مؤتمر کربلاء لمواجهة الإخوان النجدیین

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

مُؤْتَمَر کَرْبَلَاءْ

لِمُوَاجَهَةِ الْإِخْوَانِ النَّجْدِيْينَ

تأليف

السّيِّد عبْد الصاحب ناصر آل نصْر الله

المكتبة الوطنية / الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (1268) لسنة 2023

الطبعة الأولى 1444 ه- - 2023م

محرر الرقمي: محسن حقاني فر

اشارة

مُؤْتَمَ کَرْبَلَاءْ

لِمُوَاجَهَةِ الْإِخْوَانِ النَّجْدِيْينَ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مُؤْتَمَ کَرْبَلَاءْ

لِمُوَاجَهَةِ الْإِخْوَانِ النَّجْدِيْينَ

الدَّعوة الوَّهابيّة، أَدوْار الدُّولة السُّعودية، الهجمات الوَّهابية على العرّاق، حُكومة آل الرَّشيْد، الإخوَان النجديِين، التَّأثير البريّطاني في المِنطقة، المؤتمرَاتُ العِراقيَّة - النجْديّة، نهايَة الإخوَان النجْديِين العلاقات السُّعودية - العِراقية

تأليف

السّيِّد عبْد الصاحب ناصر آل نصْر الله

327/563053

ال 954 آل نصر الله، عبد الصاحب ناصر

مؤتمر كربلاء لمواجهة الإخوان النجديين

عبد الصاحب ناصر آل نصر الله - بغداد: دارالمعري، 2023 (صلی الله علیه وآله وسلم)، أبيض، 24سم

1 - العراق - علاقات دولية - المملكة العربية السعودية

2 - المملكة العربية السعودية - علاقات دولية-العراق

أ- مؤتمر كربلاء لمواجهة الإخوان النجديين

م / و

1268 / 2023

المكتبة الوطنية / الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (1268) لسنة 2023

الطبعة الأولى 1444 ه- - 2023م

الاهداء

إلى سماحة المرحوم المرجع الديني العربي الكبير الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير (قدس سره الشریف) أهدي هذا البحث تكريماً واستذكاراً لموقفه المتميز والهام في عقد مؤتمر كربلاء سنة 1922م لمواجهة أخطار هجمات واعتداءات الإخوان النجديين على مدن وعشائر العراق . كما يتضمن الإهداء لكل من ساعد المصلح الخالصي الكبير وساهم وساند وأشرف على عقد هذا التجمع المهم في مدينة كربلاء الحسين عليه السلام وأرجو أن يكون هذا الجهد بمثابة الوفاء والتقدير لمواقفهم الجليلة وهم الان جميعاً في ذمّة الله ، والحمد لله رب العالمين .

المؤلف

التمهيد

بمناسبة مرور مائة عام على انعقاد مؤتمر كربلاء لمواجهة هجمات (الإخوان النجديين)في 10 إلى 15 شعبان سنة 1340ه- الموافق من 8 إلى 13 نيسان سنة 1922م، كان من الضروري استذكار هذا الحدث الكبير الذي إنعقد من أجله مؤتمر كربلاء ، والذي عبّر حينها عن اللحمة الوطنية التي سادت العراقيين والاستعداد لمواجهة المخاطر التي تهدد الأراضي العراقية ، فكان التلاحم من شمال العراق إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه ، بجميع مكوناته القومية والدينية والمذهبية ، فكان الهدف هو العراق والحفاظ على وحدته وحدوده والدفاع عن أرضه ومدنه ومقدساته وعشائره ، رغم أن العراق كان عند انعقاد المؤتمر تحت الوصاية والانتداب الإنكَليزي البغيض .

فهذا الحدث الكبير الذي شغل الناس والعشائر والسياسيين بل حتى دول الإقليم المجاورة للعراق العربية منها وغير العربية . واستذكار هذا الحدث بل الإنجاز الباهر يأتي في وقت نحن أحوج ما نكون على مثله في أيامنا الحالية التي بات العراق العظيم فيها بأتعس حالاته وتشرذمه وهو يسير نحو الهاوية والدمار نتيجة الأوضاع السياسية التي يمر بها ، وتدخل دول الجوار في شؤونه ، وكذلك الحكومات الفاسدة التي تديره سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً ، فالفشل في كل نواحي الحياة وفي كل مكان، وقد تأخر العراق عن بلدان العالم بعد أن كان يشار إليه بالبنان .

فاستذكار مؤتمر كربلاء يعيد للذاكرة الوطنية بُعدها النضالي، فبعد مائة عام من ذكرى انعقاده التي لها دلائل ومتطلبات لما يفرضه الواقع الحالي المعاش في العراق . فقد كان مؤتمر كربلاء ندوة وطنية رائعة تمثلت فيها الدروس والمواقف الوطنية الشجاعة لرجال العراق الميامين الشجعان في وقته .

لقد كانت من نتائج هذا المؤتمر بعد عدة سنين من إنعاقده هي ترسيم الحدود بين العراق ونجد ، و مِنْ ثَمَّ عقد مؤتمرات عدّة لوقف الغزو والعدوان على عشائر العراق وأراضيه ، إلى أن تم التوصل إلى عقد معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين العراق ومملكة نجد والحجاز، بعد طول الخلافات الشخصية بين عاهلي البلدين ، وكذلك الخلافات الحدودية المشتركة .

رغم أننا قد أشرنا إلى مؤتمر كربلاء في الجزء الخامس من كتابنا الموسّع (تاريخ كربلاء) وفق التسلسل الزمني للأحداث في تاريخ المدينة ، وكذلك في بعض مؤلفاتنا الأخرى مثل كتابنا (الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء) فتلك الإشارة كانت مختصرة بشكل يتواكب مع مواضيع الكتاب الذي ذُكر فيه المؤتمر ، فأثبتنا حينها أسباب انعقاد المؤتمر وما دار فيه وقراراته بشكل موجز .

وفي هذا الكتاب الذي إرتأينا أن يكون عنوانه (مؤتمر كربلاء لمواجهة الإخوان النجديين)، والذي سنقوم بالتوسع في بحث أسباب انعقاد المؤتمر من خلال اللمحات التاريخية التي تسببت في أحداث وغزوات وإعتداءات طالت مدن وعشائر عراقية ذهب ضحيتها الكثير من العراقيين، كما أدّت إلى إحداث خسائر في الأموال والممتلكات أيضاً .

كما ونعتقد بأن هذا الكتاب سيكون من ضمن سلسلة المؤلفات التي قدّمناها ونقدمها حول تاريخ كربلاء ، ونستمد العون من الباري سبحانه وتعالى أن يوفقنا لنقدم للقارئ والباحث الكريم موضوعاً لم يحظَ بالبحث والتقصي اللازمين سابقاً ، ونتمنى أن يكون هذا البحث ملبياً لرغبات المحتاجين إلى معرفة ودراسة بعض ما يخص لمحات معيّنة من تاريخ العراق عموماً ومدينة كربلاء بشكل خاص... والحمد لله رب العالمين .

السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر الله

نیسان 2022م/ رمضان 1443ه-

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد المصطفى وآل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه الميامين صلاةً دائمة إلى يوم الدين.. وبعد .

بعد أن رزقنا الباري سبحانه وتعالى بتوفيقاته وبركاته التي لا تحصى حيث أمدنا بما يساعدنا جلت قدرته على تأليف مجموعة من المؤلفات التي تخص مدينة كربلاء تاريخاً وحضارة ، وكانت هذه المؤلفات والبحوث موضع إقبال واستحسان لمن سعی إلى الحصول عليها لمنهجيتها ودقة البحث فيها وهذا ما ظهر من كثرة الإشادة بها واعتمادها مصادر بحثية رصينة خاصة للدارسين والباحثين في المجال الذي بحثناه ولازلنا مستمرين في البحث عنه وهو كل ما يختص بتاريخ مدينة كربلاء .

ومن ضمن هذا النهج نقدم في هذا الكتاب بحثاً مفصلاً عن مؤتمر عُقد في كربلاء قبل مائة عام و سُمي المؤتمر بإسمها ، ففي الذكرى المئوية لانعقاد المؤتمر في نيسان 1922م وكان الغرض منه البحث في الاستعدادات لمواجهة حركة الإخوان النجديين الوهابيين الذين كانوا مستمرين على الهجوم وغزو مدن وعشائر عراقية كان لها تأثير كبير وقلق دائم في نفوس العراقيين وخاصة سكان المدن الواقعة على حافة الصحراء الغربية من وسط إلى جنوب العراق وعلى العشائر الساكنة قرب تلك المدن وفي صحاريها ومرابعها .

وكانت هجمات الإخوان تتخذ من الشمال الشرقي لنجد وشبه الجزيرة العربية منطلقاً لنشاطها التخريبي والمذهبي المتعصب والمتشدد لأغراض تتنافى مع التوجه

القويم للشريعة الإسلامية السمحاء ، وهذه المجاميع التخريبية جعلت نفسها وصية على المسلمين وتطبيق الشريعة بأساليب شيطانية ما أنزل الله بها من سلطان ، فكان الإخوان النجديين يستعملون أساليب القتل البشعة والسلب والنهب واغتصاب الأعراض بطرق إبتعدت عنها الرحمة والشفقة ، فكانوا أشدّاء ومقاتلين قد أفرغت أدمغتهم من أي شيء يشير إلى الجوانب الإنسانية لبني البشر والخلق العربي الأصيل .

هذه الحركة الخبيثة نشأت وتأثرت في الأفكار الوهابية التي إعتمدها قادة نجد وشبه الجزيرة لنشر المذهب الوهابي السلفي المتشدد الذي أسسه محمد بن عبد الوهاب وسانده آل سعود بقوة لإخضاع عرب الجزيرة العربية وجيرانها بإسم الدين والمذهب الجديد حتى لو سالت أنهار من الدماء والتعدي على المقدسات .

فكان الإخوان النجديين هم فصائل القوات الوهابية المتشددة المقاتلة والتي كان آل سعود والأئمة الوهابيين يعتمدون عليهم في غزواتهم وهجوماتهم لإخضاع المناطق والقبائل المتواجدة فيها وقد غُسلت أدمغتهم بمعتقدات غاية في البشاعة والغلاظة والقبح .

في هذا الكتاب إشارة دقيقة إلى موضوع التشدد الديني والمذهبي الحديث الذي ظهر قبل أكثر من قرن من الزمان، وكانت أغراضه الأساسية ليست دينية بحتة وإنما كانت سياسية ومصلحية وتوسعية غلبت على أناس أعماهم الجهل والتخلف وقادهم رجال توّاقون إلى التسلط والهيمنة والتوسع والأنانية .

وسيجد القارئ الكريم مقارنة متوافقة بما كان عليه المتشددون سابقاً وبما يحصل الآن في زماننا هذا من أفكار التعصب الديني والمذهبي وفرق الضلال السلفية التي عاثت في الأرض فساداً بإسم الدين، وهي بلا شك مدفوعة من أعداء العروبة والإسلام، وقد لعبت دول وحكومات عديدة معروفة بالنوايا الخبيثة التي تحملها لتشتيت شمل المسلمين والعرب لتحقيق أغراضها الدنيئة ، وتقود هذه الدول والحكومات الولايات المتحدة الأمريكية الباغية ومن يساندها من دول العدوان والاستعمار القديم والحديث وعلى رأسها بريطانيا وغيرها بمساعدة وتواطئ

حكومات ودول إقليمية عربية وغير عربية في منطقة الشرق الأوسط، وكان ولا يزال للكيان الصهيوني الإسرائيلي الدور الأكبر في ما يحدث في منطقتنا العربية .

وقبل أن نتحدث عن المؤتمر وانعقاده الذي كان حينه يمثل صفحة مشرقة ونموذج حي للتلاحم المصيري بين أبناء الوطن الواحد ، لا بُدَّ من التطرق وبعجالة على مواضيع من الضروري بحثها في هذا الكتاب لعلاقتها المباشرة في مضمونه .

وسنبحث أيضا في شرح معلومات لم يتم التأكيد عليها إلا ما ندر وبشكل سطحي، والمرور عليها هنا في غاية الأهمية لمعرفة أصل المشكلة التي تسببت في إحداث الفوضى العارمة التي سادت شبه الجزيرة العربية وجنوب العراق المتلاحم مناطقياً وعشائرياً معها. وكل ذلك سيكون بالاعتماد على مصادر رصينة عاشت الحدث منها متوافقة معه ومنها محايدة وأخرى مضادة ، ومن خلال البحث سيتعرف القارئ اللبيب على الحقائق مثبتين رأينا في ذلك وفق ما نتصوره وبحياد كامل .

وبداية البحث يجب التعرف على الإخوان النجديين الذين هم الأساس في انعقاد المؤتمر ، وحتى نتعرف عليهم لا بُدَّ من شرح تاريخ تأسيس الوهابية كمذهب ، ومِنْ ثَمَّ البحث في الأسرة السعودية المؤازرة للمذهب الوهابي، وشرح نزاعاتها في المنطقة وخاصة في معاركها في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية، ومعاركها مع الجيوش المصرية التي قادها أولاد محمد علي باشا والي مصر، ثُمَّ نزاعها الدائم مع إمارة آل الرشيد أمراء شمّر في حائل ، ومِنْ ثَمَّ نزاعها مع حكومة الحجاز التي يقودها أشراف مكة ، وبعد ذلك نزاعها مع الحكومة العثمانية .

في كل ذلك ستظهر للعيان الأسباب التي تشكلت من أجلها حركة الإخوان النجديين الذين كانوا القوة التي بيد آل سعود وذراعهم المُفزع إلى أن دب الخصام بينهم بسبب تفرد الإخوان بأعمال كانت تحسب على آل سعود حتى وصل الأمر إلى القطيعة بعد أن ثار الإخوان على عبد العزيز آل سعود الذي تمكن في الأخ من السيطرة عليهم وتصفية قادتهم .

بعد ذلك كلّه سيتم البحث عن بداية تأسيس الإخوان، وسبب تسميتهم ، وشرح معتقداتهم، وطريقة ملبسهم وأحاديثهم وعلاقتهم بغيرهم من السنة والشيعة، والتعرف على مؤسسيهم وقادتهم ، وأماكن تواجدهم، وذكر غزواتهم ومعاركهم ثُمَّ ثورتهم على إمامهم ابن سعود ومِنْ ثَمَّ السيطرة عليهم والقضاء على قادتهم بسبب انفلات السيطرة عليهم .

هذه المقدمات يحتاجها البحث بشكل واسع ، لأنّ النتائج التي ترتبت عليها أحدثت تغييرات واسعة في العلاقات العربية على المستوى القومي والديني ألقت بظلالها على المنطقة لحد الآن .

كانت الحكومة العراقية تحت الانتداب والوصاية البريطانية ، وكان الملك فيصل الأول رحمه الله في السنة الأولى من حكمه الذي بدأ بإعتلائه عرش العراق في آب سنة 1921م. وكان الوضع الداخلي غير مستقر بعد أن قام أحرار العراق بالثورة العراقية الكبرى (ثورة العشرين) والتي أنهاها المستعمر الإنكَليزي بالقوة، وكانت نتيجتها الإيجابية هي تشكيل حكم وطني ملكي تحت الانتداب كخطوة أولى لحين عقد معاهدة مع الجانب البريطاني يتم من خلالها تحقيق الاستقلال من التبعية البريطانية الذي لم يتم رغم الاعتراف بالعراق كدولة في عصبة الأمم المتحدة في ثلاثينات القرن العشرين، لكن ذلك تحقق عام 1958م في الحركة التي قام بها ضباط الجيش العراقي وأنهوا فيها الملكية في العراق .

ففي بداية حكم الملك فيصل الأول المكبل بالالتزامات الإنكَليزية ، فالسلطة الفعلية كانت بيد المندوب السامي البريطاني، ورغم أن الملك والحكومة العراقية التي كان يرأسها نقيب بغداد السيد عبد الرحمن النقيب الكَيلاني تدير شؤون البلد أسماً إلّا أن الأمور كانت فوق صلاحياتهم ، فالإنكّليز أسسوا إدارة خاضعة لهم وفيها من تعاون معهم قَبِلَ الملك ورئيس وزرائه أو لم يقبلا كما سوف نرى ذلك من أمثلة عند انعقاد المؤتمر .

وعندما إستفحل أمر الإخوان النجديين أراد الملك أن يستغل هذه الأحداث خاصة بعد أن تدخل رجال الدين والوطنيون في العراق ومناداتهم بضرورة اتخاذ موقف حازم ضد الإخوان وذلك لاستمرار هجماتهم، وخوفاً من توسعها والإعتداء على المدن والمقدسات والقبائل العراقية في جنوب ووسط العراق فكان لا بُدَّ من اتخاذ موقف حازم إزاء تلك الأمور لأنّ الحكومة والإنكليز كانت مواقفهم باردة وغير مبالية بخطورة الوضع .

فكان لرجال الدين موقف في هذا الحدث فإنعقد على هذا الأساس مؤتمر كربلاء الذي نتحدث عنه في هذا الكتاب ، وسنبحث عند التطرق إليه المواضيع التالية :

• فكرة القيام بعقد المؤتمر .

• الأسلوب الذي تم فيه الدعوة لانعقاده واختيار أسماء المدعوين من كافة أنحاء العراق .

• موقف ملك العراق فيصل الأول بن الشريف حسين من المؤتمر .

• سبب اختيار كربلاء لعقد المؤتمر فيها .

• خطوات الإعداد والتهيؤ والاستقبال وعقد الجلسات وإقامة الضيوف ، وكل ما يختص بالجانب التنظيمي .

• قيادة المرجعية الدينية وموقفها من أحداث العراق ، ولماذا قام المرجع الخالصي الكبير تبني موضوع المؤتمر في وقت كان المشهور أن المرجع الديني الأعلى للطائفة الشيعية هو غير الخالصي .

• الحديث عن تلاحم قوى الشعب العراقي وتجاوز الطائفية وقوة التكاتف عندما يمر العراق بأزمة ، وتبيان أصالة العراقيين .

• موقف المندوب السامي البريطاني البارد اتجاه المخاطر التي يمر بها العراق حينها، ورأيه في المؤتمر وحواراته .

• موقف القوى المضادة لانعقاد المؤتمر إن كان هناك معارضين ومن هم.

• موقف أهالي كربلاء وسادتها وأعيانها ورؤساء مناطقها وشيوخ عشائرها أثناء انعقاد المؤتمر .

• قرارات المؤتمر .

• الوثائق والصور .

• أحداث ما بعد المؤتمر ونتائجه .

نرجو أن يساهم هذا البحث الذي هو ضمن سلسلة البحوث الكربلائية التي لا تقتصر أهميتها على كربلاء وأبنائها ، وإنما البحث يتعلق بتاريخ العراق الحديث ، ونعتقد بأن الباري سبحانه أن أسبغ علينا التوفيق والنجاح في إعداد هذا الكتاب، سيكون موضوعه وثيقة حيّة تنطق بصدق عن أصالة العراقيين ودفاعهم المستميت عن تراب وطنهم العزيز، وتبيان لصفحة مشرقة لمواقفهم الشجاعة . ونأمل من القراء الكرام والباحثين الأطياب أن ينال عندهم هذا الجهد الاستحسان والقبول .

ونحمد الله على ما أعطى وأجزل أنه رحيم شكور .

محتویات الکتاب

الدعوة الوهابية

اشارة

الوهابية حركة إسلامية سنيّة معتمدة أساساً على تعاليم المذهب الحنبلي الذي أسسه الإمام أحمد بن حنبل والمعروف بأنه صاحب المذهب المتشدد في تطبيق الشريعة ، وقامت هذه الحركة في منطقة نجد وسط شبه الجزيرة العربية ، وكان ذلك في القرن الثاني عشر الهجري الموافق للقرن الثامن عشر الميلادي. وإستلهمت جلّ تعاليمها من أبرز مشايخ وأئمة الحنابلة القدماء وهما إبن تيمية(1)وابن القيّم الجوزية(2).


1) ابن تيمية: هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحرّاني من علماء السنة والجماعة ويُعد من أبرز علماء المذهب الحنبلي. ولد في مدينة حرّان بالشام سنة 661ه- (1263م) وتوفي سنة 728ه- (1328م) ، وكانت له مواقف متشددة للغاية في تطبيق الشريعة وبعض الممارسات، فأحدث الكثير من المشاكل وسجن بسببها عدة مرات. لقب ب-(شيخ الإسلام) وإختلف بآرائه الغريبة مع بقية المذاهب الإسلامية وعلمائها، وكان أكثر عدائه مع شيعة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام). تأثر به الكثير من طلاب العلم الذين استهوتهم بوادر الرجوع إلى السلف واعتقادهم بأن مبادئ الإسلام لم تطبق بشكل صحيح ويجب الرجوع إلى ما كان عليه عصر الرسالة المحمدية. توفى وهو في الحبس بقلعة دمشق سنة 728ه- (1328م) عن عمر ناهز 67 عاماً بعد مرض ألم به لثلاثة أسابيع، ودفن في مقبرة الصوفية بدمشق والتي بنيت في أرضها الجامعة السورية، ولا زال قبره معروف فيها.

2) ابن القيم: هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن حُريز الزرعي الدمشقي الحنبلي المعروف بإسم ( ابن قيم الجوزية) أو ابن القيّم، وهو من أبرز أئمة المذهب الحنبلي، وكان والده قيماً على( المدرسة الجوزية الحنبلية). ولد ابن القيم سنة 691ه- (1292م) في دمشق، وتتلمذ على شيخه ابن تيمية وتأثر به كثيراً وبأفكاره وآرائه حتى سُجن مع شيخه بسبب إنكاره لشدّ الرحال لزيارة القبور وأفرج عنه بعد وفاة ابن تيمية، وكانت له مشاكل مع القضاة بسبب فتاويه في الطلاق وغيرها من الأمور، وسار على نهج شيخه ابن تيمية حتى وفاته سنة 751ه- (1350م) وعمره ستون عاماً ودُفن بمقبرة الباب الصغير بدمشق.

بدأت الوهابية على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمساندة الأمير محمد بن سعود حيث تحالفا لنشر الدعوة السلفية التي قامت على أثرها الدولة السعودية الأولى(1)والتي سيطرت على أغلب مناطق شبه الجزيرة العربية وأجزاء من مناطق مجاورة لها ، حيث إنطلقت من (الدرعية )(2)بلدة ابن سعود .

شنَّ محمد بن سعود بناءً على تعاليم محمد بن عبد الوهاب سلسلة من الحروب بدعوى مواجهة من وقف ضد التوحيد وروّج مظاهر الشرك ولبس على الناس دينهم بعد تقديم النصح وبيان الحق وإقامة الحجة على الناس حسب اعتقاد الوهابية .


1) مرّت الدولة السعودية بثلاث مراحل وسميت متسلسلة بالأولى والثانية والثالثة. فالدولة السعودية الأولى هي التي قامت بعد تحالف محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب لنشر الدعوة بالقوة والسيطرة على مناطق خضعت لهم وعندما استفحل أمرهم حدثت الحرب المعروفة ب- ( السعودية العثمانية) عندما حاصر إبراهيم باشا ابن والي مصر محمد علي عاصمة ابن سعود الدرعية وتدميرها وانتهت بذلك الدولة السعودية الأولى في عام 1233ه-/ 1818م. أما الدولة السعودية الثانية فقد تأسست على يد الأمير تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود والتي توسعت بشكل محدود حتى سقوطها سنة 1309ه- / 1891م نتيحة الصراع والحروب الداخلية. وفي بداية القرن العشرين الميلادي قامت الدولة السعودية الثالثة وهي حاضنة ووارثة للدولتين السابقتين في علاقتها مع الدعوة الوهابية وأسس الدولة السعودية الثالثة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس المملكة السعودية الحالية. وسيتم التفصيل عن ذلك في المتن لأهمية الموضوع والبحث عن حركة الإخوان النجديين.

2) الدرعية : بلدة في نجد تقع في إقليم ( عارض ) وتتبع إلى منطقة الرياض في المملكة العربية السعودية الحالية، وتبعد الدرعية عن الرياض عاصمة المملكة 20 كم، وتمثل الدرعية رمزاً في تاريخ المملكة، فقد كانت القاعدة الأولى لانطلاق الدعوة الوهابية وأعتبرت فيما بعد عاصمة الدولة الأولى حتى تم اختيار الرياض من قبل الأمير تركي بن عبد الله مقراً جديداً للحكم عام 1824م.

فبعد عدة حروب تمكنوا من توحيد أجزاء واسعة من شبه الجزيرة وإعتقدوا أنهم يقيمون دولة التوحيد والعقيدة الصحيحة وتطهير أمة الإسلام من الشرك والوثنية !

يذكر دعاة الوهابية رأيهم بأن هذه الدعوة تأسست لتصحيح الأوضاع الدينية الفاسدة وأحوال الناس الاجتماعية المنحرفة التي كانت سائدة في وسط شبه الجزيرة العربية ، ويعتقدون أنها قامت لتنقية عقائد المسلمين والتخلص من العادات والممارسات التي إنتشرت في بلاد الإسلام، والتي تعتبرها الدعوة الوهابية مخالفة لجوهر الإسلام مثل التوسل والتبرك بالقبور وبالأولياء، والبدع كما يعتقدون بأشكالها ، ويقولون إنها دعوة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعتقدون بضرورة الرجوع إلى الإسلام الصافي على حد قولهم، ويؤكدون بأن محمد بن عبد الوهاب الذي سُميت هذه الدعوة بإسمه هو مجدد الدين !!، وأن منهاج الوهابية هو طريقة السلف الصالح في إتّباع القرآن والسنة .

هذه الأمور هي مختصر لأفكار وآراء الدعوة الوهابية والتي وقف عندها الكثير من علماء وفقهاء المذاهب الإسلامية وعارضوا بل رفضوا الكثير من تلك الاراء التي إعتبروها مرضاً وخطراً فادحاً سيؤدي إلى الانقسام بين المسلمين في وقت هم أحوج ما يكونون إلى التلاحم والتكاتف لدرء المخاطر التي يواجهها المسلمون، والتدخلات الاستعمارية التي يحاول جواسيس الدول الغربية نشر الفوضى والانقسام بين المسلمين ، وهذا ما بيّنته الكثير من المصادر التي ذكرت بأن الدعوة الوهابية صنيعة إنكَليزية حيكت بعناية فائقة، الغاية منها معروفة السيطرة على ثروات العرب وإلهائهم بمشاكل لا تعد ولا تحصى ليتفرغ المستعمرون إلى نهب بلداننا وإبقاء العرب والمسلمين في تخلف دائمي في كل النواحي، وقد وجدوا بأن الطائفية والصراعات المذهبية هي الوسيلة الكبرى التي يمكن بذرها في جسم الأمة حتى تستمر عِللها وانقساماتها وإثارة النعرات كما حدث ويحدث الآن في منطقتنا.

محمد بن عبد الوهاب

في عام 1115ه- الموافق للعام 1703م ولد محمد بن عبد الوهاب في بلدة العيينة(1)حيث كان والده قاضياً فيها ، وقيل في حريملة (حريملاء)(2)التي نُقل والده إليها، والأصح على ما يعتقده ابن بشر في تاريخه حيث يقول: ولد محمد بن عبد الوهاب في العيينة قبل أن يُنقل والده إليها .

هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب(3).. من بني تميم . ولد في أسرة دينية ، وكان جده سليمان عالماً ووالده من علماء الحنابلة وكذلك عمّه إبراهيم . تعلم القرآن الكريم وحفظه ، وقرأ على أبيه الفقه في صباه ، وإشتهر بالذكاء والحفظ، وطالع كتب التفسير والحديث .

سافر إلى مكة والمدينة لتحصيل العلم ، ثُمَّ توجه إلى الإحساء ليتفقه على يد علمائها ، ثُمَّ زار البصرة ودرس على الشيخ محمد المجموعي البصري، وفي البصرة كانت البداية حيث بدأ يعتقد بضرورة الدعوة للرجوع إلى ما كان عليه النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) وأصحابه ، فأنكر على بعض العلماء ما سمعه منهم من آراء كانت في اعتقاده لا تتفق مع أصل الإسلام. وكان لعدد من العلماء السلفيين دور في تشكيل وبناء فكر محمد بن عبد الوهاب، وهم ممن درس عليهم في الحجاز وتهامة والإحساء والعراق ،


1) العيينة: قرية تقع على وادي حنيفة في منطقة العارض بوسط نجد في المملكة العربية السعودية حالياً، وتبعد عن الرياض 35 كم . وتشكل مع جارتها (الجبيلة) مركز العيينة والجبيلة التابع لمحافظة الدرعية.

2) حريملاء بلدة في نجد تابعة لمنطقة الرياض وهي الآن من محافظات المملكة العربية السعودية، وتقع على وادي الشعيب (قديماً وادي قرآن) شمال (الدرعية) وتحديداً في الجهة الشمالية الغربية من الرياض عاصمة المملكة حالياً وتبعد عنها حوالي 86كم.

3) عنوان المجد لابن بشر ، ج 1 ص 180 ، وتوجد ترجمته إلى ما فوق وهيب وتصل إلى عدنان، وقد اكتفينا بما ذكرناه.

حيث تفقه على المذهب الحنبلي، كما درس كتب ابن تيمية وابن القيّم الجوزية ، وهذا ما أثّر عليه في انطلاق فكره وآرائه واجتهاده في دعوته الجديدة المتشددة والمغالية .

عندما أنكر محمد بن عبد الوهاب أفعال البعض في البصرة، إجتمع عليه بعض رؤسائها وغيرهم فآذوه وأخرجوه منها وسار إلى مدينة الزبير وأراد المسير منها إلى الشام ولكنه عدل وجهته وقصد الإحساء ، ومنها إرتحل إلى حريملاء وكان فيها أبوه القاضي عبد الوهاب ، وبدأ يقرأ على والده الفقه الحنبلي . بدأ نشاطه حول دعوته سنة 1140ه- (1727م)، وأخذ ينكر ما يفعل الجهال (حسب اعتقاده ) من البدع والشرك في الأقوال والأفعال، وكثر من الإنكار لذلك حتى وقع بينه وبين أبيه كلام، وكذلك بينه وبين أناس في البلد، فإستمر ذلك عدة سنين حتى توفي أبوه سنة 1153 ه-(1740م) ، عندها أعلن الدعوة والإنكار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبعه أناس من أهل البلد ومالوا معه (1).

تعرض إلى محاولة اغتيال من عبيد إحدى القبيلتين المشهورتين في حريملاء يقال لهم (الحميان) ، وهم من الكثرة والفساد فأراد ابن عبد الوهاب منعهم عن الفساد والفسق وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر ، فهم العبيد ليلا بقتله خفية فأنقذه بعض الناس منهم(2).

ويذكر ابن بشر في تاريخه عنوان المجد أن محمد بن عبد الوهاب بعد نجاته من القتل إنتقل إلى بلدة العيينة ورئيسها يومئذٍ الأمير عثمان بن حمد بن معمر(3)،


1) عنوان المجد في تاريخ نجد / عثمان بن عبد الله بن بشر، تحقيق عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، ج 1 ص 36 - 37 ، ط4 - الرياض سنة 1403ه- – 1983م.

2) عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد إبراهيم فصيح الحيدري البغدادي. تحقيق معن حمدان علي . ص 342 ، منشورات مصر مرتضى المتنبي – بغداد سنة 1434ه- - 2013م.

3) هو عثمان بن حمد بن عبد الله بن محمد بن حمد بن عبد الله بن حمد بن محمد بن حسن بن طوق بن معمر من بني سعد من تميم، وعثمان هذا هو جد سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود لأمّه.

فتلقاه بالقبول وأكرمه، وتزوج فيها عمة الأمير عثمان وهي (الجوهرة بنت عبد الله ). فعرض على الأمير عثمان دعوته فنصره وقبل دعوته ، وكان في العيينة أشجار تُعظّم قام الشيخ محمد بقطع أكبر وأهم تلك الأشجار، وقام هو وعثمان بتهديم قبة زيد بن الخطاب (1). فاشتهر أمره في البلاد وبلغ خبره الأمير سليمان بن محمد الحميدي(2)رئيس بني خالد وحاكم الإحساء والقطيف الذي أرسل إلى عثمان كتاباً يتهدده فيه وأن يقتل الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو يُخرجه من بلده، وإن لم يفعل قطع خراجه عنه في الإحساء ، وكان خراجاً كثيراً من الذهب والطعام والكسوة ، فأخبر الأمير عثمان الشيخ بالكتاب ، وأبلغه بضرورة مغادرة العيينة لأنّ سليمان أمره بقتله وأنه لا يريد أن يعصي أمر الأمير سليمان .

خرج محمد بن عبد الوهاب من العيينة وتوجه إلى (الدرعية) وكان ذلك في سنة 1160ه- ، فنزل عند عبد الله بن سويلم(3)وكان من رجالات الدرعية ورئيس أسرته ، فلما دخل عليه ضاقت على عبد الله داره وخاف على نفسه من محمد بن سعود صاحب الدرعية ، فأخذ محمد بن عبد الوهاب يوعظه ويسكن روعه ، فأراد ابن سويلم إخبار محمد بن سعود بحال ابن عبد الوهاب ويرغبه في نصرته ، فالتجأ إلى أخويه مشاري وثنيان ولدي سعود وزوجة محمد بن سعود (موضى بنت أبي وهطان) من آل كثير وكانت ذات عقل وفهم، فأخبروها بحال الشيخ محمد ودعوته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأخبرت زوجها محمد بن سعود بحاله وقالت له : أنه غنيمة ساقها الله تعالى إليك فأكرمه وإغتنم نصرته ،


1) زيد بن الخطاب من الصحابة السابقين في الإسلام وهو أخو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لأبيه، هاجر إلى يثرب وشهد مع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) المشاهد كلها، وبعد وفاة النبي شارك في حروب الردة وقتل في معركة اليمامة في سنة 12ه. وقد بنى أهل اليمامة على قبر زيد ومن قتل معه قباباً يزورونها ويتبركون بها إلى أن هدمها ابن عبد الوهاب بنفسه.

2) هو سلیمان بن محمد بن براك بن غرير آل حميد الخالدي، حكم دولة بني خالد في الإحساء من 1142ه- إلى 1166ه-.

3) وقيل بل في بيت محمد بن سويلم.

فقبل زوجها قولها، ورغّبوا ابن سعود بزيارته فسار إليه في بيت ابن سويلم وقال للشيخ : أبشر ببلادٍ خير من بلادك وبالعز والمنعة .

23

وثيقة خطية عن مبايعة محمد بن سعود لمحمد بن عبد الوهاب في الدرعية وقبول دعوته

ويذكر ابن بشر في عنوان المجد أن محمد بن عبد الوهاب قال لمحمد بن سعود : « وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين. وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم، فمن تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك البلاد والعباد. وأنت ترى نجداً كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة والاختلاف والقتال لبعضهم بعض، فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك»(1).


1) عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر، ج 1 ص 42.

وجعل يشرح له الإسلام وشرايعه وما يحل وما يحرم و ما عليه النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وأصحابه من الدعوة إلى التوحيد والقيام بنصره والقتال عليه . فقبل محمد بن سعود بآراء محمد بن عبد الوهاب وأراد مبايعته ولكن بشرطين قالها ابن سعود، الأول : إنّا إذا قمنا بنصرتك والجهاد في سبيل الله تعالى، وفتح لنا البلاد فلا ترحل عنا ولا تستبدل بنا غيرنا والثاني : أن لي على أهل الدرعية خراجاً آخذه منهم فلا تمنعني عن أخذه منهم .

فقال له الشيخ أمّا الأول فامدد يدك ، فمدها وقبضها فقال له : الدم بالدم والهدم بالهدم(1)، وأما الثاني فلعل الله تعالى أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منه(2). فتبايعا وتعاهدا ودخلا الدرعية سوية .

محمد بن سعود

لأهمية شخصية محمد بن سعود الذي كان السند الأساس لانتشار الدعوة الوهابية ، وهو المؤسس الأول للدولة السعودية الذي توارث الحكم فيها أولاده وأحفاده لحد الآن، كان من الضروري جدّا ترجمته ومعرفة أصل هذه الشخصية الطموحة التي ساندت دعوة محمد بن عبد الوهاب وتلاقحت الأطماع والرغبات براية التجديد الديني لدى ابن عبد الوهاب، والسيطرة والتوسع والأمرة لدى ابن سعود .

محمد بن سعود هو : محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة العنيزي المريدي (المردة من حنيفة) من بكر بن وائل، وهو مؤسس الدولة السعودية الأولى، ولد في الدرعية سنة 1109 ه- (1697م)،


1) الدم بالدم معروف المعنى، والهدم معناه الوقوف ضد كل من يتجاوز على الذمة والدين.( هامش ص 344 من كتاب عنوان المجد لابن فصيح).

2) راجع عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد / إبراهيم فصيح الحيدري البغدادي. ص344.

وتوفي سنة 1179ه- (1765م) . قاد حملات التوحيد (حسب اعتقاد الوهابية) وأخضع الكثير لحكمه في نجد .

ويذكر أمين الريحاني في كتابه (تاريخ نجد الحديث وملحقاته) عندما يتحدث عن أمراء المناطق في نجد فيقول :

«ومن أولئك الأمراء حكام ذلك الزمان مقرن بن مرخان (جد ابن سعود) الذي يمت بنسبه إلى بكر بن وائل ، فجديلة، فربيعة . ومن كبار أجداد مقرن الأولين الأمير مانع الذي بسط سيادته على الإحساء وقطر والقطيف . هو جد (الموانعة) أسرة المعروفة في نجد، ومؤسس الدرعية . ولكن ملكه الذي تجاوز حدود نجد لم يدم طويلاً ، ولم يكن ملك أبنائه ليختلف كثيراً عن ملك سواهم من الأمراء ، فما اشتمل على غير بلدين أو ثلاثة والقرى التابعة لها. هي حال بني مقرن في طليعة القرن الثاني عشر للهجرة ، فقد كان محمد بن سعود بن محمد بن مقرن أميرا على الدرعية، وهو على ولاء وابن معمّر أمير العيينه وابن دواس أمير الرياض. وفي عهده ظهر محمد بن عبد الوهاب مجدد المذهب الحنبلي ورسول التوحيد، فعُقد بينهما العهد.. وكان أمير الدرعية وإخوانه ثنيان ومشاري وفرحان أول من باشروا الجهاد في سبيل الدعوة الوهابية»(1).

وعودة إلى محمد بن عبد الوهاب، فعندما إستقر في الدرعية بحماية ابن سعود أتى إليه من كان يؤيده في العيينة ، فعلم عثمان بن معمر أمير العيينة بنصرة ابن سعود لابن عبد الوهاب ندم على ما فعل به فسار ومعه عدة رجال من العيينة ورؤسائها وطلبوا منه الرجوع معهم فأبى وقال الأمر لمحمد بن سعود، وعندما كلموه به رفض وأبى أن يلبي طلبهم وبقي بن عبد الوهاب في الدرعية فرجعوا إلى بلدهم .

أنظر إلى المصالح عندما تتوافق بإسم الدين، فأساس قبول الدعوة من قبل ابن سعود لم يكن على إحساس ديني بل هو مَنْ أَجل تحقيق مآرب سلطوية سياسية


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص 51 ، المطبعة العلمية – ليوسف صادر، بيروت، ط1 سنة 1928م.

توسعية نفعية . وفي نفس الوقت نجد بأن صاحب الدعوة وجد اليد التي تسانده في نشر دعوته الجديدة وآرائه ، فتحققت المصلحتان بذلك ، وعليه كانت فتوحات ابن سعود قد أوسمها أنها مَنْ أجل الدين ورفعته !!!

في الدرعية بدأ محمد بن عبد الوهاب يطرح آرائه ومعتقداته وقد أذعن الناس فيها إليه ، ثُمَّ كاتب أهل البلدان بذلك رؤسائهم وقضاتهم ، فمنهم من قِبل ومنهم من إتخذه سخريّاً وإستهزؤا به ونسبوه إلى السحر، ومنهم من رماه بأشياء ... ثُمَّ أمر ابن عبد الوهاب بالجهاد لمن عادى أهل التوحيد (حسب اعتقاده ) وسبّه وسبّ أهله.. (1).

تعرضت الدعوة الوهابية منذ ظهورها للنقد من قبل الكثير من خصومها ، ومن هؤلاء الذين إنتقدوها سليمان بن عبد الوهاب أخو محمد بن عبد الوهاب الذي كان مناوئا لأخيه ، وألّف رسالة يعارض فيها دعوة أخيه ويرد عليه ، وظهرت هذه الرسالة فيما بعد مطبوعة بعدة مسميات منها (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) ، وآخرين ذكروا كتاب سليمان بن عبد الوهاب بإسم (فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب)، وسمّاه محمد بن حميد الحنبلي (السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة) ، وهناك كتب بمسميات كثيرة منها (فتنة الوهابية) و(الدرر السنية في الرد على الوهابية) لمؤلفهما أحمد زيني دحلان مفتي الشافعية في مكة ، وغيرها من المؤلفات وجميعها تناقض وتعادي الأفكار الوهابية .

وكان العدو اللدود للوهابية وهو ( عريعر ) الذي خلف الأمير سليمان رئيس بني خالد وحاكم الإحساء ، فقد جاء بجيش جرار من العربان وفيهم من قبيلة عنزة وكبيرهم ابن هذال (جد فهد بك) وحاصروا الدرعية ، إلا أنهم لم يتمكنوا منها وعادوا مكسورين ، كما كُسر سعدون ابن عريعر في اليمامة .


1) عنوان المجد في تاريخ نجد / لابن بشر ج 1 ص 45.

و في الحقيقة أن أفكار وآراء محمد بن عبد الوهاب كانت محل انتقاد الكثير من العلماء نتيجة أفعال أمر بها بإسم الجهاد وساعده على تبنيها محمد بن سعود، ومن هذه الأفعال هي الإفراط في تكفير وتضليل كل من اختلف معهم، وتكفير أئمة الشيعة الإمامية وأغلب المتصوفة ، ومنها تعرّض الوهابية لأئمة السنة بالتخطئة في العقيدة والتبديع في بعض الأحيان، وخروجهم على الدولة العثمانية حيث يرى أتباع ابن عبد الوهاب أنه من الخطأ إطلاق مصطلح الخلافة على الدولة العثمانية، لأنّ حكمهم هو حكم ملكي، وأن الخلافة انتهت بوفاة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام). كما أن حروبهم بإسم التوحيد التي إستمرت زهاء سبع وعشرين سنة وراح جرّائها آلاف القتلى كان الوهابيون يعللوها بأنها قتال المعادين لأهل التوحيد، وأحلّوا أموالهم وأمتعتهم بدعوى أنهم مشركون .

كذلك سعي محمد بن عبد الوهاب إقامة مذهبه بالقوة والسيف وهذا ما ظهر في الحملات والغزوات التي جرت في شبه الجزيرة العربية وما جاورها ، كما أن قيام الوهابيين بهدم الشواهد والآثار النبوية وهدم الأضرحة والقباب وقبور الصحابة وآل البيت التي يقام عليها بعض الشعائر وإعتبرتها الدعوة الوهابية وسيلة من وسائل الشرك والغلو في الأنبياء والأولياء والصالحين .

لقد إستند محمد بن عبد الوهاب في نشر دعوته ومنهجه إلى مبدأ (التكفير والقتال)، وهذا يعني أنّ دعوته لم تكن قد انحصرت فقط ضمن الإطار النظري فحسب، بل تجاوزت إلى الإطار العملي من خلال السيف ومحاربة المخالفين وغزو القبائل والمدن والقرى الحضرية المجاورة ، وكانت الغاية الحصول على المكاسب والغنائم، والترويج بأن تلك المعارك والغزوات كانت من أجل محاربة البدع !!

وحتى يكتمل فحوى الحديث عن مبادئ الوهابية فلا بُدَّ من التطرق إلى موضوع (الإمامة) . فالفكر الوهابي يؤكد بشكل حتمي على ضرورة وجود

(الإمام)، وهذا الإمام هو الذي سيكون (الحاكم) وهو الذي يقوم بتنفيذ ما يلي:

1 - تطبيق الأحكام الشرعية والاشراف على تنفيذها بدقة .

2 - توحيد المسلمين (ويُقصد بالمسلمين هنا الذين يؤمنون بالدعوة الوهابية التي يسمونها التوحيدية) وغيرهم خارجين عن الإسلام ويتم تكفيرهم مهما كانت مذاهبهم .

3- قيادة (المسلمين) ضد الأعداء والمخالفين .

وعلى هذا المبدأ ولكي تكتمل الحلقة فإنّ محمد بن عبد الوهاب يرى بأن إطاعة الحاكم واجبة وإن كان جائراً أو فاسقاً، وأن أمره يجب أن يطاع . وحتى يتم تطبيق هذه المفاهيم فأعلنت الدعوة الوهابية تحريم الخروج على الحاكم أو القيام بأي ثورة مسلحة أو سلمية ضده. وهذه المفاهيم جاءت كأساس لإعطاء الشرعية الدينية لعائلة ابن سعود وإعطائهم هالة القدسية باعتبارهم ولاة الأمر الواجب طاعتهم والصبر على تجاوزاتهم، حتى لو أدّى بهم الخروج على بعض أحكام الشرع الإسلامي .

هذه الأحكام التي شرّعها محمد بن عبد الوهاب مؤسس الدعوة المتفق مع آل سعود الداعمين لنشر دعوته هي التي جعلت التحالف بين الحركة الوهابية وآل سعود صامداً وقائماً لما يقارب القرنين والنصف من الزمان ولحد الآن .

هذه الأمور كلها جاءت مرافقة مع الدعوة الوهابية المتشددة، التي إستغلها حكام نجد لإخضاع المدن والقبائل والإمارات للحكم الجديد الذي إعتمد التأسيس على هذه الدعوة الجديدة بأساس ديني ومذهبي.

لا بُدَّ من الإشارة إلى أن الكثير من المؤرخين الذين بحثوا في الدعوة الوهابية السلفية قد أشاروا إلى أن الأساس في تأسيس هذه الدعوة الجديدة كان مدفوعا من قوى أجنبية غير مسلمة وهم (الإنكَليز) الغرض الرئيسي منه إحداث شرخ كبير في واقع المسلمين وزرع بذرة الشقاق والاختلاف فيما بينهم بورقة الطائفية والمذهبية لتحقيق آمال وتوجهات مستقبلية كانت تُعد على نار هادئة للسيطرة على

المنطقة العربية وخاصة شبه الجزيرة العربية وما جاورها من بلدان ومدن وإمارات ومشايخ كانت جميعها في حالة صراع وتشرذم .

المنطقة العربية المحددة بشبه الجزيرة العربية وما جاورها من ولايات الشام والعراق ومصر وغيرها كانت في سباق بين القوى الغربية من إنكَليز وألمان وفرنسيين وروس وأمريكان وغيرهم، وكانت هذه الدول ترسل الرحالة والآثاريين والمستشرقين والسوّاح إلى هذه المنطقة بحجة هذه الاختصاصات، ولكن الحقيقة كانت أخطر من ذلك فقد تبيّنت الحقائق فيما بعد بأن كل هؤلاء كانوا جواسيس لدولهم .

وكان مجال السبق للإنكَليز الذين كانت أنظارهم ترنو للسيطرة على المنطقة العربية المشار إليها ، فكانت بريطانيا منذ القرن السابع عشر قد وضعت في أهدافها التوغل في المنطقة لتحقيق مصالح ذاتية بعيدة المدى، والأمر الذي دعاها إلى السير في هذا الاتجاه أمور ومقدمات لأسباب عديدة منها:

1 - إن بريطانيا كانت تحتل الهند وتريد أن تأمن على المواصلات فيما بينها وبين مستعمرتها، وكذلك على تجارتها وأسواقها في الشرق الأوسط .

2 - العداء بين بريطانيا والدولة العثمانية وإن لم يكن طافيًا على السطح ولكنه كان معروفاً لدى الطرفين.

3- الثروات التي تتمتع بها المنطقة، والتي تتوقع بريطانيا أنها أغنى بقاع العالم ومحاولتها التسابق مع الدول الأخرى لمنع غيرها من التوغل مستخدمة شتى الوسائل .

4- عداء الغرب للعروبة والإسلام، وكانت الدول الاستعمارية منذ القرون الوسطى تحاول تهديم أسس الدين الإسلامي ومحاولة حرفه عن مبادئه الأصيلة وإذكاء روح الخلاف والتفرقة من خلال اللعب بالورقة الطائفية والمذهبية والتي هي أنجع الوسائل وأسهلها في أيديهم .

5 - التدخل السياسي في الأحداث التي تجري في المنطقة وإذكائها وإشعالها من قبل الجواسيس الإنكليز ، ومِنْ ثَمَّ التدخل بحجة أن بريطانيا من الدول العظمى في العالم ويهمها مصير الشعوب !!

فالتاريخ يحدثنا بمصادر وثيقة عن ما ذكرناه أعلاه، ومن خلال البحث الموجز الحالي سنتطرق لبعض الأمثلة على لسان مؤرخين ومؤلفين وجواسيس إنكَليز .

فهذا المستر همفر الجاسوس البريطاني المعروف الذي يقول في كتابه الذي يحوي مذكراته(1)، ويتحدث فيه كيف أن وزارة المستعمرات البريطانية قد كلفته مع تسعة جواسيس آخرين في منطقة الشرق الأوسط بإجراء مسح اجتماعي وسياسي في أواخر أيام الدولة العثمانية (الرجل المريض)، والذي يذكر همفر بأن طموح وزارة المستعمرات زيادة اهتمامها لتسريع عملية شق المجتمع وخلق الخلافات الطائفية والمذهبية . وقد جاء في مذكراته النص التالي :

أوفدتني وزارة المستعمرات سنة 1710م إلى كل من مصر والعراق وطهران والحجاز والأستانة لجمع المعلومات الكافية التي تعزز سبل تمزيقنا للمسلمين ، ونشر السيطرة على بلاد الإسلام، وبُعِث في نفس الوقت تسعة آخرين من خيرة الموظفين لدى الوزارة ممن تكتمل منهم الحيوية والنشاط والتحمس لسيطرة الحكومة إلى ساير الأجزاء للإمبراطورية ، وسائر بلاد المسلمين ... »(2).

في الأستانة تعلم المستر همفر التركية والعربية وسمّى نفسه (محمد) وتعلم القرآن والشريعة على يد أحد المشايخ وإسمه (الشيخ أحمد أفندي). وبعد سنوات


1) ذكر البعض ممن يتعاطفون مع الدعوة الوهابية أن هذا الكتاب وهذه المذكرات لم تكن لهمفر وإنما كتبها آخرون أمثال الكاتب العثماني أيوب صبري باشا، وكالوا على تلك المذكرات الكثير من التهم، ونحن نلتزم بالمشهور فإنّ مذكرات همفر إنتشرت على نطاق واسع فإنّنا لا ننكرها ولا نميل إليها بقدر ذكر ما جاء فيها بما يتناسب مع سردنا للأحداث.

2) مذكرات المستر همفر / الجاسوس البريطاني في البلدان الإسلامية، نقله إلى العربية الدكتور ج. خ، ص 12 الصادر عن دار أنوار الهدى - ط3، قم - سنة 1425ه- - 2005م.

طويلة أمضاها في الأستانة إنتقل إلى العراق وإستقر في البصرة وعمل أجيررًا في دكان نجار ، وتعرف على شاب كان يتردد على الدكان ويعرف اللغات الثلاث التركية والفارسية والعربية، وكان يرتدي زي طلبة العلم ، وكان هذا الشاب هو محمد بن عبد الوهاب(1)ويذكر المستر همفر في مذكراته أن محمد بن عبد الوهاب كان شابا عصبي المزاج ، ناقيًا على الحكومة العثمانية، وهو من أهل السنة وكان صديقه النجار (عبد الرضا) صاحب الدكان الذي يعمل به همفر (أو محمد) من الشيعة ، ورغم اختلافهما في المذهب فهم مثل الأخوة ولم يكن هذا الأمر غريبًا في البصرة . وكان ابن عبد الوهاب شابًا متحررًا لا يتعصب ضد الشيعة، كما أنه لم يكن يرى أي وزن لأتباع المذاهب الأربعة بين أهل السنة ويقول :« إنها ما أنزل الله بها من سلطان »(2).

ويقول المستر همفر : حضرت مع محمد بن عبد الوهاب وليمة غداء أقامها النجار (عبد الرضا) الذي أعمل عنده على شرف ضيف وهو أحد علماء الشيعة وإسمه (جواد القمي ) ، ودار بين هذا العالم وابن عبد الوهاب حوار مطول ، وأعجبت بهذا البحث ورأيت أن محمداً الشاب أمام القمي الشيخ الطاعن في السن كالعصفور في يد الصياد لا يتمكن تحركّا ... فوجدت في محمد بن عبد الوهاب ضالتي المنشودة، فإنّ تحرره وطموحه وتبرمه من مشايخ عصره ورأيه المستقل الذي لا يهتم حتى بالخلفاء الأربعة أمام ما يفهم هو من القرآن والسنّة كان أكبر نقاط الضعف التي كنت أتمكن من أن أتسلل منها إلى نفسه(3).

بدأ المستر همفر (محمد) يناقش مع صديقه محمد بن عبد الوهاب مواضيع كثيرة منها في تفسير القرآن على ضوء أفكارهم الخاصة، وفيها يطرح همفر آراؤه للإيقاع بابن عبد الوهاب، وناقشه في الجهاد، وفي موضوع حساس هو (متعة


1) المصدر السابق نفسه/ ص31

2) المصدر نفسه /ص 32

3) المصدر نفسه /ص 34 - 35.

النساء) ، فكان ابن عبد الوهاب لا يؤمن بهذه المتعة وبعد نقاش طويل تمكن همفر من إقناعه مستندا إلى آية قرآنية وأحاديث نبوية مؤيدة لها، وشجعه بأن يتمتع بإحدى النساء لأنّه لم يكن متزوجاً ، فقبل الشيخ وإستحسن الفكرة فتبنى همفر الأمر وجلب إحدى النساء وهي مسيحية أصلاً من البصرة وإسمها صفية وكانت مجندة من قبل الانكليز، وإشترط الشيخ على صديقه همفر (محمد) أن يكون الأمر سري، وبدأ الشيخ يذوق لذة المتعة مع صفية ، وأخذ همفر يناقشه في موضوع الخمر الذي رفضه الشيخ بشكل قاطع ، ولكن(صفية) تمكنت من إسقائه الخمر الذي شربه حتى الثمالة . ثُمَّ ناقشه حول موضع الصوم وكذلك الصلاة، محاولاً التشكيك بهما وعدم وجوبها .

ويقول همفر في مذكراته بأنه أخذ يسحب من الشيخ رداء الإيمان، وعندما أراد همفر أن يتطرق عن الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) فصده محمد بن عبد الوهاب وهدده بقطع العلاقة به ، وبعدها طلب منه التآخي كما أخى الرسول بين أصحابه ، ويردف همفر القول بأن مهمته كانت أن يربي فيه روح الاستقلال والحرية وحالة التشكيك ، وكان يبشره دائما بمستقبل زاهر ويمدح فيه روحه الوقادة، ولفّق له مرة حلماً بأنه في المنام رأى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)جالساً على كرسي وحوله أصحابه ودخل عليه محمد بن عبد الوهاب فقام الرسول إجلالاً له وقبله بين عينيه وقال له : « يا محمد أنت سميي ووارث علمي والقائم مقامي في إدارة شؤون الدين والدنيا » ، فتأثر ابن عبد الوهاب بهذا الحلم الملفق وكاد يطير فرحاً .

ووردت تعليمات إلى همفر بضرورة التوجه إلى كربلاء والنجف ودراسة الأوضاع فيهما والبقاء فترة عدة أشهر ومِنْ ثَمَّ الذهاب إلى بغداد لإعطاء المعلومات إلى الممثل الإنكليزي في بغداد، وقبل أن يغادر البصرة كان قلقا على مصير محمد بن عبد الوهاب الذي كانت له النية بالسفر إلى الأستانة ، وتمكن همفر من إلغاء هذه الفكرة وخوّفه بأنه قد يُقتل هناك إذا تفوّه بأمور لم يستطيع السكوت عنها ، وشجعه بالذهاب إلى (اصفهان وشيراز )ففيهما الشيعة وهم طيبون ونصحه أن

يأخذ بمبدأ التقية حتى لا يختلف معهم ، وعن لقائهم فيما بعد فقد إتفقا أن تكون أخبارهما عند (عبد الرضا) النجار في البصرة .

ذهب محمد بن عبد الوهاب إلى إصفهان وهناك إتصل به شخص يدعى (عبد الكريم) وهو إسم مستعار لشخص مسيحي من أطراف اصفهان مجند وجاسوس أيضاً ، وقال له أنه أخ محمد (يقصد همفر ، ولحقت به (صفية) التي جدد معها عقد المتعة لمدة شهرين. وبعدها أقنعه عبد الكريم بالسفر إلى شيراز، وهناك هيأ له عبد الكريم متعة أخرى مع إمرأة أصلها من يهود شيراز وإسمها (آسيا) وهي أجمل وأكثر إنوثة من صفية . وكانت آسيا مجندة وعميلة للإنكليز أيضا.

هذه المعلومات واتصال عبد الكريم به أخذها همفر من مسؤوليه الإنكَليز فإنّهم لم يتركوا ابن عبد الوهاب وتابعوه وأداموا الاتصال به . فتمت السيطرة على محمد بن عبد الوهاب من هؤلاء الأربعة، وأنه طبخ كأفضل ما يمكن لما يرجى منه في المستقبل على حد قول همفر !!

بعد إنتهاء مهمته أستدعي همفر إلى لندن لمناقشة تقاريره الدورية ولقاء أسرته ، وكان مسؤولوه راضين عنه في موضوع ابن عبد الوهاب غاية الرضا، وطلبوا منه بعد أشهر من بقائه في لندن أن يعود إلى العراق ، وقدّموا له كتاب ضخم يتضمن معلومات عن نقاط ضعف المسلمين حسب را نقاط ضعف المسلمين حسب رأي بريطانيا، ونقاط القوة عند المسلمين، وفي مذكراته يتحدث همفر في صفحات مذكراته بإسهاب عن هذا الكتاب الخطير الذي فيه المعلومات التي يتزود بها همفر في عمله وكان اسم الكتاب (كيف تحطم الإسلام) !

وبعد إنتهائه من الكتاب وأخذ تفاصيل العمل وما يجب أن يقوم به في العراق ، أخبره سكرتير وزارة المستعمرات بأن هناك خمسة آلاف شخص في المنطقة جندتهم وزارة المستعمرات لهذه المهمة، وإذا تم تطبيق بنود المعلومات الواردة في الكتاب يكونون قد نسفوا الإسلام نسفاً كاملاً حسب اعتقادهم، وأن الخطة الموضوعة لذلك لقرن من الزمان، وقد وضعوا التدخل العسكري في نهاية المطاف !!

بعد بقاء همفر فترة في لندن أُمر بالتوجه للمرة الثالثة إلى العراق لإكمال الشوط مع محمد بن عبد الوهاب، وتم إبلاغه من قبل سكرتير الوزارة بأن لا يفرّط في حقه مقدار ذرّة ، وقال :« إنه حصل على مختلف التقارير الواردة إليه من العملاء أن الشيخ أفضل شخص يمكن الاعتماد عليه ليكون مطية لمآرب الوزارة »(1).

عاد المستر همفر (محمد) إلى البصرة ليلاً وذهب مباشرة إلى دار (عبد الرضا) الذي كان يعمل معه وبات ليلته عنده ، وعلم منه أن محمد بن عبد الوهاب رجع إلى البصرة ثُمَّ سافر إلى نجد ، وترك له رسالة يخبره بسفره وعنوانه في نجد، فسافر إليه همفر إلى نجد مسر عا ، والتقى بابن عبد الوهاب في داره على العنوان الذي لديه ، وقد ظهرت عليه آثار الضعف وأعتقد همفر ذلك لأنه تزوج وأنه ينهك قواه مع زوجته ، ونصحه بالإقلاع فسمع كلامه وقرر همفر أن يجعل نفسه عبدًا لمحمد بن عبد الوهاب أمام الناس حتى لا يثير شكوكهم، وأن هذا العبد كان في سفر أمره به سیده ابن عبد الوهاب . وبقي عنده سنتين يهئ معه الترتيب اللازم لإظهار الدعوة .

يقول المستر همفر في مذكراته النص التالي لأهميته :

«وفي سنة 1143 هجرية قويت عزيمته وقد جمع أنصاراً لا بأس بهم فأظهر الدعوة بكلمات مبهمة وألفاظ مجملة لأخص خواصه ، ثُمَّ جعل يوسع رقعة الدعوة ، وألففت أنا حوله عصابة شديدة المراس زوّدناهم بالمال وكنت أشد عزيمتهم كلما أصابهم خور من أجل مهاجمة أعدائه له ، وكلما أظهر الدعوة أكثر صار أعدائه أكثر ، وأحيانا كان يريد التراجع من ضغط بعض الاشاعات ضده، لكني كنت أشدّ من عزيمته وأقول له : أن (محمد النبيّ) رأى أكثر من ذلك وأن هذا هو طريق المجد وأن كل مصلح لا بُدَّ وأن يتلقى العنت والإرهاق .


1) مذكرات المستر همفر/ ص81. وللتأكد من المعلومات الواردة فيما اختصرناه بشدة، يرجى مراجعة الصفحات من 53 إلى الصفحة 82 من مذكرات همفر، وقد تحاشينا التفصيل واكتفينا بما ورد.

وهكذا كنا مع الأعداء بين الكر والفر وقد وضعت على أعداء الشيخ جواسيس شريتهم بالمال ، فكلما أرادوا إثارة فتنة أخبرنا الجواسيس بقصدهم فنتمكن من قلب الخطة ، وذات مرّة أخبرت أن بعض أعدائه أرادوا اغتياله فوضعت الترتيبات اللازمة لإفشال الخطة، ولما ظهر قصد أعدائه بإرادتهم اغتيال الشيخ إنقلبت الخطة عليهم وأخذ الناس ينفرون منهم .

لقد وعدني الشيخ بتنفيذ كل الخطة السداسية(1)

.أ. تكفير كل المسلمين وإباحة قتلهم وسلب أموالهم وهتك أعراضهم وبيعهم في أسواق النخاسة، وحليّة جعلهم عبيداً ونسائهم جواري.

ب . هدم الكعبة باسم أنها آثار وثنية إن أمكن ومنع الناس عن الحج، وإغراء القبائل بسلب الحجاج وقتلهم.

ت. السعي لخلع الخليفة ( السلطان العثماني)، والإغراء لمحاربته وتجهيز الجيوش لذلك، ومن اللازم أيضاً محاربة (أشراف الحجاز ) بكل الوسائل الممكنة والتقليل من نفوذهم. ث. هدم القباب والأضرحة والأماكن المقدسة عند المسلمين في مكة والمدينة وسائر البلاد الذي يمكنه ذلك باسم أنها وثنية وشرك ، والاستهانة بشخصية النبي (محمد) وخلفائه ورجال الإسلام ما يتيسر .

ج .نشر الفوضى والإرهاب في البلاد حسب ما يمكن ذلك.

ح. نشر قرآن فيه التعديل الذي ثبت في الأحاديث من زيادة ونقيصة.

إلّا أنه قال : أنه لا يتمكن في الحال الحاضر إلّا على الإجهار ببعضها وهكذا كان، وقد إستبعد الشيخ أن يقدر على (هدم الكعبة) عند الاستيلاء عليها، كما لم يبح عند الناس بأنها وثنية وكذلك إستبعد قدرته على صياغة قرآن جديد وكان أشد خوفه من السلطة في (مكة) وفي (الأستانة) وكان يقول : إذا أظهرنا هذين الأمرين لا بُدَّ وأن يجهز إلينا جيوش لا قبل لنا بها، وقبلت منه العذر لأنّ الأجواء لم تكن مهيئة كما قال الشيخ .

بعد سنوات من العمل تمكنت الوزارة من جلب (محمد بن سعود) إلى جانبنا فأرسلوا إلىَّ رسولاً يبيّن ويظهر وجوب التعاون بين المحمدين فمن

(محمد الوهاب


1) هي خطة دقيقة من ست فقرات وضعتها وزارة المستعمرات لأنّ ينفذها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهي:

الدين) ومن (محمد السعود) السلطة ، ليستولوا على قلوب الناس وأجسادهم فإنّ التاريخ قد أثبت أن الحكومات الدينية أكثر دوامًا وأشد نفوذا وأرهب جانباً .

وهكذا كان وبذلك قوى جانبنا قوة كبيرة وقد إتخذنا (الدرعية) عاصمة للحكم (والدين الجديد) ، وكانت الوزارة تزود الحكومة الجديدة سرًا بالمال الكافي كما اشترت الحكومة الجديدة في الظاهر عدة من العبيد كانوا خيرة ضباط الوزارة الذين درّبوا على اللغة العربية والحروب الصحراوية، فكنت وإياهم - وعددهم أحد عشر - نتعاون بوضع الخطط اللازمة ، وكان( المحمدان) يسيران على ما نضع لهما من الخطط ، وكثيراً ما نتناقش الأمر مناقشة موضوعية إذا لم يكن أمر خاص من الوزارة .

وقد تزوجنا جميعًا من بنات العشائر ، وقد أعجبنا بإخلاص المرأة المسلمة لزوجها ، وبذلك اشتبكت أواصر الصلة بيننا وبين العشائر أكثر فأكثر، والأمر الآن يسير من حسن إلى أحسن ، والمركزية تتقوى يوماً بعد يوم وإذا لم تقع كارثة مفاجئة فقد بذرت البذرة الصالحة لأنّ تنمو حتى تؤتي الثمار المطلوبة»(1).

بالرغم من تأثير المستر همفر (محمد) على الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلّا أننا نعتقد بأن ليس جميع أفكار وآراء ابن عبد الوهاب كانت بتأثير علاقته بالجاسوس البريطاني ، رغم أن هذا الجاسوس كان له تأثير كبير عليه في تشجيعه على إنتهاج ما يعتقده من آراء . فكان ابن عبد الوهاب يحمل مبادئ وآراء بتأثير مذهبه الحنبلي المتشدد وتطابق آرائه مع توجهات ابن تيمية وابن القيم الجوزية، فكان قد أعدّ نفسه ليكون الداعي الجديد لما يجب أن يكون عليه المسلمون بالرجوع إلى السلف الصالح باعتقاده التوحيدي ، وأن لا يجمع مع الكتاب والسنة أي تأثير أو مصدر آخر كان سائداً لدى بقية المذاهب ، ونعتقد بشكل كامل أن دعوته الجديدة لا يمكن أن تتم ويخضع لها الناس إلّا بالقوة ومبدأ الشدّة في القول والفعل .


1) مذكرات المستر همفر / ص 84 - 86 .

لو سلمنا الأمر وقبلنا بأن هناك تأثير على ابن عبد الوهاب من قوى خارجية لها مصالح ومآرب فتأييدنا بأن هناك تأثير عليه يأتي من أن الشريعة الإسلامية والنهج الإسلامي على اختلاف الاجتهادات التي رافقته لأكثر من عشرة قرون مضت ، لم تكن تحتاج إلى تغيير أو تبديل في عموم تطبيقات الشرائع ، فجميع المذاهب الإسلامية كانت تتحاور وتتجادل في أمور الفقه والأصول وحتى الفروع والشعائر ، وبعد أن مضت أزمان طويلة على تطور الفكر الإسلامي بما يتلائم وتطور العصور والعلوم والمناهج من خلال المدارس الدينية التي رافقت المسيرة ، فهل ياترى كانت الحاجة ملحة إلى نهج جديد وتغيير في مسالك التطبيق ؟ إلّا اللهم كانت هناك غايات مدفوعة ممن لا يريدون للإسلام وشريعته السمحاء السير على النهج القويم الصحيح الذي إرتاه صاحب الرسالة(صلی الله علیه وآله وسلم) ومن بعده الآل والأصحاب والتابعين من أئمة المسلمين .

فغالبية المدارس الفقهية التي تمثل جميع المذاهب تعتمد مصادر التشريع الأربعة وهي : الكتاب ، السنة ، الإجماع، والعقل . والذين يختلفون عن هذا النهج هم الحنابلة من مذاهب أهل السنة الأربعة ، والإخباريون من مذهب الشيعة الإمامية . فدعوة ابن عبد الوهاب توافقت مع المذهب الحنبلي الذي كان هو أصلاً يتمذهب به متأثرًا بأسلافه من مشايخ المذهب ، فجاءت آراؤه مخالفة لبقية المذاهب وإتصفت بالشدة والغلو والغلظة .

المستشرقون والوهابية

بعد أن ذكرنا مذكرات المستر همفر لا بُدَّ أن نذكر نماذج من الأجانب والمستشرقين والجواسيس ممن تحدثوا عن الدعوة الوهابية ومؤسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

وهذا المستر ستيفن هيمسلي لونكريك الموظف الإنكَليزي الذي شغل عدة مناصب في العراق بعد احتلاله وبقي فيه حتى سنة 1924م وألف كتابه المهم (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) كتاب يبحث عن تاريخ العراق في العصور المظلمة .

وفي كتابه هذا تحدث عن الوهابيين وعن الشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث قال : « حدث في الجزيرة العربية اندفاع ديني آخر تفجرت ينابيعه في نجد . ففي السنوات الأولى من عهد أحمد باشا(1)كانت مدارس بغداد الدينية تضم بين جدرانها طالباً من طلاب العلم ، يدعى محمد بن عبد الوهاب، وقد تدرجت به الأمور حتى قدر له أن يجلب أخطارًا عظيمة على البلاد التي أقام فيها . وكان قبل أن نجده في دور الكتب وخزائنها الباردة المطلة على دجلة قد درس في مكة ودمشق والبصرة. وكان خلال جولاته التجارية قد شاهد مدن وكثير من البشر وتأمل الإسلام من عدة نواح . فكان واجبه في الحياة (الاحياء) أي الرجوع في صفاء التعاليم الإسلامية إلى منبعها ومحاربة الترف والدجل ، والذنوب الشائنة. وعندما غادر بغداد ذهب إلى الحج فأقام في المدينة مدة من الزمن. ولما توفي أبوه عبد الوهاب من بعد ذلك أوقف سني حياته الأخيرة للدعوة إلى عقيدته المنطوية على اليسر والعود إلى جوهر الدين، وذلك في قريته العيينة بنجد. وعندما اضطر إلى الفرار منها التجأ إلى أمير مجاور له في الدرعية، وهو محمد بن سعود . فاستقام عنده وإستولى على لبه سنة بعد أخرى، فكان ،، فكان من ذلك أن اتحدت قواهما الدينية والدنيوية ، فولد ذلك وحدة وروحا في هذه الدويلة الصغيرة التي نشرت عقيدتها بالفتح ... وقد وسع معتنقو هذا المذهب الأيقوني الضيّق الغلاظ المرتدون ، دويلتهم بمحاربة من جاورهم من المسلمين الذين فسدت عقائدهم. وكانت كل غزوة لها فتوى دينية ، وكان از در اؤهم الفائر للمرتدين المترفين المحيطين بنجد من كل جهة قد حداهم لا إلى استعمال العنف الشديد بل إلى ارتكاب أفعال خيّل معها للكثيرين من الناس أنهم يقصدون مهاجمة الدين الإسلامي نفسه. والحقيقة أن أخشن رعاياهم أو أوحشهم من القبائل والمقاتلين كانت لا تعرف القرآن والسنة إلّا النزر اليسير . كما كان


1) أحمد باشا من ولاة بغداد المشهورين الذي تسلم منصبه فيها سنة 1149ه- / 1736م وكانت له مواقف مع نادر شاه الأفشاري، توفي ببغداد سنة 1160ه- / 1747م، وكان والده حسن باشا والياً على بغداد أيضاً.

انفعالهم من تعاليم الدين المحرفة يزيد كثيراً على ما يضمرونه من حنق على اليهود أو النصارى ، وكانوا يضمرون للخليفة وكل شيء تركي استهانة لا تحتمل ... »(1).

ويذكر هارولد ديكسون(2)في كتابه المهم (الكويت وجاراتها) الكثير عن الدعوة الوهابية ومؤسسها ، فتحدث عن مولد محمد بن عبد الوهاب وتنقلاته في البلدان للتجارة وتحصيل العلم ، ننقل مقتطفات من أقوال ديكسون حول الدعوة ومؤسسها ، فيقول : « ... وكانت رحلته التجارية الأولى إلى البصرة فبغداد ، وبالنتيجة إلى دمشق حيث التقى بعدد من علماء الدين المتزمتين وكانوا من السنة وبعضهم يدين مثله بالمذهب الحنبلي وبعضهم الآخر بالمذهب الشافعي . وكان هؤلاء العلماء يعارضون المفكرين غير الملتزمين في الشمال، ويعارضون الخرافات التي يمارسها الدراويش وما شابه ذلك، ويعارضون كل ما أدخله الفرس والأتراك من أفكار إلى الشرق العربي ...

وبعد أن أكمل محمد بن عبد الوهاب دروساً في الشرع بدمشق ، حج إلى مكة والمدينة وعاد بعد ذلك إلى موطنه نجد حيث تزوج وأقام في قرية حريلاما(3)قرب ضارعية (4)عاصمة نجد في ذلك الوقت. وهناك وفي عيانة (5)بدأ تعاليمه . ومظاهر هذه التعاليم الأساسية هي:


1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث/ ستيفن هيمسلي لونكريك، ترجمة جعفر الخياط. ص 254 - 255

2) ولد هارولد ديكسون في بيروت سنة 1881م ودرس في دمشق حيث كان والده قنصلاً لبريطانيا فيها، التحق بالكلية العسكرية في أوكسفورد، وعمل كضابط في الهند لمدة خمس سنوات، ثُمَّ هاجر إلى العراق فترة من الزمن، وإستقر في الكويت سنة 1929م مع زوجته فيوليت.

3) كما وردت في النص، والصحيح (حريملاء).

4) كما وردت في النص، والصحيح (الدرعية).

5) كما وردت في النص، والصحيح (العيينه).

1 - إعادة تركيز المعتقدات المحمدية كما وردت في القرآن ورفض كل ما عدا ذلك من المعتقدات والتقاليد التي قبلها السنة .

2- عدم الاعتراف بأي سلطة روحية للعثمانيين ، أو أي خليفة آخر ، وبأي احترام خاص يتوجب أداؤه لأشراف مكة (السادة الذين ينحدرون من الرسول) ، أو للقديسين والأولياء ، أو للدراويش وغيرهم من الأشخاص .

3- إعادة الانضباط في قضايا الصلاة والصوم والحج .

4 - تحريم الخمر، والتبغ، وألعاب القمار، والسحر، ولبس الذهب والفضة، وإقامة أحجار تذكارية على قبور الأموات .

وكان محمد بن عبد الوهاب يتمتع بحيوية جسدية وفكرية، وساعدته تجربته في دمشق ، كما قال بلغريف(1)على جمع آرائه وبوتقتها وتحديدها بوضوح. وقد كانت قبل ذلك في ذهنه بصورة مشوشة غير منتظمة . فقد تعلّم أن يميز بين عناصر الإسلام الأساسية وبين ما طرأ عليها من بدع حديثة. وأخيرا وجد نفسه يملك الفكرة الأولية نقطة انطلاق الرسول وصحبه في الحجاز قبل اثني عشر قرناً .

وفي سنة 1742(2)نجح محمد بن عبد الوهاب في إقناع وتحويل محمد بن سعود حاكم العريض(3). وكان محمد بن سعود ينتمي إلى قبيلة المساليخ من عنيزة ، فلما إعتنق أفكار محمد بن عبد الوهاب تبعه الكثيرون من سكان ضارعية(4)


1) هو وليم جيفورد بلغريف (بالجريف) يقول عنه روبن بدول في كتابه الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية: « هو جندي وراهب يسوعي وعميل سري وأخيراً دبلوماسي ». ونقول: هو جاسوس بريطاني متلون الطباع ولد سنة 1816م وقيل 1826م يهودي الأصل وأصبح مسيحياً ثُمَّ أباً يسوعياً ثُمَّ سياسياً ملحداً وادعى الإسلام ليخدم أهدافه، تخرج من جامعة أوكسفورد وعمل ضابطاً في الهند ومِنْ ثَمَّ مبشراً للنصرانية بين العرب، ثُمَّ ترك الرهبنة وأصبح دبلوماسياً حيث عين قنصلاً لبريطانيا في الأناضول، وتوفي سنة 1888م.

2) توافق سنة 1255ه-.

3) كما وردت في النص والصحيح (العارض).

4) الصحيح (الدرعية).

والمناطق المجاورة فأصبح رأس هذه الديانة المستصلحة، وكما يدعي الوهابيون رأس الإسلام كلّه .

وبفضل توجيهات مجالس محمد بن عبد الوهاب، والموجة الجديدة العارمة من التعاليم الجديدة، استطاع محمد ابن سعود أن يبسط سلطانه على كل العريض(1)ثُمَّ على القسم الأكبر من نجد ، فأصبح بذلك سنة 1745(2)أول أمير وهابي في تلك المقاطعة ...»(3).

ومما يلفت النظر أن الكثير من المستشرقين كتبوا عن الوهابية ومؤسسها بانبهار وإعجاب وإعتبروها أنها الدعوة الحقيقية للإسلام!!، والغريب في الأمر أن هؤلاء بما كتبوه عن الوهابية ودعوتهم في الوسط الإسلامي قد يعطي الاهتمام والترويج لأفكار الوهابية، وهذا الاهتمام يأتي عمدًا باستخدام هذه الدعوة سلاح فعال لضرب العمق الإسلامي وتشويش عقائد المسلمين وإحداث عوامل التفرقة والتشرذم بينهم ، ويمكن أن يكون هذا السبب هو الحسنة الوحيدة التي أقنعت المستشرقون بالحركة الوهابية .

فالخطر الوهابي وغاراته دعت المستشرقين والمستكشفين الاهتمام بشبه الجزيرة العربية ، واعتقادهم بأن الحركة الوهابية هي القوة الواعدة في المنطقة لتحقيق المآرب الاستعمارية .

فقد كان الرحالة نيبور(4)هو من أوائل الذين تواجدوا في نجد فترة من


1) الصحيح (العارض).

2) توافق سنة 1158ه-.

3) الكويت وجاراتها/ ه . ر . ب. ديكسون، ج 1 ص 102 - 103 ، عن دار صحارى للطباعة والنشر. بيروت سنة 1410ه- - 1990م.

4) هو كارستون نيبور الرحالة الألماني الذي يعتبر من أشهر الرحالين الأوروبيين، رُشح للمشاركة برحلة علمية أمر بها فردريك الخامس ملك الدنمارك سن 1760م، وكان هدف الرحلة كتابة تقرير علمي واجتماعي شامل عن الجزيرة العربية والعراق وسوريا ومصر، ودامت رحلته التي بدأها سنة 1761م ثمان سنوات ( عن كتابنا كربلاء في أدب الرحلات ص 99 - 100).

الزمان. ودوّن معلومات كثيرة عن الوهابية إستفاد منها (لويس دوكورانسي)(1)الذي ألف كتاب عن الوهابية سمّاه( الوهابيون تاريخ ما أهمله التاريخ)، الذي يقول في مقدمته لم يعرف الناس عن الوهابيين حتى بداية القرن التاسع عشر إلّا ما كتبه (نيبور) الذي أقام مدة قصيرة في نجد عندما كان محمد بن عبد الوهاب على رأس تلك الجماعة. ولفت عموم الأنظار إليهم إستيلاؤهم على مكة . فأرسل دوكورانسي إلى باريس في ذلك الحين مقالاً موجزاً لتاريخ الوهابية نُشر في جريدة لومونيتور في 31 تشرين الأول سنة 1804 م(2)، وقامت مجلة فرانكفورت وغيرها 1804 من النشرات الدورية بنقله ، وكان ذلك العرض التاريخي يتضمن ثلاثة فصول هي : أصل الوهابيين ، قصة الشيخ محمد ، وابن سعود الاستيلاء على مكة ووفاة عبد العزيز. وفي المقال أيضاً بعض التفاصيل عن حركة الوهابيين وعاداتهم (3).

لم يخفِ لويس دوكورانسي إعجابه الشديد بالحركة الوهابية وقادتها ، وبإعجابه هذا اعتبر الوهابية حركة إصلاحية، ولم يتوانى عن تنزيه أفعال الوهابيين وما نُسب إليهم. ومن خلال إتمام قراءتنا لكتابه المنوه عنه فوجدناه غير موفق في الكثير من تصوراته ، وقد ابتعد عن الحيادية ، فنجده عندما حدث صدام بين عشيرة (الخزاعل) الفراتية وبين مجاميع غازية من الوهابيين وتم قتل بضع عشرات من الوهابية ، اعتبر قتل هؤلاء ظلمًا ، ولكنه عندما يتحدث عن غزو الوهابيين لمدينة كربلاء وتهديم وحرق مراقدها المقدسة ونهب كنوزها وأعمال السلب والنهب في المدينة وقتل


1) هو لويس الكسندر اولیفیه دوکورانسیه مستشرق فرنسي اشتهر بكتاباته عن تاريخ ونشأة الوهابية، كان ضمن البعثة الفرنسية التي رافقت حملة نابليون على مصر، وإلتحق بالحملة سنة 1799م ، ثُمَّ أصبح بعد ذلك قنصل فرنسا في حلب، وأصبح عضواً في الأكاديمية الفرنسية في سنة 1811م، توفي سنة 1832م.

2) الموافق 27 رجب سنة 1219ه-.

3) الوهابيون تاريخ ما أهمله التاريخ لويس دوكورانسي، ترجمة مجموعة من الباحثين، ص 9 - عن دار رياض الريس للكتب والنشر ، ط 1 سنة 2003م، بیروت - لبنان.

آلاف الأبرياء من النساء والرجال والشيوخ والأطفال فإنّه لا یری ذلك ظلما ! ! !

من خلال متابعة كتابه وجدنا بأن الآراء التي طرحها هذا المستشرق المتيّم والمرهف الإحساس خوفاً على الإسلام من الضياع باعتقاده أن هذه الحركة ستنقذ دین الله مما حل به من التحريف والزييف !! . ألم يكن ذلك الأمر يدعو إلى الضحك ؟ وأي عاقل يقرأ له لا يشك بأن الحركة الوهابية مدعومة هي ومؤسساتها من جواسيس أجانب يريدون بالإسلام والعروبة شراً .

و ممن أشاد بالحركة الوهابية من المستشرقين هو جان جاك بيربي(1)مؤلف كتاب (جزيرة العرب) ، ومن مقتطفات ما جاء فيه ما يلي :« في أواسط القرن الثامن عشر عصف في قلب الجزيرة العربية تيار إصلاحي توحدي سببه الانحلال في الأخلاق والعادات . إذ قام حوالي سنة 1745م فقيه حنبلي من قبيلة تميم في نجد يدعى محمد بن عبد الوهاب وأخذ يبث دعوته الحماسية من أجل العودة إلى الإسلام الحقيقي الحنيف النظيف الطاهر ، كما أراد الرسول . لم يأتِ محمد بن عبد الوهاب بمذهب جديد، ولكنه دعا إلى إتباع التفسير الأصح والأنقى لسيرة محمد (صلى الله عليه و آله وسلم) وأحاديثه .

منذ القرن العاشر ، كانت الجزيرة العربية قد عادت إلى فوضى الاحزاب والقبائل المتنافسة المتخاصمة المتحاسدة . لذلك لم تلاق دعوة محمد بن عبد الوهاب، في البدء أي نجاح . وذهب الجهد الإصلاحي المبذول لتنقية الدين من الأدران هدراً ، بل لاقى مقاومة عنيفة من أكثرية الأمراء البدو الصغار . وأخيراً وجد المصلح من يستمع إليه بانتباه ، في شخص غامض، رئيس واحة (دارية)(2)قرب الرياض في أواسط نجد. وهذا الشيخ كان جد عبد العزيز بن سعود مؤسس العائلة المالكة الكبيرة . فاقتنع بالدعوة الجديدة وتبنّاها . وهكذا أعطى محمد بن


1) جان جاك بيربي كاتب سياسي فرنسي متخصص في الشؤون العربية، له كتاب آخر بإسم ( الخليج العربي).

2) دارية: يقصد بها بلدة ( الدرعية) التي أصبحت عاصمة الوهابيين.

سعود الحركة الوهابية السيف والقاعدة الزمنية وهما ما كانت تحتاج إليهما لتحقيق انتشارها .. »(1).

أمّا روبرت ليسي(2)مؤلف كتاب (المملكة من الداخل ، تاريخ السعودية الحديث) الذي يقول:

« أن الغرباء يسمون العقيدة بالوهابية، وهي التفسير الصارم للدين الإسلامي في وسط الجزيرة العربية.. » ، وفي مكان آخر يتحدث عن محمد بن عبد الوهاب وبداية دعوته ومغزاها واتفاقه مع ابن سعود ، فيقول :

«... عند وصوله (يقصد محمد بن عبد الوهاب)إلى القصيم، تلك المنطقة الجافة شمال الرياض في عام 1153 ه- (1740 م )، أدرك الداعية الشاب الذي كان في السابعة والثلاثين من عمره أن مسلمي عصره قد ضلّوا ضلالاً بعيدا . كان الناس يقدمون القرابين ويقدسون القباب المشيدة على الأضرحة والقبور ، بل وحتى الصخور والكهوف والأشجار التي يعتقدون أن لها علاقة بالأولياء الصالحين .

كانوا يلبسون بشكل مترف ويدخنون السكائر ويمارسون الغناء والرقص بشكل لا يتفق مع قراءته المتشددة للقرآن .

شجب ابن عبد الوهاب واستنكر هذه الممارسات (الكافرة) ودعا إلى العودة إلى الرسالة الأساسية في الإسلام وهي ( لا إله إلا الله) وقاد الحملات لإيقاف الموسيقى وتحطيم القبب وشواهد القبور باسم التوحيد. كان يحب هو وأتباعه أن يُنادوا (بالموحدين) فهم لا يعتبرون أنفسهم مدرسة منفصلة في الفكر الإسلامي وإنما يشعرون أنهم فقط قد عادوا إلى الأساسيات . لكن منتقديهم يصفونهم (بالوهابية) ، كما أن العديد من ساكني نجد رفضوا دعوة الشيخ وهجمته الصحوية على ملذاتهم .


1) جزيرة العرب/جان جاك بيربي تعريب نجدة هاجر وسعيد الغز، ص48 . منشورات المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر، بيروت - لبنان، ط ا حزيران سنة 1960م.

2) روبرت ليسي: مؤرخ وكاتب سيرة وصحافي بريطاني . له مؤلفات إشتهر بها وكانت في طليعة المبيعات لشهرتها.

ثُمَّ قابل الوهابي الأول هذا محمد بن سعود حاكم الدرعية الطموح ، والدرعية واحة صغيرة بالقرب من واحة أصغر منها هي الرياض، فتغيّر التاريخ بعد ذلك .

في عام 1157ه- (1733م) عقد المحمدان - ابن سعود وابن عبد الوهاب – اتفاقاً تاريخيّاً بموجبه يقدم ابن سعود الحماية له والدعم في نشر دعوته الإصلاحية التي تجعل من القرآن أساساً للحكم .

وفي المقابل يقدم ابن عبد الوهاب الدعم للحاكم مبشراً إياه (بالعزة والمنعة) حيث وعده أن من تمسك برسالة التوحيد (ملك بها البلاد والعباد) . وقد نجح هذا الاتفاق . أعلن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الجهاد في السنة التالية من أجل تطهير الجزيرة العربية ... »(1).

الدعوة الوهابية ومراحل الدولة السعودية

عندما تبايع محمد بن عبد الوهاب وحاكم الدرعية محمد بن سعود وتعاهدا على ما إتفقا عليه ، إستقر ابن عبد الوهاب في الدرعية بشكل نهائي مع أولاده الخمسة : حسن ، حسين، علي ، عبد الله ، وإبراهيم الذين تكونت منهم أسرة (آل الشيخ ) المعروفة لحد الآن. وإتخذ هو وأولاده من الجهة الشرقية من الدرعية والمعروفة ب- (البجيرى) منازل لهم ، أما آل سعود فكانت منازلهم في الجهة الغربية من الدرعية والمعروفة ب- (الطريف) .

وكانت أحوال الدرعية غير جيدة من ناحية العمل والكساد وقلة المؤن وغيرها ، وعند مكوث الشيخ فيها ازداد عدد المهاجرين إليها ممن آمن بدعوته، وضاق بهم العيش وشدة الحاجة وابتلوا في ذلك أشد البلاء، فكانوا بالليل يحترفون ويأخذون الأجرة ، وفي النهار يجلسون عند ابن عبد الوهاب في درس الحديث والمذاكرة (2).


1) المملكة من الداخل - تاريخ السعودية الحديث - / روبرت ليسي، ترجمة خالد عبد الرحمن العوض ، ص 15 - 16 ، عن مركز المسبار للدراسات والبحوث، ط4 سنة 2011م، دبي - الإمارات العربية المتحدة.

2) أنظر عنوان المجد / لابن بشر، ج 1 ص 43.

إعتقد ابن عبد الوهاب بأن أهل الدرعية كانوا في غاية الجهالة ، فأجهد نفسه بتعليمهم مبادئه ومعتقداته التوحيدية ، ويفهمهم أصول الدين حسب اعتقاده ، فانقاد إليه الكثير منهم ، ثُمَّ أخذ يكاتب رؤساء المدن والبلدان في نجد وقضاتهم، فمنهم من قبل بآرائه ، وأكثرهم سخروا من دعوته وإستهزؤا به ونعتوه بالجهل وعدم المعرفة .

كانت حينها بين ابن سعود وبعض أمراء المناطق النجدية وما جاورها خصومة وعداء ، مثل ما كان بينه وبين أمير الرياض (دهام بن دواس)(1)، وبين ابن سعود وأمير بني خالد في الاحساء، وغيرهم. ومن الطبيعي نجد بأن هذه الخصومات إنعكست على ابن عبد الوهاب ودعوته ، فأصبح هؤلاء خصوما له أيضاً .

إعلان الجهاد

إعتمد محمد بن عبد الوهاب مبدأ( التكفير والقتال) في نشر دعوته ومنهجه، فمنهجه النظري دعاه إلى نشر فكرة (التكفير) على مخالفية ومن لم يتبعه في معتقده إعتبرهم من أهل البدع والضلال. وفي نفس الوقت كان منهجه العملي هو حمل السيف وقتال المخالفين وإباحة دمائهم وأموالهم من خلال غزو القبائل والمدن والبلدات المجاورة في منطقة دعوته . وكان الترويج لذلك لأمرين هما : الحصول على الغنائم والأموال التي تساعده ومن يؤازره في نشر دعوته ، والأمر الثاني كما بينا من أجل محاربة أهل البدع ليعطي أفعاله صبغة دينية لن يتم الاعتراض عليها . ولما كانت تلك المناهج في منظور الدعوة الوهابية من الأولويات فإنّها لا بُدَّ من إضفاء الشرعية لها ، فأكدت الدعوة على مبدأ (الامامة)، والإمامة تعني ضرورة وجود (الإمام) الذي تكون مهمته تنفيذ الأحكام الشرعية، ويوحد المسلمين على ضوء دعوتهم ، ويقودهم ضد أعداء الدعوة والمخالفين .


1) حارب (دهام) ابن سعود 20 عاماً، ويتفق معه أحياناً وينكل مرات عديدة، حتى حارب بجانبه إلى أن كانت سنة 1187ه- (1773م) حيث إندحر (دهام) نهائياً من قبل عبد العزيز بن محمد بن سعود الذي دخل الرياض وفرّ دهام إلى(الخرج)وتوفي فيها.

والمنهج الآخر الذي يواكب ويساير مبدأ الامامة هو (الحاكمية)، فيرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بضرورة وجود (الحاكم) ، وأن تكون طاعته واجبة وإن كان جائراً ، وحرم الخروج على الحاكم .

وهنا فقد إكتسب آل سعود الأساس من خلال الشرعية الدينية ، وهالة القدسية لهم باعتبارهم ولاة الأمر حيث يجب طاعتهم والصبر على تجاوزاتهم حتى لو خرجوا في بعض الأحيان عن بعض الأحكام الشرعية . وهذا المنهج بين صاحب الدعوة وآل سعود الذين ساندوه في نشر دعوته هو الذي أدام التحالف بين الحركة الوهابية وآل سعود لأكثر من قرنين من الزمان ولحد الآن .

منْ أجل الحصول على الأموال والغنائم وإخضاع المناطق، وهي الأمور التي كان يريدها ابن سعود ، ومن أجل نشر الدعوة الوهابية التي تبناها ابن عبد الوهاب، فقررا متفقين أن يبدءًا بنشاطهما الذي سوف يكون ظاهره باسم الدين وتجديد وتصحيح العقيدة ، وباطنه التوسع والحصول على الأموال والغنائم . فأعلن محمد بن عبد الوهاب (الجهاد وأمر به حجة قتال من عادى أهل التوحيد وسب أهله ، فتم الامتثال لهذا الأمر ، فتشكل أول جيش وقام بغزو بعض الأعراب، فغنموا منهم سبع ركائب ركائب(1)فاقتادوا النجائب(2)بأحمالها إلى الدرعية(3).

والملفت للنظر بأن ابن بشر في تاريخه (عنوان المجد) الذي ذكر بالتفصيل جميع الأحداث والوقائع ، أنه كان يطلق كلمة المسلمين على الجيوش الوهابية وكأنَّ الذين يحاربونهم من عرب الجزيرة العربية ليسوا مسلمين، ويعتبرونهم كفّار لأنّهم لم يبايعوا الدعوة الوهابية ، أو قد يبايعون وينقضون البيعة فيما بعد !!


1) الركائب تسمية تُطلق على قطيع الجمال المحملة، وهذه الجمال تكون قوية وتستخدم في نقل الأمتعة والأفراد.

2) النجائب مفردها - نجيبة - وهي الناقة والنجائب: الابل خيارها في معناها اللغوي.

3) عنوان المجد لابن بشر، ج 1 ص 45 - 46

ومنذ عام 1157ه- (1744م) بدأ الوهابيون وابن سعود يباشرون غزواتهم حيث كان يقودها محمد بن سعود وفي بعضها ابنه عبد العزيز، وفي بداية وقائعهم كانت ضد أمير الرياض ومِنْ ثَمَّ على المدن القريبة من الدرعية لإخضاعها ، ثُمَّ وقائعهم مع القبائل مثل الظفير وبني خالد، وكانت أكثر الوقائع التي حدثت مع حكام الإحساء ، ثُمَّ إمتدت وقائعهم حتى طالت الحجاز ومناطق أخرى من شبه الجزيرة العربية .

وفي سنة 1179ه-(1765م) توفي محمد بن سعود وخلفه ابنه (عبد العزيز) الذي سار على نهج والده وكان قد قاد العديد من الحملات في زمن والده ، وإستمر النهج سائرًا لسنوات أخرى مليئة بالوقائع والحروب وبين كر وفر، والحصول على غنائم وأموال حتى باتت الدرعية من أغنى مناطق نجد وتكدست فيها الكنوز والأموال والمواد وأصبحت ملاذ الكثير من سكان نجد .

وفاة محمد بن عبد الوهاب

في سنة 1206ه- (1791م) توفي محمد بن عبد الوهاب، وننقل مقتطفات مما ذكره ابن بشر في تاريخه عنوان المجد في تاريخ نجد، وكانت كلمات ابن بشر مطابقة لنهج ابن عبد الوهاب وما يعتقده وما قام بتنفيذه ومن هذا النعي يقول ابن بشر :

« توفي شيخ الإسلام مفيد الأنام . قامع المبتدعين ومشيد أعلام الدين ومقرر دلائل البراهين محيي معالم الدين بعد دروسها . ومظهر آيات البراهين بعد أفول أقمارها وشموسها ... وفي موضع آخر يقول : فهو شيخ الإسلام، والبحر الهمام الذي عم بركة علمه الأنام ، فنصر السنة وعظمت به من الله المنّة ، بعد أن كان الإسلام غريباً ، فقام بهذا الدين ولم يكن في البلاد إلا اسمه ، فانتشر في الآفاق وكل أمر أخذ منه حظه و قسمه ، وبعث العمال لقبض الزكوات وخرص الثمار من البادي والحاضر بعد أن كانوا قبل ذلك يسمون عند الناس مكاساً وعشارا(1)، ونُشرت راية الجهاد


1) مكاساً وعشاراً: المكس الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار. وصاحب المكس هو الذي يأخذ من التجار إذا مروا به مكساً باسم العشر.

بعد أن كانت فتناً وقتالاً ، وعرف التوحيد الصغير والكبير بعد أن كان لا يعرفه إلّا الخواص، واجتمع الناس على الصلوات والدروس ، والسؤال عن معنى لا إله إلّا الله وفقه معناها ، والسؤال عن أركان الإسلام وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها ومعاني قراءتها وأذكارها، فتعلم ذلك الصغير والكبير والقارئ والأمي بعد أن كان لا يعرفه إلّا الخصائص، وإنتفع بعلمه أهل الآفاق لأنّهم يسألون عما يأمر به وينهى عنه ، فيقال لهم يأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، ويقال لهم إن أهل نجد يمقتونكم بالاشراك بالله في عبادته ويكفرونكم بذلك . فانتهى أناس كثير من أهل الآفاق بسبب ما سمعوا من أوامره ونواهيه ، وهدم المسلمون ببركة علمه جميع القباب والمشاهد التي بنيت على القبور وغيرها من جميع المواضع المضاهية لأوثان المشركين في أقاصي الأقطار من الحرمين واليمن وتهامة وعُمان والإحساء ونجد وغير ذلك من البلاد، حتى لا تجد في جميع من شملته ولاية المسلمين الشرك الأصغر، فضلاً عن غيره..»(1).


1) عنوان المجد في تاريخ مجد / لابن بشر ، ج 1 ص 180 - 183 .

الدولة السعودية الأولى (الدور الأول)

اشارة

جميع الذين كتبوا عن الدولة السعودية ذكروا بأنها مرّت بثلاثة أدوار، كانت فيها القوة السعودية بمؤازرة الحركة الوهابية تنشئ دولة ثُمَّ تنهار لأسباب تفوق طاقتها ، ومِنْ ثَمَّ تعود بمرتكزات جديدة وقيادة جديدة وتستمر فترة من الزمن وتضمحل ، ومِنْ ثُمَّ تعود من جديد بإستراتيجية جديدة وبتنظيمات قتالية وفكرية وفصائل جهادية (حسب اعتقادهم وتصدروا واجهة الأحداث إلى أن إنقلبوا على أميرهم الذي تمكن في النهاية من السيطرة عليهم وكسر شوكتهم، ساعدته المتغيرات التي حدثت في المنطقة ، ولا يغيب عن بالنا التدخل الأجنبي وخاصة من قِبل الإِنكَليز في المنطقة، وجعل الحكام يعتمدون على بريطانيا باعتبارها القوة العظمى في المنطقة والقادرة على تغيير الخارطة السياسية بما فيها تنصيب الحكام وعزلهم . وعلى ذلك فإنّ الدور الثالث هو الجديد الذي تم فيه تأسيس دولة بل مملكة قائمة لحد الآن ، تعمل على نفس المضامين التي تأسست على غرارها منذ البداية في منتصف القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) .

لو تمعنا في الفترة الممتدة من سنة 1115ه- إلى سنة 1143ه- (1703م إلى سنة 1730م) كان حكم الدولة العثمانية منتشر في الشام والعراق وشبه جزيرة العرب وغيرها من مناطق الشرق العربي وشمال أفريقيا وخاصة أيام السلطان أحمد الثالث ، حيث كان الظلم (ظلم الولاة) والفظائع التي تقوم بها فرق الانكشارية وهم قوام وأهم أفراد الجيش العثماني، والفساد المستشري الذي كان ينخر بالولايات التابعة للحكم العثماني، نجد التشر ذم بادياً على هذه البقاع من الشرق العربي وخاصة في

شبه جزيرة العرب ، حيث كان الأشراف يحكمون في الحجاز وعسير، والأئمة العلويون يحكمون اليمن، وساد حكم الأمراء وشيوخ القبائل يحكمون مدنهم وقبائلهم، فكل أمير يحكم مستقلًا عن الأمراء الآخرين، بل نجده معادياً لهم ، من خلال قراءة التاريخ والوقائع التي حدثت ، والوضع مشابه للقبائل والعشائر .

وأجمل تصوير لهذا الوضع في شبه الجزيرة العربية ما يحدثنا عنه أمين الريحاني مؤلف كتاب تاريخ نجد الحديث وملحقاته والذي يقول في وصفه الدقيق :« ... وكانت بلاد نجد والاحساء من الشعرى إلى قطر والكويت ومن الأفلاج إلى جبل شمر ، مقطعة الأوصال ، مشتتة الأحوال ، لا صلة لقبيلة بأخرى تثمر خيراً أو تدوم، ولا بين الحواضر المستقلة بعضها عن بعض صلات ولاء إلّا نادراً .

لم يكن والحق يقال غير السيف فاصلاً واصلاً ، ولم يكن غير الغزو سبيلاً إلى الاستيلاء ، وسبيلاً رحباً إلى الرزق والثراء . أجل قد كان القتل طمعاً بالاستيلاء من الأمور المألوفة . وهناك بيت من الشعر طالما سمعت أمراء العرب يتمثلون به :

بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما*** وبالقتل تنجو كل نفس من القتل

هذا إذا استقام الأمر لأمير واحد فيحكم في الجميع حكماً أبوياً ركناه المساواة والحكمة . أما العدل فأمراء العرب على الإجمال يعرفونه ويعززونه غالباً في أحكامهم .

ولكن القتل عندهم لا يكون دائما دون الحرمة والنفس، ولا يكون دائماً منْ أجْل المساواة والعدل . قد كان القتل على الإجمال الطريق الأقرب والأسهل إلى الاستيلاء والسيادة . أنا صاحب الرياض وأنت صاحب الدرعية ، فاما أن أقتلك أو أغلبك ثُمَّ أجلوك عن البلاد وأستولي عليها، وإما أن تفعل أنت ذلك فيكون لك في ما أريده فيك . السابق إلى القتل الفائز .

ولم يكن القسم الجنوبي من نجد الذي يدعى بالعارض ليخرج عن هذه القاعدة. فكانت بلدانه في حوزة أمراء من بيوت وقبائل شتى يتوالون ويتغازون عملاً بمصلحة ، أو طمعاً بكسب ، أو دفعاً لمحنة أو خطر . هذي هي اليمامة وهي في

عزلة عن المنفوحة . وهذي هي المنفوحة وهي تابعة للرياض اليوم ولخصم الرياض غداً . وهذي هي الرياض وهي مستقلة عن الدرعية، والدرعية وهي لا تقر بالسيادة لا للعيينة ولا للرياض ، وقس على ذلك . أما المسافة بين أقصى البلدين من هذه البلدان فلا تتجاوز الخمسة والسبعين ميلاً ... »(1).

فالدور السعودي الأول يبدأ من سنة 1157ه- (1744م) عندما عقد الاتفاق بين محمد بن عبد الوهاب و محمد بن سعود حاكم الدرعية ، وانتهى هذا الدور سنة 1233ه- (1818م) عندما تقدم الجيش المصري الذي أرسله محمد علي باشا بقيادة ابنه (إبراهيم باشا ) والذي تمكن من احتلال الدرعية وإسقاط حكم ابن سعود .

في هذه الفترة الممتدة لأربع وسبعين سنة جرت فيها وقائع وغزوات كثيرة لم تكن في بادئ الأمر كبيرة، ولكن فيما بعد إشتد القتال وكانت الوقعات تزداد شدة والقتلى يزدادون عدداً كلما توسعت سيادة ابن سعود .

وفي هذه الفترة كان من أوائل الذين قادوا الجهاد (حسب أقوالهم) هم محمد بن سعود وإخوته مشاري وثنيان وفرحان . ثُمَّ أخذ محمد بن سعود يؤمر ابنه عبد العزيز على جيوشه الغازية ، وبعده ظهر سعود ابن عبد العزيز بن محمد بن سعود ،الذي بدا لا يكل ولا يمل من الحروب متنقلاً شمالاً وجنوباً ، شرقاً وغرباً .

وظهر في هذه الفترة أعداء كُثر للوهابيين وآل سعود، فكان عدوهم الأول والتقليدي هو (دهام بن دوّاس) أمير الرياض ، وكذلك (عريعر بن دجين) أمير الإحساء ورئيس بني خالد، ومن ثُمَّ ابنه سعدون، كما عاداهم الشريف غالب بن مساعد شريف مكة الذي طالما أظهر العداوة لأهل نجد وحاربهم، وساعده الكثير من عربان شمّر ومطير وقحطان . ومن أعدائهم في هذه الفترة والي العراق(سلیمان باشا) الذي حارب النجديين في الاحساء ، ومن العراقيين الذين حاربوا النجديين في تلك الفترة ( ثويني بن عبد الله ) حاكم المنتفك والبصرة .


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته أمين الريحاني، ص 50 - 51 .

في هذه الفترة موضوع البحث مات محمد بن سعود، ومات محمد بن عبد الوهاب، وغاب الكثير من أعداء آل سعود بالموت أو القتل أو الشيخوخة فإنتقلت الزعامات إلى الأبناء لكلا الطرفين ، فحارب عبد العزيز بن محمد بن سعود أربعين سنة لا كلّ فيها ولا مل ، حتى قُتل في الدرعية على يد شخص كربلائي كان بزي درويش آخذاً بثأره لمقتل أولاده وعائلته في غزوة الوهابيين على كربلاء .

الغزوات والوقائع التي حدثت في الدور الأول

نشير بشكل موجز ومختصر جداً إلى الغزوات والوقائع التي حدثت في الدور الأول من الحكم السعودي، ونشير أيضاً إلى أن محمد بن سعود هو الذي قاد أكثر هذه الحملات والغزوات ومِنْ ثَمَّ سلّم قيادة الحملات إلى إبنه عبد العزيز، الذي صال وجال في أنحاء نجد وما جاورها، حتى إستلم الإمرة والإمامة بعد وفاة والده سنة 1179ه- (1765م ) . وفي نفس هذا الدور برز سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود الذي إشترك في حياة والده بقيادة الغزوات والحملات .

الغزوات والوقائع أيام محمد بن سعود

ومن الوقائع والحوادث والغزوات في الدور الأول نشير إلى ما ذكره المؤرخون وما إتفقوا عليه وباختصار :

1 - في سنة 1160ه- (1746م) حدثت وقعة (دلقة) بين أهل الدرعية والعيينة ومنفوحة(1)ضد أهل الرياض .

2 - في سنة 1161ه- (1747م) كانت وقعة (البنية) حيث إشترك أمير العيينة عثمان بن معمر مع عبد العزيز بن محمد بن سعود وهاجموا الرياض وقد خسروا المعركة .

3- في نفس السنة كانت وقعة (الخريزة) مع أهل الرياض أيضاً .


1) منفوحة : تقع جنوب الرياض، وهي قرية قديمة من قرى اليمامة ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان ج 5 ص 214 .

4 - وفي نفس السنة كانت وقعة (البطين) بينهم وبين أهل (ثرمدا)(1)، وفي الغزوة إختلف عبد العزيز مع عثمان بن معمر على دخول البلدة ، ثُمَّ غزوها مرة أخرى ، ثُمَّ غزو بلدة (ثادق)(2).

5- في سنة 1162ه- (1749م) كانت وقعة (الحبونية) مع أهل الرياض بقيادة محمد بن سعود .

6 - في سنة 1163 ه- (1750م) تم قتل عثمان بن معمر أمير العيينة بتحريض من محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، وأمر ابن عبد الوهاب بتنصيب مشاري بن إبراهيم بن عبد الله بن معمر خلفاً لعثمان .

7- وفي نفس السنة حدثت وقعة (البطحاء) بن ابن سعود وأهل الرياض .

8- وفي نفس السنة أيضاً كانت وقعة (الوطية) على بلدة (ثرمداء) .

9 - في سنة 1164 ه- (1750م) كانت غزوة أهل الدرعية على الرياض وهزيمتهم .

10 - وفي نفس السنة كانت وقعة (السبلة) بينهم وبين بني خالد حكام الاحساء ومعهم عشائر الظفير .

11 - في سنة 1166ه- (1753م) انهزام أمير الإحساء وبني خالد سليمان وتولي عريعر بن دجين الامارة .

12 - سنة 1167ه- (1754م) بعد معارك متواصلة طلب أمير الرياض (دهام بن دواس) الهدنة ودخوله في الدعوة .

13 – في سنة 1168ه- (1755م) حدثت وقعة (الغفيلي) .

14 - وفي نفس السنة تم فتح ( حريملاء) وفيها هرب سليمان بن عبد الوهاب أخو محمد بن عبد الوهاب الذي كان حينها ضد دعوة أخيه الوهابية .


1) ثرمدا: أو ثرمداء ، بلدة قديمة من بلاد الوشم في إقليم اليمامة، وتقع على طريق الحجاز القديم، وتبعد عن الرياض 140كم.

2) ثادق : بلدة تقع في الشمال الغربي من الرياض، وتبعد عنها 112 كم

15 - وفي نفس السنة كانت وقعة (الدار) ضد أهل الرياض لمعاونة أهل حريملاء .

16 - في سنة 1169ه- (1756م) بايع أهل (القويعية )(1)بالقوة للدعوة وقادتها .

17 – وفي نفس السنة كانت وقعة (أم العصافير).

18 - وفي نفس السنة أيضاً كانت وقعة (البنية) الثانية .

19 - وفي سنة 1170ه- (1757م) كانت وقعة (الرشا) ضد دهام أمير الرياض بقيادة عبد العزيز بن محمد .

20 - في نفس السنة قاد عبد العزيز أتباعة في وقعة (القراين ) ضد دهام أمير الرياض .

21- وفي نفس السنة كانت وقعة (باب القبلى) .

22 - وفي نفس السنة قاد عبد العزيز الجيش وقام بغزو الرياض .

23 - وفي سنة 1171ه- (1758م) كانت وقعة ( البطيحا) بقيادة عبد العزيز بن محمد بن سعود .

24 - وفي سنة 1172ه- (1759م) حدثت عدة وقائع عندما قام رئيس الاحساء وبني خالد عريعر بن دجين يساعده ابن هذّال شيخ قبيلة عنزة (جد فهد بيك الهذال قائمقام قضاء الرزازة وجد محروت الهذال) ضد أتباع ابن سعود .

25 - في سنة 1173ه- (1760م) كانت واقعة أهل المجمعة(2)في جهة منيخ(3)


1) القويعية: بلدة تقع غرب الرياض بمسافة 170 كم، وهي تقع شمال وادي الدواسر، وعلى طريق الرياض – مكة.

2) المجمعة : هي عاصمة إقليم سدير في نجد وأكبر مدنه، تقع شمال الرياض وتبعد عنها بمسافة 200 كم. تحدها من الشمال المنطقة الشرقية ومنطقة القصيم، ومن الجنوب ثادق، ومن الشرق رماح، ومن الغرب الزلفي.

3) منيخ: بلدة تقع في إقليم اليمامة قديماً، وتقع على جبل يطل على المجمعة من الغرب، وهي الآن المجمعة وما حولها.

وقادها عبد العزيز بن محمد . وفيها غزا عبد العزيز الخرج(1)والدلم(2)ونعجان(3)، وهاجم (ثرمداء) وعاد منها وغزا الدلم والخرج مرة أخرى وغنم منهم ورجع إلى الوشم(4). وقصد بلد (أشيقر )(5)وقاتل أهله .

وفي نفس السنة عزل محمد بن سعود مشاري بن معمر عن إمارة العيينة وإستعمل عليها سلطان بن محسن المعمري أميراً، وذهب محمد بن عبد الوهاب إلى العيينة وأمر بهدم قصر ابن معمّر ، ثُمَّ غزا عبد العزيز بلدة (منفوحة) ، ثُمَّ سار على إحدى عشائر الظفير وغنم منهم. وفي نفس السنة غزا عبد العزيز بلدة (الوشم ) .

26- وفي سنة 1174 ه- (1760م) أغار عبد العزيز على أهل (الروضة)(6)وعلى أهل (الزلفى)(7)ثُمَّ تراجع مفزوعاً . وفيها غزا عبد العزيز الرياض. ثُمَّ


1) الخرج : تقع جنوب شرق الرياض، وهي من المناطق القديمة المهمة في نجد، حيث جرت فيها عدة وقائع وأحداث.

2) الدلم تبعد عن السيح عاصمة الخرج مسافة 20 كم جنوب غرب، وعن الرياض 85 كم في الجزء الجنوبي الغربي من الرياض.

3) نعجان: قرية قديمة تابعة للدلم ضمن منطقة الخرج، وتقع على طريق الرياض - عسير. وتبعد عن الرياض 78 كم ، وهي شمال الدلم ، ويقع وادي العين غربها.

4) الوشم من المناطق القديمة في نجد، ذكرها الفيروز آبادي في القاموس المحيط، والزبيدي في تاج العروس بأنّ الوشم بلدة قرب اليمامة ذو نخل، وتسكنها قبائل ربيعة ومضر.

5) أشيقر : بلدة في منطقة إقليم الوشم، تقع في الشمال الغربي من الرياض وتبعد عنها مسافة 200 كم، وهي بلدة قديمة في نجد ومعروفة في الجاهلية قبل هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة. وأشيقر مسقط رأس أسرة آل (ثاني) في قطر، وفيها وُلد جدهم (ثاني).

6) الروضة: قرية تقع غرب القصيم شمال ثادق والرياض، وتقع غرب الزلفي.

7) الزلفى: أو الزلفي، تقع شمال غرب الرياض وتبعد عنها 250 كم، وتقع على طريق الرياض - القصيم، وهي من البلدات التاريخية القديمة جداً في شبه الجزيرة العربية.

غزا (منفوحة) ، ثُمَّ أغار على (النبطة)(1)وهم من سبيع(2)عرب مساعد بن فياض ، ثُمَّ غار على الرياض مرة أخرى .

27 - وفي سنة 1175 ه- (1761م) غزا عبد العزيز منفوحة ، ثُمَّ سار إلى الخرج وقاتل أهلها، وفيها سار إلى الوشم وقاتل أهلها، وفيها سار من الدرعية ليغزو الرياض .

28 - وفي سنة 1176 (1762م) سار عبد العزيز لغزو الرياض . وفيها سار بالجيوش غازياً إلى الاحساء . وقاتل وغنم أموال كثيرة ، ثُمَّ أغار على (المبرز)(3)ثُمَّ رجع من الاحساء فوصل العرمة (العرمة) فاصطدم بقافلة لأهل الرياض وأهل حرمة معها أموال كثيرة فأخذ أهل الرياض وترك(4)أهل سدير لوجود هدنة فيما بينهم . وفيها غزا عبد العزيز عربان سبيع وسلب جمالهم .

29- وفي سنة 1177ه-(1763م) بایع دهام بن دواس محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود ودخل في حركتهم. وفي نفس السنة سار عبد العزيز إلى


1) النبطة : قرية من قرى وادي السبيع في نجد.

2) السبيع: قبيلة قيسية مضرية عدنانية من قبائل شبه الجزيرة العربية، تستوطن نجد في وسط وغرب وشرق شبه الجزيرة العربية، وينتسب أفرادها إلى عامر بن صعصعة.

3) المبرز : بلدة تقع في الإحساء ضمن المنطقة الشرقية للسعودية، وكان فيها قديماً مركز حكم الإحساء عندما إتخذها( براك آل حميد) أول حكام بني خالد مقراً لحكمه على الإحساء إلى سنة 1208ه-(1794م) عندما سقطت تحت سيطرة الدولة السعودية الأولى.

4) سدير: هو أحد أقاليم نجد ، ويقع شمال الرياض ويبعد عنها 180 كم، وإقليم سدير يحتوي على عدة بلدات مثل حوطة سدير ، وحرمة ، وعودة سدير ، وروضة سدير، والمجمعة، وجلاجل وغيرها. وسكان سدير من قبائل عديدة منها آل الرشيد، بني تميم، بنو خالد، الدواسر ، مطير وغيرهم.

جلاجل(1)وقاتل أهلها وأهل سدير فيايعوه بالقوة، ثُمَّ رجع واصطدم بالعجمان(2)في بلدة القويعية .

30- وفي سنة 1178ه- (1764م) حدثت واقعة حماد المديهيم ومعهم من الظفير، وفيها حدثت وقعة الحاير ( حاير السبيع بين الخرج والرياض). وفيها حدثت معركة بين عبد العزيز والنجرانيين في الحائر ، وصاحب نجران هو السيد حسن ابن هبة الله من الشيعة الإسماعيلية ، فانكسر جيش عبد العزيز في الحاير ، ثُمَّ توجه النجراني إلى الدرعية وحاصرها، وبعدها تدخل ابن عبد الوهاب ومحمد بن سعود وأرسلوا وساطة للنجراني ، وعندها أطلق النجراني أسراهم وعاد إلى نجران(3). وعن هذه الواقعة


1) جلاجل بلدة من بلدات سدير، تقع في الشمال الغربي من الرياض، وجنوب المجمعة وشمال غرب روضة سدير .

2) العجمان: قبيلة عربية من قبائل شبه الجزيرة العربية، وتُعتبر من أهم القبائل البدوية على الخليج العربي. تنتسب هذه القبيلة إلى قبائل (یام) من (همدان) الذين نزحوا من نجران إلى جنوب نجد، ونزلوا الإحساء أرض بني خالد ويتوزع أفراد القبيلة حالياً في السعودية والكويت وقطر وبر ،فارس، والمنتسب إليهم يسمى( عجمي). والذين نزحو من الإحساء هم آل سليمان إلى بر فارس يقال لهم (المزاريق) أو آل مرزوق، واستوطنوا قرية كافرغان، ومِنْ ثَمَّ إلى قرية (مقوة ) وكوّنوا فيها إمارة وهي مسقط رأس العجمان في الساحل الفارسي على الخليج العربي جنوب إيران.

