ghaemiyeh.com
الصلح الدامي
تاريخ الحياة السياسية والاجتماعية
للإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)
تأليف
علي نظري منفرد
حقوق الطّبع مَحْفُوظَشة
الطَّبْعة الأُولَى
1429هـ - 2008م
دارُ الرَّسُول الأكرم (صلّی الله علیه وآله وسلّم)
طباعة - نشر - توزيع
الصلح الدامي
تاريخ الحياة السياسية والاجتماعية
للإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)
تأليف
علي نظري منفرد
دارُ الرسُول الأكرم (صلّی الله علیه وآله وسلّم)
حقوق الطّبع مَحْفُوظَشة
الطَّبْعة الأُولَى
1429هـ - 2008م
دارُ الرَّسُول الأكرم (صلّی الله علیه وآله وسلّم)
طباعة - نشر - توزيع
ــــــــــــــــــــــــــ
حارة حريك - شارع القسيس - خلف البلدية - ص.ب.: 11/8601 بيروت - لبنان
هاتف : 03/814294 - تلفاكس : 01/091930 - E-mail: dar_alrasool@hotmail.com
الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على خير الأنام محمّد وآله الطيبين الطاهرين، ومن دعا بدعوته الى يوم الدين.
يقع معظم الباحثين في التاريخ الإسلامي - في نقدهم لرؤية الشيعة في الإمامة - في خطأ المقارنة الساذجة بين صلح الامام الحسن(عليه السلام) مع معاوية، وثورة الامام الحسين(عليه السلام) ضد يزيد، غير عابئين تقريباً بمدى التغيرات التي تمّت بين المرحلتين في محاولة لاثبات وجود تعارض في الممارسة السياسية بين الامامين كدليل على عدم عصمتهما معاً.
إن تحليل أي حدث تاريخي لابد أن يعتمد على رصد الأوضاع والتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة له والتي تمثل العوامل الضاغطة والدافعة لحدوثه.
لقد تسلّم الإمام الحسن(عليه السلام) مقاليد أمور الخلافة بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام، وورث بذلك تركة ثقيلة، إذ كانت البلاد التي يسيطر عليها تعجّ بالفوضى والاضطرابات، وكانت الأنواء والعواصف قد هبت على هذه الديار من كل حدب وصوب، ولا سيما من جانب معاوية بن أبي سفيان، الذي كان قد استأثر ببلاد الشام منذ زمن بعيد وجمع بين يديه أسباب الثروة والقوة. فأعد العدة وجهّز الجيوش لمقارعة الإمام الحسن (عليه السلام)، ولكن
الإمام (عليه السلام) نهض للأمر بالرغم من ذلك وهو الذي كان قد شارك في العديد من المهام التي كلّف بها من جانب أمير المؤمنين(عليه السلام)، لا سيما بعدما أصبح خليفة للمسلمين، وذلك عندما انتدبه إلى الكوفة ليمهد الأجواء لخلافته، وهكذا في صفين وذلك رغم صغر سنه.
لقد تولى الإمام الحسن الخلافة عقب استشهاد الإمام علي عن طريق مع خط النفاق في الكوفة بقيادة مؤامرة إشترك فيها معاوية بن أبي سفيان الأشعث بن قيس، وقام بتنفيذها أفراد من الخوارج.
ومن الملاحظ أن الأطراف الثلاثة كانوا من الطبقات والفئات المتضررة من القرارات السياسية والاقتصادية التي أتخذها الامام علي(عليه السلام)أثناء توليه الخلافة، خصوصاً في موقفه الجريء والصريح من الطبقة التي داهنت الخليفة عثمان ورضيت بالظلم الذي شاع في عصره، بل احتلت مناصب ليست مؤهلة لها، واستولت على أموال بدون وجه حقّ، وهي سنّة شاعت منذ زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب عندما أجرى تغييراً في طريقة العطاء وتوزيع الأموال.
ولعل الدليل على هذه المؤامرة الثلاثية ما رواه ابن أبي الحديد حيث ذكر أن معاوية بن أبي سفيان دفع أربعمائة ألف درهم لسمرة بن جندب كي يروي أن الآية القرآنية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بالعباد(1)نزلت في عبد الرحمن بن ملجم، وهي رواية ربما تشير بوضوح
1) البقرة : 207 .
إلى هذا التحالف الذي تم بين معاوية وبعض جماعات الخوارج، وقد نقل ابن الأثير رواية مهمة أيضاً توضح هذه العلاقة بين معاوية والخوارج، فقد حاول بيب بن بجرة - أحد الخوارج الذي اشتركوا مع ابن ملجم في التحضير لقتل علي (عليه السلام)- التقرب من معاوية في أثناء وجوده بالكوفة - عقب الصلح بينه وبين الحسن (عليه السلام) - عن طريق إخباره علناً أنه كان مع ابن ملجم أثناء قتل علي بن أبي طالب، وتذكر الروية أن معاوية ترك مجلسه مذعوراً وأمر بنفي شبيب خارج الكوفة وعدم السماح له بالتواجد أمام بابه أو الدخول عليه مرة أخرى، ويبدو من الأسلوب الذي واجه به معاوية شبيب بن بجرة أنه أدرك مدى خطورة كشف تفاصيل هذه المؤامرة أمام الكوفيين.(1)
وقد ذكر ابن الاثير في الكامل (3 : 390)واليعقوبي كذلك في تاريخه (2: 220) عن اشتراك ابن بجرة في عملية الاغتيال التي تعرض لها الامام علي(عليه السلام)، فقد روى ابن الأثير قائلا : فلما كان الجمعة وهي الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابه على قتل علي وقتل معاوية
يوم فأخذ سيفه ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة، فلما خرج علي نادى أيها الناس الصلاة الصلاة فضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف - الى أن يقول : - وهرب شبيب في الغلس وصاح الناس فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر وفي يد شبيب السيف فأخذه وجلس عليه، فلما رأى الحضرمي الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه ونجا وهرب شبيب في غمار الناس .
أما اليعقوبي فقد ذكر : ان شبيب بن بجرة الأشجعي الخارجي قدم إلى معاوية فقال: أنا قاتل علي بن أبي طالب، وكان شبيب بن بجرة مع ابن ملجم في الليلة التي ضرب فيها علياً. انظر: الكامل في التاريخ 3 : 390 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 220 .
1) الكامل في التاريخ 3 : 411.
ورغم أن أنصار الإمام الحسن من الشيعة المخلصين له استطاعوا تنصيبه كخليفة إلا أنه كان يدرك مدى سعي الحزب الأموي للقضاء على حكمه بعد بدا واضحاً أنه سيستمر في إتباع نفس المنهج الذي سار عليه الإمام علي(عليه السلام)، وقد ظهر ذلك بوضوح عندما كشفت الأجهزة الأمنية التابعة للإمام رسائل من بعض زعامات القبائل تحرض معاوية على غزو الكوفة وتعده بتسليم الحسن له أثناء الحرب، كما بدأ بعض هذه الزعامات في إلقاء العثرات أمام الإمام الحسن لتعطيله عن مواجهة معاوية بن أبي سفيان.
من ناحية أخرى فقد واصل الخوراج دورهم التخريبي حيث أشاعوا أن الإمام ينوي الصلح مع معاوية وقام أحدهم بمحاولة فاشلة لاغتياله.
لقد كان من الواضح أن الأوضاع في الكوفة ليست في صالح الإمام الحسن، وقد استطاع الخوارج والمنافقون إثارة الاضطرابات فيها بين الجماعات المختلفة. ورغم ذلك فإن الامام الحسن(عليه السلام) لم يكن لديه أي نية للصلح، ولعل الدليل على أنه كان يعد للحرب هو قيامه بزيادة عدد أفراد كتائب الجيش، كما أرسل مقدمة جيشه إستعدادا لمواجهة حاسمة مع معاوية، لكن في هذه الأثناء قام عبيد الله بن العباس بترك قيادة مقدمة الجيش والانضمام لمعاوية وهو تصرف يبدو أنه كان معداً له من قبل وبالتأكيد فقد أدى الى حدوث بلبلة في صفوف الجيش كما أثر على وضع الإمام في الكوفة تأثيراً سلبياً.
لقد بدا ظاهراً أن أي مواجهة عسكرية ربما تؤدي إلى إبادة للشيعة المخلصين للإمام الحسن وبالتالي فقد اضطر الإمام الحسن للدخول في
مفاوضات مع الأمويين.
وهناك سؤال قد يتبادر الى الذهن وهو: لماذا لم يفعل الحسن(عليه السلام) مثل ما فعل الحسين (عليه السلام)؟
إن ثورة الحسين (عليه السلام) تثير التساؤل غالبا حول ما فعله أخوه الحسن (عليه السلام) من قبل مع طاغية زمانه معاوية بن أبي سفيان من الصلح والمهادنة والبيعة له مع العلم أن كلا منهما (عليهما السلام) إمام معصوم من الخطأ والمعصية فإذا كانت الحكمة والمصلحة فيما فعله الحسين فلماذا لم يفعل الحسن(عليه السلام) مثله؟ وإذا كانت الحكمة والمصلحة فيما فعله الحسن(عليه السلام) فلماذا لم يفعل الحسين(عليه السلام) مثل فعله ..؟
والجواب: هو أن كلا الفعلين والسيرتين حكمة ومصلحة وحق وصواب ولكن المصلحة والحق والحكمة تختلف صورها ومواردها باختلاف الأحوال والظروف والأشخاص. وأهم تلك الفوارق بين الحالين هو أن فساد الحكم الأموي وتذمر الرأي العام منه في عصر الحسن(عليه السلام) كان بعد لم يبلغ من الاشتهار والشدة إلى المستوى الذي بلغ اليه في عصر الحسين (عليه السلام)وعليه فتضحية الحسن(عليه السلام) بنفسه وأهل بيته حينئذ ما كانت تفسر لدى الرأي العام بأنها ثورة ضد الفساد والظلم أو انها تضحية في سبيل الدين والمصلحة العامة كما فسرت تضحية الحسين(عليه السلام)، بل كانت تضحية الحسن (عليه السلام)في ذلك الوقت تفسر غالبا بأنها صراع على السلطة وتنافس وتزاحم وتنازع حول الملك والخلافة. وكانت النتيجة حينئذ فشل قدسية الثورة وعقم تلك التضحية واستفادة العدو منها أكبر فائدة دعائية لنفسه وضد
أهل البيت (عليهم السلام)والنتيجة الأسوأ من ذلك هو فراغ الجو وخلو الميدان لمعاوية ولآل أبي سفيان فيطلقون أيديهم هدماً وتحطيماً لكل ما تبقى من اصول الاسلام وأركانه تحت ستار كثيف من الدجل والتضليل والخداع .... فهل ترى بعد كل هذا حكمة ومصلحة للإسلام والمسلمين في تلك التضحية لو قام بها الحسن (عليه السلام) ..؟
أجل: إن السنوات العشرين التي استولى فيها معاوية على مقاليد الملك والسلطة المطلقة بعد أمير المؤمنين(عليه السلام) وبعد صلح الحسن. نعم تلك السنوات هي التي ملأ فيها معاوية وبطانته وأقاربه ملأوا العالم الإسلامي بالظلم والفساد والدمار والخراب وهتك المقدسات وانتهاك الحرمات تماما كما تنبأ به من قبل رسول الله حيث قال في الحديث المشهور المتواتر عنه (صلّی الله علیه وآله وسلّم): رأيت بني أمية في المنام ينزون على منبري نزو القردة ويضربون وجوه الناس فيردونهم القهقرى فأنزل الله فيهم: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا(1).
وروى مسلم في صحيحه عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حديثاً حول بني أمية جاء فيه: هلاك أمتي على يد هذا الحي من بني أمية. وقال أيضاً (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : لو لم يبق من بني أمية إلا عجوز درداء لبغت دين الله عوجا...(2).
ومن المفيد أن نشير هنا إلى ما صرح به الكتاب المعاصرين والسابقين
ومنهم الاستاذ عباس محمود العقاد في كتابه أبو الشهداء من في كتابه أبو الشهداء من أن بني أمية ليسوا من قريش، بل ولا من العرب أصلاً، وذلك لأن أمية لم يكن ابناً صلبياً لعبد شمس، بل كان غلاماً رومياً تبناه عبد شمس على سنة التبني في الجاهلية فعرف به وسمي أمية بن عبد شمس!!
لقد بالغت المصادر الإسلامية والسلفية منها بصفة خاصة في تصوير الحسن كمسالم غير راغب في الحرب، ورويت في سبيل ذلك الكثير من الأحاديث المنسوبة للنبي والتي تتنبأ بأن الله سيصلح بالحسن بين فئتين من المسلمين، من منطلق الدفاع عن معاوية بن أبي سفيان وشرعية الدولة الأموية التي أسسها، وقد تأثر معظم الباحثين بهذا الاتجاه سواء المسلمين أو المستشرقين الذين اتهموا الحسن بالسلبية وعدم القدرة على الكفاح، وهي مواصفات غير حقيقة إطلاقاً ومن غير الممكن الاستسلام لها مع دراسة الأسباب الموضوعية للاتفاق بين الجانبين.
أن الاتفاق بهذه الشروط لا يمكن اعتباره تنازلاً أو صلحاً، بل هو فض اشتباك مؤقت بين القوتين العسكريتين، ولعل الدليل على هذا التصور هو تضمن الاتفاق لبندٍ - ينصّ على عدم مناداة الإمام الحسن لمعاوية بأمير المؤمنين وهو اللقب الرسمي للخلافة- مما يعني أن الإمام الحسن لم يبايع معاوية كخليفة ولم يعتبر نفسه من رعايا السلطة الأموية أو داخل تحت سيطرتها، كما أن اشتراطه عودة الخلافة إليه، أو إلى الإمام الحسين، بعد وفاة معاوية دليلاً كبيراً على أنه لم يكن يسعى إلى إنهاء الصراع أو أنه اعتبر الاتفاق صلحاً أو تنازلاً عن حقّه في الخلافة، بل يشير - بالإضافة لنصوص
أخرى - إلى اعتقاد يقيني بهذا الحق، إضافة إلى أنه أفقد الخلافة الأموية أي شرعية مدعاة بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان.
والواقع أن الإمام الحسن لم يعتبر أن هذا الاتفاق هو نهاية الصراع مع الأمويين، بل مرحلة اضطرته إليها الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي حكمت الصراع، ويبدو أنه فضل العودة إلى العمل السري مرة أخرى بعد أن أدرك مدى عداء الزعامات الأرستقراطية في الكوفة له والتي يخضع لها أفراد القبائل، بالإضافة إلى الخوارج، وهو تصور تؤكده بعض الروايات التاريخية وقد ذكر السيوطي إحدى المرويات التي تشير إلى أن نفوذ الإمام الحسن في الكوفة لم يتأثر كثيراً برحيله إلى المدينة، بل تؤكد أن أنصاره في العراق قد بقوا في حالة استنفار عسكري تحسباً لأي مواجهة مع معاوية في حالة عدم وفائه بتعهداته، وقد روت على لسان جارية بن قدامة - أحد أهم الشخصيات الشيعية العراقية المقربة من الإمام الحسن - قوله لمعاوية: " إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا ... إنك لم تملكنا قسرة، ولم تفتتحنا عنوة، ولكن أعطيتنا عهوداً ومواثيق، فإن وفيت لنا وفينا، وإن ترغب إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالاً مداداً، وأدرعاً شداداً، وأسنة حداداً، فإن بسطت إلينا فتراً من غدر، زلفنا إليك بباع من ختر".
والواقع أن الإمام الحسن ظل حتى وفاته هو الحاكم الحقيقي للإقاليم التي كان يحكمها قبل الاتفاق بينه وبين معاوية إلا أن الظروف الاجتماعية والسياسية إضطرته للتحول إلى العمل السري حفظاً لحياة أنصاره على أساس السعي لتكوين الجبهة الموالية له من جديد بعد أن تمكن الحزب الأموي ومن يسانده من تفخيخها وتخريبها.
إن كلا من الإمام الحسن والإمام الحسين كانا متفقين على العداء للنموذج الأموي وعلى الإيمان بحقهما في الإمامة لكن رد فعل كل منهما كان مختلفا نظراً لإختلاف الظروف الموضوعية (إجتماعية وسياسية) التي عاصرها كل منهما.
