يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ، وَيَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ، لا يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ، وَيَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ، وَيَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ، وَمَصَالِحَ نَفْسِهِ، فَسُبْحَانَ الْبَارِي لِكُلِّ شَيْءٍ، عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلا مِنْ غَيْرِهِ (3)!

وَمِنْ كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم

فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ فَلْيَفْعَلْ فَإِنْ


1) (فهي مسئلة الجفون) من أسدل الستر بمعنى نصبه (بالنّهار على أحداقها) جمع حدقة وهي العين (وسراجاً) أي مصباحاً (في التماس ارزاقها) أي طلب رزقها (أسداف ظلمته) يقال أسدف الليل إذا أظلم (لغسق) أي شدّة ظلمته (دجنته) الدجنة بمعنى: الظلمة (قناعها) كناية عن ظهورها كان الليل قناع تقنع الشَّمس به (أوضاح نهارها) جمع وضح بمعنى بياض الصبح (الضّباب) جمع ضب، وهو حيوان معروف، يسكن في داخل الأرض (في وجارها) الوجار: جحر الضّب (على مآقيها) جمع مآق، وهو طرف العين ممّا يلي الأنف (وتبلغت) أي اقتاتت واكتفت.

2) (ومعاشاً) أي لأجل تحصيل المعاش الذي يعيش به (والنّهار سكناً) تسكن فيه (وقرارا) تقرّ وتنام فلا تخرج (وجعل لها أجنحة من لحمها) فإنّ جناح كل طائر من الرّيش إلا أن جناح الخفاش من اللّحم (تعرج) أي تصعد (شظايا) جمع شظية، بمعنى القطعة من الشيء (الآذان) فإنَّ جناح الخفاش يشبه قطعة الأذن في أنه كالغضروف (غير نوات ريش ولا قصب) كقصب ريش الطائر وإن كان لجناح الخفّاش أيضاً قصب من جنس الغضروف (بينة أعلاماً) أي رسوماً ظاهرة، فإنَّ علم الشّيء دليله (لها جناحان لما يرقّا) أي لم يرقا.

3) (تطير وولدها لاصق بها) فإنَّها تحمل أولادها الصغار إذا أرادت أن تطير (يقع) أي يهبط (إذا ارتفعت) أي طارت (حتّى تشتد أركانه) واشتداد الأركان كناية عن قوته للنهوض والاستقلال (ويعرف مذاهب عيشه) أي يتمكن الولد من العيش بنفسه والقيام بمهامه (ومصالح نفسه) فحينذاك ينف عن أمه (البارئ) أي الخالق (غير مثال خلا) أي بقي ذلك المثال (من غيره) تعالى بأن يكون عمل أحد قبله سبحانه، ثم تعلم منه تعالى فإنَّه لا أحد قبله ولا شيء مخلوق لغيره.

أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللّه عَلَى سَبِيلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَمَذَاقَةٍ مَرِيرَةِ (1). وَأَمَّا فُلانَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأيُّ النِّسَاءِ، وَضِغْنٌ غَلا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَنَتْ إِلَيَّ، لَمْ تَفْعَلْ. وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الأُولَى، وَالْحِسَابُ عَلَى اللّه تَعَالَى (2).

منه في وصف الإيمان : سَبِيلٌ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ، أَنْوَرُ السِّرَاجِ. فَبِالإِيمَانِ يُسْتَدَلُ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الإِيمَانِ، وَبِالإِيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ، وَبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ، وَبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا، وَبِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الآخِرَةُ، وَإِنَّ الْخَلْقَ لا مَقْصَرَ لَهُمْ عَن الْقِيَامَةِ، مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى (3).


1) يظهر من السياق أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخبر عن بعض الفتن المستقبلة، ثمّ قال: (فمن استطاع عند ذلك) الأمر المستقبل (أن يعتقل) أي يحفظ (نفسه على اللّه عزّ وجلّ) بأن لا يخرج عن طاعته (فإنّي حاملكم إن شاء اللّه على سبيل الجنّة) أي أوصلكم إليها، ولفظ [حامل] باعتبار أن الحمل والإرشاد متشابهان في الإيصال (وإن كان ذا مشقة شديدة) لأنّ المغريات والأهواء على ضد ذلك (ومذاقة مريرة) أي أن ذوق المحافظة والتحمّل لها مرّ صعب.

2) (وأما فلانة) والظاهر أن المقصود بها [عائشة ] (فأدركها رأي النساء) فإنّ النّساء يعملن بالعواطف لا العقول (وضغن) أي حقد قديم (غلا في صدرها) فإنّها كانت تغار من فاطمة الزهراء زوجة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما كانت تحقد على الإمام كونه الخليفة الشرعي المنافس لأبيها أبي بكر، ولما تعلم من أن الإمام لا يذرها تعمل ما تشاء (كمرجل القين) المرجل القدر، والقين الحداد، فإن من عادة الحدادين أن يضعوا الحديدة المحماة في الماء، وذلك الماء إذا وضع فيه الحديد يغلي غلياً شديداً. (ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي) من السب وتجهيز الجيش وتحريض الناس وما أشبه (لم تفعل) لأنها كانت تكره الإمام أشدّ الكره، على خلاف أمر اللّه والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ولها بعد) أي بعد كل ذلك الذي تقدمت بها إلي (حرمتها الأولى) فإنّي أحترمها كما كنت أحترمها سابقاً - لأجل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) – (والحساب على اللّه تعالى) فإنه يجازيها بأعمالها.

3) (سبيل أبلج المنهاج) أي واضح الطّريق (أنور السراج) أي مضيء المصباح (فبالإيمان يستدل على الصالحات) الإيمان دليل على أن الشيء الفلاني صالح والشيء الفلاني غير صالح (وبالصالحات يستدل على الإيمان) فالعمل دليل الإيمان، أما من يقول أنا مؤمن ولا يعمل فكلامه كذب، إذ للإيمان آثار (وبالإيمان يعمر العلم) إذ العلم إنما يحفز عليه الإيمان، أما العلم الذي لا يحفز عليه الإيمان، ففيه المخلوط من الحق والباطل (وبالعلم يرهب) الموت أي يخشى منه (وبالدنيا تحرز الآخرة) إذ الأعمال الصالحة المحرزة للآخرة إنما تؤتى في الدنيا (وإن الخلق لا مقصر لهم) أي لا مستقر لهم (عن القيامة مرقلين) أي مسرعين (في مضمارها) أي ميدان الدنيا (إلى الغاية القصوى) أي أبعد الغايات، وهي الآخرة.

منه : قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الأجْدَاثِ. وَصَارُوا إِلَى مَصَائِرِ الْغَايَاتِ، لِكُلٍّ دَارٍ أَهْلُهَا لا يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَلا يُنْقَلُونَ عَنْهَا (1).

وَإِنَّ الأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللّه سُبْحَانَهُ، وَإِنَّهُمَا لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ، وَلا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ، وَعَليكُمْ بِكِتَابِ اللّه، فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ، وَالشَّفَاءُ النَّافِعُ، وَالرِّيُّ النَّاقِعُ، وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ، وَالنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ. لا يَعْوَّجُ فَيُقَامَ، وَلا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ، وَلا تُخْلِقُهُ كَثرَةُ الرَّدْ، وَوُلُوجُ السَّمْعِ. مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ (2).

وقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن الفتنة وهل سألت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عنها ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

إِنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللّه سُبْحَانَهُ، قَوْلَهُ : (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (3)عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللّه (صَلَّى


1) (قد شخصوا) أي سافروا، وتحركوا (من مستقر الأجداث) جمع جدث وهو القبر (وصاروا إلى مصائر الغايات) مصائر جمع مصير، وهو ما يصير الإنسان إليه من سعادة أو شقاء وجنّة أو نار (لكل دار أهلها) من الجنّة والنّار فللجنة المؤمن العامل بالصالحات، وللنار غيره.

2) (لخلقان من خلق اللّه سبحانه) فمن أخلاقه سبحانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّه لم يرسل الرسل، ولم ينزل الكتب إلا لأجل هذين الأمرين (وعليكم بكتاب اللّه) أي الزموه فإنّ [عليك] اسم فعل بمعنى الزم (فإنّه الحبل المتين) أي المحكم الذي لا ينقطع، تشبيه له بالحبل الذي يرفع الإنسان من البئر ونحوها. (والنّور المبين) بمعنى الواضح (والشفاء النافع) الذي ينتفع به الإنسان من مشاكل الدنيا والآخرة (والري) أي الارتواء من الماء (الناقع) أي المزيل للعطش، يقال نقع العطش إذا أزاله. (والعصمة للمتمسّك) أي يعصم ويحفظ المتمسك به، (والنجاة للمتعلق) فمن عمل به نجا من المهالك ولا يزيغ من زاغ بمعنى مال (فيستعتب) من أعتب إذا انصرف والمعنى لا يطلب منه الانصراف عن زيغه، كما يطلب من الإنسان الزائغ أن يرجع إلى الجادة فليس القرآن كالقوانين الوضعية التي يلزم تعديلها باختلاف الظروف وتبدل الحالات (ولا تخلقه) أي تبليه كما يبلى الثوب ونحوه (كثرة الردّ) أي القراءة. (وولوج السمع) أي دخول القرآن في سمع الإنسان، وهذا من عجائب القرآن، فإنَّ أسلوبه ومعانيه جديدة إلى الأبد لانطباقه على كل زمان ومكان (من قال به) أي بالقرآن بأن بيّن محتوياته (صدق) لأنه مطابق للواقع (ومن عمل به سبق) غيره إلى السعادة والخير.

3) سورة العنكبوت، الآيتان: 1 و 2.

اللّه عليه وآله) بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللّه، مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللّه تَعَالَى بِهَا؟ فَقَالَ : [يَا عَلِيُّ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي]، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّه، أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي: [أَبْشِرْ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ؟] فَقَالَ (صلى اللّه عليه وآله) لي : [إِنَّ ذلِكَ لَكَذلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَنْ؟ ](1)فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللّه لَيْسَ هذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالشَّكْرِ فَقَالَ : [يَا عَلِيُّ إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ، وَيَأْمَنُونَ سَطوَتَهُ، وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ، وَالأهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ] (2)قُلْتُ : يَا رَسُولَ


1) (لما أنزل اللّه سبحانه قوله : (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) أي ظنّوا أنهم بمجرد إظهارهم الإيمان يتركوا وشأنهم بدون امتحان واختبار (وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) أي لا يمتحنون، وهذا استفهام إنكاري، أي ليس الأمر كذلك، وإنما كلّ أحد يظهر الإيمان لا بد وأن يختبر ويمتحن (علمت أنّ الفتنة) أي الامتحان (لا تنزل بنا ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين أظهرنا) وذلك لدلالة الآية على كون الفتنة في المستقبل لا في الحال، والقرائن تدل على أن المستقبل بعد موت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وحيزت) أي نحيت (فشق ذلك علي) حيث لم أستشهد حتى أنال درجات الشهداء (فقلت لي: أبشر فإنّ الشهادة من ورائك) أي على يدي ابن ملجم لعنه اللّه (فقال (صلى اللّه عليه وآله) لي: إنّ ذلك النهي قلت (لكذلك) كائن لا محالة (فكيف صبرك إذا)؟ أي على أية حالة تكون حين تضرب ؟ على حالة الصبر أو حالة الجزع؟

2) (فقلت: يا رسول اللّه : ليس هذا من مواطن الصبر) أي ينبغي أن لا أسأل هل أصبر أم لا، فإنَّ ذلك مثل أن يسأل [من زفٌ إليه عروس]: هل تصبر ؟! (ولكن من مواطن البشرى) أي البشارة (والشكر) فإنّ أهل الإيمان وأولياء اللّه يستبشرون بالمنية في سبيل اللّه (إن القوم سيفتنون بأموالهم) فإنّ الإنسان إذا رأى ماله كثيراً طغى ومنع الحقوق. (ويمنون بدينهم على ربهم) فيزعمون أن إسلامهم الظاهري منهم على اللّه تعالى، بينما اللّه سبحانه غني عن العالمين (ويتمنون رحمته) بلا عمل يستحقون به الرحمة (ويأمنون سطوته) أي عقابه ونكاله من دون أن يتركوا المناهي والمحرمات (ويستحلون حرامه) أي الذي حرمه سبحانه (بالشبهات الكاذبة) أي يجعلون المحرم مشتبهاً، وهم يعلمون أنهم كاذبون في هذا الجعل (والأهواء الساهية) أي الموجبة للسهو عن الحق (فيستحلون الخمر بـ) اسم (النبيذ) وهو نوع من الخمر لكنه أخف من خمر العنب (والسحت) كالرشوة وما أشبه (بـ) اسم (الهدية) فإذا أراد أن يرشي القاضي ومن أشبهه، قال: إنه هدية (والربا بـ) اسم (البيع) فيبيع ما قيمته مائة بمائة وخمسين ثم يشتريه منه بمائة، ولا يريد بهذا إلا إعطاء قرض مائة وأخذ مائة وخمسين وإنما البيع لفظ محض وصورة مجردة.

اللّه، بِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذلِكَ؟ أَبِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ، أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ؟ فَقَالَ: [ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ ] (1).

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها الحث على التقوى والعمل للآخرة

الْحَمْدُ للّه الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ، وَسَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ، وَدَلِيلاً عَلَى آلائِهِ وَعَظَمَتِهِ عِبَادَ اللّه، إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ لا يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ، وَلا يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ (2). آخِرُ فَعَالِهِ كَأَوَّلِهِ، مُتَسَابِقَةٌ أُمُورُهُ، مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلامُهُ. فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَ الزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَارْتَبَكَ فِى الْهَلَكَاتِ، وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ، وَزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ، فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ، وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ اعْلَمُوا، عِبَادَ اللّه، أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ


1) (بأي المنازل أنزلهم) أي بأي حكم أحكم على مثل هؤلاء (أبمنزلة ردة) أنهم مرتدون عن الإسلام (أم بمنزلة فتنة) أنهم مخدوعون مفتنون، فإنَّما لهم التأديب والتأنيب، لا القتل والتعذيب (بمنزلة فتنة) إذ هذه الأمور معاصي وليست كفراً وارتداداً، وإنما الكفر في الإنكار، ولعل وجه سؤال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لأن يعرف الخوارج أن ليس كل عاص كافراً - كما كانوا يزعمون -.

2) (مفتاحاً لذكره) فإذا أراد الإنسان ذكره سبحانه لزم أن يفتح الكلام بالحمد (وسبباً للمزيد) أي الزيادة (ودليلاً على آلائه) جمع [لى] بمعنى النعمة (وعظمته) فإنَّ الإنسان الذي يحمد اللّه يتوجه إلى نعمته سبحانه وإلى عظمته، يا (عباد اللّه إنّ الدّهر) أي الزمان، والدنيا (يجري بالباقين كجريه بالماضين) فإنّ حال الباقي من الناس في الدنيا، كحال الماضي منهم (لا يعود ما قد ولّى منه) أي من الدّهر، والمراد ممّا فيه من حيوان وإنسان ونبات وسائر الأشياء، فإنَّها إذا فنيت لم تعد (ولا يبقى سرمداً) باقياً دائماً.

عَزِيزِ، وَالْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ، لا يَمْنَعُ أَهْلَهُ، وَلا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ. أَلا وَبِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا، وَبِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى (1).

عِبَادَ اللّه، اللّه اللّه فِي أَعَزّ الأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ : فَإِنَّ اللّه قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَنَارَ طُرُقَهُ. فَشِقْوَةٌ لازِمَةٌ، أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ ! فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لأيَّامِ الْبَقَاءِ. فَقَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ، وَأُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَحُثِثْتُمْ عَلَى الْمَسِيرِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ تکرَكْبٍ وُقُوفٍ، لا يَدْرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالْمَسِيرِ. أَلا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ! وَمَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ، وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبعَتُهُ وَحِسَابُهُ (2)!


1) (آخر فعاله كأوّله) حياة وموت، ووجود وعدم، وما أشبه (متسابقة أموره) أي تتسابق الأمور الجارية في الدّنيا، فمثلاً الفقر يريد أخذ مكان الغنى والغنى يريد أخذ مكان الفقر (متظاهرة أعلامه) أي تتوالى العلامات على الأشياء، فإنَّ كل ما يوجد في الدنيا، أو يعدم له علم - أي علامة - ليبقى ذلك الشيء ليدل عليه (فكأنكم بالساعة) أي القيامة (تحدوكم) أي تحرضكم على السير، فإنَّ الإنسان يسير سيراً حثيثاً نحو الآخرة، فكأنّ الساعة تحدوه (حدو الزاجر) أي سائق الإبل (بشوله) جمع شائلة، وهي الخالية عن الولد فإنَّ سوق الإنسان لها أعنف (فمن شغل نفسه بغير نفسه) بأن لم يشتغل بإصلاح نفسه، بل اشتغل بعمارة الدنيا وبأمور الناس وما أشبه (تحير في الظلمات) أي ظلمات الجهل وظلمات العاقبة السيئة (وارتبك في الهلكات) [ارتبك] أي تحيّر فيما إذا وقع في الهلكة، ماذا يصنع؟ والهلكة إنما تكون لأنه لم يهيئ نفسه للسعادة الأبدية (ومدت به شياطينه فى طغيانه) أي أمدوه بالوسوسة، والإغواء، حتى لا يخرج عن الطغيان، وهو المخالفة لأوامر اللّه سبحانه (وزيّنت) الشياطين (له سيّئ أعماله) فإنّ الإنسان إذا اعتاد عملاً زيّن ذلك العمل في نظره (فالجنّة غاية السابقين) الذين سبقوا إلى الخيرات (والنّار غاية المفرطين* الذين فرطوا وقصروا في الأعمال الصالحة (اعلموا عباد اللّه أنّ التقوى دار حصن عزيز) أي موجبة لعزة الكائن في هذه الدار، أي الملابس للتقوى (والفجور) أي الخروج عن أوامر اللّه سبحانه (دار حصن ذليل) توجب ذلّة الداخلين فيها (ولا يحرز) أي لا يحفظ (من لجأ إليه) اعتصم به (الا) فليتنبه السامع (وبالتقوى تقطع حمة الخطايا) حمة هي إبرة الزنبور والعقرب وما إليهما، والمراد بها هنا سطوة المعاصي، فإنّ المتقي يحفظ نفسه - بسبب تقواه - من أن تناله الخطايا بسوء (وباليقين تدرك الغاية القصوى) أي أبعد الغايات، وهي الجنّة، فإنّ الإنسان المتيقن يجتنب عن العصيان، ممّا يوجب إدراك السعادة الأخروية.

2) یا (عباد اللّه) احذروا (اللّه في) احذروا اللّه في أن تفعلوا شيئاً يوجب هلاك (أعزّ الأنفس عليكم) والمراد بها نفس الإنسان، فإنَّها أعزّ الأنفس (وأمرتم بالظعن) أي ما يوجب الحسن، وهو العمل الصّالح، فإن معنى الظعن السير (وحثثتم على المسير) أي تهيئة أسباب السير المريح، أو المراد أن الدنيا تحث الإنسان على السير بتقلب أحوالها وقصر أيامها (فإنّما أنتم كركب وقوف) جمع واقف (لا يدرون متى يؤمرون بالمسير) فإنّ الموت يأتي مفاجئاً (الا فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة ؟) إستفهام للإنكار فإنَّ الإنسان الذي لا يبقى في الدنيا، إذا عمل من أجلها كان سفهاً وعبثاً. (وما يصنع بالمال من عما قليل يسلبه) أي يؤخذ منه، وذلك حين الموت (وتبقى عليه تبعته) فإنَّ ما يتبع المال من الآثام فيما إذا منع حقه، أو صرف في غير حقه، أو اكتسب من غير حقه، يبقى على الإنسان.

عِبَادَ اللّه، إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللّه مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكٌ، وَلا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ عِبَادَ اللّه، احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الأعْمَالُ، وَيَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ، وَتَشِيبُ فِيهِ الأطفال (1).

اعْلَمُوا، عِبَادَ اللّه، أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَعُبُونَا مِنْ جَوَارِحِكُمْ، وَحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ، وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ، لا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْل دَاجٍ، وَلا يُكِنَّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجِ، وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ (2)يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ، وَيَجِيءُ الْغَدُ لاحقاً بِهِ، فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِئ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ، وَمَخَطَّ حُفْرَتِهِ. فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ، وَمَنْزِلِ وَحْشَةٍ، وَمُفْرَدِ غُرْبَةٍ ! وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ، وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ، وَبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الأبَاطِيلُ، وَاضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ، وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ


1) (ليس لما وعد اللّه من الخير مترك) أي محل ممكن الترك فإنّ كل ما أمر اللّه سبحانه لا بد وأن ينفّذ ويطاع (ولا فيما نهى عنه من الشرّ مرغب) أي محل رغبة فإنَّه لا يمكن للإنسان أن يأتي بمناهي اللّه سبحانه الموجبة للشر، (تفحص فيه الأعمال) أي يرى الصحيح منها والسقيم وذلك للجزاء.

2) (عليكم رصداً) أي رقيباً يرصد عليكم (من أنفسكم) فإنّ في باطن الإنسان قوة توقظ الإنسان وتنبهه، فإذا أراد عمل الخير حثّه وإذا أراد عمل الشّر ردعه (وعيوناً من جوارحكم) فإنَّ جوارح الإنسان تشهد على الإنسان بما فعل في يوم القيامة (وحفاظ صدق) أي صادقين في كلامهم وكتابتهم (يحفظون أعمالكم) وهم الملائكة، (وعدد أنفاسكم) يعني أنّ الحساب دقيق إلى هذا الحد. (ليل داج) دجى بمعنى أظلم واشتدّ ظلامه (ولا يكنكم) من الكن، بمعنى: محل الحفظ (منهم باب ذو رتاج) أي ذو إحكام في الغلق.

الْحَقَائِقُ، وَصَدَرَتْ بِكُمُ الأُمُورُ مَصَادِرَهَا، فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ، وَاعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ، وَانْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ (1).

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها بيان فضل الرّسول، وعظمة القرآن، ودولة بني أمية

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَانْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ، فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالنُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ. ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطَقُوهُ، وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ : أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ (2).

منها : فَعِنْدَ ذلِكَ لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا وَأَدْخَلَهُ الظُّلَمَةُ تَرْحَةً،


1) (ومفرد غربة) أي محل يفرد فيه الإنسان وهو غريب لا عهد له به (وكأن الصيحة) أي صيحة الموت، أو صيحة القيام للمحشر (والساعة) أي ساعة القيام للسوق نحو المحشر (قد غشيتكم) أي شملتكم (وبرزتم) أي ظهرتم في المحشر (لفصل القضاء) أي للقضاء الفاصل بين أهل الجنّة وأهل النّار (قد زاحت) أي انكشفت (عنكم الأباطيل) التي كانت تكتنفكم في الدنيا من زخارفها ومالها وجاهها، وما أشبه. (واضمحلت) أي بطلت (عنكم العلل) التي كنتم تعللون بها أعمالكم الفاسدة في الدّنيا، فإنّ هناك لا تقبل العلل الباطلة (واستحقت بكم الحقائق) أي أحاطت بكم، يقال استحق الدين إذا جاء وقته (وصدرت بكم الأمور مصادرها) أي وصلتكم الأمور الصادرة من مصادرها، وهذا للتهويل، فإنّ الأمر لا يصدر من المصدر إلا أنه يوجب غاية ونتيجة مهمة بالنسبة إلى الإنسان (واعتبروا بالغير)، أي التغيرات فإنّ تغيرات الدنيا توجب اعتبار الإنسان إن فكر فيها وأعطاها حق النظر (وانتفعوا بالنذر) جمع نذير وهو كل أمر يوجب تخويفاً من عمل لأن له عاقبة سيئة.

2) (على حين فترة من الرّسل) أي حين عدم وجود الرّسل، وبعد زمانهم الذي كانوا فيه (وطول هجعة من الأمم) المراد نوم عن المعارف والأحكام فقد كانت أمم العالم تغط في نوم الجهل والغفلة (وانتقاض من المبرم) أي المحكم، أي أن أحكام اللّه سبحانه المبرمة كانت منقوضة في زمن الجاهلية لا يعمل بها. (بتصديق الذي بين يديه) أي ما كان أمامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الرسل وأحكام اللّه سبحانه (والنّور) أي جاءهم الرّسول بالنور (المقتدى به) وهو القرآن الحكيم، الذي يقتدي به الناس (ذلك القرآن فاستنطقوه) أي اطلبوا منه أن ينطق لكم، (لن ينطق) نطقاً باللسان، وإنما النطق بمعنى بيان القصص والمعارف والأحكام. (ودواء دائكم) فإنّ داء الإنسان الجهل والمرض والرذيلة، ودواء الكل في القرآن (ونظم ما بينكم) فإنَّه ينظم أمور الناس حتى يسعدوا جميعاً في ألفة ورفاه...

وَأَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً. فَيَوْمَئِذٍ لا يَبْقَى لَهُمْ فِي السَّمَاءِ وَلا فِي الأَرْضِ نَاصِرٌ (1). أَصْفَيْتُمْ بِالأمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ، وَأَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ، وَسَيَنْتَقِمُ اللّه مِمَّنْ ظَلَمَ، مَأكَلاً بِمَأْكَلٍ، وَمَشْرَباً بِمَشْرَبٍ مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ، وَمَشَارِبِ الصَّبِرِ وَالْمَقِرِ، وَلِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ وَدِثَارِ السَّيْفِ (2). وَإِنَّمَا هُمْ مَطَايَا الْخَطِيئَاتِ وَزَوَامِلُ الآثَامِ فَأُقْسِمُ، ثُمَّ أُقْسِمُ، لَتَنْخَمَنَّهَا أُمَيَّةُ مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَةُ، ثُمَّ لا تَذُوقُهَا وَلا تَطْعَمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ (3)!

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يبين فيها حسن إدارته للرعية

وَلَقَدْ أَحْسَنْتُ حِوَارَكُمْ، وَأَحَظتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ، وَأَعْتَقْتُكُمْ مِنْ


1) (فعند ذلك) أي قيام الحكم الأموي (لا يبقى بيت مدر) مصنوع من حجارة ونحوها (ولا وبر) مصنوع من الشعر ونحوه، أي الخيام (إلا وأدخله الظلمة) جمع ظالم، والمراد حكام بني أمية (ترحة) أي بؤساً وشدّة، ضدّ [فرحة]. (وأولجوا فيه نقمة) أي أدخلوا فيه الانتقام والشدّة، فإنّ حكم الباطل هكذا يكون دائماً، يوجب ضيقاً في النفوس، وضنكاً في الحياة (لا يبقى لكم في السّماء ولا في الأرض ناصر) وذلك لأن النّاس إذا اشتغلوا بالمعاصي، ولم يغيروا المنكر انقطع عنهم عون السماء، وإذا انقطع عون السماء، لم يكن لهم عون في الأرض.

2) (أصفيتم) أي آثرتم وقدمتم (بالأمر غير أهله) أي بأمر الخلافة والإمارة. (وأوردتموه غير مورده) تشبيه للخلافة بالحيوان الذي يورد على الماء فإنّه إذا أورده السائق في غير المشرعة تعب السائق والحيوان معاً. (وسينتقم اللّه ممن ظلم) بإعطاء الأمر إلى الأمويين، والسكوت على أعمالهم (ماكلاً بماكل) أي يؤكله سبحانه المرّ، كما أكل الحلو (ومشرباً بمشرب) أي يشربه الكدر، كما شرب العذب (من مطاعم العلقم) شيء شديد المرارة (ومشارب الصبر والمقر) الصبر عصارة شجرة مرّة، والمقر السّم. (ولباس شعار الخوف) أي باطنه الخوف (ودثار السيف) أي ظاهره السّيف. فإنّ الإنسان في دولة الظلمة خائف القلب مهيأ السلاح وشبه الخوف بالشعار - وهو الثّوب الذي يلاصق شعر الجسد - لأنه في داخل قلب الإنسان، وأمّا الدّثار وهو الثّوب الذي فوق الشعار ظاهر، ولذا شبهه به السيف الظاهر على جسد الإنسان.

3) (مطايا الخطيئات) كان الخطايا والآثام تركب عليهم لتسوقهم إلى النار (وزوامل الآثام) جمع زاملة وهي: ما يحمل عليها الطعام من الإبل ونحوه (التنخمنّها) أميّة :النخامة ما يدفعه الصدر أو الدماغ من الماء اللزج معنى الجملة أن أمية تلفظ الخلافة، كما يلفظ الإنسان النّخامة، وذلك كناية عن خروج الأمر من أيديهم، بسبب بني العباس (ولا تطعم بطعمها) أي لا تعرف طعم الخلافة (أبداً، ما كرّ الجديدان) هما الليل والنّهار وكرّهما.دورانهما.

رِبَقِ الذُّلّ، وَحَلَقِ الضَّيْمِ، شُكراً مِنّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ، وَإِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ، وَشَهِدَهُ الْبَدَنُ، مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ (1).

وَمِنْ خَطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حمده سبحانه وبيان عظمته، وفضائل رسله، وحقيقة الرجاء

أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَحِكْمَةٌ، وَرِضَاهُ أَمَانٌ وَرَحْمَةٌ، يَقْضِي بِعِلْمٍ.

اللّهمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَتُعْطِي، وَعَلَى مَا تُعَافِي وَتَبْتَلِي، حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ، وَأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ، وَأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ. حَمْداً يَمْلأُ مَا خَلَقْتَ، وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ حَمْداً لا يُحْجَبُ عَنْكَ، وَلا يُقْصَرُ دُونَكَ (2).

حَمْداً لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ، وَلا يَفْنَى مَدَدُهُ. فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ، إلا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومٌ لا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَر، وَلَمْ يُدْرِكْكَ


1) (وأحطت - بجهدي - من ورائكم) أي حفظتكم عن أن ينال أحد منكم مكروهاً (وأعتقتكم من ربق الذُّل) جمع ربقة، وهي: الحبل فيه عرى، لربط أعناق الأغنام بها لينخرط الكل في نظام واحد يساقون كما يشاء الرّاعي (وحلق) جمع حلقة (الضّيم) أي الذُّل، فكأنه حلقة في رقابهم، وأيديهم وأرجلهم (شكراً منّي للبرّ القليل) أي ما رأيته من برّ بعضكم (وإطراقاً) يقال أطرق برأسه، إذا لم يرفعه، وكأنه لا يرى ما يفعل أمامه (عما أدركه البصر) منكم من سوء الأعمال (و) إطراقاً عما (شهده البدن) أي لمسه بدني - وذلك كناية عما أدركه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو الأذى الوارد على جسده الشريف - (من المنكر الكثير) الصادر منكم.

2) (قضاء) لازم لا يمكن الفرار عنه (وحكمة) فإنَّه تعالى لا يأمر إلا حسب المصلحة والخير (ورضاه) إذا رضي عن أحد (أمان) له عن الأخطار (ورحمة) له بالإنعام والإفضال (يقضي بعلم) أي يحكم فيما يحكم فليس حكمه صادراً عن جهل (حمداً يملأ ما خلقت) هذا من تشبيه المعقول بالمحسوس، فلو كان الحمد جسماً لملأ كل شيء (ويبلغ ما أردت) لو كان جسماً، وأريد بلوغه إلى المكان المرتفع [الفلاني] لبلغ (حمداً لا يحجب عنك) فإنّ الإنسان إذا كان عاصياً حجب ومنع حمده عن اللّه سبحانه المترتب على حمد الحامدين (ولا يقصر) نفس الحمد (دونك) أي دون البلوغ إلى رضاك، فإنّ عدم الوصول قد يكون بسبب منع مانع عن الوصول وقد يكون بسبب عدم وجود المقتضي في الشيء.

بَصَرٌ (1). أَدْرَكْتَ الأَبْصَارَ، وَأَحْصَبْتَ الأَعْمَالَ، وَأَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ. وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمٍ سُلْطَانِكَ، وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وَحَالَتْ سُتُورُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ (2). فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ. كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأَتَ خَلْقَكَ، وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً، وَسَمْعُهُ وَالِهَا، وَذِكْرُهُ حَائِراً (3).

منها : يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللّه كَذَبَ وَالْعَظِيم! مَا بَالُهُ لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ. وَكُلُّ رَجَاءٍ - إلا


1) (حمداً لا ينقطع عدده) فلو كان يعد لبقي إلى الأبد (ولا يفنى مدده) ما يمده من الحمد المتوالي بعضه اثر بعض (فلسنا نعرف كنه عظمتك) أي مقداره الزائد و [الفاء ] لتعليل هذا الحمد الكثير، كان قائلاً قال: ولم هذا القدر الكبير من الحمد؟ فأجيب لعظمته سبحانه البالغة حداً لا يدرك، فهو أعظم من أن يفي الحمد مهما كثر بعظمته. (قيوم) قائم بالأمور لا تغفل عنها طرفة عين (لا تأخذك سنة) هي مقدمة النّوم (لم ينته إليك نظر) فيراك أحد من خلقك، لأنّ النظر يقع على الجسم ولوازمه وهو سبحانه منزّه عنهما. (ولم يدركك بصر) عطف بيان للجملة السابقة، أو المراد بالنّظر: الفكر فالجملتان مختلفتان.

2) (وأخذت بالنواصي) جمع ناصية، وهي مقدم الرأس (والأقدام) جمع قدم، وذلك كناية عن كون النّاس تحت قدرته الكاملة، كما أنّ من يأخذ بناصية شخص وقدمه - جميعاً - يكون مسلّطاً على المأخوذ أقوى سلطة (وما الذي نرى من خلقك ؟) استفهام للتحقيق، أي أن مرئياتنا ليست بمهمة بالنّسبة إلى غيرها التي لا نراها ممّا خلقت وصنعت (ونعجب له من قدرتك) ممّا ندركه بحواسنا (و) الحال أن (ما تغيب) أي غاب (عنّا منه) أي من خلقك (وقصرت أبصارنا عنه) فلا نراه لبعده عنا، أو لحيلولة شيء بيننا وبينه، أو لصغره حتّى لا يرى بالعين المجرّدة (وانتهت عقولنا دونه) فلا تدركه عقولنا، لأن عقولنا أقصر من إدراكه. (وحالت ستور الغيوب) أي كونه غائباً عنا، فكأنّ الغيب ساتر (بيننا وبينه) فلا ندركه.

3) (فمن فرّغ قلبه) عن كلّ شيء ليفكّر في هذا الأمر: [كيف أقمت] فقط (وأعمل فكره ليعلم كيف أقمت عرشك) على أكتاف الملائكة، أو في الفضاء أو المراد كيف هو - بالذات – (وكيف ذرأت) أي خلقت (مور الماء) أي اضطرابه وموجه - الذي كان عند بدء الخلقة - (رجع طرفه حسيراً) أي ممنوعاً عن الفهم والإسناد إلى الطرف، لأنه آلة الإدراك (وعقله مبهوراً) أي مغلوباً عن الفهم (وسمعه والها) إذ لا يسمع ما يفيد ذلك (وفكره حائراً) غير مدرك لما أراد.

رَجَاءَ اللّه تَعَالَى - فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ وَكُلٌّ خَوْفٍ مُحَقَّق، إلا خَوْف اللّه فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ (1).

يَرْجُو اللّه فِي الْكَبِيرِ، وَيَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لَا يُعْطِي الرَّبَّ! فَمَا بَالُ اللّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ لِعِبَادِهِ؟ أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً؟ أَوْ تَكُونَ لا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً؟ وَكَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لا يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً، وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِمْ ضِمَاراً وَوَعْداً. وَكَذلِكَ مَنْ عظُمَتْ الدُّنْيَا في عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا فِي قَلْبِهِ آثَرَهَا عَلَى اللّه تَعَالَى فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَصَارَ عَبْداً لَهَا (2).

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) كَافٍ لَكَ فِي الأَسْوَةِ، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا،


1) (وكل رجاء - إلّا رجاء اللّه تعالى - فإنَّه مدخول) أي مغشوش قد دخله العيب إذ ليس بأيدي الناس شيء، إلا إذا شاءت الأقدار (وكل خوف محقق) أي أنّ الناس يخافون من كل مخوف خوفاً حقيقياً (إلا خوف اللّه فإنَّه معلول) أي فيه علّة وسقم، فإنّ الغالب من النّاس لا يخافون اللّه سبحانه، خوفاً هو أهله ولذا يغلبهم الذنب، مع العلم أنه لو كان خوفهم خوفاً تاماً لم يقدموا على الذنب، بعد ما أعدّ له من العقاب.

2) (يرجو اللّه في الكبير) أي في الشيء الكبير كالأولاد والجنّة، وما أشبه (ويرجو العباد في الصغير) كإعطائه مالاً أو منصباً أو ما أشبه (فيعطي العبد) من التقدير والاحترام (ما لا يعطي الرّب) من الائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه، وهذا كما لو رجوت [زيداً] ألف دينار، ولم تطعه، ورجوت [خالداً] ديناراً وأطعته. (فما بال اللّه) أي ما شأن الإنسان مع اللّه (جل ثناؤه يقصر به عمّا يصنع لعباده) أي لا يأتي الإنسان بواجب تقديره، مثل ما يأتي بواجب تقدير العباد (أتخاف أن تكون في رجائك له كاذباً)؟ فأنت لا ترجوه حقيقة، ولذا لا تقدّره حق قدره، بينما ترجو سائر العباد حقيقة، ولذا تقدرهم حق قدرهم (أو تكون لا تراه للرجاء موضعاً) ومن الطبيعي أن من لا يرجوه الإنسان لا يقدره (خاف عبداً من عبيده أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربه) فإنّ الإنسان الخائف من شخص يتجنب سخطه ويريد إرضاءه بكلّ وسيلة بمقتضى الخوف، وليس الإنسان كذلك مع اللّه (فجعل خوفه من العباد نقداً) حيث يأتي بمقتضى الخوف (وخوفه من خالقهم ضماراً) يسوف به ويضمره (ووعداً) يعد ولا يفي.

وَوُطئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا وَفُلِمَ عَنْ رَضَاعِهَا، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا (1).

وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللّه – (عليه السلام) - إِذْ يَقُولُ: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (2). وَاللّه، مَا سَأَلَهُ إِلا خُبزاً يَأْكُلُهُ، لأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الأرْضِ، وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفٍ صِفَاقِ بَطْنِهِ، لِهُزَالِهِ وَتَشَذُّبٍ لَحْمِهِ (3)، وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُدَ (عليه السلام) صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، وَقَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ : أَيْكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَ!ا وَيَأْكُلُ قُرْصَ السَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا (4). وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (عليهما السلام). فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَيَأْكُلُ)


1) (كاف لك في الأسوة) أي الاقتداء (ودليل لك على ذمّ الدّنيا وعيبها) أي أنها مذمومة معيوبة (وكثرة مخازيها) جمع مخزي، بمعنى الخزي - وهو السقوط عن درجة الاعتبار (إذ قبضت عنه أطرافها) أي أطراف الدنيا، طرف المال وطرف الماكل، وطرف النّساء وهكذا، فإنّ الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يتمتع بمال الدنيا ومأكلها، والحسان من أبكارها - وهذا وإن كان بإرادة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الواقع، إلا أنه لم يتهيا له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما تهيا للقياصرة والأكاسرة في الظاهر - ولو كانت الدّنيا حسنة ممدوحة، لم يحرم منها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتعطى لغيره. (ووطئت لغيره أكنافها) جمع كنف، بمعنى الجانب، ومعنى [وطئت] هيئت وذللت (وفطم عن رضاعها) كناية عن عدم التذاذه بلذائذ الدنيا (وزوي) أي ابتعد (عن زخارفها) جمع [زخرف] بمعنى الزينة.

2) سورة القصص الآية: 24.

3) (ثنيت بموسى كليم اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)) أي ذكرته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثانياً (إذ يقول) كما يحكيه القرآن الحكيم: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) أي أنا فقير لكل نوع من أنواع الخير الذي تتفضل به عليّ (واللّه ما سأله إلّا خبزاً ياكله) فكان سؤاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) للشبع بطنه (ولقد كانت خضرة البقل) أي العشب (ترى من شفيف صفاق بطنه) الصفاق الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، وشفيفه كونه غير ممتلئ حتى يكون كالزجاج رقة (وتشذب لحمه) أي تفرّقه وتحلّله، حتى لم يبق له لحم كثيف يحول بين ما في البطن وبين نفوذ النظر في الداخل، فلو كانت الدنيا ممدوحة لم تذو عن مثل موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).

4) (ثلثت بداؤد (عَلَيهِ السَّلَامُ)) أي ذكرته كمثال ثالث (صاحب المزامير) جمع [مزمور] وهو ما يترنم به من الأناشيد، فقد كان داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقرأ [الزبور] - وهو الكتاب السّماوي المنزل عليه - بلحن طيب جميل، لا بلحن الغناء - كما ربما يزعم – (وقارئ أهل الجنّة) كما ورد في الأحاديث أنّ اللّه سبحانه ينعم على أهل الجنة بقراءة داود بصوته الجميل الرخيم (سفائف الخوص) سفيفة، وهي: المنسوجة من خوص الأشجار، أي كان ينسج الخوص (ويقول : لجلسائه أيكم يكفيني بيعها) بأن يبيع هذه السفائف، لكي لا أبيعها أنا بنفسي.

الْجَشِبَ. وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ، وَسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ، وَظِلالُهُ فِي الشّتَاءِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَلا مَالٌ يَلْفِتُهُ، وَلا طَمَعْ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلاهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ (1!)فَتَأَسَ بِنَبِيِّكَ الأطيب الأظهَرِ (عليه السلام فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةٌ لِمَنْ تَأَسَى، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى. وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللّه الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، وَالْمُقْتَصُّ لأثَرِهِ. قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً، أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً، وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا (2)، وَعَلِمَ أَنَّ اللّه سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً)


1) (قلت في عيسى ابن مريم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)) بعض أحواله وزهده في الدنيا (فلقد كان يتوسد الحجر) أي يجعله وسادته، فيضع رأسه عليه (ويلبس الخشن) اللباس غير النّاعم (ويأكل الجشب) أي الغليظ من الطعام (وكان إدامه) هو الشيء الذي يؤكل مع الخبز (الجوع) هذا كناية عن أنه لم يكن له إدام، بل كان يأكل قدراً من الخبز، ويجوع عوض الإدام. (وسراجه بالليل القمر) إذ لم يكن له مصباح يستضيء بنوره في الليالي (وظلاله في الشتاء) أي ما يظله من البرد (مشارق الأرض ومغاربها) ففي الصباح كان يأوي نحو الشرق حتى تشرق عليه الشمس، وفي العصر نحو الغرب حتى لا يحرم من الشمس. (وفاكهته وريحانه) الفاكهة الثمار كالرمان والريحان الخضروات كالفجل (ما تنبت الأرض للبهائم) من القت ونحوه (ولم تكن له زوجة تفتنه) أي توجب فتنته وامتحانه (ولا ولد يحزنه) أي يوجب حزنه، لمرضه أو ما أشبه (ولا مال يلفته) أي يجلب التفاته ونظره فينشغل عن الآخرة (ولا طمع) في مال أحد أو منصب أو شي (يذله) فإنَّ الطامع يذل لمن يطمع فيه. (دابته رجلاه) فكان يسير من مدينة إلى مدينة راجلاً بغير دابة (وخادمه يداه) لا خادم له يخدمه.

2) (فتاسٌ) أي اقتد (والمقتص) أي المتتبع (لأثره) يمشي في المحل الذي مشى فيه، من باب تشبيه المعقول بالمحسوس - تقريباً للذهن - (قضم الدّنيا قضماً) القضم، هو: الكسر بالأسنان، فكأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كسر الدنيا كسراً، ولم يُبق عليها سالمة كمن يقضم الشيء الذي لا حاجة له به (ولم يعرها طرفاً) أي لم ينظر إليها، ولم يعطها طرفه، وإنّما كان نظره إلى الآخرة (أهضم أهل الدنيا كشحاً) الكشح: ما بين الخاصرة والضلع الخلفي، أي أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان أخلى النّاس بطناً، فإنّ الهضم بمعنى خمص البطن وخلوه من الطعام، وذلك كناية عن إعراضه عن الدنيا (وأخمصهم من الدنيا بطناً) أي أن بطنه كانت أخلى بطون أهل الدنيا عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها فإنَّ اللّه سبحانه عرض الدنيا على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، لكن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) امتنع من قبولها، لأنه كان يعلم أنه لا فائدة فيها وأنها زائلة لا تبقى.

فَأَبْغَضَهُ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ. وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَرَهُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللّه وَرَسُولُهُ، وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللّه وَرَسُولُهُ، لَكَفَى بِهِ شِفَاقاً لِلَّهِ، وَمُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللّه.وَلَقَدْ كَانَ (صلّى اللّه عليه وآله يَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ : [يَا فُلانَةُ - لإحْدَى أَزْوَاجِهِ - غَيْبِيهِ عَنِّي، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا ] (1). فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَي يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً، وَلا يَعْتَقِدَهَا قَرَار (2)، وَلا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ، وَأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ. وَكَذَا مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ. وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ما يَدُلُّكَ عَلَى مَسَاوِي الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا : إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ، وَزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرُ بِعَقْلِهِ : أَكْرَمَ اللّه مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ فَإِنْ قَالَ : أَمَانَهُ، فَقَدْ كَذَبَ وَالْعَظِيمِ.)


1) (ولو لم يكن فينا إلا حبّنا) أي محبتنا (ما أبغض اللّه) إيّاه (ورسوله) له، ومصداق [ما]: الدّنيا، أي حبنا للدنيا التي أبغضها اللّه ورسوله. (وتعظيمنا) لـ(ما صغّر)ه (اللّه ورسوله) والمراد بها الدنيا أيضاً (لكفى به) أي بذلك الحب (شقاقاً لله) المشاقة بمعنى المخالفة، كان أحد الطرفين في شق والآخر في شقّ ثان (ومحادة عن أمر اللّه) المحادّة المخالفة في عناد (ويجلس جلسة العبد) فإنّ العبد لا يجلس جلسة استراحة وتربيع، وإنّما يجلس جلسة المنتظر للقيام، لأنه منتظر لأمر مولاه (ويخصف) أي يخيط (ويرقع بيده ثوبه) الرّقعة الوصلة، توضع في موضع الخرق، ثمّ تخاط بالثوب لئلا يبقى الخرق. (ويركب الحمار العاري) فلا يأنف من عريه (ويردف خلفه) هو أن يجلس الرّاكب معه غيره، وهذا يدل على التّواضع. (ويكون الستر على باب بيته فتكون فيه التّصاوير) أي الصور مقابل الستر الذي لا صورة فيه (فيقول) (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (يا فلانة - لإحدى زوجاته - غيبيه عنّي) والمراد رفع الستر، لا يبقى معلقاً تظهر صوره.

2) (فأعرض عن الدنيا بقلبه) ولعلّ ذكر القلب للإشارة إلى أنّ الإعراض كان حقيقياً (لكي لا يتخذ منها رياشاً) الرّياش اللباس الفاخر ونحوه (ولا يعتقدها قراراً) أي أنها دار قرار وبقاء، فإنّ الإنسان إذا تعلق قلبه بشيء قويت فيه ملكة التلاقي معه دائماً.

وَإِنْ قَالَ : أَكْرَمَهُ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللّه قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ، وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ (1. فَتَأَسَى مُتَأَسٌ بِنَبِيِّهِ، وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ، وَالا فَلا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ، فَإِنَّ اللّه جَعَلَ مُحَمَّداً (صلى اللّه عليه وآله) عَلَماً لِلسَّاعَةِ، وَمُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ، وَمُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ. خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً، وَوَرَدَ الآخِرَةَ سَلِيماً (2). لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ. فَمَا أَعْظَمَ مِنْةَ اللّه عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ، وَقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ (3)! وَاللّه لَقَدْ رَقَعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا. وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ : أَلا تَنْبِذُهَا؟ فَقُلْتُ: اغْرُبْ عَنِّي، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى (4)!)


1) (إذ جاع فيها) أي في الدنيا (مع خاصّته) أي مع خصوصيته وفضله عند اللّه سبحانه، أو المراد بخاصته أهله الذين هم الصق النّاس (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) رحماً، ولو كانت الدنيا حسنة جميلة عند اللّه سبحانه لكان نصيب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) منها أكثر، لأنه كان أحب الناس إليه تعالى (وزويت) أي بعدت (مع عظيم زلفته) أي قربه من اللّه تعالى (فلينظر ناظر بعقله) أي نظر تدبر وتفكّر هل (أكرم اللّه محمداً بذلك) الزّهد في الدنيا (أم أهانه ؟) فانزواء الدنيا عنه إذا لم يكن إهانة، حكم العقل بحسن اتباع هذه الطريقة.

2) (فتاسى) أمر في صورة الإخبار، أي فليتأس، والتأسي: الاقتداء (متاس) أي من أراد التأسي والاقتداء (بنبيه) في الإعراض عن الدّنيا (واقتص أثره) أي وليتبع أثر الرّسول في الزهد في ملذات الحياة (وولج) أي دخل (مولجه) أي المحل الذي دخل فيه الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (فلا يأمن الهلكة) أي الهلاك الأخروي (فإنّ اللّه جعل محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) علماً للساعة) أي علامة ليوم القيامة، فإنّ مبعثه أقرب من الساعة، من مبعث سائر الأنبياء (من الدّنيا خميصاً) أى خال البطن من الطعام، إما حقيقة، أو كناية عن عدم تمتعه باللذات (وورد الآخرة، سليماً) عن الآثام والأدران.

3) (لم يضع) لنفسه (حجراً على حجر) أي لم يبن بيتاً محكماً كما يبني أهل الدنيا (سلفاً) أي في حال كونه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) سابقاً علينا في الطاعة والعبادة، أو سابقاً في والعبادة، أو سابقاً في العمر (نطأ عقبه) العقب: مؤخر القدم، ووطؤها كناية عن الاقتفاء التام حتّى أن رجلنا تتصل برجله، كأنها تطأ عقبه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

4) (واللّه لقد رقعت مدرعتي هذه) هي ثوب من صوف (حتى استحييت من راقعها) كما يستحي الإنسان ذو الثوب الخلق من الناس الذين حواليه. (ولقد قال لي قائل:) ولعله هو الراقع، أو غيره (ألا تنبذها؟) أي تطرح هذه المدرعة لتستبدل بها جديداً (فقلت: أغرب عنّي) أي ابتعد (فعند الصباح يحمد القوم السّرى) السّرى هو السير ليلاً، فإنّ القافلة إذا سارت ليلاً، وصلت المحل قبل الصباح، فإذا أصبح حمد سيره في الليل الموصل له إلى الهدف، وإن كان في الليل وقت السّير، يكره السّير لنعاسه ولصعوبة السّير، وهذا مثل يقال لمن يتحمل التّعب رجاء إدراك الخير.

### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في صفة الرسول، وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولزوم اتباع طريقتهم، والوعظ)بَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِيءِ، وَالْبُرْهَانِ الْجَلِي، وَالْمِنْهَاجِ الْبَادِي، وَالْكِتَابِ الْهَادِي. أَسْرَتُهُ خَيْرُ أَسْرَةٍ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ، وَأَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ، وَثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ (1. مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ. عَلا بِهَا ذِكْرُهُ، وَامْتَدَّ بِهَا صَوْتُهُ، أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ، وَمَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ، وَدَعْوَةٍ مُتَلافِيَةٍ (2). أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ، وَقَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ، وَبَيْنَ بِهِ الأَحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ. فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام ديناً تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ، وَتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ، وَتَعْظُمْ كَبُوَتُهُ، وَيَكُنْ مَابَهُ إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ، وَالْعَذَابِ الْوَبِيلِ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللّه تَوَكَّلَ الإِنَابَةِ إِلَيْهِ. وَأَسْتَرْشِدُهُ السَّبِيلَ الْمُؤَدِّي إِلَى جَنَّتِهِ، الْقَاصِدَةَ إِلَى مَحَلِّ رَغْبَتِهِ (3).)


1) (بعثه) اللّه سبحانه (بالنور المضيء) وهي الأحكام التي تضيء سبيل السعادة (والبرهان الجلي) أي الواضح، وهي المعجزات الباهرات التي كانت للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ممّا تدل على صدق كلامه وادعائه النّبوّة (والمنهاج) أي الطريق (البادي) أي الظاهر، فإنّ طريقة الإسلام ظاهرة لا لبس فيها ولا غموض (والكتاب الهادي) أي القرآن فإنّه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (وشجرته) أي أصله (خير شجرة) لأنها شجرة إبراهيم الخليل، والأنبياء من آله الأطهار (وأغصانها) أي أغصان تلك الشجرة وهم الأنبياء (معتدلة) لا انحراف فيهم (وثمارها) وهي العلوم والمعارف المنتشرة منهم (متهدلة) أي دانية للاقتطاف.

2) (أرسله بحجّة كافية) في الدّلالة والبرهنة (وموعظة شافية) عن أمراض الجهل والرّذيلة ودعوة (متلافية) من تلافاه بالإصلاح قبل أن يهلكه الفساد، فلولا الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لكان مصير الناس الشقاء الأبدي.

3) (وقمع) أي قلع (به البدع المدخولة) التي دخلت في الأديان كالوثنية، وعبادة المسيح وعزير، وما أشبه. (وبيّن به الأحكام المفصولة) التي فصلها اللّه سبحانه تفصيلاً، أو بمعنى الفاصلة بين الحق والباطل (تتحقق شقوته) أي شقاؤه في الدنيا والآخرة (وتنفصم) أي تنقطع (عروته) أي محل استمساكه بالحياة السعيدة. (وتعظم كبوته) أي سقطته، لأنه يسقط في مشاكل الحياة وفي النار بعد الممات (ويكون مآبه) أي مرجعه (وأتوكل على اللّه توكّل الإنابة إليه) أي توكل من يرجع إليه سبحانه في جميع أموره، لا توكّل من يجعل ذلك لقلقة لسانه بلا حقيقة له. (وأستر شده) أي أطلب أن يرشدني (السبيل المؤدّي إلى جنّته) والمراد الإبقاء على ذلك السبيل مثل: اهدنا الصراط المستقيم - (القاصدة) صفة السبيل وهي مؤنثة سماعاً، والمراد بها [المتوسطة] التي لا انحراف فيها (إلى محلّ رغبته) أي المحل الذي رغب سبحانه أن يذهب الإنسان إليه أي الجنّة.

أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللّه بِتَقْوَى اللّه وَطَاعَتِهِ، فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً وَالْمَنْجَاةُ أَبَداً. رَهَّبَ فَأَبْلَغَ، وَرَغَبَ فَأَسْبَغَ (1، وَوَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا وَانْقِطَاعَهَا، وَزَوَالَهَا وَانْتِقَالَهَا. فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا. أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللّه، وَأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللّه! فَغُضُّوا عَنْكُمْ - عِبَادَ اللّه - غُمُومَهَا وَأَشْغَالَهَا، لِمَا قَدْ أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَتَصَرُّفِ حَالاتِهَا (2). فَاحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ وَالْمُجِد الْكَادِحِ. وَاعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِع الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ : قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ، وَزَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ، وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَعِزُهُمْ، وَانْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ، فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الأوْلادِ فَقْدَهَا، وَبِصُحْبَةِ الأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا لا يَتَفَاخَرُونَ، وَلَا يَتَنَاسَلُونَ، وَلَا يَتَزَاوَرُونَ، وَلَا يَتَحَاوَرُونَ (3). فَاحْذَرُوا، عِبَادَ اللّه، حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ، الْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ، فَإِنَّ الأمْرَ وَاضِحٌ، وَالْعَلَمَ قَائِمٌ، وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ وَالسَّبِيلَ قَصْدٌ (4).)


1) (والمنجاة) مصدر ميمي بمعنى [النّجاة ] (أبداً) أي دائماً في الدارين (رهب) أي أخاف الناس عن المعاصي (فأبلغ) في ترهيبه، إذ أتى بكل ما يمكن أن يوجد في الإنسان خوفاً وخشية (ورغب فأسبغ) أي أحاط بجميع وجوه الترغيب، أو أكثر في الإعطاء.

2) (لقلة ما يصحبكم منها) فإنّ منتهى عمر الدنيا مائة سنة، وهي تنقضي بسرعة (من فراقها وتصرّف حالاتها) أي انقلاباتها من حال إلى حال.

3) (حذر الشفيق) أي الخائف (الناصح) لنفسه الذي يزجرها عن الوقوع في الهلكة (والمجد) في عمله (الكادح) الذي يكدح أي يتعب لخلاص نفسه، وراحة مستقبله. (واعتبروا بما رأيتم من مصارع القرون قبلكم) مصارع جمع مصرع، والمراد به الهلاك والقرون الأمم الذين كانوا في الدنيا، حيث هلكوا وفنوا عن آخرهم، ولم يبق منهم أحد (قد تزايلت) أي تفرّقت (أوصالهم) أي مفاصل أبدانهم بأن زالت بعضها عن بعض.

4) (فاحذروا حذر الغالب لنفسه) أي الذي غلب على نفسه، فلم تتمكن من الانقياد إلى شهواتها (المانع لشهوته) عن النفوذ والارتواء (الناظر بعقله) أي الذي يفكر في الأمور، ويأخذ بالأصلح (فإنّ الأمر واضح) أي أمر السعادة والشّقاء واضح لا لبس فيه (والعلم) أي العلامة للخير والشر (قائم) يراه الإنسان كالعلم القائم في الطريق (والطريق) إلى الآخرة (جدد) أي مستوٍ مسلوك (والسبيل) إلى الجنة (قصد) قويم مستقيم.

### وَمِنْ كلام (عَلَيهِ السَّلَامُ لبعض أصحابه وقد سأله (عَلَيهِ السَّلَامُ): كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ فقال:)يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ، تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ، وَلَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ وَحَقُّ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ : أَمَّا الاِسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَام وَنَحْنُ الأَعْلَوْنَ نَسَباً، وَالأشَدُّونَ بِرَسُولِ اللّه (صلّى اللّه عليه وآله نَوْطاً، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةٌ شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ وَالْحَكَمُ اللّه، وَالْمَعْوَدُ إِلَيْهِ الْقِيَامَةُ (1).)وَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِبحَ فِي حَجَرَاتِهِ ***وَهَاتِ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلوَهَلُمَّ الْخَطْبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ، وَلا غَرْوَ وَاللّه، فَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِغُ الْعَجَبَ، وَيُكْثِرُ الأَوَدَ! حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللّه مِنْ مِصْبَاحِهِ، وَسَدَّ فَوَّارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ، وَجَدَحُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً،


1) (يا أخا بني أسد) أخو فلان، يعني أنه من تلك القبيلة (إنك لقلق الوضين) شيء يشدّ تحت بطن البعير لبقاء الرحل قوياً مستوياً، وقلقه كناية عن عدم استحكامه (ترسل) أي تقول الكلام (في غير سدد) أي بدون استقامة، وقلق الوضين مثال يقال لمن يتكلم اعتباطاً، بدون ترو، ودون مراعاة محل الكلام. (ولك بعد) أي بعد هذا الذي ذكر من الاضطراب في الكلام (ذمامة الصهر) أي حماية صهر الإنسان، فإنّ الإنسان يراعي حق صهره ويحاميه، فلك الحق في أن أجيبك عن سؤالك، وإن كان في غير مورده، فإنّ الرّجل كان أسدياً، وكانت زوجة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) زينب بنت جحش أسدية. والصهر علقة حاصلة بين أقارب الزوج وأقارب الزوجة (و) لك (حق المسألة) إذ للجاهل أن يسأل من العالم بما يهمّه من أمر دينه ودنياه. (وقد استعلمت) أي طلبت العلم (أمّا الاستبداد) أي استقلال عمر وأبي بكر وعثمان بالخلافة، وانحصارها فيهم (علينا) أي على ضررنا (بهذا المقام) أي الخلافة (ونحن الأعلون نسباً) لانتسابهم إلى عبد المطّلب الذي كان سيّداً عظيماً، وكذلك سائر أفراد أسرتهم (نوطاً) أي تعلقاً (فإنها كانت أثرة) أي اختصاص الشخص بالشيء وعزله عن مستحقه (شدّت عليها نفوس قوم) أي بخلت عن وضع الحق في موضعه، والقوم هم الذين تقدموا على الإمام (وسخت) أي سمحت (عنها نفوس آخرين) أي نفسه الكريمة، فإنَّه سخا بهذا المقام، ليسلبه غيره، حفظاً لبيضة الإسلام (والمعود إليه القيامة) أي أن العود إليه سبحانه في الآخرة، حيث يجزي المثيب ويعاقب المسيء.

فَإِنْ تَرْتَفِعُ عَنَّا وَعَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى، أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ، وَإِنْ تَكُن الأُخْرَى، (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، إِنَّ اللّه عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (1)، (2).)### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في بيان صفة الخالق سبحانه، وابتداعه للمخلوقات)الْحَمْدُ للّه خَالِقِ الْعِبَادِ، وَسَاطِح الْمِهَادِ، وَمُسِيلِ الْوِهَادِ، وَمُخْصِبٍ النّجَادِ. لَيْسَ لأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ، وَلا لأزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءُ، هُوَ الأَوَّلُ لَمْ يَزَل، وَالْبَاقِي بِلَا أَجَلِ. خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ، وَوَحَدَتْهُ الشَّفَاهُ، حَدَّ الأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةٌ لَهُ


1) سورة فاطر، الآية: 8.

2) (ودع عنك نهباً صيح في حجراته) البيت لامرئ القيس وتتمته (وهات حديثاً، ما حديث الرواحل) فإنَّ جماعة نهبوا إبلاً لامرئ القيس فقال له بعض أصدقائه: أعرني راحلتك حتى أركبها والتحق بهم وأسترد الإبل، فأعطاه امرئ القيس راحلته، ولما ذهب الرجل ليأخذ إبل امرئ القيس، أخذ أولئك هذه الراحلة أيضاً منه وردّ خائباً، (وهلّم) أي اذكر (الخطب) أي الأمر العجيب المدهش (في) معاوية (ابن أبي سفيان) وادّعائه الخلافة (فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه) فإنّ الإنسان إذا دهمه أمر حقير، فأثر فيه أثراً كبيراً، يبكي أولاً لما ناله، ثم يرجع فيضحك متعجباً من تفاهة الأمر الذي نابه فأثر فيه ما لم يكن مترقباً (ولا غرو) أي لا عجب (فيا له خطباً) الخطب: الأمر المعجب المدهش و [يا] حرف نداء مناداه محذوف أي يا قوم و[له] عائد إلى المتأخر، أو المعنى [يا للخطب] يعني يا خطب أحضر فهذا وقتك، كما قالوا في [يا للتعجب] (يستفرغ العجب) أي يثير كلاماً لدى الإنسان من تعجب، حتّى يفرغ محل عجب الإنسان، (ويكثر الأود) أي الاعوجاج (حاول القوم إطفاء نور اللّه من مصباحه) وهو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وسد فواره) أي فوّار النور، وهو الثقبة التي يخرج منها النور بشدّة - كفوارة الماء - (من ينبوعه) أي عين النور، فإنّ للنور محلاً للإشعاع كما للماء عين لإخراج الماء (وجدحوا) أي خلطوا (بيني وبينهم شرباً وبيئاً) أي نصيباً من الماء يوجب شربه الوباء، أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك الفتنة التي أججوها، حتى أنّ من وقع فيها أصيب وابتلي، كما يبتلى الشارب للماء الوبيء. (فإن ترتفع عنا وعنهم محن البلوى) المحن جمع محنة، وهي الشدّة، والبلوى الابتلاء، يعني إذا ارتفعت عنا هذه الفتن، بانهزام القوم (أحملهم من الحق على محضه) أي خالصه، فإنّي إنّما أحارب للحق، فإنَّ جاء الأمر بيدي عملت به - بكل دقة وأمانة - (وإن تكن) الواقعة، الخصلة (الأخرى) بأن لم أتمكن من السيطرة عليهم، فلم ينهزموا (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) أي لا تمت غماً من أجلهم، فإنَّ الإنسان إذا اشتد تحسّره وتوجعه لأمر، مات فجأة، والآية تنهي عن ذلك.

مِنْ شَبَهِهَا (1. لا تُقَدِّرُهُ الأوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَالْحَرَكَاتِ، وَلَا بِالْجَوَارِحِ وَالأدَوَاتِ. لا يُقَالُ لَهُ: (مَتَى؟) وَلا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ (بِحَتَّى)، الظَّاهِرُ لا يُقَالُ : (مِمَّا؟) وَالْبَاطِنُ لا يُقَالُ: (فَيمَا ؟) (2)، لا شَبَحٌ فَيَتَقَضَّى، وَلا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الأشْيَاءِ بِالْتِصَاقِ، وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ، لا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ، وَلا كُرُورُ لَفْظَةٍ، وَلا ازْدِلافُ رَبْوَةٍ، وَلا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ، فِي لَيْلٍ دَاجٍ، وَلا غَسَقٍ سَاجٍ (3)، يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ،)


1) (وساطح المهاد) أي الأرض، يقال سطحه بمعنى: بسطه (ومسيل الوهاد) جمع وهدة، وهي المنخفض من الأرض، وتسييل الوهاد إسالة الأمطار فيها - بعلاقة الحال والمحل مثل جري النهر... (ومخصب النّجاد) جمع نجد، وهو: ما ارتفع من الأرض وتخصيبها إنبات النبات فيها ممّا يسبب الخصب والرخاء (ليس لأوليته ابتداء) فكلما تقدم الفكر في طرف الابتداء، كان سبحانه بلا انقطاع له، حتّى يقال أول ابتدائه تعالى ذلك الوقت وإلا لزم الإمكان والحدوث، ويوجب التسلسل أو الدور - كما تقرر في علم المعقول – (ولا لأزليّته انقضاء) أي ليس آخر لبقائه ودوامه، بل هو باق بلا آخر (هو الأول لم يزل) في أوليته (والباقي بلا أجل) أي بدون مدة، بل يبقى بلا آخر. (خرّت) أي سقطت خضوعاً (له الجباه) جمع جبهة، والمراد به السجود له (ووحدته الشفاه) جمع شفة، أي قالت أنه سبحانه واحد لا شريك له (حدّ الأشياء) أي جعل لكلّ شيء من زمان ومكان وكم وكيف. (عند خلقه لها إبانة له) أي تميزاً لنفسه سبحانه (من شبهها) أي من شباهة الأشياء، فهو تعالى لا حد له، والأشياء لها حدود.

2) (لا تقدّره الأوهام) أي الأفكار، بأن تعرف قدره تعالى، وتبين حدوده سبحانه (بالحدود والحركات) بأن تقول الأوهام إن له تعالى كذا من الحدود وكذا من الحركات - وذلك لأنه تعالى لا حركة له ولا حدود - إذ كلا الأمرين يستلزمان الحدوث. (ولا بالجوارح) جمع جارحة، وهي: العضو، فلا عين له سبحانه ولا يد، وهكذا (والأدوات) جمع [أداة] بمعنى [آلة] كالقلب والكبد، والكلية، وما أشبه (لا يقال له متى؟) كان بمعنى الزمان إذ لا زمان له، بل الزمان مخلوق له (ولا يضرب له) تعالى (أمد) ومدّة في بقائه (بحتّى) كان يقال [إنّ اللّه باقي حتى الوقت الفلاني] وذلك لأنه تعالى لا آخر له و [ حتّى] للغاية (الظاهر لا يقال: ممّا؟) فلا يقال من أي شيء ظهر، كما يظهر النّبات من الأرض والجنين من الرحم، فإنَّ ظهوره تعالى ليس من هذا القبيل، بل بمعنى أنه معلوم بآثاره وقدرته وصنائعه (والباطن لا يقال: فيما)؟ فلا يقال في أي شيء بطن، كما يقال بطن الذهب في الصندوق، والإنسان في القبر، فإنَّ كونه باطناً، بمعنى أنه غير ظاهر الكنه، كالشيء الباطن الغائب عن الحواس.

3) (لا شبح) أي جسم كسائر الأجسام (فيتقضى) أي يفنى وينعدم كما تفنى الأجسام (ولا محجوب) أي وراء حجاب جسماني (فيحوى) أي يشمله ذلك الحجاب، كما يشمل الحجاب الإنسان وما أشبهه فإنَّ ذلك من صفات الأجسام، وهو تعالى ليس بجسم (لم يقرب من الأشياء بالتصاق) كما تلتصق الأجسام بعضها ببعض وإنما قربه سبحانه بالعلم والقدرة (ولم يبعد عنها) أي عن الأشياء (بافتراق) بأن يكون بينها مسافة إذ ذلك من صفات الجسم، وإنما بعده بمعنى أنه ليس كمثل الأشياء في الجسم والروح وما أشبه. (لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة) أي امتداد بصر، بدون حركة الجفن، كان أبصر شاخص - أي مسافر - إلى جهة النظر (ولا كرور لفظة) أي رجوعها، ولعلّ التخصيص بذلك لأجل أن رجوع اللفظ إلى الحلق أخف وأيسر من خروجها إلى الخارج، وكرورها جر النفس بقايا اللفظ إلى الداخل (ولا ازدلاف ربوة) ازدلف، بمعنى اقترب والربوة المحل المرتفع من الأرض، يعني وقوع نظر الإنسان إلى أول ربوة بعيدة من الربي، فيمن يسير في الصحراء، فإنَّه حتى مثل هذه النظرة مشمولة لعلم اللّه سبحانه (ولا انبساط خطوة) أي التي يخطوها الإنسان، فإنّ الرجل تنفرج عند الخطوة، سواء كان ذلك (في ليل داج) أي المظلم من دجى بمعنى: أظلم (ولا غسق ساج) الغسق الظلمة، والمراد بها الليل والساجي بمعنى الساكن، ونسبة السكون إلى الليل من باب علاقة الحل والمحل، إذ الساكن ما في الليل، لا الليل بنفسه - إلا بضرب من الاعتبار -.

وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الأُفُولِ وَالْكُرُورِ، وَتَقَلْبِ الأَزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ، مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ، وَإِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ (1. قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَمُدَّةٍ، وَكُلِّ إِحْصَاءٍ وَعِدَّةٍ، تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الأقْدَارِ، وَنِهَايَاتِ الأَقْطَارِ، وَتَأَثّلِ الْمَسَاكِنِ، وَتَمَكَّنِ الأَمَاكِنِ. فَالحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْروبٌ، وَإِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ (2).)


1) (يتفيأ عليه القمر المنير) تفيًا أي نسخ، فإنَّ نور القمر ينسخ سواد الليل وغسقه، ويأخذ مكانه (وتعقبه) أي الغسق أو الليل (الشمس) أي تأتي بعقب الليل، وفي مكانه (ذات النور في الأفول والكرور) أي في كل من الغروب والطلوع، فإنّ الشمس عند غروبها تكون كالشيء يعقب الليل إذ تطرده من تحت الأفق، وكذلك عند طلوعها تعقب الليل إذ تطرده من فوق الأفق. (وتقلب الأزمنة والدهور) عطف على قوله [في ليل داج] أي أنّ جميع الحركات والسكنات معلومة لديه في طول الأزمنة، لا في زمان دون زمان ويحتمل أن يكون [تقلب] بالرفع عطفاً على [شخوص] أي لا يخفى عليه تقلب الأزمنة (من إقبال ليل مقبل) بيان لتقلب الأزمنة والدهور (وإدبار نهار مدبر) فإنَّ كل ذلك مشمول بعلمه سبحانه.

2) (قبل كل غاية) للأشياء (ومدّة) لها، والظاهر أنّ الفرق بينهما هنا، أن الغاية آخر الشيء، والمدة امتداد بقائه. (وكل إحصاء وعدة) أي وتعداد، إذ هو سبحانه قبل الأشياء، فيكن بعددها وتعدادها، الذي هو من الصفات العارضة للأشياء. (تعالى) أي ارتفع سبحانه - ارتفاعاً معنوياً – (عما ينحله المحددون) أي ينسبه إليه تعالى الذين يجعلون له حدوداً (من صفات الأقدار) بيان [ما] وصفات الأقدار، الطول والعرض والعمق والكبر والصغر ممّا تتصف به الأشياء ذات القدر والحدود، فإنه سبحانه بريء من كل ذلك (ونهايات الأقطار) أي آخر الأبعاد الثلاثة، فإنّ ما لا قدر له، لا نهاية له - في جهة من الطول والعرض والعمق – (وتأثل المساكن) أي أنه سبحانه تعالى عن تأصل المسكن أي المساكن المتأصلة فليس له مسكن، لا بد له منه، كما لا بد للإنسان من ذلك، والإتيان بـ[تأثل] بمعنى [تأصل] مع أنه لا مسكن له إطلاقاً لإفادة أن كل شيء له مسكن لا بد وأن يكون متأصلاً في الاحتياج إلى المسكن (وتمكن الأماكن) فإنَّ المكان متمكن بالنسبة إلى ذي المكان، أي أنه لا بد له من المكان (فالحد) كيفاً أو كماً، زماناً أو مكاناً، (لخلقه مضروب) أي أن خلقه متّصف بهذه الصفات لا هو تعالى.

لَمْ يَخْلُقِ الأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولِ أَزَلِيَّةٍ، وَلا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ، وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ، وَلا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ انْتِفَاعٌ عِلْمُهُ بِالأمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالأحْيَاءِ الْبَاقِينَ، وَعِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الأرْضِينَ السُّفْلَى (1.)منها : أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ، وَالْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ، فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ، وَمُضَاعَفَاتِ الأسْتَارِ بُدِئْتَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، وَوُضِعْتَ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ، وَأَجَل مَقْسُومٍ تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لا تُحِيرُ دُعَاءً، وَلا تَسْمَعُ نِدَاءً، ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا، وَلَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا (2. فَمَنْ هَدَاكَ لاجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ نَدْيِ أُمِّكَ، وَعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَإِرَادَتِكَ! هَيْهَاتَ إِنَّ مَنْ يَعْجِرُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ)


1) (لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ولا من أوائل أبدية) بأن كانت أصول الأشياء وموادها، وإنما اللّه سبحانه صورها - كما يقول القائلون بقدم العالم - بل اللّه سبحانه خلق المادة وخلق الصورة. (بل خلق ما خلق) من الأشياء (فأقام حدّه) أي جعل له حدّاً خاصاً به (وصور ما صور) أي أعطاه صورة خاصة، كصورة الإنسان، وصورة الحيوان وما أشبه (ليس لشيء منه امتناع) بل كلما يريد يكون (ولا له بطاعة شيء انتفاع) وإنما الطاعة لانتفاع المخلوقين.

2) (أيها المخلوق السوي) أي المستوي الخلقة، لا نقص فيه، (والمنشأ) أي الذي أنشأ وأبدع (المرعي) الذي رعى وحفظ بحفظه سبحانه وبرعايته تعالى. (ومضاعفات الأستار) أي الأستار التي بعضها فوق بعض وهي الطبقات الثلاثة المذكورة. (بدئت من سلالة من طين) السلالة الخالص من الشيء الذي ينسل - أي يخرج - منه، فإنَّ كل إنسان أصله تراب، ثم ينقلب عشباً، ثم دماً ثم منياً (ووضعت في قرار مكين) هي رحم الأم، فإنَّ المني يستقر فيها، وكونها مكيناً، لأنها ذات تمكن من حفظ النطفة. (إلى قدر معلوم) أي إلى مدة معلومة مقدرة للحمل (وأجل مقسوم) أي نهاية قسمها اللّه سبحانه لهذا الجنين (تمور) أي تضطرب (لا تحير دعاء) أي لا ترد جواب من يدعوك (ولا تسمع نداء) لمن يناديك لعدم قابلية أذن الجنين للسماع (إلى دار لم تشهدها) أي لم ترها قبل ذلك، وهي دار الدنيا (ولم تعرف سبل منافعها) أي الطرق التي تجر المنفعة إليك.

وَالأدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ، وَمِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أبعد (1!)### وَمِن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ لما اجتمع الناس إليه وشكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته عنهم)لما اجتمع الناس إليه وشكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته عنهم واستعتابه لهم، فدخل عليه فقال:إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي وَقَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَوَاللّه مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ، وَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لا تَعْرِفُهُ. إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَتُبَلِّغَكَهُ. وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللّه (صلّى اللّه عليه وآله كَمَا صَحِبْنَا (2)وَمَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَلا ابْنُ الْخَطَابِ أَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ. مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُما، وَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالا (3). فَاللّه اللّه فِي نَفْسِكَ! فَإِنَّكَ -)


1) (لاجترار الغذاء من ثدي أمك)؟ بسبب المص، أليس هذا دليلاً على مدبر حكيم عليم خلقك وهداك إلى ذلك؟ (وعرفك عند الحاجة) إلى شيء من الطعام والإفراغ (مواضع طلبك وإرادتك) فتمص الثدي دون غيره، وتبكي إذا أردت ذلك؟ وهكذا من عرفك الإفراغ لدى الحاجة (هيهات) كلمة تستعمل لاستبعاد الأمر، والمراد هنا استبعاد أن يفهم الإنسان كنه الخالق (إن من يعجز عن صفات ذي الهيئة والأدوات) أي ذي الشكل والجوارح، وهو الإنسان. (فهو عن صفات خالقه أعجز) لأن الخلق إذا كان مع وضوحه متعذر الوصف وبلوغ الكنه، فالخالق لغموضه أبعد فهماً، وأغمض إدراكاً ووصفاً (ومن تناوله) أي يتناوله الإنسان، بمعنى يدركه (بحدود المخلوقين) فيظن أنه محدود بالكم والكيف والزمان والمكان (أبعد) عن الفهم والإدراك.

2) يا عثمان (إنّ النّاس ورائي) أي خلفي في المدينة (وقد استسفروني) أي جعلوني سفيراً (ما سبقناك إلى شيء) بأن أخذناه دونك (فنخبرك عنه) لتعرفه (ولا خلونا بشيء) من أمر الدين الواجب على كافة المسلمين - (فنبلغكه) أي نبين لك ذلك الشيء.

3) (وأنت أقرب إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وشيجة) أي اشتباك (رحم) وقرابة (منهما) أي من عمر وأبي بكر (وقد نلت من صهره) أي مصاهرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ما لم ينالا) فقد تزوج عثمان بابنتي الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) رقية، وأم كلثوم.

وَاللّه - مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمِّى وَلا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ، وَإِنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ، وَإِنَّ أَعْلامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ. فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللّه عِنْدَ اللّه إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَهَدَى، فَأَقَامَ سُنَّةٌ مَعْلُومَةٌ، وَأَمَاتَ بِدْعَةٌ مَجْهُولَة (1. وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيرَةٌ، لَهَا أَعْلامٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ، لَهَا أَعْلامٌ. وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللّه إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةٌ مَأْخُوذَةٌ، وَأَحْيَى بِدْعَةٌ مَتْرُوكَةٌ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يَقُولُ: [يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالإِمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلا عَاذِرٌ، فَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا] (2). وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللّه أَنْ لا تَكُونَ إِمَامَ هذِهِ الأُمَّةِ الْمَقْتُولَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ: يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ، وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا، وَيَبُثُ الْفِتَنَ فِيهَا، فَلا يُبْصِرُونَ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً، وَيَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً. فَلا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلالِ السِّنِّ وَتَقَضِّي الْعُمُرِ (3).)


1) (فـ) اذكر (اللّه اللّه في) جهة (نفسك) لا تعرضها للهلكة في الدنيا والعقوبة في الآخرة. (فإنّك - واللّه ما تبصر من عمى) أي إذا قال لك شخص وجه الخلاص من هذه المشكلة، لم يكن ذلك شيئاً لا تعرفه، فأنت أعرف بمظالمك عند الناس (ولا تعلم من جهل) بأن لا تعلم سبب نقمة الناس، ثمّ تعرفه بمقالة قائل (وإن الطرق لواضحة) أي طرق الإسلام، والمراد أحكامه (وإن أعلام الدِّين لقائمة) أعلام الدّين، ما يدلّ على أحكامه، كما أن أعلام الطريق تدلّ على الطريق المنجح الموصل. (فاعلم أنّ أفضل عباد اللّه، عند اللّه إمام عادل) يعدل بين الناس (هدي) إلى الحق، بأن تعلمه (وهدى) النّاس إليه (فأقام سنة معلومة) بأن عمل بها ونشرها بين الناس (وأمات بدعة مجهولة) أي لا يعرفها الشرع، ولا يعترف بها.

2) (ضلّ) عن الطريق (وضل به) أي ضل الناس بسببه لأنه نشر البدع فأخذ بها الناس (فامات سنة مأخوذة) قد أخذها الناس وعملوا بها (وأحيا بدعة متروكة) عند المسلمين (ثم يرتبط في قعرها) أي يشد في الطبقة السفلى من جهنم.

3) (وإنّي أنشدك اللّه) أي أقسمك باللّه (أن لا) تفعل ما بسببه (تكون إمام هذه الأمة المقتول) الذي يفتح على المسلمين الصراع والقتال. (ويلبس) ذلك القتل (أمورها عليها) فلا يعرفون الحق من الباطل (ويبث) أي ينشر (الفتن فيها) كفتنة الجمل وصفين والخوارج وغيرها (فلا يبصرون الحقِّ من الباطل) وذلك لإلقاء الطامعين الفتن والقلاقل بين النّاس. (يموجون فيها) كما يموج البحر، والضمير عائد إلى الفتنة (موجاً) مصدر للتأكيد (ويمرجون فيها مرجاً) أي يخلطون بين الحق والباطل في تلك الفتنة (فلا تكوننّ لمروان سيقة) هو ما استاقه العدو من الدواب، وقد كان مروان - ابن طريد رسول اللّه - مستشاراً لعثمان وكان أحمق منافقاً، عابد شهوة وفجور، وهو الذي أشعل الفتنة، حتّى استبد بالأمر، وكان عثمان ملكه زمام الدولة في الواقع، فأردى المسلمين بهذا المهوى السحيق (يسوقك حيث شاء بعد جلال السنّ) أي تقدمه (وتقضي العمر) أي انقضائه.

فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: [كَلِّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُوَجِّلُونِي، حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهم.)فَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ : مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلا أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ (1).)


1) (في أن يؤجّلوني) أي يمهلوني مدّة (حتّى أخرج إليهم من مظالمهم) وأرفع الظلم عنهم. (ما كان) من المظالم (بالمدينة) كالحمى، وحبس أموال المسلمين ونحوهما (فلا أجل فيه) لأنك تقدر أن تنفذ الأمر في ظرف يوم (وما غاب) عن المدينة، كالمظالم بالأمصار (فأجله وصول أمرك إليه) والآن تتمكن من إرسال الرسل لرد مظالم الناس في الآفاق.

نهج البلاغةآية اللّه العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي«قدس سره»### وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في بيان صفات المتقين وصفات الفسّاق)عِبَادَ اللّه، إِنَّ مِنْ أَحَبٌ عِبَادِ اللّه إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللّه عَلَى نَفْسِهِ، فَاسْتَشْعَرَ الْحُزنَ، وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ، وَأَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ

النَّازِلِ بِهِ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ، وَهَوَّنَ الشَّدِيدَ (1. نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ، وَارْتَوَى مِنْ عَذَبٍ فُرَاتٍ سُهُلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهَلاً، وَسَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً (2). قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ، وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ، إلاّ هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى، وَمُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى، وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحٍ أَبْوَابِ الهُدى وَمَغَالِيقِ أبوابِ الرَّدَى (3). قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُ، وَعَرَفَ مَنَارَهُ، وَقَطَعَ غِمَارَهُ، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا، وَمِنَ


1) (عبداً أعانه اللّه على نفسه) بأن كان مسلّطاً على النفس، يقودها حيث مراضي اللّه وليس معنى إعانة اللّه جبره سبحانه، بل توفيقه الخاص الذي يتوقف على المجاهدة قبلا كما قال سبحانه: (وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69] (فاستشعر الحزن) أي جعل الحزن شعاراً لنفسه والشعار هو اللباس اللاصق بالبدن سمّي بذلك لاتصاله بالشعر، يعني أنه حزين دائماً، لما يعلم من صعوبة المستقبل والموقف في الآخرة (وتجلبب الخوف) أي جعل الخوف من الأهوال المستقبلة في الآخرة جلباباً له، والجلباب هو الثوب الساتر الذي يكون فوق جميع الثياب (فزهر) أي أضاء (وأعدّ القرى) هو ما يهيّأ للضيف والمراد به العمل الصالح (ليومه النّازل به) وهو يوم الموت أو يوم الآخرة (فقرّب على نفسه البعيد) الذي هو الموت، فهو يراه قريباً يستعد له (وهوّن الشديد) أي الأعمال الشديدة الموجبة لنجاته فإنّه يراها هيّئة لما يعلم من حسن عاقبتها.

2) (نظر فأبصر) لا يعمى عن المصلحة والمفسدة حيث إنّ النّاس يخلطون بين الحق والباطل - فكأنهم غير مبصرين - (وذكر فاستكثر) أي ذكر ذكراً كثيراً، أو استكثر من العمل الصالح (من عذب فرات) والمراد به العلوم الصالحة لأنه شبيه بالماء العذب السائل الذي يتلذذ الإنسان بشربه وتكون له عقبى محمودة (سهلت له موارده) جمع مورد وهو محلّ الورود في الماء، فإنّ الإنسان الذي يبتغي الحق يسهل عليه التمسك بالأحكام وتعلم شرائع الإسلام بينما يصعب ذلك على غيره (فشرب نهلاً) النهل هو الشّرب الأول، يعني أنه ارتوى بشربه الأول، فلم يحتج إلى تكرار الشرب (وسلك سبيلاً جدداً) هي الأرض الصلبة المستوية التي يسهل السلوك فيها فإنَّ جادة الشرع واضحة قويمة.

3) (قد خلع) أي طرح من رأسه (سرابيل الشهوات) جمع سربال وهو الثوب (وتخلى من الهموم) التي اشتغل بها أهل الدنيا (إلا هما واحداً انفرد به) وهو هم الآخرة (فخرج من صفة العمى) فإنَّ الإنسان الذي لا يميز بين الحق والباطل والحرام والحلال هو والأعمى سواء في عدم رؤية الأشياء، ومشاركة أهل الهوى لا يشاركهم في ارتكاب المحظورات لمجرد هوى نفسه (وصار من مفاتيح أبواب الهدى) فكأن الهدى بيت له باب إذا أريد دخوله لزم فتحه بالمفتاح الذي هو هذا الإنسان المتّقي (ومغاليق) جمع مغلاق وهو ضد مفتاح (أبواب الردى) أي الهلاك، لأنّه يسدّ على النّاس الفساد والشر، فهو كالمغلاق.

الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ اللّه - سُبْحَانَهُ - فِي أَرْفَع الأُمُور مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَاردٍ عَلَيْهِ، وَتَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ (1). مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ، كَشَّافُ عَشَواتِ مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ، دَفَّاعُ مُعْضِلاتٍ، دَلِيلُ فَلَوَاتٍ، يَقُولُ فَيُفْهِمُ، وَيَسْكُتُ فَيَسْلَمُ (2). قَدْ أَخْلَصَ للّه فَاسْتَخْلَصَهُ فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ، وَأَوْتَادِ أَرْضِهِ (3). قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ، فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْى الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ، يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ، لا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةٌ إلا أَمَّهَا، وَلا مَظَنَّةٌ إلا قَصَدَهَا، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ، فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ، يَحُلُّ حَيْثُ حَل ثَقَلُهُ، وَيَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ (4). وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالَماً وَلَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ


1) (قد أبصر طريقه) المؤدّي به إلى الجنّة (وسلك سبيله) لأنه يسلك نفس ذلك السبيل بخلاف من يعلم ويفعل خلاف ما يعلم فإنّه أبصر الطريق لكنه تنكب السبيل (وعرف مناره) هو المحل الذي ينصب في الطريق ويجعل عليه النور ليلاً ليهتدي المارة به (وقطع غماره) جمع غمر - بالفتح - وهو معظم البحر، يعني أنه عبر بحار المهالك إلى سواحل النجاة (واستمسك من العرى بأوثقها) عرى جمع عروة، فقد شبّه الإسلام بكوز ذي عرى إذا تمسك الإنسان بإحداها تمكن من الشرب منه، وأوثق تلك العرى عروة التقوى (ومن الحبال بأمتنها) وأقوى الحبال هو حبل التقوى (قد نصب نفسه للّه سبحانه في أرفع الأمور) فإنَّ الإنسان إذا التزم جادة الشرع وجد واجتهد عرف الأحكام وفهم طرق الإسلام فهو لقربه منه سبحانه واحتوائه لأحكامه كالمقرب عند الملك الذي له مكانة رفيعة عنده (من إصدار كلّ وارد عليه) يعني أنه إذا ورد عليه مسألة من مسائل الدين يتمكن من الجواب عنها جواباً صحيحاً فيصدر السؤال بعد أن ورد عليه (وتصيير كل فرع إلى أصله) لأنه يعرف أصول الإسلام وفروعه فإذا سئل عن فرع تمكن من إرجاعه إلى أصله، لا إلى غير أصله.

2) (مصباح ظلمات) إذ ظلمات الجهل تنكشف بسببه (كشاف عشوات) جمع عشوة وهي سوء البصر، أي أنه يكشف عن أصحاب العشوات الظلمات التي في أبصارهم (مفتاح مبهمات) التي أبهمت وأشكلت فإنَّه يفسرها ويبينها ويظهرها (دفاع معضلات) جمع معضلة وهي المشكلة التي يصعب حلها (دليل فلوات) جمع فلاة وهي الصحراء الواسعة، فالإنسان المتقي يرشد الناس إلى طريق الحق في متاهات الحياة (يقول) الجواب، أو الحكم (فيفهم) المخاطب، لوضوح بيانه (ويسكت) فيما كان الجواب موجباً لمضرة، أو التكلم موجباً لشرّ (فيسلم) من عواقب الكلام.

3) (فاستخلصه) بأن أولاه عنايته ولطفه وجعله من خاصته (فهو من معادن دينه) فكما أن معدن الذهب محله كذلك هذا الإنسان محل الدين، إذ هو العالم به (وأوتاد أرضه) فإنّ الأرض إنما تكون موضع رحمة اللّه بواسطة الأخيار، فهم كالوتد الحافظ لألواح الخشبة بعضها مع بعض.

4) (قد الزم نفسه العدل) أي بأن يعدل في جميع الأمور (فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه) أي لا ينساق وراء الأهواء (يصف الحق) أي يبين ما هو الحق من الأشياء (ويعمل به) لا أنه يأمر الناس بالبر وينسى نفسه (لا يدع للخير غاية إلّا أمّها) أي قصدها أي أنه يقصد نهاية كل خير مثلاً نهاية الخير في باب الصلوات، أن يأتي بالنوافل (ولا مظنة إلّا قصدها) مثلاً يظن أن هذا الشخص فقير وفي إعانته مثوبة، فيعطيه وهكذا قد أمكن الكتاب من زمامه هذا كناية عن اتباعه للكتاب الحكيم (حيث حلّ ثقله) وثقل القرآن أوامره وزواجره، يعني أن هذا الشخص يتبع القرآن في كل حكم (حيث كان منزله) أي منزل القرآن، وفيه استعارة لطيفة (فاقتبس) أي أخذ (جهائل) جمع جهالة، والمراد ما ظنه علماً وهو في الحقيقة جهل (من جهّال) لأنهم لو كانوا علماء لم يعطوا الجهل باسم العلم (وأضاليل) أي ضلالات، وهي ما ظن أنها هدايات وليست كذلك (من ضلال) من أناس ضالين ولولا أنهم ضالون لم يعطوا الضلالات (ونصب للناس أشراكاً) هو الحبالة التي يصاد بها الطير والسمك ونحوهما (من حبائل غرور) فكأنّ للخدعة حبالات تنظم حتى تكون أشراكاً (وقول زور) أي الكذب، فقد نظم أموره المكذوبة والمزورة لصيد الناس وجعلهم من حفدته ومراجعيه (قد حمل الكتاب) أي القرآن الحكيم (على آرائه فمثلاً يحمل قوله تعالى (إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة : 23] على أن اللّه سبحانه قابل للرؤية بالبصر، وهكذا (وعطف الحقِّ) أي أماله (على أهوائه) فكلما اشتهاه قال إنه الحق وأخذ يستدل لذلك.

جَهَائِلَ مِنْ جُهَالٍ، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلالٍ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْراكاً مِنْ حَبَائِلٍ غُرُورٍ، وَقَوْلِ زَورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ العَظائم، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ : أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَفِيهَا وَقَعَ، وَيَقُولُ : أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ، وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانِ لا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ وَذلِكَ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ (1)(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) (وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)! وَالأعْلامُ قَائِمَةٌ، وَالآياتُ وَاضِحَةٌ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ، فَأَيْنَ يُنَاهُ بِكُمْ بَلْ كَيْفَ تَعْمَهُونَ


1) (يؤمن الناس من العظائم) فيقول إن هذه الذنوب لا خوف منها (ويهوّن كبير الجرائم أي المعاصي الكبيرة، فيجعلها هيئة لا أهمية لها، ولا إثم عظيم في فعلها (يقول) بلسانه لخداع الناس (أقف عند الشبهات) ليزكّي نفسه ويُري الناس شدة ورعه حتى أنه يقف عند الأمور المشتبهة ولا يعمل بها احتياطاً (وفيها وقع) في تلك الشهوات، إذ ليس له احتياط وارعواء وتقوى (اعتزل البدع) التي تجددت ممّا ليست من الدين ونسبت إليه لتزكية نفسه (وبينها اضطجع) أي نام كناية عن انغماره فيها (فالصورة صورة إنسان) في الخلقة (والقلب قلب حيوان) لا يدرك ولا يفهم (وذلك ميت الأحياء) لأنه حيّ بدناً ميت روحاً (فأين تذهبون) أيها النّاس في ترككم الحق واتباعكم الباطل (وأنّى تؤفكون) أفك بمعنى انصرف، أي إلى أين تنصرفون عن الحق (والأعلام قائمة) والمراد أعلام الحق التي يُستدل بها عليه.

وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيكُمْ! وَهُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ، وَأَعْلامُ الدِّينِ، وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ ! فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ (1).)أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوهَا عَنْ خَانَم النَّبِيِّينَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ : (إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَلَيْسَ بِمَيِّتٍ وَيَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَلَيْسَ بِبَالٍ) فَلا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ، وَأَعْذِرُوا مَنْ لا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ - وَهُوَ أَنَا (2)-، أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَل الأكْبَرِ! وَأَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الأَصْغَرَ! قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الإِيمَان، وَوَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ، وَأَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي، وَفَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي، وَأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الأَخْلاقِ مِنْ نَفْسِي، فَلا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لا يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ، وَلا تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ (3).)


1) (والمنار) وهو المحل الذي يوضع عليه المصباح ليلاً للاهتداء نحو الطريق، والمراد به هنا الجنس (فأين يتاه بكم) أي إلى أين يذهب الشيطان بكم منحرفاً عن الجادة (بل كيف تعمهون) من العمه وهو أشد العمى (بينكم عترة نبيكم) أي أهله وذرّيته الذين هم خلفاؤه والقائمون مقامه (وهم أزمة الحق) جمع زمام، وهو الشيء الذي يقاد به الحيوان فكأنهم أزمة للحق لقود الناس إلى السعادة (فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن) أحسن منازل القرآن هو القلب، والمراد حبّ أهل البيت وتقديرهم كما يقدر القرآن ويحترم، أو المراد بأحسن ما أنزلهم القرآن حيث قال: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى: 23] (وردوهم) أي اغترفوا من بحار علومهم (الهيم العطاش) الهيم جمع هائم وهي الإبل الشديدة العطش وعطاش جمع عطشان.

2) (أيها النّاس خذوها) أي خذوا هذه الجملة التي تأتي (وليس بميّت) لبقاء آثاره، وإشعاع روحه الطاهرة من عالم الآخرة إلى عالم الدنيا (ويبلى من بلي منا) أي يفقد شخصه ويدفن تحت التراب (وليس ببال) لبقاء ذكره الجميل (فإنّ أكثر الحق فيما تنكرون) ومن كان لا يعرف أكثر الحق كيف يحق له أن يتكلم من عند نفسه بـ[ تنكرون] إما [تجهلون] بقرينة [لا تعرفون] كما هو الظاهر، وإما بمعنى [تخالفون] من الإنكار، وهذا لأن الحقائق الكونية الشرعية وغيرها خافية على غالب النّاس، ويظنون خلافها (من لا حجّة لكم عليه) أي لا دليل لكم على أنّه أخطأ.

3) (بالثّقل الأكبر) الثقل هو المتاع النفيس، وهذا إشارة إلى قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): [إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي] (وسائل الشيعة : ج 18 ص 19) وإنما كان القرآن الثقل الأكبر، لأنه عبارة عن مجموع الأحكام الإلهية التي منها مسألة الإمامة (وأترك فيكم الثّقل الأصغر) فإنّ الإمام قد خلف الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (قد ركزت) أي أثبت (فيكم راية الإيمان) ببيان أصول الإسلام وشرح عقائده (والبستكم العافية من عدلي) فأنتم في عافية من الظَّلم (وفرشتكم) أي بسطت لكم (المعروف من قولي وفعلي) فإنّهما كانا من المعروف الذي

ومنها : حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا، وَتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا، وَلا يُرْفَعُ عَنْ هذِهِ الأُمَّةِ سَوْطُهَا وَسَيْفُهَا، وَكَذَبَ الظَّانُ لِذَلِكَ. بَلْ هِيَ مَجّةٌ مِنْ لَذِيذ الْعَيْشِ يَتَطَمَّمُونَهَا بُرْهَةً، ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةٌ (1!)### وَمِنْ خُطبَة لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ وقد ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها ما يسبب هلاك الناس)أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللّه لَمْ يَقْسِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلا بَعْدَ تَمْهِيلِ وَرَخَاءِ، وَلَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ إِلا بَعْدَ أَزْلٍ وَبَلاءِ، وَفِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ وَمَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ! وَمَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ، وَلَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ، وَلا كُلُّ نَاظِرِ بِبَصِيرٍ (2. فَيَا عَجَباً! وَمَا لِيَ لا أَعْجَبُ مِنْ خَطَا هَذِهِ الْفِرَقِ عَلى)يستريح الإنسان تحت لوائه (فلا تستعملوا الرأي والقياس في الأحكام الشرعية - بدون اتباع الكتاب والعترة – (فيما لا يدرك قعره البصر) فإنّ الأحكام لا ينال البصر مغزاها (ولا تتغلغل) أي لا تدخل (إليه الفكر) إذ العين والفكر قاصران عن معرفة الحياة حتى يتمكنا من معرفة أحكام اللّه المقرّرة لكلّ جزئي من جزئيات الحياة الوسيعة.)


1) (حتّى يظنّ الظَّان) أي الذي يظنّ خطاً (أنّ الدّنيا معقولة) من العقال وهو شد ركبة البعير - كناية عن استقرارها – (على بني أمية) لا تتجاوز عنهم (تمنحهم درّها) أي لبنها (وتوردهم) أي أنّ الدنيا إذا أرادت سقي بني أمية توردهم (صفوها) أي المحل الصافي من الماء (لا يرفع عن هذه الأمة سوطها وسيفها) كناية عن حكومتهم، فهم دائمو الحكومة والسلطة على النّاس (وكذب الظَّانّ لذلك) أي دوام ملك بني أمية (مجة) هي نقطة العسل، أو من مج الشراب إذا قذفه من فيه (من لذيذ العيش) وقد شبّه بالمجّة تحقيراً لها وتشبيهاً لقصر مدّتها (يتطعمونها برهة) أي زماناً قصيراً (ثمّ يلفظونها) أي يتركونها (جملة) فلا يبقى في أيديهم شيء منها.

2) (أما بعد) والأصل مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة (فإن اللّه لم يقصم جباري دهر قطّ) قصمه بمعنى كسر ظهره، والمراد إبادة الجبارين (إلا بعد تمهيل) بأن أمهلهم مدة يتمكنون فيها من الإنابة والرجوع (ولم يجبر عظم أحد من الأمم) بأن رفعهم بعد ضعفهم وأنعشهم بعد ذلّهم وهوانهم وقد كنّى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك بجبر العظم (إلا بعد أزل وبلاء) الأزل: الشدة، أي أن الشدة توجب الإنعاش فإنّ بعد العسر يسراً (وفي دون) أي في أقل من (ما استقبلتم من عتب) أي عتب الزمان وإذلاله لكم (وما استدبرتم من خطب) أي ما مر بكم من الأحداث الجسيمة، والخطب هو الأمر العظيم كالرزية والمصيبة (وما كلّ ذي قلب بلبيب) أي أن ليس كل إنسان بعاقل، فكونوا أنتم عقلاء فيما يجب عليكم من النّهضة والقيام (ولا كلّ ذي سمع) أي بواع لما يسمع ليعتبر به، أو بمعنى أنّه يمكن أن يكون أصم (ولا كلّ ناظر) أي عين (ببصير) بأحد المعنيين السابقين.

اختِلافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا ! لا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ، وَلا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ، وَلا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ (1، يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ مَا عَرَفُوا، وَالْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا، مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلاتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَتَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُبْهَماتِ عَلَى آرَائِهِمْ، كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرِّى ثِقَاتٍ، وَأَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ (2).)وَمِنْ خُطبَة (عَلَيهِ السَّلَامُ حول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) واتباعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏))أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَاعْتِزَامِ مِنَ الْفِتَنِ، وَانْتِشَارٍ مِنَ الأُمُورِ، وَتَلَظِّ مِنَ الْحُرُوب (3، وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ،)


1) (من خطأ هذه الفرق) فقد تولدت في زمان الإمام فرق دينية كل يدعي أنّه المحبوب عند اللّه سبحانه المتبع لأمره ونهيه من خوارج، وعثمانية، ومحايدة، وصوفية، وما أشبه (على اختلاف حججها في دينها) فلكل حجة مزعومة لعمله بطريقته الخاصة به (لا يقتصّون أثر نبي) لأنهم لو تمسكوا بأقوال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) التي منها [علي مع الحق والحق مع علي] لم يختلف منهم اثنان (ولا يقتدون بعمل وصيّ) فلو لم تكن أقوال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ولو كان اللازم اتباع الوصي (ولا يؤمنون بغيب) فإنّهم لو آمنوا باللّه واليوم الآخر، كان إيمانهم زاجراً لهم عن اتباع الميول والأهواء (ولا يعفون عن عيب) أي لا يكفون عن عيوبهم.

2) (يعملون في الشبهات) أي الأمور المشتبهة التي لا يعلم حلّها من حرامها وحقها من باطلها (ويسيرون في الشّهوات) أي ميولهم وأهوائهم بلا مراعاة للشريعة (المعروف عندهم ما عرفوا) وإن كان مخالفاً للحق (والمنكر عندهم ما أنكروا) وإن كان موافقاً للحق (مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم) والمراد أنهم لا يرجعون إلى الإمام في حل مشاكلهم (وتعويلهم) أي اعتمادهم (في المبهمات) أي الأمور المبهمة الخفية (بعرى ثقات) فهو قد تمسك بعروة نفسه، ووثق بذاته (وأسباب محكمات) فكأن الحبل الذي تمسك به ممّا ينتهي إلى نفسه حبل محكم لا انقطاع له.

3) (على حين فترة من الرّسل) الفترة الفاصلة بين الشيئين، فقد جاء الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد ما انقضى عن رسالة عيسى حوالي خمسمائة سنة، لا كأنبياء بني إسرائيل الذين أرسلوا تباعاً (وطول هجعة من الأمم) كأن الأمم كانت نائمة عن المعارف الحقة والمعلومات الإلهيّة (واعتزام) أي غلبة (من الفتن) فإنّ الفتنة تقوم كلّما تقلص الدين من النفوس (وانتشار من الأمور) فإنّ كل أمر له نظام واقعي يبينه الدين فإذا ذهب الدين انتشر الأمر بين أهواء النّاس، مثلاً الدين يقرّر أن مهر السنّة خمسمائة درهم، أما إذا لم يكن دين فقانون يغالي فيه إلى حدود مدهشة، وقانون يخفض منه إلى حدود زهيدة وهكذا و(تلظّ من الحروب) تلظت الحرب، أي اشتعلت والتهبت، وكلّما بعد الناس عن الدين كثرت الحروب.

ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَاغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا (1، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلامُ الرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهَّمَةٌ لأَهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا.)ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ، وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ، وَدِثَارُهَا السَّيْفُ (2. فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللّه، وَاذْكُرُوا تِيكَ الَّتي آبَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ بِهَا مَرْتَهَنُونَ، وَعَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ. وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلا بِهِمُ الْعُهُودُ وَلا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الأَحْقَابُ وَالْقُرُونُ وَمَا أَنْتُمُ الْيَومَ مِنْ يَوْمٍ كُنْتُمْ فِي أَصْلابِهِمْ بِبَعِيدٍ (3). وَاللّه مَا أَسْمَعَهُمُ الرَّسُولُ شَيْئاً إِلَّا وَهَا أَنَا ذَا الْيَوْمَ مُسْمِعُكُمُوهُ، وَمَا أَسْمَاعُكُمُ)


1) (والدنيا كاسفة النور) فإذا فقد الدين لم يكن للدنيا نور (ظاهرة الغرور) الناس مخدوعون بها (على حين اصفرار من ورقها) فالدنيا كالشجرة إذا كانت مع دين كانت مخضرة للنشاط والحياة والصحة التي يولدها الدين فيها، وإلا كانت بالعكس (وإياس من ثمرها) فإنّ الدنيا إذا كانت مضطربة لا تثمر الثّمر المطلوب منها من التقدّم والأمن والرخاء (واغورار من مائها) كناية عن عدم النضارة والبهجة.

2) (قد درست) أي خلقت وبليت (منار الهدى) المنار المحلّ الذي يوضع عليه المصباح، ليري الإنسان طريقه في الليل وظهرت أعلام الرّدى) أي رايات الضّلالة الموجبة للهلاك والشقاء متجهمة لأهلها من تجهم بمعنى استقبله بوجه عابس كريه (عابسة) أي قابضة اشمئزازاً (في وجه طالبها) لا تسعد الطالب ولا تفي بما يريد الإنسان من الخير والسعادة (ثمرها الفتنة) فإنّ المناهج إذا انحرفت - وذلك من جراء عدم وجود الأنبياء وتسلّط الجبارين - كثرت الفتن والاضطرابات (وطعامها الجيفة) فقد كانوا يأكلون الجيف لقلة أرزاقهم وشعارها الخوف) أي كان النّاس يخاف بعضهم من بعض، والشعار هو الثّوب اللاصق بالشعر من الجلد - ومنه سمي شعاراً - (ودثارها السيف) الدثار هو الثّوب الذي يلبس فوق الشعار، والمجتمع إذا كان خائفا كان يحمل السلاح وقاية لنفسه من الأعداء.

3) (فاعتبروا) أي خذوا العبرة (واذكروا تيك) الأعمال السيئة والعقائد الباطلة (التي آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون) فإنّهم رهائن أعمالهم (ولعمري) هذا حلف بنفسه الشريفة (ما تقادمت بكم ولا بهم) بالآباء والإخوان (العهود) فإنّكم تذكرون عهد ما قبل الرّسالة والفجائع التي كنتم تعانون منها وكان آباؤكم جميعاً فيها (ولا خلت) أي لم تمض من خلا بمعنى مضى (فيما بينكم وبينهم) أي بين الآباء والإخوان (الأحقاب) جمع حقب ثمانون سنة أو أكثر (والقرون) القرن هو مدة جيل واحد، فقالوا مائة، وقالوا أقل (وما أنتم اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد) وإنّما الفصل أقل من خمسين سنة، وأصلاب جمع صلب وهو العظم الذي في ظهر الإنسان، وهو محل مني الرّجل.

الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِهِمْ بِالأمْسِ، وَلا شُقَّتْ لَهُمُ الأَبْصَارُ، وَلا جُعِلَتْ لَهُمُ الأَفْئِدَةُ في ذلِكَ الأوان، إلا وَقَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ (1. وَاللّه مَا بُصَرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ، وَلا أُصْفِيتُمْ بِهِ وَحُرِمُوهُ، وَلَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلاً خِطَامُهَا، رِخْواً بِطَانُهَا، فَلا يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ، فَإِنَّمَا هُوَ ظِلُّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ (2).)### وَمِن خُطبة لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ مشتملة وهي على أوصاف اللّه سبحانه، وعظيم مخلوقاته)الْحَمْدُ للّه الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَالْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً، إِذْ لا سَمَاءً ذَاتُ أَبْرَاجِ، وَلا حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاجِ، وَلا لَيْلٌ دَاجٍ، وَلا بَحْرُ سَاجٍ، وَلا جَبَلٌ ذُو فِجَاجٍ، وَلا فَجٌ ذُو اعْوِجَاجِ، وَلا أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادٍ، وَلا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادِ (3: ذلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ وَوَارِثُهُ، وَإِلَهُ الْخَلْقِ وَرَازِقُهُ)


1) (واللّه ما أسمعهم) أي الآباء والإخوان الذين عاصروا قبل الرّسالة وحين الرسالة ورأوا الزمانين (الرّسول شيئاً) من الحكم والأحكام والمواعظ (ولا شقّت لهم الأبصار) حيث أن البصر محاط بالوجه الممتدّ، فكأنه قد شقّ في وسط شيء مستو (ولا جعلت لهم الأفئدة) جمع فؤاد وهو القلب في ذلك الأوان أي أوان حياة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ألا وقد أعطيتم مثلها في هذا الزمان) فأنتم وإياهم سواء في وجوب العمل.

2) (واللّه ما بصرتم بعدهم) أي بعد أصحاب الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (شيئاً جهلوه) حتى يكون عذركم في عدم العمل أنهم إنما عملوا لأنهم جهلوا عفو اللّه وغفرانه - مثلاً - وأنتم عالمون بذلك فتعلمون أنّه لا أهمية للعمل (ولا أصفيتم به وحرموه) بأن يكون سبب عدم عملكم أنكم مخصوصون بأمر ينجيكم، ممّا لم يكن لأولئك ذلك الأمر (لقد نزلت بكم البلية) أي المصيبة وهي التفرّق والتشتت والفتن (جائلاً) من الجولان وهو الحركة (خطامها) هو ما يجعل في أنف البعير ليقاد به، وهذا كناية عن الاضطراب وعدم الاستقرار (رخواً بطانها) البطان حزام يجعل تحت بطن البعير، ليستقرّ القتب فوق ظهره، فإذا كان رخواً القى الرّاكب غثاً وإرهاقاً (فلا يغرنكم ما أصبح فيه أهل الغرور) أي لا يخدعكم عن الإيمان والعمل الصالح ما ترون من نعمة أهل الدنيا (ظلّ ممدود) لا حقيقة له ولا بقاء بل (إلى أجل معدود) قد عدّت فترة بقائها، ثم تزول بموتهم، أو زوال نعمتهم.

3) (المعروف من غير رؤية) معروف لدى عباده بآثاره وإن لم يره أحد. (من غير روية) بدون تروّ وتفكر وإمعان نظر (قائماً دائماً) فلم يخل منه وقت وكان قائماً منذ الأزل، أي عالماً قادراً حياً من غير نوم ولا كسل وما أشبه (إذ لا سماء ذات أبراج) جمع برج، وهو القطعة من السّماء التي تظهر (ولا حجب ذات إرتاج) جمع رتج وهو الباب العظيم، والمراد بالحجب - وهو جمع حجاب - ما جعله اللّه سبحانه من الحجب على العرش، كالملوك الذين يجعلون الحجب من دون سريرهم، وإن كان اللّه سبحانه ليس جسماً، وإنّما هو للتشريف والعظمة ولا ليل داج بمعنى مظلم (ولا بحر ساج) بمعنى ساكن (ولا جبل نو فجاج) جمع فج، وهو الطريق في الجبل (ولا فج) أي طريق (ذو اعوجاج) فإنَّ الطَّريق في الجبل غالباً يكون ذو التواءات واعوجاجات (ولا أرض ذات مهاد أي ممهدة وقابلة للسكن (ولا خلق ذو اعتماد) أي ذو قصد وإرادة يعتمد عليها في أعماله، أو استناد إلى محل.

وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ دَائِبَانِ فِي مَرْضَاتِهِ : يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ، وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ (1.)قَسّمَ أَرْزَاقَهُمْ، وَأَحْصَى آثَارَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ، وَعَدَدَ أَنْفَاسِهِمْ، وَخَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ، وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ، وَمُسْتَقَرَّهُمْ وَمُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الأَرْحَامِ وَالظُّهُورِ، إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ (2.)هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَاتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لأوْلِيَاتِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ، قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ، وَمُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ، وَمُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ وَغَالِبُ مَنْ عَادَاهُ. وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ، وَمَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ، وَمَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ (3. عِبَادَ اللّه، زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا،)


1) (مبتدع الخلق) الذي خلقهم ابتداء بدون مثال واحتذاء ما سبق من الأمثال (ووارثه) لأن الخلق يفنى ويبقى اللّه سبحانه مالكاً لما يبقى منهم (والشمس والقمر دائبان) أي متحركان بحركة مستمرة بلا توقف في مرضاته أي حسب إرادته تعالى وأمره (يبليان كلّ جديد) وهذا إسناد مجازي فإنّ البقاء موجب للبلاء، أو حقيقي فإنَّ للنيرين مدخلاً في تفرق الأجزاء الموجبة للبلاء (ويقربان كل بعيد) فإنّ البعيد الزماني يقرب بمرور الأيام والليالي الحاصلات من حركات النيرين.

2) (وأحصى آثارهم) أي عدد أثر كل إنسان وما يبقى منه ويخلفه بعده (وعدد أنفاسهم) فهو سبحانه يعلم عدد أنفاس كل إنسان (وخائنة أعينهم) أي لمحات أعينهم التي تلمح بالخيانة إلى مال الناس وعرضهم وما أشبه (وما تخفي صدورهم من الضمير) أي السرّ الذي ينوونه بقلوبهم (ومستقرّهم) وهي أرحام النّساء (ومستودعهم) والمراد به أصلاب الرجال (إلى أن تتناهى بهم الغايات) يعني أن علمه سبحانه بأحوال البشر يبتدئ من حين كونهم في الأصلاب إلى آخر أيامهم في الحياة حيث ينتهون إلى الغاية المقدّرة لهم.

3) (الذي اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته) فإنَّ من يعاديه سبحانه بترك أوامره، وارتكاب نواهيه تكون النقمة والعذاب عليه شديداً، مع أنه تعالى واسع الرحمة والمغفرة (واتسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته) وهاتان صفتان تلفت الأنظار، لما بينهما من التنافي عند المخلوقين، فإنّ الإنسان إذا رضي غض عن أعدائه وإذا غضب لم ينج من غضبه أحباؤه، لكنه سبحانه يكل لكل شيء بكيله ويضع كل شيء في موضعه (قاهر من عازه) أي قصد مشاركته تعالى في عزته، أو المراد الفراعنة ومن إليهم ممن يدعون الربوبية (ومدمّر من شاقه) أي عاداه، كأنه في شق وجانب، واللّه سبحانه في جانب وشق آخر (ومذلّ من ناواه) أي عاداه (وغالب من عاداه) فإنّ اللّه سبحانه يغلب على أعدائه (ومن توكل عليه) بأن وكل أموره إلى اللّه سبحانه (كفاه) أي تفضل عليه بإنجاز أمره (ومن أقرضه) أي أعطى اللّه قرضاً، وهو عبارة عن صرف المال أو النفس أو ما أشبه في أمره سبحانه (قضاه) أي أرجع سبحانه إليه ما أقرض، في الدنيا أو الآخرة (ومن شكره) أي شکر آلاءه ونعمه (جزاه) أعطاه جزاء الشكر.

وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا وَتَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ، وَانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظُ وَزَاجِرٌ (1، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا زَاجِرٌ وَلا وَاعِظٌ.)### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ تعرف بخطبة الأشباح وهي من جلائل خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ))#### إشارة:وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ تعرف بخطبة الأشباح (2)وهي من جلائل خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ))الْحَمْدُ للّه الَّذِي لا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَالْجُمُودُ، وَلا يُكْدِيهِ الإِعْطَاء وَالْجُودُ، إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنتَقِصٌ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلاهُ، وَهُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ، وَعَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَالْقِسَمِ (3، عِيَالُهُ الْخَلْقِ، ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ، وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ،)


1) (زنوا أنفسكم) أمر من [الوزن] والمراد عرضه على الشريعة ليعلم مطابقتها له وعدم مطابقتها (من قبل أن توزنوا) في الآخرة، حيث إذا ظهرت خفة وزنكم لم يكن لكم محل للتدارك (وتنفّسوا) أي اعملوا، والتنفّس كناية عنه (قبل ضيق الخناق) الخناق الحبل الذي يوضع في عنق من يراد خنقه وإهلاكه، فإنّ الحبل إذا ضيّق لم يتمكن المخنوق من التنفّس، وهكذا الإنسان إذا مات لم يتمكن من العمل المريح لنفسه (وانقادوا) أي اتبعوا الأوامر (قبل عنف السياق) والمراد به الموت الذي يسوق الإنسان بعنف إلى الآخرة (لم يعن على نفسه) بأن يجمع قواه وعقله ليغلب على شهوات نفسه ولذاتها (حتّى يكون له منها واعظ بأن كانت نفسه يقظة تعظه عند كل زلة وترشده (وزاجر) تزجره عن المعاصي.

2) سأله سائل أن يصف اللّه حتى كأنه يراه عياناً فغضب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذلك والأشباح جمع شبح، وهو الشخص، وكأن التسمية بهذا الاسم لسؤال ذلك الشخص من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3) (لا يفره) أي لا يزيده (المنع) عن العطاء (والجمود) جمد مقابل سال، فإنَّ العطية تسيل والمنع ملازم للجمود (ولا يكديه) أي لا يفقره (إذ كل معط منتقص) أي موجب لنقصه عما أعطاه (سواه) تعالى (وكل مانع مذموم ما خلاه) هذا علة لقوله [ لا يفره] فإنَّه دفع لدخل مقدّر، هو أنه تعالى إذا [ لا يفره المنع] فلماذا يمنع ؟ (وهو المنّان بفوائد النّعم) أي أنّ إعطاءه للنّعم منة محض، لا أن أحداً يستحق منه تعالى شيئاً (وعوائد المزيد والقسم) عوائد جمع عائدة وهي النعمة العائدة إلى الإنسان، وسمّيت عائدة تفوّلاً بأنها لا تكون مرّة واحدة، بل تعود مرة بعد مرة، والقسم جمع قسمة وهي ما قسمها اللّه سبحانه للخلق من ضروب المنافع والأرزاق.

وَنَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ، وَالظَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ، وَلَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ (1. الأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَالآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ، وَالرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ، مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ، وَلا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ (2)، وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ، مِنْ فِلِزّ اللُّجَيْنِ وَالْعِقْيَانِ، وَنُثَارَةِ الدُّرِّ وَحَصِيدِ الْمَرْجَانِ، مَا أَثَرَ ذلِكَ فِي جُودِهِ، وَلا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ، وَلَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الأَنْعَامِ مَا لَا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الأنام، لأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ، وَلا يُبْخِلُهُ إلْحَاحُ)


1) (عياله الخلق) أي الذين يعيلهم ويدير شؤونهم جميع الخلق، (ضمن أرزاقهم) بأن يوصلها إليهم، ما دام قدر لهم رزقاً (وقدر أقواتهم) بأن كتب في اللوح وعلم بأن لكل أحد قدر من الرزق (ونهج) أي أوضح وبيّن (سبيل الراغبين إليه) أي الذين يرغبون الوصول إلى ثوابه ورضوانه (والطالبين ما لديه) من الكرامة والجنّة والنّعيم (وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل) فإنّ جوده حسب الصلاح والحكمة لا حسب السؤال، وإن كان أحياناً يعطي السائل بما لا يعطي الساكت، لكن ذلك ليس إلا لأن السؤال علة للحكمة والصلاح.

2) (الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله) فإنّ اللّه سبحانه أزلي، لا شيء قبله إطلاقاً، حتى العدم (والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده) فهو تعالى أبدي لا [بعد] يتصوّر بعده حتى يتصوّر المظروف الذي في ذلك [البعد] (والرادع أناسي الأبصار) جمع إنسان وهو ما يرى وسط البصر ممتازاً عن السواد في لونه (عن أن تناله أو تدركه) النيل: الوصول، والإدراك التميز، فقد يكون الإنسان يرى شيئاً بإجمال لكن لا يدركه بتفصيل، وقوله [الرادع] مجاز، وإلا فهو سبحانه غير قابل للرؤية إطلاقاً (ما اختلف عليه دهر) بأن تمرّ عليه الأيام، والشهور والأعوام، فإن هذه أمور حادثة والأمور الحادثة لا تحتوي على القديم (فيختلف منه الحال) بأن يكون حاله في السنة الفلانية غير حاله في السنة التالية وهكذا (ولا كان) تعالى (في مكان) خاص (فيجوز عليه الانتقال) فلا زمان ولا مكان له تعالى، لأنهما حادثان والحادث لا يحتوي على القديم.

المُلِحِينَ (1. فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ: فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائتَمَّ بِهِ وَاسْتَضِئُ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَمَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ ممّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ، وَلا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) وَأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللّه سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقٌّ اللّه عَلَيْكَ (2). وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ، الإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ، فَمَدَحَ اللّه - تعالى - اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً، وَسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفُهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً، فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَلا تُقَدِّرْ


1) (ما تنفّست عنه معادن الجبال) قالوا بأن الجواهر والمعادن تتكون من الحرارة المتصاعدة من جوف الأرض، فإنَّها تحرّك المواد الثمينة إلى الخارج وتنضجها، ولذا شبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتنفس (وضحكت عنه أصداف البحار) فإنّ الصدف ينغلق كالإنسان الضاحك حتّى يظهر ما فيه من اللؤلؤ وما أشبه (من فلز اللجين) الفلز المعادن التي تذاب بالنّار، كالذهب والفضة وما أشبه، واللجين الفضّة (والعقيان) الذهب (ونثارة الدر) أي ما ينثر في الأعراس ونحوه من الدّر الذي هو حصاة شفافة ثمينة (وحصيد المرجان) وهو نبات ينبت في البحر فيحصده الغواصون (ما أثر ذلك في جوده) بأن يعتريه بخل (ولا أنفد سعة ما عنده) أي لم يوجب لملكه وقدرته نفاداً بل يخلق من جديد (من ذخائر الأنعام) ممّا يملك خلقه، أو في سائر الكواكب والمجرات والعوالم (ما لا تنفده مطالب الأنام) أي لا تعدمه طلبات النّاس (لا يغيضه) أي لا ينقصه من غاض الماء إذا نزل وفني.

2) (فائتم به) أي اقتد بالقرآن في وصفه تعالى بتلك الصفات (واستضئ بنور هدايته) أي بنور هداية القرآن في ما يجوز على اللّه تعالى من الصفات والنعوت (وما كلّفك الشيطان علمه) بأن الهم في نفسك بأن تصف اللّه سبحانه بتلك الصفة التي لم تذكر في القرآن - والمراد بالقرآن الأعم ممّا جاء به النّبي والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فإن ذلك من باب المثال - ولذا قال : (ممّا ليس في الكتاب عليك فرضه) أي ثبوته، فإنّ أحكام الكتاب ومناهجه ثابتة للنّاس (ولا في سنّة النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأئمة الهدى) الاثني عشر، والمراد ذلك وإن لم يوجد بعضهم بعد، فقد أخبر النبي بهم وأمر باتباعهم (أثره) بأن لم يرد عنهم (فكل علمه) وهل أنّه صحيح أم لا ؟ (إلى اللّه سبحانه) ولذا قال الفقهاء: إنّ صفات اللّه توقيفية لا يجوز إطلاق صفة عليه إلا إذا وردت حتى فيما كان الفعل من تلك المادة موجودة في الكتاب أو السنّة، مثلاً لا يصح إطلاق [زارع] عليه تعالى مع انه ورد: (ءأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) [الواقعة: 64] (منتهى حق اللّه عليك) ومعنى منتهى الحق، أنّه ليس لك واجب آخر بالنسبة إلى هذا الموضوع غير السكوت.

عَظَمَةَ اللّه سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (1). هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ، وَحَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبٍ مَلَكُونِهِ، وَتَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ، لِتَجْرِي فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ، وَغَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمٍ ذَانِهِ، رَدَعَهَا وَهِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ، مُتَخَلِّصَةٌ إِلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةٌ بِأَنَّهُ لا يُنَالُ بِجَوْرِ الإِعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ، وَلا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلالِ عِزَّتِهِ (2). الَّذِي ابْتَدَعَ


1) (أنّ الرّاسخين في العلم) والراسخ هو الذي تعلم كثيراً حتّى ثبت في العلم وعلم النتائج (عن اقتحام) أي الدخول في (السدد) جمع سدة، وهي باب الدار والفاصلة (المضروبة دون الغيوب) أي الأشياء الغائبة عن الإدراك والحواس، والسدد استعارة (الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب) أي أنهم يعترفون بالمجهول لديهم إجمالاً: بأنا نعترف بكل غيب، ولا يتكلفون الفحص عما لا طريق لهم إليه (فمدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول) أي إتباع الأخذ بالبحث (ما لم يحيطوا به علماً) حيث قال سبحانه: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبَّنَا [آل عمران: 7] (وسمّى) اللّه سبحانه (تركهم التعمّق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً) فإنّ الإنسان الراسخ في العلم يعرف ما يقدر ممّا لا يقدر فيحوم حول ما يقدر، ويترك ما لا يقدر بخلاف غير الراسخ الذي يظن أن كل شيء في متناوله فيتعمق في الممكن والمحال (ولا تقدّر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك) فإنّ العقل محدود، واللّه سبحانه غير محدود، ولا يمكن للمحدود الإحاطة بغير المحدود، وإلا لزم الخلف.

2) (إذا ارتمت الأوهام) أي ذهبت الأوهام والأفكار من الرمي وجواب [إذا] قوله [ردعها]، (لتدرك منقطع قدرته) أي أرادت الأوهام أن تعرف منتهى قدرة اللّه تعالى (وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس) بأن كان الفكر صحيحاً سليماً، لا مريضاً بالوساوس، فإنَّ مثله أبعد عن الإدراك، لأنه يتشكك في كل شيء (أن يقع عليه) أي يدركه ويفهمه (في عميقات غيوب ملكوته) الملكوت، مبالغة في الملك، يعني أنه سبحانه الملك العظيم الغائب عن الإدراك كنهه (وتولّهت) التوله اشتداد الحب (لتجري) أي لتفهم (في كيفية صفاته) وأنها كصفات المخلوقين، أم لا (وغمضت) أي خفيت (مداخل العقول) بأن كان العقل يدخل من مداخل ضيقة جدّاً، حتى أن مداخله كانت غامضة خفية - وهذه استعارة لمنتهى الدقة - (في حيث لا تبلغه الصفات) أي بلغت تلك المداخل في الدقة بحيث لا يمكن أن توصف لدقتها لتناول علم ذاته بأن يتناول بالعلم ذاته تعالى، وأنها كيف هي وما هي (ردعها) أي ردع اللّه سبحانه تلك الأوهام والقلوب والعقول التي أرادت كشف ذاته تعالى (وهي تجوب) أي تسير في (مهاوي سدف الغيوب) كأن العقل والفكر والوهم تتردى في ظلمات الغيب بدون أن تصل إلى المطلوب (متخلصة إليه سبحانه) أي حينما أرادت التخلص والوصول إلى ذاته تعالى بأن تعرف كنه الذات (فرجعت إذ جبهت) يقال جبهه، إذا ضربه على جبهته ليردعه ويرديه (لا ينال بجور الاعتساف) الجور الظلم والاعتساف سلوك غير الجادة، كأنّ الفكر وما إليه تنكبوا الطريق وساروا على غير الجادة، إذ أرادوا معرفة كنهه تعالى (ولا تخطر ببال أولي الرويات) الروية الفكر، أي أصحاب الفكر والعقل (خاطرة) أي الصفة الخاطرة التي تخطر بالبال

الْخَلْقَ عَلَى غَيْر مِثَالٍ امْتَثَلَهُ وَلا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْهُودٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ، وَعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ، وَاعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ، مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَظَهَرَت فِي الْبَدَائِعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ، وَأَعْلامُ حِكْمَتِهِ، فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَدَلِيلاً عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً، فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ، وَدَلالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ (1). فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَابُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ، وَتَلاحُم حِقَاقِ مَفَاصِلِهِم الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكمتِكَ، لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ، وَلَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لا يَدَّ لَكَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّةَ التَّابِعِين مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ: (تَاللّه إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (2)، (3)! كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ، إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ،


1) (الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله) أي أوجد الخلق، إيجاد ابتداع لا إيجاد اقتداء بغيره، فإنَّه لم يكن مثال اقتفاه سبحانه في خلقه (ولا مقدار احتذى عليه) فلم يقس سبحانه مقدار خلقه بمقدار سابق (من ملكوت قدرته) أي الملك العظيم الذي هو آثار قدرته تعالى (وعجائب ما نطقت به آثار حكمته) كأن آثار حكمة اللّه - في خلقه - السنة تنطق بالعجائب (واعتراف) أي أرانا من اعتراف (بمساك) ما يمسك الشيء (باضطرار قيام الحجّة له) أي دلنا على معرفته بسبب أن قيام الحجّة يضطر الإنسان إلى العلم والعرفان (وأعلام حكمته) فالبدائع دليل على الصنع وعلى الحكمة (حجّة له) تعالى يحتج بها على العباد - إن تركوا الاذعان به - (ودليلاً عليه) يدلنا على وجوده سبحانه (خلقاً صامتاً) كالجمادات والحيوانات والنباتات (فحجته بالتدبير ناطقة) أي أنها تنطق بأنها من فعل مدير حكيم، ومعنى نطقها دلالتها على ذلك.

2) سورة الشعراء، الآيتان: 97 - 98.

3) (أنّ من شبهك بتباين أعضاء خلقك) أي بخلقك المتباين الأعضاء من عين ولسان وأذن وغيرها (وتلاحم) أي اتصال (حقاق مفاصلهم) حقاق: جمع حُقَّة بضم الحاء بمعنى رأس العظم عند المفصل، والمفصل موضع اتصال العظمين (المحتجبة لتدبير حكمتك) فإنَّ حكمته سبحانه اقتضت احتجاب المفاصل تحت اللحم والجلد، لئلا تصاب بأذى (م يعقد غيب ضميره على معرفتك) خبر [إن] أي إن ضمير الغائب الباطن لم يصل إلى معرفته سبحانه، لأنه شبهه تعالى بما ليس شبيهاً به (بأنه لا نذ لك) إذ المتشابهان مشتركان في الحكم، والند يستعمل بمعنى المثل، وبمعنى الضد (تبرؤ التابعين) لأهل الضلالة (من المتبوعين) في القيامة (إذ يقولون): (تَاللّه إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إذ نُسَوِيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [التاء] للقسم و [إن] مخففة من الثقيلة، و[ مبين] بمعنى الظاهر الواضح، و]نسويكم] بمعنى نقول بالتساوي بينكم وبين اللّه سبحانه.

وَنَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ، وَجَزَاوكَ تَجْزِنَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ، وَقَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ المُخْتَلِفَةِ الْقُوَى، بِقَرَائِح عُقُولِهِمْ (1). وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، وَالْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ، وَنَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ، وَإِنَّكَ أَنْتَ اللّه الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ، فَتَكُونَ في مَهَبٌ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً، وَلا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً (2).

ومنها : قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ، وَدَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ، وَوَجْهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ، وَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الإِنْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ


1) (كذب العادلون بك) العادلون الذين عدلوا بك غيرك، وقالوا بالتعادل والتساوي بين الخالق والمخلوق (ونحلوك) أي أعطوك (حلية المخلوقين) أي صفاتهم الخاصة من بين الجسمية وما أشبه (بأوهامهم) متعلق بـ [نحلوك] أي كانت النحلة بالوهم والخيال لا للحقيقة والواقع (وجزأوك تجزئة المجسمات بخواطرهم) فإنَّ الأجزاء خاصة بالأجسام والقول بأن اللّه شريكاً يوجب التجزئة، لأن الشركاء لهم جهة جامعة وجهة فارقة (وقدروك) أي قاسوك (على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم) قرائح جمع قريحة، وهي ما يقترحها الإنسان، أي أن عقولهم اقترحت قياسك على الخلق الذين تختلف قواهم واللّه سبحانه ليس ذا قوى مختلفة، وإنما هو ذات واحدة لا أجزاء لها ولا قوى تتحكم فيها.

2) (عدل بك) أي سواك بغيرك وجعلك معادلاً له (والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك) فإنّ آيات اللّه المحكمة - غير المتشابهة - دلت على أن اللّه سبحانه لا شبه له (شواهد حجج بيناتك) البينات جمع جمع بينة وهي الأدلة الواضحة (تتناه في العقول) أي لم تكن متناهياً محدوداً في عقول الناس، أي لا تدركك العقول (فتكون في مهب فكرها مكيفا) أي فتتكيف وتتلون بلون فكر العقول وقوله [ مهب] من باب الاستعارة كأن الفكر كالريح التي تهب ولها مهب خاص (ولا في رويات خواطرها) جمع روية وهي الفكر (فتكون محدوداً مصرفاً) تصرفك العقول، وتحوم حولك.

أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ (1)، وَكَيْفَ وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ؟ الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الأَشْيَاءِ بِلا رَوِيَّةِ فِكْرِ آلَ إِلَيْهَا، وَلا قَرِيحَةٍ غَزِيرَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا، وَلا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّمُورِ، وَلا شَرِيكَ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الأُمُورِ، فَتَمَّ خَلْقُهُ، وَأَذْهَنَ لِطَاعَتِهِ، وَأَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ (2)، وَلَمْ يَعْتَرِض دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِيَّ، وَلا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ، فَأَقَامَ مِنَ الأشْيَاءِ أَوَدَهَا، وَنَهَجَ حُدُودَهَا، وَلاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادُهَا، وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنهَا، وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَالأقْدَارِ، وَالْغَرَائِزِ وَالْهَيْئَاتِ، بَدَايَا خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا، وَفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَابْتَدَعَهَا (3).


1) (قدر ما خلق) ومعنى قدر، أنه لم يخلق اعتباطاً، وإنما عن مقدار معين لحكمة خاصة (فأحكم تقديره) إذ وضع كل شيء موضعه اللائق به (ودبّره) التدبير التخطيط للمستقبل حتى يأتي الشيء كما يراد فالطف) تدبيره ولطف التدبير عبارة عن دقته بحيث لا يبقى فراغ لحاجات الشيء (وجهه لوجهته) أي سيره في المسير اللائق به فيها (فلم يتعد حدود منزلته) أي الحدود التي أنزله اللّه فيها ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته فإنَّ كل شيء من المخلوقات لا بد وأن يصل إلى الغاية التي عينها اللّه سبحانه (ولم يستصعب) أي لم ير الأمر صعباً (إذ أمر بالمضي على إرادته) أي إرادته تعالى، وهذا كسابقه إنما هو بالنسبة إلى التكوينيات.

2) (المنشئ أصناف الأشياء بلا روية فكر) بخلاف البشر فإنه يعمل الأشياء بعد التفكر فيرجع إلى ما فكر ثم يعمل (ولا قريحة) هي ما يقترحه الإنسان وينشئه في صقع ذهنه ثم يأتي به خارجاً (غريزة) هي الصفة المنطبعة في الإنسان (أضمر) اللّه تعالى (عليها) أي على تلك القريحة بأن أضمر اقتراحاً ثم أبداه في حال الوجود (ولا تجربة أفادها) بمعنى استفادها (من حوادث الدهور) كالإنسان الذي يستفيد من الحوادث فيصحح أفكاره وأعماله.

3) (ريث المبطئ) أي مدة مهلة الذي يبطئ في الإجابة، فإنَّه تعالى بمجرد أن أراد شيئاً كان ذلك الشيء بلا تمهل وبطء (ولا أناة المتلكئ) الأناة: الصبر والتؤدة، والتلكؤ التباطؤ والتعلل في عدم الإطاعة (من الأشياء أودها) أي اعوجاجها، وهذا كناية عن عدم الاعوجاج في المخلوقات (ونهج) أي عين ورسم (ولاءم) من الملاءمة، بمعنى جعل التناسب والالتئام (بين متضادها) أي متضاد الأشياء، فالنار المتضادة للماء جمع بينهما اللّه تعالى (ووصل أسباب قرائنها) أي جعل أسباب القرائن موصولة بعضها ببعض حتى تجتمع قرينة كل شيء مع ذلك الشيء (وفرقها أجناساً مختلفات في الحدود) كالارتفاع والانخفاض (والأقدار) كالكبر والصغر (والغرائز) أي الطبائع، كاليبوسة والرطوبة، (والهيئات) كالأحمر والأصفر والأشكال المختلفة (بدايا)خلائق) أي خلائق مصنوعة (وفطرها على ما أراد وابتدعها) فلا يكون المصنوع إلا وفق إرادته تعالى.

منها: في صفة السماء

وَنَظَمَ بِلا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا، وَلاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا، وَوَشَّجَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَزْوَاجِهَا، وَذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ، وَالصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ، حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا، وَنَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ (1)، فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا، وَفَتَقَ بَعْدَ الاِرْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا، وَأَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا، وَأَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لأمْرِهِ، وَجَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا، وَقَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا (2)،


1) (ونظم بلا تعليق رهوات) جمع رهوة وهي المحل المرتفع، أي بلا أن يعلق السماء بواسطة الحبائل بالأعالي، كما هي العادة في تعليق الأشياء بالمرتفعات (فرجها) جمع فرجة، أي فرج السماوات وما بينها من الفضاء والسعة (ولاحم) أي الصق (صدوع) جمع صدع وهو الشق (انفراجها) أي الصق بعض السماوات ببعض حتى لا انفراج فيها (ووشج) أي شبك (وبين أزواجها) أي أمثالها، ففي كل سماء نجوم وكواكب وأجرام، ومعنى التشبيك جعل بعضها في بعض (وذلل للهابطين بأمره) وهم الملائكة (والصاعدين بأعمال خلقه) فإنَّ أعمال الخلق تصعد بسبب الملائكة إلى السماء (حزونة) أي صعوبة (معراجها) أي العروج إلى السماوات، فإنَّ العروج والنزول مشكلان لكن اللّه سهل للملائكة ذلك إذ (هي دخان) فقد خلقت السماوات من بخار الماء وإنما عبّر عن البخار بالدخان للمشابهة، فإنَّ الأول ذرات الماء المختلطة بالهواء، والثاني ذرات الرماد - كذا قالوا -.

2) (فالتحمت عرى أشراجها) التحمت أي اتصلت وعرى جمع عروة، وأشراج الوادي ما انفسح منه أي اتصلت القطع من الدخان حتى صارت سماء ملتحمة (وفتق) أي فصل (بعد الارتتاق) أي الاتصال (صوامت أبوابها) جمع صامت کنّى به عن الانغلاق والمعنى أن اللّه سبحانه فتح أبواب السماء بعد انغلاقها، والمراد بذلك جعل فيها أبواباً لنزول الملائكة وصعودهم (وأقام رصدا) وهو ما يرصد ويرقب الحركات (من الشهب) جمع شهاب، وهو النار التي ترى في الليل في السماء (الثواقب) جمع ثاقب سميت الشهب بذلك لأنها تثقب الفضاء حين انقضاضها (على نقابها) جمع نقب وهو الخرق والمراد بالخرق المحل الممكن لاستراق السمع في السماوات (من أن تمور) أي تضطرب (في خرق الهواء) أي في الفضاء، فإنَّ الأرض كرة معلقة في الهواء، لا تضطرب ولا تمور خلاف سيرها المقدر لها، وقوله [خرق] من باب التشبيه. (بأيده) أي بقوته وأمرها أن تقف أي لا تفارق مدارها، في مقابل الاضطراب (مستسلمة لأمره) فهي تطيع اللّه سبحانه (شمسها آية) أي دليلاً على وجوده تعالى (مبصرة) أي توجب إبصار الناس للأشياء (لنهارها) اللام متعلق بجعل أي جعل لأجل النهار الشمس مبصرة (وقمرها آية ممحوة) قد محي فيه النور فليس له نور كالشمس، أو المراد المحو الذي يشاهد في القمر (من ليلها) الظاهر أن الجار متعلق بـ [ ممحوة] أي المحو من الليل.

فَأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا، وَقَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا، لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِهِمَا، وَلِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَالْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا (1)، ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوْهَا فَلَكَهَا، وَنَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيهَا وَمَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا، وَرَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْع بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا، وَأَجْرَاهَا عَلَى أَذْلالِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا، وَمَسِيرِ سَائِرِهَا، وَهُبُوطِهَا وَصُعُودِهَا، وَنُحُوسِهَا وَسُعُودِهَا (2).

ومنها: في صفة الملائكة

ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ، وَعِمَارَةِ الصَّفِيحِ الأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ، خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلائِكَتِهِ، وَمَلأ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا، وَحَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِها (3)،


1) (فأجراهما) أي حركة الشمس والقمر (في مناقل) جمع منقل، وهو محل الانتقال والمراد به البروج التي يسير فيها النيران (مجراهما) أي محل جريانهما (وقدر سيرهما) التقدير جعل الشيء بقدر معلوم (في مدارج (درجهما مدارج جمع مدرج، وهو محل الدرج بمعنى الحركة، ودرج بمعنى الدرجة، أي أن اللّه سيرهما في درجاتهما في السماء (الحساب بمقاديرهما) فإنَّ كل دورة للأرض حول نفسها يوم، وكل دورة خاصة للقمر شهر وهكذا، وبهما تعرف السنة كما تعرف أوقات المحاسبة في مواعيد الآجال.

2) (في جوها) أي في جو السماء، أي وسطها، والمراد بالسماء الفضاء (فلكها) أي أفلاك السماء، والمراد بالأفلاك مدارات الكواكب (وناط بها) أي علق بالسماء (زينتها) أي ما هو زينة السماء، والمراد الكواكب (خفيات دراريها) جمع دري، وهو الكوكب الوضاء كالدر والظاهر أن المراد بها النجوم الصغار (ومصابيح كواكبها) أي الكواكب التي هي كالمصابيح إشراقاً، والمراد بها الكواكب الكبار التي تضيء في الليل (ورمى مسترقي السمع أي الشياطين الذين يعلون إلى قرب الملائكة فيستمعون إلى كلامهم خفية، ولذا سمّي استراقاً فإنَّ الملائكة لا تريد أن يسمع الشياطين كلامها (بثواقب شهبها) أي الشهب الثاقبة كما تقدم (وأجراها) أي سير الكواكب (على أذلال) جمع ذل بالكسر وهو محجة الطريق (تسخيرها) أي سخرها في الطرق المقدرة لها، بحيث لا تحيد عن تلك الطرق (من ثبات ثابتها) فإنَّ بعض الكواكب ثابتة في محلاتها كأكثر الكواكب (ومسير سائرها) وهي الكواكب السبع السيارة - أو الأكثر من السبع - كما في العلم الحديث (وهبوطها وصعودها) فإنَّ الكوكب ما دام لم يصل إلى خط نصف النهار فهو صاعد، فإذا انحدر عنه فهو هابط ونحوسها وسعودها فإنَّ بعض الكواكب علامة السعد وبعضها علامة النحس.

3) (لإسكان سماواته) أي الفضاء (وعمارة الصفيح الأعلى) أي الصفحة العليا مقابل الصفيح الأسفل، وهي الأرض (من ملكوته) أي من ملكه، فإنَّ [ملكوت] لتعظيم الملك (خلقاً بديعاً) أي قسماً جديداً (من ملائكته) فإنَّ الملائكة قسم جديد من الخلق (وملأ بهم فروج فجاجها) جمع فج وهو الطريق، وفروج جمع فرجة وهي السعة، أي السعة ما بين طرق السماء (وحشا بهم) أي جعلهم في وسط السماء - من الحشو – (فتوق) جمع فتق وهو الانفصال في الشيء (أجوائها) أي فضاءاتها.

وَبَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنهم فِي حَظَائِرِ القدُس، وَسُتُرَاتِ الْحُجُبِ، وَسُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَكُ مِنْهُ الأَسْمَاعُ سُبْحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا، فَتَقِفُ خَاسِئَةٌ عَلَى حُدُودِهَا (1). وَأَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ، وَأَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ، (أُولِي أَجْنِحَةٍ) تُسَبِّحُ جَلالَ عِزَّتِهِ، لا يَنتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ، وَلا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئًا ممّا انْفَرَدَ بِهِ، (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (2)، (3). جَعَلَهُمُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الأمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ، وَحَمْلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَعَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ


1) (زجل المسبحين منهم) الزجل الصوت المرتفع، فإن أصوات الملائكة ترتفع بالتسبيح له سبحانه (في حظائر القدس) جمع حظيرة، وهو المحل الخضر الذي يسوّر بسور، ولذا سمي حظيرة (وسترات) جمع سترة وهو الثوب الذي يعلق للستر (الحجب) جمع حجاب، والإضافة للبيان فإنَّ هناك حجباً ممّا وراءه تشبيهاً بالحجب التي تنصبها الملوك لستر ما وراء الحجاب عن الأعين (وسرادقات المجد) جمع سرادق، وهو ما يمد على صحن البيت فيغطيه عن الريح والحر والبرد والأنظار (الرجيج) أي الزلزلة والاضطراب من رج بمعنى تحرك (الذي تستك) أي تصم (منه الأسماع) لشدّة الصوت أو الكيفية، والمراد بالرجيج ما تقدم من [الزجل] (سبحات نور) طبقات (تردع الأبصار عن بلوغها) لقوة النور وشدته (فتقف خاسئة) أي مطرودة من خسئ بمعنى طرد (على حدودها) فإنَّ العين لا تتمكن أن ترى أكثر من قابليتها.

2) سورة الأنبياء، الآيتان: 26 - 27.

3) (وأنشأهم) أي أوجد اللّه تعالى الملائكة (على صور مختلفات) كما أن الإنسان على صور مختلفة (وأقدار متفاوتات) فلكل قدر ومزايا (أولي أجنحة) جمع جناح، وجناحهم من جنسهم، لا من جنس أجنحة الطير، إلا إذا شاؤوا التشكل بالطيور (تسبح جلال عزته) أي أنهم ينزهون اللّه سبحانه عما هو أجل وأعز منها - كالجسمية والولد وما أشبه – (لا ينتحلون) أي لا ينسبون لأنفسهم (ما ظهر في الخلق من صنعته) تعالى كأفراد الإنسان الذين ينسبون إلى أنفسهم خلق اللّه سبحانه، كالذين ادعوا الربوبية ونحوهم (عباد مكرمون) أكرمهم اللّه سبحانه (لا يسبقونه) بالقول كناية عن أنهم مطيعون له تعالى فلا يقولون شيئاً قبل أن يريده تعالى.

سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ (1). وَأَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ المَعُونَةِ، وَأَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ، وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً إِلَى تَمَاجِيدِهِ، وَنَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلامِ تَوْحِيدِهِ (2)، لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُوصِرَاتُ الآثَامِ، وَلَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَالأَيَّام، وَلَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ، وَلَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ، وَلا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ (3)، وَلا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ، وَمَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَهَيْبَةٍ جَلالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ، وَلَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ وَفِي عِظَمِ الْجِبَالِ السُّمَّخِ، وَفِي قَتْرَةِ الظَّلام


1) (جعلهم فيما هنالك) [ما] زائدة للتزيين (أهل الأمانة على وحيه) فإنَّهم أمناء اللّه سبحانه في إنزال الوحي على أنبيائه (وحملهم إلى المرسلين) أي جعلهم يحملون من قبله تعالى إلى أنبيائه (ودائع أمره ونهيه) الإضافة للبيان، أي أمره ونهيه التي هي ودائعه عند الملائكة ليؤدوه إلى الأنبياء (وعصمهم) أي حفظهم (من ريب الشبهات) أي الشبهة في الإله، كما يشك فيه سبحانه بعض الناس (فما منهم) أي ليس أحد من الملائكة (زائغ) أي مائل منحرف 0عن سبيل مرضاته) مصدر ميمي أي عن طريق رضاه تعالى.

2) (وأمدهم بفوائد المعونة) بأن أعانهم على طاعته (وأشعر قلوبهم) أي ألهمها (تواضع إخبات السكينة) الإخبات بمعنى الخضوع، فإنّ النفس الساكنة المطمئنة خاضعة خاشعة، بخلاف النفس الجموحة (أبواباً ذللاً) جمع ذلول خلاف الصعب (إلى تماجيده) جمع تمجيده، وهو المدح، فإنَّهم يسهل عليهم تمجيده وتسبيحه تعالى، وليسوا كالبشر يوجب ذلك صعوبة وتعباً عليهم (ونصب لهم مناراً) جمع منارة، وهي المحل المرتفع الذي يوضع فيه المصباح الهداية السائر ليلاً (على أعلام) أي أدلة (توحيده) فكلهم يوحدون اللّه سبحانه.

3) (لم تثقلهم موصرات الآثام) أي مثقلاتها من [الإصر] بمعنى الثقل، فإنَّهم لا يذنبون لأنهم معصومون (ولم ترتحلهم) يقال ارتحله إذا وضع عليه الرحل ليركبه (عقب الليالي والأيام) جمع عقبة وهي النوبة، وتضاف إلى الليل والنهار لتعاقبهما، أي لم يتسلط عليهم تعاقب الليالي والأيام لتفنيهم وتهرمهم (ولم ترم الشكوك) من [رمى يرمي]، (بنوازعها) جمع نازعة، وهي القوس لأنها تنزع الوتر للرمي (عزيمة إيمانهم) أي صلابة إيمانهم، والمعنى أنهم لا يشكون بعد الإيمان، كما يحدث ذلك لبعض الناس ولم تعترك الظنون أي لم تعرض الظنون والأوهام (على معاقد يقينهم) كأن لليقين عقداً في القلب - ولذا يقال له عقيدة – (ولا قدحت) أي ظهرت، وأصل القدح صك الحجر بعضه ببعض لإخراج النار (قادحة الإحن) جمع إحنة وهي الحقد والضغينة (فيما بينهم) فليس بينهم عداوة وبغضاء.

الأَيْهم (1)، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الأَرْضِ السُّفْلَى، فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ، وَتَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ، قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ، وَوَصَلَتْ حَقَائِقُ الإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، وَقَطَعَهُمْ الإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ، وَلَمْ تُجَاوِزُ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ (2). قَدْ ذَاقُوا حَلاوَةَ مَعْرِفَتِهِ، وَشَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ، وَتَعَكَّنَتْ [تمكّنت] مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ، فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ، وَلَمْ يُنْفِذ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ، وَلا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ (3)، وَلَمْ يَتَوَلَّهُمُ


1) (ولا سلبتهم الحيرة) في اللّه (ما لاق) أي الشيء الذي لصق (من معرفته) سبحانه (بضمائرهم) أي أن الحيرة لا تسلب عقيدتهم باللّه، كما قد يكون في البشر، حيث يتحيرون في اللّه بعد المعرفة (وما سكن - من عظمته وهيبة جلالته - في أثناء صدورهم) فإنَّهم يعظمونه سبحانه ويهابونه ولا يزول ذلك من صدورهم (ولم تطمع فيهم الوساوس) الوسوسة التردد في الأمر والشك فيه (فتقترع) من الاقتراع بمعنى ضرب القرعة (برينها) الرين الدنس (على فكرهم) كأن الوسوسة تقترع لترى المحل المناسب لدنسها وحاصل المعنى أن الوسوسة لا تدنس أفكارهم (الغمام الدلح) جمع دالح وهو الغمام الثقيل بالماء، أي أن شكله كشكل الغمام ذي المطر (وفي عظم الجبال الشمخ) جمع شامخ وهو المرتفع (وفي قترة) أي خفاء (الظلام الأيهم) أي الشديد الظلمة، يعني أنهم بتلك العظمة سود شديدي السواد، وذلك للإرهاب والتخويف.

2) (تخوم الأرض السفلى) تخوم جمع تخم بفتح التاء وهي باطن الأرض، أي أعماقها (فهي كرايات) أي أعلام (بيض) جمع بيضاء في مقابل أولئك الملائكة السود (قد نفذت في مخارق الهواء) مخارق جمع مخرق، وهو محل الخرق، أي أنها تخرق الهواء (ريح هفافة) أي الساكنة الطيبة (تحبسها) أي تحبس تلك الريح أولئك الملائكة (على حيث انتهت) أي تحبسها على منتهاها فلا تمتد تلك الملائكة (من الحدود المتناهية) المعينة لها، فلا تتحرك عن أماكنها، كما أن الريح تحبس الراية عن التعدي عن حدودها (قد استفرغتهم أشغال عبادته) أي أن اشتغالهم بعبادة اللّه سبحانه أفرغهم عن الاشتغال بغير العبادة (وقطعهم الإيقان به) أي اليقين باللّه سبحانه (إلى الوله) هو شدّة الاشتياق (إليه) تعالى، ومعنى [قطعهم] أن اليقين سبب قطعهم عن كل شيء إلى الاشتياق فهم مشتاقون إلى الاستزادة من معرفته.

3) (وشربوا بالكأس الروية) التي تروي وتطفئ العطش (وتعكنت) العكنة الطي الذي في البطن من السمن (من سويداء قلوبهم) هي مجمع الروح في القلب، وتعتبر كمركز للقلب (وشيجة خيفته) الوشيجة عرق الشجرة أي أن بواعث الخوف النابعة من سويداء قلوبهم تجمعت كالعكن (فحنوا) أي ثنوا (اعتدال ظهورهم) فهم في حالة ركوع (طول الرغبة إليه مادة تضرعهم) فإنَّ رجاءهم لم يعدم خوفهم منه سبحانه (عظيم الزلفة) أي قربهم منه تعالى - قرباً معنوياً – (ربق خشوعهم) جمع ربقة وهي حبل فيه عدة عرى تربط فيها الحيوانات المتعددة، فإنَّهم مع قربهم خاشعون له سبحانه أعناقهم في ذل العبودية.

الإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ، وَلا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الإِجْلالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ، وَلَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُؤُوبِهِمْ، وَلَمْ تَغِض رَغَبَاتُهُم فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ، وَلَمْ تَجِفٌ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلاتُ أَلْسِنَتِهِمْ (1)، وَلا مَلَكَتْهُمُ الأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ، وَلَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ، وَلا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِم بَلادَةُ الْغَفَلاتِ (2)، وَلا تَنْتَضِلُ في هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ. قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةٌ لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ، وَيَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى المَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ، لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ، وَلا يَرْجِعُ بِهِمُ الاِسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ، إِلا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مَنْقَطِعَةٍ مِنْ


1) (ولم يتولهم الإعجاب) من أعمالهم (فيستكثروا ما سلف منهم) كما هو الغالب في أفراد الناس حيث يحسنون أعمالهم السابقة فيظنون كثرتها وكفايتها (ولا تركت لهم استكانة الإجلال) أي خضوعهم لجلال اللّه وعظمته (نصيباً في تعظيم حسناتهم) فإنَّهم لا يعظمون حسناتهم لما يعلمون من عظمة اللّه وجلاله (ولم تجر الفترات فيهم) الفترة من الفتور عن العمل كسلاً ومللاً (على طول دؤوبهم) من دائب في العمل بمعنى بالغ فيه واجتهد حتى أجهد نفسه (ولم تغض رغباتهم) من غاض الماء إذا نزل في الأرض حتى لم يبق منه شيء، أي أن رغبتهم في الطاعة لا تفنى (فيخالفوا عن رجاء ربهم) فإنَّ الرغبة إذا غاضت لم يرج الإنسان المرغوب فيه، فلا يعمل لأجله (أسلات السنتهم) جمع أسلة وهي طرف اللسان، حتى تقف عن ذكره تعالى.

2) (ولا ملكتهم الأشغال) بمعنى منعتهم أشغالهم (فتنقطع بهمس الجؤار) الهمس الصوت الخفي والجوار الصوت الرفيع تضرعاً (مناكبهم) جمع منكب، فإنَّهم في صفوف معتدلة، حتى أن مناكبهم مصطفة لا تقدم لبعضها عن بعض، وهذا يدل على التأدب (ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم) فإنَّ الشخص إذا أراد الاستراحة ثنى رقبته لتمديدها ودفع الكسل والنصب عنها، وهذا تقصير بالنسبة إليه سبحانه (ولا تعدو) أي لا تسطو (على عزيمة جدهم) أي جهدهم في الطاعة (بلادة الغفلات) أي الغفلة البليدة، فإنَّهم دائمو الجد بغير غفلة وفتور.

رَجَائِهِ وَمَخَافَتِهِ (1)، لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ، فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ، وَلَمْ تَأْسِرْهُمُ الأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَو اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ (2)، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقاطع، وَلا تَوَلاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ، وَلا شَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيبِ، وَلا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ (3)، فَهُمْ أَسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفْكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيَغٌ وَلَا عُدُولٌ وَلا وَنًى وَلا فُتُورٌ، وَلَيْسَ فِي أَطبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلا وَعَلَيْهِ


1) (ولا تنتضل) يقال انتضلت الإبل إذا رمت بأيديها في السير سرعة (في هممهم) في العبادة والطاعة (خدائع الشهوات) أي الشهوات الخادعة للإنسان، والمعنى أن الشهوات لا تسير سيراً سريعاً في اهتمامهم بالعبادة، حتّى تنقص من طاعتهم (ليوم فاقتهم) أي حاجتهم ولعل المراد بذلك يوم العرض الأكبر (ويمموه) أي قصدوه (عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم) فهم يرغبون إليه تعالى بينما سائر الخلق يرغبون إلى مخلوق مثلهم لقضاء حوائجهم (لا يقطعون أمد غاية عبادته) أي أن عبادتهم لا تنتهي إلى الغاية حتى يستريحوا بأنهم عملوا إلى الغاية المطلوبة منهم (ولا يرجع بهم) رجوعاً من الطاعة إلى الكسل (الاستهتار بلزوم طاعته) الاستهتار التولع الزائد، أي أنّ ولعهم بلزوم الطاعة لا يسبب لهم رجوعاً، كما هي العادة في الناس، فإنَّ الولع الزائد بالشيء يولّد في أنفسهم غفوة واشمئزازاً (إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته) لا يرجع ولع الملائكة بالطاعة إلّا إلى الزيادة، وذلك للمواد الموجودة في قلوبهم الموجبة للزيادة.

2) (الشفقة) الخوف (فينوا) من [ونى] بمعنى كسل وضعف (في جدهم) اجتهادهم في الطاعة (ولم تأسرهم الأطماع) أي أطماع خارجية (فيؤثروا) يقدموا (وشيك السعي) أي السعي الوشيك وهو السعي الضعيف، مقابل السعي الحثيث، فإنَّ الوشيك بمعنى القريب (ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم) أي لا يعدونه عظيماً (النسخ الرّجاء منهم) فإنّ الشَّخص إذا رأى عمله عظيماً صار رجاؤه كبيراً - (شفقات وجلهم) شفقات جمع شفقة، وهي التارة من الخوف، فإنّ الرّجاء إذا عظم قل الخوف.

3) (استحواذ الشيطان عليهم) استيلائه عليهم فإنّ الشَّيطان لا يجد إليهم سبيلاً (ولم يفرقهم سوء التقاطع) أي التحاسد والتشتت فيما بينهم (ولا تولاهم) أي أخذهم (غل التّحاسد) الغل هو الحسد الكامن في النّفس (ولا شعبتهم) أي فرقتهم (مصارف الريب) جمع ريبة، أي صروف الريبة التي تعرض للإنسان (ولا اقتسمتهم أخياف) جمع خيف بمعنى الناحية (الهمم) جمع همة، أي أنّ النواحي المتشتتة من الأفكار والاهتمامات لا توجب تفرّقهم.

مَلَكٌ سَاجِدٌ، أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ (1)، يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً، وَتَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً.

ومنها في صفة الأرض ودحوها على الماء

كَبَسَ الأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجِ مُسْتَفْحِلَةٍ، وَلُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ، تَلْتَظِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا، وَتَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا، وَتَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا (2)، فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلاطِمِ لِثقْلِ حَمْلِهَا، وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا، وَذَلَّ مُسْتَخْذِياً، إِذْ تَمَعَّكَت عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا، فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً، وَفِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً (3)وَسَكَنَتِ الأَرْضُ مَدْحُوَّةٌ فِى لُجَّةِ تَيَّارِهِ، وَرَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَاعْتِلائِهِ،


1) (فهم أسراء إيمان) قد جمعهم الإيمان باللّه كلّهم تحت لواء واحد، كالأسير الذي لا يتمكّن من الانفكاك والانطلاق (لم يفكهم من ربقته) أي ربقة الإيمان والربقة الحبل فيه عرى لأعناق البهم تربط بها لتنخرط في حبل واحد ويسهل سوقها (زيغ) أي انحراف (ولا ونى) أي وهن وضعف (ولا فتور) أي فاصلة وكسالة بين العمل وليس في أطباق السماء والمراد أجزاؤها (موضع إهاب) هو جلد الحيوان، أي قدر جلد (أو ساع حافد) خفيف سريع السير فيما أمره اللّه، فالسّماء ممتلئة بالملائكة.

2) (ودحوها على الماء) أي بسطها عليه (كبس الأرض) أي ضغط الأرض وجعلها (على مور) المور التحرك الشديد (أمواج مستفحلة) أي هائجة صعبة (لجج) جمع لجة، وهي معظم الماء ووسطه (زاخرة) من زخر إذا امتلأ (تلتطم أواذي) جمع آذي وهو أعلى الموج (وتصطفق) أي تضطرب وتهتز (متقاذفات أثباجها) جمع ثبج - كفرس - ما بين الكاهل والظهر، واستعير لأعالي الموج ومعنى اصطفاقها اضطرابها الموجب لقذف بعضها على بعض (وترغو زبداً)، أي تخرج الزبد (كالفحول عند هياجها) فإنّ الجمل إذا اهتاج أخرج من فمه الزبد لما يخلط من الهواء باللعاب اللزج الكائن في فمه.

3) (جماح) أي استعلاء (الثقل حملها) أي حمل الأرض (وسكن هيج) أي هيجان (ارتمائه) أي اضطرابه وقذفه للأمواج (إذ وطئته) أي وطئت الأرض الماء (بكلكلها) بمعنى الصدر (وذل مستخذياً) أي منكسراً مسترخياً (إذ تمعكت) التمعك تمرّغ الدابة في التراب (بكواهلها) أي كواهل الأرض، والكاهل بين العضد والعنق والمراد هنا الثقل، يعني أن الأرض لما ألقت بثقلها على الماء ذل الماء فلم يضطرب ولم يهتز - كما كان - بعد اصطخاب أمواجه افتعال من الصخب بمعنى رفع الصوت، فإنّ للأمواج صوتاً وصياحاً (ساجياً) من سجى بمعنى سكن (مقهوراً) ذليلاً قد قهرته الأرض (وفي حكمة الذُّل) الحكمة ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه.

وَشُمُوخ أَنْفِهِ وَسُمُو غُلَوَائِهِ وَكَعَمَتْهُ عَلَى كِفَّةِ جَرْيَتِهِ، فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ، وَلَبَدَ بَعْدَ زَيَفَان وَثَبَاتِهِ(1). فَلَمَّا سَكَنَ هَيْاجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا، وَحَمْلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الشَّمَخِ الْبُذّخِ عَلَى أَكْتَافِها، فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا، وَفَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَأَخَادِيدِهَا، وَعَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلامِيدِهَا، وَذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشَّمِّ مِنْ صَبَاخِيدهَا، فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَع أَدِيمِهَا، وَتَغَلْغُلِهَا مُتَسَرْبَةٌ فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا، وَرُكُوبِ الْجِبَالِ أَعْنَاقَ سُهُولِ الأَرَضِينَ وَجَرَاثِيمِهَا (2)، وَفَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَبَيْنَهَا،


1) (مدحوة) من الدحو بمعنى البسط (في لجة تياره) أي معظم تيار الماء، والتيار هو الماء الجاري بشدة (وردت من نخوة بأوه) أي زهوه (واعتلائه) أي تعاليه، فإنَّ الماء كان كالزاهي المتعال، فلما القيت الأرض عليه رجع عن ذلك، بل سكن وهدأ (وشموخ أنفه) يقال شمخ بأنفه إذا تكبر (وسمو) أي ارتفاع (غلوائه) أي نشاطه وتكبره، فإنَّ الغلواء بمعنى تجاوز الحد (وكعمته) أي كعمت الأرض الماء، يقال كعم البعير إذا شد فاه لئلا يعض أو يأكل (على كظة جريته) الكظة ما يعرض من امتلاء البطن بالطعام، فالماء الذي كان يجري في تياره كان كثيراً متراكماً كالشخص الممتلئ طعاماً (فهمد) أي سكن الماء بعد نزقاته النزقة الطيش (ولبد) أي قام وسكن (بعد زيفان وثباته) الزيفان التبختر في المشي، والوثبة الطفرة، كأنّ الماء كان يطفر من هنا إلى هنا متبختراً.

2) (أكنافها) أي أطراف الأرض (الشمخ) جمع شامخ وهو المرتفع (البذخ) جمع باذخ وهو المرتفع الضخم (على أكتافها) أي أكتاف الأرض، الموجب لثقل الأرض على الماء (فجر) أي أظهر (من عرانين أنوفها) عرانين جمع عرنين - بالكسر - وهو ما صلب من عظم الأنف، والمراد أعالي الجبال (في سهوب) جمع سهب بمعنى الفلاة (بيدها) جمع بيداء وهي الصحراء (وأخاديدها) جمع أخدود وهي الحفر المستطيلة في الأرض، كمجاري الأنهار و (عدل حركاتها) أي حركات الأرض، فإنّ الأرض لوجود ثقل عليها تتحرك وتضطرب اضطراب السفينة في الماء (بالراسيات) جمع راسية وهي الجبل (من جلاميدها) جمع جلمود وهو الحجر الصلب (وذوات الشناخيب) جمع شنخوب وهو رأس الجبل (الشم) جمع أشم وهو الرفيع (من صياخيدها) جمع صيخود وهو الصخرة الشديدة من الميدان أي التحرك والاضطراب (لرسوب الجبال) أي نفوذ الجبال في أعماق الأرض (أديمها) أي سطحها، تشبيهاً بالجلد (وتغلغلها) التغلغل المبالغة في الدخول، والضمير للجبال (متسربة) التسرب الدخول في الشيء (في جوبات خياشيمها) جوبات جمع جوبة وهي الحفرة، وخياشيم جمع خيشوم وهو منفذ الأنف إلى الرأس (وركوب الجبال أعناق سهول الأرضين) وركوب الأعناق كناية عن التسلط، فإنَّ الراكب على عنق البعير أكثر تسلّطاً عليه (وجراثيمها) هي ما سفل عن السطح، فإنَّ الجبال داخلة في أجواف الأرض.

وَأَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا، وَأَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِها، ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الأَرْضِ الَّتي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَايِيهَا، وَلا تَجِدُ جَدَاوِلُ الأَنْهَارِ ذَرِيعَةٌ إِلَى بُلُوغِهَا، حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابِ تُحْيِي مَوَاتَهَا، وَتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا (1)أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ، وَتَبَايُنِ فَزَعِهِ، حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ. الْمُزْنِ فِيهِ، وَالْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ، وَلَمْ ينم وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ وَمُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ، أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً، قَدْ أَسَفَ هَيْدَبُهُ، تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ وَدُفَعَ شَآبِيبِهِ(2). فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا، وَبَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا، أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الأَرْضِ النَّبَاتَ، وَمِنْ زُهْرِ الْجِبَالِ


1) (وفسح) أي أوسع وأعد الهواء متنسماً) آلة للتنفس، والنسيم ما يشرح النفس ويبرد حرارة البدن والقلب (أهلها) من الإنسان والحيوان والنبات (على تمام مرافقها) أي بعد أن أكمل جميع وسائل الحياة والعيش أخرج وأظهر سكان الأرض، ومرافق جمع مرفق، بمعنى أسباب الرفق، والمراد أسباب العيش ووسائل الحياة المريحة (جرز الأرض) وهي الأراضي التي لا تمر عليها مياه العيون فتنبت النبات (التي تقصر مياه العيون عن روابيها) جمع رابية وهي الأرض المرتفعة التي لا يصل إليها مياه الأنهار والعيون (ولا تجد جداول الأنهار) جمع جدول وهو النهر (ذريعة) أي وسيلة (ناشئة سحاب تحيي مواتها) الموات ما لا يزرع من الأرض، وناشئة بمعنى المنشأة، وإنما جيء بهذه اللفظة، لأن السحاب تنشأ رويداً رويداً حتى تكون ركاماً كثيفاً (وتستخرج نباتها) بالهطول عليها.

2) (غمامها) هو السحاب (بعد افتراق لمعه) جمع لمعة وهي القطعة البيضاء من السحاب، سميت بها لأنها تلمع لبياضها (وتباين قزعه) جمع قزعة وهي القطعة من الغيم، فإنَّ قطع السحاب تتجمع من هنا وهناك ويتصل بعضها ببعض حتى تكون سحاباً كثيفاً (حتى إذا تمخضت) أي تحركت تحركاً شديداً كما يتحرك اللبن في السقاء (لجة المزن فيه) اللجة معظم الماء، والمزن السحاب فإنّ الماء يتمخض في السّحاب، حتى يهطل (والتمع برقه في كففه) جمع كُفّة وهي الحاشية والطرف، فإنّ البرق يظهر من أطراف السحاب غالباً (وميضه) أي لمعانه (في كنهور) القطعة العظيمة من لسحاب (ربابه) هي السحاب الأبيض، أي لم يسكن البرق في هذا السحاب المحمّل بالماء، بأن تتابعت البروق - وذلك قرب نزول المطر - (سحاً) أي صباً متلاحقاً (متداركاً) يدرك بعضه بعضاً (قد أسف) أسف: دنا من الأرض لثقله (هيدبه) ما تهدب منه إلى الأرض أي ما تدلّى (تمريه الجنوب) أي تستخرج رياح الجنوب ما في السحاب من الماء، من مرى الناقة إذا مسح على ضرعها ليحلب لبنها (درر) جمع [ درّة] بالكسر، وهي اللبن (أهاضيبه) جمع أهضاب وهو جمع هضبة، وهي المطرة فالسحاب كالبقرة، وما تدلى منه كالضرع، والجنوب كالحالب والأمطار التي تنزل متداركة، كالحليب (ودفع شآبيبه) جمع شؤبوب، وهي الدفعة القوية من المطر.

الأعْشَابَ، فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا، وَتَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا، وَحِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا (1)، وَجَعَلَ ذَلِكَ بَلاغاً لِلأَنَامِ، وَرِزْقاً لِلأَنْعَامِ، وَخَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِها، وَأَقَامَ الْمَنَارَ لِلْسَالِكينَ عَلَى جَوَادٌ طرُقِهَا (2). فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ، وَأَنْفَذَ أَمْرَهُ، اخْتَارَ آدَمَ (عَلَيْهِ السَّلام)، خِيرَةٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَأَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ، وَالْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ، فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ - مَوَافَاةٌ لِسَابِقِ عِلْمِهِ (3)- فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ، وَلِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ، ممّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ، وَيَصِلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيائِهِ، وَمُتَحَمِّلِي وَدَائِع رِسالاتِهِ، قَرْنا فَقَرْنَا، حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا


1) (برك بوانيها) البرك الصدر، والبواني ما يلي الصدر من الأعضاء، فالسحاب كالحيوان الذي يلقي على الأرض بصدره وأضلاعه - والمراد بذلك أنه أنزل ما فيه من الأمطار - (بعاع) الثقل الكائن فيه من الأمطار (ما استقلت به) أي حملته (من العبء) أي الحمل (المحمول عليها) فقد حملها اللّه سبحانه المطر (من هوامد الأرض) جمع هامدة وهي الميتة التي لا نبات فيها (ومن زعر الجبال) جمع أزعر وهو الموضع القليل النبات (الأعشاب) جمع عشب وهو النبات الذي لا ساق له (تبهج) من البهجة وهي الفرح والسرور (بزينة رياضها) فكأنها فرحة مسرورة بالبساتين والأعشاب المزينة لها (وتزدهي) أي تعجب وتتبختر (من ريط) جمع ريطة بالفتح وهي كل ثوب رقيق ليّن (وحلية ما سمطت) سمط بمعنى علّق عليه (من ناضر أنوارها الناضر ذو النضرة، أي البهجة والجمال.

2) (بلاغاً للأنام) البلاغ ما يتبلغ به الإنسان من القوت، والأنام بمعنى الناس (ورزقاً للأنعام) جمع نعم من غنم وإبل وبقر وما أشبه (وخرق الفجاج) الطرق (في آفاقها) أي آفاق الأرض، أو آفاق الفضاء، جمع أفق، ومعنى خرق أوجد الطرق التي تخرق الهواء أو الأرض (وأقام المنار على جواد (طرقها) جواد جمع جادة، وهي الطريق الواضح، والضمير للأرض، والمراد بالمنار العلائم الدالة على الطريق من الكواكب والجبال، والرياح، وما أشبه ممّا تدل على اتجاه الطرق والبلاد.

3) (مهد أرضه) جعلها قابلة للسكنى (وأنفذ أمره) بمعنى خلق ما أراد (وجعله أول جبلته) أي أول خليقته (وأرغد) أي أوسع في هناء (أكله) أي ما يأكله (وأوعز إليه) أي أخبره وأنبأه (فيما نهاه عنه) من أكل ثمار تلك الشجرة (والمخاطرة بمنزلته) أي جعل منزلته في خطر الزوال لأنه إذا أكل من الشجرة خرج من الجنّة (موافاة لسابق علمه) تعالى، أي كان الإقدام موافقاً لما علمه سبحانه من سابق علمه، فإنَّه تعالى يعلم كل شيء يقع في المستقبل.

مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) حُجَّتُهُ، وَبَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ وَنُدُرُه (1). وَقَدَّرَ الأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَقَلَّلَهَا، وَقَسَّمَهَا عَلَى الضّيقِ وَالسَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَمَعْسُورِهَا، وَلِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشَّكْرَ وَالصَّبْرَ مِنْ غَنِيهَا وَفَقِيرِهَا. ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا، وَبِسَلامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا، وَبِفْرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا (2). وَخَلَقَ الآجَالَ فَأَطالَهَا وَقَصَّرَهَا وَقَدَّمَهَا وَأَخْرَهَا، وَوَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا، وَجَعَلَهُ خَالِجاً لأشْطَانِهَا، وَقَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ، وَنَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ، وَخَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ، وَعُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ، وَمَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ (3)، وَمَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ الْقُلُوبِ


1) (فأهبطه) أي أنزل آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) من درجته (بعد التوبة) أي تاب آدم عن زلته (وليقيم الحجة به على عباده) فإن الأنبياء حجّة على الخلق إذا عصوا (ولم يخلهم) أي العباد (بعد أن قبضه) أي امات آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (مما يؤكد عليهم حجّة ربوبيته) فإنّ العقل دلّ على الربوبية، والأنبياء يؤكدون ذلك (ويصل بينهم) أي بين العباد (وبين معرفته) بسبب الأنبياء (بل تعاهدهم بالحجج على السن الخيرة من أنبيائه) أي أرسل إلى العباد الحجة بعد الحجة على لسان المختارين من الأنبياء (ومتحملي ودائع رسالاته) فإنّ الرسالة وديعة من اللّه سبحانه عند أنبيائه ليؤدوها إلى عباده (قرناً فقرناً) والمراد به مدة عمر جيل من الناس وسمي قرناً لاقتران أعمار بعضهم ببعض (وبلغ المقطع) أي النهاية التي لا شيء بعدها (عذره) فإنَّه فيما لو خالف الناس لم يكن لهم عذر تجاه اللّه سبحانه (ونذره) جمع النذير، الذي يخوف المخالفين بالعقاب.

2) (وقدّر الأرزاق فكثرها وقللها) ومعنى التقدير التخطيط، كراكب السيارة الذي هو مضطر في السير مع اتجاه السيارة، بينما هو مختار في عمله داخل السيارة، ولذا ورد لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين (وقسمها على الضيق والسعة فعدل فيها) فلم يكن أحد الأمرين ظلماً، إذ الظلم أن يمنع الإنسان أحداً حقه، ولا حق لأحد على اللّه سبحانه، وإنما قسم بالاختلاف (ليبتلي) أي يمتحن (بميسورها ومعسورها) فهل يصبر المعسور له وهل يشكر الميسور لأجله؟ (عقابيل) جمع عقبولة بمعنى الشدائد (فاقتها) أي الفقر، فإنّ السعة دائماً معرضة للزوال وإتيان الضيق مكانها (طوارق آفاتها) جمع طارقة وهي المصيبة النازلة دفعة، فقد لا يتضيق الرزق ولكنه يكون بشدة وصعوبة (بفرج) جمع فرجة (أفراحها) جمع فرح وإنما قال [فرج] لأن الإنسان يفرح في الفرجة والسعة (غصص أتراحها) جمع غصة، وأتراح مقابل أفراح.

3) (الآجال) أي مدة إقامة كل إنسان في دار الدنيا (وقدمها وأخرها) فذوو الآجال القصيرة يقدم أجل هذا على ذاك، وكذلك في الآجال الطويلة (ووصل بالموت أسبابها) أي حبال الآجال، كان لكل مدة موصولة بحبل حتى ينتهي الحبل بيد الموت، فإذا انتهت المدة جرّ الموت الحبل واختطف الإنسان المنقضي أجله (خالجا) أي جانباً (لأشطانها) جمع شطن على وزن فرس بمعنى الحبل الطويل، شبه به الأعمار الطويلة - كما ذكرنا - (وقاطعاً لمرائر) جمع مريرة وهي الحبل يقتل على أكثر من طاق (أقرانها) جمع قرن وهو الحبل يقرن به بعيران وهذا من أقوى الحبال، ومع ذلك الموت يقطعه فيقع الإنسان المتصل به في هوّة الفناء هو سبحانه (عالم السر من ضمائر المضمرين) الذين يضمرون الأشياء في مكنونهم فإنَّه سبحانه يعلمها (ونجوى المتخافتين) التخافت المكالمة سراً، يعني أنه سبحانه يعلم نجواهم (وخواطر رجم الظنون) فإنَّ الظن إذا وقع على شيء فكأنه قد رجم ذلك الشيء، والخاطر هو الشيء الذي يخطر ببال الإنسان (وعقد) جمع عقدة (عزيمات) جمع عزيمة ممّا يعزم الإنسان عليه (اليقين) فاليقين كالشيء المعقود بالقلب الذي ينوي الإنسان له ويعزم عليه، يعني أنه سبحانه يعلم الظنون ويعلم اليقين وهما سران في ضمير الإنسان (ومسارق) جمع مسرق (إيماض) اللمعان الذي يأتي من إشارة العين (الجفون) جمع جفن، يعني أنه سبحانه يعلم سرقة النظر، وإن لم يدرك ذلك الناس الذين بحضرة من يسرق في نظره.

وَغَيَابَاتُ الْغُيُوبِ، وَمَا أَصْغَتْ لاسْتِرَاقِهِ مَصَائِحُ الأَسْمَاعِ، وَمَصَائِفُ الذَّرِّ، وَمَشَاتِي الْهَوَامُ، وَرَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ المُولَهَاتِ، وَهَمْسِ الأَقْدَامِ، وَمُنْفَسَحٍ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلائِجِ غُلُفِ الأَكْمَامِ، وَمُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَأَوْدِيَتِهَا، وَمُخْتَبَا الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الأَشْجَارِ وَأَلْحِيَتِهَا، وَمَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الأفنَانِ، وَمَحَط الأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الأصْلابِ، وَنَاشِئَةِ الْغُيُومِ وَمُتَلاحِمِهَا، وَدُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا، وَمَا تَسْفِي الأعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا، وَتَعْفُو الأمْطَارُ بِسُيُولِهَا، وَعَوْمِ نَبَاتِ الأَرْضِ فِي كُتبَانِ الرِّمَالِ، وَمُسْتَقَرٌّ ذَوَاتِ الأَجْنِحَةِ بِذُرَا شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ، وَتَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ، وَمَا أَوْعَبَتْهُ الأصْدَافُ، وَحَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ، وَمَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ، أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ، وَمَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ وَسُبْحَاتُ النُّورِ، وَأَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ، وَحِسٌ كُلِّ حَرَكَةٍ، وَرَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ، وَتَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ، وَمُسْتَقَرٌ كُلِّ نَسَمَةٍ وَمِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ، وَهَمَاهِم كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ، وَمَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ، أَوْ سَائِطِ وَرَقَةٍ، أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ أَوْ نُقَاعَةِ دَم وَمُضْغَةٍ، أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَسُلالَةٍ(1)، لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ، وَلا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ


1) (وما ضمنته أكنان القلوب) جمع كن بالكسر، وهو كل ظرف يستتر فيه الشيء، والمراد أنه يعلم المعلومات الموجودة في زوايا القلوب (وغيابات) أي أعماق (الغيوب) التي هي غائبة عن الحواس كالأشياء المستورة تحت الأرض ونحوها (لاستراقه مصائخ الأسماع) مصائخ جمع مصاخ، وهو محل الإصاخة، أي ثقبة الأذن، أي أنه يعلم أن فلاناً يسترق السمع، أو يعلم المطلب الذي يسترق السمع لأجله (ومصائف) جمع مصيف، وهو محل الإقامة في الصيف (الذّر) النمل، أي يعلم محل النمل في الصيف - تحت الأرض - فإنّ النّمل يغيّر مكانه في الصيف عن مكانه في الشتاء (ومشاتي الهوام) جمع هامة وهي كل حيوان صغير يعيش في الحجر، والمشاتي جمع مشتى، وهو محل الإقامة شتاءً (ورجع الحنين) أي ترديد الحنين الذي يظهرها أصحاب المصائب (من المولهات) أي النساء الوالهة الحزينة التي أصيبت بمصيبة (وهمس) أي الصوت الخافت من (الأقدام) فإنَّه سبحانه يعلمها ويسمعها (ومنفسح الثمرة) مكان نموها، من فسح (من ولائج) جمع وليجة بمعنى البطانة (غلف) جمع غلاف وهو القشر المحيط به (الأكمام) جمع كم بالكسر، وهو غطاء الفؤاد ووعاء الطلع، يعني أنه سبحانه يعلم محل نمو الثمرة في داخل غلاف الوعاء المقرر للثمار (ومنقمع الوحوش) أي موضع اختفاء الحيوانات الوحشية - غير الإنسية - من انقمع بمعنى اختفى (من غيران الجبال) جمع غار، وهو الثقبة الواسعة في الجبل يختفي فيها الحيوان (البعوض بين سوق الأشجار) جمع ساق وهو أسفل الشجرة (والحيتها) جمع لحاء وهو قشر الشجرة (ومغرز الأوراق) أي محل غرزها أي نباتها (من الأفنان) أي الغصون (ومحط الأمشاج) جمع مشيج من مشج إذا خلط، والمراد المني، لأنه مخلوط من أجزاء مختلفة - وهذه الأجزاء انفصلت من كل عضو في البدن - لتكوّن بها أجزاء مختلفة للإنسان والحيوان و[محط] بمعنى المحل الكائن فيه المني (من مسارب الأصلاب) جمع مسرب، وهو المحل الذي يتسرب ويدخل فيه المني، وأصلاب جمع صلب في ظهر الرجل (وناشئة الغيوم) أي المنشأ من السحاب، الذي لم يتلاحم بعد (ومتلاحمها) أي ما اتصل بعضه ببعض كاللحم المتصلة أجزاؤه (ودرور) أي الهطول والنزول - كدر الحليب - (قطر السحاب أي الأمطار (في متراكمها) أي السحاب الذي بعضه فوق بعض (وما تسفي الأعاصير) يقال سفت الريح التراب أي ذرته وحملته، والأعاصير جمع إعصار، وهي ريح تثير السحاب، أو تقوم من الأرض كالعمود (بذيولها) فإنَّ ذيول الريح تعمل ما تعمل أما معظمها فهي في الفضاء (وتعفو الأمطار) أي تمحو (بسيولها) وهو المطر الغزير الذي يشكل مياهاً كثيرة تسيل، فتخرب البناء وما أشبه (وعوم) من عام إذا دخل (كثبان الرمال) جمع كثيب، وهو التل الصغير من الرمل (ومستقر ذوات الأجنحة) أي محل الطيور (بذرى) جمع ذروة وهي القمة بأعلى الشيء (شناخيب الجبال) جمع شنخوب بمعنى الرأس (وتغريد ذوات المنطق) يقال غرد الطائر إذا رفع صوته كأنه يغني (في دياجير الأوكار) جمع ديجور وهو شدّة الظلمة، وأوكار جمع وكر بيت الطائر، وإنما سمّي [نوات المنطق] لأنه نطقها (وما أوعبته) أي جمعته (الأصداف) جمع صدف وهو القشرة التي يخرج منها اللؤلؤ (وحضنت عليه أمواج البحار) يعني أن الأمواج حضنت ذلك الشيء كحضن الأم ولدها، وذلك مثل العنبر الذي تربيه البحار (وما غشيته سدفة ليل) أي ظلمته وغشاه بمعنى حواه (أو ذرّ) أي طلع (شارق نهار) أي ضياء النهار (وما اعتقبت) أي تعاقبت وتوالت (عليه أطباق الدياجير) جمع طبق، ودياجير جمع ديجور بمعنى الظلمة، كأن ظلمات الليل كالأغطية التي تغطي على الأشياء طبقاً بعد طبق (وسبحات النور) جمع سبحة أي درجاته وأضواؤه (وأثر كل خطوة) أي ما يبقى بعدها على الأرض ممّا يدل على مرور ذي روح هنا (وحس كل حركة) المراد بحسها صوتها، أو حالتها الموجودة فيها (ورجع كل كلمة) أي جواب الكلمة، أو ترديدها في الهواء (وتحريك كل شفة) بالكلام (ومستقر كل نسمة) أي يعلم أن كل إنسان أين يستقر في حال سكونه (ومثقال) أي ثقل (كل ذرة) وهي التي ترى في ضوء الشمس الداخل من كوة في محل مظلم (وهماهم) جمع همهمة، وهي الصوت الذي لا يميز (كل نفس هامة) أي التي تهم (أو قرارة نطفة) أي قرارها في الرحم (أو نقاعة دم) ما ينقع من الدم في أجزاء البدن أي يجتمع في النقرة التي في العروق وما أشبه _ومضغة) وهي اللحمة التي تشبه اللحم الممضوغ بالأسنان، فإنَّ المضغة تنقع في الرحم (أو) ناشئة (خلق) أي الخلق الذي ينشأ ويخرج من العدم إلى الوجود (وسلالة) أي الخلاصة التي تخلص من الأشياء، أو المراد الإصفاء.

عَارِضَةٌ، وَلا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الأُمُورِ وَتَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلالَةٌ وَلا فَتْرَةٌ، بَلْ

نَفَذَ فِيهِمْ عِلْمُهُ، وَأَحْصَاهُمْ عَدُّهُ، وَوَسِعَهُمْ عَدْلُهُ، وَغَمَرَهُمْ فَضْلُهُ، مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ (1)اللّهمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ، وَالتَّعْدَادِ الْكَثِيرِ، إِنْ تُوَمَّلْ فَخَيْرُ مُومَلٍ، وَإِنْ تُرْجَ فَأَكْرَم مَرْجُو. اللّهمَّ وَقَدْ بَسَطتَ لِي فِيمَا لا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ، وَلا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ، وَلا أُوَجْهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَمَوَاضِعِ الرِّيبَةِ (2)، وَعَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الآدمِيِّينَ، وَالثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ.

اللّهمَّ وَلِكُلِّ مُنْنِ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثْوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ، أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ،


1) (كلفة) صعوبة (عارضة) تمنعه عن الابتداع والإيجاد، كما قد يمنع الإنسان شيء عما يريد أن يعمله ويوجده (ولا اعتورته) الاعتوار العروض (ملالة ولا فترة) أي كسل وضعف (بل نفذ فيهم علمه) أي علم الأمور داخلها وخارجها، كالشيء الذي ينفذ في شيء، فيدخل باطنه (وأحصاهم عده) فإنَّه سبحانه يعلم عددهم (ووسعهم عدله) فإنَّه يعدل بالنسبة إلى جميع المخلوقين (وغمرهم فضله) فإن إحسانه سبحانه شمل جميعهم (مع تقصيرهم عن كنه) أي ما يستحق من (ما) أي العبادة التي (هو أهله).

2) (أهل الوصف الجميل) أي أهل لأن توصف بالجميل (والتعداد الكثير) فإنَّ أوصافه سبحانه كثيرة (إن تؤمل) أي يرجو فضلك الناس (فخير مؤمل) لا أفضل منه سبحانه في الرجاء والأمل (وإن ترج فأكرم مرجو) هو الذي يترقب الإنسان منه الخير (اللّهم وقد بسطت لي) من فضلك (فيما) أي في النعم التي (لا أمدح به) الضمير عائد إلى [ما] المراد به [النعم] (غيرك) فإنَّك المتفضّل فكيف أمدح سواك (ولا أثني) من الثناء بمعنى الإطراء (إلى معادن الخيبة) أي المحلات التي تخيّب الإنسان إذا رجاها (ومواضع الريبة) أي الشك.

وَقَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَكُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ (1). اللّهمَّ وَهَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ، وَلَمْ يَرَ مُسْتَحِقاً لِهَذِهِ المَحَامِدِ وَالْمَمَادِحَ غَيْرَكَ، وَبِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلا فَضْلُكَ، وَلا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلا مَنكَ وَجُودُكَ (2)، فَهَبْ لَنَا فِي هذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ، وَأَغْنِنَا عَنْ مَدَّ الأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ، (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)!

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان

دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ، لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلا تَنْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ. وَإِنَّ الآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَالْمَحَجَّةَ قَدْ تَنكَّرَتْ (3). وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ، وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً (4)!


1) (أو عارفة من عطاء) أي عطاء معروف أكثر من الجزاء (وقد رجوتك دليلاً على ذخائر الرحمة) أي أن الرجاء هو أن تدلني على الرحمة المدخرة عندك للصالحين (وكنوز المغفرة) أي غفران الذنب.

2) (ولم ير مستحقاً لهذه المحامد) جمع محمدة، مصدر ميمي بمعنى الحمد (والممادح غيرك) وقوله [ولم] عطف على [أفردك] (وبي فاقة) أي حاجة شديدة (لا يجبر مسكنتها) المسكنة شدة الفقر التي توجب سكون صاحبها عن الحركة التجارية والزراعية وما أشبه - ممّا يتحرك بها أهل الثروة (ولا ينعش من خلتها) أي فقرها، والإنعاش ما يوجب النشاط والحركة (إلا منك) أي إحسانك (وجودك) بالإعطاء والإكرام.

3) (والتمسوا غيري) أي اطلبوا للبيعة غيري، ليكون رئيساً على المسلمين (فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان* أي في الخلافة - بعد مقتل عثمان - اضطرابات وارتباكات (لا تقوم له القلوب) أي لا تتحد في الالتفاف حوله (ولا تثبت عليه العقول) بل العقول التي تقبله أول الأمر ترده آخر الأمر (وإن الآفاق قد أغامت) أي غطيت بالغيم، وهذا كناية عن خروج الأمر عن الحالة الطّبيعيّة، كما تخرج الآفاق بالغيم عن ذلك (والمحجّة) أي الطَّريق (قد تنكّرت) أي ذهبت معالمها فلا تعرف.

4) (واعلموا أني إن أجبتكم) إلى قبول الخلافة الظاهرية (ركبت بكم ما أعلم) أي سرت بكم في طريق الحق، كما يركب القائد النّاس في مراكبه (ولم أصغ) أي لا أسمع إلى قول القائل) الذي يقول في ما يشاء (وعتب العاتب) الذي يعتب لماذا تركت سيرة الخلفاء (وإن تركتموني) ولم تبايعوني (فأنا كأحدكم) في أنه لا تبعة عليكم مني، ولا أفسد الأمر عليكم (ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم) أي للخليفة الذي تنصبونه (وأنا لكم وزيراً) بأن تجعلوا الخليفة غيري (خير لكم منّي أميراً) أي خليفة.

وَمِن خطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عمله وأعمال بني أمية

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي فَقَاتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا، وَاشْتَدَّ كَلَبُهَا.

فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي (1)، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَلا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مَائَةً وَتُضِلُّ مِائَةٌ إلا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا، وَمُنَاخ رِكَابِهَا، وَمَحَطٌ رِحَالِهَا، وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً، وَمَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً. وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَنَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ، وَحَوَازِبُ الْخُطُوب (2).


1) (أما بعد) أي بعد الحمد والصلاة (فقأت عين الفتنة) فقأ العين بمعنى قلعها، والظاهر أن المراد بالفتنة الخوارج، حيث إن اجتثاثهم كان صعباً جداً، إذ أنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام والزهد فلم يكن أحد يجترئ على تكفيرهم ومحاربتهم لولا الإمام الذي كان أشد ملازمة منهم لأحكام الإسلام، وأزهد منهم عند الخاص والعام (بعد أن ماج) شمل واضطرب (غيهبها) أي ظلمتها (واشتدّ كلبها) الكلب داء يصيب الكلاب ويسمّى حينئذ بالكلب العقور، فإذا عضّ أحداً مات، إن لم يسرع إلى الدّواء.

2) (فوالذي نفسي بيده) قسم باللّه سبحانه الذي نفس الإمام بيده يوجهها كما يشاء (لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة) أي يوم القيامة (تهدي مائة وتضل مائة) الواو بمعنى أو، وإنما خصص هذا بالذكر، لأن ابتداء الكلام كان في الخوارج الذين أضلوا الناس (بناعقها) أي الداعي إلى تلك الهداية، أو الضلالة - المفهوم من قوله تهدي وتضل - وقائدها الذي يقود أولئك المائة، ويحتمل أن يراد بالضمير في [ناعقها]: المائة، على ضرب من المجاز (وسائقها) والفرق أن القائد هو الذي يتقدم، والسائق هو الذي يتأخر (ومناخ ركابها) المناخ بضم الميم محل بروك القافلة (ومحط رحالها) أي المحل الذي يحط رحل الإبل والفرس ومن المعلوم أن محل الإناخة غير محط الرحال (ولو قد فقدتموتي ونزلت بكم كرائه الأمور) جمع كريهة وهي الأمور الشديدة التي لا يعلم حلّها وعلاجها (وحوازب الخطوب) جمع حازب وهو الأمر الصعب، وخطوب جمع خطب وهي الداهية والأمر الشديد

قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ، وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ، وَضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً، تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلاءِ عَلَيْكُمْ، حَتَّى يَفْتَحَ اللّه لِبَقِيَّةِ الأبْرَارِ مِنْكُمْ (1).

إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ، يُنْكَرْنَ مُقْبِلاتٍ، وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ، يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحَ، يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئْنَ بَلَداً (2)أَلا إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةٌ بَنِي أُمَيَّةَ، فإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ : عَمَّتْ خُطَتُهَا، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا، وَأَصَابَ الْبَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا، وَأَخْطَأَ الْبَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا (3). وَأَيْمُ اللّه لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوْءٍ بَعْدِي، كَالنَّابِ


1) (لأطرق كثير من السائلين) وهذا كناية عن تحيّرهم في الأمر لا يدرون ويرشدهم طريق الصواب (وذلك إذا قلصت حربكم) أي تمادت واستمرت وأصل التقلص التقبض، يعني عدم انفراجها وانكشاف غمتها (وشمرت عن ساق) فإنَّ الإنسان إذا أراد الجدّ في العمل رفع ثوبه عن ساقه - وهو التشمير - لئلا يمنعه فاضل الثوب عن الإسراع في العمل (وضاقت الدنيا عليكم ضيقاً) بأن لا تجدوا مفراً وملجاً عن المشكلة والكارثة (تستطيلون معه) أي مع ذلك الضيق (أيام البلاء عليكم) فإنّ الإنسان الواقع في البلية يستطيل الأيام، بعكس الإنسان الذي في الهناء والرفاه (حتّى يفتح اللّه لبقية الأبرار منكم) والفتح وإن كان عاماً لكنه إنما يأتي بملاحظة الأبرار ولذا نسب إليهم.

2) (إنّ الفتن إذا أقبلت شبهت) يعني يشتبه فيها الحق بالباطل، ويلبس الباطل لباس الحق فيغر به من قلت معرفته، وضئلت تجربته (وإذا أدبرت) بأن انزاحت (نبهت) ودلّت على مواقع الخطأ فيها، فإنّ الإنسان يفكر ويرجع إليه صوابه فيرى موقع الحق من الباطل (ينكرن) أي الفتن والمعنى لا يعرف كونها فتنةً وباطلاً (مقبلات) أي في حال إقبالها (ويعرفن مدبرات) فيعرف الناس - لدى إدبار الفتن - أنها كانت فتنةً وباطلاً (يحمن حوم الرياح) أي مثل حركة الرياح (يصبن بلداً ويخطئن بلداً) فتشمل الفتنة بلداً دون بلد.

3) (ألا إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية) وذلك لأنّهم حرّفوا الإسلام باسم الإسلام، وحيث كانت السلطة بأيديهم تمكنوا من ترسيخ قواعد الكفر في المجتمع (فإنها فتنة عمياء مظلمة) وهذان وصفان لشدّة جهالة الحق فيها واختلاطه بالباطل (عمّت خطّتها) لأنها كانت رئاسة عامة للبلاد الإسلامية فلا منجى لأحد منها (وخصت بليتها) لآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، حيث إنها كانت ضدهم، أو المراد خصت بليتها أهل الحق وليست كالفتن التي تشمل أهل الحق وأهل الباطل (وأصاب البلاء من أبصر فيها) أي في تلك الفتنة، فإنّ من عرف أنّها فتنة وأراد تجنّبها إلى الحق نزل به بلاء الاضطهاد من بني أمية (وأخطأ البلاء من عمي عنها) أي من لم يبصر أنها فتنة فجاراها وسايرها، فإنّهم لم يكونوا يتعرضون لمن لم يعارضهم.

الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا، وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا، وَتَزْيِنُ بِرِجْلِهَا، وَتَمْنَعُ دَرَّهَا (1). لا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلا نَافِعاً لَهُمْ، أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ، وَلا يَزَالُ بَلاؤُهُمْ حَتَّى لا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلا كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ، وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ، تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً، لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى وَلا عَلَمٌ يُرَى (2). نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ، وَلَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ، ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللّه عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الأَديمِ، بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً، وَيَسُوقُهُمْ عُنْفاً، وَيَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لا يُعْطِيهِمْ إِلا السَّيْفَ، وَلا يُحْلِسُهُمْ إلا الْخَوْف (3)، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْسٌ - بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً، وَلَوْ -


1) (بني أمية لكم أرباب سوء بعدي) أي قادة سوء يعملون سوءاً ويأمرونكم بالسوء (كالنّاب الضّروس) النّاب الناقة المسنة، والضروس السيّئة الخلق التي تعض بضرسها حالبها (تعذم) أي تعض بفيها وتخبط بيدها أي تضرب الأرض وتخلط الحسن بالسيّئ (وتزبن) أي تضرب (برجلها) فترفس الناس وتكسر الأشياء وهكذا (وتمنع درّها) أي حليبها فلا تعطي اللبن.

2) (لا يزالون بكم) أي بنو أمية (حتى لا يتركوا منكم إلا نافعاً لهم) يؤيدهم (أو غير ضائر بهم) لا ينهاهم عن المنكر (حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إذا أراد كفهم عن ظلمه، أو أخذ حقه منهم، (إلا كانتصار العبد من ربه) فكما لا يتمكن العبد أن ينتصر من سيّده، كذلك لا تتمكنون من الانتصار عليهم (والصاحب من مستصحبه) أي التابع من متبوعه والذليل ممّن أنله (شوهاء) قبيحة المنظر، أي مشوّهة الخلقة (مخشية) أي مخوفة مرعبة (وقطعاً جاهلية) فإنّهم يعيدون الأخلاق الجاهلية، فكل خلق منها كقطعة من قطع الجاهلية قبل الإسلام (ليس فيها) أي في فتنتهم (منار هدى) محل للنور يعرف به الطريق (ولا علم يرى) أي دليل يسير عليه السائر يراه فيسير نحوه لئلا يضل.

3) (بمنجاة) أي في محل نجاة لا تشملنا، وهذا تحريض للنّاس للتمسك بأهل البيت إذا أرادوا النّجاة من تلك الفتنة - بمعنى عدم الوقوع في الباطل والإثم – (ولسنا فيها بدعاة) جمع داعٍ، فإنّ أهل البيت كانوا مخالفين لبني أمية لا داعين إليهم (ثم يفرجها اللّه عنكم) بزوال ملكهم كتفريج الأديم أي كما يسلخ الجلد عن اللحم (يسومهم خسفاً) يقال سامه خسفاً إذا أذله (ويسوقهم عنفاً) يريد بالسوق تنحيتهم عن أريكة السلطة، والمراد بأولئك بني العباس، وليس هذا مدحاً لهم بل نقلاً وحكاية (ويسقيهم بكأس مصبّرة) أي مملوءة إلى أصبارها - جمع صبر بمعنى الحاشية والطرف - وهذا كناية عن الوان الانتقام منهم وتعميم التعذيب والاستئصال لهم (لا يعطيهم إلا السّيف) كناية عن سعة القتل فيهم فلا أمان لهم ولا يحلسهم أي لا يلبسهم (إلا الخوف) يعني أنه يغشى فيهم الخوف.

قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ، لأقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلا يُعْطُونَنِي (1).

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها وصف اللّه والرسول وآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ثم الوعظ والإرشاد

فَتَبَارَكَ اللّه الَّذِي لا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَم، وَلا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ الأَوَّلُ الَّذِي لا غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِيَ، وَلا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِيَ (2).

منها : فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ، وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرٍ مُسْتَقَرٌّ، تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الأَصْلابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الأَرْحَامِ، كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ، قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللّه خَلَفٌ (3). حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ، (صلى اللّه عليه وآله)، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً، وَأَعَرُ الأَرَومَاتِ مَغْرِساً،


1) (فعند ذلك تود قريش - بالدنيا وما فيها - لو يرونني) فإنَّ أبا مسلم إنما قام في مقابلة الأمويين لنصرة العلويين فكانت قريش تود أن ترى الإمام لتعطيه حقه، وقوله: [بالدنيا] أي كانوا يحبّون رؤيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقابل إعطائهم الدنيا وما فيها لما لاقوه من بني العباس (قدر جزر جزور) الجزور الناقة التي تجزر أي تنحر، أي أن قريش تود رؤيتي ولو بمقدار نحر بغير ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني هؤلاء القوم - من النصفة والحق - أي يحبون أن يروني لأقبل منهم السلطة العامة ممّا أطلب اليوم بعضه. فإنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يطلب ضم الشام - الذي هو بعض السلطة - فلا يعطيها معاوية، وفي بعض الشروح تفسير [تود قريش] بحب بني أمية لذلك - لكن ما ذكرناه أظهر - واللّه العالم.

2) (فتبارك اللّه) من برك بمعنى ثبت، أي أنه سبحانه ثابت لا يزول، ومنه سميت البركة، لأنها تبقى ولا تفنى بسرعة (الذي لا يبلغه بعد الهمم) جمع همّة، أي أن الهمّة البعيدة لا تبلغ كنه معرفته سبحانه لتعذرها على البشر (ولا يناله حدس) هو الظن (الفطن) جمع فطنة بمعنى الذكاء (الأول الذي لا غاية له) أي لا آخر لوجوده تعالى (فينتهي) أي ينعدم.

3) (فاستودعهم) الأنبياء، أي أودعهم (في أفضل مستودع) أي أصلاب الرجال (وأقرهم في خير مستقر) أي أرحام النّساء (تناسختهم) أي تناقلتهم (كرائم الأصلاب) أي الأصلاب الكريمة والصلب في ظهر الرجل موضع مائه (إلى مطهّرات الأرحام) أي أرحام النساء المطهرة عن الزنى والكفر وما أشبه (كلما مضى منهم سلف) بأن مات أحدهم (قام منهم بدين اللّه خلف) يخلف مكانه ليؤدّي رسالة ربه.

مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ (1). عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ، وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الأُسَرِ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ، نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ، وَبَسَقَتْ فِي كَرَمٍ، لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ، وَثَمَرَةٌ لا تُنَالُ (2)، فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى، سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ، وَشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ، وَزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ، سِيرَتُهُ الْقَصْدُ، وَسُنَّتُهُ الرُّشْدُ، وَكَلامُهُ الْفَضْلُ، وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ، أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ، وَغَبَاوَةٍ مِنَ الأُمَمِ (3). اعْمَلُوا، رَحِمَكُمُ اللّه، عَلَى أَعْلامٍ بَيِّنَةٍ، فَالطَّرِيقُ نَهْجٌ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ (4)، وَأَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وَفَرَاغِ، وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ، وَالأَقْلامُ جَارِيَةٌ، وَالأَبْدَانُ


1) (حتى أفضت) أي انتهت (كرامة اللّه إلى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأخرجه) أي الرسول (من أفضل المعادن منبتاً) المنبت اسم مكان بمعنى محل النبات والمراد [بني هاشم] (وأعز الأرومات) جمع أرومة بمعنى الأصل (مغرساً) موضع الغرس (من الشجرة التي صدع منها أنبياءه) يقال صدع فلاناً إذا قصده لكرمه، أي خصهم بالنّبوة، والمراد بها شجرة إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي تفرع منه أنبياء بني إسرائيل الكثار وغيرهم (وانتجب) أي اختار (أمناءه) المأمونين على تبليغ الشريعة.

2) (عترته) عترة الرجل أهله الأقربون، أي أن أهل بيت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وأسرته) رهطه وجماعته (نبتت) شجرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (في حرم) مكة (وبسقت) أي ارتفعت (في كرم) فكلهم كرماء أذكياء (لها فروع طوال) لامتداد ذريّة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وثمرة لا تنال) أي أن عزه وسؤدده لا ينال فلا يتمكن أحد من الوصول إلى هذه المرتبة الرفيعة.

3) (فهو إمام من اتقى) لأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) المعلم والمرشد والأسوة (وبصيرة) أي سبب بصيرة (سراج) أي مصباح (لمع ضوؤه) فكما يضيء المصباح كذلك الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يضيء بالإرشاد والهداية (وشهاب) هو النيزك يرى بالليل ينقض في السماء (سطع نوره) أي ارتفع (وزند) هو ما يقدح من الحجر لإخراج النّار (برق لمعه) أي نوره (سيرته القصد) يعني التوسط في الأمور بلا إفراط ولا تفريط (وسنته) أي طريقته (الرّشد) لا غي في سنته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وكلامه الفصل) بين الحق والباطل (وحكمه العدل) لا يجور في الحكم أو أن أحكامه كلها عادلة لا انحراف فيها (على حين فترة من الرسل) الفترة الزمان بين الرسولين (وهفوة) أي انحراف الناس عن العمل الصالح (وغباوة) أي جهل (من الأمم) بما يصلح دنياهم وآخرتهم.

4) (على اعلام بيّنة) أي واضحة، والمراد بالأعلام، أحكام الكتاب والسنّة، فإنّها أعلام لطريق الحق والهدى (فالطريق) إلى الحق (نهج) واضح مستقيم (يدعو إلى دار السلام) ودار السلام هي الجنّة، لأنها دار سلامة.

صَحِيحَةٌ، وَالألْسُنُ مُطْلَقَةٌ، وَالتَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ، وَالأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ (1).

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فضيلة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلالٌ فِي حَيْرَةٍ، وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ، قَد اسْتَهْوَتْهُمُ الأَهْوَاءُ، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلاءُ (2)، حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الأَمْرِ، وَبَلاءِ مِنَ الْجَهْلِ، فَبَالَغَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) فِي النَّصِيحَةِ، وَمَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (3).

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها حمد اللّه، وتمجيد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

الْحَمْدُ للّه الأَوَّلِ فَلا شَيْءَ قَبْلَهُ، وَالآخِرِ فَلا شَيْءَ بَعْدَهُ، وَالظَّاهِرِ فَلا شَيْءٍ فَوْقَهُ، وَالْبَاطِنِ فَلا شَيْءَ دُونَهُ (4).


1) (وأنتم في دار مستعتب) أي طلب العتبى - بمعنى الرضا - فإنَّ الدنيا دار يطلب من الإنسان - فيها - أن يرضي ربه، وهذا كناية عن أن للإنسان وقتاً للعمل الصالح (على مهل) أي مهلة من العمل (وفراغ) فلا اشتغال للإنسان بما لا يتمكن من العمل الصالح بسببه (والصحف) جمع صحيفة التي يكتب فيها عملكم – (منشورة) فلكم إمكان أن تزيدوا وتنقصوا في أعمالكم (والأقلام جارية) بالكتابة لكم أو عليكم، فيمكنكم التدارك (والأبدان صحيحة) لا مرض فيها (والألسن مطلقة) لا خرس لها، والجملتان من باب الغالب - كما لا يخفى - (والتوبة مسموعة) لا كالآخرة التي لا تقبل التوبة فيها (والأعمال مقبولة) فمن عمل صالحاً قبل منه ورفع به درجته.

2) (وحاطبون في فتنة) أي كانوا يخوضون في الفتن لا يهتدون إلى الحق، ولا يجدون للخلاص سبيلاً (قد استهوتهم الأهواء) أي أن الميول والشهوات أخذتهم إلى جانبها (واستزلتهم الكبرياء) أي أدى كبرياؤهم وانصرافهم عن الحق إلى الزلة والسقوط في المفاسد (واستخفتهم الجاهلية الجهلاء) أي جعلتهم الجاهلية خفافاً، تسوق بهم إلى المهالك والمضار.

3) (حيارى) جمع حيران (في زلزال من الأمر) أي أنّ أمورهم لم تكن مستقرة بل مضطربة (وبلاء من الجهل) فجهلهم كان بلاءً عليهم.

4) (الحمد للّه الأول فلا شيء قبله) فهو واجب الوجود، فهو أزل، ولا شيء غيره إلا ممكن الوجود (والآخر فلا شيء بعده) لأنه سبحانه يبقى بعد فناء جميع الأشياء (والظاهر فلا شيء فوقه) والمراد بالظاهر العالي منزلة الرفيع قدراً (والباطن فلا شيء دونه) في تبطن الأشياء وعرفان كنهها، والمراد البطون بالعلم لا بالمكان، كما هو واضح.

ومنها : في ذكر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٌّ، وَمَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِت فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ، وَمَمَاهِدِ السَّلَامَةِ، قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الأَبْرَارِ، وَثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الأَبْصَارِ (1)، دَفَنَ اللّه بِهِ الضَّغَائِنَ، وَأَطْفَاً بِهِ الثَّوَائِرَ أَلْفَ بِهِ إِخْوَاناً، وَفَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً، أَعَزَّ بِهِ الذُّلَّةَ، وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ. كَلامُهُ بَيَانُ، وَصَمْتُهُ لِسَانٌ (2).

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حال أصحابه، وحال أصحاب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

وَلَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ، وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ، وَبِمَوْضع الشَّجَا مِنْ مَسَاعْ رِيقِهِ. أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَظْهَرَنَّ هؤُلَاءِ الْقَوْمُ (3)عَلَيْكُمْ، لَيْسَ لأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى


1) (مستقره) (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أي محل قراره، وهو مكة، أو المراد رحم أمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ومنبته) أي: آباؤه الذين نبت (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) منهم (في معادن الكرامة) فأجداده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كانوا كرماء أذكياء، كأنهم معدن لهذا الوصف (ومماهد) جمع ممهد، والمراد المهد - فهو اسم مكان من أمهد أي هيا المكان الحسن للاستقرار - (السلامة) فإنّ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان من آباء كلهم سالمون عن الكفر والسفاح وسائر الأرجاس قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار أي أنّ قلوبهم مصروفة نحوه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لاتخاذ العلم والعمل منه (وثنيت إليه أزمة الأبصار) أزمة جمع زمام وانثناء الأزمة كناية عن تحوّل الأبصار إليه.

2) (الضغائن) أي الأحقاد بما أوجد في قلوبهم من المحبة والالفة (وأطفأ به الثوائر) جمع ثائرة، وهي العداوة التي تثور وتثب للإضرار (الف به إخواناً) فجعل كل مسلم أخاً للآخر (وفرق به أقراناً) الذين كانوا يألفون على الشرك والعصيان، فمن آمن منهم فرق عمّن بقي على كفره (أعزّ به الذلة) التي كانت تشمل العرب وسائر الناس فيما قبل الإسلام (وأذل به العزّة) للكافرين والعصاة فأصبحوا أذلاء بعد أن كانوا أعزّة (كلامه بيان) للحق، ليس هدراً ولغواً (وصمته لسان) فإن سكوته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دليل على العدم والترك، فإذا سكت عن شيء دلّ على أنّه ليس بمنكر، لأن قوله وفعله وتقريره كلّها حجّة.

3) (فلن يفوت أخذه أي لا يذهب عنه تعالى أن يأخذه وينتقم منه (بالمرصاد) هو موضع الرصد والترقب، كأنّه سبحانه واقف في طريق الظالم يراقبه حتى إذا وصل إليه - وحان وقته - أخذه أخذ عزيز مقتدر (على مجاز طريقه) المجاز محل العبور، من جاز بمعنى مرّ (وبموضع الشجا) الشجا ما يعترض في الحلق من عظم ونحوه (من مساغ ريقه) أي ممره من الحلق وهذا تمثيل لقرب ترقب اللّه سبحانه للظالم، حتى كأنه سبحانه في حلقه، فإذا أراد أخذه جعل هناك شجا فلا يتمكن من شرب الماء (أما والذي نفسي بيده) أي اللّه سبحانه (ليظهرن) أي ليغلبن وليتسلطن (هؤلاء القوم) معاوية وأتباعه.

بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ، وَإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي. وَلَقَدْ أَصْبَحَتِ الأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا، وَأَصْبَحتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي. اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَدَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا، وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا أَشُهُودٌ كَغُيَّابٍ، وَعَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ (1)! أَتْلُو عَلَيْكُمُ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا، وَأَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا، وَأَحْتُكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ، وَتَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ (2)، أَقَوْمُكُمْ غُدْوَةً، وَتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةٌ، كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ، عَجَزَ الْمُقَوِّمُ، وَأَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ (3). أَيُّهَا القَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، المُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ.


1) (ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها) جمع الراعي أي حكّامها، فإنَّ الناس يخافون من ظلم السلاطين والحكام (أخاف ظلم رعيتي) بأن تظلمني في عدم الإطاعة، وعدم السير على الخطة التي أنهجها لهم (استنفرتكم للجهاد) أي طلبت منكم النفر والسير لجهاد أهل الشام (وأسمعتكم) أي أسمعتكم سوء العاقبة إذا لم تحاربوا هؤلاء ودعوتكم) إلى الحق (سرّاً) فرادى وفي الخلوات (وجهراً) جماهيراً وفي الاجتماعات (فلم تستجيبوا) ولم تقبلوا النصح والإرشاد (ونصحت لكم فلم تقبلوا) نصحي ولم تسيروا وفق منهجي (أشهود كغياب)؟ استفهام إنكار، أي كيف أنتم حاضرون في حال كونكم - في عدم الانتفاع - كالغائبين الذين لا يسمعون الكلام (وعبيد كأرباب) إن العبد يحتاج إلى الإخافة في الإطاعة، وهؤلاء كانوا عبيداً لكنهم كأرباب لا رب لهم.

2) (اتلو) أي أقرأ (وأحثكم) أي أحرضكم (أهل البغي) أي أهل الظلم وهم معاوية وأتباعه (أيادي سبأ) جمع أيدي، وهي النعمة، أي كما تفرقت نعم [سبأ] وهي مدينة في اليمن، حكى القرآن الحكيم قصتها في قوله: لَقَدْ كَانَ لِسَبَا فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ [سبأ: 15.]، وقيل غير ذلك، ثم صار [أيادي سبأ ] مثلاً في شدة التفرق والاختلاف (وتتخادعون) أي يخدع بعضكم بعضاً عن مواعظكم التي وعظتكم بها، فلا ترون لها قيمة وثمناً.

3) (اقومكم) بالنصح والإرشاد وأجمعكم (غدوة) أي صباحاً (كظهر الحنية) أي القوس، سميت بها لانحنائها (عجز المقوم) عن تقويمكم، وهذه جملة خبر للتأفيف والتضجر (وأعضل المقوم) أي استصعب وعصى من يراد قوامه واستقامته.

صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللّه وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللّه وَهُمْ يُطِيعُونَهُ. لَوَدِدْتُ وَاللّه أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَني بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ، فَأَخَذَ منّيعَشَرَةٌ مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ (1)!

يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاثٍ وَاثْنَتَيْنِ : صُمَّ ذَوُو أَسْمَاعٍ، وَبُكُمْ ذَوُو كَلامِ، وَعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ، لا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللّقَاءِ، وَلا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلاءِ (2)تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ يَا أَشْبَاءَ الإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا ! كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ تَفَرَّقَتْ مِنْ جَانِب آخَرَ، وَاللّه لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ: أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى، وَحَمِي الضَّرَابُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبِ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبْلِهَا. وَإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَمِنْهَاجِ مِنْ نَبِيِّي، وَإِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ أَلْقُطهُ لَقْطاً (3).


1) (الشاهدة أبدانهم) أي الحاضرة في محضري (الغائبة عنهم عقولهم) كناية عن عدم رشدهم وإدراكهم (المختلفة أهواؤهم) فلكل هوى وميل واتجاه بلا اجتماع على الحق المبتلى بهم أمراؤهم فإنَّ أمراء العراق ما كانوا يعلمون ماذا يصنعون بهؤلاء، ولذا دل التاريخ على كثرة التقلبات في هذه البلاد بما يقل مثلها في سائر المدن والبلاد (صاحبكم) يعني نفسه الطاهرة (صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم) المصارفة تعويض نقد بنقد آخر.

2) (منيت منكم) أي امتحنت بواسطتكم وابتليت بكم (بثلاث) من الخصال السيّئة التي فيكم (واثنتين) أي خمس خصال سيّئة، وإنما فرّقهما لأن الاثنتين شكل آخر من غير شكل الثلاث، وإن كان الجميع خصال سوء أما الثلاث (صم ذوو أسماع) أي أنّ أسماعكم لا تنفع، فأنتم كالإنسان الأصمّ الذي لا ينتفع بسمعه، وصُمّ جمع أصمّ، وهو من فقد حاسة السمع (وبكم ذوو كلام) وحيث إنّ كلامهم لا ينفع فهم كالأبكم الذي لا يتكلم إن عدم الكلام والكلام غير المفيد سواء (وعمي ذوو أبصار) والحاصل أن أسماعكم وأبصاركم وألسنتكم لا يأتي منها الخير فوجودها كعدمها... وأما الاثنتان (لا أحرار صدق) أي ليس أحدكم حرّاً صادقاً لأن عملكم عمل العبد (عند اللقاء) في الحرب، فالعبد يفر، لأنه لا يهمه مَنْ كان سيده أو خصمه ولا إخوان ثقة) أي إخوان يثق بكم الإنسان.

3) (تربت أيديكم) أي أصابت التراب، وهذا دعاء عليهم بعدم الخير (يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها) فإنّ الإبل إذا غاب عنها الراعي تفرّقت أشدّ التفرّق (لكأني بكم) أي هكذا أراكم وأظنكم (فيما إخالكم) أي فيما أظن (أن لو حمس) أي اشتدّ (الوغى) أي الحرب (وحمي) أي صار حاراً (الضراب) أي القتال (قد انفرجتم) أي تفرّقتم (انفراج المرأة عن قبلها) كما تبدي النساء عوراتها لدى الوضع عند الولادة، أو لدى ملاقاة السلاح، لأنها تذهل عن أمرها، حتى أنها لا تعرف انكشاف قبلها إذا فرّت (لعلى بينة من ربي) فأنا أعرف أحكام اللّه سبحانه (ومنهاج من نبيّي) أعلم سنّة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (القطه لقطاً) أي آخذ الحق كما يأخذ الإنسان اللقطة الثمينة من بين ما لا ثمن له.

انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ، وَاتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ، فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدّى، فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا. وَإِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا وَلا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَلا تَتَأَخَرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُو(1). لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ، لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً، وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِيَاماً، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ، وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ (2)! إِذَا ذُكِرَ اللّه هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبَلَّ جُيُوبَهُمْ، وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، وَرَجَاءُ لِلثَّوَابِ (3)!


1) (فالزموا سمتهم) أي طريقهم (أثرهم) الأعمال والأقوال والعقائد (ردى) أي الهلاك (فإن لبدوا) أي أقاموا على أمر (وإن نهضوا) بالحرب، أو ما أشبه (ولا تسبقوهم) بأن تسرعوا في الأمر فيما تأنوا فيه، كأن يحاربوا وأهل البيت يرون وجوب المسالمة (ولا تتأخروا عنهم) كما لو قام أهل البيت بالحرب، فلم ينهض معهم الناس.

2) (شعثاً) جمع أشعث وهو الذي لم يمشط رأسه فتداخل شعره (غبراً) جمع أغبر وهو المعفر الرأس، فإنّ القيام بالليل وكثرة الركوع والسجود يسبب ذلك، والمراد أنهم كانوا عباداً زهّاداً (يراوحون) المراوحة بين عملين هي أن يعمل هذا مرة وذاك مرة (بين جباههم وخدودهم) جمع خد، يعني أنّهم كانوا يضعون جبهتهم وخدّهم على الأرض خضوعاً - هذه مرة، وذاك أخرى (ويقفون على مثل الجمر) أي مثل الواقف على جمر النار (من ذكر معادهم) فإنّ الإنسان إذا خاف شديداً، كان كالواقف على الجمر في ضربان القلب، وعدم استقرار الجسد (كأنّ بين أعينهم) أي في جباههم (ركب المعزى) جمع ركبة، فإنّ كثرة السجود توجب يبس الموضع واستدارته وانعقاد الثفنة، وتخصيص المعزى لأن ركبها أشدّ يبوسة.

3) (هملت) أي جرت (جيوبهم) من كثرة البكاء، فإنَّ الخائف الشديد الخوف والراغب الشديد الرّغبة، إذا ذكر لديهم المخوف منه أو المرغوب إليه بكوا (ومادوا) أي اضطربوا (كما يميد الشجر يوم الرّيح العاصف) إذا هبت الرياح الشديدة.

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف بني أمية

وَاللّه لا يَزَالُونَ حَتَّى لا يَدَعُوا للّه مُحَرَّماً إلا اسْتَحَلُوهُ، وَلا عَقْداً إلاّ حَلُوهُ، وَحَتَّى لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إلا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَنَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ (1)، وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ : بَاكِ يَبْكِي لِدِينِهِ، وَبَاكِ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ، وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ، إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ، وَإِذَا غَابَ اغْتَابَهُ (2)، وَحَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللّه ظَنّاً، فَإِنْ أَتَاكُمُ اللّه بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا، وَإِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (3).

وَمِنْ خُطبة (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التزهيد في الدنيا

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ، وَنَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنا عَلَى مَا يَكُونُ، وَنَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الأَدْيَانِ، كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الأَبْدَانِ.