3) نجران تقع نجران جنوب غرب نجد والحجاز على الحدود مع اليمن حالياً. ذكرها ياقوت الحموي في معجمه ج 5 ص 266: « قال ابن دريد: نجران الباب الخشبة التي يدور عليها، ونجران في عدة مواضع منها نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة. قالوا: سُمي بنجران بن زيدان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان لأنّه كان أول من عمرها ونزلها وهو المرعف وإنما صار إلى نجران لأنّه رأى رؤيا فهالته فخرج رائداً حتى انتهى إلى وادٍ فنزل به فسمي نجران به.. خضعت نجران لحكم السادة الإسماعيلية من شيوخ قبائل (يام) ، ودخلت مع الدول السعودية الأولى في حروب، كما دخلت مع قبائلها بحروب مع أئمة الزيدية في شمال اليمن، وفي عام 1927م دخلت ضمن النفوذ السعودي.

التي إنكسر فيها جيش الوهابية يقول أمين الريحاني في تاريخه النص التالي في حوادث سنة 1178ه-(1764م):

«وصل عبد العزيز في غزواته الغربية الجنوبية إلى وادي الدواسر ، فخرج عليه أهل نجران ، فتقهقر إلى بلاد الخرج فتبعوه. وقد اصطدم الجيشان في حائر سبيع فكانت الغلبة لأهل نجران الذين قتلوا أربعمئة من الموحدين . أما الفاجعة الأخرى في هذه الوقعة فهي إن دهام بن دواس الذي كان قد حالف آل سعود خذلهم بل خانهم فانضم بجيشه إلى أهل نجران . ولما رجع عبد العزيز من هذه الوقعة عزّاه الشيخ محمد بن عبد الوهاب قائلاً: لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين»(1). وفيها حدثت معارك بين عبد العزيز وعريعر بن دجين أمير الاحساء ، وانهزم عريعر .

31- وفي سنة 1179ه- (1765م) توفي محمد بن سعود وتمت مبايعة إبنه عبد العزيز قائد جيوشه . وفيها نقض دهام بن دواس أمير الرياض العهد وحاربه عبد العزيز . وفيها غزا عبد الله بن محمد بن سعود السبيع وغيرهم وسلب منهم أموالاً كثيرة. وفي نفس السنة حصلت غزوة من أهل الدرعية على الرياض ، ثُمَّ أعاد الكرّة عبد العزيز على الرياض(2).

لم تكن الوقائع في البداية سوى هجمات صغيرة يسودها الكر والفر حتى أصبحت المعارك أكبر وأخطر منذ مهاجمة آل سعود الرياض ووصلوا إلى قصر أميرها . وكل المعارك تقريباً كانت بمثابة حرب يتأثر بها الناس في غالب نتائجها


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته / أمين الريحاني ، ص 53 .

2) هذا السرد للغزوات والوقائع التي حدثت في زمن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن أمير الدرعية الذي كان يقاتل على مذهبه الجديد مع محمد بن عبد الوهاب ليتوسع حكمه بالإغارة على مناطق نجد، وقد نقلنا هذه الحوادث والوقائع بشكل مختصر من الجزء الأول من كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد لإبن بشر من ص 50 إلى ص100، ومن كتاب أمين الريحاني تاريخ نجد الحديث وملحقاته.

على الطرفين، فهي حرب متقطعة ، وكانت الوقائع تزداد شدّة ويزداد فيها القتلى كلما توسع ابن سعود بفرض سيادته على المناطق .

ولذلك نجد بأن البلدات التي يتم محاربتها وإخضاعها لسلطة ابن سعود سرعان ما تنقض عهدها معه ويتكرر القتال . فنجد أن جميع البلدات التي تم غزوها تكرر غزوها عدة مرات ، كذلك المناطق الكبيرة ضمن مناطق الصراع مثل الإحساء والقصيم وحائل والحجاز ونجران وعسير شهدت حروباً متكررة ، ومن الواضح من كتابات المؤرخين أن صراع آل سعود مع عدوهم التقليدي أمير الرياض كان يأخذ القسط الأكبر من الصراع لقرب الدرعية من الرياض وعندما يتم إخضاع الرياض فجميع المناطق حولها ستكون في قبضة الدعوة الجديدة والسلطة الجديدة ، وكانت الحرب بين آل سعود ودهام بن دواس أمير الرياض قد دامت سبع وعشرين سنة . كذلك ما كان مع أمراء الإحساء ورؤساء بني خالد وخاصة الأمير عريعر بن دجين الذي كان العدو التقليدي الثاني لآل سعود وللدعوة الوهابية ، ومِنْ ثَمَّ إبنه سعدون بن عريعر .

ويذكر ابن بشر في تاريخه أن المدة التي إستمر القتال فيها بين آل سعود ودهام أمير الرياض سبع وعشرين سنة قُتل فيها أربعة آلاف رجل ، ألفان وثلثمائة قتيل من أهل الرياض . ومن الوهابية ألف وسبعمائة(1).

بينما يذكر أمين الريحاني في تاريخه عن نجد النص التالي :

«... بيدَ أنه لم يُقتل في مدة ثلاثين سنة غير أربعة آلاف من العرب، ألف وسبعمئة من الموحدين وألفان وثلاثمئة من أعدائهم، أي مئة وثلاثة وثلاثون رجلاً كل سنة . وقد لا يخلو هذا العدد من المبالغة ...»(2).


1) عنوان المجد في تاريخ نجد / لابن بشر ، ج 1 ص 120 .

2) تاريخ نجد الحديث وملحقاته أمين الريحاني، ص 52 - 53

61

الخلاف بين الوهابية وآل سعود وبين السلطة العثمانية في العراق

يرجع التوتر بين الحركة الوهابية وآل سعود مع السلطة العثمانية في العراق إلى عهد الولاة المماليك الذين حكموا العراق ، وبدأ هذا التوتر أيام والي بغداد المملوكي سليمان باشا الذي تسلم ولاية بغداد من سنة 1194ه-(1779م) حتى وفاته سنة 1217ه- (1802م).

والتوتر وبداية الخلاف كان عندما وصلت لوالي بغداد رسالة من عبد العزيز بن محمد بن سعود الذي تولى الإمامة والحاكمية بعد وفاة والده ، الرسالة

ومع أرفق كتاب من تأليف محمد بن عبد الوهاب إسمه (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) . وكان يهدف عبد العزيز من رسالته وكتاب التوحيد للتعريف بالمذهب

الوهابي ، وذلك بمثابة دعوة مبطنة غير مباشرة لعلماء بغداد لعلهم يميلون إلى المفاهيم والآراء الجديدة التي ابتدعها ابن عبد الوهاب. ويطلب عبد العزيز من الوالي سليمان باشا أن يقدم الكتاب إلى علماء بغداد ويدعوهم لمناقشته ، وبيان رأي العلماء فيه .

ردّ علماء بغداد بعد اطلاعهم على أفكار وآراء المذهب الوهابي التي وردت في الرسالة والكتاب المرفق بها بالانتقاد الشديد لكل ما ورد في الرسالة وكتاب التوحيد، بل سفّهوا ما ورد من آراء ، وردّوا على هذه المفاهيم الجديدة بفتاوى تنتقد الحركة الوهابية وأساليب حكامها . وهذا ما أجج الخلاف وتأزمت العلاقة بين الطرفين وفتح باب الصراع العسكري والاحتراب .

وليس الأمر بعيداً عن مرجعية الشيعة في العراق ، وذلك عندما بعث عبد العزيز بن محمد بن سعود رسالة إلى المرجع الديني العربي الشيخ جعفر كاشف الغطاء(1)الذي كان كبير مراجع التقليد الشيعي في النجف.

الشيخ كاشف الغطاء والأمير عبد العزيز آل سعود

جاء في كتاب العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية للعلامة الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء بأنه كانت هناك علاقة بين جده الشيخ جعفر كاشف الغطاء


1) هو العلامة الكبير والمرجع الشيعي العربي المرحوم الشيخ جعفر بن الشيخ خضر بن الشيخ يحي بن سيف الدين المالكي الجناجي (نسبة إلى قرية جنانة – واسمها التاريخي قناقيا – الواقعة في قضاء الهندية - طويريج) النجفي المولد والوفاة. ولد سنة 1156ه- (1743م). كان والده الشيخ خضر المتوفى سنة 1180ه-(1766م) قد إنتقل من جناجة إلى النجف الأشرف وكان من علماء وزُهّاد عصره. تولى الشيخ جعفر الرئاسة الدينية للشيعة في العراق وإيران والبلاد الأخرى، وأصبح مرجع تقليد الشيعة عملياً. وسُمّي ب-( كاشف الغطاء ) وأصبح لقباً لعائلته وذريته نسبة إلى كتابه ( كشف الغطاء عن خفيّات مبهمات الشريعة الغراء)، الذي ذكره أغا بزرك الطهراني في ج18 ص 31 من كتابه الذريعة إلى تصانيف الشيعة) . توفي رحمه الله سنة 1228ه- (1813م) ودُفن في النجف الأشرف.

ومحمد بن عبد الوهاب عندما كان الأخير يدرس العلوم في بغداد، وتم التأكيد على هذه العلاقة في العبقات عند الحديث عن رسالة أرسلها الشيخ جعفر إلى عبد العزيز بن محمد بن سعود ذكرت في ملحق العبقات العنبرية بعنوان رسالة طُرحت في كتاب (منهج الرشاد لمن أراد السداد) للشيخ جعفر كاشف الغطاء، وجاء النص التالي في العبقات العنبرية يؤكد ما نذكر عن العلاقة هذه :

« هذه الرسالة حصيلة مراسلة بين شخصيتين كبيرتين تمثلتا بالشيخ جعفر كاشف الغطاء - زعيم الطائفة الأمامية في عصره - المتوفى سنة 1228ه- / 1813م، وبين الأمير عبد العزيز بن سعود - أحد قادة الحركة الوهابية في عهدها الأول - المتوفى سنة 1218ه- / 1803م»(1).

وجاء في العبقات العنبرية أن العلاقة الوهابية - الإثنا عشرية مرت بمرحلتين : الأولى : في حياة شيخ الوهابية محمد بن عبد الوهاب حتى وفاته عام 1206ه-1792م . الثانية : ما بعد رحيل الامام محمد بن عبد الوهاب، أي خلال مرحلة حكم الأمير عبد العزيز بن سعود (1206ه- - 1218ه-).

ففي المرحلة الأولى لم تشهد المدن المقدسة الشيعيّة أي هجوم وهابي . والسبب يعود كما ذكر صاحب العبقات إلى علاقة الشيخ جعفر الطيّبة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وبالرغم أن المصادر التاريخية لم تُشر إلى علاقة كهذه سوى ما ذُكر في (العبقات) ، فإنّ سياق الأحداث التاريخية يؤكد وجود علاقة بين الطرفين ، ربما إمتدت منذ إقامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيام دراسته في بغداد، وبقيت حتى تولّى الشيخ كاشف الغطاء زعامة الطائفة الإمامية(2).


1) العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية للإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، تحقيق د. جودت القزويني، ص 507 ، عن بيسان للنشر والتوزيع بيروت - لبنان، ط1 صنة 1418ه-- 1998م.

2) العبقات العنبرية / ص 508. ونشك في هذا القول لأنّ المنطق يناقضه. فالشيخ جعفر كاشف الغطاء مولود في سنة 1156ه- (1743م) ، وكان حينها محمد بن عبد الوهاب في تلك السنة قد إنتقل من العيينة إلى الدرعية وتحالف وتعاهد مع محمد بن سعود لنشر الدعوة الوهابية، ولم يخرج بعدها ابن عبد الوهاب إلى خارج نجد، فكيف كانت للشيخ كاشف الغطاء علاقة معه في بغداد وعندما بدأ نشر دعوته في نجد لم يكن الشيخ كاشف الغطاء مولود أصلاً !!!

أمّا المرحلة الثانية : والتي تبدأ بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فإنّها إتسمت بالحوار الدبلوماسي في سنيّها الأولى، لكنها لم تستمر على هذه الوتيرة بعد الغزو الوهابي لمدينة كربلاء عام 1216ه-(1)، وإحلال الدمار والقتل فيها(2).

ومن التأكيدات التي وردت في العبقات ما ذكره مؤلفه حفيد الشيخ جعفر كاشف الغطاء عن المراسلات بين الوهابيين والشيخ جعفر في النص التالي : «قال الراوي : وقالوا إِنَّ كُتبَ الشيخ لجدّنا ، وكُتب جدّنا إليه محفوظة عندنا ، وأطلعوني على بعضها فكان مضمونها كما قالوا فما أدري تلفيق منهم على الشيخ ، أم واقع الأمر كان كذلك، لأنّه رأى انحصار الدفع عن بيضة الدين بذلك إلى أن يستعد لدفاعهم، والله وأولياؤه أعلم »(3).

بالعودة إلى الرسالة التي كتبها الامام جعفر كاشف الغطاء وعنوانها (منهج الرشاد لمن أراد السداد) ، والسبب الذي دعاه إلى كتابتها هو أن الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود كتب رسالة إلى الشيخ كاشف الغطاء انتقد فيها الممارسات التي يُطبّقها زوّار المراقد الدينية المقدسة، وحسب العقيدة الوهابية تقارب الشرك في مقام التوحيد المبتنية على مفردات نظرية مثل الشفاعة، والتوسل ، والاستغاثة .

وتتجلى أهمية الحوار في المراسلات التي دارت بين الأمير عبد العزيز بن سعود والشيخ كاشف الغطاء، حيث كتب الأمير عبد العزيز رسالة (نقل قسماً


1) الموافق لسنة 1802م.

2) راجع ص 508 من العبقات العنبرية، ونعتقد بأن ما ذُكر أعلاه ليس من مؤلف العقبات، وإنما من محقق الكتاب في مجمل تحقيقه في رسالة كاشف الغطاء وعنوانها (منهج الرشاد لمن أراد السداد) مع أن الوهابيين لم يهاجموا مدن العتبات قبل عام 1216ه- ولكنهم شنوا هجمات على أراض وقوافل عراقية قبل ذلك التاريخ.

3) العبقات العنبرية/ ص113.

من مضامينها كاشف الغطاء) ، وردَّ عليها برسالة أشبه ما تكون بالمناقشة لما ورد في الشبهات التي أثيرت حول الفكر الامامي، وممّا لم يرد منها أيضاً (1).

كتبت رسالة كاشف الغطاء إلى عبد العزيز بن سعود سنة 1210ه- (1795م)، ويذكر صاحب الذريعة الطهراني بأن الرسالة (منهج الرشاد) كانت في الرد والنقد لعقائد الوهابية(2). وقد ردّ عبد العزيز جواباً على وصول الرسالة للشيخ كاشف الغطاء برسالة مختصرة هذا نصها :

يصل الخط إنْ شاء الله إلى عبد الله جعفر راعي (المشهد)

(3) بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

السلام التام، والتحية والإكرام ، يُهدى إلى سيد الأنام، محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام ، ثُمَّ ينتهي إلى جناب الأجلّ الأكرم عبد الله جعفر سلّمه الله من كلِّ شرّ ، وأسكنه يوم القيامة جنّة المستقرّ ، وأعاذه من عذاب النار الذي يحذر .

أمّا بعد : فوصل كتابُك ، وفهمنا ما تضمّنه من خطابك ، وما ذكرتَ أنه بلغَكَ عنَّا من حُسن الطريقة، واستقامة السيرة من الصلاة والزكاة، والصيام، والحج ، وغير ذلك من شرائط الإسلام، فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجنبنا من عبادة الأصنام، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، كما يُحِبُّ ربنا ويرضى ، وكما ينبغي لكرم وجههِ وعِزِّ جلاله(4).


1) المصدر السابق نفسه/ ص509

2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة أغا بزرك الطهراني، مراجعة السيد رضا العاملي ج 23 ص 117 ، عن دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط 1سنة 1430ه- - 2009م.

3) المشهد : يُقصد به مدينة النجف الأشرف وتُعرف بمشهد أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام).

4) العبقات العنبرية /ص 515

ولكن هذه الرسالة وغيرها من صيغ العلاقات لم تكن لتجنب الأراضي العراقية ومدن العتبات المقدسة من الهجمات الشرسة التي حدثت في زمن عبد العزيز وبعده . ويبدو أن رسالة كاشف الغطاء لم تؤتي أكلها ، فبعد ست سنوات من تحريرها والإجابة عليها تعرضت مدينتا كربلاء والنجف للهجمات الوهابية ، عندها انبرى الشيخ جعفر كاشف الغطاء للدفاع عن مدينة النجف الأشرف ومقدسات أهلها، وحمل السلاح بنفسه، وسلّح العلماء وطلبة الدين، وقاتل المهاجمين إلى أن رُدّوا على أعقابهم ، ثُمَّ أمر بتشييد سور حول النجف وتحصينه، لتكون المدينة في مأمن مع أهلها من غارات الوهابيين التي تكررت عليها كما سنذكره لاحقاً .

فترة حكم عبد العزيز بن محمد بن سعود

بعد وفاة محمد بن سعود بويع على الإمامة ابنه عبد العزيز، والإمامة تعني قيادة الدولة بتوجيهات محمد بن عبد الوهاب الذي وضع نظام التوريث لآل سعود . فكان عبد العزيز يقود الغزوات والحملات في حياة والده، وظل يغزو الغزوة تلو الأخرى ، وكانت أكثرها على الرياض حتى تمكن من فتحها بعد خمس سنوات من إمامته (أي حكمه) ، وفرار حاكمها دهام ابن دوّاس العدو اللدود لآل سعود الذي مات في (الدلم ) المنطقة الواقعة على حافة صحراء الربع الخالي الحارقة.

وبعد سنتين من فتح عبد العزيز الرياض تمكن من الوصول إلى (القصيم)(1)

( عاصمتها) مدينة (بريدة). وموقع القصيم في قلب المملكة، فهي تقع جنوب منطقة (حائل) ، وشمال منطقة الرياض، ومن الغرب تحدها منطقة المدينة المنورة والقصيم قريبة من المنطقة المحايدة سابقاً بين العراق والسعودية والقصيم من أغنى مناطق المملكة حالياً.

وحاصر (بريدة )(2)ودخلها منتصراً . وقبل ذلك كان قد تمكن من دحر جيش

1) القصيم : إحدى مناطق شبه الجزيرة العربية سابقاً، وهي الآن إحدى المناطق الادارية الثلاث عشرة في المملكة العربية السعودية، ومقر إمارتها

2) بريدة : بلدة في منطقة القصيم، وهي مركز إمارة القصيم، وتقع في الجزء الأوسط الشرقي من الامارة على حافة وادي الرمة كانت بريدة ماءً لآل هذال من عنزة، وتم شراءها من قبل أمير آل عليان من بني تميم راشد الدريبي. وحدثت في بريدة وقائع كثيرة في الأدوار السعودية الثلاثة.

عريعر بن دجين أمير الإحساء وبني خالد وكذلك جيش ابنه سعدون اللذين قادا الاحسائيين والعراقيين بمساعدة عثمانية ، وغنم منهم المدافع التركية ، ثُمَّ تتبعهم فغزا الإحساء وحصل على غنائم كثيرة .

إستمر عبد العزيز بن محمد بن سعود في الغزو والهجوم، ومنذ سنة 1181ه- (1767م) أشرك إبنه الشاب سعود في الغزوات وإستمر يقود جيوش أبيه في أكثر الغزوات والوقائع في حياة والده، وهو الذي تمكن من الاستيلاء على مكة فيما بعد .

وعلى ضوء ذلك ونتيجة تلك الأحداث يمكننا القول بأن مناطق القصيم وجبل شمّر أي الحائل حيث تتركز البداوة ، لم تكن تتقبل المعتقدات الوهابية بحماس ، فخاضت معارك عديدة ضد قادة الدعوة الوهابية من آل سعود، بينما أكرهت الإحساء على قبول قسم من سكانها الدعوة الوهابية لأنّ أهل وشعب الاحساء شعب عامل وله علاقات تجارية بالهند وبلاد فارس والعراق ، ولكن سكان جنوب نجد وحدهم قبلوا الدعوة الوهابية وبتعصب، وهذا التعصب شكّل قوّة كبيرة للوهابية وكان من أسباب شيوعها وانتشارها .

على اشتداد تحركات جيوش آل سعود ومعاركهم مع البلدات والقبائل في نجد وحائل والحجاز ونجران وعسير والاحساء ، أخذ المد الوهابي وجيوشه بالامتداد إلى مناطق الشمال والشمال الشرقي، وهذه المناطق كانت تابعة لسلطة الدولة العثمانية وتدار من قِبَل واليها في العراق ، وعلى إثر ذلك كان الولاة العثمانيون في العراق يراقبون حركات الجيوش الوهابية .

كان ظهور عبد العزيز بن محمد في حياة والده وعند تسلمه السلطة والحكم بعد والده يمكن القول بأنه زرع بذور السيادة السعودية في البوادي والحضر، ولكنه

على تعدد غزواته واتساع مجال جولاته ، لم يكن غير ممهداً السبيل لابنه سعود الذي يعتبره مؤرخو نجد وشبه جزيرة العرب بأنه الفاتح الأول الأكبر !!

مبايعة سعود بن عبد العزيز بن محمد بولاية العهد

في سنة 1202ه- (1787م) وفي حياته وقبل وفاته عين عبد العزيز بن محمد إبنه سعوداً خلفاً له . فقد ذكر ابن بشر في تاريخه عنوان المجد في حوادث سنة 1202ه- النص التالي : « وفيها أمر محمد بن عبد الوهاب جميع أهل نجد أن يبايعوا سعود بن عبد العزيز وأن يكون ولي العهد بعد أبيه وذلك بإذن من عبد العزيز فبايعوه جميعهم »(1).

وذكر أمين الريحاني في تاريخه بعد أن يتحدث عن مقتل عبد العزيز بن محمد بن سعود سنة 1218ه-(1803م) فيقول :

«... وكان قبل وفاته بخمس عشرة سنة قد عيّن ابنه سعوداً خلفاً له ، فبايعه الناس إذ ذاك على الإمامة عملاً برأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب . ولا عجب إذا إعتزل عبد العزيز العمل في شيخوخته ، وهو الذي قضى أكثر من أربعين سنة من حياته في الغزو والحروب، فلا كل ولا مل ، ولا قعد بعد هزيمة ، ولا لها بعد انتصار . قد كان يزحف برجاله من أقصى البلاد إلى أقصاها في يومي البؤس والنعيم ، فيهب يوما على حواشي الربع الخالي ويوماً على القصيم ، يوماً في الاحساء ويوماً في السماوة بالعراق ، وآخر في وادي الدواسر ، كأنه من العناصر كالمطر أو السموم .

وقد كان مطراً للموحدين وسموماً لأعدائهم ، يغزو في بعض السنين ست غزوات ويعود بالغنائم إلى الدرعية فيقسمها على السواء بين رجاله.. »(2).

كانت فترة حكم و(إمامة) سعود بن عبد العزيز هي فترة الغزوات العظام والطموح المحموم للتوسع في جميع الاتجاهات في شبه جزيرة العرب، فكانت


1) عنوان المجد في تاريخ نجد/ لابن بشر ، ج 1 ص 162 .

2) تاريخ نجد وملحقاته/ أمين الريحاني، ص 54 - 55 .

انتصاراته تتوالى ولم تهزم له راية ولا حالت أو عار شبه الجزيرة وأهوال بواديها دون أن يحقق ما يريد، وكثيراً ما أشاد وتغنى به وبغزواته وفتوحاته من كان يميل إليه ولدعوته المذهبية.. فهذا ابن بشر صاحب عنوان المجد الذي يمجد فيه ويؤرخ لآل سعود فيقول عن سعود بن عبد العزيز :« سار بالمسلمين(1)يعتسف من الفيافي السهل والصعب، ويطوي أديم الأرض كل موحشة يباب، لا يسمع فيها غير أصوات العرج والذباب ، يضل فيها القطا ويحير الخريت في مهامها ، لا يرى بقفرها أنيس ، ولا يبصر في رحبها أثر العيس، مظمأة يحاكي لون أديمها زرقة السماء ، مغبرة الأفق والأرجاء، يحس الساري بما للجن فيها من الغمغمة والزمزمة . وبعد انضواء الأعوجيات، وأرقال المهريات (2)وسباسب الفلاة تبين له سواد الحرة(3)... » .

وصل سعود بن عبد العزيز في غزواته إلى ما وراء الحرة ، وفي جبال شمر وعُمان، وشيد قصراً للحامية على ارتفاع ألف قدم عن مستوى سطح البحر في بلدة (البريمة) على حدود مسقط، ووصل إلى رأس الخيمة على الخليج العربي، وفي الغرب زحف باتجاه الحجاز فاصطدم بجيش شريف مكة غالب بن مساعد في بلدة (تربة ) فانكسر جيش الشريف وبايعه أهل تربه ودخلوا في دعوته، وكان يقال عن تربة أنها مفتاح الطائف، وأن الطائف مفتاح مكة ، فكانت غزوته هذه فاتحة لمأساة الحجاز والسيطرة عليه فيما بعد وهروب الشريف غالب إلى جدة بعد عدة سنوات .

لم يكتف سعود بن عبد العزيز بهذه الغزوات بل ظلت أنظاره تهفو إلى شمال شبه الجزيرة وهي المناطق العراقية ، فقام حتى في حياة والده بعدة إعتداءات على


1) يقصد بالمسلمين هو أتباع الدعوة الوهابية، فهم المسلمون وكل من لا يؤمن بالوهابية فهم في خانة الكفار، وجب قتالهم.

2) أرقال المهريات الأرقال نوع من السير، والمهريات نوع من الابل، مفردها مهرة على اسم إحدى القبائل.

3) الحرة : الحرة منطقة أو مفازة بركانية حصاها وأحجارها مسننة كالسياخ.

مناطق عراقية كالبصرة والزبير وسوق الشيوخ ومناطق السماوة، وتوج هذه الإعتداءات بإغارته عدة مرّات على مدن العتبات المقدسة في كربلاء والنجف والتي كانت أفظعها غزوته الشنيعة على مدينة كربلاء وقتل الآلاف من أهلها، وسوف نأتي على شرح مفصل لهجماته على العراق لاحقاً وفق المسار الزمني للأحداث .

لقد كان لسعود أعداء كُثر ، نتيجة للغزو الذي قام به قبل أن يبايع له بالامارة والامامة وبعدها ، وكان لبعض أعدائه قوة لا يستهان بها فاقت قوى عريعر أمير الاحساء ، ودهام أمير الرياض أعداءه التقليديين ، وذلك لأنّ ولاة الدولة العثمانية ساندوهم بالمال والسلاح والرجال وأبرز هؤلاء هو شريف مكة غالب بن مساعد ، الذي كان يعرف خطر آل سعود عليه وعلى ملكه فكان يحتال دائماً بطرق شتى لإبعاد الخطر والتوسع الوهابي عنه ، ولكنه لم يبطئ بمناجزة آل سعود بعد أن ساندته القبائل الكبيرة في حائل مثل شمر ومطير ،وغيرها فقد أرسل أخاه الشريف عبد العزيز بن مساعد ليهاجم الدرعية ، ولم يفلح فأسرع أخاه الشريف غالب لنجدته .

ومن أعدائه والي العراق سليمان باشا(1)الذي في زمنه شنت القوات الوهابية هجمات عديدة على المناطق التابعة للحكم العثماني والتي كانت بإدارة والي بغداد منها الاحساء ومناطق الشمال الشرقي من شبه الجزيرة العربية، وطالت هجمات الوهابيين في زمانه مناطق داخل العراق، فاستدعى لذلك الوالي بتسيير العساكر لصد الهجمات الوهابية التي كان يقودها آل سعود. فقد كان ابن سعود قد إحتل الهفوف(2)والمبرز في الاحساء .


1) سليمان باشا كان متسلما للبصرة، وبعد وفاة حسن باشا والي بغداد ترشح لنيل منصب الولاية عدة أشخاص فاختارت الدولة العثمانية سليمان الذي هو من المماليك، وتاريخ تسلمه ولاية بغداد سنة 1194ه- (1780م) ، حتى وفاته سنة 1217ه-(1802م).

2) الهفوف : هي المركز الحضري للإحساء في المنطقة الشرقية، وهي مدينة قديمة ومشهورة في الإحساء، تقع جنوب غرب (بقيق) ومنطقة الظهران - الدمام. وكانت قديماً أيضاً الواحة المشتهرة بإنتاج التمور، فهي عاصمة الإحساء ومدينته التجارية ومقر الإمارة. وهي قريبة حالياً من (الغوار ) أكبر حقول النفط في المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية.

ومن أعداء الدعوة الوهابية وآل سعود هو ثويني بن عبد الله(1)حاكم المنتفك والبصرة الذي خاض عدة معارك ضد عساكر الوهابية ، إلى أن تم قتله.

في عام 1205ه- / 1790م أخذ الخطر الوهابي يهدد العراق ، وبدأت الدعاية الوهابية تنتشر في المدن وبين الأفراد وعلماء الدين وخاصة من أهل السُنة الذين إنقسموا إلى قسمين، بحيث إعتقد قسم منهم ان هذه الدعوة تنقية للإسلام وعودة إلى سُنّة السلف الصالح.. وقسم آخر وجد فيها إنكارًا لفضل الأولياء وكراماتهم فنبذوا هذه الدعوة .

منذ أن أخضع عبد العزيز بن محمد بن سعود نجد والإحساء أخذ يتوسع بقوة السلاح شمالاً حتى البصرة والأراضي العراقية الأخرى، حتى تمكن من الهجوم على تلال سنجار قرب الموصل . وعلى أثر التحرك الوهابي أعدّ الوالي حملة عليهم وجهتها الاحساء .

مسير الشيخ ثويني بن عبد الله لاسترداد الاحساء ومقتله

كانت الاحساء بأمرة أمراء بني خالد، فحدثت عدة وقائع بين آل سعود وبينهم، وحارب ابن سعود الاحساء مراراً فكانت تذعن له مرّة وتنتفض أخرى . وفي آخر هجوم على الاحساء عيّن ابن سعود براك بن محسن وهو من بني خالد وكان آخر أمرائها ينوب عن ابن سعود الذي إحتلها .

فعندما وردت الأخبار بأن الأمير عبد العزيز أرسل ابنه سعودًا سنة 1211ه- (1796م) على الاحساء فاستولى عليها عنوة وضبط جميع مضافاتها إلى ساحل البحر حتى وصل إلى القطيف والعقير واكتسح كافة القرى والنواحي هناك . وقتل في الاحساء نحو مائتين من علمائها..(2).


1) هو ثويني بن عبد الله بن محمد بن مانع بن شبیب بن مانع بن شبيب بن الشريف حسن الحسيني القرشي الهاشمي العلوي الشبيبي، تولى مشيخة المنتفك كما تولاها أبوه وجده.

2) تاريخ العراق بين احتلالين/ المحامي عباس العزاوي، ج 6 ص 121، عن شركة التجارة والطباعة المحدودة، بغداد - سنة 1373ه- - 1954م. عن تاريخ جودت ج 6 ص 120.

بعد احتلال ابن سعود للإحساء فالدولة العثمانية إعتبرت ذلك تهديداً مباشراً لها، فجهزت حملة عسكرية لاستعادة الإحساء وأسندت قيادتها إلى شيخ المنتفك ثويني بن عبد الله ، وتحركت الحملة سنة 1212ه-(1797م) ، فقد توجه ثويني إلى القطيف من البصرة بمساندة العساكر النظامية والمدفعية وتحركت معه جميع عشائر المنتفك ورئيس عشائر بني خالد، فاضطرب الوهابيون بتقدم ثويني ، فعلم به ابن سعود وتهيأ له ، وقُتل ثويني بيد عبد من عبيد جبور بني خالد إسمه (طعيس) بحربة نفذت من صدره إلى ظهره ونُقل إلى خيمته وتم قتل العبد بسرعة. وهذه الحادثة تسببت في عودة القوات حيث أتت .

جاء في مطالع السعود عن تحرك الشيخ ثويني ومقتله ما يلي :

«وفي السنة المذكورة قَتَل طُعيْس الشقي ثويني بن عبد الله فمات غريباً شهيداً، أحسن الله مثواه، وذلك أنه حشّد بجنده ، مشمراً عن ساعد عزمه وجدِّه، في السنة التي قبلها ليُفرّق للفرقة الباغية شملها بعدما استأذن الوزير في النُهود إليهم ، والنفير ناوياً إطفاء نار بغيِهم، ومعاملتهم بالقتل على سعيهم، فإنَّهم لما مَلَكوا الأحساء، وانتزعوها من يد شيخ بني خالد اشر أبّوا إلى غيرها من البلدان ليَملِكوا منها المقالِد، ويُظهروا بدعتهم فيها ،ويذودوا بسياط الجور عالماً وفقيهاً ، فقد جعلوا كثيراً من أهل الإحساء ذبائح ، متقربين بهم بزعمهم إلى من يعلمَ المفسد من الصالح ، فلما سار بمن معه من العشائر والجنود الباسلة، إضطرب من نجد البادي والحاضر ، وإنقاد له من عشائر ابن سعود ما تضيق به الأغوار والنُجود، وإنحلّت به من الأعداء العزائم ، وعاهدته من الأعراب الهامات والجرائم(1)... فما زال يسير بتلك الكتائب ، مجنوبة معه الشياظم والسلاهب (2)، إلى أن نزل ماءً يُسمى الشَّباك ، وأول ما نزل


1) الجرائم: مفردها الجريم: الكبير الجرم

2) الشياظم والسلاهب الشياظم ومفردها (شيظم) و من معانيها الأسد، والطويل، والشيظم الطلق الوجه. أما السلاهب مفردها سلهب الطويل من الناس والإبل.

نُصبت له خيمة صغيرة هناك ، فجاءه طُعيس والناس في أشغال النزول، فطعنه بحربةٍ فكان بها مقتول ، ففزع الناس فقتلوا طعيساً، ولكن ما بواءُ الأسد يكون تيساً ، فحُمل رحمه الله ودُفن في جزيرة العمائر(1)، وسقط عند ذلك في أيدي تلك البطون والعمائر ، وانقلبوا راجعين، وضاقت البراري بقل الدارعين ، ... إلخ »(2).

أما الشيخ رسول الكركوكلي في كتابه دوحة الوزراء فيقول:

«عند حلول سنة إحدى عشرة ومائتين وألف كان رئيس الوهابيين عبد العزيز قد هجم على الاحساء بكل ما معه من قوات واحتلها عنوة، بعد أن قتل من أهلها أكثر من مائتي شخص ، ثُمَّ ألحق القطيف وعجيرة وما جاورهما واقتطعهما لأتباعه وعشائره .

وكانت هذه الحركة قد أزعجت الشيخ ثويني وأغضبته ، فاستأذن للخروج واسترداد هذا المرفأ من أيدي الوهابيين . وقد وافقت الحكومة على ذلك وأوعزت إلى متسلم البصرة أن يسنده بما عنده من العساكر النظامية ومن الرماة البلوج والمدفعية ، وكذلك أرسلت إليه أحد أغوات بيروت المسمى أحمد آغا حجازي زاده لمعاونته .

وعلى هذا تحرك الشيخ ثويني من البصرة ومعه جميع عشائر المنتفك ورئيس ومحمد العريعر والبراك ، حتى بلغ موقعا يسمى ستباك(3)على

عشائر بني خالد بعد اثني عشر منزلاً من جنوبي البصرة فنصب خيامه للاستراحة .


1) العمائر: قرية شرقي بلاد الإحساء، وجاء في مباحث عراقية ج 1 ص70 ليعقوب سركيس أن قبر ثويني معروف في تلك الأنحاء.

2) مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود (تاريخ العراق ونجد) / عثمان بن سند الوائلي البصري، تحقيق د. عماد عبد السلام رؤوف، ص 293 - 295. عن الدار العربية للموسوعات، بيروت - لبنان. ط 1 سنة 2010م – 1431ه-.

3) الصحيح (الشباك) جمع (شبكة ) ، تلفظ بإسكان الشين وباء مبهمة الحركة وكان ينطق بها كالجيم الفارسية المثلثة، والشبكة الآبار المتقاربة وذكر ياقوت الحموي في معجمه ج 3 ص 317 (الشباك) عندما قال: والشباك أيضاً طريق حاج البصرة على أميال منها، عن نصر، وهي قريبة من سفوان.

وبينما كان جالساً في خيمته الكائنة قرب خيمة محمد العريعر ، دخل عليه رجل عربي أسود وبيده حربة حديدية وهتف (الله أكبر) ثُمَّ قذفه بها على صدره فسحقته وخرج رأسها من ظهره ومات على الأثر . أمّا القاتل فقد تجمعوا عليه وقتلوه حالاً، ولم يُعرف هل هو من أتباع عبد العزيز الوهابي أو أنه من جماعة شيوخ بني خالد»(1)

أما يعقوب سركيس فقد ذكر الحادثة في كتابه مباحث عراقية، وأثبت تاريخ مقتل الشيخ ثويني ومدفنه وأمور أخرى ، فينقل سركيس عن رحلة للمستر(توماس هوويل) البريطاني وهو من موظفي شركة الهند الشرقية، والذي مرّ بالعراق عائداً من الهند وكانت وجهته لندن وقد كتب عن تاريخ البصرة والمنتفك حيث كان في البصرة في شباط 1788م (1203ه-) ، فتحدث هذا الرحالة عن الشيخ ثويني كثيراً . وعن مقتل الشيخ ثويني يقول سركيس :

« .. إضطر والي بغداد سليمان باشا وهو في أحرج المواقف إلى إعادة الشيخ ثويني إلى منصبه للمرة الثالثة ليستعين به على محاربة الوهابي، فتربع الشيخ على مسند الحكم ورحل إلى أنحاء نجد للإيقاع بالعدو، ولكن عبداً إسمه طعيس (بالتصغير )(2)وهو من عبيد جبور بني خالد، اغتاله في موقع اسمه الشباك (وهو ماء في ديرة بني خالد) في اليوم الرابع من المحرم سنة 1212ه- (1797م) وقتل القاتل في ساعته ، وهو ينتمي إلى الوهابيين، وقد جرت قضيته مذ ذاك مثلاً يضرب به عند المنتفق فيقولون : (باع بيعة طعيس ) يريدون بها أنه صمم على الأمر ولا يرجع عنه ولو يعقبه الموت الزؤام. ويقال أن قبر ثويني معروف في تلك الأنحاء»(3).


1) دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء/ الشيخ رسول الكركوكلي، نقله إلى العربية موسی کاظم نورس ص 204 ، عن دار الكاتب العربي - مطبعة كرم - بيروت، بلا سنة.

2) الطعس: التل من الرمل.

3) مباحث عراقية يعقوب سركيس ، ج 1 ص 70 ، طبع شركة التجارة والطباعة المحدودة، شارع الملك فيصل الأول، الكرخ - بغداد سنة 1367ه- - 1948م.

الهجمات الوهابية على مدن وقبائل العراق في الدور السعودي الأول

الهجمات الوهابية بقيادة آل سعود والموالين لهم في نجد التي حدثت في الدولة السعودية الأولى(الدور الأول 1157ه- - 1234ه- / 1744 م-1818م) على العراق وقبائله وقوافله كان أولها الإعتداء الذي حصل سنة 1200ه- (1785م) عندما تعرضت قافلة عراقية إلى السلب والنهب والقتل وهي في طريقها من العراق إلى حائل(1).

الهجوم على قافلة العراقيين المتجهة إلى حائل

وهذا الإعتداء حصل عندما أراد عبد العزيز بن محمد بن سعود إخضاع منطقة جبل شمر(2)في حائل لتأمين حدود دولته الشمالية بعد أن نجحت جيوشه في القضاء على ثورات الخرج والقصيم التابعة إلى حائل، ولأهمية منطقة جبل شمر الاقتصادية حيث تزدهر فيها الزراعة وعلاقتها التجارية بالعراق والبلاد المجاورة ، فعزم على إخضاع أمرائها آل علي الرشيد لنفوذ ابن سعود ، فأصدر عبد العزيز آل سعود أمرًا إلى أمير بريدة (حجيلان بن حمد) بالسير بحملة إلى منطقة جبل شمر في سنة 12000ه- (1785م) ، ولكن حملة حجيلان تلك صادفت قافلة تجارية للعراقيين قادمة من العراق إلى حائل ، فسلبوها وقتلوا بعض رجالها وعادوا مسرعين دون أن يواصلوا المسير إلى جبل شمّر وتحقيق هدف أمير الدرعية عبد العزيز .

علمت حكومة العراق بالحادث فقرر والي بغداد سليمان باشا بتهيئة المال والسلاح وتكليف زعيم المنتفك ( ثويني بن عبد الله بن محمد الشبيب) بقيادة الحملة


1) حائل: هي منطقة قديمة في شمال وسط شبه الجزيرة العربية، وهي إمارة شهيرة لها عدة أسماء منها : إمارة حائل، أو إمارة جبل شمر ، أو إمارة آل الرشيد الذين هم أسرة تعود إلى آل جَعَفَرْ من عَبْده من قبيلة شمر (سيتم الحديث عن إمارة الرشيد لاحقاً)، فحائل هي منبع قبيلة شمر وعشائرها.

2) جبل شمّر أو جبال شمر ، وهي منطقة جبلية في شمال غرب شبه الجزيرة العربية وشمال نجد، يميّز المنطقة جبلان هما جبل أجا وسلمى.

في محرم سنة 1201ه- (تشرين الثاني 1786م) ، فقرر ثويني بن عبد الله الانتقام من حجيلان لنهبه القافلة العراقية . فسار ثويني بجيشه ومعه جموع من قبائل أخرى من الزبير نحو (بريدة)، وبعد عدة عمليات عسكرية إنتصر فيها ثويني، وهبَّ حاكم الإحساء عبد المحسن بن سرداح زعيم بني خالد لمساعدة ثويني وجيشه، ولكن إضطر ثويني للانسحاب راجعاً إلى المنتفك بسبب ورود أخبار عن حدوث بعض المشاكل والاضطرابات فيها . وقبل أن تصل نجدة الإحساء إلى القصيم سمع عبد المحسن بانسحاب ثويني فعاد بجيشه إلى الإحساء .

أمّا حجيلان فانتهز الفرصة فجدد هجومه على منطقة جبل شمر بأمر عبد العزيز ونجح بعد قتال شديد مع أهلها أن يُخضع جبل شمر للنفوذ السعودي بعد منتصف سنة 1201ه- (1787م).

الهجوم على سوق الشيوخ وأنحاء المنتفك

في شهر رمضان سنة 1212ه-(1797م) سار سعود بن عبد العزيز بن محمد بجنوده وقصد الشمال وأغار على أنحاء المنتفك قاصداً (سوق الشيوخ)، فأغار صباحًا على قرية (أم العباس) وقتل منهم كثيراً ومنهم من فر ومنهم من غرق . وعاد بعد أن سلب أموالهم وقد جدّ شيخ المنتفك بملاحقته ولم يظفر به(1).

وبعد عودته من سوق الشيوخ ووصوله إلى أطراف نجد وصل سعود خبر بأن الكثير من العربان مجتمعين في الأبيّض(2)قرب السماوة، فوجّه سعود جيشه وأغار عليهم ، وكانت العربان كثيرة منهم قبيلة شمّر ورئيسهم الفارس (مطلق بن محمد الجرباء) ومعهم من قبائل الظفير وآل بعيج والزكَاريط وغيرهم . فاشتبك الطرفان في قتال شديد ، قُتل في ذلك النزال مطلق الجرباء بعد أن عثرت به فرسه


1) تاريخ العراق بين احتلالين / ج 6 ص 125 . كذلك عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر، ج 1 ص 240.

2) الأبيض وادي مشهور غزير المياه في بادية السماوة يبدأ من صحراء كربلاء جنوب غرب الأخيضر ويتشعب هذا الوادي عدة شعب.

وسقط أرضاً فأدركه خزيم بن لهيان رئيس السهول فقتله . وبعد مقتل رئيس شمّر تراجعت العشائر وغنم ابن سعود أموالهم وإبلهم ومتاعهم. وممن قُتل من جماعة سعود رئيس بني خالد براك بن عبد المحسن ، ومحمد العلي رئيس المهاشير(1).

وعن هذه الحوادث جاء في كتاب (خمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق) النص التالي :

«ومن وقائع سنة 1212 أن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود غزا في تلك السنة أطراف بني المنتفق ، فصبح القرية المعروفة بام العباس وقتل منها ومما حولها خلقاً كثيراً ونهب وحرّق ثُمَّ كَرَّ راجعاً وحمود(2)في البادية ، فلما بلغه الخبر جدَّ في السير ليدركه فما أدركه ، وبعدها كرَّ سعود راجعاً و وصل إلى أطراف نجد عطف وأغار في سنته تلك على بادية العراق ، وكان مطلق بن محمد الجربا الشمري نازلاً في بادية العراق مع عربه شمّر ، فلما صبحهم سعود فرَّ من فر منهم وثبت من ثبت ، فممن ثبت وقاتل جيش سعود مطلق الجربا ، فكرَّ على الفرس مرة، فكلما كر على كتيبة هزمها ، فحاد عن مطاعنته الشجعان، وكان قدر الله تعالى الذي لا يردُّ أنه كر عليهم في بعض كرّاته فعثرت به فرسه في شاة فسقط في ظهر فرسه وقُتل ، وكان قتله عند سعود من أعظم الفتوح ، إلّا أنه ودّ أسره دون قتله . هذا ومطلق من كرماء العرب عريق النجار شريف النسب»(3).


1) عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر ، ج 1 ص 240 - 241. تاريخ العراق بين احتلالين / عباس العزاوي ج 6 ص 125 – 126 .

2) هو حمود بن ثامر شيخ المنتفك ، الذي تولى المشيخة بعد مقتل الشيخ ثويني بن عبد الله.

3) خمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق (مختصر مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود) للشيخ عثمان بن سند البصري الوائلي/ إختصره الشيخ أمين بن حسن الحلواني المدني، حققه وعلق عليه وطبعه محب الدين الخطيب . ص 63 ، المطبعة السلفية، القاهرة سنة 1371ه-.

علي باشا يسير بجيش إلى الإحساء

عندما وصلت أخبار هذه الحوادث إلى بغداد سنة 1212ه- (1797م) فكان وقعها شديداً ، فأعد العثمانيون حملة عسكرية بقيادة الكهية علي باشا فتم الإيعاز بالتجهز بكل ما يحتاجه من أموال وعتاد وعساكر ولوازم، وغادر بغداد في اليوم الثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني من سنة 1213ه-(1798م) بجيش لجب يزيد عن الأربعة آلاف مقاتل ، ووصل البصرة ومنها إلى الزبير وجنّد في طريقه الكثير من المقاتلين .

كانت الخطة الأولية أن يتقدم الجيش إلى الدرعية ، ولما كانت بلدة الاحساء أقرب إلى علي باشا ونظراً لصعوبة نقل الثقال والقوات والمعدات ، فقد إختار التوجه إلى الاحساء وإذا تمكن من احتلالها يقوم باتخاذها قاعدة لحركاته. وقد نقل بعض معداته عن طريق البحر بمساعدة شيخ الكويت الذي استأجر بعض السفن لمساعدة الحملة . وعندما وصلوا إلى أطراف الاحساء كتب علي باشا إلى رؤساء البلدات الذين لم يستجيبوا له ، وقاوموه بشدة ، وبدأ يقاتلهم وهم متحصنين في قلاعهم، وقام جيش علي باشا بعدة حملات منها على المبرّز، ومناطق من نجد منها شبيع وغيرها .

وبعدها لقي الجيش مصاعب جمة لم يتمكن من تحقيق أهداف الحملة للمشاكل الكثيرة التي واجهته. ورغم وصول المدافع الثقيلة التي نُقلت بواسطة السفن إلا أن هذه المدافع عجزت عن تأدية مهمتها ، وواجه الجيش مشاكل في التموين وظروف المناخ وصعوبة التنقل وحتى في العودة وتأجيل المهمة .

فكتب أحد أعوان ابن سعود وهو إبراهيم ابن عفيصان أحد رؤساء الهفوف ورئيس حاميتها وكان من أبرز قادة الوهابيين الذي لم يتمكن علي باشا من قهره ، إلى عبد العزيز آل سعود يخبره بما حل بالجيش ويحرّضه على انتهاز الفرصة للانقضاض عليه وسحقه ، فأرسل عبد العزيز ابنه سعود على رأس حشد كبير من عشائر

الوهابيين وأهل اليمن وعارض وجبل شمر ، فعلم بذلك علي باشا وقام باتخاذ الإجراءات اللازمة لضرب هذه الحشود والانتقام منها .

تحصن سعود بن عبد العزيز في مكان يسمّى (مخبات) على قول الكركوكلي في دوحة الوزراء ، وفي مطالع السعود ذُكر أن سعود نزل (الحنّاءه) وهو يستعد لملاقاة جيش علي باشا، وتقدم نحوهم علي باشا وإتخذ موقعاً يسمى (التاج) على قول الكركوكلي و(ثاج ) في مطالع السعود، وبين المكانين مسافة 11 كم من الشمال ، وبدأت المناوشات بين الطرفين وإشتدت شيئاً فشيئاً ، وأيقن الوهابيون أن لا قبل لهم بمواصلة الحرب فطلبوا الصلح . ومن المهم جداً أن نذكر بشيء من التفصيل عن الأمور التي دارت لأهميتها التاريخية فيما بعد هذه الحوادث لتوثيقها وبناء كامل التصورات التي كان يعتمدها الوهابيون وآل سعود في العهود والمواثيق، ونوع السياسة التي كانوا يتبعونها لتحقيق مصالحهم .

أرسل سعود بن عبد العزيز كتاباً إلى علي باشا هذا نصّه :« من سعود بن عبد العزيز إلى علي، أمّا بعد ، ما عرفنا سبب مجيئكم إلى الاحساء وعلى أي منوال جئتم ، أما أهل الاحساء فهم روافض ملاعين ونحن جعلناهم مسلمين بالسيف وهي قرية الآن، وليس داخلة في حكم الروم(1)وبعيدة عنكم ولم يحصل منها شيء يسوى تعبكم، ولو أن جميع الأحساء وما يليها تؤدي لكم درهماً ما تعادل مصروفاتكم التي عملتموها في هذه السفرة، ولايوجد بيننا وبينكم من المضاغنة قبل ذلك إلّا ثويني ، فهو كان المعتدي ولقي جزاءه ، فالآن مأمولنا المصالحة وهي خير لنا ولكم ، والصلح سيد الأحكام »(2).


1) الروم: يعني بهم الأتراك.

2) دوحة الوزراء رسول الكركوكلي، ص208 . ومطالع السعود/ ص 316. وخمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق/ص 67 - 68 . وتاريخ العراق بين احتلالين/ ج 6 ص 131 - 132. النص ورد في عدة مصادر باختلاف بسيط جداً في بعض الكلمات والجمل، والمعنى واحد. وهي نفس المصادر التي سننقل منها بقية الرسائل على التتابع لعدم ذكر المصادر مرة أخرى.

استشار علي باشا مع الذين معه وبعد المداولة مع ذوي الرأي من الرؤساء والشيوخ ، قرروا قبول الصلح ولكن بشروط . فأرسل علي باشا إلى سعود ردًا على كتابه يقول فيه :

« من علي باشا إلى سعود بن عبد العزيز ، أما بعد فقد أتانا كتابك وكل ما ذكرت من أمر المصالحة صار معلوماً لدينا ، ولكن على شروط نذكرها لك ، فإنّ أنت قبلتها وعملت بها فحسن ، وإلّا فما نحن بعاجزين عنك ولا عن طوائفك بعون الله وقوته . وعند الخبر الصحيح إذا اشتدت الهيجاء وإنشقت العصا فحسبك المضحاك والسيف المهند، حيث لنا مقدار أربعة أشهر في بلادك نجوب الفلا ونستأسر أهل القرى ، ما قدرت تظهر من مكانك غير هذه الدفعة ، وبهذه الدفعة إغتررت بقول ابن عفيصان .

أما الشرط الأول فهو أن الاحساء لا تقربها بعد ذلك ، والثاني الأطواب التي أخذت من ثويني إنك ترجعها، والشرط الثالث تعطينا جميع ما صرفناه على هذا السفر ، والرابع أن لا تتعرض للحاج التي تجيء إليك من طرق العراق ، ولا تتعرض لأبناء السبيل ، وتكف غزوك عن العراق ، وتكون معنا كالأول ... فهذه الشروط التي أخبرناك بها والسلام على من اتبع الهدى ».

طلب الصلح من قِبَل الوهابيين، وهذه الشروط التي فرضها علي باشا لقبوله الصلح ، كل ذلك دلالة واضحة عن قوة موقف علي باشا وجيشه ، بعكس بعض المصادر التي ذكرت أن الجيش أصبح مهزوماً وتخاذل الكثير من مقاتليه ، بل ذكر البعض أن هناك نوع من الخيانة ونهب للأموال قد حصلت ممن كان يأتمنهم قائد الجيش . فالواضح من المكاتبات ومما سيلي ذكره يدل على تفوق جيش علي باشا ، وأن الدائرة كانت على ابن سعود وجيشه ، وهذا ما يفرضه الواقع عند التمعن في المصادر العديدة الموالية والمضادة بعد الدراسة والتمحيص .

قبِل سعود بدبلوماسية عالية هذه الشروط، وكان في جوابه لعلي باشا شيء من الانصياع والمراوغة في نفس الوقت نابعة عن ذكاء حاد وسياسة فاعلة، فكتب الجواب التالي :

«جاءنا كتابكم وفهمنا معناه ، أما من حال الشروط المذكورة، فالإحساء هي قرية بعيدة إلى دياركم وخارجة عن حكم الروم وما تجازي التعب ولا فيها شيء يوجب الشقاق بيننا فهذه حالها، وأمّا الأطواب فهي عند والدي بالدرعية فإذا صدرت إليه أعرض الحال بين يديه، والوزير سليمان باشا أيضاً يكتب إليه ، فإنّ صحت المصالحة وارتفع الشقاق من الطرفين فهي لكم، وأنا كفيل بها أن أجيبها إلى البصرة . وأما مصاريفكم فإنّي لم أملك من هذا الأمر شيئاً، والشور بيد والدي والذي يقرره يصل إليكم ، وأمّا ما ذكرتم من أمن الطريق وعدم التعرض للحاج والمترددين فحباً وكرامة، وعليَّ عهد الله وميثاقه أنه ما يفقد لكم بعير واحد ، ولا يسري منا ضرر على المترددين ، وما لهم عندنا غير الكرامة والتسيار، والسلام عليكم ور. ورحمة الله وبركاته » .

تم قبول بعض الشروط وتأجيل البت بما تبقّى منها، وتمت المصالحة بين الطرفين، وعاد علي باشا بجيشه إلى البصرة ومنها إلى بغداد. وفي دوحة الوزراء يذكر الشيخ الكركوكلي عودة الجيش إلى العراق ويقول :

«بعد الصلح وأصل الجيش العثماني سفرته إلى البصرة فاستراحوا فيها خمسة عشر يومًا ثُمَّ تحركوا إلى بغداد، وكانت عودة علي باشا في اليوم الرابع من شهر صفر سنة أربعة عشرة ومائتين وألف ، ومدة هذه السفرة تسعة أشهر وخمسة وعشرون يوماً ، وقد لاقت هذه الحملة من الأهوال والمهالك ما لا يمكن وصفه ، وإن ما جمعه الوالي سليمان باشا من الأموال وما إدّخره من سنة أربعة وتسعين ومائة وألف إلى

السنة الثالثة عشرة ومائتين وألف قد صُرف كله في سبيل هذه الحملة ، ومع كل هذا لم تأت بالثمرة المرجوة »(1).

بعد عودة الجيش الحكومي عاد سعود بن عبد العزيز وإستولى على الإحساء وعاقب الذين خضعوا لجيش علي باشا، وعيّن أميراً جديداً في الاحساء. وفي سنة 1213ه- (1799م) سار ابن سعود على رأس جيش من أتباعه إلى مكة وتكرر هذا العمل في السنة التالية ، كما منع طريق الحجيج من بغداد والبحرين لاعتقادهم بأن أكثر الحجاج من الشيعة وهم كفار !!

الخزاعل يتصدون للوهابيين قرب النجف الأشرف

من حوادث سنة 1214ه- (1799م) تواجدت مجموعة كبيرة من الوهابيين قرب النجف الأشرف ، وكان الخزاعل متوجهين إلى النجف للزيارة فصادفوهم فتعاونوا مع أهل النجف وقتلوا منهم نحو ثلثمائة رجل . فوصل خبرهم إلى عبد العزيز آل سعود الذي قام فورًا بالكتابة إلى والي بغداد يستنكر الحادثة ويريد أن يتخذها ذريعة لإلغاء الصلح الذي أبرمه إبنه سعود مع علي باشا ما لم تُدفع إليه ديّات القتلى .

ولأجل إيقاف تنفيذ ما قرره وإبقاء المصالحة على حالها، أوعز الوالي إلى عبد العزيز بيك الشاوي الذي غادر في أواخر سنة 1215 ه- (1800م) يعتزم الحج أ يعرج على عبد العزيز آل سعود في الدرعية بعد تأدية فريضة الحج ويحاول ثنيه عن مطاليبه . ولما قدم عليه وباحثه حول الموضوع أصر ابن سعود على رأيه، وأخيراً طلب أن يسمح لعشائره بالرعي ما بين عانه والبصرة من جهة الشامية، وذلك عوضاً عن ديات القتلى، وإلّا فلا مناص من نقض العهد. ولما يئس الشاوي من إقناعه بالعدول عن ذلك أرسل ساعياً إلى الوالي يخبره بالأمر، ويضيف بأن الوهابيين إتجهوا نحو العراق لينتقموا لقتلاهم، وعاد الشاوي إلى العراق وأخبر الوالي بما جرى من عناد ابن سعود .


1) دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء/ص210.

عرب البصرة يتصدون لركب من الوهابيين

جاء في غاية المرام للشيخ ياسين العمري في حوادث سنة 1215ه- (1800م) ما يلي :« وفي هذه السنة قدم ركب من الوهابي إلى جهة بغداد ليهدموا قبة الإمام علي رضي الله عنه والإمام الحسين رضي الله عنه ، فقاتلوهم عرب البصرة وقتلوا منهم جماعة، وأخذوا منهم ثمانمائة بعير فرجع الركب خاسراً »(1).

الوهابيون يهاجمون مناطق العراق مجدداً

ما إن بدأت سنة 1216ه- (1801م) حتى ظهرت نوايا الوهابيين بعد أن رفض الوالي شروطهم بالديات والرعي، وكان عبد العزيز الشاوي مبعوث الوالي إلى ابن سعود قد أخبر الحكومة بالعراق بأن هناك نوايا سيئة وغارات سيقوم بها الوهابيون على الأراضي العراقية .

علمت الحكومة العراقية أن سعود بن عبد العزيز توجه إلى أنحاء العراق بقصد غزوها ، فأمر الوالي سليمان باشا باتخاذ الاحتياطات الضرورية، وبعث علي باشا على رأس قوة عسكرية لتحول دون تعرض الوهابيين للعراقيين ، وتحرك نحو الهندية في 3 صفر سنة 1216ه- ونزل قرب نهر الشاهي ، وأقام بضعة أيام فأخبر أن ركباً عظيماً جاء إلى جهة (شفاثا) غرب كربلاء ، فسار إلى شفاثا وقد التحقت به عشائر العبيد وشمّر والبيات والعساكر القادمة من أربيل فبلغوا نحو ألفي مقاتل .

فلما بلغوا تلك الأنحاء رأوا القوات الوهابية قد حطت رحالها هناك وإستعدت أتم الاستعداد للقتال، ولكنها قبل التصادم إنسحبت من أمام الجيش، ورجع الجيش إلى شفاثا. وبعدها عاد علي باشا إلى بغداد(2).


1) غاية المرام في تاريخ محاسن بغداد دار السلام/ الشيخ ياسين خير الله العمري الخطيب الموصلي، ص 196. عن دار منشورات البصري، بغداد - سنة 1388ه- - 1968م.

2) دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء ص213 - 214. وتاريخ العراق بين احتلالين/ج6 ص 141.

و في مطالع السعود وخمسة وخمسون عاما من تاريخ العراق الذي يختصر مطالع السعود ويتوافق معه بنقل الأخبار ، نجد أن روايتهما تختلف عن ما ذكرناه أعلاه من مصادره حيث جاء في مختصر مطالع السعود النص التالي :

« ودخلت سنة 1216 ، فيها أغار سعود بأهل نجد الوهابيين على العراق سرايا وركبانا فنهبوا وسلبوا وحرّقوا بعض القرى وسبوا وأسروا، فأرسل الكتخدا علي بك لمقاتلتهم ومحمد بن عبد الله بن شاوي الحميري وفارس بن محمد الجربا الشمري ومعهم عسكر ، فلما التقوا معهم ووجدوهم قد تحصنوا بالرواحل – أي إنهم قرنوا الابل ودخلوا وسطها وجعلوها متاريس - وصاروا يرمون عليهم بالبنادق والرصاص من وسط الابل، فجبن العسكر وخافوا من الهجوم عليهم ورجعوا إلى شفائی - كحبالى - وما بهم من عطش ولكن إدّعوه كذباً ، إنما هم كرهوا النزال في الحروب خوفاً على أرواحهم ، وكان يمكنهم أن يقرنوا الابل ويدخلوا وسطها كما فعل الوهابيون، ويهجمون مع الإبل ،سوية ، ولكن ما أكثر أعذار الجبان»(1).

الهجوم على عانه وكبيسة

ويذكر العمري في غاية المرام أيضاً في حوادث سنة 1216ه- (1801م) أن ركب من الوهابيين أغار على مدينة عانة في أعالي الفرات وعلى مدينة كبيسة القريبة منها، وعلى ذلك يؤرخ العمري الحادث بالنص التالي :« وفي سنة ستة عشر قدم أيضاً ركب من الوهابي على ثمانمائة بعير وأغاروا على عانه وقتلوا أربعين مسلم ونهبوا بعض البيوت وذهبوا ، وقد عزموا على نهب الكبيسة فحاربوهم وهزموهم . فركب أمير المنتفك حمود الثامر(2)بعشيرته وسار إلى حرب الوهابي، وكان الوهابي بالحج


1) مطالع السعود/ ص 331 وخمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق (مختصر المطالع ) / ص 72 - 73

2) حمود الثامر: هو حمود بن ثامر بن سعدون بن محمد بن مانع الشبيبي الحسيني، أمير المنتفك في العراق، وأحد ممن إشتهروا بالفروسية والكرم كانت أيام حروبه تعد كأيام العرب في الجاهلية ولي الإمارة بعد مقتل أخيه من أمّه ( ثويني بن عبد الله) سنة 1212ه- (1798م)، وقام بأمر المنتفك وعشائرها ، وقد إستفحل أمره فضم إلى إمارته ما في جنوب البصرة من قرى. إختلف مع والي بغداد (داود باشا) الذي عزله عن الإمارة سنة 1242ه- (1827م) وولّى ابن أخيه ( عقيل بن محمد بن ثامر)، فغضب حمود وجاهر بالعصيان، فاحتال عليه ابن أخيه وإعتقله وأرسله إلى بغداد فسجن فيها ، ثُمَّ أطلق سراحه، فرحل متجهاً إلى حلب فمات في الطريق ودفن في منطقة تسمى (تل أسود).

يغتنم فرصة لنهب الحج ومكة ، فغارت عرب المنتفك على عرب الوهابي ونهبوا وقتلوا وعادوا إلى أماكنهم »(1).

غزو الوهابيين لكربلاء

هذا التقديم المختصر الغرض منه إعطاء صورة عن حركات الوهابيين وتعمدهم على غزو مناطق ومدن العراق ، فطالما كانوا يتطلعون إلى الغزو والنهب والسيطرة على مناطق العشب والكلأ . فكانت أغراضهم متعددة وأهمها العامل المذهبي ومعاداتهم بشكل كبير لمدن العتبات المقدسة التي لها تأثير كبير لمحبي آل البيت عليهم السلام مثل مدينتي كربلاء والنجف الأشرف لأنّها تضم في حناياها المراقد المقدسة للأئمة الأطهار ومراقد أخرى لآل البيت .

في شهر ذي القعدة سنة 1216ه-/ شباط 1802م إنتشر (الطاعون) في بغداد ، وإضطر الوالي الهرم (سليمان باشا الكبير ) وحاشيته مغادرتها والهرب من الوباء إلى (الخالص) ومعه عياله ، وهناك وصله نبأ من شيخ المنتفك (حمود الثامر) يعلمه أن جيشاً وهابيّاً قادماً نحو العراق يقوده سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ومعه جموع غفيرة من الفرسان، عندها أمر الوالي والمرضه أن يوكل مجابهة الخطر للكهية (علي باشا) ، وخرج هذا من بغداد وتوقف في منطقة (الدورة) منتظراً لحاق العشائر به ، وعندما أوشك بالسفر لمواجهة الخطر وصلته أنباء كارثة كربلاء .


1) غاية المرام/للعمري، ص197.

تفاصيل الغارة على كربلاء

في يوم( عيد الغدير) وهو من أهم أعياد الشيعة والموافق 18 ذي الحجة من عام 1216ه- المصادف 22 نیسان 1802 م ، كان معظم سكان مدينة كربلاء ذاهبين إلى النجف الأشرف لزيارة مرقد الإمام علي(عليه السلام) بمناسبة يوم الغدير ، وهو ما إعتاد عليه أهل كربلاء سنوياً ، فقد قام( سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود) بقيادة جيش كثيف وهجم على مدينة كربلاء من ناحية البادية المتاخمة لها.

لمّا علم الباقون من أهل المدينة بتقدم الوهابيين نحو البلدة، شرعوا إلى إغلاق أبواب سور المدينة وكان الجيش الغازي يشتمل على ستمائة هجّان وأربعمائة فارس نصبوا الخيام خارج السور وقسّموا قوتهم الغازية إلى ثلاثة أقسام، وقد تمكنوا من فتح أحد أبواب السور بالقوّة وشقّوا طريقهم إلى داخلها وقاموا بالتخريب والتدمير والقتل .

كان حاكم كربلاء في ذلك الوقت (عمر آغا ) الذي لم يفعل أي شيء لدرء الخطر ، مما إتهمه البعض بالتواطئ مع الوهابيين. فالغزاة دخلوا المدينة على حين غرّة يذبّحون ويقتلون كل من صادفهم من رجل وشيخ وإمرأة وطفل.. وأخذت المدينة تموج بالخوف والذعر والفزع ، ولم يَسْلم من القتل حتى الذين حاولوا الفرار من هول الكارثة، وكذلك الذين لاذوا بضريح الإمام الحسين عليه السلام، فقد عمل فيهم السيف، ويقال بأن خمسين شخصاً قتلوا ملاصقين لضريح الحسين(عليه السلام)وخمسمائة آخرين في باحات الصحن الحسيني !!

ودخل الوهابيون إلى الأضرحة المقدسة وبدأوا بتخريبها ، ونهب خزائن العتبتين بما كانت تحويه من نفائس لا تعد ولا تحصى، وسرقوا الشمعدانات والسجاد والمعلقات والستائر وكانت هذه من أثمن موجودات العتبات وطالت أياديهم إلى أبواب الحرم المقدس . وتذكر المرويات بأن عدداً كبيراً منهم دخلوا الحرم وهم يمتطون الخيل وجالوا في الحرم ... وبعد تخريب الأضرحة وتهديم القبة الشريفة

واصلوا عدوانهم بسلب ونهب الدور وإستمروا بالقتل . وقُدّر عدد القتلى بألف شخص، بينما قَدّر آخرون أن القتلى خمسة أضعاف العدد الأول .

ولم يكتف الوهابيون بكل هذه الأمور حتى طالت أيديهم إلى إحراق الضريح المقدس للإمام الحسين(عليه السلام)وإمتد الحريق إلى بعض جوانب الحرم . وكان الضريح المقدّس يحتوي على صندوق خشبي وكانت آثار الحرق لا زالت داخل الصندوق الخاتمي وعلى بعض الأعمدة المرتكز عليها آثار لذلك الحريق عندما تسلمت سدانة الروضة الحسينية وقد تم تصليح الصندوق وتبديل أعمدته الداخلية سنة 1992م وبإشرافي .

الحقيقة أن هذه الغارة خُطط لها بذكاء على أن تكون بالذات على كربلاء ، وفي وقت محسوب جداً لأنّ غالبية أهل المدينة وخاصة رؤسائِها وأعيانها والرجال الذين يُعتمد عليهم في الملمات، كانوا في النجف لزيارة قبر الإمام علي(عليه السلام)في عيد الغدير حيث دأب أهل كربلاء ومن ضمن طقوسهم السنوية (بتجديد الولاء) أن يحضروا في 18 ذي الحجة من كل سنة إلى النجف.. مما أتاح للغزاة الفرصة السانحة ، واطمئنانهم بعدم وجود مقاومة قوية لهم .

وكربلاء مدينة تقع على تخوم البادية الغربية، وهي مفتوحة تماماً بدون معوقات لأي غزو من تلك الناحية، ولا بُدَّ للبدو المنتشرين في تلك الأصقاع أن يكون لهم دور في الإدْلاء على الطرق والممرات الآمنة وكذلك تقديم المعلومات للغزاة ، هذا إن لم يكن لهم عيون في الداخل . كما أن سورها كان قديماً ومتهاوياً ولم يكن من الصعب تجاوزه أو تهديم أبوابه المتهالكة .

يضاف إلى ذلك ضعف الحامية التركية المتواجدة في كربلاء، وعدم اتخاذها أي تدبير أمني لأي طارئ مما جعل أهل كربلاء يعتقدون بأن (عمر آغا) حاكمها التركي كان متواطئ مع الغزاة . لأنّ الغزاة خيموا قبل يوم واحد بالقرب من أسوار المدينة.. فما هو دور الحامية ؟ . يضاف إلى ذلك أن الغزاة لم يبقوا في كربلاء سوى يوم الغارة فقط ، وغادروها بعد تخريب كل ما صادفهم، وحملوا الغنائم عائدين

من حيث أتوا ، بحيث لا يتسنى لأحد أن يقوم بهجوم مقابل ضدهم. وعندما عاد أهل المدينة من النجف وجدوا الكارثة أمامهم ولا وجود للمعتدي . وبعد الحادثة مباشرة أجريت تغييرات واسعة داخل مدينة كربلاء شملت المسؤوليات الادارية وأمور ضبط الأمن ، ومنها استلام جدّنا السيد جواد بن کاظم آل نصر الله سدانة الروضة الحسينية المقدسة . بعد استشهاد سادن الروضة أثناء الدفاع عن حرمتها .

عندما ترك الوهابيون كربلاء سالكين طريق البادية من حيث أتوا ، فرحين بنصرهم(على ما يعتقدونه)وغنائمهم ، فقد أقرّوا أمرهم بأن يهاجموا مدينة النجف والتي تقع هي الأخرى على تخوم البادية، وكانوا في طريقهم على مقربة منها.. لكنهم لم ينجحوا في مسعاهم فخابوا ورجعوا خاسئين وذلك لعلم أهل النجف بما حلَّ بكربلاء فإستعدّوا استعداداً كبيراً وقاتلوا قتالاً مستميتاً وردّوا المعتدين تاركين عدداً من قتلاهم خارج أسوار مدينة النجف التي لم يتمكنوا من دخولها .

وأشهر من قُتِل في غارة الوهابيين سادن الإمام الحسين(عليه السلام) وهو المرحوم السيد موسى بن محمد علي بن محمد بن موسى ، وهو من سلالة آل السيد يوسف ، وأخواه السيد حسن والسيد حسين). وكذلك الكثير من السادة خدام المشهدين ومن أفراد عشائر كربلاء الذين هبوا للدفاع عن المدينة والحرمين والأهالي العزّل .

ذكر الكثير من الكتّاب والمؤرخين هذه الحادثة، كما وثّقت من قبل الأدباء والشعراء تؤرخ وتتحدث عن هذه الواقعة المروّعة . فقد ذكر الشيخ رسول الكركوكلي في دوحة الوزراء عن حوادث سنة 1216ه- ما يلي :

« في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة ظهر وباء الطاعون في مدينة بغداد، وبدأ ينتشر ويسري إلى ضواحيها وأطرافها، مما إضطر الوزير إلى الهروب نحو مدينة الخالص والمكوث فيها ريثما ينجلي كابوس الطاعون عن بغداد، وقد إستصحب معه عياله وخدمه والمتعلقين به والمنتسبين له ، ونصب سرادقه هناك ، وكان الفصل ربيعًا فقرر إمضاء هذا الفصل في تلك الربوع .

وفي هذه الأثناء ورد إليه كتاب من حمود الثامر شيخ عشائر المنتفك يخبره ان سعود بن عبد العزيز وجموعاً غفيرة من الوهابيين قد إنحدروا نحو العراق، فأصدر أمره إلى علي باشا بالسفر لصد غاراتهم ، ونزولاً على أمر الوزير تحرك الموما إليه إلى الدورة ، وإنتظر هناك ريثما التحقت به بعض العشائر .

وبينما كان يزمع مواصلة السفر ، وردت الأنباء بأن الوهابيين هجموا على كربلاء وإستولوا على مرافقها ونهبوها وقتلوا منها حوالي الألف نفس، فأوفد علي باشا محمد بيك الشاوي إلى الوزير ليخبره بهذه الحادثة ، ثُمَّ سافر مسرعاً نحو كربلاء على أمل أن يظفر بالوهابيين وينتقم منهم ، وينقذ البلدة من قبضتهم .

إلّا أن الأخبار قد وردته وهو حينئذٍ في الحلة بأن الوهابيين بعدما نهبوا وقتلوا خرجوا قبيل العصر نحو الأخيضر ، فتوقف علي باشا في الحلة لأسباب إضطرته إلى هذا التوقف ، ولعدم بقاء ما يدعو للسفر إلى كربلاء بعد هروب الوهابيين منها .

وفي هذه الأثناء وصل متصرف البصرة الداماد سليم بيك هو و وعثمان آغا ، والتحقا بالحملة التي إتجهت نحو الهندية وعسكرت فيها . وهناك إنتشرت شائعة مفادها أن الوزير الذي يشكو من مرض المفاصل، قد إشتد عليه مرضه ولم يخرج من بغداد إلّا لإخفاء المرض الذي أقعده عن الحركة تماماً ، ويوشك ان يقضي عليه وهو الآن في أشد حالات المرض.

ومن جهة أخرى وردت الأخبار بأن الطاعون أخذ يفتك بسكان بغداد فتكاً ذريعاً ، ويحصد منهم ما يقرب من سبعين نفساً في اليوم، وهذه الأخبار المحزنة أقلقت الحملة وأقعدتها عن تنفيذ مهمتها ، فاكتفى علي باشا بإرسال بعض القوات إلى كربلاء من باب الاحتياط، وقد إلتحق بهذه القوات متصرف بابان إبراهيم باشا وأتباعه أيضاً .

هذا وقد نقلوا خزينة النجف الأشرف خوفاً عليها من غارات الوهابيين ، وضموها إلى خزينة موسى الكاظم رضي الله عنه . وقد إنتدب لنقلها الدفتري الحاج محمد سعيد بيك، وأخبروا الحكومة الإيرانية بما حدث وبما اتُخذ من الإجراءات .

وبعد مكوث علي باشا في الهندية حوالي الشهرين ونصف الشهر، وردته التعليمات بوجوب تقسيم القوات التي تحت إدارته وقيادته إلى عدة أقسام، يقيم قسم منها في ذي الكفل ، وقسم في كربلاء ، وقسم في الحلة ، وأن يتخذوا التحصينات في هذه الأمكنة ثُمَّ يعود إلى بغداد، وقد فعل ما أمر به »(1). وعن غزوة الوهابيين أيضاً جاء في مطالع السعود في حوادث سنة 1216ه- :« وفيها غزا سعود بن عبد العزيز العارضي ،العراق، فإنّه صَبَّح أرضَ كربلاء ، وصبَّ فيها كل عَذاب وبلاء ، فإنّه تَسَوَّر سور البلدة التي فيها مدفن الحسين ، وسقاهم بالمرهفات كلَّ زؤام وحَين ، فقتل عدداً جَمّاً، وجمع من المال جمعاً لمّا ، وأجرى دم القتلى في الزِّقاق ، وعثا عثوَّ مَن ما له في الآخرة من خَلاقٍ . ثُمَّ ثَنَى عِنان العَود إلى نَجدِه ، مُتبّجحاً بما صَدَر من عسكره وجُنده ، قائلاً بلسان القال والحال: لو لم نكن على الحق لما إنتصر عسكرنا ودال، ولقد والله ضَحِك له الزمان ، و دار له بما يهواه ليغتر الملوان ، وما درى أن الدوائر تدور ، وأن الله تعالى لا يَقبَل إلّا العمل المبرور، وأن الزمان ما أضحَك إلّا أبكى، وما أعطى إلّا سلب وأنكى، وأن إراقة الدماء من أعظم الجرائم ، وأن المرء مسؤول عما إجتَرَحه من المآثم، وإن من قال لا إله إلّا الله عَصَم نفسه وماله ، فإنْ جنى غير الشِّرك جنايات غفرها له ، ولكن الهوى إذا إستولى أعمى ، وطبع على القلب وأصمى ، عِياذاً بك اللهم من سخطك وغضبك، ولياذاً بِكَ من مُعاداة من إستمسك بسببك، وتحصُّناً بل من موالاة ذي هوى ، ومُصافاة من ضَلَّ وغوى ، وسَنَّ سيفه ، وشَنَّ حَيفه على من أقر بوحدانيتك وعظمتك وحمدانيتك .

فلمّا بلغ الوزير ما صنع ، وأراق من الدماء ووضع ، أمر الكتخدا أن يَخرُج بعسكره، فخرج به مقتفياً لأثره ، فما وصل الهِنديّة حتى نجا سعود على القود المهرية »(2).


1) دوحة الوزراء/ الشيخ رسول الكركوكلي - ص 216 إلى ص 218.

2) مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود (تاريخ العراق ونجد ) / ص 333 وص 334.

وفي مختصر مطالع السعود ذُكرت الحادثة بتعبير آخر وإليك النص:

« وفيها غزا سعود بن عبد العزيز الوهابي العراق ، وحاصر كربلاء وأخذها بالسيف عنوةً وغنم ما كان في مشهد الحسين من الذهب والجواهر التي أهدتها الملوكُ والشيعة إلى ذلك المقام المقدس وقتل أهلها قتلاً ذريعاً واستباحها ونهب من المال والذهب والفضة ما لا يتصوره العقل ، وبه تقوّى وإستعدّ لتملك الحرمين ، ثُمَّ رجع إلى عارضه متبجحاً بما صدر من عسكره ويقول : لو لم نكن على الحق لما إنتصرنا ، وما علم أن ذلك استدراج ، وأنه على الباغي ستدور الدوائر ، وأن من قال (لا إله إلّا الله ) فقد حقن دمه وماله ، ولكن الهوى إذا إستولى أعمى البصائر . وبأموال كربلاء إستفحل أمر إبن سعود وطمع في ملك الحرمين وشرع في محاصرة المدينة ، فصار من أمره ما سيأتيك بيانه »(1).

ويذكر الشيخ ياسين العمري في كتابه غاية المرام حادثة غزو الوهابيين لكربلاء عندما يتحدث عن سنة 1216ه- ويقول :« وفي هذه السنة قدِم ركب من الوهابي في ثمانمائة بعير على كل بعير اثنين وغاروا على مشهد الحسين رضي الله عنه ثامن عشر ذي الحجة وقتلوا جميع أهل المشهد وهدموا القبة ورحلوا من يومهم بالغنائم .وجملة من قُتل ثمانية آلاف رجل وإمرأة وطفل وغلام ، وقيل خمسة آلاف »(2).

وأقرب وصف لحادثة غزو الوهابيين لكربلاء كان الرحالة الهندي والتركي الأصل أبو طالب خان(3)المتوفى سنة 1221ه-(1806م)، وكان قد زار مدينة كربلاء أوائل سنة 1217ه- (1802م) أي بعد حادثة الوهابيين بفترة وجيزة جداً، وشاهد بنفسه ما خلّفه الغزو من دمار وخراب في المدينة، وقد دوّن مشاهداته في


1) خمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق 1188ه- – 1242ه-(مختصر مطالع السعود ) / ص 74 .

2) غاية المرام في تاريخ محاسن بغداد دار السلام / الشيخ ياسين خير الله العمري الخطيب الموصلي، ص199.

3) هو أبو طالب بن حاجي محمد بك خان الاصفهاني.

كتابه الذي أسماه (مسير طالبي ) الذي طبع في بومبي بالهند سنة 1227ه- (1812م) وعن الحادث يقول :

«في الثامن عشر من ذي الحجة يوم غدير خم (حيث كان معظم سكان كربلاء قد ذهبوا لزيارة النجف الأشرف بقصد الزيارة المخصوصة) . إذ داهم كربلاء خمسة وعشرون ألف من الفرسان وقد امتطوا الجياد العربية الأصيلة - وكانوا قبل ذلك قد بعثوا جماعة منهم إلى ضواحي كربلاء وقد ارتدوا زي الزوّار ، وجرى بينهم وبين عمر أغا والي كربلاء اتفاقاً وكان هذا الوالي سنيّاً متعصباً - وعند دخولهم المدينة تعالت أصواتهم ب-( أقتلوا المشركين) .

وكان من البديهي أن عوقب عمر آغا آخر الأمر بأن أمر سليمان باشا والي بغداد بإعدامه . بعد القتل العام أرادوا أن يخلعوا صفائح الذهب الإبريز من جدران المشهد الحسيني ولكن لاستحكامها ومتانة وضعها لم يستطيعوا ذلك . فقط خربوا قسماً من الضريح الذي تحت القبة .

وفي الغروب فجأة وبدون سبب ظاهر غادروا كربلاء متجهين إلى الحجاز وقد قتل في هذه الحادثة أكثر من خمسة آلاف شخص . أما الجرحى فلا يحصون لكثرتهم . وكان من جملة القتلى ميرزا حسن شاهزاده الإيراني . وميرزا محمد طبيب اللكنهوري . وعلي نقي خان اللاهوري مع أخيه ميرزا قمر علي مع غلامه وخادمه »(1).

وذكر غزوة الوهابيين لكربلاء مؤرخون قريبون من الدعوة الوهابية ومن آل سعود ، فهذا المؤرخ النجدي الشهير الشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر النجدي الحنبلي مؤلف كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) بجزئين ، وهذا الكتاب هو تاريخ عن لسان حال الوهابيين وآل سعود، حيث جاء في الجزء الأول منه عن غزو كربلاء في حوادث سنة 1216ه- ما يلي :


1) مسير طالبي / أبي طالب بن محمد خان الإصفهاني، طبع بومبي سنة 1227ه- / 1812م.

«ثُمَّ دخلت السنة السادسة عشر بعد المائتين والألف، وفيها سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة من جميع حاضر نجد وباديتها والجنوب والحجاز وتهامة وغير ذلك وقصدوا أرض كربلاء ونازل أهل بلد الحسين . وذلك في ذي القعدة فحشد عليها المسلمون ، وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة، وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من إعتقد فيها على قبر الحسين. وأخذوا ما في القبة وما حولها، وأخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر، وكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت والجواهر ، وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك مما يعجز عنه الحصر، ولم يلبثوا فيها إلّا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال وقتل من أهلها قريب ألفا رجل .

ثُمَّ إن سعود ارتحل منها على الماء المعروف بالأبيّض ، فجمع الغنائم وعزل أخماسها وقسم باقيها على المسلمين غنيمة، للراجل سهم وللفارس سهمان ،ثُمَّ ارتحل قافلاً إلى وطنه »(1).

وهذا المؤرخ الآخر للحركة الوهابية وآل سعود أمين الريحاني، الذي تحدث عن عبد العزيز بن محمد بن سعود وإبنه سعود بن عبد العزيز وذكر انزعاج الأتراك منهم وتطرق إلى حادثة كربلاء حيث قال :

«... ولكنه في غزواته وفتوحاته لم يقلق الدولة ويزعج المسلمين إلّا عندما دخل إبنه سعود كربلاء ، محط رحال الشيعة، ونقطة الدائرة في شفاعة الأولياء ، فالتحمت رجاله بأهلها ، وبعد مذبحة هائلة في الأسواق هدم الموحدون القبة التي قيل أنها كانت فوق قبر الحسين ، ونهبوا البلد . ثُمَّ زحفوا إلى المشهد (النجف)، وخارج سورها مدينة أخرى هي مدينة القبور ذي القباب ، فردهم عنها يومئذ بحرها .


1) عنوان المجد في تاريخ نجد/ لابن بشر ، ج 1 ص 257 - 258.

أمّا غزوة كربلاء التي ضح لها المسلمون ، خصوصاً الشيعة منهم، فقد أدّت إلى اغتيال الامام عبد العزيز وهو يصلي العصر في الجامع بالدرعية . قتله في شهر رجب من هذه السنة(1)رجل شيعي جاء من العراق متنكراً كدرويش ... »(2).

وكتب عن هذه الحادثة الكثير من المستشرقين والمستكشفين الأجانب ، ومنهم هارولد ديكسون مؤلف كتاب الكويت وجاراتها، ففي الجزء الأول منه يقول ديكسون :

«... حتى وقت قريب كان طريق الحج من بغداد والبحرين إلى مكة عبر نجد ممنوعاً على الشيعة الذين ينظر إليهم الوهابيون بأنهم كفرة لمعارضتهم السنّة . وقد أثار ذلك شعور العداء للوهابية في العراق وإيران حيث أغلبية السكان هم من الشيعة ، بحيث إن إيرانياً من كربلاء أقدم على اغتيال عبد العزيز. ويقول الكولونيل روس المقيم البريطاني في بوشير في ذلك الوقت أن هذا الحادث وقع سنة 1803 . ولكن آل سعود يقولون أنه حدث سنة 1800 . وهذا التاريخ أكثر انطباقاً على الواقع . ومثلاً على ذلك ، جردت حملة سنة 1801 على عمان بقيادة سالم الحرق أحد ضباط سعود، وفي نفس السنة زحف سعود نفسه على رأس عشرين ألف رجل إلى الفرات في 29 نيسان وهاجم كربلاء ، وأعمل السيف في رقاب كل الذكور من سكانها ، ونبش قبر الحسين وعاد محملاً بالغنائم .

وكان هذا الهجوم، باسم الإصلاح الديني، على مدينة ضمن خراج السلطان(3)، مبعثاً للرعب والدهشة في جميع أنحاء العالم الإسلامي »(4).


1) يقصد بها سنة 1218ه- (1803م).

2) تاريخ نجد الحديث وملحقاته / أمين الريحاني ، ص 54.

3) السلطان يقصد به السلطان العثماني باعتبار أن العراق تابع للسلطة العثمانية.

4) الكويت وجاراتها/ ه- . ر . ب. ديكسون، ج 1 ص 105 ، عن صحارى للطباعة والنشر، ط 2 سنة 1410ه- - 1990م.

ويذكر المستر ستيفن هيمسلي لونكريك المفتش الاداري في الحكومة العراقية في عشرينات القرن العشرين الميلادي في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث الذي قدمه سنة 1925م عن حادثة كربلاء هذه فيقول :

«... على أن الفاجعة الكبرى كانت على قاب قوسين أو أدنى ، تلك الفاجعة التي دلّت على منتهى القسوة والهمجية والطمع الأشعبي، واستعملت باسم الدين . فقد حدث أوائل 1801م أن تفشى الطاعون في بغداد، فاضطر الباشا وحاشيته للالتجاء إلى الخالص حيث ابتعد عن منطقة المرض. وما استتب حاله هناك حتى فوجيء بنبأ من المنتفك علم به أن الجيوش الوهابية تحركت للغزو المختص بالربيع . فأرسل الكهية إلى الهندية ، الّا إنه ما كاد يغادر بغداد حتى وافت أخبار هجوم الوهابيين على كربلا ونهبهم إياها ، وهي أقدس المدن الشيعية وأغناها .

إذ انتشر خبر اقتراب الوهابيين من كربلاء في عشية اليوم الثاني من نيسان عندما كان معظم سكان البلدة في النجف يقومون بالزيارة . فسارع من بقي في المدينة لإغلاق الأبواب . غير أن الوهابيين وقد قدّروا بستمائة هجان وأربعمائة فارس نزلوا فنصبوا خيامهم، وقسموا قوتهم إلى ثلاثة أقسام . ومن ظل أحد الخانات هاجموا أقرب باب من أبواب البلد، فتمكنوا من فتحه عسفاً ودخلوا. فدهش السكان وأصبحوا يفرون على غير هدى بل كيفما شاء خوفهم . أما الوهابيون الخشن فقد شقوا طريقهم إلى الأضرحة المقدسة وأخذوا يخربونها .

فاقتلعت القضب المعدنية والسياج ثُمَّ المرايا الجسيمة . ونهبت النفائس والحاجات الثمينة من هدايا الباشوات والأمراء وملوك الفرس، وكذلك سلب زخارف الجدران وقلع ذهب السقوف وأخذت الشمعدانات والسجاد الفاخر والمعلقات الثمينة والأبواب المرصعة وجُمع ما وجد من هذا الضرب، وقد سحبت جميعها ونقلت إلى الخارج، وقتل زيادة على هذه الأفاعيل قرابة خمسين شخصاً بالقرب من الضريح، وخمسمائة أيضا خارج الضريح في الصحن . أما البلدة نفسها فقد عاث الغزاة المتوحشون فيها فساداً وتخريباً ، وقتلوا من دون رحمة جميع

من صادفوه كما سرقوا كل دار . ولم يرحموا الشيخ ولا الطفل، ولم يحترموا النساء ولا الرجال فلم يسلم الكل من وحشيتهم ولا من أسرهم . ولقد قدر بعضهم عدد القتلى بألف نسمة، وقدّر الآخرون خمسة أضعاف ذلك.. »(1).

في كتابه بغداد دار السلام ذكر (ريتشارد كوك) حادثة الوهابيين نقلاً عن مشاهدات الرحالة أبو طالب خان بنفس المضمون مع الاختلاف في الترجمة ، ما نصّه :« في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة (نيسان 1802م) حينما خرج معظم أتقياء کربلاء لزيارة مشهد النجف رعفت الصحراء بخمسة وعشرين ألف وهابي، بعضهم على الخيل وبعضهم على الجمال ودخلوا كربلاء بمساعدة ناس قد إستنفر وهم من قبل ، وكانوا يتنادون بقولهم : أقتلوا الشيعة ، إقطعوا رقاب الملحدين . فذبحوا السكان ونهبوا ما في الدور وحاولوا قلع صفائح الذهب من المشهد، إلّا أنها كانت من وثاقة الإلصاق بحيث لم يستطيعوا ذلك، غير أنهم شعثوا بالقبور وبقية ما في المشهد وعادوا من حيث اتوا في أفول الشمس، وقد إتّهم الناس عمر أغا . كان ذا عقيدة فاسدة بمراسلة الوهابيين وممالاتهم على الفساد، ويؤيد ذلك أنه هرب عند أول إنذار بهجومهم إلى قرية بجوار كربلاء من غير أن يقاوم ولو أقل مقاومة ، وآل أمره إلى المحكمة فحكم عليه سليمان باشا بالإعدام .

وقد قتل الوهابيون في أثناء مكثهم بالمدينة ، على قلتهم، خمسة آلاف إنسان وجرحوا عشرة آلاف . وحملوا معهم الذهب والفضة والأشياء الثمينة التي وجدوها فيها .

وقعت هذه الحادثة في هذه الأيام القريبة بحيث لا يتكلم الشعب إلّا عليها واقتصاص هذه الأفعال الوحشية جعل شعر رأسي يقف، ويظهر أن أهل كربلاء إستسلموا للذبح بجبن وإستخذاء دون أن يدفعوا عن أنفسهم(2)ولما عاد الوهابيون


1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث / ستيفن هيمسلي لونكريك، ص 260 - 261 .

2) هذا غير صحيح فقد قاوم أهل المدينة الذين لم يذهبوا إلى النجف بدلیل استشهاد سادن الحسين والعديد من السادة ومن اهالي كربلاء، ولكن الهجوم كان عليهم مباغتاً، والحكومة لم تاخذ دورها بالحماية.

إهتبل الأعراب الساكنون بالقرب من كربلاء الذعر العام فدخلوا المدينة وسلبوا جميع ما ترك الوهابيون مما لم يحملوه ، وقتلوا بسيوفهم جملة كبيرة من السكان ومكثوا في كربلاء يومين وليلة »(1).

نتوقف هنا قليلاً لكي نذكر جملة أمور ذكرها الشيخ رسول الكركوكلي الذي عايش الفترة ذاتها من حكم المماليك، وهو المتوفى سنة 1240ه- (1824م). و کتابه دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء مصدر معتمد نقل عنه الكثير من مؤرخي فترة المماليك كونه عايش الكثير من الأحداث.. فنقول :

كان العراق يعيش الفترة المظلمة من تاريخه أيام حكم المماليك، وعن حادثة الوهابيين التي أبتليت بها مدينة كربلاء المقدسة في زمانهم، فيمكن أن نلقي اللوم عليهم فيما أصاب كربلاء من دمار ودماء سالت من أبناءها ظلماً وعدواناً ، فحكومة المماليك التي لم تكن قد سيطرت على جوانب الأمن في العراق وخاصة المناطق المهددة بالغزو الوهابي التي كانت الحكومة على علم به بشكل كامل .

ففي عهد المماليك كان الأمن غير مستتب، والاضطرابات تعم البلاد، والخطر الخارجي يهددها من نواحيها الغربية والجنوبية ، وثورات وانتفاضات العشائر مستمرة ضد حكمهم، كما كان الحال قبلهم مع الحكومات العثمانية المتعاقبة على الحكم في بغداد . كان الولاة المماليك وأعوانهم مشغولين دائما بتوطيد حكمهم في بغداد ومحاولين الاستقلال والابتعاد من قبضة الدولة العثمانية . ولا يهمهم شيء سوى جمع الضرائب والرسوم والويل لمن يتأخر عن دفعها أو من يعترض عليها أو يثور مَنْ أجل استقلال بلده العراق، خاصة من مدن مدن وعشائر الفرات الأوسط والجنوب وكذلك المناطق الكردية في شمال العراق .


1) بغداد مدينة السلام /ريجارد كوك نقله إلى العربية وترجمه الدكتور مصطفى جواد وفؤاد جميل ج 2 هامش 25 ص 106 ، والنص الذي أوردناه عن رحلة أبو طالب خان جاء من كتاب رحلة ميرزا أبو طالب خان ص 401 وص 402 .

ومما يؤكد هذا الرأي هو عدم وجود قوات عسكرية كافية لحماية المدن والمناطق المهددة بالغزو الوهابي بشكل خاص، وهذا ما تبيّن عندما هوجمت مدينة كربلاء فقد فرَّ حاكمها (عمر آغا ) ولم يظهر أي مقاومة ، علماً بأن الوهابيين خيّموا خارج أسوار البلدة قبل يوم من الهجوم عليها .

وحتى رأس الحكومة(الوالي)وكتخداه وقائد عساكره علي باشا قد علِما بوقت كافٍ من قِبل شيخ عشائر المنتفك بتحرّك الوهابيين نحو العراق،فتباطئ علي باشا بحجة الاستعدادات والملمة قواته في منطقة (الدورة) التي بقي فيها فترة للاستعداد! وفيها علم بأن الوهابيين قد هاجموا كربلاء (كما يذكر الكركوكلي) فأرسل يُخبر الوالي بالخبر، وبعدها تحرك عسى أن يظفر بالغزاة ، فذهب إلى الحلة ، كأنَّ الوهابيين جاءوا من منتصف العراق وليس من البادية !! ، ويقول الكركوكلي بأن علي باشا وهو في الحلة وردته الأخبار (بأن الوهابيين بعدما نهبوا وقتلوا خرجوا قبيل العصر نحو الأخيضر ) !! وذلك يعني بديهياً أن يوم وجود علي باشا في الحلة كان الوهابيون قد غادروا كربلاء عصراً ، فالسؤال !! لماذا ذهب علي باشا إلى الحلة ولم يذهب إلى كربلاء عن طريق المسيب، وهي نفس المسافة بين كل من مدينتي الحلة وكربلاء من الدورة القريبة من بغداد ولو كان قد توجه إلى كربلاء لكان بالإمكان اللحاق بالغزاة أو على الأقل متابعتهم على طريق انسحابهم إلى الأخيضر الذي يبعد عن كربلاء 35 كم ، بل والأكثر من ذلك لكان قد أثّر عليهم وأبعدهم عن مهاجمة النجف بعد كربلاء الذي لم يتمكن الوهابيون من اقتحامها لشدة المقاومة التي واجهوها .

وحتى لو لم يكن علي باشا قد وصل الحلة مساء نفس اليوم الذي هاجم الوهابيون فيه كربلاء.. فكم من الوقت إستغرق إجراء الاستعدادات في الدورة ؟ ، والذي كان على الحكومة التحرك بأقصى سرعة لدرء الخطر.. علماً بأن شيخ المنتفك أخبر الحكومة بتحرك الوهابيين نحو العراق في شهر ذي القعدة)، ولنفترض في العشر الأواخر منه ، والحادث وقع في 18 ذي الحجة ، أي إن هناك فترة تزيد على

الثلاثة أسابيع بين عِلمهم بالغزو وبين يوم الواقعة في كربلاء ، فلماذا لم يبادروا بدرء الخطر بأقصى سرعة ؟ . وإذا كانوا لا يعلمون( بمكان الهدف) الذي يخطط له الوهابيون ومهاجمته ، فهل يغيب على الحكومة علمها بالمدن الواقعة على البادية مثل كربلاء والنجف والسماوة وغيرها.. التي كانت الهدف الدائم للوهابيين .

وهل يُعقل بأن حاكم كربلاء (عمر آغا) قد شاهد تخييم الوهابيين خارج السور ولم يُخبر حكومته في نفس اليوم ؟، حيث كان بالإمكان إيصال المعلومة خلال ساعات قليلة إلى مصدر القرار في الحكومة، أو قد يكون الحاكم عمر آغا حقاً متواطئاً مع الغزاة ، فمن غير المعقول أن لا توجد حامية عسكرية في كربلاء وهي من المدن المهمة في العراق .

وعلى كل حال فقد ذهب (عُمر آغا ) كبش فداء أكان مذنباً (حسب رأي الأهالي )أم بريئاً ، لتغطية فشل حكومة المماليك التي كان البلد يعيش في أيامهم زمناً مظلماً، وتم إعدامه لعدم اتخاذه أي إجراء لمنع الغزو أو صدّه حيث آثر حينها الهروب إلى إحدى القرى القريبة من كربلاء وترك المدينة تواجه مصيرها .

وكما يقول الكركوكلي فإنّ ( علي باشا توقف في الحلة لأسباب إضطرته إلى هذا التوقف، ولعدم بقاء ما يدعو للسفر إلى كربلاء بعد هروب الوهابيين منها ) .. !! .

وإذا كان هذا القول صحيحاً ألَا يستدعي وصول الجيش إلى كربلاء لمساعدة أهلها المنكوبين ؟.. والتعرف ميدانياً على ما جرى من تخريب وتدمير وقتل.. وعلى مبدأ إعلام أهل المدينة بأن الحكومة أرسلت الجيش لرفع المعاناة عن سكانها الثكالى وتهدئة روعتهم مما أصابهم ، ومساعدتهم على إعادة النظام والإعمار بعد الحادثة.

وكان كل ما قام به علي باشا هو أنه بقي شهرين ونصف في (الهندية) ثُمَّ إلتحق به متصرف البصرة الداماد سليم بيك وعثمان أغا ، وعندما وردته أنباء باشتداد المرض على الوالي الموجود في الخالص، وازدياد خطر الطاعون في بغداد ، فقد اكتفى بإرسال بعض القوات إلى كربلاء من باب الاحتياط، وإلتحق بهذه القوات متصرف (بابان) إبراهيم باشا وأعوانه . كما تم إرسال قوات إلى الكفل، وأخرى

إلى الحلة ، وقفل راجعاً إلى بغداد ولم يكلّف نفسه حتى الوصول إلى كربلاء خلال وجوده في الهندية التي تبعد 18 كم عن كربلاء !!

الحقيقة أن علي باشا كان توّاقاً للعودة بسبب اشتداد مرض الوالي وهو (صهره) حتى يتمكن من الاستحواذ على الحكم في حال وفاة الوالي، ومنع من يطمع بالمنصب المذكور، (فالكُّل يغني على ليلاه !!).

بدأ أهل المدينة يلملمون جراحهم بأنفسهم ، ويدفنون قتلاهم، ويعمّرون دورهم وأسواقهم ومحلاتهم التي خُرّبت ، وتوجهوا بتنظيف مخلفات الغزو عن حرم الحسين(عليه السلام)والبدء بتصليح ما يتمكنون عليه .

أصداء غارة الوهابيين على كربلاء

كان لغارة الوهابيين على كربلاء أصداء واسعة على صعيد المدينة والعراق وخارجه ، فقد سارع الوالي سليمان باشا بإخبار كل من الباب العالي وحكومة إيران بما وقع في كربلاء(1). لأنّ غارة الوهابيين على كربلاء كانت أعنف ما شنّه الوهابيون من غزوات على العراق .

وعن عدد القتلى من الأهالي فقد تضاربت الأرقام ، فمن المؤرخين من ذكر قتلى الحرم والصحن فقط ، ومنهم من ذكر مجمل قتلى المدينة ومنهم من أزاد وأنقص.

يقول لونكريك في أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ما نصّه : « .. وقد أخذ سلاح الوهابيين من أهل كربلاء مأخذة كبيرة، وتناول حتى الذين لاذوا بضريح الإمام الحسين فقد قُدّر عدد القتلى في الضريح بخمسين قتيلاً ، وفي الصحن بخمسمائة قتيل»(2).


1) تارخ جودت/ أحمد جودت - ج 7 ص 141 ، إسطنبول سنة 1302ه- (1885م).

2) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث لونكريك - ص 261 .

أما ياسين العمري فقد ذكر في غرائب الأثر بأن عدد القتلى يقدر بثمانية آلاف(1)، بينما ذكر الكركوكلي في دوحة الوزراء بأن عدد القتلى ألف قتيل(2).

موقف إيران القاجارية من غزوة الوهابيين

تلقت حكومة إيران نبأ غزو الوهابيين لكربلاء ببالغ الحزن والأسى، وأمر الشاه فتح علي القاجاري(3)بإعلان الحداد العام في أرجاء إيران ، وإقامة المآتم ولبس السواد . وأرسل رسالة شديدة اللهجة إلى والي بغداد سليمان باشا، يحتج فيها بشدة على وقوع الحادث مُلقياً اللوم على حكومة بغداد لكونها لم تتخذ الإجراءات اللازمة لدرء الخطر عن مدن العتبات المقدسة التي يهتم بها الإيرانيون وخاصة كربلاء ، وقد حمّل حكومة بغداد تبعة ما حدث وعليها فقد طلب من والي بغداد أخذ الثأر من الوهابيين ، لأنّ العراق والجزيرة العربية تابعة لحكم الدولة العثمانية ، وفي حالة عدم التحرك نحوهم لتأديبهم فإنّه توعّد بأن يقوم بذلك بنفسه ، وزاد بلهجته حيث هدد بالهجوم على بغداد واحتلالها إذا لم يُتخذ أي إجراء حيال الواقعة .

لم يردّ الوالي سليمان باشا على الشاه بسبب اشتداد مرضه ، حيث يذكر المقيم البريطاني في بغداد (هارفورد جونز بريدجس) في تقرير له إلى حكومته في 2 مايس 1802م أي بعد الواقعة بعشرة أيام، أن والي بغداد سليمان باشا أصبح مشلولاً من الخصر حتى أسفل جسمه شللاً كاملاً ، وان حكومة الوالي في بغداد وصلت أقصى درجات التفكك والغباء .

أمّا الشاه فتح علي القاجاري بالرغم من أنه لم يستلم ردّاً من الوالي، فإنّه لم يتخذ أي إجراء ولم ينفّذ تهديده فقد إنشغل بهجوم مفاجئ من روسيا القيصرية على حدود بلاده الشمالية ونسي موضوع الانتقام وما حلَّ بكربلاء حينها


1) غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر /باسين العمري - ص 61 ، الموصل 1940م.

2) دوحة الوزراء/ الشيخ رسول الكركوكلي - ص 217 .

3) الشاه فتح علي القاجاري حكم إيران من سنة 1212ه- (1797م) إلى سنة 1250ه-(1834م).

تأثير الغارة في الصراع على خلافة الوالي

بعد ثلاثة أشهر ونصف من غزوة الوهابيين على كربلاء توفي الوالي المملوكي سليمان باشا وتحديداً في الثامن من ربيع الثاني 1217ه- الموافق 1802/8/7م.

عندما اشتدّ المرض على والي بغداد سليمان باشا قبل وفاته ، استدعى إليه رئيس الدامادية(1)والكتخدائية علي باشا ، كما استدعى الخزنة دار داود آغا والداماد سليم آغا ، وبعد التشاور معهم عهد بولاية بغداد إلى علي باشا وأوصاهم بطاعته وامتثال أوامره ، وبذل لهم النصائح والإرشادات والتوصيات. وبعد مرور يومين لفظ أنفاسه الأخيرة(2).

بعد وفاة الوالي وتسلم علي باشا ولاية بغداد، وقبل صدور الفرمان له من الباب العالي ، حدثت في بغداد معارك قادها (أحمد آغا) أغا الإنكشارية الذي رغب بالولاية وتمكن من سحب سليم آغا لصفه ، وجمع الأعوان له وإتصل بالقنصل البريطاني طالباً التأييد منه ولم يستجب له، وحدثت معارك واضطرابات في بغداد وأعمال عنف ونهب للمحلات مما استدعى بعلي باشا ان يتّبع وسائل الحيلة عندما أذعن لأحمد أغا وأبلغه أنه متنازل عن الباشوية، وإنتقل إلى جانب الكرخ وطلب العون من العشائر الذين هاجموا السراي ليلاً وتمكنوا من الإمساك بأحمد آغا وأعوانه وتم إعدامهم .

فما علاقة هذه الحوادث بواقعة الوهابيين في كربلاء ؟ .. بعض الذين كتبوا عن تلك الأحداث ذكروا بأن الأمر أخذ بعداً طائفياً ومنهم ياسين العمري في كتابه غرائب الأثر الذي أكد بأن الرافضة ويعني بهم الشيعة التزموا جانب آغا الإنكشارية (أحمد آغا ) وعندما هُزم أحمد آغا شرع علي باشا بقتل الرافضة (الشيعة) ومصادرة


1) مفردها (داماد) وتعني (الصهر ) وكان للوالي أربعة بنات متزوجات من أصهاره: علي باشا كتخداه وقائد جيوشه والخزنة دار داود ،آغا، وسليم بيك، ونصيف آغا.

2) دوحة الوزراء/ للكركوكلي - ص218 .

أموال اغنيائهم..(1). بينما لم يذكر مؤلف دوحة الوزراء الذي عاصر الأحداث أي بُعد طائفي للنزاع(2).

وللمرحوم الدكتور علي الوردي رأي آخر في هذا النزاع حيث يؤكد بأن الطابع الطائفي ظهر في هذه الحادثة لأول مرة في بغداد طيلة عهد المماليك، وعن السبب يقول الوردي :

«يبدو لي أن هناك عوامل متنوعة وراء ذلك أهمها اثنان ، أولهما أن أحمد آغا رئيس الإنكشارية كان نفسه شيعيّاً وقد وصفه مؤلف (أعيان الشيعة) بقوله : (سيد شريف جليل القدر من السلالة الطاهرة النبوية العلوية). والظاهر أن أحمد أغا كان على صلة وثيقة مع شيعة بغداد يحبهم ويحبونه ، فلما حدثت الحادثة إستنجد بهم على خصمه علي باشا الكهية فهبوا لنصرته .

أما العامل الثاني فهو أن علي باشا الكهية لم يكن محبوباً في أوساط الشيعة من جراء تقاعسه عن حماية كربلاء أثناء الغزو الوهابي، ويجب أن لا ننسى هنا أن حادثة بغداد حدثت بعد أربعة أشهر من واقعة كربلاء ، ومعنى هذا أن القلوب كانت لا تزال متأثرة بالواقعة على أي حال »(3).

إلصاق تهمة الوهابية لكل من يخالف الوالي

وبعد حادثة الوهابيين على كربلاء فقد إعتمد علي باشا في محاربة خصومه السياسيين ومن يخالفه بأن ينعتهم بالوهابيين أو إلصاق تهمة التعاون معهم، مثلما حدث مع آل الشاوي وهم من رؤساء العبيد ، فقد تخلص من (محمد الشاوي)


1) غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر / ياسين العمري، ص62 - 63

2) راجع دوحة الوزراء للكركوكلي - ص 219 - 221 .

3) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث / الدكتور علي الوردي ، ج 1 ص208 – 209، ط 2 دار الرشد بيروت 1426ه- - 2005م .

الذي كان يشغل منصب (باب العرب) ومن أخيه عبد العزيز، وملاحقة إبن الأول (ضامن بن محمد الشاوي) .

اهتمام الحكومة بكربلاء

كانت مدينة كربلاء مهملة في عهد المماليك، ولم توجه إليها الرعاية الكافية والاهتمام الواجب كونها مدينة مقدسة ويؤمها سنويّاً آلاف الزائرين من داخل البلد وخارجه، إن موقعها على تخوم البادية قد يعرّضها إلى اخطار الهجمات مرة أخرى من قبل الوهابيين .

ونتيجة الضغط المتزايد على حكومة المماليك وما تلقته من لوم شديد بعد الحادثة فقد شرعت الحكومة القيام ببعض الأعمال والإجراءات منها :

أ. إستدعاء حاكم كربلاء (عُمر آغا) وإعدامه في بغداد لتخاذله عندما غزا الوهابيون كربلاء، وكان يشك الأهالي بأنه كان متعاونا معهم .

ب . إن علي باشا أمر بإنشاء سور لمدينة كربلاء .

ت . إرسال قوة عسكرية ترابط في كربلاء، ومثلها في مدينة النجف للمحافظة عليهما من هجمات الوهابيين .

ث . تعيين (أمين أغا ترك) حاكم جديد لمدينة كربلاء ، وإصدار بيولوردي بتولية سدانة الروضة الحسينية للسيد جواد بن كاظم آل نصر الله .

ج. توجيه السلطان العثماني لعلي باشا بضرورة محاربة الوهابيين والقضاء على خطرهم .

الهجوم على النجف الأشرف

بعد أن غزا سعود بن عبد العزيز كربلاء وفرّق غنائمه بين أتباعه في الأبيّض وقبل أن يرجع إلى موطنه وكان مشهد النجف قريباً منه ، فوجّه قواته نحو النجف الأشرف وأراد غزوها كما فعل بكربلاء ، ولكنه إصطدم بسورها وقد قاوم أهل

النجف الوهابيين من السور، كما أن بحر النجف حال بين المدينة والمهاجمين عندما أراد الجيش الوهابي الالتفاف حول المدينة، وقُتل عدد من الغزاة، ولمّا لم يتمكنوا من دخول النجف عادوا إلى نجد .

منذ سنة 1217ه-(1802م) وبعد غزوة كربلاء نجد بأن الخطر الوهابي بدأ يزداد على الأراضي العراقية ، وبقيت الغزوات تشن كل سنة تقريباً على القرى وعلى رعاة الماشية والإبل في غرب الفرات، بل تعدت هذه الغزوات في بعض الأحيان فعبرت الفرات مثل ما سنذكره عندما هاجم الوهابيون قبائل(الشامية) وغيرها. وكانت الأسوار وحاميات الجند تحمي القرى والبلدات الكبيرة، ولكن رعاة القبائل كانوا على حذر شديد، فبمجرد استشعارهم الخطر يسارعون للإحتماء بأقرب قوة للحكومة لحمايتهم والابتعاد عن خطر غزو الوهابيين .

مقتل عبد العزيز بن محمد بن سعود

في سنة 1218ه- (1803م) قُتل عبد العزيز بن محمد بن سعود وهو يصلي صلاة العصر في أحد مساجد الدرعية، وكان قاتله يتزي بزي الدراويش، فتواردت الروايات عن القاتل ، فمنهم من قال أنه كردي من العمادية ومنهم من قال أنه من سكان كربلاء كان يريد قتل سعود ولم يظفر به فظفر بأبيه وقتله ثأراً لأولاده الذين قُتلوا في كربلاء .

يذكر ابن بشر مؤرخ الوهابيين في كتابه عنوان المجد في حوادث سنة 1218ه- النص التالي :

«ثُمَّ دخلت السنة الثامنة عشر بعد المائتين والألف . وفي هذه السنة في العشر الأواخر من رجب ، قتل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود في مسجد الطريف المعروف في الدرعية، وهو ساجد في أثناء صلاة العصر ، قضى عليه رجل قيل إنه كردي من أهل العمادية بلد الأكراد المعروفة عند الموصل إسمه عثمان . أقبل من وطنه لهذا القصد محتسبًا حتى وصل الدرعية في صورة درويش، وادعى أنه مهاجر، وأظهر

التنسك بالطاعة وتعلم شيئاً من القرآن ، فأكرمه عبد العزيز وأعطاه وكساه وطلب من يعلمه أركان الإسلام وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها، مما كانوا يعلمون الغريب المهاجر إليهم وكان قصده غير ذلك . فوثب عليه من الصف الثالث والناس في السجود، فطعنه في أبهره رحمه الله ، أو في خاصرته أسفل البطن بخنجر معه كان قد أخفاه وأعده لذلك، وهو قد تأهب للموت .

فاضطرب أهل المسجد وماج بعضهم في بعض ، ولم يكن يدرون ما الأمر. فمنهم المنهزم ، ومنهم الواقف ومنهم الكار إلى جهة هذا العدو العادي، وكان لمّا طعن عبد العزيز أهوى إلى أخيه عبد الله وهو في جانبه وبرك عليه ليطعنه ، فنهض عليه وتصارعا ، وجرح عبد الله جرحاً شديداً ، ثُمَّ إن عبد الله صرعه وضربه بالسيف وتكاثر عليه الناس فقتلوه . وقد تبين لهم وجه الأمر ، ثُمَّ حمل الامام إلى قصره ، وهو قد غاب ذهنه وقرب نزعه، لأنّ الطعنة قد هوت إلى جوفه فلم يلبث أن توفي بعدما صعدوا به القصر... وكان ابنه سعود في نخله المعروف بمشيرفه في الدرعية، فلما بلغه الخبر أقبل مسرعاً وإجتمع الناس عنده فبايعوه ... »(1).

وجاء في دوحة الوزراء عن مقتل عبد العزيز أن الحادث كان سنة 1219ه-، فذكر في وقائع تلك السنة ما نصه :« كان يقيم في بغداد شخص أفغاني الأصل يقال له ملا عثمان ، قد نذر نفسه للدفاع عن الدين الحنيف وعن المسلمين، وكان قد عزم على أن يقتل رئيس الوهابيين عبدالعزيز، وعليه فقد سافر نحو الدرعية متستراً بزي الوهابيين .

ولما وصل إلى هناك اختلط بهم وراح يعمل عملهم حتى اطمأنوا إليه وصادقوه ، وذات يوم جمعة وعندما حضر عبد العزيز إلى المسجد لإقامة الصلاة تصدى له الملا عثمان وضربه ضربة قضى بها عليه ، ولم يتمكن ملا عثمان من الافلات لأنّ الحراس والخدم تجمهروا عليه وقتلوه فوراً »(2).


1) عنوان المجد في تاريخ نجد/ لابن بشر ، ج 1 ص 264 - 265.

2) دوحة الوزراء/ للشيخ رسول الكركوكلي، ص227.

ويذكر ستيفن هيمسلي لونكريك النص التالي :« وقد إعتقد ناس أن قتل عبد العزيز بن السعود الشيخ الهرم في 1803م(1218ه-)كان بتحريض من باشا بغداد . على أن القاتل كان (ملا ) أفغانيّاً كان يقيم ببغداد، وقد قتله انتقاماً لأبنائه المذبوحين في غزوة كربلا »(1). بينما يذكر المحامي عباس العزاوي في تاريخ العراق بين احتلالين بأن قيل أن القاتل من أهل كربلاء (2).

أمّا حافظ وهبة سفير المملكة العربية السعودية قديماً يذكر مقتل عبد العزيز آل سعود في كتابه جزيرة العرب في القرن العشرين بالنص التالي :

« في 10 رجب سنة 1218ه- إغتال أحد الأجانب الإمام عبد العزيز وهو في الصلاة ، وقد إختلف الرواة في جنسيته ، ويُرجح أنه من شيعة كربلاء المتعصبين ، أراد الانتقام للبلدة وما أصابها وما أصاب أهلها من الأمير سعود في غزوته عليها سنة 1216ه- من هدم قبة الحسين ومصادرة أموال المقيمين في تلك البلدة »(3).

هجوم الوهابيين على البصرة والزبير

في سنة 1218ه- (1803م) قرر سعود بن عبد العزيز بن محمد غزو البصرة ، فتحرك من الدرعية نحو الشمال، فنزل في القصيم ، وأقام فيها أيام عيد الأضحى ، وذكر للمقاتلين من عربان الظفير أنه يريد الرجوع إلى الدرعية ، كخطة إيهام منه حتى لا يعرف أحداً مقصده ، فسار عائداً إلى الدرعية وبعد مسير يوم أو يومين وعندما تأكد من أن عربان الظفير قد نشروا خبر عودته ، سارع بتغيير مساره مسرعاً نحو البصرة ، ولما وصل سعود وجيشه بالقرب منها شاهد كتيبة من خيالة المنتفك يقودهم منصور بن ثامر عائدين وقد كانوا متهيئين لصد الوهابيين ، وكانوا قد


1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث/ لونكريك، ص 276 .

2) تاريخ العراق بين احتلالين / عباس العزاوي، ج 6 ص 160 .

3) جزيرة العرب في القرن العشرين / حافظ وهبة، ص 217 ، عن دار الآفاق العربية، طبع دار المصري للطباعة الهرم - القاهرة ، ط 3 سنة 1375ه- - 1956م.