وفي الختام نقول: بأن خدمة المصلحة العامة ونصرة الحق ومكافحة الباطل والظلم ليست في الحرب دائماً، بل الأمر يختلف باختلاف الظروف والأحوال والحرب الدموية هي آخر وسيلة يفكر فيها المصلحون المخلصون لأمتهم وللصالح العام بعد اليأس من الوسائل السلمية، وإلى هذا يشير المتنبي الشاعر في أبياته المعروفة فيقول:
الرأي بعد شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة بلغت من العلياء كل مكان
و لربما طعن الفتى أعداءه بالرأي قبل تطاعن الأقران
لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان
وأخيراً .. فالكتاب الذي بين يديك - عزيزي القارىء - يضع النقاط على الحروف كلها، موضحاً الكثير من دقائق هذه الأمور من خلال سرد تاريخي دقيق لحياة الامام الحسن(عليه السلام) خصوصاً فيما يتعلق بمواقفه السياسية وقضية صلحه مع معاوية.
أما مؤلّف هذا الكتاب، فهو سماحة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ علي نظري منفرد، الذي شمّر عن ساعده ليعيد صياغة التاريخ بعد أن عبثت به اليد الأموية من خلال التحريف والتشويه والاضافة..
الصلح الدامي .. هو سفر آخر من الأسفار الخالدة(1)
1 - قصة كربلاء والأخذ بالثأر.
2 - قصة الكوفة ( عن الحياة السياسية والاجتماعية للامام علي (عليه السلام)).
3 - قصة المدينة (عن حياة الزهراء عليها السلام).
4 - قصة الهجرة (عن الحياة السياسية والاجتماعية للرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله) .
التي اضافها الشيخ الجليل الى المكتبة الاسلامية نرجو لها أن تستمر لاصلاح ما أفسدته اليد الأموية - ومن شايعها الى يومنا هذا - وبالتالي يكون ساهم في احياء التاريخ الاسلامي الناصع، وتكشف الكثير من الغموض الذي دار مع قضية صلح الحسن عليه السلام في التاريخ.نرجو أن نكون وفّقنا إلى ذلك، فإن كان كذلك، فقد أوتيت خيراً كثيراً.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
عبد الهادي الركابي
(محمود البدري)
15/رمضان/1428
ذكرى ولادة الامام الحسن المجتبى عليه السلام
1) ومن هذه الأسفار - التي كان لنا شرف ترجمتها ونقلها الى العربية - :
مرّ 14 قرناً تقريباً على عصر حفيد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وابن علي المرتضى (عليه السلام)، وفاطمة الزهراء (ليها السلام)، السبط الأكبر، وأُسوة الصبر والتضحية، مظهر الصفات الالهية، والفضائل الانسانية، ومعدن الفيض الربّاني، الامام الحسن المجتبى (عليه السلام) .
ولمعرفة شخصية هذا الامام المعصوم والمظلوم، لايكفي مراجعة التراث وتحقيقه، والتفكّر في مضامين الآيات والأخبار، لأن جميع الآثار والحوادث والوقائع المرتبطة بهذا العظيم، والمتعلّقة بعصره لم تصل إلينا، بل حتى التي وصلت الينها فتراها إما مشوّهة أو محرّفة، أو فقد منها الكثير عمداً أو سهواً ..
ولكن على أية حال، ليس هنالك سبيل آخر في هذا المجال غير تجميع وتأليف كل ما يختصّ بهذا الموضوع ، ووضعه بين يدي محبّي ومناصري أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) .
أيضاً يجب ذكر هذا الأمر : ان المواضيع المختصّة بهذا المعصوم سجّلت بصورة متفرقة في أماكن مختلفة وبالتالي يجب جمعها وترتيبها وعرضها بصورة جذابة وتهدى إلى قارئنا الكريم المتلهف للاطلاع على سيرة ذلك الامام المظلوم، وخاصة فيما يتعلّق بصلحه (عليه السلام) مع معاوية، واعطاء القدرة والسلطة اليه والاعتزال عن الحكم ، والذي قد يؤدي إلى التساؤل ، وأحياناً إلى النقد وسوء الظن ، وهو ما حصل بالفعل من بعض شيعة الامام
(عليه السلام) ، خصوصاً عندما تتعلق مسألة الحكم بالوضع الاجتماعي، والاجواء السياسية ، والأساليب والمواقف، الخطابات ، الرسائل، وبصورة عامة كل ما حدث في ذلك الزمان .
على كل حال ، من أهم طرق ابداء الرأي واصدار الحكم بصورة صحيحة في كل مسألة ومن ضمنها مسألة صلح الامام الحسن(عليه السلام) هو امتلاك الوعي والمعلومات اللازمة لأحداث ذلك الزمان .
الكتاب الذي أمامكم هو خطوة في هذا المجال ، وقد بذلنا سعياً كبيراً في الاعتماد على المصادر والكتب المعتمدة والمعتبرة ، والمطالب التي تم نقلها لا تبعث الملل في نفس القارىء فهي وقائع تاريخية نقلها بالاسلوب الذي حدثت فيه ، ولم نعلّق كثيراً على ما نقلناه ورتبناه في هذا الكتاب إلا في الموارد التي تحتاج إلى ذلك .
نأمل أن يتقبّل منا الله المتعال وأهل البيت الأطهار عليهم السلام هذا العمل، ونكون قد ساهمنا في توضيح بعض الجوانب المشرقة من حياة وسيرة الامام الحسن(عليه السلام) ، وآخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين .
علي نظري منفرد
الامام الحسن المجتبى(عليه السلام)، من أهل الكساء، ومن الخمسة الطيبين، وأهل بيت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين الذين ذكروا في القرآن المجيد، وهذه علامة على عظيم فضلهم وسمو منزلتهم ودرجتهم الرفيعة، وهنا نشير الى بعض الآيات المباركة التي نزلت بشأن هؤلاء العظماء:
وقد فرض الله على المسلمين مودّة أهل البيت (عليهم السلام) حسبما جاء في كتاب الله العزيز. فقد روى ابن عباس حين نزلت هذه الآية: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (1)، قال بعض المسلمين لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : يا رسول الله، من قرابتكم هؤلاء الذين أوجبت علينا مودّتهم؟
فقال: علي وفاطمة وابناهما.(2)
وروى أبو نعيم بسنده عن جابر، قال: جاء اعرابي الى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال: اعرض عليّ الاسلام فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
قال: تسألني عليه أجرًا؟
قال: لا إلا المودة في القربى.
قال: قرابتي أو قرابتك؟
قال: قرابتي.
قال هات أبايعك فعلى من لا يحبك ولا يحب قرباك لعنة الله.
فقال النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم): آمين.(1)
قال الفخر الرازي: آل محمد (صلّی الله علیه وآله وسلّم) هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعليا والحسن والحسين(عليهما السلام)كان التعلق بينهم وبين رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أشد التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل، وأيضا اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضا آل فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟ فمختلف فيه:
الأول: قوله تعالى: إِلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، ووجه الاستدلال به ما سبق.
الثاني: لا شك أن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كان يحب فاطمة (عليها السلام)، قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم): « فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها »، وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أنّه كان يحب علياً والحسن والحسين(عليهم السلام)، وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة الامتثال لقوله: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(2)،
ولقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ(1)، ولقوله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ(2)، ولقوله سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(3).
الثالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة وهو قوله: «اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد وارحم محمّداً وآل محمّد»، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدلّ على أن حبّ آل محمّد واجب.(4)
من آيات الله البيّنات الاخرى النازلة بحقّ أهل البيت (عليهم السلام)، هي آية التطهير الدالّة على عصمتهم (عليهم السلام): وهي قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.(5)
عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قال: نزلت هذه الآية على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في بيت أم سلمة، فدعا النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فاطمة وحسناً وحسيناً فجللهم بكساء وعلى خلف ظهره، ثم قال: "هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا".
قالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله ؟
قال: أنت على مكانك أنت إلى خير.(1)
قال واثلة: والله لا أزال أحب علياً والحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام) بعد أن سمعت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقول فيهم ما قال لقد رأيتني ذات يوم وقد جئت النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)في بيت أم سلمة فجاء الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى وقبله، ثم جاء الحسين فأجلسه على فخذه اليسرى وقبله، ثم جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه، ثم دعا بعلي، ثم قال:إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (2)
وأجمع ثقاة الرواة على أنها نزلت في رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين(عليه السلام) وفاطمة والحسنين( عليهم السلام)، ولم يشاركهم أحد في هذه الفضيلة.
قال ابن عباس: " شهدت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا... الصلاة يرحمكم الله ، كل يوم خمس مرات.(3)
وعن أبي الحمراء، قال : حفظت رسول الله ثمانية أشهر، وقال أبو برزة: سبعة أشهر، وعن انس: ستة أشهر .
وقال الامام الحسن(عليه السلام)في بعض خطبه: "وأنا من أهل البيت الذي كان جبرئيل ينزل علينا، ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا".(1)
من الآيات الاخرى التي أشادت بفضل أهل البيت (عليهم السلام) هي آية المباهلة، وهي قوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (2).
قال ابن كثير: عندما نزلت هذه الآية جمع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهما السلام)وقال: "اللهم هؤلاء أهلي".(3)
وأخرج ابن المغازلي في مناقبه حديث المباهلة عن جابر، وقال: قال جابر: هذه الآية نزلت بحقّ أهل البيت (عليهم السلام)(4)
وقال الزمخشري في الكشاف: روي أن نصارى نجران لما دعاهم رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر، فلما تخالوا قالوا
للعاقب، وكان ذا رأيهم يا عبد المسيح ما ترى؟
فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما بأهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا.
فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
فقالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك ونثبت على ديننا.
قال: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم فأبوا.
قال: فإني أنا جزكم .
فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ألف في صفر وألف في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد.
فصالحهم على ذلك وقال: والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على
أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا. (1)
وقد نزلت هذه السورة المباركة بحق أهل البيت (عليهم السلام) ومنهم الامام الحسن (عليه السلام)وهي قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (2).
قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: مرض الحسن والحسين (عليهما السلام) فعادهما جدهما رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)و معه عامة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على ولديك نذراً وكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء.
فقال علي (عليه السلام): إن برىء ولداي مما بهما صمت الله ثلاثة أيام شكراً لله عزّوجل، وقالت فاطمة وجاريتهم فضة مثل ذلك فألبس الغلامان العافية وليس عند آل محمد صلوات الله عليهم قليل ولا كثير، فانطلق علي(عليه السلام) إلى شمعون بن حانا الخيبري - وكان يهودياً - فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير.
فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته واختبزت منه خمسة أقراص لكل واحد
منهم قرص وصلى علي مع النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) المغرب، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، إذ أتاهم مسكين فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فسمعه علي(عليه السلام) فأمر بإعطائه فأعطوه الطعام بأجمعه ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القراح .
فلما إن كان اليوم الثاني قامت فاطمة (عليها السلام) إلى صاع فطحنته وأخبزته وصلى علي (عليه السلام) مع النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) المغرب ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فأتاهم يتيم فوقف بالباب فقال: السلام عليكم یا آل محمد، يتيم من أولاد المهاجرين استشهد والدي يوم العقبة أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فسمعه علي (عليه السلام)، فأمر بإعطائه فأعطوه الطعام بأجمعه ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القراح .
فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته وصلى علي(عليه السلام) مع النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) المغرب ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد تأسرونا ولا تطعمونا؟ فسمعه علي (عليه السلام) فأمر بإعطائه .
قال: فأعطوه الطعام بأجمعه ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القراح.
فلما إن كان اليوم الرابع وقد وفوا نذرهم أخذ علي (عليه السلام) بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين وأقبل نحو رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر به النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)
قال: يا أبا الحسن ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم؟ فانطلق بنا إلى منزل فاطمة، فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلي قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها . فلما رآها النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: وا غوثاه بالله يا أهل بيت محمد تموتون جوعاً؟ فهبط جبرئيل فقال: يا محمد خذ ما هنأك الله في أهل بيتك.
قال: وما آخذ يا جبرئيل؟ فاقرأه هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا - الى قوله : - وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (1)(2)
الروايات والأخبار التي أثرت عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في سبطه الأكبر، وأشارت بعظيم شأنه وبينت عما يكنه الرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)له في نفسه من عميق الود، وخالص الحب، فهي على طوائف ثلاثة:
1 - انها عامة بحقّ أهل البيت (عليهم السلام) .
2 - مختصّة بحق الحسنين (عليهما السلام) .
3 - انها مختصّة بالامام الحسن (عليه السلام).
وسوف نذكر أمثلة من هذه الروايات على الطوائف الثلاث :
1 - عن أحمد بن حنبل، قال: أخذ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بيد الحسن و الحسين (عليهما السلام) فقال: من أحب هذين وأباهما وأمهما، كان معي في درجتي يوم القيامة. (1)
2 - وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقول: إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة (2)في بني إسرائيل من دخله غفر له.(3)
3 - عن زيد بن أرقم: أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام): أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم.(4)
4 - عن أبي بكر، قال: رأيت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) خيم خيمة
1) أسد الغابة 4 : 29.
2) روي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال : "نحن باب حطتكم" ، أي من ورد في طاعتنا، وعمل بأوامرنا، وانتهى عن نواهينا، وسار سيرتنا يحط عنه أوزاره ويغفر خطاياه. وقالوا : باب حطّة هو بيت المقدس، وقال آخرون : قبلة موسى (عليه السلام) وبني اسرائيل يصلون باتجاهه، وقال آخرون : المراد بالباب قرية أمر بني اسرائيل بالدخول اليها. مجمع البيان 1 : 116 .
3) مجمع الزوائد 9: 168 .
4) كنز العمال 7 : 102
وهو متكيء على قوس عربية وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) فقال: معشر المسلمين ! أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، حرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد رديء المولد.(1).
5 - عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.(2)
6 - عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): أحبوا الله لما يغدوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي.(3)
7 - عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ذات يوم بعرفات وعلي تجاهه، ادن مني يا علي، خلقت أنا وأنت من شجرة، فأنا أصلها، وأنت فرعها، والحسن والحسين(عليهم السلام) أغصانها، فمن تعلق بغصن منها أدخله الله الجنة.(4)
8 - عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس .(1)
9- عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، أنه قال: من مات على حبّ آل محمد مات شهيداً.
ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له،
ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً،
ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان،
ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير،
ألا ومن مات على حب آل محمد يزفّ إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها،
ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة،
ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة،
ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة،
ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه
1) المستدرك 3 : 149.
آيس من رحمة الله،
ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً،
ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة.(1)
10 - قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)لا يزول عبد يوم القيامة حتى يسئل عن أربعة أشياء: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت .(2)
11 - قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): من أحبّ هذين - يعني الحسن والحسين - وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة، ومن آذاني في أهلي فقد آذى الله، ومن سرّه أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن التي غرسها ربي فليوال علياً من بعدي وليوال وليه، وليقتد بأهل بيتي من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي.(3)
12 - عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): إن الجنة تشتاق إلى أربعة من أهلي قد أحبهم الله وأمرني بحبهم: علي بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدى (عليهم السلام) الذي يصلي خلفه عيسى بن مریم (عليه السلام).
13 - ابن عباس قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): ليلة عرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنة مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي الله والحسن الحسين(عليهم السلام)صفوة الله فاطمة خيرة الله، على مبغضيهم لعنة الله .(1)
14 - عن ابن عباس قال: قال النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم): إن علياً وصيي وخليفتي، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين ابنتي، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ولداي، من والاهم فقد والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن ناواهم فقد ناواني، ومن جفاهم فقد جفاني، ومن برهم فقد برني، وصل الله من وصلهم، وقطع من قطعهم، ونصر من نصرهم، وأعان من أعانهم، وخذل من خذلهم، اللهم من كان له من أنبيائك ورسلك ثقل وأهل بيت، فعلي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) أهل بيتي وثقلي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.(2)
15 - عن ابن عباس قال: سمعت النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقول: أنا شجرة، وفاطمة حملها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين(عليهم السلام) ثمرها، ومحبونا أهل البيت ورقها في الجنة حقاً حقا.(3)
1-عن ابن أبي نعيم قال: شهدت ابن عمرو أتاه رجل فسأله عن دم البعوضة . فقال : ممن أنت؟ قال: من أهل العراق .