1) (لا يزالون) أي يبقون (وحتّى لا يبقى بيت مدر) وهو المبني من طوب وحجر ونحوهما (ولا وبر) وهي الخيام المضروبة من أوبار الإبل ونحوها (إلا دخله ظلمهم) فإنّ الضّرائب وما أشبه تدخل كلّ بيت (ونبا به سوء رعيهم) يقال نبا به المنزل إذا لم يوافقه فارتحل عنه، يعني أن سوء إدارة بني أمية يوجب ابتعاد النّاس عن دارهم فراراً من الظلم.

2) (باك يبكي لدينه) حيث إن بني أمية يحاربون الدين (وباك يبكي لدنياه) حيث يستبدون بالسيطرة على الدنيا فلا يجعلون لأحد منها نصيباً (نصرة أحدكم من أحدهم) أي إذا أراد الانتصار (كنصرة العبد من سيّده) الذي لا يتمكن الانتصار منه والتغلب عليه (إذا شهد أطاعه وإذا غاب اغتابه) هذا بيان لكيفية النصرة، فإنّ العبد حيث لا يتمكّن من الانتصار يكون حاله هكذا، إذا حضر المولى أطاعه - خوفاً وجبراً - وإذا غاب المولى اغتابه العبد وبين مظالمه وأذاه له.

3) (وحتى يكون أعظمكم فيها) أي في حكم بني أمية (عناء) تعباً وصعوبة (أحسنكم باللّه ظناً) إذ الإنسان الحسن الظَّن باللّه يعمل من أجله سبحانه، وبنو أمية مخالفون لمن أطاع اللّه سبحانه ولذا يضطهدوه ويؤنوه أكثر من غيره (فإن أتاكم اللّه بعافية) سلامة عن شرّهم.

عِبَادَ اللّه، أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ وَإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا، وَالْمُبْلِيَةِ لأَجْسَامِكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا (1)، فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ، وَأَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوه. وَكَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لا يَعْدُوهُ، وَطَالِبٌ حَثِيثٌ مِنَ الْمَوْتِ يَحْدُوهُ، وَمُزْعِجٌ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْماً (2)! فَلا تَنَافَسُوا فِي عِزّ الدُّنْيَا وَفَخْرِهَا، وَلا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَلا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَبُؤْسِهَا، فَإِنَّ عِزَّهَا وَفَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعِ، وَإِنَّ زِينَتَهَا وَنَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ، وَضَرَّاءَهَا وَبُؤسَهَا إِلَى نَفَادٍ، وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ، وَكُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ أَوَلَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ وَفِي آبَائِكُمْ الْمَاضِينَ تَبْصِرَةٌ وَمُعْتَبَرُ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (3)! أَوَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لا يَرْجِعُونَ، وَإِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لا يَبْقَوْنَ! أَوَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا


1) (نحمده على ما كان) من تهطال نعمه علينا قديماً (ونستعينه من أمرنا على ما يكون) ليكون سبحانه عوناً لنا في ما سيأتي (بالرفض لهذه الدنيا) أي تركها وعدم الإقبال عليها (وإن كنتم تحبّون تجديدها) أي تجديد الدنيا، فهي على نقيض منكم حيث إنكم تخدمونها وهي تسيء إليكم فما أجدر بالإنسان أن يترك ما هذا شأنه.

2) (كسفر) بمعنى جماعة مسافرين (سلكوا سبيلاً) أي ساروا في طريق (فكأنهم قد قطعوه) ووصلوا إلى الغاية التي من أجلها سافروا (وأموا علماً) أي قصدوا جبلاً - أو علامة - (فكأنهم قد بلغوه وكم عسى المجري) مركوبه إلى الغاية أن يجري إليها أي الذي يريد أن يجري إلى تلك الغاية (حتى يبلغها) متعلق بـ[ كم عسى] أي أي مقدار من المدة يرجو - الذي يجري مركوبه إلى غاية يريد أن يجري إليها - حتّى يبلغ تلك الغاية؟ (وما عسى) أي ما يُؤمّل (من له يوم لا يعدوه) فإنَّ لكل إنسان يوم لا يعدو ذلك اليوم (طالب حثيث من الموت) يحث ويحرض على السير (يحدوه) يسوقه ويسيّره (ومزعج في الدنيا حتّى يفارقها رغماً) والطالب الحثيث هو أمر اللّه سبحانه فالأمر آخر، وطالب يحدو.. فكم يبقى الإنسان والحال هذه؟

3) (ولا تجزعوا) الجزع ضدّ الصبر (من ضرّائها) أي الأضرار التي تلحق بكم من الدنيا (وبؤسها) شدائدها (أو ليس لكم في آثار الأولين) ممّن كان من قبلكم (مزدجر) أي ما يسبب الانزجار والارتداع عن الإقبال على الدنيا، فها هم قد فنوا ومضوا وهذه آثارهم (وفي آبائكم الماضين) الذين ماتوا (تبصرة ومعتبر) أي ما يوجب التبصر والاعتبار، بأن تعرفوا من مضيّهم حال الدنيا وأنها لا تفي ولا تبقى على أحد.

يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى فَمَيِّتٌ يُبْكَى، وَآخَرُ يُعَزَّى، وَصَرِيعٌ مُبْتَلَى، وَعَائِدٌ يَعُودُ، وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ، وَطَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ، وَغَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ، وَعَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي (1)أَلا فَاذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَّاتِ، وَمُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ، وَقَاطِعَ الأمْنِيَاتِ، عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ لِلأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ، وَاسْتَعِينُوا اللّه عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ، وَمَا لَا يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَإحْسَانِهِ (2).

وَمِنْ خُطبة (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رسول اللّه وأهل بيته الأطهار

الْحَمْدُ للّه النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ، وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ. نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وَبِذِكْرِهِ نَاطِقاً (3)، فَأَدَى أَمِيناً،، وَمَضَى رَشِيداً، وَخَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ، مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا


1) (على أحوال شتّى) ؟ جمع شتيت بمعنى أحوال مختلفة، وذلك ممّا يدل على عدم بقاء الدنيا على حال (وصريع) أي من نام على فراش العلة كأن المرض صرعه (وعائد) للمريض (يعود) أي يزوره ويسأل عن أحواله (وآخر) محتضر في آخر ساعاته (بنفسه يجود) أي يعطي نفسه للّه سبحانه يقال جاد بنفسه إذا قارب الموت (وطالب للدنيا والموت يطلبه) فهو في عين الإيغال في الدنيا وهو يبتعد عنها بطلب الموت له (وغافل) عن الآخرة (وليس بمغفول عنه) بل له حساب دقيق (وعلى أثر الماضي) من النّاس (ما يمضي الباقي) [ما] مصدرية، أي يكون مضي الباقين في الدنيا.

2) (ألا) للتنبيه (هادم اللذات) وهو الموت (ومنغص الشَّهوات) يقال: نقص عيشه إذا أفسده (وقاطع الأمنيات) جمع أمنية بمعنى الآمال، فكان الأماني متصلة بالإنسان والموت يقطع خيوطها (عند المساورة) والمساورة المواثبة كأنّ الإنسان يثب على العمل القبيح فيأتي به.

3) (الناشر في الخلق فضله) فإنّه سبحانه عمّم فضله وإحسانه في جميع خلقه (والباسط فيهم بالجود يده) فكما أنّ الإنسان إذا أراد أن يعطي أحداً شيئاً مدّ يده - أي بسطها - ليناوله، كذلك اللّه سبحانه من باب تشبيه المعقول بالمحسوس تقريباً إلى الذهن (صادعاً) يقال صدع بالأمر: أي قام به، وأصل الصدع الكسر كأنه يكسر الباطل ليبني مكانه صرح الحق (وبذكره ناطقاً) أي بأن يذكره سبحانه، أو بذكره الذي هو قرآنه.

زَهَقَ، وَمَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ، دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلامِ، بَطِيءُ الْقِيَامِ، سَرِيعُ إِذَا قَامَ (1)، فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ، وَأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ، جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ، فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللّه حَتَّى يُطْلِعَ اللّه لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَيَضُمُّ نَشْرَكُمْ (2)، فَلا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ، وَلا تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ، فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَ بِهِ إِحْدَى قَائِمَنَيْهِ، وَتَثْبُتَ الأُخْرَى، فَتَرْجِعًا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً. أَلا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ : إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللّه فِيكُمُ الصَّنَائِعُ، وَأَرَاكُمْ مَا كُنتُمْ تَأْمُلُونَ (3).

وَمِنْ خُطبة لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي تشتمل على الملاحم

الْحَمْدُ للّه الأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلِ، وَالآخِرِ بَعْدَ كُلِّ آخِرِ، وَبِأَوْلِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ


1) (فأدّى أميناً) بغير أن يزيد فيها أو ينقص (ومضى رشيداً) أي مع الرّشد لم يتغير عما كان عليه وخلف فينا راية الحق) وهي الكتاب والعترة (من تقدّمها مرق) أي خرج عن الدّين، ومعنى التقدّم الزّيادة على ما شرعه اللّه سبحانه ومن تخلف عنها زهق أي اضمحل وهلك، والتخلّف بعدم إتيان ما شرع اللّه من الأحكام (ومن لزمها) أي لزم الراية (لحق) بالحق بدون تقدّم أو تأخر (مكيث الكلام) أي رزين يمكث في قوله، فلا يسرع في الجواب، وذكر الحلول للمشاكل وإنما يمكث (بطيء القيام) أي لا يقوم بأمر إلا بعد بطء وتريّث وتفكّر (سريع إذا قام) فإذا تبيّن وجه الحق نهض في تنفيذه مسرعاً بلا تلكؤ وبطء.

2) (النتم له رقابكم ألان رقبته كناية عن الخضوع له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وأشرتم إليه بأصابعكم) بأن كان مشهوراً بينكم يشار إليه بالأصابع (جاءه الموت فذهب به) يعني إذا تمّ الإسلام بالإمام بأن صار مطاعاً مشتهراً توفي (فلبثتم بعده ما شاء اللّه) من المدة الطويلة بلا إمام قائم (حتى يطلع اللّه لكم) أي يخرج لكم (من يجمعكم) تحت لواء الحق (ويضم نشركم) يجمع المتفرق منكم.

3) (فلا تطمعوا في غير مقبل) إلى الزعامة كالأئمة الذين لم يقوموا بالأمر، فإنَّهم لم يقبلوا نحو الزعامة وإنما لزموا دورهم (ولا تيأسوا من مدبر) كالإمام المهدي الذي أدبر بغيبته عنهم (فإن المدبر عسى) أي لعل (أن تزل إحدى قائمتيه) أي رجليه والزلة كناية عن عدم القيام بالأمر (وتثبت الأخرى) كناية عن عدم الانقطاع مطلقاً وإنما التأخير لمصالح (فترجعا) القائمتان (حتّى تثبتا جميعاً) بأن تكمل شرائط القيام فيقوم بإذن اللّه سبحانه إذا خوى) أي غاب (وأراكم ما كنتم (تأملون بظهور الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

لا أَوَّلَ لَهُ، وَبِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لا آخِرَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللّه شَهَادَةً يُوافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإغلانَ، وَالْقَلْبُ النِّسَانَ (1).

أَيُّهَا النَّاسُ، لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي وَلا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي، وَلا تَتَرَامَوْا بِالأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي. فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الأُمِّي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ، وَلا جَهِلَ السَّامِعُ (2). لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلَّيلِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّام، وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ. فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، وَاشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ، وَثَقُلَتْ فِي الأَرْضِ وَظَأَتُهُ، عَضَّتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا، وَمَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا، وَبَدَا مِنَ الأيَّامِ كُلُوحُهَا، وَمِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا (3). فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ، وَقَامَ عَلَى يَنْعِهِ، وَهَدَرَتْ


1) (الأول قبل كل أوّل) فكل ما يسمى بالأول، يكون اللّه سبحانه [أوّلاً] قبله (والآخر بعد كل آخر) فكل ما يسمى بالآخر يكون اللّه سبحانه آخراً] بعده (وبـ) سبب (أوليته) وقدمه على الأشياء (وجب أن لا أول له) إذ لو كان له تعالى أوّل، لم يكن هو الأول، بل ما سبقه الأول - بقول مطلق - (وبـ) سبب (آخريته) وبقائه بعد الأشياء وجب أن لا آخر له إذ لو كان له تعالى آخر، لم يكن هو الآخر، بل ما يتأخر عنه هو الآخر - بقول مطلق - (يوافق فيها السرّ الإعلان) لا كشهادة المنافقين الذين يشهدون ظاهراً لا باطناً، أو شهادة الكفار الذين يشهدون باطناً لا ظاهراً (والقلب اللسان) فكلاهما يشهدان بالوحدانية ويعترفان بالربوبية.

2) (لا يجرمنكم) أي لا يسبب جرمكم وعصيانكم (شقاقي) أي معاندتي، فإنّ الإنسان ربما يريد معاندة غيره فيوقعه العناد في الإثم وعصيان اللّه سبحانه (ولا يستهوينكم) استهواه إذا أماله عن طريق الصواب أي لا يميلكم عن طريق الحق (عصياني) بأن يكون عصيانكم لي سبباً لميلكم عن الحق (ولا تتراموا بالأبصار) أي تغامز بعضكم ببصره مع بعض إشارة إلى كذبي (عند ما تسمعونه منّي) من الأخبار المغيبة (فلق الحبة) أي شقها ليخرج منها النّبات (وبرأ النسمة) أي خلق الإنسان (إن الذي أنبئكم به) أي أخبركم من الأمور المستقبلية (ولا جهل السامع) يعني نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3) (لكأنّي) اللام للقسم لتأكيد الأمر (انظر إلى ضليل) شديد الضّلال (قد نعق بالشام) أي صاح والغالب استعماله في الإهانة، لأن النعيق صوت الحمار، وفي المراد بـ[الضليل] خلاف والأشبه أنه عبد الملك، وإنما كان مبدأ نعقه بالشام (وفحص براياته) أي ركز لها، كما يفحص الطائر - أي يبحث بجؤجئه - عن الأرض، ليزيح التراب عنها ليبيض (في ضواحي) جمع ضاحية، بمعنى الطرف (كوفان) أي الكوفة، وقد كان عبد الملك قد خرج أمر العراق والحجاز وفارس ومناطق أخرى من يده، وخلع بقية ولايات فلسطين وغيرها، ووثب في الشام بعض الأمويين ضده، فتمكن من استرداد الملك من أيديهم بالبطش والشدّة (فإذا فغرت فاغرته) أي انفتح فمه، يقال: فغر الفم إذا انفتح - وإنما جيء بالمؤنث باعتبار النفس، كأنها تريد الالتهام لكل شيء - والفم دليل على فغر النفس (واشتدّت شكيمته) الشكيمة هي الحديدة المعترضة في اللجام في فم الدابة، وإذا كانت الدابة قوية تكون شكيمتها شديدة وهذا كناية عن قوة [الضليل] (وثقلت في الأرض وطأته) أي عظم سلطانه (عضّت الفتنة أبناءها) والمراد بأبناء الفتنة الداخلين فيها ممن وثب على الأمر وخالف سلطته (بأنيابها) جمع ناب، وهو الضرس المتصل بالضواحك وإنما نسب العضّ إليها، لأنها أشد في الإيلام والقطع، لحدة رأسها (وماجت الحرب) أي اضطربت الحرب في كل مكان، كما يموج البحر (بأمواجها) وإنما شبه بالموج، لأن الفتنة تبتدئ صغيرة ثم تكبر وتتوسع (كلوحها) أي عبوسها وشدائدها (كدوحها) جمع كدح وهو الجرح وأثر الخدش، وهو كناية عن الشدّة.

شَقَاشِقُهُ، وَبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ عُقِدَتْ رَايَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ، وَأَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَالْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ هَذَا، وَكَمْ يَخْرِقُ الْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ وَيَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ وَعَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ، وَيُحْصَدُ الْقَائِمُ، وَيُحْطَمُ الْمَحْصُودُ (1)!


1) (فإذا أينع زرعه) أي نضج وكمل، وهو كناية عن كمال استيلاء [الضليل] (وقام على ينعه) أي حالة نضجه بأن استقام الأمر له (وهدرت شقاشقه) الشقشقة هو ما يخرجه البعير من الزبد لدى هياجه، وهدرت أي خرجت، وهذا كناية عن كمال الفتنة ووصولها حال الاهتياج (وبرقت بوارقه) جمع بارقة وهي البرق، أو السيف لأنه يبرق والتأنيث باعتبار كونه حديدة (عقدت رايات الفتن المعضلة) أعضل الأمر إذا أشكل (وأقبلن كالليل المظلم) في عدم رؤية الإنسان وجه الحق لكثرة اضطراب الأمور وتداخل الحق والباطل (والبحر الملتطم) الذي يلتطم بعض مائه ببعض وتتداخل أمواجه من كثرة الاضطراب والحركة (هذا) أي خذ هذا الخبر عن المستقبل، وقد كان الأمر كما أخبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنَّ عبد الملك لما سيطر على الأمر بعث الحجاج والياً على العراق فعقد رايات الفتن وأخذ العراق يموج بمظالم الحجاج (وكم يخرق الكوفة من قاصف) من قصف إذا اشتد صوته والمراد أن الكوفة ترى اضطرابات وفتنا (ويمر عليها من عاصف) وهو الريح الشديد، لأنها تعصف أي تهب بشدّة وقد كان كما قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). فبعد الإمام جاء معاوية ثم المختار ثم مصعب، ثم عبد الملك، وهكذا (وعن قليل تلتف القرون بالقرون)، لعل المراد قرون أهل الحق من الشيعة بقرون أهل الباطل من أتباع معاوية (ويحصد القائم) فإنّ معاوية أخذ يحصد الحكم القائم في زمان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ويحطم المحصود) فقد كان معاوية يحطم الشيعة بالقتل والأسر وحرق الدور وما أشبه.

وَمِنْ كَلامَ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكر يوم القيامة وأحوال الناس المقبلة

وَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللّه فِيهِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِنِقَاشِ الْحِسَابِ وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ، خُضُوعاً، قياماً، قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَرَجَفَتْ بِهِمُ الأَرْضُ، فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً، وَلِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً (1).

ومنها : فِتَن كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِم، لا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ، وَلا تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ، تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً، يَحْفِزُهَا قَائِدُهَا وَيَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا، أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ، قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ (2)، يُجَاهِدُهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبْرِينَ، فِي


1) (لنقاش الحساب) أي الاستقصاء والدقة في المحاسبة، من ناقشه إذا داقه وحاسبه حساباً دقيقاً (وجزاء الأعمال) ليجزى كل إنسان بما عمل إن خيراً فخير وإن شراً فشر، في حال كون النّاس (خضوعاً) كأنهم من شدّة خضوعهم قطعة من الخضوع (قياماً) جمع قائم، وهذا دليل الشدة، إذ الإنسان الذي في الأمن والرفاه يجلس وقت المحاسبة أما الخائف فهو يقف (قد الجمهم العرق) أي وصل العرق إلى أفواههم من الكثرة كأنه لجام في فمهم ورجفت بهم الأرض أي اضطربت (فأحسنهم حالاً من وجد لقدميه موضعاً) يستقر فيه، وهذا إما على الحقيقة لبيان ضيق المحشر، وإما على المجاز لبيان الاضطراب (ولنفسه متسعاً) أي مكاناً وسيعاً لا يتأذى بضيقه.

2) (فتن كقطع الليل المظلم) فكما لا يرى الإنسان مقصده في الليل، كذلك لا يرى الإنسان الحق في الفتنة (لا تقوم لها قائمة) أي لا تنجح تلك الفتنة، ولعل المراد بها فتنة صاحب الزنج الذي زعم أنه من آل الرسول، والتف حوله العبيد، وأخذ يقتل وينهب ويسلب في البصرة وما والاها، ولكنها لم تنجح أخيراً، فقد حاربها الأخيار والأشرار على حد سواء حتى سقط قتيلاً وذهبت حركته أدراج الرياح (ولا تردّ لها راية) أي أن أعلامها لا تردّ وإنما تتقدم إلى حيث تريد، وذلك كناية عن عموم فسادها وتوسعها (تأتيكم مزمومة) تشبيه لها بالناقة المهيئة للركوب التي لها زمام (مرحولة) أي ولها رحل، وذلك كناية عن استعدادها التام للإفساد (يحفزها) أي يحثها ويحرّضها (قائدها) وهو صاحب الزنج - على ما ذكر - (ويجهدها راكبها) أي أن راكبي تلك الفتنة يجهدونها للتغلب على الأمر - وهذا كناية عن شدة بأسهم واهتمامهم البالغ في الحركة والوثوب على البلاد - (أهلها) أي أهل تلك الفتنة القائمون بإشعالها (قوم شديد كلبهم) أي ضراوتهم وقساوتهم، كالكلب المتهارش (قليل سلبهم) أي ملكهم الذي يستولون عليه أو المراد أنهم ليسوا من أهل الثروة والمال.

الأرْضِ مَجْهُولُونَ، وَفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ (1). فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكَ، مِنْ جَيْشِ مِن نِقَمِ اللّه! لا رَهَجَ لَهُ، وَلا حَسَ، وَسَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ الأحْمَرِ، وَالْجُوعِ الأغْبَرِ (2)!

وَمِنْ خُطبة (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التزهيد في الدنيا

أَيُّهَا النَّاسُ، انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا، الصَّادِفِينَ عَنْهَا، فَإِنَّهَا وَاللّه عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِي السَّاكِنَ، وَتَفْجَعُ الْمُتْرَف الآمِنَ، لا يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ، وَلا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ (3). سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ،


1) (يجاهدهم في سبيل اللّه قوم) كأنّ المراد بهم الأهالي الخيّرون، لا أن القصد حربهم مع الخلفاء (أذلة عند المتكبرين) فإنَّ ذوي الدين من أهل البصرة وما والاها حاربوهم، لما رأوا فيهم من الانحراف عن الشريعة - كما ذكر في التواريخ - وكونهم أذلة، باعتبار أن السلطات الجبارة - غالباً - لا تهتم بحركات أهل الدين ولا ترى فيها فائدة، إذ إن اعتمادها على رجالها وسلاحها، فلا ترى للدين أهمية ولذويه غنى وفائدة (في الأرض مجهولون) ليس لهم معروفية أصحاب المناصب والرتب من أهل السلطان (وفي السماء معروفون) لأنهم أخيار أبرار لهم قيمتهم عند اللّه سبحانه.

2) (فويل لك يا بصرة عند ذلك) فقد كانت الفتنة في البصرة وامتدت إلى الأهواز وعبادان وأخيراً قضى عليها الموفق العباسي (من جيش من نقم اللّه) كأنّ اللّه سبحانه أراد الانتقام من أهل البصرة، فقد كثر فيها الفساد قبل ظهور صاحب الزنج، كما العادة هي في الثورات، فإنَّها ولائد فساد عام في السلطة والاجتماع (لا رهج له) أي لا غبار لهذا الجيش، فإنَّها كانت ثورة داخلية، لا عساكر وجيوش (ولا حس) أي الجلبة والأصوات المختلفة التي تتولد من حركة الجيش (وسيبتلى أهلك) يا بصرة (بالموت الأحمر) على يد صاحب الزنج، ففي بعض التواريخ أنه قتل ثلاثمائة ألف شخص (والجوع الأغبر) الموجب لتغير الوجه، كان عليه غبار.

3) (انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها) والزهد في الدنيا عبارة عن عدم اتخاذها مقراً دائماً والتناول منها كيف ما كان من دون رعاية الحلال والحرام. أما التمتع بطيبات الدنيا فإنَّ ذلك لا ينافي الزهد (الصادقين عنها) من صدف بمعنى أعرض (تزيل) أي تُفني وتُهلك (الثاوي) أي الذي اتخذها مثوًى ومحلاً (وتفجع) أفجعه الأمر إذا نزل به ما يوجب ذهاب مال أو أهل أو ما أشبه (المترف) الذي له ترف وهو التزيد من التمتع والإسراف فيه (الآمن) في محله ومكانه.

وَجَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهْنِ، فَلا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا (1).

رَحِمَ اللّه امْرَاً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ، وَاعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ، فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ، وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضِ، وَكُلُّ مُتَوَفَّعِ آتٍ، وَكُلٌّ آتٍ قَرِيبٌ دَان (2).

ومنها في صفة العالِم : الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلا يَعْرِفَ قَدْرَهُ، وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللّه تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اللّه إِلَى نَفْسِهِ، جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلِ، إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الآخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطْ عَنْهُ (3)!


1) (سرورها مشوب بالحزن) فإنَّ الإنسان لا بد وأن يحزن لجانب من جوانب الدنيا وإن كان فرحاً بجانب آخر (وجلد الرجال) أي قوتهم ومنعتهم (فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها) أي إذا حصل لديكم كثرة من النعم الموجبة لرضاكم لا يغركم ذلك (لقلة ما يصحبكم منها) من تلك الكثرة، أو من الدنيا، فإنَّ اصطحاب الدنيا للإنسان في مدة قليلة.

2) (فكان ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن) لأنه يفنى والفاني كأنه لم يكن أبداً، إذ لا أثر له (وكأن ما هو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل) إذ يبقى إلى الأبد (وكل معدود) أي ما يعد وله آخر (منقض) أي ينقضي ويفنى - كالدنيا - (وكل متوقع) ما يترقب وقوعه - كالآخرة (آت) يأتي لا محالة (وكل آت قريب دان) من [دنا] بمعنى اقترب.

3) (العالم من عرف قدره) بأن علم بأن له قيمة ووزناً، وأنه يتمكن أن يحصل على أعالي الدرجات بسبب العمل الصالح (وكفى بالمرء جهلاً الا يعرف قدره) لأن هذا أعظم أنواع الجهالة، وإن كان عالماً في جميع العلوم (وإن من أبغض الرجال إلى اللّه لعبداً وكله اللّه إلى نفسه) بأن لم يلطف به الألطاف الخفية، لتركه طريق الهدى، فإنَّه سبحانه أعطى الإنسان القوة والعقل فإنَّ صرفهما في سبيل الخير زاده هدى وتقوى وإن صرفهما في الشر تركه وما يعمل حتى يوصله إلى آخر درك في الهاوية (جائراً) أي مائلاً (عن قصد السبيل) أي وسط طريق الهدى (سائراً بغير دليل) فلا يتبع الأنبياء والأئمة في سيره في الحياة (إن دعي إلى حرث الدنيا) أي زرعها وما يوجب إنمائها (عمل) طلباً للدنيا وإن دعي إلى حرث (الآخرة) وما يوجب الفوز بها من الأعمال الصالحة (كسل) ووهن لعدم رغبة له فيها كأن ما عمل له من أمور الدنيا (واجب عليه) حتى إذا لم يعمله عوقب (وكأن ما ونى) كسل (فيه) من عمل الآخرة (ساقط عنه) مع أنّ الأمر بالعكس.

ومنها عن آخر الزمان : وَذَلِكَ زَمَانٌ لا يَنْجُو فِيهِ إِلا كُلُّ مُؤْمِنٍ نُوَمَةٍ، إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَف وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى، وَأَعْلامُ السُّرَى، لَيْسُوا بِالْمَسَابِيحٍ، وَلا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ، أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللّه لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ، وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ (1).

أَيُّهَا النَّاسُ، سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الإِسْلامُ، كَمَا يُكْفَأُ الإِنَاءُ بِمَا فِيهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللّه قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيكُمْ (2).

وَقَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِل : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) (3).

قال السيد الشريف الرضي : أما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (كلّ مؤمِن نُوَمَةٍ) فإنّما أراد به الخامل الذكر القليل الشر، والمسابيح :جمع مسياح، وهو الذي يسيح بين الناس بالفساد والنمائم، والمذاييع : جمع مذياع وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها، ونوّه بها، والبُذُرُ : جمع بَذُور وهو الذي يكثر سفهه ويلغو منطقه.


1) (إلا كل مؤمن نومة) أي كثير النوم، وذلك كناية عن عدم مشاركة الأشرار، كالإنسان النائم الذي لا يشارك الناس في أعمالهم (إن شهد) أي حضر في مجتمع الناس (لم يعرف) أي لا يعرفه الناس لعدم اختلاطه بهم (وإن غاب لم يفتقد) أي لم يسأل عن أحواله أحد لعدم صداقتهم معه، وهكذا يكون الأخيار عند غلبة الأشرار هؤلاء أدلة الناس إلى الحق في ظلمة الجهل والإثم (وأعلام السّرى) هو السير ليلاً، شبّه به السير في ظلمة الكفر والعصيان فإنَّهم أعلام وأدلة لمن يريد الاستنارة والهداية في ظلمات الجهل والباطل (ليسوا بالمسابيح) جمع مسياح وهو الذي يسير في الناس بالفساد (ولا المذاييع) جمع مذياع وهو من يذيع الفاحشة (البذر) جمع بذور وهو كثير السفه (أولئك يفتح اللّه لهم أبواب رحمته) في الدنيا بالسلامة، وفي الآخرة بالجنة (ويكشف عنهم ضراء نقمته) فلا تنزل عليهم نقمته سبحانه إذا نزلت بالأشرار.

2) (يكفأ فيه الإسلام) أي يترك الإسلام فلا يعمل به (كما يكفأ الإناء بما فيه) فكما أن الإنسان إذا كفئ الإناء جعل أعلاه أسفله، كذلك يقلّب الإسلام، وهو مجاز عن انقلاب أهل الإسلام (قد أعاذكم) أي آمنكم (من أن يجور عليكم) فإنَّه سبحانه لا يظلم أحداً ولم يعدكم من أن يبتليكم أي يمتحنكم.

3) سورة المؤمنون، الآية: 30.

وَمِنْ خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد تقدم مختارها، بخلاف هذه الرواية

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمّداً، (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً، وَلا يَدَّعِي نُبُوَّةً وَلا وَحْياً (1)، فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ، يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ، وَيُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ، يَحْسِرُ الْحَسِيرُ، وَيَقِفُ الْكَسِيرُ، فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ، إِلا هَالِكاً لا خَيْرَ فِيهِ، حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَبَوَّأَهُم مَحَلَّتَهُمْ، فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ، وَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُم (2)وَأَيْمُ اللّه، لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا، وَاسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا، مَا ضَعُفْتُ، وَلا جَبُنْتُ، وَلا خُنْتُ، وَلا وَهَنْتُ، وَأَيْمُ اللّه، لأبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ (3)!


1) (أما بعد) أصله مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة، ثم خفف إلى لفظة [أما بعد] (ليس أحد من العرب يقرأ كتاباً) سماوياً قراءة صحيحة، فإنَّ الكتب السابقة قد حرّفت وبدلت.

2) (ويبادر بهم الساعة أن تنزل بهم) أي يعجّل بهم السير حتى يؤمنوا ويعملوا صالحاً فكانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والساعة يبادر كل منهما لاختطاف الناس (يحسر الحسير) أي يكمل الذي يكل عن العمل للآخرة، من حسر فلان إذا أعلى وكلّ (ويقف الكسير) أي المكسور بعض أعضائه فيقيم عليه أي على كل واحد منهما (حتى يلحقه غايته) والمعنى أن من ضعف إيمانه أو فسد عمله فتراخى في السير في سبيل المؤمنين للوصول للسعادة والنجاة فإنَّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يقيم عليه وينتظره ويعالج مرضه حتى يوصله بقافلة المؤمنين (إلا هالكاً لا خير فيه) فمن دعاه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلم تنفع فيه الدعوة وعائد وأصرّ فإنّه يتركه وشأنه (وبوأهم) أي أحلهم (محلتهم) أي المحل اللائق بهم (فاستدارت رحاهم) كناية عن حسن أحوالهم (واستقامت قناتهم) هي الرمح، فإذا كان معوجاً لم يتمكن المحارب من الغلبة، أما إذا استقام تمكن من الغلبة على عدوه.

3) (وأيم اللّه) قسم باللّه سبحانه (لقد كنت من ساقتها) أي ساقة جيش الكفر، يعني كنت في آخرها أضربها وأفتك فيها، وكونه في الساقة كناية عن مطاردتها بأجمعها لا مطاردة جانب خاص فقط (حتى تولت) أي الجيش والتأنيث باعتبار الجماعة، أو الكتيبة، أو ما أشبه، ومعنى تولت [انهزمت] (بحذافيرها) أي بأجمعها (واستوسقت) أي اجتمعت (في قيادها) أي قياد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لها بمعنى إطاعة العرب للرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في ما يأمر وينهي (ما ضعفت ولا جبنت ولا خنت) فلم يكن لي نكوص عن الجهاد في سبيل الإسلام بسبب ضعف في البدن أو ضعف في النفس، أو ضعف في الإيمان (ولا وهنت) الوهن أعم من الضعف (لأبقرنّ) أي أشقّن (الباطل) كأنّه غلاف على الحق، فإذا شقّ ظهر الحق (حتى أخرج الحق من خاصرته) أي جانبه.

قال السيد الشريف الرضي : وقد تقدم مختار هذه الخطبة، إلا أنني وجدتها في هذه الرواية على خلاف ما سبق من زيادة ونقصان فأوجبت الحال إثباتها ثانية.

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض صفات الرسول الكريم وتهديد بني أمية وعظة الناس

حَتَّى بَعَثَ اللّه مُحَمَّداً، (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، شَهِيداً، وَبَشِيراً، وَنَذِيراً، خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً، وَأَنْجَبَهَا كَهْلاً، وَأَظْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةٌ، وَأَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةٌ (1).

فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا، وَلا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلافِهَا، إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا، قَلِقاً وَضِينُهَا، قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَام بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودٍ، وَحَلالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ، وَصَادَفْتُمُوهَا، وَاللّه، ظِلاً مَمْدُوداً إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ (2). فَالأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ، وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ، وَأَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ، وَسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وَسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ. أَلا وَإِنَّ لِكُلٍّ دَم ثَائِراً، وَلِكُلِّ حَقٌّ طَالِباً. وَإِنَّ النَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقٌّ


1) (حتى بعث اللّه محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) أي كانت الأحوال مظلمة حتى بعث (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (شهيداً) يشهد على الناس بما (عملوا (وبشيراً) يبشِّر من آمن وأطاع بالثواب (ونذيراً) ينذر من خالف بالعقاب (خير البرية طفلاً) إذ كان صادقاً أميناً طاهر المولد كريم الأصل (وأنجبها كهلاً) أي أكثرها نجابة في حال تقدّم السن وأطهر المطهرين شيمة) الشيمة الخلق، أي أنه لو كان متحلّياً بطهارة الأخلاق، وعدم دنسه بالرذائل. (وأجود المستمطرين ديمة) المستمطر السحاب الذي يطلب منه المطر، و (ديمة) بمعنى السحاب، أي أنه لو كان أجود الناس في الإعطاء لمن طلب منه العون والعطاء.

2) (فما احلولت لكم) يا بني أمية (الدنيا) بأن صارت لكم حلوة، من زمان عثمان (في لذتها ولا تمكنتم من رضاع أخلافها) جمع خلف بالكسر حلمة ضرع الناقة، أي ما تمكنتم من در لذات الدنيا وجمع مشتهياتها (جائلاً خطامها) تشبيه للدنيا بالناقة التي لا راكب لها (قلقاً وضينها) الوضين حزام الناقة الذي يشدّ تحت بطنها لبقاء السرج عليها حتى لا يتأذى الراكب، ولا يقلق من ركوبها، يعني أن الدنيا كانت قلقة الوضين لا صاحب لها يسوّي سرجها (بمنزلة السدر المخضود) السدر هو شجر النبق، والمخضود المطلوع الشوك، ومنحني الأغصان من ثقل الحمل لكثرة الثمر، والمراد كثرة لذتها (وحلالها بعيداً غير موجود) أي ليس بموجود في قربكم، لا إنه ليس بموجود إطلاقاً (ظلاً ممدوداً) يهنأ المتفيّئ فيه، وذلك كناية عن لذتها وسعتها (إلى أجل معدود) أي مدة قد عدت تعداداً، فلا بقاء لها.

نَفْسِهِ، وَهُوَ اللّه الَّذِي لا يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ، وَلا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ (1). فَأُقْسِمُ بِاللّه، يَا بَني أُمَيَّةَ، عَمَّا قَلِيلِ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَفِي دَارِ عَدُوِّكُمْ !

أَلا إِنَّ أَبْصَرَ الأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ أَلا إِنَّ أَسْمَعَ الأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرِ وَقَبلَهُ (2)!

أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِظ مُتَّعِظُ، وَامْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنِ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ (3).

عِبَادَ اللّه، لا تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ، وَلا تَنْقَادُوا لَأَهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ، يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعِ إِلَى مَوْضِع، لِرَأَي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأي، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لا يَلْتَصِقُ، وَيُقَرِّبَ مَا لا


1) (فالأرض لكم شاغرة) أي فارغة، قد شغرت وخلت عن القائد المحامي (وأيديكم فيها مبسوطة) قد وسع عليكم عثمان بما تشتهون بلا حساب ولا عقاب (وأيدي القادة عنكم مكفوفة) مقبوضة، فإنَّ عثمان قد منع الناس العلماء كالإمام، وأبي ذر وأمثالهما من وضع حدّ لاستهتار بني أمية (وسيوفكم عليهم مسلّطة) بمعنى أنه كانت لكم السلطة بما منحكم الخليفة فالقادة بالحق أتباع وأنتم أمراؤهم (وسيوفهم) أي القادة (عنكم مقبوضة) لا تتمكن من إيقافكم على حدكم ومنعكم عن الاستهتار والالتذاذ بكل ما تشتهون من الحرام والفساد (وإن الثائر في دمائنا كالحاكم في حق نفسه) فإن دماءنا حق للثائر الذي هو اللّه سبحانه، وهذا لبيان أنه تعالى لا يسامح في الطلب والعقاب (اللّه الذي لا يعجزه من طلب) أي لا يتمكن مطلوبه من تعجيزه بالفرار أو الاعتصام بالقوة ولا يفوته من هرب إذ لا يمكن الهروب منه تعالى.

2) (التعرفنّها) أي الدنيا (في أيدي غيركم) كما صارت لبني العباس وغيرهم (وفي دار عدوكم) أي أن السلطة تكون في دار أعدائكم الذين هم [المختار] و [مصعب] و [آل عباس] و[العلويون] ومن أشبههم (ألا إن أبصر الأبصار) أي أشد الأبصار رؤية (ما نفذ في الخير طرفه) فكأنّه شعاع يخرج من العين فإذا نفذ طرف الشعاع في الخير كان شديد الإبصار وإذا نفذ في الشر - بأن نظر البصير إلى الشر وأراده - كان البصر ضعيفاً كليلاً (الا إن أسمع الأسماع) أي أشد الأسماع سمعاً (ما وعى التذكير) أي احتوى على التذكير.

3) (استصبحوا) أي اطلبوا المصباح والضياء (من شعلة مصباح واعظ متعظ) أي يعمل هو بوعظه (وامتاحوا) أي استقوا الماء، يقال: امتاح إذا سقى (من صفو عين) أي الماء الصافي النابع من عين (قد روقت) أي صفت من راق من الكدر) والمراد استقاء الحلم من نفسه الكريمة. (عَلَيهِم السَّلَامُ)

يَتَقَارَبُ (1)فَاللّه اللّه أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لا يُشْكِي شَجْوَكُمْ، وَلا يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الإِمَامِ إِلا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ : الإِبْلَاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَالاِجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ، وَالإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِفِّيهَا، وَإصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا (2).

فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَنَاهَوْا عَنْهُ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْي بَعْدَ التَنَاهِي (3)!


1) (لا تركنوا) أي لا تعتمدوا (إلى جهالتكم) بأن لا تحصلوا على العلم وإنما تسيروا في جهالتكم ولا تنقادوا لأهوائكم تسيّركم حيث تشاء (فإنّ النّازل بهذا المنزل) أي المعتمد على هواه (نازل بشفا جرف هار) [شفا] طرف الوادي، ]وجرف] المحل الذي يجرفه السيل وما أشبه، ويسقطه و [هار] أصله [هاري] بمعنى المتهدم أو المشرف على الانهدام (ينقل الردى) أي الهلكة (على ظهره من موضع إلى موضع) هذا كناية عن كونه موجباً لإضلال الناس (لرأي يحدثه بعد رأي يريد أن يلصق ما لا يلتصق) الظاهر أن [اللام] متعلق ب- يريد] أي أن هذا الجاهل المعتمد على هواه يريد - بسبب آرائه التي يحدثها مرة ومرة - أن يلصق الأشياء ويجمع بين شتاتها، فإنَّ الجهال لا يعلمون الأسباب والنتائج، وإنما يجمعون بين الجهالات لإلصاقها، وحيث لا قدر لهم في العلم لهم كل يوم رأي في التوجيه (ويقرب ما لا يتقارب) أي يجعل بعض الأشياء قريباً إلى بعضها الآخر ومرتبطاً به، بينما لا تقارب بينهما، كما قرب [دارون] بين الإنسان والقرد.

2) (فاللّه اللّه) أي اذكروا اللّه، أو خافوا اللّه (أن تشكوا إلى مَن لا يشكي شجوكم) أي لا ترفعوا الشكوى إلى من لا يزيل همكم وشكواكم (و) إلى من (لا ينقض برأيه ما قد أبرم لكم) [أبرم لكم] أي المشكلة التي وقعتم فيها كأنها مبرمة مفتولة، تحتاج إلى النقض والفلّ حتى تنجو منها، فلا تشكوا إلى من لا يتمكن من نقض هذه المشكلة، فلا يقدر أن ينقض برأيه ما قد أبرم وأشكل (إلّا ما حمل من أمر ربه) أي أداء الرسالة التي حملها اللّه سبحانه على لسان نبيه (وإصدار السهمان) جمع سهم بمعنى النصيب من الحقوق المالية (على أهلها) المستحقين.

3) (فبادروا العلم) أي أسرعوا في أخذ العلم من الإمام (قبل تصويح نبته) أي جفافه بموت صاحب العلم (ومن قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستثار العلم) أي إثارة العلم من آثاره، بمعنى أظهر، فكأنّ العلم في العالم مخفي، يتمكن الإنسان من إثارته وإظهاره بالسؤال (من عند أهله) والمراد به نفسه الزكية (وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه) أي انتهوا بأنفسكم عنه (فإنما أمرتم بالنهي بعد التناهي) فإنَّ النهي عن الشيء إنما يؤثر بعد أن يتناهى الإنسان - بنفسه - عن ذلك الشيء.

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفيها يبيّن فضل الإسلام، ويذكر الرسول الكريم، ثم يلوم أصحابه

الْحَمْدُ للّه الَّذِي شَرَعَ الإِسْلامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ، وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ، فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ، وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ، وَفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ، وَلُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ، وَآيَةٌ لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَتَبْصِرَةٌ لِمَنْ عَزَمَ، وَعِبْرَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ صَدَّقَ، وَثِقَةٌ لِمَنْ تَوَكَّلَ، وَرَاحَةٌ لِمَنْ فَوَّضَ، وَجُنَّةٌ لِمَنْ صَبَرَ (1). فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهِجِ وَأَوْضَحُ الْوَلائِج، مُشْرَفَ الْمَنَارِ، مُشْرِقُ الْجَوَادٌ، مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ، كَرِيمُ الْمِضْمَارِ، رَفِيعُ الْغَايَةِ، جَامِعُ الْحَلْبَةِ، مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ، شَرِيفٌ


1) (شرع الإسلام) أي نهجه وجعله دستوراً للحياة (فسهّل شرائعه لمن ورده) حيث رفع العسر والحرج فضلاً منه ومنّة، ولم يشرّع الأحكام الضررية، إلا في مواضع الضرورة - ممّا خيره أعم - كالجهاد وما أشبه (وأعزّ أركانه على من غالبه) أي مَن غالب الإسلام وأراد دحضه فإنَّ أحكام الإسلام من القوة والعصمة بحيث لا يتمكن أحد من نقضه أو دحضه، أو المراد بأركان الإسلام، حكومته، يعني أن الحكومة الإسلامية لا تغالب (أمناً لمن علقه) أي محل أمان واطمئنان لمن تعلّق به (وسلماً لمن دخله) فإنَّ الداخل في الإسلام يسعد ويسلم من شرور الدنيا والآخرة - (وبرهاناً) أي حجة (لمن تكلم به) أي من حاج بالإسلام غلب على خصمه (وشاهداً لمن خاصم عنه) فإنَّ المسلم إذا خاصم أحداً في أمر، وأتى من الإسلام دليلاً على وجهة نظره، صار شاهداً له، لقوة أحكامه وتطابقها للواقع (وفهماً لمن عقل) أي موجباً لدرك الأشياء وفهمها على حقيقتها لمن أراد التعقل والفهم (ولباً) أي عقلاً لمن تدبّر بالإسلام تفهم الحقائق فهو كاللب في كونه آلة الإدراك (وآية) أي دليلاً (لمن توسّم) أي تفرّس والمتوسّم هو الذي يدرك الخفايا بالأدلة والعلامة وتبصرة لمن عزم أي من عزم أمراً، ولم يعلم النتيجة كان الإسلام مبصراً له (وعبرة لمن اتعظ) فإنَّ الإسلام بما بيّن من القصص والتواريخ يكون عبرة له (ونجاة) عن مشاكل الدنيا والآخرة (لمن صدّق) بالإسلام بأن يكون عمله موافقاً له وثقة لمن توكّل من جعله منهاجه في الحياة كان الإسلام ثقة له لا يخونه ولا يسلّمه إلى المعاطب والمهالك (وراحة لمن فوّض) لأنه يعلم أن كل شيء يصيبه ففيه الخير فهو في راحة واطمئنان (وجنة) أي وقاية (لمن صبر) فإنّ الصابر - حسب أمر الإسلام - يقي نفسه من المهالك.

الْفُرْسَانَ (1). التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ، وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ، وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ، وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ، وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ، وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ (2).

ومنها في ذكر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏):

حَتَّى أَوْرَى قَبْساً لِقَابِسٍ، وَأَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وَبَعِيتُكَ نِعْمَةً وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً (3).

اللّهمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ، وَاجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ.


1) (أبلج) أوضح (المناهج) جمع منهاج وهو الطريق (وأوضح الولائج) جمع وليجة، وهي ما يلج ويدخل فيه الإنسان لحفظه عن الأخطار (مشرف المنار) المشرف هو المكان الذي يرتفع عليه الإنسان ليطّلع على ما ورائه، والمنار محل الإنارة لإضاءة الطريق أي أن مناره مرتفع، فإذا استضاء الإنسان به رأى إلى آخر الطريق (مشرق الجواد) جمع جادة وهي الطريق الواضح أي أن طريق الإسلام ظاهر (كريم المضمار) المضمار محل تضمير الخيل للسباق، ومعنى كونه كريماً أن الإنسان إذا أضمر خيله هناك، سبق عند المسابقة، وهذا كناية عن أن الذي يربّي في الإسلام نفسه يسبق الآخرين في نيل السعادة (رفيع الغاية) فإنَّ غايته سعادة الدنيا والآخرة، وهذه أرفع الغايات (جامع الحلبة) الحلبة خيل تجمع من كل مكان للانتصار والمراد أنه يجمع جميع فنون السعادة لانتصار الإنسان على المشاكل وأنواع الشقاء (متنافس السبقة) السبقة العوض الذي يعين للسابق في ميادين التغالب بالخيل وشبهها، والإسلام يتنافس ويزاحم الناس بعضهم بعضاً في النيل لسبقته التي هي الجنة (شريف الفرسان) أي أن الداخلين في الإسلام والذين يتسابقون شرفاء لأنهم إنما تسابقوا في أشرف شيء.

2) (التصديق) للّه والرسول والأئمة (والصالحات مناره) تنير طريق الحق (والموت غايته) أي أن الإسلام لا ينتهي إلا بالموت، فاللازم على المسلم أن يعمل باستمرار حتى يموت (والدنيا مضماره) فاللازم أن يعمل الإنسان ما دام في الدنيا لا مثل مضمار الخيل، الذي هو أيام قلائل (والقيامة حلبته) أي محل الحصول على السبقة (والجنة سبقته) أي جزاء السابقين العاملين بالإسلام.

3) (أورى) أي أوقد (قبساً) أي شعلة من النور (لقابس) الذي يريد الاقتباس إلى أظهر الأحكام النيّرة لطلاب الحق والسعادة (وأنار علما) أي وضع له ناراً في رأس علم - أي الجبل - (لحابس) هو الذي حبس ناقته حيرة لا يدري أين الطريق، فقد كانت العرب تضع النيران في رؤوس الجبال للإشارة إلى الطريق - في الليل - ليستنير بها المتحيّرون من القوافل وغيرهم (أمينك المأمون) لا يخونك إذا ائتمنته وقلّدته دينك ومنهاجك، أي اتبعته في أوامره وزواجره وشهيدك يوم الدين يوم الدين هو يوم القيامة، فإن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يشهد لمن عمل بما عمل (وبعيثك) أي المبعوث لك (نعمة) أي إنعاماً من اللّه سبحانه على البشر (ورسولك) أي المرسل إليك (رحمة) أي ترحماً وتفضّلاً من اللّه على النّاس.

اللّهمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ، وَشَرِّف عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ، وَآتِهِ الْوَسِيلَةَ، وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ وَالْفَضِيلَةَ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ غَيْرَ خَزَايَا، وَلا نَادِمِينَ وَلا نَاكِبِينَ وَلا نَاكِثِينَ، وَلا ضَالِّينَ، وَلا مُضِلِّينَ، وَلا مَفْتُونِينَ (1).

قال الشريف: وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم، إلا أننا كررناه ههنا لما في الروايتين من الاختلاف.

وَمِنها في خطاب أصحابه في فضل الإسلام والرسول ولوم أصحابه

وَقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللّه لَكُمْ مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ، وَتُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ، وَيُعَظِّمُكُمْ مَنْ لا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ، وَلا يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ، وَيَهَابُكُمْ مَنْ لا يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةٌ، وَلا لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ (2). وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللّه مَنْقُوضَةٌ فَلا


1) (مقسماً) أي نصيباً (من عدلك) وهذا دعاء لإعطائه سبحانه للرسول ما يستحق في مقابل أعماله (واجزه مضعفات الخير) أي الخير المضاعف (اللّهم أعل على بناء البانين بناءه) كناية عن ارتفاع دينه حتى يكون أرفع الأديان (واكرم لديك) المراد القرب معناً لا حسّاً - لاستحالته في حقه سبحانه - (نزله) هو ما يهيًا للضيف من مأكل وما أشبه لراحته ومعنى أكرمه بما يوجب تكريمه وتفضيله (الوسيلة) أي السبب الذي يوصله إلى ما يشاء واعطه السناء الرفعة والنور (واحشرنا) أي اجمعنا من حشر بمعنى جمع (في زمرته) أي في جماعته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الخاصين به (غير خزايا) جمع مَخزي، من خزي إذا ارتكب شيئاً يوجب الخجل والقباحة (ولا نادمين) بأن لا تخذلنا حتى نعمل أعمالاً توجب الخزي والندم - في الآخرة – (ولا ناكبين) نكب الطريق إذا عدل عنه، أي لا نكون عادلين عن طريق الحق (ولا ناكثين) نكث العهد إذا نقضه ولم يف به (ولا ضالين) قد انحرفنا عن الطريق وضللنا) (ولا مضلين) أضللنا الناس (ولا مفتونين) قد فتنتنا الدنيا بزخارفها، فغررنا بها.

2) (من كرامة اللّه لكم) حيث أكرمكم بالإسلام (منزلة تكرم بها) أي بسبب تلك الكرامة (إماؤكم) بعد ما كان السادة - في زمن الجاهلية في خوف وإهانة – (وتوصل بها جيرانكم) أي يتفقد الإنسان جاره، وكل ذلك لأمر الإسلام وتربيته الناس على ذلك (ويعظمكم من لا فضل لكم عليه) فإنّ الكفّار كانوا يعظمون المسلمين لما رأوا فيهم من الرفعة والسموّ، بدون أن يكون سبب ذلك فضلا من المسلمين عليهم (ولا) يد) أي لا نعمة (لكم عنده) وإنما قيل للنعمة (يد) لأنها آلة إعطائها - غالباً - (ويها بكم من لا يخاف لكم سطوة) أي بطشاً وعقاباً، فإنَّ الإنسان يحترم العالم ويهابه وإن لم يخف بطشه وعذابه، وقد كان الكفَّار يهابون المسلمين بمثل هذه الهيبة (ولا لكم عليه إمرة) أي إمارة وسلطة.

تَغْضَبُونَ! وَأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَم آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ! وَكَانَتْ أُمُورُ اللّه عَلَيْكُمْ تَرِدُ، وَعَنْكُمْ نَصْدُرُ، وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ (1)، فَمَكَّنْتُمُ الظُّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ، وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ، وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللّه فِي أَيْدِيهِمْ، يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ، وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ، وَايْمُ اللّه لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ، لَجَمَعَكُمُ اللّه لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ (2)!

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض أيام صفين

وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ، وَانْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ، تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ الطَّعَامُ، وَأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّام، وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ، وَيَافِيخُ الشَّرَفِ، وَالأنْفُ الْمُقَدَّمُ، وَالسَّنَامُ الأَعْظَمُ (3). وَلَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِآخِرَةٍ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ، وَتُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ، حَسّاً بِالنِّصَالِ، وَشَجْراً


1) (وقد ترون عهود اللّه منقوضة) قد نقضها الكفّار، لعدم دخولهم في الإسلام، أو نقضها أصحاب معاوية (وأنتم لنقض نمم) جمع ذمة وهي العهد - (آبائكم تأنفون) أي تترفع أنفسكم من أن ترى ذمة آبائكم منقوضة فتنهون عن ذلك (وكانت أمور اللّه عليكم ترد) فالناس يسألون منكم عن الأحكام (وعنكم تصدر) فأنتم تجيبون عنها (وإليكم ترجع) في موارد اختلاف الناس في حكم من أحكام اللّه.

2) (فمكنتم الظلمة من منزلتكم) بأن تركتم منزلتكم حتى استولى عليها الظالمون (والقيتم إليهم أزمتكم) يعني أنكم بعد أن كنتم تأخذون بقياد النّاس أخذ الناس بقيادكم (وأسلمتم أمور اللّه في أيديهم) بعد ما كانت في أيديكم (يعملون بالشبهات) بدون أن يروا وجه الحق فيتبعوه (ويسيرون في الشهوات) يعملون حسب لذاتهم وشهواتهم لا حسب أوامر اللّه (لو فرقوكم تحت كلّ كوكب) بأن باعدوا بينكم بهذا المقدار من البعد للخلاص منكم (لجمعكم اللّه لشرّ يوم لهم) أي لقهرهم والانتقام منهم.

3) (جولتكم) أي جولانكم وحركتكم في الحرب (وانحيازكم عن صفوفكم) أي تقهقركم وابتعادكم خوفاً من عسكر الشام (تحوزكم) أي تشتمل عليكم (الجفاة) جمع الجافي من الجفاء بمعنى الظلم (الطغام) أوغاد الناس (لهاميم) جمع لهميم بمعنى السابق من الخيل والإنسان (ويآفيخ الشرف) جمع يأفوخ وهو فوق الرأس حيث يجتمع عظما المؤخّر والمقدم (والأنف المقدم) وصف توضيحي لتأكيد معنى الشرف (والسنام الأعظم) السّنام هو ما على ظهر البعير ممّا هو أعلى أعضائه يشبه به في الرفعة والسمو.

بِالرِّمَاحِ، تَرْكَبُ أُولاهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالإِبِلِ الْهِيمِ الْمَطْرُودَةِ، تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا، وَتُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا (1)!

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي من خطب الملاحم

الْحَمْدُ للّه الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ، وَالظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ. خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لا تَلِيقُ إلا بِذَوِي الضَّمَائِرِ وَلَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ في نَفْسِهِ. خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتْرَاتِ، وَأَحَاطَ بِغُمُوضٍ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ (2).

منها في ذكر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

اختَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الأنْبِيَاءِ، وَمِشْكَاةِ الضَّيَاءِ، وَذُؤَابَةِ الْعَلْيَاءِ، وَسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ، وَمَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ، وَيَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ (3)

ومنها : طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ ذَلِكَ


1) (وحاوح صدري) جمع وحوحة صوت الصدر إذا كان متألماً وهو صوت معه بحح (أن رأيتكم بآخرة) أي في جولة آخرة (تحوزونهم كما حازوكم) بأن اشتملتم عليهم وأحطتم بهم والإحاطة بالعدو دليل الغلبة (كما أزالوكم) في الجولة السابقة (حساً) أي قتلاً (بالنصال) هو المباراة في الرمي (وشجراً) أي طعناً (بالرماح) جمع رمح تركب أولاهم أخراهم فإنَّ الجمع إذا أرادوا الفرار وقع بعضهم على بعض كأنه راكب عليه (كالإبل الهيم) جمع هائمة وهي العطشانة (المطرودة) التي تطرد من الماء فإنّها من شدة العطش وخوف الطرد إذا فرت ركبت بعضها على بعض (ترمى عن حياضها) جمع حوض وهو محل الماء (وتذاد) أي تمنع (عن مواردها) جمع مورد وهو محل ورودها لشرب الماء.

2) (المتجلّي) أي المظهر نفسه (بخلقه) فإنَّ الخلق هو الأثر الدال على الخالق (والظاهر لقلوبهم) لا لابصارهم لأنه سبحانه لا يرى (بحجته) أي بما استدل به واحتج على وجوده سبحانه (من غير رويّة) أي تفكّر وتدبّر لأنه لا يحتاج إلى الفكر (إذ كانت الرويات لا تليق إلا بذوي الضّمائر) أي الذين لهم قلوب وأجزاء كالنّاس (وليس بذي ضمير في نفسه) أي ليس لنفسه أي ذاته ضمير وسر خرق علمه) أي نفذ (باطن غيب السترات) جمع سترة: أي الباطن الغائب المستور (بغموض عقائد السريرات) أي المخفي من عقائد النّاس الكائنة في سريرتهم - أي ضمائرهم -.

3) (من شجرة الأنبياء) فإنّ الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ينتهي نسبه إلى أبي الأنبياء إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ومشكاة) الكوة التي يوضع فيها المصباح (الضياء) كأن هذه السلسلة التي منها النبي كوة يشع منها ضياء الوحي والنبوّة (وذؤابة) الناصية (العلياء) أي العلو فهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في أعلى مراتب العلوّ (وسرة البطحاء) البطحاء الأرض المستوية والمراد هنا مكة والسرة يراد بها الوسط أي أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من أفضل بيت في مكة.

حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوبِ عُمْيِ، وَآذَانِ صُمٌ، وَأَلْسِنَةٍ بُكْم، مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ (1)، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْواءِ الْحِكْمَةِ، وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، وَالصُّحُورِ الْقَاسِيَةِ.

قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لأهْلِ الْبَصَائِرِ، وَوَضَحَتْ مَحَجَّةُ الحَقِّ لِخَابِطِهَا، وَأَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا، وَظَهَرَتِ الْعَلامَةُ لِمتَوَسِّمِهَا (2). مَالِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلا أَرْوَاحٍ، وَأَرْوَاحاً بِلا أَشْبَاحٍ، وَنُسَّاكاً بِلا صَلاحٍ، وَتُجَّاراً بِلا أَرْبَاحٍ، وَأَيْقَاظاً نُوّماً، وَشُهُوداً غُيَّباً، وَناظِرَةٌ عَمْيَاءَ وَسَامِعَةً صَمَّاءَ، وَنَاطِقَةٌ بَكْمَاءً (3)رَايَةُ ضَلالٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطبهَا وَنَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا، نَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا،


1) (طبيب دوّار بطبّه) أي أنه يدور هنا وهناك ومعه طبّه - الذي هو العلم - لعله يجد مريضاً يريد العلاج من مرض الجهل فيشفيه بإرشاده وهدايته (قد أحكم مراهمه) جمع مرهم وهو الدواء الشافي للدمل ونحوه (وأحمى مواسمه) جمع ميسم وهو المكواة التي يكوى بها المريض إذا عجز عن الشفاء بغيره و [أحمي] بمعنى أوقد عليه النار حتى حمى، وذلك كناية عن استعداده للشفاء بحيث لا يحتاج إلى الإحماء إذا وجد من احتاج إلى الكي (حيث الحاجة إليه) أي في كل مكان محتاج إلى الشفاء (من قلوب عمي) وهو القلب المصروف عن اللّه سبحانه (وآذان صم) جمع صماء وهي التي لا تصغي إلى الموعظة (والسنة بكم) جمع أبكم وهو اللسان الذي لا ينطق بالحق (مواضع الغفلة) أي أنه يذهب إلى النّاس الغافلين عن الآخرة (ومواطن الحيرة) أي المتحيّرون عن اللّه وأحكامه.

2) (ولم يقدحوا) أصله ضرب الحجر على الحجر لإخراج النار (بزناد العلوم الثاقبة) فإنَّهم لم يتناولوا العلوم التي تثقب الجهل لتصل إلى محض الحق (كالأنعام السائمة) التي ترعى الأعشاب بلا علم ولا دراية وإنما همّها بطنها (والصخور القاسية) أي الصلبة التي لا تتفجر منها الأنهار ولا تنبت النبات فليست محل خير (قد انجابت) أي ظهرت (السرائر) جمع سريرة، والمراد بها الأمور الواقعية المستورة (لأهل البصائر) الذين لهم قلوب وقادة بصيرة ووضحت محجة الحق) أي وسطه الواضح (لخابطها) أي السائر عليها (وأسفرت الساعة) أي القيامة عن وجهها أي أظهرت عن نفسها وذلك بمجيء علائمها (وظهرت العلامة) للساعة (لمتوسمها) المتوسم هو المتفرِّس الذي يرى العلامة فيعرف ذا العلامة.

3) (أشباحاً) جمع شبح وهو الجسد بلا روح (بلا أرواح) أجسام مرئية بلا أرواح مدركة (وأرواحاً بلا أشباح) أي أنكم ناقصون كالروح بلا جسد أو الجسد بلا روح الذي لم ينفع كل واحد منهما دون الآخر (ونساكاً بلا صلاح) أي أنكم غير زاهدين (وتجاراً بلا أرباح) أي تعملون بلا ثمر، لأن أعمالكم للدنيا (وأيقاظاً نوّماً) أي أنّكم في الظاهر أيقاظ (وشهوداً غيّباً) أي أنكم حاضرون جسماً، غائبون قلباً (وناظرة عمياء) كالعميان لا تدركون الحقائق (وسامعة صمّاء) جمع أصم (وناطقة بكماء) جمع أبكم والمعنى لا تنتفعون بأبصاركم وأسماعكم والسنتكم.

وَتَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا (1). قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ، قَائِمٌ عَلَى الظُّلَّةِ، فَلا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلا ثُفَالَةٌ كَثُفَالَةِ الْقِدْرِ، أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ، تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الأديمِ، وَتَدُوسُكُمْ دَوْسَ الْحَصِيدِ، وَتَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اسْتِخْلاصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبِّ (2). أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ المَذَاهِبُ، وَتَتِيه بكُمُ الْغَيَاهِبُ وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ؟ وَمِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ، وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)؟ فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، وَلِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ، فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ، وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ، وَاسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ (4). وَلْيَصْدُقُ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَلْيَجْمَعْ شَمْلَهُ، وَلْيُحْضِرُ


1) (راية ضلال قد قامت) لعله إشارة إلى آخر الزمان - كالوقت الذي نحن فيه – (على قطبها) تمثيل الاستحكام أي تلك الضلالة، حتى أن لها رحى ومداراً وقطباً، تدور بانتظام، لا إنها شيء وقتي وجولة تنتهي بسرعة (وتفرقت بشعبها) فلها شعب وفروع (تكيلكم) أي تأخذكم للهلاك كيلاً (بصاعها) آلة الكيل، كان تلك الفتنة عامة حتى أنها تكال الناس كيلاً، لا أنها خاصة ببعض الناس كما أن الأمر كذلك في زماننا هذا (وتخبطكم) من خبط الشجر إذا ضربه بالعصا ليسقط ورقه أو من خبط البعير بيده الأرض إذا ضربها بيده، وهذا أقرب (بباعها) وهو مد اليدين وذلك كناية عن شمول الفتنة لجميعهم.

2) (قائدها) أي قائد تلك الفتنة، وكأنّ المراد الحكام (خارج من الملة) أي من شريعة الإسلام (الضلة) أى الضلالة (إلّا ثفالة كثفالة القدر) الثقالة الثفل الذي يبقى بعد ذهاب الخالص الطيب من الطعام يعني أن الباقين ليسوا إلّا أشراراً قد ذهب خيارهم (أو نفاضة) ما يسقط بالنفض (كنفاضة العكم) هو لمظ تجعل فيه المرأة ذخيرتها، فإذا تمت الذخيرة نفضت العكم لتنفضها من بقايا الزاد الباقية في ثنايا نسيج العكم (تعرككم) وهو الدلك الشديد (عرك الأديم) هو الجلد، يدلك شديداً ليمتد وهو كناية عن شدة وطأة الفتنة، وتحريكها لهم تحريكاً عنيفاً (وتدوسكم دوس الحصيد) أي الحب المحصود فإنَّه يداس بشدّة ليتفرّق قشره عن لبه (وتستخلص المؤمن من بينكم) ونسبة استخلاص الفتنة المؤمن، لأنها هي السبب في كمال إيمانه حيث يبقى في كل الهزاهز بدون انحراف أو تنكب (استخلاص الطير الحبة البطينة) أي السمينة (من بين هزيل الحب) أي غير السمينة.

3) (أين تذهب بكم المذاهب) جمع مذهب، وهي الطرائق التي تتولد في الفتن ويدعو كل إنسان أتباعه إلى طريقة خاصة (الغياهب) جمع غيهب وهو الظلمة (وتخدعكم الكواذب) أي الأقوال الكاذبة (ومن أين تؤتون) كان أعوان الفتنة يأتون إلى الناس لإضلالهم (وأنّى تؤفكون) أي كيف تنصرفون عن الحق؟

4) (فلكل أجل كتاب) قد كتب الأجل في ذلك الكتاب فلا يزيد على ما كتب ولا ينقص عنه (ولكل غيبة إياب) ورجوع وهكذا يرجع الإسلام بعد الفتنة التي تسبب غياب أحكامه ونظامه (فاستمعوا من ربّانيكم) العارف باللّه سبحانه والمراد نفسه الكريمة (واحضروه قلوبكم) للإدراك والفهم.

ذِهْنَهُ، فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الأمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ، وَقَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْغَةِ (1). فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ، وَرَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ، وَعَظُمَتِ الطَّاغِبَةُ، وَقَلَّتِ الدَّاعِيَةُ، وَصَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبِعِ الْعَقُورِ، وَهَدَرَ فَنِيقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومِ، وَتَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ، وَتَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ، وَتَحَابُوا عَلَى الْكَذِبِ، وَتَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ (2). فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً، وَالْمَطَرُ قَيْظاً، وَتَفِيضُ اللّئَامُ فَيْضاً، وَتَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضاً، وَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِئَاباً، وَسَلاطِينُهُ سِبَاعاً، وَأَوْسَاطُهُ أُکَّالاً، وَفُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً، وَغَارَ الصِّدْقُ، وَفَاضَ الْكَذِبُ، وَاسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللَّسَانِ، وَتَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ وَصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً، وَالْعَفَافُ عَجَباً، وَلُبِسَ الإِسْلامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً (3).


1) (وليصدق رائد أهله) الرائد هو الذي يتقدم القوم المسافرين يرتاد لهم موضع كلأ وماء، وهذا أمر للقادة، بان يتحفظوا على النّاس في ذلك الزمان لثلاً يضل الأتباع بلا علم (وليجمع شمله) أي جماعته فلا يتركهم نهباً للفتن والضلالات (وليحضر ذهنه) ليعرف مواقع الفتن والضلالة (فلقد فلق) أي شق (لكم الأمر) أي بيّنه لكم لثلاً تضلوا (فلق الخرزة) فكما أن الخرزة إذا شقت رئي ما في جوفها كذلك أوضح الإمام لكم باطن الأمر (وقرفه قرف الصمغة) قرف الأمر، أي قشره، وأوضحه أي مثل تقشير الصمغة.

2) (أخذ الباطل مآخذه) جمع ماخذ أي جميع المحلات الممكنة أخذه منها (وركب الجهل مراكبه) والمراد تفشيه واتساعه بين الناس وعظمت الطاغية أي سلطة السلطان الطاغي (وقلت الدّاعية) إلى الهدى (وصال الدّهر) أي هجم على الناس بالفقر والبلاء والمرض وما أشبه (صيال السبع العقور) أي مثل صولة الحيوان المفترس الذي صار مع ذلك عقوراً والذي إذا عقر موضعاً سبب ألماً كثيراً (وهدر فنيق الباطل) شبه الفتنة بالبعير إذا هدر، فإنَّ [فنيق] الفحل من الإبل (بعد كظوم) أي إمساك (وتواخى الناس) أي آخى بعضهم بعضاً (على الفجور) فيتّخذ الخليل خليلة فاجرة، أو خليلاً فاسقاً، حيث لا إخوة تجمعهم إلا الفسق وتهاجروا على الدين) أي إذا كان أحدهم متديناً هاجره صديقه (وتحابوا على الكذب) أي أحب بعضهم بعضاً، لأنه كذب في نفعه (وتباغضوا على الصدق) أي أن أحدهم إذا صدق وقال الحق، غضب عليه الآخر وأبغضه.

3) (كان الولد غيظاً) أي موجباً لغيظ أبويه لأنه يكون للولد اتجاه آخر غير اتجاه الأبوين (والمطر قيظاً) المراد أن المطر يأتي في الصيف حيث لا ينفع، أو أن المطر يكون كالمطر في القيظ لعدم الاستفادة منه (وتفيض اللئام فيضاً) أي يكثرون كما يفيض الماء ويكثر وتغيض الكرام) من غاض الماء إذا غار في الأرض (وأوساطه) أي المتوسطون من أهل ذلك الزمان (أكالا) لا يعرفون إلّا الأكل وذلك كناية عن عدم اهتمامهم إلّا بأنفسهم (أمواتاً) أي كالأموات في عدم توفر وسائل العيش لهم (وغار الصدق) أي نضب وذهب (وفاض الكذب) أي كثر وزاد كما يفيض الماء (واستعملت المودّة باللسان) إنما يكون الود والحب باللسان فقط (بالقلوب) هي صفة النفاق (وصار الفسوق نسباً) يتصادق الناس على المنكرات والمحرمات، ويحتمل أن يكون المراد أن الزنى وما أشبهه يكون سبباً للنسب (ولبس الإسلام لبس الفرو مقلوباً) فقلب النّاس يحب الإسلام وعليهم اسمه أما ظاهرهم فظاهر كفر ونفاق.

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفة اللّه وذكر الملائكة وبيان الخلق والإشارة إلى البعث

كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ : غِنى كُلِّ فَقِيرٍ، وَعِزُّ كُلّ ذَلِيلٍ، وَقُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَمَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ. مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ، وَمَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ، وَمَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَمَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ (1). لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ، بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ. لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ، وَلا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ، وَلا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ، وَلا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ، وَلا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَلا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ، وَلا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ فَضَاءَكَ، وَلا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ، كُلُّ سِرِّ عِنْدَكَ عَلانِيَةٌ، وَكُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ(2)، أَنْتَ الأبَدُ فَلا أَمَدَ لَكَ، وَأَنْتَ الْمُنْتَهَى فَلا


1) (وكل شيء قائم به) أي أن قوام كل شيء ووجوده حسب إرادته سبحانه، حتى إذا صرف عنهم الإرادة فنوا وعدموا (ومفزع كل ملهوف) المفزع محل الفزع والالتجاء، والملهوف، هو الذي نابه أمر وعرضت له كارثة (منقلبه) أي رجوعه.

2) (قبل الواصفين من خلقك) فإنّ النّاس القادرين على الوصف هم مخلوقون لك (لم تخلق الخلق لوحشة) كما يتوحش الإنسان من الانفراد، فيكسب مؤنساً (ولا استعملتهم) أي أمرتهم بالعمل أو جئت بهم إلى الوجود وأعطيتهم ما أعطيتهم (ولا يسبقك من طلبت) تشبيه بمن يسبق طالبه فراراً فلا يدركه الطالب عجزاً (ولا يفلتك) أي لا ينفلت منك (من أخذت) كما ربما ينفلت الناس من أيدي خصمائهم (ولا ينقص سلطانك من عصاك) إذ سلطانه كائن على الجميع سواء عصى العاصي أم أطاع المطيع (ولا يزيد في ملكك من أطاعك) لأن الملك كائن لا يتّسع ولا ينقبض، وإنما الأمر بالإطاعة لمنفعة المطيع (ولا يرد أمرك) أي تقديرك (من سخط قضاءك) فمثلاً من سخط لضيق رزقه، لا يردّ سخطه ضيق رزقه الذي قضاه سبحانه له (ولا يستغني عنك من تولى) أي أعرض (عن أمرك) بأن عصاك، فإنَّ للإنسان احتياجاً محض إليه سبحانه (وكل غيب) أي ما غاب عن الحواس (عندك شهادة) أي حاضر مشهود، لأن اللّه مطلع على جميع الأشياء ظاهرها وباطنها، حاضرها وغائبها.

مَحِيصَ عَنْكَ، وَأَنْتَ الْمَوْعِدُ فَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلاّ إِلَيْكَ بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ (1)، وَإِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ. سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ! وَمَا أَصْغَرَ عَظِيمَةٍ فِي جَنْب قُدْرَتِكَ! وَمَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ! وَمَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ! وَمَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا، وَمَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ الآخِرَةِ!

ومنها في وصف الملائكة الكرام مِنْ مَلائِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ، وَرَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ، هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ، وَأَخْوَفُهُمْ لَكَ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْكَ، لَمْ يَسْكُنُوا الأصْلابَ، وَلَمْ يُضَمَّنُوا الأَرْحَامَ، وَلَمْ يُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، وَلَمْ يَشْعَبْهُمْ رَيْبُ الْمَنُون (2)، وَإِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ مِنْكَ، وَمَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ، وَاسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِيكَ، وَكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ، وَقِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ، لَوْ عَايَنُوا كُنْةَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ، وَلَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَلَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ (3).


1) (أنت الأبد) أي باق دائماً (لا أمد لك) أي لا مدة لك، حتى إذا بلغت إلى تلك المدة انقضى أجلك (وأنت المنتهى) أي انتهاء جزاء كل إنسان إليك (لا محيص عنك) أي لا مفر عنك ولا يتمكن أحد من أن لا يصل إليك وأنت الموعد الموعد محل الوعد، أي أن الإنسان وعد أن يصل إليك (فلا منجى منك إلا إليك) بأن يتضرّع الإنسان إليك لنجاته من سخطك (بيدك) أي بقدرتك وتحت أمرك (ناصية كل دابة) الناصية مقدم الجبهة، وإنما خص بذلك، لأن الشخص إذا أخذ بشعر إنسان لا يتمكن المأخوذ من الانفلات، ويتمكن من توجيهه كيفما شاء.

2) (سبحانك) أي أسبحك سبحانك، والمعنى أنزّهك تنزيهاً عن النقائص (ما أعظم ما نرى من خلقك) فإنَّ ما يرى من مخلوقاته سبحانه عظيم فكيف بما لا يرى (وما أصغر عظيمة) أي عظيم المخلوقات (وما أهول ما نرى من ملكوتك) أي أنّ كبر الملكوت - بمعنى الملك - موجب للهول والدهشة (وما أحقر ذلك) الخلق والملك - الذي نراه – (فيما غاب عنا من سلطانك) وملكك (وما أسبغ نعمك في الدنيا) فإنّ نعمه سبحانه في الدنيا سابغة واسعة (وما أصغرها في نعم الآخرة) [في] بمعنى النسبة فإنَّ نعم الآخرة من الكثرة بحيث إن نعم الدنيا لا شيء بالنسبة إليها.

3) (الأصلاب) جمع صلب وهو محل المني في ظهر الرجل (ولم يخلقوا من ماء مهين) أي حقير والمراد به النطفة (ولم يشعبهم) من شعبه بمعنى أهلكه (ريب المنون) المنون الموت، وريبه عمله، والمعنى إنهم لا يموتون - كما يموت الإنسان - أو أن [المنون] الدهر، وريبه صرفه أي لا تنالهم صروف الدهر من قوة وضعف وغنى وفقر وما أشبه (على مكانهم منك) أي قربهم للطفك وفضلك - يا رب – (واستجماع أهوائهم فيك) أي ليست لهم أهواء متشتتة متفرّقة وإنما كل فكرهم ونظرهم عنده سبحانه (وقلة غفلتهم عن أمرك) إما حقيقي، بأن كان لهم غفلة قليلة منه سبحانه، أو كنائي، إن لم تكن لهم غفلة (كنه ما خفي عليهم منك) أي كنه ذاتك وصفاتك (لحقروا أعمالهم) فإنَّ الإنسان كلما اطلع على عظمة اللّه سبحانه حقر عمله في جنب عظمته تعالى (ولزروا على أنفسهم) أي عابوها وحقروها.

ومنها في عصيان الخلق :

سُبْحَانَكَ خَالِقاً وَمَعْبُودا! بِحُسْنِ بَلائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ خَلَقْتَ دَاراً، وَجَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةٌ : مَشْرَباً وَمَطْعَماً، وَأَزْوَاجاً وَخَدَماً، وَقُصُوراً، وَأَنْهَاراً، وَزُرُوعاً، وَثِمَاراً، ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا، فَلا الدَّاعِيَ أَجَابُوا، وَلا فِيمَا رَغَبْتَ رَغِبُوا، وَلا إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اشْتَاقُوا (1). أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدْ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا، وَاصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا، وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَسْمَعُ بِأَذُنِ غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَواتُ عَقْلَهُ، وَأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ، وَوَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا، وَلِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا، وَحَيْتُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا، وَلا يَنْزَجِرُ مِنَ اللّه بِزَاجِرٍ، وَلا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ (2)، وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ، حَيْثُ


1) (بحسن بلائك عند خلقك) الباء للسببية، أي أن التسبيح بسبب حسن امتحان اللّه سبحانه فإنَّه تعالى إنما اختبر عباده اختباراً حسناً سهلاً لا عسر فيه ولا صعوبة (خلقت داراً) أي الجنة (وجعلت فيها مأدبة) المراد نعيم الجنّة (ثم أرسلت داعياً) هو النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أو مطلق الدعاة، فالمراد الجنس.

2) (أقبلوا على جيفة) المراد منها الدنيا (افتضحوا بأكلها) الافتضاح ظهور نوايا الشخص السيئة ونفسيته الدنيئة (واصطلحوا على حبها) أي صالح بعضهم بعضاً، بأن لا ينكر أحدهم على الآخر، في حبّ الدنيا (ومن عشق شيئاً أعشى بصره) أي أعماه، فإن المحب لا يرى إلا الصفات المحبوبة أما الصفات الذميمة فيغض عنها (وأمرض قلبه) فإنَّ القلب إذا لم ير الشر، فهو مريض لخروجه من جادة الاستقامة (فهو ينظر بعين غير صحيحة) والمراد من النظر ليس الرؤية وإنما الإدراك النفسي (ويسمع بأذن غير سميعة) فإنَّ سمع حسنة أخذها، وإن سمع سيّئة تصام عنها (قد خرقت الشهوات عقله) فامتلأ بالشهوات (وأماتت الدنيا قلبه) فإنّ القلب الحي هو الذي يفرّ من السيّئ ويأوي إلى الحسن (وولهت) أي اشتاقت اشتياقاً زائداً (ولمن في يديه شيء منها) فكما أن العبد يتبع سيّده كذلك هذا الإنسان يتّبع شهواته ومَن يمكن أن يحصل على الشهوات بواسطته (ولا ينزجر) أي لا ينتهي.

لا إِقَالَةَ وَلا رَجْعَةَ، كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقَدِمُوا مِنَ الآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (1). فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمُ : اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ، وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ، عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ (2)وَيَتَذَكَّرُ ! أَمْوَالاً جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبهَا، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا، فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ، وَالْعِبْءُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا (3)، فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَرْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ، وَيَتَمَنِّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ


1) (يرى المأخوذين على الغرّة) الذين ماتوا وأخذهم اللّه سبحانه للحساب والجزاء غفلة وبغتة بدون سابق إنذار (حيث لا إقالة) بأن يقيلهم اللّه سبحانه عثراتهم (ولا رجعة) إلى الدنيا ليتداركوا ذنوبهم بالطاعة والإنابة (كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون) ؟ من أحوال الآخرة وسيئات ما عملوا، والاستفهام للتعجيب والتذكير (وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون) أي أنهم كانوا يأمنون فراق الدنيا (على ما كانوا يوعدون) من العقاب والحساب الذي كانوا يوعدونه فلا يصدقونه.

2) (فغير موصوف ما نزل بهم) من الأهوال والشّدائد فإنّها لعظمها لا تأتي في درج البيان والوصف (سكرة الموت) فإنَّ للموت حالة كحالة السكران (وحسرة الفوت) أي فوت أوان الطاعة الموجبة للخلاص والفوز ففترت لها أطرافهم فإن الإنسان تضعف أعصابه عند الشدائد والمخاوف (ولوجا) أي دخولاً (فحيل بين أحدهم وبين منطقه) حتى أنه لا يتمكن أن يتكلم (وبقاء من لبه) أي عقله.

3) (أغمض في مطالبها) لأنه أغمض بصره في كون تلك الأموال من الحرام أو الحلال (من مصرحاتها) الصريح هو الذي لا لبس فيه ولا اشتباه (ومشتبهاتها) اشتبه حله بحرامه (قد لزمته تبعات جمعها) جمع تبعة وهي العقوبة والمشكلة تتبع التصرف السيّئ من جهة الجمع ومعنى لزمته أن استحق العقاب (فيكون المهنا) من [الهناء] وهو ما أتاك من خير بلا صعوبة ومشقة (والعبء) أي الثقل، الذي هو الذنب (قد غلقت رهونه) أي استحقها مرتهنها.

عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ! فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ : يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلامِهِمْ (1). ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بهِ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ جِيفَةٌ بَيْنَ أَهْلِهِ قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ، وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ لا يُسْعِدُ بَاكِياً، وَلا يُجِيبُ دَاعِياً، ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطّ فِي الْأَرْضِ، فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ، وَانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ (2). حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَالأَمْرُ مَقَادِيرَهُ، وَالْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ، وَجَاءَ مِنْ أَمْرِ اللّه مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ، أَمَادَ السَّمَاءَ وَفَطَرَهَا، وَأَرَجَ الأَرْضَ وَأَرْجَفَهَا، وَقَلَعَ جِبَالُها وَنَسَفَهَا، وَدَكَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلالَتِهِ وَمَخُوفِ سَطْوَنِهِ، وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا، فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاقِهِمْ، وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ، ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِما يُرِيدُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الأَعْمَالِ وَخَبَابًا الأفْعَالِ، وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ : أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلاءِ وَانْتَقَمَ مِنْ


1) (فهو يعض يده) كناية عن أسفه (ندامة على ما أصحر له) أي ظهر له، وأصله البروز إلى الصحراء لأنه يظهر فيها (عند الموت من أمره) أي أمر نفسه (ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره) لأنه يظهر له في ذلك الحال عدم فائدة المال وما أشبه، ولذا ينفر عنه (قد حازها دونه) أي ملكها ذلك الحاسد والغابط، لأنه رأى وبال تلك الأموال فيقول يا ليت كانت لغيري حتى لا أؤخذ بإثمها وتبعتها (فلم يزل الموت يبالغ في جسده) ويوهن قواه (حتى خالط لسانه سمعه) أي شارك السمع اللسان في العجز عن القيام بوظيفته، فقد كان قادراً على الاستماع غير قادر على التكلم والآن صار لا يقدر على الاستماع أيضاً (فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه) وإنما يبقى له البصر (يردد طرفه بالنظر في وجوههم) ينظر إلى هذا مرّة وإلى ذاك أخرى (يرى حركات السنتهم) ممّا يدل على أنهم يتكلمون بشيء (ولا يسمع رجع) أي صوت.

2) (التياطاً) أي اختلاطاً (فصار جيفة) أي كالجيفة، وهذا مجاز بالمشارفة (قد أوحشوا من جانبه) أي من جهته (وتباعدوا من قربه) إذ الناس يخافون من الميت ويتبعدون عنه (لا يسعد باكياً) أي لا يشاركهم في أحزانهم كما كان يشارك معهم في حال حياتهم (ثم حملوه إلى مخط) أي مكان قد خط لقبره (في الأرض وأسلموه فيه) أي في ذلك المخط (إلى عمله) بمعنى أنه يبقى وعمله الذي قدمه في الحياة فإن كان خيراً سعد وإن كان شرّاً شقي (وانقطعوا عن زورته) أي زيارته فلا يزورونه.

هَؤُلاءِ (1). فَأَمَّا أَهْلُ طَاعَتِةِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ، وَخَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ، حَيْثُ لا يَظْعَنُ النزالُ، وَلا تَتَغَيَّرُ بِهِمُ الْحَالُ، وَلا تَنُوبُهُمُ الأَفْزَاعُ، وَلَا تَنَالُهُمُ الأَسْقَامُ، وَلا تَعْرِضُ لَهُمُ الأخْطَارُ، وَلا تُشْخِصُهُمُ الأَسْفَارُ (2). وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ، وَغَلَّ الأَيْدِي إِلَى الأَعْنَاقِ، وَقَرَنَ النَّوَاصِيَ بِالأَقْدَامِ، وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ، وَمُقَطَعَاتِ النِّيرَانِ، فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ، وَبَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ، فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَلَجَبٌ، وَلَهَبٌ سَاطِعٌ، وَقَصِيفٌ هَائِلٌ، لا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَلا يُفَادَى أَسِيرُهَا، وَلا تُفْصَمُ كُبُولُهَا، لا مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى، وَلا أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى (3).


1) (حتى إذا بلغ الكتاب أجله) أي الذي كتبه اللّه سبحانه لبقاء الأموات في القبور أجله أي مدته (و) بلغ (الأمر مقاديره) جمع مقدار، أي أمر اللّه في البقاء في القبر مقداره الذي قدره وعينه (والحق آخر الخلق بأوله) بأن مات الجميع (وجاء من أمر اللّه ما يريده من تجديد خلقه) بإحيائهم وجمعهم في عالم الآخرة (أماد السماء) أي حرّكها (وفطرها) أي شقها وصدعها، والمراد تبديد نظام السماء (وارج الأرض) من الرجّة بمعنى الحركة (وأرجفها) أي زلزلها (وقلع جبالها ونسفها) أي أزالها (ودك بعضها بعضاً) الدك الضرب (وأخرج من فيها) أي في الأرض من الأموات (فجددهم بعد إخلاقهم) جمع خلق، بمعنى البلى (وجمعهم بعد تفرّقهم) في أماكن متعدّدة من الأرض (ثم ميزهم) أي جعل كل جماعة ذات عمل متشابه متميزة عن الجماعة الأخرى (عن خفايا الأعمال) أي الأعمال التي عملوها خفية (وخبايا الأفعال) جمع خبيئة وهي وهي الخفية.

2) (فأما أهل طاعته فأثابهم بجواره) والمراد مجاورة رضاه ولطفه - فإنَّه سبحانه منزّه عن المكان - (وخلّدهم في داره) أي جعلهم خالدين باقين أبد الآبدين (حيث لا يظعن) أي لا يرحل (النزال) جمع نازل، أي ليس لهم انتقال من الآخرة (ولا تتغير بهم الحال) في سرور دائم وعيش رغد (ولا تنوبهم الأفزاع) جمع فزع بمعنى الخوف، ونابه بمعنى أدركه (ولا تُشخصهم الأسفار) وأشخصه بمعنى أذهب به والسفر حيث فيه المشقة لا يوجد في الجنّة.

3) (وقرن النواصي بالأقدام) جمع ناصية مقدم الرأس يجمع بينهما زيادة في العذاب والنكال (وألبسهم سرابيل القطران) سرابيل جمع سربال وهو الثوب، والقطران شيء كالدهن له رائحة كريهة تسرع فيه النّار (ومقطعات النيران) أي الألبسة المقطعة من النار (وباب) لجهنم (قد أطبق) سدّ (في نار لها كلب) أي هيجان (واجب) أي صوت مرتفع (ولهب) أي شعلة (ساطع) عال (وقصيف) هو الصوت الشديد. (هائل) يوجب الهول والوحشة لا يظعن أي لا يسافر ولا يرحل (مقيمها) أي المقيم في تلك النّار فإنَّها أبدية دائمة (ولا يفادى أسيرها) أي لا يقبل إعطاء الفدية عن الأسير في تلك النّار حتّى ينجو (ولا تفصم) أي لا تنقطع (كبولها) جمع كبل بمعنى القيد (لا مدة للدار فتفنى) كما تنفني الدنيا (ولا أجل للقوم) أي مدة لبقائهم هناك (فيقضى) ذلك الأجل، ويتخلّصوا من العذاب.

ومنها في ذكر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَصَخَّرَهَا، وَأَهْوَنَ بِهَا وَهَوَّنَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللّه زَوَاهَا عَنْهُ اختياراً، وَبَسَطَهَا لِغَيره احْتِفَاراً، فَأَعْرَضَ عَنْهَا بِقَلْبِهِ وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَي لا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِبَاشاً، أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً. بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً، وَنَصَحَ لأُمَّتِهِ مُنْذِراً، وَدَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً، وَخَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحَذِّراً (1).

نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَمَحَةُ الرِّسَالَةِ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلائِكَةِ، وَمَعَادِنُ الْعِلْمِ، وَبَنَابِيعُ الْحِكَمِ، نَاصِرُنا وَمُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ، وَعَدُونَا وَمُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَة (2).

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أركان الإسلام

إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الإِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الإِسْلامِ، وَكَلِمَةُ الإِخْلاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ، وَحَجُ الْبَيْتِ وَاعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ


1) (وأهون بها) أي رآها هوناً (وهونها) أي رآها يسيراً (أن اللّه زواها عنه) أي صرف الدنيا عنه (اختياراً) أي اختيار للرسول الابتعاد عن الدنيا (وبسطها لغيره احتقارا) كالكفار والفراعنة للدنيا، فإنَّها ليست بشيء مهم حتى تمنع عن الأشرار (رياشاً) اللباس الفاخر وما أشبهه (بلغ عن ربه معذراً) أي ما يوجب العذر من طرفه سبحانه، إذا عذب العاصي بعد البلاغ (منذراً) مخوّفاً من عذاب الآخرة (ودعا إلى الجنّة مبشراً) بالثواب لمن أطاع (وخوف من النار محذراً) بالعقاب لمن عصى.

2) (نحن شجرة النّبوّة) أي المتفرّعون من تلك الشجرة (ومحطّ الرّسالة) أي محل نزول الرسالة السماوية (ومختلف الملائكة) بهبوطهم وصعودهم من اختلف إليه إذا جاء وذهب ومعادن العلم فكما أنّ المعدن محل الشيء الثمين الذي يتكون فيه كذلك الأئمة محلات للعلم الكثير.

وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، وَمَنْسَأَةٌ فِي الأَجَلِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ، وَصَدَقَةُ الْعَلانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ(1).

أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللّه فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ وَارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ، واقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ. وَاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ.

وَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ (2)،


1) (إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون) الوسيلة هي السبب الذي يتسبب به إلى شيء محبوب (ذروة الإسلام) أي أعلى أحكام الإسلام وذلك لأنه الشيء الوحيد الذي يوجب وجود الإسلام في الناس وبقائه (وكلمة الإخلاص) أي الشهادة بالوحدانية - وهذا غير الإيمان، فإن الإيمان لا ينافي الإشراك، فإنّه إيمان بأمرين اثنين - (فإنها الفطرة) أي الخلقة فإنَّ الخلقة الخالية عن الشوائب والشبهات إذا نظرت إلى الكون وفهمت وحدة النّظام فيه لا بد وأن تعترف بالوحدانية (فإنّها الملة) أي أنّها أعظم ركن من أركان الملة الإسلامية - أي طريقتها - ولعظمها فكأنها هي الملة بالذات (فإنّه جنّة) أي وقاية (واعتماره) أي العمرة (ويرحضان) أي يغسلان الذنب (مثراة في المال) أي موجبة للثروة ومنسأة في الأجل أي توجب تأخيره من نسى إذا تأخر (ميتة السوء) أي الموت السيّئ كالغرق والحرق والهدم وما أشبه وصنائع المعروف أي صنع الشيء الحسن كإعانة الفقراء ومساعدة أهل الحاجة (فإنّها تقي مصارع الهوان) أي السقطات الموجبة للهوان والذُّلة، كذهاب مال الإنسان ومنصبه وتشتت أمره وما أشبه ذلك.

2) (أفيضوا في ذكر اللّه) الإفاضة الدخول، ومعنى الجملة المواظبة على الذكر (وارغبوا فيما وعد المتقين) والرّغبة فيه بالعمل الصالح المؤدّي إليه (واقتدوا بهدي نبيكم) هديه أي طريقته الرشيدة الموجبة للوصول إلى الغاية (واستنوا بسنّته) أي ابتغوا سنّته (فإنّها أهدى السنن) أي أحسن السنن هداية (وتعلموا القرآن فإنَّه أحسن الحديث) إذ هو جامع لخير الدنيا وسعادة الآخرة (وتفقهوا فيه) بمعرفة تفسيره وتأويله (فإنه ربيع القلوب) فإنَّ فهم القرآن موجب لإزدهار القلوب كما يزدهر الربيع بالخضروات (واستشفوا بنوره) أي اطلبوا الشفاء من ظلمة الجهل بنور القرآن الموجب لمعرفة الحقائق الكونية والشرعية (فإنه شفاء الصدور) من ظلمة الجهل، فإنَّ الجهل من أشدّ الأمراض (فإنه أنفع القصص) إذ فيه القصص الحقة الموجبة للهداية والتبصر.

فَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ، بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ، وَهُوَ عِنْدَ اللّه أَلْوَمُ (1).

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم الدنيا

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ، وَرَاقَتْ بِالْقَلِيلِ، وَتَحَلَّتْ بِالآمَالِ، وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ. لا تَدُومُ حَبْرَتُهَا، وَلا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا. غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ، نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ، أَكَالَةٌ غَوَّالَةٌ (2). لا تَعْدُو - إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَالرِّضَاءِ بِهَا - أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللّه تَعَالَى سُبْحَانَهُ : (كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ


1) (فإن العالم العامل بغير علمه) كأن علم بوجوب الصلاة والزكاة والحج وحسن الصدقة والتلاوة لكنه لا يعمل بما يعلم (كالجاهل الحائر) الذي يتحير في وجه الخير وطريق السعادة (الذي لا يستفيق من جهله) أي لا يتخلص من جهله، فإنَّ العلم إنما هو للعمل فإذا لم يكن عمل كان العالم كالجاهل (بل الحجة عليه أعظم) لأنه ترك العمل بعد المعرفة والحجة على الجاهل أنه لم يتعلم (والحسرة له) في فوات الخيرات عنه (الزم) أي أكثر لزوماً من الحسرة على الجاهل (عند اللّه الوم) أي أشد لوماً، فإنَّ لوم اللّه سبحانه له أكثر من لومه للجاهل.

2) (أما بعد) أي بعد الحمد والصلاة (فإني أحذركم الدنيا) أي أخوفكم من الوقوع في حبائلها وشهواتها فإنها حلوة خضرة لها طعم حسن ولون جذاب (حقت بالشهوات) أي أن الشهوات أحاطت بالدنيا (وتحببت) أي تقربت إلى الناس (بالعاجلة) أي كونها غير آجلة، وإنما عاجلة يأخذها الإنسان بدون ترقب والناس يحبون العاجلة (وراقت) أي تزينت (بالقليل) أي بشيء قليل من المال والجاه، في مقابل درجات الآخرة، ونعيمها الكثير (وتحلت) من الحلي، أي تزينت (بالآمال) فإنَّ الإنسان يأمل المستقبل الخير، وهي زينة الدنيا حتى أن الإنسان إذا لم يرج مستقبلاً زاهراً، لم يكن لدنياه حلية (وتزينت بالغرور) أي أن زينة الدنيا كذب لا أساس لها، وإنما هي غرور وخداع إذ زينتها ليست إلا صوريّة زائلة (لا تدوم حبرتها) الحبرة السرور والنعمة (ولا تؤمن فجعتها) أي أن الإنسان لا يؤمن أن تصيبه مصيبة وفجيعة (غرارة) كثيرة التغرير والخداع (ضرارة) كثيرة الضرر (حائلة) أي متغيرة تنقلب من حال إلى حال (زائلة) تزول وتنقضي (نافدة) تنفد وتنتهي (بائدة) أي هالكة (أكالة) تأكل كل شيء بإفنائها له (غوالة) أي مهلكة من غال بمعنى أهلك.

نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، وَكَانَ اللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) (1)، (2).

لَمْ يَكُنِ امْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً، وَلَمْ يَلْقَ فِي سَرَّائِهَا بَطْناً، إلا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً، وَلَمْ تَطلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ، إلا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةٌ بَلاء (3)! وَحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكْرَةٌ، وَإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ وَاحْلَوْلَى أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبُ فَأَوْبَى ! لا يَنَالُ امْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً، إلا أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً! وَلا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحٍ أَمْنِ، إلا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِم خَوْفٍ! غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا، لا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلا التَّقْوَى (4)مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ ممّا يُؤْمِنُهُ! وَمَنْ اسْتَكْثَرَ


1) سورة الكهف، الآية: 45.

2) (لا تعدو) يتأتى متعلقة في قوله [أن تكون] والجملة في وسطهما اعتراض (- إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها) أي إذا أتت بأماني الناس وآمالهم (والرضاء بها -) لأنها جاءت بأمانيهم (أن تكون) متعلق بـ[ لا تعدو] (كماء أنزلناه من السماء) أي المطر والمراد بالسماء جهة العلو (فاختلط به نبات الأرض) كأن الماء لم يُنشء النبات، وإنما صرف اختلاط - لبيان السرعة في التكون دليلاً على سرعة الدنيا - (فأصبح هشيماً) الهشيم النبت اليابس المتكسر حتى كأنه لم يكن فصل بين اختلاط الماء بالنبات وبين أن يصبح هشيماً - إلا بمقدار [الفاء] - (تذروه الرياح) أي تنقله من مكان إلى مكان.

3) (في حبرة) أي سرور وحبور (إلا أعقبته) أي أعقبت الدنيا ذلك الشخص (بعدها) أي بعد الحبرة (عبرة) بأن بكي بعد السرور فإنَّ [العبرة] بمعنى [الدمعة ] (في سرائها) أي أفراح الدنيا (بطناً) كأن الدنيا مقبلة عليه فبطنها بطرف ذلك الإنسان (من ضرائها) أي ضررها وبؤسها (ظهراً) بأن أدارت الدنيا له ظهرها وانقلبت عليه (ولم تطله) الطل المطر، أي لم تمطر على أحد (ديمة) هي مطر يدوم في سكون بلا رعد ولا برق (رخاء) بأن صار رخي البال الكثير النعم دائمها (إلا هتنت عليه) أي أمطرت من الهتن بمعنى الصب (مزنة) بمعنى المطر (بلاء) أي انصبّ عليه البلاء، كما انصب عليه الرخاء.

4) (وحري) أي حقيق إذا أصبحت له أي لأحد (منتصرة) نصرته على أعدائه (متنكرة) كالذي لا تعرفه فتنقل الانتصار إلى جانب آخر (وإن جانب) أي طرف (منها) أي من الدنيا (اعذوذب) أي صار عذباً فراتاً (واحلولى) أي صار حلواً (أمر منها جانب) أي صار مراً (فأوبى) أي صار كثير الوباء (غضارتها) أي نعمتها وسعتها (رغباً) أي رغبةً وميلاً (من نوائبها) جمع نائبة وهي المصيبة الشديدة (في جناح أمن) كأنه في أعلى مراتب الأمن، على جناح طائر (إلا أصبح على قوادم خوف) جمع قادمة وهي ريشات كبار في مقدم جناح الطائر، وهذا تشبيه لشدة الخوف لأن الكائن على القوادم في معرض السقوط، (غرارة) كثيرة الخدع (غرور ما فيها) فإنَّ كل ما فيها. الزواله - كانه غرور وخدعة (لا خير في شيء من أزوادها) جمع زاد (إلا التقوى) فإنَّ اتقاء اللّه والمعاصي هو الذي يبقى إلى الآخرة.

مِنْهَا اسْتَكْثَرَ ممّا يُوبِقُهُ، وَزَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ، كَمْ مِنْ وَاثِقِ بِهَا فَجَعَتْهُ، وَذِي طُمَأْنِينَةٍ إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ، وَذِي أُبَّهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً، وَذِي نَخْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ خَلِيلاً سُلْطَانُهَا دُوَّلٌ، وَعَيْشُهَا رَبَقٌ، وَعَذْبُهَا أُجَاجٌ، وَحُلُوهَا صَبِرٌ، وَغِذَاؤُهَا سِمَامٌ، وَأَسْبَابُهَا رِمَامٌ! حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ، وَصَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمِ! مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ، وَعَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ وَمَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ، وَجَارُهَا مَحْرُوبٌ (1)! أَلَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً، وَأَبْقَى آثَاراً، وَأَبْعَدَ آمَالاً، وَأَعَدَّ عَدِيداً، وَأَكْثَفَ جُنُوداً! تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَي تَعَبُّدِ، وَأَثَرُوهَا أَيَّ إِيثَارٍ، ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغُ وَلا ظَهْرٍ قَاطِعٍ (2). فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً


1) (من أقل منها) أي أخذ القليل من الدنيا (استكثر ممّا يؤمنه) أي كان أمنه كثيراً (ومن استكثر منها) أي أكثر من الدنيا (استكثر ممّا يوبقه) أي يهلكه (وزال) أي انتقل (كم من واثق بها) ظان أنها تبقى له (فجعته) أي أفقدت منه ما يحبه (وذي طمأنينة) أي اطمئنان قد صرعته أي أوقعته على الأرض المذلة والعدم (وذي أبهة) أي عظمة ورفعة (قد جعلته) الدنيا (حقيراً) بأن أذهبت أبهته (وذي نخوة) أي افتخار واعتزاز بما لديه من العز والشرف (قد ردّته) أي أرجعته الدنيا (سلطانها دول) ينتقل من هذا إلى ذاك وهكذا جمع دولة وهي انقلاب الزمان (وعيشها رنق) أي كدر فإنَّه مشوب بالآلام والأسقام (وعذبها أجاج) أي مالح شديد الملوحة، إذ في عين عذوبة في جانب وأجاج في جانب (وحلوها صبر) هو عصارة شجرة مرّة (وغذاؤها سمام) جمع سم، أي ان غذاء الدنيا مشوب بالسم (وأسبابها رمام) وهي القطعة البالية من الحبل جمع :رمة: أي أن يتمسك بها من الدنيا، ويجعل سبباً للوصول إلى هدف وغاية، بال منقطع (حيها بعرض موت) أي في معرض أن يفنى ويموت (وصحيحها بعرض سقم) أي معرض للمرض (ملكها مسلوب) يسلب من يد المالك إما بالحوادث أو بالموت (وعزيزها مغلوب) بغلبة آخر عليه أو غلبة الموت (وموفورها منكوب) أي ما كثر من الدنيا ووفر مصاب بالنكبة أي في معرض المصيبة والشديدة التي تذهب بذلك الكثير (وجارها محروب) أي من جاور الدنيا وكان فيها فإنَّه يصيبه الحَرَب أي السلب والنهب.

2) (وأبقى آثاراً) آثارهم بقيت إلى هذا الوقت، (وأبعد آمالا) فإنَّهم حيث كانوا أطول أعماراً، كانت آمالهم أبعد من هؤلاء (وأعد عديداً) أي أكثر تعداداً للعدد والأشخاص (وأكثف) أي أكثر (تعبدوا) أي عبدوا (أي تعبد) وعبادتهم لها بمعنى خضوعهم لزخارفها كما يخضع العابد للمعبود (وآثروها) أي قدموها على سائر الأشياء (أي إيثار) وهذا اللفظ للتعظيم، أي إيثاراً عظيماً (ثم طعنوا عنها) أي انتقلوا بغير زاد من العمل الصالح (ولا ظهر) أي دابة يركبون ظهرها (قاطع) يقطع الطريق ويوصلهم إلى الغاية المنشودة.

بِفِدْيَةٍ، أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ، أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً! بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَادِحِ، وَأَوْهَنَتْهُمْ بِالْقَوَارع، وَضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ، وَعَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ، وَوَطأتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ، وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ (1). فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا، وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ لَهَا، حَتَّى ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الأَبَدِ. وَهَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلا السَّغَبَ، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إلا الضَّنْكَ، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إلا الظُّلْمَةَ، أَوْ أَعْقَبَتْهُم إِلا النَّدَامَةَ ! أَفَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ، أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ، أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ؟ فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا (2)! فَاعْلَمُوا - وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا، وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) (3): حمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً، وَأُنْزِلُوا الأجْدَاثَ فَلا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً، وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ، وَمِنَ التَّرَابِ أَكْفَانٌ، وَمِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانٌ، فَهُمْ


1) (فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفساً بفدية) بأن أعطتهم أنفسهم في مقابل فداء أخذته منهم أي هل أبقتهم الدنيا، أم أهلكتهم؟ (أو أعانتهم بمعونة) أسدتها إليهم لإخراجهم من الشدة (أو أحسنت لهم صحبة) بأن حفظت كرامتهم وحقوقهم؟ (بالقوادح) جمع قادحة وهي مرض يقع في الأسنان فيبددها ويفسدها (بالقوارع) جمع قارعة، وهي المصيبة الشديدة (وضعضعتهم) أي حركتهم ونللتهم (بالنوائب) جمع نائبة وهي المصيبة (وعفرتهم للمناخر) جمع منخر بمعنى الأنف، أي كبت أنوفهم في التراب من [العفر] بمعنى التراب (ووطأتهم بالمناسم) جمع منسم وهو رجل البعير، أي داست الدنيا عليهم بأرجلها (وأعانت عليهم ريب المنون) أي الموت لما أراد أخذهم أعانت الدنيا الموت لاختطافهم وإهلاكهم.

2) (تنكرها) كأنّها لا تعرفهم (لمن دان لها) أي خضع للدنيا بصرف أوقاته في طلبها وتجميلها (و) لمن (آثرها) أي قدم الدنيا على الآخرة (وأخلد لها) أي ركن إليها (حتى ظعنوا) أي ارتحلوا عنها لفراق الأبد أي مفارقة لا رجوع إليها (وهل زودتهم) أي أعطتهم الزاد (إلا السغب) أي الجوع (أو أحلتهم إلّا الضنك) أي الضيق (أو نوّرت لهم إلّا الظلمة) أي أرتهم الظلمة باسم النور (فبئست الدار) الدنيا (لمن لم يتهمها بالخيانة والغدر (ولم يكن فيها على وجل) وخوف (منها) أما من اتهمها ووجل منها وعمل لآخرته فنعمت الدار هي إذ الإنسان يحصل على الآخرة فيها.

3) سورة فصلت الآية: 15.

جيرَةٌ لا يُجِيبُونَ دَاعِياً، وَلا يَمْنَعُونَ ضَيْماً، وَلا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً (1).

إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا، وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا. جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ، وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ. مُتَدَانُونَ لا يَتَزَاوَرُونَ، وَقَرِيبُونَ لا يَتَقَارَبُونَ. حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ، وَجُهَلاءُ قَدْ مَانَتْ أَحْقَادُهُمْ. لا يُخْشَى فَجْعُهُمْ، وَلا يُرْجَى دَفْعُهُم. اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الأَرْضِ بَطْناً، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً، وَبِالأهْلِ غُرْبَةً، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً، فَجَاؤُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا حُفَاةً عُرَاةً، قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقِيَةِ (2)، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْداً عَلَيْنَا، إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ (3).


1) (ظاعنون) أي مسافرون (عنها) إلى الآخرة (واتَّعظوا فيها) أي خذوا الموعظة في الدنيا (بـ) الكفار (من أشدّ منا قوة)؟ ظانين أن قوتهم تمنع عن بأس اللّه فيهم وعن الموت أن ينزل بهم (فلا يدعون ركباناً) جمع راكب أي لا يقال لهم أنهم راكبون - حينما حملوا في الجنائز - إذ الراكب هو من ركب اختياراً (وأنزلوا الأجداث) جمع جدث وهو القبر (فلا يدعون ضيفاناً) جمع ضيف أي لا يقال لهم إنهم ضيوف، لأن الضيف ليس بهذه الكيفية (وجعل لهم من الصفيح) بمعنى وجه الأرض، فإنّه يستعمل في كل شيء عريض، أو المراد بالصفيح [اللبن] (أجنان) جمع جنن بمعنى القبر (ومن التراب أكفان) فإنَّ أكفانهم تبلى ولا يبقى إلا القبر مشتملاً عليهم (ومن الرفات جيران) الرفات العظام البالية، أي أنّ جيرانهم عظام سائر الأموات (ولا يمنعون ضيماً) أي ظلماً ينزل بهم (ولا يبالون مندبة) أي لا يهتمون بندبة أحد لهم.

2) (إن جيدوا) أي مطروا، من جاده الغيث وإن قحطوا أصابهم القحط، بأن لم يمطر السحاب (لم يقنطو)ا لعدم تضرّرهم بالقحط (جميع وهم آحاد) فإنّ أبدانهم مجتمعة في المقابر لكنهم آحاد حيث لا صلة ولا تزاور ولا تعارف بينهم (وجيرة وهم أبعاد) أحدهم يبعد عن الآخر (متدانون) أي بعضهم قريب من بعض (لا يتزاورون) أي لا يزور أحدهم الآخر (وقريبون) في النسب أو في المزار (لا يتقاربون) أي لا يقرب بعضهم من بعض (حلماء قد ذهبت أضغانهم) أي أنّهم كالحليم الذي لا يضغن ولا يحقد على أحد (وجهلاء) أي أنّهم كالجهال، لأن علمهم قد سلب عن أجسادهم (قد ماتت أحقادهم) فإنّ الجاهل يحقد، لكن هؤلاء لا يحقدون ويحتمل أن يكون المراد أن حليمهم لا يضغن وجاهلهم لا يحقد على خلاف ما كانوا في الدنيا (لا يخشى فجعهم) أي لا يخاف أحد أن يفجعوه ويصيبوه بأذى، أو لا يخاف أن يفجع أحد منهم بفجيعة (ولا يرجى دفعهم) بأن يدافعوا عن الأحياء كما كانوا يدافعون في حال حياتهم (حفاة عراة) أي جاؤوها في حال عدم التنعل، وعدم اللباس (قد ظعنوا عنها بأعمالهم) أي سافروا عن الأرض، والمراد مسافرة أرواحهم (إلى الحياة الدائمة والدار الباقية) وهي الجنّة أو النّار.

3) سورة الأنبياء، الآية: 104.

وَمِنْ خُطْبَة (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذكر فيها ملك الموت وتوفيه الأنفس

هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً؟ أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً؟ بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ! أَيَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا، أَمِ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا؟

أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا؟ كَيْفَ يَصِفُ إِلهَهُ مَنْ يَعْجَرُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ(1)!

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم الدنيا

وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ، وَلَيْسَتْ بِدَارٍ نُجْعَةٍ قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا، وَغَرَّتْ بِزِينَتِهَا. دَارُ هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا، فَخَلَطَ حَلالَهَا بِحَرَامِهَا، وَخَيْرَهَا بِشَرِّهَا، وَحَيَاتَهَا بِمَوتِهَا، وَحُلْوَهَا بِمُرِّهَا، لَمْ يُصْفِهَا اللّه تَعَالَى لأوْلِيَائِهِ، وَلَمْ يَضِنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ، خَيْرُهَا زَهِيدٌ وَشَرُّهَا عَتِيدٌ. وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ، وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ، وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ (2). فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ، وَعُمُر يَفْنَى فَنَاءَ


1) (أيلج) أي يدخل (من بعض جوارحها) أي من بعض أعضاء المرأة، جمع جارحة بمعنى العضو (أم الروح أجابته) أي أجابت ملك الموت حين طلبها من الخارج (بإذن ربها) [الروح] مؤنث سماعاً (كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله)؟ أي ملك الموت، فإنَّ من لا يقدر على وصف المخلوق لا يقدر على وصف الإله، بالأولى.

2) (وأحذركم) أي أخوفكم (منزل قلعة) أي محل انقلاع وعدم استقرار (وليست بدار نجعة) أي ليست محط الرحال، فإنَّ النجعة بمعنى طلب الكلأ في موضعه، فإنَّ القوافل كانوا يطلبون لمنزلهم محلاً ذا كلاً، فإذا لم يجدوه لم ينزلوا (قد تزيّنت بغرورها) أي ازدانت للنّاس بالخداع والغرور دار هانت على ربِّها) لا قيمة لها عند اللّه سبحانه فخلط حلالها بحرامها بمعنى أن جعل سبحانه فيها من النوعين (وخيرها بشرّها وحياتها بموتها وحلوها بمرّها) ولو كانت عزيزة عنده سبحانه لم يجعلها إلّا محلاً للخيرات فقط، كما أنّ الإنسان إذا اصطفى شيئاً لم يجعل فيه إلا الخير (لم يصفها) أي لم يجعلها صافية لهم عن الأكدار والآلام (ولم يضنّ بها) أي لم يمنعها (خيرها زهيد) أي قليل (وشرّها عتيد) أي حاضر (وجمعها ينفد) أي يخلص ويتم (وملكها يسلب) يسلبه الفناء (وعامرها يخرب) فإنَّ العمارة مهما كانت محكمة يسري إليها الخراب والفناء.

الزَّادِ، وَمُدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ ! اجْعَلُوا مَا افْتَرَضَ اللّه عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ، وَاسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ مَا سَأَلَكُمْ. وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ (1). إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا، وَيَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا، وَيَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِنِ اغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا. قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الآجَالِ، وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الآمَالِ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَالْعَاجِلَهُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الآجِلَةِ (2)، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللّه، مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إلاّ خُبْتُ السَّرَائِرِ، وَسُوءُ الضَّمَائِرِ. فَلا تَوَازَرُونَ وَلَا تَنَاصَحُونَ وَلا تَبَاذَلُونَ وَلا تَوَادُّونَ مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ، وَلا يَحْزُنُكُمُ الْكَثِيرُ مِنَ الآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ! وَيَقْلِقُكُمُ الْيَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ، وَقِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُويَ مِنْهَا عَنْكُمْ كَأَنَّهَا دَارُ


1) (فما خير دار تنقض) أي تهدم (نقض البناء) أي كما ينهدم البناء يعني لا خير في مثل هذه الدار (وعمر يفنى فناء الزَّاد) فكما يفنى المأكول يفنى عمر الإنسان وينتهي (ومدة تنقطع انقطاع السّير) فكما أنّ السّائر ينقطع سيره بعد مدة كذلك تنقطع مدّة بقاء الإنسان في الدنيا بعد زمان مقدّر له (اجعلوا ما افترض اللّه عليكم من طلبكم) فكما أنتم تحصلون على مطالبكم الدنيوية - من أكل وشرب ولباس وما أشبه - بكلّ حرص واشتياق، فكذلك اجعلوا فرائض اللّه هكذا (واسألوه من أداء حقه ما سألكم) أي اطلبوا من اللّه سبحانه أن يوفقكم لأداء ما فرضه عليكم - الذي هو حقه - ومعنى [ما سألكم] الشيء الذي طلبه منكم (وأسمعوا دعوة الموت آذانكم) أي أسمعوا آذانكم دعوة الموت لكم، وهذا كناية عن تملّي الإنسان بقضية الموت (قبل أن يدعى بكم) أي قبل أن تدعون إلى الموت.

2) (إنّ الزّاهدين في الدّنيا تبكي قلوبهم) كناية عن حزنها (وإن ضحكوا) بوجوههم (ويشتد حزنهم) الباطن (وإن فرحوا) في الظاهر (ويكثر مقتهم أنفسهم) أي غضبهم على أنفسهم - لأنها لا تطاوعهم فيما يريدون من الأعمال – (وإن اغتبطوا بما رزقوا) أي غبطهم غيرهم بما رزقهم اللّه سبحانه من الحظ في الطاعة والعبادة (قد غاب عن قلوبكم) أيّها النّاس (ذكر الآجال) أي الموت فلا تذكرونه (وحضرتكم كوانب الآمال) أي الآمال الكاذبة التي لا تصلون إليها، فإنّها نصب أعينكم تسعون لها (فصارت الدنيا أملك بكم من الآخرة) أزمتكم بيد الدنيا كأنكم ملك لها (والعاجلة) أي الدّنيا العاجلة (أذهب بكم) أي أكثر تسييراً لكم نحوها من الأجلة أي الآخرة التي هي مؤجلة ثم مثل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكون الدنيا آخذة بزمامهم، لا الدين.

مُقَامِكُمْ، وَكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ (1). وَمَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ، إِلا مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ. قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الآجِلِ وَحُبِّ الْعَاجِلِ، وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ، صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، وَأَحْرَزَ رِضَا سَيّدِهِ (2).

وَمِنْ خُطبَة (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وعظ الناس

الْحَمْدُ للّه الوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ وَالنّعَمَ بِالشَّكْرِ. نَحْمَدُهُ عَلَى آلائِهِ، كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلائِهِ. وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ، السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ. وَنَسْتَغْفِرُهُ ممّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ، وَأَحْصَاهُ كِتَابُهُ : عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ، وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ، وَنُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ، وَوَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ، إيماناً نَفَى إِخْلاصُهُ الشِّرْكَ، وَيَقِينُهُ الشَّكُ (3). وَنَشْهَدُ


1) (ما) فرّق بينكم إلّا خبث السرائر) إذ حبّ المال والجاه وما أشبه يوجب التحاسد والتفرقة (وسوء الضمائر) أي النوايا السيئة (فلا توازرون) أي لا يعاون بعضكم بعضاً (ولا تناصحون) لا ينصح بعضكم بعضاً (ولا تباذلون) لا يبذل الغني منكم للفقير (ولا توادّون) لا يحب أحدكم الآخر (قلة صبركم عما زوي منها عنكم) أي ابتعد من الدّنيا (دار مقامكم) داركم التي تقيمون فيها إلى الأبد (وكان متاعها باق عليكم) متاع الدنيا: ما يتمتع الإنسان به فيها من لباس ورياش وما أشبه.

2) (من عيبه إلّا مخافة أن يستقبله بمثله) أي أنكم لا تذكرون معايب إخوانكم لهم، حتى يتجنبون عنها لأنكم تخافون إن ذكرتم عيوبهم، أن يذكروا لكم عيوبكم (قد تصافيتم) أي صافي بعضكم بعضاً (وصار دين أحدكم لعقة على لسانه) كاللعوق فإنَّ الدين في اللسان لا في القلب (قد فرغ من عمله وأحرز) أي حاز وأدرك (رضا سيّده) فإنَّ الإنسان الذي عمل ما وجب عليه وأحرز رضا مولاه يستريح ولا يهتم وأهل الدنيا هكذا يصنعون بلا مبالاة بأوامره سبحانه.

3) (الحمد للّه الواصل الحمد بالنعم والنعم بالشكر) فإنَّ من حمده سبحانه تفضل عليه بالنعمة، ثم طلب من الناس - على نعمه - الشكر، فالشكر تابع للنعمة، والنعمة تابعة للحمد (على آلائه) نعمه (كما نحمده على بلائه) أي المصائب، فإنّها إما تطهير للذنوب، أو موجبة للأجر، وكلاهما لطف يستحقان حمداً (البطاء) جمع بطيء، أي التي تُبطئ (عما أمرت به) فإنَّ الإنسان يتكاسل عن فعل الطاعات (السّراع إلى ما نهيت عنه) أي تسرع إلى ارتكاب المحرمات (مما أحاط به أي علمه) بالمعاصي التي ارتكبناها (وأحصاه كتابه) أي عدّه كتابه الذي كتب فيه أعمالنا، فإنّ علمه سبحانه (علم غير قاصر) بل يدرك جميع الأشياء (وكتاب غير مغادر) لا يغادر - أي لا يترك - عملاً إلّا كتبه (ونؤمن به إيمان من عاين الغيوب) المراد بالغيوب، ذاته سبحانه، فكما لو فرض أنه كان مرئياً، كان إيمان الإنسان به إيماناً قوياً، كذلك نؤمن به الآن إيماناً قوياً (ووقف على الموعود) وهو يوم القيامة، ومن المعلوم أن الإيمان بالحشر من الإيمان باللّه (إيماناً نفى إخلاصه الشرك) فإنَّ الإيمان الخالص يلازم نفي الشرك (و) نفى (يقينه الشك) فإنَّ الإيمان قد يكون ظناً فلا ينفي الشك - أي الاحتمال - أما إذا كان يقيناً كان منافياً للشك.

أَنْ لا إِلَهَ إلا اللّه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ وَتَرْفَعانِ الْعَمَلَ لا يَخِتُ مِيزَانٌ توضَعَانِ فِيهِ، وَلا يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ عَنْهُ (1)، أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه، بِتَقْوَى اللّه الَّتِي هِيَ الزَّادُ وَبِهَا الْمَعَادُ : زَادُ مُبْلِغْ وَمَعَادٌ مُنْجِحٌ، دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ، وَوَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ. فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا، وَفَازَ وَاعِيهَا.

عِبَادَ اللّه، إِنَّ تَقْوَى اللّه حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللّه مَحَارِمَهُ، وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ، حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ، وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ، فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ، وَالرِّيَّ بِالظَّمَإِ، وَاسْتَقْرَبُوا الأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ (2)، ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعَنَاءٍ، وَغِيَرٍ وَعِبَرٍ، فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرُ قَوْسَهُ، لا تُخْطِئُ سِهَامُهُ، وَلا


1) (تصعدان القول) الحسن إلى السماء، بمعنى أنهما توجبان له قبولاً (وترفعان العمل) الصالح (لا يخف ميزان توضعان) أي الشهادتان (فيه) فإنَّه يثقل بالحسنات (ولا يثقل ميزان ترفعان عنه) لأن العمل الصالح بدون الشهادتين غير مجد.

2) (التي هي الزَّاد) الموجب للوصول إلى الغاية المنشودة (وبها المعاد) الحسن (زاد مبلغ) كاف لأن يوصل الإنسان إلى الآخرة بسلام (ومعاد منجح) يوجب نجاح الإنسان وفوزه بالجنّة (أسمع داع) أي أكثر الداعين إسماعاً (ووعاها) أي احتفظ بها وأخذها (خير واع) فإنَّ كل إنسان محتفظ بالتقوى فهو خير واع لأنه وعى أحسن شيء (فأسمع) النّاس (داعيها) أي الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وفاز) ظفر بسعادة الدارين (واعيها) الذي وعاها (حمت) أي منعت (أولياء اللّه محارمه) أي المحرمات، لأن من خاف حقيقة اجتنب الحرام والزمت قلوبهم مخافته أي الخوف منه تعالى (حتّى أسهرت لياليهم) أي أسهروا في الليالي (وأظمات هواجرهم) جمع هاجرة وهي الساعة الحارة في وسط النهار، والمراد أنهم قاموا الليالي عبادة، وصاموا النهار حتى عطشوا في الساعات الحارّة (فأخذوا الراحة بالنصب) أي أخذوا على راحة الآخرة بتعب الدنيا (والري) في الآخرة (بالظُّما) في الدنيا (واستقربوا الأجل) أي رأوه قريباً (فبادروا العمل) حتى لا يدركهم الأجل ولم يعملوا بعد عملاً كافياً.

تُؤْسَى جِرَاحُهُ يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ، وَالصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ، وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ. آكِلٌ لا يَشْبَعُ، وَشَارِبٌ لا يَنْقَعُ (1). وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْهَ يَجْمَعُ مَا لا يَأْكُلُ وَيَبْنِي مَا لا يَسْكُنُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللّه تَعَالَى لا مَالاً حَمَلَ، وَلا بِنَاءً نَقَلَ! وَمِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً، وَالْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً، لَيْسَ ذَلِكَ إِلاّ نَعِيماً زَلَّ وَبُؤْساً نَزَلَ (2). وَمِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ. فَلا أَمَلٌ يُدْرَكُ، وَلا مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ. فَسُبْحَانَ اللّه مَا أَغَرَّ سُرُورَهَا! وَأَظْمَاً رِيَّهَا! وَأَضْحَى فَيْئَهَا! لا جَاء يُرَدُّ، وَلا مَاضٍ يَرْتَدُّ فَسُبْحَانَ اللّه مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ لِلْحَاقِهِ بِهِ، وَأَبْعَدَ المَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ لانْقِطَاعِهِ عَنْهُ (3)!

إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٌ مِنَ الشَّرِّ إلا عِقَابُهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إلا ثَوَابُهُ. وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الآخِرَةِ


1) (ثم إنّ الدّنيا دار فناء وعناء) أي صعوبة وتعب (وغير) أي تغيرات (وعبر) أي أشياء توجب الاعتبار والتنبه (أن الدهر موتر قوسه) أي جعل لقوسه الوتر ليرمي به الناس فيهلكهم (لا تخطئ سهامه) والمراد بالسهام أسباب الموت ولا تؤسى جراحه أي لا تداوى من أسوة الجرح بمعنى داريته (والنّاجي بالعطب) أي الهلاك، فيهلك، بعد نجاته من شديدة، (أكل) للناس (لا يشبع) من أكله (وشارب) للدماء (لا ينقع) بالشرب، لرفع عطشه.

2) (ثم يخرج إلى اللّه) المراد إلى الدار التي أعدها اللّه سبحانه للحساب والجزاء (ومن غيرها) أي من تغير الدنيا وتقلبها (أنك ترى المرحوم مغبوطاً) أي أن الإنسان الذي يرحمه النّاس لفقره أو نحوه، يغبط بعد زمان لتجدد الغنى له أو نحو ذلك (والمغبوط مرحوماً) فمن كان يغبط لماله أو جاهه أو نحو ذلك يصبح مرحوماً يرحمه النّاس لفقده أسباب السعادة والاغتباط (إلا نعيماً زل) انتقل منه.

3) (أن المرء يشرف على أمله) حتّى يقال أنه وصل إليه (فيقتطعه حضور أجله) حيث يختطفه الموت فلا يصل إلى أمانيه (فسبحان اللّه) كلمة تستعمل بمعنى التعجب والأصل فيها: إن النزاهة عن التغير للّه لا لغيره (ما أغر سرورها) فإنَّما سرورها غرور محض (وأظمأ ريها) فإن ارتواء الإنسان فيها من الماء عطش (وأضحى فيئها) الفيء الظل، والإضحاء البروز إلى الشمس، أي أن فيئها زائل بمجيء الشمس مكانه (لا جاء يرد) فإنَّ الموت والسقم والذلة وما أشبهها إذا قدر مجيئها لا يردّ (ولا ماض يرتد) فإنّ من مضى لا يرجع (فسبحان اللّه ما أقرب الحيّ من الميت) إذ كل حي قريب من الموت (للحاقه به) أي التحاق الحي بالميت، بعد أن مات (وأبعد الميت) الذي مات (من الحي) الذي بقي (لانقطاعه عنه) فإنّ الإنسان إذا مات له أحد انقطع عنه، فلا يرجع الميت إليه أبداً.

عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ. فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ، وَمِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ (1). وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ فِي الآخِرَةِ خَيْرٌ ممّا نَقَصَ مِنَ الآخِرَةِ وَزَادَ فِي الدُّنْيَا : فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ! إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ. وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ ممّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ (2). فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ، وَمَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ. قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ، فَلا يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ، مَعَ أَنَّهُ وَاللّه لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُ، وَدَخَلَ الْيَقِينُ، حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَكَأَنَّ الَّذِي قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ (3)، فَبَادِرُوا


1) (إنه ليس شيء بشرّ من الشّر) أي بأكثر شرّاً من الشّر نفسه (إلا عقابه) فالسرقة مثلاً شر، وعقابها أكثر شرّاً منها (وليس شيء بخير من الخير) أي بأحسن من الخير (إلا ثوابه) الذي يبقى وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه مثلاً إذا سمع الإنسان أن البحر الكذائي عظيم، فإذا شاهده رآه أصغر ممّا في نفسه، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأشياء - والسر أن نفس الإنسان خلقت أعظم من جميع ما في الدنيا – (وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه) مثلاً الجنّة إذا شاهدها الإنسان رآها أعظم ممّا سمع، وكذلك سائر أمور الآخرة - والعلة أن النفس خلقت أصغر من أمور الآخرة – (فليكفكم من العيان السماع) أي اكتفوا بسماع الآخرة - في العمل - عن عيانه الذي هو أعظم منه (ومن الغيب الخبر) أي من الغيب الذي غاب عنكم من أمور الآخرة، الذي سمعتم من خبرها.

2) (واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة) كالمال الذي ينفقه الإنسان في سبيل اللّه (خير ممّا نقص من الآخرة وزاد في الدنيا) كما لو لم يعط الزكاة - مثلاً - (فكم من منقوص) نقص ماله الدنيوي (رابح) لأنه زاده في آخرته (و) كم من (مزيد خاسر) زاد ماله الدنيوي، لكنه خاسر إذ خسره في الآخرة (إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه) فليس العمل الصالح صعباً، بل العكس صعب، فمثلاً أمر الإنسان بالعدل ونهي عن الظلم والعدل أوسع لأنه يوجب العمران والتقدم والائتلاف ممّا يزيد في سعة العالم، بخلاف الظلم الذي بعكس ذلك كله.

3) (فذروا) أي اتركوا ودعوا (وأمرتم بالعمل) الصالح للآخرة، فإنّ الإنسان لا يحصل على الآخرة إلاّ بالعمل (فلا يكوننّ المضمون لكم طلبه) أي ما ضمن اللّه أن يطلبه لكم وهو الرزق (أولى بكم من المفروض عليكم عمله) وهو ما يوجب لكم القربي إلى اللّه سبحانه وتحصيل الجنّة، وإنما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): [أولى بكم] لأن الإنسان إذا أولى شيئاً اهتماماً كان ما بحسب المترائي [أولى به] (لقد اعترض الشَّك ودخل اليقين) أي جاء الشَّك. ودخل في اليقين، فإنّ اليقين بكون اللّه سبحانه كفيل بالرزق خالطه الشك (حتى كان الذي ضمن لكم) وهو الرزق (قد فرض عليكم) بأن تحصلوه (وكأنّ الذي قد فرض عليكم) وهو العمل (قد وضع عنكم) فلم يجب عليكم الإتيان به.

الْعَمَلَ وَخَافُوا بَغْتَةَ الأجَلِ، فَإِنَّهُ لا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ. مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ، وَمَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي، وَالْيَأْسُ مَعَ الْمَاضِي (1). فَـ(اتَّقُوا اللّه حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (2).

وَمِنْ خُطبَة له ش(عَلَيهِ السَّلَامُ) في الاستسقاء

وَمِنْ خُطبَة له ش(عَلَيهِ السَّلَامُ) في الاستسقاء (3)

اللّهمَّ قَدِ انْصاحَتْ جِبَالُنَا، وَاغْبَرَّتْ أَرْضُنَا، وَهَامَتْ دَوَابُّنَا، وَتَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا، وَعَجِّتْ عَجِيجَ الثَّكَالَى عَلَى أَوْلادِهَا، وَمَلّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا، وَالْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا (4)اللّهمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الآنَّةِ، وَحَنِينَ الْحَانَّةِ اللّهمَّ ! فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبهَا، وَأَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا! اللّهمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ


1) (فبادروا العمل) أي عجلوا بالعمل للآخرة (وخافوا بغتة الأجل) أي يباغتكم ويفاجئكم الأجل بدون تهيئة زاد من العمل الصالح (فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق) فإنَّ فائت العمر لا يرجع، وأما ما يفوت من الرزق فمن الممكن تعويضه (ما فات اليوم من الرزق رجي غداً زيادته) بأن يزاد المقدار الفائت على ما هو موجود عند الإنسان (وما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته) وتغييراً يساق في [الغد، واليوم] بملاحظة البلاغة (الرجاء مع الجائي) أي الممكن مجيئه وهو الرزق (واليأس مع الماضي) الذي لا يعوّض وهو العمر.

2) سورة آل عمران الآية: 102.

3) (في الاستسقاء) وهو طلب [السقيا] أي نزول المطر.

4) (قد انصاحت جبالنا) أي جفت وجفاف الجبل يوجب عدم جريان العيون، وجفاف ما عليها من النباتات (واغبرت أرضنا) أي صار فيها الغبار لجفافها (وهامت دوابنا) أي عطشت من الهيام بمعنى العطش (وتحيرت) ما تدري كيف تروي أنفسها (في مرابضها) جمع مريض، وهو محل الدابة. (وعجت) والعجيج صوت فيه حزن (عجيج الثكالى) جمع [ثكلى] وهي المرأة التي مات ولدها (وملت التردد في مراتعها) جمع مرتع وهي محلات الرعي، فإنَّها ملت وعجزت عن كثرة ما ترددت في المراتع طلباً للماء (والحنين إلى مواردها) جمع مورد وهو محل شرب الماء أي أخذت تحنّ وتعطف على موارد الماء.

اعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ، وَأَخْلَفَتْنا مَخَائِلُ الْجُودِ، فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئسِ، وَالْبَلاغَ لِلْمُلْتَمِسِ (1).

نَدْعُوكَ حِينَ قَنَط الأنَامُ، وَمُنِعَ الْغَمَامُ، وَهَلَكَ السَّوَامُ، أَن لا تُؤَاخِذَنَا بِأَعْمَالِنَا، وَلا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا (2).

وَانْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ الْمُنْبَعِي، وَالرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ، وَالنَّبَاتِ الْمُونِقِ، سَحْاً وَابِلاً تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ، وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ (3). اللّهمَّ سُقْيًا مِنْكَ مُحْيِيَةً مُرْوِيَةً، تَامَّةً عَامَّةً، طَيِّبَةً مُبَارَكَةً، هَنِيئَةً مَرِيعَةً، زَاكِباً نَبْتُهَا، ثَامِراً فَرْعُهَا، نَاضِراً وَرَقُهَا، تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِنْ بِلادِكَ (4)! اللّهمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا، وَتَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا، وَيُخْصِبُ


1) (أنين الآنة) أي الحيوانات التي تئنّ من العطش. (وحنين الحانة) أي الحيوانات التي تحن وتعطف (في مذاهبها) جمع مذهب، وهو محل الذهاب (في موالجها) جمع مولج وهو المدخل والمراد مرابضها (اللّهمّ خرجنا إليك) فإنَّ دعاء الاستسقاء وصلاته في الصحراء، والمعنى تجردنا عن الوطن نحو رحمتك (حين اعتكرت علينا) أي عكر ضد صفا (حدابير السّنين) جمع حدبار وهي الناقة المهزولة شبهت بها السنة المجدبة (وأخلفتنا مخائل الجود) جمع مخيلة وهي السحابة التي تظهر أنها ماطرة ثم لا تمطر، والجود المطر، ومعنى الأخلاف أنها لا تفي بما أظهرت من إرادة الأمطار (الرجاء للمبتئس) ابتأس أي مسته البأساء (والبلاغ للملتمس) يقال التمس الشيء إذا طلبه، والبلاغ إلى الكفاية.

2) (ندعوك حين قنط الأنام) أي يئسوا من المطر والماء (ومنع الغمام) عن المطر (وهلك السوام) جمع سائمة وهي البهيمة الراعية أن لا تؤاخذنا بأعمالنا) بأن يكون مظهر مؤاخذتك لنا قطع المطر (ولا تأخذنا بذنوبنا) لعل الفرق بين [المؤاخذة] و [الأخذ] أن الأول بمعنى المحاسبة والثاني بمعنى العقاب.

3) (بالسحاب المنبعق) يقال انبعق المزن إذا انفرج عن المطر (والربيع المغدق) أغدق المطر بمعنى كثر ماؤه، والمراد بالربيع الفصل المقابل للفصول الأخرى (والنبات المونق) آنق النبات أي أسر وأفرح لكثرة نمائه وحسن منظره (سحّاً) أي صباً (وابلاً) أي شديد المطر (تحيي به ما قد مات) من الأراضي، وإحياء الأرض إنما يكون بالنبات (وترد به ما قد فات) أي مضى كان اخضرار الأرض رد لما فات.

4) (اللّهم سقياً منك) أي اسقنا من طرفك ولطفك (محيبة) لأراضينا (مروية) تروي الإنسان والحيوان والنبات والأرض (تامة) لا نقص فيها (عامة) تعم الجميع (طيبة) لا توجب مرضاً أو نحوه (مباركة) توجب البركة أي النمو والزيادة (هنيئة) تكون بلا كدر ولا تعب (مريعة) أي خصيبة توجب الخصب (زاكياً نبتها) أي ينمو نبات تلك المطرة (ثامراً) أي آتياً بالثمر (فرعها) أي أغصان تلك النباتات (ناضراً ورقها) من النضارة بمعنى البهجة بأن يكون شديد الاخضرار تنعش بها الضعيف من عبادك أي توجب له القوة (وتحيي بها الميت من بلادك) فإنّ المطر يوجب الحركة للنبات وذلك شبيه بالحياة.

بهَا جَنَابُنَا، وَتُقْبِلُ بهَا ثِمَارُنَا، وَتَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا، وَتَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا، وَتَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ، وَعَطَايَاكَ الْجَزِيلَةِ، عَلَى بَرِيَّتِكَ الْمُرْمِلَةِ، وَوَحْشِكَ الْمُهْمَلَة (1). وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً مُخْضِلَةً، مِدْرَاراً هَاطِلَةً، يُدَافِعُ الْوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْقَ، وَيَحْفِزُ الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ، غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا، وَلا جَهَامٍ عَارِضُهَا، وَلا قَزَعٍ رَبَابُهَا، وَلا شَفَّانٍ ذِهَابُهَا، حَتَّى يُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ، وَيَحْيَا بِبَرَكَتِهَا المُسْنِتُونَ، فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا، وَتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَأَنْتَ الْوَليُّ الْحَمِيدُ (2).


1) (سقياً منك تعشب بها) أي بتلك السقيا (نجادنا) جمع نجد وهو ما ارتفع من الأرض (وتجري بها وهادنا) جمع وهدة وهي ما انخفض من الأرض، أي تجري بالماء (ويخصب بها جنابنا) الخصب ضد الجدب، والجناب الناحية (وتقبل بها ثمارنا) من الإقبال بمعنى الظهور والخروج (وتعيش بها مواشينا) جمع جمع ماشية، وهي الإبل والبقر والغنم، بأن لا تموت من الظمأ (وتندى بها أقاصينا) أي أطراف البلاد البعيدة، جمع قاصية (وتستعين بها ضواحينا) جمع ضاحية أي النواحي التي لها سكان كالأرياف (من بركاتك الواسعة) متعلق بـ [سقياً] (وعطاياك الجزيلة) أي الكثيرة العظيمة (على بريتك المرملة) أي الفقيرة (ووحشك) أي الحيوانات المتوحشة (المهملة) في الصحارى لا راعي لها ولا كفيل.

2) (وأنزل علينا سماء) أي مطراً - بعلاقة الظرف والمظروف - (مخضلة) من اخضل بمعنى ابتل (مدراراً) يدر وينزل باستمرار (هاطلة) يقال هطل المطر إذا نزل باستمرار (يدافع الودق منها الودق) الودق المطر، والجملة كناية عن استمراره بشدة، حتى كأن كل قطرة تدافع القطرة السابقة عليها حتى تنزل (ويحفز) أي يدفع ويحث (القطر منها القطر) فكل قطرة محفزة للقطرة المتقدمة عليها (غير خلب برقها) البرق الخلّب ما يظهر في سحابة المطر ثم لا ينزل المطر (ولا جهام) هو السحاب الذي لا مطر فيه (عارضها) ما يعرض في الأفق من السحاب (ولا قزع) هو القطع الصغار من السحاب (ربابها) هو السحاب الأبيض (ولا شفان) الشفان الريح الباردة أي لا ذات ريح باردة (ذهابها) جمع ذهبة وهي المطرة القليلة، أي لا تكون أمطارها القليلة ذات ريح باردة فإنَّ ذلك ممّا يضر الزرع ويؤذي الإنسان (حتى يخصب لإمراعها المجدبون) يقال أخصب القوم إذا نالوا الخصب وهو كثرة العشب والإمراع الإخصاب، والمجدب الذي ناله الجدب أي القحط، والمعنى حتى يكثر عشب أهل الجدب لإمراع تلك المطرة (ويحيا ببركتها المسنتون) أي الذين أصابتهم السنة - بمعنى القحط - وحياتهم بكثرة الماء والعشب وما يتبع ذلك (فإنك تنزل الغيث) أي المطر (من بعد ما قنطوا) أي قنط الناس ويئسوا من نزوله (وتنشر رحمتك) أي تعمّها للناس (وأنت الولي الحميد) الذي تُحمد أفعاله فلا يذر عباده يهلكون جدباً وقحطاً.

قال السيد الشريف رضي اللّه عنه، قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (انْصَاحَتْ جِبَالُنَا) أي تَشَقَّقَتْ مِنَ المُحُولِ، يُقَالُ: انْصَاحَ الثَّوْبُ إذَا انْشَقَّ. وَيُقَال أيضاً : انْصَاحَ النَّبْتُ وَصَاحَ وَصَوْحَ إِذَا جَفّ وَيَبِسَ، كُلَّهُ بِمَعْنَى. وَقَوْلُهُ : (وَهَامَتْ دَوَابْنَا) أَيْ عَطِشَتْ، وَالْهُيَامُ : الْعَطَش. وَقَوْلُهُ : (حَدَابِيرُ السِّنِينَ) جمع حِدبار، وهي الناقة التي أنضاها السَّيْرُ، فشبّه بها السنة التي فشا فِيهَا الجَدْبُ، قَالَ ذو الرّمة :

حَدَابِيرُ مَا تَنْفَكُ الأمُنَاخَةً*** عَلَى الْخَسْفِ أَوْ نَرْمِي بِهَا بَلَداً قَفْرا

وَقَوْلُهُ : (وَلا قَزَع رَبَابُهَا)، الْقَزَعُ: الْقِطَعُ الصَّغَارُ الْمُتَفَرِّقَةُ مِنَ السَّحَابِ. وَقَوْلُهُ : (وَلا شَفّانٍ ذِهّابُهَا) فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ : وَلا ذَاتَ شَفَّان ذِهَابُهَا. وَالشّفّانُ : الرّيحُ البَارِدَةُ، وَالذَّهَابُ : الأَمْطَارُ اللَّيْنةُ. فَحَذَفَ (ذَاتَ) لِعِلْمِ السَّامِعِ بِهِ.

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعثة الرسل، وفضل أهل البيت، وأحوال أهل الضلال

بَعَثَ اللّه رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ، وَجَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ، لِئَلَّا تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ (1). أَلا إِنَّ اللّه تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً، لا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ، (وَلكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاء، وَالْعِقَابُ بَوَاء (2).

أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا، كَذِباً وَبَغْياً عَلَيْنَا، أَنْ رَفَعَنَا اللّه وَوَضَعَهُمْ، وَأَعْطَانَا وَحَرَمَهُمْ، وَأَدْخَلَنَا وَأَخْرَجَهُمْ بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى، وَيُسْتَجْلَى الْعَمَى (3). إِنَّ الأئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ


1) (بما خصّهم به من وحيه) فإنّ الوحي خاص بالرسل لا يشركهم فيه أحد (وجعلهم حجة له على خلقه) يحتج يوم القيامة بالرّسل على العصاة (لئلا تجب الحجّة لهم) أي للناس (بترك الإعذار إليهم) فيقول أهل المعاصي يا ربّ لم نكن نعرف ما يجب علينا، فارتكابنا للمعاصي لم يكن تقصيراً منا (بلسان الصدق) فإنَّ الرسل كانوا صادقين في كلماتهم (إلى سبيل الحق) الذي هو مطابق للواقع لا خلاف فيه.

2) (ألا إن اللّه تعالى قد كشف الخلق كشفة) أي اطلع عليهم، وذلك تشبيه بمن يكشف السر، ويستبطن الأمر ليطلع عليه (من مصون أسرارهم ومكنون ضمائرهم) جمع ضمير وهو باطن الإنسان وسرّه (ولكن ليبلوهم) أي يختبرهم (أيهم أحسن عملا) والمراد أيهم يعمل حسناً وأيّهم يعمل سيّئاً (فيكون الثواب جزاءً) أي لئلا يكون الثواب جزافاً يعطى لمن لا يستحق (والعقاب بواء) من باء إذا رجع أي جزاءً لما عملوا من المعاصي، أو من باء فلان بفلان أي قتل به، فيكون العقاب كالقصاص.

3) (أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم) أي الثابتون فيه، فإنَّ العالم القوي يكون راسخاً، غير مردد في الأمور (دوننا) أي لسنا نحن الرّاسخين وإنما هم الراسخون فقد كان في أصحاب الرسول من يزعم أنه أعلم من أهل البيت أو أقرأ أو أقضى أو ما أشبه (وأعطانا) العلم (وحرمهم، وأدخلنا) في لطفه ورحمته (وأخرجهم) أي لم يعطهم ولم يشملهم بلطفه (بنا يستعطى الهدى) أي يطلب النّاس أخذ الهدى (ويستجلى العمى) أي يطلب إنجلاء الجهل.

هَاشِم، لا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ، وَلا تَصْلُحُ الْوُلاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ (1).

منها : أَثَرُوا عَاجِلاً وَأَخَرُوا آجلاً، وَتَرَكُوا صَافِياً، وَشَرِبُوا آجِناً، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَقَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ، وَبَسِئ بِهِ وَوَافَقَهُ، حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ، وَصُبِغَتْ بِهِ خَلائِقُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ مُزبداً كَالتَّيَّارِ لا يُبَالِي مَا فَرَّقَ، أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لَا يَحْفِلُ (2)مَا حَرَّقَ!

أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى، وَالأبْصَارُ اللآمِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ، وَعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللّه ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ، وَتَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ، وَرُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ، وَأَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ، دَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَوَلَّوْا، وَدَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَأَقْبَلُوا (3)!


1) (إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم) أي البطن الطالبي العلوي (لا تصلح) الإمامة (على سواهم) من سائر النّاس وسائر بطون قريش (ولا تصلح الولاة) خلفاء الرسول (من غيرهم).

2) (آثروا عاجلاً) أي أن بعض الناس اختاروا الدنيا العاجلة (وأخروا آجلاً) ولم يعتنوا بالآخرة المستقبلة فلم يعملوا لها (وتركوا صافياً) فإنّ الآخرة مصفاة من الأكدار (وشربوا أجنا) الماء الآجن المتغير لونه وطعمه والمراد لذائذ الدنيا المشوبة بالكدورات (وبسئ به) أي فرح به (ووافقه) أي وافق الفسق (حتّى شابت عليه مفارقه) جمع مفرق، وهو أم رأسه (وصبغت به خلائقه) جمع خليقة ملكة الإنسان، أي أن ملكاته النفسية تلونت بلون المنكر (ثم أقبل مزيداً) يخرج الزبد من فيه (كالتيار) وهو الشلال من الماء ونحوه، الذي يجري بشدة فيوجب الأمواج والتلاطم (لا يبالي ما غرّق) لكونه كالسكران من المعصية (أو كوقع النار في الهشيم) أي الحطام اليابس، الذي يتهشم ويتكسر بسهولة (لا يحفل) أي لا يبالي.

3) (أين العقول المستصبحة بمصابيح الهدى) أي صحب معها مصابيح الهدى، التي هي أحكام اللّه سبحانه، فسار في ضوئها إلى موضع السعادة (والأبصار اللامحة) أي الناظرة (إلى منار التقوى) كالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمة الطاهرين، حيث تشع منهم التّقوى (أين القلوب التي وهبت للّه) فلم تفكر ولم تأمر إلا في اللّه وفيما للّه فيه رضى (وعوقدت) عقدها أصحابها (على طاعة اللّه) حتى لا تتحرك إلا للطاعة (وتشاحوا على الحرام) أي تضاربوا على اقتناء كل واحد منهم المحرمات والتلذذ بها (ورفع لهم علم الجنّة والنّار) أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعلم الجنة الأحكام المؤدية إليها وبعلم النار المحرمات المنتهية إليها، ومعنى [رفع] ظهر كما تظهر أعلام الطريق للمارة.

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تعظيم ما حجب عن الناس وما سيكون في أمر الحجاج الثقفي

أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وَشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ، فَبَلَّغَ رِسالاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَان وَلا مُقَصِّرٍ، وَجَاهَدَ فِي اللّه أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ وَلا مُعَذِّرٍ. إِمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَبَصَرُ مَنِ اهْتَدَى (1).

منها : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ ممّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ، إِذا لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، وَتَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لا حَارِسَ لَهَا وَلا خَالِفَ عَلَيْهَا، وَلَهَمَّتْ كُلَّ امْرِئٍ نَفْسُهُ، لا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا،


1) (أرسله) المراد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (داعياً إلى الحق وشاهداً على الخلق) فإنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يشهد عليهم يوم القيامة بما فعلوا (فبلغ رسالات ربّه) إنّما جمع [رسالات] باعتبار كل رسالة رسالة (غير وان) من [ونى] بمعنى تباطأ وتكاسل (غير واهن) من الوهن بمعنى الضّعف أي لم يضعف في الجهاد (ولا معذّر) أي لم يعتذر الرّسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في ترك الجهاد باعذار كاذبة وهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إمام من اتقى لأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مقتدى النّاس الذين يخافون اللّه تعالى (وبصر من اهتدى) أي أسباب بصيرة المهتدين، كأنه بصرهم الذي يرون به سبيل الحق.

وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ وَأَمِنْتُمْ مَا حُذَّرْتُمْ (1)، فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأَيْكُمْ، وَتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ. وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللّه فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَالْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي منْكُمْ (2). قَوْمٌ وَاللّه مَيَامِينُ الرَّأْيِ، مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ، مَقَاوِيلُ بِالْحَقِّ، مَتَارِيكُ لِلْبَغْيِ. مَضَوْا قُدماً، عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَأَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ، وَالْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ (3). أَمَا وَاللّه لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلامُ ثَقِيفٍ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ، يَأْكُلُ خَضِرَتكُمْ، وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ، إِبِهِ أَبَا وَذَحَةَ (4)!


1) (لو تعلمون ما أعلم) من أحوال الآخرة (ممّا طُوي عنكم غيبه) أي أخفي عليكم، كالصحيفة التي تطوى وتلف فلا يعلم ما فيها (إذاً لخرجتم إلى الصعدات) جمع صعيد بمعنى الصحراء (وتلتدمون) الالتدام الضرب على الصدر أو الوجه للنياحة حزناً على مفقود (على أنفسكم) أي تضربون اجسامكم جزعاً (ولتركتم أموالكم لا حارس لها) أي أهملتموها، فإنّ من خاف خوفاً شديداً لم يأبه بالمال (ولا خالف عليها) أي ليس عليها من يخلفكم، (ولهمت كل امرئ نفسه) أي لحزنت نفس كل امرئ على شخصه فلم يحزن لما سواها (لا يلتفت إلى غيرها من الأهل والأقارب والأصدقاء (ولكنكم نسيتم ما ذكرتم) أي ذكركم اللّه سبحانه من أهوال القيامة (وأمنتم ما حذرتم) حذركم اللّه سبحانه من النكال والعقاب.

2) (فتاه عنكم) أي ضلّ عنكم (رأيكم) الموجب لإرشادكم إلى الخوف من الآخرة (وتشتّت) أي تفرّق (عليكم أمركم) فإنّ الإنسان الذي لم يجمع فكره في اتجاه واحد، يتيه الحق ويسهو عن الصواب (والحقني بمن هو أحق بي منكم) يعني الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأنبياء والأوصياء، وكونهم أحق بالإمام لأنه وإياهم على منهاج واحد بخلاف المخاطبين.

3) (ميامين) جمع ميمون (الرّأي) في رأيهم اليمن والسعادة (مراجيح الحلم) لهم حلوم راجحة لا طيش لهم ولا سرعة في الأمور (مقاويل بالحق) جمع مقوال أي كثير القول بالحق (متاريك للبغي) جمع متراك مبالغة في التّرك، أي كثيروا الترك للظلم (مضوا قدماً) أي مضوا أمامي إلى الآخرة (على الطَّريقة) الصحيحة (وأوجفوا) الوجيف سير سريع أي أسرعوا (على المحجة) بمعنى الطَّريق، والمراد سرعتهم في عمل الصالحات (فظفروا) أي فازوا (بالعقبى الدائمة) أي العاقبة الحسنة المستمرّة - أي الجنّة – (والكرامة الباردة) أي هنيئة، فإنّهم كانوا إذا حصلوا على الشيء بالحرب كانت [حارة] وإلا سموها [باردة] وذلك المزيد في الهناء، حيث لم يتعب عليها تعباً زائداً.

4) (الذيال) أي الطّويل الذيل، فقد كان لكبره يطول ثيابه - كعادة الجبارين - (الميال) الكثير الميل عن الحق إلى الباطل أو المائل المتبختر في مشيته (يأكل خضرتكم) كناية عن تبديل لأحوالهم الحسنة إلى الحالة السيئة (ويذيب شحمتكم) كناية عن تضعيفه قواهم، كما أن من يذاب شحم جسده يهزل ويضعف (إيه أبا وذحة) إيه اسم فعل للإستزادة من الشّيء، كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: استزد يا حجّاج من أمرك - على نحو الكناية بكونه لا مزيد على ما يفعل من الخراب والفساد -.

قال الشريف الوذحة الخنفساء. وهذا القول يومى (عَلَيهِ السَّلَامُ) به إلى الحجاج وله مع الوذحة حديث : [قالوا : إنه رأى خنفساء فطردها ثم عادت فطردها ثانية فلسعت يده، فورمت وصار سبب هلاكه. وقيل بذلك - كما في البحار - وغيره ].

وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوبخ البخلاء بالمال والنفس

فَلا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا، وَلا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا تَكْرُمُونَ بِاللّه عَلَى عِبَادِهِ! وَلا تُكْرِمُونَ اللّه فِي عِبَادِهِ! فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ (1)!

وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مدح أصحابه وتحريضهم على العمل

أَنْتُمُ الأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ، وَالإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ، وَالْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ. بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ، وَأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ. فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشِّ، سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ، فَوَاللّه إِنِّي لأوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ (2)!


1) (فلا أموال بذلتموها للذي رزقها) بذلها في سبيله (ولا أنفس خاطرتم بها للذي خلقها) في سبيل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (تكرمون باللّه على عباده) أي تكونون أعزّة بسبب اللّه سبحانه - بانتسابكم إليه بإيمانكم وعلمكم وما أشبه - (ولا تكرمون اللّه في عباده) ومعنى إكرام الإنسان له تعالى أن يجله بالدّعوة إليه، وغرس عظمته تعالى في نفوس النّاس (فاعتبروا بنزولكم منازل من كان قبلكم) أي أنّكم كائنون في منازل آبائكم السابقين الذين ماتوا وخلفتموهم من بعدهم (وانقطاعكم عن أوصل إخوانكم) فإنّ أقرب إخوانكم إليكم من انقطع عنكم بالموت وأنتم عن قريب تكونون مثلهم.

2) (والجنن) جمع جنّة (يوم البأس) أي يوم الشّدّة فأنتم تحفظون البلاد والعباد في يوم الكربة والشّدّة (والبطانة دون النّاس) بطانة الرّجل خواصه أي أنتم الخواص لي، دون سائر الناس (أضرب المدبر) عن الحق إلى الباطل (وأرجو طاعة المقبل) فإنّ المقبل إنما يقبل بواسطة الدعاية وبواسطة الخوف وهما يتمان بالأنصار والأصحاب (فأعينوني بمناصحة خلية من الغش) أي ينصح بعضكم بعضاً في سبيل المصلحة الإسلامية، بدون أن يظهر النصيحة ويبطن الغش (سليمة من الرّيب) أي ليست محل شك وارتياب (فواللّه إنّي لأولى الناس بالنّاس) أي أني أولى بهم من أنفسهم، فإذا أمرتهم بأمر وأرادوا غير ذلك يلزمهم إتباع أمري وترك إرادتهم لأجلي.

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد جمع الناس وحضّهم على الجهاد فسكتوا مليّاً

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): مَا بَالُكُمْ أَمُخْرَسُونَ أَنْتُمْ ؟ فقال قوم منهم : يا أمير المؤمنين، إن سرت سرنا معك.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): مَا بَالُكُمْ! لا سُدّدْتُمْ لِرُشْدِ وَلا هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ! أَفِي مِثْلِ هذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ (1)؟

إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَذَوِي بَأْسِكُمْ، وَلا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ وَالْمِصْرَ وَبَيْتَ الْمَالِ وَجِبَايَةَ الأَرْضِ، وَالْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالنَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبِينَ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى، أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ فِي الْجَفِيرِ الْفَارِغ (2)، وَإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَا، تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي، فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ مَدَارُهَا، واضْطَرَبَ ثِفَالُهَا. هذَا لَعَمْرُ اللّه (3)الرَّأْيُّ السُّوءُ. وَاللّه لَوْلَا رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي الْعَدُوَّ - لَوْ قَدْ حُمَّ لِي


1) (فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)): (ما بالكم) أي أيّ شيء سبب سكوتهم (أمخرسون أنتم)؟ من الخرس بمعنى عدم) التمكن من التّكلّم (فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما بالكم لا سدّدتم لرشد) هذا دعاء عليهم بعدم التوفيق، فإنَّ التسديد بمعنى التوفيق والرّشد الهداية (ولا هديتم لقصد) أي لطريق المني الذي هو قصد أي وسط - (أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج)؟ فإنّ شأن الخليفة أن يخرج إلى حروب مهمة، لا مناوشات مختصرة، فكيف تقولون إن تخرج نخرج؟

2) (وذوي بأسكم) البأس بمعنى الشدّة، أي صاحب الشدّة الذي يتمكّن من الدفاع (ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر) أي المدينة (وبيت المال وجباية الأرض) أي جمع الخراج والمقاسمة من الأرض (والنظر في حقوق المطالبين) الذين يطلبون عزل وال، أو نصب وال، أو سد ثغر أو ما أشبه (ثمّ أخرج في كتيبة) أي جماعة قليلة من الجيش (أتقلقل) أي أتحرّك (تقلقل القدح) هو السهم قبل أن يوضع له الرّيش (في الجفير) الكنانة التي توضع فيها السّهام (الفارغ) الذي لا سهم فيه، فإنّ السّهم إذا كان بلا ريش، ووضع في الكنانة الفارغة، تقلقل وصوّت، وهذا تشبيه لحاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذلك القدح الذي يكون وصفه غير لائق به.

3) (وإنّما أنا قطب الرحى) فإنّ الرّحى تدور على القطب (استحار) أي تردد واضطرب (مدارها) أي مدار الرحى (واضطرب ثفالها) هو الشق الأسفل من حجري الرحى (لعمر اللّه) أي قسماً باللّه.

لِقَاؤُهُ - لَقَرِّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَشَمَالٌ، إِنَّهُ لا غَنَاءَ فِي كَفْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ. لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الَّتِي لا يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلا هَالِكٌ (1)، مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ زَلَ فَإِلَى النَّارِ !

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان بعض فضله ووعظ الناس

تَاللّه لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالَاتِ، وَإِتْمَامَ الْعِدَاتِ، وَتَمَامَ الْكَلِمَاتِ، وَعِنْدَنَا - أَهْلَ الْبَيْتِ - أَبْوَابُ الْحِكَمِ وَضِيَاءُ الأَمْرِ. أَلا وَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ، وَسُبُلَهُ قَاصِدَةٌ. مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَغَيْمَ، وَمَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَنَدِمَ (2). اعْمَلُوا لِيَوْم تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرُ، وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ. وَمَنْ لا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ ليْهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ، وَغَائِبُهُ أَعْوَزُ.


1) (لو قد حم لي لقاؤه) [حم] بمعنى قدر (لقربت ركابي) أي احضرت إبلي التي هي للركوب (ثمّ شخصت عنكم) أي سافرت من بلدكم وتركتكم متخلّياً عنكم (فلا أطلبكم) للنّصرة أو ما أشبه (ما اختلف جنوب وشمال) - بمعنى إلى الأبد - والمراد بالاختلاف هبوب رياح الجهتين، يخلف إحداهما الأخرى (في كثرة عددكم مع قلة اجتماع قلوبكم) فإنّ الاجتماع بالأبدان لا ينفع إذا تفرّقت القلوب (لقد حملتكم) أي أريتكم وحرضتكم (على الطريق الواضح التي لا يهلك عليها إلا هالك) أي غير الشخص الذي تمكّن الفساد من طبعه فلا يهتدي أبداً.

2) (تاللّه) حلف باللّه (لقد علمت تبليغ الرّسالات) أي أعلم كيف يلزم أن يبلغ الخليفة، أن يبلغ رسالات ربه، ممّا أمّنه النّبي لديه (وإتمام العدات) جمع [ عدّة] بمعنى الوعد (تمام الكلمات) أي أعلم كيف يلزم أن يتمّ الخليفة كلامه الذي تكلّم به (وعندنا أهل البيت) منصوب على الاختصاص، أي أخص أهل بيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وضياء الأمر) فالأمور لدينا ظاهرة واضحة لا تخفى ولا تشتبه (ألا وإن شرائع الدّين واحدة) لا تناقض فيها ولا تخالف (وسبله قاصدة) أي مستقيمة متوسطة لا إفراط فيها ولا تفريط (الحق) الغاية (وغنم) المثوبة (ومن وقف عنها) بأن لم يسير في طريق الحق (ضل وندم) لما يلحقه من الإثم والعقاب.

وَاتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ، وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ (1).

اَلا وَإِنَّ اللَّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللّه تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورتُهُ مَنْ لا يَحْمَدُهُ.

وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ليلة الهرير

هذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ! أَمَا وَاللّه لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللّه فِيهِ خَيْراً، فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَإِن اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ، لَكَانَتِ الْوُثْقَى (2)، وَلَكِنْ بِمَنْ وَإِلَى مَنْ؟ أَرِيدُ أنْ أدَاوِي بِکم وَأَنْتُمْ دَائِي، كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ


1) (تذخر له الذخائر) فإنّ الإنسان يدخر الأعمال لذلك اليوم الذي هو أحوج أيامه (وتبلي) أي تظهر (السرائر) جمع سريرة، بمعنى ضمير الإنسان وسرّه (حاضر لبّه) أي عقله الحاضر لديه فعلاً (فعازبه عنه أعجز) أي عازب لبه، والعازب المنحاز الذي لا يدرك فإنّك إذا لم تستفد من عقلك الحاضر فهل تستفيد من عقل ليس لك ؟ (أعوز) أي أشدّ عوزاً وعدماً في عدم الاستفادة منه، وهذا لمن يؤخّر الأمر معتذراً بعدم إدراك عقله فعلاً، ولعله يدركه في المستقبل (وقعرها بعيد) فإن عمقها كثير (وحليتها) أي زينتها التي توضع في العنق واليد والرجل (حديد) أي الغل والقيود (وشرابها صديد) وهو شيء يشبه قيح الجرح.

2) (هذا) أي فشلكم أنتم المغفلون، الذين انطلت عليكم حيل معاوية (جزاء من ترك العقدة) أي ما حصل عليه التعاقد، فقد تعاقد الإمام وأصحابه على حرب معاوية، لكنهم تركوا الحرب عند حيلة ابن العاص برفع المصاحف (أما واللّه لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به) من الاستمرار في الحرب وعدم تركها لحيلة ابن العاص (حملتكم على المكروه) أي نفذت أمري بكل شدة وصلابة، وإن كرهتم ذلك (الذي يجعل اللّه فيه خيراً) فإنّ تنفيذ الإمام لرأيه - ولو بكره من اصحابه - ممّا جعل اللّه فيه الخير لإصابة رأي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الهدف (فإن استقمتم هديتكم) إن کنتم مطيعين بيّنت لكم طريق الصواب (وإن اعوججتم) بأن أردتم العصيان (قومتكم) بالقوة والعقاب وإن أبيتم تداركتكم بقتل العصاة وإخراجهم من زمرة الجيش (لكانت الوثقى) لكانت الطريقة الوثقى لنجاح هذه الطريقة وكفالتها لانتصار الإمام على الأعداء.

ضَلْعَهَا مَعَهَا ! اللّهمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ، وَكَلَّتِ النَّزْعَةُ بِأَشْطَانِ الرَّكِيّ (1)! أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الْقُرْآنِ فَقَبلُوهُ، وَقَرَاوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَهِيحُوا إِلَى الْقِتَالِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللّقَاحِ إِلَى أَوْلادِهَا، وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الأَرْضِ زَحْفاً زَحْفاً، وَصَفَاً صَفاً. بَعْضُ هَلَكَ، وَبَعْضٌ نَجَا. لا يُبَشِّرُونَ بِالأحْيَاءِ، وَلا يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشَّفَاءِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ. عَلَى وجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ. أُولئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ (2). فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْماً إِلَيْهِمْ، وَنَعَضٌ الأبْدِي عَلَى فِرَاقِهِمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ، وَيُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً، وَيُعْطِيكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ، فَاصْدِقُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ


1) (ولكن بمن) أقوم العصاة ؟ وإلى مَن أرجع في مساعدتي عليكم ؟ (أريد أن أداوي بكم) داء التفرق وعدم الإطاعة (وأنتم دائي) فمنكم التفرق وعدم الإطاعة (كناقش الشّوكة بالشوكة) أي كمن يريد إخراج الشّوكة بالشوكة، فإنّها تألم جسمه أكثر (وهو يعلم أن ضلعها معها) الضلع الميل، أي أن الإنسان يعلم أن ميل الشوكة إلى جنسها، لا إلى جسد الإنسان، فربما انكسرت الشوكة في الجسم وصارت مع الشوكة السابقة أو جبت الألم أكثر (اللّهم قد ملت أطباء هذا الداء الدّوي) وصف للداء للمبالغة، مثل ليلة ليلاء، ومعنى ملالة الأطباء يأسهم عن العلاج (وكلت) أي تعبت وعجزت (النزعة) جمع نازع وهو الذي ينزع الماء من البئر (بأشطان) جمع شطن وهو الحبل (الركي) جمع ركية وهي البئر.

2) (دعوا إلى (القرآن) دعاهم الرّسول إلى العمل بالقرآن (فأحكموه) أي أحكموا قراءته، وإحكامه [العلم به] (وهيجوا إلى القتال) أي هاجهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، بمعنى آثارهم (فولهوا) أي تحرّكوا نحوها تحرّك الشخص الواله الذي يعشق الشّيء (وله اللقاح إلى أولادها) أي مثل وله الناقة (وسلبوا السيوف أغمادها) بمعنى جروها عن الغمد للجهاد (زحفاً زحفاً) أي سيراً سيراً (وصفاً وصفاً) فهنا صف من المجاهدين وهناك صف، حتّى استولوا على أطراف الأرض وجوانبها (لا يبشرون بالأحياء) أي إذا قيل لأولئك المجاهدين أن فلاناً بقي حيّاً ولم يقتل في المعركة لا يفرحون بحياته، لأنهم لا يرون في الموت حزناً وهماً (ولا يعزّون عن الموتى) أي إذا مات قريب أحدهم في الجهاد، لا يعزيه أصحابه بموت قريبه لأنهم لا يرون الموت في سبيل اللّه فجيعة تستحق أن يعزى قريب الميت (مره العيون) جمع أمره وهو من فسد عينه (خمص البطون) جمع أخمص بمعنى الضامر الهزيل (ذبل الشفاه) ذبل جمع ذابل بمعنى اليابس (على وجوههم غبرة الخاشعين) فإنّ الإنسان الخاشع ينكسر وجهه خشوعا، أو المراد الغبار الحاصل من السجود على الأرض.

وَنَفَثَاتِهِ، وَاقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ وَاعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ (1).

وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال للخوارج و هم مقيمون على إنكار الحكومة

قاله للخوارج، وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أكُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّين؟ فَقَالُوا : مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ.

قَالَ : فَامْتَازُوا فِرقَتَيْنِ (2)، فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةٌ، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً، حَتَّى أُكَلِّمَ كُلاً بِكَلامِهِ وَنَادَى النَّاسَ، فَقَالَ: أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلامِ، وَأَنْصِتُوا لِقَوْلِي، وَأَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ، فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةٌ فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا. ثُمَّ كَلَّمَهُمْ (عَلَيْهِ السَّلام) بِكَلامٍ طَوِيلٍ (3).

منه : أَلَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةٌ وَغِيلَةٌ، وَمَكْراً وَخَدِيعَةً : إِخْوَانُنَا وَأَهْلُ دَعْوَيْنَا اسْتَقَالُونَا وَاسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللّه سُبْحَانَهُ، فَالرَّأي الْقَبُولُ مِنْهُمْ وَالتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ؟ فَقُلْتُ لَكُمْ : هذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانُ، وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ، وَأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَآخِرُهُ نَدَامَةٌ (4). فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ، وَالْزَمُوا


1) (فحق لنا أن نظمأ إليهم) كما يظمأ الإنسان ويتطلب الماء (ونعض الأيدي على فراقهم) فإنّ الإنسان المتأسف يعض على أصابعه ليخفف من همه (إن الشيطان يسني لكم طرقه) سناه بمعنى سهّله (ويريد أن يحل دينكم عقدة عقدة) كما تحل عقد الخيط (ويعطيكم بـ) عرض (الجماعة) والاجتماع (الفرقة) والتفرق (فاصدفوا) أي أعرضوا (عن نزغاته) جمع نزغة، بمعنى الحث (ونفثاته) كأنه ينفث أي ينفخ في قلب الإنسان ويحثه على العصيان (واعقلوها) أي احبسوا النصيحة (على أنفسكم) بمعنى ملازمة النفس لها، وعدم تركها تذهب أدراج الإهمال.

2) (قال): (فامتازوا فرقتين) أي جماعتين.

3) (أمسكوا عن الكلام) أي اسكتوا (إلي فمن نشدناه شهادة) أي طلبنا منه أن يشهد (فليقل بعلمه فيها) أي في تلك الشهادة (ثم كلّمهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكلام طويل).

4) (وأهل دعوتنا) أي أن أهل الشّام إخوان لنا في الدّين، وأهل دعوة الإسلام - مثلنا - (استقالونا) أي طلبوا منّا أن نقيلهم ونترك الحرب معهم (واستراحوا إلى كتاب اللّه سبحانه) أي طلبوا الراحة إلى الكتاب ليريحهم الكتاب تعب الاختلاف والانشقاق (فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم) يقال نفس عنه إذا رفع همه وغمّه (أمر ظاهره إيمان وباطنه عدوان) لأنهم يريدون بذلك وقف القتال ليستعيدوا نشاطهم ويبدؤوا به من جديد قاصدين استمرار تعديهم (وأوله رحمة) لأنه توقيف للقتال واستراحة (وآخره ندامة) حيث تندمون بترككم لهم وقد أشرفتم على الانتصار.

طَرِيقَتَكُمْ، وَعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بِنَوَاجِدَكُمْ، وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقِ نَعَقَ: إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ، وَإِنْ تُرِكَ ذَلَّ. وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةُ، وَقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا (1).

وَاللّه لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا، وَلا حَمَّلَنِي اللّه ذَنْبَهَا. وَوَاللّه إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُ الَّذِي يُتَّبَعُ، وَإِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِي، مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ : فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الآبَاءِ وَالأبْنَاءِ وَالإِخْوَانِ وَالْقَرَابَاتِ (2).

فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَشِدَّةٍ إِلا إِيمَاناً، وَمُضِيّاً عَلَى الْحَقِّ، وَتَسْلِيماً لِلأَمْرِ، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الْجِرَاحِ، وَلَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الإِسْلامِ لِمَا دَخَلَ فِيهِ مِن الزَّيْغِ وَالاعْوِجَاجِ، وَالشُّبْهَةِ وَالتَّأْوِيل.


1) (فأقيموا على شأنكم) أي المحاربة (والزموا طريقتكم) في عدم إنهاء القتال (وعضوا على الجهاد بنواجنكم) هي الطواحن فإذا عزّ الإنسان عليها قويت أعصاب رأسه، ويكون أكثر استعداد للحرب لازدياد الحرارة في الرأس، الدافعة نحو الإقدام (ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق) أي صائح صاح، والمراد به ابن العاص (أضلّ) أتباعه (وإن ترك ذل) لانهزام معسكره وبطلان أمره (وقد كانت هذه الفعلة) أي صارت هذه الهيئة من الفعل، فإنّ [فعلة] بالفتح بمعنى الهيئة (وقد رأيتكم أعطيتموها) أي أنتم الذين أعطيتم هذه الصورة للواقعة بعصيانكم أمري في استمرار القتال، والتحاكم إلى كتاب اللّه - الذي رفعه ابن العاص حيلة ومكراً.

2) (واللّه لئن أبيتها) أي هذه الفعلة - يعني إنهاء الحرب - (ما وجبت علي فريضتها) أي لم يكن واجب عليّ إنهاء الحرب، وفريضتها يعني ثبوت الفعلة - وقد أريد بالفعلة إنهاء الحرب - (ولا حملني اللّه ذنبها) أي لم يكن عليّ ذنب في إباء إنهاء الحرب، إذ كان إباء الإمام لمصلحة المسلمين والإسلام (وواله إن جئتها) أي الفعلة بمعنى إنهاء الحرب، أي قبلت الإنهاء وتركت الحرب باختياري (إني للمحق الذي يتبع) فكانت دعوة ابن العاص في اتباع الكتاب لا تضرني إذ الكتاب يعيني خلفاً وقائداً (وإنّ الكتاب لمعي ما فارقته من صحبته) أي لم أخالف أحكامه من يوم أسلمت - حسب الظاهر - فلم أكن أخشى أن اتحاكم إلى الكتاب وإنّما كان إبائي لأني أعلم بمكيدة القوم (وإنّ القتل ليدور على الآباء والأبناء) بمعنى أنّ المسلم كان يقتل أباه الكافر وابنه الكافر (والإخوان والقرابات) فلم نفرّ من الميدان ولم نخالف الكتاب انسياقاً مع العواطف.

فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَكُمُ اللّه بِهِ شَعَثَنَا، وَنَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا، رَغِبْنَا فِيهَا، وَأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا (1).

وَمِنْ كَلام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله لأصحابه في ساحة الحرب بصفين

وَأَيُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَأْشِ عِنْدَ اللقَاءِ، وَرَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتِي فُضْلَ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا يَذُب عَنْ نَفْسِهِ، فَلَوْ شَاءَ اللّه لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ (2). إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثُ لا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ، وَلا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ. إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ !

وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ، لأَلْفُ ضَرْبَةِ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِينَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ (3).

ومنه : وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ تَكِشُونَ كَشِيشَ الضَّبَاب : لا تَأْخُذُونَ حَقّاً، وَلا


1) (وصبراً على مضض الجراح) جمع جرح ومضضها المها (إنّما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام) وهو أهون على النفس من قتال الآباء والأبناء (لما دخل فيه) أي في إسلام هؤلاء الإخوان (من الزيغ والاعوجاج) حيث خلفوا طاعة ولي الأمر وانضووا تحت لواء الباطل (والشّبهة والتّأويل) حيث يشبهون الباطل بالحق ويُأوّلون الحق بغير معناه (فإذا طمعنا في خصلة) أي في أمر (يلم اللّه به شعثنا) أي يجمع به تفرّقنا، وذلك بدخول هؤلاء في الطَّاعة ونبذهم العناد والعصيان (ونتدانى بها) أي نقترب بسبب تلك الخصلة بعضنا من بعض (إلى البقية فيما بيننا) أي إلى بقيّة الإسلام التي يتمسّك الطرفان بها (رغبنا فيها) أي في تلك الخصلة (وأمسكنا عما سواها) من الاختلافات التي لا تعود إلى جوهر الإسلام.

2) (رباطة جأش) أي قوة القلب (عند اللقاء) أي لقاء العدو (فشلاً) ضعفاً (فليذب عن أخيه) فليدافع عنه (بفضل نجدته) أي شجاعته (التي فضل بها عليه) أي فُضّل بتلك الشجاعة على أخيه.

3) (طالب حثيث) أي يطلب النّاس بشدّة (لا يفوته المقيم) في محلّه (ولا يعجزه الهارب) الذي يهرب من الموت وهذا الكلام من الإمام دفع، لأن يقول القوي إنّي أخاف إن نصرت آخر أن أقتل دونه (إنّ أكرم الموت القتل) لأنّ الإنسان لا بد أن يموت، فإذا قتل في سبيل اللّه أدرك الثّواب، وإذا مات، لم يدرك ثواباً، والأمر كائن لا محالة، فلماذا لا يدرك الإنسان ما فيه فضل (والذي نفس ابن أبي طالب بيده) هذا حلف باللّه سبحانه.

تَمْنَعُونَ ضَيْماً. قَدْ خُلِّيتُمْ وَالطَّرِيقَ فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِمِ، وَالْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوّم (1).

ومنه : فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ، وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ، وَعَضُّوا عَلَى الأَضْرَاسِ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَالْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلأَسِنَّةِ، وَغُضُّوا الأبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأَشِ، وَأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ، وَأَمِيتُوا الأَصْوَاتَ، فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ (2). وَرَايَتَكُمْ فَلا تُمِيلُوهَا وَلا تُخِلُوهَا، وَلا تَجْعَلُوهَا إِلا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ، وَالْمَانِعينَ الذِّمَارَ مِنْكُمْ فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ هُمُ الَّذِينَ يَحْفُونَ بِرَايَاتِهِمْ، وَيَكْتَنِفُونَ حفَافَيْهَا، وَرَاءَهَا، وَأَمَامَهَا، وَلا يَتَأَخَرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا، وَلَا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا (3)أَجْزَأَ امْرُةٌ قِرْنَهُ، وَآسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَكِلْ


1) (وكأنّي أنظر إليكم) معاشر المحاربين في ركابي (تكشون كشيش الضباب) جمع ضب وهو حيوان معروف، فإنّها إذا ازدحمت سمع لجلودها صوت خاص يسمى بالكشيش، والمراد حكاية حال أصحابه عند الهزيمة من جيش الأعداء، ولعل ذلك بعد قتله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسيطرة معاوية على البلاد (ولا تمنعون ضيماً) أي ظلماً (قد خليتم والطريق) أي خلى لكم الطريق، فإنّ القوم يسيرون في طريق الدنيا، أما طريق الآخرة فقد خلى لكم (فالنّجاة للمقتحم) أي للذي يسلك طريق الآخرة، وإنّما سمّاه اقتحاماً لما في طريق الآخرة من الشدائد (والهلكة) أي العقاب والعذاب (للمتلوم) أي للمتباطئ والمتوقف.

2) (فقدموا الدارع) أي ليكن الذي لبس الدرع في مقدمة الصفوف (وأخروا الحاسر) الذي لا درع له (وعضوا على الأضراس) أي اضغطوا بعضها على بعض (فإنّه) أي العض (أنبى للسيوف عن الهام) من نبا السيف إذا رفعته الصلابة من موقعه فلم يقطعه، فإنّ الإنسان إذا عضّ على نواجذه تصلبت أعصاب رأسه وجلدته، فيكون أقوى في الصلابة ويقل تأثير السيف على رأسه حينئذ، وهام، جمع هامة، بمعنى الرأس (والتووا في أطراف الرماح) أي إذا جاءكم طرف رمح الأعداء، فأميلوا ذلك الجانب وأعطفوه، حتى لا يصل إليكم الرمح (أمور للأسنة) أسنة، جمع سنان، وهو الرمح، ومعنى أمور: أشدّ فعلاً للمور، أي الاضطراب، فإنّ الإنسان إذا التوى، اضطرب جانبه المقصود بالرمح فلم يتمكن الرمح من النفوذ فيه، بل انزلق عنه (وغضّوا الأبصار) والظاهر أنّ المراد بالغض تضييق الجفون ليرى قليلاً، لا الغمض (أربط للجاش) أي أكثر تقويةً للقلب (وأسكن للقلوب) فإنّ الإنسان إذا نظر إلى الأعداد هاله كثرتهم واضطرب قلبه وخاف أما إذا غض بصره لم يرَ إلا ما أمامه وذلك شيء قليل فيقوى قلبه في المحاربة (وأميتوا الأصوات) أي لا تتكلّموا (فإنّه أطرد للفشل) فإنّ المتكلّم يذهب بعض قواه فيكون أقرب إلى الفشل، أما الساكت فقواه متجمعة في باطنه مندفعة نحو عمله فيكون أطرد للفشل.

3) (ورايتكم) أي لواؤكم (فلا تميلوها) فإنّ ميل الراية موجب لريبة البعيد فيظنّ أنّها مشرفة على السقوط (ولا تخلوها) أي لا تفعلوا بها ما يوجب خللاً، لأن الراية علامة البقاء والاستمرار في الجهاد (ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم والمانعين الذمار منكم) الذمار ما يلزم على الإنسان حفظه من عرض أو مال أو ما أشبه أي الأشخاص الذين لهم نفسية منع الذمار عن الأعداء فإنّهم أكثر إيثاراً للنفس في سبيل التحفظ على كيانهم، فلا يتخلون عن اللواء بمجرد خوف أو تعب (فإنّ الصابرين على نزول الحقائق) أي الذين يصبرون إذا نزلت بهم نازلة (هم الذين يحفون براياتهم) أي يكتنفون بها ويحيطون حولها لئلاً تسقط فيفشلوا ويلاموا (ويكتنفون حفافيها) أي جوانبها أي يدورون في جوانبها تحفّظاً لها عن الأعداء (وراءها وأمامها) تفسير الحفافيها (ولا يتأخّرون عنها فيسلموها) بيد الأعداء (ولا يتقدّمون عليها) بأن يجعلونها وراء ظهرهم (فيُفردوها) فإنّ إفراد الراية محل خطر السقوط الذي فيه انهزام الجيش.

قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ وَقِرْنُ أَخِيهِ، وَأَيْمُ اللّه لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ، لا تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الآخِرَةِ، وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ، وَالسَّنَامُ الأَعْظَمُ (1).

إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللّه، وَالذُّل اللازم، وَالْعَارَ الْبَاقِيَ. وَإِنَّ الْفَارَّ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ، وَلا مَحْجُوزٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِهِ. الرَّائِحُ إِلَى اللّه كَالظَّمْآنِ يَرِدُ لْمَاءَ. الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي !

الْيَوْمَ تُبْلَى الأَخْبَارُ! وَاللّه لأنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ (2).


1) (أجزا امرؤ قرنه) فعل ماضي بمعنى الأمر، وأجزأ بمعنى يكفي، أي فليكف كل شخص منكم قرنه - أي مثله - من الأعداء (وآسى أخاه بنفسه) أي ليواسي أخاه بنفسه، بأن يقدم له ما يتمكن من العون (ولم يكل قرنه إلى أخيه) بأن يفر هو من مقابلة قوة من الأعداء، حتّى يذهب القرن إلى صديقه (فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه) فإنّ الكافر إذا لم يجد المسلم الذي كان يقاتله لوى عنانه إلى مسلم آخر، فيجتمع على ذلك المسلم كافران (وأيم اللّه) حلف باللّه سبحانه (لئن فررتم من سيف العاجلة) أي سيف الدّنيا، الذي بأيدي أعدائكم (لا تسلموا من سيف الآخرة) أي عذاب اللّه سبحانه (لهاميم العرب) جمع لهميم، وهو السابق من الإنسان أو الخيل، أي السابقون إلى كل خير (والسّنام الأعظم) السّنام ما على ظهر البعير من الارتفاع، يمثل به المترفع.

2) (إنّ في الفرار موجدة اللّه) أي غضبه (والذل اللازم) فإنّ الإنسان الذي ينتصر عدوّه عليه يلزمه الذُّل والعار (والعار الباقي) حتى بعد موته، حيث يذكر فيعير (وإنّ الفار لغير مزيد في عمره) فإنّ العمر لا يطول بالفرار، كما لا يقصر بالوقوف (ولا محجوز بينه وبين يومه) المقدّر فيه موته (الرّائح) إلى اللّه) المراد الميت الذي له عمل صالح - كالمستشهد في سبيل اللّه - (كالظمآن يرد الماء) فكما يفرح ويروي الماء غلته كذلك يفرح الميت في سبيله سبحانه ويتنعم بمختلف أنواع النعيم (الجنّة تحت أطراف العوالي) جمع عالية بمعنى الرمح، والمعنى أنّ الجنّة إنما تتحصل من الاستشهاد تحت ظلال الرماح، أو مطلق الجهاد وإن لم يستشهد الإنسان (اليوم تبلى الأخبار) أي تظهر أخبار كلّ إنسان (واللّه لأنا أشوق إلى لقائهم) أي لقاء الأعداء (منهم إلى ديارهم) فإنّ الشّوق إلى الديار أقل من شوق المؤمن إلى الجنّة.

اللّهمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقِّ فَافُضُضْ جَمَاعَتَهُمْ، وَشَتّتْ كَلِمَتَهُمْ، وَأَبْسِلْهُمْ بِخَطَايَاهُمْ، إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنِ دِرَاكِ : يَخْرُجُ مِنْهُم النَّسِيمُ، وَضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ، وَيُطِيحُ الْعِظَامَ، وَيُنْدِرُ السَّوَاعِدَ وَالأقْدَامَ (1)، وَحَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ، وَيُرْجَمُوا بِالْكَتَائِبِ تَقْفُوهَا الْحَلائِبُ، وَحَتَّى يُجَرَّ ببلادِهِمُ الْخَمِيسُ يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ، وَحَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِرٍ أَرْضِهِمْ، وَبِأَعْنَانِ مَسَارِبِهِمْ وَمَسَارِحِهِم (2).

قال السيد الشريف: أقُولُ: الدّعْقُ: الدّقُ، أي تَدُقُ الخُيُولُ بِحَوَافِرِهَا أَرْضَهُمْ. وَنَوَاحِرُ أَرْضِهِمْ: مُتَقَابِلَاتُهَا. يُقَالُ : مَنَازِلُ بَنِي فُلانٍ تَتَنَاحَرُ، أَيْ تَتَقَابَلُ.

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التحكيم

إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا الْقُرْآنَ. وَهذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطُّ


1) (فافضض جماعتهم) أي فرّقهم (وشتّت كلمتهم) أي اجعل كلام الواحد يخالف كلام الآخر، حتّى يقع التنافر بينهم (وأبسلهم) أي أسلمهم للهلاك (بخطاياهم) أي بذنوبهم، والمعنى عجّل العقوبة عليهم بما أذنبوا، ولا تؤخّر هلاكهم (دون طعن دراك) أي متدارك متتابع (يخرج منهم) أي من مواضع ذلك الطِّعن (النّسيم) أي الهواء، والمعنى أنّهم مستميتون، فاللازم أن يتخذ أصحابنا أهبتهم للقائهم (يفلق) أي يكسر (الهام) أي الرأس (ويطيح العظام) فإنّ الضّرب إذا كان شديداً تطايرت منه صغار العظام، فتسقط على الأرض (ويندر) أي يخرج (السواعد) جمع ساعد من اليد (والأقدام) أي يخرجها عن مراكزها.

2) (بالمناسر) جمع منسر، وهي القطعة من الجيش (ويرجموا بالكتائب) جمع كتيبة بمعنى الجيش، أو قسم خاص منه (تقفوها) أي تتبعها (الحلائب) جمع حلبة، وهي الجماعة من الخيل تجتمع للنّصرة (وحتّى يجر ببلادهم الخميس) أي يذهب إلى بلادهم الجيش، وسمّى الجيش خميساً لاشتماله على الأيمن والأيسر والمقدم والخلف والقلب (وحتّى تدعق) يقال دعق الطريق إذا وطئه وطئاً شديداً (الخيول في نواحر أرضهم) أي أقاصي أرضهم تشبيهاً بالنّحر الذي هو آخر الجسد، أو المراد المواضع المهمة، كما أنّ النّحر موضع مهم إذا خنق مات الإنسان (وبأعنان مساربهم ومسارحهم) أعنان الشيء أطرافه، والمسارب جمع مسرب بمعنى المذهب، والمسارح جمع مسرح بمعنى محل سرح الماشية.

مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفْتَيْنِ، لا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ، وَلا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ (1).

وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إِلَى أَنْ نُحَكُمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ، لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اللّه تَعَالَى وَقَدْ قَالَ اللّه سُبْحَانَهُ: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّه وَالرَّسُولِ) (2)فَرَدُّهُ إِلَى اللّه أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ، وَرَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ، فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللّه، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللّه صلّى اللّه عليه وآله، فَنَحْنُ أَوْلاهُمْ بِهِ (3).

وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَجَلاً فِي النَّحْكِيمِ؟

فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ، وَيَتَثَبَّتَ الْعَالِمُ، وَلَعَلَّ اللّه أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَلا تُؤْخَذُ بِأَكْظَامِهَا، فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيْنِ الْحَقِّ، وَتَنْقَادَ لأَوَّلِ الْغَيِّ. إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللّه مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ - وَإِنْ نَقَصَهُ وَكَرَثَهُ - مِنَ الْبَاطِلِ وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ (4). فَأَيْنَ يُنَاهُ بِكُمْ! وَمِنْ


1) (إنا لم نحكّم الرّجال) كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد بذلك أن ينقض كلام الخوارج الذين قالوا قد حكمت الرّجال في دين اللّه (وإنَّما حكّمنا القرآن) بأن ينظرا فيه فيحكما على طبق أمره (وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين) هما الصفحتان من جلد تحويان على أوراق المصحف الشريف (لا ينطق بلسان) إذ لا لسان له (ولا بد له من ترجمان) يترجم ويبيّن المراد منه (وإنّما ينطق عنه الرّجال) العارفون لمعناه، وهذا نقض لكلام الخوارج حيث قالوا لا حاجة إلى التحكيم بعد وجود كتاب اللّه سبحانه، فإنّ الإمام يذكر أن القرآن صامت فلا بد له من رجال يعرفون معناه ليبيّنوا ما فيه من الأحكام.

2) سورة النساء الآية: 59.

3) (لم نكن الفريق المتولي) أي المعرض (عن كتاب اللّه تعالى) (فإذا حكم بالصدق) بأن لم يكن القصد المكيدة (فنحن أحق النّاس به) أي بالحكم، أو بالكتاب كقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): علي مع الحق والحق مع عليّ.

4) (لم جعلت بينك وبينهم أجلاً في التحكيم)؟ فإنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجعل مدّة الحكم سنة، حتّى ينظر الطّرفان في تلك المدّة ويحكما بما يوافق الكتاب (فإنّما فعلت ذلك ليتبيّن الجاهل) أي يفهم الأمر (ويتثبت العالم) في رأيه ليتخلّص من الشبهات (ولعل اللّه أن يصلح في هذه الهدنة) أي مدة الكف عن القتال أمر هذه الأمة بما لا يكون معه قتال بعد ذلك (ولا تؤخذ بأكظامها) جمع [كظم] محركة بمعنى مخرج النّفس، وذلك كناية عن المضايقة والاشتداد لعدم المهلة (فتعجل عن تبيّن الحق) بمعنى أن تتعجّل قبل تبيّن الحق وظهوره (وتنقاد لأول الغي) أي ما يبدو من الضلال، فإنّ الجاهل ينساق وراء كل ناعق ويتجاوب لكلّ حركة (إنّ أفضل الناس عند اللّه من كان العمل بالحق أحبّ إليه) هذا لبيان أنّ المدّة ولو كانت توجب الصعوبة علي لكن ذلك حق، واللازم أن يتبع الإنسان الحق وإن أوجب صعوبة عليه (وإن نقصه وكرثه) أي أوجب شدّة الغم عليه (من الباطل) متعلّق بأحبّ إليه (وإن جرّ إليه فائدة وزاده) عطف على [جر] أي زاده فائدة.

أَيْنَ أُتِيتُمْ! اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ الْحَقِّ لَا يُبْصِرُونَهُ، وَمُوزَعِين بِالْجَوْرِ لا يَعْدِلُونَ بِهِ، جُفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ نُکُب عَنِ الطَّرِيقِ(1). مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا، وَلَا زَوَافِرِ عِزٍّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا.

لَبِئْس حُشَاسُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ! أُفٍّ لَكُم! لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً، يَوْماً أنَادِيكُمْ وَيَوْماً أُنَاجِيكُمْ، فَلا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النَّدَاءِ، وَلا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاءِ (2)!.


1) (فأين يتاه بكم) خطاب مع الخوارج، أي إلى أين تضلون (ومن أين أتيتم) ؟ أتاه أي خدعه وأغفله أي من أن صار سبب هلاككم، وإلى أي المهالك تذهبون، بعد وضوح الحجة (استعدوا للمسير إلى قوم) أي أصحاب معاوية (حيارى عن الحق) جمع حيران (لا يبصرونه) أي لا يرون الحق (وموزعين) من أوزعه أي أغراه (بالجور) فإنّ معاوية أغراهم بالظلم والجور (لا يعدلون به) أي لا يجعلون شيئاً عدلاً للجور الذي يرتكبونه (جفاة) من جفا، بمعنى ظلم وابتعد (عن الكتاب) أي القرآن (نكب) جمع ناكب بمعنى المائل (عن الطريق) لا يستقيمون فيه وإنّما يمشون في الطرق المعوجة.

2) (ما أنتم بوثيقة يعلق بها) أي بعروة محكمة يستمسك بها (ولا زوافر) جمع زافرة وهي أنصار الرّجل وأعوانه (عزّ) أي موجب للعزّ والشرف (يعتصم إليها) أي يتمسّك الشخص بها ويوجبون له عزّة ورفعة (لبئس حشاش نار الحرب أنتم) حشاش جمع حاش، من حسّ النّار بمعنى أوقدها، أي لبئس الموقدون لنار الحرب أنتم، وشبهت الحرب بالنار، لأنّها كالنّار، تفني الأشياء (أفٍّ لكم) كلمة تضجر وتنفر و [لكم] لبيان جهة الضّجر، وأنه من جهتكم (لقد لقيت منكم برحاً) أي شدّة وعنتاً (يوماً أناديكم ويوماً أناجيكم) أي سواء كنتم بعيدين عنّي أو قريبين فلا بعدكم بمريح ولا قربكم بمفيد (فلا أحرار صدق عند النّداء) للحرب وعنده، فإنّ الإنسان الحر يجيب المنادي للحرب لأنه يعلم أن الحرب عزّه وشرفه وبقاء أهله وبلده (ولا إخوان ثقة عند النّجاء) النّجاء الإفضاء بالسّر من النّجوى أي لا يوثق بكم في إباحة السّر وإظهار الضمير للمشاورة والمباحثة.

وَمِنْ كَلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما عوتب على التسوية في العطاء

أَتَأْمُرُونِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلّيتُ عَلَيْهِ! وَاللّه مَا أَطُورُ بِهِ. مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً ! لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللّه! أَلا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللّه(1). وَلَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَفْهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلا حَرَمَهُ اللّه شُكْرَهُمْ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ، فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرَّ خَدِين وَأَلامُ خَلِيلٍ (2)!

وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفيه يبين بعض أحكام الدين ويكشف للخوارج الشبهة وينقض حكم الحكمين

فَإِنْ أَبَيْتُمْ إلا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وَضَلَلْتُ، فَلِمَ تُضَلّلونُ عَامَّةَ أُمّة


1) (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور) أي أن أكون منتصراً بسبب إعطاء حق الضعيف إلى القوي الذي هو جور وظلم (فيمن وليت عليه) متعلّق [بالجور] أي أجور على الرّعيّة التي ملكت زمام أمرها (واللّه ما أطور به) أي لا أحوم حول ذلك ولا أقاربه (ما سمر سمير) أي ما دام يسمر سامر، والسّامر هو المتحدّث بالليل وهذا كناية عن الأبدية في عدم جوره، لأنّ السّمر مستمر مع بقاء الإنسان (وما أم نجم في السماء نجماً) أي ما دام يقصد بعض النجوم بعضاً، وذلك كناية عن سيرها، فإنّها بحركاتها ترى كالقاصد (لسوّيت بينهم) أي بين الناس في العطاء (وإنّما المال مال اللّه) وقد أمر سبحانه بالتسوية، فأولى بأن أسوي بين الرّعية.

2) (ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه) المقرّر شرعاً (ولا عند غير أهله إلا حرّمه اللّه شكرهم) إذ الآخذ ذو الطّمع لا يعرف حقاً، حتّى يشكر المعطي، ولو عرف الحق لم يطمع في أزيد من نصيبه (وكان لغيره) أي غير المعطي (ودّهم) أي حبّ الآخذين فهم يأخذون من هذا المال ويحبون غيره فإن زلت به النعل كناية عن سقوط المعطي سقوطاً مالياً أو اجتماعياً أو ما أشبه فاحتاج إلى معونتهم) أي أن يعينه الآخذون لماله (فـ) هم (شرّ خدين) الخدين الصديق (والأم خليل) أي أكثر الأخلاء لؤماً.

مُحَمَّدٍ (صلى اللّه عليه وآله) بِضَلالِي، وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي، وَتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَالسُّقْمِ، وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبُ (1). وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) رَجَمَ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ، وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ. وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِي غَيْرَ الْمُحْصَنِ، ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ، وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقَامَ حَقَّ اللّه فِيهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الإِسْلامِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ (2). ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ، وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ! وَسَيَهْلِكُ فِي صِنْفَانِ : مُحِبُّ مُفْرِطُ يَذْهَبُ به الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبَغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَخَيْرُ النَّاسِ فِي حَالاً النَّمَطُ الأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ، وَالْزَمُوا السَّوَادَ الأَعْظَم فَإِنَّ


1) (فإنّ أبيتم إلا أن تزعموا أنّي أخطأت وظللت) بقبولي للتحكيم (فلم تظللون عامة أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) فإنّ ضلال الخليفة لا يوجب ضلال الأمة (بضلالي) أي بسبب ضلالي. (سيوفكم على عواتقكم) جمع عاتق وهو ما بين المنكب والعنق يوضع السيف هناك استعداداً للضرب (تضعونها مواضع البرء والسّقم) أي تضربون بها المستحق وغير المستحق - والمراد السّقم بنظرهم، لا بنظر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) -.

2) (وقد علمتم أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) رجم الزاني المحصن) وهو الذي له زوج، فكأنه قد تحصن عن الزّنى بالزواج (ثمّ صلّى عليه) صلاة الأموات، فلو كان كافراً - لزناه - لم يصل عليه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ثم وورثه أهله) أي أعطى ميراثه لأهله بعد موته لا لأهله قبل موته بعد الزّنى، فإنّ الإنسان إذا كفر قسمت أمواله يوم كفره إلى ورثته في ذلك اليوم لا ورثته عند الموت (وقتل القاتل وورث ميراثه أهله) يوم قتل، ولو كان كافراً بسبب قتله كان اللازم جعل ميراثه حسب يوم أن قتل، لا يوم قُتِل (وقطع السارق وجلد الزاني غير المحصن) الذي لا زوج له (ثمّ قسّم عليهما من الفيء) أي الغنيمة (ونكحا المسلمات) ولو كانا كفرا بالسّرقة والزّنى، لم يكونا مسلمين ليستحقا الغنيمة ويجوز للمسلمات نكاحهنّ إياهما (فأخذهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بذنوبهم) أي عاقبهم حسب ذنوبهم (ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام) كالفيء الذي يعطى للمسلم وما أشبه (ولم يخرج أسماءهم من بين أهله) أي أهل الإسلام بأن يعلن أنهم كفار داخلون في زمرة الكافرين.

يَدَ اللّه مَعَ الْجَمَاعَةِ (1). وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَة! فَإِنَّ الشَّاء مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَ مِنَ الْغَنَمِ لِلذَّئبِ. أَلا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ، وَإِنَّمَا حُكْمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ، وَيُمِينَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ، وَإحْيَاؤُهُ الاِجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، وَإِمَاتَتُهُ الاِفْتِرَاقُ عَنْهُ. فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ، وَإِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا (2)، فَلَم آتِ - لا أَبا لَكُمْ - بُجْراً، وَلا خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ، وَلا لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ، إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَيْكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ، أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ لا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ، فَتَاهَا عَنْهُ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ. وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا - فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ وَالصَّمْدِ لِلْحَقِّ - سُوءَ رَأْيِهِمَا، وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا (3).


1) (ثمّ أنتم شرار النّاس) ترتكبون الآثام بأنفسكم فكيف تكفرون مرتكبي الآثام وتصرفون النظر عن أنفسكم (ومن رمى به الشيطان مراميه) أي أنتم من وسائل الشيطان في إضلال الناس تشبيه بمن يرمي بسهمه هدفه ليصطاد من وراء ذلك ما شاء (وضرب به تيهه) أي سلك به في وادي الضلالة، يقال ضربت التيه أي سرت في المتاهة، سميت الصحراء بها لأنها محلّ التيه والضّلال عن الطريق (وسيهلك في صنفان) من الناس، والمراد الهلاك، عاقبة وآخرة (محبّ مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحق) كالذين قالوا بألوهية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق) كالخوارج والنواصب الذين سبّوا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونسبوه إلى الكفر والعصيان (وخير الناس في حالاً النمط الأوسط) أي القسم الأوسط وهم شيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فالزموه والزموا السواد الأعظم) فقد كان السواد الأعظم ذلك اليوم مع الإمام (فإنّ يد اللّه مع الجماعة) أي قوة اللّه سبحانه.

2) (فإنّ الشّاذ من النّاس للشَّيطان) إذ من يترك النّاس ويستبد بآرائه يسرع إليه الباطل (كما أنّ الشّانّ من الغنم للذِّئب) حيث يخطفها، إذ لا يرى الرّاعي عليها (ألا من دعا إلى هذا الشعار) الشعار علامة يتواضع جماعة من الناس عليه ليعرفوا به جماعتهم عمّن سواهم، وسمّي شعاراً كأنه اللباس الملاصق إلى جلدهم - إن البطانة تسمّى الشّعار، في مقابل الظهارة المسماة بالدّثار ومراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الشعار شعار المفارقة للجماعة التي هم على حق (وإحياؤه الاجتماع عليه) لأنه يوجب حركة القرآن في مجالات الحياة والحركة من ملازمات الحياة (وإماتته الافتراق عنه) فإِنَّه يوجب عدم العمل بالقرآن فإن جرّنا القرآن إليهم أي إلى معاوية وأصحابه (اتبعناهم) وسلّمنا الأمر إليهم (وإن جرّهم) القرآن (إلينا اتبعونا) وسلموا الأمر إلينا.

3) (فلم آت - لا أباً لكم - بجراً) البحر الشر، وأصل لا أباً لكم كلمة تنقيص كأنه لا أباً لهم ليرشدهم ويؤدبهم، أو دعاء عليهم بأن يفقدوا الأب ليتشتت شملهم (ولا ختلتكم) أي خدعتكم (عن أمركم) بأن جعلت الحكمين خدعة، فتأخذون ذلك عليّ (ولا) لبسته عليكم بأن أخفيت عنكم وجه الحقيقة لتشتبهوا في الأمر (فتاها) أي ضلاً وانحرفا (وتركا الحق وهما يبصرانه) لأن كليهما كان يعلم أن الحق مع الإمام (وقد سبق استثناؤنا عليهما) أي أن تفويضنا لهما لم يكن مطلقاً، بل استثنينا العمل برأيهما، فهما لم يكونا حكمان حتّى في نفاذ مثل هذا الرأي (- في الحكومة بالعدل والصمد للحق -) أي الصمود والثبات للحق هذه جملة معترضة لبيان مقدار تفويضهما في الأمر (سوء رأيهما وجود حكمهما) مفعول [استثنينا].

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة وكان ذلك بعد موقعة الجمل

يَا أَحْنَفُ، كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَلا لَجَبٌ. وَلا فَعْقَعَةُ لُجُمٍ، وَلا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ. يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَام (1).

ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ، وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ، وَخَرَاطِيمٌ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ، مِنْ أُولئِكَ الَّذِينَ لا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، وَلا يُفْتَقَدُ غَائِبُهُمْ أَنَا كَابُ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا، وَنَاظِرُهَا بعينها (2).


1) (يا أحنف) وقد كان والياً للإمام على البصرة (كأني به) أي بصاحب الزنج واسمه علي بن محمد، أنه من آل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ثار واجتمع حوله كثير من العبيد والصعاليك، وقتل في وكان يدعي البصرة مقتلة عظيمة، حتى ذكر في بعض التواريخ أن قتلاه كانوا ثلاثمائة ألف وأخيراً غلب عليه الخليفة العباسي وقتله (لا يكون له غبار) لعدم كونه جيشاً له خيل ينثر الغبار، وإنما كان أتباعه حفاةً (ولا لجب) أي لا صياح لهم (ولا قعقعة لجم) جمع لجام، لأنه لم يكن لهم خيل حتى تكون لها لجم، وقعقعة اللجام صوته لدى الحركة (ولا حمحمة خيل) أي صوتها يثيرون الأرض بأقدامهم أي يظهرون الغبار بالأقدام، دون الخيول (كأنها أقدام النّعام) جمع نعامة، لعل التشبيه في سهولة المشي ويسره فإنّ النعام هكذا، وقيل غير ذلك قال الرضي: [يومئ بذلك إلى صاحب الزنج] وإنما قيل له ذلك، لأن غالب جيشه كان من الزنج أي العبيد، الذين أتى بهم من الزنج.

2) (ويل لسكككم العامرة) جمع سكة، والمراد خراب الطرق العامرة بواسطة ثورة صاحب الزنج (والدور المزخرفة) أي المزيّنة بالزخرف (التي لها أجنحة كأجنحة النسور) المراد ما يخرج منها إلى الجادة، كالجناح، بقصد توسعة الغرف، وتظليل المارة عن البرد والحرّ (وخراطيم) جمع خرطوم (كخراطيم الفيلة) جمع فيل والمراد بها الأعمدة التي تحفظ الجناح (من أولئك الذين لا يندب قتيلهم) [من] متعلق بويل، والظاهر أن المراد بعدم ندبة القتيل أنهم لا أهل لهم - لأن أغلبهم من العبيد - فلا يبكي أحد لهم إذا قتلوا (ولا يفتقد غائبهم) إذا غاب منهم أحد لم يكن أحد يفتقده ويبحث عن أحواله أنا كاب الدنيا لوجهها من كب الإناء، إذا أكفأه، بمعنى أنه زهد في الدنيا فلم يعتنِ بشأنها (وقادرها بقدرها) أي أتعامل مع الدنيا بقدرها الحقيقي لا أن أضعها فوق قيمتها، كما يفعل أهل الدنيا (وناظرها بعينها) أي أنظر إلى الدنيا بعين الدنيا أي بالعين التي ينبغي أن ينظر بها إلى الدنيا لا بعين العظمة والكبر.

منها في وصف الأتراك:

كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً - كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُ الْمُطَرَّقَةُ -، يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيبَاجَ، وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلِ حَتَّى يَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ، وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُور (1)!

فقال له بعض أصحابه : لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب فضحك (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال للرجل، وكان كلبياً :

يَا أَخَا كَلْبٍ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ.

وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَمَا عَدَّدَهُ اللّه سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّ اللّه عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ... (2)الآيَةَ، فَيَعْلَمُ اللّه سُبْحَانَهُ مَا فِي الأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَقَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ، وَسَخِي أَوْ بَخِيلٍ،)


1) (كأني أراهم) أي المغول (قوماً كأنّ وجوههم المجان) جمع مجن (المطرقة) وهي التي الزق بها الطراق وهو جلد يقدر على مقدار الترس ثم يلزق به، وقد كانت وجوه الأتراك في الاستدارة كالمجان وفي الخشونة كالمطرقة (يلبسون السرق) الحرير الأبيض، أو مطلق الحرير (والديباج) ما كان فيه حرير (ويعتقبون الخيل) أي يحتبسونها لأنفسهم ويمنعونها عن غيرهم (العتاق) جمع عتيق، وهي الخيل الكريمة، فقد كان الأتراك أصحاب ترف وجمال (ويكون هناك استحرار قتل) أي اشتداده أصله من [الحر] (حتى يمشي المجروح على المقتول) وقد أكثر الأتراك القتل في إيران والعراق (ويكون المفلت) الذي يفلت من أيديهم وينجو بنفسه (أقل من المأسور) الذي يأسرونه.

2) سورة لقمان الآية: 34.

وَشَقِي أَوْ سَعِيدٍ، وَمَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَباً. أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً، فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إلا اللّه، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللّه نَبِيَّهُ فَعَلَّمَنِيهِ، وَدَعَا لِي بَأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي، وَتَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي (1.)### وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في ذكر المكاييل والموازين)عِبَادَ اللّه، إِنَّكُمْ - وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا - أَنْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ، وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ: أَجَلٌ مَنْقُوص، وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعَ، وَرُبَّ كَادِحِ خَاسِرٌ (2. وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَن لا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إلا إِدْبَاراً، وَلا الشَّرُّ إلا إقْبَالاً، وَلا الشَّيْطَانُ فِي هَلاكِ النَّاسِ إلا طمعاً، فَهذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ، وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ، وَأَمْكَنَتْ فَرِيسَتهُ (3). اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إلا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللّه كُفْراً، أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ)


1) (وإنما هو تعلم من ذي علم) وإنما هو تعلم من الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذي علمه اللّه سبحانه (وإنما علم الغيب علم الساعة) أي وقت قيام القيامة (وتضطم) أي تضم باب افتعال من [الضم] بمعنى الاشتمال (عليه جوانحي) أي أضلاعي، جمع جانحة، والمراد بذلك القلب.

2) (إنّكم وما تأملون من هذه الدنيا أثوياء) جمع ثوى كغنى بمعنى الضيف، أي مثلكم مثل الضيف ومثل آمالكم مثل آمال الضيف، فكما أن الضيف لو أمل أمالاً كثيرة كان ذلك باطلاً، كذلك إذ كانت لكم آمالاً طوالاً، إذ لا تبقون في الدنيا كثيراً حتى تدركوا جميع آمالكم (مؤجلون) لكم أجل ومدة محدودة (ومدينون) أي مطلوبون بالموت (مقتضون) من اقتضاه بمعنى طلبه، أي يطلبكم الموت (أجل منقوص) ينقص كل يوم جزء منه (وعمل محفوظ) يحفظ كل ما عملتم لتجزون به في الآخرة (فرب دائب) في العمل، أي مستمر فيه ليله ونهاره (مضيع) أوقاته، حيث إنه يعمل فيما لا ينفعه في الآخرة (وربّ كادح) من كدح بمعنى تعب وأجهد نفسه (خاسر) لأنه خسر عمره بدون أن يحصل على ما يبقى له في الآخرة.

3) (لا يزداد الخير فيه إلّا إدباراً) لأن الناس قد توجهوا إلى الدنيا (ولا الشر إلّا إقبالا) فكلما أدبر الخير أقبل الشر (ولا) يزداد (الشيطان في هلاك النّاس إلّا طمعاً) لما يرى من إدبارهم عن الآخرة وإقبالهم على الدنيا (فهذا أوان) جمع آن بمعنى الوقت (قويت عدته) أي عدة الشيطان (وعمت مكيدته) أي شملت كثيراً من الناس (وأمكنت فريسته) أي سهلت الفريسة التي يريد أن يفترسها، والمراد بالفريسة، أهل الباطل والآثام.

اللّه وَفراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظ وَقْراً! أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وَصُلَحَاؤُكُمْ وَأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ وَسُمَحَاؤُكُمْ! وَأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ، وَالْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ (1أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جميعاً عَنْ هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ، وَهَلْ خُلِقْتُمْ إِلا فِي حُثَالَةٍ لا تَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ، اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ، وَذَهَابَاً عَنْ ذِكْرِهِمْ! فَإِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! ظَهَرَ الْفَسَادُ، فَلا مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ، وَلا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ. أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللّه فِي دَارِ قُدْسِهِ، وَتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ؟ هَيْهَاتَ لا يُخْدَعُ اللّه عَنْ جَنَّتِهِ (2)، وَلا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلا بِطَاعَتِهِ. لَعَنَ اللّه الآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ النَّارِكِينَ لَهُ، وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ!)### وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ لأبي ذر رحمه اللّه لما أخرج إلى الربذة)وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ لأبي ذر رحمه اللّه لما أخرج إلى الربذة (3))يَا أَبَا ذَرٌ، إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ، فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى


1) (اضرب بطرفك حيث شئت من النّاس) أي انظر إليهم (فهل تبصر إلا فقيراً يكابد فقراً) [يكابد] أي يلاقي مصاعبه ومصائبه (أو غنيّاً بدّل نعمة اللّه كفراً) أشار إلى قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بدَّلُوا نِعْمَتَ اللّه كُفْرًا وَأَحَلُوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)، وتبديل النعمة كفراً يراد به عدم صرف النعمة في المحل اللائق بها. (أو بخيلاً اتخذ البخل بحق اللّه وفراً) أي موجباً لتوفير ماله وتكثيره (أو وقراً) أي صمماً (وسمحاؤكم) أي أهل السماح والفضل (وأين المتورّعون في مكاسبهم) يهمهم الحلال ويتورعون - أي يجتنبون - عن الحرام (والمتنزهون في مذاهبهم) أي يتنزهون ويبتعدون عن الشبهات في طرقهم الدينية والدنيوية.

2) (اليس قد ظعنوا) أي سافروا (الدنية) أي الوضيعة (المنغصة) التي تنغص عيش الإنسان وتشوبه بالكدور والمرارة (إلا في حثالة) أي في جماعة من النّاس أنذال (لا تلتقي بذمهم الشفتان) فإنَّ المتكلم إذا أراد أن يتكلم تلاقت شفتاه، وهؤلاء لا يذمهم الإنسان لكثرة نذالتهم (استصغاراً لقدرهم) فإنَّه يحقرهم ويراهم أصغر حتّى من الذم (وذهاباً عن ذكرهم) أي ابتعاداً حتّى من أن يذكرهم ويتلفظ باسمهم وبمثالهم (هيهات) كلمة استبعاد، بمعنى لا يكون ذلك لا يخدع اللّه عن جنته بأن يخدعه الإنسان ببعض ظواهر يأتي بها لأخذ الجنّة.

3) الربذة: وهي موضع قرب المدينة المنوّرة، وقبر أبي ذر هناك (يا أبا ذر إنّك غضبت اللّه) حيث رأيت أعمال عثمان المخالفة للّه سبحانه.

دُنْيَاهُمْ، وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ، فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ، وَاهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ، فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ، وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ! وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً، وَالأكْثَرُ حُسَداً وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَانَنَا عَلَى عَبْدِ رَتْقاً، ثُمَّ اتَّقَى اللّه لَجَعَلَ اللّه لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً! وَلا يُؤْنِسَنَّكَ إلا الْحَقُّ، وَلا يُوحِشَنَّكَ إِلا الْبَاطِلُ، فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لأَحَبُّوكَ، وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لأَمَّنُوكَ (1.)### وَمِنْ كَلام (عَلَيهِ السَّلَامُوفيه يبين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبوله، أي الخلافة ويصف الإمام الحق)أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَةُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الأَسَدِ! هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ، أَوْ أَقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ (2.)اللّهمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةٌ فِي سُلْطَانٍ، وَلا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الإِصْلاحَ فِي بلادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَنُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ. اللّهمَّ إنِّى


1) (ولو أنّ السَّماوات والأرض كانتا على عبد رتقاً) بحيث لا مفرّ له منهما، قد ضيقتا سبله، وأحاطتا به، وأوقعتاه في المشاكل (ثمّ اتَّقى اللّه) أي عمل بأحكام الشريعة (ولا يؤنسنك إلا الحق) فكن آنساً به وإن أوحشك النّاس ولا يوحشنّك إلّا الباطل فكن مستوحشاً به وإن آنسك الناس (ولو قرضت منها) أي قطعت جزءاً من دنياهم (لأمنوك) فإنَّ الإنسان عبيد الإحسان.

2) (أيتها النفوس المختلفة) من حيث الأهواء والميول (والقلوب المتشتتة) تشتت بمعنى تفرق (الشاهدة أبدانهم) أي أنهم حضور بأبدانهم (والغائبة عنهم عقولهم) كناية عن عدم وعيهم واتعاظهم كالغائب عقله (أظاركم) أي أعطفكم وأميلكم (من وعوعة الأسد) صوته (هيهات أن أطلع بكم سرار العدل) أي ما خفي من العدل، والمراد أنتم غير قابلين للإطلاع، حتّى أشرفكم على العدل المضاع بين أظهركم.

أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ وَسَمِعَ وَأَجَابَ لَمْ يَسْبِقْنِي إِلا رَسُولُ اللّه (صلى اللّه عليه وآله بِالصَّلَاةِ (1).)وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالْمَغَانِم وَالأحْكَامِ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ، وَلا الْجَاهِلَ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ، وَلا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ، وَلا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ. فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمِ، وَلا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ، وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِع، وَلا الْمُعطلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الأُمَّة (2.)


1) (اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منا) من قبول الخلافة الظاهرية (منافسة في سلطان) بأن أردت أن أتقدم في السلطة على سائر النّاس ويكون لي الحكم والأمر والنهي (ولا التماس) أي طلب (شيء من فضول الحطام) أي زوائد متاع الدنيا، وسمي حطاماً، لأنه يحطم ويفني، وإضافة الفضول إلى الحطام بيانية (ولكن لنرد المعالم من دينك) معالم الطريق، النصب الدالة عليه، وقد طمست المعالم، فأراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إظهارها وإحياءها (وتقام المعطلة من حدودك) أي الحدود المعطّلة والأحكام المهملة (اللّهم إنّي أوّل من أناب) أي رجع إليك بالطاعة والانقياد وتسمية الأمر إنابة - وإن لم يكن من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إعراض - باعتبار المشابهة لمن سواه، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَ فِي مِلَّتِنَا) [إبراهيم: 13]. وسمع داعي اللّه (وأجاب) بقبول الإسلام وأحكامه، فإنَّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوّل النّاس إيماناً.

2) (البخيل) اسم لـ [ يكون] و [الوالي] خبره المقدم (فتكون في أموالهم نهمته) يبالغ في حرصه وجمعه لأموالهم، لأن البخيل لا يبذل المال، وفي ذلك تعطيل لأموالهم، وإضاعة لما يحتاج ومن يحتاج إلى المال (ولا الجاهل فيضلهم بجهله) لأن الوالي مصدر الأمور، فإذا جهل الأمور سبّب إضلالهم (ولا الجافي) الذي يجفو ويقاطع الناس كبراً أو ضجراً (فيقطعهم بجفائه) ويعطل أمورهم المتوقفة عليه ولا) (الحائف) الذي يحيف ويجور (للدّول) جمع دولة، بمعنى المال لأنه يتداول من يد إلى يد يعني الذي يجور في إعطاء المال، فيحابي ويمنع شخصاً زائداً، شخصاً آخر حسب شهواته ورغباته (فيتّخذ قوماً دون قوم) دون أن يراعي المساواة وجعل الحقوق مواضعها، وفي بعض النسخ [الخائف] بالخاء المعجمة أي الذي يخاف بعض الدّول، فيصادق من خاف منه دون غيره (ولا المرتشي في الحكم) أي الذي يأخذ الرّشوة (فيذهب بالحقوق) لأنه يأخذ الرشوة ويحكم للراشي، دون الذي له الحق واقعاً (ويقف بها) أي بالحقوق (دون المقاطع) أي الحدود التي عينها اللّه سبحانه، جمع مقطع أي محل قطع الأمور الذي جعله اللّه سبحانه (ولا المعطّل للسِّنّة) الذي لا ينفذ أحكام الإسلام (فيهلك الأمة) لأنّ في أحكام الإسلام حياة الأمة، فإذا عطلت هلكت الأمة.

### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ وفيها وعظ وتزهيد وتذكير)نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَأَعْطَى وَعَلَى مَا أَبْلَى وَابْتَلَى الْبَاطِنُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ، الْعَالِمُ بِمَا تُكِنَّ الصُّدُورُ، وَمَا تَخُونُ الْعُيُونُ.وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُهُ وَبَعِيتُهُ، شَهَادَةٌ يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإعْلانَ، وَالْقَلْبُ اللَّسَانَ (1.)منها : فَإِنَّهُ وَاللّه الْجِدُّ لا اللَّعِبُ وَالْحَقُّ لا الْكَذِبُ. وَمَا هُوَ إِلا الْمَوْتُ أَسْمَعَ دَاعِيهِ، وَأَعْجَلَ حَادِيهِ. فَلا يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ وَحَذِرَ الإِقْلالَ، وَأَمِنَ الْعَوَاقِبَ - طُولَ أَمَلِ وَاسْتِبْعَادَ أَجَلٍ - كَيْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ، مَحْمُولاً عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَايَا يَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ، حَمْلاً عَلَى الْمَنَاكِبِ وَإِمْسَاكاً بِالأَنَامِلِ (2أَمَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً، وَيَبْنُونَ مَشِيداً، وَيَجْمَعُونَ)


1) (نحمده على ما أخذ وأعطى) فإنَّ كلاً من أخذه سبحانه وإعطائه يتبع مصلحة تستحق الحمد (وعلى ما أبلى) أي أحسن وأنعم (وابتلى) أي امتحن (الباطن لكل سريرة) أي يعلم السرائر، كأنه باطن معها (العالم بما تكن الصدور) أي تخفي فيها (وما تخون العيون) من اختطاف النظر، الذي لا يطلع عليه أحد، ولو كان قريباً من الخائن عينه (نجيبه) أي مختاره، من أنجبه، أي اختاره (وبعيثه) أي مبعوثه أرسله بالهدى ودين الحق (شهادة يوافق فيها السر الإعلان والقلب اللّسان) لا شهادة لسانية كالمنافق، أو قلبيّة فقط كالكافر، والمراد بالسر والإعلان جهراً وخفية.

2) (فإنه) أي أمر الآخرة (واللّه الجد لا اللعب) أي أن ما هناك من جنة أبدية أو نار سرمدية جد، لا إنه لعب ولهو (والحق) المطابق للخارج (لا الكذب وما هو) مصير الإنسان (إلا الموت أسمع داعيه) أي داعي الموت وليس المراد صرف الموت ومعنى إسماع داعيه أنه قد علم كل إنسان مصيره (وأعجل حاديه) الذي يحدو ويسير بالنّاس إلى الموت يسير بهم سيراً مستعجلاً (فلا يغرنك سواد النّاس من نفسك) فإنّ الإنسان كثيراً ما يغترر بوجود النّاس في أطرافه أطرافه فيعصي اللّه سبحانه اعتماداً عليهم، بينما الموت يختطفه ولا ينفعه سواد النّاس في دفع الموت ودفع العقاب المترتب على الخطيئة (وحذر الإقلال) أي القلة من المال (وأمن العواقب) بأن لم يخش موتاً ولا فوتاً (طول أمل واستبعاد أجل) أي كان أمنه لأجل طول أمله في الدنيا، وأنه كان يستبعد أن يأتيه أجله (فازعجه عن وطنه) الإزعاج التسبب إلى ما يوجب أذى الإنسان (وأخذه من مأمنه) أي محل أمنه (محمولاً على أعواد المنايا) أي التابوت ومنايا جمع [منية ] بمعنى الموت (يتعاطى به الرِّجالُ الرّجالَ) أي يعطي بعض بعضاً جنازته (حملاً على المناكب) جمع منكب وهو ما بين العضد والعنق (وإمساكاً) أي أخذاً (بالأنامل) جمع أنملة، رأس الإصبع، والمعنى أنك ستصبح بعد قليل مثل أولئك، فاللازم أن تأخذ حذرك.