عادوا بعد أن علموا خبر رجوع سعود للدرعية ففاجأهم سعود وإشتبك معهم على حين غرّة وقتل جيشه عدد من الخيالة وتم أسر منصور بن ثامر. عندها نزل سعود على الجامع المعروف قرب الزبير. وقام جيشه بالتوجه إلى البصرة فداهموا جنوبها ونهبوها وقتلوا الكثير من أهلها ، ثُمَّ رجعت جيوش المقاتلين الوهابيين فحاصروا الزبير ، وهدموا جميع القباب والمشاهد مثل قبة وضريح الحسن البصري وقبة وضريح طلحة بن عبد الله.

ثُمَّ أمره سعود بالتحشيد على قصر (الدريهمية) فهدموه وقتلوا أهله ، وعند غروب الشمس أمر سعود كامل جيشه أن يرمي كل فرد من جيشه طلقة واحدة وفي لحظة واحدة .

يقول ابن بشر مؤرخ الوهابيين الذي ينقل تفصيل هذه الواقعة : « قال لي رجل من أهل الزبير، لما ثارت البنادق شبّت النار في الأرض والجو واظلمت السماء . ورجفت الأرض بأهلها . وانزعج أهل الزبير انزعاجاً عظيماً، وصعدت النساء في رؤوس السطوح . ووقع فيهم الضجيج وألقت بعض الحوامل. فأقام محاصرهم إثنا عشر يوماً ، وحصد جميع زروعهم . ورحل قافلاً إلى وطنه »(1).

أمّا منصور ابن ثامر فبقي أسيراً في الدرعية لمدة أربع سنوات ، ثُمَّ أطلق سراحه وعاد إلى موطنه سالماً.

وفي مطالع السعود ذكر عثمان بن سند أن غزو البصرة كان سنة 1219ه- ، فذكر الحادثة كما يلي :

« وفي تلك السنة التي هي الثانية والثلاثون لولادة من اغترف من بحر كرمه الواردون، وسما مقاماً دون وقف المبارون، وهي السنة التاسعة عشرة، حاصر سعود بن عبد العزيز البصرة ، وقتل ونهب وحَرَق ، وزار وأرعد وأبرق ، ومتسلم البصرة إذ ذاك إبراهيم أغا، فصبر وصابَر ، ورجع حمود إليها بعدما عنها سافَر


1) عنوان المجد في تاريخ نجد/ لابن بشر ، ج 1 ص 280 .

وشدَّ للمُتسلم عضده، وقوّاه وأيّده، وكان إبتداء غزوه هذا في آخر السنة التي قبلها ، وهي التي قُتل فيها أبوه ، لا قطع الله يد من قَتَله ولا أشَلَّها، ولما رجع من غزاته على يعامله ومهرياته أرخته بقولي : (غزا وَرَدا »)(1).

هجوم آخر على النجف

في الأيام الأخيرة من سنة 1218ه- كان الغزو الوهابي للنجف بقوة أشد من القوى الاعتيادية كما يقول لونكريك، غير أن قبة علي بن أبي طالب بقيت ثابتة داخل سورها المنيع . فخف علي باشا بتعبئة جيوشه الراجعة حديثاً من سنجار واستعان بالقبائل التي كانت مستعدة أكثر منه لمقاومة القوة. وكان فارس ، شيخ شمر ، حليفاً ومشاورًا . فتقدمت القوة التركية إلى الحلة ثُمَّ اجتازتها ، الّا أن الغزاة هربوا فاختفوا عن الأنظار(2).

غزو قبائل الشامية ومهاجمة المنتفك

في ربيع 1804م (1219ه-) حيث موسم الرعي الذي تقوم به قبائل الشامية في البادية كالمعتاد ، شنّ الوهابيون هجومًا على هذه القبائل وعاثوا في المراعي فساداً من غير أن يردعهم رادع حتى أشرفوا على حدود البصرة، وعندها خرجت قوة من المنتفك لصد الهجوم وتمكن الوهابيون من إيقاع خسائر بعساكر المنتفك وقضوا على مقاومتهم .

والي بغداد علي باشا يجهز جيش للهجوم على نجد للمرة الثانية

نتيجة الهجمات التي يشنها الوهابيون على أنحاء متفرقة من الأراضي العراقية والتي وصلت أخبارها أسماع السلطان العثماني سليم بن أحمد في إسطنبول، فقد


1) مطالع السعود/ عثمان بن سند الوائلي البصري، ص 356 .

2) راجع أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث/ للونكريك ص 276.

تلقى علي باشا والي بغداد أمراً من السلطان بتدبير هجوم مقابل للقضاء على غائلة الوهابيين رغم الخيبة والدمار الذي حل بالحملة الأولى التي قادها علي باشا .

قرر الوالي الاستعداد والتأهب لاعداد ما يجب القيام به إطاعة لأمر السلطان ، وفي 9 شعبان سنة 1219ه- خرج من بغداد وتوجه نحو الحلة وعبر جانب الشامية فوصل الجيش إلى حوالي النبي أيوب(عليه السلام)، ومكث هناك فترة طويلة تمكن خلالها من نشر سطوته في تلك الأنحاء، وأعد جمعاً قوياً من العساكر بقيادة سليمان بك

كان سليمان بك أمير لواء أربيل وهو ابن أخت الوالي علي باشا ، سار هذا القائد نحو جبال نجد ووهادها واجتاز مصاعبها ، ونكل بكل من صادفه من جموع الوهابيين فنال غنائم وافرة من نِعَم وشاء (أي شياه )وعاد. وعن عودته يقول العزاوي في تاريخ العراق بين احتلالين :« والأصح أصابه ما أصاب علي باشا قبله من العناء والعطش وأن الحرارة أثرت على الكثيرين فكف بصرهم، ونالهم الصمم وبعضهم اعترتهم خفة العقل . ولم يصلوا إلى مواطنهم إلّا بعد مدة »(1).

وممن ذكر هذه الحملة من القدماء ما ذكره الشيخ أمين بن حسن الحلواني المدني الذي قال : « ثُمَّ دخلت سنة 1219 ، فيها غزا ابن أخت الوزير سليمان بك على بادية الجبلين أجا وسلمى وغنم نعماً وشاء ، فأحبه الوزير لذلك وجعله كتخدا (2)بغداد »(3).

وذكر المرحوم ياسين العمري في غاية المرام حملة الوالي علي باشا على الوهابيين في سنة 1219ه- بالنص التالي : « وفي هذه السنة خرج من بغداد واليها علي باشا إلى محاربة الوهابي ابن سعود المقرود ومن هو عن الرحمة مطرود، فجمع العساكر


1) تاريخ العراق بين احتلالين للعزاوي ج 6 ص 162 – 163 ومصدره مطالع السعود، وعندما رجعنا إلى مطالع السعود لم نجد ما دونه العزاوي من أسباب عودة الجيش !!

2) كتخدا: أمين الوالي أو وكيله

3) خمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق( مختصر مطالع السعود) / أمين بن حسن الحلواني المدني، ص 87 - 88

وأرسل إلى الموصل يستدعي عسكراً ، فبعث له الوالي محمد باشا ثمانمائة رجل من الينكرجية على الجمال ، وأرسل رئيساً عليهم كاتب إنشاء الديوان أحمد أفندي ابن بكر أفندي، فتوجهوا إلى بغداد أواخر شعبان، واجتمعت العساكر عنده بالحلة ، فأرسل سرية إلى جبل شمّر وهم فرقة من عرب الوهابي فنهبوا منهم نحو أربعمائة جمل ، ورجعوا من شدة العطش وبُعد الطريق ، ثُمَّ أرسل سرية من أهل الموصل لمحافظة(1)البصرة نحو ثلاثمائة رجل »(2).

هجوم سعود على قبيلة الظفير

قبيلة الظفير قبيلة عربية نجدية : حجازية الأصل من بني لام من طيء القحطانية. فرضت سيطرتها على نجد الشرقية ما يلى بادية العراق والكويت وشمال نفوذ الدهناء والحجرة والدبدبة في السعودية . أغار سعود بن عبد العزيز بعساكره على قبيلة الظفير ورؤساؤهم (آل سويط) ، ولم يبق لهم شاة ولا بعير. وهذه الغزوة دعت الظفير أن يتجهوا إلى العراق ويستوطنوه .

وعن غزو قبيلة الظفير سنة 1219ه- نقتطف مقاطع مما ذكره ابن بشر في تاريخه عنوان المجد :

«وفي ذي القعدة سار سعود بالجيوش العرمرمية الكثيرة قاصداً الشمال. وكان قد حدث من عربان الظفير حوادث من تضييع بعض فرائض الدين وإيواء المحدثين وإضافتهم، وهؤلاء العربان جاءوا من الشمال وأغاروا على المسلمين (يقصد بهم الوهابيين) وإجتازوا بالظفير فأضافوهم .

وبلغ ابن سعود أن أناساً منهم يغزون مع أعداء الوهابية، فلما سار سعود واجتاز ببوادي الظفير وهم في الدهناء فأمرهم أن ينفروا معه في الغزو، ولم ينفر معه إلّا شرذمة بحجة أنهم يريدون غزو مطير ، وكان سعود حينها يريد العراق


1) أي بمعنى حمايتها والمحافظة عليها.

2) غاية المرام في تاريخ محاسن بغداد دار السلام/ الشيخ ياسين خير الله العمري، ص204.

فحرف جيشه إليهم وشن عليهم الغارات وأمر فيهم بالقتل والنهب ، وقتل من عامة الظفير كثيراً، وأخذ جميع أموالهم من الإبل والغنم والسلاح والخيل والحلل والأمتاع والأزواد ، ولم ينجوا منهم إلّا الشريد من أقاصيهم. وتفرقوا فمنهم من هرب إلى المنتفق ، وبعضهم هرب إلى جزيرة العراق وبعضهم إلى نجد »(1).

الوهابيون واستمرار غاراتهم على العراق

وردت الأخبار للوالي علي باشا بأن الوهابيين أخذوا يُكثرون هجماتهم على أطراف المدن ونواحي عديدة من العراق ، حيث وصلت الأخبار من نجد بأن هناك سرايا تتحرك نحو العراق، فتأهب الوزير للأمر وجرد حملته وسار بها من بغداد ليكون قريباً من الجهات التي يكثر تردد الوهابيين عليها ، فوصل الحلة وعسكر في جانب الوردية ، وكان يقضي أوقاته بالتجول في البلدة ليلاً والعمل في المعسكر نهاراً ، وقد بث العيون والأرصاد في تلك الجهات لإتيانه بالأخبار في أوقاتها(2)

سعود بن عبد العزيز يهاجم النجف الأشرف

في سنة 1220ه- (1805م) جهز سعود بن عبد العزيز جيوشه الوهابية وقصد جهة الشمال من نجد حتى وصل إلى مدينة النجف الأشرف، وقام بتفريق جيشه على محيط المدينة ، وكان يحيط بالمشهد (النجف) سور عال والمدينة على هضبة وكان أهل المدينة قد حفروا خندق عريض وعميق ، وأمر سعود رجاله أن يتسوروا السور ويقتحموا المدينة ، فلم يتمكنوا من ذلك، بل لم يتمكنوا من الوصول إلى السور ، وجرى بينهم وبين الأهالي الشجعان المتحصنين على السور مناوشة رمي من السور والأبراج ، فقُتل من المهاجمين عدة قتلى، فانسحب الغزاة وأمرهم سعود بالعودة، وعند رحيله عن النجف إنحاز سعود على الزملات من غزيّة فأخذ مواشيهم، ثُمَّ ورد الهندية المعروفة ثُمَّ اجتاز بحلل الخزاعل وجرى بينه وبينهم قتال وطراد خيل .


1) عنوان المجد في تاريخ نجد/ لابن بشر ، ج 1 ص 282 - 283 .

2) دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء/ للكركوكلي، ص 232 .

سعود يحاصر السماوة وينازل أهل الزبير

بعد إنتهائه من قتال الخزاعل سار سعود بن عبد العزيز بجيشه قاصداً السماوة ، وحاصر أهلها ، ونهب نواحيها ودمّر أشجارها ، ووقع بينهم رمي وقتال ، ثُمَّ رحل منها وقصد جهة البصرة ، ونازل أهل الزبير ووقع بينه وبينهم رمي وقتال، ورحل من الزبير إلى وطنه(1).

الهجوم الرابع على النجف

دخلت سنة 1221ه- ( 1806م) وفي فصل الربيع شن الوهابيون غاراتهم السنوية نحو شمال نجد، وظلت جماعاتهم الغازية متمادية في غزو قرى الحدود ولكن من غير أن تنال نجاحاً، وكان سكان البلدان من الزبير إلى السماوة مع حلفائهم من القبائل يصدون هجانتهم بكل سهولة . وقد أوشكوا ينجحون في غاراتهم المفاجئة على النجف لَوْلَا أن عاجلهم النجفيون من السور فكسروهم شر كسرة .

ثُمَّ هددت غارات الوهابيين الزبير مرة ثانية، وإنتشر الهلع في البصرة نفسها . غير أن السهول المغمورة بالمياه عرقلت سير الابل، ولما كان الوهابيون قد أنهكهم الركوب خلال عدة أسابيع، كانوا يحملون فيها جرحاهم معهم، فقد تخلوا عن الضغط في الهجوم .

ولما علم بنو كعب والمنتفكيون خورهم وضعفهم هب الفرسان منهم لطردهم بعد أن أنزلوا فيهم خسرانا ، ثُمَّ استنقذوا القرى التي كانوا قد إحتلوها(2).

وفي سنة 1222ه- (1807م) وهي السنة الأخيرة من عهد والي بغداد علي باشا(3)وردت أنباء الغزو السنوي الوهابي المعتاد فتحرك الوالي بعسكره إلى الحلة، ولكن الغزاة لم يصلوا هذه المرّة .


1) عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر ، ج 1 ص 289 . وتاريخ العراق بين احتلالين ج 6 ص 169.

2) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث /للونكريك، ص277.

3) في 24 جمادى الآخرة سنة 1222ه- (28) آب (1807م) تم اغتيال والي بغداد علي باشا وهو يصلي صلاة الصبح جماعة في المسجد كعادته ، ودفن في المدرسة التي شيدها بالقرب من السراي. وكان عمره حوالي الخامسة والأربعين، ومدة ولايته خمس سنوات وعدة أشهر، وهو من مماليك سلفه سليمان باشا، ويقال أنه كان يحفظ القرآن ويلتزم الأوامر والنواهي الشرعية، متديناً وميالاً للخير، مقرباً للعلماء، عفيف وسخي، وشجاع جريء وجسور، ذا هيبة ووقار وسريع الغضب، ولم تتقدم إدارة البلاد في أيامه بل ضعفت وإستخلفه كهيته سليمان بك (سليمان كوجك) أي الصغير.

الهجوم على كربلاء وإستيلاء الوهابيين على شثاثا (شفاثة)

تعاظم خطر التهديد الوهابي في السنة التالية لتولي سليمان باشا(كوجك) ولاية بغداد، فقد وردت أخبار تنبئ بظهور قوة عظيمة من الوهابيين حوالي كربلاء ، فسببت هذه الأخبار هلعاً ورعباً في بغداد نفسها وتهيأ الناس متصورين أن الغزو سيطالهم أيضاً . ولكن الوهابيين لم يعبروا الفرات وقد غيّروا وجهتهم عن كربلاء بعد أن وجدوا أنفسهم غير قادرين عليها بسبب تحصين سورها الجديد والمسالح التي عليه(1).

إلى ذلك ننقل ما دوّنه مؤرخ الوهابيين وآل سعود ابن بشر في عنوان المجد عن حوادث سنة 1223ه- فيقول :

«ثُمَّ دخلت السنة الثاثة والعشرون بعد المائتين والألف . وفيها سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة من جميع نواحي نجد والإحساء والجنوب وأهل وادي الدواسر وأهل بيشة ورنية والطائف والحجاز والتهايم . خرج من الدرعية في شهر جمادى الأولى واستقر بوادي نجد. وتوجه ناحية العراق ونازل أهل بلد الحسين . فوجدهم محصنين بلدهم بسور عظيم وجنود جمعوها وذلك بعد أخذه لبلادهم عنوة كما ذكرنا فيما تقدم . فحشد المسلمون (يعني به الجيش الوهابي) على السور السلالم ووقع عنده رمي وقتال شديد . فلما علم سعود بإحصان بلدهم وعظم سورها كف المسلمين (أي جيشه ) بعد أن كانوا يتجاوزون السور وينزلوا فيها .


1) راجع كتابنا (تاريخ كربلاء ) ج 1 ص 243 - 245، ط 1 عن دار إحياء التراث العربي، بیروت، 1439 ه- - 2018م.

فرحل عنها ونزل بلد شثاثا المعروفة في العراق، فهرب أهلها في رؤوس الجبال(1)وإستولى على بلدهم ، ثُمَّ أرسل إليهم وأعطاهم الأمان، ومنَّ عليهم ببلدهم وما فيها وأخذ جميع ما عندهم من الخيل، ذكر لي أنه قريب ماية فرس »(2).

الهجوم على المنتفك والبصرة والزبير

وفي سنة 1223ه- 1808م أيضا يذكر ابن بشر بأن سعود بعد رجوعه من شثاثا قصد المجرة وناوش المنتفق بقتال وحصل محاولة خيل ، قُتل فيها من المنتفق سلطان بن حمود الثامر . ثُمَّ سار إلى البصرة ونزل عندها، وسار المسلمون (أي جيش سعود) على جنوبها ونهبوا فيه وقتلوا قتلاً ، ثُمَّ سار ونزل قبالة الزبير ثُمَّ رحل منه إلى وطنه(3).

الوهابيون يقتربون من بغداد

يذكر لونكريك في كتابة أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث بأن الجيش الوهابي إقترب من بغداد، فيقول : « في سنة 1810م (1225ه-) وصلت عصابة وهابية سالبة ، يقودها عبد الله بن سعود إلى ما يقرب من بغداد. وكان الوكلاء الوهابيون يجبون (الخاوة) من الرعايا العراقيين في مستنقعات كربلاء عدة سنين خلت في هذا العهد . وقد تطورت الحال فأصبحت تكتنفها العداوات غير المستقرة ، والغزوات غير المشروعة، والفزع المتكرر، والمحالفات وتبدلات العقيدة على حدود يستحيل الاتفاق عليها . وأصبحت نجد جاراً صعب المراس لا يرتاح إليه العراق ، كما كان خوفه من هذا الجار يختلف باختلاف الحاكم عليه . ومن سنة . سنة 1810م أخذ الأمراء الوهابيون يسمحون بالتدريج بمرور القوافل الواردة من المناطق التركية إلى


1) لا يوجد جبال في شثاثا (عين التمر) وإنما مناطق السكن في الواحة عبارة عن سبع مناطق مرتفعة إسمها ( الكَصور ) تتجمع فيها مساكن أهل شثاثا .

2) عنوان المجد في تاريخ نجد / ج 1 ص 295 - 296 .

3) المصدر السابق / ج 1 ص 296 .

واحات نجد ، كما سمحوا باستعمال العملة التركية. ولما كانت شراسة الوهابيين في البادية وعدم تساهلهم لم تقل وطأتها بقي ينبوع الخوف والخطر على الفرات هذا شيئاً ثابتاً »(1).

هجوم الوهابيين على آل قشعم وأطراف الحلة

في أوائل سنة 1226ه- (1811م) سار عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بالعساكر المتجمعة من جميع نواحي نجد وغيرها من البوادي والحواظر، وقصد ناحية العراق . وأغار على عربان آل قشعم ورئيسهم يومئذٍ (ناصر بن قشعم). وأخذ منطقتهم ، وصادف أن يكون مع عربان قشعم عسكر من الأتراك، فأخذ عبد الله بعض مخيمهم وقتل منهم عدة قتلى وهم قرب بلدة الحلة المعروفة في العراق(2).

هذه مجمل التعديات الوهابية على الأراضي العراقية وقد إختصرناها لتبيان ما حصل من العساكر الوهابية في الدور الأول من الحكم السعودي المستند إلى العامل المذهبي المتشدد الذي جاءت به دعوة محمد بن عبد الوهاب.

وبعد سنة 1226ه- بدأت التعديات الوهابية تتضائل بالتدريج فقلّ الخوف منهم ، ومع ذلك فقد بقي رعاة الفرات وغنّامته لا يشعرون بالأمن والطمأنينة إلى أن هجم المصريون على الوهابيين وكسروا شوكتهم وأنهوا حكومتهم في دورها الأول .

أمّا بقية غزواتهم في شبه الجزيرة العربية فقد طالت الحجاز، وعُمان، ورأس الخيمة، ونجران وعسير، وتكررت عدة مرات إلى أن دانت بعض المناطق إليهم بالولاء، وكان أهم ما حصل في تلك الغزوات هو إستيلائهم على مكة والمدينة .

دخول سعود بن عبد العزيز مكة

أما سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود فكان قد باشر الغزو قبل أن يكون أميراً بعد والده، ويذكر المؤرخون عنه بأنه لم تهزم راية له في غزواته كلها


1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث/ للونكريك، ص278.

2) راجع عنوان المجد/ لابن بشر، ج 1 ص 327 - 328

وفتوحاته . فانتصر في ما وراء الحرة ، وفي جبال شمر وعمان، ووصل إلى حدود مسقط ورأس الخيمة، وزحف إلى الحجاز وانتصر على الشريف غالب بن مساعد فكانت الوقعة بينهما هي فاتحة المأساة الحجازية . دخل سعود مكة ورحل الشريف غالب إلى جدة ، وشرع سعود ورجاله يهدمون القباب التي بنيت فوق القبور ، وكان دخوله مكة سنة 1218ه- (1803م).

وعن كيفية دخول سعود إلى مكة والاستيلاء عليها ، نذكر مقتطفات من كتاب أمين الريحاني تاريخ نجد الحديث : كان للشريف غالب وزير من بيت المضايفي اسمه عثمان بن عبد الرحمن ، وقع بينه وبين الشريف خلاف ، فطرده من مكة ، فجاء المضايفي إلى ابن سعود يبايعه . ثُمَّ جمع له من أهل البادية والحاضرة، من بيشة ورنية وتربه وقراها جيشاً كبيراً لمحاربة الشريف. فزحفت الجيوش إلى الطائف وكان الشريف غالب فيها ، ففر مهزوماً إلى مكة ، فتقفاه سعود والمضايفي بالجنود . وكان وقت الحج فهمَّ الحجاج بمقاتلة الفاتحين ولكنهم تخاذلوا وعاد كثير منهم إلى أوطانهم .

يقول أمين الريحاني في كتابه تاريخ نجد الحديث وملحقاته أن سعود كتب إلى السلطان العثماني سليم الثالث كتابًا هذا معناه :« من سعود إلى سليم: أما بعد فقد دخلت مكة في الرابع من محرم سنة 1218 وأمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم بعد أن هدمت ما هناك من أشباه الوثنية، وألغيت الضرائب إلّا ما كان منها حقاً . وثبت القاضي الذي وليته أنت طبقاً للشرع فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء بالمحمل والطبول والزمور إلى هذا البلد المقدس فإنّ ذلك ليس من الدين في شيء وعليك رحمة الله وبركاته »(1).


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ ص58.

الهجوم على الشام

وبعد فتح مكة بسنتين إستولى الوهابيون على المدينة المنورة، ومِنْ ثُمَّ نشروا دعوتهم في عسير واليمن، وبعدها إتجهت أنظارهم إلى الشمال فوصلوا في غزواتهم إلى الجوف والبتراء واجتاز وهما إلى حوران والكرك حتى وصلوا إلى ابواب الشام وفلسطين، وأرسل سعود إلى الولاة يدعوهم فيها إلى (دين الله) وكأنهم باعتقاده غير مسلمين لأنّهم من غير ملته ! ، ولكنه لم يعرف الشام كما كان يعرف مناطق شبه الجزيرة العربية ، فلم يكن له أتباع وأنصار في سوريا من أولياء الأمر حتى يهيئون له إخضاعها كما هي طريقته في بقية المناطق التي استولى هو وأبوه وجده عليها ، كما أن منعه للحج وسوء معاملة رجاله للحجاج أفسد الأمر عليه .

يقول محمد كرد علي في كتابه خطط الشام ما نصّه :

«خرج عبد الله باشا العظم(1)من دمشق بالمحمل (1220)(2)فحدثت بينه وبين الوهابيين أمور عظيمة ، وكانوا قد إستولوا على الحجاز وتقدموا إلى الشام، فهلك غالب عسكره وانتهب الحاج »(3).

وفي سنة 1221ه- (1806م) منع سعود بن عبد العزيز بن محمد الحجاج من غير الوهابيين عن الحج ، وأخرج من مكة من كان فيها من الترك .

موقف الدولة العثمانية

وجدت الدولة العثمانية بأن العدو الوهابي أصبح على أبواب ولاياتها، وفي نفس الوقت كانت الدولة العثمانية في أصعب حالاتها، ولكنها لم توقف اهتمامها


1) هو عبد الله باشا العظم الذي تسلم ولاية دمشق للمرة الثالثة، وكان قد أخرج منها سابقاً بوشاية ( الجزار)، وبعد وفاته تم تعيينه للمرة الثالثة. وكان عبد الله سنة 1220ه- والياً على الشام.

2) سنة 1220ه- الموافقة لسنة 1805م.

3) خطط الشام/ محمد كرد علي، ج 3 ص 26 - 27 . طبع في مطبعة الترقي في دمشق، عام 1343ه- - 1926م.

بالمد الوهابي ومعاداته لها ، فقد أرسلت عدة حملات بأمر منها إلى ولاة العراق والشام إلّا أن تلك الحملات لم تأتِ بنتيجة لإيقاف زمن الخطر الداهم من شبه الجزيرة العربية ، وقد أحرجها انتصار الوهابيين في مكة والمدينة وخضوعها إلى حكم ابن سعود ، فتوجهت أنظارها إلى مصر، فطلبت من واليها على مصر (محمد علي باشا) أن يتولى بنفسه إنقاذ الحرمين وإخراج أهل نجد من الحجاز .

في بادئ الأمر تردد محمد علي باشا والي مصر في تنفيذ أمر السلطان العثماني وكانت له أسبابه ، حيث إن المماليك في مصر كانوا قوة مسيطرة على مصر ، ويخشى محمد علي أن يترك البلاد بأيديهم .

كرر الباب العالي(السلطان العثماني ) طلبه مراراً حتى تعرض محمد علي باشا للتهديد إذا لم ينفذ الأوامر ، وعندها إستقر رأيه بالإذعان لأوامر الدولة العثمانية .

وفي الحقيقة أنه كان راغباً في تنفيذ الأمر ولكنه كان يتحين الفرص، وإعتقد والي مصر أن مهمته التي أمر بها السلطان ستجني له فوائد عدّة منها :

1 - إنه يبعد جيشه الألباني غير المنظم والكثير التمرد، فيتمكن من إعداد و تنظيم جيش مدرّب على الطريقة الغربية .

2 -إذا خاض هذه الحرب ضد آل سعود والوهابيين وانتصر فيها وحرر مكة والمدينة من أيديهم، سيكسب عواطف المسلمين في العالم وسيكون منقذ الحرمين بيت الله في مكة وقبر ومسجد الرسول (صلى الله عليه و آله وسلم) في المدينة ، وبذلك سيعيد مناسك الحج .

3- كان والي مصر بحاجة إلى الأموال التي سيأخذها من الدولة العثمانية ، بحجة نفقات حرب مقدسة يتقدم بها ويُعلي شأن الدولة العثمانية باعتبارها راعية مصالح المسلمين .

عندما كان والي مصر يستعد لتحرير مكة والمدينة كان سعود بن عبد العزيز قد تصالح مع الشريف غالب بن مساعد الذي أذن له سعود بالعودة إلى مكة ،

وكانا يتزاوران ويتبادلان الهدايا ، إلّا أن نوايا الشريف كانت مبطنة، وأن أمنياته بالسعي والتخلص من سعود وجماعته في الحجاز كان يخفيها بذكاء ومراوغة .

هجوم الجيش المصري على قوات ابن سعود

كانت من جملة استعدادات محمد علي باشا التخلص من سيطرة المماليك ، وأن يُنجز بناء أسطول السفن في السويس وتهيئته . وعندما تم له ذلك وتخلص من المماليك في مصر وأتم بناء أسطوله ، عندها باشر والي مصر تنفيذ مهمته التي أو كله بها السلطان العثماني .

في سنة 1226ه- (1811م) أرسل محمد علي باشا ابنه الشاب (طوسون)(1)على رأس جيش من ثمانية آلاف مقاتل ، ستة آلاف منهم نقلتهم السفن إلى (ينبع)(2)وألفان جاءوا عن طريق البر إلى ينبع أيضاً وقد إمتلك ينبع، ويقال أن في الجيش كان بعض الضباط الأوروبيون وبعض المرتزقة .

ومن ينبع تحرك الجيش المصري بكامل معداته إلى الموضع الذي كان يتجمع به جيش آل سعود في مكان يدعى (الخيف )(3)بوادي الصفرى (الصفراء)(4)قرب المدينة المنورة بقيادة عبد الله بن سعود بن عبد العزيز .


1) هو أحمد طوسون باشا، ولد في حدود سنة 1210ه- (1795م)، وهو الإبن الثاني لمحمد علي باشا، أمره والده على الجيش وعمره 17 عام، وتوفي بالاسكندرية في عز شبابه سنة 1231ه- (1816م) ودفن في القاهرة، وأعقب ولده عباس حلمي الذي حكم مصر فيما بعد. يقال بأنه كان جميل الطلعة، متوقد الذهن ميالاً للعلم، ذو بأس وحزم. وتركت وفاته وقعاً شديداً في قلب والده.

2) يَنْبُع: مدينة تقع على الساحل الشرقي للبحر الأحمر في إقليم تهامة، وهي الان من محافظات منطقة المدينة المنورة، وتبعد عن المدينة غرباً 200كم، وشمال مدينة جدة 300 كم ، فهي الميناء الثاني بعد جدة، وسُميت بهذا الاسم لكثرة ينابيعها وكانت تقع على طريق البخور من اليمن إلى مصر ومنطقة البحر المتوسط، ثُمَّ أصبحت في الحرب العالمية الأولى قاعدة للقوات العربية والبريطانية أثناء قتالهم للعثمانيين.

3) الخيف: قرية من قرى وادي الصفراء.

4) وادي الصفراء : أو وادي ( يليل) من أكبر وديان الحجاز وقريب من المدينة المنورة، وإسمه نسبة إلى قرية (الصفراء ) وهي قرية قديمة. ذكر القرية والوادي ياقوت الحموي في معجم البلدان ج 3 ص 412 وقال هو واد كثير النخل والزرع والخير في طريق الحاج، وقرية الصفراء هي فوق ينبع مما يلي المدينة، وماء الوادي يجري إلى ينبع.

إلتحم الجيشان في معركة ضارية في العشر الأواخر من ذي القعدة، وبعد ثلاثة أيام من القتال، خسر الجيش المصري المعركة وتراجع طوسون ببقية الجيش إلى ينبع ، وكانت هذه الحرب من أكبر حروب الوهابية(1).

عاد طوسون إلى ينبع وطلب من والده النجدة ، أمّا في نجد فقد حج سعود بن عبد العزيز كعادته وأرسل النجدات إلى المدينة وأمر بتحصينها ثُمَّ عاد إلى نجد.

وكانت الشدّة التي إتبعها رجاله في أسواق مكة أدت إلى الردة من قبل الكثير من سكانها، وكان عرب الحجاز يتذبذبون بين من جاء ينقذ بلادهم وبين أهل نجد.

في السنة التالية 1227ه- (1812م) وصلت النجدات المصرية إلى طوسون وهمَّ بالهجوم على النجديين . يقول أمين الريحاني في تاريخ نجد الحديث ما نصّه :« جاءت النجدات المصرية في السنة التالية ، فأعاد طوسون الكرّة على المدينة، بعد أن إحتل ينبع النخل، وضمَّ إلى جيشه كثيرين من عرب جهينة وحرب. وقد كان في المدينة سبعة آلاف من أهل نجد فحاصرها المصريون حصاراً شديداً دام خمسة وسبعين يوماً . صوّبوا على القلعة المدافع ، وحفروا إليها السراديب التي أشعلوا فيها تحت الأسوار البارود ، ثُمَّ قطعوا عن المدينة المياه ، وجاءت الأمراض تساعدهم على المرابطين المحاصرين. بل قام الأهالي أيضاً على النجديين ...»(2).

دخول طوسون المدينة المنورة واندحار النجديين

أمر طوسون بإطلاق النار على المدينة وهدم جزء من سورها، فدخلها جيشه وأثخن القتل في حاميتها ، حتى سلّمت المدينة وعساكرها إلى المصريين ، فأرسل طوسون مفاتيح المدينة إلى والده الذي بعثها بدوره إلى الأستانة عاصمة العثمانيين ،


1) راجع بعض التفصيل في تاريخ نجد الحديث وملحقاته أمين الريحاني، ص 59 - 60 .

2) المصدر السابق نفسه، ص 60 - 61 .

وإنتشر خبر فتح المدينة في الحجاز ، فخارت عزائم المقاتلين النجديين، وتركوا مكة خوفاً من أهلها .

يذكر الشيخ أمين بن حسن الحلواني المدني وهو من أبناء المدينة المنورة في كتابه (خمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق 1188 ه- - 1242ه- وهو مختصر مطالع السعود) تفاصيل دقيقة جداً عن إندحار النجديين في المدينة ، نذكر تفاصيل نهايتها عن الرتل الذي يقاتل الوهابيين من داخلها فيقول :

« فلما إنهدم السور من هناك كبّر أهل المدينة مع عسكر الكاشف وهجموا داخل البلدة وإستحرَّ القتل بين الطرفين ، ولفطانة أاهل المدينة ما صاروا يهجمون على الوهابية من الشوارع والأزقة بل صاروا يتسلقون عليهم من أعلى البيوت وينقبون عليهم السقوف والحيطان .

وأول المعركة صارت في ذروان)(1). ثُمَّ في البيوت التي حول الحرم، ولا زالوا ينقرون عليهم ويهزمونهم إلى أن حصروهم في القلعة، وقد أنزل الخوف والجبن على الوهابيين في ذلك اليوم مع شهرتهم بالشجاعة والإقدام، وأما في هذه المعركة فكأن الله ربط على أيديهم حتى صار المدنيُّ الواحد يقتل جملة من الوهابيين وهم ساكنون لا يتحركون ، وإنهزموا وتشتت شملهم ، ودخلوا القلعة وانحصروا فيها ، وأهل المدينة قطعوا عنهم العين، والأقوات تركوها في بيوت أهل المدينة ، فطلبوا الأمان لأنفسهم ونجوا إلى نجد وتركوا القلعة مشحونة بأموالهم التي نهبوها من العالم في مدة سنين واستولى أهل المدينة على القلعة والأسوار وضبطوها، ودخل الأهالي المطرودون في المناخة إلى بيوتهم ، وذلك في سنة 1229 ... »(2).

بعد أن إقتحم طوسون المدينة وإستولى عليها خرج منها وخيّم بجيشه خارجها، وتنفس أهل المدينة الصعداء بعد أن تملكهم الوهابيون سبع سنوات.


1) ذَرْوَان: بئر لبني زُريق بالمدينة يقال لها ذروان عن ياقوت الحموي في معجم البلدان ج 3 ص5.

2) خمسة وخمسون عاما من تاريخ العراق (مختصر مطالع السعود) / ص 96 - 103.

طوسون یدخل مکۀ

عندما ترك النجديون مكة بعد أن أصابهم الذهول من إندحار جيوشهم في المدينة يصاحبهم الخوف من سكان مكة الذين ذاقوا الأمرين من شدة النجديين ، توجه إليها طوسون ودخلها ، وكتب إلى والده بذلك، فسُرّ محمد علي باشا لما كان من ولده من نصر كبير واعتبره فتح مبين .

عندما دخل طوسون مكة سنة 1228ه- ( 1813م) إستبشر الشريف غالب بذلك ، فسعى بكل ما يملك أن يكون مساندا للجيش المصري، نابذاً النجديين باعتبار أن تصالحه معهم كان رغماً عنه وأوجدته الظروف .

في صيف نفس السنة زحف النجديون على جيش طوسون لعلمهم أن المصريين لا قِبَل لهم بتحمل حرّ تلك الأصقاع ، فاستولوا على كل ما بين مكة والمدينة ، فبلغ ذلك محمد علي باشا الذي سارع بنفسه لنجدة ولده .

نزل محمد علي باشا جدّة في 30 شعبان سنة 1228ه- واستقبله فيها الشريف مساعد الذي تنصّل عن النجديين وارتمى في أحضان الجيش المصري.

غالب بن ومن جدة دخل محمد علي باشا مكة يرافقه الشريف غالب، وبقي فيها مدة يسيرة ، وأدّى فريضة الحج ، وبعد أن إطمئن على الأمور عاد إلى مصر فغادر الحجاز ، وظل طوسون يقاتل النجديين ، فكان النصر حليفه في الكثير من الوقائع ، وأخذ يتقدم إلى نجد ، ثُمَّ إضطر إلى التوقف لقلة المؤن فلم يبلغ الدرعية، فعاد إلى المدينة المنورة ، وعند عودته إسترد النجديون أكثر المواقع التي إستولى عليها الجيش المصري .

نهاية الشريف غالب

بعد أن إستقر محمد علي باشا في مكة لفترة ، قبض على الشريف غالب وأولاده مدعياً أن ذلك كان بأمر السلطان العثماني ، وأرسلهم أسرى إلى مصر، وإستولى على أموال النقيب، وقام بتنصيب ابن أخيه الشريف يحيى بن سرور بدلاً عنه .

وفاة سعود بن عبد العزيز بن محمد

لم يكن آل سعود أوفر حظاً من عدوهم الشريف غالب، فبعد أربعة أشهر وتحديداً في 8 وقيل 11 جمادى الأولى من سنة 1229ه-(1814م) ، مات في الدرعية سعود بن عبد العزيز عن عمر ناهز الثامنة والستين، وذُكر بأنه مات بالحمّى ، وقيل بعلة في المثانة ، وذكر آخرون بأن نكبة أهل نجد في الحجاز عجّلت في أجله .

يذكر حافظ وهبة في كتابه جزيرة العرب في القرن العشرين عن قسوة سعود بن عبد العزيز بن محمد ما نصه :« كان سعود مشهوراً بالقسوة . سمعت مراراً من جلالة الملك(1)أنه حبس مرّة بعض شيوخ مطير ، فجاء بعض كبارهم للاستشفاع لهم وأنس منهم روح الاعتزاز ، فأمر بقطع رؤوس المسجونين، وأحضر رؤوسهم على مائدة قدّمت لبني عمهم الذين جاءوا للاستشفاع فيهم ، ثُمَّ أمرهم بالأكل من المائدة !! ، وقد قصّ هذه الحكاية جلالة الملك عبد العزيز على شيوخ مطير الذين جاءوا للاستشفاع في فيصل الدويش ، ولكن جلالة الملك عبد العزيز لم تعرف عنه قسوة من هذا النوع ، غير أن سعود عُرف بالشدة في معاقبته لمن يتجاوز حدود الشرع ، فإنّه كان كذلك مشهوراً بوفائه لأصدقائه المخلصين معه ، فأي شيخ يخلص الخدمة لسعود يمكنه أن يعتمد عليه في جميع الملمات والشدائد .

وكانت ولا تزال أشد عقوبة يمكن أن تنزل بمجرم أن تحلق لحيته ويطاف به في الطرق، والعربي يفضل الموت على حلق اللحية»(2).

عبد الله بن سعود بن عبد العزيز

بويع لعبد لعبد الله بن سعود بعد وفاة أبيه ، وكانت الحرب مستمرة بين نجد وجيش محمد علي باشا ، ولم يستطيع أن يدير عبد الله الحرب بمهارة كما كان يديرها


1) يقصد به الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود والد ملوك السعودية الحاليين.

2) جزيرة العرب في القرن العشرين / حافظ وهبة، ص220.

أبوه . وإفتتح عهده بخلافات عالية بينه وبين عمّه عبد الله بن عبد العزيز بن محمد بن سعود .

جهز طوسون حملة على نجد وزحف إلى (الرّس) فاحتلها ، فجاء عبد الله بن سعود يريد أن يُخرج طوسون منها، وحدث قتال بين الجيشين ، فطلب عبد الله بن سعود الصلح ، واتفق الطرفان أن يخرج المصريون من نجد وتعهد النجديون أن يأذنوا بالحج ويؤمنوا السبل ، وأن يُرجعوا ما سُلب من الحجرة النبوية(1).

عاد طوسون بجيشه إلى المدينة ومعه وفد من أهل نجد يحمل معاهدة الصلح ليرسلهم إلى والده محمد علي باشا ليصادق عليها ، وكان والده قد غادر إلى مصر فتبعه الوفد ووصل إلى مصر ولم يوافق محمد علي باشا على الصلح وقيل بأنه لم يقابل الوفد . وفي تلك الأيام طلب محمد علي من ابنه طوسون الرجوع إلى بلاده .

وفي سنة 1230ه- (1815م) أمر محمد علي باشا ابنه إبراهيم بالتجهز والاستعداد لقيادة حملة جديدة على أهل نجد . إنطلق إبراهيم باشا في 10 شوال 1231ه- (3) أيلول (1816م) من القاهرة ووصل إلى (ينبع) في 8 ذي القعدة ( 30 أيلول) وسار دون مقاومة إلى المدينة المنورة ، فزار قبر النبي ثُمَّ عسكر بجيشه في (الحناكية)(2)، وبقي في معسكره عدة أشهر يراقب العربان ويستميلهم إليه بالهدايا والذهب. فجاءت إليه مجاميع من قبيلة (حرب)، وبعدها عتيبة ، ثُمَّ جاءت مطير .

كانت أول معركة بينه وبين النجديين في (الماوية)(3)، حيث هاجم عبد الله بن سعود الجيش المصري الذي أنزل به هزيمة شنعاء أقدم إبراهيم باشا إثرها على قتل جميع الأسرى. ومِنْ ثَمَّ تقدم نحو القصيم .


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص70.

2) الحناكية : نبع ماء معروف على مسافة أميال من شرق المدينة المنورة.

3) الماوية تقع شرق المدينة المنورة، وتبعد عنها 214 كم ، وعن الحناكية 117 كم شرقاً، وموقعها الحالي شمال الطريق الرابط بين القصيم والمدينة المنورة، وكانت قديماً تقع على (درب زبيدة) وهو درب الحجاج من العراق إلى مكة.

فتحرك إبراهيم باشا على رأس جيش قوامه أربعة آلاف من المشاة ، وألف ومائتين من الخيالة إلى جانب القبائل العربية الصديقة التي ذكرناها بالإضافة إلى بني خالد والسهول وسبيع إلى (الرّس )(1)التي كان قد أخلاها أخيه طوسون فعاد إليها الوهابيون ووضعوا فيها حامية .

واجه مقاومة شديدة ، فبعث يطلب النجدات من المدينة فوصلته ، ثُمَّ شدد الحصار على الرس وحصل قتال شديد طلب بعده عبد الله بن سعود الصلح ، ولكن أمير الرس لم يقبل بتسليم بلدته ، فقسى إبراهيم باشا عليهم وفي نفس الوقت كان ابن سعود يفاوض على الصلح ، إلى أن إتفق إبراهيم باشا مع أمير الرس على الهدنة ورفع الحصار عنهم على أن لا يعاونون ابن سعود، وأن لا يتعرضون للجيوش المصرية .

بعد أن سَلَّمت الرّس ، زحف إبراهيم باشا إلى (عنيزة)(2)وكان عبد الله بن سعود قد لجأ إليها ، ثُمَّ حمل على (بريدة)(3)وكان عبد الله بن سعود قد رحل من عنيزة إليها فرحل منها إلى الدرعية داعياً أهل نجد ليحتموا في العاصمة للدفاع عن الوطن (حسب رأيه) .


1) الرّس: بلدة تقع غرب منطقة القصيم وتجاور وادي الرمة، وهي من أعرق بلدات القصيم، وتمتاز بموقعها الهام، وهوائها العليل ومائها العذب. يحدها من الشمال منطقة حائل، ومن الجنوب منطقة الرياض، ومن الشرق سدير والوشم، ومن الغرب المدينة المنورة.

2) عنيزة : بلدة في منطقة القصيم ، تقع في الشمال الأوسط من هضبة نجد، وإلى الجنوب من وادي الرمة، وتحيط بها كثبان الرمال، و هي من أقدم بلدات منطقة القصيم وأشهرها، ولوفرة المياه فيها فقد إشتهرت بمزارعها وبساتينها.

3) بريدة : عاصمة منطقة القصيم، وتقع في الجزء الأوسط الشرقي من منطقة القصيم، تحيط بها مجموعة من التلال والمرتفعات الرملية، وكانت بريدة ماءً لآل هذال من عنزة قديماً.

ثُمَّ إحتل إبراهيم باشا آخر بلدة في جنوب القصيم ووصل (شقرا)(1)وحاصرها وقاتل أهلها وإحتلها . وظل يحتل المناطق الواحدة تلو الأخرى حتى شارف على (الدرعية) ، وكان عبد الله بن سعود وأخوه فيصل وجميع آل سعود خرجوا بأهل المدينة للدفاع عنها .

127

إبراهيم باشا بن محمد علي الكبير


1) شقرا : أو شقراء ، بلدة تابعة لمنطقة الرياض، وتقع على مسافة 185 كم شمال غرب مدينة الرياض. وكانت نقطة توقف على طريق الرياض - الطائف، وهي من أكبر مدن الوشم، والوشم معدود من أرض اليمامة ، ذكرت شقراء في كتب التاريخ والبلدانيين كثيرا.

حاصر جيش إبراهيم باشا الدرعية منذ وصلها في 29 جمادى الأولى 1233ه- (6 نيسان1818م) ، وإستمر الحصار خمسة أشهر وعدة أيام، كان بين الطرفين حملات وقتال، وفي شهر شعبان إنفجر مستودع الذخيرة الخاص بالجيش المصري ، فاشتعل البارود وتفجرت القنابل ، وتلفت الكثير من المؤن والأغذية(1)، ولكن إبراهيم باشا ثبت في مركزه بشجاعة واستعاض عن القتال بالمناوشة والمخادعة إلى أن جاءته النجدات من المدينة والذخيرة والمؤن من القصيم .

حمل إبراهيم باشا حملة شعواء على الدرعية وأهلها بالمدافع ورصاص البنادق والسيوف وتمكن من احتلال أحد أحيائها بعد أن أحاط بالمدينة ، ودافع عنها أهلها بشراسة وشدّة ولكن إبراهيم أمر بتدميرها بنيران مدافعه، فتفرق الكثير من النجديين الوهابيين ، ومِنْ ثَمَّ خرج عبد الله بن سعود رافعاً الأعلام ومن معه للاستسلام، فرحب به إبراهيم باشا وبمن معه . وبذلك يكون إبراهيم باشا قد إستولى على معقل وعاصمة آل سعود ، وكان ذلك بتاريخ 8 ذي القعدة سنة 1233ه-(9 أيلول 1818م) حيث إستسلمت الدرعية .

إعدام عبد الله بن سعود في الأستانة

أرسل إبراهيم باشا عبد الله بن سعود ومن معه من المستسلمين إلى المدينة المنورة ، ومنها إلى القاهرة فوصلها في 18 محرم 1234ه-(18 تشرين الثاني 1818م)، ومثل ابن سعود بين يدي محمد علي باشا، ولم يلبث عبد الله غير يومين في القاهرة ، وكان السلطان محمود متحاملاً على آل سعود والوهابيين، فقد طلبه إلى الأستانة، فأرسله محمد علي باشا ومعه كاتب سره ورجل آخر كرها أن يفارقاه . وعند وصولهم إلى الأستانة

(إسطنبول) أمر السلطان بأن يطوفوا في الأسواق لثلاثة أيام مقيدين ، وبعدها تم إعدام عبد الله بن سعود ومن معه أمام الناس .


1) كان سبب انفجار المستودع أن عاصفة رعدية شديدة هبت في ليلتها وإحترقت بعض الخيام، وعطفت شرارة من إحدى الخيام على المستودع وأشعلت البارود وحدث الانفجار.

عندما دخل إبراهيم باشا الدرعية أمر بالقبض على بعض الزعماء ومشايخ الوهابية ، وأمر بإخراج من تبقى في الدرعية من أهلها، وكان قد أجلى إلى القاهرة عدداً من أسرة آل سعود و آل محمد بن عبد الوهاب ، ثُمَّ أمر بتدمير الدرعية بالكامل قصورها وبساتينها وأسواقها ، وقام بتدمير مدينة الرياض كما قام بتدمير المدن التي إحتلها قبل الدرعية .

إنسحب إبراهيم باشا وجنوده من نجد في صيف 1234ه- (1819م. بعد أن أقام سبعة أشهر في الدرعية ، وبعده بدأت الفوضى في نجد وإشتعلت الصراعات بين أفراد أسرة آل سعود. وبهذا فقد انتهت الدولة السعودية الأولى في (دورها الأول) والتي إستمرت 76 سنة ابتدأت من سنة 1157ه- (1744م) إلى سنة 1233ه- (1818م).

130

مسير إبراهيم باشا وسيطرته على الدرعية والرياض

الدولة السعودية الثانية ( الدور الثاني)

اشارة

بعد أن أصبحت دولة آل سعود في دورها الأول أثراً بعد عين عندما إستولى الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا ابن والي مصر محمد علي باشا على كامل نجد وتدمير الدرعية عاصمة الوهابيين وآل سعود، إنسحب قائد الحملة وأبقى حاميات عسكرية في المناطق .

فتغيّر الحال في نجد وحدثت اضطرابات وصراعات بين الزعامات التي كانت تحكم بلدان الجزيرة للقفز إلى الواجهة بعد غياب آل سعود، وبعض هؤلاء ارتمى في أحضان عسكر الأتراك لينال مبتغاه ، وعاد أكثر المهجرين من مدنهم وقبائلهم عندما إشتد عليهم المد السعودي الوهابي، ووصلت الحالة إلى صراع شديد حول زعامة نجد ، ومِنْ ثَمَّ صراعات بين الأسرة السعودية نفسها .

يضاف إلى ذلك ظهور قوة جديدة هم آل الرشيد مشايخ شمّر مقرها حائل سعت للسيطرة على نجد ، ومِنْ ثَمَّ دخلت في صراع خطير مع الأسرة السعودية ، وهذا الصراع سمح للتدخل الأجنبي في شبه الجزيرة العربية وخاصة البريطاني من خلال تغلغل أجانب على شكل خبراء ومستكشفين وآثاريين ، تمكنوا أن يلعبوا أدواراً قذرة في تفتيت شمل عربان شبه الجزيرة ببواديها وحضرها .

لمّا فرغ إبراهيم باشا من هدم الدرعية وتدميرها، رحل منها ونزل بالأجور وهو غدير ماء قرب ضرماء ، وبقي في مكانه شهراً، وأغار على قبيلة

(عنزة) وأصاب منهم غنائم . وهمَّ إبراهيم باشا بالرحيل من نجد بعد أو وضع الحاميات

في بلدات نجد ، فسار من القصيم قاصدًا المدينة المنورة . ومنها سار إلى الشام ونزل في (عكا) . وأثناء ذلك حدثت الحروب والفتن بين أهل نجد وخاصة من قبل الذين لم يدخلوا في الحركة الوهابية مما جعل آل سعود يقومون بأجلائهم من بلداهم ونصّبوا أمراء غيرهم .

في نهاية سنة 1234ه- (1819م) رحل محمد بن مشاري بن معمر من (العيينة) ونزل الدرعية ، وقد طمع في ملك نجد، وهو ابن أخت عبد العزيز بن محمد بن سعود، وعبد الله بن محمد بن سعود . وعنده من الأموال والسلاح ما لا يحصى، وقد خلا له الجو بعد أن تم ترحيل آل سعود وعوائلهم إلى مصر .

يقول ابن بشر عن ابن معمر هذا في تاريخه : « فلما نزل بلد الدرعية سعى في عمارتها . وأظهر إعادة الدعوة، وأراد أن تكون بلدان نجد تحت يده بدعوى الإمامة ، فكاتب البلدان ودعاهم بالوفود إليه والاجتماع فأطاعه أهل بلدان قليلة مما يليه ووفدوا عليه في الدرعية فاستقر فيها وإستوطنها »(1).

وفي سنة 1235ه- (1820م) سار رئيس الإحساء ماجد بن عريعر لمحاربة ابن معمّر في الدرعية ، فلم يتمكن منه ، وبدأت الدعاية في مختلف بلدان نجد بالدعوة وإتباع إمامة ابن معمر ، ثُمَّ قدم إليه في الدرعية تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود وأخوه زيد وصارا عنده وساعداه .

وفي 10 جمادى قدم مشاري بن سعود بن عبد العزيز ودخل الدرعية ، ومشاري هذا هو أخو عبد الله بن سعود آخر أئمة آل سعود الذي أعدم في إسطنبول ، كان مع الأسرى الذين سيرهم إبراهيم باشا مع عوا مع عوائلهم إلى مصر ، ولكنه تمكن من الهرب عند مسيرهم في الطريق بين ينبع والجديدة ، وتمكن من الإختفاء في بلدة (الوشم) .

عندما قدم الدرعية مشاري بن سعود نزل في بيت أحد أخوانه ، فانزعج ابن معمر ، وفي النهاية بايع ابن معمر مشاري بن سعود بن عبد العزيز ، كما تمت


1) عنوان المجد في تاريخ نجد / لابن بشر / ج 1 ص 442.

المبايعة العامة له باعتباره الإمام، وقام معه تركي بن عبد الله بن محمد وعضده ،وقدم عليه في الدرعية عمر بن عبد العزيز بن محمد بن سعود وأبناؤه عبد الله ، محمد، وعبد الملك ، وكانوا قد هربوا من الدرعية وقت المصالحة والتسليم بين الباشا وعبد الله بن سعود ومعهم آخرون .

ندم ابن معمر على تنازله لمشاري بن سعود فكاتب أهل البلدان لنصرته فاستجابوا له ، وجاء بجيش ودخل الدرعية وأمسك بأميرها مشاري وحبسه ، وترك ابن معمر إبنه وإسمه (مشاري) أيضاً في القصر وغادر هو الدرعية وسار بمن معه إلى الرياض للقبض على الأمير تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، وكان تركي فيها ومعه عمر بن عبد العزيز وبنوه ، فاستطاع تركي ومن معه الهرب إلى الحاير قاصدًا ضرماء ومنها إلى الدرعية ليباغت ابن معمر ، فدخل ابن معمر الرياض فاستقر في الملك ودانت له البلدان .

وقيل بأن ابن معمر تعاون مع الحامية التركية التي تركها إبراهيم باشا في القصيم ، وأخبر آغا الحامية بأنه أمسك بالهارب من الأسر مشاري بن سعود، فكتب له قائد الحامية بإقراره في الإمارة .

تخاذل أهل الدرعية في نصرة ابن معمر بوجود تركي آل سعود، فقبض تركي بن عبد الله على ابن معمر وابنه وأخذهما إلى الرياض وحبسهما وطلب منهما أن يرسلوا إلى عشيرتهم في سدوس ليعيدوا الأمير مشاري بن سعود إلى الرياض، لكن أهل سدوس كانوا قد سلّموا الأمير مشاري إلى الحامية المصرية في ذلك الوقت، فأمر تركي بن عبد الله بقتل ابن معمر وابنه ، لكن في النهاية لم يستطع تركي البقاء في الرياض لعودة القوات المصرية إليها فهرب مرة أخرى .

وعن مشاري بن سعود بن عبد العزيز يقول ابن بشر في عنوان المجد أن مشاري مات في سجن الأتراك في بلدة عنيزة . أمّا الشيخ عبد الرحمن بن حسن الجبرتي فيقول في كتابه (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) أن مشاري أُشخص إلى مصر ومات في الطريق. وعن مشاري ورد النص التالي من تاريخ الجبرتي :

«... فإنّه هرب من العسكر الذين كانوا مع أولاد سعود وجماعتهم حين أرسلهم إبراهيم باشا إلى مصر في الحمراء وهي قرية بين الجديدة وينبع البحر، وذهب إلى الدرعية، وإجتمع عليه من فرَّ حين قدمت العساكر وأخذوا في تعميرها، ورجع أكثر أهلها وقدّموا عليهم مشاري ، ودعا الناس إلى طاعته ، فأجابه الكثير منهم ، فكادت تتسع دولته وتعظم شوكته ، فلما بلغ الباشا ذلك جهز له عساكر رئيسها حسين بيك ، فأوثقوا مشاري وأرسلوه إلى مصر ، فمات في الطريق.. »(1).

تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود

بدأ تركي بن عبد الله يجمع حوله الأعوان وهو في عرقة ، فانضم إليه أمير الوشم وصاحب جلاجل وسدير والمحمل ومنيخ محاولاً تشكيل قوة يسترد بها الرياض ويقضي على الحامية العسكرية فيها، ولكن عساكر الأتراك حاصروا تركي ثُمَّ إنسحبوا فقام تركي بمهاجمة ضرماء والاستيلاء عليها وكاتب أهل سدير فبايعوه ثُمَّ بايعه أهالي بلدات نجدية أخرى بما فيهم أهل حريملاء ، فقرر تركي طرد الحامية المصرية من الرياض وكان عدد أفرادها ستمائة ، ولكنه لم يستطع لمساندة فيصل الدويش(2)شيخ مطير لهم ، وعندما انسحب الدويش حاصرها تركي فاستسلمت له وغادرت الرياض ، فإختار تركي الرياض عاصمته، وبدأ بإعادة بناء أسوارها وجامعها .

في أول حملاته التي قام بها تركي بن عبد الله عند استقرار إمارته هو تشخيص بصره على الإحساء لمناجزة أعداء آل سعود التقليديين بني خالد ، فسار جيشه نحو


1) عجائب الآثار في التراجم والأخبار / الشيخ عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، تحقيق الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، عن طبعة بولاق، ج 4 ص 495 ، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، سنة 1998م.

2) فيصل هذا هو جد فيصل الدويش الذي كان من قادة الإخوان النجديين حيث سيتم الحديث عنه لاحقاً

الاحساء واشتبك مع جيش بني خالد في معركة فاصلة على أطراف الإحساء في موضع يقال له (السَّبيَّة) وهو مورد من موارد المياه وانتهت المعركة بهزيمة بني خالد .

توجه تركي إلى الإحساء فهرب من تبقى من زعمائها من بني خالد، وبايعه أهلها وجاءه أهل القطيف وأهل رأس الخيمة وجددوا مبايعته ، ثُمَّ استطاع أن يمد نفوذه السياسي نحو مسقط والبحرين. وعاش تركي بن عبد الله حتى أغتيل على يد ابن أخته (مشاري بن عبد الرحمن آل سعود) سنة 1249ه- (1834م).

وعن هذه الفترة وأحداثها نقتطف مما ذكره هارولد ديكسون في كتابه الكويت وجاراتها فيقول في بعض صفحاته :« ... خلال السنوات الثلاث والعشرين التي تلت تدمير الدرعية ، ظلت نجد مقاطعة مصرية . أحياناً يحتلها جنود مصريون وأحياناً تدفع الجزية ، وأصبح مشاري( الأمير الخاص) شقيق عبد الله أميراً على نجد في ظل الحكم المصري . وعندما ظهر إبراهيم باشا لأول مرة في نجد اكتسب عطف الناس وثقتهم باستقامته ورجولته وتواضعه ، وخاصة في جبل شمّر والقصيم والاحساء ، حيث إستقبله الناس على أنه منقذهم من النير الوهابي لا كمحتل أجنبي .

ولم يسبق لأواسط الجزيرة العربية أن شاهدت جيشاً تركياً من قبل . ولم يكن عرب الداخل ليضمروا لهم الشر والعداء إذا لم يتحدوهم ويسيئوا معاملتهم . فبعد مغادرة إبراهيم باشا بقليل استعدى الجنود الأتراك والألبانيون بشراستهم السكان، وحدثت أول مذبحة سنة 1822 عندما انقض السكان على الحامية التركية في الرياض عاصمة نجد الجديدة، وتبعت تلك المذبحة انتفاضة ناجحة قام بها العرب سنة 1823 و 1824 بقيادة تركي بن عبد الله آل سعود ابن عم مشاري الذي أعاد سيادة العائلة في العارض. واحتل تركي الرياض وطرد منها القوات المصرية الباقية في نجد فاعترفت به أغلبية قبائل وسط الجزيرة العربية أميراً عليها بدلاً من ابن عمّپه ، ليقود الحركة الشعبية ضد الاحتلال الأجنبي .

وظل تركي عشر سنوات (من 1824 إلى 1834) يستجمع قواه في نجد والاحساء وحتى في عمان وعلى طول الشاطئ العربي من الخليج إلى رأس الحد ،

وكلها اعترفت به وقدمت له خضوعها ودفعت الجزية . وفعل هو بدوره نفس الشيء بالنسبة للحكومة المصرية التي وافقت على تصرفاته في الجزيرة العربية .

وفي سنة 1834 إغتاله مشاري بن خالد الذي قُتل في الحين على يد فيصل ابن تركي . وقاتل تركي هو ابن خالد بن سعود آل سعود شقيق الأمير الخامس مشاري ، وأحد المطالبين بالعرش . وأُعترِف بفيصل أميراً خلفاً لوالده »(1)

فيصل بن تركي بن عبد الله

كان فيصل بن تركي بن عبد الله ضمن مجموعة الأسرى من آل سعود الذين أرسلهم إبراهيم باشا إلى مصر ، وفي سنة 1243ه-(1828م) تمكن فيصل بن تركي الهرب من أسره في مصر ووصل إلى أبيه في الرياض.

عندما قُتل والده كان فيصل في الإحساء، وتمكن من جمع أتباعه الذين بايعوه وتقدم إلى الرياض ودخلها ومن معه سراً وحاصر القصر الذي يوجد فيه قاتل أبيه مشاري آل سعود، وبعد قتال سريع تمكن فيصل من السيطرة على القصر وما حوله ، ثُمَّ تمكن من قتل مشاري قاتل أبيه ، وفي نفس الوقت تمت مبايعة فيصل في عاصمة الحكم الرياض، وتوالت الوفود من البلدان النجدية والقبائل لمبايعته وإعلان الولاء والتأييد له كإمام جديد للدولة .

وعلى الرغم من إخضاعه مناطق شبه الجزيرة العربية عدا الحجاز، إلّا أن الأمور لم تستقر له ، فقد واجه الكثير من المشاكل الداخلية، كما أن توسع مناطق نفوذه قد أزعج الدولة العثمانية، ورفض الأمير فيصل دفع الجزية للدولة، عندها كلّف العثمانيون والي مصر بأن يرسل حملة عسكرية جديدة لشبه الجزيرة العربية محاولة منهم لإيقاف المد والتوسع السعودي الوهابي .


1) الكويت وجاراتها/ هارولد ديكسون، ص 114 - 115. وقد أخطأ ديكسون في إسم قاتل تركي، والصحيح ما ذكره ابن بشر في تاريخه لأنّه كان معايشاً حينها الوقائع ولم ينقلها عن غيره، فيذكر أن القاتل هو مشاري بن عبد الرحمن بن حسن بن مشاري بن سعود بن محمد بن مقرن.

خالد بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود

أرسل محمد علي باشا والي مصر قوة عسكرية بقيادة جميل بيك ليعزل فيصل ويُنصّب بدلاً عنه الأمير خالد الأمير خالد بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود الذي كان ضمن أسرى آل سعود المتواجدين في مصر، ليتولى شؤون الدولة السعودية بدلاً من الامام فيصل . ولما إقتربت القوات المصرية من الرياض هرب فيصل بن كي إلى الإحساء، وتم تنصيب خالد بن سعود بمساندة خورشيد باشا الذي جاء بديلاً لقائد الجيش جميل بيك . وخسر فيصل بن تركي فترة حكمه الأولى بالرياض ، ولم يستطع استرجاعها حتى مع محاصرتها ، وكانت نهايته الوقوع في الأسر والنفي إلى مصر. وكان الحكم بيد قائد الجيش الذي أعاد تأسيس الحكم المصري في أنحاء نجد. وتم تنصيب الأمير خالد سنة 1254ه- (1838م) ، ولم يدم الاحتلال المصري الثاني لنجد أكثر من سنتين أستدعيت بعدها معظم القوات المصرية، وترك خالد آل سعود واليًا باسم الحكومة العثمانية .

عبد الله بن ثنيان بن إبراهيم بن ثنيان بن سعود

في سنة 1257ه-(1841م) تزعم الأمير عبد الله بن ثنيان آل سعود ثورة ضد الإمام خالد بن سعود، وتمكن من طرده من الرياض مع ما تبقى من القوات المصرية، واستطاع أن يجمع العلماء والأعيان من مختلف أقاليم الدولة السعودية حوله، وكتب إلى والي جدة عثمان باشا كتابًا مشفوعاً بتأييد العلماء والأعيان الذين يطالبون الوالي المذكور بتعيين الأمير عبد الله بن ثنيان عوضا عن الأمير خالد بن سعود. وخلال تلك الأحداث المتسارعة استطاع فيصل بن تركي الهروب من سجن القلعة بالقاهرة، ويقال بأن عباس حلمي هو الذي ساعده .

إستمر عبد الله بن ثنيان حاكماً على نجد إلى سنة 1259ه- (1843م) عندما وصل فيصل بن تركي من أسره ووصوله إلى منطقة العارض التي بها الرياض وطالب بالحكم .

فيصل بن تركي بن عبد الله للمرة الثانية

استطاع فيصل بن تركي أن يقنع النجديين بالاعتراف به إماماً بعد هروبه من مصر وعودته إلى نجد، وتمكن من إبعاد عبد الله بن ثنيان وأن يعيد الحكم له ويستمر به مدة طويلة إستمرت ثلاثة وعشرون عاماً ابتدأت سنة 1259ه-(1843م) وانتهت سنة 1282ه-( 1865م) ، تمكن خلالها من توطيد حكمه ، وكاد أن يفقد بصره في أواخر عمره فاعتمد على إبنه الأكبر عبد الله في تسيير أمور دولته .

عبد الله بن فيصل بن تركي

توفي فيصل بن تركي في 21 رجب 1282ه-(11 كانون أول 1865م) ، وبعد وفاته تنازع أنجاله الملك وأضاعوه وهم : عبد الله ، محمد، سعود، وعبد الرحمن. بعد الحملات عليهم من الأتراك والمصريون والتي أنهكت أهل نجد، فعادت إلى الوجود العداوات القديمة لآل سعود ونقصد بها عداوات القبائل ، فانتفضت قحطان ، وعصت العجمان، وتمردت عنزة ، وتقلبت مطير ، وتذبذبت عتيبة ، وصال بنو مرّة، وتنمر بنو خالد . ناهيك بالأخوة وأبناء العم في البيت نفسه . وقد قام بعضهم على بعض يتنازعون السيادة ، فكانوا في حروبهم مغنماً لهذه القبائل النازعة إلى الغزو المسترزقة منه(1).

استمرت الحرب الأهلية السعودية التي إشتركت فيها قبائل نجد أكثر من ثلاثين سنة ، وقد إستثمرتها الدولة العثمانية وكانت نهايتها المغنم الأكبر لأمراء بيت الرشيد مشايخ شمّر المتحالفين مع العثمانيين . فكان سعود بن فيصل ضد أخويه عبد الله ومحمد ، وحدثت حرب شعواء بينهم وكانت الغلبة لسعود في وقعة (الجودة) ، وتم أسر محمد بن فيصل ، وجاء أهل الإحساء مبايعين لسعود بن فيصل .

وبعد هذه الوقعة إحتل مدحت باشا والي بغداد سنة 1288ه-(1871م) الإحساء بمساعدة الكويتيين بقيادة الشيخ مبارك الصباح . وقطع مدحت باشا


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص83.

بهذا الاحتلال الصلة بين نجد وعمان، وتمكن من توسيع الفجوة بين الأخوة من آل سعود، فأطلق محمد بن فيصل من سجنه في القطيف، وأوعد عبد الله بن فيصل بأن يجعله قائمقام ولاية نجد، ولكن عبد الله لم يأمن بقرار والي بغداد فهرب إلى الرياض وإستقبله أهلها

سعود بن فيصل بن تركي

وفي نفس السنة 1288ه- زحف سعود بن فيصل نحو الرياض ودخلها منتصراً وهرب أخوه عبد الله منها إلى الإحساء ، ولم يصفَ الجو لسعود في الرياض فانتفض عليه أهلها وأخرجوه منها ، وتولى الحكم عمّه عبد الله بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود .

لم يهدأ سعود بن فيصل فقام بجمع أعوانه من القبائل وقاتل الجيش التركي فانهزم سعود، وهذه الهزيمة لم تثنيه ، فقد حمل على أخيه وابن عمّه في وقعة (الدلم) التي فرّ منها أخوه محمد بن فيصل وأُسر فيها عمه عبد الله بن تركي الذي مات بعد أسره بأيام في السجن .

ثُمَّ هجم سعود بن فيصل على الرياض ودخلها منتصراً فارتحل أخوه عبد الله بن فيصل إلى الكويت، وتمت المبايعة لسعود بن فيصل . وبعد سنة من حكمه توفي سنة 1291ه-(1874م) ، فتولى الأمر أخواه محمد وعبد الله من بادية عتيبة ، وجاء محمد بن فيصل بجيش لمحاربة عبد الرحمن بن سعود بن فيصل وأخوته ، فتقدم محمد وأخوه عبد الله إلى الرياض .

عبد الله بن فيصل بن تركي للمرة الثانية

تولى الأمر والحكم عبد الله بن فيصل للمرة الثانية، وكان أخواه محمد وعبد الرحمن مطيعين له باعتباره الإمام ، مع ذلك لم يهدأ أولاد سعود بن فيصل ضد عمومتهم .

سقوط الدولة السعودية الثانية وظهور آل الرشيد وسيطرتهم على نجد

نتيجة الأحداث التي ذكرناها بإيجاز طمع آل الرشيد حكام إمارة جبل شمر في انتزاع الحكم من آل سعود، والمعروف بأن آل الرشيد كانوا تابعين لحكم الدولة السعودية الثانية فهم ولاة حائل. فالنزاع الذي حصل بين أبناء الأمير فيصل بن تركي بعد وفاته إستغله محمد بن عبد الله الرشيد وعمل على مد نفوذه على بلدان نجد.

وحتى يتمكن ابن الرشيد من مد نفوذه ، كان عليه أن يتحالف مع أمراء أقوياء في بلدان نجدية مهمة ومؤثرة وأبرز هؤلاء كان أمير بريدة حسن بن مهنا أبا الخيل .

كان عبد الله بن فيصل آل سعود أميرًا على نجد بالاسم فقط . فسلطته لم تتعد حدود أسوار الرياض أو منطقة العارض) على أبعد حد(1).

أخذ ابن الرشيد ومعه من يسانده من أمراء المناطق بشن الحملات على بلدان نجد منذ سنة 1294ه-(1877م) ، الأمر الذي أدى إلى الحرب بين جيش ابن الرشيد والأمير (الإمام حسب ما يسموه)عبد الله بن فيصل في سنة 1301ه- (1884م)في معركة أم العصافير وكانت الغلبة لابن الرشيد، وهزيمة عبد الله بن فيصل آل سعود هذه جعلت محمد ابن الرشيد في مركز قوي، وتمكن من إخضاع بلدان في نجد ضعُف فيها مركز ابن سعود ، ومع ذلك تصالح الطرفان على أن يتنازل ابن الرشيد لابن سعود عن بلدتي الوشم وسدير .

العداء بين ابن الرشيد وأولاد سعود بن فيصل بن تركي

كان أولاد سعود قد نزحوا إلى الخرج ، فقام منهم (محمد) ينصر عمّه عبد الله بن فيصل ، فجهز جيشاً وحارب ابن الرشيد فانهزم محمد وكانت تلك بداية العداء بين ابن الرشيد وأولاد سعود بن فيصل .

ولكن الهجوم الذي شنّه أبناء الأمير سعود بن فيصل على الرياض سنة 1302ه-( 1884م)، وقبضهم على عمهم الأمير عبد الله بن فيصل وألقوه


1) الكويت وجاراتها/ هارولد ديكسون، ص 120 .

في السجن، جعل ابن الرشيد يتذرع بحجة هذا الهجوم ويقطف ثماره ويفزع لعمهم عبد الله ، فقد كتب ابن الرشيد للبلدان لنصرة عبد الله ويشجب ما قام به أولاد أخيه سعود، وتوجه بجيشه إلى الرياض فخرج إليه عبد الرحمن بن فيصل مفاوضاً فأخبرهم أنه جاء لإخراج عبد الله من السجن وأن يكون الحكم لآل سعود وعاهدهم على ذلك وكانت الغلبة له ، فطلب أبناء سعود الأمان والصلح لما رأوا التفاف الناس حول ابن الرشيد، فوافق ابن الرشيد على أن يخرجوا من الرياض ويعودوا إلى الخرج ، وأن يُطلقوا سراح عمهم عبد الله .

بعد أن دخل ابن الرشيد الرياض وإستولى عليها ظهر بمظهر الفاتح فأطلق عبد الله من السجن وأرسله وأخاه عبد الرحمن وعشرة آخرين من آل سعود أسرى إلى حائل ، ثُمَّ قام بتعيين سالم السبهان وهو من أخوال آل الرشيد أميرًا على الرياض(1).

بعد خمسة أشهر من حكم سالم السبهان للرياض جاءه وفد من بلدة الخرج متظلمين من أولاد سعود بن فيصل، فحسم سالم الأمر بشكل قطعي بأن قتل أبناء سعود محمداً وسعداً وعبد الله ، فضجَّ الناس، فاستبدله ابن الرشيد ب- (فهّاد بن رخيّص) وهو من كبار شمّر .

عبد الرحمن بن فيصل بن تركي

أذِنَ ابن الرشيد لعبد الله ومحمد ولدي فيصل بن تركي بالعودة إلى الرياض ، وقد عاهد عبد الله أن يكون أميراً في بلاده، ولكن عبد الله توفي في 2 ربيع الثاني 1307ه- (26 تشرين الثاني 1889م) ، فكتب عبد الرحمن بن فيصل إلى ابن الرشيد ليعزل عامله حسب العهد، فكان جواب ابن الرشيد بأن عزل فهّاد بن رخيّص وعيّن مكانه سالم السبهان للمرة الثانية !! أي إنه نكث عهده .

أحسَّ عبد الرحمن بن فيصل بأن هناك خطة لدى سالم السبهان بتصفية آل سعود، وفي عملية استباقية قام بها عبد الرحمن ومعه آل سعود بنصب كمين لسالم


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته / أمين الريحاني ص88.

السبهان وجماعته ، فسبقوه ووثبوا عليه وعلى رجاله وقتلوا من معه وأسروه مجروحاً .

فزحف ابن الرشيد بجيشه إلى الرياض فحاصرها أربعين يوماً ثُمَّ تفاوض مع آل سعود وتصالحا .

وفي سنة 1308ه-(1890م) إنتصر ابن الرشيد على أهل القصيم وقتل منهم أكثر من ألف مقاتل ، وبعد هذه الهزيمة لم يقم لآل سعود قائم بعدها، فكان عبد الرحمن بن فيصل خارجاً بجيش من الرياض لمساندة أهل القصيم، ولمّا علم بالهزيمة عاد إلى الرياض وأخرج حريمه وأولاده ورحل إلى الإحساء التي كانت بيد الأتراك حينها ، وعرضت عليه الدولة العثمانية ولاية الرياض يحكمها من قِبل الدولة إذا إعترف بسيادتها على نجد، فرفض عبد الرحمن بسبب انفلات العشائر وخيانة بعضها لبعض .

142

عبد الرحمن بن فيصل بن تركي

وبعد تلك المفاوضات رحل عبد الرحمن إلى الكويت ولم يقبل أميرها محمد الصباح باستضافته، فتوجه للبادية، فدعاه عاكف ياشا متصرف الإحساء فلبّي الدعوة، وتفاوض معه لتهدئة القبائل وإيقاف نشاطه على أن يدفع له مرتب شهري ، وأن يقيم هو وأسرته في الكويت، قبل الشيخ محمد الصباح إذ ذاك بأن يتوطنوا بلاده .

بعدها أرسل عبد الله بن فيصل أخاه محمد رسولاً منه إلى ابن الرشيد الذي إستقبله وأكرمه ، وعاد محمد من حائل حاملاً معه هدية إلى الأمير بعودة البلدان التي سيطر عليها ابن الرشيد إليه ، ولكنه لم يحسن هذه المكرمة .

وبالرجوع إلى موضوع ظهور محمد ابن الرشيد، فهناك ثلاث خطوات أدّت إلى إستيلائه على نجد :

الخطوة الأولى: اتفاقه مع أهل (المجمعة) أن يكون حليفهم وحاميهم، وأن يكونوا من رعاياه، فقاتل عنهم ضد عبد الله بن فيصل بجيش من شمر وحرب ، ومعه أمير بريده حسن آل مهنا أبو الخيل .

الخطوة الثانية : هذه الخطوة كانت لابن الرشيد هي دخوله المجمعة بعد فوزه في القصيم، وتأمير أحد رجاله عليها .

الخطوة الثالثة : انتصاره في وقعة (الحمادة) عندما استغاثه أهل المجمعة لمّا سار إليهم الأمير عبد الله بن فيصل ، وكانت الغلبة لابن الرشيد وأعوانه ، فدعا رؤساء البلدان فجاءوه طائعين وأمر من رجاله أمراء على تلك البلدان .

وعن نهاية الدولة السعودية الثانية أن عبد الرحمن بن فيصل قبل أن يذهب إلى الكويت لاجئاً مع أسرته وقد أدرك صعوبة حياة الصحراء على نساء أسرته وأطفاله ، فأرسل إبنه الفتى عبد العزيز ) إلى حاكم البحرين طالباً منه أن يقبل إقامة أسرته لديه ، فأجاب حاكم البحرين وهو من آل خليفة طلب عبد الرحمن ورحّب بأبنائه فذهبت النساء والأولاد إلى البحرين .

حاول عبد الرحمن أن يستعيد الرياض مرة أخرى، فجمع أنصاره وهاجم بلدة الدلم ، وإستولى عليها ، وطردوا منها أتباع ابن الرشيد، ثُمَّ توجه عبد الرحمن إلى الرياض ودخلها سنة 1309ه-(1891م) ، ومن الرياض سار إلى المحمل ونزل في حريملاء شمالي الرياض، وعند ورود هذه الأخبار إلى محمد ابن الرشيد أسرع بجيشه من حائل والتقى مع جموع عبد الرحمن في حريملاء وفي معركة شديدة إنهزم جمع عبد الرحمن وقُتل الكثير من أتباعه ، وبعدها دخل ابن الرشيد الرياض، وأبقى محمد بن فيصل أميراً عليها وعاد إلى حائل .

بعد معركة حريملاء ذهبت آمال عبد الرحمن في استرجاع ملكه ، وعاد إلى مخيمه في البادية ولحقه إبنه عبد العزيز، وبعدها ما كان من لجوئه إلى الكويت . وبذلك أنتهت الدولة السعودية الثانية .

ذكر هارولد ديكسون في كتابه الكويت وجاراتها شيئاً عن إنتهاء الدولة السعودية في دورها الثاني، مضيفاً إلى ما قالته الليدي آن بلنْت عن ذلك بقوله :

«وإنتقل الأمير السعودي مع عائلته إلى الكويت . أمّا شقيقه محمد الذي لم يبرز إلّا في الخلافات العائلية وفي الصراع مع آل رشيد فقد توفي سنة 1894 دون أن يعلن ذلك.

وقد كتبت الليدي آن بلنت(1)التي رافقت زوجها في رحلاتها بآسيا وأفريقيا تقول : يمكن بكل تأكيد القول أن سلطة آل سعود في الجزيرة العربية قد إنتقلت إلى آل رشيد في حايل . إن كل شخص يفكر تفكيراً وطنياً حقيقياً ويشعر شعوراً صادقاً إلتف حول محمد آل رشيد أمير حايل وجبل شمّر العظيم .


1) مستكشفة وشاعرة إنكَليزية زارت منطقة حائل أيام محمد بن عبد الله الرشيد وألفت كتابها (رحلة إلى بلاد نجد)، وهي زوجة المستكشف ويلفريد بلنت، وحفيدة الشاعر الإنكليزي (بيرون). ولدت عام 1837 وتوفيت عام 1917 .

إن ممثلي عائلة آل سعود أصبحوا مجرد دمى وأدوات ، أمّا الحكام الرشيديون فقد تسلموا زمام المسؤولية في غالبية المستوطنين في القصيم وسدير والعارض والوشم »(1).

الدولة السعودية الثانية والعراق

منذ سنة 1233ه-(1818م) عندما انتهت الدولة السعودية الأولى في دورها الأول على يد الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا وبتوجيه من الدولة العثمانية ، وخلال الدور الثاني للدولة السعودية الذي بدأ سنة 1234ه-(1819م) وانتهى سنة 1309ه-(1891م) بلجوء عبد الرحمن بن فيصل آل سعود وإبنه عبد العزيز إلى الكويت ، لم يشنّ الوهابيون وآل سعود أي هجمات على الأراضي العراقية ، على العكس من الدور السعودي الأول ،والسبب يرجع إلى الأمور التالية :

1 - الصراع الذي أخذ أبعاده الخطيرة في أسرة آل سعود على الحكم بين الأخوة والأعمام وأبناء الأخوة.

2 - تحرك الجيش المصري وبقاء حامياته في مناطق نجدية عديدة يسيطر عليها ويفرض نفوذه بالقوة.

3- الخشية من الدولة العثمانية التي تمكنت من السيطرة على العراق بعد القضاء على المماليك وحكم داود باشا آخر الولاة المماليك في العراق سنة 1247ه-(1831م) على يد علي رضا باشا اللاز، فانتقل العراق من الدفاع إلى الهجوم على الوهابية في نجد. وحملات مدحت باشا على الإحساء فيما بعد كانت الدليل .

4 - إنشغال آل سعود في حروبهم ووقائعهم مع بعض قبائل نجد وعلى وجه الخصوص مع آل الرشيد أمراء حائل الذين إستولوا على مقاليد الحكم في نجد بعد صراعات طويلة وتحالفات عديدة سيتم ذكرها لاحقا .


1) الكويت وجاراتها/ هارولد ديكسون، ص131.

ومما يُلفت النظر أن حكومة العراق العثمانية لم تسقط نظرها عن شبه الجزيرة وما يحدث فيها ، واعتقادها أن مناطق ساحل الخليج العربي مثل الإحساء والبحرين والكويت وقطر ومناطق نجدية أخرى هي من توابع الدولة العثمانية ، وأغلبها كانت تابعة لحكومة بغداد. وأن الحكومة العثمانية كانت قد تنبهت إلى الخطر الوهابي، وكان الولاة العثمانيون في بغداد متهيئين لأي خطر على الأراضي العراقية .

والأمر الآخر الذي لا بُدَّ من الإشارة إليه هو تطلّع بعض أمراء آل سعود إلى حكومة بغداد طلباً للمساعدة وقد حدث ذلك أكثر من مرّة .

فالعلاقة مع العراق أخذت في فترة الدور الثاني علاقة عسكرية من الجانب العراقي ، وعلاقة سياسية تخص مصالح سعودية لم تأتِ أكلها في النهاية، خاصة في فترة الصراع والنزاع بين أولاد فيصل بن تركي آل سعود حيث جعلت بعضهم بحاجة إلى مساعدة العثمانيين وحكامهم في بغداد.

يقول لونكريك في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث :

« وقد انتهى عهد فيصل بن تركي الهادئ الطويل في نجد سنة 1865م (1282ه-) ، ومن بعد ذلك بدأت منازعات إبنيه عبد الله وسعود منْ أَجل الإمارة الوهابية . وكان الأول ينظر إلى الترك في المساعدة ، فأرسل وكيلاً عنه إلى بغداد سنة 1866م وسنة 1870 م ، مستنجدا بمدحت باشا بعد نجاح أخيه في الثورة وعارضا التابعية ودفع الإتاوة بشرط أن يعاد إلى منصبه.. »(1).

عندها كان مدحت باشا والي بغداد حريصاً على إعادة السيطرة العثمانية للمناطق التي كانت تابعة لها في شبه الجزيرة العربية ، فعزم على قبول ما عرضه رسول عبد الله بن فيصل ، حتى يلحق الدولة الوهابية السعودية بولاية العراق ، وكانت حجته إعادة النظام إلى نصابه في ممتلكات العثمانيين النائية .


1) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث/ للونكريك، ص363.

فأرسل جيشاً عن طريق البحر بقيادة نافذ باشا سنة 1288ه-(1871م) إلى الإحساء، وتم احتلال القطيف بسهولة ، ومناطق أخرى. وعندما جاء عبد الله بن فيصل آل سعود إلى المعسكر التركي لم يلقَ الاهتمام، فوجد أن عودته إلى الحكم أمر بعيد المنال . فندم على طلب المساعدة من والي بغداد مدحت باشا، وأسرع هارباً من الإحساء .

وفي سنة 1288ه-(1871م) ترك مدحت باشا بغداد متوجهاً إلى الجنوب ومعه الإمداد والذخيرة الكافية للجيش الذي أرسله إلى الإحساء ، فوصل الكويت واستقبل فيها بحفاوة وعيّن شيخها بمنصب (قائمقام) . وعلم أن جنده في الإحساء إستولى عليهم المرض والوباء فأبدلهم برجال أقوياء وأعلن انضمام المنطقة إلى ممتلكات السلطان العثماني دون قيد أو شرط، وأنكر إدعاء الوهابيين بها، وعيّن نافذ باشا (متصرفاً لنجد) . وإستقامت ترتیبات مدحت باشا حتى سنة 1291ه-(1874م) .

وجدت الحكومة العثمانية أن تكاليف حكم الإحساء بشكل مباشر باهظة ، فتم تفويض متصرف البصرة (ناصر باشا السعدون المنتفكي)(1)لاتخاذ الإجراءات المطلوبة على الإحساء ، فزارها واستعاد أكثر الحامية التركية ، ثُمَّ عيّن (براك) شيخ بني خالد متصرفا فيها.

ولم يدم ذلك الأمر طويلاً ، فقد قامت حركة وهابية مقابلة طردت الشيخ براك وصارت تهدد الجنود الأتراك، فاضطر ناصر باشا أن يدخل الإحساء في أواخر 1874م ويُعيد فيها النظام، ورجع إلى البصرة تاركاً إبنه متصرفاً على الإحساء ، ودام حكم الدولة العثمانية فيها حتى سنة 1900م.


1) هو ناصر باشا السعدون بن الأمير راشد بن الأمير ثامر بن سعدون بن محمد بن مانع بن شبیب بن حسن، ويرجع نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام). ولد سنة 1815م وتوفي سنة 1885م ، وسُميت مدينة الناصرية على إسمه عيّنه العثمانيون حاكماً عليها سنة 1865م ، وشارك في المعارك التي خاضتها القوات العثمانية، ثُمَّ عُيّن متصرفاً في البصرة. كان جميل المحيا بهي الطلعة وسُمّي بالأشقر لجماله.

وفي نفس تلك الفترة كان النفوذ البريطاني يزداد في الخليج العربي، وتواجد السفن الإنكليزية في البحرين وبقية سواحل الخليج بحجة حماية التجارة والمصالح البريطانية ، والحقيقة أن بريطانيا كانت تتخذ خطوات هادئة وسريعة في بعض الأحيان خدمة لمخططاتها المستقبلية التي كان وقعها واضحاً فيما بعد في سيطرتها على حكومات المنطقة وجعلها تحت حمايتها .

وعن علاقة آل سعود وميلهم إلى الحكومة العثمانية في العراق بطريقة مشابهة للرسول الذي بعثه عبد الله بن فيصل إلى مدحت باشا، وعن الحركة الوهابية التي قامت في الإحساء أواخر سنة 1291ه-(1874م) وقضى عليها ناصر باشا السعدون ، يذكر حافظ وهبة (سفير المملكة العربية السعودية الأسبق في لندن) في كتابه جزيرة العرب في القرن العشرين تفاصيل مهمة عن الموضوعين المنوه عنهما، فيقول:

«أراد سعود أن يسترد الإحساء من الأتراك بعد أن أضاعها أخوه عبد الله ، فرأى البدء في مفاوضات مع الأتراك لحل المشكلة ، فأرسل أخاه عبد الرحمن والد الملك عبد العزيز إلى بغداد، فأقام عبد الرحمن بن فيصل في بغداد أربع سنوات دون أن يصل إلى نتيجة ، وأنّى له ذلك والأتراك يرنون ببصرهم إلى داخل الجزيرة .

ترك عبد الرحمن بن فيصل بغداد سنة 1291ه-(1874م) مصراً على الإستيلاء على الإحساء بالقوّة، بعد أن فشلت المفاوضات السياسية ، فنزل إلى بادية الإحساء واستحثها على قتال الترك، فاجتمع حوله العجمان فهاجموا الإحساء واستولوا عليها ما عدا الكويت(القلعة)ولكن الأتراك بمساعدة بني خالد هزموا عبد الرحمن والعجمان وطردوه من الأماكن التي إحتلها ، فرحل عبد الرحمن إلى الرياض وأخبر أخاه سعودًا بما مني به من الفشل في محاولاته السياسية والحربية . ولم يكن حظ سعود نفسه بأسعد من حظ أخيه عبد الرحمن ؛ فإنّ مُسلط بن ربيعان من رؤساء عتيبة حينما أنس الضعف من سعود وما مني به في الإحساء أخذ ينهب الجانب الغربي من الرياض، وأخيراً حينما خرج سعود لغزو عتيبة أحاط به أعداؤه في وادٍ ضيّق

وقتلوا أكثر أنصاره ، وجُرح هو نفسه جرحًا بليغاً ، وقد نقله عبيده إلى الرياض فبقي بها مريضاً حتى مات في صيف سنة 1291ه-(1874م) فبايع أهل الرياض أخاه عبد الرحمن بن فيصل إماماً لهم وحاكماً عليهم، ومضى على ذلك نحو سنة ، غير أن عبد الله بن فيصل عزّ عليه أن يرى أخاه الأصغر حاكماً في الرياض وهو طريد من عشيرة إلى أخرى ، فدخل الرياض وأعلن نفسه إماماً وحاكماً عليها ، فرأى أخوه عبد الرحمن أن يضع حداً للفتن الداخلية، فتنازل عن الإمارة وبايع أخاه عليها ، غير أن هذا الحكم لم يدم طويلا، فإنّ خصومه وأعداءه من أبناء أخيه سعود تمكنوا من القبض عليه وحبسه سنة 1887م، فأسرع محمد بن رشيد حاكم حايل إلى مساعدته فضرب أعداءه وفك أسره وأخذه معه إلى حايل ، وأقام في الرياض عاملاً من قِبله بجانب عبد الرحمن بن فيصل ، ثُمَّ ما لبث أن إستقدم عبد الرحمن إلى حايل ليقيم مع أخيه عبد الله »(1).

غير هذه الحوادث التي ذكرناها حول العراق والدور الثاني من الدولة السعودية ، لم يُسجّل أي شيء، وبقيت المدن العراقية والقبائل العراقية في مأمن من أية هجمات لمدة طويلة .


1) جزيرة العرب في القرن العشرين / حافظ وهبة، ص 235 - 236.

حكومة آل الرشيد

تأسست حكومة آل الرشيد بعد احتلال الجيش المصري لنجد والحجاز والقضاء على أمير آل سعود وهو عبد الله بن سعود الذي أعدم في إسطنبول (الأستانة) .

وآل الرشيد هم شيوخ قبيلة شمّر في حائل ، وهذه القبيلة العربية العريقة التي إمتد نفوذها قديماً من جبل شمّر شمال شبه الجزيرة العربية، وإتخذت من حائل موطناً لها وتوسع نفوذها في مناطق عديدة من حولها. وكان لآل الرشيد منذ نشأت إمارتهم نفوذ هائل وخاضوا وقائع وغزوات عديدة، وتعاونوا مع الدولة العثمانية متمثلة بولاة العراق، ثُمَّ تعاونوا مع آل سعود، وإختلفوا معهم فيما بعد، کما كانت بين آل الرشيد وشيخ الكويت منازلات عديدة ووقائع وهجمات لعبت سياسة المنطقة دوراً كبيراً صاحبها مساعدة آل سعود لشيخ الكويت عندما كانوا لاجئين عنده، وقد تدخل الإنكليز في هذا الصراع لصالح الكويت، وكان موقف العثمانيين متذبذب لا يقر له قرار ثابت .

كما أن الصراع الداخلي الذي حدث داخل أسرة آل الرشيد كان له شأن آخر في استقرار وعدم استقرار الإمارة، وصلت الخلافات والنزاعات من أَجل السلطة إلى إراقة الدماء بين أمراء الأسرة الحاكمة في حائل .

والغريب في تاريخ آل الرشيد أنهم كانوا في فترات معينة من تاريخ نجد يقفون بجانب آل سعود، ووصل الأمر بعد ذلك إلى أن يكونون خصماء لهم، وأن يحتلوا عاصمتهم الرياض ويصبحون أسياد نجد بما فيها من بلدان وقبائل ، حتى يأتي اليوم

الذي يتأجج الصراع في أيام الدولة السعودية الثالثة وقبل إنشاء المملكة العربية السعودية عندما تمكن آل سعود من تقويض إمارة آل الرشيد نهائياً كما فعلوا أشراف الحجاز عندما أصبحت بلاد الحرمين وما جاورها بأيديهم وإعلان مملكة نجد والحجاز سنة 1932م وولادة المملكة السعودية الجديدة المستمرة لحد الآن .

وبالعودة إلى حائل وحكومة آل الرشيد فالمصادر التاريخية العديدة والمحايدة تذكر بأن في حائل كان هناك صراع محتدم بين آل علي وآل رشيد وهم أبناء عمومة .

ففي عام 1215ه- (1800م) كان حاكم حائل من آل علي وهو صالح بن عبد المحسن آل علي، فقام عبد الله العلي الرشيد بإنشاء ما يسمّى ب-(المعارضة) على حكم أولاد عمومته من آل علي، مما استدعى بحاكم حائل صالح بن عبد المحسن بنفي عبد الله إلى العراق ، وبرز عبد الله وهو في العراق عندما أعجب به الوالي العثماني لمقدرته الحربية والسياسية في أكثر معارك الرشيد في العراق .

وفي نفس الوقت استطاع عبد الله توطيد علاقته مع آل سعود وتحديداً مع تركي بن عبد الله بن سعود وابنه فيصل بن تركي. وتمكن تركي بن عبد الله من استرداد نفوذ أسرته على بعض مناطق نجد ولكنه قُتل في الرياض على يد ابن إخته مشاري بن عبد الرحمن سنة 1249ه-(1834م) كما ذكرنا ذلك سابقاً .

كان فيصل بن تركي يقود حملة على الإحساء وكان يساعده عبد الله ابن الرشيد، فعاد فيصل إلى الرياض وحاصر مشاري قاتل أبيه في القصر لمدة عشرين يوما عندها أقدم عبد الله الرشيد باقتحام القصر مع مجموعة من الرجال وتمكن من قتل مشاري بن عبد الرحمن .

تمكن عبد الله آل الرشيد من السيطرة على إمارة حائل وعزل صالح بن عبد المحسن آل علي الذي استعان هذا الأخير بالعثمانيين لاستعادة إمارته ، ولكنه قتل على يد عبيد العلي الرشيد أخو عبد الله وسلم من القتل ابنه عيسى.

تعرض عبد الله الرشيد إلى عدة مشاكل منها إيعاز العثمانيين إلى الوالي محمد علي باشا سنة 1251ه-(1836م) الذي أرسل حملة عسكرية تمكنت من التقدم على حائل

و خروج عبد الله منها وتم تنصيب عيسى بن صالح آل علي الذي جاء مع الحملة أميراً على حائل سنة 1252ه-(1837م) . وأخذ آل الرشيد يقاومون إلى أن تقرّب عبد الله من قائد الحملة المصرية الذي كلفه بتأمين الإبل اللازمة لنقل جنود الحملة وأمله بتمكينه من إمارة حائل . وفي تلك الأثناء شنَّ عبيد العلي الرشيد هجوماً على حاكم حائل عيسى آل علي في نفس السنة مما إضطر للهرب إلى القصيم، فأقر قائد الحملة المصرية خورشيد باشا لعبد الله آل الرشيد بإمارة جبل شمّر (حائل) بعد أن كتب إلى محمد علي باشا في أواخر سنة 1837م ، ومنذ ذلك الوقت أصبح عبد الله العلي الرشيد أميراً بلا منازع ، وأخذ يتوسع بنفوذه وإمارته سنة بعد أخرى .

عندما تمكن فيصل بن تركي بن عبد الله وأخوه جلوي وبعض آل السعود من الفرار من مصر سنة 1259ه-( 1843م) توجهوا إلى حائل فرحب بهم الصديق القديم عبد الله الرشيد، الذي أمدهم بالمال والسلاح وساهم معهم هو وأخوه عبيد العلي الرشيد في حملة إسترد بها فيصل بن تركي لملكه ودخوله الرياض في 12 جمادى الأولى 1259ه-(9 حزيران1843م) . وتوفي بعدها بثلاث سنوات عبد الله العلي الرشيد في 15 جمادى الأولى 1263ه-(30 نیسان 1847م) .

كان عبيد العلي الرشيد من مؤسسي الإمارة والساعد الأيمن لأخيه عبد الله وكان له الدور الأكبر في توسيعها . وكان يمتاز بغلوّه الديني وبخشونة طبعه وبنزعة شديدة للجهاد حسب مفهومة وكان من الفرسان الأشاوس ومن فحول الشعراء. وقد ساهم بشكل فعال في تأسيس إمارة آل الرشيد مع أخيه عبد الله ، وكان يتوقع الجميع بأنه سيتولى حكم الإمارة بعد أخيه ، ولكنه فاجأهم بأن قام بتعيين ابن أخيه (طلال بن عبد الله ) حاكماً على حائل في خطوة غير متوقعة . وتوفي عبيد سنة 1286ه-(1869م).

كان طلال يبلغ من العمر 25 عاماً حينها ، وتوسعت الإمارة في عهده عندما أخضع الجوف وتيماء وتبوك وما حولها، وقام بتحسين علاقته مع العثمانيين وكذلك مع آل سعود في الرياض فزوجته كانت ابنة الأمير فيصل بن تركي بن عبد الله ،

ومات سنة 1282ه-(1866م) بمرض عضال وتولى الحكم بعده أخوه متعب بن عبد الله الرشيد، وتم قتل متعب سنة 1869م على يد بندر ابن أخيه طلال الذي تولى الحكم بعده وكان عمره 20 عاماً .

كان محمد بن عبد الله الرشيد في الرياض عندما قُتل أخاه متعب على يد ابن أخيه بندر ، فكتم غيظه على ابن أخيه لوجود عمه عبيد على قيد الحياة حينها . وعندما توفي عبيد العلي الرشيد تحسّب بندر لخطورة عمّه محمد فذهب إليه في الرياض وإسترضاه ، ولكن بعد ثلاث سنوات إختلف بندر مع عمه وانتهى الخلاف بمقتل بندر بن طلال على يد عمّه محمد العبد الله سنة 1290ه-(1873م)، وبعد مقتل بندر قام محمد بن عبد الله الرشيد بقتل جميع أبناء أخيه طلال العبد الله كي لا يثوروا بعد قتله لأخيهم بندر ما عدا بدر ونايف أخوي بندر ، ومِنْ ثَمَّ تم قتل بدر وأسر نايف في قصره . وبعد ذلك قام محمد بتوطيد علاقته مع أولاد عمه عبيد لكسب أكبر تأييد له من أسرة آل الرشيد .

153

عبد العزيز بن متعب الرشيد

وقد ذكرنا سابقاً الكثير عن محمد بن عبد الله الرشيد وسنذكر بعض الحوادث والوقائع لاحقاً، وتوفي محمد العبد الله الرشيد سنة 1315ه-(1897م). ولأنّه كان عقيماً وليس له أولاد فتسلم الحكم بعده ابن أخيه متعب (عبد العزيز بن متعب العبد الله الرشيد) الذي في زمانه كانت الوقائع بينه وبين حاكم الكويت ومعه ابن سعود وآل سليم أمراء عنيزة وآل مهنا أمراء بريدة . وحصلت مواجهات بينه وبين سميه عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود. وقتل عبد العزيز بن متعب الرشيد في معركة فاصلة في روضة مهنا بتاريخ 20 صفر 1324ه-(14 نيسان 1906م).

تسلم حكم إمارة الرشيد بعد مقتل عبد العزيز المتعب ولده متعب وبعد ما يقارب تسعة أشهر من حكمه قام أخواله أبناء حمود بن عبيد العلي الرشيد بقتله مع أخويه مشعل ومحمد ، ونجا أخوهم الصغير سعود الذي فر به أخواله السبهان إلى المدينة المنورة وعمره عشر سنوات .

و مما يجدر القول ونحن سنتحدث لاحقاً عن الدور الثالث للدولة السعودية بأن فترة حكم متعب القصيرة كان له فيها جهوداً إصلاحية حببت أهل حائل فيه ، منها وهي الأهم عقده الصلح مع عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وإتفقا على أن تكون المناطق الواقعة شمال القصيم تابعة لابن الرشيد، وما عداها تابع لابن سعود .

تسلم حكم الامارة سلطان بن حمود بن عبيد العلي الرشيد الذي خطط مع إخوته سعود وفيصل وقتلوا متعب وإخوته ، وجعل سلطان أخاه سعود ولياً للعهد ، وأعطى أخاه فيصل إمارة منطقة الجوف. وتحالف سلطان مع آل مهنا أمراء بريدة ومع فيصل الدويش شيخ مطير ضد عبد العزيز آل سعود، وخاضوا معركة الطرفية التي إنتصر فيها عبد العزيز آل سعود، وأصبح موقف سلطان صعب للغاية فأجبره أخوه سعود على التنازل عن الحكم في سنة 1325ه- (حزيران 1907م) ولم يعش سلطان بعد تنازله طويلاً .

تسلم سعود بن حمود بن عبيد العلي الرشيد إمارة آل الرشيد في حائل ولكنه قُتل سنة 1326ه- ( 1908م) ، وبعد قتله تم تنصيب سعود بن عبد العزيز بن

متعب الرشيد الذي فر من القتل إلى المدينة المنورة، فأعادوه تحت الوصاية لصغر سنة وعندما كبر تولى الامارة، وعندما بدأت الحرب العالمية الأولى ساند سعود آل الرشيد الدولة العثمانية ووقف بجانبها ، وفي زمانه حدثت معركة جراب سنة 1333ه-(1915م) حيث ألحق الهزيمة بجيش عبد العزيز آل سعود وكانت أول هزيمة لابن سعود بعد هزيمته في معركة الصريف عام 1901م، وصد ابن سعود من توسعه في الشمال، واستعاد الجوف وتوابعه لإمارته ، وأغتيل في جمادى الثاني 1338 ه-(آذار 1920م) على يد عبد الله بن طلال بن عبد الله الرشيد .

تولى الأمير عبد الله بن متعب بن عبد العزيز الرشيد الإمارة في ظل ظروف صعبة في حائل، وكانت الأسرة الحاكمة منقسمة ، وعلى حدود إمارته حاصر الأخوان النجديين (وهم غاية بحثنا لاحقاً) وقوات عبد العزيز آل سعود لمدينة حائل، وفي نفس الوقت جاء محمد بن طلال الرشيد أخو عبد الله الطلال قاتل سعود بن عبد العزيز، وقد شك الأمير عبد الله من نوايا محمد بن طلال فأمر بسجنه ، وأخرجه الموالون له، وبدأ يجمع الحشود من أهالي حائل لتكوين جيش له ، وبمجرد سماع الأمير عبد الله بخروج محمد بن طلال من السجن هرب من حائل والتجأ عند آل سعود أواخر سنة 1920م ، ومِنْ ثَمَّ قُتل في الرياض سنة 1365ه-(1946م) في حادث غامض ولم يُعرف الجاني .

في سنة 1339ه-(1921م) تولى محمد بن طلال بن عبد الله العلي الرشيد الإمارة بعد لجوء عبد الله المتعب إلى آل سعود، وفي تولي إمارة محمد الطلال كان إنذاراً بزوال ونهاية إمارة آل الرشيد، فكان الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود قد جعل هدفه احتلال حائل ، فحاصرها وخاض محمد الطلال وأهل حائل عدة معارك ضارية ضد آل سعود دفاعاً عن بلدهم حائل وإمارتهم، ولكن الكفة مالت لآل سعود مما إضطر الأمير محمد الطلال أن يسلم نفسه إلى عبد العزيز آل سعود مقتنعاً بأن يتخلى عن حائل لتواجه قدرها ومصيرها .

مشجر أمراء آل الرشيد الحكام السابقون لحائل وجبل شمر رشید(1)

156


1) هو رشيد بن حمد بن خضير بن خلیل بن جاسر بن علي بن عطيه، ويعود نسبه إلى فخذ الجعَفَر من بطن عبده من قبيلة شمّر.

وسلّمت حائل إلى ابن سعود 29 صفر 1341 ه- نوفمبر 1921(1)وضُمّت بلادهم إلى حكم ابن سعود بعد أن دامت إمارتهم ما يقرب من 91 سنة (2).

ويذكر بعض الباحثين بأن الدعم الذي حصل عليه آل سعود من الإنكَليز هو الذي رجّح الكفة لصالحهم(3).


1) نعتقد بأن التاريخ الميلادي الذي ثبته مؤلف كتاب القول السديد في أخبار إمارة ابن الرشيد غير صحيح لأنّ جميع المصادر تذكر بأن نهاية إمارة آل الرشيد كانت سنة 1922م. وأن التاريخ الهجري المثبت في متن كتاب القول السديد عندما نحوله إلى التاريخ الميلادي سيكون موافق ليوم 1922/10/20م.

2) القول السديد في أخبار إمارة آل الرشيد سليمان بن صالح الدخيل، ص168، عن دار اليمامة ، ط 1 سنة 1386ه-(1966م ) .

3) إضطررنا أن نوجز الحديث عن إمارة آل الرشيد في حائل، لأنّ الموضوع على صلة وثيقة ببحثنا هذا، فالحوادث التي ذكرناها سابقاً وما بيناه عن حكومة آل الرشيد وما سنذكره لاحقاً له بالغ الأهمية في متابعة الوقائع التاريخية للوصول إلى مبتغانا في عنوان البحث. وقد اعتمدنا في هذا الإيجاز على المصادر التاريخية التي دونت تاريخ شبه الجزيرة العربية، والمصادر العديدة التي إختصت بإمارة آل الرشيد وأغلب المعلومات التي أوردناها معتمدة من كتاب القول السديد في أخبار إمارة آل الرشيد) من ص147 إلى ص170 . ومقتطفات من كتاب رحلة إلى بلاد (نجد) لمؤلفته الليدي آن بلنت، ترجمة محمد أنعم غالب من منشورات دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر الرياض - السعودية، ط 2 سنة 1389ه- - 1978م.

الدولة السعودية الثالثة (الدور الثالث)

اشارة

يبدأ الدور الثالث الذي يمثل الدولة السعودية الحالية من سنة 1902 إلى الآن عندما تمكن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله آل سعود من استعادة الرياض من آل الرشيد أولاً ، ومِنْ ثَمَّ سائر بلاد نجد في مناطق القصيم والإحساء وعسير وحائل والحجاز ثانيًا ، ومِنْ ثَمَّ تكوين مملكة تضم نجد والحجاز وجميع المناطق التابعة لهما بمملكة واحدة سُمّيت ب-(المملكة العربية السعودية) وذلك سنة 1932م . وعليه فإنّ الدولة السعودية الثالثة في دورها الثالث لازالت منذ ذلك التاريخ لحد الآن . وشهد الدور الثالث من سنة 1902 م إلى سنة 1932م الكثير من الأحداث ، وسوف نأتي عليها بشكل موجز وسريع، ولكن سنقوم بالدراسة الكاملة لأهم أحداث تلك الفترة ألا وهي تكوين الأخوان النجديين) الفصيل المقاتل للحركة الوهابية وذراع آل سعود القوي والمتشدد والخطير .

والغرض من التركيز على الأخوان النجديين في بحثنا لأنّه أصل موضوع كتابنا هذا ، والذي بسببهم عُقد مؤتمر كربلاء لمواجهة الأخوان النجديين سنة 1922 أي قبل مئة عام من يومنا هذا الذي نستذكر فيه الحوادث التاريخية التي مرّت على شمال نجد وعلى العراق .

الملك عبد العزيز آل سعود

هو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان . وللملك عبد العزيز ثلاثة أشقاء هم: سعد ، محمد ، وعبد الله . وهو أول ملوك المملكة العربية السعودية، وهو والد ملوكها : سعود فيصل ، خالد فهد عبد الله ، وسلمان الملك الحالي. وله أبناء آخرون. ولد الملك عبد العزيز في 29 ذي الحجة سنة 1297ه-(2 كانون الأول 1880م) في الرياض .

عندما ولد عبد العزيز رأى عمومته يتنازعون الملك ويتحاربون ، ورأى أعداء آل سعود على الأبواب، ورأى والده عبد الرحمن يحارب في وقعته الأخيرة ويستسلم إلى الله ، وسمعه يرفض شروط الدولة العثمانية يوم سُدّت عليه الأبواب وعاش في الصحراء، وسكن عبد العزيز مع أبيه في الكويت لاجئاً، وأصبح شاباً فيها وكان قوي البنية ، طويل القامة ، وهو يفكّر في المُلك المفقود .

كان في الجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية مراكز قوى من الأمراء عندما كان عبد الرحمن بن فيصل آل سعود وابنه الشاب عبد العزيز في الكويت وهم :

1 - الشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت : الذي تولى الإمارة فيها سنة 1313ه- (1895م) وتوفي سنة 1334ه-(1915م) . والملقب ب-(الحواقة)(1). تحالف مبارك مع الدولة العثمانية وغازل الإنكَليز ، أحبَّ آل سعود ثُمَّ ضرب بهم عدوّه ابن الرشيد ، وأحب خزعل أمير المحمرة ، وبنى كل واحد منهما قصراً لصاحبه في إمارته .

2 - الأمير محمد بن عبد الله الرشيد أمير حائل ونجد : تولى الإمارة سنة 1288ه-(1871م) .« كان أمير الحاج العراقي يوم كان بندر ابن أخيه

. ( طلال متولياً الإمارة . وعندما قام بندر وأخوه بدر على عمهما (متعب)


1) الحواقة من حاق ومرادفاتها مثل دار ولفّ، أي ما يراد به السير على عكس الخط المستقيم.

فقتلاه ، رحل عمهما الثاني محمد إلى الرياض ولاذ بالإمام عبد الله بن سعود، فوفّق الإمام بينه وبين ابني أخيه . وكان بندر قد تولى الإمارة فأمّن عمه محمد على حياته ، فعاد إلى حائل واستمر أميراً للحاج، ولكنه طمع بإمارة أكبر منها ، فقام بعد ثلاث سنوات يحقق مطامعه »(1). تمكن محمد ابن الرشيد من قتل بندر ابن أخيه وأخوته الأربعة وتولى الإمارة وأصبح كبير شمّر ، بل كبير العرب في زمانه . توفي سنة 1315ه-(1897م) ولم يكن له أولاد فتولى الإمارة بعده ابن أخيه عبد العزيز .

3- الأمير عبد العزيز بن متعب بن عبد الله الرشيد : تولى الإمارة بعد وفاة عمه محمد سنة 1315ه-(1897م) ، وتوفي مقتولاً سنة 1324ه-(1906م). وكان عبد العزيز آل الرشيد هذا يطمح بالإستيلاء على الكويت، وكان يريد منفذاً على الخليج العربي. ومعاداته للكويت أظهرت له عدوا آخر هو عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود .

4 - الشيخ خزعل أمير المحمرة : هو الشيخ خزعل خان بن نصرت الملك الحاج جابر خان الحاسبي المحيسني الكعبي العامري، أمير نويان وسردار عربستان ، يقول عنه الريحاني في كتابه (ملوك العرب) مقتطفات نختارها :« إنَّ هذا الأمير العربي من طراز أمراء عهد العباسيين . أعني بذلك أنه غني حكيم كريم معاً . فهو برمكي في كرمه ، وفي ذوقه ، وفي أدبه ... إن للشيخ خزعل ذوقاً إنسانياً فلا ينفر من غير القبيح والذميم في الحياة ، ولا يعرف في مكارمه التفضيل والتمييز ... إلى أن يقول :والشيخ خزعل من أمراء العرب المحافظين على تقاليد الأجداد ...»(2).


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته / أمين الريحاني، ص 97.

2) ملوك العرب أمين الريحاني، ج 2 ص 681 - 684. عن دار الجيل، بيروت - لبنان، ط 8 سنة 1987م.

5 - عيسى آل خليفة حاكم البحرين : هو عيسى بن سلمان بن أحمد الفاتح بن محمد تاجر اللؤلؤ ابن خليفة الذي نزح من الأفلاج بنجد ونزل الكويت. وآل خليفة من بني عتبة وهي من جميلة ، وجميلة من عنزة. ولد الشيخ عیسی سنة 1265ه-(1849م) . وتولى الإمارة سنة 1286ه-(1870م) . عندما قُتل والده ذهب مع أفراد أسرته إلى قطر فنزلوا على قبيلة النعيم . نصبه الإنكليز حاكما على البحرين. كان كريماً ولم يَرَ غير الكرم في بعض الأحايين سبيلاً إلى توطيد الحكم وتعزيزه(1). وقد أحسن الظن بالسياسة البريطانية ولكنه لم يكن يعرف نواياها.

6 - الشيخ قاسم بن ثاني أمير قطر : هو قاسم (جاسم) بن محمد بن ثاني بن محمد بن ثامر بن علي بن سيف بن محمد بن راشد من قبيلة تميم . ولد سنة 1241ه-(1826م) وتوفي سنة 1331ه-(1913م) . إنتقل سنة 1847م مع والده ليقيم بمنطقة البدع ، وكان والده أشهر زعماء زمانه . يقول الريحاني في تاريخه : « كانت قطر تابعة لحكومة البحرين، وبعدها إستقلت عن البحرين بمساعدة الإنكَليز حارب قاسم الأتراك، كان حنبلي المذهب متصلباً وكان فصيح اللسان فكان خطيب قطر وقاضيها ومفتيها والمحسن الأكبر فيها »(2).

7- أسرة السعدون في المنتفك : إمارة المنتفك كان لها دور كبير في المنطقة من حيث سيطرتها على وسط وجنوب العراق، وكان لأمراء المنتفك صولات وجولات في الأحداث التي وقعت في جنوب العراق شمال شرق شبه الجزيرة العربية ، وكان في الفترة التي نتحدث فيها عن الصراع بين إبن سعود وآل الرشيد شخصية مهمة في الأحداث من خلاله وإمارته هو الأمير


1) المصدر السابق/ للريحاني، ج 2 ص 762.

2) تاريخ نجد وملحقاته/ ص 100 - 101 .

سعدون باشا أمير المنتفك . وهو : سعدون بن منصور بن راشد بن ثامر بن سعدون بن محمد بن مانع بن شبيب ، والمعروف ب-(سعدون باشا أبو عجمي السعدون). ولد سنة 1273ه-( 1857م) . حارب عبد العزيز بن متعب آل الرشيد في حائل وإنتصر عليه . ومنعت إمارة المنتفك دخول عشائر شمر للمنطقة . كما إنتصر سعدون باشا على جيش مبارك الصباح وعبد العزيز آل سعود في معركة (هدية) .

بالعودة إلى عبد العزيز آل سعود، فعندما شنَّ أمير حائل عبد العزيز بن متعب آل الرشيد الذي تولى الإمارة بعد عمه محمد بن عبد الله الحرب على الكويت مخالفاً وصيّة عمّه ، بعد أن حرّضه الشيخ قاسم آل ثاني أمير قطر ويوسف آل إبراهيم الرجل الغني خال أولاد أمير الكويت مبارك الذي كان على خلاف معه والذي قتله مبارك الصباح فيما بعد، وطلب منهم المساعدة ، أرسل مبارك الصباح يستنجد بالدولة العثمانية من خلال واليها في العراق، فلم تساعده حكومة العراق فاستنجد بحليفه سعدون باشا أبو عجمي(1)رئيس عشائر المنتفك الذي سانده وخرج معه لقتال ابن الرشيد .

كان حلف مبارك الأكبر مع صاحب نجد عبد الرحمن بن فيصل آل سعود والد عبد العزيز، الذي كان عنده في الكويت وتحالف ضد ابن الرشيد، فخرج عبد الرحمن بجيش من الكويت وأغار على عشائر قحطان في روضة سدير .


1) هو سعدون باشا (أبو عجمي باشا) بن منصور باشا بن راشد بن ثامر بن سعدون بن محمد بن مانع بن شبيب ولد سنة 1273ه-( 1857م) . منحته الدولة العثمانية رتبة أمير الأمراء ( باشا ) سنة 1305ه-( 1888م) ، أغار على قبائل شمّر، وحارب عبد العزيز آل الرشيد سنة 1317ه-( 1899م). كانت سطوته تمتد من هيت إلى الكويت، وإتخذ له مقراً بين السماوة والناصرية، ولقب ب-( مصلح الفرات). وكانت له سطوة وهيبة بين الأعراب. ومن أولاده ،ثامر عجمي باشا ، سعدون وحمود وعمه ناصر باشا السعدون باني الناصرية.

في نفس الوقت أرسل مبارك إلى ابن الرشيد يفاوضه بالصلح، وعندما عاد عبد الرحمن إلى الكويت أمره مبارك بأن لا يدخلها ، فجهز جيشاً ومعه أخاه حمود والتحق بعبد الرحمن وابنه عبد العزيز ليحارب آل الرشيد الذين تمكنوا من هزيمة سعدون باشا الذي طلب النجدة من مبارك .

زحف مبارك ومن معه إلى السماوة في العراق حيث كان ابن الرشيد ، فمنعهم والي البصرة ، وبعد مفاوضات سمح لحمود أخ مبارك وعبد الرحمن بالمسير إلى ابن الرشيد، ولكن الأخير كان قد غادر السماوة .