قال: انظروا إلى هذا ! يسألني عن دم البعوضة وقد قتلوا ابن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وسمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: إنهما ريحانتي من الدنيا. يعني الحسن والحسين عليهما السلام).(1)
2 - بريدة عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: الحسن والحسين(عليهم السلام) سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما.(2)
3 - عن يعلى بن مرة أنه قال: خرجنا مع النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فدعينا إلى طعام، فإذا الحسن يلعب في الطريق فأسرع النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أمام القوم ثم بسط يده فجعل يمر مرة هاهنا ومرة هاهنا يضاحكه حتى أخذه فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى بين رأسه، ثم اعتنقه فقبّله .
ثم قال رسول الله: حسن مني وأنا منه، أحب الله من أحبّه، الحسن والحسين سبطان من الأسباط.(3)
4 - قال أنس بن مالك: سئل رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): أي أهل بيتك أحب إليك؟
قال الحسن والحسين(عليهم السلام)، وكان يقول لفاطمة: ادعى لي ابنيّ فيشمهما ويضمّهما إليه.(1)
5 - عن زينب بنت أبي رافع، عن أمها قالت: قالت فاطمة عليها السلام: يا رسول الله هذان ابناك فانحلهما.
فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أما الحسن فنحلته هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فنحلته سخائي وشجاعتي.(2)
6 - عن عمر يعني بن الخطاب قال: رأيت الحسن والحسين على عاتقي النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فقلت: نعم الفرس تحتكما. فقال النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم): ونعم الفارسان(3).
7 - الرضا، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): الولد ريحانة وريحانتاي: الحسن والحسين(عليهما السلام).(4)
8 - عن الرضا(عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم): الحسن والحسين خير أهل الأرض بعدي وبعد أبيهما، وأمهما أفضل نساء أهل الأرض. (5)
9 - عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)
يقول: من أحب حسناً وحسينا أحبني، ومن أبغضهما أبغضني.(1)
10- عن ابن عباس قال: بينما نحن عند رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، إذ أقبلت فاطمة (عليها السلام) تبكي، فقال لها النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما يبكيك؟
قالت: يا رسول الله، إن الحسن والحسين خرجا، فوالله ما أدري أين سلكا.
فقال النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم): لا تبكين فداك أبوك، فإن الله عزوجل خلقهما وهو أرحم بهما، اللهم إن كانا أخذا في بر فاحفظهما وإن كانا أخذا في بحر فسلمهما، فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا أحمد لا تغتم ولا تحزن، هما فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة وأبوهما خير منهما وهما في حظيرة بني النجار نائمين، وقد وكل الله بهما ملكا يحفظهما .
قال ابن عباس: فقام رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وقمنا معه حتى أتينا حظيرة بني النجار، فإذا الحسن معانق الحسين، وإذا الملك قد غطاهما بأحد جناحيه فحمل النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الحسن وأخذ الحسين الملك والناس يرون أنه حاملهما.
فقال له أبو بكر وأبو أيوب الأنصاري: يا رسول الله ألا نخفف عنك بأحد الصبيين؟
فقال: دعاهما، فإنهما فاضلان في الدنيا، فاضلان في الآخرة، وأبوهما خير منها.
ثم قال: والله لأشرفنهما اليوم بما شرفهما الله فخطب فقال: يا أيها الناس،
1) مناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) محمد بن سليمان الكوفي 2: 235.
ألا أخبركم بخير الناس جدا وجدة؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال : الحسن والحسين جدهما رسول الله، وجدتهما خديجة بنت خويلد.
ألا أخبركم أيها الناس بخير الناس أباً وأما؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: الحسن والحسين(عليهم السلام)، أبوهما علي بن أبي طالب، وأمهما فاطمة بنت محمد.
ألا أخبركم أيها الناس بخير الناس عمّا وعمة؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: الحسن والحسين(عليهم السلام)، عماهما جعفر بن أبي طالب، وعمتهما أم هانئ بنت أبي طالب.
ألا يا أيها الناس ألا أخبركم بخير الناس خالاً وخالة؟
قالوا: بلى يا رسول الله
قال: الحسن والحسين(عليهم السلام)، خالهما القاسم بن رسول الله، وخالتهما زينب بنت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ألا إن أباهما في الجنة، وأمهما في الجنة، وجدّهما في الجنة، وجدّتهما في الجنة، وخالهما في الجنة، وخالتهما في الجنة وعمّهما في الجنة، وعمّتهما في الجنة، وهما في الجنة، ومن أحبّهما في
الجنة، ومن أحبّ من أحبّهما في الجنة.(1)
11 - عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لي: يا عمران بن حصين، إن لكل شيء موقعاً من القلب، وما وقع موقع هذين الغلامين من قلبي شيء قط.
فقلت: كل هذا يا رسول الله.
قال: يا عمران، وما خفي عليك أكثر، إن الله أمرني بحبهما .(2)
12 - عن حذيفة قال: قال لي النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم): هبط جبرئيل الان، وبشرني أن الحسن والحسين(عليهم السلام) سيدا شباب أهل الجنة.(3)
13 - جعفر الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن جدّه علي بن الحسين عليهما السلام، قال: كنت أمشي خلف عمّي الحسن وأبي الحسين (عليهما السلام)في بعض طرقات المدينة في العام الذي قبض فيه عمّي الحسن (عليه السلام)، وأنا يومئذٍ غلام لم أراهق أو كدت، فلقيهما جابر بن عبد الله وأنس مالك الأنصاريان في جماعة من قريش والأنصار، فما تمالك جابر بن عبد الله حتى أكبّ على أيديهما وأرجلهما يقبّلهما، فقال رجل من قريش كان نسيباً لمروان: أتصنع هذا يا أبا عبد الله، وأنت في سنّك هذا، وموضعك من صحبة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)؟!
وكان جابر قد شهد بدراً، فقال له: إليك عني، فلو علمت يا أخا قريش من فضلهما ومكانهما ما أعلم لقبّلت ما تحت أقدامهما من التراب.
ثم أقبل جابر على أنس بن مالك، فقال: يا أبا حمزة، أخبرني رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فيهما بأمر ما ظننته أنه يكون في بشر.
قال له أنس: وبماذا أخبرك، يا أبا عبد الله؟
قال علي بن الحسين(عليه السلام): فانطلق الحسن والحسين (عليهما السلام)، ووقفت أسمع محاورة القوم فأنشأ جابر يحدّث، قال: بينا رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ذات يوم في المسجد وقد خفّ من حوله، إذ قال لي: يا جابر، ادع لي حسناً وحسينا، وكانصلّی الله علیه وآله وسلّم) شديد الكلف بهما، فانطلقت فدعوتهما، وأقبلت أحمل هذا مرة وهذا أخرى حتى جئته بهما، فقال لي وأنا أعرف السرور في وجهه لما رأى من محبتي لهما وتكريمي إياهما: أتحبهما يا جابر؟
فقلت: وما يمنعني من ذلك فداك أبي وأمي، وأنا أعرف مكانهما منك !
قال: أفلا أخبرك عن فضلهما؟
قلت بلى بأبي أنت وأمي.
قال: إن الله تعالى لما أحب أن يخلقني، خلقني نطفة بيضاء طيبة، فأودعها صلب أبي آدم (عليه السلام)، فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر إلى نوح وإبراهيم (عليهما السلام) ، ثم كذلك إلى عبد المطلب، فلم يصبني من دنس الجاهلية، ثم افترقت تلك النطفة شطرين: إلى عبد الله وأبي طالب، فولدني أبي فختم الله بي النبوة، وولد علي فختمت به الوصية، ثم اجتمعت النطفتان مني ومن علي فولدنا الجهر والجهير الحسنين، فختم الله بهما أسباط
النبوة، وجعل ذريتي منهما، والذي يفتح مدينة الكفر، فمن ذرية هذا - وأشار إلى الحسين (عليه السلام) - رجل يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلما وجورا ، فهما طاهران مطهران، وهما سيدا شباب أهل الجنة، طوبى لمن أحبهما وأباهما وأمهما، وويل لمن حاربهم وأبغضهم. (1)
14 - عن أبي ذر الغفاري، قال: أمرني رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)بحب الحسن والحسين (عليهما السلام)، فانا أحبّهما وأحبّ من يحبّهما لحبّ رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إياهما.(2)
1 - عن عائشة: أن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كان يأخذ حسناً فيضمّه إليه، فيقول: اللهم ان هذا ابني، فأحبه وأحب من يحبه.(3)
2 - قال جابر الانصاري: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): من سرّه أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن(4)
3 - عن البراء قال: رأيت النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والحسن بن علي على عاتقه وهو يقول: اللهم إني أحبه فاحبه(5)
4 - وفي حديث أبي بكرة عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنه قال: الحسن ريحانتي من الدنيا. (1).
5 - عن أنس بن مالك قال: بينا رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) راقد في بعض بيوته على قفاه، إذ جاء الحسن يدرج حتى قعد على صدر النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فجئت أميطه عنه، فاستنبه رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال: ويحك يا أنس، دع مشهور وثمرة فؤادي فإن من آذى هذا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله.(2)
6 - عن عمير بن إسحاق قال: رأيت أبا هريرة في طريق قال للحسن بن علي: أردني الموضع الذي قبله النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، قال: فكشف عن بطنه فقبّل سرته.(3).
لقد استقبل حفيد الرسول الأكرم(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وسبطه الأكبر، سيد شباب أهل الجنة دنيا الوجود في شهر هو أبرك الشهور وأفضلها، حتى سمّي شهر الله، وهو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وكان ذلك في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة.
قال محمد بن سعيد: ولد الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) في النصف من شهر رمضان في السنة الثالثة للهجرة.(1)
ونقل ابن كثير أيضاً: انه(عليه السلام)ولد في النصف من رمضان، في السنة الثالثة للهجرة، فوضع رسول الله لسانه في فمه، وسمّاه الحسن، وهو أكبر أولاد علي وفاطمة (عليهما السلام) (2)
ولما أذيع نبأ ولادة الصديقة بالمولود المبارك غمرت موجات من السرور والفرح قلب الرسول لتهنئها بمولودها البكر، ولما وصل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه الى الدار نادى: يا أسماء هاتي ابني.
قالت: فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها وقال: ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء، ودعا بخرقة بيضاء فلفّه بها، ثم أذّن في أذنه
اليمني، وأقام في أذنه اليسرى، ثم قبّله وأدخل لسانه في فيه، وجعل الحسن يمصّ لسان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وألصقه على صدره وقال: الهي، احفظه وذريته من شر الشيطان الرجيم .(1)
وروي عن أبي رافع: ان فاطمة (عليها السلام) لما ولدت الامام الحسن(عليه السلام) أذن الرسول في اذنه اليمنى، وأقام في اليسرى.(2).
ولما حملت فاطمة به جاءت أم الفضل(3)زوجة العباس إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وقالت: يا رسول الله رأيت في المنام كأن عضوا من أعضائك قد سقط في حجري!
فقال (صلّی الله علیه وآله وسلّم) تلد فاطمة غلاماً فتكفلينه وترضعينه، فولدت فاطمة الحسن عليهما السلام فدفعه النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إليها فرضعته بلبن قثم من العباس(4).
1) بحار الأنوار 44 : 250 حياة الامام الحسن 1 : 60 .
2) ترجمة الامام الحسن من الطبقات : 29 ح 2 .
3) هي لبابة بن الحارث بن حزن - بفتح المهملة وسكون الزاي - الهلالية، أخت ميمونة أم المؤمنين، أم الفضل بن العباس بن عبد المطلب، وقيل : هي أول امرأة أسلمت بعد خديجة (عليها السلام) وكان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يزورها. وأوردها ابن حجر في فصل النساء من التقريب، ووثقها. وحكى عن ابن حبان أنها ماتت بعد العباس في خلافة عثمان، وأوردها النسابة البغدادي محمد بن حبيب في كتابه المحبر في فصل المنجبات من النساء فقال: ولدت الفضل : الردف وعبد الله الحبر، وعبيد الله الجواد، ومعبداً - شهيداً بإفريقية - وعبد الرحمن - شهيداً بإفريقية - وقتم - شهيداً بسمرقند - بني العباس بن عبد المطلب، مات الفضل بالشام في طاعون عمواس، وعبد الله بالطائف ، وعبيد الله بالمدينة . أنظر : أسد الغابة 7 : 274.
4) الأمالي للشيخ المفيد : 351.
عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: لما ولدت فاطمة الحسن (عليهما السلام) قالت لعلي (عليه السلام): سمّه، فقال: ما كنت لأسبق باسمه رسول الله، فجاء رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فأخرج إليه في خرقة صفراء، فقال: ألم أنهكم أن تلفّوه في خرقة صفراء، ثم رمى بها وأخذ خرقة بيضاء فلفّه فيها ثم قال لعلي (عليه السلام): هل سمّيته؟
فقال: ما كنت لأسبقك باسمه .
فقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وما كنت لأسبق باسمه ربي عزّ وجل.
فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جبرئيل أنه قد ولد لمحمد ابن فاهبط فأقرئه السلام وهنئه وقل له: إن علياً منك بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون . فهبط جبرئيل(عليه السلام) فهناه من الله عز وجل ثم قال: إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تسميه باسم ابن هارون .
قال: وما كان اسمه؟
قال: شبر.
قال: لساني عربي .
قال: سمّه الحسن، فسمّاه الحسن(1)
1) بحار الأنوار :43 : 238 وفي الاستيعاب :1 : 384 قال : لما ولد الحسن (عليه السلام) جاء رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال : أروني ابني ما سمّيتموه؟ قلت : سميته حرباً. قال: بل هو حسن. فلما ولد الحسين قال أروني ابني ما سميتموه؟ قلت: سميته حرباً. قال: بل هو حسين. فلما ولد الثالث، جاء النبي فقال : أروني ابني ما سمّيتموه؟ قلت : حرباً. قال : بل هو محسن، ثم قال : إني سميتهم بأسماء ولد هارون شير وشبير ومشبر . وهذه الرواية فيما نحسب من الموضوعات، وذلك لما يلي: أولاً : ذكرت أحاديث أخرى ان الامام قال : لا أسبق رسول الله بتسميته، فكيف سمّاه حرباً؟ وثانياً : ان المحسن (عليه السلام) لم يولد في حياة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
قال سلمان: ألا وإن سبطي هذه الأمة الحسن والحسين سميتهما باسمي ابني هارون شبير وشبر.(1)
وعن عمران بن سليمان: الحسن والحسين(عليهم السلام) من أسماء أهل الجنة ولم تكن هذه الاسماء معروفة فى الجاهلية.(2).
وقال أبو أحمد العسكري: سمّاه النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الحسن، وكناه: و أبا محمد، ولم يكن يعرف هذا الاسم في الجاهلية.(3)
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حسناً وحسينا (عليهما السلام) يوم سابعهما، وشق من اسم الحسن الحسين، وعق عنهما شاة شاة، وبعثوا برجل شاة إلى القابلة، ونظروا ما غيره، فأكلوا منه، وأهدوا إلى الجيران، وحلقت فاطمة عليها السلام رؤوسهما وتصدقت بوزن شعرهما فضة. (4)
1) مناقب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) محمد بن سليمان الكوفي 1: 389
2) روى ابن الاثير في أسد الغابة 2 9 عن المفضل قال : إن الله حجب اسم الحسن والحسين حتى سمی بهما النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ابنيه الحسن والحسين قال : فقلت له : فاللذين باليمن. قال : ذاك حسْن ساكن السين، وحَسِين بفتح الحاء وكسر السين .
3) أسد الغابة :2 : 9
4) بحار الأنوار 43 : 257
وعنه (عليه السلام) أيضاً، قال: عق رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عن الحسن(عليه السلام) بيده وقال: بسم الله عقيقة عن الحسن، وقال: اللهم عظمها بعظمه، ولحمها بلحمه، ودمها بدمه وشعرها بشعره، اللهم اجعلها وقاء لمحمد وآله.(1).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): عقت فاطمة (عليها السلام) عن ابنيها صلوات الله عليهما وحلقت رؤوسهما في اليوم السابع وتصدقت بوزن الشعر ورقا.