كَثِيراً كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً، وَمَا جَمَعُوا بُوراً، وَصَارَتْ أَمْوَالُهُمْ لِلْوَارِثِينَ، وَأَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لا فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ، وَلَا مِنْ سَيِّئَةٍ يَسْتَعْتِبُونَ! فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ بَرَّزَ مَهَلُهُ، وَفَازَ عَمَلُهُ (1. فَاهْتَبِلُوا هَبَلَهَا، وَاعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا : فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الأعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ. فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازٍ. وَقَرِّبُوا الظُّهُورَ لِلزِّيَالِ (2).)


1) (أما رأيتم الذين يأملون بعيداً) لهم آمال طوال، مثل أنه يأمل أن ينال بعد سنوات مناصب أو أموالاً، أو ما أشبه (ويبنون مشيداً) أي أبنية محكمة ممّا تدل على رجائهم البقاء الطويل (ويجمعون كثيراً) زاعمين أنهم يبقون مدة مديدة يحتاجون خلالها إلى تلك الأموال (كيف أصبحت بيوتهم قبوراً) مثل النّاس الذين يدفنون في بيوتهم، أو يهدم عليهم البيت فيبقون هناك إلى الأبد (وما جمعوا بوراً) جمع بائر أي بلا فائدة منها لهم (وأزواجهم) نسائهم، أو المراد الأعم من [الرجل] الذي ماتت زوجته و[الزوجة] التي مات زوجها القوم آخرين وهذا الكلام لاستفزاز النفس نحو العمل الصالح، فإنَّ أزواجهم ومن أقرب الناس إليهم يصبحن لعيش أناس أجانب - بعد موتهم - فما الأمل من هذه الدنيا؟ وما يكون اعتبار مثلها؟ (لا في حسنة يزيدون) لأن ابن آدم إذا مات انقطع عمله (ولا من سيّئة يستعتبون) أي يطلب منهم أن يعملوا عملاً يكفرها (فمن أشعر التقوى قلبه) أي أذاق قلبه طعم التقوى بحيث صارت التقوى ملكة له (برز مهله) أي أظهر التقدم في الخير - على سائر الناس - فإنَّ [المهل] بمعنى التقدم في الخير (وفاز عمله) أي ظفر على عمله الصالح، وتمكن من الاتيان به في مقابل الفساق الذين لا يتمكنون من الظفر على صالح الأعمال.

2) (فاهتبلوا هبلها) الاهتبال تطلب الشيء بإحكام للنيل منه، والضمير عائداً إلى التقوى أي اطلبوا التقوى طلباً لائقاً بها (واعملوا للجنة عملها) أي العمل اللائق بالجنة الموصل إليها (فإن الدنيا لم تخلق لكم دار مقام) أي دار بقاء تقيمون فيها (بل خلقت لكم مجازاً) أي محل عبور (على أوفاز) جمع وفز بمعنى العجلة - أي على استعجال لئلا تفوت الدنيا قبل أن تعملوا للآخرة (وقرّبوا الظهور) أي المطايا التي تركبون عليها (للزيال) أي لفراق الدنيا.

### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ فيها تعظيم للّه سبحانه، وذكر للقرآن والرسول (صلى اللّه عليه وآله)، ووعظ للناس)وَانْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا، وَقَذَفَتْ إِلَيْهِ السَمَاوَاتُ وَالأرَضُونَ مَقَالِيدَهَا، وَسَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ الأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ، وَقَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضْبَانِهَا النّيرَانُ الْمُضِيئَةُ، وَآتَتْ أُكُلَهَا بِكَلِمَاتِهِ الثِّمَارُ الْيَانِعَةُ (1.)منها في القرآن : وَكِتَابُ اللّه بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقٌ لا يَعْيَا لِسَانُهُ، وَبَيْتٌ لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَعِزٌ لا تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ.منها حول الرسول (صلى اللّه عليه وآله : أَرْسَلَهُ عَلَى حِينٍ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَتَنَازُعٍ مِنَ الألْسُنِ، فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ، وَخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ، فَجَاهَدَ فِي اللّه الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ، وَالْعَادِلِينَ بِهِ (2).)منها في وصف الدنيا : وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَر الأعْمَى، لا يُبْصِرُ ممّا


1) (بأزمتها) جمع زمام (مقاليدها) جمع مقلاد بمعنى المفتاح (وسجدت له بالغدو) أي الصباح (والآصال) جمع أصيل طرف العصر (الأشجار النّاضرة) أي ذات النّضرة والبهجة (وقدحت له من قضبانها) جمع قضيب بمعنى الغصن (النيران المضيئة) فإنَّ المرخ والعقار تظهر من أغصانها النار (وآتت) أي أعطت (أكلها) أي ما يؤكل من الثّمار (- بكلماته -) أي بأوامره التكوينية التي هي كالكلمات بالنسبة إلى المخلوقين.

2) (بين أظهركم) أي في وسطكم (ناطق لا يعيا) أي لا يكل (لسانه) كناية عن إمكان دوام الاستفادة منه (وبيت) كما أن البيت يحفظ الإنسان عن الحر والبرد واللص وما أشبه، كذلك القرآن حافظ للعامل به (لا تهدم أركانه) أركان البيت جوانبه المحيطة به والمراد بأركان القرآن مواعظه وأصوله وأحكامه وما أشبه (وعزّ لا تهزم أعوانه) فإنّ أعوان القرآن منتصرون دائماً، لانتصار الحق على الباطل دائماً، إما جسماً، أو روحاً وواقعاً (أرسله على حين فترة من الرّسل) أي فاصلة بين الرّسول وبين الرّسل السابقة (وتنازع من الألسن) فإنّ الألسن كانت مختلفة، وإنما وحدها الإسلام بلغة القرآن، أو هو كناية عن المذاهب والآراء، بعلاقة السبب والمسبب، فإنّ مظهر المذهب اللسان (فقفّى به الرّسل) أي اتبع اللّه سبحانه بسبب الرّسول أولئك الرسل بأن جعله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في قفاهم ومن بعدهم (المدبرين عنه) أي الذين أدبروا عن اللّه، وأقبلوا على الأصنام والآثام (والعادلين به) أي الذين يجعلون الأوثان عدلاً للّه تعالى وشركاء له.

وَرَاءَهَا شَيْئاً، وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا. فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ، وَالأعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدُ، وَالأعْمَى لَهَا مُتَزَوَّد (1.)منها في عظة الناس : وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَيَكَادُ صَاحِبُهُ يَشْبَعُ منه وَيَمَلُّهُ إِلا الْحَيَاةَ فَإِنَّهُ لا يَجِدُ فِي الْمَوْتِ رَاحَةً. وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيِّتِ، وَبَصَرٌ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ، وَسَمْعٌ لِلأُذُنِ الصَّمَّاءِ، وَرِيٌّ لِلظَّمْآنِ، وَفِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ وَالسَّلَامَةُ (2كِتَابُ اللّه تُبْصِرُونَ بِهِ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، لا يَخْتَلِفُ فِي اللّه، وَلا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللّه (3). قَدِ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلْ فِيمَا بَيْنَكُمْ،)


1) (وإنما الدنيا منتهى بصر الأعمى) فإنَّ الدنيا آخر مكان ينظر إليه الشخص الذي عمي عن الآخرة، فيظن أن ليس بعد الدنيا شيء (لا يبصر ممّا وراءها) أي وراء الدنيا (شيئاً) ويزعم أن لا آخرة (والبصير ينفذها بصره) أي ينفذ في الدنيا ويعبر منها إلى الآخرة، فيرى أنه وراء الدنيا آخرة (ويعلم أن الدار) الحقيقية التي هي دار باقية (وراءها) وأنها ليست بدار إلا مجازاً (فالبصير منها شاخص) أي مسافر، والمعنى أنه كالمسافر يعمل عمل المسافر، لا عمل القاطن (والأعمى) الذي لا يرى الآخرة (إليها شاخص) بمعنى شخص ببصره إذا نظر به إلى الشيء يعني أن تمام نظره إلى الدنيا لا ينظر إلى الآخرة (والبصير منها متزود) يأخذ الزاد للآخرة، لأنه يرى أن داره هناك فلا بد أن يتزود لها (والأعمى لها متزود) فإنَّه حيث يزعم أن الدنيا هي داره، إنما يعمل لعمارة الدنيا فقط.

2) (يشبع منه ويمله) من الملالة بمعنى الضجر، فإنَّ طبع الإنسان متطور يألف الجديد وينفر من القديم (إلا الحياة فإنَّه لا يجد في الموت راحة) بل يخاف الموت ولا يمل من الحياة خوفاً من أن يبتلى بالموت، وقد جعل اللّه هذه الخيفة من الموت لمصلحة بالغة، هي أن يعمل الإنسان لما بعد الموت (بمنزلة الحكمة التي) هي وضع الأشياء مواضعها، أي أنّ الخوف حكمة (هي حياة للقلب الميت) الذي لا يعرف الآخرة، فإنَّ خوفه يسوقه إلى العمل الصالح وما يؤتى به نفسه عن الأهوال بعد الموت (وبصر للعين العمياء) أي يوجب تبصرها لمن لا يرى إلا الدنيا (وسمع للأذن الصّماء) فإنَّ الخوف يوجب أن يستمع إلى المواعظ ليجد ضالته فيها (وري للظمآن) الذي ظمأ إلى معرفة ما ينجي من الأهوال (وفيها الغنى كلّه) فإنَّ الخائف يتزود بما يوجب غناه هناك (والسلامة) فإنَّ الخائف يعمل الصالح الموجب لسلامة آخرته.

3) (كتاب اللّه تبصرون به) الحقائق من الأصول والفروع والأخلاق والقصص (وتنطقون به) فإنّ حملة الكتاب ينطقون بالكتاب في أوامرهم وسائر شؤون علمهم وعملهم (وتسمعون به) أي تستمعون إلى الأشياء بواسطة الكتاب، فإن صدقها الكتاب أخذتم وإلا رفضتم (وينطق بعضه ببعض) أي يفسر بعضه بعضاً (ويشهد بعضه على بعض) ففي مكان منه الدعوى، وفي مكان آخر الدليل (ولا يختلف في اللّه) أي في باب بيان اللّه، كما يختلف التوراة والإنجيل الرائجان أوصافه سبحانه (ولا يخالف بصاحبه) الذي أخذ به وعمل بما فيه (عن اللّه) أي لا يبعده عنه تعالى، إن القرآن الذي هذا شأنه بينكم ولكنكم أعرضتم عنه.

وَنَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ. وَنَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الأَمَالِ، وَتَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الأمْوَالِ. لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ، وَتَاهَ بِكُمُ الْغُرُورُ، وَاللّه الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ (1.)### وَمِنْ كَلامَ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم)وَقَدْ تَوَكَّلَ اللّه لأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ. وَالَّذِي نَصَرَهُمْ، وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَنْتَصِرُونَ، وَمَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَمْتَنِعُونَ، حَيٌّ لا يَمُوتُ (2.)إِنَّكَ مَتَى نَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ، فَتَلْقَهُمْ بِشَخْصِكَ فَتُنْكَبْ لَا تَكُنْ


1) (قد اصطلحتم) أي تصالح بعضكم مع بعض (على الغل فيما بينكم) أي الخيانة والحقد فيحقد بعضكم على بعض، ويخون بعضكم بعضاً، كأنه وقع التصالح على ذلك (ونبت المرعى على دمنكم) هذا مثال لمن يتصالح في الظاهر ويريد الغدر في الباطن، المرعى النبات و[دمن] جمع [دمنة] بمعنى المحل القذر، فإنَّ النبات الذي ينبت على المقاذر نضر، لكنه سريع الجفاف، وكذلك التصالح الذي يقع مع غل القلوب، فإنَّه في الظاهر جميل، لكنه في الباطن سريع الزوال (وتصافيتم) أي صار بينكم الصفا (على حبّ الآمال) فلكل أمل يرقبه، ولا ينكر عليه غيره، للتصافي الذي صار بينهم (وتعاديتم في كسب الأموال) فإنّ بعضكم يعادي بعضاً حول مال الدنيا، يريد كل واحد أن يسلب ما في يدي الآخر، ويسبق إلى المنفعة قبل وصول أخيه إليها (لقد استهام بكم الخبيث) أي الشيطان والمعني صار هائماً - شديد العشق - بكم حيث راكم لأوامره مطيعين (وتاه بكم الغرور) أي أن الغرور أوجب ضلالكم، من تاه إذا تحير.

2) (وقد توكّل اللّه) أي تحفظ سبحانه (لأهل هذا الدين) أي المسلمين (بإعزاز الحوزة) حوزة كل شيء مجمعه، وما يحوزه أي يملكه، أي أنه سبحانه يعزّ حمى الإسلام (وستر العورة) أي عورة المسلمين وهي محلات النقص فيهم، يسترها لئلا يراها الأعداء فيهاجمون منها على المسلمين.

لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلادِهِمْ لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعُ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرَباً، وَاحْفِرْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلاءِ وَالنَّصِيحَةِ، فَإِنْ أَظْهَرَ اللّه فَذَاكَ مَا تُحِبُّ، وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى، كُنْتَ رِدْءاً للنَّاسِ وَمَثَابَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ (1.)### وَمِنْ كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ في رده على المغيرة بن الأخنس)وقد وقعت مشاجرة بينه وبين عثمان فقال المغيرة بن الأخنس لعثمان أنا أكفيكه، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ للمغيرة:)يَا بْنَ اللَّعِينِ الأبْتَرِ، وَالشَّجَرَةِ الَّتِي لا أَصْلَ لَهَا وَلا فَرْعَ، أَنْتَ تَكْفِينِي؟ وَاللّه مَا أَعَزَّ اللّه مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ، وَلا قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ.اخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اللّه نَوَاكَ، ثُمَّ أَبْلِغْ جُهْدَكَ، فَلا أَبْقَى اللّه عَلَيْكَ إِنْ أبقيت (2!)


1) (فتنكب) أي تغلب بأن يغلب الروم عليك - فرضاً – (لا تكن للمسلمين كانفة) أي عاصمة وكنف يلجأون إليها (دون أقصى بلادهم) أي ملجأ يحفظ بلادهم، كأنه حامي لأقاصي بلاد الإسلام كما يقال: لا حافظ دون البلد، أي إمام البلد يحفظه من الأخطار (ليس بعدك) إذا نكبت وغلب الروم (مرجع يرجعون إليه) أما إذا كنت في المدينة، وكسر جيش الإسلام لا يهولهم الأمر لوجود الحافظ والمرجع (فابعث إليهم رجلاً محرباً) أي ممارساً للحروب (واحفز) أي إدفع (معه أهل البلاء) أي الذين لهم مهارة وتجارب (والنّصيحة) الذين ينصحون للّه والرسول والمسلمين في الجهاد لا يريدون إلا الحق (فإن أظهر اللّه) الأمر بأن كان الغلب للمسلمين (فذاك ما تحب) وقد انتهى الأمر بسلام (وإن تكن الأخرى) بأن انكسر المسلمون (كنت) أنت (ردءاً) أي ملجاً (للناس) المنكسرين (ومثابة) أي مرجعاً.

2) (يا بن اللعين الأبتر) أبو مغيرة كان من رؤوس المنافقين، والأبتر كل شيء انقطع عن الخير، من بتر بمعنى قطع (والشجرة التي لا أصل لها) لا آباء كرام (ولا فرع) أي أولاد صالحين (أنت تكفيني)؟ استفهام إنكار (واللّه ما أعزّ اللّه من أنت ناصره) فإنَّ الشخص الذي لا دين له لا ينصر نصرة للّه فيها رضى حتى يعزّ منصوره (ولا قام من أنت منهضه) أي تنهضه وتقومه، فإنّ الشخص الجبان لا يتمكن من إقامة إنسان، (اخرج عنا أبعد اللّه نواك) أي دارك، أو النوى بمعنى البعد والمعنى إن بعدك يكون كثيراً (ثم ابلغ جهدك) فيما تشاء أن تعمل من التخريب والإفساد (فلا أبقى اللّه عليك إن أبقيت) يقال أبقيت على فلان إذا راعيته، والمعنى عدم تمكنه من أي إفساد وعمل، حتّى أنّه إذا أراد الإبقاء على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورعايته، لم يحتج الإمام إلى ذلك، بل يطلب منه أن لا يبقى عليه، ويدعو عليه بأن لا يرعاه اللّه إن أراد رعاية الإمام.

### وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ في أمر البيعة)لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةٌ، وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً. إِنِّي أُرِيدُكُمْ للّه وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ (1.)أَيُّهَا النَّاسُ، أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَأَيْمُ اللّه لأَنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، وَلأَتُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ، حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِها (2.)### وَمِنْ كَلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ في شأن طلحة والزبير، وفي البيعة له)وَاللّه مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نِصْفاً. وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حقاً هُمْ تَرَكُوهُ، وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ، فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ إِلا قِبَلَهُمْ (3.)


1) (لم تكن بيعتكم إيّاي فلتة) الفلتة الأمر الذي يقع فجأة بلا روية ولا استشارة، وهذا الكلام من الإمام إشارة إلى وجوب إطاعتهم له، لأن الأمر لم يكن بلا اختيار ومشورة حتى يحتجوا بأنهم اضطروا، فلا حكم لبيعتهم (وليس أمري وأمركم واحداً) أي لنا اتجاهان (إني أريدكم للّه) بأن أقيمكم وأقيم أمر اللّه فيكم (وأنتم تريدونني لأنفسكم) بأن أعمر دنياكم وأشبع ميولكم.

2) (أيها الناس أعينوني على أنفسكم) أي إذا أمرت أمراً خلاف ميولكم، فانفذوا أمري على أنفسكم وإن كانت كارهة لذلك (وأيم اللّه) حلف باللّه تعالى (لأنصفن المظلوم من ظالمه) ظالمه) يعني آخذ الحق للمظلوم ممّن ظلمه (ولأقود الظالم بخزامته) هي خلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير ليشد فيها الزمام فيقاد حيث شاء وهو كناية عن إرغام الظالم (حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها) المنهل محل ورود الماء.

3) (واللّه ما أنكروا علي منكراً) عملته يبررون بذلك خروجهم علي (ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً) أي عدلاً وإنصافاً بأن ينصفونني (ليطلبون حقاً هم تركوه) فإنَّ كان حق عثمان صحيحاً، فلماذا تركوا عثمان حتى قتل بدون أن يفكروا في منع القاتلين (ودماً هم سفكوه) فإنّهم كانوا في طليعة المحرضين على قتل عثمان (فإن كنت) فرضاً (شريكهم فيه) أي في سفك دم عثمان (فإن لهم نصيبهم منه) ولا وجه لأن يطالب أحد القتلة قاتلاً آخر بالدية والقود (وإن كانوا ولوه) أي باشروا سفك دم عثمان (دوني) وكان هذا هو الواقع حيث إن الإمام كان يستسفر بين عثمان والثوار لئلا تقع المشكلة (فما الطلبة إلّا قبلهم) الطلبة ما يطالب به الثأر إن المطلوب بدم عثمان، هم غيري.

وَإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ وَلا لُبِسَ عَلَيَّ. وَإِنَّهَا لَلْفِتَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الْحَمَةُ وَالْحُمَّةُ، وَالشَّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ، وَإِنَّ الأمْرَ لَوَاضِحٌ، وَقَدْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ، وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغَبِهِ (1. وَأَيْمُ اللّه لأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ، لا يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٍّ، وَلا يَعُبُونَ بَعْدَهُ فِي حَسْيِ (2)!)منه : فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلادِهَا، تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ : قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا (3. اللّهمَّ إِنَّهُمَا)


1) (إن أول عدلهم) إذا أرادوا العدل (للحكم على أنفسهم) فاللازم أن يحكموا أولاً على أنفسهم ثم من بعد ذلك ينظرون من كان شريكاً معهم (إن معي لبصيرتي) لم أفارق بصيرتي وعلمي حتى لا أعلم ما لي ممّا عليّ (ما لبست) أي اشتبهت (ولا لبس علي) بأن يسبب قول الناس وعملهم إشتباهاً في أمري حتى أشتبه ولا أعلم وجه الحق، فأنا أعلم أني على حق وأنهم على باطل (وإنها للفئة الباغية) التي تبغي وتظلم (فيها الحما) أي القريب في النسب من الإمام وهو الزبير فقد كان ابن خالة الإمام (والحمة) وهي الإبرة اللاسعة من العقرب ونحوه ويشير بذلك إلى زوجة الرّسول، حيث كانت تلدغ، وقد أخبر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الإمام بخروج هؤلاء عليه، كما أخبر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عائشة بالذات (والشبهة المغدفة) من أغدف بمعنى أظلم، أي الشبهة التي تظلم وجه الحق، وتستر على الناس الدوافع الحقيقية لطلب هؤلاء بدم عثمان (وقد زاح الباطل) أي زال وذهب (عن نصابه) أي عن محله وانقطع لسانه أي لسان الباطل (عن شغبه) الشغب تهيّج الشر، فقد كان الناس يعرفون دوافع طلحة والزبير وعائشة ومعاوية، وقد أوضحها الإمام في عدة خطب.

2) (لأفرطن لهم حوضاً أنا ماتحه) أفرط الحوض بمعنى ملأه حتى فاض، ومتح الماء بمعنى نزعه من البئر أو نحوها يعني أملاً لهم حوض المنية الذي أنا أخرجت ماء ذلك الحوض وحصلت عليه، وذلك كناية عن استعداده للمحاربة فهو يمتح الماء ويملأ أحواضهم (لا يصدرون عنه بري) أي لا يتمكنون من الاستفادة من ذلك الحوض فلا يرتوون منه، بل يغصون بمائه، وذلك كناية عن عدم استفادتهم لمطالبهم من هذا الشغب الذي أثاروه (ولا يعبون) العب شرب سريع بلا تنفس (بعده) أي بعد الشرب من هذا الحوض (في حسي) وهو مجمع الماء في الأرض أي لا يتمكنون أن يشربوا ماءً بعد شربهم من هذا الحوض، لأن ماءه يهلكهم فلا تبقى لهم حياة ليشربوا من ماء آخر.

3) (إليّ إقبال العوذ) أي مثل إقبال الأنثى من الظبي والإبل، جمع عائذة (المطافيل) جمع [مطفل] بمعنى ذات الطفل (على أولادها) فكم أن الأم تقبل على أولادها كأنها تستجير بها وتلوذ كذلك كانت الناس تقبل على الإمام للبيعة معه (تقولون : البيعة البيعة) أي نريد البيعة (قبضت كفّي) أي جمعتها لئلا تلامس أيديكم للبيعة (ونازعتكم يدي) أريد قبضها وتريدون بسطها (فجاذبتموها) للبيعة، هكذا كانت بيعة الناس لي، ومنهم طلحة والزبير.

قَطَعَانِي وَظَلَمَانِي، وَنَكَثَا بَيعتي وَأَلْبَا النَّاسَ عَلَيَّ، فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا، وَلا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا، وَأَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّا وَعَمِلا. وَلَقَدِ اسْتَثَبْتُهُمَا قَبْلَ الْقِتَالِ، وَاسْتَأْنَيْتُ بِهِمَا أَمَامَ الْوِقاع، فَغَمَطَا النِّعْمَةَ، وَرَدًا الْعَافِية (1.)### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ يومئ فيها إلى ذكر الملاحم)يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى، إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ (2.)منها : حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ، بَادِياً نَوَاجِدُهَا، مَمْلُوءَةً أَخْلافُهَا، حُلْوا رَضَاعُهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا. أَلا وَفِي غَدٍ - وَسَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لا تَعْرِفُونَ - يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِي أَعْمَالِهَا، وَتُخْرِجُ لَهُ الأرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا، وَتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا، فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ، وَيُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (3.)


1) (نكثا بيعتي) أي نقضاها (والبا) أي حرضا (النّاس عليّ) لنكث البيعة والمحاربة (فاحلل ما عقدا) من الاتفاق ضدّي، حتى تفسد عقدتهما (ولا تحكم لهما ما أبرما) أي لا تجعل ما أبرما محكماً حتى لا يقبل النقض والنكث (وأرهما المساءة) أي السوء (فيما أملا) من النفوذ والسلطة (وعملا) من تهيئة الجيش وتحريض الناس (ولقد استثبتهما) أي طلبت رجوعهما إلى البيعة والطاعة، من [ثاب] بمعنى رجع (واستأنيت بهما أمام الوقاع) أي طلبت منهما الأناة والتؤدة قبل وقوع الحرب (فغمطا النعمة) أي جحداها، والمراد نعمتي عليهما (وردًا العافية) بالسلامة من الحرب إلى المحاربة والمقاتلة.

2) (يعطف الهوى على الهدى) هذا في أحوال الإمام المنتظر المهدي (عَجَّلَ اللّه تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف)، والمعنى أن الإمام يحكم بالهدى ويترك الهوى (إذا عطفوا الهدى على الهوى) بأن جعلوا الدين تبعاً لهواهم ومشتهيات أنفسهم (ويعطف الرأي على القرآن) فيرى حسب أحكام القرآن ويفتي بها (إذا عطفوا القرآن على الرأي) بأن أوّلوا القرآن حسب آرائهم وأفكارهم.

3) (حتّى تقوم الحرب بكم على ساق) كناية عن اشتدادها، كالإنسان القائم على رجله، ليتهيا للأمر (بادياً) أي ظاهراً (نواجذها) جمع [ناجذ] وهي أربعة في أقصى الأضراس، وهذا كناية عن شدة الاحتدام، فإنَّ الأسد إذا اشتد غضبه أبدى نواجذه (مملوءة أخلافها) جمع خلف - بالكسر - بمعنى الضرع، وهذا كناية عن كثرة الشر واستعداده للظهور (حلواً رضاعها) فإنّ الناس يستعذبون تلك الحرب لما يروا فيها من سيطرة الحق (علقماً) أي مرّاً كالعلقم (عاقبتها) بالنسبة إلى الظالمين (الا وفي غد) والمراد المستقبل (يأخذ الوالي) أي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (من غيرها) أي أن المتصف بكونه من غير هؤلاء السلاطين (عمالها على مساوئ (أعمالها أي يحاسب العمال الذين تحت نفوذه وإمرته على سوء تصرفاتهم في البلاد والعباد (وتخرج له الأرض أفاليذ كبدها) جمع أفلاذ، وهو جمع فلذة، وهي القطعة الثمينة من المعادن، كالذهب والماس وغيرهما (وتلقي إليه سلماً مقاليدها) جمع مقلاد، وهو المفتاح ومفاتيح الأرض الأشياء التي هي سبب للوصول إلى غايات مهمة، من فتح البلاد واستخراج الثروات، وما أشبه ذلك، وقوله: [سلما] أي بدون صعوبة كبيرة (كيف عدل السيرة) أي السيرة العادلة (ويحيي ميّت الكتاب والسنة) والمراد بميتهما ما أهمل وترك العمل به منهما.

منها : كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ، وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ، فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَظفَ الضَّرُوسِ، وَفَرَسَ الأَرْضَ بِالرُّؤوس (1. قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، وَثَقُلَتْ فِي الأَرْضِ وَظَأَتُهُ، بَعِيدَ الْجَوْلَةِ، عَظِيمَ الصَّوْلَةِ. وَاللّه لَيُشَرِّ دَنَّكُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ حَتَّى لا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلا قَلِيلٌ، كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ، فَلا تَزَالُونَ كَذَلِكَ، حَتَّى تَؤُوبَ إِلَى الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلامِهَا (2)! فَالْزَمُوا السُّنَنَ الْقَائِمَةَ، وَالآثَارَ الْبَيِّنَةَ، وَالْعَهْدَ الْقَرِيبَ الَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ (3).)


1) (كأني به) لفظة [كاني] وما أشبه للدلالة على أن الأمر واقع حتى كأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينظر إليه، والضمير [به] على ما ذكروا عائد إلى عبد الملك بن مروان الذي ثارت أطراف البلاد عليه فأخمدها (قد نعق) أي صوت، والنعيق هو الصوت الذي له أعوان (بالشام) فإن مركز عبد الملك كان الشام (وفحص براياته) بحثها كناية عن تركيزها (في ضواحي كوفان) جمع ضاحية وهي الناحية (فعطف) أي عبد الملك (عطف الضروس) هي الناقة السيئة الخلق، والمراد انتقام عبد الملك من الأهالي (وفرش الأرض بالرؤوس) كناية عن كثرة قتله لأهل العراق.

2) (قد فغرت) أي انفتحت (فاغرته) كناية عن فمه (وثقلت في الأرض وطأته) أي قدمه التي توطئ الأرض، وذلك كناية عن ثقله على الناس لما كانوا يخافون ويرهبون بطشه وفتكه (بعيد الجولة) أي الحركة كناية عن سيطرته في الآفاق (عظيم الصّولة) أي البطش والفتك، يقال صال الأسد إذا وثب على فريسته (واللّه ليشردنكم) يفرقنكم (كالكحل في العين) من القلة واستدارة الأعداء عليهم (حتى تؤوب) أي ترجع (عوازب أحلامها) أي غائبات عقولها.

3) (السنن القائمة) أي الأحكام التي هي جارية بينكم، (والآثار البيّنة) أي آثار الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الواضحة الظاهرة (والعهد القريب) أي عهد الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذي هو قريب من زمانكم (الذي فيه) أي على ذلك العهد (باقي النّبوة) والمراد بها الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، الذين هم الباقون من آل الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (واعلموا أن الشيطان إنما يسنّي) أي يهيّئ (لكم طرقه) بالتزيين لكم وحثكم على سيرها (لتتبعوا عقبه) أي عقب الشيطان، والعقب مؤخر القدم.

### وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ في وقت الشورى)لَمْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٌّ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَعَائِدَةِ كَرَمِ. فَاسْمَعُوا قَوْلِي، وَعُوا مَنْطِقِي عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الأمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمَ تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ، وَتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لأهْلِ الضَّلَالَةِ، وَشِيعَةٌ لأهْل الْجَهَالَةِ (1.)### ومن كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ في النهي عن عيب الناس)وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لأهْلِ الْعِصْمَةِ وَالْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلامَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَيَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ، وَالْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ (2، فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ وَعَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ! أَمَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللّه عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ ممّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ! وَكَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللّه فِيمَا سِوَاهُ، ممّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ (3). وَأَيْمُ اللّه لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي)


1) (وعائدة كرم) أي الكرم العائد على الناس بخير (وعوا) أي أدركوا (منطقي) أي كلامي (تنتضى) أي تسل وتجر (وتخان فيه العهود) بين الأمة والولاة (حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة) أي مقتدى لهم (وشيعة لأهل الجهالة) أي تابعاً لأهل الجهل.

2) (وإنما ينبغي لأهل العصمة) الذين حفظهم اللّه وعصمهم عن اقتراف الآثام، والمراد الذين لا يعصونه سبحانه كالعدول (والمصنوع إليهم في السلامة) الذين صنع اللّه إليهم في أن يسلموا من الآثام والسيّئات (هو الغالب عليهم والحاجز لهم عنهم) أي المانع لأهل العصمة عن عيب أهل المعصية.

3) (فكيف بالعائب الذي عاب أخاه) لأنه يعصي (وعيره ببلواه) الذي ابتلي به من العصيان (مما هو أعظم من الذنب الذي عابه به) فإنَّ أهل الصلاح مهما كانوا أتقياء - إذا لم يكونوا معصومين - لا بد وأن قد ارتكبوا جرائم هي بالنسبة إليهم، أعظم من الجرائم التي يرتكبها الفساق بالنسبة إلى أنفسهم (وكيف يذمه بذنب قد ركب مثله) أي قد عمل مثل ذلك الذنب.

الْكَبِيرِ، وَعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ، لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ (1!)يَا عَبْدَ اللّه لا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ، فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَلا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ، فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ. فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبٍ نَفْسِهِ، وَلْيَكُنِ الشَّكْرُ شَاغِلاً لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ ممّا ابْتُلِيَ به غَيْرُه (2.)### وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ في النهي عن سماع الوقيعة وترتيب الأثر عليها، وفي الفرق بين الحق والباطل)أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وَسَدَادَ طَرِيقٍ، فَلا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ (3. أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي، وتُخْطِئُ السِّهَامُ، وَيُحِيلُ الْكَلامُ، وَبَاطِلُ ذلِكَ يَبُورُ، وَاللّه سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ (4). أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلاّ. أَرْبَعُ أَصَابِعَ.)قال : فسئل (عَلَيهِ السَّلَامُ، عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال:)


1) (لجراءته على عيب الناس أكبر) من عيوب الناس فهو إذا عاص له سبحانه بعيبه للناس.

2) (ولا تأمن على نفسك صغير معصية، فلعلك معذِّب عليه) إذ لا يعلم الإنسان مورد غضب اللّه تعالى، ولذا ورد لا تحقر شيئاً من المعاصي فلعل فيها غضب اللّه.

3) (وثيقة دين) أي أن له ديناً يوثقه ويقيده عن اقتراف الآثام والمعاصي (وسداد طريق) أي صحة طريقته وسيرته في الأمور (فلا يسمعن فيه أقاويل الرّجال) أي كلماتهم البذيئة فيه ورميه بالجرائم.

4) (أما إنه قد يرمي الرامي وتخطئ السهام) فكما أنه قد تخطئ السهام فلا تصيب الهدف كذلك قد يخطئ الكلام فلا يكون المرمي بالكلام السيئ مقترفاً لما رُمي به (ويحيل الكلام) أي يتغير عن وجه الحق (وباطل ذلك) الكلام أي المكذوب منه (يبور) أي يهلك ولا يثمر يعني أنه إذا كانت الوقيعة مكذوبة تهلك وتفسد بلا أن يضر المرمي شيئاً (واللّه سميع) للقذف (وشهيد) يشهد على ذلك وهذا كالتهديد لمن يرمي القول جزافاً.

الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ (1!)### وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ في مواضع المعروف)وَلَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ، مِنَ الْحَقِّ فِيمَا أَتَى إلا مَحْمَدَةُ اللَّئَامِ، وَثَنَاءُ الأَشْرَارِ، وَمَقَالَةُ الْجُهَّالِ، مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ : مَا أَجْوَدَ يَدَهُ وَهُوَ عَنْ ذَاتِ اللّه بَخِيل (2! !)فَمَنْ آتَاهُ اللّه مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ، وَلْيُحْسِنْ مِنْهُ الضَّيَافَةَ، وَلْيَفُكَّ بِهِ الأسِيرَ وَالْعَانِي، وَلْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ وَالْغَارِمَ، وَلْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَالنَّوَائِبِ، ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ، فَإِنَّ فَوْزاً بِهِذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، وَدَرْكُ فَضَائِلِ الآخِرَةِ، إنْ شَاءَ اللّه (3.)### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في الاستسقاء)أَلا وَإِنَّ الأَرْضَ الَّتِي تُقِلُّكُمْ، وَالسَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ، مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ، وَمَا


1) (أما إنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع) [فسئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن معنى قوله هذا؟] [فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال]: (الباطل أن تقول سمعت والحق أن تقول رأيت) والمراد بذلك أن مسموعات الإنسان يختلط فيها الحق بالباطل، فمن الباطل أن يحكم الإنسان بكل شيء سمعه، وذلك بخلاف ما يراه الإنسان فإنَّه حق لا شبهة فيه.

2) (إلا محمدة اللئام) فإنّ اللئام هم الذين يحمدون عمله (وثناء الأشرار) فإنَّهم يثنون عليه ويمدحونه (ومقالة الجهّال) فإنَّ الجهال يقولون فيه القول الحسن (ما دام منعماً عليهم) فإنَّ الثناء منهم له ما دامت نعمته قائلين (ما أجود يده) أو أنها جملة مستأنفة، أى أنه جواد (و) لكن (هو عن ذات اللّه) أي البذل في سبيله وحسب أوامره (بخيل) لا يبذل شيئاً.

3) (مالاً فليصل به القرابة) بأن يبذل على ذوي قرباه (وليحسن منه الضيافة) بأن يضيف الناس ضيافة حسنة، لا أن يضيف الأثرياء وأهل المعصية أو ما أشبه (وليفك به الأسير) في أيدي الظالمين، يفديه بماله ليخلصه من شرهم (والعاني) الذي عناه وقصده بحاجته (الفقير والغارم) أي المديون في غير معصية اللّه سبحانه (وليصبر نفسه على الحقوق) أي وحقوق اللّه للناس عليه، بأدائها إليهم كالخمس والزكاة والصدقات (والنوائب) جمع نائبة وهي المصيبة.

أَصْبَحَنَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجعاً لَكُمْ، وَلا زُلْفَةً إِلَيْكُمْ، وَلا لِخَيْرٍ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ أُمِرَنَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَنَا، وَأُقِيمَنَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَتَا (1. إِنَّ اللّه يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَإِخْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكَّرٌ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ (2). وَقَدْ جَعَلَ اللّه سُبْحَانَهُ الاِسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ. الرِّزْقِ وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينٍ) (3). فَرَحِمَ اللّه امْرِءاً اسْتَقْبَلَ. تَوْبَتَهُ، وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ، وَبَادَرَ مَنيَّتَهُ (4)! اللّهمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الأسْتَارِ وَالأكْنَانِ وَبَعْدَ عَجِيجِ الْبَهَائِمِ وَالْوِلْدَانِ، رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ، وَرَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ، وَخَالِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَنِقْمَتِكَ (5). اللّهمَّ فَاسْقِنَا غَيْتَكَ)


1) (التي تقلكم) أي تحملكم (والسماء التي تظلّكم) تشبيه للسماء بالسقف الذي يظل الإنسان من الحر والبرد (وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما) من المطر والنبات وما أشبه (توجعاً لكم) أي تألماً لفقركم، كما يتألم الإنسان لإنسان فقير (ولا زلفة إليكم) أي لأجل أنهما تريدان الاقتراب والتحبب إليكم.

2) (إن اللّه يبتلي عباده عند الأعمال السيئة) أي إذا عملوا السيئات (بنقص الثمرات) فتحمل الأشجار ثماراً أقل ممّا كانت تحمل سابقاً (وحبس البركات) جمع بركة وهي النمو والزيادة فنتاج الحيوان والأرض وما أشبه يكون أقل (وإغلاق خزائن الخيرات) فالخير الذي كان يأتي سابقاً، من الإنسان لأخيه، أو من السماء أو من الأرض، تغلق أبوابه (ليتوب تائب) فإنَّ التأديب موجب لليقظة والتوبة (ويقلع مقلع) أي ينتهي عن الشيء من أراد الانتهاء (ويتذكر متذكر) أي من له قابلية التذكر والإنزجار بواسطة التأديب (ويزدجر مزدجر) أي ينزجر عن المعصية من أراد الإنزجار.

3) سورة نوح، الآيات: 10 - 12.

4) (وقد جعل اللّه سبحانه الاستغفار سبباً لدرور الرزق) أي درّه ونزوله كدر الحليب (ورحمة الخلق) عطف على [درور] (فرحم اللّه امرءاً استقبل توبته) كما يستقبل الإنسان أصدقائه وأقربائه، والمراد تاب في مستقبل عمره وجهله (واستقال خطيئته) أي طلب منه سبحانه أن يقيله ويغفر ذنبه كأنه لم يذنب (وبادر منيته) أي الموت بأن عمل قبل أن يموت.

5) (اللّهم إنا خرجنا إليك) في الصحراء - على ما يقتضي العادة من كون الاستسقاء في الصحراء - (من تحت الأستار) كالمخدرات اللاتي خرجن من تحت الستر (والأكنان) جمع كن، وهو البيت (وبعد عجيج البهائم والولدان) أي صوتها من العطش.

وَلا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، وَلا تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ، (وَلا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1). اللّهمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ، حِينَ أَلْجَأَتْنَا الْمَضَايِقُ الْوَعْرَةُ وَأَجَاءَتْنَا الْمَقَاحِطُ الْمُجْدِبَةُ، وَأَعْيَتْنَا المَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَةُ، وَتَلاحَمَتْ عَلَيْنَا الْفِتَنُ الْمُسْتَصْعِبَةُ (2). اللّهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ لا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، وَلَا تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ.)وَلا تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا، وَلا تُقَايِسَنَا بِأَعْمَالِنَا. اللّهمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ وَبَرَكَتكَ، وَرِزْقَكَ وَرَحْمَتَكَ، وَاسْقِنَا سُقْيَا نَافِعَةً مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً، تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ، وَتُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ، نَافِعَةَ الْحَيَا كَثِيرَةَ الْمُجْتَنَى، تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ، وَتُسِيلُ الْبُطْنَانَ، وَتَسْتَوْرِقُ الأَشْجَارَ، وَتُرْخِصُ الأَسْعَارَ، (إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ (3).)


1) (غيثك) أي المطر النازل من عندك (ولا تجعلنا من القانطين) أي الآيسين من رحمة اللّه (ولا تهلكنا بالسنين) جمع سنة بمعنى القحط والجدب (ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا) من المعاصي، فإنَّ العاصي سفيه وإن ظهر في كمال العقل.

2) (اللّهمّ إنّا خرجنا إليك) أي خروجنا لنطلب لطفك وإحسانك، فإنَّه سبحانه منزّه عن المكان (حين الجاتنا المضايق الوعرة) جمع مضيق وهو المحل الضيق الذي يصعب للإنسان الكون فيه، والوعرة بمعنى الخشنة الشديدة، يقال أرض وعرة أي غير مستوية (وأجاءتنا) بمعنى جاءت بنا (المقاحط) جمع مقحط، بمعنى القحط (المجدبة) من أجدب مقابل أخصب (وأعيتنا) أي أعجزتنا (المطالب المتعسّرة) أي مطالبنا التي تعسرت علينا (وتلاحمت) أي اجتمعت حتى صارت وصلة كاللحم (علينا الفتن المستصعبة) فإنَّ القحط يوجب الفتنة لإشاعته للرعب والفوضى.

3) (ولا تقلبنا) أي لا ترجعنا إلى أهلنا (واجمين) الواجم هو الحزين الكاسف البال الذي أسكته الحزن عن التكلم (ولا تخاطبنا بذنوبنا) بأن تسمينا عندك مذنبين فلا ترضى (ولا تقايسنا بأعمالنا) أي لا تجعل فعلك بنا مناسباً لأعمالنا (اللّهم انشر علينا غيثك) الغيث المطر (وبركتك) أي نماء في الثمر وما أشبه (ورزقك ورحمتك) الرحمة أعم من الرزق (واسقنا سقيا) أي مطراً (نافعة الحيا) أي المطر والخصب (كثيرة المجتنى) أي الثمر الذي يجتنى ويقتطف (تروي بها القيعان) جمع قاع وهي الأرض السهلة (وتسيل البطنان) جمع بطن، وهو المنخفض من الأرض (وتستورق الأشجار) أي تخرج ورقها (وترخص الأسعار) فإنّ الرزق إذا كثر رخص وذهب الغلاء.

## الجزء الثالث### إشارة:

### وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس)#### إشارة:ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَمَوَاتٍ وَسَاكِن وَذِي حَرَكَاتٍ ؛ فأَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ البَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ، وَعَظِيمٍ قُدْرَتِهِ، مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةٌ بهِ، وَمُسَلَّمَةٌ لَهُ (1، وَنَعَقَتْ فِي أَسْمَاعِنَا دَلَائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَمَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الأَطْبَارِ الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الأَرْضِ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا وَرَوَاسِيَ أَعْلَامِهَا، مِنْ ذَوات أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَام التَّسْخِيرِ وَمُرَفُرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوّ الْمُنْفَسِحِ، وَالْفَضَاءِ الْمُنْفَرِج (2).)كَوَّنَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ، وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ، وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي السَّمَاءِ خُفُوفاً، وَجَعَلَهُ يَدِفُّ


1) (ابتدعهم) أي المخلوقات (خلقاً عجيباً) يثير تعجب الإنسان (من حيوان وموات) الذي لا روح فيه (وساكن) كالجبال وما أشبه (وذي حركات) حيواناً كان أو إنساناً أو غيرهما كالشمس والقمر والرياح وما أشبه (من شواهد البيِّنات) أي الأدلة الشاهدة (على لطيف صنعته) أي دقيقها (وعظيم قدرته) فإنَّ الأشياء الدقيقة تحتاج إلى قدرة فائقة (ما انقادت له العقول معترفة به) أي خضعت العقول معترفة باللّه سبحانه.

2) (ونعقت) أي صاحت (وما نرأ) أي ما خلق (الأطيار) جمع طير (التي أسكنها أخاديد الأرض) جمع أخدود، وهو الشّق الكائن في الأرض (وخروق) جمع خرق، وهو الشّق (فجاجها) الفج: الطريق وجمعه فجاج (ورواسي أعلامها) جمع راسية، بمعنى: الشامخة والمرتفعة، والأعلام جمع علم، بمعنى الجبل (من ذوات أجنحة) جمع جناح (مختلفة) في الشكل والكيفية (وهيئات متباينة) غير متشابهة (مصرَّفة) أي يصرفها اللّه سبحانه (في زمام التسخير) فإنَّها لا تعمل إلا كما قدّر اللّه سبحانه، وهياً لها من الأسباب والأجهزة (ومرفرفة بأجنحتها) أي باسطة جناحها (في مخارق الجوّ) جمع مخرق، وهو الواسع من المكان، والجو الفضاء (المنفسح) أي الواسع (والفضاء المنفرج) أي ذو الفرجة، وهي مقابلة للمنسد.

دَفِيفاً (1. وَنَسَقَهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي الأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ، وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ، فَمِنْهَا مَغْمُوسُ في قَالَب لَوْن لَا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا عُمِسَ فِيهِ؛ وَمِنْهَا مَغْمُوس فِي لَوْن صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلَافِ مَا صُبغَ بِهِ (2).)وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُوسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَم تَعْدِيلٍ، وَنَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ، وَذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ (3. إِذَا دَرَجَ إِلَى الأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ، وَسَمَا بِهِ مُطِلاً عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِي عَنَجَهُ نُوتيُّه (4). يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ، وَيَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ يُفْضِي كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ، وَيَؤُرُّ بِمُلاقَحَةٍ أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ فى الضَّرَاب (5). أُحِيلُكَ مِنْ ذلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ، لَا كَمَنْ يُحِيلُ)


1) (وركبها في حقاق مفاصل) حقاق جمع [حق] وهو مجتمع المفصلين، ومفاصل جمع مفصل، وهو محل اتصال عظمين (محتجبة) أي مخفية عن الأنظار فإنّ الإنسان لا يرى داخل بدن الطَّير، الذي هو محلّ المفاصل والعظام (بعبالة) هي الضخامة وامتلاء الجسد (خفوفاً) أي سرعة وخفة (وجعله يدف دفيفا) بأن يحرّك جناحيه حتّى يتمكن من الطّيران، والدفيف مقابل الصفيف، وهو بسط الجناحين في حال الطيران.

2) (ونسقها) أي رتبها (على اختلافها في الأصابيغ) جمع أصباغ، وهو جمع صبغ بمعنى اللون (مغموس) قد غمس وأدخل (في قالب لون) واحد، كأنّ اللّون كان قالباً للطائر بلا زيادة ونقصان، ولذا كان له لون واحد فقط (لا يشوبه غير لون ما غمس فيه) كالغراب الأسود وما أشبه (ومنها مغموس في لون صبغ) أي ما يصبغ به (قد طوّق بخلاف ما صبغ به) كالحمام المطوق، حيث إنّ حول عنقه لون غير لون سائر جسمه.

3) (الذي أقامه في أحكم تعديل) أي عدالة الجسم واللون فلا اعوجاج في جسمه، ولا بشاعة في لونه (ونضَّد) أي رتب (بجناح أشرج قصبه) أي داخل بين آحاد أعمدة الجناح، فقد شبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعمدة الجناح بالقصب والإشراج جعل بعض الأجزاء داخلاً في بعض بشكل منظم (وذنب أطال مسحبه) أي طول الذنب حتّى أنّه يسحب على الأرض.

4) (إذا درج) أي تحرك الذكر من الطاووس (إلى الأنثى نشره) أي نشر ذنبه (من طيه) أي من حالة جمعه (وسما به) أي ارتفع بذنبه، بمعنى رفعه (مطلاً) أى مشرفاً (على رأسه) كأنه يظلله (كانه قلع) هو شراع السفينة (داري) منسوب إلى (دارين) وهو بلد يصنع فيه الشراع (عنجه) أي جذبه فرفعه (نُوتيه) أي ربان السفينة.

5) (يختال) أي يتكبر (ويميس بزيفانه) أي يتبختر بحركات ذنبه يميناً وشمالاً، فإنَّ الزيفان: الحركة بتكبر (يفضي) إلى أنثاه، أي يقترب منها لقضاء حاجته (ويؤر) أي يأتي أُنثاه (بملاقحة) أي إفراز مادة منوية فيها (أرّ الفحول) أي مثل ملاقحة الفحل لأنثاه (المغتلمة) من اغتلم إذا غلبت شهوته، وهذا لبيان شدة شبقه بأنثاه (في الضراب) هو بمعنى لقاح الفحل لأنثاه.

عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ (1. وَلَوْ كَانَ كَزَعْم مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ، فَتَقِفُ فِي ضَفَّتَيْ جُفُونِهِ، وَأَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذلِكَ، ثُمَّ نَبِيضُ لَا مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ، لَمَا كَانَ ذلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ (2)! تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِي مِنْ فِضَّةٍ، وَمَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبٍ دَارَاتِهِ وَشُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ، وَفِلَذَ الزَّبَرْجَدِ (3). فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الأَرْضُ قُلْتَ : جَنِيٌّ جُنِيَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعٍ (4). وَإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ، أَوْ مونِقِ عَصْبِ الْيَمَنِ، وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ، قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ (5). يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِحِ الْمُخْتَالِ، وَيَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَجَنَاحَيْهِ،)


1) (على معاينة) بأن تذهب وتعاين حاله بعينيك (لا كمن يحيل على ضعيف إسناده) ممّا لا دليل له، إسناد ضعيف، بل له أمر خارجي واضح يتمكن كل أحد أن يراه بأم عينيه.

2) (ولو كان كزعم من يزعم أنه يلقح بدمعة تسفحها) أي تصبها (مدامعه) أي عيونه جمع مدمع وهو محل الدمع (فتقف في ضفتي) أي جانبي (جفونه) جمع جفن، وهو غلاف العين (وأن أنثاه تطعم ذلك) أي تشربه (المنبجس) أي المتفجر (لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة (الغراب) أي لو صح ذلك الزعم في الطاووس لكان له مثال، حيث زعم جمع آخر، أن الغراب أيضاً لا سفاد له، وإنما تشرب الأنثى من ماء اجتمع في قانصة الذكر، [ومطاعمة]، بمعنى الشرب، فإنَّ هذه المادة تستعمل في الشرب كما تستعمل في الأكل.

3) (تخال) أي تظن أيها الناظر (قصبه) جمع قصبة، وهي عمود الريش (مداري) جمع [مدرى] وهو ما يصنع من حديد أو خشب على شكل المشط (وما أنبت) من الريش (عليها) أي على القصب (من عجيب داراته وشموسه) أي استدارته العجيبة المماثلة لاستدارة الشمس (خالص العقيان) هو الذهب الخالص (وفلذ) جمع فلذة بمعنى القطعة (الزبرجد) الأخضر، والتشبيه بهما لأن ريشه أحمر وأخضر في لوني الذهب الخالص والزبرجد الأخضر.

4) (فإن شبهته بما أنبتت الأرض) أي بالأعشاب (قلت جَنى) أي مجتنى (جني) أي اقتطف.

5) (وإن ضاهيته) أي شبهته (فهو كموشي الحلل) أي المنقوش من الحلة، وهي البزة أي الثوب (أو مونق) أي جميل (عصب اليمن) وهو ضرب من البرود المنقوشة التي تصنع في اليمن (وإن شاكلته) أي شبهت الريش (بالحلي) وهي الحلية التي تلبسها المرأة للزينة (فهو كفصوص) جمع فص، وهو ما يركب في الخاتم من زبرجد والماس ودرّ وما أشبه ذات ألوان لكل فص لون (قد نُطْقت) أي شدّت (باللجين) أي الفضة (المكلل) أي المزين بالجواهر، فإنَّ القصب يشد بعض تلك الفصوص ببعض، والقصب شبيه بالفضة في بياضها، فالقصب مكلل بالفصوص، والفصوص شدت بالقصب.

فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ، وَأَصابِيغِ وِشَاحِهِ(1فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقًا مُعْوِلاً بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ، وَيَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ، لأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْسٌ كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الخِلَاسِيَّةِ. وَقَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ، وَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مَوَشَاةٌ (2). وَمَخْرَجُ عُنُقِهِ كَالإِبْرِيقِ، وَمَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيِّةِ، أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْأَةٌ ذَاتَ صِقَالٍ، وَكَأَنَّهُ مُتَلَفِّعُ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ، إِلا أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ، وَشِدَّةِ بَرِيقِهِ، أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ (3). وَمَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطْ كَمُسْتَدَقِّ القَلَمِ فِي لَوْنِ الأَقْحُوَانِ. أَبْيَضُ يَقَقِّ، فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ. وَقَلَّ صِبْعٌ إِلا)


1) (يمشي مشي المرح) أي المعجب بنفسه (المختال) أي المتكبر في مشيته (ويتصفّح) أي يتفقد وينظر بالرقة (ذنبه وجناحيه فيقهقه ضاحكاً) تشبيه لصوته بالقهقهة (لجمال) سرباله) أي لباسه (وأصابيغ) أي ألوان (وشاحه) حزام يجعل فيه اللؤلؤ ونحوه فتلبسه المرأة من عاتقها إلى كشحها.

2) (فإذا رمى ببصره إلى قوائمه) جمع قائمة، بمعنى الرجل (زقا) أي صاح في دهشة (معولاً) الإعوال: رفع الصوت بالبكاء (بصوت يكاد يبين) أي يظهر (عن استغاثته) أي طلبه أن يغاث من قبح رجله (ويشهد بصادق توجعه) أي تألّمه الصادق لما في رجله من قبح (لأنّ قوائمه حمش) جمع أحمش أي دقيق (كقوائم الدّيكة) جمع ديك (الخلاسية) المنسوبة إلى خلاس وهي المتولدة بين هندية وفارسية، فإنَّها أقبح رجلاً من الديكة العادية (وقد نجمت) أي ظهرت وخرجت (من ظنبوب) هو عظم حرف الساق (ساقه) أي ساق الطاووس (صِيصِية) هي الإصبع الطالعة في رجل الديك ونحوه ممّا لا تلامس الأرض (خفية) ليست بالطويلة وله في موضع العرف ريش الرقبة، وعرف الفرس شعر أطراف عنقه (قنزعة) هي الخصلة من الشعر ونحوه (مُوشّاة) أي منقوشة ملونة.

3) (ومخرج عنقه كالإبريق) في الهيئة والشكل (ومغرزها) أي الموضع الذي غرز فيه العنق كأنه شيء دخل في جسم الطاووس، وهو المحل بين العنق والبطن ولذا قال: (إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية) في اللون، وهو نبات النيل الذي منه صبغ النيلج، واليمانية من أفخر اقسامها (أو كحريرة) سوداء (ملبسة مرآة ذات صقال) أي ذات جلاء، فكما يبرق مثل ذلك الحرير، كذلك يبرق هذا الموضع من عنق الطاووس (وكأنه متلفّع) من تلفع وهو أن يدير الإنسان شيئاً فوق رأسه ورقبته (بمعجر) ما تديره المرأة حول رأسها ورقبتها (أسحم) أي أسود (إلا أنّه ُيخيَّلُ لكثرة مائه) أي ماء ذلك اللون الأسود، والمراد بريقه الشبيه ببريق الماء، ولذا فسره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله: (وشدَّة بريقه) أي لمعانه (أنّ الخضرة الناضرة) أي الزاهية (ممتزجة به) أي بذلك السواد، فليس السواد قاتماً وإنما ناضراً ظريفاً.

وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ، وَعَلَاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وَبَرِيقِهِ، وَبَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَرَوْنَقِهِ(1، فَهُوَ كَالأَزَاهِيرِ الْمَبْثُونَةِ، لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ، وَلَا شُمُوسُ قَيْظ. وَقَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشه، ويَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ، فَيَسْقُطُ تَتْرَى، وَيَنْبُتُ تِبَاعاً، فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الأَغْصَانِ، ثُمَّ يَتَلَاحَقُ نَامِياً (2)حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ، لَا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ، وَلَا يَقَعُ لَوْنُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ! وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةٌ وَرْدِيَّةٌ، وَتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً، وَأَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً، فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذا عَمَائِقُ الْفِطَنِ، أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ العُقُولِ، أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَضَفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ (3)!)


1) (ومع فتق) أي شق (سمعه) أي أذنه (خط) أبيض (كمستدق القلم) أي القلم الدقيق الذي يخط خطاً دقيقاً (في لون الأقحوان) هو البابونج، أبيض يُشبّه به الثغر لبياضه (أبيض يقق) أي شديد البياض (فهو ببياضه في سواد ما هنالك) أي: مع السواد حول رقبة الطاووس (يأتلق) أي يلمع (وقل صبغ) أي لون (إلا وقد أخذ منه بقسط) أي بنصيب وهذا كناية عن اشتمال لون الطاووس على معظم الأشكال المتعارفة الأولوية لا كلها، كما هو واضح، فقد أحصوا أن الألوان تنوف على ثلاثمائة ألف لون (وعلاه) أي ارتفع لون الطاووس على تلك الأصباغ في الكيفية، فلونه أزهى من الألوان الموجودة في غيره وذلك (بكثرة صقاله) أي جلاء ألوانه (وبريقه) أي لمعانه (وبصيص ديباجه) أي ضياء ريشه فقد استعير البصيص - وهو أول النور الذي يبتدىء ضئيلاً - لبريقه، واستعير الديباج - وهو الحرير لريشه (ورونقه) أي رونق لون الطاووس.

2) (فهو) أي لون ريشه (كالأزاهير) جمع أزهار، وأزهار جمع زهرة (المبثوثة) أي المنتشرة في الصحراء (لم تربها) أي ما ربّت تلك الألوان الموجودة في الطاووس (أمطار ربيع) بخلاف الأزهار فإنَّها تربية أمطار الربيع (ولا شموس قيظ) أي الحرّ، والإتيان بشموس - جمع شمس باعتبار أن لكل يوم شمساً، أو المراد بها إشراقات الشمس، فإنَّ الأزهار تنظر وتزدهر بسبب الحر المصقل لألوانها (وقد ينحسر من ريشه) أي ينكشف بسقوط جميع ريشه (تترى) أي تباعاً، حيث يسقط بعض الريش عقب بعض (وينبت تباعاً) أي متتاليا، بل يفصل زمان طويل (فينحت) أي يسقط الريش (من قصبه) هي الأعمدة الريشية التي تربط الريش بجسم الطاووس (انحتات) أي مثل سقوط (أوراق الأغصان) حيث يبقى الغصن ويسقط الورق (ثم يتلاحق نامياً) ينمو الريش في المكان الذي سقط بتلاحق وتوالي.

3) (لا يخالف سالف ألوانه) أي الوانه السالفة (وإذا تصفحت) أي نظرت بدقة (شعرةً من شعرات قصبه) أي النابتة على قصب جسمه (حمرةً ورديّةٌ) أي كالورد (خضرةٌ زبر جديّة) أي كالزبرجد في الصفاء (صفرةً عسجديّة) أي ذهبية (عمائق الفطن) جمع عميقة، وفطن جمع فطنة، بمعنى الإدراك الحاد (أو تبلغه قرائح العقول) جمع قريحة بمعنى العقل المقترح الذي ينبع منه الفكر (أو) تستنظم وصفه) أي تتمكن من نظم وصفه (أقوال الواصفين) فإنَّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يصف منه إلا شيئاً قليلاً كما لا يخفى.

وَأَقَلُ أجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ، وَالْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ! فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ العُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلاهُ لِلْعُبُونِ، فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً، وَمُؤَلَّفاً (1مُلَوَّناً ؛ وَأَعْجَزَ الأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ، وَقَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نعته !)وَسُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الزَّرَّةِ وَالْهَمَجَةِ إِلى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ وَالفِيَلَةِ! وَوَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لا يَضْطَربَ شَبَحٌ ممّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ، إِلا وَجَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهُ (2، وَالْفَنَاءَ غَايَتَهُ.)#### منها في صفة الجنة:فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا، وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا (3، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا في كُثبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا، وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُوِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِهَا، وَطُلُوع تلكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةٌ فِى خُلُفٍ أَكْمَامِهَا، تُحْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتي عَلَى مُنْيَةٍ مُجْتَنِيهَا، وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَقْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالأَعْسَالِ المُصَفَّقَةِ، وَالْخُمُورِ)


1) (فسبحان الذي بهر العقول) أي قهرها فردّها عن المعرفة والإدراك (جلاه للعيون) أي كشفه لها (فأدركته محدوداً) بحدود الكيف والكم (مكوّناً) مخلوقاً (ومؤلّفاً) من أجزاء.

2) (وسبحان من أدمج قوائم الذُّرَّة) القوائم الأرجل، والإدماج: جعلها في جسدها، والذرة النمل (والهمجة) جمع همج وهو ذباب صغير (إلى ما فوقها) أي خذ هذين الحيوانين الصغيرين ثم تدرج إلى الأكبر ثم الأكبر من الحيوانات (ووأى) أي الزم سبحانه على نفسه بأن قدّر تعالى (أن لا يضطرب) أي يتحرك (شبح) أي جسم من الأجسام الحية (مما أولج فيه الروح) أي أدخل فيه الروح (إلا وجعل الحمام موعده) أي الموت.

3) (فلو رميت ببصر قلبك) بأن فكرت وأمعنت (لعزفت) أي كرهت وأعرضت (نفسك عن بدائع ما أخرج إلى الدنيا من شهواتها ولذاتها) فإنَّ الإنسان إذا رأى الشيء الأحسن كره الشيء الحسن وأعرض عنه طلباً لذلك الأحسن، وهذا هو نسبة لذات الدنيا إلى لذات الآخرة (وزخارف مناظرها) جمع زخرف بمعنى الزينة.

الْمُرَوَّقَةِ (1. قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ، وَأَمِنُوا نُقْلَةَ الأَسْفَارِ. فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ المُونِقَةِ، لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا، وَلَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هذا إِلى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ القُبُورِ اسْتِعْجَالاً بِهَا. جَعَلَنَا اللّه وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ سَعَى بِقَلْبِهِ إِلى مَنَازِلِ الأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ (2).)[ تفسير بعض ما في هذه الخطبة من الغريب]قال السيد الشريف رضي اللّه عنه : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ [ويؤر بملاقحة] الأر: كناية عن النكاح، يقال أرَّ الرجل المرأة يؤرها أي نكحها، وقوله : [ كأنه قلع داري عنجه نوتيه] القلع شراع السفينة وداري منسوب إلى [دارين] وهي بلدة على البحر،)


1) (ولذهلت) أي اندهشت (بالفكر في اصطفاق أشجار) أي تضارب أوراقها بسبب النسيم (غيبت عروقها) أي عروق تلك الأشجار في كثبان المسك جمع كثيب وهو التل، فإنَّ طين الجنة، هو المسك في تعليق كبائس) جمع كباسة (اللؤلؤ) أي الخصل المكبوسة من اللؤلؤ (الرطب) وهو أجود أنواع اللؤلؤ: وسمي رطباً لبقايا الماء فيه الموجبة للنضارة والبهجة (في عساليجها) جمع عسلوج، بمعنى الغصن (وأفنانها) جمع فنن وهو الغصن أيضاً، أو نوع آخر منه (وطلوع تلك الثمار) أي ظهور اللؤلؤ كالثمرة (مختلفة) كبراً وصغراً، أو المراد بتلك الثمار، الثمار المعهودة، أي الفواكه المختلفة (في غلف) جمع غلاف (أكمامها) جمع كم، وهو وعاء الطلح والنَّوْر، ممّا يستر الثمر به حفظاً له (تحنى) أي تعطف وتنحني - لمن أراد تناول تلك الثمار (فتأتي) تلك الأغصان، أو الثمار (على منية مجتنيها) أي من يريد اقتطافها وأخذها (على نزالها) أي نزال الجنة الذين جاؤوا إليها ونزلوا فيها (في أفنية قصورها) جمع (فناء) بمعنى الساحة الواسعة أمام القصر، أو داخله (بالأعسال) جمع عسل (المصفقة) أي المصفات (والخمور المروّقة) أي المجعولة في [الراووق] وهو إناء خاص يزيد الخمر صفاءً واجتذاباً لشاربها.

2) (حتى حلّوا دار القرار) أي الجنّة التي يستقر فيها الإنسان، وتمادي الكرامة، كناية عن أهليتهم لكونهم [ولداناً] هناك، فإنَّ اللّه أكرمهم بجعلهم هناك (وأمنوا) نقلة الأسفار) أي الانتقال من محل إلى محل فإنَّهم لم ينتقلوا من الأرض إلى البشرية، ومن هذه الحياة إلى البرزخ، ومن هناك إلى المحشر، ومن هناك إلى الجنّة - كما ينتقل الإنسان - (ما يهجم عليك) أي يأتي نحوك (من تلك المناظر) جمع منظر (المونقة) المعجبة (لزهقت نفسك) أي طارت وخرجت من البدن (ولتحملت) أي حملت نفسك (إلى مجاورة أهل القبور) وهذا كناية عن الموت (استعجالاً بها) أي طلباً لسرعة الوصول إلى تلك النعم العجيبة.

يجلب منها الطيب، وعنجه أي عطفه، يقال : عنجت الناقة، كنصرت، أعنجها عنجاً، إذا عطفتها، والنوتي الملاح، وقوله : [ ضفتي جفونه] أراد جانبي جفونه، والضفتان : الجانبان وقوله : [وفلذ الزبر جد] الفلذ : جمع فلذة، وهي القطعة، وقوله : [كبائس اللؤلؤ الرطب] الكباسة : العذق و[العساليج]: الغصون، واحدها عسلوج.### وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في الحث على التالف)لِيَتَأَسَ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ، وَلْيَرْأَفَ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ؛ وَلَا تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّة : لا في الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ، وَلَا عَنِ اللّه يَعْقِلُونَ؛ كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً، وَيُخْرِجُ حَضَانُهَا شَرّاً (1.)منها : افْتَرَقُوا بَعْدَ الْفَتِهِمْ، وَتَشَتَتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ. فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ. عَلَى أَنَّ اللّه تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ، كَمَا تَجْتَمِعُ فَزَعُ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللّه بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ؛ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَتَيْنِ، حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ، وَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ، وَلَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُ طَوْدٍ، وَلَا حِدَابُ أَرْضِ (2. يُزَعْزِعُهُمُ)


1) (ليتأس) أي ليقتدي (ولا تكونوا كجفاة الجاهلية) جمع جاف، من جفا يجفو، وهو الغليظ الظالم (ولا عن اللّه يعقلون) أي يأخذون الشريعة والمنهج، إنهم (كقيض بيض) القيض هي: القشرة العليا اليابسة على البيضة (في أداح) جمع أُدْحِيَّ وهو مبيض النعام في الرمل، تدحوه برجلها لتبيض فيه (يكون كسرها وزراً) وإثماً، أو المراد كسر بيض القطا مطلقاً وزر، وإن لم يك الإنسان محرماً لأنه أذًى للحيوان وهو مكروه في الشريعة (ويخرج حضانها) حضن البيض وإبقاؤه (شراً) وهذا مثال للإنسان الذي له صورة إنسانية، وباطن مليء بالشرور، فإنَّ في كل من إبقائه وإهلاكه احتمال الخطأ فإذا أهلكه الوالي احتمل الإثم، بسبب عدم كونه ذا شر - وإن أبقاه احتمل أن تخرج منه شرور وآثام توجب إفساد الناس وإهلاكهم.

2) (منها): في أحوال بني أمية (افترقوا) أي المسلمون (بعد الفتهم) في ظاهر الإسلام (وتشتتوا عن أصلهم) أي القاعدة الأولية في الإسلام من الائتلاف (فمنهم أخذ بغصن) من أغصان الإيمان، والمراد به الموالي لهم (أنَّ اللّه تعالى سيجمعهم) أي المسلمين (لشر يوم لبني أمية) قيل ذلك إشارة إلى اجتماع المسلمين لمحاربة بني أمية في زمن [مروان الحمار] حيث نزعوا الملك عنهم ثم استبد به بنو العباس (كما تجتمع قزع الخريف) هي القطع المتفرقة من السحاب وتخصيص الأمر بالخريف، لأن التراكم في سحاب الخريف أكثر (يؤلّف اللّه بينهم) أي بين المسلمين (ثم يجعلهم ركاما) هو المتراكم بعضه على بعض (كركام السحاب) الذي يجتمع بعضه على بعض (ثم يفتح لهم أبوابا) أي يهيّئ لهم وسائل الانقضاض على دولة بني أمية (يسيلون من مستثارهم) أي موضع انبعاثهم ثائرين ولعل المراد بذلك الموضع [خراسان] حيث ثارت الثائرة من هناك بقيادة أبي مسلم الخراساني (كسيل الجنتين) وهو سيل العرم، المذكور في القرآن الحكيم وقد كان سيلا شديدا لم يبق لهم شيئاً إلا القليل القليل (حيث لم تسلم عليه) أي على السيل (قارة) أي المستقر من الأرض المنبسطة، أو المراد عين قارة، ذات قرار، فإنَّ السيل يكتسح كل شيء أمامه (ولم تثبت عليه أكمة) هي المرتفع من الأرض (ولم يرد سننه) أي جري السيل (رص طود) الطود الجبل، والرص تلاصق بعض الأطواد ببعض (ولا حداب أرض) جمع حدب بالتحريك، وهو ما غلظ من الأرض وارتفع.

اللّه فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ، ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ، يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْم، وَيُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْم. وأيْمُ اللّه، لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُو وَالتَّمْكِينِ، كَمَا تَذُوبُ الأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ (1.)أَيُّهَا النَّاسُ، لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ، لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ، لَمْ يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ، وَلَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ، لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِي اسْرَائِيلَ (2. وَلَعَمْرِي، لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ النّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ)


1) (يزعزعهم اللّه) أي يقلعهم ويفرقهم (في بطون أوديته) أي مسالك الاختفاء في الأرض، فكل واحد منهم يفر إلى مجهلة من الأرض (ثم يسلكهم ينابيع في الأرض) يتسربون في باطن الأرض اختفاء من سلطات بني العباس، كما يختفي الماء ويتسرب في باطن الأرض، ويحتمل أن يكون الضمير في [يزعزعهم] و[يسلكهم] إلى مناوئ آل أمية، أي أنهم يختفون في أول أمرهم، ويجرون من هنا وهناك باختفاء كالينابيع حتى يظهروا ويثوروا ضد الأمويين (يأخذ بهم) أي بسبب هؤلاء الثائرين (من قوم) وهم بنو أمية (حقوق قوم) وهم الهاشميون فقد أكثروا في آل أمية من القتل وإراقة الدماء في قضايا معروفة (ويمكن لقوم) وهم بنو العباس (في ديار قوم) وهم آل أمية (وأيم اللّه) حلف به سبحانه (ليذوبن) أي يضمحلن، كما يذوب الجليد (ما في أيديهم) أي أيدي الأمويين من الملك والسلطة (بعد العلو والتمكين) على السلطة (كما تذوب الألية) هي الشحمة التي في ذيل الغنم (على النّار) حتى لا يبقى منها شيء يذكر - وقد كان كما أخبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) -.

2) (ولم تهنوا) من الوهن بمعنى الضعف (عن توهين الباطل) أي تضعيفه وتحطيمه (لم يطمع فيكم من ليس مثلكم) في الدين والإيمان، أي الكفّار والمنافقين (لكنكم تهتم) أي تحيرتم في الأمر لا تسيرون في الطريق الصحيح (متاه بني اسرائيل) أي مثل تيه بني اسرائيل الذين ضلوا في الصحراء، فبقوا أربعين سنة في التيه، لأنهم خالفوا أمر اللّه سبحانه في دخول الأرض المقدسة، وإخراج الكفار منها.

وراء ظهوركم، وقطعتم الأدنى ووصلتم الأبعد. واعلموا أنكم إن اتبعتم الداعي لكم سلك بكم منهاج الرسول، وكفيتم مؤونة الاعتساف ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق.### ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في أول خلافته)إن اللّه تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر. فخذوا نهج الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا الفرائض الفرائض، أدوها إلى اللّه تؤدكم إلى الجنة. إن اللّه حرم حراما غير مجهول، وأحل حلالا بالاخلاص غير مدخول، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد. فالمسلم من سلم المسلمون من والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها السانه ويده إلا بالحق. ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب. بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم وهو الموت فإن الناس أمامكم، وان تم اضافة النص المفقود من الكتاب الأصلي.

السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ (1.)اتَّقُوا اللّه فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ. أَطِيعُوا اللّه وَلَا تَعْصُوهُ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرِّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ (2.)### وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ بعدما بويع بالخلافة)وقد قال له قوم من الصحابة لو عاقبت قوماً ممن أجلب على عثمان؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)يَا إِخْوَتَاهُ! إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ، وَلكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ وَالْقَوْمُ المُجْلَبُونَ عَلَى حَدٌ شَوْكَتِهِم يَمْلِكُونَنَا وَلَا نَمْلِكُهُمْ! وهَا هُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَانُكُمْ، والتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ، وَهُمْ خِلَالَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاؤُوا ؛ وَهَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْءٍ تُرِيدُونَهُ! إِنَّ هَذَا الأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ، وَإِنَّ لِهؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَادَّةٌ (3. إِنَّ النَّاسَ مِنْ هذا الأمْرِ - إِذَا حُرِّكَ - عَلَى أُمُورٍ : فِرْقَةٌ)


1) (بادروا) أي أسرعوا في (أمر العامة) أي عامة ذوات الأرواح، والمراد بالمبادرة لذلك الأمر الاستعداد له (وخاصة أحدكم) أي أن ذلك الأمر العام يخص كل واحد منكم (وهو الموت) فإنَّه عام لكل ذي روح، وخاص لكل إنسان، فاعملوا له - وهو معنى المبادرة - (فإن الناس) الذين ذهبوا إلى الآخرة (أمامكم) ساروا في هذا المسير (وإن الساعة تحدوكم من خلفكم) أي تزجركم للإسراع نحوها، والمراد بالساعة يوم القيامة، وتحدوكم كناية عن سرعة فناء الدنيا (تخفّفوا) عن الآثام، ولا تثقلوا كواهلكم بالمعاصي (تلحقوا) بالرجال الصالحين الذين سبقوا إلى الجنّات (فإنّما ينتظر بأولكم) الذي مات (آخركم) الذي لم يمت بعد، يعني أن النّاس إنّما ينتقلون إلى المحشر إذا مات الكل، فمنع من تقدم عن الحضور في المحشر إنّما هو لأجل أن يلحق بهم الباقون، فيحشر جميعهم في وقت واحد.

2) (اتَّقوا اللّه) أي خافوه (في عباده) فلا تفعلوا بهم شرًا ممّا نهى اللّه عنه (وبلاده) فلا تفسدوا فيها (فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع) جمع بقعة، كيف كنتم بها هل عمر تموها أم خربتموها ؟ (والبهائم)، هل قمتم بواجبهم من النفقة والسكن وكفّ الأذى عنهم (فأعرضوا عنه) أي اتركوه.

3) (يا إخوتاه إنّي لست أجهل ما تعلمون) بمن أجلب وماذا يستحقون (والقوم المجلبون) الذين أجلبوا على عثمان (على حدّ شوكتهم) أي قوّتهم السابقة (يملكوننا ولا نملكهم) فإنّ أزمة الأمور بأيديهم، وهم مرموقون عند المسلمين ممّا لا يمكن التعرض لهم بأذى (وها هم هؤلاء) طلحة والزبير وعائشة وعبد اللّه ومحمّد (قد ثارت معهم عبدانكم) جمع عبد، فإن كثيراً من عبيد المسلمين أخذوا ينصرون الجمل تخلصاً من مواليهم (والتفت إليهم أعرابكم) أهل البوادي طمعاً في الغزو والغنيمة (وهم خلالكم) أي في ثناياكم وما بينكم (يسومونكم ما شاؤوا) من العذاب، من سامه خسفاً إذا أذلة وأذاه (وهل ترون موضعاً لقدرة على شيء تريدونه) ؟ وهو معاقبة المجلبين على عثمان والاستفهام للإنكار (إن هذا الأمر) أي تحرك الثائرين ضدّي (أمر جاهلية) فكما أنّ الجهل والطّمع كانا يقودان النّاس في زمن الجاهلية إلى الحركة والغزو، كذلك حركا هؤلاء العصاة ضدي، ممّا لا أقدر معه من التأديب - لو كان اللازم التأديب فرضا - (وإنّ لهؤلاء القوم) العصاة (مادة) أي عوناً ومددا من طلاب الرياسة كمعاوية ومن إليه.

تَرَى مَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَفِرْقَةٌ لَا تَرَى هذَا وَلَا ذَاكَ، فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأُ النَّاسُ، وَتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا، وَتُؤخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةً (1، فَاهْدَؤُوا عَنِّي، وَانْظُرُوا مَاذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي، وَلَا تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً، وَتُسْقِط مُنَّةٌ، وَتُورِثُ وَهْناً وَذِلَّةٌ. وَسَأُمْسِكُ الأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ. وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ الدَّواءِ الْكَىُّ (2).)### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة)إِنَّ اللّه بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَأَمْرٍ قَائم، لَا يَهْلِكُ عَنْهُ إِلا هَالِكٌ. وَإِنَّ المُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ الْمُهْلِكَاتُ إِلا مَا حَفِظَ اللّه


1) (إنّ النّاس من هذا الأمر) أي أمر المعاقبة لقتلة عثمان (إذا حرّك) بأن أردنا الشروع فيه (على أمور) أي اقسام فرقة ترى ما ترون من لزوم معاقبة قتلة عثمان (وفرقة ترى ما لا ترون) الثائرون ومن اليهم ممّن كان يرى عثمان واجب القتل لبدعه وضلالاته (وفرقة لا ترى وهم هذا ولا ذاك) وإنّما هو حياد في الأمر، لا يخصه أمر الفتنة إطلاقاً (فاصبروا حتى يهدأ الناس) أي يسكنوا من فورتهم (وتقع القلوب مواقعها) الصحيحة بأن تأخذ التروي والتدبر، لا العواطف الجائشة والميول الوقتية التي ترافق الثورات دائماً (وتؤخذ الحقوق مسمحة) فكأن الحقوق جادت بنفسها عليهم فأخذوها من أسمح إذا جاد.

2) (فاهدؤوا عنّي) ولا تكلفوني ما ليس لي، ولا ظرف يقتضيه (وانظروا ماذا يأتيكم به أمري) أي بماذا يأتي إليكم من أوامري (ولا تفعلوا فعلة تضعضع قوة) أي تحركها وتضعفها بانشقاق جديد واختلاف بين الناس (وتسقط منة) المنة بمعنى القدرة (وتورث وهنا) أي ضعفا (وذلّة) لكم، لأنّ الضعيف لا بد وأن يذل (وسأمسك الأمر) أي اخذه على علامة (ما استمسك) بنفسه، أي لا أشتت المسلمين، ما داموا متماسكين، لا فرقة بينهم (وإذا لم أجد بُدا) أي علاجاً، للطامعين كطلحة والزبير (فآخر الدواء الكي) أي أقاتلهم إن بقوا يفسدون ويحرضون ويفرقون. وهذا مثال يضرب للمريض الذي لا يبرأ، فإنّ آخر العلاج الكي بالنار - ممّا هو معروف -.

مِنْهَا (1. وَإِنَّ فِي سُلْطَانِ اللّه عِصْمَةٌ لأَمْرِكُمْ، فَأعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَلَا مُسْتَكْرَه بِهَا. وَاللّه لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللّه عَنْكُمْ سُلْطَانَ الإسلام، ثُمَّ لَا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبدَاً حَتَّى يَأْرِزَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ (2).)إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَمَالَؤُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتي، وَسَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ : فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هذا الرَّأْيِ انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ (3، وَإِنَّمَا طَلَبُوا هذه الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللّه عَلَيْهِ، فَأَرَادُوا رَدَّ الأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا. وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللّه تَعَالَى وَسِيرَةِ رَسُولِ اللّه – (صلى اللّه عليه وآله وسَلَّمْ) - وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ، وَالْنَّعْشُ (4)لِسُنَّتِهِ.)


1) (بكتاب ناطق) أي مع كتاب ينطق بما هو الحق (وأمر قائم) أي منهاج لجوانب الحياة قائم في الناس، للإصلاح (إلا هالك) أي من في طبعه اعوجاج وتسميته هالكاً مجاز بالمشارفة، نحو من قتل قتيلا (وإن المبتدعات) أي الأشياء الجديدة التي نهى عنها الإسلام ثم عمل بها النّاس (المشبهات) بالدين وليست منه (هنّ المهلكات) أي الموجبات للهلكة (إلا ما حفظ اللّه منها) استثناء منقطع، إلّا ما حفظ اللّه الإنسان منها، فلا تكون سبباً لهلاك الإنسان المحفوظ.

2) (وإنّ في سلطان اللّه) أي في منهاجه، أو في السلطة التي جعلها للأئمة ونوابهم (عصمة لأمركم) فإنَّها تحفظكم من الزّلة والانحراف (فأعطوه طاعتكم) أي أطيعوه (غير ملومة) أي طاعة لا تلام بسبب كونها مشوبة بالنفاق وما أشبه (ولا مستكره بها) بأن تكون الطاعة عن خوف ورجاء، لا عن كره وإجبار من النّاس وملاحظة لهم (واللّه لتفعلن) الذي قلت من الطاعة الخالصة النابعة من الإيمان (أو لينقلنّ اللّه عنكم سلطان الإسلام) إلى الأجانب، كما نرى الآن أن لا سلطة للمسلمين وإنّما السّلطة للكفّار (حتى يأرز الأمر) أي يرجع الأمر (إلى غيركم) المراد عدم الرجوع ما داموا تاركين للإسلام.

3) (إنّ هؤلاء) يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ): أصحاب الجمل (قد تمالؤوا) أي اتفقوا وتعاونوا (على سخطة إمارتي) أي كراهتها وعدم الرضا بها (وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم) أي جماعة المسلمين أن تتفرق بسبب فسادهم وإفسادهم (فيالة هذا الرّأي) أي على ضعفه، والمراد بهذا الرأي، رأيهم حول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (انقطع نظام المسلمين) ممّا يوجب التفرقة، وهي منهية، بالإضافة إلى أن ذلك دفع لحق ذي الحق، الذي هو الخلافة الإلهية المقررة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

4) (وإنما طلبوا) هؤلاء طلحة والزبير وعائشة وأتباعهم (هذه الدنيا حسداً لمن أفاءها اللّه عليه) أي أرجعها اللّه عليه وهو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّ الدنيا كانت له - حسب الخلافة الشرعية - وسلبها عنه الثلاثة، ثم رجعت إليه (فأرادوا ردّ الأمور على أدبارها) أي إرجاع أمر الإسلام جاهلية تتحكم فيه الكبرياء والحسد وطمع السلطة (ولكم علينا) يقصد (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخليفة (والقيام بحقه) أي حق الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو الجد لترويج الإسلام، وتركيز دعائمه (والنّعش) أي الرفع، من نعشه إذا رفعه.

### وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ في وجوب اتباع الحق عند قيام الحجة)كلّم به بعض العرب - وهو كليب الجرمي - وقد أرسله قوم من أهل البصرة لما قرب (عَلَيهِ السَّلَامُ منها ليعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم، فبين له (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أمره معهم ما علم به أنه على الحق، ثم قال له بايع فقال : إني رسول قوم، ولا أحدث حدثاً حتى أرجع إليهم. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):)أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ، فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرْتَهُمْ عِنِ الْكَلإِ وَالْمَاءِ، فَخَالَفُوا إلى الْمَعَاطِشِ وَالْمَجَادِبِ (1، مَا كُنْتَ صَانِعاً؟ قَالَ : كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَمُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلإِ وَالْمَاءِ. فَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): فَامْدُدْ إِذا يَدَكَ. فَقَالَ الرجُلُ : فَوَاللّه مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى (2)، فَبَايَعْتُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ).)### وَمِنْ كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ لما عزم على لقاء القوم بصفين وهو دعاء ودعوة لأصحابه على القتال)اللّهمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، وَالْجَوِّ الْمَكْفُوفِ الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمَجْرى لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَمُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ (3وَجَعَلْتَ)


1) (أرأيت) أي أخبرني (لو أن الذين وراءك بعثوك رائداً) الرائد هو الذي يتقدم القافلة ليرتاد لهم المكان ذا العشب والماء والقابل للسكنى (تبتغي لهم مساقط الغيث) جمع مسقط، أي محل سقوط الأمطار وهو كناية عن المحل الموجود فيه الماء (الكلا) أي العشب (فخالفوا) لم يذهبوا إلى المحل الذي رأيت بل ذهبوا (إلى المعاطش) المحلات الخالية عن الماء الموجبة للعطش، جمع معطش، وهو محل العطش (والمجادب) جمع مجدب وهو محل الجدب، مقابل الخصب الذي لا كلاً فيه.

2) (فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فامدد إذاً يدك) لتبايعني لأنك عرفت أن الحق معي (فقال الرجل فواللّه ما استطعت أن أمتنع) عن بيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) (عند قيام الحجّة عليّ) بأنه على الحق، وأعداءه على الباطل.

3) (السقف المرفوع) المراد به السّماء (والجوّ) المكفوف) الذي كفّ عن الأرض فلا يسقط عليها، والمراد عدم سقوط أجرام الجو (الذي جعلته مغيضاً لليل والنهار) والجو منبع الضياء والظلام والمغيض مشتق من غاض الماء إذا ذهب في الأرض واختفى، فكأن النور والظلمة يتسربان في الجو في كل ليل ونهار (ومجرى للشَّمس والقمر) فإنّ الفضاء محل لجريان الشمس والقمر وسيرهما (ومختلفا) أي محل اختلاف والاختلاف بمعنى التردد ذهابا وإيابا (للنجوم السيارة) التي تسير في الفلك، كزحل والمشتري وعطارد.

سُكَانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلَائِكَتِكَ، لَا يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ (1؛ وَرَبَّ هذهِ الأَرْضِ الَّتي جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلأَنَامِ، وَمَدْرَجاً لِلْهَوَامَ وَالأَنْعَامِ، وَمَا لَا يُحْصَى ممّا يُرَى ومما لا يُرى؛ وَرَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي التي جَعَلَتَهَا لِلأَرْضِ أَوْتَاداً، وَلِلْخَلْقِ اعْتِمَاداً (2)، إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ؛ وَإِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا (3)فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ، وَاعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ.)- الدعوة للقتال -أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذَّمَارِ، وَالْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ الْعَارُ وَرَاءَكُمْ وَالْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ (4!)


1) (سبطا) أي جماعة، فإنَّ السّبط بمعنى الأمة (لا يسأمون من عبادتك) سأم بمعنى مل.

2) (قراراً للأنام) أي مقرّاً لهم، فإنَّه لولا الجانبية لم تستقر الأشياء على الأرض (ومدرجا) أي محل درج وحركة (للهوام) جمع هامة وهي الحيوانات الصغيرة كالفارة والحيّة وما أشبه (والأنعام) جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم (وَرَبِّ الجبال الرواسي) الثابتة على الأرض (التي جعلتها للأرض أوتاداً) أي كالوتد الذي يحفظ الألواح بعضها ببعض (وللخلق اعتماداً) فإنَّ الإنسان يعتمد بالجبل لدى الخوف من العدو أو السيل أو ما أشبه.

3) (إن أظهرتنا على عدوّنا) أي جعلت النصر لنا (فجنبنا البغي) أي الظلم، فإنَّ العسكر الظافر غالباً يظلم المغلوبين (وإن أظهرتهم علينا) بأن غُلِبُنا وكان النّصر لهم.

4) (أين المانع للذَّمار) الذمار ما يلزم على الإنسان حفظه من أهل وعشيرة وما أشبه، وهذا استفهام بمعنى التحريض، فإنَّهم إن انهزموا صارت عشيرتهم وأهلهم مطمعاً للأعداء (والغائر) من غار على زوجته أو أهله أن يمسهم أحد بسوء (عند نزول الحقائق) أي النوازل الثابتة، فإنَّها حقيقة لا مجاز، وتطلق على الحرب كما قال علي الأكبر (عَلَيهِ السَّلَامُ): الحرب قد بانت لها حقائق (من أهل الحفاظ) بيان للمانع والغائر، أي الذين لهم حفظ لأهلهم وكرامتهم (العار ورائكم) إن تقاعستم حتى هزمتم فإن عار الهزيمة يبقى على الإنسان إلى الأبد (والجنّة أمامكم) فإنَّ قتلتم كان مصيركم الجنة، فلا تشتروا العار، ولا تبيعوا الجنة بالضعف والانهزام.

### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ يذكر فيها قصة الشورى، وأصحاب الجمل)الْحَمْدُ للّه الَّذِي لَا تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءُ سَمَاءً، وَلَا أَرْضُ أَرْضاً (1.)منها : وَقَالَ قَائِلٌ: إِنَّكَ عَلَى هَذَا الأَمْرِ يَا بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ ؛ فَقُلْتُ : بَلْ أنتم وَاللّه لأَحْرَصُ وَأَبْعَدُ، وَأَنَا أَخَصُّ وَأَقْرَبُ (2، وَإِنَّمَا طَلَبتُ حَقّاً لي وَأَنْتُم تَحُولُونَ بيني وَبَيْنَهُ، وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ، فَلَمَّا فَرَّعْتُهُ بِالْحُجَّةِ (3)في الْمَلإ الْحَاضِرِينَ هَبَّ لَا يَدْرِي مَا يُجِيبُني بِهِ!)- الاستنصار على قريش -اللّهمَ إِنِّي أَسْتَعِينُكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَمَنْ أَعَانَهُمْ! فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَصَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَني أَمْراً هُوَ لِي.ثُمَّ قَالُوا: أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَفِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ (4.)


1) (الحمد للّه الذي لا تواري عنه سماء سماء) أي لا تسبب الأجرام السماوية عدم مشاهدته سبحانه لاجرام أُخر، فإنَّه لا يحجب حاجب شيئا، كما يحجب عندنا (ولا أرض أرضاً) فالأرض الوسط لا تحجب الأرض البعيدة، فإنَّ رؤيته سبحانه عامة لكل شيء.

2) (وقال قائل : إنك على هذا الأمر يابن أبي طالب لحريص) أي أمر الخلافة، وقد كان القائل سعد بن أبي وقاص (فقلت بل أنتم واللّه لأحرص) منّي (وأبعد) عن هذا الأمر (وأنا أخص) بهذا الأمر لأنه لي بنص الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وأقرب) الى الرّسول منكم، أو أقرب إلى هذا الأمر.

3) (وإنّما طلبت حقا لي) فإنّ الخلافة كانت حق الإمام بنص اللّه والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه) كناية عن منعهم له (عَلَيهِ السَّلَامُ)من الوصول إلى حقه (فلما قرعته بالحجة) أي قرعت القائل وأصل القرع الضرب بالعصي للتأديب.

4) (إِنِّي أستعينك) أي أطلب عونك ونصرتك (فإنّهم قطعوا رحمي) فإنّ من مصاديق قطع الرحم الحيلولة بين الإنسان وبين حقه الشرعي (وصغروا عظيم منزلتي) فإنَّ منزلة الخلافة الموهوبة للإمام من اللّه لم يأبهوا بها، بل جعلوا الإمام كأحدهم (وأجمعوا على منازعتي أمرا) أي المنازعة معي في أمر (هو لي) والمراد بذلك الأمر الخلافة ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه أي هذا الأمر فإنَّهم كانوا معترفين بفضل الإمام (وفي الحق أن تتركه) قالوا هذا بعد أن اتفقوا على عثمان، وقالوا ذلك قبل الاتفاق على عثمان، فقد أرادوا بيعة الإمام بشرط أن يقبل العمل بسيرة الشيخين، لكن الإمام لما أبى ردوه على عثمان، وقالوا مقالتهم الثانية، وفي بعض النسخ [نأخذه] بالنون، فالجملتان في مفاد واحد، أي أن الحق أخذنا للخلافة وتركك لها، وعلى أي حال فكلامهم أعم من عملهم إجراما.

منها في ذكر أصحاب الجمل:فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللّه - صلى اللّه عليه وآله - كَمَا تُجَرُّ الأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا، مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إلى الْبَصْرَةِ، فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهما، وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللّه – (صلى اله عليه وآله (1)- لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا، فِي جَيْشِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ، وسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ، طَائِعاً غَيْرَ مُكْرهِ، فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلي بِهَا وَخزَّان بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَتَلُوا طَائِفَةٌ صَبْراً، وَطَائِفَةٌ غَدْراً (2).)فَوَاللّه لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلا رَجُلاً وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ، بِلَا جُرْم جَرَّهُ، لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ، إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا، وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَلَا يدٍ. دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ (3!)### وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ وفيها ذكر المستحق للخلافة، وبيان هوان الدنيا)أَمِينُ وَحْيِهِ، وَخَاتَمُ رُسُلِهِ، وَبَشِيرُ رَحْمَتِهِ، وَنَذِيرُ نِقْمَتِهِ.أَيُّهَا النَّاسِ، إِنَّ أحقَّ النَّاسِ بِهذَا الأَمْرِ أقواهم عَلَيْهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللّه


1) (حرمة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) أي عائشة (كما تجرّ الأمة عند شرائها) فإنَّ الأمة تجر بلا احترام (فحبسا) أي طلحة والزبير (نساء هما في بيوتهما) احتراماً منهما لنسائهما، (وأبرزا) أي أظهرا في الملأ (حبيس رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)) أي عائشة التي كانت محبوسة، لا يجوز لأحد أن يقربها احتراماً للرّسول.

2) (وسمح لي بالبيعة) السماح هو الإعطاء عن نية صادقة (فقدموا على عاملي بها) أي بالبصرة وهو عثمان بن حنيف (وخزان بيت مال المسلمين) أي الحفظة لبيت المال (فقتلوا طائفة صبراً) هو القتل في غير ميدان القتال، بأن يحبس الشخص ثم يجرح في دفعات حتى يقتل، وقد يطلق على مطلق من يجرح دفعات لأنه ليس قتلا دفعيا (وطائفة غدراً) بأن أعطوهم الأمان ثم قتلوهم.

3) (معتمدين لقتله) أي قاصدين قتله، بأن لم يكن خطاً أو شبه خطأ (دع ما أنهم) [ما] زائدة لتزيين الكلام (قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها) أي بتلك العدة (عليهم) أي أن قتلهم مسلماً واحداً يبيح لي قتل جميعهم، فكيف إذا قتلوا كثيراً بقدر الجيش الذي جاؤوا لقتلهم؟

فيه. فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبُ اسْتُعْتِبَ (1، فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ. وَلَعَمْرِي، لَئِنْ كَانَتِ الإِمَامَةُ لَا تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ، فَمَا إِلَى ذلِكَ سَبِيلٌ، وَلَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ، وَلَا لِلغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ أَلَا وَإِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْن : رَجُلاً ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ (2).)أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللّه فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ، وَخَيْرُ عَوَاقِبِ الأُمُورِ عِنْدَ اللّه، وَقَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَلَا يَحْمِلُ هذَا الْعَلَمَ إِلا أَهْلُ الْبَصَرِ وَالصَّبْرِ وَالْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الْحَقِّ (3، فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ، وَقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ؛ وَلَا تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا، فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً (4))


1) (أمين وحيه) لا يزيد ولا ينقص ممّا يوحى إليه (وبشير رحمته) أي أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (يبشر برحمة اللّه لمن وحيه) آمن وأطاع (ونذير نقمته) أي أنه لا ينذر بالنقمة والعذاب لمن كفر أو عصى (إن أحق الناس بهذا الأمر) أي الخلافة (أقواهم عليه) أي أقوى الناس في إدارة الشؤون الإسلامية (وأعلمهم بأمر اللّه) أي أن يكون أعلم الناس بأوامر اللّه ونواهيه في باب هذا الأمر الذي هو إدارة شؤون المسلمين (فإن شغب شاغب) بعد ذلك، بأن كان الوالي متصفاً بما يلزم فيه، ثم يهيج الفساد أحد (استعتب) أي طلب منه الرضا بالحق.

2) (ولعمري) أي اقسم بنفسي (لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس) أي جميع المسلمين (فما إلى ذلك سبيل) إذ كيف يمكن حضور عامة المسلمين والإدلاء برأيهم (أهلها) أي أهل الإمامة، وهم الذين بيدهم الحل والعقد من المسلمين المحتفين بالخليفة (يحكمون على من غاب عنها) بمعنى أنهم إذا حكموا ثبت حكمهم على الغائبين (ثم ليس للشاهد) الحاضر (أن يرجع) عما اختاره (ولا للغائب أن يختار) غير ما اختارته أهل الحل والعقد (ألا) فلينتبه السامع (وأني أقاتل رجلين) أي أحد طائفتين (رجلا ادعى ما ليس له) كمعاوية الذي يدعي الخلافة (وآخر منع الذي عليه) كطلحة والزبير الذين منعا الطاعة التي هي عليهما بعد مبايعتهما للإمام.

3) (والعلم بمواضع الحق) حتى يعلم أنه يجب جهاد المخالف للحق، وإن كان في الظاهر لابساً ثوب الحق.

4) (حتى تتبينوا) أي تحصلوا العلم بصواب ذلك الأمر (فإنّ لنا مع كل أمر تنكرونه) وترون لزوم حربه (غيراً) أي تغيرا، فلربما اقتضت المصلحة عدم قتاله أو عدم قتله، كما لم يقتل الإمام مروان ومن إليه ممن أثاروا الفتن واستحقوا القتل لمصالح كان هو (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعلم بها، وقوله: [فإن] لبيان علة لزوم اطاعتهم للإمام في كل صغير أو كبير.

هوان الدنيا :أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَتَرْغَبُونَ فِيهَا، وَأَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَتُرْضِيكُمْ، لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ، وَلَا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ وَلَا الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ. أَلَا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَلَا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا ؛ وَهِيَ وَإِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا. فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا، وَأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا ؛ وَسَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا، وَانْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا، وَلَا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الأَمَةِ عَلى مَا زُوِيَ عَنْهُ (1مِنْهَا، وَاسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللّه، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ. أَلَا وَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةً دِينِكُمْ(2). ألَا وَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُكُم بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْءٌ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ. أَخَذَ اللّه بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ !)### وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ في شأن طلحة بن عبيد اللّه)وقد قاله حين بلغه خروج طلحة والزبير إلى البصرة لقتالهقَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلَا أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ (3؛ وَأَنَا عَلَى مَا قَدْ)


1) (وأصبحت تغضبكم) مرة لعدم حصول حاجاتكم ورغباتكم (وترضيكم) مرة بإعطائكم ما تحتاجون (وهي وإن غرتكم منها) أي من نفسها، بإظهارها الزينة وتحبيبها نفسها إليكم (فقد حذرتكم شرّها) باراءتكم مصارع الناس ومختلف صنوف البلاء فيها (وأطماعها) أي الاطماع فيها (لتخويفها) أي تخويف الدنيا لكم عن البلايا (وسابقوا فيها) بالأعمال الصالحة (إلى الدار التي دعيتم إليها) وهي الآخرة (وانصرفوا بقلوبكم عنها) أي أخرجوا قلوبكم عن الدنيا، حتّى لا تحبّوها ولا تتعلّقوا بها (ولا يخنَّنَّ) الخنين ضرب من البكاء يردد به الصوت في الأنف (خنين الأمة) ذكر الأمة لأنّ خنينها أكثر وأشدّ توجعاً، حيث اجتمعت فيها أنواع المذلة (على ما زوي) أي بعد (عنه) الضمير عائد إلى [أحدكم].

2) (واستتموا نعمة اللّه عليكم) أي اطلبوا تمام النعم، بأن يتفضل سبحانه بأنعم زائدة (على ما استحفظكم) أي طلب منكم حفظه (بعد حفظكم قائمة دينكم) أي الأحكام القائمة التي يجب العمل بها.

3) (قد كنت وما أهدّد بالحرب) لما يعلمه النّاس من شجاعتي وقوتي (ولا أرهب بالضرب) إذ علم النّاس عدم خوفي من الضّرب.

وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ. واللّه مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدِمِ عُثْمَانَ إِلَّا خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ، لأَنَّهُ مَظنَّتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ أَحْرَصَ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيَلْبِسَ [لِيَلْتَبِسَ - خ] الأَمْرُ (1وَيَقَعَ الشَّكُ. وَوَاللّه مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدةً مِنْ ثَلَاثٍ (2): لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً - كَمَا كَانَ يَزْعُمُ - لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَازِرَ قَاتِلِيهِ، أَو يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ. وَلَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِينَ عَنْهُ، وَالْمُعَذِّرِينَ فِيهِ(3). وَلَئِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ، لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ وَيَرْكُدَ جَانِباً، وَيَدَعَ النَّاسَ مَعَهُ، فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةٌ مِنَ الثَّلَاثِ، وَجَاءَ بِأَمْرِ لَمْ يُعْرَف بَابُهُ، وَلَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ (4).)### وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في الوعظ والإرشاد)أَيُّهَا الْغَافِلونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَالتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ. ما لي أَرَاكُمْ


1) (واللّه ما استعجل) طلحة (متجرّدا للطّلب بدم عثمان) كأنه سيف تجرد عن غمده، وذلك لأنه أظهر ما في قلبه، كما يظهر الغمد ما في جوفه من السيف (إلا خوفا من أن يطالب بدمه) أي يطلبه الناس بدم عثمان، وإنّه لم قتله ؟ (لأنّه مظنته) أي محل ظن بأن يطالب (ولم يكن في القوم أحرص عليه) أي على دم عثمان وإراقته (فأراد أن يغالط) أي يوقع الناس في الغلط، حتّى يظنوا أنه بريء من دم عثمان (بما أجلب فيه) أي بسبب جلبه للجيوش والعساكر لمحاربة الإمام (ليلبس الأمر) على النّاس، فيشكوا في أنه من القتلة.

2) (وواللّه ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث) كان من اللازم أن يصنع واحدة منها، أي لم يصنع أحد الأشياء الثلاثة، وذلك لأنه إما كان عالماً بأن عثمان ظالم، وإما كان عالماً بأن عثمان مظلوم، وإما كان شاكاً في أمر عثمان، فإنَّ كان الأول، كان اللازم أن يحاربه، وإن كان الثاني كان اللازم أن ينصره، وإن كان الثالث كان اللازم أن يتجنب المعركة الدّائرة بين عثمان وبين الثوار.

3) (لقد كان ينبغي له أن يوازر) أي يساعد (قاتليه) أي الثوار (أو ينابذ ناصريه) أي يعادي ويعارض من ينصر عثمان (له أن يكون من المنهنهين عنه) أي الناهين عنه (والمعذرين فيه) أي الذين يعذرون عثمان ويبررون للعالم ليخمدوا الثورة عليه.

4) (أن يعتزله ويركد جانباً) أي يسكن في جانب، لا له ولا عليه، (ويدع الناس معه) لا أن يحرضهم عليه (وجاء بأمر لم يعرف بابه) وهو التحريض، والاجتناب عن المداخلة مباشرة، أو المراد نكثه للبيعة (ولم تسلم معاذيره) أي كانت أعذاره واهية غير سالمة عن الخطل والخلل.

عَنِ اللّه ذَاهِبِينَ، وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ! كَأَنَّكُمْ نَعَمُ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعَى وَبِيِّ، وَمَشْرَبٍ دَوِيٍّ (1، إِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى لَا تَعْرِفُ مَاذَا يُرَادُ بِهَا ! إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا، وَشِبَعَهَا أَمْرَهَا (2). وَاللّه لَوْ شِئْتُ أَنْ أَخْبرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلِجِهِ وَجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ، ولكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فيَّ بِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (3).)أَلَا وَإِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذلِكَ مِنْهُ. وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، واصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلقِ، مَا أنْطِقُ إلا صادقاً، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذلِكَ كُلِّهِ، وَبِمَهْلِكَ مَنْ يَهْلِكُ، وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو، وَمَالِ هَذَا الأَمْرِ، وَمَا أبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ وَأَفْضَى بِهِ إِلَيَّ (4.)


1) (غير المغفول عنهم) فإنَّ اللّه سبحانه يعلم جميع حركات الإنسان وسكناته، (والتاركون) الذي يجب عليهم (المأخوذ منهم) الدنيا وما فيها، فلا يبقى لهم - بعد الأخذ - مجال للعمل وتدارك ما فات (كأنكم نعم) هي الإبل والبقر والغنم، والجمع [أنعام] (أراح بها) أي ذهب بها (سائم) أي راع (وبي) الرّديء الذي يجلب الوباء والمرض (ومشرب) أي محل شرب الماء (دوي) أي وبيل مفسد للصحة، ووجه الشبه أن الشيطان سبب اقتراف الناس للآثام ممّا يجلب الأخطار والعقاب.

2) (إنّما هي كالمعلوفة) أي البهيمة التي تأكل العلف (للمُدَى) جمع مدية، وهي: السكين (إذا أحسن إليها) بتهيئة العلف والماء ووسائل راحتها (تحسب يومها دهرها) فإنَّها متى شبعت ظنت أن لا شيء بعد ذلك، وكذلك الناس الغافلون يهمهم أمر يومهم، أما المستقبل فلا يفكروا فيه (وشبعها أمرها) أي أنّ الأمر المهم فقط، هو أن تشبع.

3) (بمخرجه ومواجه) من أين يخرج، وفي أي مكان يدخل (ولكن أخاف) أن لو أخبرتكم بالمغيبات (أن تكفروا في برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) فتجعلوني أفضل منه.

4) (ألا وإني مُفضيه) أي موصل الأخبار المغيبة (إلى الخاصة) وهم خاصة الرجل الذين لهم من العلم والمعرفة قدر كاف (ممن يؤمن ذلك منه) الإنحراف (واصطفاه على الخلق) فضله عليهم (وقد عهد) الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (إلي بذلك) الذي أخبركم (كلّه) فالفضل في ذلك للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ولا يظن ظان أني أفضل منه (وبمهلك من يهلك) في الفتن والاضطرابات والمراد إما الهلاك بمعنى الموت أو بمعنى الضلال (ومنجى من ينجو) [منجى] مصدر ميمي أي نجاته (ومآل هذا الأمر) أي إلى من يكون أمر الخلافة (وما أبقى شيئاً يمر على رأسي) أي يجول في خاطري من الأسئلة والمجهولات (إلا أفرغه في أذني) أي قال جوابه وحله لي (وأفضى به إليّ) والإفضاء الإيصال أما على نحو الكلية أو على نحو الجزئية.

أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَاللّه مَا أَحْثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا، وَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلا وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا.### وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ وفيها الوعظ والإرشاد، وبيان فضل القرآن)انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللّه، وَاتَّعِظُوا بِمَوَاعِظ اللّه، وَاقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللّه، فَإِنَّ اللّه قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، وَبَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا، لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ، وَتَجْتَنِبُوا هَذِهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم كَانَ يَقُولُ : [إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، وَإِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ ] (1).)وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللّه شَيْءٌ إِلا يَأْتِي فِي كُرْءٍ، وَمَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللّه شَيْءٌ إِلا يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ. فَرَحِمَ اللّه رَجُلاً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ، وَقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ هذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً، وَإِنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوًى (2.)وَاعْلَمُوا - عِبَادَ اللّه - أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلا وَنَفْسُهُ ظَنُون عِنْدَهُ، فَلَا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا وَمُسْتَزِيداً لَهَا. فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ،


1) (انتفعوا ببيان اللّه) الذي بينه في القرآن الحكيم (فإنّ اللّه قد أعذر إليكم بـ) الأعذار (الجلية) الواضحة (واتخذ عليكم الحجّة) بما بيّن لكم على لسان أنبيائه، حتى أن من خالف لا عذر له (وبين لكم محابه) أي ما يحبه (فإنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) كان يقول : (إن الجنة حقت بالمكاره) فإنَّ الطاعة ثقيلة على النفس، ومكروهة لديها، وهي طريق الجنة فكأن الجنّة محفوفة بها (وإن النار حفت بالشهوات) فإنَّ ترك الإنسان للواجب مشتهى للنفس كما أن فعله للمحرمات كذلك، وهي سبيل النار، فكأنها حقت وأحيطت بالشهوات.

2) (فرحم اللّه رجلاً نزع عن شهوته) أي انتهى وأقلع (وقمع هوى نفسه) أي قلع هواها واشتهاءها للمحرمات (فإن هذه النفس أبعد شيء منزعا) أي انتزاعاً من المحرمات والمعاصي، إذ النفس ميالة إلى الشهوات دائماً فنزعها عنها في كمال الصعوبة (وإنها لا تزال تنزع) أي تميل (إلى معصية في هوى) النفس وميولها.

والْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ. قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْويضَ الرَّاحِلَ، وَطَوَوْهَا طَيَّ الْمَنَازِل (1.)وَاعْلَمُوا أَنَّ هذا القُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذي لَا يَغُشُّ، وَالْهَادِي الَّذِي لَا يُضِلُّ، وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ. وَمَا جَالَسَ هذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ : زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانِ من عَمِّى (2. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ وَلَا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنِّى؛ فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لأوائِكُمْ (3)، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءٌ مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ: وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنّفَاق، وَالْغَىُّ وَالضَّلَالُ، فَاسْأَلُوا اللّه بِهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلَا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ (4)، إِنَّهُ مَا تَوَجَهَ الْعِبَادُ إِلى اللّه تَعَالَى بِمِثْلِهِ. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفّع، وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ، وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ القُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفْعَ فِيهِ، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : [أَلَا إِنَّ)


1) (لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون عنده) أي ضعيف قليل الحيلة، لا تتمكن نفسه من السيطرة عليه بسوقه نحو الشهوات، بل هو يسيطر على نفسه ليسوقها نحو الخيرات (فلا يزال) المؤمن (زاريا عليها) ينظر إليها بنظر الإزدراء والإهانة (ومستزيداً لها) أي طالباً منها أن تزيد في الطاعة (فكونوا كالسابقين قبلكم) من أصحاب الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذين كانوا يعملون ليل نهار في طاعة اللّه سبحانه (والماضين أمامكم) ممن باعوا اللّه سبحانه دنياهم ليحرزوا آخرتهم (قوّضوا) التقويض نزع أعمدة الخيمة وأطنابها للرحيل، والمراد منه هنا ارتحالهم عن الدنيا (وطووها طي المنازل) كما يطوي الراحل المنازل في الطريق ليصل إلى مقصده.

2) (وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان) المراد بمجالسة القرآن تذكره وفهمه (زيادة في هدى) إن قرأ ما يدل على الإتيان بالأعمال الصالحة (أو نقصان من عمى) إن قرأ ما يدل على الترك للأعمال القبيحة و [أو] على سبيل منع الخلو.

3) (ليس على أحد بعد القرآن من فاقة) أي فقر وحاجة إلى هادٍ غيره (ولا لأحد قبل القرآن من غنى) فإنّ الأديان السابقة التي حرفت العقول، لا تبين الأمور المذكورة بما يسبب سعادة الإنسان كاملة غير منقوصة (فاستشفوه) أي اطلبوا من القرآن الشفاء (من أدوائكم) أي أمراضكم الاجتماعية والفردية، الأخلاقية والعاطفية وما إليها (على لأوائكم) أي شدائدكم.

4) (فاسألوا اللّه به) حوائجكم أي بسبب القرآن بأن يجعل وسيلة لإنجاح مطالبكم لديه سبحانه (وتوجهوا إليه بحبّه) أي بحبكم للقرآن (ولا تسألوا به) أي بالقرآن (خلقه) كالذين يجعلون القرآن وسيلة للكسب والمعيشة.

كُلَّ حَارِثٍ (1مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ، غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ]. فَكُونُوا مِنْ حَرَثتِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَاسْتَدِلُوهُ عَلَى رَبِّكُمْ، وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ، وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ (2).)الْعَمَلَ الْعَمَلَ، ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ، وَالاسْتِقَامَةَ الاسْتِقَامَةَ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ! إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةٌ فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ، وَإِنَّ لِلإِسْلَامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلى غَايَتِهِ(3. وَاخْرُجُوا إِلَى اللّه بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ، وَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ. أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ، وَحَجِيجٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ (4).)


1) (شافع مشفع) يقبل اللّه شفاعته (وقائل) يحكي الأخبار، ويبين الأحكام (مصدق) يصدقه الناس في قوله، لأنه لا يحكي إلا الصدق والحق (وإنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه) فقد ورد في الأحاديث [أن القرآن يأتي يوم القيامة في صورة جميلة فيشفع للعاملين به] (ومن محل به القرآن يوم القيامة) يقال محل زيد بفلان إذا كاده بنقل سيئاته عند السلطان (صدق عليه) ومن المعلوم أن ذلك موجب للعقاب والنكال (ألّا إن كلَّ حارث) أي عامل عملا، تشبيها بالحارث الذي يحرث الزرع ويأخذ الثمر.

2) (واستدلوه على ربكم) أي اطلبوا منه أن يدلكم على اللّه (واستنصحوه) أي اطلبوا نصحه وإرشاده (واتهموا عليه آراءكم) فإذا خالفت آراؤكم مع القرآن فاتهموا آراءكم بأنها خطاً، وأن الصحيح هو القرآن (واستغشوا فيه أهواءكم) أي قولوا وإن في أهوائنا المخالفة للقرآن غش وخداع فاتركوها وخذوا بالقرآن.

3) (العمل العمل) أدأبوا عليه ليلاً ونهاراً (ثم النّهاية النّهاية) لاحظوا النهاية فربّ عامل لا يصل إلى النهاية الحسنة (والاستقامة الاستقامة) في الأعمال، فإنَّ الأعمال المنحرفة لا تنفع ولا تعطي الثمن الحسن (ثم الصبر الصّبر) فإنّ العمل المستمر المستقيم يحتاج إلى أكبر قدر من الصبر (والورع الورع) فإنَّ العمل المستمر المستقيم، لا ينفع إذا لم يتورع الإنسان عن المحرمات (فانتهوا إلى نهايتكم) أي انتهوا نهاية حسنةً (وإنّ لكم علما) يدلكم على طريق الحق وهو الرسول، أو الإمام، أو القرآن أو المجموع (وإنّ للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته) غاية الإسلام إيصال العاملين به إلى خير الدنيا، وسعادة الآخرة، والمراد من الانتهاء إلى غايته العمل المؤدي إلى تلك الغاية.

4) (واخرجوا إلى اللّه بما افترض عليكم من حقه) يقال خرج إلى فلان من حقه بمعنى أداه، وحق اللّه هو الواجبات والمحرمات (وبين لكم من وظائفه) الوظيفة: الخصلة التي أمر الإنسان بها أو نهي عنها (أنا شاهد لكم) بما عملتم (وحجيج يوم القيامة عنكم) أي أقوم بالحجة عن قبلكم إذا أحسنتم في الدنيا.

أَلَا وَإِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ، وَالْقَضَاءَ الْمَاضِي قَدْ تَوَرَّدَ؛ وَإِنِّي مُتَكَلّم بِعِدَةِ اللّه وَحُجَّتِهِ، قَالَ اللّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللّه ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلا تَخَافُوا، وَلَا تَحْزَنُوا (1، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (2)، وَقَدْ قُلْتُمْ [رَبُّنَا اللّ]ه، فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ، وَعَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ، ثُمَّ لَا تَمْرُقُوا مِنْهَا، وَلَا تَبْتَدِعُوا فِيهَا، وَلَا تُخَالِفُوا عَنْهَا. فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعُ بِهِمْ عِنْدَ اللّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ الأَخْلَاقِ وَتَصْرِيفَهَا، وَاجْعَلُوا اللَّسَانَ وَاحِداً، وَلْيَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ، فَإِنَّ هذَا اللَّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ (3). واللّه مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْتَزِنَ لَسَانَهُ. وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ)


1) (ألا وإن القدر السابق قد وقع) أي الذي قدره اللّه سبحانه من انتهاء الخلافة إلي (والقضاء الماضي قد تورّد) أي ورد شيئاً فشيئاً، والقدر بمعنى التقدير للأشياء والقضاء، بمعنى الحكم على إجراء شيء (وإنّي متكلم بعدة اللّه) أي بما وعده (وحجته) أي بما احتج، والمعنى: فإني أبين مواعيد اللّه سبحانه وأبين حججه تعالى في الأمور الأصولية والفرعية (قال اللّه تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّه ثُمَّ اسْتَقَامُوا) في أعمالهم بأن عملوا بمقتضى العبودية، ومتطلبات الربوبية (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ) أي يستمر نزول الملائكة عليهم، أما في الدنيا، وإنهم يرونهم - كالزهاد والأخيار - أو لا يرونهم، وإنما يثبتونهم بإلقاء الثبات في قلوبهم. وأما أن ذلك عند الموت، وحين مشاهدة الآخرة (ألا تخافوا) من الأهوال، فإنَّ اللّه معكم (ولا تحزنوا) على الشدائد، فإنَّها توجب ارتفاع درجتكم.

2) سورة فصلت الآية: 30.

3) (ثم لا تمرقوا) أي لا تخرجوا (ولا تبتدعوا فيها) بالزيادة والنقصان (ولا تخالفوا عنها) بالإنحراف إلى صوب آخر، وجادة أخرى (فإن أهل المروق منقطع بهم عند اللّه يوم القيامة) لا يتمكنون أن يأتوا بما يسبب خلاصهم ونجاتهم (ثم إيّاكم وتهزيع الأخلاق) تهزيع الشيء تكسيره (وتصريفها) أي تقليبها، كأن تكسروا الصدق، بأن تقولوا الكذب، أو تكسروا الشجاعة بالاتصاف بالجبن أو تصرفوا وجه العدل بارتكاب الظلم (واجعلوا اللسان واحداً) فلا يكن أحدكم ذا لسانين يطري أخاه شاهداً ويغتابه غائباً (وليخزن الرّجل لسانه) أي يحفظه (فإن هذا اللسان جموح بصاحبه) يقال فرس جموح إذا كان لا يهدأ في السير، بل يضطرب، حتى يخشى على راكبه من التردي والسقوط، وهكذا اللسان.

مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ (1، لأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَام تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ، وإِنْ كانَ شَرّاً وَارَاهُ. وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لَا يَدْرِي مَاذَا لَهُ، وَمَاذَا عَلَيْهِ (2). وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّه - صلى اله عليه وآله -: [لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ]. فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللّه تَعَالَى وَهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ (3)مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، سَلِيمُ النِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ، فَلْيَفْعَلْ.)وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللّه أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ، وَيُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ؛ وَانْ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لَا يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً ممّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ (4، وَلَكِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللّه، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللّه. فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الأُمُورَ وَضَرَّسْتُمُوها، وَوُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ (5)، وَضُرِبَتِ الأَمْثَالُ لَكُمْ، وَدُعِيتُمْ إِلَى الأَمْرِ الْواضِح ؛ فَلَا يَصَمُّ عَنْ ذلِكَ إِلا أَصَمُّ، وَلَا يَعْمَى عَنْ ذلِكَ إِلَّا أَعْمَى. وَمَنْ)


1) (حتّى يختزن لسانه) أي يحفظه من الموبقات والآثام (وإنّ لسان المؤمن من وراء قلبه) فإنَّ قلبه يفكر، ثمّ يتكلم (وإنّ قلب المنافق من وراء لسانه) يتكلم بكلام اعتباطاً، ثم يفكر فيما قال هل هو صحيح أم لا ؟ إذ المنافق لا يحجزه الورع عن إرسال الكلام كيفما كان.

2) (لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه) حتى لا يكون كلامه محرماً يوجب عقابه، أو هدراً ينقص ثوابه (أبداه) أظهره (واراه) أي أخفاه (ماذا له) أي يوجب خيره (وماذا عليه) أي يوجب سوق شر إليه.

3) (فمن استطاع منكم أن يلقى اللّه تعالى وهو نقي الرّاحة) لقاء اللّه كناية عن الموت، ونقاء الراحة كناية عن عدم التلوث والراحة بمعنى الكف.

4) (يستحل العام) أي في هذا العام (ما استحلّ عاما أوّل) أي في السنة السابقة (ويحرّم العام ما حرّم عاماً أوّل) فلا يبدع، بل ما أحله وحرمه في السابق يبقى عليه إلى الآخر (وأن ما أحدث الناس) من الأمور المخالفة للشرع، (لا يحل لكم شيئاً ممّا حرم عليكم) لأن البدع لا تغير أحكام اللّه تعالى.

5) ضرستموها) أصل ذلك أن يعض الإنسان على الشيء ليعلم أنه قوي أو ركيك، وهذا كناية عن التجربة، وقد المح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك إلى صنائع الخلفاء ضد الإسلام ودساتير الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والقرآن، فلا ينساقوا إلى حيث الهلكة باتباع البدع وترك السنن (ووعظتم بمن كان قبلكم) من الذين أهلكوا حيث خالفوا أوامر اللّه.

لَمْ يَنْفَعْهُ اللّه بِالْبَلَاءِ وَالتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِظَةِ، وَأَتَاهُ الْتَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ، حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ، وَيُنْكِرَ مَا عَرَفَ. وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ : مُتَّبِعٌ شِرْعَةً، وَمُبْتَدِعٌ بِدْعَةً، لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللّه سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَةٍ، وَلَا ضِياءُ حُجَّةٍ (1.)وَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظُ أَحَداً بِمِثْلِ هذا الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ حَبْلُ اللّه الْمَتِينُ، وَسَبَبُهُ الأَمِينُ، وَفِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ، وَيَنَابِيعُ العِلْمِ، وَمَا لِلْقَلْبِ جِلَاءٌ غَيْرُهُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكَّرُونَ، وَبَقِيَ النَّاسُونَ وَالْمُتَنَاَسُونَ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللّه - صلى اللّه عليه وآله - كَانَ يَقُولُ: [يَابْنَ آدَمَ، إِعْمَلِ الْخَيْرَ وَدَع الشَّرَّ، فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ] (2.)أنواع الظلم :أَلَا وَإِنَّ الظُّلْمَ ثَلَاثَةٌ : فَظُلْمٌ لَا يُغْفَرُ، وَظُلْمٌ لَا يُتْرَكُ، وَظُلْمٌ مَغْفُورٌ لَا يُظْلَبُ (3)


1) (ومن لم ينفعه اللّه بالبلاء) أي الابتلاء بمعنى الاختبار (والتجارب) التي تمر به، فيرى نتائج الأعمال للسابقين (لم ينتفع بشيء من العظة) مصدر وعظ (وأتاه التقصير من أمامه) كأن التقصير عدو مجاهر، يأتي من أمام الإنسان لمحاربته (حتّى يعرف ما أنكر) أي جعله في السابق منكراً (وينكر ما عرف) أي ما كان جعله في السابق معروفاً، أو المراد أنه لا ينتفع بالوعظ حتى يعرف ما أنكره، بأن يتبين لديه اشتباهه، وأن ما ظنه منكراً، يعرفه معروفاً وبالعكس (متبع شرعة) أي شرعية الحق (ومبتدع بدعة) على خلاف الشرع (ليس معه) أي مع المبتدع (من اللّه سبحانه برهان سنّة) أي دليل على أن ما يعمله سنة سنها اللّه سبحانه (ولا ضياء حجة) فإنَّ للحجّة ضياءً يوجب كشف الحقيقة، وتميزها عن الأباطيل والأوهام.

2) (المتين) أي المحكم (وسببه الأمين) من تمسك بالقرآن لا يخشى عدم الوصول إلى مطلبه الذي هو خير الدنيا والآخرة (وفيه ربيع القلب) القرآن يسبب ازدهار القلب وتحليه بأنواع الفضيلة والكمال (وما للقلب جلاء غيره) فإنَّ الجلاء الحقيقي الذي لا تكدره الآلام إنما هو في القرآن (مع أنه قد ذهب المتذكرون) المراد بالمتذكرين أصحاب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الأخيار (وبقي الناسون والمتناسون) المتناسي هو الذي لم ينس، لكنه يظهر نفسه كأنه ناس (أنت جواد قاصد) الجواد: هو الفرس، والقاصد هو الذي يتوسط في الجادة فلا يأخذ يميناً وشمالاً.

3) (فظلم لا يغفر) أي من طبيعته أن لا يغفره اللّه سبحانه (وظلم لا يترك) في الدنيا بل يرى الظالم جزاء ظلمه قبل الآخرة (وظلم مغفور لا يطلب) يعني أنه هو الغالب في الغفران، لا أنه مغفور البتة، وإلا نافى كونه ظلماً كما لا يخفى.

فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللّه قَالَ اللّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللّه لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (1)، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً (2). الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ، لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِالْمُدَى وَلَا ضَرْباً بِالسِّيَاطِ، وَلَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذلِكَ مَعَهُ (3). فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللّه، فَإِنَّ جَمَاعَةٌ فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ، خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ. وَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى، وَلَا مِمَّنْ بَقِيَ (4).)يَا أَيُّهَا النَّاسُ طُوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، وَطُوبى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ، وأَكَلَ قُوتَهُ، وَاشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ، وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ، فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحةٍ (5!)


1) سورة النساء، الآية: 48.

2) (فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات) جمع هنة، وهي المعاصي التي ترجع ضررها إلى الإنسان نفسه، ممّا لا ترجع إلى إنكار أصول الدين، وإلى ظلم النّاس (وأما الظلم الذي لا يترك) بل يرى الإنسان تبعته في الدنيا (فظلم العباد بعضهم بعضاً) كقتل الإنسان أو سرقة ماله أو هتك عرضه أو ما أشبه ذلك.

3) (القصاص هناك شديد) أي في الآخرة، وهذا تحذير لأن يعمل الإنسان عملاً يوجب القصاص في الآخرة (ليس هو جرحاً بالمدى) جمع مدية، وهي السكين (ولا ضرباً بالسياط) جمع سوط، أي ليس المه كآلام السكين والسياط، حتى يستسهله الإنسان (ولكنه ما يستصغر ذلك) الجرح والألم الدنيوي، بالسكين والسوط (معه) أي مع القياس بذلك القصاص، أي بالنسبة إليه.

4) (فإياكم والتلون في دين اللّه) بأن تأخذوا كل يوم لوناً، وذلك بمعنى الابتداع (فإن جماعة فيما تكرهون من الحق) أي تكونون جماعة مجتمعين في الحق، وإن كرهتم ذلك الحق (خير من فرقة فيما تحبون من الباطل) بأن يتبع كل واحد ما يحبّه، فيفترق عن إخوانه (لم يعط أحداً بفرقة خيراً) إذ السعادة والقوة في الاجتماع لا في التفرق (ممن مضى ولا ممّن بقي) أي من الأمم الماضية، والأمم الباقية.

5) (طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس) ومعنى ذلك أن يشتغل بالعلم ليرفع عيبه الذي هو الجهل، وبالعمل ليرفع عيبه الذي هو البطالة، وهكذا، لا أن يشتغل بذكر معائب الناس (وطوبى لمن لزم بيته) لا يدخل في الفتن بلا هدى وحجّة (وأكل قوته) لا يطمع في أموال الناس (فكان من نفسه) أي من ناحية نفسه التي تأمره بالعمل (في شغل) لإصلاح دينه ودنياه (والناس منه في راحة) لأنه لا يثير الفتن ولا يتعرض للناس بسوء.

### وَمِنْ كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ في معنى الحكمين)فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئكُمْ عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ، فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعًا عِنْدَ الْقُرْآنِ، وَلَا يُجَاوِزَاهُ، وَتَكُونَ أَلْسِنَتُهُما مَعَهُ وَقُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ، فَتَاهَا عَنْهُ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا، وَالاعْوِجَاجُ دَأْبَهُمَا (1. وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ، والْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأيهِمَا وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا، وَالثَّقَةُ فِي أَيْدِينَا لأَنْفُسِنَا، حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ، وَأَنَيَا بِمَا لَا يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ الْحُكْمِ(2).)### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في وصفه سبحانه، وبيان رسالة الرسول، والإنذار والوعظ)لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَلَا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلَا يَصِفُهُ لِسَانٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَلَا نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلَا سَوَافِي الرِّيحِ


1) (فاجمع رأي ملئكم) أي وجوهكم وأشرافكم، فإنَّ الملأ هم الأشراف، لأنهم يملأون الصدر هيبة، والعين جلالاً (على أن اختاروا رجلين) عمرو بن العاص وأبا موسى (فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن) من جعجع البعير إذا برك، والمراد أن لا يتعديا حكم القرآن (ولا يجاوزاه) بأن يحكما بالأهواء (دأبهما) أي عادتهما.

2) (وقد سبق) عند تخويلهما الحكم (استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل والعمل بالحق سوء رأيهما) أي كان المقرّر أن يحكما بالعدل لا أن يسيئا الرأي فيحكما حسب شهواتهما وأهوائهما (وجور حكمهما) عطف على سوء رأيهما، وعلى هذا فحكمهما باطل إن لم نحكمهما مطلقاً وبلا شرط (والثقة في أيدينا لأنفسنا) أي الحجة في أيدينا لنحكم أناساً آخرين، ولم نعط الثقة لهما مطلقاً حتّى يقال: إنكم أعطيتم ثقتكم بأيديهما فلا ثقة لكم بعده حتى تعطياها لشخص آخر (حين خالفا سبيل الحق) في كيفية التحكيم (وأتيا بما لا يعرف من معكوس الحكم) أي الحكم المعكوس من عزل أحدهما عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونصب أحدهما معاوية.

فِي الْهَوَاءِ، وَلَا دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا وَلَا مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظُّلْمَاءِ (1. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الأَوْرَاقِ، وَخَفِي طَرْفِ الأَحْدَاقِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلاّ اللّه غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ، وَلَا مَشْكُوكٍ فِيهِ، وَلَا مَكْفُورٍ دِينُهُ، وَلَا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ، شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَصَفَتْ دِخْلَتُهُ وَخَلَصَ يَقِينُهُ، وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (2). وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُجْتَبَى مِنْ خَلَائِقِهِ، وَالْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ، وَالْمُخْتَصُّ بِعَقَائِل كَرَامَاتِهِ، وَالْمُصْطَفَى لِكرَائِمِ رِسَالَاتِهِ، وَالْمُوَضَحَةُ بِه أَشْرَاطُ الْهُدَى، وَالْمَجْلُو بِهِ غِرْيِيبُ الْعَمَى (3).)أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَالْمُخْلِدَ إِلَيْهَا، وَلَا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ


1) (لا يشغله شأن) فإنه سبحانه ليس كالبشر، إذا توجه لأمر ذهل عن الأمور الأخرى (ولا يغيره زمان) بأن ينقص من عمره، كما في الإنسان، أو يبليه، كما في العمارة والثياب وما أشبه (ولا يحويه) أي يشتمل عليه (مكان) كما يشتمل المكان على الإنسان وسائر الأجسام (ولا يصفه لسان) حق وصفه لأن الإنسان لا يدرك كنهه سبحانه حتى يتمكن من وصفه حق الوصف (ولا يعزب عنه) أو يغيب عنه بمعنى يجهل (عدد قطر الماء) الموجود في الكون أو المراد قطر المطر (ولا نجوم السَّماء) فإنَّه يعلم عددها التي لا تحصى (ولا سوافي الرّيح في الهواء) جمع سافية، وهي التي تهب، فإنَّه يعلم أعدادها وكيفياتها (ولا دبيب النّمل على الصفا) جمع صفاة وهي الصخرة الملساء ودبيبها حركتها (ولا مقيل الذُّر) الذر : النمل، ومقيلها محل استراحتها ونومها.

2) (يعلم مساقط الأوراق) جمع مسقط، بمعنى السقوط، أو محل السقوط، والمراد أوراق الأشجار (وخفي طرف الأحداق) جمع حدقة، وهي العين، وطرفها تحريك جفنها، وخفي التحريك هو الذي يخفيه الإنسان عن الحاضر، لئلا يعلم أين نظر، كالذين يسرقون النظرة (غير معدول به) أي لا أجعل اللّه سبحانه عدلاً وشريكاً (ولا مشكوك فيه) أي لا أشك في وجوده (ولا مكفور دينه) أي لا أنكر دينه، حتى أكون أنا منكراً لدينه ودينه مكفوراً (ولا مجحود تكوينه) أي لا أجحد خلقه للخلق (شهادة من صدقت نيّته) أي شهد بصدق نية (وصفت دخلته) أي باطنه ولم يلوث بالنفاق (وخلص) عن شوائب الشك (يقينه) فله يقين كامل (وثقلت موازينه) كناية عن قوة اليقين.

3) (المجتبى) أي المختار من خلائقه فهو أفضل من جميعهم (والمعتام) أي المختار (الشرح من حقائقه) أي حقائق دين اللّه من الأصول والفروع (والمختص بعقائل) أي الكرائم (كراماته) أي أفضل كرامات اللّه تعالى (والمصطفى) أي المختار (لكرائم رسالاته) أي الرسالة التي هي أكرم الرسالات، وهي نهاية الأحكام والأخلاق وما أشبه ممّا أتى بها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دون سائر الأنبياء (والموضحة به أشراط الهدى) أي علاماته ودلائله (والمجلو به غربيب العمى) أي أشد أنواع العمى ضلالة، فإنَّ غربيب، بمعنى السواد القائم.

فِيهَا، وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا (1. وأيمُ اللّه، ما كان قَوْمُ قَطُّ فِي غَضٌ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلا بِذُنُوبِ اجْتَرَحُوهَا، لأنَّ اللّه لَيْسَ بِظَلّام لِلْعَبِيدِ. وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ، وَتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ، وَوَلَهِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ (2)، وَأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ. وَإِنِّي لأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ. وَقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً، كُنتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسْعَدَاءُ، وَمَا عَلَيَّ إِلا الْجُهْدُ، وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ : عَفَا اللّه عَمَّا سَلَفَ (3)!)### وَمِنْ كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ في التوحيد)وقد سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال :)


1) (إنّ الدنيا تغر المؤمّل لها) أي تخدعه باراءتها له أنها توصله إلى آماله (و المخلد إليها) بمعنى ركن ومال (ولا تنفس) أي لا تبخل (بمن نافس فيها) أي بمن يباهي غيره بأن له الدنيا فأنت تعظم الدنيا وتباهي بها، والدنيا لا تهتم بشأنك ولا تبخل بك، بل تسلمك للآفات بدون مبالاة (وتغلب من غلب عليها) فإنّ الإنسان يظنّ أنّه غلب على الدنيا حيث حصل بعض جاهها أو مالها، لكنه ظن مكتوب بل الدنيا غلبت على هذا الشخص، حيث خدعته وبعدته عن دار كرامة اللّه سبحانه.

2) (وأيم اللّه) قسم باللّه سبحانه (في غض نعمة) أي حسن نعمة، فإنّ الغض: الجديد الناضر (اجترحوها) أي عملوا بها واقترفوها (فزعوا) أي التجأوا (إلى ربِّهم بصدق من نياتهم) بأن يكونوا مستجيرين حقيقة (ووله) أي تحير (من قلوبهم) بأن كانت قلوبهم والهة في حبّ اللّه وطاعته (لردّ عليهم كل شارد) أي كل ما شرد منهم من النعم.

3) (في فترة) أي في فترة من المهلة الإلهية التي يمهل بها كل مجرم ليستكمل إجرامه، ثم يؤخذ على حين غفلة بما تمت عليه الحجة، واشتدت عليه العقوبة (وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة) عن جادة الهدى، ولعل المراد بذلك ميلهم إلى وقف القتال في صفين، وانخداعهم بمكر معاوية، واختيارهم أبا موسى الاشعري، وما أشبه ذلك (كنتم فيها عندي غير محمودين) حيث خالفتم الأوامر، وبذلك انشقت صفوف المسلمين، وتجرأ الأعداء (ولئن ردّ عليكم أمركم) كما كان في زمن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حيث الوحدة والإيمان والإطاعة (إنكم لسعداء) لأنه موجب لخير الدنيا والآخرة (وما علي إلا الجهد) بأن أتعب وأجتهد للإرشاد والهداية (ولو أشاء أن أقول لقلت: عفا اللّه عما سلف) أي سامحتكم لما سلف من أعمالكم فلا تعودوا لمثلها.

لَا تَرَاهُ العُيونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، وَلكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإِيمَانِ. قَرِيبٌ مِنَ الأَشْيَاءِ غَيْرَ مُلَامِسٍ، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ (1، مُتَكَلِّمُ لَا بِرَوِيَّةٍ مُرِيدٌ لَا بِهِمَّةٍ، صَانِعٌ لَا بِجَارِحَةٍ، لَطِيفٌ لَا يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ، كَبِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالجَفَاءِ، بَصِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالْحَاسَةِ، رَحِيمٌ لَا يُوصَفُ بِالرِّقَةِ (2). تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ، وَتَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ (3).)### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في ذم العاصين من أصحابه)أَحْمَدُ اللّه عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ، وَقَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ، وَعَلَى ابْتِلَائِي بِكُمْ أَيُّهَا الْفِرْقَةُ الَّتي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ، وَإِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ، وَإِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ وَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ، وَإِنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ


1) (لا تراه) سبحانه (العيون بمشاهدة العيان) كما ترى العين سائر الأشياء (ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان) أي بسبب احتواء القلب على حقيقة الإيمان باللّه سبحانه (قريب من الأشياء) بإحاطة علمه وقدرته عليها (غير ملامس) أي ليس قربه مثل قرب الأجسام بعضها ببعض ممّا يوجب الملامسة، واللمس لدى الالتصاق (بعيد منها) أي من الأشياء بعداً بمعنى عدم المجانسة والمشاهدة، لا البعد الزماني والمكاني (غير مباين) أي ليس المبعد من قبيل بعد النار عن الماء، أو ما أشبه ممّا يباين أحدهما الآخر.

2) (متكلم لا بروية) أي أن تكلمه لا يصدر عن فكر، وإنما يخلق الكلام بدون فكر (مريد لا بهمة) فإنّه لا يهتم نفساً ثم يريد، إذ لا نفس له سبحانه (صانع لا بجارحة) أي بيد ورجل ونحوهما، وإنما يأمر بـ [كن] فيكون ما أراد (لطيف) بمعنى نفوذ قدرته وعلمه في كل شيء (لا يوصف بالخفاء) والرقة، بخلاف اللطيف من الأشياء كما يقال الهواء لطيف، إذ لم تره (كبير) أي عظيم (لا يوصف بالجفاء) أي الخشونة وعدم المبالاة، كالبشر الذين إذا علت منزلتهم جفوا الناس ولم يهتموا بهم (بصير) لا يرى الأشياء (لا يوصف بالحاسّة) أي بالعين، فإنَّه سبحانه لا عين من لحم ودم له (رحيم لا يوصف بالرّقة) أي رقة القلب، إذ لا قلب له سبحانه، ولا تبدل في حالاته.

3) (تعنو) أي تذل وتخضع (وتجب) أي تضطرب، من وجب بمعنى خفق واضطرب (القلوب من مخافته) أي خوفاً منه سبحانه بأن كانت قصرت في الأعمال، فتبتلى بالعقاب.

نَكَصْتُمْ (1. لَا أَبَا لِغَيْرِكُمْ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَالْجِهَادِ عَلَى حَقَّكُمْ؟ الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُمْ؟ فَوَاللّه لَئِنْ جَاءَ يَوْمِي - وَلَيَأْتِيَنِّي - لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَالٍ، وَبِكُمْ غَيْرُ كَثِيرٍ (2). للّه أَنْتُمْ أَمَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ! وَلَا حَمِيَّةٌ تَشْحَذُكُمْ! أَوَلَيْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ وَلَا عَطَاءٍ (3)، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ - وَأَنْتُمْ تَرِيكَةُ الإسلام، وَبَقِيَّةُ النَّاسِ - إِلَى الْمَعُونَةِ)


1) (أحمد اللّه على ما قضى من أمر) كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [الإسراء: 23] وقدّر من (فعل) كما قال سبحانه: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقوَاتَهَا [فصلت: 10] فإنّ القضاء والقدر يستعملان بمعان والظاهر إرادة ما ذكرنا في هذا الكلام بقرينة [أمر] و [فعل]. (وإذا دعوت) إلى الجهاد وما أشبه (لم تجب) جبناً أو تكاسلا (إن أُمهلتم) فلم أطلبكم للجهاد والعمل (خضتم) في الباطل، دون أن تعملوا لسعادتكم وإن حوربتم أي حضرتم ميادين الحرب (خرتم) أي صحتم من خار بمعنى صاح، فإنَّ المحارب يجب أن يلزم الصمت والسكينة لا الصياح والعجيج، فإنّ ذلك ممّا يوهن الإنسان (وإن اجتمع الناس على إمام) يريد نفسه الكريمة (طعنتم) في ذلك الإمام، بأن تنحتوا له معائب ومنقصات (وإن أجئتم إلى مشاقة) المراد بها الحرب (نكصتم) أي رجعتم القهقرى وفررتم عن الحرب.

2) (لا أبا لغيركم) [لا أبا لك] جملة تستعمل للذم بمعنى فقدت الأب حتى تكون من دون والي وتستعمل للدعاء بمعنى تملك أمرك، وقد تلطف الإمام بتوجيه الجملة للغير، إما احتراماً لهم إن أريد بها الذم أو إهانة لهم إن أريد بها الدعاء (ما تنتظرون بنصركم والجهاد على حقكم) ؟ استفهام إنكاري، أي هل بعد هذا موقع للانتظار، إن حقكم قد غصب، والنصر قد فاتكم باستيلاء معاوية على بعض بلادكم، فما وجه الانتظار بعد ذلك؟ (الموت أو الذل لكم) فإنَّكم إن بقيتم بلا محاربة اما متم أو سيطر معاوية حتى تذلوا (فواللّه لئن جاء يومي) أي وقت موتي (وليأتيني) إخبار بأنه سيأتي يومي (ليفرقن بيني وبينكم بالموت وأنا لصحبتكم) أي مصاحبتكم (قال) أي كاره (وبكم غير كثير) فإنَّ الكثرة إنما تراد للمنفعة، فإذا انتفت كان وجودها كعدمها، يعني لست كثيراً بسببكم لعدم نفعكم.

3) (لله أنتم) هذه جملة تستعمل في الذم، بمعنى أن اللّه يقدر أن يعالجهم وينتقم منهم، وتستعمل في المدح، أي إنهم للّه سبحانه مخلصين له في أعمالهم وأقوالهم (ولا حمية) أي أنفة وكبر في نفوسكم عن تسلّط الأعداء عليكم (تشحذكم) أي تغيظكم لتقوموا بالجهاد من شحذ السكين، بمعنى حدّها، والإنسان إذا شحذ صار كالسكين يقطع وينفذ (الجفاة) جمع جافي وهو الغليظ الخشن في أعماله ونواياه (الطَّغام) بمعنى اراذل الناس (فيتبعونه على غير معونة) أي إعانة منه لهم (ولا عطاء) لهم، والسبب أن معاوية كان يألف الرؤساء بالمال رشوة، جوراً وظلماً، والأراذل تبع لكبرائهم.

وَطَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ، فَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وَتَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ (1؟ إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي رِضٌى فَتَرْضَوْنَهُ، وَلَا سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ ! قَدْ دَارَسْتُكُمُ الْكِتَابَ، وَفَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ وَعَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ، وَسَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ لَوْ كَانَ الأَعْمَى يَلْحَظُ، أَو النَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ! وَأَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْل بِاللّه قَائِدُهُمْ مُعاوِيَةُ! وَمُؤَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَةِ (2)!)### وَمِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ في قوم هموا باللحاق بالخوارج)وقد أرسل رجلاً من أصحابه، يعلم له أحوال قوم من جند الكوفة، قد هموا باللحاق بالخوارج، وكانوا على خوف منه (عَلَيهِ السَّلَامُ، فلما عاد إليه الرجل قال له :)أأمِنُوا فَقَطَنُوا، أم جبُنوا فَظَعَنُوا؟.فقال الرجل : بل ظَعَنُوا يا أمير المؤمنين. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ! أما لَوْ أُشْرِعَتِ الأَسِنَّةُ إِلَيْهِمْ، وَصُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ، لَقَدْ نَدِمُوا عَلى مَا كَانَ مِنْهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ


1) (وانتم تريكة الإسلام) أي البقية الباقية من المسلمين الذين يعتز بهم الإسلام (وبقية الناس) الصالحين، خلف عن سلف صالح (إلى المعونة) متعلق بـ [أدعوكم] (و) إلى (طائفة من العطاء) أي أعين جماعة، وأعطي جماعة، والإعانة: الإعطاء تبرعا، بخلاف العطاء فإنه العطاء من بيت المال حسب الاستحقاق (فتفرقون عنّي) بأن يستجيب بعض للجهاد، ولا يستجيب بعض (وتختلفون علي) هذا يريد، وذاك يردّ.

2) (إنه لا يخرج إليكم من أمري) أي من أوامري التي آمركم بها (رضى فترضونه) كلكم (ولا سخط فتجتمعون عليه) بأن تسخطون جميعا، وهذا بيان إنهم لا يجتمعون لا على رضى ولا على سخط (وإنّ أحبّ ما أنا لاق) أي أحب شيء ألقاه إليَّ (الموت) بأن أموت فأستريح منكم قد دارستكم الكتاب) أي قرأت عليكم القرآن تدريسا وتعليما (وفاتحتكم الحجاج) أي عرفتكم وجوه الاحتجاج (وعرفتكم ما أنكرتم) أي ما جهلتم (وسوّغتكم) أي جعلت سائغا هنيئا عندكم (ما مججتم) أي ما كنتم تمجونه وتطرحونه، وكأنّ المراد الأخلاق الفاضلة (لو كان الأعمى يلحظ) أي يبصر، و[لو] لبيان أحوالهم، وأنهم كالأعمى لا يبصرون شيئا وإن بُصّروا (أو النائم يستيقظ) أي يتنبه ويقوم من النوم (وأقرب بقوم من الجهل) صيغة تعجب أي ما أقرب قوم إلى الجهل (باللّه) سبحانه وبأحكامه (قائدهم معاوية ومؤدبهم ابن النابغة) أي عمرو بن العاص، والمراد بهم أصحاب الشّام.

استفلَّهُمْ، وَهُوَ غَداً مُتَبَرِّئُ مِنْهُمْ (1، وَمُتَخَلَّ عَنْهُمْ. فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الهُدَى، وَارْتِكَاسِهِمْ فِي الضَّلَالِ وَالْعَمَى، وَصَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَجِمَاحِهِمْ فِي التّيه (2).)### وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في حمد اللّه وذكر آثار قدرته وفي الإرشاد)روي عن نوف البكالي قال : خطبنا هذه الخطبة أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ بالكوفة وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، وعليه مِدْرَعَة من صُوف وحمائلُ سيفه ليف، وفي رجليه نعلان من ليفٍ وكأنّ جبينه ثَفْنَةُ بعير. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :)الْحَمْدُ للّه الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ، وَعَوَاقِبُ الْأَمْرِ. نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمٍ إِحْسَانِهِ، وَنَيِّرِ بُرْهَانِهِ، وَنَوَامِي فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ فَضَاءٌ، وَلِشُكْرِهِ أَدَاءً، وَإِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً، وَلَحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً (3. وَنَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ، مُؤَمِّلِ لِنَفْعِهِ، وَاثقٍ بِدَفْعِهِ، مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالقَوْلِ،)


1) (أمنوا فقطنوا أم جبنوا فظعنوا؟) أي هل آمنوا جانبي فبقوا أم خافوا نكالي فسافروا وذهبوا إلى الخوارج ؟ (بعداً لهم) دعاء عليهم بأن يبعدهم اللّه عن رحمته (أما لو أشرعت الأسنة) جمع سنان وهو الرمح وأشرعت بمعنى صوبت نحوهم (وصبت السيوف على هاماتهم) أي رؤوسهم، وهذا كناية عن تكاثر الضرب بالسيوف عليهم لقد ندموا على ما كان منهم من الظعن والالتحاق بالخوارج (إنّ الشيطان اليوم قد استفلّهم) أي دعاهم للتغلل، وهو الانهزام عن الجماعة (وهو غدا متبرى منهم) والمراد أما في يوم القيامة إذ يتبرأ الشيطان من أتباعه أو المراد عند الحرب، وتبرؤه كناية عن عدم نصرته لهم.

2) (فحسبهم) ضلالا وجهالة (بخروجهم من الهدى) الباء زائدة، إذ الأصل فيه [هم يكتفون بذلك] (وارتكاسهم) أي انقلابهم واصل الارتكاس أن يقع الإنسان من رأسه في وحل أو ما أشبه (وجماحهم) أي عصيانهم (في التيه) أي في الضّلال.

3) (مصائر الخلق) جمع مصير، بمعنى الصيرورة (نيّر برهانه) أي دليله الواضح الذي نصبه دليلاً على وجوده وسائر صفاته (ونوامي فضله وامتنانه) نوامي جمع نام بمعنى: الزائد، أي فضله الزائد على قدر الاستحقاق أو فضله الذي ينمو ويزيد (لحقه قضاء) أي أداءً لبعض ما يستحق (ولشكره أداءً) أي يكون مؤدّياً لشكره الواجب على النّاس (وإلى ثوابه مقرّبا) فإنّ الحمد يقرب الإنسان إلى ثواب اللّه تعالى (ولحسن مزيده موجبا) أي موجبا لمزيد نعمه، وإضافة حسن إليه.

مُذْعِنِ لَهُ بِالْعَمَلِ وَالْقَوْلِ. وَنُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً، وَأَنَابَ إِلَيْهِ مُؤمِناً، وَخَنَعَ لَهُ مُذْعِناً، وَأَخْلَص لهُ مُوَحّداً، وَعَظْمَهُ مُمَجّداً، وَلَاذَ بِهِ رَاغِباً (1مُجْتَهِداً.)لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزْ مُشَارَكاً، وَلَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً، وَلَمْ يَتَقَدَّمُهُ وَقْتٌ وَلَا زَمَانٌ وَلَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتَقَنِ، وَالْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ (2.)فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بلا عمدٍ، قَائِمَاتٍ بِلا سَنَدٍ. دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَلَا مُبْطِئَاتٍ وَلَوْلَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ، لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ، وَلَا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِهِ، وَلَا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيْبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ. جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً يَسْتَدِلُ بِهَا الْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ. لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهمَامُ سُجُفِ اللَّيلِ الْمُظْلِمِ، وَلَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ


1) (استعانة راج لفضله) الإنسان قد يطلب العون من أحد وهو آيس من إجابته، وقد يستعين وهو راج للإجابة (مؤمل لنفعه) بأن ينفعنا (واثق بدفعه) المكاره عنا (معترف له) تعالى (بالطُّول) أي الإنعام والفضل (مذعن له) أي خاضع للّه سبحانه (بالعمل والقول) نحمده لسانا، ونعمل له بجوارحنا وأعضائنا (إيمان من رجاه موقنا) فإنَّ يقين الإنسان في رجائه، دليل على قوة إيمانه (وأناب إليه) أي رجع إليه بالتّوبة (وخنع) أي خضع (مذعنا) فضله لا مثل ذل الإنسان للجبابرة، فإنَّه يخضع لهم كارهاً (وأخلص له موحداً) أي جعل أعماله وعقيدته له سبحانه بلا مشاركة أحد معه (ولاذ به) أي إلتجأ إليه عن الأهوال والنوائب (راغبا) فضله.

2) (لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركا) لأنّ الأبوين شريكان مع الولد في العز، بل أعز لأنهما علة وجوده (ولم يلد فيكون موروثا) لأن الولد يرث أبويه (هالكا) إذ كل شيء يلد يكون ممكناً وكل ممكن هالك (ولم يتقدّمه وقت ولا زمان) بأن يكون الزمان ولا يكون اللّه سبحانه - كما هو شأن الممكنات (ولم يتعاوره) أي يتداوله ويتبادل عليه (زيادة ولا نقصان) بأن يزيد مرة وينقص أخرى (بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير) أي من الأدلة الموجودة في المخلوقات الدالة على التدبير (المتقن) إذ وضع كل شيء موضعه، كالبناء الفخم الذي يدل على مهارة بانيه (والقضاء المبرم) أي المحكم، فإنّ حكمه سبحانه بالخلق والرزق والحياة والموت وغيرها مبرم لا ينقض.

مَا شَاعَ (1فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلالُو نُورِ الْقَمَرِ. فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ، وَلَا لَيْلٍ سَاجِ فِي بِقَاعِ الأَرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ، وَلَا فِي يَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ (2)وَمَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعدُ في أُفُقِ السَّمَاءِ، وَمَا تَلَاشَتْ ؛ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ، وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الأَنْوَاءِ وَانْهِطَالُ السَّمَاءِ (3)وَيَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ وَمَقَرَّهَا، وَمَسْحَبُ الذَّرَّةِ وَمَجَرَّهَا، وَمَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا، وَمَا تَحْمِلُ الأُنْثَى فِي بَطْنِهَا (4).)


1) (فمن شواهد خلقه) على وجوده تعالى وسائر صفاته (خلق السماوات) أي الأجرام ومجاريها (موطّدات) أي مثبتات في مداراتها على ثقلها (بلا عمد) جمع عماد (قائمات بلا سند) تستند وتتكئ عليه (دعاهن) سبحانه، وذلك كناية عن جعل نظام لهن (فاجبن طائعات مذعنات غير متلكئات) التلكؤ التوقف في الأمر (ولا مبطئات) من أبطأ بمعنى عدم الاستعجال في الأمر، نعم أنها أطاعت فورا (بالربوبية) أنه الههنّ (بالطواعية) أي الإطاعة بالرغبة (لما جعلهنّ موضعاً لعرشه) العرش: محل تشريف له في السماء (ولا مسكنا لملائكته) المقربين، الذين هم اطهار، فيلزم أن يكون محلهم طاهراً (ولا مصعدا) أي محلّ الصعود (جعل نجومها أعلاما) أي أدلة (يستدلّ بها الحيران) أي الشخص المتحيّر (في مختلف فجاج) جمع فج بمعنى الطريق (الأقطار) جمع قطر، بمعنى القطعة من الأرض، أي مختلف الصحارى (ادلهمام سجف الليل المظلم) الادلهمام: شدّة الظلمة، وسجف الستر (ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس) جلابيب جمع جلباب، وهو ثوب واسع يلبس فوق الملابس والمراد هنا ظلمة الليل الشاملة لكل شيء، وحنادس جمع حندس، بمعنى الليل المظلم (أن تردّ) حتى لا يصل إلى الأرض (ما شاع) انتشر.

2) (غسق داج) الغسق الظلمة، وداج بمعنى المظلم (ولا ليل ساج) الساجي بمعنى الساكن (المتطأطئات) أي المنخفضات (ولا في يفاع) بمعنى التل والمكان المرتفع (السفع) جمع سفعاء، وهو السواد يضرب إلى الحمرة، والمراد بها الجبال (المتجاورات) أي المجاورة بعضها لبعض.

3) (وما يتجلجل به الرّعد) الجلجلة : صوت الرعد (وما تلاشت عنه بروق الغمام) فإنَّ البرق يتلاشى ويضمحل، والظاهر أن المراد مصدر البرق، الذي يظهر منه البرق، ثم يتلاشى من القوة الكهربائية الموجودة في السحاب (وما تسقط من ورقة تزيلها) أي تزيل تلك الورقة (عن مسقطها) أي محل سقوطها، وهو محل اتصال الورقة بالشجرة (عواصف الأنواء) جمع نوء، وهو أحد منازل القمر إذا كان القمر فيه أو نحو ذلك تهب الرياح (وانهطال السماء) أي إمطار السماء بالمطر.

4) (ويعلم مسقط القطرة) أي محل سقوط كل قطرة من أقطار المطر (ومقرّها) أي محل استقرار القطرة، إذ يمكن أن يكون المسقط غير المقرّ (ومسحب الذرة) أي المحل الذي تمشي فيه النملة (ومجرّها) أي المحل الذي تجر نفسها إليه.

الْحَمْدُ للّه الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ أَوْ عَرْشُ، أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضُ، أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ. لَا يُدْرَكُ بِوَهُم، وَلَا يُقَدَّرُ بِفَهُم، وَلَا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ، وَلَا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ (1، وَلَا يُبْصِرُ بِعَيْنٍ، وَلَا يُحَدُّ بِأَيْنٍ، وَلَا يُوصَفُ بِالأَزْوَاجِ، وَلَا يُخْلَقُ بِعِلاج، وَلَا يُدْرِكُ بِالْحَوَاسَ، وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ، الَّذي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً، وَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً ؛ بِلَا جَوَارحَ وَلَا أَدَوَاتٍ ولَا نُطْقِ وَلَا لَهَوَاتٍ (2). بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ، فَصِفْ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَجُنودَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، فِي حُجُرَاتِ القُدُسِ مُرْجَحِنِّين، مُتَوَلّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَالأَدَوَاتِ، وَمَنْ يَنْقَضِي إِذا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ. فَلَا إِلَهَ إِلا هُوَ، أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلام، وَأَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ (3).)


1) (الحمد للّه الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش) إذ لا يحتاج سبحانه إلى شيء منهما، وهذا من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، فإنَّ الملك يجلس على الكرسي في عرشه، وقد خلق سبحانه محلاً يسمى العرش لتوجه الملائكة إليه، كما يتوجه البشر إلى الكعبة في الأرض (لا يدرك بوهم) أي بفكر وتعقل إذ كنهه مستحيل الإدراك (ولا يقدّر) أي لا تعرف حدوده (بفهم) الإنسان (ولا يشغله سائل) بأن يغفل عن سائر الأشياء، كما هو شأن البشر (ولا ينقصه نائل) أي العطاء، فإنَّه سبحانه يعطي ولا ينقص ما عنده.

2) (ولا يبصر بعين) أما على المجهول أو على المعلوم، فعلى الأول معناه أنه سبحانه لا يُرى، وعلى الثاني معناه أنه تعالى لا عين له - كعين الإنسان - وإنّما يبصر الأشياء بذاته (ولا يحد بأين) أي بالمكان، فإنَّه لا مكان له، حتى يكون مشمولا لذلك المكان (ولا يوصف بالأزواج) أي بالأمثال، لأنه لا مثل له، فلا شريك له (ولا يخلق بعلاج) بأن يمتنع عليه الشيء فينفذ أمره بالعلاج (ولا يدرك بالحواس) فلا يبصر، ولا يشم ولا يذاق، ولا يلمس ولا يسمع حس منه، لاستحالة كل ذلك في حقه (ولا يقاس بالنّاس) كما يقاس النّاس بعضهم ببعض (الذي كلّم موسى) (عَلَيهِ السَّلَامُ) (تكليما) وكلامه إنما هو يخلق الصوت الذي يسمعه الطرف المقابل (وأراه من آياته عظيماً) أي أدلته، كالعصا واليد البيضاء، والضفادع والقمل والدم، وغيرها (بلا جوارح) أي بغير أعضاء للتكلم (ولا أدوات) كالفم والأسنان واللسان (ولا نطق) كنطق الإنسان (ولا لهوات) جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم.

3) (بل إن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف ربِّك) أي إن كنت صادقاً أنك تتمكن أن تصفه سبحانه حق وصفه، ومعنى المتكلف الذي يوقع نفسه في الكلفة والمشقة (في حجرات القدس) أي النزاهة والطهارة، والمراد بالحجرات أماكنهم (مرجحنّين) أي مقشعرين خوفاً ووجلاً منه تعالى من أرجحن بمعنى مال يمينا وشمالا (متولّهة) أي متحيّرة (عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين) فإنّ عقولهم تتحيّر في وصفه سبحانه، ولا تجد لذلك سبيلا (بالصفات ذوو الهيئات) أي الأشكال (والأدوات) أي الآلات (ومن ينقضي) أي يهلك (إذا بلغ أمد حدّه بالفناء) أي إذا وصل إلى منتهى العمر المقدّر له، وبالفناء متعلق بـ [ ينقضي] (فلا إله الا هو أضاء بنوره كل ظلام) من ظلمات العدم بأن أوجد المعدومات وظلمات الجهل، وظلمات الليل وما أشبه (وأظلم بظلمته كلّ نور) فإنَّ كل نور في قبال نوره مظلم.

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه بِتَقْوَى اللّه الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاسَ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ ؛ ولَوَ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أو إلى دفع الْمَوْتِ سَبِيلاً، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (عَلَيهِ السَّلَامُ، الَّذِي سُخَّرَ لَهَ مُلْكُ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، معَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ (1). فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ. وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ (2)لَعِبْرَةٌ!)أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ! أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ !أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسُ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ، وَأَطْفَأوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ، وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ! وَايْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ، وَهَزَمُوا الألوف، وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ، وَمَدَّنُوا الْمَدَائِنَ (3!)


1) (الذي البسكم الرياش) أي اللباس الفاخر الإنساني أو الأعم من ذلك ومن سائر الألبسة الحسنة، والظواهر الجميلة (وأسبغ) أي أكثر (المعاش) ما تعيشون فيه (ولو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سلّما) شبّه البقاء بشيء رفيع، لا يتناوله أحد، حتى إذا نصب السلم - وهو المعراج - (أو إلى دفع الموت سبيلا) أي وسيلة يتمكن بها من دفع الموت (سخّر له ملك الجنّ والإنس) فكان الجن يطيعه كالإنس (وعظيم الزّلفة) أي القرب من اللّه سبحانه، لأن النبوة مقام عظيم، وبكلمة جامعة، قد جمعت له السعادتان الدينية والدنيوية.

2) (فلما استوفى طعمته) أي ماكله المقدر له، إذ اللّه سبحانه قدر لكل إنسان قدراً خاصاً من الرزق (واستكمل مدّته) بأن أكمل مدة بقائه في الدنيا المقدّرة له (رمته قسي الفناء) جمع قوس (بنبال الموت) جمع نبل، وهو السهم قسيّ الفناء المقدرات التي تفني الإنسان، ونبال الموت أسبابه (والمساكن معطّلة) إذ لم يسكن بعد في مسكن (القرون السالفة) جمع قرن، وهو مائة سنة، أو مدة عمر جيل من البشر، يقال لها قرن لاقتران أعمار بعضهم مع بعض والسالفة بمعنى السابقة.

3) (أين العمالقة) جمع عملاق، وقد كانوا ملوكاً يملكون اليمن والحجاز أين الفراعنة جمع فرعون وهم ملوك مصر (أين أصحاب مدائن الرَّسّ) كانوا يعبدون الشجر (وعسكروا العساكر) أي جمعوها لحفظهم وحفظ رعاياهم (ومدّنوا المدائن) أي صنعوها وبنوها؟

منها : قد لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا، وَأَخَذَهُ بِجَمِيعِ أَدَبِهَا، مِنَ الإِقْبَالِ عَلَيْهَا، وَالْمَعْرِفَةِ بِهَا، وَالتَّفَرُّغ لَهَا ؛ وَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطلُبُهَا (1، وَحَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا. فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الإسلام، وَضَرَبَ بِعَسِيبٍ ذَنَبِهِ، وَأَلْصَقَ الأَرْضَ بِجِرانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حجَّتِهِ، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ (2).)أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ الأَنْبِيَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا، وَحَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا. للّه أَنْتُمْ! أَتَتَوَكَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ (3، وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ؟)ألَا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقبلاً، وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً، وَازْمَعَ


1) (قد لبس للحكمة) هي وضع الأشياء مواضعها (جنّتها) وهي ما يحفظ الإنسان من الهذر واللغو والعصيان، كما تحفظ الجنّة صاحبها من الضرب والطعن (وأخذها بجميع أدبها) أي كل آدابها، فلم يترك من الحكمة في الأكل واللبس والتكلم والتعلم وما أشبه شيئاً من الإقبال عليها أي على الحكمة (والمعرفة بها) فإنَّه يعرف الحكمة وأنها ما هي (والتفرغ لها) لا يشغل نفسه بضدها (ضالته التي يطلبها) تشبيه لبيان شدّة طلبه لها، كما يطلب الإنسان بكل جد ما ضل من أثاثه ونقوده.

2) (مغترب) أي يذهب إلى الغربة (إذا اغترب الإسلام) بأن تركه أهله (بعسيب ذنبه) أي أصل ذنبه (والصق) الإسلام (الأرض) أي بالأرض (بجرانه) مقدم عنق البعير، وهذان كنايتان عن ضعف الإسلام، فإن البعير إذا ضعف نام والصق عنقه، وآخر ذنبه على الأرض، لا يقدر على القيام (بقية من بقايا حجته) أي حجج اللّه على الناس (خليفة من خلائف) جمع خليفة (أنبيائه) فهو يمثل الأنبياء في التزامهم بالدين.

3) (قد بثثت) أي نشرت وأظهرت (وأديت إليكم) أي أوصلت إليكم (ما أدت الأوصياء) للأنبياء (إلى مَنْ بعدهم) من النّاس، الذين لم يدركوا الأنبياء (فلم تستقيموا) بأن تتركوا كافة المعاصي وتنتهجوا نهج الإسلام سويا (وحدوتكم) أي سقتكم، والحداء: رفع الصوت للإبل لتسير سيراً مطمئنا (بالزواجر) جمع زاجرة، وهي النصيحة التي تزجر الإنسان عن المعصية (فلم تستوسقوا) يقال استوسقت الإبل، بمعنى اجتمعت والمراد أنهم بقوا متفرقين لا تجتمع آراؤهم على الحق (للّه أنتم) كلمة تقال للذم وللمدح، بمعنى أن اللّه يقدر على تقويمكم، أو أن أمركم للّه سبحانه لا لغيره - كما تقدم – (يطأ بكم الطريق) أي يسير بكم في الطريق السوي.

التَّرْحَالَ (1عِبَادُ اللّه الأَخْيَارُ، وَبَاعُوا قَلِيلاً مِنَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى بِكَثِيرٍ مِنَ الآخِرَةِ لَا يَفْنَى مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ - وَهُمْ بِصِفِّينَ - أَنْ لَا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً؟ يُسِيغُونَ الْغُصَصَ وَيَشْرَبُونَ الرَّنْقَ! قَدْ - واللّه - لَقُوا اللّه فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ (2).)أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيْهَانِ؟وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأَبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ (3!)قال : ثم ضرب بيده الشريفة على لحيته الكريمة، فأطال البكاء، ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ (4، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَامَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ.)ثم نادى بأعلى صوته :


1) (ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا) فإنَّ الإنسان في حالة طفولته يكون عمره مقبلا، إذا يأتي نموه، فإذا شاخ كان عمره مدبراً، وهكذا (وأقبل منها ما كان مدبرا) من الشرور والآثام التي أدبرت بمقدم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ولعل إدبار المقبل - أيضاً - يراد به الخير، الذي أقبل بمقدم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وأزمع) أي أظهر عزماً (الترحال) أي الرحيل إلى الآخرة.

2) (أن لا يكونوا اليوم أحياء) ؟ أي أي شيء ضرهم في عدم حياتهم (يسيغون الغصص) أساغه بمعنى بلعه والغصص جمع غصة، وهي ما يؤخذ في الحلق فلا ينزل إلى الجوف (ويشربون الرّنق) الماء الكدر كناية عن المتاعب والآلام التي كان الإمام يواجهها من جراء المنافقين. (لقوا اللّه) كناية عن موتهم (وأحلّهم) أي أسكنهم.

3) (ركبوا الطريق) أي استقاموا فيه (ابن التيهان) ؟ هو أبو الهيثم مالك من أكابر الصحابة (نو الشهادتين) ؟ خزيمة بن ثابت الأنصاري، الذي جعل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) شهادته منفردةً قائمة مقام شهادة رجلين، (وأين نظراؤهم) أي أمثال هؤلاء الذين قتلوا بصفين (تعاقدوا على المنيّة) أي على الموت، فإنَّ بعضهم عاهد الآخر، على أن يقتلوا في سبيل اللّه (وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة) أي قطعت رؤوسهم وأرسلت بواسطة البريد إلى أصحاب الفجور، وهم معاوية وحاشيته.

4) (تلوا القرآن فاحكموه) قراءَةً وعلماً وعملاً (وتدبّروا الفرض) بأن فكروا فيما هو مفروض عليهم من أحكام اللّه سبحانه (فأقاموه) بأن واظبوا عليه أداء، وأمراً للناس بإتيانه.

الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللّه! أَلَا وَإِنِّي مُعَسْكِرْ فِي يَوْمِي هَذَا؛ فَمَنْ أَرَادَ الرّواحَ إِلَى اللّه فَلْيَخْرُجُ (1!)### وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في وصفه تعالى، وفضل القرآن، ووعظ النّاس)الْحَمْدُ ِللّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَالْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ. خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَاسْتَعْبَدَ الأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ، وَسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ (2؛ وَهُوَ الَّذِي أسكن الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وَبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَالإِنْسِ رُسُلَهُ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا، وَحَلَالِهَا وَحَرَامِهَا، وَمَا أَعَدَّ اللّه لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالعُصاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ، وَكَرَامَةٍ وَهَوَانٍ (3). أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ، جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً، وَلِكُل قَدْرٍ أَجلاً، وَلِكُلٍّ أَجَلٍ كِتَاباً (4).)


1) (الجهاد الجهاد) الزموا الجهاد (فمن أراد الرّواح إلى اللّه) أي إلى الآخرة، دار ثواب اللّه سبحانه (فليخرج) معي.

2) (المعروف من غير رؤية) أي لا يراه أحد، ومع ذلك يعرفونه بآثاره وصنائعه (من غير منصبة) أي تعب ونصب (خلق الخلائق بقدرته) لا بآلة، أو مشارك أو ما أشبه (واستعبد الأرباب) أي جعل أرباب العبيد عبيداً له (وساد العظماء بجوده) فإنَّه من جاد ساد.

3) (ليكشفوا لهم عن غطائها) أي غطاء الدنيا، فإنَّ الدنيا دار آلام وأتعاب، لكنها مغطاة بغطاء مبهرج يوجب الخدعة والغرور، فإذا كشف للإنسان عن غطاء الدنيا لم يغترر بها (من ضرائها) أي ضر الدنيا الموجب للشقاء دنيا وآخرة (وليضربوا لهم أمثالها) أي الأمثال المرتبطة بالدنيا ممّا توجب عبرة وزيادة بصيرة.

4) (وليهجموا عليهم) الهجوم الدخول غفلة (بمعتبر) مصدر ميمي بمعنى الإعتبار والاتعاظ (من تصرف مصاحها وأسقامها) جمع مصحة بمعنى الصحة والعافية أي ليقولوا لهم ما يوجب اعتبار الناس من أن الدنيا دار تتغير وتتبدل فيها الصحة والسقم (أحمده إلى نفسه) أي حمدا ينتهي إلى ساحة قدسه سبحانه: (كما استحمد إلى خلقه) أي طلب من خلقه أن يحمدوه، فالطلب كان منه إليهم، والحمد مني إليه (جعل لكلّ شيء قدراً) فليس شيء اعتباطا عنده بلا تقدير (ولكل قدر أجلا) ينتهي ذلك القدر بإتيان ذلك الوقت والفرق بين القدر والأجل أن الأول باعتبار تمام المدة، والثاني باعتبار آخرها (ولكل أجل كتابا) إذ كتب سبحانه في اللوح المحفوظ الآجال.

منها في فضل القرآن : فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ، وَصَامِت ناطِقٌ حُجَّةُ اللّه عَلَى خَلْقِهِ. أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثَاقَهُ، وَارْتَهَنَ عَلَيْهِ أَنْفُسَهُم أَتَمَّ نُورَهُ، وَأَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ، وَقَبَضَ نَبِيَّه - صلى اللّه عليه وآله وسلّم - وَقَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ الْهُدَى بِهِ(1. فَعَظَمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُم شَيْئاً مِنْ دِينِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلا وَجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً، وَآيَةً مُحْكَمَةً، تَزْجُرُ عَنْهُ، أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ، فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ، وَسَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ (2). وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَلَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنِ، وتَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ، قَدْ كَفَاكُمْ مَؤُونَةَ دُنْيَاكُمْ (3)، وحَثّكُمْ عَلَى الشَّكْرِ، وَافْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ.)


1) (فالقرآن آمر زاجر) آمر بالواجبات، ناه عن المحرمات (وصامت) لا يتكلم بلفظ (ناطق) ببيان الأحكام (حجة اللّه على خلقه) فإنَّ اللّه يحتج على الخلق بالقرآن يقول لهم، هلا عملتم بعد ما بيّنت لكم في القرآن (أخذ عليهم ميثاقه) أي العهد الأكيد بالإيمان والعمل الصالح، وذلك بواسطة الأنبياء (وارتهن عليه أنفسهم) جعل نفوسهم رهناً في مقابل العمل بالقرآن، فمن عمل فك رهنه، وأخلص نفسه، ومن لم يعمل أخذ نفسه، وألقي في جهنّم (وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به) أي بسبب القرآن أي فرغ من بيان أحكام الهدى وكان ذلك منتهياً إلى الخلق، بمعنى أن فائدته انتهت إلى الناس.

2) (فعظّموا منه سبحانه ما عظم من نفسه) أي ليكن تعظيمكم لما من طرفه سبحانه، كما أنه عظم لما كان من طرفه، والمراد به القرآن (إلا وجعل له علماً بادياً) أي علامة ظاهرة (وآية محكمة) غير متشابهة (تزجر عنه) أي تنهى عن ذلك الشيء، كالخمر (أو تدعو إليه) كالصلاة (فرضاه) سبحانه (فيما بقي واحد) إذ لا يقبل الرضا، فيوماً يرضى بالصلاة، ويوماً لا يرضى (وسخطه فيما بقي واحد) كما كان فيما مضى.

3) وقد فسر الجملتين بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (واعلموا أنه لن يرضى عنكم بشيء سخطه على من كان قبلكم ولن يسخطك عليكم بشيء رضيه ممن كان قبلكم) فلن يغضب بسبب الصلاة، ممّا رضيه من الأمم السابقة (في أثرٍ بيّن) أي واضح، لا يخشى عليكم منه الضلال والأثر موضع الأقدام في التراب (وتتكلمون برجع قول) هو ما يرجع من الصوت إذا اصطدم بجبل ونحوه (قد قاله الرّجال من قبلكم) والمراد بالرجال الأنبياء والصلحاء (قد كفاكم مؤونة دنياكم) فإنّ الشّيء الأكبر من الدنيا مكفي، وإنّما يكسب الإنسان لتحصيل ذلك المودوع في الأرض من زرع وضرع ومعدن وبناء.

وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى وجَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ، فَاتَّقُوا اللّه الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ، ونَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ، وتَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ، إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ، وَإِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ، قَدْ وَكَّلَ بِذَلِكَ حَفَظَةٌ كِرَاماً (1، لَا يُسْقِطُونَ حَقًّاً، وَلَا يُثْبِتُونَ بَاطِلاً. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللّه يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ، وَنُوراً مِنَ الظُّلَم، وَيُخَلَّدُهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ، وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ، فِي دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِو (2)، ظِلُّهَا عَرْشُهُ، وَنُورُهَا بَهْجَتُهُ، وَزُوَّارُهَا مَلَائِكَتُهُ، وَرُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ؛ فَبَادِرُوا الْمَعَادَ، وَسَابِقُوا الأَجَالَ، فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الأَمَلُ، وَيَرْهَقَهُمُ الأَجَلُ، وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ. فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَأَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ، وَقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالاِرْتِحَالِ، وَأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرِّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيا (3). أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ، وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ، وَقَرِينَ شَيْطَانٍ !)


1) (أنتم بعينه) أي بحيث لا تخفون عليه، فهو يراكم (ونواصيكم بيده) جمع ناصية، وهي مقدم الرأس طرف الجبهة، كناية عن تسلطه سبحانه عليهم (وتقلبكم في قبضته) أي أن حركاتكم كلها تحت قدرته (إن أسررتم) أي أتيتم بشيء سراً (قد وكّل بذلك) أي بأن يكتب عنكم كل شيء (حفظة كراماً) جمع حافظ وهم الملائكة.

2) (في دار اصطنعها لنفسه) والمراد بها الجنّة، ومعنى لنفسه أنها خاصة بأوليائه.

3) (وسابقوا الآجال) كان الأجل يريد اختطاف الإنسان والإنسان يريد أن يعمل قبل أن يختطفه الأجل فهما يتسابقان (يوشك) أي يقرب (أن ينقطع بهم الأمل) بأن يموتوا فلا يبقى لهم أملهم الذي كانوا يأملونه في المستقبل (ويرهقهم الأجل) أي يغشاهم ويتبعهم (فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرّجعة من كان قبلكم) أي أنكم في حالة يمكنكم فيها العمل لآخرتكم، ممّا سأل الأموات الرجوع إلى مثل حالتكم، بقولهم: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلَّى أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون: 99 - 100] (وأنتم بنو سبيل) أي أناس في الطريق لا في المنزل (وقد أوذنتم منها بالارتحال) أي أعلمكم اللّه سبحانه أنّكم سوف ترتحلون عنها (وأمرتم فيها بالزاد) أي بأخذ الزاد، وهو الأعمال الصالحة (الجلد الرقيق) والمراد الأبدان البشرية (فإنكم قد جربتموها) أي نفوسكم (في مصائب الدنيا) وآلامها، وعرفتم مقدار تحملها.

أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَّمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ (1!)أَيُّهَا الْيَفَنُ الكَبِيرُ، الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الأَعْنَاقِ، وَنَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ. فَاللّه اللّه مَعْشَرَ الْعِبَادِ! وأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصَّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ، وَفِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضّيقِ. فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا (2. أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ، وأَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ، وَاسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ، وَأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ، وَخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ وَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَبْخَلُوا بِهَا (3)عَنْهَا، فَقَدْ قَالَ اللّه سُبْحَانَهُ : (إِنْ تَنْصُرُوا اللّه يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (4).)وَقَالَ تَعَالَى : (مَنْ ذَا الّذي يُقْرِضُ اللّه قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (5). فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلّ، وَلَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلّ، اسْتَنْصَرَكُمْ [وَلَهُ


1) (والعثرة) أي الوقعة على الأرض (والرمضاء) الأرض الحارّة (ضجيع حجر) يكون منه ليزيد في إحراقه (وقرين شيطان) يؤذيه ؟ (أعلمتم أن مالكاً إذا غضب على النار) مالك، هو الخازن للنار، ومعنى غضبه على النار إرادته شدتها (حطم بعضها بعضاً لغضبه) بمعنى حطم الحطب، أو هو كناية عن الزفير والصياح المتداخل بعضه في بعض (وإذا زجرها) وصاح عليها (توثبت) النار أي تحركت أمواج من النار تحركاً عنيفاً كالمتوثب (بين أبوابها) أي أبواب النّار، وذكر الأبواب لأنها منتهى محل التوثب (جزعاً) من زجرته أي خوفاً منها.

2) (أيها اليفن) أي الشيخ (الذي قد لهزه) أي خالطه (القتير) أي الشيب (ونشبت) أي علت (الجوامع) جمع جامعة وهي الغل يجمع اليدين إلى العنق (معشر العباد) المعشر بمعنى الجماعة (وفي الفسحة قبل الضيق) فإنَّ الإنسان في الدنيا في سعة يتمكن من العمل، أما في الآخرة فلا يتمكن من العمل الصالح كأنه في ضيق (تغلق رهائنها) غلق الرهن إذا استحق صاحب الحق ولم يفك حتى ينجي ماله.

3) (أسهروا عيونكم) أي أقلوا النوم بالليل للعبادة (وأضمروا بطونكم) بطول الجوع (واستعملوا أقدامكم) بالوقوف عليها في الطاعة والصلاة (وأنفقوا أموالكم) في سبيل اللّه وخذوا من أجسادكم بإتعابها في ترك الملذات والقيام بالفضائل (وجودوا بها على أنفسكم) فإنَّ الإنسان إذا أتعب جسمه في العمل الصالح كملت نفسه وترقت وارتفعت (ولا تبخلوا بها عنها) أي بالأجساد عن النفوس.

4) سورة محمد، الآية: 7.

5) سورة الحديد الآية: 11.

جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]. وَاسْتَقْرَضَكُمْ [وَلَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ](1). أَرَادَ أَنْ [يَبْلُوَكُمْ أَيْكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً]. فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللّه فِي دَارِهِ. رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ، وَأَزَارَهُمْ مَلَائِكَتَهُ، وَأَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبَداً، وَصَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَنَصَباً : (ذلِكَ فَضْلُ اللّه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللّه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (2). أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَاللّه الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيلُ (3)!

ومِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله للبرج بن مسهر الطائي

قاله للبرج بن مسهر الطائي، وقد قال له بحيث يسمعه: [لا حكم إلا للّه]، وكان من الخوارج

أَسْکتْ قَبَّحَكَ اللّه يَا أَثْرَمُ، فَوَاللّه لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلاً شَخْصُكَ، خَفِيّاً صَوْتُكَ ؛ حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ (4).


1) (فلم يستنصركم) اللّه، أي يطلب نصركم (من ذل ولم يستقرضكم من قل) أي من جهة قلة في ماله سبحانه (الحميد) المحمود في غناه، لا كالأغنياء البخلاء أو المسرفين منهم.

2) س ورة الحديد، الآية: 21.

3) (أن يبلوكم) أي يختبركم (أيكم أحسن عملا) ليجازي كلاً حسب عمله (جيران اللّه في داره) المراد بجيران اللّه أهل كرامته الذين هم تحت لطفه (رافق بهم رسله) أي جعل اللّه سبحانه هؤلاء الجيران مرافقين لرسله (وأزارهم ملائكته) أي أمر الملائكة بزيارتهم إكراماً لهم (أن تسمع حسيس) أي الصوت الخفي (لغوباً ونصباً) اللغوب: الإعياء الشديد، والنصب التعب (فضل اللّه يؤتيه من يشاء) ممن آمن وعمل صالحاً (واللّه ذو الفضل العظيم) على عباده (أقول ما تسمعون) هذا كلام يقوله الإنسان عندما يريد إلفات السامع، إلى أنه قد أتم الحجة، وبقي على السامع أن يعمل أو لا يعمل (واللّه المستعان على نفسي وأنفسكم) بأن يعيننا حتى نتمكن من كبح جماح أنفسنا (وهو حسبنا) أي كافياً (ونعم الوكيل) فإنّ الإنسان إذا وكل اللّه سبحانه في أمره كفاه أحسن كفاية، بفضله ولطفه.

4) (يا أثرم) وهو من سقطت ثنايا أسنانه فصار مشوهاً عند التكلم والضحك (فواللّه لقد ظهر الحق فكنت فيه ضئيلا شخصك، خفيًا صوتك) كناية على أنه لم يكن يعمل لإعلاء الحق، بل كان في معزل عن الحق (حتى إذا نعر الباطل) أي صاح، حين خروج الخوارج (نجمت) أي ظهرت (نجوم قرن الماعز) أي مثل ظهور قرن الماعز، فإنَّه يظهر ناتئاً في محل معتدل لا يلائمه، وهذا التشبيه لتحقيره.

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) حمد اللّه تعالى

إشارة:

الْحَمْدُ للّه الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلَاتَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَلَاتَرَاهُ النَّواظِرُ، وَلَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ، الدَّالَّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ، وَبِحُدُوثِ خَلقِهِ عَلَى وُجُودِهِ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَهَ له (1). الَّذي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ، وَارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمٍ عِبَادِهِ، وَقَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ، وَعَدلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ. مُسْتَشْهِدُ بِحُدُوثِ الأَشْيَاءِ عَلَى أَزليَّتِهِ، وَبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ (2). وَاحِدٌ لَا بِعَدَدٍ، وَدَائِمٌ لَا بِأَمَدٍ، وَقَائِمٌ لَا بِعَمَدٍ. تَتَلَقَّاهُ الأَنْهَانُ لَا بِمُشَاعَرَةٍ، وَتَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِي لَا بِمُنَاضَرَةٍ. لَمْ تُحِطْ بِهِ الأَوْهَامُ، بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا، وَبِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا حَاكَمَهَا لَيْسَ بِذِي كِبَرِ امْتَدَّتْ بِهِ النَّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً،


1) (لا تدركه الشواهد) جمع شاهدة أي لا تدرك الأدلة كنهه تعالى (ولا تحويه) أي لا تشتمل عليه (المشاهد) جمع مشهد بمعنى المحضر، فإنه سبحانه لا يحويه مكان، إذ ليس بجسم، (ولا تراه النواظر) جمع ناظرة، بمعنى: العين (ولا تحجبه السواتر) فإنّ الأستار لا تمنع اللّه سبحانه عن النظر إلى خلقه (الدال على قدمه) أي كونه قديما لا حدوث له (بحدوث خلقه) فإنَّ الحادث - كما نشاهد في الخلق - ما له أول، واللّه ليس له أول، إذ لو كان له حدوث لكان محتاجا، فلم يكن إلهاً (وبحدوث خلقه على وجوده) إذ لو لم يكن له وجود لم يكن خلق حادث فإنَّ الأثر يدلّ على المؤثر. (وباشتباههم على أن لا شبه له) فإنَّ الأشباه في الحكم سواء، وإذ كانت الأشباه مخلوقات لدلّت على أنّ الخالق ليس له شبيه.

2) (وقام بالقسط) أي العدل (في خلقه) والقيام كناية عن استمراره سبحانه لذلك وعدل عليهم في حكمه فحكمه عدل لا جور فيه (مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته) يعني أنه تعالى استشهد - تكويناً - وذلك لأن الحادث يدلّ على أن باريه قديم، وإلا لاحتاج إلى آخر (وبما وسمها به) أي جعل على الأشياء علامة (من العجز) بيان [ما] (على قدرته) أي أن عجز الأشياء دال على قدرته تعالى إذ لو كان عاجزاً كان كأحدها فلم يقدر على الخلق (وبما اضطرها إليه من الفناء) أي استشهد سبحانه بفناء الأشياء التي اضطرها إليه (على دوامه) إذ لو كان فانياً كأحد الأشياء فلم يكن إلهاً.

وَلَا بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظْمَتْهُ تَجْسِيداً ؛ بَلْ كَبُرَ شَأْناً، وَعَظُمَ سُلْطَاناً (1).

وَاشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّفِيُّ، وَأَمِينُهُ الرَّضِيُّ، (صلى اللّه عليه وآله وسلّم). أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ، وَظُهُورِ الْفَلَحِ، وَإِيضَاحِ الْمَنْهَج؛ فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا، وَحَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دالاً عَلَيْهَا، وَأَقَامَ أَعْلَامَ الاهْتِدَاءِ وَمَنَارَ الضّياءِ، وَجَعَلَ أَمْرَاسَ الإسلام مَنِينَةً، وَعُرَى الإِيمَانِ وَثِيقَةً (2).


1) (واحد لا بعدد) أي ليست الوحدة العددية - التي بعدها الإثنان والثلاثة وهكذا - شاملة له تعالى (ودائم لا بأمد) أي لا غاية وأمد له (وقائم لا بعمد) أي ليس له عماد، كما للإنسان القائم عماد من عظامه ورجليه وما أشبه (تتلقاه الأذهان) أي تعرفه سبحانه (لا بمشاعرة) أي بتأثر المشاعر منه، كما تتأثر الحواس من المحسوسات - إذ سبحانه ليس محسوساً - (وتشهد له المرائي) جمع مرأى بمعنى المنظر (لا بمناضرة) أي بكونه سبحانه منظوراً فيها، بل أن خلقها دال على وجود خالق له (لم تُحط به الأوهام) بأن تعرف الأذهان حقيقته تعالى (بل تجلّى لها بها) أي بسبب الأوهام فإنّ الذهن لما عرف أنه مخلوق عرف أنّ له خالقاً (وبها) أي بدلالة الأوهام على أنه سبحانه لا يمكن درك كنهه (امتنع منها) أي امتنع تعالى من أن تناله الأوهام (وإليها) أي إلى الأوهام (حاكمها) أي حاكم اللّه الأوهام، بأن قال للأذهان تفكري هل يمكن إدراك كنه اللّه ؟ فتفكرت في الأدلة، وأجابت بالنفي، لأن المحدود لا يمكن أن يشمل على غير المحدود (ليس بذي كبر) جسمي (امتدت به النّهايات) أي الطول والعرض والعمق (فكبرته تجسيماً) أي جعلته النهايات جسماً كبيراً (ولا بذي عظم تناهت به الغايات) أي انتهت إلى غاية في أطرافه، كما ينتهي كل جسم إلى غاية في جوانبه الست (فعظمته) الغايات (تجسيداً) له بأن صار سبحانه جسداً (بل كبر) أي إذا قيل كبر] كان المراد (شأناً) فهو معنوي لا مادّي (وعظم سلطاناً) لا عظمة جسمية.

2) (الصِّفي) أي الذي اصطفاه واختاره (الرّضي) أي المرضي عنده تعالى (بوجوب الحجج) أي الأدلة الواجبة الثابتة (وظهور الفلج) أي الظفر على الأعداء (وإيضاح المنهج) أي الطريق، والمراد هنا الطريق إلى رضوان اللّه تعالى (صادعا بها) أي معلناً لها (على المحجّة) أي الطَّريق السّوي (دالاً عليها) وذلك ببيان الأحكام الموجبة لنجاة العامل بها (وأقام أعلام الاهتداء) جمع علم وهو ما ينصب في الطريق لهداية السائر إلى الطريق (ومنار الضياء) المنار: المحل المرتفع الذي يوضع عليه النور لهداية السائر ليلا على الطريق (وجعل أمراس الإسلام متينة) جمع مرس، وهو جمع مرسة، بمعنى الحبل (متينة) أي قويّة، والمراد بأمراس الإسلام، أحكامه وأصوله وأخلاقه وكونها متينة، بمعنى كونها مطابقة للواقع موجبة للسعادة، فمن تمسك بها رفعته إلى الجنّة والسعادة (وعرى الإيمان) جمع عروة، وهي: ما يلزم من الإبريق والكوز وما أشبه (وثيقة) أي قوية لا تنفصم.

منها في صفة خلق أصناف من الحيوان

وَلَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ، وَجَسِيمِ النِّعْمَةِ، لَرَجَعُوا إِلى الطَّريقِ، وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، وَلَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ! أَلَا تَنْظُرُونَ إلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ، كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ، وَأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ، وَفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَسَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَالْبَشَرَ (1)! انْظُرُوا إلى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِها، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا. تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وِرُودِهَا لِصَدَرِهَا ؛ مَكْفُولَةٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوفْقِهَا ؛ لَا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ، وَلَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ، وَلَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ (2)! وَلَوْ فَكَرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا، فِي عُلْوِهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ


1) (جسيم النّعمة) أي النّعمة الكبيرة التي أنعم سبحانه بها على النّاس (ولكن القلوب عليلة) لم تمتلىء بالإيمان حتى تعمل بمقتضاه (والبصائر) جمع بصيرة (مدخولة) ليست على صفائها حتى ترى الحق، بل دخلتها وساوس الشياطين، وهوى النفس الأمارة (كيف أحكم خلقه)؟ فلا اهمل فيه بعض النواحي الصغيرة كما هو عادة الإنسان لا يهتم بالأمور الصغيرة وإنما يصب اهتمامه على الأمور الكبيرة (وأتقن تركيبه في جعل الأدوات والأجهزة له (وفلق) أي خلق (له السمع والبصر) شق في رأسه موضعها (وسوّى له العظم) أي جعله سويا صحيحا (والبشر) جمع بشرة والمراد بها مقابل العظم.

2) (بلحظ البصر) أي برؤية العين ولا بمستدرك الفكر) أي بالفكر الذي استدرك ونبه الإنسان إليه بعد الغفلة (كيف دبّت) تحركت (وصبت على رزقها) فإنّ النّمل يجتمع على الأرزاق المقدرة لها، في شبه الانصباب (جحرها) والجحر المنزل (في مستقرها) أي محل استقرارها (وفي ورودها لصدرها) أي تجمع في حال رجوعها إلى الخارج، لحالها إذا رجعت إلى جحرها (مكفولة برزقها) فإنّ اللّه سبحانه كفل لها رزقها (مرزوقة بوفقها) أي أنها رزقت رزقاً موافقاً لها (لا يغفلها المنّان) أي لا يجعلها اللّه سبحانه غافلة حتى لا تكد لرزقها (ولا يحرمها الديان) بأن يمنعها من الرزق فقد أعطاها الفطنة لجمع الرزق، والمنّان كثير المن والعطاء، والديان: كثير الحكم على الخلائق (ولو في الصفا) هي الصخرة الصلبة الملساء (والحجر الجامس) أي الجامد.

خَلْقِهَا عَجَباً، وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً (1)! فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا! لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ، وَلَمْ يُعِنْهُ في خَلْقِهَا قَادِرٌ (2). ! وَلَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبٍ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ، وَغَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ. وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ (3)، وَالثّقِيلُ وَالْخَفِيفُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، فِي خَلْقِهِ إِلا سَوَاءٌ.

وَكَذلِكَ السَّمَاءُ وَالْهَوَاءُ، وَالرِّيَاحُ وَالْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ، وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَاخْتِلَافِ هذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَفَّجُرِ هذِهِ الْبِحَارِ، وَكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ، وَطُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَتَفَرُّقِ هذِهِ اللُّغَاتِ، وَالأَنْسُن الْمُخْتَلِفَاتِ (4). فَالْوَيْلُ لِمَنْ جَحَدَ المُقَدِّرَ، وَأَنْكَرَ الْمُدَبِّرَ! زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ، وَلَا لاِخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ ؛ وَلَمْ يَلْجِلُّوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا


1) (في مجاري أكلها) والمراد بالمجاري الأمعاء (في علوها وسفلها) إذ الغذاء يصعد وينزل في الأمعاء الملتوية (وما في الجوف من شراسيف بطنها) وهي أطراف البطن الداخلية التي تشرف على البطن. (وما في الرأس من عينها وأذنها) بكل نظام ودقة (لقضيت من خلقها عجبا) أي تعجبت تعجبا كاملا (ولقيت من وصفها تعبا) فإنّ الإنسان إذا أراد وصفها وصفاً دقيقاً تعب ونصب.

2) (وبناها) أي بنى جسمها (على دعائمها) جمع دعامة أي الأعضاء والآلات (لم يشركه) سبحانه (في فطرتها) أي خلقتها (فاطر) شريك غيره (ولم يعنه في خلقها قادر) فإنَّه سبحانه لا يستعين بشيء في خلقه للأشياء.

3) (ولو ضربت في مذاهب فكرك) أي صرفت الفكر هنا وهناك، تشبيها بالضرب في الأرض (لتبلغ غاياته) أي غاية الفكر (ما دلتك (الدّلالة) أي الأدلة والبراهين (لدقيق تفصيل كلّ شيء) أي أن الدقة في كل شيء يدل على أن الخالق واحد (و غامض اختلاف كلّ حي) أي أن كل حي مع اختلافه مع سائر الأحياء غامض في التركيب والأجهزة (وما (الجليل) أي العظيم (واللطيف) أي الدقيق.

4) (واختلاف هذا الليل والنهار) كون كل واحد منهما خلف للآخر، وآتياً مكانه (وتفجر هذه البحار) فإنّ الأمواج والتيارات توجب ظهور التفجّر في البحار (وطول هذه القلال) البحار (وطول هذه القلال) جمع قلة، وهي رأس الجبل (وتفرّق هذه اللغات) فلكل قوم لغة خاصة، كالعربية والفارسية والتركية (والألسن المختلفات) فلكل إنسان لهجة خاصة ونبرة مخصوصة به تميز صوته عن أصوات أشباهه.

ادَّعَوْا، وَلَا تَحْقِيقِ لَمَا أَوْعَوْا، وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ، أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جانٍ (1)!

وَإِنْ شِئتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ، إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ، وَأَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ، وَجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ، وَفَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيِّ، وَجَعَلَ لَهَا الحِسَّ الْقَوِيَّ، وَنَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ، وَمِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ (2). يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا، وَلَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ، حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا وَتَقَضِي مِنْهُ شَهَوَاتِهَا. وَخَلْقُهَا كُلُّهُ لَا يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَةً (3).

فَتَبَارَكَ اللّه الَّذِي (يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً) (4)، وَيَعْنُو لَهُ خَدّاً وَوَجْهَا، وَيُلْقِي إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ سِلْماً وَضَعْفاً، وَيُعْطِي


1) (المقدّر) أي اللّه سبحانه الذي قدر هذه الأشياء وخلقها (المدبر) الذي دبّر (زعموا أنهم كالنّبات) الذي يخرج في البرية بلا زارع إنساني (ما لهم زارع) خلقهم وكونهم ولا لاختلاف صورهم صانع أي صانع جعلهم مختلفين في الصورة (لم يلجأوا) أي لم يستندوا (إلى حجّة) برهان (فيما ادّعوا) من أنه لا صانع للكون (ولا تحقيق لما أوعوا) بمعنى [وعوا] أي بما حفظوا وجعلوا صدورهم خزانة له، فإنَّ الجهال يعون بلا تدبّر وأدلّة بخلاف العلماء الذين لا يحفظون إلّا ما قامت عليه البراهين.

2) (وأسرج لها) الإسراج: إضاءة السراج، أي المصباح (حدقتين) الحدقة محل الرؤية في العين و (قمراوين) أي مضيئتين، كأن كلا منهما ليلة قمراء أضاءها القمر (وجعل لها السمع الخفي) غير الظاهر في جسمها (وفتح لها الفم السوي) أي المستوى الذي لا انحراف فيه (وجعل لها الحس القوي) فإنّها تحس بالأشياء، ولذا تفرُّ طائرةً إذا علمت بالخطر (ومنجلين) المنجل: آلة مقوسة من حديد يُحصد بها الزرع (بهما تقبض) والظاهر أن المراد بهما يداها فإنَّهما خشنتان عوجاوتان كالمنجل.

3) (يرهبها الزّراع في زرعهم) لأنها تأكل الزرع (ذبّها) أي دفعها (ولو اجلبوا بجمعهم) أي تهيأوا جميعاً (حتى ترد الحرث) أي الزرع (في نزواتها) يقال نزا عليه إذا وثب أي في وثباتها (وتقضي منه في شهواتها) أي شهوتها الأكل حتى تشبع (لا يكوِّن إصبعا) أي بمقدار إصبع (مستدقة) أي دقيقة صغيرة (فتبارك) بمعنى الثبات والبقاء، أصله من برك الإبل، إذا نامت على الأرض.

4) سورة الرعد الآية: 15.

لَهُ الْقِيَادَ رَهْبَةً وَخَوْفاً ! فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لأَمْرِهِ؛ أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَالنَّفَسِ، وأرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَالْيَبَسِ ؛ وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهَا، وَأَحْصَى أَجْنَاسَهَا (1)، فَهذَا غُرَابٌ وَهذَا عُقَابٌ. وَهَذَا حَمَامٌ وَهذَا نَعَامٌ. دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ، وَكَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ. وَأَنْشَأَ السَّحَابَ الثَّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا، وَعدَّدَ قِسَمَهَا (2). فَبَلَّ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا، وَأَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا.

وَمِنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة

مَا وَحْدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، وَلَا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَلَهُ، وَلَا إِيَّاهُ عَلَى مَنْ شَبَّهَهُ، وَلَا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَتَوَهَّمَهُ (3). كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ، وَكُلُّ قَائِمٍ في سِوَاهُ مَعْلُولٌ. فَاعِلٌ لَا بِاضْطِرَابٍ آلَةٍ، مُقَدِّرٌ لَا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ، غَنِيٌّ لَا


1) (اللّه الذي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ) سجوداً تكوينيا، بمعنى الخضوع، أو أن لكل شيء سجود واقعي، فإنَّ من المحتمل تزود كل شيء بنوع من المعرفة والإدراك، وإن كنا لا ندرك كيفية ذلك (طَوْعاً وَكَرْهاً) هذا كناية عن قطعية السجود، لا لبيان أن بعض الأشياء تسجد كرها (ويعنو) أي يخضع (خدا ووجها) أي اتجاها، فإنَّ الوجه سمي بذلك لاتجاهه نحو المطلوب، واتجاه الأشياء إليه فيما إذا أريد التوجه نحوه (مسخّرة لأمره) تعالى، لا تتمكن أن تزول عن الخطة التي جعلها لها (أحصى) تعالى (عدد الرّيش منها والنّفس) أي عدد أنفاسها التي تتنفّس بها وأرسى قوائمها أي جعل أرجلها (على النّدى) أي الماء (واليبس) أي الأرض، فمن الطير ما يسكن الماء، ومنه ما يسكن في الأرض (وقدر أقواتها) فلكل واحد من أقسام الطير قوت خاص قدّر له (وأحصى) أي حسب (أجناسها) بمعنى أنه علم عدد أجناس الطيور.

2) (وأنشأ) أي خلق (السحاب الثّقال) أي الثَّقيلة بالماء (فأهطل ديمها) أي مطرها فإن ديم جمع ديمة، وهو مطر يدوم في سكون وإهطال، جعلها بحيث تتتابع بالمطر (وعدّد قسمها) بمعنى أحصى ما قدر من تلك الأمطار لكل بقعة من بقاع الأرض.

3) (ما وحده من كيّفه) أي لم يجعل اللّه سبحانه واحداً من جعل له كيفا، أي حالة، إذ الحالة غير الذات، فيوجب ذلك الاثنينية (ولا حقيقته أصاب من مثله) أي جعل له سبحانه مثالاً (ولا إيّاه عَنى) أي قصد (من شبهه) أي جعل له شبيها (ولا صمده) أي قصده (من أشار إليه) لأن الإشارة تستلزم الجسمية والجهة واللّه ليس بجسم ولا له جهة (وتوهمه) أي تصوّره فإنَّ کنهه سبحانه مخفي.

بِاسْتِفَادَةٍ (1). لَا تَصْحَبُهُ الأوْقَاتُ، وَلَا تَرْفِدُهُ الأَدَوَاتُ ؛ سَبَقَ الأَوْقَاتَ كَوْنُهُ، وَالعَدَمَ وَجُودُهُ، والابْتِدَاءَ أَزَلُهُ. بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ (2). ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، وَالْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ، وَالْجُمُودَ بِالْبَلَلِ، وَالْحَرُورَ بِالصَّرَدِ. مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا، مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا، مُقَرِّبُ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا (3). لَا يُشْمَلُ بِحَدٌ، وَلَا يُحْسَبُ بِعَدٌ، وَإِنَّمَا


1) (كل معروف بنفسه) أي كل ما كان ذاته معروفة، ونفسه واضحة لدى الإنسان (مصنوع) أي مخلوق، إذ ذات الخالق لا تعرف فإنّها غير محدودة، والذهن المحدود لا يمكن أن يحتوي على ما ليس بمحدود (وكلّ قائم في سواه) أي ما كان قيامه ووجوده بسبب غير نفسه (معلول) أي له علة، بخلاف ما كان قيامه بذاته - وهو اللّه سبحانه - فإنَّه علة وليس بمعلول لشيء (فاعل لا باضطراب آلة) أي لم يضطرب سبحانه في خلق الأشياء، كما تتحرك وتضطرب آلات الإنسان - أي جوارحه - لدى إرادته أن يعمل عملاً ما (مقدّر لا بجول فكرة) فإنّ الإنسان إذا أراد أن يقدر شيئاً ويخطّطه لابد وأن يحرّك فكره أولاً، وليس كذلك اللّه سبحانه، إذ لا فكر له وإنما علم وإرادة (غني لا باستفادة) الثروة والقدرة من غيره، وإنما هو سبحانه غني بذاته.

2) (لا تصحبه الأوقات) فإنّ الوقت حادث، والقديم يستحيل عليه مقارنة الحادثات (ولا ترفده) أي تعينه (الأدوات) أي الآلات كما تعين الإنسان في حوائجه (سبق الأوقات كونه) أي وجوده سبحانه إذ الوقت حادث وهو قديم (والعدم وجوده) وليس كالممكنات التي يسبق على وجودها العدم إذ إنها معدومة ثم توجد (والابتداء أزله) فهو أول ولا ابتداء له (بتشعيره المشاعر) جمع مشعر، بمعنى آلة الشعور والإدراك كالعين والأذن، أي بجعله سبحانه لهذه المشاعر (عرف أن لا مشعر له) أي لا حاسة له، إذ هو سبحانه لا يشابه خلقه، فإذا جعل شيئاً في الخلق دلّ ذلك على نفيه عن وجوده سبحانه (وبمضادته بين الأمور) أي جعل بعضها ضد بعض كالحرارة ضد البرودة، والسواد ضد البياض (عرف أن لا ضدّ له) إذ الضّدّان أمران وجوديان يخلف أحدهما الآخر، واللّه سبحانه لا يخلف مكانه شيء، كما أنه لا يخلف شيئاً (وبمقارنته بين الأشياء) بأن جعل بعضها قرين بعض كجعل اللحم قرين الدم في جسم الإنسان عرف أن لا قرين له فإنّ الاقتران حدوث حالة للشيء بعد عدمها، واللّه سبحانه لا تتبدّل عليه الأحوال.

3) (ضاد النور بالظلمة) أي جعل بينهما تضادا (والوضوح بالبهمة) فإنَّ الظهور ضد الخفاء، والبهمة بمعنى الخفاء (والجمود بالبلل) فإنَّ البلة سيالة، والجمود ثابت، كالماء والحجر (والحرور) شدة الحر (بالصرد) أي شدة البرد (مؤلّف بين متعادياتها) فإنَّه سبحانه جمع في جسم الإنسان بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، كما ثبت في الطب (مقارن بين متبايناتها) والمباين يراد به المضاد (مقرّب بين متباعداتها) ممّا يبعد بعضها عن بعض في الطبيعة، كالماء والنار (مفرّق بين متدانياتها) أي ما كان دانياً لآخر، كجزأين من عنصر واحد في جسمين مختلفي المزاج.

تَحُدُّ الأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا، وَتُشِيرُ الآلَةِ [الآلات - خ ] إِلَى نَظَائِرِهَا. مَنَعَتْهَا (مُنْذُ) الْقِدَمِيَّةَ، وَحَمَتْهَا (قَدُ) الأَزَلِيَّةَ، وَجَنَّبَتْهَا (لَوْلَا) التَّكْمِلَةَ! بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ (1)، لَا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَالْحَرَكَةُ، وَكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هوَ أَجْرَاهُ، وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ، وَيَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ ! إِذا لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ، وَلَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ، وَلَامْتَنَعَ مِنَ الأَزَلِ مَعْنَاهُ، وَلَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ، وَلالْتَمَسَ النّمَامَ إذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ (2). وَإِذا لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ، وَلَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ، وَخَرَجَ بِسُلْطَانِ الاِمْتِنَاع


1) (لا يشمل بحد) بأن يمكن تحديده، إذ هو تعالى غير محدود، فإنَّ الحد زمان أو مكان أو كيف أو ما أشبه، وكلها من لوازم الإمكان (ولا يحسب بعدٍ) أي أنه واحد لكن ليس بالعدد الذي هو من جنس الثاني والثالث، ممّا يطرأ على الممكنات المعدودة (وإنّما تحدّ الأدوات أنفسها) أي الأدوات التي تحدد الأشياء، كالزمان والمكان إنما تحدد ما من قبيلها في الإمكان، ولا يمكن أن تحد [اللّه] سبحانه الذي ليس من قبيل هذه الأشياء (وتشير الآلة إلى نظائرها) إذ الإشارة من صفات الجسم، مشيرا، ومشاراً إليه (منعتها (منذ) القدميّة) أي كونه سبحانه قديما، مانع من إطلاق [منذ] عليه، إذ [ منذ] دالة على الزمان، والقدم قبل الزمان (وحمتها) أي منعت عن ذاته سبحانه (قد) أي من إطلاق لفظة [قد] عليه (الأزليّة) أي كونه أزلياً (وجنّبتها (لولا) التكملة) فإنَّ المخلوق يقال فيه [لولا فاعله ما وجد] فهي تكملة للماهية واللّه سبحانه حيث لا علة له يمتنع في حقه [لولا] أي بتلك الصفات التي ذكرت له سبحانه (تجلى صانعها) أي صانع الأشياء (للعقول) أو المراد به [منذ] و [قد] و[لولا] تجلى صانع هذه الثلاثة، والمعنى أنه حيث نرى أن الأشياء لها [زمان] و [عدم] و [وجود] و[علة] نعرف أن الخالق ليس له شيء منها، فضمير [بها] و [صانعها] يرجع إلى [قد] و[ منذ] و[لولا] - وهذا أظهر - (وبها امتنع عن نظر العيون) أي بسبب احتفاء هذه الأشياء [قد] و[ منذ] و[لولا] بالممكنات امتنع تعالى عن الرؤية.

2) (لا يجري عليه) سبحانه (السكون والحركة) إذ هما من أوصاف الجسم، وليس سبحانه جسما (وكيف يجري عليه ما هو أجراه) فإنَّهما مخلوقان له، وكيف يصدق المخلوق على خالقه؟ (ويعود فيه) أي يكون عود هذين في اللّه تعالى - بأن يصدق عليه – (ما هو أبداه) أي الشيء الذي اللّه تعالى أبداه وأظهره ويحدث فيه تعالى (ما هو أحدثه) فإنَّ اللّه أحدث وأوجد الحركة والسكون، فلا يحدثان فيه (إذاً لتفاوتت ذاته) أي لاختلفت باختلاف الأعراض عليه (ولتجزأ كنهه) أي صارت صفته ذات أجزاء، إذ الحركة والسكون من خواص الجسم، والجسم مجزأ منقسم (ولامتنع من الأزل معناه) لأن الذي تطرأ عليه الأحوال ليس إلّا ممكنا، والممكن حادث لا أزل (ولكان له وراء إذ وجد له أمام) فإنَّ الحركة والسكون من آثار الجسم (ولا لتمس التّمام إذ لزمه النقصان) إذ الحركة لا تكون إلا لدرك الناقص، فيلزم أن يكون سبحانه ناقصاً يلتمس أن يتم نفسه بالحركة.

مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُوفِّرُ في غَيْرِهِ، الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الأقولُ (1). لَمْ يَلِدْ فِيَكُونَ مَوْلُوداً، وَلَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً، جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الأَبْنَاءِ، وَطَهُرَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ. لَا تَنَالُهُ الأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ، وَلَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوّرَهُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُ فَتُحِسَّهُ، وَلَا تَلْمِسُهُ الأَيْدِي فَتَمَسَّهُ (2). لَا يَتَغَيَّرُ بحَالٍ، وَلَا يَتَبَدَّلُ بالأَحْوَالِ وَلَا تُبْلِيهِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامُ، وَلَا يُغَيِّرُهُ الصِّيَاءُ وَالظَّلَامُ، وَلَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنَ الأَجْزَاءِ، وَلَا بِالْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ، وَلَا بِعَرَضٍ مِنَ الأَعْرَاضِ، وَلَا بِالْغَيْرِيَّةِ وَالأَبْعَاضِ (3). وَلَا يُقَالُ : لَهُ حَدٌ وَلَا نِهَايَةٌ، وَلَا انْقِطَاعٌ وَلَا غَايَةٌ ؛ وَلَا أَنَّ الأَشْيَاءَ تَحْوِيهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِيَهُ، أَوْ أَنَّ شَيْئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ (4). لَيْسَ فِي الأَشْيَاءِ بِوَالِجِ، وَلَا عَنْهَا بِخَارِج.


1) (وإذا لقامت آية المصنوع فيه) أي علامة كونه مصنوعاً ومخلوقاً (ولتحوّل دليلا) على إله آخر (بعد أن كان مدلولا عليه) بالآثار، فإنَّ الإله يستدل عليه بآثاره (وخرج بسلطان الامتناع) أي كونه ممتنعاً عليه صفات المخلوقين (من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره) فالأشياء التي تؤثر بالمخلوقات لا تؤثر فيه سبحانه (الذي لا يحول) من حال إلى حال (الأفول) أي الغياب.

2) (ولم يولد فيصير محدودا) لأنه يكون له بدء ويكون مشمولاً لغيره، وكلاهما حد (لا تناله الأوهام) أي لا تصل إلى كنه معرفته العقول (فتقدّره) بأن تجعل له تقديرا (ولا تتوهمه الفطن) جمع فطنة، بمعنى الإدراك (فتصوره) بأن تجعل له صورة (ولا تدركه الحواس فتحسّه) أي يكون سبحانه محسوسا لها.

3) (لا يتغير بحال) بأن ينتقل من حال إلى حال (ولا يتبدّل) ذاته (بالأحوال) كأن يكون شابا وهرما وما أشبه (ولا تبليه الليالي والأيام) كما تبلى سائر المخلوقات، (ولا يغيّره الضّياء والظَّلام) كأن يقع عليه النور، عند شروق الشمس، ويحويه الظلام إذا جاء الليل (ولا يوصف بشيء من الأجزاء) فلا يقال إن له جزءاً مادياً كاللحم والدم أو جزءاً عقليا، كالجنس والفعل (ولا) يوصف (بالجوارح والأعضاء) كأن يقال له يد أو رجل أو عين أو ما أشبه (ولا بعرض من الأعراض) كالأحمر والأبيض، والطّويل والقصير، (ولا بالغيرية) كان يقال إنه تعالى [ غير الشيء الفلاني] كما يوصف الممكن بذلك، فيقال زيد غير عمرو (والأبعاض) فلا يقال إن بعضه سبحانه كذا وبعضه كذا.

4) (ولا يقال له حدّ) أي مقدار محدود (ولا نهاية) أي آخر، فهو غير محدود الصفات وباق إلى الأبد (ولا انقطاع ولا غاية) فلا تنقطع ذاته أو صفاته، ولا أمد لوجوده سبحانه (ولا أنّ الأشياء تحويه) فليس محويا للسماء أو الأرض أو ما أشبه (فتقله) أي ترفعه كالأرض التي تقل الإنسان (أو تهويه) أي تخفضه كالسماء التي تظل الإنسان (أو أَنَّ شيئاً يحمله) كأن يكون فوق العرش (فيميله) إلى جانب من الجوانب، كما يميل الحامل حمله (أو يُعَدِّلَهُ) بأن يكون مستويا عليه لا ميل له إلى جانب.

يُخْبِرُ لَا بِلِسَانِ وَلَهَوَاتٍ وَيَسْمَعُ لَا بِخُرُوقٍ وَأَدَوَاتٍ (1). يَقُولُ وَلَا يَلْفِظُ، وَيَحْفَظُ وَلَا يَتَحَفَّظُ، وَيُرِيدُ وَلَا يُضْمِرُ، يُحِبُّ وَيَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَةٍ، وَيُبْغِضُ وَيَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ (2). يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ، لَا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ، وَلَا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ ؛ وَإِنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَمَثْلَهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ كَائِناً، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً (3)، لَا يُقَالُ : كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصَّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فَصْلٌ، وَلَا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلُ، فَيَسْتَوِيَ الصَّانِعُ وَالْمَصْنُوعُ، وَيَتَكَافَةَ المُبْتَدِعُ وَالْبَدِيعُ (4). خَلَقَ الْخَلَائِقَ


1) (ليس في الأشياء بوالج) أي داخل كدخول الماء في الإناء (ولا عنها بخارج) بأن يكون غير مسلط عليها بالعلم والقدرة (يخبر لا بلسان ولهوات) جمع لهات، وهي اللحمة المتدلية في أقصى الفم، إذ ليس سبحانه جسما (ويسمع لا بخروق) جمع خرق، كخرق أذن الإنسان (وأدوات) أي أدوات الاستماع، كما في الإنسان من الطبلة الأذنية، والعظم وما أشبه.

2) (يقول ولا يلفظ) بلسان (ويحفظ ولا يتحفظ) أي لا يكلف نفسه الحفظ، كما يتكلف الإنسان حفظ الأشياء (ويريد ولا يضمر) كما يضمر الإنسان لأنه تعالى ليس ضميراً وباطناً (يحب ويرضى) يحب ويرضى بالأعمال الصالحة (من غير رقة) قلبية، كما في الإنسان، فإنَّ حب الإنسان ورضاه يلازم رقة في قلبه، وذلك لأنه تعالى لا قلب له، ولا تطرأ عليه الأحوال (ويبغض) الأشياء الفاسدة (ويغضب) على من يخالف أوامره (من غير مشقّةٍ) عناء، كما تعرض المشقة النفسية للإنسان حينما يبغض ويغضب.

3) (يقول لمن أراد كونه) أي إيجاده (كن فـ) بمجرد صدور هذا الأمر (يكون) ذلك الشخص (لا بصوت يقرع) الأسماع ويصطك بها (ولا بنداء يسمع) كما يسمع نداء الإنسان (وإنّما كلامه سبحانه فعل منه) فإرادة وفعل بلا تكلم بلفظة [كن] وإنّما هذا إشارة إلى الفعل الصادر منه تعالى (انشاه) أي أبدع وأوجد ذلك الفعل المراد (ومَثْلَهُ) أي مثل هذا الإنشاء لم يكن (من قبل ذلك كائنا) إذ الإيجاد أمر حادث (ولو كان قديماً لكان إلها ثانيا) إذ القديم الذي لا أول له [إله ] لعدم الخالق له، حتى يكون مخلوقا فالقول بقديم الكلام يستلزم القول بتعدد الآلهة، ثم لا يخفى أن كون كلامه تعالى فعله، لا يستلزم أن لا يكون له كلام بمعنى إيجاد الأصوات في الهواء ونحوه.

4) (لا يقال كان) بمعنى وجد (بعد أن لم يكن) له وجود – كما يقال ذلك بالنسبة إلى المخلوقات – (فتجري عليه الصِّفات المحدثات) إذ الوجود بعد العدم من صفات الحادث، لا من صفات القديم تعالى (ولا يكون بينها) أي بين الصفات (وبينه) تعالى (فصل) بأن تكون الصفة شيئاً والموصوف شيئاً آخر إذ لو كان كذلك لزم الاثنينية، وتعدد الآلهة، بل صفاته سبحانه عين ذاته (ولا له عليها) أي على الصفات (فضل) وزيادة، بأن تكون ذاته قديما، والصفات حادثة - إذ للقديم فضل على الحادث - لأن ذلك يستلزم كونه سبحانه محلا للحوادث، ومعرضا للتغير والتبدل (فيستوى الصانع والمصنوع) إذ المصنوع صفاته غير ذاته، ولذاته فضل التقدم على صفاته (ويتكافأ المبتدع) أي يتماثل اللّه الذي كان بدأ الأشياء وقبلها (والبديع) أي المصنوع الذي خلق وابتدع.

عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ. وَأَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالِ، وَأَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ، وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ، وَرَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ، وَحَصَّنَهَا مِنَ الأَوَدِ وَالاعْوِجَاجِ، وَمَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَالاِنْفِرَاج (1). أَرْسَى أَوْتَادَهَا، وَضَرَبَ أَسْدَادَهَا، وَاسْتَفَاضَ عُيُونَهَا، وَخَدَّ أَوْدِيَتَهَا ؛ فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ، وَلَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ (2). هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَهُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَالْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلَالِهِ وَعِزَّتِهِ. لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ، وَلَا يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْقَهُ (3)، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ. حَضَعَتِ الأَشْيَاءُ لَهُ،


1) (على غير مثال خلا) أي بقي ذلك المثال (وأنشأ الأرض فأمسكها) من الانفراط عن فلكها (من غير اشتغال) فإنَّ إنشاءه سبحانه بالإرادة لا بالشغل والعمل (وأرساها) أي جعلها راسية لا تضطرب ولا تتزلزل (على غير قرار) إذ لا موضع وضعت فيه الأرض، وإنما هي كرة معلقة في الفراغ (وأقامها) أي جعلها قائمة غير زائلة (بغير قوائم) جمع قائمة، بمعنى العمود (وحصنها) أي حفظها (من الأود) أي الانحراف _والاعوجاج) أي الزيغ والميل إلى جانب... (ومنعها من التهافت) أي التساقط قطعة قطعة (والانفراج) أي الانشقاق بأن تنشق فتكون بين أبعاضها فواصل من الفضاء، كأنها أجسام متعددة.

2) (أرسى) أي أثبت وأحكم (أوتادها) جمع وتد، والمراد بها الجبال التي هي كالمسامير الثابتة في اللوح (وضرب أسدادها) أي جعل الفواصل الجبلية بين قطعات الأرض (واستفاض عيونها) أي جعل العيون تفيض بالماء، (وخدّ) أي شق (أوديتها) جمع وادي، بمعنى: النّهر (فلم يهن) أي لم يضعف ما بناه تعالى بمعنى أنه خلق كل شيء من خلقه ببناء محكم مستحكم (ولا ضعف ما قواه) أي ما جعله قويا.

3) (هو الظاهر عليها) أي المسلط على المخلوقات (بسلطانه وعظمته) فإنَّ سلطته تعالى مستولية على كل شيء (وهو الباطن لها) أي العالم ببواطن الأشياء (بعلمه ومعرفته) من البواطن والمخفيات (والعالي على كلّ شيء منها) أي أنه أعلى من كل شيء من المخلوقات (بجلاله وعزته) أي لأنه جليل وعزيز (لا يعجزه شيء منها طلبه) فمطلوبه لا يتمكن من الامتناع منه (فيغلبه) إذ لو تمكن من الامتناع عنه سبحانه، لكان غالبا عليه ولا يفوته السريع منها فيسبقه كما قد يفوت السائر سريعا عمن يطلبه ويريد أخذه.

وَذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ، لَا تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَضَرِّهِ، وَلَا كُفْءَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ. هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا (1).

وَلَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بعد ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا. وَكَيْفَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا، وَمَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَسَائِمِهَا، وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَأَجْنَاسِهَا، وَمُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وَأَكْيَاسِهَا، عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ، مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا، وَلَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا، وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْم ذلِكَ وَنَاهَتْ، وَعَجِزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ، وَرَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً، عَارِفَةً بأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ، مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا، مُدْعِنَةٌ بِالضَّعْفِ عَنْ إفْنَائِهَا (2)!

وَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ. كَمَا كَانَ قَبْلَ


1) (من نفعه وضرّه) بأن لا تكون مشمولة لنفع أنه لها ولا لضده عليها (ولا كفء له) أي لا مثل له تعالى (فيكافئه) أي يماثله (ولا نظير له فيساويه) في الذات والصفات (هو المفني لها بعد وجودها) فإنَّه تعالى يعدم الموجودات (حتى يصير موجودها كمفقودها) عدماً بعد أن كان.

2) (وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها) أي خلقها وإيجادها (بأعجب من إنشائها واختراعها) فإنَّ كلا منهما لغير القادر محال وللقادر ممكن، فمن قال كيف لا تكون بعد أن كانت؟ يقال له: كيف كانت بعد أن لم تكن؟ (لو اجتمع جميع حيوانها) أي أقسام حيوانات الدنيا (وبهائمها) جمع بهيمة، هي الحيوانات، سميت بها لأنها لا تقدر على النطق (وما كان من مراحها وسائمها) أي ما كان من الحيوان في مأواه وما كان في مرعاه، فإن السائم الحيوان حال الرعي، من سام إذا رعى والمراح اسم مفعول من أراح الإبل إذا ردّه إلى مكانه (وأصناف أسناخها) أي أصولها، فإِنَّ السنخ بمعنى الأصل، والمراد الأجناس العالية كالطير، والوحش والسمك (وأجناسها) أي الأنواع كالحمامة، والبلبل، والدراج - في الطير - والأسد والنمر، والثعلب - في الوحوش، وهكذا (ومتبلّدة أممها) جمع أمة بمعنى: الطائفة، فإن كل حيوان أمة والمراد بالمتبلدة: الغبية من الحيوانات (وأكياسها) جمع كيس، بمعنى: الفطن الحاذق (تناهت) أي وصلت إلى النهاية بدون أن تقدر على الإيجاد (ورجعت خاسئة) أي ذليلة (حسيرة) أي كليلة (عارفة بأنّها مقهورة) قد قهرت وردّت (عن إنشائها) أي إيجادها (مذعنة بالضعف عن إفنائها) أي لا تقدر على إفنائها، وإنما تقدر على إزهاق روحها وسحقها، أما الإفناء فهو خاص باللّه سبحانه.