وبعد ذلك أعدَّ مبارك العدة لغزو نجد التي كانت تحت سيطرة ابن الرشيد ، فاستنفر القبائل فلبّته مطير بأجمعها والعجمان وآل مرة وغيرهم، وإلتحق بهم أبو عجمي سعدون باشا بعشائره من الشمال، وإلتحق بهم عدد من رؤساء قبائل آل سليم أمراء عنيزة وآل مهنا أمراء بريدة .

زحف هذا الجيش بعشرة آلاف مقاتل في سنة 1318ه-(1900م) عندها طلب عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود أن يسير بفرقة قوامها ألف رجل من البادية إلى الرياض فيستولي عليها وتمكن من ذلك .

تمكن مبارك ومن معه من احتلال بلدان في نجد دون مقاومة ، وكان يتراجع ابن الرشيد وجرَّ جيش مبارك إلى قلب القصيم، وفي مكان يدعى (الصريف) حدثت أكبر وقائع العرب في ذلك الزمان في ذي القعدة 1318ه- (شباط 1901م) وكانت الغلبة لابن الرشيد، الذي قسى على جيش مبارك الصباح بشدة مما دعاه إلى التراجع مهزوماً إلى الكويت ، ثُمَّ سار ابن الرشيد إلى البلدان النجدية التي سلّمت إلى أمير الكويت فنکّل برؤسائها ونزع سلاح أهلها وفرض عليها الضرائب .

أمّا عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود عندما سمع بوقعة الصريف ترك الرياض بعد أربعة أشهر من احتلالها ، وعاد برجاله إلى الكويت ، عند ذلك إستولى الأمير عبد العزيز بن متعب آل الرشيد على كامل نجد .

بعد وقعة الصريف همَّ ابن الرشيد بمهاجمة الكويت، وكانت شكاوى أبناء أمير الكويت المقتول (محمد) قد وصلت إلى الأستانة ، فأُنذر صاحب الكويت رغم أنه ساعد العثمانيين في احتلالهم للإحساء ، فتحرك ابن الرشيد ووصل إلى (الجهراء)القريبة من مدينة الكويت ، عندها إستنجد مبارك بالإنكَليز الذين أسرعوا بنجدته من البحر ، وجهّز مبارك حملة ثانية على ابن الرشيد الذي شعر بأنه لا يستطيع الإستيلاء على الكويت بدون الدولة العثمانية التي تخلّت عنه ، وعاد بجيشه إلى الحفر .

هنا طلب عبد العزيز آل سعود من والده أن يستأذن الشيخ مبارك للهجوم على ابن الرشيد لاسترداد الرياض ، فأذن له مبارك وساعده بالمال والمؤن والرجال . وفي سنة 1319ه-(نهاية 1901م) كان عبد العزيز آل سعود في الواحد والعشرين من عمره، خرج يحث العربان في طريقه فاستجاب له البعض، وإشتبك في عدة معارك إنتصر فيها ، وأخذ ابن الرشيد يحرض الأتراك وصاحب قطر عليه ، فأرسل إليه والده وشيخ الكويت يطلبان رجوعه إلى الكويت فأبى .

جاء في (موسوعة الشيخ علي الشرقي النثرية ، الألواح التاريخية) أن عبد العزيز آل سعود ذهب إلى المنتفك في جنوب العراق لطلب المساعدة من آل السعدون لاسترداد الرياض، وتم استقباله بحفاوة ، وبعد ثلاثة أيام أحسَّ الشيخ فالح السعدون أن عبد العزيز يريد استنفار عشائر المنتفك للمساعدة في الهجوم على الرياض ، فأرسل له خمسة آلاف ليرة ذهبية وكسوة فاخرة وخمسة بنادق وإعتذر عن تقديم المساعدة العسكرية له ، فرفض عبد العزيز ما قدّم له وقال للذي حمل

الهدايا « إخبر العم أني جئته ليوم من أيام العرب لا للأسمال والبدر » وترك المكان وقفل راجعاً إلى الكويت(1). مما جعله يعقد العزم على استرداد الرياض بمفرده .

وبعد معارك ووقائع تمكن عبد العزيز آل سعود ومعه ستون رجلاً من الإستيلاء على الرياض في شوّال 1319ه-(كانون الثاني 1902م)، وباشر ببناء سور جديد للرياض . وأصبح شيخ الكويت محمياً من البحر بالإنكَليز، ومن البر بالشاب عبد العزيز آل سعود الذي أرسل أخاه سعداً لمساعدته .

تنازل عبد الرحمن بن فيصل بالإمرة والإمامة لإبنه عبد العزيز

جهز عبد العزيز بن متعب الرشيد جيشاً من شمّر والقصيم وسدير والوشم وزحف في ربيع الأول سنة 1320 ه-(1902م) قاصداً الرياض ، فعلم عبد العزيز آل سعود بذلك ، أرسل إلى والده عبد الرحمن بالقدوم فأسرع إليه وتم استقباله ظافراً، وتنازل عبد الرحمن آل سعود لولده عبد العزيز بالإمارة والإمامة وتمت البيعة .

السنوات العشر الأولى من حكم عبد العزيز آل سعود

عندما إستقر عبد العزيز في عاصمة ملكه الرياض بعد أن حررها من آل الرشيد، فلم تمضي مدة طويلة حتى إقترب ابن الرشيد من الرياض وكان ابن سعود مستعداً بالقوة والحيلة، فاشتبكا خارج (الدلم ) وسط النخيل وفي النهاية إنهزم ابن الرشيد في الخرج .

طلب مبارك شيخ الكويت النجدة من عبد العزيز آل سعود وذلك عندما قام عبد العزيز آل الرشيد بمحاصرة الكويت، فلبّى عبد العزيز آل سعود دعوة شيخ الكويت وسار بجيشه إلى الكويت وعندما وصلها خرج مع جابر بن الصباح قائد


1) موسوعة الشيخ علي الشرقي النثرية - الألواح التاريخية - القسم الأول، جمع وتحقيق موسى الكرباسي، ص198، مطبعة العمال المركزية، بغداد، سنة 1988م.

جيش الكويتيين طالبين ابن الرشيد، وهم في الطريق علموا بتراجع ابن الرشيد، فهجموا على قبيلة مطير في (الصمان)(1)وذبحوهم واستولوا على أموالهم وأرزاقهم .

تبيّن أن ابن الرشيد يُحسن الخدعة ، فلم يرجع إلى بلاده وإنما زحف إلى الرياض مستغلاً عدم وجود عبد العزيز آل سعود فيها، ليفاجئ أهلها وعبد العزيز وجيشه يتمتعون مع الكويتيين بغزوهم مطير . فعلم أهل الرياض بقرب ابن الرشيد منهم ، فنهض عبد الرحمن بن فيصل والد الأمير عبد العزيز بأهل الرياض ونازلوا ابن الرشيد خارج السور وردّوه ، فتراجع عن غزو الرياض .

كان عبد العزيز آل سعود قد رجع إلى الكويت بعد غزو مطير ، فوصله خبر هزيمة ابن الرشيد على الرياض ، فقام بنقل عائلته التي كانت لا تزال في الكويت فعاد بها إلى نجد. وهو في طريقه إشتبك مع سرايا ابن الرشيد وإنتصر عليها وكان ذلك سنة 1321 ه-(1903م) ، أي بعد سنة من إستيلائه على الرياض .

ومن أهم وقائع عبد العزيز آل سعود كانت في 18 صفر سنة 1324ه-(14 نيسان سنة 1906م) حيث جرت معركة بالروضة قُتل فيها عبد العزيز بن متعب آل الرشيد وكان في الخمسين من عمره ، وكان فارساً شجاعاً وقد ذُبح هذه الذبحة في ( روضة مهنا ) قرب بريدة في القصيم ، وسُمّيت هذه الوقعة بذبحة ابن الرشيد .

واجه عبد العزيز آل سعود أعداء متحدين منهم (فيصل الدويش) شيخ مطير ، ونايف بن هذّال ، وأمير بريدة محمد أبو الخيل، ومعهم ابن الرشيد . فقاتل ابن الدويش وجرحه ، واستسلم كبار مطير وعاد إلى الرياض .


1) الصمان: منطقة صحراوية على شكل هضبة تشغل الجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية، وتمتد من الربع الخالي جنوباً إلى الحدود العراقية شمالاً، يحدها من الشرق السهل الساحلي للخليج العربي، ومن الغرب الدهناء سكنتها قبل الإسلام قبائل بكر بن وائل، وعند ظهور الإسلام سكنها بنو حنظلة من قبائل تميم. ومنذ سنة 1238ه- (1823م) إستوطنتها قبيلة مطير وهي قبيلة كانت تمتد مرابعها من الحجاز إلى شرق وشمال نجد، وهي قبيلة قيسية مضرية عدنانية تعود جذورها إلى غطفان.

وفي سنة 1326ه-(1908م) صالح ابن سعود ابن الرشيد حتى يضرب به أعداءه ، وإستمرت الاضطرابات والفتن في حائل بين أسرة الرشيد، فنكث آل الرشيد العهد مع ابن سعود ، وعاد البيتان إلى الاحتراب وشهدت تلك الفترة الغارات والغزوات العديدة . وعندما قُتل سعود بن حمود بن عبيد الأمير التاسع لآل الرشيد بعث من تولى الإمارة بعده وفداً إلى ابن سعود وذلك سنة 1327ه-(1909م) للتفاوض فلم تنجح جهودهم .

وفي السنوات العشر الأولى من حكمه خاض عبد العزيز آل سعود معارك وغزوات لم تقتصر مع ابن الرشيد وإنما شملت قبائل وبلدات عديدة في نجد وكان قد إنتصر في أغلب تلك الوقائع ، وتمكن من إخضاع مناطق عديدة تحت سيطرته يطول الشرح فيها وهي ليست من اختصاص هذا البحث . وكلمة حق لا بُدَّ من قولها فيما يخص الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل سعود مستوحاة من عزمه وتدبيره لاسترجاع ملك وإمارة آبائه وأجداده. فمنذ شبابه كان يقلب الجمر ويسعى بفطنته وشجاعته لأنّ ينهي معاناته وأسرته التي أرغموا على ترك موطنهم واللجوء إلى مناطق متعددة من مناطق نجد وشبه الجزيرة ، وكان يرى والده الإمام عبد الرحمن وقد إستسلم لقدره في ظروف فاقت طاقته ، ولكن الإبن الشاب لم يهدأ له بال حتى يعيد ما أستلب من ملك آبائه ، وقد شارك مبارك الصباح في المغامرات والحروب كأنه قائد من قوّاده ، وقادته فطنته وذكاؤه إلى تحقيق حلمه باسترداد الملك ، وقد ذكرنا بعض ما قام به سابقاً .

كان يحمل في نفسه الإباء ولم يفكر يوماً بالانكسار كما مرّ في حادث طلبه مساعدة عشائر المنتفك لاسترجاع ملكه ، ولم يقبل بالمال والمساعدة العينية وكان في أمس الحاجة إليها . فإعتزم القيام بالمهمة على أساس « الحمل الثقيل لا ينهض به إلّا أهله » . فقد ذكرنا كيف إستولى على الرياض عاصمة ملكه مغامراً بنفر قليل من أتباعه بمعاونة مبارك الصباح شيخ الكويت سنة 1320ه-(1902م)، وأعاد بلدة الدرعية عاصمتهم الأولى .

وبذكائه الوقّاد أيضاً تمكن من السيطرة على بعض القبائل وشيوخها ومنها ( مطير )، ونجح في تكوين الفصيل المقاتل المتشدد الذي سُمي أفراده ب-

(الإخوان النجديين ) وإستعملهم كقوة ضاربة ذات سطوة وشجاعة باسم الدين والمذهب لإخضاع كل من وقف أمامه ، وعندما وجد بأن هذه القوة قد بدأت بأفعال خرجت عن نطاق سيطرته تمكن من إخضاعها بالقوة وإنهائها (كما سيأتي ذلك وهو من صلب البحث) .

وتوالت مغامرات وانتصارات الإمام عبد العزيز آل سعود حتى تمكن من استرجاع الإحساء وضمها إلى إمارته سنة 1331ه-(1913م) . ثُمَّ سار بعد إستيلائه على الإحساء إلى منطقة ( عسير ) فاحتلها وأخضعها إلى دولته . وهزم آل الرشيد حتى قوّض ملكهم وأنهى إمارتهم سنة 1340ه-(1921 – 1922م) بعد أن خاض معهم معارك ضارية حتى إستولى على حائل وجعلها تابعة لإمارته .

ولم يهدأ الامام عبد العزيز بعد هذه الانتصارات حتى توجه سنة 1341ه-(1922م) صوب الحجاز، وخاض عدة حروب وفي عدة مناطق على الحدود الحجازية النجدية ، وأخيراً وفي سنة 1345ه-(1926م) مع ملك الحجاز الشريف الحسين بن علي وأسرته وتمكن من إخضاع مكة وكامل الحجاز لملكه وإقتلع الشجرة الهاشمية من جذورها، وسمّى دولته بمملكة نجد والحجاز . إلى أن إستقر له حكم الجزيرة العربية بعد سيطرته على عسير ، فسُمّيت مملكته سنة 1351ه-(1932م) بالمملكة العربية السعودية إلى اليوم.

ونقتبس مما ذكره المرحوم الشيخ علي الشرقي عن الملك عبد العزيز في موسوعته ما نصّه :

«وقد راقب الإنكليز ظهور عبد العزيز فوجدوا فيه شخصية فريدة في القيادة والسيطرة . لقد كان الزعيم الوهابي زعيماً بدوياً كغيره من مشايخ الجزيرة ولكنه

سعى حتى تبوأ العرش بجدارة، وأصبح كما قيل : نابليون الصحراء، فتدرج من أمير نجد وإمامها إلى ملك المملكة العربية السعودية الكاملة الاستقلال والسيادة من البحر الأحمر إلى الخليج العربي وكانت دعامتا هذا الملك العريض هما : البلاد العربية المقدسة ومليارات الذهب الأسود .

من آبار الإحساء وبأعماله إختط سيرة مليئة بالأمجاد والعبقريات ، وبواسطة الإحساء تبوأت الدولة السعودية الثالثة منزلة فريدة وأعطتها أهمية سياسية واقتصادية . وفي عام 1953م طوي ذلك السجل الحافل ومات عبد العزيز تاركاً الأمانة في عنق ولده سعود»(1).

وذكر المرحوم المحامي عباس العزاوي في موسوعته (تاريخ العراق بين احتلالين) ما يخص الأمير عبد العزيز، ويشرح عن تحرك الامام عبد الرحمن وإبنه وطلبهما المساعدة من الدولة العثمانية عن طريق واليها في بغداد فلم يجدا ملبياً للطلب، فيقول العزاوي :

« وكان إبنه عبد العزيز يتوثب للنهوض ويتحين الفرص للإيقاع بأعدائه (آل الرشيد ) ويحاول أن يجد ناصراً ولكنه قطع بأن :

لا يكشف الغماء إلّا ابن حرّة*** يرى غمرات الموت ثُمَّ يزورها

وهذه الأوصاف وجدها في نفسه وكان هذا شأنه . خاطر . وغامر فلم ير بداً من النزال بنفسه دون استغاثة بمن يوجس منه خيفة . فكانت نتائج ذلك أن تمكن من أعدائه وحصل على مطلوبه لَا سِيَّما أن الأحوال ساعدته كثيراً بما حدث من تحول في آل الرشيد.

وإن الدولة (يعني العثمانية) لم تجد من يقوم بالمهمة لإيقاف هذا الصائد الجديد الأمير عبد العزيز السعود فكان آخر ما استولى عليه (الإحساء) فلم تشأ الدولة


1) موسوعة الشيخ علي الشرقي النثرية - الألواح التاريخية/ القسم الأول، ص200.

أن تدخل معه في جدال يكلفها أضراراً كبيرة والمشغول لا يشغل بل لا أمل لها في النجاح لما جربته من أسفار شاقة، فاضطرت أن تسكت .

وفي كل هذا لا ننسى العقيدة المتمكنة في النفوس ساعدته وكان الميل إليه من الأهلين كبيراً، وهذا أقوى ناصر له في مهماته . ولم تمض مدة حتى وقعت الحرب العالمية الأولى فحاولت الدولة جذب ابن سعود لجانبها ولكنه إلتزم الحياد. وعند هذا وقفت حوادث آل سعود من جراء علاقاتها بالعراق .

والأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود كان الوحيد الذي تمكن من استعادة أمل آبائه بنشاط فائق وقدرة عظيمة فتم له ما أراد »(1).

170

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في شبابه وكهولته

بداية علاقة عبد العزيز آل سعود بالإنكليز

كان التغلغل البريطاني في المنطقة العربية بدأ في القرن الثامن عشر الميلادي وما تلاه ، حيث قامت البعثات الأوروبية والأمريكية التي كانت تأخذ شكل الرحالة والمستكشفين والآثاريين والجغرافيين والسّواح تجوب أرض العرب


1) تاريخ العراق بين احتلالين/المحامي عباس العزاوي، ج 8 ص 319 - 320 .

وخاصة المشرق العربي أو الجزء الآسيوي من الوطن العربي، وهؤلاء جميعاً كانت لهم أغراض استخبارية لصالح بلدانهم ، وأكثرهم وأخطرهم كانوا من الإنكَليز . وكانت بريطانيا قد وضعت بعين اعتبارها منطقة خليج عُمان والخليج العربي كمنطقة في غاية الأهمية لها لأنّها كانت تحكم الهند والمناطق العربية المشار إليها كانت حلقة الوصل بين مستعمراتها في القارة الهندية وصولاً إلى المناطق المتشاطئة على البحر المتوسط من جهة، ومعرفتها التامة بثروات المناطق العربية هذه والتي تسارع بريطانيا لمد مخالبها مستفيدة من التشرذم العربي وصراعات الأسر، وكذلك عداء بريطانيا مع الدولة العثمانية التي كانت الأراضي والمناطق والولايات العربية المشار إليها تقع تحت نفوذها .

وعن بداية التدخل البريطاني في المنطقة لا بُدَّ من التطرق إلى الوضع السياسي فيها وخاصة بظهور قوى عالمية مثل روسيا وفرنسا ويمكن أن تتدخلا في منطقة الشرق العربي وإيران لضرب المصالح البريطانية وخاصة في منطقة الخليج العربي الشريان الحيوي لحكومة الهند البريطانية .

فقد جاء في كتاب وثائق نجد للسيد علي الموجاني تحليل ذلك حيث يقول : « ويجب القول إن تطورات أوروبا في تلك المرحلة كانت تدل على انهيار الترتيبات الأمنية في أوروبا البرية(1)، وكان احتمال الإعتداء المشترك للقوتين الروسية والفرنسية على هذه المنطقة قائماً . كما أن هنالك تقارير تؤيد سعي فرنسا لتشكيل تحالف مع الدولة العثمانية وإيران في مواجهة السياسة البريطانية. وفي حالة حدوث مثل هذا الوضع ، فإنّ خشية التعاون بين قطبي السلطة الحديثي الظهور المذكورتين في تقسيم أوروبا ثُمَّ اتجاههما إلى توسيع المناطق التي يسيطران عليها نحو المناطق الجنوبية أي إيران والدولة العثمانية ، كان من شأنها أن تكون تهديداً مؤثراً لمصالح بريطانيا في المنطقة والممرات المائية المؤدية إلى مستعمرات الهند وبناء على ذلك ، فإنّ إيجاد


1) يقصد بأوروبا البرية هي المنطقة الشرقية من أوروبا.

(حزام أمني) للسيطرة على مسيرة النزعة التوسعية الاحتمالية لهذين البلدين، كان من شأنه أن يعتبر حلاً ملفتاً للنظر . خاصة وإن أمير نجد كان قد وضع فرنسا في طبقة الكفار ) وذلك خلال سنوات ليست بالبعيدة وفي الاختيار بين بريطانيا وفرنسا وكانت إمكانية التعاون مع الممثلين السياسيين التجاريين لبريطانيا متوفرة أكثر ل-( أسباب مختلفة ) . كما كان شريف مكة واستمراراً لسياسة الباب العالي الذي كان يعتبر مهاجمي مصر جبهته المعادية (1)، قد اعتبر (حضرة الكابتن باشا(2)والبحارة الإنكَليز) مناسبين للتعاون ، وذلك الاختيار بين قوات (الإفرنجة) أو الفرنسية المتبقين عن جيش نابليون وبين القوات البحرية البريطانية»(3).

فالحكومة البريطانية كانت عازمة آنذاك على أن تستغل أية إمكانية ممكنة للحيلولة دون تواجد فرنسا السياسي العسكري في الخليج العربي وسواحله ، كما أظهرته المعاهدة بين إيران وبريطانيا في كانون الثاني 1801م/ ذي القعدة 1215ه- .

ثُمَّ إن التعاون بين بريطانيا والدولة العثمانية بشأن أمن وتجارة الخليج العربي ، كان السبب بإعادة العلاقات بين الجانبين وافتتاح القنصلية البريطانية في البصرة من جديد، وكذلك أمر الباب العالي إلى شريف مكة للتعاون مع بريطانيا . كما أن التفاهم البريطاني مع الجانب السعودي الوهابي في نجد الذي كان بعلم الباب العالي العثماني حيث كانت بريطانيا تكتفي حينها بتبادل الهدايا وبدلائل مختلفة .

وبهذه الصورة للسياسة الإقليمية لبريطانيا والتي تدل على مبادرة متوازنة ومتزامنة وكذلك نظراً لسلوكيات وهابيي نجد تزامناً لتعاون أرادته بريطانيا مع إيران في الخليج العربي. والدليل على ذلك نص التعليمات التي وجهها (جورج


1) يقصد بهم القوات الفرنسية التي هاجمت مصر.

2) هو الميرزا محمدي خان ممثل السلطة البريطانية في الهند الذي أرسل إلى نجد والحجاز لدراسة أوضاعهما.

3) وثائق نجد تقارير أمراء العثمانيين المعاصرين لظهور محمد بن عبد الوهاب واستقرار أول دولة لآل سعود في نجد والحجاز ) / علي الموجاني، تعريب عقیل خورشا، ص98. عن دار التراث - النجف الأشرف، ط 1 سنة 1435ه-.

كانينغ ) وزير خارجية بريطانيا إلى ممثل بريطانيا الميرزا محمدي خان المبعوث إلى البلاط الإيراني :« إذا لم يحالفك التوفيق في مهمتك (في إيجاد العلاقات مع إيران) فمن الأصلح إن أمكن أن تقيم علاقات صداقة باسم الحكومة الهندية مع رؤساء الوهابيين ولأنّ اعتداءات وأعمال أفراد هذه الطائفة تتعارض مع مصالح باشا بغداد ودولة إيران ، فينبغي أن تتم هذه العلاقات بمنتهى المهارة، خصوصا إذا ما تواجد الأمل لتضمين مصالح بريطانيا العظمى من قبل الدولتين أو إحداهما »(1).

من ذلك ندرك أن بريطانيا أدركت بأن نجد يمكن لها أن تكون ثقلاً مؤثراً في الاتجاه السياسي للدولتين العثمانية وإيران بالنسبة للأهداف والمصالح الإقليمية لإنكَلترا . وبهذا الفهم فإنّ انكَلترا جعلت بالدرجة الأولى التوجّه لمنطقة نجد الجافة الجرداء وإلى الإلتفات للعقيدة الوهابية، في وقت كانت العمليات العسكرية للوهابيين تستهدف تحرير الحجاز والحرمين ، ومِنْ ثَمَّ أصبحت تستهدف المراكز المذهبية في العراق . وكذلك التدخل في أحداث البحرين والعصيان الذي حدث في مسقط . وذلك يعني لدى بريطانيا أن ذلك كله يعني التدخل الوهابي المباشر في التركيبة الأمنية لسواحل الخليج العربي الجنوبية، ولم يكن هذا التدخل بعيداً عن بريطانيا التي رحبت سرّاً به مع تقييدها ببعض الملاحظات التي لم تغب عن بالهم .

فعندما كانت الأسرة السعودية في جميع أدوار حكمها منذ انطلاق الحركة الوهابية، تخوض المعارك في نجد وحائل والحجاز والعراق والكويت وبلدان ساحل الخليج العربي الذي يمثل شرق نجد، وكذلك عسير وحتى بلاد الشام، كان الإنكَليز قد أنشأوا لهم قواعد في بلدان سواحل الخليج العربي بجهتيه العربية وغير العربية، فالساحل العربي كان الإنكليز يسمّي البلدان الواقعة عليه ب-(بلدان الشاطئ المتصالح )، وهي عُمان وقطر والبحرين والكويت وبوشهر التي كانت مركز عمليات الإنكليز الاستخبارية في الخليج . وكان أسطولهم يؤمن التجارة


1) المصدر السابق نفسه/ ص101.

بين الهند والعرب وصولاً إلى البصرة التي ينظرون إليها بأنها درّة التاج التي لابُدَّ من الوصول إليها باعتبارها بوابة العراق الغني والمهم جداً .

في مطلع القرن العشرين الميلادي وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى التي بدأت سنة 1914م، كانت شبه الجزيرة العربية تخضع شكلياً لنفوذ الدولة العثمانية، التي لم يكن لها غير حامية عثمانية مقرها المدينة المنورة تشرف على تأمين سكة حديد الحجاز، وحامية عسكرية هشّة في الإحساء ، ومثلها في عسير جنوب غرب نجد .

وكانت القبائل والأسر الحاكمة تتقاسم النفوذ فعلياً على الأرض . فالهاشميون الأشراف يحكمون الحجاز، وآل الرشيد يحكمون حائل والجوف، وآل سعود يحكمون نجد ، والأدارسة يحكمون عسير .

وكان من ذكاء وفطنة الأمير عبد العزيز آل سعود وهو في بدايات تأسيس الدولة السعودية الثالثة ، رأى موقعه في وسط بحر زاخر بالأمواج تتلاطمه الصراعات والنزاعات ومراكز النفوذ في المنطقة . فإمارة الرشيد في حائل أعداءه التقليديين تخضع لنفوذ الدولة العثمانية وتأتمر بأمر ولاتها في العراق لقربها وتواصلها مع العراق .

كما وجد ابن سعود بأن الكويت تقع تحت نفوذ العثمانيين ولكنها قد مدّت جسور التعاون والتفاهم مع الإنكَليز الذين لم يبخلوا عليها بالمساعدة عسكرية كانت أم غيرها .

أمّا مملكة الحجاز التي كان يحكمها الأشراف فقد كانت تحت نفوذ العثمانيين أيضاً قبل الحرب العالمية الأولى لحين دخول البريطانيين على الخط وتشجيع الشريف حسين على الانتفاض ضد العثمانيين وعلاقة الشريف بمكماهون المندوب السامي البريطاني في مصر، والرسائل المتبادلة بينهما ، ومساعدته على القيام بالثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين ووعود الإنكَليز له بجعله ملكا على دولة عربية تشمل العراق والشام وشبه الجزيرة العربية. وكان ابن سعود يمد جسور العلاقات مع مع الأشراف ظاهراً، وفي الباطن فإنّه شديد الكره لهم لأسباب كثيرة يتقدمها المعتقد المذهبي .

أمّا المناطق الأخرى في الشاطئ العربي في الخليج فإنّ النفوذ البريطاني واضح وجلي فيها، والإنكَليز يطبخون على نار هادئة لتنفيذ إستراتيجيتهم في المنطقة بأكملها، فيعملون بكل رويّة دارسين بعمق ما يحدث ولا يقررون شيئاً إلّا وفق خطوات يساعدهم فيها مجموعة ذكية جداً من ضباطهم المنتشرين بين مختلف تلك الجهات المتصارعة والمتعاهدة وغير المستقرة على خط واحد. هذه الصورة أمام الأمير الشاب ابن سعود فهاذا وجد ؟ ...

وجد ابن سعود أن مستقبل مشروعه التوحيدي يمكن تحقيقه بمساعدة قوّة عظمى مثل بريطانيا، ولكنه لم يُفصح بذلك لفرط ذكائه وحيلته وسياسته المتسمة بالتؤدة والسرعة في آن معا حسب ما تقتضيه الظروف . فكان يسعى إلى فتح خطوط تواصل مع بريطانيا في الخفاء ، ويجس نبضهم ويطلب دعمهم ، وفي نفس الوقت كان يوطد علاقته مع العثمانيين للحصول على اعتراف منهم بتوليه منصب (ولاية نجد) .

أمّا الإنكليز فقد بدأوا بدراسة شخصية ابن سعود بحيث كانوا يراقبون كل ما يقوم به أثناء فترات الصراع بينه وبين أعدائه التقليديين ، جامعين نظرتهم المستقبلية بضرورة وجود شخصية طموحة يمكنهم الاعتماد عليها بعد تقديمهم العون له ومساعدته ، وفي نفس الوقت يكون طوعا لرغباتهم وتنفيذ مخططاتهم ، رغم أن الأمير عبد العزيز آل سعود لم يكن في حياته سهلاً وبسيطاً حتى ينصاع للغير إلا بما يخدم مصلحته والمشروع الذي يعمل من أجله ، فما كان يقوم به في بعض الأحيان هو رسائل مبطنة حتّى يعرفه الإنكَليز جيداً ، مع عدم إثارة العثمانيين ضده . ولا بُدَّ لنا من تقديم الأدلة على ما نذكره ، ففي الجانب الأول حول التقرب من الإنكَليز نذكر وثيقة على شكل برقية تحمل الرقم 48 من ج . ب . ديفي القنصل البريطاني في دمشق إلى السرج . لاوثر سفير بريطانيا في الأستانة تاريخها 23 أيلول (سبتمبر) 1908م، وهذه البرقية مرفقة ببرقية رقمها 638 بعثها

السر لاوثر إلى أدور غراي(1)من الأستانة في 6 تشرين أول (أكتوبر) 1908 يذكر فيها موضوع ضعف ابن الرشيد وقوة ابن سعود في نجد . جاء في إحدى فقرات برقية القنصل ديفي:

«أصبح عبد العزيز بن سعود فعلاً أمير نجد الذي لا ينازع ، والمعترف بحكمه في الرياض والقصيم، وعلى جميع العشائر البدوية في نجد. وحتى سعود بن رشيد نفسه يعترف بأن إمارته في حائل ليست سوى تابعة لسيادة ابن سعود »(2).

وفي وثيقة ثانية عبارة عن برقية أرسلت من قِبَل المقيم السياسي في الخليج العربي في بوشهر (لفتنانت كرنل برسي كوكس )(3)في 20 نيسان (أبريل) 1911م إلى السر هنري مكماهون(4)سكرتير الشؤون الخارجية في حكومة الهند يعلمهم فيها


1) السر أدوارد غراي هو وزير خارجية بريطانيا من سنة 1905م إلى سنة 1916م. المولود في لندن سنة 1862م والمتوفى سنة 1933م عن عمر 71 عام، وقد لعب أدوار مهمة في السياسة البريطانية.

2) الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية (نجد والحجاز ) / اختيار وترجمة وتحرير نجدة فتحي صفوة ، ج 1 ص 142 - 143 ، عن دار الساقي، بيروت - لبنان، ط 1 سنة 1996.

3) السر برسي كوكس: المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي خلال الحرب العالمية الأولى والقنصل في بوشهر، المولود سنة 1864م والمتوفى سنة 1937م، كان صديقاً للشيخ خزعل حاكم المحمرة والشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت الذي بواسطته دخل في علاقات مع عبد العزيز بن سعود الذي تنبأ كوكس بأنه سيكون له شأن كبير في الجزيرة العربية. عمل ضابط سياسي في بداية احتلال العراق، ثُمَّ وزيراً مفوضاً في طهران. ثُمَّ عُيّن مندوباً سامياً في العراق بعد إعلان الانتداب، وكان رجال العشائر يسمونه (كوكز) وسمّى بعضهم أبناءهم بإسم كوكز إعجاباً به.

4) السر آرثر هنري مكماهون المندوب السامي البريطاني في مصر وصاحب المراسلات الشهيرة مع الشريف حسين بن علي ملك الحجاز ولد سنة 1862م، وتخرج من كلية ساندهيرست العسكرية. عمل في بلوجستان، ثُمَّ سكرتيراً للشؤون الخارجية لحكومة الهند، ثُمَّ المفوض البريطاني لعقد المعاهدة مع الصين والتبت وعيّن في أواخر سنة 1914م أول مندوب سامٍ لمصر بعد إعلان الحماية. وحضر مؤتمر الصلح في سنة 1919م مندوباً عن بريطانيا في اللجنة الدولية للشرق الأوسط. توفي مكماهون سنة 1949م.

ما ورد بالتقرير المهم الوارد من المعتمد السياسي في الكويت ويليام شكسبير(1)يلخص فيه مآل المحادثات التي جرت بينه وبين عبد العزيز بن سعود خلال بضعة أيام قضاها الكابتن شكسبير في معسكر هذا الأخير في أثناء جولة حديثة في داخلية الكويت(2).

وتقرير شكسبير فيه عدة نقاط يمدح فيها عبد العزيز آل سعود.. وأن ابن سعود سأله رأيه عن العلاقات بين الحكومة البريطانية وتركيا، ويذكر شكسبير أنه لم يعط رأيًا لا بن سعود فقال له أنه لم يأت لبحث الشؤون السياسية ، وإنما جاء ليرى كيف يعيش زعماء العرب في البادية، وأشار شكسبير إلى عبد العزيز بأن حكومة صاحبة الجلالة لا تتدخل في شؤون البلاد العربية الوسطى الخاضعة للنفوذ العثماني، وأن الحكومة البريطانية تحصر اهتمامها في مصالحها على خط الساحل العربي. وأنه غير مخوّل بالحديث في مثل هذه المواضيع.. وكان يتبين له ابن سعود بأنه يرغب بإنشاء صلة مع الحكومة البريطانية تمكنه من رفض أي ولاء للسلطان العثماني ، ... إلخ .


1) ويليام هنري شكسبير: المعروف ب-( الكابتن شكسبير) المولود في البنجاب بالهند سنة 1878م عندما كان أبوه موظفاً في حكومة .الهند أصبح شكسبير ضابط عسكري ودبلوماسي بريطاني، فقد عُيّن مساعد ضابط سياسي وقنصلاً في بندر عباس سنة 1904م، ثُمَّ مساعداً للمقيم السياسي في الخليج العربي سنة 1908 م ، ثُمَّ وكيلاً سياسياً في الكويت سنة 1909م، ومن هنا بدأت علاقته بعبد العزيز آل سعود، وقابله قبل الحرب العالمية الأولى عدة مرات وحلّ ضيفاً عليه. وفي بداية سنة 1914م رجع من الكويت إلى إنكلترا، عندما قامت الحرب العالمية الأولى إستدعي للخدمة وطلب منه التوجه إلى الخليج العربي ومقابلة عبد العزيز ومحاولة كسبه إلى جانب الحلفاء وعدم مع الأتراك. التعاون مع كان شكسبير مع ابن سعود في معركة ( جراب) التي جرت بين قوات ابن سعود وقوات ابن الرشيد أمير حائل بتاريخ 24 كانون الثاني (يناير) سنة 1915م وانتهت بانتصار ابن سعود وقتل فيها شكسبير رغم عدم قبول ابن سعود بمشاركته فيها وهو في السابعة والثلاثين من عمره.

2) الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية / نجدة فتحي صفوة، ج 1 ص 154 - 155.

وقد ورد تقرير شكسبير في كتاب الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية ، ويشرح فيه شكسبير كلام كثير عن عبد العزيز، ونعتبر تقرير شكسبير في غاية الأهمية وهو السبيل الأول لعلاقة عبد العزيز بالإنكَليز .

ومن المفيد أن نذكر بأن شكسبير ذكر في تقريره أن آل سعود أفضل من أمراء الكويت الذين كانوا تحت جناح العثمانيين ، ومن المهم أن نذكر الفقرة 15 من التقرير بنصها حيث يقول هنري شكسبير :

«من وجهة نظرنا في الخليج العربي أتجرأ فأرى مع وجود آل سعود ثابتين في الإحساء ، وعلى صلات طيّبة معنا، فإنّ وضعنا يتقوّى كثيرًا ، وتزول المحاولات الحاضرة للوقيعة بين شيوخ الساحل المتصالح والأتراك . ولا ريب أن قوة ابن سعود في داخل البلاد تجعل طريق القوافل الرئيسي إلى الداخل مأموناً بحيث تستفيد التجارة مادياً ، وكلها الآن تقريباً تجارة بريطانية أو هندية»(1).

ومن المفيد أيضاً أن نذكر مقترحات عبد العزيز آل سعود التي أوردها شكسبير في تقريره وهي التي تمثلت في رغبة ابن سعود في دعم بريطانيا له في مواجهة العثمانيين الذين يعززون قواتهم عبر ساحل الإحساء ، وهو الأمر الذي يعيقه في حالة التمرد عليهم قبل الحد من قدرتهم على جلب الجنود بحراً .

كان عبد العزيز في غاية الذكاء عندما أراد بحديثه مع شكسبير لجس نبض الإنكَليز حول إمكانية مساعدته والذي عوّل في ذهنه على أن الإنكَليز قادرين على حماية ظهره كما كانوا مع الكويتيين، بل كان بفطنته يحاول كسب الإنكَليز أن يكون هو الرجل القوي في المنطقة الذي تفوق قدراته عن حكام الكويت وغيرهم في الجزيرة العربية. وهذا ما جعل شكسبير يكرر لقاءاته مع ابن سعود ويكون في الأخير هو عرّاب العلاقة بين الطرفين.


1) المصدر السابق نفسه / ج 1 ص 164 . وللاطلاع على نص التقرير يُراجع كتاب الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية، ج 1 من ص 155 إلى 164 ، ولم نشأ نقل نص التقرير بأكمله لعدم الإطالة وكان غرضنا هو التنويه عنه.

في نفس الوقت كان ابن سعود يحاول توطيد علاقته مع العثمانيين ، ورسائله مع صديقه السيد طالب النقيب تؤكد ذلك باعتبار أن النقيب مقرباً من الأتراك ، وتقرب ابن سعود مع العثمانيين أكدته المعاهدة معهم في مايس 1914م، والتي نصت على توليه منصب (والي (نجد) طيلة حياته ووراثة أولاده بعده ، وتعهد أن يلبي الدعم والقوة للدولة العثمانية إذا ما طلبت منه ذلك أثناء حدوث اضطرابات في إحدى ولاياتها، أو دخولها في حرب مع دولة أخرى !!

والمباحثات السرية التي جرت بين ابن سعود والأتراك كانت بوساطة الشيخ خزعل شيخ المحمرة وشيخ الكويت ومعهما السيد طالب النقيب، وكان شيخ الكويت والسيد النقيب هما من قاما بتهيئة الأجواء لعقد معاهدة مع العثمانيين ، ولم يكن الإنكَليز بعيدين عما كان يدور بمواقف سرية غير معلنة للحفاظ على علاقتهم مع الدولة العثمانية التي حددتها المعاهدة الأخيرة قبل قيام الحرب العالمية الأولى .

وكانت سياسة عبد العزيز آل سعود تقتضي أخذ رأي الإنكَليز قبل توقيع المعاهدة . وهذا ما تبين عندما كتب ابن سعود رسالة إلى المعتمد السياسي في البحرين الميجر تريفور ، نذكر مقتطفات من الرسالة التي بعثها بيد أحد رجاله وإسمه يوسف والمؤرخة في 6 جمادى الأولى 1332ه- / 2 نيسان (أبريل) 1914م يقول فيها :

« ... تسلمت معلومات من المبعوث التركي الذي وصل مباشرة من القسطنطينية ، وإسمه بكباشي سيد عمر فوزي بك مارديني ، والي البصرة سابقاً والآن والي سورية . ويحمل معه رسائل شفهية وخطابات ينوي أن يتوسط بيني وبينهم . وقد وصل إلى البصرة وسوف يصل إلى الكويت وربما يكون قد وصل. وطبعاً سوف يقابلني وسأقابله قريباً جداً في طريق الكويت إذا كتب الله ذلك. ولم أحب أن أراه حتى أخبركم لكي تعلموني بالمطلوب، وبأي شكل يكون . وبالطبع فإنّتم تعلمون أنني أتمسك بكلمتي ، وأنا ثابت على الأمر الذي يقربني باتجاه صداقة الحكومة البريطانية ويوقف اقترابي من الأتراك إلّا في الحالات التي لا حول لي فيها، فعندئذٍ أسير في

طريق فيه مصلحتي . وإن شاء الله تخبروني باللازم، وقد أخذت كلامكم الأول بعين القبول ... »(1).

كان ابن سعود قد بيّن رأيه وكراهته للشريف حسين إلى الإنكَليز الذين حرصوا على تلطيف الأجواء بين الشخصيتين كسياسة للإنكليز خاصة أثناء الحرب العظمى الأولى، وعندما بانت بوادر مشاركة الدولة العثمانية في الحرب إلى جانب ألمانيا ، حينها كتب السفير البريطاني في إستنبول إلى وزير خارجيته إدوار غراي رسالة مؤرخة فيما يلي:

الحرب سري رقم 692 من السر ل . ماليت ، السفير البريطاني في القسطنطينية إلى السر إدوارد غراي وزير الخارجية ، القسطنطينية 4 أيلول / سبتمبر 1914 ووصلت إلى وزير الخارجية في 5 أيلول/ سبتمبر .

جاء في الفقرة الأولى منها :

« برقيتكم رقم 478 بتاريخ 1 أيلول/ سبتمبر

أوافقكم على أنه إذا تحالفت تركية مع ألمانية وأصبحت الحرب محتومة، فمن المحتمل أن يصبح من أهم الأسلحة دعم وتنظيم حركة عربية إمّا علناً أو بطريق غير مباشر . ولكن حركة عربية غامضة الأهداف لن تؤدي إلى شيء. ومن رأيي أنها تحتاج إلى تنظيم في منتهى الدقة، وأنها يجب أن يوجهها ابن سعود بالتعاون مع شيخ الكويت وغيره من أصدقائنا من زعماء العرب . وفي هذا الصدد أرجو أن أشير إلى رسالتي رقم 193 بتاريخ 18 آذار / مارس .

ومن رأيي أيضاً أن الهدف الأول يجب أن يكون الهجوم واحتلال بغداد مؤقتاً وانتظار الأحداث، فبالتوجيه البريطاني وتقوية الجيوش البريطانية الهندية ، والأموال والأسلحة والذخائر ، وشعب صديق ، لن يكون هذا أمراً صعباً ، خاصة


1) الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية/ نجدة فتحي صفوة، ج 1 ص263.

وأن تركية ستكون مشغولة مع روسيا. وعندما نحتل بغداد يبدأ الوضع في جزيرة العرب بالتطور فوراً .

وسيكون من الضروري ومن الخطر أن نشجع هجوماً على الحجاز ما لم تكن الخطوات مما تتقبلها بشكل واضح مشاعر المسلمين في الهند وفي جزيرة العرب . وأقترح أن يتم كل شيء عن طريق ابن سعود وأن يستشار كل من الآنسة بيل والكابتن شكسبير ... »(1).

يقول خير الدين الزركلي :« أصبح عبد العزيز بعد إستيلائه على الإحساء والقطيف ، من جيران الإنكَليز الأقربين(2). برز من قلب الجزيرة، وإمتد سلطانه إلى الشاطيء الغربي من الخليج ، والخليج طريقهم إلى الهند، ولهم فيه (معتمدون) و(أحلاف) . . . »(3).

ويتحدث الزركلي بأن عبد العزيز جاور الكويت من برها الجنوبي وغربها مفتوح أمامه، وجاور قطر والبحرين ولم يكن بعيداً عن عُمان، وعندما إتفق الإنكليز والعثمانيين في رمضان 1331ه- / آب 1913م وقد تنازل العثمانيين عن حقوقهم في موانيء تلك المناطق، فباتت (الخفارة) في موانيء الخليج من حق الإنكَليز وحدهم ، فلا بُدَّ لهؤلاء إذا من معالجة جارهم الجديد، ويقصدون به ابن سعود .

كما أن نفوذ عبد العزيز يمتد لأنّ يجاور العراق، وأنه في خلاف مع إمارة آل الرشيد، والعراق تابع للعثمانيين ، وآل الرشيد حلفاء لهم أيضاً، فالعداء بين العثمانيين وآل سعود متوارث، وعندما تضائل النفوذ البريطاني في أروقة الخارجية العثمانية ، عندها بدأ النفوذ الألماني ينشط لدى العثمانيين، فكانت سياسة الإنكَليز على وشك الاصطدام بسياسة آل عثمان .


1) المصدر السابق نفسه/ ج 1 ص 325 - 326 .

2) يعني بهذا الجوار أن الإنكليز كانوا يتواجدون في إمارات الساحل الغربي في الخليج العربي

3) شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز/ خير الدين الزركلي، ج 1 ص 279 .

وأهداف عبد العزيز الجار الجديد للإنكَليز المنبثقة من وضعه السياسي والجغرافي والتاريخي تلتقي بأهداف وزارة الخارجية البريطانية من قريب أو بعيد، ولا تتعارض على الأقل) مع سياستها ، فعليها أن تمد يدها إليه لتتخذه (حليفا ) بمعنى ما كانت تحالف به غيره.. أو صديقاً .

فيقول الزركلي : « أرسلوا وكيلهم السياسي في البحرين، فقابل عبد العزيز في العقير أواخر 1331ه-(1913م) وكان الحديث عن مصالح الفريقين وخطر امتداد النفوذ الألماني من العراق إلى الخليج، والرغبة في وضع خطة التعاون معه على (أساس) متين . ولم ير عبد العزيز بأساً في اجتماع آخر ، أو اجتماعات أخرى كان منها حضور الوكيل السياسي البريطاني في الكويت الكولونيل هاملتون سنة 1332 (أوائل 1914م) إلى (ملح) في شرقي الجزيرة »(1).

وفي خلال المحادثات بين عبد العزيز والحكومة البريطانية قبل نشوب الحرب العالمية الأولى ، حاولت فرنسا التقرب من ابن سعود . فقد جاء في مجلة لغة العرب التي يصدرها الأب أنستانس الكرملي عن هذا التقرب وتحت عنوان (ابن سعود وتقرب الدول منه وذهابه إلى الإحساء) ما نصّه : «أرسلت دولة فرنسة معتمداً إلى الأمير عبد العزيز باشا السعود فزاره في مقر إمارته الرياض، وتباحث معه في أمور سياسية عديدة ومن جملتها ما يتعلق بتجارة الأسلحة وبيعها في العقير أو القطيف ، ثُمَّ قال المعتمد : ودولتي تتكفل لك :

1- بمُسَانَهَة(2)مائة ألف ليرة أو برسوم تبلغ 50 ألف ليرة عثمانية .

2 - إن ما يشتريه الأمير من الأسلحة يكون بثمن أدنى مما يُباع لغيره .


1) المصدر السابق /ج 1 ص 280 .

2) مسانهة: أي إعطاءه مائة ألف ليرة بين سنة وأخرى. وفي اللغة جاءت: سانهه مسانَهَة وسناهاً. وسانهن النخلة، وهي سَنْهَاء حملت سنة ولم تحمل أخرى. وفي مختار الصحاح ص317 :ورد واستأجره (مُسَانَاةً) وَ(مُسَانَهَةٌ).

3- أن تجلب له كل ما يريده من مستحدث الأسلحة بأثمان بخسة .

فلما سمعت بذلك دولة إنكلترة عرضت للأمير ما يأتي:

1 - مسانهة 50 ألف ليرة .

2- دفع ما يحتاج إليه هو وجنوده من الأسلحة .

أمّا الأمير فلم يجب الآن بشيء ريثما يستشير مجلسه، ولعله يميل إلى الدولة الثانية(1)لما له معها من العلاقات السياسية . وقد نزل في هذه الأيام أنحاء الإحساء ، ونزلت أعرابه بجوار الكويت»(2).

«وعُقد في (العُقَيْر) أول اجتماع بين عبد العزيز وممثلي الحكومة البريطانية في الخليج في شهر ربيع الثاني 1332ه- (آذار (مارس) 1914م) وقالت الصحف يومئذ: إنه اتفق معهم على أمور منها:

• يعترف عبد العزيز ببقاء جزيرة البحرين، كما كانت في ذلك الحين، تحت السلطة البريطانية .

ويحافظ على رعايا الإنكليز وتجارتهم في الخليج ، محافظة الإنكليز على الشؤون المتعلقة به .

•يقوم الإنكليز بالمحافظة على الخليج ومنع التعدي على عبد العزيز .

• يعاد النظر ، في فرصة أخرى في مسألة إدخال الأسلحة ومسألة مسقط »(3).


1) الدولة الثانية يعني بها (إنكَلترا ) .

2) مجلة لغة العرب/ صاحب امتيازها الأب أنستانس الكرملي، ج 8 السنة 3، ص448، ربيع الأول 1332ه- / شباط 1914م، عن مطبعة الآداب - بغداد.

3) شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز/خير الدين الزركلي، ج 1 ص281.

وبمجرد دخول الدولة العثمانية الحرب متحالفة مع ألمانيا إنقلب والي نجد ابن سعود على الأتراك ، فقام عبد العزيز بخطوات ليعزز ثقة الإنكَليز به ومن هذه الخطوات :

1 - إرساله رسالة إلى برسي كوكس المقيم السياسي في الخليج العربي يخبره بالتشفع للسيد طالب النقيب، ويعلمه أنه على استعداد لمقابلة شكسبير الذي أرسلته بريطانيا للتعاون معه ، وأخطر ما بالرسالة المؤرخة في 17 محرم 1333 ه- الموافق 5 كانون الأول (ديسمبر) 1914م والتي جاءت في الوثائق البريطانية ما ورد في فقرتها الأخيرة حول احتلال الإنكليز للبصرة جاء فيها : « لقد وصلنا الآن إلى مكان يسمّى (المستوى)، وسمعنا بوصولكم إلى البصرة وباحتلال القوات البريطانية لذلك المكان، والمعاملة الحسنة والعادلة والرعاية التي أبديتموها للناس . وهذا ما يزيد من امتناني ، إذ إن لي (في البصرة) أشخاصاً أثق بهم وهم جديرون بالاحترام مثل عبد اللطيف المنديل(1)وأسرته، ورأيت من المناسب أن يكون هذا معلومًا لديكم . سأكون شاكراً إذا تفضلتم بتذكر هؤلاء وجميع أتباعي الذين ينتمون إلى نجد ويقيمون في مناطق البصرة والزبير..»(2).


1) عبد اللطيف المنديل: هو عبد اللطيف بن إبراهيم بن فوزان بن منديل بن فوزان الدوسري، من وجهاء البصرة وكبار ملاكيها، ولد فيها سنة 1868م وينتمي إلى أسرة البدارين من قبيلة (الدواسر ) القاطنة في نجد إرتحل والده إلى البصرة سنة 1837م وعمل فيها بالتجارة. منحه العثمانيون رتبة الباشوية سنة 1913م. وفي ظل الانتداب البريطاني للعراق عُيّن وزيراً للتجارة في أول حكومة عراقية برئاسة عبد الرحمن النقيب، ثُمَّ وزيراً للأوقاف في وزارة عبد المحسن السعدون، وأنتخب عضواً في المجلس التأسيسي، ثُمَّ عضواً في مجلس النواب، وعضواً في مجلس الأعيان إعتزل السياسة لأسباب صحية كما يقال، وإهتم بأعماله التجارية والزراعية، كانت تربطه بعبد العزيز آل سعود علاقة خاصة، وتوفي سنة 1940م.

2) الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية / ج 1 ص 371 - 372 .

2- سجن الضابط التركي الذي أوفدته الحكومة العثمانية إلى عبد العزيز لتدريب قواته .

3- إعتقل أربعة علماء أرسلتهم تركيا للدعوة في نجد إلى الجهاد ضد الإنكَليز .

4 - شن هجومًا على آل الرشيد الموالين للدولة العثمانية وإنتصر عليهم في معركة قتل فيها شكسبير .

وفي رسالة مؤرخة في 4 أيلول (سبتمبر) 1914م أرسلها نائب الملك في الهند إلى وزير الهند في لندن ، فيها تقديم المغريات إلى شيخ المحمرة وشيخ الكويت وأمير نجد وشيخ قطر وآخرين ، ننقل نص الفقرة 7 من الرسالة حيث يقول:

«7- وأمّا ابن سعود فمقابل تعاونه معنا في طرد الأتراك من البصرة وتسلمنا السلطة فيها سلميّاً ، وفي طرد الأتراك من الإحساء والقطيف ، نتعهد بالاعتراف به والدخول معه في معاهدة كحاكم مستقل لنجد والإحساء كما نتعهد بأن نحميه من الهجمات البحرية »(1).

بعد هذه الخطوات أرسل عبد العزيز ابن سعود إلى برسي كوكس في تشرين الثاني 1914م يقول له : « إنني واحد من أكبر أعوان حكومة بريطانيا العظمى التي ستحصل بعون الله مني على نتائج » !!

وفي بداية الحرب العظمى وأثنائها أصبح ابن سعود الرجل المفضل في الجزيرة العربية بالنسبة إلى حكومة الهند التابعة للتاج البريطاني. وفي الحقيقة كان هناك شخص آخر مدّت بريطانيا خطوط الاتصال معه وهو الشريف حسين بن علي ملك الحجاز الذي حاز على الأفضلية من قبل المندوب السامي البريطاني في مصر. وكان التنافس الخفي واضحاً بين ابن سعود والشريف حسين وخاصة بعد اتضاح تعاونهما كل على انفراد مع الإنكَليز.


1) المصدر السابق نفسه/ ج 1 ص 327 - 328.

ويذكر الدكتور جون كولمان(1)مؤلف كتاب التسلسل الهرمي للمتآمرين وكُتب عديدة أخرى بلغت 12 كتاباً ، وهو يؤكد بأن بريطانيا هي من كانت تصنع الجواسيس والملوك ، وهي التي تجبرهم على تقديم الطاعة والولاء لها . ومن أقوال كولمان في هذا الصدد نذكر ما ملخّصه :

بعد الحرب العالمية الأولى، أصبحت الحاجة ملحة لكميات ضخمة من النفط ،فتوجهت الأنظار البريطانية مباشرة إلى السعودية والعراق وإيران، وكان لا بدَّ من بسط هيمنة تقليدية دينية لضمان مصالحها، لذلك بادرت بريطانيا بدعم دعوة محمد بن عبد الوهاب ، ويسجل الجاسوس البريطاني

(همفر) في مذكراته تفاصيل ذلك الدعم وتمكنت الحملات الوهابية العسكرية من بسط سيطرتها على مساحات هائلة في الجزيرة العربية بمباركة بريطانية . وإستمرت بريطانيا في تقديم المساعدات المالية للسعودية منذ عام 1865 لتتعمق الروابط بينهما .

في بدايات القرن العشرين استعان الملك عبد العزيز آل سعود بمجموعات بدوية مسلحة أطلقت على نفسها إسم(إخوان من أطاع الله )في المعارك التي خاضها من أجل استعادة نجد ، وعُرف جيشه فيما بعد بجيش (الإخوان) اختصاراً . وفي عام 1912 وصل عدد المقاتلين من الإخوان إلى نحو 11 ألف مقاتل .

وشهد عام 1915م توقيع أول اتفاقية تعاون رسمية بين بريطانيا وحكومة نجد ، وذلك عن طريق ضابط بريطاني حمل أسماً مستعاراً هو (وليم شكسبير) ، ولكنه قُتل في إحدى معارك ابن سعود مع آل الرشيد، وإثر مقتل شكسبير أرسلت بريطانيا عميلاً آخر هو فيلبي .

في نوفمبر من عام 1914م وبعد إعلان الحرب ضد تركيا تم إنزال قوات بريطانية - هندية في العراق وسرعان ما احتلوا منطقة البصرة، وقد أخذ الأتراك معهم عند انسحابهم من البصرة كل السجلات الحكومية، وغيرها مما يتعلق


1) جون كولمان: من مواليد سنة 1935م، وهو مؤلف ومحلل للشؤون العالمية. كان ضابطاً في الجيش البريطاني، ووكيلاً للمخابرات البريطانية.

بالتنظيم الإداري للبصرة ، فأصبحت الحاجة ماسة إلى إعادة بناء التنظيم الإداري في المنطقة ، وكان (فيلبي) من بين الذين اختيروا للقيام بتلك المهمة ، وقد وصل إلى هناك ليمارس أول تجربة له في حياته في البلاد العربية .

وفي آخر عام 1915 قام برسي كوكس كبير الضباط السياسيين في الجيش البريطاني بتجنيد (فيلبي)(1)كوزير التموين في إدارة الاحتلال البريطاني في بغداد(2)وكان من مهام الوظيفة تحديد الرواتب والمبالغ التي تصرف للمواطنين لقاء خدماتهم وممتلكاتهم . هدف الإدارة كان يتكون من جزئين :

1 - تنظيم ثورة عربية ضد العثمانيين .

2 - حماية آبار النفط بالقرب من البصرة وشط العرب. والتي كانت المصدر الوحيد للنفط للأسطول البريطاني .

والثورة العربية قامت بناء على وعد من بريطانيا بإنشاء دولة عربية موحدة ، أو اتحاد عربي من حلب إلى عدن . وكانت غيرترود بل (المس بيل) من المخابرات


1) فيلبي: هو هاري سانت جون بريدجر فيلبي، ويعرف أيضاً بإسم جون فيلبي أو (الشيخ عبد الله بعد إسلامه سنة 1930م). وهو مستعرب ومستكشف وكاتب وضابط استخبارات مكتب المستعمرات البريطاني. ولد في سريلانكا سنة 1885م عندما كان والده موظفاً بريطانياً هناك. لعب دوراً مهماً في إزاحة العثمانيين عن المشرق العربي، وهو أول أوروبي يقطع صحراء الربع الخالي من شرقها إلى غربها ووثق في مؤلفاته مشاهداته من الخليج العربي إلى البحر الأحمر عمل مع الجيش الإنكليزي في العراق منذ سنة 1915م في بدايات تقدمه نحو ،بغداد، وبعد الاحتلال تسنم مناصب فيه. وأرسل إلى الجزيرة العربية وكان الوسيط بين الحكومة البريطانية من جهة وبين الشريف حسين والملك عبد العزيز من جهة أخرى وأصبح مستشاراً للملك عبد العزيز، ومِنْ ثُمَّ أخذ يتنقل من السعودية إلى العراق فالشام والأردن، ثُمَّ عمل مع ملك الأردن عبد الله بن الحسين. توفي في بيروت سنة 1960م.

2) الصحيح هو ليس في بغداد وإنما في البصرة، لأنّ الإنكليز لم يتمكنوا من الوصول إلى بغداد واحتلالها إلّا في شهر آذار سنة 1917م. وقد سبق للقوات البريطانية أن دخلت البصرة وإحتلتها في تشرين الثاني سنة 1914م بعد أن دخلت تركيا الحرب العالمية الأولى ضد بريطانيا وحلفائها.

البريطانية علمت فيلبي فنون التجسس المتقدمة. وفي عام 1916 أصبح فيلبي (ناظر ) الخزانة .

وفي نوفمبر 1917 أرسلت بريطانيا (جون فيلبي) أو الشيخ عبد الله فيلبي !! هو مستعرب ، مستكشف، كاتب عميل مخابرات بمكتب المستعمرات البريطاني. أرسلته إلى قلب الجزيرة العربية على رأس بعثة إلى ابن سعود شيخ القبيلة الوهابي والعدو اللدود للشريف حسين الحاكم الهاشمي للحجاز، الذي كان يقود الثورة العربية التي إندلعت في يونيو من العام السابق .

كانت بريطانيا تلعب لعبة ماكرة ، إذ أنشأت مكتبين لها لإدارة الشؤون العربية ، فكان مكتبها في الهند يعمل على دعم ابن سعود ، بينما عمل مكتبها في القاهرة على دعم الشريف حسين أمير مكة .

كانت السلطات البريطانية قلقة جداً بسبب المنافسة القديمة بين شريف مكة وبين ابن سعود حاكم نجد، وحاولت قدر الإمكان منع تلك الخلافات من أن تبدد جهد الإشراف في الحرب ضد الأتراك، وحاولت في نفس الوقت جلب حاكم نجد إلى جانب الحلفاء .

وصل فيلبي إلى الرياض وقابل هناك لأول مرّة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وعاش في قصره وقامت صداقة بين فيلبي وابن سعود . لكن بعد الانتصار على العثمانيين فإنّ فيلبي كان بفضّل ابن سعود على الشريف حسين ك- (ملك للعرب) ، وكان ذلك ثاني حنث في ذلك الشهر من قبل بريطانيا لوعدها بتأييد الشريف حسين على أن يكون ملكًا للعرب من حلب إلى عدن .

الحنث الأول : تمثل بوعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين .

الحنث الثاني : وعد بريطانيا للشريف حسين أن يكون ملك العرب .

كان فيلبي يعلن على الملأ اعتقاده بتطابق أهداف بريطانيا وابن سعود في توحيد جزيرة العرب من البحر الأحمر إلى الخليج العربي تحت قيادة ابن سعود،

وإحلال ابن سعود محل الهاشميين ك-( خادم الحرمين الشريفين) وتأمين طريق الملاحة السويس - عدن - بومباي للإمبراطورية البريطانية .

بعد وصول فيلبي للرياض بفترة وجيزة أعلن ابن سعود عن نيّته الإطاحة بالهاشميين عن مُلك الحجاز . عمل فيلبي مستشاراً(على راتب المخابرات البريطانية) لابن سعود في بسط نفوذه في مختلف أرجاء الجزيرة العربية ومنها الحجاز. وفي عام 1925 عيّنه ابن سعود مسؤولاً عن تتويجه ملكاً على المملكة العربية السعودية(1)المُنشأة لتوها »(2).

وفي وثيقة مهمة للغاية تبيّن خضوع ابن سعود وانصياعه للإنكَليز جاءت في کتاب هارولد ديكسون( الكويت وجاراتها) الذي حضر مؤتمر العقير سنة 1922م لترسيم الحدود(3)، حيث كان ابن سعود يريد ترسيم الحدود بين العراق ونجد على أساس عشائري مما أغضب السير برسي كوكس . يقول ديكسون في كتابه :

«وفي اليوم السادس للمؤتمر تدخل السير بيرسي في الأمر وأبلغ الطرفين أنه إذا إستمرت المفاوضات على هذا الشكل فإنّهما لن يتوصلا إلى أي اتفاق قبل سنة من الزمان . ففي اجتماع خاص ضم السير بيرسي وابن سعود وأنا فقط ، فقد السير بيرسي صبره وإتهم ابن سعود بأنه تصرف تصرفاً صبيانياً في اقتراح فكرة الحدود العشائرية . ولم يكن السير بيرسي يجيد اللغة العربية فقمت أنا بالترجمة . ولقد أدهشني أن أرى سيد نجد يوبّخ كتلميذ وقح من قِبل المندوب السامي لحكومة


1) كلام غير دقيق، وعدم الدقة أن المملكة العربية السعودية تأسست سنة 1932م وكانت هذه تسميتها الجديدة بعد أن جمعت نجد وملحقاتها والحجاز وعسير. أمّا في عام 1925م فإنّ قوات ابن سعود أحكمت سيطرتها على الحجاز بقوة الإخوان النجديين وهم طليعة جيش ابن سعود، وتم في هذه السنة إعلان تأسيس (مملكة نجد والحجاز ) بقيادة ابن سعود.

2) مقتطفات مما نشره الدكتور جون كولمان.

3) سيتم التطرق إلى هذا المؤتمر لاحقاً بعد موضوع مؤتمر كربلاء لمواجهة الإخوان النجديين.

صاحب الجلالة الذي أبلغ ابن سعود بلهجة قاطعة أنه سيخطط الحدود بنفسه بصرف النظر عن كل اعتبار .

هكذا انتهى هذا الفصل من المسرحية فانهار ابن سعود وأخذ يتودد ويتوسل معلناً أن السير بيرسي هو أبوه وأمّه ، وأنه هو الذي صنعه ورفعه من لا شيء إلى المكانة التي يحتلها ، وأنه على استعداد لأنّ يتخلى عن نصف مملكته بل كلّها إذا أمر السير بيرسي بذلك »(1)! ! !

ابن سعود والشريف حسين

إستغل عبد العزيز آل سعود قيام الحرب العالمية العظمى بعد أن أصبحت الإحساء بيده وبقية مناطق نجد، وهو يقوم بتمكين قواته للقضاء على خصومه وخاصة آل الرشيد، وكان ذراعه العسكري القوي الإخوان النجديين الذين جعلهم ابن سعود قوام جيشه بعد أن شجعهم على تأسيس الهجر وسمح لهم بتنفيذ عقيدتهم المذهبية الدينية وهي إحياء الدعوة الوهابية السلفية.

وإذا كان آل الرشيد أعداء آل سعود التقليديين، فذلك لا يعني أن آل سعود يميلون إلى أشراف الحجاز، بل إن الاصطدام معهم كان مؤجلاً للظروف التي تمر بها المنطقة من جهة ، والموقف الإنكَليزي الداعم لكلا الجهتين رغم أن الإنكَليز كانوا على دراية بما يدور ولكن مصلحتهم تقتضي تأجيل الانعطاف لجهة دون أخرى .

و مشروع عبد العزيز التوحيدي لن يتوقف عند نجد وحائل ، بل لا يتكامل إلّا بالحجاز وعسير! ، وكان ابن سعود في غاية الهدوء والفطنة في التعامل مع هذه الورقة .

فعندما أعلن الشريف حسين ثورته ضد الأتراك انطلاقاً من الحجاز في حزيران سنة 1916م سارع عبد العزيز بن سعود إلى الاتصال بالسر برسي كوكس في رسالة مطولة يبحث معه عدة أمور منها ثورة الشريف حسين بن علي .


1) الكويت وجاراتها/ هارولد ديكسون، ص281.

فقد أرسل عبد العزيز إلى السر برسي كوكس القنصل العام والمقيم السياسي في الخليج العربي مؤرخة في 20 تموز (يوليو) 1916 جاء في جزء من الفقرة (15) ما نود ذكره نصّاً وهو خلاصة لأفكار ابن سعود اتجاه شريف مكة ، فيقول ابن سعود لكوكس فيما يقول :

«... ونصيحتي هي أن تساعدوا الشريف ، ولكن إلى حد جزئي ، لكي يبقى لدى الأتراك الأمل في القضاء عليه، كما أنه هو أيضاً سيبقى خائفاً من الأتراك ، وهكذا سيصبح الأتراك محرجين جداً في الحجاز، وسيساعدكم هذا على عملكم في العراق وأماكن أخرى، والخلاصة على ما أستطيع أن أرى ، هي أن إطالة القتال بين الشريف والأتراك هو أنسب نهج لكم، وأملي أن تأخذوا هذه الملاحظات بعين الاعتبار بصورة خاصة»(1). قمة في الدهاء ، ولم يصدر ذلك إلّا من شخص يعرف جيداً ما يقوم به لمصلحته وتحقيق أهدافه ، فرغم التحريض هذا نجده يرسل رسالة إلى الشريف حسين بعد أيام من رسالته إلى كوكس مؤرخة في 13 شوال 1334ه-( 13 آب (أغسطس) 1916م)، يقول في بعض فقراتها بعد تقديم فائق السلام والدعاء للشريف :

«تعلمون سيادتكم (حفظكم الله ) أن كل شيء ثابت على أساسه وأن أساس الدين والدنيا هو الصدق . ونحن حفظكم الله، في المقام الأول نتداول معكم ونتراسل حول أمور منها ما هو غير صحيح، ولكن حاشا الله أن تكون لي أية نيّة في أن يكون بيننا أي اختلاف .

لكننا نرى أنه بينما هناك عدد كبير من أعدائنا وأناس ذوو غايات معكم ، وأنتم تصدقون ما يقولون لكم فتشكون فينا ، ذلك نحن واثقون أن الحقائق الصادقة سوف تثبت عكس ما يشيعه الأعداء والناس عموماً مما لا يمكن أن يدوم . وقد تعاملنا معكم بشكل لا يثير استياءكم ولا يسبب لكم أذى ، وسوف نتبعكم


1) الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية / ج 2 ص 737 - 738.

في السرّاء والضرّاء ... إلى أن يقول ، غير أن خدامنا أعلمونا بلا شك عن أعمال قام بها الأتراك لا بدَّ لكل مسلم وعربي أن يغمض عينيه عنها باشمئزاز . لقد ثبت لديّ وعلمت أن هدفهم الوحيد تدمير الإسلام والمسلمين وخاصة العرب، ولذلك علينا أن نقرر أن نكون صادقين إزاءك وأن نتعاون معك في كل الأحوال ، وإن شاء الله نبلغ ما نرمي إليه ، ويخزي الله أعداءنا . وهكذا لن ننال اللوم، ونركز جهودنا ولا ندع سبيلاً للأسف ... »(1).

وعندما سيطر عبد الله بن الشريف حسين على الطائف وطرد الأتراك منها ، أرسل إليه عبد العزيز آل سعود رسالة ننقل نصّها الحرفي وذلك لأهميتها في بيان أسلوب عبد العزيز وسياسته التي لا تبتعد عن مصلحته وتقدير الموقف للمستقبل وهذا نص الرسالة :

«بسم الله الرحمن الرحيم ... من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى أخينا المكرم العظيم العزيز الشريف عبد الله بك ابن سيدنا المعظم الشريف حسين أمير وشريف مكة المكرمة أطال الله عمر عظمته ، آمين .

أقدم لكم خير السلام وأسأل عن صحتكم وراحة خاطركم النبيل . وإذا سألتم عنّا فنحن والحمد لله بأحسن حال ونلتزم بعرى الود. ودولتنا والحمد الله بخير وسعادة .

في أفضل الأوقات وأبرك الساعات تسلمت رسالتكم المؤرخة 28 ذو القعدة 1334 تنبئ بالخبر السار عن احتلالكم الطائف والقبض على الوالي والقائد الفريق علي غالب باشا وموظفيه وعساكره وعن إرسالهم إلى جدة. هذه الأخبار سرتني كثيراً، جعل الله انتصاركم مقروناً بكل خير . آمل أنكم قبل مرور وقت طويل تحملون إليّ الخبر السار عن احتلالكم المدينة المنورة. فسرورنا الوحيد هو


1) المصدر السابق نفسه / ج 2 ص 751 - 752 .

سعادة وقت سيدنا وعودة أعياد النصر والغلبة لشرفكم . ورمى الله بالتفريق بين أعداء الدين ومنح النصر لجموع المؤمنين .

والآن أعرب عن إخلاصي للشريف سيد الجميع أبينا النبيل . أخبركم أنني مستعد لتنفيذ أوامركم .

وختاماً أرجو أن تكونوا جميعاً بخير وسعادة دائمة .

أعرب عن سلامي لسيدنا الشريف عليّ وسيدنا والدكم والأخوان والأولاد وكل عزيز لديكم . وأبي وأخواني والأولاد يقدمون سلامهم. وتقبل محبتي وإخلاصي. أطال الله عمرك وحفظك».

التاريخ 15 ذي الحجة 1334 (ختم) عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ( يوافق 13 تشرين الأول (أكتوبر) 1916)(1)

وفي رسالة أخرى أرسلها عبد العزيز إلى عبد الله بن الحسين يقول في ختامها :« أنا معكم في كل نواياكم قولاً وفعلاً وكل ما قلته صحيح إن شاء الله . لا شك عندي حول اتفاق سيادتك المعقودة مع أخيك (يقصد نفسه أو أخاه ) .

أعاهدك بالله بأنني معك بكل قوتي وقلبي . ولا أخفي عنك أي شيء وكل قوتي ورأسي هما لك . سوف أكون معك في كل شيء سواء كان قريباً أو بعيداً وبصدد أي شيء قد يسيء إلى ديني أو مصلحتي . سوف أتراسل مع سيادتك عنها والله شاهدي صلاة الله وسلامه على محمد وآله وصحبه » .

(ختم) عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود(2)


1) المصدر السابق / ج 2 ص 770 - 771

2) المصدر السابق نفسه / ج 2 ص 773.

الموقف البريطاني بين الأمير عبد العزيز والشريف حسين

طالما كان الأمير ابن سعود يذكر للإنكَليز في رسائله لهم أنه لا يرتاح إلى الشريف حسين محاولاً إيغال صدرهم على الشريف، في نفس الوقت الذي يتبادل مع الشريف وإبنه عبد الله الرسائل التي يعاهدهم بها بالوقوف معهم وتنفيذ ما يطلبونه وقد ذكرنا بعض مقتطفات رسائله ، إلّا أن الإنكَليز كانوا يتخذون موقفاً محايداً ولو بشكل مؤقت لضمان مصالحهم محاولين تلطيف الأجواء بين الطرفين .

وقد أخبر القنصل البريطاني في جدة (ويلسون) برسالة إلى الشريف حسين ذاكراً له انزعاج الأمير عبد العزيز لسوء تفاهم حصل في تبادل الرسائل مع الشريف حسين ، وفي رسالته أخبر ويلسون الشريف بأن ابن سعود يدعم ثورته ويؤكد ذلك بأن حكومة بريطانيا حريصة جداً على أن يدعم جميع الشيوخ العرب القضية العربية الشريفة(1).

وفي رسالة ودية بعثها الشريف حسين إلى الأمير عبد العزيز آل سعود يقول في إحدى فقراتها :

«... ولم أظن أنه بدر مني شيء ما بقصد إهانتك ولا أنا أنوي القيام بذلك ، وليس هنالك سبب يدعو إليه يا أبا تركي . والدليل على ذلك هو إرسالي إليك كل ما طلبته من مال ، وخاصة الرسالة الأخيرة بواسطة راقي ومقلد اللذين ذهبا إليك حاملين رسالتي المؤرخة في 18 محرم 1335 ولا بُدَّ أنها قد سلّما إليك ما كان معهما . عليك أن تعلمنا بكل طلباتك . وأخيرًا فإنّني آسف ومتألم أكثر منك ليعجلك في الأمر .

وإذا فعلنا شيئاً ، فذلك عن غير قصد، والإنسان عرضة للخطأ والنسيان وبدلاً من بحث أمور كهذه في الوقت الحاضر ، علينا أن نوجه عملنا لهدف واحد لأنّ


1) المصدر السابق/ ج 2 ص 780 ، رسالة ويلسون إلى الشريف حسين مؤرخة في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 1916.

كلينا حليفان وصديقان حقيقيان للحكومة البريطانية التي هي الصديق الحقيقي للعرب، لأجل العمل معاً لدحر الأتراك القساة وتدميرهم ... »(1)

(نوفمبر) 1916م).

رغم علاقة الشريف حسين ببريطانيا وثقته بهم ووعودهم له بدعمه في ثورته ضد الأتراك ، فقد مال عنه الإنكَليز في النهاية وتنكروا له بمجرد عدم قبوله بفرض الانتداب على فلسطين، ورفضه إعطاء فلسطين لليهود لإنشاء دولتهم عليها، وما آل إليه وضع أشراف مكة خاصة بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى، وإندحار العثمانيين فيها ، عندما طالب الشريف حسين بحكم( الدولة العربية الكبرى) التي وعدته بريطانيا بها والتي تصور الشريف أنها تشمل الحجاز والشام والعراق وفلسطين ، ورفض التوقيع على معاهدة فرساي، فإتجه دعم الأنكَليز إلى إبن سعود وسمحت له بالتمدد وساعدته بالقضاء على حكم أشراف الحجاز، وخاصة بعد موافقته على إعطاء فلسطين وطناً لليهود كما جاء في الوثيقة المشهورة التالية :

195


1) المصدر نفسه / ج 2 ص 783 ، رسالة موقع عليها (شريف مكة وملك البلاد العربية - حسين) في 3 صفر 1335ه- (الموافق 29 تشرين الثاني

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أنا السلطان عبد العزيز ابن عبد الرحمن الفيصل السعود أقر وأعترف ألف مرة للسير برسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى لا مانع عندي من إعطاء فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم وكما تراه بريطانية التي لا أخرج عن رأيها حتى تصيح الساعة (ختم) .

وكانت نتيجة التعاهد مع الإنكَليز أن وقفوا معه مشجعين على تأسيس الدولة السعودية الثالثة المستمرة لحد الآن بعد أن كانت نجد وملحقاتها تحت حكمه ، فساعده الإخوان في احتلال الطائف ومكة وجدة والمدينة المنورة (كما سيأتي بحث ذلك لاحقاً) ، ومِنْ ثَمَّ سيطرت قوات عبد العزيز على عسير وإنهاء دولة الأدارسة ، فكانت شبه الجزيرة العربية تحت سيطرته وتأسست المملكة العربية السعودية سنة 1932م.

ومن المناسب هنا أن نذكر ما قاله المعتمد السياسي البريطاني في البحرين (الميجر ه- . ديكسن) في 12 آب سنة 1920م في مذكرة رفعها إلى حكومته مع صورة من المرفق إلى كل من المقيم السياسي في الخليج العربي في بوشهر، والوكيل السياسي في الكويت، وإلى حكومة الهند والمندوب الملكي في بغداد . شارحاً الحالة السياسية في نجد نهاية تموز (يوليو) 1920م، وقد إخترنا مقتطفات من الفقرة 8 من المرفق الطويل حيث قال : «جزيرة عرب وسطى قوية يحكمها ابن سعود، وهو مرتبط بأشد العلاقات الودية مع الحكومة البريطانية ، تكون ، كما أجرؤ أن أقول : ملائمة للسياسة البريطانية كل الملائمة ، إنها ستحسم الكثير من المصاعب ، وفي الوقت نفسه تجعل الدويلات الساحلية معتمدة علينا أكثر مما هي عليه الآن . الكويت والبحرين والساحل المهادن وعمان والحجاز وحتى سورية ، سوف تعيش كلها في هلع من جارها القوي ، وتكون أكثر انصياعاً لرغبات حكومة صاحب الجلالة مما هي عليه اليوم ... (إلى

أن يقول) : إن طريقة العربي هي أن يعيش على تحريض جيرانه الأقوياء بعضهم ضد بعض وفي نفس الوقت إذا لم يستطع القيام بذلك، فعليه أن يستند إلى دولة حامية قوية للإلتجاء إليها ، وإذا أصبح ابن سعود قوياً جداً في جزيرة العرب، فإنّ النفوذ البريطاني يزيد زيادة عظيمة بين الدول الساحلية.. »(1).

كما أن بريطانيا إستعملت المال كونه إحدى الوسائل المهمة لتطبيق سياستها وكان لعبد العزيز نصيب كبير كما ورد في تقرير لجنة وزارية شكلتها وزارة لويد جورج في عام 1921م ، والغاية من تأليف اللجنة الوزارية هو موضوع إنشاء إدارة خاصة بوزارة المستعمرات، يعهد إليها إدارة شؤون الأقطار المشمولة بالانتداب البريطاني ، وبعض الأقطار الأخرى في الشرق الأدنى، فشرعت اللجنة بمساعدة الإخصائيين من العسكريين والبحريين والجويين في درس القضايا الإدارية والسياسية والعسكرية في كل قطر من الأقطار ، مستعينة بإرشادات ذوي الخبرة الذين زاولوا العمل هناك . وأشار تقرير اللجنة إلى أن بريطانيا تدفع منح سنوية إلى كل من :

1 - يُدفع إلى ابن سعود مئة ألف جنيه في السنة لأنّه أكبر شخصية في البلاد العربية. ولأنّ بينه وبين الإنكَليز مواقف مودة واحترام، ولأنّه يستطيع إلحاق الأذى بجيرانه من حلفاء بريطانيا . وفي استطاعته أن يغير على الجنوب الغربي من العراق ، والكويت، وجبل شمر . وأن الوهابيين أصحابه يتعطشون للهجوم على جيرانهم. فبريطانيا تدفع هذه الضريبة ليستطيع ابن سعود من كف الأذى وضبط رعاياه .

2 - يدفع إلى الملك حسين مائة ألف جنيه في السنة (ولو أنه أضعف من ابن سعود) لأنّه يحرس الحرمين ، وله موقف خاص تجاه الحلفاء . ولأنّ بريطانيا لو حدّت من قدرته فإنّها تكون عرضة لعتب العالم الإسلامي والعالم العربي. وقد اشترطت على الملك حسين لقاء هذه المنحة :


1) الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية / ج 5 ص 383 - 384.

أ. أن يوقع معاهدة فرساي .

ب . الاعتراف بما بين إنكلترا وابن سعود من معاهدات وتحالفات .

ت . تحسين أحوال الحج .

ث . الاعتراف بحقوق بريطانيا في الحجاز .

ج. قبول قنصل بريطاني مسلم في جدة .

ح. الامتناع عن جعل البلاد العربية مراكز دس للإنكليز .

خ . منع أي عضو من عائلته من مناصبة الفرنسيين العداء ولا سِيَّما في جهة سورية (يريد محاولة الأمير عبد الله الثأر لأخيه الملك فيصل الذي

أخرجه الفرنسيون من الشام) .

3- يمنح الإدريسي(1)12 ألف باون في السنة ، لأنّه أول عربي انضم إلى الإنكَليز في الحرب. وكانت إنكلترا تمده بالسلاح والعتاد، وهو لقاء هذه المساعدة يعترف بحقوق بريطانية معينة في بلاده فإذا أخرج منها أعادته إليها بالقوة(2).

4 - يمنح ابن هذال(3)إعانة سنوية قدرها (140000) ربيّة(4)لقاء الخدمات التي يؤديها إليها فإنّ الطريق الحيوية الآتية من فلسطين على المنطقة التي


1) الإدريسي: هو أمير إمارة الأدارسة في ( عسير ) جنوب نجد والحجاز، وشمال اليمن.

2) رغم وعد بريطانيا للإدريسي، فعندما تمكن ابن سعود من تقويض بلاده واحتلال عسير وضمها إلى مملكته لم تحرك بريطانيا ساكنا لنجدة الإدريسي !!

3) ابن هذال: هو فهد بك الهذال رئيس قبائل عنزة، كان قد عيّنه الأتراك قائم مقام على قضاء الرزازة وقبيلته تسكن الأطراف الغربية من كربلاء ويمتد نفوذه إلى مناطق واسعة من البادية الغربية، وكان على غير وفاق مع ابن سعود.

4) الربيّة : هي عملة هندية، وكان الجنيه الاسترليني في ذلك الوقت يعادل الكثير من الربيات الهندية، فالمبلغ الذي تمنحه بريطانيا لفهد الهذال يقل كثيراً عما تمنحه إلى ابن سعود والملك حسين.

تسكنها قبيلة عنزة تبلغ مائتي ميل فالخدمة التي يؤديها لحفظ هذه المواصلات تبرر صرف حكومة الهند هذه الهبة .

وقد رفض الإمام يحيى(1)هبة سنوية ، رفضها لأنّه في غنى عنها ، ولأنّه لا يريد أن يقيّد نفسه(2).

كل ما ذكرناه من وثائق لا تقبل الشك عن العلاقة التي ربطت عبد العزيز آل سعود ببريطانيا وقواتها في منطقة الخليج العربي ، كانت تتحكم فيها متطلبات المرحلة والصراعات القائمة دولية كانت أم محلية . فقد كانت بريطانيا تتمدد بهدوء في المنطقة ، تقابلها الدولة العثمانية التي تتبع لها مناطق عربية شاسعة ، وكانت بريطانيا تتعامل مع الدولة العثمانية بحذر من غير إثارة شكوك لنوايا قد تتحسس منها الدولة العثمانية، فتأثير الإنكليز على الكويت والبحرين وبلدان الشاطيء العربي مثل عمان وقطر ، وعلاقتها الوثيقة بأشراف مكة عن طريق مندوبهم في مصر ، جعل كل ذلك أن يكون لعبد العزيز آل سعود رأي خاص به فيما يدور حوله ، في نفس الوقت الذي كان يستمر بإخضاع مناطق مثل الإحساء وحائل تحت سيطرته معتمدا على قواته من الأخوان النجديين وغيرهم .

كان من ذكاء وفطنة ودهاء عبد العزيز وسياسته التي عُرف بها ، هي التي ساعدته في تحقيق مشروعه ، ومهما قيل وإتُهم به عبد العزيز في موضوع عمالته


1) الإمام يحيى: هو يحيى بن محمد حميد الدين بن يحيى، كان إمام اليمن وامام الزيديين من سنة 1904م حتى سنة 1948م ، يرجع نسبه إلى الحسن المثنى بن الامام الحسن السبط بن الامام علي بن أبي طالب عليهم السلام .قُتل وخلفه إبنه أحمد.

2) النص مقتبس من تاريخ الوزارات العراقية / ج 1 هامش ص 88 ط6 عن مكتبة اليقضة العربية سنة 1402ه- - 1982م. ومصدره مجلة الشؤون الخارجية الصادرة في لندن في كانون الثاني 1927 التي نشرت فصلاً عن « أمراء العرب وداوننغ ستريت » وعربته جريدة العالم العربي البغدادية.

للإنكَليز ، ومن يبحث في تاريخ الجزيرة العربية بالحوادث التي وقعت فيها وخاصة بعد مؤتمر العقير ومؤتمر الكويت، والقضاء على إمارة آل الرشيد، واحتلال الحجاز .

وضمّه إلى مملكته، وما حدث في ثورة الإخوان النجديين ضده، والقضاء على تمرد الأدارسة وضم عسير إلى مملكته ، وحتى في معاهدة دارين والاتفاقات النفطية التي تعاهد بها مع الشركات ، كلها تؤكد الحقيقة التي لا يمكن الابتعاد عنها وهي أن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود هو من قام بتأسيس الدولة السعودية الثالثة معتمداً على حسن تدبيره وذكائه وكانت جميع خطواته تشير إلى مصلحته بتحقيق مشروعه التوحيدي ، وبه أنشأ دولة مترامية الأطراف وسيطر على جميع الإرهاصات والخلافات بالسياسة واستخدام القوة في آنٍ واحد في تحقيق إغراضه التي يعتبرها مقدسة معتمداً على عقيدته الدينية التي سخّرها للغرض المنوّه عنه . ورغم أن بريطانياً كانت على اطلاع بما يحدث في شبه الجزيرة العربية ، ولكن لم يكن لها فضل فيما حققه عبد العزيز من إنجازات في مشروعه التوحيدي .

ومن الطبيعي عندما وجدته بريطانيا أصبح الرجل القوي في المنطقة وأن الدولة التي أسسها لها أهميتها البالغة ، فكان مد الجسور بينها وبينه أصبح لزاماً عليها . ومن . ومن هنا يمكننا القول أن عبد العزيز كان سياسياً فذاً كما كان عسكرياً فذاً أيضاً ، فقد استطاع بحنكته أن يجعل بريطانيا تهرول نحوه، ولم يمنعه ذلك منها ، بل سخّر كل هذه العلاقة لمصلحة شعبه ودولته التي لا زالت مستمرة لحد الآن .

الإخوان النجديين

اشارة

في المراحل الأولى من تأسيس الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود الدولة السعودية الثالثة بعد إستيلائه على الرياض سنة 1320ه-(1902م)، واستمراره في إخضاع مناطق نجد، وتمكنه من التغلب على آل الرشيد، وجد أن أتباعه ينقسمون إلى فئتين، أقليّة ، وأكثرية.

فالأقلية هم من المزارعين وسكان المدن والقرى (الحضر ) . أمّا الأكثرية فهم من البدو الرّحل وكان هؤلاء هم المحاربون الأساسيون في الدولة السعودية بأدوارها الثلاثة .

ومن الطبيعي جداً أن يطمئن ابن سعود إلى الفئة الأولى وهم (الأقلية)لأنّهم في حالة استقرار وسكون في مزارعهم وبلداتهم ، يحاولون الحفاظ على ما بأيديهم، مع أنهم يلبون ما يؤمرون به من قِبَل الدولة في الغزو والحرب، ولكنهم يؤثرون حياة الاستقرار ويخضعون للنظام وقانون الدولة الجديدة التي يديرها ابن سعود الذي لا يرى فيهم خطراً عليه ولا على الدولة .

أمّا الفئة الثانية وهم( الأكثرية) فهي تأبى الاستقرار ويصعب خضوعها للنظام والقانون وذلك لكون هذه الفئة في تنقّل دائم، وليس لها استقرار في مكان ثابت ، فرضتها عليهم طبيعة الرعي وطلب الكلأ والميل إلى الغزو، فهي عادات البدو .

فاستجدت فكرة لدى الأمير عبد العزيز آل سعود بتوطين قبائل البدو هذه في أماكن وقرى يتم تحديدها في البادية ويتم تسميتها ب-(الهجر) ومفردها (هجرة) .

وتكون هذه الهجر أماكن لتمركز القبائل لحين تحويلها فيما بعد إلى مراكز حضرية يمكن السيطرة عليها .

بدأ الأمير عبد العزيز بقبيلة (مطير )(1)وهي من القبائل الكبيرة والمهمة في نجد، ولها سطوة وقوّة، وكان يرأسها في ذلك الوقت (فيصل الدويش).(2).

وأول (هجرة) تأسست في (الأرطاوية)(3)سنة 1330 ه- (1911م)، وتصاعد عدد الهجر حتى بلغ سنة 1348ه- (1929م) إلى 60 هجرة أو أكثر(4)توطن فيها من مطير وشمّر وحرب وعتيبة وسبيع وبنو خالد والظفير والدواسر وغيرهم الكثير .

يذكر سنت جون فيلبي المعروف ب-(عبد الله فيلبي) في كتابه (تاريخ نجد) عن الهجر والأرطاوية ما نصّه :


1) قبيلة مطير : هي قبيلة عربية كبيرة قيسية مضرية عدنانية تنتسب إلى غطفان، تتواجد في وسط شبه الجزيرة العربية وتستوطن مناطق نجد والحجاز. وتمتد منازل مطير من الحجاز ما بين مكة والمدينة المنورة نزولاً إلى نجد وسط شبه الجزيرة وتمتد إلى هضبة (الصمان) بشمال شرق شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى حدود الكويت وأنحاء من العراق. وسميت مطير نسبة إلى بطن ( المطارنة) من القبيلة، ومطير إسم علم مذكر عربي معناه كثير المطر، السخي الكريم.

2) فيصل الدويش: هو فيصل بن سلطان بن الحميدي بن فيصل بن وطبان الدويش، المولود في الصمان سنة 1298ه- (1880م) والمتوفى سنة 1350ه-( 1931م). والده سلطان الدويش شيخ مطير ، ووالدته من آل حثلين ابنة شيخ العجمان ذكي، عنيد بطبعه، وصعب المراس، به شراسة ودهاء (وسيتم التفصيل عنه لاحقاً).

3) الأرطاوية تأسست الأرطاوية كأول هجرة سنة 1330 ه- وسبب تسميتها لكثرة شجيرات الأرطي فيها ( والأرطي نبات صحراوي معمر وجذوره عميقة، وشجرته دائمة الخضرة واسعة الانتشار في صحراء السعودية). وتقع الأرطاوية شمال المجمعة وشرق الزلفي وتبعد عن الرياض 250 كم شمالاً . أقيمت حول آبار الأرطاوية، وهذه الآبار تقع ضمن ديرة مطير بقيادة زعيمها فيصل الدويش وأعتبرت له ولعشيرته مطير. فأصبحت الأرطاوية عاصمة لقبيلة مطير وبطونها المتوزعة في عدة مناطق في نجد والحجاز.

4) هناك من يقول عدد الهجر بلغ 120 هجرة، وذكر غيرهم بأن أعداد الهجر بلغت أكثر من 200 هجرة في شبه الجزيرة

«وفي السنوات التالية ازداد عدد هجر الإخوان مع انتشار الحركة في أقصى نواحي ديار البدو. غير أن المنزلة الرفيعة في سجل الشرف يجب أن تكون من حظ الهجر الأولى التي أتخذت نموذجا للأخرى . فاعتنقوا المذهب قبيلة مطير وإستقروا في أرطاوية عاصمة المذهب الجديد»(1).

تأسيس حركة الإخوان النجديين

يذكر بعض الباحثين بأن بداية حركة الإخوان النجديين كانت عندما تأسست الهجر وبدء الدعوة للاستيطان في قرى يبنون فيها مساكن من الطين ، ويتركون حياة البداوة والترحال. والحقيقة تختلف بشكل كامل، لأنّ تأسيس ونشأة حركة الإخوان كانت لها مسببات دينية مذهبية تصب في خدمة السياسة والسيطرة والتوسع بلباس ديني متخلف ، يميل إلى التشدد ويبتعد عن مضامين ومفاهيم الإسلام، والرجوع إلى العصبية المتخلفة والمفاهيم الضالة بسبب نقص عميق في الإدراك، والسير خلف من ابتدع طرق الضلال بحجة الرجوع إلى أيام الإسلام الأولى ، وهذه الأفكار التي إعتمدتها الحركة كانت بحجة أن الناس على بداوتهم كانوا يمثلون الجاهلية، ولا بُدَّ من الرجوع إلى الإسلام الأول .

والغريب في الأمر أن جُل الإخوان هم أمّيون لا يحسنون القراءة، ولم يكن لديهم اطلاع ومعرفة عميقة في أركان الدين الحنيف وأصوله وفروعة ، وليس لديهم إلمام في الحديث والتعمق في التاريخ ، وذلك بسبب طبيعتهم البدوية التي كانت لا تتعدى الترحال والغزو والقسوة في التعامل والسلب والنهب وتكفير الغير .


1) تاريخ نجد ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية / سنت جون فيلبي، تعريب عمر الديراوي، ص 412 عن مكتبة مدبولي بالقاهرة ، ط 1 سنة 1414ه- - 1994م.

« لقد تشرّب هؤلاء كثيراً من المبادئ والتعاليم الناقصة، حتى إعتقدوا أنها هي الدين ، وما سواها ضلالة، كما أساءوا الظن بغيرهم من حضر نجد ، بل وبوَليِّ أمرهم الإمام عبد العزيز»(1).

ما ذكرناه مقدمة أولية عامة لبحث موضوع تأسيس الإخوان النجديين ، والحقيقة هي أن عبد العزيز آل سعود خاض من المعارك والحروب خلال سنوات تأسيس دولته السعودية الثالثة مع قبائل وإمارات لها تاريخ طويل معه ومع آبائه في الخلاف والتصادم الدموي والغزو المستمر ، وذلك نتج عنه عداوات ومِنْ ثَمَّ معاهدات واتفاقات، وعندما تُضرب المصالح تُنقض العهود ويُعاد الاحتراب .

رعان ما تتلاقى المصالح ولكن يبقى التوجس وعدم الثقة مستمراً بين كافة أطراف الصراع، وخير مثال على ذلك هو الخلاف والعداوة بين مطير وشيخهم فيصل الدويش من جهة، وبين إبن سعود من جهة أخرى. وتحالفهم ثُمَّ النزاع الذي دار بينهم .

كان ابن الدويش صديقاً وحليفاً لابن سعود، وسرعان ما مال إلى ابن الرشيد ، ثُمَّ عاد وتحالف مع ابن سعود ولم يمض وقت طويل حتى كان مع خصومه حتى في إحدى المعارك جُرح فيصل الدويش، وما هي إلّا فترة وجيزة حتى يكون ابن الدويش أحد قادة ابن سعود عندما شكّل ابن سعود حركة الإخوان ، وبعد سيطرة ابن سعود وجيوشه على الحجاز رغب فيصل الدويش بالإمارة على المدينة وعندما لم ينالها خرج على أمره حتى تمكن ابن سعود من دحره فيما بعد .

هذا الأمر ينطبق على مبارك الصباح وابن سعود وآخرين غيره، فكانت في نجد وحائل قوتان ، آل سعود وآل الرشيد، فتصافت القبائل الكبيرة ، فكانت شمّر وحرب ومطير مع ابن الرشيد، وكانت عتيبة وقحطان مع عبد العزيز آل سعود .


1) جزيرة العرب في القرن العشرين / حافظ وهبة، ص 286 .

والأنكى من ذلك تجد في مناطق الصراع نزعات قبلية شرسة في البيوتات الحاكمة ، حدثت في الكويت عندما يقتل أخ الأمير أخويه ويحتل مكان أخيه الأمير محمد ، وفي تاريخ آل سعود حدثت نزاعات ذكرنا الكثير منها سابقاً ، ولكن أفظعها ما حدث في أسرة آل الرشيد . وأبلغ من صوّر هذه الحالة ما ذكره أمين الريحاني عندما قال في كتابه تاريخ نجد الحديث ما نصّه :

« عجيب أمر العرب ! وطالما إستحلوا في سبيل السيادة دم ذوي القربى، خزعل (يقصد به أمير المحمرة) ذبح أخاه ، وقتل مبارك (يقصد به شيخ الكويت) أخويه ، وقتل بندر بن الرشيد عمّه، ومحمد بن الرشيد أبناء أخيه الأربعة، وأبناء عبيد الرشيد قتلوا أولاد عمهم الثلاثة ، كل ذلك طمعاً في السيادة »(1).

يبدو أن هناك ضعفاً في جوهر المجتمع الصحراوي ، فإنّه وإن كان أهلاً للأعمال البطولية بدافع قضية كبرى أو تحت تأثير شخصية عظيمة، فالمجتمع هنا يعجز عن الحفاظ لأمد غير محدود على النظم الضرورية لتطوير ثمار النصر للصالح العام. فالقبائل والمدن والبلدان المدنية كانت واقعة تحت تأثير الولاء المحلي أو القبلي الذي تغلب على شعور الوطنية ، وحتى الدينية والمشاعر العامة لإقامة دولة يسودها النظام والقانون .

وجد ابن سعود في السنوات الأولى من الدولة السعودية الثالثة نفسه سجيناً في الصحراء ومكشوفاً من الشمال والغرب لهجمات أعداء يتمتعون بمساعدة العثمانيين وتشجيعهم ، فمن الشمال حائل والكويت، ومن الغرب الحجاز ، بينما كان هو يعتمد على ولاء القبائل ومدن نجد في بلاده ولكن هذا الاعتماد غير مضمون .

وعدم الضمان هذا هو مصدر لضعف خطير ، فكان لا بُدَّ لابن سعود أن يُفكّر ويستعيد ذاكرته عن سنوات نضاله السابقة منْ أَجل استرداد ملكه ، ويتخذها عبرة له . فلذلك كان لزاما عليه أن يُشغِل باله فيما يتخذ من وسائل وخطوات كفيلة


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص 160 .

بمجابهة الأقدار التي قد تلاقيه وتقلباتها . فالأقدار جرت على آبائه وأجداده فذاقوا الذل والانكسار في أحيان متعددة خلال تمسكهم بالحركة الوهابية التي بوأتهم السيادة في شبه الجزيرة العربية .

فأحسَّ عبد العزيز آل سعود أن هناك ضعفاً في القادم من الأيام فمن الضروري له أن يجد علاجاً ناجعاً يضطر لاتخاذه والاعتماد عليه، فذكاؤه الحاد وفطنته وشجاعته وبسالته واطلاعه بتاريخ أسرته الذي جعل الدين والمذهب عنصراً أساسيّاً في الدورين الأول والثاني من دولتهم .

مع أن عبد العزيز وأباه الإمام عبد الرحمن كانا وهابيين مخلصين لعقيدتهما ، وصادقين باعتقادهما ، إلّا أن المعارك التي خاضاها والقتال القاسي الذي دار منْ أَجل استرجاع الملك لم يكن يعتمد بشكل كامل على الناحية الدينية، والدليل على ذلك أن الكثير من الذين حاربهم آل سعود كانوا على نفس مذهبهم ، أو على الأقل إلتزموا به في بعض المراحل .

فقاده تفكيره إلى اختمار فكرة جديدة على شكل نهضة وهابيّة أخرى يستفيد منها ويجندها سياسيّاً لتقوية مساعيه في تثبيت حكمه الجديد . فبفطنته أخذ يُركّز على خطوات يُغيّر بها واقع البدو، وتغيير هذا الواقع لا بُدَّ من الاعتماد على أمرين :

الأول : التركيز على جهود الدعاة والمرشدين الذين لا بُدَّ لهم من الانتشار بين قبائل البدو كما كان الدعاة المسمون(المطاوعة)في بداية الحركة الوهابية ، لما لهؤلاء الدعاة من تأثير كبير على أفراد القبائل .

الثاني : توطين البدو في قرى (هجر ) يمكن السيطرة عليهم ، ومِنْ ثَمَّ يمكن لدعاته ومرشديه تغيير الكثير من واقعهم .

وهذان الأمران لا يفترقان عن الأساس في اتخاذ الدين والمذهب كحالة تجديد، وخطة يمكن تطويرها والإستفادة منها . ولم يكن ابن سعود يعتقد بأن خطته التجديدية هذه سوف تجلب له المتاعب ، وأنه سيضطر إلى السيطرة عليها

بالقوة والشدة عندما لزم الأمر لذلك ، كما سيتضح لنا ذلك لاحقاً وسنجده عندما يسيطر على القبائل ومهاجرها سيضع واقعها الجديد .

يذكر ألكسي فاسيلييف(1)في كتابه تاريخ العربية السعودية : « لم يكن لدى عبد العزيز سند متين بالقدر الكافي في أواسط الجزيرة رغم نجاحاته الأولى . فلم يكن يتمتع بدعم الدعوة الدينية السياسية التي رصت صفوف السكان وجعلتهم يلتفون حول آل سعود في عهد أجداده »(2).

وهذا القول يؤكد أن نضال عبد العزيز آل سعود في سبيل استرجاع ملك آل سعود من غزوات قام بها ومعارك خاضها لم يعتمد على العامل الديني أو المعتقد أو تجديد الدعوة ، وإنما كان صراعاً منْ أَجل السيادة .

وعلى نفس المنوال والمفهوم نجد السيد محمد الكثيري في كتابه (السلفية بين أهل السنة والأمامية) يقول :

«.. إنّ حركة عبد العزيز هذه واحتلال الرياض ، ومحاولة استعادة ملك الآباء لم تكن لها علاقة دينية ، إنما المُلك والصراع من أجله . وإلى سنة 1912م لم يكن هناك أي صدى ديني أو دعوي في حركة عبد العزيز العسكرية والسياسية، وإنما غدا مثله مثل باقي الأمراء في الجزيرة العربية وبلاد نجد يصارع من أجل السيطرة على أكبر مساحة من تلك المنطقة »(3).


1) ألكسي فاسيلييف: مؤرخ ومستشرق روسي معروف وكاتب مهتم بقضايا الشرق الأوسط والأدنى، كان مراسلاً لجريدة البرافدا ( ومعناها بالروسية - الحقيقة)، وقد قضى أكثر من عشر سنوات في بلدان الشرق الأوسط والأدنى، وله عدة مؤلفات. وكتابه تاريخ العربية السعودية حصيلة عمله لأكثر من عشرين سنة في تواجده بالمنطقة ومتابعته من بلاده.

2) تاريخ العربية السعودية ألكسي فاسيلييف، ترجمة دار التقدم في موسكو، ص 269 - 270 . ط 1 - طبع في الاتحاد السوفيتي، موسكو سنة 1986م.

3) السلفية بين أهل السنة والإمامية السيد محمد الكثيري، عن مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي - قم ط 2 ص 395 صادر عن مؤسسة الغدير بيروت - لبنان سنة 1429ه- - 2008م.

أمّا السنة التي ظهرت فيها حركة الإخوان النجديين فقد إختلف المؤرخون عليها . فمنهم من أكّد بأن عبد العزيز أسسها سنة 1911م، وآخرون قالوا سنة 1912م، وقسم ثالث يؤكد تأسيسها سنة 1913م. والاختلاف ورد حول مؤسس الحركة ، فمن قائل يؤكد أنه عبد العزيز وآخرون ذكروا بأنها تأسست تلقائيًا وهو الذي دعمها .

في كتابه السياسة الخارجية السعودية يذكر د. غسان سلامة(1)أن حركة الإخوان تأسست سنة 1911م وكان وراء تأسيسها عبد العزيز آل سعود، بعد أن شرح حال البدو ونجاح آل سعود من تحويلهم إلى جيوش غازية بعد أن شجعوهم على استيطان الهجر .

ومن الذين يؤكدون بأن حركة الأخوان تأسست في سنة 1912م ومؤسسها هو عبد العزيز آل سعود هو محمد عبد الله المانع(2)، رئيس مترجمي الملك عبد العزيز .

كما إختلف الباحثون في تاريخ بلاد نجد وشبه الجزيرة والمملكة السعودية عن مؤسس الإخوان النجديين ، هل هو عبد العزيز آل سعود أم غيره ؟ ، فقد ذكرنا سابقاً في بحثنا أن عبد العزيز قد إختمرت في باله فكرة إحياء وتجديد الدعوة الوهابية على شكل حركة يستغلها ويستفيد منها في تقوية وتوسيع دولته الجديدة ، والخطوات التي قرر أن يتخذها لذلك الغرض. وهذا ما يؤكده الكثير من الباحثين .


1) د. غسان سلامة: سياسي لبناني وشخصية ثقافية، ولد سنة 1951م، عمل أستاذ العلوم السياسية في جامعة السوربون بفرنسا، وشغل منصب وزير الثقافة في لبنان من سنة 2000 م إلى سنة 2003م ، وكُلّف مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة في ليبيا منذ حزيران 2017م حتى آذار 2020م.

2) محمد بن عبد الله المانع : مترجم ومؤرخ سعودي، وهو مؤلف كتاب (توحيد المملكة العربية السعودية) باللغة الإنكليزية ولد بمدينة الزبير في العراق سنة 1903م، وكان والده من جلاجل بالسعودية ويعمل تاجراً للخيول، إنتقل مع والده إلى الهند فدرس في المدارس الإنكليزية فيها، وعاش في بومباي 12 عام، وعاد إلى الزبير مرة أخرى. وفي سنة 1926م عمل مترجماً للملك عبد العزيز. توفي سنة 1987م.

بينما آخرون ذكروا بأن أساس الفكرة أنضجها ثلاثة أشخاص هم : القاضي عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ(1)، وهو من ذرية محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية . والشيخ عبد الكريم المغربي(2)، وقاضي الإحساء الشيخ عيسى العكاس السبيعي(3).

وعندما يقولون أنضجها هؤلاء الثلاثة يعني أن الفكرة كانت قد طرحت من قِبَل غيرهم، وهم الذين أنضجوها أي عملوا على الدعوة واستحسان تطبيقها من خلال اقتناعهم بها، ولا غرو أن هؤلاء هم من فقهاء المذهب الحنبلي والدعوة الوهابية أساساً .


1) هو عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، فقيه وخطيب من أهل نجد، ولد في الهفوف سنة 1265ه- (1849م) عندما كان والده مقيماً بشكل مؤقت للعمل فيها ، ثُمَّ رجع مع والده إلى الرياض ، تعلم على مشايخ الرياض وتولى المسؤولية من الفتوى والتدريس والوعظ والإرشاد تعاون مع الإمام عبد الله وأخيه عبد الرحمن أبناء فيصل السعود لتدبير شؤون الدولة ، وفي سنة 1308ه- عندما هاجم ابن الرشيد الرياض أيام عبد الرحمن آل سعود خرج الشيخ عبد الله مع الأمير الشاب عبد العزيز لمفاوضة ابن الرشيد على الصلح، وعندما قضى ابن الرشيد سنة 1309ه- على حكم آل سعود ودخوله الرياض طلب من الشيخ عبد الله التوجه إلى حائل والاستقرار هناك، فأخذ يؤثر بعلمه على السكان فاضطر ابن الرشيد إلى إعادته إلى الرياض. وعندما إستولى عبد العزيز آل سعود على الرياض وجد من الشيخ عبد الله العون والمساندة في مهام الأمور. تزوج عبد العزيز من إبنته وهي أم ولده الملك فيصل إستمر الشيخ عبد الله يحمل لواء الدعوة والنصح والإرشاد وصار مرجع أهل نجد في دينهم. توفي في 20 ربيع الأول عام 1339ه- (1921م).

2) وصل إلى الجزيرة العربية أواخر القرن التاسع عشر وإستقر في منطقة أصبحت فيما بعد ( هجر) تسمى الأرطاوية.

3) هو الشيخ عيسى بن عبد الله بن حسن بن أحمد آل عكاس من قبيلة سبيع، كان أجداده في عنيزة وإرتحلوا إلى الإحساء. ولد بالإحساء سنة 1268ه-( 1852م)، وعندما كان في الثانية عشرة من عمره فقد بصره. وبقي كفيف البصر حتى وفاته. تعلم القراءة في صغره ودرس الفقه المالكي والحنبلي وأصبح أستاذاً فيهما عيّنه الملك عبد العزيز قاضياً في الإحساء وما جاورها مع توليه للتدريس والخطابة والإفتاء، وكان إبن سعود يستشيره في ما يخص المنطقة توفي سنة 1338ه-( 1920م) في الإحساء.

وللتعمق في هذه الإشكالات نشير إلى رأيين لمؤلفين عاشا الواقع ودرساه بشكل عميق من خلال إلمامهما بتاريخ آل سعود فهذا محمد عبد الله المانع رئيس مترجمي الملك عبد العزيز يقول في كتابه (توحيد المملكة العربية السعودية) بأن عبد العزيز آل سعود هو الذي قام بإحياء الحركة الدينية التطهيرية التي أنشأها محمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر ، وكان هدفه من إحيائها جمع رجال القبائل على طاعة الله . وكان من أعظم خطواته في ذلك أن شجعهم على الاستيطان في أماكن مستقرة . ومن هنا نبعت الحركة الدينية المعروفة بإسم الإخوان والتي كانت مصدرًا لمحاربين متعصبين على أتم الاستعداد للقتال في سبيل الله حتى الموت ... إلى أن يقول : ... وخلال سنة واحدة من مولد حركة الإخوان وجد ابن سعود لديه جيشا كبيرًا قويًا متحمساً من رجال يعتبرونه أداة الله المختارة، وجنود يمكن أن يوثق باستمرار ولائهم له وتلبية ندائه كلما نادى للحرب(1).

أمّا الكاتب الثاني وهو محمد جلال كشك(2)فيقول : بعد تنقيب وتمحيص إلى أن الهجر(3)ظهرت براعمها تلقائياً كما هو الحال في كل الإرهاصات الكبرى في التاريخ ، إلّا أن أية دراسة علمية تستحق هذه الصفة، لا يمكن أن تتحدث عن (حركة) الإخوان إلّا بنسبتها لعبد العزيز ، فهو الذي أعطاها شكلها ومضمونها،


1) توحيد المملكة العربية السعودية / محمد المانع، ترجمة الدكتور عبد الله الصالح العثيمين، ص 55 - 56 ، ط 1 السعودية، سنة 1415ه-.

2) هو محمد جلال الدين محمد علي كشك، كاتب وصحافي وباحث ومفكر مصري. ولد في بلدة (المراغة) بسوهاج، ووالده كان قاضياً في المحاكم الشرعية بمصر الذي أول من أصدر حكماً شرعياً في مصر بتكفير البهائيين. تخرج محمد جلال كشك من كلية التجارة سنة 1952م، وكان منتمياً للحزب الشيوعي وتم سجنه قبل تخرجه بتهمة التحريض على قتل الملك وأدّى الامتحان النهائي وهو موقوف وترك الشيوعية. عمل محرراً في صحف عديدة، وله عدة مؤلفات.

3) يقول محمد جلال كشك عن معنى (الهجر) بأنها الهجرة الإسلامية، إقتداء بالهجرة الأولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمهاجرين معه. ولعل هذا يوضح أهدافها كما يوضح أيضاً لماذا يحاول البعض تفادي المفهوم واختراع تفاسير أخرى.

وهو الذي غير بها التاريخ ، وأدخلها التاريخ ... إلى أن يقول ... وأن الفكرة من صميم التراث الإسلامي، فالفضل لمن أعطاها قوة الدفع ، .. ثُمَّ يسترسل ويقول ... ومن هنا فنحن نؤيد موقف المؤرخين الذين نسبوا الحركة إلى عبد العزيز فلولاه ما كانت بهذا الشكل(1).

يظن البعض أنه بإثبات أسبقية وجود الفكرة على تبني عبد العزيز آل سعود ينقص من قدره ، بل ويذهبون إلى القول بأن الحركة نمت إلى حد تخويف عبد العزيز ، مما وضعه أمام خيارين، إمّا أن يقضي عليها أو يصبح زعيمها، وبالتالي تتاح له فرصة استغلال حماسة أتباعها لتدعيم نفوذه في شبه الجزيرة العربية وسواحل الخليج العربي. وقد إختار ابن سعود الأمر الثاني رغم تحذيرات عبد الله بن جلوي حاكم الإحساء الذي نصحه بالتخلي عن هذه الحركة التي شبهها بنار تلتهم كل شيء .

وفي عام 1334ه-(1916م) أصدر ابن سعود أمره بانخراط جميع القبائل في نجد في صفوف الحركة الجديدة ، وأن يدفعوا له الزكاة بصفته إمامهم الشرعي(2).

ويمكن القول ونحن نتحدث عن تأسيس حركة الإخوان سنة 1911م وإستمرت لعقدين من الزمن كانت هذه الحركة من نتائج التحالف بين الحركة الوهابية وآل سعود، وتأسيس الحركة إتخذها عبد العزيز آل سعود بمثابة الذراع العسكري - الديني أثناء توسعه في شبه الجزيرة العربية وحروبه خلال المرحلة الأولى من حكمه .

و مما يؤكد رأينا بأن حركة الإخوان النجديين قد أسسها الإمام عبد العزيز آل سعود فلا بُدَّ أن نذكر ما ورد عن ذلك في مؤلفات مختصين عرب وأجانب كتبوا


1) السعوديون والحل الإسلامي/ محمد جلال كشك ، ص 557 طبع شركة مودي جرافيك لندن ط 1 سنة 1401 ه- - 1981م.

2) السلفية بين أهل السنة والإمامية/ محمد الكثيري ص 397 عن كتاب الخليج العربي - دراسة لتاريخ الإمارات العربية في عصر التوسع الأوروبي الأول 1507م- 1840م/د. جمال زكريا ،قاسم عن دار الفكر العربي - القاهرة، ط 1 سنة 1972م. والسعوديون والحل الإسلامي / محمد جلال كشك ، هامش ص 557.

عن نجد وشبه الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية وقد أوغلوا وتعمقوا في سرد حوادث تلك الأيام، ونختصر بعض ما ذكروه على قدر ما يهمنا في إيصال الفكرة للقارئ الكريم .

فهذا جون فيلبي يذكر في كتابه تاريخ نجد ما يلي : « وسرعان ما وضعها ابن سعود موضع العمل في حملات المرحلة الثانية من مراحل زحفه لقيادة الجزيرة العربية وسيادتها.. وقد بدا أن حملات تلك المرحلة قد تعدّت بصورة نوعية الحروب الضيقة المحدودة إلى مستوى أعلى في الصراع الدولي لتواجه مجازفات خطيرة أعظم من أي مجازفة واجهها من قبل »(1).

ويذكر محمد عبد الله المانع أيضاً في كتابه (توحيد المملكة العربية السعودية)أن ابن سعود أسس لنفسه دولة في صحراء بلاد العرب سنة 1912م لكن مصير تلك الدولة كان معتمداً على ولاء البادية المتغيّر سريعا ... ثُمَّ يتحدث عن تأسيس الهجر بعد أن برزت فكرة إنشاء مستوطنات الهجر سنة 1331ه-(1913م) كخطة ذكية ، وكان ابن سعود يأمل أن يغرس عقيدة ابن عبد الوهاب في تلك الهجر حتى يرتبط ساكنوها به لا برباط الرغبة المشتركة في السلم فقط وإنما برباط العقيدة الدينية الجامعة أيضاً ... لكن رغم محاولاته المضنية لإنشاء هجر ناجحة فإنّ البدو كانوا متمردين في قبول الفكرة، فحدثت انتكاسات في هذا المجال على أنه تغلب عليها بكرمه الدائم من بذل المال وإعطاء الإبل ،وغيرها، مما جعل رجال القبائل المترددين يقنعون بجدوى التعاون بالنسبة لهم(2).

من هذه المقالات يتبين حجم البدو في شبه الجزيرة وخطورتهم وصفاتهم وعاداتهم وانتفاضاتهم وفق طبيعتهم البدوية وانعكاساتها على مجمل أمورهم الحياتية ومِنْ ثَمَّ الدينية والمذهبية فيما بعد. وعن البدو في نجد ومختلف مناطق شبه الجزيرة الذين لم يعرفوا الاستيطان والاستقرار قبل ترغيبهم في التوطين في واحات وقرى


1) تاریخ نجد ودعوة محمد بن عبد الوهاب السلفية / جون فيلبى، ص 413 .

2) توحيد المملكة العربية السعودية / محمد المانع، ص87 – 89.

سُميّت بالهجر، ومن هؤلاء تفجرت حركة الإخوان المتشددة والمقاتلة الشرسة بإسم الدين واستحلالها الغزو والقتل والسلب والنهب بإسم تجديد وتطبيق قواعد الشريعة التي إبتعد عنها الناس وأصبحوا كما كانت الجاهلية !!

ونحن نتكلم عن الإخوان في مرحلة التأسيس تصفحنا آراء الدكتور غسان سلامة في كتابه (السياسة الخارجية السعودية) فوجدنا تحليلاً يميل إلى المقبولية بناءً على حوادث جرت عند تأسيس المملكة السعودية في سنواتها الأولى ومِنْ ثَمَّ مواجهتها إلى أخطار كادت تودي بالدولة إلى المجهول لَوْلَا الحزم والقوة التي إستخدمها ابن سعود لكبح جماح من جعلهم ذراعه العسكري الذين تمردوا عليه وكادوا أن يصيبوه ومملكته بضرر فادح نتيجة عدم إدراكهم بالتطورات الدولية والإقليمية التي جرت في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين في منطقة كانت تحوم فيها الصراعات والتدخلات الدولية الأجنبية والخلافات العربية – العربية من أجل السيادة والسيطرة والتوسع واستغلال الفرص .

يقول الدكتور سلامة في بحثه الذي ذكر فيه حركة الإخوان النجديين ونشأتهم :« أما على صعيد القاعدة فقد نجح السعوديون في تحويل البدو إلى جيوش غازية لا تقيم وزناً لأي حدود . فاستخدموا بذلك وأكثر من أية قوة أخرى ، لتوطيد وتوسيع السلطة السعودية .