واجرى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)عليه الختان في اليوم السابع من ولادته لأن ختان الطفل في ذلك الوقت أطيب له وأطهر.
فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام يذكر عن أبيه أن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)عقّ عن الحسن (عليه السلام) بكبش ، وعن الحسين (عليه السلام) بكبش وأعطى القابلة شيئا وحلق رؤوسهما يوم سابعهما، ووزن شعرهما فتصدق بوزنه فضة.(2)
وكنّاه النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، أبا محمد، ولا كنية له غيرها، وبهذا انتهت جميع مراسم الولادة التي أجراها النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) على سبطه الأكبر(عليه السلام).(3)
1) بحار الأنوار 43 : 256 والعقيقة في اللغة صوف الجذع وشعر كل مولود من الناس، وهي مأخوذة من العق والشق والقطع، سمّي الشعر المذكور بذلك لأنه يحلق عنه، والعقيقة من المستحبات الأكيدة وذهب بعض الفقهاء الى وجوبها .
2) الكافي 6 : 33 ح 2.
3) الكنبية: هي التي تصدر بأب أو أم وهي من سنن الولادة، وعن الباقر(عليه السلام) قال : إنّا نكنّي أولادنا في صغرهم.
وقال محمد بن سعد: أحد أبناء الامام المجتبى عليه السلام محمد الأكبر، ولهذا السبب كان يكنى (أبو محمد) (1)وفي هذا الخصوص يقول ابن شهر آشوب: كنيته(عليه السلام)أبو محمد وابو القاسم.(2).
أما ألقابه فهي كثيرة منها : التقي، الطيّب، الزكي، السيد، السبط، الولي. أما لقبه المشهور هو التقي، والأعلى من هذا، ذلك اللقب الذي رواه الثقات عنه (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وهو قوله: « ابني هذا سيد عظيم» . وأضاف ابن الخشاب الى ذلك لقبين آخرين، وهما الوزير والقائم.(3)
وهناك ألقاب أخرى تم نقلها مثل: الأمين، والامير، والحجة، والبر، والاثير، مجتبى، السبط الأول، والزاهد .
كانت ملامحه تحاكي ملامح رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فقد حدث أنس بن مالك انه قال: كان الحسن(عليه السلام)أشبه الناس برسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(4)
وذكر المؤرخون في شمائله: إن الحسن بن علي كان أبيضاً مشرباً بحمرة دعج العينين، سهل الخدين، رقيق المشربة، كثّ اللحية ذا وفرة، وكأن عنقه إبريق فضة، عظيم الكراديس بعيداً ما بين المنكبين، ربعة ليس بالطويل ولا
بالقصير، مليحاً من أحسن الناس وجها، وكان يخضب بالسواد، وكان جعد الشعر حسن البدن:
من صنو ماء الرحى وهي مجاجة*** من حوضه الينبوع وهو شفاء
من شعلة القيس التي عرضت على*** موسى وقد حارت به الظلماء
من أيكة الفردوس حيث تفتت*** ثمراتها وتفيأ الأفياء(1)
وقال إسماعيل بن خالد لأبي جحيفة: رأيت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)؟ قال: نعم، وكان الحسن يشبهه.(2)
وعن علي (عليه السلام) قال: أشبه الحسن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما كان أسف من ذلك.
وعن عبد الله الباهلي مولى الزبير قال: تذاكرنا من أشبه بالنبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)من أهله، فدخل علينا عبد الله بن الزبير فقال عبد الله: أنا أحدثكم بأشبه أهله به وأحبهم إليه، الحسن بن علي، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته، فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل ولقد رأيته يجيء وهو راكع فيفرج بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.(3)
وقالوا: أربعة كانوا يشبهون النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) : جعفر والحسن بن علي وقثم بن العباس وابو سفيان بن الحارث، وجعفر هو ابن أبي طالب أخو على.(1)
كان للامام الحسن (عليه السلام) في طفولته علاقة كبيرة بالعلم، فالتربية الصالحة لها أهمية كبرى في تكوين الطفل، وتنمية مداركه، كما أن سلوك الوالدين لهما الأثر الفعال في نمو ذكائه، وفي سلوكه العام وتشكيل شخصيته واكتسابه العادات التي تبقى ملازمة له طول حياته، فسلوك الوالدين أكثر فعالية من سائر العوامل التربوية .
ان طفولة الامام الحسن (عليه السلام) قد التقت بها جميع العناصر الحية، فالرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)تولى تربيته، وأفاض عليه بمكرمات نفسه، والامام أمير المؤمنين (عليه السلام) غذاه بحكمه ومثله، والعذراء القديسة أفضل بناء حواء غرست في نفسه الفضيلة والكمال، وبذلك سمت طفولته فكانت مثلاً للتكامل الانساني، وعنواناً للسمو والتهذيب، ورمزاً للذكاء والعبقرية.(2)
قال ابن شهر آشوب: ان الحسن بن علي (عليه السلام) كان يحضر مجلس رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهو ابن سبع سنين فيسمع الوحي فيحفظه فيأتي أمه فيلقي إليها ما حفظه، فلما دخل علي(عليه السلام) وجد عندها علماً فيسألها عن ذلك، فقالت: من ولدك الحسن، فتخفّى يوماً في الدار، وقد دخل الحسن
وقد سمع الوحي، فأراد أن يلقيه إليها فارتج عليه، فعجبت أمه من ذلك فقال: لا تعجبين يا أماه فان كبيراً يسمعني واستماعه قد أوقفني، فخرج علي فقبّله.
وفي رواية: يا أماه قلّ بياني، وكلّ لساني، لعل سيداً يرعاني.(1).
وروى هشام بن عروة عن أبيه ، ان ابو بكر خطب يوماً على المنبر، فعندما رآه الامام الحسن (عليه السلام) قال له: انزل عن منبر أبي.(2)
وروي ان أبا سفيان جاء إلى المدينة لأخذه تجديد العهد من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فلم يقبل : فجاء إلى علي (عليه السلام)، قال: هل لابن عمك أن يكتب لنا أمانا؟ فقال: إن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)عزم على أمر لا يرجع فيه أبدا.
وكان الحسن بن علي (عليهما السلام) ابن أربعة عشر شهرا، فقال بلسان عربي مبين:" يا ابن صخر(3)قل : لا إله إلا الله محمد رسول الله، حتى أكون لك شفيعاً إلى جدي رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)". فتحير أبو سفيان.
فقال علي (عليه السلام): " الحمد لله الذي جعل في ذرية محمد نظير يحيى بن زكريا ".(4)
وروي إن الحسن والحسين (عليهما السلام) مرا على شيخ يتوضأ ولا يحسن، فأخذا بالتنازع، يقول كل واحد منهما: أنت لا تحسن الوضوء، فقالا: أيها الشيخ! كن حكماً بيننا يتوضأ كل واحد منا سوية، فتوضئا، ثم قالا: أينا يحسن؟
قال: كلاكما تحسنان الوضوء، ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن، وقد تعلم الآن منكما وتاب على يديكما ببركتكما وشفقتكما على أمة جدكما.(1).
1) حياة الامام الحسن (عليه السلام) 1 : 72
الامامة في نظر الشيعة، في كل وقت ومكان من جملة الامور الواجبة، وان الارض يجب أن لا تخلو من امام، وهذا المطلب ثابت عن طريق العقل، وتم شرحه وتفصيله في الكتب الكلامية.
كذلك يجب أن يكون الامام معصوماً، وجاء النص عليه من قبل الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أو من قبل امام قبله.
وقد روت الشيعة بالتواتر ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد صرّح بامامة الحسن (عليه السلام) أمام الناس.(1).
وعن طارق بن شهاب قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه للحسن والحسين، أنتما إمامان بعدي وسيدا شباب أهل الجنة، والمعصومان حفظكما الله، ولعنة الله على من عادا كما.(2)
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن أمير المؤمنين لما حضره الوفاة قال لابنه الحسن: ادن مني حتى أسرّ إليك ما أسرّ إليّ رسول الله وأئتمنك على ما ائتمنني عليه، ففعل.
وعن ابن حوشب: أن علياً (عليه السلام) لما سار إلى الكوفة استودع أم سلمة كتبه والوصية، فلما رجع الحسن دفعتها إليه .(1)
وعن سليم بن قيس قال: شهدت أمير المؤمنين حين أوصى إلى ابنه الحسن وأشهد على وصيته الحسين ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له: يا بني أمرني رسول الله أن أوصي إليك وأدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي ودفع إلي كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين ثم أقبل على ابنه الحسين.
فقال (عليه السلام) وأمرك رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أن تدفعها إلى ابنك هذا ثم أخذ بيد علي بن الحسين وقال: وأمرك رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي فاقرأه من رسول الله ومني السلام .(2)
وفي الرسالة التي كتبها الامام الرضا عليه السلام للمأمون في جوامع الشريعة: روي أن المأمون بعث الفضل بن سهل ذا الرياستين إلى الرضا (عليه السلام) فقال له: إني أحب أن تجمع لي من الحلال والحرام والفرائض والسنن، فإنك حجّة الله على خلقه ومعدن العلم.
فدعا الرضا (عليه السلام) بدواة وقرطاس، وقال (عليه السلام) للفضل اكتب بسم الله الرحمن الرحيم حسبنا شهادة أن لا إله إلا الله، أحداً صمداً، لم يتخذ
صاحبة ولا ولداً، قيوماً ، سميعاً، بصيراً، قوياً، قائماً باقياً، نوراً، عالماً لا يجهل، قادراً لايعجز، غناً لا يحتاج، عدلاً لا يجور، خلق كل شيء، ليس كمثله شيء، لا شبه له ولا ضد ولا ند ولا كفؤ. وأن محمداً عبده ورسوله وأمينه وصفوته من خلقه، سيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين، لا نبي بعده ولا تبديل لملته ولا تغيير.
وأن جميع ما جاء به محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنه هو الحق المبين، نصدق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله وأنبيائه وحججه. ونصدق بكتابه الصادق لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (1). وأنه كتاب المهيمن على الكتب كلها. وأنه حق من فاتحته إلى خاتمته. نؤمن بمحكمه ومتشابهه. وخاصه وعامه. ووعده ووعيده. وناسخه ومنسوخه وأخباره لا يقدر واحد من المخلوقين أن يأتي بمثله .
وأن الدليل والحجة من بعده على المؤمنين والقائم بأمور المسلمين، والناطق عن القرآن والعالم بأحكامه، أخوه وخليفته ووصيه والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، علي بن أبي طالب عليه السلام أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين، يعسوب المؤمنين وأفضل الوصيين بعد النبيين.
وبعده الحسن والحسين (عليهما السلام)، واحداً بعد واحد إلى يومنا هذا، عترة الرسول وأعلمهم بالكتاب والسنة وأعدلهم بالقضية وأولاهم بالإمامة في كل عصر وزمان وأنهم العروة الوثقى وأئمة الهدى والحجة على أهل الدنيا
1) فصلت : 42.
حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
وأن كل من خالفهم ضال مضل، تارك للحق والهدى، وأنهم المعبرون عن القرآن، الناطقون عن الرسول بالبيان، من مات لا يعرفهم ولا يتولاهم بأسمائهم وأسماء آبائهم مات ميتة جاهلية.(1)
الأنبياء
عن أبي الطفيل قال: خطب الحسن بن علي (عليهما السلام) بعد وفاة علي (عليه السلام) وذكر أمير المؤمنين فقال: خاتم الوصيين ووصي خاتم وأمير الصديقين والشهداء والصالحين، ثم قال: أيها الناس لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون، ولا تدركه الآخرون، لقد كان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يعطيه الراية فيقاتل جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه ما ترك ذهباً ولا فضة إلا شيء على صبي له، وما ترك في بيت المال إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادما لأم كلثوم.
ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا الحسن بن محمد النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ثم تلا هذه الآية قول يوسف: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ(2). أنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله، وأنا ابن السراج المنير وأنا ابن الذي أرسل رحمة للعالمين، وأنا من
أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأنا من أهل البيت الذين كان جبرئيل ينزل عليهم ، ومنهم كان يعرج، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم وولايتهم، فقال فيما أنزل على محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ(1)، واقتراف الحسنة مودتنا.(2)
وبعد انتهاء الامام (عليه السلام) من خطبته قام عبد الله بن عباس بين يديه فقال: معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه.
فاستجاب له الناس وقالوا: ما أحبه إلينا ! وأوجب حقه علينا! وتبادروا إلى البيعة له بالخلافة، وذلك في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة.(3).
وقال الطبري: وفى هذه السنة، أعنى سنة 40 بويع للحسن بن علي (عليه السلام) بالخلافة، وقيل: إن أول من بايعه قيس بن سعد، قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه وقتال المحلين.
فقال له الحسن (عليه السلام): على كتاب الله وسنة نبيه فان ذلك يأتي من وراء كل شرط فبايعه وسكت وبايعه الناس.(4).
وروي عن ابن شهر آشوب قال: لما مات أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الحسن (عليه السلام) بالكوفة فقال: أيها الناس ان الدنيا دار بلاء وفتنة، وكل ما فيها فإلى زوال واضمحلال، فلما بلغ إلى قوله: وانى أبايعكم على أن تحاربوا من حاربت، وتسالموا من سالمت، فقال الناس: سمعنا وأطعنا، فمرنا بأمرك يا إمام المؤمنين (1).
وعن هشام بن حسان، قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) يخطب الناس بعد البيعة له بالأمر، فقال:
نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسوله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في أمته، والثاني كتاب الله، فيه تفصيل كل شئ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعول علينا في تفسيره لا نتظنى تأويله بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله عز وجل ورسوله مقرونة، قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ(2)، وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا(3)،
وأحذركم الاصغاء لهتاف الشيطان، فإنه لكم عدو مبين، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم : لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ(1)، فتلقون إلى الرماح وزراً، وإلى السيوف جزراً، وللعمد حطماً، وللسهام غرضاً، ثم لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا (2)، فرتب عليه السلام العمال وأمر الأمراء، وأنفذ عبد الله بن العباس إلى البصرة، ونظر في الأمور.(3)
قال أبو الفرج الأصفهاني: وكتب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية مع جندب بن عبد الله الأزدي:
من الحسن بن علي أمير المؤمنين، إلى معاوية بن أبي سفيان :
سلام عليكم ، فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فان الله عز وجل بعث محمداً (صلّی الله علیه وآله وسلّم) رحمة للعالمين، ومنّة للمؤمنين، توفاه الله غير مقصر ولا وان، بعد أن أظهر الله به الحق، ومحق به الشر، وخصّ قريشاً خاصة فقال له : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ (4)، فلما توفي تنازعت سلطانه
العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقّه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، وأن الحجّة لهم فی ذلك على من نازعهم أمر محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فأنعمت لهم وسلمت إليهم.
ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاجت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل بيت محمد وأولياؤه إلى محاجتهم، وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا، فالموعد الله وهو المولي النصير.
ولقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقّنا وسلطان نبينا وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ولكن الله حسيبك، فسترد فتعلم لمن عقبى الدار: وبالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد.
إن عليا عليه السلام لما مضى لسبيله - رحمة الله عليه - يوم قبض، ويوم منّ الله عليه بالاسلام ويوم يبعث حيّا - ولاني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما
حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله عز وجل في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله، وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب.
واتق الله ! ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لا قيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به، منك ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك، سرت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.(1)
وكان جواب معاوية الى الامام الحسن (عليه السلام)، وما أظهر فيه من الكفر والالحاد يقول فيه:
وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، فلو علمت أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلاً، ولكن قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكبر منك سناً، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك ما في بيت مال العراق بالغاً ما بلغ، تحمله إلى حيث
1) بحار الأنوار 44 : 39
أحببت، ولك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها أمينك، ويحملها إليك في كل سنة، ولك أن لا يستولى عليك بالأشياء، ولا يقضى دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله أعاننا الله، وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام.