ابْتِدَائِهَا، كذلكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا بِلا وَقتٍ وَلَا مَكَانٍ، وَلَا حِينٍ وَلَا زَمَانٍ. عُدِمَتْ عِنْدَ ذلِكَ الرّجَالُ وَالأَوْقَاتُ وَزَالَتِ السِّنُونَ وَالسَّاعَاتُ (1). فَلَا شَيْءَ إلا الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الأُمُورِ. بِلَا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا، وَبِغَيْرِ امْتِنَاعِ مِنْهَا كَانَ فناؤُها، وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَى الامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا. لَمْ يَتَكَاءَدُهُ صُنْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ، وَلَمْ يَؤُدُهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَبَرَأَهُ، وَلَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلَا خَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَنُقْصَانٍ، وَلَا لِلاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ، وَلَا لِلاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدَّ مُثَاوِرٍ، وَلَا لِلاِزْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ، وَلَا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ، وَلَا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ (2)، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا.

ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا، لَا لِسَأمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَتَدْبِيرِهَا، وَلَا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ، وَلَا لِثقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ لَا يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوهُ إِلَى سُرْعِةِ إِفْنَائِهَا، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وَأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وَأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا (3)، وَلَا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا، وَلَا لاِنْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالٍ اسْتِئْنَاسٍ، وَلَا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَعَمًى


1) (بلا وقت ولا مكان) أي يفني حتى الوقت والمكان (ولا حين ولا زمان) ولا يخفى أن هذا الكلام صريح في انعدام الكون، لا في تفرق أجزائه، كما هو المسلك الآخر في المسألة، وأما شبهة لزوم ذلك وإعادة المعدوم عند الحشر فهي مدخولة (عدمت عند ذلك الآجال) جمع أجل، أي مدة الأشياء (والأوقات) أي الأزمنة (وزالت السنون والساعات) فلا سنة، ولا ساعة، كما لا مكان ولا يكن.

2) (لم يتكاءده) أي لم يشق عليه (ولم يؤده) أي لم يثقله (برأه) أي أوجده (لتشديد سلطان) أي لتقوية سلطانه وملكه (ولا خوف من زوال ونقصان) فأراد بذلك أن يصنع ما يعينه حتى لا يزول، أو لا ينقص عديده (على ند) أي مثل للإله (مكاثر) يباهي بكثرته - إذ لا مثل له سبحانه - (ولا للاحتراز بها) التجنب (من ضد مثاور) يريد الثورة والهجوم على اللّه سبحانه - فإنَّه لا إله إلا هو سبحانه - (في ملكه) تعالى (ولا لمكاثرة شريك في شركه) بأن يريد أن يبين لشريكه، أنا أكثر منك خلقا - إذ لا شريك له تعالى - (ولا لوحشة كانت منه) عند وحدته قبل خلق الخلق والوحشة حالة رعب تلزم النفس عند الوحدة، وإن لم يخف من شيء.

3) (لا لسأم) ملل (وأمسكها) أي حفظها ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه تعالى (إليها) فإنَّ الإعادة للحشر ليست من جهة الحاجة، بل من باب الصلاح والحكمة.

إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَالْتِمَاسِ، وَلَا مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ إِلَى غِنِّى وَكَثْرَةٍ، وَلَا مِنْ ذُلّ وَضَعَةٍ إِلَى عِزّ وَقُدْرَةٍ.

وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي في ذكر الملاحم

أَلَا بِأَبِي وَأُمِّي هُمْ مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَفِي الأَرْضِ مَجْهُولةٌ. أَلَا فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ، وَانْقِطَاعِ وُصْلِكُمْ، وَاسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ (1). ذاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ الدَّرْهَم مِنْ حِلْهِ. ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي. ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ، بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ وَالنّعِيمِ، وَتَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ، وَتَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجِ. ذَاكَ إِذَا عَضَكُمُ الْبَلَاءُ كَمَا يَعضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ، مَا أَطْوَلَ هذَا الْعَنّاءَ، وَأَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ (2)!

أَيُّهَا النَّاسُ، أَلْقُوا هذِهِ الأَزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الأَنْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ، وَلَا


1) (الا بأبي وأمي) الباء للتفدية، أي أفديهم بالأب والأم (هم) إشارة إلى الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) من ولده (من عدّةٍ) أي جماعة (أسماؤهم في السماء معروفة) حيث تعرفهم الملائكة (وفي الأرض مجهولة) عند معظم الناس (من إدبار أموركم) فإنَّ الأمور تدبر عند حكم الظلمة (وانقطاع وصلكم) أي صلة بعضكم ببعض، إذ الظلمة يوجبون تفرق الكلمة (واستعمال صغاركم) فإنَّ كبار النفوس العقلاء لا يعملون مع الظلمة المنحرفين، ولذا تستعمل الظلمة - دائماً - الصغار والأراذل.

2) (على المؤمن أهون) أي أقل تعباً (من الدّرهم من حلّه) فإنَّ الظلمة يفسدون المكاسب ويخلطون الحلال بالحرام، ممّا يوجب تعسر تحصيل الرزق الحلال (ذاك حيث يكون المعطى) وهو الفقير (أعظم أجراً من المعطي) الذي هو الغني، إذ الأغنياء يتلوثون بالمحرمات، حيث إن أموالهم لا تحصل إلا من الحرام فيكون لهم في الإعطاء أجر الظاهر فقط (ذاك حيث تسكرون من غير شراب) سكر الغنى (بل من النّعمة والنّعيم) وكأن الفرق بينهما أنّ النّعمة الذات، والنعيم الوصف (وتحلفون من غير اضطرار) أي بدون حاجة إلى الحلف (وتكذبون من غير إحراج) أي بدون تضييق (القتب) هو الاكاف الذي يوضع على الإبل (غارب البعير) ما بين عنقه وسنامه (ما أطول هذا العناء) الذي يلاقيه الناس في دول الظلمة (وأبعد هذا الرجاء) الذي يرجو كل واحد أن يصل إليه من الخلاص منهم.

تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ (1). وَلَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَأَمِيطُوا عَنْ سَنَيْهَا، وَخَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا : فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ، وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِم إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ، يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا (2). فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَعُوا، وَأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا.

وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الوصية بالتقوى، وذكر الموت، والاستعداد له

أُوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِتَقْوَى اللّه وَكَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلَائِهِ إِلَيْكُمْ، وَنَعْمَائِهِ عَلَيْكُمْ، وَبَلَائِهِ لَدَيْكُمْ. فَكَمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ، وَتَدَارَكَكُمْ بِرَحْمَةٍ ! أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَكُمْ، وَتَعَرَّضْتُمْ لأَخْذِهِ فَأَمْهَلَكُمْ (3)!

وَأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَإِقْلالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ. وَكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ


1) (ألقوا هذه الأزمة) جمع زمام (التي تحمل ظهورها) أي ظهور الدواب ذوات الزمام (الأثقال من أيديكم) أي الأحمال، جمع ثقل، والمراد ترك البدع والخطايا (ولا تصدّعوا على سلطانكم) أي لا تختلفوا علي (فتذمُّوا) أنفسكم (غِبٌ) أي بعد (فعالكم) فإنَّ الإنسان إنما يعرف قبح عمله بعد أن ركبه، فيذم نفسه لم فعلت كذا؟.

2) (ولا تقتحموا) أي لا تدخلوا (ما استقبلتم) أي الذي تستقبلونه (من فور) أي ارتفاع نار الفتنة ولهبها أي لا تدخلوا في الفتن (وأميطوا) أي تنخوا (عن سننها) أي طرق الفتنة (وخلوا قصد السبيل لها) أي وسط الطريق للفتنة، فكان الفتنة سائر ذو شر، يسير في وسط الطريق فإذا لم يتنكب الإنسان عن وسط الطريق شمله وضره ولذا من الأفضل أن يتجنب الإنسان وسط الطريق لئلا يصطدم بالفتنة (ولجها) أي ولج الظلمة، بمعنى دخل فيها.

3) (على آلائه إليكم) جمع [الى] بمعنى النعم التي ساقها إليكم (ونعمائه عليكم) بأن أنعم عليكم بها وبلائه لديكم أي إحسانه فإنَّ البلاء يستعمل للخير والشر، أو المراد المصائب، فإنَّ المصائب المساقة من جانبه سبحانه تستحق الحمد لأنها ترفع الدرجات وتحط السيئات (وتدارككم برحمة) أي أرسل الرحمة في عقبكم (أعورتم له) أي أظهرتم له تعالى عوراتكم وعيوبكم - بالمعاصي - (فستركم) ولم يفضحكم (وتعرضتم لأخذه) أي بطشه وعذابه والتعرض لذلك بالمعاصي، فإنَّ العاصي في معرض نكال اللّه تعالى (فأمهلكم) لم يعاجلكم بالعقوبة.

يُغْفِلُكُمْ، وَطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ! فَكَفَى وَاعِظَاً بِمَوْتِى عَايَتْتُمُوهُمْ، حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ، وَأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونَوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً، وَكَأَنَّ الآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً (1). أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ، وَأَوْظَنُّوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ، وَاشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا، وَأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا لَا عَنْ قَبِيحٍ يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالاً، وَلَا فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً. أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ، وَوَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ (2). فَسَابِقُوا - رَحِمَكُمُ اللّه - إِلَى مَنَازِلِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا، وَالَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا، وَدُعِيتُمْ إِلَيْهَا. وَاسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللّه عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالْمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ (3). مَا أَسْرَعَ


1) (وكيف غفلتكم عمّا ليس يغفلكم) أي عن الموت الذي ليس يغفلكم (وطمعكم فيمن ليس يمهلكم) فإنَّ الإنسان يطمع في ابتعاد الموت عنه، والحال أن الموت إذا جاءَهُ لا يمهله ولو للحظة واحدة (عاينتموهم) أي رأيتموهم (غير راكبين) أي لم يركبوا أكتاف الناس باختيارهم، وإنما قهراً عليهم ودون إرادتهم وأنزلوا فيها أي في القبور (غير نازلين) باختيارهم، بل جبراً وكرها (فكأنّهم لم يكونوا للدّنيا عمّاراً) جمع عامر، فقد انقطع أثرهم (وكأنّ الآخرة لم تزل لهم داراً) أي كأنّهم من القديم في الآخرة، إذ قد محيت آثارهم عن الدنيا.

2) (أوحشوا ما كانوا يوطنون) أي الأمكنة التي اتخذوها أوطاناً لهم في حياتهم، أو حشوها أي جعلوها موحشة إن تركوها وهجروها (وأوطنوا ما كانوا يوحشون) أي القبور التي كانت موحشة منهم لا تألفهم ولا يألفونها، صارت أوطانهم (واشتغلوا بما فارقوا) أي بحساب الدنيا التي فارقوها وأضاعوا ما إليه انتقلوا أي إلى الآخرة، ومعنى الإضاعة عدم إمكان عملهم لها بعد الموت، كالذي يضيع شيئاً فلا يعمل له، أو المراد حكاية حالهم في الدنيا: أي اشتغلوا في الدنيا بما فارقوها الآن، وهكذا الجملة الثانية (لا عن قبيح يستطيعون انتقالا) إذ لا توبة بعد الموت (ولا في حسن يستطيعون ازديادا) إذ الآخرة دار حساب لا دار عمل (أنسوا بالدنيا) حين كانوا فيها (فغرتهم) خدعتهم (ووثقوا بها) أي بالدنيا، ظانين أنها تنفعهم (فصرعتهم) أي أهلكتهم، خلاف ثقتهم بها.

3) (فسابقوا - رحمكم اللّه - إلى منازلكم) في الآخرة، والمسابقة بالتكثير من العمل الصالح (التي أمرتم أن تعمروها) فإنَّ الإنسان أمر بالعمل الصالح ليعمر منزله في الآخرة (والتي رغبتم فيها) أي رغبكم اللّه سبحانه وشوقكم إلى تلك المنازل (ودعيتم إليها) فإنَّه سبحانه دعا الناس وطلبهم إلى تلك المنازل (واستتموا نعم اللّه عليكم) أي اطلبوا تمام النعمة (بالصبر على طاعته) فإنَّ من أطاع وصبر على مشاق اللاعة زادت نعمته (فإنّ غداً من اليوم قريب) المراد بالغد الآخرة، وباليوم الدنيا.

السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ، وَأَسْرَعَ الأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ، وَأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ، وَاسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ !

وَمِنْ كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الإيمان، ومعنى الهجرة، وتحمل أمر الإمامة، وبيان علمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

فَمِنَ الإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي الْقُلُوبِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَالْصُّدُورِ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ، فَعِنْدَ ذلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ (1). وَالْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الأَوَّلِ. مَا كَانَ للّه فِي أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ الأُمَّةِ وَمُعْلِنِهَا (2). لا يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحِدٍ بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الأَرْضِ. فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ (3). وَلَا يَقَعُ اسْمُ الاِسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنه،


1) (ومنه ما يكون عواري) جمع عارية (بين القلوب والصدور) تارة يخرج من القلب ويأتي إلى الصدر ليخرج من الفم فيكفي الشخص، وتارة يرجع إلى القلب (إلى أجل معلوم) أي وقت معلوم قدّر لخروج الإيمان من الإنسان، لأنه لم يأخذه أخذاً قويا، ولم يقوّه بالأعمال الصالحة (فإذا كانت لكم براءة من أحد) أي أردتم أن تتبرأوا من شخص، لما ترون من سوء أعماله (فقفوه) أي التبري (حتّى يحضره الموت) أي يموت (فعند ذلك يقع حدّ البراءة) فإنَّ بقي على إيمانه ولم يظهر منه انحراف وزيغ فلا تتبرأوا منه وإن ظهر منه الكفر والزيغ فتبرأوا منه.

2) (والهجرة قائمة على حدّها الأول) أي لم يزل حكمها الوجوب، فقد كان في أول الإسلام - حين هاجر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من مكة إلى المدينة - تجب هجرة سائر المسلمين من مكة، وذلك قبل فتح مكة، والسبب أنهم لم يتمنكوا من إقامة شعائر الإسلام وهم في مكة، ولذا وجبت الهجرة (ما كان للّه في أهل الأرض حاجة) [ما] نافية، أي ليست الهجرة لأجل حاجة اللّه إلى أهل الأرض وإنما هي لمصلحتهم (من مستسرّ الأمة ومعلنها) أي من يضمر إسلامه، من الأمة في بلاد الكفر، ومن يعلن إسلامه في بلاد الإيمان وإنما تجب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لمن لا يتمكن من معرفة الأصول والفروع إلا بالهجرة.

3) (لا يقع اسم الهجرة على أحد بمعرفة الحُجَّة في الأرض) يعني أنه إذا كان مسلم في بلاد الكفار وعرف الحجة، أي الأصول والفروع، فلا تجب عليه الهجرة إلى بلاد الإسلام (فمن عرفها وأقرَّ بها) بأن أسلم واعتقد بما جاء به الإسلام (فهو مهاجر) هذا تنزيل لتحقق الغاية من الهجرة عند ذلك، وهي العرفان.

وَوَعَاهَا قَلْبُهُ إِنَّ أَمْرَنا صَعْبُ مُسْتَصْعَبٌ، لَا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللّه قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ، وَلَا يَعِي حَدِيثَنَا إِلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ، وَأَحْلَامٌ رَزِينَةٌ (1).

أَيُّهَا النَّاسُ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلانَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الأَرْضِ، قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا، وَتَذْهَبُ بِأَحْلَامٍ قَوْمِهَا (2).

وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها حمد اللّه، والثناء على نبيّه، والوصية بالتقوى

أَحْمَدُهُ شُكراً لإِنْعَامِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ، عَزِيزَ الْجُنْدِ، عَظِيمَ الْمَجْدِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَقَاهَرَ أَعْدَاءَهُ


1) (ولا يقع اسم الاستضعاف) أي لا يقال [مستضعف] وقد أعفى المستضعفون من وجوب الهجرة وسمي مستضعفاً، لعد الكفّار له ضعيفا، ولأنه غير قادر على الهجرة فإن اسم المستضعف لا يقع (على من بلغته الحجّة) على الإسلام (فسمعتها أذنه ووعاها قلبه) بمعنى أنه قبل الحجة، وأقبل على الإسلام بكله أذنا وقلبا (إن أمرنا صعب مستصعب) أي أنه صعب بذاته، ويستصعبه الناس، في قبال الصعب الذي لا يستصعبه الإنسان، لما يرى له من النتائج، فإنّ النّفس مجبولة على استسهال ما يرى الإنسان نتائجه الرابحة، وإن كان صعباً بذاته (امتحن اللّه قلبه للإيمان) بمعنى أنّ الإيمان بالغ من قلبه مركّز فيه (ولا يعي حديثنا) أي لا يشتمل عليه اشتمال وعي ودراية للتعلم والعمل (إلا صدور أمينة) فيها أمانة الحفظ، لما لها من ملكات الإيمان (وأحلام) أي عقول (رزينة) وقرة ناضجة عارفة.

2) (فلانا بطرق السّماء أعلم منّي بطرق الأرض) [اللام] للتأكيد والمراد بطرق السماء، التي تنزل منها الملائكة، وتصعد فيها أعمال العباد، ويمكن للإنسان أن يصعد منها إلى السماء، أو يسير فيها من مكان إلى مكان كما اكتشف أخيراً، أن هناك في السماء تيارات هوائية وفراغات ممتدة، إذا سارت الطائرة في بعضها أصابها عطب، وبالعكس إذا سارت في بعضها الآخر وهكذا (قبل أن تشغر برجلها فتنة) يقال شعر برجله إذا رفعها كأنّ الفتنة إذا كانت ساكنة كانت شبيهة بالإبل الواقفة، بخلاف ما إذا تحركت فإنَّها كالإبل المتحركة التي ترفع رجلها للمشي (تطأ في خطامها) الخطام الحبل الذي يجعل في أنف البعير كالزمام، ووطي الناقة في خطامها كناية عن تخطيها إذ ذلك لا يكون إلا إذا استقلت في الحركة بدون قيادة وصاحب (وتذهب بأحلام قومها) أي عقول القوم الداخلين في تلك الفتنة، والمراد أنه إذا قامت الفتنة.

جِهَاداً عَنْ دِينِهِ؛ لَا يَثْنِيهِ عَنْ ذلِكَ اجْتِمَاعٌ عَلَى تَكْذِيبِهِ، وَالْتِمَاسُ (1)لإطفاء نُورِه، فاعتصِمُوا بتقوى اللّه فإنَّ لها حَبْلاً وثيقاً عُرْوَتُهُ وَمَعْقِلاً منيعاً ذِروَتُهُ، وبادرُوا المَوتَ في غَمَراتِهِ، وامْهدوا له قَبلَ حُلُولِهِ، وأعِدُّوا لَهُ قَبلَ نُزُولِهِ، فإنَّ الغايةَ القِيامَةُ، وكفى بِذلِكَ واعظاً لِمَنْ عَقَل (2)، ومُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ وَقَبْلَ بُلُوغ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الْأَرْمَاسِ، وَشِدَّةِ الإِبْلَاسِ، وَهَوْلِ الْمُطَّلَع، وَرَوْعَاتِ الْفَزَعِ، وَاخْتِلَافِ الأَضْلاعِ، وَاسْتِكَاكِ الأَسْمَاعِ، وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ، وَخِيفَةِ الْوَعْدِ، وَغَمِّ الضَّرِيحِ، وَرَدْمِ الصَّفِيحِ (3). فاللّه اللّه عِبَادَ اللّه! فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنِ، وَأَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ فِي قَرَنٍ. وَكَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا، وَأَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا، وَوَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى صِرَاطِهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا،


1) (أحمده شكراً لإنعامه) أي أن الحمد لأجل شكره سبحانه على ما أنعم علينا (وأستعينه على وظائف حقوقه) أي أتمكن من القيام بأداء حقه تعالى من الطاعة والعبادة، فإنَّه لولا إعانته سبحانه لا يتمكن الإنسان من الطاعة (عزيز الجند) لا يغلبون (عظيم المجد) أي الرفعة (وقاهر أعداءه) أي غالب وحارب (جهاداً على دينه) أي لأجل المجاهدة لإعلاء كلمة الإسلام (لا يثنيه) أي لا يسبب انسحاب الرسول عن ميدان الدعوة (والتماس) أي طلب من الكفار.

2) (فاعتصموا) أي تمسكوا أيها الناس (حبلا وثيقا) أي محكماً (عروته) هي المحل الذي يتمسك به الإنسان، كعروة الإبريق (ومعقلا) أي ملجاً وملاذاً (منيعاً ذروته) أي أعلاه، يعني أن الإنسان إذا اتقى كان كالذي هو فوق جبل (وبادروا الموت) بالأعمال الصالحة (في غمراته) أي قبل أن يلقيكم في أهواله، جمع غمرة، وهي المحل المخوف من الماء الذي يوجب الغرق (وامهدوا له) أي هيئوا مكانكم للموت (لمن عقل) وعلم.

3) (وقبل بلوغ الغاية) أي قبل أن تبلغوا القيامة (ما تعلمون) أي يكون الشيء الذي تعلمونه (من ضيق الأرماس) أي القبور، جمع رمس، (وشدّة الإبلاس) حزن في خذلان ويأس (وهول المُطَّلَعِ) المُطَّلَع هو المنزل الذي يَطَّلع الإنسان منه على أمور الآخرة، والمراد البرزخ، أو المراد الموت وهوله (وروعات الفزع) أي نوبات الخوف (واختلاف الأضلاع) جمع ضلع، أي دخول بعضها في بعض من شدة الضغط في القبر (واستكاك الأسماع) أي صمم الآذان من الأصوات الهائلة التي تسمعها عند الموت أو من التراب (وخيفة الوعد) الذي وعد الإنسان به من المحاكمة على أعماله السابقة (وغمّ الضّريح) أي الحزن الذي يأخذ الميت عند وضعه في ضريحه (وردم (الصفيح) هو الحجر العريض، وردمه سد القبر به.

وَأَنَا خَتْ بِكَلاكِلِهَا (1)، وَانْصَرَمَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا، وَأَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا، فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى، أَوْ شَهْرٍ انْقَضَى، وَصَارَ جَدِيدُهَا رَثّا، وَسَمِينُهَا غَثّاً. فِي مَوْقِفٍ ضَنْكِ الْمَقَامِ، وَأُمُورٍ مُسْتَبِهَةٍ (2)عِظَامٍ، وَنَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا، عَالٍ لَجَبُهَا، سَاطِعٍ لَهَبُهَا، مُتَغَيِّظُ زَفِيرُهَا، مُتَأَجِّجِ سَعِيرُهَا، بَعِيدٍ حُمُودُهَا، ذَاكِ وُقُودُهَا، مَخِيفٍ وَعِيدُهَا، غَمِّ قَرَارُهَا، مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا، حَامِيَةٍ قُدُورُهَا، فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا. وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً (3). قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ (4)،)


1) (فـ) انكروا (اللّه اللّه) يا (عباد اللّه) في أنفسكم لا تعملوا ما يوجب العقاب والعذاب ماضية بكم على سنن أي تمضي بكم في طريق من كان قبلكم من إماتتهم وإهلاكهم (وأنتم والساعة) أي الموت، أو يوم القيامة وهو الأظهر (في قرن) هو الحبل الذي يقرن به بعيران والمراد اقتران الإنسان بالقيامة، لا ينفك أحدهما عن الآخر، وذلك كناية عن وصول الإنسان إليه قطعا (قد جاءت بأشراطها) أي مع علائمها (وأزفت) أي قربت (بافراطها) جمع فرط، وهو العلم الذي يقام على الطريق دالا عليه، والمراد بدلائلها الدالة على القيامة (ووقفت بكم على صراطها) أي صرتم إلى الصراط الذي هو جسر بين المحشر وبين الجنة (قد أشرفت بزلازلها) إذ قبل القيامة تكون زلازل (وأناخت) أي الساعة، والأصل في الإناخة نوم البعير (بكلاكلها) جمع كلكل، بمعنى الصدر، وهي كناية عن الأثقال التي ترد على الإنسان في يوم القيامة، كما يلقي البعير بثقله على الأرض إذا أناخ ونام.

2) (وانصرمت الدنيا) أي انقضت وذهبت (بأهلها) أي مع أهلها (من حضنها) كما تخرج المرأة الولد من حضنها (فكانت كيوم مضى) إذ لا أثر له (أو شهر انقضى) إذ تم وانصرم (وصار جديدها) أي ما كان جديداً فيها (رَثّاً) أي باليا قديما (وسمينها) أي ما عد ثمينا نافعا في الدنيا (غَثّاً) أي مهزولاً تافهاً (في موقف ضنك المقام) أي ضيّق محله، ضيقاً حسياً، أو ضيقاً معنويا لما ينال الإنسان من الضيق بسبب المخاوف والأهوال (وأمور مشتبهة) لا يعرف الإنسان أيها تصل إليه.

3) سورة الزمر، الآية: 73.

4) (ونارٍ شديدٍ كَلَبُها) الكلب أكل بغير شبع، كأنّ النار تأكل بلا شبع كلما يلقى فيها (عال لجَبُها) أي صياحها واضطرابها (ساطع لهَبُها) أي شعلتها (متغيظ زفيرها) التغيظ: الهيجان، والزفير صوت رفد النار (متأجج) أي مشتعل (سعيرها) أي لهبها (بعيد خمودها) إذ هي دائمة أبدية (ذاك وقودها) من ذكت النار إذا اشتد لهبها (مخيف وعِيدُها) أي يخيف الإنسان الوعيد بالنار (غمٍّ) من غمّه إذا غطّاه (قَرارُها) أي محل الاستقرار فيها أي مستو، أو مغطى آخر النار الذي يسكن فيه المجرمون (مُظْلِمَةٍ أَقطَارُها) أي أطرافها، فلا يرى الإنسان فيها شيئاً (حَاميةٍ قُدُورُها) المنصوبة لأجل إرواء الظمآن من أهل النار بماء تقطع منه أحشاؤهم، والحامية بمعنى الحارة (فظيعة) أي مهولة (أُمُورُها) الأمور المرتبطة بالنار (وسيق الذين اتَّقوا ربَّهمُ) بالإيمان والأعمال الصالحة (زُمَراً) جمع زمرة، بمعنى جماعات جماعات (وانقطع العتاب) فلا يقال له: لم فعلت كذا؟.

وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ، وَرَضُوا الْمَثْوَى وَالْقَرَارَ، الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً (1، وَأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً، وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً، تَخَشُعاً وَاسْتِغْفَاراً ؛ وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً، تَوَحُشاً وَانْقِطَاعاً. فَجَعَلَ اللّه لَهُمُ الْجَنَّةَ مَآبَاً، وَالْجَزَاءَ ثَوَاباً، (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) (2)فِي مُلْكِ دَائِمٍ، وَنَعِيمٍ قَائِمٍ (3).)فَارْعَوْا عِبَادَ اللّه مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ، وَبِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ. وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ، وَمَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ. وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْمَخُوفُ، فَلَا رَجْعَةً تَنَالُونَ، وَلَا عَثْرَةً تُقَالُونَ. اسْتَعْمَلَنَا اللّه وَإِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ (4وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَعَفَا عَنَّا وَعَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ.)الْزَمُوا الأَرْضَ وَاصْبِرُوا عَلَى الْبَلاءِ. وَلَا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَسُيُوفِكُمْ في هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ، وَلَا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللّه لَكُمْ. فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ منْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقٌّ رَبِّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، مَاتَ شَهِيداً، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّه، وَاسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهِ،


1) (وزحزحوا) أي بُعْدُوا (واطمأنّت بهم الدّار) أي صارت مقراً لهم بكل اطمئنان واستقرار، وذلك حيث لا منغص فيها (ورضوا المثوَى) أي محل الإقامة (و القرار) أي المحل الذي استقروا فيه (زاكية) أي نامية مباركة.

2) إشارة إلى الآية 26 في سورة الفتح.

3) (مآباً) أي من آب، بمعنى رجع، أي مرجعا لهم (والجَزَاء ثَوَاباً) أي الخير الواصل إليهم مع الإكرام - وهذا هو معنى الثواب - (وكَانُوا أحَقَّ بها) أي بالجنّة من سائر الناس (ونعيم قائم) أي ثابت مستقر.

4) (فارعُوا عِبادَ اللّه ما) أي الشيء الذي (برِعايَتِهِ يفوز (فائِزُكم) من الإيمان والعمل الصالح، فإن الإنسان بهما ينال الدّرجات الرّفيعة (وَبِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ) فَإِنَّ العامل بالباطل إنّما يخسر لعدم رعايته الإيمان والعمل الصالح (وَبَادِرُوا) أي سابقوا (آجَالَكُم) جمع أجل، وهو الموت (بأعمالكم) بأن تعملوا قبل أن يخطفكم الموت (فإنكم مرتهنون بما أسلفتم) أي عملتم في الدنيا (ومدينون بما قدتم) أي مأخوذون بأعمالكم التي قدمتموها إلى الآخرة (المخوف) الموت (فلا رجعةً تنالونَ) فإنَّ الإنسان يريد الرجعة إلى الدنيا، لكن لا يستجاب طلبه (ولا عثرةً تقالون) أي لا تقال عثرتكم بمعنى لا يغفر ذنبكم - والمراد ما ليس قابلا للمغفرة – (استعملنا اللّه وإياكم بطاعته) بمعنى أن يوفقنا حتى نطيع.

وَقَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلَاتِهِ لِسَيْفِهِ؛ وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَأَجَلاً (1.)### ومَنْ خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في حمد اللّه، والثناء على نبيه، والوصية بالتقوى)الْحَمْدُ للّه الْفَاشِي حَمْدُهُ، وَالْغَالِبِ جُنْدُهُ، وَالْمُتَعَالى جَدُّهُ. أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التَّؤَامِ، وَآلَائِهِ الْعِظَامِ. الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا، وَعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى، وَعَلِمَ مَا يَمْضِي وَمَا مَضَى (2، مُبْتَدِعِ الْخَلَائِقِ بِعِلْمِهِ، وَمُنْشِئهِمْ بِحُكْمِهِ، بِلَا اقْتِدَاءٍ وَلَا تَعْلِيمٍ، وَلَا احْتِذَاءِ لِمِثَالِ صانع حَكِيمٍ، وَلَا إِصَابَةِ خَطَإٍ، وَلا حضرةِ مَلأ.)وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ابْتَعَثَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ، وَيَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ. قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ، وَاسْتَغْلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ (3.)


1) (الزموا الأرض) أي كونوا ساكنين غير محاربين فيها إذا لم تتوفر فيكم شروط المحاربة مع أهل الباطل (ولا تحرّكوا بأيديكم) ضربا (وسيوفكم) قتلا وجرحا (في هوى السنتكم) فإن الإنسان قد يهوى أن يتكلم كلاما ومن كلامه تتحرك الفتنة وتقع المحاربة (ولا تستعجلوا بما لم يُعجِّله اللّه لكم) من ملك السلطة والسيادة الشرعية (عَلَى مَعْرِفَةِ حَقٌّ رَبِّهِ) بالإيمان (وحق رسوله) بالإطاعة (و) حق (أهل بيته) بالولاية (وقامت النِّيَّة مقامَ إصلاته لسيفه) أصلت سيفه إذا جرده للحرب (فإنَّ لكلّ شيء مدةً وأجلاً) فلسيادة أهل الحق وقت خاص، لا تكون إلّا إذا جاء وقتها كما أن لسيادة أهل الباطل مدة لا تنقضي إلا بانتهاء تلك المدة.

2) (الفاشي) أي الشائع بين الناس (والمتعالي) أي العالي (جَدَهُ) أي عظمته (التؤام) أي المتواصل كالمولودين من بطن واحد، حين يأتي أحدهما يعقب الآخر (وآلائِهِ) جمع ألى، بمعنى النعمة (في كلِّ ما قَضى) أي حكم (وعلم ما يمضي) أي ما يأتي في المستقبل (وما مضى) في السابق.

3) (مُبتِدعِ الخَلائِقِ بعلمه) إذ الجاهل لا يتمكن من الابتداع (ومنشئهم بحكمه) جمع حكمته، وهي بمعنى وضع الأشياء مواضعها (بلا اقتداء ولا تعليم) من أحد، بل هو المنشئ المبدع (ولا احتذاء) أي اقتداء (لمثال صانع حكيم) قبله بأن كان هناك صانع، فصنع الإله مثله ولا إصابة خطا) فإنه سبحانه لم يخطئ في عمله ولو خطاً واحداً (ولا حضرة ملأ) أي لم يحتج إلى أن يحضر جماعة حتى يتمكن من إنجاز الأمر - بعكس عادة السلاطين ومن إليهم حيث إذا أرادوا أمراً مهماً، أحضروا أولي الرأي والحكمة (يضربون في غمرة) أي في الجهالة التي كانت تغمرهم إلى رؤوسهم كما يغمر الماء الغريق (ويموجون) أي يضطربون (قد قادتهم أزمّة الحَينِ) - بالفتح - بمعنى الهلاك، فإن الأهواء والشهوات التي تقود الإنسان تورث هلاكه في الدنيا والآخرة، والأزمةُ: جمع زمام (واستغلقت) أي أغلقت _أقفالُ الرِّينِ) أي الطبع، فإنها طبعت عليها بالضلال والجهل، فلا يتمكنون من إزالته.

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه! بِتَقْوَى اللّه فَإِنَّهَا حَقٌّ اللّه عَلَيْكُمْ، وَالْمُوجِبَةُ عَلَى اللّه حَقَّكُمْ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللّه، وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللّه : فَإِنَّ الْتَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ، وَفِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ (1. مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، وَسَالِكُهَا رَابِحٌ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ. لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةٌ نَفْسَهَا عَلَى الأُمَمِ الْمَاضِينَ وَالْغَابِرِينَ، لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً، إِذَا أَعَادَ اللّه مَا أَبْدَى، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى، وَسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى (2). فمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا، وَحَمَلَهَا حَقٌّ حَمْلِهَا أُولئِكَ الأَقَلُونَ عَدَداً، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللّه سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (3). فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا، وَكُفُّوا بِحدُكُمْ عَلَيْهَا، وَاعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً، وَمِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً (4). أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، وَاقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ،)


1) (بتقوى اللّه) الخوف منه (فإنّها حقٌّ اللّه عليكم) أرادها منكم في مقابل خلقه لكم، ورزقه إياكم (والموجبة على اللّه حقكم) أي أنكم بالتقوى تصيرون نوي حقوق على اللّه سبحانه - وهو حق جعله على نفسه، لا الحق الحقيقي كما لا يخفى (وأن تستعينوا عليها باللّه) فإنَّ اللّه عون للمتقي (وتستعينوا بها على اللّه) أي في النجاة من عذابه، فإنَّ هناك مخوفين: الأول: الخوف من الناس، والثاني: الخوف من اللّه، والتقوى توجب حفظ الإنسان من وصول أي المكروهين إليه (فإنّ التقوى في اليوم) ونحن في الدنيا (الحرز) أي حفظ الإنسان (والجُنَّةُ) الواقية عن المكاره (وفي غدٍ) في الآخرة (الطريق إلى الجَنَّةِ) والنجاة - من النار - وهذا على ترتيب اللف والنشر المرتب.

2) (مسلَكُها) أي طريق التقوى (ومستودَعُها حافظ) أي الذي تكون التقوى وديعة عنده - وهو اللّه سبحانه - حافظ لا يخون، بل يعطي جزاءها للإنسان (لم تبرح) أي لم تزل (عارضة نفسها على الأمم الماضين) وذلك ببيان أنبيائهم لهم كيفية التقوى (والغابرين) أي الباقين - فإنَّ غابر يستعمل بمعنى الماضي والباقي - وإنما كانت التقوى عارضة نفسها على الكل (غدا) أي في الآخرة (إذا أَعادَ اللّه ما أبدى) أي أعاد اللّه الناس الذين خلقهم أولاً في دار الدنيا (وأخذ ما أعطى) كأنّ خلق البشر في الدنيا إعطاء، ثم إعادتهم للحساب أخذ (وسأل عَمَّا أسدى) أي ما أعطاه من النعم، فإنَّه يسأل عن نعمه كيف صرفوها العباد، وهل أدوا حق اللّه سبحانه فيها؟.

3) سورة سبأ، الآية: 13.

4) (أهلُ صفةِ اللّه) أي مصداق لوصفه (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) أي الشاكرون حق الشكر، قلباً ولساناً وعملاً (فاهطِعُوا) الإهطاع: الإسراع (بأسماعكم إليها) بأن تعجلوا في الاستماع إلى موازين التقوى وكيفيتها (وكظّوا) الكظاظ الممارسة وطول الملازمة (بجدِّكُم عليها) أي باجتهادكم (واعتاضوها من كلّ سلف خلفاً) أي اجعلوا التقوى عوض كل شيء فان منكم سابقا، فإنَّ من عنده التقوى لم يفته شيء (ومن كلّ مخالفٍ موافقاً) فإنَّ الذي يوافق التقوى لا يهتم بمن خالفه، لأنه يوفق أعظم الأشياء وأربحها.

وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَارْحضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَدَاوُوا بِهَا الأَسْقَامَ، وَبَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ، وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَلَا يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا (1. أَلَا فَصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا بِهَا، وَكُونُوا عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاها، وَإِلَى الآخِرَةِ وَلأَها (2). وَلَا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى، وَلَا تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا. وَلَا تَشِيمُوا بَارِقَهَا، وَلَا تَستَمِعُوا نَاطِقَهَا، وَلَا تُجِيبُوا نَاعِقَهَا، وَلَا تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا، وَلَا تُفتَنُوا بِأَعْلَاقِهَا (3)، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ، وَنُطْقَهَا كَاذِبٌ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ، وَأَعْلَاقَهَا مَسْلُوبَةٌ. أَلا وَهِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ، وَالْجَامِحَةُ الْحَرُونُ، وَالْمَائِنَةُ الْخَؤُونُ، وَالْجَحُودُ الْكَنُودُ، وَالْعَنُودُ الصَّدُودُ، وَالْحَيُودُ الْمَيُودُ (4)، حَالُهَا انْتِقَالُ، وَوَظَأَتُهَا زِلْزَالٌ،)


1) (أيقظوا بها نومَكُم) فإنَّ من يريد التقوى لابد وأن يستيقظ وقت المنام لأداء الصلاة والعبادة (واقطعوا بها يومكم) أي سيروا من أول النهار إلى الليل مصاحبين التقوى (وأشعروها قلوبكم) لا أن تعمل جوارحكم حسب التقوى، بدون أن يكون ذلك نابعاً من القلب (وارحضوا) أي اغسلوا (وداوُوا بها الأسقام) الأمراض النفسية والأمراض البدنية (وبادروا بها الحِمَامَ) أي اتقوا قبل أن يأخذكم الموت (واعتبروا بمن أضاعها) انظروا إلى من ضيع التقوى لتروا كيف شقي (ولا يَعْتَبِرنّ بكم من أطاعها) أي لا تكونوا ممن ضيّع التقوى حتى تكونوا عبرة للمطيعين، فإنَّ الشقي عبرة للسعيد، والعاصي عبرة للمطيع.

2) (وتصوَّنُوا بها) أي تحفظوا على أنفسكم من الشقاء بسبب التّقوى (نُزِّاها) جمع نازه، وهو العفيف (وُلًّاها) جمع واله، وهو المشتاق.

3) (ولا تَشِيمُوا) أي لا تنظروا (بارقها) أي سحاب الدنيا، والمعنى لا تنظروا لما يغركم من مطامع الدنيا من شام البرق إذا نظر إليه أين يمطر (ولا تستمعوا ناطقها) أي من ينطق نطق الدنيا (ولا تجيبوا ناعقها) أي من يتكلم ويصيح لأجل الدنيا (ولا تستضيئوا بإشراقها) أي لا تذهبوا حيث تضيء الدنيا. كناية عن موقع ملذاتها وشهواتها (ولا تُفتنوا بأعلاقها) أي لا تخدعوا بنفائس الدّنيا.

4) (فإنّ برقها خالب) الخالب من السحاب ما لا مطر فيه، أي المكان الذي ترى الدنيا نفسها منه خدعة وغرور، لا يعطى للإنسان ما يأمل (ونطقها) أي كلامها حول نفسها (كاذب) لا أصل له (وأموالها محروبة) أي منهوبة (وأعلاقها) أي نفائسها (المتصدّية) هي المرأة التي تري نفسها للرجال تميلهم إلى نفسها (العنون) مبالغة، من [عنّ] إذا ظهر، فإنَّها ترى كل يوم لرجل، ولا تفي لأي شخص منهم (والجامحة الحرون) من جمحت الدابة إذا صَعُب ركوبها، والحرون التي إذا طلب منها السير وقفت (والمائِنَةُ) أي الكاذبة (الخؤون) أي كثيرة الخيانة (والجحود) التي تجحد خدمات الإنسان لها (الكنود) من كند، بمعنى كفر النّعمة (والعنود) كثير العناد والمخالفة (الصدود) كثيرة الصد والهجران (والحيود) مبالغة في الحيد بمعنى الميل، أي كثيرة الميل والانحراف عن الإنسان (الميود) من ماد بمعنى اضطرب أي تضطرب بالإنسان من رفعة إلى ضعة ومن ضعة إلى رفعة، وهكذا.

وَعِزَّهَا ذُلّ، وَجِدُّهَا هَزْلٌ، وَعُلُوهَا سُفَلٌ دَارُ حَرَبٍ وَسَلَبٍ، وَنَهْبٍ وَعَطَبٍ. أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَسِيَاقٍ وَلَحَاقٍ وَفِرَاقٍ. قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا، وَأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا، وَخَابَتْ مَطَالِبُها (1؛ فَأَسْلَمَتْهُمُ الْمَعَاقِلُ، وَلَفَظَتْهُمُ الْمَنَازِلُ، وَأَعْيَتْهُمُ الْمَحَاوِلُ (2): فَمِنْ نَاجٍ مَعْقُورٍ، وَلَحْمٍ مَجْزُورٍ، وَشِلْوِ مَذْبُوحٍ، وَدَمٍ مَسْفُوحٍ، وَعَاضٍّ عَلَى يَدَيْهِ، وَصَافِقٍ بِكَفَّيْهِ، وَمُرْتَفِقٍ بِخَدَّيْهِ، وَزَارٍ عَلَى رَأْيِهِ، وَرَاجِعِ عَنْ عَزْمِهِ (3)، وَقَدْ أَدْبَرَتِ الْحِيلَةُ، وَأَقْبَلَتِ الْغِيلَةُ، وَلَاتَ حِينَ مَنَاص. وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ، وَذَهَبَ مَا ذَهَبَ، وَمَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا، (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالارْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) (4)، (5).)


1) (حالها انتقال) من حال إلى حال (ووطأتها زلزال) فمن وطأها وأراد الاستقرار فيها زلزلت به وحركته من حال إلى حال (دار حرب) الحرب سلب كل مال الإنسان (وسلب) هو أعم من الحرب (وعطب) أي هلاك للإنسان (أهلها على ساق) أي قائمون على ساق استعدادا لما يأتي من أجالهم (وسياق) أي يساقون إلى الآخرة (ولحاق) فيلتحق الباقي بالماضي إذا مات (قد تحيرت مذاهبها) أي تحير الناس في طرقهم، لا يدرون كيف يعملون لينالوا السعادة، ونسبة التحيّر إلى المذاهب بعلاقة الحال والمحل (وأعجزت مهاربها) أي عجز النّاس عن الهرب من الأتعاب التي تصل إليهم (وخابت) أي خسرت (مطالبها) أي طلب الإنسان فيها يبوء بالخيبة والفشل.

2) (فأسلمتهم المعاقل) كناية عن عدم وجود ملجأ أمين في الدنيا يقي الإنسان شر المهالك والنوازل (ولفظتهم) أي طرحتهم بشدة، كما يطرح الفم النواة (المنازل) بأن أخرجتهم إلى القبور (وأعيتهم) أي أعجزتهم (المحاول) جمع محال - بفتح الميم - بمعنى الحذق وجودة النظر أي أن فكرهم وفطنتهم لم تفدهم في الخلاص، ودرك السعادة.

3) (فمن ناج) من الموت (معقور) أي مجروح (ولحم مجزور) أي مسلوخ أخذ عنه جلده، كناية عن شدة بلائه (وشلو مذبوح) الشلو: البدن أي هو كالمذبوح في كثرة البلايا عليه (ودم مسفوح) بأن قتل الإنسان فاريق دمه (وعاضٍّ على يديه) ندماً (وصافق يكفيه) فإنَّ المتحسّر يصفق كفا على كف (ومرتفق بخديهِ) أي وضع طرفي وجهه على مرفقيه كما يفعل المتحير (وزارٍ على رأيِهِ) أي يقبح رأيه السابق حينما يرى ما جرّ عليه من الندم (وراجع عن عزمه) فيما إذا عزم شيئاً، ثم تبين له أنه باطل.

4) سورة الدخان الآية: 29.

5) (وقد أدبرت الحيلة) أي طريق العلاج، فلا يتمكن من علاج ما فات من منافعه (وأقبلت الغيلة) أي الشر الذي أضمرته الدنيا له خفية وغيلة (ولات حين مناص) أي ليس الوقت وقت الخلاص من المشكلة التي وقع الإنسان فيها (وهيهات هيهات) إشارة إلى تبعيد الأمر (قد فات ما فات) أي مضى فلا يمكن تداركه (وذهب ما ذهب) فلا يمكن الإبقاء عليه (ومضت الدُّنيا لحال بالها) أي للحالة التي تريد هي لا التي يريدها النّاس، فإنَّ البال بمعنى الخاطر (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ) أي لم يأسف لموتهم شيء لا سماء ولا أرض ولا أمهلهم اللّه سبحانه حتى يتداركوا الأمر.

### وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ تُسَمَّى القاصِعَة)وهي تتضمن ذم إبليس على استكباره وتركه السجود لآدم (عَلَيهِ السَّلَامُ، وأنه أول من أظهر العصبية وتبع الحميَّة، وتحذير الناس من سلوك طريقته.)الْحَمْدُ للّه الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ، وَاخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُمَا حِمِّى وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ، وَاصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ، وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ (1. ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذلِكَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، لِيَمِيزَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ، وَمَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ (2): ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ* فَسَجَدَ المَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إبْلِيسَ) (3)، (4)اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لأَصْلِهِ.)


1) (القاصعة) من قصعه بمعنى حقره لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حقر فيها حالة المتكبرين (لبس العزّ والكبرياء) أي أنهما كاللباس له سبحانه ملاصقان به (واختارهما لنفسه دون خلقه) فلم يرد لهما التكبر والاعتزاز، بخلاف بعض صفاته الأخرى، حيث اختارها لخلقه أيضاً، كالعلم والحلم وما أشبه (وجعلهما حِمّى) هو ما حميته عن وصول الغير إليه والتصرف فيه (وحرما) المحل المحترم الذي لا يدخله إلا من شاء من خلقه (واصطفاهما) أي اختارهما (لجلاله) أي لذاته الجليلة نازعه فيهما من عباده أي من أراد أن يأخذ بهما، كأنه منازع اللّه سبحانه.

2) (ثم اختبر) أي امتحن (بمضمرات القلوب) أي ما تضمره وتخفيه قلوب الناس (ومحجوبات الغيوب) أي ما هو مستور في الغيب.

3) سورة ص، الآيات: 71 - 74.

4) (إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ) أي صنعته واكملته (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) بأن أعطيته الرّوح المضافة إلى تشريفا، كما يضاف البيت الحرام إليه سبحانه، فيقال: بيت اللّه، تشريفا (فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) أمر من [وقع يقع] والمخاطب الملائكة (إلا إِبْلِيسَ) سمي إبليساً، لأنه أبلس من رحمة اللّه (اعترضته الحميّة) أي عرضت له الكبرياء (وتعصب عليه) أي على آدم (الأصله) المخلوق منه، وقد كان القياس باطلا (إمام المتعصبين) أي مقتداهم، والسّالك لهذا الطّريق قبلهم (وسلف المستكبرين) أي السابق عليهم (ونازع اللّه رداء الجبريةِ) أي في جبروته وكبريائه، فإنَّه كالرداء له سبحانه خاص به (وادرع) أي لبس الدرع (لباس التَّعزّز) بذاته، بأن يعد نفسه عزيزاً (وخلع قناع التَّذلُّل) أمام اللّه سبحانه، كان الذلة قناع في وجه الإنسان يمنعه عن ادعاء ما ليس له.

فَعَدُوُّ اللّه إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ، وَنَازَعَ اللّه رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ.أَلَا تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَرَهُ اللّه بِتَكَبُرِهِ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ، فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَأَعَدَّ لَهُ فِي الآخِرَةِ سَعِيراً؟!وَلَوْ أَرَادَ اللّه أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الأَبْصَار ضِيَاؤُهُ، وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَطِيبٍ يَأْخُذُ الأَنْفَاسَ عَرْفُهُ (1لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهَ الأَعْنَاقُ خَاضِعَةٌ، وَلَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى المَلائِكَةِ، وَلكِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يَبْتلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ، تَمْيِيزاً بِالاِخْتِبَارِ لَهُمْ، وَنَفْياً لِلاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ، وَإِبْعَاداً لِلْخُيَلاءِ (2)مِنْهُم.)فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللّه بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ، وَجَهْدَهُ الْجَهِيد (3، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللّه سِتَّةَ آلَافٍ سَنَةٍ، لَا يُدْرَى أَمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ سِنِيِّ الآخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللّه بِمِثْلِ مَعْصِيَةٍ؟ كَلاً، مَا كَانَ اللّه سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً. إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ لَوَاحِدٌ. وَمَا بَيْنَ اللّه وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ)


1) (صفّرَهُ اللّه بتكبّره) طرده من الجنّة وجعله لعينا (ووضعه بترفعه) بسبب أن عد نفسه رفيعا (مدحوراً) أي مطرودا يلعنه كل أحد (سعيراً) نار ملتهبة (يخطف الأبصار ضياؤُه) خطف البصر كناية عن عدم تمكنه من الرؤية، كأنها مخطوفة في عدم انتفاع صاحبها بها (ويبهر العقول) أي يورث تعجب العقول وحيرتها (رُوَاؤُه) أي حسن منظره من (عَرفُهُ) أي رائحته، إذا كانت شديدة الطّيب أخذت بالنفس.

2) (خاضعة) أي خاضعة لآدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ولخفت البلوى فيه) أي الابتلاء في آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (على الملائكة) فلم يكونوا يترفعون عن السجدة لآدم (تمييزاً) أي لأجل التمييز بينهم (بالاختبار لهم) أي بالامتحان لهم (ونفياً للاستكبار عنهم) فإنّ الإنسان إذا اعتاد إطاعة الأوامر، ذابت في نفسه ملكة التكبر (وإبعاداً للخيلاء) هو الكبر والاختيال.

3) (أحبط عمله الطويل) ومعنى الإحباط محو الحسنات، لما فعل من السّيّئة (وجهده الجهيد) توصيف للجهد بياناً لكثرته، مثل ليلة ليلاء.

خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمًي حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ (1. فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللّه أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ، وَأَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ. فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ، وَأَغْرَقَ لَكُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ، وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (2)، وَقَالَ: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَزَيْنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (3)، قَذفاً بِغَيْبِ بَعِيدٍ، وَرَجْماً بِظَنْ مُصِيبٍ، صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ، وَإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ، وَفُرْسَانُ الْكِبْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ (4). حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ، وَاسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّةُ مِنْهُ فِيكُمْ، فَنَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِي إِلَى الأمْرِ الْجَلِي، اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ، وَدَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلّ، وَأَحَلُوكُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ، وَأَوْطُأُوكُمْ إِثْخَانَ الْجَرَاحَةِ، طَعْناً في عُيُونِكُمْ، وَحَرِّاً فِي حُلُوقِكُمْ، وَدَقَا لِمَنَاخِرِكُمْ، وَقَصْداً لِمَقاتِلِكُمْ، وَسَوْقاً)


1) (كلاً) ليس كما زعم المتكبر، أنّه يتكبّر ثم يدخل الجنّة (ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشراً) إذا كان عاملا (بأمر) هو الكبر (أخرج به منها ملكاً) وهو إبليس، وسمي مَلَكاً للتغليب، وإلا فهو من الجنّ كما نص القرآن الحكيم (هوادة) أي لين ورخصة (في إباحة حمّى حَرِّمَهُ على العالمين) فالمعاصي حمى اللّه سبحانه حرّمها على العالمين أجمعين.

2) (يعديكم) أي يصيبكم الشيطان (بدائِهِ) وهو الكبر والعصيان (وأن يستفزّكم) أي يحرككم لإطاعة أوامره (بندائه) أي دعوته لكم إلى المحرمات (وأن يُجلب عليكم) أي يغلب عليكم (بخيله) أي ركبانه (وَرجله) أي مشاته، كما يجلب قائد الجيش على العدو بالركبان والراجلين من أصحابه، والمراد بهم هنا النّاس الأشرار، فقويهم كالراكب وضعيفهم كالراجل (فلعمري) قسم بنفسه الكريمة (لقد فوق لكم) أي هيا لكم (سهم الوعيد) فإنّ الشيطان يوسوس إلى الإنسان أنه لو لم يفعل المحرم الفلاني يقع في محذور كذا وأغرق لكم بالنزع الشديد) الرامي إذا أراد أن يرمي بكل قوة نزع وتر القوس بكل شدّة، ويسمى ذلك بالإغراق في النزع (ورماكم من مكان قريب) لأن موضع الشيطان في نفس الإنسان، ولذا يوسوس إليه من أقرب الأماكن إلى الإنسان.

3) سورة الحجر، الآية: 39.

4) (رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي) أي من أجل إغوائك لي - بأن أمرتني بالسجود لآدم الذي صار سبباً لضلالي – (لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ) والمراد تزيين المحرّمات في أعينهم (وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) أي أضلّنهم (قذفاً بغيبٍ بعيدٍ) أي كان الشيطان في كلامه هذا، يقول رميا بالغيب إذ من أين علم أنه يتمكن من إضلال النّاس (ورجماً بظنُّ مُصيب) الرجم رمي الحجر، أي أنه كان يرمي ظنّه إلى الإنسان وقد أصاب ظنه (صدقه به) أي بظنّه (أبناء الحميّة) الّذين لهم عصبية الجاهلية (وإخوان العصبيّة) أي الذين لهم عصبيّة وكبر (وفرسان الكبر والجاهِليَّةِ) كأنّهم في شدّتهم وقوتهم في التكبر، كالفرسان.

بِخَزَائِمِ الْقَهْرِ (1إِلَى النَّارِ المُعَدَّةِ، فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ جَرْحاً، وَأَوْرَى فِي دُنْيَاكُمْ قَدْحاً، مِنَ الَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِينَ، وَعَلَيْهِمْ مُتَأَلِّبِينَ (2). فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ، وَلَهُ جَدَّكَمْ، فَلَعَمْرُ اللّه لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَوَقَعَ في حَسَبِكُمْ، وَدَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ، وَأَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ، وَقَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِيلَكُمْ، يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَيَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانٍ(3). لَا تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ، وَلَا)


1) (حتى إذا انقادت له الجامحة منكم) أي النّفوس التي تمت فإنّ الجموح عق الفرس وعدم انقيادها للركوب (واستحكمت الطَّمَاعِيَّةُ منه) أي الطمع من الشيطان (فنجمت) أي ظهرت (الحال) أي حال العصيان (من السّر الخفي) الذي كان وسوسة في الصدور، وميلاً في القلوب (إلى الأمر الجلي) بأن جاهروا بالعصيان وإطاعة الشَّيطان (استفحل سلطانه عليكم) استفحل الأمر إذا اشتدّ أي قويت سلطة الشيطان على النّاس (ودلف) أي اقترب (بجنوده نحوكم) أي مع جنوده من الشياطين وأتباعه من أفراد الإنسان (فأقحموكم) أي أدخلوكم (ولجات الذلّ) جمع وليجة، وهي المحل الذي يدخل فيه الإنسان (وأحلوكم ورطات القتل) جمع ورطة، وهي الشّدّة التي يتورط فيها الإنسان (وأوطأوكم إثخان الجراحة) يقال أثخنه الجرح، إذا أضعفه، أي أن الشيطان وجنده أوطأوكم وطاً مثل وطء ضعف الجراحة (طعنا في عيونكم) فلا تبصر الحق، كالذي طعن في عينه (وحزًا في حلوقكم) حتى لا تذوق مذاق الإيمان، كالذي حزّ - أي قطع حلقه - (ودقاً لمناخركم) جمع منخر، بمعنى: الأنف، فقد أرغم الشيطان الإنسان وأذله، كما يدق أنف الذليل (وقصداً لمقاتلكم) جمع مقتل، بمعنى موضع القتل - وهي الحنجرة - أي قصد الشيطان إهلاككم (وسوقاً) أي يسوقكم سوقاً (بخزائِمِ القهر) جمع خزامة، وهي حلقة تدخل في أنف البعير ليشدّ بها الحبل الذي يجر به، وإضافتها إلى القهر، لأن الشيطان يقهر الإنسان ويجبره سوقاً.

2) (فأصبح أعظم في دينكم جرحا) كان الدِّين - عند المتدين - جسد صحيح، فإذا عصى جرح في دينه بمقدار تلك المعصية وأورى في دنياكم قدحاً) أي أشد قدحا - وإخراجاً - للنار المحرقة لدنياكم (من الذين أصبحتم لهم مناصبين) أي أنّ الشيطان أشد عداوة لكم من سائر أعدائكم الذين تناصبونهم - أي تحاربونهم - (وعليهم مُتَالبين) التالب: التجمع لأجل المحاربة.

3) (حدّكُم) أي غضبكم وحِدَّتَكُم (وله جَدّكُم) اجتهادكم، أو قطعكم، فإنَّ [جد] بالفتح، بمعنى: القطع (فلعمر اللّه) قسم باللّه سبحانه (لقد فخر على أصلكم) أي افتخر الشيطان على أصلكم الذي هو آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قال أنا خير منه (ووقع في حسبكم) أي في شرفكم إذا ذهب شرفكم بإيجابه المعاصي عليكم، فإنَّ شرف الإنسان في الطاعة (وَدَفعَ في نسببِكُم) فإنَّ انتساب الإنسان بالأنبياء يوجب رفعته فإذا أطاع الشيطان ابتعد عن نسبه الرفيع وصار وضيعاً بسبب العصيان، وهذا دفع لشرافة النسب (وأجلَبَ بخيله عليكم) أي أحضر لكم أتباعه الأقوياء - كأنهم راكبو الخيل - لإضلالكم وإغوائكم (وقصد بِرَجلِهِ) أي أعوانه الضعفاء، الذين هم كالجند الراجلين (سبيلكم) ليحرّفكم عن الطريق (يقتنصونكم الاقتناص : أخذ الصياد للصيد دفعة (كُلُّ بنان) أي الأصابع، فإنَّه إذا ضربت أصابع الإنسان لم يقدر على أخذ السيف والمجاهدة.

تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ فِي حَوْمَةِ ذُلٍّ، وَحَلْقِةِ ضِيقٍ وَعَرْصَةِ مَوْتٍ، وَجَوْلَةِ بَلَاءٍ (1. فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ وَأَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَخَوَاتِهِ، وَنَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ(2)، وَاعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُؤُوسِكُمْ، وَالْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَخَلْعَ التَّكَبُرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ؛ وَاتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَةٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ؛ فَإِنَّ لِهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَأَعْوَاناً، وَرَجِلاً وَفُرْسَاناً (3)، وَلَا تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلِ جَعَلَهُ اللّه فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ، وَقَدَحَتِ الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ، وَنَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ الْكِبْرِ الَّذِي أَعْقَبَهُ اللّه بِهِ النَّدَامَةَ، وَأَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَائِلِينَ (4)إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.)


1) (لا تمتنعون بحِيلَةٍ) تخلصكم من يده (ولا تدفعون) الشيطان عن أنفسكم (بعزيمة) أي بإرادة قوية، فأنتم (في حومة ذُلُّ) أي محل ذلة (وحلقة ضيق) فإنَّ اتباع الشيطان يوجب ضيق الدنيا وضيق الآخرة (وعرصة موت) العرصة: الساحة، أي أنتم في ساحة الموت، وهي الدنيا (وجولة بلاءٍ) يجول عليكم البلاء.

2) (من خطرات الشيطان) أي ما يوجب الشيطان أن يخطر بذهن المسلم (ونخواته) جمع نخوة بمعنى التكبر والتعاظم (ونزغاته) جمع نزغة، بمعنى الإفساد (ونفثاته) جمع نفثة، بمعنى النفخة، كأنه ينفخ في الإنسان بوساوسه، وتلك النفخة توجب تلك العصبيات.

3) (واعتمدوا) أي اطلبوا (وضع التذلل على رؤوسكم) بأن تكونوا متواضعين (وإلقاء التَّعزّز تحت أقدامكم) بأن لا تظهروا العزّة والعصبيّة (وخَلْعَ التَّكبُرِ من أَعناقِكُم) فإنَّ التكبر يظهر في العنق كأنه طوق فيه (واتخذوا التَّواضعَ مَسلَحةً) الثغر، أو محل السلاح الذي يؤخذ منه السلاح المحاربة العدو (بينكم وبين عدوّكم إبليس وجنوده) كأنه الحد الفاصل بين بلاد الإيمان وبلاد الشيطان، فإنَّ تواضع الإنسان لم يتمكن إبليس من السيطرة عليه، أما إذا تكبر كان الشيطان مسيطراً عليه (فإنّ له) أي للشيطان (من كلُّ أُمةٍ جنوداً وأعواناً) يتخذهم لمحاربة المؤمنين (ورجلاً وفُرساناً) أي جنودا راجلين وجنودا راكبين.

4) (ابنِ أُمِّهِ) أي أخيه (مِنْ غيرِ ما فَضلٍ جَعَلَهُ اللّه فيه) أي بدون أن يكون له فضل عليه، و[ما] زائدة (سوى ما الْحَقِّتِ العَظمَةُ بِنَفْسِهِ مِن عَداوَةِ الحَسَدِ) أي لا فضل له سوى الحسد الذي يوجب إلحاق العظمة بنفس هذا الإنسان المتكبر، فإنّ الإنسان إذا حسد أخاه، زعم أن نفسه عظيمة (وقدحت الحميَّةُ في قلبه من نارِ الغَضَبِ) فإنّ الحمية الجاهلية تورث اشتغال نار الغضب في قلب الإنسان على أخيه (والزمَهُ آثامَ القاتلين) أي خطاياهم.

أَلَا وَقَدْ أَمْعَنتُمْ فِي الْبَغْيِ، وَأَفْسَدْتُمْ فِي الأَرْضِ، مُصَارِحَةٌ للّه بِالْمُنَاصَبَةِ، وَمُبَارَزَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالمُحَارَبَةِ. فَاللّه اللّه في كِبْرِ الْحَمِيَّةِ وَفَخْرِ الْجَاهِلِيَّةِ! فَإِنَّهُ مَلَاقِحُ الشَّنانِ، وَمَنَافِخُ الشَّيْطَانِ الَّتِي خَدَعَ بِهَا الأُمَمَ الْمَاضِيَةَ، وَالْقُرُونَ الْخَالِيَةَ (1. حَتَّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ، وَمَهَاوِي ضَلَالَتِهِ، ذُلُلاً على سِيَاقِهِ، سُلُساً فِي قِيَادِهِ أَمْراً تَشَابَهَتِ الْقُلُوبُ فِيهِ، وَتَتَابَعَتِ الْقُرُونُ (2)عَلَيْهِ، وَكِبْراً تَضَايَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ. أَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمُ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَجَاحَدُوا اللّه مَا صَنَعَ بِهِمْ، مَكَابَرَةٌ لِقَضَائِهِ، وَمُغَالَبَةٌ لآلائِهِ (3). فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ، وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ اعْتِزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. فَاتَّقُوا اللّه)


1) (في البغي) أي الظلم (مصارحة للّه بالمناصبة) أي صارحتم وأظهرتم المحاربة للّه سبحانه حيث إنه سبحانه جعل الميزان التقوى وأنتم جعلتم الميزان العصبيات (ومبارزةٌ للمُؤمِنينَ بالمحَارَبَةِ) فقد كان العرب في زمن الإمام وما قبله لا يهتمون بالمسلمين الذين لا يزوجونهم ولا يرون أنهم في الكفاءة (فـ) اذكروا (اللّه اللّه في كبر الحميَّةِ) أي التكبر الناشئ من الحمية (وفخر الجاهلية) الذين كانوا يفخرون بأنسابهم لا بأحسابهم (فإنَّهُ ملاقِعُ الشَّنآن) جمع ملقح، أي لقاح البغض، بمعنى الذي يولده بين الناس (ومنافِخُ الشيطان) جمع منفخ، بمعنى: النفخ، أي أنه من نفخ الشيطان في قلوب الناس (الخالية) أي الماضية.

2) (حتى أعنَقُوا) الإعناق الاختفاء (في حنايس جهالته) جمع حندس، بمعنى الظلام الشديد أي انهم اختفوا في ظلمات الجهالة التي هيأها لهم الشيطان حيث زعموا أنهم أفضل من جيرانهم - بسبب الدم - كما زعم اليهود أنهم شعب اللّه المختار (ذُلُلاً على سِياقِهِ) جمع ذلول، ضد الصعوبة، والسياق السوق (سلساً) جمع سلس، بمعنى السهل (في قيادِهِ) أي في الانقياد لقيادة الشيطان (أمراً تشابهت القلوب فيه) أي أطاعوا أمر الشيطان، الذي تشابهت قلوب الناس في إطاعته (وتتابعت) أي توالت (القرون) جمع قرن، وهي القطعة من الزمان الممتدة بامتداد عمر جيل من الناس.

3) (الذين تكبَّروا عن حسبهم) فإنَّ حسبهم - أي مؤهلاتهم وفضائلهم كانت قليلة، وأظهروا للناس أنها أكبر من الواقع (وترفَّعُوا فوق نَسبهِمْ) بأن تكبروا وأظهروا أنفسهم كبراء أكثر من كبرهم الواقعي (والقوُا الهجينة) أي الصفة القبيحة (على ربِّهم) فإنَّهم باحتقارهم الناس إنما احتقروا خلق اللّه سبحانه (وجاحدوا اللّه ما صنع بهم) يعني جحدوا وأنكروا ما فعل اللّه بهم من ضعة النسب وقلة الفضيلة، فبمقتضى كبرهم تمنوا أن لو كان لهم فوق مقامهم نسباً وحسباً (مكابرةً لقضائِهِ) أي تكبروا على قضاء اللّه وحكمه فيهم (ومغالبة لآلائه) أي أرادوا أن يغلبوا النعم، بأن يكون لهم فوق ما قدر اللّه لهم.

وَلَا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً، وَلَا لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسّاداً (1. وَلَا تُطِيعُوا الأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ، وَخَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَهُمْ أَساسُ الْفُسُوقِ، وَأَحْلَاسُ الْعُقُوقِ. اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلَالٍ، وَجُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ، وَترَاجِمَةٌ يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ (2)، اسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ وَدُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ، وَنَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ، وَمَوْطِئَ قَدَمِهِ (3)، وَمَأْخَذَ يَدِهِ.)فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الأُمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللّه وَصَوْلَاتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثُلَاتِهِ، وَاتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ، وَمَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ، وَاسْتَعِيذُوا بِاللّه مِنْ لَوَاقِحِ الْكِبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ (4. فَلَوْ رَخَّصَ اللّه فِي)


1) (وسيوف اعتزاء الجاهليّة) الاعتزاء: التفاخر بالنسب، فإنَّ الجاهلية إنما تشهر السيوف بعد التفاخر الذي ينجر إلى المحاربة (ولا تكونوا لنعمه عليكم أضداداً) بأن يضاد بعضكم بعضاً، لأنّ اللّه أنعم على ذلك دون هذا (ولا لفضله عندكم حُسَّاداً) بأن يحسد بعضكم بعضا، لأنه سبحانه تفضل على هذا دون هذا.

2) (ولا تُطيعوا الأدعياء) جمع دَعِي وهو الذي يدعي الدين ويلصق نفسه به (الذين شربتم بصفوكم كَدَرَهُمْ) فَإِنَّ الإنسان في نفسه سالم وإنما يتخذ العصيان والانحراف من غيره فشبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإطاعة بالصفو والعصيان بالكدر (وخلطتم بصحتكم) عن الرذائل (مرضهم) وتلوثهم بالآثام (وأدخلتم في حقكم باطلهم) بأن أخذتم منهم بعض الأباطيل فاختلط بما تعملون من الحق (وأَحلاسُ العُقُوق) جمع حلس - بالكسر - وهو غطاء رقيق على ظهر البعير ملازم له فقيل لكل ملازم لشيء هو جلسه، والعقوق: العصيان، أي الملازمون له (وتراجمةً) يترجمون كلام الشيطان ويبينونه (ينطق على السنتهم) بإيحاء ما يشاء إلى قلوبهم.

3) (استراقاً لعقولكم) أي سرقة من الشيطان لأنه لو كان للإنسان عقل ثابت غير مسروق لم يبع آخرته بالإضلال والضلال (ودخولاً في عيونكم) للحيلولة بينها وبين رؤية الحق (ونفثاً) أي نفخا (في أسماعكم) إذ لو كان السمع صحيحا لم يستمع الإنسان إلى كلام باطل (فجعلكم مَرْمَى نَبِلِهِ) النبل : السهم والمرمى محل الرمي (وموطئ قدمه) كأنه يطؤهم تحت أقدامه.

4) (من بأس اللّه) أي عذابه سبحانه (وصولاته) الصولة : الهجوم بقصد الإضرار (ووقائعه) جمع واقعة، والمراد بها عذابه سبحانه إياهم (ومثلاتِهِ) أي عقوباته التي توجب أن يضرب بها المثل (واتعظوا بمثاوي خدودِهِم) مثوى الخد الموضع الذي يوضع فيه في القبر، والمراد الاعتبار بمصارع أولئك القوم كيف أهلكوا لما خالفوا الأنبياء وتكبروا (ومصارع جنوبهم) جمع مصرع، وهو محل صرع الجنب على التراب (لواقع الكبر) جمع لاقحة، وهي التي تلقح في النفس، كما يلقح الذكر الأنثى، واللاقح هنا إبليس (طوارق الدهر) جمع طارقة، وهي المصيبة التي تطرق الإنسان وتأتيه فجأةً.

الْكِبْرِ لأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ؛ وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ، وَرَضِي لَهُمُ التَّوَاضُعَ، فَأَلْصَقُوا بِالأَرْضِ خُدُودَهُمْ، وَعَفَّرُوا فِي التُّرابِ وُجُوهَهُمْ، وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا أَقواماً مُسْتَضْعَفِينَ. وَقَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللّه بِالْمَخْمَصَةِ، وَابْتَلَاهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ، وَمَخَضَهُمْ (1بِالْمَكَارِهِ. فَلَا تَعْتَبِرُوا الرُّضَا وَالسُّخْطَ بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ، وَالاخْتِبَارِ فِي مَواضِعَ الْغِنَى وَالاِقْتِدَارٍ (2)، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدَّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ) (3)فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ (4).)وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - عَلَى فِرْعَوْنَ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ، وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ، فَشَرَطَا لَهُ - إِنْ أَسْلَمَ -


1) (فالصقوا) أي الأنبياء والأولياء (بالأرض خدودهم) في حال السجود له سبحانه، تواضعاً (وعفّروا في التراب وجوههم) والتعفير : هو التقليب على التراب (وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين) كما يخفض الفرخ جناحه لأمه وأبيه تذللاً وتواضعاً (وكانوا أقواماً مستضعفين) يستضعفهم الناس يعدونهم ضعفاء مع أنهم كان في أيديهم قوى الكون - بإذنه سبحانه - (بالمخمصة) أي بالجوع (بالمجهدة) أي المشقة الموجبة للجهد (وامتحنهم بالمخاوف) أي الأمور المخوفة بأن كانوا في خوف من الأعداء (ومخضهم) يقال مخض اللبن إذا حركه ليخرج زبده.

2) (فلا تعتبروا الرّضا) أي رضاه سبحانه (والسخط) أي غضبه (بالمال والولد) فإذا رأيتم أنه تعالى أعطى لشخص مالاً وولدا كثيرا تستدلّون بذلك على أنه سبحانه رضي من المعطى، وسخط على من لم يعطه (جهلاً بمواقع الفتنة) أي الامتحان (والاختبار) بأن تجهلوا كيف امتحانه سبحانه (في مواضع الغنى والاقتدار) فتظنون أن الغني المقتدر مرضي له تعالى وعكسه مسخوط عليه من قبله سبحانه.

3) سورة المؤمنون، الآية: 56.

4) (أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ) أي أتظنون أن أموالهم وأولادهم، التي منحناها لهم إنما ذلك لأجل انّا (نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ) ؟ أي نسرع لإعطاء هذا الخير لهم هنا، وهناك عندهم أفضل (بل لا يشعرون) أن الأمر ليس كذلك، بل إنما ذلك لإزهاق أنفسهم (يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم) فإنّ الأولياء أقوياء بنظر الواقع، وإنما ضعفاء بنظر المستكبرين، واللّه يمتحن أولئك بهؤلاء فإنَّ أكرموهم واتخذوا بأقوالهم نجوا وإلا هلكوا.

بَقَاءَ مُلْكِهِ، وَدَوَامَ عِزّهِ؛ فَقَالَ : [أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزَّ، وَبَقَاءَ المُلْكِ؛ وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَالذُّلِّ، فَهَلاً أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَساوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ] ؟ إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ، وَاحْتِفَاراً لِلصُّوفِ وَلُبْسِهِ (1! وَلَوْ أَرَادَ اللّه سبحانهُ بِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ، وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ، وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ، وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُبُورَ السَّمَاء وَوُحُوسَ الأَرْضِ لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلاءُ، وَبَطَلَ الْجَزَاءُ، وَاضْمَحَلَّتِ الأَنْبَاءُ، وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلِينَ، وَلَا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَا لَزِمَتِ الأَسْمَاءُ مَعَانِيهَا (2). ولكنَّ اللّه سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ، وَضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الأَعْيُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ، مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلأُ القُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنِّي، وَخَصَاصَةٍ (3)تَمْلأُ الأَبْصَارَ وَالأَسْمَاعَ أَذًى.)وَلَوْ كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ، وَعِزَّةٍ لَا تُضَامُ، وَمُلْكِ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ، وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ، لَكَانَ ذلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي


1) (مدارع الصوف) جمع مدرعة وهي ثوب قصير ضيق لا يلبسه إلا المتواضع، لعدم كونه فضفاضا يلائم الكبرياء (فَهلَا أُلقي عليهما أساورةٌ من ذهب) لو كانا صادقين في دعواهما النبوة من قبله سبحانه وأساورة: جمع أسورة، جمع سوار، وهو ما يجعل زينة في اليد، وقد كان الملوك في السابق يلبسون السوار (إعظاما للذهب وجمعه) كأنّه معيار النبوة (واحتقارا للصوف وَلُبْسِهِ) كأنه ينافي البعث من طرفه تعالى.

2) (ومعادن العقيان) هو نوع من الذهب ينمو في معدنه (ومغارس الجنان) جمع مغرس، أي محل غرس الأشجار في البساتين بأن يكون لهم بساتين وأشجاراً (لسقط البلاء) أي الامتحان، أي لم يمتحن الناس بالأنبياء لأن الناس يتبعون الملك والسلطة، أينما كانا، فلم يتميز الخبيث من الطّيب (وبطل الجزاء) إذ الجزاء على اتباع الحق عن اختيار ورغبة، لا عن اضطرار اتباع المال والسلطة (واضمحلَّت) أي بطلت وذهبت (الأنباء) أي أخبار السماء بالوعد لمن آمن والوعيد لمن كفر، لعدم الحاجة إلى ذلك (وَلَما وجب للقابلين أجور المبتلين) أي ثواب الذين ابتلوا واختبروا فخرجوا ناجحين من الاختبار (ولا لزمت الأسماء معانيها) فمثلا المؤمن ليس بمعناه الحقيقي وهو الذي نبع إيمانه من القلب، وإنما يسمى به من انقاد، والإنقياد خوفا وطمعا للسلطة الثرية ليس إيماناً حقيقيا.

3) (جعل رسله أولي قوّة في عزائمهم) جمع عزيمة، بمعنى الإرادة (ضعفة) جمع ضعيف (فيما ترى الأعين من حالاتهم) المادية، والجاهية (وخصاصة) أي فقر.

الاعْتِبَارِ، وَأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الاِسْتِكْبَارِ، وَلآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةِ لَهُمْ، أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ (1، فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً، وَالْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً (2). وَلكِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الاِتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ، وَالْتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ، وَالْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ، وَالاِسْتِكَانَةُ لأمْرِهِ، وَالاِسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ أُمُوراً لَه خَاصَّةٌ، لَا تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ (3). وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى وَالاِخْتِبَارُ أَعْظَمَ، كَانَتِ الْمُتُوبَةُ وَالْجَزَاء أَجْزَلَ.)أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ اللّه سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ الأَوَّلِينَ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَوَاتُ اللّه عَلَيْهِ، إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هذا الْعَالَم بِأَحْجَارٍ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً (4. ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ)


1) (أهل قوّة لا ترام) أي لا تقصد، بمعنى أن أحداً لا يقصدهم لكثرة قوتهم، أو أن قوتهم من الكثرة بحيث لا يتوقع أحد أن يكون مثلهم في القوّة (وعزّة لا تضام) أي لا تغلب بحيث تكون عزتهم فوق كل عزة لا يتمكن أحد من ظلمهم (وملك تمد نحوه أعناق الرجال) تعجباً وتطلباً (وتُشدُّ إليهِ عُقدُ الرِّحَالِ) جمع عقدة، الحبال التي تعقد على الرجل لثلاً يقع من ظهر الدابة، فإنّ أصحاب السلطة يسافر الناس إليهم طلباً لدنياهم (أهون على الخلقِ في الإعتبار) أي أضعف تأثيراً في القلوب من جهة اعتبارها واتعاظها (وأبعدُ لَهم في الاستِكبَارِ) أي لا يتكبّرون عليهم بل يؤمنون بهم فوراً، لأنّ الناس على دين ملوكهم، أو المعنى أنه يسبب استكبار النّاس، لأنهم يرون الأنبياء وهم قدوة في هالة من الكبرياء (ولآمنوا عن رهبةٍ قاهرة لهم أو رغبةٍ مائلة بهم) أي لم يكن إيمانهم عن رهبة النار، أو رغبة الجنة، لأنهم في منأى عنهما، بل كان الإيمان السلطة الأنبياء وثروتهم.

2) (فكانت النّيّات مُشتركةً) أي نية المؤمن حقيقة والمؤمن لأجل السلطة، مشتركة غير معلومة أن أيهما عن حقيقة، وأيهما عن رغبة في سلطة الأنبياء. (والحسنات مقتَسَمةٌ) بينما ينبغي أن يكون للمؤمن الحقيقي الحسنة لا لكل من أظهر الإيمان.

3) (والاستكانَةُ) أي التضرع (أُموراً له خاصَّةً) بأن يكون المؤمن إنما آمن لذاته تعالى، لا لما يرى من سلطة الأنبياء (لا تشوبها من غيرها) أي من غير هذه الأمور (شائِبَةٌ) بأن لا تدخلها ريبة سلطة وثروة.

4) (اختبر) أي امتحن (بأحجار) هي الكعبة المعظمة، التي بنيت من الأحجار، وأمر الناس بالحج إليها والطواف حولها _لا تَضَرُّ ولا تَنفِعُ) بذاتها (ولا تُبْصِرُ ولا تسمعُ) حسب الظاهر، وهذا لا ينافي ضررها ونفعها حسب أمر اللّه سبحانه وبصرها وسمعها حسب الواقع، حيث ورد أن الحجر الأسود ملك يسمع، ولذا نقول له [أمانتي أديتها ] (بيته الحرام) أي المحترم (الذي جعله) قبلة للأنام (وللنّاس قياماً) أي موجباً لقيام أمورهم الاجتماعية والاقتصادية وما إليهما.

بِقَاعِ الأَرْضِ حَجَراً، وَأَقَلُّ نَتَائِقِ الأَرْضِ مَدَراً، وَأَضْيَقٍ بُطُونِ الأَوْدِيَةِ قُطراً. بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ، وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ، وَقُرًى مُنْقَطِعَةٍ ؛ لَا يَزْكُو بِهَا خُفٌ، وَلَا حَافِرٌ وَلَا ظِلْفٌ (1، ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ (عليه السَّلامُ) وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنتَجَع أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ وَمَهَاوِي فِجَاجِ عَمِيقَةٍ، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ (2)، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً يُهلِّلُونَ للّه حَوْلَهُ، وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً (3)لَهُ. قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ، ابْتِلَاءً عَظِيماً، وَامْتِحاناً شَدِيداً، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً،)


1) (واقل نتائق الأرض) جمع نتيقة، بمعنى المرتفع ومكة مرتفعة باعتبار أنها جبال (مدرا) هو قطع الطين اليابس، فانه كلما قل المدر - والمراد به الطين - يقل النبات (وأضيق بطُونِ الأودية) جمع وادي، بمعنى: الصحراء (قُطراً) أي من حيث السعة، فإنَّ الجبال قريبة بعضها إلى بعض، فلا سهل يوجب الانبساط في النّفس، والسّعة في محل الحركة والعمل (بين جبال خشنة) لا لين في أحجارها (ورمال دمثة) لينة يصعب السير فيها (وعيون وشلة) أي قليلة الماء، لقلة الأمطار هناك (وقُرّى منقطعة) أي بعيدة بعضها عن بعض (لا يزكو بها خفٌ) أي الجمل، فإنَّ جمال مكة - لقلة نبتها - لا تنمو كنمو جمال المناطق الخصبة (ولا حافر) أي الخيل (ولا ظلفٌ) أي البقر والغنم، فإنَّ جميع هذه الحيوانات هناك هزال.

2) (أن يثنوا أعطافهم نحوه) جمع عطف، وهو طرف الجنب وثني العطف كناية عن التوجه والميل إليه، والطواف حوله (مثابة) أي مرجعا من ثاب إذا رجع (لمنتجع أسفارهم) أي محل الفائدة من الأسفار فإنَّ مكة بسبب الحج إليها محل لفائدة الناس حيث يتَّجر إليها ومنها (وغايةً لمُلقى رحالهم) أي لإلقاء رحلهم عن ظهور دوابهم (تهوي إليه) أي تميل إلى البيت الحرام (ثمار الأفئدة) أي الأرواح الكائنة في القلوب، كأنها ثمرتها (من مفاوز) جمع مفازة، بمعنى الصحراء (قفار) جمع قفر، الصحراء التي لا ماء لها ولا كلاء ولا أنيس (سحيقة) أي بعيدة (ومهاوي) جمع مهوى وهو المحل المنسرح من الجبل (فجاج) جمع فج، بمعنى الطريق (عميقة) أي أن الناس يأتون إليه من الصحارى والجبال (وجزائر) جمع جزيرة، قطعة الأرض في وسط البحر (بحار منقطعة) تلك الجزائر عن الاتصال بالأرض، لأنها محاطة بالماء.

3) (حتى يهزّوا) أي يحركوا حول الكعبة (مناكبهم) جمع منكب ما بين العنق والعضد (ذللاً) أي أذلة خاضعين (يهللون) أي يرفعون صوتهم من الإهلال، ومنه الإهلال بالتلبية والأدعية (ويرملون) الرمل ضرب من السير السريع (شعثاً) جمع أشعث، وهو ضد التمشيط للرأس واللحية (غبراً) جمع أغبر، وهو المغبر بالغبار.

وَتَمْحِيصاً بليغاً (1. جَعَلَهُ اللّه سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، ويُصْلَةٌ إِلَى جَنَّتِهِ، ولَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، ومَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّاتٍ وَأَنْهَارٍ، وَسَهْلٍ وقَرَارٍ، جَمِّ الأَشْجَارِ، دَانِي الثَّمَارِ، مُلْتَفٌ الْبُنَا مُتَّصِلِ الْقُرَى، بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ، ورَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وأَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ، وعِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ، ورِيَاضِ نَاضِرَةٍ، وطُرُقٍ عَامِرَةٍ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبٍ ضَعْفِ الْبَلاءِ (2)وَلَوْ كَانَ الأَسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا، وَالأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا، بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَنُورٍ وَضِيَاءٍ، لَخَفَّفَ ذلِكَ مُسَارَعَةَ الشَّكْ فِي الصُّدُورِ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنْ الْقُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ (3)مِنَ النَّاسِ،)


1) (قد نبذوا السرابيل) جمع سربال، بمعنى الثوب (وشوهوا) أي غيروا (بإعفاء الشعور) تركها بلا تمشيط ولا حلق ولا تقصير (محاسن خَلْقِهِمْ) من وجه ورأس وجسد، ابتلاهم اللّه سبحانه بذلك (ابتلاء) أي امتحاناً (عظيماً) لا يناله الإنسان إلا بمشقة (وامتحاناً شديداً) على النفس (واختباراً مبيناً) أي واضحاً ظاهراً (وتمحيصاً) التمحيص تحريك الشيء حتى يؤخذ لبه (بليغاً) أي بالغاً في التمحيص.

2) (وَوُصلة إلى جنّتهِ) أي سبباً لوصول الإنسان إلى جنّته (ومشاعره العظام) جمع مشعر، وهو محل الشعائر، كالصفا والمروة، وعرفات، ومنى (وقرار) أي موضع مطمئن من الأرض، لا علو ولا انخفاض فيها (جَمّ الأشجارِ) أي كثير الشجر (داني الثَّمار) فيها ثمار دانية أو أن قطفها (مُلتفّ البُنا) جمع بنية، وهي ما يبتنيه الإنسان، والمراد كثير العمران بحيث كانت الأبنية متلاصقة بعضها ببعض (مُتصل القُرى) الخصب الأرض وطيب هوائها، كثرت قراها حتى اتصل بعضها ببعض (بين بُرَّة سمراء) أي حنطة وهي أجود أنواع الحنطة (وَروضة خضراء) أي حديقة مخضرة (وأرياف) جمع ريف وهي الأرض الخصبة (مُحدِقَةٍ) أي محيطة بالبيت (و عِرَاصٍ) جمع عرصة الساحة الواسعة التي ليس بها بناء (مُغدِقَةٍ) من أغدق المطر إذا كثر ماؤه (ورياض) جمع روضة، بمعنى الحديقة (ناضرة) من النضارة، بمعنى البهجة والزينة (وطرق عامرة) بالمارة وبوسائل الراحة (لكان) جواب [لو] (قد صغر قدرُ الجزاء) لمن حج (على حسب ضَعفِ البلاء) أي قلة الامتحان، لأن مثل ذلك المكان يذهب إليه الإنسان بدون أمر وزجر.

3) (ولو كان الإساس المحمول عليها) بناء الكعبة، أي أساس الكعبة (والأحجار المرفوع بها) الكعبة، أي الأحجار التي بنيت الكعبة منها (بين زُمُرُّدةٍ خضراء) نوع من الجوهر الثمين (وياقوتة حمراء ونور وضياء) بأن كانت الأحجار تشع نوراً (لخفف ذلك مسارعة الشَّلِّ في الصُّدُورِ) فَإِنَّ كل إنسان لم يكن يُشك في أنه من اللّه وشيء حسن، وإنما يجعل اللّه سبحانه موضع شك وريبة ليحتاج إلى الدلالة ومجاهدة النفس ليكثر الأجر ويظهر الفضل (ولوضع) أي لأبطل (مجاهدة إبليس عن القلوب) أي لم يكن الإنسان يحتاج إلى الجهاد مع الشيطان في صحة الحج، ولم يكن إبليس يقدر على الوسوسة في قلب الإنسان لإبطال الحج (ولنفى معتلج الرّيب) أي الريب الذي اعتلج - بمعنى التطم بالقلب.

وَلَكِنَّ اللّه يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَانَا لِلتَذلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَليَجْعَلَ ذلِكَ أَبْوَاباً فُتحاً إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسْبَابا ذُلُلاً لِعَفْوِهِ(1.)فاللّه اللّه فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ، وَآجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ، وَسُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ، فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ الْعُظمى، وَمَكِيدَتَهُ الْكُبْرَى الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ، فَمَا تُكْدِي أَبَداً، وَلَا تُشْوِي أَحَداً، لَا عَالِماً لِعِلْمِهِ، وَلَا مُقِلاً في طِمْرِهِ. وَعَنْ ذلِكَ مَا حَرَسَ اللّه عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَواتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ، تسْكِيناً لأَطْرَافِهِمْ، وَتَخْشِيعاً لأَبْصَارِهِمْ، وَتَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ، وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ، وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلاء (2)


1) (ولكن اللّه يختبر عباده بأنواع الشدائد) التي يسوقها إليهم، يظهر صبرهم وتحملهم وإطاعتهم (ويتعبَّدُهم) أي يأمرهم على نحو الاستعباد (بأنواع المَجَاهِد) بمعنى: الجهد (وإسكانا للتَّذلل في نفوسهم) فإن المشاق ترشد الإنسان على أنه ضعيف لا يقدر على شيء فيسكن الذل والانكسار في قلبه (أبواباً فتحاً إلى فضله) أي مفتوحة فإنَّ الشخص إذا عمل بالمشاق نال فضله تعالى (وأسباباً نللا) أي سهلة (وخامة الظُّلم) أي شدّته على الظالم (وسوء عاقبة الكبر) أي لا تفعلوا ما يسبب ذلك لكم غداً (مصيدة إبليس) التي يصيد بها الناس لإلقائهم في النار (التي تساور) أي تقاتل وتحارب (قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة) الكبر والظلم والبغي - وهو أخص من الظلم - تغالب قلب الإنسان النقي حتى تلوثه بها، وتوجب هلاك الإنسان (فما تكدي) أي ما تعجز هذه المكيدة عن التأثير - من أكدى الحافر إذا عجز عن التأثير في الأرض - (ولا تشوي) أي لا تخطئ من أشوت الضربة، إذا أخطأت فلم تقتل.

2) (لا عالما لعلمه) فإنَّ العلم لا يقف سدا دون هذه المكيدة (ولا) مُقِلاً) أي فقيرا (في طمره) أي كسائه البالي، فكيف بالجاهل والغني، أي أن الظلم والبغي والكبر آلات لإبليس يصيد بها كل أحد (ما حرس اللّه) [ما] زائدة، أو مصدرية أي حراسة اللّه، أي حفظ اللّه (عباده المؤمنين) حتى لا يتمكن الشيطان من إغرائهم بالصلوات والزكوات فإنَّهما ترقق القلب، وتقربه إلى اللّه، فلا يتمكن الشيطان من إغرائهم (ومجاهدة الصيام) أي الصيام الموجب للجهد (تسكينا لأطرافهم) أي أيديهم وأرجلهم وسائر جوارحهم (وتخفيضا لقلوبهم) أي التهاب القلب نحو الشهوات (وإذهاباً للخيلاء) أي الكبر.

عَنْهُمْ، لما فِي ذلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالأَرْضِ تَصَاغُراً، وَلُحُوقِ الْبُطُونِ بِالْمُتُون مِنَ الصَّيَام تَذَلُلاً ؛ مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الأَرْضِ وَغَيْرِ ذلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ (1.)انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الفَخْرِ، وَقَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ ! وَلَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ لِشَيْءٍ مِنَ الأَشْيَا إِلا عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ الْجُهَلَاءِ، أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ(2غَيْرَكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لأَمْرِ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَلَا عِلَّةٌ. أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لأَصْلِهِ، وَطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ، فَقَالَ : أَنَا نَارِيٌّ وَأَنْتَ طِينِيٌّ. وَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُترفَةِ الأُمَمِ، فَتَعَصَّبُوا لآثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ، فَقَالُوا : (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ) (3). فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الأَفْعَالِ، وَمَحَاسِنِ الأُمُورِ، الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْمُجَدَاء وَالنَّجَدَاء مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ وَيَعَاسِيبِ الْقَبَائِلِ؛ بِالأَخْلَاقِ الْرَّغِيبَةِ،)


1) (من تعفير عتاق الوجوه بالتراب) أي وضعها في التراب والعتاق جمع عتيق، بمعنى الكريم (والتصاق كرائم الجوارح) من يدين ورجلين (بالمتون) أي الظهور (مع ما في الزكاة من صرف ثمرات الأرض) من حنطة وشعير وتمر وزبيب - واجبا - وسائر الحبوب وما أشبه استحبابا - (وغير ذلك) من إبل وبقر وغنم وذهب وفضة - وجوبا - وسائر الأمور الزكوية - استحبابا – (إلى أهل المسكنة والفقر) ويسمى الفقير مسكينا، لأن الفقر يسكنه فلا يتمكن أن يتحرك كما يتحرك الغني.

2) (من قمع نواجم الفخر) جمع ناجمة، من نجم بمعنى طلع، أي قلع ما يظهر من الفخر في القلب (وقدع) أي كف (طوالع الكبر) جمع طالعة أي ما يظهر من الكبر في الإنسان، (فما وجدت أحداً من العالمين) والمراد الأشخاص الظاهرين المعروفين لديهم، لا أن العموم شمول حقيقي. (إلا عن علة تحتمل تمويه الجهلاء) أي أن المتعصب جاهل، فموّه عليه ولذا يتعصب (أو حجّة) أي دليل له على تعصبه (تليط) أي تلتصق تلك الحجة (بعقول السفهاء) فيظن السفيه المتعصب صحة تلك الحجة على العصبية، ولذا يتعصب بخلاف الحق.

3) سورة سبأ، الآية: 35.

وَالأَحْلَامِ الْعَظِيمَةِ، وَالأَخْطَارِ الْجَلِيلَةِ، وَالآثَارِ المَحْمُودَةِ (1. فَتَعَصَّبوا لِخِلَالِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ، وَالْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ، وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَالْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ، وَالأَخْذِ بِالْفَضْلِ، وَالْكَفْ عَنِ الْبَغْيِ، وَالإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ، وَالإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ، وَالْکَظْمِ لِلْغَيْظِ، وَاجْتِنَابِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ. وَاحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمَثلَاتِ (2)بِسُوءِ الأَفْعَالِ، وَذَمِيمِ الأَعْمَالِ. فَتَذَكَّرُوا فِي الْخَيْرِ وَالْشَرِّ أَحْوَالَهُمْ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ. فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ، فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهِ شَأْنَهُمْ، وَزَاحت الأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ، وَمُدَّتِ الْعَافِيَةُ فِيهِ عَلَيْهِمْ، وَانْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ، وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ (3)مِنَ الاِجْتِنَاب لِلْفُرْقَةِ واللُّزومِ للأُلْفَةِ، وَالتَّحَاضِّ عَلَيْهَا، وَالتَّوَاصِي بِهَا، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ، وَأَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ ؛ مِنْ تَضَاغُنِ الْقُلُوبِ،)


1) (المُجَداء) جمع مجيد وهو الرفيع (والنُّجداء) جمع نجيد وهو الشجاع الماضي عزمه (من بيوتات العرب) البيت: القبيلة، وسميت بيتاً لاجتماعهم في بيت واحد (ويعاسيب القبائل) جمع يعسوب وهو أمير النحل، ورئيس القبيلة، أي تعصبوا للصفات الحسنة التي كانت في العرب، لا أن يكون تعصبكم للعرب (بالأخلاق الرَّغيبة) أي الحميدة المرغوب فيها (والأحلام) أي العقول (والأخطار) جمع خطر، بمعنى: العظمة والشرف (والآثار المحمودة) التي بقيت منهم وحمدها الناس لهم.

2) (فتعصَّبوا لخلال الحمد) أي الصفات التي تورث الحمد (من الحفظ للجوار) أي من جاور الإنسان باحتمائه عن الظلم والقيام بقضاء حاجته (والوفاء بالذُّمام) أي العهد (والطاعة للبر) بأن يطيع الإنسان البر، بمعنى أن يعمله (و المعصية للكبر) بأن لا يستجيب الإنسان لداعي الكبرياء من نفسه (والأخذ بالفضل) بأن يعمل الإنسان بالفضل (واجتناب الفساد في الأرض) بالإيذاء، والفتنة، وأكل أموال الناس وما أشبه (المَثُلات) أي العقوبات التي صارت مثلاً للناس.

3) (حاليهم) أي حالي السعادة والشقاء، في تلك الأمم (فالزموا كلَّ أمرٍ) حسن (لزمت العزَّةُ شأنهم) أي انظروا ماذا كان سبب عزة أولئك الأمم فلزموه، ويأتي بيان (وزاحت) أي بعدت (الأعداء له) أي لالتزامهم بذلك الأمر (عنهم) أي عن تلك الأمم (وانقادت النِّعمةُ له معهم) أي جاءت النعمة لأجل ذلك الأمر، فكانت النعمة معهم (وصلت الكرامة عليه حبلهم) بأن اتصلوا بحبل الكرامة.

وَتَشَاحُنِ الصُّدُورِ، وَتَدَابُرِ النُّفُوسِ، وَتَخَاذُلِ الأَيْدِي (1، وَتَدَبَّرَوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ، كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيضِ وَالْبَلَاءِ (2). أَلَمْ يَكُونُوا أثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاءٌ، وَأَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَاءً، وَأَضْيَقَ أَهْل الدُّنْيَا حالاً. اتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ العَذابِ وَجَرّعُوهُمُ الْمُرَارَ، فَلَمْ تَبْرَح الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلّ الْهَلَكَةِ وَقَهْرِ الْغَلَبَةِ، لَا يَجِدُونَ حِيلَةٌ فِي امْتِنَاعِ (3)، وَلَا سَبِيلاً إِلَى دِفَاعِ. حَتَّى إِذَا رَأَى اللّه سُبْحَانَهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ، وَالاِحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ (4)مِنْ خَوْفِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ الْبَلَاءِ فَرَجاً، فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلّ، وَالأَمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ، فَصَارُوا مُلُوكاً حُكّاماً، وَأَئِمَّةٌ أَعْلَاماً، وبَلَغَتِ الْكَرَامَةُ مِنَ اللّه لَهُمْ مَا لَمْ تَبْلُغُ الْآمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ.)فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الأَمْلاء مُجْتَمِعَةً، وَالأَهْوَاءُ مُتَّفِقَة، وَالقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً، وَالأَيْدِي مُتَرَادِفَةً، وَالسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً، وَالْبَصَائِرُ نَافِذَةً،


1) (واجتنبوا كلَّ أمرٍ كسر فقرتهم) هي ما انتظم من العظام في الظهر من الكاهل إلى مطلع الذنب، وهي كناية عن تبديد شملهم (وأوهَنَ مُنّتهم) المنّة : القوة، وأوهن بمعنى أضعف (من تضاغن القلوب) الضغن: الحقد، أي تحاقد بعضهم لبعض (وتشاحن الصدور) الشحناء البغضاء، (وتدابر النّفوس) بأن أدبرت نفس بعضهم عن نفس الآخرين (وتخاذل الأيدي) بأن خذلت يد بعضهم بعضاً، فلم تساعده، وهكذا العكس.

2) (وتدبَّروا أحوال الماضين) أي طالعوا سيرتهم (في حال التمحيص) أي تمحيص اللّه لهم، لأخذ خيارهم وتمييز صلحائهم (والبلاء) أي الابتلاء والامتحان، والأمر بالتدبر في أحوال أولئك لتخفيف وطأة المصائب على المخاطبين.

3) (ألم يكونوا أثقل الخلق أعباء) جمع عبء، وهو الثّقل (وأجهد العباد بلاءً) أي كان بلاؤهم أكثر اجهادا لهم، من اجهاد البلاء على سائر النّاس (فساموهم سوء العذاب) أي أنزلوا بهم أشدّ أنواع العذاب (وجرعوهم المرار) شجر شديد المرارة، حتّى أنّ الإبل إذا أكلته تقلصت منه شفاهها (فلم تبرح الحال بهم) أي لم تزل حالة العذاب بأولئك المؤمنين (في ذُلِّ الهلكة) أي الذّلّ الملحق بهم بسبب إهلاك الفراعنة لهم (وقهر الغلبة) فإنّ الغالب يقهر المغلوب ويجبره على ما يريد (لا يجدون حيلة) أي وسيلة وطريقا (في امتناع) أي لأن يمتنعوا عن تعذيب الفراعنة.

4) (جد الصبر منهم) أي الصبر الجدي الحقيقي منهم، لا يتركون دينهم (على الأذى في محبّته) تعالى (والاحتمال للمكروه) أي العذاب.

وَالْعَزَائِمُ وَاحِدَةٌ (1. أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الأَرَضِينَ، وَمُلُوكاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِينَ فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ، حِينَ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ، وَتَشَتَّتَتِ الأُلْفَةُ، وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَالأَفْئِدَةُ، وَتَشَعَبُوا مُخْتَلِفِينَ، وَتَفَرَّقُوا مَتَحَازبينَ، قَدْ خَلَعَ اللّه عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ، وَسَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ، وَبَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِينَ (2). فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ (عَلَيْهِم السَّلام) فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الأَحْوَالِ، وَأَقْرَبَ اشتباه الأَمْثَالِ !)تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ، لَيَالِي كَانَتِ الأَكَاسِرَةُ وَالْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ، يَحْتَازُونَهُمْ عِنْ رِيفِ الْآفَاقِ، وَبَحْرِ الْعِرَاقِ، وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا، إِلَى مَنَابِتِ الشَّيحِ، وَمَهَافِي الرِّيحِ، وَنَكَدِ الْمَعَاشِ (3، فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَرٍ وَوَبَرٍ، أَذَلَّ الأمم دَاراً، وأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً، لَا يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحَ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمَونَ بِهَا، وَلَا إِلَى ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا. فَالأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَالأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَالْكَفْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ فِي بَلَاءِ أَزْلٍ، وَاطْبَاقٍ جَهْلٍ! مِنْ بَنَاتٍ)


1) (والقلوب معتدلة) لا إفراط فيها ولا تفريط (والأيدي مترادفة) بعضها إثر بعض، يعمل الكل العمل الواحد لأجل الشّريعة وتعمير الأرض (والسيوف متناصرة) إذا هجم بهم العدو اجتمع الكل لحربه (والبصائر نافذة) تنفذ من الدّنيا ومن ظواهر الأمور إلى الآخرة، وإلى عواقب الأشياء وأعماقها (والعزائم واحدة) جمع عزيمة، بمعنى: الإرادة بلا تشتت ولا اختلاف.

2) (ألم يكونوا أرباباً) أي سادات وحكاماً (وتشعبوا مختلفين) أي صاروا شعبا مختلفة (غضارة نعمته) أي سعتها (وبقي قصص أخبارهم فيكم) أي رواياتها (عبراً للمعتبرين) [عبر] جمع عبرة بمعنى ما يسبب اعتبار الإنسان، وإيقاظه إلى جهة الصّلاح والفساد، وعاقبة الأعمال.

3) (الأكاسرة) جمع كسرى، وهم ملوك الفرس (والقياصرة) جمع قيصر، ملوك الرّوم (أربابا لهم) أي ساداتهم (يحتازونهم) أي يقبضونهم (عن ريف الآفاق) أي الأراضي الخصبة في أطراف الأرض (وبحر العراق) فقد كان العراق - في الاصطلاح السابق - يقال لقطعة من الأرض يحيط بها ثلاثة أبحر، البحر الأسود، وبحر قزوين والخليج الفارسي، وكان العرب واليهود منتشرين على بعض هذه الأبحر (وخضرة الدّنيا) أي محلاتهم الخضرة (إلى منابت الشَّيح) جمع منبت، والشيح قسم من النّبات القليل الفائدة (ومهافي الريح) المواضع تهب فيها الرّياح وهذا كناية عن تبعيدهم في الصحارى حيث لا زرع ولا فائدة (ونكد المعاش) أي صعوبته.

مَوؤُودَةٍ (1، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وَأَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ.)فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللّه عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ، وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ الْفَتَهُمْ: كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا، وَالْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ، وَعَنْ خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ (2. قَدْ تَرَبَّعَتِ الأُمُورُ بِهِمْ، فِي ظِلٍّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ، وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزّ غَالِبٍ، وَتَعَطَّفَتِ الأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكِ ثَابِتٍ. فَهُمْ حُكّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الأَرَضِينَ. يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، وَيُمْضُونَ الأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ، لَا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ، وَلَا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ (3)!)


1) (عالة مساكين) عالة، جمع عيل، وهم الذين لا نفقة لهم وإنما ينفق عليهم شخص آخر، ومساكين جمع مسكين، وهم الذين أسكنهم الفقر (إخوان دبر) أي ظهر مقروح (ووبر) هو شعر الجمل، والمراد إزالتهم عن المدن وإسكانهم الصحارى في الخيام، يمتطون الدواب المقروحة الظهر من كثرة التّعب (أذل الأمم دارا) أي أن دارهم ذليلة لا يهتم بها ولا يعتني بشأنها (وأجدبهم قراراً) أي أنّ قرارهم ومستقرّهم جدب لا نبت فيه (لا يأوون إلى جناح دعوة) أي لم يكن بينهم من يدعو إلى الحق فيأوون ويجتمعون إليه بحيث (يعتصمون بها) أي يحفظون أنفسهم بتلك الدعوة عن إذلال الملوك لهم إلى ظلَّ الفَةِ يعتمدون على عزّها فإنّ الألفة توجب العزّة (في بلاء أزل) بمعنى الشدة، أي بلاء شديد (وإطباق جهل) قد شملهم الجهل لا يعلمون من الحياة ومن الآخرة شيئاً (من بنات موؤودة) وأد بنته، أي: دفنها وهي حية.

2) (فعقد بملته) أي بطريقته السماوية (طاعتهم) فقد كانت الطاعة بينهم متفرقة، كل يطيع شيئاً وشخصاً، فجمع الرّسول طاعتهم حول شيء واحد (جداول) جمع جدول، بمعنى النهر (نعيمها) الموجبة لريهم من الظمأ (والتفت الملة بهم) أي جمعتهم كما يلتف الحبل بحزمة القصب (في عوائد بركتها) أي في بركاتها العائدة إليهم (في نعمتها غرقين) وهذا كناية عن كثرة النعمة عليهم (وعن خضرة عيشها) كناية عن العيش الهنيء، تشبيه بخضرة النبات في مقابل يبسه (فكهين) أي راضين يتفكهون بتلك العيشة.

3) (قد تربعت الأمور بهم) أي أقامت أمورهم بعد التفرق والتشتّت (في ظل سلطان قاهر) للأعداء هو سلطان الإسلام (وآوتهم الحال) أي أعطتهم حالتهم الإسلامية الإيواء والمسكن (إلى كَنَفِ عزّ غالب) أي إلى جهة عزّة غالبة لا يتمكن شيء من إزالتها. (وتعطفت الأمور عليهم) كان الأمور كانت بعيدة عنهم في زمن الجاهليّة، ثم مالت نحوهم (في ذُرى) جمع ذروة، بمعنى الجهة الأعلى من كل شيء (ويمضون الأحكام) أي يجرون أحكامهم (فيمن كان يمضيها فيهم) من الفرس والروم (لا تغمز لهم قناة) كناية عن قوتهم، والقناة الرمح، وهكذا صار العرب بفضل الإسلام أقوياء، لا يتمكن أحد من غمزهم (ولا تقرع لهم صفاة) هي الحجر الصلب، وقرعها: صدمها لتكسر، وهذا أيضا كناية عن قوتهم وشدة باسهم ببركة الإسلام.

أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللّه الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّة. فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلٍ هَذِهِ الأُلْفَةِ الَّتِي يَنتَقِلُونَ فِي ظِلْهَا، وَيَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا (1، بِنِعْمَةٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةٌ، لأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ، وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً، وَبَعْدَ الْمُوَالَاةِ أَحْزَاباً. مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الإسلام إلأ بِاسْمِهِ، وَلَا تَعْرِفُونَ مِنَ الإِيمَانِ إِلا رَسْمَهُ (2). تَقُولُونَ النَّارَ وَلَا الْعَارَ! كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الإسلامَ : عَلَى وَجْهِهِ انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ، وَنَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللّه لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ، وَأَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ (3). وَإِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ،


1) (ألا وإنَّكُم قد نفضتم أيديكم) نفض اليد كناية عن الانعزال عن الأمر (من حبل الطّاعةِ) كأنّ الطّاعة حبل يوصل الحاكم بالرعية، ويجمع بينهما (وثلمتم) الثلم: الشق (حصن اللّه المضروب عليكم) وهو حصن الشريعة التي تجمعهم وتسعدهم وتمنع الأعداء من الوصول إليهم (بأحكام الجاهلية) من التفرّق والتشتت والمخالفة لمواليكم (ويأوون إلى كنفها) أي يستريحون إلى جانب هذه الألفة في أمن من الأخطار.

2) (واعلموا أنَّكم صِرتُم بَعدَ الهِجْرَةِ) وهي كناية عن الالتزام بأحكام الإسلام (أعرابا) كناية عن صيرورتهم كأهل البادية الذين قال اللّه تعالى فيهم: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقَا) [التوبة : 97] (وبعد الموالاة) لجهة واحدة (أحزاباً) كل حزب له جهة خاصة، وآراء مخصوصة (ما تتعلّقون من الإسلام إلا باسمه) فتسمون مسلمين، بدون أن تعملوا بأحكام الإسلام (ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه) أي علامته بدون أن تكونوا مؤمنين عاملين بشرائط الإيمان.

3) (تقولون : النّارَ ولا العارَ) والمعنى نقدم نار جهنّم - بتركنا حكم الإسلام - ولا نقدم على ما يصير سببا للعار علينا (كأنَّكُم تريدون أن تكفِئُوا) أي تكبّوا (انتهاكا لحريمه) أي حرمة الإسلام فإنّ الاتيان بالمحرّمات إذهاب لحرمة الإسلام (ونقضاً لميثاقه) أي عهده الذي أخذ منكم، باتباع أحكامه في مقابل إسعاده لكم في الدارين، وحقنه لدمائكم وأموالكم وأعراضكم الميثاق (الذي وضعه اللّه لكم حرما في أرضه) لأن بذلك الميثاق حفظتم، كما يحفظ من في حرم ملك أو كبير (وأمنا بين خلقه) إذ أنّ أمنكم إنما نشأ من ذلك الميثاق.

ثُمَّ لَا جَبْرائِيلُ، وَلَامِيكَائِيلُ وَلَا مُهَاجِرُونَ وَلَا أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُمْ، إلا الْمُقَارَعَةَ بِالسِّيفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللّه بَيْنَكُمْ (1). وَإِنَّ عِنْدَكُمُ الأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللّه وَقَوَارِعِهِ، وَأَيَّامِهِ وَوَقَائِعِهِ، فَلَا تَسْتَبْطِتُوا وَعِيدَهُ جَهْلاً بِأَخْذِهِ، وَنَهَاوُنا (2)بِبَطْشِهِ، وَيَأْساً مِنْ بَأْسِهِ. فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، إِلا لِتَرْكِهِمُ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عِنِ الْمُنْكَرِ فَلَعَنَ اللّه السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعاصِي وَالْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ الْتَنَاهي!

أَلَا وَقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الإسلام (3)، وَعَطَّلْتُمْ حَدُودَهُ، وَأَمَتُمْ أَحْكَامَهُ.

أَلَا وَقَدْ أَمَرَنِي اللّه بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالنَّكْثِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَأَمَّا النَّاكِتُونَ فَقَدْ فَاتَلتُ، وأما القاسطون فقد جاهَدْتُ، وأما الْمَارِقَةُ فَقَدْ دوّختُ (4)، وَأَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ وَرَجَّةُ صَدْرِهِ. وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَلَئِنْ أَذِنَ اللّه فِي الْكَرَّةِ


1) (وأنّكم إن لجأتم إلى غيره) أي لذتم إلى غير الإسلام، أو غير ميثاق (حاربكم أهل الكفر) لأنّ لكلّ ملة أعداء (إلا) هو وحده لائذاً ب- (المقارعة بالسيف) فسيفه ناصره - فقط - (حتى يحكم اللّه بينكم) إن شاء غلبتم، وإلا غلب الكفار، بخلاف العامل بالإسلام حقيقة، فإن اللّه ينصره حتماً.

2) (من بأس اللّه) أي عذابه الذي صبّه على الذين لا يمتثلون أوامره (وقوارعه) جمع قارعه، وهي: العذاب الشديد (وأيّامه) التي صنع فيها بعض الأشياء غير المترقبة، يقال: يوم فلان إذا وصلت إليه فرحة أو فاجعة غير مترقبة (ووقائعه) جمع واقعة، وهي القصة التي تقع من قبله سبحانه على النّاس (فلا تستبطئوا وعيده) أي لا تظنّوا أنّ وعيده تعالى بالعذاب على المخالفين (جهلاً بأخذه تعالى للعصاة وتهاوناً) منكم أي: تساهلاً.

3) (القرن الماضي) والمراد بهم أما بنو إسرائيل، أو الأمم الذين كانوا في الرّوم والفرس، الذين غلب المسلمون عليهم وأخذوا بلادهم (فلعن اللّه السفهاء) أي طردهم عن رحمته، والسفهاء هم الذين ارتكبوا المعاصي (لركوب المعاصي) عملهم بها (والحُلماء) العقلاء منهم (لترك التناهي) أي تركهم النّهي عن المعاصي (ألا وقد قطعتم قيد الإسلام) الذي كان عليكم، والمراد بقيد الإسلام أحكامه، وقطعه تركهم لها.

4) (أهل البغي) أي الظلم (والنّكث) أي الذين نقضوا البيعة (الناكثون) وهم الذين بايعوا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونقضوا بيعته حبا للرئاسة (وأما القاسطون) أي الظَّالمون (المارقة) من مرق بمعنى خرج (دوخت) أي أضعفتهم وأذللتهم.

عَلَيْهِمْ لأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلا مَا يَتَشَذَّرُ(1)فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ تَشَذّراً.

أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلَاكِلِ الْعَرَبِ، وَكَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ (2). وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللّه - صلى اللّه عليه وآله وسلّم - بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ. وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ (3)وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كِذْبَةٌ فِي قَوْلٍ، وَلَا خَطْلَةٌ فِي فِعْلٍ. وَلَقَدْ قَرَنَ اللّه به – (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) - مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ. وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمَّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً (4)، وَيَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ.

وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي ولَمْ يَجْمَعْ


1) (وأمّا شيطان الرَّدهةِ) هي: النقرة في الجبل، يجتمع فيها الماء، والمراد بشيطانها: ذو الثدية، رئيس الخوارج فقد وجد مقتولا في ردهة (فقد كُفيته) أي كفيت شرّه (بصعقة) أي غشية أصابته من الهول (سُمِعَت لها) أي لتلك الصعقة (وجبة قلبه) أي خفقانه واضطرابه (ورجّةُ صدرِهِ) أي اهتزازه و ارتعاده (في الكَرَّة عليهم) أي في رجوعي إلى قتالهم (لأبيلن منهم) أي آخذ الدولة منهم (إلا ما يتشذّرُ) أي يتفرّق.

2) (أنا وضعتُ في الصغر) أي في حال صغر سنّي (بكلاكل العرب) جمع كلكل، بمعنى الصدر، والمراد بها رؤساء الكفار الذين قتلهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وكسرت نواجم) جمع ناجمة، بمعنى: ما ظهر من الشيء (قرون ربيعة ومضر) أي ما كان يظهر من هاتين القبيلتين من الكفار المحاربين للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (والمنزلة الخصيصة) أي التي كانت تخصني دون غيري.

3) (ويكنفني في فراشه) أي: يؤويني معه في فراشه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ويمسني جسده) كما يمس الإنسان جسده بجسد ولده حبا وحنانا، ولأجل التقبيل والتلطيف (ويَشمِّني عَرفَهُ) هي الرّائحة الطيبة، فإن الإنسان إذا شمّ آخر دخل حبّه في قلبه، ولذا يشم الإنسان ولده وحبيبه.

4) (ولا خطلة) أي خطأ من لدن أي من وقت (أن كان فطيماً) قد أخذ من الرضاع وشرب اللبن (أعظم ملك من ملائكته) لعلّه الرّوح، أو جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ولقد كنت أتبعه) أي اتبع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (اتِّباع الفصيل أثرَ أمّه) الفصيل: ولد الناقة، ويسمّى بذلك لأنه فصل منها (من أخلاقه علماً) تشبيها بأعلام الطريق الدالة على المسلك فإنّ الأخلاق سبيل السعادة في الدارين.

بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإسلام غَيْرَ رَسُولِ اللّه - صلى اللّه عليه وآله وسلّم وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِتُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَتُم رِيحَ النُّبُوَّةِ.

وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْه – (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّه مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى إِلا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيِّ، وَلكِنَّكَ وَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ.

وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ – (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) - لَمَّا أَتَاهُ الْمَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ : يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ، وَنَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ، عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيُّ وَرَسُولٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ. فَقَالَ (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) : وَمَا تَسْأَلُونَ؟ قَالُوا : تَدْعُو لَنا هذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَالَ (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) إنَّ اللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإِنْ فَعَلَ اللّه لَكُمْ ذلِكَ، أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ؟ قَالُوا : نَعَمْ، قَالَ : فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَفِيئُونَ إِلَى خَيْرٍ. وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ، وَمَنْ يُحَذِّبُ الْأَحْزَابَ. ثُمَّ قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) : يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخَرِ، وَتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللّه، فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللّه.

فَوَالَّذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا، وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ، وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ ؛ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم)، مُرَفْرِفةٌ، وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَبِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذلِك قَالُوا - عُلُوّاً وَاسْتِكْبَاراً -: فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَيَبْقَى نِصْفُهَا، فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ، وَأَشَدِّهِ دَوِياً،

فَكَادَتْ تَلْتَتُ بِرَسُولِ اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم)، فَقالُوا - كُفْراً وَعُتُوّاً - : فَمُرْ هَذَا النّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ، فَأَمَرَهُ (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) فَرَجَعَ ؛ فَقُلْتُ أَنَا : لَا إِلَهَ إِلا اللّه ؛ فَإِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللّه، وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللّه تَعَالى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ، وَإِجْلَالاً لِكَلِمَتِكَ (1). فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ: بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ، وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلا مِثْلُ هذا ! [يَعْنُونَنِي]. وَإِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللّه لَوْمَةُ لَائِمٍ، سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ، وَكَلَامُهُمْ كَلَامُ الأَبْرَارِ، عُمَّارُ اللَّيْل وَمَنَارُ النَّهَارِ : مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ؛ يُحْيُونَ سُنَنَ اللّه وَسُنَنَ رَسُولِهِ؛ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَلَا يَعْلُونَ، وَلَا يَغُلُونَ وَلَا يُفْسِدُونَ. قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ، وَأَجْسَادُهُمْ فِي الْعَمَلِ (2)!

ومِنْ خَطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصف فيها المتقين

روي أن صاحِباً لأميرِ المُؤمِنِينَ لا يقالُ لَهُ هَمَّامُ كانَ رجُلاً عابداً، فقال : يا


1) (رنّةَ الشَّيطان) أي أنينه (الملأُ من قريش) أي الأشراف منهم، وإنما سموا بالملأ لأنهم يملأون الصدور والعيون هيبة وجلالاً (في القليب) أي في بئر بدر - والبئر تسمى قليباً - (ومن يحزّب الأحزاب) وهم كبراء قريش الذين جمعوا أحزابا مختلفة، وجاؤوا إلى حرب الرسول، في غزوة [الخندق] المشهورة (فقلت أنا لا إله إلا اللّه فإنّي أول مؤمن بك يا رسول اللّه) وليس المراد إيمانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هناك، وإنّما التجديد لإظهار إيمانه، تقوية لأزر الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتشجيعا لمن يريد الإيمان (وأوّل من أقرّ بأنّ الشجرة فعلت ما فعلت) من الانقلاع والمجيء إليك (بأمر اللّه تعالى تصديقاً) بنبوّتك وإجلالاً (لكلمتك) حتّى لا يكون كلامك فارغاً هباء.

2) (خفيف فيه) فإنّ الخفّة في الأعمال دليل الحذق (سيماهم) أي ظاهرهم (الأبرار) الذين لا يكذبون، ولا يستغيبون، ولا يبهتون ولا يستهزؤون أي أنّي من أولئك القوم (عُمّار الليل) أي القائمون بالطَّاعة والعبادة ليلا، وعمّار جمع عامر ومنارُ النّهار بهم يستنير الناس في أمور دينهم (لا يستكبرون) أي لا يتكبّرون (ولا يعلون) أي لا يريدون علوّاً في الأرض (ولا يغلون) أي لا يخونون (قلوبهم في الجنان) يريدون الذهاب إليها (وأجسادُهُم في العمل) الصالح الموجب السعادة النشأتين.

أمير المؤمِنينَ، صِف لي المُتَّقِينَ حتَّى كأني أنظر إليهم، فتثاقل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جوابه ثم قال : يا هَمَّامُ اتَّقِ اللّه وأحسِن فإِنَّ اللّه مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. فلم يقنع هَمَّامُ بهذا القول حتّى عَزَمَ عليه، فَحَمِدَ اللّه وأثنى عليه، وصلّى على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللّه - سبحَانَهُ وَتَعَالى - خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لأنَّه لا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عصَاهُ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ من أطاعهُ. فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَيشَتَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ (1). فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ : مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاِقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ غَضُوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ. نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ (2). وَلَوْلَا الأَجَلُ الَّذِي كُتَبَ لَهُمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسادِهِمْ شَوْقاً إلى الثَّوابِ، وَخَوفاً مِنَ العِقابِ، عَظُمَ الخالِقُ في أَنْفُسِهِمْ طَرفَةَ عينٍ فَصَغُرَ مَا دَونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ (3). وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ. صَبَرُوا أَيَّاماً


1) (أمَّا بَعدُ) أي بعد الحمد والصَّلاة (آمِناً من معصيتهم) فلم يكن يخاف من عصيانهم (لأنه لا تضّره معصية من عصاه) وإنّما تضر المعصية ذات العاصي (ولا تنفعه طاعة من أطاعه) وإنما تنفع الطّاعة نفس المطيع (فقسم بينهم معيشتهم) أي أرزاقهم التي يعيشون بها (ووضعهم من الدُّنيا مواضعهم) أي جعل كلّ واحد من النّاس في الموضع اللائق به، بحيث إن بمثل هذه المواضع تدار أمور الكون.

2) (وملبسهم الاقتصاد) فالاقتصاد في الأمور، والتّوسّط بلا زيادة ونقيصة، كاللباس لهم الذي به يعرف الانسان، ويحتمل أن يكون المراد أنهم متوسطون في ثيابهم، لا يلبسون غالياً ولا مبتذلاً (نُزِّلتْ أنفسهم منهم في البلاء كالتي نُزِّلت في الرّخاء) أي نفوسهم في البلاء والرخاء على حدّ سواء، لا أنهم يجزعون عند البلاء.

3) (فهم والجَنَّة كمن قد رآها) فإنّ الإنسان إذا طال فكره في شيء ارتسم ذلك الشيء في نفسه حتّى كأنه حسه بإحدى حواسه (فهم فيها منَعَّمون) فإن ارتسام النعمة رتبة من رتب التنعم.

قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً (1). تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ. أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا. أَمَّا اللَّيْلُ فَصَافُونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لأَجْزَاءِ الْقُرآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلاً. يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ (2). فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا (3)شَوْقاً، وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ. وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللّه تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ (4). وَأَمَّا النَّهَارُ


1) (قلوبهم محزونة) لأنهم لا يدرون ماذا يُصنعُ بهم، وهذا لا ينافي قوله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللّه لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس : 62] لأنّ ذلك الحزن على الأمور الدنيوية، والحزن في أمر الآخرة الذي يلازم العصاة والحزن هنا ما يلازم المتقين من جهة الدرجات وما أشبه (وشُرُورُهُمْ مأمونَةٌ) يأمن النّاس شرّهم، لأنهم لا يؤذون أحداً (وأجسادهم نحيفة) لكثرة تفكرهم وعملهم، وقلّة أكلهم (وحاجاتهم خفيفة) إذ المؤمن لا يرغب في كثير من الدنيا حتى تكون حاجته إليها كثيرة (وأنفسهم عفيفة) عفّت عن الآثام والمعاصي وتنزّهت من ارتكاب المحرمات (صبروا أياماً قصيرةً) أي أيام الدنيا (أعقبتُهم) تلك الأيام أي الصبر فيها (راحة طويلة) في الآخرة لهم.

2) (فصافون أقدامهم) أي يصفون إحدى رجليهم بإزاء الأخرى قائمين (يُحَزِّنونَ به أنفسهم) القرآن حيث يشتمل على التخويفات يوجب الحزن (ويستَثِيرُون) أي يهيجون (دَوَاءَ دَائِهم) المراد به البكاء، والداء الكمد الحاصل للإنسان من الهموم والأحزان.

3) (فإذا مرُّوا بآيةٍ فيها تشويق) إلى الثواب (رَكَنُوا) إليها طَمَعاً) أي اتكلوا إلى تلك الآية راجين أن يَصلهم ذلك الثّواب (وتطلَّعت نُفُوسُهم إليها) التطلع النظر إلى المحبوب ليطلع عليه.

4) (وإذا مروا بآيةٍ فيها تخويفٌ) من العقاب (أصغوا إليها) الإصغاء الاستماع (مسامِعَ قُلوبهم) بمعنى أنّهم التفوا إليها بقلوبهم لا بأسماعهم فقط (وظنوا أن زفير جهنّم وشهيقها) الزّفير والشهيق صوت تنفّس الإنسان، جذبا للهواء وإخراجا له إلى الخارج، والنّار لها هذان الصوتان حين اشتعالها والتهابها (في أصولِ آذانهم) أي في أعماق آذانهم، وذلك كناية عن شدّة تأثر النفس بها فهم حانُونَ من يحنو إذا انحنى (على أوساطهم) فإنّ الإنسان الخائف يحني نفسه، وذلك ليكون الضّغط على قلبه أكثر، فيحس بالطمأنينة، أو المراد الركوع. (في فكاك رقابهم) أي خلاصها من النّار، وإنّما نسب إلى الرَّقَبةِ لأنها محل الذنب بعلاقة أنها محل السيف في الشخص المجرم.

فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَنْقِيَاءُ. قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضِ ؛ وَيَقُولُ : قَدْ خُولِطُوا !

وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمرٌ عَظِيمٌ (1)! لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ. فَهُمْ لأَنْفُسِهِمْ مُتَهِمُونَ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ، إِذَا زُكِّيَ أَحدُهُمْ خَافَ ممّا يُقَالُ لَهُ (2)، فَيَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، وَرَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي!

اللّهمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ ممّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ.

فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قَوَّةٌ فِي دِينِ، وَحَزْماً فِي لِينِ، وَإِيمَاناً فِي يَقِينِ، وَحِرْصاً فِي عِلْمٍ، وَعِلْماً فِي حِلْمٍ، وَقَصْداً فِي غِنِّى، وَخُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ، وَتَجَمْلاً فِي فَاقَةٍ، وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ، وَطَلَباً فِي حَلَالٍ، وَنَشَاطاً فِي هُدًى، وَتَحَرُّجاً (3)عَنْ طَمَع، يَعْمَلُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَلٍ. يُمْسِي وَهَمُّهُ


1) (قَد براهُمُ الخوفُ) أي نحتهم الخوف من اللّه والخوف من الذنب (بَريَ القِدَاحِ) جمع قدح بالكسر وهو السهم قبل أن يراش، فإنّ الخوف يوجب إذابة اللحم، فقد رقق أجسادهم كما ترقق السهام بالنحت (قد خُولِطُوا) أي خالط عقلهم خلل لما يراهم من الانقطاع عن الناس والبكاء وما أشبه (ولقد خالطَهُم أمر عظيم) هو الخوف من اللّه سبحانه.

2) (فهم لأنفسهم مُتَّهمُون) يتهمونها بالتقصير والكسل (ومن أعمالهم) التي عملوها (مُشفِقُونَ) أي خائفون، هل قبلت حسناتهم؟ وهل يعاقبون على غير الحسنات؟ (إذا زُكِّي أَحَدُهُم) أي مدحه النّاس (خاف ممّا يقال له) خوف من يخشى أن لا يكون كذلك فيفضح غداً أو يخشى أن يسبب المدح له كبراً ونخوة.

3) (وحزماً في لين) أي أنّه متقن لأموره، لكن بدون عنف، بل يعاشر الناس ويعمل بكل رفق ولين (وإيماناً في يَقين) فهو مؤمن في الظاهر متيقن في الباطن (وحرصاً في علم) أي في التعلم والتعليم. (وعلماً في حلم) فإنّ العالم يحتاج إلى الحلم فيلزم أن يكون حليماً حتّى يتمكن من إجابة المسائل ومن الإصلاح (وقصداً في غِنّى) يتوسّط في أموره بدون سرف ولا بخل إتيان الظواهر (وتجمُّلا في فاقة) فإنّ الفقراء غالباً لا يهتمون بإصلاح ظواهرهم، وذلك ممّا يوجب ذلّتهم علاوة على فقرهم، ويستحب للإنسان أن يتجمل (وتحرّجاً) بمعنى: عد الشيء حرجاً أي إثما وصعبا.

الشَّكْرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ. يَبِيتُ حَذِراً وَيُصْبِحُ فَرِحاً، حَذِراً لِمَا حُذْرَ مِنَ الْغَفْلَةِ (1)، وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ. إِنْ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤلَهَا فِيمَا تُحِبُّ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى (2)، يَمزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ. تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلاً زلَلُهُ، خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ، سَهْلاً أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَکْظُوماً غَيْظُهُ. الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ (3). إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ. يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمُهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، بَعِيداً فحْشُهُ (4)، لَيِّناً قَوْلُهُ، غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلاً خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ. فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ، وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ. لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ : وَلَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ (5). يَعْتَرفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظُ، وَلَا يَنْسَى مَا


1) (يَبيتُ) أي يدخل الليل (حَذِراً) لا يدري يبقى إلى الصباح في أمن وسلامة وذكر (ويُصبِحُ فرحا) حيث مرّ عليه الليل بسلام (حَذِراً لما حُذِّر من الغفلة) بأن يعد من الغافلين - وهذا مصداق لقوله: [حَذِراً].

2) (إن استصعبت عليه نفسُهُ فِيمَا تَكرَهُ) أي إذا لم تطاوعه نفسه فيما يشق عليها من الطَّاعة (لم يُعطها سُؤلها فيما تُحِبُّ) بأن يترك الطاعة، ويأخذ بالشهوات التي تريدها نفسه (قُرَّةُ عينه) أي فرحه (فيما لا يَزُولُ) أي: الآخرة (وزَهادَتُهُ فيما لا يبقى) أي الدنيا.

3) (قانِعةً نفسُهُ) بما أعطاه اللّه سبحانه. (مَنزُوراً أكلُهُ) أي قليلا من النزر (سهلاً أَمرُهُ) لا يتكلف في أموره كما يتكلّف أهل الدنيا في أمورهم (حَريزاً) أي حصينا محفوظا (مَيِّتَةٌ شهوَتْهُ) كناية عن عدم اتباعه للشهوات (مكظوماً غيظة) الكظم: الإخماد، أي لا يظهر غضبه إذا غضب (الخير مِنهُ مأْمُولٌ) يأمل الناس خيره (والشَّرُ منه مأمونٌ) إذ لا يريد شرّاً بالنّاس.

4) (إن كان) بجسده (في الغافِلينَ) بأن كان في جملتهم جسماً (كُتِبَ في الذَّاكِرِينَ) اللّه سبحانه لأنه ذاكر بقلبه (وإن كان في الذّاكِرِينَ) بجسده (لم يُكتَبْ مِنَ الغافلين) لأنه ذاكر كما هم ذاكرون لا أنه كالغافل في وسط الذين يذكرون اللّه سبحانه (بعيداً (فُحشُهُ) أي كلامه القبيح والسباب، ومعنى بعده عدم تناوله له.

5) (في الزلازل وَقُورٌ) أي لا يضطرب في الشَّدائد (لا يُحيفُ) أي لا يجور (على من يُبغضُ) كما هو عادة كثير من الناس إذا غضبوا جاروا بالقول والعمل على من غضبوا عليه (ولا يأثم) أي لا يعصي اللّه (فيمن يُحبُّ) لإرضاء حبيبه.

ذُكْرَ، وَلَا يُنَابِرُ بِالأَلْقَابِ، وَلَا يُضَارُّ بِالْجَارِ، وَلَا يَشْمَتُ بِالمَصَائِبِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِل، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ. إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ، وَإِن ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَى يَكُونَ اللّه هُوَ الَّذِي يَنْتَقَمُ لَهُ. نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي راحةٍ. أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزَاهَةٌ، وَدُنُوهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينُ وَرَحْمَةٌ (1). لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَعَظَمَةٍ، وَلَا دُنُوّهُ بمكرٍ وَخَدِيعَةٍ.

قال : فَصُعِقَ هَمَّامُ صَعقةً كانَتْ نَفْسُهُ فِيها.

فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَمَا وَاللّه لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ : أَهَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا؟

فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين. (2)؟

فقال : وَيْحَكَ، إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ، وَسَبَاً لَا يَتَجَاوَزُهُ. فَمَهْلاً، لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ (3)!


1) (قبل أنْ يُشْهَدَ عليه) أي يطلب منه الشهادة حرصا له على إحقاق الحق (لا يُضيعُ ما استُحفِظَ) أي ما جعل عنده وديعة ليحفظها (ولا ينسى ما ذُكِّرَ) فلو ذكَّرهُ اللّه سبحانه شيئاً، أو ذكره أحد، لا ينسى ذلك الشيء إهمالا وتساهلا (ولا ينابز بالألقاب) أي لا يدعو غيره باللقب الذي يكره (ولا يضارُّ بالجار) أي لا يكون سببا لضرر الجار (ولا يشمت بالمصائب) فلا يفرح إذا نزلت بغيره مصيبة (نفسه منه في عناء) أي في تعب من الأعمال الصالحة (والنّاسُ منه في راحةٍ) لأنه لا يؤذي أحداً (أَرَاحَ النّاسَ من نفسه) فلا يكلّفهم ولا يؤذيهم (بعدُهُ عمّن تباعد عنه زهد ونزاهة) فإنَّه إذا تباعد عن شخص كان لأجل إطاعة اللّه في الابتعاد، ولأنه يريد أن لا يتلوث بآثامه، لا أن يكون ابتعاده لأجل هوى نفسه (ودنوه ممّن دنا منه لين) أي دنو لين (ورحمة) يرحمه بها، لا خُدعةً وابتزازاً لماله، أو نحو ذلك.

2) (كانت نفسه فيها) بأن مات من شدة التأثّر بهذه الخطبة (فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين) ؟ أي لماذا لا تموت أنت مع اطلاعك على هذه الموعظة.

3) (فقال: ويحك) كلمة توبيخ، وقد تستعمل في الإطراء (إنَّ لكلّ أجل) في انقضاء عمر الإنسان (وقتا لا يعدوه) أي لا يتجاوز عنه (وسبباً) أي للموت (لا يتجاوزه فمهلاً) أي انتظر في كلامك وترو (لا تعد لمثلها) أي لمثل هذه الكلمة (فإنّما نفث) أي نفخ (الشيطان على لسانك) حتى تكلمت بهذا الكلام.

وَمِن خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصف فيها المنافقين

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَنَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً، وَبِحَبْلِهِ اعْتِصَاماً. وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاصَ إِلَى رِضْوَانِ اللّه كُلَّ غَمْرَةٍ، وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ. وَقَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الأدنَوْنَ، وَتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الأَقْصَوْنَ (1)، وَخَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا، وَضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتَهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا، حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا، مِنْ أَبْعَدِ الدّارِ، وَأَسْحَقِ الْمَزَارِ (2). أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه بِتَقُوى اللّه، وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ، وَالزَّالُونَ الْمُزِلُّونَ، يَتَلَوَّنُونَ الْوَاناً، وَيَفْتَنُّونَ(3)افْتِنَاناً. وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ، وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ. قُلُوبُهُم دَوِيَّةٌ، وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ (4). يَمْشُونَ الْخَفَاءَ، وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ، وَقَولُهُمْ شِفَاءٌ،


1) (وذاد) أي دَفَعَ (خاض إلى رِضوان اللّه كُلَّ غَمرَةٍ) أي دخل في كل شدة لأجل رضاه سبحانه (وتجرّعَ فيه) أي في رضاه (كلّ غصّة) إذا شرب الإنسان الماء فلم يسغه بأن لم ينزل من حلقه بسهولة، يقال: غصَّ بالماء (وقد تلوَّنَ له الأدنون) أي تقلب له أقرباؤه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فكانوا يوماً له ويوماً عليه، إلاّ النّادر منهم (وتالب) اجتمع على عداوته (الأقصون) أي الأبعدون الذين لم يكن لهم قرابة معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

2) (وخلعت إليه العرب أعِنّتها) جمع عنان، وهو الزمام، أي أنهم صاروا ضده يعادونه (وضربت الى محاربته بطونَ رَواحلها) جمع راحلةٍ وهي الناقة، أي أنهم ساقوا ركائبهم لمحاربته، فإنَّ الإنسان إذا أراد إسراع مشي دابته ضرب برجله بطنها (حتّى أَنزَلَتْ) العرب (بساحته) المراد المدينة المنورة (عداوتها) أي جاؤوا إلى هناك لمعادته (من أبعد الدار) وهي مكة (وأسحق المزار) أي أقصى محل الزيارة، فإنَّ السحق بمعنى البعد.

3) (ويتفنون) أي يأخذون فى فنون من العمل والقول.

4) (ويعمدونكم بكل عمادٍ) أي يقيمونكم بكل ما يعتمد عليه لتتبعوا طريقتهم (ويرصدونَكُم بكل مرصاد) اى يترقبونكم فى كل مكان، ليصيدونكم بحبائلهم ويدخلونكم في جمعهم (قلوبهم دَوِيَّةٌ) أي مريضة من الدوي بالكسر بمعنى المرض. (وصفاحهم) جمع صفحة والمراد صفحة (نقيَّة) عن آثار العداوة، لأنهم يظهرون أنفسهم في صورة البريء، وقلوبهم مملوءة من النفاق.

وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ العَيَاءُ (1)حَسَدَةُ الرَّخَاءِ، وَمُوَكَّدُوا الْبَلَاءِ، وَمُقْنِطُوا الرَّجَاءِ. لَهُمْ بِكُلِّ طرِيقٍ صَرِيعٌ، وَإِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ، وَلِكُلِّ شَجْوِ دُمُوعٌ (2). يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ، وَيَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ : إِنْ سَأَلُوا أَلحَفُوا، وَإِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا، وَإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا (3). قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حقٍّ بَاطِلَا، وَلِكُلِّ قَائِمٍ. وَلِكُلِّ حَيٍّ قَائِلاً، وَلِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً، وَلِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً (4). يَتَوَكَّلُونَ إِلَى القمع بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ وَيُنْفِقُوا بِهِ أَعْلاقَهُمْ يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ، وَيَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ (5). قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ، وَأَضْلَعُوا الْمَضِيقَ، فَهُمْ لُمَّةٌ


1) (يمشُونَ الخفاء) أي مشي التستر لئلا يطلع أحد على باطن أمرهم (ويدبون الضراء) يسيرون في المجتمع سير المرض في الجسم أينما وصلوا أفسدوا (وصفهم دواءٌ) أي يصفون الدواء للأمراض الاجتماعية - ليراهم الناس مصلحين - (وقولهم شفاء) عن الأمراض لأنَّهم يرشدون النّاس إلى أدوية أمراضهم النفسية (وفعلُهُم الدَّاءُ العَياءُ) أي الداء الذى أعجز الأطباء وأعياهم عن علاجه.

2) (حَسدةَ الرَّخاء) أي يحسدون الناس على السعة (ومؤكِّدوا البلاء) أي إذا نزل البلاء بأحدٍ أكدوه وزائوه بالشماتة والسعي لإعضاله (ومُقنطوا الرجاء) أي إذا رجا أحد شيئاً أوقعوه في القنوط واليأس. (لهم بكلّ طريق صريع) أي أنهم كثيراً ما خدعوا أناساً فأهلكوهم (وإلى كل قلب شفيع) فهم يجعلون إلى كل إنسان وسائل ليقضوا مآربهم إذا احتاجوا اليها (ولكلِّ شجو) أي حزن (دموع) يبكون لكل إنسان مفجوع تصنّعاً وتزلّفاً حتى يُقَرِّبوا أنفسهم إلى قلبه.

3) (يتقارضون الثناء) أي كل واحدٍ مِنهم يُثني على الآخر ويطريه، ليثنيى الآخر عليه، لا لاستحقاق أحدهم للثناء ويتراقبون الجزاء) أي يعمل كل للآخر ليعمل الآخر له، لا كالمؤمنين الذين يعملون سبحانه (إن سألوا الحفوا) أي الحوا في السؤال وبالغوا (وإن عذلوا) أي لاموا أحدا (كشفوا) أي فضحوا من يلومونه (وإن حكموا أسرفوا في الحكم بأن يزيدون في التقدير.

4) (قد أعدوا لكل حق باطلاً) أي جعلوا قبال كل حق باطلا لصرف الناس إلى ذلك الباطل - الذين البسوه لباس الحق - (ولكل قائم مائلاً) أي جعلوا بإزاء كل شيء مستقيم شيئاً منحرفاً (ولكلّ حي قاتلاً) بأن لا يسلم منهم أحد (ولكل باب مفتاحاً) حتى لا يصعب عليهم ولوج كل مكان لقضاء مأربهم (ولكل ليل مصباحاً) فإذا ابلهم خطب هيؤوا - قبلا - لذلك ما ينيرهم حتى لا يسقطوا في الظلمة (يتوصلون إلى الطمع باليأس) أي أنهم باظهارهم اليأس عما في أيدى النّاس يتوصلون إلى مطامعهم الدنيوية.

5) (وينفقوا) أي يروجوا (أعلاقهم) جمع [علق] بمعنى الشيء النفيس (يقولون فيُشبهون) أي يشبهون الحق بالباطل، والباطل بالحق (ويصفون فيموهون) التمويه التلبيس، والمراد وصف الأشياء بما ليس من أوصافها.

الشَّيْطَانِ (1)، وَحُمَةُ النِّيرَانِ : (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (2).

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها الحمد للّه، والثناء على رسوله، والوعظ

الْحَمْدُ للّه الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ، وَجَلالِ كِبْرِيَائِهِ، مَا حَيَّرَ مُقَلَ الْعُيُونِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ، وَرَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ عَنْ عِرْفَانِ كُنْهِ صِفَتِهِ (3).

وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلّا اللّه شَهَادَةَ إِيمَانٍ وَإِيقَانٍ، وَإِخْلاصِ وَإِذْعَانِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ وأَعْلامُ الْهُدَى دَارِسَةٌ، ومَنَاهِجُ الدِّينِ طامِسَةٌ، فَصَدَعَ بِالْحَقِّ، ونَصَحَ لِلْخَلْقِ وهَدَى إلى الرُّشْدِ، وَأَمَرَ بِالْقَصْدِ.

وَاعْلَمُوا، عِبَادَ اللّه، أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَباً، وَلَمْ يُرْسِلُكُمْ هَمَلاً، عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ، وَأَحَصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ، فَاسْتَفْتِحُوهُ، وَاسْتَنْجِحُوهُ، وَاطْلُبُوا إِلَيْهِ


1) (قد هونوا) أي سهلوا على الناس (الطريق) بأن قالوا لهم إن طريقنا الذي نسير عليه طريق سهل يسير، حتى يتبعهم النّاس وأضلعوا) (المضيق) أي عوّجوا مضائق الطرق، والمضائق كناية عن المداخل الدقيقة، التي يظهر فيها باطنهم ونفاقهم وتعويجها اراءة الناس أنهم لا يقصدون هذا الطريق، وإنما يريدون غيره، تعمية عليهم، إذ لو دخلوا في المضائق بدون التعمية ظهر باطنهم الفاسد (لُمَّةُ الشيطان) أي أنهم من جماعة الشيطان (وَحُمَةُ النيرانِ) الحمة: إبرة العقرب التي تلسع بها، فكان نار جهنم بواسطة هؤلاء تلسع الناس وتوصل اليهم المها.

2) سورة المجادلة، الآية: 19.

3) (مُقل العيون) جمع مقلة، وهي شحمة العين التي تجمع السواد والبياض (وردع) أي منع (خطرات هماهم النفوس) جمع همهمة، وهي صوت خفي عند حديث النفس والمراد تشبيه ما يخطر بالبال عند إرادة إدراك كُنْهِهِ سُبحانه (كنه صفته) أي كنه ذاته وصفاته (أَعْلامُ الْهُدَى دَارِسَةٌ) المراد بأعلام الهدى الأحكام والآثار التي تدل على الأصول، ودارسة بمعنى منهدمة (ومناهج الدين) جمع، منهج، بمعنى الطريق (طامسة) من طمس بمعنى انمحى واندرس (فصدع بالحق) أي قام بالحق (وأمر بالقصد) أي يسلك الناس سلوكاً وسطاً لا إفراط ولا تفريط، في جميع أمورهم.

واسْتَمْنِحُوهُ (1)، فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ، ولا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ، وَإِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ، وَفي كُلِّ حِينٍ وَأَوَانٍ وَمَعَ كُلّ إِنْسِ وَجَانٌ، لا يَظْلِمُهُ الْعَطَاءُ، ولا يَنْقُصُهُ الْحَبَاءُ، ولا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ، ولا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ (2)، ولا يَلْوِيهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ، ولا يُلْهِيهِ صَوْتُ عَن صَوْتٍ، وَلا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْبٍ، وَلا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ، وَلا تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابِ (3)، وَلا يُجِنُّهُ الْبُطُونُ عَنْ الظُّهُورِ، ولا يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ. قَرُبَ فَنَأَى (4)، وَعَلا فَدَنَا، وَظَهَرَ فَبَطَنَ، وَبَطَنَ فَعَلَنَ، وَدَانَ وَلَمْ يُدَنْ لَمْ يَذْرَ الْخَلْقَ بِاحْتِيَالٍ ولَا اسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلالٍ (5).


1) (لم يخلقكم عبثا) أي بلا غاية وبدون مصلحة (ولم يرسلكم) تشبيهاً للخلق بالإرسال (هملا) أي بدون أوامر ونواهي مبلغ نعمه عليكم أي مقدارها (وأحصى إحسانه إليكم) فليس إحسانه بلا حساب (فاستفتحوه) أي اطلبوا منه أن يفتح عليكم الأبواب التي أغلقت في وجوهكم (واستنجحوه) أي اطلبوا منه نجاح أموركم (واستمنحوه) أي اطلبوا منه العطاء والمنحة.

2) (فما قطعكم عنه حجاب) أي لا حجاب بينه وبين خلقه ومع كلّ إنس وجان) معية العلم والقدرة، لا معية الأجسام (لا يثلمه) أي لا ينقصه (الحَباءُ) الحباء: العطية بدون مكافأة، أي لا تنقص خزائنه عن إعطاء شيء ولا يستنفده سائل) استنفده أي جعله نافد المال ولا يستقصيه نائل) استقصى، بمعنى أتى على آخر ما عنده.

3) (ولا يلويه شخص عن شخص) فإذا توجّه سبحانه إلى شخص لم يكن ذلك سببا لأن ينصرف ويميل عن التوجه إلى الآخرين (ولا يلهيه صوت عن صوت) الهاه بمعنى أشغله، فإنّ اللّه سبحانه يسمع جميع الأصوات في آن واحد (ولا تحجزه) أي لا تمنعه (هبة عن سلب) لآخر (ولا تولهه) أي لا تحيّره (رحمةٌ عن عقاب) بأن يرحم أحداً ويعاقب غيره والرحمة والعقاب لإنسان واحد.

4) (ولا يُجنَّه) أي لا يَستره (البطون) أي كونه تعالى مخفياً (عن الظهور) لخلقه، بآثاره (ولا يقطعه الظهور) بآثاره (عن البطون) ومعنى يقطعه: يمنعه (قرب) إلى الناس علماً وقدرةً (فنأى) أي بَعُدَ، فإنَّ قُربه إلى كل أحد موجب لبعده عن مشابهة الأجسام.

5) (وعلا) أي ارتفع عن مشابهة المخلوقات (فدنا) اليها بالعلم والقدرة، إذ علوه سبحانه سبب قربه (وظهر) للناس بآثاره (فبطن) أي لم يعرف كنهه، والظهور سبب البطون إذ لو لم يكن له هذه الآثار الظاهرة، لم يكن باطناً مخفياً، فإنَّ مثل الآثار الكثيرة لا تأتي إلّا من الواجب وجوده، وذلك يلازم خفاء الكنه (وبطن) أي اختفى كنهه (فعلن) بآثاره - على عكس ما تقدم - (ودان) أي حاسب الخلائق (ولم يدن) أي لم يحاسبه أحد (لم يذرا) أي لم يخلق (الخلق باحتيال) أي بتفكّر وطلب علاج (لكلال) أي ملل من التعب، كما يستعين الإنسان بشخص إذا مل وكلَّ عن عمله.

أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللّه، بِتَقْوَى اللّه، فَإِنَّهَا الزِّمَامُ وَالْقِوَامُ، فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا، وَاعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا (1)، تَؤُلَ بِكُمْ إِلى أَكْنَانِ الدَّعَةِ وَأَوْطَانِ السَّعَةِ، وَمَعَاقِلِ الْحِرْزِ وَمَنَازِلِ الْعِزّ، في يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (2)، وَتُظْلِمُ لَهُ الأقْطَارُ، وَيُعَطَّلُ فِيهِ صُرُومُ الْعِشَارِ (3). وَيُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَتَرْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ، وَتَبْكَمُ كُلٌّ لَهْجَةٍ (4)، وَتَدِلَّ الشُّمُ الشَّوَامِجُ، والصُّمُ الرَّوَاسِحُ، فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً (5)، وَمَعْهَدُهَا قاعاً سَمْلَقاً، فَلا شَفِيعٌ يَشْفَعُ، وَلا حَمِيمٌ يَدْفَعُ وَلا مَعْذِرَةٌ تَنْفَعُ (6).


1) (الزّمام) الذي يأخذ به الإنسان ليوجهه نحو السعادة، مثل زمام الفرس وشبهه (والقِوامُ) أي ما يقوم الإنسان، فلا ينحرف ولا يضل (فتمسكوا بوثائقها) أي اعتصموا بالأمور الوثيقة المحكمة من التقوى، التي ليس فيها رياء ونفاق وبدعة (واعتصموا بحقائقها أي بالتقوى الحقيقية، لا مثل الوسوسة.

2) (تؤل بكم) أي تصيّركم وتنتهي بأمركم (إلى اكنان الدّعَةِ) أكنان: جمع كن بالكسر وهو ما يستكن به، والدَّعَةِ: خفض العيش وسعته (وأوطان السَّعة) أي المحلات التي هي وسيعة من حيث المساحة ومن حيث النعمة وما أشبه (ومعاقل الحرز) جمع معقل بمعنى الحصن، والحرز الحفظ من كل آفة وبلاء (ومنازل العزّ) الموجبة لعزة الإنسان (في يوم تشخص فيه الأبصار) وذلك يوم القيامة، وشخوص البصر كناية عن دهشة الإنسان.

3) (وتظلم له الأقطار) جمع قطر، بمعنى القطعة من الأرض، أو أطرافها، فإنَّ في يوم القيامة تشمل المحشر ظلمة حالكة (ويعطل فيه صروم) جمع صرمة، وهي القطعة من الإبل من عشرة إلى خمسين (العشار) جمع عشراء، وهي: عشراء، وهي: الناقة مضى لحملها عشرة أشهر، وحيث إنّ الإبل من نفائس أموال العرب كنى بذلك عن شدة الهول المسيطر على الموقف، حتّى أنّ النّاس يذهلون عن أهم وأنفس أموالهم، فلا يراعونها.

4) (وينفخ في الصُّورِ) وهو بوق ينفخ فيه إسرافيل مرتين مرة عند انقضاء الدنيا فيموت كل إنسان، ومرّة عند قيام الآخرة فيحيى كل إنسان (فتزهق كل مهجة) المهجة النفس، ومعنى زهوقها دهشتها، كأنّها زاهقة باطلة، لا تقدر أن تعمل شيئاً (وتبكمُ) الأبكم الأخرس (كلّ لهجة) أي لسان، فلا يتكلم إنسان من الخوف.

5) (وتدك الشّم) جمع أشم، بمعنى: الرفيع (الشوامخ) جمع شامخ، وهو الكثير الارتفاع، والمراد بذلك الجبال، ودكها عبارة عن نسفها حتى تكون كالصوف المندوف (والصم) جمع أصم، وهو المحكم الذي لا تجويف فيه (الرّواسخ) جمع راسخ، بمعنى الثابت الذي لا يضطرب، وهذا عبارة أُخرى عن الجبال (فيصير صلدها) أي الصلب الأملس من الجبال (سراباً) أي كالسراب، الذي هو شبه الماء في طرف الأفق وليس بماء (رقرقاً) أي مضطرباً، ومنه يسمى الماء الرقراق، لأنه لا يستقر.

6) (ومعهدها) أي محل الجبال الذى كان يعهد وجودها فيه (قاعاً) القاع المطمئن من الأرض الذي لا نتوء فيه (سملقا) أي مستوياً (فلا شفيع يشفع) لمن لا يستحق الشفاعة، فإنَّ الشفاعة هناك ليست الدنيا، يشفع كل إنسان لصديقه ولا حميم) أي صديق (يدفع) الأهوال والعذاب عن كالشفاعة في الإنسان (ولا معذرة) أي عذر (تنفع) حتى تخلّص صاحبها من العذاب، إذا كان مستحقاً له.

وَمِنْ خُطبة لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) حول بعثة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وموعظة الناس

بَعَثَهُ حِينَ لا عَلَمٌ قَائِمٌ، وَلا مَنَارٌ سَاطِعٌ، وَلا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ (1). أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللّه، بِتَقْوَى اللّه، وأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوص، وَمَحَلَّةٌ تَنْغِيصٍ، سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ، وَقَاطِنُهَا بَائِنٌ تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ، تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ، فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ، وَمِنْهُمُ النَّاجِي عَلَى بُطُونِ الأَمْوَاحِ تَحْفِرُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا، وَتَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا، فَمَا فَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَك، وَمَا نَجَا مِنْهَا فإلى مَهْلَك (2)! عِبَادَ اللّه، الآنَ فَاعْمَلُوا، وَالألْسُنُ مُطْلَقَةٌ، وَالأبْدَانُ صَحِيحَةٌ، وَالأعْضَاءُ لَدْنَةٌ، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحٌ، وَالْمَجَالُ عَرِيضُ، قَبْلَ إِرْهَاقِ الْفَوْتِ، وَحُلُولِ الْمَوْتِ. فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ (3)، وَلَا تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ.


1) (حين لا علم قائم) أي دين وشريعة تكون علماً للنّاس يهديهم إلى الطريق الموصل إلى السعادة، تشبيها بأعلام الطرق التي توضع لتدل عليها (ولا منار ساطع) المنار: الموضع المرتفع الذي يوضع عليه النور ليلا ليهتدي المارة إلى الطريق، وإلى محلّ الضيافة والساطع المرتفع الظاهر (ولا منهج) أي طريقة (واضح) يعرفه الإنسان فيسلكه ليوصله إلى السّعادة (وأحذركم الدّنيا) أي أخوفكم من التلوّث بالدنيا فإنها دار شخوص أي الذهاب والانتقال ومحلة تنغيص أي محل ينغص عيش الإنسان بالهموم والأكدار (ساكنها ظاعن) أي مسافر (وقاطنها) أي الذي قطن وسكن فيها (بائِنُ) أي مبتعد منفصل عنها، بعد قليل (تميد) أي تضطرب (تقصفها)، أي تكسرها (في لجج البحار) جمع لجة وهي وسط البحر.

2) (الوَبِقُ) أي الهالك (النّاجي على بطون الأمواج) بأن ركب قطعة من الأخشاب المتكسرة من السفينة وبقي على بطن الموج لا يدري مصيره ومسيره (تحفزه) أي تدفعه (الرّياح بأذيالها) جمع نيل، أي أطرافها (وتحمله على أهوالها) فهول الغرق، وهول أن يكون طعمة للأسماك، وهول البقاء في البحر حتى الموت بلا اكل واستراحة. (فليس بمستدرك) أي لا يمكن أن يدركه الإنسان وينجيه (فإلى مهلك) يبقى في البحر حتى يهلك ويموت.

3) (لدنة) أي لينة تطيعكم، قبل أن تيبس ولا تتحرك (والمنقلب فسيح) أي أن مكان الانقلاب من الضلال إلى الهدى واسع يمكنكم ذلك (والمجال عريض) أي واسع يمكنكم التدارك لما فات منكم (قبل إرهاق الفوت) أرهقه الشيء: أي أتعبه، والفوت ذهاب الفرصة بحلول الأجل (فحققوا عليكم نزوله) أي اجعلوه كالمحقق الكائن لا محالة، ولا تكونوا غافلين.

وَمن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان اختصاصه بالنبي والحث على الجهاد

وَلَقَدْ عَلِمَ المُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم)، أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللّه وَلا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةٌ قَطُّ، وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتي تَنْكُصُ فِيهَا الأبْطَالُ، وتَتَأَخَّرُ فِيهَا الأقْدَامُ، نَجْدَةً أَكْرَمَنِي اللّه بِهَا.

وَلَقَدْ قُبض رَسُولُ اللّه (صلى اللّه عليه وآله) وَإِنَّ رَأسَهُ لَعَلَى صَدْرِي، وَلَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ في كَفِّي، فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي (1). وَلَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ (صلّى اللّه عليه وآله) وَالْمَلائِكَةُ أَعْوَانِي فَضَجَّتِ الدَّارُ وَالأَفْنِيَةُ : مَلأُ يَهْبِطُ، وَمَلاً يَعْرُجُ، وَمَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْئَمَةٌ مِنْهُمْ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ. فَمَنْ ذا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَمَيّتاً (2)؟ فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ، وَلْتَصْدُقُ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ. فَوالَّذِي لا إله إلّا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ (3). أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَاسْتَغْفِرُ اللّه لي وَلَكُمْ!

وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فضل الإسلام والقرآن، والحث على التقوى

يَعْلَمُ عَجِيجَ الوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ، وَمَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ، والحتِلافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ، وتَلاطمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ.


1) (المستحفظون) أي الذين أودعهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) علمه وأمانته، والعلماء الذين استحفظوا الدين (ساعةً قط) أي أبداً، حتى في لحظة واحدة (تنكص فيها الأبطال) نكص : بمعنى فَرَّ ولم يقدم (نجدة) أي كانت تلك الإقدامات نجدة، وشجاعة (ولقد سالت نفسه) أي روحه الطاهرة (في كفي) فإنَّ الروح كما ثبت جسم لطيف من قبيل الهواء والضياء يراها أولياء اللّه تعالى (فأمررتها على وجهي) تبركاً بها.

2) (فَضَجِّت الدار والأفنية) أي ازدحمت بالملائكة، وأفنية جمع فناء، وهو ما اتسع من الدار والساحة (ملأ) أي جمع من الملائكة (هينمةٌ) هي الصوت الخفي حتى واريناه أي دفناه (في ضريحه) أي قبره.

3) (فانفذوا على بصائركم) أي سيروا إلى العدو عن بصيرة بإمامكم، لا ريبة في قلوبكم من الأمر (مزلة الباطل) مكان الزلل الموجب للسقوط في الهلكة.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُ اللّه وَسَفِيرُ وَحْيِهِ (1)، وَرَسُولُ رَحْمَتِهِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللّه الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ، وَإِلَيْهِ يَكونُ مَعَادُكُمْ، وَبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ، وَإِلَيْهِ مُنْتَهى رَغْبَتِكُمْ، وَنَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ، وَإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ (2). فَإِنَّ تَقْوَى اللّه دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ، وَشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ، وَصَلاحُ فَسَادِ صُدُورِكمْ، وَظُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ، وَجَلاءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ، وَأَمْنُ فَزَع جَأْشِكُمْ، وَضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ (3). فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللّه شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ، وَدَخِيلاً دُونَ شِعَارِكُمْ، وَلَطِيفاً بَيْنَ أَضْلاعِكُمْ، وَأَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ، وَمَنْهَلاً لِحِينِ وَرُودِكُمْ، وَشَفيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ، وَجُنَّةٌ لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ (4)، وَمَصَابِيحَ لِبُطُون قُبُورِكُمْ، وَسَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ، وَنَفَساً لِكَرْبٍ


1) (عجيج الوحوش في الفلوات) عجيج الوحوش أصواتها، وفلوات جمع فلاة، بمعنى الصحراء (واختلاف النينان) جمع نون بمعنى الحوت واختلافها ذهابها ومجيئها وحركتها (الغامرات) أي العميقة الكثيرة الماء (وتلاطم الماء) أي تحركه واضطرابه (نجيب اللّه) أي مختاره الذي انتجبه (وسفير وحيه) أي الوسيط الذي يأخذ الوحي من ناحيته تعالى ليوصله إلى العباد.

2) (معادكم) أي عودكم (وبه نجاح طلبتكم) فإنَّ طلب الإنسان لا ينجح إلا بإرادة اللّه سبحانه (وإليه منتهى رغبتكم) فإنَّ انتهاء رغبة الإنسان الكمال المُطلق الذي لا يتأتى إلا من قبله سبحانه (ونحوه قصد سبيلكم) فإنَّ طريق الإنسان ينتهي إلى جنابه تعالى أي إلى ثوابه وعقابه (وإليه مرامي مفزعكم) مرمى الفزع ما يدفع إليه الخوف، وهو الملجأ الذي يتوجه إليه الإنسان ليأمن من خوفه.

3) (فإن تقوى اللّه دواء داء قلوبكم) وداء القلب الرذائل، فإذا اتقى الإنسان ذهبت الرذيلة عن قلبه (وبصر عمى أفئدتكم) فإنَّ القلب غير المتقي أعمى لا يبصر العواقب (وشفاء مرض أجسادكم) فإنَّ الأمراض غالباً ولائِدُ المحرمات (وصلاح فساد صدروكم) بالحقد والغل والكبر وما أشبه (وطهور دنس أنفسكم) فلا تكون نفوسكم جبانة أو بخيلة أو ما أشبه (وجلاء عشا أبصاركم) العشوة : الضعف في البصر وجلاؤها ذهابها وأمن فزع جأشكم) الجأش: ما يضطرب في القلب عند الفزع (وضياء سواد ظلمتكم) أي ظلمة الكفر والعصيان.

4) (فاجعلوا طاعة اللّه شعاراً) هو الثوب اللاصق بالجلد، والمراد أن تكون التقوى في القلب (دون دثاركم) هو الثوب ما فوق الشعار أي لا ظاهراً فحسب (ودخيلا) أي داخلاً في أنفسكم (دون شعاركم) أي لا ملاصقاً بالجسم فحسب (ولطيفا بين أضلاعكم) أي في قلبكم الذي هو بين الأضلاع وأميراً فوق أموركم فكل ما يوافق به التقوى ائتوا به (ومنهلاً) هو ما يَرِدَّهُ الشارب من الماء للشرب (لحين ورودكم) أي وقت ورودكم في الماء، والمعنى خذوا الأمور من نحو التقوى لا كيف ما كان (وشفيعاً لدرك طلبتكم) فإنَّ التقوى توجب أن يُدرك الإنسان (وجنةً ليوم فزعكم) فإذا خاف الإنسان المتقي نَجَّاه اللّه سبحانه.

مَوَاطِنِكُمْ (1)، فَإِنَّ طَاعَةَ اللّه حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ، وَمَخَاوِفَ متَوَفَّعَةٍ، وَأُوَارِ نِيرَانِ مُوقَدَةٍ (2). فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوّهَا، وَاحْلَوْلَتْ لَهُ الأمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا، وَانْفَرَجَتْ عَنْهُ الأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا، وَأَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ اِنْصِبابِهَا، وَهَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا (3)، وَتَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا، وتَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبهَا، وَوَبَلتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا (4).

فَاتَّقُوا اللّه الذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ، وَوَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ، وَامْتَنَّ عليكم بِنِعْمَتِهِ، فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ، وَاخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ هذا الإسلامَ دِينُ اللّه الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَاصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ (5)، وَأَضفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ، وَأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ. أَذَلَّ الأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ، وَوَضَعَ الْمِلَ بِرَفْعِهِ، وَأَهَانَ أَعْدَاءهُ بِكَرَامَتِهِ، وَخَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ، وَهَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلالَةِ


1) (ومصابيح لبطون قبوركم) فإنَّ القبرَ مُظلم وضياؤه التقوى (وسكنا) أي أنيسا (لطول وحشتكم) في القبر، فإنَّ قبر غير المتقي موحش (ونَفسَاً) أي موجباً لخروج الهم (لِكَرْبِ مواطنكم) جمع كربة، بمعنى الهم، فإنّ الإنسان لا بُدَّ وأن يتوجه إليه الهم والغم، فإذا كان مُتقياً نفس كربه وأُزيل همه.

2) (فإنَّ طاعة اللّه حرز) أي حافظ (من متالف مكتنفة) متألف جمع متلف أي محل التلف، ومكتنفة: المحيطة بالإنسان (ومخاوف متوقعة) أي أقسام متوقعة من الخوف (وأُوار) حرارة النار ولهيبها (نیران موقدة) والمراد نيران الحروب والفتن.

3) (عزبت) أي بَعُدت وغابت (واحلولت له الأمور) أي صارت حلوة (وانفرجت عنه الأمواج وأسهلت له الصعاب) أي سهلت له المشكلات (بعد إنصابها) أي إتعابها لهذا الشخص (وهطلت) أي انصبت كالمطر (بعد قحوطها) أي كونها قحطاً.

4) (وتحدبت) أي عطفت (بعد نفورها) أي شرودها عنه (وتفجرت عليه النعم) كناية عن كثرتها كما تتفجر العيون (بعد نضوبها) يقال نضب الماء إذا غار في الأرض وذهب (ووبلت عليه البركة) الوابل المطر الشديد (بعد إرذاذها) الرذاذ المطر الضعيف.

5) (فَعَبُدوا). أي ذَلِّلُوا (أنفسكم لعبادته) وطاعته (واخرجوا إليه من حق طاعته) وحق الطاعة أن يطيع الإنسان في كل ما أمر سبحانه ونهى (اصطفاه لنفسه) أي اختاره لأن يكون سبيلا إلى رحمته سبحانه في الدارين (واصطنعه) أي صنعه بأن قرر مناهجه (على عينه) هذا كناية عن اكتماله، فإنَّ اصطناع الشيء على العين، الأمر بأن يضع تحت النظر، خوفاً للمخالفة في المطلوب إن صنع بعيداً عن النظر.

بِرُكْنِهِ (1). وَسَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ، وَأَتْأَقَ الْحِيَاضَ بِمَوَاتِحِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ لا انْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ (2)، وَلا فَكَّ لِحَلْقِتِهِ، وَلا انْهِدَامَ لأَسَاسِهِ، وَلَا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ، وَلا انْقِلاعَ لِشَجَرَتِهِ، وَلا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ، وَلا عَفَاءَ لِشَرَائِمِهِ، وَلَا جَذَّ لِفُرُوعِهِ، وَلا ضَنْكَ لِطُرُقِهِ، وَلا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ، وَلا سَوَاد لِوَضَحِهِ (3)، وَلا عِوَجَ لانْتِصَابِهِ، وَلا عَصَلَ فِي عُودِهِ، وَلا وَعَثَ لِفَجِّهِ (4)، وَلا انْطِفَاءَ لِمِصْبَاحِهِ، وَلا مَرَارَةَ لِحَلاوَتِهِ. فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا، وَثَبِّتَ لَهَا أَسَاسَهَا، وَيَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا، وَمَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا، وَمَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا، وَأَعْلامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا (5)، وَمَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وُرَّادُهَا. جَعَلَ فِيهِ مُنْتَهى


1) (وأقام دعائمه) أي دعائم الإسلام وهي أركانه وأحكامه (على محبته) أي محبة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وخذل محاديه) جمع محاد، وهو الشديد المخالفة (وهدم أركان الضلالة بركنه) أركان الضلالة طرقها واتباعها، فإنَّهُ حيث جعل للإسلام طرقاً لم يبق للضلالة طرق مشروعة، وإنما جاء الناس إلى طرق الإسلام.

2) من (حياضه) جمع حوض، والمراد معارف الإسلام وأحكامه (واتاق (الحياض) أي أملأ الإسلام من تئق الحوض بمعنى امتلأ (بمواتحه) جمع ماتح وهو الذي ينزح الماء من البئر للحوض ونحوه (ثمّ جعله لا انفصام لعروته) العروة يد الإبريق ونحوه، والمعنى أن من تمسك بالإسلام، لا ينقطع عنه الخير، إذ لا انقطاع له.

3) (ولا فك لحلقته) التي يتمسك بها الإنسان ليجره إلى السعادة في الدارين (ولا عفاء) أي لا دروس ولا اضمحلال (ولا جذ) أي لا قطع (ولا ضنك) أي لا ضيق (الطرقه) بل طرق واسعة، كناية عن سهولة الأحكام وعدم العسر فيها (ولا وعوثة لسهولته) الوعوثة رخاوة في الأرض تغوص بها الأقدام عند السير فيعسر المشي فيها 0ولا سواد لوضحه) الوضح بيان الصبح، فلا انحراف لأحكام الإسلام حتى يكون كالسواد في بياض الصبح.

4) (ولا عوج لانتصابه) أي لاستقامته (ولا عَصَلَ) هو الاعوجاج الذي يصعب تقويمه (ولا وعث) الوعث: الطريق الذي يعسر فيه المشي (لفَجِّه) الفج: الطريق الواسع بين جبلين.

5) (أَساخ) أي أثبت (في الحق أسناخَهَا) جمع سنخ بمعنى الأصل، فأصوله ثابتة في الحق لا في الباطل (شَبَّت) ارتفعت من الإيقاد (منار) هو المحل المرتفع الذي يوضع فيه النور لهداية المارة (اقتدى بها سُفّارَها) أي نوو السفر، وهم المسافرون ليلاً والاقتداء بها معرفة الطريق بسببها (وأعلام) جمع علم، وهو ما ينصب في الطريق ليهتدي به المسافر (فجاجها) جمع فج، وهو الطريق، وكأن المنار لليل والأعلام للنهار (ومناهل) جمع منهل، محل شرب الماء (رَوِي بها ورَّادها) أي من وردها لشرب الماء.

رِضْوَانِهِ، وَذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ، وَسَنَامَ طَاعَتِهِ (1)، فَهُوَ عِنْدَ اللّه وَثِيقُ الأرْكَانِ رَفِيعُ الْبُنْيَانِ، مُنِيرُ الْبُرْهَانِ، مُضِيءُ النِّيرَانِ، عَزِيزُ السُّلْطَانِ، مُشْرِفُ الْمَنَارِ (2)، مُعْوذُ الْمَثَارِ. فَشَرِّفُوهُ وَاتَّبِعُوهُ، وَأَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ، وَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ (3).

ثُمَّ إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم) بِالْحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الانْقِطَاعُ، وَأَقْبَلَ مِنَ الآخِرَةِ الاطلاعُ، وَأَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ، وقَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ، وَخَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ، وَأَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ، فِي انْقِطَاعِ مِنْ مُدَّتِهَا، وَاقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا (4)، وَتَصَرُّمِ مِنْ أَهْلِهَا، وَانْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا، وَانْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا (5)، وَعَفَاءٍ مِنْ أَعْلامِهَا، وَتَكَشْفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا، وَقِصَرٍ مِنْ طُولِهَا (6). جَعَلَهُ اللّه بَلاغاً لِرِسَالَتِهِ، وَكَرَامَةً لأمَّتِهِ، وَرَبِيعاً لأهْلِ زَمَانِهِ، وَرِفْعَةً


1) (منتهى رضوانه) فمن عمل به رضي اللّه عنه (وذروة دعائمه) الذروة المحل المرتفع من الشيء فكأن الأديان دعائم، والإسلام ذروتها (وسنام طاعته) السنام من البعير الموضع المرتفع في ظهره ويشبه به كل شيء مرتفع.

2) (فهو عند اللّه وثيق الأركان) أي محكم الأصول والفروع (رفيع البنيان) فلا بناء مثله في الرفعة (منير البرهان) دليله واضح لا خفاء فيه (مُضي النيران) فمصابيحه موقدة (عزيز السلطان) لا يغالب (مشرف المنار) أي مناره مرتفع يشرف على الطريق لهداية الناس.

3) (معوز المثار) أي لو أراد أحد إثارة هذا الدين بأن يخلطه ويحرفه، لا يتمكن من ذلك من أعوز إذا احتاج إليه فلم ينله، والمثار مصدر من ثار الغبار إذا هاج (فشر فوه) أي تشرفوا به (وأدوا إليه حقه) من الأخذ به والدعوة إليه (وضعوه) موضعه) أي لا تحرفوا أحكامه.

4) (حين دنا من الدنيا الانقطاع) أي قبل آخر الدنيا، فإنَّ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من علائم الساعة (وأقبل من الآخرة الإطلاع) أي الإتيان، يقال اطلع فلانا علينا أي أتانا (وقامت بأهلها على ساق) أي حاربتهم يقال : قامت الحرب على ساق إذا استعرت (وخشُن منها مهاد) فلم يتمكنوا من الاستراحة عليها، كما إذا خشن فراش الآثام (وأزف منها قياد) أي اقترب من الدنيا أن تنقاد للزوال (في انقطاع من مدتها) أي انقضى أجلها واقتربت من القيامة (واقتراب من أشراطها) أي علائم زوالها.

5) (وتصرم من أهلها) أي تقطع من أهل الدنيا فإنَّهم ذهبوا إلى الآخرة (وانفصام من حلقتها) أي انقطعت الروابط بين الدنيا وبين أهلها فلا هم يتنعمون فيها، ولا هي تعمر بهم (وانتشار من سببها) أي تفرق أسباب الحياة في الدنيا حتى لا تضبط، وكلما تقلص النظام صارت الأسباب منتشرة لا ينتفع بها.

6) (وعفاء) أي انطماس (من أعلامها) جمع علم، وهو النصب الذي يوضع في الطريق للدلالة عليه (وتكشف) أي ظهور (من عوراتها) أي سيئات الدنيا (وقصر من طولها) فإنَّ الدنيا اقتربت من الآخرة، وذهب جزء منها، أو أن الأعمار صارت قصيرة بسبب الفوضى السائدة فيها.

لأعْوَانِهِ، وَشَرَفاً لأَنْصَارِهِ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ، وَسِرَاجاً لا يَخْبُو تَوَقْدُهُ، وبَحْراً لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، ومِنْهَاجاً لا يُضِلُّ نَهْجُهُ، وَشُعَاعاً لا يُظْلِمُ ضَوْؤُهُ، وَفُرْقَانَاً لا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ، وَتِبْيَاناً لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَشِفَاءٌ لا تُخْشَى أَسْقَامُهُ، وَعِزّاً لا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ، وَحَقَّاً لا تُخَذَلُ أَعْوَانُهُ. فَهُوَ مَعْدِنُ الإِيمَانِ وبُحْبُوحَتُهُ، وَيَنَابِيعُ العِلْم وَيُحُورُهُ، وَرِيَاضُ الْعَدْلِ وَغُدْرَاتُهُ، وَأَثَافِيُّ الإِسْلامِ وَبُنْيَانُهُ، وَأَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَغِيطَانُهُ. وَبَحْرٌ لا يَنْزِقُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ، وَعُيُون لا يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ، وَمَنَاهِلُ لا يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ (1)، وَمَنَازِلُ لا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ، وَأَعْلامٌ لا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ، وَآكَامٌ لا يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ (2). جَعَلَهُ اللّه ريّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ، وَرَبيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ، وَمَحَاجّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ، وَدَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ، وَنُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ، وَحَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ، وَمَعْقِلاً منيعاً ذِرْوَتُهُ (3)، وَعِزّاً لِمَنْ تَوَلاهُ، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وَهُدًى لِمَنِ ائتَمَّ بِهِ، وَعُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ، وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ(4)، وَشَاهِداً لِمَنْ


1) (وفرقاناً) أي فارقاً بين الحق والباطل (وتبياناً) أي بياناً للحق فهو معدن (الإيمان) أي المحل الذي يؤخذ منه الإيمان (وبحبوحته) أي الوسط الذي يوجد فيه معظمه (ورياض العدل) جمع روضة بمعنى الحديقة، أو محل الماء (وغدرانه) جمع غدير، وهو الموضع المنخفض الذي يجتمع فيه ماء المطر ونحوه (واثافي الإسلام) جمع أثفية، وهي الحجر الذي يوضع عليه القدر ليطبخ أي أن القرآن أساس الإسلام (وغيطانه) جمع غوط بمعنى المكان المنخفض من الأرض يزكو نبته لاجتماع المياه فيه (وبحر لا ينزفه أي لا يتم ماءه (الماتحون) أي الآخذون للماء منها، جمع ماتح وهو نازح الماء من البئر ونحوها (ومناهل) جمع منهل : محل الشرب من النهر ونحوه (لا يَغِيضُها) أي لا ينقصها (الواردون) الذين يردونها للشرب.

2) (وأعلام) جمع علم، وهو العلامة التي تنصب في الطريق للدلالة عليه (وآكام) جمع أكمةٍ، وهو الموضع المرتفع في الصحراء (لا يجوز عنها) بل يحطون الرحال عليها (القاصدون) فإنَّ السائر ينزل في المرتفعات لأنها أنظف وأشرف.

3) (وربيعا) أي مُنعِشاً (ومحاج) جمع محجة، بمعنى الطريق (وحبلا وثيقا) أي محكما (عروته) وهي الحلقة التي في الحبل إذا تمسك الإنسان بها أوصلته إلى السعادة والجنة (ومعقلا) أي حصنا (منيعا ذروته) فإذا علاه الإنسان يمنعه عن مكاره الدنيا والآخرة.

4) (وعِزّاً لمن تَولاه) أي اتخذه ولياً لنفسه (لمن ائتم به) أي اقتدى به وجعله إمامه (وعذراً لمن انتحله) أي نسب نفسه إليه، فإنَّ المنافق إذا انتحل القرآن كان عذراً له فلا يقتل ولا يسلب ماله وأهله (وبرهاناً) أي حجة.

خَاصَمَ بِهِ، وَفَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ، وَحَامِلاً لِمَنْ حَمَلَهُ (1)، وَمَطِيَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ، وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَجُنَّةٌ لِمَنِ اسْتَلأمَ، وَعِلْماً لِمَنْ وَعَى وَحَدِيثاً لِمَنْ رَوَى، وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى (2).

وَمِن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الصلاة والزكاة، والأمانة والوعظ

تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا، وَتَقَرَّبُوا بِهَا، فَإِنَّهَا (كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (3). أَلا تَسْمَعُونَ إِلى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قَالُوا : لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (4)، (5). وَإِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ، وتُظْلِقُهَا إطلاق الرِّبَقِ، وَشَبَّهَهَا رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم) بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ، فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَن (6)وَقَدْ عَرَفَ ؟


1) (وشاهداً لمن خاصم به) فإنَّه يغلب على خصمه إذا احتج بالقرآن (وفلجاً) أي ظفراً وفوزاً (لمن حاج به) :المحاجة المباحثة والمجادلة، فإنَّ من باحث بواسطة القرآن غلب على خصمه (وحاملاً لمن حمله) أي من حمل القرآن بأن عمل به كأن القرآن حاملاً له على الخير والسعادة.

2) (ومطية) هي الدابة التي يركبها الإنسان للوصول إلى مقاصده (لمن أعمله) أي جعله بحيث يعمل في المجتمع فإنَّه يسبب وصول الإنسان إلى مقاصده (وآيةً لمن تَوَسَّم) أي أراد التفرس عن الأمور المستقبلية فإنَّ القرآن آيةٌ ودليل على ذلك (وجنة) به يُتقى الضرر (لمن استلام) أي لبس اللامة وهي أداة الحرب التي يلبسها الإنسان لتقيه من الأعداء.

3) سورة النساء: 103.

4) سورة المدثر: 3 - 4.

5) (تعاهدوا أمرَ الصلاةِ) أي واظبوا شأنها لئلا تضيع (وحافظوا عليها) بأدائها في أوقاتها (واستكثروا منها) بإتيان النوافل (كتاباً موقوتا) أي مكتوبا محتوماً (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) ؟ أي أدخلكم في النار.

6) (لَتحُتُ الذنوبَ) أي تسقطها (حَتَّ الورقِ) أي مثل سقوط أوراق الأشجار عند الخريف (وتطلقها إطلاق الرّبق) حبل فيه عدة عرى كل منها ربقة يربط بها الدواب، فكأن الذنوب ربق في الأعناق فإذا صلى الإنسان فكت ربقة كما تفك الربق عن أعناق الدواب (بالحمَّة) العين التي تنبع الماء الحار فيستشفى به من العلة (الدرن) الأوساخ.

حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ، وَلَا قُرَّةٌ عَيْنٍ مِنْ وَلَدٍ وَلا مَالٍ. يَقُولُ اللّه سُبْحَانَهُ: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِم تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه وإقام الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) (1). وَكَانَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم) نَصِباً بِالصَّلاةِ بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ، لِقَوْلِ اللّه سُبْحَانَهُ: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (2)، فَكَانَ يَأْمُرُ بِهَا أَهْلَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهَا نَفْسَهُ.)ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلاةِ قُرْبَانًاً لأهْلِ الإسلامِ، فَمَنْ أَعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْسِ بِهَا، فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمِنَ النَّارِ حِجَازاً وَوِقَايَةً. فَلا يُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ، وَلا يُكْثِرَنَّ عَلَيْهَا لَهَفَهُ (3، فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَيْرَ طَيَّبِ النَّفْسِ بِهَا، يَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا، فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ، مَغْبُونُ الأَجْرِ، ضَالُ الْعَمَلِ، طَوِيلُ النَّدَمِ (4).)ثُمَّ أَدَاءَ الأَمَانَةِ، فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْس منْ أَهْلِهَا إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ، وَالأَرَضِينَ الْمَدْحُوَّةِ (5، وَالْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ المَنْصُوبَةِ، فَلا أَطْوَلَ وَلا أَعْرَضَ، وَلا أَعْلَى وَلا أَعْظَمَ مِنْهَا. وَلَوِ امْتَنَعَ شَيْءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضِ أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزّ، لا مُتَنَعْنَ (6)، وَلكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَعَقَلْنَ مَا جَهِلَ)


1) سورة النّور: 37.

2) سورة طه : 132.

3) (نصباً بالصلاة) أي: إذا تعب من كثرة إتيانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بها (بعد التبشير له) من اللّه سبحانه (بالجنة) وإنما كان يتعب نفسه بالصلاة مع علمه بأنه يذهب إلى الجنة (قرباناً) أي موجبة للتقرب إلى مرضاة اللّه سبحانه (طَيِّبَ النَّفس بها) بأن لم يرها مغرما ثقيلا وإنما فرضا يسيراً (حجازاً) أي حاجزاً ومانعاً (فلا يُتبعنَّها أحد نفسه) أي لا يكون نظره وراء تلك الزكاة لتعلق نفسه بها (ولا يُكثرنَّ عليها لَهَفه) بأن يتلهف على ذلك المال المدفوع كأنه شيء ذهب من يده اعتباطا.

4) (غير طيب النفس بها) كأنه يراه مغرماً بأن (يرجو بها ما هو أفضل منها) من ثواب اللّه وفضله (فهو جاهل بالسُّنة) غير عالم بما أعد اللّه سبحانه لمعطي الزكاة من الأجر والفضل (مغبون الأجرِ) أي منقوصه (ضال العمل) قد بطل عمله (طويل الندم) يندم في الآخرة طويلا.

5) (المبنية) التي بناها اللّه بقدرته (المدحوة) أي المبسوطة، من دحاها بمعنى: بسطها.

6) (ولو امتنع شيء بطول أو عرض أو قوة أو عز لامتنعن) أي لو كانت ظواهر الشيء سبباً لتمكنه من حمل الأمانة الذي يحتاج إلى نفس قوية، لكانت الجبال أحق الأشياء بالامتناع والتمكن، والمراد الامتناع عن الخيانة، بأداء الأمانة سالمة كما أخذت.

مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ، وَهُوَ الإنسان، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا (1).)إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالى لا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ لَطْفَ بِهِ خُبْراً (2، وَأَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ، وَجَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ، وَضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ، وَخَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ (3).)### وَمِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ في معاوية)وَاللّه مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهى مِنِّي، وَلكنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ. وَلَوْلا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ.وَلِكُلٍّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.وَاللّه مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ، وَلا أَسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ (4.)### وَمِن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ يعظ بسلوك الطريق الواضح)أَيُّهَا النَّاسُ لا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شَبَعُهَا قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ.


1) سورة الأحزاب: 72.

2) (ولكن أشفقن) أي خِفْن (وعقلن) أي أدركن (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً) بخيانة الأمانة بعد قبولها (جهولا) يجهل العقاب المترتب على ذلك (مقترفون) أي عاملون به من اقترف بمعنى كسب وعمل (لطف به خبرا) أي علماً ومعنى اللطف الدقة، أي أن علمه نافذ في دقائق الأشياء.

3) (أعضاؤكم شهوده) على أعمالكم (وجوارحكم جنوده) أي جند اللّه سبحانه يأتمرون بأمره (وضمائركم) أي سرائركم (عيونه) أي جواسيسه فإذا فعلتم شيئاً أخبرت اللّه سبحانه بذلك (وخلواتكم عيانه) أي مشاهد إليه لا يخفى عليه.

4) (وَلِكُلٍّ غَادِرٍ لِوَاءٌ) أي علم (يعرف به يوم القيامة) كأنه علامة له (مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ) أي أنا أعرف الكيد فليس تسلط ذي الكيد علي لأني غافل بل إني متحرج لا أريد الكيد (وَلا أَسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ) أي أن القوة الشديدة لا توجب ضعفي وإنما أتقي اللّه سبحانه، يقال: غمزه، إذا أثر فيه بالضغط.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضا وَالسُّخْط. وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ (1فَعَمَّهُمُ اللّه بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُوهُ بِالرِّضا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ) (2)، فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ (3).)أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ، وَمَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التيه !### وَمِن كَلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ عند دفن سيدة النساء فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ))روي عنه أنه قاله عند دفن سيدة النساء فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُكالمناجي به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند قبره)السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللّه عَنِّي، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ، وَالسَّرِيعَةِ الصَّحَاقِ بِكَ! قَلَّ يَا رَسُولَ اللّه عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي، إِلَّا أَنَّ لِي فِي التَّأَسْيِ بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ، وَفَادِحٍ مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَزّ (4، فَلَقَدْ وَسَدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَفَاضَتْ (5)بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ، فإنا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فَلَقَدْ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ !)


1) (إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرّضاً وَالسُّخْطُ) فالراضي بفعل شريك له والساخط على فعل مجانب له (وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ) قوم صالح (رجل واحد) هو قيدار.

2) سورة الشعراء: 157.

3) (إِلَّا أَنْ خَارَتْ) أي صوتت كخوار الثور (أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَةِ الْمُحْمَاةِ) أي: الحديدة المحمرة بالنار (في الأرض الخَوَّارة) أي اللينة السهلة، فإنَّها لحرارتها تسرع النفوذ في الأرض، وكثيراً ما يسمع لها صوت خرقها الأرض وإحراقها لما فيها من جذور النبات وما أشبه.

4) (عن صفيتك) التي هي مختارة لك (ورق) أي ضعف (عنها تجلُّدي) أي تحفظي على عدم إبداء الجزع (إلا أَنَّ لِي فِي التَّأَسِّي) أي الاقتداء (بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ) أي بفراقك الذي عظُمَ عليّ (وفادح مصيبتك) أي موتك (موضع تعزٍّ) أي تصبّر وجلل والمعنى إني أعتبرُ بالمثال المتقدم وهو صبري في مصيبتك فلا أجزع في هذه المصيبة أيضا صبراً واحتساباً.

5) (فلقد وسدتك) أي أنمتك وجعلت لك الوسادة (في ملحودة قبرك) الملحودة الجهة المشقوقة من القبر (وفاضت) أي خرجت.

أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ (1، إلى أَنْ يَخْتَارَ اللّه لِي دَارَكَ الَّتِي انْتَ بِهَا مُقِيمٌ. وَسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا، فَأَحْفِهَا السُّوَالَ، وَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ، هذَا وَلَمْ يَكلِ الْعَهْدُ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمَا سَلامَ مُوَدِّع، لا قَالٍ وَلا سَئِمٍ (2)، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلا عَنْ مَلالَةٍ، وَإِنْ أُقِمْ فَلا عَنْ سُوءِ ظَنِّ بِمَا وَعَدَ اللّه الصَّابِرِينَ (3).)### وَمِن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ في الوعظ)أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازِ، وَالآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ، وَلا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ، وَأَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ، وَلِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ (4. إِنَّ الْمَرْة إذا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ : مَا تَرَكَ؟ وَقَالَتِ الْمَلائِكَةُ: مَا)


1) (فَلَقَدْ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ) فإنَّ الصديقة (عَلَيهَا السَّلَامُ) كانت وديعة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند الإمام، واسترجعها (وأخذت الرهينة) كأنها كانت عند الإمام بإزاء عهد الإمام الذي أعطاه للرسول بأن يراعيها ويقوم بشأنها (فَسَرْمَدٌ) أي دائم ما دمت حياً (فَمُسَهَّدٌ) أي ينقضي بالسهاد، أي السهر.

2) (بتضافر أمتك) أي تظاهرهم (على هضمها) أي ظلمها (فأحفها السؤال) أي استقص في مسألتها (واستخبرها الحال) أي أطلب منها أن تخبرك عن حالنا بعدك (ولم يطل العهد) الذي عاهدوك في أن يُحسنوا إلى أهل بيتك (ولم يخل منك الذكر) بل كان ذكرك باق بينهم، وإنما فعلوا ما فعلوا - لا نسياناً - وإنما عصياناً وتكالباً على المال والسلطة (لا قال) القال: المبغض (ولا سئم) من السآمة، بمعنى الملالة.

3) (فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللّه الصابرين) بأن يكون بقائي للجزع، حيث إني أُسيء الظن بعقبى الصبر بل انصرافي الأجل إدارة شؤون أسباطك يا رسول اللّه، والقيام بمهام الإسلام حسب أمرك.

4) (دَارُ مَجَاز) أي ممر إلى الآخرة (دَارُ قَرَارٍ) التي يستقر فيها الإنسان (ولا تهتكوا أستاركم) كان ظاهر الإنسان الذي لم يعص ستر على باطنه المليء بالشهوات فإذا عصى انكشف باطنه وهتك ستره (ففيها اختبرتم) أي امتحنكم اللّه سبحانه (ولغيرها خلقتم) أي أن الإنسان خلق للاستقرار في الآخرة.

قَدَّمَ للّه آبَاؤُكُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً، وَلا تُخْلِفُوا كُلَّا فَيَكُونَ عَلَيْكُمْ (1.)### وَمِن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ كان كثيراً ما ينادي به أصحابه)تَجَهَّزُوا (2رَحِمَكُمُ اللّه فَقَدْ نُودِيَ فَيكُمْ بِالرَّحِيلِ، وَأَقِلُوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا، وَانْقَلِبُوا بِصَالِحٍ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةٌ كَؤُوداً (3)وَمَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً، لا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا، وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا.)وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلاحِظَ الْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِيَةٌ، وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ، وَقَدْ دَهَمَتْكُمْ فِيهَا مُفْظِعَاتُ الأُمُورِ، وَمُعْضلاتُ الْمَحْذُورِ (4. فَقَطْعُوا عَلائِقَ الدُّنْيَا وَاسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى.)


1) (إذا هلك) أي مات (قال الناس ما ترك؟) أي يكون سؤالهم عن أمواله (وقالت الملائكة: ما قدم؟) أي يكون سؤالهم عن عمله الذي عمله في الدنيا ليأخذ جزاءه في الآخرة (للّه آباؤكم) كلمة تستعمل للتضجر، وأصلها إن من كان مطيعاً للّه يجب أن يعمل بما أمر اللّه فكيف يخالفه؟ وتستعمل أحيانا للمدح (فقدموا بعضاً) ولا تجعلوا عملكم كُلَّهُ للدنيا (يكن لكم) ذلك الذي قدمتموه (قرضاً) تأخذونه عند ورودكم إلى الآخرة (ولا تُخْلِفُوا) أي لا تبقوا في الدنيا (كُلاً فيكون عليكم) وزراً وعقاباً.

2) (تجهزوا) أي خذوا جهازكم، وهو زاد المسافر وما يلزم في سفره (أقلوا العرجة) اسم من التعريج بمعنى حبس المطية قرب المنزل (على الدنيا) أي اجعلوا ركونكم إليها قليلا.

3) (وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم) أي ارجعوا إلى الآخرة، وقد صحبتم احسن ما لديكم (عقبة كؤُوداً) أي صعبة المرتقى (مخوفة مهولة) توجب الخوف والهول.

4) (وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلاحِظَ الْمَنِيَّةِ) أي منبعث نظر الموت، كأن الموت شيء ينظر إلى الإنسان حين يريد اختطافه (دانية) أي قريبة (وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا) جمع مخلب، وهو ظفر الحيوان المفترس (وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ) أي علقت بكم (وقد دهمتكم) أي وردت عليكم (ومعضلات المحذور) من أعضل الأمر إذا أشكل ولم يعلم وجه حلّه (واستظهروا) أي استعينوا.

### وَمِن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ كلم به طلحة والزبير)كلم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا عليه من ترك مشورتهما، والاستعانة في الأمور بهمالَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً، وَأَرْجَأَتُمَا كَثِيراً (1. ألا تُخْبِرَانِي، أَيُّ شَيْءٍ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ؟ وَأَيُّ قَسْم اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ؟ أَمْ أَيُّ حَقٌّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ، أَمْ جَهِلْتُهُ، أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ!)وَاللّه مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلافَةِ رَغْبَةٌ، وَلا فِي الْوِلايَةِ إِرْبَةٌ، وَلَكنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا، وَحَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلى كِتَابِ اللّه وَمَا وَضَعَ لَنَا، وَأَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، وَمَا اسْتَسنَّ النَّبِيُّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم، فَاقْتَدَيْتُهُ (2)، فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذلِك إلى رَأْيِكُمَا، وَلا رَأْي غَيْرِكُمَا، وَلا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ، فَأَسْتَشِيرَكُمَا وَإِخْوَانِي مِنَ المُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ ذلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا، ولا عَنْ غَيْرِكُمَا. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الأُسْوَةِ، فَإِنَّ ذلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُم أَنا فِيهِ بِرَأْبِي، وَلا وَلِيتُهُ هَوَى مِني (3)، بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَأُنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم) - قَدْ فُرغَ مِنْهُ، فَلَمْ أَحْنَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا قَدْ فَرَغَ اللّه مِنْ قَسْمِهِ، وَأَمْضَى فِيه حُكْمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمَا، وَاللّه، عِنْدِي وَلَا لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى. أَخَذَ اللّه بِقُلُوبِنا وَقُلُوبِكُمْ إلى الْحَقِّ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ.)ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: رَحِمَ اللّه امْراً رَأى حَقّاً فَأَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ رَأى جَوْراً فَرَدَّهُ، وَكَانَ عَوْناً بالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ.)


1) (لقد نقمتما يسيرا) أي غضبتما لأمر يسير وعدم مشورتي لكم (وارجاتما) أي أخرتما (كثيرا) أي أنَّ الذي أَخر تماه لي غير النقمة التي أظهرتماها من تجهيز الجيش والقيام بمحاربتي كثيراً.

2) (إربَةٌ) أي غرض وحاجة (حملتموني عليها) أي أصررتم علي حتى قبلتها (فلما أفضت) أي وصلت (وما استسنَّ) أي جعله سنة وطريقة (فاقتديته) أي جعلته قدوة لي، وعملت به.

3) (من أمر الأسوة) أي الاقتداء بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في تسوية العطاء بين المسلمين (ولا وليته) أي اتبعت هذا الأمر - وهو التسوية - (هوى مني) أي بمجرد رغبتي وهوى نفسي.

### وَمِن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ وَقد سمع قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين)إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ، وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ (1، وقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ : اللّهمَّ احْقِنُ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلالَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقِّ مَنْ جَهِلَهُ، ويَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَالْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ (2).)### وَمِن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ في بعض أيام صفين وقد رأى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتسرع إلى الحرب)امْلِكُوا عنّى هذَا الغُلامَ لا يَهُدَّنِي، فَإِنَّنِي أَنْفَسُ (3بِهَذَيْنِ - يَعْنِي الْحَسَنَ والْحُسَيْنَ (عَلَيْهِمَا السَّلامُ) - عَلَى الْمَوْتِ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم).)قال السيد الشريف الرضي : وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ [امْلِكُوا عنِّي هَذَا الْغُلامَ] من أعلى الكلام وأفصحه.)### وَمِن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة)أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ، حَتَّى نَهِكَتْكُمُ الْحَرْبُ، وقَدْ وَاللّه أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَتَرَكَتْ، وَهِي لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ(4.)


1) (كان أَصْوَبَ فِي الْقَوْل) لأنَّه يوجب إلفات الناس إلى عدم لياقة معاوية، وكونه ظالماً في دعواه (وأبلغ في العذر) أي عُذرنا في قتالهم، إذ كل من يعرف أنهم ظالمون يُعطينا الحق في محاربتهم.

2) (اللّهمَّ احْقِنُ) أي احفظ (وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ) أي الصفة التي بين الطرفين كأنها شيء متصل، إذا فسد حاربا وإذا صلح تآلفا (ويرعوي) أي ينقلع (من لَهِجَ به) أي تكلم بالغي والعدوان.

3) (املكوا عني) أي احفظوا بشدة عن طرفي، ومن جهة أمري (هذا الغُلام لا يهدني) أي حتى لا يهدم أركاني بموته إذا قتل (فانني أَنفَسُ) أي أبخل.

4) (نهكتكم الحرب) أي أضعفتكم (أخذت منكم) بعضاً ممن قتلوا (وتركت) بعضاً وهم الباقون (لعدوكم أنهك) إذ قتل منهم أكثر من أصحاب الإمام.

لَقَدْ كَنْتُ أَمْسِ أَمِيراً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً (1، وَكُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّا (2)، وَقَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ، وَلَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ !)### وَمِن كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي)بالبصرة، وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي - وهو من أصحابه - يعوده فلما رأى سعة داره قال:مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيا ؟ أَمَا أَنْتَ إِلَيْهَا فِي الآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ ! وبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بها الآخِرَةَ : تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ وَنَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وَتُظْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطالِعَهَا (3، فَإذا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الآخِرَةَ.)فقال له العلاء : يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد. قال : وما لَهُ؟ قال : لبس العباءةَ وتَخَلَّى عن الدنيا. قال : علي به. فلما جاء قال :يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ! لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ (4أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ ووَلَدَكَ! أَتَرَى اللّه أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللّه مِنْ ذلِكَ (5)!)


1) (لقد كنت أمس) قبل إنهاك الحرب (أميراً) آمركم فتأتمرون (فأصبحت اليوم مأموراً) إذ هم الذين الجأوا الإمام لأن يقبل قضية التحكيم، وكان الإمام كارهاً لها، لأنه يعلم أنها مكيدة.

2) (وكنت أمس ناهياً) عن الحكومة حينما اقترحتم علي (فأصبحتُ اليوم منهياً) إذ أن أصحاب الإمام لما عرفوا المكيدة في التحكيم جعلوا ينهون الإمام عنه بعدما أفلت الزمام من يده (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأعطى القول بقبوله.

3) (تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ) إقراء الضيف: إضافته (وتصل فيها الرَّحم) بأن تدعوهم إلى دارك للنزهة وما أشبه (وتطلع منها الحقوق مطالعها) أي إلى وجوهها التي شرعها اللّه سبحانه.

4) (لَبِسَ العباءة) التي كانت من زي الزهاد (وتَخَلَّى عن الدنيا) أي عن التنعم بنعمها (يا عديَّ نَفسهِ) تصغير عدو إما للتصغير أو التعظيم نحو (لقد استهام بك الخبيث) أي الشيطان، ومعنى استهام زين الهيام والتوله إليك.

5) (أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللّه مِنْ ذلِكَ) بأن يُحلل لك مجبوراً في تحليله، حتى إذا علمت ذلك تركت لتوافق مرضاة اللّه سبحانه، وذلك لأنَّ لذائذ الدنيا مباحة للإنسان وقد خَلقها سبحانه له بشرط أن لا يأخذها من حرام، ولا يصرف القوة التي أخذ منها إلا في طاعة.

قال : يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك !قَالَ : وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ إِنَّ اللّه تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا (1أنفسَهُم بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَبِلا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ!)### وَمِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ وقد سأله سائل عن أحاديث البدع)وقد سأله سائل عن أحاديث البدع، وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَبَاطِلا، وَصِدْقاً وَكَذِباً، وَنَاسِخاً وَمَنْسُوخاً، وَعَاماً وَخَاصَاً، وَمُحْكَماً وَمُتَشَابِها، وَحِفْظاً وَوَهْماً. وَلَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم - عَلَى عَهْدِهِ، حَتَّى قَامَ خَطِيباً، فَقَالَ : [مِنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ]. وَإِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ : رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلإِيمَانِ، مُتَصَنِّع بالإسلام، لا يَتَأَثّمُ وَلا يَتَحَرَّجُ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم) - مُتَعَمِّداً، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنافِقٌ كاذِبٌ لم يقبلوا مِنهُ ولا يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ، ولَكِنَّهُمْ قَالُوا : صَاحِبُ رَسُولِ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم) - رآه، وسَمِعَ مِنْهُ، ولَقِفَ عَنْهُ (2)فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللّه عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ، وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ، عَلَيْهِ وآلِهِ السَّلامُ، فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلالَةِ، وَالدُّعَاةِ إلى النَّارِ بِالنُّورِ وَالْبُهْتَانِ فَوَلَّوْهُمُ الأَعْمَالَ، وَجَعَلُوهُمْ حُكّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، أَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالدُّنْيا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللّه، فَهذَا أَحَدُ الأرْبَعَةِ.)


1) (ويحك) كلمة تستعمل للإهانة وللمدح (أن يُقدِّروا) أي يقيسوا.

2) (وحفظاً) أي ما حفظ عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ووهماً) ما لم يُتَعَمد كذبه ولكن توهم خلاف ما قاله الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (لا يتأثم) أي لا يخاف الاثم (ولا يتحرَّج) أي لا يخشى الوقوع في الحرج، أي الجرم الموجب للضيق (ولَقَفَ عنه) أي تناول وأخذ.

وَرَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللّه شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ(1، فَوَهِمَ فِيهِ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً، فَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَيَرْوِيهِ وَيَعْمَلُ بِهِ، وِيَقُولُ : أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم)، فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ، وَلَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذلِكَ لَرَفَضَهُ !)ورَجُلٌ ثَالِثُ، سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم شَيْئاً يأمرُ بِهِ، ثُمَّ نَهى عَنْهُ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ، أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَهُوِ لا يَعْلَمُ، فَحَفِظَ المَنْسُوحَ، وَلَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ، فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ.)وَآخَرُ رَابِعٌ، لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللّه، وَلا عَلَى رَسُولِهِ، مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللّه، وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم، وَلَمْ يَهِمْ، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَه لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ، فَحَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ، وَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ، وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالعَامَّ، فَوَضَعَ كُلَّ شيءٍ مَوْضِعَهُ، وَعَرَفَ الْمُتَشَابِهَ، وَمُحْكَمَهُ.)وَقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم الكلامُ لَهُ :وَجْهَانِ فَكَلَامٌ خَاصٌ وَكَلامٌ عَامٌ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لا يَعْرِفُ مَا عَنَى اللّه سُبْحَانَهُ بِهِ، وَلا مَا عَنَى رَسُولُ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم) - فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ، وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ، وَمَا قُصِدَ بِهِ، وَما خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم) - مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْهِمُهُ، حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الأَعْرَابِيُّ وَالطَّارِى (2)، فَيَسْأَلُهُ (عليه السلام))


1) (بالزور) أي الكذب والبهتان) أي الافتراء على الرسول في خلق الأحاديث (أكلوا بهم الدنيا) إذ قوّوا سلطتهم باختلاق أحاديث مجعولة لتحبيبهم إلى الناس (عصم اللّه) أي: حفظه دينه (فوهم) أي أخطأ وغلط (ولم يهم) أي لم يخطئ بل حفظ ما سمع على وجهه أي مع عرفان مقصده الذي قيل لأجله.

2) (الأعرابي) أي البدوي الخارج من المدينة (والطارئ) أي الذي طرأ أي عرض، وليس من الصحابة.

حَتَّى يَسْمَعُوا، وَكَانَ لا يَمُرُّ بِي مِنْ ذلِكَ شَيْءٌ إِلَّا سَأَلْتُ عَنْهُ وَحَفِظْتُهُ، فَهِذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي اخْتِلافِهِمْ، وَعِلَلِهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ.### وَمِن خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في عجيب صنعة الكون)وَكَانَ مِن اقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ، وَبَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ البَحْرِ الزَّاخِرِ المُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ، يَبَساً جَامِدا(1، ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً، فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ، وَقَامَتْ عَلَى حَدِّهِ (2). وَأَرْسَى أَرْضاً يَحْمِلُهَا الأخْضَرُ الْمُثْعَنْجِرُ، وَالْقَمْقَامُ المُسَخَّرُ (3)، قَدْ ذَلَّ لأمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِهَيْبَتِهِ، ووَقَفَ الْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ. وَجَبَلَ جَلامِيدَهَا، وَنُشُوزَ مُتُونِهَا وَأَطْوَادِهَا، فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا (4)، وَأَلْزَمَهَا قَرَارَتِهَا، فَمَضَتْ رُؤُوسُهَا فِي الْهَواءِ، وَرَسَتْ أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ (5)، فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا، وَأَسَاخَ)


1) (وكان من اقتدار جبروته) الجبروت الحالة التي يمكن بها جبر الأشياء على الإطاعة والانقياد، فإضافة الاقتدار إليها من باب إضافة العام إلى الخاص (بديع لطائف صنعته) أي الصنعة الدقيقة التي ابتدعها وأوجدها من غير مثال (الزاخر) أي الطافي الممتلي من زخر البحر إذا امتلأ (المتراكم) أي المجتمع (المتقاصف) أي الذي يقصف بعضه بعضاً، أي يكسره (يبساً جامداً) أي الأرض اليابسة.

2) (ثم فطر منه) أي خلق من ذلك الماء (أطباقا) أي طبقات (ففتقها) أي فرقها بعد أن كانت متصلة (بعد ارتتاقها) أي بعد أن كانت متصلة بعضها ببعض (فاستمسكت) أي تماسكت (على حدّه) أي الحد الذي حدده لها الأمر الإلهي.

3) (وأرسى أرضاً) أي جعلها ثابتة محكمة (يحملها الأخضر) أي البحر، فإنَّ الأرض كالكرة في البحر (المثعنجر) أي معظم البحر، أو المراد البحر السائل (والقمقام) اسم آخر للبحر (المُسخَّر) الذي سخره اللّه سبحانه.

4) (وجبل) أي خلق (جلاميدها) جمع جُلمود، وهي الصخور الصلبة (ونشوز) أي مرتفعات (مُتُونها) كالاكام الشبيهة بمتن الإنسان في ارتفاعها (واطوادها) جمع طود، بمعنى: الجبل (فأرساها) أي ثبت تلك الجبال (في مراسيها) أي محلات استقرارها.

5) (وألزمها) أي الجبال (قرارتها) فكل واحدة منها مستقرة في مكانها (فمضت رؤوسها في الهواء) شامخة مرتفعة (ورست) أي ثبتت (اصولها في الماء) فإنَّ الجبل يخترق الأرض حتى الماء.

قَوَاعِدَهَا فِي مُتُون أَقْطَارِهَا، وَمَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا، فَأَشْهَقَ قِلالَهَا، وَأَطَالَ أَنْشَازَهَا (1، وَجَعَلَهَا لِلأَرْضِ عِمَاداً، وَأَرْزَهَا فِيها أَوْتَادا (2)، فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا، أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا (3)، أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا. فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا، وَأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا، فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً، وَبَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً! فَوْقَ بَحْرِ لُجِّيٍّ رَاكِدٍ لا يَجْرِي، وَقَائِم لا يَسْرِي تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ، وَتَمْخُضُهُ الْغَمَامُ الذَّوَارِفُ (4)، (إن في ذلِك لَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَخْشَى) (5).)### وَمِن خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في استنهاض أصحابه إلى الجهاد)اللّهمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَيْرَ الْجَائِرَةِ، والْمُصْلِحَةَ فِي الدين والدُّنْيا غَيْرَ الْمُفْسِدَةِ، فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلَّا النُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ،


1) (فَأَنهَدَ) أي رفع (واساخ قواعدها) أي ثبت أصول الجبال (في متون أقطارها) أي في المتون من أقطار الأرض وأطرافها (ومواضع أنصابها) جمع نصب، وهو ما جعل علماً ليعرف الإنسان به الجادة (فأشهق) أي جعلها شاهقة مرتفعة (قلالها) جمع قلة، وقلة الجبل أعلاه وأطال أنشازها أي متونها المرتفعة في الأرض.

2) (للأرض عماداً) تعتمد الأرض على تلك الجبال، وإلا لتفككت واضطربت (وارزها) أي ثبت تلك الجبال (أوتاداً) جمع وتد، وهو المسمار، فإن الجبال بمنزلة المسامير التي تجمع بين قطع الخشب.

3) (فسكنت على حركتها) أي مع كونها متحركة كما يقول العلم الحديث أو في حال كونها متحركة، إن كانت قبل خلق الجبال مضطربة (تميد) أي تضطرب (أو تسيخ) أي تهبط في الهواء (بحملها) أي بما تحمل من الإنسان والدواب وغيرهما.

4) (فسبحان من أمسكها) أي حفظ الأرض (بعد موجان) أي تموج (وأجمدها) أي جعلها جامدة (بعد رطوبة أكنافها) أي أطرافها فإنها خلقت من زبد البحر (لخلقه مهاداً) موضع الاستقرار والاستراحة (وبسطها لهم فراشاً) كالفرش المبسوط الذي يستريح الإنسان إليه (لجي) كثير الماء (تكركره) أي تحركه ذاهبة به وعائدة له (الرياح العواصف) جمع عاصفة، وهي الشديدة (وتمخضه) كما يمخض اللبن في السقاء ليخرج منه الزبد (الغمام) أي السحاب (الذوارف) جمع ذارفة، أي السائلة.

5) سورة النازعات: 26.

وَالإِبْطَاءَ عَنْ إِعْزَازِ دِينِكَ (1، فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ (2)يَا أَكْبَرَ الشَّاهِدِينَ شَهَادَةً، وَنَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا أَسْكَنْتَهُ أَرْضَكَ وَسَمَاوَاتِكَ، ثُمَّ أَنْتَ بَعْدُ الْمُغْنِي عَنْ نَصْرِهِ، وَالآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ.)### وَمِن خُطبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في وصف اللّه سبحانه)الْحَمْدُ للّه الْعَلِيِّ عَنْ شَبَهِ الْمَخْلُوقِينَ، الغَالِبِ لِمَقالِ الْوَاصِفِينَ، الظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ تَدْبِيرِهِ للنَّاظِرِينَ (3، الْبَاطِنِ بِجَلالِ عِزَّتِهِ عَنْ فِكْرِ الْمُتَوَهُمِينَ (4)الْعَالِمِ بِلا اكْتَسَابِ وَلا ازْدِيَادِ (5)، وَلا عِلْمٍ مُسْتَفَادٍ الْمُقَدِّرِ لِجَمِيع الأمُورِ بِلا رَوِيَّةٍ وَلا ضَمِيرِ، الَّذِي لا تَغْشَاهُ الظُّلَمُ (6)، وَلا يَسْتَضِيءُ بِالأَنْوَارِ، وَلا يَرْهَقُهُ لَيْلٌ، وَلا يَجْرِي عَلَيْهِ نَهَارٌ (7)، لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالإبْصَارِ، وَلا عِلْمُهُ بِالإِخْبَارِ.)


1) (اللّهم أيُّما عبد من عبادك) [ما] زائدة، أو موصوفة أي شخص وصف بـ [عبد] (سَمِعَ مَقَالَتَنا) أي قولنا (إلّا النكوص) أي الرجوع وعدم العمل بأن أصر على باطله (عن نصرتك) ينصر دينك (والإبطاء عن إعزاز دينك) فإنَّ إعزاز الدين إنما يكون بالإلتفاف حول خليفة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الشرعي الذي يُعرفُ الإسلام عِرفاناً تاما.

2) (فإنَّا نستشهدك عليه) أي نجعلك شاهداً عليه.

3) (العلي عن شبه المخلوقين) أي أنه أرفع من أن يشبههم (لغالب لمقال الواصفين) أي لا يستطيع الواصفون أن يصفوه مهما بالغوا في الوصف (الظاهر بعجائب تدبيره) أي تدبيره للمخلوقات العجيبة (للناظرين) فإنَّ من نظر إلى الآثار العجيبة عرف حكمة صانعها وقدرته الفائقة.

4) (الباطن بجلال عزته) أي أن كونه عزيزاً سبب لجلاله وارتفاعه فإنَّ كل عزيز مرتفع (عن فكر المتوهمين) فلا يصل إليه تعالى فكر الناس، والتوهم: التظني والتعقل، فإنَّه سبحانه لا يُدرَكُ كُنهه.

5) (العالم بلا اكتساب) علم من أحد، بعكس الإنسان الذي يعلم الأشياء بالكسب والتعلم (ولا ازدياد) فإنَّ علمه لا يزداد تدريجا كما يزداد علم الإنسان.

6) (بلا روية) أي فكر (ولا ضمير) أي إضمار في النفس إذ لا نفس له سبحانه (الذي لا تغشاه الظلم) جمع ظلمة، فإنَّ النهار والليل لا يقعان عليه، إذ هو سبحانه ليس بجسم.

7) (ولا يستضيء بالأنوار) بأن يقع عليه نور الشمس أو نور المصباح أو غيرهما (ولا يرهقه ليل) أي لا يغشاه (ليس إدراكه بالابصار) إذ لا عين له كعيون البشر (ولا علمه بالاخبار) بأن يخبره شخص فيعلم بعكس الإنسان الذي علمه بإخبار الناس له.

ومنها في ذكر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏:)أَرْسَلَهُ بِالضّيَاءِ، وَقَدَّمَهُ فِي الاصْطِفَاءِ، فَرَتَقَ بِهِ الْمَفَاتِقَ، وَسَاوَرَ بِهِ الْمُغَالِبَ (1، وَذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ، وَسَهَّلَ بِهِ الْحُزُونَةً، حَتَّى سَرَّحَ الضَّلالَ، عَنْ يَمِينِ وَشِمَالٍ (2).)### وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ في صفة الرسول والعلماء)وَأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ، وَحَكَمْ فَصَلَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَسَيّدُ عِبَادِهِ، كُلَّمَا نَسَخَ اللّه الْخَلْقَ فِرْقَتَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِهِمَا، لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عَاهِرٌ، وَلا ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ (3.)الا وَإِنَّ اللّه جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلاً، وَلِلْحَقِّ دَعَائِمَ، وَلِلطَّاعَةِ عِصَماً. وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اللّه سُبْحَانَهُ يَقُولُ عَلَى الأَلْسِنَةِ (4، وَيُثَبِّتُ الأَفْئِدَةَ، فِيهِ كِفَاءٌ لِمُكْتَفٍ، وَشِفَاءٌ لِمُشْتَفِ (5). واعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللّه المُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ)


1) (قدمه في الإصطفاء) بأن اختاره للرسالة دون سواه (فرتق به المفاتق) جمع مفتق بمعنى الشق فإنه كان بين الناس انشقاقات طبقية وما أشبه فجمع شملهم (وساور به) أي غالب اللّه سبحانه بسبب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (المغالب) أي الكفار الذين يغالبون الحق لإرادة الغلبة عليه.

2) (وسهَّل به الحُزُونة) أي الصعوبة التي كانت في الأخلاق، وفي طباع الناس (حتى سَرَّحَ الضلال) أي أبعده عن الناس (عن يمين وشمال) أي جانب الإفراط والتفريط.

3) (عدل) بذاته لا ميل فيه ولا اعوجاج (عَدَلَ) في الحكم والخلق (وحَكَم) أي حاكم (فصل) في القضية تفصيلاً عادلاً (لم يسهم فيه عاهر) أي لم يشترك في نطفته - أي آبائه وأُمهاته - زان (ولا ضرب فيه فاجر) فلم يكن في آبائه شخص فاجر أبداً.

4) (وللطاعة عصماً) جمع [عصمة] الأشخاص المطيعون الذين تعتصم بهم الطاعة من أن تنهار وتفنى (عوناً من اللّه) فإنَّ اللّه يعينكم في طاعاتكم (يقول على الألسنة) أي: يجري ذلك العون الطاعة على اللسان.

5) (لمكتفٍ) أي الذي يريد الاكتفاء، لا الذي يريد أن يتعلل ليفر من الطاعة (وشفاء لمشتفٍ) أي لمن يريد الشفاء من أمراض المعصية.

يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَيُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ. يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلايَةِ (1، ويَتَلاقَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ، ويَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ، ويَصْدُرُونَ بِرِيَّةٍ، لا تَشُوبُهُمُ الرِّيبَةُ ولا تُسْرِعُ فِيهِمُ الْغِيبَةُ (2). عَلَى ذلِك عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخْلاقَهُمْ، فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ، وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ، فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ الْبَذْرِ يُنْتَقَى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُلْقَى قَدْ مَيَّزَهُ التَّخْلِيصُ، وَهَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ (3).)فَلْيَقْبَلِ امْرُؤٌ كَرَامَةً بِقَبُولِهَا، ولْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا، وَلْيَنْظُرِ امْرُؤٌ فِي قَصِيرِ أَيَّامِهِ، وقَلِيلِ مُقَامِهِ فِي مَنْزِلٍ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلاً، فَلْيَصْنَعْ لِمُتَحَوَّلِهِ، وَمَعَارِفِ مُنْتَقَلِهِ (4. فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ، وَتَجَنَّبَ مَنْ، يُرْدِيهِ، وَأَصَابَ سَبِيلَ السَّلامَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ، وَطَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ، وَبَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ ابْوابُهُ، وَتُقْطَعَ أَسْبَابُهُ، وَاسْتَفْتَحَ التَّوْبَةَ، وَأَمَاطَ الْحَوْبَة (5)، فَقَدْ أُقِيمَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَهُدِي نَهْجَ السَّبِيلِ.)


1) (المستحفظين علمه) أي الذين أودع اللّه فيهم العلم فحفظوه - وهم العلماء الأخيار - (يصونون مصونه) يحفظون ما يجب حفظه من العلوم لئلا يندرس ويفنى (ويُفجِّرون عيونه) أي عيون العلم، بالمدارسة والمذاكرة (يتواصلون بالولاية) أي يصل بعضهم بعضاً بسبب الولاية والمحبة التي تحلوا بها.

2) (بكأس روية) أي توجب الارتواء من الظمأ (ويصدرون برِيَّةٍ) أي يخرجون بعد التفرق بالري أي الامتلاء من الماء (لا تشوبهم الريبة) أي لا يشك أحدهم بالآخر (ولا تسرع فيهم الغيبة) أي لا يغتاب أحدهم الآخر.

3) (فكانوا كتفاضُل البذر) أي أنهم يتفاضلون على سائر الناس كما يفضل البذر (يُنتقى) أي يختار صافياً من [الزوان] وما أشبه ليخرج النبات جيداً (ويُلقى) الرديء (قد ميّزه التخليص) أي كونه قد خلص من البذور السيئة (وهَذَّبه) أي نقاه (التمحيص) أي الاختيار.

4) (فليقبل امرُؤٌ كرامةً) أي كرامة عظيمة (بقبولها) أي بقبوله للتقوى (وليحذر قارعة) أي مصيبة تقرع الإنسان، والمراد به الموت أو القيامة (فليصنع لمتحوله) أي المحل الذي يتحول إليه (ومعارف منتقله) أي المواضع التي يعرف الانتقال إليها.

5) (ببصر من بصره) أي بإبصار المرشد الذي أرشده (وطاعة هادٍ أمره) بالسلوك في هذا السبيل (وبادرَ الهدى قبل أن تغلق أبوابه) بالموت، فإنَّهُ لا تقبل التوبة من الإنسان إذا مات (واستفتح التوبة) أي فتحها بأن شرع في التوبة (وأماط الحوبة) أي أزال الإثم.

### ومن دعاء له (عَلَيهِ السَّلَامُ كان يدعو به كثيراً)الْحَمْدُ للّه الَّذِي لَمْ يُصْبحْ بِي مَيِّتاً وَلا سَقِيماً، وَلا مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقي بِسُوءٍ، وَلا مَأْخُوذاً بِأَسْوَا عَمَلِي، ولا مَقْطُوعاً دَابِرِي (1، وَلَا مُرْتَدَّاً عَنْ دِينِي، ولا مُنْكِراً لِرَبِّي وَلا مُسْتَوْحِشاً مِنْ إِيمَانِي، وَلا مُلْتَبِساً عَقْلِي، وَلا مُعَذَّباً بِعَذَابِ الأمَمِ مِنْ قَبْلِي أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوكاً ظَالِماً لِنَفْسِي، لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ وَلا حُجَّةَ لِي. وَلا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَيْتَنِي، وَلا أَتَّقِيَ إِلَّا مَا وَقَيْتَنِي (2).)اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ، أَوْ أَضِلَّ فِي هُدَاكَ، أَوْ أُضَامَ فِي سُلْطَانِكَ، أَوْ أَضْطَهَدَ وَالأمْرُ لَكَ (3!)اللّهمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي، وَأَوَّلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي (4.)


1) (لم يُصبح بي ميتاً ولا سَقِيماً) أي لم يمتني ولم يُمرضني ولا مضروباً على عروقي بسوء) فإنَّ العرق إذا ضرب - أي اضطرب - صار الإنسان مريضاً (ولا مأخوذاً بأسوأ عملي) أي لم يأخذني اللّه سبحانه بأعمالي السيئة حتى يُهلكني ويعذبني (ولا مقطوعاً دابري) الدابر: بقية الرجل من ولده ونسله أي لم يقطع نسلي.