وعندما سعت هذه الأخيرة إلى اكتساب بعض الشرعية الدولية ، وجدت نفسها مجبرة على مواجهة هذه القوى ليس بهدف إثارة حماسها ودفعها إلى الهجوم، بل لتخفف من روح الفتح عندها قبل أن تعمل على تصفيتها . ولكن من هم هؤلاء الرجال الذين يشكلون أداة بالغة الفائدة لسلطة طموحة وهل هم منظمون ؟

إن الذين خدموا قضية عبد العزيز في القرن العشرين لا يختلفون بشكل جوهري عن أسلافهم في القرنين السابقين . إلّا أننا سنكتفي هنا بالحديث عن حركة الإخوان التي تم تأسيسها عام 1911م.

كان عبد العزيز في تلك الفترة أمام معضلة كبيرة الصعوبة. كان طموحه يرمي إلى إعادة توحيد شبه الجزيرة لصالحه، إلّا أن أكثر أتباعه إخلاصاً كانوا ينتمون إلى مقاطعة نجد التي بقيت على إخلاصها للتيار الوهابي. وكان هؤلاء لا يستطيعون التخلي عن زراعتهم وعن حرفهم أو أعمالهم التجارية الصغيرة ليتبعوا الملك الشاب في حملاته البعيدة .

بينما كانت أعداد البدو في المقابل كبيرة ، وكان من اليسير إثارة حماسها، ولكن المشكلة في أن البدو غير موثوقين وغير منظمين لأنّ ولاءهم للقبيلة يتقدم أي ولاء آخر ، وكانوا يستغلون الزعماء الطموحين بقدر ما كان هؤلاء يستغلونهم ، تدفعهم إلى ذلك الفائدة المادية . كان البدوي يقاتل إلى جانب من يجزل له العطاء .

كان البدو يقدمون أحياناً يد العون لعبد العزيز ، وفقط عندما يستطيع هذا الأخير أن يعقد تحالفاً ولو هشتّاً مع زعمائهم، والحال أن البدو كانوا القوة الوحيدة التي تخوض القتال بعيداً عبر الصحراء الشاسعة حيث يعيشون حياة ترحال مستمر . ولهذا السبب كان عبد العزيز يسعى لتشكيل قوات تتمتع بتنظيم وإخلاص الحضريين وقدرة البدو وحركتهم في آنٍ واحد .

كانت نشأة (الإخوان) إذن إستجابة لهذه الحاجة . فالإخوان بدو في الأصل تلقنوا على معلمين دينيين أصول تطبيق الإسلام ونشره على مذهب فقهاء العقيدة السنية الحنبلية، وخاصة مدرسة مؤسس التيار الوهابي . إلّا أن هذه التنشئة لا تكفي ليصبح البدوي (أخا) فعليه أن يبيع ماشيته وينضم (للهجرة) وهي مجموعة من الحضريين تقطن في واحة .

هكذا أنشأ عبد العزيز عدداً يتراوح بين ال-150 و 200 هجرة يسكنها عدد متزايد من البدو الذين إنتقلوا إلى حياة الواحات الزراعية الحضرية وإلى الوهابية .

كانت هذه الهجرات أيضاً بمثابة معسكرات تستطيع أن تؤمن عند الضرورة قوة قادرة على القيام بغزو مدينة أو واحة بشكل مفاجئ كما كان يحلو لعبد العزيز أن يفعل ، هذا بالإضافة إلى هذه الحياة التي كانت تخفف بشكل ملموس من حدة

الروابط التقليدية لصالح الشعور بالإنتماء إلى (جسم) عسكري وديني يجيد العاهل استغلاله»(1).

وبالعودة إلى بدايات الإخوان النجديين فالجدير بالذكر أن تأسيس الهجر كان الأساس في انبثاق الحركة، فقررت جماعة لا يزيد عددها عن خمسون شخصاً وعائلاتهم الهجرة إلى بيئة يكونون فيها بمأمن ولا يتعرضون للأخطار فوقع اختيارهم على منطقة (الأرطاوية) حيث فيها آبار المياه وتقع على طريق القوافل بين الكويت والقصيم، وإتخذوا من هذا المكان بمثابة (مستعمرة) لتجمع (النساك)، وهجرة الأرطاوية أصبحت فيما بعد نموذج للتجمعات العسكرية الدينية، وسرعان ما إنتشرت هذه الهجرات في البلاد على نفس منوال الأرطاوية. وتركز اهتمام هذه(الهجر) التي تشبه المستعمرات في التفكير والعمل في إنتهاج حياة أخرى تختلف عن الحياة القبلية بكل عاداتها الموروثة منتقلة إلى حياة تأثرت بواقع حركي جديد يأخذ الطابع الديني والمذهبي ، يقوده الدعاة والمرشدون الوهابيون كما كان (المطاوعة) في بداية الحركة الوهابية .

يقول جون فيلبي :« أما ابن سعود الذي بدأ عملية التجديد بين البدو بواسطة دعاته ومرشديه ، فقد وضع جميع التسهيلات الضرورية تحت تصرفهم: المال والحبوب والأدوات الزراعية وعلماء الدين، وكل ما هو ضروري لبناء الجوامع والمدارس والمساكن. وأخيرًا زودها بالذخيرة والسلاح اللازم للدفاع عن مذهب كان أهم مبادئه الأساسية نبذ جميع العادات الوثنية والتقاليد القبلية الموروثة .

فالأخوّة القائمة بين جميع الناس الذين إعتنقوا المذهب الجديد ، بغض النظر عن أنسابهم القبلية ومراكزهم الاجتماعية، وجّهت شوق العرب للحرب، إلى خدمة


1) السياسة الخارجية السعودية منذ عام 1945 ( دراسة في العلاقات السياسية) / د. غسان سلامة، عن معهد الإنماء العربي، ص 43 - 44، ط1 سنة 1980م.

الله ووكيله على الأرض. وأصبحت الغارات المتبادلة والسرقة على قارعة الطريق ، والتدخين وترف الحياة وطراوتها محرمة.. »(1).

ونموذج الخمسين رجلاً من الإخوان الذين كانوا نواة الحركة في الأرطاوية، فمن خلال أعمالهم ونشاطهم كانوا محل أنظار القبائل التي تركوها وهاجروا عنها ، وعندما وصلت أخبارهم إلى القبائل بادر متطوعون كُثر على الالتحاق بهم من نواحي عديدة لينظموا إليهم حتى أصبحت الأرطاوية شبه مدينة مزدهرة تضم ما يقارب العشرة آلاف من السكان .

وفي مقاطعة (ضرما )(2)حيث كانت (غُطغط)(3)ثاني أكبر هجرة بعد الأرطاوية وجل سكانها من قبيلة (عتيبة)(4)الذين إعتنقوا المذهب الجديد . ثُمَّ أنشئت القرى (الهجر) بسرعة مدهشة كانت مراكز وتجمعات للإخوان .


1) تاريخ نجد ودعوة محمد بن عبد الوهاب السلفية / جون فيلبي، ص 411.

2) ضرما أو ضرماء ، واحة زراعية خصبة في وسط السعودية ، وتبعد عن الرياض 65 كم غرباً، وضرماء عاصمة حوض( البطين)، وضرماء كانت تسمى قديماً (قرماء) بمعنى قرّ وإستقر الماء في أرضها، وكانت المياه فيها وفيرة ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان ج 4 ص 329 ، وعندما شح الماء فيها سُميت بإسمها الجديد. وضرماء إحدى مقاطعات اليمامة. ومنها سار تركي بن عبد الله آل سعود إلى الدرعية وسيطر عليها ثُمَّ تقدم إلى الرياض وذلك أيام الدولة السعودية الثانية، وفي زمن عبد العزيز كان لأهل ضرماء شأن عنده، ويعدهم الميمنة في جميع حروبه ومغازيه.

3) غُطْغُط: هي أول هجر الأخوان لقبيلة عتيبة ، وثاني هجرة بعد الأرطاوية، وتبعد عن الرياض 80كم في جنوبها الغربي، وتقع قرب المزاحمية، وهي الهجرة الوحيدة التي بنيت قرب تجمع حضري ، حيث كان المعتاد أن تؤسس الهجر بعيداً عن التجمعات السكنية والقرى المسكونة وغالباً ما تكون على مورد ماء قديم أو روضة. وأول من سكنها من الأخوان ماجد بن خثيلة، وعلوش بن حميد ثُمَّ نزل عليهم سلطان بن بجاد الذي كان أمير عتيبة وأصبح أحد قادة الأخوان. وكان لأهلها دور كبير في معارك تأسيس الدولة السعودية الثالثة خصوصاً في حرب الحجاز والإستيلاء عليه دمّرها عبد العزيز آل سعود بعد معركة السبلة التي قضى فيها على الأخوان .

4) عتيبة : قبيلة عربية عدنانية مشهورة في شبه الجزيرة العربية، يرجع نسبها إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. ومنازل القبيلة تمتد من أواسط نجد إلى مشارف مكة المكرمة.

إن الحماس الذي ظهر عند الإخوان في بدايات نشأتهم يدل بشكل واضح على مدى تعصبهم في القضاء على ما يسمونهم بالوثنيين ، وهي تسميتهم لغير المسلمين وكذلك المسلمين الذين لم يعتقدوا ويعتنقوا مذهب الإخوان الجديد الذي يعتبرونه هو الدين القويم الصحيح !! . فتكون منهم جيش عبد العزيز ابن سعود كقوة ضاربة وكانوا المجموعة التي تسير تحت أعلامهم الخاصة ويرافقهم بعض البدو الذين لم يعتنقوا المذهب بعد، وكذلك معهم من جيش آل سعود القديم ، وتقدمهم على الآخرين هو تميّزهم بالشراسة والاندفاع الذي أتى بنتائج كبيرة لابن سعود في انتصاره على أعداء دولته .

لذلك إعتمد عبد العزيز اعتماداً كبيراً أثناء المرحلة الثانية من مراحل سيطرته على شبه الجزيرة العربية ، والمرحلة الثاني هي المرحلة التي إنتقل فيه ابن سعود من حروبه الضيّقة إلى أعلى مراتب الصراع ، وحتى مرحلة الصراع الذي تدخلت فيه الدول .

عقيدة واسم حركة الإخوان النجديين

كما أوضحنا بأن الإخوان النجديين هم عبارة عن مجاميع من البدو ومن بعض القبائل النجدية الذين قرروا ترك حياة الصحراء والبوادي وإستقروا في (الهجر) بدفع من دعاة الحركة الوهابية ومساعدة ومباركة عبد العزيز آل السعود، واستقرارهم في الهجر جاء من قناعتهم في سبيل التفقه في الدين وتطبيق الشريعة والتعلم وأن يقوموا بالجهاد في سبيل الله .

والإخوان يعتقدون بأن الحركة الوهابية التي أسسها محمد بن عبد الوهاب هي حركة إصلاحية بدأت في جزيرة العرب ولا بُدَّ لها من أن تستمر ، فإعتبر الإخوان أنفسهم بأنهم امتداد للدعوة الوهابية وكان تأثير دعاة الوهابية والانتشار بينهم كبيراً جداً مما جعلهم ملتزمين بما يُقال لهم في موضوع تجديد مسيرة الإسلام التي

إبتعد عنها الناس ولا بُدَّ من تطبيق الشريعة وفق الفهم الوهابي الجديد، على أن كل مخالفة لمبادئهم وعقيدتهم الجديدة تقع في خانة الضلال، وهنا لا بُدَّ من الجهاد واستعمال القوة والشدة لتقويم الناس . والغريب في الأمر أن وجدوا لهم مناصرين لدعوتهم من السكان الحضر وإنضموا إليهم.

والسؤال الذي يتبادر في ذهن المتتبع الكريم وهو إسم الحركة ، فمن أين جاءت كلمة الإخوان وماذا تعني ؟ . وللإجابة على هذا السؤال نؤكد بأن عملية توطين البدو في الهجر لم يكن توطيناً منْ أَجل تعمير مناطق جديدة في سبيل الانتقال إلى الحياة الحضرية فقط ، بل إن هذه الحركة هي دعوة دينية تخص البدو للعودة إلى الإسلام الوهابي الذي سبق وأن إعتنقه أجدادهم وأساس دعوتهم هو ما تثقفوا عليه بترك حياة الغزو والقبلية والإقامة في تجمعات الهجر، وعندما رفضوا القبلية فقد إتخذوا لهم رابطة تقوم بينهم هي (إخوة طاعة الله ) .

وسبب تسميتهم بالإخوان لاعتقادهم بمؤاخاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين عندما هاجروا إلى يثرب، وإتخذوا الأخوة عنواناً لهم . ومن عاداتهم إذا قدموا زائرين إلى أي مكان فيقومون في المسجد ويقولوا : السلام عليكم (يالإخوان) إخواننا يسلمون عليكم .

فإنّهم إستبدلوا رابطة القبيلة برابطة الأخوة كما ذكرنا والدليل عن رفض اعتزازهم بالقبيلة نجد بأن أي رجل يحاول أن يعتز بقبيلته كان يأتيه الرد منهم على الفور بأنهم إخوان من أطاع الله وليس للقبيلة مكان عندنا غير الأخوة ، وإشتهروا بإسم الإخوان، ومن المؤرخين من أضاف على إسمهم (النجديين) وبالنهاية أخذوا يُعرفون ب-(الإخوان السعوديين) .

من التعاليم العقائدية لدى الإخوان ما أفصح عنها شيخ الوهابية ومن كبار علماء الإخوان الذين عاصروا الحركة، وكانت تعاليمه واضحة من أصل الحركة

الوهابية، وهو سليمان بن سحمان النجدي(1)، الذي دوّنها في كتابه (الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية) الذي طُبع بمصر سنة 1342ه- (1924م)، نقتطف منه بعض المقاطع اختصاراً لما يلائم بحثنا . فهو يؤكد بكل الوسائل التي يعتقدها والمبنية على أفكار مؤسس الوهابية محمد بن عبد الوهاب ويعطي لها الأسباب والموجبات في الحد والنهي حتى يصل إلى إباحة القتل والتشدد في ما يراه معتقده ، فهو يخرج في كثير من الحيان حتى عن الحيان حتى عن فقه الأئمة الأربعة ومذاهبهم، وإليك بعض مما يقول: الشفاعة كلها الله فلا تسأل في هذه الدار إلا منه سبحانه وتعالى، وأن يشفع فيه نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فجميع الأنبياء والأولياء لا يجعلون وسائل ولا وسائط بين الله وبين الخلق في جلب الخير ودفع الشر»(2).

ويقول في مكان آخر عن التوحيد :« التوحيد ليس هو محل الاجتهاد ، فلا تقليد فيه ولا عناد، ولا نكفّر إلا من أنكر أمرنا ونهينا»(3)

وعن الدعاء فيذكر أنه يطلب من الله وحده، ودعوة المسلمين بعضهم لبعض مستحبة ، فإن كانت للميت فهي آكد، وزيارة الميت تذكرة للآخرة ، فلا يجوز سؤال الميت، فالميت والغائب لا يُسأل منه شيء لا استغفار ولا غيره. ويقول بأن حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في قبره برزخية ولا تقتضي دعاءه .


1) هو سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان بن مصلح بن حمدان بن مسفر بن محمد بن مالك بن عامر الخثعمي ولد في قرية السقا من أبها في منطقة عسير سنة 1266ه-(1850م) . إنتقل مع أبيه إلى الرياض في عهد الإمام فيصل بن تركي، فتلقى عن علمائها التوحيد والفقه واللغة، وتولى بعدها ابن سحمان الكتابة للإمام عبد الله بن فيصل بن تركي فترة وجيزة من الزمن ، ثُمَّ تفرغ بعدها للتدريس والتأليف أصيب بالعمى سنة 1330ه- (1912م). من مؤلفاته ديوان ( عقود الجواهر المنضدة الحسان مما أنشأه الفقير إلى ربه المنان سليمان بن سحمان)، وكان أول ثلثي الديوان في الدفاع والردود حول الدعوة السلفية. توفي سليمان بن سحمان سنة 1349ه-(1931م).

2) الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية/ سليمان بن سحمان النجدي، ص6 ، ط1، مطبعة المنار بمصر، سنة 1342ه-.

3) المصدر نفسه/ ص7.

ويقول سليمان بن سحمان بعدم جواز الترحال والسفر لزيارة المساجد والقبور إلّا المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) . وإن السفر إلى هذه المساجد الثلاثة إنما للصلاة والدعاء والذكر وقراءة القرآن والاعتكاف !!

ويقول إن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد فهو شرك أكبر أو دونه من الشرك . فيمثل الشرك في السؤال عند القبور أقرب من الشرك بخشبة أو حجر .

فيقول نصّاً :« ولهذا تجد أهل الشرك كثيراً ما يتضرعون ويخشعون عندها ما لا يخشعون الله في الصلاة، ويعبدون أصحابها بدعائهم ورجائهم والاستغاثة بهم وسؤال النصر على الأعداء وتكثير الرزق وإيجاده والعافية وقضاء الديون ، ويبذلون لهم النذور لجلب ما أملوه ، أو دفع ما خافوه ، مع اتخاذهم أعيادا والطواف بقبورهم وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على تربتها »(1). وهو يؤكد بأن هذه العبادات والطلبات كان عليها عباد الأوثان .

فيقول : إنما هدمنا بيت السيدة خديجة وقبة المولد وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء(2)حسماً وتنفيراً عن الشرك بالله .

ويبرر ما أورده عندما يقول :« ونحن نقول فيمن مات (تلك أمة قد خلت) ، ولا نُكفّر إلّا من بلغته دعوتنا للحق ووضحت له المحجة وقامت عليه الحجة ، وأصرّ مستكبراً معانداً كغالب من نقاتلهم اليوم يصرون على ذلك الإشراك ، ويمتنعون من فعل الواجبات ، ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات ، وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته لمن هذه حالهُ ورضاه به ، ولتكثير مواد من ذكر والتغلب معه ، فله حينئذٍ حكمه في حل قتاله » (3).


1) المصدر نفسه/ ص 14 .

2) إشارة إلى تهديم الشجرة وبعض القبور في بداية الحركة الوهابية، وما تلاها فيما بعد من تهديم القبور في البقيع لأئمة أهل البيت عليهم السلام، وقبر سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء ( عَلِيْهَا السَّلاَمُ)، وغيرها من قبور الأولياء.

3) الهدية السنية سليمان بن سحمان، ص 50

كما قال بأن الشيطان نصب لأهل الشرك قبوراً يعظمونها ويعبدونها أوثاناً من دون الله ، وأن مقاتلة هؤلاء واجبة لكونهم إستحقوا الويل !! . والحقيقة أن هذه الآراء هي آراء محمد بن عبد الوهاب الذي كان يؤكد بأن من يعبد الأولياء والصالحين هم بحكم المشركين ، وكان الوهابيون يسمون احترام وإجلال الأولياء عبادة وهذا خطأ جسيم وعدم دراية .

وعند التوحيد يقول ابن سحمان أن التوحيد الله وحده وقول لا إله إلّا الله هو تحقيق لمعنى التوحيد ، ولا يجوز تقديم مخلوق أمام الخالق سبحانه . ويقول أن الحلف بغير الله شرك، والتوسل بالله وحده، والقسم على الله بمخلوق فهو منهي عنه .

وعن أهل البيت فيقول واجب حبهم ومودتهم، إلّا أن الإسلام ساوى بين الخلق فلا فضل لأحد إلّا بالتقوى، والكلام يطول فيما ذكره هذا الشيخ عن معتقدات الوهابية التي فُرضت بالتطبيق من قِبَل الإخوان، فكلمة الشرك على كل شيء لا يرتضونه ، وبفسرونه حسب عقيدتهم لا على ما جاء به أصل الإسلام ، وإحلال القتل لكل من يعتقدون مخالفاً لهم فهو مشرك .

وكم شممت من رائحة هذا الكتاب الذي لم تزد صفحاته عن المائة عن قصور في العقيدة والتشدد العقيم الذي قد تكون المرحلة فرضت على هؤلاء بالتثقيف الأعمى لمبادئ الإسلام على الطريقة الوهابية التي تصدى لها المجتمع الإسلامي ولا يزال .

ومن خلال بحثي عن المصادر التي تخص البحث وجدت مصدراً لم يأت غيره بنوع المديح والإطراء الذي أسبغه على حركة الإخوان الوهابية ، وكأنما كان مدعواً لأنّ يكون ناطقاً بإسمهم، وقد عاش في نفس الفترة التي تأسست فيها حركة الإخوان، ولم يدوّن أقرب المؤرخين للدولة السعودية أمثال أمين الريحاني أو حافظ وهبة أو ابن بشر مثل الأسلوب والاندفاع الذي قام به محمد مغيربي فتيح المدني(1)

كان صديق طفولة لأمير حائل سعود بن عبد العزيز المتعب الرشيد الذي التقى به وعمل معه مستشاراً في حائل، ثُمَّ عمل مغيربي في التجارة بالمدينة ثُمَّ مندوباً لأمير حائل لمفاوضة الشريف حسين سافر إلى العراق ومنه إلى حلب فبيروت، ومنها إلى فرنسا فسويسراً وأكمل الحقوق والسياسة الدولية في جامعة لوزان عاد إلى مصر ومنها إلى جده فطرده الشريف حسين بتهمة الوهابية، فعاد إلى مصر ومنها إلى اليمن ثُمَّ تركيا الذي تجنس فيها، وألف كتابه الذي نحن بصدده باللغة التركية، وهناك شكوك من البعض على أنه كان جاسوساً .

، فألف في تركيا كتابه (فرقة الإخوان الإسلامية بنجد أو وهابية اليوم)،

1) هو محمد بن عبد القادر مغيربي ولد بالمدينة المنورة سنة 1318ه- (1900م)، درس في المدينة ثُمَّ أكمل تعليمه العالي في القدس، وحصل على البكالوريوس من إسطنبول.

وتمت ترجمته للعربية، يشرح به أحوال نجد وأمراء حائل وتكوين حركة الإخوان، وإعتمد على نصوص من كتاب الهدية السنية لابن سحمان .وكتابه انتهى منه في (آق سراي) بتركيا في 22 محرم سنة 1342ه- (وهي الموافقة لتاريخ 3 أيلول 1923م) والطبعة العربية التي بأيدينا لم يذكر فيها تاريخ الطبع ولا مكانه عدا تاريخ الانتهاء من تأليفه، وهي على ما يبدو من قِدمها أنها طبعت في مصر نهاية عشرينات القرن العشرين الميلادي .

وحتى لا نطيل في تدوين ما ورد في هذا الكتاب عن الإخوان الذي لم يأتِ بجديد، وإنما نذكر منه التالي :

الملفت للنظر أنه وضعت الآية الكريمة التالية فوق العنوان وعليها رسم هلال، ويدل اختيار هذه الآية الكريمة على حقيقة الإخوان التي إعتبروها موافقة لتوجهاتهم، وهي: قوله تعالى: وَأَنَّا لَا نَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً(1).

بعد أن يشرح عقائد الإخوان وبالأحرى المعتقدات الوهابية ومنها في الشفاعة والتوسل وأهل البيت والتوحيد وغيرها ، أوقفتني الجملة التالية من كتابه التي يذكر فيها بأن أعداء الدين وإخوان الشياطين افتروا على الإخوان والوهابية تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد الله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفر به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فيعتقد الإخوان


1) سورة الجن الآية 10

والوهابيون أن من فعل أنواعاً من الكبائر كقتل المسلم بغير حق والزنا والربا وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام إذا مات موحداً بجميع أنواع العبادة(1).

وعن عقائد المتطوعة(2)الدينية يقول محمد مغيربي : « هم بمعنى الكلمة لا يعتقدون بشيء سوى الله . ولا يعرفون قوّة غير قوته المطلقة ، ويعتقدون أن الرزق والحياة والبعث والنشر والحساب والميزان والجنة والنار (جهنم) هي بيد قدرة الخالق ، وإن النفع والضر هما بيد الإرادة الربانية وحدها . لا يعتقدون بجميع الأموات وهم يصلون على الأنبياء ويترضون عن الأولياء ، وإن ما جاءوا به من معجزات أو كرامات زالت بزوالهم إلّا خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ، فمعجزاته أبدية باقية ببقاء القرآن ، ويعدون من البدع رفع القبور زيادة عن حدّها الشرعي ، وزيارة الأموات بصور غير مشروعة وإقتناء الحجب ، ولا يجوزون بصورة ما التشاؤم والتطيّر من أي شيء، ويراعون بحق ويطبقون الأمر الإلهي القائل بإطاعة أولي الأمر، وينفذون حرفياً جميع أوامر أمرائهم المنقادين للشريعة . ويعدون من يخالف أولي الأمر ويقف بوجههم مرتدّاً عاريا عن الإيمان ، وينظرون بين الاعتبار إلى الحديث الشريف القائل (لكل نبي حرفة وحرفتي الجهاد)، فهم يقدسون الجهاد غاية التقديس ويخرجون من منازلهم وقت الجهاد مجهزين بما يلزم بعقيدة الشهادة أو العود بالسعادة (غازي) ، ويقدرون ويعتقدون أن الجهاد هو وحده الذي رفع وأزال الجهالة من جزيرة العرب ، وهو أكبر واسطة للحصول على السعادة. ويتلقون كفريضة تطويع الذين فضّلوا البقاء في الجهالة بالغزو وبأمر


1) فرقة الإخوان الإسلامية بنجد - أو وهابية اليوم / محمد مغير بي فتيح المدني، ص 34، مترجم عن التركية، قديم بلا سنة ومكان الطبع.

2) يقصد بالمتطوعة أنهم من إعتقد بتعاليم ( المطاوعة) وهم رجال الدين الذين أخذوا على عاتقهم نشر هذه التعاليم إلى الإخوان النجديين.

من الإمامة. كانوا يحتقرون من يقع بأيديهم من هؤلاء الذين يصرّون على الجهالة القديمة تقرباً إلى الله ويجلونهم بعد ثبوت صلاح أحوالهم ...»(1).

ثُمَّ يقول : « هذا ما خطر لي إيراده لأبسط للقراء خدمة وجيزة مما يرد به جماعة الإخوان على التهم الباطلة التي يحاول الأغيار إلصاقها بهم لغايات لا تخفى على من له أقل اطلاع على شؤون الجزيرة والدسائس التي لم تنقطع منها منذ عهد بعيد .

لذلك فإنّي لعلى يقين من أن كل من يحيط علمًا بعقائد الإخوان ، ويقرأ مؤلفاتهم بالدقة المطلوبة أو يعيش بينهم لا بُدَّ أن يحكم بتمسكهم الأكيد بالشريعة الغراء، وبأنهم لم يجيئوا بشيء جديد مخالف لأهل السنة والجماعة، وأن كل ما قيل فيهم من تشنيع وألصق من تهم ، إنما هو بدافع الأغراض الشخصية ومن آثار الدسائس والوشايات التي ذكرناها في ما سبق ، فكانت في حملة محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا الآنفة الذكر ، ثُمَّ ما عقب ذلك من نشر الدعوة التي تسيء سمعة الأخوان في العالم الإسلامي تبريراً لأعمال أعدائهم التي لا يجيزها حق ولا يبررها مبرر..»(2).

إن الانقلاب الذي طرأ على حياة البدو الذين سكنوا الهجر وتركوا العادات والحياة القبلية التي إعتبروها من الجاهلية فإنّهم في وضعهم الجديد يشبهّون أنفسهم بأنهم يعيشون حالة الإسلام في بداياته . ولكن رغم أن أكثرهم عكف على تعلم مبادئ القراءة وحفظ شيء من القرآن والحديث والسيرة النبوية فإنّ هذا الانقلاب كان خطيراً وعنيفاً جداً ، اعتقادهم بأن حضر نجد في ضلالة فأساءوا الظن بهم وحتى بولي أمرهم في بعض الأحيان.


1) المصدر السابق نفسه/ ص 34 - 35.

2) المصدر السابق نفسه/ ص26.

225

راية الإخوان النجديين الوهابيين

وللمزيد عن معرفة الإخوان إخترنا مقاطع مما ذكره حافظ وهبة الذي كان قريباً من القيادة السعودية وقتئذٍ وشاهد وإطّلع على حركة الإخوان عن قرب، وقربه هذا ومن آل سعود فإنّ تصويره لحالة الإخوان هي أصدق ما نُقِلَ عنهم ، ويحار المرء عندما يقرأ أخبارهم سيجدها أقرب إلى ما نجده اليوم من الحركات المتطرفة والإرهابية التي سادت عالمنا الحاضر .

ومما يقوله حافظ وهبة في كتابه جزيرة العرب في القرن العشرين هذه المقتطفات عن الإخوان :« أصبحوا يعتقدون أن لبس العمامة هي السُنّة(1)، وأن العقال من البدع المنكرة ، بل غالى بعضهم فجعله لباس الكفار، ويجب مقاطعة لابسيه . وكان كثير منهم يعتقد أن لا إسلام لمن لم يسكن الهجرة مهما كان عليه من الإسلام، وترك شرور البادية وعوائدها ، فلا يبدأون غيرهم من هؤلاء بسلام، ولا يردون عليهم السلام ، ولا يأكلون ذبائحهم . وذنب هؤلاء عندهم هو عدم سكنى الهجرة .

وكان من عوائد الإخوان إذا قدموا زائرين قاموا في المسجد، وقالوا : السلام عليكم ( يالإخوان ) إخواننا يسلمون عليكم . وكان فريق منهم يعتقد أن المشايخ مقصرون مداهنون لابن سعود، وقد كتموا الحق عنه .


1) كانوا يلبسون على رؤوسهم الغترة أو اليشماغ (الكوفية) ويربطون على رأسهم خرقة قماش بيضاء بدل العقال تميزهم عن غيرهم.

وكانوا يعتقدون أن الحضر ضالون ، وأن غزو المجاورين واجب، وأنه ألقى عليهم هذا الواجب من قبل الله . فلا يسمعون كلام أحد في منع الغزو . ولقد نال بعضهم من الإمام عبد العزيز(1)، فرموه بموالاة الكفار والتساهل في الدين ، وأنكروا عليه تطويل الثياب(2)والشارب(3)ولبس العقال ، إلى غير ذلك من ضروب الجهالة ، وأصبحوا يحرمون كل ما لا يتفق مع هواهم. وإن سريان هذه الروح المتمردة يرجع إلى هؤلاء الجهلة أنصاف المتعلمين(4)الذين إنتشروا في قرى الإخوان باسم العلم، ولقنوهم هذه التعاليم وحببوا إليهم التعصب الذميم»(5).

كان عبد العزيز آل سعود يقول :« إن الإخوان يجب احتمالهم ومهما فعلوا فإنّ حالتهم الآن خير من حالتهم الأولى ، وأمّا هذه العصبية والشدّة فالزمن كفيل


1) كان عبد العزيز قد تنبه إليهم، ولكنه كان يعذرهم لحاجته إليهم فقد كانوا ساعده في معاركه وحروبه، وعندما إستقر له الأمر تمكن من إيقافهم عند حدهم والقضاء عليهم كما سنذكر ذلك لاحقاً. واعتراضهم بالموالاة هذه كانت بسبب علاقته بالإنكليز وبعض الأجانب، وتقبله للمخترعات الجديدة مثل الهاتف والتلغراف وغيرها التي يعدوها من عمل الشيطان.

2) كانوا إذا وجدوا الثوب زائداً فإنّ المقص يعمل عمله في الزائد، تنفيذاً للحديث الذي يعتقدون به وهو مشكوك في صحته لدى غالبية علماء المسلمين) وهو « وما تحت الكعبين في النار ».

3) من عاداتهم إطالة اللحى وقص الشارب، وذلك لاعتقادهم بحديث منسوب للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إتخذه المتشددون حتى في زماننا الحالي وهو « أهينوا الشارب وأطلقوا اللحى ». فإذا كان أحد الإخوان في الطريق وقابل شخصاً له شارب طويل فيدعوه إلى تطبيق السنة (حسب معتقده ) ثُمَّ يضع يده على شاربه ويقص الزائد منه. أما إذا وُجد شخص مارٍ بإحدى الهجر فالعملية تتم قسراً وزجراً لا بطريق النصح واللطف.

4) يقصد بالجهلة هؤلاء هم الدعاة والمرشدين الوهابيين الذين أخذوا على عاتقهم تعليم الإخوان دينهم وحركتهم الجديدة وقد توزع هؤلاء الدعاة في قرى الهجر، وكان تأثيرهم كبير، وقد سبق هؤلاء ( المطاوعة ) الذين كانوا ينشرون الحركة الوهابية ومعتقداتها وتعاليم مؤسسها محمد بن عبد الوهاب في قرى وبلدات نجد سابقاً.

5) جزيرة العرب في القرن العشرين / حافظ و هبة، ص 286 .

بتخفيف حدتها » . وكلام إبن سعود هذا يتضح منه أنه في حاجة إليهم في تثبيت أركان ملكه، ومن الواضح أيضاً أنه يكتم نيّته في التخلص منهم متى لزم الأمر لذلك . ساهم الإخوان بشكل مؤثر في تحقيق انتصارات عسكرية لإمارة الرياض التي على رأسها ابن سعود ، وبهذه الانتصارات مكنت إمارة الرياض التغلب والانتصار على إمارة حائل وعلى مملكة الحجاز وعلى دولة الأدارسة(1)في عسير .

وعن حياتهم الجديدة عند ابتعادهم عن سلوك البدو والقبلية أصبحوا حماة الطريق ، ويرون حرمة التعدي على المسافر وابن السبيل ، ويرون للجار المسلم الذي يؤيد عقيدتهم حرمته، فالمسلم من هؤلاء حرام دمه وماله !! ولكن بقية المسلمين الذين لا يعترفون بصحة إسلامهم فكانوا عليهم نارًا وجحيما كما سنرى لاحقاً .


1) إمارة الأدارسة: أسسها في ثلاثينات القرن التاسع عشر الميلادي محمد بن علي بن محمد بن السيد أحمد الإدريسي بمنطقة ( جازان ) ، وهو من أحفاد أمراء دولة الأدارسة في المغرب وهم من السادة الحسنيين ومحمد الإدريسي ينتسب إلى إدريس الأكبر بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن المجتبى بن الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام). توسعت الإمارة إلى الحديدة، وعاصمتها (صبيا) ومينائها ( جازان ). حاول أميرها تقويتها بعد أن علم بأطماع شريف مكة الحسين بن علي وإمام اليمن يحيى بن حميد الدين بضمها إليهم، فإتصل بعبد العزيز آل سعود وطلب عونه ودعمه، ولأنّ ابن سعود كانت علاقته غير جيدة مع شريف مكة وإمام ،اليمن، وإن إمارة الأدارسة مجاورة لحدود سلطنته فقد دعم الأدارسة. وبعد وفاة محمد الإدريسي سنة 1923م إضطربت الإمارة الإدريسية مما دعا أميرها الحسن بن علي الإدريسي إلى توقيع معاهدة مع عبد العزيز سنة 1345ه- (1926م) تضع الإمارة تحت حماية سلطان نجد تاركاً الأمير الإدريسي يدير شؤون إمارته الداخلية يعاونه مندوب عن عبد العزيز والعلاقات الخارجية لابن سعود. ولكن الإدريسي قرر استعادة نفوذه والاستقلال عن مملكة نجد والحجاز مملكة ابن سعود، فأرسل إليه الأخير حملة عسكرية إضطر الحسن الإدريسي الرحيل من جيزان مع أهله وأقاربه إلى اليمن. عند ذلك أعلن الملك عبد العزيز إسم دولته الجديد (المملكة العربية السعودية )على أرجاء المملكة بعد توحيدها عندما كان في البداية سلطاناً على نجد وملحقاتها، وعند ضم الحجاز إليه أصبح إسم مملكته ( مملكة الحجاز ونجد) وبعد ضم دولة الأدارسة (جيزان) أصبح إسمها (المملكة العربية السعودية).

يقول حافظ وهبة :« أصبح الإخوان لا يهابون الموت ، بل يندفعون إليه اندفاعاً ، طلباً للشهادة ولقاء الله ، وأصبحت الأم حينما تودع إبنها تودعه بكلمات« جمعنا الله وإياك في الجنة» وأصبحت كلمة التشجيع على الحرب (هبت هبوب الجنة وين أنت يا باغيها ) .

ولقد شاهدت بعض مواقعهم الحربية ، فوجدتهم يقذفون بأنفسهم إلى الموت قذفاً ويتقدمون إلى أعدائهم صفاً صفاً ، ولا يفكر أحدهم في شيء إلّا هزيمة العدو وقتله .. »(1).

وعلى العموم فإنّ الإخوان هؤلاء لا تعرف قلوبهم الرحمة على ما يسمونهم (الأعداء) ، ولا يفلت من تحت أيديهم أحد فهم رُسل الموت أينمَا رحلوا . وقد أدّى تطرفهم ومحاولتهم إجبار القبائل على الانضمام لهم لما عُرف بمبدأ (الهداية القسرية) ، وفرضهم نظرتهم للدين على الجميع، وهذا ما أوقعهم في خلافات كبيرة حتى مع إبن سعود الذي كان يتصف بشيء من الحكمة لإخضاع القبائل وترغيبها بالانضمام تحت لوائه . وكثيراً ما قاموا بعدم الالتزام بمعاهدات عبد العزيز آل سعود مع دول الجوار، ووضعوه في حالات إحراج كبيرة مع المجتمع الدولي .

وخلاصة القول عن البدو والهُجَر والإخوان نؤكد بأن البدو منذ القدم غزاة ، عصاة ، عتاة ، ولكنهم في طاعتهم وإخلاصهم وولائهم وما يسمونه بجهادهم ، ، لا يحتملون فوق طاقتهم، وقلما يفتدون بأشيائهم التي يمتلكونها ، فهم يحاربون ويشردون ويخونون ، وحتى إن كانوا مغالين في دينهم، فلا يثبتون على رأي وما أسرعهم في الارتداد. فطالما إرتدّوا وخانوا وعادوا تائبين ، لا يوالون طويلاً ولا يعادون طويلاً . لا يثبتون ولا يسكنون ، ولا يستقيمون في مسراهم أو في مغزاهم .


1) جزيرة العرب في القرن العشرين/ حافظ وهبة، ص287.

229

طلائع من قوات الأخوان النجديين عند توجههم للقتال

البدو سيف في يد الأمير اليوم، وخنجر في ظهره غداً. فإذا كانت هناك غنائم فتجدهم مجاهدون ، وإذا قيل الجهاد فهم متمارضون . وفي الحقيقة أن البدو لا يطيعون ولا يخلصون، فالبدو هم البدو لأنّهم لا يملكون شيئاً في الأرض ، ولا يسكنون في بيوتاً ثابتة .

يقول أمين الريحاني عن البدو الذين كانوا يحاربون مع عبد العزيز في غزواته الأولى عند تأسيس إمارته بعدم الثقة بهم قبل أن يشجعهم بالهجرة إلى (الهُجر) وقبل تأسيس (الأخوان):

«كانوا عند ظهور عبد العزيز الثاني وفي حروبه الأولى وغزواته ، كانوا يحاربون ما زالوا آمنين على أموالهم وأنفسهم ، ويفرون شاردين عند أول خطر يلوح . لذلك كان ابن سعود يقدمهم في القتال ويدعمهم بالحضر، يحمي ظهرهم ليؤمن انقلابهم وتقهقرهم . فهم إن ذاك أشدّاء ثابتون في النضال. وبكلمة أخرى هم شجعان إذا كان لهم ظهر ... جاء في أمثال العرب البدوي إذا رأى الخير تدلّى وإذا رأى الشرّ

تعلّى . ولكن البدوي وحده يدافع عن نفسه وبعيره حتى الموت وإن كان خصمه قبيلة بأسرها . أما البدوي في الجيش فقد كان مشكل ابن سعود الكبير »(1).

فالفكرة الدينية هي الأساس في تأسيس الهُجر على مبدأ أن وطن البدو البادية ، والبادية مهد الشرك، فالمهاجرة من البادية هي الهجرة إلى الله والتوحيد. وهذه الفكرة الدينية هي العلاج لوضع البدو المتقلب. وفي الهُجر التي تأسست وإنتشرت فقد إنتقل البدو من بيوت الشعر إلى بيوت من طين وحجر، ومن الفقر والغزو إلى أرض لا تخون صاحبها إذا عمل بها في الزراعة والتجارة. وسوف ينتقلون من الخوف والحذر إلى الطمأنينة .

وعندما تم تشجيع البدو إلى الهجرة كانت لأسباب ثلاثة وهي فكرة الإمام عبد العزيز ، أولها تعليم البدو الدين، والثاني انتفاعهم بأرض يحرثونها، والسبب الثالث والمهم الإستيلاء والسيطرة عليهم .

وفي هُجَرهم راح الدعاة المطاوعة يقدمون لساكني الهجر أخبار السلف، فراحوا يعلمون المتحضرين الجدد أن الزراعة والتجارة والصناعة لا تنافي الدين، وأن المؤمن الغني خير من المؤمن الفقير ، فبذلك قاموا يحاربون البطالة والكسل، لأنّ البدو بعد أن باعوا جمالهم وصاروا أخوان يتعصبون بالعصابة البيضاء التي تميّزهم عن الناس أقاموا في الهجر لا يعملون شيئاً في أيام السلم غير الصلاة ، فأصبحوا عالة على أمير البلاد.

فأفلح المطاوعة في تحبيب العمل والمال لساكني الهُجر (الأخوان) فنشأت قراهم سريعاً وأصبحت تباري جاراتها القديمة بالزراعة والتجارة فإنّ هذه الأعمال لم تضعفهم عن روح القتال .

وهؤلاء الذين سكنوا الهجر فهم على ثلاثة أقسام عند تلبية دعوات الحرب ، فالجهاد والجهاد مثنى، والنفير . فالذين يلبون دعوة الجهاد هم دائماً مسلحون


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص 234.

وعندهم ما يركبون وشيء من الذخيرة. أمّا الجهاد مثنى فهو ضعف الأول فكل مجاهد يأتي بآخر يردفه، والجهاد مثنى هو من حق الإمام أو الأمير.

أمّا النفير فهم الذكور الذين يبقون في الهُجر أيام الحرب ليقوموا بأعمال الزراعة والتجارة ولا يُدعون إلى الحرب إلّا إذا إضطر صاحب البلاد إلى الاستنفار العام، فهذا الاستنفار من حق العلماء الدعاة .

وسنجد في النهاية بأن لم يستقر لهم قرار وكادوا يؤثّرون على ابن سعود ويسقطوا مشروعه ، فلذلك يقول أمين الريحاني الذي واكب مسيرة ابن سعود وشهد ما قام به الإخوان، ما نصّه :

«ولكنهم في ما ظهر من بسالتهم، وبطشهم، وهول استشهادهم، أورثوا عبد العزيز مشكلاً آخر كاد يُفسد مشروعه الإصلاحي العظيم . فقد طغى الإخوان وتجبروا فضج الناس . راح الإخوان يحاربون من لم يتحضر من البدو فيكفّرون ، وينهبون ، ويقتلون .« أنت يا بدوي مشرك - والمشرك حلال الدم والمال . أنت يا أبا العقال من الكفار - أنا أخو من طاع الله ، وأنت أخو من طاع الشيطان » .

كذلك كان يسطو كل متعصب بالعصابة البيضاء على سواه من العرب، فيعيّر ، ويسب ، ويسفك الدماء. وقد إنتشرت من جراء ذلك الفوضى في البلاد، وكاد ينقطع حبل الأمن والسلام »(1).

هذه الفوضى التي عمّت من جرّاء أفعال الإخوان المشينة ، قام عبد العزيز آل سعود للحفاظ على دولته ومشروعه أن يقوم بخطوة سريعة لتفادي الضرر لعله يتمكن من تصحيح ما يقوم به الإخوان وأن يُخفف الضغط عليه ، فعقد في سنة 1337ه- (1918م) مؤتمراً في الرياض للنظر فيما يحدث من أمور ، فحضر المؤتمر كبار الرؤساء والعلماء وقرر المؤتمر بعد بحث كافة المجريات ما يلي :


1) المصدر نفسه ص238.

« إن الكفر لا يطلق على بادية المسلمين الثابتين على دينهم . ولا فرق بين لابس العقال ولابس العمامة (العصابة البيضاء) إذا كان معتقدهما واحد . ولا فرق بين الحضر الأولين والمهاجرين الأخيرين. ولا فرق بين ذبيحة البدوي الذي في ولاية المسلمين و دربه در بهم، ومعتقده معتقدهم ، وبين ذبيحة الحضر الأولين والمهاجرين .

ولايحق للمهاجرين (أي الأخوان الذين سكنوا الهجر ) أن يعتدوا على الناس الذين لم يهاجروا كأن يضربونهم، أو يتهددونهم، أو يلزمونهم الهجرة. ولا حق لأحد أن يهجر أحداً بدوياً كان أو حضرياً بغير أمر واضح ، وكُفر صريح، وبدون إذن من ولي الأمر أو الحاكم الشرعي »(1).

232

مجموعة من الأخوان يستعدون للقتال وأمامهم رايتهم

هذه القرارات التي خرجت من مؤتمر الرياض تدل دلالة واضحة أن خطر الإخوان في تصاعد، وأن الإحراج الذي أصاب عبد العزيز من أفعال الإخوان


1) هذه القرارات تم استخلاصها من الفتوى التي صدرت من المؤتمر وصورها في الصفحتين التاليتين.

قد يؤثر على دولته الفتية ، فكان بين نارين، فهو لا زال يحتاج إلى الإخوان وأمامه مشاريع كبيرة مثل محاربة الحجاز والتفكير بضمها إلى مملكته ، كذلك أمامه دولة الأدارسة في عسير ، فلم تكتمل حلقات مملكته التي يريدها إلّا بتوحيد جميع مناطق شبه الجزيرة من نجد والإحساء وحائل والحجاز وعسير. فهو الآن دانت له مناطق نجد والإحساء وحائل فقط .

فكانت خطوته بعقد المؤتمر تكتيك وذكاء لما بعده من قادم الأيام ، فهو يمسك العصا من الوسط ، فقرارات المؤتمر ثُبّتت بمنشور وقعه الإمام عبد العزيز والعلماء بمقدمة ذُكر فيها ما يلي :

«إن معتقد المسلمين بدو وحضر واحد، وأصل المعتقد كتاب الله وسنة رسوله ، وما كان عليه الصحابة ثُمَّ السلف الصالح ثُمَّ أئمة المسلمين الأربعة ، الإمام مالك ، والإمام الشافعي ، والإمام أحمد بن حنبل ، والإمام أبو حنيفة ، فهؤلاء اعتقادهم واحد في الأصل ... قد يكون بينهم اختلاف في الفروع، ولكنهم كلهم على حق إن شاء الله » .

فتوى علماء نجد

في تعصب بعض الاخوان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

من عبد الله بن عبد اللطيف وحسن بن حسين وسعد بن حمد بن عتيق وعمر بن محمد بن سليم وعبد الله بن عبد العزيز العنقري وسليمان بن سحمان ومحمد ابن عبد اللطيف وعبدالله بن بليهد وعبد الرحمن بن سالم الى الاخوان كانة من اهل الهجر وغيرهم ، وفقنا الله واياهم لما يحبه ويرضاه ، وجعلنا واياهم من حزبه وأولياه امين .

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد ذلك الكم تفهمون ما من الله به علينا وعليكم من نعمة الاسلام وتجديد هذه الدعوة ، والذي علينا وعليكم شكر الله واتباع اوامره ، واجتناب نواهيه . ولا يخفى عليكم ما جرى من الاختلاف وكثرة الثبته وهي على ثلاثة أمور .

الاول - وهو الاكتر طلب الخير والاجتهاد ووقوع الناس في امور تخل في دينهم ودنياهم، لانهم يأتون ذلك محبة للدين بغير دليل.

الثاني - لا بد ان في بعض الاخوان المتقدمين شدة وتعصباً بغير دليل. فلما تبين له الامر وسأل طلبة العلم ، وتحقق عنده ان تعصبه خطأ ، استنكر

منه اخوانه وصار بينه وبينهم اختلاف بغير سؤال ولا تبيين حقيقة ما عنده.

الثالث - أتوا به اناس من الذين يدعون طلب العلم من الحضر وهم جهال يدخلون على بعض الاخوان اموراً مشتبهة . يريد احدهم الحق وهو مخطئه واخر يرغب في معرفة الامور المخالفة .

في تعصب بعض الاخوان

فلما تحقق ذلك عند ولاة الأمر وعند العلماء احبوا اجتماع المسلمين مع علمائهم وولاة الأمر منهم . فلما حضروا سمع الحاضر بنفسه ، والغائب نبلغه بهذا الكتاب . فقد سألنا الامام عبد العزيز بحضرتهم عن امور هي :

الاول : هل يطلق الكفر على بادية المسلمين الثابتين على دينهم القائمين باوامر الله ونواهيه ام لا .

الثاني : هل من فرق بين لابس العقال ولابس العامة اذا كان معتقدهما واحداً ام لا .

الثالث : هل في الحضر الاولين وفي المهاجرين الاخرين فرق ام لا .

الرابع : هل في ذبيحة البدوي الذي في ولاية المسلمين ، ودربه دربهم، ومعتقده معتقدهم ، وفي ذبيحة الحضر الاولين او المهاجرين فرق حلال او حرام ام لا .

الخامس : هل للمهاجرين امر او رخصة في اعتدائهم على الذين لم يهاجروا ، فيضربونهم او يؤدبونهم او يهددونهم او يلزمونهم بالهجرة ام لا . وهل لاحد ان يهجر أحداً بدويا كان او حضرياً بغير امر واضح او كفر صريح او شيء من الاعمال التي يجب هجره عليها بغير اذن من ولي الامر او الحاكم الشرعي ؟

فاجبناه بحضور الحاضر من المسلمين ان كل هذه الامور محالفة للشرع ، وما امرت بها الشريعة . وان الذي يفعلها ينهى عنها ويزحر ، فان تاب واقر بخطاه فيعفى عنه . وان استمر على امره وعائد ، فيجب عليه تأديب ظاهر بين المسلمين . وان لا يعادى ولا يصادق الا على ما أمرت به الولاية او حكم به حاكم الشرع . والذي يفعل ما يحلف ذلك فطريقته غير طريقة المسلمين. وهذا الذي ندين به ، ونشهد الله عليه ، وترجوه ان يوفقنا واياكم للخير وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. سنة 1337

الامضاءات والاختاء

قادة الإخوان النجديين

اشارة

الإخوان كحركة إتخذت من الدين سبيلاً لتطورها بالصيغة التي إرتآها عبد العزيز آل سعود ومن كان يقف بصفّه ويشجعه على ذلك لأمرين هما: الرجوع إلى التعاليم الوهابية في تطبيق الشريعة . والأمر الآخر هو تأسيس قوة عسكرية تكون ذراع ابن سعود في حروبه وغزواته لتأسيس مملكته التي لا تكون إلا بتوحيد كافة مناطق شبه الجزيرة العربية .

كان عبد العزيز آل سعود من الفطنة والذكاء والطموح بحيث كان يتحكم بمفاصل مشروعه التوحيدي، فكان لا بُدَّ من الاعتماد وإستمالة شخصيات قبلية لها باع في القتال والشجاعة والسيطرة على قبائلهم . رغم أن بعض هؤلاء الذين أصبحوا من قادته كانوا في فترة من الزمن هم أعداؤه وكانوا يصطفون مع خصومه .

وكانت خطة عبد العزيز بتحضر البدو وتشجيعهم باتخاذ (الهجر) مواطن استقرار، وانتشار الهجر بشكل واسع، وتأسست في هذه الهجر حركة الإخوان النجديين ، فكانت الأرطاوية والغطغط ودخنة من أكبر الهجر وغيرها وعلى رأسها رؤساء قبائل مطير والعجمان وعتيبة وحرب وبقية القبائل النجدية . وهؤلاء الرؤساء أصبحوا من قادة الإخوان (إخوان من أطاع الله ) .

236

قادة الأخوان من اليمين : فيصل الدويش ، ضيدان بن حثلين ، سلطان بن بجاد

والملفت للنظر أن هناك مجموعة من قادة الإخوان، وليس هناك قائد واحد على الجميع، والحقيقة أن الإمام عبد العزيز آل سعود كان شديد الذكاء في عدم السماح لقائد واحد يقود الحركة لأنه كان يعلم جيداً بتشدد هؤلاء وأتباعهم، وقد يكون القائد الواحد ندّاً لعبد العزيز ومشروعه في قادم الأيام ، فقد علمته الحياة عدم الركون والتهاون في قضاياه المصيرية، وكان حدسه صحيحاً عندما ثار عليه الإخوان، وإنقسم قادتهم بين معارض شديد المعارضة لابن سعود، وبين مؤيد له وواقف بصفّه ، كما سنبيّنه لاحقاً عندما نستعرض قادة الإخوان بشكل سريع ومختصر . ومن قادة الإخوان المهمين والكبار كانوا ثلاثة وهم :

1 - فيصل الدويش :

هو فيصل بن سلطان بن الحميدي الدويش، أمير قبيلة مطير وأحد أبرز زعماء حركة الإخوان النجديين، وأمير بلدة (الأرطاوية) التي كانت أول

(هجرة) تأسست . ولد فيصل الدويش في صحراء الصمان سنة 1299ه- (1882م)، ووالده سلطان الدويش كان شيخ قبيلة مطير ، ووالدته ابنة شيخ قبيلة العجمان حزام بن حثلين، وورث عن أمه وأخواله ملامحه حيث كان أبيض الوجه واسع العينين وجذاب الشكل والمحيا .

تولى مشيخة قبيلته بعد والده سنة 1333ه-(1915م)، وشارك في المعارك الحاسمة في تأسيس الدولة السعودية الثالثة ، حيث إشترك مع الإمام عبد العزيز آل سعود منذ سنة 1325 ه-(1907م) في حروبه وغزواته ، بعد أن كان سابق هذا التاريخ يصطف مع ابن الرشيد ضد آل سعود .

قام بالإغارة على حدود العراق والكويت، وشارك في السيطرة على الحجاز بحيث كان من القادة الذين حاصروا المدينة المنورة ، وكان على رأس غزوات الإخوان النجديين على العراق وقبائله . وحظي بمكانة رفيعة عند ابن سعود لكونه من أبرز قادته . ويذكر حافظ وهبة في كتابه جزيرة العرب في القرن العشرين عن فيصل

الدويش أنه كان حينما يقدم على الرياض يصحبه 150 رجلاً مسلحاً يدخلها كقائد كبير وكرجل مهم له منزلة عظمى في نفوس أهل الرياض وعلمائها ، وإذا جلس لا يجلس إلّا بجوار ابن سعود ، الذي يعتبره صديق قديم وقائد من قوّاده المميزين .

238

فيصل بن سلطان الدويش

قاد الإخوان في معركة الجهراء وإستولى عليها في محرم سنة 1339 ه-(تشرين أول سنة 1920م) ، وحاصر قوات شيخ الكويت سالم المبارك الصباح ليومين ، وانتهى الحصار بالصلح وإنسحبت قواته عن الجهراء .

وبأمر من عبد العزيز آل سعود حاصر فيصل الدويش بجيشه حائل سنة 1340ه-(1921م) ولحقه ابن سعود حتى إستسلمت حائل . وأمره ابن سعود مع آخرين أن يدخلوا أبي الغار في الحفر سنة 1341ه-(1922م)، وقاتلوا يوسف بك السعدون الذي جاء لنجدة أبي الغار فهزموه ، فتدخلت الطائرات الإنكليزية لضربهم فتراجعوا . ثُمَّ أغار فيصل الدويش بقواته على بادية العراق مما إضطرت القوات البريطانية بضرب قواته بالطائرات .

وفي سنة 1343ه-(1925م) وخلال الحرب النجدية الحجازية أرسل عبد العزيز آل سعود فيصل الدويش بجيش من الإخوان إلى المدينة المنورة وتمكن من الإستيلاء على جنوبها، وخلال الحصار الذي دام عشرة أشهر خشي أهل المدينة تسليمها إلى فيصل الدويش فكتبوا إلى عبد العزيز أن يرسل إليهم أحدا ليسلموه المدينة غير ابن الدويش فأرسل إليهم محمد بن عبد العزيز آل سعود فدخلها وإنسحب فيصل إلى الأرطاوية .

وبعد ضم الحجاز عزم فيصل الدويش وآخرون من الإخوان على استمرار الغزوات على العراق، مما تسبب في أزمات سياسية بين (مملكة نجد والحجاز) وجيرانها لأنّ المملكة كانت قد عقدت معاهدات حدودية في المحمرة وعقير مع العراق والكويت برعاية بريطانية . ولكن فيصل الدويش ومن معه لم يبالوا بالمعاهدات مما سببوا لآل سعود إحراج سياسي .

يقول عنه الزركلي :« وافق اسمه الرعب . فكان يرى في نفسه ندّاً لابن سعود . وإمتد طموحه إلى عرش ابن سعود . وعرف عبد العزيز مكامن القوة فيه والضعف ، فاحتمله على عنجهيته وأطماعه »(1).

وكان يرى فيصل الدويش وبقية الإخوان أن غزواتهم هي جهاد ونصر للإسلام وخاصة على العراق حيث يعتبرون أغلب سكانه من الشيعة وهم (روافض) كفّار في نظرهم ، وجعل ذلك الأمر أن يطلب منهم عبد العزيز التوقف عن نشاطهم هذا الذي لا يصب في مصلحة مملكته ، حتى انتهى الأمر بتمرد الإخوان على ابن سعود .

وقد خاض فيصل الدويش ضد آل سعود معارك شهيرة في روضة السبلة وأم رضمه ونقير سنة 1348ه-(1929م) وجرح جرحاً بليغاً وتم إخلاءه بصعوبة ، وإضطر إلى الاستسلام للإنكليز الذين سلموه إلى عبد العزيز آل سعود، فسجنه


1) شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز / خير الدين الزركلي ، ج 2 ص 465 ، عن دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، ط5 سنة 1992م.

في الرياض وبقي في سجنه إلى أن توفي في 21 جمادى الأول سنة 1350ه-(3 تشرين أول سنة 1931م).

2 - ضيدان بن حثلين :

هو ضيدان بن خالد بن حثلين شيخ العجمان وأحد قادة الإخوان . شارك مع بقية قادة حركة الإخوان النجديين في حروب عبد العزيز آل سعود في معارك توحيد المملكة السعودية ، ثُمَّ إنضم بعدها إلى تمرد الإخوان ولكنه لم يشارك في معركة السبلة سنة 1347ه-(1929م) ضد جيش عبد العزيز وإن ظل يحمي ميسرة الإخوان من أي هجوم طارئ يشنه فهد ابن الأمير عبد الله بن جلوي آل سعود الذي يملك قوة كبيرة شمال الإحساء، وبعد إنتهاء المعركة بهزيمة الإخوان أرسل له عبد العزيز يشكره لعدم انضمامه إلى فيصل الدويش وسلطان بن بجاد ،ثُمَّ أرسل له كتاب أمان ليتسنى له التنقل أينمَا يشاء .

كان ابن حثلين متوسط القامة وقوي البنية وله ملامح قوية ومظهر شرير ، مستقل للغاية في طبيعته ويتحدث عن رأيه ولا يضيع وقتا في الكلام . شاخ بالعجمان من سنة 1328ه-(1910م) إلى سنة 1347ه-(1929م) حيث قتل في العيينة .

قاد سنة 1915م جموع قبيلة العجمان في معركة (كنزان) ضد عبد العزيز آل سعود وهي المعركة التي قُتل فيها الأمير سعد بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود شقيق عبد العزيز، والتي إنتصر فيها عبد العزيز . لجأ ضيدان إلى الكويت حتى سنة 1919م عندما قدِم متصالحاً مع عبد العزيز ، فعاد بقبيلته إلى الإحساء ملتحقين بحركة الإخوان، ليكون ضيدان بعد ذلك من أشهر قادة الحركة ، فقد شارك في بعض معارك توحيد المملكة .

241

ضيدان بن حثلين

شنَّ ابن حثلين الغارات على بادية العراق والكويت، وفي سنة 1929م قامت قبيلته بقيادته مع مجموعة من قبيلة فيصل الدويش ( مطير ) بالهجوم على بني مالك في الروضتين ، فقتلوا الرجال وسلبوا ممتلكاتهم وأعدموهم .

يقول خير الدين الزركلي عنه :« لم تكن لضيدان بن حثلين سابقة بارزة في خدمة عبد العزيز ، بل إنه على نقيض ذلك، حين وقعت حرب الحجاز ودُعي العجمان للاشتراك في مناوبة القبائل الغازية ، ركب ضيدان على رأس جمع من قومه يؤمون الحجاز على مهل وتؤدة ، يرعون ما شيتهم، ويقيمون على المياه ، حتى قضوا في طريقهم أكثر من ثلاثة أشهر ولم يصلوا . فجاءهم رسول من عبد العزيز من مكة يأمرهم بالأوبة إلى ديارهم ، إستغناء عنهم وعن مناصرتهم. فعادوا وفي أنفسهم ما في كبيرهم ابن حثلين من ألم وحنق ، إشتعلت بهما نار الضغينة الكامنة يوم حرمهم عبد العزيز من انتهاب أهل الإحساء، وتجددت ذكرى غدرهم بعبد العزيز يوم (جراب)(1). وجراب مكان المعركة التي حدثت بين أمير الرياض عبد العزيز آل سعود وبين أمير حائل سعود بن عبد العزيز آل الرشيد » .


1) شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز / خير الدين الزركلي، ج 2 ص 466 - 467 .

تمرد العجمان على عبد العزيز آل سعود بعد أن أضرم أمير الإحساء عبد الله بن جلوي آل سعود النار في مساكن العجمان، فأرسل ابن جلوي إبنه فهد لإخضاعهم يعاونه أحد أبناء عم ضيدان وإسمه نايف أبا الكلاب. خيّم فهد بن الأمير عبد الله بن جلوي في (العيينة) وأرسل إلى ضيدان يدعوه ليناقش معه رسالة لإبن سعود، كما أرسل له كتاب أمان بخط يده . إجتمع العجمان وناقشوا الأمر وأشاروا على ضيدان وطلبوا منه أن لا يذهب للقاء الأمير فهد فإنّها مكيدة ، ولكن ضيدان لم يأخذ بنصيحتهم فذهب ومعه إثنا عشر رجلاً فاستقبله فهد بحفاوة، وعندما نهض ضيدان ليغادر المكان قبض عليه ومن معه وكُبّلوا بالأصفاد .

تمكن أحد مرافقيه من الفرار لينذر قبيلته ، فتحركت قوة من العجمان قوامها 1500 رجل نحو معسكر الأمير فهد بقيادة حزام بن سلمان بن حثلين وذلك في 21 ذو القعدة سنة 1347ه-(1 مایس 1929م) ، فشعر الأمير فهد بخطورة الأمر وقد يخسر المعركة ، فأمر عبده وهو جلاد زنجي بقطع رقبة ضيدان بن حثلين ، وفي نفس الوقت قُتل فهد على يد شاب من العجمان عندما أمسك بعنان فرس فهد وأطلق النار عليه فقتله . وبعد هذه الواقعة ومقتل ضيدان إستلم قيادة العجمان ابن عمه نايف بن حثلين .

3-سلطان بن بجاد :

هو سلطان بن بجاد بن حميد العتيبي ، كان يُلقب ب-(سلطان الدين) ، أحد شيوخ قبيلة عتيبة . وهو من أشد قادة الإخوان من طاع الله . تسلّم مشيخة قبيلة (المقطة) بعد وفاة الشيخ محمد بن هندي بن حميد وذلك في سنة 1333ه-(1915 م). شارك في معارك توحيد المملكة العربية السعودية، وهو الذي أسس هجرة (الغطغط) التي كانت أكبر هجر الإخوان عدداً وكان زعيمها .

يقول الزركلي في كتابه شبه الجزيرة :« كان محمد بن هندي ابن حُمَيْد من أشجع فرسان العرب وقد إنفرد بزعامة قبيلة (عتيبة)، ومات متردياً من فوق ناقته سنة 1333ه-(1915م) وخلفه ابنه نايف ولم يكن في السياسة والشجاعة كأبيه »(1).

ويذكر خالد بن محمد الفرج في كتابه (الخبر والعيان في تاريخ نجد) عن نايف بن محمد بن هندي وسلطان بن بجاد ما نصّه :« فنافسه ابن عمه سلطان بن بجاد بن حميد، وكان نايف لسوء تبصره من جملة من قاوم الدعوة الدينية(2)، فساعد عبد العزيز ،سلطاناً ، وولاه على عتيبة ، وفرّ ابن هندي(3)إلى العراق ، وكان سلطان ساذجا متعصباً متهورًا تعوزه الحنكة والمهارة ، وليس له من مزايا حليفيه الدويش وضيدان شيء ، لَوْلَا قوة عصبته في معشره »(4).

تولى سلطان بن بجاد القيادة في معركة (تربة) في 24 شعبان 1337ه-(25 مايس 1919م) وكان معه خالد بن لؤي وسلطان بن مشعان أبا العلا . قاد الزحف على الطائف في شهر صفر 1343ه-(أيلول 1924م)، وتمكن في 20 ربيع الأول سنة 1343ه-(18 تشرين أول سنة 1924م) من السيطرة على مكة وجده بعد حصار دام لمدة سنة كاملة ، ليقضي بذلك على حكم الهاشميين أشراف وملوك الحجاز .

عندما قاد الجيش ودخل الطائف فقد غلبت على جماعة ابن بجاد في ذلك اليوم غريزة البداوة الأولى ، فقتلوا ونهبوا وروّعوا الناس، حتى زجرهم شيخهم ، وكان للحادث وقعه الأليم في نفس عبد العزيز آل سعود بعد وصوله إلى الحجاز، فأمر


1) المصدر السابق نفسه/ ج 2 ص 467 .

2) يقصد بها الدعوة الوهابية الجديدة والتي على أساسها نشأت حركة الأخوان.

3) يقصد به نايف بن محمد بن هندي بن حُميد زعيم عتيبة بعد والده.

4) الخبر والعيان في تاريخ نجد خالد محمد الفرج، تحقيق ودراسة عبد الرحمن بن عبد الله الشقير، ص 494 ، ط 1 سنة 1421ه-- 2000م. الرياض - السعودية.

بتعويض المنكوبين ، وأنّب سلطان بن بجاد على ما فعل رجاله ، فحقد سلطان على عبد العزيز وأضمر في داخله السوء والعداوة له .

بعد أن انتهت المعارك في الحجاز أفصح بن بجاد عن نيّته في غزو العراق ، مما أدّى إلى نشوب معركة السبلة سنة 1929م بين الإخوان وعبد العزيز آل سعود، حيث أراد الإخوان استكمال الهجمات في العراق مما دفع عبد العزيز آل سعود للتصدي لهم ، وكان الإخوان ينظرون إلى غزواتهم في العراق على أنها جهاد !! ، وكان كل من سلطان بن بجاد وفيصل الدويش وضيدان بن حثلين قد إجتمعوا في بلدة الأرطاوية في سنة 1926م وتعاهدوا على نصرة دين الله (حسب اعتقادهم) ومواصلة الجهاد في العراق .

244

سلطان بن بجاد

أرسل سلطان بن بجاد بن بجاد رسالة إلى ابن سعود هذا مضمونها :« كنت إمامنا يا عبد العزيز ودعوتنا للجهاد ضد كل الكافرين والمنافقين ، فكثيراً كنت ما تردد من وجوب تدمير العراق ، وأن الغنيمة ستكون حلالاً ، وتقرأ القرآن كثيرًا لتؤكد أن ما يمارسه المسلمون ضد المنافقين أمر مشرّف، واليوم وبناءً على طلب الإنكَليز الكفار وبعد أن نعتّنا بالمقاتلين المحنكين ، وبأننا سيف الإسلام تصفنا بأننا مخطئون ،

وإن علينا تسليم الغنيمة التي غنمناها ... فإما أن تكون مفترياً علينا ولا يهمك سوى مصلحتك الخاصة ، أو أن القرآن الكريم ليس هو الكتاب الصحيح، وعلى علماء نجد أن يختاروا بيننا وبينك ».

فحدثت معركة السبلة نتيجة هذا الخلاف والتي هُزم فيها الإخوان وتشتت شملهم ، وأصيب بها فيصل الدويش إصابة خطرة، أمّا سلطان بن بجاد فقد استطاع فرسان من قبيلة عتيبة تغطيته وعاد إلى بلدته ومقر مشيخته (الغطغط).

بعد أن سم سمع ابن بجاد خبر عفو ابن سعود عن فيصل الدويش ، طمع هو أيضاً بالعفو، فاستسلم طوعاً في (شقراء) ، فأخذ إلى ابن سعود الذي أمر بحبسه في الرياض، حيث توفي في أسره سنة 1351ه-(1934م).

هؤلاء الثلاثة من قادة الإخوان الكبار الذين كانت لهم أدوار مهمة في قيادتهم للحركة والوقوف مع إمامهم عبد العزيز آل سعود، والذين إختلفوا فيما بعد معه ، وكان خلافهم شخصي ويدل على أطماع في الحكم والإدارة والسيطرة والمغانم والرغبة بمواصلة ما يسمونه بالجهاد، فنقموا على عبد العزيز عند استعماله ما جاد به العصر الحديث من تطور ، فعارضوا استعمال الهاتف والتلغراف لاعتقادهم بأنها من أعمال الشيطان ، وكذلك أنكروا وحرّموا ركوب الدراجة (البايسكل) وسمّوه حصان الشيطان ، وعابوا على عبد العزيز علاقته ومعاهداته مع الإنكَليز باعتبارهم كفار إلى غير تلك الأمور الحياتية التي كانوا يرفضونها من لبس العقال وإطالة الثياب وعدم إطلاق اللحى ومنعهم من غزو العراق وغيره من دول الجوار .

ولكن الحقيقة التي إتفق عليها أغلب من دوّن تاريخ تلك المرحلة كانت تتلخص بما يخص كل منهم :

ففيصل الدويش منّى نفسه حيث طمع بأن تكون على الأقل له إمارة المدينة المنورة، باعتبار أنه هو الذي حاصرها قبل أن يطلب أهلها تسليمها إلى غيره ، فسلّمت إلى محمد بن عبد العزيز ابن سعود .

أمّا ضيدان بن حثلين فلم ينسى حرمانه وحرمان عشيرته من مغانم الحجاز ، حيث ردّه عبد العزيز إلى بلدته عقابًا على تمهله وتباطئه في التقدم . وأمّا سلطان بن بجاد فكان يتمنى أن تكون ولاية الطائف له، مع العلم بأن ما قام به جماعته تجعل من المستحيل أن يقبل عبد العزيز بتحقيق أمنيته .

كانت هذه الأسباب الرئيسية للخلاف بين هؤلاء القادة وابن سعود، والطريف في الأمر أن عبد العزيز آل سعود كان يعرف كل واحد منهم ، وكان يجاريهم في مراحل كان هو بحاجة إليهم ، وهذه من فطنة وذكاء ابن سعود .

246

قادة الأخوان فيصل الدويش ، ضيدان بن حثلين ، وسلطان بن بجاد

هناك من قادة الإخوان الآخرين الذين قادوا الحركة في بعض مفاصلها وساهموا في معارك توحيد المملكة ، نستعرض الأسماء المهمة منهم وهم :

عقاب بن محيا

هو عقاب بن ضيف الله بن غازي بن سياف بن محيا ، من الحناتيش من طلحة من الروقة من قبيلة عتيبة . وعقاب هذا كان قائد أهل (ساجر)(1)في مرحلة توحيد المملكة مع عبد العزيز وهو أحد أمراء قبيلة عتيبة .

ولد عقاب في البادية سنة 1321ه-(1903م) ، وقُتل والده في معركة ضد أمير آل الرشيد عبد العزيز بن متعب الرشيد وكان عقاب صبياً صغير السن . إستوطنت أسرته ساجر ، وحفظ القرآن ودرس الفقه على أيدي الدعاة الذين أرسلهم عبد العزيز آل سعود لتفقيه أهل ساجر . تعلم الفروسية وإشتهر بالشجاعة والكرم وكان شديد التديّن ومحبوباً في قبيلته .

247

عقاب بن ضيف الله بن محيا


1) ساجر : بلدة من بلدات إقليم السرّ التابع لمنطقة الرياض في نجد. تتميز ساجر بوجود مورد ساجر للمياه، وهو مورد قديم ومشهور جداً ويُعتبر من أقدم الموارد المائية في شبه الجزيرة العربية ويمتاز بعذوبته المتناهية وساجر تبعد عن الرياض بمسافة 270 كم في الشمال الغربي منها . تأسست ساجر كهجر مخصصة للإخوان سنة 1334ه-(1916م).

أصبح أحد قادة الإخوان وشارك في معارك توحيد المملكة ، وهو في عنفوان الشباب تمرض وتوفي سنة 1351ه-(1933م).

حجاب بن نحيت

هو حجاب بن محسن بن شبيب بن فهد بن مبرك بن نحيت المزيني السالمي الحربي ، أمير (مزينة)(1)من قبيلة حرب في نجد. ولد حجاب سنة 1270ه-(1854م)، وعاش قبل زمن عبد العزيز، وأدرك دعوته وكان ممن أسهم معه في مشروعه التوحيدي للمملكة .

وقبيلة حرب إنضمت إلى الإخوان وأسسوا هجرة (دخنة) ، وكان حجاب من القادة المقربين من عبد العزيز آل سعود مستفيداً من خبرة حجاب . وكان حجاب وجماعته قد نزلوا (الفوارة)(2)وإتخذوها هجرة لهم .


1) مزينة : قبيلة خندفية مضرية من قبائل العرب المشهورة وكانت مساكنها قديماً بين مكة والمدينة، والمنتسب إليها يُلقب ب-( المزني)، وقد إشتهر منها الكثير من صحابة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم).

2) الفوارة: هي هجرة الفوارة التي تقع في شمال غرب منطقة القصيم في نجد، وتبعد عن بريدة مقر إمارة القصيم 135 كم، وتقع على طريق القصيم - حائل، وموقعها على ضفاف واد سمي باسمها وهو أحد فروع وادي الجرير، ووادي الفوارة ينحدر من جبال في المنطقة. وفي الفوارة سهول شاسعة ومراعي خاصة في فصل الشتاء. وجاء إسمها من وجود عيون ماء تفور مياهها لكثرتها في السابق، وتقع الفوارة قريبة من مدينة الظهران.

249

حجاب بن نحيت

شارك حجاب بن نحيت في غزوات عبد العزيز كما شارك في حصار المدينة المنورة . وعندما ثار الإخوان على عبد العزيز سعى الإمام لكسب ولاء حجاب، فأثناء الخلاف بين الإخوان وإمامهم ابن سعود مال حجاب إلى عبد العزيز وشارك معه في معراً كة السبلة يساعده ضد الإخوان. توفي في جمادى الثاني سنة 1353ه-(أيلول سنة 1934م) وهو في الثمانين من عمره .

عبد المحسن الفرم

هو عبد المحسن بن صنيتان بن عبد المحسن بن فرز الفرم، أمير بني علي من قبيلة حرب. ولد في عالية نجد سنة 1298ه-(1881م)، وكان من رجال عبد العزيز آل سعود. كانت بني علي تسكن المدينة المنورة وتزعمهم عبد المحسن وهو شاب . ثُمَّ إستقر بنو علي في (قبة)(1).


1) قبة : قرية تقع شمال شرق بريدة عاصمة منطقة القصيم، وتبعد عن بريدة 133كم، أنشأها عبد المحسن الفرم سنة 1340ه-( 1922م) بإقطاع من عبد العزيز آل سعود. أصبحت هذه القرية فيما بعد نقطة انطلاق لجيوش الإخوان ومحطة هامة لقوافل العراق والكويت والقصيم.

تعلم على يد العلماء وحفظ القرآن في صغره، وكان جده فرز الفرم من رجال الدولة السعودية الأولى الذي شارك مع الإمام عبد الله بن سعود في معاركه .

تولى عبد المحسن حصار المدينة منذ بداية سنة 1344ه-(1926م) حتى استسلامها في منتصف ذلك العام . كان من قادة الإخوان ، وفي ثورتهم ضد عبد العزيز إتخذ موقفاً يناصر عبد العزيز فيه ، حيث قال له ابن سعود ( أنت أمير الخيل ) .

يذكر الزركلي مشاركة عبد المحسن الفرم في معركة السبلة بجانب آل سعود فيقول :« ونشبت المعركة صباح اليوم التالي 19 شوال 1347ه-(1929م)، فاستمرت إلى منتصف النهار . وكان محمد بن عبد الرحمن (أخو الملك) وعبد المحسن الفرم شيخ قبائل حرب يقودان الفرسان، فضربا العصاة من خلف ، فاستقبلتهم جموع الحَضَر ، فحلت بهم الهزيمة . وفرّ ابن بجاد بجمع عتيبة متجهاً إلى الغطغط ، وجُرح الدويش في خاصرته»(1).

وتوفي عبد المحسن الفرم في الرياض سنة 1387ه-( 1967م) بعد معاناة مع المرض.

خالد بن لؤي

هو خالد بن منصور بن عبد الله بن حسين بن دخيل الله بن محمد بن لؤي العبدلي الهاشمي القرشي . كان أحد قادة شريف مكة الحسين بن علي قبل أن يتحول ليكون أحد قادة الإخوان .

أصبح من قادة الإخوان ويتمسك بمبادئ الحركة وشارك مع جيوش عبد العزيز المتمثلة بالإخوان . وعند احتلال مكة كان قد عُيّن أميرها.

فعندما رأى الشريف حسين ملك الحجاز عند اقتراب الإخوان من مكة أنه لم يبق له مقام فيها ، فاستعد للرحيل وتنازل عن الملك لولده علي ، يقول حافظ وهبة : « ثُمَّ دخل الإخوان مكة صلحاً لا حرباً، فدخلوها خاشعين ، وتولى


1) شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز / خير الدين الزركلي، دار الملايين، ج 2 ص488.

الشريف خالد بن لؤي إمارة مكة »(1). وذكره فاسيليف في كتابه تاريخ العربية السعودية أنه كان أمير مكة بعد فتحها(2). توفي الشريف خالد بن لؤي في صبيا(3)سنة 1351ه-(1932م).

قِعيدان بن درويش

هو قعيدان بن علي بن درويش الشاطري ، شيخ الشطر من بني عبد الله من قبيلة مطير . ولد في العمق في صمان بالحجاز سنة 1256ه-(1836م)، إنتقلت مشيخة عشيرته إليه بعد وفاة أخيه الأكبر صنيتان بن درويش وكان في العشرينات من عمره وقتئذٍ . ذكره جون فيلبي في كتابه تاريخ نجد ودعوة محمد بن عبد الوهاب السلفية .

وكان من قادة الإخوان وأحد زعماء البادية المشهورين . يذكر الزركلي أنه كان أحد قادة الإخوان الذين شاركوا أثناء الزحف النجدي على مملكة الحجاز(4)، سنة 1343ه-(1925م) . فهو الذي قاد عشيرة الشطر الذين إقتحموا قصر شبرا في الطائف واعتقال من فيه من الحامية التركية .

شارك في فتح جيزان بصفته قائداً سنة 1351ه-(1932م) ، كما شارك في غزوة الشمال الأولى في شرق الأردن على وادي سرحان(5)وعزل نوري بن هزاع الشعلان أمير قبيلة الرولة من عنزة ، وآخر معركة شارك فيها قعيدان هي معركة الدبدبة في نهاية سنة 1929م وكان قائدا لهجرة الأرطاوية .


1) جزيرة العرب في القرن العشرين / حافظ وهبة، ص 265 .

2) تاريخ العربية السعودية / ألكسي فاسيليف، ص323.

3) صبيا : بلدة في منطقة جازان وتابعة لها، وموقعها الجغرافي في الجنوب الغربي من المملكة.

4) شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز/ خير الدين الزركلي، ص 330 .

5) تاريخ العربية السعودية / ألكسي فاسيليف، ص305.

ومن المناصب التي تقلدها قعيدان غير إمارته على عشيرته هي : أمير الشفلحية ، وأمير أهل الأرطاوية بمنطقة الرياض ، وأميراً على العمق في الحجاز . ولقّب بألقاب كثيرة منها (حومان)، و(حامي المثلي) .

توفي قعيدان بن درويش سنة 1380ه-(1960م) عن عمر ناهز ما يقارب 124 عام ، ويعتبر أكبر المعمرين من قادة الإخوان .

عبد العزيز الدويش

هو أكبر أنجال فيصل بن الدويش ، وهو المشهور ب-(عزيز الدويش) . ولد سنة 1322ه-(1904م) . أصبح من قادة الإخوان الشباب ومساعداً لوالده فيصل الدويش كبير قادة الإخوان .

شارك عزيز الدويش بمعركة السبلة في 30 آذار 1929م. وبعد المعركة أرسله والده على رأس وفد إلى الكويت في حزيران سنة 1929م لإقناع شيخها بالانضمام إلى ثورة الإخوان ضد عبد العزيز السعود(1).

وفي آب سنة 1929م قاد الإخوان في هجومهم على القاعية(2)ضد عبد العزيز آل سعود وحلفائه من سبيع والسهول وحقق فيها النصر للإخوان. وفي نفس الشهر قاد الإخوان بقوة من قبيلة مطير لغزو القبائل الموالية لابن سعود من شمّر وعنزة ، وإستولوا على قطعان كبيرة من الإبل، وغنموا قافلة سعودية تنقل أموال الزكاة إلى حائل. وعندما أراد عبد العزيز الدويش وجماعته الرجوع ليسقي جماله وجيشه الماء بعد أن أخذ العطش منهم مأخذاً ، فقطع عليهم الأمير عبد العزيز


1) الكويت وجاراتها/ هارولد ديكسون، ص 320 .

2) القاعية من قرى مطير تقع في المجمعة بمنطقة الرياض ، وعُرفت قديماً بعذوبة مائها، وجرت فيها معركة القاعية.

بن مساعد بن جلوي آل سعود أمير حائل د أمير حائل ومعه 1500 مقاتل خط الرجعة عندما تقدم بسرعة لاحتلال آبار (أم رضمة )(1).

وكان مع ابن الدويش مستشاره فيصل الشبلان الذي أرسله معه والده فيصل الدويش . وعندما أحسّوا بالخطر لم يسمع عزيز الدويش نصيحة مستشاره بتغيير اتجاههم ولكن الشاب المغرور بقوته أصّر على وجهته ، فتركه الشبلان ومعه 150 رجلاً وبضعة جمال . فجرت بعد ذلك معركة طاحنة بين جيش الأمير ابن جلوي آل سعود وبين الدويش ومعه 500 رجل سميت بمعركة أم رضمة وذلك في 7 ربيع الثاني سنة 1348ه-(11 أيلول سنة 1929م) لقي فيها عزيز الدويش مصرعه وهو في عنفوان الشباب فكان عمره عندما قُتل 25 عام بعد أن حاول خمسة من عبيده تخليصه ولم يفلحوا . وكان مقتله سبباً في انهيار ثورة الإخوان ، خاصة بعد مقتل 500 مقاتل من خيرة رجالهم ومقاتليهم(2).

هايف بن شقير

هو هايف بن هزاع بن بدر بن شقير الدويش، كان من أهم قادة الإخوان وهو الذي أسس هجرة (قرية العليا ) سنة 1338ه-(1920م) والتي تقع أقصى شرق الصمان ، وكانت على مورد ماء من الممتلكات القديمة لقبيلة مطير ، ويذكر أمين الريحاني أن عدد الإخوان الذين يلبون الجهاد فيها تقريبًا 1500 مقاتل(3).

وهذه الهجرة كانت داخل حدود الكويت، وقد إعترض شيخ الكويت سالم المبارك على بناء هجرة قرية العليا ، فأرسل قوة يقودها دعيج بن سلمان الصباح نزلت في حمض شمال قرية العليا لمنع الإخوان من بناء الهجرة ، فأرسل هايف بن شقير إلى


1) أم رضمة : منطقة آبار تقع جنوب غرب المنطقة المحايدة بين العراق والسعودية.

2) الكويت وجاراتها هارولد ديكسون / ص 322 ومن ص 326 إلى ص327. إختصرنا بشكل كبير ما ورد في النص تجنباً للإطالة، وما ذكرناه للتعريف وترجمة عبد العزيز بن فيصل الدويش لا غير كونه من قادة الإخوان.

3) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص 454 .

فيصل الدويش في الأرطاوية يستنصره ، فقدم فيصل الدويش ومعه 2000 مقاتل من الإخوان، وفي الأول من أيلول سنة 1338ه-( 18 مايس 1920م) حدثت معركة (حمض )(1)عندما هاجم فيصل وهايف قوات دعيج الصباح التي إنهزمت وعادت إلى الكويت(2).

كما رافق هايف بن شقير فيصل الدويش في معركة الجهراء سنة 1338ه-(1920م) وإستولوا على الجهراء ثُمَّ تصالحوا مع الكويتيين(3).

قتل هايف بن شقير سنة 1342ه-(1923م) في القصير قرب سوق الشيوخ(4)في العراق عندما كان قائداً للإخوان الذين هاجموا قبيلة الظفير قرب سوق الشيوخ ، وقُتِل هايف ومعه 72 رجل من 72 رجل من قبيلة مطير كان على رأسهم .

يقول عبد الله البسام في كتابه تحفة المشتاق عندما يتحدث عن حوادث سنة 1342ه- ما نصّه :« وفيها عدا غزو من مطير كبيرهم ولد هزاع بن شقير(5)قرب سوق الشيوخ على الظفير، ووجودهم متنذرين بهم ، ولما أكانوا عليهم قتلوا الظفير 72 من مطير، منهم ولد هزاع وولد ابن مشل وذبحوهم كلهم»(6).


1) حمض منطقة تقع شمال قرية العليا شرق السعودية على حدود الكويت. حدثت فيها معركة حمض.

2) راجع الكويت وجاراتها/ هارولد ديكسون، ص 261.

3) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص273 – 274.

4) سوق الشيوخ مدينة عراقية وهي مركز قضاء ضمن حدود محافظة ذي قار في العراق حالياً. كانت سوق الشيوخ عاصمة لإمارة المنتفك لأكثر من مائة عام. ضمت الإمارة مدن وقرى جنوب ووسط العراق من حضر وبادية والقصير إحدى مناطق سوق الشيوخ تتواجد فيها قبيلة الظفير.

5) يقصد به (هایف بن هزاع).

6) تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق/ عبد الله بن محمد البسام، تحقيق ودراسة لإبراهيم حامد الخالدي، ص 324 ، عن شركة المختلف للنشر والطباعة والتوزيع، الكويت - سنة 2000م.

هؤلاء هم قادة الإخوان النجديين، وهم ما يسمون قادة إخوان من أطاع الله ، وقد ترجمناهم بإيجاز ليتعرف عليهم القارئ اللبيب ، ومما ذكرنا عنهم يتبين بوضوح جانباً مهماً من حركة الإخوان، ومن مواقفهم المعلنة والخفية نكون قد أعطينا صورة تتضح فيها المواقف والمصالح، وبعد ذلك ومن خلال أهم الأحداث التي يتوجبها بحثنا بحدود تخصصه يتبين لنا خطورة هذه الحركة وقادتها وأساليبها وتشددها الديني المزعوم، وكل ذلك وبعد أن تجاوزوا الخطوط الحمراء التي بناها الملك عبد العزيز آل سعود لتنفيذ مشروعه الوحدوي وتأسيس مملكة موحدة تشمل كامل نجد والحجاز وعسير ، ومِنْ ثَمَّ ثاروا عليه وكانت نهايتهم على يديه .

255

من قادة الإخوان النجديين ويُعتقد أنه ابن نحيت

256

صورة لمجموعة من قادة الإخوان موجودة في المتحف البريطاني

غارات الأخوان النجديين على العراق

قام الإخوان النجديين وهم الذراع العسكري لابن سعود بالاشتراك في جميع معارك وغزوات آل سعود لتحقيق المشروع السعودي في توحيد شبه الجزيرة العربية وتأسيس مملكتهم . فقد ذكرنا مساهمة الإخوان في القضاء على إمارة الرشيد وضم حائل إلى سيطرة نجد كخطوة أولى ترادفت مع السيطرة على الإحساء بالكامل ، وفي نفس الوقت لم يتوقف الإخوان من الإعتداء والتجاوز على الأراضي العراقية ،ثُمَّ ساهموا بشكل فعال فيما بعد في إسقاط مملكة الحجاز ، بحيث أسس عبد العزيز آل سعود الصفحة الثانية من مشروعه وهذه الصفحة تتمثل بإقامة مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها .

وأخذ الإخوان يضغطون على عبد العزيز ابن سعود بالهجوم على العراق لأغراض متعددة منها إرجاع قبائل شمر التي توطنت العراق ، كذلك السيطرة على المراعي الخصبة وغزو قبائل ومدن العراق الفراتية لنهب وسلب المواشي والإبل وغيرها من الغنائم ، ولكن الدافع الأكثر أهمية هو ( التعصب المذهبي المتأصل لدى

الإخوان الوهابيين ضد وسط وجنوب العراق باعتبار أن غالبة سكان تلك المناطق هم من الشيعة الأمامية» .

ومن ذلك لا بُدَّ من القول وفق تلك المعطيات، علينا مناقشة الأمور التالية التي تُعتبر في صميم موضوع البحث:

1 - هل كان الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود على علم بإعتداءات الإخوان على العراق ؟

2 - ما موقف الإنكَليز الذين إحتلوا العراق وجعلوه تحت سلطة الانتداب البريطاني من حركات الإخوان من جهة ومن ابن سعود من جهة أخرى؟

3- هل لتأسيس الدولة العراقية سنة 1921م تحت ظل الاحتلال، وتنصيب فيصل بن الشريف حسين على عرش العراق له علاقة وثيقة بما حدث على العراق من إعتداءات، خاصة وأن الحجاز لم يتم احتلاله بعد من قبل السعوديين والإخوان ؟

4 - ما هو الموقف الدولي في حينه، وما كان يدور حول اكتشاف الثروات الهائلة في شبه الجزيرة العربية والخليج العربي والعراق ؟

لتبيان الرأي حول هذه النقاط الأربع يتوجب البحث باختصار عنها لمساسها الوثيق بحركات الإخوان ضد العراق، على أن لا ننسى ما كان يدور حول بلاد الشام من إعتداءات الإخوان، ومن المؤامرات الدولية التي كانت تحاك لتقسيم تلك المناطق ومِنْ ثَمَّ كانت النتيجة المبيّته من اتفاقية سايكس – بيكو ووعد بلفور المشؤوم الذي أسس لزرع الكيان الصهيوني العنصري في جسم العرب .

فالأمر الأول نؤكد فيه بأن عبد العزيز آل سعود كان على علم بتحركات الإخوان على العراق باطناً غير معلن، وعندما كان يُسأل من قبل الإنكَليز وغيرهم فيجيب بأنه لم يكن على علم بل يبدي امتعاضه، وحدث ذلك لمرات عديدة ، فكيف يُعقل بأن تقوم القوة العسكرية المهمة من قوات ابن سعود وهم

الإخوان ذراعه العسكري بالقيام بتلك التحركات والغزوات والإعتداءات بدون علمه ؟!!! . فلا بُدَّ لنا من تقديم الدليل على علمه بما يحدث وهو أن أطماعه ورغبته المعروفة بأنه يجد بأن حدود دولته مع العراق هو نهر الفرات ! ، ومِنْ ثَمَّ يتمكن من الاستحواذ على المنطقة الغربية من بادية العراق وضمها إلى نفوذه وسيطرته ، إلى أن وصل الموضوع بوقوف الإنكليز ضد هذا المشروع والذين قاموا بالتدخل المباشر لترسيم الحدود الحالية كما سنبيّه لاحقاً .

والأمر الثاني الذي يخص موقف الإنكَليز المحتلين للعراق من حركات الإخوان على المناطق العراقية باعتبارهم سلطة انتداب ، ومن ابن سعود من جهة أخرى فنبيّن الآتي :

1 - لم يكن موقف سلطة الاحتلال البريطاني في العراق من هجمات الإخوان في البداية على الأراضي العراقية موقفاً حاسماً وشديداً باعتبار أن الفترة التي حدثت فيها هجمات الإخوان النجديين كان العراق تحت الانتداب البريطاني الذي هو المسؤول القانوني والسياسي على حماية العراق وتطويرة وبناء نظامه ، وموقف التباطئ الإنكليزي هذا كان سببه أن الإخوان إستغلوا الارتباك والفوضى والفراغ السياسي الذي أعقب ثورة العشرين

(الثورة العراقية الكبرى) التي إندلعت في حزيران سنة 1920م.

2- عندما أدت الغارات الوهابية الإخوانية إلى حالة الفوضى في البادية الغربية العراقية ، وبعض مدن جنوب وجنوب غرب العراق ، طُلِبَ من السر برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق اتخاذ التدابير اللازمة والعاجلة لوقف تلك الهجمات التي ليس لها مسوغ غير السلب والنهب والقتل، وانتشار مظاهر فرض الزكاة والخاوات والهجمات المتبادلة بين العشائر العراقية والنجدية ، عند ذلك رفض السر برسي كوكس والملك فيصل الأول هذه الهجمات التي إعتبروها خطراً على العراق بأكمله ،

وأن هذه الهجمات إذا ما إستمرت ستشجع على الاحتراب الطائفي الذي سيؤدي بالنتيجة إلى الانقسام الإثني في البلاد.

فخاطب كوكس الأمير عبد العزيز آل سعود محتجاً على ما يقوم به الإخوان في الأراضي العراقية ، الأمر الذي أعرب ابن سعود عن عدم علمه بتلك الهجمات معتذرا عما جرى و واعدًا باتخاذ ما يلزم لوقف تلك الإعتداءات . وأكد له السر برسي كوكس أن الحكومة البريطانية ستتخذ بعض الإجراءات العسكرية والسياسية ضده وضد أتباعه من الإخوان .

3- توصل الإنكَليز إلى حقيقة مفادها بأنه بات من الضروري القيام بترسيم الحدود بين العراق ونجد ، وهذه الحقيقة إعتبروها السبب الرئيسي والجوهري للخلاف بين الطرفين، بعد أن أحسّ الإنكليز والملك فيصل برغبة ابن سعود في التوسع على حساب الأراضي العراقية .

4 -لحد هذا الموقف لم يتدخل الإنكليز عسكرياً ضد هجمات الإخوان التي إستمرت من سنة 1920 لغاية آذار 1922م إلّا بعد أن تم إصابة طائراتهم التي كانت تستطلع فلول النجديين وقبل انعقاد مؤتمر كربلاء. ولكن الهجمات التي قام بها الإخوان بعد انعقاد المؤتمر قوبلت بردع عسكري من الطيران البريطاني وقوات من الجيش العراقي. وسيتم شرح موقف الإنكليز في المفاوضات والمعاهدات التي جرت بعد ذلك .

أمّا بخصوص الأمر الثالث الذي نعنيه بتنصيب فيصل بن الحسين ملكاً على العراق في ظل الانتداب البريطاني، فهذا الأمر في غاية الأهمية لدى ابن سعود، فكان عبد العزيز على غير وفاق مع أشراف مكة ، ولم يكن قد إحتل الحجاز بعد ، والخلافات بين الأسرتين الهاشمية والسعودية ألقت بظلالها على الموقف، ومن ذكاء ودهاء ابن سعود أن يفتعل ويدفع الإخوان باستمرار هجماتهم باطناً ويعلن عدم علمه بها ، ما كانت إلّا صفحة من صفحات الضغط على الإنكَليز لحسم قضايا

متعلقة بين الطرفين تحتاج إلى حسم ، فكان مؤتمر المحمرة ومؤتمر العقير ومؤتمر الكويت، وترسيم الحدود وتعيين المنطقة المحايدة، كل ذلك كان تحت إشراف الإنكليز وتدخل الملك فيصل الأول وبعض شيوخ المحميات .

أمّا بالنسبة للموقف الدولي فكان واضحاً أثناء الحرب العظمى ، واكتشاف الثروات في العراق والسعودية ، وكانت بريطانيا ماسكة بزمام الأمر في هذا الموضوع الذي له تأثيره الواضح في استمرار أو توقف الهجمات .

كما أن الموقف الدولي قد بانت أهدافه التقسيمية عندما أعدّت دول الاستعمار بريطانيا وفرنسا بمساندة الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية سايكس – بيكو ، ومِنْ ثَمَّ إعلان وعد بلفور المشؤوم . فالموقف الدولي إنحصر في جانبين مهمين هما :

1 - تقسيم بلدان المشرق العربي وتحديد مناطق النفوذ بين دول الحلفاء الذين ساهموا في إضعاف الدولة العثمانية بعد أن إشتركت مع ألمانيا ودول المحور في الحرب العظمى الأولى، وشمل مشروع التقسيم وتحديد مناطق النفوذ حتى دول شمال أفريقيا العربية .

2 - السيطرة على ثروات البلدان العربية وخاصة منابع النفط، وإدامة التجارة الدولية بين دول آسيا وخاصة الهند التي تحكمها بريطانيا ، وبين دول أوروبا والغرب عامة .

إتسمت هجمات الإخوان النجديين على الأراضي العراقية على شكل وجبتين ، الأولى كانت بين عامي 1920م و 1922م . وهي التي دعت العراقيين إلى عقد مؤتمر كربلاء في نيسان 1922م لمواجهة خطر الهجمات الإخوانية على مدن وعشائر العراق . وكان بسببها تم عقد مؤتمر المحمرة ومِنْ ثَمَّ عقد مؤتمر العقير الذي تم به ترسیم الحدود بين العراق ونجد .

والوجبة الثانية من الهجمات كانت في سنة 1924م، وهذه الهجمات شُنّت على العراق بعد التأجيلات التي طرأت على عقد مؤتمر الكويت الذي بدأ في أوائل

شهر كانون الأول سنة 1923م وتأجل عدة مرات بسبب الخلافات المستحكمة بين الأطراف الأربعة المتمثلة بين العراق ونجد من جانب، وبين نجد وشرق الأردن والحجاز من جانب آخر .

والحقيقة أن الوجبة الثانية من الهجمات الإخوانية كانت بعلم عبد العزيز آل سعود الذي جعل مؤتمر الكويت يولد ميّتاً ليستفيد من الوقت ليتم له السيطرة على الحجاز، رغم أن عبد العزيز نفى علمه بهذه الهجمات عندما عاتبه الإنكليز و تهديدهم له ، لعلمهم بأن الإخوان النجديين هم قوة ابن سعود الضاربة .

وهجمات الإخوان الأولى والثانية كانت ترمي إلى وجهة نظر النجديين وعلى رأسهم ابن سعود على الرغم من إبدائه بعدم علمه بها ، إلّا أنها كانت لها مرامي وغايات لابن سعود وهي:

1 - طلبه برجوع عشائر شمر التي نزحت إلى العراق بعد قضائه على إمارة آل الرشيد، كان مطلبه هذا لدرء خطر هجمات عشائر شمر على نجد . 2- مطالبته بوضع حدود بينه وبين العراق وكان يرغب أن يكون نهر الفرات هو الحد الفاصل بين الجانبين ليتمكن من الحصول على مواقع وأراضي خصبة ومراعي غنية من الفرات والاستحواذ على البادية الغربية برمتها وضمها لنفوذه وسيطرته ، وهذا ما كان يرفضه الإنكليز والحكومة العراقية ومليكها فيصل الأول .

3- الهجمات الأولى والثانية كانت في خلد عبد العزيز للتهيئة لاستكمال مشروعه التوحيدي بضم الحجاز إلى مملكته ، وبها يتم كسب الوقت ليعد العدّة لتحقيق مآربه .

هجمات الإخوان النجديين الأولى

1- الهجوم على قبيلة الظفير

(1): إستغل الإخوان النجديين الارتباك والفوضى والفراغ السياسي في أعقاب ثورة العشرين (الثورة العراقية الكبرى) التي إندلعت في حزيران 1920م ضد الإنكَليز ، فهاجموا في كانون الأول 1920م قبيلة الظفير التي تقع مضاربها في جنوب غرب العراق ، وكان إدعاء الإخوان من هذا الهجوم هو الانتقام من قبيلة الظفير لحمايتها قبيلة شمر الهاربة من نجد.

يقول أمين الريحاني في كتابه تاريخ نجد الحديث وملحقاته ما نصّه : « ولكن السياسة كانت تستثمر ما تبقّى من العصبيتين، فالذين فروا من الجبل إلى العراق قبل حصار حائل ، دخلوا هناك في العشائر المعادية لعشائر نجد، وإشتركوا في الإغارات التي تكررت عليها . والحق يقال أن الفوضى أثناء الحصار ضربت على حدود العراق أطنابها . فعجزت عن مكافحتها حكومة بغداد الجديدة الضعيفة ، و شُغلت حكومة نجد عنها في الحرب .


1) جاء في نهاية الأرب للقلقشندي ص 327 أن (( بنو ظفير من بني لام، من عرب الحجاز، ومنازل ظفير هؤلاء الظعن بمقابل المدينة المنورة على ساكنها سيدنا محمد أفضل الصلاة والسلام)). وقبيلة الظفير قبيلة عربية نجدية - حجازية الأصل من بني لام من طيء. ولام هو : لام بن عمرو بن طريف ابن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيء . فيرجعون بالنسب إلى يعرب بن قحطان فرضت قبيلة الظفير سيطرتها على نجد خلال القرنين الثامن والتاسع ومعظم القرن العاشر الهجري ارتحلت من المدينة المنورة إلى نجد ثم إلى أطراف نجد الشمالية الشرقية ما يلي بادية العراق والكويت وشمال الدهناء والحجرة والدبدبة في نجد، وإستقر قسم كبير منها في جنوب العراق وكذلك في بلاد الشام. وجاء إسم القبيلة على إسم علم مذكر لجد جاهلي من بني لام من طيء تمتد أراضي ظفير في العراق من نهر الفرات حتى تصل إلى وادي الباطن داخل السعودية، ومن الأجزاء الشمالية والغربية للكويت إلى منطقة السلمان في جنوب غربي العراق والنسبة إليهم (ظفيري). وفروع قبيلة الظفير آل سويط القواسم السعيدات أبا ذراع العساكرة، المعاليم، آل عائذ بني حسين، والمحلف . وبينهم وبين قبيلة مطير عداء دائم.

أجل ، قد تكررت الاغارات من العشائر بعضها على بعض ، وكان عربان المنتفق والظفير يسطون خصوصاً على عشائر نجد ، فكتب السلطان عبد العزيز إلى حكومة العراق يسترعي نظرها للأمر ، ويطلب أن يُردع الأشقياء، وتسترد المنهوبات التي نُهبت من عشائره . أما المنهوبات فكان أكثرها عند الظفير، وشيخها نافر من تلك الحكومة الجديدة، بل خارج عليها، فلم تملك قيادة ولا كان لها في عربانه الأمر المطاع»(1).

لم يكن أمين الريحاني دقيقاً في كل ما ذكره ، بل ذكر ما يمليه عليه واجبه كونه كان مقرباً من ابن سعود. ولكن لا مجال لإنكار الغارات المتبادلة بين العشائر العراقية وخاصة الظفير ومعهم من شمّر النازحين إلى العراق، ولكن هذه الهجمات على الظفير كان مخطط لها ، ولا تبتعد سياسة ابن سعود عنها كما سنرى ذلك لاحقاً .

2- الهجوم على عشائر السماوة

إستمرت غارات الإخوان النجديين على الأراضي العراقية ، بعد هجومهم على قبيلة الظفير ، وإمتدت هذه الغارات في أشهر سنة 1921م على العشائر المستوطنة أو المتنقلة في السماوة ، مثل الأعاجيب والظفير والزياد والجوابر . وقتلوا المئات من الأبرياء، ونهبوا وسلبوا آلاف الماشية والممتلكات الأخرى. وكان تبرير الإخوان من هذا الهجوم وخاصة على قبيلتي الأعاجيب العراقية ، والزياد العراقية لتعاون هاتين القبيلتين مع شمر الهاربين من نجد . رغم أن العراق كان تحت الحماية البريطانية بالانتداب وعليهم المسؤولية القانونية والسياسية على حماية العراق. وكانت هذه الغارات قبل تتويج الملك فيصل بن الحسين على عرش العراق .

كان الأمير فيصل في العراق يستعد لتتويجه ملكاً على العراق، وقبل التتويج بعشرين يوماً طلب من المندوب السامي البريطاني السر برسي كوكس اتخاذ


1) تاریخ نجد الحديث وملحقاته / أمين الريحاني، ص275.

الإجراءات اللازمة للتصدي إلى هجمات الإخوان النجديين التي لا مبرر لها غير الأطماع الشخصية .

3-الهجوم على أفراد من شمّر المقيمين بين النجف والسماوة

تم تتويج الملك فيصل بن الحسين ملكا على العراق في 23 آب 1921م (18 ذي الحجة 1339ه-)، فلما تم تتويج الملك غزا الإخوان أفرادا من شمّر المقيمين بين النجف والسماوة !!

4- هجوم قبيلة الدويش الوهابية على أطراف المنتفق

لم يتوقف الإخوان النجديين في غاراتهم على المناطق العراقية ، فقاموا ليلة 12 رجب سنة 1340ه-/ 11 آذار 1922م بهجوم كبير على بعض العشائر العراقية التي كانت ترعى مواشيها في موقع جنوب الناصرية يقع على بعد ثلاثين ميلاً من سكة الحديد ، وكانت قوّة كبيرة من الإخوان الوهابيين التابعين لابن سعود بقيادة فيصل الدويش شيخ قبيلة مطير هي من قادت الهجوم، فأوغلت هذه القوة نهباً وتقتيلاً ، وبلغت الخسائر التي أعلنتها لجنة التحقيق التي شُكلت من قبل الحكومة العراقية في كتاب وزارة الداخلية المؤرخ في 24 آذار 1922م كما يلي : 694 قتيلاً ، و 130 رأساً من الخيل ، و 2530 جملاً ، و 3811 حماراً ، و 43010 رأساً من الغنم، 781 بيتا .

يقول الدكتور علي الوردي : أثارت الحادثة رعباً شديداً في العراق ولَا سِيَّما بين عشائر الفرات الأسفل والأوسط، وظن الكثيرون أنها مقدمة لهجوم وهابي عام على العراق ، وأن الإخوان سيذبحون البشر كما يذبحون الغنم، وسيهدمون العتبات المقدسة وينتهكون حرمات النساء ، ويهلكون الحرث والنسل . ومما يجدر ذكره أن العراق كان قد عانى في الماضي من غارات الوهابيين، وشهد ما في تلك الغارات من نهب وسفك . أضف إلى ذلك أن العشائر العراقية وصلتها أخبار مبالغ

فيها عن ضراوة (الإخوان)وشدة ميلهم إلى النهب وسفك الدماء . فأدى ذلك إلى انتشار موجة من الذعر بين الناس وساد الهلع (1).

أخذت هذه الحادثة أبعاداً عميقة في المجتمع العراقي لما سببته من إثارة للرأي العام العراقي في وقت كان الشعب لا زال رافضاً قبول الانتداب البريطاني ، حتى شك الكثير من العراقيين بأن هذه الغارة كانت بتواطئ من الإنكليز للعلاقة الجيدة بينهم وبين عبد العزيز آل سعود وخاصة مع المندوب السامي البريطاني السر برسي كوكس .

وشعر الناس في العراق بأن الملك فيصل قد تألم من الغارة ألماً شديداً، ومما زاد من ألمه ما وجد لدى كوكس من فتور وتردد في اتخاذ التدابير الرادعة ضد الإخوان النجديين وهجماتهم المستمرة على العراق .

في الحقيقة ان الإنكليز أرسلوا طائرة استطلاع إلى المنطقة التي حدثت فيها الغارة عندما سمعوا بها ، فتم إطلاق النار من قبل الإخوان على الطائرة فأصابوها ، فأرسلوا أربع طائرات أخرى هاجمت الغزاة بالقنابل والرشاشات، وتمكن الإخوان من إسقاط إحداها ونجي طيارها ومساعده ، وفي اليوم التالي أرسل الإنكليز أربع طائرات أخرى لحقت ب-(الإخوان) وأمطرتهم بالقنابل والرصاص، وأصيبت طائرتان منها ، ولكنها عادتا سالمتين إلى القاعدة التي إنطلقت الطائرات منها .

أعلم كوكس الملك فيصل بهذه الإجراءات حتى يدرأ هذه التهمة عنه باعتبار أن الصداقة بين كوكس وابن سعود وثيقة جدًا وليس من المعقول أن يفعل ابن سعود ما يُغضب صديقه كوكس . فأجابه الملك شاكراً ولكنه أبدى رأيه بأن تكون الإجراءات أشد ، وقال له أن الحكومة لا تملك السلطة ومقومات الدفاع عن البلد ، وأن العشائر فقدت ثقتها بالحكومة لكونها غير قادرة على حمايتها . وهذا الأمر يضر بالدولة التي نشأت من وقت قريب .


1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث/ د. علي الوردي ، ج 1/6 ص 132 . ط 2 عن دار الراشد، بیروت - لبنان، 1426ه- - 2005م

لم يكن هذا الحادث هو الأول من نوعه على الأراضي العراقية من قِبَل الجماعات الوهابية، فقد شهد البلد هجمات شرسة منذ أوائل القرن الثالث عشر الهجري (نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الميلادي)، وكان أشدها غزوة الوهابيين على كربلاء سنة 1216ه-( 1802م) . ثُمَّ توقفت الهجمات في الدور الثاني للدولة السعودية (كما ذكرنا ذلك سابقا) ، ثُمَّ تجددت الهجمات عندما تم تأسيس جماعة( الإخوان النجديين) في العقد الأول من الدور الثالث للدولة السعودية .

الوضع العام في العراق بعد هذه الهجمات

لهذا الهجوم الغادر وما كان قبله أسباب وتبعات ، ولا بُدَّ من البحث في الأسباب والمسببات ليتوضح الموقف بشكل جلي من ردود الأفعال لسلطة الانتداب البريطاني في العراق، وللحكومة العراقية ، ولأبناء الشعب العراقي . فهل كانت أسباب الهجوم وتوقيته سياسية ، أم شخصية مصلحية ، أم كانت بدوافع مذهبية ، أو هي تنافس بين دولتين على الحدود؟

كل هذه العوامل تسببت في هذا الهجوم الشرس ، وكان لزاماً التطرق بشكل موجز وسريع عن هذه المسببات .

1 - عندما تمكن عبد العزيز آل سعود بمساعدة (الإخوان النجديين ) من تقويض سلطة إمارة آل الرشيد في حائل ، فاضطرت مجموعة من عشائر شمّر النزوح إلى العراق والتعايش مع القبائل العراقية المعادية لعشائر نجد، ولم تفتر عشائر شمر من شن هجماتها على عشائر نجد انطلاقاً من الأر أراضي العراقية تساعدها العديد من قبائل العراق، وتكررت الغارات حيث كان عربان المنتفق والظفير يسطون على عشائر نجد ، فكتب عبد العزيز آل سعود إلى حكومة العراق يسترعي نظرها للأمر ويطلب أن تردع هذه العشائر وتُرد المنهوبات التي نُهبت من عشائره ، ولم يجد جواباً على طلبه ، وهذه المنهوبات كان أكثرها عند الظفير ، وشيخ الظفير (حمود بن

سويط)(1)كان نافراً من حكومة العراق الجديدة، بل كان خارجاً عليها ، فلم يكن للحكومة أي رادع عليه وعلى عربانه ، مما كان ذلك يزعج سلطات نجد، وتتخذه ذريعة للهجوم على عشائر ومدن العراق .

2 - كانت العشائر النجدية تقوم بالرعي في مناطق غرب الفرات والبادية الغربية في العراق لتوفر الماء والكلأ فيها في مواسم الجدب في نجد ، بالإضافة إلى شراء ما يحتاجونه من مواد من مدن العراق الجنوبية الغربية لإدامة مستلزمات حياتهم.

3-كان عبد العزيز آل سعود يرغب بأن تكون حدود مملكته من نهر الفرات والاستحواذ على البادية الغربية ، حيث لم تكن هناك حدود مرسّمه بين العراق ونجد ، وهذا العامل التوسعي كان من أحد الأسباب المهمة في الصراع بين الجانبين .

4- كان العراق خاضع تحت سلطة الاحتلال البريطاني، وكانت علاقة عبد العزيز آل سعود وثيقة جداً بالمندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس الذي كانت بيده السلطة الفعلية في العراق حتى بعد تتويج فيصل بن الحسين ملكاً للعراق . وكان العراق قبل ذلك يعيش حالة من الفوضى وعدم الاستقرار أثناء وبعد ثورة العشرين سنة 1920م، لحين قرار سلطة الاحتلال البريطانية بتأسيس حكم وتشكيل وزارة عراقية تشرف عليها سلطة الاحتلال وتنصيب ملك على العراق ووزارة عراقية تعمل تحت ظل سلطة الاحتلال .

عندما تم تعيين ملك للعراق وتأليف وزارة (وطنية !) على المقاسات البريطانية ، فكانت الدولة في بدايتها ضعيفة، ولا تملك من مقومات الدفاع


1) هو حمود بن نايف بن سلطان بن سويط شيخ قبيلة الظفير حتى نهاية سنة 1926م. شاعر ،وفارس، لجأ للرياض بعد خلافه مع الحكومة العراقية، وكان في مقدمة المهاجمين على العشائر العراقية سنة 1922م.

عن أراضيها إلّا بالاعتماد على القوات البريطانية المتواجدة في العراق. وكان الشعب العراقي ممتعض من الحالة بشكل كبير ، وكان يأمل في إنشاء دولة لها مقوماتها وتمتلك كافة الصلاحيات، وهذا لم يتحقق لهم ، ولم يرضَ به الإنكليز المحتلين للبلد.

5- من المعلوم أن هناك عداء مستحكم بين الأسرتين السعودية والهاشمية ، وكان ابن سعود يخطط لتقويض سلطة الهاشمين في الحجاز ، واختيار الهاشمي فيصل بن الشريف الحسين ملكاً على العراق، لم يبعث الارتياح في نفس ابن سعود ، ولكنه لم يمكنه التدخل لتقربه من الإنكَليز وعدم رغبته في مخالفتهم، وحاجته مستقبلاً أن يقفوا على الحياد عندما ينوي احتلال الحجاز وضمه إلى مشروعه التوحيدي .

6- صادف أن عيّن الملك فيصل في كانون الثاني سنة 1922م (يوسف بك السعدون)(1)قائداً لقوات الهجانة على الحدود الجنوبية، وكان بين يوسف السعدون وبين حمود بن سويط الظفيري عداء قديم ، والاثنان عدوّان لابن سعود ، فأهاج هذا التعيين خاطر شيخ الظفير وأسرّها في نفسه ، ورحل وبعض أتباعه إلى الرياض متصالحاً مع ابن سعود. وفي ذلك يقول أمين الريحاني في كتابه (تاريخ نجد وملحقاته) وهو ينقل تقرير السر برسي كوكس إلى الحكومة البريطانية ما نصّه :

«لم تكن العلاقات حسنة بين حكومة العراق وشيخ الظفير حمود بن سويط ، وقد أمسكت عنه المشاهرات لأنّه لم يردع عشائره عن الغزو والإعتداء ... ومن سوء الحظ أن الملك فيصلاً عيّن في هذا الوقت يوسف بك السعدون قائداً لفرقة الهجانة على الحدود، وبينه وبين ابن سويط عداء قديم ، فأهاج ذلك


1) يوسف بك السعدون: هو يوسف بك بن عبد الله بك بن منصور باشا بن راشد بن ثامر بن سعدون الكبير بن الأمير محمد بن مانع بن شبيب. وكان يوسف بك من أمراء المنتفك.

خاطر شيخ الظفير الذي رحل إلى الرياض. وقد كتبت إلى ابن سعود أسأله الّا يستقبله لأنّ حكومة العراق غير راضية عنه»(1).

ثُمَّ يسترسل أمين الريحاني بوصف الحالة التي سبقت هجمات الإخوان النجديين على العراق فيقول :

ولم يكن ابن سعود راضياً على حكومة العراق ، لأنّ تعيين يوسف بك السعدون قائداً لفرقة الهجانة لم يكن على ما يظهر للدفاع فقط ، بل شملت مهمته النظر في شؤون البوادي التي تسرح وتمرح على حدود البلدين نجد والعراق .

ولأسباب أخرى(2)قد رحّب السلطان عبد العزيز بشيخ الظفير ابن سويط عندما جاءه مستغفراً ، وإعطاه الأمان على شرط أن ترد عربانه كل ما نهبت من أهل نجد، وأن لا يشمل العفو غيرهم من المذنبين . ثُمَّ أجزل له العطاء ، وأرسل معه أحد رجاله عبد الرحمن بن معمر للتأمين، ولجمع الزكوة من أهل الظفير المستسلمين .


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص 275 - 276 .

2) الأسباب الأخرى يقصد بها استغلال الموقف على مبدأ ( عدو عدوي صديقي )

270

حمود بن سويط

وفي جمادى الآخرة من عام 1340( فبراير 1922) نقل يوسف بك السعدون بفرقة الهجانة إلى أبي الغار(1)، على مسير يوم من سوق الشيوخ غربي سكة الحديد بين البصرة والناصرية، فزاره المتصرف هناك ، وأمر العربان بأن لا يؤدوا الزكوة إلى ابن سعود .

أمّا ابن سعود فعندما علم بممشى السعدون أمر فيصل الدويش في الأرطاوية بأن يمشي إلى الحفر(2)ويعسكر هناك للدفاع عن عشائر نجد . وكان ابن سويط قد بدأ ينفذ في عربانه أوامر ابن سعود، فعصاه واحد من المتقدمين فيهم إسمه أبو ذراع، وخرج إلى آل طواله ، من شمّر العصاة(3)،


1) أبي الغار أحد وديان العراق يقع في بادية السماوة - محافظة المثنى جنوب العراق، يقع جزء كبير من حوض الوادي أبو الغار ضمن منطقة الدبدبة والحجارة، ويحتل مساحات كبيرة من بادية بصيّة ، ويجري من الشمال الشرقي وينتهي مصبّه عند منخفض الصليبيات.

2) الحفر : بلدة تقع في الشمال الشرقي من الأرطاوية، وقريبة من الكويت والعراق.

3) لكون أمين الريحاني من كتاب تاريخ عبد العزيز والمملكة السعودية فيطلق على مناوئيهم بالعصاة وشمّر عريقة الأصل.

وشرع يشن الغارات وإياهم على عشائر نجد . علم الدويش بذلك وهو على الحفر ، فشد على ابن طواله وأبي ذراع .