قال جندب: فلما أتيت الحسن (عليه السلام) بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فأما أن تقدر أنه ينقاد لك، فلا والله حتى يرى منا أعظم من يوم صفين.(1)
ولما بلغ معاوية بن أبي سفيان وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) وبيعة الناس ابنه الحسن عليه السلام دس رجلاً من حمير إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار، ويفسدا على الحسن الأمور، فعرف ذلك الحسن (عليه السلام) فأمر باستخراج الحميري من عند لحام بالكوفة، فاخرج وأمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فاخرج و ضربت عنقه. (2)
وكتب الحسن (عليه السلام) إلى معاوية: أما بعد، فإنك دسست الرجال
للاحتيال والاغتيال، وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء، وما أشك في ذلك فتوقعه إن شاء الله، وبلغني أنك شمت بما لم يشمت به ذو الحجي، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول:
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى*** تجهز لأخرى مثلها فكان قد
إنا ومن قدمات منا لكالذي*** يروح فيمسي في المبيت ليغتدي(1)
فأنت الجواد وأنت الذي*** إذا ما القلوب ملأن الصدورا
جدير بطعنة يوم اللقاء*** يضرب منها النساء النحورا
وما مزيد من خليج البحار*** يعلو الآكام ويعلو الجسورا
بأجود منه بما عنده*** فيعطي الألوف ويعطي البدورا
فعندما وصلت رسالة الامام (عليه السلام) الى معاوية، بدأ بتهيئة جيش الشام للمعركة.
فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه، ثم كتب إلى عماله على النواحي بنسخة واحدة من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين.
سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم وقتل خليفتكم، إن الله بلطفه، وحسن صنعه،
1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 16 : 31. وكان معاوية قد اجاب على هذه الرسالة : أما بعد، فقد وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمت بما حدث فلم أفرح ولم أحزن، ولم أشمت ولم آس، وإن عليا أباك لكما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :
أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده، فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إلي حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية، فسار بها قاصداً إلى العراق.
وبلغ الحسن (عليه السلام) خبره ومسيره نحوه، وأنه قد بلغ جسر منبج، فتحرك عند ذلك، وبعث حجر بن عدي فأمر العمال والناس بالتهيؤ للمسير، ونادى المنادي: الصلاة جامعة ! فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون.
وقال الحسن: إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني، وجاءه سعيد بن قيس الهمداني، فقال له: أخرج، فخرج الحسن (عليه السلام)، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أما بعد، فإن الله كتب الجهاد على خلقه، وسماه كرها، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: اصبروا إن الله الصابرين، فلستم أيها الناس نائلين ما مع تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون. بلغني أن معاوية بلغه إنا كنا أزمعنا على المسير إليه، فتحرك لذلك، اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر و تنظروا، ونرى وتروا .
قال: وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له.
قال: فسكتوا فما تكلم منهم أحد، ولا أجابه بحرف.
فلما رأى ذلك عدي بن حاتم (1)
عده الشيخ في رجاله (تارة) من أصحاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأخرى من أصحاب علي (عليه السلام) بإضافة الطائي، روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عد عدي أيضاً من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). انظر: الغدير 1 : 54 .
قام فقال: أنا ابن حاتم ! سبحان الله ! ما أقبح هذا المقام ! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم ! أين خطباء مضر، أين المسلمون؟ أين الخواضون من أهل المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق (2)في الدعة، فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب، أما تخافون مقت الله ولا عيبها وعارها.ثم استقبل الحسن بوجهه، فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنّبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره. قد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحب أن يوافيني فليواف.
ثم مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب، فركبها ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه.
وكان عدي بن حاتم أول الناس عسكر.
1) وهو أبو طريف عدي بن حاتم المتوفى 68 وهو ابن مائة سنة، من الذين شهدوا لعلي (عليه السلام) بحديث الغدير يوم مناشدته بالرحبة في حديث أخرجه الحافظ ابن عقدة في حديث الولاية، وذكره السيد نور الدين السمهودي في جواهر العقدين وعنه القندوزي في ينابيع المودة 38، وعد في تاريخ آل محمد ص 67 ممن روى حديث الغدير .
2) المخاريق جمع مخراق، وهو المنديل أو نحوه يلوي فيضرب به.
وقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن صعصعة التيمي، فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن (عليه السلام) بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول.
فقال لهم الحسن (عليه السلام): صدقتم رحمكم الله! ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والقبول والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيرا ثم نزل.(1)
وروي إن الحسن أخذ طريق النخيلة، فعسكر عشرة أيام، فلم يحضره إلا أربعة آلاف، فانصرف إلى الكوفة فصعد المنبر وقال:
يا عجبا من قوم لا حياء لهم ولا دين، ولو سلمت له الأمر فأيم الله لا ترون فرجاً أبداً مع بني أمية، والله ليسومونكم سوء العذاب حتى تتمنوا أن عليكم جيشاً أجدع، ولو وجدت أعوانا ما سلمت له الأمر، لأنه محرم على بني أمية فأف وترحا يا عبيد الدنيا.(2)
وبعد أن أتم الامام(عليه السلام) خطابه نزل من المنبر. وخرج الناس وعسكروا، ونشطوا للخروج، وخرج الحسن (عليه السلام)إلى المعسكر واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث من أصحاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)روى الشيخ أن أمامة بنت أبي العاص، وأمها زينب بنت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وكانت تحت علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد فاطمة (عليها السلام)، فخلف عليها بعد علي المغيرة بن نوفل ذكر أنها وجعت وجعا شديدا حتى أعتقل لسانها، فجاءها الحسن والحسين (عليهما السلام) وهي لا تستطيع الكلام، فجعلا يقولان والمغيرة كاره لذلك: أعتقت فلانا وأهله، فجعلت تشير برأسها ،نعم، وكذا وكذا، فجعلت تشير برأسها أن نعم، لا تفصح بالكلام فأجازا ذلك لها . التهذيب الجزء 9 ، باب من الزيادات في الوصية الحديث 945.
أقول : هذه الرواية فيها دلالة على ذم المغيرة، وعدم انقياده للحسنين (عليهما السلام).
وقال المرزباني : وكان المغيرة بن نوفل من أصحاب علي (عليه السلام) وبقي بعده وكان مع الحسين بن علي (عليهما السلام) فأصابه مرض في الطريق، فعزم عليه الحسين (عليه السلام) أن يرجع فرجع فلما بلغه قتله رثاه معجم الشعراء 2 : 272 وفي الاستيعاب 4 : 1447 : ولد على عهد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بمكة قبل الهجرة وقيل إنه لم يدرك من حياة النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)إلا ست سنين هو الذي تلقى عبد الرحمن بن ملجم المرادي إذ ضرب علي بن أبي طالب على هامته بسيفه فصرعه فلما هم الناس به حمل عليهم بسيفه فأفرجوا له فتلقاه المغيرة بن نوفل هذا بقطيفة فرمى بها عليه واحتمله وضرب به الأرض وقعد على صدره وانتزع سيفه. (3)، وأمره باستحثاث
الناس على اللحوق إليه، وسار الحسن (عليه السلام) في عسكر عظيم حتى نزل دير عبد الرحمان فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس.
ثم دعا عبيد الله بن العباس فقال له:
يا ابن عم، إني باعث معك اثني عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك ، فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين عليه السلام وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات حتى تسير
بمسكن(1)، ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية، فان أنت لقيته فاحتبسه حتى آتيك فاني على أثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي كل يوم وشاور هذين - يعني قيس بن سعد، وسعيد بن قيس - وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فان فعل فقاتله، فان أصبت فقيس بن سعد على الناس فان أصيب فسعيد بن قيس على الناس.
فسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور، حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفلوجة حتى أتى (مسكن).(2)
وسار معاوية نحو العراق ليغلب عليه، فلما بلغ جسر منبج (3)تحرك الحسن (عليه السلام) وبعث حجر بن عدي يأمر العمال بالمسير، واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، ثم خفوا ومعه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولأبيه، وبعضهم محكمة(4)يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم وبعضهم شكاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا
1) مسكن - بكسر الكاف - موضع على نهر الدجيل قريباً من أواني عند دير الجائليق، ذكره الخطيب في تاريخه وفى هذا المكان قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير وفيه قبر مصعب وإبراهيم بن الأشتر النخعي.
2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 : 39 بحار الانوار 44 : 50 .
3) منبج - كمجلس - بلد من بلاد الشام، وقيل: أول من بناها كسرى لما غلب على الشام ومنه إلى حلب عشر فراسخ .
4) يعنى أصحاب التحكيم وهم الخوارج .
يرجعون إلى دين. فسار حتى أتى حمام عمر، ثم أخذ على دير كعب، فنزل ساباط(1)
وروي: ... وأخذ الحسن على حمام عمر، حتى أتى دير كعب ثم بكر فنزل ساباط دون القنطرة. فلما مر في مظلم ساباط، بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان، وأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال : الله أكبر ، أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل ! ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم. ثم اعتنقه الحسن (عليه السلام) وخرّاً جميعاً إلى الأرض فوثب إليه رجل من شيعة الحسن يقال له عبد الله بن خطل الطائي فانتزع المغول من يده، وخضخض به جوفه، فأكب عليه آخر يقال له : ظبيان بن عمارة فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقتل، وحمل الحسن (عليه السلام) على سرير إلى المدائن فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل أمير المؤمنين (عليه السلام) بها فأقره الحسن (عليه السلام) على ذلك، واشتغل الحسن (عليه السلام) بنفسه يعالج جرحه.
دون القنطرة وبات هناك.فلما أصبح أراد (عليه السلام) أن يمتحن أصحابه، ويستبرئ أحوالهم له في الطاعة ليتميز بذلك أولياؤه من أعدائه، ويكون على بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام فأمر أن ينادي في الناس بالصلاة جامعة، فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال:
الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً وائتمنه على الوحي صلى الله عليه وآله.
أما بعد، فاني والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة، ولا مريداً له بسوء ولا
1) ساباط: اسم قرية قريبة من المدائن مراصد الاطلاع :2 : 680، بحار الأنوار 44 : 47 .
غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا علي رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا.
قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما ترونه يريد بما قال؟
قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية، ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل ثم شدوا على فسطاطه، وانتهبوه، حتى أخذوا مصلاه من تحته ثم شدّ عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفة عن عاتقه فبقي جالساً متقلداً بالسيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه وركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده.
فقال: ادعو إلي ربيعة وهمدان، فدعوا له فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه (عليه السلام) وسار ومعه شوب من غيرهم.(1)
وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة سرا واستحثوه على سرعة المسير نحوهم وضمنوا لهم تسليم الحسن (عليه السلام) إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به وبلغ الحسن عليه السلام ذلك.
وكتب الامام الحسن (عليه السلام) رسالة الى معاوية، وكان معاوية حينها بقرية يقال لها: الحبونية، بإزاء مسكن، وأقبل عبيد الله بن العباس حتى نزل
1) بحار الأنوار 44 : 46 .
بإزائه فلما كان غد من وجه معاوية إلى عبيد الله أن الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إلي فان دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، أعجل لك في هذا الوقت نصفها وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر.
فانسل عبيد الله ليلاً فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده، وأصبح الناس ينتظرونه أن يخرج فيصلّي بهم فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه، فصلّى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فثبتهم، وذكر عبيد الله فنال منه ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو، فأجابوه بالطاعة، وقالوا له: انهض بنا إلى عدونا على اسم الله، فنهض بهم.(1)
وورد عليه كتاب قيس بن سعد (2)
وله خطبة جميلة يحرض فيها الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) على قتال معاوية حين ما بلغ علياً (عليه السلام) سیر طلحة والزبير، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : أحسنت والله يا قيس وأجملت ولما أجمع الحسن (عليه السلام) على الصلح فأخذ له الأمان على حكمهم والتزم لهم معاوية الوفاء بما اشترطوه ثم لزم قيس المدينة وأقبل على العبادة حتى مات بها سنة ستين، وقيل سنة تسع وخمسين في آخر خلافة معاوية، الاستيعاب 3 : 1289.
، وكان قد أنفذه مع عبيد الله بن العباس1) كشف الغمة 2 : 163، بحار الأنوار 44 : 48 .
2) قيس بن سعد: عده الشيخ تارة في أصحاب رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وأخرى في أصحاب علي (عليه السلام) قائلا : " قيس بن سعد بن عبادة، وهو ممن لم يبايع أبا بكر .. وثالثة في أصحاب الحسن (عليه السلام) قائلا : " قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ". وعده البرقي في آخر رجاله من المنكرين على أبي بكر، وهم اثنا عشر رجلاً، وقال: ثم قام قيس بن سعد بن عبادة، فقال : يا معشر قريش قد علم خياركم أن أهل بيت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أحق بمكانه في سبق سابقة وحسن عناء، وقد جعل الله هذا الامر لعلي بمحضر منكم وسماع أذنيكم، فلا ترجعوا ضلالاً فتنقلبوا خاسرين.
في مسيره من الكوفة لتلقي معاوية فيرده عن العراق وجعله أميرا على الجماعة وقال: إن أصيب فالأمير قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بإزاء مسكن، وان معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المسير إليه وضمن له الف ألف درهم يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الأخر عند دخوله الكوفة فانسل عبيد الله ليلا إلى معسكر معاوية ومعه خاصته وأصبح الناس بغير أمير فصلى بهم قيس ونظر في أمورهم.
فازدادت بصيرة الحسن (عليه السلام) بخذلانهم له وفساد نيات المحكمة فيه وما أظهروه له من سبّه وتكفيره واستحلال دمه ونهب أمواله ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعته وشيعة أبيه (عليهما السلام) وهم جماعة لا يقومون بحرب أهل الشام.(1)
في تلك الظروف الحرجة التي مر بها جيش الامام الحسن (عليه السلام) خصوصا بعد فرار قائد جيشه عبيد الله بن العباس الى معاوية، قاد قيس بن سعد جيش الامام بمواجهة جيش الشام، واستعد الطرفان للقتال، فخرج إليهم بسر بن أرطاة (2)
قال: فقتل عثمان ثم ارسل معاوية بسر بن أرطأة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات فأقمن في السوق .
، فصاحوا إلى أهل العراق ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع،1) كشف الغمة 2 : 163.
2) بسر أحمد بن أرطأة القرشي واسم أبي أرطاة عمير ، وقيل عويمر العامري من بني عامر، ويقال إنه لم يسمع من النبي، لأن رسول الله، قبض وهو صغير. قال عنه المؤرخون بأنه رجل سوء، وذلك لأمور عظام ركبها في الإسلام فيما نقله أهل الأخبار والحديث أيضا من ذبحه ابني عبيد الله أحمد بن العباس أحمد بن عبد المطلب وهما صغيران بين يدي أمهما وكان معاوية قد استعمله على اليمن أيام صفين وكان عليها عبيد الله أحمد بن العباس لعلي (عليه السلام) فهرب حين أحس ببسر أحمد بن أرطاة ونزلها بسر فقضى فيها هذه القضية الشنعاء، ولما وجه معاوية بسر بن أرطأة لقتل شيعة علي قام إليه بعض أتباعه فقالوا: يا أمير المؤمنين نسألك بالله والرحم ألا تجعل بسر على قيس سلطاناً، ودخل بسر الحرة - حرة بني سليم - وفيها أغار بسر علی همدان وسبى نساءهم، فكان أول مسلمات سبين في الإسلام، وقتل أحياء من بنى سعد. وعن أبي أرباب انه سمع عن أبي ذر يدعو ويتعوذ في صلاة صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها قال: فسألناه مم تعوذت وفيم دعوت؟ فقال: تعوذت بالله من يوم البلاء ويوم العورة ! فقلنا: وما ذاك؟ قال: أما يوم البلاء فتلتقي فتيان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضاً وأما العورة فإن نساء يوم المسلمات ليسبين فيكشف عن سوقهن فأيتهن كانمت أعظم ساقاً اشتريت على عظم ساقها فدعوت الله ألا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه .
وإمامكم الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟
فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا إحدى اثنين إما القتال مع غير إمام، وإما أن تبايعوا بيعة ضلال.
قالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم.
وكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه، فكتب إليه قيس: لا والله لا تلقاني أبداً إلا بيني وبينك الرمح، فكتب إليه معاوية لما يئس منه: أما بعد، فإنك يهودي ابن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فان
ظهر أحب الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غیر قوسه، ورمی غیر غرضه، فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران طريداً غريبا والسلام.