2) (ولا ملتبسا عقلي) أي لم يختلط عقلي بجنون ونحوه (لك الحجة عليَّ ولا حُجَةَ لي) فإنَّ اللّه أتم الحجة على العبد، بما ليس للعبد حجة إذا ترك أمراً أو ارتكب نهياً (ولا اتقي إلّا ما وقيتني) أي حفظتني منه.

3) (أن أفتقر في غناك) بأن تحرمني من فضلك حتى أفتقر (أو أضل في هداك) أي مع هدايتك لي (أو أُضامَ) أي أظلم (في سلطانك) أي والحال أنك سلطان تقدر على دفع الظالمين عني (أو أضطهد) ويؤخذ حقي (والأمرُ لك) تقدر على الدفاع عني.

4) (مِنْ كَرَائِمِي) أي الأشياء الكريمة التي أعطيتها لي (ترتجعها) أي تأخذها (من ودائع نِعَمكَ عندي) فإنَّ نعم اللّه سبحانه عند الإنسان وديعة لا بد وأن يرتجعها جميعاً.

اللّهمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ، أَوْ أَنْ نُفْتَتَنَ عَنْ دِينكَ، أَوْ تَتَابَعَ بنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ (1!)### وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ خطبها بصفين)أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ اللّه سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقاً بِوِلايَةِ أَمْرِكُمْ وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ (2، لا يَجْرِي لأحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ وَلَوْ كَانَ لأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلا يَجْرِي عَلَيْهِ، لَكَانَ ذلِكَ خَالِصاً للّه سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلكنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلا مِنْهُ، وتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ (3).)ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، ويُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ. وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُّ الرّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي، فَرِيضَةٌ فَرَضَها اللّه - سُبْحَانَهُ - لِكُلِّ عَلَى


1) (أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ) أي نخالف أوامركَ (أَوْ أَنْ نُفْتَتَنَ عَنْ دِينكَ) بأن نخرج من الدين بافتتان الناس وإضلالهم (أَوْ تَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَ)ا أي نسير خلف الهوى مرة فمرة (دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ) بأن نتبع الهوى دون الهدى.

2) (فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ) أي في وصف الناس له، فكل إنسان يصف الحق (وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ) أي في إعطاء الإنصاف، فإنَّ الإنسان غير مستعد أن يُنصف الناس من نفسه، وأصل الإنصاف من النصف كان كلا الطرفين ينصفان الأمر نصف لهذا ونصف لذاك.

3) (لا يجري لأحدٍ إلا جرى عليه) بأن كان عليه حق مثل ما له حق (ولا يجري عليه الا جرى له) هذه القضية عكس القضية السابقة (ولو كان لأحد أن يجرى له) بأن كان له الحق على غيره (ولا يجري عليه) فلا يكون عليه حق من أحد (لكان ذلك خالصاً للّه سبحانه دون خلقه) إذ له حق على كل أحد، وليس لأحد حق عليه (بما هو من المزيد أهله) أي بما هو أهله مزيداً، أي زيادة على أصل الأهلية وهذا لزيادة التجليل له سبحانه.

كُلِّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لأُلْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ (1، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلاحِ الوُلاةِ، وَلا تَصْلُحُ الولاة إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ، فَإِذا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إلى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ وَاعْتَدَلَت مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلالِهَا السُّنَنُ (2)فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الأَعْدَاءِ، وَإِذا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالبَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الإدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الأحْكَامُ وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمٍ حَقٌّ عُطِّلَ، وَلا لِعَظيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الأبْرَارُ، وَتَعِزُّ الأشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللّه سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ. فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ في ذلِكَ (3)، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ وَإِن اشْتَدَّ عَلَى رِضا اللّه حِرْصُهُ، وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ بِبَالِغِ حَقِيقَةَ مَا اللّه سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ، وَلكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللّه عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ جُهْدِهِمْ (4)،)


1) (فجعلها تتكافاً، في وجوهها) فحق في مقابل حق (ويُوجب بعضها بعضاً) فإذا صار لأحد حق على غيره، كان لذلك الغير حق أيضاً (ولا يستوجب بعضها إلا ببعض) هذه القضية عكس القضية السابقة (نظاماً لألفتهم) به تنتظم الألفة بين الوالي والرعية (وعزاً لدينهم) إذ بالألفة تعتز الحكومة والأمة.

2) (واعتدلت معالم العدل) جمع [مَعْلَمْ] وهو ما ينصب في الطريق للإرشاد إلى جهته، حتى لا يضل المارة (وجرت على أذلالها) جمع [ذل] بكسر الذال بمعنى محجة الطريق (السُّنَنُ) أي جرت سنن اللّه وأحكامه، على وجوهها.

3) (وَكثُرَ الإدغال في الدين) الإدغال في الأمر إدخال ما يفسده فيه، إذ كل جانب يجر الدين إلى جانبه ليقوي جبهته، ومن المعلوم أن ذلك موجب للتأويل والاختلاف ونسبة ما ليس من الدين إلى الدين (وتُرِكَتْ مَحاجُ السُّننِ) جمع محجة، بمعنى وسط الطريق أي سُنن الإسلام (فهنالِكَ تذِلُّ الأبرارُ) جمع بر بمعنى المحسن (وتعظُمُ تبعات اللّه سبحانه عِندَ العباد) التبعة: ما يتبع الذنب من الإثم والعقاب، والمراد أن الناس يستوجبون العقاب من جانبه سبحانه (فعليكم بالتناصح في ذلك) الوقت، بأن ينصح كل جانب الجانب الآخر، لتعود الألفة بين الوالي والرعية.

4) (وإن اشتدَّ على رضا اللّه حرصه) بأن كان حريصاً على تحصيل مراضي اللّه سبحانه بامتثال جميع أوامره تعالى (بمبلغ جُهدِهِم) أي منتهى مقدار طاقتهم.

والتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بِينَهُمْ. وَلَيْسَ امْرُؤٌ وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللّه مِنْ حَقِّهِ. وَلا امْرُؤٌ وَإِنْ صَغَرَتْهُ النُّفُوسُ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ (1بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ.)فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ رجل من أصحابه بكلام طويل، يكثر فيه الثناء عليه، ويذكر سمعه وطاعته له، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :)إِنَّ مِنْ حَقٌّ مَنْ عَظُمَ جَلالُ اللّه سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ، وَجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ، أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ - لِعِظَم ذلِكَ - كُلُّ مَا سِوَاهُ (2، وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ كَانَ كَذلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللّه عَلَيْهِ، وَلَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللّه عَلَى أَحَدٍ إِلَّا ازْدَادَ حَقٌّ اللّه عَلَيْهِ عِظَماً. وَإِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالاتِ الْوُلاةِ عِنْدَ صَالِح النَّاسِ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، ويُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ (3)، وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنُّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإطرَاءَ (4)، واسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ، وَلَسْتُ - بِحَمْدِ اللّه كَذلِكَ. وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذلِكَ، لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً للّه سُبْحَانَهُ، عَنْ تَنَاوُلِ)


1) (عظمت في الحق منزلته) بأن كان ذا رُتبة كبيرة من التقوى والورع (وتقدمت في الدين فضيلته) بأن يكون ذا فضل على أقرانه في الالتزام بالدين وأحكامه (بفوق أن يُعان) أي يعينه الناس (على ما حَمَّلَهُ اللّه من حقه) إذ حق اللّه لا يمكن أن يؤديه الإنسان وحده، إذ من حقوقه ما لا يؤدى إلاّ بالاجتماع والتعاون (وإن صفَّرتهُ النفوس) بأن نظر الناس إليه نظر تصغير وتحقير (واقتحمته العيون) أي احتقرته.

2) (وجل) أي ارتفع (موضعه من قلبه) بأن رآه أجل من كل شيء (أن يصغر عنده - لعظم ذلك - كل ما سواه) ووجه ذلك أنَّ الإنسان إنما يُعطِّمُ شيئا إذا لم يدرك أعظم منه (ولطف إحسانه إليه) أي دق فإنَّ الإحسان قد يشمل الأشياء الكبيرة، وقد يشمل حتى الأشياء الدقيقة.

3) (فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللّه عَلَى أَحَدٍ إِلَّا ازْدَادَ حَقُّ اللّه عَلَيْهِ عِظَماً) إذ الحق بمقدار النعمة، وكلما زاد الحق زادت المعرفة وكلما زادت المعرفة زاد التصغير لما سواه سبحانه (وإن من اسخف حلالات الولاة) السخف رقة العقل وضعفه (عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر) أي أن حال الوالي سخيف، إذا ظن الصالحون به أنه يحب الفخر، إذ أن ظنهم، كاشف عن أنه يُظَنُّ به مثل هذا الظن، بينما اللازم على الوالي أن يسير سيرةً تنفي عنه مثل هذا الظن (ويوضع أمرهم على الكبر) أي من سخف الولاة أن يظن الصالحون بهم أنهم يبنون أمورهم على أساس الكبر.

4) (جَالَ في ظنُّكم) أي جاء وتحرك في أذهانكم (الإطراء) أي الثناء والمدح.

مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ. وَرُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاءِ، فَلا تُثنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ، لالحَرَاجِي نَفْسِي إلى اللّه سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقِ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا (1، فَلا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلا تَتَحَّفَظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ (2)، وَلا تَظُنُّوا بِي اسْتِثَقَالاً فِي حَقٌّ قِيلَ لِي(3)، وَلا الْتِمَاسَ إِعْظام لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقِّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أو الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ. فَلا تَكُفُوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقِّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ (4)، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِيءَ، وَلَا آمَنْ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللّه مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَخْرَجَنَا ممّا كُنَّا فِيهِ إلى مَا صَلَحنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلالَةِ بِالْهُدَى، وَأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى.)### وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ في التظلم والتشكي من قريش)اللّهمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ، فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَأَكْفَأُوا إِنَائِي،


1) (وَرُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاءِ) أي يسرُّ بعض الناس الثناء بعد إجهاد النفس والعمل الصالح، لكني لست كذلك (لإخراجي نفسي إلى اللّه وإليكم من التقيَّة) [لإخراجي] أي لا يكن ثنائكم لي، لأني أديت الحقوق المفروضة علي، تجاه اللّه وتجاهكم بدون تقية أو خوف (في حقوق لم أفرغ من أدائها) فإنَّ الإنسان مادام في الدنيا لم يرد جميع الحقوق الواجبة عليه، إذ الحقوق طيلة الحياة.

2) (وَلا تَتَحَفِّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ) أي الذين تبدر منهم بوادر السوء فإنَّ الناس يتحفظون على أنفسهم من الجبابرة بمدحهم، والموافقة على آرائهم حقاً كانت أم باطلاً (ولا تخالطوني) أي تعاشروني (بالمُصانعة) أي المداراة والمجاملة بدون أن تفهموا أوامرى وزواجري خوفاً وتملقاً.

3) (وَلا تَظُنُّوا بِي اسْتِثَقَالا فِي حَقٌّ قِيلَ لِي) فإنَّه مهما قيل لي الحق نفذته بكل ترحاب.

4) (فلا تكفوا) أي لا تتركوا (عن مقالة بحق) إذا رأيتم الحق في شيء فاعرضوه علي وقولوا لي ذلك (أو مشورة بعدل) بأن تستشيروني فيما رأيتم فيه العدل لأعمل به.

وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقَّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي، وَقَالُوا: أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأخُذَهُ، وَفِي الْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ (1، فَاصْبِرْ مَغْمُوماً، أَوْ مُتْ مُتَأَسفاً. فَنَظَرْتُ فإذا لَيْسَ لِى رَافِدٌ وَلا ذَابٌ وَلا مُسَاعِدٌ إِلَّا أَهْلَ بَيْتِي، فضننت بِهِمْ (2)عَنِ الْمَنِيَّةِ، فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى، وَجَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا(3)وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَم (4)، وَآلَمَ لِلْقَلبِ مِنْ خَزِّ الشَّفَارِ.)قال الشريف رضى اللّه عنه : وقد مضى اللّه عنه : وقد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة، إلا أني ذكرته لههنا لا ختلاف الروايتين.### وَمِنْ كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ في ذكر من سار إلى البصرة، لحربه من أهل الجمل)فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي وَخُزَّانِ بَيْتِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدَيَّ (5، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرٍ، كُلُّهُمْ فِي طَاعَتِي وَعَلَى بَيْعَتِي، فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ، وَأَفْسَدَوا عَلَيَّ جَمَاعَتَهُمْ، وَوَثَبُوا عَلَى شِيعَتي، فَقَتَلُوا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَدْراً، وَطَائِفَةٌ عَضْوا)


1) (إني أستعديك) أي أستغيثك وأستعينك (وأكفاوا) انائي) إذ كما إذا كُفِئَ الإناء يُفْرِغْ ما فيه، كذلك إذا غُصِبَ الحق يُذهِبُ عن الإنسان حقه الذي هو له (أَلا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ) أي ذلك الحق فأنت له أهل وكفؤ (وفي الحقِّ أن تمنعه) لينتقل إلى غيره وكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يريد ببيان هذا الكلام إظهار المناقضة التي وقعوا فيها، إذ لو كان حقاً له (عَلَيهِ السَّلَامُ) كيف يكون من الحق أن يمنعه، وإن لم يكن حقاً له كيف يكون من الحق أن يأخذه. ؟

2) (فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً) هذا كناية عن عدم الفائدة وعدم إرجاعهم الحق له (رافد) أي معين (ولا ذابٌ) أي دافع يدافع عني (فضننت بهم) الضن البخل أي بخلت بهم.

3) (فأغضيت) أي غمضت عيني - عن الخلافة - (على القذى) هو ما يقع في العين ممّا يؤذيها، وهذا كناية عن شدة تأذيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على انسلاب حقه (وجرعت) أي ابتلعت (ريقي) الريق ماء الفم (على الشجا) هو عظم يعترض في الحلق فيشتد الوجع به، وآلم ما يكون إذا أراد الإنسان بلع شيء.

4) (كظم الغيظ) أي إخماده وعدم إظهاره (على أمر من العلقم) هو مادة مرّةٌ جداً (الشفار) جمع شفرة بمعنى حد السيف ونحوه.

5) (فقدموا) أي طلحة والزبير وعائشة ومن إليهم (على عُمَّالي) جمع عامل، وهو المنصوب من قبل الخليقة لإدارة الأمور (وخُزان بيت المسلمين) جمع خازن وهو الحافظ (الذي في يدي) إذ الإمام لما انتقلت إليه الخلافة الظاهرية صار جميع بيوت الأموال في البلاد تحت سلطة الإمام، كأنها في يده.

عَلَى أَسْيَافِهِمْ (1، فَضَارَبُوا بِهَا حَتَّى لَقُوا اللّه صَادِقِينَ.)### وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ لما مر بطلحه وابن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل)لما مر بطلحة بن عبيد اللّه وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل:لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمّد بهذَا الْمَكَان غَرِيباً ! أَمَا واللّه لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ الْكَوَاكِبِ! أَدْرَكْتُ وَتْرِي مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ (2، وَأَفْلَتَتْنِي أَعْيَانُ بَنِي جُمَحٍ، لَقَدْ أَتْلَعُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَهُ فَوُقِصُوا (3)دُونَهُ.)### وَمِنْ كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ في وصف من يريد السلوك إليه سبحانه بالتقوى، والعمل الصالح)قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ، وَأَمَاتَ نَفْسَهُ، حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ وَلَطْف غَلِيظُهُ (4، وَبَرَقَ لَهُ)


1) (وعلى أهل مصر) المراد بالمصر [البصرة] (ووثبوا) أصل الوثوب القفز، ويستعمل بمعنى استغلال الفرصة بغتةً (عضوا على أسيافهم) العض على السيف كناية عن ملازمة العمل به، بكل إصرار.

2) (أبو محمد) كنية طلحة (تحت بطون الكواكب) أي منتشرين في الآفاق (وتري) أي ثاري (من بني عبد مناف) فإنَّ طلحة كان منهم وكان قاتله [مروان] قتله انتقاما لتأليبه الناس على عثمان، فقد وتروا الإمام بتأليب الناس ضده وعصيانه، وتشقيق شيعته وقتل جماعة منهم، والوتر في الدين من أفضل الفضائل.

3) (وأفلتتني أعيان بني جمع) أي شردوا مني ولم أتمكن منهم، والمراد بأعيانهم كبرائهم الذين كانوا في ركب الجمل (لقد أتلعوا أعناقهم) أي رفعوا، والمراد بهم من كانوا في ركب الجمل (إلى أمر لم يكونوا أهله) فإنَّهم لم يكونوا أهل الخلافة، وإنما أرادوا الاستيلاء عليها بالقوة وسفك الدماء (فوقصوا) أي كُسِرَت أعناقهم.

4) (حتى دق جليله) أي خفي الأمر الذي كان كبيراً في نفسه من حب الشهوات واتباع الأهواء (ولطف غليظه) فإنّ النفس خشنة بالرذائل جموحة، وإذا اتقى الإنسان، لطفت النفس حتى تمحى خشونتها وتكون لينة حكيمة.

لَامِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ (1، فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ، وَسَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ وَتَدَافَعَتْهُ الأبْوَابُ إلى بَابِ السَّلامَةِ، وَدَارِ الإِقَامَةِ (2)، وَثَبَتَتْ رِجْلاهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الأَمْنِ وَالرَّاحَةِ (3)، بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ، وَأَرْضَى رَبَّهُ.)### وَمَنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ قاله بعد تلاوته: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابرَ))قاله بعد تلاوته: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابرَ (4))يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَزَوْراً مَا أَغْفَلَهُ (5! وَخَطَراً مَا أَفْظَعَهُ لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ، وَتَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (6)! أَفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ! أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثُرُونَ (7)!)يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ، وَحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ. وَلأَنْ يَكُونُوا عِبَراً،


1) (وبرق) أي ظهر (لامع كثير البرق) فإنَّه سبحانه يهدي سبيله لمن جاهد من أجله.

2) (وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة) فإنَّ الإنسان الطالب للحق يطرق كل باب، فإذا لم يجد مطلوبه في ذلك الباب طرق باباً آخر، وهكذا حتى يأتي إلى باب السلامة لدنياه وآخرته (ودار الإقامة) أي المحل الذي يقم عليه من الاعتقادات والأعمال والأخلاق.

3) (وَثَبَتَتْ رجُلاهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ) أي بسبب أن بدنه مطمئن غير شاك ولا متزلزل (في قرار الأمن والراحة) فإنَّ الإنسان إذا كان خائفاً شاكا لم يطمئن بدنه، ومن عدم اطمئنانه لا تستقر رجلاه في قرار يوجب أمن قلبه وراحة نفسه.

4) سورة التكاثر الآيتان: 1 - 2.

5) (يا لَهُ مَراماً ما أبعده) [يا] حرف نداء و [اللام] للتعجب والمنادى محذوف أي يا قوم والضمير في [له] راجع إلى [المرام] وهو منصوب على التمييز، أي يا للتكاثر مقصداً بعيداً لا يُدركه الإنسان (وزوراً) أي زائرون للمقابر، (ما أغفله) أي أكثر غفلتهم، حيث إنهم غافلون عن هذا المصير، أي الهلاك، ولذا يكثرون من الأموال.

6) (لقد استخلوا منهم) أي وجود الأحياء خالياً من الأموات (أيَّ مُدَّكِرٍ) أي تذكر واعتبار، فلم يعتبروا بهم (وتناوشوهم من كان بعيداً) أي تناولوا آباءهم الأموات بالمفاخرة بهم.

7) (اقبمصارع آبائهم يفخرون) ؟ أي كيف يفخرُ هؤلاء الأحياء المكاثرون بالآباء الذين صرعوا وماتوا (أم بعديد الهلكى يتكاثرون) أي بتعداد الهالكين يتفاخر بعضهم على بعض، فيقول هذا لي عشرة من الآباء العظام، ويقول ذاك لي عشرون، وهكذا.

اَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً (1، وَلأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ (2)! لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهُمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ، وَضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ، وَلَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدّبَارِ الْخَاوِيَةِ، وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ (3)، لَقَالَتْ، ذَهَبُوا فِي الأَرْضِ ضُلالاً وَذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالاً، تَطَأونَ فِي هَامِهِمْ (4)، وَتَسْتَثْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ، وَتَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا (5)، وَتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا، وَإِنَّمَا الأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ بَوَادٍ وَنَوائِحُ عَلَيْكُمْ (6).)


1) (يرتجعون منهم) أي يرجع هؤلاء الأحياء بسبب المفاخرة من أمواتهم (أجساداً خوت) أي سقط بناؤها، وخلت من الأرواح، فكأن المفاخر بآبائه يريد أن يرجعهم إلى الدنيا بعد أن هلكوا وصاروا في القبور رميماً (وحركات سكنت) حيث يقول فعلوا كذا وكذا من البطولات والمفاخر (ولأن يكونوا عِبَراً) أي سبباً لاعتبار الأحياء (أحقُّ من أن يكونوا مُفتخرا) يفتخر الأحياء بهم، إذ الإنسان يلزم أن يعتبر بالميت لا أن يفتخر به.

2) (ولأن يهبطوا بهم) أي ينزل الآباء بهؤلاء الأحياء المفتخرين (جناب ذلّةٍ) أي على عتبة الإذلال، بأن يكون موتهم سبباً لذلة هؤلاء الأحياء حيث إن الإنسان عند بواعث الضعف والهلاك يذل لا أن يطغى (احجى) أي أولى (من أن يقوموا بهم) أولئك الأموات أي بهذه الأحياء (مقام عِزَةٍ) فيعتزوا بهم، ويكون أولئك سبباً لطغيانهم حيث يفتخرون بهم.

3) (بأبصار العشوة) أي ضعيفة البصر (في غمرة جهالة) أي الجهالة التي تغمرهم وتشملهم (ولو استنطقوا عنهم) أي طلب الأحياء من قبل الأموات النطق (عرصات تلك الديار الخاوية) جمع عرصة، بمعنى الساحة والديار الخاوية: أي المتهدمة أى لو سأل الأحياء عرصات المقابر، كيف صارت آباؤنا (والربوع الخالية) الربوع : المساكن والخالية التي خلت من الأنس والإنسان.

4) (ذهبوا في الأرض ضُلالا)ً جمع ضال، أي أن آباءكم قد ضلوا تحت التراب، فلا يعرفون إذ صاروا تراباً واختلطت أجزاء بعضهم ببعض (وذهبتم في أعقابهم) أي بعدهم (جُهَّالاً) جمع جاهل، إذ لم تتذكروا بهم (تطأون في هامهم) أي تمشون على رؤوسهم ومن المعلوم أن الأحياء يمشون فوق الأموات إذ أنهم أخفض منهم في القبور.

5) (وتستثبتون) أي تطلبون تثبيت ما تثبتون من الجدران والأعمدة (في أجسادهم) إذ تراب أجساد أولئك الأموات اختلطت بالجص والأجر والأرض فيكون البناء ومحله في أجساد أولئك الأموات لدى الواقع والحقيقة (وترتعون) أي تأكلون وتتلذذون (فيما لفظوا) أي ترك أولئك الأموات من الأموال والإرث.

6) (وتسكنون فيما خربوا) أي في بيوتهم التي خربوها، خراباً معنوياً بانتقالهم عنها (وإنما الأيام بينكم وبينهم بواك ونوائح عليكم) أي أن الأيام تتحسر عليكم كيف غفلتم ونسيتم، وهذا مجاز عن أنهم يذهبون الأيام الباقية من عمرهم هدراً بدون تدبر وتفكر.

أُولئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ، وَفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ (1، الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزَّ، وَحَلَبَاتُ الْفَخْرِ، مُلُوكاً وَسُوَقا(2)، سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَحَ سَبِيلاً، سُلِّطَتِ الأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ، وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ(3)، فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لا يَنْمُونَ، وَضِمَاراً لا يُوجَدُونَ، لا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الأهْوَالِ (4)، وَلا يَحْزُنُهُمْ تَنكُرُ الأَحْوَالِ، وَلا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ، وَلا يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ (5). غُيَّباً لا يُنْتَظَرُونَ، وَشُهُوداً لا يَحْضُرُونَ (6)، وَإِنْمَا كَانَوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا، وَآلافاً فَافْتَرَقُوا (7)، وَمَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ، وَلا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ، عَمِيَتْ)


1) (أولئكم سلف غايتكم) الغاية: الموت أي أنهم أسلافكم الذاهبون إلى الغاية التي أنتم تذهبون إليها (وفرَّاط مناهلكم) فرَّاط جمع فارط، وهو المتقدم من القوم إلى الماء والكلأ ليهيئ لهم مكاناً حسناً، والمناهل جمع منهل، محل ورود الإنسان على الماء، يعني أنهم الذاهبون قبلكم إلى موارد الماء والمراد بها مناهل الموت.

2) (الذين كانت لهم مقاوم العز) مقاوم جمع مقام، أي مقامات يظهر فيها عزهم (وحلبات الفخر ملوكا) جمع حلبة، وهي الدفعة من الخيل في الرهان والمراد محلات يفتخرون فيها (وسوقاً) أي كانت لهم الأسواق الرائجة، والمراد نفوذ كلمتهم ورواج أمرهم أو هو جمع سوقة، بمعنى الرعية.

3) (سلكوا في بطون البرزخ) البرزخ: العالم المتوسط بين الدنيا والآخرة، ومعنى بطونه أواسطه وبحبوحاته (سبيلاً سُلَّطت الأرض عليهم فيه) والمراد بتسليط الأرض تمكنها من تحويلهم إلى التراب (فأكلت من لحومهم) إذ بدلتها تراباً (وشربت من دمائهم) إن سالت عليها ونفذت فيها.

4) (فاصبحوا في فجوات قبورهم جماداً) أي كالجماد الذي لا ينمو، وفجوات: جمع فجوة، بمعنى الفرجة، والمراد شق القبر (لا ينمون) أي ليس لهم نمو كما تنمو الأحياء (وضماراً) أي غائبين خلاف العيان (لا يوجدون) أي لا يجدهم الإنسان لإختفائهم في القبور (لا يفزعهم) أي لا يوجب خوفهم وفزعهم (ورود الأهوال) في عالم الأرض، لأنهم بمعزل عن الأرض وأهوالها ومخاوفها.

5) (ولا يحزنهم تنكر الأحوال) أي تبدل الحالات الحسنة إلى حالات سيئة لأهل الأرض (ولا يحفلون بالرَّواجف) أي لا يبالون بالاضطرابات التي تحصل للأحياء، ورواجف جمع راجفة، بمعنى: الاضطراب والزلزلة (ولا يأذنون) أي لا يستمعون (للقواصف) من قصف الرعد إذا اشتد صوته.

6) (غيَّبا لا ينتظرون) أي لا ينتظر أحد رجوعهم (وشهوداً) جمع شاهد أي حاضرون في البلاد غير مسافرين - إذ المقبرة من البلد - (لا يحضرون) في المجالس والنوادي.

7) (وإنَّما كانوا جميعاً) مجتمعين بعضهم مع بعض ومع أهاليهم (وآلافا) جمع اليف، أي مؤتلفين مع غيرهم.

أَخْبَارُهُمْ، وَصَمَّتْ دِيَارُهُمْ (1، وَلكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً، وَبِالسَّمْع صَمَماً وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً، فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجَالِ الصَّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ (2). جِيرَانُ لا يَتَأَنَّسُونَ وَأَحِبَّاءُ لا يَتَزَاوَرُونَ، بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَى التَّعَارُفِ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الإِخَاءِ، فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَهُمْ جَميعٌ، وَبِجَانِبِ الْهَجْرِ وَهُمْ أَخِلَّاءُ (3)، لا يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً وَلَا لِنَهَارٍ مَسَاءً، أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً (4)، شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارٍ دَارِهِمْ أَفْظَعَ ممّا خَافُوا، وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ ممّا قَدَّرُوا (5)، فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إلى مَبَاءَةٍ، فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ (6). فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَدُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا، وَلَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ (7)، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ، لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ)


1) (وما عن طول عهدهم ولا بعد محلهم عميت أخبارهم) أي أن جهل الناس بأخبارهم وما مر عليهم بعد الموت، ليس لأجل أنهم منذ زمان بعيد افترقوا عن الناس - إذ الميت القريب العهد أيضا لا يعرف خبره وليس لأن محلهم بعيد مكانا عن محل الأحياء ولذا لا يعرف خبرهم (وصمت ديارهم) صم، أي: خرس بعلاقة الحال والمحل، فإذا خرس الحال ينسب الخرس إلى المحل.

2) (ولكنهم سُقُوا كأساً) هي كأس الموت (فكأنهم في ارتجال الصفة) أي إذا وصفهم واصف مرتجلا بلا تأمل في حين ما يشاهدهم ملقين على الأرض (صرعى سبات) أي صرعوا والقوا على الأرض من النوم.

3) (بليت بينهم) أي خلقت وذهبت بين الأموات (عُرى التعارف) جمع عروة، أي لا يتعارف أحدهم مع الآخر (وبجانب الهجر) أي كل واحد منهم يهجر صاحبه (وهم أخلاء) جمع خليل بمعنى الصديق - إذ كانت بينهم مودة في الدنيا -.

4) (لا يتعارفون لليل صباحاً ولا لنهار مساءً) أي لا يميزون أحدهما من الآخر (أي الجديدين) أي الليل والنهار، ويقال لهما جديدان لتجدد كل واحد منهما (طعنوا فيه كان عليهم سرمدا) الظعن السفر، أي إن ماتوا نهاراً لم يأتهم ليل بعد، وإن ماتوا ليلا لم يأتهم نهار بعد فكأنه صار أبدياً لهم.

5) (شاهدوا من أخطار دارهم) الجديدة، أي عالم القبر والآخرة (أفظع ممّا خافوا) فإنَّ المخاوف هناك أكثر ممّا عرفها الإنسان، أو يمكن أن يصفها (ورأوا من آياتها) أي علاماتها والأشياء المهمة من تلك الدار (أعظم ممّا قدروا) فإنَّ الإنسان مهما قَدَّرَ أحوال الآخرة، إذا وصل إليها رآها أعظم ممّا قدَّر.

6) (فكلتا الغايتين) أي الجنة والنار (مدّت لهم إلى مباءة) المباءة: مكان التبوؤ والاستقرار، أي أن الإنسان يمد في عمره إلى تلك الغاية (فأتت مبالغ الخوف والرجاء) فإنَّ الجنة فوق رجاء الإنسان، والنار فوق خوف الإنسان.

7) (فلو كانوا ينطقون بها) بأن أذنوا في أن يصفوا لنا مقدار الخوف من النار والرجاء للجنة - (لعيوا) أي عجزوا (ولئن عميت آثارهم) أي انقطعت عن كل أثر عن الأموات.

أَبْصَارُ الْعِبَرِ (1وَسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ، وَتَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ الْنُّطْقِ، فَقَالُوا : كَلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّوَاضِرُ، وَخَوَتِ الأجْسَامُ النَّوَاعِمُ (2)، وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلَى، وَتَكَاءَدَنَا ضِيقُ الْمَضْجَعِ، وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ (3)، وتَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ، فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا (4)، وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا، وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً، وَلا مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً ! فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ (5)لَكَ، وَقَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ، وَتَقَطَّعَتِ الأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلاقَتِهَا (6)، وَهَمَدَتِ الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا، وَعَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلّى (7). سَمَّجَهَا وَسَهَّلَ طُرُقَ الآفَةِ)


1) (لقد رجعت فيهم أبصار العبر) أي أن أبصارنا التي تعتبر نظرات إليهم، فإنا وإن لم نعتبر بكلامهم - لسكرتهم - لكن لابد وأن نعتبر بالأموات أنفسهم وإنما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) [رجعت] لأن العين كانت ناظرة إليهم حال الحياة، ثم رجعت إليهم بعد الممات.

2) (وسمعت عنهم) أي أقوالهم التي يقولونها بلسان الحال (آذان العقول) أي عقولنا (وتكلموا من غير جهات النُّطق) وإنما من جهات الحال (فقالوا: كلحت) أي تكشر في عبوس وتجهم (الوجوه النواضر) جمع ناضرة، أي التي لها بريق وصفاء من النعمة (وخوت) أي تهدمت وتفرقت (الأجسام النواعم) أي اللينة، جمع ناعمة.

3) (ولبسنا أهدام البلى) جمع هدم بالكسر، الثوب البالي، والبلى الفناء والزوال (وتكاء دنا) أي شق علينا (ضيق المضجع) أي القبر (وتوارثنا الوحشة) أي ورثها بعض لاحق عن بعض سابق.

4) (وتهكمت) أي تهدمت أو سخرت (علينا الربوع) أي أماكن الإقامة، والمراد المقابر (الصموت) الذي لا ينطق (فانمحت) أي زالت أصله محيت (محاسن أجسادنا) أي المحلات الجميلة في أبداننا (وتذكرت) بحيث إذا رآها الإنسان الذي كان يعرفها لم يعرفها الآن لتغيرها (معارف صورنا) أي المواضع المعروفة من صورتنا.

5) (فلو مثلتهم بعقلك) أي تصورت حالهم (أو كُشِفَ عنهم محجوب الغطاء) أي الغطاء الحاجب.

6) (وقد ارتسخت) أي صارت الهوام راسخة ثابتة في آذانهم (أسماعُهُم بالهوام) جمع هامة، الحيوانات الصغيرة التي تسكن داخل الأرض، والمراد بها الدود (فاستكت) أي صمَّت واكتحلت أبصارهم (بالتراب) بأن دخل التراب في أعينهم (فخسفت) إذ العين تتقلص عند الجفاف واليبس (بعد ذلاقتها) أي حدتها في النطق وفصاحتها.

7) (وهَمَدَت) أي سكنت (وعاث) أي أفسد (في كل جارحة) أي عضو (منهم جديد بلي) أي فناء جديد، إذ الفناء يتجدد، كما أن البقاء في الحي يتجدد.

إِلَيْهَا، مُسْتَسْلِمَاتٍ (1فَلا أَيْدٍ تَدْفَعُ، وَلا قُلُوبٌ تَجْزَعُ، لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ وَأَقْذَاءَ عُيُونٍ (2)لَهُمْ فِي كُلِّ فَطَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لا تنتَقِلُ، وَغَمْرَةٌ لا تَنْجَلِي. وَكَمْ أَكَلَتِ الأَرْضُ مِنْ عزِيزِ جَسَدٍ، وَأَنِيقِ لَوْنٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ، وَرَبِيبَ شَرَفٍ (3)يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ، وَيَفْزَعُ إِلى السَّلْوَةِ (4)إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ به ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ وَشَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَلَعِبِهِ (5)! فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إلى الدُّنْيَا وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلٍّ عَيْشٍ غَفُولٍ، إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ وَنَقَضَتِ الأَيَّامُ قُوَاهُ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ (6)، فَخَالَطَهُ بَثٌّ لا يَعْرِفُهُ، وَنَجِيٌّ هَمٍّ مَا كَانَ يَجِدُهُ (7)، وَتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ، أَنَسَ مَا كَانَ بِصِحَتِهِ، فِفِرْعَ إِلَى مَا)


1) (سمجها) أي قَبَّحها (وسهل طرق الآفة إليها) والآفة الفساد (مستسلماتٍ) تلك الجوارح للفناء والبلى لا تقدر على دفع شيء يرد عليها من الفساد والآفات.

2) (فلا أيدٍ تدفع) الفساد كما كان في أيام الحياة، إذا وردت واردة على جسدهم تدفعها أيديهم (ولا قلوب تجزع) وتحزن لورود المصيبة على أبدانهم (لرأيت أشجان قلوب) أي قلوباً محزونة (وأقذاء عيون) أي عيونا قد دخلها القذى، وهو ما يقع في العين فيؤنيها.

3) (لهم في كل فظاعة أي أمر فظيع شديد (صفة حال لا تنتقل) أي لا تنتقل تلك الصفة السيئة عنهم، لا مثل المريض الذي إذا شفي ذهبت عنه الحالة السيئة (وغمرة) أي كربة، تغمرهم أي تشملهم (كان في الدنيا غذي ترفٍ) أي مغنياً بالنعم والترف الزيادة في النعمة (وربيب شرف) أي مربي بالشرف والعز.

4) (يتعلل بالسرور) أي يتشاغل بأسباب السرور والفرح لينسى أحزانه (في ساعة حزنه) ضنا على قلبه في أن يقع في مخالب الأحزان (ويفزع إلى السلوة) أي ينصرف إلى التسلّي بتخيل السعادة والأفراح واللذائذ.

5) (ضنًا) أي بخلاً (بغضارة عيشه) أي بطيب عيشه أن ينغص بالهموم والمصائب (وشحاحةً) أي بخلاً (بلهوه ولعبه) أن يذهبا من يده، بسبب المصيبة النازلة به.

6) (إذ وطئ الدهر به حسكه) الحسك: شوك شديد اللزقة كثير الألم، والمعنى أدخل الدهر في جسم هذا الإنسان الحسك أي أشد الآلام والمصائب (ونقضت الأيام قواه) أي حطمها حتى لا تبقى له قوة (ونظرت إليه الحتوف) أي المهلكات جمع حتف (من كتب) أي من قرب، بمعنى وصول المهلكات إليه.

7) (فخالطه بثُّ) أي حزن (لا يعرفه) أي لم يكن يعرفه سابقا، وإنما ورد عليه وروداً وخالطه أي مازج خواطره وأفكاره (ونجي هم) أي هم خفي كأنه يناجيه (ما كان يجده) سابقاً.

كَانَ عَوَّدَهُ الأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارُ بِالْقَارِّ (1، وَتَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ، فَلَمْ يُطْفِيء بِبَارِدٍ إِلَّا ثَوَّرَ حَرَارَةً (2)، وَلا حَرَّكَ بِحَارٌ إِلَّا هَيَّجَ بُرُودَةً، وَلا اعْتَدَلَ بِمُمَازِج لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ (3)، حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ، وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ، وَتَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ (4)، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ، وَتَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ (5)، فَقَائِلُ يَقُولُ: هُوَ لِمَا بِهِ ومُمَنٌ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ، وَمُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ، يُذَكِّرُهُمْ أَسَى الْمَاضِينَ (6)مِنْ قَبْلِهِ. فَبِينًا هُوَ كَذلِكَ عَلَى جَنَّاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا، وَتَرْكِ الأحِبَّةِ، إذ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ، فَتَحَيَّرَتْ)


1) (وتولّدت فيه فترات علل) أي علل تأخذه في فترات ودفعات (آنس ما كان بصحته) أي في وقت كان أكثر الأوقات أنساً وفرحاً بصحته (ففزع) أي التجأ (إلى ما كان عوده الأطباء) لشفاء أمراضه (من تسكين الحار بالقار) أي البارد، وسمّى قارّاً لأن من طبع البرودة الاستقرار، والحار: الأمراض الحارة التي تولدت من الدم.

2) (وتحريك البارد) الذي يقطن البدن فيفسده كالبلغم (بالحار) إذ الأدوية الحارة، تحرك المرض البارد وتزيله فلم يُطفىء ببارد الا ثور (حرارة) أي هيجها والمعنى لم ينفع الدواء البارد إلا تهيج الحرارة، إذ يتحرك الطبع الحار بالحرارة لدفع البارد - فإنَّ الطبع والدواء يتعارضان - وذلك يسبب ثوران الحار.

3) (ولا حرَّك بحار) من الدواء، الذي شربه لتحريك البارد وإزالته (إلا هيج برودة) وصار سبباً لازدياد المرض (ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع) أي لم يتمكن المريض من تعديل طبيعته بسبب مزج تلك الأدوية بطبيعته المنحرفة التي يريد تعديلها (إلا أمدَّ منها كُلَّ ذات داء) حتى قويت وتمكنت من إضافة داء جديد على دائه القديم.

4) (حتى فتر معلّله) المعلل: من يتولى خدمة المريض ويرجيه الشفاء، وفتر بمعنى: ضعف ووهن، لأنه لم ير له شفاء (وذهل) أي فوجيء بعدم شفائه الموجب لذهوله (وتعايا أهله بصفة دائه) أي عجز أهله عن أن يصفوا للطبيب داءه.

5) (وَخَرِسوا عَنْ جوابِ السَّائِلِينَ عَنْه) لأنهم لا يريدون أن يقولوا إنه أسوأ حالاً، ولا يتمكنون أن يقولوا إنه أحسن حالاً (وتنازعوا دونه) أي حول المريض (شجي خبر) أي الخبر المُشجي المحزن (يكتمونه) من عدم رجاء شفائه، فإنَّ الحاضرين يختلفون عند اليأس عن برئه ماذا يصنعون؟

6) (يقول هو لما به) أي إنه يموت لما به من المرض، وكأنه مملوك للعلة التي حلت به (وَمُمَن لهم إياب عافيته) أي يمني أهله بأن عافية المريض تعود (يذكرهم أسى الماضين) جمع أسوة، لزوم الاقتداء والتأسي بعباد اللّه الصالحين الذين مضوا.

نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ وَيَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ (1. فَكَمْ مِنْ مُهِمْ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَبِّهِ، وَدُعَاءٍ مُؤْلِمٍ لَقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَ عَنْهُ (2)، مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ، أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ! وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِي أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى قُلُوبِ أَهْلِ الدُّنْيَا (3).)### وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ قاله عند تلاوته: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه) قاله عند تلاوته: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه (4).

إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ وَتَعالى جَعَلَ الذِّكْرَ جَلاءَ لِلْقُلُوبِ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ (5)، وَمَا بَرِحَ للّه - عَزَّتْ آلاؤهُ -


1) (على جناح من فراق الدُّنيا) تشبيه بالراكب على جناح الطائر الذي يريد به السير والطيران من مكان إلى مكان (إذ عرض له عارض من غُصصه) جمع غصة التي توجب كرب الإنسان، وصعوبة حاله، فإنَّ نوبات المرض تروح وتجيء (فتحيرت نوافذ فطنته) نوافذ الفطنة: المحلات التي تنفذ الفطنة والأفكار منها إلى الخارج، والمراد أن افكارها الصائبة قد تجمدت لأن الروح أخذت في الخروج فلا تعمل اجهزة الفطنة لتأخذ الأفكار وتعطيها (ويبست رطوبة لسانه) فلا يقدر على التكلم.

2) (فكم من مُهم من جوابه عرفه) أي يهم الحاضرين جوابه عن سؤال وجهوه إليه وهو يعرف الجواب (فعيَّ) أي عجز (عن رَدّهِ) لأنه لا يقدر على الكلام (ودعاء مؤلم لقلبه سمعه) أي دعاه بعض أهله والحاضرين، وقد سمعه وكان ذلك النداء مؤلماً لقلبه إذ كان مزيجا بالحزن والبكاء (قتصامٌ عنه) أي كان كالأصم عن سماعه إذ لم يتمكن على جوابه ليبس لسانه.

3) (من كبير كان يُعَلِّمُه) أي كان الدعاء له من كبير هو مُعَظَّمٌ عند المريض (أو صغير كان يرحمه) ويرحب به ويحبه وإنَّ للموت لغمراتٍ) جمع غمرة بمعنى الشدة التي تغمر الإنسان وتحيط به (هي أفظع من أن تُستغرق بصفة) فلا يمكن وصف تلك الشدائد (أو تعتدل على قلوب أهل الدنيا) أي إنها لا تستقيم على قلوب الناس، لأنهم في غفلة عنها ولهو ولعب أو إن قلوب الناس لا يمكن أن تدركها لأنها أعظم من القياس والمعلومات التي للإنسان حتى يقيسوا تلك الشدائد بما علموها.

4) سورة النور، الآية: 37.

5) (بعد الوقرة) هي ثقل في السمع (بعد العشوة) هي ضعف البصر (وتنقاد) أي تخضع (بعد المعاندة) أي عنادها ولجاجها في ترك الحق والعدل.

في الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ، وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ (1)عِبَادٌ نَاجَاهُمْ (2)فِي فِكْرِهِمْ، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ، فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي الأَبْصَارِ وَالأَسْمَاعِ وَالأفْئِدَةِ(3)، يُذَكَّرُونَ بِأَيَّامِ اللّه، وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَة (4)، بِمَنْزِلَةِ الأدِلَّةِ فِي الفَلَوَاتِ. مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ (5)، وَبَشِّرُوهُ بِالنَّجَاةِ، وَمَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَشِمَالاً ذَمُّوا إِلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَحَذَّرُوهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَكَانُوا كَذلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَأَدِلَّةَ تِلكَ الشُّبُهَاتِ.

وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لأَهْلاً أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيا بَدَلاً، فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْهُ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ، وَيَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللّه فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ (6)، وَيَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ، وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ، فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذلِكَ (7).


1) (وما برح للّه - عزّت آلاؤه -) أي مازال واسمه قوله [عباد] ومعنى عزّت الاؤه، أي نعمه سبحانه عزيزة رفيعة لأنها من قبل اللّه العزيز الرفيع (البرهة بعد البرهة) أي الفترة بعد الفترة (وفي أزمان الفترات) جمع فترة، وهي الزمان الخالي عن المعالم والشرائع.

2) (عباد ناجاهم في فكرهم) بأن القى سبحانه في فكرهم (وكلمهم في ذات عقولهم) أي دلت عقولهم، والدلالة كانت من اللّه سبحانه، كأنها كلامه لهم.

3) (فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والافئدة) أي أضاء أبصارهم برؤية الحقائق وأسماعهم بالاستماع إلى الحق.

4) (يُذكِّرون بأيام اللّه) أيام اللّه هي الأيام التي كانت فيها للّه سبحانه نعمة عظيمة على البشر، أو نقمة عظيمة عليهم، وبالقرينة يُعَيَّنُ أيُّ المعينين والمراد هنا الثاني بقرينة (ويُخَوِّفون مقامه) أي يُخَوِّفون الناس إن هم تمادوا في الغي والضلال بعذاب اللّه سبحانه.

5) (بمنزلة الأدلة في الفلوات) أدلة جمع دليل، الذين يدلون المسافرين على الطريق وفلوات جمع فلاة بمعنى: الصحراء (من أخذ القصد) أي الطريق السوي (حَمِدُوا إليه طريقه) أي استحسنوه في سيره لهذا الطريق المستقيم.

6) (وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لأهْلاً أَخَذُوهُ) أي أخذوا الذكر (من الدنيا بدلاً) فلم يشغلوا أنفسهم بالدنيا، بل أشغلوها بالذكر (يقطعون به) أي بالذِّكر (أيام الحياة) أي يسيرون مُدة عُمرهم وهم ذاكرون اللّه سبحانه (ويهتفون بالزواجر) جمع زاجرة، وهي المواعظ المخوفة التي تزجر الإنسان عن المعاصي (عن محارم اللّه في إسماع الغافلين) الذين غفلوا عن الآخرة، وهتف بمعنى صاح.

7) (فكأنَّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة) أي وصلوا إلى الآخرة وتمت دنياهم (وهم فيها) أي والحال أنهم في الدنيا (فشاهدوا ما وراء ذلك) الذي هم فيه من الدنيا.

فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَحَ فِي طُولِ الإِقَامَةِ فِيهِ، وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا (1)، فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذلِكَ (2)لأهْلِ الدَّنْيَا، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لا يَرَى النَّاسُ، وَيَسْمَعُونَ مَا لا يَسْمَعُونَ. فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ الْمَحْمُودَةِ، وَمَجَالِسِهِمُ الْمَشْهُودَةِ، وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ، وَفَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرةٍ وَكَبِيرةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا، أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فِيهَا (3)، وَحَمَّلوا ثِقَلَ أَوْزَارِهِمْ ظُهُورَهُمْ، فَضَعُفُوا عَنِ الاسْتِقْلالِ بِهَا (4)، فَنَشَحُوا نَشِيجاً، وَتَجَاوَبُوا نَحِيباً يَعِجُّونَ إلى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَاعْتِرَافٍ (5)، لرَأَيْتَ أَعْلامَ هُدًى، وَمَصَابِيحَ دُجى، قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلائِكَةُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ (6)، وَأُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ، فِي مَقَامِ اطَّلَعَ اللّه عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ، وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ. يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ


1) (غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَحْ) أي غيب أحوالهم (في طول الإقامة فيه) أي في حال كون أهل البرزخ مقيمين فيه طويلا، فإنَّ طول الإقامة يوجب الضجر والسامة علاوة على سائر أقسام العذاب (وحقَّقَتِ القيامة عليهم) أي على هؤلاء الأدلاء المرشدين (عِداتها) جمع عدة، بمعنى الوعد.

2) (فكشفوا غطاء ذلك) فإنَّ الآخرة كالمغطاة بغطاء، ولذا لا يعلم بتفاصيلها وخصوصيتها أهل الدنيا.

3) (فلو مثلتهم لعقلك) أي مثلت أولئك الأدلة المرشدين، بأن تفكرت بأحوالهم - وهم في الدنيا - (في مقاومهم المحمودة) جمع مقام (ومجالسهم المشهودة) التي يشهدونها أي يحضرونها لأجل الطاعة والعبادة (وقد نشروا دواوين أعمالهم) جمع ديوان، وهو الصحيفة التي كتبت فيها الحسنات والسيئات.

4) (وَحَمّلوا ثقل أوزارهم ظهورهم) أي نسبوا الوزر والعصيان إلى أنفسهم، لا كعامة الناس الذين لا يعترفون بالعصيان (فضعفوا عن الاستقلال بها) أي علموا بأنهم لا يتمكنون من حمل هذه الأوزار، لأنها توجب العذاب الذي لا يطاق.

5) (فنشجوا نشيجا) نشج الباكي إذا غصَّ بالبكاء في حلقه من شدة تألمه النفسي (وتجاوبوا نحيباً) النحيب أشد البكاء، أي أجاب بعضهم بعضاً في البكاء، كما يفعل أهل المصيبة (يعجُون) العجيج الصياح (إلى ربهم من مقام ندم واعتراف) بالخطايا.

6) (الرأيت) جواب [فلو مثلتهم] (أعلام) (هدى) جمع علم بمعنى اللواء، أو الجبل (وتنزلت عليهم السكينةُ) أي حالة هدوء واطمئنان وسكون توجب استقرارهم وعدم تزلزلهم عن الحق، (وفتحت لهم أبواب السماء) المراد أن أدعيتهم ترفع إلى اللّه سبحانه، وتنزل الرحمة عليهم.

رَوْحَ التَّجَاوُزِ، رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلى فَضْلِهِ (1)، وَأُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ، جَرَحَ طُولُ الأسَى قُلُوبَهُمْ، وَطُولُ الْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ (2). لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إلى اللّه مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ (3)، يَسْأَلُونَ مَنْ لا تَضِيقُ لَدَيْهِ الْمَنَادِحُ، وَلا يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُونَ. فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ (4).

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله عند تلاوته: يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ

قاله عند تلاوته: يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (5)

أَدْحَضُ مَسْؤُولٍ حُجَّةً، وَأَقْطَعُ مُغْتَرّ مَعْذِرَةً، لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةٌ بِنَفْسِهِ (6).

يَا أَيّهَا الإنسانُ، مَا جَرَّاكَ عَلَى ذَنْبِكَ، وَمَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ، وَمَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ؟ أَمَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ (7)، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقَظَةٌ؟ أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ


1) (ويتنسّمون) أي ينتظرون، وتنسم النسيم أي تشممه بأنفه (بدعائه رَوْحَ التَّجاوز) عن سيئاتهم (رهائن فاقةٍ) أي احتياج (إلى فضله) فكأنه في رهن الفضل فإذا جاء الفضل فكت رقابهم كما يُفك الرهن إذا جاء المال.

2) (وأسارى نلة لعظمته) أي أنهم أسرى لعظمته تعالى، فقد أسرتهم العظمة فيتبعونه تعالى اتباع الأسير لمن أسره (جرحَ طولُ الأسى) أي: الحزن (قلوبهم) والمراد بالجرح الخشوع والخضوع والانكسار (وطول البكاء عيونهم) فاعينهم مجروحة الأجفان.

3) (لكل باب رغبة إلى اللّه يد قارعةٌ) أي يقرعون جميع أبواب رحمته باب الخوف، وباب الرجاء، وباب الشكر، وباب الذكر، وهكذا، والمعنى: إنهم يقبلون عليه سبحانه، بمختلف أنحاء الإقبال والرجاء.

4) (يسألون من لا تضيق لديه المنادِحُ) جمع مَندوحَةٍ، والأصل فيها المتسع من الأرض، والمراد أنَّهُ لا تضيق لديه العطيات (ولا يَخيِبُ عليه الراغبون) فمن رغب فضله لا يخيب، بل يرجع بما رغب وأراد (فحاسب نفسك لنفسك) أي لنجاة نفسك (فإن غيرها) أي غير نفسك من الأنفس لها حسيب غيرك فلا تشغل نفسك بحساب غيرك.

5) سورة الإنفطار الآية: 6.

6) (أَدْحَضُ مَسْقُولٍ حُجَّةً) دحض بمعنى بطل، يعني أن الإنسان حجته أمام حُجَّة اللّه سبحانه باطلة تافهة لا قيمة لها (وأقطعُ مغتر) أي مغرور ومعناه المخدوع (معذرة) إذ لا عذر له أمام حجته سبحانه (لقد أبرح) أي أعجب (جَهَالةً) أي من جهةٍ جهلهِ (بنفسه) فأعجبته نفسه، إذ لم يعلم واقعها وحقيقتها.

7) (وما غرَّك بربك) أي ما الذي خدعك حتى عصيت ربك (وَمَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ) أي ما أكثر أنسك بأن تُهلِك نفسك بسبب الآثام والمعاصي (أما مِنْ دائك بُلولٌ) ؟ أي شفاء، مِنْ بل مرضه إذا زال.

مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ؟ فَرُبَّمَا تَرَى الصَّاحِيَ لِحَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ، أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةٌ لَهُ! فَمَا صَبَّرَكَ عَلِي دَائِكَ، وَجَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ، وَعَزّاكَ (1)عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَهِي أَعَزُّ الأَنْفُسِ عَلَيْكَ! وَكَيْفَ لا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ، وَقَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سطواتِهِ (2)! فتدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ، بِعَزِيمَةٍ، وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةٍ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ، وَكُنْ للّه مُطِيعاً، وَبِذِكْرِهِ آنِساً (3)وَتَمَثّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ، يَدْعُوكَ إلى عَفْوهِ، وَيَتَغَمَّدُكَ (4)بِفَضْلِهِ وَأَنْتَ مُتَوَلٌ عَنْهُ إِلى غَيْرِهِ. فَتَعَالى مِن قَوِيٌّ مَا أَكْرَمَهُ ! وَتَوَاضَعْتَ (5)مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ! وَأَنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ، وَفِي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبٌ (6). فَلَمْ يَمْنَعُكَ فَضْلَهُ، وَلَمْ يَهْتِكْ عَنْكَ سِتْرَهُ،


1) (فربما ترى الضاحي لحرِّ الشمس) الضاحي البارز الظاهر للشمس (فتظلُّه) لئلا تؤنيه الشمس (أو ترى المبتلى بألم يمض جسده) أي يبالغ في نهك جسده وضعفه (فما صبرك على دائك) أي مرضك؟ الذي هو الانحراف في النفس وفي العمل (وجلدك) من التجلد بمعنى التصبر (على مصابك) ؟ أي مصيبتك التي هي الزيغ عن سبيل الرشاد الموجب لهلاك الإنسان في الآخرة (و) ما (عزاك) أي سلاك.

2) (خوف بيات نقمة) أي تبيت بنقمة من اللّه توجب زوال نعمتك (وقد تورطت بمعاصيه) التورط: الوقوع في المحذور (مدارج سطواته) جمع مدرج، بمعنى المحل الذي يدرج إليه الإنسان درجةً درجة، والباء في [بمعاصيه] للسببية، أي وقعت بسبب معاصي اللّه سبحانه، في مدارج عقوباته، فإنَّ السطوة بمعنى الهجمة للأخذ والنكال.

3) (فتداو من داء الفترة) أى الفتور عن إطاعة اللّه سبحانه (بعزيمةٍ) أي عزم واضح موجب للعمل (ومن كرى الغفلة) الكرى: النوم (في ناظرك بيقظة) أي انتباه من الغفلة.

4) (وتمثل في حال توليك عنه) أي إعراضك عنه تعالى (إقباله عليك) فإنَّ اللّه سبحانه ناظر إلى أعمال عبيده دائماً، فهو دائم الإقبال، وكيف يعرض الإنسان عن ملك عظيم مقبل عليه بيده كل رحمة ونقمة ؟ (يدعوك إلى عفوه) بأن تفعل ما يوجب عفوه من التوبة والإنابة (ويتغمدك) أي يغمرك.

5) (وانت متول عنه إلى غيره) أي صارف بقلبك إلى لذائذ الدنيا وشهواتها (فتعالى) أي ارتفع سبحانه (من قوي ما أكرمه) أي إنه قوي في غاية الكرم بينما الأغنياء في العادة لا يكرمون لأنهم يرون أنفسهم في غنى عن مصانعة الناس بكرم وإحسان، لأنهم أقوياء (وتواضعت) أي أنت وضيع.

6) (وأنت في كنف) أي طرف (ستره مُقيم) فقد ستر عليك ولم يُبدِ معايبك أمام الناس (وفي سعة فضله متقلب) أي متحرك.

بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرِفَ عَيْنٍ فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ، أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ، أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ (1). فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَه!ُ وَايْمُ اللّه لَوْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ، مُتَوَازِبَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ (2)لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِم عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيم الأخلاقِ وَمَسَاوِئِ الأَعْمَالِ (3). وَحَقَّاً أَقُولُ مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ، وَلكنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ (4)، وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتُ، وَآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبِلاءِ بِجِسْمِكَ، وَالنَّقْصِ فِي قُوَّتِكَ، أَصْدَقُ وَأَوْفِى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ، أَوْ تَغُرَّكَ (5). وَلَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَكَ مَتْهَمْ. وَصَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ (6). وَلَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ، وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ (7)، لَتَجِدَنَّهَا مِنْ


1) (بل لم تَخلُ من لطفهِ مطرف عين) أي مقدار طرفة العين (في نعمة يُحدِثُها لك) فإنَّ نعمة حركة أجهزة البدن المستمرة والتنفس، ونقاء الهواء، وما أشبه، ترد على الإنسان، في كل لحظة (أو سيِّئةٍ يسترها عليك) فإنَّ الستر مستمر وإن كانت السيئة سابقة (أو بلية) أي بلاء (يصرفها عنك) إذ الإنسان معرض للأخطار والبلايا كل آن.

2) (فما ظنُّك به لو أطعته) ؟ فإنَّ من يحسن على العاصي كيف يعمل مع المطيع؟ (وأيم اللّه) حلف باللّه سبحانه فإنَّ كلمة [أيم] فيها لغات للحلف (لو أن هذه الصفة) أي صفة عصيانك له وإحسانه لك (كانت في متفقين في القوة) فكأن هناك نفر ان يتفقان في القوة (متوازيين في القدرة) بأن كانت قدرة أحدهما بقدرة الآخر، ثم كان أحدهما يحسن إلى الآخر، والآخر يسيء إليه.

3) (لكنت أول حاكم على نفسك بذميم الأخلاق) إذ كنت تسيء إلى من أحسن إليك، وذميم فعيل بمعنى الأخلاق المذمومة (ومساوىء الأعمال) أي الأعمال السيئة، فكيف إذا كان أحدهما إله عظيم والآخر عبد ذليل.. ؟

4) (وحقاً أقول) أي أقول حقاً (ما الدنيا غرتك) أي أن الدنيا لم تسبب غرورك، حتى اجترات على المعاصي، إذ الدنيا أرتك الاعتبار والموعظة (ولكن بها اغتررت) فاللوم عليك لا عليها، إذ أنك غفلت عما ترى في الدنيا من مصائبها وأحزانها.

5) (ولقد كاشفتك العظات) أي أظهرت لك الموعظات التي تقع في الدنيا حقيقة لكنك لم تهتم بها (وآذنتك) أي أعلمتك الدنيا (على سواء) أي على عدل في الإعلام فلم تنح شيئاً (أو تَغُرَّكَ) أي تخدعك.

6) (ولرب ناصح لها) أي الدنيا، والمراد لأهل الدنيا (عندك منهم) كما كان الناس يتهمون الأنبياء والأئمة فلا يقبلون أقوالهم (وصادق من خبرها) بأنها دار زوال وبلاء عندك (مُكَذِّبٌ) لا تصدقه، كما هو شأن الجهلة.

7) (ولئن تعرَّفتها) أي طلبت معرفة الدنيا على حقيقتها (في الديار الخاوية) أي الساقطة، التي فُني أهلها، وسقطت أبنيتها (والربوع الخالية) عن الأهل والربع المنزل.

حُسْنِ تَذْكِيرِكَ، وَبَلاغِ مَوْعِظَتِكَ، بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْكَ، وَالصَّحِيحِ بِكَ (1)! وَلَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً، وَمَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلَّا! وَإِنَّ السُّعَدَاءَ بالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ (2).

إذا رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ وَحَقَّتْ بِجَلائِلِهَا الْقِيَامَةُ، وَلَحِقَ بِكُلِّ مَنْسَكٍ أَهْلُهُ، وَبِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُهُ (3)، وَبِكُلِّ مُطَاعِ أَهْلُ طَاعَتِهِ، فَلَمْ يُجْزَ فِي عَدْلِهِ وقِسْطِهِ يَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِي الْهَوَاءِ، وَلا هَمْسُ قَدَم فِي الأَرْضِ إِلَّا بِحَقِّهِ (4)، فَكَمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٌ، وَعَلائِقِ عُذْرٍ مُنْقَطِعَةٌ (5)! فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِكَ مَا يَقُومُ بِهِ عُذْرُكَ، وَتَثْبُتُ بهِ حُجَّتُكَ، وَخُذْ مَا يَبْقَى لَكَ ممّا لا تَبْقَى لَهُ (6)،


1) (لتجدنَّها من حسن تذكيرك) أي تذكير الدنيا لك، بسبب بيان أحوال السابقين فيها الذين فنوا وبقيت ديارهم خالية خاوية (وبلاغ موعظتك) أي وعظها لك وعظاً بالغاً (بمحلة الشَّفيق عليك) أي تكون الدنيا بهذه الموعظة بمنزلة الناصح المشفق (والشحيح بك) أي البخيل لا يريد أن يسلمك بيد الحوادث، ولا يريد أن يخدعك ويغرك.

2) (ولنعم دار من لم يرض بها داراً) بأن جعلها معبراً، وإنما كانت حسنة، لأنها مزرعة الآخرة (ومحلُّ من لم يُوطّنها محلا) بأن لم يتخذها وطناً لنفسه (وإنَّ السُعداء بالدنيا غداً) أي الذي سعد بسبب الدنيا، وهو في الآخرة (هم الهاربون منها اليوم) أي من الدنيا لأنهم تزودوا منها، بدون أن يتلوثوا بها.

3) (إذا رجفت الراجفة) الراجفة هي النفخة التي ترجف وتزلزل الأرض، حين النشور (وحقّت) أي ثبتت وقامت (بجلائلها القيامة) أي قامت القيامة مع عظائمها وأهوالها (ولحق بكل منسك أهله) أي عباده (وبكل معبُودٍ عَبَدتُهُ) فالمشركون يلحقون بالأصنام، وعُبَّاد النار يلحقون بها، وعُبَّاد البقر يلحقون به.

4) (فلم يجز في عدله وقسطه يومئذ) أي يوم القيامة (خرق بصر في الهواء) فكأن الهواء شيء واحد، إذا نظر الإنسان إلى ما فوق خرق نظره ذلك الشيء (ولا همس قدم في الأرض) كان للقدم صوتاً خفياً إذا وضعت على الأرض، حاصل ذلك من الاصطكاك والاصطدام (إلا بحقه) أي كل صغير فكيف بالكبير - يجازى في يوم القيامة بالحق.

5) (فكم حُجَّةٍ يوم ذاك داحضة) أي باطلة، وهي الحجج والأعذار التي يقدمها أهل المعاصي (وعلائق عذر) ما يتعلق به الإنسان العاصي ليجعله عذراً لنفسه (منقطعة) إذ لا تقبل تلك الأعذار.

6) (فتحر) من التحري، بمعنى الطلب (من أمرك) أي أطلب أمراً (ما يقوم به عذرك) فإذا أردت أن تعمل عملاً، فاطلب وجه رضاه سبحانه فيه، حتى يكون لك عذر هناك (وتثبت به حجتك) بأن تكون لك حجة ومفراً عما أتيت به من الأعمال (وخذ ما يبقى لك) من الدنيا، كالخيرات والصدقات والأعمال الصالحة (ممَّا لا تبقى له) فإنَّ الإنسان لا يبقى للدنيا، ولا يبقى لعمره وصحته وماله ونشاطه وما أشبه.

وَتَيَسَّرْ لِسَفَرِكَ، وَشِمْ بَرْقَ النَّجَاةِ، وَارْحَلْ مَطَايَا التشْمِيرِ (1).

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التبرؤ من الظلم

وَاللّه لأنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً، وَأُجَرَّ فِي الأَغْلالِ مُصَفّدا (2)، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللّه وَرَسُولَهُ يَومَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا، وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا (3)؟!

وَاللّه لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أَمْلَقَ، حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ غُبْرَ الأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِم (4)، وَعَاوَدَنِي مُؤَكَّداً، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتي (5)، فَأَحْمَيْتُ لَهُ


1) (وتيسر) أي تأهب لسفرك) إلى الآخرة (وَشِم) أي المح وانظر (برق النجاة) أي انتظره لتستغله فتسير في ضوئه وارحل مطايا التشمير) مطايا جمع مطية، وهي المركوب، يقال رحل المطية إذا وضع عليها الرحل، والتشمير : الحسر عن اليد والرجل استعداداً للعمل، والمراد به السفر إلى الآخرة.

2) (واللّه لأن أبيتَ) أي أبقى ليلاً إلى الصباح (على حَسَكِ السَّعدانِ) الحسك: الشوك، والسعدان: نبت ترعاه الإبل له شوك شديد تشبه حلمة الثدي (مُسهداً) أي مسهراً، لا أنام وأُجَرَّ في الأغلال) جمع غلّ، ما يوضع في عنق المجرم ويده ورجله (مُصفّداً) أى مقيداً.

3) (وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَام) حطام الدنيا متاعها، تشبيه بما يحطم - أي يكسر - من النبت اليابس الذي لا قيمة له (يُسْرِعُ إلَى الْبِلَى قُفُولُهَا) ؟ القفول الرجوع، والبلى: الفناء (ويطول في الثرى) أي التراب (حلولها) وبقاؤها.

4) (وقد أملق) أي افتقر حتى استماحني) أي استعطاني (من بركم) أي حنطتكم، والمراد حنطة بيت المال (صاعاً) الصاع ثلاثة أمداد، وهو أقل من ثلاثة كيلوات (ورأيت صبيانهُ شُعَثَ الشُّعُورِ) شعث جمع أشعث وهو وهو الشعر المتلبد بالوسخ (غبر الألوان) جمع أغبر، وهو متغير اللون بسبب غبار أو شحوب (بالعظام) هو سواد يصبغ به.

5) (فأصغيت إليه سمعي) أي استمعت إلى كلامه (فظن أني أبيعه ديني) بإنجاز رغبته خلافاً لأمر الدين (واتَّبِعُ قياده) ما يقاد به كالزمام، أي أتبعه فيما يقول (مفارقا طريقتي) الدينية.

حَدِيدَةٌ (1)، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجٌ ضَحِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلْمِهَا، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا (2)، فَقُلْتُ لَهُ : ثَكِلَتْكَ النَّوَاكِلُ، يَا عَقِيلُ! أَتَئْنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسانُهَا لِلَعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إِلى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ! أَتَئنُّ مِنْ الأذَى وَلا أَئِنُّ مِنْ لَظًى (3)؟! وَأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ فِي وِعَائِهَا، وَمَعْجُونَةٍ شَنئْتُهَا (4)، كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا، فَقُلْتُ : أَصِلَةٌ، أَمْ زَكَاةٌ، أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَذلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ!

فَقَالَ : لا ذَا وَلا ذَاكَ، وَلَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ. فَقُلْتُ هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ ! أَعَنْ دِينِ اللّه أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي؟ أَمُخْتَبِطُ أَنْتَ أَمْ ذُو جِنَّةٍ، أَمْ تَهْجُرُ (5)؟ وَاللّه لَوْ أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللّه فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ، وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لأهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضُمُهَا، مَا لِعَلِيٌّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى، وَلَذَّةٍ لا تَبْقَى ! نَعُوذُ بِاللّه مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ وَقُبْحِ الزَّلَلِ (6). وَبِهِ نَسْتَعِينُ.


1) (فأحميت له حديدة) أي جعلتها في النار حتى صارت حارة.

2) (فضج ضجيج ذي دنفٍ) أي ذي مرض (وكاد أن يحترق من ميسمها) الميسم المكواة، التي تكوى بها أجسام الحيوانات أو ما أشبه وإنما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) كاد لأن الحديدة لم تتصل بجسم عقيل، وإنما اقتربت منه فحس بلفحها.

3) (فقلتُ له ثكلتك الثواكل يا عقيل) الثكل فقدان الحبيب، والأكثر أن يستعمل في فقدان الولد، وهذه الجملة دعاء على الإنسان بالموت حتى تفقده أمه ونساء أقاربه (سجرها) أي أوقدها (الظى) أي نار جهنم.

4) (طارق) الطارق هو الآتى ليلا، ويستعمل في كل من يطرق باب الإنسان بمكروه (طرقنا بملفوفة) أي مع ملفوفة، وهي نوع من الحلوى، كأنها تُلف بعد الطبخ (في وعائها) أي في ظرفها (ومعجونةً) عجنت من السكر والدقيق وما أشبه (شنئتها) أي كرهتها.

5) (فقلت هبلتك الهبول) هي المرأة التي لا يعيش لها ولد وهبلتك بمعنى: ثكلتك، وهذا دعاء عليه بالموت (أعن دين اللّه أتيتني لتخدعني ؟) بأن الين إليك بواسطة هذه الهدية، فأميل إليك سواء وافقت الحق أم الباطل (أمختبط أنتَ) هو الذي خُلِطَ عَقله، فهو نصف مجنون (أم ذو جِنَّةٍ) هو المجنون الصرف، الذي سُتِرَ على عقله (أم تهجُر) أي تهذو بما لا معنى له.

6) (واللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة) جمع إقليم، وهو القطعة المعينة من قبل علماء الفلك في الأرض، فإنَّهم قسموا الربع الشمالي من خط الاستواء إلى سبعة أقسام معظم المعمورة فيها، ومراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعطيت المعمورة كلها (بما تحت أفلاكها) أي أعطيتها من السماء إلى الأرض (أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ) أي قشرتها (تقضمها) تُكسرها بأسنانها (من سُبات العقل) أي نومه الموجب لأن يرجح الإنسان شهواته على مقتضيات عقله (وقُبح الزَّلل) أي السقوط في الخطأ الذي هو قبيح.

ومن دعاء له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يلتجيء إلى اللّه أن يغنيه

اللّهمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ، وَلا تَبْذُلْ جَاهِيَ بِالإِقْتَارِ (1)، فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ، وَأَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ، وَأُبْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي، وَأُفْتَتَنَ (2)بِذَمٌ مَنْ مَنَعَنِي، وَأَنْتَ مِنْ وَرَاءِ ذلِكَ كُلِّهِ وَلِيُّ الإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التنفير من الدنيا

دَارٌ بِالْبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ، لا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلا يَسْلَمُ نُزَّالُهَا، أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَنَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ (3)، الْعَيْسُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالأَمَانُ فِيهَا مَعْدُومٌ، وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْراضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا، وَتُفْنِيهِمْ بحمامها (4).

وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللّه أَنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هذِهِ الدَّنْيَا عَلَى سَبِيل مَنْ قَدْ مَضَى


1) (اللّهمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ) صيانة الوجه حفظه من التعرض للسؤال، ونسبة الصيانة إلى الوجه لأنه الموضع الذي يواجه الإنسان به الباذل فيوجب خجله ونحوه، واليسار الغنى (ولا تبذل جاهي بالإقتار) الإقتار: الفقر، وبذل الجاه: إسقاط المنزلة من القلوب، فإنَّ الفقير تسقط منزلته، لأن الناس يفرون منه ولا يحترمونه.

2) (فاسترزقُ) أي أطلب الرزق مِنْ الذين يطلبون الرزق منك، فلا داعي إلى تطويل الطريق، وإعطاء غيرك لي ما أنت قادر عليه (وأفتتن) أي أبتلى وأُمتحن.

3) (دار بالبلاء محفوفةٌ) ففي جوانبها كلها بلايا وأسقام (وبالغدر) أي : الخدعة (وتارات) جمع تارة بمعنى مرة، (متصرفة) أي مختلفة فمرة هكذا ومرة هكذا.

4) (العيش فيها مذموم) إذ عيشها مُنغص بالكدورات، ولذا يذمه كل إنسان (أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَة) أي كالغرض الذي يُرمى ويُجعَلُ هدفاً للنبال، يأتيهم مختلف سهام البلاء (ترميهم بسهامها) المراد بها الأمراض والمحن والشدائد (وتفنيهم بحمامها) الحمام الموت.

قَبْلَكُمْ، مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً، وَأَعْمَرَ دِيَاراً، وَأَبْعَدَ آثَاراً، أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً، فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ، وَالنَّمَارِقِ الْمُمَهَّدَةِ الصُّحُورَ وَالأحْجَارَ الْمُسَنَدَةَ، وَالْقُبُورَ اللَّاطِئَةَ الْمُلْحَدَة (1)، الَّتى قَدْ بُنِي بِالْخَرَابِ فَنَاؤُها، وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا، فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ، بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ، وَأَهْلِ فَرَاغِ مُتَشَاغِلِينَ، لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالأوْطَانٍ (2)، وَلا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ، عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ، وَدُنُو الدَّارِ. وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى (3)، وَكأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إلى مَا صَاروا إِلَيْهِ، وَارْتَهَنَكُمْ ذلِكَ الْمَضْجَعُ وَضَمَّكُمْ ذلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ. فَكَيْفَ بكُمْ لَوْ تَناهَتْ بِكُمُ الأمُورُ، وَبُعْثِرَتِ الْقُبُورُ (4):

(هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ، وَرُدُّوا إلى اللّه موْلاهُمُ الْحَقِّ، وَضَلَّ


1) (وأبعد آثاراً) فإنَّ آثارهم كانت تبقى بعدهم كثيراً، بخلاف آثاركم التي لا تبقى إلا قليلا (هامدة) أي ساكنة (ورياحهم راكدة) أي ساكنة (وآثارهم عافية) أي ذاهبة مندرسة (والنمارق) جمع نمرقة، وهي الوسادة (الممهدة) التي صفت لإتكائهم عليها الصُّخُورَ وَالأحْجَارَ الْمُسَنَّدَةَ) التي يستندون في القبور إليها (والقبور اللاطِئَةَ) أي اللاصقة بالأرض (الملحدة) من الحد القبر إذا جُعِلَ له لحداً، وهو الشق في جانبه.

2) (التي قد بني بالخراب فناؤها) الفناء: الساحة للدار وما أشبه كأن تلك القبور منازل لها فناء، وفناؤها خراب وعدم (وشيّد بالتراب بناؤها) إذ تملأ القبور بالتراب (فمحلها مقترب) قريب من الناس، فإنّ المقابر قرب المذن (وساكنها مغترب) غريب إذ لا أنس له بأهل الدنيا (بين أهل محلَّةٍ موحشين) فإنَّ الأموات لا تزاوُرَ بينهم ولا أنس (وأهل فراغ) إذ لا عمل لهم (متشاغلين) أي مشغولين بثواب أعمالهم أو عقابها (لا يستأنسون بالأوطان) التي تركوها في دار الدنيا.

3) (وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى) البلى الفناء، وكلكل الصدر، كأن الفناء القى عليهم صدره، فصار سبباً لتحطمهم، كما تحطم الحنطة ونحوها بالرحى (وأكلتهم الجنادل) جمع جندل، بمعنى: الحجارة (والثرى) أي التراب، فإنَّ الإنسان يتحول إلى التراب فكأن التراب أكله.

4) (وكان قد صرتم) أيها السامعون (إلى ما صاروا إليه) من الفناء (فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور) تناهى به الأمر أي وصل إلى غايته، والمراد انتهاء الأمور التي في البرزخ والقبر، لتأتي نوبة القيامة وأهوالها (وبعثِرت القبور) أي قلب ثراها وأخرجت الأموات منها.

عنهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون) (1)، (2).

وَمن دعاء لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يلجأ فيه إلى اللّه ليهديه إلى الرشاد

اللّهمَّ إِنَّكَ أَنَّسُ الآنسِينَ لأوْلِيائِكَ، وَأَحْضَرُهُمْ بِالْكِفايَةِ لِلمُتوكِّلِينَ عَلَيْكَ (3). تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ، وَتَطَّلِعُ عليهم فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَتَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ (4). فَأَسْرَارُهُمْ لَكَ مَكْشُوفَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ، إِنْ أَوْحَشَتْهُمُ الْغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُكَ، وَإِنْ صُبَّتْ عَلَيْهُمُ الْمَصَائِبُ لَجَدُّوا إلى الاسْتِجَارَةِ بِكَ، عِلْماً بِأَنَّ أَزِمَّةَ الأمُورِ بِيَدِكَ، وَمَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِكَ (5). اللّهمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسْأَلَتي، أَوْ عَمِيتُ عَنْ طِلْبَنِي فَدُلَّنِي عَلَى مَصَالِحِي، وَخُذْ بِقَلْبِي إلى مَرَاشِدِي، فَلَيْسَ ذلِكَ بِنُكْرٍ مِنْ هِدَايَاتِكَ، وَلَا بِبِدْعِ مِنْ كِفَايَاتِكَ (6). اللّهمَّ احْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ، وَلا تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ.


1) سورة يونس الآية: 30.

2) (هنالك تبلو) أي تخبر من قبله سبحانه (كل نفس ما أسلفت) في دار الدنيا والمراد الإخبار للجزاء، كما يقرأ جرم المجرم ليعاقب، وإحسان المحسن ليعطى الجائزة (وردوا إلى اللّه) أي إلى جزائه وحسابه (مولاهم الحق) فإنَّه سبحانه ربهم لا غيره (وضل عنهم) أي عن عبدة الأصنام (ما كانوا يفترون) أي يجعلونها شركاء له سبحانه.

3) (وأحضرهم) أي أحضر الناس (بالكفاية للمتوكلين عليك) فإنَّكَ تكفيهم بأحسن أنواع الكفاية ممّا لا يقدر مثلها غيرك.

4) (تُشاهدهم في سرائرهم) جمع سريرة، أي تنظر إلى ضمائر الناس الأولياء والمتوكلين (وَتَطَّلِعُ عليهم فِي ضَمَائِرِهِمْ) الإطلاع أعم من المشاهدة، إذ المشاهدة الرؤية والإطلاع شامل للإستماع ونحوه (وتعلم مبلغ بصائرهم) تعلم مقدار معرفة كل واحد منهم.

5) (فأسرارهم لك مكشوفة) إذ انت مُطَّلع على باطنهم (وقلوبهم إليك ملهوفة) أي مضطربة من شدة الحب والاشتياق (لَجَاوا إلى الاسْتِجَارَةِ بِكَ) أي يلجأون إليك في دفع المصائب والمكاره عنهم (علماً بأن أزمة الأمور) جمع زمام، وهي الأسباب التي تأتي بالنتائج الحسنة أو السيئة (بيدك) المراد تحت إرادتك (ومصادرها) أي صدور تلك الأمور (عن قضائك) فإنَّك تقضي ما تشاء.

6) (اللّهم إن فههت) أي عييت، فإنَّ الفهاهة ضد النصاحة (عن مسألتي) أي عن كيفية السؤال (أو عَمِيتُ عن طلبتي) فلم أتمكن من الوصول إليها فليس ذلك بنكرٍ أي منكر - غير معروف - (من هداياتك) فكم هديت الناس إلى مصالحهم، وأرشدتهم إلى مواضع رشدهم (ولا ببدع) أي مبتدع جديد (من كفاياتك) التي تكفي بها من تشاء من خلقك.

وَمِنْ كَلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مالك الأشتر (رَحمهُ اللّه) بعد موته

لله بَلاءُ فُلانٍ، فَقَدْ قَوَّمَ الأَوَدَ، وَدَاوَى الْعَمَدَ (1)، خَلَّفَ الْفِتْنَةَ! وَأَقَامَ السُّنَّةَ، ذَهَبَ نَقِيَّ الثَّوْبِ، قَلِيلَ الْعَيْبِ. أَصَابَ خَيْرَهَا، وَسَبَقَ شَرَّهَا (2). أَدَّى إلى اللّه طَاعَتَهُ، وَاتَّقَاهُ بِحَقِّهِ. رَحَلَ وَتَرَكَهُمْ فِي طُرُقٍ مُتَشَعِّبَةٍ (3)لا يَهْتَدِي بِهَا الضَّالُ، وَلا يَسْتَيْقِنُ الْمُهْتَدِى (4).

ومن كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف بيعته بالخلافه

قال الشريف : وقد تقدم مثله بألفاظ مختلفة.

وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا (5)، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَ


1) (للّه بلاء فلان) أي للّه ما فعل مالك من الخير، وهذا مدح بأنَّ عمله كان للّه سبحانه (فقد قوَّم الأود) أي عدل الإعوجاج فقد كان (رَحمهُ اللّه) للإمام بمنزلة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كما نصر بذلك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وداوى العمد) أي العلة، ومداواتها إزالتها.

2) (خلف الفتنة) بأن تركها بعده، وهذا تضجر من بقاء الفتنة (وأقام السنة) أي عمل بسنة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، بدون ابتداع فيها (ذهب نقيَّ الثَّوب) نقاء الثوب كناية عن عدم تلوثه بالمعاصي والآثام (قليل العيب) وإنما قال قليل العيب لان كل أحد غير المعصوم لابد وأن يكون فيه عيب (أصاب خيرها) لعل الضمير يعود إلى أحوال الناس الظاهر من السياق، وإصابة الخير كناية عن نجاحه في الامتحان، إذ ثبت واستقام (وسبق شَرَّها) كناية عن أن شرها لم يلحقه، فكأنَّه فرَّ عنها.

3) (أدى إلى اللّه طاعته) أي أطاعه سبحانه، فكان الطاعة كانت أمانة بيده فأداها كاملة (واتقاه حقه) أي حق التقوى (في طرق مُتشعبة) فإنَّ مالكاً كان يملك زمام أمر أهل الكوفة يثقون به ويجتمعون على رأيه، فلما مات صار لكل رأي.

4) (لا يهتدي) أي في تلك الطرق (الضَّالُ) إذ لا يطمئن بما يرى من طرق الهداية، (ولا يستيقن المهتدي) بأن طريقه هدى، وهذه عادة الناس، فإنَّهم يتبعون رؤساءهم دون الأمر الأعلى، فإذا فقد الرئيس انفصم حبلهم.

5) (وبسطتم يَدِي) أي مددتموها للبيعة (فكففتها) أي جمعتها فراراً عن بيعتكم (ومددتموها فقبضتها) إما عبارة أخرى عن الجملة السابقة، أو المراد ببسط اليد فتح الكف، والمراد بكففتها جمعتها.

الإِبِلِ الهيم عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وُرُودِهَا (1)، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَسَقَط الرِّدَاءُ، وَوُطِئ الضَّعِيفُ، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ، وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكعَابُ (2).

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فضيلة التقوى

فَإِنَّ تَقْوَى اللّه مِفْتَاحُ سَدَادٍ، وَذَخِيرَةُ مَعَادٍ، وَعِتْقٌ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ (3)وَنَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ، وَيَنْجُو الْهَارِبُ (4)، وَتُنَالُ الرَّغَائِبُ. فَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ، وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ، وَالْحَالُ هَادئَةٌ، وَالأقْلامُ جَاريَةٌ (5). وَبَادروا بِالأعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً، وَمَرَضاً حَابِساً، أَوْ مَوْتاً خَالِساً (6). فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُم. زَائِرٌ غَيْرُ


1) (ثم) تداككتم علي) التداك: الازدحام (تداك الابل الهيم) أي مثل تزاحم جماعة الإبل العطاش (على حياضها) جمع حوض مجمع الماء (يوم ورودها) أي ورودها الماء للشرب.

2) (حتى انقطعت النَّعل) أي انقطع شسع نعل الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وسقط الرداء) من منكب الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ووطئ الضعيف) أي: سُحِقَ بالأقدام من كان ضعيفاً لا يقدر على المكافحة (وهدج) أي مشى مشية الضعيف (وتحامل نحوها العليل) أي حمل نفسه على المشي بكل صعوبة ليبلغ البيعة (وحَسرَتْ إليها الكعَابُ) كعاب وزن السحاب الجارية حين يبدو ثديها للنهود، وهي الكاعبة، وحسرت أي كشفت عن وجهها لترى جماهير الناس.

3) (مفتاح سداد) فإنَّ سداد الإنسان إنما يكون بالتقوى (وذخيرة معاد) أي هي الباقية للإنسان في يوم القيامة (وعِتق من كلِّ ملكة) الملكة : الصفة الحاصلة للنفس الثابتة فيها.

4) (بها ينجح الطالب) لأمر من الأمور فإنَّ اللّه يتفضل على أهل التقوى بإنجاز أمورهم (وينجو الهارب) من خوف المعاصي والآثام.

5) (والعمل يُرفعُ) أي يقبل (والتوبة تنفعُ) فتوجب محو الذنوب (والحال هادئة) أي ساكنة يمكن العمل فيها، فإنَّ في أوقات الاضطراب لا يمكن العمل (والأقلام جارية) أي تجرى بكتابة الحسنات، والمراد أقلام الكتبة من الملائكة الحافظين للأعمال.

6) (ومرضاً حابساً) أي يحبسكم ويمنعكم من العمل (أو موتاً خالساً) يأخذكم على فجأة وبغتة.

مَحْبُوبِ، وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ، وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَظْلُوبٍ (1). قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ، وَتَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ، وَأَقْصَدَتْكُم مَعَابِلُهُ (2)، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ، وَقَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ (3)، فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلَلِهِ (4)، وَاحْتِدَامُ عِلَلِهِ (5)، وَحَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ، وَغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ (6)، وَأَلِيمُ إِرْهَاقِهِ (7)، وَدُجُو إِطْبَاقِهِ (8)، وَجُشُوبَةُ مَذَاقِهِ (9)، فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةٌ فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ، وَفَرَّقَ نَدِيَّكُمْ، وَعَفّى آثَارَكُمْ، وَعَطَّلَ دِبَارَكُمْ وَبَعَثَ وُرَّاثَكُمْ، يَقْتَسِمُونَ تُرَاثَكُمْ (10)،


1) (ومباعد طِيَّاتكم) جمع [طية ] بالكسر بمعنى القصد أي يحول بينكم وبين مقاصدكم فيبعدها عنكم الموت (وقرن) هو الكفؤ في الشجاعة، الذي يبارز الشخص في ساحة الحرب (وواتر) القاتل ومن أشبه من الذين يريقون دم الإنسان ويجرحونه (غير مطلوب) فإنَّ الإنسان لا يتمكن أن يطالب الموت بدم من أماته.

2) (قد أعلقتكم حبائله) شبكة الصيد، جمع حبالة، وأعلقتكم أي تعلقت بكم وتكنَّفتكم) أي أحاطتكم (غوائله) جمع غائلة وهي الشدائد والكوارث (وأقصدتكم) أقصده إذا رماه بالسهم (معابله) جمع معبلة وهي: النصل الطويل العريض، أي الحديدة في رأس السهم.

3) (وعظمت فيكم سطوته) أي أخذه، فإنَّ الموت إذا أراد أخذ أحد لا يمكنه الفرار منه (وتتابعت عليكم عدوته) العدوة: العدوان وتتابع العدوان باعتبار أخذه لأقربائهم وأصدقائهم واحداً بعد واحد (وقلت عنكم نبوته) النبوة : أن يخطىء في الضربة فلا يصيب، أي الموت لا يخطىء إذا أراد الإصابة.

4) (فيوشِكُ أن تغشاكم دواجي ظُللِهِ) دواجي جمع داجية، أي المظلمة، وظلل جمع ظلة، كالسحابة التي تظل أي يقرب أن يظلكم سحاب الموت المظلم.

5) (واحتدام علله) أي يوشك أن يغشاكم اشتداد على الموت (وحنانس غمراته) حنائس جمع حندس، بكسر الحاء، الظلمة الشديدة وغمرات جمع غمرة، وهي التي تغمر الإنسان وتشمله أنواع الشدائد.

6) (وغواشي سكراته) غواشي جمع غاشية، التي تغشى الإنسان وتشمله، وسكرات جمع سكرة، الحالة الشديدة التي توجب أن لا يشعر الإنسان كأنَّه سكران.

7) (وأليم إرهاقه) الإرهاق: الإبطال، أي الشديد المؤلم من الموت الذي يوجب إبطال الإنسان.

8) (ودُجُوِّ إطباقه) الدجو: الإظلام، والاطباق الاشتمال فإنَّ الموت يشمل الإنسان، وله ظلمة توجب سقوط الحواس والمشاعر عن الإدراك.

9) (وجشوبة) أي خشونة (مذاقه) أي ذوقه، فإنَّ الإنسان يذوق الموت بحواسه وإدراكاته.

10) (فكأنْ قد أَتَاكُم) الموت (بغتةً) أي فجأة (فأسكت نجيكم) النجا القوم يتناجون (وفرَّق نديَّكم) النَّدي: الجماعة يجتمعون للمشاورة (وعفّى آثاركم) أي محاها حتى لا أثر لكم بعد (وعطّل دياركم) عن ساكنيها فبقيت خالية (وبعث) أي أثار (ورَّاثَكُم) جمع وارث (يقتسمون تراثكم) أي ميراثكم.

بَيْنَ حَمِيمٍ خَاصٌ لَمْ يَنْفَعْ، وَقَرِيبٍ مَحْزُونٍ لَمْ يَمْنَعْ، وَآخَرَ شَامِتٍ لَمْ يَجْزَعْ (1).

فَعَلَيْكُمْ بِالْجِدٌ وَالاجْتِهَادِ، وَالتَّأهبِ وَالاسْتِعْدَادِ، وَالتَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ. وَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأمم الْمَاضِيَةِ، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا (2)، وَأصَابُوا غِرَّتَهَا، وَأَفَنَوْا عِدَّتَهَا، وَأَخْلَفُوا جِدَّتَهَا (3)أَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً وَأَمْوَالُهُمْ مِيرَاثاً. لا يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ، وَلا يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ (4)، وَلا يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ فَاحْذَرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ، غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ، مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ، مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ (5)، لا يَدُومُ رَخَاؤُهَا، وَلا يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا، وَلا يَرْكُدُ بَلاؤُهَا (6).

منها في صفة الزهّاد: كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا، فَكَانُوا فِيها كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ (7)، وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ،


1) (بين حميمٍ خاص) بين صديق يخصكم (لم ينفع) بكم نفعاً في درء الموت عنكم (وقريب محزون لم يمنع) الموت عنكم (وآخر شامتٍ) يفرح بموتكم (لم يجزع) أي لم يحزن حزناً شديداً.

2) (و القرون الخالية) الخالية أي الماضية، وقرون جمع قرن مائة سنة أو ما أشبه، والظاهر أَنَّهُ سمي قرناً، لتقارن أعمار كل جيل في تلك المدة الذين احتلبوا) أي حلبوا (درتها) أي لبن الدنيا، والمراد لذائذها تشبيهاً لها بالناقة الحلوبة.

3) (وأصابوا غِرَّتها) أي غفلتها، فكأنهم أصابوا أن الدنيا غافلةً عنهم (وأفنوا عدتها) أي أيامها العديدة، كناية عن بقائهم فيها مدة مديدة (وأخلقوا جدتها) أي جعلوا جديدها - من الشباب والرياش والأموال وما أشبه - قديماً حيث عمروا فيها وتمتعوا بزخارفها.

4) (أصبحت مساكنهم أجداثاً) جمع جدث بمعنى: القبر (وأموالهم ميراثاً) إرثاً لأقربائهم (لا يعرفون من أتاهم) إلى مقابرهم، والمراد عدم المعرفة بالأبدان، كما كانت العادة أن يعرفوا بحواسهم (ولا يحفلون) أي لا يبالون (مَنْ بكاهُم) لأنَّهم في شغل عنهم.

5) (غرَّارة) كثيرة التغرير والخداع (خدوع) كثيرةُ الخديعة والمكر (مُعطية) لبعض الأشياء للإنسان (منوع) كثيرة المنع لحوائج الإنسان، ولا تعطي يوماً شيئا إلا منعته بعد ذلك (مُلبِسة) تُلبِسُ الإنسان اللباس والرياش (نَزوع) ثم تنتزعها منه.

6) (لا يدوم رخاؤها) الرخاء: السعة في العيش (ولا ينقضي عَناؤها) أي تعبها (ولا يركد بلاؤها) أي لا تهدأ مصائبها.

7) (كانوا قوماً من أهل الدنيا) بأبدانهم وتعارفهم مع أهلها (وليسوا من أهلها) بالقلوب والأعمال (فكانوا فيها كمن ليس منها) إذ لا يعاشرون أهل الدنيا معاشرةً تامةً، وإنما يأخذون بطرف من الدنيا لا يضر دينهم وآخرتهم (عملوا فيها بما يبصرون) فيه الخير والسعادة.

تَقَلَّبُ أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الآخِرَةِ (1)، يَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَظْمُونَ موت أَجْسَادِهِمْ، وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ (2).

وَمِنْ خُطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطبها بذي قار، وهو متوجه إلى البصرة

ذكرها الواقدي في كتاب (الجُمل):

فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَبَلَّغَ رِسالاتِ رَبِّهِ (3)، فَلَمَّ اللّه بِهِ الصَّدْعَ وَرَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ، وَأَلَّفَ بِهِ ذَوِي الأَرْحَامِ، بعد الْعَدَاوَةِ الْوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ، وَالصَّغَائِنِ الْقَادِحَةِ فِي الْقُلُوبِ (4).

وَمِنْ كَلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) کلم به عبد اللّه بن زمعة

كلم به عبد اللّه بن زمعة، وهو من شيعته، وذلك أنَّه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلا لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَلْبُ


1) (وبادروا فيها ما يحذرون) أي سبقوا المحذور حتى لا يلحقهم كمن يسبق لصاً أو سبعا حتى لا يلحقه (تَقَلَّبُ) أي تتقلب، حذفت إحدى تاءيه على قاعدة باب التفعيل (أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة) أي كأنَّهم - وهم في الدنيا - يعيشون بين أظهر أهل الآخرة.

2) (يرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم) فإذا مات من أهل الدنيا أحد عظموا موته، مع العلم أنه ليس المهم موت الأجساد وإنما المهم موت القلوب (أشد إعظاما لموت قلوب أحيائهم) فإذا رأوا حياً مات قلبه بأن ترك الطاعة واقترف المعصية عظموا ذلك، لما يعلمون من أنَّ عاقبة مثل هذا الإنسان إلى الخسارة الأبدية.

3) (فصدع) أي الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، الاهل والاصل مع أصله الكسر، فكأن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كسر عادات الجاهلية وعقائدها (بما أمر به) من أوامر اللّه سبحانه.

4) (فَلَمَّ اللّه به الصَّدع) أي جمع سبحانه بسبب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) انشقاق الناس (ورتق) أي خاط (به الفتق) وهو شق الثوب (الواغرة في الصدور) الواغرة، بمعنى: الداخلة (والضغائن) جمع ضغينة، بمعنى الحقد (القادحة في القلوب) كان يتطاير شررها في قلوب أهل الجاهلية.

أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ (1)، وَإِلَّا فَجَنَاهُ أَيْدِيهِمْ لا تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ (2).

وَمِنْ كَلام لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في إحجام اللسان عن الكلام

أَلا إِنَّ اللَّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الإنسانِ، فَلا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إذا امْتَنَعَ، وَلا يُمْهِلُهُ النُّطْقُ إذا اتَّسَعَ (3). وَإِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلامِ (4)، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونه (5).

وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللّه أَنَّكُمْ فِي زَمَانِ الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَالنِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ، وَاللَّازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ. أَهْلُهُ مُعْتَكفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الإِدْهَانِ (6)، فَتَاهُمْ عَارِمٌ، وَشَائِبُهُمْ آيْمٌ، وَعَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ، وَقَارِئُهُمْ مُمَاذِقٌ. لا يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَلا يَعُولُ (7)غَنيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ.


1) (في للمسلمين) أي خَرَاجٌ وغنيمة (وجلب أسيافهم) أي ما جلبته أسيافهم في الجهاد (فإن شَرِكْتَهُم في حربهم) بأن حاربت معهم (كان لك مثل حظهم) يقسم المال على الكل بالسوية فيعطى لك قسم منه.

2) (وإلا فَجَناةُ أيديهم) أي ما جنته (لا تكون لغير أفواههم) لا نصيب لك فيه.

3) (بضعةٌ) أي قطعة (فلا يُسعده القول) أي لا يتأتى من اللسان التكلم (إذا امتنع) الإنسان عن الكلام بأن لم يستعد ذهنه لتخريج الكلام (ولا يُمهله النطق إذا اتسع) إذ تنحدر الألفاظ من اللسان انحدار السيل حتى لا يجد لإفراغ ما في ذهنه، مجالاً.

4) (وإنا لأمراء الكلام) يعني أن عَيَّ ابن أُختي ليس لعدم تمكنه، فإنَّا في الكلام كالأمير، وسائر الناس كالرعية، بل عَيَّهُ لعدم مساعدة ذهنه، لأن اللسان بضعة من الإنسان لا يسعده القول إذا امتنع.

5) (تنشبت) أي ثبتت (عروقه) كالشجرة التي تثبت أصولها (وعلينا تهدلت) أي تدلت (غصونه) فالمعاني السامية في أنفسنا، والألفاظ الفصيحة البليغة متدلية علينا.

6) (عن الصدق كليل) أي تعب للخوف أو الطمع المستولي على النفس ممّا يوجب ثقل الصدق (أهله معتكفون على العصيان) أي ملازمون له (مصطلحون على الإدهان) أي اصطلح بعضهم بعضاً على المجاملة في الدين.

7) (فَتَاهُم) أي شابهم (عارم) شرس سيّىء الخلق (وشائبهم) أي كبيرهم في السن (آثم) يعصى اللّه سبحانه ولا يمنعه شيبه عن الكف عن الإثم (ولا يعولُ) أي لا يعين.

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله وقد ذكر عنده اختلاف الناس

روى ذعلب اليماني عن أحمد بن قتيبة، عن عبد اللّه بن،يزيد عن مالك بن دحية، قال : كُنّا عند أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد ذُكِرَ عنده اختلاف الناس فقال :

إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِئُ طِينِهِمْ، وَذلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةٌ مِنْ سَبَحَ أَرْضِ وَعَذْبِهَا، وَحَزْنِ تُرْبَةٍ وَسَهْلِهَا (1)، فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ، وَعَلَى قَدْرِ اخْتِلافِهَا يَتَفَاوَتُونَ (2)، فَتَامُ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ، وَمَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ، وَزَاكِي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ (3)، وَقَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ، وَمَعْرُوفٌ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ (4)، وَتَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّب، وَطَلِيقُ اللّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ (5).

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله وهو يلي غسل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتجهيزه

بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللّه لَقَدْ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِ غَيْرِكَ


1) (إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِئُ طِينِهِمْ) أي عناصر تركيبهم التي هي الأصل فيهم (فلقة) أي قطعة (من سبخ أرض وعذبها) أي ملوحة الأرض الناشئة بالملح وعذبها التي لا ملوحة فيها (وحزنِ تُربةٍ) أي الخشن من الأرض (وسهلهَا) التي لا خشونة فيها، بل لين ونعومة.

2) (فهم على حسب قرب أرضهم) أي قرب أصل بعضهم لبعض في اللين والخشونة وما أشبه (يتقاربون) فنفران كانا من طين عذب تتقارب اخلاقهما وهكذا (وعلى قدر اختلافها) أي اختلاف أرضهم في الحزونة والسهولة وما أشبه (يتفاوتون) في الأخلاق.

3) (فتامُّ الرُّواءِ) أي المنظر والمعنى ذو النظر الحسن التام (ناقص العقل) خِلافَ مَنظرهِ (وماد القامة) بأن كانت قامته طويلة (قصير الهمة) لا يهتم للأمور العالية المحتاجة إلى طول زمان (وزاكي العمل) أي الذي عمله حسن (قبيح المنظر) فبين منظره وعمله خلاف.

4) (وقريب القعر) أي قصير الجسم، خفيفه في مقابل الإنسان السمين الشبيه بالإناء البعيد قعره (بعيد السَّبر) النظرة والفكرة والهمة والمسبار: آلةٌ يُقدِّرُ بها عمق الشيء (ومعروف الضريبة) أي الطبيعة (منكر الجليبة) ما يتصنعه الإنسان على خلاف طبعه كأنه يحلبه ويجلبه.

5) (وتائه القلب) لا يستقر قلبه على شيء، ولا ارتكاز فيه (متفرق اللُّب) أي العقل فتفكيره مشوش وميوله متناقضة (وطليقُ اللسان) أي فصيحه (حَديدُ الجنان) أي ثاقب الفكر، قوي الفهم، والجنان: القلب سمي به لتستره.

مِنَ النُّبُوَّةِ وَالأَنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ. خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ، وَعَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَوَاءٌ(1). وَلَوْلا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَع، لأنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّؤُونِ، وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلاً، وَالْحَمدُ مُحَالِفاً، وَقَلَّا (2)لَكَ، وَلكِنَّهُ مَا لا يُمْلَكُ رَدُّهُ، وَلا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! أُذْكُرْنا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ !

وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)اقتصَّ فيه ما كان منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد هجرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم لحاقه به

فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأْخَذَ رَسُولِ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم) - فَأَطَأُ ذِكْرَهُ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إلى الْعَرَج (3).

قال السيد الشريف (رَحمهُ اللّه) في كلام طويل : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فأطأ ذكره) من الكلام الذي رمى به إلى غايتي الإيجاز والفصاحة، أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أني كنت أعطى خبره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، من بدء خروجي إلى أن انتهيت إلى هذا الموضع (أي عَرَج) فكنَّى عن ذلك بهذه الكناية العجيبة (أي وطء الذكر) كأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يضع قدمه في مواضع يذكر فيها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).


1) (بأبي أنت وأمي أي أفديك أبي وأمي، لأنك أعزُّ منهما عندي خصصت) بالفضل أهلك وأقاربك (حتى صرت مسلياً عمن سواك) فلم يكن فقدهم لشيء محزناً لهم، بعد أن كان لهم مثلك (وعمَّمت) بالفضل عن جميع الناس حتى صار الناس فيك سواء فكلهم مغترف من فضلك مستفيد من رسالتك.

2) (لأنفدنا عليك ماء الشؤون) الشؤون: منابع الدمع من الرأس، أي أفنينا في فراقك ماء عيوننا (ولكان الداءُ مماطلا) فلا يذهب بل يبقى كالمماطل الذي لا يؤدي دينه، والمراد بالداء هنا الحُزن (والكمدُ) الحزن الكامن في النفس، الشديد التأثير (محالفاً) لنا، لا يُفارقنا (وقلاً) أي أنَّ الداء المُماطل والكمد المحالف قليلان.

3) (اقتص) أي قص وحكى (فجعلت أتبع مأخذ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) أي محل أخذه أي كنت أتساءل عن كيفية عمل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، من يوم فارق مكة بقصد الهجرة (فاطاً ذكره) كأنَّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يمشي في ذكر الرسول إذ يتتبع أخباره (العرج) موضع بين مكة والمدينة.

وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المسارعة إلى العمل

فَاعْمَلُوا وَأَنْتُمْ فِي نَفَسِ الْبَقَاءِ، وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ، وَالتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ، وَالْمُدْبِرُ يُدْعَى، وَالْمُسِيءُ يُرْجَى (1)، قَبْلَ أَنْ يَخْمُدَ الْعَمَلُ، وَيَنْقَطِعَ الْمَهَلُ، وَيَنْقَضِيَ الأَجَلُ، وَيُسَدَّ بَابُ التَّوْبَةِ، وَتَصْعَدَ الْمَلائِكَةُ (2).

فَأَخَذَ امْرُةٌ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَأَخَذَ مِنْ حَيٍّ لِمَيِّتٍ، وَمِنْ فَانِ لِبَاقٍ (3)، وَمِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِم. امْرُؤٌ خَافَ اللّه وَهُوَ مُعَمَّرُ إِلى أَجَلِهِ، وَمَنْظُورٌ إلى عَمَلِهِ (4). امْرُؤٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا، وَزَمَّهَا بِزِمَامِهَا (5)، فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللّه، وَقَادَهَا بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اللّه.

وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شأن الحكمين وذم أهل الشام

جُفَاةٌ طَغَامُ، وَعَبِيدٌ أَقْزَامٌ، جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ. وَتُلُقّطُوا مِنْ كُلِّ


1) (في نفس البقاء) أي سعة البقاء، وسميت السعة نفساً كأن البقاء يتنفس وله حياة بعد (والصُّحفُ) التي تُكتب فيها أعمالكم، (منشورة) فإنَّ الإنسان ما دام حياً تبقى صحفه منشورة ليدرج فيها عمله (والتوبة مبسوطة) أي لها مجال فتقبل (والمُدبرُ) أي الذي أدبر عن اللّه سبحانه بالكفر والعصيان (يُدعى) يدعوه سبحانه إلى الإيمان والإطاعة (والمسيء يرجى) أن يقلع عن أساءته حيث ينفعه الإنقلاع.

2) قبل أن يخمد العمل أي يبطل فلا عمل بعد الموت (وينقطع المهل) أي المهلة (وينقضي الأجل) أي تفنى مدة بقاء الإنسان في الدنيا (وتصعَدُ الملائكةُ) الحافظون لعمل الإنسان فإنَّه إذا مات لم تبق حفظته في الأرض لانتهاء مهمتهم.

3) (فَأَخذ امْرُؤٌ من نفسه لنفسه) [أخذ] ماض بمعنى الأمر، أي فليأخذ كل امرئ من نفسه يصرفها الأعمال الصالحة لنفسه أي لنجاتها (وأخذ من حي) أي نفسه وهو حي (لميت) أي لحالة موته (ومِنْ فانٍ) وهو جسمه (لباق) وهو الإنسان في عالم الآخرة.

4) (وهو معمَّرٌ) أي يعمر ويبقى في الدنيا (إلى أجله) الذي هو وقت موته (ومنظور) أي أُعطي المُهلةَ والنظرة (إلى عمله) الذي يعمله وهو في الدنيا.

5) (امرقٌ الجَم نفسه بلجامها) ولجام النفس التقوى التي تحول بين الإنسان وبين المُحرَمات (وزمها) أي قادها (بزمامها) أي بالحبل الذي تُقاد به النفس وهو حبل الشريعة.

شَوْبٍ (1)، مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَيُوَدَّبَ، وَيُعَلَّمَ وَيُدَرَّبَ، وَيُوَلَّى عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ (2). لَيْسَوُا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَلَا مِنَ الَّذِينَ تَبَوؤُوا الدَّارَ(3).

أَلا وَإِنَّ الْقَوْمَ اخْتَارُوا لأَنْفُسِهِمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ ممّا تَكْرَهُونَ (4). وَإِنَّمَا عَهْدُكُمْ بَعَبْدِ اللّه بْنِ قَيْسٍ بِالأمْسِ يَقُولُ: [إِنَّهَا فِتْنَةٌ، فَقَطْعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَشِيمُوا سُيُوفَكُمْ] (5). فَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِيرِهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِ (6)، وَإِنْ كَانَ كَاذِباً فَقَدْ لَزِمَتْهُ التَّهَمَةُ. فَادْفَعُوا فِي صَدْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِعَبْدِ اللّه بْنِ الْعَبَّاسِ الْعَبَّاسِ (7)، وَخُذُوا مَهَلَ الأَيَّامِ (8)، وَحُوطُوا قَوَاصِيَ


1) (جفاةٌ) جمع جافٍ، بمعنى غليظ القلب (طغام) أوغاد الناس وأراذلهم (أقزام) جمع قزم، وهو الرذيل الذي لا يُعرف له كيان (جُمِعوا من كل أوب) أي من كل ناحية وهذه عادة الأشرار دائماً (وتلقطوا) الالتقاط : الجمع والأخذ من الأرض (من كل شوب) أي كل خلط، فهم ليسوا بصراح النسب، بل شائبة.

2) (مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَيُؤَدَّبَ) أي أنهم جُهلاء أصحاب رذيلة، فاللازم أن يعلموا ويؤدبوا بالآداب (ويدرب) أي يُمرنوا على العمل فلا أصل لهم ولا شرف، ولا حسب لهم ولا أدب (ويُوَلَّى عليه) أي يكون له ولي يلي شؤونه، فإنَّهم سُفهاءَ لا رشد فيهم (ويؤخذ على يديه) حتى لا يتصرف تصرفاً سيئاً.

3) (ليسوا من المهاجرين والأنصار) ذوي السوابق والعلم والآداب (ولا من الذين تبوأوا الدار) أي نزلوا المدينة المنورة ممن اجتمع حول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، من غير مكة.

4) (اختاروا لأنفسهم أقرب القوم ممّا تكرهون) أي اختاروا في التحكيم أبا موسى الأشعري، واسمه عبد اللّه بن قيس وهذا الرجل كان قريباً إلى ما يكره أصحاب الإمام، لأنَّه كان ضد الإمام، وضد قيامه بالحرب أمام الطغام.

5) (إنها فتنة) أي هذه الحرب بين الإمام وبين الناقضين لبيعته (فقطعوا أوتاركم) أي أوتار القسي وهو ما يُرمى منه (وشيمُوا) أي أغمدوا (سيوفكم)، وذلك كناية عن عدم الحرب، فكان أبو موسى يخذِّل عن الإمام ويُثَبِّط عزائم المؤمنين في محاربة مناوئي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

6) (فإن كان صادقاً) في أنَّ هذه الحرب فتنةٌ (فقد أخطأ بمسيره) إلى الفتنة بنفسه (غير مستكره) إذ لم يكره أحد أبا موسى ليسير إلى الحرب ويدخل فيها ويكون حكماً في الأمر فعمله خلاف عقيدته، ومثل هذا الشخص لا يعتمد عليه.

7) (وإن كان كاذباً) في قوله: إنها فتنة (فقد لزمته التهمة) إذ كان عارفاً بالحق، ومع ذلك تكلم بالباطل (فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن العباس) فقد رشح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمحاجة من جانبه ابن عباس، لأنه كفؤ لعمرو ويعلم مكائده.

8) (وخذوا مهل الأيام) أي اجعلوا أيام المهلة بين الجانبين حيث عطلت الحرب مدة مديدة لحكم الحكمين لتجديد قواكم واستعدادكم للحرب من جديد.

الإسلام (1). أَلا تَرَوْنَ إِلى بِلَادِكُمْ تُغْزَى، وَإِلى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى (2)؟

وَمِنْ خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يذكر فيها آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ. يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ حِكَمِ مَنْطِقِهِمْ (3). لا يُخَالِفُونَ الْحَقِّ وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، هُمْ دَعَائِمُ الإسلامِ، وَوَلائِجُ الاعْتِصَامِ (4). بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ فِي نِصَابِهِ، وَانْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ، وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ (5). عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَةٍ، لا عَقْلَ سَمَاعٍ وَرِوَايَةٍ (6). فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ.

وَمِنْ كَلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله لعبد اللّه بن العباس

وقد جاءه برسالةٍ مِنْ عثمان، وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع،


1) (وحوطوا قواصي الإسلام) جمع قاصية وهي الأطراف البعيدة، ومعنى إحاطتها حفظها من غارة أهل الفتنة عليها، وقد كان الأمر كما قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنَّ معاوية أغار على أطراف بلاد الإمام حيث رأى تفرق جيش الإمام.

2) (ألا ترون إلى بلادكم تُغزى) وتهاجم بسبب معاوية ؟ (وإلى صفاتكم) الصفاة الحجر الصلب، والمراد منها هنا القوة (تُرمى) أي أن قواكم صارت مطمعا للأعداء.

3) (هُم عيشُ العلم وموتُ الجهل) إذ العلم لا يعيش إلّا بسبب العلماء، (يخبركم حلمهم عن علمهم) فإنَّ العالم يكون حليما، (وصمتهم عن حكم منطقهم) فإن الصمت دليل العقل الذي هو بدوره دليل على المنطق الحكيم.

4) (لا يخالفون الحقِّ) إلى الباطل (ولا يختلفون فيه) بأن يخالف أحدهم الآخر (وولائج الاعتصام) ولائج جمع وليجة، وهي ما يدخل فيها الإنسان فراراً من مطر أو عدو أو سبع أو ما أشبه، أي أنَّ باتباع طريقهم يعتصم الإنسان من الانحراف والزلل.

5) (بهم عاد الحق في نصابه) أي أصله المقدر له (وانزاح) أي زال (الباطل عن مقامه) الذي أقام فيه (وانقطع لسانه عن منبته) أي المحل الذي نَبُتَ فيهِ، أي أصله، وهذا كناية عن انقطاع حجة الباطل أمام حجة الحق.

6) (عقلوا الدين عقل وعاية) بأن وعوه واشتملوا عليه (ورعاية) بأن رعوه ولاحظوه لئلا يتعدى عليه متعدٍ ولا يُحَرِّفَهُ مُحَرِّفْ (لا عقل سماع ورواية) فلم يكونوا مجرد سامع لأحكام الدين، ورووا من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى الغير، بدون تفهم وتَدَبَّر.

ليقل هتف الناس باسمه للخلافه، بعد أن سأله مثل ذلك من قبل. لقد كان الثوار المجتمعون في المدينة من البلاد لأجل إعطاء عثمان مطالبهم، وأمره بعدل الولاة في المسلمين يئسوا من عثمان، ولذا حاصروه في داره واعلموا أنهم لم يفكوا الحصار حتى يخرج من مظالمهم، وكان جماعة منهم في تلك الأثناء ينادي باسم الإمام خليفة مكان عثمان وهذا ما ساء عثمان، فأرسل إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يأمره بالخروج - مسفّراً - إلى خارج المدينة، حيث كان للإمام هناك مال يُسمى ينبع ] المعروف بهذا الأسم إلى يومنا هذا، فخرج الإمام، ثم بعد أن رأى عثمان أنه لا يمكن لشخص غير الإمام حل المشكلة طلبه وجعله سفيراً بينه وبين الثوار.

فجاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأراد الإصلاح، لكن عثمان أبى العمل بنصح الإمام ومطاليب المسلمين وعاد المسلمون إلى حصارهم، فطلب عثمان ابن عباس وقال له أبلغ الإمام لزوم خروجه من المدينة ثانياً، حيث سمع الهتاف باسم الإمام خليفة من الثائرين، فلما أبلغ ابن عباس الإمام مقالة عثمان، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

يَا بْنَ عَبَّاسٍ، مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلاً نَاضِحاً بِالْغَرْبِ (1): أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ ! بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدَمَ، ثُمَّ هُوَ الآنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ! وَاللّه لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ آثِماً (2).

وَمِنْ كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحث فيه أصحابه على الجهاد

وَاللّه مُسْتَأْدِيكُمْ شُكْرَهُ وَمُوَرِّتُكُمْ أَمْرَهُ، وَمُمْهِلُكُمْ فِي مِضْمَارٍ مَحْدُودٍ (3)،


1) (إِلَّا أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلاً نَاضِحاً بِالْغَرْبِ) الغرب: الدلو العظيم، والجمل الناضح، هو الذي يستقي الماء من البئر ونحوها، فإنَّه إذا ذهب نحو البئر تدلت الدلو إلى الماء، وإذا رجع صعدت الدلو، فيأخذها الزراع، ونحوه ليكبها.

2) (أقبل وأدبر) كيف ما شاء عثمان، والكلام تضجر واستهزاء (بعث) عثمان (إليَّ أن أخرج) من المدينة، فخرجت (ثم بعث إلي أن أقدم) وأرجع إلى المدينة، فرجعت (ثم هو الآن يبعث إليَّ أنْ أَخرُج) من المدينة (واللّه لقد دفعت عنه) ورددت الثوار (حتى خشيت أن أكون آثما) حيث كان الحق مع الثوار، والمراد ليست الخشية حقيقة، بل هذا كناية لكثرة المدافعة.

3) (مستأديكم شكره) أي طالب منكم أداء شكره (ومورثكم أمره) أي يورث أمر الدين إياكم، حيث قمتم بأمره وإطاعته (وممهلكم في مضمار محدود) أي معطيكم المُهلة في مضمار الحياة المحدود بالأجل، والمضمار هو محل تربية الخيل وإضماره، ليتمكن من السبق يوم المسابقة.

لِتَتَنَازَعُوا سَبَقَهُ، فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ(1)، وَاظْرُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ، وَلا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَوَلِيمَةٌ (2)مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ، وَأَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الْهِمَمِ (3)!

وصلى اللّه على سيدنا محمَّدٍ النَّبي الأمي وعلى آله مَصابيح الدجى والعُروة الوثقى(4)، وسلم تسليماً كثيراً.


1) (لتتنازعوا سبقه) السبق هو الشيء الثمين الذي يكون عليه التسابق، فيأخذه السابق من المتسابقين، ومعنى التنازع التنافس في احتواء أكبر قدر من الثواب والجنة (فشدوا عقد المآزر) العقد : جمع عقدة، والمآزر : جمع مئزر، وهو [الفوطة] وشد عقدها كناية عن الجد والعمل.

2) (واطوُوا فضول الخواصر) فإنَّ الإنسان إذا أراد العمل، جمع فاضل ثوبه لئلا يلتف بقدمه، فيمنعه من الحركة (ولا تجتمع عزيمة) أي عزم راسخ للعمل (ووليمةٌ) أي الأطعمة الشهية، يعني تجتمع معالي الأمور مع طلب اللذائذ والشهوات.

3) (ما أنقض النوم لعزائم اليوم) أي ما أشد النوم نقضاً لعزيمة الإنسان فإذا نام الشخص لم يتمكن من إنفاذ عزمه وإرادته (وأمحى الظلم) أي ما أكثر ما يمحى ظلمة الليل، فإن ظلم جمع ظلمة (لتذاكير الهمم) أي تذكار الهمة التي كانت بالنهار، فإذا جاء الليل ارتخى الإنسان، ولم يمض ما بناه وعزَمَ عليه في النهار.

4) (النَّبي الأمي) المنسوب إلى أم القرى وهي مكة، لأن البلاد مُدت من تحتها، كما في الأحاديث (والعروة الوثقى) أي المحكمة التي إذا أخذ بها الإنسان لم يخف انفصامها، حتى يبقى بلا ماء.

باب المختار من كتب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أعدائه، وأمراء بلاده

إشارة:

ويدخل في ذلك ما اختير من عهوده إلى عُمَّاله، ووصاياه لأهله وأصحابه

وَمِنْ كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أهل الكوفة، عند مسيره من المدينة إلى البصرة

مِنْ عَبْدِ اللّه عليّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلى أَهْلِ الْكُوفَةِ، جَبْهَةِ الأَنْصَارِ وَسَنَامِ الْعَرَبِ(1).

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِيَانِهِ، إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ، فَكُنْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ اسْتِعْتَابَهُ وَأُقِلُ عِتَابِهُ (2)، وَكَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَهْوَنُ سَيْرِهِمَا فِيهِ الْوَجِيفُ، وَأَرْفَقُ حِدَائِهِمَا الْعَنيفُ (3). وَكَانَ مِنْ عَائِشَةَ فِيهِ فَلْتَهُ غَضَبٍ، فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ فَقَتَلُوهُ، وَبَايَعَنِي النَّاسُ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِينَ وَلا مُجْبَرِينَ، بَلْ طَائِعِينَ مُخَيَّرِينَ (4).

وَاعْلَمُوا أَنَّ دَارَ الْهِجْرَةِ قَدْ قَلَعَتْ بِأَهْلِهَا وَقَلَعُوا بِهَا، وَجَاشَتْ جَيْسَ


1) (جَبْهَةِ الأنْصَارِ) المراد أنصاره (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لا أنصار الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وتشبيههم بالجبهة تشريف لهم، كأنهم في أعلى مرتبة من مراتب انصاره (وسنَامِ العرب) السنام المحل المرتفع في ظهر الإبل، وإنما شبههم بالسنام ترفيعاً لهم.

2) (سمعُهُ كعيانه) أي سماعكم كالرؤية لا تخفي عليكم من الأمر خافية (إن الناس طعنوا عليه) أي عابوا أعماله (أُكْثِرُ استعتابَهُ) أي استرضاءه حتى يرضى عن الناس فيعطيهم مطاليبهم المشروعة (و أقل عتابه) والعيب عليه.

3) (أهون سيرهما فيه) أي في أمر عثمان والنقمة عليه (الوجيف) أي السريع، وهذا كناية عن مسارعتهما في إثارة الفتنة عليه وكثرة الطَّعن فيه (وأرفق حدائهما العنيف) الحداء: زجل الإبل السيره، والعنيف التسيير بكل شدة وعنف.

4) (فلتةُ غَضَب) الفلتة ما يصدر من الإنسان من قول أو عمل فجأة وبلا روية، فقد كانت عائشة تُحرِّض الناس عليه أشد تحريض (فأُتيح له قوم) أي هُيِّئ لعثمان جماعة.

الْمِرْجَلِ (1)، وَقَامَتِ الْفِتْنَةُ عَلَى الْقُطْبِ، فَأَسْرِعُوا إِلى أَمِيرِكُمْ، وَبَادِرُوا جِهَادَ عَدُوِّكُمْ، إِنْ شَاءَ اللّه عَزَّ وَجَل (2).

وَمِنْ كتاب لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليهم، بعد فتح البصرة

وَجَزَاكُمُ اللّه مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَحْسَنَ مَا يَجْزِي الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِهِ، وَالشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ، فَقَدْ سَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَدُعِيتُمْ فَأَجَبْتُمْ (3).

وَمِنْ كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لشريح بن الحارث قاضيه

بَلَغَنِي أَنَّكَ ابْتَعْتَ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً، وَكَتَبْتَ كِتَاباً، وَأَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُوداً.

فقال له شريح : قد كان ذلك يا أمير المؤمنين. قال : فنظر إليه نظر المغضب ثم قال له :

يَا شُرَيْحُ، أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ، وَلا يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ، حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصاً، ويُسْلِمَكَ إِلى قَبْرِكَ خَالِصاً (4). فَانْظُرْ يَا شُرِيحُ لا


1) (دار الهجرة) أي المدينة التي كانت هجرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأصحابه إليها (قد قلعت بأهلها) إذ انتقل أهلها، الإمام وأصحابه المهاجرون والأنصار - من بقي منهم - إلى صوب العراق وقلعوا بها) أي فارقوها (وجاشت) أي غلت (جيش المِرجَلِ) أي مثل غليان القدر، لتدفع فتنة عائشة وطلحة والزبير.

2) (وقامت الفتنةُ على القُطب) أي قطب الخلافة وهو الإمام، وإخماد مثل هذه الفتنة أولى من الفتنة التي تقوم على الأطراف والجوانب.

3) (وجزاكم اللّه من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم) أي جزاكم من جهة نصرتكم لاولئكم (أحسن ما يجزي العاملين بطاعته) إذ أطعتم يا أهل الكوفة في نصرة خليفة الرسول وسائر أهل بيته (والشاكرين لنعمته) إن شكرتم نعمة الخليفة بنصركم له.

4) (ابتعت) أي اشتريت (داراً بثمانين ديناراً وكتبت كتاباً) أدرجت فيه البيع سيأتيك من لا ينظر في كتابك أي الموت، أو عزرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) (حتى يُخرجك منها) أي من هذه الدار (شاخصاً) أي ذاهباً بك إلى قبرك (خالصاً) أى مُجرداً عن تلك الدار.

تَكُونُ ابْتَعْتَ هذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلالِكَ! فَإذا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الآخِرَةِ (1)، أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا اشْتَرَيْتَ، لَكَتَبْتُ لَكَ كِتَاباً عَلَى هَذِهِ النَّسْخَةِ، فَلَمْ تَرْغَبُ فِي شِرَاءِ هذِهِ الدَّارِ بِدِرْهَم فَمَا فَوْقُ.

وَالنسخة هذه : هذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ مِنْ عَبْدِ قَدْ أُزْعِجَ لِلرَّحِيل، اشْتَرَى مِنْهُ دَاراً مِنْ دَارِ الْغُرُورِ، مِنْ جَانِبِ الْفَانِينَ، وَخِطَّةِ الْهَالِكِينَ (2). وَتَجْمَعُ هذِهِ الدَّارَ حُدُودٌ أَرْبَعَةُ : الْحَدُّ الأَوَّلُ يَنْتَهِي إِلى دَوَاعِي الآفَاتِ، وَالْحَدُّ الثَّانِي يَنْتَهِي إلى دَوَاعِي الْمُصِيبَاتِ وَالْحَدُّ الثَّالِثُ بِنْتَهِي إلى الْهَوَى الْمُرْدِي، وَالْحَدُّ الرَّابِعُ بِنْتَهِي إلى الشَّيْطَانِ الْمُغْوِي وَفِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هذِهِ الدَّارِ (3). اشْتَرَى هذَا الْمُغْتَرُّ بِالأَمَلِ مِنْ هذَا الْمُزْعَجِ بِالأَجَلِ، هَذِهِ الدَّارَ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزّ الْقَنَاعَةِ، وَالدُّخُولِ فِي ذَلّ الطَّلَبِ وَالضَّرَاعَةِ (4)، فَمَا أَدْرَكَ هذَا الْمُشْتَرِي فِيمَا اشْتَرَى مِنْ دَرَكٍ، فَعَلَى مُبَلْبِلِ أَجْسَامِ الْمُلوك، وَسَالِبِ نُفُوسِ الْجَبَابِرَةِ، وَمُزِيلٍ مُلْكِ الْفَرَاعِنَةِ، مِثْلِ كِسْرَى وَقَبْصَرَ، وَتُبَّع وَحِمْيَرَ (5)، وَمَنْ جَمَعَ الْمَالَ


1) (من غير مالك) كمال الرشوة والأيتام والأمانات وما أشبه (أو نقدت الثمن) أي أعطيته (من غير حلالك) بأن كان من مالك المشتبه.

2) (لكتبت لك كتاباً على هذه النسخة) الآتية (بدرهم فما فوق) حيث توجب هذه النسخة التنبيه والإيقاظ (قد أزعج للرَّحيل) أي حرك تحريكاً موجباً لأذاه (دار الغرور) أي الدنيا (من جانب الفانين) أي من طرف أناس قد فنوا (وخطة الهالكين) أي صوبهم.

3) (دواعي الآفات) جمع آفة، وهي: البلاء في المال، (دواعي المُصيبات) أي ما يُصيب الإنسان في أهله وبدنه (الهوى المردي) أي هوى النفس الموجبة لهلاك الإنسان (الشيطان المغوي) الذي يغوي الإنسان ليهلكه، والمراد بهذه الحدود إنَّ الإنسان مُعَرَّضٌ لهذه الأخطار الأربعة (يُشرَعُ بابُ هذهِ الدَّار) كناية عن اختلاف الشيطان ذهاباً وإياباً إلى الإنسان.

4) (اشترى هذا المغترُّ بالأمل) أي شرع الذي غرَّه وخدعه البقاء في الدنيا (من هذا المزعج بالأجل) أي المضطرب بسبب الأجل والموت (الخروج من عِزّ القناعة) التي كان فيها حيث لا دار له (والدخول في ذلّ الطلب) فإنَّ الطالب للشيء أسير له (والضَّراعة) أي الاستكانة والتضرع.

5) (فما أدرك هذا المشتري) أي لحقه (من دَركٍ) أي تبعة ونقص (فعلى مبلبل أجسام الملوك) أي لو ظهر نقص، فعلى اللّه سبحانه أن يجمع بين البائع والمشتري في يوم الحساب، ليرى هناك لمن الحق، ومبلبل الجسم مهيج دائه (وسالب نفوس الجبابرة) أي مهلكهم - وهو اللّه.

عَلَى الْمَالِ فَأَكْثَرَ، وَبَنَى وَشَيَّدَ وَزَخْرَفَ وَنَجَّدَ، وَادَّخَرَ وَاعْتَقَدَ، وَنَظَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ، إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً إلى مَوْقِفِ الْعَرْضِ وَالْحِسَاب (1)، ومَوْضِعِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ : إذا وَقَعَ الأَمْرُ بِفَضْلِ الْقَضَاءِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ، شَهِدَ عَلَى ذلِكَ الْعَقْلُ إذا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى، وَسَلِمَ مِنْ عَلائِقِ الدَّنْيَا.

وَمِنْ كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بعض أمراء جيشه

فَإِنْ عَادُوا إلى ظِلٍّ الطَّاعَةِ (2)فَذاكَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ تَوَافَتِ الأُمُورُ بِالْقَوْمِ إلى الشَّقَاقِ وَالْعِصْيَانِ، فَانْهَدْ (3)بِمَنْ أَطَاعَكَ إِلى مَنْ عَصَاكَ، وَاسْتَغْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ، فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ (4).

وَمِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أشعث بن قيس عامل أذربيجان

وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعَى لِمَنْ فَوْقَكَ. لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّةٍ (5)، وَلا تُخَاطِرَ إِلَّا بِوَثِيقَةٍ، وَفِي يَدَيْكَ


1) (ونجد) أي زيَّنَ (وادّخر واعتقد) المال: أي اقتناه (ونظر بزعمه للولد) أي فكر في أَنْ يَدَّخِرَ المال لأولاده من بعده (اشخاصهم جميعاً) أي إذا ظهر نقص في الدار، فعلى اللّه سبحانه إرسال البائع والمشتري (إلى موقف العرض والحساب) أي القيامة.

2) وذلك حين انتهى أصحاب الجمل إلى البصرة، فكتب إلى واليه عثمان بن حنيف، يأمره بإخضاعهم (فإنْ عادوا إلى ظِلٍّ الطاعةِ) الطاعة باعتبارها موجباً للرفاه، جعل لها ظل.

3) (وإن توافت الأمور بالقوم) توافى أي وافى بعضهم بعضاً، حتى تم اجتماعهم (فانهد) أي انهض.

4) (فإنَّ المُتكاره) المتثاقل الذي يكره الحرب (مَغيِبُهُ خير من مشهده) إذ غيابه يوجب قلة نفر واحد، أما شهوده فإنَّه موجب لأن يخذل غيره (وقعوده أغنى من نهوضه) أي أكثر فائدة عن أن ينهض للحرب.

5) (وإنَّ عملك ليس لك بطعمة) فلا تجعل ولايتك لاستدرار المادة والمال (وأنت مُسترعى لمن فَوقَكَ) أي يرعاك ويواظب على تصرفاتك الخليفة الذي هو فوقك ليس لك أن تفتات في رعية) أي تستبد فيهم.

مَالٌ مِنْ مَالِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ (1)، وَأَنْتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلّمَهُ إِلَيَّ، وَلَعَلّي أَنْ لا أَكُونَ شَرَّ وَلَاتِكَ لَكَ، وَالسَّلَامُ.

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى معاوية

إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلا لِلغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ (2)، وَإِنَّمَا السُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ للّه رِضْى، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلى مَا خَرَجَ مِنْه، فَإِنْ أَبِي قَاتَلُوهُ عَلَى اتَّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلاهُ اللّه مَا تَوَلَّى (3).

وَلَعَمْرِي، يَا مُعَاوِيَةُ، لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَم عُثْمَانَ، وَلَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلَّا أَنْ تَتَجَنَّى، فَتَجَنَّ مَا بَدَا لك (4)! وَالسَّلامُ.


1) (ولا تُخَاطِرِ) المخاطرة : إلقاء النفس في الخطر، والمراد به الدنيوي والأخروي (إلا بوثيقة) أي دليل شرعي، وإجازة من الخليفة (مال اللّه عز وجل) وهو ما يجتمع في بيت المال (وأنت من خزانه) جمع خازن، وهو الحافظ.

2) (فلم يكن للشاهد) الحاضر الذي لم يبايع بعد (أن يختار) لنفسه خليفة آخر (ولا للغائب أَنْ يَرد) لأن الميزان لو كان بيعة أهل الحل والعقد في عاصمة الإسلام، فقد بايعنيى أولئك، وإن كان الميزان غير ذلك فكيف رضيت أنت ببيعة أولئك.

3) (وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار) لأنهم أهل الحل والعقد الذين عرفوا الإسلام أحسن من غيرهم (فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعَةٍ) بأن اشترط شيئاً آخر في الخليفة، وأتى بشرط جديد (ردّوه إلى ما خرج منه) بالنصح والإرشاد، ليأخذ بما أخذ به المسلمون (وولاه اللّه ما تولى) أي جعله اللّه مُحباً لما أحب، وتابعاً لما تَبِع.

4) (ولعمري) قسمٌ بنفسه الشريفة (إلا أن تتجنَّى) أي تدعي الجناية على من لم يفعلها (فتجنَّ) أي تستر (ما بدا لك) أي ما ظهر لك وانقدح في نفسك أن تخفيه.

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه أيضاً

أَمَا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ، وَرِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ نَمَّقْتَهَا بِضَلالِكَ، وَأَمْضَيْتَهَا بِسُوءٍ رَأْيِكَ (1)، وَكِتَابُ امْرِىءٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ، وَلا قَائِدٌ يُرْشِدُهُ، قَدْ دَعَاهُ الْهَوَى فَأَجَابَهُ، وَقَادَهُ الصَّلالُ فَاتَّبَعَهُ، فَهَجَرَ لاغِطاً، وَضَلَّ خَابِطاً (2).

منه : لأَنَّهَا بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ لا يُثَنَّى فِيهَا النَّظَرُ، وَلا يُسْتَأَنَفُ فِيهَا الْخِيَارُ. الْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ، وَالْمُرَوِّي فِيهَا مُدَاهِنٌ (3).

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى جرير بن عبد اللّه البجلي لما أرسله إلى معاوية

أَمَّا بَعْدُ، فَإِذا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِلْ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْفَصْلِ، وَخُذْهُ بِالأَمْرِ الْجَزْمِ (4)، ثُمَّ خَيْرَهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ، أَوْ سِلْمٍ مُخْزِيَةٍ، فَإِن الخَتَارَ الْحَرْبَ فَانْبِذْ إِلَيْهِ (5)، وَإِنِ اخْتَارَ السِّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ، وَالسَّلام.


1) (موعظة موصلة) أي ملفقة من كلام مختلف وصل بعضه ببعض (ورسالة محبرة) أي مزينة بالألفاظ والعبارات (نمقتها بضلالك) أي حسنت بلاغتها بسبب ضلالك، إذ تريد أكل الحق بالكتب والعبارات (وأمضيتها بسوء رأيك) أمضيتها، أي بعثتها إلي، حيث إن رأيك سيّىء تظن أنَّ لإمارة الدنيا قيمة وقدراً.

2) (وكتاب امرىء ليس له بصر يهديه) أي بصيرة توجب هدايته (فهجر) أي هذى في كلامه (لاغطاً) من اللغط بمعنى الجلبة بلا معنى (وضل خابطاً) قد خرج الكلام بلا ميزان.

3) (بيعة واحدة لا يثنّى فيها النظر) أي لا ينظر فيها ثانيا بعدما نظر اليها أولا، بل تنفذ البيعة إذا تمت (ولا يستأنف فيها الخيار) أي لا اختيار لأحدٍ أن يستأنف البيعة بعد عقدها وقبول الناس لها (الخارج منها طاعنٌ) في عمل المسلمين (والمروي فيها) أي الذي يتفكر ويتروى هل يقبلها أم لا؟ (مداهن) أي منافق.

4) (أما بعد) أي بعد الحمد والصلاة، (فإذا أتاك كتابي) هذا (فاحمل) أي الزم (معاوية على الفصل) أي الحكم القطعي، في أنه يرضخ، أو يأبى (وخذه بالأمر الجزم) أي القطع في أحد الطرفين.

5) (ثم خيره بينَ حرب مجلية) أي مخرجة له من وطنه، إن أبى التسليم لبيعتي (أو سلم مخزيةً) أي تخزيه وتذلُّ كبرياءه، وذلك بقبوله البيعة (فانبذ إليه) أي اعلمه من قبلي بالحرب، وإنّي أعامله معاملة المحارب.

وَمن كتاب لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحكي معاملة قريش للرسول في أول الدعوة

فَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا، وَاجْتِيَاحَ أَصْلِنَا، وَهَمُّوا بِنَا الْهُمُومَ وَفعَلُوا بِنَا الأفَاعِيلَ (1)، وَمَنَعُونَا الْعَذْبَ وَأَحْلَسُونَا الْخَوْفَ، وَاضْطَرُّونَا إِلى جَبَلٍ وَعْرٍ (2)، وَأَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الْحَرْبِ، فَعَزَمَ اللّه لَنَا عَلَى الذَّبٌ عَنْ حَوْزَتِهِ وَالرَّمْيِ مِنْ وَرَاءِ حُرْمَتِهِ (3). مُؤْمِنُنَا يَبْغِي بِذلِكَ الأَجْرَ، وَكَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الأَصْلِ (4). وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْشٍ خِلْوٌ ممّا نَحْنُ فِيهِ بِحِلْفٍ يَمْنَعُهُ، أَوْ عَشِيرَةٍ تَقُومُ دُونَهُ، فَهُوَ مِنَ الْقَتْلِ بِمَكَانِ أَمْن(5).

وَكَانَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآله وسلم) إذا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَأَحْجَمَ النَّاسُ، قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصْحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالأَسِنَّةِ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُؤنَةٌ (6). وَأَرَادَ مَنْ


1) (فأراد قومنا) أي العرب، أو قريش (واجتياح) أي استئصال وقطع (أصلنا) فإنَّ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أصل بيته وهموا بنا الهموم أي قصدوا إنزالها بنا (وفعلوا بنا الأفاعيل) جمع افعولة: وهي الفعلة الرديئة من الإلجاء إلى الشعب والتعذيب والإهانة وما أشبه.

2) (ومنعونا العذب) أي هنيء العيش أو الماء العذب (وأحلسُونا الخوف) أي الزمونا الخوف، بأفعالهم وتهديداتهم (واضطرُّونا إلى جبل وعرٍ) كناية عن إلجاء الكفار لهم إلى الشدائد، كالذي يضطر إلى أن يصعد جبلاً وعراً شديداً حيث يلاقي الشدائد والمصائب.

3) (وأوقدوا لنا نار الحرب) أي حاربونا، وإنما قيل نار الحرب، تشبيها لها بالنار التي تأكل الحطب وما أشبه، والحرب تأكل الناس وتحطمهم (فعزم اللّه لنا) أي أراد لنا على النَّب عن حوزته أي نذب وندفع عن شريعته (والرَّمي من وراء حُرمته) حرمة اللّه أحكامه، والرمي من ورائها كناية عن الدفاع عنها.

4) (وكافِرُنا) إذا دافع عن الرسول، كما دافع أبو لهب عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بعض الأوقات (يحامي عن الأصل) العشيرة، فلم يكن لنا مدافع لأجل مال أو منصب أو ما أشبه.

5) (ومن أسلم من قريش) غير قبيلة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأهله الأدنين (خلو ممّا نحنُ فيه) أي خالٍ من الهموم والشدائد التي كُنا نقاسيها بسبب إسلامنا (بحلف يمنعه) فله حلف مع عشيرة يمنعه ذلك الحلف من أن يؤذيه الكفار (أو عشيرةٍ تقومُ دونَهُ) فإنَّ عشائرهم كانوا يحامون عنهم.

6) (إذا احمَرَّ البأس) أي اشتد القتال، فإن القتال إذا اشتد جرت الدماء فيه كثيراً وذلك احمراره (وأحجم الناس) أي فروا وتقهقروا (فوقى بهم أصحابه حرَّ السيوف والأسنة) جمع سنان، بمعنى: الرمح، أي جعل أهل بيته وقاية لأصحابه، فيلاقون حرارة السيف والرمح دون أصحابه.

لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلكِنَّ أَجَالَهُمْ عُجِّلَتْ، وَمَنِيَّتَهُ أُجُلَتْ، فَيَ اعَجَباً لِلدَّهْرِ ! إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي، وَلَمْ تكُن له كَسَابِقَتِي الَّتي لا يُذلِي أحدٌ بِمِثْلِهَا، إِلَّا أَنْ يَدَّعِي مُدَّعِ مَالَا أَعْرِفُهُ، وَلا أَظُنُّ اللّه يَعْرِفُهُ. وَالْحَمْدُ للّه عَلَى كُلِّ حَالٍ (1).

وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفْعِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَيْكَ، فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ، فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَلا إلى غَيْرِكَ (2)، وَلَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعُ عَنْ غَيِّكَ وَشِقَاقِكَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيلٍ يَطْلُبُونَكَ (3)، لا يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَرٍّ وَلا بَحْرٍ، وَلا جَبَلٍ وَلا سَهْلٍ إِلَّا أَنَّهُ طَلَبٌ يَسُوءُكَ وِجْدَانُهُ، وَزَوْرٌ لا يَسُرُّكَ لُقْيَانُهُ، وَالسَّلامُ لأَهْلِهِ (4).

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه أيضاً

وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعُ إِذا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلابِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ


1) (وأَراد من لو شئتُ ذكرتُ اسمه) مصداقه [الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)] لم يسم نفسه تواضعاً، أي إني أردت (يقرن بي من لم يسعَ بقدمي) أي بمثل وقوفي على قدمي لأجل الدين، والمراد ب [من] معاوية (ولم تكن له كسابقتي) إذ لا سابقة لمعاوية إلا الكفر والقيام ضد الإسلام (التي لا يدلي أحدٌ بمثلها) أي لا يقول أحدٌ بأنَّ لي مثل سابقة الإمام، (إلا أنْ يَدعي مُدعٍ ما لا أعرفه) بأن يكذب، فيقول عن نفسه سوابق مكذوبة ولا َأظُنُّ اللّه يعرفه إذ لا وجود لها.

2) (فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ، فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَلا إِلى غَيْرِكَ) وذلك لأن عثمان كان مهدور الدم، كما أفتى بذلك طلحة والزبير وعائشة ومن إليهم، ولا يقتص من قتل مهدور الدم، ولا أقل من أن يكون الأمر شبهة والحدود تدرأ بالشبهات، وعلى فرض وجوب القصاص، فليس لمعاوية حق الاقتصاص.

3) (ولعمري) قَسم بنفسه الشريفة (لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك) أي: لم تنته عن ضلالك ومشاقتك أي مخالفتك (لتعرِفَنَّهم) أي قتلة عثمان (عن قليل) أي بعد قليل من الزمان (يطلبونك) عوض ما كنت أنت تطلبهم، يريدون قتلك كما قتلوا عثمان.

4) (لا يكلفونك طلبهم) أي هم بأنفسهم يأتون إليك، (إلا أنه) أي: لطلبهم لك (طلب يسووك وجدانه) أي وجدان هذا الطلب، بمعنى أن تجده (وزور) جمع زائر، أي أنهم زائرون لك (لا يسرك لقيانه) أي لقاؤهم. (والسلام لأهله) أي أهل السلام المستحقين له.

تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا، وَخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا (1). دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا، وَفَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا، وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا. وَإِنَّهُ يُوشَكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لَا يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَنٌ، فَاقْعَسْ عَنْ هذَا الأَمْرِ، وَخُذْ أُهْبَةَ الْحِسَابِ، وَشَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ، وَلا تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ (2)، وَإِلَّا تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ مُتْرَفُ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ (3)، وَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوح والدَّمِ.

وَمَتَى كُنتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ، وَوُلاةَ أَمْرِ الأُمَّةِ؟ بِغَيْرِ قَدَم سَابِقٍ، وَلا شَرَفٍ بَاسِقٍ، وَنَعُوذُ بِاللّه مِنْ لُزُومِ سَوَابِقِ الشَّقَاءِ (4). وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمَادِياً فِي غِرَّةِ الأمْنِيَّةِ، مُخْتَلِفَ الْعَلانِيَةِ وَالسَّرِيرَةِ.

وَقَدْ دَعَوْتَ إلى الْحَرْبِ، فَدَع النَّاسَ جَانِباً واخْرُجْ إِلَيَّ، وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ، ليُعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ (5)، وَالْمُغَطَى عَلَى بَصَرِهِ! فَأَنَا أَبُو


1) (إذا تَكَشَفَتْ عَنْكَ جَلابِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ) جلابيب جمع جلباب، الثوب الذي فوق الثياب وتكشف الجلابيب كناية عن موته مُخلفاً وراءه الدنيا وزخارفها (من دنيا قد تبهجت) أي تحسنت (وخدعت بلذتها) أي غرَّت الناس بسبب لذائذها.

2) (يُوشكُ) أي يقربُ (مِجَنٌ) المجن: الترس، والمراد إيقافه سبحانه له في معرض الحساب والهوان حيث لا ترس ينجيه (فاقعَسْ) أي تأخر (عن هذا الأمر) أي أمر الخلافة (أهبة الحساب) أي استعداد حساب الآخرة وعدته (وشمر لما قد نزل بك) أي استعد للمحاربة والبلاء الذي نزل بك ولا تُمكِّن الغواة من سمعك جمع غاوي، بمعنى قرناء السوء بأن يقولوا لك ما شاؤوا فتسمع كلامهم.

3) (أعلمك ما أغفلت من نفسك) من الضعف، فإنَّك إذا اصطدمت بالقوة تعرف ضعف قواك (فإنَّك مُترف) المترف: الذي أطغته النعمة (منك ماخذه) أي ما أراد أخذه (وبلغ فيكَ أَملَهُ) إذ أمل الشيطان أن يضل الناس.

4) (بغير قدم سابق) أي لا سابقة لكم حتى تستحقون ذلك (ولا شرف باسق) أي عال رفيع (من لزوم سوابق الشقاء) أي أنْ يلزم الإنسان ما سبق له من الشقوة، فيشقى بسبب ذلك.

5) (في غرة الأمنية) أي مستمراً في غُرور الأمل، إذ أمله بالخلافة هو الذي أوجب له ذلك التمادي في الغي والضلال (مختلف العلانية والسريرة) فعلانيته طلب دم عُثمان وسريرته الطمع في الخلافة (المَرِينُ على قلبه) يقال: ران على قلبه، إذا صدأ قلبه - كما يصدأ الحديد - من الآثام والمعاصي.

حَسَنٍ قَاتِلُ جَدِّكَ وَأَخِيكَ وَخَالِكَ شَدْحاً يَوْمَ بَدْرٍ، وَذلكَ السَّيْفُ مَعِي، وَبِذلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً، وَلا اسْتَحْدَثْتُ نبيَّاً. وَإِنِّي لَعَلَى الْمِنْهَاجِ الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ، وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ.

وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائِراً بِعُثْمَانَ وَلَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمَانَ فَاطْلُبْهُ مِنْ هُنَاكَ إِنْ كُنْتَ طَالِباً، فَكَأَنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ الْحَرْبِ إِذا عَضَّتْكَ ضَجِيجَ الْجِمَالِ بِالأَثْقَالِ (1)، وَكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِع، وَالْقَضَاءِ الْوَاقِعِ، وَمَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ، إلى كِتَابِ اللّه، وَهِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَةٌ، أَوْ مُبَابِعَةٌ حَائِدَةٌ.

وَمن وَصيَّة لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو

فَإِذا نَزَلْتُمْ بِعَدُوٍّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ، فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ الأَشْرَافِ أَوْ سِفَاحِ الْجِبَالِ، أَوْ أَثْنَاءِ الأَنْهَارِ، كَيْمَا يَكُونَ لَكُمْ رِدْءاً، وَدَونَكُمْ مَرَدّاً (2). وَلْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْهِ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ، وَاجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاطِي الْجِبَالِ وَمَنَاكِبِ الْهِضَابِ، لِئَلَّا يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ(3). وَاعْلَمُوا أَنَّ


1) (ثائراً بعثمان) يقال ثار به إذا طلب بدمه (ولقد علمت حيث وقع دم عثمان) أي على من لزم ومن الذي أراقه (فكأني قد رأيتك تضج من الحرب) أي تصيح وتولول خوفاً وهلعاً (إذا عضّتك) تشبيهاً لها بالسبع الذي يعض الشخص بأسنانه (ضجيج الجمال بالأثقال) أي مثل ما يضج الجمل بحمله الثقيل.

2) (فإذا نزلتم بعدو) بأن ذهبتم إليهم (أو نزل بكم) العدو، بأن جاء إليكم (في قبل الأشراف) جمع شرف - محركة - العلو، أي قُدَّام الجبال (أو سفاح الجبال) سَفْحُ الجبل أسفله (أو أثناء الأنهار) أي: منعطفات الأنهار (ردءاً) أي عوناً، فإنَّ العدو لا يتمكن أن يعبر الشِّرَف أو الجبل أو النهر ليُحيط بكم (مرداً) أي مكان الرد، ترجعون إليه فتتحصنون.

3) (من وجه واحد أو اثنين) أي طرف واحد أو اثنين لا أكثر، لئلا يتفرق العسكر (رقباء) جمع رقيب، وهو المراقب لحال العدو (في صياصي الجبال) أي أعاليها (ومناكب الهضاب) أي مرتفعات الأكام، فإنَّ مناكب جمع منكب، بمعنى المرتفع، وهضاب جمع هضبة، بمعنى: الجبل القليل الإرتفاع (مكان مخافة أو أمن) أي مكان تخافون منه أو تأمنون من جهته.

مُقَدِّمَةَ الْقَوْمِ عُيُونُهُمْ وَعُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ طَلائِعُهُمْ. وَإِيَّاكُمْ وَالتَّفَرُّقَ : فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً، وَإِذا ارْتَحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جَمِيعاً (1)، وَإِذا غَشِيَكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كِفَّةٌ، وَلا تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلَّا غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً (2)

وَمن وَصيَّة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعقل بن قيس الرياحي

وصى بها معقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقاتل مقدمة له

اتَّقِ اللّه الَّذِي لابُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ، وَلا مُنْتَهى لَكَ دُونَهُ، وَلا تُقَاتِلَنَّ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ، وَسِرِ الْبَرْدَيْنِ، وَغَوِّرْ بِالنَّاسِ (3)، وَرَفِّهُ فِي السَّيْرِ، وَلا تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ اللّه جَعَلَهُ سَكَناً، وَقدَّرَهُ مُقَاماً لا ظَعْناً، فَأَرخ فِيهِ بَدَنَكَ، وَرَوِّحْ ظَهْرَكَ (4). فَإذا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ السَّحَرُ أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللّه. فَإذا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً، وَلا تَدْنُ مِنَ الْقَوْم دُنُو مَنْ يُريدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ، وَلا تَبَاعَدْ عَنْهُمْ تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ الْبَأْسَ، حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي، وَلا يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ، قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَالإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ (5).


1) (واعلموا أنَّ مقدمة القوم) الذين يذهبون أمامهم ليختاروا لهم المكان المناسب (عيونهم) التي بها يرون المكان الصالح للقتال (وعيون المقدِّمة طلائعهم) فإنَّ مِنَ المقدمة يخرج بعضهم الأجرأُ والأعلم بالأمور ليختار المكان.

2) (كِفَّةٌ) أي مثل كفة الميزان مستديرة حولكم، حتى إذا هجم العدو تكونوا مستعدين للدفاع (غراراً) هو النوم الخفيف (مضمضةً) بأن يتراوح بين النوم واليقظة، كالذي يتمضمض بالماء: يأخذه ثم يمجه.

3) (وسِر البَرْدِيَنِ) أي في الغداة والعشي حيث الهواء والأرض باردتان (وغور) بالناس) أي انزل بهم في الغائرة، أي نصف النهار، وقت شدة الحر.

4) (ورفّه في السير) أي سر سيراً عادلاً، لا سريعا حتى يتأذى الناس (ولا تسر أول الليل) وقت منام الناس (فإنَّ اللّه جعله سكناً) أي وقتاً للسكون لتخفيف أتعاب النهار (وقدَّرَهُ مقاماً) أي للإقامة (لا طعناً) أي لا لأجل السفر (وروح ظهرك) أي أرح دابتك (فإذا وقفت) أي قمت (حين ينبطحُ السحر) أي ينبسط (أو حين ينفجر الفجر) أي يظهر، والفجر هو الصبح (فَسِر على بركة اللّه) بأن يجعل اللّه سبحانه سيرك مباركاً ذا ثبات واستمرار، وهذا هو الأصل في البركة.

5) (فقف من أصحابك وسطاً) وذلك ليستوي أصحابه بالنسبة إليه فيكون أسهل في الأمر والنهي، ولئلا يقتل فيتشتت نظام الجيش (شنآنهم) أي بغضكم للعدو (قبل دعائهم) أي قبل أن تدعوهم إلى المسالمة ونبذ الخلاف (والإعذار إليهم) أي تقديم ما يبين عذركم في قتالهم.

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أميرين من أمراء جيشه

وَقَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمَا وَعَلَى مَنْ فِي حَيِّزِكُمَا مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الأَشْتَرَ، فَاسْمَعًا لَهُ وَأَطِيعًا، وَاجْعَلاهُ دِرْعاً وَمِجَنّاً (1)، فَإِنَّهُ مِمَّنْ لا يُخَافُ وَهْنُهُ وَلا سَقْطَتُهُ وَلا بُطْؤُهُ عَمَّا الإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ، وَلا إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُطَءُ عَنْهُ أَمْثَلُ (2).

وَمن وَصيَّة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعسكره قبل لقاء العدو بصفين

لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدأُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللّه عَلَى حُجَّةٍ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدأُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ. فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللّه فَلا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلا تُصِيبُوا مُعْوِراً، وَلا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ (3)، وَلا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذًى، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْراضَكُمْ، وَسَبَبنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالأَنْفُسِ وَالْعُقُولِ (4)، إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ (5).


1) (إلى أميرين) هما زياد بن النضر وشريح بن هاني بعثهما على مقدمة له في اثني عشر ألفاً فالتقيا بجند الشام، وكتبا إلى الإمام بذلك، فأرسل إليهما الأشتر لنجدتهما (في حيِّزكما) أي في جانبكما من الجيش (درعاً ومجنّاً) أى ترساً تتحفظان به من الأعداء.

2) (فإنه ممَّن لا يُخافُ وهنه) أي لا يُخاف أن يهن أو يضعف (ولا سقطته) أي أنْ يَسقط ويخطئ في المحاربة (ولا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم) أي أقرب إلى الحزم، وهو تدبير الأمر والإلتفات إلى جهات العمل (ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل) أي أولى وأحسن.

3) (فلا تقتلوا مُديراً) أي من فرَّ وأدبر (ولا تصيبوا معوراً) الذي أمكن من نفسه وعجز عن حمايتها (ولا تجهزوا على جريح) الإجهاز على الجريح إتمام أسباب موته وقتله.

4) (ولا تَهيِجُوا النِّساء بأذى) أي لا تؤذوا امرأةً (والعقول) فإنَّ المرأة أميل إلى العاطفة من العقل.

5) (إنْ) مخففة من الثقيلة، وحذف اسمها، أي إنا (وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية) أي يؤذيها ويضربها (بالفهر) الحجر الصغير بقدر ملء الكف أو ما أشبه (أو الهراوة) العصا (فيُعَيّرُ بها) أي بهذه الفعلة يلومه قومه (وعقبه) أي نسله بفعل أبيه.

وَمن دُعاء له (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان (عليه السلام) يقول إذا لقي العدو محارباً

اللّهمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ، وَمُدَّتِ الأَعْنَاقُ، وَشَخَصَتِ الأَبْصَارُ، وَنُقِلَتِ الأَقْدَامُ، وَأُنْضِيَتِ الأَبْدَانُ (1). اللّهمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْتُومُ الشَّنَآنِ، وَجَاشَتْ مَرَاجِلُ الأَضْغَانِ (2). اللّهمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وَتَشَتَّتَ أَهْوَائِنَا (3)(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (4).

وكان يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأصحابه عند الحرب

لا تَشْتَدَّنَّ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ، وَلا جَوْلَةٌ بَعْدَهَا حَمْلَةٌ، وَأَعْطُوا السُّيوف حُقُوقَهَا (5)، وَوَطْئُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا، وَاذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ الدَّعْسِي، وَالضَّرْبِ الطَّلَحْفِي (6)، وَأَمِيتُوا الأَصْوَاتَ، فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ.


1) (أفضت القلوب) أي انتهت بالتوجه والاستكانة (ومُدَّت الأعناق) لتنظر هل يأتي الفرج والنصر (وشخصت الأبصار) أي توجهت نحو السماء الذي هو جهة العلو، ومنه يأتي النصر والرزق (ونُقِلَت الأقدام) إذ الذهاب إلى الحرب ذهاب إلى أمره سبحانه (وأنضيت) أي بليت بالضعف والهزال.

2) (قد صرّح) أي ظهر (مكتوم الشنآن) أي أنَّ العداوة المكنونة في صدور الأعداء قد ظهرت (وجاشت) أي غلت كما يغلي القدر (مراجل) جمع مرجل، بمعنى: القدر (الأضغان) جمع ضغن، بمعنى: الحقد.

3) (وتشتُتَ أهوائنا) أي تفرق آرائنا، والمراد آراء أنصاره (عَلَيهِم السَّلَامُ).

4) سورة الأعراف الآية: 89.

5) (لا تشتدن عليكم) أي لا تشق عليكم (فرَّة) أي فرار (بعدها كرَّة) رجوع (ولا جولةٌ) أي دوران من هنا إلى هناك (بعدها حملة) هجوم الأعداء (وأعطوا السيوف حقوقها) في الضرب بها على الأعداء.

6) (ووطئوا للجنوب) جمع جنب (مصارعها) أي هيئوا لجنوب الأعداء محل وقوعها، كناية عن لزوم إحكام الضرب حتى يسقط العدو بسببه إلى مصرعه (واذمروا أنفسكم) أي حرضوا (على الطعن) في الأعداء (الدَّعسي) أي الشديد أسم من الدعس أي الطعن الشديد (والضرب الطلحفي) أشد الضرب والياء في اللفظتين للمبالغة.

فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَسْلَمُوا وَلكِنِ اسْتَسْلَمُوا، وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ، فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ (1).

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى معاوية، جواباً عن كتاب منه إليه

فَأَمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لأُعْطِيَكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ.

وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلَّا حُشَاشَاتِ أَنْفُسٍ بَقِيَتْ، أَلا وَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإلى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلى النَّارِ (2). وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ وَالرِّجَالِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكُ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ (3)، وَلَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْآخِرَةِ. وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّا بَنُو


1) (وأميتوا الأصوات) فلا تتكلموا عند الحرب (فإنه أطرد للفشل)، إذ المتكلم يتوجه بعض نفسه إلى الكلام وإلى المخاطب، فلا تتجه نفسه جميعا إلى المحاربة، فيتسرب إليه الفشل بخلاف الساكت. (فوالذي فلق الحبة) شقها حتى أخرج من وسطها النبات (وبرأ) أي خلق (النسمة) أي البشر (استسلموا) أي أظهروا الإسلام حقناً لدمائهم، وانتهازاً للفرصة (وأسروا الكفر) أي أضمروه في أنفسهم.

2) (طلبك إليَّ الشام) أن أدعها لك (فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس) فإنَّ الإمام لم يقر معاوية في منصبه : إمارة الشام، فكيف يُعطيه اليوم وقد ظهرت خبث سريرته، وما عرفه الإمام منه، من عدم الدين، وتصرفه السيّىء في المسلمين (أَكَلَتِ الْعَرَبَ) أي أفنتهم (إلا حشاشات أنفس بقيت) جمع حشاشه بمعنى بقية الروح (اَلا وَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ) بأن قُتل عن أمر الدين وفي سبيله (فإلى الجنة) وذلك لا يضر (ومن أكله الباطل) بأن حارب ضد الدين (فإلى النار) وهذا جزاؤه

3) (وأما استواؤنا في الحرب والرجال) إذ تريد بذلك تهديدي، بأنَّه لا غلبة لي عليك، إذ الجيشان متساويان (فلستُ بأمضى على الشك مني على اليقين) فلسنا متساويين، إذ الشاك لا يتمكن أن يخلص لمبدئه كما يتمكن المتيقن والمعنى: لستُ على الشك الذي أنت فيه، بأكثر مضياً وإقداماً في الأمر مني، وأنا على يقين من عقيدتي وأمري، هذا حالنا.

عَبْدِ مَنَافٍ، فَكَذلِكَ نَحْنُ، وَلكِنْ لَيْسَ أَمَيَّةُ كَهَاشِمٍ، وَلا حَرْبٌ كَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلا أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ (1)، وَلا الْمُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ، وَلا الصَّرِيحُ اللَّصِيقِ (2)، وَلا الْمُحِقُ كَالْمُبْطِلِ، وَلا الْمُؤْمِنُ كَالْمُدْغِلِ. وَلَبِئْسَ الْخَلْفُ خَلْفٌ يَتْبَعُ سَلَفاً هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

وَفِي أَيْدِينَا بَعْدُ فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتي أَذْلَلْنَا بِهَا الْعَزِيزُ، وَنَعَشْنَا بِهَا الذَّلِيلَ (3). وَلَمَّا أَدْخَلَ اللّه الْعَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً، وَأَسْلَمَتْ لَهُ هذه الأمَّةُ طَوْعاً وَكَرْهاً، كُنْتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ : إِمَّا رَغْبَةً وَإِمَّا رَهْبَةً عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ (4)، وَذَهَبَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ بِفَضْلِهِمْ (5). فَلا تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيباً، وَلا عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً، وَالسّلامُ.


1) (على الآخرة) لأن أهل الآخرة أحرص على الآخرة، من أهل الدنيا على الدنيا (ولكن ليس أميَّةُ) جدك (كهاشم) جدي (ولا حرب) جدك الثاني (كعبد المطلب) جدي الثاني (ولا أبو سفيان) أبوك (كأبي طالب) أبي، فقد كان آبائي سادةً أشرافاً، وآباؤك أراذل اوباشاً.

2) (ولا المهاجر) يعني نفسه الكريمة (كالطَّليق) أي الذي أُطلق، حيث إن معاوية أسلم عام الفتح، وأطلقهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) منا عليهم حيث قال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء (ولا الصَّرِيحُ) يعني نفسه الزكية حيث إن نسبه صحيح لا مغمز فيه (كاللصيق) أي كالذي ألصق بالقبيلة وليس منهم، فإنَّ أُمية كما يذكر أهل التواريخ كان عبداً رومياً تبنّاه عبد شمس ويقال إن بينهما كان اتصال محرم.

3) (كالمُدغِل) أي المُفسد، وهو معاوية (وفي أيدينا بَعدُ فضلُ النبوة) أي بقايا تعاليم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وما فَضَّلَ اللّه سبحانه هذا البطن من هاشم الذي فيه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ونعشنا) أي رفعنا (بها الذليل) إذ الاسلام الغى الميزات إلا التقوى.

4) (أَفْوَاجاً) أي جماعة، جماعة حيث قوى الإسلام (طَوْعاً وَكَرْهاً) أي بعضهم عن رغبة نفس، وبعضهم عن خوف ورهبة (إِمَّا رَغْبَةً) في مال أو جاه (أو رهبةً) عن قتل وإهانة (فاز أهل السبق بسبقهم) أي بسبب سبقهم إلى الإسلام، وكان المراد بذلك نفسه الكريمة الذي كان أول من أسلم.

5) (وذهب المهاجرون الأولون) الذين هاجروا من مكة إلى المدينة (بفضلهم) إذ فضَّلهم اللّه سبحانه على من سواهم بما لقوا من الأتعاب وثبتوا في مقابل الشدائد.

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عبد اللّه بن عباس وهو عامله على البصرة

اعْلَمْ أَنَّ الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ، وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ، فَحَادِثْ أَهْلَهَا بِالإِحْسَانِ إِلَيْهُمْ، وَاحْلُلْ عُقْدَةَ الْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ (1).

وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَغِلْظَتُكَ عَلَيْهِمْ (2)، وَإِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلَّا طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمِ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامِ، وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةً، وَقَرَابَةً خَاصَّةً، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا، وَمَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا (3). فَارْبَعْ أَبَا الْعَبَّاسِ، رَحِمَكَ اللّه، فِيمَا جَرَى عَلَى لِسَانِكَ وَيَدِكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ! فَإِنَّا شَرِيكَان فِي ذلِكَ، وَكُنْ عِنْدَ صَالِحٍ ظَنِّي بِكَ، وَلا يَفِيلَنَّ رَأْيِي فِيكَ، وَالسَّلامُ (4).

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ)إلى بعض عُمّاله

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةٌ وَقَسْوَةٌ، وَاحْتِفَاراً


1) (اعلم أن البصرة مهبط إبليس) ولعل ذلك باعتبار إلقائه الفتن هناك، يوم الجمل (ومَغرِسُ الفتن) كان الفتن تخرج منها، فحادث أهلها بالإحسان إليهم ليكون الكلام كلاماً حسناً (واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم) كأن الخوف عقد في قلوبهم.

2) (وقد بلغني تنمُّرك لبني تميم) أي تنكر أخلاقِكَ لهم، فإنَّ بني تميم كانوا ضد الإمام في قصة الجمل، ولذا كان ابن عباس يُسيء إليهم انتقاماً.

3) (لم يغب لهم نجمٌ إلّا طلع لهم آخر) كناية عن أنَّ بعضهم وإن كانوا معادين، إلّا أنَّ بعضهم الآخر موالون (بوغم) أي حرب (ومأزورون) من الوزر، أي مذنبون.

4) (فاربع) أي ارفق (رحمك اللّه) دعاء بلفظ الخبر (فإنَّا شريكان في ذلك) على الخليفة إحسان الوالي وإساءته، لنصبه إياه (عند صالح ظني بك) أي صدق ظني الحسن فيك (ولا يفيلن) أي لا يُخطئن.

وَجَفْوَةٌ (1)، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلا أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ (2)، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَامْرُجْ لَهُمْ (3)بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالإِدْنَاءِ، وَالإِبْعَادِ وَالإِقْصَاءِ. إنْ شَاءَ اللّه.

وَمن كتاب لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى زياد بن أبيه

وهو خليفة عامله عبد اللّه بن عباس على البصرة وعبد اللّه عامل أمير المؤمنين يومئذ عليها وعلى كور الأهواز وفارس وكرمان وغيرها

وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللّه قَسَماً صَادِقاً، لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْء الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، لأشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ، ثَقِيلَ الظَّهْرِ ضَئِيلَ الأمْرِ (4)، وَالسَّلامُ.


1) (أمَّا بعدُ) الحمد والصلاة (فإنَّ دهاقين أهل بلدك) جمع دهقان - معرب ده بان - أي أصحاب الريف، (شكوا منك غلظة وقسوة) في أخلاقك وأعمالك معهم (واحتقاراً).

2) (ونظرت) أي فكرت في أمرهم (فلم أرهم أهلاً لأن يُدنوا) أي يقربوا إليك (لشركهم) والمروي أنهم كانوا مجوساً (ولا أنْ يُقصوا) أي يُبعدوا ويُهانوا (ويُجفوا) أي يقطع الوالي صلاته معهم (لعهدهم) أي لأنهم معاهدون.

3) (فالبس لهم جلباباً من اللين) هو الثوب الواسع الذي يلبس فوق الثياب، والمراد هنا (الأخلاق) لأنَّها تُحيط بالإنسان كالجلباب (تشوبه بطرف من الشِّدَّة) أي تخلطه ببعض الشدة (وداول لهم) أي تراوح (وامزج لهم) أي لتكن لك أخلاقاً مختلفة ممزوجة.

4) (وإني أقسم باللّه قسماً صادقاً) أي عاملاً بمقتضى القسم (في المُسلمين) أي غنائمهم (تدعك قليل الوفر) أي قليل المال، بسبب ما جمعته منك (ثقيل الظهر) من العقاب، وهذا من باب التشبيه، فإنَّ العقاب يحمل على الجسم كله، لكن الظهر حيث إنه محل الحمل، جعله موضعاً للعقاب الذي يتحمله الإنسان (ضئيل الأمر) أي ضعيفه، فإنَّ العزل عن المقام يوجب ضآلة أمر الإنسان، وعدم جاهه.

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى زيادٍ أيضاً

فَدَعِ الإِسْرَافَ مُقْتَصِداً، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً، وَأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَقَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ.

أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيكَ اللّه أَجْرَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ (1)! وَتَطْمَعُ - وَأَنْتَ مُتَمَرِّغٌ فِي النَّعِيمِ، تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ وَالأَرْمَلَةَ - أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ الْمُتَصَدِّقِينَ؟ وَإِنَّمَا الْمَرْءُ مَجْزِيٌّ بِمَا أَسْلَفَ وَقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ (2).


1) (مقتصداً) أي متوسطاً في الإنفاق (واذكر في اليوم) أي الدنيا (غداً) أي الآخرة التي فيها تُحاسب عما عملت (وامسك) أي احفظ (وقدم الفضل) أي الزائد (ليوم حاجتك) في الآخرة.

2) (مُتمرغ) أي مُتقلب (في النعيم) اللذائذ والمشتهيات (وإنما المرء مجزيٌّ بما أسلف) أي يُجزى في الآخرة، بما قدَّم في الدنيا (وقادمٌ) أي يَرِدُ في القيامة (على ما قدَّم) وأرسل من الدنيا إلى هناك.

آية اللّه العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي

«قدس سره»

الجزء الرابع

إشارة:

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عبد اللّه بن العباس

إلى عبد اللّه بن العباس رحمه اللّه تعالى، وكان عبد اللّه يقول:

(ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله، كانتفاعي بهذا الكلام!)

أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ، وَيَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ (1)، فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا يَلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ، وَلْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا، وَما نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلا تُكْثِرُ فِيهِ فَرَحاً، وَمَا فَاتَكَ مِنْهَا فَلاَ تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً (2)، وَلْيَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله قبل موته على سبيل الوصية

قاله قبل موته على سبيل الوصية لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه:

وَصِيَّتِي لَكُمْ : أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللّه شَيْئاً ؛ وَمُحَمَّدٌ – (صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَآلِهِ) - فَلَا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ. أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ، وَخَلاكُمْ ذَمٌ(3)! أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَالْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ إِنْ أَبْقَ فَأَنا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي، وَإِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبةٌ، وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ (4)، فَاعْفُوا : اَلاَ


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (درك) إدراك (ما لم يكن ليفوته) بأن قدر أن يصل إليه والحال أن المقطوع بوصوله لا ينبغي الفرح له (فوت ما لم يكن ليدركه) إذ قدر أن لا يصل إليه الإنسان، والحال أن المقطوع بفوته لا حزن عليه.

2) (فلا تأس) أي لا تحزن (جزعاً) حزناً إذ الدنيا التي لم تقدر لا تصل إلى الإنسان قطعاً.

3) (فلا تضيعوا سنته) أي شريعته ودينه (أقيموا هذين العمودين) التوحيد والعمل بالإسلام (وخلاكم ذم) أي جاوزكم اللوم، فلا ذم عليكم بعد هذين الأمرين، تركتم ما تركتم، وأخذتم ما أخذتم.

4) (فانا ولي دمي) أي الجرح الذي جرحني ابن ملجم أفعل به ما أشاء من العفو والانتقام (وإن أعف) عن ابن ملجم قبل أن أموت (فالعفو لي قربة) يقربني اللّه بذلك إلى رضاه وفضله (وهو لكم حسنة) لأن العفو مستحب مثاب عليه.

تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللّه لَكُمْ (1). وَاللّه مَا فَجَأَني مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ، وَلاَ طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ؛ وَمَا كُنْتُ إِلا كَقَارِبٍ وَرَدَ، وَطَالِبِ وَجَدَ (2)﴿وَمَا عِنْدَ اللّه خَيْرٌ للأبرار) (3).)قال السيد الشريف رضي اللّه عنه :أقول : [وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدم من الخطب، إلا أن فيه ههنا زيادة أو جبت تكريره].### ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ بما يعمل في أمواله)كتبها بعد منصرفه من صفين:هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّه عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَالِهِ، ابْتِغاءَ وَجْهِ اللّه، لِيُولِجَهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَيُعْطِيَهُ بِهِ الأَمَنَةَ (4.)منها : وَإِنَّهُ يَقُومُ بِذلِكَ الْحَسَنُ بْنُ علي يأْكُلُ مِنْهُ بِالْمَعْروفِ، وَيُنْفِقُ في الْمَعْرُوفِ، فإِنْ حَدَثَ بِحَسَنٍ حَدَثٌ وَحُسَيْنُ حَيٌّ، قَامَ بِالأَمْرِ بَعْدَهُ، وأَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ. وَإِنَّ لاِبْنَيْ فَاطِمَةَ مِنْ صَدَقَةِ عَلِيٌّ مِثْلَ الَّذِي لِبَنِي عَلِيٌّ (5، وَإِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ الْقِيامَ بِذلِكَ إِلَى ابْنَيْ فَاطمةَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللّه، وَقُرْبَةٌ إلى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَتَكْرِيماً لِحُرْمَتِهِ، وَتَشْرِيفاً لِوُصْلَتِهِ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ، وَيُنْفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَهُدِيَ)


1) سورة النور، الآية: 22.

2) (واللّه ما فجئني) أي ما ورد علي فجأة وبغتة (من الموت) أي: بسببه (وارد كرهته) إذ الكراهة إما لمفارقة الدّنيا، أو لملاقاة الآخرة، وكلاهما كان محبوباً للإمام (ولا طالع انكرته) اشمأززت منه (وما كنت إلّا كقارب) هو الطالب للماء ليلا (ورد) الماء، ويجد مطلوبه (وطالب وجد) ما كان يطلبه.

3) سورة آل عمران الآية: 198.

4) (الأمنة) أي الأمن في الآخرة من العذاب والنار.

5) (ياكل منه بالمعروف) أي بالقدر المتعارف أكله لمتولي الوقف (وأصدره) أي: أجرى الوقف (مصدره) أي في المورد المقرر له من الأكل والإنفاق (مثل الذي لبني علي) من سائر زوجاته، فكلهم شركاء في الأكل.

لَهُ (1، وَأنْ لا يَبِيعَ مِنْ أَوْلادِ نَخْلِ هَذِهِ الْقُرَى وَدِيَّةٌ حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا غِرَاساً. وَمَنْ كَانَ مِنْ إمائي - اللَّاتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ (2)- لَهَا وَلَدٌ، أَوْ هِيَ حَامِلٌ، فَتُمْسَكُ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ مِنْ حَظّهِ، فَإِنَّ مَاتَ وَلَدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ، قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُ، وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ (3).)قال الشريف : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في هذه الوصية : [ أن لا يبيع من نخلها ودية] الودية : الفسيلة، وجمعها ودي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): [حتى تشكل أرضها غراسا] هو من أفصح الكلام والمراد به أن الأرض يكثر فيها غراس النخل حتى يراها الناظر على غير تلك الصفة التي عرفها بها فيشكل عليه أمرها ويحسبها غيرها.)### ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات)قال الشريف : وإنما ذكرنا هنا جملا ليعلم بها أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ كان يقيم عماد الحق، ويشرع أمثلة العدل في صغير الأمور وكبيرها ودقيقها وجليلها.)انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللّه وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَلاَ تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً وَلاَ تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِها (4، ولا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقٌّ اللّه في مَالِهِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فانزِلْ بِمائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَانَهُمْ، ثُمَّ امْضِ إِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ)


1) (وتشريفاً لوصلته) أي صلته وقرابته معهما (أن يترك المال على أصوله) وكان المال أرضاً ونخلات (حيث أمر به) أي في المكان الذي أمر به من الأكل والإنفاق في وجوه الخير (وهدي له) أي أوقع في قلبه أن ينفقه في ذلك السبيل الخيري.

2) (ودية) أي فسيلا، وهو النخل الصغير (حتى تشكل أرضها غراسا) أي يكثر النخل في الأرض. (من إمائي) أي جواري (أطوف عليهن) أي الامسهن.

3) (فتمسك على ولدها) أي تحفظه وهي القيمة على شؤونها (وهي من حظه) أي تعتق هي من نصيب إرث الولد (فهي عتيقة) لا سبيل للورثه على استملاكها (قد أفرج عنها الرق) أي العبودية قد ارتفعت عنها، (وحررها العتق) أي أطلقها فهي حرة، بعد ذلك.

4) (ولا تروعن مسلماً) أي لا تخيفنّ لأجل أخذ الزكاة (ولا تجتازن عليه) أي لا تمر على مسلم (كارها) أي: في حال كونه كارها لمرورك من أرضه.

وَالْوَقَارِ ؛ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَلا تُخْدِج بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ (1، ثُمَّ تَقُولَ: عِبَادَ اللّه، أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللّه وَخَلِيفَتُهُ، لأخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللّه في أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ ِللّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٌّ فَتُؤَدُّوه إِلَى وَلِيّهِ. فإنَّ قَالَ قَائِلٌ : لا، فَلاَ تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانطَلِقُ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أوْ تَعْسِفَهُ أوْ تُرْهِقَهُ (2)، فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَلاَ تَدْخُلْهَا إِلا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ (3)، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلاَ تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلِّط عَلَيْهِ وَلاَ عَنِيفٍ بِهِ. وَلَا تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةٌ وَلَا تُفْزِعَنَّهَا، وَلَا تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا (4)، وَاصْدَع الْمَالَ صَدْعَيْنِ، ثُمَّ خَيْرُهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلاَ تَعْرِضَنَّ لِما اخْتَارَهُ (5). فَلاَ تَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفَاء لِحَقِّ اللّه فِي مَالِه ؛ فَاقْبِضْ حَقَّ اللّه مِنْهُ. فإنْ اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ (6)، ثُمَّ اخْلِظْهُمَا ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ)


1) (الحي) القبيلة، أو القرية (فانزل بمائهم) على حافة بئر يستقون منها، أو ستر لهم (من غير أن تخالط أبياتهم) فلا تدخل في وسط الحي براحلتك (بالسكينة) أي الهدوء في المشي (والوقار) أي: مشية الاحترام (ولا تخدج بالتحية لهم) أي لا تبخل.

2) (فتؤدوه إلى وليه) علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ (فإن قال قائل: لا، فلا تراجعه) حملا لفعل المسلم على الصحيح، ولقوله على الصدق (وأن أنعم لك منعم) أي قال لك نعم عندي حق اللّه (فانطلق معه) أي أذهب معه لأخذ الزكاة (أو توعده) من [الإيعاد] وهو الوعد بالشر (أو تعسفه) أي تأخذه بشدة (أو ترهقه) أى تكلفه ما يصعب عليه.

3) (فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة) إذا كان عنده منهما ما يبلغ النصاب مع اشتراط سائر الشرائط الموجبة للزكاة (فإن كان له ماشية) أي دابة زكوية تمشي كالبقر والغنم (أو ابل فلا تدخلها) أي لا تدخل في محلها (إلا بإذنه فإنَّ أكثرها له) ومن له الأقل يجب أن يراعي حق من له الأكثر.

4) (دخول متسلط عليه) كدخول الجبابرة والمتكبرين (ولا عنيف به) أي بشدة وعنف (ولا تنفرن بهيمة) فإنَّ الإسلام يأمر برعاية الحيوان، كما يأمر بالإحسان إلى الإنسان (ولا تسوءن صاحبها فيها) بأن تعمل مع البهيمة عملا يتأذى بذلك صاحبها.

5) (واصدع المال صدعين) أي: اقسمه قسمين (ثم خيره) أي خيّر المالك في اختيار أي القسمين أراد (فإذا اختار) المالك قسما (فلا تعرضن لما اختاره) ثانيا.

6) (فلا تزال كذلك) تقسم المال قسمين (حتى يبقى ما فيه وفاء لحق اللّه في ماله) فإذا كان المال عشرين مثلا، والحق خمسة تقسم العشرين عشرة عشرة، ثم تقسم العشرة التي لم يخترها خمسة خمسة، فيختار هو خمسة، وأنت تأخذ الخمسة الباقية، لا يخفى أن ليس المراد التقسيم الحقيقي، إذ في كثير من الأحيان يلزم الكسر مثل خمسة وعشرين إذا أريد تقسيمه قسمين (فإن استقالك) بأن طلب منك أن تجعل ما أخذته في ضمن الأغنام ثانية، والتقسيم من أول (فأقله) أي فاقبل كلامه.

أوّلاً، حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللّه فِي مَالِهِ، وَلَا تَأْخُذَنَّ عَوْداً وِلاَ هَرِمَةٌ وَلاَ مَكْسورَةً وَلاَ مَهْلُوسَةً، وَلاَ ذَاتَ عَوَارٍ، وَلاَ تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ تَثقُ بِدِينِهِ، رَافِقاً بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُوَصِّلَهُ إلَى وَلِيّهِمْ (1فَيَقْسِمهُ بَيْنَهُمْ، وَلاَ تُوَكَّلْ بِهَا إِلا نَاصِحاً شَفِيقاً وَأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعْنِفٍ وَلاَ مُجْحِفٍ، وَلا مُلْغِبٍ وَلاَ مُتْعِبٍ. ثُمَّ أحْدُرْ إِلَيْنَا ما أَجْتَمَعَ عِنْدَكَ نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللّه بِهِ(2)، فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِز إِلَيْهِ اَلاً يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا، وَلاَ يَمْصُ لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذِلكَ بوَلَدِهَا ؛ وَلاَ يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذلِكَ وَبَيْنَهَا، وَلْيُرَفِّه عَلَى اللَّاغِبِ، وَلْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ (3)، وَلْيُورِدُهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدرِ، وَلاَ يَعْدِلُ بِهَا عَنْ نَبْتِ الأَرْضِ إِلَى جَوَادُ الطَّريقِ (4)، وَلْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ، وَلْيُمْهِلْهَا فِي النِّطَافِ وَالأَعْشَابِ، حَتَّى تأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللّه بُدَّنا مُنْقِيَاتٍ (5)، غَيْرَ)


1) (ثم اخلطهما) ما أخذت أنت وما بقي له (ولا تأخذن عودا) أي المسنة من الإبل (ولا هرمة) هي الأسن من العود (ولا مكسورة) رجلها أو يدها أو قرنها أو ما أشبه (ولا مهلوسة) أي الضعيفة (ولا ذات عوار) أي ذات عيب (ولا تأمنن عليها) أي على البهيمة المأخوذة (حتى يوصله إلى وليهم) أي ولى المسلمين.

2) (إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا) يحفظها ولا يخون فيها، ويخاف عليها من العطب وينصح للمسلمين فلا يحيف عليهم (غير معنف) من العنف بمعنى الشدة (ولا مجحف) يجحف بحقها أي يظلم في إعطاء الكلاء والماء وما أشبه (ولا ملغب) اللغوب أشد التعب (ثم أحدر) أي أرسلها إلينا سريعا (نصيره) أي نصرفه.

3) (فاوعز إليه) أي امره (ألا يحول بين ناقة وبين فصيلها) أي ولدها الرضيع (ولا يمص لبنها) أي لا يبالغ في حلبها حتى يقل اللبن في الضرع للولد (وليرفه على اللاغب) أي ليرح ما لغب بمعنى تعب (وليستان) من الأناة، بمعنى ليرفق (بالنقب) أي بالحيوان الذي جرح خفه (والظالع) أي الذي تعب أو جرح حتى أخذ يغمز في مشيته.

4) (وليوردها) أي الماشية (ما تمر به من الغدر) أي يأتي بالماشية إلى الغدران، لتشرب العطشى منها. (ولا يعدل بها عن نبت الأرض) أي محل النبات فيها (إلى جواد الطريق) جمع جادة وهي التي لا نبت فيها، لكونها مسير القوافل.

5) (وليروحها في الساعات) أي يعطيها الراحة في ساعات الاستراحة (وليمهلها) أي يعطيها المهلة ولا يسير بها (في النطاف) جمع نطفة، وهي: الماء القليل في الطريق، والمهلة لأجل أن تشرب. (والأعشاب) أي مواضع الكلأ (بدنا) جمع بادنة أي سمينة (منقيات) اسم فاعل من أنقت الإبل إذا سمنت وأصله بمعنى صارت ذات نقى أي مخ.

مُتْعَبَاتٍ وَلَا مَجْهُودَاتٍ لِنَقْسِمَهَا عَلَى كِتَابِ اللّه وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ - فإنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لأَجْركَ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ اللّه.)### ومن عهد له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى بعض عماله وقد بعثه إلى الصدقة)آمُرُهُ بِتَقْوَى اللّه في سَرَائِرِ أَمْرِهِ وَخَفِيَّاتِ عَمَلِهِ، حَيْثُ لا شَهِيدَ غَيْرُهُ، وَلاَ وَكِيلَ دُونَهُ (1. وَآمُرُهُ أَنْ لا يَعْمَلَ بِشيءٍ مِنْ طَاعَةِ اللّه فِيمَا ظَهَرَ فَيُخَالِفَ إِلَى غَيْرِهِ فِيما أَسَرَّ، وَمَنْ لَمْ يَخْتَلِف سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ، وَفِعْلُهُ وَمَقَالَتُهُ، فَقَدْ أَدّى الأَمَانَةَ، وَاخْلَصَ الْعِبَادَةَ. وَآمُرُهُ أَنْ لا يَجْبَهَهُمْ ولا يَعِضَهُمْ (2)وَلاَ يَرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضُّلاً بِالإمَارَةِ عَلَيْهِمْ، فإنَّهُمُ الإخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالأعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاج الْحُقُوقِ. وَإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقَّاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ (3)، وَإِنَّا مُوَفُّوكَ حَقَّكَ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُومًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبُؤْساً لِمَنْ خَصْمُهُ - عِنْدَ اللّه - الْفَقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالْمَدْفُوعُونَ، وَالْغَارِمُ وَابْنُ السَّبِيلِ ! وَمَنِ اسْتَهَانَ بِالأَمَانَةِ، وَرَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّه نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ فِي الْخِزْيِ، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَذَلُّ وَالخَزَى. وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الأُمَّةِ، وَأَفْظَعَ الْغِشِّ غِشُ الأَئِمَّةِ، وَالسّلام (4).)


1) (في سرائر أمره) أي ما ينجزه من الأمور المخفية (حيث لا شهيد غيره) أي لا يشهد العمل الخفي غيره سبحانه (ولا وكيل دونه) أي ليس هناك من يوكل الأمور إليه مطلقا سوى اللّه تعالى، ويحتمل أن يكون [لا شهيد] بهذا المفاد أيضا أي لا شهيد بقول مطلق إلّا اللّه تعالى.

2) (أن لا يجبههم) أي لا يضرب على جبهة الذين يريد أخذ الصدقة منهم (ولا يعضهم) أي لا يبهتهم، كما هي عادة الأمراء إذا غضبوا على الرعية بهتوها ليبرروا موقفهم من الانتقام.

3) (ولا يرغب عنهم) أي لا يتجافى ولا يبتعد (تفضلا بالإمارة عليهم) بأن يترفع عليهم بسبب الإمارة (وحقاً معلوما) بينه اللّه سبحانه إذ جعله أحد المصارف الثمانية (وشركاء أهل مسكنة) لأنه تعالى أراد بقوله [والمساكين] (وضعفاء ذوي فاقة) أي فقر وحاجة.

4) (وبؤسا) أي فقرا ويأسا (والمدفوعون) أي الذين يجب أن يدفع إليهم من سائر المصالح (والغارم) وهو المديون (وابن السبيل) الذي تمت نفقته في السفر فبقي حائرا لا يعلم كيف يرجع إلى أهله (وأفظع الغش) أي أسوأه (غش الأئمة) أي الولاة والخلفاء (والسلام).

### ومن عهد له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر :)فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ (1، وَابْسُطُ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَآس بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظرةِ (2)، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ، وَلاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ بِهمْ (3)، فإنَّ اللّه تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْئُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنتُمْ أَظْلَمُ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ (4). وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللّه أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الآخِرَةِ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ (5)فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِي بِهِ الْمُتْرَفُونَ وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ (6)، ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلّغ ؛ وَالْمَتْجَرِ (7)الرَّابِحِ.)


1) (فاخفض لهم جناحك) أي تواضع لأهل مصر، وأصل خفض الجناح، أن الطائر يخفض جناحه أمام أبويه، تذللا (جانبك) أي طرفك من اللسان واليد وما أشبه، فإنَّها من جوانب الإنسان.

2) (وأبسط لهم وجهك) لا تعبسه (وآس بينهم) بمعنى المواساة (في اللحظة) أي الملاحظة، وهي النظرة بطرف العين (والنظرة) كي لا تنظر إلى بعضهم أكثر من بعض، فيظنون أنك ترجح بعضهم على بعض.

3) (حتى لا يطمع العظماء) أي الأشراف (في حيفك لهم) أي ظلمك للناس، لأجلهم (ولا ييأس الضعفاء من عدلك بهم) أي إنك تعدل بهم غيرهم بأن لا تفرق بين القوي والضعيف.

4) (فإن يعذب) بذنبكم فأنتم أظلم) أي أنتم الظالمون، لا هو (وإن يعف) عن ذنوبكم (فهو أكرم) وذلك العفو بكرمه وفضله.

5) (ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة) أي إذ ركبوا حسن الدنيا وحسن الآخرة (فشاركوا أهل الدنيا) الذين لا تقوى لهم (بأفضل ما سكنت) إذ هو ساكن في محله وهو راض بما قسم اللّه له مطمئن بأنه لم يجرم في سكناه هادئ البال (وأكلوها بأفضل ما أكلت) للرضا بالقسمة، وإن أكل خبزا يابسا.

6) (فحظوا من الدنيا بما حظي) أي بمثل ما نال (المترفون) أي المنعمون الذين يسرفون في التلذذ والشهوات (وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة) جمع جبّار، الذي يجبر الناس ويظلمهم (المتكبرون) الذين لا يؤدون حق اللّه سبحانه كبرا واعتلاء.

7) (ثم انقلبوا) انتقلوا إلى الدار الآخرة (بالزاد المبلغ) الذي يبلغهم المراتب الرفيعة في الآخرة، وهي الأعمال الصالحة (والمتجر) أي التجارة.

أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللّه (1غَداً فِي آخِرَتِهِمْ. لاَ تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ، وَلاَ يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ. فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللّه الْمَوْتَ وَقُرْبَهُ، وَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَخَطْبٍ جَلِيلٍ (2)، بِخَيْرٍ لاَ يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً، أَوْ شَرٍّ لاَ يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً. فَمَنْ أَقْرَبُ إلى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا! وَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا! وأَنْتُمْ طُرَدَاءُ الْمَوْتِ (3)، إن أَقمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أدْرَكَكُمْ، وَهُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلّكُمْ. الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ، وَالدُّنْيَا تُطوى مِنْ خَلْفِكُمْ (4). فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحَرَّهَا شَدِيدٌ، وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ (5). دَارٌ لَيْسَ فِيها رَحْمَةٌ، وَلَا تُسْمَعُ فِهَا دَعْوَةٌ، وَلاَ تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ. وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللّه، وَأَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِهِ، فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنّاً بِاللّه أَشَدُّهُمْ خَوْفاً للهِ. وَاعْلَمْ - يَا مُحَمَّدَ بْنَ أبِي بَكْرٍ - أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي، أَهْلَ مِصْرَ، فَأَنْتَ مَحْقُوقٌ أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ، وَأَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِينِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَّا سَاعَةٌ مِنَ)


1) (أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم) فإنَّ للزهد لذة لا يلتذ بمثله أحد، إذ هو لذة العقل، وهو أفضل من كل لذة (وتيقنوا أنهم جيران اللّه) تشبيه للمعقول بالمحسوس، إذ الآخرة دار لرضاه سبحانه وكرامته، فكأنه سبحانه هناك.

2) (وأعدوا له عدته) أي الشيء اللائق بالإنسان بعد موته، وهو العمل الصالح (فإنه يأتي بأمر عظيم) وهو الانتقال إلى عالم آخر (وخطب جليل) الخطب المصيبة، والجليل بمعنى الكبير.

3) (فمن أقرب إلى الجنة من عاملها) ؟ استفهام بمعنى النفي أي لا أقرب إلى الجنة من العامل لها.)(ومن أقرب إلى النار من عاملها أي من الذي عمل عملا يستحق النار، كالكفر والإثم (وأنتم طرداء الموت) جمع طريد، تشبيه للموت بالصياد وللإنسان بالصيد الذي يعقبه الصياد ويطارده ليأخذه.

4) (الموت معقود بنواصيكم) جمع ناصية، وهي مقدم شعر الرأس، وكما أن الشيء الذي عقد بالناصية ملازم للإنسان كذلك الموت (والدنيا تطوى من خلفكم) كأن الإنسان في صفحة طويلة من الدنيا بمقدار عمره فكلما مر يوم تقدم الإنسان إلى آخر الصفحة وطويت الصفحة من خلفه حتى تنتهي الصفحة.

5) (قعرها) أي عمقها (عذابها جديد) يتجدد كل آن آن.

الدَّهْرِ، وَلاَ تُسْخِطِ اللّه برِضَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّ فِي اللّه خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ (1، وَلَيْسَ مِنَ اللّه خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ. صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا الْمُؤَقَّتِ لَهَا، وَلاَ تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغِ، وَلا تُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لاِشْتِغَالٍ وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تبَعُ لِصَلاَتِكُ (2).)ومنه : فإِنَّهُ لاَ سَوَاءَ، إِمَامُ الْهُدَى وَإِمَامُ الرَّدَى (3، وَوَلِيُّ النَّبِيِّ، وَعَدُوُّ النَّبِيِّ. وَلَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) - : [إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَلاَ مُشْرِكاً ؛ أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللّه بِإِيمَانِهِ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللّه بِشِرْكِهِ (4). وَلكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ الْجَنَانِ، عَالِمِ النِّسَانِ، يقولُ مَا تَعْرِفُونَ، وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ) (5).)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى معاوية جوابا، قال الشريف وهو من محاسن الكتب)أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللّه مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه


1) (أعظم أجنادي) جمع جند، وحيث إن أهل البلاد كانوا جنودا للوالي والخليفة إذا دهم عدو سماهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) جندا (في نفسي) أي عند نفسي (فأنت محقوق أن تخالف على نفسك) أي مطالب بحق في أن تخالف شهواتك وميولك (وأن تنافح عن دينك) أي تدافع عنه (فإن في اللّه خلفا من غيره) فإذا فقدت عطف أحد لأجله سبحانه فاللّه يعوضك عما فقدته. وليس من اللّه خلف من غيره فإذا فقد الإنسان فضله تعالى لم يجد ذلك عند أحد.

2) (ولا تعجل وقتها لفراغ) عندك كأن تقدم الظهر على الدلوك (ولا تؤخرها عن وقته)ا كأن تؤخر الظهر عن المغرب (كل شيء من عملك تبع لصلاتك) فإنَّ قبلت قبل ما سواها، وأن ردّت ردّ ما سواها.

3) (فإنه لا سواء إمام الهدى وإمام الردى) أي ليس مساويا إمام يهدي وإمام يوجب الردى والهلاك، وهو إمام الفساق والضلال.

4) (أما المؤمن فيمنعه اللّه بإيمانه) من أن ينال أمتي بسوء (وأما المشرك فيقمعه اللّه بشركه) أي يقهره، فلا يتمكن من أن يؤذي الأمة، لأنهم يعلمون أنه مشرك.

5) (ولكني أخاف عليكم) أيتها الأمة (كل منافق الجنان) أي الذي أسر النفاق والكفر في قلبه (عالم اللسان) العارف بأحكام الشريعة الناطق بها (يقول ما تعرفون) من الأحكام والشائع (ويفعل ما تنكرون) من الآثام والمحرمات، فإنَّه يؤدي الأمة حتى ينخدعوا بلسانه، فيتسممون بأعماله.

عَلَيْهِ وَآلِهِ لِدِينِهِ، وَتَأْبِيدَهِ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً ؛ إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلاءِ اللّه تَعَالَى عِنْدَنَا (1، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا، فَكُنْتَ فِي ذلِكَ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ، أَوْ دَاعِي مُسَدِّدِهِ إِلَى النِّضَالِ، وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الإِسْلامِ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ (2)؛ فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَلَكَ كُلُّهُ، وَإِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ (3). وَمَا أَنْتَ وَالْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ (4)، وَالسَّائِسَ وَالْمَسُوسَ! وَمَا لِلطَّلَقَاءِ وأَبْنَاءِ الطَّلَقَاءِ، وَالتَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، وَتَرْتِيبِ دَرَجَاتِهِمْ، وَتَعْرِيفِ طَبَقَاتِهِمْ! هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا، وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا (5)! أَلاَ تَرْبَعُ أَيُّهَا الإِنْسَانُ عَن ظَلْعِكَ، وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ، وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ (6)!)


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (اصطفاء اللّه محمداً) أي اختاره لأن يبلغ دين اللّه تعالى إلى الناس (إن طفقت) أي أخذت تخبرنا ببلاء اللّه عندنا أي امتحانه لنا.

2) (كناقل التمر إلى هجر) بلدة من بلاد البحرين كثيرة النخيل والتمور (أو داعي مسدده) المسدد معلم يرمي السهام (إلى النضال) أي كالذي يدعو من علمه الرمي إلى المراماة (وزعمت أن أفضل الناس فلان وفلان) ذكر معاوية في كتابه إلى الإمام بأن الأفضل فلان وفلان بقصد تنقيص قدر الإمام.

3) (فذكرت أمرا إن تم) وصح (اعتزلك كله) أي أنت بمعزل عن ذلك كله إذ فضيلة من لا يرتبط بك إطلاقا لا يوجب فضلك (وإن نقص) وكنت كاذباً فيما قلت - كما هو كذلك - (لم يلحقك ثلمه) أي عيبه فإنَّ عدم فضيلة شخص لا يوجب عدم فضيلة آخرين.

4) (وما أنت والفاضل والمفضول) أي أنت بمعزل عن فهم ذلك وتعيينه، فإنه إنما يعرف ذا الفضل، من الناس ذووه.

5) (لقد حن قدح ليس منها) القدح السهم وحن بمعنى صوت فإنَّ السهم إذا كان يخالف سائر السهام في النحت والخشب كان له صوت يخالف صوت سائر السهام، عند الرمي (وطفق) أي أخذ (يحكم فيها) أي في المفاضلة (من عليه الحكم لها) أي للمفاضلة فإنَّ من ليس له فضل، محكوم بذلك فكيف يتمكن أن يكون حاكما؟.

6) (الا) تربع أيها الإنسان على ضلعك) أي الا تقف على حدك، تشبيه بالإبل الذي ينام على ضلعه والاستفهام للأمر والتوبيخ (و) ألا (تعرف قصور ذرعك ؟) أي قصور يدك عن تناول هذه الأمور (وتتأخر حيث أخرك القدر) ؟ التقدير السيئ الذي كان لك.

فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْمَعْلُوبِ، وَلاَ ظَفَرُ الظَّافِرِ ! وَإِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التِّيهِ، رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ(1الاَ تَرَى - غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ، وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللّه أُحَدِّثُ - أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللّه تَعَالَى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَلِكُلِّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا (2).)قِيلَ: سَيْدُ الشُّهَدَاءِ، وَخَصَّهُ رَسولُ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ - بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلاتِهِ عَلَيْهِ! أَوَلَا تَرَى أَنَّ قَوْماً فُطْعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللّه -وَلِكُلٍّ فَضْلٌ - حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ قِيلَ : (الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ !) وَلَوْلاَ مَا نَهَى اللّه عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا تَمُجُهَا آذَانُ السَّامِعِينَ (3). فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ (4)فإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا (5). لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزِّنَا وَلاَ عَادِيُّ طَوْلِنَا أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بأَنْفُسِنَا، فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنَا، فِعْلَ)


1) (فما عليك غلبة المغلوب) أي: لا يرتبط بك أن الشخص إذا غلب. (ولا ظفر الظافر) أي الغالب إذا غلب، فلست أنت في شيء من ذلك (وأنك لذهاب في التيه) أي كثير الذهاب في الضلال (رواغ عن القصد) أي كثير المراوغة والميل عن قصد الطريق ووسطه.

2) (ألا ترى - غير مخبر لك ولكن بنعمة اللّه أحدث) أي أن ما أريد أن أقوله ليس بقصد إخبارك والفخر بالنسبة إلى نفسي، ولكن أحدث بنعمة اللّه سبحانه (حتى إذا استشهد شهيدنا) هو حمزة بن عبد المطلب عم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) استشهد في غزوة أحد.

3) (حتى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم) من قطع اليد، وهو جعفر بن أبي طالب، أخ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قطعت يداه في غزوة مؤتة (لذكر ذاكر) يعني نفسه الكريمة (ولا تمجها آذان السامعين) أي لا تنكرها لأنها واقعية وليست مكذوبة.

4) (فدع عنك من مالت به الرمية) الصيد يرميه الصائد ومالت به خالفت قصده فأتبعها، مثل لمن أعوج غرضه، فمال عن الاستقامة لطلبه، ولعل القصد بالمثل، خطاب النفس، أي لا يهمك يا علي من خالف القصد لأغراضه، كمعاوية وأضرابه، أو تعريض بالذين تقدموه في الخلافة جوابا عن تفضيل معاوية لهم، أو غير ذلك.

5) (فإنا صنائع ربنا) ومعنى الصنائع المختصون بفضله في بابي الرسالة والإمامة. والناس بعد صنائع لنا فنحن واسطة الفيض إليهم الموجب لحياتهم السعيدة في الدنيا والآخرة.

الأَكْفَاءِ، وَلَسْتُمْ هُنَاكَ (1! وَأَنَّى يَكُونُ ذلِكَ وَمِنَّا النَّبِيُّ وَمِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ، وَمِنَّا أَسَدُ اللّه وَمِنْكُمْ أَسَدُ الأَحْلافِ، وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينِ، وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ، فِي كَثِيرٍ ممّا لَنَا وعَلَيْكُمْ (2)! فَإِسْلاَمُنَا قَدْ سُمِعَ، وَجَاهِلِيَّتُنَا لاَ تُدْفَعُ، وَكِتَابُ اللّه يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا (3)، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّه) (4)وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللّه وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (5)، فَنَحْنُ مَرَّةً أَوْلَى بِالْقَرَابَةِ، وَتَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ (6). وَلَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِرَسُولِ اللّه - صلى اللّه عليه وآله - فَلَجُوا عَلَيْهِمْ، فإِنْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ (7). وَزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ،)


1) (لم يمنعنا قديم عزنا) أي عزّنا القديم بآبائنا (ولا عادي طولنا) أي فضلنا الاعتيادي، فإنَّ الطول بمعنى الفضل، والعادي بمعنى الشيء المعتاد (فعل الأكفاء) أي عاملناكم معاملة الكفو لكفوه، والمثل لمثله (ولستم هناك) أي لم تكونوا أكفاء لنا.

2) (وأنّى يكون ذلك) ؟ أي المماثلة والتكافؤ - بيننا وبينكم - (ومنكم الكذاب) لقب أبو جهل (ومنكم أسد الأحلاف) أبو سفيان، لأنه جمع القبائل وحالف بعضهم مع بعض لحرب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ومنكم صبية النار) أولاد عقبة، أو مروان، حيث أو عدهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالنار، وهم صبيان (ومنكم حمالة الحطب) زوجة أبي لهب أم جميل بنت حرب عمة معاوية (مما لنا) خيره (وعليكم) شره.

3) (فإسلامنا قد سمع) سمعه الناس، بأنا كنا أسرع الناس إلى الإسلام (وجاهليتنا) أي شرفنا في زمن الجاهلية (لا تدفع) أي لا ينكره أحد (وكتاب اللّه يجمع لنا ما شذ عنا) أي أن ما سلبوه منا من الخلافة، يرجع إلينا بحكم القرآن، ومعنى شذ: ابتعد.

4) سورة الأنفال، الآية: 75.

5) سورة آل عمران الآية: 68.

6) (فنحن مرة أولى بالقرابة) بمقام الخلافة من غيرنا بسبب القرابة لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وتارة أولى بالطاعة) بسبب الطاعة حسب الآية الثانية.

7) (فإن يكن الفلج به) الظفر بالقرب من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (فالحق لنا دونكم) لأني أقرب الناس برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ممن يصلح للخلافة (وإن يكن) الفلج (بغيره) أي ليس بالقرب من الرسول، وإنما بمن تقدم كيفما كان (فالأنصار على دعواهم) في أن لهم الحق في الخلافة ويلزم أن يكون منهم أمير، كما من المهاجرين أمير.

وَعَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ، فإِنْ يَكُنْ ذلِكَ كَذلِكَ فَلَيْسَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ، فَيَكُونَ الْعُذْرُ إِلَيْكَ (1. وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا (2).)وَقُلْتَ : إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ (3حَتَّى أُبَابِعَ، وَلَعَمْرُ اللّه لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُّمَّ فَمَدَحْتَ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَاقْتَضَحْتَ! وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكَّاً فِي دِينِهِ، وَلَا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ! وَهَذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا (4)، وَلكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا. ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَكَ أَنْ تُجَابَ لِرَحِمِكَ مِنْهُ، فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ، وَأَهْدَى إِلى مَقَاتِلِهِ (5)! أَمَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفَّهُ، أَمَّنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاحَى عَنْهُ وَبَثّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ (6)، حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ. كَلاً وَاللّه (قَدْ يَعْلَمُ اللّه وَقَدْ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلاً) (7)، (8).)


1) (بغيت) أي ظلمت (فليس الجناية) مني (عليك) إذ لا ترتبط أنت بالخلفاء (فيكون العذر إليك) أي فيلزم علي أن أعتذر إليك.

2) (وتلك شكاة ظاهر عنك عارها) هذا من تتمة بيت لأبي ذؤيب، وأوله [وعيّرها الواشون إني أحبها ] والشكاة النقيصة، وظاهر بمعنى بعيد، أي إن محبتي لك ليست عاراً عليك يا أيتها المحبوبة، ومراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتمثيل، أن هذه النقيصة التي تزعم لا ترتبط بك يا معاوية.

3) (وقلت إني كنت أقاد) يوم أرادوا أخذ البيعة مني، لأبي بكر كما يقاد الجمل المخشوش أي الذي جعل في أنفه الخشب ليربط به الحبل فيقاد كيف يشاء الشخص من الخشاش ما يدخل في عظم أنف البعير من الخشب.

4) (ولعمر اللّه) أي قسما باللّه (حجتي إلى غيرك قصدها) فأنا إنما أحتج بهذا على أولئك بأنهم سلبوني حقي حتى قهرت أما أنت فلست في العير ولا في النفير فلا حاجة في الاحتجاج عليك إذ طرفا الاحتجاج أنا وأبو بكر، لا أنا وأنت.

5) (بقدر ما سنح) أي ظهر (من ذكرها) إشارة إلى أن ما أردت تنقيصي به، إنما هو مدح لي كان أعدى له أي أشد عدوانا لعثمان (وأهدى) أي أبصر (إلى مقاتله) أي وجوه قتله؟.

6) (فاستقعده واستكفه) أي طلب عثمان منه أن يقعد ويكف عن النصرة، فإنَّ عثمان أخرج الإمام من المدينة أو طلب إليه أن لا يتدخل في الأمر (أمن استنصره) أي طلب عثمان نصرته – (فتراخى عنه وبث المنون إليه) أي نشر الموت إليه، بسبب عدم نصرته.

7) سورة الأحزاب الآية: 18.

8) (الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ) العوق: المانع عن النصرة (وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ) الذين يريدون الجهاد (هَلُمَّ إِلَيْنَا) أي كونوا معنا ولا تخرجوا للجهاد. (وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ) أي الحرب (إلا قَلِيلاً) في ما إذا اضطروا ولم يجدوا مفرا.

وَمَا كُنْتُ لأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً ؛ فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ ؛ فرُبَّ مَلوُمٍ لاَ ذَنْبَ لَهُ. وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الظَّنَّةَ الْمُتَنَصِّحُ (1.)وَمَا أَرَدْتُ (إلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللّه عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ (2). وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلأَصْحَابِي إِلا السَّيْفُ، فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ! مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الأَعَدَاءِ نَاكِلِينَ، وَبِالسّيُوفِ مُخَوَّفِينَ؟! [لَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ] (3)فَسَيَطلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ (4)مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَالْتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ سَاطِع قَتَامُهُمْ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ (5)؛ أَحَبُّ اللقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ، قَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ (6)﴿وَمَا هِي مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد) (7).)


1) (أحداثا) أي أعيب عليه بدعا وأعمالا سيئة (وقد يستفيد الظنة المتنصح) وهذا عجز بيت صدره [وكم سقت في آثاركم من نصيحة] والظنة: التهمة، والمتنصح المبالغ في النصح والإرشاد.

2) سورة هود، الآية: 88.

3) (بعد استعبار) أي بعد أن أورثت البكاء على حالك في الضلال. (متى الفيت) أي وجدت (ناكلين) أي: متأخرين فارين حتى تهددهم بالسيف (لبث قليلا يلحق الهيجا حمل) [لا بأس بالموت إذ الموت نزل] [حمل] اسم رجل أغير على إبله، فاستنقذها، وأنشد هذا البيت، أي: امكث قليلا أيها المغير يلحق الحرب - وهي الهيجاء - حمل، ويحارب حتى ينقذ إبله.

4) (ويقرب منك ما تستبعد) من نزول الهزيمة بك وبجيشك (وأنا مرقل) مسرع (في جحفل) أي جيش.

5) (شديد زحامهم) أي اجتماعهم ومزاحمتهم لك. (ساطع قتامهم) أي غبارهم وقت المسير إليك (متسربلين) أي لابسين (سرابيل الموت) أي لباس الموت، كناية عن استعدادهم للموت.

6) (ذرية بدرية) أي أولاد أهل بدر، فهم أولاد سادة كرام (وسيوف هاشمية) كناية عن نفوذها وشدة بأسها في الأعداء (مواقع نصالها) أي المحلات التي تضرب بتلك السيوف (في أخيك) حنظلة (وخالك) الوليد (وجدك) لأمك عتبة (وأهلك) الذين قتلتهم تلك السيوف.

7) سورة هود، الآية: 83.

### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى أهل البصرة)وَقَدْ كَانَ مِنِ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وَشِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبُوا عَنْهُ (1، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ، وَرَفَعْتُ السَّيْف عَنْ مُدْبِرِكُمْ، وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ. فإنْ خَطَتْ بِكُمُ الأُمُورُ الْمُرْدِيَةُ، وَسَفَهُ الآرَاءِ الْجَائِرَةِ، إِلَى مُنَابَذَتِي وَخِلافِي، فَها أَنَا ذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي، وَرَحَلْتُ رِكَابِي. وَلَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةٌ لاَ يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلَّا كَلَعْقَةِ لَاعِقٍ (2)مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ، وَلِذي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ، غَيْرُ مُتَجَاوِرٍ إِلَى بَرِي، وَلاَ ناكِثاً إِلَى وفيّ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى معاوية)فَاتَّقِ اللّه فِيمَا لَدَيْكَ، وَانْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ، وَارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لاَ تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ (3، فإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلاَماً وَاضِحَةً، وَسُبُلاً نَيِّرَةً، وَمَحَجَّةً نَهْجَةً، وَغَايَةً مَطلُوبَةً، يَرِدُهَا الأَكْيَاسُ، وَيُخَالِفُهَا الأَنْكَاسُ، مَنْ نَكَبَ عَنْهَا جَارَ عَنِ الْحَقِّ، وَخَبَطَ فِي التّيهِ، وَغَيَّرَ اللّه نِعْمَتَهُ، وَأَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ. فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ! فَقَدْ بَيَّنَ)


1) (من انتشار حبلكم) انتشار الحبل تفرق طاقاته التي قتل منها وهذا كناية عن تفرق أهل البصرة (وشقاقكم) أي مخالفتكم (ما لم تغبوا عنه) أي ما لم تجهلوه، من غبا عنه بمعنى جهله.

2) (من مقبلكم) الذي أتى إلينا (فإن خطت) أي تجاوزت (وسفه الآراء الجائرة) أي الآراء الناشئة من السفاهة والظلم (إلى منابذتي) أي: مخالفتي (قربت جيادي) جمع جواد، أي قربتها لأركبها حتى آتي إلى محاربتكم ثانيا (ورحلت ركابي) أي شددت الرحل عليها، والركاب الإبل (لأوقعن بكم وقعة) أي أحاربكم محاربة (إليها إلا كلعقة لاعق) اللعقة اللحسة، أي إن يوم الجمل يكون ايسر منها.

3) (فيما لديك) أي فيما أنت مسلط عليه (وارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته) وهو معرفة الخليفة واتباعه.

اللّه لَكَ سَبِيلَكَ، وَحَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ، فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ، وَمَحَلَّةِ كُفْرٍ (1، وإِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْلَجَتْكَ شَرّاً، وَأَقْحَمَتْكَ غَباً، وَأَوْرَدَتْكَ الْمَهَالِكَ، وَأَوْعَرَتْ عَلَيْكَ الْمَسَالِكَ.)### ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ كتبها للحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) (بحاضرين) منصرفاً من صفين :)ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ كتبها للحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) (بحاضرين) منصرفاً من صفين (2):)مِنَ الْوَالِدِ الْفانِ الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ (3الذَّامِّ لِلدُّنْيَا، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى، والْظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً، إلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لاَ يُدْرَكُ السَّالِكِ سَبَيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، غَرَضِ الأَسْقَامِ، وَرَهِينَةِ الأَيَّامِ (4)، وَرَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ، وَعَبْدِ الدُّنْيَا، وَتَاجِرِ الْغُرُورِ، وَغَرِيم الْمَنَايَا (5)، وَأَسِيرِ)


1) (فإن للطاعة أعلاما واضحة) جمع [ علم] وهو ما ينصب في الطريق لمعرفة الجادة (ومحجة نهجه) أي طريقاً واضحة (وغاية مطلوبة) للناس، وهي الوصول إلى السعادة في الدارين (يردها) أي تلك الطرق، أو تلك الغاية (الأكياس) جمع كيس، بمعنى العاقل الفطن (ويخالفها الأنكاس) جمع نكس، بمعنى الدنيء. (من نكب عنها) أي انحرف عن تلك الطرق (خبط في التيه) أي مشى على غير هداية، في الضلال (فنفسك نفسك) فاحفظ نفسك عن الآثام والعقاب (وحيث تناهت بك أمورك) أي راقب المحل الذي تنتهي أمورك إليه لئلا تضل وتشقى (فقد أجريت) مصيبتك (إلى غاية خسر) أي غاية توجب خسارتك لكل شيء (ومحلة كفر) أي المحل الذي ينتهي إليه الكافر من النار والنكال.

2) وقيل إنه كتبها لابنه محمد ابن الحنيفة.

3) (المقر للزمان) بأنه يفعل ما يشاء أن يفعل بالإنسان من الضعف والانحلال (المدبر للعمر) لأن غالبه قد ذهب، وبقي منه أقله (المستسلم للدهر) أي المنقاد الصروفه، إذ لا يملك أن يغيره.

4) (إلى المولود المؤمل ما لا يدرك) فإنَّ الإنسان يمشي في طريق الهالكين في أعماله وأفعاله (غرض الأسقام) كأن الأسقام ترمي الإنسان بنبالها (ورهينة الأيام) فكما يسترد الرهن، كذلك يسترد الإنسان إلى التراب والفناء كما كان.

5) (ورمية المصائب) الرمية الصيد الذي يرمى، يعني أن المصائب تأتيه وترميه من كل جانب (وعبد الدنيا) أي المتبع لها، كاتباع العبد لسيده (وتاجر الغرور) إذ يصرف عمره ويشتري الأشياء التي لا تفيد كالمغرور الذي أعطى ماله لما لا يقابله (وغريم المنايا) جمع منية، فكما أن الدائن يطلب المديون، كذلك الموت يطلب الإنسان.

الْمَوْتِ، وَحَلِيفِ الْهُمُومِ، وَقَرِينِ الأَحْزَانِ، وَنُصُبِ الآفَاتِ(1، وَصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ، وَخَليفَةِ الأَمْوَاتِ.)أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي، وَجُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ، وَإِقْبَالِ الآخِرَةِ إِليَّ، مَا يَزَعُنِي مِنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ، وَالاهْتِمَام بِمَا وَرَائِي، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُوم النَّاسِ هَمُ نَفْسِي، فَصَدَفَنِي رَأْتِي، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدِّ لا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ، وَصِدقٍ لاَ يَشُوبُهُ كَذِبٌ. وَوَجَدْتُكَ بَعْضِي، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ مُسْتظْهِراً بِهِ (2إِنْ أَنا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ.)فإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللّه - أَيْ بُني - وَلُزُوم أَمْرِهِ، وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، وَالاِعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ. وَأَيُّ سَبَبٍ بَيْنكَ وَبَيْنَ اللّه إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بهِ (3!)أحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ، وَأَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ، وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ، وَنَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ، وَذَلّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وَحَذَّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ (4، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ)


1) (وحليف الهموم) أي قرينها (وقرين الأحزان) فإنَّ الإنسان مقترن بأنواع الحزن (ونصب الآفات) أي لا تفارقه الآفات، مثل فلان نصب عيني أي في منظري وتحت إدراكي.

2) (فيما تبينت) أي علمت (وجموح الدهر علي) أي تغلبه وعصيانه علي برمي المصائب (وإقبال الآخرة إلي) أي قربها (ما يزعني) أي يمنعني (والاهتمام بما ورائي) أي الذي أخلفه ورائي من الدنيا وشؤونها (فصدقني) أي صرفني همي (رأيي) أي اتباع آرائي، فلا أتبع أفكاري الدنيوية (وصرح لي) أي ظهر لي (محض أمري) أي خالصه الذي لا تغشاه الأهواء والميول مستظهرا به أي أستعين بما أكتب على هدايتك.

3) (وأي سبب بينك وبين اللّه إن أنت أخذت به)؟ استفهام تعجب لتعظيم حبله سبحانه يعني أنه سبب وأي سبب.

4) (وذلله بذكر الموت) فإنَّ القلب جموح، فإذا ذكر الموت ذل وتواضع (وقرره بالفناء) أي اطلب منه الإقرار بالفناء والموت (وحذره صولة الدهر) أي هجومه وآلامه حتى يكون على استعداد للآخرة (وفحش) أي فاحش (تقلب الليالي والأيام) فإنَّ الأيام كثيرة التقلبات من غنى إلى فقر، ومن صحة إلى مرض وهكذا.

الْمَاضِينَ، وَذَكَرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ، فإنظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وَعَمَّا انْتَقَلُوا وَأَيْنَ حَلُّوا وَنَزَلُوا، فإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الأَحِبَّةِ، وَحَلُّوا دِيَارَ الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ، وَدَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ، وَالْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ وَأَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ، فإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيرَةِ الصَّلالَةَ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الأَهْوَالِ(1، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ، وَبَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ، وَجَاهِدٌ فِي اللّه حَقَّ جِهَادِهِ، وَلاَ تَأْخُذْكَ فِي اللّه لَوْمَةُ لائِمٍ (2). وَخُضِ الْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ، وَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَنِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُّرُ، وَأَلْجِى نَفْسَكَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ، فإِنَّكَ تُلْجِتُهَا إِلَى كَهْفِ حَرِيزٍ، وَمَانِعِ عَزِيزِ (3)، وَأَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ، فإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَ، وَأَكْثِرِ الاِسْتِخَارَةَ، وَتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي، وَلاَ تَذْهَبَنَّ عَنْهَا صَفْحاً، فإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَلاَ يُنْتَفَعُ يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لاَ يَحِنُّ تَعَلَّمُهُ. أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَّغْتُ سِنّاً، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَأَوْرَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي، وَأَنْ أَنْقَصَ فِي)


1) (وكأنك عن قليل) أي بعد مدة قليلة (قد صرت كأحدهم) في الانتقال عن الدنيا إلى الآخرة (فاصلح مثواك) أي محل الثوى والرقدة (والخطاب فيما لم تكلف) أي لم يكلفك اللّه سبحانه (فإن الكف) أي الترك (عند حيرة الضلالة) أي الضلالة الموجبة لحيرة الإنسان هل يقدم أم لا؟ (خير من ركوب الأهوال) التي لا يعلم هل ينجو الإنسان منها أم لا؟

2) (وباين) أي: فارق وابتعد (بجهدك) أي بكل ما تقدر عليه من الجهد (وجاهد في اللّه) أي في سبيله سبحانه ولأجله (حق جهاده) أي كما ينبغي أن يجاهد الإنسان (ولا تأخذك في اللّه لومة لائم) أي لا تسبب ملامة شخص أن تترك أمراً من أوامر اللّه سبحانه.

3) (وخض الغمرات) أي ادخل في الشدائد، فإنَّ الغمرات جمع غمرة، وأصلها الماء الذي يغمر الإنسان أي يشمله (تلجئها إلى كهف حريز) أي إلى ملجأ حافظ لك من أن يمسك سوء (ومانع عزيز) أي مانع عن وصول المكاره إليك، ذو عزة ومنعة.

رأيي (1كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي، أَوْ يَسْبقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْب النَّفُورِ (2). وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا. أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ. فَبَادَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدٌ رَأْيِكَ مِنَ الأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتَهُ (3)، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤُونَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ (4).)أَيْ بُنَيَّ، إنّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ في أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ؛ بَلْ كَأَنَّي بِمَا انْتَهَى إِليَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ (5.)


1) (في المسألة لربك) في السؤال منه (وأكثر الاستخارة) أي طلب الخير من اللّه سبحانه، أو إجالة الرأي لطلب خير الآراء، فيما تريد أن تعمله (صفحا) بأن تعرض عنها، تشبيه بمن لا يمشي في وسط الجادة، وإنما في جوانبها (ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه) أي لا يكون من الحق تعلمه كالسحر وما أوجب الفساد (أي بني) [أي] حرف نداء، وبني منادى (إني لما رأيتني قد بلغت سنا) أي وصلت نهاية عمري (بادرت) أي تعجلت (أفضي) أي القي إليك بما في نفسي من النصح والإرشاد (وأن أنقص في رأيي) فإنَّ الإنسان إذا شاخ لا يمكنه أن يبين جميع آرائه أو هذا على سبيل العادة من نقص الإنسان في معلوماته لدى الكبر - وإن كان الإمام منزها عن ذلك -.

2) (أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى) بأن يستولي على قلبك ما يغلب من أسباب الهوى [إياك أعني واسمعي يا جارة] لو كان المخاطب الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) (كالصعب) أي كالفرس الذي يصعب ركوبه لتوحشه (النفور) الذي يتنفر ولا يأنس.

3) (وإنما قلب الحدث) أي الشاب (كالأرض الخالية) التي لا زرع فيها (ما ألقي فيها من شيء قبلته) أخرجته نباتاً (قبل أن يقسو قلبك) أي: يشتد بالملكات الرديئة، فلا تجد الفضائل فيه منفذا (ويشتغل لبك) أي عقلك بأمور الدنيا والرذيلة (لتستقبل بجد رأيك) أي برأيك الجاد (بغيته) أي طلبه (وتجربته) فتستعمل حسب ما جرب أهل التجربة، ولا تتجشم إعادة التجارب.

4) (فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه) أي جاءك نتائج العلاجات بلا صعوبة، ممّا قد كنا نعالج فنحصل عليها بالعلاج والمشقة (واستبان لك) أي ظهر لك (ما ربما أظلم علينا منه) أي لم يظهر وجهه حتى حصلناه وفهمناه بالصعوبة والعلاج - وهذا على سبيل العرف وإلا فالإمام كان في غنى عن ذلك.