وكان يوسف بك السعدون قد زحف بهجانته على ابن سويط ومن معه من رجال ابن سعود ، فنزل ليلة ذاك النهار في مكان قريب من مناخ أبي ذراع وابن طواله .

هجم الدويش على هذين الزعيمين ورجالها فغلبهم وغنم أموالهم ، فبادرت هجانة يوسف بك إلى الدفاع عن المغلوبين، فما عتموا أن صاروا مثلهم . ضربهم الدويش دفاعاً ، فانقلب هجوماً ، لأنّ الاخوان المنتصرين ظلوا ما شين إلى أبي الغار ، فدخلوها في 11 مارس ونهبوها . ثُمَّ تأثروا جيش السعدون فأدركوه في شقره ، التي تبعد عشرين ميلاً من أبي الغار إلى الجنوب ، فضربوه ضربة ذهبت بأكثر أولئك الهجانة وشتت الباقين . وقد خيم الاخوان في تلك الناحية بضعة أيام ، فضجّت كربلا والنجف، وضج العراق بأجمعه .

على أن الحكومة الإنكليزية فعلت بالدويش وجنوده ما فعلته سابقاً في الصبيحية بالكويت . أرسلت الطيارات، ومن الطيارات القذائف المدمرة المبددة .

ثُمَّ تبادل المندوب السامي السر برسي كوكس والسلطان عبد العزيز رسائل الأسف . قال حضرة المندوب :« لا تؤاخذوا طياراتنا . ولكن لا مبرر لهجوم الاخوان على العراق ».

وقال عظمة السلطان :« لا تؤاخذوا الاخوان . ولكن التبعة على الحكومة التي لا تستطيع أن تكبح جماح العشائر ضمن حدودها. هذا جزاء الضعف والإهمال »(1).

إن ما ذكره أمين الريحاني وهو مؤرخ آل سعود كان في مجمله الحقيقة الكامنة لتوجهات عبد العزيز ابن سعود، وهذا ما يتبيّن في النقاط التالية :


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص 276 - 277.

أ. إن الغارات التي شنّها الإخوان النجديين على العراق كانت بعلم عبد العزيز آل سعود بل ومن تخطيطه وتنفيذاً لأوامره .

ب . استغلاله خلاف ابن سويط مع الحكومة العراقية لإحراجها أمام شعبها ، وذلك تعبيراً عن مدى عدم ارتياحه لتنصيب فيصل بن الحسين ملكاً على العراق .

ت . الرسائل المتبادلة بينه وبين السر برسي كوكس تدل على مدى عمق العلاقة بين الاثنين ، مما يؤكد من ذلك تباطئ سلطة الانتداب في التدخل السريع إلّا بعد أن وصل الأمر إلى الحد الذي سوف يؤثر على الإنكليز وتواجدهم في العراق .

ث . الاعتراف من قبل مؤرخ السعودية بأن كربلاء والنجف وعموم العراق ضجّوا من هول ما حدث ومن سوف ما يحدث .

ج. كانت هذه الهجمات صريحة وواضحة من خطة عبد العزيز لترسيم الحدود بين العراق ونجد، ومن النتائج كان مؤتمر المحمرة ومن بعده مؤتمر العُقير الذي سوف نتطرق إليهما لاحقاً .

7- لا يبتعد الجانب المذهبي الطائفي كونه من العوامل والمسببات لجميع هجمات الإخوان النجديين الوهابيين على جنوب العراق، حيث الغالبية الشيعية تتواجد هناك، وقد دللت الهجمات الوهابية السابقة على هذا التصور .

وبعد كل ما ذُكر فإنّ الوضع العام في العراق بات خطراً للغاية ، فكان ضغط الناس على الحكومة العراقية وصل حداً ينذر بالخطر، كما أن الحكومة العراقية والملك فيصل في دوامة لا يتمكنون من اتخاذ أي قرارات وهم مكبلين بسلطة الانتداب ، وهذه الأخيرة على ما يبدو أنها مرتاحة لما حدث لتبيّن للعراقيين بأنه لا غنى للشعب العراقي عن حماية بريطانية في درء الأخطار الخارجية !!!

وهنا لا بُدَّ من بحث ما حدث في الحكومة العراقية ومواقف الإنكليز وموقف رؤساء البلد وعلماء الدين وشيوخ العشائر من هذا الحدث، عندما نبحث في موضوع (مؤتمر كربلاء لمواجهة الإخوان النجديين) .

مؤتمر كربلاء

اشارة

سبق وأن هاجم الوهابيون مدن العراق وأغاروا على قبائله ، وما كانت غزوة الوهابيين على كربلاء نهاية سنة 1216ه-/ 1802م ومحاولاتهم غزو مدينة النجف وإعتداءاتهم على عشائر وقبائل الجنوب العراقي إلّا بدواعي مذهبية وتوسعية .

ولكن ما قام به الوهابيون الذين كان يُطلق عليهم (الاخوان النجديين) ليلة 12 سنة 1340ه- / 11 آذار 1922م باغارة قبيلة الدويش الوهابية بقوّة كبيرة من (الاخوان) الوهابيين التابعين لإبن سعود بقيادة (فيصل الدويش) على أطراف (المنتفك) والعشائر العراقية في جنوب الناصرية ، وأكثرت في القتل والنهب ، فقتل المئات ونهب الحلال من الإبل والأغنام والخيل والحمير وبيوت أفراد القبائل تلك، مما دعا الشعب بسبب هذا الهجوم أن يقف موقفاً حازماً لوقف هذه الإعتداءات، لأنّ هذه الإغارة تختلف عن الغارات السابقة اختلافاً كبيراً .

وأثارت هذه الحادثة رعباً شديداً في العراق، وخاصة بين عشائر الفرات الأسفل والوسط ، وظنّ الكثيرون أنها مقدمة لهجوم وهابي عام على العراق، وأن الاخوان سيذبحون البشر وسيهدمون العتبات المقدسة، وينتهكون حرمات النساء ويهلكون الحرث والنسل ، لأنّهم عانوا من غارات الوهابيين سابقاً .

رغم أن الشعب العراقي تحفّز لدرء الخطر إلّا أن الحكومة البريطانية التي تفرض الانتداب على العراق والتي يقع عليها مسؤولية حماية حدوده من أي إعتداء خارجي، لم تقُم بما عليها من التزامات عدا أنها قامت بحملات استطلاع

جوية بطائرة واحدة ، وعندما تم مقاومتها تم إرسال طائرات لتضرب المهاجمين كما ذكرنا ذلك سابقاً .

كانت بريطانيا تعرف جيداً معر فة دقيقة بكل أسباب الهجوم الإخواني الوهابي، فصارت تستغل الأمور لمصالحها في العراق ، والحقيقة هي أن الإنكليز كانوا يعدّون للمعاهدة البريطانية العراقية ، وفي ظل ظروف المفاوضات عليها أرادت بريطانيا أن تبعث برسالة إلى العراقيين بأنه لا سبيل غير قبول المعاهدة لحمايتهم من الإعتداءات الخارجية .

بعد ما قامت به سلطة الانتداب البريطاني من هجوم على الغزاة النجديين ونتيجة الضغط على الإنكَليز من قِبَل الملك والرأي العام العراقي ، أرسل المندوب السامي البريطاني السر برسي كوكس رسالة احتجاج إلى عبد العزيز بن سعود (ذكرناها سابقا) ولم تكن غير رسالة أسف على ضرب الطائرات الإنكَليزية لقوات الاخوان ، مع الإعلام أنه لا مبرر للاخوان من مهاجمة العراق !!

وتبين من جواب عبد العزيز آل سعود له بعدم مؤاخذة الاخوان في هجومهم وذلك لضعف الحكومة العراقية وعدم سيطرتها على العشائر ، ولم ينسى أن يُخبر كوكس بعدم علمه بالهجوم أو معرفته به !! . هذه المجاملات توضح بشكل لا يقبل الشك بأن الإنكَليز وعبد العزيز كانوا شبه متفقين على هذه الأحداث .

هل كان الإنكليز على علم مسبق بهجمات الإخوان؟

ذكرنا سابقاً بأن الإنكليز يسعون إلى عقد معاهدة مع العراق تثبت وجودهم فيه ، وكانت الأحداث تتسارع في شبه الجزيرة العربية وخاصة الخلاف بين الأسرتين السعودية والهاشمية ، والوثائق البريطانية تثبت بأن بريطانيا كانت ترى مصالحها الذاتية فوق مصالح المختلفين في شبه الجزيرة، فكانت تبدو للجميع بأنها على الحياد وهذا مخالف للواقع ، بدليل المراسلات التي كانت تدور بين ممثلي بريطانيا في بغداد وجدة والبحرين والشام والقاهرة وجميعها ذُكرت في كتاب (الجزيرة العربية

في الوثائق البريطانية) بأجزائه السبعة لنجدة فتحي صفوة. وكانت الوثائق التي تخص العراق ونجد كاملة الوضوح بأن الإنكليز كانوا متمسكين بسيطرتهم على العراق ، ولا يريدون التفريط بابن سعود الذي يعتبرونه الرجل القوي في الجزيرة العربية، ويحاولون الاعتماد عليه بعد أن تغيّر رأيهم بالشريف حسين ملك الحجاز .

والخلافات النجدية - الحجازية ألقت بظلالها على الوضع في العراق كون ابن ملك الحجاز هو فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، وبذكاء ابن سعود ومحاولته تثبيت حدود سلطنته مع العراق ورغبته بأن تكون حدوده الشمالية من الفرات ومعها البادية الغربية، والإنكليز يعرفون ذلك جيداً ويحاولون بهدوء أن يضغطوا على ابن سعود لترسيم الحدود بين الدولتين بمعاهدة ملزمة للطرفين، ولكن ابن سعود كان يناور ، ولا يريد الإنكليز إجباره بالقوة وكانوا يفضلون الحل السياسي والدبلوماسي . فأخذ يضغط من خلال قوات الاخوان وتحركاتهم اتجاه العراق .

والوثائق التالية تؤكد علم الإنكليز بتحركات القوات الوهابية ، ويجاملون ابن سعود في سياسته التي يعرفونها جيدا . وهذه الوثيقة وهي برقية من المندوب السامي في العراق إلى وزير المستعمرات في لندن مؤرخة في 13 آذار (مارس) 1922م، أي بعد يومين من هجمات (الاخوان على عشائر المنتفق ، وهي تؤكد علمهم بتحركات الاخوان، ومن الوثيقة هذه يتبين أن الطائرات البريطانية لم تقصف المهاجمين الّا بعد طلب الإذن من لندن، وهذا نص البرقية :

(برقية)

من المندوب السامي في العراق

إلى وزير المستعمرات/ لندن

الرقم : 201

التاريخ : 13 آذار (مارس) 1922

العلاقات مع ابن سعود

أبدى ابن سعود رأيه بخصوص مفاوضات المعاهدة قبل عقد الاجتماع مع فيصل ومعي . يحسن بنا أن نتوصل إلى تفاهم بالمراسلة على الشروط الأساسية التي تجري المفاوضات عليها. وتدل الاتصالات المتبادلة أنه يريد الادعاء بأن عشائر الظفير والعمارات - عنزة تابعة له ، وأنه قد يطلب في البداية أن تمتد حدوده إلى الشرق من خط الطول السماوة إلى سكة الحديد، وإلى الغرب عملياً حتى الفرات . لم أتسلم حتى الآن البيان النهائي لادعائه بخصوص هذا الأخير ، والمراسلة برقياً عن طريق البحرين ما زالت جارية .

في الوقت نفسه تتحرك جماعة من الاخوان بقيادة الزعيم المعروف فيصل الدويش في البادية من الحفر قرب حدود الكويت الخارجية إلى جهة الشمال ؟ وجهة الجماعة إلى الغرب. وكان ثَمَّةَ ذعر متقطع ، أولاً لأنّه يعتزم غزو عشائر المنتفق التي ترعى مواشيها في البادية جنوبي الناصرية ، ثُمَّ العمارات – عنزة جنوب غربيّ هيت. وتعقد الوضع بانضمام الزعيم المذكور في برقيتي السابقة إلى الاخوان وهو شيخ الظفير حمود بن سويط. وورد الخبر في 11 آذار (مارس) أن الاخوان شنوا هجمومًا حاسماً . فقد أغاروا أولاً على العشائر الضاربة حوالي الآبار على مسافة 30 ميلاً جنوبي الناصرية، في أبو غار ، واستولوا على أعداد كبيرة من المواشي . ثُمَّ مضوا للهجوم على مفرزة من شرطة الهجانة (ألفت لحماية عشائر المنتفق) كانت على بعد 20 ميلاً بعيدا إلى

الجنوب، في الشقرة . وقد إنسحبت الشرطة إلى تل اللحم بعد معركة شديدة خسروا فيها خسائر جمّة . وكان الهجوم من دون تحريض كما هو معلوم الآن، ويحتمل أن يكون أثاره الشيخ حمود بن سويط المذكور . ويختلف عدد الإخوان حسب الأخبار بين 500 إلى 2000.

هكذا نشأ وضع صعب . يطلب فيصل أن ترسل طائرات لقصف الاخوان . ولهذا في الظاهر مبرراته ، لكن هذه الطريقة قد تؤدي إلى انقطاع كامل لصلاتنا وصلات العراق مع ابن سعود، وبالنتيجة فلا يمكن اتباعها بلا مبالاة . لذلك رأيت لزوم استشارة حكومة صاحب الجلالة قبل الموافقة على الطلب. وفي الوقت نفسه تقوم الطائرات بالاستطلاع يوميًا لمراقبة الاخوان .

كانت المراسلة عن المعاهدة المعاهدة مع ابن سعود حتى الآن وديّة وصحيحة ، وهو يعامل الدكتور مان معاملة حسنة جداً . ومن المؤكد حقاً أن الصداقة والمعاهدة معنا هي الشيء الوحيد الذي منعه من الهجوم على الحجاز أو النزاع مع فيصل .

فإذا قصفنا الإخوان الآن ورغب ابن سعود أن يتحرر من التزاماته تجاهنا ، فإنّه يكون قادراً على اتخاذ عملنا حجة ليقوم بذلك . ويحتمل أننا لا نحتاج في تلك الحالة إلى التخوف من العواقب في ما يتعلق بتسوية أمر ،العراق، لكن يجوز إمكان قيامه فوراً بتحويل اهتمامه إلى الحجاز . هذه الناحية من القضية شرحتها لفيصل ، لكنه يرى أن مصالح الحجاز يجب غضّ النظر عنها بكل شدّة أنه ما لم ننتقم بالقصف فوراً فلا يستطيع مواصلة حكومته . وهو يناقش بأننا إذا كنا أصحاب الانتداب ، فإنّ واجبنا الإلزامي يقضي بالدفاع عن العراق من الاعتداء ، وإذا لم نفعل فعلينا

أن نتنحّى ونتركه يجمّع عشائره للهجوم على الاخوان التابعين لابن سعود .

يجوز بطبيعة الحال أن الإخوان عملوا ضد أوامر ابن سعود أو بدونها. وفي تلك الحال إذا تم قصف الاخوان جيّداً ، فإنّ ابن سعود قد يرى من الحكمة مواصلة المفاوضات معنا والتنصّل منهم ، لكن الأسباب المتقدمة رفضت السماح بالقصف لمدة يومين أو ثلاثة ريثما أحيل الأمر إليكم. إذا اتخذ عمل حاسم فإنّنا في اتصالنا

مع ابن سعود، يجب علينا أن نعتبر الأمر كتصادم اعتيادي على الحدود ونفترض أنه جرى بخلاف رغبته وأوامره .

أطلب بصورة مؤكدة أن يصلني الجواب برقياً

(برسي) كوكس(1)

من هذه البرقية التي أرسلها المندوب السامي إلى لندن يتبين بشكل جلي تباطئ الإنكليز بإجراءاتهم ضد المهاجمين ، وأن كوكس كان يداري مشاعر ابن سعود خوفاً من قطع الصلة بينهم وبينه ، كما وأعطاه التبريرات، وحاول في هذه البرقية أن يقلل من حجم الخسائر حتى إنه ذكر الاستيلاء على المواشي ولم يذكر المئات من القتلى والذي يتمعن في البرقية تتجلى له الحقيقة .

أمّا عن ماذكره أمين الريحاني حول المراسلات التي تمت بين كوكس وابن سعود التي ذكرناها سابقاً حول هجوم الإخوان على عشائر المنتفق ، والتي لم يذكر الريحاني النص الكامل لتلك المراسلات وذلك لإخفاء بعض نصوصها ، فإرتأينا أن نذكر نصوص تلك المراسلات حتى نؤكد ما ذهبنا إليه من موقف الإنكليز وخاصة (كوكس) من الحادث . وأدناه البرقية (الاحتجاجية !!) التي بعثها المندوب السامي السر برسي كوكس إلى سلطان نجد بواسطة المعتمد السياسي في البحرين . وهذا نصّها :

« دعتني الأحوال منذ سنة ونيف إلى أن أحتج لدى عظمتكم بخصوص الحركات العدائية التي بدت من أحد أنصاركم( فيصل الدويش) وقوات الاخوان الملتفة حوله ، والتي كانت تهدد الزبير آنئذٍ ، ولم ترتد عنها إلّا بعد التهديد بضربها بالقنابل ، ولقد حدث عين الأمر في هذا الفصل ، فمنذ بضعة أسابيع وحدود العراق الجنوبية في اضطراب وقلق مستمر من جراء تهديد الاخوان بالقيام بغزوات ضد عشائر العراق . وفي يوم 7 آذار أبرقت لعظمتكم عن طريق البحرين حاثاً إياكم


1) الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية / نجدة فتحي صفوة، ج 6 ص 364 - ص366 .

على وضع حد لأعماله الضارة ( أعمال فيصل الدويش) التي لايتصور أنها نائلة باستحسانكم نظراً للمفاوضات التي كانت جارية بيننا، والآن أخبركم أن قوة كبيرة من الاخوان عددها ما بين الألفين والثلاثة آلاف هجمت بقيادة (فيصل الدويش) و(ظيدان الهذلان) و (سلمان المنديل ) و (خلف الجايد) وغيرهم على بعض رجال القبائل العراقية، وهم يرعون المواشي حول (أبي الغار)، وبعد أن قتل الاخوان عدداً كبيراً وسلبوا كميات من الجمال والماشية ، تقدموا إلى (الشقرة) وهاجموا قوة شرطة الهجانة العراقية التي كانت مخيمة هناك آنئذٍ . وحدث هذا كله من غير سبب موجب أو مهيج على ما يظهر ، وعند تلقي تلك الأخبار أرسلت بعض الطيارات للاستكشاف ومواصلتي بأخبار حركات الاخوان ، وقد زودت هذه الطيارات بأوامر صريحة بأن لا تقوم بهجوم ما بدون مراجعتي في الأمر مراجعة أخرى إلّا إذا بادرها الاخوان بالهجوم بلا سبب موجب ، وفي اليوم 14 الجاري اكتشفت هذه الطيارات موقع الاخوان الذي كان على مقربة من بحيرة (أبولية)، فاستقبلها الاخوان بنار حامية من بنادقهم، فبناء على ذلك لم يبق لدى الطيارات من سبيل إلا معاملة الاخوان بالمثل ومعاقبتهم ، وقد قامت بذلك فعلاً، والآن رغماً عما بلغني من أن عظمتكم كنتم ترسلون الذخائر إلى (الحفر ) لأجل قوات ابن الدويش ، إني لا أقدر أن أعتقد ، نظراً إلى المراسلات الودية القائمة بيننا بأن تجاوز ابن الدويش على أراضي العراق قد حصل بمعرفتكم أو بموافقتكم، وإني أحثكم على إبلاغي في الحال أن هناك ما يبرر اعتقادي هذا وإنكم ستعاقبونهم على ما قاموا به من العمل المنكر ، وتردون المواشي المنهوبة من الزياد وغيرهم من عشائر العراق ، وتعوضونها عما قتل من الرجال، وعلى كل حال إني أخشى أن هذه الحادثة تدل على أن زمام فيصل الدويش وأتباعه ليس مقبوضاً عليه من قِبلكم بطريقة فعالة، وإني أخشى أن يكون لها وقع شديد سيئ لدى حكومة صاحب الجلالة البريطانية » .

(برسي) كوكس

تدل هذه البرقية أنها أرسلت بعد عدة أيام من الهجوم، وأن الإنكليز كانوا يعلمون بتجمع الاخوان وتزويد سلطان نجد لهم بالأسلحة والذخائر، والوقت الذي ضربت الطائرات البريطانية جموع الاخوان كان يوم 14 آذار أي بعد أكثر من ثلاثة أيام من الهجوم، ويتبين أن تحليق الطائرات وقصفها جاء بعد أن وافقت لندن على طلب كوكس في 13 آذار ببرقيته التي ذكرناها إلى وزير المستعمرات في لندن .

رغم أن المصدر لم يذكر تاريخ البرقية ، فنعتقد إن تاريخ برقية كوكس إلى سلطان نجد كانت بعد أكثر من عشرة أيام من الهجوم أي بعد هياج الرأي العام العراقي ، والدليل أن جواب سلطان نجد كان بتاريخ 28 آذار ووصلت في 29 آذار ، وقد عللت المس بيل تأخر الرد هو أن لا مواصلات سريعة بين نجد والبحرين وأن المراسلات تتم عن طريق البحرين فكان ذلك سبب التأخير !!!

وفيما يلي نص البرقية الجوابية التي أرسلها ابن سعود إلى السر برسي كوكس المندوب السامي في العراق رداً على برقيته ، وقد أرسلها بواسطة المعتمد البريطاني في البحرين . نصها :

1922/3/28

1922/3/29

«وصلتني برقيتكم بخصوص فيصل الدويش ، يظهر أن المسألة هي كما تقولون مع أنه لم يكن لي سابق علم قبل ورود برقيتكم وأكاد أشك في صحة الخبر ، كنت قبل قيامهم أرسلت لهم خبرًا وهم في (اكلتج) لكي يرجعوا فارتدوا إلى مقربة من (الحفر) وكان ذلك آخر ما سمعت من أخبارهم إن وقع الأمر كان أشد تأثيراً عليّ منه عليكم ، إني متكدر ولم أتوقعه لا يمكنني أن أتصور أن الاخوان هجموا بلا إلّا أنه لا يمكن الإجابة قبل الحصول على التفاصيل، ومع ذلك أني متأسف للغاية ، أشكركم لأنّكم لم تدعوا سبيلاً في نفسكم لشك في حسن نية صديقكم، ليس من المحتمل أن يكون قد افلت زمام أمورهم من يدي ، أرجوكم أن لا تتصوروا إمكانية

حدوث شيء من هذه المسألة نتجت عن شيء من سوء التفاهم الذي كثيراً ما يحصل بين البدو ، وتأكدوا من أني لن أتأخر عن معاقبة كل من تقع عليه تبعة الأمر وعن بذل الجهد في منع وقوع تعديات أخرى »(1).

يتبيّن من البرقيتين أنهما كانتا قبل البرقيات التي ذكرها أمين الريحاني في كتابه تاريخ نجد الحديث وملحقاته ، ونعتقد جازمين أن وراء ذلك كان ابن سعود حيث لم يعاقب أحد من الاخوان ، وأنه قد خطط للهجوم لتسريع المحادثات المتباطئة بينه وبين الإنكليز حول موضوع ترسيم موضوع ترسيم الحدود بين نجد والعراق وعقد معاهدة بذلك ، والسبب الآخر رسالة من ابن سعود إلى الإنكليز بعد أن تأخروا بدفع المبالغ السنوية له من قبل بريطانيا، وإليك الدليل في وثيقة من الوثائق البريطانية مؤرخة قبل هجوم الاخوان بأقل من شهرين .

(برقية)

من المندوب السامي في بغداد إلى الوكيل السياسي في البحرين

الرقم : 123

التاريخ : 25 كانون الثاني (يناير) 1922

أرسلوا ترجمة الرسالة التالية إلى ابن سعود :

(يبدأ) صديقكم مسرور جدا لعلمه أن عظمتكم توافقون على أهمية حصول الاتفاق بين نجد والعراق ويقدر استعدادكم للنظر في اقتراحه حق قدره . إن المقترحات البديلة التي قدمتموها قد بحثتها مع الملك فيصل، ونوافق أنه بالنظر إلى الأسباب المقنعة التي ذكرتموها ، يكون من الأفضل البحث في التفاصيل الأولية للاتفاق المقترح بين مندوبين قبل أن تجتمعوا عظمتكم والملك فيصل . لكن مع


1) نص برقية كوكس ونص برقية ابن سعود من كتاب (تاريخ القضية العراقية ) / محمد مهدي البصير، ص197 - 198 ، من طبعة دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية، بغداد - سنة 2021م.

الأسف في الوقت الحاضر، بسبب حصول شؤون مهمة مثل وضع مسودة القانون الأساسي (الدستور) العراقي وإجراء انتخابات المجلس، لا أستطيع التغيّب عن العراق لمدة تكفي للسفر إلى القطيف . لذلك فإنّني أوصي عظمتكم بالحل التالي وآمل أن توافقوا عليه أن يأتي واحد أو اثنان من الممثلين الأكفياء بالنيابة عنكم ، بعد الاطلاع على رأي عظمتكم وتسلم تعليماتكم الكاملة وإذنكم، إلى الكويت، أو الأفضل إلى المحمرة (خرمشهر) ، للاجتماع بممثلي العراق وبموظف يمثلني . وفي أي وقت إذا مست الحاجة إلى حضوري بسبب أية صعوبة معينة فإنّني أستطيع الذهاب بسرعة إلى المحمرة أو الكويت لمدة يوم أو يومين . يكون ذلك ملائماً لأصدقائكم ، وبهذه الواسطة لا يضيع وقتكم، ويكون في إمكان الممثلين أن يضعوا مسودة للمعاهدة . وبعد ذلك حين تكونون أنتم والملك فيصل قد قبلتم مبادئ المسودة ، نستطيع ترتيب اجتماع بين عظمتكم والملك فيصل وأنا نفسي في الكويت أو المحمرة لغرض عقد تلك المعاهدة .

أعتقد أنه يكون من المفيد لعظمتكم أن تعلموا مسبقاً الأساس الأولي الذي تفكر فيه الحكومة العراقية عن مباشرة المفاوضات، وذلك أن عشائر المنتفق والظفير وعنزة تقبل من الجانبين بأن تعود إلى العراق وأن خط الحدود بين نجد والعراق من الغرب إلى الشرق يعتمد على وجود حق أساسي وتقادمي لاستعمال بعض أماكن الإرتواء التي تملكها عشائر تابعة لإحدى الدولتين. ويكون من واجب الممثلين في الاجتماع المقترح الآن أن يبتّوا في ادعاءات العشائر المختلفة للسيطرة على أي من الآبار المعيّنة وتقرير حدود معقولة على هذا الأساس . آمل أن يكون هذا الاقتراح متفقاً مع رأي عظمتكم ، وأنكم سترسلون ممثليكم إلى الوكيل البريطاني في البحرين بأسرع ما يمكن. وسوف يرسلهم الوكيل إلى المحمرة أو الكويت كما تشاؤون، لكنني آمل أن تقرروا اختيار المحمرة .

وفي ما يتعلق بدفع إعانتكم ، فإنّني آسف جداً أنكم عانيتم إزعاجاً بسبب التأخير في تحويل المال . لقد شرحت لكم كل المصاعب في كتاب، وأنا مسرور

أن أقول إن الموضوع رتّب الآن على أساس يلائمكم كما آمل . ولا حاجة بي إلى قول شيء آخر هنا . وفي ما يتعلق بكتابكم المؤرخ في 5 ربيع الثاني ، عليّ أقواصاً (؟) هو الآن معي وأنا أحاول إيجاد طريقة لإرضائه لو أنكم سترون من كتاب المؤرخ 19 أيلول (سبتمبر) إلى الدكتور عبد الله (الدملوجي ) أن القضية معقدة جداً . وأخيراً ألتمس من عظمتكم أن تقبلوا شكري العميق على كتابكم المؤرخ 3 كانون الثاني (يناير) ولاستقبالكم الحسن للدكتور مان الذي تسلمت كتابه الأول من الرياض الآن وقد طمأنني فيه على صحتكم .

(النهاية)

كوكس المندوب السامي(1)

من هذه البرقية يتضح ما كان يدور بين الإنكليز وابن سعود قبل هجمات الاخوان، كما يتضح أن ابن سعود هو من وجه الهجمات لتسريع ما ذُكر في البرقية التي تباطأ عنه الإنكليز .

هياج الرأي العام في العراق

هاج الرأي العام في العراق وماج على أثر هجوم الاخوان النجديين الأخير، وضغط المجتمع على الحكومة التي كانت برئاسة السيد عبد الرحمن الكَيلاني النقيب بأن تتخذ الإجراءات والتدابير الصارمة للوقوف بوجه الاخوان العابثين بالأرواح البريئة والممتلكات .

عقد مجلس الوزراء(2)

1- الحاج رمزي بك وزير الداخلية

1- ساسون حسقيل بك ....وزير المالية

2- ناجي بك السويدي ....وزير العدلية

3۔ جعفر باشا العسكري ....وزير الدفاع

4- الدكتور حنا خياط ...وزير الصحة

5- عزت باشا ...وزير الأشغال والمواصلات

6- عبد اللطيف المنديل ...وزير التجارة

7- محمد علي هبة الدين الحسيني.... وزير المعارف

8- محمد علي فاضل ...وزير الأوقاف

جلسة في 16 آذار 1922م بعد خمسة أيام من الهجوم جلسة ناقش فيها الهجوم، وقرر المجلس تخويل متصرف المنتفق أن يسد مالياً

1) الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية / نجدة فتحي صفوة، ج 6 ص 323 - ص 325.

2) كان مجلس الوزراء حينها يمثل أول وزارة بعد تتويج الملك فيصل على عرش العراق، وكانت برئاسة عبد الرحمن النقيب الكيلاني، وسمّيت بالوزارة النقيبية الثانية، والوزراء هم

مساعدة للذين نكبوا في هذا الهجوم ! . والحقيقة كان ذلك التخويل لا يمثل ما يجب على مجلس الوزراء اتخاذه من قرارات لحماية أبناء الشعب العراقي، وهذا أمر طبيعي لأنّ الحكومة مكبلة بالتزاماتها مع سلطات الانتداب ، ولا تتمكن من اتخاذ قرارات مصيرية لصالح الشعب .

ونتيجة الضغط المتزايد من الرأي العام والصحافة وأهالي المناطق المنكوبة ، عقد مجلس الوزراء في 18 آذار 1922م جلسة أخرى قرر فيها إرسال لجنة إلى لواء المنتفق (الناصرية) تتألف من : نوري السعيد ممثلاً عن وزارة الداخلية ، و داود الحيدري ممثلاً عن وزارة العدلية ، والحاج رمضان الرئيس الأول ، ممثلاً عن وزارة الدفاع ، على أن ينضم إليهم الميجر (يدس) مستشار لواء المنتفق . على أن تقوم هذه اللجنة بدراسة ما حصل من حوادث وأن ترفع اللجنة بيان للحكومة يتضمن كافة المعلومات عن أسباب وقوع الحادثة وتفاصيلها، وعن المسؤولين عن وقوع الحادثة، وتقدير الأضرار اللاحقة بالأهلين، وما يلزم هؤلاء من المعاونة .

موقف الملك فيصل الأول

كان الملك فيصل الأول في غاية الاضطراب نتيجة تلك الحوادث المؤلمة ، والإعتداءات على دولته الفتية وهو لم يكمل شهره السابع في الحكم منذ إعتلائه العرش. وكان عليه أن يقوم بمعالجة الموضوع على ثلاث واجهات هي:

1 - طلب تدخل سلطة الانتداب البريطاني ومندوبها السامي السر برسي كوكس، باعتبار أن هناك التزامات بريطانية من الناحية القانونية والسياسية والعسكرية تحتم عليهم حماية العراق وأمنه الخارجي .

2 - التوجه للحكومة المركزية دستورياً باعتبارها الجهة التنفيذية ، ومن واجباتها اتخاذ الإجراءات اللازمة فيما يخص العراق وأمنه الداخلي .

3- التوجه إلى العشائر العراقية، ورؤساء وأعيان البلد، وعلماء الدين .

ففيما يخص الواجهة الأولى ، فقد طلب الملك فيصل من السر برسي كوكس المساعدة في تأديب الإخوان النجديين ، ومنعهم من شن الهجمات على الأراضي العراقية، ولكن الملك شعر بأن كوكس غير مهتم بشكل كبير بالموضوع ، وإن الإجراءات التي إتخذها كانت بطيئة ، وحتى رسالته إلى عبد العزيز آل سعود كانت باهتة وغير حازمة ، وكذلك لم يهتم عندما تأخر رد عبد العزيز إليه والذي بررته المس بيل حينها أن عبد العزيز إذا أراد أن يبرق رسالة فإنّه يرسلها عن طريق البحرين وهذا يستلزم وقتاً إلى أن يصل حامل رسالته إلى البحرين .

كما أن السياسة البريطانية وسلطتها في العراق كانت ببرودها اتجاه الموضوع هو إرسال رسالة للعراقيين بأن لا غنى لهم عن حماية بريطانية لدرء الأخطار الخارجية عليهم، في الوقت الذي كان الإنكليز يعدّون لمعاهدة بين العراق وبريطانيا، ويعلمون جيداً أن الشعب الذي ثار ضدهم سنة 1920م لم يكن ليستجيب لقبول المعاهدة التي ستكون مضامينها استعمارية لفرض الهيمنة على البلد وثرواته .

أمّا الرأي الآخر (الواجهة الثانية) الذي كان في خلد الملك فيصل هو التوجه إلى مجلس الوزراء باعتباره الجهة التنفيذية في البلد مع علم الملك بأن سلطات المجلس محددة بهيمنة دار المندوب السامي البريطانية، ولكنه كان يعلم بوجود وزراء يهمهم أمر البلد .

إستنجد الملك بالوزارة لمساعدته ضد الاخوان ، فأرسل رسالة إلى مجلس الوزراء عن طريق رئيس ديوانه (رستم حیدر) بتاریخ 27 آذار 1922 شارحاً لهم أهمية الموضوع ومخاوف الملك من احتمالات تطور الأمور مما يجعل العشائر العراقية المتواجدة في المنطقة إمّا أن تدخل في طاعة ابن سعود قسراً أو تنزح من تلك البادية حذراً من توالي الغزوات عليها . وفيما يلي نص رسالة رئيس الديوان الملكي إلى سكرتير مجلس الوزراء ليعرضها على المجلس :

سعادة سكرتير مجلس الوزراء المحترم

لقد علم المجلس الموقر بما حدث في الجهة الغربية ، والغربية الجنوبية ، من تجاوزات أتباع سلطان نجد على عشائر العراق . ولا شك في أن المجلس مقدّر الحالة حق قدرها، ومهتم بأمرها، وعالم أن توالي هذه الحركات إذا لم يوضع لها حد لا تلبث أن تفضي إلى إستيلاء حكومة نجد المستقلّة على الشامية ، التي هي قسم من أراضي العراق ، ومراتع عشائره ومراعيه ، وإلى انتشار نفوذه على ما ورائها من الأقطار العراقية ، وبذلك تضطر العشائر العراقية الناجعة هناك إمّا أن تدخل في طاعته قسراً أو تنزح من تلك البادية حذراً من توالي الغزوات .

وقد عنى صاحب الجلالة بهذا الأمر منذ مدة طويلة ، وتوالت مفاوضته مع فخامة المندوب السامي لاتخاذ التدابير الضامنة الأمان للرعايا العراقيين في أراضي العراق ، ولمخابرة السلطان ابن سعود بتعيين الحدود بين الحكومتين ، وإزالة أسباب الخلاف والتنافر بين القبائل في تلك الجهات إلّا أنه إلى الآن لم تبد نتيجة . وعليه فقد أمرني صاحب الجلالة الاقتراح على المجلس الموقر أن ينظر في هذه المسألة سريعاً

بكل دقة واهتمام، ويتخذ قراراً يكفل تأمين العشائر من الضيم والتعدي ، إلى أن تسفر المخابرة مع السلطان عن النتيجة المرغوبة ، وتعيين الحدود وتنحسم كل دواعي الخلاف . فأرجو عرض هذا على أنظار صاحب السماحة رئيس الوزراء ، وعلى المجلس الموقر ، لإصدار قراره في هذا الشأن واقبلوا فائق الاحترام .

رئيس الديوان الملكي رستم حيدر

ناقش مجلس الوزراء في نفس اليوم 1922/3/27 کتاب رئيس الديوان الملكي، فكانت آراء الوزراء متباينة، وفيما يلي آراء الوزراء كل على حدة: فوزير العدلية ناجي السويدي أكّد بأن حكومة العراق تهتم بالموضوع غاية الاهتمام، وأن الواجب يقضي عليها أن تقوم بالدفاع بكل ما يمكن ، وطلب السويدي أن يفاتح كل من الملك والمندوب السامي بما يلي : « هل يوجد خلاف بين حكومة العراق وبين حكومة نجد ؟ فإذا كان هناك خلاف فما هي أسبابه ؟ وطلب السويدي تعيين موقف حكومة بريطانيا تجاه المسألة ، وهل هي مسؤولة عن الدفاع عن حدود العراق ؟» .

وفي الحقيقة كانت تساؤلات السويدي عمّا إذا كان هناك خلاف بين الملك فيصل وإبن سعود، لأنّ المعروف والواضح بأن هناك خلافاً قديماً بين الأسرتين الهاشمية والسعودية، ولكن لا أحد من المسؤولين يجرأ على الجهر به بينما السويدي أشار إليه بشكل غير مباشر .

أيّد السويدي في طرحه هذا أربعة وزراء هم : الدكتور حنا الخياط وزير الصحة وعبد اللطيف المنديل وزير التجارة والحاج رمزي بك وزير الداخلية وعزت باشا وزير الأشغال والاتصالات .

أمّا جعفر باشا العسكري وزير الدفاع فقال : كان قد قرر جلالة الملك فيصل المعظم وفخامة المندوب السامي، أن تكون مسؤولية الدفاع عن ساحل نهر دجلة الأيمن وساحلي الفرات من المنتفق إلى تلعفر شمالاً على الحكومة العراقية ، وأن

تكون مسؤولية الدفاع عن ساحل دجلة الأيسر، والعمارة، والبصرة على الجيوش البريطانية ، بشرط أن تؤازر الطرفين قوة الطيران الملكية فهل طرأ تغيير على هذا القرار ؟ فإذا لم يطرأ تغيير على هذا القرار، فأرى أن الحكومة العراقية مسؤولة عن الدفاع عن هذه المنطقة .

أما وزير المعارف السيد محمد علي هبة الدين فذكر بأن الحادثة مهمة ويجب تداركها ، وطلب استيضاح موقف الحكومة العراقية وموقف حكومة بريطانيا منها .

وذكر وزير الأوقاف محمد علي فاضل : يجب أن أعلم قبل كل شيء موقف الحكومة البريطانية إزاء هذه المسألة.

أمّا وزير المالية ساسون حسقيل فذكر : أنه إذا فرضنا أن مسؤولية الدفاع واقعة على بريطانيا كما أعتقد، فيجب على الحكومة العراقية أن تنظر في أمر قوتها فهل هي مستعدة للاشتراك مع القوات البريطانية ؟

أما رئيس الوزراء السيد عبد الرحمن النقيب فقد قال في الجلسة بعد أن إستمع إلى آراء ومداخلات الوزراء :

«كيف يمكننا أن نعمل شيئاً ، أو نرسل قوة بدون أن يأتينا بيان فني في هذا الأمر من الإخصائيين في الأمور الحربية ؟ وعليه فالأمر عائد إلى وزارة الدفاع ، فإذا لم تدرس هذه المسألة تماماً ، ولم يأتنا منها بيان بذلك ، فلا يمكننا أن نقوم بعمل ما ، لأنّه يجب علينا أن نعلم ما هي قوتنا، وهل تقدر على هذا العمل ، لذلك أرى أن نعرف القوة الدفاعية الحقيقية بصورة رسمية من وزارة الدفاع قبل كل شيء . أمّا الآن فيجب علينا أن نكرر استرحامنا من جلالة الملك للتوسط لدى فخامة المندوب السامي لتوقيف القتال، وهجوم عشائر نجد على العراق ، بأسرع ما يمكن »(1).


1) المعلومات المدونة بما فيها النصوص من تاريخ الوزارات العراقية/ السيد عبد الرزاق الحسني، ج 1 ص 78 - 81 . ط 6 عن مكتبة اليقظة العربية، 1402ه- - 1982م.

من هذه النقاشات التي دارت في اجتماع مجلس الوزراء يتبين الموقف جلياً بأن لا قرار للمجلس لمواجهة الاخوان، فالعراق لا يملك القوة العسكرية النظامية القادرة على مواجهة مثل هذه الهجمات، سيَما أن تأسيس الجيش العراقي كان في بدايته . كما أن القرار هو ما يقوم به السر برسي كوكس المندوب السامي الذي يمثل سلطة الانتداب البريطاني ، وهذا ما سوف نراه بعد قليل .

كانت محاضر اجتماعات مجلس الوزراء ترسل إلى الملك وإلى المندوب السامي البريطاني ، وبعد جلسة مجلس الوزراء المنوه عنها حصلت أزمة في الحكومة كانت شديدة الوطئة على الوضع العام في العراق، فبمجرد ما إطّلع الملك فيصل على محضر اجتماع جلسة مجلس الوزراء، أظهر عدم ارتياحه مما تحدث به الوزراء ، وخاصة ما جاء على لسان السويدي وزير العدلية الذي كان يُعد من أنصار سياسة الملك يومئذ ، إذ لم يكد جلالته يطلع على المحضر ، حتى ثارت ثائرته .

استدعى الملك خمسة وزراء كان من بينهم السيد هبة الدين وطلب منهم الاستقالة من مناصبهم لأنّه فقد الثقة بهم على مواقفهم التي إعتبرها الملك لا تليق بوزراء في حكومة بلد تتعرض أراضيه إلى الإعتداء الشرس .

تسلم السر برسي كوكس محضر جلسة مجلس الوزراء في 28 آذار 1922م، وعلم بإستدعاء الملك لخمسة وزراء طالباً منهم الاستقالة ، بادر كوكس بإرسال برقية إلى المستر ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني في لندن في الأول من نيسان 1922م يُعلم تشرشل بما حصل، فيقول :

« إن الملك إمتعض من عدم توصية المجلس بأي إجراء ، ثُمَّ استدعى حالاً خمسة وزراء : ناجي السويدي، حنا خياط ، عبد اللطيف المنديل ، عزت باشا، والسيد الشهرستاني (يقصد هبة الدين الحسيني الذي كان يلقب بالشهرستاني)، وطلب إليهم الاستقالة من مناصبهم، لأنّهم فقدوا ثقته بهم »(1).


1) المصدر السابق نفسه/ج1 ص81.

كان الملك فيصل وقبل أن يقدم وزراؤه استقالاتهم، أمر رئيس ديوانه فوجّه إلى رئيس الوزراء هذه الرسالة :

البلاط الملكي بغداد 1922/3/29 الديوان

حضرة صاحب الفخامة والسماحة السيد عبد الرحمن

كان أمل صاحب الجلالة أن يتخذ المجلس الوزاري في جلسته في 27 آذار 1922 قراراً جلياً يكفل العمل به صيانة حدود العراق ورعاياه من تجاوزات قبائل البادية . ولقد آسفه رأي وزير العدلية، ومن أخذ بأخذه من حضرات الوزراء، بعد أن أوضح لهم وزير الدفاع حراجة الموقف في وادي الفرات، وأن مسؤولية الدفاع عنه واقعة على الحكومة العراقية ، ولأجل ذلك ينبغي أن تقام مخافر ومحارس على مواضع معينة لمراقبة القبائل المناوءة ، وصد إعتداءاتها من أية جهة جاءت .

ولقد علم المجلس الموقر إجمالاً وافراداً أن المفاوضة جارية مع سلطان نجد بواسطة فخامة المندوب السامي لدفع دواعي الخلاف بين البلدين ، وأنه ريثما يتم الاتفاق لا بُدَّ للحكومة من تأمين رعاياها ضمن حدودها من التعدي .

كل حكومة مسؤولة عن رعاياها ، بدواً كانوا أم حضراً، وعن كل مقتنياتهم عقاراً كانت أو ماشية . ولَوْلَا ثقة الرعية بحكومتها واستطاعتها على الدفاع عن حقوقها ، لما كلفت نفوسها الطاعة لها ، وقبول الضرائب ودفعها في أوانها لتوزيعها رواتب على مستخدميها كباراً وصغاراً .

فبناء على ما تقدم أمرت أن أعبّر لفخامتكم عن أسف صاحب الجلالة على ما إرتآه وزير العدلية وبعض زملائه .

رستم حیدر(1)


1) المصدر السابق نفسه/ ج 1 ص 84 .

وفي 29 آذار 1922م عادت لجنة تقصي الحقائق من الناصرية إلى بغداد وقدمت تقريرها إلى مجلس الوزراء ، وقد تضمن التقرير تقديراً للخسائر

(الفظيعة) التي تكبدتها العشائر العراقية من جراء غارة (الاخوان)كما أشار التقرير على أن الحكومة العراقية مسؤولة عن وقوع الحادثة، لأنّ متصرفية المنتفق قد نبهت الحكومة بالخطر وطلبت النجدة، ولم يهتم بذلك أحد . وكانت نتائج التحقيق الذي رفعته اللجنة كما يلي :

1 - إن عدم وجود حدود رسمية بين العراق ونجد حمل إبن سعود على الاجتهاد في نشر سلطانه على القبائل والعربان المنتشرين بين حدود نجد وسكة حديد العراق .

2 - إن عشيرة الظفير الساكنة في بادية العراق معرضة لهجوم القبائل النجدية عليها لسبب وجود أحد رؤسائها( حمود السويط) تحت حماية إبن سعود ورعايته .

3- قدرت اللجنة الأضرار التي لحقت بالقبائل العراقية (ذكرناها سابقاً).

«واعتبر (تقرير اللجنة) الحكومة المركزية في بغداد مسؤولة عن حلول هذه الكارثة .لأنّ متصرفية لواء المنتفق(1)شعرت بقرب حدوث الخطر ، فطلبت إلى الحكومة المركزية أن تنجدها ، فلم تمدها هذه بشيء ما »(2).


1) كان متصرف المنتفق في ذلك الوقت هو المرحوم رؤوف محمد الكبيسي الذي كان متصرفا للواء من تاريخ 1921/9/30م إلى 1922/6/28م.

2) تاريخ الوزارات العراقية / ج 1 ص78.

وفيما يلي نص تقرير اللجنة :

إلى صاحب السماحة والفخامة رئيس مجلس الوزراء الموقر

بناءً على قرار مجلس الوزراء الموقر المتخذ في جلسته المنعقدة في 18 آذار سنة 1922 والمتعلق بسفرنا إلى الناصرية لدرس حوادث المنتفق

الأخيرة ورفع بيان عما يأتي:

1 - أسباب وقوع الحادثة وتفاصيلها .

2 - المسؤولون عن وقوع الحادثة .

3- تقدير الأضرار اللاحقة بالأهلين وما يلزم لهؤلاء من المعاونة .

فقد غادرنا العاصمة مساء 20 - 1922/3/21 ، وصلنا إلى الناصرية مساء 21 - 1922/3/22 ، وقد إجتمعنا فيها بسعادة المتصرف ومستشار اللواء ، ويوسف بك المنصور السعدون قائد قوة الهجانة ، وبعض رؤساء القبائل، واطلعنا على ما دار حولها من المخابرات في المتصرفية وفي دائرة شرطة المنتفك ، ولما كانت الوثائق الخطية التي لدى قائد الهجانة قد استولى عليها المعتدون أثناء اعتدائهم ، فقد إكتفينا بالاستناد إلى افادته الشفاهية، وإنّا مقدمون لفخامتكم طي تقريرنا هذا صور جميع الوثائق والمخابرات التي إستندنا إليها في تقريرنا هذا لتحيطوا بها علماً .

1 - أسباب وقوع الحادثة وتفاصيلها :

إن أسباب وقوع هذا الحادث وتفاصيله هي :

1. عدم وجود حدود رسمية بين العراق ونجد مقبولة من البلادين، وهذا الأمر قد حمل ابن سعود على الاجتهاد في نشر سلطته على جميع العشائر والعربان المنتشرين بين حدود نجد وسكة حديد العراق، وذلك إمّا بحملهم على قبول الوهابية، وإما إجبارهم على دفع الجزية .

ولمّا كانت العشائر مرتبطة بنهر الفرات من جهة ومضطرة إلى الخروج إلى البادية طلباً للمراعي في أيام الشتاء ولَا سِيَّما الربيع من الجهة الأخرى ، فقد جعلتها مطامع ابن سعود في موقف حرج لأنّها إذا قبلت بفكرته أصبحت تابعة لحكومتين مختلفتين ، وبذلك اضطرت إلى دفع الضرائب مرتين (مرة لكل منهما ) .

وهذا الأمر يوجد نزاعاً دائماً بين سلطة العراق وسلطة نجد ، نظراً لعدم تمكن عشائر العراق من الاستغناء عن البادية أو من دفع الضرائب مرتين في وقت واحد .

2 ) إن عشيرة الظفير الساكنة في بادية العراق تنقسم إلى قسمين: الأول : تحت مشيخة ( حمود السويط )، والثاني : تحت مشيخة (الزام أبي ذراع) ، ولما كانت هذه القبيلة واقعة تحت سلطة حكومة العراق من جهة ، ومعرضة لسطوة الوهابيين من جهة ثانية ، فقد كان موقفها دائماً موقف التردد لتخضع لمن كان أقوى من هاتين السلطتين. وهذا الأمر يوجد نزاعاً دائماً بين سلطة العراق وسلطة نجد ، نظراً لعدم تمكن عشائر العراق من الاستغناء عن البادية أو من دفع الضرائب مرتين في وقت واحد .

وقد ظلّت في ترددها منتظرة رجوح إحدى الكفتين إلى أن حدث منذ بضعة أشهر أن نهب من أحد التجار الموصليين مبلغ (25000) ليرة في المنتفك ، فاضطرت حكومة البصرة والمنتفك لمراجعة حمود السويط ليأتي ويعيد ما سلبه من التاجر المذكور، فاستوحش الشيخ حمود من هذا الطلب ووجد الفرصة التي كان يترقبها منذ مدة، فانحاز إلى جهة ابن السعود ثُمَّ استصحب معه (ابن معمر ) وکیل ابن سعود ، وبدأ يخابر العشائر طالباً الطاعة لابن سعود ودفع الضرائب لوكيله .

وقد أتت لتأييد هذا الرجل قوة كبيرة من الوهابيين مؤلفة من (5000) إلى (8000) مقاتل ، ولا يُعتقد أنها أتت من تلقاء نفسها، بل إنها أتت على

الأرجح بأمر أو إيعاز من ابن السعود ونزلت الحفر .

وقد وقف حمود السويط حاجزاً بين قبائل العراق وبين هذه القوة ، ولما كان منحازاً لجانب ابن سعود فقد بدأ يستطلع أحوال عشائر العراق وقوة الحكومة ، وظل متابعاً أعماله من بث الدعوة الوهابية وطلب دفع الرسوم إلى وكيل ابن السعود.

وكان من المتعذر على قبائلنا وعلى قوة الهجانة أن يحصلا على معلومات كافية عن القوة الوهابية المرابطة وراء ابن سويط ، لذلك فقد راجعت العشائر وقائد قوة الهجانة الحكومة المحلية في المنتفك طالبين السعي في استعدادات كافية ، والإتيان بطيارات لتشتيت شمل المجتمعين قبل أن يبدأوا بالتعرض ، ويستدل من الوثائق المربوطة بهذا التقرير أن حكومة المنتفك راجعت الحكومة المركزية بهذا الخصوص قبل وقوع الحادثة ببضعة أيام، ولكننا لم نعثر بين الوثائق على جواب الحكومة المركزية على هذه المراجعات .

ولمّا رأى متصرف المنتفك كثرة مراجعات الأهالي والذعر الذي استولى عليهم ، وعلم ان بعضهم قد باشروا بدفع الجزية إلى وكيل ابن سعود، إضطر أن يذهب بنفسه إلى ( أبو غار ) وهنالك نشط الأهالي المجتمعين وحثّهم على رفض دفع الضرائب إلى وكيل ابن السعود مستنداً إلى ما كان ينتظره من الحكومة من إجابة طلبه في إرسال النجدات والطيّارات لدفع المعتدين .

وكان الخطر يزداد يوماً فيوماً من غير أن تتخذ الحكومة شيئاً من التدابير ، ولمّا أحسّ الأهالي بقرب وقوع الخطر وشعروا أنه ليس لدى كل من رجال قوة الهجانة المؤلفة من مائتي هجان سوى (35) طلقة فقط ، ترك قسم من عشيرة البدور وغيرهم المرعى قرب (أبو غار) وابتعدوا نحو

(البولية)، ولما كانت

وظيفة قائد قوة الهجانة حماية العشائر ، فقد إضطر أن يتبعهم وغادر أبو غار التي أصبحت خالية بعد أن ترك فيها ثمانية هجانة .

وفي 1922/3/11 هاجمت قوة ابن سعود بكتلة واحدة عشائرنا المتفرقة وأعملت فيها القتل والسلب، وكبدتها الخسائر المدرجة في جدول الخسائر المربوط بهذا التقرير والمصدق عليه من قبل الهيئة التي شكلناها لهذا الأمر .

ولَوْلَا نجدة الطيارات في (البولية) لتابع الوهابيون أعمالهم الفظيعة ولكانت الخسائر أعظم مما كانت ، إلّا أن إلقاء الطيارات القنابل على المعتدين اضطرهم إلى الانسحاب إلى الحفر حيث يخيمون الآن، أمّا ابن معمر وكيل بني سعود فإنّه لم ينسحب مع القوة التي أتت لتأييده ، بل بقي عند ابن سويط في منطقة العراق ، وأمّا عشائر العراق بأجمعها فإنّها انسحبت إلى الفرات على أثر وقوع الحادث .

2 - المسؤولون عن الحادث :

تقسم مسؤولية وقوع هذا الحادث إلى قسمين :

الأول : مسؤولية الإعتداء .

الثاني : مسؤولية الخسائر .

مسؤولية الاعتداء : تقع هذه المسؤولية على ابن السعود الذي اعتدى رجاله على منطقة هي منذ أعصر تابعة للعراق ، وكانت دائماً مرتعاً للعشائر العراقية المخيّمة على ضفاف الفرات، لا يسكنها سواها ولا يشاركها فيها أحد، إذ ليس فيها عشائر مقيمة بصورة دائمة سوى عشيرة الظفير. مسؤولية الخسائر : تقع هذه المسؤولية على الحكومة العراقية وهي على قسمين (أصلية وفرعية) .

أمّا المسؤولية الأصلية فهي عدم اتخاذ الحكومة العراقية التدابير اللازمة لحماية العشائر العراقية ، وعدم إجابتها ولو بعض طلبات متصرف المنتفك الذي أنبأها بتوقعه حدوث ما حدث، ومع ذلك فإنّ الحكومة العراقية لم تقم

حتى ولو باتخاذ تدابير سياسية لدفع هذا الطارئ ، ومن البديهي أن قوة مؤلفة من (200) هجان ومشكلة على طراز بدوي لا تستطيع حماية تلك المنطقة المعرضة للأخطار والقلاقل بصورة دائمة .

أمّا المسؤولية الفرعية فهي عدم اهتمام الحكومة بحياة مأموري شرطة هجانة المنتفك الذين أهملت تجهيزهم بصورة كافية ، واكتفت بتسليمهم (35) طلقة فقط وهو عدد لا يكفي لوقعة تمتد عشر دقائق .

ولو كانت قوة الهجانة مجهزة كما يجب لكانت مقاومتها أشد ولكانت الخسائر أقل مما كانت، ولكبدت العدو خسائر أكثر من التي كبدته إياها .

3- الأضرار التي لحقت بالأهالي وما يلزم هؤلاء من المعاونة:

اننا عند وصولنا إلى الناصرية وجدنا ان حكومة المنتفك قد نظمت دفتراً بالخسائر التي تكبدها الأهالي بسبب هذا الاعتداء ، وقد اشتبهنا بمقدار تلك الخسائر كما أن الحكومة نفسها اشتبهت به أيضاً ، لذلك فقد اقترحنا تشكيل لجنة من بعض ذوات من أهل الخبرة الذين ليس لهم غرض في الأمر، فتمكنّا بذلك من الحصول على مقدار الخسائر الحقيقي تقريباً .

وإنّا مقدمون لفخامتكم على تقدير اللجنة المذكورة جدول الخسائر المربوط بهذا التقرير ونرى معاونة الحكومة للمتضررين أمراً ضرورياً جداً وعلى غاية من الأهمية ، وذلك لسببين :

الأول : لأنّ متصرف اللواء لما رأى خوف الأهالي ومباشرتهم في دفع الضرائب لوكيل ابن السعود، حثهم عن الإقلاع عن ذلك ووعدهم بحماية الحكومة إياهم من كل تعدِّ ولا يسعه أن يفعل غير ذلك .

الثاني: ربما يخطر بالبال أن هذه الواقعة هي من نوع الوقائع المعروفة بالغزو، والتي تحدث بين القبائل ولا تتدخل الحكومة في أمرها ، لذلك فإنّنا نرانا مضطرين أن نذكر أن هذه الواقعة ليست من هذا القبيل، بل هي واقعة بين حكومتين مختلفتين هما حكومة العراق وابن السعود أمير نجد، ونرى أن أقل

اهتمام بأمر التعويض والمعاونة يجعل لواء المنتفك عرضة للوقوع تحت سيطرة ابن السعود في وقت غير بعيد .

أمّا الوسائل التي نراها ضرورية لاجتناب تكرار هكذا حادث مؤلم في المستقبل فهي :

أولاً : عقد اتفاق رسمي مع ابن السعود على الحدود الفاصلة بين أراضي العراق وأراضي نجد ، ولما كانت القبائل العراقية الضاربة على ضفاف الفرات لا تستطيع الاستغناء عن البادية التي إعتادت أن ترتادها لرعي مواشيها من عدة قرون، وكأن ليس في إمكانها أن تكون تحت سلطتي حكومتين في وقت واحد ، فمن الضروري أن تظل تلك البادية ضمن حدود العراق ، أو أن يسمح لابن السعود أن يأخذ كل الفرات، وهذا ما لا يمكن .

ثانياً : قيام الحكومة بتشكيل قوة كافية لحماية الأهالي والحدود المجاورة لحدود نجد، وذلك طبقاً للتقرير العسكري المربوط بهذا التقرير .

الرئيس الأول... مفتش العدلية ...مدير الشرطة العام

رمضان ...داود الحيدري ... نوري السعيد

ويذكر المرحوم محمد مهدي البصير بأنه كان للجنة المذكورة (تقرير عسكري) مطول جدا مع أنه لم يوضع موضع العمل ولكن لا بُدَّ من الإشارة إلى بعض ما جاء فيه . فقد قال رافعوه أن موقف الحكومة البريطانية إزاء ابن السعود يقضي عليها أن تحتفظ بصداقته ليس في حدود العراق فقط بل في (خليج البصرة) على ما يظن وفي الأقطار العربية الأخرى ، وعلى هذا فالواجب يدعو الحكومة العراقية أن تقوم وحدها بالدفاع عن حدودها المتاخمة لنجد، وهي والحالة هذه مضطرة في الوقت الحاضر إلى تشكيل قوات نظامية كافية .

وقد وضع هذان التقريران على بساط المناقشة في مجلس الوزراء فكان الأخير موضع الأخذ والرد لأنّ جماعة من الوزراء في طليعتهم ناجي السويدي صرحوا

بأن مساعدة بريطانيا وحدها هي التي تكفي لحل هذه المعضلة، وقالوا أنها هي الدولة التي أخذت على عاتقها صيانة الأمن الداخلي في العراق مع درء الأخطار التي تهدده من الخارج، فشجر الخلاف بين أعضاء المجلس وأدى في النتيجة إلى حمل خمسة من الوزراء على الانسحاب من مناصبهم وهم : وزير الداخلية ووزير العدلية ووزير المواصلات والأشغال ووزير التجارة ووزير الصحة العامة ، ومع حمل هؤلاء الوزراء على الاستقالة من مناصبهم بسبب جريهم على السياسة المشار إليها آنفاً ، فإنّ المعضلة حلت وفق سياسة المندوب السامي في مؤتمر المحمرة القادم ذكره(1).

وفي صباح اليوم الذي تلى عودة اللجنة - أي 30 آذار - طلعت جريدة (العراق) و في صدرها مقالة افتتاحية بعنوان(حول اعتداء الاخوان على عشائر المنتفق ) ، أشارت فيها إلى أن صاحب الجريدة قابل نوري السعيد على أثر عودته مع زملائه أعضاء اللجنة من الناصرية ووجه إليه عدة أسئلة . وقد نشرت الجريدة أجوبة نوري وكان فيها تهجم شديد على الوهابيين مع انتقاد لاذع للوزراء الذين لم يوافقوا على تقوية الجيش العراقي. وقد ذكر نوري السعيد بصراحة أنه وجد بعض كبار الموظفين لا يميلون إلى توسيع الجيش بحجة قلة الموارد المالية، وأعلن أن ذلك أمر مؤسف، وسببه أنهم لم يطّلعوا على حراجة الوضع ولو أنهم اطلعوا عليه حقاً لغيّروا رأيهم(2).

وفي اليوم نفسه صدرت جريدة (الاستقلال) وفي صدرها مقالة افتتاحية عنيفة جداً مذيّلة بتوقيع (العلوي) وعنوانها (الدفاع! الدفاع !) وتحته البيت التالي :

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه*** يهدم ومن لا يتق الشتم يشتم


1) تاريخ القضية العراقية / محمد مهدي البصير، ص196.

2) لمحات اجتماعية د. علي الوردي ، ج 1/6 ص 137 ، عن جريدة (العراق) في عددها الصادر في 30 آذار 1922م.

وقد حملت المقالة حملة شعواء على ابن سعود وأتباعه وعلى الذين يؤيدونه في العراق ، وأطلقت على ابن سعود لقب (زعيم بلشفيك الجزيرة) و(لينين نجد) ؟؟!! ، وقالت أن هناك أشخاصاً لا علاقة لهم بهذا القطر يبثّون إشاعات مؤداها أن غارة الاخوان بسيطة وذلك لكي تبقى الأمة غافلة، فتؤخذ على حين غرة مع العلم أن الغارة كانت هجوماً كبيراً سفكت فيه الدماء الغزيرة، وترملت النساء وتشرّد الأطفال ، فهل تقبل ذلك أمة كالأمة العراقية المعروفة بشدة إبائها وأنفتها ...(1).

كان للمقالين وما فيهما تهجم ضمني على الوزراء المعارضين وعلى بعض الموظفين في الدولة الذين لم يقدّروا حجم المأساة التي حلت بالعراقيين، ولم يكونوا بمستوى المسؤولية .

وبعد إستدعاء الملك للوزراء الخمسة وطلبه بتقديم استقالاتهم، فقدم ناجي السويدي استقالته وأعقبه وزير الداخلية الحاج رمزي وكذلك وزير التجارة عبد اللطيف المنديل وأيضاً وزير الأشغال والاتصالات عزت باشا، ولم يقدّم وزير المعارف السيد هبة الدين استقالته، بينما قدم ساسون حسقيل استقالته تضامناً مع المستقيلين إلّا أن استقالته لم تُقبل من رئيس الوزراء بإيعاز من السر برسي كوكس .

وافق الملك على استقالة الوزراء ، وصدرت الإرادة الملكية بإعفاء الوزراء الأربعة من مناصبهم ومعهم وزير الصحة الدكتور حنا الخياط . مما أدّى إلى غضب السر برسي كوكس الذي إنتقد الملك على عدم استشارته إياه في قبول استقالتهم .

وخاطب الحكومة البريطانية منتقداً تصرف الملك فيصل كما ذكرنا ، إلّا أنه تراجع في رسالة أخرى لحكومته مخاطباً لندن بأنه يوصي أن لا تدمّر مكانة فيصل في نظر شعبه العراقي ، وطلب من رئيس الوزراء عبد الرحمن الكيلاني أن يختار وزراء ليحلّوا محل الوزراء الذين تمت تنحيتهم .

كان غضب المندوب السامي السر برسي كوكس على الملك فيصل سببه :


1) المصدر السابق نفسه / ج 1/2 ص 137 - 138 ، عن جريدة ( الاستقلال) في عددها الصادر في 30 آذار 1922م.

1 - إن الملك فيصل لم يستشره في خطواته بطلبه من الوزراء تقديم استقالتهم ، ومِنْ ثَمَّ قبولها .

2-امتعاض كوكس من تصريحات نوري السعيد رئيس اللجنة المبعوثة لتقصي الحقائق عن الهجوم، التي نشرتها جريدة العراق .

3- كذلك غضبه على جريدة الاستقلال التي كان المقال الذي نُشر فيها لا يتوافق مع توجهات الإنكَليز .

إتخذ كوكس بعض الإجراءات منها :

1 - إرساله كتاب إلى رئيس الوزراء يلفت نظره فيه إلى تصريحات نوري السعيد في جريدة (العراق) ، التي إعتبرها خرقاً خطيراً للآداب الرسمية، مبيناً في الكتاب أنه كيف يمكن أن يتصدى موظف في الحكومة لانتقاد الوزراء بتلك الصورة. وطلب من رئيس الوزراء وضع قوانين تمنع ذلك في المستقبل .

2 - أرسل كوكس كتاباً آخر إلى رئيس الوزراء يقول فيه عن مقالة جريدة (الاستقلال) بأنها في غاية الخطورة، وإنها تؤدي إلى إرباك الحكومة وعرقلة أعمالها، مؤكداً بأن جواب ابن سعود رداً على رسالته له بأنه كان جواب بلهجة معتدلة !! . وطلب كوكس من رئيس الوزراء ضرورة تبليغ جريدة (الاستقلال) بوجوب نشر مقالة تعلن فيها عن أسفها عن مقالتها السابقة ، وأن تشير إلى موقف ابن سعود السلمي تجاه العراق !!(1).

أرسل كوكس نسخة إلى الملك من الكتابين. ويفهم من ذلك أن كوكس كان حقيقة متباطئ في الاهتمام بمسألة الهجوم ، وكذلك ربط موقفه بعلاقاته مع ابن سعود وإعتبرها أهم من موضوع الاعتداءات الخطيرة على العراق . فكوكس يمثل


1) عن وثائق البلاط الملكي ذكرت في كتاب لمحات اجتماعية ج 1/6 ص 138 - 139.

إستراتيجية المصالح البريطانية في المنطقة، وفي نفس الوقت يُثبت أنه صاحب الأمر والرأي في العراق، باعتبار سلطته أعلى من سلطة الملك، ورئيس وزرائه .

ومن الضروري أن نعود إلى رسالة كوكس إلى المستر تشرشل وزير المستعمرات في 1نیسان 1922م، لنذكر تتمتها وما كان جواب تشرشل عليها ، يقول كوكس لتشرشل :

«أن هذا الإجراء المتهور الذي اتخذه في سورة التهيج دون استشارتي أنا أو أي شخص آخر، كان مؤسفاً جداً ، ولَا سِيَّما بالنسبة للمنديل(1)حيث سيتأثر رأي البصرة بشكل سلبي باستقالته الإجبارية ... وفي الوقت الذي أسفت بشدة لتصرف الملك المتهور فقد نصحته عند سماع ما حدث بأنه سيكون من الأكثر ملائمة في الظروف الراهنة أن يقدم النقيب استقالة الوزارة كلها، وأن يدعى فوراً إلى تشكيل وزارة جديدة . إلّا أن الملك فضّل المطالبة باستقالة خمسة وزراء في القضية ، ومن سوء الطالع أن يتبع هذا استقالة ساسون التي لم تقبل على أية حال ».

رد تشرشل على كوكس قائلاً :

«... إنني مندهش من أن يكون فيصل قد طرد أربعة وزراء دون استشارتك ، ومن المؤكد أن هذا التصرف لم يكن منطبقاً مع روح تعهداته الشخصية بأخذ نصيحتك في المسائل الهامة . وسأكون آسفاً جداً إذا أصرّ ساسون أفندي على الاستقالة . إن بإمكانك إذا شئت أن تخبره بأنني أبرقت شخصيّاً بشأنه » .

الظاهر أن الملك أحسّ بضرورة الاعتدال في موقفه تجاه كوكس، فأخذ يخفف من شدّته . نلاحظ ذلك في البرقية التي أبرقها كوكس إلى تشرشل جواباً على برقيته السابقة ، حيث قال ما نصّه :


1) يقصد به عبد اللطيف المنديل الشخصية التجارية البصرية الذي له علاقة حميدة بسلطان نجد ابن سعود وكذلك بالإنكليز

«... يبدو أن فيصل يدرك أنه كان متهورًا جدًا ، ويميل إلى السعي وراء إيجاد وسائل لتمكين واحد أو اثنين من العودة بعد فترة قصيرة إذا كان يستطيع ذلك دون أن يفقد كرامته. وأعتقد أن من الأفضل أن تكون رسالتك إليه بصدد تلك المسألة رسالة شخصية معبرة عن خيبة ظنك من أنه سلك هذا الطريق المقلق دون تشاوره معي أو مع مستشاريه الطبيعيين.. إن وجهة نظري هي أنه ليس من سياسة حكومة صاحب الجلالة البريطانية ولا اتجاهي الشخصي أن تدمّر مكانته كملك وأن يجبر على التنازل عن طريق اضطراره إلى إبطال تصرفات متهورة أو منصوح بها على نحو سيئ كان قد أقدم عليها دون تشاور .. ولكن إذا أظهر ميلاً مفرطاً في ذلك الاتجاه فإنّ علاجي هو طلب إعفائه وأن يعلن سبب ذلك »(1).

وفي الوقت الذي كان رئيس الوزراء يبحث عن أسماء ملائمة لاستيزارهم لسد النقص الحاصل نتيجة الأزمة حيث كان الإعلام والصحف خاصة تتداول الحوادث على الحدود العراقية الجنوبية والأزمة الوزارية التي لم يتم إكمال نصاب الوزارة ، كان الرأي العام متحفزاً لموضوع هجوم النجديين وضرورة اتخاذ مواقف جدية لحماية عشائر ومدن العراق من إعتداء الوهابيين .

ففي الأول من نيسان 1922م صدرت إرادتان ملكيتان بتعيين توفيق الخالدي (متصرف بغداد) وزيراً للداخلية ، وصبيح بك نشأت وزيراً للأشغال والمواصلات . وفي 15 نيسان صدرت الإرادة الملكية بتعيين محمد جعفر أبو التمن وزيراً للتجارة ، فقوبل تعيينه استحسان القوى الوطنية لسمعته الطيبة، كما صدرت الإرادة الملكية في 24 نيسان بتعيين عبد المحسن فهد السعدون وزيراً للعدلية . وأصدر مجلس الوزراء قرار بإلغاء وزارة الصحة وجعلها مديرية عامة تابعة لوزارة الداخلية .


1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث / ج 1/6 ص 139 - 140، عن مقال لصالح جواد كاظم بعنوان (محاولة إستجلاء جديدة) نُشر في مجلة (المثقف العربي) في عددها الصادر في شهر حزيران 1974م

الواجهة الثالثة التي كانت على الملك فيصل السير نحوها بعد أن يئس من البريطانيين وهم سلطة الانتداب لتباطئ إجراءاتهم نحو الاعتداءات الإخوانية الوهابية، وكذلك امتعاضه من مجلس وزرائه الذي لم يتخذ قرارات بحجم الكارثة، مما أدّى ذلك إلى إقالة عدد من الوزراء وترقيع الوزارة بآخرين، فكان على الملك التحرك باتجاه آخر هو الرجوع إلى الشعب وإلى قادته الوطنيين ورؤساء العشائر ورجال الدين .

كان الملك فيصل الأول رحمه الله عند إعتلائه عرش العراق يتقرب إلى الشيعة، وحين وقعت الحادثة فزادت من هذا التقارب . ولمّا طلب الملك فيصل من (السير برسي كوكس) المساعدة لتأديب الاخوان ، وشعوره بأن كوكس كان غير مهتم بشكل كبير بالموضوع، مما دعا الملك بالتفكير في استنفار العشائر التي قامت بثورة العشرين وقد يشجعها ذلك على القيام بثورة أخرى .

في نفس الوقت كانت الأزمة في بغداد على أشدّها ، وكان الفرات الأوسط يستعد للقيام بحركة لجمع العشائر وإثارتها للدفاع عن العراق ومواجهة هجمات (الإخوان) المتكررة على الجنوب، وهذا الاستشعار كان لتلافي خطر الهجمات التي قد تطال إلى مدن وعشائر الفرات الأوسط .

كان الملك في هذا الظرف الخطير محاطاً بعدد من رؤساء العشائر الذين شاركوا في ثورة العشرين أمثال عبد المحسن أبو طبيخ وعبد الواحد الحاج سكر وشعلان أبو الجون وعلوان الياسري وكَاطع العوادي.. وكان هؤلاء وغيرهم من المشايخ وراء حركة العشائر ، وهم يؤكدون للملك قدرة العشائر على محاربة (الإخوان) لو إمتلكوا السلاح. وقد شجّعوا الملك على إعلان الجهاد ضد الإخوان النجديين الوهابيين .

الدعوة لعقد مؤتمر شعبي في كربلاء

عندما لم يرَ الشعب العراقي موقفاً جاداً من الحكومتين العراقية والبريطانية والجماهير تستشيط غضباً وهي ترى ما حلَّ بإخوانهم في الجنوب، والرغبة في

الانتقام وأخذ الثأر بدأت تتزايد بين صفوف الناس، وكانت الأزمة في بغداد على أشدّها، كان الفرات الأوسط يستعد بحركة قوية مفادها جمع العشائر وإثارتها تجاه هجمات (الإخوان النجديين ) على مدن وعشائر العراق في الجنوب. وكان قادة هذه الحركة في الفرات الأوسط رؤساء عشائر عرفوا بوطنيتهم وشجاعتهم أمثال المرحوم الشيخ عبد الواحد الحاج سكر، والمرحوم السيد علوان الياسري، والمرحوم السيد كَاطع العوادي . وقد إتصل هؤلاء الرؤساء بعلماء النجف وتدارسوا معهم أخطار (الإخوان) .

عقد علماء النجف عدة اجتماعات وتباحثوا في الموضوع وكان على رأسهم العلامة السيد أبو الحسن الإصفهاني ، والمرزا محمد حسين الغروي النائيني ، وبالاتفاق مع رؤساء عشائر الفرات الأوسط قرروا عقد مؤتمر في كربلاء يحضره رؤساء العشائر ورجال الدين ووجهاء المدن في العراق ليتباحثوا في إمكانية الدفاع عن البلاد. والبحث في الحوادث التي أدمت قلوب العراقيين ، وأن يقرروا التدابير اللازمة لصد العدوان .

أرسل السيد أبو الحسن الإصفهاني ، والمرزا محمد حسين النائيني برقية إلى الإمام آية الله الشيخ مهدي الخالصي الكبير في الكاظمية يدعوانه للحضور إلى كربلاء والمساعدة بأمر رؤساء العشائر في عموم العراق بالحضور للمؤتمر. وفيما يلي نص البرقية :

« جناب حجة الإسلام محمد مهدي الخالصي دامت بركاته . إنه لا ينبغي الاتكال على وعد السلطة البريطانية في دفع شر الخوارج الإخوان عن المسلمين ، فبناء عليه نأمل حضوركم في كربلاء قبل الزيارة (1)بأيام وتأمرون رؤساء العشائر كالسيد


1) الزيارة: يُقصد بها زيارة النصف من شعبان وهي زيارة (المحية)، وهي من الزيارات الكبيرة للإمام الحسين ( علیه السلام)

نور وأمير ربيعة وسائر الرؤساء بعد إبلاغهم سلامنا بالحضور كما أننا نحضر مع من في طرفنا من الرؤساء لأجل المذاكرة في شأنهم إن شاء الله تعالى »(1).

لا بُدَّ من التوقف قليلاً هنا لمعرفة . سبب التوجه إلى المرحوم الشيخ الإمام محمد مهدي الخالصي للقيام بمسؤولية عقد المؤتمر . كما يجب معرفة سبب انعقاد المؤتمر في كربلاء ، ومِنْ ثَمَّ تعليل وقت انعقاد المؤتمر في زيارة النصف من شعبان :

1 - بعد وفاة شيخ الشريعة فتح الله الاصفهاني الذي تصدى للمرجعية بعد وفاة الميرزا محمد تقي الشيرازي الذي قاد ثورة العشرين من موقعه الديني، وخلفه في القيادة شيخ الشريعة ، وبعد وفاة الأخير كان في النجف عدة مراجع مؤهلين ليتر أسوا الحوزة ، وكان من بين هؤلاء السيد أبو الحسن الاصفهاني والمرزا محمد حسين النائيني وآخرين وأغلبهم ليسوا من العرب، وكان التنافس ظاهراً حول التصدي للمرجعية، وكان عرب العراق الشيعة يميلون إلى الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي ويعتبرونه الأعلم ، ويمتلك مكانة عالية ومنزلة رفيعة في نفوس الشعب العراقي لكونه العالم العربي الكبير ويحظى باحترام وتقدير الجميع ، وله المواقف الوطنية الشهيرة ضد الاحتلال البريطاني، وكان يحظى بثقة قادة الثورة العراقية الكبرى سنة 1920 من رؤساء العشائر وعلية القوم في وسط العراق وجنوبه ، إلّا أن الظروف والتأثيرات الخارجية كانت العقبة الكبرى ضده ليتولى المرجعية الدينية .

كما أن المتصدين للمرجعية الدينية في النجف المذكورين وقتها لم يكن لهم موقف جاد من الاحتلال البريطاني لا في ثورة العشرين ولا بعدها، والدليل أنهم لم يرغبوا في كل الأحوال الاصطدام بالمحتل البريطاني من ناحية، ومن ناحية أخرى يتعللون بعدم رغبتهم بالدخول في الصراعات السياسية، فأرادوا


1) تاريخ القضية العراقية /الشيخ محمد مهدي البصير، ص200 - 201.

أن يتجنبوا ذلك كلّه ، وإلقاء الحمل على المرجع الخالصي، والدليل أن أحدهما وهو النائيني لم يحضر المؤتمر في كربلاء كما وعد بذلك !! . والتاريخ يحدثنا حتى عندما رفضوا المعاهدة مجبرين وتم تسفيرهم إلى إيران ، وجدناهم قد إستقتلوا بعد ذلك بالتوسط لدى الإنكليز بالعودة إلى العراق ، والتاريخ لا يرحم.

كما لا ننسى بأن شيوخ العشائر في الفرات وفي عموم العراق كانوا يميلون إلى الشيخ الخالصي لمواقفه الوطنية المعارضة للإنكليز ولأذنابه في العراق ، فكان من دهاء مراجع النجف أن يرفعوا عن كاهلهم هذا الحمل ويضعوه على الخالصي رحمه الله ، معتبرين إذا نجحت المهمة فإنّ لهم دور من خلال تكليف الخالصي بالمهمة ، وإذا حدث تصادم في الرؤى مع المحتل وأذنابه فتكون المسؤولية على الخالصي وحده .

2- أمّا عن سبب انعقاد المؤتمر في كربلاء ، فذلك لم يكن من اقتراح مراجع الدين المذكورين ومن معهم، بل كان رأي رؤساء العشائر الذين إعتبروا مدينة كربلاء المقدسة هي من قاست ويلات الوهابيين، وكذلك أن كربلاء كانت مركز قيادة ثورة العشرين وفيها تأسست أول حكومة وطنية ، وفيها رفع أول علم للعراق . كما أن وجود مرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام على ثراها قد جعلها قبلة الأنظار لقدسيتها . وفيها يتجمع الناس في الزيارات المخصوصة .

3- أمّا اختيار وقت انعقاد المؤتمر في زيارة النصف من شعبان وهي زيارة مخصوصة لمرقد الإمام الحسين (علیه السلام ) يتوافد المؤمنون بالآلاف لتأدية الزيارة ، وحينها يكون قد إنعقد الجانب الإعلامي المهم .

تلقى الإمام الخالصي البرقية والدعوة بأن يكون هو المؤهل والقادر على جمع شمل المجتمع لمكانته المرموقة ، وإمكانيته العالية للقيام بمثل هذه المهمة الكبيرة، وبعد إلحاح القوى الوطنية ورؤساء العشائر وافق سماحته رحمه الله بالمهمة، وهو

الذي قرر موعد انعقاد المؤتمر على أن يكون من يوم 10 إلى 15 شعبان 1340ه- الذي يوافق هذا التاريخ من 8 إلى 13 نيسان 1922م في كربلاء.

يقول السيد عبد الرزاق الحسني في تاريخ الوزارات العراقية عن هذا المؤتمر تحت عنوان: (مؤتمر خطير في كربلا) ما يلي :« لم يرَ الأهلون في التدابير التي إتخذتها الحكومتان : العراقية والبريطانية ما يسكّن ثائرتهم ، وكانت ولا تزال مجازر إخوانهم على الحدود ماثلة أمام أعينهم ، تستثير منهم الحفاظ ، وتدعوهم إلى الانتقام والأخذ بالثأر . فقام قادة الرأي العام في العراق، وزعماء الحركة الوطنية فيه ، يفاوضون العلماء في وجوب عقد مؤتمر يتداولون فيه بشأن الحدود، ويقررون التدابير اللازمة لوقف التعدي ، فعقد علماء النجف عدة اجتماعات أسفرت عن الإبراق إلى الشيخ مهدي الخالصي لدعوة رؤساء القبائل إلى حضور مؤتمر يعقد في كربلاء في الثالث عشر من شهر شعبان 1340 ، وكان الإمام الخالصي أبرز شخصية دينية يومئذ ، وكانت له منزلة في نفوس الشعب رفيعة . واعتماد على تدابيره كبير ، فوجه الجمهور شطره وجهه ، ووضع فيه ثقته، وألح عليه أن يرأس الجهود والتدابير لرد عادية الوهابيين. وقد لبى الإمام الخالصي هذه الدعوة ، ... إلخ»(1).


1) تاريخ الوزارات العراقية / عبد الرزاق الحسني ، ج 1 ص 89 من الطبعة السادسة المنقحة.

309

المرحوم الإمام الشيخ مهدي الخالصي الكبير

إجراءات الامام الخالصي وموقف الحكومة من انعقاد المؤتمر

1 - كانت إجراءات الإمام الخالصي بعد تلبيته الدعوة برئاسة المؤتمر مباشرة بأن يدعو رؤساء القبائل والعشائر ورؤساء القوم والأعيان في جميع مدن العراق من شماله إلى جنوبه ، ومن شرقه إلى غربه ، وهذا الإجراء يدل على تحقيق اللحمة الوطنية وتجاوز الطائفية والمذهبية، باعتبار أن العراق واحد ، والخطر يعم الجميع ، ولا بُدَّ من اتخاذ المواقف النبيلة التي تحافظ على بقاع العراق من تجاسر المعتدين عليه والإخلال بنظامه المجتمعي الأصيل . وكان ما قام به من دعوات وقبوله من الجميع أثبتت مدى قوة التلاحم بين أبناء الشعب الواحد بكل قومياته ومذاهبة كما سنذكر ذلك لاحقاً .

2 - قيامه بإبراق ما يقارب من (150) برقية إلى الرؤساء والزعماء يستحثهم فيها على الحضور في كربلاء للمشاركة في المؤتمر .

3- أصاب حكومة رئيس الوزراء الكيلاني الذعر من هذه الحركة وذلك بتحذير من المندوب السامي السير برسي كوكس، فأوعزت إلى دوائر البرق بعدم إرسال البرقيات ، فذكرت جريدة (الاستقلال) خبر منع الحكومة العراقية إرسال البرقيات فتمت معاقبتها بمنع صدورها ثلاثة أيام !!!

وعندما علم الإمام الخالصي بذلك أرسل دعوات مكتوبة ومختومة بمعنى البرقية من قبله إليهم، وُزعت بواسطة رسل خاصة على كثير من الزعماء ، وأرسل ولده الشيخ محمد إلى المشايخ والرؤساء حاملاً معه دعوات المؤتمر، كما قابل الشيخ محمد الملك شخصياً بإسم والده يدعوه لحضور المؤتمر، فرحّب الملك فيصل بفكرة عقد المؤتمر ، والملك لم يكن بعيداً عن حركة رؤساء عشائر الفرات الأوسط وعلمه بما يقررون ، فقبل الملك الدعوة ورحّب بها .

4 - وجدت الحكومة العراقية بأنها لا تتمكن من الوقوف بوجه الرأي العام المؤيد لاتخاذ موقف جدي اتجاه هجمات الاخوان ، وعدم استطاعتها الوقوف بوجه توجهات مراجع الدين ورؤساء العشائر ، فتراجعت عن قرارها وسمحت بإبراق البرقيات الموقوفة، ولكنها أعطت للموقف أهميته وإتخذت بعض الإجراءات كان منها :

أ. إرسال قوات إلى مدينة كربلاء بدواعي الأمن وفرض النظام.

ب . الإيعاز إلى متصرف لواء كربلاء باتخاذ الإجراءات المناسبة حسب القانون على أن تكون تعليماته صارمة .

وكانت الصيغة التي جاءت بها دعوة الشيخ محمد مهدي الخالصي والمكتوبة بخط يده وعليها ختمه للمشايخ والرؤساء والأعيان كما يلي :

بسم الله الرحمن الرحيم

بمناسبة تجاوز الاخوان على حدود العراق تقرر أن يجتمع علماء النجف وكربلا للمذاكرة في كربلاء فيما يتعلق بذلك ، نسأل الله تعالى أن لا يخلي هذه الجامعة الإسلامية منكم ومن أمثالكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الراجي محمد مهدي الكاظمي الخالصي

7 شعبان 1340ه- (ختم)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

311

نسخة من الدعوة التي وجهها الشيخ محمد مهدي الخالصي مؤرخة ومثبتة بختمه

موقف الملك فيصل من الدعوة إلى المؤتمر

كان الملك فيصل قد رحب بشكل كبير بعقد المؤتمر، وكان أمله كبير بأن يتم اتخاذ قرارات من عليّة القوم تكون ضاغطة ومساندة له في موقفه المعلن ضد هجمات الاخوان، وعندما قابله الشيخ محمد الخالصي نجل سماحة الخالصي الكبير ووجّه له الدعوة بالحضور، قبلها الملك وكان يرغب رغبة صادقة في حضور المؤتمر بنفسه ،« لكن المندوب السامي السر بيرسي كوكس على ما يبدو لم يقرّ مثل هذه الرغبة كما يذكر الحسني في تاريخ الوزارات العراقية »(1)

أصدر البلاط الملكي أمراً إلى حكومة عبد الرحمن الكيلاني (رئيس الوزراء) بإرسال مندوب عنها إلى كربلاء لحضور المؤتمر ، فندبت الحكومة وزير الداخلية (توفيق الخالدي للسفر إلى كربلاء، ومراقبة أعمال المؤتمرين عن كثب . ويذكر المرحوم محمد مهدي البصير الذي كان قد حضر المؤتمر في كربلاء مع جعفر أبو التمن وحمدي الباجه جي، وجمع كبير من الشبان بينهم مندوبو الصحف : « أن وزير الداخلية أخذ يرقب سير الأعمال عن كثب وقد أثنى عليه بعض الكتاب البريطانيين لأنهم رأوا أنه حال بين رجال المؤتمر وبين القيام بعمل ثوري » .

كان توفيق الخالدي في أول أيام وزارته وهو مقرّب من المندوب السامي البريطاني ومن رئيس الوزراء الكيلاني، وفي نفس الوقت كان لا يحظى بثقة الملك فيصل الأول . لم يطمئن الملك لتوفيق الخالدي عندما إنتدبته الحكومة لحضور المؤتمر، فأرسل مدير الشرطة العام (نوري السعيد ليمثل الملك شخصّياً بحضور المؤتمر .

ويذكر الحسني في تاريخ الوزارات في ج 1 و في الهامش الأول من ص 90 تقرير للمخابرات البريطانية تاريخه 15 نیسان 1922 تقول الفقرة (331) منه :

« أن الملك فيصل ندب مدير الشرطة العام ، وهو يومئذ نوري السعيد للحضور إلى كربلاء متنكراً . والعمل على حث المؤتمرين على تأييد سياسة الملك إزاء الإنكليز .


1) تاريخ الوزارات العراقية/ للحسني، ج1 ص89.

وأن نوري توجه إلى هذه المدينة المقدسة فعلاً . ونزل في بستان السيد قاسم رشدي . وصار يتصل برؤساء القبائل سراً . يحثهم على الوقوف صفاً واحداً أمام قضية الاخوان . ووجوب تأييد سياسة الملك فيصل الرامية إلى تخفيف الاعتماد على الإنكليز، والمطالبة برفض الانتداب البريطاني على العراق ».

ويقول التقرير أن سلوك نوري هذا عرّضه إلى نقد شديد من قِبل أصحابه في بغداد. وفي الحقيقة كان التقرير فيه الكثير من المبالغة والتجني بل والكذب أيضا لأنّ نوري السعيد لم يتواجد في كربلاء بصورة سرية، وإنما كان يحضر جلسات المؤتمر ويوافي الملك بكل ما كان يدور في المؤتمر ، وكان الجميع يعلم بذلك .

بيان لمتصرف كربلاء إلى الأهالي

أمر وزير الداخلية توفيق الخالدي بإرسال القوات اللازمة لحفظ الأمن والنظام في كربلاء، وأوعز إلى متصرف لواء كربلاء باتخاذ الإجراءات لتطبيق الأمن والنظام.

كان متصرف كربلاء هو (عبد العزيز القصاب) الذي نُقل إلى كربلاء في نهاية شهر شباط 1922م من الكوت. وجاء في كتابنا (حكام كربلاء منذ نشأتها حتى عام 2003 م ) عن تعيين عبد العزيز القضاب متصرفاً لكربلاء ما يلي :

كان (حميد خان) متصرفاً للواء كربلاء قبل انعقاد مؤتمر كربلاء، ويُعرف حميد خان بأنه من أعوان الإنكليز ومعتمداً لديهم، وكان الملك فيصل يرغب بتعيين شخصاً موالياً له كما عيّن في الحلة متصرفاً عليها هو (علي جودت الأيوبي)، وأراد الملك تعيين (الحاج سليم )متصرفاً لكربلاء . وقد رفض المندوب السامي البريطاني(كوكس) تعيين مرشح الملك .

وتجنباً لتعميق الخلافات بين الملك والمندوب السامي فقد توسط السيد عبد الرحمن النقيب رئيس الوزراء بين كوكس والملك وإقترح حلاً وسطاً هو تعيين (عبد العزيز القصاب) الذي إنتقل من الكوت وباشر في كربلاء في نهاية شباط 1922»(1).

كان القصاب إدارياً حازماً ، وتم توجيهه من قِبَل الحكومة بضبط الأمن في كربلاء ، وتلقى تعليمات وزير الداخلية توفيق الخالدي بذات الخصوص . فقام متصرف كربلاء عبد العزيز القصاب باتخاذ الإجراءات التي أمر بها من قبل الحكومة ، ومِنْ ثَمَّ أصدر بيانا وفيما يلي نصّه حرفياً :

بناء على قرب الاجتماع الذي سيُعْقد في كربلا المقدسة ، يقتضي إتباع التعليمات الآتية :

1 - الدخول في المدن مسلحاً ممنوع .

2- الاجتماعات العامة تحت السقوف جائزة ، وأمّا الاجتماعات في الشوارع والعراء ممنوعة .

3- لا يجوز إجراء المظاهرات بتاتاً .

4 - يجب أن تكون الاجتماعات بإذن أكبر مأموري الحكومة ، ويتبع أحكام قانون الاجتماعات في ذلك . كما أنه يجب الإصغاء لأول أمر يعطى من قبل أكبر مأموري الحكومة في المحل .

فالرجاء من جميع الأهالي إتباع هذه المواد .

متصرف لواء كربلاء : عبد العزيز(2)


1) حكام كربلاء منذ نشأتها حتى عام 2003م / عبد الصاحب ناصر آل نصرالله، ص 172 - 173 ، عن دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط 1- سنة 2018م.

2) تاريخ كربلاء / عبد الصاحب ناصر آل نصر الله، ج 5 ص 328 ، عن دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط ا سنة 1439ه- - 2018م.

تم تأليف لجنة في الكاظمية بإيعاز من الشيخ مهدي الخالصي للإشراف على المؤتمر وتنظيم السفر إليه ، وأعضاء هذه اللجنة هم : السيد نور الياسري، والحاج كاظم أبو التمن ، والسيد كَاطع العوادي ، والشيخ باقر الشبيبي، والحاج عبد الحسين الجلبي .

إجتمعت اللجنة ووضعت منهاجاً من ثلاث عشرة مادة طبعته في إحدى مطابع بغداد، وكان أهم ما ورد في المنهاج اختيار أربع لجان فرعية هي:

1 - اللجنة الأولى : تؤلف من الشيخ محمد الخالصي والحاج عبد الحسين الجلبي وأبو طالب الاصفهاني ، ومهمتها بث النصح في وجوب المحافظة على الراحة والسكينة في الاجتماعات، وتسافر اللجنة إلى كربلاء عن طريق الحلة والنجف .

2- اللجنة الثانية : برئاسة جعفر أبو التمن وعضوية كل من الحاج صادق الاستربادي وحمدي الباججي وعبد الرسول كبة وإدريس الكاظمي وعبد الهادي الجلبي ، ومهمتها الإعداد لسفر الشيخ مهدي الخالصي ومن معه من أهل الكاظمية وبغداد إلى الحلة فكربلاء .

3- اللجنة الثالثة : تؤلف في كربلاء من الشيخ محمد حسن أبو المحاسن والسيد عيسى البزاز والحاج خليل الاستربادي والسيد هاشم شاه (الاشيقر ) ومحمد الكشميري والسيد محمد رضا آل نصر الله والشيخ عمر العلوان الوزني والشيخ عبد الكريم العواد (جميعهم من أهالي كربلاء وأعيانها) ، ومهمتها تنظيم الاجتماعات في كربلاء .

4 - اللجنة الرابعة : تؤلف من رؤساء وخدّام العتبات المقدسة في كربلاء ، ومهمتها التعرف على القادمين والضيوف، وتعيين محل سكناهم وتمهيد

طريق إيصالهم إلى الاجتماعات .

في صباح يوم 5 نيسان غادر الكاظمية أعضاء اللجنة الأولى المكونة من الشيخ محمد الخالصي والحاج عبد الحسين الجلبي ، وأبو طالب الإصفهاني متوجهين إلى النجف للاتصال بالمرجعين السيد أبو الحسن الإصفهاني، والمرزا النائيني وهما اللذان أبرقا للإمام الخالصي ليأخذ على عاتقه مسؤلية انعقاد المؤتمر. وحين إتصلوا بالسيد أبو الحسن الاصفهاني والمرزا محمد حسين النائيني من أجل تعجيل سفرهما إلى كربلاء ، فاستجاب السيد أبو الحسن لطلبهم فورًا وأبدى استعداده لحضور المؤتمر ، بينما إمتنع المرزا محمد حسين النائيني السفر إلى كربلاء وأبدى عدم رغبته حضور المؤتمر متحججاً بحجج واهية .

يذكر المرحوم العلامة الشيخ محمد الخالصي في مذكراته الشخصية الخطية عن امتناع النائيني حضور المؤتمر، فيقول:

« ثُمَّ أمرني (أي والده) أن أمضي إلى النجف لتعجيل حركة علمائها، فمضيت إليها ومعي الحاج عبد الحسين جلبي ، ولاقيت السيد أبا الحسن فأجاب وتحرك من فوره ، ولاقيت المرزا النائيني فامتنع من الحضور معتذراً بأنه بلغه أننا رتبنا (منهاجاً) لهذا الاجتماع، وهو لا يوافق على ذلك ، لأنّ (المنهاج ) من أعمال دعاة المشروطية(1)

والمشروطة هي أول دعوة قامت في إيران تنادي بالدستور والحكم بموجبه وترك العمل الفردي والاستبداد بالرأي، والابتعاد عن رأي عامة الناس (الشعب) الذين هم الأساس في الحكومة ونظام الحكم ، وعليهم تدور رحى العمل وكان الإنكليز يشجعون المشروطة نكاية بالروس، وأحداث المشروطة التي وقعت في إيران ألقت بظلالها في الأوساط العراقية وخاصة في مدن كربلاء والنجف والكاظمية على الرغم من أنها وقعت ودارت في إيران، وذلك بسبب وجود المجتهدين الإيرانيين الكبار في العراق، وكثير من المقيمين الإيرانيين فيه.

وردت إلى علماء النجف عدة استفتاءات من إيران حول المشروطة، هل هي حرام أم حلال ؟ ، فأصدر علماء النجف (فتوى) مفادها أن قوانين المجلس الدستوري هي قوانين مقدسة ومحترمة، وهي فرض على المسلمين وواجب تنفيذها، ومن يقف ضدها ويقاومها فإنّه يقاوم أحكام الدين الحنيف، وواجب المسلمين الوقوف ضد من يعادي المجلس. ووقع الفتوى عن المجتهدين ( الملا كاظم الخراساني)، وكان النائيني من المؤيدين لفتوى المشروطة هذه، ولم يعارض أحد من المجتهدين سوى المرجع السيد (كاظم اليزدي) ومعارضته وامتناعه كان بداية الانقسام بين المجتهدين الذي أخذ يتطور يوماً بعد يوم.

ففي النجف وكربلاء والكاظمية (مدن العتبات) إنقسم أهلها إلى قسمين: قسم يدعو إلى المشروطية بزعامة الملا كاظم الخراساني، والقسم الآخر ضدها بزعامة السيد كاظم اليزدي، والذي كان يُطلق عليهم جماعة (الاستبداد).

على

1) المشروطية: لفظة شاعت في الأوساط العامة والخاصة والدواوين السياسية في الفترة التي ظهرت فيها في أوائل القرن العشرين الميلادي. والمشروطية تشير إلى معنى (الشرط)، ومعناها السياسي (الدستور والمجلس)، فالحكومة المشروطة هي الحكومة الدستورية، ثُمَّ أطلق على الحكومة الملتزمة بالشرط ( المشروطة ) أي الحكومة التي يشترط التزامها بالدستور، وأصبح هذا الاسم الرسمي لها.

ما يقول. فعجبت من ذلك أشد العجب ! لأنّ المرزا النائيني كان من أصلب دعاة المشروطية، وهو الذي كتب كتاب (تنبيه الأمة) يدعو فيه إلى المشروطية والدستور والتجدد، في حين إنا كنا ننكر عليه ولم نزل ننكر ذلك بالمعنى الذي كان النائيني يقصده منه ، على أن (المنهاج ) لا ربط له بالمشروطية بوجه .

وبقي ذلك الرجل الحازم يتجاهل ، ولم أزل أناظره ويصرّ على امتناعه حتى قلت له : إنك أنت الذي أبرقت بذلك فما وجه امتناعك ؟ وكيف نجيب الناس إذا سألوا عن سبب عدم حضورك ؟ وما هو العذر عنه ؟!

فلم يؤثر عليه ذلك ولم يزل يزداد إصراراً على عدم الاشتراك في الاجتماع وعدم المضي إلى كربلاء ، فلما يئستُ منه فارقته منكراً عليه تحوّل أخلاقه وتردده في أعماله !.. »(1). وأخذ الشيخ محمد الخالصي بعد ذلك يذم المرزا النائيني ذماً قبيحاً (2).

ونعتقد جازمين بأن النائيني كان لا يريد أن يزعل عليه الإنكليز حتى يسجل له موقفاً عندهم متحججاً بحجج و واهية يعرفها عنه الإنكليز .

كانت الاستعدادات على قدم وساق في مدينة كربلاء المقدسة ، حيث كان موضوع تهيئة مكان انعقاد المؤتمر، وأماكن إيواء الوفود، كما كانت مستلزمات


1) ( في سبيل الله) سيرة ذاتية ومذكرات جهادية للفقيه المجاهد الامام الشيخ محمد الخالصي، ص 270 - 271، عن دار المحجة البيضاء، بيروت - لبنان، ط 1 سنة 1437ه- 2016م.

2) لمحات اجتماعية/ د. علي الوردي، ج 1/6 ص 143 .

الضيافة تُهيأ على أفضل ما يكون، وكان الوجهاء والأعيان ورؤساء العشائر والمناطق ورجال الدين وخدم الروضتين المقدستين في كربلاء يعملون كخلية نحل لإنجاح المؤتمر في مدينتهم في وقت بلغت أعداد الوافدين إلى مدينة كربلاء لزيارة النصف من شعبان أكثر من 200 ألف زائر إزدحمت بهم المدينة .

توجه الامام الخالصي نحو كربلاء

في ضحى يوم الجمعة العاشر من شعبان سنة 1340ه- المصادف 7 نیسان 1922م تحرك موكب الإمام الشيخ مهدي الخالصي الكبير من الكاظمية وخرج أهل الكاظمية لتوديعه ، فامتلأت ساحة باب الدروازة بالناس وهم يهتفون بالصلاة على محمد وآل محمد ، فاتجه موكب الخالصي باتجاه جانب الكرخ من بغداد حيث إلتحق به الكثير من أهل بغداد(1). بينما يقول محمد مهدي البصير بأنه نحو من عشرين ألف رجل إستقبلوه في بغداد، وتحرك موكبه قبيل الظهر من بغداد إلى الحلة .

عند وصول الإمام الخالصي إلى الحلة جرى له استقبال عظيم ، حيث خرجت الجماهير لتحية موكبه وأغلقت الأسواق حينها ، وبات ليلته في الحلة ضيفاً في دار الشيخ (محمد سماكة) .

وفي صباح اليوم التالي السبت 8 نيسان غادر الخالصي الحلة متوجها إلى كربلاء ، ويذكر الشيخ محمد مهدي البصير في كتابه تاريخ القضية العراقية الحادثة التالية في الحلة :

« بينما كان الأهلون يشيعون الشيخ الخالصي إلى كربلاء كانت الحكومة المنتدبة مشغولة بإقامة حفلة كبيرة في الحلة أهدت بها ثلاثة سيوف محلات بالذهب إلى الشيخ عداي الجريان رئيس قبيلة ألبو سلطان وإلى أخويه نايف وفارس . وليست هذه أول مرّة تقدر بها الحكومة المنتدبة إخلاص الشيخ عداي حق قدره، فقد سبق لها أن أهدت إليه وإلى زميله الشيخ عمران الزنبور ساعتين ذهبيتين قدمهما


1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث/ د. علي الوردي، ج 1/6 ص 143.

القائد (هولدن ) بنفسه إلى هذين الشيخين على أثر إنطفاء نيران الثورة (يقصد بها ثورة العشرين) اعترافا بما قاما به من خدمة الحكومة في أيام الثورة العصيبة، وقد جرى إهداء تينك الساعتين في حفلة حضرها جماعة من الضباط البريطانيين وأكابر الأهلين ، وقد فعلت الهدايا المذكورة فعلها في نفس الشيخ عداي وشركائه فيها ولدينا برهان على ذلك ... »(1).

وفي مدينة الهندية (طويريج) الواقعة في منتصف الطريق بين الحلة وكربلاء ، كان رؤساء كربلاء قد خرجوا إليها لاستقبال الشيخ الخالصي، وكان معهم من النجفيين العلامة الشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ عبد الرضا الشيخ راضي والشيخ باقر الشبيبي(2)، كما خرج لاستقباله أربعمائة فارس من عشيرة المسعود(3)، وغيرهم. وعند وصول الامام الخالصي إلى كربلاء توجه مباشرة لأداء الزيارة لمرقد الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام ، ثُمَّ توجه إلى دار المرحوم آية الله المرزا محمد تقي الشيرازي ( زعيم ثورة العشرين ) حيث كان هذا الدار مكان إقامة الخالصي في كربلاء، وعقدت فيه بعض جلسات المؤتمر .

في نفس يوم وصول الامام الخالصي إلى كربلاء، وصل من النجف السيد أبو الحسن الإصفهاني ، وتقاطر الناس إلى كربلاء أفواجاً أفواجاً قاصدين زيارة النصف من شعبان، ولكن طائفة كبيرة جاءت كربلاء بقصد الاشتراك في أعمال المؤتمر، لأنّ الناس كانوا يعلقون آمالاً كبيرة عليه . ومما تميّز به الحضور مجموعة كبيرة من المثقفين والوطنيين وأكابر الساسة العراقيين الذين لهم مواقف مضادة للانتداب البريطاني، ولمن يحاول الإعتداء على حرمة أراضي العراق وشعبه .


1) تاريخ القضية العراقية / محمد مهدي البصير، ص201 . والبصير هو من أهل الحلة أصلاً، وشارك في ثورة العشرين و هو (بصير ) وكان من أبرز شعراء الثورة الوطنيين، وشملته الإجراءات الإنكليزية على أثر إنطفاء نار الثورة.

2) كان هؤلاء المشايخ من أبرز علماء الدين العرب في النجف الأشرف.

3) عشيرة المسعود من أكبر العشائر العربية القاطنة في شمال شرق كربلاء، وموطنها في ناحية الحسينية.

علماء بغداد ورأيهم ب-( الإخوان النجديين ) ومشاركتهم في المؤتمر

وصلت دعوة الامام الخالصي إلى العلامة المرحوم الشيخ عبد الوهاب النائب(1)الذي كان من أكابر علماء بغداد في زمانه ، والمعروف بوطنيته وسلامة معتقده ، فبادر بتوجيه دعوة إلى عدد كبير من علماء أهل السنة في بغداد لحضور اجتماع يُعقد في (تكية الخالدية)(2)ليتباحثوا في أمر (الإخوان) وهل يجوز حربهم؟


1) هو العلامة السيد عبد الوهاب بن عبد القادر الهيازعي العبيدي، المولود سنة 1269ه-(1852م) والمتوفى سنة 1345ه-(1926م) . كان من أعلام بغداد وكان نائب القضاء الشرعي ومدرس مدرسة منورة ،خاتون، وأمين الفتوى وواعظ جامع مرجان، وحاكم الصلح، ورئيساً لمجلس التمييز الشرعي، فكان واعظاً وفقيهاً ومفتياً وقاضياً. لقب بالنائب لأنّ السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إختاره نائباً عن الباب العالي، وتولى النيابة عنه إشتهر بالإضافة لعلمه بملكة (الخط) وكانت أغلب كتبه ومؤلفاته بخط يده، بالإضافة إلى سعة علمه فهو وطني الروح والمعتقد، فلما بدأت شرارة ثورة العشرين (الثورة العراقية الكبرى) ضد الإنكليز أفتى بقتالهم والجهاد حتى الخلاص، كما أفتى بتحشيد الجهد العلمي والوطني في جبهة صيانة الحدود والثغور. وفي ثورة العشرين سافر إلى النجف والتقى بعلمائها لشأن فتوى الجهاد، وكانت تربطه بهم علاقات وثيقة في العهد العثماني، وهو الذي رفع شعار (الإصلاح الديني) وهو شعار (التقريب بين المذاهب). تتلمذ على يديه الكثير من العلماء والادباء ومثقفي بغداد.

2) تكية الخالدية كانت تسمى ب-( جامع الاحسائي) وتقع في جانب الرصافة وفي شارع المستنصر (شارع النهر حالياً)، والجامع يطل على نهر دجلة ومؤسسه الشيخ محمد بن أحمد الاحسائي الفقيه الحنفي الذي إشتهر بالعلم والأدب ونال مكانة عالية وأسس مدرسته في الجامع، وعندما توفي سنة 1083ه-(1672م) دُفن في إحدى غرف الجامع. وكانت مدرسته تجمعاً للزهاد ،والصوفية، ولما أقام فيها الشيخ خالد النقشبندي سنة 1221ه-(1806م) سُمّي الجامع والمدرسة باسمه ( التكية الخالدية).

321

الإمام المجاهد العلامة الشيخ عبد الوهاب النائب العبيدي شيخ عصره وإمام زمانه

لبّي دعوة العلامة عبد الوهاب النائب الكثير من المدعوين ، بينما تخلف البعض منهم أمثال محمود شكري الآلوسي(1)وعبد الحليم الحافاتي(2)ويوسف العطا(3)وحمدي الأعظمي(4)وسليمان السنوي وقاسم المفتي، وسبب تخلف محمود شكري


1) هو العلامة محمود شكري بن عبد الله بن شهاب الدين الألوسي، من أحفاد أبو الثناء الآلوسي، ولد سنة 1273ه-(1856م) ، وكان سلفي المعتقد، صوفي المشرب، وشافعي المذهب. توفي سنة 1342ه-(1924م).

2) هو عبد الحليم بن خلف عماد الدين الحافي ( الحافاني) المنتسب إلى (بشر الحافي)، كان من أعداء الملك فيصل الأول لأنّه لم ينتفع منه ( كما يُقال ) ، وقد علم بتشجيع الملك لعقد المؤتمر.

3) هو يوسف بن محمد نجيب العطا، عالم بالحديث، بغدادي، كان مدرس الشعبة الدينية العالية في جامعة آل البيت ببغداد، وله رسالة في علم الحديث بخطه. تصدّر للتدريس في جامع القبلانية وأصبح مفتي بغداد. توفي سنة 1371ه-(1952م).

4) هو أبو العلاء حمدي بن الملا عبد الله بن محمد العبيدي الأعظمي، حقوقي وأديب وكاتب ومؤلف وعالم وفقيه إسلامي من أهالي الأعظمية . ولد سنة 1298ه-(1882م)، تلقی العلوم منذ صغره ودخل كلية الحقوق عام 1911م وتخرج منها وعمل أستاذ للشريعة الإسلامية، ثُمَّ مديراً عاماً للأوقاف سنة 1924م وتدرج في المناصب حتى أصبح عميداً لكلية الشريعة إلى عام 1953م. توفي سنة 1391ه- (1971م).

الآلوسي هو منهجه السلفي، الذي عارض بشكل وآخر محاربة الإخوان النجديين وهم على المذهب الوهابي .

في يوم الأربعاء 8 شعبان 1340ه- (5 نیسان 1922م)، عقد اجتماع (أهل السنة) في بغداد بتكية الخالدية وحضره جمع غفير ممن دُعوا إليه عدا الذين ذكرناهم ، ليناقشوا فيه أمر (الإخوان) وهل يتوجب قتالهم لتجاوزهم بما إقترفوه في المسلمين العراقيين.. وأجمعوا رأيهم على وجوب الدفاع العام ومحاربة (الوهابيين).

إفتتح العلامة عبد الوهاب النائب الاجتماع ، وتحدث عن الفضائع التي إرتكبها الإخوان الوهابيون ضد المسلمين العراقيين، ثُمَّ سأل الحضور عن رأيهم فقال :« ما تقولون في هذه الطائفة المسماة بالاخوان، هل ترون وجوب قتالهم وردعهم عن أمثال هذه التجاوزات نظراً لكونهم هتكوا حرمات المسلمين وإستباحوا دماءهم وأموالهم بغير ذنب وتأويل ؟ » . وإستشهد بما فعل الخليفة أبو بكر الصديق بأهل الردّة ، وما فعله الإمام علي بن أبي طالب بالخوارج الذين كانوا أكثر من هؤلاء صلاةً وصياماً .

وإقترح العلامة النائب على الحاضرين أن يُقرأ الفصل الخاص بالوهابية في کتاب ابن عابدين الحنفي، فقرأ أحد الحاضرين فقرة من الكتاب مفادها : إن من يستبيح دماء المسلمين كافر تجب مقاتلته . فوافق الحاضرون على ذلك وأجمعوا رأيهم على وجوب الدفاع العام .

ثُمَّ نهض أحمد الشيخ داود فتكلم بما يؤيد ذلك . وحصلت محاورة فقهية بين عبد الوهاب النائب وأحمد الشيخ داود في هذا الشأن ، إذ سأل النائب :

« ماذا تسمي هؤلاء أبغاة أم خوارج ؟ » ، فقال أحمد :« أنهم الخوارج بعينهم ». وأشار النائب إلى ما فعل الامام علي بالخوارج وهو ابن عم المصطفى . فقال الحاضرون : «وأنعم به قدوة » .

وذكر أحمد كيف أنهم سبوا النساء ووطأوهن مع أنهم من نساء المسلمين . فقال أمجد الزهاوي: « يجب تأديبهم بكل صورة » ، فقال الشيخ عبد الوهاب النائب: «إن أخواننا الجعفرية قد صمموا على الاجتماع وإعطاء القرار بهذا الخصوص ، لمّا لم يكن بيننا وبينهم خلاف في أي شيء فكلمتنا واحدة » ، فقال الحاضرون:« لا شك في ذلك »(1).

قرارات اجتماع علماء بغداد

بعد كل ما جرى داخل الاجتماع وذكر العلامة عبد الوهاب النائب بالدعوة الموجهة من الامام الخالصي، فقد إستقر رأي الحاضرين على ما يلي:

1 - أن ينتخبوا من بينهم وفداً لحضور المؤتمر في كربلاء .

2- أن يباشروا فوراً بإصدار فتوى حول موضوع التصدي للإخوان النجديين الوهابيين .

فقد تم المباشرة بانتخاب وفد لحضور المؤتمر في كربلاء، وتم الاختيار على كل من :

1- العلامة عبد الوهاب النائب رئيسا للوفد

2 - أحمد الشيخ داود... عضو

3- إبراهيم الراوي ...عضو

• عبد الجليل الجميل... عضو

ثُمَّ باشروا بكتابة فتوى على شكل سؤال وجواب وهذا نصّها:

«ما قول علماء المسلمين الإعلام فيمن يدّعي الإسلام ويحكم بشرك من خالف معتقدهم من جماعات المسلمين مستحلين قتالهم ودماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم


1) لمحات اجتماعية/ د. علي الوردي، ج 1/6، ص 144 .

بغير سبب وقد هجموا على بلاد المسلمين عداءً وبداءً، فهل يجب قتالهم ودفاعهم أم لا، أفتونا مأجورين الجواب والله سبحانه وتعالى أعلم » .

الجواب :« نعم يجب قتالهم والحالة هذه» . ومن الفتوى التاريخية هذه يتأكد بأن علماء أهل السنة الأفاضل أكّدوا (وجوب قتال الوهابيين) .

وقّع على الفتوى كل من العلماء:

1 - عبد الوهاب النائب .

2- عبد الملك الشواف .

3- إبراهيم الراوي .

4 - خضر القاضي.

5 - منير القاضي.

6- عبد الجليل الجميل .

7- طه الراوي .

8- نعمان الأعظمي.

9 - علي القره داغي .

10 - أمجد الزهاوي .

11 - محمد رشيد الشيخ داود .

12 - خليل حسن النقي .

13 - بهاء الدين النقشبندي.

14 - أحمد الراوي .

15 - محمد رؤوف(1)


1) جريدة ( الاستقلال ) في عددها الصادر في 6 نيسان 1922.

في يوم الاثنين 12 شعبان 1340ه- (10 نیسان 1922م) كان قد تجمع علماء أهل السنة في جامع الفضل ببغداد استعداداً للسفر إلى كربلاء لحضور المؤتمر ، وفي تمام الساعة الثامنة صباحاً تحرك موكبهم يتقدمهم العلماء عبد الوهاب النائب وإبراهيم الراوي وأحمد الشيخ داود وعبد الجليل الجميل ، ومعهم عدد من الشباب المثقف، وكان منظر خروج موكبهم رائعاً ، فقد خرجت جماهير بغداد لتوديعهم حاملين الأعلام وخلفهم جوقة ممن يدّقون الطبول وسار الموكب على الأقدام من محلة الفضل باتجاه الجسر القديم (شُيّد مكانه جسر الشهداء الحالي)، فعبروه وتوجهوا إلى منطقة علاوي الحلة، وقبل أن يصلوا إلى محطة القطار (المحطة العالمية الحالية في العلاوي) ركبوا السيارات متوجهين إلى مدينة كربلاء .

وفي الساعة الرابعة عصراً من نفس اليوم ، وصل الوفد إلى كربلاء وتم استقبالهم بحفاوة بالغة ، وتوجه علماء بغداد إلى دار الشيرازي حيث يقيم الإمام الخالصي للاجتماع به ، وبعد لقائه توجهوا إلى الروضتين المقدستين لأداء الزيارة ، ثُمَّ توجهوا إلى دار السيد قاسم الرشدي(1)فنزلوا ضيوفاً عليه ، فكان داره محل إقامتهم أثناء وجودهم في كربلاء .

ووصل إلى الأسماع بأن أغلب مدن وعشائر العراق قد إستقبلت الدعوة للحضور إلى مؤتمر كربلاء بالترحاب والاستعداد للمشاركة والحضور . مما جعل البعض يبدي عدم راحته من هذا التضامن، مما دعا بجريدة الاستقلال في عددها الصادر يوم 6 نيسان 1922 أن تقف مع المؤتمر وانعقاده، وإنتقدت النفر المسيئ


1) السيد قاسم الرشدي هو السيد قاسم بن العلامة السيد أحمد وفي (المقتول سنة 1295ه-) بن العلامة الشهير السيد كاظم الرشتي ( مؤسس الفرقة الكشفية المنبثقة من المدرسة الشيخية وهو أبرز تلاميذ الشيخ أحمد الاحسائي). وكان السيد قاسم الرشدي من وجهاء وأعيان كربلاء ، ومحل ثقة الأهالي وله أملاك وبساتين في منطقة الوند بين المسيب وكربلاء، ولآل الرشدي ديوان كبير ومشهور في المدينة، وكان منزله ملاصق للديوان القريب من الروضة الحسينية المقدسة.

له مما دعا وزير الداخلية توفيق الخالدي بإغلاقها لمدة ثلاثة أسابيع، مع العلم بأن الخالدي كان موضع شك وريبة وعدم ارتياح من قبل الملك فيصل .

مشاركة أهل تكريت والشرقاط والموصل

أرسل أهل تكريت والشرقاط برقية إلى الإمام الخالصي ذكروا فيها بأنهم إنتدبوا (مولود مخلص) ليمثلهم في المؤتمر وأنهم مستعدون لتنفيذ أي قرار يصدر من المؤتمر بأموالهم وأنفسهم .