فكتب إليه قيس بن سعد :
أما بعد، فإنما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الاسلام كرهاً، وأقمت فيه فرقاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حرباً الله ولرسوله، وحزباً من أحزاب المشركين، وعدو الله ونبيه، والمؤمنين من عباده، وذكرت أبي فلعمري ما أو تر إلا قوسه، ولا رمى إلا غرضه، فشعب عليه من لا يشق غباره، ولا يبلغ كعبه وزعمت أني يهودي ابن يهودي، وقد علمت وعلم الناس أني وأبي أعداء الدين الذي خرجت منه، وأنصار الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه، والسلام.
فلما قرأ معاوية كتابه غاظه وأراد اجابته فقال له عمرو: مهلاً، فإنك إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس،
فأمسك عنه.
وجه الامام (عليه السلام) الى أحد قواده وكان من كندة أربعة آلاف رجل، وأمره أن يعسكر بالأنبار ولا يحدث شيئاً حتى يأتيه أمره، فلما توجه إلى الأنبار ونزل بها، وعلم معاوية بذلك، بعث إليه رسلاً وكتب إليه معهم:
أنك إن أقبلت إلي أو لك بعض كور الشام والجزيرة، غير منفس عليك، وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم .
فقبض الكندي عدو الله المال، وقلب على الحسن، وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته.
فبلغ ذلك الحسن (عليه السلام) فقام خطيباً وقال: هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم، وقد أخبرتكم مرة بعد مرة أنه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا: وأنا موجه رجلاً آخر مكانه، وإني أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه، ولا يراقب الله في ولا فيكم، فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف، وتقدم إليه بمشهد من الناس وتوكد عليه وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي فحلف له بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال: أنه لا يفعل.
فقال الحسن: إنه سيغدر. فلما توجه إلى الأنبار، أرسل معاوية إليه رسلاً وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه، وبعث إليه بخمسة آلاف درهم، ومنّاه أي ولاية أحب من كور الشام والجزيرة، فقلب على الحسن، وأخذ طريقه إلى معاوية، ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود، وبلغ الحسن ما فعل المرادي فقام خطيبا فقال:
قد أخبرتكم مرة بعد أخرى أنكم لا تفون الله بعهود، وهذا صاحبكم المرادي غدر بي وبكم، وصار إلى معاوية.(1)
1) بحار الأنوار 44 : 52 .
ومن الأسباب التي أدت الى عزوف الامام الحسن (عليه السلام) عن مقاتلة معاوية هو خيانة قبيلة ربيعة، فلقد كانت ربيعة بمثابة صمام الامان للامام (عليه السلام) فقد روي ان خالد بن المعمر(1)
إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت*** كتائب منهم كالجبال تجالد
ثم قال معاوية لعمرو: ماذا ترى؟ قال: أرى ألا تحنث أخوالي اليوم. فخلى معاوية عنهم وعن سرادقه وخرج فاراً عنه لائذاً إلى بعض مضارب العسكر، فدخل فيه. وبعث معاوية إلى خالد بن المعمر: إنك قد ظفرت ولك إمرة خراسان إن لم تتم. فطمع خالد في ذلك ولم يتم، فأمره معاوية -حين بايعه الناس - على خراسان، فمات قبل أن يصل إليها. انظر: وقعة صفين: 306
وهو من شيوخ بني ربيعة لجأ الى معاوية معلناً بيعته له باسم جميع أفراد قبيلته، فألحقه معاوية في عامة بني سدوس لأمر نقمه على علي صلوات الله عليه، ولقدره، وكثرة من جاء به إلى معاوية من قومه. لذا يقول الشاعر :معاوي أمر خالد بن معمر*** فإنك لولا خالد لم تؤمر
و ممّن هرب عن علي صلوات الله عليه إلى معاوية من مثل هؤلاء كثير من وجوه العرب ورؤسائهم، ومن أهل البأس والنجدة والرياسة في عشائرهم لما
1) ذكر نصر بن مزاحم ان قوماً جاءوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقالوا له ان خالد بن المعمر السدوسي كاتب معاوية، فقام علي (عليه السلام) حيث انتهى إلى رايات ربيعة، فقال ابن لقيط: إن أصيب علي فيكم افتضحتم، وقد لجأ إلى راياتكم. وقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة، ليس لكم عذر في العرب إن أصيب علي فيكم ومنكم رجل حي، إن منعتموه فحمد الحياة ألبستموه. فقاتلوا قتالاً شديداً لم يكن قبله مثله حين جاءهم علي. ففي ذلك تعاقدوا وتواصوا ألا ينظر رجل منهم خلفه حتى يرد سرادق معاوية. فلما نظر إليهم معاوية قد أقبلوا قال:
اتصل عن معاوية من بذله الأموال، وإفضاله على الرجال، وإقطاعه القطائع مثل إطعامه عمرو بن العاص خراج مصر، وإقطاعه ذا الكلاع، وحبيب بن سلمة، ويزيد بن حجبة، وغيرهم ما أقطعهم، وأنا لهم إياه، وعلموا ما عند علي (عليه السلام) من شدته على الخائن، وقمعه الظالم، وعدله بين الناس، واسترجاعه ما أقطعه عثمان، وفشى ذلك عنه، وتفاوض أهل الطمع، وقلة الورع فيه، حتى قال خالد بن المعمر للعباس بن الهيثم : اتق الله في عشيرتك وانظر في نفسك، ما تؤمل من رجل سألته أن يزيد في عطاء ابنيه الحسن والحسين دريهمات لما رأيته حالتهما، فأبى علي، وغضب من سؤالي إياه ذلك.(1)
قال الشعبي: فبينا الحسن في سرادقه بالمدائن(2)وقد تقدم قيس بن سعد، إذ نادى مناد في العسكر: الا ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا، فنفروا إلى سرادق الحسن فنازعوه حتى أخذوا بساطاً كان تحته، وطعنه رجل بمشقص فأدماه، فدخل المقصورة التي في المدائن بالبيضاء.(3).
وقال ابن كثير: أمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة
1) شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي 2 : 96.
2) المدائن: كانت رأس الجسر صوب فارس والبلاد المتاخمة لها، وهي بموقعها الجغرافي النقطة الوحيدة التي تحمي الخطوط الثلاث التي تصل كلا من الكوفة والبصرة وفارس بالأخرى، و تقف بقيمتها العسكرية درءاً في وجه الأحداث التي تنذر بها ظروف الحرب، واتخذها الحسن (عليه السلام) مقراً لقيادته العليا ليستقبل عندها نجدات الجيوش من الأقطار القريبة منه .
3) بحار الأنوار 44 : 28
في اثني عشر ألفا بين يديه، وسار هو بالجيوش في أثره قاصدا بلاد الشام، ليقاتل معاوية وأهل الشام فلما اجتاز بالمدائن نزلها وقدم المقدمة بين يديه، فبينما هو في المدائن معسكرا بظاهرها، إذ صرخ في الناس صارخ: ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطا كان جالساً عليه، وطعنه بعضهم حين ركب طعنة أثبتوه وأشوته فكرههم الحسن كراهية شديدة، وركب فدخل القصر الأبيض من المدائن فنزله وهو جريح.(1)
قال هلال بن الخبّاب: وخطب الامام الحسن (عليه السلام) بعد أن حشد الناس في قصر المدائن، فقال بعد أن حمد الله تعالى وصلّى على نبيه (صلّی الله علیه وآله وسلّم):
أيها الناس ان أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور وانكم لو طلبتم ما بين جابلق وجابرس رجلاً جده رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم إن الله هداكم بجدّي محمد فأنقذكم به من الضلالة ورفعكم به من الجهالة وأعزكم به بعد الذلة وكثركم به بعد القلة.
ان معاوية نازعني حقاً هو لي دونه فنظرت لصلاح الأمة وقطع الفتنة وقد كنتم بايعتموني على أن تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت، فرأيت أن أسالم معاوية واضع الحرب بيني وبينه وقد بايعته ورأيت حقن الدماء خير
1) البداية والنهاية 8 : 16.
من سفكها ولم أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم وان أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.(1)
وسار الحسن (عليه السلام) حتى نزل بالمدائن، واقبل معاوية في أهل الشام يريد الحسن (عليه السلام) حتى نزل جسر منبج، فطعنه رجل من بني أسد يقال له ابن أقيصر بخنجر مسموم في أليته فتحول من مكانه الذي انتهب فيه متاعه ونزل الأبيض قصر كسرى وقال: عليكم لعنة الله من أهل قرية، فقد علمت أنه لا خير فيكم، قتلتم أبي بالأمس واليوم تفعلون هذا !
ثم دعا عمرو بن سلمة الأرحبي فأرسله وكتب معه إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله الصلح ويسلم له الأمر على أن يسلم له ثلاث خصال وهي:
1 - يسلم له بيت المال فيقضي منه دينه ومواعيده التي عليه ويتحمل منه هو ومن معه عيال أهل أبيه وولده وأهل بيته .
2 - لا يسب علي وهو يسمع.
3 - ان يحمل إليه خراج فسا(2)ودار أبجرد (3)من ارض فارس كل عام إلى المدينة ما بقي فأجابه معاوية إلى ذلك وأعطاه ما سأل.(4)
بعد أن أرسل الامام الحسن (عليه السلام) عمر بن سلمة أو عبد الله بن الحارث بن نوفل إلى معاوية حتى أخذ له ما سأل، أرسل معاوية عبد الله بنعامر بن كريز وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب فقدما المدائن إلى الحسن فأعطاه ما سأل وما أراد ووثقا له .
فكتب إليه الحسن أن اقبل، فأقبل من جسر منبج إلى مسكن في خمسة أيام وقد دخل يوم السادس فسلم إليه الحسن الأمر وبايعه ثم سارا جميعا حتى قدما الكوفة، فنزل الحسن القصر ونزل معاوية النخيلة، فأتاه الحسن في عسكره غير مرة وقسم ببيت المال على أهل بيته وأصحابه، وكان فيه يومئذ سبعة آلاف ألف درهم وتجهز هو أهل بيته إلى المدينة، ودس معاوية إلى أهل البصرة فطردوا وكيل الحسن وقالوا لا تحمل فيأنا إلى غيرنا يعنون خراج فسا ودار بجرد .
أمام تلك الظروف الصعبة رأى الامام الحسن (عليه السلام) نفسه أمام ظروف دقيقة - حتمت عليه - بعد موقف الحيرة الذي وجد نفسه فيه اتخاذ الموقف الجريء الواضح والذي لم يرض أن يهراق في أمره محجمة دم، فكانت خطة حقن الدماء التي أقرها وقررها.
وأما الظروف التي أملت عليه اتخاذ هذا الموقف فهي :
1 - خطة الحرب النفسية والدعاية التي شنها معاوية والتي قضى من ورائها تدمير مقاومة الجيش وصموده في مسكن .
2 - نشر الشائعات في جيش الحسن، وكانوا من أغرار الناس المتأرجحين بين الطاعة والعصيان والمتأهبين للفتنة والاضطرابات في كل حين .
3 - تهديم معنويات جيش الحسن. هذا ما أدى إلى نهب سرادق الحسن ومتاعه وعامة أثقاله وتفرق أصحابه. ومما أدى إلى تطول سنان بن الجراح الأسدي على الحسن ومهاجمته وجرحه جراحة كادت تأتي عليه، وانخزال القبائل قبيلة بعد قبيلة إلى معاوية. أمام هذا كله وقف الحسن متأملاً، غير عابئ بما يدور حوله، ووضع خطّته فيما يريده الله وما يؤثره من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وما يجب لصيانة المبدأ، أما ما يقوله الناس، فلم يكن ذلك مما ينبه كثيرا.
وكان مما قاله الامام الحسن (عليه السلام) في تسليمه الامر لمعاوية:
ومن لامه (عليه السلام) ما كتبه في كتاب الصلح الذي استقر بينه وبين معاوية حيث رأى حقن الدماء وإطفاء الفتنة وهو:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسيرة الخلفاء الراشدين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً، بل يكون الأمر من بعده شوری بین المسلمين وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وعلى أن أصحاب على وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذ الله على أحد من خلقه
بالوفاء بما أعطى الله من نفسه وعلى ان لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غائلة سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق، شهد عليه بذلك وكفى بالله شهيدا فلان وفلان والسلام .(1)
اذن، بنود معاهدة الصلح تضمنت خمس مواد مهمة هي:
المادة الأولى: تسليم الامر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وبسيرة الخلفاء الصالحين.(2).
المادة الثانية: أن يكون الامر للحسن من بعده وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد.
المادة الثالثة: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وان لا يذكر علياً إلا بخير.
المادة الرابعة: يسلم ما في بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف للحسن وله خراج دارابجرد، وأن يحمل لأخيه الحسين في كل عام ألفي الف،
ويفضل بني هاشم في العطاء والصلاة على نبي عبد شمس.
المادة الخامسة: أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم.
ونقل الشيخ الصدوق عن يوسف بن مازن الراسبي قال: بايع الحسن بن علي صلوات الله عليه معاوية على أن لا يسميه أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة، وعلى أن لايتعقب على شيعة علي(عليه السلام) شيئا، وعلى أن يفرق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد من قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دارابجرد.(1)
وفي رواية أخرى: ان الامام الحسن (عليه السلام) كتب إلى معاوية:
أما بعد فان خطبي انتهى إلى اليأس من حق أحييه وباطل أميته، وخطبك خطب من انتهى إلى مراده، وإنني أعتزل هذا الأمر، وأخليه لك، وإن كان تخليتي إياه شرا لك في معادك، ولي شروط أشترطها، لا تبهظنك إن وفيت لي
1) بحار الأنوار :44 : 13. قال المجلسي: قال عامر: بايع الحسن بن علي معاوية على أن يسالم من سالم ويحارب من حارب، ولم يبايعه على أنه أمير المؤمنين. قلنا: هذا حديث ينقض آخره أوله، وأنه لم يؤمره، وإذا لم يؤمره لم يلزمه الايتمار له إذا أمره، وقد روينا من غير وجه ما ينقض قوله: يسالم من سالم، ويحارب من حارب " فلا نعلم فرقة من الأمة أشد على معاوية من الخوارج وخرج على معاوية بالكوفة جويرية بن ذراع أو ابن وداع أو غيره من الخوارج فقال معاوية للحسن: اخرج إليهم وقاتلهم، فقال: يأبى الله لي بذلك، قال: فلم؟ أليس هم أعداؤك وأعدائي؟ قال: نعم يا معاوية، ولكن ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فوجده، فأسكت معاوية. ولو كان ما رواه أنه بايع على أن يسالم من سالم، ويحارب من حارب، لكان معاوية لا يسكت على ما حجه به الحسن (عليه السلام) ولأنه يقول له: قد بايعتني على أن تحارب من حاربت كائنا من كان وتسالم من سالمت كائنا من كان، وإذا قال عامر في حديثه : " ولم يبايعه على أنه أمير المؤمنين " قد ناقض لأن الأمير هو الآمر والزاجر ، والمأمور هو المؤتمر والمنزجر، فأبى تصرف الآمر ، فقد أزال الحسن(عليه السلام) في موادعته معاوية الايتمار له، فقد خرج من تحت أمره حين شرط أن لا يسميه أمير المؤمنين .
بها بعهد ولا تخف إن غدرت - وكتب الشروط في كتاب آخر فيه يمنيه بالوفاء، وترك الغدر - وستندم يا معاوية كما ندم غيرك ممن نهض في الباطل، أو قعد عن الحق حين لم ينفع الندم والسلام.(1)
قال الاربلي: وكتب الامام الحسن (عليه السلام) إلى معاوية في الهدنة والصلح فأنفذ إليه كتب أصحابه التي ضمنوا فيها الفتك به وتسليمه إليه واشترط في إجابته إلى الصلح شروطا كثيرة وعقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة فلم يثق به الحسن (عليه السلام) وعلم احتياله واغتياله غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة لما كان من ضعف بصائر أصحابه في حقه والفساد عليه ومخالفته واستحلال كثير منهم دمه وتسليمه إلى خصمه وخذلان ابن عمه له ومصيره إلى عدوه وميلهم جميعا إلى الدنيا وعاجلها. فتوثق لنفسه (عليه السلام) من معاوية تأكيدا للحجة عليه والإعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى وعند كافة المسلمين واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين (عليه السلام) والعدول عن القنوت عليه في الصلاة وأن يؤمن شيعته رضي الله عنهم ولا يتعرض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذي حق حقه فأجابه معاوية إلى ذلك جميعه وعاهده عليه وحلف له بالوفاء.(2)
لقد كرر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله أكثر من مرة موقفه من بني أمية وآل بني سفيان، فقد حذر أمته من هذه العصابة مراراً وتكراراً، فقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم):
إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه.