5) (حتى عدت) أي صرت (كأحدهم) مطلعا على أوضاعهم تمام الاطلاع (بل كأني بما انتهى إليَّ) أي وصل (من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم) إذ اجتمع لدي أخبار جميعهم.

فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ، وَتَوَخَّيْتُ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلُ العُمُرِ ومُقْتَبِلُ الدَّهْرِ (1، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ، وَأَنْ أَبْتَدِأَكَ بِتَعْلِيم كِتَابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ، وَشَرَائِعِ الإِسْلَام وَأَحْكَامِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، لاَ أُجَاوِزُ ذلِكَ بِكَ إِلى غَيْرِهِ ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ (2)مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِحْكَامُ ذلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلاَمِكَ إِلَى أَمْرِ لَا آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الْهَلَكَةَ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللّه فِيهِ لِرُشْدِكَ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ (3)، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ. وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِليَّ مِنْ وَصِيَّنِي، تَقْوَى اللّه، وَالاِقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللّه عَلَيْكَ، وَالأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ، وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ يَنْظُرُوا لَأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ، وَفَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرُ (4)، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذلِكَ إلَى الأَخْذِ بِمَا)


1) (نخيله) أي مختاره المصفى (وتوخيت) أي تحريت (وصرفت عنك مجهوله) أي لم أبين لك ما يجهل غايته (ورأيت) أي نظرتُ لك (حيث عناني من أمرك) أي من جهة عنايتي بأمرك (وأجمعت عليه) أي عزمت (وأنت مقبل العمر) أي العمر مقبل عليك إذ أنت في أوله ومقتبل الدهر) أي الدهر مقبل عليك.

2) (وتأويله) أي ما يؤول أمر الآيات إليه من النتائج المخالفة لظواهر الآيات (ثم أشفقت) أي خفت (أن يلتبس عليك) أي يشتبه عليك.

3) (فكان إحكام ذلك) الذي اختلف الناس فيه أي أحكام الأصول الغامضة بسبب البرهان والأدلة (على ما كرهت من تنبيهك له) إذ الإنسان يكره الخوض في الدقائق لصعوبتها عليه (أحب إلي من إسلامك) أي من أن أسلمك (إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة) بأن أتركك وشأنك لتأخذ من الناس آراءهم، حتى تهلك بسبب الانحراف الذي يأتي إلى ذهنك في أصول الدين (وأن يهديك لقصدك) أي وسط الطريق لا يمينه ولا شماله المائلان عن الحق.

4) (واعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذ به إلي) أي أحب الأشياء إلي ممّا تأخذه أنت (فإنهم لم يدعوا أن ينظروا لأنفسهم) أي لم يتركوا التفكر في أمر أنفسهم وماذا ينبغي أن يصنعوا (كما أنت ناظر) أي كما أنت تنظر لأمر نفسك (وفكروا كما أنت مفكر) في كيفية سلوكهم الموجب لسعادتهم.

عَرَفُوا، وَالإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلِّفُوا (1، فإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذِلكَ بِتَفَهُم وَتَعْلُّم، لاَ بِتَورُّط الشُّبُهَاتِ، وَعُلو الْخُصُومَاتِ (2). وَابْدَأَ قَبْلَ نَظِركَ فِى ذلكَ بالاِسْتِعَانَةِ بِالهِكَ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ، وَتَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ فِي شُبهَةٍ، أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلالَةٍ. فَإِذَا أَيْقَنَتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ، وَتَمَّ رَأَيْكَ فَاجْتَمَعَ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي ذلِكَ هَمّاً وَاحِداً (3)، فانظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعَ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ، وَفَرَاعْ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ (4)، فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا نَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ، وَتَتَوَرَّطُ الظُّلْمَاءَ. وَلَيْسَ طَالِبُ الدّين مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَط، وَالإِمْسَاكُ عَنْ ذلِكَ أَمْثَلُ (5). فَتَفَهَّمْ يَا بُني وَصِيَّتِي، وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ، وَأَنَّ الْمُفْنِي هُوَ الْمُعِيدُ، وَأَنَّ الْمُبْتلِي هُوَ الْمُعَافِي، وَأَنَّ الدُّنْيَا لم تكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللّه عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ، وَالاِبْتِلاءِ، وَالْجَزاءِ فِي الْمَعَادِ، أَوْ مَا شاءَ ممّا لاَ نَعْلَمُ، فإنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلَكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى)


1) (ثم ردهم آخر ذلك) النظر والتفكر (إلى الأخذ بما عرفوا) من الأمور المفيدة (والإمساك) أي الكف (عما لم يكلفوا) أي لم يكلفهم اللّه سبحانه.

2) (فليكن طلبك ذلك) أي اطلب وجه لزوم العمل بما عرف والإمساك عما لا يكلف (بتفهم وتعلم) بأن يكون قصدك أن تعرف وتفهم (لا بتورط الشبهات) أي بأن توقع نفسك في الأمور المشتبهة (وعلو الخصومات) بأن تعلوا بينك وبين غيرك، فإن الإنسان قد يفتش عن حقيقة بالجدل والنزاع، وقد يفتش عن حقيقة بالتعلم والتفكر.

3) (وابدأ قبل نظرك في ذلك) الذي ذكرت لك (بالاستعانة بإلهك) بأن تستعين به، ليعينك على الفهم والإدراك (والرغبة إليه) أي الطلب منه تعالى (وتم رأيك) أي صح تماما بلا شبهة فيه (فاجتمع) شوارد الآراء تحت نطاق واحد، لا أن يتردد الرأي بين النفي والإثبات (وكان همك في ذلك) الذي تطلب منه تعالى (هماً واحداً) لا احتمالات وترددات.

4) (وإن لم يجتمع لك ما تحب من نفسك) بأن ترددت نفسك في احتمالات (وفراغ نظرك) أي لم يفرغ نظرك إلى جهة واحدة (وفكرك) إلى اتجاه واحد حتى تدرك ما سأذكره لك من مسائل أصول الدين.

5) (إنما تخبط العشواء) أي مثل خبط الناقة الضعيفة البصر التي لا تأمن من السقوط في هوة لا منجاة لها منها (وتتورط الظلماء) أي تدخل في مكان مظلم لا تدري عاقبة الدخول فيه (أمثل) أي أحسن.

جَهَالَتِكَ بِهِ (1، فإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ خُلِقْتَ جَاهِلاً ثُمَّ عُلِّمْتَ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الأَمْرِ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأَيْكَ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذلِكَ، فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُدُكَ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ، وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ. وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِى عَنِ اللّه سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ) - فَارْضَ بِهِ رَائِداً، وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِداً، فإني لَمْ اَلُكَ نَصِيحَةُ، وَإِنَّكَ لَمْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ - وَإِنِ اجْتَهَدْتَ - مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ (2). وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكَ لأَتَتْكَ رُسُلُهُ، وَلَرَأَيْتَ آثَارَ. مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَلَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَصِفَاتِهِ، وَلكِنَّهُ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، لاَ يُضَادُّهُ فِى مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَلا يَزُولُ أَبَداً، وَلَمْ يَزَلْ أَوَّل قَبْلَ الأَشْيَاءِ بِلا أَوَّلِيَّة، وَآخِرٌ بَعْدَ الأَشْيَاءِ (3)بِلا نِهَايَةٍ. عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ. فَإِذَا عَرَفْتَ ذلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ، وَقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ، وَكَثْرَةِ عَجْزِهِ، وَعَظِيمٍ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ، فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ، وَالرَّهْبَةِ مِن عُقُوبَتِهِ، وَالشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ: فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرُكَ إِلا بِحَسَنٍ، وَلَمْ يَنْهَكَ إِلا عَنْ قَبِيحٍ. يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنَبَأَتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا، وَزَوَالِهَا وَانْتِقَالِهَا، وَأَنْبَأَتُكَ عَنِ الآخِرَةِ وَمَا أُعِدَّ لأَهْلِهَا فِيهَا، وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا)


1) (فتفهم) أي تعلم (أو ما شاء ممّا لا نعلم) أي تكون الدنيا على ما شاء اللّه من سائر أحوالها ممّا لا نحيط به علماً (فاحمله على جهالتك به) أي قل أنا جاهل وإلا فالأمر كما أخبرني أبي.

2) (فاعتصم) أي تمسك (وإليه رغبتك) بأن ترغب في الحظوة عنده والزلفة لديه (ومنه شفقتك) أي خوفك (رائدا) أي معرفاً ودليلاً (فإني لم آلك) أي لم أقصر لك (وإنك لم تبلغ في النظر لنفسك) أي إذا أردت أن تنظر وتفكر لنفسك لسعادتك ونجاتك (وإن اجتهدت) تعبت في التفكر والنظر (مبلغ نظري لك) أي بقدر ما أنا نظرت لأجلك ولإرشادك ونصيحتك.

3) (لا يضاده في ملكه أحد) فهو المالك المطلق الذي يفعل ما يشاء. (ولا يزول) عن الألوهية (أبدا) بل هو باق سرمدي (ولم يزل) بأن لم يكن له ثم كان، بل كان منذ الأزل، هو (أول قبل الأشياء) كان أو لم يكن شيء (بلا أولية) أي أنه لا أول له حتى يكون مسبوقا بالعدم (وآخر بعد الأشياء) فيبقى بعد فنائها جميعاً.

الأَمْثَالَ لِتَعْتَبِرَ بِهَا، وَتَحْذُو عَلَيْهَا (1. إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ، فَأَمُّوا مَنْزِلاً خَصِيباً وَجَنَاباً مَرِيعاً(2)، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ، وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ، وَجُشُوبَةَ الْمَطْعَم، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ (3)، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ أَلَماً، وَلاَ يَرَوْنَ نَفَقَةً مَغْرَماً. وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ ممّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلِّهِمْ. وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ، فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلِ جَدِيبٍ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَلا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ، إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ، وَيصيرُونَ إِلَيْهِ (4). يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ وَاعْلَمْ أَنَّ الإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآفَةُ الأَلْبَابِ (5). فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ، وَلاَ تَكُنْ خَازِنَا لِغَيْرِكَ، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ)


1) (عظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر) أي أنه سبحانه أعظم من ان يراه الإنسان أو يدرك كنهه (في صغر خطره) أي صغر قدره بالنسبة إلى اللّه تعالى (والشفقة) أي الخوف (من سخطه) غضبه (وتحذو عليها) أي تقتدي بتلك الأمثال من الحذو.

2) (إنما مثل من خبر الدنيا) أي عرفها على حقيقتها (كمثل قوم سفر) أي: مسافرون (نبا بهم منزل جديب) أي لم يوافقهم المنزل المقحط الذي فيه القحط والغلاء (فأموا) أي قصدوا (منزلا خصيبا) ذا خصب وسعة ورخص والمراد به الآخرة (وجنابا) أي ناحية (مريعا) أي كثير العشب والماء.

3) (فاحتملوا وعثاء الطريق) أي مشقته (وخشونة السفر) أي صعوبته (وجشوبة المطعم) أي خشونته (ليأتوا سعة دارهم) والمراد بها الآخرة (ومنزل قرارهم) الذي فيه مستقرهم.

4) (مغرماً) أي غرامة ذاهبة عنهم (يهجمون عليه) أي ينتهون إليه بغتة (ويصيرون إليه) إذ لا شيء لهم هناك، بل نكال وعقاب.

5) (يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك) فكما توزن بالميزان أشياء فيعرف تساويها وقيمها، كذلك يلزم على الإنسان أن يجعل ذاته كمحايد بين شخصين أحدهما نفسه، والآخر غيره، فيعطي الاثنين بالتساوي (واعلم أن الإعجاب) أي استحسان الإنسان ما يصدر من نفسه (وآفة الألباب) أي مصيبة العقول، فإنَّها تصاب بهذا المرض الوخيم.

لِقَصْدِكَ (1فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَأَنَّهُ لا غِنى لَكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الاِرْتِيَادِ، وَقَدْرِ بَلاغِكَ مِنَ الزَّادِ، مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ (2)، فَلاَ تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ، فَيَكُونَ ثِقْلُ ذلِكَ وَبَالاً عَلَيْكَ، وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً (3)حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَاغْتَنِمْهُ وَحَمِّلُهُ إِيَّاهُ، وَأَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلاَ تَجِدُهُ (4). وَاغْتَنِمْ مَن اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ، لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ (5). وَاعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةٌ كَؤُوداً (6)، الْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِن الْمُثْقِلِ، وَالْمُبْطىء عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالاً مِنَ الْمُسْرِعِ، وَأَنَّ مَهْبِطَكَ بِهَا لَا مَحَالَةَ عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ، فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ، وَوَطَى الْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ، (فَلَيْسَ بَعْدَ)


1) (فاسع في كدحك) أي في أشد السعي (ولا تكن خازنا) لغيرك بأن تحرص على جمع المال، فيبقى بعدك للورثة (وإذا أنت هديت لقصدك) بأن وفقت لأعمال الخير والاستقامة.

2) (وأنه لا غنى لك فيه) أي في هذا الطريق (عن حسن الارتياد) الارتياد الطلب، وحسنه الاتيان به على ما ينبغي ممّا يوجب السعادة (وقدر بلاغك من الزاد) بأن تحمل زاداً يكفيك طول الطريق (مع خفة الظهر) بأن لا يكون ثقيلا بالذنوب كالمسافر الذي يجب أن يحمل زادا كثيرا، إذا كان الطريق طويلاً.

3) (فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك) من الذنوب والمعاصي وما لا يعني (فيكون ثقل ذلك وبالا عليك) أي موجبا للأذية والعقوبة (وإذا وجدت من أهل الفاقة) أي الحاجة (من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة) فإنَّ الفقير يأخذ المال من الإنسان هنا ليسترده الإنسان هناك في الآخرة، وهذا يوجب - بحسب التشبيه - الحصول على الفائدة بدون المشقة (فيوافيك به) أي يعطيك ذلك الزاد (غدا) في يوم القيامة.

4) (فاغتنمه) أي عد وجود مثل هذا المحتاج غنيمة (وأكثر من تزويده) أي من إعطائه الزاد (وأنت قادر عليه) أي والحال أنك قادر على تزويده (فلعلك تطلبه فلا تجده) إذ لا يتيسر الفقير في كل وقت.

5) (واغتنم من استقرضك في حال غناك) بأن طلب منك شيئاً في الدنيا، وأنت قادر على إعطائه (ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك) أي الآخرة، إذ كل ما أحسن الإنسان هنا، وجده هناك.

6) (عقبة كؤودا) أي صعبة المرتقى والعقبة الطريق الملتوي في الجبل الذي بين ارتفاع الجبل وهوة السفح.

الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ، وَلاَ إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ (1). وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ، وَتكفَّلَ لك بِالإِجَابَةِ، وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ، وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْكَ، وَلَمْ يُلْجِئكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَمْ يُعَاجِلكَ بِالنِّقْمَةِ، وَلَمْ يُعَيِّرُكَ بِالإِنابَةِ (2)، وَلَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الفَضِيحةُ بِكَ أَوْلَى، وَلَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الإِنَابَةِ (3)، وَلَمْ يُناقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ وَلمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ، بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنةً، وَحَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً، وَفتحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ(4)، فإِذا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاءكَ، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ، فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ، وَأَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، وَاسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ (5)، وَاسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ، مِنْ زِيَادَةِ الأَعْمَارِ، وَصِحَّةِ الأَبْدَانِ، وَسَعَةِ الأَرْزَاقِ. ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفاتِيحَ خَزَائِنِهِ)


1) (فارتد) أي اطلب (لنفسك) طلبا حسنا (قبل نزولك) هناك، حيث لا رجوع (ووطئ المنزل) أي هيئه تهيئة حسنة (قبل حلولك) فيه (فليس بعد الموت مستعتب) أي استرضاء، فلا يطلبون رضاك (ولا إلى الدنيا منصرف) أي لا رجوع لك إلى الدنيا.

2) (ولم يلجئك) أي لم يضطرك (إلى من يشفع لك إليه) فلا يحتاج الإنسان إلى الشفيع لينال الحظوة لديه تعالى، وإنما يحتاج إلى الشفيع إذا أساء واقترف (ولم يعيرك بالإنابة) أي التوبة وليس سبحانه، كالناس الذين يعيرون المذنب، إذا رجع بذنبه السابق.

3) (ولم يفضحك) أي يظهر سيئاتك (حيث الفضيحة بك أولى) من الستر، بل هو سبحانه ساتر للمعاصي، إلا أن يظهرها الإنسان بنفسه (ولم يشدد عليك في قبول الإنابة) فإنَّه يقبل التوبة بمجرد الرجوع وتلافي ما فات.

4) (ولم يناقشك بالجريمة) فإنَّ الإنسان إذا أجرم وأناب لم يحاسبه اللّه سبحانه حسابا دقيقا لما أجرم (ولم يؤيسك من الرحمة) بل وعد الرحمة لمن عصى وأناب (نزوعك) أي رجوعك (المتاب) أي التوبة.

5) (وإذا ناجيته) أي تكلمت معه بكلام خفي (فأفضيت) أي القيت (وأبثثته) أي كاشفته (ذات نفسك) أي التي بنفسك من الحوائج والآلام (واستكشفته كروبك) أي طلبت منه أن يكشف أحزانك ومصائبك.

بِمَا أَذِن لك مِنْ مَسْأَلِتهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوابَ نِعْمَتِهِ، وَاسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ (1، فَلا يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطاءُ إِجَابَتِهِ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النّيّةِ. وَرُبَّمَا أُخْرَتْ عَنْكَ الإِجَابَةُ، لِيَكُونَ ذلِكَ أَعْظَمَ لأَجْرِ السَّائِل، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الآمِلِ. وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلاَ تُؤْتَاهُ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أَوْ آجلاً، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُتيتَهُ، فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ، وَيُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ (2)، فَالْمَالُ لَا يَبْقَى لَكَ وَلَا تَبْقَى لَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا، وَالْفَنَاءِ لا لِلْبَقَاءِ، وَلِلْمَوْتِ لاَ لِلْحَيَاةِ، وَأَنَّكَ فِي مَنْزَلِ قُلْعَةٍ وَدَارِ بُلْغَةٍ، وَطرِيق إِلَى الآخِرَةِ، وَأَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ لاَ يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ، وَلا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ، فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذرٍ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ، قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بالتَّوْبَةِ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ (3)يَا بُنَيَّ أَكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ، وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ، وَلا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا، وَتَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا، فَقَدْ نَبَّأَكَ اللّه)


1) (ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه) أي ما يوجب فتح رحمته ولطفه نحوك لقضاء حوائجك (واستمطرت شآبيب رحمته) شآبيب جمع شؤبوب بالضم بمعنى الدفعة من المطر، كأن رحمته تعالى كالمطر، الذي ينزل من السماء بدفعات.

2) (أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء (الأمل) أي أنه سبحانه يعطيك أكثر من املك ولذا أخر العطاء، للامتحان وما أشبه (أو صرف عنك لما هو خير لك) أي صرف شيء ضار كان صرفه عنك خيرا لك من إعطاء طلبتك (فيما لك جماله) من التوفيق للسعادات الدنيوية والأخروية (وينفي عنك وباله) بأن لا يكون له وبال أي عاقبة سيئة.

3) (وأنك في منزل قلعة) ينقلع الإنسان عنه، وليس مستقرا له (ودار بلغة) أي دار يؤخذ منها قدر الكفاية للآخرة فهي للبلاغ، لا للبقاء. (وأنك طريد الموت) يطاردك الموت حتى يصل إليك (لا ينجو منه هاربه) أي من هرب منه بالتحفظ على صحته والتحصن بالحصون القوية والاكتناف بالجنود والأسلحة (فإذا أنت قد أهلكت نفسك) بسبب المعصية التي لم تتب منها، وهذا تحذير عن مطلق العصيان لأن احتمال أن يأخذ الإنسان الموت فجأة، دائم.

عَنْهَا، وَنَعَتْ لَكَ نَفْسَهَا، وَتَكَشَفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا، فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلاَبٌ عَاوِيَةٌ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ، يَهِرُّ (1بَعْضُهَا بَعْضاً، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، وَيَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا. نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا، وَرَكِبَتْ مَجْهُولَهَا (2). سُروحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا، وَلا مُقِيمٌ يُسِيمُهَا (3). سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى، وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى (4)، فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا، وَاتَّخَذُوهَا رَبّا (5)، فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا (6). رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّلَامُ، كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الأَظْعَانُ، يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ (7)وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ)


1) (وذكر ما تهجم عليه) أي ما ترد أنت عليه بعد الموت؛ فجأة وبلا تدرج (وتفضي) أي تصل (حذرك) احتراسك (أزرك) أي قوتك (فيبهرك) أي يغلبك على أمرك (وإياك أن تغت)ر وتنخدع (وتكالبهم) أي تنازعهم (عاوية) أي صائحة (ضارية) تضر بعضها ببعض (يهر) أي يمقت ويكره.

2) (نعم معقلة) أي أن بعض أهل الدنيا وهم الضعفاء، كالبعير الذي عقلت يده فلا يتمكن من الحركة (وأخرى مهملة) وهم الأقوياء كالإبل التي أهملت فتفعل ما تشاء (قد أضلت عقولها) أي أضاعتها فلا تدرك بها (وركبت مجهولها) أي الطرق المجهولة التي لا يدرى ما عاقبتها.

3) (سروح عاهة) أي أنهم يسرحون لرعي الآفات، كما تسرح الإبل لرعي النبات، وسروح جمع سرح وهو السائم من الإبل ونحوه (بواد وعث) أي رخو يصعب فيه السير (يقيمها) أي يقيم أمر تلك النعم حتى تصل إلى مصالحها (ولا مقيم يسيمها) أسام الدابة بمعنى سرحها إلى المرعى، أي ليس لها قيم يسرحها.

4) (سلكت بهم الدنيا طريق العمى) أي أوقعتهم في جادة منحرفة (وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى) أي غطت على أبصارهم حتى باتوا لا يرون منار الهدى فيأوون إليه ويستضيئون بنوره لئلا يضلوا.

5) (فتاهوا) أي ضلوا (في حيرتها) أي في تحيرهم في الدنيا (وغرقوا في نعمتها) حتى لم يعرفوا الخلاص من النعمة لشكرها لئلا تكون لهم وبالا (واتخذوها ربا) أي كالرب، فإنَّهم يعبدونها ويعملون لأجلها.

6) (فلعبت بهم) حيث أوردتهم المهالك (ولعبوا بها) حيث صرفوها كيف شاؤوا بغير مراقبة الشريعة فيها (ونسوا ما وراءها) من أمور الآخرة والثواب والعقاب.

7) (رويدا) أي اصبر قليلا (يسفر الظلام) أي يكشف ظلام الجهل فتتبين أحوال الآخرة، (كأن قد وردت الأظعان) جمع ظعينة، بمعنى الهودج، أي يرد المسافرون إلى الآخرة (يوشك من أسرع أن يلحق) فإنَّ الناس مسرعون في سيرهم نحو الآخرة، ويقرب أن يلحقوا بأن يموتوا.

وَالنَّهَارَ، فإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً، وَيَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً (1. وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ. فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ، وَأَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ(2)، فإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ، فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، وَلَا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ (3). وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْدُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً (4). وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللّه حُرِّاً. وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلا بِشَرٌ، وَيُسْرِ لا يُنَالُ إِلا بِعُسْرِ (5)؟! وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَع، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ. وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللّه ذُو نِعْمَةٍ فَأَفْعَلْ (6)، فإِنَّكَ مُدْرِكْ قَسْمَكَ، وَآخِذُ سَهْمَكَ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللّه سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلِّ مِنْهُ، وَتَلاَفِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ (7)،)


1) (واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار) كأنهما مركبان للإنسان يسيران به (وادعا) أي ساكنا مستريحا.

2) (واعلم يقينا) أي مطابقا للواقع (أنك لن تبلغ أملك) أي ما تأمله من أمور الدنيا (ولن تعدو أجلك) أي لن تجاوزه. (فخفض في الطلب) أي رفق واقل من طلب الدنيا (وأجمل في المكتسب) أي في الاكتساب، والاجمال فيه عدم الحرص.

3) (فإنه رب طلب قد جر إلى حرب) أي سلب المال والشقاء، كناية عن لزوم طلب الدنيا لفوات الآخرة (فليس كل طالب بمرزوق) يرزق النعمة كما يشاء (ولا كل مجمل) في الطلب متوسط فيه (بمحروم) أي يحرم عما يطلبه.

4) (إلى الرغائب) أي ما ترغبه وتشتهيه من أمور الدنيا (فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا) إذ نفس الأشياء فلا يتمكن أن يحصل الإنسان على عوض منها إذا أهانها لأجل طلب أو رغبة.

5) (وما خير خير لا ينال إلا بشر) إن الشيء الحسن الذي لا يصل الإنسان إليه إلا بسبب الشر، ليس ذلك الشيء خيرا (ويسر لا ينال إلا بعسر) إذ الإنسان يفر من الشيء العسير لعسره فإذا كان اليسر في طريقه عسر، لم يكن فرق بينه وبين العسر.

6) (أن توجف بك) أي تسرع بك (وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين اللّه ذو نعمة) بأن تكون نعمتك من نفسك بالاكتساب أو نحوه (فافعل) إذ لا وجه لأن يذل الإنسان نفسه في تحصيله رزقه.

7) (وتلافيك) أي تداركك (ما فرط من صمتك) أي ما تقدم من سكوتك (أيسر من إدراك ما فات من منطقك) فإنَّ الإنسان يتمكن من أن يتدارك ما لم يقله - بأن يقوله - لكنه لا يتمكن أن يدرك ما قاله ثم ندم عليه.

وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدّ الْوِكَاءِ، وَحِفْظُ مَا فِي يَدَيكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَب مَا فِي يَدِ غَيْرِكَ. وَمَرَارَةُ الْبَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلبِ إِلَى النَّاسِ، وَالْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ خيرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ، وَالْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ (1، وَرُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ! مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ. قَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ، وَبَايِنُ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ (2). بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ! وَظُلْمُ الصَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ! إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً (3). رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً، وَالدَّاءُ دَوَاءً (4)، وَرُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ الْنَاصِحِ، وَغَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ (5). وَإِيَّاكَ وَاتِّكَالَكَ عَلَى الْمُنَى فإِنَّهَا بَضَائِعُ الْمَوْتَى (6)، وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ، وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ (7). بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً (8). لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ، وَلاَ)


1) (وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء) أي الرباط، وهكذا قلب الإنسان فإنه وعاء الكلام (ومرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس) أي أن اليأس يلزم أن يكون مأيوساً عما في أيدي الناس (والحرفة) أي الضيق في الرزق (والمرء أحفظ لسره) فلا تقل سرك لأحد، لأنه يفشيه.

2) (من أكثر) في الكلام (أهجر) أي هذى، فاللازم أن يقلل الإنسان من كلامه أن يكثر من التفكر فيه (قارن أهل الخير) أي كن معهم (تكن منهم) لأن أخلاقهم تسري إليك (وباين أهل الشر) أي ابتعد عنهم (تين عنهم) أي: تكن خلافهم وعلى ضد صفتهم.

3) (إذا كان الرفق خرقا) لأن المقام مقام العنف والخرق ضد الرفق (كان الخرق) أي العنف (رفقا) لأن الرفق عبارة عن وضع كل شيء موضعه، ومن الناس من لا ينفع معه الرفق، فاللازم على الإنسان أن يلاحظ كل مقام ويؤديه حقه.

4) (ربما كان الدواء داءً) لأنه موجب لازدياد المرض (والداء دواء) لأنه موجب لدفع مرض أشد، كالزكام الذي يدفع الجنون، والرمد الدافع للعمى، والدمل الدافع للجذام.

5) (وربما نصح غير الناصح) أي الذي ليس من شأنه النصح، فاللازم أن يلاحظ الإنسان الكلام، ولا يعرض عنه بمجرد أنه خرج من غير الناصح. (وغش المستنصح) أي المطلوب منه النصح، فلا يعتمد الإنسان على كلام الناصح بدون أن يتدبر ويفكر فيه.

6) (وإياك واتكالك على المنى) أي الأماني والآمال بدون عمل وجد فيما تريد (فإنها) أي المنى (بضائع الموتى) فإنَّ من يتمنى لا يصل إلى مناه حتى يموت، فكأن أمنيته بضاعة موته، وهذا تحريض على العمل دون انتظار الصدف.

7) (والعقل حفظ التجارب) أي أن العقل هو أن يحفظ الإنسان تجاربه حتى ينتفع بها في مقام الحاجة (وخير ما جربت ما وعظك) أي زجرك عن سيئة، أو أرشدك إلى حسنة.

8) (بادر الفرصة) بأن تعمل إذا جاءتك الفرصة (قبل أن تكون غصة) لا تقدر على العمل، والغصة الحزن، وأصلها ما ينشب في الحلق فلا ينحدر.

كُلُّ غَائِبٍ يَؤُوبُ. وَمِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ، وَمَفْسَدَةُ الْمَعَادِ. وَلِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ، سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدْرَ لَكَ. التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ، وَرُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرً! لاَ خَيْرَ فِي مَهِينٍ، وَلاَ في صَدِيقٍ ظَنِينٍ (1. سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ (2)، وَلاَ تُخَاطِرْ بِشِيءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللّجَاجِ (3). إحْمِلْ نَفسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصَّلَةِ، وَعِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطْفِ وَالْمُقَارَبَةِ (4)، وَعِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوّ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللّبِنِ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ (5)، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ، وَكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ. لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ، وَامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ، حَسَنَةٌ كَانَتْ)


1) (ليس كل طالب يصيب) فإذا علم الإنسان بذلك، وجعله نصب عينه لم يحزن إذا فات ما قصده (ولا كل غائب يؤوب) أي يرجع، فمن يعلم هذا كانت صدمة عدم الرجوع ضعيفة بالنسبة إليه (ومن الفساد إضاعة الزاد) بأن لا يتحفظ الإنسان عليه حتى إذا احتاج إليه لم يجده (ومفسدة المعاد) أي إفساده بعدم العمل له، فليس الفساد منحصراً في إضاعة الدنيا - كما يظن الناس – (التاجر مخاطر) لأنه ربما خسر فإذا علم التاجر ذلك لا يحزن إذا خسر لأنه قدره قبل التجارة (ورب يسير أنمى من كثير) أي نماؤه أكثر، فلا يهتم الإنسان بالقلة والكثرة في الأوائل، وإنما يلزم أن يلاحظ النتائج (لا خير في مهين) أي شخص حقير النفس (ولا في صديق ظنين) أي متهم لأنه يجر من الشر أكثر من الخير.

2) (ساهل الدهر) أي خذ حظك منه، ولا تأتِ بالأعمال العنيفة رجاء البلوغ إلى أحسن (ما ذل لك قعوده) هي الإبل التي يقعدها الراعي في حوائجه، لأنها أسهل قيادا من سواها، والمراد أن الدنيا إذا كانت سهلة للإنسان لزم على الإنسان أن ينتفع بها ولا يكدر صفوة نفسه بالطمع في أمور أخرى لا يعلم هل تستقيم له أم لا ؟ إذ ربما أوجب ذلك ذهاب السهل، وعدم إدراك القصد.

3) (ولا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه) إذ ربما ذهب القليل، ولم يأت الكثير (وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج) فإنَّ الإنسان قد يصر على الشيء فيه هلاك نفسه وذهاب ماله، فاللازم على الإنسان أن لا يلج والجموح الارتفاع عن عنف ولجاجة.

4) (احمل نفسك من أخيك - عند صرمه -) أي قطعه عنك (على الصلة) فاللازم أن تصله أنت، وإن قطع هو عنك (وعند صدوده) أي هجره لك وعنفه بك (على اللطف) اللين معه. (والمقاربة) بأن تقترب منه في مقابل هجره لك.

5) (وعند جموده) بأن لا يبذل لك مالا ولا جاها (على البذل) والإعطاء (وعند شدته) أي الشدة في أخلاقه (على اللين) في الكلام والمعاشرة معه (وعند جرمه) بأن أجرم إليك (على العذر) بأن تعتذر أنت منه، ليرجع الصفاء والوداد.

أَوْ قَبِيحَةٌ، وَتَجَرَّعِ الْغَيْظَ، فإني لَمْ أَرَ جُرعَةٌ أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةٌ، ولَا أَلَذَّ مَغَبَّةً (1. وَلِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ، وَخُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَيْنِ (2). وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً (3)تَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذلِكَ يَوْماً مَّا. وَمَنْ ظَنَّ بكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ، وَلَا تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِاحْ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ. وَلا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ (4)، وَلا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فَيِكَ، وَلَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ، وَلا تَكُونَنَّ عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ. وَلاَ يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ، فإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرِّتِهِ وَنَفْعِكَ (5)، وَلَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ. وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فإنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ. مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَالْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى إِنَّ لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ، مَا أَصلَحْتَ بِهِ مَثْواكَ، وَإِنْ جَزِعْتَ عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ، فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ (6)اسْتَدِلَ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ)


1) (وتجرع الغيظ) أي لا تظهر الغضب بل اكتمه في نفسك (ولا الذ مغبة) أي عاقبة فإنَّ الإنسان يحس بعد الكظم بلذة نفسية وراحة عقلية.

2) (ولن لمن غالظك) أي تغلظ عليك في الكلام وما أشبه (فإنه يوشك) أي يقرب (أن يلين لك) إذ لينك يحدث فيه ردة فعل قوية توجب لينه (وخذ على عدوك بالفضل) أي تفضل عليه (فإنه أحلى الظفرين) ظفر الانتقام وظفر العفو، وكونه أحلى لأنه يورث رفعة للإنسان حتى في نظر عدوه، وارتياحا في ضمير المتفضل.

3) (فاستبق له من نفسك بقية) بأن تبقى بينك وبينه بقية من الصلة.

4) (ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه) بأن تقول بيننا صلة قوية فلا حاجة إلى إعطائه حقه (ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك) لحرمانهم من حقوقهم، اعتمادا على كونهم أهلك ولا يهم أمرهم.

5) (ولا ترغبن فيمن زهد فيك) أي استغنى عنك، فإنَّ ذلك يوجب ذلة ومنقصة (ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك) فلا تهتم بظلم الناس لك (يسعى في مضرته) أي ضرر نفسه (ونفعك) إذ الظالم حقير عند الناس مهان والمظلوم محترم عزيز.

6) (ما أقبح الخضوع) لإنسان (عند الحاجة) إليه (والجفاء) له (عند الغنى) منه، فإنَّ ذلك دليل خسة النفس (على ما تفلت) أي ذهب (فاجزع على كل ما لم يصل إليك) لأن الجزع لهما سواء، وهذا بيان لعدم صحة الجزع على ما تفلت لأنه غير لائق بالإنسان وهو مثل الجزع على ما لم يصل.

كَانَ، فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاءٌ، وَلا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إلا إذَا بَالَغْتَ فِى إِيلَامِهِ (1، فإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالآدَابِ، وَالْبَهَائِمَ لا تَتَّعِظُ إِلا بِالضَّرْبِ. إطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْيَقِينِ. مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ (2)وَالصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ، وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ (3). وَالْهَوَى شَرِيكُ الْعَنَاءِ، رُبَّ قَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ، وَرُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَريب (4)، وَالْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ، مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ (5)، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ، وَأَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللّه (6)سُبْحَانَهُ، وَمَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهوَ عَدُوكَ. قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكاً، إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلَاكاً (7). لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ)


1) (استدل على ما لم يكن بما قد كان) لأن الدنيا بعضها يشبه بعضا فيعلم مقياس الأمور المستقبلة بالنظر إلى الأمور الماضية (فإن الأمور أشباه) سابقا ولاحقا ومقارنا (إلا إذا بالغت في إيلامه) بل انتفع بالموعظة بمجرد سماعها.

2) (اطرح عنك واردات الهموم) أي ما يرد عليك من الأحزان (بعزائم الصبر) أي الصبر القوي (وحسن اليقين) بأن اللّه سبحانه سيكشف الهموم ويجزل أجرها (من ترك القصد) أي الوسط في كل شيء (جار) أي كان جائرا ظالما.

3) (والصاحب مناسب) أي مثل ذو النسب، فله من الحقوق والواجبات كما للنسب (والصديق من صدق غيبه) بأن حفظك في غيبتك كما يحفظك في حضورك والصدق معناه تطابق الحالين.

4) (والهوى) أي اتباع الميول النفسية (شريك العناء) والتعب، لأنه يوجب الأتعاب (رب قريب أبعد من بعيد) لأنه يجفو الإنسان بما لا يجفو بمثله البعيد، فاللازم على الإنسان مراعاة الأحوال لا النسبة (ورب بعيد أقرب من قريب) في النسب فيقوم بحقوق الإنسان أكثر من قيام ذي نسبة.

5) (والغريب من لم يكن له حبيب) لا من كان في البلاد النائية. وهذا تحريض على اتخاذ الأحباء (من تعدى الحق ضاق مذهبه) أي محل حركته إذ التعدي من الحق موجب للإفراط أو التفريط، وكلاهما يوجب الضيق.

6) (ومن اقتصر على قدره) بأن لم يفعل فوق طاقته (كان) قدره (أبقى له) لأن قدر الإنسان مع الإنسان، أما الزائد، فلا (وأوثق سبب أخذت به) لوصولك إلى غاياتك (سبب بينك وبين اللّه)فإنَّه باق وموصلك إلى ما تريد، إذ بيده سبحانه كل شيء.

7) (ومن لم يبالك) أي لم يهتم بأمرك (فهو عدوك) إذ العدو هو الذي يضيع الحقوق (قد يكون اليأس إدراكا) للمنى (إذا كان الطمع هلاكا) إذ ضد الهلاك البقاء الموجب لإدراك الإنسان بعض ما يتمناه.

تَظْهَرُ، وَلاَ كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ (1، وَرُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ، وَأَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ (2). أَخْرِ الشَّرَّ فإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ (3)، وَقَطيعةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ (4). مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ، وَمَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ (5). لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ (6). إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ (7). سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وَعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ مُضْحكاً، وَإِنْ حَكَيْتَ ذلِكَ عَنْ غَيْرِكَ. وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إِلَى أَفَنِ، وَعَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ (8). وَاكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ، وَلَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لاَ يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ (9)، وَإِن)


1) (ليس كل عورة تظهر) فلا يغتم الإنسان لما يعلم من عورات نفسه ونقائصه التي لا علاج لها عنده، إذ لا تظهر للناس كل عورة. (ولا كل فرصة تصاب) فلا يغتم الإنسان لما فاته من الفرص، إذ لا يتمكن الإنسان من اغتنام كل فرصة، ويحتمل أن يكون المعنى بالعكس.

2) (وربما أخطأ البصير قصده) فلم يبلغ مراده (وأصاب الأعمى رشده) فبلغ ما أراد ولعل هذا لتحريض الإنسان على الطلب، وإن كان لا يعرف وجه الحيلة، إذ ربما أصاب الأعمى رشده إذا جد واجتهد.

3) (أخر الشر) إذا كنت تريد أن تعمله (فإنك إذا شئت تعجلته) فإنَّ فرص الشر لا تنقضي، ولذا من الأفضل تأخيره لمن أراده، لعله ينصرف عنه فلا يفعله.

4) (وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل) فإنَّها توجب الراحة والحفاظ على الآداب.

5) (من أمن الزمان خانه) فاللازم على الإنسان أن يتخذ حذره من تقلبات الدهر (ومن أعظمه) بأن أهاب الحوادث فلم يقدم في مطالبه (أهانه) أي جعله مهينا، فإنَّ من هاب شيئا لم يقدر على التغلب عليه.

6) (ليس كل من رمى أصاب) فإذا رمى الإنسان وقصد حاجة، فليجعل في خاطره إنه ممكن الخطأ، وبذلك لا يحزن.

7) (إذا تغير السلطان تغير الزمان) المراد تغير أهل الزمان، فإنَّ الناس تابعون للملوك فكيف ما كان الملوك كانوا.

8) (إلى أفن) أي إلى نتيجة ضعيفة غير قوية (إلى وهن) أي إلى ضعف، ومن عزمه ضعيف.

9) (واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن) أي احفظهن في دائرة العفة والفضيلة بسبب أن تمنعهن عن العمل بما يشتهين (فإن شدة الحجاب أبقى عليهن) بخلاف التسهيل في أمرهن فإنّه مفسد لهن.

اسْطَعْتَ أَنْ لاَ يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَأَفْعَلْ وَلَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ، وَلَيْسَتْ بِفَهْرَمَانَةٍ (1، وَلَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَها، وَلَا تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ بِغِيرِهَا (2)وَإِيَّاكَ وَالتَّغَابُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِع غَيْرَةٍ، فَإِنَّ ذلِكَ. يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السَّقَمِ، وَالْبَرِيئَةَ إِلَى الرِّيَبِ (3). وَاجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانِ مِنْ خَدَمِكَ عَمَلاً تَأْخُذُهُ بِهِ. فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ لَا يَتَواكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ، وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ، وَيدُكَ الَّتي بِهَا تَصُولُ (4). اسْتَوْدِعِ اللّه دِينَكَ وَدُنْبَاكَ، وَاسْأَلْهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ لَكَ فِي الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالسَّلامُ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى معاوية)وَأَرْدَيْتَ جِيلاً مِنَ النَّاسِ كَثِيراً، خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ وَأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجٍ بَحْرِكَ،


1) (ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها) بأن تملكها أمورا لا ترتبط بشأنها كتمليكها البيع والشراء وما أشبه (فإن المرأة ريحانة) أي خلقت كالريحان لأجل اللطف والأنوثة (وليست بقهرمانة) تتحكم في الأمور حسب آرائها وأفكارها.

2) (ولا تعد بكرامتها نفسها) أي لا تجاوز بإكرامها، إكرام نفسها، بأن تكرم غيرها لأجلها، لأن ذلك يوجب انسياقك وراء عواطفها، وهذا خارج عن الاعتدال (ولا تطمعها في أن تشفع بغيرها) بأن تجعل غيرها شفيعا لها عندك، لتقضي حوائجها.

3) (وإياك والتغاير) أي إظهار الغيرة على المرأة بسوء الظن في أمرها (في غير موضع غيرة) أي بدون سبب عقلاني موجب للغيرة (فإن ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم) أي الصحيحة في عفتها، إلى ذهاب العفة (والبريئة) من الخيانة (إلى الريب) والشك فإنَّ المرأة لا تقدم على الفساد خوف الفضيحة، فإذا رأت أنها مفتضحة بلا سبب، تجرأت على الخيانة، فإنَّ اللوم يوجب الإغراء.

4) (عملا تأخذه به) فإنَّ توزيع الأعمال أكثر نجاحا في الوصول إلى الغايات (أن لا يتواكلوا في خدمتك) بأن يكل بعضهم الأمر إلى آخر، فلا ينجز العمل (وأكرم عشيرتك فإنَّهم جناحك الذي به تطير) إذ الإنسان تساعده عشيرته في الأفراح والأحزان والشدائد والمكاره (وأصلك الذي إليه تصير) أي إليهم ترجع، فإن كانوا في أعين الناس عظماء كنت عظيما، وإن كانوا صغراء كنت صغيراً (ويدك التي بها تصول) على الاعداء وتهجم عليهم لأن العشيرة يحاربون من حارب أحد رجالها، ويهجمون على من هجم عليه.

تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ، وَتَتَلاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ (1، فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ وَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَتَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ (2)، وَعَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ، إِلَّا مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ (3)، فإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ، وَهَرَبُوا إِلَى اللّه مِنْ مُوَازَرَتِكَ (4)، إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ، وَعَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ (5). فَأَتَّقِ اللّه يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ، وَجَاذبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ، وَالْآخِرَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ (6)، وَالسَّلَامُ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة)أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَيْنِي - بِالْمَغْرِبِ - كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُني أَنَّهُ وُجِّهَ عَلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْعُمْيِ الْقُلُوبِ الصُّمِّ الْأَسْمَاعِ (7، الْكُمْهِ الْأَبَصَارِ،)


1) (وأرديت) أي أهلكت (جيلا) أي جماعة (من الناس كثيرا) حيث أضللتهم ممّا سبب عقابهم الأخروي (خدعتهم بغيك) أي بسبب ضلالك (وألقيتهم في موج بحرك) أي الفتن التي أثرتها، تشبيهاً لها بموج البحر (تغشاهم الظلمات) أي تعلوهم ظلمات الجهل والضلال، فهم في تلك الظلمات لا يعرفون الطريق (وتتلاطم بهم الشبهات) كما تتلاطم أمواج البحر.

2) (فجازوا عن وجهتهم) أي تعدوا عن جهة قصدهم الذي كان الحق (ونكصوا) أي رجعوا (على أعقابهم) إلى الوراء، وإلى زمان الجاهلية (وتولوا) أي أدبروا عن الحق (على أدبارهم) جمع دبر وهو الوراء.

3) (وعولوا) أي اعتمدوا (على أحسابهم) فتعصبوا تعصب الجاهلية، بخلاف ما جعله اللّه سبحانه ميزانا من التقوى (إلا من فاء) أي رجع (من أهل البصائر) جمع بصيرة بمعنى المعرفة.

4) (فإنهم فارقوك بعد معرفتك) أي بعد أن عرفوا أنك مخالف للإسلام (من مؤازرتك) أي إعانتك.

5) (إذ حملتهم على الصعب) أي لما رأوا أنك أكرهتهم على الأمر الصعب الذي هو خلاف الدين (وعدلت بهم عن القصد) أي وسط الطريق إلى المهاوي والضلالات.

6) (فاتق اللّه يا معاوية في نفسك) أي خفه سبحانه خوفا باطنا، لا مجرد إظهار الخوف لخدعة الناس، أو المراد لأجل نفسك (وجاذب الشيطان قيادك) فاخرج قيدك وزمامك من يد الشيطان الذي يقودك إلى النار والعقاب (فإن الدنيا منقطعة عنك) أي زائلة غير باقية (والآخرة قريبة منك) فاللازم أن تفكر لآخرتك.

7) (أما بعد) الحمد والصلاة (فإن عيني بالمغرب) أي الذي جعلته رقيبا في البلاد المغربية، لاطلاعي على أحوال معاوية (أنه وجه على الموسم) أي موسم الحج، والموجه معاوية (أناس من أهل الشام العمي القلوب) المراد بهم من لا يدركون الحق بقلوبهم (الصم الأسماع) الذين لا يستمعون إلى الموعظة للانتفاع بها.

الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ (1، وَيُطِيعُونَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّها بِالدِّينِ، وَيَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ وَالْمُتَّقِينَ (2)وَلَنْ يَفُوزَ بالْخَيْر إِلا عَامِلُهُ، وَلاَ يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلا فَاعِلُهُ. فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الصَّلِيبِ، وَالنَّاصِحِ اللَّبِيبِ، وَالتّابع لِسُلْطَانِهِ، الْمُطِيع لإمَامِهِ (3). وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَلاَ تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً، وَلاَ عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلاً (4)، وَالسَّلَامُ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى محمد بن أبي بكر لما بلغه توجده من عزله عن مصر)إلى محمد بن أبي بكر، لما بلغه توجده من عزله بالأشتر عن مصر، ثم توفي الأشتر في توجهه إلى مصر قبل وصوله إليهاأَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ الأشتَر إلی عَملَكَ وَإِني لَمْ أَفْعَلْ ذلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الجَهْدِ، وَلاَ ازْدِيَاداً لَكَ فِي الْجِدِّ(5، وَلَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤونَةً، وَأَعْجَبُ إِلَيْكَ)


1) (الكمه الأبصار) جمع أكمه، أي الذين لا ينظرون في الأدلة للاستفادة منها (الذين يلتمسون) أي يطلبون (الحق بالباطل) أي يريدون الوصول إلى الحق لكن بسبب أعمال باطلة.

2) (ويحتلبون الدنيا درها) الدر اللبن والمراد حلباً وتطلب خيرات الدنيا (بالدين) فإنَّهم جعلوا الدين وسيلة لانتهاز الدنيا (ويشترون عاجلها) أي عاجل الدنيا (بآجل الأبرار والمتقين) وهو الجنة.

3) (فأقم على ما في يديك) من السلطة والحكومة (قيام الحازم) الملتفت للأشياء المستعد للأحداث (الصليب) أي الشديد المتصلب في أمره. (والناصح اللبيب) أي العاقل (والتابع لسلطانه) أي لخليفته (والمطيع لإمامه) يعني نفسه الكريمة.

4) (وإياك وما يعتذر منه) أي احذر أن تفعل شيئا تحتاج إلى الاعتذار منه، إذا قيل لك: لم فعلت هذا؟ (ولا تكن عند النعماء) أى النعمة (بطراً) أي شديد الفرح الموجب لإهمال الأمر الذي يسبب ضياع النعمة (ولا عند البأساء) أي الشدة (فشلا) أي فاشلا جبانا.

5) (أما بعد) الحمد والصلاة (فقد بلغني موجدتك) بمعنى الوجد، وهو الغضب والكدور (من تسريح الأشتر إلى عملك) أي ارسال الأشتر إلى ولايتك (استبطاء لك في الجهد) أي لأني لم أرَ منك قليل جهد في عملك (ولا ازدياداً في الجد) أي لم يكن عزلك لأني أردت بذلك أن تزداد جدا في الأعمال - فلا يسبق إلى ذهنك أن عزلك لتقصير منك -.

وِلايَةٌ (1إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلاً لَنا نَاصِحاً، وعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً، فَرَحِمَهُ اللّه ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ، وَلَاقَى حِمَامَهُ، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضونَ (2)، أَوْلَاهُ اللّه رِضْوَانَهُ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ. فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ، وَامْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ، وَشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ (3)، وَادْعُ إِلَى سَبِيل رَبِّكَ، وَأَكْثِر الاِسْتِعَانَةَ بِاللّه يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ، وَيُعِنْكَ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ، إِنْ شَاءَ اللّه.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى عبد اللّه بن العباس، بعد مقتل محمد بن أبي بكر)أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ مِصْرَ قَدِ افْتُتِحَتْ (4، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللّه - قَدِ اسْتُشْهِدَ، فَعِنْدَ اللّه نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحاً، وَعَامِلاً كَادِحاً وَسَيْفاً قاطعاً، وَرُكْناً دَافِعاً (5). وَقَدْ كُنْتُ حَتَفْتُ النَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ، وَأَمَرْتُهُمْ بِغِيَائِهِ قَبْلَ الْوَقْعَةِ، وَدَعَوْتُهُم سِرّاً وَجَهْراً، وَعَوْداً وَبَدْءاً (6)، فَمِنْهُمُ الآتِي كَارِها، وَمِنْهُمُ الْمُعْتَل كَاذِباً، وَمِنْهُمُ الْقَاعِدُ خَاذِلاً. أَسْأَلُ اللّه تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ مِنْهُمْ فَرَجاً عاجِلاً (7)،)


1) (لوليتك ما هو أيسر عليك مؤونة) وعده الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن يوليه بلدا آخر أسهل على محمد، من ولاية مصر (وأعجب إليك ولاية) أي أحب إليك من مصر، وذلك تسكينا لخاطره وترضية له.

2) (لنا ناصحا) يعمل حسب رغبتنا (شديداً ناقما) أي كارهاً (فلقد استكمل أيامه) أي أكمل أيام عمره المقدر له (ولاقى حمامه) أي موته (ونحن عنه راضون) إذ كان مع الحق.

3) (أولاه اللّه رضوانه) أي أعطاه اللّه سبحانه الرضا والجنة (فأصحر) أي أظهر، وأصله الخروج من الأبنية إلى الصحراء (لعدوك) معاوية وجيشه فقد بعث معاوية إلى مصر جيشا لاستلابها (وشمر لحرب من حاربك) أي استعد، وأصل التشمير ترفيع الثوب عن الساق، لأجل العمل.

4) (أما بعد) الحمد والصلاة (فإن مصر قد افتتحت) على يد معاوية، فإنَّ معاوية أرسل جيشاء وحارب محمد بن أبي بكر، حتى قتل، ودخل جيش معاوية مصر فاتحا.

5) (نحتسبه) أي نجعله للّه حتى يجزل لنا الأجر (ولدا ناصحا) أي في حال كونه كان لنا ولداً يرشد وينصح (وعاملا كادحا) يكد ويتعب في سبيل اللّه (وسيفا قاطعا) أي كان كالسيف على رقاب الأعداء وركنا دافعا يدفع الخصوم.

6) (حثثت الناس على لحاقه) على أن يلحقوا بمحمد (وأمرتهم بغياثه) بأن يغيثوه (قبل الوقعة) أي قبل أن تقع المحاربة بين الجانبين (وعودا وبدءا) أي أولا وأخيرا، يعني كنت دائم الدعوة لذلك.

7) (ومنهم المعتل كاذبا) أي المتعذر بالأعذار المكذوبة (ومنهم القاعد) عن الحرب (خاذلا) يجبن الناس (أسال اللّه تعالى أن يجعل منهم) أي من الناس (فرجاً عاجلاً) بالخلاص منهم.

فَوَاللّه لَوْلاً طمعي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِى الشَّهَادَةِ، وَتَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى الْمَنِيَّا لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَبْقَى مَعَ هَؤُلَاءِ يَوْماً وَاحِداً، وَلَا أَلْتَقِي بِهِمْ أَبَداً.### ومن كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى أخيه عقيل جواباً لكتابه)إلى أخيه عقيل بن أبي طالب، في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء، وهو جواب كتاب كتبه إليه عقيلفَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذلِكَ شَمَّرَ هَارِباً، وَنَكَصَ (1نَادِماً، فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ طَفَّلَتِ الشَّمْسُ لِلْإِيَابِ، فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَلَا وَلَا (2)، فَمَا كَانَ إِلَّا كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً بَعْدَمَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ الرَّمَقِ، فَلَأياً بِلَأي مَا نَجَا. فَدَعْ عَنْكَ قُرَيْشاً وَتَرْكَاضَهُمْ فِي الضَّلَالِ، وَتَجْوَالَهُمْ فِي الشَّقَاقِ، وَجِمَاحَهُمْ فِي التِّيهِ (3)، فإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِي كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهُ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - قَبْلِي، فَجَزَتْ قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوَازِي! فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَسَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي (4).)


1) (فسرحت) أي أرسلت (إليه) أي إلى ذلك العدو (جيشا كثيفا) أي كثيرا (شمر هاربا) أي رفع ثوبه عن ساقه لئلا يلتف برجله حين العدو والفرار (ونكص) أي رجع في حال كونه.

2) (وقد طفلت الشمس) أي دنت (للإياب) أي الرجوع، بأن كان ذلك قبل الغروب (فاقتتلوا شيئا كلا ولا) أي زمانا قليلا، بمقدار قلة لفظة (لا ولا) فإنَّ حرفين ثانيهما حرف اللين سريع الانقضاء عند الاستماع.

3) (فما كان) الحرب (إلا كموقف ساعة) أي مقدار وقوف جزء من الزمان (جريضا) أي مغموما (بالمخنق) أي الحلق الذي هو مكان الخناق (الرمق) أي بقية النفس. (فلأيا بلأي ما نجا) اللأي مصدر حذف فعله ومعناه الشدة و[ما] مصدرية، و[نجا] كالمصدر من النجاة، أي عسرت نجاته عسرا بعسر، وذلك بيان لشدة عسره حتى أنجى نفسه (تركاضهم في الضلال) التركاض مبالغة في الركض (و تجوالهم) أي جولانهم (في الشقاق) أي: الخلاف معي (وجماحهم في التيه) أي ترفعهم واستعصاهم في الضلال.

4) (فجزت قريشا عني الجوازي) جمع جازية، دعاء عليهم بأن يجزوا على أعمالهم السيئة (فقد قطعوا رحمي) فإن من أظهر مظاهر قطع الرحم المعاداة والمحاربة (وسلبوني سلطان ابن أمي) أي الخلافة، والمراد بابن الأم الأخ، وقد آخى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين الإمام وبين نفسه، أو لأن فاطمة بنت أسد أم الإمام، كان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عنها بالأم لأنها ربت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال في شأنها [فاطمة أمي بعد أمي].

وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأْيِي فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّ رَأْبِي قِتَالُ الْمُحِلِّينَ (1حَتَّى أَلْقَى اللّه لاَ يَزِيدُنِي كَفْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةً، وَلا تَفَرُّقُهُمْ عَنِّي وَحَشَةً، وَلاَ تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيكَ - وَلَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ - مُتَضَرِّعاً مُتَخَطِّعاً، وَلاَ مُقِرّاً لِلضَّيْم وَاهِناً (2)، وَلَا سَلِسَ الْزِّمَامِ لِلْقَائِدِ، وَلَا وَطِئَ الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ المُتَقَعْدِ (3)، وَلكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي سَلِيمٍ:)فإن تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِننِي*** صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبُيَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ*** فَيَشْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ (4)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى معاوية)فَسُبْحَانَ اللّه (5! مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ الأَهْوَاءَ الْمُبْتَدَعَةِ، وَالْحَيرَةِ الْمُتَّبَعَةِ مَعَ تَضْيِيعِ الْحَقَائِقِ (6)وَاطْرَاحَ الْوَثَائقِ، التي هي للّه طِلْبَةٌ وَعَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ (7).)


1) (المحلين) الذين يحلون قتال المسلمين ويجوزونه، كمعاوية وأصحابه.

2) (ولا تحسبن ابن أبيك) يعني نفسه الكريمة (ولو أسلمه الناس) بأن تركوه والتفوا حول أعدائه (متضرعا متخشعاً) من الخوف الذي يلحق به (ولا مقراً للضيم) أي الظلم الذي يلحق به (واهنا) أي ضعيفا.

3) (ولا سلس الزمام) أي سهل الانقياد (للقائد) أي الذي يريد أن يقوده (ولا وطئ الظهر) أي لينه (للراكب المتقعد) أي الذي يتخذ الظهر قعودا أي مستعملا للركوب في كل حاجاته، وذلك كناية عن عدم انقياده (عَلَيهِ السَّلَامُ) للأحداث والأشخاص.

4) (صبور على ريب الزمان صليب) أي صلب شديد، لا أخضع للأحداث والآلام، وإنما أمضي بكل صبر وصلابة (فيشمت عاد) أي عدو.

5) (فسبحان اللّه) تستعمل للتعجب، كأنه تنزيه للّه في مقابل ضعف أو قوة، في المتعجب منه، فإذا قال ذلك شخص في المؤمن أو الكافر، كان مراده تنزيه اللّه سبحانه عن مثل إيمانه أو مثل كفره، وهكذا.

6) (الأهواء المبتدعة) التي ابتدعتها (والحيرة المتبعة) أي التحير في الأمر الذي تتبعه أنت (مع تضييع الحقائق) جمع حقيقة، والمراد حقائق الإسلام، والأحداث.

7) (واطراح الوثائق) أي طرحك لكل عهد من عهود الإسلام والإيمان (التي هي للّه طلبة) فإنَّ اللّه سبحانه يطلب تلك العهود التي عهدها للبشر. (وعلى عباده حجة) يحتج بها سبحانه على عباده.

فَأَمَّا إِكْثَارُكَ الْحِجَاجَ في عُثْمَانَ وَقَتَلَتِهِ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمَانَ حَيْثُ كَانَالنَّصْرُ لَكَ، وَخَذَلْتَهُ حيثُ كَانَ النَّصْرُ لَهُ (1، وَالسَّلام.)### ومن كتابه له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى أهل مصر، لما ولى عليهم الأشتر)مِن عَبْدِ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ غَضِبُوا للّه حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ، وَذُهِبَ بِحَقِّهِ، فَضَرَبَ الْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْمُقِيمِ وَالظَّاعِنِ، فَلَا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ (2، وَلَا مُنْكَرُ يُتَنَاهِي عَنْهُ.)أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ إِليكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللّه، لاَ يَنَامُ أَيَّامَ الْخَوْفِ، وَلاَ يَنْكُلُ عَنِ الْأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرُّوعِ، أَشَدَّ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ حَرِيقِ النَّارِ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِج، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيمَا طَابَقَ الْحَقَّ (3، فإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللّه، لا كَلِيلُ الظُّبَةِ، وَلاَ نَابِي الضَّرِيبَةِ (4)، فإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَانْفِرُوا، وَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا، فإنَّهُ لاَ يُقْدِمُ وَلاَ يُحْجِمُ، وَلاَ)


1) (الحجاج) أي المجادلة والمحاجة (في عثمان وقتلته) ورميك إياي بقتل عثمان وإيواء قاتليه (فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك) وذلك بعد قتله، حيث إن كلامك ونصرتك لأجل نفسك، إذ تريد بهذا انتهاز الإمرة والخلافة (وخذلته) فلم تنصره (حيث كان النصر له) في زمن حياته، فإنَّه استنصر معاوية ضد الثوار فلم يرسل إليه المعونة حتى قتل.

2) (ذهب بحقه) حق اللّه أوامره ونواهيه، فإذا لم يعمل بها كان ذهابا لحقه سبحانه (الجور) الظلم (سرادقه) هو غطاء يمد فوق صحن البيت (الظاعن) المسافر (يستراح إليه) أي يسكن الناس إليه ويطمئنون به.

3) (أما بعد) الحمد والصلاة وما تقدم (لا ينام أيام الخوف) استعدادا للعمل ورفع الخوف والمراد حذره والتفاته عند المكاره (ولا ينكل) أي لا ينكص ويجبن (ساعات الروع) أي أوقات الخوف والفزع (أشد على الكفار من حريق النار) حتى يؤلهم ويذرهم هلكي فانين. (مذحج) اسم لقبيلة مالك (فيما طابق الحق) هذا قيد للتوضيح.

4) (لا كليل الظبة) الظبة حد السيف والسكين والكليل الذي لا يقطع (ولا نابي الضريبة) يقال نبا السيف، إذا لم يؤثر في المضروب والضريبة النفس المضروبة، أي يؤثر سيفه إذا ضرب.

يُؤَخِّرُ وَلاَ يُقَدِّمُ إِلا عَنْ أَمْرِي، وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ، وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ (1عَلَى عَدُوِّكُمْ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى عمرو بن العاص)فإنكَ قَدْ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبْعاً لِدُنْيَا امْرىءٍ ظَاهِرٍ غَيَّهُ، مَهْتُوكٍ سِتْرُهُ، يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ، وَيُسَفّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ (2، فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ، وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ، اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضّرْغَامِ (3)، يَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ، وَيَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيسَتِهِ، فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ! وَلَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ. فَإِنْ يُمَكِّنَني اللّه مِنْكَ وَمِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُمَا، وَإِنْ تُعْجِزَانِي وَتَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُمَا شَرِّ لَكُمَا (4)، وَالسَّلاَمُ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى بعض عماله)أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ، وَعَصَيْتَ


1) (فإن أمركم أن تنفروا) إلى الجهاد (فانفروا) واخرجوا (لا يحجم) الإحجام ضد الإقدام (وشدة شكيمته) أي قوته، والشكيمة حديدة معترضة في فم الفرس في اللجام، فإن كانت قوية أوجبت القوة في الراكب، ثم استعيرت لكل قوة.

2) (امرئ ظاهر غيه) أي معاوية الذي ضلاله وانحرافه ظاهر لدى الإنسان (مهتوك ستره) إذ لا ستر على نفسه حتى لا تبين نواياه، بل ظاهر أنه يريد الرئاسة والفجور (يشين الكريم بمجلسه) وهكذا يكون الشخص الخليع الفاسق، فإنَّ الكريم النفس يهان في مجلسه (بخلطته) أي بالمخالطة معه.

3) (فاتبعت أثره) في ما يأمر وينهى (وطلبت فضله) أي ما يفضل منه من المال والجاه (اتباع الكلب للضرغام) أي مثل إتباع الكلب للأسد فإنَّ الكلاب تتبع الأسود للأكل من فضل فرائسهم.

4) (يلوذ بمخالبه) أي مخالب الأسد، كناية عن انتظاره لما يحصله مخلب الأسد من الفريسة (أجزكما بما قدمتما) أي أعطيكما جزاء أعمالكما السابقة من الإفساد (وإن تعجزاني) بأن لا أتمكن من أن أجزيكما (فما أمامكما شر لكما) إذ هو العذاب والنكال الأبدي، وهو شر من القتل بيد الإمام.

إمَامَكَ، وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ (1. بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ الْأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ (2)، وَاعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللّه أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، وَالسَّلاَمُ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى بعض عماله)أَمَّا بَعْدُ، فإنّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي، وَجَعَلْتُكَ شِعَارِي وَبِطَانَتِي (3، وَلَمْ يَكُنْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفْسِي لمُوَاسَاتِي وَمُؤَازَرَتِي وَأدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَيَّ (4)، فَلَمَّا رَأَيْتَ الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ قَدْ كَلِبَ، وَالْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ، وَأَمَانَةَ النَّاسِ قَدْ خَزِيَتْ (5)، وَهَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ فَنَكَتْ وَشَغَرَتْ، قَلَبْتَ لِابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمِجَنِّ (6)فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِينَ وَخَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ، وَخُنْتَهُ مَعَ)


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (أسخطت ربك) أي أغضبت اللّه سبحانه (وأخزيت أمانتك) أي الصقت بها خزية ومصيبة، وهي الخيانة، فإنَّ الولاية أمانة بيد الوالي، فإذا عمل بخلاف مقتضاها فقد خان الأمانة.

2) (بلغني أنك جردت الأرض فأخذت ما تحت قدميك) من أموال الناس (وأكلت ما تحت يديك) من الغنيمة والفيء (فارفع إلي حسابك) وما صنعت بأموال المسلمين.

3) (أما بعد) الحمد والصلاة (أشركتك في أمانتي) جعلتك واليا من قبلي، والأمة أمانة بيد الخليفة والوالي (وجعلتك شعاري) وأصله الثوب اللاصق بشعر البدن ويكنى به عن خاصة الشخص (وبطانتي) مقابل الظهارة، وهي الطبقة الثانية من الثوب في طرف البدن.

4) (أوثق منك في نفسي لمواساتي) أي من جهة أنك تواسيني في مهامي، وتجعل نفسك مثل نفسي في جلب النفع إلي ودفع الضرر عني. (ومؤازرتي) أي معاونتي (وأداء الأمانة إلي) بالقيام حسب موازين الشريعة في الولاية.

5) (فلما رأيت الزمان على ابن عمك) يعني نفسه الكريمة، فإنَّ الكتاب موجه إلى عبد اللّه بن عباس والي الإمام على البصرة، حيث أخذ من بيت المال ما لا يستحق وفر إلى الحجاز، وقيل إنه موجه إلى عبيد اللّه بن عباس (قد كلب) أي اشتد وخشن (والعدو) أي معاوية (قد حرب) أي اشتد أمره (وأمانة الناس قد خزيت) أي وقعت في الخيانة والبلية والمراد بأمانة الناس الخلافة، وخزايتها وقوعها في محنة المحاربة التي أثارها معاوية.

6) (وهذه الأمة قد فنكت) أي وقعت في المهزلة (وشغرت) أي لم يبق لها حام يحميها عن الأعداء (قلبت لابن عمك ظهر المجن) المجن الترس وتقليب ظهره كناية عن النكوص عن القتال وهذا مثال يضرب لمن يخالف ما عهد فيه.

الْخَائِنِينَ، فَلاَ ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ وَلاَ الْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ. وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنِ اللّه تُرِيدُ بِجِهَادِكَ، وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ (1، وَكَأَنَّكَ إِنَّمَا كُنتَ تَكِيدُ هذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ، وَتَنْوِي غِرَّتَهُمْ عَنْ فَيْئِهِمْ (2)، فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ السِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الْأُمَّةِ أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ، وَعَاجَلْتَ الْوَثْبَة (3)، وَاخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَأَيْتَامِهِمْ، اخْتِطَافَ الذَّئْبِ الْأَذَلُّ دَامِيَةَ الْمِعْزَى الْكَسِيرَةِ (4)، فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَاز رَحِيبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ، غَيْرَ مُتَأَثِّم (5)فِي أَخْذِهِ، كَأَنَّكَ - لا أَبَا لِغَيْرِكَ (6)- حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَاً مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، فَسُبْحَانَ اللّه! أَمَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ؟ أَوَ مَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ (7)! أَيُّهَا الْمَعْدُودُ - كَانَ - عِنْدَنَا مِنْ ذَوي الْأَلْبَابِ كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وَطَعَاماً، وَأَنْتَ تَعْلَمُ، أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً وَتَشْرَبُ حَرَاماً، وَتَبْتَاعُ الْإِمَاءَ وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ مَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ الَّذِينَ أَفَاءَ اللّه إِلَيْهِمْ هذِهِ الْأَمْوَال،)


1) (آسيت) أي ساعدت وشاركت في المكاره (ولا الأمانة أديت) إذ خنت فيها (على بينة من ربك) أي حجة واضحة. فإنَّ من يعلم باللّه وعلمه وسائر صفاته لا يعقل أن يخون.

2) (تكيد هذه الأمة عن دنياهم) فتظهر الإيمان والجهاد خداعا ومكرا، حتى يطمئنوا بك ويودعوك أمانتهم فتخونها (وتنوي غرتهم) أي غفلتهم (عن فيئهم) أي غنائمهم حتى تسلبها.

3) (فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة) فإنَّ الأمر إذا اشتد على الخليفة اشتغل بنفسه وصار الولاة في سعة ممّا يفعلون بالأمة وأموالها، إذ لا محاسب لهم (أسرعت الكرة) أي الرجوع إلى نواياك التي نويتها من ذي قبل وأظهرت خلافها خداعا (وعاجلت الوثبة) أي الوثوب على أموال الأمة.

4) (واختطفت) الاختطاف الأخذ بكل سرعة، لئلا ترى العيون المختطف (أموالهم المصونة) أي المحفوظة في بيت المال التي كانت حفظت (اختطاف الذئب الأذل) أي السريع العدو والجري (دامية المعزى) أي المعزى المجروحة التي يدمى جسمها (الكسيرة) التي كسرت رجلها، فلا تقدر على الفرار.

5) (رحيب الصدر بحمله) أي لا تتأثم في هذا الحمل والخيانة (غير متأثم) أي متحرز عن الإثم.

6) (كأنك - لا أبا لغيرك -) هذا تلميح إلى السب بدون التفوه بلفظه نحو [لا أقسم] الذي هو تلميح إلى القسم، وهذا كناية عن نزول المصيبة إذ من يموت أبوه تنزل به الكوارث.

7) (حدرت) أي أرسلت (تراثا) أي إرثا (فسبحان اللّه) تعجب من فعله (أما تؤمن بالمعاد)؟ استفهام توبيخ (أو ما تخاف نقاش الحساب أي المناقشة والمداقة لدى حساب) الخلق يوم القيامة.

وَأَحْرَزَ بِهِمْ هَذِهِ الْبِلادَ (1! فَاتَّقِ اللّه وَارْدُدْ إِلَى هؤلاَءِ الْقَوْمِ أَمْوَالَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اللّه مِنْكَ لَأَعْذِرَنَّ إِلَى اللّه فِيكَ (2)، وَلَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلا دَخَلَ النَّارَ! وَاللّه لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَعَلَا مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ، وَلاَ ظَفَرَا مِنِّي بِإِرَادَةٍ، حَتَّى آخُذَ الْحَقِّ مِنْهُمَا، وَأُزِيلَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا (3)، وَأُقْسِمُ بِاللّه رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ لِي (4)، أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لِمَنْ بَعْدِي (5)، فَضَحِّ رُوَيْداً (6)، فَكَأَنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى، وَدُفِنْتَ تَحْتَ الثَّرَى، وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يُنَادِي الظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ، وَيَتَمَنَّى الْمُضَيِّعُ (7)فِيهِ الرَّجْعَةَ، وَلَاتَ حِينَ مَناصِ (8).)


1) (أيها المعدود - كان - عندنا من ذوي الألباب) لفظة [كان] للإشارة إلى سقوطه من هذه الدرجة بعد هذه الفعلة، والألباب جمع لب، بمعنى القلب (كيف تسيغ طعاما وشرابا) الإساغة الأكل هنيئا (الذين أفاء اللّه) أي أرجع سبحانه (إليهم هذه الأموال) والإرجاع باعتبار أن المال للّه خلقه لأوليائه فكونه في يد الكفار كالمغصوب، فلما جاء إلى المسلمين كان إرجاعا إليهم (وأحرز بهم هذه البلاد) أي حفظ بسببهم البلاد من الكفر والظلم.

2) (لأعذرن إلى اللّه فيك) أي لاعاقبنك عقابا يكون عذرا لي عند اللّه من فعلتك.

3) (واللّه لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت) وهذا ليس إهانة بالنسبة إليهما، فإنَّ الشرط يأتي في المحال (ما كانت لهما عندي هوادة) أي اختصاص بالميل (ولا ظفرا مني بإرادة) أي لم أردهما بعد ذلك، وكأنه كناية عن الطرد (وأزيل الباطل عن مظلمتهما) أي عن الظلم الذي اقترفاه.

4) (ما يسرني أن ما أخذته من أموالهم حلال لي) أي أني ما أفرح بمثل تلك الأموال فيما لو كانت حلالا لي، فكيف أنت تفرح بها وهي محرمة عليك؟

5) (أتركه ميراثا لمن بعدي) لعل ذكر هذا من باب أن في التصرف في المال محذور آخر لمحاسبة الإنسان على ما فعل من الحلال، فكيف بأخذ المال من قبل ابن عباس حراما، وتصرف فيه حال كونه حراما آخر؟

6) (فضح رويداً) أي فادع نفسك على مهل، وهو كناية عن عدم الإسراع إلى المعاصي، وأصل ضح من ضحيت الغنم إذا رعيتها في الضحى.

7) (فكأنك قد بلغت المدى) أي الغاية، والمراد الموت (الثرى) أي التراب (ويتمنى المضيع) أي الذي ضيع دنياه فلم يحصل فيها ما يسعده هناك.

8) (ولات حين مناص) أي ليس ذلك الوقت وقت الخلاص والنجاة و[لات] [لا] النافية زيدت عليه [التاء] وحذف اسمها، أي لات الحين حين مناص والحين الوقت والمناص بمعنى النجاة والخلاص.

### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي، وكان عامله على البحرين)إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي، وكان عامله على البحرين، فعزله، واستعمل نعمان بن عجلان الزرقي مكانهأَمَّا بَعْدُ، فإنّي قَدْ وَلَّيْتُ نُعْمَانَ بْنَ عَجْلَانَ الزُّرَقِي عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَنَزَعْتُ يَدَكَ بِلا ذَمّ لَكَ، وَلَا تَثْرِيبٍ عَلَيْكَ، فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلَايَةَ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَة (1، فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِينٍ، وَلَا مَلومٍ، وَلَا مُتَّهَمٍ، وَلَا مَأْثُومِ(2)، فَلَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ أَهْلِ الشَّام، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي، فإنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ(3)عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَإِقَامَةِ عَمُودِ الدِّين، إنْ شَاءَ اللّه.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهو عامله على اردشير خرة)بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلهَكَ، وَأَغْضَبْتَ إِمَامَكَ أَنَّكَ تَقْسِمُ فَيْءَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولُهُمْ، وَأُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ، فِيمَن اعْتَامَكَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ (4. فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَئِنْ كَانَ)


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (ونزعت) أي رفعت (بلا ذم لك) في عزلك (ولا تثريب عليك) أي لوم فليس خلعك لأجل منقصة فيك حتى تغتم لذلك (وأديت الأمانة) التي هي إدارة البلاد حسب أوامر الشريعة.

2) (غير ظنين) أي ظن به سوء الظن. (ولا ملوم) في إدارتك (ولا متّهم) في عملك (ولا مأثوم) أي عاص في أمر اللّه سبحانه.

3) (فلقد أردت المسير) أي السير (إلى ظلمة أهل الشام) أي معاوية وربعه الظالمين في عصيانهم لإمامهم، وظلمة جمع ظالم (وأحببت أن تشهد معي) أي تحضر معي القتال (أستظهر به) أي أستعين به.

4) (فيء المسلمين) أي أموالهم وغنائمهم (الذي حازته) أي جمعته وتسلطت عليه (رماحهم وخيولهم) في الحرب، فإنَّ الغنائم تحصل بسببهما (وأريقت عليه دماؤهم) حيث حاربوا الكفار وقتل بعضهم (فيمن اعتامك) أي اختارك وصادقك (من أعراب قومك) ووصفهم بالأعراب، لعل فيه إهانة بالنسبة إليهم.

ذلِكَ حَقّاً لَتَجدَنَّ بِكَ عَلَيَّ هَوَاناً، وَلَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَانَا (1، فَلَا تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ، وَلَا تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دينِكَ، فَتَكُونَ مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (2). أَلاَ وَإِنَّ حَقٌّ مَنْ قِبَلَكَ وَقِبَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هَذَا الْفَيْءِ سَوَاءٌ، يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ، وَيَصْدُرُونَ عَنْهُ (3).)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ الى زياد بن أبيه)ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ الى زياد بن أبيه، وقد بلغه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن معاوية كتب إليه، يريد خديعته باستلحاقه بنفسه)وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْكَ يَسْتَزِلُّ لُبَّكَ، وَيَسْتَفِلُّ غَرْبَكَ (4فَاحْذَرْهُ، فإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ يَأتِي الْمَؤْمِنَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، لِيَقْتَحِمَ غَفْلَتَهُ، وَيَسْتَلِبَ غِرَّتَهُ (5)، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ فَلْتَةٌ (6)مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَنَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ(7): لا)


1) (فوالذي فلق الحبة) أي شقها وأخرج النبات منها (وبرأ النسمة) أي خلق الإنسان (لتجدن بك علي هوانا) أي ذلة وضعة (ولتخفن عندي ميزانا) فلا يكون لك وزن ثقيل لدي.

2) (بمحق دينك) أي بإذهاب دينك وإبطاله (فتكون من الأخسرين أعمالا) الذين حصلوا بأعمالهم العقاب والعذاب.

3) (ألا وإن حق من قبلك) أي عندك من المسلمين (وقبلنا) أي في طرفنا (سواء) فلكلهم حق فيه (يردون عندي عليه) أي يأتون عندي كلهم لأجل هذا الحق (ويصدرون عنه) أي يخرجون من عندي وقد أخذ كل حقه، فكيف اختصصت بمثل هذا قومك، لأجل أنهم اختاروك وقووا سلطانك؟

4) (يستزل لبك) أي يطلب بكتابه زلل عقلك، وسقوطه في الإثم (ويستفل) أي يثلم (غربك) أي حدتك، كناية عن استمالته إلى جانبه حتى لا يكون شديدا عليه.

5) (فاحذره) أي خف من معاوية، لا يفعل بك ذلك (فإنما هو) أي معاوية (ليقتحم غفلته) أي ليدخل بالقوة على الإنسان في حال غفلته (ويستلب) أي يسلب (غرته) أي في حال كونه غافلا مخدوعا غير ملتفت.

6) (فلتة) أي كلام باطل، حيث قال في شأن زياد [إني أعلم من وضعه في رحم أمه] يريد نفسه فقد كان أبو سفيان زنى بأم [زياد] وهي زوجة لعبيد، فكان يقول: أنا أبوه، حتى يجعله من أنصاره، ويصرفه عن نصرة الإمام، ورأى أن أحسن وسيلة لذلك، أن يخدعه بأنه أخوه لأن أبا سفيان والد كليهما.

7) (من حديث النفس) أي كلام يتكلم به الإنسان من دون إرادة للحقيقة والواقع (ونزغة من نزغات الشيطان) أي باطلا من أباطيله، والنزغ بمعنى الميل.

يَثْبُتُ بِهَا نَسَبٌ، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهَا إِرْتُ، وَالْمُتَعَلْقُ بِهَا كَالْوَاغِلِ الْمُدَفَّعِ، وَالنَّوْطِ الْمُذَبْذَبِ (1.)فلما قرأ زياد الكتاب قال شهد بها وربّ الكعبة ولم تزل في نفسه حتى ادعاه معاوية.قال الرضي (رَحمهُ اللّه : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) [ الواغل] هو الذي يهجم على الشرب ليشرب معهم وليس منهم، فلا يزال مدفعا محاجزا [والنوط المذبذب] هو ما يناط برجل الراكب من قعب أو قدح أوما أشبه ذلك قدح أو ما أشبه ذلك فهو أبدا يتقلقل إذا حث ظهره واستعجل سيره.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة)إلى عثمان بن حنيف الأنصاري - وكان عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها، فمضى إليها -أَمَّا بَعْدُ يَا بْنَ حُنَيْفٍ : فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ فَاسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ (2، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَام قَوْم، عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌ، وَغَنيُّهُمْ مَدْعُوٌّ. فانظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَم (3)، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبٍ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ (4). أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً، يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ، أَلَا)


1) (كالواغل) الذي يريد الشرب مع القوم وليس معهم (المدفع) فيدفع، ليطرد فإذا أريد إثبات النسب بهذه الفلتة، دفع المريد لأنه على خلاف حكم الإسلام. (والنوط) الذي يناط ويعلق بالرجل (المذبذب) المتحرك بغير استقرار، فإذا استلحقك معاوية بابيه كنت مضطربا في نسبك دائما، لا قرار لمثل هذه النسبة.

2) (أما بعد) الحمد والصلاة (تستطاب لك الألوان) أي يطلب لك طيب أصناف الطعام (وتنقل إليك الجفان) جمع جفنة، وهي القطعة، ولعل هذا الطعام كان سببا لاستمالة الوالي.

3) (عائلهم) أي محتاجهم وفقيرهم (مجفو) أي يجفى ويطرد فلا يدعى (إلى ما تقضمه) أي تأكله (من هذا المقضم) أي الماكل.

4) (فما اشتبه عليك علمه) بأن لم تعلم وجه الصحة فيه (فالفظه) أي اتركه (وما أيقنت بطيب وجوهه) أي بأنه حلال في اكتسابه وإنفاقه وسائر الأمور المتعلقة به (فنل منه) من نال أي أدرك، والمراد تصرف فيه.

وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِعِمْرَيْهِ، وَمِنْ دُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ (1أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلكِنْ أَعِيِنُونِي بِوَرَعِ واجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ (2). فَوَاللّه مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُم تِبْراً، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً، وَلاَ حُزْتُ (3)مِنْ أَرْضِكُمْ شِبْراً، بَلَى! كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، فَشَحَتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ (4)، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللّه وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكِ وَغَيْرِ فَدَكٍ. وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ، تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا (5)، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ (6)، وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِي آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الأَكْبَرِ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ. وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ، إِلَى مُصَفّى هذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ)


1) (بطمريه) الطمر الثوب الخلق (ومن طعمه) أي من الطعام الذي يتمكن منه (بقرصيه) أي قرصي الخبز، قرص للظهر وقرص للعشاء.

2) (بورع) في أعمالكم بأن تكون مطابقة للشرع (واجتهاد) في الأعمال الصالحة، بأن تجهدوا أنفسكم وتتعبوها في ذلك (وعفة) هو التوسط في الملذات (وسداد) أي الصلاح.

3) (فواللّه ما كنزت) أي ما جمعت (تبرا) أي ذهبا (ولا ادخرت) الادخار الحفظ ليوم الحاجة (من غنائمها وفرا) أي مالا كثيرا، كما هي عادة الملوك والأمراء (طمرا) أي ثوبا آخر (ولا حزت) الحيازة التملك والسيطرة على الشيء.

4) (بلى كانت في أيدينا فدك) هي بساتين وأراض كانت لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أعطاها لفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) (فشحت عليها نفوس قوم) أي بخلت، وذلك بأخذها، كأنها تشح من أن تجعلها في يد أهلها، والقوم أبو بكر وأتباعه (وسخت عنها نفوس) قوم (آخرين) أي سمحت بها والقوم هم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفاطمة وابناهما، والسماح كناية عن عدم المطالبة بلغ الأمر ما بلغ.

5) (ونعم الحكم اللّه) الذي يحكم بين الغاصب والمغصوب منها (والنفس مظانها) جمع مظنة، وهو المكان الذي يظن فيه وجود الشيء (في غد جدث) أي القبر (تنقطع في ظلمته أي ظلمة القبر (آثارها) أي حركاتها وأفعالها (وتغيب أخبارها) أي ماذا حدث عليها.

6) (في فسحتها) أي وسعتها (لأضغطها الحجر والمدر) المدر هو الطين المتحجر، والاضغاط لأن جدران القبر لا بد وأن تضغط على الميت لعدم المنفذ ولتهدمها عليه ولو بعد حين (وسد فرجها التراب المتراكم) فرج جمع فرجة بمعنى الوسعة الخالية والمتراكم بمعنى المجتمع.

هذَا الْقَمْحِ، وَنَسَائِحِ هذَا الْقَزِّ (1. وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمةِ - وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ الْيَمَامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ (2)- أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ :)وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ*** وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ (3)أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أَسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا (4، أَوْ أَتْرَكَ سُدّى، أَوْ أَهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ (5)! وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ : (إِذَا كَانَ)


1) (أروضها) أي : أذللها (وتثبت على جوانب المزلق) أي موضع الزلة أي الصراط (إلى مصفى هذا العسل) الذي يعرفه الناس، ولذا جيء بلفظة [هذا] إشارة إليه (ولباب هذا القمح) أي الحنطة (ونسائج هذا القز) أي الأثواب المنسوجة من القز، وهو ما يصنع منه الحرير.

2) (إلى تخير الأطعمة) أي اختيار الأحسن منها (القرص) قرص الخبز (ولا عهد له بالشبع) فلم يشبع بطنه من الطعام فقرا وفاقة.

3) (أو أبيت) أي هيهات أن أبيت في الليل (مبطانا) أي ممتلئ البطن، ولعل ذكر الليل، باعتبار أن احتمال جوع الفقراء في الليل أكثر (غرثى) أي جائعة (وأكباد حرى) مؤنث حران، بمعنى العطشان (أو أكون كما قال القائل) وهو حاتم الطائي المشهور بالسخاء، في جملة أبيات (وحسبك داءً) أي مرضا (أن تبيت ببطنة) أي شبعان البطن من الأكل (تحن إلى القد) أي تميل إلى أكل القد، وهو الجلد غير المدبوغ.

4) (جشوبة العيش) أي خشونته (كالبهيمة المربوطة) القيد بذلك لأن البهيمة المرسلة همها غير الأكل أيضا، بخلاف المربوطة، فإنَّه لا هم لها إلا الأكل (همها علفها) أي أن تأكل العلف. (أو المرسلة شغلها تقممها) أي التقاطها للقمامة، وهي الكناسة (تكترش) أي تملأ كرشها (من أعلافها) أي علف القمامة (وتلهو) أي تغفل (عما يراد بها) من الذبح والأكل.

5) (أو) هل (أترك سدى) بلا غاية ولا أمر ولا نهي (أو أهمل عابثا) أي لاعبث والعب؟ (أو أجر حبل الضلالة) فإنَّ الضال يجر حبله معه نحو الضلالة. (أو أعتسف) الإعتساف ركوب الطريق على غير قصد وهدى (طريق المتاهة) أي الحيرة والتيه، وهذه الاستفهامات على طريق الإنكار، والنفي.

هذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدْ قَعَدَ بهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ، وَمُنَازَلَةِ(1الشُّجْعَان) أَلاَ وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالرَّوَائِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً (2)، وَالنَّبَاتَاتِ الْبَدَوِيَّةَ أَقْوَى وَقُوداً، وَأَبْطَأُ خُمُوداً وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللّه كَالصِّنْوِ مِنَ الصِّنْوِ وَالذَّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ (3). واللّه لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا (4)لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا وَسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هذَا الشَّخْصِ الْمَعْكُوسِ، وَالْجِسْمِ الْمَرْكُوسِ حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ الْحَصِيدِ (5).)ومن هذا الكتاب، وهو آخره :إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا، فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ، وَأَفْلَتُّ مِنْ حَبائِلِكَ، وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ (6! أَيْنَ الْقُوَمُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ)


1) (وكأني بقائلكم يقول) في معرض الإنكار على عدم تنعمي وأكل الطيبات (إذا كان هذا) الذي ذكره من القرصين (الأقران) أي من يماثله في الشجاعة (ومنازلة) أي محاربة.

2) (الشجرة البرية) التي تنبت في البر (أصلب عودا) لأنه يقوى بمقاسات الحر والبرد (والروائع الخضرة) أي الأشجار ذات الروعة والجمال والخضرة (أرق جلودا) من جلود أشجار البر.

3) (والنباتات البدوية) أي الأعشاب النابتة في البدو، مقابل البستان (أقوى وقودا) أي اشتعالا للنار (وأبطأ خمودا) فإنَّ نارها أدوم (كالصنو من الصنو) الصنوان نخلتان يجمعهما أصل واحد (والذراع من العضد) فإذا كان العضد شديدا كانت الذراع كذلك.

4) (لو تظاهرت العرب) أي اجتمعت، ويسمى بالتظاهر لأن كل منهم يقوي ظهر الآخر للثبات والوقوف (لما وليت) أي ما أدبرت (ولو أمكنت الفرص من رقابها) بأن كانت كافرة، وتمكنت من قتلها.

5) (لسارعت إليها) بلا خوف ولا وجل (الشخص المعكوس) أي معاوية وكونه معكوسا باعتبار انعكاس الفضيلة فيه إلى الرذيلة (والجسم المركوس) أي المقلوب، باعتبار كونه مقلوب الآراء والصفات، والنسبة إلى الجسم باعتبار المجاورة أو الحال والمحل - مجازا - (المدرة) هي قطعة الطين اليابس (حب الحصيد) الحصيد هو النبات المحصود أي المقطوع من الأرض وحبه كالقمح والشعير وما أشبه، وهذا للتمييز بين الحق والباطل.

6) (إليك عني يا دنيا) أي ابتعدي عني (فحبلك على غاربك) الغارب الكاهل، وهذا كناية عن تسريحها لتذهب حيث شاءت (قد انسللت) أي فررت (من مخالبك) جمع مخلب، وهو أظافر الحيوان المفترس (وأفلت) أي شردت (من حبائلك) جمع حبالة وهي شبكة الصياد (مداحضك) جمع مدحض، وهو محل السقوط والهلاك.

بِمَدَاعِبِكِ، أَيْنَ الْأُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ! هَا هُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ، وَمَضَامِينُ اللحود (1. وَاللّه لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئيّاً، وَقَالَباً حِسّيّاً، لأقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللّه فِي عِبَاذٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِي، وَأُمَمِ أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي، وَمُلُوكِ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ (2)، وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلَاءِ، إِذْ لَا وِرْدَ وَلَا صَدَرَ (3)! هَيْهَاتَ ! مَنْ وَطِئَءَ دَحْضَكِ زَلِقَ، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ (4)غَرِقَ، وَمَنِ ازْوَرَّ عَنْ حَبَائِلِكِ وُفِّقَ، وَالسَّالِمُ مِنْكِ لا يُبَالِي إِنْ ضَاقَ بهِ مُنَاخُهُ، وَالدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمِ حَانَ انْسِلَاخُهُ (5).)اعْرُبِي عَنِّي ! فَوَاللّه لاَ أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي، وَلَا أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي (6. وَايْمُ اللّه - يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللّه (7)- لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةٌ تَهِشُ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرَتْ عَلَيْهِ مَطْعُوماً، وَتَقْنَعُ بِالْمِلْح مَأدُوماً (8)، وَلَأدَعَنَّ مُقْلَتي)


1) (أين القوم الذين غررتهم) أي خدعتهم أيتها الدنيا (بمداعبك) جمع مدعبة، بمعنى الدعابة والمزاح (أين الأمم الذين فتنتهم) أي خدعتهم أيتها الدنيا (بزخارفك) جمع زخرف، بمعنى الزينة (رهائن القبور) فكما يبقى الرهن عند المرتهن كذلك هؤلاء باقون في قبورهم إلى يوم النشور (ومضامين اللحود) جمع لحد، وهو الشق في القبر، أي مضمونون في شقق قبورهم.

2) (وقالبا) أي هيكلا (حسيا) أي محسوسا يدرك بالحواس (لأقمت عليك حدود اللّه) من الرجم والجلد والتعزير وما أشبه (في عباد غررتهم بالأماني) أي بأن منيتهم بالأكاذيب فانخدعوا وتركوا الآخرة لأجلك (وملوك أسلمتهم إلى التلف) الأخروي بالعقاب والعذاب على ما فعلوا واقترفوا.

3) (إذ) أي في مكان (لا ورد) أي ليس محل ورود الماء (ولا صدر) أي ليس محلا للخروج عن المشرعة بعد الارتواء، فكأنها باسم الماء جاءت بهم إلى محل الهلاك.

4) (هيهات) لست أنت ناصحة شفيقة (من وطئ) أي جعل رجله في (دحضك) هي المزلقة التي لا تثبت عليها الرجل (زلق) سقط (ومن ركب لججك) لجة البحر معظمه.

5) (أزور) مال (عن حبائلك) جمع حباله، وهي شبكة الصياد (وفق) للخلاص والنجاة (مناخه) أي محله ومنزله (كيوم حان انسلاخه) أي حضر ذهابه وفناؤه.

6) (اعزبي) أي ابتعدي (فتستذليني) أي تجعليني ذليلاً (ولا أسلس لك) أي لا أنقاد لك، بأن أسير كلما توجهت ملذاتك وشهواتك (فتقوديني) كما تقاد البهائم.

7) (وأيم اللّه) قسم باللّه سبحانه، وفي ايم لغات (يمينا) منصوب بفعل مقدر أي أحلف قسما (استثنى فيها بمشيئة اللّه) أي لا أترك متعلق الحلف إلا إذا شاء اللّه سبحانه، وهذا للتبرك والاحترام، وإلا فلا يفرق الحلف بذلك.

8) (تهش) أي تفرح وتنبسط (إلى القرص) أي قرص الخبز (إذا قدرت) النفس (مطعوما) أي من أنواع الطعام (بالملح مأدوما) أي أداما يؤكل مع الخبز.

كَعَيْنِ ماءٍ، نَضَبَ مَعِينُهَا، مُسْتَفْرِغَةً (1دُمُوعَهَا! أَتَمْتَلِيءُ السَّائِمَةُ مِنْ رَعْيِها فَتَبْرُكَ، وتَشْبَعُ الرَّبيضَةُ مِنْ عُشْبِها فَتَرْبِض، وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ(2)! قَرَّتْ إِذَاً عَيْنُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ، وَالسَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ (3)! طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلى رَبِّهَا فَرْضَهَا، وَعَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا (4)وَهَجَرَتْ فِي اللَّيْل غُمْضَهَا، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا، وَتَوَسَّدَتْ كَفَّهَا (5)، فِي مَعْشَرِ أَسْهَرَ عُيَونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ، وَتَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ، وَهَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمْ، وَتَقَشَّعَتْ بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِم ذُنُوبُهُمْ، (أُولئكَ حِزْبُ اللّه، أَلَا إِنَّ حِزْبُ اللّه هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (6). فَاتَّقِ اللّه يَا بْنَ حُنَيْفٍ، وَلْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ (7)، لِيَكُنْ مِنَ النَّارِخَلَاصُكَ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى بعض عماله)أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّكَ مِمَّنْ أَسَتَظْهِرُ بهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ، وَأَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الْأَثِيم


1) (مقلتي) أي عيني (كعين ماء) من كثرة البكاء للّه سبحانه (نضب) أي نفذ وتم (معينها) أي ماؤها (مستفرغة) أي: في حال كون عيني أفرغت.

2) (فتبرك) أي تنام وتشبع الربيضة أي الغنم والربوض للغنم، كالبروك للإبل (فتربض) أي تستقر (فيهجع) أي يسكن كما سكنت الحيوانات بعد شبعها؟

3) (قرت إذا عينه) هذا دعاء للإنسان بالاطمئنان والاستقرار لأن الخائف تنظر عينه هنا وهناك ليجد ملجاً بخلاف المطمئن المستقر (السنين المتطاولة) أي السنين الطويلة من عمره (بالبهيمة الهاملة) أي المسترسلة التي لا داعي لها (والسائمة) أي التي تسرح في الأعشاب.

4) (وعركت) أي سحقت (بجنبها بؤسها) أي ضرها، كأن البؤس شوكة في جنب الإنسان فيسحقها الإنسان صابرا عليها، وهذا كناية عن الصبر في المكاره.

5) (غمضها) أي نومها (الكرى) أي النوم (افترشت أرضها) بأن نام على الأرض بغير فراش. (وتوسدت كفها) بأن جعل وسادته الكف.

6) سورة المجادلة، الآية: 22.

7) (وتجافت) أي ابتعدت (جنوبهم) فلا يضعون جنبهم على الفراش (وهمهمت) الهمهمة صوت يردد في الصدر، ويراد بها هذا الصوت الخفي (وتقشعت) يقال: تقشع السحاب أي انجلى (ولتكفف أقراصك) فلا تحضر المآدب المشبوهة.

وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ الثَّغْرِ الْمَخُوفِ (1فَاسْتَعِنْ بِاللّه عَلَى مَا أَهَمَّكَ، وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ يضِغْثٍ مِنَ اللّين (2)، وَارْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرفَقَ، وَاعْتَزِمُ بِالشَّدَّةِ حِينَ لَا يُغْنِي عَنْكَ إِلا الشَّدَّة (3)، وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ، وَابْسُطُ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ (4)، وَآس بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَالإِشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ (5)، وَلَا يَبْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ، وَالسَّلَامُ.)### ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ للحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه)أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللّه، وَأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا (6، وَلَا تَأْسَفًا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا، وَقُولَا بِالْحَقِّ وَاعْمَلَا لِلْأَجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُوم عَوْناً. أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوى اللّه، وَنَظْم أَمْرِكُمْ، وَصَلَاحٍ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فإنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - يَقُولُ : (صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ)


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (استظهر به) أي استعين به (وأقمع به) أي أقلع واكسر بسببه (نخوة الأثيم) أي تكبر العاصي (وأسد به لهاة) هي اللحمة المتدلية في الحلق والمراد هنا المنفذ (الثغر) مظنة العدو في حدود المملكة (المخوف) الموجب للخوف من هجوم الأعداء.

2) (بضغث) أي بشيء خليط (من اللين) فإنَّ الشدة المحضة توجب اليأس عن الوالي، كما إن اللين المحض يوجب تجرؤ الناس على الإنسان.

3) (وارفق) بالناس (ما كان الرفق أرفق) أي أوجب لملاءمة الحال (واعتزم) من العزم (بالشدة حين لا يغني عنك إلّا الشدة) بأن كانت الشدة هي الموجبة لانقلاع المفسدين عن إفسادهم.

4) (واخفض للرعية جناحك) وخفض الجناح كناية عن اللين والملاءمة معهم، كما يخفض الطائر جناحيه لأبويه (وابسط لهم وجهك) فلا تقطب وجهك عبوسا حتى يخافوا منك (وألن لهم جانبك) بأن تجعل جانبك لينا لا شديدا غليظا.

5) (واس) أي شارك وسو (بينهم في اللحظة) هي النظر بطرف العين (والنظرة) هي النظر بتمام العين وهذا كناية عن التساوي بينهم حتى في دقائق الأمور (والإشارة) إذا كان المجال مجال الإشارة، للعطف (والتحية) أي السلام وما أشبه (في حيفك) أي في ظلمك.

6) (وأن لا تبغيا الدنيا) أي لا تطلباها وإن (بغتكما) أي طلبتكما بتهيئة أسباب الراحة والرفاه (زوي عنكما) أي فاتكما.

وَالصَّيَامِ (1)اللّه اللّه فِي الْأَبْنَامِ فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ (2)، وَلَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ. وَاللّه اللّه فِي جِيرَانِكُمْ، فإنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ. مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ. واللّه اللّه فِي الْقُرْآنِ لَا يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ. وَاللّه اللّه فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ. وَاللّه اللّه فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، لَا تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ، فإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُناظَرُوا (3)وَاللّه اللّه فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ. وَأَلْسِنَتِكُمْ (4)فِي سَبِيلِ اللّه. وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُلِ، وإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطِعَ (5). لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ (6)، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ.)ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِين خَوْضاً، تَقُولُونَ: (قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ، وَلَا يُمَثَّلُ بِالرَّجُلِ، فإني سَمِعْتُ)


1) (ونظم أمركم) بأن ينظم الإنسان أموره المالية، والعبادية، والعائلية والدرسية، وما أشبه، فإنَّ النظام موجب للراحة والاطمئنان (وصلاح ذات بينكم) بأن يكون بعضكم موداً للآخر، لا يعاديه ولا يهجره (صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام) يعني أن فضل الصلاح أكثر من فضل الصلاة والصيام طيلة الحياة، ومن المعلوم أن بعض الواجبات أفضل من بعضها الآخر.

2) (فلا تغبوا أفواههم) بأن تطعموهم يوما وتتركوا يوما.

3) (و) انكروا (اللّه اللّه في بيت ربكم) مكة المكرمة (لا تخلوه) عن الحاج والمعتمر (ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا) أي لا ينظر اللّه إليكم بالكرامة، كما لا ينظر الناس إليكم بالعظمة، فإنَّ عظمة المسلمين تظهر في الحج.

4) (واللّه اللّه في الجهاد) أصله من الجهد بمعنى المشقة (بأموالكم) بذلا (وأنفسكم) تعبا وحربا (والسنتكم) قولاً.

5) (وعليكم بالتواصل) يصل بعضكم بعضا (والتباذل) بأن يعطي بعضكم بعضا (وإياكم والتدابر) بأن يجعل بعضكم دبره للبعض الآخر (والتقاطع) بأن يقطع بعضكم عن بعض ويهجره.

6) (يولى عليكم شراركم) جمع شرير، وذلك لأن الأشرار لو رأوا الطريق مفتوحا أمامهم بلا مانع دخلوه وساموا الناس ألوان العذاب.

رَسُولَ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : (إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ) (1).)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى معاوية)وَإِنَّ الْبَغْيَ وَالرُّورَ يَذِيعَانِ بِالْمَرْءِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَيُبْدِيَانِ خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ يَعِيبُه (2، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ غَيْرُ مُدْرِك مَا قُضِيَ فَوَاتُهُ، وَقَدْ رَامَ أَقْوَامٌ أَمْراً (3)بِغَيْرِ الْحَقِّ فَتَألَّوْا عَلَى اللّه فَأَكْذَبَهُمْ (4)فَاحْذَرْ يَوْماً يَغْتَبطُ فِيهِ مَنْ أَحْمَدَ عَاقِبَةَ عَمَلِهِ، وَيَنْدَمُ مَنْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ قِيَادِهِ فَلَمْ يُجَاذِبُهُ (5). وَقَدْ دَعَوْتَنَا إِلَى حُكْمِ الْقُرآنِ وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَسْنَا إِيَّاكَ أَجَبْنَا، وَلَكِنَّا أَجَبْنَا الْقُرْآنَ فِي حُكْمِةِ (6)، وَالسَّلَامُ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى معاوية)أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ الدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئاً إِلَّا


1) (لا الفينكم) أي لا أجدكم، نفي في معنى النهي (تخوضون دماء المسلمين) أي تقتلونهم انتقاما لقتلهم إياي (ولا يمثل بالرجل) التمثيل هو التشويه بقطع الأطراف سواء قبل الموت أو بعده (العقور) الذي يعقر الناس ويجرحهم، وهو مرض يصيب الكلب، ويوجب تسمم من عقره.

2) (وان البغي) أي الظلم (والزور) أي الكذب (يذيعان بالمرء) أي يشهرانه ويفضحانه (ويبديان) أي يظهران (خلله) جمع خلة، أي مفاسده (عند من يعيبه) أي يريد عيبه.

3) (وقد علمت) يا معاوية (أنك غير مدرك ما قضي فواته) أي دم عثمان أي قضي - بقضاء اللّه سبحانه - أن يفوت ويذهب. (وقد رام) أي قصد (أقوام أمراً) هو الطلب بدم عثمان، قبلك والمراد بالأقوام أصحاب الجمل (بغير الحق) لأنهم لم يكونوا أولياء عثمان.

4) (فتالوا) أي تطاولوا (على اللّه) سبحانه بنقض أحكامه (فأكذبهم) اللّه تعالى أي حكم بكذبهم.

5) (فاحذر يوما) والمراد به يوم القيامة (يغتبط فيه) أي: يفرح ويسر (من أحمد عاقبة عمله) أي جعل عاقبة عمله محمودة (من أمكن الشيطان) من قياده بأن اتبع الشيطان (فلم يجاذبه) أي لم يجذب الزمام من يد الشيطان حتى يستقيل هو بنفسه.

6) (ولست من أهله) أي من أهل القرآن (ولسنا إياك أجبنا) حيث قلنا إن القرآن حكم بيننا وبينك (ولكنا أجبنا القرآن في حكمه) علينا بما حكم من أمر القتال والكف، وغيرهما.

فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلِيهَا، وَلَهَجاً بِهَا (1، وَلَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغُهُ مِنْهَا، وَمِنْ وَرَاءِ ذلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ، وَنَقْضُ مَا أَبْرَمَ! وَلَوِ اعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَفِظْتَ مَا بَقِيَ (2)، وَالسَّلَامُ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى أمرائه على الجيش)مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْمَسَالِح، أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ حَقّاً عَلَى الْوَالِي أَنْ لَا يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ، وَلَا طَوْلٌ (3خُصَّ بِهِ، وَأَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللّه لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ، وَعَطْفاً عَلَى إِخْوَانِهِ. أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَنْ لَا أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِرّاً إِلَّا فِي حَرْبٍ (4)، وَلَا أَطْوِيَ دُونَكُمْ أَمْراً إِلَّا فِي حُكْم (5)، وَلَا أُؤَخِّرَ لَكُمْ حَقًّا عَنْ مَحَلِّهِ، وَلَا أَقِف بِهِ دُونَ مَقْطَعِهِ، وَأَنْ تَكُونُوا عِنْدِي فِي الْحَقِّ سَوَاءً، فَإِذَا فَعَلْتُ ذلِكَ وَجَبَتْ للّه عَلَيْكُمُ النِّعْمَةُ، وَلِي عَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ (6)، وَأَلَّا تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ، وَلَا تُفَرِّطُوا فِي)


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (فإن الدنيا مشغلة) أي موجبة لشغل الإنسان بها (ولم يصب صاحبها) أي صاحب الدنيا ومريدها (حرصا عليها) أي زاد حرصه على الدنيا، فإذا أصاب الإنسان دارا فتحت الدنيا له حرصا آخر بإرادة حديقة، وهكذا. (ولهجا بها) أي ولوعا وشدة حرص.

2) (فراق ما جمع) بالموت (ونقض ما أبرم) فقد أبرم وأحكم السيطرة على أموال الدنيا، ثم ينقض كل ذلك، إذ ينقطع من الجميع (ولو اعتبرت بما مضى) بأن فكرت في أحوال ما مضى من الدنيا وكيف كانت وكيف صارت (حفظت ما بقي) من عمرك، ولم تتلفه في طلب الدنيا.

3) (أصحاب المسالح) جمع مسلحة، أي الثغور والحدود: وسميت بذلك لأنها مواضع السلاح (أما بعد) الحمد والصلاة (أن لا يغيره على رعيته) بالإهانة بهم وهضم حقوقهم والكبر عليهم (فضل ناله) أي حصل عليه من مال كثير أو سلطان جديد (ولا طول) أي فضل كبير.

4) (أن لا أحتجز دونكم سرا) أي لا أخفي عليكم أمرا من أمور المملكة (إلا في حرب) فإنَّ الحرب يجب أن تؤتى بكل سرية حتى لا يطلع الأعداء ويتهيأوا للمدافعة.

5) (ولا أطوي دونكم أمرا) بأن لا أجعل لكم نصيبا في أمر يحدث بالمشورة (إلا في حكم) شرعي لا يحتاج إلى الشور والتفاوض.

6) (ولا أؤخر لكم حقا عن محله) أي وقت حلوله، بإعطائكم فيئكم وسائر ما تستحقون (ولا أقف به) أي بالحق (دون مقطعه) أي دون الحد الذي قطع به أن يكون لكم (وجبت للّه عليكم النعمة) أي ثبتت نعمته تعالى عليكم حيث هيا لكم واليا عادلا (ولي عليكم الطاعة) لوجوب طاعة الوالي إذا كان عادلا.

صَلَاحٍ، وَأَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ (1، فإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذلِكَ لَّمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنْ اعْوَجَ مِنْكُمْ، ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ، وَلَا يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُحْصَةً (2)، فَخُذُوا هذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللّه بِهِ أَمْرَكُمْ (3)وَالسَّلَامُ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى عماله على الخراج)مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْخَراج (4: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ لَمْ يُقَدِّمُ لِنَفْسِهِ مَا يُحْرِزُهَا (5). وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلْفْتُمْ يَسِيرٌ، وَأَنَّ ثَوَابَهُ كَثِيرٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا نَهَى اللّه عَنْهُ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ عِقَابٌ يُخَافُ لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لَا عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ (6).)


1) (وأن لا تنكصوا) أي لا ترجعوا (ولا تفرطوا) أي لا تقصروا (في صلاح) أي في أمر هو صلاح للدولة والأمة (وأن تخوضوا الغمرات) أي تدخلوا في الشدائد (إلى الحق) أي كي تنتهوا إلى الحق الذي طلبه سبحانه منكم.

2) (لم يكن أحد أهون علي) أي أذل عندي (ممن أعوج منكم) ولم يعمل بواجبه. (ثم أعظم له العقوبة) لأنه أنيط به الأمر، فأفسد عوض الإصلاح وأحق الناس بالعقوبة من ضيع الحق الذي عليه (رخصة) بأن أتركها كأني مرخص في فعل العقوبة وتركها.

3) (فخذوا هذا) الحق الذي بينت بأنه لكم على أمرائكم (من أمرائكم) أي الولاة عليكم أيها الأمراء على الجيش (وأعطوهم من أنفسهم) أي الحقوق التي عليكم (ما يصلح اللّه به أمركم) أي خذوا حقكم من الوالي وأعطوا حق الوالي له حتى يصلح اللّه الأمر، في البلاد.

4) (أصحاب الخراج) والخراج هو الذي يأخذه الوالي من الأراضي المفتوحة عنوة، التي هي لكل المسلمين، فيؤجرها الوالي، في مقابل مال معلوم، ويسمى بالخراج، لأنه يخرج من الأرض، وأصحاب الخراج هم الذين يتولون الخراج ويودعونه خزينة الدولة.

5) (أما بعد) الحمد والصلاة (ما هو صائر إليه) أي: العاقبة التي يصير إليها، بأن لم يخف العقاب (لم يقدم لنفسه ما يحرزها) أي يحفظها من سوء المصير من الأعمال الصالحة.

6) (عقاب يخاف) أي لو لم يكن عقاب في الظلم الذي نهى اللّه عنه (لكان في ثواب اجتنابه) أي الثواب الذي قرره سبحانه لمن اجتنب الظلم (ما لا عذر في ترك طلبه) فمن لم يطلبه، لم يكن معذورا عند الناس، لكثرة ثواب ترك الظلم.

فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ (1، فإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّعِيَّةِ، وَوَكَلَاءُ الْأُمَّةِ وسُفَرَاءُ الْأَئِمَّةِ (2). وَلَا تُحْسِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ، وَلَا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ (3)، وَلَا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاج كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ (4)، وَلَا دَابَّةً يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا، وَلَا عَبْداً (5)، وَلَا تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَكَانِ دِرْهَم (6)، وَلَا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، مُصَلِّ وَلَا مُعَاهَدٍ (7)، إِلَّا أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سلاحاً يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الإِسْلَامِ (8)، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونَ شَوْكَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةً (9)، وَلَا الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةٍ، وَلَا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةٌ (10)، وَلَا دِينَ اللّه قُوَّةً وَابْلُوا فِي سَبيل)


1) (فانصفوا الناس من أنفسكم) أي اجعلوا بينكم وبينهم النصفة، بإعطائهم حقهم، كما تأخذون منهم حقكم (واصبروا لحوائجهم) لا أن تتركوها ولم تهتموا بها ضجرا وضيقا.

2) (فإنكم خزان الرعية) جمع خازن وهو الحافظ للمال (ووكلاء الأمة) فقد أعطى الأمة ثقتها بهم حيث دخل في بيعة الخليفة الأمر عليهم (وسفراء الأئمة) أي الوسطاء بينهم وبين الناس والمراد بالأئمة الخلفاء ومن إليهم.

3) (ولا تحسموا) أي لا تقطعوا (أحداً عن حاجته) بأن لا تؤدوها إليه (ولا تحبسوه عن طلبته) بأن تحيلوا بينه وبين ما يريد أن يعمل.

4) (ولا تبيعن للناس في) استيفاء (الخراج) وأخذه (كسوة شتاء ولا صيف) أي ما يحتاجون إليه من الكساء طول السنة، فإنَّه وإن كان الوقت صيفا لا يباع كساء الشتاء لأجل الخراج، وهكذا بالعكس.

5) (ولا دابة يعتملون عليها) أي اللازمة لأعمالهم في الزرع والحمل وما أشبه (ولا عبدا) يحتاجون إليه ممّا يعد مؤونة لهم.

6) (ولا تضربن) أصله تضربون، حذف نونه للنهي، وواوه لالتقاء الساكنين (أحدا سوطا لمكان درهم) أي لأجل طلبكم منهم المال إذا لم يعطوكم.

7) (ولا تمس مال أحد من الناس) بأن تأخذوه للبيع وأخذ الخراج من ثمنه (مصل) أي مسلم (ولا معاهد) كتابي في ذمة المسلمين.

8) (إلا أن تجدوا فرسا أو سلاحا) فى يد المعاهد المستحق عليه الخراج (يعدي به على أهل الإسلام) فإنَّ من طبيعة الكتابي أن يتعدى على المسلم إذا وجد فرصة فحينئذ يجوز بيع ذلك الفرس أو السلاح في الخراج.

9) (ولا تدخروا أنفسكم نصيحة) ادخر الشيء إذ أبقاه ليصرفه في وقت الحاجة أي لا تمنعوا أنفسكم من نصح المسلمين، بظن أنكم تخفون ذلك النصح لوقت آخر.

10) (ولا الجند حسن سيرة) أي سيروا معهم سيرة حسنة فلا تدخروا رواتبهم (ولا الرعية معونة) أي عونا، بل أعينوهم من الخراج بقدر رفع حاجاتهم.

اللّه مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ فإنَّ اللّه سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ (1أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا، وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة)أَمَّا بَعْدُ، فَصَلُّوا بِالنَّاسِ الظُّهْرَ حَتَّى تَفِيءَ الشَّمْسُ مِنْ مَرْبِضِ الْعَنْزِ (2وَصَلُّوا بِهِمُ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ حَيَّةٌ (3)فِي عُضْوِ مِنَ النَّهَارِ حِينَ يُسَارُ فِيهَا فَرْسَخَانِ (4)، وَصَلُّوا بِهِمُ الْمَغْرِبَ حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ، وَيَدْفَعُ الْحَاجُ (5)إِلَى مِنّى، وَصَلُّوا بِهِمُ الْعِشَاءَ حِينَ يَتَوَارَى الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ (6)، وَصَلُّوا بِهِمُ الْغَدَاةَ وَالرَّجُلُ يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ وَصَلُّوا بِهِمْ صَلاةَ أَضْعَفِهِمْ، وَلَا تَكُونُوا فَتَّانِينَ (7).)


1) (وابلوا في سبيل اللّه) أي أدوا لأجله سبحانه (ما استوجب عليكم) أي ما وجب من الفرائض (اصطنع عندنا وعندكم) يقال اصطنعت عنده أي طلبت منه أن يصنع لي شيئا، والمعنى طلب سبحانه منا.

2) (أما بعد) الحمد والصلاة (فصلوا بالناس الظهر) من أول الزوال (حتى تفيء) أي ترجع (مريض العنز) أي حائط محل نوم الأغنام فإنَّ الحائط يعدم ظله أول الظهر - تقريبا - ثم يرجع الظل المغربي إلى ناحية المشرق كلما رجعت الشمس نحو المغرب، والمراد أن يصير ظل كل شيء مثله، فإنَّه آخر وقت فريضة الظهر.

3) (والشمس بيضاء) لم تصفر للغروب (حية) لم تقترب من المغيب الذي هو كالموت لها، والمراد بذلك فضيلة الإتيان بالعصر في هذا الوقت قبل اصفرار الشمس.

4) (في عضو) أي جزء (حين يسار فيها فرسخان) بأن بقيت ساعتان إلى الغروب حتى إذا أراد الشخص السير والسفر، كان فرسخان من سيره في النهار حيث كانت الشمس باقية فوق الأفق.

5) (وصلوا بهم المغرب حين يفطر الصائم) أي بعد الغروب بمقدار ربع ساعة (ويدفع الحاج) من عرفات - ليلة العاشر -.

6) (وصلوا بهم العشاء حين يتوارى) أي يغيب (الشفق) وهو الضياء أول الليل، وغيبوبة الشفق بعد ساعة من الغروب - تقريبا – (إلى ثلث الليل) فإنَّه آخر وقت العشاء.

7) (وصلوا بهم الغداة) أي صلاة الصبح (والرجل يعرف وجه صاحبه) من الضياء، وكأن هذا تأخير عن أول وقتها - وهو طلوع الفجر الصادق - لأجل قيام الناس من النوم وجمعهم في المسجد (ولا تكونوا فتانين) أي موجبين لفتنة المأمومين ونفرتهم من صلاة الجماعة بسبب التطويل في الصلاة.

### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ للأشتر النخعي لما ولاه مصر، وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن)كتبه للأشتر النخعي، لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر (1، وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن)بسم اللّه الرحمن الرحيمهذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنُ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ : جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا (2، وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا (3). أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللّه، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتَّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ : مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، الَّتِي لَا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا، وَلَا يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا، وَأَنْ يَنْصُرَ اللّه سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ (4)، فإِنَّهُ، جَلَّ اسْمُهُ، قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَيَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ (5)، فإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلَّا مَا رَحِمَ اللّه. ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ، أَنَّي قَدْ وَجَهْتُكَ إِلَى بِلادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ)


1) (أعمالها) أي بلادها وقراها (حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر) فطلبه الإمام، وجعل مكانه مالك الأشتر.

2) (في عهده إليه) عهد إليه أي أوصى بوصية (جباية خراجها) أي ولاه لأجل جمع خراج مصر والجباية بمعنى: الجمع والخراج ما يخرج من الأرض من المنافع والحقوق (وجهاد عدوها) الداخلي كمعاوية والخارجى كالروم.

3) (واستصلاح أهلها) أي طلب صلاحهم بالإرشاد والتأديب وما إلى ذلك وعمارة بلادها بأن يعمرها بالدور والشوارع والحوانيت والحمامات والبساتين وما إلى ذلك.

4) (وإيثار طاعته) بأن يقدم طاعته على كل شيء (مع جحودها) أي إنكارها (وإضاعتها) بعدم العمل بها (وأن ينصر اللّه) تعالى (سبحانه بقلبه) بالعزم على تنفيذ أوامره في البلاد والعباد (ويده) بالتأديب والجهاد والكتابة، وما أشبه (ولسانه) بقول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

5) (أن يكسر نفسه من الشهوات) أي يذلها فلا يعطيها ما تطلبه من الملذات والمشتهيات (ويزعها) أي يكف نفسه عن المطامع والمطامح (عند الجمحات) أي إذا جمحت النفس وعصت إلا عن نيل الملذات.

أُمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ (1، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللّه لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ، فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَامْلِكْ هَوَاكَ وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ، فإِنَّ الشُّحَ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فَيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ (2)، وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّظف بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبْعاً ضَارِياً، تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ (3)، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَنَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإ (4)، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللّه مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَوَالي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللّه فَوْقَ مَنْ وَلاكَ وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ(5). وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللّه فإنَّهُ لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلَا غِنَى)


1) (قد وجهتك) أي أرسلتك (قد جرت عليها دول) جمع دولة، وجرت بمعنى مضت (ينظرون من أمورك) كيف تعمل أيام حكومتك (في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك) فكنت تقول هذا حسن وهذا سيئ، وهكذا ينظر الناس إليك (ويقولون فيك) وفي تصرفاتك (ما كنت تقول فيهم) من تحسين حسناتهم وتقبيح قبائحهم.

2) (وإنما يستدل على الصالحين) أي الناس صالح وأيهم ليس بصالح (بما يجري اللّه لهم على السن عباده) فإنَّ مدح الناس شخصا، كان دليلا على صلاحه (فاملك هواك) لئلا يردك موارد الهلكة (وشح بنفسك) أي ابخل بها فلا تبذلها (فإن الشح بالنفس) بعدم صرفها في موارد الهلكة (الإنصاف منها فيما أحبت) بعدم التعدي (أو كرهت) بعدم التفريط.

3) (سبعا ضاريا) أي تضرهم (تغتنم أكلهم) والمراد هضمهم حقوقهم، والتصرف في أموالهم بالاغتصاب. (فإنهم صنفان) أي قسمان (إما أخ لك في الدين) إن كان مسلماً (أو نظير لك في الخلق) فإنَّ الناس يتشابه بعضهم بعضا، فيما لم يكن مسلماً.

4) (يفرط منهم الزلل) أي يسبق منهم الخطأ، والتعبير بالسبق لبيان أنه لا يريد الخطأ، وإنما الخطأ يبدر بدون أن يصل الإنسان إليه فيقف أمامه حتى لا يبدر (وتعرض لهم العلل) أي علة الأعمال السيئة فيسيؤون بسبب تلك العلل (ويؤتى على أيديهم) العمل القبيح (في العمد والخطأ) وهذا طبيعة الإنسان، إذ ليس معصوما.

5) (فإنك فوقهم) أي أعلى مرتبة من الرعية (ووالي الأمر عليك) والمراد به نفسه الكريمة (فوقك) رتبة (واللّه فوق من ولاك) فاللازم ملاحظته سبحانه في أمره ونهيه (وقد استكفاك) أي طلب سبحانه منك كفاية (أمرهم) بإنجاز طلباتهم والقيام بمصالحهم (وابتلاك بهم) أي اختبرك بسببهم حيث جعلك والياً عليهم.

بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ وَلَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ، وَلَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحةً (1، وَلَا تَقُولَنَّ : إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ ذلِكَ إِدْغَالُ فِي الْقَلْبِ، وَمَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ، وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ (2)وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْمَخِيلَةً، فانظُرْ إِلَى عِظَم مُلْكِ اللّه فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ (3)، فإنَّ ذلِكَ يُطَامِنُ إِليكَ مِنْ طِمَاحِكَ، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ، وَيَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ (4)مِنْ عَقْلِكَ. إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ اللّه فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُتِهِ، فإنَّ اللّه يُذِلُّ كُلّ جَبَّارٍ، وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ. أَنْصِفِ اللّه وأَنصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ (5)، فإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمُ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللّه كَانَ اللّه خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللّه أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ للّه حَرْباً حَتّى)


1) (ولا تنصبن نفسك لحرب اللّه) أي مخالفة شريعته تعالى بالظلم والجور، فإنَّ الوالي الجائر كالذي نصب نفسه للمحاربة. (فإنه لا بد لك بنقمته) أي ليس لك يد وقوة لدفع عذابه تعالى إذا أراد بك سوءا (ولا تبجحن بعقوبة) أي لا تفرحن بسبب ما عاقبت به أحداً، فإنَّ العقوبة شر عاقبة مهما كانت حقا (ولا تسر عن إلى بادرة) وهي ما يظهر من الإنسان من قول أو فعل عند الغضب (وجدت منها مندوحة) أي مفرا ومخلصا، بل فر من آثار الغضب حتى يهدأ.

2) (ولا تقولن إني مؤمر) قد أمرت من جانب الخليفة بكذا (آمر فاطاع) أي فاللازم أن أطاع، بأن ترى نفسك فوقهم (أدغال في القلب) أي إدخال للفساد فيه إذ الشخص الذي يفكر هكذا تفكير إذا عملت الرعية خلاف هواه عاقب بغير حق (ومنهكة للدين) أي مضعفة لدين الإنسان إذ ذلك يوجب الظلم والعدوان والكبر والترفع (وتقرب من الغير) أي الاغترار بالسلطة، والوقوع في تطورات غير محمودة.

3) (وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة) أي إذا سببت السلطة لك كبرا وعظمة (ومخيلة) أي الخيلاء والعجب (على ما لا تقدر عليه من نفسك) يعني أنه تعالى قادر على التصرف في نفسك بالإفقار والإمراض والإماتة وما أشبه ممّا لا تقدر أنت على مثل ذلك، بالنسبة إلى نفسك.

4) (يطامن إليك) أي يخفض (من طماحك) أي ارتفاعك وكبرك (من غربك) أي حدة تعظيمك لنفسك (ويفيء إليك) أي يرجع (بما عزب عنك) أي غاب.

5) (إياك) أي إحذر يا مالك (ومساماة اللّه) أي مباراته ومقابلته في السمو والعلو (مختال) أي متكبر (أنصف اللّه) بالإتيان بما أمر (وأنصف الناس) بإعطاء حقوقهم (من نفسك ومن خاصة أهلك) فلا تذرهم يتركون أوامره تعالى، أو يضيعون حقوق الناس (ومن لك فيه هوى من رعيتك) أي لك ميل إليه من حاشيتك وأصحابك.

يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ. وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْهَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللّه، وَتَعْجِيلِ نَقْمَتِهِ، مِنْ إقَامَةٍ عَلَى ظُلْم (1، فإِنَّ اللّه سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ. وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّة (2)، فإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ (3)يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ (4). وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوالِي مَؤُونَةٌ في الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلَاءِ، وَأَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ، وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ (5)، وَأَبْطأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وَأضعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ (6).)وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ، الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ (7، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ، وَمَيلُكَ مَعَهُمْ (8). وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ،.)


1) (ومن خاصمه اللّه أدحض حجته) أي أبطلها (وكان اللّه حرباً) أي محارباً (حتى ينزع) أي يقلع عن الظلم (وليس شيء أدعى) أي أكثر دعوة وتسبيباً (إلى تغيير نعمة اللّه) بذهابها عن الإنسان (وتعجيل نقمته) أي نكاله وعقابه (من إقامة على ظلم) أي من أن يستمر الإنسان في ظلم الناس.

2) (للظالمين بالمرصاد) أي بمحل الرصد والترقب يراقبهم لأخذهم (وأعمها في العدل) بأن يشمل عدلها الناس (واجمعها لرضى الرعية) بأن توجب لرضى جميع الرعية لا بعضهم دون بعض.

3) (يجحف) أي يذهب (برضى الخاصة) إذ العامة يوجبون أن يسخط الخاصة على الإنسان أيضا، إذا أكثروا الشكاوى عندهم، لأن الناس مرتبطون بعضهم ببعض.

4) (وإن سخط الخاصة) أي بعض الناس الذين يريدون الزيادة من حقهم على حساب سائر الناس (يغتفر مع رضى العامة) ولذا يجب على الإنسان أن يلاحظ رضى العامة، وإن سخط بعض الخاصة.

5) (أثقل على الوالي مؤونة) أي ما يتطلب ويريد (وأقل معونة له) أي عونا وإغاثة (واكره للإنصاف) إذا أراد الوالي إعطاء حقه، لا أكثر (واسال بالإلحاف) أي الإلحاح في السؤال (وأقل شكرا عند الإعطاء) أي إعطاؤه المال والمنصب وما أشبه.

6) (وأبطأ عذرا عند المنع) أي لا يقبل عذر الوالي إذا منعه عن العطية (عند ملمات الدهر) أي حوادثه التي تلم بالإنسان (من أهل الخاصة) أي أهل الخصوصية والقرب بالإنسان، وهم الحاشية.

7) (وإنّما عماد الدين) الذين يقومون بأمره وسائر شؤونه (وجماع المسلمين) أي جماعتهم (والعدة) التي يهيئها الوالي (العامة من الأمة) لأنهم حيث لا يرون لأنفسهم امتيازات يعملون في جميع المجالات.

8) (فليكن صغوك لهم) أي إصغاؤك لهم بالاختلاط معهم وقضاء حوائجهم. (وميلك معهم) فلا تحجبهم ولا تصرف نفسك عنهم.

وَأَشْنَاهُمْ، أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسَ، فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً، الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا، فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا، فإِنَّمَا عَلَيْكَ تَظْهِيرُ مَا ظَهَرَ (1، وَاللّه يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ، فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللّه مِنْكَ مَا تُحِبُّ سِتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ، أَطْلِقُ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ (2)، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ، وَتَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَصِحُ لَكَ (3)، وَلَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ (4)، فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌ، وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ. وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ، وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ، وَلاَ جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ، وَلَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَة بِالْجَوْرِ (5)فإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللّه. إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَسْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً (6)، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الآثَامِ فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فإنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ (7)، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ)


1) (وليكن أبعد رعيتك منك) تبتعد عنه أكثر من ابتعادك عن غيره (وأشنأهم) أي أبغضهم عندك (فإنما عليك تطهير ما ظهر) فإنَّ اللّه سبحانه نهى عن التّجسّس ولم يأمر بالتفحص عمّا لا يعلم.

2) (فاستر العورة) أي العيب (ما تحب ستره من رعيتك) أي من عيوبك التي تحبّ أن لا يعرفها الرّعية. (أطلق عن الناس عقدة كل حقد) فإنَّ الأحقاد ولائد أسباب خاصة، إذا أزال الإنسان تلك الأسباب زالت تلك العقد النفسية التي تورث الحقد الدائم.

3) (كل) وتر) أي كل عداوة (وتغاب) أي كن كالغائب في عدم المعرفة عن كل ما لا يصح لك) من دعوة، أو عقوبة، أو إعطاء، أو ما أشبه فاجعل نفسك كأنك لم تفهمه ولم تحضر الأمر.

4) (ولا تعجلن إلى تصديق ساع) يسعى بذكر معائب النّاس وجرائمهم لتنزل عقوبتك عليهم.

5) (ولا تدخلن في مشورتك) الشور الفحص عن الحق بسبب تصفح الآراء والأفكار (بخيلاً يعدل بك عن الفضل) فيقول لك لا تتفضل ولا تعط (ولا جباناً يضعفك عن الأمور) لأنه يخاف من مواجهة المشكلات. (ولا حريصاً) على الملك والمال، وما أشبه (يزين لك الشره) هو الإفراط في الملذات (بالجور) فيقول لك انهب الأموال، ليكون لك مال أو نحو ذلك.

6) (غرائز شتى) أي طباع متفرقة في الإنسان (إن شر وزرائك) الوزير هو المؤازر للعمل (من كان للأشرار قبلك وزيراً) لأنه مكروه عند الناس، منحرف النفس.

7) (بطانة) أي وزيراً وخاصة لك (أعوان الأثمة) جمع آثم أي فاعل الإثم (خير الخلف) فإنَّ البلاد لا تخلو عن الحكماء المعتدلين (ممن له مثل آرائهم) الصائبة (ونفاذهم) في الأمور، بمعرفة كيفية العمل.

آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ : أُولئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَؤونَةً، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَظفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً (1، فَاتَّخِذْ أُولئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلَاتِكَ (2)، ثُمَّ لِيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرّ الْحَقِّ لَكَ (3)، وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ ممّا كَرِهَ اللّه الأولبَائِهِ، وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ (4). وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ، ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا يُطْرُوكَ وَلَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلِ لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ كَفْرَةَ الإطراء تُحْدِثُ الزَّهْوَ، وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ (5). وِلا يكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، فإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ! وَأَلْزِمْ كُلّاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ (6). وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنْ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُّونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ (7). فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ)


1) (وليس عليه مثل أصارهم) جمع إصر، وهو الذنب والحمل الثقيل (وأوزارهم) جمع وزر، بمعنى الإثم (أخف عليك مؤونة) فإنَّهم لم يعتادوا أخذ الأموال من الولاة، حتى يريدوا مثلها منك (وأحنى عليك عطفاً) أي أكثر حنواً وميلا وتعطفاً عليك (وأقل لغيرك إلفا) أي آلفة ومحبة.

2) (خاصة لخلواتك) تخلو بهم للاستشارة (وحفلاتك) إذا أردت أن تحتفل بشيء والمراد اجتماعاتك بالناس للأعياد وأشباه ذلك.

3) (آثرهم عندك) أي أفضلهم لديك (أقولهم بمرّ الحق لك) أي أكثر تكلّماً بالحق المحض، والإتيان بلفظ [مر] لأن الحق مرّ.

4) (وأقلهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كره اللّه لأوليائه) كصرف العمر في البطالة، وما أشبه بأن يكون ذلك الوزير لا يساعدك على مثل هذا الأمر، وإنما يساعدك في الأمور الحسنة (واقعاً ذلك) المكروه للّه (من هواك حيث وقع) أي وإن كان ذلك الأمر من أشد مرغوباتك.

5) (والصق) أي اقترب (ثمّ رضهم) أي عوّدهم من الرّياضة (أن لا يطروك) أي لا يمدحوك (ولا يبجحوك) أي: لا يفرحوك (بباطل لم تفعله) بأن يقولوا فعل الوالي كذا، والحال أنك لم تفعله، وإنّما فعله غيرك (وتدني) أي تقرب الممدوح (من العزّة) أي الكبر والاعتزاز، وكل ذلك رذيلة.

6) (وألزم كلّاً منهم) أي من المحسنين والمسيئين (ما الزم نفسه) بإكرام المحسن، وإهانة المسيء، فإنَّ المحسن بإحسانه طلب لنفسه الإكرام، والمسيء بإساءته طلب لنفسه الإهانة.

7) (واعلم أنه ليس شيء بأدعى) أي بأكثر طلب ودعوة (إلى حسن ظن راع برعيته، من إحسانه إليهم) فإذا أحسن إليهم أحبّهم، لأنه أمن منهم ووثق بمحبتهم له، فيحبّهم. (وتخفيفه المؤونات عليهم) أي الصعوبات، فإنَّه إذا شدد عليهم في الأمر كرهوه، فكرههم، أما إذا خفف عليهم أحبوه فاحبهم (وترك استكراهه إياهم) أي إكراهه (على ما ليس له قبلهم) أي عندهم بأن لا يكرههم على إتيانهم بشيء والحال أنه لا يحق له ذلك.

يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طويلا (1. وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ بَلاؤُكَ عِنْدَهُ (2)، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ (3)، وَلَا تَنْقُضُ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْألْفَةُ وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ (4). وَلَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا (5). وَاكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ، وَمُنَافَثَةَ الْحُكَمَاءِ، فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيهِ أَمْرُ بِلادِكَ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ (6). وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لَا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا. بِبَعْضٍ، وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ : فَمِنْهَا جُنُودُ اللّه، وَمِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ)


1) (يجتمع لك به حسن الظن) من رعيتك إليك، حتى يظنوا أنك لا تريد إلا خيرهم ولا تحمّلهم أمراً شاقاً (يقطع عنك) أي يزيل عنك (نصباً) تعباً (طويلاً) إذ الرعية إذا أساؤوا الظن بالوالي، أوجدوا له في كل يوم مشكلة، ولم يعينوه في أموره.

2) (وإن أحق من حسن ظنك به لمن بلاؤك عنده) أي امتحانك له، بأن رأيته عاملاً مجاهداً مخلصاً، والبلاء بمعنى الصنع، ويستعمل في الحسن والسيئ.

3) (وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده) فاللازم أن يجعل الإنسان ميزان حسن الظن وسوء الظن، مقادير الناس من العمال السابقة لا أن يجعل الميزان مقادير مدحهم وذمهم للوالي يطرد الناقد، ويقرب المطري.

4) (صدور هذه الأمة) أي السابقون منهم (واجتمعت بها الألفة) بين الناس (وصلحت عليها الرعية) وذلك مثل أن يترك حضور الجماعة، بل يستنيب مكانه، فإنَّ الجماعة من عمل صدر الإسلام، وفيها يأتلف الناس بعضهم ببعض، ويصلح الوالي بها ولاؤهم.

5) (ولا تحدثن سنة) أي طريقة جديدة (تضر بشيء من ماضي تلك السنن) فإذا صرف الناس نشاطهم في هذه السنة الجديدة، لم يبق لهم نشاط لصرفه في السنة القديمة (فيكون الأجر لمن سنها) أي سن تلك السنن السابقة، كالأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) (والوزر عليك بما نقضت منها) حيث صارت طريقتك موجبة لترك تلك السنة.

6) (وأكثر مدارسة العلماء) أي المباحثة معهم في شؤون الإسلام (ومنافثة الحكماء) أي محادثتهم (في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك) بأن يكون سبباً لاستقرار أوضاع البلاد (وإقامة ما استقام به الناس قبلك) حتى تعلم ماذا صار سبباً لاستقرار الناس واستقامتهم، قبلك في الحكومات الماضية، فتعمل به.

وَالْخَاصَّةِ (1، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ وَمِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَالرِّفْقِ (2)، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاج مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَمُسْلِمَةَ النَّاسِ (3)، وَمِنْهَا التَّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللّه لَهُ سَهْمَهُ وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ فَرِيضَةً فِي كِتَابِهِ، أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ – (صَلَّى اللّه عليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنا مَحْفُوظاً. فَالْجُنُودُ - بِإِذْنِ اللّه - حُصونُ الرَّعِيَّةِ (4)، وَزَيْنُ الْوَلَاةِ، وَعِزُّ الدِّينِ وَسُبُلُ الْأَمْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ (5). ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلَّا بِمَا يُخْرِجُ اللّه لَهُمْ مِنَ الْخَرَاج (6)الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ. ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَينِ الصِّنْفَيْنِ إِلَّا بِالصَّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمالِ وَالْكُتَابِ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَيَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ)


1) (لا يصلح بعضها إلا ببعض) لأن كل طبقة تقوم بنواقص الطبقة الأخرى (ومنها كتاب العامة والخاصة) كتاب، جمع كاتب، وكتاب العامة هم الذين يكتبون لعامة الناس، كالخراج والمظالم وكتاب الخاصة هم الذين يكتبون أوامر الوالي إلى العمّال نصبهم وعزلهم وأخبار الأعداء.

2) (ومنها عمال الإنصاف والرفق) الذين يعملون للوالي، بإحضار الناس وتبليغهم، ومن يودعهم الوالي الأموال من لهم الإنصاف في الأمور، ويعالجون المشاكل بكل رفق ولين.

3) (ومنها أهل الجزية) اليهود والنصارى والمجوس الذين يؤدون قدراً من أموالهم في مقابل حماية الدولة لهم (والخراج) الذين يدفعون إيجار الأراضي التي هي للدولة لكونها مفتوحة عنوة، ممن استأجروهم لمصالحهم الزراعية وما أشبه (من أهل الذمة ومسلمة الناس) أي الذين استسلموا ودخلوا في طاعة الدولة.

4) (قد سمّى اللّه) أي عين سبحانه (له سهمه) أي نصيبه وحكمه (ووضع على حده) أي شأنه (فريضة) أي: بين الواجب له وعليه (حصون الرعية) فكما يحفظ الحصن أهله، كذلك يحفظ الجند الناس من خطر الأعداء.

5) (وزين الولاة) إذ الوالي يتزين بالجند (وعز الدين) إذ يكون لهم سطوة ورهبة في نفوس الأعداء (وسبل الأمن) لأن بهم يأمن الناس على أموالهم وأعراضهم وأنفسهم (وليس تقوم الرعية) وتستقيم (إلّا بهم) إذ لولا الجند لثار كل طامع، ونهب كل لص، وهكذا.

6) (ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج اللّه لهم من الخراج) إن الكافل بشؤون الجيش من السلاح والعتاد وما أشبه وجمعهم تحت لواء الطاعة، هو المال (ويكون من رواء حاجتهم) أي محيطاً بجميع حاجاتهم، فيسدها.

خَوَاصُ الْأُمُورِ وَعَوَامِّهَا (1. وَلَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلَّا بِالتَّجَارِ وَذَوي الصَّنَاعَاتِ، فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُقِ بِأَيْدِيهِمْ مَا لَا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ (2). ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ، وَفِي اللّه لِكُلِّ سَعَةٌ، وَلِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ (3)، وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللّه مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالاهْتِمَامِ وَالاِسْتِعَانَةِ بِاللّه، وَتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيمَا خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ (4). فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُم فِي نَفْسِكَ للّه وَلِرَسُولِهِ وَلِإِمَامِكَ، وَأَنْقَاهُمْ جَيْباً (5)وَأَفْضَلَهُم حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ (6)وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَيَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ، مِمَّنْ لَا)


1) (والعمال) الذين يجمعون الخراج (والكتاب) الذين يكتبون المرافعات ومقادير الخراج وما أشبه (لما يحكمون من المعاقد) جمع معقد بمعنى العقد في البيع والشراء وسائر المعاملات كالقضاة (ويجمعون من المنافع) وهم العمال الذين يجمعون الخراج وسائر أموال الدولة (ويؤتمنون عليه) أي يكونون أمناء لشؤون الدولة من خواص الأمور وعوامها بالكتابة والإنشاء.

2) (فيما يجتمعون عليه من مرافقهم) أي بسبب يجمعون المنافع وكيفية إيرادها وإصدارها (ويقيمونه من أسواقهم) أي إنهم لأجل مرافقهم يقيمون الأسواق (ويكفونهم) أي يكفي أصحاب الصناعات، سائر الناس (من الترفق) والعمل (بأيديهم) في إنتاج المصنوعات (ما لا يبلغه رفق غيرهم لأن غيرهم) لا يعرف كيفية الصنعة.

3) (ثم الطبقة السفلى)، وسمي بهذا، لأنه يأكل ولا يعمل لعدم قدرته على العمل (رفدهم) أي مساعدتهم (وفي اللّه) في خلق اللّه سبحانه (لكل سعة) إذ قد هيأ في الأرض كل ما يحتاج إليه الإنسان (ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه) ويهيئ أمره، إذ الوالي هو المنظم العام للدولة.

4) (وتوطين نفسه) أي تحضير ذاته (على لزوم الحق والصبر عليه) أي على الحق (فيما خف عليه) بأن سهل فعله (أو ثقل) عليه وصعب الإتيان به.

5) (فول من جنودك) أي اجعلهم والياً على سائرهم (انصحهم في نفسك) أي تطمئن نفسك بكونه أنصح من سواه (وأنقاهم) أي أطهرهم (جيباً) جيب القميص طوقه في طرف العنق، والمراد طهارة الصدر والقلب، وعدم إتيانه بلوث يلزم عنقه.

6) (وأفضلهم حلماً) بأن يكون أحلمهم (ممّن يبطئ عن الغضب) فإذا غضب لم ينفذ غضبه. (ويستريح إلى العذر) فإذا اعتذر إليه المسيء قبل عذره، وجعله راحة لنفسه.

يُثيرُهُ الْعُنْفُ وَلَا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ (1ثُمَّ الْصَقَ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالأَحْسَابِ، وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ(2)، ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ(3)وَالشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّمَاحَةِ، فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ، وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ (4). ثُمَّ تَفَقَدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ (5)، وَلا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، فإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ، وَلا تَدَعْ تَفَقْدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتَّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا (6)، فإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ (7). وَلْيَكُنْ آثَرُ رُؤُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ (8)وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ (9)، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ)


1) (وينبو) أي يشتد ويعلو (ممن لا يثيره) ولا يبهجه (العنف) والشدة في الأمر، لأنّ نفسه ساكنة هادئة (ولا يقعد به الضعف) بل ينفذ الأمر الصالح، وإن كان في حالة ضعف ووهن.

2) (ثم الصق) في تولية الجند (بنوي المروءات) المروة الرجولة (الأحساب) أي أصحاب الحسب والفضيلة (وأهل البيوتات الصالحة) أي المعروفة بالصلاح، وبيوتات جمع بيت والمراد من له عشيرة (والسوابق الحسنة) فمن حسنت سابقته تحسن لاحقته.

3) (ثم أهل النجدة) الذين يعينون الناس، ويغلبون على الأمور الصعاب، فإنَّ النجدة بمعنى الإعانة، والغلبة.

4) (فإنهم جماع من الكرم) أي مجموع منه (وشعب من العرف) جمع شعبة، والعرف بمعنى المعروف، أي أن كل جانب من جوانبهم معروف غير منكر.

5) (ثم تفقد) أي تفحص (ما يتفقد الوالدان من ولدهما) من القيام بجميع شؤونهم. (ولا يتفاقمن) أي لا يعظمن (في نفسك شيء قويتهم به) والمعنى كل ما قويت به مثل هذا الوالي، لا يعظم عندك، فتقول في نفسك، ما صرفته على مثله عظيم، وأكثر من استحقاقه.

6) (ولا تحقرن لطفاً) وإحساناً (تعاهدتهم به) فلا تترك شيئاً من لطفك لأنه حقير غير مهم (ولا تدع تفقد) أي التفحص عن (لطيف أمورهم) أي صغارها كأن تسأل عن دمل وقع بجسم أحدهم مثلا (اتكالاً على جسيمها) بأن تفكر إني أتفقد عظيم الأمور فلا داعي للتفقد عن صغير أمورهم.

7) (فإن لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به) ويوجب ذلك شدة حسن ظنهم بك (وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه) فلا بد للوالي من الفحص عن العظيم والحقير بما يحتاجون إليه.

8) (وليكن آثر رؤوس جندك عندك) آثرهم أي أفضلهم عندك وأعلاهم رتبة في نظرك، ورؤوس الجند زعماؤه (من واساهم في معونته) بأن ساعدهم بمعونته لهم كأنه أحدهم.

9) (وأفضل عليهم) أي جاد عليهم (من جدته) أي من غناه وماله والمراد ما بيده من أرزاق الجند (بما يسعهم) أي بالقدر الذي يكفيهم (ويسع من وراءهم) أي أهلهم (من خلوف أهليهم) جمع خلف، وهو من يبقى في الحي من النساء والأطفال والعجزة بعد سفر الرجال.

هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، فإِنَّ عَظفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ، وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلادِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّة (1. وَإِنَّهُ لا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ، وَلَا تَصِحُ نَصِيحَتُهُمْ (2)إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دَولَتِهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ (3)، فَافُسَحْ فِي آمَالِهِمْ وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ (4)، فإِنَّ كَثرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشَّجَاعَ وَتُحَرِّضُ النَّاكل (5)، إِنْ شَاءَ اللّه. ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا أَبْلَى، وَلَا تُضِيفَنَّ بَلَاءَ امْرِي إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلائِهِ (6)، وَلَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِي إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً، وَلَا ضَعَةُ امْرِي إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً. وَارْدُدْ إِلَى اللّه وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ)


1) (وإن أفضل قرة عين الولاة) الموجب لفرحهم واطمئنانهم الذي هو سبب استقرار العين وعدم اضطرابها (استقامة العدل في البلاد) بأن يأمن كل إنسان لعدالة الحكومة وعدم تعدي الرعية بعضهم على بعض. (وظهور مودة الرعية) أي حبهم للدولة.

2) (وإنه لا تظهر مودتهم) وحبهم للولاة (إلا بسلامة صدورهم) بسبب العدل الحاصل في البلاد (ولا تصح نصيحتهم) أي لا ينصحون للوالي نصيحة صحيحة.

3) (إلا بحيطتهم) أي احتياطهم وحفظهم (على ولاة الأمور) أي حب الرعية لبقاء الولاة، وأخذهم التدبير لعدم ظهور ثورة عليهم (وقلة استثقال دولتهم) بأن لا يستثقل الرعية الدولة ويروها ثقيلة عليهم يرجون زوالها (وترك استبطاء انقطاع مدتهم) بأن يعدون زمن دولتهم قصيراً ويريدون لها الطول، فلا يرون أن انقطاع مدتهم قد طال فيستبطؤه.

4) (فافسح) أي وسع (في آمالهم) أي آمال الرعية وذلك بتوسيع الأمن وتشجيع الزراعة والصناعة وما أشبه ذلك. (وواصل في حسن الثناء عليهم) بأن تثني عليهم دائماً، بما يستحقون من الثناء والإطراء (وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم) بأن تعد صنائع أعمال الذين قاموا بالأعمال العظيمة فإِنَّ ذلك يشجع الناس على الإقدام.

5) (تهز الشجاع) أي تحركه للإقدام (وتحرض) أي تحث (الناكل) أي المتأخر المتقاعد، ليتقدم ويعمل.

6) (ثم اعرف لكل امرئ ما أبلي) من البلاء بمعنى الامتحان، أي بما عمل من الصنائع الجليلة (ولا تضيفن بلاء أمرئ) أي لا تنسبن أعمال شخص ما (ولا تقصرن به دون غاية بلائه) أي لا تعطه من الجزاء أقل من استحقاقه.

الأمور (1، فَقَدْ قَالَ اللّه تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّه وَالرَّسُولِ) (2)فَالرَّدُّ إِلَى اللّه : الْأَخْذُ بِمُحْكَم كِتَابِهِ وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ : الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ. ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكُم بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بهِ الْأُمُورُ، وَلَا تُمَحْكُهُ الْخُصُومُ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ (3)وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ، وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهُم دُونَ أَقْصَاهُ (4)، وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلُّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ(5)، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشْفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحَ الْحُكْمِ مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ (6)إِطْرَاءٌ، وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولئِكَ قَلِيلٌ. ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ، وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَدْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ (7)، وَنَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ)


1) (ما يضلعك) أي يشكل عليك (من الخطوب) أي الأمور العظيمة في السلم والحرب وما أشبه. (و) ما (يشتبه عليك من الأمور) فلا تدري ماذا تصنع.

2) سورة النساء الآية: 59.

3) (ممن لا تضيق به الأمور) فيضجر من القضايا والأحكام (ولا تمحكه) أي لا تغضبه (الخصوم) أي المترافعون (ولا يتمادى) أي لا يستمر (في الزلة) أي السقطة في الخطأ.

4) (ولا يحصر) أي لا يضيق صدره (من الفيء إلى الحق) أي الرجوع إليه (ولا تشرف نفسه على طمع) فيترك الحق لطمع رشوة أو جاه أو ما أشبه (ولا يكتفي بأدنى فهم) للأحكام والقضايا (دون أقصاه) بالتأمل والغور والتحقيق.

5) (وأوقفهم) أي أكثرهم وقوفاً (في الشبهات) أي الأحكام والقضايا المشتبهة (وأخذهم بالحجج) أي أكثرهم اعتناء وأخذاً بالأدلة التي يأتي بها الخصوم لدى المحاكمة (وأقلهم تبرما) ضجراً (بمراجعة الخصم) فإذا أكثر الخصم من مراجعته لا يتبرم ولا يضجر.

6) (وأصبرهم على تكشف الأمور) فلا يعجل في الحكم، بل يلطف ويصبر حتى يظهر الأمر الذي يريد أن يحكم فيه (وأصر مهم) أي أكثرهم قطعاً للخصومة وبياناً لمر الحق (ممن لا يزدهيه) أي لا يستخفه فرحاً.

7) (ثم أكثر تعاهد قضائه) أي تتبعه في أحكامه حتى يعرف أنك مراقب عليه (وافسح له في البذل) أي وسع عليه في الإعطاء (ما يزيل علته) أي حاجته حتى لا ينظر إلى أموال الناس، ولا يحتاج إلى الرشوة وما أشبه.

الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ (1عِنْدَكَ، فانظُرْ فِي ذلِكَ نَظراً بليغاً، فإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا (2). ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً، وَلَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةٌ وَأَثَرَةٌ، فإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ (3)، وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَيَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقَدَمِ فِي الْإِسْلامِ (4)الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلَاقاً، وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً، وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَر (5). ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، فإنَّ ذلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاح أَنْفُسِهِمْ، وَغِنّى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا (6)أَمَانَتَكَ، ثُمَّ تَفَقَدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ)


1) (وأعطه من المنزلة لديك) بأن تعظمه وتوقره (ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك) حتى يكون مهيباً عند الناس وينفذ حكمه فوراً (ليأمن بذلك) الذي أعطيته من المنزلة (اغتيال الرجال له) أي وشايتهم له.

2) (نظراً بليغاً) بالاهتمام بما ذكرت (كان أسيراً في أيدي الأشرار) في زمن عثمان حيث كان الولاة والحكام يعملون بالأهواء (يعمل فيه بالهوى) والميول النفسية (وتطلب به الدني)ا لا الآخرة.

3) (فاستعملهم اختباراً) أي بعد الاختبار والامتحان (ولا تولهم محاباة وأثرة) المحاباة الإعطاء مجاناً والأثرة الإعطاء ترجيحاً لأحد على أحد بدون رجحان (فإنهم جماع) أي مجمع (من شعب الجور والخيانة) فإذا لم يمتحن وأنيط به العمل وكان غير نقي الباطن تناول أنواع الظلم والخيانة بالأمة.

4) (وتوخ) أي تحر واطلب (أهل التجربة) الذين جربوا الأمور فعرفوها (والحياء) فإنَّ الحيي يستحي من الظلم والخيانة وما أشبه (من أهل البيوتات الصالحة) المعروفة بالصلاح (والقدم في الإسلام) أي من له خطوة سابقة على غيره في الخدمة بالإسلام.

5) (فإنهم أكرم أخلاقاً) لتربية الإسلام لهم (وأصح أعراضاً) لم يختلط عرضهم بما لا يعرف كما هو كذلك بالنسبة إلى غير أهل البيوتات (واقل في المطامع إشرافاً) لأن حياءهم وتجربتهم يوجبان التنزه عن المطامع (وأبلغ في عواقب الأمور نظراً) لما عركتهم التجارب وعرفوا الأمثال والتقلبات.

6) (ثم أسبغ) أي أوسع (قوة لهم على استصلاح أنفسهم) من صلح حاله لا يفكر الا في عمله (وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم) فلا يظلمون الناس بأخذ أموالهم، ولا بيت المال بأكل ما فيه من حقوق المسلمين (أو ثلموا) أي خانوا.

لَهُمْ (1عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ. وَتَحَفَّظَ مِنَ الْأَعْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ، اكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً (2)، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ، وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيانَةِ، وقَلَّدْتَهُ عَارَ التَّهَمَةِ(3). وتَفَقَدْ أَمْرَ الْخَرَاج بِما يُصْلِحُ أهله، فإِنَّ فِي صلاحِهِ وصلاحهم صلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ، لأَنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاج وَأَهْلِهِ (4). وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَراجِ، لأَنَّ ذلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ (5)، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلاً (6). فإِنْ شَكَوْا)


1) (ثم تفقد أعمالهم) وافحص عنها هل يقومون بالواجب عليهم أم لا ؟ (وابعث العيون) أي الجواسيس (من أهل الصدق والوفاء عليهم) إما كونه صادقاً لئلا يكذب عليك، وأما كونه وفياً ليفي بما أمرته (فإن تعاهدك في السر) والخفية (لأمورهم) أي أمور العمال (حدوة لهم) أي سوق وحث لهم.

2) (وتحفظ من الأعوان) أي احفظ مثل هؤلاء الأعوان الذين هم عيونك على العمال (بسط يده إلى خيانة) بالنسبة إلى الدولة أو الأمة (اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك) بأن أجمع جميع عيونك على أنه خان تلك الخيانة (اكتفيت بذلك شاهداً) على ذلك العامل.

3) (فبسطت عليه العقوبة في بدنه) بالحد والتعزير (وأخذته) أي عاقبته (ثم نصبته بمقام المذلة) بأن أذللته أمام الناس (ووسمته بالخيانة) أي علمته عند الناس بأنه خائن (وقلدته عار التهمة) بأنه متهم كأنها قلادة في عنقه.

4) (وتفقد أمر الخراج) أي افحص عنه (بما يصلح أهله) أي الذين يدفعون الخراج فاصلح أمرهم حتى يتمكنوا من إعطائه إعطاء حسناً (صلاحاً لمن سواهم) من الطبقات إذ أنهم يتوقفون على الأموال فإذا تحسنت أموال الدولة تحسنت أمور الناس (لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله) إذ لا تنتظم أمور الناس إلّا بقوة الدولة والدولة لا تقوى إلا بالمال.

5) (في عمارة الأرض) بالزرع والضرع والبناء وما أشبه (في استجلاب الخراج) أي في جلبه وجمعه من الناس (لا يدرك إلّا بالعمارة) إذ الأرباح تتوقف على العمران.

6) (ومن طلب الخراج بغير عمارة) سابقة للأرض (أخرب البلاد وأهلك العباد) لأنه أجبر الناس على بيع أمتعتهم وأكثر في تضعيفهم ممّا يهلكون بسببه جوعاً ومرضاً، ولا يقدرون على العمارة فلا تعمر البلاد بل تخرب (ولم يستقم أمره إلا قليلاً) إذ الناس يدفعونه حتى يسقط عن الحكم ويأتي من يقوم بشؤونهم.

ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً أَوْ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ أَوْ إِحَالَةَ أَرْضِ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ (1، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِما تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ أَمْرُهُمْ، وَلَا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَؤُونَةَ عَنْهُمْ (2)فإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ، وَتَزْيِينِ وِلَايَتِكَ، مَعَ اسْتِحْلَابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ، وَتَبَجُحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ (3)، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ (4)، وَالثَّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ فِي رِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةٌ أَنْفُسُهُمْ بِهِ(5)، فإنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا (6)، وَإِنَّما يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِسْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ)


1) (فإن شكوا ثقلاً) في كثرة الخراج (أو علة) كالجراد (أو انقطاع شرب) هو الماء الذي يأتي في النهر (أو بالة) أي ما يبل الأرض من المطر فيما يسقى بالمطر (أو إحالة أرض) لما فيها من البذر والزرع إلى الفساد (اغتمرها) أي عمها (أو أجحف بها عطش) بأن قل ماؤها فلم تأت بالزرع الكافي.

2) (ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم) بان تعد الذين لم تأخذ عنهم من المال المقدر عليهم بعنوان الخراج ثقيلاً على نفسك، لأنه أوجب تنقيص أموال الدولة.

3) (فإنه ذخر) لك عندهم (يعودون به عليك في عمارة بلادك) فإنَّ عمارة البلاد يعود إلى الوالي خيرها (وتزيين ولايتك) بالزرع والعمارة (مع استجلابك حسن ثنائهم) فإنَّهم يمدحونك بتخفيفك الخراج عليهم (وتبجحك) أي سرورك (باستفاضة العدل فيهم) أي بأن سببت إفاضة العدل وتكثيره بالنسبة إليهم.

4) (معتمداً فضل قوتهم) أي أنك تعتمد وتستند إلى قوتهم المالية وولائهم للدولة (بما ذخرت عندهم من إجمامك) أي إراحتك (لهم) بعد أخذك الزائد.

5) (فربما حدث من الأمور) التي تحتاج فيها إلى مالهم ورجالهم كالحرب الفجائية، أو ما أشبه (ما إذا عولت) اعتمدت (عليهم من بعد) أي بعد تخفيف الخراج عليهم (احتملوه) قبلوه طيبة أنفسهم به أي بكل طيب نفس.

6) (فإن العمران محتمل ما حملته) أي إذا كانت العمارة قائمة والزرع نامياً، فكلما حملت أهلها من الخراج سهل عليهم، لأنهم يحصلون الأرباح فيدفعون بعضها إلى الدولة (وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها) فإنَّهم إذا افتقروا لم يتمكنوا من العمارة فتخرب الأرض، وكيف يريد الوالي منهم الخراج حال أنهم محتاجون؟

وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ (1، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ. ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ فَوَل عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، واخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحٍ الْأَخْلَاقِ (2)مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ، فَيَجْتَرِى بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلَافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَإٍ وَلَا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ (3)، وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ، فِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ (4)، وَلَا يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ، وَلَا يَعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ (5)، وَلَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ (6)، فإنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ ثُمَّ لَا يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فَرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ (7)وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فإنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّفُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلَاةِ)


1) (وإنما يعوز أهلها) أي يفتقر أهل الأرض الخراجية (لإشراف أنفس الولاة على الجمع) للمال (وسوء ظنهم بالبقاء) لاحتمالهم أنهم يعزلون عن قريب، ولذا يدخرون المال حتى يكون لهم شيء يعيشون به إذا عزلوا.

2) (ثم انظر في حال كتابك) الذين يكتبون أمور الدولة (واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك) جمع مكيدة، وهي معالجة المشاكل الحربية والدولية وما أشبه (وأسرارك) المالية وما أشبه (بأجمعهم) متعلق باخصص (لوجوه صالح الأخلاق) أي أفضل الكتاب صفاةً وأخلاقاً.

3) (ممن لا تبطره) أي لا تطغيه (الكرامة) التي ترى منك (فيجترئ بها عليك في خلاف لك) بأن يجترئ فيخالفك في قول أو فعل (بحضرة ملأ) أي بمحضر من الناس، ممّا يوجب سقوط هيبتك (ولا تقصر به الغفلة) أي لا توجب غفلته عن أعمالك حتى يقصر في أمرك (عن إيراد مكاتبات عمالك عليك) أي في اطلاعك على ما كتب العمال إليك.

4) (فيما يأخذ لك ويعطي منك) هذا بيان لوجه الصواب فإنَّ الكاتب يلزم أن يعرف ماذا ينبغي أن يأخذ من العامل للوالي، وماذا ينبغي أن يعطي من طرف الوالي للعامل في كتابة الرسالة.

5) (ولا يضعف عقداً اعتقده لك) بأن يعتقد لك عقداً يكون قليل الفائدة للوالي وضعيف الشروط والبنود. (ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك) أي إذا أوقعت معاقدة مع أحد كانت ضارة عليك، يعرف الكاتب وجوه حل تلك المعاقدة بالطرق الشرعية حتى تتخلص من هذه المشكلة.

6) (ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور) بأن يكون عارفاً بمقدار نفسه، فلا يرفع بها فوق مستواها فيتدخل في أمور ليس من شأنه، ولا ينزل بها أقل من رتبتها فيحتشم من أمور يلزمه التدخل فيها.

7) (ثم لا يكن اختيارك إياهم) أي للكتاب (على فراستك) أي قوة ظنك وحسن نظرك (واستنامتك) أي ثقتك وسكونك بالأشخاص، بأن يكون الاختيار تابعاً لميلك الخاص بدون المشاورة، أخذ الآراء والاختبار.

بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ (1، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْأَمَانَةِ شَيْءٌ. وَلكِنِ اخْتَبِرُهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدُ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وَأَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهَا (2)فإِنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ للّه وَلِمَنْ ولِّيتَ أَمْرَهُ، وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ، لَا يَفْهَرُهُ كَبِيرُهَا، وَلَا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا (3)، وَمَهُمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْه أَلْزِمْتَهُ (4). ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتَّجَارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً : الْمُقِيمِ مِنْهُمْ والْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَالْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ(5)فَإِنَّهُمْ مَوَادُ الْمَنَافِعِ وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ وَجُلابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالْمَطَارح (6)، فِي بَرْكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لا يَلْتَهِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا وَلَا يَجْتَرئُونَ عَلَيْهَا،)


1) (فإن الرجال) الذين يريدون الحظوة عند الدولة (يتعرفون لفراسات الولاة) أي يتوسلون لأن يوقعوا أنفسهم عند حسن ظن الولاة، حتى يناط بهم أمر، ويقضى لهم حاجة، ولذا يلزم على الوالي أن لا يعتمد على فراسته (بتصنعهم) أي بصنعهم الحسن (وحسن خدمتهم) للولاة في ابتداء الأمر.

2) (ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك) فمن أحسن في عمله سابقاً يستخدم، ومن لم يعمل يترك (فاعمد لأحسنهم - كان - في العامة أثراً) بأن رضيت عنه عامة الناس وأعرفهم بالأمانة وجهاً بأن عرف الناس وجهه بالأمانة في الأمور.

3) (واجعل لرأس) أي لرئاسة (كل أمر من أمورك رأساً منهم) أي رئيساً من الكتاب، فللخراج كاتب وللجند كاتب، وللعمال كاتب (لا يقهره كبيرها) أي لا يسبب غضبه كبير الأمور الملقاة على عاتقه (ولا يتشتت عليه كثيرها) أي يكون قادراً على ضبط الكثير من الكتابات والأعمال، فلا يتفرق عليه بحيث لا يعلم بعضها ويفوته.

4) (ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه) أي تغافلت (الزمته) أي الزمك الناس بذلك العيب، والصق العيب إليك فإنَّ الناس يقولون إنه من عيب الوالي، وإلا أصلح الكاتب.

5) (ثم استوص بالتجار) أي أوصهم بحسن العمل (وذوي الصناعات) من الكسبة (وأوص) الناس (بهم) أي بالتجار وذوي الصناعات (المقيم منهم) في البلد (والمضطرب بماله) الذي يتردد بين البلدان للاتجار (والمتفرق ببدنه) أي صاحب الصنعة الذي يزاول الصنعة كالنجار والحداد.

6) (فإنهم مواد المنافع) إذ المنافع تأتي منهم (وأسباب المرافق) أي الحاجات، فإنَّهم يطلبون الحاجات للناس، ويصنعون الصنائع المحتاج إليها (وجلابها) الذين يجلبونها (من المباعد) أي الأماكن البعيدة (والمطارح) أي أماكن السقوط والطرح، كالجبال وسائر المحلات التي يطرح فيها تلك الحاجيات.

فإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَا تُخَافُ بَائِقَتُهُ، وَصُلْحٌ لَا تُخْشَى غَائِلَتُهُ(1. وَتَفَقَدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بِلَادِكَ. وَاعْلَمْ - مَعَ ذلِكَ - أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشَاً، وَشُحاً قَبِيحاً، وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ، وَتَحَكُما فِي الْبِيَاعَاتِ(2)، وَذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلَاةِ. فَامْنَعْ مِنَ الاحْتِكَارِ (3)، فإِنَّ رَسُولَ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - مَنَعَ مِنْهُ وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً : بِمَوَازِينِ عَدْلٍ، وَأَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ (4)بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ، فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةٌ بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكَّلْ بِهِ، وَعَاقِبُهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ (5). ثُمَّ اللّه اللّه فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى، فإنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً (6)، وَاحْفَظُ للّه مَا)


1) (وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها) أي لا يتمكن الناس أن يبقوا في تلك الأماكن لصعوبة البقاء هناك، كالجزر وما إليها (ولا يجترئون عليها) لأنها موضع الخوف أو ما أشبه (فإنهم سلم) أي مسالمون لا تخاف بائقته أي داهيته وإضراره، إذ التجار لا يحاربون الدولة ولا يثورون عليها. (وصلح) أي مصالحون (لا تخشى غائلته) أي ضرره وعصيانه.

2) (وتفقد أمورهم) أي ابحث عن أحوال التجار (بحضرتك) أي الذين هم في بلدك (وفي حواشي بلادك) أي من كان منهم في أطراف البلاد واعلم أن في كثير منهم ضيقاً في الخلق والمعاملة (فاحشاً) أي كثيراً (وشحاً قبيحاً) أي بخلاً موجباً لقبح صاحبه لكثرة البخل (واحتكاراً للمنافع) أي حبساً لها عن الناس رجاء الزيادة في السعر والغلاء (وتحكماً) أي حكماً بالجور (في البياعات) أي المبايعات إذ يجعلون عليها أثماناً غالية.

3) (باب مضرة للعامة) أي عامة الناس لما يلحقهم من الأذى من جهة هذه الأعمال (وعيب على الولاة) لدلالة ذلك على ضعفهم (فامنع من الاحتكار) بأن تأمر التجار بعدم حفظ ما يحتاج إليه الناس.

4) (بيعاً سمحاً) ليسامح ويسهل فيه (بموازين عدل) لا نقص فيها كما قد يكون ذلك عند بعض الكسبة. (وأسعار) جمع سعر، بمعنى الثمن (لا تجحف) أي لا تضر.

5) (فمن قارف) أي ارتكب (حكرة) أي احتكاراً (فنكل به) أي أوقع به النكال والعذاب (وعاقبه في غير إسراف) بأن لا تكثر من العقوبة، وإنما بمقدار الاستحقاق.

6) (في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم) أي لا علاج لهم في إدارة أمورهم (أهل البؤسى) بمعنى شدة الفقر من البؤس (الزمني) جمع زمين وهو المصاب بالزمانة، أي العاهة والمرض المانعان عن الاكتساب (قانعاً) بمعنى: السائل من قنع بمعنى سأل (ومعتراً) أي متعرضاً للعطاء بلا سؤال.

اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وَقِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِي الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ (1، فإِنَّ لِلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلْأدْنَى. وَكُلٌّ قَدِ اسْتَرْعِيتَ حَقَّهُ، فَلَا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ (2)، فإِنَّكَ لَا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِكَ التَّافِه لإحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ (3). فَلَا تُشْخِصٌ هَمَّكَ عَنْهُمْ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ (4)، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ (5)، فَفَرِّغْ لِأُولئِكَ ثِقَتَكَ (6)مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُعِ، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ، ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللّه يَوْمَ تَلْقَاهُ (7)، فإِنَّ هؤلَاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللّه فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ (8). وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُثْمِ وَذَوِي الرِّقَةِ فِي السِّنِّ)


1) (واحفظ اللّه ما استحفظك) أي طلب سبحانه منك الحفظ (من حقه فيهم) أي في أهل المسكنة والحفظ بإدارة شؤونهم وتفقد أحوالهم والقيام بحوائجهم (وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد) غلات جمع غلة، وهي الثمرة كالحنطة والشعير وصوافي الإسلام جمع صافية وهي أرض الغنيمة التي اغتنمها المسلمون باسم الإسلام، ومعنى في كل بلد، توصية العمال بإعطائهم في سائر البلاد.

2) (فإن للأقصى منهم) أي الأبعد من الفقراء والمساكين الذين في سائر البلاد (مثل الذي للأدنى) أي للأقرب إليك الذي في بلدك (وكل قد استرعيت حقه) أي طلب سبحانه منك أن ترعى حقهم قريباً كان أم بعيداً (فلا يشغلنك عنهم بطر) أي طغيان الملك والنعمة.

3) (فإنك لا تعذر) أي لا يقبل اللّه ولا الناس عذرك (بتضييعك التافه) أي بعدم اعتنائك بالشيء القليل من الأمور (لإحكامك الكثير المهم) فإنَّ الإنسان مسؤول عن التافه كما هو مسؤول عن الكثير فاللازم مراعاة الأمرين.

4) (فلا تشخص همك) أي لا تصرف اهتمامك (عنهم) أي: عن ملاحظة شؤون الفقراء والمساكين (ولا تصعر) أي لا تمل (خدك لهم) كما يفعل المتكبرون.

5) (وتفقد) أي ابحث عن (أمور من لا يصل إليك منهم) أي من الفقراء (ممن تقتحمه العيون) أي تنظر إليه باحتقار (وتحقره الرجال) لعدم أهميته ورثاثة أثوابه.

6) (ففرغ لأولئك ثقتك) أي الموثقين من أصحابك، ليفحصوا عن شؤونهم وخصوصياتهم.

7) (فليرفع إليك أمورهم) أي أمور الفقراء (ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى اللّه) أي بما يقدم لك عذراً عنده سبحانه (يوم تلقاه) بعد الموت، حتى لا يقول لك: لماذا ضيعت الفقراء.

8) (وكل فاعذر إلى اللّه) أي انت بما يعذرك عند اللّه (في تأدية حقه إليه) أي بإعطائك له حقه الذي أوجبه سبحانه عليك.

مِمَّنْ لَا حِيلَةَ لَهُ، وَلَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ (1، وَذلِكَ عَلَى الْمُلَاةِ ثَقِيل، وَالْحَقُ كُلُّهُ ثَقِيل (2)، وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللّه عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللّه لَهُمْ (3). واجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً (4)تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عاماً فَتَتَواضَعُ فِيهِ للّه الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ، حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِع (5)، فإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ: (لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقَّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتتَعْتِع) (6). ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَالْعِيَّ، وَنَحِّ عَنْهُمُ الضّيقَ وَالْأَنفَ يَبْسُطِ اللّه عَلَيْكَ بِذلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ (7)، ويُوجِبُ لَكَ ثَوابَ طَاعَتِهِ. وَأَعْطِ مَا)


1) (وتعهد أهل اليتم) أي الأيتام (وذوي الرقة في السن) أي المتقدمون في العمر الذي رق عظمهم وحالهم (ممن لا حيلة له) أي لا علاج له في إنجاز أموره (ولا ينصب للمسألة نفسه) أي لا يقوم بنفسه للسؤال.

2) (وذلك على الولاة ثقيل) لكثرة أشغالهم وعدم رجاء فائدة من وراء هؤلاء الفقراء (والحق كله ثقيل) إذ الإنسان يريد أن لا يكون مقيداً، بل يعمل كيف يشاء يكذب ويخون ويتبع الشهوات المحرمة وهكذا.

3) (وقد يخففه اللّه) أي يجعل الحق على أنفسهم خفيفاً غير ثقيل (على أقوام طلبوا العاقبة) المحمودة في الآخرة (فصبروا أنفسهم) عن اقتراف الآثام (ووثقوا بصدق موعود اللّه لهم) أي ما وعده سبحانه من الجنان والثواب.

4) (واجعل) يا مالك (لذوي الحاجات منك) الذين يحتاجون إليك لحل قصة، أو طلب شيء أو رفع ظلامة أو ما أشبه من نفسك (قسماً) بأن تجعل بعض أوقاتك لهم.

5) (مجلساً عاماً) يحضره عموم الناس المحتاجين (وتقعد عنهم جندك وأعوانك) بأن تأمرهم أن لا يتعرضوا لهم بالمنع أو الأذى (من أحراسك) جمع حرس بمعنى الحافظ (وشرطك) جمع شرطة (حتى يكلمك متكلمهم) أي من يريد الكلام من ذوي الحاجات (غير متتعتع) التعتعة في الكلام التردد فيه من عجز والمراد غير خائف.

6) (في غير موطن) واحد، بل في مواطن ومواضع عديدة (لن تقدس) أي لن تطهر من الرذائل (أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع) أي في حال كون الأخذ بغير تعتعة بل بكل جرأة.

7) (ثم احتمل) أي تحمل (الخرق) أي العنف في الكلام (والعي) أي العجز عن الإفصاح بحاجتهم، والمراد عدم الضجر بذلك (ونح عنهم الضيق) أي لا تضيق خلقك (والأنف) أي الاستنكاف فلا تأنف للتكلم معهم (أكناف رحمته) أي أطرافها.

أَعْطَيْتَ هَنِيئاً وَامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ (1وَإِعْذَارٍ، ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا : مَنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُتّابُكَ، وَمِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ يَوْمَ وُرُودِهَا عَلَيْكَ بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ (2). وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ، فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ. وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ (3)فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللّه أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ وَأَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا للّه إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النِّيَّةُ، وَسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ. وَلْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ بِهِ للّه دِينَكَ : إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ خَاصَّةً (4)، فَأَعْطِ اللّه مِنْ بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ، وَوَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللّه مِنْ ذلِكَ كَامِلاً غَيْرَ مَثْلُومٍ وَلَا مَنْقُوصٍ، بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ (5)، وَإِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ لِلنَّاسِ فَلَا تَكُونَنَّ مُنَفِّراً وَلَا مُضَيِّعاً فإنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّه ولَهُ الْحَاجَةُ (6)، وقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللّه – (صلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - حِينَ وَجْهَنِي إِلَى الْيَمَنِ كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ؟ فَقَالَ : (صَلِّ بِهِمْ كَصَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ)


1) (وأعط ما أعطيت هنيئاً) لا بأن تمن أو تعنف في الإعطاء حتى تكون العطية ثقيلة على الأخذ غير هنيء لديه (وامنع في إجمال) أي في منع جميل.

2) (من مباشرتها) أي معالجتها بنفسك (بما يعيا) يعجز (ومنها إصدار حاجات الناس) أي إعطائهم حاجاتهم (يوم ورودها عليك) بأن تعجل في الإعطاء (بما تحرج به صدور أعوانك) أي تضيق صدورهم عن القضاء السريع، وإنما يريدون المماطلة إما إظهاراً للكبرياء، أو تعاجزاً عن التعجيل، أو ما أشبه ذلك.

3) (وامض لكل يوم عمله) أي نفذ في كل يوم عمله المربوط به ولا تؤخر العمل (فإن لكل يوم ما فيه) من الأعمال واجعل لنفسك) في العبادة والضراعة.

4) (وأجزل) أي أحسن وأعظم (وسلمت منها الرعية) بأن عمل الوالي لأجل سلامة المسلمين (التي هي له خاصة) وليست مربوطة بشؤون الرعية.

5) (فأعط اللّه من بدنك) أي بعض بدنك (في ليلك ونهارك) بإقامة الصلاة وما أشبه (غير مثلوم) أي غير مخدوش بشيء من الموانع (ولا منقوص) بمثل الرياء والعجب (بالغا من بدنك ما بلغ) أي وإن بلغ تعب بدنك في سبيل الإتيان بالفرائض مبلغاً عظيماً.

6) (فلا تكونن منفراً) أي موجباً لنفرة الناس وفرارهم بتطويلك للصلاة (ولا مضيعاً) للصلاة بالنقص في الأركان والشرائط (من به العلة) أي المرض الذي لا يتمكن من الطول (وله الحاجة) التي تفوت إذا طول صلاته.

وَكُنْ بِالْمُؤْمِنِين رَحِيماً وَأَمَّا بَعْدُ فَلَا تُطَوّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوَلَاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضَّيقِ، وَقِلَّهُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ، وَالِاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ، وَيَعْظُمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ (1). وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لَا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ (2)، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ : إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ، أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ! أَوْ مُبْتَلَى بِالْمَنْعِ (3)، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَبِسُوا مِنْ بَذْلِكَ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ ممّا لَا مَؤُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ مِنْ شَكَاةٍ مَظْلِمَةٍ (4)، أَوْ طَلَبِ إِنْصافِ فِي مُعَامِلَةٍ. ثُمَّ إِنَّ لِلْوالِي خَاصَّةً وبِطَانَةٌ، فِيهِمُ اسْتِتَثَارٌ وتَطَاوُلٌ (5)، وقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامِلَةٍ، فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ)


1) (شعبة من الضيق) أي ضيق صدر الوالي من حوائج الناس (وقلة علم بالأمور) لأنه لو علم الأمور كما ينبغي قضى البعض الممكن، واعتذر اعتذاراً مقنعاً عما لا يمكن (يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه) أي جعلوا لأنفسهم حجاباً دون ذلك الأمر، حين لم يعرفوا الأمر المحجوب عنه (ويشاب الحق بالباطل) أي يخلط بينهما.

2) (لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور) أي ما أخفى الناس عنه (وليست على الحق سمات) أي ليس للحق علامات ظاهرة حتى يعرف الوالي الحق من الباطل بواسطة تلك العلامة حتى (ضروب الصدق من الكذب) أي أقسام الصدق.

3) (أحد رجلين إما امرؤ سخت نفسك بالبذل) لنفسك ومالك (في الحق) وحوائج الناس (ففيم احتجابك) أي لماذا تحتجب عنهم؟ (من واجب حق تعطيه) أي هل تريد الفرار من حق واجب؟ (أو فعل كريم تسديه) أي عمل تقوم به في قضاء حوائج الناس؟ (أو مبتلى بالمنع)؟ تمنع الناس حوائجهم وحينئذ لا احتياج إلى الاحتجاب.

4) (فما أسرع كف الناس عن مسألتك) أي أنهم يكفون عن سؤالك فوراً (ممّا لا مؤونة فيه عليك) أي لا كلفة ولا صعوبة لأنها أمور ضئيلة تافهة (من شكاة مظلمة) أي شكاية عن ظلم.

5) (ثم إن للوالي خاصة وبطانة) البطانة ضد الظهارة - في الثياب - والمراد هنا المقربون إلى الوالي الجلاس له (فيهم استئثار) أي حب لجمع الأموال والوجاهات لأنفسهم (وتطاول) أي ترفع على الناس بالجبروت.

تِلْكَ الْأَحْوالِ (1، وَلَا تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وَحَامَّتِكَ قَطِيعةً (2)، ولا يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ، فِي شِرْبٍ (3)أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ، يَحْمِلُونَ مَؤُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذلِكَ لَهُمْ دُونَكَ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (4). وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ (5)، وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يثنْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ (6)، فإِنَّ مَغَبَّةَ ذلِكَ مَحْمُودَةٌ. وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذرِكَ، وَاعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ، فإِنَّ فِي ذلِكَ رِيَاضَةٌ مِنْكَ لِنَفْسِكَ (7)، وَرِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ، وَإِعْذَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى)


1) (فاحسم) أي اقطع (مادة أولئك) البطانة (بقطع أسباب تلك الأحوال) أي قطع أسباب تعديهم بأن لا تعطهم المجال للاستثثار والتطاول.

2) (ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وحامتك) الحامة كطامة الخاصة والقرابة (قطيعة) هي الأرض التي يمنحها الخليفة أو الوالي لأحد والمصدر الإقطاع.

3) (ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة) أي في اقتناء ضيعة، فإنَّ العقدة بمعنى الضيعة (تضر بمن يليها من الناس) إذا كانت بيد حاشيتك (في شرب) أي النصيب من الماء بأن يأخذ الماء بنفسه، فيضر ذلك بأراضي المجاورين.

4) (أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم) مثلا يحتاج النهر إلى الكرى، فإذا أعطيت الضيعة للحاشية، حملوا مؤونة الكرى على المشترك وهكذا فيكون (مهنا أي المنفعة الهنيئة لهم دونك) إذ لا تنتفع أنت بتلك الضيعة أو العقدة وعيبه عليك في الدنيا بذم الناس لك (والآخرة) بإثم أعمال الحاشية وأنت قادر على منعهم.

5) (والزم الحق من لزمه) أي من لزم عليه الحق، فإذا كان الحق يرى لزوم أحد، فألزمه كما يأمر الحق (وكن في ذلك صابراً) متحملاً للأذى الذي يتولد منه (محتسباً) أي تحسب ذلك عند اللّه سبحانه، بأن يكون إلزامك وصبرك له سبحانه واقعاً ذلك من قرابتك أي اقوامك (وخاصتك) أي حواشيك (حيث وقع) أي ولو كان في غاية الثقل عليهم.

6) (وابتغ) أي اطلب (عاقبته) أي عاقبة إلزام الحق (بما يثقل عليك منه) أي من الحق، فإنَّه في بعض الأحيان يلزم العمل بالحق ثقلاً كبيراً على الإنسان، لكن هذا الثقل يثمر عاقبة حسنة.

7) (فإن مغبة ذلك) أي عاقبة (محمودة) في الدنيا يحسن ثناء الناس وفي الآخرة بالأجر والثواب (وإن ظنت الرعية بك حيفا) أي ظلماً بالنسبة إليهم بأن ظنوا أنك قصرت في أموالهم أو في إرادتهم أو ما أشبه (فأصحر لهم) أي أظهر (بعذرك) أي بين وجه ذلك العمل، إن أتيته أو بين أنه افتراء عليك إن لم تأته (واعدل) أي اصرف (بإصحارك) أي بإظهارك الحق (رياضة منك لنفسك) أي تعويداً لنفسك على العدل، وإرغاماً لكبرك على الخضوع.

الْحَقِّ (1. وَلَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَالهِ فِيهِ رِضَى، فإنَّ فِي الصُّلْح دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْناً لبِلادِكَ (2)، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عِدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ (3)، فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَاتَّهِم فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ. وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوّكَ عُقْدَةٌ، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً (4)، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالْأَمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ فإنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللّه شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً، مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشَتَّتِ آرَائِهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ. وَقَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ. لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ (5)، فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلَا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ وَلَا تَخْتِلَنَّ (6)عَدُوّكَ، فإنَّهُ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى اللّه إِلَّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ. وَقَدْ جَعَلَ اللّه عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ، وَيَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ (7)فَلَا إِدْغَالَ وَلَا مُدَالَسَةَ)


1) (ورفقاً برعيتك) لأن مثل هذا العمل يوجب الرفق واللين بالنسبة إلى الرعية (وإعذاراً) أي إظهاراً للعذر (حاجتك من تقويمهم على الحق) فإنَّ من يحضر لإبداء عذره لا يجوز عن باطل غيره، وإذا عرف الناس منه ذلك، استقاموا على الحق في أمورهم.

2) (فإن في الصلح دعة) أي راحة (لجنودك وراحة من همومك) فإنَّ المحارب يتحمل هموماً جمة بخلاف المصالح (وأمناً لبلادك) لأن الناس في أيام السلم يأمنون ويعملون بكل راحة لترقية البلاد.

3) (الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلح)ه معك فلا تغفل منه طرفة عين، ولا تتساهل في العدة والعدة والتهيؤ اعتماداً على الصلح (ربما قارب) أي تقرب منك بالصلح (ليتغفل) أي ليغفلك فيغدرك فجأة في حال الغفلة منك.

4) (فخذ بالحزم) أي ملاحظة الأمور والحيطة لها (واتهم في ذلك) الحزم (حسن الظن) فلا تحسن ظنك بالعدو مهما كان ظاهر الصدق. (وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة) أي معاهدة (أو ألبسته منك ذمة) بأن يكون في ذمامك وأمنك، والأول للمكافئ، والثاني للعدو الضعيف.

5) (فحط) أي احفظ (وارع ذمتك بالأمانة) أي كن أميناً في ذمتك فلا تخن الذمام (واجعل نفسك جنة) أي وقاية (دون ما أعطيت) أي حافظ على العهد بنفسك حتى إذا وجه إليك سهم الانتقاد فاقبله ولا تخن (لما استوبلوا من عواقب الغدر) أي لأنهم وجدوا عواقب الغدر وبيلة مهلكة.

6) (فلا تغدرن بذمتك ولا تخيسن) أي لا تخونن (بعهدك) الذي عاهدت (ولا تختلن) الختل الخداع.

7) (وقد جعل اللّه عهده وذمته) أي العهد الذي أوجده بين الناس والذمة التي جعلها وديعة عند كل أحد (أمنا) أي لأجل أمن بعض من بعض (أفضاه) أي أفشاه وجعله (حريما) أي شيئا حرام خلافه (يسكنون) أي يطمئن الناس (إلى منعته) أي ما له من قوة يلتجئ الناس إليها (ويستفيضون) أي يفزعون بسرعة (إلى جواره) أي جوار العهد والذمة فرارا من الخوف عن الحرب وما أشبه.

ولَا خِدَاعَ فِيهِ، وَلَا تَعْقِدْ عَقْداً تُجوِّزُ فِيهِ الْعِلَلَ (1، وَلَا تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنٍ قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوثِقَةِ (2). وَلَا يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ، لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللّه، إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ (3)بِغَيْرِ الْحَقِّ فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللّه فِيهِ طِلْبَةٌ (4)، فَلَا تَسْتَقِيلَ فَيهَا دُنْيَاكَ وَلَا آخِرَتَكَ (5). إِيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْنَى لِنِقْمَةٍ، وَلَا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ، وَلَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ، وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ (6)، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقَّهَا. وَاللّه سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئُ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ، فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَا تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّ ذلِكَ ممّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، بَلْ يُزيلُهُ وَيَنقُلُهُ. وَلَا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللّه وَلَا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، لِأَنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ (7). وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطا وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ)


1) (فلا إدغال) أي إفساد ينقض العهد (ولا مدالسة) أي تدليس بإظهار الأمان والمباغتة بالخيانة (ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل) بأن كان العقد غير صريح في المراد، فيجوز فيه احتمالات وعلل جمع علة وهي ما يطرأ على الكلام من الاحتمالات المفسدة لاستفادة المراد منه.

2) (ولا تعولن) أي لا تعتمدن (على لحن قول) اللحن ما يقبل التوجيه كالتورية والمفهوم المخالف وما أشبه (والتوثقة) أي الوثوق بأن تريد نقض العهد فتعلل بأن العهد لم يكن صريحا وهكذا بالنسبة إلى العقد.

3) (ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللّه) بأن عاهدت مع أحد ثم رأيت ضيقا من الوفاء بالعهد (إلى طلب انفساخه) أي لا تطلب انفساخ العهد.

4) (فإن صبرك على ضيق أمر) أي أمر ضيق عليك أوجبه العهد (ترجو انفراجه) بتمام مدة العهد أو ما أشبه (وفضل عاقبته) إذ تعرف لدى الناس بأنك وفي بالعهد بالإضافة إلى مالك من الثواب الجزيل (خير من غدر) بالعهد (تخاف تبعته) أي إثمه عند الناس وعند اللّه. (وأن تحيط بك من اللّه فيه طلبة) أي مطالبته سبحانه بحقه من الوفاء.

5) (فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك) من الإقالة بمعنى طلب الفسخ والعفو أي لا تقدر بعد العذر أن تستقيل الناس بأن يعفوا عن عذرك ولا يذموك، وأن تستقيل اللّه بأن يعفو عنك ولا يعاقبك.

6) (والدماء وسفكها) أي إراقتها بقتل الناس (بغير حلها) الذي أحله اللّه سبحانه (فإنه ليس شيء أدنى) أي أقرب (ولا أعظم لتبعة) أي الإثم والعقاب (ولا أحرى) أي أجدر وأحق (بزوال نعمة) وانقطاع مدة أي مدة العمر بالموت.

7) (واللّه سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا) أي سفك بعضهم دم آخر (من الدماء يوم القيامة) فإنَّ أول شيء يحكم هناك حوله هو الدماء (لأن فيه) أي في القتل العمد (قود البدن) أي القصاص الواقع على جسم القاتل فلا يمكن صرف النظر عن القصاص.

سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبَةِ (1، فإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً (2)، فَلَا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَائِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمُ (3). وَإِيَّاكَ وَالْإعْجَابَ. بِنَفْسِكَ، وَالثَّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الإطراء (4)، فإنَّ ذلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَص الْإِطْرَاءِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ (5). وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ، أَوْ التَّزَيَّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ (6)، فإنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ وَالتَّزَيدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، وَالْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ (7)عِنْدَ اللّه وَالنَّاسِ قَالَ اللّه تَعَالَى : (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللّه أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (8). وَإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمورِ قَبْلَ أَوَانِهَا، أَوِ التَّسَقْطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا أَوْ الدَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ، أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ (9).)


1) (وأفرط عليك سوطك) بأن كنت تريد الحد أو التعزير تأديباً فسبب السوط موت المجرم (أو سيفك) كأن أردت التأديب بالسيف فقتل المجرم. (أو يدك بالعقوبة) التي تريدها بالمذنب.

2) (فإن في الوكزة) الضربة بقبضة اليد (فما فوقها) من أقسام الضرب (مقتلة) أي قتل، وهذا هي تعليل لكون السوط ونحوه قد يفرط، إذ قد يكون الشيء اليسير سبباً للقتل كما وكز موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك القبطي فقضى عليه.

3) (فلا تطمحن) أي ترتفعن (بك نخوة سلطانك) أي كبرياؤه (عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول) أي ورثته (حقهم) من دية الخطأ.

4) (وإياك والإعجاب بنفسك) بأن تحسن الظن بنفسك وأن ما عملت حسن (والثقة بما يعجبك منها) بأن تثق بالعمل الذي يسبب أن تعجب بنفسك لأنها أدت مثل ذلك العمل (وحب الإطراء) أي حب أن يثني الناس عليك ويمدحوك.

5) (من أوثق فرص الشيطان) أي أحسن فرصه التي تسبب هلاك الإنسان (في نفسه) الضمير عائد إلى الشيطان (ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين) أي ليبطله، فإنَّ الإنسان إذا عجب بنفسه بطل عمله، وكذلك من أحب الإطراء على عمله.

6) (وإياك والمن على رعيتك بإحسانك) بأن تمن عليهم إذا أحسنت إليهم (أو التزيد) أي إظهار الزيادة (فيما كان من فعلك) بأن تريد إظهار أنه فوق الذي عملت حقيقة (أو أن تعدهم) وعداً (فتتبع موعدك بخلفك) بأن تخلف وعدك.

7) (يوجب المقت) أي الغضب.

8) سورة الصف، الآية: 3.

9) (أو التسقط فيها) أي التهاون - عكس العجلة - (عند إمكانها) بأن جاء وقتها (أو اللجاجة فيها) بالإصرار لفعلها (إذا تذكرت) أي صعبت ولم تتيسر، بأن اللازم أن يترك الإنسان الأمر إذا صعب وأشكل (أو الوهن عنها) الضعف عن الإتيان بها (إذا استوضحت) أي وضحت وتيسرت.

فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعُ كُلَّ عَمَلٍ مَوْقِعَهُ. وَإِيَّاكَ وَالْاِسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ، وَالتَّغَابِي عَمَّا تُعْنَى بِهِ(1ممّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ (2). وَعَمَّا قَلِيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الْأُمُورِ، وَيُنتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُوم (3). أَمْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ، وَسَوْرَةَ حَدِّكَ، وَسَطْوَةَ يَدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ (4)، وَاحْتَرِس مِنْ كُلِّ ذلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الاِخْتِيَارَ (5)وَلَنْ تَحْكُمَ ذلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ. وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ، أَوْ أَثَرِ عَنْ نَبِيِّنَا – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللّه، فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَ ممّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا، وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِي اتَّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عَهْدِي هَذَا، وَاسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْكَ (6)، لِكَيْلَا)


1) (فضع كل أمر موضعه) اللائق به من الإقدم أو الإحجام والإتيان بالشيء على وجهه (وأوقع كل عمل موقعه) المناسب له (وإياك والاستئثار) أي الاستبداد (بما الناس فيه أسوة) أي متساوون بأن تخص نفسك بشيء هو للناس عامة (التغابي) أي التغافل (عما تعنى به) أي تقصد أنت به بأن يريده الناس منك.

2) (مأخوذ منك لغيرك) أي ما تملكته وخصصته بنفسك سيؤخذ منك لغيرك إذا انتقل الملك عنك فعليك إثمه ولا يبقى في يدك.

3) (وعما قليل) [ما] زائدة و [ عن] بمعنى [بعد] (تنكشف عنك أغطية الأمور) فإنَّ أمور الآخرة مغطاة لا يراها الإنسان إلّا إذا مات (وينتصف منك للمظلوم) الذي استأثرت بحقه بعد كون الناس كلهم سواء في ذلك.

4) (املك حمية أنفك) أي كبرك وترفعك (وسورة حدك) أي حدّة غضبك (وسطوة يدك) أي الضرب الشديد بها. (وغرب لسانك) أي شدته في القول فإنَّ غرب السيف حده فلا تتكبر ولا تغضب ولا تضرب أحداً ولا تتكلم كلاماً حاداً.

5) (واحترس) أي احترز وتجنب (من كل ذلك بكف البادرة) أي ما يبدر ويسرع منك من لسانك أو يدك (وتأخير السطوة) والشدة إذا أردتها، فإنَّ في التأخير يرجع العقل إلى الإنسان فلا يفعل إلا اللائق المناسب (حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار) في أن تفعل ومقدار ما تفعل، فإنَّ الإنسان لدى الغضب هائج يفعل ما لا يليق.

6) (وتجتهد لنفسك) فإنَّ فائدة الاجتهاد عائدة إلى نفسك (في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا) بأن تتعب لتعمل به في كل أمورك (واستوثقت) أي طلبت الوثوق (به) أي بسبب هذا العهد (من الحجة لنفسي عليك) بأن لا يكون لك عذر إذا خالفت.

تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّع نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا. وَأَنَا أَسْأَلُ اللّه بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعَظِيمٍ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ، مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ(1، وَجَمِيل الْأَثَرِ فِي الْبِلادِ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ، وَتَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ (2)، وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ، (إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللّه صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً، وَالسَّلامُ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى طلحة والزبير)إلى طلحة والزبير (مع عمران بن الحصين الخزاعي ذكره أبو جعفر الإسكافي في كتاب (المقامات) في مناقب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ))أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَلِمْتُمَا، وَإِنْ كَتَمْتُمَا، أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُوني، وَلَمْ أُبَايِعْهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي. وَإِنَّكُمَا ممَّنْ أَرَادَني وَبَايَعَنِي، وَإِنَّ العَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَالِبٍ، وَلَا لِعَرَضِ حَاضِرٍ، فإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي طَائِعَيْنِ فَارْجِعَا وَتُوبَا إِلَى اللّه مِنْ قَرِيبٍ، وَإِنْ كُنتُمَا بَايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ، فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ، وَإِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ (3. وَلَعَمْرِي مَا كُنْتُمَا بِأَحَقِّ الْمُهَاجِرِينَ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتْمَانِ (4)، وَإِنَّ دَفْعَكُمَا هذَا الْأَمْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ)


1) (علة) عذر (من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه) أي يوفقنا لأن نقيم على الحق الذي من عمل به كان له عذر واضح في أعماله (مع حسن الثناء في العباد) بأن يذكر الناس له (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخير.

2) (وجميل الأثر) الباقي منا (في البلاد) بعمارتها وإصلاحها (وتمام النعمة) بأن يتم سبحانه علينا نعمه (وتضعيف الكرامة) بأن يزيد في كرمه علينا وإكرامه لنا.

3) (لم تبايعني لسلطان غالب) حتى تقولا إنهم بايعوا خوفاً فلا شرعية لهذه البيعة (ولا لعرض حاضر) أي مال حتى تقولا إنهم بايعوا طمعاً، وإنما كانت بيعتهم بمجرد الرضا والرغبة (فقد جعلتما لي عليكما السبيل) أي الحجة (بإظهار كما الطاعة وإسراركما) أي إخفائكما (المعصية) والنقض فإذا قيل لما يحاربهما علي، أجيب بأنهما خانا ونقضا البيعة.

4) (ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان) فلا مجال لكما بأن تقولا إنا خفنا منك، واتقينا الناس إذ أنتما في قوة ومنعة والقوي لا يتقي.

تَدْخُلَا فِيهِ، كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُمَا مِنْ خُرُوجِكُمَا مِنْهُ، بَعْدَ إِقْرَارِكُمَا بِهِ(1. وَقَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّي قَتَلْتُ عُثْمَانَ، فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَعَنْكُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (2)، ثُمَّ يُلْزَمُ كُلُّ امْرِئٍ بِقَدْرِ مَا احْتَمَلَ. فَارْجِعَا أَيُّهَا الشَّيْخَانِ عَنْ رَأْيِكُمَا، فإِنَّ الْآنَ أَعْظَمَ أَمْرِكُمَا الْعَارُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَجَمَّعَ الْعَارُ (3)وَالنَّارُ، وَالسَّلَامُ.)### من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى معاوية)أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ اللّه سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا، وَابْتَلَى فِيهَا أَهْلَهَا، لِيَعْلَمَ أَيُّهُمَا أَحْسَنُ عَمَلاً، وَلَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا، وَلَا بِالسَّعي فِيهَا أُمِرْنَا، وَإِنَّمَا وُضِعْنَا فِيهَا لِنُبْتَلَى بِهَا، وَقَدِ ابْتَلَانِي اللّه بِكَ وَابْتَلَاكَ بي: فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ (4، فَعَدَوْتَ عَلَى الدُّنْيَا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، فَطَلَبْتَنِي بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَلَا لِسَانِي(5)، وَعَصَيْتَهُ أَنْتَ وَأَهْلُ الشَّام بي، وَأَلَّبَ عَالِمُكُمْ جَاهِلَكُمْ، وَقَائِمُكُمْ قَاعِدَكُمْ (6)، فَاتَّقِ اللّه فِي نَفْسِكَ، وَنَازع)


1) (وإن دفعكما هذا الأمر) أي البيعة لي بالخلافة (من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما) عند اللّه وعند الناس (من خروجكما منه بعد إقراركما به) إذ النقض محرم عند اللّه قبيح عند الناس، فكيف تمكنتما من الخروج، ولم تتمكنا من عدم الدخول ؟

2) (فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة) فإن شهدوا علي بذلك فالحق معكما، فلنرجع في التحاكم والاستشهاد إليهم.

3) (ثم يلزم كل امرئ) مني ومنكما (بقدر ما احتمل) من الاشتراك في دم عثمان، فقد كانا يحرضان على قتله، بينما الإمام يصلح وينصح الجانبين (فإن الآن أعظم أمركما العار) فيقال إنهما تابا، وهذا عار خفيف.

4) (أما بعد) الحمد والصلاة (لنبتلى بها) أي نمتحن بالدنيا وزخارفها. (وقد ابتلاني اللّه بك وابتلاك بي) فكل يمتحن بالآخر (فجعل أحدنا حجة على الآخر) فإنَّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان حجة على معاوية.

5) (فعدوت) أي وثبت أنت يا معاوية (على الدنيا بتأويل القرآن) حيث أولت آية القصاص بالنسبة إلي والحال أني بريء من دم عثمان (بما لم تجن يدي) أي بجناية لم أفعلها (ولا لساني) فلم أحرض عليها.

6) (وعصيته) أي ربطت ذلك الأمر وهو دم عثمان (أنت وأهل الشام بي) مع أني بريء من ذلك. (والب) أي حرض (عالمكم) بالواقع من براءتي (وقائمكم) الذي قام بالمطالبة (قاعدكم) الذي لم يكن له داع في المطالبة.

الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ (1، وَاصْرِفْ إلى الْآخِرَةِ وَجْهَكَ، فَهِيَ طَرِيقُنَا وَطَرِيقُكَ. وَاحْذَرْ أَنْ يُصِيبَكَ اللّه مِنْهُ بِعَاجِل قَارِعَةٍ تَمَسُّ الأَصْلَ، وَنَقْطعُ الدَّابِرَ (2)، فإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللّه أَلِيَّةٌ غَيْرَ فَاجِرَةٍ، لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَإِيَّاكَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لَا أَزَالُ بِبَاحَتِكَ (3)(حَتَّى يَحْكُمَ اللّه بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (4).)### ومَن وَصِيَّة لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ وصى بها شريح بن هانئ، لما جعله على مقدمته في الشام)اتَّقِ اللّه فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ، وَخَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ، وَلَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ ممّا تُحِبُّ، مَخَافَةَ مَكْرُوهِ، سَمَتْ بِكَ الْأَهْوَاءُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ (5، فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعَاً رادعاً، وَلِنَزوَتِكَ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ وَاقِماً قَامِعاً (6).)### ومَن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى أهل الكوفة، عند مسيره من المدينة إلى البصرة)أَمَّا بَعْدُ، فإِنِّي خَرَجْتُ مِن حَيِّي هَذَا إِمَّا ظَالِماً، وَإِمَّا مَظْلُوماً، وَإِمَّا


1) (فاتق اللّه) يا معاوية (في نفسك) أي خوفاً باطناً يردعك عن الآثام، لا إظهار الخوف فقط (ونازع الشيطان قيادك) أي جانب قيادك من الشيطان لئلا يرديك إلى النار.

2) (بعاجل قارعة) القارعة هي المصيبة تمس الإنسان بشدة، كما يقرع الشيء بالشيء، والمراد عذاب عاجل في الدنيا (تمس الأصل) أي أصلك (وتقطع الدابر) أي فرعك، وهذا كناية عن أنه لا يذر أصلا ولا فرعا.

3) (فإني أولي) أي أحلف (لك باللّه الية) أي حلفاً (غير فاجرة) أي غير حانثة ولا كاذبة (لئن جمعتني وإياك جوامع الأقدار) أي الأقدار التي تجمع بين شخصين (لا أزال بباحتك) أي بساحتك بمعنى دوام الحرب معك.

4) سورة الأعراف الآية: 87.

5) (وخف على نفسك الدنيا الغرور) أي خف من خدعة الدنيا التي تغر الإنسان وتخدعه (سمت) أي ارتفعت (بك الأهواء) جمع هوى بمعنى الميول النفسية والشهوات (إلى كثير من الضرر) فمثلاً لو أخذ الإنسان في عداوة الناس مخافة نقص جاهه، إذا أطلق أمرهم امتد ذلك العداء إلى أضرار كثيرة.

6) (ولنزوتك) أي وثبتك (عند الحفيظة) أي الغضب (واقماً) أي قاهراً (قامعاً) أي قالعاً.

بَاغِياً (1، وَإِمَّا مَبْغِيّاً عَلَيْهِ وَإِنِّي أَذَكِّرُ اللّه مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَيَّ فَإِنْ كُنْتُ مُحْيِناً أَعَانَنِي، وَإِنْ كُنْتُ مُسِيئاً استَعْتَبَنِي (2).)### ومن كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ كتبه إلى أهل الأمصار، يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين)وَكَانَ بَدْهُ أَمْرِنَا أَنَّا الْتَقَيْنَا وَالْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ وَنَبِيَّنَا وَاحِدٌ، وَدَعْوَتَنَا فِي الْإِسْلامِ وَاحِدَةٌ، وَلَا نَسْتَزِيدُهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِاللّه وَالتَّصْدِيقِ بِرَسُولِهِ وَلَا يَسْتَزِيدُونَنَا (3: الْأَمْرُ وَاحِدٌ إِلَّا مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، وَنَحْنُ مِنْهُ بَرَاءُ فَقُلْنَا : تَعَالَوْا نُدَاوِ ما لَا يُدْرَكُ الْيَوْمَ بِإِطْفَاءِ الثَّائِرَةِ، وَتَسْكِينِ الْعَامَّةِ، حَتَّى يَشْتَدَّ الْأَمْرُ وَيَسْتَجْمِعَ، فَنَقْوَى عَلَى وَضْع الْحَقِّ مَوَاضِعَهُ (4)، فَقَالُوا : بَلْ نُدَاوِيهِ بِالْمُكَابَرَةِ! فَأَبَوْا حَتَّى جَنَحَتِ الْحَرْبُ، وَرَكَدَتْ وَوَقَدَتْ نِيرَانُهَا وَحُمِسَتْ (5). فَلَمَّا ضَرَّسَتْنَا وَإِيَّاهُمْ، وَوَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِينَا وَفِيهِمْ، أَجَابُوا عِنْدَ ذلِكَ إِلَى الَّذِي دَعَوْنَاهُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا،)


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (فإني خرجت من حيي هذا) الحي: محل القبيلة، والمراد به المدينة المنورة، محل سكنى الإمام (إما ظالماً وإما مظلوماً وإما باغياً) البغي هو الظلم، لكنه أخص منه، لأن البغي ظاهر في ظلم الغير بخلاف الظلم الذي هو أعم من ظلم النفس.

2) (وإني أذكر اللّه) أي أطلب باسم اللّه سبحانه (نفر إلي) أي سافر وخرج من الكوفة قاصداً نحوي (استعتبني) أي طلب مني الرجوع عن إساءتي.

3) (وكان بدء أمرنا) أي ابتداء الحرب (والظاهر) أي والحال أن الظاهر هو من حال الجانبين (ولا نستزيدهم) أي لا نطلب منهم الزيادة (في الإيمان باللّه والتصديق برسوله) لأنهم معترفون بالأمرين (ولا يستزيدوننا) أي لا يطلبون منا الزيادة على الأمرين.

4) (فقلنا) لهم (تعالوا نداو ما لا يدرك اليوم) أي نجعل للأمر دواء، فإنَّ عثمان لا يعود حياً، وإنما نتيجة الخصام تشتت الكلمة، فتعالوا لنداوي هذا الأمر (بإطفاء الثائرة) أي نحمد الفتنة التي ثارت وانتشرت (وتسكين العامة) أي عامة الناس (حتى يشتد الأمر) أي يقوى أمر الإسلام (ويستجمع) أي يجمع أطرافه (فنقوى على وضع الحق مواضعه) المقررة في الشريعة.

5) (فقالوا: بل نداويه بالمكابرة) أي المعاندة (فأبوا) الإصلاح (حتى جنحت الحرب) أي مالت بأن قويت بميل أولئك لها (وركدت) أي استقربت وقامت (ووقدت) أي اشتعلت (وحمست) أي اشتدت وصلبت.

وَسَارَعْنَاهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، حَتَّى اسْتَبَانَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمُ الْمَعْذِرَةُ (1. فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللّه مِنَ الْهَلَكَةِ، وَمَنْ لَجَّ وَتَمَادَى فَهُوَ الرَّاكِسُ الَّذِي رَانَ اللّه عَلَى قَلْبِهِ (2)، وَصَارَتْ دَائِرَةُ السَّوْءِ عَلَى رأسه (3).)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى الأسود بن قُطْبَة صاحب جند حلوان)أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ الْوَاليَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذلِكَ كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ، فَلْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ، فإنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ (4، فَاجْتَنِبْ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ، وَابْتَذِلْ (5)نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللّه عَلَيْكَ، رَاجِياً ثَوَابَهُ، وَمُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةٍ لَمْ يَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِيهَا قَطُّ سَاعَةً إِلَّا كَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ (6)، وَأَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَكَ عَنِ الْحَقِّ)


1) (فلما ضرستنا) الحرب أي عضتنا بأضراسها (ووضعت مخالبها) جمع مخلب، وهو أظفر السبع، تشبيه للحرب به (وسارعناهم) أي طلبنا سرعتهم (إلى ما طلبوا) من التفاهم (حتى استبانت عليهم الحجة) أي ظهرت بأن الحق لنا، ولم نكن شركاء في دم عثمان وانقطعت منهم المعذرة) أي لم يكن لهم عذر في شق عصا الطاعة علينا.

2) (فمن تم على ذلك منهم) الذي ظهر بأن رجع إلى الحق (من الهلكة) أي الهلاك الأخروي باتباع.معاوية. (ومن لج) في البقاء على الباطل (وتمادى) أي استمر في الغي (فهو الراكس) أي الناكث الذي قلب عهده (الذي رأن اللّه على قلبه) أي غطى قلبه، حتى يتيه في الضلال، بعد أن رأى سبحانه منه إعراضاً عن الحق مع علمه به.

3) (وصارت دائرة السوء على رأسه) فإنَّ الأيام تدور بالخير والشر، فإذا صارت دائرة السوء على رأس أحد كان معناه أنه وقع في السوء.

4) (أما بعد) الحمد والصلاة (فإن الوالي إذا اختلف هواه) بأن جرى مع أهوائه وميوله النفسية (منعه ذلك كثيراً من العدل) إذ أنه يتبع الهوى لا الحق (فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء) لا تلاحظ ميلك إلى بعضهم دون بعض (فإنه ليس في الجور عوض عن العدل) فإنَّ الجور لا يأتي بالنتائج التي يأتي بها العدل في الدنيا والآخرة.

5) (فاجتنب ما تنكر أمثاله) لا تفعل الشيء الذي تنكره إذا فعله غيرك (وابتذل) أي أبذل.

6) (واعلم أن الدنيا دار بلية) أي بلاء وعناء (كانت فرغته) أي: فراغه (عليه حسرة يوم القيامة) لأنه يندم على أن لم يعمل في تلك الساعة ما يوجب ثوابه ورفعة درجته.

شَيْءٌ أَبَداً، وَمِنَ الْحَقِّ عَلَيْكَ حِفْظُ نَفْسِكَ، وَالاِحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ، فإنَّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ ذلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَصِلُ بِكَ، وَالسَّلَامُ (1.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى العمال الذين يطأ الجيش عملهم)مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَيْشُ مِنْ جُبَاةِ الْخَرَاجِ وَعُمَّالِ الْبِلَادِ (2. أَمَّا بَعْدُ، فإنِّي قَدْ سَيَّرْتُ جُنُوداً هِيَ مَارَّةٌ بِكُمْ إِنْ شَاءَ اللّه، وَقَدْ أَوْصَيْتُهُمْ بِمَا يَجِبُ للّه عَلَيْهِمْ مِنْ كَفْ الأَذَى، وَصَرْفِ الشَّذَا (3)، وَأَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ وَإِلَى ذِمَّتِكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ (4)، إِلَّا مِنْ جَوْعَةِ الْمُضْطَرِّ، لَا يَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً (5)إِلَى شِبَعِهِ. فَنَكَّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ شَيْئاً ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ (6)، وَكُفُّوا أَيْدِيَ سُفَهَائِكُمْ عَنْ مُضَارَّتِهِمْ (7)، وَالتَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا اسْتَثْنَيْنَاهُ مِنْهُمْ. وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْجَيْشِ (8)، فَارْفَعُوا إِلَيَّ مَظَالِمَكُمْ، وَمَا عَرَاكُمْ ممّا يَغْلِبُكُمْ مِنْ)


1) (ومن الحق عليك حفظ نفسك) عن المحرمات والآثام (والاحتساب) أي المراقبة (على الرعية بجهدك) حتى لا ينحرفوا عن طريق الحق (فإن) الثواب (الذي يصل إليك من ذلك) الاحتساب على الرعية (أفضل من الذي يصل بك) بسبب هذا الاحتساب من الجهد والأذى (والسلام).

2) (يطأ الجيش عملهم) أي يمر جيش الإمام بأراضيهم (من جباة الخراج) جمع جابي وهو الذي يجمع الخراج من الأراضي (وعمال البلاد) جمع عامل، وهو المنصوب من قبل الخليفة لإدارة البلاد.

3) (وصرف الشذا) أي الشر بأن لا يعملوا شراً بالنسبة إلى أحد.

4) (وأنا أبرأ إليكم) أي أظهر براءتي بالنسبة إليكم (وإلى ذمتكم) فإنَّ من في ذمة الخليفة وتحت رعايته محترم فالاعتبار إلى الذمة اعتباري (من معرة الجيش) أي أذاه، فإني لا أرضى بذلك.

5) (إلا من جوعة المضطر) فإذا أصاب الجيش جوع اضطر معه إلى تناول ما يسد به رمقه فلا بأس عليه (لا يجد عنها مذهباً) يذهب إليه في سد رمقه.

6) (فنكلوا من تناول منهم) أي من الجيش والتنكيل : العقوبة (شيئاً ظلماً عن ظلمهم) أي عوض ظلمهم فإذا أراد الجيش أن يتناول شيئاً حراماً استحق العقاب وعلى العامل للإمام أن يعاقبه.

7) (وكفوا أيدي سفهائكم) أي امنعوهم (عن مضارتهم) أي إيراد الضرر بالجيش.

8) (فيما استثنيناه منهم) والمستثنى هو حالة الاضطرار، فإذا اضطر الجيش إلى تناول ما يسد به رمقه، فلا يحق لأحد أن يتعرض بهم لدفعهم وإنما لصاحب المال الحق في أن يطالب بالثمن كما قرر في الشريعة (وأنا بين أظهر الجيش) أي في وسطهم.

أَمْرِهِمْ وَمَا لَا تُطِيقُونَ دَفْعَهُ إِلَّا بِاللّه وَبِي، فَأَنَا أُغَيْرُهُ (1بِمَعُونَةِ اللّه، إِنْ شَاءَ اللّه.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى كميل بن زياد النخعي عامله على هيت)إلى كميل بن زياد النخعي، وهو عامله على هيت، ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدو طالباً الغارةأَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ تَضْيِيعَ الْمَرْءِ مَا وُلّي، وَتَكَلَّفَهُ مَا كُفِي، لَعَجْزُ حَاضِرٌ، وَرَأْيِّ مُتَبَّرٌ (2. وَإِنَّ تَعَاطِيَكَ الْغَارَةَ عَلَى أَهْلِ قِرْقِيسِيَا وَتَعْطِيلَكَ مَسَالِحَكَ الَّتي وَلَّيْنَاكَ (3)- لَيْسَ بِهَا مَنْ يَمْنَعُهَا، وَلَا يَرُدُّ الْجَيْسَ عَنْهَا - لَرَأَيِّ شَعَاعٌ (4)، فَقَدْ صِرْتَ جِسْراً لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَةَ مِنَ أَعْدَائِكَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ، غَيْرَ شَدِيدِ الْمَنْكِبِ، وَلَا مَهِيبِ الْجَانِبِ، وَلَا سَادٌ ثُغْرَة (5)، وَلَا كَاسِرٍ لِعَدُوِّ شَوْكَةً، وَلَا مُغْنٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ، وَلَا مُجْر عَنْ أمِيرِهِ (6).)


1) (فارفعوا إلى مظالمكم) جمع مظلمة، بمعنى: الظلم، فإذا ظلم الجيش أحداً ولم يقدر على دفعه فليرفع إلى الإمام شكايته (وما عراكم) أي عرض وطرأ عليكم (ممّا يغلبكم) فلا تقدرون على كفه (وما لا تطيقون دفعه إلّا باللّه) أي بحوله وقوته (وبي) أي بسببي (فأنا أغيره) أي أغير ذلك الظلم.

2) (أما بعد) الحمد والصلاة (فإن تضييع المرء ما ولي) أي ما جعل والياً عليه (وتكلفه ما كفي) بأن يتكلف العمل لما يجب عليه (لعجز حاضر) إذ لم يفعل ما وجب عجزاً (ورأي متبر) من تبر إذا أهلكه، أي رأي فاسد إذ فعل ما لم يجب عليه.

3) (وإن تعاطيك) أي إعطائك للعدو المجال (الغارة على أهل قرقيسيا) وهي بلدة على الفرات (وتعطيلك مسالحك) جمع مسلحة، وهي الثغر الذي يلي حدود البلاد، وتسمى بذلك لكونها موضع الرجال والسلاح (التي وليناك) أي فرضنا أمرها إليك.

4) (ليس بها من يمنعها) من جراء إهمالك شأنها (ولا يرد الجيش) الذي هيأه العدو (عنها لرأي شعاع) أي متفرق غير مجتمع لحفظ البلاد ومكافحة العدو.

5) (فقد صرت) بإهمالك لبلادك (جسراً لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك) إذ إنهم رأوا ضعفك فعبروا إلى البلاد فكأنك جسر لهم (غير شديد المنكب) هو مجتمع الكتف والعضد وهذا كناية عن القوة (ولا مهيب الجانب) حتى يهابه ويخافه العدو (ولا ساد ثغرة) وهي: الفرجة التي يدخل منها العدو.

6) (ولا كاسر لعدو شوكة) أي هيبة وعزة (ولا مغن عن أهل مصره) فلم يفدهم في دفع عدوهم (ولا مجز عن أميره) فإنَّ الإمام لم يجزه بالمدح والثناء لأنه لم يفعل ما يستحق ذلك.

### وَمن كتاب لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى أهل مصر، مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها)أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ اللّه سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَمُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ (1)، فلمَّا مَضَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ. فَوَاللّه مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي، وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِي، أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ (2)، وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحُوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ! فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِبَالُ النَّاسِ عَلَى فَلَانٍ يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي (3)حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنْ الْإِسْلَامِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّدٍ (4)- (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً (5)، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ (6)، فَنَهَضْتُ)


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (نذيراً للعالمين) أي مخوفاً لهم إن لم يأخذوا بالإسلام أصولاً وفروعاً (ومهيمناً) أي شاهداً وحافظاً (على المرسلين) فكل زيادة أو نقيصة في دينهم - ممّا حرفه الناس - يبين الرسول ذلك حتى يرجع دين المرسلين كما جاؤوا به، لا كما فعلته أقوامهم من بعدهم.

2) (تنازع المسلمون الأمر) أي في أمر الخلافة (ما كان يلقى في روعي) أي في قلبي ولا يخطر ببالي أي بذهني (أن العرب تزعج) أي تزيل وتنقل (هذا الأمر) أي الخلافة (عن أهل بيته) إلى غيرهم، والمراد أن الموازين الظاهرية كانت تقتضي ذلك، لا أن الإمام لم يكن يعرف الأمر من السابق.

3) (ولا أنهم منحوه) من نحاه بمعنى صرفه وبعده (فما راعني) أي خوفني وأزعجني (إلا انثيال الناس) أي انصبابهم (فأمسكت يدي) أي كففتها عن العمل في ضده خوف الفتنة.

4) (حتى رأيت راجعة الناس) أي الناس الذين رجعوا إلى ورائهم بترك حكم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في نصبي خليفة (قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد) أي إبطاله، فإن كل شيء يخالف دين الإسلام محق له.

5) (فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله) بكفي عن المنازعة، وإعطاء رأيي في كيفية الفتوح وسائر المشاكل (أن أرى فيه ثلماً) أي خرقاً (أو هدماً) بأن يقلع الإسلام عن أصله.

6) (يزول منها) أي من تلك الأيام (ما كان) ووجد (كما يزول السراب) الذي يتراءى في الصحراء وليس له حقيقة (أو كما يتقشع) ويبيد (السحاب) في الهواء فلا يبقى منه أثر.

فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهُ (1.)ومنه : إِنِّي وَاللّه لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طِلاعُ الْأَرْضِ كُلِّهَا مَا بَالَيْتُ وَلَا اسْتَوْحَشْتُ (2، وَإِنّي مِنْ ضَلَالِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيهِ لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَيَقِينِ مِنْ رَبِّي(3). وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللّه لَمُشْتَاقٌ، وَحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرُ رَاجٍ، وَلَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِي أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ سُفَهَاؤُهَا وَفُجَّارُهَا (4)، فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللّه دُوَلاً، وَعِبَادَهُ خَوَلاً، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً، وَالْفَاسِقِينَ حِزْباً (5)، فإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِي قَدْ شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرَامَ، وَجُلِدَ حَداً فِي الْإِسْلَام وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى يُضِخَتْ لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ الرَّضَائِجُ (6)فَلَولَا ذَلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَألِيبَكُمْ وَتَأْنِيبَكُمْ، وَجَمْعَكُمْ وَتَحْرِيضَكُمْ وَلَتَرَكْتُكُمْ إِذَا أَبَيْتُمْ وَوَنَيْتُمْ (7)، أَلَا)


1) (فنهضت في تلك الأحداث) أنبه وأرشد وأسدد وأقوم (حتى زاح الباطل) الذي كان يخشى منه على الإسلام، كقيام مسيلمة وأشباه ذلك (وزهق) أي مات وبطل (واطمأن الدين) أي ثبت واستقر (وتنهنه) أي منع عن الزوال يقال نهنهته أي منعته وكففته، وتنهنه مطاوع له.

2) (لو لقيتهم واحداً) والمراد أجناد الشام في حال كوني واحداً (وهم طلاع الأرض كلها) الطلاع ملء الشيء، أي في حال كونهم يملؤون الأرض (ما باليت) أي ما اهتممت بهم (ولا استوحشت) أي ما خفت.

3) (لعلى بصيرة) أي أني أعرف ضلالهم، وأني على الهدى لا أشك في ذلك (من نفسي) أي أنا منشئ البصيرة نفسي. (ويقين من ربي) أي من جانبه سبحانه، فإنَّه هو المتفضل باليقين.

4) (ولكنني آسى) أي أحزن (أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها) أي معاوية وأتباعه والسفيه هو الذي يخالف الحق (وفجارها) جمع فاجر، وهو المبالغ في المعصية.

5) (فيتخذوا مال اللّه دولاً) جمع دولة، وهي ما يتداول، والمراد يتصرف بعضهم ويعطيه إلى الآخر، بدون وضعه في حقه، وإعطائه لمصالح المسلمين (وعباده خولا) أي عبيداً، يفعلون بهم كما يفعل السيد بعبده (والصالحين حرباً) أي محاربين (والفاسقين حزباً) أي يجعلونهم حزبهم وطرف أعمالهم ومشاوراتهم.

6) (فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام) كمغيرة بن شعبة وعتبة بن أبي سفيان شربا الخمر وجلدا في قصة مذكورة في التواريخ. (وجلد حداً في الإسلام) فإنَّ حد شارب الخمر ثمانون جلدة (حتى رضخت له) أي أعطيت له (على الإسلام) أي لأجل أن يسلم (الرضائخ) أي العطايا، وهم أبو سفيان ومعاوية وعمرو بن العاص.