كما أن علماء ورؤساء قبائل ومشايخ وأعيان الموصل أبرقوا إلى الإمام الخالصي يعبرون عن استعدادهم لحضور المؤتمر في كربلاء، وإنتدبوا ممثلين عنهم للحضور بتأييد جملة من أعيان وعلماء الموصل وتواقيعهم في مضبطة خاصة، وإتفقوا على أن يتألف الوفد الموصلي من :

1 - عبد الله أفندي النعمة (رئيس المدرسة الإسلامية) .

2 - سعيد جلبي ثابت .

3- الحاج أيوب جلبي عبد الواحد .

4 - عبد الله أفندي آل رئيس العلماء.

ثابت أفندي عبد النور .

6 - الشيخ عجيل الياور (رئيس عشائر شمّر) .

7- محمد آغا (رئيس الكركية) .

8- مولود مخلص (يلتحق بالوفد ممثلاً عن أهالي تكريت) .

وفي نفس اليوم وصل وفد الموصل إلى كربلاء، وأرسلت معهم إلى الخالصي برقية من أهل تكريت والشرقاط ينتدبون مولود مخلص ليمثلهم في المؤتمر وهم مستعدون لتطبيق أي قرار يصدر من المؤتمر .

كما وصلت إلى الخالصي مضبطة من تكريت موقعة من النقيب السيد أحمد وكلٌ من محمد عرب ومصطفى الحاج حسن وزيدان الخلف من رؤساء عشائر تكريت ، ومن أحمد الخطاب وندا الحسين رئيسا عشيرة (البيكَات)، ومقيم وسلمان الحاج حميد رئيسا عشيرة (الحديثيين)، تحمل نفس معاني البرقية الأولى وهي التضامن مع المؤتمرين ومساندتهم والوقوف معهم ، واستعدادهم لتطبيق كافة مقررات المؤتمر بالأموال والأنفس .

كانت المضبطة التي قَدّمت إلى الامام الخالصي من شقين، الأول التضامن في موضوع المؤتمر، والثاني توكيل أهالي أعالي دجلة لتوكيل مولود مخلص باشا، والموقعون في المضبطة كذلك الأعيان الذين وافقوا على ترشيح الوفد الموصلي ومعهم مولود مخلص وهذا نص المضبطة :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نحن الموقعين أدناه سادات وزعماء ورؤساء قبائل العراق ، أصالة عن أنفسنا وتمثيلاً عن أفراد قبائلنا ، تلبية لدعوة حجج الإسلام دامت بركاتهم، الذين تجب علينا طاعتهم، وهي فرض ديانتنا اللازمة في أعناقنا في كل وقت وحين ، فقد حضرنا في كربلاء المشرفة في اليوم الثاني عشر من شهر شعبان سنة 1340 ، وبإرشاد رؤساء الدين العلماء ، بناءً على ما أوقعه الخوارج الإخوان بإخواننا المسلمين من الأحوال الوحشية من القتل والسلب والنهب ، فقد تعاهدنا وتعاقدنا ، وإتفقت كلمتنا بحيث لا يخالف بعضنا بعضاً فيما تقتضيه مصلحة بلادنا وحفظ مشاهدنا المقدسة وقبور الأولياء . فقررنا مدافعة الخوارج الإخوان ومقاتلتهم بمعاضدة جيش مليكنا النظامي بكل ما في وسعنا واستطاعتنا ، واتخاذ التدابير اللازمة بناءً على تعلقنا بعرش جلالة مليكنا المعظم فيصل الأول دامت شوكته، فأمر كيفية دفاع الخوارج الأخوان ومقاتلتهم وعدد المدافعين من القبائل وسلاحهم وإعاشتهم ومكانهم وزمانهم وتنظيمهم أمر عائد لإرادة صاحب الجلالة مليكنا وتدبيره الصائب، غير

أنّا نطلب استرداد الأموال المنهوبة ، وتأدية ديات قتلانا التي سفكت دمائها ظلماً وعدواناً . وقد نظمنا بذلك نسختين ، قدّمنا واحدة لعرضها لأعتاب صاحب الجلالة ، والثانية تبقى تحت إشراف العلماء الأعلام. والله المستعان .

أعالي دجلة

توكيل مولود مخلص باشا

بموجب البرقية المرقمة 55 / 16 و 13 / 14 خطابًا إلى حجة الإسلام الشيخ مهدي الخالصي الممضات من حضرة نقيب تكريت حمدي أفندي ، ورئيس عشيرة الحديثيين مقيم ، ورئيس عشيرة البيكات أحمد ، ورئيس عشيرة تكريت محمد عرب ، ورئيس عشيرة البيكات ندا الحسين ، ورئيس عشيرة ألبو ناصر توفيق ، ورئيس عشيرة تكريت مصطفى ، ورئيس الحديثيين سلمان ، ورئيس عشيرة تكريت زيدان ، المصرحة بتوكيلي . قد حضرت الاجتماع مع الوفد الموصلي .

مولود مخلص الحسيني

الوفد الموصلي

المؤلف من رئيس المدرسة الإسلامية عبد الله أفندي النعمة، ومولود باشا مخلص، وسعيد جلبي ثابت، والحاج أيوب جلبي عبد الواحد، وعبد الله أفندي آل رئيس العلماء ، وثابت أفندي عبد النور ، وعجيل الياور ، وذلك بحسب البرقية الواردة من الموصل المعربة عن ذلك .

(الموقعون على المضبطة)

رئيس قبيلة شمّر : شيخ عجيل الياور، رئيس عشيرة ألبو نيسان : السيد مهدي السيد علي، رئيس قبيلة ألبو عباس : سيد محمد السيد خلف ، رئيس عشائر الكركية : محمد آغا ، رئيس عشيرة زبيد : حاج خلف الخطاب، رئيس فرقة المنابتة : حسين الفياض ، رئيس ألبو حسان من بني تميم : مطلق العباس، رئيس العتاتبة

من بني تميم: حاتم الهذال رئيس المدرسة الإسلامية : عبد الله آل النعمة ، مولود مخلص الحسيني ، محمد سعيد الحاج ثابت ، أيوب العبد الواحد، عبد الله آل رئيس العلماء ، من رؤساء عشيرة المحاويل : مهدي المحمد من رؤساء عشيرة المحاويل : حاج محمد جواد، رئيس عشيرة الكروية خلف الجاسم، رئيس عشيرة الكروية : محمد حسين بك ، رئيس الكروية : سلمان الخليفة الصوفي : رئيس الكروية صالح المليليب الداغري .

329

مضبطة أهالي تكريت وأهالي الموصل

تم استقبال وفد الموصل وتكريت من قبل اللجنة المكلفة بالاستقبال وبترحيب عالٍ من أهالي كربلاء، ونزلوا في دار الشيخ عمر العلوان(1).


1) عمر العلوان: هو عمر بن علوان بن فليح بن جدوع الوزني، شيخ عشيرة الوزون في كربلاء، والوزون بطن من قبيلة خفاجة كان المرحوم عمر العلوان وأخوه الشيخ عثمان العلوان من رجال كربلاء وشيوخها وأعيانها، ولهم مواقف وطنية يشهد لها الجميع. شارك عمر العلوان في الأحداث التي وقعت في كربلاء، فكان من أبطال المدينة في واقعة حمزة بيك ضد الأتراك سنة 1916م ، وكان من قادة ثورة العشرين في كربلاء وتم نفيه إلى جزيرة هنجام بعد استسلام المدينة، وكان من المتصدين للاحتلال الإنكليزي، وأنتخب بالتزكية عن كربلاء عضواً في المجلس التأسيسي العراقي عام 1924م، وكان من المعارضين للمعاهدة الإنكليزية العراقية سنة 1925م، توفي سنة 1931م وأعقب كل من سعد ( النائب والوزير فيما بعد)، وخطاب، وكامل، وفاضل.

مضبطة رؤساء عشائر زبيد

ووصلت مضبطة من رؤساء عشائر زبيد إلى الامام الشيخ مهدي الخالصي تشير إلى انتخابهم الحاج خلف الخطاب لتمثيلهم في مؤتمر كربلاء دون غيره من رؤساء زبيد، وهذا نصها وأسماء الموقعين عليها وصورتها :

330

مضبطة رؤساء عشائر زبيد

حضرة الوطني الكبير والعلامة الفاضل الشهير والتقي العامل الحازم، والحسام الحاسم حجة الإسلام جناب مولانا الشيخ مهدي الخالصي دام فضله.

آمین

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين

نحن الماهرين أدناه رؤساء واختيارية عشائر زبيد، نعرض لحضرتكم أصالة عن أنفسنا ونيابة عن أفراد عشائرنا ، بأننا قد جعلنا الرجل الأصدق رئيس زبيد الحاجي خلف الخطاب مندوبا من قبلنا وممثلاً لنا في المؤتمر الذي سينعقد في كربلاء المشرفة يوم الخامس عشر من الشهر الحالي ليشترك مع حضرات سادتنا العظام وعلمائنا الأفاضل الكرام، واخواننا الوطنيين الصادقين في أعمالهم الصالحة لتشييد البلاد وتعزيز دولة جلالة مليكنا المعظم فيصل الأول الذي نفديه بالأموال والأرواح، ونسأل المولى تعالى نحو خدمة حكومتنا ووطننا أن يجعلنا من أهل النجاح .

وعلى هذا أن الواجب يدعونا في أن نرفض تمثيل عجيل العلي رفضاً باتاً لأنّنا في أفعاله لسنا بآمنين، وفي أقواله غير مطمئنين وقد حررنا هذه الوثيقة ثلاثة نسخاً وقدمناها لأجل الاعتماد، والله رؤوف بالعباد .

10 شعبان سنة 1340

الداعي : أحد رؤساء زبيد : فيصل المطلك الفحل

الداعي : أحد رؤساء زبيد : طلال المطلك الفحل

الداعي : أحد رؤساء زبيد : عاصي المطلك الداود

الداعي : شيخ عشيرة ألبو ويس : إبريسم الراشد

الداعي : شيخ عشيرة ألبو جميل : مطر الخلف

الداعي : شيخ عشيرة ألبو ويس : حسين العيدان

الداعي : اختيار عشيرة الشرامطة : فرحان الحبيب

الداعي : شيخ بني عجيل في مقاطعة جويحية : على الزنبور

الداعي : شيخ بني عجيل في مقاطعة الرحمانية : عبد العزيز الضاء

الداعي : اختيار بني عجيل في مقاطعة الرحمانية : علي المرهج

الداعي : شيخ عشيرة ألبو عامر : كاظم السلمان

الداعي : شيخ عشيرة ألبو نعيم : حسين الميدان

الداعي : شيخ عشيرة ألبو صالح: حرامي الحمزة

الداعي : شيخ عشيرة ألبو خضر : حاجي حنطة

الداعي : شيخ العجرش : عبد علي الفارس

الداعي : شيخ عشيرة الجحيشات : محمود المجباس

الداعي : أحد شيوخ زبيد : حسين المبارك

الداعي : اختيار بني عجيل : دفار الضاحي

الداعي : اختيار عشيرة الميلاح : جويد الجسام

الداعي : شيخ عشيرة ادليم الصباح : عزيز العلكم

الداعي : شيخ عشيرة الدليم الغبيشات : عكل الفضالة

وفي اليوم الثاني عشر من شعبان 1340ه- (10 نیسان 1922م) وصلت وفود لواء ديالى، ولواء الدليم (الرمادي) ، ولواء العمارة والكوت ، ولواء المنتفك (الناصرية) وسوق الشيوخ ، والمحمودية من لواء بغداد، والشطرة والغراف ، وعفك والدغارة ، وآخرون متفرقون من رؤساء وأعيان مختلف المدن العراقية ، وتم استقبالهم بترحاب كبير في مدينة كربلاء ، وتكلفت اللجنة الخاصة بتخصيص أماكن إيواء هذه الوفود . وقدمت وفود هذه المدن لدى وصولهم لكربلاء لحضور المؤتمر مضابط إلى الامام الخالصي لتوثيق حضورهم وتلبيتهم الدعوة ومشاركتهم العراقيين للتصدي لهجمات الإخوان. وفيما يلي المضابط المقدمة وصورها :

1 - مضبطة سادات وزعماء وأشراف قبائل ومن لواء ديالى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نحن الموقعين أدناه سادات وزعماء ورؤساء قبائل العراق ، أصالة عن أنفسنا وتمثيلاً عن أفراد قبائلنا تلبية لدعوة حجج الإسلام الذين تجب علينا طاعتهم وهي فرض ديانتنا اللازمة في أعناقنا في كل وقت وحين، قد حضرنا في كربلاء المشرفة في اليوم الثاني عشر من شهر شعبان سنة 1340 وبإرشاد رؤساء الدين العلماء ، بناء على ما أوقعه الخوارج الإخوان بإخواننا المسلمين من الأفعال الوحشية من القتل والسلب والنهب ، فقد تعاهدنا وتعاقدنا واتفقت كلمتنا بحيث لا يخالف بعضنا بعضا فيما تقتضيه مصلحة بلادنا و حفظ مشاهدنا المقدسة وقبور الأولياء فقررنا مدافعة الخوارج الاخوان ومقاتلتهم بمعاضدة جيش مليكنا النظامي بكل ما في وسعنا واستطاعتنا واتخاذ التدابير اللازمة بناء على تعلقنا بعرش جلالة مليكنا المعظم فيصل الأول دامت شوكته فأمر كيفية دفاع الخوارج الإخوان ومقاتلتهم وعدد المدافعين من القبائل وسلاحهم وإعاشتهم ومكانهم وزمانهم وتنظيمهم فهو عائد لإرادة صاحب الجلالة مليكنا وتدبيره الصائب غير أنا نطلب استرداد الأموال المنهوبة وتأدية ديّات قتلانا التي سفكت دمائها ظلمًا وعدوانا. وقد نظمنا بذلك نسختين قدمنا واحدة لعرضها لأعتاب صاحب الجلالة ، والثانية تبقى تحت إشراف العلماء الأعلام والله المستعان .

دیالی

رئيس العزة : حبيب الخيزران .

رئيس شمر : سعيد العدوان .

رئيس العنبكية : حاج عبد الحميد .

رئيس بني تميم : حميد الحسن السليمان.

رئيس العنبكية : حسن العبدال .

رئيس بني تميم عكركوف : حسن السهيل .

رئيس العنبكية : عبد آل العليان .

رئيس عشيرة المكادمة : جاسم .

رئيس عشيرة بني سعد : الحاج درويش عبد الكريم .

رئيس عشيرة دليم : أحمد السلمان .

رئيس عشيرة مجمع : محمد الخميس .

رئيس عشيرة ألبو عامر : مهدي الحسن .

رئيس عشيرة ألبو عامر : كاظم الحاج فياض

رئيس عشيرة بني ويس: علي المالح .

رئيس عشيرة بني ويس: برغش النغماش .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

334

مضبطة لواء ديالى

مضبطة لواء المنتفك وسوق الشيوخ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نحن الموقعين أدناه سادات وزعماء ورؤساء قبائل العراق أصالة عن أنفسنا وتمثيلاً عن أفراد قبائلنا تلبية لدعوة حجج الإسلام دامت بركاتهم الذين تجب علينا إطاعتهم وهي فرض ديانتنا اللازمة في أعناقنا في كل وقت وحين، قد حضرنا في كربلاء المشرفة في اليوم الثاني عشر من شهر شعبان سنة1340 وبإرشاد رؤساء الدين العلماء بناء على ما أوقعه الخوارج الإخوان بإخواننا المسلمين من الأفعال الوحشية من القتل والسلب والنهب، فقد تعاهدنا وتعاقدنا واتفقت كلمتنا بحيث لا يخالف بعضنا بعضاً فيما تقتضيه مصلحة بلادنا و حفظ مشاهدنا المقدسة وقبور الأولياء فقررنا مدافعة الخوارج الأخوان ومقاتلتهم بمعاضدة جيش مليكنا النظامي بكل ما في وسعنا واستطاعتنا واتخاذ التدابير اللازمة بناء على تعلقنا بعرش جلالة مليكنا المعظم فيصل الأول دامت شوكته فأمر كيفية دفاع الخوارج الإخوان ومقاتلتهم وعدد المدافعين من القبائل وسلاحهم وإعاشتهم ومكانهم وزمانهم وتنظيمهم أمر عائد لإرادة صاحب الجلالة مليكنا وتدبيره الصائب غير أننا نطلب استرداد الأموال المنهوبة وتأدية ديّات قتلانا التي سفكت دمائها ظلماً وعدواناً وقد نظمنا بذلك نسختين قدمنا واحدة لعرضها لأعتاب صاحب الجلالة والثانية تبقى تحت إشراف العلماء الأعلام والله المستعان .

الفرات الأدنى

رئيس قبائل الحصونة : السيد عبد الحسين آل السيد عزيز .

رئيس الحسينات فرحان آل طاهر .

رئيس آل إبراهيم : صالح الداغر .

رئيس الإزيرج : كاطع البطي .

رئیس آل ازیریج: الحاج رويضي البشاع .

رئيس آل غزي: منشد آل حبيب .

رئيس آل حسن آل إبراهيم: جايد آل طاهر .

رئيس ألبو سوف : حسن ألبو حميدي.

عبد المهدي السيد حسن .

رئيس العساكرة : الحاج مري .

رئيس العساكرة : رديني ال مرهش

رئيس عشائر بني حجيم : نايف آل عاجل آل محسن .

رئيس عشائر العساكرة : دوخي آل مسعد آل رحمة .

رئيس البعاج : سيد حسين البعاج .

رئیس آل حسن : حمودة آل مزيعل .

رئيس حجام: قاصد آل ناهي .

رئيس ألبو خليفة : مقطوف آل حاج حسن .

من رؤساء شدود حاج حسن .

من رؤساء شدود: حاج حمد .

من رؤساء حجام : حاج ناصر احجيل .

رئيس حجام : فرهود آل عودة .

رئيس بني خيكان: دخيل آل بشارة .

من رؤساء الميرة رئيس ألبو شعيرة : صبار آل وزير .

من رؤساء الميرة، رئيس ألبو شعيرة : ثجيل آل عجيرب.

من رؤساء آل حسن ، رئيس عشيرة الغربافي : حاج شهد آل عيسى .

رئيس عشيرة الفحيلي : عاتي آل حربية .

رئيس آل جناح قطامي آل جناح .

عشائر بني خاقان :العمومي فرهود ال مغشغش .

رئيس عشائر المنتفك : ثامر بك السعدون .

من رؤساء خفاجة الريادات : كاظم آل فهد .

رئيس سوق الشيوخ : عبد الواحد آل دبوس .

رئيس المطيرات : نجي آل عودة .

رئيس المجرة : حاج فيصل آل شدود .

من رؤساء آل حجام: سلمان آل شحيل .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

337

مضبطة لواء المنتفك وسوق الشيوخ

3-مضبطة لواء العمارة والكوت :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وبه ثقتي

نحن الموقعين أدناه سادات وزعماء ورؤساء قبائل العراق أصالة أنفسنا عن وتمثيلاً عن أفراد قبائلنا تلبية لدعوة حجج الإسلام الذين تجب علينا طاعتهم وهي فرض ديننا اللازم في أعناقنا في كل وقت وحين، قد حضرنا في كربلاء المشرفة في اليوم الثاني عشر من شهر شعبان سنة 1340 وبإرشاد رؤساء الدين العلماء بناء على ما أوقعه الخوارج الإخوان بإخواننا المسلمين من الأفعال الوحشية من القتل والسلب والنهب ، فقد تعاهدنا وتعاقدنا واتفقت كلمتنا بحيث لا يخالف بعضنا بعضا فيما تقتضيه مصلحة بلادنا وحفظ مشاهدنا المقدسة وقبور الأولياء فقررنا مدافعة الخوارج الإخوان ومقاتلتهم بمعاضدة جيش مليكنا النظامي بكل ما في وسعنا واستطاعتنا واتخاذ التدابير اللازمة بناء على تعلقنا بعرش جلالة مليكنا المعظم فيصل الأول دامت شوكته فأمر كيفية دفاع الخوارج الإخوان ومقاتلتهم وعدد المدافعين من القبائل وسلاحهم وإعاشتهم ومكانهم وزمانهم وتنظيمهم فهو أمر عائد لإرادة صاحب الجلالة مليكنا وتدبيره الصائب غير أنا نطلب استرداد الأموال المنهوبة وتأدية ديات قتلانا التي سفكت دمائها ظلمًا وعدوانا وقد نظمنا بذلك نسختين قدمنا واحدة لعرضها لأعتاب صاحب الجلالة والثانية تبقى تحت إشراف العلماء الأعلام والله المستعان .

12 شعبان المعظم سنة 1340

دجلة - لواء العمارة والكوت

رئيس عشيرة ألبو دراج : محمد الحطاب .

رئيس عشائر السواعد : علي الشياع .

رئيس عشائر ألبو محمد: حاتم الصيهود

رئيس عشائر السواعد : مولى محمد .

رئيس الزيريج : سلمان المنشد

رئيس الزيرج : شوّاي الفهد .

رئيس بني لام: قمندان الفهد

رئيس عشائر ألبو محمد : مجيد الخليفة .

رئيس عشائر ألبو محمد : محمد العريبي .

رئيس عشائر ألبو محمد: فالح الصيهود.

رئيس بني لام : شيخ شبيب المزبان (وكالة والعوض عن جدي).

رئيس عشيرة شمر طوقة : جلوب الطرفة .

رئيس عشيرة شمر طوقة : فهد البطيخ .

رئيس عشائر السواعد : علي بن خلف .

رئيس عشائر السودان : صيهود العجيل .

339

مضبطة لواء العمارة والكوت

4 - مضبطة عشائر لواء الدليم (الرمادي):

اختیار: ملا على الإبراهيمي .

كذا: ثامر الحسن .

كذا : عبد الله الضيف .

كذا : سعود .

اختيار: نجرس الكعود .

كذا :فهد الهلال .

كذا: تركي الفارس – الجزيرة .

اختیار: فاضل المرعى العبيد

كذا: نومان العبيد .

كذا : مطلق الحمزة ألبو علي الجاسم .

من عشائر الدليم: حبيب الشلال رئيس فرقة المحامدة

من عشائر الدليم : رئيس فرقة ألبو ذياب مع ألبو فراج : شوكة بن مطلق المخلف / عدد 6000 .

من عشائر الدليم : رئيس ألبو ذياب : مشحن ابن حردان .

اختيار : عبد الله الرفيع .

كذا : عبد الله الحمد .

اختيار: عيفان اللطيف .

كذا : دحمان الروضان .

اختيار : علي السعد . كذا : سعيد العلي .

كذا :فارس الحمد.

كذا : شهاب الحمد الدرج .

كذا : غيري .

من عشائر الدليم : أبو ريشة مخلف السليمان عدد 3000 .

من عشائر الدليم : رئيس فرقة ألبو جحيش وألبو مرعي : ذياب الخربيط عدد 3000 .

من عشائر الدليم : رئيس ألبو :فهد : مخلف العبد المحسن عدد 3000 .

اختيار : عزبة حسين .

اختیار: دلف العلي السليمان .

كذا : فريح الظاهر .

كذا : عباس العبد الفرحان .

اختيار : علي العباس

كذا : عباس المشوح .

كذا : علي الخنفر .

من عشائر الدليم : رئيس ألبو محل وألبو سودة: عفتان الفرحان الشرجي

من عشائر الدليم: رئيس ألبو عبس : عفتان الهراط البني .

من عشائر الدليم: رئيس جميلة : عباس الجسام .

من الرؤساء المذكورين حماد الروضان وذياب الخربيط وقد تكلّفوا وجاهدوا لجمع كلمة جميع رفقائهم الذين قاطنين في الفرات الأعلى، على أن يراجع حضرتكم في شيئين : مصلحة المسلمين إلى دعامتها اتفاق الكلمة في المصلحة العامة النافعة للوطن المحبوب توسلاً في إيجاد الرابطة التي نشتغل بها الآن فالمرقومين لحضرتكم يد العاملة قوية تكبح جماح المفسدين والمستعمرين وهم شديد الرغبة على الاتصال والانضمام المنتمين والمنتسبين إلى حجة الإسلام حضرة جناب شيخ مهدي الخالصي أعزه الله ، حرصاً على مصلحة المسلمين العامة ولا يحتاجون سوى إرشاداتكم

وتعاليمكم في مقاومة من يخالف إرادتكم وإرادة الشعب العربي ، فمن الواجب إجابة طلب هؤلاء والتفاهم معهم ويد الله مع الجماعة(1).

342

مضبطة عشائر لواء الدليم


1) مضبطة لواء الدليم لم تكن موجودة بحوزتنا، وقد نقلنا نصها وصورتها من كتاب (وثائق الثورة العراقية الكبرى - ومقدماتها ونتائجها، 1914 - 1923م) إعداد وتحقيق الأستاذ کامل سلمان الجبوري ، ج 5 ص 134 - 136 .

5 - مضبطة منطقة عشائر المحمودية – لواء بغداد :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نحن الموقعين أدناه سادات وزعماء ورؤساء قبائل العراق ، أصالة عن أنفسنا وتمثيلاً عن أفراد قبائلنا تلبية لدعوة حجج الإسلام الذين تجب علينا إطاعتهم وهي فرض ديانتنا اللازمة في أعناقنا في كل وقت وحين قد حضرنا في كربلاء المشرفة في اليوم الثاني عشر من شهر شعبان سنة 1340 وبإرشاد رؤساء الدين العلماء، بناء على ما أوقعه الخوارج الإخوان بإخواننا المسلمين من الأفعال الوحشية من القتل والسلب والنهب فقد تعاهدنا وتعاقدنا واتفقت كلمتنا بحيث لا يخالف بعضنا بعضاً فيما تقتضيه مصلحة بلادنا وحفظ مشاهدنا المقدسة وقبور الأولياء فقررنا مدافعة الخوارج الاخوان ومقاتلتهم بمعاضدة جيش مليكنا النظامي بكل ما في وسعنا واستطاعتنا واتخاذ التدابير اللازمة بناء على تعلقنا بعرش جلالة مليكنا المعظم فيصل الأول دامت شوكته فأمر كيفية دفاع الخوارج الإخوان ومقاتلتهم وعدد المدافعين من القبائل وسلاحهم وإعاشتهم ومكانهم وزمانهم وتنظيمهم فهو عائد لإرادة صاحب الجلالة مليكنا وتدبيره الصائب غير أنا نطلب استرداد الأموال المنهوبة وتأدية ديّات قتلانا التي سفكت دمائها ظلمًا وعدوانا. وقد نظمنا بذلك نسختين قدمنا واحدة لعرضها لأعتاب صاحب الجلالة والثانية تبقى تحت إشراف العلماء الأعلام والله المستعان .

أعالي الفرات

رئيس ألبو محيي : علوان الشلال .

رئيس القطان : نده الداود .

رئيس ألبو عامر : عباس الحاج فياض .

رئيس الفداغة : سعود العزيز .

رئيس الصباغنة : عبد الله العودة .

رئيس ألبو محمد: مهاوش الجاسم .

رئيس ألبو شيخان : كاظم الشلش .

رئيس عشيرة الجنابيين : ...

رئيس فرقة المصالحة: الإضيب الدهش .

من رؤساء ألبو محيي : راشد المخيلف .

رئيس عشيرة ألبو عامر : الشيخ ثامر .

رئيس عشيرة ألبو عيادة: حسن بن محمد .

رئيس عشيرة المسعود الجزيرة : عبد الله العزيز الواجد .

رئيس عشيرة الحساويين : راكان .

رئيس عشيرة الحساويين : عباس بن برغش .

رئيس عشيرة الغرير : عبود العهبول .

344

مضبطة زعماء وأشراف ورؤساء عشائر المحمودية

6- مضبطة عشائر ومدن الشطرة والغراف :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نحن الموقعين أدناه سادات وزعماء ورؤساء قبائل العراق ، أصالة عن أنفسنا وتمثيلاً عن أفراد قبائلنا تلبية لدعوة حجج الإسلام دامت بركاتهم الذين تجب علينا إطاعتهم وهي فرض ديانتنا اللازمة في أعناقنا في كل وقت وحين قد حضرنا في كربلاء المشرفة في اليوم الثاني عشر من شهر شعبان سنة 1340 وبإرشاد رؤساء الدين العلماء بناء على ما أوقعه الخوارج الإخوان بإخواننا المسلمين من الأفعال الوحشية من القتل والسلب والنهب فقد تعاهدنا وتعاقدنا واتفقت كلمتنا بحيث لا يخالف بعضنا بعضا فيما تقتضيه مصلحة بلادنا و حفظ مشاهدنا المقدسة وقبور الأولياء فقررنا مدافعة الخوارج الاخوان ومقاتلتهم بمعاضدة جيش مليكنا النظامي بكل ما في وسعنا واستطاعتنا واتخاذ التدابير اللازمة بناء على تعلقنا بعرش جلالة مليكنا المعظم فيصل الأول دامت شوكته فأمر كيفية دفاع الخوارج الإخوان ومقاتلتهم وعدد المدافعين من القبائل وسلاحهم وإعاشتهم ومكانهم وزمانهم وتنظيمهم أمر عائد لإرادة صاحب الجلالة مليكنا وتدبيره الصائب غير أننا نطلب استرداد الأموال المنهوبة وتأدية ديّات قتلانا التي سفكت دمائها ظلماً وعدواناً . وقد نظمنا بذلك نسختين قدمنا واحدة لعرضها لأعتاب صاحب الجلالة والثانية تبقى تحت إشراف العلماء الأعلام والله المستعان .

نهر الغراف

من سادات الغراف : السيد عبد المهدي السيد حسن .

رئيس آل خنفر من قبيلة بني ركاب : محمد الحاج شلال .

رئیس آل يوسف من قبيلة بني ركاب : إبراهيم آل يوسف .

رئيس ألبو غوينم من قبيلة بني ركاب : هلامة آل حمادي .

رئيس عشائر بني زيد : سليمان الشريف

رئيس عشائر العظيميين من قبيلة بني زيد سرحان آل شراد .

رئيس عشائر آل جبارة من قبيلة بني زيد: منصور آل عويش .

رئیس عشائر آل سهلان: حطاب آل زنید .

رئيس خفاجة : صكبان آل علي .

رئيس عشيرة آل جبارة : محمد الملا حسين .

رئیس آل سعيد خفاجة : عباس آل طعمة .

رئيس عموم بني زيد الدجة : شمخي آل حويجم .

رئيس عشائر آل جهل من قبيلة العبودة : سويلم آل هواش .

رئيس عشيرة الزيادات : كاظم آل فهد .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

346

مضبطة الشطرة والغراف

7- مضبطة عشائر عفك والدغارة:

وبه ثقتي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نحن الموقعين أدناه سادات وزعماء ورؤساء قبائل العراق ، أصالة عن أنفسنا وتمثيلاً عن أفراد قبائلنا تلبية لدعوة حجج الإسلام دامت بركاتهم الذين تجب علينا إطاعتهم وهي فرض ديانتنا اللازمة في أعناقنا في كل وقت وحين قد حضرنا في كربلاء المشرفة في اليوم الثاني عشر من شهر شعبان سنة 1340 وبإرشاد رؤساء الدين العلماء بناء على ما أوقعه الخوارج الإخوان بإخواننا المسلمين من الأفعال الوحشية من القتل والسلب والنهب فقد تعاهدنا وتعاقدنا واتفقت كلمتنا بحيث لا يخالف بعضنا بعضاً فيما تقتضيه مصلحة بلادنا و حفظ مشاهدنا المقدسة وقبور الأولياء فقررنا مدافعة الخوارج الاخوان ومقاتلتهم بمعاضدة جيش مليكنا النظامي بكل ما في وسعنا واستطاعتنا واتخاذ التدابير اللازمة بناء على تعلقنا بعرش جلالة مليكنا المعظم فيصل الأول دامت شوكته فأمر كيفية دفاع الخوارج الإخوان ومقاتلتهم وعدد المدافعين من القبائل وسلاحهم وإعاشتهم ومكانهم وزمانهم وتنظيمهم أمر عائد لإرادة صاحب الجلالة مليكنا وتدبيره الصائب غير أننا نطلب استرداد الأموال المنهوبة وتأدية ديّات قتلانا التي سفكت دمائها ظلما وعدوانا . وقد نظمنا بذلك نسختين قدمنا واحدة لعرضها لأعتاب صاحب الجلالة والثانية تبقى تحت إشراف العلماء الأعلام والله المستعان .

348

مضبطة عشائر عفك والدغارة

رئیس آل شيبة : رسن الشبيب .

رئيس عشيرة عفج : الحاج صلال الفاضل .

رئيس جليحة : كرمول آل معيضد .

رئيس البحاحثة : عبد الكريم آل حاج فليفل .

رئيس البحاحثة : مجداب آل شنان .

رئیس آل حمزة: غاوي آل حمد .

رئیس آل محمد عيسى آل محمد من آل غانم .

رئيس المخاضرة : عبد الحسن آل ظاهر أبو دهيم.

رئيس آل نجم من البحاحثة : حيدور آل ردام .

رئيس آل خنفر من آل حمزة بلعوط آل محسن .

من رؤساء المخاضرة : علي آل خلف.

هذه المضابط السبع تم تحريرها في يوم واحد في أحد الاجتماعات التمهيدية للمؤتمر، وكانت صيغتها واحدة وتدل على أن هناك توجيه بأن تكتب بالصيغة المذكورة كما نراها ، فهي متشابهة في المضمون عدا الموقعين عليها كل حسب منطقته .

والموقعون على المضابط المذكورة هم ليسوا كل الذين حضروا في كربلاء للمشاركة في المؤتمر ، بل كان هناك رؤساء عشائر معروفين تواجدوا في أيام المؤتمر أمثال:

عداي الجريان : رئيس ألبو سلطان .

رشيد العنيزان : رئيس عشيرة اليسار) المتواجدة في الفرات الأوسط، وليس عشيرة اليسار في كربلاء) .

عمران الزنبور : رئيس بني عجيل .

شمران الجلوب : رئيس آل فتلة (أطراف الهندية – طويريج) .

مراد الخليل : رئيس الجبور .

و آخرين غير هؤلاء من رؤساء العشائر العراقية والأعيان ومن الوطنيين الذين يهمهم أمر البلد .

الصراع بين كوكس والملك فيصل بشأن المؤتمر

كان الملك فيصل يرغب بصدق حضور المؤتمر بنفسه ، ولكن المندوب السامي البريطاني لم يقرُّ رغبة الملك ، وأخبره من الأفضل عدم المشاركة ، مما دعا بالبلاط الملكي أن يأمر الحكومة بتمثيله فإنتدبت وزارة الكيلاني وزير الداخلية توفيق الخالدي بالسفر إلى كربلاء ومراقبة أعمال المؤتمرين، وكان الخالدي يوافي الحكومة والمندوب السامي بما يحدث يوميًا عن طريق إرساله البرقيات يومياً .

كان الملك فيصل يؤيد انعقاد المؤتمر بشدة، وكان المدوب السامي (كوكس) يرتاب من المؤتمر ويخشى عواقبه ، وهذه الريبة والخشية أتت من اعتقاد كوكس بأن المؤتمر دسيسة من (البلاشفة) الشيوعيين حكام الاتحاد السوفيتي حينها، ومن الأتراك الذين يرأسهم (مصطفى كمال أتاتورك) ، وبنى كوكس تصوراته بأن هؤلاء

يريدون إثارة العراقيين ضد الإنكليز . وتحجج كوكس بذلك وهو يعلم جيداً أن الأمر والواقع غير ذلك ، ولكنه كان يمتلك أسباباً ليقف هذا الموقف ضد المؤتمر توضحت من رسائله التي سنذكر مقتطفات منها إلى الملك وإلى الحكومة البريطانية في لندن .

فقبل انعقاد مؤتمر كربلاء بخمسة أيام وتحديدا في 4 نيسان 1922م كتب كوكس إلى سكرتير الملك فيصل رسالة سرية مطولة جاء فيها :

« إن السلطات العسكرية لديها معلومات محددة مفادها أن البلاشفة والكماليين ينسقون الخطط لخلق المصاعب للحكومة العراقية وللسياسة البريطانية في العراق.. وقد تسلمت قبل أيام قليلة من الوزير المفوض البريطاني في طهران نسخة نداء موجّه من النجف في 15 ربيع الأول (تشرين الثاني ) 1921 المفوض الروسي، وهو يتضمن تهجماً على السياسة البريطانية في العراق وعلى الملك فيصل ... إن الخطط التركية البلشفية كما يعلم جلالة الملك لا تزال مستمرة وهي تجري في نفس الوقت الذي ظهرت فيه الحركة المنبعثة من النجف بسبب غارة الاخوان على العشائر العراقية التي إستغلت التذمر العام الناتج عن تلك الغارة ... وقد وصلتني أخبار من مصدر أعتقد أنه حسن الاطلاع مفادها أن الدفاع ضد هجمات الاخوان ليس سوى حجة ظاهرية وأنه ليس السبب الحقيقي للاجتماع الذي سيحضره الشيوخ والعلماء في كربلاء ، والمظنون أن هذه الحركة هي في الواقع نتيجة ما دار في الأوساط المطلعة عن وجود تعثر في مفاوظات المعاهدة ضد الانتداب ، وأن النية ترغيب الملك لحضور الاجتماع في كربلا لكي يجبروه على طلب الاستقلال التام فوراً من الحكومة البريطانية . وفي حالة عدم إجابة الطلب فإنّ المتطرفين في بغداد يؤيدهم شيوخ الفرات الذين شاركوا في ثورة العشرين سوف يقومون بتجمع وطني لإرغام الحكومة البريطانية على ما يريدون . ومنْ أَجل الوصول إلى أهدافهم فإنّهم سيحاولون في البداية الحصول على الأسلحة من السلطات البريطانية بحجة الدفاع ضد الاخوان ... (إلى أن يقول) .. إن المعلومات التي تضمنتها هذه الرسالة بالإضافة

إلى الاتجاه العام للاستخبارات العسكرية ربما أعطت جلالة الملك وحكومته مادة للتأمل الجدي النشيط ، وخاصة بالنظر لما ذكرته الجرائد من أن ضغطا سلط على جلالة الملك لدفعه إلى حضور المؤتمر الذي سيعقد في كربلاء تحت رعاية الشيخ مهدي الخالصي.. ثُمَّ يقول كوكس : أن مقصد هذه الرسالة ومحتوياتها من الضروري أن تعامل بسرية ، ولكني مع ذلك لا أمانع من إيصالها بصورة مكتومة إلى الوزارة وإلى صاحب الفخامة رئيس الوزراء ».

من هذه الرسالة يتبيّن بشكل واضح أن كوكس تلاعب في إعطاء صورة مغايرة لما كان عليه الرأي العام العراقي، وذلك يتبيّن من :

1 - إدعاءه بتسلمه نسخة نداء من موجه من النجف تاريخه قبل هجمات الاخوان بأربعة أشهر هر وهي بمثابة خطط تركية بلشفية ، وربط هذا النداء

بهجمات الاخوان مباشرة فهل هو يعلم الغيب ؟

2 - يعتقد كوكس من مصادره الخاصة أن المؤتمر ظاهره ضد هجمات الاخوان وحقيقته هو تعثر المفاوضات حول معاهدة الانتداب ليضغطوا على الملك بالمطالبة بالاستقلال التام عن بريطانيا .

3- إن الذين سيحضرون المؤتمر من شيوخ العشائر هم شيوخ الفرات الذين شاركوا في ثورة العشرين ، سيقومون بتجمعهم الوطني لإرغام بريطانيا على ما يريدون، وحتى يصلوا إلى أهدافهم يحاولون الحصول على الأسلحة من الإنكليز بحجة الدفاع ضد الاخوان !!

4 - مضمون الرسالة تبليغ الملك بعدم رغبة كوكس مشاركة الملك فيصل في المؤتمر وهي بمثابة الضغط عليه ، وفي حالة حضوره المؤتمر سيتغيّر وضعه لدى الإنكليز .

5- والأغرب من هذا الداهية أنه يطلب من سكرتير الملك أن يتعامل مع رسالته هذه بسرية ، ولكنه لا يمانع من إيصالها مكتومة (سرية) إلى الوزارة وإلى

رئيس الوزراء !! ، وفي هذه الحالة وبهذا الأسلوب سيطلع الكثير عليها وسوف تصل مضامينها إلى العامة بطريق غير مباشر . هكذا هو الاستعمار

وهذا هو تعامله ومراوغته ، والذي سننقله لاحقا هو الأغرب.

في يوم 6 نيسان 1922م أي بعد يومين من رسالة كوكس إلى سكرتير الملك ، فقد أرسل كوكس برقية إلى لندن تحمل نفس مضمون رسالته إلى سكرتير الملك ولكنه أضاف إليها مواضيع توضح تذمره من سلوك الملك فيصل ، فقال في برقيته ما نصّه :

« إن كل المعلومات التي في حوزتي وحوزة المقر العام في هذا الشأن قد قدمتها إلى الملك وإلى النقيب (يقصد به رئيس الوزراء) ، غير أن الملك ظل متمسكاً برأيه في أن أهداف المؤتمر غير مضرّة وأنه قادر على السيطرة على المؤتمر . أمّا النقيب فهو مضطرب بشكل لايقل جدّية عما أنا عليه من احتمال سقوط الملك في أيدي المتطرفين والشيعة . وقد بذلنا أنا وكورنواليس(1)جهدنا لإقناع الملك بأن حضور المؤتمر سيكون خطأ كبيراً منه ، فوعد بأنه سيراقب التطورات في الأيام القليلة القادمة قبل أن يتخذ قراره النهائي . لأنّ خوفاً حقيقياً من التطورات يوجد لدى المعتدلين .


1) كيناهان کورنواليس هو سياسي وسفير دبلوماسي بريطاني شغل منصب مستشار لوزارة الداخلية العراقية منذ تكوين أول وزارة عراقية بعد تتويج الملك فيصل الأول على عرش العراق سنة 1921م وإستمر في عمله حتى عام 1935م. ولد كورنواليس سنة 1883 وتوفي سنة .1959م. كان والده شاعر وكاتب مخضرم. أصبح سفير بريطانيا في العراق خلال الحرب العراقية البريطانية. عندما تولى مهام عمله سفيراً أرسل عدداً كبيراً من البرقيات والمذكرات والتقارير إلى وزارة الخارجية البريطانية، التي تعد اليوم من أهم المصادر الموثقة لتلك الحقبة كان أحد رجال الاستخبارات البريطانية، أرسلته حكومته إلى الشرق الأوسط من أجل تدوين تقرير عن أوضاعها التاريخية والحضارية، واستطاع أن يدوّن عنها معلومات قيمة في عام 1916م، حيث رفعها إلى المكتب العربي التابع للمخابرات البريطانية في القاهرة. وكان كورنواليس مديرا للمكتب العربي البريطاني في القاهرة، وهو بمثابة مكتب الاستخبارات المختص بالشؤون العربية. ومن آثاره: المعجم الجغرافي للجزيرة العربية.

ويعزو الكثيرون الحركة كلها إلى الملك نفسه باعتبار أنه ينتهز الذعر من الاخوان « وهو الذعر الذي يجري استغلاله إلى أقصى حد » للحصول أولاً على دعم شعبي له في موقفه ضد الانتداب ، وثانياً لإرغام وزرائه على الموافقة على توسيع الجيش وتوفير ما يلزم لذلك من أموال . إن الملك يعترف بقيام المجتهدين بتوجيه دعوات إلى شيوخ العراق . وهو لم يستشرني أو يستشر كورنواليس ناهيك عن النقيب قبل أن يساعد الحركة . واعتقادي أنه فعل ذلك من غير أن يدرك نذر الحركة أو احتمالاتها الكاملة »(1).

من ذلك كله يتبيّن لنا بأن السر برسي كوكس المندوب السامي البريطاني كان يعتبر بل يعتقد جازما أن المؤتمر هو (حركة) ضد الانتداب البريطاني للعراق، ويصوّر هذه الحركة التي يدعمها الملك فيصل الذي يريد توسيع الجيش العراقي وتسليحه ليقاوم به الإنكليز إذا تطلب الأمر ، ورغم أن هواجس كوكس كانت واهية وهو يعلم بأن الإنكليز هم من أتوا بالملك ونصبوه ، وهم قادرون على إعفائه متى ما يشاؤون !!

لم يترك الإنكليز موضوع انعقاد المؤتمر على حاله بدون أن يتحركوا في عدة اتجاهات محاولين إفشال المؤتمر وعدم اتخاذه قرارات حاسمة وتخفيف وطئة الضغط على سلطة الانتداب من خلال :

1 - تواجد وزير الداخلية توفيق الخالدي في كربلاء أيام انعقاد المؤتمر، وهو مقرب جداً من المندوب السامي (كوكس) وكان يزوده بالمعلومات أولاً باول ، وكذلك الحكومة العراقية باعتباره مكلف منها بالتواجد في كربلاء .

2- تواجد مع المؤتمرين ممن وجهت لهم دعوات الامام الخالصي من بعض شيوخ العشائر وهم معروفون بميلهم إلى سلطة الانتداب البريطاني


1) رسالة كوكس إلى سكرتير الملك وبرقيته إلى لندن، تم نقل نصيهما من كتاب لمحات اجتماعية للدكتور علي الوردي ج 6 / ص 152 - 154.

وكانت مواقفهم معروفة ضد أي جهد وطني، فهم يستلمون التعليمات والتوجيهات من الإنكليز بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق الوكلاء والعملاء. وسيكون لهؤلاء موقف مشين ولا يليق بعراقيتهم وعروبتهم وذلك بمجاهرتهم رفض قرارات المؤتمر وعدم توقيعهم على المضبطة التي أقرها المؤتمر .

نتيجة ضغط كوكس على الملك الذي كان يرغب بحضور المؤتمر ، فقد إعتذر عن الحضور، واكتفى بممثله الشخصي نوري السعيد بأن ينقل للمؤتمرين رغائب الملك وتصوراته . في نفس الوقت كان ممثل الملك فيصل (نوري السعيد) نشطاً من خلال اتصاله بالوطنيين أمثال عثمان العلوان الوزني وعمر العلوان الوزني والسيد قاسم الرشدي وهم من أعيان كربلاء ، والسيد كَاطع العوادي وغيرهم. وكان مدير شرطة كربلاء آنذاك هو (هاشم العلوي) الذي ساعد نوري السعيد في مسعاه .

ومن المضابط المقدمة من عشائر العراق نستشف بأن نوري السعيد ورؤساء المؤتمر كانوا قد وضعوا النقاط على الحروف التي كانت بمثابة المطالب الوطنية ومعاضدة وتأييد الملك فيصل في مساعيه .

كانت الأجواء في الأيام التي سبقت انعقاد المؤتمر وأثنائه مليئة بالحركة والنشاط ، زادها عدد الوافدين من زوار مرقد الإمام الحسين (علیه السلام) لأداء زيارة النصف من شعبان حيث أختار المؤتمرون هذا التاريخ ليستفادوا من تجمع آلاف الناس ، وقد بلغ عدد الزائرين في تلك المناسبة قرابة الربع مليون زائر ، وهو عدد كبير جدا في ذلك الوقت امتلأت بهم المدينة القديمة ، وقد إنتشرت في كربلاء قوة من الجند للمحافظة على الأمن مؤلفة من200

جندي من المشاة مع ضباطهم ، و 300 من الخيالة وكانوا بقيادة محي الدين السهروردي .

يذكر المرحوم الشيخ محمد الخالصي نجل الامام الخالصي في مذكراته الخطية ، أنه ذهب لزيارة الجنود في مقرهم بصحبة الشيخ الأديب والشاعر الوطني محمد

حسن أبو المحاسن ، وألقى عليهم كلمة أشار فيها إلى مطاليب العراق وحذّرهم من أن يخدعهم الإنكليز فيستعملوا السلاح ضد إخوانهم المسلمين. وقد ردّ أحد الضباط عليه بكلمة حماسية أشعرته بأن الجيش سيقف إلى جانب الوطنيين إذا قامت الحرب بينهم وبين الإنكليز .

مقترح الحدود المؤقتة بين نجد والعراق

في خضم التهيئة لانعقاد المؤتمر في كربلاء ، كان المندوب السامي البريطاني (كوكس) يتحرك بشكل سريع لتلافي حدوث قرارات في المؤتمر تكون معادية لسلطة الانتداب في العراق وقد بيّن مخاوفه في برقياته المرسلة إلى لندن، ويظهر أنه كان قد تباحث مع حكومته البريطانية حول ضرورة وضع الحدود بين نجد والعراق ، وقد إتفق مع حكومته على تعيين خط حدود مؤقت يفصل بين العراق ونجد لحين عقد معاهدة ترسيم الحدود النهائية. وهذا ما تبيّن من أن المندوب السامي السر برسي كوكس أرسل إلى الملك فيصل صورة من برقيته إلى ابن سعود وجواب الأخير عليها وقد ذكرناهما سابقاً، وأرفقهما بكتاب قال فيه : أنه فُوّض من قبل حكومته لأنّ يعلن اتخاذه التدابير الوقتية اللازمة في تعيين خط يفصل بين نجد والعراق بصورة مؤقتة ريثما تتم المفاوضات التي يُنتظر أن تؤدي إلى عقد تحالف بين نجد والعراق وتُعيّن فيه الحدود بين الطرفين المتجاورين تعييناً قاطعاً . وأردف قائلاً بأن مندوب عظمة سلطان نجد القادم للمفاوضة مع ممثلي العراق قد وصل البحرين .

فأجابه الملك فيصل بكتاب شكره فيه على اهتمامه بالأمر وعلى الصراحة التي توخاها في برقيته المرسلة إلى ابن سعود، كما ألحّ الملك على المندوب السامي أن لايألو جهداً في إخراج فيصل الدويش وعبد الرحمن بن معمر وكيل ابن سعود لتحصيل الضرائب وسائر من مع ابن الدويش من حدود العراق. كما أن الملك فيصل أعرب عن ارتياحه لتعيين الخط الفاصل مؤقتاً بين نجد والعراق ، وتفاءل خيراً بالمفاوضات المزمع إجراؤها لتعيين الحدود تعييناً نهائياً .

وحتى يسحب كوكس البساط من تحت المشاركين في المؤتمر الذي أيده الملك فقد أذاع في الصحف بلاغاً في اليوم الحادي عشر من شهر شعبان 1340ه- الموافق 9 نيسان 1922م أي في الوقت الذي بدأ فيه المؤتمرون بكربلاء يوالون عقد اجتماعاتهم للبحث في اتخاذ أنجع الوسائل لدفع خطر الإخوان .

والبلاغ كان عبارة عن برقية أرسلها كوكس إلى ابن سعود بشأن تحديد الخط الفاصل مؤقتاً بين نجد والعراق محاولاً إعلام الرأي العام العراقي بأنه مهتم في قضية هجوم الإخوان ، وأنه يعمل لصالح العراق !! ، وأدناه نص البلاغ (البرقية) كما نقلها المرحوم محمد مهدي البصير :

« قضت حراجة الظروف الحاضرة أن تخولني حكومة ملك بريطانيا أن أنهي إليكم وإلى الحكومة العراقية أنه لما كان من المنتظر عقد معاهدة تؤيد الحدود الفاصلة بين العراق ونجد التي سيتم تعيينها بعد مفاوضة ممثلين من الطرفين في هذا الموضوع ، وجد أنه من الضروري لحفظ السلام تعيين حدود مؤقتة دون مس بنتائج المفاوضات المزمعة وإبلاغ قبائل الطرفين بها (بالحدود) وإفهامهم واجباتهم نحوها .

إني أرى أن يكون الخط الفاصل بين الطرفين يجب أن يبدئ من (خارجة) الكائنة على البطن والواقعة على بعد 40 ميلاً من الشمال الشرقي من (الحفر) ومن هناك يتجه إلى جهة الغرب بحيث يترك الحفر إليكم و (الدوليمية) و(الوكبة) إلى العراق . ومن هناك يتجه لنحو الشمال الغربي إلى جهة (جال البطن ) حيث يترك (الرضومة) و (زابلة) لكم و (الجميمة) إلى العراق ، حينئذ يتصل الخط من هناك إلى جال البطن عند النقطة الواقعة جنوب (جبل عثمان) رأساً ، ومن هناك يتجه إلى الغرب بين (لافيه) و (لوكا) ومن هناك يخترق (الشير) الواقعة جنوب (لافيه) حيث يمر (بفيجان البويطة) و (خشام الرعن ) و (قرية الضمران) إلى (النفير) ومن هناك يتجه في خط مستقيم إلى (سكاكة) .

أما فيما يختص ب-(آبار هذال) فكما لا يخفاكم أنها كانت سابقاً تابعة إلى العمارات الذين حفروا الآبار الموجودة في(لوكا)، ولكن حيث إنه كان قد اعترف في السنوات الأخيرة بأن هذه الآبار ملك ل-(شمّر) بناء عليه قد تُركت لكم .

هذه هي الحدود الفاصلة بين عشائر الطرفين التي يطلب من الحكومتين أن تقبلاها بصورة مؤقتة . وختاماً أعرض عليكم باحترام :

أولاً : أن تستدعوا فيصل الدويش وابن معمر وابن نهير وتبقوهم عندكم في الوقت الحاضر .

ثانيًا : أن تستدعوا جميع أتباعكم ورجال عشائركم الذين يحتمل أن يكونوا موجودين في أراضي العراق إلى ما وراء الحدود من جهتكم .

ثالثاً : أن تحذروا رجالكم من تخطي هذه الحدود المؤقتة إلى أن تنتهي المفاوضات النهائية في خصوصها، وتفهموهم أن من يجرؤ على اختراق هذا الخط تقع تبعته الوخيمة عليه .

هذا وقد عرضنا على الحكومة العراقية أن تحذر مشايخ عشائرها بهذا الأمر عينه الذي وحده يتوقف دوام حفظ الأمن »(1).

عندما أرسل كوكس صورة البرقية إلى رئيس الديوان الملكي رستم حيدر معها خطاب إليه رجاه أن يعرض نص البرقية على الملك فيصل ويطلب من جلالته إصدار أمره إلى الحكومة بإبلاغ العشائر العراقية عن كيفية الحل المؤقت لمشكلة الحدود، وبتحذير العشائر من اختراق هذا الخط .

كما ذكر كوكس في خطابه إلى رستم حيدر أنه كتب من ديوان الاعتماد إلى الضابط السياسي البريطاني في (الكويت) أن يبلغ عبد الرحمن ابن معمر بحل مشكلة


1) تاريخ القضية العراقية / محمد مهدي البصير، ص199 - 200 .

الحدود على الوجه المذكور، وأن يدعوه إلى الخروج من حدود العراق حالاً، وأنه إذا بقي في هذا الجانب من الخط فسيكون معرضاً للهجوم عليه .

كما جاء في الخطاب أيضاً أنه (أي كوكس) قد كلف الوكيل السياسي في الكويت بإبلاغ حمود ابن سويط اتفاق الحكومتين العراقية والنجدية على الحدود المؤقتة الجديدة، وبإعلامه أن الحكومة البريطانية تعضد حكومة العراق بادعائها أن عشيرة الظفير تابعة لها ، وإنه سيكون عرضة للقصاص إذا لم يخضع لأوامر الحكومة العراقية .

ثُمَّ صدر بلاغ رسمي اعلن فيه أن فيصل الدويش قد إنسحب بقواته إلى (الأرطاوية) الواقعة على بعد 119 ميلاً من الجنوب الغربي للكويت(1).

وقائع المؤتمر

في 9 نيسان 1922 تم افتتاح المؤتمر باجتماع أوّلي في دار المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي زعيم ثورة العشرين التي كانت مقراً للعلامة الخالصي ، حضره آية الله الشيخ مهدي الخالصي، وآية الله السيد أبو الحسن الاصفهاني، ووزير الداخلية توفيق الخالدي وكبار المدعوّين . وتقرر فيه تنظيم مضابط يوقعها الرؤساء والوجهاء تتضمن مبادئ الشعب ومقاصده السياسية المتعلقة بقضية (الإخوان) الوهابيين .

حيث قرر فيها المجتمعون على :

1 - وجوب الدفاع عن البلاد ومقاتلة الإخوان بمعاونة الجيش الملكي النظامي .

2 - أكدوا تعلقهم ومساندتهم لعرش الملك فيصل والثقة بسياسته .

3- طلبوا استرداد المنهوبات وتعويضها ودفع الديّات عن القتلى المظلومين .

ننقل عن هذا الاجتماع التمهيدي وما تلاه مما ذكره المرحوم محمد مهدي البصير الذي كان حاضراً في الاجتماع حيث يقول :


1) المصدر السابق نفسه/ ص 200.

«بدأت الاجتماعات تنعقد من 11 شعبان الموافق 9 نیسان بدار المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي التي كانت مقراً للعلامة الخالصي وحاشيته ، فقرر في اجتماع تمهيدي حضره أقطاب المؤتمر أن تفرغ مبادئ الشعب ومقاصده الجوهرية المتعلقة بقضية الإخوان بشكل ميثاق قومي يقدم في الاجتماعات المتوالية إلى رؤساء القبائل ووجهاء الحواضر المنضمين إلى المؤتمر للمصادقة عليه ، لأنّه من الصعب أن يتداول عدد كبير كالذي ورد إلى كربلاء بقصد الانضمام إلى المؤتمر في مسألة مهمة كمسألة الاخوان ، مع أنه من الواجب عليه أن يتوصل بمذاكراته إلى نتيجة قطعية خلال الستة الأيام التي تبتدئ من عشرة شعبان وتنتهي بالخامس عشر منه . تلك المدة القصيرة التي رأى أكابر العلماء أن تنتهي خلالها المذاكرات بالحصول على النتيجة المطلوبة، ولم يخل رأيهم من الإصابة وقد وضع نص الميثاق الذي تم الاتفاق عليه وقدّم إلى شيوخ القبائل وسائر وفود الجهات في الاجتماعات المتوالية، فصادقوا عليه خلا بضعة أشخاص سنشير إليهم . وزاد المؤتمرون على وضع تواقيعهم في الميثاق المشار إليه بأن أبرقوا إلى بغداد محتجين على وضع الحدود الفاصلة مؤقتا بين نجد والعراق، لأنّها وضعت في قبضة حكومة نجد أراضي ومراعي لم تكن تملكها من قبل . وكانت الاجتماعات التي يعقدها هذا المؤتمر محفوفة بما لا مزيد عليه من النشاط والحماسة ... »(1).

من قول المرحوم البصير نستنتج أن المؤتمرين إطّلعوا على البلاغ الذي نشره المندوب السامي البريطاني كوكس يوم 9 نیسان حول تعيين الحدود المؤقتة ببرقيته التي رفعها إلى ابن سعود ، فيبدو أنهم لم يكونوا مع قرار المندوب السامي وإعتبروا أن أراضي ومراعي عراقية آلت إلى نجد التي لم تكن تملكها من قبل، فأبرقوا على وجه السرعة إلى بغداد محتجين على وضع الحدود الفاصلة المؤقتة .


1) تاريخ القضية العراقية / محمد مهدي البصير، ص 202.

إستمرت الاجتماعات تعقد للتباحث في جميع بنود ميثاق المؤتمر ، وكان المؤتمرون وخاصة المشرفين على المؤتمر كخلية نحل من أَجل إنجاح المؤتمر والتصدي لبعض المشاركين الذين بدت منهم مواقف غير وطنية متمثلة ببعض شيوخ العشائر الموالين للإنكليز والذين كان حضورهم من أَجل أن لا يتخذ المؤتمر قرارات تتضمن نقد سلطة الانتداب البريطاني، ويفهم من ذلك بأنهم موجهون بتعليمات من المندوب السامي البريطاني.

كما سيتوضح ذلك فيما بعد. ولكن المد الشعبي والوطني كان أقوى منهم، ويتبيّن ذلك من الوثيقة التي وقع عليها أعضاء المؤتمر ، والمضابط التي رُفعت من غالبية عشائر ومدن العراق .

كان الملك فيصل متابعاً بشكل يومي لوقائع المؤتمر من خلال ما ينقل إليه من المعلومات الدقيقة عن مجريات الأمور ، وعندما إطلع جلالته رحمه الله على مقررات المؤتمر وما جاء في المضبطة الموقعة من قبل المؤتمرين، أبرق إلى كربلاء البرقية التالية : إلى حضرات حجج الإسلام العلماء الأعلام والرؤساء الكرام ...

لقد بلغنا ما تحلّى به اجتماعكم هذا التاريخي من مظاهر الحمية الشريفة ، والوطنية الصادقة ، ومآثر الحكمة والرويّة، وما أظهرتموه من الإخلاص نحونا ، جزاكم الله عنا وعن الدين والوطن والأمة خير الجزاء. وانا نبتهل إلى الباري عزّ وجل أن يوفقنا وإياكم لما فيه حفظ كيان الوطن المحبوب، وتعزيز كلمة الأمة ، وإعلاء شأنها والله خير مجيب والسلام عليكم أجمعين .

فيصل

بغداد 15 شعبان 12/1340 نیسان 1922

الاجتماع الأخير

في يوم 15 شعبان الموافق 13 نيسان 1922 كان الاجتماع النهائي والكبير قد إنعقد في صحن الإمام الحسين(علیه السلام) ، وكان اجتماعا عاما حضره كل وفود الجهات ، وأعلنت به نتيجة اجتماعات المؤتمر .

قام في بداية الاجتماع (جعفر أبو التمن)(1)خطيباً وخطب خطبة بليغة بيّن بها عناية زعماء الدين بأمر وسلامة البلاد وأثنى على مساعيهم المشكورة ثناءً عطراً ، وتحدث في خطبته عن بعض وقائع الإخوان النجديين وتجاوزاتهم ليس على العراق فحسب بل وعلى الكثير من المناطق العربية في نجد والحجاز والشام، وركّز في خطبته على تعديهم وهجماتهم على العراق ومدنه وعشائره وخاصة هجومهم الأخير الذي بسببه إنعقد المؤتمر، وأطنب في وصف الفظائع التي إرتكبها الإخوان النجديين حول أبي غار على مقربة من السماوة وفي مناطق أخرى ، كما أوضح أبو التمن كيفية عقد هذا المؤتمر ونتيجة اجتماعاته ، كما ألقى على الحضور نص البرقية التي وصلت من الملك فيصل يشكر فيها المؤتمرين وسروره بما توصلوا إليه . وختم جعفر أبو التمن خطبته بالدعاء للملك فيصل ولعلماء الدين وبالثناء على أعضاء المؤتمر .

وتم في نهاية المؤتمر إعداد مضبطة وقعها أغلب المجتمعين في مؤتمر كربلاء من سادات وأشراف وزعماء القبائل والعشائر وأعيان مدن العراق ، وقد أعدّت بنسختين إحداهما قُدّمت إلى جلالة الملك فيصل ملك العراق، والثانية إلى العلماء الأعلام. وفيما يلي نص المضبطة وأسماء الموقعين عليها :

بسم الله و به نستعين

نحن الموقعين أدناه سادات وزعماء وأشراف مدن العراق . أصالة عن أنفسنا ونيابة عن ممثلينا لدعوة حجج الإسلام دامت بركاتهم الذين يمثلونا والرأي العام الإسلامي. حضرنا الاجتماعات المنعقدة في كربلاء والمنتهية :

في اليوم الخامس عشر من شعبان سنة الألف وثلاثماية وأربعين . وبناء على ما أوقعه الخوارج الإخوان بإخواننا المسلمين من الأفعال الوحشية من القتل والسلب


1) في الوقت الذي كان ينعقد فيه المؤتمر خرجت جريدة العراق بخبر مفاده أن جعفر أبو التمن مرشح لوزارة التجارة، وفي 15 نيسان صدرت الإرادة الملكية بإسناد وزارة التجارة له، ويقول أحد الإنكليز بأن تعيينه كان بمثابة ترضية من النقيب رئيس الوزراء للمتطرفين، حيث يعتبر الإنكليز إن ابو التمن متطرفاً في نظرهم وهو الوطني الحقيقي.

والنهب . فقد إتفقت كلمتنا بحيث لم يختلف من بيننا أحد في كل ما تقتضيه مصلحة بلادنا عامة ، وحفظ المشاهد المقدسة وقبور الأولياء خاصة . وسلامتها من جميع طوارئ العدوان. وعلى الأخص عادية الإخوان :

وقررنا معاونة القبائل بكل ما بوسعنا واستطاعتنا لمدافعة الخوارج الإخوان ومقاتلتهم العائد أمر تدبيرها لإرادة صاحب الجلالة الملك فيصل الأول الساهر على حفظ استقلال بلادنا . وبناء على تعلقنا بعرش السدة الملوكية . فإنّا نطلب من جلالته إسعاف مطلوب الأمة في أمر القتلى والمنهوبات التي أوقعها الخوارج الإخوان حسب القوانين المرعية . وقد نظمنا بذلك نسختين فقدمنا واحدة منها لأعتاب صاحب الجلالة. والثانية للعلماء الأعلام والله المستعان .

الموقعون :

السيد هادي نقيب أشراف النجف الأشرف ، كليدار الروضة الكاظمية شيخ علي ، كليدار الروضة المطهرة الحيدرية السيد علي ، علي الحسيني القزويني، هادي الجودة النجفي، ، السيد مهدي آل السيد سلمان ، حاج حسون شربة ، السيد أبو الحسن الكاظمي، كاظم السيد علي ، عبد الرزاق شمسه ، حسين الظاهر ، كاظم الحاج داود، جعفر الحاج محمد، السيد جعفر آل عطيفة ، الحاج جعفر آل أبي التمن ، عبد المحسن شلاش ، الحاج أسعد ، حاج مجيد مكية ، مصطفى إبن محمد العطار ، محمد جواد الحلي ، محمد العطار، محمد طاهر الجوهر، عبد الرسول كبة ، محمد رؤوف جرجفجي، عبد الحسين الجلبي، السيد عبد الوهاب وهاب زادة ، السيد أحمد وفي آل الرشدي ، عبد الحسين جرجفجي، عبد الحسين وزير ، حسن بن علوان بن سعودي، هاشم بن سيد عطية ، حاج حسن بن الحاج حبيب، أحمد جرجفجي ، حاج عبد الهادي الحاج جواد ، الشيخ مطلق، جعفر الأعسم ، عبد الرسول الحاج حسون تويج، السيد موسى، محمد مطر ، عبد الكريم الحاج عبد الرضا، علي الحاج حمادي الحسن ، الشيخ محمد حسن أبو المحاسن ، السيد كاظم

الرفيعي، تومان عودة، سيد حميد أبو العيس الكاظمي، عبد الهادي الفلوجي، محمد الحاج معروف ، سيد أحمد بن كاظم علي بن عبد الحسين، جاسم الظاهر ، السيد محسن السيد عباس ، عبد الرزاق حمزة ، حاجي عبودي ، حمودي شهيب المولى ، جوادي بن مهدي ، سيد يحيى الحبوبي ، حسين الطرف ، سید محمد زوين ، محمد حسن فلوجي، السيد محمود السيد شاكر ، السيد شاكر السيد محمد الحلي ، حمود بن صالح عبيدة ، محمد بن عبد الفتاح، مجيد بن حسن كظماوي، مهدي بن محمد علي، كاظم بن عيسى الحمود، حسين الحلي ، حماد ، حاج محمد العبد الحسين، السيد عبد الكاظمي ، حاج رشاد الكاظمي، محمد باقر السيد محمد مهدي زوين ، محمد حسن فلوجي، أحمد بن حسن الحاج عليوي العامري، عبد الباقي بن عبد الله ، عبد الجليل ناجي ، على الخرسان، سيد علي، محمد، السيد عبد الرسول عطيفة ، عمر الحاج علوان الوزني، سيد هادي، حسن جبر ، وهاب الحاج مرزا عفجاوي ، حاج مهدي الفلوجي ، محمد الحاج مهدي ، شعلان الحاجم شيخ الطهامزة ، شيخ حسين العبود رئيس ألبو حسب الله ، علي الصالح رئيس بلدية الكوفة ، عثمان العلوان الوزني رئيس بلدية كربلاء ، عبد المهدي القنبر، محمد علي بن سلمان ، السيد عيسى ، محمد الحاج حسن الشهيب رئيس السلالمة(1)، شيخ علوان الجار الله رئيس عشيرة بني سعد، شيخ حسن بن محمد حمزة رئيس ناحية أهالي بلد، السيد ناجي السيد علي عفجاوي، السيد علي السيد عبد الله محنة عفجاوي، سلمان الشراد عفجاوي، السيد مهدي الرفيعي .


1) ورد في المضبطة فوق إسم محمد الحاج حسن الشهيب بأنه رئيس السلالمة، والمقصود رئيس محلة باب السلالمة في كبربلاء حيث يقع ديوانه، فالحاج محمد الشهيب من آل معلة من المياح من ربيعة، وليس من عشيرة السلاميين الذين سُمّيت المنطقة (المحلة) بإسمهم من القِدَم.

364

صورة المضبطة

كانت نتيجة أيام المؤتمر هي الوثيقة التي ذكرناها قبل قليل، وقام وزير الداخلية توفيق الخالدي بإرسال برقية إلى الديوان الملكي يخبر بما تم في اجتماع كربلاء ، وكان لهذه البرقية وقعاً حسناً في نفس الملك فيصل ، فقد بعث رئيس الديوان رستم حيدر إلى الوزير يعلمه بسرور الملك بالنتيجة الحسنة التي توصل إليها المؤتمرون ، وأن الملك يثني على مساعي الجميع وشجاعتهم الفائقة وسداد رأيهم لإعلاء شأن البلاد .

كان مبعوث الملك الخاص (نوري السعيد) لم يبخل على الملك بأي معلومة فقد كانت تصل للملك دقائق الأمور وما كان يحصل أثناء أيام المؤتمر، ولا يخفى بأن نوري السعيد وباعتماده على بعض أعيان كربلاء قد أثروا بشكل واضح على مجريات الأمور في أيام كانت مليئة بالمفاجئات التي تسر الصديق وتغيض العدو .

بعد إنتهاء الجلسة الأخيرة والتوقيع على وثيقة المؤتمر فقد إنفرط عقد المؤتمر قبل ظهر يوم 15 شعبان (13) نيسان) ، وأخذ المشاركون في المؤتمر يعودون من حيث أتوا مودعين بحفاوة من أهالي كربلاء وعلى رأسهم أعضاء اللجان التي شكلت لغرض المؤتمر .

المندوب السامي (كوكس) يكتب إلى لندن بعد إنتهاء المؤتمر

بعد إنتهاء المؤتمر بأيام قليلة وتحديدًا في 19 نيسان، أرسل السر برسي كوكس برقية إلى لندن هذا نصّها :

« إن الاجتماع في كربلاء قد انفض والزوار غادروا البلدة، وقد أخبرتكم قبل هذا بالنتائج السياسية للمؤتمر، ولكن من الواضح أن المؤتمر تضمن بالإضافة إلى اجتماعاته الشكلية شيئاً كثيراً من النقاش الحاد وعندي معلومات وافية عن هذا النقاش بالنسبة إلى طبيعة الحزبين اللذين حصل بينهما النقاش . ان المتطرفين والعلماء قد شعروا بالخيبة والحنق لفشلهم في إنتاج الهياج الذي أرادوه من جراء

ما أبداه الشيوخ من تعقل(1)وما فرضته السلطة من قيود رسمية(2). ومن الناحية الأخرى كان هناك تجمع يمثل الشيوخ الذين كرهوا أن يجرهم العلماء إلى السياسة مرة أخرى . يضاف إلى ذلك أن هناك كثيراً من الشيوخ كانوا أقوياء بدرجة استطاعوا بها أن يعربوا عن رأيهم بقوة في هذا الموضوع ويمتنعوا عن المشاركة فيه. إن جزءاً كبيراً من( الهواء الساخن) يصل إلينا الآن من كلا الحزبين وسوف لا يزول إلا بعد مضي بعض الوقت . وتدعي جرائد المتطرفين أن المؤتمر قد دعم موقف الملك كثيراً في مفاوضاته مع الإنكليز حول المعاهدة على أساس رفض الانتداب والحماية والحصول على الاستقلال التام. وفي الحقيقة أن هذا هو ما كان يأمله المتطرفون . ولكنهم لم يحصلوا عليه . ومن الناحية الأخرى هناك علامات تدل على أن من نتائج مؤتمر كربلاء هبوط سمعة الملك وأعوانه في نظر أولئك الذين يريدون إبقاء الانتداب.. »(3).

من برقية كوكس إلى مرجعه في لندن نستشف بأن الإنكليز من خلال عملائهم من بعض الشيوخ الذين حضروا المؤتمر تمكنوا من إحداث شرخ في تعاضد المؤتمرين ، ولذلك كان كوكس يؤكد بأن في المؤتمر تيار سماهم بالمتطرفين ومعهم علماء الدين وهؤلاء يتكونون من شيوخ العشائر المؤيدين لاتخاذ قرارات حاسمة في المؤتمر ومعهم الذوات من الوطنيين المناهضين للإنكليز ، وتيار معاضد للانتداب البريطاني ويسير وفق توجيهات الإنكليز وعملائهم وسماهم بالمعتدلين والمتعقلين. وبالرغم من كل ذلك كانت كفّة المؤيدين للمؤتمر هي الراجحة رغم أن قرارات المؤتمر لم تكن كلها حاسمة كما كان المخطط لها .


1) يقصد بهم الشيوخ الموالين للانتداب البريطاني.

2) القيود الرسمية يفصح بها كوكس هي الإجراءات التي اتخذتها الحكومة العراقية والحكومة المحلية في كربلاء، وكانت قد أخذت طابع إبراز القوة والتشدد للسيطرة على كل الاحتمالات.

3) من الوثائق العامة في لندن نقلها الدكتور علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية ج 1/6 ص 154 – 155.

المنشقون والمعارضون لمقررات المؤتمر

كان المؤتمر أثناء أيّام انعقاده لم يخلُ من الانشقاق والاختلاف، حيث إمتنع بعض رؤساء العشائر التوقيع على المضابط وعلى وثيقة المؤتمر، وعلى رأسهم: عداي الجريان رئيس ألبو سلطان ، ورشيد العنيزان رئيس اليسار في الحلة وعمران الزنبور رئيس بني عجيل ، وشمران الجلوب رئيس آل فتلة في الهندية ، ومراد الخليل رئيس الجبور .

إجتمع هؤلاء في (الحلة) بعد إنتهاء المؤتمر الذي إنعقد في كربلاء، وأعلنوا أنهم يحتجون على قرارات المؤتمر وعلى السياسة التي ينتهجها الملك فيصل كما أنهم يصرحون بإستيائهم من الإدارة الوطنية التي يقودها الملك، وتوجه هؤلاء إلى بغداد وقرروا تقديم مضبطة مضادة لمضابط المؤتمر تتضمن على:

1 - الاحتجاج على سياسة الملك فيصل في إدارة الدولة .

2- الاحتجاج من تدخل علماء الدين في أمور السياسة .

3- يعلنون تمسكهم بالانتداب البريطاني على العراق .

وإتصل قسم من هؤلاء بالشيخ علي السليمان رئيس عشائر الدليم(1)، فقال لهم أنه سوف يذهب إلى بغداد لمقابلة كوكس والحصول على رأيه في هذا الموضوع وطلب منهم ملاقاته في بغداد عندما يصلها .

ومن المؤسف أيضاً أن السيد جعفر أبو طبيخ وصل إلى الحلة ومعه رؤساء من الخزاعل ليوقعوا على المضبطة المعارضة لمؤتمر كربلاء ... وقالوا بأن عشائر الشامية بإستثناء الشيخ عبد الواحد الحاج سكر والسيد نور الياسري والسيد علوان الياسري ، يقفون موقف المعارض لمؤتمر كربلاء ومقرراته ، ويقف معهم الشيخ سالم الخيون


1) من خلال أحداث تاريخ العراق منذ دخول الإنكليز واحتلال بغداد وثورة العشرين، نرى بأن علي السليمان وهؤلاء المنشقين من رؤساء العشائر كانوا قد ربطوا مصيرهم بالمحتل وتزلفوا له، وإبتعدوا كل البعد عن المواقف الوطنية وقد إنجروا وراء مصالحهم والحفاظ على مواقعهم.

رئيس عام قبيلة بني أسد ، وخيّون العبيد ، وبعض رؤساء المنتفك (الناصرية) ، وإجتمعوا في الحلة بالمستشار السياسي الإنكليزي وأبلغوه بأن الفرات كُلّهُ متكتل بحزم لمقاومة أي تدخل ضد الانتداب البريطاني(1)!!

في يوم 19 نيسان 1922م وصل علي السليمان إلى بغداد وقابل السر برسي كوكس المندوب السامي البريطاني ليعلمه بما يريد الشيوخ المنشقون ويسأله عن رأيه في أمر تنظيم العريضة المضادة . فنصحه كوكس بأن لا يفعلوا ذلك حيث قال أن أية مضبطة تصدر منهم بعد التشاور معه سيعتبرها الناس دسيسة بريطانية ، وعندها تكون بلا فائدة، وأشار كوكس برأيه إلى علي السليمان أن من الأفضل لهؤلاء أن يذهبوا لمقابلة الملك ويشرحون له بأن المؤتمرين في كربلاء هم متطرفون وسوف يقودون البلاد والملك إلى أخطار ومساوئ جمّة .. !

في يوم 23 نيسان 1922 ذهب الشيخ علي السليمان لمقابلة الملك فيصل ومعه الشيوخ المنشقين عن المؤتمر وإصطحبوا معهم آخرين تمكنوا من التأثير عليهم ، وتحدثوا مع الملك بما أوصاهم به کوکس ، فذكروا له بعبارات واضحة أنهم لم يقسموا بالولاء له إلّا بشرط أن يصغي للنصائح البريطانية.

بعد مقابلتهم للملك فيصل ذهبوا لمقابلة رئيس الوزراء (عبد الرحمن النقيب الكيلاني ) الذي شجعهم على إعداد مضبطة مضادة ، فكتبوها وملأوها بأمور تصب في صالح الإنكليز، وإنتقدوا المؤتمر والقائمين عليه .

مضبطة رؤساء العشائر المعارضين لقرارات المؤتمر

«كنا قد دعينا إلى الاجتماع في كربلاء المشرفة الذي كان ميعاده من يوم 11 إلى 14 شعبان 1340 فلبينا الدعوة . وبعد أن اجتمعنا بحجة الإسلام الشيخ مهدي الخالصي وأطلعنا على الورقة التي يراد توقيعها ، فوجدنا أن تلك المطاليب المدرجة فيها لا فائدة منها للحكومة والبلاد والمحنا من وراء الستار أن


1) مجلة المثقف العربي - حزيران 1974 مقال للأستاذ صالح جواد كاظم.

نوايا الذين وقعوا تلك الورقة هي نوايا مضرة بمصالح الحكومة العراقية وجالبة للويلات والمصائب على هذه البلاد كما جربنا ذلك من قبل(1). ومن حيث إننا في باديء الأمر كنا بايعنا سيدنا المفدى جلالة الملك فيصل الأول بصورة معروفة وشرائط معلومة مما لا يتزلزل أبدياً ، لذلك رفضنا الاشتراك بتوقيع تلك الورقة حفظاً لهذه البلاد وشرف الحكومة العراقية من القلاقل والمشاغب التي تؤول إلى الخراب والدمار. ولقد اجتمعنا نحن الموقعين أدناه رؤساء قبائل العراق وبحثنا فيما يسعد هذا الوطن ويدعم أركان حكومته، ويجلب الخير والرفاه والاطمئنان لأهل البلاد والبادية من سكانه ، فرأينا ذلك منحصراً في المواد الآتية :

1 - من حيث إن حكومتنا العراقية هي الآن في الدور الابتدائي ومحتاجة إلى من يمد إليها يد المساعدة ماديّاً وأدبيّاً ، فإلى أن تبلغ درجة الكمال والاستغناء عن الغير يجب أن يطلب من حكومة بريطانيا المنتدبة من قِبَل عصبة الأمم على العراق كل المساعدات المطلوبة ، والتي يتوقف عليها توطيد أركان حكومة العراق ، كحفظ الأمن وإعمار البلاد، ويجب أن يعتمد عليها كصديق مخلص للبلاد وأهل البلاد.

2 - من حيث إن أغلب رجال هيئة الحكومة الحاضرة ليسوا من العرب الخلّص الذين تشكل منهم أكثرية العراق الساحقة ، وليس لهم تجربة ولا علم في شؤون البلاد وأحوال العباد ، بل هم لفيف من عناصر مختلفة لا يمكن أن تثق العشائر بهم أو تضع اعتمادها عليهم وتخولهم في هذه البلاد مراكز اجتماعية خاصة بين العشائر .

3- إذا تم تشكيل هيئة الحكومة العراقية من الذين مرّ وصفهم في المادة الثانية ، يجب تشكيل مؤتمر عراقي يبت شكل الحكومة ونوع الإدارة في هذه البلاد.


1) يقصدون ما حدث في ثورة العشرين التي لم يكونوا قد شاركوا بها، وقد وقفوا ضدها مؤيدين للاحتلال البريطاني.

بناء عليه نسترحم الإسراع في تطبيق هذه المواد الثلاثة لتهدأ الأفكار وتطمئن القلوب والله الموفق للإصلاح »(1).

يذكر الحسني في تاريخ الوزارات العراقية ما نصه : « ومن الأهمية بمكان أن نذكر هنا أن لفيفاً من رؤساء القبائل الموالين للإنكليز، والذين كانوا يعملون بوحي من المندوب السامي، ويقبضون المشاهرات جهاراً ، اجتمعوا في الحلة عقب انفضاض مؤتمر كربلاء ونظموا مضبطة مضادة لمضبطة مدينة كربلاء ، يعلنون فيها تمسكهم بالانتداب البريطاني على العراق ، ووجوب مماشاة الملك فيصل وحكومته لسلطات الانتداب ، وكلفوا الشيخ علي السليمان شيخ الدليم أن يحمل مضبطتهم إلى المندوب السامي السر برسي كوكس، فلما قابل هذا الشيخ المندوب البريطاني ، استقبح الحركة ونصح علياً أن يكتفي وصحبه بمقابلة الملك فيصل وإعلان سخطهم واستهجانهم لما جرى في كربلا دون تقديم العريضة ، وهكذا كان»(2). عرض رؤساء العشائر المعارضون مضبطتهم على كوكس فنصحهم بعدم تقديمها على أساس أن موقفهم معروف وقد حقق الغرض المطلوب ، وكان كوكس يخشى أن تقديم هذه المضبطة ونشرها يؤدي إلى إعداد مضابط مضادة لمضبطة هؤلاء من خصومهم .

رفض أفراد العشائر لشيوخهم وترشيح بدلاء عنهم

وما كان يخشاه كوكس قد حدث فعلاً ، فبمجرد أن علم أفراد بعض العشائر التابعين للشيوخ المعارضين بالمضبطة التي قدمها شيوخهم ومعارضتهم لقرارات


1) الوثيقة نقلت من كتاب لمحات اجتماعية ج 1/6 ص 150 - 151 للدكتور علي الوردي الذي يقول في هامش الصفحة 151 أنه عثر على هذه الوثيقة من بين وثائق البلاط الملكي وهي مكتوبة على ورقة مفردة خالية من التاريخ والتواقيع، ومن الواضح أنها ليست المضبطة الأصلية بل هي نسخة عنها كتبت لتحفظ في وثائق البلاط في حينه.

2) تاريخ الوزارات العراقية/ عبد الرزاق الحسني، ط6 ص 92 .

المؤتمر إعتبروهم عملاء للإنكليز ، فبدأوا ينظمون مضابط يعلنون فيها أنهم لا يعترفون برؤساء عشائرهم هؤلاء ، ويريدون اختيار رؤساء غيرهم . يذكر المرحوم الشيخ محمد مهدي البصير في تاريخ القضية العراقية حول هذا الموضوع النص التالي :

«... ولكن رؤساء القبائل المعارضون وفي مقدمتهم الشيخ عداي الجريان يمموا بغداد وقدموا إلى المندوب السامي عريضة قالوا فيها بأنهم يحتجون على السياسة التي قد انتهجها جلالة الملك بسيرة محتجباً خلف المندوب السامي ، وأنهم يصرحون باستيائهم من الإدارة الوطنية الحالية. ولكن لم يصل خبر عريضتهم هذه إلى قبائلهم حتى نظمت كل واحدة منها عريضة قالت فيها بأنها لا تعترف أبداً برئيسها الرسمي الحالي ، وانها تختار فلاناً بدلاً منه ، وتطلب إلى الحكومة أن تعترف بهذا الشيخ الذي قد أحرز ثقة القبيلة . وقدمت كل قبيلة صورتين من عريضتها إلى الشيخ مهدي الخالصي ليقدم إحداها إلى للحكومة ويحتفظ هو بالأخرى، ولم تصغ الحكومة لمطالب تلك القبائل طبعاً »(1).

موقف المندوب السامي (كوكس) من الملك فيصل بعد المؤتمر

ذكرنا بأن العلاقات بين المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس والملك فيصل الأول لم تكن على ما يرام بعد هجمة الإخوان النجديين الأخيرة ، كما أن كوكس لم يكن يؤيد انعقاد المؤتمر في كربلاء على عكس رغبة الملك فيصل، ويبدو أن الملك لم يرغب باستمرار خلافه مع المندوب السامي، وربما أنه فكّر بأن هذا الخلاف سيجلب له عواقب سيئة ، فأخذ يظهر شيئًا من التراجع تجاه كوكس ، وذلك يظهر من خلال البرقيات التي أرسلها كوكس إلى لندن يعلمهم بموقف الملك الأخير . فقد أبرق كوكس إلى لندن برقية في 25 نيسان 1922م قال فيها :


1) تاريخ القضية العراقية / محمد مهدي البصير، ص203.

« أن فيصل قد تأثر كما أعتقد باتجاه الرأي العام الذي ظهر منذ مؤتمر كربلاء وبموقف عدد من الشيوخ الذين تجمعوا هنا، فاستدعاني اليوم بصورة مستعجلة لبحث الوضع العام، وكان كورنواليس حاضراً، وتحدث بإسهاب كبير قائلاً أنه يشعر بأن علاقته معنا في الشهر الماضي كانت تتخللها الشكوك ، وبأن الوضع الناجم مقلق وليس مرضيًا ، وأنه يشعر بأن من الضروري تصفية الجو وأكد تعلقه ببريطانيا الذي لا ينفصم . وإنه يدرك أنه ارتكب بعض الأخطاء غير أنه لم يفعل ما فعل ألا وهو معتقد بأنه يسعى لإنجاح السياسة التي جاء من أجلها إلى العراق بدعوة منا . وقال أن عليه أن يتذكر دائما بأننا أعربنا عن عجزنا عن مساعدته بالأموال والقوات خارج نطاق برنامج التخفيض ، وأن عليه أن يعتمد على جهوده الخاصة قدر الإمكان » .

وفي 29 نيسان أرسل كوكس إلى لندن برقية أخرى ذكر فيها إلى مرجعه ما نصّه :« لاشك ان الأحداث الأخيرة كان لها تأثير ممتاز في المعتدلين وفي تأديب فيصل معاً . فقد جاء الملك اليوم لرؤيتي راجياً أن لا يحصل لدى حكومة صاحب الجلالة البريطانية انطباع بأنه يعمل ضدها أو يعارض سياستها في أي حال من الأحوال ، وإذا وجد أنه قد أخذ على عاتقه مهمة ليس في مقدوره إنجاحها فإنّه سيعتزل الحياة في بريطانيا ، غير أنه لن يخسر صداقتنا.. إنه أخذ يدرك الآن قوة العناصر المعتدلة ... وأن هذا تقدم كبير ، وأعتقد أنه جدير بأن أبلّغك به بلا تأخير »(1).

نتائج مؤتمر كربلاء

رغم أن البعض قد إعتبر مؤتمر كربلاء فاشلاً لأنّه لم يحقق ما كان يريده المؤتمرون بالغاية التي عُقد من أجله بوجه عام ، ولكن الحقيقة تؤكد عكس ذلك ، فمن خلال انعقاده تحققت خطوات غاية في الأهمية منها : أن هذا التجمع الكبير كان واجهة دعائية وطنية لمدى التلاحم والتكاتف بين مختلف أبناء البلد الواحد،


1) البرقيتان ذُكرت في كتاب لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث للدكتور علي الوردي في ج 1/6 ص 155 - 156 ، نقلاً عن دائرة الوثائق العامة في لندن.

وكان المؤتمر رسالة إلى المحتل البريطاني بأن الشعب يميل إلى الحفاظ على وحدة وسلامة أرض العراق واستعداد أبنائه للوقوف بحزم أمام التحديات التي تواجه أمن واستقرار بلدهم ، كما أن للمؤتمر تأثير على إكمال دست الحكومة بالإسراع في تعيين الوزراء الجدد بدلاً عن المستقيلين بسبب إرهاصات الهجمة الإخوانية النجدية على عشائر الجنوب . وكذلك أسفر المؤتمر عن كشف العملاء والمتخاذلين والمتعاونين مع المحتل الإنكليزي. كما أن المؤتمر وانعقاده بالتلاحم الشعبي الذي ظهر فيه ، جعل سلطة الانتداب البريطاني تضغط على ابن سعود وتجبر فيصل الدويش ومن معه من الإخوان بمغادرة الأراضي العراقية .

مع ذلك كلّه كان مؤتمر كربلاء السبب الرئيسي في تعجيل ترسيم الحدود بين العراق ونجد بشكل نهائي ودائمي وليس على الأساس المؤقت، وترسيم الحدود هو الكفيل بمنع الهجمات على المدن والعشائر العراقية كما سنوضح ذلك في الحديث عن مؤتمر (المحمرة) وعن الاتفاق في (العقير).

من خلال ما تقدم يمكن لنا أن نذكر ما تمخض عن هذا المؤتمر الهام من نتائج كانت في غاية الأهمية نوجزها بما يلي :

1- أوضح المؤتمر بعد إنتهاء انعقاده بأن هناك خلاف حاد بين الملك والسير برسي كوكس ، وهذا الأخير يعتبر المؤتمر دعوة مدعومة من البلاشفة (الروس) والأتراك، لجرّ العشائر للهياج ضد السياسة البريطانية، كذلك جر الملك من قبل العلماء ورجال الدين وشيوخ العشائر الذين سبقوا أن شاركوا في ثورة العشرين إلى اتخاذ موقف ضاغط على الإنكليز، وهذا ما أوضحه كوكس في رسائله إلى لندن .

2- تصور البعض أن مؤتمر كربلاء مؤتمراً فاشلاً لأنّه لم يحقق ما كان يصبوا إليه ، ويرجع ذلك إلى الضغط الإنكليزي . ولكن ثبت العكس بعد ذلك.

3- رغم كل ذلك فإنّ المؤتمر جعل كوكس يبذل جهداً لتسوية النزاع بين العراق وإبن سعود لصالح العراق . حيث يمكن للمتتبع التعرف على تفاصيل (معاهدة المحمّرة) وما بعدها التي تمت في مؤتمر عقد في بداية شهر أيار 1922 ، وفيه كان مقترح ترسيم الحدود بين الدولتين السعودية والعراق وتبعية العشائر رغم استياء إبن سعود . ومنذ ذلك الحين بدأ كوكس يضغط على إبن سعود بشكل كبير، مما نجد نتائج هذا الضغط بزوال خطر الوهابيين على العراق .

4- دلل المؤتمر من خلال مشاركة أهل السنة ورؤساء المناطق والمدن في الموصل، وبرقيات الآخرين من الشرقاط وتكريت ..والأنبار .. بأن هناك تلازماً قوياً بين أبناء الشعب سنة وشيعة، وعندما يداهم العراق خطر ما تلغى الطائفية والمذهبية والمناطقية، وتحل الأخوة ويبقى العراق شامخاً .

كان مؤتمر كربلاء ظاهرة فريدة على تلاحم الشعب العراقي ووقوفه متحداً على صد العدوان، وكانت مقرراته هي صوت الشعب ورأيه ، ورسالة إلى المحتل الإنكليزي بأن الشعب العراقي يمكن أن يتخذ موقفاً حازماً إذا ما أضطر لذلك ، وهذا المؤتمر أوضح للإنكليز أن الرأي العام العراقي يقف مع مليكه ولا بُدَّ للرضوخ إلى مطاليب الشعب، والعراقيون عرفوا نوايا الإنكليز وأن جميع ما يحدث في بلدهم بسبب تلك السياسة البريطانية ومصالحها .

كما كان للمؤتمر تأثير آخر في إكمال الوزارة التي استقال منها خمسة وزراء بسبب أحداث الإخوان والأزمة بين الملك والحكومة ، فبعد بداية المؤتمر بثلاثة أيام صدرت الإرادة الملكية في 15 نيسان 1922م بتعيين الحاج جعفر أبو التمن وزيراً للتجارة ، وهو من الناشطين في مؤتمر كربلاء، وقوبل تعيينه هذا بالاستحسان من قبل القوى الوطنية العراقية . وقبل المندوب السامي تعيينه لضمان الحصول على

تأييده للمعاهدة التي يعدّها الإنكليز، حيث كان أبو التمن في صفوف المعارضة وكانت رغبة رئيس الوزراء والمندوب السامي أن يُخرجوه من جبهة المعارضة !

وفي 24 نيسان 1922م صدرت الإرادة الملكية بتعيين عبد المحسن السعدون وزيراً للعدلية للإستفادة من علاقته الجيدة بسلطان نجد عبد العزيز بن سعود . ولم يتم تعيين وزير للصحة لأنّ وزارة الصحة تم إلغاؤها وأصبحت مديرية عامة تتبع لوزارة الداخلية .

أمّا في كربلاء فقد أثبت الكربلائيون بما قام به علماء الدين ورؤساء العشائر و سادة وأعيان المدينة من أهالي كربلاء بحسن تنظيم وضيافة وتهيئة الأجواء الملائمة لعقد جلسات المؤتمر في وقت كانت المدينة تشهد زخماً هائلاً من الزائرين بسبب الزيارة الشعبانية ، وكان كل أهل كربلاء بدون إستثناء يقفون على تهيئة كافة المستلزمات بشعور وطني لإنجاح تلك التظاهرة الكبيرة، وقد تبيّن ذلك عندما شكر عدد من الرؤساء الحاضرين في المؤتمر بكلماتهم أهالي كربلاء وحسن ضيافتهم واهتمامهم بالضيوف ، بل وبتوقيعهم على مضبطة المؤتمر والمشاركة في قراراته .

ذكر المؤرخ السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه تاريخ الوزارات العراقية تحت عنوان ( كلمة في مؤتمر كربلاء) ما نصه :

«لم يسبق للعراقيين أن ظهروا بمظهر من التضامن والوحدة أمام أية نازلة من النوازل . أو كارثة من الكوارث، بمثل ما ظهروا به في هذا المؤتمر ، الذي كان نموذجاً لإعلان رأي الشعب إزاء مسألة الدفاع الخارجي .

فقد شعر العراقيون أن بريطانية لمّا يئست من حملهم على قبول الانتداب بالوسائل الداخلية، أرادت أن تفهمهم بأنهم لا يستطيعون الاستغناء عنها في درء الأخطار الخارجية . فتوجهت فصائل من الاخوان النجديين تهاجم أطراف المنتفق ، وإذا بهذه الغارات تلهب الحماسة في نفوس هؤلاء العراقيين، وتحملهم على الوقوف على قدم وساق ، دفاعاً عن شرف بلادهم ، وذوداً عن حدود مملكتهم .

فمؤتمر كربلا ظاهره المفاوضة لرد عادية الاخوان ، وحقيقته وضع ميثاق وطني للأمة العراقية كالميثاق الوطني التركي . فلما وقف الإنكليز على جلية الأمر أسقط في أيديهم ، وأدركوا حبوط مساعيهم ، فتظاهر المندوب السامي في البرقيات التي بعث بها إلى ابن سعود، وأرسل صورها إلى بلاط الملك فيصل بأنه بذل المساعي الجمة لإرجاع المعتدين وحملهم على احترام حدود العراق. ولم يرق له قيام مفاوضات وديّة بين العاهلين : العراقي والنجدي مباشرة ، لأنّ المعروف على ألسنة الجميع أن قضية الحدود هذه كانت منبعثة عن أيد إنكليزية دساسة.. »(1).

مؤتمر المحمرة

من نتائج مؤتمر كربلاء المفيدة أنه أجبر المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس أن يبذل جهوداً لتسوية النزاع بين العراق ونجد، وقد شغل هذا الأمر الحكومة البريطانية التي كانت تبدي اهتماما زائدا في العراق مما اضطر السير بيرسي كوكس أن يطلب من سلطان نجد عبد العزيز آل سعود أن يرسل وفداً إلى بغداد لبحث موضوع الحدود، الا أن السلطان عبد العزيز رفض هذا الأمر خشية وقوع بعض التاثيرات السياسية على الوفد الذي سيرسله ، عندئذ اقترح السير بيرسي كوكس ان يعقد المؤتمر في (المحمرة) في قصر الشيخ خزعل أمير الأحواز (عربستان) المطل على شط العرب وبحضور الشيخ خزعل(2)

30 شعبان المعظم 1340 فيصل

لترسيم الحدود،

1) تاريخ الوزارات العراقية/ عبد الرزاق الحسني، ج 1 ص 91 .

2) أرسل الملك فيصل رسالة إلى الشيخ خزعل هذا نصها: « بسم الله الرحمن الرحيم ... حضرة صاحب السمو السردار الأقدس الشيخ خزعل خان أمير المحمرة المعظم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد .. فإنّ صبيح بك وزير الأشغال العمومية في حكومتنا قادم إلى المحمرة ليجتمع في نادي عظمتكم مع مندوبي عظمة السلطان عبد العزيز وهو من خيرة رجالنا الذين نثق بهم ونعتمد على صدقهم وإخلاصهم وقد شاهدنا منه ولوعا للتشرف برؤيا عظمتكم لذلك أحببنا أن نقدمه لكم ونحن واثقون بأن عظمتكم ستجدون فيه ما يؤيد حسن شهادتنا به ويستدعي الفات سموكم نحوه، واني لأرجو أن يكون خير وسيلة لتأييد روابط الإخاء والمحبة بيننا، ولا أشك في أن هذا الاجتماع الذي اؤمل أن سيكون من ورائه نفع كبير للقطرين المجاورين العراق ونجد وبقية الأقطار العربية في قصركم العامر تحت اشرافكم الخالص الود لهو أجمل فأل ينبئ بحسن الخاتمة وبمقدمات النجاح لتقوية أسس السلم وتوثيق عرى الصداقة بين كافة البلاد العربية. هذا واني قبل أن أختم كتابي أود أن أكرر لسموكم خالص شكري على تفضلكم بقبول مندوبي في قصركم العامر راجياً لعظمتكم مزيد الإقبال وتوفر أسباب الصحة والعافية .».

ومنع الغارات النجدية على الأراضي العراقية . فرحب السلطان عبد العزيز بالأمر ثقة منه بالشيخ خزعل صديقه الحميم المخلص .

وفي 4 رمضان 1340ه- (3 أيار 1922م) عقد المؤتمر بحضور صبيح نشأت وزير المواصلات والأشغال العامة ممثلا عن الملك والحكومة العراقية ، وأحمد بن ثنيان السعود سكرتير السلطان عبد العزيز آل سعود ومندوبه الشخصي، والميجر (بورديلون) سكرتير كوكس ومندوبا عنه . وشارك في المؤتمر حاكم الكويت سالم المبارك الصباح ويرافقه عبد الله الجابر الصباح ، بعد مداولات استمرت ثلاثة أيام تم التوقيع على معاهدة المحمرة في السابع من رمضان 1340ه- (5 أيار (مايس) 1922م)، ووقع عليها المشاركون في المؤتمر .

تحدد في المعاهدة الاتفاق على الكثير من الأمور التي تخص المملكتين من حدود وتسمية العشائر القاطنة في كل مملكة والأبار والتعهد بتأمين طريق الحج وكذلك المبادلات التجارية والرسوم وأن يكون التنقل بين المملكتين بوثيقة (الباسبورت) وغيرها من الأمور ، وكانت تعليمات كوكس هي اقتراح خط حدودي يكون المحور فيه مكان إستسقاء العشائر العراقية والنجدية ، ومن يخالفه يتعرض لتأديب القوات البريطانية. وتم ادراج كافة البنود في المعاهدة والتالي هو نص معاهدة المحمرة :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نظراً إلى وجوب تأمين الوداد وتأسيس حسن المناسبات بين حكومتي العراق ونجد ، نحن الواضعين الإمضاء تحت هذه المقررات المندوبين المعينين من قبل جلالة الملك

فيصل الأول ملك العراق وعظمة سلطان نجد وتوابعها عبد العزيز بن سعود وفخامة المندوب السامي لحكومة بريطانيا العظمى في العراق الميجر جنرال السر برسي كوكس جي. سي . أم . جي . جي. سي. أي . أي. سي. أس . أي معاهدة بين الحكومة العراقية والحكومة النجدية إتفقنا على المواد التالية :

[ المادة الأولى ]

أ . إن العشائر التي هي تحت اسم عشائر المنتفك والظفير والعمارات فهم راجعون إلى حكومة العراق ، وأما الحكومتان تعني بهما العراق ونجداً، تتعهدان متقابلاً أن تمنعا تعديات عشائرهما على الطرف الآخر ، ويكون الطرفان مكلفين بتأديب عشائرهما، وإذا الأحوال لا تساعدهما للتأديب فالحكومتان تتذاكران لاتخاذ تدابير مشتركة طبقاً لحسن المناسبات فيما بينهما .

ب . حسب الاعتراض الوارد من قبل حكومة نجد على الحدود التي طلبها المندوب عن حكومة العراق تقرر الأساس الآتي:

إنه نظراً إلى قرار (أ) عشائر المنتفق والظفير والعمارات يرجعون إلى العراق، وشمّر نجد إلى نجد ، والآبار التي كانت مستعملة من القديم من قبل شمر نجد هي لنجد ، ولأجل تعيين هذه الآبار والأراضي وسن الحدود على هذا الأساس ، حصل الاتفاق بتشكيل لجنة مركبة من أهل الخبرة لكل حكومة شخصان تحت رئاسة أحد رجال حكومة بريطانية المنتخب من قبل المندوب السامي ، وتجتمع اللجنة في بغداد لسن الحدود القطعية والطرفان يقبلان بدون اعتراض .

[ المادة الثانية ]

الحكومتان نعني بهما العراق ونجد تتعهدان لتأمين طريق الحج وعلى محافظة الحجاج الكرام من كل تعد ما داموا في داخل حدودهما، كما تعهدت حكومة سلطان نجد الحكومة جلالة ملك بريطانية العظمة في المادة الخامسة من معاهدتهما .

[ المادة الثالثة ]

أ . اتفقت الحكومتان على أن تكون المبادلات التجارية سالمة من جميع التعرضات ، ويعامل تجار الطرفين كالتجار الأهلين .

ب . تكون محصولات بلاد نجد الطبيعية والصناعية المستوردة إلى العراق وكذلك محصولات العراق الطبيعية والصناعية المصدرة إلى نجد تابعة لعين المعاملات التي تجري على محصولات البلاد المتحابة وذلك فيما يختص برسوم الواردات والصادرات ورسم المرور (ترانسيت) ورسم التصدير ثانيًا وباقي معاملة الكمرك .

ج . إن الدولتين لهما الحق في فرض رسوم اضافية على الكمارك وضرائب محلية وضرائب فرعية جديدة أخرى غير موجودة في الوقت الحاضر، على شرط أن تكون نسبة ما يفرض على صادرات البلاد المتحابة وكل حكومة تعطي معلومات للأخرى بالقوانين التي تسنها في هذا الخصوص.

[ المادة الرابعة ]

اتفقت الحكومتان بحرية التجول في ممالك الطرفين بقصد التجارة والزيارة بشرط أن يكونوا حاملين الوثائق (الباسبورت) من قبل حكومتهم وكل حكومة لازم تعطي معلومات إلى الأخرى بالقوانين التي تسنها في هذا الخصوص .

[ المادة الخامسة ]

كل عشيرة من عشائر أحد الطرفين إذا قطنوا في أراضي الطرف الآخر مجبورة أن تكون تابعة للرسوم المرعية .

[ المادة السادسة ]

إذا حصل لا سمح الله خصام بين إحدى الحكومتين وحكومة بريطانية العظمى تكون هذه المعاهدة منفسخة .

وقعنا بتوقيعاتنا على هذه المعاهدة في يوم الجمعة في 7 من شهر رمضان المبارك سنة 1340ه- و 5 من شهر مايس سنة 1922

وزير الأشغال والمواصلات... مندوب من قبل جلالة ملك

صبيح ...العراق الملك فيصل

سكرتير عظمته ...مندوب من قبل سلطان نجد وتوابعها

أحمد ثنيان آل السعود ...السلطان الامام عبد العزيز ابن سعود

سكرتير فخامته ....مندوب من قبل فخامة المندوب

ب . ه- . بورديللون ...لجلالة ملك بريطانيا العظمى

لكن الإسفين الأخطر الذي دق في هذه المعاهدة هي أن لجنة تجتمع في بغداد تتألف من شخصان لكل حكومة يرأسها أحد الإنكليز منتخب من المندوب السامي لرسم الحدود وعلى الطرفين قبولها بدون اعتراض !! ، وفي الحقيقة أن المندوب السامي لم يرغب ولم يرقْ له قيام مفاوضات ودية بين العاهلين العراقي والنجدي مباشرة ، لأنّ الجميع والرأي العام يعرف أن قضية الحدود كانت منبعثة عن أيد إنكليزية دساسة، ومما يؤيد ذلك هو المادة السادسة والأخيرة من معاهدة المحمرة والذي نصّها : « إذا حصل لا سمح الله . خصام بين إحدى الحكومتين وحكومة بريطانية العظمى تكون هذه المعاهدة منفسخة » !!(1).

صادق الملك فيصل ومجلس الوزراء العراقي على معاهدة المحمرة، ولم يصادق عليها ابن سعود متحججاً بأن ممثله في المؤتمر وقّع عليها بدون استشارته وأنه لا بُدَّ


1) أنَّ الخلافات السعودية والعراقية التي استمرت لعشرات السنين كانت بسبب الحدود التي رسمها الإنكليز ووضعهم ( منطقة محايدة ) التي ثبتت في معاهدة العقير فيما بعد، وكانت تستخدم دائماً في الخلافات بين العراق والسعودية إلى أن تم في ثمانينات القرن العشرين تعديل الحدود واقتسام المنطقة المحايدة بين الطرفين.

أن تعرّض إلى ضغط بريطاني ! . وعدم مصادقة ابن سعود على المعاهدة يعني أن بنودها بقيت دون تنفيذ، وهذا يعني أن مؤتمر المحمرة قد فشل . رغم أن الملك والحكومة في العراق صادقا على المعاهدة، إلّا أن الصحف الوطنية العراقية إنتقدت المعاهدة حين نشرها انتقاداً شديداً ، وعدم مصادقتها من قِبل ابن سعود فقد ظلّت مسألة الحدود بين العراق ونجد معقدة مبهمة ، لم تحل إلّا بعد عقد مؤتمر (العقير).

وسياسياً يذكر المرحوم محمد مهدي البصير محللاً الوضع السائد في ذلك الوقت بقوله : « ... حتى إن دعاة إبرام المعاهدة العراقية البريطانية عدّوا غموض مسألة الحدود العراقية النجدية من الأسباب الموجبة لإبرام المعاهدة المذكورة، وستظل سلطنة نجد الحالية حجر عثرة في طريق تقدم العراق والحجاز، لا بل يمكننا أن نقول أن سياستها الحاضرة قد أثرت وستؤثر في تكوين مستقبل أغلب الشعوب العربية الآسيوية تأثيراً سيئاً يجر الأمة العربية كثيراً من الويلات والمصائب»(1).

مؤتمر العقير

بعد فشل مؤتمر المحمرة عادت غارات الإخوان النجديين الوهابيين والهجمات العشائرية المتبادلة في البادية الغربية من العراق، وكان الإنكليز يعدّون لعقد المعاهدة بين العراق وبريطانيا ومشكلة الحدود بين العراق ونجد لا زالت مستمرة ولا بُدَّ من الانتهاء منها وكان رأي سلطة الانتداب في العراق التحرك بشكل سريع لترسيم الحدود بين العراق ونجد وكذلك حدود الكويت مع جارتيها .

فتقرر عقد مؤتمر في (العُقير )(2)يحضره سلطان نجد بنفسه والسير برسي كوكس ومندوب عن العراق ومستشارون آخرون عرب وأجانب .


1) تاريخ القضية العراقية / محمد مهدي البصير، ص6

2) العقير : بلدة وميناء يطل على الخليج تابع للاحساء، ويبعد عن مدينة (الهفوف) مسافة 65 كم، والعقير أو (العجير) كما يسميه أهل الاحساء جاء على إسم قبيلة ( عجير) التي سكنت المنطقة منذ القدم وأنشأ العثمانيون ميناء العقير كوسيلة للاتصال بالعالم الخارجي، فكان سوقاً تجارياً بين الاحساء والهند والصين وإيران والعراق واليمن وحضرموت وعُمان.

طلب السير برسي كوكس من الضابط البريطاني والوكيل السياسي في البحرين هارولد ديكسون أن يعلمه بتحرك ابن سعود إلى العقير حتى يتحرك هو إلى البحرين على متن إحدى السفن الملكية. وهيأ دكسون زورقاً من البحرين إلى العقير. ووصل كوكس إلى العقير وقد استصحب معه صبيح نشأت بك وزير المواصلات والاشغال العامة العراقي، والميجر مور الوكيل السياسي في الكويت الذي سيمثل الشيخ أحمد الجابر حاكم الكويت، والشيخ فهد الهذال شيخ عنزة في العراق وهو من العمارات، ومساعد كوكس الشخصي وهو ضابط سابق في سلاح البحرية البريطانية ، وعدد من الموظفين والكتبة العرب .

كان ابن سعود قد وصل قبل (كوكس ) ومن معه ، وكان معه صهره (سعود العرفه آل سعود)، وعبد اللطيف باشا المنديل التاجر النجدي وصديق ابن سعود الحميم ووكيله في العراق ، والمؤرخ اللبناني أمين الريحاني، وعدد من الموظفين بينهم الدكتور عبد الله سعيد الدملوجي(1)وحرسه الخاص المؤلف من قرابة ثلاثمائة رجل ، وإصطحب ابن سعود معه من الهفوف الميجر هولمز .

نُصبت خيام لجلسات المؤتمر وللمنام وقاعة طعام وخيمتان للاستقبال . وإستقبل ابن سعود السير برسي كوكس ومن معه استقبالاً ملكياً وقد تفاجأ بوجود (فهد الهذال ) بين الوفد وقد أزعج ابن سعود وجوده ليبيّن للحاضرين بأن فهد بك غير مرغوب فيه(2)، وقد أزعجه عدم اهتمام ابن سعود به فقد انسحب إلى خيمته وظل قابعاً فيها طوال فترة انعقاد المؤتمر كما يقول هارولد ديكسون .


1) الدكتور عبد الله الدملوجي الموصلي هو طبيب السلطان وكاتب سرّه في الأمور الخارجية، ورسوله وترجمانه ووكيله في ما يخص الأجانب. درس الطب في الأستانة وطاف في أوروبا.

2) فهد الهذال هو الشيخ فهد بك بن عبد المحسن بن الحميدي الهذال شيخ مشايخ قبيلة عنزة وكانت مضاربه غرب كربلاء، وهو من فرع العمارات، وكان فهد بك ونوري الشعلان رئيس فرع الرولة من عنزة يعتبران نفسيهما زعيمي قبائل عنزة ويدعيان أنهما أعلى منزلة من آل الصباح في الكويت، ومن ابن سعود نفسه وامتعاض عبد العزيز آل سعود من فهد بك لأنّ ابن سعود يعتبر نفسه سيد الجزيرة العربية فلا يرغب بتقدم أحد أفراد القبيلة مهما علا شأنه في مخيّمه أو في المؤتمر، ينظر إليه وكأنه أوضع منه نسباً. وفهد بك هو والد المرحوم الشيخ محروت الهذال.

كان الغرض الأساسي من عقد المؤتمر هو ترسيم الحدود بين العراق ونجد، وكان النقاش يجري بين ابن سعود وممثل العراق صبيح بك، وكان كوكس بمثابة الحكم بينهما، وكان مصممًا أن لا يرجع الا أن يضع صيغة للاتفاق في جيبه.

كانت وجهات نظر الطرفين متباينة ، فابن سعود كان يصر على وضع حدود عشائرية بدل أن يكون هناك خط تحكيمي يرسم على الخارطة ، على أساس تصنيف القبائل التي تعود إلى نجد وتلك التي تعود إلى العراق والكويت ، وكان يصر على أن حدوده تكون بمحاذاة نهر الفرات باعتبار أن قبيلة الظفير نجدية ! ، بينما أعلن ممثل العراق بأن العراق لن يقبل بأي تخطيط للحدود يعطيه أقل من مائتي ميل إلى الجنوب من الفرات .

إستغرب كوكس من إدعاء ابن سعود واعتبره غريباً ولا يمكن بحثه ، عند ذلك تخلى سلطان نجد عن الظفير وتبنّى خطاً أكثر تعقلاً فطلب أن قبائل نجد لها الحق في الوصول إلى الفرات لشراء حاجياتهم كل سنة .

واستمرت المحادثات خمسة أيام دون التوصل إلى نتيجة ترضي الطرفين . فيقول هارولد ديكسون في كتابه الكويت وجاراتها وكان قد حضر جميع الاجتماعات ما نصّه :« وفي اليوم السادس للمؤتمر تدخل السير بيرسي في الأمر وأبلغ الطرفين أنه إذا استمرت المفاوضات على هذا الشكل فإنّهما لن يتوصلا إلى أي اتفاق قبل سنة من الزمان . ففي اجتماع خاص ضم السير برسي وابن سعود وأنا فقط(1)، فقد السير برسي صبره واتهم ابن سعود بأنه تصرف تصرفاً صبيانياً في اقتراح فكرة الحدود العشائرية . ولم يكن السير برسي يجيد اللغة العربية فقمت أنا بالترجمة . ولقد


1) يعني ذلك أن صبيح نشأت ممثل العراق لم يكن معهم.

أدهشني أن أرى سيد نجد يوبّخ كتلميذ وقح من قِبَل المندوب السامي لحكومة صاحب الجلالة الذي أبلغ ابن سعود بلهجة قاطعة أنه سيخطط الحدود بنفسه بصرف النظر عن كل اعتبار .

هكذا انتهى هذا الفصل من المسرحية فانهار ابن سعود وأخذ يتودد ويتوسل معلناً ان السير بيرسي هو أبوه وأمه ، وأنه هو الذي صنعه ورفعه من لا شيء إلى المكانة التي يحتلها ، وانه على استعداد لأنّ يتخلى عن نصف مملكته بل كلها إذا أمر السير بيرسي بذلك .

وحسبما أذكر لم يلعب ابن سعود دوراً يذكر في المباحثات تاركاً الأمر للسير بيرسي ليقرر حل مشكلة الحدود. وفي اجتماع عام للمؤتمر أخذ السير بيرسي قلماً أحمر ورسم بعناية فائقة على خارطة للجزيرة العربية خطاً للحدود من الخليج إلى جبل عنزة بالقرب من حدود شرق الأردن . وبذلك يكون قد أعطى العراق مساحة كبيرة من الأراضي التي تدعي نجد ملكيتها . وإرضاء لابن سعود حرم الكويت بدون شفقة من ثلثي أراضيها تقريباً وأعطاها لنجد بحجة أن سلطة ابن صباح في الصحراء أصبحت أقل مما كانت عليه يوم :

وضعت الاتفاقية الإنكليزية - التركية . وإلى الجنوب والغرب من الكويت رسم منطقتين اعلن أنهما ستكونان محايدتين سميت الأولى منطقة الكويت المحايدة وسميت الأخرى منطقة العراق المحايدة ... »(1).

قبل ابن سعود بالخط الذي إقترحه كوكس ووافق عليه ممثل العراق ، وهو الخط الحدودي الحالي والفاصل بين العراق والسعودية على أن تبقى منطقة جغرافية محايدة بيت الطرفين لهم فيها حرية التنقل أطلق عليها صبيح نشأت تسمية (البقلاوة)(2)وهي غنية بالمياه والمراعي .


1) الكويت وجاراتها/ هارولد ديكسن، ج 1 ص 281 - 282

2) في ثمانينات القرن العشرين الميلادي تم الاتفاق بين جمهورية العراق والمملكة العربية السعودية على اقتسام المنطقة المحايدة وأصبح خط الحدود بينهما مستقيماً مع خط الحدود المرسوم.

كان كوكس متشدداً في الحقوق التاريخية للعراق ومتساهلاً في حدود شرق الأردن والحجاز وسوريا والكويت لصالح ابن سعود، فيقول أمين الريحاني في تاريخ نجد الحديث وملحقاته وكان أحد الحاضرين في المؤتمر مع ابن سعود في نهاية حديثه عن مؤتمر العقير :

«ناخذ من ابن سعود لنعطي العراق ، وناخذ من شرقي الأردن لنعطي ابن سعود ، وناخذ من الحجاز (العقبة) لنعطي شرق الأردن ، وممن نأخذ لنرضي الحجاز ؟»(1).

385

السير برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق

انتهى مؤتمر العقير وتم التوقيع على بنوده في 13 ربيع الثاني 1341ه- الموافق 2 كانون الأول 1922م ، وعاد كوكس إلى بغداد وهو يحمل بيده معاهدة


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص 284 .

المحمرة وقد صادق عليها ابن سعود في أيام المؤتمر وتحديدا في 29 تشرين الثاني 1922م ، وكذلك الملحقين الأول والثاني الموقعين في العقير وقد أرسلها إلى مجلس الوزراء العراقي الذي وافق عليهما بتاريخ 23 كانون الأول 1922م، ومِنْ ثمَّ صادق عليهما الملك فيصل . وتقرر إرسال نسخ من المعاهدة والملحقين إلى عصبة الأمم بناء على طلب وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل باعتبار أن العراق خاضعاً للانتداب البريطاني .