قال الحسن (عليه السلام): فما فعلوا ولا أفلحوا.(1)
عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): «إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه » ، فقال الحسن: فوالله ما فعلوا ولا أفلحوا.
وعن عمرو بن ثابت عن إسماعيل عن الحسن قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه.(2)
أقول: تناول المحرّفون هذا الحديث الشريف فرووه بصورة أخرى، رواه الخطيب في تاريخه عن جابر مرفوعاً قال رسول الله: إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه فانه أمين»، وروى الحاكم في تاريخه عن ابن مسعود قال رسول الله:
إذا رأيتم معاوية على منبري فاقبلوه فانه أمين مأمون ومتى كان ابن هند أميناً ومأموناً؟ أبمحاربته لوصي رسول الله ؟!، أو لولوغه في دماء المسلمين، وقتله الأخيار والصلحاء ؟! وغير ذلك من الأحداث الجسام التي تكشف عن جاهليته وعدم تحرجه في الدين.
ومن هؤلاء المحرفون حمد بن إسحاق بن مهران أبي بكر الشافعي فقد جاء نقل الخطيب تاریخه 1 : 258 : إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه فإنه أمين مأمون. وعلّق الخطيب : وحديثه كثير المناكير. وراو يكون هذا حديثه لا يرتاب من كذبه ووضعه. انظر: الغدير للشيخ الأميني 8 : 46 .
وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بعثني الله نبياً فأتيت بني أمية فقلت: يا بني أمية إني رسول الله إليكم.
قالوا: كذبت ما أنت برسول الله.
قال: ثم ذهبت إلى بني هاشم فقلت: يا بني هاشم إني رسول الله إليكم، فآمن به علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحماه أبو طالب.(1)
قال ابن عباس قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): ثم بعث الله جبرئيل بلوائه فركزها في بني هاشم وبعث إبليس بلوائه فركزها في بني أمية فلا يزالون أعدائنا وشيعتهم أعداء شيعتنا إلى يوم وعن سعيد بن يسار، وسهل بن سهل أن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم)رأى في
القيامة.(2)
1) وفي بعض روايات القوم : آمن بي مؤمنهم علي بن أبي طالب وحماني كافرهم! أبو طالب ! وأما ما يرتبط بحامي الرسول أبي طالب فيكفي للمتتبع ما كتبه المنصفون حول هذه الشخصية الفذة التي لم تنالها أصابع الاتهام إلا حقداً لابنه والسائرين على نهج علي الذين زلزلوا ولا زالوا يزلزلون خطوط الضلال والنفاق، وأما تقسيم المجتمع على أساس طائفي وقبلي فهو مخالف لروح الاسلامإن أكرمكم عند الله أتقاكم وفي كل طائفة صالح وطالح والنسب لا قيمة له في الميزان. ورواه محمد بن العباس عن أحمد بن محمد بن الحسن باسناده إلى مجاهد... فآمن بي علي سرا وجهرا وحماني أبو طالب جهرا و آمن بي سرا ثم بعث الله... والباقي سواء تقريبا.
2) تفسير فرات الكوفي: 562.
منامه أن قرودا تصعد في منبره وتنزل، فساءه ذلك واغتم به، ولم ير بعد ذلك ضاحكاً حتى مات. وهو المروي عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)(1):
وروى سعيد بن يسار أيضاً، وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله(عليه السلام) وقالوا على هذا التأويل: إن الشجرة الملعونة في القرآن هي بنو أمية، أخبره الله سبحانه بتغلبهم على أنامه، وقتلهم ذريته.(2)
وقال الامام الحسن (عليه السلام) لمعاوية: أما علمت أن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) لعن قائد الأحزاب وسائقهم، وكان أحدهما أبو سفيان والآخر أبو الأعور السلمي ؟! (3)
وقد صرح ابن أبي الحديد - وهو من المعتزلة - في شرحه لنهج البلاغة:
ومعاوية مطعون في دينه عند شيوخنا رحمهم الله، يرمى بالزندقة. وقد ذكرنا في نقض" السفيانية " على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه من الالحاد والتعرّض لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)، وما تظاهر به من الجبر والإرجاء، ولو لم يكن شيء من ذلك، لكان في محاربته الامام ما يكفي في فساد حاله.(4)
1) بحار الأنوار 44 : 59 .
2) تفسیر مجمع البيان 6 : 266.
3) ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من طبقات ابن سعد: 79 رواه ابن عساكر في ترجمة أبي الأعور السلمي عمرو بن سفيان من تاريخه بإسناده عن ابن سعد، وأورده الذهبي في تاريخ الإسلام :4 : 39 في ترجمة الحسن (عليه السلام) .
4) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 4 : 32 .
روى محمد بن كعب القرظي قال: غزى عبد الرحمن بن سهل الأنصاري في زمن عثمان ومعاوية أمير على الشام، فمرت به روايا تحمل الخمر فقام إليها عبد الرحمن فشقها برمحه، فمانعه الغلمان، فبلغ الخبر معاوية فقال: دعوه فإنه شيخ قد ذهب عقله.
فقال: والله ما ذهب عقلي، ولكن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) نهانا أن تدخل بطوننا وأسقيتنا.(1)
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في ظلم بني أمية:
والله لايزالون حتى لا يدعو الله محرماً إلا استحلّوه، ولا عقداً إلا حلّوه، وحتى لايبقى بيت مدر ولا وبر(2)إلا دخله ظلمهم، ونبا به سوء رعيهم (3)،وحتى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه، وباك يبكي لدنياه. وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيده، إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه. ولا يجهل أحد مبلغ ما نزل بالناس من ظلم بني أمية وانتهاكهم للحرمات، واستهتارهم بالفضيلة حتى صار خلفاؤهم مثلا في الظلم والفسق والتهتك.(4)
ومن كلام له (عليه السلام) أيضاً لأصحابه:
أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه، ولن تقتلوه. ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة منى، فأما السب فسبوني، فإنه لي زكاة ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تتبرأوا مني، فإني ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الايمان والهجرة. (1).
ولما سير أبو بكر الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان، فلما مات يزيد استخلفه على عمله بالشام وهو دمشق، فلما بلغ خبر وفاة يزيد إلى عمر قال لأبي سفيان: أحسن الله عزاك في يزيد رحمه الله .
فقال له أبو سفيان: من وليت مكانه؟
قال: أخاه معاوية.
قال: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين(2)
وقال ابن عبد البر: قال عمر إذ دخل الشام ورأى معاوية: هذا كسرى العرب.(3)
والحقيقة ان الحروب التي قادها أمير المؤمنين (عليه السلام) مع القاسطين والناكثين والخوارج، وكذلك الصلح الذي أبرمه الامام الحسن (عليه السلام) مع
معاوية، كانت نتائج طبيعية للمؤامرة التي حدثت بعد وفاة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ألا وهي مؤامرة السقيفة، التي اغتصب فيها الحق الشرعي من أهله، وانتهت الدولة الاسلامية التي بنى أركانها الرسول الاكرم وآل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين بيد بني أمية. بل حتى المصائب التي تعرض لها أهل البيت (عليهم السلام) ومنها فاجعة استشهاد الامام الحسين(عليه السلام) كانت من نتائج هذه المؤامرة المشؤومة.
وفي هذا الخصوص يقول الشاعر:
اليوم من هو عن اسامة خلّفت*** ساروا الى حرب الحسين جميعا
اليوم من اسقاط فاطم محسنا*** سقط الحسين عن الجواد صريعاً
اليوم جردت السقيفة سيفها*** فغدا به رأس الحسین قطيعا
أول شخص من الاسرة الأموية تم تنصيبه بعد وفاة رسول الله صلوات الله عليه بعنوان حاكم وقائد هو يزيد بن أبي سفيان.
قال ابن عبد البر في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة للهجرة وقعت معركة «أجنادين» بين المسلمين والروم، وذلك بين الرملة وبيت جبرين، فلما استخلف عمر وفتح الله الشامات ولى يزيد بن أبي سفيان على فلسطين وناحيتها، فلما مات يزيد استخلف أخاه معاوية، وكان موته في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة.(1)
وفي هؤلاء الثلاثة - أبو سفيان وابنيه معاوية ويزيد - روى البلاذري في
1) الاستيعاب 3 : 1575 .
أنساب الأشراف عن سفينة - مولى أم سلمة : أن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كان جالساً فمرّ أبو سفيان على بعير، ومعاوية ويزيد أحدهما يقود البعير والآخر يسوقه، فقال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): لعن الله الحامل والمحمول والقائد والسائق.(1).
وروى أبو برزة الاسلمي(2)، قال: كنا مع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فسمعنا غناءاً فتشرفنا له، فقام رجل فاستمع له وذاك قبل أن تحرم الخمر فأتانا وأخبرنا أنه معاوية وابن العاص يجيب أحدهما الآخر بهذا البيت:
يزال حواري تلوح عظامه*** زوى الحرب عنه أن يحس فيقبرا(3)
فلما سمع بذلك رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) رفع يديه بالدعاء وهو يقول: «اللهم اركسهم في الفتنة ركسا، اللهم دعهم إلى النار دعا » (4)
على كل حال، فمنذ الأيام الأولى لوفاة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، لم
1) أنساب الأشراف :1 129، وانظر: المعجم الكبير ،3 : 71، ومجمع الزوائد 7 : 242 و 9: 178
2) هو نضلة بن عبيد، كان صاحباً لرسول الله ، وروى عنه وعن أبي بكر وروى عنه جماعة آخرون. قال ابن سعد كان من ساكني المدينة ثم البصرة، وقال الخطيب شهد مع علي عليه السلام فقاتل الخوارج بالنهروان ، وغزا بعد ذلك خراسان، فمات بها ، وقيل انه مات بنيسابور ، وقيل: بالبصرة، وقيل: غير ذلك. انظر: تهذيب التهذيب 10 : 446 .
3) الحس: القتل الشديد.
4) الأركاس والركس: الرد والإرجاع. وفي التنزيل والله أركسهم بما كسبوا والدع: الدفع الشديد. وفي الكتاب يوم يدعون إلى نار جهنم دعا. وقد ورد الحديث في اللسان ركس. بلفظ (اللهم اركسهما في الفتنة ركسا).
يؤمن هؤلاء الأفراد بالدعوة الاسلامية التي جاء بها الرسول الأكرم صلوات الله علیه و آله بل انهم كان على رأس قادة الكفر والشرك والنفاق.
وبعد وفاة يزيد بن أبي سفيان، أصبح معاوية الوالي من بعده(1)، بعد أن قام الخليفة الرسمي عمر بن الخطاب بتنصيبه مكان أخيه يزيد، وكان يتقاضى من عمر شهرياً مبلغاً مقداره مئة ألف دينار(2).
قال ابن أبي الحديد: معاوية مطعون في دينه عند مشايخنا، وكان يرمى بالزندقة والكفر، ولا حتاج الى دليل لاثبات فساد حاله، فحربه مع أمير المؤمنين عليه السلام أكبر دليل على فساده.(3)
وروى نصر بن عاصم الليثي، عن أبيه، قال: أتيت مسجد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)والناس يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله!
1) قال المرحوم العلامة هاشم معروف الحسني: ومع ذلك فقد بعثت هذه الولاية التي استمرت عشرين عاماً الامل في نفس معاوية والأسرة الأموية في أن يصبح الحاكم المطلق في مستقبل حياته الذي يصدر الأوامر من على منبر الشام لجميع الأقطار، وبالفعل بدأ هذا الامل يشع ويتسع في نفس معاوية ويسري في دمه وعروقه وبخاصة عندما انتهت الخلافة الاسلامية إلى قريبه عثمان فغمرت معاوية وأباه نشوة الفرح، واستعاد الشيخ العجوز نشاطه، فخرج من وكره يدب على عصاه متجها إلى قبر حمزة بن عبد المطلب يرفسه برجله، وهو يقول: قم يا أبا عمارة، ان الذي تقاتلنا عليه أصبح بيد صبياننا، ومن ثم انطلق به قائده نحو المسجد ليقول كلمته التي تنبع من أعماق قلبه والغي كتمها طيلة هذه المدة خوفا من سطوة الاسلام، تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار ولا حساب ولا عقاب دراسات في الحديث والمحدثين 100
2) الاستيعاب 3: 1416
3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 340 .
فقلت: ما هذا؟
قالوا: معاوية قام الساعة، فأخذ بيد أبي سفيان، فخرجا من المسجد، فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): « لعن الله التابع والمتبوع، رب يوم لامتي من معاوية».
وروی العلاء بن حريز القشيري: أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال لمعاوية: « لتتخذن يا معاوية البدعة سنة، والقبح حسناً، أكلك كثير، وظلمك عظيم».(1)وقد تحقق كلام رسول الله بحق معاوية، الذي أدخل العديد من البدع على السنة المحمدية، ونشير هنا الى بعض هذه البدع :
وقضى الشرع الاسلامي باتيان الاذان والاقامة في خصوص الصلاة الواجبة اليومية، وأما ما عداها من الصلاة المندوبة كصلاة النوافل أو الوجبة
كصلاة العيدين والآيات فان الشرع قد حكم بتركهما، فقد قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): «ليس في العيد أذان ولا إقامة»(2)، وسار على هذه السنة الخلفاء من بعد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)ولكن معاوية لم يبال بذلك، فقد أحدث الأذان والاقامة في صلاة العيد.(3)
ويحرم استمعال أواني الذهب والفضة، إلا أن معاوية قد عمد الى مخالفة ذلك وأخذ يستعملها في مأكله مشربه، ولما تلي عليه قول رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)في التحريم قال: «لا أرى بأساً في ذلك».
فقد وفد المقدام بن معدي كرب، وعمرو بن الأسود، ورجل من الأسد له صحبة إلى معاوية. فقال معاوية للمقدام: توفي الحسن، فاسترجع.
فقال: أتراها مصيبة؟
قال: ولم لا؟ وقد وضعه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في حجره وقال: هذا مني، وحسين من علي.
فقال للأسدي: ما تقول أنت؟
قال: جمرة أطفئت.
فقال المقدام أنشدك الله ! هل سمعت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)ينهي عن لبس الذهب والحرير، وعن جلود السياع والركوب عليها؟
قال: نعم.
قال: فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك.
فقال معاوية: عرفت أني لا أنجو منك.(1)
1) سير أعلام النبلاء 3 : 158.
ولم يعتن معاوية بالحدود الاسلامية، ولم يهتم باقامتها، فقد عفا عمّن ثبت عليه الحد، فقد جيء اليه بجماعة من السرقة فقطع أيديهم، وبقى واحد منهم فقال السارق:
يميني أمير المؤمنين أعيذها*** بعفوك ان تلقى مكاناً يشينها
يدي كانت الحسناء لو تم سترها*** ولا تعدم الحسناء عيبا يشيبها
فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة*** اذا ما شمالي فارقتها يمينها
ـــــــــــــــــــــ
وغزت هذه الابيات قلب معاوية فقال له: كيف أصنع بك؟ قد قطعنا أصحابك. فاجابته أم السارق: يا أمير المؤمنين، اجعلها في ذنوبك التي تتوب
منها. فخلى سبيله وأطلق سراحه، فكان أول حد ترك في الاسلام .(1)
قال العلامة الأميني صاحب موسوعة الغدير: أفهل عرف معاوية من هذا اللص خصوصية استثنته من حكم الكتاب النهائي العاموَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ؟ ! أم أن الرأفة بأمه ترکت حداً من حدود الله لم يقم؟! وفي الذكر الحكيم وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا، أم أن كان لمعاوية مؤمن من العقاب غداً وإن تعمّد اليوم بإلغاء حد من حدود الله؟ وهل نية التوبة عن المعصية تبيح اجتراح تلك السيئة؟ أن هذا لشييء عجاب.
ومنع الاسلام الربا أشد المنع وجعله من الموبقات والكبائر، فلعن المعطي والآخذ والوسيط والشاهد، ولم يعتن معاوية بتحريم الاسلام له،
1) البداية والنهاية 8 : 136.