7) (ما أكثرت تأليبكم) أي تحريضكم ضد هؤلاء (وتأنيبكم) أي لومكم في ميل قلوب بعضكم إليهم وعدم قيامكم ضدهم (وجمعكم) تحت لواء الحق لتبتعدوا عن هؤلاء (وتحريضكم) وحثكم (وونيتم) أي أبطأتم عن إجابتي.

تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ، وَإِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ، وَإِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَى، وَإِلَى بِلَادِكُمْ تُغْزَى (1! انْفِرُوا - رَحِمَكُمُ اللّه - إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ وَلَا تَنَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ وَتَبُوءُوا بِالذُّلّ، وَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخَش (2)، وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ (3)، وَالسَّلَامُ.)### وَمن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى أبي موسى الأشعري)إلى أبي موسى الأشعري، وهو عامله على الكوفة، وقد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجملمِنْ عَبْدِ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللّه بْنِ قَيْسٍ أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلٌ هُوَ لَكَ وَعَلَيْكَ (4، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولِي عَلَيْكَ فَارْفَعْ ذَيْلَكَ، وَاشْدُدْ مِئْزَرَكَ، وَاخْرُجْ مِنْ جُحْرِكَ، وَانْدُبْ مَنْ مَعَكَ، فَإِنْ حَقَّقْتَ فَانْفُذُ، وَإِنْ تَفَشَّلْتَ فَابْعُدْ (5)! وَايْمُ اللّه لَتُؤْتَيَنَّ مِنْ حَيْثُ أَنْتَ، وَلَا تُتْرَكُ حَتَّى يُخْلَط زُبْدُكَ)


1) (ألا ترون إلى أطرافكم) أي أطراف بلادكم وجوانبها (قد انتقصت) قد نقصت بسبب استلاب معاوية لها (وإلى أمصاركم) جمع مصر، بمعنى: البلدة (قد افتتحت) أي افتتحها العدو. (وإلى ممالككم تزوى) أي تقبض من ناحية العدو (وإلى بلادكم تغزى) أي تغزوها الأعداء.

2) (انفروا) أي اذهبوا وسافروا (ولا تثاقلوا إلى الأرض) اثاقل أي تثاقل عن الخروج كأنه لاصق بالأرض (فتقروا) بمعنى الإقامة (بالخسف) أي بالذل والانهضام (وتبوأوا) أي: ترجعوا (بالذل) أي الذلة تحت نفوذ الأعداء (ويكون نصيبكم الأخس) أي الأقل الموجب للذلة.

3) (وإن أخا الحرب الأرق) أي الساهر، فإنَّ من يريد الحرب لا ينام (ومن نام لم ينم عنه) أي لا ينام الناس عنه، بل هم ساهرون لإزالته وإبادته.

4) (فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك) أي لنفعك وضررك أما نفعه بالتثبيط لأنه يسلم عن عواقب الجهاد والحرب في الدنيا، وأما كونه عليه فلأنه يوجب ذهاب دنياه لسخط الإمام عليه وآخرته لأنه خالف ولي أمر المؤمنين بالحق والمخالف له في النار.

5) (فارفع ذيلك) أي ذيل ثوبك (واشدد مئزرك) هو الذي يلبس مكان السراويل، وهذان كناية عن استعداده للجهاد (واخرج من جحرك) أي مقرك تشبيه له بثقب الحيوان (واندب) أي ادع للجهاد (فإن حققت) ما أمرتك (فانفذ) أي طبق الأمر (وإن تفشلت) من الفشل ضد النجاح بأن لا تريد تنفيذ الأمر (فابعد) عن الولاية فقد عزلتك.

بِخَاثِرِكَ (1، وَذَائِبُكَ بِجَامِدِكَ، وَحَتَّى تُعْجَلَ عَنْ قِعْدَتِكَ وَتَحْذَرَ مِنْ أَمَامِكَ كَحَذَرِكَ مِنْ خَلْفِكَ (2)، وَمَا هِي بِالْهُوَيْنَى الَّتِي تَرْجُو (3)، وَلكنَّهَا الدَّاهِيَةُ الْكُبْرَى، يُرْكَبُ جَمَلُهَا، وَيُذَلَّلُ صَعْبُهَا، وَيُسَهَّلُ جَبَلُهَا (4). فَاعْقِلْ عَقْلَكَ، وَامْلِكْ أَمْرَكَ، وَخُذْ نَصِيبَكَ وَحَظَّكَ (5). فإِنْ كَرِهْتَ فَتَنَحَّ إِلَى غَيْرِ رَحْبٍ وَلَا فِي نَجَاةٍ (6)، فَبِالْحَرِي لَتُكْفَيَنَّ وَأَنْتَ نَائِمُ، حَتَّى لَا يُقَالَ : أَيْنَ فُلَانٌ؟ وَاللّه إِنَّهُ لَحَقِّ مَعَ مُحِقِّ، وَمَا أُبَالِي مَا صَنَعَ الْمُلْحِدُونَ (7)، وَالسَّلَامُ.)


1) (وأيم اللّه) حلف باللّه سبحانه فإنَّ [ايم] من ألفاظ القسم (لتؤتين من حيث أنت) أي لا بد لك من الإتيان والخروج عن محلك (ولا تترك) في أمن وسلامة (حتى يخلط زبدك بخاثرك) قالوا إن أصل هذا المثل أن الشخص يعمل السمن فيختلط خاثره برقيقه، فيتحير إن أوقد النار تحته حتى يصفو، احترق، وإن تركه كما هو بقي كدراً، فهو متحير في أمره، وهذا مثل لمن يتحير في أمره فلا يدري أي العملين يأتي به.

2) (وذائبك بجاميك) هذا من تتمة المثل لأن الخائر هو الجامد، والزبد هو الذائب (وحتى تعجل) أي يؤتى بما يسبب تعجيلنا (في قعدتك) هي بمعنى هيئة القعود والمراد ولايته، والمعنى نضع واحداً مكانك (وتحذر من أمامك كحذرك من خلفك) أي يحيط الخوف بك، من الأمام ومن الخلف لأن المخالف للخليفة يحذر على كل حال سواء بقى في الحكم أو عزل.

3) (وما هي بالهويني) مؤنث أهون (التي ترجو) فإنَّه كان يرجو بقاءه في إمارته سالماً عن أخطار الحرب، أما أن يعزل ويخاف فهو صعب عليه.

4) (ولكنها الداهية الكبرى) أي المصيبة من مصيبات الدهر (يركب جملها) كناية عن لزوم الاستعداد لها، كمن يستعد للدفاع والمحاربة فيركب الجمل. (ويذلل صعبها) كمن يريد معالجة الأمور فيذل الصعب منها ليتسنى له الوصول إلى غايته (ويسهل جبلها) أي يجعل السير في الجبل لأجله سهلاً.

5) (فاعقل) من العقال بمعنى الشد (عقلك) لئلا يسرح في مراتع الغي والضلال (واملك أمرك) لئلا يفوت من يدك (وخذ نصيبك وحظك) فلا يفوتك نصيبك من الخير بلجاجك في ترك مساعدة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

6) (فإن كرهت) مساعدة الإمام (فتنح) أي اعتزل الولاية وابتعد عنها (إلى غير رحب) أي إلى مكان غير وسيع. (ولا في نجاة) بل في هلاك الدنيا والآخرة.

7) (فبالحري) أي الجدير (لتكفين) أي نكفيك أمر القتال، ولا نحتاج إليك (وأنت نائم) أي كالنائم الذي ليس له نصيب (حتى لا يقال: أين فلان؟) يعني أبا موسى (واللّه إنه) أي أمر البصرة (لحق مع محق) أي مع الإمام لا مع أصحاب الجمل (وما أبالي ما صنع (الملحدون) الذين الحدوا وانحرفوا عن منهج الإسلام بخروجهم على إمامهم ونقضهم بيعتهم.

### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى معاوية، جواباً)أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْأَلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَمْس أَنَّا آمَنَّا وَكَفَرْتُمْ وَالْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَفُتِنْتُمْ(1، وَمَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلَّا كُرْهاً، وَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنفُ الْإِسْلام كُلُّهُ لِرَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) حِزْباً (2)وَذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَشَرَّدْتُ بِعَائِشَةَ،. وَنَزَلْتُ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ (3)! وَذلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا عَلَيْكَ، وَلَا الْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ (4). وَذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ أُسِرَ أَخُوكَ(5)، فإِنْ كَانَ فِيكَ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِهُ (6)فَإِني إِنْ أَزُرْكَ فَذَلِكَ جَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ اللّه إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِلنِّقْمَةِ مِنْكَ وَإِنْ تَزُرْنِي فَكَمَا قَالَ أَخُو بَنِي أَسَد :)


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (من الألفة والجماعة) أي الائتلاف والاجتماع قبل بزوغ نور الإسلام (ففرق بيننا وبينكم أمس) حين ظهور الإسلام وانبعاث الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (واليوم أنا استقمنا) على جادة الإسلام (و) أنتم (فتنتم) أي انحرفتم إلى الضلالة.

2) (وبعد أن كان أنف الإسلام) وهو أشراف الجزيرة، لأن فتح مكة كان من أواخر غزوات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد أن عم الإسلام - تقريباً - الجزيرة (كله لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حزباً) فإنَّ أشراف العرب صاروا من حزب الرسول.

3) (وذكرت) يا معاوية تريد تنقيصي (أني قتلت طلحة والزبير) في واقعة الجمل (وشردت بعائشة) أي طردتها، وفرقت جمعها وأرجعتها إلى المدينة (ونزلت بين المصرين) الكوفة والبصرة، وكأنه عیب بنظر معاوية، إذ ترك الإمام دار الهجرة.

4) (وذلك أمر غبت عنه) إذ لم يكن معاوية في واقعة الجمل (فلا عليك) أمره (ولا العذر فيه إليك) لو كنت مقصراً.

5) (وذكرت أنك زائري في المهاجرين والأنصار) فإنَّ معاوية هدد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كتابه بأنه يقبل عليه لمحاربته في المهاجرين والأنصار (وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك) فإنَّ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: لا هجرة بعد الفتح، وكان أبو سفيان إنما جاء مع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد الفتح حيث كان تحت لوائه في حرب حنين، فليس معاوية من المهاجرين ولا من الأنصار الذين كانوا في المدينة، والمراد بأسر أبيه حين وقع في أيدي المسلمين قبل ليلة الفتح في قصة طويلة.

6) (فإن كان فيك عجل) أي تعجيل لملاقاتي (فاسترفه) من الرفاهية أي نفس عنك وتعجل كما تريد.

مُسْتَقْبِلِينَ رِيَاحَ الصَّيْفِ نَضْرِبُهُمْ)) بِحَاصِبٍ بَيْنَ أَغْوَارٍ وَجُلْمُودِ (1))وَعِنْدِي السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ فِي مَقَام وَاحِدٍ (2وَإِنَّكَ وَاللّه مَا عَلِمْتُ الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ(3)، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ : إِنَّكَ رَقِيتَ سُلَّماً أَطْلَعَكَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَيْكَ لَا لَكَ (4)، لأَنَّكَ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ (5)، وَرَعَيْتَ غَيْرَ سَائِمَتِكَ (6)، وَطَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا فِي مَعْدِنِهِ، فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ (7)!! وَقَرِيبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَامِ وَأَخْوَالٍ (8)! حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَةُ، وَتَمَنِّي الْبَاطِلِ، عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ – (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) - فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ (9)،)


1) (مستقبلين رياح الصيف تضربهم) (بحاصب بين أغوار وجلمود) رياح الصيف شديدة الحرارة تحمل الغبار والحجارة، فإذا هبت على الإنسان تضرب وجهه بالحرارة والغبار والحجارة والحاصب ريح تحمل التراب والحصى، وأغوار جمع غور بمعنى الغبار والجلمود الصخر، أي أن حال معاوية كحال من استقبل رياح الصيف.

2) (وعندي السيف الذي أعضضته) أي جعلته يعض، وذلك كناية عن القتل (بجدك) يا معاوية، وهو عتبة بن ربيعة (وخالك) الوليد بن عتبة (وأخيك) حنظلة (في مقام واحد) وهو يوم بدر حيث قتل جميعهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك اليوم، وهذا للتلويح بأنك أيضاً تلحق بهم إذا حاربتني.

3) (وإنك - واللّه - ما علمت) أي الشخص الذي عرفته منذ السابق (الأغلف القلب) أي الذي قلبه في غلاف فلا يعرف الحق المقارب العقل) أي الناقص العقل فليس في عقله سعة يرى البعيد ويدرك الحق.

4) (إنك رقيت سلماً أطلعك مطلع سوء عليك لا لك) والسلم طماحه إلى الخلافة، ومطلع السوء الذي عليه شقاؤه في الدنيا ولعن الأجيال له، وفي الآخرة بالعذاب والنار.

5) (لأنك نشدت غير ضالتك) الضالة ما فقده الإنسان من مال ونحوه، الضالة الفحص عنها وطلبها وهذا مثل يضرب لمن طلب غير حقه.

6) (ورعيت غير سائمتك) السائمة الماشية من الحيوان، ورعيها عبارة عن إطلاقها في المرعى، ومن رعى غير سائمة كان ظالماً للناس بأخذ بهائمهم.

7) (وطلبت أمراً) هو الولاية والخلافة (لست من أهله ولا في معدنه) لانك ظالم طاغ، ومثله لا يصلح لإمارة المسلمين (فما أبعد قولك من فعلك) فقولك إظهار أن الحق معك، وفعلك الغدر والختل والخروج عن الطاعة.

8) (وقريب ما أشبهت) أي قريب شباهتك (من أعمام وأخوال) أي أقربائك الكفار الذين حاربوا الرسول في مختلف المناطق، وأنت هكذا ترفض حكم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في وصيه.

9) (حملتهم الشقاوة) أي كونهم أشقياء النفوس (وتمني الباطل) بأن يمحقوا الإسلام على الجحود) أي الإنكار (فصر عوا) أي قتلوا ووقعوا في (مصارعهم) أي المحلات التي وقعوا فيها صرعى كبدر وأحد وغيرهما (حيث علمت) أماكن صرعهم.

لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً، وَلَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً، بِوَقْعِ سُيُوفٍ مَا خَلَا مِنْهَا الْوَغَى، وَلَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَيْنَى(1، وَقَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ، أَحْمِلُكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللّه تَعَالَى(2)، وَأَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُ فَإِنَّهَا خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنْ اللَّبَنِ فِي أَوَّلِ الْفِصَالِ (3)، وَالسَّلَامُ لِأَهْلِهِ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إليه أيضاً)أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الْأُمُور (4فَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلَافِكَ بِادِّعَائِكَ الْأَبَاطِيلَ، وَاقْتِحَامِكَ غُرُورَ الْمَيْنِ (5)وَالْأَكَاذِيبِ، وَبِانْتِحَالِكَ مَا قَدْ عَلَا عَنْكَ وَابْتِزَازِكَ لِمَا اخْتُزِنَ دُونَكَ، فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ وَجُحُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لكَ مِنْ لَحْمِكَ وَدَمِكَ، ممّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ،)


1) (لم يدفعوا) عن أنفسهم (عظيما) وهو الموت (ولم يمنعوا حريما) أي حريمهم عن الذل (بوقع سيوف) وقعت عليهم (ما خلا منها الوغى) الوغى: الحرب، أي لم تخل الحروب من تلك السيوف بل إنها باقية إلى هذا اليوم. (ولم تماشها الهويني) أي لم ترافق تلك السيوف المساهلة، والهون، بل إنها شديدة على أعداء اللّه.

2) (وقد أكثرت في قتلة عثمان) مطالباً منّي دمه، ليتسنى لك بهذه الخديعة نقض البيعة العامة، والخروج عن الطاعة (فادخل فيما دخل فيه الناس) أي طاعتي وبيعتي (ثم حاكم القوم إلي) الذين قتلوا عثمان (أحملك وإياهم على كتاب اللّه تعالى) وأبين أن الحق لمن وعلى من.

3) (وأما تلك التي تريد) من إمارة الشام، وجعلت كل ذلك عذراً ووسيلة إليها (فإنها خدعة الصبي عن اللبن في أول الفصال) فإنَّ الصبي يخدع فيما يفصل عن لبن أمه، فإنَّ إرادته للشام مثل خدعة الصبي، في كون كليهما ضعيف لا ينتج ظاهراً للناس.

4) (أما بعد) الحمد والصلاة (فقد آن لك) أي صار الوقت (أن تنتفع باللمح الباصر) أي بنظر العين (من عيان الأمور) أي من جهة معاينة الأمور وإدراك الحقائق، يقال لأرينك لمحاً باصراً، أي أمراً واضحاً، أي قد ظهر لك الحق، فعليك أن تنتفع به.

5) (فقد سلكت مدارج أسلافك) أي في الطريق الذي سار فيه أجدادك وأقرباؤك، ومدارج جمع مدرج بمعنى الطريق لأنه يدرج فيه (اقتحامك) أي دخولك، أو إدخال الناس (غرور المين) المين الكذب الفاضح.

وَمُلِئَ بِهِ صَدْرُكَ (1، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ الْمُبِينُ، وَبَعْدَ الْبَيَانِ إِلَّا اللَّبْسُ (2)؟ فَاحْذَرِ الشُّبْهَةَ وَاشْتِمَالِهَا عَلَى لُبْسَتِهَا (3)، فإِنَّ الْفِتْنَةَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلَابِيبَهَا وَأَغْشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا، وَقَدْ أَتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ ذُو أَفَانِينَ مِنَ (4)الْقَوْلِ ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ السِّلْمِ، وَأَسَاطِيرَ لَمْ يَحُكْهَا مِنْهُ عِلْمٌ وَلَا حِلْمٌ(5)كَالْخَائِضِ فِي االدَّهاس (6)، وَالْخَابِطِ فِي الدِّيمَاسِ وَتَرَقَّيْتَ إِلَى مَرْقَبَةٍ بَعِيدَةِ الْمَرَامِ، نَازِحَةِ الْأَعْلَامِ، تَقْصُرُ دُونَهَا الْأُنُوقُ وَيُحَاذَى بِهَا الْعَيُّوقُ (7)،)


1) (وبانتحالك) أي ادعائك لنفسك (ما قد علا عنك) أي المقام الذي هو أرفع منك (وابتزازك) أي سلبك (لما اختزن دونك) أي منع منك وهي الإمارة، والاختزان هو جعل الشيء في الخزينة ليمنع عن الناس ولا يتناوله كل أحد (فراراً من الحق) أي وذلك لإرادتك أن تفر من الحق. (وجحوداً) أي إنكاراً (لما هو الزم لك من لحمك ودمك) ومصداق [ما] بيعة الإمام، وكونه الزم باعتبار أن توابع البيعة يلزمه حتى بعد موته وفراقه عن جسده (ممّا قد وعاه سمعك) فسمعت ببيعة الناس للإمام (وملئ به صدرك فعرفت ذلك حق المعرفة.

2) (فماذا بعد الحق إلا الضلال) ؟ إذ الإنسان إذا لم يتبع الحق صار إلى الضلال والانحراف (المبين) أي الواضح من أبان بمعنى ظهر. (وبعد البيان إلا اللبس؟) أي الخلط، فأنت لا تنكر الحق لأنه لم يبين لك، وإنما تنكره إرادة الخلط واللبس.

3) (فاحذر الشبهة) بأن توقع نفسك في الاشتباه عمداً (واشتمالها على لبستها) أي ما اشتملت عليه الشبهة من الالتباس وعدم معرفة وجه الحق، كأنه لباس على وجه الحق.

4) (أغدفت جلابيبها) يقال أغدف الليل إذا أرسل ظلمته، وجلابيب جمع جلباب، بمعنى: الثوب الأعلى الذي يغطي ما تحته أي طالما أسدلت الفتنة أغطية الباطل، فأخفت الحقيقة (وأغشت الأبصار ظلمتها) بمعنى أنها صارت غشاوة على أبصار الناس، فلم يرون الحق من الباطل.

5) (ذو أفانين من القول) جمع فن بمعنى ضروب من القول الملفق والاحتجاج التافه (ضعفت قواها عن السلم) أي ليس لها قوة لإيجاد السلم والصلح بين الجانبين (وأساطير) جمع أسطورة، بمعنى: الخرافة التي لا يعرف منشؤها (لم يحكها منه) أي لم ينسج تلك الأساطير من كتابك (علم ولا حلم) فإنَّ كتاب العليم الحليم يظهر منه رزانة صاحبه، بخلاف كتاب الجاهل ذي الطيش.

6) (كالخائض في الدهاس) الدهاس أرض رخوة يعسر فيها السير، فإذا خاض الإنسان فيها أشكل عليه الخروج منها (والخابط في الديماس) هو المكان المظلم، وخبط في سيره بمعنى: سار على غير هدى.

7) (وترقيت) أي ارتفعت في كلامك (إلى مرقبة) هو المكان العالي الذي يترقب الإنسان فيه الاطلاع على المنخفضات (بعيدة المرام) أي بعيد عنك مقصد تلك الرقبة فلا تنالها (نازحة) أي بعيدة (الأعلام) جمع علم، وهو ما ينصب في الطريق لاهتداء المارة، وكونها بعيدة يستلزم ضلال الإنسان قبل الوصول إليها (تقصر دونها الأنوق) هو طير فطن يحرز بيضه في مكان مخفي في القلل الصعبة ممّا لا تنالها الأيدي وهذا كناية عن عدم إمكان وصوله إلى ما أراده (ويحاذى بها العيوق) هو نجم بعيد يضرب ببعده المثل، يعني أن تلك المرقبة في محاذاة عيوق فلا تصل إليها يدك.

وَحَاشَ للّه أَنْ تَلِي لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدِي صَدْراً أَوْ وِرْداً، أَوْ أُجْرِيَ لَكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ عَهْداً (1!! فَمِنَ الْآنَ فَتَدَارَكَ نَفْسَكَ، وَانْظُرْ لَهَا، فَإِنَّكَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى يَنْهَدَ إِلَيْكَ عِبَادُ اللّه أُرْتِجَتْ عَلَيْكَ الْأُمُورُ، وَمُنِعْتَ أَمْراً هُوَ مِنْكَ الْيَوْمَ مَقْبُول (2)، وَالسَّلامُ.)### ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى عبد اللّه بن العباس، وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية)أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ الْمَرْةَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ، وَيَحْزَنُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ (3، فَلَا يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوعُ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاءُ غَيْظ، وَلكِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلِ أَوْ إِحْيَاءُ حَقٌّ (4). وَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ، وَأَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ وَهَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ(5).)


1) (وحاش لله) أي أنه سبحانه منزه من أن يجوز لك شرعاً (أن تلي للمسلمين بعدي صدراً أو ورداً) الورد الورود على الماء، والصدر الرجوع بعد الشرب، وهذا كناية عن توليه أي أمر منهم (أو أجري لك على أحد منهم عقداً أو عهداً) بأن تكون طرف عقد أحد، أو طرف أحد في معاهدة تؤخذ منه.

2) (فمن الآن فتدارك نفسك) بأن تعمل عملاً يوجب قربك وخلاصك (فإنك إن فرطت) أي قصرت (حتى ينهد إليك عباد اللّه) ينهد أي ينهض لحربك (ارتجت) أي أغلقت (عليك الأمور) فلم تقدر على الخروج منها (ومنعت أمراً) يعني التوبة والصلح (هو منك اليوم مقبول) قبل الشروع في الحرب.

3) (أما بعد) الحمد والصلاة (فإن المرء ليفرح بالشيء الذي لم يكن ليفوته) فإنَّ الإنسان قد يفرح بما ينال من الأشياء (ويحزن على الشيء الذي لم يكن ليصيبه) بأن يطلب شيئاً فلا يصيبه فيحزن.

4) (فليكن أفضل ما نلت في نفسك) بأن تظنه أفضل شيء نلته (من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ) بدفع مكروه أو كبت عدو (ولكن) ليكن أفضل ما نلت من الدنيا (إطفاء باطل) والإذهاب له (أو إحياء حق) بعد الاندراس.

5) (وليكن سرورك بما قدمت) من الأعمال الصالحة إلى آخرتك (وأسفك على ما خلفت) بأن لم تعمل حتى فات الوقت.

### ومن كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى قثم بن العباس، وهو عامله على مكة)أَمَّا بَعْدُ، فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّه (1، وَاجْلِسٌ لَهُمُ الْعَصْرَيْنِ، فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِي، وَعَلْمِ الْجَاهِلَ، وَذَاكِرِ الْعَالِمَ (2). وَلَا يَكُنْ لَكَ إِلَى النَّاسِ سَفِيرٌ إِلَّا لِسَانُكَ، وَلا حَاجِبٌ إِلَّا وَجْهُكَ (3). وَلَا تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا، فإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ عَنْ أَبْوَابِكَ فِي أَوَّلِ وِرْدِهَا لَمْ تُحْمَدْ فِيمَا بَعْدُ عَلَى فَضَائِهَا (4). وَانْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللّه فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قَبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ وَالْمَجَاعَةِ، مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ الْفَاقَةِ وَالْخَلَّاتِ (5)، وَمَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَقْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا. وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلَّا يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِن أَجْراً، فإنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) (6)فَالْعَاكِفُ : الْمُقِيمُ بِهِ، وَالْبَادِي : الَّذِي يَحُجُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَفَقَنَا اللّه وَإِيَّاكُمْ لِمَحَابهِ (7)وَالسَّلامُ..


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (فأقم للناس الحج) أي اهتم بشؤونه وإقامة شعائره (وذكرهم بأيام اللّه) أي الأيام التي كانت للّه فيها نعمة عظيمة، أو نقمة عظيمة.

2) (واجلس لهم العصرين) أي الغداة والعشي من باب التغليب وكان وجه التغليب أن العصر الزمان (وذاكر العالم) بالمباحثة والمدارسة.

3) (ولا يكن لك إلى الناس سفير إلا لسانك) فإذا أردت من أحد شيئاً فقل أنت ذلك، لا أن ترسل إليه سفيراً فإنَّه زاد أو نقص أو عمل ما لا ترضاه. (ولا حاجب) ومانع يمنعهم عن الوصول إليك (إلا وجهك) وهذه عبارة أخرى عن عدم جعل الحاجب إطلاقاً.

4) (ولا تحجبن) أي لا تمنعن (إن ذيدت) أي منعت (أول وردها) أي ورودها، بأن لم تقضها أول مرة (لم تحمد في ما بعد على قضائها) لأن سيئة المنع الأول تذهب بطراوة الأداء فيما بعد.

5) (فاصرفه إلى من قبلك) أي من عندك من الفقراء والمحتاجين (من ذوي العيال والمجاعة) أي الجوع (مصيباً به) أي بالمال (مواقع الفاقة) أي شدة الاحتياج (والخلات) جمع خلة، بمعنى الحاجة.

6) سورة الحج، الآية: 25.

7) (أن لا يأخذوا من ساكن أجراً) أي من يسكن في دورهم وبيوتهم، فإنَّ بيوت مكة ليست كسائر البيوت حتى يأخذ المالك الأجرة ممن يسكن داره (سواء العاكف فيه والباد) أصله [بادي] اسم فاعل من بدا بمعنى ظهر، والمراد من يأتي من الخارج (المحابه) أي مواضع محبته، وهي الأعمال الصالحة التي يحبها اللّه تعالى.

وَمن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى سلمان الفارسي رحمه اللّه قبل أيام خلافته

أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ : لَيِّنٌ مَسُّهَا، قَاتِلُ سُمُّهَا، فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا، لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا، وَضَعْ عَنْكَ هُمُومَهَا، لِمَا أَيْقَنْتَ بِهِ. مِنْ فِرَاقِهَا، وَتَصَرُّفِ حَالَاتِهَا (1)، وَكُنْ آنَسَ مَا تَكُونُ بِهَا، أَحْذَرَ مَا تَكُونُ مِنْهَا، فإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِيهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ عَنْهُ إِلَى مَحْذُورٍ (2)، أَوْ إِلَى إِبْنَاسِ أَزَالَتْهُ عَنْهُ إِلَى إِيحَاشٍ ! وَالسَّلامُ.

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحارث الهمداني

وَتَمَسَّكْ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ وَاسْتَنْصِحْهُ، وَأَحِلَّ حَلَالَهُ، وَحَرِّمْ حَرَامَهُ، وَصَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ (3)، وَاعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِن الدُّنْيَا لِمَا بَقِي مِنْهَا، فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً، وَآخِرَهَا لَا حِقٌ بِأَوَّلِهَا وَكُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ (4). وَعَظْمُ اسْمَ اللّه أَنْ تَذْكُرَهُ إِلَّا عَلَى حَقٌّ، وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (فأعرض عما يعجبك فيها) بأن لا تتناولها (لقلة ما يصحبك منها) فإنَّ الإنسان مهما بقي في الدنيا فإنَّه قليل لسرعة زوالها (وتصرف حالاتها) فتارة تعطي وتارة تأخذ فلا بقاء لها حتى يغتم الإنسان لأجل شيء فيها.

2) (وكن آنس ما تكون بها) أي كن في حالة شدة أنسك بالدنيا لإقبالها عليك (أحذر ما تكون منها) أي أشد حذراً لأنها تقلب الأوضاع في لمحة عين وتبدل اللذائذ أي أضدادها في أسرع وقت (اشخصته عنه) أي عن ذلك السرور (إلى محذور) يحذر منه الإنسان، أي أذهبت تلك المسرة وجعلت مكانها المضرة.

3) (وتمسك بحبل القرآن) كأن القرآن حبل من أخذ به رفعه إلى السماء والجنة (واستنصحه) أي اطلب النصح منه بمطالعة أحكامه وإرشاداته والعمل بها (وصدق بما سلف من الحق) لا أن تكذب به كما كذب اليهود بعيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) والنصارى بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

4) (واعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها) أي قس الباقي بالماضي فإنَّ الدنيا كلها على نهج واحد فكيف كانت سابقاً تكون فيما بعد (وكلها حائل) أي زائل.

إِلَّا بِشَرْط وَثِيقٍ (1). وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ أَوِ اعْتَذَرَ مِنْهُ. وَلَا تَجْعَلْ عِرْضَكَ غَرَضاً لِنِبَالِ الْقَوْلِ، وَلَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ، فَكَفَى بِذلِكَ كَذِباً (2). وَلَا تَرُدَّ عَلَى النَّاسِ كُلَّ مَا حَدَّثُوكَ بِهِ، فَكَفَى بِذلِكَ جَهْلاً (3). وَاكْظِمِ الْغَيْظَ، وَتَجَاوَزْ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ، وَاحْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَاصْفَحْ مَعَ الدَّوْلَةِ، تَكُنْ لَكَ الْعَاقِبَةُ (4). وَاسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللّه عَلَيْكَ، وَلَا تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اللّه عِنْدَكَ (5)، وَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اللّه بِهِ عَلَيْكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةً مِنْ نَفْسِهِ (6)وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمُ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ، وَمَا تُؤَخِّرُهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ، وَاحْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَفِيلُ رَأَيْهُ وَيُنْكَرُ


1) (وعظم اسم اللّه أن تذكره) بالحلف (إلا على حق) بأن تحلف به سبحانه محقاً (ولا تتمن الموت إلّا بشرط وثيق) أي بالإيمان والعمل الصالح، أما من يتمن الموت بلا استعداد له فهو سفيه.

2) (ولا تجعل عرضك) هو ما يخص الإنسان من أهله وذاته وحاشيته (غرضاً لنبال القول) بأن تعمل عملاً يوجب أن يسبك الناس، ونبال جمع نبل، بمعنى السهم. (ولا تحدث الناس بكل ما سمعت به) من القصص وما أشبه (فكفى بذلك كذباً) فإنَّ كثيراً ممّا يسمعه الإنسان كذب، فإذا قال الإنسان كل ما سمعه كان كاذباً.

3) (ولا ترد على الناس كل ما حدثوك به) فاللازم على القائل أن يستمع إلى كلام الناس بأدب ولا يردهم في حديثهم (فكفى بذلك جهلاً) فإنَّ الرد بالنسبة إلى ما لا يفيد رده لغو وعبث لا يصدر إلا عن جاهل.

4) (واكظم الغيظ) فلا تظهر الغضب (وتجاوز عند المقدرة) أي عند القدرة فإذا أساء إليك إنسان وقدرت على رد إساءته وعقابه فلا تفعل (واصفح مع الدولة) أي: عندما تكون لك دولة وسلطة (تكن لك العاقبة)) المحمودة.

5) (واستصلح كل نعمة أنعمها اللّه عليك) بشكرها وعدم إهمالها حتى تفسد وتضمحل (ولا تضيعن نعمة من نعم اللّه عندك) بعدم القيام بحقها.

6) (واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه) أي أفضلهم إنفاقاً لنفسه في الأعمال الصالحة الموجبة لحسن العاقبة.

عَمَلُهُ، فإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرُ بِصَاحِبِهِ (1). وَاسْكنِ الْأَمْصَارَ الْعِظَامَ فإِنَّهَا جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْذَرْ مَنَازِلَ الْغَفْلَةِ وَالْجَفَاءِ (2)وَقِلَّةَ الْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَةِ اللّه. وَاقْصُرْ رَأْيَكَ عَلَى مَا يَعْنِيكَ. وَإِيَّاكَ وَمَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ، فإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ، وَمَعَارِيضُ الْفِتَنِ (3). وَأَكْثِرُ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضّلْتَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الشَّكْرِ، وَلَا تُسَافِرُ فِي يَوْمٍ جُمُعَةٍ حَتَّى تَشْهَدَ الصَّلاةَ إِلَّا فَاصِلاً (4)في سبيل اللّه أَوْ فِي أَمْرٍ تُعْذَرُ بِهِ وَأَطِعِ اللّه فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ، فَإِنَّ طَاعَةَ اللّه فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا وَخَادِعُ نَفْسَكَ فِي الْعِبَادَةِ، وَارْفُقْ بِهَا وَلَا تَفْهَرْهَا (5)، وَخُذْ عَفْوَهَا وَنَشَاطَهَا، إِلَّا مَا كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْكَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَتَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا (6). وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّكَ (7)فِي طَلَبِ الدُّنْيَا. وإِيَّاكَ وَمُصَاحَبَةَ الْفُسَّاقِ، فَإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ


1) (من يفيل رأيه) أي يضعف في الأمور فإنَّه موجب لك الوقوع في المكاره (وينكر عمله) أي يعمل أعمالاً غير مرضية عند الناس (فإن الصاحب معتبر بصاحبه) إذ الناس ينظرون إلى المتصاحبين نظرة واحدة فيضر الصاحب وشره يسري إلى الإنسان.

2) (واسكن الأمصار العظام فإنَّها جماع (المسلمين) أي مجمعهم ومن المعلوم أن الإنسان يتمكن من الكثرة في العلم والعمل كلما كان المسلمون أكثر (واحذر منازل الغفلة) التي أهلها غافلون جاهلون (والجفاء) التي أهلها يجفون الناس لقلة آدابهم وأخلاقهم.

3) (واقصر رأيك) وفكرك (على ما يعنيك) ممّا يهمك فلا تصرفه فيما لا يعني (وإياك ومقاعد الأسواق) أي القعود في السوق (فإنها محاضر الشيطان) إذ المعاملات المحرمة إنما تؤتى فيها (ومعاريض الفتن) معاريض جمع معراض، وهو قسم من السهم، وإنما كانت الأسواق كذلك، لأنها محل للمنازعات ولإثارة الشهوات بسبب النظر إلى ما لا يحل.

4) (وأكثر أن تنظر إلى من فضلت عليه) في المال والجهات الدنيوية، بأن تنظر إلى من دونك في المال والجاه (فإن ذلك من أبواب الشكر) فإنَّ الإنسان إذا نظر إليه شكر نعم اللّه على نفسه (إلا فاصلاً) أي خارجاً ذاهباً.

5) (وخادع نفسك في العبادة) بأن تسلب من وقتك في غفلة من النفس لأجل إتيان عبادة اللّه سبحانه (وارفق بها ولا تقهرها) بأن تكثر من العبادة حتى تفرط فيها، فإنَّ ذلك موجب لكبت النشاط وعدم الإقبال وحضور القلب.

6) (وخذ عفوها) أي وقت فراغ النفس (ونشاطها) أي ارتياحها لأن تعبد في مثل هذه الأوقات ليكون الإقبال أكثر (وتعاهدها عند محلها) سواء كانت النفس نشطة أم لا.

7) (وأنت آبق من ربك) فإنَّ العاصي كالآبق فكلاهما يخاف الطلب والعقوبة.

مُلْحَقِّ، وَوَفِّرِ اللّه، وَأَحْبِبْ أَحِبَّاءَهُ. وَاحْذَرِ الْغَضَبَ، فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ، وَالسَّلَامُ.

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى سهل بن حنيف الأنصاري، وهو عامله على المدينة

إلى سهل بن حنيف الأنصاري، وهو عامله على المدينة، في معنى (1)قوم من أهلها لحقوا بمعاوية

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَا تَأْسَفْ عَلَى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ، وَيَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ، فَكَفَى لَهُمْ غَيّاً، وَلَكَ مِنْهُمْ شَافِياً (2)، فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَإِيضَاعُهُمْ إِلَى الْعَمَى وَالْجَهْلِ، وَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا، وَمُهْطِعُونَ إِلَيْهَا، وَقَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَرَأَوْهُ، وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الْحَقِّ أُسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَةِ(3)فَبُعْداً لَهُمْ وَسُحْقاً !! إِنَّهُمْ - وَاللّه - لَمْ يَنْفِرُوا مِنْ جَوْرٍ، وَلَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ، وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هَذَا الْأَمْر أَنْ يُذَلَّلَ اللّه لَنَا صَعْبَهُ، وَيُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ (4)، إِنْ شَاءَ


1) قوله في (معنى) أي أن الكتاب في هذا الصدد.

2) (يذهب عنك من مددهم) أي إمدادهم لك ونصرتهم إياك (فكفى) تسللهم (لهم غياً) وضلالاً إذا التحقوا بمثل معاوية. (ولك منهم شافياً) إذ من كان هواه مع معاوية يكون كالمرض الذي إذا بقي يسري إلى سائر الناس بالإضلال والوسوسة.

3) (وإيضاعهم) أي إسراعهم (فهربوا إلى الأثرة) أي الاختصاص بالمنفعة، فإنَّ معاوية كان يعطي للأقوياء أكثر من الضعفاء.

4) (فبعداً لهم وسحقاً) السحق بمعنى البعد وهذا دعاء عليهم بأن يبعدهم اللّه عن رحمته (لم ينفروا من جور) ظلم (ولم يلحقوا بعدل) إذ لا عدل عند معاوية (وإنا لنطمع في هذا الأمر) أي أمر الفتنة التي أحدثها معاوية (أن يذلل اللّه لنا صعبه) كناية عن استئصال شأفة معاوية (ويسهل لنا حزنه) أي خشونته.

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى المنذر بن الجارود العبدي، وقد خان في بعض ما ولاه من أعماله

أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ صَلاحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ (1)، وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ، وَتَسْلُكُ سَبِيلَهُ، فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لَا تَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً، وَلَا تُبْقِي لِآخِرَتِكَ عَتَادا (2). تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ. وَلَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً، لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ (3)، وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلِ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ، أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ، أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ، أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ، أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى خِيَانَةٍ (4)، فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا، إِنْ شَاءَ اللّه.

قال الشريف الرضي (رَحمهُ اللّه) : والمنذر هذا هو الذي قال فيه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): [ إنه لنظار في عطفيه ] أي كثير النظر في جانبيه عجباً وخيلاء، وعطف بمعنى: الجانب [ مختال في برديه] المختال المعجب المتكبر والبردان الثوبان اللذان يلبسهما الإنسان، مئزراً، ورداءً [تفال في شراكيه] التفل البصق لأجل التنظيف والشراكين سير النعل وهذه الجمل عبارة عن أنه متكبر مقبل على نفسه، ومثله لا يصلح في الإمارة.


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (فإن صلاح أبيك غرني منك) أي الشيء الذي غرني منك فظننت أنك مثل أبيك في الصلاح ولا يخفى أن أعمال الأئمة كانت جارية على حسب الظاهر كما أن أقوالهم كانت بتلك المثابة وإلا فالإمام يعلم الواقع وليس يغر.

2) (وظننت أنك تتبع هديه) أي طريقته الصالحة (فيما رقي إلي عنك) أي رفع إلي من جانبك (لا تدع لهواك انقياداً) بل تنقاد إلى الهوى في كل ما يأمرك به (عتاداً) العتاد هو الذخيرة المعدودة لوقت الحاجة.

3) (ولئن كان ما بلغني عنك حقاً لجمل أهلك) أي بعيرهم وهو مثل يضرب الذلة، لأنه يحمل عليه، وينضح به، ويحمل المتاع، فهو ذليل في أيديهم (وشسع نعلك) الشسع سير بين الإصبع الوسطى والتي تليها في النعل العربية، ولا قيمة معتدة له (خير منك) لأنهما لا يستحقان النار والمعاد.

4) (فليس بأهل أن يسد به ثغ)ر الثغر الحد بين بلد الدولة وبين بلاد الأعداء (أو ينفذ به أمر) أي يكون منفذاً له (أو يعلى له قدر) بأن يرفع شأنه (أو يشرك في أمانة) بأن يكون أميناً (أو يؤمن على خيانة) أي على دفع خيانة.

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عبد اللّه بن العباس

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَكَ (1)، وَلَا مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ، وَاعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ، وَأَنَّ الدُّنْيَا دَارُ دُولٍ، فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ (2).

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى معاوية

أَمَّا بَعْدُ، فإنّي عَلَى التَّرَدُّدِ فِي جَوَابِكَ، وَالاسْتِمَاع إِلَى كِتَابِكَ، لَمُوَهّنٌ رَأْيِي وَمُخَطَّى فِرَاسَتِي (3). وَإِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي الْأُمُورَ وَتُرَاجِعُنِي السُّطُورَ (4)، كَالْمُسْتَنْقِلِ النَّائِمِ تَكْذِبُهُ أَحَلَامُهُ، وَالْمُتَحَيِّرِ الْقَائِمِ يَبْهَظُهُ مَقَامُهُ، لَا يَدْرِي أَلَهُ مَا يَأْتِي أَمْ عَلَيْهِ، وَلَسْتَ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شَبيهٌ (5). وَأُقْسِمُ بِاللّه إِنَّهُ لَوْلَا بَعْضُ


1) (أما بعد) الحمد والصلاة (فإنك لست بسابق أجلك) بأن تفر منه فلا يلحقك.

2) (وأن الدنيا دار دول) جمع دولة، بضم الدال، فإنَّ السعادة في الدنيا تتداول من يد إلى يد (فما كان منها لك أتاك على ضعفك) وقلة حيلتك (وما كان منها عليك) وفي ضررك (لم) تتمكن أن (تدفعه بقوتك) فلا تحاول شيئاً لا يكون ولا تحزن وتهتم - إلّا بقدر عقلائي -.

3) (أما بعد) الحمد والصلاة (فإني على التردد في جوابك) أي ردي لكل كتاب تكتبه، من ترددت إلى فلان بمعنى رجعت إليه مرة بعد أخرى (لموهن رأيي) أي مضعف لرأيي، فإنَّ الأجدر أن لا أجيبك، فإنَّ الناس إذا رأوا أني أجيبك نسبوني إلى ضعف الرأي، وذلك يكون (ومخطئ بسببي فراستي) فإنَّ فراستي أنك لا ينفع معك الكلام والكتاب، فإذا كتبت إليك، كان الظاهر لدى الناس من ذلك أني أرجو فيك، فينسبون فراستي إلى الخطأ.

4) (وإنك إذ تحاولني الأمور) المحاولة المطالبة، والتماس طريق الوصول إلى الغاية، والمعنى إذ تطلب مني بعض غاياتك، كولاية الشام وما أشبهها (وتراجعني السطور) أي تطلب مني أن أرجع إلى جوابك بالسطور.

5) (كالمستثقل النائم) أي كالنائم نوماً ثقيلاً (تكذبه أحلامه) أي كالنائم الذي يحلم ويرى أنه نال شيئاً مطلوباً فإذا انتبه رأى أنه كان كذباً (والمتحير القائم) أي القائم الواقف في تحيره (يبهظه مقامه) أي يثقله ويشق عليه كونه في الحيرة لأنه لا يدري ماذا يصنع يصنع (لا يدري اله ما يأتي) ويفعل (أم عليه) ؟ وهكذا أنت كالمتحير في أعمالك (ولست به) بالتحير، لأنك تدري ما لك وما عليك (غير أنه بك شبيه) وهذا إما من عكس التشبيه، أو من باب أن المتحير أهون عاقبة من مثل معاوية الذي عاقبته وخيمة، والأضعف يشبه بالأقوى.

الاِسْتِبْقَاءِ، لَوَصَلَتْ إِلَيْكَ مِنِّي قَوَارِعُ، تَقْرَعُ الْعَظْمَ، وَتَهْلِسُ اللَّحْمَ (1)، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ تَبَطَكَ عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ، وَتَأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِيحَتِكَ (2)، وَالسَّلَامُ لِأَهْلِهِ.

وَمِن حلف لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتبه بين ربيعة واليمن، ونقل من خط هشام بن الكلبي

هذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَنِ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا، وَرَبيعَةُ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا (3)، أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ اللّه يَدْعُونَ إِلَيْهِ، وَيَأْمُرُونَ بِهِ، وَيُجِيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ، لَا يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً وَلَا يَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلاً، وَأَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ (4)، عَلَى مَنْ خَالَفَ ذلِكَ وَتَرَكَهُ، أَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، لَا يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَةِ عَاتِبٍ (5)، وَلَا لِغَضَبِ غَاضِبٍ، وَلَا لِاسْتِذْلَالِ قَوْمٍ قَوْماً، وَلَا لِمَسَبَّةِ قَوْم قَوْماً ! عَلَى ذلِكَ شَاهِدُهُمْ وَغَائِبُهُمْ، وَسَفِيهُهُمْ وَعَالِمُهُمْ، وَحَلِيمُهُمْ وَجَاهِلُهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْهِمْ بِذلِكَ عَهْدَ اللّه وَمِيثَاقَهُ [إِنَّ عَهْدَ اللّه كَانَ مَسْؤُولاً ] (6)وكتب : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالب.


1) (لولا بعض الاستبقاء) أي إبقائي لك، وعدم إرادتي لإهلاكك (لوصلت إليك مني قوارع) جمع قارعة المصيبة التي تنزل على الإنسان بشدة، وكأنها تقرعه كما تقرع الباب (تقرع العظم) أي وهي تكسره (وتهلس اللحم) أي تذيبه وتنهكه.

2) (قد) ثبطك) أي أقعدك (عن أن تراجع أحسن أمورك) أي من مراجعة أحسن الأمور لك، وهي الطاعة لولي الأمر (وتأذن لمقال نصيحتك) أي، وعن أن تسمع لمقالنا في نصيحتك وإرشادك.

3) (كتبه بين ربيعة واليمن) وهما قبيلتان كانت بينهما منافسة وطالت إلى زمن العباسيين (حاضرها وباديها) أي أهل المدن منها وأهل الصحراء.

4) (لا يشترون به ثمناً) أي لا يتركون القرآن لأجل ما رجاه (وأنهم يد واحدة) أي كاليد الواحدة التي لا يمكن التفرق في عملها، أو المراد باليد [القوة] (دعوتهم واحدة) إلى الكتاب والسنة.

5) (لا ينقضون عهدهم لمعتبة عاتب) أي عتاب أحد لهم: بأنهم كيف عاهدوا مع ما بينهم من العداوة والشحناء؟

6) (ثم إن عليهم بذلك) العهد، و[ثم] لترتيب الكلام، لا لترتيب الخارج (عهد اللّه وميثاقه) فاللّه سبحانه طرف العهد حتى يكون النقض نقضاً لعهد اللّه، والميثاق هو العهد الأكيد (إن عهد اللّه كان مسؤولاً) يسأل عنه يوم القيامة، هل وفى به أم لا؟

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى معاوية في أول ما بويع له، ذكره الواقدي في كتاب (الجمل)

مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينِ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَلِمْتَ إِعْذَارِي فِيكُمْ، وَإِعْرَاضِي عَنْكُمْ، حَتَّى كَانَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا دَفْعَ لَهُ (1)، وَالْحَدِيثُ طَوِيلٌ، وَالْكَلَامُ كَثِيرٌ، وَقَدْ أَدْبَرَ مَا أَدْبَرَ، وَأَقْبَلَ مَا أَقْبَلَ. فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ (2). وَأَقْبَلْ إِلَيَّ فِي وَقْدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ. وَالسَّلَامُ.

ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعبد اللّه بن العباس، عند استخلافه إياه على البصرة

سع النَّاسَ بِوَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَحُكْمِكَ، وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فإنَّهُ طَيْرَة (3)مِنَ الشَّيْطَانِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ إِلَى اللّه يُبَاعِدُكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا بَاعَدَكَ مِنَ اللّه يُقَرِّبُكَ مِنَ النَّارِ.

وَمن وَصيَّة لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعبد اللّه بن العباس، لما بعثه للاحتجاج على الخوارج

لَا تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ، فإنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهِ، تَقُولُ وَيَقُولُونَ (4)،


1) (أما بعد) بعد الحمد والصلاة (فقد علمت إعذاري فيكم) إقامتي على ما يعذرني ولا يوقع اللوم علي في أمركم بني أمية، في قصة عثمان (وإعراضي عنكم) فلم أكن في جملة المحرضين على قتل عثمان، بل أعرضت عن ذلك (حتى كان ما لابد منه) ممّا قدر من قتله (ولا دفع له) إذ لا يتمكن الإنسان من دفع المقدور.

2) (وقد أدبر ما أدبر) أي مضى ما مضى ممّا صدر في الفتنة (وأقبل ما أقبل) من بيعة الناس لي (فبايع من قبلك) أي خذ البيعة لي ممن عندك من أهل الشام.

3) (سع الناس بوجهك ومجلسك وحكمك) أي أطلق وجهك، وأحسن مجلسك، وأعدل في حكمك حتى تسع الناس جميعاً (فإنه طيرة) أي شؤم.

4) (لا تخاصمهم) ولا تحاججهم يابن عباس (بالقرآن) بأن تستدل بآياته على أحقية الإمام بالخلافة وإن ما تأتي به كان مرضاة اللّه سبحانه (فإن القرآن حمال) أي كثير الاحتمال لمعاني مختلفة (ذو وجوه) أي احتمالات (تقول) أنت معنى (ويقولون) هم معنى آخر حسب أفكارهم وأهوائهم.

وَلَكِنْ حَاجِجُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فإنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً (1).

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أبي موسى الأشعري جوابا في أمر الحكمين

إلى أبي موسى الأشعري جوابا في أمر الحكمين، ذكره سعيد بن يحيى الأموي في كتاب (المغازي)

فإِنَّ النَّاسَ قَدْ نَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ حَظِّهِمْ (2)، فَمَالُوا مَعَ الدُّنْيَا، وَنَطَقُوا بِالْهَوَى وَإِنِّي نَزَلْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَنْزِلاً مُعْجِباً اجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (3)، فإِنِّي أُدَاوِي مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ يَكُونَ عَلَقاً (4). وَلَيسَ رَجُلٌ - فَاعْلَمْ - أَحْرَصَ عَلَى أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَأُلْفَتِهَا مِنِّي، أَبْتَغِي بِذَلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ، وَكَرَمَ الْمَآبِ(5). وَسَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِي، وَإِنْ تَغَيَّرْتَ عَنْ صَالِحٍ مَا فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ (6)، فإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا


1) (ولكن حاججهم بالسنة) الواردة عن الرسول مثل [ علي مع الحق والحق مع علي] (فإنهم لن يجدوا عنها محيصا) أي مهرباً لصراحة السنة في المعنى، دون القرآن، فقد جعل فيه سبحانه [متشابهات] لامتحان الناس.

2) (قد تغير كثير منهم عن كثير من حظهم) أي انقلبوا عن حظوظهم الحقيقية وهي السعادة الأبدية بنصرة الدين ونبذ الأهواء.

3) (وإني نزلت من هذا الأمر) أي أمر الخلافة (منزلاً معجباً) أي موجباً للتعجب، كيف دخل الناس في طاعتي مختارين، ثم انقلب جمع منهم وخرجوا عن الطاعة بلا سبب ؟ (اجتمع به) أي بقص هذا الأمر - والضمير عائد إلى ما يفهم من الكلام – (أقوام أعجبتهم أنفسهم) تاركين الحق وراءهم، فهم يعملون بآرائهم.

4) (فإنى أداوي منهم قرحا) أي جراحة في باطنهم، وهو النفاق (أخاف أن يكون علقا) العلق هو الدم الغليظ الجامد، ومتى صار في الجرح مثل هذا الدم صعب علاجه.

5) (الفتها) واتحاد كلمتها (أبتغي) أي أطلب (وكرم المآب) أي المرجع الكريم، من آب بمعنى رجع، والمراد الرجوع إلى اللّه سبحانه.

6) (وسأفي بالذي وأيت) أي وعدت وحلفت وقررت (على نفسي) من اتباع الكتاب والسنة مهما كلف الأمر (وإن تغيرت) يا أبا موسى (عن صالح ما فارقتني عليه) أي انقلبت أنت عن الرأي الصالح الذي صار مقرراً أن تعمل به أي إنا باقون على عهدنا، وإن خنت أنت في العهد، بأن غرك ابن العاص وخدعك.

أُوتِيَ مِنَ الْعَقْلِ وَالتَّجْرِبَةِ (1)، وَإِنِّي لَأَعْبَدُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ بِبَاطلٍ، وَأَنْ أُفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ اللّه (2). فَدَعْ مَا لَا تَعْرِفُ، فإِنَّ شِرَارَ النَّاسِ طَائِرُونَ إِلَيْكَ (3)بِأَقاويل السُّوءِ، وَالسَّلَامُ.

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما استخلف، إلى أمراء الأجناد

أَمَّا بَعْدُ، فإنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ (4)، وَأَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ (5).


1) (فإن الشقي من حرم نفع ما أوتي) أي تكون شقياً أنت إذ قد حرمت من نفع ما أعطاك اللّه (من العقل والتجربة) فقد عرفت الأمور، وجربت الناس، فلا تخدع بابن العاص.

2) (وإني لأعبد) أي أغضب من [عبد] كغضب، لفظاً ومعنى (أن يقول قائل بباطل) كما تقول أنت أو أنه تأكيد لقوله [سأفي] أي لا أقول الباطل (وأن أفسد أمراً قد أصلحه اللّه) وبينه، بأن أمشي في غير طريق الشرع، فإنَّ أحكام اللّه سبحانه إصلاح للاجتماع، ومخالفتها إفساد للناس.

3) (فدع) يا أبا موسى (ما لا تعرف) أي لا تتكلم بما لا تعلم ولا تعمل بالشبهة (فإن شرار الناس طائرون إليك) أي أتون كالطير في السرعة، لئلا يفوتهم الأمر.

4) كتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الكتاب لما بايعه الناس بالخلافة، وإنما كتبه وصية لهم باتباع الحق وترك الباطل. (أما بعد) الحمد والصلاة (فاشتروه) أي فاضطر الناس لشراء الحق منهم بالرشوة والعصيان، أو معنى فاشتروه فباعوه، بأن تركوا الحق وأخذوا الباطل.

5) (وأخذوهم بالباطل) أي أجبروهم على أن يأتوا بالأعمال الباطلة (فاقتدوه) أي اقتدوا بالباطل واتبعوه، وهذا ما يسبب لكم يا أمراء الأجناد أن تعملوا بالحق، إن أحببتم البقاء، وحسن الذكر، اعتباراً بالأمم الهالكين.

حكم أمير المؤمنين

إشارة:

باب المختار من حكم أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)

(ويدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله والكلام القصير الخارج في سائر أغراض (عَلَيهِ السَّلَامُ)ه)، وحكم جمع حكمة، وهي الكلمة التي توجب بصرة ومعرفة، والمختار: يعني ما اختاره الشريف، لإدراجه في الكتاب.

1 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ (1).

2 – وقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ، وَرَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَف عَنْ ضُرِّهِ، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ (2).

3 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْبُخْلُ عَارٌ، وَالْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَالْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَالْمُقِلُ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ (3)، وَالْعَجْرُ آفَةٌ، وَالصَّبْرُ شَجَاعَةٌ، وَالزُّهْدُ ثَرْوَةٌ، وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ (4).


1) (كابن اللبون) هو ابن الناقة إذا استكمل سنتين (لا ظهر) له قوي يتحمل (فيركب) فيكون قابلاً لركوب الناس (ولا) له (ضرع) ولبن (فيحلب) أي يحلبونه الناس، والمراد تجنب الفتنة.

2) (أزرى بنفسه) أي حقرها (من استشعر الطمع) أي أخفى الطمع في باطنه وتخلف به إذ الناس يذلون الطامع (من كشف عن ضره) بأن بين للناس ضره وفاقته (وهانت عليه نفسه من أمر عليها) أي على نفسه (لسانه) بأن جعله أميراً، يقول بلا روية، فيقع في المشكلة ممّا يوجب إتعاب جسده لتنفيذ ما وعد والخلاص ممّا تكلم، وهذا كناية عن لزوم سجن اللسان حتى لا يتكلم بما يوقع الإنسان في المشكلة.

3) (والفقر يخرس الفطن عن حجته) فلا يقدر أن يتكلم، لأنه يعلم أن الناس لا يصغون إلى كلامه (والمقل) أي قليل المال (غريب في بلدته) إذ يعامل معه معاملة الغرباء.

4) (والعجز) أي التعاجز عن أداء الحقوق (آفة) أي بلاء على الإنسان (والورع جنة) أي وقاية للإنسان عن مكاره الدنيا والآخرة.

4 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): نِعْمَ الْقَرِينُ الرِّضَى وَالْعِلْمُ وِراثَةٌ كَرِيمَةٌ (1)، وَالْآداب حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ، وَالْفِكْرُ مِرْأَةٌ صَافِيَةٌ (2).

5 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): صَدْرُ الْعَاقِلِ صُندُوقُ سِرِّهِ، وَالْبَشَاشَةُ حِبَالَةُ الْمَوَدَّةِ، وَالاحْتِمَالُ قَبْرُ الْعُيُوبِ (3). وروي أنه قال في العبارة هذا المعنى أيضاً: وَالْمُسَالَمَةُ خِبَاءُ الْعُيُوبِ، وَمَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثرَ السَّاخِطُ عَلَيْهِ (4).

6 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ، وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ فَي عَاجِلِهِمْ، نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجِلِهِمْ (5).

7 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): اعْجَبُوا لِهَذَا الْإِنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ (6)، وَيَسْمَعُ بِعَظْمٍ، وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمٍ (7)!!


1) (نعم القرين) أي المقارن للإنسان (والعلم وراثة كريمة) فكما أن الإرث يوجب غنى الورثة، كذلك العلم يوجب غنى الإنسان، أو المراد أن من ورث علماً فقد ورث شيئاً كريماً، لأنه يوجب حسن ثناء الناس له.

2) (والآداب حلل مجددة) حلل جمع حلة، وهي: الثوب الجديد فكما أن من لبس الحلل يعظم عند الناس، كذلك ذو الأدب، وكلما تأدب الإنسان كان كلابس حلة جديدة (والفكر مرآة صافية) غير كدرة، فكما ترى المرآة وجه الإنسان والمواضع التي لا تصل إليها عينه، من سائر جسده كذلك الفكر، يري الإنسان ما خفي عليه ابتداء.

3) (والبشاشة) أي ملاقاة الناس بوجه طلق (حبالة المودة) أي ممّا توجب حب الناس للبشوش، كما تأتي الحبالة - وهي الشبكة - بالصيد (والاحتمال) للمكاره (قبر العيوب) فإنَّ الإنسان إذا لم يظهر المكروه الذي وصل إليه، خفى عيبه عند الناس، كالقبر الذي يستر البدن.

4) (والمسالمة) مع الناس بعدم إغضابهم بقول أو عمل (خباء العيوب) فإنَّ الشخص لا يظهر عيب من سالمه، وإنما يظهر عيب من عاداه.

5) (دواء منجح) أي يوجب نجاح الإنسان في مهامه (وأعمال العباد في عاجلهم) أي في الدنيا التي هي عاجلة (نصب أعينهم) أي أمام أعينهم (في أجلهم) أي في الآخرة، فمن عمل خيراً رآه، ومن عمل شراً رآه.

6) (ينظر بشحم) فإنَّ العين خلقت من الشحم (ويتكلم بلحم) أي بواسطة لحم اللسان.

7) (ويسمع بعظم) أي عظم الأذن يضربه موج الهواء فيقرع عصب الصماخ، ويكون السمع من ذلك (ويتنفس من خرم) أي من شق الأنف والفم.

8 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أَحَدٍ أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ (1)سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ (2).

9 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): خَالِطُوا النَّاسَ (3)مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ.

10 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (4).

11 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجِزَ عَنِ اكْتِسَابِ الْإِخْوَانِ، وَأَعْجَرُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ.

12 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلَا تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا (5)بِقِلَّةِ – الشكر.

13 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ ضَيَّعَهُ الْأَقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الْأَبْعَدُ (6).

14 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا كُلُّ مَفْتُونِ يُعَاتَبُ (7).

15 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): تَذِلُّ الْأُمُورُ لِلْمَقَادِير، حَتَّى يَكُونَ الْحَتْفُ فِي التَّدْبِيرِ (8).


1) (أعارته) أي أعطته بالعارية (محاسن غيره) فالديار التي بناها الغير، والأموال التي ادخرها الغير والجاه الذي كافح لأجله الغير، تعطى له.

2) (سلبته محاسن نفسه) حتى أنه يسلب ماله الذي جمعه، ويؤخذ منه المنصب الذي كد وتعب لأجله.

3) (خالطوا الناس) أي عاشروهم.

4) (فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه) فإنَّ القدرة من نعم اللّه سبحانه، وكل نعمة تحتاج إلى الشكر، والعفو عن العدو شكر.

5) (أطراف النعم) أي أوائلها فكان النعم أشياء ممتدة طويلة، يصل إلى الإنسان أولاً أطرافها (فلا تنفروا) أي لا تبعدوا وتشردوا (أقصاها) أي أواخر النعم.

6) (من ضيعه الأقرب) إليه من قرابة نسب وسبب بأن تركه ولم يأبه به (أتيح) أي قدّر (له الأبعد) فيأتي الأبعدون ليتولوا أمره، يحفظوه ويساعدوه.

7) (ما كل مفتون) أي داخل في الفتنة (يعاتب) أي يوجه إليه اللوم، لأنه قد يدخل الإنسان في الفتن اضطراراً لا باختيار.

8) (تذل الأمور للمقادير) أي أن الأمور التي يأتي بها الإنسان، إنما هي مطيعة للتقدير والتقدير معناه علم اللّه سبحانه بما يكون في الكون، لا أن القدر يجبر الإنسان، أو أن علمه علة للمعلوم (حتى يكون الحتف) أي هلاك الإنسان (في التدبير) أي في الأمر الذي يدبره بظنّ المنفعة جاهلاً بأنّه سبب هلاكه.

16 – وسئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهوا بالْيَهُودِ) (1)فَقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّمَا قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ذَلِكَ وَالدِّينَ قُل، فَأَمَّا الْآنَ وَقَدْ َاتَّسَعَ نِطَاقُهُ (2)، وَضَرَبَ بِجِرَانِهِ، فَامْرُؤٌ وَمَا اخْتَارَهُ (3).

17 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الذين اعتزلوا القتال معه : خَذَلُوا الْحَقَّ، وَلَمْ يَنْصُرُوا الْبَاطِلَ.

18 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ جَرَى فِي عِنَانِ أَمَلِهِ عَشَرَ بِأَجَلِهِ (4).

19 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَقِيلُوا ذَوِي الْمُرُوءَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، فَمَا يَعْتُرُ مِنْهُمْ عَاثِرٌ إِلَّا وَيَدُ اللّه فِي يَدِهِ (5)يَرْفَعُهُ.

20 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ، وَالْحَيَاء بِالْحِرْمَانِ، وَالْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فَانتَهِزُوا فَرَصَ الْخَيْر (6).

21 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَنَا حَقٌّ، فإنْ أُعْطِينَاهُ، وَإِلَّا رَكِبْنَا أَعْجَازَ الْإِبِلِ، وَإِنْ طالَ السُّرَى (7).


1) (غيروا الشيب) أي الشعر الأبيض في اللحية، وتغيره بالحناء ونحوه (ولا تشبهوا باليهود) الذين يتركون لحاهم بيضاء.

2) (والدين قل) أي قليل بقلة أنصاره (فأما الآن وقد اتسع نطاقه) النطاق الحزام العريض واتساعه كناية عن انتشاره وكثرة المسلمين.

3) (وضرب بجرانه) جران البعير مقدم عنقه، يضرب به على الأرض إذا نام واستراح، وهذا كناية عن قوة الإسلام الباعثة لاطمئنانه وعدم خوف أهله من الأعداء (فـ) كل (امرؤ وما اختاره) الخضاب أو الترك.

4) (من جرى في عنان أمله) بأن سار في آماله، يتمنى المستقبل المشرق بدون أن يعمل له (عثر بأجله) أي سقط في أجله بالموت قبل أن يبلغ شيئاً ممّا يريد، وعنان سير اللجام تمسك به الدابة.

5) (أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم) العثرة السقطة، وإقالتها إغماض العين عنها، فإذا عمل ذو مروءة عملاً غير لائق فأغمضوا عنه العين ولا تفضحوه (إلا ويد اللّه في يده) كناية عن كونه سبحانه معه - جزاء لمروته السابقة.

6) (قرنت الهيبة بالخيبة) فمن تهيب أمراً خاب من إدراكه (والحياء بالحرمان) فمن أفرط من الخجل في شيء لم ينله (فانتهزوا) أي أدركوا.

7) (لنا حق) في الخلافة والإمارة (فإن أعطيناه) فهو (وإلا) لفظ (ركبنا أعجاز الإبل) أي تحملنا المشاق في سبيل الوصول إليه فإنَّ ركوب مؤخر الإبل ممّا يصعب على الإنسان (وإن طال السرى) أي المسير ممّا يوجب أكثرية المشقة، هذا ما يظهر من هذه الحكمة، لكن الشريف فسره هكذا: وهذا من لطيف الكلام وفصيحه ومعناه: إنما إن لم نعط حقنا كنا أذلاء، وذلك أن الرديف يركب عجز البعير كالعبد والأسير ومن يجري مجراهما، واللّه العالم بمراد أوليائه.

22 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بَهَ نَسَبُهُ (1).

23 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مِنْ كَفَّارَاتِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ، وَالتَّنْفِيسُ عَنِ الْمَكْرُوبِ (2).

24 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): يَا بْن آدَمَ، إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ (3).

25 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ (4).

26 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِمْشِ بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ (5).

27 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَفْضَلُ الزُّهْدِ إِخْفَاءُ الزُّهْدِ.

28 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبارِ، وَالْمَوتُ فِي إِقْبَالٍ، فَمَا أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى (6)!

29 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْحَذَرَ الْحَذَرَ! فَوَاللّه لَقَدْ سَتَرَ، حَتَّى أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ (7).


1) (من أبطأ به عمله) بأن لم يعمل عملاً موصلاً له إلى الخير والسعادة (لم يسرع به نسبه) فإنَّ نسبه الرفيع لا يلحقه بصفوف العاملين.

2) (إغاثة الملهوف) أي المظلوم، وإغاثته رفع الظلم عنه (والتنفيس) أي التفريج (عن المكروب) الذي وصل إليه كرب وغم.

3) (يتابع عليك نعمه) أي يتفضل عليك بنعمة إثر نعمة (فاحذره) أي خف منه أن يكون التتابع لأجل أن تزيد إثماً.

4) (ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه) جمع فلتة بمعنى ما يصدر من الإنسان بدون التفات وإرادة خاصة (وصفحات وجهه) فإنَّه إذا رأى مرغوباً أو سمع به تهلل وجهه.

5) (امش بدائك) أي سايره ولا تطلب له دواءً (ما مشى بك) ولم يوقعك في أنية، وذلك لأن الأدوية غالباً تسبب أمراضاً جديدة.

6) (إذا كنت في إدبار) من عمرك، لأن في كل يوم يبتعد الإنسان عن الدنيا بقدر يوم (والموت في إقبال) بأن أخذ يقبل إليك، لأن الموت في كل يوم يتقدم إلى الإنسان بمقدار يوم. (فما أسرع الملتقى) بينك وبين الموت.

7) (الحذر الحذر) من المعاصي، والتكرار للتأكيد (فواللّه لقد ستر) اللّه المعاصي (حتى كأنه قد غفر) والحال أنه لم يغفر، وإنما ستر وعن قريب يؤاخذ بالسيئات حيث لا مفر ولا رجوع، وهذا تحذير من العصيان.

30 - وَسُئِل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَنِ الْإِيمَانِ، فَقَالَ: الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الصَّبْرِ، وَالْيَقِينِ، وَالْعَدْلِ وَالْجِهَادِ. وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلَى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالزُّهْدِ، وَالتَّرَقُبِ : فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا(1)عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ، وَمَنْ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ (2). وَالْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ(3)، وَتَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ (4)، وَسُنَّةِ الْأَوَّلِينَ (5). فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ (6)، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَة (7)، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ (8). وَالْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَب عَلَى غَائِصِ الْفَهْمِ، وَغَوْرِ الْعِلَمِ (9)، وَزُهْرَةِ الْحُكْم،


1) (الإيمان على أربع دعائم) جمع دعامة بمعنى العمود (والصبر منها على أربع شعب) جمع شعبة بمعنى القسم: أي على أربعة أقسام (على الشوق) إلى الجنة (والشفق) أي الخوف (والترقب) أي الترصد للموت (سلا) أي ابتعد.

2) (استهان بالمصيبات) أي عدها هيئة (ومن ارتقب الموت) وانتظره (سارع إلى الخيرات) لثلا تفوته الفرصة بالموت.

3) (على أربع شعب) أي على أربعة أقسام (على تبصرة الفطنة) الفطنة الذكاء، وتبصرتها أي التبصرة الناشئة منها.

4) (وتأوّل الحكمة) أي الوصول إلى الدقائق التي تؤول وتنتهي إليها الحكمة والحكمة هي معرفة وضع الأشياء مواضعها (وموعظة العبرة) العبرة ممّا يسبب اعتبار الإنسان ودركه الضار من النافع - بسبب ما يرى من الأحداث والتقلبات.

5) (وسنة الأولين) أي معرفة طريق الأولين من الأنبياء والصالحين حتى يتبعها الإنسان.

6) (فمن تبصر في الفطنة) أي في ذكائه ومعرفته للأمور (تبينت له) أي ظهرت له (الحكمة) بأن عرف مواضع الأشياء.

7) (ومن تبينت له الحكمة عرف العبرة) إذ العارف بمواضع الأشياء يتمكن من أن يدرك مواضع الاعتبار منها.

8) (ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين) إذ هو باكتسابه منهم مواضع الخطأ والصواب فكأنه كان فيهم ورأى ماذا عملوا، وماذا أنتج عملهم.

9) (على غائص الفهم) أي الفهم الغائص في الأمور، فإنَّه بدون الفهم لا يكون عدل (وغور العلم) أي العلم الذي يغور في باطن الأشياء.

وَرَسَاخَةِ الْحِلْمِ (1)، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ، وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الْحُكْم (2)، وَمَنْ حَلْمَ لَمْ يُفَرِّطُ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيد (3). وَالْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ(4)، وَشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ : فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ (5)ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْكَافِرِينَ، وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ (6)، وَمَنْ شَنِئ الْفَاسِقَينَ وَغَضِبَ لِلَّهِ، غَضِبَ اللّه لَهُ وَأَرْضَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (7).

31 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُع، وَالزّيغ، وَالشَّقَاقِ (8): فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلَى الْحَقِّ (9)، وَمَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْجَهْلِ


1) (وزهرة الحكم) أي حسن الحكم بأن يتمكن من أن يحكم على الأشياء بالحكم الحسن المطابق للواقع (ورساخة الحلم) أي أن يكون له حلم راسخ ثابت حتى إذا عصى عليه الفهم أو التطبيق حلم حتى يصل إلى معرفة العدل في الأمر، ويتمكن من تطبيقه.

2) (فمن فهم) أي كان له فهم حاد (علم غور العلم) أي باطنه وسره، أي أنه يدرك عمق الأشياء (صدر عن شرائع الحكم) شرائع جمع شريعة، وهو المحل الذي على الماء يرده الشارب، وصدر أي رجع رياناً بعد وروده، أي أنهل من منهل الحكم عن صدر عارف بالأحكام.

3) (لم يفرط في أمره) بالزيادة أو النقصان بل أخذ العدل والوسط (وعاش في الناس حميداً) لأن العادل في الأمور، محمود لدى الناس.

4) (والصدق في المواطن) بأن يصدق الإنسان في كل موطن سواء ضره الصدق أو نفعه.

5) (وشنآن الفاسقين) أي بغضهم وعداوتهم (شد) قوّى.

6) (أرغم أنوف الكافرين) أي أذلهم لأنهم هم أصل المنكرات، وأصله الإرغام أي الإيصال إلى الرغام أي التراب (قضى ما عليه) أي أدى الشيء الذي وجب عليه من صدق الحديث وصدق العمل.

7) (ومن شنئ الفاسقين) أي عاداهم (وغضب للّه) تعالى إذا رأى محرماً (غضب اللّه له) فإذا أراد أحد إيذاءه دفع اللّه عنه.

8) (الكفر على أربع دعائم) أي له أربعة أعمدة، كما للسقف أعمدة لا يقف إلا بها (على التعمق) في العقائد تعمقاً غير عقلائي، كالوسوسة (والتنازع) في الحق (والزيغ) أي الميل مع الهوى (والشقاق) أي العناد في الحق.

9) (فمن تعمق لم ينب) أي لم يرجع (إلى الحق) لأنه دائماً يذهب وراء التدقيقات الفلسفية والأوهام حتى يكون ذلك ملكة له، ومن صار مثل ذلك ملكة له لا يرجع إلى طرق العقلاء في الفهم والاستدلال.

دَامَ عَمَاهُ عَن الْحَقِّ (1)، وَمَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ الْحَسَنَةُ، وَحَسُنَتْ عِنْدَهُ السَّيِّئَةُ، وَسَكَرَ سُكْرَ الضَّلَالَةِ (2)، وَمَنْ شَاقَ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ، وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ (3). وَالشَّكُ عَلَى أَرْبَع شُعَب: عَلَى الثَّمَارِي، وَالْهَوْلِ، وَالتَّرَدُّدِ، وَالاسْتِسْلَام (4): فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَنا لَمْ يُصْبِحُ لَيْلُهُ (5)، وَمَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ (6)، وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِين (7)، وَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا (8).

قال الرضي : وبعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الإطالة والخروج عن الغرض المقصود في هذا الباب.

32 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فَاعِلُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ، وَفَاعِلُ الشَّرِّ شَرٌّ مِنْهُ (9).


1) (ومن كثر نزاعه بالجهل) بأن يكون كثير المجادلة فيما يعنيه وما لا يعنيه (دام عماه عن الحق) فلا يبصره.

2) (ومن زاغ) أي مال مع الهوى (ساءت عنده الحسنة) أي رآها سيئة (وحسنت عنده السيئة) بأن رآها حسنة، لأنه زائغ مائل (وسكر سكر الضلالة) بأن تملى من الباطل واشتغل به فلا يستفيق إلى الحق.

3) (ومن شاق) أي عاند في الحق (وعرت) أي صعبت (وأعضل) أي أشكل (وضاق عليه مخرجه) فلا يدري كيف يخرج من المشكلات لأنه يعاند في كل شيء، فلا يعلم وجه الخروج.

4) (على التماري) أي التجادل لإظهاره للناس قوة جدله، لا لإحقاق الحق (والهول) بأن يخاف الحق فلا يقبله (والتردد) في الحق بأن لا يدري أي الطرفين صحيحاً (والاستسلام) بأن يستسلم الإنسان لكل شيء بدون دليل ومعرفة فإنه يشك في الحق لأنه لم يأخذ الأمر عن دليل.

5) (فمن جعل المراء ديدناً) أي جعل الجدال عادة (لم يصبح ليله) أي لا يخرج من ظلام الشك إلى نهار اليقين.

6) (ومن هاله ما بين يديه) من الحق (نكص على عقبيه) أي رجع إلى الجاهلية، وعقب وراء الرجل، وهذا كناية عن الارتداد إلى الجاهلية كما يرتد الماشي القهقرى.

7) (ومن تردد في الريب) أي الشك (وطئته سنابك الشياطين) سنابك جمع سنبك، وهو طرف الحافر، أي أن الشياطين يجعلونه فرشاً لهم يمرون عليه كيفما شاؤوا، وهذا كناية عن أنه ليس من الدين في شيء.

8) (ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة) بأن لم ينظم أمر نجاته بل سار غير واع كيفما ساروا به (هلك فيهما) فلا دنيا مطمئنة، ولا آخرة حسنة.

9) (فاعل الخير خير منه) لأنه مبعث الخير وعلته (وفاعل الشر شر منه) لأنه مبعث الشر وعلته.

33 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): كُنْ سَمْحاً وَلَا تَكُنْ مُبَدِّراً، وَكُنْ مُقَدِّراً وَلَا تَكُنْ مقتراً (1).

34 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى (2).

35 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا فِيهِ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ (3).

36 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مَنْ أَطَالَ الْأَمَلَ أَسَاءَ الْعَمَلَ (4).

37 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار، فترجلوا له واشتدوا بين يديه، فقال : مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ؟ فَقَالُوا : خُلُقٌ مِنَّا نُعَظْمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا (5)، فقال : وَاللّه مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ، وَتَشْفَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ (6). وَمَا أَخْسَرَ الْمَشَقَةَ وَرَاءَها الْعِقَابُ (7)، فَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الْأَمَانُ مِنَ النَّارِ (8)!


1) (كن سمحاً) أي سخياً (وكن مقدراً) بأن تنفق بقدر الصلاح والحكمة (ولا تكن مقتراً) أي مضيقاً في الإنفاق.

2) (أشرف الغنى ترك المنى) جمع منية، وهي ما يتمناه الإنسان لنفسه، وفي ترك هذا غنى للإنسان إذ من يتمنى الأشياء، إنّما يتمناها لفقر كامن فيه، فإذا تركها، كان غنى النفس، وغنى النفس أشرف أقسام الغني بالمال ونحوه.

3) (من أسرع إلى الناس بما يكرهون) بأن قال فيهم بالصفات التي لا يحبونها، كإظهار نقائصهم (قالوا فيه بما لا يعلمون) لأنهم يريدون الانتقام منه بوصمه بعيوب كثيراً ما يكون بريئاً منها.

4) (من أطال الأمل) بأن كان رجاءه في بقائه طويلاً (أساء العمل) إذ أنه يعمل الأعمال السيئة معتمداً على أنه إذا قرب وقته أدرك وتدارك.

5) (دهاقين) جمع دهقان وهو زعيم الفلاحين (فترجلوا له واشتدوا بين يديه) أي نزلوا من خيولهم وأخذوا يركضون (فقالوا خلق منا) أي عادة لنا (نعظم به أمراءنا) وذلك لدلالة هذه الحركة على أنا حاضرون بخدمتكم راكضون في أمركم.

6) (وإنكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم) لما تلاقون من صعوبة المشي والركض (وتشقون) بالتخفيف من الشقاوة والأول بالتشديد من المشقة (به في آخرتكم) إذ أنه موجب لتكبر الكبراء، وإذلال النفس، وما أشبه من المحرمات الموجبة للعقاب.

7) (وما أخسر المشقة وراءها العقاب؟) أي أنه أكبر أقسام المشقة خسارة، لأنها توجب ذهاب الدنيا والآخرة.

8) (فاربح الدعة) أي الراحة (معها الأمان من النار) لأنه لم يفعل محرماً يستحق به دخول النار.

38 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابنه الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): يَا بُنَيَّ احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً، وَأَرْبَعاً، لا يَضُرُّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ (1): إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ، وَأَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ (2)، وَأَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ، وَأَكْرَمَ الْحَسَبِ حُسْنُ الْخُلُقِ(3). يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْأَحْمَقِ، فإنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْبَخِيل، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِالتَّافِهِ (4)، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْكَذَّابِ، فَإِنَّهُ كَالسَّرَاب : يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ، وَيُبَعدَ عَلَيْكَ الْقَرِيبَ (5).

39 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَا قُرْبَةَ بِالنَّوَاقِلِ إِذَا أَضَرَّتْ بِالْفَرَائِضِ (6).

40 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لِسَانُ الْعَاقِل وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ (7).

قال الرضي رحمه اللّه : وهذا رحمه اللّه : وهذا من المعاني العجيبة الشريفة، والمراد به أن العاقل لا يطلق لسانه إلا بعد مشاورة الروية [مؤامرة الفكرة* والأحمق تسبق حذقات لسانه وفلتات كلامه مراجعة فكره ومماخضة رأيه - أي تحريكه حتى يظهره


1) (يا بني) أصله ابني حذف الألف للتصغير والتصغير هنا يفيد العطف واللطف (لا يضرك) ضراً بالغاً (ما عملت معهن) من الأعمال التي ليست بمحرمة، ومن المعلوم أن الأعمال المباحة أيضاً فيها ضرر عدم إدراك الدرجات الرفيعة المهيئة للمتقين، بالإضافة إلى الحساب.

2) (إن أغنى الغنى العقل) فإنَّه يوجب كل خير، ولذا هو من أفضل أقسام الغنى بالمال أو بالجاه أو بالأولاد أو ما أشبه (وأكبر الفقر الحمق) لأنه يوجب ذهاب دنيا الإنسان وآخرته، وأي فقر شر من هذا؟

3) (وأوحش الوحشة العجب) فإنَّ من أعجب بنفسه كرهه الناس فلا يجد أنيساً (واكرم الحسب حسن الخلق) الحسب ما يكتسبه الإنسان - مقابل النسب الذي ليس للإنسان فيه صنيع.

4) (وإياك ومصادقة الفاجر) أي الفاسق الذي كل همه شهوته (فإنه يبيعك بالتافه) أي الشيء القليل.

5) (فإنَّه كالسراب) الذي يتراءى للإنسان في الصحراء ماءً، فإذا جاءه لم يجده شيئاً. (يقرب عليك البعيد) بكذبه (ويبعد عليك القريب) وذلك يوجب اختلال الميزان عندك فتترتب آثار البعيد على القريب.

6) (لا قربة بالنوافل) أي لا يقترب الإنسان إلى اللّه سبحانه بسبب النافلة، وهو العمل المستحب (إذا أضرت بالفرائض) أي الواجبات، كمن لا يصلي لأنه يريد الزيادة المستحبة، أو لا ينفق الخمس، لأنه يعمر المسجد.

7) (لسان العاقل وراء قلبه) فهو يتفكر أولا ويزن الكلام، ثم يتكلم (وقلب الأحمق وراء لسانه) فهو يسرع في التكلم، ثم يفكر فيما قال.

صوابه كخض اللبن لظهور الزبد - فكأن لسان العاقل تابع لقلبه، وكأن قلب الأحمق تابع للسانه.

41 - وقد روي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المعنى بلفظ آخر، وهو قوله :

قَلْبُ الْأَحْمَقِ فِي فِيهِ، وَلِسَانُ الْعَاقِلِ فِي قَلْبِهِ (1). ومعناهما واحد.

42 - وقال لبعض أصحابه في علة اعتلها جَعَلَ اللّه مَا كَانَ مِن شَكْوَاكَ حَطاً لِسَيِّئَاتِكَ، فإنَّ الْمَرَضَ لاَ أَجْرَ فِيهِ (2)، وَلَكِنَّهُ يَحُطُّ السَّيِّئاتِ، وَيَحُتُهَا حَتَّ الْأَوْرَاقِ (3). وَإِنَّمَا الْأَجْرُ فِي الْقَوْلِ بِاللَّسَانِ، وَالْعَمَلِ بِالْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ، وَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْجَنَّةَ (4).

قال الرضي رحمه اللّه : وأقول صدق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (إن المرض لا أجر فيه) لأنه من قبيل ما يستحق عليه العوض، لأنّ العوض يستحق ما كان في مقابلة فعل اللّه تعالى بالعبد من الآلام والأمراض وما يجري مجرى ذلك، والأجر والثواب يستحقان على ما كان في مقابلة فعل العبد فبينهما فرق، قد بيّنه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما يقتضيه علمه الثاقب ورأيه الصائب.

43 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): في ذكر خباب بن الأرت يَرْحَمُ اللّه خُبَّابَ بْنَ الْأَرَتّ، فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً، وَهَاجَرَ طَائِعاً، وَقَنِعَ بِالْكَفَافِ وَرَضِيَ عَنِ اللّه (5)، وَعَاشَ مُجَاهِداً.


1) (قلب الأحمق في فيه) فما يمرّ بقلبه يقوله بلسانه بلا روية وتفكير، كأن قلبه في فمه ولسان العاقل في قلبه فلا يتكلم بشيء إلا إذا تفكر وتروّى، فكأن لسانه في قلبه.

2) (في علة اعتلها) أي في مرض أصابه (حطا لسيئاتك) أي جعل مرضك موجباً لغفران ذنبك (فإن المرض لا أجر فيه) إذ الأجر إنّما يترتب على ما عمله الإنسان.

3) (ولكنّه يحط السيئات) ويزيلها (ويحتها) أي يسقطها (حت الأوراق) أي مثل إسقاط الشجرة لأوراقها.

4) (وإنما الأجر في) العمل الاختياري مثل (القول باللسان والعمل بالأيدي والأقدام) ذكراً وشكراً وتلاوة وإرشاداً وما أشبه (وإنّ اللّه سبحانه يدخل بصدق النية بأن تكون نيته) في أعمال الخير صادقة، لا أنه قصد بها الرياء وما أشبه (والسريرة الصالحة) بأن يكون قلب الإنسان نظيفاً عن الصفات الرذيلة.

5) (قنع بالكفاف) أي بما يكفيه من المال، دون زيادة (ورضي عن اللّه) سبحانه بما قسم له.

44 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): طُوبَى (1)لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَادَ، وَعَمِل لِلْحِسَابِ وَقَنِعَ بِالْكَفَافِ، وَرَضِيَ عَنِ اللّه.

45 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ الْمُؤْمِنِ (2)بِسَيْفِي هَذَا عَلَى أَنْ يُبْغِضَنِي لي مَا أَبْغَضَنِي، وَلَوْ صَبَيْتُ الدُّنْيَا بِجَمَّاتِهَا عَلَى الْمُنَافِقِ عَلَى أَنْ يُحِبَّنِي مَا أَحَبَّنِي. وَذلِكَ أَنَّهُ قُضِيَ فانْقَضَى (3)عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، أَنَّهُ قَالَ يَا عَلِيُّ، لَا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ.

46 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): سَيِّئَةٌ تَسُوؤُكَ خَيْرٌ عِنْدَ اللّه مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ (4).

47 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ، وَصِدْقُهُ عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِهِ (5)، وَشَجَاعَتُهُ عَلَى قَدْرِ أَنَفَتِهِ، وَعِفْتُهُ عَلَى قَدْرِ غَيْرَتِهِ (6).

48 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الظَّفَرُ بِالْحَزْمِ، وَالْحَزْمُ بِإِجَالَةِ الرَّايِ (7)، وَالرَّأَيُّ بِتَحْصِينِ الْأَسْرَار (8).


1) (طوبى) إذ تكون حالته طيبة.

2) (لو ضربت خيشوم المؤمن) الخيشوم أصل الأنف، والضرب عليه أشد، لأنه إدماء وإرغام.

3) (ولو صببت الدنيا) كناية عن تمليكها (بجماتها) جمع جمة، وهو مجتمع الماء من الأرض والمراد بحذافيرها، جليلها وحقيرها (وذلك) أي بيان ذلك (أنه قضي) أي هكذا قدر - والسبب ما ذكرناه - (فانقضى) أي ذكر.

4) (سيئة تسوؤك) أي معصية تأتيها فتندم (خير عند اللّه من حسنة تعجبك) أي تفرح بها وتظن أنك قد أتيت بالجواب، وذلك لأن الندم على السيئة موجب لمحوها، فلا إثم عليك من ورائها، أما الحسنة المعجبة فإنَّها تمحق بذاتها، وتورث الإثم، لأن عجب الإنسان بعمله محرم.

5) (قدر الرجل) أي منزلته ومكانته (على قدر همته) بمعالي الأمور فمن كان أعلا همة كان أفضل (وصدقه على قدر مروءته) أي رجولته، فإنَّ النفس الشريفة لا تكذب.

6) (وشجاعته على قدر أنفته) أي رفعة نفسه، فإنَّ النفس الرفيعة لا تتمكن أن ترى النقائص فتشجع لإزالتها (وعفته) بأن لا ينساق وراء الشهوات (على قدر غيرته) على نفسه أن تنحط وعلى الأعراض أن تهتك.

7) (الظفر بالحزم) أي إنما يظفر الإنسان بمراده بحزمه، والتفاته إلى الأمور وترتيبه الأشياء كما ينبغي والحزم بإجالة الرأي بأن يجيل الإنسان آراءه ويحركها لكي يعرف الصواب.

8) (والرأي بتحصين الأسرار) أي إنما يكون عالياً إذا أخفى الإنسان أسراره، لأنه يتمكن أن يستنتج منها، أما إذا فشى سره حالت دون تنفیذ آرائه عوائق وموانع.

49 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): احْذَرُوا صَوْلَةَ الْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ، وَاللَّيمِ إِذَا شَبعَ (1).

50 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): قُلُوبُ الرِّجَالِ وَحْشِيَّةٌ، فَمَنْ تَأَلَّفَهَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ (2).

51 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): عَيْبُكَ مَسْئُورٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ (3).

52 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ (4).

53 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): السَّخَاءُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَحَيَاءُ وَتَذَمُّم (5).

54 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَا غِنَى كَالْعَقْلِ، وَلَا فَقْرَ كَالْجَهْلِ (6)، وَلَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ، وَلَا ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ (7).

55 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الصَّبْرُ صَبْرَانِ : صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ (8).

56 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنٌ، وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ (9).


1) (احذروا صولة الكريم) أي هجومه، وثوران غضبه (إذا جاع) أي إذا احتاج، فإنَّ كريم النفس يصول لأخذ حقه (واللئيم إذا شبع) فإنَّ لئيم النفس يطغى إذا رآه استغنى.

2) (قلوب الرجال وحشية) أي كالوحش يتنفر من الإنسان (فمن تألفها) بأن هيا أسباب التألف من الإحسان والبشاشة، وما أشبه (أقبلت عليه) وتصادقت معه.

3) (عيبك مستور) لدى الناس لا يعرفونه ولا يظهرونه (ما أسعدك جدك) أي حظك فما دام حظ الإنسان محالف له، لا يذكر بعيب.

4) (أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة) أي أكثرهم قدرة على أن يعاقب، وذلك لأن القدرة نعمة من اللّه سبحانه وشكرها العفو عن عباده، والعفو فضيلة.

5) (السخاء ما كان ابتداءً) بأن تعطي الشيء بدون أن يطلب منك (فأما ما كان عن مسألة) أي بعد السؤال (فحياء) من الرد (وتذمم) أي فرار من الذم.

6) (لا غنى كالعقل) فعلى الإنسان أن يحصل القدر الكسبي من العقل، وكونه أغنى الغنى، لأنه يورث سعادة الدنيا والآخرة (ولا فقر كالجهل) الذي يسبب الشقاء في النشأتين.

7) (ولا ميراث كالأدب) فإنَّ الإنسان المتصف بالآداب يسعد بأدبه، أما المال الموروث فإنه ينفد (ولا ظهير كالمشاورة) فإنَّ المشورة تبين وجه الصواب وتجعل الذين استشارهم الإنسان ظهراً له في عمله.

8) (صبر على ما تكره) كالصبر على المصيبة والصبر على الطاعة الشاقة، كالجهاد (وصبر عما تحب) بأن تترك محبوبك ولذتك لأجل امرأة كأن يترك النظر إلى الأجنبية.

9) (الغنى في الغربة وطن) إذ المال يجمع حول الإنسان الأصدقاء، والمرافق الناعمة (والفقر في الوطن غربة) فإنَّ الفقير لا صديق له ولا عيش.

57 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ (1).

قال الرضي: وقد روي هذا الكلام عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

58 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْمَالُ مَادَّةُ الشَّهَوَات (2).

59 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ حَذَرَكَ كَمَنْ بَشَرَكَ (3).

60 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): النِّسَانُ سَبْعٌ، إِنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَقَرَ (4).

61 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْمَرْأَةُ عَقْرَبٌ حُلْوَةُ اللَّبْسَة (5).

62 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِذَا حُيِّيتَ بِتَحِيَّةٍ فَحَيَّ بِأَحْسَنَ مِنْهَا، وإِذَا أُسْدِيَتْ إِلَيْكَ يَدٌ فَكَافِتْهَا بِمَا يُرْبِي عَلَيْهَا، وَالْفَضْلُ مَعَ ذلِكَ لِلْبَادِي (6).

63 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الشَّفِيعُ جَنَاحُ الطَّالِبِ (7).

64 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبِ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ (8).

65 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ.

66 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): فَوْتُ الْحَاجَةِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبهَا إِلَى غَيْر أَهْلِهَا (9).


1) (القناعة مال لا ينفد) إذ القنوع لا يحتاج إلى أحد، كالإنسان الذي له مال كثير.

2) (المال مادة الشهوات) ذو المال يفعل بماله ما يشتهي من تناول الآثام، واقتراف الملذات المحرمة.

3) (من حذرك كمن بشرك) أي المحذر، بسبب وقايتك عن الأخطار، يكون نافعاً لك، كمن يبشرك بأمر، مما تنتفع به.

4) (اللسان سبع) أي كالسبع الضاري (إن خلي عنه) ولم يقيد (عقر) أي جرح الإنسان.

5) (اللبسة) أي في لباس جميل.

6) (وإذا أسديت إليك يد) أي عمل معك إحسان وعمل جميل (فكافئها) أي ائت بما يقابلها (بما يربي) أي يفضل (عليها) لتكون أنت أرفع من المبتدئ في تلك التحية وتلك اليد (والفضل مع ذلك للبادئ) لأنه ابتدأ بالإحسان.

7) (الشفيع جناح الطالب) فمن طلب شيئاً، وذهب معه بشفيع إلى المطلوب منه، كان كالطائر الذي يطير بجناحه.

8) (كركب) جمع راكب، وهو المسافر (يسار بهم وهم نيام) جمع نائم، فإنَّ الناس لا يعرفون سيرهم نحو الآخرة - فهم كالنائم.

9) (فوت الحاجة) بأن لا يدرك الإنسان حاجته (أهون من طلبها إلى غير أهلها) فإنَّ طلب الحاجة من غير الأهل صعب على النفس، وصعوبته أكثر من صعوبة فوت الحاجة.

67 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَا تَسْتَح مِنْ إِعْطَاءِ الْقَلِيلِ، فإنَّ الْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ.

68 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، وَالشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى.

69 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدُ فَلَا تُبَلْ مَا كُنْتَ (1).

70 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لا تَرى الْجَاهِلَ إِلَّا مُفْرِطاً أَوْ مُفَرِّطاً (2).

71 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِذا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلَامُ (3).

72 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الدَّهْرُ يَخْلِقُ الْأَبْدَانَ، وَيُجَدِّدُ الأمَالَ، وَيُقَرِّبُ الْمَنيَّةَ، وَيُبَاعِدُ الْأَمْنِيَّةَ (4): مَنْ ظَفَر بِهِ نَصِبَ، وَمَنْ فَاتَهُ تَعِبَ(5).

73 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ للنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأُ بِتَعْلِيم نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيم غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ (6).

74 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): نَفَسُ الْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ (7).

75 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضِ، وَكُلُّ مُتَوَقَّع آتٍ (8).


1) (إذا لم يكن ما تريد) أي لم تتمكن ممّا قصدت وأردت (فلا تبل) أي لا تبال (ما كنت) في طلبه حقيراً أو كبيراً.

2) (لا ترى الجاهل إلا مفرطاً) الإفراط الزيادة عن الوسط (أو مفرطاً) التفريط التقصير عن القصد.

3) (إذا تم العقل نقص الكلام) فإذا تم العقل وكمل، أدرك الإنسان الكلام النافع من غيره فيقتصر على النافع مع الكلام فقط، ويقل كلامه.

4) (الدهر) أي الزمان (يخلق الأبدان) أي ينقصها ويأخذ من قواها (ويجدد الآمال) فإنَّ الإنسان إذا قدم به العمر يكثر أمله (ويقرب المنية) أي الموت (ويباعد الأمنية) أي يبعد آمال الإنسان، فكلما زاد عمر الإنسان عرف أن آماله ابتعدت إذ كانت تحتاج إلى نشاط وقوة ومدة.

5) (من ظفر به) أي بالأمل (نصب) أي كل شيء من أمور الدنيا يتعب الإنسان (ومن فاته) أمله (تعب) لإدراكه.

6) (إماماً) أي مقتدى (بسيرته) أي بأعماله الحسنة (أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم) لأن العمل أصعب من الكلام، فالعامل أحق بالإكرام من القائل.

7) (نفس المرء) أي أنفاسه (خطاه إلى أجله) فإنَّ كل نفس خطوة، فلو قدر بقاء الإنسان في الدنيا بمقدار مائة ألف نفس، كان كل نفس ينقص جزءاً من عمره.

8) (كل معدود منقض) من انقضى أي فات، فإنَّ ما يعد ينقضي بكل عدد عدد يذهب ويفنى منه (وكل متوقع) أي ما يتوقع ويترقب مجيئه (آت أي) يأتي لا محالة، فلا بد للإنسان أن يعمل للآتي ويصرف النظر عن المنقضي.

76 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِنَّ الْأُمُورَ إِذَا اشْتَبَهَتْ اعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا.

77 - ومن خبر ضرار بن حمزة الضبابي عند دخوله على معاوية ومسألته له عن أمير المؤمنين، قال : فاشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، ويقول :

يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا إِلَيْكِ عَنِّي أَبِي تَعَرَّضْتِ ؟ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ (1)؟ لَا حَانَ حِيتُكِ هَيْهَات غُرِّي غَيْرِي لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً لَا رَجْعَةً فِيهَا ! فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ، وَأَمَلُكِ حَقِيرٌ (2). آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَطُولِ الطَّرِيقِ، وَبُعْدِ السَّفَرِ، وَعَظِيمِ الْمَوْرِدِ (3)!

78 - ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) للسائل الشامي لما سأله : أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من اللّه وقدر؟ بعد كلام طويل هذا مختاره :

وَيْحَكَ، لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءُ لازماً، وَقَدَراً حَاتِماً وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَذلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ. إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْبِيراً، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً، وَكَلَّفَ يَسِيراً (4)، وَلَمْ يُكَلِّف عَسِيراً، وَأَعْطَى عَلَى


1) (سدوله) كناية عن ظلمته، فإنَّ السدول حجب الظلام (قابض على لحيته) والقبض على اللحية إنّما يكون لمن يريد التفكر (تململ السليم) التململ التّحرّك والسليم الملدوغ من حية، ونحوها (إليك عنِّي) أي ابتعدي (أبي تعرضت) الهمزة للاستفهام، والباء حرف جر، والياء للمتكلم، وهو استفهام إنكار. (أم إلي تشوقت) أي اشتقت والتعرض التصدي والطلب والتشوق حالة نفسية.

2) (لا حان حينك) أي لا جاء وقت وصولك إلي (هيهات) أي ابتعد الأمر فلا تصل الدنيا إلي (وخطرك) أي عظمك ومقدارك (يسير) هين لا أهمية له (وأملك حقير) أي الذي يأمله الإنسان من الدنيا حقير تافه.

3) (آه) كلمة توجع (من قلة الزاد) هو ما يأخذه المسافر من الطعام ونحوه لسفره (وطول الطريق) فإنَّ طريق الإنسان إلى أن يصل إلى الجنّة يستغرق آلاف السنين (وبعد السفر) أي امتداده باعتبار الزمان، والطريق باعتبار المكان 0وعظيم المورد) أي محل الورود على اللّه سبحانه، فإنَّه ورود على محكمة تفحص عن طول عمر الإنسان وجزئيات أعماله ونواياه.

4) (قضاء لازماً) لا يمكن التخلف عنه (وقدراً حاتماً) محتوماً لا يمكن خلافه (لبطل الثواب والعقاب) إذ لو أجبر الإنسان على الطاعة لم يكن لعمله ثواب، ولو أجبر على المعصية لم يكن لعصيانه عقاب (وسقط) أي بطل ولغي (الوعد) بالثواب (والوعيد) بالعقاب، فإنَّ كليهما باطلان مع الجبر (تخييراً) أي في حال كونهم مختارين إن شاؤوا عملوا وإن لم يشاؤوا تركوا (ونهاهم تحذيراً) لا جبراً، أي حذرهم، وقال إن فعلتم وقعتم في المحذور. (وكلف يسيراً) أي تكاليف سهلة دون طاقة الإنسان.

الْقَلِيلِ كَثيراً، وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَهاً، وَلَمْ يُرْسِلِ الْأَنْبِيَاءَ لَعِباً، وَلَمْ يُنْزِلِ الْكِتَابَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً، وَلَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً (1): وَ(ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (2).

79 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): خُذِ الْحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ، فإنَّ الْحِكْمَةَ تَكُونُ فِي صَدْرِ الْمُنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ الْمُؤْمِنِ (3).

80- وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَخُذِ الْحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ (4).

81 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): قِيمَةُ كُلِّ امْرِي مَا يُحْسِنُهُ (5).

قال الرضي: وهي الكلمة التي لا تصاب لها قيمة ولا توزن بها حكمة، ولا تقرن إليها كلمة.

82 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ الْإِبِلِ(6)لَكَانَتْ لِذَلكَ أَهْلاً لَا يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ، وَلَا يَسْتَحِيَنَ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لا أَعْلَمُ، وَلَا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ، فإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ


1) (ولم يعص مغلوباً) أي ليس سبحانه مغلوباً في معصية العاصين له بل هو الذي أعطاهم المجال بدون غاية وفائدة (باطلا) بلا داع ولا غرض.

2) سورة ص، الآية: 27.

3) (فتلجلج في صدره) أي تتحرّك، باضطراب النفس حولها هل تقولها أم لا ؟ (حتى تخرج) الحكمة من لسانه (فتسكن إلى صواحبها) أي سائر الكلمات الحكيمة الموجودة (في صدر المؤمن) إذ صدر المؤمن معدن الحكم والإرشادات ومعنى تسكن أنّ المؤمن لا يتردّد حول الحكمة بل يعيها ويعلم أنّه يلزم أن يعمل بها.

4) (ضالة المؤمن) أي الشيء الذي فقده ولو عند المنافق.

5) (قيمة كل امرئ ما يحسنه) بمقدار معرفة الإنسان للعلوم والآداب يكون وزنه وقيمته عند اللّه وعند الناس.

6) (لو ضربتم إليها) أي للسفر إلى تحصيل هذه النصائح (آباط الإبل) جمع إبط، وضرب الآباط كناية عن السفر، لأن الإنسان إذا سافر على الإبل، وأبطأ في السير، ضرب برجله إبطه ليسرع.

الْجَسَدِ، وَلَا خَيْرَ فِي جَسَدٍ لَا رَأْسَ مَعَهُ، وَلَا فِي إِيمَانٍ لَا صَبْرَ مَعَهُ.

83 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لرجل أفرط في الثناء عليه، وكان له متهماً : أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ، وَفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ (1).

84 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): بَقِيَّةُ السَّيْفِ أَبْقَى عَدَداً، وَأَكْثَرُ وَلَداً (2).

85 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ تَرَكَ قَوْلَ (لَا أَدْرِي) أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ (3).

86 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): رأي الشَّيْخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ الْغُلَامِ. وروي (مِنْ رَأْيُّ مَشْهَدِ الْغُلَامِ) (4).

87 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): عَجِبْتُ لِمَنْ يَقْنَطُ وَمَعَهُ الاسْتِغْفَارُ.

88 - وحكى عنه أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عَلَيهِم السَّلَامُ)، أنه قال : كَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللّه، وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا، فَدُونَكُمُ الآخَرَ (5)فَتَمَسَّكُوا به : : أَمَّا الْأَمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَرَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وَأَمَّا الْأَمَانُ الْبَاقِي فَالاسْتِغْفَارُ. قَالَ اللّه تَعَالَى وَمَا كَانَ اللّه لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهُمْ وَمَا كَانَ اللّه مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (6).)


1) (أنا دون ما تقول) أي أقل من هذه الأوصاف والمدائح التي تذكرها، ولعله أثبت له بعض صفات اللّه الخاصة به، أو صفة خاصة بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وفوق ما في نفسك) إذ نفسك تحط من شأني.

2) (بقية السيف) أي الباقون بعد القتال الذين بقوا وقتل أقرباؤهم وأنصارهم (أبقى عدداً) أي أحسن بقاء (وأكثر ولداً) أي ويكون أولادهم أكثر، وذلك لأن الجماعة إذا رضوا بالذل ولم يحاربوا من يطمع فيهم لا تكون أهميته لعددهم، ولا عنوان لولدهم، أما إذا حاربوا وبقي بعضهم كان الباقي شرفاء مرفوعي الرأس، فهم أبقى وأكفأ عند التعداد للكرماء.

3) (من ترك قول لا أدري) بأن لم يقل هذه الكلمة في جواب الأسئلة التي توجه إليه (أصيبت مقاتله) أي هلك لأنه قال بما لا يعلم، ومقاتل جمع مقتل محل القتل - كالنحر وأصيبت، أي أصاب الهلاك موضع قتله فقتله.

4) (رأي الشيخ) في الأمور (أحبّ إلي من جلد الغلام) أي صبره على القتال، بل على كل شيء، فإنَّ الأشياء إنّما تعالج بالآراء ثمّ بالأعمال (من مشهد الغلام) أي من حضوره للمحاربة والمقاتلة.

5) (كان في الأرض أمانان من عذاب اللّه) بأن كانا سبباً لعدم نزول العذاب على أهل الأرض (فدونكم الآخر) أي خذوه.

6) سورة الأنفال، الآية: 33.

قال الرضي: وهذا من محاسن الاستخراج ولطائف الاستنباط.89 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللّه (1)أَصْلَحَ اللّه مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ - النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللّه لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللّه حَافِظٌ.)90 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللّه، وَلَمْ يُؤيسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اللّه، وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللّه (2).)91 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ، فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكَمِ (3).)92 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: أَوْضَعُ الْعِلْمِ مَا وَقَفَ عَلَى النِّسَانِ، وَأَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ (4).)93 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : (اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ (5)، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ، فإنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَاَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) (6)،(7)، وَذلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ، وَالرَّاضِيَ)


1) (من أصلح ما بينه وبين اللّه) بأن عمل بأوامره، وترك نواهيه.

2) (الفقيه كل الفقيه) هذا مبالغة في الفقاهة، كأنه كل الفقهاء علماً وفقهاً.

3) (طرائف الحكم) أي غرائبها الموجب لانبساط القلوب، فإنَّ القلب ينشرح للأمور الغريبة الطريفة.

4) (أوضع العلم) أي أدناه وأخسّه (ما وقف على اللّسان) بأن تكلم الإنسان به بدون أن يعمل (وأرفعه) أي أرفع العلم وأشرفه (ما ظهر في الجوارح) جمع جارحة، وهي الأعضاء (والأركان) أي أركان البدن كالقلب والمخ، فإذا شغل الإنسان بالعمل الصالح، والنوايا الطّيبة، كان مشتملاً على أشرف العلم، ولو تكلّم به فقط كان مشتملاً على أدناه.

5) (اللّهم إني أعوذ بك من الفتنة) بأن يطلب أن لا يبتليه اللّه بالفتنة، فإنَّ ذلك ما لا يكون (لأنّه ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة) أي ما يوجب الامتحان كالبدن والحياة، والمال، وما أشبه.

6) سورة الأنفال، الآية: 28.

7) (فإن اللّه سبحانه يقول: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) ويصح الاستعاذة من أصل المال والولد ؟.

بِقِسْمِهِ (1، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، ولكِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ الَّتي بِهَا يُسْتَحَقُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، لأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذَّكُورَ وَيَكْرَهُ الْإِنَاثَ، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ الْمَالِ، وَيَكْرَهُ انْثَلَامَ الْحَالِ (2).)قَالَ الرضي: وهذا من غريب ما سمع منه في التفسير.94 - وسئل عن الخير ما هو ؟ فقال : لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ، وَلَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ، وَحِلْمُكَ، وَأَنْ تُبَاهِي النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللّه، وَإنْ أَسَأتَ اسْتَغْفَرْتَ اللّه وَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِرَجُلَيْنِ : رَجُلٍ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ، وَرَجُلٍ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ.95 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَا يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى (3)، وَكَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ؟)96 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاؤُوا بِهِ، ثُمَّ تَلَا: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ للَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (4)، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللّه وَإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ، وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللّه وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ (5).)97 - وسمع (عَلَيهِ السَّلَامُ رجلا من الحرورية يتهجد ويقرأ، فقال: نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ فِي شَكٍّ (6).)


1) (ذلك أنّه) سبحانه (يختبرهم) أي يمتحنهم بالأموال والأولاد ليتبين أي يظهر (الساخط لرزقه) إذا كان قليلاً، والطاغي بماله إذا كان كثيراً. (والراضي بقسمه) الذي قسمه اللّه سبحانه.

2) (وبعضهم يحب تثمير المال) أي إنمائه بالربح والثمر (ويكره انثلام الحال) أي نقصه.

3) (لا يقل عمل مع التقوى) لأنه يقبل وما يقبل ليس قليلاً، لأنّ المهم رضاه سبحانه، وقد رضي بدليل القبول.

4) سورة آل عمران الآية: 68.

5) (إنّ أولى الناس بالأنبياء) أقرب الناس إليهم (بعدت لحمته) أي نسبه، فلحمه ليس من لحم الرسول وعشيرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وإن قربت قرابته) بأن كان من أقرب الناس نسباً إلى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

6) (الحرورية) هم الخوارج، (يتهجد) أي يصلي بالليل ويقرأ القرآن: (نوم على يقين) بأن يكون الإنسان متيقناً بالأصول التي منها الإمامة (خير من صلاة في شك) في شيء من العقيدة الواجبة إذ النوم يثاب عليه باعتبار كونه راحة للبدن التي أمر اللّه بها والصلاة في شك لا ثواب فيها، بل فيها عقاب، كما يظهر من الأحاديث.

98 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لَا عَقْلَ رِوَايَةٍ، فإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ (1).)99 - وسمع رجلاً يقول : (إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ قَوْلَنَا : (إِنَّا للّه) إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْمُلْكِ، وَقولَنَا : (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْهُلْكِ (2).)100 - ومدحه قوم في وجهه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: اللّهمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ اللّهمَّ اجْعَلْنَا خَيْراً ممّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لَنَا مَا لَا يَعْلَمُونَ (3).)101 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَا يَسْتَقِيمُ قَضَاءُ الْحَوَائِجِ إِلَّا بِثَلَاثٍ : بِاسْتِصْغَارِهَا لِتَعْظُمَ، وَبِاسْتِكْتَامِهَا لِتَظْهَرَ، وَبِتَعْجِيلِهَا لِتَهْنُو (4).)102 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُقَرِّبُ فِيهِ إِلَّا الْمَاحِلُ، وَلَا يُظَرَّفُ فِيهِ إِلَّا الْفَاجِرُ، وَلَا يُضَعَّفُ فِيهِ إِلَّا الْمُنْصِفُ (5)، يَعُدُّونَ الصَّدَقَةَ فِيهِ)


1) (اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية) بأن تفهموه للعمل به ومراعاته (لا عقل رواية) بأن تريدوا نقله فقط.

2) (- إنا للّه - إقرار على أنفسنا بالملك) إذ [اللام للملك]، نحو المال لزيد (وإنا إليه راجعون - إقرار على أنفسنا بالهلك) أي الهلاك، لأنّ الرجوع إلى حسابه سبحانه وجزائه لا يكون إلا بعد الموت والهلاك.

3) (اغفر لنا ما يعلمون) من الأخطاء وقد ذكرنا سابقاً أن طلب الأئمة للغفران، باعتبار بعض المباحات التي لا يرونها لائقاً بمقامهم مع اللّه سبحانه.

4) (لا يستقيم قضاء الحوائج) بأن يكون القضاء قضاء حسناً (باستصغارها) أي بأن يعد القاضي قضاءه صغيرا (التعظم) الحاجة في عين المقضي له (وباستكتامها) فإذا قضاها قضاها في كتمان لا أن يظهر أنه قضى الحاجة الفلانية (لتظهر) فإنَّ الفاعل إذا أخفى فعله صار عند الناس رد فعل وإكبار له، حتى أنهم يظهرون فعله ويمدحونه عليه (وبتعجيلها) في القضاء (التهنؤ) أي تكون هنيئاً للمقضي له، فإنَّ الإبطاء يذهب بهناء القضاء.

5) (الماحل) أي الساعي بالناس عند السلطة بالوشاية(ولا يظرف فيه) أي لا يعد ظريفاً (ولا يضعف فيه) أي لا يعد ضعيفاً (إلا المنصف) الذي يعدل في القول والعمل، وذلك في كل زمان يغلب الفساد حتى تكون الرذائل مكان الفضائل.

غُرْماً، وصِلَةَ الرَّحِمِ مَنْاً، وَالْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةً عَلَى النَّاسِ(1! فَعِنْدَ ذلِكَ يَكُونُ السُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ النِّسَاءِ، وَإِمَارَةِ الصَّبْيَانِ، وَتَدْبِيرِ الْخِصْيَانِ (2)!)103 - ورئي عليه إزار خَلَقٌ مرقوع فقيل له في ذلك، فقال:يَخْشَعُ لَهُ الْقَلْبُ، وَتَذِلُّ بِهِ النَّفْسُ، وَيَقْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُونَ إِنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وَسَبِيلَانِ مُخْتَلِفانِ، فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَتَوَلَّاهَا (3أَبْغَضَ الْآخِرَةَ وَعَادَاهَا، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَمَاشٍ بَيْنَهُمَا، كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعْدَ مِنَ الْآخَرِ، وَهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ!)104 - وعن نوف البكالي قال : رأيت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ ذات ليلة، وقد خرج من فراشه، فنظر في النجوم فقال لي يا نوف أراقد أنت أم رامق؟ فقلت : بل رامق قال، :)يَا نَوْفُ طُوبَى للزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ، أُولئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً، وَمَاءَهَا طِيباً، وَالْقُرْآنَ شِعَاراً، وَالدُّعَاءَ دِثَاراً (4، ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحَ يَا نَوْفُ، إِنَّ دَاوُدَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَامَ فِي مِثْلِ هذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ : إِنَّهَا سَاعَةٌ لَا يَدْعُو فِيهَا عَبْدُ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَاراً أَوْ عَريفاً أَوْ شُرْطِيّاً، أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ)


1) (غرماً) أي غرامة ذاهبة من أيديهم بلا عوض ولا أجر (وصلة الرحم منا) أي تفضلاً على من وصلوه، لا واجباً مفروضاً. (والعبادة استطالة على الناس) أي تفوقاً عليهم، فالعابد يجعل نفسه فوق الآخرين تفضلاً عليهم، بينما أن من كثرت عبادته، كثر تواضعه.

2) (بمشورة النساء) كما نرى في هذا الزمان (وإمارة الصبيان) لأن المقاييس تضاع فيكون كل شيء في المكان الذي لا يليق به (وتدبير الخصيان) أي العبيد.

3) (إزار خلق مرقوع) أي بال، قد رقع خرقة (تولاها) أي اتبعها.

4) (أراقد أنت أم رامق ؟) أي نائم أنت أم يقظ، يقال رمقه إذا لحظه (والقرآن شعاراً) أي جعلوه علامتهم اللاصقة بهم في قراءتهم له والعمل به ومعرفة الناس إياهم بأنهم أهل القرآن (والدعاء دثاراً) أي أنهم الأمر الظاهر منهم كالدثار الذي يلبسه الإنسان فوق ثيابه للدفء.

(وهي الطنبور أَوْ صَاحِبَ كَوْبَةٍ وهي الطبل. وقد قيل أيضاً : إن المرطبة الطبل والكوبة الطنبور (1).)105 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ اللّه افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْفَرَائِضَ، فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ لَكُمْ حُدُوداً، فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ، فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَلَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً، فَلَا تَتَكَلَّفُوهَا (2).)106 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لا يَتْرُلُ النَّاسُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لِاسْتِصْلَاحِ دُنْيَاهُمْ إِلَّا فَتَحَ اللّه عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ (3).)107 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ (4)، وَعِلْمُهُ مَعَهُ لَا يَنْفَعُهُ.)108 - وقال له : لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ هذَا الْإِنْسَانِ بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ وَذلِكَ الْقَلْبُ. وَلَهُ مَوَادَّ مِنَ الْحِكْمَةِ وَأَضْدَادَ مِنْ خِلَافِهَا، فإِن سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءُ أَذَلَّهُ الطَّمَعُ، وَإِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الْحِرْضُ، وَإِنْ مَلَكَهُ الْيَأْسُ قَتَلَهُ الْأَسَفُ (5، وَإِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الْغَيْظُ، وَإِنْ أَسْعَدَهُ الرّضَى)


1) (ثم قرضوا الدنيا قرضا) أي مزقوها كما يمزق الثوب بالمقراض (على منهاج المسيح) أي طريقته (عَلَيهِ السَّلَامُ) (إلا أن يكون عشاراً) وهو من يتولى أخذ أعشار المال للدولة، ظلماً (أو عريفاً) وهو الذي يتجسس عن أخبار الناس لتعريفها للسلطة (أو شرطياً) وهم أعوان الحاكم الباطل (أو صاحب عرطبة) (وهي الطنبور) (أو صاحب كوبة) (وهي الطبل، وقد قيل أيضاً: إن العرطبة الطبل، والكوبة الطنبور).

2) (فلا تضيعوها) بتركها والتهاون فيها (فلا تعتدوها) بتجاوز تلك الحدود - زيادة أو نقصاً – (فلا تنتهكوها) أي لا تخرقوا نهيه بإتيانها (ولم يدعها نسياناً) لأنه سبحانه منزه عن النسيان (فلا تتكلفوها) أي لا تكلفوا أنفسكم التعمق فيها فإنَّها لا تنفع دينكم ولا دنياكم.

3) (لا يترك الناس شيئاً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم) كأن يترك الصلاة لأجل الكسب (إلا فتح اللّه عليهم ما هو أضر منه) أي ما هو أكثر ضرراً من الشيء الذي تركوا الدين لأجله.

4) (رب عالم قد قتله جهله) لأنه تعلم العلم لفظاً، بدون أن يؤثر العلم في قلبه حتى يتحرك للعمل، فجهله الواقعي سبب قتله وهلاكه الأخروي.

5) (لقد علق بنياط هذا الإنسان) النياط عرق معلق به القلب (بضعة) أي قطعة من اللحم (وله مواد من الحكمة) التي يعرفها الإنسان وكونها [مواد] باعتبار أنها تمد الإنسان بالعمل وأضداد من خلافها أي خلاف الحكمة كالتي يعمل بها السفاكون وأصحاب الرذائل نحو الحياء جبن والسخاء سرف والشجاعة جنون، ويحتمل أن يراد من الأضداد أن كل حكمة تنبت عندها رذيلة توجب صرفها عن كونها فضيلة كالشجاعة تنتهي إلى التهور، والرجاء ينتهي إلى الطمع (فإن سنح) أي ظهر (له الرجاء) لشيء (أذله الطمع) إذ الطمع موجب للذلة، والتذلل لمن يطمع فيه الإنسان (وإن هاج به الطمع) بأن كثر وزاد (أهلكه الحرص) أوجب هلاكه الأخروي، وقد يوجب الحرص هلاك الدنيا أيضاً. (وإن ملكه اليأس) بأن يئس من شيء (قتله الأسف) أي التأسف والمراد بـ[قتله] أن يكثر من التأسف حتى ينهك، وأحياناً يحرض ويهلك.

نَسِيَ التَّحَفُظَ(1، وَإِنْ نَالَهُ الْخَوْفُ شَغَلَهُ الْحَذَرُ، وَإِنِ اتَّسَعَ لَهُ الْأَمْنُ اسْتَلَبَتْهُ الْغِرَّة (2)، وَإِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْغَاهُ الْغِنَى وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ الْجَزَعُ (3)،، وَإِنْ عَضَتْهُ الْفَاقَةُ شَغَلَهُ الْبَلاءُ، وَإِنْ جَهَدَهُ الْجُوعُ قَعَدَ الضَّعْفُ (4)، وَإِنْ أَفْرَطَ بِهِ الشَّبَعُ كَفَّتْهُ الْبِطْنَةُ (5). فَكُلُّ نَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ، وَكُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِد.)109 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: نَحْنُ التُّمْرُقَةُ الْوُسْطَى بِهَا يَلْحَقُ التَّالِي، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي (6).)


1) (وإن عرض له الغضب) بأن غضب على أحد أو على شيء (اشتد به الغيظ) أي زاد وقوي في نفسه (وإن أسعده الرضا) بأن رضي حتى صار سعيداً نفساً (نسي التحفظ) أي لم يتحفظ من الزيادة في الرضا حتى يخرج عن الاعتدال.

2) (وإن ناله الخوف) أي خاف من شيء (شغله الحذر) أي أخذ في الحذر من ذلك المخوف حتى لا يبقى له فراغ لسائر أعماله وواجباته (وإن اتسع له الأمن) بأن كان في منتهى الأمن (استلبته الغرة) أي سلبه الغرور والغفلة عن إصلاح شأنه.

3) (وإن أفاد مالاً) أي حصل (أطغاه الغنى) والطغيان عبارة عن الخروج عن حد الاعتدال في المال بالإسراف ونحوه. (وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع) فلا يصبر، ومعنى الفضيحة ظهور ما لا يحمل منه.

4) (وإن عضته الفاقة) أي الفقر، والعض هو الأخذ بالأسنان شديداً وهذا كناية عن إيلام الفقر له (شغله البلاء) عن سائر أعماله وواجباته. (وإن جهده الجوع) أي أتعبه (قعد به الضعف) فلا يقدر على العمل من كثرة الضعف.

5) (وإن أفرط به الشبع) بأن أكل كثيراً (كظته البطنة) أي كربته والمته البطنة، وهي امتلاء البطن.

6) (نحن النمرقة الوسطى) النمرقة: الوسادة، وإنما شبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) آل البيت بالنمرقة للاستناد إليهم في أمور الدين، كما يستند إلى الوسادة للراحة (بها يلحق التالي) الذي قصر ولم يسر سيراً معتدلاً (وإليها يرجع الغالي) الذي غالى وذهب بعيداً، فمن قال فيهم بالألوهية، يرجع إليهم في الحق، ومن قال بأنهم دون الأمة والخلافة، يلزم أن يرجع إليهم إذا أراد الحق.

110 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لا يُقِيمُ أَمْرَ اللّه سُبْحَانَهُ إِلَّا مَنْ لَا يُصَانِعُ، وَلَا لي يُضَارعُ، وَلَا يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ (1).)111 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ، وقد توفي سهل بن حُنَيْفٍ الأنصاري بالكوفة بعد مرجعه معه من صفين، وكان أحب الناس إليه : لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ (2).)قال الشريف الرضي : معنى ذلك أن المحنة تغلظ عليه، فتسرع المصائب إليه، ولا يفعل ذلك إلّا بالأتقياء الأبرار والمصطفين الأخيار، وهذا مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ:)112 - مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَسْتَعِدُ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً (3.)وقال الشريف : وقد يؤول ذلك على معنى آخر، ليس هذا موضع ذكره، ولعل مراده : أن من أحبهم فليخلص للّه حبهم، فليست الدنيا تطلب عندهم كما ذكره البعض.113 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ، وَلَا وَحْدَةً أَوْحَشُ مِنَ له الْعُجْبِ، وَلَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلَا كَرَمَ كَالتَّقْوَى (4)، وَلَا قَرِينَ كَحُسْنِ الْخُلْقِ، وَلَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ (5)، وَلَا قَائِدَ كَالتَّوْفِيقِ، وَلَا تِجَارَةَ كَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَا رِبْحَ كَالثَّوَابِ (6)، وَلَا وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ الشَّبْهَةِ (7)، وَلَا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي)


1) (من لا يصانع) أي لا يجامل في الحق بأن يترك بعض الحق مجاملة (ولا يضارع) أي لا يشابه المبطلين في أعماله، ولا يشبه بهم (ولا يتبع المطامع) أي الأطماع المادية.

2) (لتهافت) أي تساقطت أجزاءه قطعة قطعة لأن البلاء موكل بالولاء.

3) (من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلباباً) والظاهر أن المراد في تلك الأزمنة، حيث كثرة الأعداء، فإذا أحب أحد أهل البيت، ضيقوا عليه أشد التضييق ممّا يؤول أمره إلى الفقر، كما ذكر في التاريخ.

4) (أعود) أي أنفع (ولا وحدة أوحش من العجب) لأن المعجب بنفسه يمقته الناس (ولا عقل كالتدبير) فإنَّ تدبير الأمور على وجه الصلاح أحسن نتائج العقل. (ولا كرم) أي شرافة (كالتقوى) فإنَّها أشرف الصفات.

5) (ولا قرين) صاحب للإنسان (ولا ميراث كالأدب) إذ الأدب يوجب رفعة الإنسان مادياً ومعنوياً بخلاف الميراث الذي هو مال فقط.

6) (ولا قائد كالتوفيق) فمن وفقه اللّه سبحانه، قاده التوفيق إلى أنواع السعادة (ولا تجارة كالعمل الصالح) لأنه يورث خير الدارين بخلاف سائر التجارات المالية فليست هكذا (ولا ربح كالثواب) فإن الأرباح المالية منقطعة، أما الثواب فهو باق أبدي.

7) (ولا ورع كالوقوف عند الشبهة) فإنَّه أفضل أنواع الورع، وما دونه الورع عن المحرمات.

الْحَرَامِ، وَلَا عِلْمَ كَالتَّفَكُرِ، وَلَا عِبَادَةَ كَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَلَا إِيمَانَ كَالْحَيَاءِ وَالصَّبْرِ، وَلَا حَسَبَ كَالتَّوَاضُعِ وَلَا شَرَفَ كَالْعِلْمِ، وَلَا عِزَّ كَالْحِلْمِ، وَلَا مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ.114 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِذَا اسْتَوْلَى الصَّلاحُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُل لَمْ تَظْهَرُ مِنْهُ خَزْيَةٌ فَقَدْ ظَلَمَ! وَإِذَا اسْتَوْلَى الْفَسَادُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ، فَأَحْسَنَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ فَقَدْ غَرَّرَ (1)!)115 - وقيل له (عَلَيهِ السَّلَامُ: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كَيْفَ يَكُونُ له حَالُ مَنَ يَفْنَى بِبَقَائِهِ، وَيَسْقَمُ بِصِحَتِهِ وَيُؤْتَى مِنْ مَأْمَنِهِ(2)!)116 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَج بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُورِ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ! وَمَا ابْتَلَى اللّه أَحَداً بِمِثْلِ الْإِمْلَاءِ لَهُ (3).)117 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: هَلَكَ فِي رَجُلَانِ : مُحِب غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ (4).)118 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِضَاعَةُ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ (5))119 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا، وَالسُّمُ النَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا، يَهْوِي إِلَيْهَا الْغِرُّ الْجَاهِلُ وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ الْعَاقِلُ (6)!)


1) (فقد غرر) أي أوقع نفسه في الغرر والخطر.

2) (كيف تجدك) أي كيف تجد نفسك فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (كيف يكون حال من يفنى ببقائه) فإن كل ساعة من البقاء، موجب لنقص ساعة من العمر، وهكذا يفنى العمر تدريجاً (ويسقم بصحته) إذ الصحة سبب لعدم مبالاة الإنسان ببدنه، وذلك سبب للمرض (ويؤتى من مأمنه) أسباب الموت كامنة في نفس الإنسان ونفس الإنسان محل آمن، إذ لا يكمن هناك عدو خارجي.

3) (كم من مستدرج بالإحسان إليه) يقال استدرجه اللّه، أي تابع نعمه عليه (ومغرور) قد ظن أنه لا يعاقب (ب) سبب (الستر عليه) إذ ستره اللّه ولم يفضحه (ومفتون) أي مخدوع (الإملاء له) أي الإمهال.

4) (محب غال) قد غالي وبالغ في كالذين قالوا بألوهية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ومبغض قال) بمعنى شديد البغض، كالخوارج، والنواصب ومن إليهم.

5) (غصة) أي توجب الحزن.

6) (الناقع) أي القاتل (الغر) أي الغافل (ويحذرها ذو اللب) أي الباطن (العاقل) الذي يدرك حقائق الأشياء وعواقبها.

120 – وسئل (عَلَيهِ السَّلَامُ عن قريش فقال : أَمَّا بَنُو مَخْزُومٍ فَرَيْحَانَةُ قُرَيْشٍ، نُحِبُّ حَدِيثَ رِجَالِهِمْ، وَالنِّكَاحَ فِي نِسَائِهِمْ. وَأَمَّا بَنُو عَبْدِ شَمْسِ فَأَبْعَدُهَا رَأْياً، وَأَمْنَعُهَا لِمَا وَرَاءَ ظُهُورِهَا (1). وَأَمَّا نَحْنُ فَأَبْذَلُ لِمَا فِي أَيْدِينَا، وَأَسْمَحُ عِنْدَ)الْمَوْتِ بِنُفُوسِنَا، وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَمْكَرُ وَأَنْكَرُ، وَنَحْنُ أَفْصَحُ وَأَنْصَحُ وَأَصْبَحُ (2.)121 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: شَنَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ : عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ، الام وَعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤُونَتُهُ (3)وَيَبْقَى أَجْرُهُ.)122 - وتبع جنازة فسمع رجلاً يضحك، فقال : كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ، وَكَأَنَّ الْحَقِّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ، وَكَأَنَّ الَّذِي نَرَى مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلِ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ! نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ، وَنَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ، كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ! ثُمَّ قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظ وَوَاعِظَةٍ، وَرُمِينَا بِكُلِّ جَائِحَةٍ (4!)123 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَطَابَ كَسْبُهُ، وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ، وَحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ عَنْ مَالِهِ (5)، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَى الْبِدْعَةِ (6).)


1) (فأبعدها رأياً) أي ينظرون إلى العواقب، ولعل الأقرب أن المراد أنهم أبعد رأياً عن الصواب (وأمنعها لما وراء ظهورها) أي يحمون الجار، ولعل الأقرب أن المراد أنهم لا ينظرون إلى ما ورائهم، وإنما ينظرون إلى العاجلة.

2) (فأبذل لما في أيدينا) أي أسخى وأجود (وأسمح عند الموت بنفوسنا) فلا نبالي بالموت ولذا يكون الشجعان منا (وأنكر) أي أكثر نكراناً للجميل (ونحن أفصح) لساناً (وأنصح) أي أكثر نصيحة للناس (أصبح) أي أجمل وجهاً.

3) (مؤونته) أي صعوبته.

4) (سفر) أي مسافرون (نبوئهم) أي ندخلهم (أجداثهم) أي في قبورهم جمع جدث بمعنى القبر. (تراثهم) أي ميراثهم (كانا مخلدون) أي باقون إلى الأبد في الدنيا (ورمينا بكل جائحة) أي آفة من مرض وفقر وشدة، ومع ذلك لا نبالي.

5) (طوبى لمن ذل في نفسه) بأن لم ير نفسه شيئاً (وطاب كسبه) فلم يكتسب المكاسب المحرمة (وصلحت سريرته) أي باطنه، فلم ينطو على الرذائل (وحسنت خليقته) أي طبيعته فلم تكن طبيعة ملوثة (وأنفق الفضل عن ماله) أي الزائد عن مقدار حاجته.

6) (وأمسك الفضل من لسانه) بأن لم يتكلم في ما لا يعنيه (وعزل عن الناس شره) فلم يأت إليهم بالشر (ووسعته) أي كفته (ولم ينسب إلى البدعة) أي لم يأت بها حتى ينسب إليها.

قال الرضي: أقول : ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وكذلك الذي قبله.)124 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: غَيْرَةُ الْمَرْأَةِ كُفْرٌ، وَغَيْرَةُ الرَّجُلِ إِيمَانٌ (1).)125 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لأَنْسُبَنَّ الْإِسْلَامَ نِسْبَةٌ لَمْ يَنْسُبُهَا أَحَدٌ قَبْلِي الْإِسْلَامُ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ، وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ (2)، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الْإِقْرَارُ، وَالْإِقْرَارُ هُوَ الْأَدَاءُ (3)، وَالْأَدَاءُ هُوَ الْعَمَل (4).)126 - وقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ : عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ الْفَقْرَ الذِي مِنْهُ هَرَبَ، وَيَقُوتُهُ الْغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، وَيُحَاسَبُ فِي الْآخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ، وَعَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةٌ، وَيَكُونُ غَداً جيفَةٌ (5)، وَعَجِبْتُ لِمَنْ شَكٍّ فِي اللّه، وَهُوَ يَرَى خَلْقَ اللّه، وَعَجِبْتُ لِمَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ، وَهُوَ يَرَى الْمَوْتَى، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى، وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى (6)، وَعَجِبْتُ لِعَامِرٍ دَارَ الْفَنَاءِ وَتَارِكِ دَارَ الْبَقَاءِ.)


1) (غيرة المرأة كفر) وهي بأن تمانع الرجل عن الزواج بالمتعددة، وهو كفر عملي، كما أن ترك الحج كفر عملي، إذ الكفر - عقيدي، وعملي، كما تقدم - فكل إنكار للأصول كفر عقيدي، وكل منع عن الفروع، وإتيان بالمعاصي كفر عملي (وغيرة الرجل) بأن لا يزني، ويمنع زوجته عن تعاطي المنكرات (إيمان) قد أمر به الإسلام.

2) (لأنسبن الإسلام نسبة) أي أبين له الأصل والحقيقة (الإسلام هو التسليم) للّه سبحانه فيما أمر ونهى (والتسليم هو اليقين) فالتسليم بلا يقين قلبي لا يكفي واليقين هو التصديق) فإنَّ الإنسان قد يتيقن بالشيء لكن بلا تصديق بحقيقته بل من باب الجهل المركب، وهذا ليس بإسلام.

3) (والتصديق هو الإقرار) أي إقرار القلب بحقيقة الإسلام، كما يقر اللسان بالشيء (والإقرار هو الأداء) إذ قد يكون إقرار بلا إعطاء، وهذا إقرار صوري، وكما أن اللسان قد يقرأ بالشيء لزيد لكن لا يعطيه المقولة، كذلك القلب قد يقر بشيء، ولكن لا يستعد للعمل على طبق ما أقر واعترف.

4) (والأداء هو العمل) أي عمل القلب وتحريكه الجوارح نحو الإطاعة، وإن شئت قلت إن الإسلام أداء عن إقرار، وإقرار عن تصديق، وتصديق عن يقين، ويقين عن تسليم.

5) (عجبت للبخيل يستعجل الفقر) فإنَّه لا ينفق خوف أن يفقر، وتقتيره وعدم إنفاقه فقر حاضر (الذي منه هرب) فإنَّ البخيل لا ينفق هرباً من الفقر، لئلا يفتقر وقد وقع فيه، (ويفوته الغنى الذي إياه طلب) إذ لا فائدة في الغنى إلا الإنفاق فإذا لم ينفق فاته الغنى (نطفة) من المني القذر (ويكون غداً) بعد الموت (جيفة) منتنة.

6) (و عجبت لمن أنكر النشأة الأخرى) أي الآخرة (وهو يرى النشأة الأولى) أي الدنيا.

127 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ قَصَّرَ فِي الْعَمَلِ ابْتُلِي بِالْهَمْ، وَلَا حَاجَةَ اللّه فِيمَنْ لَيْسَ للّه فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ نَصِيبٌ (1).)128 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: تَوَقَّوُا الْبَرْدَ فِي أَوَّلِهِ، وَتَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي الْأَشْجَارِ، أَوَّلُهُ يُحْرِقُ، وَآخِرُهُ يُورِقُ (2).)129 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: عِظَمُ الْخَالِقِ عِنْدَكَ يُصَغْرُ الْمَخْلُوقَ فِي عَيْنِكَ.)130 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ، وقد رجع من صفين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة : يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشةِ، وَالْمَحَالٌ الْمُقْفِرَةِ، وَالْقُبُورِ الْمُظْلِمَةِ، يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعُ لَاحِقٌ (3)أَمَّا. الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ، وَأَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ، وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ. هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا، فَمَا خَبَرُ مِنْ عِنْدَكُمْ ؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال : أَمَّا لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.)131 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ، وقد سمع رجلاً يذم الدنيا : أَيُّهَا النَّامُ لِلدُّنْيَا، الْمُغْتَرُّ اللام بِغُرُورِهَا الْمَخدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا! أَتَغْتَرُّ بالدُّنْيَا ثُمَّ تَدُمُّهَا؟ أَنْتَ الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا، أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ (4)مَتَى اسْتَهْوَتْكَ، أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ؟ أَبِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ ؟)


1) (من قصر في العمل) فلم يعمل كما ينبغي (ابتلي بالهم) أي الحزن على فوات نتائج العمل (ولا حاجة للّه) كناية عن عدم اعتناء اللّه سبحانه به (فيمن ليس للّه في ماله ونفسه نصيب) بأن لم ينصب بدنه للطاعة، ولا أنفق ماله في سبيل اللّه تعالى.

2) (توقوا البرد في أوله) أي اتقوا وتحذروا من البرد في أول مجيئه كأول الشتاء (وتلقوه في آخره) أي أعرضوا أنفسكم للبرد - وهذا هو التلقي له - في آخره كأول الربيع (أوله يحرق) ولذا يسقط الأوراق، كالحرق الذي لا يذر الشيء (وآخره يورق) أي يوجب إخراج الأشجار للأوراق وهكذا يفعل بالبدن.

3) (والمحال) جمع محل (المقفرة) من أقفر المكان إذا لم يكن فيه ساكن (أنتم لنا فرط) هو المتقدم من القوم (سابق) سبقتمونا إلى الآخرة (ونحن لكم تبع لاحق) نموت فنلتحق بكم.

4) (المغتر بغرورها) أي المخدوع بخدعتها لك (المخدوع بأباطيلها) والخدعة الهجوم على الشخص على حين غفلة (أنت المتجرم عليها) يقال تجرم عليه، إذا ادعى الجرم عليه (أم هي المتجرمة عليك) ؟ أنك أنت المتجرم لأنك عرفت، وقد عرفتك الدنيا عن نقصها ومع ذلك أقدمت.

الْبِلَى أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى (1كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ، وَكَمْ مَرَّضْتَ ؟ بِيَدَيْكَ؟ تَبْغِي لَهُمُ الشَّفَاءَ، وَتَسْتَوصِفُ لَهُمُ الْأَطِبَّاءَ، غَدَاةَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ (2)دَوَاؤُكَ، وَلَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤُكَ. وَلَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ، وَلَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطَلِبَتِكَ، وَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهُمْ بِقُوَّتِكَ! وَقَدْ مَثَّلَتْ لَكَ بِهِ الدُّنْيَا نَفْسَكَ، وَبِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ (3). إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِم عَنْهَا، وَدَارُ غِنِّى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا (4)، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنْ اتَّعَظَ بِهَا. مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللّه، وَمُصَلَّى مَلَائِكَةِ اللّه، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللّه، وَمَنْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللّه. اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَرَبِحُوا فِيهَا الجَنَّةَ. فَمَنْ ذَا يَذْمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا، وَنَادَتْ بِفِرَاقِهَا، وَنَعَتْ نَفْسَهَا وَاهْلَهَا (5)، فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلائِهَا الْبَلاءَ، وَشَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ ؟! رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ، وَابْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ، تَرْغِيباً وتَرْهِيباً، وَتَخْوِيفاً وَتَحْذِيراً (6)، فَذَمَّهَا)


1) (متى استهوتك) الدنيا، أي ذهبت بعقلك؟ وهذا استفهام إنكار (أم متى غرتك) وخدعتك؟. (أبمصارع آبائك من البلى) المصارع جمع مصرع، وهو مكان السقوط، أي مكان سقوط آبائك من الغناء؟ اليست إراءة الدنيا لمصارع آبائك كافية في إيقاظك (أم بمضاجع أمهاتك) جمع مضجع، وهو محل النوم (تحت الثرى) أي تحت التراب.

2) كم عللت) أي خدمت المرضى (وكم مرضت بيديك) ؟ التمريض كالتعليل في المعنى والفرق بينهما يسير (وتستوصف لهم الأطباء) أي تطلب من الأطباء وصف دائهم ودوائهم (غداة) أي في وقت (لا يغني عنهم) أي لا يفيدهم.

3) (ولم تسعف فيه بطلبتك) الإسعاف إعطاء المطلوب، والطلبة المطلوب، أي لم تقض حاجتك التي هي شفائهم (ولم تدفع عنهم بقوتك) وقدرتك (وقد مثلت لك به الدنيا نفسك) أي أن الدنيا جعلت الذي مات قبلك مثالاً لك لتقيس نفسك على ذلك المثال وبمصرعه مصرعك) فكما صرع تصرع.

4) (إن الدنيا دار صدق لمن صدقها) أي أراد التعرف على حقيقتها صدقا، فإنَّها تكشف عن أحوالها السيئة له فوراً (ودار عافية لمن فهم عنها) إذ يعمل الإنسان الفاهم لأجل العافية من بلياتها (ودار غنى لمن تزود منها) أي دار توجب غنى الإنسان في الآخرة، إذا أخذ الإنسان الزاد منها، وهي العمل الصالح.

5) (فمن ذا يذمها) أي من الذي يتمكن أن يذمّها ذمّاً حقيقياً (وقد آذنت) أي أعلمت (ببينها) أي بعدها وزوالها عنهم (ونادت بفراقها) والنداء إنما هو بإظهار الدنيا فراق كل أحد ممن ماتوا (ونعت نفسها وأهلها) يقال: نعا زيد محمداً، إذا أخبر بفقده، فإنَّ الدنيا بما أظهرت من أحوالها، أخبرت بفناء نفسها، وفناء أهلها.

6) (راحت بعافية) أي وافت الإنسان وقت العشي - من الرواح مقابل البكور، وهو صحيح لا هم له (وابتكرت) أي أصبحت (بفجيعة) أي بفاجعة نازلة على الإنسان، وإنما يفعل بالإنسان ذلك (ترغيبا) إلى الآخرة (وترهيباً) عن الدنيا (وتخويفاً) للعاصين (وتحذيرا) للمغرورين.

رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ، وَحَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ذَكَرَتْهُمُ الدُّنيا فَتَذَكَّرُوا، وَحَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا، وَوَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا (1.)132 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ للّه مَلَكاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ: لِدُوا لِلْمَوْتِ، وَاجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ، وَابْنُوا لِلْخَرَابِ.)133 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٌ لَا دَارُ مَقَرٍّ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلَانِ : رَجُلٌ لي بَاعَ فِيهَا نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا، وَرَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا (2).)134 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلَاثٍ : في نَكْبَتِهِ، وَغَيْبَتِهِ، وَوَفَاتِهِ.)135 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمْ أَرْبَعاً : مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ الْإِجَابَةَ، وَمَنْ أُعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ الْقَبُولَ، وَمَنْ أُعْطِيَ الِاسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ الْمَغْفِرَةَ، الْمَغْفِرَةَ، وَمَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزِّيَادَةَ.)قال الرضي : وتصديق ذلِكَ كتابُ اللّه، قال اللّه عزّ وجلّ في الدُّعَاء : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (3)وقال في الاستغفار : ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمَ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّه يَجِدِ اللّه غَفُورًا رَّحِيمًا) (4)وقال في الشكر : (لئن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (5)وقال في التوبة : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئك يَتُوبُ اللّه عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّه عَلِيمًا حَكِيمًا (6).)136 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٌّ، وَالْحَجُ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيف،)


1) (فذمّها رجال غداة الندامة) أي عندما أصبحوا نادمين فيها على ما فرطوا وفعلوا (وحمدها آخرون يوم القيامة) حيث وجدوا ثواب أعمالهم الصالحة (ذكرتهم الدنيا) بمصائبها وآلامها (فتذكروا) وعرفوا (وحدثتهم) عن وخامة عاقبتها إن تعاطوا المنكرات والآثام فصدقوا ما قالت، ولذا اجتنبوا عنها (ووعظتهم) بأن أرشدتهم (فاتّعظوا) وعملوا بما فهموا.

2) (رجل باع فيها نفسه) لشهواته، كأنّه أعطى نفسه للعقاب، ليلتذ بالمشتهيات المحرمة (فأوبقها) أي أهلكها (ورجل ابتاع نفسه) أي اشتراها حيث عمل بالطاعات (فأعتقها) من النار والنكال.

3) سورة غافر، الآية: 60.

4) سورة النساء الآية: 110.

5) سورة إبراهيم، الآية: 7.

6) سورة النساء، الآية: 17.

وَلِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةُ (1، وَزَكَاةُ الْبَدَنِ الصِّيَامُ، وَجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُلِ (2).)137 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ (3).)138 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ (4).)139 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: تَنْزِلُ الْمَعُونَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ (5).)140 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَا أَعَالَ مَا أَعَالَ مَنِ اقْتَصَدَ (6).)141 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: قِلَّةُ الْعِبَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ (7).)142 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: التَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ (8).)143 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ (9).)144 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: يَنْزِلُ الصَّبْرُ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ (10)، وَمَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ حَبِطَ عَمَلُهُ (11).)


1) (الصلاة قربان كل تقي) أي أن المتقين يتقربون بالصلاة إلى مرضاة اللّه سبحانه (والحج جهاد كل ضعيف) فمن ضعف عن الجهاد، وذهب إلى الحج كان في حكم الجهاد له.

2) (ولكل شيء زكاة) أي ما يوجب تزكيته وطهارته (حسن التبعل) أي معاشرة الزوج معاشرة حسنة، فإذا فعلت ذلك كانت كالمجاهد في سبيل اللّه.

3) (استنزلوا الرزق بالصدقة) أي اطلبوا نزول الرزق بإعطائكم الصدقة، فإنَّها توجب زيادة الرزق.

4) (بالخلف) أي بأن اللّه يخلف ويعوض (جاد بالعطية) إذ يعلم كل عطاء يعطيه يعوض عنه.

5) (تنزل المعونة) أي ينزل العون للإنسان من السماء (بقدر المؤونة) أي بقدر حاجة الإنسان ومصارفه.

6) (ما أعال) أي ما افتقر (من اقتصد) أي توسط في إنفاقه.

7) (قلة العيال أحد اليسارين) لأن عدم كون الإنسان في الضيق إما بكثرة المال، أو بأن يقل من يطلب منه النفقة.

8) (التودد) أي التحبب إلى الناس (نصف العقل) إذ العقل يصلح دين الإنسان ودنياه وإصلاح الدنيا بالتحبب إلى الناس في المعاشرة والمعاملة وما أشبه ذلك، ومن تحبب إلى الناس بأخلاقه وآدابه فقد أمن على مصالحه الدنيوية.

9) (الهم) والحزن (نصف الهرم) لأن الهرم يوجب ضعف البدن وضعف النفس، والهم ضعف للنفس.

10) (ينزل الصبر على قدر المصيبة) فإذا كانت المصيبة عظيمة نزل على الإنسان من اللّه سبحانه صبر كبير، وإن كانت صغيرة نزل صبر بقدرها.

11) (ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبته) وكانت الضربة جزعاً ولعدم رضا بقضاء اللّه تعالى (حبط عمله) أي ذهب ثواب صبره، لأنه جزع ولم يصبر، والحبط هو البطلان، فلا يثاب على صبره.

145 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: كَمْ مِنْ صَائِمِ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ وَالْعَنَاءُ، حَبَّذَا نَوْمُ الْأَكْيَاس (1)وَإِفْطَارُهُمْ !)146 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكاةِ (2)وَادْفَعُوا أَمْوَاجَ البَلاءِ بِالدُّعَاءِ.)### وَمِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ لكُمَيْل بن زياد النخعي)قال كُمَيْل بن زياد أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ فأخرجني إلى الجبان، فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم قال :)يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، إِنَّ هذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا (3، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ : النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيُّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِينُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَلُّوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ (4). يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ)


1) (الأكياس) أي العقلاء جمع كيس.

2) (سوسوا) السياسة حفظ الشيء بما يحفظه من الفساد (إيمانكم بالصدقة) فإنَّ التصدق يحفظ الإيمان عن الفساد، إذ تسبب تقوية الإيمان (وحصنوا) أي احفظوا واجعلوا الحصن الحافظ (أموالكم بالزكاة) فإنَّ إعطاء الزكاة يوجب لطف اللّه تعالى بحفظ مال المزكي.

3) (الجبّان) أي الصحراء (فلما أصحر) أي دخل الصحراء (تنفس الصعداء) وهو نفس الملهوف الذي يخرج من أعماق باطنه (أوعية) جمع وعاء بمعنى الظرف، أي هي كالظروف لكن الظرف يحفظ الماديات، والقلب يحفظ الأخلاق والمعنويات فخيرها (أوعاها أي أحسن القلوب أكثرها حفظاً للعلوم والمعارف.

4) (فعالم رباني) أي منسوب إلى الرب تعالى لأنه تعلم وعمل للّه سبحانه (ومتعلم على سبيل نجاة) أي يتعلم العلم - ولم يصل إلى مرتبة العالم - وتعلم لنجاة نفسه لا للرياء وما أشبه (وهمج رعاع) أي أن القسم الثالث مثل هذا البعوض في ذهابه إلى كل مكان، وكونه حدثاً لا يدرك ولم ينضج (اتباع كل ناعق) أي كل راع إلى حق أو باطل (يميلون مع كل ريح) أي كل اتجاه (لم يلجأوا إلى ركن وثيق) فلم يأخذوا طريقة حقة يؤمنون بها مستقبلهم.

وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ (1. يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، الْعِلْمِ دِينُ يُدَانُ بِهِ، بِهِ يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ (2). يَا كُمَيْلُ، هَلَكَ خُزَانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءُ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ (3): أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ. هَا إِنَّ ههُنَا لَعِلْماً جَمّاً (4)لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةٌ.)وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلى صدره بَلَى أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ (5فِي الدُّنْيا، وَمُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اللّه عَلَى عِبَادِهِ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، أوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ (6)، لَا بَصِيرَةً لَهُ فِي أَحْنَائِهِ، يَنْقَدِحُ الشَّكُ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ)


1) (العلم يحرسك) لأنه يرشد إلى طريق النجاة وطريق الهلاك فيتجنب الإنسان طريق الهلاك (وأنت تحرس المال) لأن المال يحتاج إلى الحافظ، وإلا سرق وبدد (والعلم يزكو) أي يزيد وينمو (على الإنفاق) لأن الإنسان إذا علم قويت ملكة العلم في نفسه، بقاء وانتشاراً (وصنيع المال) أي الذي تحببته بالمال بأن أحبك لأجل مالك (يزول بزواله) أي زوال المال، أما صنيع العلم يبقى لأن العلم باق غير زائل.

2) (العلم دين يدان به) أي طريقة تتخذ منهجاً ومسلكاً، لأن العلم مرشد، كما أن الدين طريق ومرشد للإنسان (به يكسب الإنسان الطاعة) أي طاعة الناس له - وهذا هو الأقرب ويحتمل أن يراد كونه مرشداً إلى طاعة اللّه (وجميل الأحدوثة) أي الحديث عنه (والعلم حاكم والمال محكوم عليه) إذ العلم هو الذي يوجه المال كيف يصرف وكيف لا يصرف.

3) (يا كميل هلك خزان الأموال) جمع خازن، وهو الحافظ (وهم أحياء) إذ ليس لهم ذكر ولا مدح وحياة الإنسان الحقيقية في الدنيا بذكره الجميل، ومدح الناس له (والعلماء باقون ما بقي الدهر) ولو كانوا تحت التراب لأنهم مذكورون بالجميل يثني عليهم الناس.

4) (أعيانهم مفقودة) أي ذهبت أجسامهم عن الحياة وأمثالهم) أي أشباحهم وذكرهم (ها) اسم فعل أمر بمعنى [خذ] أو كلمة تأسف وأصلها [ها] وذلك أن المتفجر يتنفس بالصوت (جماً) أي كثيراً.

5) (أصبت) أي وجدت (لقناً) هو الذي يفهم بسرعة (غير مأمون عليه) أي لا آمن عليه أن يستعمل العلم في جلب الدنيا، ولذا لا أعلمه، والمراد باللقن، غالب الناس الذين لا يريدون من العلم إلا طلب الدنيا (مستعملاً آلة الدين) الذي هو العلم فإنَّه وسيلة إلى الدين النافع في الدارين.

6) (ومستظهراً بنعم اللّه على عباده) أي يستعين بنعمة اللّه - إذ أعطاه سبحانه - على إيذاء الناس (وبحججه على أوليائه) فإنَّ عرف حجة ودليلاً - ممّا تفضل اللّه عليه بنعمها استعمل ذلك الدليل للجدال مع اللّه أولياء تعالى (أو منقادا) عطف على [لقنا] أي أصبت للعلم منقاداً طائعاً (لحملة الحق) أي الحاملين له.

عَارِضِ مِنْ شُبْهَةٍ (1. أَلَا لَا ذَا وَلَا ذَاكَ، أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّةِ (2)، سَلِسَ الْقِيَادِ لِلشَّهْوَةِ، أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَالِادْخَارِ، لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهاً بِهِمَا الْأَنْعَامُ السَّائِمَةُ كَذلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوتِ حَامِلِيهِ. اللّهمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِم للّه بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، أَوْ خَائِفاً مَغْمُوراً (3)، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللّه وَبَيِّنَاتِهِ. وَكَمْ ذَا (4)وَأَيْنَ أُولئِكَ؟ أُولئِكَ - وَاللّه - َالْأَقَلُّونَ عَدَداً، وَالْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللّه قَدْراً، يَحْفَظُ اللّه بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ، حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، وَيَزْرَعُوهَا قُلُوبَ أَشْبَاهِهِمْ. هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ (5)، وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ (6)وَأَيْسُوا بِمَا اسْتَوحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ (7)، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانِ)


1) (لا بصير له في أحنائه) أي دقائقه وخفاياه والأحناء جمع حنو، بمعنى الطرف، ومثل هذا الشخص ليس قابلاً لأن يظهر الإنسان له العلم، لأنه مقلد جاف. (ينقدح الشك) أي يظهر، كما تنقدح النار من الزناد (لأول عارض من شبهة) أي ما يعرض عليه من الشكوك والشبهات إذ لا مناعة علمية له تحفظه.

2) (أو منهوماً) عطف على لقنا أي أصبت لحمل العلم مفرطاً (باللذة) أي الشهوة الذي لا هم له إلّا شهواته.

3) (أو مغرما) عطف على لقنا، أي مولعاً (من رعاة الدين في شيء) رعاة: جمع راعي، بمعنى أنهما لا يرتبطان بالدين ولا يرعيانه (الأنعام السائمة) التي تسوم وترعى (مغموراً) غمره الظلم حتى أخفاه ينتظر الظهور.

4) لئلا تبطل تضمحل (حجج اللّه) جمع حجة، بمعنى: الدليل على الأصول والفروع المرشد إليها (وبيناته) جمع بينة، بمعنى الحجة الواضحة (وكم ذا)؟ القائم بحجة اللّه، وهذا استفهام عن عدد القائمين لبيان قلتهم.

5) (حتى يودعوها) أي يجعلون تلك الحجج بعنوان الوديعة (نظراءهم) أي أمثالهم من أهل الحق (ويزرعوها) تشبيه بالزرع في الأرض، الموجب للثبات فيها (قلوب أشباههم) من القائمين بحجج اللّه (هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة) أي أنّ العلم الواصل إلى حقيقة البصيرة والمعرفة هجم عليهم حتى صاروا علماء، و [ هجم] كناية عن تدفّق العلم نحوهم، كما يتدفق المهاجم.

6) (وباشروا روح اليقين) يعني أنّ اليقين الذي لا يزول ولا يحول، جاء إليهم حتى أنهم باشروها وزاملوها (واستلانوا ما استوعره المترفون) الترف هو البطر بالنعمة، أي عدوا ليناً سهلاً، ما عده خشناً، وهو الزهد في الدنيا وإطاعة اللّه سبحانه.

7) (وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون) فإنَّ الجهال يستوحشون من الطاعة والعبادة وما إليها، وهؤلاء يأنسون بها.

أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى، أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللّه فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دينِهِ آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ ! انْصَرِفْ يَا كُمَيْلُ إِذَا شِئْتَ.148 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ (1).)149 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: هَلَكَ امْرُؤٌ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ (2).)150 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لرجل سأله أن يعظه : لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيُرَبِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الْأَمَلِ، يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَولِ الزَّاهِدِينَ، وَيَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِينَ (3)، إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ، يَعْجَزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ، وَيَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِي يَنْهَى وَلَا يَنْتَهِي، وَيَأْمُرُ بِمَا لَا يَأْتِي، يُحِبُّ الصَّالِحينَ وَلَا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ، وَيُبْغِضُ الْمُذْنِبِينَ وَهُوَ أَحَدُهُمْ، يَكْرَهُ الْمَوتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ، وَيُقِيمُ عَلَى مَا يَكْرَهُ الْمَوتُ لَهُ (4)، إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً، وَإِنْ صَحْ أَمِنَ لَاهِياً، يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إِذَا عُوفِيَ، وَيَقْنَطُ إِذَا ابْتُلِي، إِنْ أَصَابَهُ بَلَاءٌ دَعَا مُضْطَراً، وَإِنْ نَالَهُ رَخَاءُ أَعْرَضَ مُغْتَراً (5)، تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ، وَلَا يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ، يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِهِ، وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ (6)، إِنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ وَفُتِنَ، وَإِنِ)


1) (المرء مخبوء) أي مستور (تحت لسانه) فإذا لم يتكلم لم يعلم باطنه ومقداره.

2) (هلك امرؤ لم يعرف قدره) إذ الإنسان إذا لم يعرف قدره وقيمته صرف نفسه فيما لا يليق فيهلك.

3) (ويرجى التوبة) أي يؤخّرها (بقول الزاهدين) إنها يجب أن تترك، كما يتكلم الزاهدون حول الدنيا بعمل الراغبين من الانكباب على الدنيا، والتمتع بلذاتها.

4) (ينهي) عن المنكر (ولا ينتهي) هو بل يتعاطى المنكرات (ويأمر بما لا يأتي) أي يأمر الناس بالمعروف ولا يأتي هو به (ويقيم على ما يكره الموت له) أي على الشيء الذي يكره الموت لأجل ذلك الشيء، وهو الذنب، والإقامة على الذنب الاستمرار في الإتيان به.

5) (إن سقم ظل نادماً) على ما فرط في أيام صحته (وإن صح) بأن لم يكن مريضاً (أمن) العاقبة (يعجب بنفسه إذا عوفي) أي يتكبر (مغتراً) قد أخذه الغرور والغفلة.

6) (تغلبه نفسه على ما يظن) فإذا ظن لذة حاضرة، غلبته نفسه وأمرته بتحصيلها (ولا يغلبها على ما يستيقن) أي لا يغلب هو على نفسه بالطاعة والعبادة، حتى يحصل ما يستيقن من السعادة والجنة. (يخاف على غيره) الهلاك (بـ) سبب أنه أتى بذنب (أدنى من ذنبه كان يخاف على غيره سرقة درهم، وهو سارق دينار (ويرجو لنفسه بأكثر من عمله) بأن عمل عملاً قليلاً ويرجو ثواباً كثيراً.

افْتَقَرَ قَنطَ وَوَهَنَ (1، يُقَصِّرُ إِذَا عَمِلَ، وَيُبَالِغُ إِذَا سَأَلَ، إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ الْمَعْصِيَةَ، وَسَوْفَ التَّوْبَةَ، وَإِنْ عَرَتْهُ مِحْنَةٌ انْفَرَجَ عَنْ شَرَائِطِ الْمِلَّةِ (2). يصِفُ الْعِبْرَةَ وَلَا يَعْتَبِرُ، وَيُبَالِغُ فِي الْمَوْعِظَةِ وَلَا يَتَّعِظُ، فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌ، وَمِنَ الْعَمَلِ مُقِلٌ، يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى، وَيُسَامِعُ فِيمَا يَبْقَى (3)، يَرَى الْغُنْمَ مَغْرَماً، وَالْغُرْمَ مَغْنَماً، يَخْشَى الْمَوْتَ، وَلَا يُبَادِرُ الْفَوْتَ يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ، فَهُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنٌ، وَلِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ (4)، اللّهرُ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ مَعَ الْفُقَرَاءِ، يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ، وَيُرْشِدُ غَيْرَهُ وَيُغْوِي نَفْسَهُ، فَهُوَ يُطَاعُ وَيَعْصِي، وَيَسْتَوْفِي وَلا يُوفِي، وَيَخْشَى الْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ، وَلَا يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ (5).)قال الرضي: ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة، وحكمة بالغة، وبصيرة لمبصر، وعبرة لناظر مفكر.151 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لِكُلِّ امْرِئٍ عَاقِبَةٌ حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ. :)


1) (بطر) هو الاغترار بالنعمة (وفتن) أي صار مفتوناً مخدوعاً فارتكب الآثام لاهياً (قنط) يئس (ووهن) أي ضعف عن أداء ما عليه.

2) (أسلف المعصية) أي قدمها، وارتكبها (وسوف التوبة) أي أخرها، لأنه ينساق وراء شهواته (وإن عرته) أي عرضت عليه (محنة) أي بلية (انفرج) أي: بعد (عن شرائط الملة) أي شرائط ملة الإسلام وطريقته، وهي الصبر عند البلاء والثبات في الرزايا والمحن.

3) (فهو بالقول مدل) من أدل على أقرانه بمعنى استعلى عليهم. (ومن العمل مقل) إذ يأتي بقليل من العمل (ينافس فيما يفنى) أي يباهي ويتزيد من الدنيا الفانية (ويسامح فيما يبقى) أي الآخرة فلا يعمل لها.

4) (يرى الغنم) أي الغنيمة التي هي الآخرة، وما يبذله الإنسان في سبيلها (مغرماً) أي غرامة وذهاباً للمال بلا عوض (و) يرى (الغرم) أي الغرامة، وهي ما يعرفه من الشهوات واللذات (مغنماً) أي غنيمة (ولا يبادر الفوت) أي لا يسرع أن يعمل قبل فوات الفرصة (طاعن) يطعن ويخدش فيهم (مداهن) مجامل.

5) (يحكم على غيره لنفسه) بأن يجعل نفسه مظلوماً، وغيره ظالماً (ولا يحكم عليها لغيره) لأنه لا ينصف وإنما يرى الحق دائماً بجانب نفسه (ويستوفي) أي يطلب وفاء حقه من الناس (ويخشى الخلق في غير ربه) أي يعمل لغير اللّه سبحانه خشية من الناس (ولا يخشى ربه) في خلقه فهو يضر الناس؟ ولا يخشاه سبحانه بالنسبة إليهم.

152 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لِكُلِّ مُقْبِل إِدْبَارُ، وَمَا أَدْبَرَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.)153 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَا يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ (1)وَإِنْ طَالَ بِهِ الزَّمَانُ.)154 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ. وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ : إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِثْمُ الرِّضَى بِهِ.)155 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: اعْتَصِمُوا بِالزِّمَمِ فِي أَوْتَادِهَا (2).)156 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ مَنْ لَا تُعْذَرُونَ بِجَهَالَتِهِ (3).)157 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: قَدْ بُصَرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَقَدْ هُدِيتُمْ إِنْ اهْتَدَيْتُمْ، وَأُسْمِعْتُمْ إِنِ اسْتَمَعْتُمْ (4).)158 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: عَاتِبْ أَخَاكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ (5).)159 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ التُّهَمَةِ فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ (6).)


1) (لا يعدم الصبور الظفر) أي لا بد للصابر أن يظفر بمراده.

2) (اعتصموا بالذمم) الذمم جمع ذمة، وهي ما يلتزمه الإنسان، والمعنى تحصنوا بها عن الكوارث (في أوتادها) جمع وتد، وهو المسمار، والمراد به الرجال أهل النجدة والوفاء، الذين كالأوتاد في الصلابة.

3) (عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته) أي طاعة اللّه والرسول والأئمة، فإنَّ الناس لا يعذرون بجهالة هؤلاء.

4) (قد بصرتم إن أبصرتم) أي كشف اللّه سبحانه لكم السعادة والشقاء، إن كانت لكم أبصار، فانظروها واعملوا بها (وقد هديتم إن اهتديتم) أي إن كنتم قابلين للهداية، فقد بين اللّه لكم أسبابها (وأسمعتم) أي أسمعكم سبحانه المواعظ والنصائح (إن استمعتم) أي إن كانت لكم أسماع لتسمعون بها.

5) (عاتب أخاك بالإحسان إليه) أي إن أردت عتابه في أمر صدر عنه وإساءة ارتكبها، فعاتبه بأن تحسن إليه، فإنَّ الإحسان ألم أنواع العتاب في النفوس الرفيعة (واردد شره بالإنعام عليه) فإنَّ الإنسان إذا أنعم على شخص استحى ذلك الشخص أن يفعل الشيء بالنسبة للإنسان.

6) (من وضع نفسه مواضع التهمة) أي في موضع يتهم فيه الإنسان، كما لو دخل حانة الخمر، ولو لقضاء حاجة مشروعة.

160 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ (1).)161 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا (2).)162 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ بِيَدِهِ (3).)163 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ (4).)164 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ قَضَى حَقَّ مَنْ لَا يَقْضِي حَقَّهُ فَقَدْ عَبَدَهُ (5).)165 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ(6).)166 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لا يُعَابُ الْمَرْهُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا ليس له (7).)167 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْإِعْجَابُ يَمْنَعُ الاِزْدِيَادَ (8).)168 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْأَمْرُ قَرِيبٌ وَالْاصْطِحَابُ قَلِيلٌ (9).)


1) (من ملك استأثر) أي من ملك جاهاً أو مالاً أو ما أشبه، استبد به، ولم يعط الحق الذي فيه لغيره.

2) (شاركها في عقولها) إذ كل إنسان يبين له وجه الصواب في العمل، فيكون مشاركاً لهم في نتائج آرائهم وأفكارهم.

3) (من كتم سره كانت الخيرة بيده) فلو شاء أظهره ولو شاء لم يظهره، أما إذا أظهره لم يكن له في كتمانه بعد.

4) (الفقر الموت الأكبر) إذ هو يوجب ذلة الإنسان ومهانته طول حياته التي يعيشها في الفقر، وهذا أعظم من الموت مرارة وصعوبة.

5) (من قضى حق من لا يقضي حقه فقد عبده) مثلاً زيد لا يقضي حق خالد، فإذا قضى خالد حق زيد، كان عابداً، إذ العبادة هي الخضوع بلا تقرب عوض، والإعطاء لمن لا يعطي يكون من هذا القبيل.

6) (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) أي لا يجوز للإنسان أن يفعل محرماً لأمر أحد، ولو كان ذلك الأمر أباً، أو سيداً أو زوجاً، ومحكوماً بالنسبة إلى الحاكم، أو ما أشبه.

7) (لا يعاب المرء بتأخير حقه) أي بأن يؤخر أخذ ماله، ويتسامح في الطلب (أخذ ما ليس له) بأن يأكل أموال الناس، أو يفسد حقوقهم.

8) (الإعجاب) إعجاب الإنسان بنفسه (يمنع الازدياد) فإنَّه لا يرى نفسه ناقصاً - حين ما أعجب - ليجتهد في ازدياد فضله.

9) (الأمر قريب) أي أمر الآخرة، ومجيئها (والاصطحاب) أي الصحبة والبقاء في الدنيا.

169 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: قَدْ أَضَاءَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ (1).)170 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: تَرْكُ الذَّنْبِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ.)171 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ مَنَعَتْ أَكَلَاتٍ (2)!)172 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهلُوا (3).)173 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الْآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَأ (4).)174 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَن أَحَدَّ سِنَانَ الْغَضَبِ للّه قَوِيَ عَلَى قَتْلِ أَشِدَّاءِ الْبَاطِلِ (5).)175 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ، فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَفِّيهِ أَعْظَمُ ممّا تَخَافُ مِنْهُ.)176 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: آلَةُ الرِّئَاسَةِ سَعَةُ الصَّدْرِ (6).)177 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: ازْجُرِ الْمُسِيءَ بِثَوَابِ الْمُحْسِنِ (7).)178 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: اُحْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ (8).)179 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الدَّجَاجَةُ تَسُلُّ الرَّأْيَ (9).)


1) (قد أضاء الصبح) أي أسفر وظهر، والمراد بالصبح الحق (لذي عينين) أي أن له عين وبصيرة.

2) (كم من اكلة منعت) أكلات كما لو أكل ما يضره، فأوجب عليه الحمية عن عدة ماكل، أياماً، حتى يطيب.

3) (الناس أعداء ما جهلوا) فإن الجهل بالشيء يستلزم الجهل بفائدته.

4) (من استقبل وجوه الآراء) أي طلب الآراء وعرف وجوهها (عرف مواقع الخطأ) فإنَّ من عرف الصحيح عرف الخطأ للمقابلة بينهما.

5) (من أحد سنان الغضب للّه) أي شحذ و [السنان] نصل الرمح، والمعنى من اشتد غضبه له سبحانه (قوي على قتل أشداء الباطل) أي قوي في قمع أهل الباطل، وإن كانوا أشداء أقوياء.

6) (آلة الرئاسة سعة الصدر) فإن من وسع صدره في الأمور أخذا وإعطاء، وإغضاء، يقبلونه الناس سيداً ورئيساً.

7) (ازجر المسيء) أي أدبه (بثواب المحسن) أي بإعطاء الثواب لمن أحسن، فإنَّ المسيء ينقلع عن الإساءة إذا رأى ذلك.

8) (احصد الشر من صدر غيرك) أي الحسد والغل والعداوة، وما أشبه الكامنة في صدر عدوك، اقلعها (بقلعه من صدرك) فإذا نظف قلبك عنه، نظف قلبه عنك.

9) (اللجاجة تسل الرأي) من سل بمعنى [نزع] فإنَّ اللجوج يذهب بهباء رأيه، فلا يتخذون رأيه.

180 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الطَّمَعُ رِقٌ مُؤَيَّدٌ (1))181 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: ثَمَرَةُ التَّفْرِيطِ النَّدَامَةُ، وَثَمَرَةُ الْحَزْمِ السَّلَامَةُ (2).)182 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ (3).)183 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَا اخْتَلَفَتْ دَعْوَتَانِ إِلَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلَالَةٌ (4).)184 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ.)185 - وقال له : مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذَّبْتُ، وَلَا ضَلَلْتُ وَلَا ضُلَّ بي (5.)186 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لِلظَّالِمِ الْبَادِي غَداً بِكَفِّهِ عَضَةٌ (6).)187 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الرَّحِيلُ وَشِيكُ.)188 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ (7).)189 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ لَمْ يُنْجِهِ الصَّبْرُ أَهْلَكَهُ الْجَزَعُ.)190 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: وَاعَجَبَاهُ أَتَكُونُ الْخِلَافَةُ بِالصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ؟)قال الرضي: وروي له شعر في هذا المعنى :


1) (الطمع رق) أي عبودية (مؤبد) أي دائمي أبدي، إذ الطامع يتبع من يطمع فيه، فهو كالعبد له.

2) (ثمرة التفريط الندامة) فإنَّ من فرط في أمر، فلم يتداركه، ندم على ما فرط (وثمرة الحزم السلامة) فإنَّ من كان حازماً، ملتفتاً للأمور، عاملاً بما يجب، يسلم من الآفات والشرور.

3) (لا خير في الصمت عن الحكم) فاللازم أن يتكلم الإنسان بما هو حق (كما أنه لا خير في القول بالجهل) بأن يتكلم الإنسان بما يجهل، ولا يعلم.

4) (ما اختلفت دعوتان) بأن ادعى شخص شيئاً، وادعى شخص آخر ضده.

5) (ولا ضل بي) أي لم أعمل عملاً يوجب ضلال الناس وانحرافهم، وإنما ضل من ضل بسبب هواه ومخالفته لي.

6) (للظالم البادي) أي الذي بدأ بالظلم (غداً) يوم القيامة (بكفه عضة) أي يعض بأسنانه على يده ندماً على ما ظلم.

7) (من أبدى صفحته للحق هلك) إبداء :الصفحة إظهار الوجه، والوقوف أمام شيء، والمراد أن من قاوم الحق، كان ذلك سبباً لهلاكه.

فإن كُنْتَ بِالسُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ*** فَكَيْفَ بِهِذَا وَالْمُشِيرُونَ غُيَّبُ (1؟)وَإِنْ كُنتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ*** فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وَأَقْرَبُ191 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّمَا الْمَرْءُ فِى الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا، وَنَهْبٌ لا تُبَادِرُهُ الْمَصَائِبُ (2)، وَمَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ (3)وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ. وَلَا يَنَالُ الْعَبْدُ نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى (4)، وَلَا يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ. فَنَحْنُ أَعْوَانُ الْمَنُونِ، وَأَنْفُسُنَا نَصْبُ الْحُتُوفِ(5)، فَمِنْ أَيْنَ نَرْجُو الْبَقَاءَ وَهذَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَمْ يَرْفَعَا مِنْ شَيْءٍ شَرَفاً، إِلَّا أَسْرَعَا الْكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنَيَا وَتَفْرِيقِ مَا جَمَعَا ؟!)192 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: يَا بْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قُوتِكَ، فَأَنْتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِكَ (6).)193 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وَإِقْبَالاً وَإِدْبَاراً، فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِهَا، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِي (7).)


1) (غيب) جمع غائب يريد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أن أبا بكر لو تقدم إلى الخلافة، بحجة أنه أخذ آراء الصحابة، فهذا ليس بصحيح إذ الإمام وهو من أكبر الصحابة لم يكن حاضراً عند الانتخاب، وإن كان أبو بكر، تقدم إلى الخلافة بحجة أنه من عشيرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فغيره - ويعني الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) به نفسه - أقرب إلى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

2) (غرض) الغرض، ما يجعل ليرميه الرامي، فيعرف به مقدار علم الرامي في الرمي (تنتضل فيه المنايا) أي تصيبه وتثبت فيه، والمنايا جمع منية، بمعنى الموت (ونهب) أي منهوب (تبادره المصائب) أي أن المصائب تسرع إليه، تنهبه، بأن تصيبه.

3) (ومع كل جرعة) من الماء (شرق) هو وقوف الماء في الحلق، ممّا يوجب الشدة، وهذا كناية عن أن مع كل لذة الم. (وفي كل أكلة غصص) الغصة ما يقف في حلق الإنسان من اللقمة.

4) (ولا ينال العبد نعمة إلا بفراق أخرى) فإن كان منعماً بالشباب كان فاقداً لحصافة الرأي، وإنما يتنعم بها حين فقد الشباب.

5) (فنحن أعوان المنون) المنون الموت، وكوننا أعوانه، لأنه بعيشنا نقترب منه، فكأنا ساعدناه في أخذه لنا (وأنفسنا نصب الحتوف) جمع حتف بمعنى: الهلاك، أي أن أنفسنا منصوبة في اتجاه الموت.

6) (فوق قوتك) أي أكثر من حوائجك.

7) (شهوة) أي اشتهاء (وإقبالاً وإدباراً) فربما أقبلت إلى شيء، وربما أدبرت عن ذلك الشيء (فأتوها من قبل شهوتها وإقبالها) أي إذا أردتم عملا فاعملوا كما يشتهي القلب حتى يقبل عليه وينجزه (عمي) لم يأت بالعمل.

194 - وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول : مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ؟ أَحِينَ أَعْجَزُ عَنِ الاِنْتِقَامِ فَيُقَالُ لِي: لَوْ صَبَرْتَ؟ أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِي: لَوْ عَفَوْتَ.)195 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ وقد مر بقذر على مزبلة : هذا مَا بَخِلَ بِهِ الْبَاخِلُونَ. وروي في خبر آخر أنه قال: هذَا مَا كُنتُمْ تَتَنَافَسُونَ فِيهِ بِالْأَمْسِ!)196 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَمْ يَذْهَبْ مِنْ مَالِكَ مَا وَعَظَكَ (1).)197 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ، فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكْمَةِ (2).)198 - وقال لما سمع قول الخوارج : (لا حكم إلا للّه: كَلِمَةُ حَقٌّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ.)199 - وقال في صفة الغوغاء: هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا (3. وقيل : بل قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا، فقيل : قد عرفنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم؟ فقال: يَرْجِعُ أَصْحَابُ الْمِهَنِ إِلَى مِهْتَتِهِمْ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ، كَرُجُوعِ الْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ، وَالنَّسَّاجِ إِلَى مَنْسِجِهِ، وَالْخَبَّازِ إِلَى مَخْبَرِهِ.)200 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ، وأُتي بجان ومعه غوغاء، فقال: لَا مَرْحَباً بِوُجُوهِ لَا تُرَى إِلَّا عِنْدَ كُلِّ سَوْأَةٍ (4).)201 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْن يَحْفَظَانِهِ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنَّ الْأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ (5).)


1) (لم يذهب من مالك ما وعظك) أي صار سبباً لوعظك، بأن صرفه في وعظ أو إرشاد، أو صار ذهابه علة للتنبه.

2) (طرائف الحكمة) أي الحكم الطريفة الظريفة التي توجب نشاطها، ودفع الكسل عنها.

3) (الغوغاء) الناس المختلفون يجتمعون اعتباطاً لمشاهدة أمر حادث (إذا اجتمعوا غلبوا) لأنهم باجتماعهم يفعلون ما يريدون (لم يعرفوا) لعدم اشتهار لكل واحد منهم في المجتمع، وإنما هم من سواد الناس.

4) (بجان) أي إنسان قد جن وأجرم (عند كل سواة) أي كل سوء.

5) (جنة حصينة) أي المدة التي قدرها اللّه سبحانه لعمر الإنسان حافظ له عن الأقدار.

202 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ، وقد قال له طلحة والزبير : نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الأمر : لَا، وَلكنَّكُمَا شَريكَانِ فِى الْقُوَّةِ وَالاسْتِعَانَةِ، وَعَوْنَانِ عَلَى الْعَجْز والأود (1).)203 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللّه الَّذِي إِنْ قُلْتُمْ سَمِعَ، وَإِنْ أَضْمَرْتُمْ عَلِمَ، وَبَادِرُوا الْمَوْتَ (2)الَّذِي إِنْ هَرَبْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، وَإِنْ أَقَمْتُمْ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ نَسِيتُمُوهُ ذَكَرَكُمْ.)204 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَا يُزَهْدَنَّكَ فِي الْمَعْرُوفِ مَنْ لَا يَشْكُرْ لَكَ، فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَسْتَمْتِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ (3)، وَقَدْ تُدْرِكُ مِنْ شُكْرِ الشَّاكِرِ أَكْثَرَ ممّا أَضَاعَ الْكَافُر، وَاللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (4).)205 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلَّا وِعَاءَ الْعِلْمِ، فإِنَّهُ يَتَّسِعُ.)206 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: أَوَّلُ عِوَضِ الْحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْجَاهِلِ.)207 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ : إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ، فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ.)208 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ، وَمَنْ خَافَ أَمِنَ، وَمَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ، وَمَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ، وَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ.)209 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلَى)


1) (في القوة والاستعانة) بأن تكونا قوة وعوناً في تنفيذ أوامري (وعونان على العجز والأود) أي الاعوجاج أن تعينان إذا عجزت السلطة، أو انحرفت في تنفيذ الأوامر وتقويم المعوج المنحرف.

2) (وبادروا الموت) أي أسرعوا إلى العمل قبل أن يدرككم الموت.

3) (من لا يستمتع بشيء منه) فإنَّ من الناس من إذا سمع الإحسان، مدح المحسن وإن لم يبلغه إحسانه.

4) (وقد تدرك من شكر الشاكر) أي يصيبك من شكر الذي شكرك - بدون وصول إحسانك إليه - (أكثر ممّا أضاع الكافر) الذي أحسنت إليه فلم يشكرك، هذا في الدنيا.

وَلَدِهَا، وتلا عقيب ذلك: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةٍ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (1)،(2).)210 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: اتَّقُوا اللّه تَقِيَّةَ مَنْ شَمَّرَ، تَجْريداً، وَجَدَّ تَشْمِيراً، الام وَكَمَّسَ فِي مَهَلٍ، وَبَادَرَ عَنْ وَجَلٍ (3)، وَنَظَرَ فِي كَرَّةِ الْمَوْئِلِ وَعَاقِبَةِ الْمَصْدَرِ، وَمَغَيَّةِ الْمَرْجِعُ (4).)211 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْجُودُ حَارِسُ الْأَعْرَاضِ، وَالْحِلْمُ فِدَامُ السَّفِيهِ(5)، وَالْعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ، وَالسُّلُوُّ عِوَضُكَ مِمَّنْ غَدَرَ، وَالْاِسْتِشَارَةُ عَيْنُ الْهِدَايَةِ (6). وَقَدْ خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ. وَالصَّبْرُ يُنَاضِلُ الْحِدْثَانَ، وَالْجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ الزَّمَانِ (7). وَأَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ)


1) سورة القصص الآية: 5.

2) (لتعطفن) أي تميلن (بعد شماسها) أي امتناعها وإدبارها عنا (عطف الضروس) أي مثل عطف الناقة السيئة الخلق (على ولدها فإنَّها مع ضيق خلقها تعطف على ولدها.

3) (شمر تجريداً) فإنَّ مريد السير السريع، يرفع ثوبه عن ساقيه - وهو التشمير ويجردهما، لئلا يلتف برجله، فيمنعه عن سرعة السير، أي هكذا كونوا في إطاعة اللّه (وجد تشميراً) أي جد في تشميره واجتهد (وكمش) أي جد في السير (في مهل) أي في مدة مهلته في الدنيا، التي يتمكن من العمل فيها (وبادر) أي أسرع في الأعمال الصالحة (عن وجل) وخوف من اللّه سبحانه.

4) (ونظر) أي فكر (في كرة الموئل) الموئل آخر السير الذي يؤول إليه أمر الإنسان - وكرته إقباله – (وعاقبة المصدر) أي عاقبة العمل الذي يصدر عن الإنسان هل سعادة أو شقاء؟ (ومغبة المرجع) المغبة بمعنى العاقبة، أي نظر في عاقبة رجوعه هل إلى خسر أم إلى ربح ؟ فمن نظر كذلك، لا بد وأن ينساق وراء الأعمال الصالحة.

5) (الجود حارس الأعراض) فإنَّ الإنسان إذا جاد حفظ عرضه عن تناول الناس له بسوء (والحلم فدام السفيه) الفدام ما يشده بعض الناس على فمهم، والمراد أنك إذا حلمت ربطت فم السفيه فلم يتمكن أن يتكلم عليك.

6) (والعفو زكاة الظفر) فإذا ظفرت بعدوك، كان سبب نماء الظفر أن تعفو عنه (والسلو) أي أن تسلو ولا تفكر في ما يفعل الغادر (عوضك ممن غدر) فإذا غدر بك غادر فتسل ولا تفكر في غدره (و الاستشارة عين الهداية) فإنَّها سبب للهداية إلى الطريق الصحيح، فكأنها الهداية بعينها.

7) (والصبر يناضل) أي يدافع (الحدثان) نوائب الدهر أي يدافع الصبر عن المصائب فإذا أصابته مصيبة فصبر، ذهبت المصيدة هدراً، ولم تؤثر أثراً بالغا (والجزع من أعوان الزمان) ضد الإنسان فمن جزع فكأنه عن الزمان السيئ على نفس إذ يكون الضرر حينئذ أكثر.

هَوَى أَمِيرٍ! وَمِنَ التَّوفِيقِ حِفْظُ التَّجْرِبَةِ. وَالْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ. وَلَا تَأْمَنَنَّ مَلُولاً (1.)212 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: عُجْبُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ (2).)213 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: أَغْضِ عَلَى الْقَذَى وَالْأَلَمِ تَرْضَ أَبَداً (3).)214 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ لَانَ عُودُهُ كَثْفَتْ أَغْصَانُهُ (4))215 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْخِلافُ يَهْدِمُ الرَّأْي (5).)216 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ نَالَ اسْتَطَالَ (6).)217 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ، عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ (7).)218 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ الْمَوَدة (8).)


1) (وأشرف الغنى ترك المنى) فإنَّ ترك الأماني يوجب غناء الإنسان بخلاف تطلبها، فإنَّها لا تزال تزيد وتنمو (وكم من عقل أسير تحت هوى أمير) إذ كثير من الناس جعلوا عقولهم أسيرة تحت حكم أهوائهم يطيعون الأهواء ضدّ العقول (ومن التوفيق حفظ التجربة) أي أن تتحفظ بما جربت لتسير على نهجها في المشاكل (والمودة قرابة مستفادة) إذ الصديق يعمل كما يعمل القريب بدون أن تكون بينهما رحم (ولا تأمنن ملولاً) أي السريع الملل والسآمة، ومثل هذا لا يؤمن على عمل، إذ قد يمل فيترك عملك.

2) (عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله) فكما أنّ الحسود يحول بين الإنسان وبين مصالحه، كذلك العجب يحسد العقل، ولا يتركه أن يعمل حسب صلاح الإنسان.

3) (أغض على القذى والألم) أي أغمض عينيك مع وجود قذى فيها واصبر على الألم الذي يصيبك (ترض أبداً) فإنَّ الصبر سبب الرضا.

4) (من لان عوده كثفت أغصانه) لين العود كناية عن الأخلاق الحسنة، وكثافة الأغصان كناية عن كثرة الأصدقاء.

5) (الخلاف) بين المتشاورين في الرأي (يهدم الرأي) لأنّ المخالف يوجد الشك ممّا يسبب عدم تنفيذ الإنسان لرأيه.

6) (من نال) أي من أعطى (استطال) أي ارتفع في المجتمع واستعلى.

7) (في تقلب الأحوال) أي تقلبات الدهر (علم جواهر الرجال) أي يعلم جوهر الرجل لأنه إذا صبر عند البلاء، وشكر عند الرخاء، ولم يستطل عند الجاه، ولم يذل عند الفقر وهكذا، دل على حسن جوهره.

8) (حسد الصديق من سقم المودّة) إذ لولا أنّ المودّة بينهما مريضة وليست حقيقية ما كان الحسد.

219 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ (1).)220 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ الْقَضَاءُ عَلَى الثَّقَةِ بِالظَّنِّ (2).)221 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ.)222 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مِنْ أَشْرَفِ أَعْمَالِ الْكَرِيمِ غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ (3).)223 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوبَهُ، لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ.)224 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: بِكَثْرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الْهَيْبَةُ، وَبِالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ الْمُوَاصِلُونَ، وَبِالْإِفْضَالِ تَعْظُمُ الْأَقْدَارُ، وَبِالتَّوَاضُعِ تَتِمُّ النِّعْمَةُ، وَبِاحْتِمَالِ (4)الْمُؤَنِ يَجِبُ السُّؤْدَدُ، وَبِالسِّيرَةِ الْعَادِلَةِ يُقْهَرُ الْمُنَاوِيُّ، وَبِالْحِلْمِ عَنِ السَّفِيهِ تَكْثُرُ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِ (5).)225 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْعَجَبُ لِغَفْلَةِ الْحُسّادِ، عَنْ سَلَامَةِ الْأَجْسَادِ (6)!)


1) (أكثر مصارع العقول) أي سقوطها وعدم حكمها كما ينبغي (تحت بروق المطامع) أي الأطماع فإنَّ الإنسان إذا طمع في مال أو جاه أو ما أشبه، لم يتبع عقله، وارتكب القبيح لأجل الوصول إلى ذلك الذي طمع فيه.

2) (ليس من العدل القضاء على الثقة) أي بأن يهلك الإنسان ثقته بأحد (بالظن) في ذلك الشخص إذ الظن لا يغني من الحق شيئاً، فإنَّ وثق الإنسان بأحد، يلزم أن يبقي ثقته، حتى يتيقن بخلافها، لا بمجرد الظن بالخلاف.

3) (غفلته عما يعلم) بأن يتغافل عن ذنب المذنبين وعيوب الناس.

4) (بالنصفة) بأن يكون منصفاً فيما له وعليه (يكثر المواصلون) أي المحبّون الذين يواصلونه (تعظم الأقدار) أي يرفع قدر الإنسان عند الناس (وبالتواضع تتم النعمة) فإنَّ اللّه سبحانه يتم نعمته على من تواضع لعظمته.

5) (وباحتمال المؤن يجب السؤدد) المؤن جمع مؤونة، بمعنى حوائج الإنسان من القوت واللباس وما أشبه، والمعنى أنّ السيادة على الناس إنّما تكون باحتمال الإنسان مؤوناتهم وما يحتاجون إليه (يقهر المناوئ) أي المخالف، إذ لا يجد في الإنسان قبيحاً حتى يتخذه ممسكاً (وبالحلم عن السفيه تكثر الأنصار عليه) إذ الناس أنصار الحليم ضد السفيه.

6) (العجب لغفلة الحسّاد عن سلامة الأجساد) أي يتعجب الإنسان، كيف لا يحسد الحاسدون سلامة جسد الإنسان، مع أنّه أحق بالحسد من المال والجاه الذين يحسدهما الحاسدون، وهذا تنبيه لعظم نعمة السلامة.

226 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الطَّامِعُ فِي وِثَاقِ الذُّلّ (1).)227 - وسئل عن الإيمان فقال : الإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِاللّسَانِ،. وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ.228 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اللّه لي سَاخِطاً، وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ يَشْكُو رَبَّهُ، وَمَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَوَاضَعَ لَهُ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ. وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَتَّخِذُ آيَاتِ اللّه هُزُواً، وَمَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا الْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلاثٍ : هَمٌ لا يُغِبُّهُ (2)، وَحِرْصِ لا يَتْرُكُهُ، وَأَمَلٍ لا يُدْرِكُهُ.)229 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً، وَبِحُسْنِ الْخَلْقِ نَعِيماً، وَسُئِلَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوله تعالى: ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةٌ طَيِّبَةٌ) (3)فَقَالَ : هِيَ الْقَنَاعَةُ.)230 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: شَارِكُوا الَّذِي قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ، فإنَّهُ أَخْلَقُ لِلْغِنَى، وَأَجْدَرُ بِإِقْبَالِ الْحَظِّ عَلَيْهِ (4).)231 - وقال في قوله تعالى: (إِنَّ اللّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ (5)الْعَدْلُ : الْأَنْصَافُ، وَالْإحْسَانُ : التَّفَضُلُ.)232 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ الْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ الطَّوِيلَةِ (6).)قال الرضي (رَحمهُ اللّه : [أقول : ومعنى ذلك أنّ ما ينفقه المرء من ماله في سبيل)


1) (الطامع في وثاق الذل) الوثاق الحبل الذي يوثق به ويقيد به الإنسان، فإنَّ الطامع ذليل دائماً.

2) (التاط) أي التصق (هم لا يغبه) أي لا يفارقه لما فات منها.

3) سورة النحل، الآية: 67.

4) (شاركوا الذي قد أقبل عليه الرزق) والمشاركة معه، بالمعاملة، والزواج، والمشاورة، وما أشبه (فإنه أخلق للغنى) أي أجدر أن يكون سبباً لثروة مشاركيه (و أجدر بإقبال الحظ عليه) فإذا شاركه الإنسان أقبل الحظ على المشارك أيضاً.

5) سورة النحل، الآية: 90.

6) (من يعط باليد القصيرة) أي يعين الناس والدين ولو إعانة قليلة (يعط باليد الطويلة) أي يعينه الناس وبعينه اللّه إعانات كبيرة.

الخير والبر، وإن كان يسيراً، فإنَّ اللّه يجعل الجزاء عليه عظيماً كثيراً واليدان ههنا عبارة عن النعمتين ففرق (عَلَيهِ السَّلَامُ بين نعمة العبد ونعمة الرب تعالى ذكره، فجعل تلك قصيرة، وهذه طويلة، لأنّ نعم اللّه أبداً تضعف على نعم المخلوق أضعافاً كثيرة، اللّه أصل النعم كلها، فكل نهمة إليها ترجع ومنها تنزع]، لكن الظاهر إذ كانت نعم أن الكلام أعمّ من الإحسان إلى الناس، أو العمل للّه سبحانه، كما ذكرنا.)233 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ لابنه الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): لا تَدْعُوَنَّ إِلَى مُبَارَزَةٍ، وَإِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ، فإِنَّ الدَّاعِي بَاغِ، وَالْبَاغِي مَصْرُوعٌ.)234 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ الرِّجَالِ : الزَّهْوُ، وَالْجُبْنُ، وَالْبُخْلُ، فإنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَزْهُوَةٌ لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا، وَإِذَا كَانَتْ بَخِيلَةً حَفِظَتْ مَالَهَا وَمَالَ بَعْلِهَا، وَإِذَا كَانَتْ جَبَانَةٌ فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَعْرِضُ لَهَا.)235 - وقيل له : صف لنا العاقل، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ : هُوَ الَّذِي يَضَعُ الشَّيْءَ مَوَاضِعَهُ، فَقِيلَ: فصف لنا الجاهل، فقال: قَدْ فَعَلْتُ.)قال الرضي: يعني أن الجاهل هو الذي لا يضع الشيء مواضعه فكأن ترك صفته صفة له، إذ كان بخلاف وصف العاقل.236 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: وَاللّه لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْدُومٍ (1).)237 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ قَوماً عَبَدُوا اللّه رَغْبَةٌ فَتِلْكَ عِبَادَةُ التَّجَارِ، وَإِنَّ قَوماً عَبَدُوا اللّه رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّه شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأَحْرَارِ.)238 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْمَرْأَةُ شَرِّ كُلُّهَا، وَشَرُّ مَا فِيهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا (2)!)


1) (عراق خنزير) العراق ما في بطنه (في يد مجنوم) هو المصاب بمرض الجذام، وما أقذر كرش الخنزير في يد ذي الجذام؟

2) (المرأة شرّ كلّها) لأنها تتّصف بصفات تأتى منها الشرور - وذلك لنقصان عقلها، وغلبة عاطفتها.

239 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ أَطَاعَ التَّوَانِي ضَيَّعَ الْحُقُوقَ، وَمَنْ أَطَاعَ الْوَاشِيَ ضَيَّعَ الصَّدِيقَ (1).)240 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْحَجَرُ الْغَصِيبُ فِي الدَّارِ رَهْنٌ عَلَى خَرَابِهَا.)قال الرضي: ويروى هذا الكلام عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، ولا عجب أن يشتبه الكلامان، لأن مستقاهما من قليب ومفروغهما من ذنوب.)241 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: يَوْمُ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مَنْ يَوْمِ الظَّالِمِ عَلَى الْمَظْلُومِ.)242 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: اتَّقِ اللّه بَعْضَ التَّقَى وَإِنْ قَلَّ، وَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللّه سِتْراً وَإِنْ رَقّ.)243 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِذَا ازْدَحَمَ الْجَوَابُ، خَفِي الصَّوَابُ (2).)244 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ للّه فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقّاً، فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا، وَمَنْ قَصَّرَ عَنْهُ خَاطَرَ بِزَوَالِ نِعْمَتِهِ.)245 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِذَا كَثُرَتِ الْمَقْدِرَةُ قَلَّتِ الشَّهْوَة (3).)246 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: احْذَرُوا نِفَارَ النِّعَمِ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ (4).)247 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ الرَّحِمِ (5).)248 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقَ ظَنَّهُ.)249 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَا أَكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ (6).)


1) (التّواني) أي التكاسل والتّعاجز (ضيع الحقوق) المفروضة عليه، لأنه إذا كسل لم يقم بالحق اللازم عليه (ومن أطاع الواشي) أي النّمام (ضيع الصديق) لأنه يوجب الفساد بينهما، وهدم الصداقة.

2) (إذا ازدحم الجواب) أي كثر الجواب المختلف على سؤال واحد (خفي الصواب) فلا يعلم أي جواب هو الصحيح؟

3) (إذا كثرت المقدرة) أي قدرة الإنسان على الشيء (قلت الشهوة) إذ النفس تستغني إذا عرفت القدرة، فتقل الشهوة.

4) (احذروا نفار النعم) أي نفورها بسبب عدم شكرها.

5) (الكرم أعطف من الرحم) فإذا تكرمت على إنسان كان أعطف إليك من رحمك وقرابتك.

6) (أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه) إذ المكروه مخالف للشَّهوة، وكل ما خالف الشهوة مطابق للعقل، وما طابق العقل كان أفضل.

250 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: عَرَفْتُ اللّه سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ، وَحَلَّ الْعُقُودِ، وَنَقْضِ الْهِمَمِ (1).)251 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: فَرَضَ اللّه الْإِيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبَرِ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلْرِّزْقِ، وَالصِّيَامَ ابْتِلاءَ لِإِخْلَاصِ الْخَلْقِ(2)، وَالْحَجَّ تقرِبَةً لِلدِّينِ، وَالْجِهَادَ عِزّاً لِلإِسْلَامِ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةٌ لِلْعَوَام، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ، وَصِلَةَ الرَّحِمِ مَنْمَاةٌ لِلْعَدَدِ (3)، وَالْقِصَاصَ حَقْنَا لِلدِّمَاءِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ، وَتَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ، وَمُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ إيجاباً لِلْعِفَّةِ (4)، وَتَرْكَ الزِّنَى تَحْصِينَا لِلْنَّسَبِ، وَتَرْكَ اللواطِ تَكْثِيراً لِلْنَّسْلِ، وَالشَّهَادَةَ اسْتِظْهَاراً عَلَى الْمُجَاحَدَاتِ، وَتَرْكَ الْكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلْصِّدْقِ، وَالسَّلَامَ أَمَانَا مِنَ الْمَخَاوِفِ، وَالأمَانَةَ نِظَاماً لِلُامَّةِ، وَالطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلإِمَامَةِ (5).)


1) (بفسخ العزائم) جمع عزيمة، وهي الإرادة القوية والقصد وفسخها نقضها، فلولا أن هناك إرادة فوق إرادة البشر، لم يكن ناقض لعزائم الإنسان وإنما كان ينفذها كما أراد (وحلّ العقود) جمع عقد، بمعنى النية تنعقد على فعل أمر، ثم تنفسخ، ولعلّ العزيمة أقوى من العقد (ونقض الهمم) جمع همّة، أي اهتمام الإنسان بالأمر وهذا أضعف من الأولين، فإنّ هناك همة، وعقداً وعزيمة.

2) (والزكاة تسبيباً للرزق) فإنّ الزكاة توجب زيادة الرّزق، ولذا سمّيت زكاةً، فإنَّها بمعنى النمو (والصيام ابتلاء) أي امتحاناً (لإخلاص الخلق) فإنَّ الصيام لا يصدر إلا عن مخلص للّه سبحانه إن الإنسان يتمكن من الإفطار، ولو كان في وسط المجتمع، فإذا لم يفطر دلّ ذلك على إخلاصه.

3) (والحج تقربة للدين) أي سبباً لتقرب أهل الدين بعضهم من بعض (والأمر بالمعروف مصلحة للعوام) حتى يهتدوا ولو ترك الأمر بالمعروف، ترك المعروف، وذلك يسبب الضرر لعامة الناس (منماة) مصدر ميمي بمعنى الإنماء والإكثار (للعدد) فإنَّ الصلة توجب كثرة الأرحام والأقرباء، ممّا يزيد في قوتهم وشوكتهم.

4) (حقناً) أي حفظاً (وإقامة الحدود إعظاما للمحارم) أي حتى يعظم الناس محارم اللّه سبحانه ولا يرتكبوها فيفسد الاجتماع (تحصيناً) أي حفظاً (إيجاباً للعفة) حتى يكون الإنسان عفيف النفس.

5) (والشهادة) أي إقامة الشهود (استظهاراً على المجاحدات) أي لئلا يجحد الناس ما علموه من الحقوق فتضيع والأمانة نظاماً للأمة إذ لو لم تجب الأمانة فسد النظام إذ لا يعمل أحد بوظيفته ولا يؤتمن بعض عن بعض في معاملاتهم (والطاعة) لولي الأمر (تعظيماً للإمامة) حتى تبقى هيبة الإمامة.

252 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَرَارَةُ الدُّنْيَا حَلَاوَةُ الْآخِرَةِ، وَحَلاوَةُ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الآخِرَةِ.)253 - وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول : أَحْلِفُوا الظَّالِمَ - إِذَا أَرَدْتُمْ يَمِينَهُ - بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ حَوْلِ اللّه وَقُوَّتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِهَا كَاذِباً مُوجِلَ الْعُقُوبَةَ، وَإِذَا حَلَفَ بِاللّه الَّذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَمْ يُعَاجَلْ، لِأَنَّهُ قَدْ وَحَدَ اللّه تَعَالَى(1).)254 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: يَا بْنَ آدَمَ كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ فِي مَالِكَ، وَاعْمَلْ بِهِ مَا له تُؤْثِرُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ مِنْ بَعْدِكَ (2).)255 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ، لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ، فإنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مَسْتَحْكِمُ (3).)256 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: صِحَّةُ الْجَسَدِ، مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ(4).)257 - وقال لكميل بن زياد النخعي: يَا كُمَيْلُ، مُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَرُوحُوا فِي كَسْبِ الْمَكَارِمِ، وَيُدْلِجُوا فِي حَاجَةِ مَنْ هُوَ نَائِمٌ (5. فَوَالَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، مَا مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً إِلَّا وَخَلَقَ اللّه لَهُ مِنْ ذَلِكَ السُّرُورِ)


1) (احلفوا الظالم - إذا أردتم يمينه) أي أردتم أن يحلف.

2) (كن وصي نفسك في مالك) فمهما تريد أن يعمل به في ما بعدك، فاعمل أنت في حياتك ذلك العمل (واعمل به ما توثر) أي ترجّح (أن يعمل فيه من بعدك) فإنّ الورثة لا يعملون غالباً، ثمّ ان ثواب إعطاء الإنسان أكثر من ثواب إعطاء الغير.

3) (الحدة) أي أن يكون الإنسان حاداً سريع الغضب.

4) (صحة الجسد من قلة الحسد) إذ الحسد يوجب تأثر النفس، وتأثر النفس يوجب انحراف الجسد، لتأثيرها فيه.

5) (أن يروحوا في كسب المكارم) الرواح، السير من بعد الظهر، وكان التخصيص بهذا الوقت، لاشتغال الناس غالباً في الصباح بشؤونهم الداخلية وكسب المكارم إتيان ما يوجب السعادة والمحمدة (ويدلجوا) الإدلاج: السير أول الليل (في حاجة من هو نائم) بأن يقضوا حوائج الناس، وإن كانوا نياماً، وكانه لبيان لزوم القربة في العمل، وحبّ الخير.

لُطفاً. فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ جَرَى إِليهَا كَالْمَاءِ فِي انْحِدَارِهِ حَتَّى يَطْرُدَهَا عَنْهُ كَمَا تُطْرَدُ غَرِيبَةُ الإِبِلِ (1.)258 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اللّه بِالصَّدَقَةِ (2).)259 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: الْوَفَاء لِأَهْلِ الْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اللّه، وَالْغَدْرُ بِأَهْلِ الْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اللّه (3).)260 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ. وَمَا ابْتَلَى اللّه سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ الْإِمْلاءِ لَهُ (4).)


1) (فوالذي وسع سمعه الأصوات) أي قسماً باللّه الذي يسمع كلّ صوت (ما من أحد أودع قلباً سروراً) بأن أسرّ وأفرح إنساناً (إلا وخلق اللّه له من ذلك السرور لطفا) أي عناية خاصة منه تعالى إليه (فإذا نزلت به) أي بالذي أفرح (نائبة) أي مصيبة من مصيبات الدهر (كما تطرد غريبة الإبل) وهي التي ليست لهذا الراعي فإنَّه يطردها عن مرعاه ومشربه، لئلا تزاحم إبله.

2) (إذا أملقتم) أي إذا افتقرتم (فتاجروا اللّه بالصدقة) فإنَّكم إذا تصدّقتم أعطاكم اللّه تعالى، فإعطاء الصدقة تجارة.

3) (الوفاء لأهل الغدر) بأن يفي الإنسان بعهده معهم - بعد ما غدروا هم بالعهد (غدر عند اللّه) إذ ذلك يوجب جرأة الناس على الغدر، وتجرؤ الناس على محارم اللّه حرام (والغدر بأهل الغدر وفاء عند اللّه) لأنه إطاعة لأوامره سبحانه، حيث أمر بمحاربة الغادرين.

4) (كم من مستدرج بالإحسان إليه) أي يريد اللّه بالإحسان إليه إهلاكه درجة درجة (ومغرور بالستر عليه) فحيث ستر اللّه عليه معاصيه خدع وظنّ أنه لا يعاقب (ومفتون) أي مغرور (وما ابتلى اللّه سبحانه أحداً بمثل الإملاء له) بأن ينعم عليه بقصد أن يزداد إثماً، حتى يكون عقابه شديداً.

## فصل نذكر فيه شيئا من غريب كلامه المحتاج إلى التفسير

1 - وفي حديثه (عَلَیهِ السَّلَامُ: فَإِذَا كَانَ ذلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بِذَنَبِهِ، فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ (1).)قال الرضي: اليعسوب : السيد العظيم المالك لأمور الناس يومئذ، والقزع : قطع الغيم التي لا ماء فيها.2 - وفي حديثه (عَلَیهِ السَّلَامُ: هذَا الْخَطِيبُ الشَّحْشَحُ (2).)قال الرضي: يريد الماهر بالخطبة الماضي فيها، وكل ماض في كلام أو سير فهو شحشح والشحشح في غير هذا الموضع : البخيل الممسك3 - وفي حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ : إِنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَماً (3).)قال الرضي: يريد بالقحم المهالك، لأنها تقحم أصحابها في المهالك والمتالف في الأكثر. ومن ذلك قحمة الأعراب وهو أن تصيبهم السنة فتتعرق أموالهم (4فذلك تقحمها فيهم. وقيل فيه وجه آخر وهو أنها تُقْحِمُهُمْ بلادَ : الريف، أي تحوجهم إلى دخول الحضر عند محول البدو.)


1) (فإذا كان ذلك) إشارة إلى ظهور علامات خروج الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ضرب يعسوب الدين بذنبه) أي قام واستقام واطمأن.

2) (هذا الخطيب الشحشح) فقد ورد أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأى خطيبا يخطب فقال (ما هذا الخطيب الشحشح)؟.

3) (إن للخصومة قحما) يريد بالقحم المهالك، لأنها تقحم أصحابها في المهالك والمتالف أي مواضع الهلكة والتلف في الأكثر، ومن ذلك، قحمة الأعراب وهو أن تصيبهم السنة فتتعرق أموالهم [أي تتم وتنتهي] فذلك تقحمها فيهم قيل فيه وجه آخر، وهو أنها تقحم بلاد الريف، أي تحوجهم إلى دخول الحضر، عند محول البدو فقد روى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكل أخاه عقيل في خصومة، لإنقاذ حقه، وقال هذه الجملة، وأتمها بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): [وإن الشيطان ليحضرها].

4) تتعرق أموالهم: من قولهم تعرق فلان العظم أكل جميع ما عليه من العظم.

4 - وفي حديثه (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحِقَاقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى (1).)قال الرضي والنص : منتهى : والنص : منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها كالنص في السير، لأنه أقصى ما تقدر عليه الدابة. وتقول: نصصت الرجل عن الأمر، إذا استقصيت.5 - وفي حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ : إِنَّ الْإِيمَانَ يَبْدُو لُمْظَةً فِي الْقَلْبِ، كُلَّمَا ازْدَادَ الْإِيمَانُ ازْدَادَتِ اللُّمْظَةُ (2).)قال الرضي: واللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض. ومنه قيل : فرس ألمظ، إذا كان بجحفلته شيء من البياض.6 - وفي حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ الدَّيْنُ الظَّنُونُ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ، لِمَا مَضَى، إِذَا قَبَضَهُ.)قال الرضي: فالظنون: الذي لا يعلم صاحبه أيقضيه من الذي هو عليه أم لا، فكأنه الذي يظن به، فمرة يرجوه ومرة لا يرجوه. وهذا من أفصح الكلام، وكذلك


1) (إذا بلغ النساء نص الحقاق، فالعصبة أولى) (و النص منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها) كالنص في السير، لأنه أقصى ما تقدر عليه الدابة، وتقول نصصت الرجل عن الأمر، إذا استقصيت مسألته عنه، لتستخرج ما عنده فيه، فنص الحقائق يريد به الإدراك، لأنه منتهى الصغر، والوقت الذي يخرج منه الصغير إلى حد الكبير، وهو من أفصح الكنايات عن هذا الأمر. (وأغربها يقول): فإذا بلغ النساء ذلك فالعصبة أولى بالمرأة من أمها إذا كانوا محرماً، مثل الإخوة والأعمام وبتزويجها إن أرادوا ذلك، والحقاق محاقة الأم للعصبة في المرأة، وهو الجدال والخصومة وقول كل واحد منهما للآخر أنا أحق منك بهذا يقال منه : حاققته حقاقا، مثل جادلته جدالاً، وقد قيل: إن نص الحقاق بلوغ العقل وهو الإدراك لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما أراد منتهى الأمر الذي تجب فيه الحقوق والأحكام، ومن رواه [نص الحقائق] فإنَّما أراد جمع حقيقة، هذا معنى ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام. والذي عندي: إن المراد بنص الحقائق ههنا بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه تزويجها وتصرفها في حقوقها تشبيهاً بالحقاق من الإبل، وهي: جمع حقة وحق - بكسر الحاء فيهما - وهو الذي استكمل ثلاث سنين، ودخل في الرابعة، وعند ذلك يبلغ إلى الحد الذي يتمكن فيه من ركوب ظهره، ونصه في السير، والحقائق ايضاً جمع حقة، فالروايتان جميعاً ترجعان إلى معنى واحد وهو أشبه بطريقة العرب من المعنى المذكور، والعصبة هم الإخوة والأعمام ومن أشبه سموا به لأنهم يتعلقون بالأب من عصب إذا تعلق أو لأنهم يتعصبون للإنسان في المشاكل والخصومات، ويتحمل في نص الحقاق، بلوغ الثدي ارتفاعه.

2) (إن الإيمان يبدو لمظة في القلب) كأنه بصيص نور.

كل أمر تطلبه ولا تدري على أي شيء أنت منه فهو ظنون، وعلى ذلك قول الأعشى:مَا يَجْعَلُ الْجُدَّ الظُّنُونَ الَّذِي*** جُنبَ صَوْبَ اللَّجِبِ المَاطِرِمِثلَ الفُرَاتِي إِذَا مَا طَمَا*** يَقْذِفُ بِالْبُوطِيّ وَالْمَاهِرِوالجُدّ : البئر العادي في الصحراء والظنون التي لا يعلم هل فيها ماء أم لا (1.)7 - وفي حديثه (عَلَیهِ السَّلَامُ: أنه شيع جيشاً يغزيه فقال : اعْذِبُوا عَنِ النِّسَاءِ مَا اسْتَطَعْتُمْ.)قال الرضي: ومعناه : أصدفوا عن ذكر النساء وشغل القلب بهن، وامتنعوا من المقاربة لهن، لأن ذلك يَفْتَ في عضد الحميّة، ويقدح في معاقد العزيمة، ويكسر عن العَدْوِ ويلفت عن الإبعاد في الغزو وكل من امتنع من شيء فقد أعذب عنه والعاذب والعذوب: الممتنع من الأكل والشرب (2.)8 - وفي حديثه (عَلَیهِ السَّلَامُ: كَالْيَاسِرِ الْفَالِج يَنتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ.)قال الرضي: الياسرون هم الذين يتضاربون بالقداح على الجزور، والفالج


1) (إن الرجل إذا كان له الدين الظنون) أي المحتمل أداؤه وعدمه (يجب عليه أن يزكيه لما مضى إذا قبضه) بأن يخرج زكاته (واللجب) السحاب المصوت ذو الرعد، والفراتي) الفرات، والياء للتأكيد. (والبوطي) ضرب من صغار السن (والماهر) السابح والمعنى: لا يتساوى البئر المحتمل كون الماء فيها، التي لم يمر عليها السحاب الماطر ليملأها مع نهر الفرات الممتلىء، الذي لكثرة مائه يقذف بالسفينة والسابح، وهذا مثل يضرب لبيان عدم استواء البخيل والغني.

2) (أنه شيع جيشا يغزيه) أي يجعله يحارب فقال: (أعذبوا) [ومعناه أصدفوا] أي: أعرضوا عن ذكر النساء وشغل القلب بهن، وامتنعوا عن المقاربة لهن، لأنّ ذلك يفت في عضد الحمية ويقدح في معاقد العزيمة [العزيمة النية ومعاقدها محل عقدها في القلب] ويكسر عن العدو [أي يسبب عدم تمكن الإنسان من الجري والركض] ويلفت عن الأبعاد في الغزو [أي يصرف الإنسان عن أن ينظر نظرة بعيدة حالة الحرب] وكل من امتنع من شيء فقد أعذب عنه والعاذب والعذوب الممتنع من الأكل والشرب [وذلك لأن المقاربة تضعف القوّة البدنية، والقوة النفسية، وذلك سبب ما ذكر، ويحتمل في العبارة أن يكون المراد عدم تعرض الجيش بالنساء وإيذائهن - كما هو من وصايا الإسلام] -.

القاهر والغالب يقال : فلج عليهم وفلجهم، وقال الراجز : لما رأيت فالجاً قد فلجا (1.)9 - وفي حديثه (عَلَیهِ السَّلَامُ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ (2).قال الرضي: ومعنى ذلك أنه إذا عظم الخوف من العدو، واشتد عضاض الحرب فزع المسلمون إلى قتال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بنفسه، فينزل اللّه عليهم النصر به، ويأمنون ممّا كانوا يخافونه بمكانه. وقوله : (إذا احمر البأس) كناية عن اشتداد الأمر، وقد قيل في ذلك أقوال أحسنها إنه شبه حَمْيَ الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها. ومما يقوي ذلك قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وقد رأى مُجْتَلَدَ الناس يوم حنين وهي حرب هوازن [الآن حَمِيَ الوَطيسُ] فالوطيس : مستوقد النار، فشبه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما استحرّ من جلاد القوم باحتدام النار وشدة التهابها.)261 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: لما بلغه إغارة أصحاب معاوية على الأنبار، فخرج بنفسه)


1) (كالياسر الفالج ينتظر أول فوزة من قداحه) [الياسرون هم الذين يتضاربون بالقداح على الجزور] الجزور الناقة المجزورة أي المنحورة، والقداح السهام، والمضاربة المقامرة على أجزاء الناقة [والفالج القاهر والغالب، يقال: فلج عليهم وفلجهم، وقال الراجز: لما رأيت فالجاً قد فلجا] أي غالباً قد غلبا.

2) (كنا إذا احمر الباس) أي اشتدّت الحرب (اتقينا برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) أي لننا به حذراً من العدو، لأن العدو كان يخاف من الاقتراب منه (فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه) لشجاعته الفائقة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ومعنى ذلك إذا عظم الخوف من العدو واشتد عضاض الحرب) أي عضته للمقاتلين (فزع المسلمون إلى قتال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بنفسه) أي طلبوا إليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن يقاتل بنفسه (فينزل اللّه عليهم النصر به) أي بسببه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ويأمنون ممّا كانوا يخافون بمكانه) أي بسبب مكانته في الشَّجاعة (وقوله إذا احمر البأس: كناية عن اشتداد الأمر، وقد قيل في ذلك أقوال، أحسنها إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شبه حمى الحرب بالنار) حمى الحرب، أي: اشتدادها (التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها، وممّا يقوى ذلك قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وقد رأى مجتلد الناس) أي اجتلادهم واقتتالهم (يوم حنين، وهي حرب هوازن (الآن حمي الوطيس) فالوطيس مستوقد النار) أي محل إيقادها (فشبه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ما استحرّ من جلاد القوم) أي ما اشتد من قتالهم (باحتدام النار، وشدّة التهابها).)انقضى هذا الفصل ورجعنا إلى سنن الغرض الأول في هذا الباب من ذكر الحكم والكلمات القصار.

ماشياً حتى أتى النّخَيْلَة فأدركه الناس وقالوا يا أمير المؤمنين نحن نكفيكهم، فقال :مَا تَكْفُونَنِي أَنْفُسَكُمْ، فَكَيْفَ تَكْفُونَنِي غَيْرَكُمْ؟ إِنْ كَانَتِ الرَّعَايَا قَبْلِي لَتَشكُو حَيْفَ رُعَاتِهَا، فَإِنَّنِي الْيَوْمَ لَأَشْكُو حَيْفَ رَعِيَّتِي، كَأَنَّنِي الْمَقُودُ وَهُمُ الْقَادَةُ، أَوِ الْمَوْزُوعُ وَهُمُ الْوَزَعَةُ (1!)فلما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ هذا القول في كلام طويل قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب تقدم إليه رجلان من أصحابه فقال أحدهما : إني لا أملك إلا نفسي وأخي فمر بأمرك يا أمير المؤمنين ننقد له.)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ : وَأَيْنَ تَقَعَانِ ممّا أُرِيدُ (2)؟)262 - وقيل : إن الحارث بن حوط أتاه فقال : أتراني أظنّ أصحاب الجمل كانوا على ضلالة ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ :)يَا حَارِثُ إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ (3! إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ ولَمْ تَعَرفِ الْبَاطِلَ (4)فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ.)فقال الحارث : فإني أعتزل مع سعيد بن مالك وعبد اللّه بن عمر، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ : إِنَّ سَعِيداً وَعَبْدَ اللّه لَمْ يَنْصُرَا الحَقَّ، وَلمْ يَخْذُلَا الْبَاطِل.)


1) (ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفونني غيركم)؟ فأنتم أنفسكم مختلفون غير مجتمعين على رأي واحد (حيف رعاتها) أي ظلم الحكام جمع [راع] (أو) أنا (الموزوع) أي المحكوم (وهم الوزعة) جمع وازع بمعنى الحاكم.

2) (وأين تقعان ممّا أريد) ؟ أي ليس لكما منزلة في الذي أريده من اتفاق الناس لمحاربة أهل الشام وإطاعتهم جملة، فإن نفرين لا يأتي منهما شيء بالنسبة إلى مثل هذه الأمور.

3) (يا حارث، إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك)، هذا كناية عن أن رأيه لم يصب إذ الناظر إلى ما تحته لا يرى الأشياء المحيطة، كما هي، ولذا يكون حكمه خطاً (فحرت) أي تحيرت، ولم تصب الحق الذي هو خطأ أصحاب الجمل.

4) (إن سعيدا وعبد اللّه بن عمر لم ينصرا الحق) يعني المتمثل في الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه (ولم يخذلا الباطل) إذ الاعتزال ليس خذلاً للباطل، وإنما مناصرة الحق خذل للباطل.

263 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: صَاحِبُ السُّلْطَانِ كَرَاكِبِ الْأَسَدِ : يُغْبَطُ بِمَوْقِعِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِهِ (1).)264 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: أَحْسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ (2).)265 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ كَلَامَ الْحُكَمَاءِ إِذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاماً، وإِذَا كَانَ خَطَأَ كَانَ دَائِماً (3).)266 - وسأله رجل أن يعرفه الإيمان فقال : إِذَا كَانَ الْغَدُ فَأْتِنِي حَتَّى أخْبِرَكَ عَلَى أَسْمَاعِ النَّاسِ، فإِنْ نَسِيتَ مَقَالَتي حَفِظَهَا عَلَيْكَ غَيْرُكَ، فَإِنَّ الْكَلَامَ كَالشَّارِدَةِ، يَنقُفُهَا هَذَا وَيُخْطِئهَا هَذَا (4.)قال الرضي: وقد ذكرنا ما أجابه به فيما تقدم من هذا الباب وهو قوله : (الإيمان على أربع شعب.)267 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: يَا بُنَ آدَمَ لَا تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ الَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلَى يَوْمِكَ الَّذِي قَدْ أَتَاكَ، فإِنَّهُ إِنْ يَكُ مِنْ عُمُرِكَ يَأْتِ اللّه فِيهِ بِرِزْقِكَ.)268 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: أَحببْ حَبيبَكَ هَوْناً مَا (5)، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا، وَأَبْغِضُ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً ما.)269 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلانِ عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا، : قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ، يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ الْفَقْرَ، وَيَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ (6)،)


1) (صاحب السلطان كراكب الأسد) أي الذي يصحب السلطان ويكون من خواصه مثل الذي ركب الأسد (يغبط بموقعه) أي يغبطه الناس ويتمنون منزلته (وهو أعلم بموضعه) من الخوف والحذر.

2) (أحسنوا في عقب غيركم) أي في أولادهم وذراريهم بعد موت الآباء (تحفظوا في عقبكم) أي يحفظكم الناس في أولادكم بعد موتكم وفقدكم.

3) (إن كلام الحكماء) العارفين بالأشياء (إذا كان صواباً كان دواماً) عن الأسقام الفردية الاجتماعية (وإذا كان خطاً كان دائماً) إذ الناس يتبعونهم ويعظمون آراؤهم، ولذا يؤثر أثره الحسن أو السيئ في الناس.

4) (كالشاردة) أي كالدابة التي تشرد (ينقفها) أي يصيبها.

5) (هوناً ما) الهون الخفيف.

6) (من يخلفه) أي أولاده وورثته (الفقر) من بعده، ولذا يجمع لهم حتى لا يفتقروا (ويأمنه) أي الفقر، في الآخرة (على نفسه) فلا يقدم لنفسه شيئاً.

فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ، وَعَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا، فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَأَحْرَزَ الْحَظَّيْنِ مَعاً، وَمَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً، فَأَصْبَحَ وَجِيهاً عِنْدَ اللّه، لَا يَسْأَلُ اللّه حَاجَةٌ فَيَمْنَعُهُ (1.)270 - وروي أنه ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حلي الكعبة وكثرته، فقال قوم: لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر، وما تصنع الكعبة بالحلي؟ فهم عمر بذلك، وسأل عنه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ. فقال :)إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والْأَمْوَالُ أَرْبَعَةٌ : أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِضِ، وَالْفَيْءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ، والخُمُسُ فَوَضَعَهُ اللّه حَيْثُ وَضَعَهُ، وَالصَّدقَاتُ فَجَعَلَهَا اللّه حَيْثُ جَعَلَهَا، وَكَانَ حَلْيُ الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ فَتَرَكَهُ اللّه عَلَى حَالِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَكَاناً، فَأَقِرِّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللّه وَرَسُولُهُ. فقال له عمر : لولاك لافتضحنا، وترك الحلي بحاله (2).)271 - وروى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ رفع إليه رجلان سرقا من مال اللّه أحدهما عبد من مال اللّه، والآخر من عروض الناس (3).)فقال : أَمَّا هذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ اللّه وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، مَالُ اللّه أَكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَأَمَّا الْآخَرُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ الشَّدِيدُ، فقطع يده (4.)