موقف سلطان نجد وحاكم الكويت بعد مؤتمر العقير

كان المؤتمر عند ترسيم الحدود قد حدد منطقتين محايدتين، الأولى بين العراق ونجد والثانية بين نجد والكويت . وكان الرابح بينهم العراق على أقل تقدير ، فابن سعود يعتبر أن ترسيم الحدود قد إقتطع أراضي يعتبرها عائدة لنجد ومنحت للعراق ، أما حاكم الكويت الشيخ أحمد الصباح فكان أكبر الخاسرين فقد تم سلخ ثلثي أراضيه وأعطيت إلى ابن سعود ولنرى موقف كل منها :

يقول هارولد ديكسون بعد التوقيع على اتفاق العقير ما نصّه في كتابه الكويت وجاراتها :« وحوالي الساعة التاسعة من ذلك المساء حدثت مقابلة مدهشة . فقد طلب ابن سعود مواجهة السير بيرسي على حدة ، وصحبني السير بيرسي معه فوجدنا ابن سعود واقفاً وحده وسط خيمة الاستقبال بادي الاضطراب، وبادر ابن سعود السير بيرسي قائلاً بصوت كئيب :

• يا صديقي لقد حرمتني من نصف مملكتي ، الأفضل أن تأخذها كلها وتدعني أذهب للمنفى . وظل ذلك الرجل القوي العظيم واقفا رائعاً في حزنه وانفجر باكياً . وتأثر السير بيرسي كثيراً وأمسك بيد ابن سعود وأخذ يبكي هو الآخر والدموع تنحدر على وجنتيه ، ولم يكن حاضراً تلك اللحظة سوی نحن الثلاثة، وأنا أقص هنا ما شاهدته بكل أمانة .

ولم تدم تلك العاصفة العاطفية طويلاً فقال السير بيرسي وهو لا يزال ممسكاً بید ابن سعود .

• ياصديقي انني أعرف حقيقة شعورك ، ولهذا السبب أعطيتك ثلثي الكويت ولست أعرف كيف سيتلقى ابن صباح هذه الصدمة»(1).

أمّا بالنسبة للاتفاقية بين نجد والكويت فقد ثبّت السير بيرسي كوكس حدود الكويت مع العراق ونجد بالإضافة إلى بعض المقترحات هنا وهناك قدمها هارولد ديكسون والدكتور عبد الله الدملوجي نيابة عن ابن سعود ، والميجر مور ممثل حاكم الكويت، وأرخت الاتفاقية في 2 كانون الأول 1922م ووقعها الدكتور عبد الله الدملوجي نيابة عن ابن سعود ، كما وقعها الميجر مور عن شيخ الكويت ، ثُمَّ وضع ابن سعود ختمه الرسمي عليها دليلاً على قبوله ومصادقته عليها .

يقول ديكسون : « وكان الدافع إلى مثل هذه الاتفاقية الغريبة التي سلمت دولة صغيرة ضعيفة بكل بساطة إلى دولة قويه ، المصلحة والرغبة في إرضاء حاكم قوي مشاكس كابن سعود . وبذلك تكون الحدود الجنوبية المعترف بها للكويت قد اقتطع منها مائة وخمسون ميلاً مما جعل مساحة الكويت تتقلص إلى ستة آلاف ميل مربع فقط . ومما يذكر أن الميجر مور المفروض فيه أن يدافع عن مصالح شيخ الكويت لم ينطق بكلمة واحدة طيلة المحادثات.. »(2).

وصل السير برسي كوكس إلى الكويت من العقير ليبلغ شيخ الكويت أحمد الجابر المبارك الصباح بما جرى في العقير شارحاً له اضطراره إعطاء ابن سعود ثلثي أراضي الكويت، فتأثر شيخ الكويت بشكل كبير لأنّ ذلك تم دون استشارته ، فأجابه كوكس بأن السيف أقوى من القلم ، وأنه لو لم يسلم تلك الأراضي لابن سعود لكان بكل تأكيد أخذها وربما أخذ أكبر منها بقوة السلاح ، حينها قال


1) الكويت وجاراتها/ هارولد ديكسون، ج 1 ص 282 - 283 .

2) المصدر نفسه/ ص283 - 284

شيخ الكويت لكوكس :« إذا توفي ابن سعود في يوم من الأيام وأصبحت أنا قوياً كجدي مبارك ، فهل تمانع الحكومة البريطانية إذا رفضت خط الحدود غير العادل واستعدت أراضيّ التي فقدتها ؟ ، وضحك السير بيرسي وقال: لا.. وليبارك الله جهودك » . ولما وجد الشيخ أحمد نفسه أمام الأمر الواقع وافق على الاتفاقية ووقع عليها ، ولكنه ظل إلى يوم وفاته سنة 1950م معتقداً بأنه عومل معاملة سيئة وبقي شاعراً بالغبن على حد قول هارولد ديكسون .

ربط ابن سعود ما حدث معه في مؤتمر العقير بمسألتين للإنكليز علاقة وثيقة بهما ، وقد كتم في صدره ما حدث على عادته، والمسألتان هما : خلافه مع الشريف حسين ملك الحجاز وانعكاس هذا الخلاف على إبنيه عبد الله أمير شرق الأردن وفيصل ملك العراق اللذان نصباهما الإنكليز في مواقعهما.

والمسألة الثانية : موضوع العشائر التي يدعي ابن سعود أنها نجدية طالباً إعادتها إلى سلطة نجد وأهمها ( عنزة) و (الظفير) ، واللتان كانتا سبب اصطحاب فهد الهذال من قبل كوكس إلى المؤتمر .

فمجيء فهد الهذال مع وفد العراق باعتباره خبير بالحدود بين العراق ونجد ، والحقيقة أن السياسة الإنكليزية كانت ترجح إعطاءه بعض الاستقلال في ناحيته أو تؤسس مشيخة مستقلة من العمارات بين العراق ونجد. وعلى ذلك يقول أمين الريحاني : لم يكن لفهد دخل في المشاكل التي سيعقد مؤتمر العُقير من أجلها ، بيد أن للإنكليز قصداً باصطحابه كما ظن السلطان (يقصد به ابن سعود) وقد جاءوا يحققون هذا القصد على حساب ابن سعود ، وقد يكون لفهد الهذال كذلك قصدٌ جاء يحققه على حساب الإنكليز(1).

ولذلك كان ابن سعود وهو يتجه إلى (العُقير ) وقد علم بقدوم فهد الهذال مع وفد كوكس أفصح لمن رافقه وهو أمين الريحاني بأنه يعرف ما يريد كوكس تحقيقه


1) ملوك العرب/ أمين الريحاني، ج 2 ص 532 .

وأنه سيوافق مجبراً على ما سيقرر في المؤتمر وتكون الأيام فيما بعد هي التي تحدد مصلحة نجد، وهذا ما حصل عندما تمكن بمساعدة الاخوان النجديين من احتلال کامل الحجاز وضمه إلى مملكته وتحت سلطانه وإنهاء حكم الشريف حسين وأولاده .

وإلى القارئ الكريم نذكر ذكاء ودهاء ابن سعود، وما في خلده وهو يتحدث للريحاني عن علاقته بالإنكليز حيث يقول : « يظن الناس أننا نقبض من الإنكليز مبالغ كبيرة من المال. والحقيقة أنهم لم يدفعوا لنا إلّا اليسير مما تستحقه الأعمال التي قمنا بها أثناء الحرب وبعدها (يقصد الحرب العالمية الأولى). ونحن لا نخلف معهم أو يخلفوا معنا . بيننا وبينهم عهد نحافظ عليه ولو تضررنا في أنفسنا ومصالحنا ... الإنكليز مدينون لنا ، ونحن لا نطالبهم ، من العار أن نطالبهم . ولكن ما هي سياستهم الآن ، نراهم يغزلون ويغزلون . تراهم يدسون الدسائس عليَّ - عليَّ أنا صديقهم ابن سعود - أحاطوني بالأعداء . أقاموا دويلات حولي، ونصبوا من أعدائي ملوكاً ، وهم يمدونهم دائماً بالمساعدات المالية والسياسية . الشريف في الحجاز، وابنه عبد الله في شرق الأردن ، وابنه فيصل في العراق ... ما القصد من هذه الأعمال ؟ وما الداعي إليها ؟ أنا ابن سعود صديق الإنكليز وهم في سياستهم الشريفية يعاملونني معاملة العدو ... ومن هو ابن سعود في نظر الشريف وأولاده؟ هو الجلف الكافر الخارجي . ترى الصحيح يا حضرة الأستاذ قد قالوا ذلك ، بل قالوا أكثر من ذلك . وهم مع ذلك يطلبون مني أن أحمل على الفرنسويين في سوريا لأخرجهم منها ... »(1).

ويذكر الريحاني بأن ابن سعود ذكر له ما ورد في جريدة (القبلة) الصادرة في الحجاز، وهي لسان حال ملك الحجاز في أمور يتوددون فيها إلى ابن سعود، ومرة ثانية يكيلون عليه التهم، وثالثة يطلبون منه التصالح وفق شروط لم يقبلها ابن سعود أبداً .


1) المصدر نفسه/ ج 2 ص 541 - 542 .

ماذا حصل بعد مؤتمر العقير ؟

بعد أربعة أشهر من مؤتمر العقير عاد التوتر بين العراق ونجد على الحدود، وكان لهذا التوتر أسبابه ، لأنّ ابن سعود كان غير راضٍ على ما جرى من ترسيم الحدود ولكنه وافق نتيجة الضغط الإنكليزي، فاستغل موضوعين جعلهما السبب في ذلك التوتر وهما :

1 - مشكلة قبيلة شمر التي كانت تقيم في حائل ونزحت إلى العراق وانظمت إلى قبيلة شمّر (عبدة) التابعة لمشيخة عجيل الياور التي تتواجد في العراق قديماً ويعدون من أهله وينزلون بين النهرين قرب الموصل ، وقد رحبوا بأولاد عمهم الفارين من نجد . فأخذ ابن سعود يطالب بعودتهم إلى الحجاز متهاً إياهم بغزوهم لقبائل نجدية على الحدود ومطالباً الحكومة العراقية بمحاسبتهم . وقد ألقت مشكلة قبيلة شمر بظلالها القاتمة على العلاقات بين الطرفين، فقد طالب ابن سعود بإرجاعها إلى نجد.

2- التطورات التي حصلت في الحجاز ورغبة ابن السعود بالسيطرة على الحجاز والقضاء على الأسرة الهاشمية ، فقد كان يعتبر نفسه محاطاً بالأعداء الذين یساندهم الإنكليز، ففي الشمال الشرقي من مملكته كان فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، وفي الشمال عبد الله بن الحسين أميراً على شرق الأردن وفي غرب نجد مملكة الحجاز ويقودها والدهما الشريف حسين ، فلن يهدأ له بال إلّا باحتلال الحجاز . وهذا الأمر شكّل إزعاجاً وغضباً من قِبَل الملك فيصل على مصير والده الشريف حسين بن علي .

فعادت غارات الإخوان النجديين على الأراضي العراقية من جديد، فيما قامت قبيلة شمر بشن هجماتها من العراق على نجد أيضاً . فقررت سلطة الانتداب البريطاني في العراق على عقد مؤتمر جديد في الكويت .

مؤتمر الكويت

لحل الاشكالات المتعلقة بالعراق ونجد التي ذكرناها من جانب، وبين الخلافات بين نجد وشرق الأردن والحجاز من جانب آخر ، قررت سلطة الانتداب البريطاني التي يمثلها (هنري دوبس)(1)المندوب السامي الجديد في العراق الذي خلف السير بيرسي كوكس بعقد مؤتمر في الكويت يبحث كافة المشاكل المتعلقة بين الأطراف، وتسوية القضايا الحدوديَّةِ في مؤتمر يعُقدَ في الكويت برئاسة الكولونيل نوكس(2)الوكيل السياسي البريطاني في (بوشهر) ، واشترط سلطان نجد ابن سعود على نوكس أن يتِمَّ تعيينُ الحدود بين نجدٍ والحجاز وشرق الأردن من جهة، وعدم اشتراك مندوبِ العراق مع حكومتي الحجاز وشرق الأردن في المباحثات المشتركة ، وأن يتِمَّ تناول المشكلات بين نجد وتلك الحكومات بصورة منفردة ، فأبلغ نوكس السلطان عبد العزيز موافَقةَ الحكومة البريطانية على الشروط التي عرضها .

مثَّل جانِبَ نجد في المؤتمر حمزة غوت وأحمد الثنيان وعبد الله الدملوجي، وشرق الأردن مثَّلَه علي خلقي، والعراق مثَّلَه صبيح نشأت ، وفي 7 جمادى الأولى 1342ه-(17 كانون الأول1923م) عقدت جلسة المؤتمر الأولى دون حضورِ مَن يمثِّلُ الحجاز . ثُمَّ عقدت أربع جلسات أخرى ولم يتوصَّل الأطراف الثلاثة إلى اتفاقِ محدَّد بينهم .


1) هنري دوبس: موظف بريطاني عمل في العراق منذ سنة 1915م وتدرج من موظف إنكليزي بسيط في العراق إلى نائب للمندوب السامي. وبعد نقل السير برسي كوكس من العراق سنة 1923م أصبح دوبس بدرجة المندوب السامي وبقي في هذا المنصب حتى تقاعده سنة 1929م. وكان له تأثير كبير في العراق من خلال مشاركته في تعيين الملك فيصل والقانون الأساسي للعراق والاشراف على تشكيل الحكومات العراقية وهو صاحب اعداد نظام العشائر منذ عام 1916 . ولد هنري دوبس سنة 1871م وتوفي سنة 1934م.

2) الكولونيل نوكس درس في سانت هيرست البريطانية وعيّن قنصلاً بالنيابة في البصرة سنة 1894م ، ومساعداً للمقيم السياسي في الخليج سنة 1904 ثُمَّ معتمد في البحرين سنة 1910م ثُمَّ معتمداً في مسقط سنة 1911م ، وشغل عدة مناصب في الهند وانتقل بعدها مقيماً بالخليج بالنيابة في نيسان 1923م. توفي سنة 1957م.

تأجل المؤتمر إلى شهر شعبان 1342ه- (آذار 1924م) ليتمكن رئيس المؤتمر من مفاوضة ابن سعود، وكان يأمل نوكس أيضاً أن يغيّر الملك الشريف حسين رأيه ويرسل من يمثله في المؤتمر . ومِنْ ثَمَّ تأجل المؤتمر بعد انعقاده للمرة الثانية ليتشاور المندوبين مع حكوماتهم. وهذه التأجيلات إستغلها الإخوان وقاموا بشن هجمات على العراق مما جعل الملك فيصل يمنع ذهاب وفد العراق إلى مؤتمر الكويت الذي ولد ميتاً .

تجدد هجمات الإخوان النجديين على العراق

1 - الهجوم على بادية الشامية : استغل الإخوان تعثر مؤتمر الكويت في الوصول إلى اتفاق بين الأطراف المتخاصمة فقاموا بقيادة (فيصل الدويش) بشن غارات على قبائل الأعاجيب والظفير والغزالات وبني سلامة في بادية (الشاميّة)، وكانت نتيجة هذه الهجمات قتل المئات من أفراد العشائر وأسروا مائتي إمرأة وسرقوا الآلاف من الإبل والخيل والماشية، فأرسل المندوب السامي رسالة إلى ابن سعود محتجاً على هذه الهجمات، وكعادته رد ابن سعود بعدم معرفته بالغزو وقدّم اعتذاره للإنكليز . ولكن تقارير الموظفين الإنكليز ومراقبي الحكومة العراقية أكّدت علم ابن سعود بالهجمات وبتشجيعه من أَجل الضغط على العراق في الجولة التالية لمؤتمر الكويت الذي كان السبب في فشله ليتملص من أي اتفاق لتحقيق رغبته في السيطرة على الحجاز وإنهاء حكم الأسرة الهاشمية فيه، وتقوية موقفه في أي مفاوضات قادمة . وفي تشرين الأول من عام 1924 تمكن ابن سعود من احتلال مكة الأمر الذي زاد من حدة التوتر بين العراق ونجد .

2- الهجوم على قبائل الديوانية : قام الإخوان الوهابيون يقودهم ضيدان بن حثلين رئيس قبيلة العجمان النجدية وهو من قادة حركة الإخوان النجديين

بغزو قبائل الديوانية ، وفي هذه الهجمة تمكن الإخوان من قتل عشرات الأفراد من أبناء القبائل ونهب الآلاف من الماشية .

3- الهجوم على قبيلة الظفير العراقية : من سلسلة الهجمات التي قام بها الإخوان غزوة قادها أحد قادتهم وهو هايف بن هزاع بن بدر بن شقير الدويش المشهور ب-( هايف بن شقير) يساعده ابن منديل على قبيلة الظفير العراقية ، فقد استطاعت قبيلة الظفير من صد هجوم الإخوان وردّهم وكبّدوهم قرابة المائتين قتيل وعادوا إلى مواقعهم في نجد يجرون أذيال العار .

4 - الهجوم على عشائر المنتفك والديوانية : بعد هزيمة الاخوان وقد هزمتهم قبيلة الظفير ، فقد أحسّوا بالعار مما أصابهم ، فاستدعى ذلك أن يقوم كبيرهم (فيصل الدويش) في شهر كانون الأول سنة 1924م بتنظيم وقيادة حملة قوامها ما يقارب الألفين من المقاتلين وكانت وجهتهم عشائر المنتفك وعشائر الديوانية، وقد تكبدت العشائر العراقية خمسون قتيلاً ثُمَّ عادوا أدراجهم.

5- الهجوم على العشائر الساكنة قرب (نكَرة السلمان) جنوب السماوة: في كانون الأول سنة 1924م أيضاً ولم تمضِ أيام على هجوم الاخوان على عشائر المنتفك والديوانية، قاموا بشن هجوم كبير على العشائر العراقية المتواجدة قرب منطقة (نكَرة السلمان) الواقعة جنوب السماوة وفي باديتها ، وكان نتيجة هذا الهجوم مقتل مئة شخص من العشائر العراقية ، ونهبوا الممتلكات والإبل والماشية .

6 - الهجوم الثاني على عشائر قبيلة الظفير: رغم أن المندوب السامي البريطاني في العراق (هنري دوبس) قد أرسل رسائل احتجاج إلى سلطان نجد ابن سعود ذاكراً له ما يحصل ويحذّره من نتائج ما يقوم به الإخوان التابعين له مبيّناً له أعمالهم المشينة ، وكعادته فقد أنكر ابن سعود علمه بما يحصل وحصل من هجمات .

رغم تهديد دوبس واحتجاجه لدى ابن سعود فلم تكن تلك الهجمات تنتهي ، ففي سنة 1925م شنّ الإخوان عدة هجمات على الأراضي العراقية ، منها في شهر حزيران 1925م حيث أغاروا على عشائر الظفير في البادية الغربية مما تسبب الهجوم بمقتل العشرات من الظفير ونهب الآلاف من الجمال .

تزامنت هذه الهجمات مع الوقت الذي كان ابن سعود يتهيأ ويبدأ بغزو الحجاز وضمّه إلى مملكته وإنهاء حكم الهاشميين . وكانت هذه الغزوات بعلم وبتخطيط ابن سعود رغم إنكاره بعلمه بها ، ولكن الواقع وكذلك الإنكليز كانوا يدركون الحقيقة .

وهنا استدعى الأمر بسلطة الانتداب البريطاني في العراق بأن ترفع تقريراً إلى عصبة الأمم عن كل ما يقوم به الإخوان النجديون من قتل وسلب ونهب وطالبت بإرجاع المنهوبات، وكان الإنكليز يدركون عدم قدرة الحكومة العراقية برد تلك الهجمات ، والغريب في الأمر أن الإنكليز لم يقوموا بواجبهم عسكرياً لصد الاعتداءات كما هو المفروض . فأخذ الإنكليز يفكرون بعقد مؤتمر لحل الخلافات المعلقة والسعي بتأكيد سلطة القانون في البادية وعلى الحدود .

مؤتمر بحره

(1) في ربيع الثاني 1344 ه- تشرين الثاني 1925م عقد مؤتمر (بحره) في بلدة تحمل نفس الاسم وتقع بين مكة وجدة حضره سلطان نجد والسير جلبرت كلايتون(2)المخول بأن ينوب عن الحكومة العراقية . ومن نتائج هذا المؤتمر عقد اتفاقية بين


1) بحره: بلدة قديمة تقع في إقليم تهامة أسفل وادي فاطمة ما بين مدينتي مكة وجدة. وكانت بحرة قديماً محطة للحجاج بسبب موقعها بين مكة وجدة.

2) جلبرت كلايتون: ضابط استخبارات بريطاني ومسؤول استعماري عمل في عدة بلدان في الشرق الأوسط، منها مصر والسودان وفلسطين والعراق ولد سنة 1875 وتوفي في أيلول سنة 1929م. أصبح قبل وفاته مندوباً سامياً في العراق لمدة قصيرة. ساعد في مناقشات ترسيم حدود البلدان منها (إسرائيل) - الكيان الصهيوني والأردن وسوريا والسعودية والعراق.

نجد والعراق، واعتبرت هذه الاتفاقية ملزمة للطرفين، ولأهميتها البالغة نقدّم نص الاتفاقية : وتضمنت ما يلي :

نظراً للمعاهدة المعقودة بين حكومتي العراق ونجد ابتغاء تأمين الصلات الحسنة بينهما والمعروفة بمعاهدة المحمرة التي قد وثقعت في اليوم السابع من شهر رمضان المبارك سنة 1340 الموافق 5 مايو سنة 1922 ، ونظراً للبروتوكلين المعروفين بالبروتوكول رقم 1 والبروتوكول رقم 2 اللذين اضيفا الى معاهدة :

المحمرة المذكورة والموقع عليهما في العقير في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الثاني المبارك سنة 1341 الموافق 2 ديسمبر سنة 1922 ، ونظراً لإبرام المعاهدة والبروتوكولين المذكورين آنفاً طبقاً للعادة من قبل حكومتي العراق ونجد، ونظراً لما تعهد به كل من حكومتي العراق ونجد في المادة الأولى في معاهدة المحمرة المذكورة بأن يمنع كل منهما عشائره عن التعدي على عشائر الحكومة الأخرى، وأن تتذاكر الحكومتان إذا حالت الظروف دون قيام أحدهما بالتأديب اللائق في إمكان اتخاذ تدابير مشتركة طبقاً للصلات الحسنة السائدة بينهما ، ونظراً لاعتقاد حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومتين المذكورتين بأنه يحسن لهاتين الحكومتين ، حرصاً على الصداقة وحسن الصلات بين العراق ونجد، وضع اتفاقية بخصوص المسائل المعلقة بينهما .

نحن الموقعين أدناه سلطان نجد وملحقاتها عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود وجلبرت كلايتون المندوب المفوض من قبل حكومة صاحب الجلالة البريطانية والمخول بأن ينوب عن الحكومة العراقية في الاتفاق والتوقيع قد إتفقنا على المواد التالية :

[ المادة الأولى ]

تعترف كل من دولتي العراق ونجد أن الغزو من قبل العشائر القاطنة في أراضيها على أراضي الدولة الأخرى اعتداء يستلزم عقاب مرتكبيه عقاباً صارماً من قبل الحكومة التابعة لها ، وأن رئيس العشيرة المتعدية يعد مسؤلاً .

[ المادة الثانية ]

أ. تؤلف محكمة خاصة ، بالاتفاق بين حكومتي العراق ونجد ، تلتئم من حين إلى آخر للنظر في تفاصيل أي تعدٍ يقع من وراء حدود الدولتين ولإحصاء الأضرار والخسائر وتعيين المسؤولية. ويكون تأليف هذه المحكمة من عدد متساوٍ من ممثلي حكومتي العراق ونجد وتعهد رئاستها إلى شخص آخر من غير الممثلين المذكورين تتفق على اختياره الحكومتان وتكون قرارات هذه المحكمة قطعية ونافذة .

ب. بعد تعيين المسؤولية وتحقيق الاضرار والخسائر الناشئة عن الغزو ، وإصدار المحكمة قرارها بذلك، تقوم الحكومة التابع لها المحكوم عليه بتنفيذ القرار المذكور وفقاً لعادات العشائر ، وبمعاقبة المحكوم عليه كما جاء في المادة الأولى من هذه الاتفاقية .

[ المادة الثالثة ]

لا يجوز لعشائر إحدى الحكومتين اجتياز حدود الحكومة الأخرى الّا بعد الحصول على رخصة من حكومتهم ، وبعد موافقة الحكومة الأخرى، مع العلم أنه لا يحق لإحدى الحكومتين ان تمتنع عن إعطاء الرخصة أو الموافقة إذا كان السبب في انتقال العشيرة لداعي المرعى عملاً بمبدأ حرية الرعي .

[ المادة الرابعة ]

تتعهد حكومتا نجد والعراق بأن تقفا بكل ما لديهما من الوسائل ، غير الطرد واستعمال القوة، في سبيل انتقال كل عشيرة أو فخذ من أحد القطرين إلى الآخر ، إلّا إذا جرى هذا الانتقال بمعرفة حكومتهم ورضاها، وتتعهد الحكومتان بأن تمتنعا عن تقديم الهدايا أيّاً كان نوعها للملتجئين من البلاد التابعة للحكومة الأخرى ، وبأن تنظرا بعين السخط على كل شخص من رعاياهما يسعى لاستجلاب العشائر التابعين للحكومة الأخرى ، أو تشجيعهم على الانتقال من بلادهم إلى البلاد الأخرى .

[ المادة الخامسة ]

ليس الحكومتي العراق ونجد أن تتفاوضا مع رؤساء وشيوخ عشائر الدولة الأخرى في الأمور الرسمية أو السياسية .

[ المادة السادسة ]

لا يجوز لقوات العراق ونجد أن تتجاوز حدود بعضها البعض بقصد تعقيب المجرمين إلّا برضى الحكومتين .

[ المادة السابعة ]

لا يجوز لشيوخ العشائر الذين لهم صفة رسمية أو لهم رايات تدل على أنهم قواد لقوات مسلحة أن يظهروا راياتهم في أراضي الدولة الأخرى .

[ المادة الثامنة ]

إذا طلبت إحدى الحكومتين من عشائرها النازلة في أراضي الدولة الأخرى تجريدات مسلحة فالعشائر المذكورة أحرار في تلبية دعوة حكومتهم على أن يرحلوا بعائلاتهم وأموالهم بكل سكينة .

[ المادة التاسعة ]

إذا انتقلت عشيرة من أراضي إحدى الحكومتين إلى الأراضي التابعة للحكومة الأخرى ، وشنت الغارات بعد انتقالها على البلاد التي كانت تقطن فيها ، يحق للحكومة التي تقيم العشيرة في أراضيها أن تأخذ منها ضمانات كافية ، حتى إذا تكرر منها مثل ذلك الاعتداء تكون هذه الضمانات عرضة للمصادرة ، وذلك عدا العقاب المنصوص عليه في المادة الأولى ، وعدا ما قد تفرضه المحكمة المنصوص عليها في المادة الثانية من هذه الاتفاقية .

[ المادة العاشرة ]

تتعهد حكومتا العراق ونجد بأن تقوما بمذكرات وديّة، لعقد اتفاقية خاصة بشأن تسليم المجرمين، طبقاً للعادات المرعية بين الدول المتحابة وذلك في مدة لا تتجاوز السنة اعتباراً من تاريخ التصديق على هذه المعاهدة من قبل حكومة العراق .

[ المادة الحادية عشرة ]

النص العربي هو النص الرسمي الذي يرجع إليه في تفسير مواد هذه الاتفاقية .

[ المادة الثانية عشرة ]

تعرف هذه الاتفاقية باتفاقية بحره .

وقعت هذه الاتفاقية في مخيم بحرة في الرابع عشر من شهر ربيع الثاني 1344 الموافق أول نوفمبر سنة 1925 .

الإمضاءات(1)

صادق الملك فيصل والحكومة العراقية والبرلمان على هذه الاتفاقية، وأصدرت الحكومة العراقية أمراً طالبت فيه العشائر بوقف عمليات الغزو ضد عشائر نجد. والغريب في الأمر أن من مثل العراق في المؤتمر ضابط استخبارات بريطاني ومسؤول استعماري يعمل في العراق، وذلك يعني أن العراق كان وقتها مسلوب السيادة وما العرش والحكومة والبرلمان إلّا أدوات يسيّرها الانتداب البريطاني .

احتلال الحجاز

عندما عقد مؤتمر بحرة كانت قوات ابن سعود قد فرضت سيطرتها على مدن الحجاز الطائف ومكة المكرمة ، وفرضت حصاراً على جدة والمدينة المنورة


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص 398 - 400 .

وأسقطت حكومة الأشراف في الحجاز نهائياً، وكان الإخوان على رأس القوات المهاجمة والمحتلة، وقد ذكرنا بعض أفعالهم فيما يخص الحجاز عند الحديث عن الإخوان. وفيما يلي التواريخ التي تم بها هذا الاحتلال :

1 - سقوط الطائف على يد الإخوان الذين قادهم سلطان بن بجاد وذلك في 7 صفر سنة 1343ه- الموافق لليوم السابع من أيلول (سبتمبر) 1924م.

2- احتلال مكة في 17 ربيع الأول سنة 1343ه- الموافق 18 تشرین الأول (أكتوبر) سنة 1924م.

3- تسليم المدينة المنورة في 19 جمادى الأولى سنة 1344ه- الموافق 5 كانون الأول (ديسمبر) 1925م بعد حصار دام عشرة أشهر قاده فيصل الدويش على رأس جيش من الإخوان .

4 - تسليم جدة في 6 جمادى الآخرة سنة 1344ه- الموافق 22 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1925م بعد حصار إستمر لسنة كاملة .

يتبادر إلى الذهن أنَّ ابن سعود يسحوذ على الحجاز والإنكليز حلفاء الهاشميين وقفوا متفرجين مما يدل على موافقتهم ووقوفهم مع ابن سعود وقواته ، وصح اعتقاد البعض أن الإنكليز وجدوا في ابن سعود رجل المنطقة القوي، ومما يُدهش أن ملك العراق وأمير شرق الأردن يرون عرش أبائهم يسقط وهما لا يحركون ساكناً !!!

أنظر إلى فطنة ودهاء سلطان نجد ، يقسّم قواته من الإخوان الوهابيين قسمين ، قسم يهاجم به الطائف ومكة ، وقسم يهاجم الأراضي العراقية ، ومِنْ ثَمَّ يوجه الإخوان الذين يغزون عشائر العراق إلى تطبيق حصار على المدينة المنورة وجدة ، وفي نفس الوقت ينكر علمه بهجمات الإخوان الأخيرة على العراق وفي الوقت ذاته يحضر مؤتمر بحرة لمناقشة الحدود بين العراق ونجد ، والملك فيصل لا حول له ولا قوّة ولا يدري هل ينظر إلى مشاكل بلده الذي يستحكم به الإنكليز الذين أتوا به على عرش العراق ، ويشاهد هجمات الاخوان على أرض بلده ، أم ينظر إلى

زوال ملك أبيه وأجداده في الحجاز . إنها لعبة ذكية من أطراف دولية لتغيير واقع المنطقة ، وفق تجدد الظروف التي تحيط ببلدان الشرق العربي . فالمصالح والقوّة هي التي تتحكم في كافة الأمور .

تسليم الحجاز إلى ابن سعود

بعد أن احتل جيش الإخوان مدينة الطائف وعملوا في أهلها السيف وقاموا بأبشع الأعمال توجهوا إلى مكة للسيطرة عليها ، وكانت مكة والمدينة وجدة لا زالت بيد الهاشميين ، ففي يوم 5 ربيع الأول سنة 1343ه- الموافق لليوم الخامس من تشرين أول(أكتوبر) 1924م تنازل الشريف الحسين بن علي عن عرشه إلى نجله الأكبر (علي) الذي نودي به في جدة ملكا على الحجاز .

وفي 10 ربيع الأول 1343 ه- وصل الشريف حسين إلى جدة قادما من مكة وأبى أن يقابل أحداً وترك ابنه الملك علي في مكة . وبعد خمسة أيام وتحديداً في 15 ربيع الأول أخلى الملك علي مكة وانتقل إلى ظاهر جدة. وفي يوم 16 ربيع الأول أبحر الشريف حسين على سفينة له تسمى (الرقمتين) وتوجه إلى العقبة .

في 17 ربيع الأول سنة 1343ه- الموافق 18 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1924م دخل قادة الإخوان خالد بن لؤي وسلطان بن بجاد بجيشهما من الإخوان مكة المكرمة وسيطروا عليها . ودخل السلطان عبد العزيز مكة في 8 جمادى الأولى سنة 1343ه- الموافق 5 كانون الأول 1924م . وأمر ابن سعود بحصار جدّة حيث بدأ الحصار في 7 جمادى الآخرة سنة 1343ه- الموافق 3 كانون الثاني سنة 1925م والملك علي بن الحسين فيها .

أقام الشريف الحسين بن علي في العقبة وبدأ يمد ابنه الملك علي بالعون . فأمر عبد العزيز ابن سعود قواته بالزحف لمهاجمة العقبة ، فأثار ذلك الأمر حفيظة الإنكليز وقلقهم على العقبة ومعان التي هي مثار الخلاف بين حكومة ابن سعود

وحكومة الأردن . فضغط الإنكليز على عبد الله بن الحسين أمير شرق الأردن بوجوب إبعاد والده عن العقبة .

يقول الزركلي : « تحدث ضابط بريطاني مع أمير الأردن بوجوب إبعاد أبيه . وامتنع الحسين، وإشتد . فقال له إبنه « يا ولي النعم ، سياسة العنف والشدّة لا تفيد اتجاه القوة» »(1). وتمكن ابنه من إقناعه فأذعن الشريف حسين وغادر العقبة في أواخر ذي القعدة 1343ه-(1925م) وتوجه إلى (قبرص) حيث منفاه . أمّا المدينة المنورة التي كان يحاصرها جيش الإخوان بقيادة فيصل الدويش وأراد السلطان عبد العزيز دخولها بسلام أقل من حرصه على ما يُصنع في جدة ، وقد طال حصار المدينة ثمانية أشهر ، فطلب من أهلها الاستسلام، فخافوا من فيصل الدويش المشهور بالبطش والقسوة ، فكتبوا إلى عبد العزيز يطلبون تسليم مدينتهم إلى أحد أبنائه، فاستجاب لهم وأرسل ابنه محمد بن عبد العزيز إليهم فاستسلمت حاميتها له ، ودخل المدينة في 19 جمادى الأولى سنة 1344ه- الموافق 5 كانون الأول (ديسمبر) 1925م بعد أن أعلن الأمان والعفو العام .

بعد أن مرّ على حصار جدة قرابة السنة ولم يجد الملك علي بن الحسين إمكانية المطاولة في صد هجمات النجديين وحصارهم على جدة المتحصن بها، فاضطر إلى طلب (الصلح ) بشروط، وعن ذلك يقول الزركلي : « كلّف الملك علي المعتمد البريطاني بجدة، أن يتوسط لطلب

(الصلح ) . وكتبت الشروط وأمضاها عبد العزيز وعليّ في أول جمادى الآخرة 1344ه- 17 ديسمبر 1925) وأهم ما فيها :

• يغادر الملك علي الحجاز قبل مساء الثلاثاء 6 جمادى الآخرة 1344 وله أن يأخذ معه معه جميع أمتعته الشخصية ، وفي ذلك سيارته وخيوله .

• يتعهد الملك علي وحكومته بأن لا يخرجوا شيئاً من الأسلحة والمدافع والطيارات وسائر ما عندهم من المهمات الحربية، أو يتصرفوا بها. وكذلك


1) شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز / خير الدين الزركلي، ج 1 ص 345 - 346.

ما تملكه حكومته من بواخر ولنشات وسنابيك ، وأن يسلموا ذلك في الحال إلى السلطان عبد العزيز .

• يضمن (السلطان) عبد العزيز سلامة الموظفين الملكيين والحربيين والأهالي والقبائل عموماً ، ويمنحهم العفو العام . ويتعهد بترحيل الضباط والعساكر الذين يرغبون في العودة إلى أوطانهم. ويوزع على الموجود منهم بجدة خمسة آلاف جنيه.

وسافر الملك علي على البارجة (كورن فلاورد) الإنكليزية إلى العراق ، وإستسلمت جدّة مُرحبة بالعاهل السعودي . فدخلها يوم 7 جمادى الآخرة. وأسدل الستار على ما كان يسمّى العرش الهاشمي في الحجاز ... وتلك الأيام نداولها بين الناس »(1).

تهديم قبور الأئمة

بعد خمسة أشهر من دخول قوات ابن سعود المدينة المنورة قام الوهابيون بعمل إستفز العالم الإسلامي عموماً وشيعة العراق بشكل خاص، وهو تهديم قبور أئمة أهل البيت في البقيع بالمدينة المنورة ومجموعة أخرى من قبور الموالين لهم . ففي يوم 8 شوال سنة 1344ه- الموافق 20 نيسان 1926م أقدم الوهابيون السعوديون على تهديم قبور آل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مقبرة بقيع الغرقد، مستندين إلى فتوى أصدرها علماؤهم في 25 رمضان 1344ه- ، وبعد الفتوى بأيام هدموا قبور الأئمة الأطهار والصحابة ، وسووها بالأرض ، وشوّهوا محاسنها وتركوها معرضاً لوطئ الأقدام ودوس الكلاب والدواب . ومثل ما فُعل بقبور البقيع تم تهديم قبور شهداء (أحد) ومنهم قبر الحمزة بن عبد المطلب عم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وتم نهب كل ما كان في ذلك الحرم المقدس من فرش وهدايا وآثار قيّمة وغيرها، وحوّلوا ذلك المزار المقدس إلى أرض موحشة مقفرة ، وكان هذا الهدم هو


1) المصدر السابق نفسه/ ج 1 ص 347 - 348

الثاني، فالأول قام به آل سعود سنة 1220 ه- (1805م) عندما هاجموا المدينة المنورة وإستولوا عليها . وعندما دحرهم العثمانيون قامت الحكومة العثمانية وبمساعدة الكثير من المتبرعين بإعادة بناء تلك القبور(1).

وقد عمّ الحزن والغضب والاحتجاج في العراق على هذا العمل الشنيع ، وعقدت اجتماعات في النجف وكربلاء والكاظمية للتنديد بهذا الفعل والمطالبة بإعادة تشييد ما هُدم، ورفعت البرقيات إلى ملوك وزعماء العالم الإسلامي للتدخل وحماية المراقد والمقدسات في الحجاز من تجاوزات الوهابيين، وخوفاً من أن يقوموا بالاعتداء على قبر الرسول الأعظم( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

عودة التوتر والهجمات الأخوانية على بادية العراق

بعد أن إحتل ابن سعود الحجاز وأعلن مملكته الجديدة باسم (مملكة الحجاز ونجد وملحقاته) ، عاد الإخوان إلى نجد وهم يريدون إكمال السير نحو العراق ليواصلوا غاراتهم على عشائر باديته الغربية، وينظرون إلى ما يفعلونه في العراق على أنه جهاد .

عند ذلك لم يدم الهدوء في بادية العراق الغربية وتفادياً لاستمرار الاعتداءات على الأراضي العراقية، قررت الحكومة بالتعاون مع سلطة الانتداب البريطاني في العراق إقامة مخفر للشرطة العراقية في أراضي (البصيّة) داخل الحدود العراقية ، وعلى مسافة 125 كيلومتراً عن الحدود النجدية، ووضعت فيه حامية من الشرطة لمنع القبائل العراقية من اجتياز الحدود عملاً بالمادة الثالثة من (اتفاقية بحره) وتجهيزها باللاسلكي والأسلحة وبالسيارات المصفحة لتأمين الحدود والاشراف على تنقلات العشائر ومراقبة حركتها .


1) راجع كتابنا (تاريخ كربلاء ) / ج 5 ص 387 - 391 ، الصادر عن دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط 1 سنة 1439ه- - 2018 م ، وفيه معلومات مفصلة عن الحادث.

بدأ العمل أولاً ببناء مخفر على شكل قلعة في منطقة تسمّى (بصيّة) تقع في منطقة (السلمان) في بادية السماوة . وبمجرد أن علم ابن سعود بخطوة إقامة المخافر الحدودية أعلن رفضه لها متحججاً بأن معاهدة المحمرة واتفاقية العُقير لم تنص على ذلك ، كما أنه إعتبر إقامتها نقاط تجمع عراقية للهجوم على نجد !

هجمات الإخوان على بادية السماوة

1 - إستغل الاخوان النجديين بناء المخافر فبدأوا بشن غارات على الاراضي العراقية قبل أن تبدأ المفاوضات بين الحكومتين ، فوجد (فيصل الدويش) أنها فرصة سانحة لإعلان الجهاد، فأرسل ابن عمه (نايف بن مزيَد) على رأس جيش من الاخوان فهاجموا مخفر بصية في 5 تشرين الثاني 1927م وقتلوا من فيه من الجند والعمّال ، وكانت حصيلة الخسائر العراقية مقتل 21 عراقي ومن بينهم إمرأة واحدة .

2- بعد أيام من هجومهم على (بصية) قام الاخوان في 9 تشرين الثاني 1927م بالهجوم على عشيرة الغليظ التي كانت تقوم بالرعي في منطقة (الرخيمية)، وقتلوا 40 شخصاً من العراقيين .

3- وفي يوم 22 كانون الأول سنة 1927م أغار الاخوان على عشيرة آل زياد في الرخيمية وكانت الخسائر 74 شخص من آل زياد .

4 - وبعد أربعة أيام من هجومهم الأخير قام الاخوان في 26 كانون الأول بشن هجوم آخر على الرخيمية وقتلوا 75 من أفراد العشائر العراقية ، وسارع أهالي مدينة السماوة بالتعاون مع بلدية المدينة باستقبال 196 شخصاً من تلك الهجمة، وتم إسكانهم في إحدى المدارس المنشأة حديثاً ،

منكوبي وتكفل أهل المدينة بمعيشتهم لمدة ستة أيام .

5 - كذلك قام الاخوان بالهجوم على منطقة (شبجة) وهاجمت عشيرة (البركات) وأوقعت بها خسائر بلغت مقتل 12 شخصاً ونهب 17 خيمة

وسلب 3700 رأساً من الغنم ، مما استدعى شيخ عشيرة البركات (خشان الجازع) بأن يرسل إلى الملك فيصل شارحاً له الحالة السيئة التي يعيشها المتضررين من عشيرته ، مطالباً بأخذ حقهم، فبادرت الحكومة إلى الإسراع في دفع تعويضات مالية للمتضررين .

غارة الإخوان على أطراف البصرة

على أثر الهجمات التي قام بها الإخوان، قدّم قائد القوة الجوية البريطانية في العراق بتاريخ 3 كانون الثاني 1928م إلى وزارة الطيران البريطانية مقترحاً يقضي بإصدار تحذير إلى ابن سعود لمحاصرة عشائره التي تهاجم العراق خلال 6 أسابيع ، فإنْ لم ينجح في ذلك سوف تتخذ القوات البريطانية إجراءات صارمة اتجاه من يقترب من الحدود العراقية مضطرة إلى محاصرة سواحل نجد والإحساء .

مع ذلك تعرضت قبائل عراقية متواجدة بالقرب من (جريشان) جنوب غرب البصرة داخل الحدود العراقية في 19 شباط 1928م إلى هجوم من الإخوان يقدر عددهم 230 مقاتل ، يقودهم فيصل الدويش ، وتمكنوا من قتل 50 شخص وكانت الخسائر في الماشية فادحة. فهاجمتهم الطائرات البريطانية وشتتهم وقد تمكن الاخوان من إسقاط إحدى الطائرات ومقتل الطيار .

إزاء تلك التطورات التي أغضبت سلطات الانتداب البريطاني والحكومة العراقية، فقررت الحكومة العراقية العزم على فرض الأمن وحماية منطقة البادية الجنوبية - الغربية بنفسها . فوقع اختيارها على الكابتن الإنكليزي جون باجوت غلوب المعروف لاحقاً ب- (کَلوب باشا )(1)الذي كان يسميه العراقيون (أبو حنيك)


1) السير باغوت غلوب وهو المعروف باسم كلوب باشا ولقبه ( أبو حنيك)، ضابط بريطاني ولد سنة 1897م وتوفي سنة 1986م ، شارك في الحرب العالمية الأولى ونقل إلى العراق سنة 1920 ، وفي العراق عمل على بناء علاقات مع القبائل حتى حدود سيطرة ابن سعود على نجد والحجاز ولعب دوراً مهما في شكل العلاقات البريطانية - العربية في المنطقة، وتسلم منصب قائد قوات الأمن في بادية العراق. وتم تعيينه سنة 1939م قائداً للجيش العربي الأردني حتى إعفاءه من قبل الملك حسين بن طلال سنة 1956م لتعريب جيش الأردن.

ليكون مفتشا عاما ومسؤولاً عن الأمن في البادية الجنوبية . إلّا أن ذلك لم يمنع من استمرار هجمات الاخوان النجديين المتقطعة حتى حلول عام 1929 .

لمعرفة الأسباب الحقيقية لغارات الإخوان على العراق بعد احتلال الحجاز الذي كان لهم دور كبير في تحقيقه، هو إحراج ابن سعود بعد أن بدأ قادة الإخوان فيصل الدويش وصاحبيه ضيدان بن حثلين وسلطان بن بجاد الذين كان لهم الفضل الأكبر على ابن سعود في إسقاط حكم الهاشميين يختلفون معه متحججين بحجج شتى ، في الوقت الذي أوشك عهد الاستقرار في دولة ابن سعود أن يبدأ ، إلّا أن نار هؤلاء الثلاثة لم تهدأ .

كان ابن الدويش يطمع على الأقل بإمارة المدينة المنورة باعتباره أنه الذي حاصرها، ويطمع ابن بجاد بولاية الطائف وقد أنّبه ابن سعود على ما فعل رجاله من الأفاعيل الشانئة ، أمّا ابن حثلين فلم ينسى حرمانه وحرمان عشيرته من مغانم الحجاز بحجة أنه تباطأ في التقدم .

من هؤلاء بدأت المؤامرة على ابن سعود، وكان فيصل الدويش يرمي إلى ثلاثة أهداف أو أكثر عند مهاجمته الأراضي العراقية وهي :

1 - إظهار ابن سعود أمام (الإخوان) بمظهر المتساهل في حقوق بلاده ، أو الضعيف عن إدراكها بالقوة .

2 - إرضاء روح (الغزو ) التي كانت ولا تزال كامنة في (الإخوان) على الرغم من سكناهم في (الهِجر) ، واستعاضتهم عن العقال بالعمامة .

3- ولا يستبعد أن يكون فيصل الدويش الداهية قد جعل نُصب عينيه ، إحراج موقف عبد العزيز مع العراق والإنكليز .

مؤتمر جدة

توضح الأمر لدى السلطات البريطانية وإعتقدت بأن هذه الاشكالات لا نهاية لها إذا لم يتم حلها بين الطرفين السعودي والعراقي في مؤتمر جديد يكون شاملاً وحاسماً لكل القضايا المتعلقة بين البلدين الجارين، فحثّت الحكومة البريطانية جميع الأطراف على المشاركة فيه . على أن ترسل الحكومة البريطانية (السير جلبرت كلايتون) لمفاوضة ابن سعود في جدة مع وفد يمثل الحكومة العراقية. وأبلغ المعتمد السامي البريطاني الحكومة العراقية أن ابن سعود وافق على مقابلة السير كلايتون في جدّة لحسم الأمور المعلقة مع نجد. وقد إقترح كلايتون أن يحضر(كيناهون

کورنواليس مستشار وزارة الداخلية العراقية ليبيّن قضية الحكومة العراقية . قرر مجلس الوزراء العراقي إيفاد كورنواليس ليمثل مصالح العراق في المؤتمر المذكور ، وقرر أيضا بناءً على اقتراح وزير الداخلية والمستر كورنواليس أن يصحب کورنواليس الكابتن (غلوب باشا ) نظراً إلى خبرته واطلاعه الواسعين على أحوال العشائر وأمور الصحراء .

يقول الحسني في تاريخ الوزارات العراقية :« لقد استغربت الصحف العراقية قرار مجلس الوزراء هذا ، واعتبرت ندب موظف بريطاني لتمثيل العراق في مؤتمر جدة المقترح ، إهانة للشعب العراقي وامتهانا لكرامته ، لأنّه يجرّد العراق حتى من مظاهر استقلاله الشكلية ولكن الحكومة لم تلتفت إلى ذلك كله ومضت في طريقها بغية توطيد الأمن على الحدود»(1).

بعد أن وافقت حكومة العراق وحكومة نجد على عقد المؤتمر في أيار (مايس) 1928م ، على أن يناقش فيه المواضيع التالية:

1 - موضوع المخافر الحدودية .

2 - مناقشة النزاعات العشائرية .


1) تاريخ الوزارات العراقية/ عبد الرزاق الحسني، ج 2 ص 166.

3- تسليم المجرمين.

4 - مناقشة موضوع المنهوبات والخسائر .

5- محاولة الاتفاق على معاهدة حسن الجوار .

رغم الاعتراضات من الرأي العام على الوفد العراقي فقد عقد المؤتمر في يوم 8 أيار (مايس) 1928 حيث أفتتحت المفاوضات في جدة واستمرت إلى يوم 20 أيار بحضور ابن سعود نفسه ومستشاريه الأربعة : يوسف إلياسين وفؤاد حمزة وحافظ وهبة والدكتور عبد الله الدملوجي . وناقش الطرفان الكثير من القضايا العالقة بين الدولتين وخاصة موضوع بناء المخافر الذي رفضه ابن سعود بشدة ، وتمسك المندوبون العراقيون بوجهات نظرهم أيضاً ، ولقرب حلول موسم الحج الذي يتطلب حضور العاهل النجدي في مكة المكرمة مدة لا تقل عن الشهر ، فتقرر أن تنتهي الجولة الأولى من المفاوضات دون تحقيق نتائج ملموسة، لحين عقد الجولة الثانية ، فعاد السير جلبرت كلايتون إلى لندن وعاد كورنواليس وغلوب إلى العراق .

بعد انتهاء موسم الحج اقترح السلطان عبد العزيز آل سعود أن تستأنف مفاوضات جدّة قبل منتصف آب 1928م لأسباب تخصه ، فقبلت الحكومة العراقية ولكنها أصرّت أن يرأس الوفد العراقي أحد الساسة العراقيين، والسبب هو الانتقادات التي وُجهت للحكومة عند تشكيل الوفد الأول الذي كان كله من الإنكليز .

قرر مجلس الوزراء العراقي في جلسته المؤرخة في 15 تموز 1928م أن يكون (توفيق السويدي)(1)وزير المعارف حينها رئيساً للوفد، ويستصحب معه كل من


1) هو توفيق بن يوسف أفندي أحد رجال ثورة العشرين وأحد قضاة العراق. وتوفيق السويدي سياسي ووزير عراقي لعدة وزارات ورئيس وزراء العراق في أربع حكومات في العهد الملكي، ولد في بغداد سنة 1892م وهو من عشيرة ألبو مدلل في الدور. وجده الأكبر المفتي عبد الله السويدي. وكان عضو في مجلس الأعيان ثُمَّ رئيساً للمجلس. شارك في شبابه مع عدد من الشباب القوميين العرب في تأسيس جمعية العربية الفتاة التي طالبت باستقلال العرب عن الدولة العثمانية، تم سجنه بعد ثورة 14 تموز 1958م وعُفي عنه سنة 1961م فغادر العراق إلى لبنان وعاش هناك حتى وفاته سنة 1968م، ونقل جثمانه إلى بغداد ودفن في مقبرة الشيخ معروف. وتوفيق السويدي هو شقيق ناجي السويدي رئيس وزراء العراق وعارف السويدي والدكتور شاكر السويدي.

المقدّم (بهاء الدين نوري)(1)، الضابط في الجيش العراقي كخبير بأمور العشائر والحدود، وأحمد حامد أفندي الصراف(2)كاتباً وسكرتيراً للوفد العراقي .

وافقت الحكومة البريطانية على مقترح السلطان مؤيدة مطاليب العراق ولكنها أشارت إلى ما يلي :

1 - على الحكومة العراقية الاعتراف بابن سعود ملكاً على الحجاز ونجد وملحقاتها .

2 - إنشاء علاقات سياسية وقنصلية مع حكومة الحجاز ونجد .

3- مشاركة السير جلبرت كلايتون في المفاوضات السعودية – العراقية .


1) بهاء الدين نوري الشرواني: ضابط عسكري عراقي ودبلوماسي وسياسي وسفير ووزير ولد في العراق لأسرة كردية، درس القانون في الأستانة والعلوم العسكرية في العراق وبريطانيا. أسس كلية الأركان في نهاية الثلاثينات من القرن العشرين وأصبح عميداً لها. ثُمَّ أصبح متصرفاً للسليمانية ثُمَّ نائباً عنها في البرلمان. عُيّن سفيراً في الأردن، وتولى منصب وزير الشؤون الاجتماعية في وزارة نوري السعيد العاشرة.

2) أحمد حامد الصراف هو أحمد حامد بن الحاج موسى بن أحمد. ولد في كربلاء سنة 1900م، وكان والده من ضباط الدرك العثماني، نشأ في الحلة وبغداد حيث تنقل والده بحكم الوظيفة، تعيّن معلما في بغداد سنة 1918 ، وتدرج في سلك التعليم بين بغداد والحلة ومديراً لمدرسة علي الغربي فمدير مدرسة كربلاء 1919 - 1921 ثُمَّ نقل إلى بغداد مدرساً في الثانوية، فكاتباً في دائرة المحاسبات العامة وفي خزينة بغداد وتخرج من الحقوق سنة 1926 ، ونقل إلى وزارة العدلية ملاحظاً للتحرير، ثُمَّ مدير المطبوعات في وزارة الداخلية، صحب السويدي في مؤتمر جدة، وفي سنة 1930 عين سكرتيراً لقنصلية العراق في كرمنشاه ، ومِنْ ثَمَّ استقال وعمل بالمحاماة، وأعيد للوظيفة في مناصب قضائية مختلفة، ثُمَّ أحيل على التقاعد سنة 1952م ، له مؤلفات مطبوعة ومخطوطة ومقالات وبحوث عديدة. توفي سنة 1985م.

وافقت الحكومة العراقية على مقترحات الحكومة البريطانية، فأبحر كلايتون لحضور المؤتمر ، وسافر الوفد العراقي على متن طائرة أقلته إلى القاهرة في 22 تموز 1928م، 1928م، اجتمع الوفد مع السير كلايتون في القاهرة ثُمَّ أبحر الجميع إلى جدة .

وعقدت الجولة الثانية وتم طرح مقترح من بريطانيا طرحه الوفد العراقي بأن الحكومة العراقية لا تمانع بالاعتراف بسيطرة ابن سعود على الحجاز كوسيلة لموافقة الطرف النجدي على بناء المخافر ، إلّا أن ابن سعود لم يوافق على ذلك أيضاً وقد أصرّ على موقفه. وفي 9 آب انتهت المحادثات بين الطرفين في المؤتمر دون التوصل إلى أي حل، وعاد الوفد العراقي إلى بغداد بدون نتيجة .

ابن سعود ومواجهته ثورة الإخوان

بعد فشل مؤتمر جدة رغم اعتراف العراق بخضوع الحجاز لحكم ابن سعود، ولكن موضوع مخفر بصيّة كان حاجزاً لتشدد ابن سعود على رأيه . وعاد عبد العزيز إلى الرياض، ولم يكن أمامه إلّا أن يطرح موضوع المخافر وموقف فيصل الدويش وهجماته ولمناقشة موضوع الإخوان الذين بدأوا يختلفون معه في مؤتمر (الجمعية العمومية) .

في الأول من شوال سنة 1343ه-(24 نيسان 1925م) إجتمع الإخوان مع أمير مكة وآخرين بمكة بعد أداء صلاة عيد الفطر وهو أول عيد للسعوديين وأتباعهم بعد احتلال مكة ، فخطب فيهم (فيصل الدويش) ومما قال في خطبته : « دخلنا بلد الله الحرام وطردنا الشريف من هذا البيت. إننا جند الله وخدم الدين، لا نريد إلّا أن تكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر ولا نريد إلّا رفع المظالم وإزالة البدع والمنكرات ، وإن هذا السيف وهذا الجند سيعمل هذا العمل في كل من يسير في طريق الشريف ويعمل عمله ... »(1). فكان هذا أول إنذار من أكبر قادة الإخوان ، وقد ذكرنا سابقاً بداية خلاف قادة الإخوان مع ابن سعود لتضرر مصالحهم .


1) جزيرة العرب في القرن العشرين / حافظ وهبة، ص290.

أول مؤتمر للإخوان

لم تمض سنة على خطبة ابن الدويش حتى قام قادة الإخوان بعقد مؤتمر في (الأرطاوية) بلدة فيصل الدويش رئيس مطير ، وكان حينها السلطان عبد العزيز في الحجاز، ويقول حافظ وهبة عن هذا المؤتمر :« حضره رؤساء الإخوان من مطير وعُتيبة والعجمان(يقصد بهم ابن الدويش وابن بجاد وابن حثلين)، تعاهدوا فيه على نصرة دين الله والجهاد في سبيله ، ثُمَّ أنكروا صراحة على الملك عبد العزيز :

أولاً : إرسال ولده سعود إلى مصر .

ثانياً : إرسال ولده فيصل إلى لندن بلد الشرك .

ثالثاً : استخدام السيارات والتلغرافات والتلفونات .

رابعاً : الضرائب الموجودة في الحجاز ونجد .

خامساً : الاحتجاج على إذنه لعشائر العراق وشرق الأردن بالرعي في أراضي المسلمين .

سادساً : الاحتجاج على منع المتاجرة مع الكويت، لأنّ أهل الكويت: إن كانوا كفاراً حوربوا ، وإن كانوا مسلمين فلماذا المقاطعة ؟

سابعاً : النظر في شيعة الإحساء والقطيف، وإجبارهم على الدخول في دين أهل السنة والجماعة(1).

مؤتمر الرياض

أسرع عبد العزيز بالرجوع إلى نجد ليعالج هذا الأمر، فدعا زعماء الإخوان إلى مؤتمر يعقد في الرياض في 25 رجب 1345ه- (28 كانون الثاني 1927م)، ولبّى الدعوة جميع زعماء الإخوان ما عدا سلطان بن بجاد ، وعُقد المؤتمر في تاريخه، وشرح ابن سعود موقفه وقال أنه خادم الشريعة والمحافظ عليها، وأنه هو كما يعرفونه من قبل ولم يتغيّر كما يتوهم البعض. وانتهى المؤتمر بفتوى أصدرها علماء نجد في صدد


1) المصدر نفسه/ ص291

المسائل التي كانت سبب تذمر الإخوان منها مسألة التلغراف اللاسلكي وهدم قبر حمزة وغيره في المدينة حيث أفتوا من قبل بهدمها ، والقوانين الحجازية يتم إزالتها ، ومنع الحاج المصري دخول البلد الحرام بالسلاح ، وأن المحمل فقد أفتى العلماء بمنعه من دخول المسجد الحرام والتمسح به ، وأمّا عن الرافضة (يُقصد بهم الشيعة) فأفتوا بأن يلزمهم الامام البيعة على الإسلام (أي إعتبروهم غير مسلمين)، وأن يمنعهم من شعائرهم ، وعلى ابن سعود أن يأمر نائبه على الإحساء أن يحضرهم عند الشيخ ابن بشر ويبايعوه على دين الله ورسوله !!! ، وترك دعاء الصالحين من أهل البيت وغيرهم، وعلى ترك سائر البدع وغيرها مما يقيمون به شعائر مذهبهم الباطل (حسب قولهم) ، ويمنعون زيارة المشاهد ومواضيع أخرى تخص الشيعة يطول شرحها ، منها شيعة العراق الذين سموهم رافضة والذين انتشروا وخالطوا بادية المسلمين فأفتوا بأن يأمر ابن سعود بكفهم عن الدخول في مراتع المسلمين وأرضهم. وفي المؤتمر أفتوا بأن جباية (المكوس ) من المحرمات وتركها واجب على ابن سعود ، وأمّا الجهاد فهو محول إلى نظر الامام، وعليه أن يراعي ما هو أصلح للإسلام والمسلمين على حسب ما تقتضيه الشريعة. وحررت هذه الفتوى في 8 شعبان سنة 1345ه- (10 شباط 1927 )

مؤتمر الجمعية العمومية

دعا ابن سعود إلى مؤتمر الجمعية واشترك فيه 347 من العلماء والزعماء ورؤساء الحواضر والبوادي ، وتخلف رؤوس الفتنة من قادة الإخوان عن حضور المؤتمر حيث كانت الخلافات بينهم وبين عبد العزيز قد أخذت بعداً خطيراً تهدد مملكته وكيانه . وعقد المؤتمر في 10 جمادى الأولى 1347 ه- (19 تشرين الأول (أكتوبر) 1928م)، وخطب بهم عبد العزيز خطبة مطولة بيّن فيها مواقف الإخوان منه ومن سياسته .

ومن الأمور التي طُرحت ضدّه هي موافقته على استعمال (الأتيال) وهي اللاسلكي

وأمور أخرى اعتبرها الإخوان من عمل الشيطان، وتباطؤه في حسم موضوع المخافر في العراق لأنّها تؤثر عليهم وغيرها من الأمور .

كان عدد الحاضرين نحو 800 من علماء ورؤساء حضر وبدو، ولم يحضر رؤساء الإخوان هذا المؤتمر . جدد العلماء والزعماء البيعة لعبد العزيز على السمع والطاعة ومحاربة الباغي إلى أن يفيئ إلى الرشد ، وتم له ما أراد استعداداً للإيقاع برؤوس الفتنة وتأديب الغلاة من الإخوان، وأعظم ما أسفر عنه الاجتماع هو إبطال ما كان يدعيه الغلاة من حق إعلان الجهاد بغير إذن( الإمام) وهو ابن سعود وأصبح المخالف له حلال الدم والمال .

شكّل الإخوان النجديين الذين كانوا القوة الضاربة بيد عبد العزيز حركة ضدّه ولم يأبهوا لهذا المؤتمر ، وقرروا مخالفته والوقوف مناوئين له ، ورؤوس هذه الحركة هم : فيصل الدويش وسلطان بن بجاد وضيدان بن حثلين ، ونذكر ما دوّنه أمين الريحاني بهذا الخصوص، فيقول :

«أمّا القائمون بالحركة ، فتجاهلوا المؤتمر والمؤتمرين . وأذاعوا في (الهِجر) أنهم قائمون بأمر الدين وإقامة الشريعة التي يهدمها عبد العزيز، وأن عبد العزيز طالبُ مُلك ، ومُوالٍ للكفار ، وشريك لهم في جميع الأعمال .

وترك (ابن بجاد) قريته (الغُطغُط) لقربها من الرياض، ولحق بالدويش فكانت (الأرطاوية) مأوى عُتيبة ومطير. وقام (ابن حثلين) بشن الغارات على

عرب العراق في بادية الكويت والزبير .

وأطمعهم بعبد العزيز تريّثه في التصدي لهم . وما كان تريّثه إلّا اضطراراً . على أنه لم تكن تعوزه القوة، وكان الزحف متوقفاً على كلمة منه ، وإنما كان ينظر إلى ما وراء الزحف .

كان أشد ما يخشاه أن يفلت العصاة أو زعماؤهم من بين يديه قبل أن يقضي عليهم قضاءً لا قيام لهم بعده. وخطّته أن يحصرهم في داخل حدوده. ولا سبيل إلى حصرهم ما لم يطمئن إلى أن بوادي الحكومات المجاورة وحواضرها ستُغلق

أمامهم ، فلا يجد أحد منهم منفذاً للنجاة. واطمئنانه هذا لا يكون إلّا إذا تعهد له المنتدبون – يومئذ – على العراق وشرقي الأردن بتسليمه من قد يلجأ إليهما من العصاة أو منعهم من الالتجاء إلى أراضيهما . ولأمر ما كان الإنكليز يودّون التملص من التعهد له بذلك .

وضح العراق من اختلال الأمن في أطرافه، واستمرار التعدي على قبائله ، حتى توهم بعض الناس أن عبد العزيز راضٍ عمّا يسميه الدويش وأعوانه (جهاداً) وكان لعبد العزيز عذره في أن يصرّ على أخذ التعهد، قبل أن يتحرك جيشه لضرب العصاة ، أو لكفّ عدوانهم عن الجوار .

وانتهت مفاوضة الإنكليز بجعل المادة المعلقة في معاهدة (بحرة) على ما يرتضيه الجانب السعودي . وتسلم الملك عبد العزيز تعهد الحكومة البريطانية – أخيرا - بطرد العصاة من أراضي العراق والكويت وشرقي الأردن» (1)

معركة ( السَّبَلَة) ونهاية الأخوان

إجتمع أهل نجد تحت راية ابن سعود في القصيم، وإلتف حوله الكثير من الإخوان الناقمين على ابن الدويش ورفاقه الرؤساء . وعندما علم الإخوان بوصول ابن سعود إلى (بريدة) إجتمعوا في جنوبي مكان يدعى (روضة السَّبلة) بقرب (الزِّلْفي) وصمموا على مهاجمته واثقين من الفوز عليه. وعسكر ابن سعود أمامهم وليس بين المعسكرين إلّا ربوة صغيرة . وطلب ابن الدويش أن يذهب بنفسه إلى ابن سعود ليرى جلية الأمر ، وقال لجماعته أنه إذا لم يرجع إليهم في المساء فيكون ابن سعود قد قتله .

جاء فيصل الدويش إلى معسكر ابن سعود وأخذ يتملق له متجسساً ، وقال أنه ليس على رأي ابن بجاد وبقية الجماعه وأنه سيبيت عنده في المعسكر ، فقال له ابن سعود : « إذهب إلى قومك وموعدكم غداً بعد شروق الشمس ، وان كنت


1) تاريخ نجد الحديث وملحقاته/ أمين الريحاني، ص485 - 487 .

صادقاً فتنح عن الجماعة ، وإن لم تكن صادقاً فسترى وخامة العاقبة » . وعاد ابن الدويش إلى الإخوان وسأله قادتهم «ماذا رأيت ؟» ، فأجابهم : « ماذا رأيت ! رأيت حضرياً ترتعد فرائصه من الخوف، وليس حوله إلّا طبابيخ (طهاة) لا يعرفون إلّا النوم على الدواشج (المراتب) ابشروا يا إخوان . لقد وجدت لديهم حلالاً كثيراً وأموال عظيمة ، فأبشروا بالكسب والغنيمة، وسنقهر هذا الطاغوت غداً ونستولي على ماله»(1).

نشبت المعركة في صباح اليوم التالي 19 شوال 1347ه- (30 آذار (مارس) 1929م)، فقد هاجمت جيوش عبد العزيز آل سعود جيوش الإخوان وحملت عليهم حملة عنيفة لم يقدروا على ردّها ، وإستمر القتال إلى منتصف النهار، فحلّت بالإخوان الهزيمة ففرَّ ابن بجاد إلى (الغطغط) وجُرح ابن الدويش في خاصرته وساعده أحد رجاله وانهزم به إلى (الأرطاوية) بعد أن حُمل إلى ابن سعود وعفى عنه عندما رآه جريحًا . وبعد ثلاثة أيام من المعركة وكان عبد العزيز قد نزل (شَقْرا) جاء إليه ابن بجاد مستسلماً فأمر ابن سعود بسجنه في الرياض ومِنْ ثَمَّ نقل سجيناً إلى الاحساء حيث

مات بسجنه(2).

مقتل ضيدان بن حثلين

لم يهدأ ابن سعود على الإخوان فلا زالت لهم فلول لا يأمن جانبها ، فأمر أخاه الأمير عبد الله بن عبد الرحمن بتدمير (الغطغط) بلدة ابن بجاد كما يقول عبد الله فيلبي في كتابه (تاريخ نجد) . وأرسله للتنكيل ببعض العصاة، كما أمر أمير الإحساء (عبد الله بن جلوي آل سعود بتأديب العجمان قبيلة ابن حثلين .


1) جزيرة العرب في القرن العشرين / حافظ وهبة، ص 296 .

2) تاريخ نجد الحديث وملحقاته /أمين الريحاني، ص 488 . وجزيرة العرب في القرن العشرين/ حافظ وهبة، ص 296 .

لم يشترك ضيدان بن حثلين - زعيم العجمان - في معركة (السبلة) وكان في (الصَّرَّار) على مقربة من الإحساء ، فدعاه ابن جلوي لمقابلته ، فامتنع ، فوجّه إليه حملة بقيادة ابنه (فهد بن عبد الله بن جلوي ) فتقابلا في (العوينة) على مسافة أربع ساعات من الصرّار . وقُتل ضيدان ، وقُتل فهد في 19 ذي القعدة 1347 ه-(1929م) (1).

القضاء النهائي على حركة الإخوان

لم تكن الضربة التي تلقاها الإخوان فاصلة ، فإنّ ابن الدويش برئ من جراحه فخاف أن يكون مصيره كمصير ابن بجاد فترك الأرطاوية واستقر بين الكويت والاحساء ، وخشي العجمان بطش أبي فهد( ابن جلوي) فنزحوا إلى الشمال قرب الكويت وتأمر عليهم ( نائف ابن حثلين ) ابن عم ضيدان وكان يلقب بأبي الكلاب . ولحق بهم الكثير وانضموا إلى ابن الدويش وجماعته، وأخذوا يعيثون في الأرض فساداً ، وعادت ثورة الإخوان أشد مما كانت . أخذ ابن سعود بتجميع الجنود وتقوية الحاميات في الاحساء والقطيف وحائل، وأرسل قوة لحماية الرياض من قبيلة (عتيبة) جماعة ابن بجاد، وضربهم ضربة لا تقوم لها قائمة، والتقى جيشه بقيادة ابن مساعد بجيش الإخوان بقيادة(عبد العزيز بن فيصل الدويش) في (أم الرضمة) ، ووقعت معركة دامية قُثل فيها ابن فيصل الدويش ، ولم يفلت منهم إلّا القليل، فأيقن فيصل الدويش أنه مقضي عليه لا محالة ، فطلب الصلح والأمان ، فأصر ابن سعود على التسليم بلا قيد وشرط ووعد بالعفو عن حياة الدويش فقط .

في 30 كانون الأول 1929م خرج ابن سعود يقود القوات بنفسه مستعيناً بالسيارات والمدافع الرشاشة، وهجم محسن الفرم وهو من قبيلة (حرب) وكان من الإخوان، على الدويش ومعه عربان العراق ابن طُوَلة وابن سويط ، وأيقن


1) تاریخ نجد الحديث وملحقاته /أمين الريحاني، ص 489 .

ابن الدويش وجماعته أن لا طاقة لهم في المقاومة، فتفرقوا من حول الدويش فلجأ بعضهم إلى الحدود العراقية وفر بعضهم إلى نجد

فيصل الدويش يطلب اللجوء إلى العراق

عندما تيقن فيصل الدويش رأس الإخوان والثعلب الماكر بأن الأرض قد ضاقت عليه بما رحُبت ، بعث إلى الملك فيصل ملك العراق يطلب منه الموافقة في الإلتجاء إلى العراق ، وأن يصبح أحد رعايا الحكومة العراقية ، فيمكنها أن تستعين به ضد الملك عبد العزيز آل سعود، كما بعث برسالة إلى( غلوب باشا) المفتش العام في البادية العراقية الجنوبية يطلب منه نفس ما طلب من الملك فيصل ، ولكن الملك فيصل رفض عرضه وأمر القوات العراقية أن تمنع المنشقين النجديين من تجاوز الحدود بمساعدة القوات البريطانية . وعندما علم ابن سعود بذلك حمد موقف العراق وملكه .

استسلم فيصل الدويش وبعض رؤساء مطير والعجمان إلى السلطات الإنكليزية التي كانت بالجهرة في 9 كانون الثاني 1930م . ثُمَّ سلّمه الإنكليز إلى ابن سعود الذي سجنه في الرياض ومات في سجنه .

العلاقات العراقية - السعودية بعد القضاء على حركة الإخوان

عندما كان الملك عبد العزيز يطارد فلول الإخوان فقد إقترب من الحدود العراقية ، وعلمت بوجوده الحكومة العراقية فقررت بإيعاز من الملك فيصل الاستفادة من هذا الاقتراب ، وطلبت من المندوب السامي البريطاني في العراق (السير فرنسيس همفريز)(1)أن يكون وسيطاً ويتخذ ما يقتضي من التدابير لتحقيق اجتماع بين الملك فيصل والملك عبد العزيز لإنهاء الخلافات بين العراق ونجد وخاصة


1) السير فرنسيس هنري همفريز هو دبلوماسي بريطاني، درس في جامعة أوكسفورد، وعمل في السلك البلوماسي في عاصمة أفغانستان ( كابل ) من سنة 1922م إلى 1929م، ثُمَّ مندوباً سامياً في العراق من سنة 1929م إلى سنة 1932م.

موضوع الحدود والعشائر ، وكذلك لتجاوز القطيعة بعد أن إحتل ابن سعو سعود الحجاز وضمّه إلى مملكته وأنهى حكم الهاشميين الذي كان الملك فيصل أحد أعمدتهم .

إهتم المندوب السامي في العراق بمقترح الحكومة العراقية فأبرق بتاريخ 13 كانون الثاني 1930م إلى حكومة لندن لأخذ رأيها ، وفي نفس الوقت أبرق إلى الملك عبد العزيز آل سعود يقترح عليه لقاء العاهلين في اجتماع يكون برعاية بريطانية .

كان جواب ابن سعود مرحباً بالاجتماع المنشود كل الترحيب، وذكر في جوابه أنه لا يضمر للملك فيصل ولا لحكومة العراق سوى الخير، وإقترح أن يُعقد مؤتمر تمهيدي على مستوى وزراء البلدين لإعداد ورقة العمل، على أن تترك كل قضية لا يتوصل إليها الطرفان إلى المحادثات التي ستجري بين الملك فيصل والملك عبد العزيز .

كان لموضوع تمرد الإخوان على عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز ونجد وملحقاته والقضاء عليهم، سبباً في أن يفكر جدّياً بتأسيس جيش نظامي يليق بمملكته ، وأن يقبل لاحقاً في قبول التفاوض وتوقيع معاهدة لإنهاء الغارات الوهابية على العراق . فقد أصبحت الظروف مواتية بعد تسارع تلك الأحداث لأنّ يجلس الطرفان العراقي والسعودي بمشاركة إنكليزية لحل خلافاتهما الحدودية والعشائرية .

كانت الحكومة العراقية التي يرأسها حينها ( ناجي السويدي) قد رحّبت بموافقة ابن سعود وأخذت تعد العدّة لتحقيق انعقاد الاجتماع أو المؤتمر الذي إعتبرته وزارة ناجي السويدي أفضل وسيلة لتجاوز الخلافات بين البلدين وتحقيق صلات المودة وحسن الجوار بين نجد والعراق، وتجاوز الخلافات الشخصية بين العاهلين ، وأصدرت الحكومة العراقية بتاريخ 16 كانون الثاني 1930 م بياناً بخصوص ذلك .

معاهدة لوبين ولقاء العاهلين

تقرر أن يُعقد اللقاء في المنطقة المحايدة بين العراق ونجد، ولكن ابن سعود رفض أن يُعقد اللقاء في تلك المنطقة متعذراً ببرقية أرسلها بأنه رحل من المنطقة

القريبة من الحدود العراقية ، وإذا كانت الحكومة العراقية راغبة في عقد المؤتمر فيمكن عقده بالقرب من الحدود الكويتية - النجدية حيث مقر الملك ابن سعود العسكري . فكان ذلك سبباً في تأجيل عقد المؤتمر وباعثاً لتدخل الإنكليز في تعيين محل وتوقيت انعقاد المؤتمر .

في 28 كانون الثاني وصل بغداد الشيخ فؤاد حمزة وكيل وزارة خارجية نجد، وحل ضيفاً على الحكومة العراقية وقابل الملك فيصل وإجتمع برئيس الوزراء وبعض الساسة العراقيين للتمهيد لعقد المؤتمر .

اقترح الإنكليز عقد لقاء العاهلين فيصل بن الحسين ملك العراق وعبد العزيز آل سعود على ظهر البارجة الإنكليزية (لوبين) الراسية في خليج البصرة . فوافق الملك عبد العزيز وإستغل الفرصة طالبًا من الإنكليز أن تسلّم إليه فيصل الدويش وأتباعه الذين سلّموا أنفسهم إلى الإنكليز عندما كان يتعقبهم ، فاستجابت الحكومة البريطانية لطلبه فسلمتهم إليه بعد أن رجته قبول دخالتهم وعلى أن يعفو عنهم.

أرسلت الحكومة العراقية في التاسع من شباط 1930م وزير الداخلية (ناجي شوكت)(1)إلى الكويت ومعه سكرتير الوزارة (خليل إسماعيل) للمداولة مع ممثلي ابن سعود وهم فؤاد حمزة وحافظ وهبة وإبراهيم معمر ، لتمهيد أعمال المؤتمر والتأكيد على الرغبة الصادقة في إنهاء الخلافات بين البلدين بجو من الصفاء والأخوّة ، وقد إتفقوا على المواد التي ستتناولها المفاوضات وهي:

1 - موضوع المخافر التي أقامها العراق على الحدود لحفظ الأمن في البادية .


1) هو ناجي بن شوكت باشا آل رفعت بك من عائلة تنتمي الى جماعة والي بغداد داود باشا. فهو من عائلة تركية شركسية أصلها من شمال القوقاز. ولد في مدينة الكوت سنة 1891م. كان ضابطاً في الجيش العثماني وأسره الانكليز وأرسلوه الى الهند، ثم التحق بالثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين، وشارك في حرب الحجاز وعاد الى العراق بعد تحرير سوريا، وكان من السياسيين العراقيين المناوئين للإحتلال البريطاني، شغل منصب متصرف بغداد ثم الموصل ثم وزيراً للداخلية ثم أصبح رئيساً للوزراء. شارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني وتم نفيه ثم حكم عليه بالسجن 5 سنوات. توفي سنة 1980م.

2 - البحث في نظام العشائر .

3- تسليم المجرمين اللاجئين من الطرفين.

4 - البحث في المنهوبات التي أخذها غزاة نجد من العشائر العراقية المعتدى عليها .

5 - تأسيس صلات حسن الجوار والصداقة بين نجد والعراق وإنهاء الخلافات كافة الشخصية والحدودية .

تقرر أن يُعقد المؤتمر في 22 شباط 1930م على ظهر البارجة الإنكليزية (لوبين) الذي سُمي المؤتمر بإسمها ، فوصل الملك فيصل إلى البصرة بقطار خاص حيث تم استقباله بحفاوة ، ثُمَّ إستقل الباخرة العراقية (نركس) للوصول حيث ترسو البارجة (لوبين) في فم الخليج العربي، وفي نفس الوقت وصلت الباخرة (بارتك ستوارت) التابعة لحكومة الهند البريطانية التي يستقلها الملك عبد العزيز ، وإنتقل العاهلان مع حاشيتهما والوفد المرافق لكل منهما إلى البارجة (لوبين) حيث يُعقد المؤتمر بحضور المندوب السامي البريطاني همفريز .

تألف أعضاء الوفد العراقي مع الملك فيصل الأول من : ناجي السويدي رئيس الوزراء ، وكورنواليس مستشار وزارة الداخلية، وخليل إسماعيل سكرتير الوزارة ، والشيخ عبد الله المضايفي، بالإضافة إلى همفريز المندوب السامي وحاشيته ، كذلك الحاشية الملكية .

أما الوفد النجدي مع الملك عبد العزيز فقد تألف من فؤاد حمزة، وحافظ وهبة ، ويوسف إلياسين ، وعبد العزيز القصيمي ، والدكتور مدحت شيخ الأرض ، ومع الوفد حاشية من 150 رجل مدججين بالسلاح .

بعد أن كان الجميع على البارجة لوبين فقد أطلقت مدافعها عدة طلقات ترحيباً بالعاهلين الذين تعانقا بحرارة وتبادلا القبلات الحارة وقدّم كل منهم أفراد حاشيته

للوفد الآخر . كما حضر المؤتمر الكثير من مندوبي الصحف العربية والأجنبية ، وبعض الممثلين عن الصحف العراقية وبعض المصورين لتوثيق وقائع المؤتمر .

تعانق العاهلان بحرارة وتبادلا القبلات والعواطف الرقيقة وقدّم كل منهما أفراد حاشيته للآخر ، وتكلم الملك فيصل مع الملك عبد العزيز مخاطباً إياه بأنه عقدت سابقاً مؤتمرات واجتماعات بين البلدين ولم يتم التوصل إلى حلول لمجمل المشاكل ، والسبب هو التباعد الذي لم يساعد على فهم المقاصد، والآن وقد تقاربنا وإجتمعنا سوية وننتهز هذه الفرصة لحل كل النقاط، وبيّن الملك فيصل رغبته الصادقة في التصافي مع ملك نجد، فأثنى الملك عبد العزيز على الملك فيصل وعلى مزايا البيت الهاشمي، وذكر شيئاً من مجافاة الشريف حسين للسعوديين فاعترف الملك فيصل بصحة ذلك ، وإقترح ابن سعود والملك فيصل أن يباشرا بعقد الجلسات التي إستمرت يومي السبت والأحد 22 و 23 شباط 1930م، وتخللت جلسات المؤتمر الضيافات بين الطرفين . لحين إنتهاء المؤتمر حيث تم الاتفاق على نقاط وأسس مهمة تؤسس إلى علاقات جديدة وحميمية بين العراق ومملكة نجد والحجاز .

421

من اليسار كورنواليس ، الملك عبد العزيز ، الملك فيصل ، ثُمَّ همفريز المندوب السامي

ننقل ما جرى في المؤتمر وما تم الاتفاق عليه من نقاط وأسس عن ما ورد من تدوين السيد عبد الرزاق الحسني الذي حضر المؤتمر ممثلاً عن جريدة الأهرام المصرية بصفته مندوبها في العراق :

« انتهى المؤتمر بالموافقة على النقاط والأسس الآتية :

1- عقد معاهدة حسن الجوار بين العراق ونجد: وفيها الاعتراف بالطرفين ، وقبول التمثيل الخارجي، والتعهد بمنع الغزو والتعدي بين عشائر الطرفين، وتسليم المجرمين، وتأليف لجان حدود دائمة لحل القضايا التي تقع على الحدود، والتعهد بحسم كل ما يقع من الاختلافات فيما يتعلق بالمعاهدات والاتفاقيات، وذلك على أساس التحكيم، حسب البروتوكول الذي يلحق بالمعاهدة المذكورة.

2 -أمّا قضية المنهوبات : فقد تعهد الملك ابن سعود بقبول الطلبات التي تقدم إلى جلالته من قبل الحكومة العراقية، مؤيدة بموافقة الملك فيصل عليها فإذا لم تحصل التسوية خلال المدة المقتضية ، إلى ما بعد موسم الحج من السنة التي عقد فيها هذا المؤتمر ، فتجتمع المحكمة بعد الحج في الكويت ، حسب أحكام اتفاقية (بحره)، على أن تؤلف من خمسة أشخاص: عضوان عراقيان ، والعضوان الآخران نجديان ، والخامس إنكليزي.

3 - اتفق الطرفان على قضية المخافر : بقبول الأسس اللازمة كلها ، بصورة ودية ، خلال ستة أشهر من تاريخ عقد المؤتمر ، وإلّا أحيلت القضية على هيئة التحكيم . ووافق الطرفان على أن يكون قرار الهيئة التحكيمية التي ينتخبها الطرفان قطعياً وواجب التنفيذ .

4- صدور عفو ابن سعود عن فرحان ابن مشهور وأتباعه الذين التجأوا إلى العراق ، والحكومة العراقية تطلق سراحهم .

وفي يوم الاثنين 24 شباط سنة 1930 قفلت السفن الثلاث عائدة إلى أماكنها ، فأبرق الملك فيصل إلى الملك ابن سعود برقية لاسلكية قال فيها :

يسرني ، وأنا في طريقي إلى البصرة، أن أرسل إلى جلالتكم تحياتي القلبية الاخوية، وأتمنى أن تكونوا في راحة تامة راجيًا لجلالتكم عودة سعيدة وهناء تاما . فرد عليها عاهل نجد ببرقية لاسلكية مثلها قال فيها :

لقد كان لتحيات جلالتكم الصميمية ، وسؤالكم عن راحة أخيكم ، أثر عميق في قلبي . أشكر جلالتكم شكراً ودياً فائقاً على العواطف الاخوية التي أظهرتموها نحوي . ان أخلاقكم النبيلة ، وسجاياكم الملوكية التي اشتهرتم بها جلالتكم ، جعلتني أشعر بوثوق في المستقبل، كما أنها قوّت اعتقادي السابق في جلالتكم ، فأتمنى لكم دوام الرفاه»(1).

423

على ظهر البارجة (لوبين) العاهلان العراقي والنجدي وأعضاء الوفدين عند انتهاء المؤتمر


1) تاريخ الوزارات العراقية / عبد الرزاق الحسني، ج 2 ص 303 - ص 304 .

عاد الملك فيصل إلى بغداد يوم 25 شباط 1930م واستقبل استقبالاً حافلاً ، وأرسل رسالة شكر للحكومة البريطانية وللمندوب السامي السير همفريز على مساعيهم لتقريب وجهات النظر وحل الخلافات بين البلدين، وبدوره وجه رئيس الوزراء ناجي السويدي رسالة مماثلة للسير همفريز .

في 6 آذار وصل إلى بغداد وفد نجدي مكون من فؤاد حمزة وحافظ وهبة ليفاوض الحكومة العراقية في أسس المعاهدة، وفي 9 آذار تم الاتفاق على كل شيء ووقع الطرفان على النصوص النهائية ، وغادر الوفد العراق حاملاً رسالة خاصة من الملك فيصل إلى الملك عبد العزيز .

في 22 آذار 1930م أرسل الملك عبد العزيز وفداً إلى بغداد حاملاً معه هدايا من الملك عبد العزيز آل سعود إلى الملك فيصل ورئيس الوزراء ناجي السويدي وإلى السير همفريز المندوب السامي والهيئة الدبلوماسية التي رافقت الملك فيصل إلى مؤتمر لوبين، وكانت هذه الهدايا تعبير عن العواطف التي أظهرها الملك عبد العزيز اتجاه العراق وملكه وحكومته، والهدايا كانت عبارة عن جياد عربية وطنافس إيرانية ثمينة ، وسيوف مذهبة ومرصعة وعباءات من النسيج النجدي وغير ذلك من الهدايا الثمينة .

بقي أن يتم التوقيع على بنود المعاهدة المذكورة، فقد مرت فترة عدة أشهر تأخر فيها التوقيع بين البلدين على أسس المعاهدة بسبب ظروف استقالة وزارة ناجي السويدي ، والعمل على تشكيل وزارة جديدة حيث تم تكليف (نوري السعيد) بتشكيل وزارته الأولى .

«سافر نوري السعيد رئيس وزراء العراق إلى الحجاز في 18 شباط 1931م فعقد المعاهدات المذكورة مع ابن سعود في 20 ذي القعدة 1349ه-

(7 نیسان 1931) على الأسس التي تقررت في مؤتمر (لوبين)(1)».


1) المصدر السابق نفسه / ج 2، ص 305 .

بعد التوقيع على معاهدة الصداقة وحسن الجوار وبروتوكول التحكيم والتعويضات وبقية الأمور التي تم الاتفاق عليها في معاهدة لوبين وكل ذلك تم بتوقيع ومصادقة العاهلين العراقي والنجدي، فقد صادق مجلس الوزراء العراقي ومجلس النواب ومجلس الأعيان على المعاهدة ، وأعتبرت الأساس القانوني للعلاقة بين الدولتين .

تحسنت العلاقات بين العراق ونجد بعد مؤتمر ومعاهدة لوبين بشكل كبير ، وانقطع الغزو والتعدي على العشائر والأراضي العراقية، وانتهت الاضطرابات على الحدود بين الدولتين، ولم يتمكن أحد من الغزاة أو الرعاة على أنتهاك حرمات الحدود، وتوقفت نهائيًا الحملات الإعلامية التي كانت تثيرها الصحف ، فلم تذكر الصحافة العراقية مملكة ابن سعود وملحقاتها إلّا بما يسرّها، وكذلك كان موقف الصحف النجدية من العراق .

وهكذا اسدل الستار عن واحدة من أهم التحديات الوجودية الخطيرة التي انتابت المجتمع العراقي، والتي تمثلت بغارات الإخوان الوهابية وهجماتهم المستمرة، وكذلك التجاوزات النجدية على الأراضي العراقية بعد أن تم ترسيم الحدود، وتنظيم حركة العشائر وعائديتها كل إلى بلده .

في 21 جمادى الأولى سنة 1351ه- الموافق 22 أيلول (سبتمبر) سنة 1932م تم إلحاق منطقة عسير التي كان يحكمها الأدارسة إلى سلطة نجد والحجاز، وتم تغيير إسم المملكة إلى ( المملكة العربية السعودية) ، وكانت المراسلات والمكاتبات بين المملكة العراقية وبين السلطة السعودية تأخذ الإسم الجديد للمملكة السعودية ، وإستمرت العلاقات الطيبة بين الطرفين، وانتهت كافة الإشكالات التي إستمرت سنوات طويلة .

الخاتمة

بعد أن قدّمنا إلى القارئ الكريم هذا البحث الذي أسميناه (مؤتمر كربلاء لمواجهة الإخوان النجديين ) ، كنا نروم الحديث عن حدث تاريخي جرى في مدينة کربلاء ألَا وهو احتضان هذه المدينة مؤتمر شعبي فرضته الظروف في وقت عصيب عندما قامت جماعات إرهابية متمثلة بحركة الإخوان النجديين وهي حركة وهابية بالهجوم على مدن ومناطق وعشائر عراقية، وباتت تهدد أمن البلد .

فالمؤتمر الذي عُقد في كربلاء كانت له أسبابه وتمخضت منه قرارات كان لها التأثير الكبير في ترسيم الحدود العراقية النجدية بعد أن عُقدت عدة مؤتمرات لذات الغرض، وكان تأثير المؤتمر على سلطة الاحتلال البريطاني التي كانت قد وضعت العراق تحت الانتداب وإجبارها للقيام بالتحرك والضغط على السلطة النجدية لوقف الهجمات الوهابية على العراق وترسيم الحدود النهائية .

وكان لزاما علينا قبل الحديث عن مؤتمر كربلاء الذي إنعقد في نيسان 1922م أن نبحث عن حركة (الإخوان النجديين)، وكيف تأسست وما هي عقائدها ومن هم زعمائها وما هي معتقداتها ؟ . ولأنّ هذه الحركة التي أخذت طابع التشدد كانت تنتهج العقيدة الوهابية وهم بدو رُحّل ، وقد ارتأى عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود أمير نجد أن يشجعهم على الاستقرار في بلدات سُميت ب-(الهجر) و مفردها هجرة، وجعل عليهم مجموعة من (المطاوعة) وهم المشايخ من الوهابيين لتعليمهم وإرشادهم، فقد جهدوا في الاستقرار، وأصبحوا قوّة عسكرية ضاربة

باسم (الجهاد في سبيل الله ) لتنفيذ المخطط التوحيدي التوسعي الذي كان يروم ابن سعود في تنفيذه، وكانوا ذراعه في الغزوات والهجمات التي شنها ابن سعود لتوسيع دولته .

فدعانا المجال أن نبحث قبل كل شيء عن الدعوة الوهابية وعن مؤسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعن تحالفه مع الأمير( محمد بن سعود) مؤسس الدور الأول للدولة السعودية ، ومِنْ ثَمَّ ألزمنا البحث عن دراسة الأدوار الثلاثة للدولة السعودية، والتطرق للهجمات الوهابية على العراق، والحديث عن الصراعات في شبه الجزيرة العربية والوقائع التي حدثت والتي كان منها الصراع الدموي بين آل سعود وآل الرشيد ، ومِنْ ثَمَّ تدخل الدولة العثمانية ومحاربة الوهابيين عن طريق ولاتها في العراق ومصر ، ومِنْ ثَمَّ دخول الإنكليز على الخط لتواجدهم في منطقة الخليج العربي ومِنْ ثَمَّ احتلالهم للعراق ، وكذلك تم الحديث عن الصراع السعودي الهاشمي بين نجد والحجاز.

كل هذه المواضيع بحثناها لعلاقتها الوثيقة بموضوع البحث، ومِنْ ثَمَّ بحثنا عن مؤتمر كربلاء ونتائجه، فتطرقنا للمؤتمرات التي عُقدت برعاية الإنكليز لترسيم الحدود وإنهاء مشكلة العشائر ووقف الهجمات بين العراق ونجد . فكان مؤتمر المحمرة ثُمَّ مؤتمر العقير ، فمؤتمر الكويت ، ثُمَّ مؤتمر بحرة إلى أن عقد مؤتمر (لوبين) الذي به تم توقيع معاهدة بين العراق ونجد وترسيم الحدود وإنهاء كافة المشاكل بين الطرفين .

وكان من الضروري أن نعود إلى الإخوان النجديين ونذكر مخالفتهم لعبد العزيز آل سعود ومِنْ ثَمَّ تم القضاء عليهم بعد أن ساعدوه باحتلال الحجاز وتقويض السلطة الهاشمية .

لقد إعتمدنا في هذا البحث مصادر موثوقة منها مصادر أجنبية لأجانب عاصروا الأحداث حينها ، ومصادر عربية وثيقة الصلة بأحداث الجزيرة العربية والعراق ، ولم نغفل المصادر العراقية الرصينة التي واكبت الأحداث وكتبت عنها .

وقد إعتمدنا أسلوب التحليل البحثي للأحداث والوقائع والرؤى حتى نثبت رأينا في مجريات البحث، ولم ننجر في كل ما تم تدوينه إلى الانحياز في الرأي بدون تدقيق ، معللين بذلك على مجمل الأمثلة التي أوردناها من المصادر الموثوقة وفي أحيان كثيرة من مصادر رسمية لا لبس فيها ولا تحريف.

من خلال هذا البحث كان لا بُدَّ من تسجيل الملاحظات التالية على سبيل الإعجاب لشخصيات وردت في البحث، وفي نفس الوقت ذكر المواقف الغريبة من شخصيات ودول غلبت على تصرفاتهم المصالح الشخصية والسلطوية ودوافع استعمارية خبيثة ، فالصراع كان محتدم في المنطقة وكانت نتائجه مستمرة إلى زماننا الحالي، وا ، والملاحظات بمجملها هي :

1 - صيغ التلاحم الشعبي العراقي بكل فئاته وطوائفه للوقوف صفاً أمام التحديات التي كانت تواجه العراق ، وقد تمثل ذلك بالزخم الكبير الذي حضر مؤتمر كربلاء من علماء الدين والأعلام والشخصيات السياسية الوطنية ورؤساء العشائر في جميع مدن العراق ومناطقه ومن مختلف طوائفه المذهبية .

2- كان الملك فيصل الأول رحمه الله قد سجل في تاريخه مو قفاً مشرفاً رغم التحديات التي واجهته من قبل سلطة الانتداب البريطاني ومن الحكومة العراقية المتمثلة بوزارة عبد الرحمن الكيلاني التي كانت تأتمر بسلطة الاحتلال .

3- كان المرحوم العلامة والمرجع العربي الكبير الشيخ محمد مهدي الخالصي أهلاً لتحمل المسؤلية الوطنية التي كُلف بها خاصة في قيادته للتجمع الذي عُقد في كربلاء .

4 - كانت من أبرز صور التلاحم والتعاضد هي المواقف التي إتخذها المرحوم العلامة الشيخ عبد الوهاب النائب ومن معه من علماء أهل السنة الكرام، وكذلك علماء وشيوخ وأعيان الموصل وتكريت والشرقاط والدليم وديالى وجميع عشائر الوسط والجنوب العراقي .

5- من خلال الأحداث التي وردت في البحث تتجلى الحقيقة الاستعمارية للإنكَليز الذين كانت مواقفهم تحددها مصالحهم وليس مصلحة البلد الذي يحتلونه ، وكانوا قد لعبوا أدواراً في العلاقة بين بلدان المنطقة العربية، رغم أنهم ساعدوا في ترسيم الحدود وإنهاء الهجمات على العراق ، فقد كانوا يلعبون على نار هادئة تحددها مصالحهم، وما قاموا به نتيجة الهيجان الذي هب من أهل العراق لمواجهة التحديات . فكانت للإنكَليز خططهم ومصالحهم.

6- من المؤسف أن يرتمي بعض شيوخ العشائر في حضن المحتلين الانكَليز ، ولم يكن ذلك جديدا عليهم فقد كانت مواقفهم في ثورة العشرين غير مشرفة.

7- وللأمانة والحق لا بُدَّ من تقديم الإعجاب بالملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس الدولة السعودية الثالثة المستمرة لحد الآن، وهذا الإعجاب له أسبابه مع تعارض آرائنا مع ما يعتقده، وهذا الإعجاب تولد من دراسة شخصيته وما قام به كفرد كان له هدف بتوحيد شبه الجزيرة العربية حيث بدأ بنجد وملحقاتها ثُمَّ دمج مع نجد الحجاز، ومِنْ ثَمّ أضاف إلى مملكته(عسير)لتتوحد هذه المملكة المترامية الأطراف بدوها وحضرها، وتمكن هذا الزعيم البدوي بذكائه الوقاد ودهائه وبراعته وشجاعته المتناهية أن يحقق هدفه ويؤسس دولة لها مكانتها بين دول العرب والعالم . كان من الفطنة وحسن القيادة والتدبير والدهاء والشجاعة في وقت تتلاطم فيه الصراعات في المنطقة ، فقد حايد العثمانيين وكسب رضاهم، وفي نفس الوقت تعاون مع الإنكَليز، وجامل الهاشميين في الحجاز ثُمَّ متى ما استقوى تمكن من دحرهم، كذا فعل بالأدارسة في عسير . كان يعرف من أين تسير الأمور ، تجده بالغا في الحلم وتارة فائق القسوة والشدة، فارس من طراز خاص ومخطط للوقائع . فالحقيقة والحق يقال أن من النادر أن نجد شخصية واجهت الأهوال والصعاب كما واجهها السلطان عبد العزيز رغم أنه كان يتوجس خيفة من الإنكَليز الذين كانت الوقائع تؤكد سيطرتهم على الشرق

الأوسط، فقد أرغمهم بأن يعتقدوا به أنه الرجل الأقوى في الجزيرة العربية ، فحرصوا على احتضانه ووافقوا على مشروعه التوحيدي .

وفي الختام أرجو أن يكون هذا البحث قد نال رضى القارئ الكريم ، ونستميحه العذر إذا ما وجد فيه بعض ما لم نقصد به غير الحقيقة . والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد وآله وصحبه الغر الميامين .

المصادر

1 - عنوان المجد في تاريخ نجد / عثمان بن عبد الله بن بشر . تحقيق عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ ، ج 1 ص36 - 37، ط4-الرياض سنة 1403ه- - 1983م.

2 - عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد/ إبراهيم فصيح الحيدري البغدادي. تحقيق معن حمدان علي . ص 342 ، منشورات مصر مرتضی ، المتنبي - بغداد سنة 1434ه- - 2013م.

3- تاريخ نجد الحديث وملحقاته أمين الريحاني، المطبعة العلمية – ليوسف صادر، بيروت، ط 1 سنة 1928م.

4 - مذكرات المستر همفر / الجاسوس البريطاني في البلدان الإسلامية ، نقله إلى العربية الدكتور ج . خ ، الصادر عن دار أنوار الهدى - ط3، قم - سنة 1425ه- - 2005م.

5- أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث / ستيفن هيمسلي لونكريك ، ترجمة جعفر الخياط ، ط4 ، من منشورات المكتبة الحيدرية ، طبع قم سنة

1425ه-.

6 - الكويت وجاراتها ه- . ر . ب . ديكسون ، عن دار صحارى للطباعة والنشر . بيروت سنة 1410ه- - 1990م.

7- الوهابيون تاريخ ما أهمله التاريخ لويس دوكورانسي، ترجمة مجموعة من الباحثين ، عن دار رياض الريس للكتب والنشر ، ط 1 سنة 2003م، بيروت - لبنان .

8- كربلاء في أدب الرحلات / عبد الصاحب ناصر آل نصر الله ، عن مؤسسة البلاغ، بيروت - لبنان، ط ا سنة 1434 ه- - 2013م .

9 - جزيرة العرب / جان جاك بيربي ، تعريب نجدة هاجر وسعيد الغز ، منشورات المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر، بيروت - لبنان ، ط 1 حزيران سنة 1960م.

10 - المملكة من الداخل - تاريخ السعودية الحديث - / روبرت ليسي، ترجمة خالد عبد الرحمن العوض، عن مركز المسبار للدراسات والبحوث ، ط4 سنة 2011 م ، دبي - الإمارات العربية المتحدة .

11 - العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية / للإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، تحقيق د. جودت القزويني ، عن بيسان للنشر والتوزيع ، بيروت - لبنان، ط 1 صنة 1418ه- - 1998م.

12 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة / آغا بزرك الطهراني، مراجعة وتصحيح وتدقيق السيد رضا العاملي، عن دار احياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط1 سنة 1430ه- - 2009م.

13 - تاريخ العراق بين احتلالين/ المحامي عباس العزاوي، عن شركة التجارة والطباعة المحدودة ، بغداد - سنة 1373 ه- - 1954م.

14 - مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود (تاريخ العراق ونجد) / عثمان بن سند الوائلي البصري، تحقيق د. عماد عبد السلام رؤوف، عن الدار العربية للموسوعات، بيروت - لبنان . ط 1 سنة 2010 م - 1431ه-.

15 - دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء/ الشيخ رسول الكركوكلي ، نقله إلى العربية موسى كاظم نورس ، عن دار الكاتب العربي - مطبعة کرم - بيروت ، بلا سنة .

16 - خمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق (مختصر مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود) / الشيخ عثمان بن سند البصري الوائلي، إختصره الشيخ أمين بن حسن الحلواني المدني، حققه وعلق عليه وطبعه محب الدين الخطيب . المطبعة السلفية ، القاهرة سنة 1371ه-.

17 – غاية المرام في تاريخ محاسن بغداد دار السلام/ الشيخ ياسين خير الله العمري الخطيب الموصلي ، عن دار منشورات البصري، بغداد- سنة 1388 ه- - 1968م.

18 - معجم البلدان / شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي الشهير ب-( ياقوت الحموي)، عن دار صادر، بيروت - لبنان ، سنة 1397ه- - 1977م.

19 - تاج العروس من جواهر القاموس / للسيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي ، تحقيق عبد الستار أحمد فراج، وعدد آخر من المحققين . 1385 ه- - 1965م.

20 - مختار الصحاح محمد بن أبي بكر الرازي ، دار الرسالة ، الكويت، سنة 1402ه- – 1982م.

21 - مسير طالبي / أبي طالب بن محمد خان الإصفهاني ، طبع بومبي سنة1227ه-/1812م.

22 - وسط الجزيرة العربية وشرقها وليم جيفورد بالجريف (بلغريف)، ترجمة صبري محمد حسن ، عن المجلس الأعلى للثقافة . سنة 2001 م .

23 - الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية / د . روبن بدول ، ترجمة د. عبد الله آدم نصيف من جامعة الملك سعود . الرياض - السعودية ، ط 1 سنة

1409 ه- - 1989م.

24 - بغداد مدينة السلام/ ريجارد كوك، نقله إلى العربية وترجمه الدكتور مصطفى جواد وفؤاد جميل ، ط 1 - بغداد، سنة 1387ه- - 1967

25 - تارخ جودت / أحمد جودت ، إسطنبول سنة 1302ه- (1885م) .

26- غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر/ ياسين العمري - الموصل 1940م.

27 - لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث/ الدكتور علي الوردي ، ط 2 دار الرشد بيروت 1426 ه- - 2005 م .

28- جزيرة العرب في القرن العشرين / حافظ وهبة ، عن دار الآفاق العربية ، طبع دار المصري للطباعة ، الهرم - القاهرة ، ط 3 سنة 1375 ه- - 1956م.

29 - تاريخ كربلاء/ عبد الصاحب ناصر آل نصر الله - ثمانية أجزاء - ط 1 عن دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان سنة 1439ه- - 2018 م. 30- مباحث عراقية / يعقوب سركيس ، عن شركة التجارة والطباعة المحدودة ، شارع الملك فيصل الأول ، الكرخ - بغداد ، سنة 1367 ه-- 1948م.

31- خطط الشام / محمد كرد علي ، طبع في مطبعة الترقي في دمشق ، عام 1343 ه- - 1926م.

32- عجائب الآثار في التراجم والأخبار / الشيخ عبد الرحمن بن حسن الجبرتي ، تحقيق الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، عن طبعة بولاق، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، سنة 1998م.

33- القول السديد في أخبار إمارة آل الرشيد/ سليمان بن صالح الدخيل، عن دار اليمامة ، ط 1 سنة 1386ه- (1966م).

34- رحلة إلى بلاد نجد/ الليدي آن بلنت ، ترجمة محمد أنعم غالب . من منشورات دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر . الرياض - السعودية ، ط2

سنة 1389ه- - 1978م.

35- ملوك العرب / أمين الريحاني ، عن دار الجيل ، بيروت - لبنان ، ط8 سنة 1987م.

36- موسوعة الشيخ علي الشرقي النثرية - الألواح التاريخية - القسم الأول/ جمع وتحقيق موسى الكرباسي، مطبعة العمال المركزية ، بغداد، سنة

1988م.

37- وثائق نجد (تقارير أمراء العثمانيين المعاصرين لظهور محمد بن عبد الوهاب واستقرار أول دولة لآل سعود في نجد والحجاز ) / علي الموجاني، تعريب عقيل خورشا، عن دار التراث - النجف الأشرف ، ط 1 سنة 1435ه-.

38 - الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية (نجد والحجاز ) / اختيار وترجمة وتحرير نجدة فتحي صفوة ، عن دار الساقي ، بيروت - لبنان ، ط 1 سنة 1996 .

39 -شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز/ خير الدين الزركلي ، عن دار الملايين ، بيروت - لبنان، ط5 نيسان (أبريل) 1992م .

40 - مجلة لغة العرب/ صاحب امتيازها الأب أنستانس الكرملي، ج 8 السنة ، ربيع الأول 1332 ه- / شباط 1914م ، عن مطبعة الآداب - بغداد .

41 - تاريخ الوزارات العراقية/ عبد الرزاق الحسني ، ط 6 عن مكتبة اليقضة العربية سنة 1402ه- - 1982م.

42 - تاريخ نجد ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية/ سنت جون فيلبي، تعريب عمر الديراوي، عن مكتبة مدبولي بالقاهرة، ط 1 سنة

1414ه- - 1994م.

43 - تاريخ العربية السعودية/ ألكسي فاسيلييف، ترجمة دار التقدم في موسكو، ط 1 - طُبع في الاتحاد السوفيتي، موسكو سنة 1986م.

44 - السلفية بين أهل السنة والإمامية/ السيد محمد الكثيري ، عن مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي - قم . ط 2 صادر عن مؤسسة الغدير ، بيروت - لبنان سنة 1429 ه- - 2008 م .

45- توحيد المملكة العربية السعودية / محمد المانع ، ترجمة الدكتور عبد الله الصالح العثيمين ، ط 1 السعودية، سنة 1415ه-.

46- السعوديون والحل الإسلامي/ محمد جلال كشك ، طبع شركة مودي جرافيك لندن ط 1 سنة 1401ه- - 1981م.

47 - الخليج العربي - دراسة لتاريخ الإمارات العربية في عصر التوسع الأوروبي الأول 1507م - 1840م / د. جمال زكريا قاسم، عن دار الفكر العربي - القاهرة، ط 1 سنة 1972م.

48 - السياسة الخارجية السعودية منذ عام 1945 (دراسة في العلاقات السياسية ) / د . غسان سلامة ، عن معهد الإنماء العربي ، ط 1 سنة 1980م. 1980م.

49 - الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية / سليمان بن سحمان النجدي، ط 1 ، مطبعة المنار بمصر، سنة 1342ه-.

50- فرقة الإخوان الإسلامية بنجد - أو وهابية اليوم / محمد مغير بي فتيح المدني، مترجم عن التركية، قديم بلا سنة ومكان الطبع .

51 - الخبر والعيان في تاريخ نجد / خالد محمد الفرج، تحقيق ودراسة عبد الرحمن بن عبد الله الشقير ط 1 سنة 1421ه- - . . 2 م . الرياض - السعودية .

52 - تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق/ عبد الله بن محمد البسام ، ام، تحقيق ودراسة لإبراهيم حامد الخالدي، عن شركة المختلف للنشر والطباعة والتوزيع ، الكويت - سنة 2000 م .

53 - نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب / أبي العباس أحمد القلقشندي ، تحقيق إبراهيم الابياري، الناشرون: دار الكتب الإسلامية ، دار الكتاب المصري - القاهرة، ودار الكتاب اللبناني - بيروت . ط 2 سنة 1400 ه- - 1980م.

54 - تاريخ القضية العراقية / محمد مهدي البصير من طبعة دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية، بغداد – سنة 2021 م .

55- حكام كربلاء منذ نشأتها حتى عام 2003 م/ عبد الصاحب ناصر آل نصر الله ، عن دار إحياء التراث العربي ، بيروت - لبنان ، ط 1 - سنة

2018م.

56-(في سبيل الله ) سيرة ذاتية ومذكرات جهادية/ للفقيه المجاهد الامام الشيخ محمد الخالصي، عن دار المحجة البيضاء ، بيروت - لبنان ، ط 1 سنة 1437 ه- - 2016 م .

57 - وثائق الثورة العراقية الكبرى - ومقدماتها ونتائجها، 1914 – 1923م / إعداد وتحقيق الأستاذ كامل سلمان الجبوري، عن دار المؤرخ العربي ، العراق - النجف الأشرف ، ط 1 سنة 1430 ه- - 2009 م .

58 - مجلة المثقف العربي - حزيران 1974 مقال للأستاذ صالح جواد كاظم .

59- جريدة العراق - الصادرة في آذار 1922م.

60 - جريدة الاستقلال - الصادرة في آذار ونيسان 1922م.

المحتويات

التمهيد...9

المقدمة ...11

الدعوة الوهابية ....17

محمد بن عبد الوهاب....20

محمد بن سعود ...24

المستشرقون والوهابية ...37

الدعوة الوهابية ومراحل الدولة السعودية....45

إعلان الجهاد ...46

وفاة محمد بن عبد الوهاب ...48

الدولة السعودية الأولى (الدور الأول) ...50

الغزوات والوقائع التي حدثت في الدور الأول...53

الغزوات والوقائع أيام محمد بن سعود...53

الخلاف بين الوهابية وآل سعود وبين السلطة العثمانية في العراق....61

الشيخ كاشف الغطاء والأمير عبد العزيز آل سعود ...62

فترة حكم عبد العزيز بن محمد بن سعود ...66

مبايعة سعود بن عبد العزيز بن محمد بولاية العهد...68

مسير الشيخ ثويني بن عبد الله لاسترداد الاحساء ومقتله...71

الهجمات الوهابية على مدن وقبائل العراق في الدور السعودي الأول ...75

الهجوم على قافلة العراقيين المتجهة إلى حائل ....75

الهجوم على سوق الشيوخ وأنحاء المنتفك ...76

علي باشا يسير بجيش إلى الإحساء...78

الخزاعل يتصدون للوهابيين قرب النجف الأشرف ...82

عرب البصرة يتصدون لركب من الوهابيين...83

الوهابيون يهاجمون مناطق العراق مجدداً ....83

الهجوم على عانه وكبيسة ...84

غزو الوهابيين لكربلاء ...85

تفاصيل الغارة على كربلاء...86

أصداء غارة الوهابيين على كربلاء...100

موقف إيران القاجارية من غزوة الوهابيين...101

تأثير الغارة في الصراع على خلافة الوالي ...102

إلصاق تهمة الوهابية لكل من يخالف الوالي ...103

اهتمام الحكومة بكربلاء...104

الهجوم على النجف الأشرف ....104

مقتل عبد العزيز بن محمد بن سعود...105

هجوم الوهابيين على البصرة والزبير...107

هجوم آخر على النجف...109

غزو قبائل الشامية ومهاجمة المنتفك...109

والي بغداد علي باشا يجهز جيش للهجوم على نجد للمرة الثانية ...109

هجوم سعود على قبيلة الظفير ...111

الوهابيون واستمرار غاراتهم على العراق...112

سعود بن عبد العزيز يهاجم النجف الأشرف...112

سعود يحاصر السماوة وينازل أهل الزبير...113

الهجوم الرابع على النجف...113

الهجوم على كربلاء وإستيلاء الوهابيين على شثاثا (شفاثة) ...114

الهجوم على المنتفك والبصرة والزبير ...115

الوهابيون يقتربون من بغداد ...115

هجوم الوهابيين على آل قشعم وأطراف الحلة...116

دخول سعود بن عبد العزيز مكة ...116

الهجوم على الشام ....118

موقف الدولة العثمانية ...118

هجوم الجيش المصري على قوات ابن سعود...120

دخول طوسون المدينة المنورة واندحار النجديين ...121

طوسون يدخل مكة ...123

نهاية الشريف غالب ...123

وفاة سعود بن عبد العزيز بن محمد...124

عبد الله بن سعود بن عبد العزيز ...124

إعدام عبد الله بن سعود في الأستانة ...128

الدولة السعودية الثانية (الدور الثاني)...131

تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود...134

فيصل بن تركي بن عبد الله ...136

خالد بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ...137

عبد الله بن ثنيان بن إبراهيم بن ثنيان بن سعود...137

فيصل بن تركي بن عبد الله للمرة الثانية...138

عبد الله بن فيصل بن تركي ...138

سعود بن فيصل بن تركي ...139

عبد الله بن فيصل بن تركي للمرة الثانية ....139

سقوط الدولة السعودية الثانية وظهور آل الرشيد وسيطرتهم على نجد ...140

العداء بين ابن الرشيد وأولاد سعود بن فيصل بن تركي ...140

عبد الرحمن بن فيصل بن تركي ....141

الدولة السعودية الثانية والعراق ...145

حكومة آل الرشيد ...150

الدولة السعودية الثالثة ( الدور الثالث )...158

الملك عبد العزيز آل سعود ...159

تنازل عبد الرحمن بن فيصل بالإمرة والإمامة لإبنه عبد العزيز...165

السنوات العشر الأولى من حكم عبد العزيز آل سعود ...165

بداية علاقة عبد العزيز آل سعود بالإنكليز ...170

ابن سعود والشريف حسين ...190

الموقف البريطاني بين الأمير عبد العزيز والشريف حسين ...194

الإخوان النجديين ...201

تأسيس حركة الإخوان النجديين...203

عقيدة واسم حركة الإخوان النجديين...217

قادة الإخوان النجديين...236

1 - فيصل الدويش ...237

2 - ضيدان بن حثلين...240

3- سلطان بن بجاد ...242

عقاب بن محيا ...247

حجاب بن نحيت ...248

عبد المحسن الفرم ...249

خالد بن لؤي ...250

قعيدان بن درویش...251

عبد العزيز الدويش ...252

هايف بن شقير ...253

غارات الأخوان النجديين على العراق...256

هجمات الإخوان النجديين الأولى...262

1 - الهجوم على قبيلة الظفير...262

2 - الهجوم على عشائر السماوة :...263

3-لهجوم على أفراد من شمّر المقيمين بين النجف والسماوة ...264

• هجوم قبيلة الدويش الوهابية على أطراف المنتفق ...264

الوضع العام في العراق بعد هذه الهجمات ...266

مؤتمر كربلاء ...274

هل كان الإنكليز على علم مسبق بهجمات الإخوان؟...275

هياج الرأي العام في العراق ...284

موقف الملك فيصل الأول ...286

الدعوة لعقد مؤتمر شعبي في كربلاء...304

إجراءات الامام الخالصي وموقف الحكومة من انعقاد المؤتمر ...309

موقف الملك فيصل من الدعوة إلى المؤتمر ...312

بيان المتصرف كربلاء إلى الأهالي ...313

توجه الامام الخالصي نحو كربلاء ....318

علماء بغداد ورأيهم ب-(الإخوان النجديين) ومشاركتهم في المؤتمر...320

قرارات اجتماع علماء بغداد....323

مشاركة أهل تكريت والشرقاط والموصل...326

الوفد الموصلي ...328

مضبطة رؤساء عشائر زبيد ...330

الفرات الأدنى ...335

الصراع بين كوكس والملك فيصل بشأن المؤتمر...349

مقترح الحدود المؤقتة بين نجد والعراق...355

وقائع المؤتمر . ...358

الاجتماع الأخير ...360

المندوب السامي (كوكس ) يكتب إلى لندن بعد إنتهاء المؤتمر...365

المنشقون والمعارضون لمقررات المؤتمر ...367

مضبطة رؤساء العشائر المعارضين لقرارات المؤتمر...368

رفض أفراد العشائر لشيوخهم وترشيح بدلاء عنهم ....370

موقف المندوب السامي (كوكس ) من الملك فيصل بعد المؤتمر...371

نتائج مؤتمر كربلاء ...372

مؤتمر المحمرة...376

مؤتمر العقير ...381

موقف سلطان نجد وحاكم الكويت بعد مؤتمر العقير...386

ماذا حصل بعد مؤتمر العقير ؟...390

مؤتمر الكويت ...391

تجدد هجمات الإخوان النجديين على العراق ....392

مؤتمر بحره ...394

احتلال الحجاز ....398

تسليم الحجاز إلى ابن سعود ...400

تهديم قبور الأئمة ...402

عودة التوتر والهجمات الأخوانية على بادية العراق ...403

هجمات الإخوان على بادية السماوة ...404

غارة الإخوان على أطراف البصرة ...405

مؤتمر جدة ...407

ابن سعود ومواجهته ثورة الإخوان...410

أول مؤتمر للإخوان . ...411

مؤتمر الرياض ...411

مؤتمر الجمعية العمومية ...412

معركة (السَّبَلَة) ونهاية الأخوان...414

مقتل ضيدان بن حثلين. ...415

القضاء النهائي على حركة الإخوان ...416

فيصل الدويش يطلب اللجوء إلى العراق...417

العلاقات العراقية - السعودية بعد القضاء على حركة الإخوان ...417

معاهدة لوبين ولقاء العاهلين....418

الخاتمة....427

المصادر ...433