1) (فجاءه الذي له) أي حصته المقدرة له (من الدنيا بغير عمل) عمله لأجلها.

2) (في الفرائض) أي في أقسام الإرث. (والفيء) وهو الغنائم (فقسمه على مستحقيه) وهم المجاهدون ومن إليهم (والخمس) الذي قرّره اللّه في الغنائم وفي الأرباح وما أشبه فوضعه اللّه حيث وضعه) حيث قال (فَأَنَّ للّه خمُسَهُ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [الأنفال: 41] (والصدقات) أي الزكاة (فجعلها اللّه حيث جعلها) من الأصناف الثمانية حيث قال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء [التوبة : 60].

3) رفع إليه رجلان سرقا من مال اللّه: أحدهما عبد من مال اللّه [يلزم أن يصرف في مصالح المسلمين، إذ لا مالك خاص له، إلّا بيت المال] والآخر من عروض الناس [أي أن الثاني كان عبداً من عرض الناس] أي متاعهم وملكهم، وعروض جمع عرض المتاع غير الذهب والفضة.

4) (أما هذا) العبد السارق الذي هو للّه (فهو من مال اللّه لا حد عليه) في هذه السرقة (مال اللّه أكل بعضه بعضاً) فلم يتلف المال المسروق (وأما الآخر) الذي عبد للناس وسرق مال اللّه (فعليه الحد الشديد) وشدته لأنه سرقه من مال اللّه، فهي سرقة، والمسروق مال اللّه تعالى (فقطع يده) أي أصابع يده.

272 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَوْ قَدِ اسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هذِهِ الْمَدَاحِضِ لَغَيَّرْتُ : أَشْيَاءَ (1).)273 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: اعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أَنَّ اللّه لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ - وَإِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ، وَاشْتَدَّتْ طِلْبَتُهُ، وَقَوِيَتْ مَكِيدَتُهُ - أَكْثَرَ ممّا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْعَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ. وَالْعَارِفُ لِهَذَا الْعَامِلُ بِهِ، أَعْظَمُ النَّاسِ رَاحَةٌ فِي مَنْفَعَةٍ (2)وَالتَّارِكُ لَهُ الشَّاكُ فِيهِ أَعْظَمُ النَّاسِ شُغُلاً فِي مَضَرَّةٍ. وَرُبَّ مُنْعَمِ عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجٌ بِالنُّعْمَى (3)، وَرُبَّ مُبْتَلًى مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى! فَزِدْ أَيُّهَا الْمُسْتَمْتِعُ فِي شُكْرِكَ، وَقَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَقِف عِنْدَ مُنْتَهَى رِزْقِكَ (4).)274 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً، وَيَقِينَكُمْ شَكّاً. إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا، وَإِذَا تَيَقَّتُتُمْ فَأَقْدِمُوا (5).)275 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ، وضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيٍّ. ورُبَّمَا)


1) (لو قد استوت قدماي) أي استقرتا (من هذه المداحض) جمع مدحض، بمعنى المزلقة، والمراد بها الفتن (لغيرت أشياء) من البدع الدارجة في الناس.

2) (عظمت حيلته) أي تقلبه لطلب الرزق (واشتدت طلبته) لمتاع الدنيا (وقويت مكيدته) أي كيده في تحصيلها (أكثر ممّا سمي له في الذكر الحكيم) ما ذكره اللّه سبحانه وقدره بكل إحكام وإتقان، فإنّ الإنسان لا يصل إلى أكثر من نصيبه المقرّر ولذا يكون كثرة الطلب سخافة (أعظم الناس راحة في منفعة) إذ المنفعة واصلة وهو مستريح.

3) (أعظم الناس شغلاً في مضرة) إذ يشتغل كثيراً، ويضر نفسه، بلا فائدة (ورب منعم عليه) أي قد أنعم اللّه عليه بأنواع لا كرامة، وإنما (مستدرج بالنعمى) أي يريد اللّه بهذه النعم أخذه درجة درجة، ووصوله إلى كمال طغيانه، حتى يأخذه بذنوبه.

4) (ورب مبتلى) بالفاقة وما أشبه (مصنوع له بالبلوى) أي أن بلواه صنع من اللّه سبحانه ليعطيه الأجر والثواب، فلا يظنّ ذو النعمة أنه إنما أنعم عليه لكرامته، ولا ذو البلية أنه إنما ابتلي لمهانته (وقصر من عجلتك) في طلب الدنيا (وقف عند منتهى رزقك) الذي يأتيك فلا تتعب نفسك فيما لم يقدّر لك.

5) (لا تجعلوا علمكم جهلا) بأن لم تعملوا، فإنَّ غير العاقل والجاهل سواء (ويقينكم شكا) فإنَّ غير العامل بيقينه والشاك سواء (إذا علمتم فاعملوا) بما علمتم (وإذا تيقنتم، فاقدموا) على حسب يقينكم.

شَرِقَ شَارِبُ الْمَاءِ قَبْلَ رِيهِ؛ وَكُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ الشَّيْءِ الْمُتَنَافَسِ فِيهِ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ لِفَقْدِهِ (1. والْأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ الْبَصَائِرِ، والْحَقِّ يَأْتِي مَنْ لَا يَأْتِيهِ (2).)276 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: اللّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تُحَسِّنَ فِي لَامِعَةِ الْعُيُونِ عَلَانِيَتِي (3)، وَتُقَبِّحَ فِيمَا أُبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتي، مُحَافِظاً عَلَى رِئَاءِ النَّاسِ (4)مِنْ نَفْسِي بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنِّي، فَأَبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي، وَأُفْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءٍ عَمَلِي، تَقَرُّباً إِلَى عِبَادِكَ، وَتَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ (5).)277 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَا وَالَّذِي أَمْسَيْنَا مِنْهُ فِي غُبْرِ لَيْلَةٍ دَهْمَاءَ تَكْشِرُ عَنْ يَوْمٍ أَغَرّ، مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا (6).)278 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ أَرْجَى مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ (7).)


1) (إن الطمع مورد غير مصدر) أي يرد الإنسان في المهالك، ولا يصدره عنها، بل يبقى الطامع في الهلكة (وضامن غير وفي) إذ ليس كل طامع يصل (قبل ريه) أي قبل أن يرتوي من الماء، وهذا مثل للطامع لا يبلغ غاية ما يريد (الرزية) المصيبة (لفقده).

2) (والأماني) جمع أمنية، وهي التي يطلبها الإنسان من أنواع السعادة (تعمي أعين البصائر) جمع بصيرة فلا يرى الإنسان خيره وشره، إذا علق الأمل بشيء، وإنما يسير وراءه ليصل إليه (والحظ يأتي من لا يأتيه) فاللازم أن لا ينساق الإنسان وراء أمانيه، ولا يتعب نفسه للآمال إذ ربما أتى الحظ من لم يتعب له.

3) (من أن تحسّن في لامعة العيون) أي العيون الناضرة - ولمعة العين نظرتها - (علانيتي) أي ظاهري بأن يكون ظاهري ظاهراً حسناً.

4) (وتقبح فيما أبطن لك) أي في باطن قلبي (سريرتي) بأن يكون باطني قبيحا في حال كوني (محافظاً على رئاء الناس) أي مراءاتهم، ليحمدوني.

5) (وأفضي إليك) أي أنهي إليك - إذ الأعمال تنتهي إلى اللّه تعالى (بسوء عملي) إذ أنت مطلع على خفايا أموري (تقرباً إلى عبادك) بريائي لهم.

6) (لا) ليس الأمر هكذا (والذي أمسينا منه) أي دخلنا في المساء، من جانبه (في غير ليلة دهماء) أي في بقية ليلة سوداء (تكشر) أي تتفرج (عن يوم أغر) أي أبيض، إذ الليل ينفرج عن الصباح (ما كان كذا وكذا) هذا متعلق الحلف، وحيث لم يكن مهما، وإنّما المهم لفظة القسم، لم يذكره السيد (رَحمهُ اللّه).

7) (قليل تدوم عليه) من الأعمال، بأن تبقى مستمراً في إتيانه (أرجى من كثير مملول منه) بأن يمل منه الإنسان ويسام فيتركه.

279 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالْفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا.)280 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اسْتَعَدَّ.)281 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَيْسَتِ الرَّوِيَّةُ كَالْمُعَايَنَةِ بِالْإِبْصَارِ ؛ فَقَدْ تَكْذِبُ الْعُيُونُ أَهْلَهَا وَلَا يَغُش الْعَقْلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ (1).)282 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ الْفِرَّةِ (2).)283 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: جَاهِلُكُمْ مُزْدَادُ، وَعَالِمُكُمْ مُسَوّفٌ (3).)284 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: قَطَعَ الْعِلْمُ عُذْرَ الْمُتَعَلِّلِينَ (4).)285 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ الْإِنْظَارَ، وَكُلُّ مُوَجِّلٍ يَتَعَلَّلُ بالتّسويف (5).)286 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَا قَالَ النَّاسُ لِشَيْءٍ (طُوبَى لَهُ) إِلَّا وَقَدْ خَبَّأَ لَهُ الدَّهْرُ يَوْمَ سُوءٍ (6).)287 - وسئل عن القدر، فقال : طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكُوهُ، وَبَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلِجُوهُ، وَسِرُّ اللّه فَلَا تَتَكَلَّفُوهُ (7.)


1) (ليست الروية) أي التفكير ودرك الأشياء بالعقل (كالمعاينة بالإبصار) أي كرؤية العين، بل الأول أقوى من الثاني (فقد تكذب العيون أهلها) كما يرى البعيد الكبير صغيرا كأجرام السماء، وما أشبه ذلك (ولا يغش العقل من استنصحه) إذ الأحكام العقلية لا خلف لها، فلو قال العقل إن الكل أعظم من الجزء لا يمكن الخلف فيه، وهكذا.

2) (الغرة) أي الغفلة فهي مانعة عن عملكم بالمواعظ.

3) (جاهلكم مزداد) أي يزداد في الجهل، والعمل بما لا يقتضيه العلم (وعالمكم مسوف) أي يؤخر العمل فلا يعمل، فكيف تكون حال مثل هذه الأمة، وإنما تتقدم الأمة إذا كان جاهلهم ينقلع، وعالمهم يعمل.

4) (قطع العلم عذر المتعللين) أي الذين يتعللون في عدم عملهم، بأنهم لم يعلموا، فقد انتشر العلم حتى ليدركه من أراد.

5) (كل معاجل) أي عجل إليه الأجل (يسأل الإنظار) بأن ينظر ويمهل حتى يعمل صالحا وكل مؤجل قد أخر وأجّل موته (يتعلل) أي يعتذر عن العمل (بالتسويف) وإنه سوف يفعل.

6) (ما قال الناس لشيء طوبى له) أي أنه حسن حاله، لأن له جاها أو مالا أو ما أشبه.

7) (طريق مظلم فلا تسلكوه) أي لا تسيروا فيه، كناية عن دقة فهمه.

288 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِذَا أَرْذَلَ اللّه عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ.)289 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اللّه، وَكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ. وَكَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ، فَلَا يَشْتَهِي مَا لَا يَجِدُ، وَلَا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ. وَكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً، فإنْ قَالَ بَذّ الْقَائِلِينَ، وَنَقَعَ غَلِيلَ السَّامِعِينَ. وَكَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفا (1)! فإنْ جَاءَ الجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ غَابِ، وَصِلُّ وَادٍ، لَا يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً. وَكَانَ لَا يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا يَجِدُ الْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ، حَتَّى يَسْمَعَ اعْتِدذارَهُ (2)؛ وَكَانَ لَا يَشْكُو وَجَعاً إِلَّا عِنْدَ بُرْيِهِ (3)؛ وَكَانَ يَقُولُ مَا يَفْعَلُ وَلَا يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ؛ وَكَانَ إِذَا غُلِبَ عَلَى الْكَلَامِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ(4)، وَكَانَ عَلَى مَا يَسْمَعُ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَكَانَ إِذَا بَدَهَهُ (5)أَمْرَانِ يَنْظُرُ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْهَوى فَخَالَفَهُ، فَعَلَيْكُمْ بِهِذِهِ الْخَلَائِقِ فَالْزَمُوهَا وَتَنَافَسُوا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْذَ الْقَلِيل خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ.)290 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَوْ لَمْ يَتَوَعَّدِ اللّه عَلَى مَعْصِيَتِهِ لَكَانَ يَجِبُ أَلَّا يُعْصَى شُكراً لِنِعَمِهِ.)


1) (كان لي فيما مضى أخ في اللّه) أي: إن إخوته أخوة دينية، لا نسبية أو ما أشبه (بذ القائلين) أي منعهم عن القول، لحسن كلامه فكان الكل يستمعون إليه. (ونقع غليل السامعين) أي أزال عطشهم إلى المعارف، حيث فصاحة العبارة وبلاغة المعنى (وكان ضعيفا) في بدنه (مستضعفا) يجده الناس ضعيفا لعدم إيذائه لأحد.

2) (ليث غاب أي أسد الغابة، والأسد في الغابة يكون أشجع (وصل) أي حية (واد) فإنَّ الحية فيه أقوى من حية البلاد والدور (لا يدلي بحجة) أي: لا يذكر حجة على مطلب حتى يأتي قاضيا أي يقضي بالفصل (وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله) أي كان يحتمل أن الفاعل له عذر فيما فعل (حتى يسمع اعتذاره) فإن صح أعذره، وإلا لامه.

3) (وكان لا يشكو وجعا) أي لا يذكره (إلا عند برئه) من باب الحكاية، حتى لا يكون شكاية عن المصيبة.

4) (وكان إذا غلب على الكلام) بأن لم يمهله أحد، لأن يتكلم (لم يغلب على السكوت) فلا يفوقه أحد في السكوت بل يظل ساكتا طويلاً.

5) (وكان إذا بدهه) أي ورد عليه فجأة وبغتة.

291 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ، وقد عزى الأشعث بن قيس عن ابن له :)يَا أَشْعَثُ إِنْ تَحْزَنْ عَلَى ابْنِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ مِنْكَ ذلِكَ الرَّحِمُ، وَإِنْ تَصْبِرْ فَفِي اللّه مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ (1. يَا أَشْعَتُ، إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأجُورٌ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْزُورٌ (2). يا أَشْعَثُ ابْنُكَ سَرَّكَ وَهُوَ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ (3)، وَحَزَنَكَ وَهُوَ ثَوَابٌ وَرَحْمَةٌ.)292 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ، على قبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ساعة دفنه : إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَجَلَلٌ (4).)293 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لا تَصْحَبُ الْمَائِقَ (5)فإنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ، وَيَوَدُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ.)294 - وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْسِ (6).)295 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: أَصْدِقَاؤُكَ ثَلَاثَةٌ، وَأَعْدَاؤُكَ ثَلَاثَةٌ، فَأَصْدِقَاوُكَ : صَدِيقُكَ، وَصَدِيقُ صَدِيقِكَ، وَعَدُوُّ عَدُوِّكَ. وَأَعْدَاؤُكَ : عَدُوُّكَ، وَعَدُوُّ صَدِيقِكَ، وَصَدِيقُ عَدُوّكَ.)


1) (فقد استحقت منك ذلك الرحم) أي كونه رحما لك، وهذا كناية عن عدم الإساءة في التحزن على الأرحام (وإن تصبر فـ) الصبر أولى إذ (في اللّه من كل مصيبة خلف) فيعوض الإنسان عما أصابه.

2) (يا أشعث، إن صبرت جرى عليك القدر) أي الذي قدر لك من المصائب والآلام (جرى عليك القدر وأنت مازور) أي مرتكب للوزر والذنب، فمن الأفضل الصبر، لأن الجزع لا يسبب دفاعاً، ولا أجراً.

3) (يا أشعث، ابنك سرك) حين ولد لك (وهو بلاء) لأنك كنت مكلفا بتربيته وفتنة) أي امتحان لك هل تقوم بما أمر اللّه فيه أم لا؟

4) (لجميل إلا عنك) إذ مقتضى ما أوجب اللّه على الأمة من حب الرسول، أن لا يصبروا على فراقه (وإن الجزع لقبيح إلا عليك) فيحسن الجزع، لا بمعنى عدم الرضا بالقضاء، بل بمعنى إظهار التالم الشديد، والتأثر الكثير.

5) (المائق) أي الأحمق.

6) (مسيرة يوم الشمس) وهذا جواب بقدر فهم السائل، كما لا يخفى.

296 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ، لرجل رآه يسعى على عدو له بما فيه إضرار بنفسه : إِنَّمَا أَنْتَ كَالطَّاعِنِ نَفْسَهُ لِيَقْتُلَ رِدْفَهُ (1).)297 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَأَقَلَّ الاِعْتِبَارَ!)298 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَنْ بَالَغَ فِي الْخُصُومَةِ أَثمَ، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهَا ظَلَمَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِيَ اللّه مَنْ خَاصَمَ.)299 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَا أَهَمَّنِي ذَنْبٌ أُمْهِلْتُ بَعْدَهُ حَتَّى أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَأَسْأَلَ اللّه الْعَافِيةَ.)300 - وسئل : كيف يحاسب اللّه الخلق على كثرتهم؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ.)فقيل : كيف يحاسبهم ولا يرونه؟فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ.)301 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: رَسُولُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ، وَكِتَابُكَ أَبْلَغُ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ (2)!)302 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَا الْمُبْتَلَى الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلَاءُ، بِأَحْوَجَ إِلَى الدُّعَاءِ مِنَ الْمُعَافَى الَّذِي لَا يَأْمَنُ الْبَلَاءَ!)303 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ : النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا، وَلَا يُلَامُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ.)304 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ الْمِسْكِينَ رَسُولُ اللّه، فَمَنْ مَنَعَهُ فَقَدْ مَنَعَ اللّه، وَمَنْ الام أَعْطَاهُ فَقَدْ أَعْطَى اللّه (3).)305 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَا زَنَى غَيُورٌ قَطُّ (4).)


1) (ليقتل ردفه) أي الراكب خلفه، فهو يضر نفسه، لا من خلفه.

2) (ترجمان عقلك) فإنَّه يدل على مقدار العقل (وكتابك أبلغ ما ينطق عنك) من الرسول، لأنه لفظك بخلاف الرسول فإنَّه أمينك.

3) (إن المسكين رسول اللّه) أي أن اللّه سبحانه هو الذي أرسل المساكين إلى الناس، ليعطوهم المال (فمن منعه) ولم يسعفه بحاجته (فقد منع اللّه) إذ منع الرسول، يلازم منع المرسل.

4) (ما زنى غيور قط) لأن غيرته تمنعه من اقتراف مثل هذه الفعلة الشنيعة.

306 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: كَفَى بِالْأَجَلِ حَارِساً (1).)307 - وقال له : يَنَامُ الرَّجُلُ عَلَى الثُّكُل، وَلَا يَنَامُ عَلَى الْحَرَبِ (2.)قال الرضي (رَحمهُ اللّه : ومعنى ذلك : أنه يصبر على قتل الأولاد، ولا يصبر على سلب الأموال.)308 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: مَوَدَّةُ الْآبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ، وَالْقَرَابَةُ إِلَى الْمَوَدَّةِ أَحْوَجُ مِنَ الْمَوَدَّةِ إِلَى الْقَرَابَةِ (3).)309 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: اتَّقُوا ظُنُونَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ اللّه تَعَالَى جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى أَلْسِتَتِهِمْ (4))310 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: لَا يَصْدُقُ إِيمَانُ عَبْدٍ، حَتَّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللّه أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ (5).)311 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ لأنس بن مالك، وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير لما جاء إلى البصرة يذكرهما شيئاً ممّا سمعه من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في معناهما، فلوى عن ذلك، فرجع إليه، فقال : إِنِّي أُنْسِيتُ ذلِكَ الْأَمْرَ.)


1) (كفى بالأجل حارسا) إذ الإنسان لا يموت إلا في وقت موته، فوقت موته يحفظه حتى يصل إليه، كالحارس الذي يحفظ الإنسان.

2) (ينام الرجل على الثكل) أي فقد الأولاد (ولا ينام على الحرب) أي سلب الناس لأمواله، لأنه يعلم في الأول، أن الأمر قد انقضى ولا فائدة في التفكير لإرجاع الميت، أما في الثاني فإنَّه يفكر كيف يرجع ماله، لأنه يعلم بقاءه.

3) (مودة الآباء) أي حب بعضهم لبعض (قرابة بين الأبناء) أي أن تلك المودة توجب الصلة الوثيقة بين الأبناء كصلة القرابة، فعلى الأولاد أن يراعوها (والقرابة إلى المودة أحوج من المودة إلى القرابة) إذ لولا المودة بين الأقرباء لكان الهجر وقطيعة الرحم، أما المودة فتكون بين الأباعد ولا تحتاج إلى القرابة.

4) (اتقوا ظنون المؤمنين) أي لا تفعلوا ما يوجب سوء ظن المؤمنين فيكم (فإن اللّه تعالى جعل الحق على السنتهم) فإذا أساؤوا بكم الظن دل ذلك على انحراف في عملكم.

5) (حتى يكون بما في يد اللّه أوثق منه بما في يده) أي تكون ثقته بما عند اللّه من السعادة العاجلة والآجلة أشد من ثقته بما في يد نفسه، فإنَّ ذلك مقتضى معرفة اللّه سبحانه، وإيمان الإنسان به.

فقال: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَضَرَبَكَ اللّه بِهَا بَيْضَاءَ لامِعَةً لَا تُوَارِيهَا الْعِمَامَة (1.)قال الرضي: يعني البرص، فأصاب أنساً هذا الداء فيما بعد في وجهه، فكان لا يرى إلا مبرقعاً.312 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: إِنَّ لِلْقُلُوب إقبالاً وَإِدْبَاراً ؛ فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى الْفَرَائِضِ (2).)313 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: فِي الْقُرْآنِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ.)314 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: رُدُّوا الْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ، فَإِنَّ الشَّرَّ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا الشَّرُّ (3).)315 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ لكاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع : أَلِقْ دَوَانَكَ، وَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ (4)، وَفَرِّجْ بَيْنَ السُّطُورِ، وَقَرْمِط بَيْنَ الْحُرُوفِ : فَإِنَّ ذلِكَ أَجْدَرُ بِصَبَاحَةِ الْخَطِّ (5).)


1) (فضربك اللّه بها) الضمير عائد إلى ما يفهم من الكلام، وهي [البلية] (بيضاء لامعة) أي برصا يلمع أبيض (لا تواريها العمامة) أي لا تكون قليلة، في قرب قصاص شعرك حتى يُواريها ويخفيها إنزال العمامة على الجبهة.

2) (إن للقلوب إقبالا) إلى العمل والطاعة و إدبارا) بحيث لا ترغب في العمل (فإذا أقبلت) ونشطت (فاحملوها على النوافل) أي الأمور المستحبة (وإذا أدبرت) وملت (فاقتصروا بها على الفرائض) ولا تجبروها على النوافل، لتزيد ساماً وملالة.

3) (ردوا الحجر من حيث جاء) كناية عن دفع الشر إلى فاعله.

4) (الق دواتك) أي ضع فيها الليقة، وهي كالوصلة فائدتها تحفظ القلم عن زوائد الحبر (وأطل) أي مد (جلفة قلمك) أي رأسه الذي يكتب به، فإنَّ إطالتها توجب تدرج المداد إلى الورق، فلا يسيل الحبر مرة واحدة، وهذا في القلم الذي يعمل من القصب.

5) (وفرج بين السطور) فلا تقرب السطور بعضها إلى بعض، فإنَّ التفريج يوجب حسن الخط وجماله (وقرمط) أي ضيق (بين الحروف) فإنَّ الفرجة بين حروف الكلمة توجب شين الخط (فإن ذلك) الذي ذكرت إذا عملت به أجدر بصباحة الخط) وجماله.

316 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ: أَنَا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَالُ يَعْسُوبُ الْفُجَّارِ (1).)قال الرضي: ومعنى ذلك أن المؤمنين يتبعونني، والفجار يتبعون المال كما تتبع النحل يعسوبها، وهو رئيسها.317 - وقال له بعض اليهود ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه ! فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ له : إِنَّمَا اخْتَلَفْنَا عَنْهُ لَا فِيهِ، وَلكِنَّكُمْ مَا جَفَّتْ أَرْجُلُكُمْ مِنَ الْبَحْرِ حَتَّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ : (اجْعَلْ لَنَا إِلهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (2)، (3).)318 - وقيل له : بِأَيِّ شَيْءٍ غَلَبْتَ الأقران ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: مَا لَقِيتُ رَجُلاً إِلَّا أَعَانَنِي عَلَى نَفْسِهِ (4).)قال الرضي يومىء بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب.319 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ لابنه محمد ابن الحنفية : يَا بُنَيَّ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْفَقْرَ، فَاسْتَعِذْ بِاللّه مِنْهُ، فَإِنَّ الْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ، مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ، دَاعِبَةٌ لِلْمَقْتِ(5)!)320 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ لسائل سأله عن معضلة : سَلْ تَفَقُّهاً، وَلَا تَسْأَلْ تَعَنُّتاً، فإِنَّ)


1) (أنا يعسوب المؤمنين) أي قائدهم.

2) سورة الأعراف الآية: 138.

3) (إنما اختلفتا عنه) أي الذي صدر عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هل الوصية بالخليفة أم لا ؟ (لا فيه) لأن الكل كان معترفا به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ولكنكم) اختلفتم اختلافا منكراً في أصل الأصول إذ (ما جفت أرجلكم من البحر) حين خرجتم من مصر (حتى قلتم لنبيكم) موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون) حيث تريدون آلهة مصنوعة، كما للمشركين بدل توحيدكم لإله السماوات والأرض.

4) (ما لقيت رجلا) في الحرب عند المقاتلة (إلا أعانني على نفسه) إذ أنه بمجرد ما يراني يهن خوفا مني، والخوف في القرن معين الشجاع على قتله.

5) (فإن الفقر منقصة للدين) أي يوجب نقصه فإنَّ الفقير ربما تواضع لغير اللّه، أو كذب، أو خان، أو ما أشبه لسد خلته (مدهشة للعقل) أي توجب دهشته وتحيره حتى لا يدري العقل ماذا يصنع؟ (داعية للمقت) أي يوجب الفقر غضب الإنسان فإنَّ الفقير يتألم من كل أمر ويغضب سريعا، أو المراد مقت الناس له، أو مقت اللّه إياه، إذا عمل المحرم لإنجاء نفسه من ذل الفقر.

الْجَاهِلَ الْمُتَعَلِّمَ شَبِيءٌ بِالْعَالِمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ الْمُتَعَسِّفَ شَبِيءٌ بِالْجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ (1.)321 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ لعبد اللّه بن عباس، وقد أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه : لَكَ أَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ وَأَرَى، فإنْ عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي.)322 - وروي أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ، لما ورد الكوفة قادما من صفين مر بالشباميين، فسمع بكاء النساء على قتلى صفين وخرج إليه حرب ابن شرحبيل الشبامي، وكان من وجوه قومه.)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: أَتَغْلِبُكُمْ نِسَاؤُكُمْ عَلَى مَا أَسْمَعُ؟ أَلَا تَنْهَوْنَهُنَّ عَنْ هَذَا الرَّنِينِ؟)وأقبل حرب يمشي معه، وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ راكب، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِرْجِعْ، فَإِنَّ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي، وَمَذَلَّةٌ لِلْمُؤْمِن (2).)323 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ، وقد مر بقتلى الخوارج يوم النهروان بُؤساً لَكُمْ، لَقَدْ : ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ، فقيل له : مَنْ غَرَّهُمْ يَا أَمِيرَ المؤمنين؟ فقال: الشَّيْطَانُ الْمُضِلَّ، وَالْأَنْفُسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، غَرَّتْهُم بالْأَمَانِي وَفَسَحَتْ لَهُمْ بِالْمَعَاصِي، وَوَعَدَتْهُمُ الْإِظْهَارَ، فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ (3).


1) (سل تفقهاً) أي لأجل الفهم والتعلم (ولا تسأل تعنتا) أي لأجل المجادلة والممارات - والتعنت إلقاء النفس في العنت أي المشقة (فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم) فإنَّ كليهما في سبيل نجاة (وإن العالم المتعسف) الملقي نفسه في العسف والمشقة بسبب المجادلة والرياء (شبيه بالجاهل المتعنت) لأن كليهما في مشقة بدون استفادة سعادة الدنيا، أو ثواب الآخرة.

2) (مر بالشباميين) حي في الكوفة (أتغلبكم نساؤكم) في البكاء قهرا عليكم وبدون رضاكم ؟ (عن هذا الرنين)؟ الرنة مد الصوت في حزن أو ما أشبه (ارجع فإنَّ مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي) إذ يوجد فيه روح الكبر، حيث إن بركابه مثل حرب الذي وجه هو في قومه (ومذلة للمؤمن) الذي يمشي، لأنه ينزل بمنزلة العبيد والخدم عند الناس.

3) (بؤسا لكم) دعاء عليهم بالبؤس والفاقة من رحمة اللّه تعالى (لقد ضركم من غركم) وخدعكم، بأن تخرجوا عن طاعة الإمام (ووعدتهم الإظهار) أي أن يظهرهم ويغلبهم على من يقاتلهم، موسوساً في قلوبهم قاتلوا فإنَّكم الأعلون - قال سبحانه: (فَأَصْبَحُوا ظَهِرِينَ) [الصف: 14] أي غالبين (فاقتحمت بهم النار) أي أدخلتهم في جهنم.

324 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): اتَّقُوا مَعَاصِيَ اللّه فِي الْخَلَوَاتِ، فإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْحَاكِمُ (1).

325 - وقال، لما بلغه قتل محمد بن أبي بكر : إِنَّ حُزْنَنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ نَقَصُوا بَغِيضاً، وَنَقَصْنَا حَبيباً (2).

326 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْعُمْرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللّه فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةٌ (3).

327 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا ظَفِرَ مَنْ ظَفِرَ الْإِثْمُ بِهِ، وَالْغَالِبُ بِالشَّرِّ مَغْلُوبٌ (4).

328 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ: فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُنْعَ بِهِ غَنِي، وَاللّه تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ.

329 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الإِسْتِغْنَاءُ عَنِ الْعُذْرِ أَعَزُّ مِنَ الصِّدْقِ بِهِ(5).

330 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَقَلُّ مَا يَلْزَمُكُمْ ِللهِ أَلَّا تَسْتَعِينُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ.

331 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ جَعَلَ الطَّاعَةَ غَنِيمَةَ الْأَكْبَاسِ عِنْدَ تَفْرِيطِ الْعَجَزَة (6)!


1) (اتقوا معاصي اللّه في الخلوات) جمع خلوة أي اتركوا عصيانه في السر الخالي من الناس (فإن الشاهد) الذي يراكم في خلواتكم (هو الحاكم) بينكم يوم القيامة.

2) (إلا أنهم نقصوا بغيضاً) أي فقدوا شخصاً كانوا يبغضونه (ونقصنا حبيباً) أي شخصاً كنا نحبه.

3) (العمر الذي أعذر اللّه فيه إلى ابن آدم ستون سنة) أي أن منتهى قبول العذر هو الستون، إذ بعده تضعف القوى، ولا يتمكن الإنسان أن يتدارك ما فات، غالباً، أو المعنى إن المعذرة مقبولة إلى ستين سنة، أما بعدها فلا إذ عند ضعف القوى تكون المعصية أشنع.

4) (ما ظفر من ظفر الإثم به) أي الذي ظفر بواسطة الإثم، كان ظفره وبالاً عليه، إذ هذا الظفر موجب لخسارة أبدية هي دخول النار (والغالب بالشر مغلوب) فإنَّ من غلب الناس بواسطة شرّه، مغلوب واقعاً، إذ شرّه موجب لدخوله النار.

5) (الاستغناء عن العذر) بأن لا يفعل فعلاً يوجب الاعتذار أعز من (الصدق) بأن يفعل ما يوجب العذر وإن كان صادقاً في عذره.

6) (الأكياس) جمع كيس، بمعنى العاقل (عند تفريط العجزة) جمع عاجز، فإنَّ العقلاء يغتنمون فسحة المجال، للإتيان بالطاعة، فإذا لم يجاهد ذو المال بماله، أو ذو القوة بقوته بقي مجال الجهاد فارغاً، يغتنمه الكيس، وهكذا.

332 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): السُّلْطَانُ وَزَعَةُ اللّه فِي أَرْضِهِ (1).

333 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفة المؤمن : الْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ، وَحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ، أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً، وَأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً. يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ، وَيَشْنَأُ السُّمْعَةَ. طَوْيلٌ غَمُّهُ، بَعِيدٌ هَمُّهُ، كَثِيرٌ صَمْتُهُ، مَشْغُولٌ وَقْتُه (2). شَكُورٌ صَبُورٌ، مَغْمُورٌ بِفِكْرَتِهِ، ضَنِينٌ بِخَلَّتِهِ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ، لَيْنُ الْعَرِيكَةِ نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ وَهُوَ أَذَلُّ مِنَ الْعَبْدِ (3).

334 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَوْ رَأَى الْعَبْدُ الْأَجَلَ وَمَصِيرَهُ، لَأَبْغَضَ الْأَمَلَ وَغُرُورَهُ.

335 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لِكُلِّ امْرِئٍ فِي مَالِهِ شَرِيكَانِ الْوَارِثُ وَالْحَوَادِثُ.

336 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْمَسْؤُولُ حُرٌّ حَتَّى يَعِدَ (4).

337 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ (5).

338 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْعِلْمُ عِلْمَانِ مَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعٌ، وَلَا يَنْفَعُ الْمَسْمُوعُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَطْبُوعُ (6).


1) (السلطان) المراد به الجنس ولذا جيء له الخبر بلفظ الـ[وزعة] جمعاً (وزعة اللّه في أرضه) جمع وازع بمعنى الحاكم المانع فإن الحاكم المسلم يمنع الناس عن الآثام والمعاصي.

2) (بشره) أي بشاشته (يكره الرفعة) بأن يرتفع مقامه عند الناس (ويشنا السمعة) أي يبغض أن يكون له صيت عند الناس، لأنه لا يريد بعمله إلا اللّه سبحانه (طويل غمه) أي حزنه، وذلك من جهة مستقبله إذ لا يدري ما مصيره في الآخرة (بعيد همه) فإنَّه يهتم لما بعد الموت بينما يهتم الناس لهذه الحياة فقط (كثير صمته) أي سكوته (مشغول وقته) فلا يتركه هملاً بلا شغل.

3) (شكور) لنعم اللّه (صبور) لبلائه (مغمور بفكرته) أي غريق في التفكر، لما يصنعه لإنجاء نفسه وإنجاء الناس (ضنين بخلته) أي بخيل بإظهار حاجته للناس فلا يطلب منهم شيئاً (سهل الخليقة) أي الطبيعة فلا عنف في أخلاقه (لين العريكة) أي النفس، لا لجاجة فيه (نفسه أصلب) في إتيان أوامر اللّه (من الصلد) وهو الحجر الصلب (وهو أذل من العبد) في تواضعه لله، وللنّاس.

4) (المسؤول) أي الذي يسأل الشخص منه شيئاً (حر) إن شاء أعطى وإن شاء لم يعط (حتى يعد) إذ يجب عليه الوفاء حينئذ.

5) (الداعي بلا عمل) كأن يدعو اللّه أن يرزقه ولداً، بدون أن يتزوج، وهكذا (كالرامي بلا وتر) فإنَّ سهمه لا يصيب الهدف.

6) (العلم علمان) أي صنفان (مطبوع) في النفس راسخ فيها (ومسموع) يسمعه الإنسان، بدون رسوخ في نفسه من السابق (ولا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع) إذ الإنسان إنما يتحرك، بما رسخ في نفسه، لا بما يسمع.

339 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): صَوَابُ الرَّأْيِ بِالدُّوَلِ: يُقْبِلُ بِإِقْبَالِهَا، وَيَذْهَبُ بِذهَابِهَا (1).

340 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، وَالشَّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى (2).

341 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): يَوْمُ الْعَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الْجَورِ عَلَى الْمَظْلُومِ !

342 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْغِنَى الْأَكْبَرُ الْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ.

343 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْأَقَاوِيلُ مَحْفُوظَةٌ، وَالسَّرَائِرُ مَبْلُوَّةٌ (3)، (وَكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (4)، وَالنَّاسُ مَنْقُوصُونَ مَدْخُولُونَ (5)إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللّه : سَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتْ، وَمُجِيبُهُمْ مَتَكَلَّفٌ، يَكَادُ أَفْضَلُهُمْ رَأْيَا يَرُدُّهُ عَنْ فَضْلِ رَأْيِهِ الرِّضَى وَالسُّخْط، وَيَكَادُ أَصْلَبُهُمْ عُوداً تَنْكَؤُهُ اللَّحْظَةُ، وَتَسْتَحِيلُهُ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ (6).


1) (صواب الرأي بالدول) أي أن الرأي الصائب مقارن بدولة الإنسان (يقبل بإقبالها) أي بإقبال الدولة (ويذهب بذهابها) فإذا انتقلت الدولة عن أحد، لم تنفعه آراؤه، ولعل هذا كناية عن تقارن الحظوظ في الآراء والحظوظ في الخارج.

2) (العفاف زينة الفقر) فإذا كان الفقير عفيفا متوسطا في إنفاذ مطالب جسده، كان ذا جمال عند الناس (والشكر زينة الغنى) فالغني إذا كان شاكرا، لسانا وقلبا وعملا كان ذا جمال في المجتمع.

3) (الأقاويل) أي الأقوال (محفوظة) عند اللّه سبحانه (والسرائر) جمع سريرة، بمعنى الضمائر (مبلوة) أي مختبرة فيبلوها اللّه سبحانه ليظهر خيرها من شرها.

4) سورة المدثر الآية: 38.

5) (وكل نفس بما كسبت رهينة) أي مرهونة بأعمالها، فإنَّ عملت خيرا نجت وإن عملت شرا هلكت (والناس منقوصون) لأنه يؤخذ من أبدانهم وعقولهم لدى الكبر، أو المراد نقص المجموع بالموت لبعضهم (مدخولون) أي مصابون بالدخل وهو مرض العقل والقلب بالرذائل.

6) (سائلهم متعنت) أي يسأل عنتا وجدالا، لا تفهما وتعلّما (ومجيبهم متكلف) يتكلف الجواب بدون أن يكون له علم (يكاد أفضلهم رأيا) أي أفضل الناس رأيا (يرده عن فضل رأيه الرضا والسخط) فإذا رضي عن أحد حكم له بغير حق، وإذا سخط على أحد حكم عليه بغير حق (ويكاد أصلبهم عوداً) أقومهم نفساً، تشبيهاً بالشجرة الصلبة العود (تنكؤه اللحظة) أي تسيل جرحه - من نكأه إذا أسال دمه - واللحظة، أي نظرة منه إلى المشتهيات والمراد بـ (تنكؤه) توجب خدشة دينه (وتستحيله الكلمة الواحدة) أي تحوله عما هو عليه من الدين كلمة واحدة تقال له، أو عليه، فينحو نحو الباطل.

344 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَعَاشِرَ النَّاسِ اتَّقُوا اللّه، فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ مَا لَا يَبْلُغُهُ، - وَبَانِ مَا لَا يَسْكُنُهُ، وَجَامِعٍ مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ، وَلَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ، وَمِنْ حَقٌّ مَنَعَهُ، أَصَابَهُ حَرَاماً، وَاحْتَمَلَ بِهِ أَثَاماً، فَبَاءَ بِوِزْرِهِ، وَقَدِمَ عَلَى رَبِّهِ، آسِفاً لافاً، قَدْ (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، ذلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (1)، (2).

345 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مِنَ الْعِصْمَةِ تَعَذُّرُ الْمَعَاصِي (3).

346 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يَقْطُرُهُ السُّوَالُ، فانظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُه (4).

347 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الثَّنَاءُ بِأَكْثَرَ مِنَ الاسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ، وَالتَّقْصِيرُ عَنِ الاِسْتِحْقَاقِ عِيٌّ أَوْ حَسَدٌ (5).

348 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَهَانَ بِهِ صَاحِبُهُ.

349 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبٍ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ، وَمَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اللّه لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ، وَمَنْ كَابَدَ الْأُمُورَ عَطِبَ، وَمَنِ اقْتَحَمَ اللُّجَجَ غَرِقَ، وَمَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ


1) سورة الحج، الآية: 11.

2) (أصابه حراما) أي نال ذلك المال من الحرام (واحتمل به آثاما) أي ننوبا ومعاصي (فباء بوزره) أي رجع إلى الآخرة أي مع ذنب ذلك المال المحرم (وقدم على ربه آسفا لاهفاً) يأسف لما فات يلهف ويحزن على ما مضى من الدنيا بدون أن يقدم فيه عملا صالحا (قد خسر الدنيا) حيث فنت (والآخرة) حيث لم يعمل لها (المبين) أي الواضح.

3) (من العصمة تعذر المعاصي)، لأن الإنسان إذا تعذرت عليه المعصية يعتصم، ولا يرتكب فيبقى سالما.

4) (ماء وجهك (جامد) المراد بماء الوجه عزّ الإنسان وشرفه وجاهه عند الناس (يقطره السؤال) أي يوجب نزوله، وذهاب عزّك (فانظر عند من تقطره) هل عند إنسان لا يقدرك، أم عند من يحترمك ؟.

5) (الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق) أي إذا مدحت أحد بأكثر من استحقاقه، فقد تملقته (والتقصير عن الاستحقاق) بأن مدحت دون الاستحقاق (عي) أي عجز (أو حسد) لمقام الممدوح، فلا تريد أن تمدحه حسدا.

تُهِمَ (1). وَمَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ فَلَ وَرَعُهُ (2)، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ. وَمَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ، فَأَنْكَرَهَا، ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ، فَذلِكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ. وَالْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ. وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ (3).

350 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): للظَّالِمِ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ : يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَمَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ، وَيُظَاهِرُ الْقَوْمَ الظَّلَمَة (4).

351 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): عِنْدَ تَنَاهِي الشِّدَّةِ تَكُونُ الْفَرْجَةُ، وَعِنْدَ تَضَايُقِ حَلَقُ الْبَلَاءِ يَكُونُ الرَّخَاءُ (5).

352 - وقال البعض أصحابه : لَا تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغُلِكَ بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ : فإِنْ يَكُنْ أَهْلُكَ وَوَلَدُكَ أَوْلِياءَ اللّه، فإنَّ اللّه لَا يُضِيعُ أَوْلِياءَهُ، وَإِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اللّه فَمَا هَمُّكَ وَشُغُلُكَ بِأَعْدَاءِ اللّه؟!


1) (ومن كابد الأمور) أي قاس الأمور بدون إعداد أسبابها (عطب) أي هلك (ومن اقتحم اللجج) أي دخل في لجج جمع لجة وسط البحر (غرق) ولم ينج لأنه إلقاء للنفس في المهلكة (ومن دخل مداخل السوء) أي في محلات السوء (اتّهم) أي اتهمه الناس بأنّه من أهل السوء.

2) (ومن كثر كلامه كثر خطؤه) فمن الأحسن أن يقل الإنسان الكلام تحفظا على نفسه من الخطأ (ومن كثر خطوه قل حياؤه) إذ الحياء يذهب بتكرر الخطأ فلا يخجل من الناس إذا أخطأ (ومن قل حياؤه قلّ ورعه) إذ الحياء يوجب الخجل منه سبحانه فلا يعصي المستحي.

3) (ومن قلّ ورعه مات قلبه) فإنَّ حياة القلب كونه بحيث يؤثر الآثار النافعة، والذي لم يستح من اللّه لا يكون هكذا (ومن مات قلبه دخل النار) لعدم إتيانه بالأعمال الصالحة (ومن علم أنّ كلامه من عمله قل كلامه إلّا فيما يعنيه) أي يقصده ويريده، ولا يهذر بالكلام، لأنه يعلم أن الكلام محسوب عليه إن تكلم شراً عوقب به.

4) (يظلم من فوقه) ممّن تجب إطاعته (بالمعصية) فلا يطيع أوامره ونواهيه (ومن دونه بالغلبة) أي يقهره ويتسلّط عليه بلا حق (ويظاهر القوم الظلمة) جمع ظالم، أي يكون ظهيرا لهم في الظلم.

5) (عند تناهي الشدة) أي وصول الشدّة إلى نهايتها (تكون الفرجة) أي الفرج (وعند تضايق حلق البلاء) كأن البلاء حلقة تحيط بالإنسان.

353 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَكْبَرُ الْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ.

354 - وهنأ بحضرته رجل رجلا بغلام ولد له فقال له : لِيَهْنِكَ الْفَارِسُ ؛ فَقَال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا تَقُلْ ذلِكَ، وَلَكِنْ قُلْ شَكَرْتَ الْوَاهِبَ، وَبُورِكَ لَكَ فِي الْمَوْهُوبِ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ، وَرُزِقْتَ بِرَّهُ (1).

355 - وبنى رجل من عماله بناء فخماً، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَطْلَعَتِ الْوَرِقُ رُؤُوسَهَا ! إِنَّ الْبِنَاءَ يَصِفُ لَكَ الْغِنَى (2).

356 - وقيل له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لو سُدَّ على رجل باب بيته وتُركَ فيه من أين كان يأتيه رزقه ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): مِنْ حَيْثُ يَأْتِيهِ أَجَلُهُ.

357 - وعزى قوماً عن ميت مات لهم فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَيْسَ بِكُمْ بَدَأَ، وَلَا إِلَيْكُمُ انْتَهَى، وَقَدْ كَانَ صَاحِبُكُمْ هَذَا يُسَافِرُ، فَعُدُّوهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فإِنْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ وَإِلَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ.

358 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَيُّهَا النَّاسُ، لِيَرَكُمُ اللّه مِنَ النّعْمَةِ وَجِلِينَ، كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النّقْمَةِ فَرِقِينَ (3)! إِنَّهُ مَنْ وُسْعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذلِكَ اسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً (4)، وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذلِكَ اخْتِباراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولاً (5).

359 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): يَا أَسْرَى الرَّغْبَةِ أَقْصِرُوا، فإنَّ الْمُعَرِّجَ عَلَى الدُّنْيا لَا


1) (ليهنئك الفارس) أي يكون هنيئا لك هذا الولد الفارس، تفاؤلا بان يكون شجاعا (ولكن قل: شكرت الواهب) إخبار بمعنى الإنشاء أي أشكر الواهب تعالى الذي وهب لك هذا الغلام (وبورك لك في الموهوب) أي ليكن الولد مباركا، أي مستمرا في الخير (وبلغ أشده) أي كماله، دعاء على بقائه حتى يكمل (ورزقت بره) وإحسانه إليك.

2) (أطلعت الورق رؤوسها) الورق الفضة أي الفضة الموجودة عندك أظهرت رؤوسها، كناية عن ظهورها بسبب هذا البناء الذي بنيت (إن البناء يصف لك المغني) إذ لولا غناك لم تقدر على البناء.

3) (ليركم اللّه من النعمة وجلين) أي اللازم أن يراكم سبحانه خائفين من النعمة، من جهة احتمال أن تكون النعمة استدراجا (كما يراكم من النقمة) أي البلية (فرقين) أي خائفين فزعين.

4) (إنه من وسّع عليه في ذات يده) من نعم اللّه سبحانه (فلم ير ذلك استدراجا) أي لم يحتمل أن يكون إعطاؤه تعالى لأخذه درجة درجة إلى العذاب (فقد أمن مخوفا) أي ما يجب الخوف منه.

5) (ومن ضيق عليه في ذات يده) أي النعمة التي أنعمها اللّه عليه (فلم ير ذلك اختبارا) امتحانا موجباً للثواب (فقد ضيع مأمولا) أي ضيع الثواب الذي هو مأمول في مثل تلك الحالة.

يَرُوعُهُ مِنْهَا إِلَّا صَرِيفُ أَنْبَابِ الْحِدْثَانِ (1)أَيُّهَا النَّاسُ، تَوَلَّوْا مِنْ أَنْفُسِكُمْ تَأْدِيبَهَا، وَاعْدِلُوا بِهَا عَنْ ضَرَاوَةِ عَادَاتِهَا (2).

360 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَا تَظُنُّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءاً، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مُحْتَمَلاً.

361 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِذَا كَانَتْ لكَ إِلَى اللّه سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ فَابْدَأَ بِمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ، (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ثُمَّ سَل حَاجَتَكَ؛ فإنَّ اللّه أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ، فَيَقْضِي إِحْدَاهُما وَيَمْنَعَ الْأُخْرَى.

362 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعِ الْمِرَاءَ (3).

363 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مِنَ الْخُرْقِ الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الْإمْكَانِ والأَنَاةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ (4).

364 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَا تَسْأَلْ عَمَّا لَا يَكُونُ، فَفِي الَّذِي قَدْ كَانَ لَكَ شُغُلٌ.

365 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْفِكْرُ مِرْأَةٌ صَافِيَةٌ، وَالاِعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ (5). وَكَفَى أدباً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيرِكَ (6).


1) (يا أسرى الرغبة) جمع أسير، أي أيها الأسراء في أيدي رغباتكم، ترغبون كل يوم شيئا (أقصروا) أي كفوا عن رغباتكم (فإن المعرج على الدنيا) أي المعوّل على الدنيا (لا يروعه منها) أي لا يفزعه من الدنيا (إلا صريف أنياب الحدثان) الصريف صوت الأسنان عند الاصطكاك أي اصطكاك أنياب النوائب، فإنَّها هي التي تروعه وتفزعه، والمعنى لا تكونوا هكذا بل خافوا عواقب الدنيا، قبل أن تنزل بكم الأحداث.

2) (تولوا من أنفسكم تأديبها) أي أدبوها أنتم بأنفسكم (واعدلوا بها) أي اصرفوا أنفسكم (عن ضراوة) أي إضرار (عاداتها) حتى لا تحتاجوا إلى مؤتب وصارف غيركم، وإلا أتبكم الزمان وصرفكم الموت حيث لا يفيد.

3) (من ضن) أي بخل (بعرضه) وهو ما يهم الإنسان من نفسه وأهله وما أشبه (فليدع المراء) أي يترك الجدال إذا كان الجدال يوجب غضب الطرف الآخر، فينال عرض الإنسان، في حضوره أو في غيبته.

4) (من الخرق) أي الحمق، ضدّ الرفق (المعاجلة قبل الإمكان) أي أن يتعجل الإنسان بالشيء قبل أن يتمكن منه (والأناة) أي التأنّي (بعد الفرصة) بأن يتمكن فلا يعمل ويتأني.

5) (الفكر) في الأمور (مراة صافية) عن الكدورات فإنَّه يري الإنسان وجه الصواب (والاعتبار) أي الاتعاظ بما جرى على السابقين (منذر) للإنسان عما لا ينبغي فعله (ناصح) أي ينصح الإنسان ولا يغشه ولا يكذبه.

6) (وكفى أدباً لنفسك) إن أردت التأدّب (تجنّبك ما كرهته لغيرك) فما رأيته في غيرك قبيحاً، اجتنبه، فإنَّه أحسن كيفية لتأديب النفس.

366 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْعِلْمُ مَقْرُونَ بِالْعَمَلِ : فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ (1)؛ وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ (2).

367 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَتَاعُ الدُّنْيا حُطَامٌ مُوبِى فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاهُ (3)! قَلْعَتُهَا أَحْظَى مِنْ طُمَأْنِيتَتِهَا، وَبُلْغَتُهَا أَزْكَى مِنْ ثَرْوَتِهَا (4). حُكِمَ فِي مُكْثِي بِالْفَاقَةِ، وَأُعِينَ عَلَى مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالرَّاحَةِ (5). وَمَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهَا، وَمَنِ اسْتَشْعَرَ الشَّغَفَ بِهَا (6)مَلَأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَاناً، لَهُنَّ رَقْصُ عَلَى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ هَمَّ يَشْغَلُهُ، وَهَمَّ يَحْزُنُهُ (7)، كَذلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ بِعَظَمِهِ فَيُلْقَى بِالْفَضَاءِ، مُنْقَطِعاً أَبْهَرَاهُ، هَيْناً عَلَى اللّه فَنَاؤُهُ، وَعَلَى الْإِخْوَانِ الْقَاؤُهُ (8). وَإِنَّمَا


1) (العلم مقرون بالعمل) أي أنّهما أمران مقترنان (فمن علم عمل) إذ لو لم يعمل ظهر أنّه لم يعلم حق العلم وإنما عرف شيئاً سطحياً.

2) (والعلم يهتف بالعمل) أي يناديه أن يجيء (فإن أجابه) العمل بقي (وإلا ارتحل عنه) العلم، أي ذهب عن الذي لم يعمل، كالعالم بوجود الأسد خلفه، فإنَّه لا بد وأن يفر، فإن لم يفر دلّ على أنه لا يعلم.

3) (يا أيها الناس متاع الدنيا) أي ما يتمتع الإنسان به في الدنيا (حطام) هو ما يتكسر من النبات اليابس، أي أن قيمة متاع الدنيا قيمة الحطام (موبي) أي ذو وباء مهلك (فتجنبوا مرعاه) أي اجتنبوا محل رعي هذا النبات.

4) (قلعتها) القلعة عدم سكونك للتوطن، أي عدم سكونك إلى الدنيا (أحظى) أي أسعد (من طمأنينتها) أي الاطمئنان إليها (وبلغتها) أي مقدار ما يتبلغ به الإنسان من القوت (أزكى) وأحسن (من ثروتها) الكثيرة.

5) (حكم) في القدر الإلهي (في مكثي) من الدنيا (بالفاقة) والفقر. (وأعين على من غني عنها بالراحة) أي أن الغني عن الدنيا في راحة تامة، فقد أعانه اللّه بالراحة وعدم التعب.

6) (ومن راقه) أي أعجبه (زبرجها) أي زينة الدنيا (أعقبت) الدنيا (ناظريه كمها) الكمه: العمى، أي أعمت الدنيا عينه عن الحق (ومن استشعر الشغف بها) أي من ولع في قلبه الحب للدنيا.

7) (ملأت ضميره) باطنه (أشجانا) أي أحزانا، بخلاف من لا يريدها فإنه خال من الهموم. (لهن رقص) أي وثوب (على سويداء قلبه) أي حبه القلب (هم يشغله) لنيل بعض الأماني (وهم يحزنه) لفوات بعض الأماني.

8) (حتى يؤخذ بكظمه) أي مخرج نفسه. كناية عن خنق الموت له (فيلقى بالفضاء) أي تطرح روحه في فضاء العدم (منقطعا أبهراه) الأبهر وريد العنق، والأبهران الوريدان وانقطاعهما كناية عن الهلاك (هينا على اللّه فناؤه) إذ لا يهدم به ركن من أركان الدين (وعلى الأخوان القاؤه) أي طرحه في قبره، لعدم أهمية له عندهم.

يَنظُرُ الْمُؤمِنُ إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الْاِعْتِبَارِ، وَيَقْتَاتُ مِنْهَا بِبَطْنِ الاضْطِرَارِ، وَيَسْمَعُ فِيها بِأُذُنِ الْمَقْتِ وَالْإِبْغَاضِ (1)، إِنْ قِيلَ أَثْرَى قِيلَ أَكْدَى، وَإِنْ فُرِحَ لَهُ بِالْبَقَاءِ حُزِنَ لَهُ بِالْفَنَاءِ! هَذَا وَلَمْ يَأْتِهِمْ (يَوْمٌ فِيهِ يُبْلِسُونَ) (2).

368 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ وَضَعَ الثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالْعِقَابَ

عَلَى مَعْصِيَتِهِ، ذِيَادَةٌ لِعِبَادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ، وَحِيَاشَةٌ لَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ (3).

369 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا السلام رَسْمُهُ، وَلَا مِنَ الْإِسْلَام إِلَّا اسْمُهُ، مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ، خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى (4)، سُكَانُهَا وَعُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ الْأَرْضِ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ، وَإِلَيْهِمْ تَأْوِي الْخَطِيئَةُ، يَرُدُّونَ مَنْ شَذَّ عَنْهَا فِيهَا، وَيَسُوقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا. يَقُولُ اللّه سُبْحَانَهُ : [فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُوْلَئِكَ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ] (5)، وَقَدْ فَعَلَ، وَنَحْنُ نَسْتَقِيلُ اللّه عَشْرَةَ الْغَفْلَةِ (6).

370 - وروی أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قلما اعتدل به المنبر إلا قال أمام الخطبة : أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللّه، فَمَا خُلِقَ امْرُؤٌ عَبَثاً فَيَلْهُوَ، وَلَا تُرِكَ سُدًى فَيَلْغُو! وَمَا دُنْيَاهُ


1) (بعين الاعتبار) ليعتبر بها فيهيئ نفسه للآخرة (ويقتات منها) أي يأكل قوته من الدنيا (ببطن الاضطرار) أي كما يأكل المضطر، بقدر الضرورة، لا بقدر الشبع (ويسمع فيها بأذن المقت) أي الغضب لأن من يغضب على شيء يمقت حتى الاستماع إليه (والإبغاض) لها.

2) (إن قيل أثرى) فلان، أي صار له ثروة، لم يمر زمان حتى (قيل أكدى) أي افتقر، وهذا وصف لحال الدنيا وتقلبها (وإن فرح له) أي فرح الناس له (بالبقاء) حين كان حيا (حزن له بالفناء) والموت بعد مدة (هذا) حال الإنسان في الدنيا (ولم يأتهم) بعد (يوم فيه يبلسون) أي يتحيرون، وهو يوم القيامة.

3) (زيادة) لعباده أي منعا لهم عن المعاصي، من زاده بمعنى طرده (وحياشة لهم إلى جنته) من حاش الصيد، إذا جاءه من حواليه ليسوقه إلى الحبالة أي سوقا لهم إلى جنته.

4) (إلا رسمه) أي خطه، إذ لا يعملون به مساجدهم يومئذ أي في ذلك الزمان (خراب من الهدى) إذ الهداية فيها قليلة، وهذا ليس ذما للعمارة وإنما للخراب.

5) من حديث قدسي.

6) (من شذ) ابتعد (فبي) أي بنفسي (ونحن نستقيل اللّه) أي نطلب منه سبحانه أن يعفو عنا (عثرة الغفلة أي السقوط في الغفلة.

الَّتِي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ مِنَ الْآخِرَةِ الَّتِي قَبَّحَهَا سُوْءُ النَّظَرِ عِنْدَهُ (1)، وَمَا الْمَغْرُورُ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الدُّنْيَا بِأَعْلَى هِمَّتِهِ، كَالْآخَرِ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الْآخِرَةِ بِأَدْنَى سُهُمَتِهِ (2).

371 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَا شَرَفَ أَعْلَى مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلَا عِزَّ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوَى، وَلَا مَعْقِلَ أَحْسَنُ مِنَ الْوَرَعِ، وَلَا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَا كَنْزَ أَغْنَى مِنَ الْقَنَاعَةِ، وَلَا مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ الرِّضَى بِالْقُوتِ(3). وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ فَقَدِ انْتَظَمَ الرَّاحَةَ، وَتَبَوَّاً خَفْضَ الدَّعَةِ وَالرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ النَّصَبِ، وَمَطِيَّةُ التَّعَبِ (4)، وَالْحِرْصُ وَالْكِبْرُ وَالْحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى التَّقَحُمِ فِي الذُّنُوبِ، وَالشَّرُّ جَامِعُ مَسَاوِئِ الْعُيُوبِ (5).

372 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجابر بن عبد اللّه الأنصاري : يَا جَابِرُ، قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ : عَالِمِ مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ، وَجَاهِلٍ لَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَجَوَادٍ لَا يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ (6)، وَفَقِيرٍ لَا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ، فَإِذَا ضَيَّعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ


1) (قلما اعتدل به المنبر) أي اعتدل على المنبر (سدى) أي بلا أمر ونهي ورقابة (فيلغو) أي يأتي باللغو (وما دنياه التي تحسنت له) أي تزينت (بخلف) وعرض (من الآخرة التي قبحها) أي قبح الآخرة (سوء النظر عنده) فإنَّ سوء نظر الإنسان إلى الآخرة وعدم اعتباره بها، قبح الآخرة في نظر الإنسان، ولذا لا يريد الموت ويفر من الآخرة.

2) (وما المغرور الذي ظفر من الدنيا بأعلى همته) بأن وصل إلى ما يريد من نعيم الدنيا ولذائذها (كالآخر الذي ظفر من الآخرة بأدنى سهمته) السهمة النصيب، فإنَّ أقل قليل من الآخرة خير من أكثر كثير من الدنيا.

3) (ولا معقل) أي لا ملجأ للإنسان يؤمنه من المخاوف (ولا شفيع أنجح من التوبة) إذ التوبة ناجحة قطعا، وسائر الشفعاء محتملو النجاح (من الرضا بالقوت) فمن رضي بقوته لم يكن فقيراً.

4) (بلغة الكفاف) أي على الكفاف الذي يبلغه مقدار حاجته من العيش (انتظم الراحة) أي ظفر بالراحة (وتبوأ) أي اتخذ المحل في (خفض الدعة) أي راحة سعة العيش. (النصب) أي التعب (ومطية التعب) كأن التعب يركب على الرغبة ويأتي إلى الإنسان الراغب.

5) (إلى التقحم) الدخول (والشر جامع مساوىء العيوب) فإنَّ الإنسان ذا الشر يفعل كل معصية من الإيذاء والظلم والقطيعة والعقوق والقتل وما أشبه.

6) (عالم مستعمل علمه) بأن يعلم ثم يعمل (وجاهل لا يستنكف) أي لا يتكبر (لا يبخل بمعروفه) بأن يعين الناس وينفق في القربات.

الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَإِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ. يَا جَابِرُ، مَنْ كَثُرَتْ نِعَمُ اللّه عَلَيْهِ كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَمَنْ قَامَ للّه فِيهَا بِمَا يَجِبُ فِيهَا (1)عَرَّضَهَا لِلدَّوَامِ وَالْبَقَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَقُمْ فِيهَا بِمَا يَجِبُ عَرَّضَهَا للزَّوَالِ وَالْفَنَاءِ.

373 - وروى ابن جرير الطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه - وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الأشعث - أنه قال فيما كان يحض به الناس على الجهاد: إني سمعت علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول يوم لقينا أهل الشام : أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّهُ مَنْ رَأَى عُدْوَاناً يُعْمَلُ بِهِ وَمُنْكَراً يُدْعَى إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَبَرِئَ ؛ وَمَنَ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أَجِرَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ؛ وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللّه هِيَ الْعُلْيَا وكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ هِيَ السُّفْلَى، فَذلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبِيلَ الْهُدَى، وَقَامَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَنَوَّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ.

374 - وفي كلام آخر له يجري هذا المجرى : فَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ لِلْمُنْكَرِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، فَذلِكَ الْمُسْتَكْمِلُ لِخِصَالِ الْخَيْرِ ؛ وَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَالتَّارِكُ بِيَدِهِ، فَذلِكَ مُتَمَسْكَ بِخَصْلَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ وَمُضَيِّعٌ خَصْلَةٌ ؛ وَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، وَالتَّارِكُ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَذلِكَ الَّذِي ضَيَّعَ أَشْرَفَ الْخَصْلَتَيْنِ مِنَ الثَّلَاثِ، وَتَمَسَّكَ بِوَاحِدَةٍ وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَيَدِهِ، فَذلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ. وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلِّهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبيل اللّه، عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرِ لُجِّي (2). وَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يُنْقِصَانِ مِنْ رِزْقٍ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ.


1) (فمن قام اللّه فيها) أي في النعم (بما يجب فيها) من إعطاء حقوق اللّه، وقضاء حوائج الناس.

2) (إلّا كنفثة) ما يمازج النفس من ذرات الريق (في بحر لجي) أي كثير المياه متلاطمه، وذلك لأن هي بهذين يبقى الدين مستمراً.

375 - وعن أبي جحيفة قال : سمعت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : أَوَّلُ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ (1)، الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ، ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ، ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِف بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً، وَلَمْ يُنْكِرُ مُنْكَراً، قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَأَسْفَلُهُ أَعْلَاهُ.

376 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِنَّ الْحَقِّ ثَقِيلٌ مَرِيءٌ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِي (2).

377 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَا تَأْمَنَنَّ عَلَى خَيْرٍ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَذَابَ اللّه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : (فَلَا يَأْمَنُ مَكَرَ اللّه إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (3)وَلَا تَيْأَسَنَّ لِشَرِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ رَوْحِ اللّه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّه إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (4).

378 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْبُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِي الْعُيُوبِ، وَهُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ (5).

379 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الرِّزْقُ رِزْقَانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ. فَلَا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَوْمِكَ! كَفَاكَ كُلُّ يَوْمِ عَلَى مَا فِيهِ؛ فَإِنْ تَكُن السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فإنَّ اللّه تَعَالَى سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالْهَمِّ لَمَا لَيْسَ لَكَ؟ وَلَنْ يَسْبِقَكَ إِلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ، وَلَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ، وَلَنْ يُبْطِئَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدِّرَ لَكَ.

قال الرضي: وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم من هذا الباب إلّا أنه ههنا أوضح، وأشرح، فلذلك كررناه على القاعدة المقررة في أول الكتاب.


1) (أول ما تغلبون عليه من الجهاد) فلا تتمكنون من الإتيان به لغلبة الظالمين عليكم.

2) (إن الحق ثقيل مريء) أي حميد العاقبة هنيء آخره (وإن الباطل خفيف وبيء) أي وخيم العاقبة من الوباء وهو المرض.

3) سورة الأعراف الآية 99.

4) سورة يوسف، الآية: 87.

5) (البخل جامع لمساوىء العيوب) لأنه يوجب المنع عن الزكاة والخمس والصدقة والإيثار والمساواة وما أشبه (وهو زمام يقاد به إلى كل سوء) فيقطع الإنسان رحمه - ويعق أبويه، ويهمل عياله ويترك الفقير يموت جوعاً، إلى غير ذلك من المساوئ.

380 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): رُبَّ مُسْتَقْبِل يَوْماً لَيْسَ بِمُسْتَدْبِرِهِ وَمَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ، قَامَتْ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِهِ(1).

381 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْكَلَامُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ؛ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ، فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْرُنُ ذَهَبَكَ وَوَرِقَكَ، فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً وَجَلَبَتْ نِقْمَةٌ (2).

382 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ، بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ، فإنَّ اللّه فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (3).

383 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): احْذَرْ أَنْ يَرَاكَ اللّه عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ، وَيَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ، فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَإِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اللّه، وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُف عَنْ مَعْصِيَةِ اللّه.

384 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الرُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا مَعَ مَا تُعَايِنُ مِنْهَا جَهْلُ، وَالتَّقْصِيرُ فِي حُسْنِ الْعَمَلِ إِذَا وَثِقْتَ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ غَبْنٌ، وَالطَّمَأْنِينَةُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبْلَ الاخْتِبَارِ عَجْز (4).


1) (رب مستقبل يوماً ليس بمستدبره) إذ ينتهي عمره في ذلك اليوم فهو يستقبل ذلك اليوم، ولا يخرج منه، حتى يكون مستدبراً له، بل يموت في أثنائه (ومغبوط أول ليله) يغبطه الناس على مقامه وماله (قامت بواكيه) جمع باكية أي النساء اللاتي يبكين لموته (في آخره) لأنه مات في وسط الليل.

2) (الكلام في وثاقك) أي مشدود بحبلك وإنك مالك له تتمكن من إطلاقه وعدم إطلاقه (ما لم تتكلّم) ولم يخرج من لسانك (فإذا تكلمت به صرت في وثاقه) لأنك ملزوم به معاقب عليه إن كان شراً (فاخزن لسانك) أي احفظ (كما تخزن ذهبك وورقك) الورق: الفضة (فرب كلمة) قالها الشخص (سلبت نعمة وجلبت نقمة) أي بلية ومصيبة.

3) (فرض على جوارحك) جمع جارحة، بمعنى العضو (فرائض يحتج بها عليك يوم القيامة) فإنَّ تكلمت بما هو محرم، كالغيبة الصادقة، والتنقيص الصادق، وما أشبه كان كلامك وبالاً عليك وموجباً لعقوبتك في الآخرة.

4) (الركون) أي الاعتماد (غبن) خسارة (والطمأنينة) أي الاطمئنان والوثوق (إلى كل أحد قبل الاختبار) والامتحان له (عجز) إذ ذلك يكشف عن أن الإنسان عاجز عن الاختبار والامتحان.

385 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللّه أَنَّهُ لَا يُعْصَى إِلَّا فِيهَا، وَلَا ينَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِتَرْكِهَا.

386 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ طَلَبَ شَيْئاً نَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ (1).

387 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ، وَمَا شَرٌّ بِشَرِّ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ، وَكُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ فَهُوَ مَحْقُورٌ، وَكُلُّ بَلَاءٍ دُوْنَ النَّارِ عَافِيَةٌ.

388 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَلَا وَإِنَّ مِنَ الْبَلَاءِ الْفَاقَةَ، وَأَشَدُّ مِّنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ الْبَدَنِ، وَأَشَدُّ مِنْ مَرَضِ الْبَدَنِ مَرَضُ الْقَلْبِ. أَلَا وَإِنَّ مِنَ النِّعَمِ سَعَةَ الْمَالِ، وَأَفْضَلُ مِنْ سَعَةِ الْمَالِ صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَأَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ الْبَدَن تَقْوَى الْقَلْب (2).

389 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ. وفي رواية أخرى: مَنْ فَاتَهُ حَسَبُ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعُهُ حَسَبُ آبَائِهِ (3).

390 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثُ سَاعَاتِ : فَسَاعَةٌ يُنَاجِي بِهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمُّ مَعَاشَهُ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ. وَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلا فِي ثَلَاثٍ : مَرَمَّةٍ لِمَعَاشِ، أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ (4).

391 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِزْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُبَصِّرْكَ اللّه عَوْرَاتِهَا، وَلَا تَغْفُلْ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنْكَ!


1) (من طلب شيئاً ناله) تماماً (أو) نال (بعضه) وهذا غالبي، لا دائمي، كما لا يخفى.

2) (ألا وإنّ من البلاء الفاقة) أي الفقر (وأشدّ من الفاقة) بلاءً (مرض القلب) بالرذائل كالحسد والغل والرياء وما أشبه.

3) (من أبطأ به عمله) بأن لم يقدمه عمله إلى صفوف السابقين (لم يسرع به نسبه) إذ النسب الرفيع لا يجعل الإنسان في رعيل الأشراف والصالحين، في رواية أخرى: (من فاته حسب نفسه) الحسب ما يحصله الإنسان من الكمالات (لم ينفعه حسب آبائه) في ترفيعه وتشريفه.

4) (وساعة يرم) أي يصلح (معاشه) وقوته للدنيا (وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل) كالنزهة والمقاربة والاجتماع مع الأصدقاء وما أشبه (شاخصاً) أي مسافراً (أو خطوة في معاد) أي يخطو لأجل تحصيل المعارف والعلوم الموجب لإصلاح آخرته.

392 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا، فإنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ (1).

393 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): خُذْ مِنَ الدُّنْيا مَا أَتَاكَ، وَتَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ؛ فإنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَب (2)

394 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): رُبَّ قَوْلِ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ (3).

395 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): كُلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كَافٍ (4).

396 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْمَنِيَّةُ وَلَا الدَّنِيَّةُ، وَالتَّقَلُّلُ وَلَا التَّوَسُلُ. وَمَنْ لَمْ يُعْط قَاعِداً لَمْ يُعْطَ قَائِماً، وَالدَّهْرُ يَوْمَانِ : يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ ؛ فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرُ (5).

397 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): نِعْمَ الطيبُ الْمِسْكُ، خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ، عَطِرٌ رِيحُهُ.

398 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): ضَعْ فَخرَكَ، وَاحْطط كِبْرَكَ، وَاذْكُرْ قَبْرَكَ (6).

399 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِنَّ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ حَقًّاً، وَإِنَّ لِلْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ حَقّاً. فَحَقُّ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا فِي مَعْصِيَةِ اللّه سُبْحَانَهُ، وَحَقُّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ أَنْ يُحَسِّنَ اسْمَهُ، وَيُحَسِّنَ أَدَبَهُ، وَيُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ.

400 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْعَيْنُ حَقٌّ، وَالرُّقَى حَقٌّ، وَالسِّحْرُ حَقٌّ (7)، وَالْفَأَلُ لي


1) (تكلموا تعرفوا) أي يعرف النّاس مقاديركم بالكلام (فإن المرء مخبوء) أي مستور (تحت لسانه) فإذا تكلّم عرف.

2) (فأجمل في الطلب) أي ليكن طلبك طلبا جميلاً، لا قبيحاً، كطلب الحريص، والطلب الذي يوجب العقاب، وما أشبه ذلك.

3) (ربّ قول أنفذ من صول) أي ربّ كلام يؤثر، أكثر من نفوذ السطوة.

4) (كل مقتصر عليه) أي كلما اقتصر الإنسان عليه وقنع به، فهو (كاف) يكفيه.

5) (ومن لم يعط قاعداً) بأن لم يقدر له الرزق وهو قاعد غير طالب (لم يعط قائماً) في حال الطلب، إذ المفروض أنه لم يقدر له (والدهر يومان يوم لك ويوم عليك) أي يوم لنفعك ويوم لضرك (فإذا كان لك فلا تبطر) أي لا تطغى ولا يخرجك المال والجاه وما أشبه عن الحق (وإذا كان عليك فاصبر) ولا تجزع، فإنَّ الصبر أجمل.

6) (ضع فخرك) فلا تفتخر (واحطط كبرك) فلا تتكبر.

7) (العين حق) فإنَّ الإنسان قد يصاب بالعين المشؤومة (والرقى حق) وهي الأدعية التي يعوذ بها الإنسان (والسحر حق) وهو ما يتصرف في المسحور، ومعنى حق أنه موجود في الخارج، وليس بوهم.

حَقٌّ، وَالطَّيَرَةُ لَيْسَتْ بِحَقِّ، وَالْعَدْوَى لَيْسَتْ بِحَقِّ (1)، وَالطَّيبُ نُشْرَةٌ، وَالْعَسَلُ نُشْرَةٌ، وَالرُّكُوبُ نُشْرَةٌ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ نُشْرَةٌ (2).

401 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مُقَارَبَةُ النَّاسِ فِي أَخْلَاقِهِمْ أَمْنٌ مِنْ غَوَائِلِهِمْ (3)

402 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض مخاطبيه، وقد تكلم بكلمة يستصغر مثله عن قول مثلها : لَقَدْ طِرْتَ شَكِيراً، وَهَدَرْتَ سَقْباً (4).

قال الرضي: والشكير ههنا : أول ما ينبت من ريش الطائر، قبل أن يقوى ويستحصف والسقب: الصغير من الإبل، ولا يهدر إلا بعد أن يستفحل

403 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ أَوْمَاً إِلَى مُتَفَاوِتٍ خَذَلَتْهُ الْحِيَل (5).

404 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد سئل عن معنى قولهم : (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه) قال : إِنَّا لَا نَمْلِكُ مَعَ اللّه شَيْئاً، وَلَا نَمْلِكُ إِلَّا مَا مَلَكَنَا ؛ فَمَتَى مَا مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا، وَمَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا.

405 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعمار بن ياسر ؛ وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاماً :


1) (والفال حق) وهو الانتقال من شيء إلى حادث حسن يكون في المستقبل (والطيرة ليست بحق) وهي الإنتقال من شيء إلى حادث سيّئ يكون في المستقبل.

2) (والعدوى ليست بحق) بأن يتعدى بعض النواقص كالعمى والعرج وما أشبه من إنسان إلى إنسان - كما كان يزعمه أهل الجاهلية - (والطيب) نشرة) أي يوجب انتشار الجسد (والعسل نشرة) أي شرب العسل يوجب انتشار البدن وسمنه (والركوب نشرة) أي ركوب الخيل وما أشبه (والنظر إلى الخضرة نشرة) موجبة لانتشار الجسد ونشاطه.

3) (مقاربة الناس في أخلاقهم) بأن لا يبتعد الإنسان عن عاداتهم وسلوكهم - ممّا ليس بمحرم - (أمن من غوائلهم) أي موجب لأن يأمن الإنسان من أذاهم ومكرهم، فإنَّ المقاربة توجب المودة والحب.

4) (لقد طرت شكيرا) أي وأنت فرخ غير قابل للطيران (وهدرت سقبا) الهدير صوت الإبل، والسقب صغير الإبل الذي لا يهدر. فكلامك أيها المتكلم كان أكبر منك، كما أن الطيران والهدير أكبر من ذينك الحيوانين.

5) (من أوماً إلى متفاوت) أي من طلب تحصيل الأشياء البعيدة، فإن الإيماء كناية عن الطلب والمتفاوت : المتباعد (خذلته الحيل) جمع حيلة أي لم يجد حيلة وطريقة للوصول إليها.

دَعْهُ يَا عَمَّارُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا قَادَمَ مِنَ الدُّنْيَا، وَعَلَى عَمْدٍ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ، لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاِذراً لِسَقَطَاتِهِ (1).

406 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَبَا لِمَا عِنْدَ اللّه! وَأَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ الْكَالاً عَلَى اللّه (2).

407 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا اسْتَوْدَعَ اللّه امْرَاً عَقْلاً إِلَّا اسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْماً (3).

408 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَعَهُ.

409 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْقَلْبُ مُصْحَفُ الْبَصَرِ (4).

410 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): التَّقَى رَئيسُ الْأَخْلَاقِ.

411 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَا تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ، وَبَلَاغَةَ قَوْلِكَ عَلَى مَنْ سَدَّدَكَ (5).

412 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): كَفَاكَ أَدباً لِنَفْسِكَ اجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ.

413 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ صَبَرَ صَبْرَ الْأَحْرَارِ، وَإِلَّا سَلَا سُلُقَ الْأَعْمَارِ (6).


1) (إلا ما قادم من الدنيا) أي سبب تقربه إلى الدنيا (وعلى عمد لبس على نفسه) أي أوقع نفسه في الشبهة عامداً (ليجعل الشبهات عاذرا) أي موجبة لعذره (السقطاته) أي زلاته.

2) (وأحسن منه تيه الفقراء) أي تكبرهم (على الأغنياء) بأن لا يتواضعوا لغناهم (اتكالا) اعتمادا (على اللّه) سبحانه في معيشتهم.

3) (ما استودع اللّه امرأ عقلا) أي ما جعل بعنوان الوديعة في شخص عقلا (إلا استنقذه به) أي أنقذ اللّه بسبب العقل، ذلك الشخص (يوما) يقع في مضطرب من الأمر لا يدري ماذا يصنع، فإن عقله كفيل بإرشاده سبيل الحق.

4) (القلب مصحف البصر) فإنَّ ما يراه البصر ينقش في القلب، فكأنّه كتاب له.

5) (لا تجعلنّ ذرب لسانك) أي حدته (على من أنطقك) أي لا تطل لسانك على من علمك النطق والمراد إما اللّه سبحانه أو الأبوان، أو المعلم (وبلاغة قولك على من سددك) أي لا تصرف بلاغتك في صد من أرشدك ودلك الطريق.

6) (من صبر صبر الأحرار) فإنَّ الإنسان الحر لا يقيّد بميول نفسه، ولذا يصبر عند البلية - والتقدير فهو – (وإلا سلا سلو الأغمار) جمع غمر، هو الجاهل الذي لم يجرب الأمور، ومعنى سلا، أنه لا بد له أن يسلو بطول المدة، كما يسلو الأغمار.

414 - وفي خبر آخر أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال للأشعث بن قيس معزياً : إِنْ صَبَرْتَ صَبْرَ الْأَكَارِمِ، وَإِلَّا سَلَوْتَ سُلُوَّ الْبَهَائِم (1).

415 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفة الدنيا : تَغُرُ وَتَضُرُّ وَتَمُرُّ، إِنَّ اللّه تَعَالَى لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً لِأَوْلِيَائِهِ، وَلَا عِقَاباً لِأَعْدَائِهِ، وَإِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ بَيْنَا هُمْ حَلُوا إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا (2).

416 - وقال لابنه الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): لَا تُخَلَّفَنَّ وَرَاءَكَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، فإِنَّكَ تُخَلَّفُهُ لِأَحَدٍ رَجُلَيْنِ : إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللّه فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ، وَإِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللّه فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ، فَكُنْتَ عَوْناً لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَلَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ حَقِيقاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ.

قال الرضي: ويروى هذا الكلام على وجه آخر وهو :

أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ الَّذِي فِي يَدِكَ مِنَ الدُّنْيَا قَدْ كَانَ لَهُ أَهْلُ قَبْلَكَ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلَى أَهْلِ بَعْدَكَ، وَإِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ : رَجُلٍ عَمِلَ فِيمَا جَمَعْتَهُ بِطَاعَةِ اللّه فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ؛ أَوْ رَجُلٍ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللّه، فَشَقِيتَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ وَلَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ أَهْلاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ، وَلَا أَنْ تَحْمِلَ لَهُ عَلَى ظَهْرِكَ (3)، فَارْجُ لِمَنْ مَضَى رَحْمَةَ اللّه، وَلِمَنْ بَقِيَ رِزْقَ اللّه.

417 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقائل قال بحضرته : (أَسْتَغْفِرُ اللّه): ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَتَدْرِي مَا الاِسْتِغْفَارُ؟ الاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِع عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ : أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى وَالثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً، وَالثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ


1) (سلوت سلو البهائم) إذ عند القضاء لا علاج سواء صبر الإنسان أم جزع، لكن الصبر من فعل الكريم، والجزع من فعل الدنيء.

2) (تغر) الإنسان وتخدعه (وتضر) بتفويت السعادة من يده (وتمر) أي تذهب (وإن أهل الدنيا كركب) جمع راكب، بمعنى المسافر (بينا هم حلو) نزلوا (إذ صاح بهم سائقهم) وهو الموت (فارتحلوا) وذهبوا.

3) (حقيقا أن تؤثره) ترجحه (على نفسك) بأن لا تصرف أنت، ويصرف هو (ولا أن تحمل له على ظهرك) لأن ما جمعه الإنسان هو المحاسب به، فكأنه حمل على ظهره، ما انتفع به غيره.

إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللّه أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ، وَالرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّي حَقَّهَا، وَالْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْم الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ، حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظْم، وَيَنْشَأُ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ، وَالسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمِ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقَتَهُ حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ، فَعِنْدَ ذلِكَ تَقُولُ: (أَسْتَغْفِرُ اللّه) (1).

418 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْحِلْمُ عَشِيرَة (2).

419 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مِسْكِينُ ابْنُ آدَمَ : مَكْتُومُ الْأَجَلِ، مَكْنُونُ الْعِلَلِ، مَحْفُوظ الْعَمَل. تُؤلِمُهُ الْبَقَةُ، وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ، وَتُنتنُهُ الْعَرْقَةُ (3).

420 - وروي أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان جالسا أنه كان جالسا في أصحابه، فمرت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنْ أَبْصَارَ هَذِهِ الْفُحُولِ طَوَامِحُ ؛ وَإِنَّ ذلِكَ سَبَبُ هَبَابِهَا، فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى امْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلَا مِسْ أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ كَامْرَأَتِهِ.

فقال رجل من الخوارج : [قاتله اللّه كافرا ما أفقهه] فوثب القوم ليقتلوه، فقال : رُوَيْداً إِنَّمَا هُوَ سَبِّ بِسَبٌ، أَوْ عَفْرٌ عَنْ ذَنْبٍ (4)!


1) (ثكلتك أمك) هذا دعاء على الشخص بالموت حتى تجلس أمه في عزائه (أملس) مجردا من الحقوق (ليس عليك تبعة) لأحد، والتبعة ما يتبع الإنسان من الحقوق والذنوب (تعمد) أي تقصد (نبت على السحت) أي: على الحرام، فيما كان أكلا للأموال المحرمة كالربا والسرقة والخمر وما أشبه (فتذيبه بالأحزان) فإنَّ الحزن يذيب اللحم أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية بأن تقوم في طاعة اللّه صياما وسهرا وما أشبه.

2) (الحلم عشيرة) فإنَّ الإنسان الحليم يجتمع حول الناس، فيكونون له كالعشيرة التي تكتنف بالشخص وتدافع عنه.

3) (مكتوم الأجل) أي لا يعرف مقدار عمره، ووقت فوته (مكنون العلل) فلا يعلم العلة التي تأتيه في المستقبل (محفوظ العمل) فإنَّ أساء شيئا حفظ له، ليجزى به.

4) (إن إبصار هذه الفحول) أي الرجال (طوامح) من طمح إذا ارتفع (سبب هبابها) أي هيجان أنفس هذه الفحول، فإنَّ هباب بمعنى الهيجان فليلامس أهله أي يقترب منها (قاتله اللّه - يعني الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - كافرا ما أفقهه) فإن الخوارج كانوا يعتبرون الإمام كافرا، ومعنى [ما أفقهه] أنه كثير الفقه (رويدا) أي اصبروا.

421 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيْكَ مِنْ رُشْدِكَ.

422 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): افْعَلُوا الْخَيْرَ وَلَا تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً، فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَقَلِيلَهُ كَثِيرُ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ الْخَيْرِ مِنِّي، فَيَكُونَ وَاللّه كَذَلِكَ إِنَّ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَهْلاً، فَمَهُمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ.

423 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللّه عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ اللّه أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنَ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللّه أَحْسَنَ اللّه بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ (1).

424 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْحِلْمُ غِطَاء سَائِرٌ، وَالْعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعُ (2)، فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ، وَقَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ (3).

425 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِنَّ للّه عِباداً يَخْتَصُّهُمُ اللّه بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا ؛ فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ حَوْلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ.

426 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثقَ بِخَصْلَتَينِ : الْعَافِيَةِ وَالْغِنَى بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافًى إِذْ سَقِمَ؛ وَبَيْنَا تَرَاهُ غَنِيّاً إِذْ افْتَقَرَ.

427 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ شَكَا الْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ، فَكَأَنَّهُ شَكَاهَا إِلَى اللّه ؛ وَمَنْ شَكَاهَا إِلَى كَافِرٍ، فَكَأَنَّمَا شَعَا اللّه.

428 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض الأعياد : إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللّه صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللّه فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ.

429 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِنَّ أَعْظَمَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً


1) (من أصلح سريرته) أي باطنه (أصلح اللّه علانيته) أي ظاهره عند الناس، حتى يروه صالحا.

2) (الحلم غطاء ساتر) يستر عيب الإنسان فإنَّ الحليم لا يعمل الأعمال التي توجب ظهور عيبه (والعقل حسام) أي سيف (قاطع) إذ يقطع الحق من الباطل، ويميز بينهما.

3) (فاستر خلل خلقك) أي نواقص أخلاقك (بحلمك) فإنّ الحليم لا يعرف الناس نواقصه وقاتل هواك بعقلك حتى لا يغلبك الهوى في الأمور.

فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللّه، فَوَرِثَهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللّه سُبْحَانَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الْجَنَّةَ، وَدَخَلَ الْأَوَّلُ بِهِ النَّارَ.

430 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفَقَةٌ وَأَخْيَبَهُمْ سَعْياً، رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِي طَلَبِ مَالِهِ، وَلَمْ تُسَاعِدْهُ الْمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ، وَقَدِمَ عَلَى الْآخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ(1).

431 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ وَمَظْلُوبٌ. فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ، حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا ؛ وَمَنْ طَلَبَ الآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِي رِزْقَهُ مِنْهَا.

432 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللّه هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا، وَاشْتَغَلُوا بِآجِلِهَا إِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا، فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ، وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ، وَرَأَوْا اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا اسْتِقْلَالاً، وَدَرَكَهُمْ لَهَا فَوْتاً (2)، أَعْدَاءُ مَا سَالَمَ النَّاسُ (3)، وَسِلْمُ مَا عَادَى النَّاسُ! بِهِمْ عُلِمَ الْكِتَابُ وَبِهِ عَلِمُوا، وَبِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا (4)، لَا يَرَوْنَ مَرْجُوا فَوْقَ مَا يَرْجُونَ، وَلَا مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ (5).


1) (ولم تساعده المقادير على إرادته) فلم يصل إلى ما أمله من جمع المال (بتبعته) أي بما يتبع ما جمع من الذنوب، وما أشبه، فإنَّه فقد دنياه وآخرته بذلك.

2) (وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم) فإنَّ الدنيا تترك الإنسان إذا مات، فالأفضل أن يتركها الإنسان حتى لا يلوث بالآثام (ورأوا استكثار غيرهم منها) أي من الدنيا (استقلالا) أي موجبا لقلة ثوابهم وأجرهم في الآخرة ودركهم لها أي درك الناس للدنيا ولذائذها (فوتا) لما هو أهم منها.

3) (أعداء ما سالم الناس) فإنَّ الناس يسالمون الشهوات (وسلم ما عادى الناس) فإنَّ الناس يعادون الخيرات والأعمال الصالحة، أي يتركونها ويتضجرون منها.

4) (بهم علم الكتاب) أي أن الناس إنما علموا معنى القرآن بسبب هؤلاء الصلحاء. (وبه علموا) أي عرفوا، فإنَّهم معروفون عند الناس بأنهم عارفون بالقرآن (وبهم قام الكتاب) بأن صار له كيان في المجتمع (وبه قاموا) فإنَّهم إنما يعملون بالكتاب فهم قائمون به.

5) (لا يرون مرجوا فوق ما يرجون) فإنَّهم يرجون رحمة اللّه ورضوانه، ولا شيء فوق هذا (ولا مخوفا فوق ما يخافون) فإنَّهم يخافون النار، ولا شيء أكثر خوفا منها.

433 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ اللَّذَاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.

434 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَخْبُرُ تَقْلِه (1).

قال الرضي: ومن الناس من يروي هذا للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). ومما يقوي أنه من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي، قال المأمون : لولا أن علياً قال (أخبر تقله) لقلت: اقله تخبر.

435 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا كَانَ اللّه لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدِ بَابَ الشُّكْرِ. وَيُغْلِقَ عَنْهُ لي بَابَ الزِّيَادَةِ، وَلَا لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدِ بَابَ الدُّعَاءِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْإِجَابَةِ، وَلَا لِيَفْتَحَ لِعَبْدِ بَابَ التَّوْبَةِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْمَغْفِرَةِ.

436 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَوْلَى النَّاسِ بِالْكَرَمِ مَنْ عُرِفَتْ بِهِ الْكِرَامُ (2).

437 - وسئل (عَلَيهِ السَّلَامُ): أيهما أفضل : العدل، أو الجود؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الْعَدْلُ يَضَعُ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا، وَالْجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا (3)، وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌ (4)، وَالْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌ، فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَأَفْضَلُهُمَا (5).

438 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهلُوا (6).


1) (أخبر تقله) [أخبر] أمر من [خبر] باب [قتل] بمعنى [علم]، و (تقله) مضارع مجزوم بعد الأمر، وهاؤه للوقف من [قلاه] بمعنى [أبغضه] ومعنى الجملة إذا أعجبك ظاهر شخص، فاختبره تبغضه لما ترى من سوء باطنه أي أبغض شخصا تريد فهم عيوبه، تعرف عيوبه فإنَّ الإنسان ما دام يحب الشخص لا يرى عيوبه، فإذا قلاه عرف عيوبه، وقديما قالوا: (إن حبّ الشيء يعمي ويصم) و (وعين الرضى عن كل عيب كليلة).

2) (أولى الناس بالكرم من عرفت به الكرام) بأن كان من أولادهم أو قائما مقامهم، حتى كان معرفا للكرام من الناس وإنما كان أولى، لأنه يقبح أن يكون الإنسان معرفا لقسم من الناس ولا يكون متصفا بصفاتهم الحسنة.

3) (العدل يضع الأمور مواضعها) فإنَّ العدل هو العمل بالموازين المقررة، وهي تعطي كل شيء حقه (والجود يخرجها من جهتها) إذ هو زيادة في الإعطاء - لكنه زيادة ممدوحة لا مذمومة –.

4) (والعدل سائس عام) أي مدير للأمور، يشمل كل فضيلة، فالعدل في العمل، وفي الأكل، وفي القضاء، وفي الشجاعة، وهكذا.

5) (والجود عارض) ليس من طبيعة الواقع (خاص) بشيء مخصوص هو الإعطاء (فالعدل أشرفهما وأفضلهما) أي أفضل الصفتين.

6) (الناس أعداء ما جهلوا) فإنَّهم إن اعترفوا بالجهل كان منقصة لهم، ولذا يعادون ما يسبب النقص فيهم - وقد مرّ تفسيره -.

439 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ:

قَالَ اللّه سُبْحَانَهُ: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ، وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (1)، (2). وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي، وَلَمْ يَفْرَحْ بِالآتِي، فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ (3).

440 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ (4)!

441 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْوِلايَاتُ مَضَامِيرُ الرِّجَالِ (5).

442 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقُّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ. خَيْرُ الْبِلادِ مَا حَمَلَكَ (6).

443 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): و قد جاءه نعي الأشتر رحمه اللّه : مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ ! وَاللّه لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً، وَلَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً، لَا يَرْتَقِيهِ الْحَافِرُ، وَلَا يُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ (7).


1) سورة الحديد الآية: 23.

2) (الزهد كله بين كلمتين من القرآن) أي: في هاتين الجملتين (قال اللّه سبحانه: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) أي لا تحزنوا على ما فاتكم من المنافع، سواء أكانت حاصلة وفاتت أم كانت مترقبة ولم تدركوها (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) بما حصلتم عليه من أمور الدنيا.

3) (ومن لم يأس على الماضي) الذي فات (ولم يفرح بالآتي) الذي جاء إليه (فقد أخذ الزهد بطرفيه) لأن ذلك كاشف عن عدم اعتنائه بالدنيا، والذي لا يعتني بالدنيا هو الزاهد حقا.

4) (ما أنقض النوم لعزائم اليوم) فقد يعزم الإنسان على شيء، فإذا نام واستيقظ وجد انحلالاً فيعزيمته، وقد مرت هذه الكلمة عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في السابق.

5) (الولايات مضامير الرجال) المضامير جمع مضمار، وهو المحل الذي تضمر فيه الخيل - أي يواظب على أكله - للسباق، والرجال إذا صاروا حكاما تبين باطنهم وصفاتهم، كما يتبين في المضمار الخيل الحسن من الخيل السيئ.

6) (خير البلاد ما حملك) أي كنت فيه في راحة وسعادة.

7) (مالك، وما مالك) هذا للتعظيم من شأنه، و [مالك] الأول خبر مبتدأ محذوف، أي [هو مالك] (واللّه لو كان جبلا لكان فندا) [الفند] الجبل العظيم أي لو كان مالك من جنس الجبال، لكان من هذا النوع العظيم من الجبال (ولو كان حجرا لكان صلدا) أي قويا محكماً لا من الأحجار الرخوة (لا يرتقيه الحافر) أي أن الفرس لا يتمكن أن يرتقي هذا الجبل العظيم (ولا يوفي) أي لا يصل (عليه الطائر) لارتفاعه، وهذا كناية عن عظمته وارتفاعه.

قال الرضي: الفند: المنفرد من الجبال.

444 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ (1).

445 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِذَا كَانَ فِي رَجُلٍ خَلَّةٌ رَائَقة فانتَظِرُوا أَخَوَاتِهَا (2).

446 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق في كلام دار بينهما : ما فَعَلَتْ إِبلُكَ الْكَثِيرَةُ؟ قَالَ: دَعْدَغَتْهَا الْحُقُوقُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ذلِكَ أَحْمَدُ سُبُلِهَا (3).

447 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْهِ فَقَدِ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا (4).

448 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلَاهُ اللّه بِكِبَارِهَا.

449 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهَوَاتُهُ.

450 - وقال له : مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَرْحَةٌ إِلَّا مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً (5).

451 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): زُهْدُكَ فِي رَاغِبٍ فِيكَ نُقْصَانُ حَظٌ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِدٍ فِيكَ ذُلُّ نَفْسٍ (6).


1) (قليل مدوم عليه) أي عمل صالح قليل يدوم عليه الإنسان (خير من كثير مملول منه) أي من عمل كثير يتركه للملالة والسآمة.

2) (إذا كان في رجل خلة) أي: صفة (رائقة) أي حسنة (فانتظروا أخواتها) أي أخوات تلك الصفة فيه، فإذا كان سخياً فهو شجاع عفيف غيور، وهكذا، وذلك لأن الفضائل تتلازم كما أن الرذائل تتلازم.

3) [ دغدغتها الحقوق] أي فرّقها إعطاؤها في حقوق اللّه كالزكاة، وحقوق الناس كصلة الرحم والإطعام (ذلك أحمد سبلها) أي أحسن طرق التفريق الذي يوجب الحمد والمدح لك من اللّه، ومن الناس.

4) (من اتجر بغير فقه) أي بدون معرفة الأحكام الشرعية (فقد ارتطم) أي وقع (في الربا) إذ كثير من المعاملات توجب الربا.

5) (إلا مج من عقله مجّة) أي رمى وأبطل بعض عقله، إذ المزاح يوجب صغر الإنسان.

6) (زهدك في راغب فيك) بأن لا ترغب فيمن يحبك ويرغب في خلقك (نقصان حظ) إن الإنسان يتقدم بواسطة الأصدقاء (ورغبتك في زاهد فيك) بأن ترغب فيمن لا يريد صداقتك (ذل نفس) إذ تذل نفسك لأجله بدون فائدة.

452 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْغِنَى وَالْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللّه (1).

453 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا زَالَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى نَشَأَ ابْنُه الْمَشْؤُومُ عَبْدُ اللّه.

454 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا لِابْنِ آدَمَ وَالْفَخْرَ : أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جيفَةٌ، وَلَا يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلَا يَدْفَعُ حَتْفَهُ (2).

455 - وسئل : من أشعر الشعراء؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَجْرُوا فِي حَلْبة تُعْرَفُ الْغَايَةُ عِنْدَ فَصَبَهَا، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَالْمَلِكُ الضّلِّيلُ. يريد امرأ القيس (3).

456 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَلَا حُرِّ يَدَعُ هَذِهَ اللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا؟ إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنْ إِلَّا الْجَنَّةَ، فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا (4).

457 - وقال له : مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ : طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا.

458 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصَّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ، عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وَأَلَّا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عَمَلِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللّه فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ (5).


1) (الغنى والفقر بعد العرض على اللّه) فمن رضي اللّه عنه كان غنياً، ومن سخط عليه كان فقيراً، أما الغنى والفقر في الدنيا فشيء زائل.

2) (يدفع حتفه) أي موته.

3) (إن القوم) أي الشعراء (لم يجروا في حلبة تعرف الغابة عند قصبتها) الحلبة القطعة من الخيل تجتمع للسباق، والمراد بالحلبة هنا الطريقة الواحدة، والقصبة ما يجعلونه في آخر الغابة، حتى يأخذه السابق، ليعرف بدون نزاع، أنه السابق، وكان الغالب أن يكون الشيء المجعول قصبا والمراد أن الشعراء مختلفون لم يذهبوا مذهباً واحداً في الشعر، بل بعضهم أكثر من المدح، وبعضهم أكثر التشبيب، وهكذا (فإن كان ولابد) أن ترجح بعضهم على بعض (فالملك الضليل) لقب، أو لأنه كان ضالا [ يريد امرء القيس] -.

4) (ألا حرّ) أي ألا يوجد شخص حر، خرج من قيد الشهوات (يدع هذه اللماظة) هي بقية الطعام في الفم والمراد بها هنا الدنيا - تحقيراً لها - (لأهلها) أي يترك الدنيا، لأهل الدنيا.

5) (وأن لا يكون في حديثك فضل) وزيادة (عن عملك) فلا تقول أزيد ممّا تعمل (وأن تتقي اللّه فيحديث غيرك) بأن تخافه سبحانه فلا تحدث عن غيرك بما لم يقله، أو لم يعمله، بل تقول طبق الواقع.

459 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): يَغْلِبُ الْمِقْدَارُ عَلَى التَّقْدِيرِ، حَتَّى تَكُونَ الآفَةُ فِي التدبير (1).

قال الرضي : وقد مضى هذا المعنى فيما تقدم برواية تخالف هذه الألفاظ.

460 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْحِلْمُ وَالْأَناةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُو الْهِمَّةِ (2).

461 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجِزِ (3).

462 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): رُبَّ مَفْتُونِ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ (4).

463 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، وَلَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا (5).

464 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِنَّ لِبَنِي أُمَيَّةَ مُرْوَداً يَجْرُونَ فِيهِ، وَلَوْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ كَادَتْهُمُ الضّبَاعُ لَغَلَبَتْهُمْ (6).

قال الرضي اللّه : والمرود هنا مفعل من الإرواد وهو الإمهال والإنظار وهذا من أفصح الكلام وأغربه، فكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) شبه المهلة التي هم فيها بالمضمار الذي يجرون فيه إلى الغابة فإذا بلغوا منقطعها، انتقض نظامهم بعدها


1) (يغلب المقدار على التقدير) أي أن القدر الإلهي غالب على تقدير الإنسان للأشياء (حتى تكون الآفة في التدبير) مثلا التقدير أن يموت الإنسان في يوم كذا، ويقدر الإنسان لحياته شرب الدواء، ويكون تدبيره للدواء مهلكا، فالآفة جاءت من محل ظنه الإنسان تدبيراً وتهيئة للوسائل [ضد القدر الإلهي].

2) (الحلم والأناة توأمان) الحلم حبس النفس عند الغضب والأناة: التأني في الأمور، والتوأمان هما المولودان في بطن واحد والمراد أن هاتين الصفتين كالتوأمين، كما كان أحدهم كان الآخر (ينتجهما علو الهمة) فإنَّ الإنسان العالي همته لا ينظر إلى القريب ليعجل أو يغضب، بل ينظر إلى العواقب.

3) (الغيبة) والتكلم وراء الناس بذمهم (جهد العاجز) الذي عجز عن الانتقام عن عدوه، فهو يستغيبه.

4) (رب مفتون) قد خدع (بحسن القول فيه) أي بمدح الناس له، فظن أن فيه ما يقوله الناس، والحال أن الأمر بالعكس.

5) (الدنيا خلقت لغيرها) أي للآخرة (ولم تخلق لنفسها) حتى يعمل الإنسان فيها لأجلها، بل اللازم أن يكون العمل للآخرة.

6) (إن لبني أمية مرودا) أي مهلة - وهي زمان اتحاد بعضهم مع بعض - (يجرون فيه) إلى غايتهم، عند اختلافهم (ولو قد اختلفوا فيما بينهم) وتشتتت كلمتهم (ثم كادتهم الضباع) جمع ضبع و معنى كانتهم، مكرت بهم، وحاربتهم (لغلبتهم) إذ ليس لأي واحد منهم قوة الدفاع في مقابل الضبع - هذا الحيوان الضعيف - فكيف في مقابل الأسود القوية.

465 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مدح الأنصار : هُمْ وَاللّه رَبَّوْا الْإِسْلَامَ كَمَا يُرَبَّى الْفِلْو مَعَ غَنَائِهِم بِأَيْدِيهِمُ السَّبَاطِ، وَأَلْسِنَتِهِمُ السَّلاطِ (1).

466 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْعَيْنُ وَكَاءُ السَّهِ (2).

قال الرضي (رَحمهُ اللّه) : وهذه من الاستعارات العجيبة كأنه شبه السه بالوعاء [لسلامة الإنسان وحياته] والعين بالوكاء [الرباط الذي يحفظ ما في الوعاء كالتربة وما أشبه] فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء، وهذا القول في الأشهر الأظهر من كلام النبي صلى اللّه عليه وآله، وقد رواه قوم لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): وذكر ذلك المبرد في كتاب المقتضب، باب اللفظ بالحروف وقد تكلمنا على هذه الاستعارة في : مجازات الآثار النبوية.

467 – وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلام له : وَوَلِيَهُمْ وَالٍ فَأَقَامَ وَاسْتَقَامَ، حَتَّى ضَرَبَ الدِّينُ بِجِرَانِهِ (3).

468 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُوسِرُ فِيهِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ (4)وَلَمْ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ، قَالَ اللّه سُبْحَانَهُ: (وَلَا تَنْسَوا الْفَضْلَ بيْنَكُمْ) (5). تَنْهَدُ فِيهِ الْأَشْرَارُ، وَتُسْتَذَلُّ الْأَخْيَارُ، وَيُبَايِعُ الْمُضْطَرُّونَ، وَقَدْ نَهَى رسولُ اللّه (صلَّى اللّه عليه وآله وسل)م عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّينَ (6).


1) (الفلو) الفلو: المهر (مع غنائهم) أي كونهم أغنياء ولم يحتاجوا إلى الإسلام - حسب الظاهر احتياجاً مادياً - (بأيديهم السباط) يقال رجل سبط اليدين أي سخيهما (والسنتهم السلاط) جمع سليط، وهو الطويل الشديد.

2) (العين وكاء السه) الوكاء: الرباط، والسه، عقب الإنسان، ولعل المعنى أن العين رباط يربط خلف الإنسان بأمامه، فلا يصاب الإنسان من خلفه بالعدو وما أشبه، لأن العين تراقب الخلف، كما تراقب الأمام.

3) (ووليهم) أي تولى أمورهم (وال) المراد به الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فإنَّه تولى شؤونهم (فأقام) الناس (واستقام) الأمر (حتى ضرب الدين بجرانه) مقدم عنق البعير، يضرب به الأرض عند الاستراحة، وهذا كناية عن استراحة الدين وتمكنه.

4) (عضوض) أي زمان شديد (يعض الموسر فيه) أي يمسك الغني في ذلك الزمان (على ما في يديه) إمساكاً شديداً كأنه عض بالأسنان.

5) سورة البقرة، الآية: 237.

6) (ولم يؤمر بذلك) بأن يبخل هكذا بخل قال اللّه سبحانه: (وَلَا تَنْسَوا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) بأن يتفضل بعضكم على بعض (تنهد فيه) أي ترتفع في ذلك الزمان (الأشرار) الذين لا دين لهم (وتستذل الأخيار) أي يذلهم الناس (ويبايع المضطرون) أي يبايع اضطراراً لجبر السلطان أو ما أشبه.

469 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ مُحِبُّ مُفْرِدٌ، وَبَاهِتٌ مُفْتَرٍ.

قال الرضي: وهذا مثل قوله : هَلَكَ فِي رَجُلَانِ : مُحِبُّ غَالٍ، وَمُبْغِضِ قَال (1)

قال الرضي (رَحمهُ اللّه) : وهذا مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (هلك في رجلان محب غال ومبغض قال) [غال] من [غلى] بمعنى أفرط و [قال] من [قلا] بمعنى بغض وعادى.

.

470 - وسئل عن التوحيد والعدل، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): التَّوْحِيدُ أَلَّا تَتَوَهَّمَهُ، وَالْعَدْلُ أَلَّا تَتَّهِمَهُ (2).

471 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): لَا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ (3).

472 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دعاء استسقى به : اللّهمَّ اسْقِنَا ذُلُلَ السَّحَابِ دُونَ صعابها (4).

قال الرضي (رَحمهُ اللّه) : وهذا من الكلام العجيب الفصاحة، وذلك أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شبه السحاب ذوات الرعود والبوارق والرياح والصواعق بالإبل الصعاب التي تقمص برحالها [يقال قمص الفرس وغيره أي رفع يديه وطرحهما معاً، وبرحالها بمعنى بما فوقها من الرحل] وتقص بركبانها [الركبان جمع راكب، وتقص بمعنى تقتحم به فکسرت عنقه ] و شبه السحاب خالية من تلك الروائع [جمع رائعة، بمعنى الصفة المفزعة ] بالإبل الذلل التي تحتلب طيعة [أي شديدة الطاعة عند حلب لبنها ] وتقتعد مسمحة [يقال اقتعد الإبل بمعنى جعلها (قعدة) يركبها إذا شاء، ومسمحة من أسمح بمعنى جاد كأنها تجود بما يراد منها ]


1) (محب مفرط) أي يفرط في حبه، كالذين قالوا أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)هو اللّه [الغلاة] وباهت مفتر من بهت، بمعنى نسب إليه ما لم يفعل، وهم كالخوارج والنواصب الذين نسبوا إلى الإمام ما ليس فيه.

2) (التوحيد أن لا تتوهمه) أي لا تصور اللّه بوهمك إذ كل ما دخل في الذهن فهو مخلوق، وليس بخالق (والعدل أن لا تتهمه) بأن تتهمه بعدم الحكمة في أفعاله أو أوامره ونواهيه.

3) (لا خير في الصمت) أي السكوت (عن الحكم) بالحق (كما أنه لا خير في القول بالجهل) بأن يقول الإنسان ما يجهله.

4) (ذلل السحاب) ذلل جمع ذليل، وهو السحاب الحامل للمطر لأنه ذليل بحمل الماء (دون صعابها) جمع صعب، وهو الخالي من الماء، فإنَّه يصعد مع الهواء وينزل كالناقة الصعبة.

473 - وقيل له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الْخِضَابُ زِينَةٌ وَنَحْنُ قَوْمٌ فِي مُصِيبَةٍ! يريد وفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (1).

474 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا الْمُجَاهِدُ الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللّه بِأَعْظَمَ أَجْراً مِمَّنْ الام قَدَرَ فَعَفَّ : لَكَادَ الْعَفِيفُ أَنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ (2).

475 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ.

قال الرضي : وقد روى بعضهم هذا الكلام الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

476 - وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) - لزياد بن أبيه، وقد استخلفه لعبد اللّه بن العباس على فارس وأعمالها في كلام طويل كان بينهما نهاه فيه عن تقدم الخراج -: اسْتَعْمِلِ الْعَدْلَ، وَاحْذَرِ الْعَسْفَ وَالْحَيْف، فإنَّ الْعَسْفَ يَعُودُ بِالْجَلَاءِ، وَالْحَيْفَ يَدْعُو إِلَى السَّيْفِ (3).

477 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.

478 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): مَا أَخَذَ اللّه عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا (4).

479 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): شَرُّ الْإِخْوَانِ مَنْ تُكُلِّفَ لَهُ (5).

قال الرضي: لأن التكليف مستلزم للمشقة، وهو شر لازم عن الأخ المتكلف له، فهو شر الإخوان.


1) (الخضاب زينة ونحن قوم في مصيبة) يريد وفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فإنَّ وفاة الشخص العظيم، يؤثر في أصحابه طول الحياة، فكيف بمثل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

2) (ما المجاهد الشهيد في سبيل اللّه بأعظم أجراً ممن قدر) على الشهوة (فعف) ولم يرتكب (لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة) وذلك لشدة أخذ الإنسان زمام نفسه، حتى أن الفاعل لذلك كأنه ملائكة في طهارة النفس.

3) (العسف) أي الظلم (والحيف) أي الإفراط في أمور الناس (يعود بالجلاء) أي مفارقة الوالي عن عمله بالانعزال (يدعو إلى السيف) ينزعه المظلومون لقتال الظالم.

4) (ما أخذ اللّه) أي ما أوجب عليهم التعلم.

5) (شر الإخوان من تكلف له) أي أوقع الإنسان نفسه في الكلفة والمشقة، لأجله.

480 - وقال (عَلَیهِ السَّلَامُ): إِذَا احْتَشَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ فَقَدْ فَارَقَهُ (1).

قال الرضي : يقال : حشمه وأحشمه إذا أغضبه، وقيل : أخجله، أو احتشمه طلب ذلك له، هو مظنة مفارقته (2)

وقد فرغت من شرح[النهج] المسمى [بتوضيح نهج البلاغة] في السادس من شعبان سنة ألف وثلاثمائة وخمس وثمانين من الهجرة في كربلاء المقدسة. وأسأله سبحانه أن يتفضل علي بالقبول، ويجعله منظوراً للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو المستعان، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على محمد على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

كربلاء المقدسة

محمد ابن المهدي الحسيني الشيرازي

6 / شعبان / 1385هـ

.

1) (إذا احتشم المؤمن أخاه) أي خجل منه في أموره (فقد فارقه) إذ لا تبقى الأخوة مع الخجل في البين، وإنما يكون الأخ من يكون موضع سر الإنسان.

2) قال الرضي: وهذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قطع وإتمام المختار، من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حامدين للّه سبحانه على ما من به من توفيقنا لضم ما انتشر من أطرافه [أي أطراف كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)] وتقريب ما بعد من أقطاره، وتقرر العزم - كما شرطنا أولاً على تفضيل أوراق من البياض في آخر كل باب من الأبواب، ليكون لاقتناص الشارد [أي أخذه وحشره مع أمثاله ] واستلحاق الوارد [أي نلحق به ما يرد علينا من كلمات جديدة] وما عسى يظهر لنا بعض الغموض [في الكلمات فنفسرها في تلك الأوراق البيض] ويقع إلينا بعد الشذوذ [أي بعد ما شذ وخفي علينا] وما توفيقنا إلا باللّه عليه توكلنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وذلك في رجب سنة أربعمائة من الهجرة، وصلى اللّه على سيدنا محمد خاتم الرسل والهادي إلى خير السبل، وآله الطاهرين، وأصحابه نجوم اليقين.

الفهارس العامة

إشارة:

1 - فهرس الموضوعات العامة

2 - فهرس الأحاديث النبوية

3 - فهرس العقائد الدينية

4 - فهرس الأحكام الشرعية

5 - فهرس الأعلام والشخصيات

6 - فهرس الطوائف والقبائل والشعوب

7 - فهرس الكواكب والأفلاك

8 - فهرس المعادن والجواهر

9 - فهرس الأماكن والبلدان

10 - فهرس الوقائع التاريخية

11 - الفهرس التفصيلي

1 - فهرس الموضوعات العامة

• أ -

آخر الزمان

تفيض اللئام فيضاً، وتغيض الكرام غيضاً، وكان أهل ذلك الزمان ذئاباً، وسلاطينه سباعاً... 203

ذلك زمان لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نُومة... 191

سيأتي عليكم زمان يكفأ فيه الإسلام، كما يكفأ الإناء بما فيه...191

في آخر الزمان ليضعفنّ لكم التيه من بعدي أضعافاً بما خلّفتم الحق وراء ظهوركم وقطعتم الأدنى ووصلتم الأبعد...327

آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

اختار آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، خيرة من خلقه، وجعله أول جبلته...166

أسكن آدم داراً أرغد فيها عيشه...166

خلق اللّه آدم ونفخ فيه من روحه...21

فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه بنسله... 166

لو أراد اللّه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه... 391

آل البيت المطهرون

ألا إن مثل آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كمثل نجوم السماء : إذا خوى نجم طلع نجم...185

إن نطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يسبقوا... 287

أهل البيت منها بمنجاة ثم يفرجها اللّه عنكم كتفريج الأديم... 174

بهم عاد الحق في نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه...482

عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، وشجرته خير الشجر...176

عندنا - أهل البيت - أبواب الحكم وضياء الأمر... 230

نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم... 210

هم أزمة الحق، وأعلام الدين، وألسنة الصدق... 143

هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي... 32

هم عيش العلم، وموت الجهل.... 482

هم موضع سره ولجأ أمره...31

إبليس (أنظر أيضاً الشيطان)

أحبط عمله الطويل، وجهده الجهيد، وكان قد عبد اللّه ستة آلاف سنة، لا يدري أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة... 391

اعترضته الحمية، فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لأصله... 390

أما إبليس فتعصب على آدم لأصله، وطعن عليه في خلقته، فقال : أنا ناري وأنت طيني... 403

أمره اللّه بالسجود لآدم فأبى... 22

البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن... 502

فعدوّ اللّه إمام المتعصبين، وسلف المستكبرين، الذي وضع أساس العصبية... 391

فمن ذا بعد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصية...391

الأتراك

كأن وجوههم المجان المطرقة... 245

الأجل

أجل منقوص، وعمل محفوظ... 246

إن الأجل جنة حصينة...96

إن لكل شيء مدة وأجلاً.... 386

غاب عن قلوبكم ذكر الآجال...218

فإنما فعلت ذلك جعل الأجل في التحكيم ليتبين الجاهل ويتثبت العالم...239

فلا يغرنكم ما أصبح فيه أهل الغرور، فإنما هو ظل ممدود إلى أجل معدود...147

لولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم...413

واستقربوا الأجل فبادروا العمل... 413

وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... لا يقربان من أجل، ولا ينقصان من رزق 292

وخلق الآجال فأطالها وقصرها، وقدّمها وأخرها...167

وعلم أعمالكم، وكتب آجالكم...137

الإخاء

احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة...536

الأرحام

ويعلم ما في الأرحام...245

الأرض

أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها...375

أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال وأرساها على غير قرار وأقامها بغير قوائم...375

بعد أن أصبح البحر ساجياً... سكنت الأرض مدحوة في لجة تياره...163

قبل الأرض بعد جفوفها، وأخرج نبتها بعد جدوبها...370

كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة... 163

ورب هذه الأرض التي جعلتها قراراً للأنام ومدرجاً للهوام والأنعام...333

الأزل

لو جرى على اللّه السكون والحركة لامتنع من الأزل معناه...372

الاستئثار

وإياك والاستثار بما الناس فيه أسوة 592

الاستسقاء

دعاء آخر : اللّهم إنا خرجنا إليك من تحت الأستار والأكنان وبعد عجيج البهائم والولدان...262

دعاء الاستسقاء : اللّهم قد انصاحت جبالنا، واغبرت أرضنا وهامت دوابنا...223

الإسلام

أركان الإسلام...210

الإسلام : سلماً لمن دخله، وبرهاناً لمن تكلم به... ونوراً لمن استضاء به... 196

الإسلام دين اللّه الذي اصطفاه لنفسه 426

إن اللّه تعالى خصكم بالإسلام، واستخلصكم له، وذلك لأنه اسم سلامة... 282

فإسلامنا قد سمع، وجاهليتنا لا تدفع... 518

ما تتعلّقون من الإسلام إلا بإسمه... 408

من يبتغ غير الإسلام ديناً تتحقق شقوته... 306

وإن للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته... 342

ولبس الإسلام ليسَ الفرو مقلوباً... 203

ووضع الملل برفعه...426

أصحاب علي

أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي، كناقش الشوكة بالشوكة، وهو يعلم أن ضلعها معها... 231

أشهود كغياب وعبيد كأرباب... 179

أنا لصحبتكم قال وبكم غير كثير... 351

إنكم - واللّه - لكثير في الباحات، قليل تحت الرايات...105

أيتها النفوس المختلفة، والقلوب المتشتتة... 248

تقاعسهم عن القتال...62

تكشون كشيش الضباب : لا تأخذون حقاً، ولا تمنعون ضيماً...235

الصالحون من أصحابه : أنتم الأنصار على الحق، والإخوان في الدين...228

القوم الشاهدة أبدانهم الغائبة عنهم عقولهم المختلفة أهواؤهم المبتلى بهم أمراؤهم...179

لا أحرار صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء...180

لا غناء في كثرة عددكم مع قلة اجتماع قلوبكم...230

المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم... 66

وأنتم لهاميم العرب، ويافيخ الشرف... 199

وتفرقكم عن حقكم...58

وقد ترون عهود اللّه منقوضة فلا تغضبون... 198

الأصنام

إذ شبهوك بأصنامهم ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم...153

فبعث اللّه محمداً بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته... 269

الأضحية

ومن تمام الأضحية استشراف أذنها، وسلامة عينها...91

الاعتذار

إياك وما تعتذر منه...542

أم الولد

أم الولد : فإن مات ولدها وهي حية فهي عتيقة...509

الإمامة (الإمام - الأئمة)

الأئمة من قريش عرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم... 265

أتتوقعون إماماً غيري يطأ بكم الطريق... 358

الإمامة : فإنها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين...308

إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه... 335

فأما حقكم علي : فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا...75

لا سواء، إمام الهدى وإمام الردى.. 515

لا يلي إمامة المسلمين البخيل ولا الجاهل ولا الجافي ولا الحائف للدول ولا المرتشي في الحكم... 249

من سابق سُمي له من بعده...25

واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على المال، وجباية الأرض...229

ليس على الإمام إلا ما حمل من أمر ربه... 195

وإن شر الناس عند اللّه إمام جائر...314

وإنما الأئمة قوّام اللّه على خلقه، وعرفاؤه على عباده... 282

الأمانة

ثم أداء الأمانة، فقد خاب من ليس من أهلها...431

الإمرة

أما الإمرة البرة فيعمل فيها التقي، وأما الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي... 81

إمرة مروان بن الحكم كلعقة الكلب أنفه... 110

إن هؤلاء قد تمالؤوا على سخطة إمارتي... 331

الأمل

اشترى هذا المغتر بالأمل، من هذا المزعج بالأجل...489

الأمل يسهي العقل، وينسي الذكر...139

الأنبياء

بعث اللّه رسله بما خصهم به من وحيه، وجعلهم حجة له على خلقه...265

فاستودعهم في أفضل مستودع، وأقرهم في خير مستقر، تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام

فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه. 24

لا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت

الوحي ميثاقهم...23

وبعث إلى الجن والإنس رسله...٣٦٠

ولو أراد اللّه سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان...۳۹۸

ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام... ۳۹۸

الإنسان

اقتطعته الشياطين عن عبادة اللّه...٢٤

الإنسان إذا سعى لدنياه لا يحتسب رزية... ۱۲۸

الإنسان حمل الأمانة وكان ظلوماً جهولاً... ٤٣٢

الإنسان ذو معرفة : ومعرفة يفرق بها بين الحقوالباطل...۲۱

أنشاء في ظلمات الأرحام، وشغف الأستار...۱۲۸

إنما يمنع الإنسان من اللعب ذكر الموت... ١٣٢

بدىء الإنسان من سلالة من طين، ووضع في قرار مكين.... يمور في بطن أمه جنيناً... ٣١٢

معجوناً بطينة الألوان المختلفة، والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية... ۲۱

وإنما حظ أحدكم من الأرض... قيد قده، متعفراً على خده... ۱۳۱

الإنصاف

أهل الخشية والتواضع.. أحوج إلى الإنصاف من غيرهم...584

فإن الشيخ بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت...567

أهل الجاهلية

استخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى فيزلزال من الأمر، وبلاء من الجهل... ۱۷۷

أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه...300

قادتهم أزمة الحين، واستغلقت على أفئدتهم أقفال الرين...٣٨٦

كجفاة الجاهلية : لا في الدين يتفقهون، ولا عن اللّه يعقلون...٣٢٦

وأنتم معشر العرب على شر دين، وفي شر دار... 59

أهل العراق

يا أهل العراق، فإنما أنتم كالمرأة الحامل... ١٠٦

الإيمان

فمن الإيمان ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور...۳۸۱

ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه... ٤٠٨

ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة، وأحلام رزينة... ۳۸۲

• ب -

البحر

إثارة موج البحار بريح عاصفة...۱۸

إذ تمعكت عليه بكواهلها، فأصبح بعد اصطحاب أمواجه، ساجياً مقهوراً، وفي

حكمة الذل منقاداً أسيراً...١٦٣

كبس الأرض على... ولجج بحار زاخرة، تلتطم أواذي أمواجها، وتصطفق متقاذفات أثباجها...١٦٣

وبديع لطائف صنعته، أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف، بيساً جامداً...٤٤١

يعلم اللّه ما تحضن عليه أمواج البحار... ١٦٨

البخل

فلا أموال بذلتموها للذي رزقها، ولا أنفس خاطرتم بها للذي خلقها... ۲۲۸

لا ينبغي أن يكون الوالي...وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته...٢٤٩

البدعة

فاتقوا البدعة، والزموا المهيع...٢٦٧

قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دون السنن... ٢٨٦

وإن البدع لظاهرة، لها أعلام... 314

وإن المبتدعات المشبهات من المهلكات إلا ما حفظ اللّه منها... ۳۳۰

البصرة

فويل لك يا بصرة... وسيبتلى أهلك بالموت الأحمر، والجوع الأغبر...۱۸۹

البصير

فإنما البصير من سمع فتفكر، ونظر فأبصر... ٢٨٤

البطن

أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى... ٥٥٥

البعث والنشور

إذا تصرمت الأمور... أخرجهم من ضرائح القبور... ۱۲۰

ومبعوثون أفراداً... ۱۲۱

البعثة النبوية

ابتعثه والناس يضربون في غمرة، ويموجون في حيرة...٣٨٦

أرسله بالدين المشهور، والعلم المأثور والكتاب المسطور...۲۹

أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء... ٤٤٤

أرسله بأمره صادعاً، وبذكره ناطقاً...١٨٤

أرسله داعياً إلى الحق، وشاهداً على الخلق، فبلغ رسالات ربه غير وان ولا مقصر... ٢٢٦

أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم...۲۹۷

أرسله لإنفاذ أمره، وإنهاء عذره وتقديم نذره...۱۱۸

أرسله وأعلام الهدى دارسة، ومناهج الدينطامسة...٤٢٠

إن اللّه بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل...۵۹

بعثه والناس ضلال في حيرة، وحاطبون في فتنة...177

فقفی به الرسل، وختم به الوحي...252

وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً ولا يدعي نبوة...72

البعوض

ولو اجتمع جميع حيوانها... على إحداث بعوضة، ما قدرت على إحداثها، ولا عرفتكيف السبيل إلى إيجادها...٣٧٦

ومختبر البعوض بين سوق الأشجار والحيتها...١٦٨

البغض

وسيهلك في صنفان :...ومبغض مفرط

يذهب به البغض إلى غير الحق...٢٤٢

ولا تباغضوا فإنها الحالقة...۱۳۹

البكاء

حتى يقوم الباكيان يبكيان : باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه... ۱۸۲

فميت يبكي، وآخر يعزي...۱۸۴

البناء

وهل يكون بناء من غير بان، أو جناية من غيرجان ؟!...٣٦٩

بنو أمية

افترقوا بعد الفتهم، وتشتتوا عن أصلهم...326

بنو أمية : كالناب الضروس : تعلم بفيها، وتخيط بيدها...١٧٤

بنو أمية :مطايا الخطيئات وزوامل الآثام...۲۹۸

سيجمعهم لشر يوم لبني أمية، كما تجتمع قزع الخريف...٣٢٦

فتنة بني أمية : راية ضلالة قد قامت على قطبها، وتفرقت بشعبها... ۲۰۱

فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مطلمة...۱۷۳

لا يزالون حتى لا يدعوا للّه محرماً إلا استحلوه، ولا عقداً إلا حلوه...۱۸۲

البيت الحرام

ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض...۳۹۹

البيعة

أصناف الناس الثلاثة بعد البيعة... ٤٦٠

أمر البيعة ذو وجوه وألوان : لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول...۱۷۱

ثم تداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم وردها... ٤٧٣

صفة علي قبل البيعة... 60

عمرو بن العاص : إنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية...۱۳۲

فأقبلتم إلى إقبال العود المطافيل على أولادها، تقولون : البيعة البيعة...٢٥٧

فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي، ينثالون علي من كل جانب... ۳۵

قول علي : لم تكن بيعتكم إياي فلتة...٢٥٦

قول علي لما عزموا على بيعة عثمان : لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري... ١١٠

لما أراد الناس علياً على البيعة بعد قتل عثمان

قال : دعوني والتمسوا غيري...171

وأما حقي عليكم : فالوفاء بالبيعة...75

• ت -

التحكيم

قول علي في التحكيم : إنا لم نحكم الرجال وإنما حكمنا القرآن...۲۳۸

قول علي لما سمع التحكيم : حكم اللّه أنتظر فيكم... ۸۱

وإنما حكم الحكمان ليحييا ما أحيا القرآن...٢٤٣

الترف

الأتراك لشدة ترفهم : يلبسون الشرق والديباج، ويعتقيون الخيل العناق...٢٤٥

أترجو أن يعطيك اللّه... وأنت متمرغ في النعيم، تمنعه الضعيف والأرملة...٥٠٤

قول علي للمترفين : ويل لسكككم العامرة، والدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور، وخراطيم الفيلة...٢٤٤

التفرّق

كانوا جميعاً فتشتتوا، وآلافاً فافترقوا....فكلهم وحيد وهم جميع...455

التقوى

بتقوى اللّه التي هي الزاد وبها المعاد... ۲۲۰

تقوى اللّه، فإنها الزمام والقوام... ٤٢٢

التقوى دار حصن عزیز...٢٩٤

التقوى عدة الإنسان ووفاته...۱۱۲

فاتقوا اللّه تقية من سمع فخشع، واقترف فاعترف، ووجل فعمل...۱۲۲

فاتقوا اللّه عباد اللّه تقية ذي لب شغل التفكر قلبه... ١٢٦

فإنها النجاة غداً، والمنجاة أبداً...۳۰۷

فإنها حق اللّه عليكم، والموجبة على اللّه حقكم...۳۸۷

فمن أشعر التقوى قلبه برز مهله، وفاز عمله...۲۵۱

التقية

فلا تثنوا علي بجميل ثناء، لإخراجي نفسي إلى اللّه سبحانه وإليكم من التقية...450

التنجيم

إياكم وتعلم النجوم... فإنها تدعو إلى الكهانة، والمنجم كالكاهن والكاهن كالساحر...114

التهجد

وأسهر التهجد غرار نومه...126

التوبة

والتوبة مسموعة...177

التوكل

من توكل عليه كفاه....١٤٨

التيار

ثم أقبل - الفاسق - مزيداً كالتيار لا يبالي ما غرق...٢٦٦

التيه

من سلك الطريق الواضح ورد الماء، ومن خالف وقع في التيه...433

• ج -

الجار

التقي لا يضار بالجار...٤١٧

الجاهل

الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل...۵۸۱

الجاهلية

بعثه والناس ضلال في حيرة، وحاطبون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء...۱۷۷

فأطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية، وأحقاد الجاهلية...٣٩٤

فالأحوال مضطربة والأيدي مختلفة والكثرة متفرقة...406

في الجاهلية : فالهدى خامل والعمى شامل...۳۰

وأنتم معشر العرب على شر دين، وفي شر ذمة...۵۹

الجبارون

فإن اللّه لم يقصم جباري دهر قط إلا بعد تمهل ورخاء...١٤٤

الجبال

فسكنت - الأرض - من الميدان برسوب الجبال في قطع أديمها...١٦٤

واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال... ٤٩٦

وجعلها للأرض عماداً، وأرزها فيها أوتاداً، فسكنت على حركتها من أن تميد...٤٤٢

ومستقر ذوات الأجنحة بذرا شناخيب الجبال... ١٦٨

الجرادة

وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها الفم السوي، وجعل لها الحس القوي...٣٦٩

الجريح

ولا تجهزوا على جريح...٤٩٨

الجزع

جزع أحدكم من الشوكة تصيبه، والعثرة تدميه، والرمضاء تحرقه... ٣٦٢

الجسد

وخذوا من أجسادكم وجودوا بها على أنفسكم... ٣٦٣

الجماعة

والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة...280

الجناح

وجعل لها - الخفافيش - أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران... ۲۹۰

الجنة

ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها... ٦٥

إن الجنة حفت بالمكاره...٣٤٠

أهل الجنة : لا يتفاخرون، ولا يتناسلون، ولا يتزاورون...307

الجنة تحت أطراف العوالي...237

درجات متفاضلات ومنازل متفاوتات لا ينقطع نعيمها، ولا يظعن مقيمها، ولا يهرم خالدها، ولا يبأس ساكنها...۱۳۳

فإن التقوى وفي غد الطريق إلى الجنة...۳۸۷

الفرائض الفرائض ! أذوها إلى اللّه تؤدكم إلى الجنة...۳۲۸

فكفى بالجنة ثواباً ونوالاً...۱۲۷

في دار اصطنعها لنفسه، ظلها عرشه، ونورها بهجته...٣٦٢

المتقون : فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها منعمون... ٤١٣

الملائكة : والسدنة لأبواب جنانه19...

وإنما الأئمة... لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه...۲۸۲

الجنود

فالجنود، بإذن اللّه، حصون الرعية...573

الجنين

بل كيف يتوفى الجنين في بطن أمه... ۲۱۷

الجهاد

فمن تركه رغبة عنه البسه اللّه ثوب الذل... ٦١

وعضوا على الجهاد بنوا جذكم...٢٣٤

وهيجوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولاده.... ۲۳۲

الجهل

الناس أعداء ما جهلوا...٦٦٢

الجيش

رمي العدو بمناسر الجيش وكتائبه وحلائيه...۲۳۸

لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلاً واحداً معتمدين لقتله، بلا جرم جره، لحل لي قتل ذلك الجيش كله...٣٣٥

يا أحنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب ولا قعقعة لجم، ولا حمحمة خيل... 244

• ح -

الحب

وسيهلك في صنفان : محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق...٢٤٢

الحج

وحج البيت واعتماره فإنهما ينفيان الفقر

وير حضان الذنب...210

وفرض عليكم حج بيته الحرام...27

الحرام

والحرام ما حرم اللّه... ٣٤٤

الحرب

تعليم الحرب بإكمال اللامة وقلقلة السيوف والمنافحة بالظبا...۱۰۱

حتى تقوم الحرب بكم على ساق، بادياً نواجذها... علقماً عاقبتها... ٢٥٨

فخذوا للحرب أهبتها...61

في الحرب يقدم الدارع، ويؤخر الحاسر، وتلوى أطراف الرماح، ولا تكون الراية إلا بأيدي الشجعان...٢٣٦

قول علي لأصحابه : لبنس خشاش نار الحرب أنتم...٢٤٠

كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذا احمر البأس... قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه...٤٩٣

لما نعق الضليل بالشام ماجت الحرب بأمواجها...١٨٦

وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة...٣٣٦

ولا تدن من القوم دنو من يريد أن ينشب الحرب...٤٩٧

الحساب

زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا...١٤٨

لأبقرن الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته...۱۹۲

وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة... ١٣٢

ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً...256

ولو أن الحق خلص من لبس الباطل لانقطعت عنه ألسن المعاندين...۸۸

الحكمة

الحكمة : حياة للقلب الميت... وري للظمآن، وفيها الغنى كله... ٢٥٣

الحكمة ضالة المؤمن...٦٣٩

الصالحون : يعقبون كأس الحكمة بعد الصبوح... ٢٧٦

الحلال

الحلال ما أحل اللّه... ٣٤٤

الحية

فإنما مثل الدنيا مثل الحية : لين مسها، قاتل سمها...٦١٠

مثل الدنيا كمثل الحية : لين منها، والسم الناقع في جوفها... ٦٤٨

-خ-

الخفافيش

فهي مسدلة الجفون بالنهار على حداقها، وجاعلة الليل سراجاً...289

الخلاف

الخلاف يهدم الرأي...٦٦٨

الخلافة

واللّه ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها... ٤٣٦

الخلف

ليس الخلف خلف يتبع سلفاً هوى في نار جهنم... ۵۰۱

الخمر

فيستحلون الخمر بالنبيذ...۲۹۳

الخوارج

إن الشيطان اليوم قد استقلهم - الخوارج – وهو غداً متبرى، منهم...٣٥٢

قول الإمام : (كلمة حق يراد بها باطل) لما سمع الخوارج يقولون : لا حكم إلا للّه... ٨٠

قول الإمام للخوارج : فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت، فلم تضللون عامة أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بضلالي، وتأخذونهم بخطئي...٢٤١

الخوف

إن هو خاف عبداً من عبيده، أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربه...۳۰۱

وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر...554

الخيانة

وإن أعظم الخيانة خيانة الأمة...۵۱۲

الخيل

وحتى تدعق الخيول في نواحر أرضهم... ٢٣٨

-د-

الدنيا

أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة...۲۱۲

إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا...٢٦٧

برقها خالب ونطقها كاذب...۳۸۸

بنو أمية : فما احلولت لكم الدنيا في لذتها، ولا تمكنتم من رضاع أخلافها إلا من بعد ما صادفتموها جائلاً خطامها...۱۹۳

حتى يظن الظان أن الدنيا معقولة على بني أمية... بل هي مجة من لذيذ العيش يتطعمونها برهة، ثم يلفظونها جملة...١٤٤

دار بالبلاء محفوفة، وبالغدر معروفة... ٤٦٩

دار حرب وسلب ونهب وعطب... ۳۸۹

الدنيا التاركة لكم وإن لم تحبوا تركها والميلية لأجسامكم، وإن كنتم تحبون تجديدها... ۱۸۳

الدنيا دار مجاز...٤٣٤

الدنيا دار ممر لا دار مقر...653

الدنيا مشغلة عن غيرها، ولم يصب صاحبها منها شيئاً إلا فتحت له حرصاً عليها...561

سرورها مشوب بالحزن...189

فإن الدنيا رنق مشربها، ردع مشرعها غرور حائل، وظل زائل...۱۱۹

فإن الدنيا ماضية بكم على سنن...383

فإنها دار شخوص، ومحلة تنغيص...423

فإنها منزل قلعة، وليست بدار نجعة...217

فبئست الدار لمن لم يتهمها، ولم يكن فيها على وجل منها...۲۱۵

قبل البعثة : والدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور... ١٤٥

كم من واثق بها فجعته...٢١٤

المتقون : أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم فقدوا أنفسهم منها من اقتحم اللجج غرق...٤١٤

وإن اللّه - سبحانه - يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها... ٣٧٦

الأعمى وإنما الدنيا منتهى بصر...٢٥٢

وإنها ليست بباقية لكم ولا تبقون عليها... ٣٣٧

وبالدنيا تحرز الآخرة...۲۹۱

وكل مدة فيها إلى انتهاء، وكل حي فيها إلى فناء...۱۸۳

وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها...٣٧٦

الدهر

إن الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين... ٢٩٤

-ذ-

الذكر

أفيضوا في ذكر اللّه فإنه أحسن الذكر... ۲۱۱

إن اللّه سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاء للقلوب... ٤٦٠

-ر-

الراية

ورايتكم فلا تميلوها ولا تخلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم...236

الربا

فيستحلون... والربا بالبيع...۲۹۳

الرجاء

فكلمن رجا عرف رجاؤه في عمله...300

وأظمأ الرجاء هواجر يومه... ١٢٦

الرحمة

ولا يشغله غضب عن رحمة ولا تولهه رحمة عن عقاب... ٤٢١

الرزق

الرزق رزقان : رزق تطلبه، ورزق يطلبك... ٥٣٧

الرعد

فسبحان من لا يخفى عليه... وما يتجلجل به الرعد في أفق السماء...٣٥٥

الرعية

اخفض للرعية جناحك وابسط لهم وجهك...٥٥٩

الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض... ٥٧٢

إن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق...۵۸۷

الرماح

والتووا في أطراف الرماح فإنه أمور للأسنة...٢٣٦

الرمال

وعوم نبات الأرض في كثبان الرمال... ١٦٨

الرهبان

وجأرتم جؤار مبتلي الرهبان...۹۰

الروح

أم الروح أجابته ملك الموت – بإذن ربها...۲۱۷

الريح

فأجرى فيها ماء متلاطماً تياره، متراكماً زخاره، حمله على متن الريح العاصفة... ١٧

واعصف مجراها... فأمرها بتصفيق الماء الزخار...18

-ز-

الزاني

وجلد الزاني غير المحصن...٢٤٢

الزكاة

إن الزكاة جعلت الصلاة قرباناً لأهل مع الإسلام...431

وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة...210

الزمام - الأزمة

علماً بأن أزمة الأمور بيدك، ومصادرها عن قضائك...٤٧١

الزهد - الزهاد

إن الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم وإن ضحكوا... ۲۱۸

ثواب الزهاد عند اللّه...۹۰

كانوا قوماً من أهل الدنيا وليسوا من أهلها... ٤٧٥

• س -

السارق

وقطع السارق...٢٤٢

الساعة

وإنما علم الغيب علم الساعة...245

السباب

إني أكره لكم أن تكونوا سبابين... ٤٣٧

السحاب

حتىأنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها، وتستخرج نباتها...165

وأنشأ السحاب الثقال، فأهطل ديمها، وعدد قسمها...۳۷۰

ومتراكم سحابه، أرسله سحاً متداركاً... ١٦٥

السحت

فيستحلون الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية...۲۹۳

السعيد

وإن السعداء بالدنيا غداً هم الهاربون منها اليوم...٤٦٦

السقي

فما طاب سقيه طاب غرسه وحلت ثمرته... ۲۸۸

سفك الدماء

ليس شيء أدنى لنقمة... من سفك الدماء بغير حقها...۵۹۰

السفير

ولا يكن لك إلى الناس سفير إلا لسانك... ٦٠٩

السكك

ويل لسكككم العامرة...٢٤٤

السلوك

السالك إلى اللّه : قد أحيا عقله، وأمات نفسه... ٤٥٢

السموات

ثم زينها بزينة الكواكب...۱۹

فسوى منه سبع سموات، جعل سفلا هن موجاً مكفوفاً، وعلياهن سقفاً محفوظاً...۱۹

فعلا هن أطواراً من ملائكته...19

فمن شواهد خلقه خلق السموات موطدات بلا عمد قائمات بلاسند...٣٥٤

وأقام رصداً من الشهب الثواقب على نقابها...156

ونظم بلا تعليق رهوات فرجها، ولاحم صدوع انفراجها...156

السنة

وإن حكم بسنة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فنحن أولاهم به...۲۳۹

وما أحدثت بدعة إلا ترك بها سنة...267

و محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلا تضيعوا سنته...274

السيف

عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتضى فيه السيوف...٢٦٠

قول علي للخوارج : سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم...٢٤٢

لئن فررتم من سيف العاجلة، لا تسلموا من سيف الآخرة... ۲۳۷

ورفعت السيف عن مدبركم... ۵۲۱

وصلوا السيوف بالخطا...5۰۲

وعضوا على النواجذ، فإنه أنبي للسيوف عن الهام...۱۰۱

وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلّها... ۱۰۱

ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم...٣٨٥

• ش -

الشاذ

الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب...٢٤٣

الشبهة

سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق... ۷۸

ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة...۲۹۳

الشر

ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه... ۲۲۱

الشراب

كيف تسيغ شراباً وطعاماً، وأنت تعلم أنك تأكل حراماً... ٥٤٩

الشرك

يسير الرياء شرك...۱۳۹

الشمس

وأجرى فيها سراجاً مستطيراً...۱۹

وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها... ١٥٦

والشمس والقمر دائبان في مرضاته...١٤٨

الشهوات

التقي : قد خلع سرابيل الشهوات... ١٤٠

فرحم اللّه رجلاً نزع عن شهوته...٣٤٠

الشهيد

من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق

ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً... ٣٨٥

الشورى

إنما الشورى للمهاجرين والأنصار... ٤٩١

فيا للّه وللشورى! متى اعترض الريب في مع الأول منهم، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر...٣٤٠

الشيطان

اتخذوا الشيطان.. فياض وفرّخ في صدورهم...٤٠

حتى إذا انقادت له الجامحة منكم... استفحل سلطانه عليكم، ودلف بجنوده نحوكم... ۳۹۲

الشاذ من الناس للشيطان...243

الشيطان قد تبطك عن أن تراجع أحسن أمورك...616

الشيطان قد ذمر حزبه، واستجلب جلبه... ٥٣

الشيطان كامن في كسره، وقد قدم للوثبة يداً، وأخر للتكوص رجلاً...۱۰۲

الشيطان يسني لكم طرقه، ويريد أن يحل دينكم عقدة عقدة...۲۳۲

فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه... ۸۸

نفذ في الصدور خفياً، ونفث في الآذان تجياً، فأضل وأردى...۱۲۷

والشيطان موکل به يزين له المعصية ليركبها...۹۸

ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...٤١١

ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر الذي أعقبه اللّه به الندامة... ٣٩٤

• ص -

الصبر

الصبر مطية نجاته...112

الصحابة

ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم !.. إذا ذكر اللّه هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم... ۱۸۱

الصدر

صدر العاقل صندوق سره...٦٢٤

ولقد قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإن رأسه لعلى صدري... ٤٢٤

الصدق

الصادق على شرف منجاة وكرامة... ۱۳۹

فليصدق رائد أهله... ۲۸۷

الوفاء توأم الصدق... ۸۱

الصدقة

وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة، وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء...۲۱۱

الصراط

أن مجازكم على الصراط ومزالق دحضه، وأها ويل زلله...126

الصلاة

تعاهدوا أمر الصلاة، وحافظوا عليها... ٤٣٠

صلة الرحم

صلة الرحم فإنها مثراة في المال ومنسأة في الأجل...۲۱۱

لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم...٢٦٠

الصمت

تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك... ٥٣٤

الصور

وينفخ في الصور، فتزهق كل مهجة... ٤٢٢

الصوم

الصالحون : خمص البطون من الصيام... ٢٣٢

وصوم شهر رمضان فإنه جنة من العقاب... ٢١

• ض -

الضال

الضال : في مهلة من اللّه يهوي مع الغافلين...۲۸۳

الضياء

هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل شيء...۲۸۹

• ظ -

الطاعة

جعل حقه على العباد أن يطيعوه...447

الطاووس

أحيلك من ذلك - وصف الطاووس – على معاينة...۳۲۰

إن ضاهيته بالملابس فهو كموشي الحلل أو مونق عصب اليمن... 321

الذي أقامه في أحكم تعديل، ونضد ألوانه في أحسن تنضيد... ۳۲۰

قل صبغ إلا وقد أخذ منه بقسط، وعلاه بكثرة صقاله وبريقه... ۳۲۳

الطعن بالرماح

طعن دراك... يقلق الهام، ويطيح العظام، ويندر السواعد والأقدام... ۲۳۸

الطفل

احذروا يوماً... وتشيب فيه الأطفال... ٢٩٦

الطلب

رب طلب قد جر إلى حرب...534

الطمع

وإياك أن توجف بك مطايا الطمع...534

الطيور

دعا كل طائر باسمه، وكفل له برزقه...370

فالطير مسخرة لأمره، أحصى عدد الريش منها والنفس، وأرسى قوائمها على الندى واليبس...370

ومستقر ذوات الأجنحة بذرا شناخيب الجبال...١٦٨

• ظ -

الظاهر

أن لكل ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه...۲۸۷

الظلام

إنما مثلي بينكم كمثل السراج في الظلمة... ٣٧٩

الخفافيش... ويبسطها الظلام القابض لكل حي... ۲۸۹

ضاد النور بالظلمة...۳۷۱

الظلم والظالمون

الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب...٣٤٥

وأقدموا على اللّه مظلومين، ولا تقدموا عليه ظالمين...۲۸۰

واللّه لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً... أحب إلي من أن ألقى اللّه ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد...٤٦٧

وأيم اللّه لأنصفن المظلوم من ظالمه ولأقودن الظالم بخزامته...256

ولئن أمهل الظالم فلن يفوت أخذه، وهو له بالمرصاد...۱۷۸

-ع -

العالم

أنشأ الخلق إنشاء وابتدأه ابتداء، بلا روية أجالها... ولا حركة أحدثها...17

العبد

لقد كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)... ويجلس جلسة العبد... ٣٠٤

العبرة

من عرف العبرة فكأنما كان في الأولين... ٦٢٨

عثمان بن عفان

استأثر فأساء الأثرة...68

استعتاب علي لعثمان وقوله في خطابه : ما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه...313

العدل

التقي : ألزم نفسه العدل، فكأن أول عدله نفي الهوى عن نفسه...١٤١

قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد... ٥٧٦

ليس في الجور عوض من العدل...۵۹۷

عذاب القبر

إذا انصرف المشيع... أقعد في حفرته نجياً لبهئة السؤال...۱۳۰

العدو

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا لفي العدو محارباً يقول : اللّهم

إليك أفضت القلوب، ومدت الأعناق وشخصت الأبصار...٤٩٩

العصبية

فإن كان لا بد من العصبية، فليكن تعصبكم المكارم الخصال...٤٠٣

العصمة

إن في سلطان اللّه عصمة لأمركم.. ٣٣١

وعليكم بكتاب اللّه... والعصمة للمتمسك... ٢٩٢

العقاب

ما أخسر المشقة وراءها العقاب...631

العقل

انتهت عقولنا عند عظيم سلطان اللّه...300

ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن...٣٥٤

فسبحان الذي بهر العقول عن وصف خلق جلاه للعيون...٣٢٤

لو أرادت الخلائق إحداث بعوضة لعجزت.... ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت...٣٧٦

نعوذ باللّه من سبات العقل، وقبح الزلل...٤٦٨

وردعت عظيمة العقول، فلم تجد مساغاً إلى بلوغ غاية ملكوته...۲۸۸

العلم والعلماء

أن الراسخين في العلم هم الذين... الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب151...

أن عباد اللّه المستحفظين علمه، يصونون مصونه، ويفجرون عيونه...444

التقي : يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل...416

ذم اختلاف العلماء في الفتيا... ٥٠

رب عالم قد قتله جهله، وعلمه معه لا ينفعه... ٦٤٥

العالم من عرف قدره...۱۹۰

فإن العامل بغير علم كالسائر على غير طريق... ۲۸۷

فبادروا العلم من قبل تصويح نبته...۱۹۵

فلانا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض...۳۸۲

لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه (العلم)... ۲۸۳

لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم...۷۰۸

مكنون علم لو بحث به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة...39

وآخر قد تسمى عالماً وليس به، فاقتبس جهائل من جهال وأضاليل من ضلال...141

وإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله...۲۱۲

ولا تقل ما لا تعلم وإن قل ما تعلم... ٥٢٩

ولا يحمل هذا العلم إلا أهل البصر والصبر والعلم بمواضع الحق...٣٣٦

ولو تعلمون ما أعلم مما طوي عنكم غيبه، إذاً

الخرجتم إلى الصعدات تبكون على أعمالكم...226

وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم...٣٦

العهد

المنافق : يخون العهد، ويقطع الإل... ١٣٢

العيب

طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس... ٣٤٦

فليكفف من علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه...261

عیسی ابن مریم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)

كان يتوسد الحجر، ويلبس الخشن، ويأكل الجشب... ۳۰۲

• غ -

الغافل

واستخرجهم من جلابيب غفلتهم... فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم... ۲۸۳

الغدر

أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً... ۸۱

الغرائز

وفرقها أجناساً مختلفات في الحدود والأقدار، والغرائز والهيئات...155

الغربة

فقد الأحبة غربة...363

غصة

إضاعة الفرصة غصة...٦٤٨

الغيب

علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا اللّه... ٢٤٦

وحالت ستور الغيوب بيننا وبينه أعظم... ٣٠٠

• ف -

الفتن

إن الفتن إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت نبهت... يحمن حوم الرياح، يصبن بلداً ويخطئن بلداً...173

إن القوم إذا استحلوا الحرام أنزلوا بمنزلة فتنة لا بمنزلة ردة...173

إنما بده وقوع الفتن أهواء تتبع...88

إنها فتنة فقطعوا أوتاركم وشيموا سيوفكم...٤٨١

أيها الناس، شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة...۳۸

تقطع فيها الأرحام، ويفارق عليها الإسلام...۲۸۰

ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة... فتزيغ قلوب بعد استقامة وتذل رجال بعد سلامة... ۲۷۹

فإني فقات عين الفتنة، ولم يكن ليجترى عليها أحد غيري بعد أن ماج غيهبها...۱۷۲

فتن كقطع الليل المظلم... تأتيكم مزمومة مرحولة : يحفزها قائدها...۱۸۸

في فتن داستهم بأخفافها، ووطئتهم بأظلافها...۳۰

قامت الفتنة على القطبة، فأسرعوا إلى أميركم...488

لما نعق الضليل في الشام : عضت الفتنة أبناءها بأنيابها...١٨٦

والناس في فتن انجذم فيها حبل الدين... ٢٩

ولا تقتحموا ما استقبلتم من فور نار الفتنة... ۳۷۹

الفجور

الفجور دار حصن ذليل...٢٩٥

القرار يوم الزحف

إن في الفرار موجدة اللّه، والذل اللازم، والعار الباقي، وإن الفار لغير مزيد في عمره...237

واستحيوا من الفر، فإنه عار في الأعقاب، ونار يوم الحساب...102

الفطرة

وجابل القلوب على فطرتها...۱۰۷

وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة...۲۱۰

وواتر إليهم أنبياءه، ليستادوهم ميثاق فطرته...24

الفناء

فتزودوا في أيام الفناء لأيام البقاء...۲۹۵

الفيء

فأما حقكم علي... وتوفير فيتكم عليكم... ٧٥

قطع السارق وجلد الزاني غير المحصن ثم قسم عليهما من الفيء...٢٤٢

لا بد للناس من أمير بر أو فاجر... ويجمع به الفيء... ۸۰

• ق -

القاتل

أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)... وقتل القاتل وورث ميراثه أهله... ٢٤٢

القاضي

القاضي الحق : ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء...577

القتال

أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام لما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج، والشبهة والتأويل... ٢٣٤

تقاعس أصحاب علي عن القتال : يُغار عليكم ولا تغيرون، وتُغزون ولا تغزون... ٦٣

فإذا جاء القتال قلتم : حيدي حياد...67

ولعمري ما علي من قتال من خالف الحق. من إدهان ولا إيهان...57

ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه، فإن انقطع النظام تفرق وذهب...268

يوم القتال : وامشوا إلى الموت مشياً

سجحاً...102

القتل

ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي...560

القرآن

بين مثبت في الكتاب فرضه... ومرخص في الكتاب تركه... ۲۷

ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق...۲۹۷

الصالحون : وقرأوا القرآن فأحكموه... ٢٣٢

عليكم بكتاب اللّه... والعصمة للمتمسك... ٢٩٢

فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق... ٣٦١

فما ذلك القرآن عليه من صفته فائتم به... ١٥١

القرآن هو الناصح الذي لا يغش والهادي الذي لا يضل...٣٤١

كتاب اللّه بين أظهركم، ناطق لا يعيا لسانه، وبیت لا تهدم أركانه، وعز لا تهزم أعوانه...252

کتاب اللّه تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به...253

كتاب ربكم فيكم : مبيناً حلاله وحرامه...وناسخه و منسوخه...٢٦

لا تخلقه كثرة الرد... من قال به صدق، ومن عمل به سبق... ۲۹۲

هذا القرآن إنما هو خط مستور بين الدفتين.. وإنما ينطق عنه الرجال...۲۳۸

والكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع...۲۹

وأنزل عليكم الكتاب تبياناً لكل شيء... ١٣٧

وإنما حكم الحكمان ليحيبا ما أحيا القرآن... ٢٤٣

وأنه لا اختلاف فيه... ۵۰

وبحراً لا يدرك قعره...٤٢٩

وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنه أنفع القصص... ۲۱۱

وفيه ربيع القلب، وينابيع العلم... ٣٤٥

وكفى بالكتاب حجيجاً وخصيماً...۱۲۷

يعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي...٢٥٨

القرى

إن من أحب عباد اللّه إليه عبداً... وأعد القرى ليومه النازل به...۱۳۹

قریش

لما احتجت قريش بأنها شجرة الرسول قال علي : احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة...104

اللّهم إني أستعديك على قريش فإنهم قد قطعوا رحمي...٤٥٠

اللّهم إني أستعينك على قريش ومن أعانهم ! فإنهم قطعوا رحمي... ٣٣٤

القسم

فو الذي فلق الحبة، وبرأ النسمة...١٨٦

القطائع

واللّه لو وجدته قد تزوج به النساء... فإن في العدل سعة...٤٤

القطب

قول علي لعمر بن الخطاب : فكن قطباً، واستدر الرحا بالعرب...۲۶۸

القلب

إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان... ٦٤١

إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته... ٥٢٥

فإن القلب إذا أكره عمي...664

القمر

الشمس والقمر دائبان في مرضاته... ١٤٨

و قمرها آية ممحوة من ليلها...156

ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن تردّ ما شاع في السماوات من تلألؤ نور القمر...٣٥٤

ولا غسق ساج، يتفيأ عليه القمر المنير... ٣١٠

القيامة

أماد السماء وفطرها، وأرج الأرض وأرجفها...۲۰۸

إن الخلق لا مقصر لهم عن القيامة، مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى... ۲۹۱

الخلق فريقان يوم القيامة...۲۰۸

فإن الغاية القيامة، وكفى بذلك واعظاً لمن عقل...۳۸۳

يوم القيامة قد ألجمهم العرق، ورجفت بهم الأرض...۱۸۸

• ك -

الكبر

فاللّه اللّه في كبر الحمية، وفخر الجاهلية... ٣٩٥

لا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه... ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد...٣٩٤

لو رخص اللّه في الكبر لأحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه...۳۹۷

الكثرة

أن ما كلفتم به يسير ر، وأن ثوابه كثير... ٥٦٣

لا تزيدني كثرة الناس حولي عزة...545

الكحل

لا يبقى منكم إلا قليل، كالكحل في العين... ٢٥٩

الكذب

بكل ما سمعت به، فكفى بذلك كذباً... ٦١١

جانبوا الكذب فإنه مجانب للإيمان والكاذب على شرف مهواة ومهانة... ۱۳۹

شر القول الكذب... ۱۳۱

الكلام

إنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان

إلهاً ثانياً...۳۷4

كلام النبي عام وخاص...٤٤٠

الكوفة

ما أراد يك جباراً سوءاً إلا ابتلاه اللّه بشاغل، ورماه بقاتل...86

يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث واثنتين...180

• ل -

اللّه (عز وجل)

توحيده :

جل عن اتخاذ الأبناء...۳۷۳

خلق الخلق : ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور... ١٥٥

كل مسمّى بالوحدة غيره قليل...99

کمال توحيده الإخلاص له...16

لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركاً، ولم

يولد فيكون موروثاً هالكاً ما وحده من كيفه...354

متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده...17

من ثناه فقد جزاء، ومن جزاء فقد جهله... ١٦

واحد لا بعدد، ودائم لا بأمد...365

وحده لا شريك له : الأول لا شيء قبله، والآخر لا غاية له...۱۳۲

ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس...٣٥٦

صفات ذاته :

أرجح ما وزن، وأفضل ما خزن... ۲۹

أهل الوصف والجميل...۱۷۰

الأول لا شيء قبله، والآخر لا غاية له، لا تقع الأوهام له على صفة...۱۳۲

أولاً بادياً، وأستهديه قريباً هادياً، وأستعينه قاهراً قادراً، وأتوكل عليه كافياً ناصراً... ۱۱۸

الباطن لكل سريرة، العالم بما تكن الصدور، وما تخون العيون...٢٥٠

خرق علمه باطن غيب السترات، وأحاط بغموض عقائد السريرات...۲۰۰

الظاهر فلا شيء فوقه، والباطن فلا شيء دونه...۱۷۷

عالم السر من ضمائر المضمرين...167

عزيز الجند، عظيم المجد...382

قاهر من عازه ومدمر من شاقه، ومذل من ناواه، وغالب من عاداه...١٤٨

كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، متوحد... ١٦

كفى باللّه منتقماً ونصيراً...۱۲۷

كل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات.... وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف الأجسام...۹۹

كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه... ١٦

لا تحيط به الأبصار والقلوب... ۱۳۲

لا تراه العيون بمشاهدة العيان...350

لا غاية له فينتهي، ولا آخر له فينقضي... ١٧٥

لا يحول ولا يزول، ولا يجوز عليه الأقول...۳۷۳

لا يخفى عليه ما العباد مقترفون في ليلهم ونهارهم...٤٣٢

لا يشغله شأن، ولا يغيره زمتن، ولا يحويه مكان... ٣٤٧

لم يزل قائماً دائماً... ١٤٧

لم يطلع العقول على تحديد صفته...87

اللّه الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الأمور... ۳۷۷

اللّهم رب السقف المرفوع، والجو المكفوف...۳۳۲

ليس لأوليته ابتداء، ولا لأزليته انقضاء... ۳۰۹

ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود...15

ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال...150

من حده فقد عده...16

هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي على كل شيء منها بجلاله وعزته...۳۷۵

هو اللّه الحق المبين، أحق وأبين مما ترى هو العيون...۲۸۸

يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، ومعاصي العباد في الخلوات...٤٢٤

صفات أفعاله :

ابتدع الخلق على غير مثال امتثله، ولا مقدار احتذى عليه...١٥٢

ابتدعهم خلقاً عجيباً من حيوان وموات وساكن وذي حركات... ۳۱۹

اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته، واتسعت رحمته لأوليائه...148

أنشأ الخلق إنشاء وابتدأه ابتداء.... ۱۷

بيدك ناصية كل دابة... ۲۰۵

خلق آدم...۲۱

خلق الخلائق على غير مثال ما خلا من غيره ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه... ٣٧٤

خلق العالم...17

خلق الملائكة...19

داحي المدحوات، وداعم المسموكات... ۱۰۷

فاعل لا بمعنى الحركات والآلة...16

قدر ما خلق فأحكم تقديره، ودبره فالطف تدبيره...١٥٤

قسم أرزاقهم، وأحصى آثارهم وأعمالهم... ١٤٨

كل سرّ عندك علانية، وكل غيب عندك شهادة... ٢٠٤

لا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه...۳۷۵

لم تخلق الخلق لوحشة، ولا استعملتهم لمنفعة...204

لم يؤده خلق ما ابتدأ، ولا تدير ما ذرأ، ولا وقف به عجز عما خلق...100

لم يتكاءده صنع شيء منها إذ صنعه، ولم يؤده منها خلق ما خلقه وبرأه...۳۷۷

لم يخلقكم عبئاً، ولم يترككم سدى، ولم يدعكم في جهالة ولا عمى...137

لم يلحقه في ذلك كلفة... ولا اعتورته في تنفيذ الأمور وتدابير المخلوقين ملالة ولا فترة...١٦٨

المنان بفوائد النعم، وعوائد المزيد والقسم، عياله الخلائق، ضمن أرزاقهم، وقدر أقواتهم...149

هو المفني لها بعد وجودها، حتى يصير موجودها كمفقودها... ٣٧٦

وعلم أعمالكم، وكتب أجالكم...۱۳۷

يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها...ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة...377

حمده وشكره :

أحمد اللّه على ما قضى من أمر، وقدر من فعل...٣٥٠

أحمد اللّه وأستعينه على مداحر الشيطان ومزاجره، والاعتصام من حبائله ومخاتله...۲۷۷

أحمده استتماماً لنعمته، واستسلاماً لعزته...۲۹

أحمده شكراً لإنعامه، وأستعينه على وظائف حقوقه...۳۸۲

الحمد للّه الأول قبل كل أول، والآخر بعد كل آخر...۱۸۵

الحمد للّه الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته...۲۸۰

الحمد للّه الذي أظهر من آثار سلطانه، وجلال كبريائه، ما خير مقل العيون من عجائب قدرته...420

الحمد للّه الذي إليه مصائر الخلق، وعواقب الأمر...٣٥٣

الحمد للّه الذي انحسرت الأوصاف عن كنه معرفته...۲۸۸

الحمد للّه الذي بطن خفيات الأمور...87

الحمد للّه الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره...٢٩٤

الحمد للّه الذي شرع الإسلام فسهل شرائعه لمن ورده...١٩٦

الحمد للّه الذي علا بحوله، ودنا بطوله... ۱۱۸

الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد...٣٦٥

الحمد للّه الذي لا تواري عنه سماء سماء، ولا أرض أرضاً...٣٣٤

الحمد للّه الذي لا يفره المنع والجمود، ولا يكديه الإعطاء والجود...١٤٩

الحمد للّه الذي لبس العز والكبرياء، واختارهما لنفسه دون خلقه...۳۹۰

الحمد للّه الذي لم يسبق له حال حالاً...٩٩

الحمد للّه الذي لم يصبح بي ميتاً ولا سقيماً...٤٤٦

الحمد للّه العلي عن شبه المخلوقين، الغالب المقال الواصفين...٤٤٣

الحمد للّه الفاشي حمده والغالب جنده والمتعالي جده...٣٨٦

الحمد للّه الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش، أو سماء أو أرض...٣٥٦

الحمد للّه المتجلي لخلقه بخلقه، والظاهر لقلوبهم بحجته...۲۰۰

الحمد للّه المعروف من غير رؤية، والخالق من غير روية...١٤٧

الحمد للّه المعروف من غير رؤية، والخالق من غير منصبة...٣٦٠

الحمد للّه الناشر في الخلق فضله، والباسط فيهم بالجود يده...١٨٤

الحمد للّه الواصل الحمد بالنعم...219

الحمد للّه خالق العباد وساطح المهاد...۳۰۹

الحمد للّه غير مقنوط من رحمته، ولا مخلو من نعمته...84

الحمد للّه كلما وقب ليل وغسق...86

الحمد للّه وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحادث الجليل...75

حمداً يملأ ما خلقت، ويبلغ ما أردت... ۲۹۹

فتبارك اللّه الذي لا يبلغه بعد الهمم، ولا يناله حدس الفطن...175

لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءهالعادون...15

نحمده على ما أخذ وأعطى، وعلى ما أبلى وابتلي...٢٥٠

عظمة اللّه سبحانه :

أمره قضاء وحكمة، ورضاه أمان ورحمة...299

إياك ومساماة اللّه في عظمته...568

تعنو الوجوه لعظمته...350

فلسنا نعلم كنه عظمتك...299

الاستعانة به:

فمن صدق بهذا فقد كذب القرآن، واستغنى عن الإعانة باللّه في نيل المحبوب ودفع المكروه...114

اللسان

لسان المؤمن من وراء قلبه... ٣٤٣

المرء مخبوء تحت لسانه... ٦٥٨

-م-

الماء

بعد أن كبس اللّه الأرض على مور الأمواج خضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها...١٦٣

ثم أنشأ - سبحانه وسكائك الهواء، فأجرى فيها ماء متلاطماً تياره...۱۷

عصفت الريح بالماء عصفها بالفضاء حتى عب عبابه...۱۸

كل نبات لا غنى به عن الماء، والمياه مختلفة...۲۸۸

وكيف مددت على مور الماء أرضك... ٣٠٠

المال

إن هذا المال... إنما هو فيء للمسلمين، وجلب أسيافهم...٤٧٦

إنما المال مال اللّه ! ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف... ٢٤١

تعاديتم في كسب الأموال...٢٥٤

فمن آتاه اللّه مالاً فليصل به القرابة، وليحسن منه الضيافة، وليفك به الأسير والعاني، وليعط منه الفقير والغارم...٢٦٢

اللسان الصالح يجعله اللّه تعالى للمرء في الناس، خير له من المال يورثه من لا يحمده...۲۳۱

وقال : يا علي إن القوم سيفتنون بأموالهم...۲۹۳

ولا توكل بها - أموال المسلمين - إلا ناصحاً شفيقاً، وأميناً حفيظاً...۵۱۱

يشترط على الذي يجعله إليه أن يترك المال على أصوله...۵۰۸

المحكم والمتشابه

الصادقون الحافظون : وعرف الخاص والعام... وعرف المتشابه ومحكمه...٤٤٠

مبيناً حلاله وحرامه... ومحكمه ومتشابهه... ٢٦

محمد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

اختاره من شجرة الأنبياء، ومشكاة الضياء... ۲۰۰

أضاءت به البلاد بعد الضلالة المظلمة، والجهالة الغالبة، والجفوة الجافية...۲۷۷

أمين وحيه، وخاتم رسله...۳۳۵

إن اللّه بعث رسولاً هادياً بكتاب ناطق وأمر قائم...۳۳۰

أن محمداً عبده ورسوله الصفي، وأمينه الرضي...٣٦٦

أورى قبس القابس، وأضاء الطريق للخابط... ۱۰۸

بعث اللّه سبحانه محمداً رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لإنجاز عدته وتمام نبوته... ۲۵

بعثه بالنور المضيء والبرهان الجلي...٣٠٦٠

تمت بنبينا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حجته، وبلغ المقطع عذره ونذره...166

حتى بعث اللّه محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، شهيداً، وبشيراً، ونذيراً، خير البرية طفلاً، وأنجبها كهلاً... ١٩٣

حقر الدنيا وصغرها... فأعرض عنها بقلبه، وأمات ذكرها عن نفسه...۲۱۰

سيرته القصد، وسنته الرشد، وكلامه الفصل...١٧٦

عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها...303

. فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً، وأعز الأرومات مغرساً...۱۷۵

فإن فيه أسوة لمن تأسي، وعزاء لمن تعزى...۳۰۳

فبعث اللّه محمداً بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته... ٢٦٩

فقاتل بمن أطاعه من عصاه...۱۹۲

فهو أمينك المأمون، وشهيدك يوم الدين... ۱۹۷

قبضت عنه أطرافها - الدنيا - ووطئت لغيره أكنافها...۳۰۱

كلما نسخ اللّه الخلق فرقتين جعله في خيرهما...444

مستقره خير مستقر، ومنيته أشرف منبت، في معادن الكرامة، ومماهد السلامة...۱۷8

المصطفى لكرائم رسالاته، والموضحة به أشراط الهدى... ٣٤٨

محمد بن أبي بكر

لقد كان إلي حبيباً، وكان لي ربيباً...104

المخاطرة

لا تخاطر بشيء رجاء كثر منه...536

المرأة - النساء

إن النساء همهن زينة الحياة الدنيا والفساد فيها...٢٨٦

إياك ومشاورة النساء، فإن رأيهن إلى أفن...۵۳۹

فاتقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر...۱۱۵

فقعود هن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن... وشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد... فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال... ۱۱۵

كالمرأة الحامل، حملت فلما أتمت أملصت، ومات قيمها، وطال تأيمها، وورثها أبعدها...106

لا تهيجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم...٤٩٨

النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ نواقص العقول...115

وأما فلانة، فأدركها رأي النساء... ۲۹۱

مروان بن الحكم

إنها كف يهودية وستلقى الأمة من ومن ولده يوماً أحمر...۱۱۰

المصاحف

رفع المصاحف : هذا أمر ظاهره إيمان، وباطنه عدوان، وأوله رحمة، وآخره ندامة... ۲۳۳

المعروف

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الخلقان من خلق اللّه سبحانه...۲۹۲

فلا معروف يستراح إليه، ولا منكر يتناهى عنه...٥٤٦

لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...٤٠٩

ليس الواضع المعروف في غير حقه... إلا محمدة اللثام، وثناء الأشرار، ومقالة الجهال...٢٦٢

وصنائع المعروف فإنها تقي مصارع الهوان...۲۱۱

المعسكر

فإذا نزلتم بعدي أو نزل بكم، فليكن معسكركم في قبل الأشراف، أو سفاح الجبال... ٤٩٦

الملائكة

أعلم خلقك بك، وأخوفهم لك، وأقربهم منك، لم يسكنوا الأصلاب، ولم يضمنوا الأرحام...٢٠٥

إن المرء إذا هلك قال الناس : ما ترك ؟ وقالت الملائكة : ما قدم...434

سطاً من ملائكتك، لا يسأمون من عبادتك...۳۳۳

سجود، رکوع، صافون، مسبحون أمناء على وحيه، حفظه لعباده، ناكسة من دون اللّه أبصارهم، لا يتوهمون ربهم بالتصوير... ١٩

قد ذاقوا حلاوة معرفته، وشربوا بالكأس الروية من محبته...160

لم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم...١٦٢

ليس في أطباق السماء موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد...١٦٢

منهم من هو في خلق الغمام الدلح، وفي عظم الجبال الشمخ، وفي فترة الظلام الأيهم... ١٥٩

وأنشأهم على صور مختلفات.... أولي أجنحة تسبح جلال عزته... وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات...۱۵۸

وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس، وسترات الحجب...158

وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه...۲۸

وعهد وصيته إليهم في الإذعان بالسجود له....

فقال سبحانه: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس...22

...

ولقد وليت غسله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والملائكة أعواني. يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه... ٤٢٤

ومنهم من، قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء...١٦٠

الملحد

ما أبالي ما صنع الملحدون... ٦٠٣

المنافق

قلب المنافق من وراء لسانه...٣٤٣

منافق مظهر للإيمان، متصنع بالإسلام... ٤٣٩

يتلونون ألواناً، ويفتنون افتناناً...٤١٨

المنكر

لعن اللّه... والناهين عن المنكر العاملين به...٢٤٧

وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه، فإنما أمرتم بالنهي : بعد التناهي...۱۹۵

الموت - المنية

اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت... ۲۰۷

أحب ما أنا لاق إلي الموت... ٣٥٢

استعدوا للموت فقد أظلكم...۹۷

أكثر من ذكر الموت، وذكر ما تهجم عليه...۵۳۲

إن الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم، ولا

يعجزه الهارب، إن أكرم الموت القتل... ٢٣٥

أن مالك الموت هو مالك الحياة...۵۲۷

انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة...٤٧٨

إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت...۱۳۲

خذوها عن خاتم النبيين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إنه يموت من مات منا وليس بميت...١٤٣

الدهر موتر قوسه... يرمي الحي بالموت... ٢٢٠

علقتكم مخالب المنية... ۱۳۳

فاذكروا هادم اللذات، ومنغص الشهوات، وقاطع الأمنيات...١٨٤

فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه...۲۰۸

لا تقلع المنية اختراماً...120

ملاحظ المنية نحوكم دانية...435

الموت هادم لذاتكم، ومكدر شهواتكم... ٤٧٣

واسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم...۲۱۸

وإن للموت الغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة...460

وأوصيكم بذكر الموت، وإقلال الغفلة عنه... ۳۷۹

و بادروا الموت وغمراته وامهدوا له قبل حلوله، وأعدوا له قبل نزوله... ۳۸۳

وبالموت تختم الدنيا...۲۹۱

وخلق الآجال... ووصل بالموت أسبابها... ١٦٧

وطالب للدنيا والموت يطلبه...184

موسی (عَلَيهِ السَّلَامُ)

كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه...۳۰۲

• ن -

النار

أن مالكاً إذا غضب على النار حطم بعضها بعضاً لغضبه...٣٦٣

ثم أقبل... كوقع النار في الهشيم لا يحفل ما حرق...٢٦٦

في نار لها كلب ولجب، ولهب ساطع وقصيف هائل...۲۰۹

فيلقى في نار جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى... ٣١٤

كفى بالنار عقاباً ووبالاً... ۱۲۷

لا يدخل إلا من أنكرهم – الأئمة - وأنكروه... ۲۸۲

ما قربك إلى اللّه يباعدك من النار...٦١٧

المتقون : وهم والنار كمن قد رآها، فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة...٤١٣

واتقوا ناراً حرّها شديد، وقعرها بعيد... ۲۳۱

وأعظم ما هنالك بلية نزل الحميم، وتصلية الجحيم، وفورات السعير... ۱۳۰

وإن النار حقت بالشهوات... ٣٤٠

ولا كالنار نام هاربها...٦٥

ونار شديد كلبها، عال لجبها، ساطع لهبها، متغيظ زفيرها، متأجج سعيرها...٣٨٤

الناسخ والمنسوخ

فحفظ المنسوخ، ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه...٤٤٠

كتاب ربكم فيكم مبيناً... وناسخه ومنسوخه... ٢٦

النبات

أن لكل عمل نباتاً، وكل نبات لا غنى به عن الماء، والمياه مختلفة... ۲۸۸

النصر

أتأمروني أن أطلب النصر بالجور...٢٤1

فأبى بعد سمعه لها إلا النكوص عن نصرتك...٤٤٢

والذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون، حي لايموت...٢٥٤

النصيحة

أما حقي عليكم : فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب...75

النفس

فإن غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك... ٤٦٣

النملة

النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها... ٣٦٧

النوم

لا تذوقوا النوم إلا غرارا...٤٩٧

نوم على يقين خير من صلاة في شك... ٦٤٢

• هـ -

الهجرة

أن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها... ٤٨٧

صرتم بعد الهجرة أعراباً...٤٠٨

لا يقع اسم الهجرة على أحد بمعرفة الحجة في الأرض، فمن عرفها وأقر بها فهو مهاجر...381

والهجرة قائمة على حدها الأول...۳۸۱

الهدى

لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله... ٤٣٢

الهم

تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي... ٥٢٣

من قصر في العمل ابتلي بالهم...651

الهم نصف الهرم...654

الهوى

التقي يتجنب : مشاركة أهل الهوى...١٤٠

فرحم اللّه امرءاً... وقمع هوى نفسه... ٣٤٠

مجالسة أهل الهوى منساة للإيمان...۱۳۹

يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى...٢٥٨

الهواء

ثم أنشا – سبحانه -. وسكائك الهواء، فأجرى فيها ماء... ۱۷

وأعد الهواء متنسماً لساكنها...١٦٥

وأمسكها - السماء ـ من أن تمور في خرق الهواء بأيده...157

وكيف علقت في الهواء سماواتك... ٣٠٠

• و -

الوحي

أخذ على الوحي ميثاقهم...۲۳

أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة...٤١١

جعلهم فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه...158

فقفی به الرسل، وختم به الوحي... ٢٥٢

الوصية

أما وصيتي : فاللّه لا تشركوا به شيئاً، و محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين... ۲۷۳

لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصية بهم...۱۰۳

المخطئون من أصحاب الفرق : ولا يقتدون بعمل وصي...١٤٥

وصية علي لما ضربه ابن ملجم (لعنه اللّه)...507

وفيهم - آل البيت - الوصية والوراثة... ٣٢

الوفاء

الوفاء توأم الصدق...81

• ي -

اليقين

باليقين تدرك الغاية القصوى...٢٩٥

الينابيع

فجر ينابيع العيون من عرانين أنوفها، وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها... ١٦٤

اليوم

خذوا مهل الأيام...٤٨١

فإن غداً من اليوم قريب. ما أسرع الساعات في اليوم، وأسرع الأيام في الشهر...۳۸۰

فكانت - الدنيا - كيوم مضى أو شهر انقضى...٣٨٤

2 – فهرس الأحاديث النبوية

۱ - «أبشر فإن الشهادة من ورائك»...۲۹۳

٢ ـ «ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله، غير حرثة القرآن»...٣٤١

3 - «الآن.حمي الوطيس»...٦٨٢

٤ ـ «إن الجنة حفت بالمكاره، وإن النار حفت بالشهوات»...٣٤٠

5 - «إن اللّه يحب العبد ويبغض عمله، ويحب العمل ويبغض بدنه»...۲۸۸

6 - «إن ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذن»...۲۹۳

7- «إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم»... ٣٤٢

۸ - «إنه يموت من مات منا وليس بميت ويبلى من بلي منا وليس ببال»...١٤٣

9- مإني لا أخاف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً، أما المؤمن فيمنعه اللّه بإيمانه، وأما المشرك فيقمعه اللّه بشركه، ولكني أخاف عليكم كل منافق الجنان عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون...٥١٥

١٠ - «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور»... ٥٦١

۱۱ - «حبل اللّه المتين»...٣٤٥

۱۲ - «اصل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيماً»...586

۱۳ - «صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام»...٥٥٩

١٤ - «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس»...346

15 - «العين وكاء السه»...722

16 - «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود»...626

۱۷ – «فإنه الحبل المتين والنور المبين»... ۲۹۲

۱۸ - «فليس بعد الموت مستعتب»...530

۱۹ - «في القرآن نبأ ما قبلكم، وخبر مابعدكم، وحكم ما بينكم»..... ٦٩٣

۲۰ ـ «لا تحاسدوا، فإن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب، ولا تباغضوا فإنها الحالقة»...۱۳۹

21 - «لا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع»...۲۹۲

۲۲ - «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»...771

٢٣ - «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه»... ٣٤٤

٢٤ - «الكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة»...٤٣٢

٢٥ - «لن تقدّس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع»...585

٢٦ - «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ویده»...۳۲۸

۲۷ - «من قال به صدق، ومن عمل به سبق»...۲۹۲

۲۸ - «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»...٤٣٩

۲۹ ـ «يابن آدم، إعمل الخير ودع الشر، فإذا أنت جواد قاصد»...٣٤٥

٣٠ - «يؤتي يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في نار جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتبط في قعرها»...314

٣١ - «يا علي إن القوم سيفتنون بأموالهم، ويمنون بدينهم على ربهم، ويتمنون رحمته، ويأمنون سطوته، ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة، والأهواء الساهية، فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية، والربا بالبيع»... ۲۹۳

٣٢ ـ «يا علي إن أمتي سيفتنون بعدي«... ۲۹۳

٣٣ ـ «يا علي لا يبغضك مؤمن، ولا يحبك منافق»٦٣٤

٣٤ ـ «يا فلانة - لإحدى أزواجه - غيبيه عني، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزحارفها»...٣٠٤

3 – فهرس العقائد الدينية

الأجل والموت

فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى...٢٤٥

وإن للموت الغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة...٤٦٠

وخلق الآجال فأطالها وقصرها وقدمها وأخرها...١٦٧

يأتي الإنسان رزقه من حيث يأتيه أجله... ۷۰۱

الأزل والأبد

لو جرى على اللّه السكون والحركة لا متنع من الأزل معناه... ۳۷۲

الإمامة والوصية

آل البيت : هم أساس الدين، وعماد اليقين...۳۲

الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم...٢٦٥

حق الإمام على الرعية الوفاء بالبيعة شجرة النبوة، ومحط الرسالة...210

في آل البيت الوصية والوراثة... ٣٢

لا يلي إمامة المسلمين البخيل ولا الجاهل ولا الجافي ولا الحائف للدول ولا المرتشي في الحكم...249

من أنكر الأئمة وأنكروه دخل النار...۲۸۲

وصية علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): فاللّه لا تشركوا به شيئاً، ومحمداً فلا تضيعوا سنته... ۲۷۳

بدء الخلق

خلق آدم :

أهبطه إلى دار البلية...23

نفخ فيه من روحه...21

إبليس :

أمره اللّه بالسجود لآدم فأبى...۲۲

فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لأصله...

وكان قد عبد اللّه ستة آلاف سنة...۳۹۱

الأرض :

كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة ١٦٣

البعث والنشور

إذا تصرمت الأمور... أخرجهم من ضرائح القبور... ۱۲۰

الناس : ومبعوثون أفراداً...۱۲۱

الجنة

أنهار الجنة وأشجارها وثمارها وخمورها وقصورها...٣٢٤

أهل الجنة : لا يتفاخرون، ولا يتناسلون، ولا يتزاورون...۳۰۷

درجات متفاضلات ومنازل متفاوتات... ۱۳۳

في دار اصطنعها لنفسه، ظلها عرشه، ونورها بهجته...٣٦٢

الحساب

يجمع اللّه فيه الأولين والآخرين لنقاش الحساب...188

الرسالة والنبوة

أرسله على حين فترة من الرسل...176

أمين وحيه وخاتم رسله...335

بعث اللّه محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) شهيداً، وبشيراً، ونذيراً...193

بعثه والناس ضلال في حيرة...۱۷۷

تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام...175

واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم... ۲۳

وبعث إلى الجن والإنس رسله...٣٦٠

وجعلهم حجة له على خلقه... ٢٦٥

الروح

الروح تجيب ملك الموت بإذن ربها... ۲۱۷

السنة

ما أحدثت بدعة إلا ترك بها سنة... ٢٦٧

الشيطان

والشيطان موکل به یزین له المعصية ليركبها... ۹۸

الصراط

الصراط وأهواله يوم القيامة...١٢٦

الصور

وينفخ في الصور، فتزهق كل مهجة...422

عالم البرزخ

عالم البرزخ بين الدنيا والآخرة...455

عذاب القبر

إذا انصرف المشيع، ورجع المتفجع أقعد في حفرته نجياً لبهتة السؤال...129

علم الغيب

إنما علم الغيب علم الساعة...٢٤٥

الراسخون في العلم يقرون بجهل الغيب... ١٥١

علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا اللّه... ٢٤٦

وحالت ستور الغيوب بيننا وبينه أعظم... ۳۰۰

الغرائز والفطرة

الخلق أجناس مختلفات في الغرائز والهيئات...155

كلمة الإخلاص فإنها الفطرة...210

اللّه : جابل القلوب على فطرتها...107

الفتن

إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع...88

القرآن

الحكم للقرآن الذي لا اختلاف فيه...50

مبيناً حلاله وحرامه وفرائضه وفضائله وناسخه و منسوخه...٢٦

هذا القرآن إنما هو خط مستور بين الدفتين... وإنما ينطق عنه الرجال...239

وبين مثبت في الكتاب فرضه...27

وفيه تبيان لكل شيء...50

القضاء والقدر

إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور...69

حقيقة القضاء والقدر...638

القدر : طريق مظلم فلا تسلكوه... 688

يأتي الإنسان رزقه من حيث يأتيه أجله... ۷۰۱

القيامة

أماد السماء وفطرها، وأرج الأرض وأرجفها... ۲۰۸

تفيض اللثام فيضاً، وتغيض الكرام غيضاً...203

قد الجمهم العرق، ورجفت بهم الأرض...188

لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نومة...۱۹۱

يخلف الناس فيه الحق وراء ظهورهم... ٣٢٧

يكفأ فيه الإسلام، كما يكفأ الإناء بما فيه...۱۹۱

يوم القيامة : وتشيب فيه الأطفال...٢٩٦

لا نفرق بين أحد من رسله

عیسی ابن مریم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن، ويأكل الجشب...۳۰۲

موسی (عَلَيهِ السَّلَامُ):... لقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه...302

اللّه (عز وجل)

أظهر من آثاره سلطانه، وجلال كبريائه، ما حير مقل العقول من عجائب قدرته... ٤٢٠

بيدك ناصية كل دابة... ٢٠٥

تعنو الوجوه لعظمته...٣٥٠

التوحيد ألا تتوهمه والعدل ألا تتهمه... ۷۲۳

علم أعمالكم، وكتب آجالكم... ۱۳۷

فاعل لا بمعنى الحركات والآلة...17

قدر ما خلق فأحكم تقديره، ودبره فالطف تدبیره...154

قسم أرزاقهم، وأحصى آثارهم وأعمالهم... ١٤٨

الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش، أو سماء أو أرض...٣٥٦

كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه... ١٦

لا تقع الأوهام له على صفة...۱۳۲

لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس... ٣٥٦

لم يؤده خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ما ذرا... ۱۰۰

لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركاً، ولم يلد فيكون موروثاً هالكاً...٣٥٤

ليس لصفته حد محدود ولا نعت موجود... ۱۵

ما وحده من كيفه...۳۷۰

منثناه فقد جزاء، ومن جزاء فقد جهله... ١٦

من حده فقد عده...١٦

هو المفني لها بعد وجودها، حتى يصير موجودها كمفقودها...٣٧٦

وأؤمن به أولاً بادياً، وأستهديه قريباً هادياً، وأستعينه قاهراً قادراً، وأتوكل عليه كافياً ناصراً...۱۱۸

وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً...٣٧٤

وحده لا شريك له : الأول لا شيء قبله، والآخر لا غاية له...132

ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال... ١٥٠

الملائكة

أمرهم اللّه بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس... ۲۲

أنشأهم أولي أجنحة بملائكته المطيفين بعرشه...١٥٨

خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى... ١٦٠

سجود، رکوع، صافون، مسیحون... ۱۹

ليس في أطباق السماء موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد...١٦٢

منهم من هو في خلق الغمام الدلح، وفي عظم الجبال الشمخ...۱۵۹

وعصمهم من ريب الشبهات...158

النار

أن مالكاً إذا غضب على النار حطم بعضها بعضاً لغضبه... ٣٦٣

حرها شديد، وقعرها بعيد...۲۳۱

في نار لها كلب ولجب، ولهب ساطع وقصيف هائل... ۲۰۹

متغيظ زفيرها، متأجج سعيرها...384

نزول الحميم، وتصلية الجحيم، وفورات السعير...130

الوحي

أخذ على الوحي ميثاقهم...23

ومنهم أمناء على وحيه...19

4 – فهرس الأحکام الشرعية

الاحتكار

فامنع من الاحتكار، فإن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) منع منه...583

أركان الإسلام

أركان الإسلام...210

الاستسقاء

دعاء الاستسقاء... ۲۲۳

دعاء آخر للاستسقاء... ٢٦٢

الأضحية

ومن تمام استشراف أذنها وسلامة عينها... ٩١

الإقطاع

إقطاع القطائع وحكم الشرع فيه... ٤٤

والخمس فوضعه اللّه حيث وضعه...685

تحرير الرقبة

أم الولد : فإن مات ولدها وهي حية فهي عتيقة...509

التنجيم

إياكم وتعلم النجوم... فإنها تدعو إلى الكهانة، والمنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر... ١١٤

الجهاد

فمن تركه رغبة عنه البسه اللّه ثوب الذل... ٦١

الحج

وفرض عليكم حج بيته الحرام...27

الحدود

وترك الزني تحصيناً للنسب، وترك اللواط تكثيراً للنسل...٦٧٣

وجلد الزاني غير المحصن... ٢٤٢

الحرام

كيف تسيخ شراباً وطعاماً، وأنت تعلم أنك تأكل حراماً وتشرب حراماً... ٥٤٩

والحرام ما حرم اللّه... ٣٤٤

ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة...۲۹۳

الحرب

فخذوا للحرب أهبتها، وأعدوا لها عدتها... ٦١

وصلوا السيوف بالخطا... ۱۰۲

ولا تجهزوا على جريح... ٤٩٨

الحلال

الحلال ما أحل اللّه...٣٤٤

الحيض

فقعود هن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن...115

الخمر

فيستحلون الخمر بالنبيذ...۲۹۳

الربا

لا يجوز أن يستحل الربا بالبيع...293

الزكاة

الزكاة جعلت الصلاة قرباناً لأهل مع الإسلام...431

وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة...210

السارق

حد السرقة...685

وقطع السارق...242

السحت

لا يجوز أن يستحل السحت بالهدية... ٢٩٣

الشهادة

فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد... ١١٥

الشهيد

من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً... ٣٨٥

الصدقة

وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة، وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء...۲۱۱

الصلاة

تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها... ٤٣٠

الصيام

وصوم شهر رمضان فإنه جنة من العقاب... ۲۱۰

العقد

ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل...590

العين والرقى

العين حق، والرقى حق...۷۱۰

القرار يوم الزحف

واستحيوا من الفر، فإنه عار في الأعقاب، ونار يوم الحساب...102

الفيء

الرسول الكريم أعطى السارق والزاني غير المحصن من الفيء...٢٤٢

القاتل

وقتل القاتل وورث ميراثه أهله.... ٢٤٢

القتال

تسويغ قتال من خالف الحق....... ٥٧

المال

إنما المال مال اللّه...٢٤١

الميراث

أحكام الميراث...٦٨٥

النساء : فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال... ۱۱۵

الهجرة

والهجرة قائمة على حدها ؟ الأول... ۳۸۱

5 – فهرس الأعلام والشخصيات

• أ --

آدم : ۱۵، ۲۱، ۲۲، ۲۳، ١٦٦، 345، 390، 399ف 400، 403، 664، 674، 684، 696، 714، 720

إبراهيم الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ): ٥١٨، ٦٤٢

ابن أبي سفيان : ٣٠٨ ٥٤٧

ابن أبي قحافة : ٣١٣

ابن الأشعث : ٧٠٦

ابن الأعرابي : ۷۱۷

ابن التيهان : ٣٥٩

ابن الخطاب : ۳۱۳

ابن السكيت : ۳۷

ابن جرير الطبري : ٧٠٦

این شرحبيل الشيامي : ٦٩٥

ابن عباس : ٣٦ ٣٧ ٤٨٣

ابن ملجم (لعنه اللّه) : ٥٠٧، ٥٥٩

أبو بكر : ٤٩١

أبو جحيفة : ٧٠٧

أبو جعفر الإسكافي:۵۹۳

أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) = محمد بن علي الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أبو ذر الغفاري : ٢٤٧

أبو سفيان بن حرب : ۳۸، ۵۰۱، ٥٥٢

أبو طالب : ٥٠١

أبو العباس : ٥٠٢

أبو موسى الأشعري : ٦٠٢، ٦١٨

الأثرم : ٣٦٤

أحمد بن قتيبة : ٤٧٨

أحنف : ٢٤٤

أسد الأحلاف : ٥١٨

أسد اللّه : ٥١٨

إسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ): ٤٠٦

الأسود بن قطبة : ٥٩٧

الأشتر النخعي - مالك بن الحارث الأشعث بن قيس : 51، ٤٩٠، ٦٩٠، 713

أمرؤ القيس : ٧٢٠ أمية : ٥٠١

أنس بن مالك : ٦٩٢

• ب -

البرج بن مسهر الطائي : ٣٦٤

بسر بن أرطاة : ٥٨

• ث -

ثعلب (أبو العباس): ۷۱۷

• ج -

جابر بن عبد اللّه الأنصاري : ٧٠٥، ٧٠٦

الجاحظ= عمرو بن بحر

جرير بن عبد اللّه البجلي : ٨٣، ٤٩٢

جعدة بن هبيرة المخزومي : ٣٥٣

جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ٤٩٣

-ح-

الحارث الهمداني : ٦١٠

الحارث بن حوط : ٦٨٣

الحجاج بن يوسف الثقفي : ٢٢٨، ٧٠٦

حرب بن أمية : ٥٠١

حرب بن شرحبيل الشبامي : ٦٩٥

حسان بن حسان البكري : ٦٢

الحسن بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): ۱۱۰، 437، 508، 522، 550، 559، 632، 713

الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): ۱۱۰، 437، 508، 550، 559

٥٥٩،٥٥٠،۵۰۸، ۱۳۷

حمزة : ٤٩٣

• خ -

خباب بن الأرت : ٦٣٣

• د -

داود (عَلَيهِ السَّلَامُ): ٣٠٢، ٦٤٤

• ذ -

ذعلب اليماني : ٣٤٩، ٤٧٨

ذو الرمة : ٢٢٦

ذو الشهادتين = خزيمة بن ثابت الأنصاري

• ز -

الزبير بن العوام : ٣٩، ٤٠، ٦٩، ٢٥٦،337، 436، 487، 593، 604، 666، 692، 720

زياد بن أبيه : ٥٠٣، ٥٠٤ ٥٥٢، ٥٥، ٧٢٤

• س -

سعيد بن مالك : ٦٨٣

سعيد بن يحيى الأموي : ٦١٨

سلمان الفارسي : ٦١٠

سليمان بن داود (عَلَيهِ السَّلَامُ): ٣٥٧

سهل بن حنيف الأنصاري : ٦١٣، ٦٤٧

• ش -

الشامي : ٦٣٨

شريح بن الحارث : ٤٨٨

شریح بن هانی : ٥٩٥

• ض -

ضرار بن حمزة الضبابي : ٦٣٨

• ط -

الطبري = ابن جرير

طلحة : ۳۹، ٦٩، ٢٥٦، ٣٣٧، ٤٣٦،

487، 593، 604، 666، 692

طلحة بن عبيد اللّه : ٣٣٧ ٤٥٢

-ع -

عاصم بن زیاد : ٤٣٨

عائشة : ٦٠٤

العباس بن عبد المطلب : ۳۸

عبد الرحمان بن أبي ليلى : ٧٠٦

عبد الرحمان بن عتاب بن أسيد : ٤٥٢

عبد اللّه بن زمعة :٤٧٦

عبد اللّه بن العباس : ٤٨١، ٤٨٢، ٥٠٢، 503، 507، 508، 543، 608، 615، 617، 695، 724

عبد اللّه بن عمر بن الخطاب : ٦٨٣

عبد اللّه بن قيس : ٤٨١

عبد اللّه بن يزيد : ٤٧٨

عبد المطلب : ٥٠١

عبيد اللّه بن أبي رافع : ٦٩٣

عبيدة بن الحارث : ٤٩٣

عثمان بن حنيف الأنصاري : ٥٥٣، ٥٥٨

عثمان بن عفان : ۶۸، ۱۱۰، ۱۱۱، ۲۵۵، 313، 315، 329، 338، 482، 483، ٤٨٧، ٤٩١، ٤٩٤، ٤٩٦، ٥١٩، ٥٤٦، ٥٩٤

عقيل بن أبي طالب : ٤٦٧، ٤٦٨، ٥٤٤

العلاء بن زياد الحارثي : ٤٣٨

عمار بن یاسر : ٣٥٩، ۷۱۱

عمران بن الحصين الخزاعي : ٥٩٣

عمر بن أبي سلمة المخزومي : ٥٥١

عمر بن الخطاب : ٢٥٤، ٢٦، ٤٩١، ٥٥٢، ٦٨٥

عمرو بن بحر الجاحظ : ٧٢

عمرو بن العاص : ١٣١، ٤٨١، ٥٤٧

عیسی ابن مریم (عَلَيهِما السَّلَامُ): ۳۰۲

• غ -

غالب بن صعصعة : ۷۱۹

• ف -

فاطمة بنت محمد بن عبد اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): ٤٣٣، ۵۰۸

فراس بن غنم :59

الفرزدق : ۷۱۹

فرعون : ۳۹۷

• ق -

قشم بن العباس : ٥٤١، ٦٠٩

قيصر : ٤٨٩

• ك -

کسری : ٤٨٩

كليب الجرمي : ٣٣٢

كميل بن زياد النخعي : ٥٩٩، ٦٥٥، ٦٥٦، ٦٧٤

م-

مالك بن الحارث الأشتر النخعي : ٤٧٢، ٤٩٨، ٥٤٢، ٥٤٦، ٥٦٦، ٦٠٠، 718

مالك بن دحية : ٤٧٨ المأمون : ۷۱۷

محمد بن أبي بكر : ١٠٤، ٥١٣، ٥١٤، ٥٤٢، ٥٤٣، ٥٦٦، ٦٩٦

محمد ابن الحنفية : ٤١، ٦٩٤

محمد بن علي الباقر : ٦٤٠

مروان بن الحكم : ۱۰۹

المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) = عیسی ابن مريم بنت عمران(عَلَيهِم السَّلَامُ)

مصقلةبن هبيرة الشيباني : ٨٤، ٥٥١

معاوية بن أبي سفيان الأموي : ۷۲، ۸۳، 84، 88، 89، 94، 132، 180، 432، 491، 492، 495، 500، 515، 521، 540، 545، 552، 561، 594، 604، ٦١٣، ٦١٥، ٦١٧، ٦٣٨، ٦٨٢

معقل بن قيس الرياحي : ٤٩٧

المغيرة بن الأخنس : ٢٥٥٨

المغيرة بن شعبة : ۷۱۱

المنذر بن الجارود العبدي : ٦١٤

موسى بن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ): ٣٨، ٣٠٢، ٣٥٦، ۳۹۷

• ن -

نعمان بن عجلان الزرقي : ٥٥١

نوف البكالي : ٣٥٣، ٦٤٤

• هــ

هارون بن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ): ۳۹۷

هاشم (جد النبي) : ٥٠١

هاشم بن عتبة : ١٠٤

هشام بن الكلبي : ٦١٦

همام : ٤١٢، ٤١٣، ٤١٧

-و-

الواقدي : ٤٧٦، ٦١٧

6- فهرس الطوائف والقبائل والشعوب

آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) = أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

آل فرعون : ۲۷۷

آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): ۳۱، ٤٨٢

الأتراك : ٢٤٥

الإسلام : ۵۱، ۹۳، ۱۹۱، ۱۹۶، ۲۰۳، 234، 242، 268، 280، 282، 306، 331، 342، 351، 358، 366، 408، 409، 411، 424، 431، 439، 482، 502، 516، 564، 578، 584، 600، 601، 604، 650، 704، 705

أصحاب الجمل : ٤١ ٤٢، ۳۳٠، ۳۳۲، ٣٣٤، ٦٠٢، ٦٣٨

أصحاب مدائن الرس : ٣٥٧

الأعاجم : ٢٦٩

الأكاسرة : ٤٠٦

الأنصار : ۱۰۳ ۲۲۸، ٤۸۱، ٤٨٧، 491، 518، 520، 604، 722

أهل الأمصار : ٥٩٦

أهل البصرة : ۷۲، ۲۷۲، ۲۹۰، ۳۳۲، 521، 553

أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ): ١٧٥، ٢٦٥، ٢٨٦، ٣٠٦، ۷۲۰

أهل الجمل : ٤٥١

أهل السبق : ٥٠١

أهل السواد : ٣٦

أهل الشام : ۸۳، ۹۲، ۱۰4، ۱۳۱، ۱۸۰، 199، 437، 480، 500، 541، 551، 596، 706

أهل صفين : ٥٩٦

أهل العراق : ١٠٦، ٥٠٠

أهل قرقيسيا : ٥٩٩

أهل الكوفة : ١٨٠، ٤٨٧، ٥٩٥

أهل مصر: ٤٥١، ٤٨٨، ٥١٤، ٥٤٦، ٦٠٠

أهل النهروان : ٧٦

أهل اليمن : ٦١٦

• ب -

بنو إسحاق : ٤

٠٦ بنو أسد : ٣٠٨، ٦٠٤

بنو إسرائيل : ٣٢٧، ٤٠٦

بنو أمية : ۱۱۱، ۱۱۲، 144، ۱۷۳، ۱۹۳، 297، 298، 326، 721

بنو تميم : ٥٠٢

بنو جمع : ٤٥٢

بنو سليم : ٥٤٥

بنو عبد المطلب : ٥٢٠، ٥٦٠

بنو عبد شمس : ٦٤٩

بنو عبد مناف : ٤٥٢، ٥٠١،٥٠٠

ينو علي : ٥٠٨

بنو فراس : ٥٩

بنو مخزوم : ٦٤٩

بنو ناجية : ٨٤

بنو هاشم : ٢٦٦

• ت -

التابعون : ٥٢٠

تبع : ٤٨٩

• ث -

ثمود : ٤٣٣

• ح -

الحرورية : ٦٤٢

حمير : ٤٨٩

-خ-

الخوارج : ٨٠ ٩٤، 95، 97، 114، 223، 241، 352، 364، 617، 665، 695، 714

-ر-

ربيعة : ٤١٠، ٦١٦

الروم : ٢٥٤

-س-

سبأ : ۱۷۹

• ش -

الشباميون : ٦٩٥

• ط -

الطلقاء : ٥١٦

-ع -

العرب : ۵۹، ۷۲، ۱۹۲، ۱۹۹، ۲۵۹، 268، 269، 278، 332، 403، 410ف 487، 500، 501، 556

العمالقة : ٣٥٧

• غ -

غامد : ٦٢

• ف -

الفراعنة : ٣٥٧، ٤٠٥ ٤٨٩

الفرس : ٢٦٨

• ق -

قريش : ٦٣، ٧٣ ١٠٣، ١٧٤، ٢٦٥،

33٤، ٤٥٠، ٤٩٣، ٥٤٤، 649

القياصرة : ٤٠٦

• م -

مذحج : ٥٤٦

المسلمون : ۱۱۰، ٢٤۹، ٢٥٥، ٢٦٩، 328، 331، 335، 344، 436، 440، 476، 483، 503، 544، 551، 552، 560، 569، 589، 600، 608، 682، 685

مضر: ٤١٠

المهاجرون : ٤۸۱، ٤٨٧، ٤٩١، 501، 517، 518، 520، 604

• هـ -

هوازن : ٦٨٢

• ي -

اليهود : ٦٩٤

7 - فهرس الكواكب والأفلاك

أطباق السماء : 162

الجو المكفوف : 332

الدراري : 157

الشمس : 141، 156، 289، 311، 332، 368، 646، 544، 565، 690

الشهب الثواقب : 156

الفضاء : 319

الفلك : 19، 157

القمر : 19، 148، 156، 303، 310، 332، 355، 368

الكواكب : 19، 199

النجم : 86، 99، 185، 241، 332، 364، 502

النجم السيّار : 332

8 - فهرس المعادن والجواهر

الدرّ : 150

الذهب : 398، 10، 708

الزبرجد : 321، 323، 326

الزمرد : 401

العسجد : 323

العقيان : 150، 321، 398

الفضة : 321، 510

كبائس اللؤلؤ : 324

الكحل : 259

اللجين : 150، 321

اللؤلؤ : 324

المرجان : 150

الورق : 701، 708

الوشاح : 322

الياقوت : 401

9 - فهرس الأماكن والبلدان

أذربيجان : ٤٩٠

أردشير خرة : ٥٥١

الأقاليم السبعة : ٤٦٨

الأنبار : ٦٣١، ٦٨٢

الأهواز : ٥٠٣

البحرين : ٥٥١

البصرة : ٤٢، ۷۲، ۱۰۹، ۲٤٤، ۲۷۲، 290، 330، 332، 335، 337، 438، 451، 476، 487، 488، 502، 503، 521، 553، 595، 604، 617، 692

حاضرین : ٥٢٢

الحجاز : ٦٩، ٥٤٩، ٥٥٥

جراء : ٤١٠

حلوان : ٥٩٧

دجلة : ٨٦

ذو قار : ٤٧٦

الربذة : ٢٤٧

سقيفة بني ساعدة : ١٠٣، ٥١٨

السواد : ٣٦

شاطيء الفرات : ۸۷

الشام : ٧٣ ٨٣ ٨٤، ٨٦، ٩٢، ١٠٤،131، 180، 186، 199، 259، 437، 480، 497، 500، 541، 551، 595، 596، 631، 638، 706

طيبة : ٣٠٦

العراق : ٦٩، ١٠٦، ٥٠٠

العرج : ٤٧٩

فارس : ٥٠٣، ٧٢٤

فدك : ٥٥٤

الفرات : ۸۷، ۸۸

قرقيسيا : ٥٩٩

کرمان : ۵۰۳

الكعبة : ٥٥٣، ٦٨٥

الكوفة : ٥١، ٥٨، ۸۵، ۱۸۰، ۱۸۷، 352، 353، 487، 595، 602، 604، 647، 651، 695

مدائن الرس : ٣٥٧

المدينة : ٤٤، ٤۸۷، ٥٩٤، ٥٩٥، ٦١٣

مصر : 104، 451، 488، 513، 514، 542، 543، 546، 566، 599، 600

المغرب : 541

مكة : 306، 541، 609

منعرج اللوى : 76

منى: 565

النخيلة : 683

النهروان : 76، 95

هجر : 516

هیت: 599

اليمامة : 555

اليمن : 58، 586، 616

10 - فهرس الوقائع التاريخية

أحد (يوم) : 293، 493

الأحزاب (يوم) : 411

بدر (يوم) : 493، 496

الجمل (حرب وقعة، يوم) : 41، 42، 109، 115، 330، 332، 334، 451، 521، 602

حنين (غزوة) : 682

السقيفة (يوم) : 103، 518

صفين : 29، 88، 92، 101، 199، 233، 235، 332، 359، 437، 447، 498، 508، 522، 596، 647، 651، 695

القليب : 411

ليلة الهرير : 101، 231

مؤتة (يوم) : 493

النهروان (يوم) : 695

هجرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): 408، 479، 487، 604

هوازن (غزوة) : 682

11 - الفهرس التفصيلي

فهرس الجزء الأول

كلمة الناشر... 5

المقدمة...7

مقدمة السيد الشريف الرضي...9

من خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ابتداء خلق السماء والأرض...15

في صفة خلق آدم...21

في ذكر الحج...27

من خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): بعد انصرافه من صفين...29

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وهى المعروفة بالشقشقية...32

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هداية الناس وكمال يقينه...37

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما قبض رسول اللّه...38

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما أشير عليه بألا يتبع طلحة والزبير...39

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يذم فيها أتباع الشيطان...40

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يعني به الزبير...40

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يصف فيه أصحاب الجمل... 41

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذم الشيطان ووعيده لقوم...41

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لابنه محمد ابن الحنفية يوم الجمل...41

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما أظفره اللّه بأصحاب الجمل...42

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذم أهل البصرة...42

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في مثل ذلك...44

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان...44

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما : لما بويع في المدينة...44

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيمن يتصدى للحكم وليس لذلك بأهل...47

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذم اختلاف العلماء في الفتيا...50

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله للأشعث وهو على منبر الكوفة يخطب...51

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الترغيب إلى الطاعة...52

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في موعظة الناس... 53

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيمن اتهموه بقتل عثمان...53

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وصيته بالقرابة والعشيرة... 55

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الحث على قتال الخوارج... 57

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): عند وصول بسر إلى اليمن... 58

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذم من بايعه بشروط... 59

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الحث على الجهاد...61

من ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في التحذير من الدنيا والترغيب في الآخرة...64

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذم المتخاذلين...66

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في معنى قتل عثمان...68

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لابن عباس لما أرسله إلى الزبير قبل وقوع حرب الجمل...69

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في جور الزمان وقسم الناس إلى أقسام...69

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): عند خروجه لقتال أهل البصرة...72

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في استنفار الناس إلى أهل الشام...73

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): بعد التحكيم...75

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في تخويف أهل النهروان...75

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يجري مجرى الخطبة...77

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في معنى الشبهة...78

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذم المتقاعدين عن القتال...79

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الخوارج لما سمع قولهم: لا حكم إلا للّه...80

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الوفاء...81

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في اتباع الهوى وطول الأمل...82

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الإستعداد لحرب أهل الشام...83

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في هروب مصقلة بن هبيرة إلى معاوية...84

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في يوم الفطر...84

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): عند عزمه على المسير إلى الشام...86

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذكر الكوفة...85

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): عند المسير إلى الشام...86

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في صفات الربوبية والعلم الإلهي...86

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وقوع الفتن... 88

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما غلب أصحاب معاوية على شريعة الفرات...88

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في التزهيد في الدنيا...89

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذكر يوم النحر وصفة الأضحية...91

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): عند تزاحم الناس لبيعته...91

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين...92

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يوم صفين حين أمر الناس بالصلح...93

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وصف معاوية...94

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): مع الخوارج...94

و قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما عزم على حرب الخوارج...95

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما قتل الخوارج...96

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذكر الخوارج...96

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما خوف من الغيلة...96

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في التزهيد...97

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الإستعداد للموت...97

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في تنزيه اللّه تعالى...99

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأصحابه يوم صفين... 101

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الإحتجاج على الأنصار...103

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في محمد بن أبي بكر...104

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يوبخ فيه أصحابه...104

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): في سحرة اليوم الذي ضرب فيه...106

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذم أهل العراق...106

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): علم فيها الناس الصلاة على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...107

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله لمروان بالبصرة...109

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما عزموا على بيعة عثمان...110

ومن كلام (عَلَيهِ السَّلَامُ): في اتهام بني أمية له بالمشاركة في دم عثمان...111

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في موعظة الناس...111

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في حال بني أمية...112

ومن كلمات له (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كان يدعو بها... 113

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج إلى الخوارج... 114

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): بعد حرب الجمل في ذم النساء...115

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في تعريف الزهد وتعيين الزاهد...116

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في صفة الدنيا...117

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وتسمى الغراء...118

ومنها في صفة خلق الإنسان...128

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذكر عمرو بن العاص...131

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الموعظة والأمر بالتقوى...132

فهرس الجزء الثاني

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في عظة الناس وأمرهم بالتقوى...137

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في بيان صفات المتقين وصفات الفساق...139

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد ذكر فيها ما يسبب هلاك الناس...144

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): حول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) واتباعه له...1145

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في أوصاف اللّه سبحانه وعظيم مخلوقاته...147

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): تعرف بخطبة الأشباح وهي من جلائل خطبه...149

في صفة السماء...156

في صفة الملائكة...157

في صفة الأرض...163

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان...171

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في عمله وأعمال بني أمية...172

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وصف اللّه والرسول ثم الوعظ والإرشاد...175

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فى فضيلة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...177

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في حمد اللّه وتمجيد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...177

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في حال أصحابه وأصحاب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...178

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وصف بني أمية...182

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في التزهيد في الدنيا...1182

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في رسول اللّه وأهل بيته الأطهار...184

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): تشتمل على الملاحم...185

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذكر يوم القيامة وأحوال الناس المقبلة...188

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في التزهيد في الدنيا...189

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): تقدم مختارها وهي في النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...192

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في بعض صفات الرسول وتهديد بني أمية...193

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في فضل الإسلام والرسول ولوم أصحابه...196

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في بعض أيام صفين...199

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وهي من خطب الملاحم...200

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في صفة اللّه وذكر الملائكة...204

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في أركان الإسلام...210

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذم الدنيا...212

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): ذكر فيها ملك الموت وتوفية الأنفس...217

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذم الدنيا...217

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وعظ الناس...219

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الاستسقاء...223

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في تعظيم ما حجب عن الناس وما سيكون في أمر الحجاج الثقفي...226

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يوبخ البخلاء بالمال والنفس...228

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في مدح أصحابه وتحريضهم على العمل...228

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد جمع الناس وحضهم على الجهاد... 229

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في بيان بعض فضله ووعظ الناس...230

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): بعد ليلة الهرير...231

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال للخوارج و هم مقيمون على إنكار الحكومة...233

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله لأصحابه في ساحة الحرب بصفين...235

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في التحكيم...238

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما عوتب على التسوية في العطاء...241

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيه يبين بعض أحكام الدين وينقض حكم الحكمين...241

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيما يخبر به عن الملاحم في البصرة...244

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذكر المكاييل والموازين...246

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأبي ذر (رَحمهُ اللّه) لما أخرج إلى الربذة...247

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وفيه يبين قبوله أي الخلافة ويصف الإمام الحق...248

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيها وعظ وتزهيد وتذكير...250

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيها تعظيم اللّه سبحانه وذكر القرآن والرسول ووعظ الناس... 252

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد شاوره عمر في الخروج إلى غزو الروم... 254

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في رده على المغيرة بن الأخنس...255

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في أمر البيعة...256

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في شأن طلحة والزبير وفي البيعة له...256

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يومىء فيها إلى ذكر الملاحم...258

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وقت الشورى...260

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في النهي عن عيب الناس...260

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في النهي عن سماع الوقيعة وفي الفرق بين الحق والباطل...261

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في مواضع المعروف...262

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الاستسقاء...262

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في بعثة الرسول وفضل أهل البيت وأحوال أهل الضلال... 265

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في فناء الدنيا وذم البدعة...267

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد استشاره عمر في الشخوص لقتال الفرس بنفسه...268

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وفيها بيان علة البعثة وفضل القرآن...269

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذكر أهل البصرة...272

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قبل موته... 273

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الملاحم وفي وصف أهل الضلال...275

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وفيها يحذر من الفتن...277

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في صفة اللّه سبحانه وصفة أئمة الدين...280

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في صفة الضال والوعظ والإرشاد...283

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في فضل أهل البيت والإرشاد...286

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يذكر فيها بديع خلقة الخفاش...288

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم...290

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيها الحث على التقوى والعمل للآخرة...294

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيها بيان فضل الرسول وعظمة القرآن وذكر دولة بني أمية... 297

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يبين فيها حسن إدارته للرعية...298

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في حمده سبحانه وبيان عظمته وفضائل رسله...299

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في صفة الرسول وأهل بيته ولزوم اتباع طريقتهم والوعظ... 306

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لبعض أصحابه وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):...308

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في بيان صفة الخالق سبحانه وابتداعه للمخلوقات... 309

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما اجتمع الناس إليه وشكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته عنهم... 313

فهرس الجزء الثالث

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس...319

منها في صفة الجنة...324

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الحث على التالف...326

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في أوائل خلافته...328

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): بعدما بويع بعدما بويع بالخلافة...329

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): عند مسير عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة...330

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وجوب اتباع الحق عند قيام الحجة...332

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما عزم على لقاء القوم بصفين...334

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يذكر فيها قصة الشورى وأصحاب الجمل...334

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وفيها ذكر المستحق للخلافة... 335

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في شأن طلحة بن عبيد اللّه... 337

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الوعظ والإرشاد...338

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وفيها الوعظ والإرشاد وبيان فضل القرآن...340

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في معنى الحكمين...347

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وصفه سبحانه وبيان الرسالة والإنذار والوعظ...347

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في التوحيد...349

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذم العاصين من أصحابه...350

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في قوم هموا باللحاق بالخوارج...352

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في حمد اللّه وذكر آثار قدرته وفي الإرشاد...353

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وصفه تعالى وفضل القرآن ووعظ الناس...360

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله للبرج بن مسهر الطائي... 364

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في حمد اللّه وذكر الرسول...365

منها في صفة خلقة الجرادة...367

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): تجمع من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة...370

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذكر الملاحم...378

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): : في الوصية بالتقوى وذكر الموت والاستعداد له...379

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الإيمان ومعنى الهجرة وبيان علمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...381

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيها حمد اللّه والثناء على نبيه...382

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الوصية بالتقوى...386

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): تسمى القاصعة...390

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يصف فيها المتقين وهي التي صعق لها همّام...412

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يصف فيها المنافقين...418

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيها الحمد اللّه والثناء على رسوله والوعظ...420

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): حول بعثة الرسول وموعظة الناس...423

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في بيان اختصاصه بالنبي والحث على الجهاد...424

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في فضل الإسلام والقرآن والحث على التقوى...424

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الصلاة والزكاة والأمانة والوعظ...430

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في معاوية...432

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): كلام له : في الوعظ بسلوك الطريق الواضح...432

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): عند دفن سيدة النساء فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)...433

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الوعظ...434

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان كثيراً ما ينادي به أصحابه...435

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): كلم به طلحة والزبير...436

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في الوصية لأصحابه أن لا يكونوا سبابين...437

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في بعض أيام صفين...437

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة...437

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي...438

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد سأله سائل عن أحاديث البدع...439

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في عجيب صنعة الكون... 441

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في استنهاض أصحابه إلى الجهاد...442

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وصف اللّه سبحانه...443

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في صفة الرسول والعلماء والوعظ...444

ومن دعاء له : كان يدعو به كثيراً...446

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في صفين...447

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في التظلم والتشكي من قريش...450

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ذكر أهل الجمل...451

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما مر بطلحه وابن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل...452

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وصف السالك إلى اللّه سبحانه بالتقوى والعمل الصالح... 452

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله بعد تلاوته ألهاكم التكاثر...453

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله عند تلاوته رجال لا تلهيهم...460

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله عند تلاوته يا أيها الإنسان...463

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في التبرؤ من الظلم...467

ومن دعاء له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يلتجيء إلى اللّه أن يغنيه...469

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في التنفير من الدنيا...469

ومن دعاء له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يلجأ فيه إلى اللّه...471

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في مالك الأشتر بعد موته...472

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في وصف بيعته بالخلافة...472

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في فضيلة التقوى...473

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): خطبها بذي قار وهو متوجه إلى البصرة...476

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): کلم به عبد اللّه بن زمعة...476

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في إحجام اللسان عن الكلام...477

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله وقد ذكر عنده اختلاف الناس... 478

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله وهو يلي غسل رسول اللّه وتجهيزه... 478

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في ما كان منه بعد هجرة النبي ثم لحاقه به...479

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في المسارعة إلى العمل...480

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): في شأن الحكمين وذم أهل الشام...480

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يذكر فيها آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)... 482

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله لعبد اللّه بن عباس...482

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يحث فيه أصحابه على الجهاد...483

باب المختار من كتب أمير المؤمنين...485

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة...487

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إليهم بعد فتح البصرة...488

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لشريح القاضي...488

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى بعض أمراء جيشه...490

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى الأشعث عامل اذربيجان...490

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية...491

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إليه أيضاً...492

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى جرير بن عبد اللّه البجلي لما أرسله إلى معاوية...492

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): يحكي معاملة قريش للرسول في أول الدعوة...493

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية...494

ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو...496

و من وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لمعقل بن قيس الرياحي... 497

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أميرين من أمراء جيشه... 498

ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ): العسكره قبل لقاء العدو بصفين...498

ومن دعاء له (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان يقوله إذا لقي العدو محارباً...499

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لأصحابه عند الحرب...499

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية جواباً...500

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى عبد اللّه بن عباس وهو عامله على البصرة... 502

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى بعض عماله...502

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى زياد بن أبيه...503

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى زياد أيضاً...504

فهرس الجزء الرابع

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى عبد اللّه بن العباس...507

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): قاله قبل موته على سبيل الوصية...507

و من وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ): بما يعمل في أمواله...508

ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى من يستعمله على الصدقات...509

ومن عهد له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى بعض عماله وقد بعثه إلى الصدقة...512

ومن عهد له...: إلى محمد بن أبي بكر لما قلده مصر...513

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية جواباً - وهو من محاسن الكتب...515

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أهل البصرة...521

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية...521

ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ): كتبها للحسن بحاضرين منصرفاً من صفين...522

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية...540

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى قثم بن العباس عامله على مكة...541

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى محمد بن أبي بكر لما بلغه توجده من عزله عن مصر...542

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى عبد اللّه بن عباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر...543

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أخيه عقيل جواباً لكتابه...544

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية...545

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أهل مصر لما ولى عليهم الأشتر...546

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى عمرو بن العاص...547

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى بعض عماله...547

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى بعض عماله...548

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي عامله على البحرين...551

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى مصقلة بن هبيرة عامله على أردشير خره...551

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى زياد بن أبيه...552

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة...553

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى بعض عماله...558

و من وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ): للحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) لما ضربه ابن ملجم...559

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية...561

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إليه أيضاً...561

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أمرائه على الجيش...562

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى عماله على الخراج...563

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة... 565

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): للأشتر النخعي لما ولاه مصر، وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن...566

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى طلحة والزبير...593

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية...594

ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ): وصى بها شريح بن هانی...595

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة...595

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين... 596

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى الأسود بن قطبة صاحب جند حلوان... 597

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى العمال الذين يطأ الجيش عملهم... 598

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى كميل بن زياد النخعي عامله على هيت...599

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أهل مصر مع الأشتر لما ولاه إمارتها... 600

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أبي موسى الأشعري عامله على الكوفة... 602

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية جواباً... 604

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إليه أيضاً... 606

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى عبد اللّه بن عباس وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية... 608

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى قثم بن العباس عامله على مكة... 609

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى سلمان الفارسي اللّه قبل خلافته... 610

و من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى الحارث الهمداني... 610

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى سهل بن حنيف الأنصاري عامله على المدينة... 613

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى المنذر بن الجارود العبدي...614

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى عبد اللّه بن العباس... 615

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية... 615

ومن حلف له : كتبه بين ربيعة واليمن... 616

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى معاوية في أول ما بويع له... 617

ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا : لعبد اللّه بن العباس...617

ومن وصية له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لعبد اللّه بن العباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج... 617

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى أبي موسى الأشعري جواباً في أمر الحكمين... 618

ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لما استخلف إلى أمراء الأجناد... 619

حكم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 623

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ): لكميل بن زياد النخعي...655

فصل : تذكر فيه شيئاً من غريب كلامه المحتاج إلى التفسير...677

1 - فهرس الموضوعات العامة...727

2 - فهرس الأحاديث النبوية...729

3 - فهرس العقائد الدينية...763

4 - فهرس الأحكام الشرعية... 765

5- فهرس الأعلام والشخصيات...772

6 - فهرس الطوائف والقبائل والشعوب...776

7 - فهرس الكواكب والأفلاك...779

8 - فهرس المعادن والجواهر... 780

9 - فهرس الأماكن والبلدان... 781

10 - فهرس الوقائع التاريخية... 783

11 - الفهرس التفصيلي...784

كافة الحقوق محفوظة ومسجلة

الطبعة الأولى

1429هـ / 2008م

المكتب : الرويس - بناية عروس الرويس - تلفاكس : 01/545182 - 03/473919

ص. ب : 140/ 24 - المستودع : بئر العبد - مقابل البنك اللبناني الفرنسي - هاتف : 01/541650

E-mail: info@daraloloum.com

www.daraloloum.com