فعن عطاء بن يسار: أن معاوية باع سقاية من ذهب، أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء(1): سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ينهى عن مثل هذا الا مثلا بمثل.
فانبرى معاوية مظهراً له عدم اعتنائه بنهي رسول الله، وتحريمه له قائلاً: ما أرى بمثل هذا بأساً.
فاستاء أبو الدرداء من هذه الجرأة واندفع وهو غضبان متألم قائلاً: من يعذرني من معاوية ! أنا أخبره عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ويخبرني عن رأيه، لاأساكنك بأرض أنت بها .
ثم ترك الشام وذهب الى عاصمة الرسول وهو ثائر غضبان واستقال من وظيفته.(2)
قال محمد بن عمر: قال معاوية : إني رأيت أن منبر رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وعصاه لا يتركان بالمدينة وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه،
1) اختلف في اسمه فقيل: عامر وعويمر، واختلف في اسم أبيه، فقيل: عامر ومالك وعبد الله، ينتهي نسبه الى كعب بن الخزرج الانصاري، أسلم ابو الدرداء يوم بدر وشهد أحداً، كان تاجراً قبل الاسلام، فلما أسلم ترك التجارة، ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر، توفي لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقيل: مات سنة 32 ، وقيل: مات بعد صفين، جاء ذلك في الاصابة 4 : 46 ، وجاء في الكنى والاسماء: 72 : أن أبا الدرداء روى عن رسول الله انه قال: (ان اثقل شيء في خلق ميزان المؤمن خلق حسن وان الله يبغض الفاحش البذي) .
2) النصائح الكافية: 94.
فلما قدم طلب العصا وهي عند سعد القرظ.(1)
فجاءه أبو هريرة وجابر بن عبد الله فقالا: يا أمير المؤمنين، نذكرك الله عز وجل أن تفعل هذا، فإن هذا لا يصلح تخرج منبر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من موضع وضعه وتخرج عصاه إلى الشام فانقل المسجد!
فأقصر وزاد فيه ست درجات، فهو اليوم ثماني درجات، فاعتذر إلى الناس مما صنع.
وقال قبيصة بن ذؤيب(2): كان عبد الملك قدهم بالمنبر، فقال له قبيصة بن ذؤيب: أذكرك الله عز وجل أن تفعل هذا وأن تحوله، إن أمير المؤمنين معاوية حرّكه فكسفت الشمس، وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): من حلف على منبري آثما فليتبوأ مقعده من النار فتخرجه من المدينة وهو مقطع الحقوق بينهم بالمدينة، فأقصر عبد الملك ذلك وكفّ عن أن يذكره. (3).
1) سعد بن عائذ المؤذن المدني مولى عمار بن ياسر المعروف بسعد القرظ لاتجاره به - وهو أوراق وقشر شجرة ذات شوك يدبغ بورقها وقشرها، ولها زهرة صفراء فيها حبة خضراء طيبة الرائحة ويسمى أيضا بالسلم، روى عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأذن في حياته بمسجد قباء ثم المسجد النبوي بعد بلال. وروى عنه ابناه عمر وعمار وبقي إلى زمن الحجاج الإصابة 2 27 والاستيعاب :2 : 51 والتاريخ الكبير :4 : 46 ، ولسان العرب 15 : 188.
2) قبيصة بن ذويب بن حلحلة الخزاعي، أبو سعيد، ويقال أبو إسحاق المدني ولد عام الفتح، كان على خاتم عبدالملك. ذهبت عينه يوم الحرة. مات سنة 86 هجرية، وقيل: غير ذلك. تهذيب التهذيب 8 : 346 -347 .
3) تاريخ الطبري 4 : 177 .
كان معاوية يكن في نفسه مبغضاً للنبي ولذريته ويحاول بكل جهوده القضاء على كلمة الإسلام ومحو أثره، وقد أدلى بذلك في حديثه مع المغيرة ابن شعبة فقد حدّث عنه ولده مطرف قال: وفدت مع أبي المغيرة على معاوية فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف إليّ فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه، وأقبل ذات ليله فأمسك عن العشاء وهو مغتم أشد الغم، فانتطرته ساعة وظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا فقلت له:
مالي أراك مغتما منذ الليلة؟
يا بني إني جئت من أخبث الناس !!
وما ذاك؟
خلوت بمعاوية فقلت له: إنك قد بلغت مناك يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً فانك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه.
فقال لي: « هيهات هيهات!! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فو الله ما عدا أن هلك، فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل أبو بكر. ثم ملك أخو عدي فاجتهد، وشمر عشر سنين، فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك، رجل لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل وعُمل به، فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فُّعل به، وإن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات « أشهد أن محمداً رسول
الله» فأي عمل يبقى بعد هذا لا أم لك، إلا دفنا دفنا».
وهذه البادرة تدل بوضوح على كفره والحاده، وعلى حقده البالغ على النبي فقد أزعجه وسائه أن يذكر اسمه كل يوم خمس مرات في الأذان ولو وجد سبيلا لمحا ذلك وشده بغذه وعدائه لذريته أنه مكث في أيام خلافته أربعين جمعة لا يصلي فيها على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وقد سئل عن ذلك فقال: (لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخ رجال بآنافها).(1)
واتسعت الدعارة وانتشر المجون في الحضارة الإسلامية في عصر بني أمية - فكان الشعراء يتشبون ويتغزلون بالنساء، وأول من فتح باب الدعارة معاوية فقد حدثوا أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت (2)
فمن للقوافي بعد حسان وابنه*** ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت
أقول: وإن يثبت أنه ولد في العهد النبوي وعاش إلى سنة 104 يكون عاش 98 فلعل الأربعين محرفة ، جاء ذلك في الإصابة 3 : 67 وذكر الزمخشري في الكشاف أن عبد الرحمن قال في معاوية قصيدة منها:
قد تشبب بابنة1) النصائح الكافية: 97.
2) عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري الخزرجي ولد في زمن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كان شاعراً قليل الحديث ذكره ابن معين في تابعي أهل المدينة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، توفى سنة 104 ، وأبطل هذا القول ابن عساكر فقال: إنه قيل إنه عاش ثماني وأربعين ، ومقتضاه أنه ما أدرك أياه لأنه مات بعد الخمسين بأربع أو نحوها وقد ثبت أنه كان رجلاً في زمان أبيه وأبوه القائل:
معاوية، فبلغ ذلك يزيد فغضب، ودخل على أبيه قائلا بنبرات تقطر ألماً:
يا أبة أقتل عبد الرحمن بن حسان.
لمَ؟
تشبب بأختي
وما قال ؟
قال:
طال ليلي وبت كالمحزون*** ومللت الثواء في جيرون
فأجابه معاوية باستهزاء وسخرية: يا بني، وما علينا من طول ليله وحزنه، أبعده الله !
فالتفت يزيد إلى أبيه انه يقول:
فلذا اغتربت بالشام حتى*** ظن أهلي مرجات الظنون
يا بني، وما علينا من ظن أهله!
إنه يقول:
هي زهراء مثل لؤلؤة الغوا***ص ميزت من جوهر مکنون
ألا أبلغ معاوية بن حرب*** أمير الظالمين نا كلامي
معاوية بن هندو ابن صخر*** لحاك الله من مرء حرامی
تجشمنا بامرتك المنايا*** وقد درج الكرام بنو الكرم
أمير المؤمنين أبو حسين*** مفلق رأس جدك بالحسام
و إنا صابرون ومنظروكم*** إلى يوم التغابن والخصام
-إنه يقول:
وإذا ما نسبتها لم تجدها*** في سناء من المكارم دون
-صدق يا بني!
ثم خاصرتها إلى القبة الخضـ***ـر راء تمشي في مرمر مسنون
وما زال يزيد يذكر له ما قاله عبد الرحمن من التشبيب بأُخته، ومعاوية يدافعه عن ذلك، ويظهر براءته وعدم استحقاقه العقاب، وانتشر تشبب عبد الرحمن، وافتضحت ابنة معاوية، فأقبلت إليه طائفة فأكبروا هذه الجسارة على ابنته وقالوا له: «لو جعلته نكالاً» فامتنع معاوية من إجابتهم، وقال لهم: لا، ولكن أداويه بغير ذلك، واتفق أن عبد الرحمن وفد على معاوية فاستقبله أحسن استقبال وأجلسه على سريره وأقبل عليه بوجهه، ثم قال:
إن ابنتي الأخرى عاتبة عليك.
في أي شيء؟
في مدحك أختها وتركك إياها.
لها العتبى وكرامة أنا أذكرها.
وأخذ يتغزل بابنة معاوية فلما علم الناس ذلك قالوا: «قد كنا نرى أن
تشبب حسان بابنة معاوية لشيء فإذا هو على رأي معاوية وأمره».(1)
وهذه البادرة تدلّ على ميوعته وتفسخ أخلاقه وقد فتح بذلك باب الفساد ومكن الماجنين من التعرض ببنات المسلمين حتى بلغ التهالك على اللذة منتهاه في عصره وعصر بني أمية.
وتشبب أبو دهبل الجحمي(2)
يا ليت من يمنع المعروف يمنعه*** حتى يذوق رجال غب ما صنعوا
وليت رزق أناس مثل نائلهم*** قوت كقوت ووسع كالذي وسعوا
وليت للناس حظاً في وجوههم*** تبين أخلاقهم فيه إذا اجتمعوا
وليت ذا الفحش لاقى فاحشا أبداً*** ووافق الحلم أهل الجهل فارتدعوا
جاء ذلك في معجم الشعراء 1 : 117
بابنته، فعامله باللين وأوصله وأعطاه.(3)وسار بنو أمية على هذه الخطة، وقد حاولوا أن يقلبوا الدنيا إلى مسارح للعبث والمجون، فحببوا إلى الناس الفسق والدعارة وساقوهم إلى الضلال والباطل والفساد.
ومن تهتك معاوية ومجونه أنه اشترى جارية بيضاء جميلة، فادخلها عليه مولاه (خديج) وهي مجردة عارية ليس عليها شيء، وكان بيده قضيب فجعل يهوى به إلى (متاعها) وهو يقول: هذا المتاع، لو كان لي متاع.(4)وأمر بها إلى
يزيد، ثم عدل عن ذلك ووهبها إلى عبد الله بن مسعدة الفزاري.(1)
أقم يا بن مسعود قناة قويمة*** كما كان سفيان بن عوف يقيمها
ولما دخل على معاوية سأله عن الشعر ، فقال إن الشاعر ضمني إلى من لست له بكفء وهو سفيان بن عوف.
انظر: الإصابة 2: 395
فقال له: دونك هذه الجارية الرومية فبيض ولدك.(2)
وذكر المؤرخون بوادر كثيرة من استهتاره ومجونه دلّت على تحلّله من جميع القيم الإنسانية.
من
قال الله تعالى في كتابه الكريم: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ(3).
وقرب معاوية من يفترى الكذب على الله ورسوله ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فقربهم إليه وأدناهم منه ومنحهم الأموال الضخمة، وأوعز إليهم أن يضعوا الأحاديث الكاذبة على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في فضله وفي
1) عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزارى جيء به وهو صغير في سبى فزارة فوهبه رسول الله لابنته فاطمة فأعتقته وكان صغيراً ثم كان عند علي ، والتحق بمعاوية فكان من أشد الناس وأعداهم إلى علي، وكان على جند دمشق بعد وقعة (الحرة) وبقى إلى خلافة مروان ، وقيل أنه غزا سنة 49 ، وكان أميراً على الجيش عبد الرحمن ب خالد بن الوليد فمات في أرض الروم فاستخلف من بعده عبد الله الفزاري وهي أول ولاية وليها وفيه يقول الشاهر:
2) البداية والنهاية 8 : 140.
3) النحل : 105 .
فضل الأمويين والصحابة، وفي الحط من كرامة العترة الطاهرة وانتقاصها خصوصاً سيدها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكتب مذكرة بذلك إلى جميع عماله وولاته جاء فيها:
(أنظروا من قبلكم من شيعة عثمان الذين يرون فضله، ويتحدثون بمناقبه فأكرموهم، وشرفوهم، واكتبوا اليّ بما يروي كل واحد منهم فيه باسمه واسم أبيه وممن هو).
فامتثل عماله وولاته ذلك فأدنوا الرواة المستأجرين وأشادوا بهم، ومنحوهم الأموال الكثيرة ودونوا ما افتعلوه في فضل عثمان، وأرسلوه إليه، ولما رأى الناس أن الحكومة تشجع الوضّاعين وتقابلهم بالحفاوة والتكريم، وتمنحهم الأموال والثراء العريض بادر من غرته الدنيا إلى وضع الأحاديث وأخذ عوضها من الجهة المختصة، وقد رووا في فضل معاوية طائفة كبيرة، فمن جملة ما وضعوه :
أن النبي قال: اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب، وادخله الجنة .
وأخرج الترمذي أن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال لمعاوية: اللهم اجعله هادياً مهدياً.
وروى الحارث بن أسامة أنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: أبو بكر أرق أمتي، وأرحمها، ثم ذكر مناقب الخلفاء الأربعة، ومناقب جماعة آخرين من أصحابه ثم ذكر(صلّی الله علیه وآله وسلّم) معاوية فقال: ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي
وأجودها:(1)
روى الطبري: لما قدم النعمان بن بشير بقميص عثمان الذي قتل فيه وبأصابع نائلة زوجته مقطوعة بالبراجم، وضع معاوية القميص على المنبر وكتب بالخبر إلى الأجناد وثاب إليه الناس وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه وآلى الرجال من أهل الشام ألا يأتوا النساء، ولا يمسهم الماء للغسل إلا من احتلام، ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض دونهم بشيء أو تفنى أرواحهم، فمكثوا حول القميص سنة، والقميص يوضع كل يوم على المنبر ويجلله أحياناً فيلبسه وعلق في أردانه أصابع نائلة !(2).
وقال الشعبي: أرسلت أم حبيبة إلى أهل عثمان: أرسلوا إلي بثياب عثمان التي قتل فيها، فبعثوا بقميصه بالدم وبالخصلة التي نتفت من لحيته، ودعت النعمان بن بشير، فبعثت به إلى معاوية، فصعد معاوية المنبر، ونشر القميص، وجمع الناس، ودعا إلى الطلب بدمه، فقام أهل الشام، وقالوا: هو ابن عمك وأنت وليه ونحن الطالبون معك بدمه.(3)
وقد استطاع معاوية بهذا الاسلوب من التأثير على أهل الشام وقيادتهم
ضد مخالفيه، الذين استطاع ترويضهم بالترغيب والترهيب، بالقوة تارة والمال تارة أخرى.
وهم الذين انشقّوا عن امير المؤمنين (عليه السلام) بعد قرار التحكيم في صفين، واعلنوا مخالفتهم له رسمياً عندما حاربوه في معركة النهروان، والتي انتصر فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) ولكن الخوارج بقوا بعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وخاضوا العديد من الحروب ضد بني أمية وبني مروان.(1)
ذكر الطبري بعض من تحركات الخوارج ضمن حوادث سنة 42 هجرية، يعني بعد سنتين من شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: في هذه السنة - أي سنة 42 - تحركت الخوارج الذين كانوا انحازوا عمن قتل في النهروان ومن برىء من جراحته في النهر فبرأوا وعفا علي(عليه السلام) عنهم.(2)
ولما خرج حوثرة الأسدي على معاوية، وجه معاوية إلى الحسن (عليه السلام) يسأله أن يكون هو المتولي لقتاله، فقال: والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين، وما أحسب ذلك يسعني أن أقاتل عنك قوماً أنت والله أولى
بقتالي منهم.(1)
ومن الخوارج أيضاً المستورد بن سعد التميمي، وكان ممن شهد يوم النخيلة ونجا بنفسه فيمن نجا من سيف علي (عليه السلام)، ثم خرج بعد ذلك بمدة على المغيرة بن شعبة، وهو والي الكوفة لمعاوية بن أبي سفيان في جماعة من الخوارج، فوجه المغيرة إليه معقل بن قيس الرياحي، فلما تواقفا دعاه المستورد إلى المبارزة وقال له: علام تقتل الناس بيني وبينك؟ فقال معقل: النصف سألت، فأقسم عليه أصحابه.
فقال: ما كنت لأبي عليه، فخرج إليه فاختلفا ضربتين، خرّ كل واحد منهما من ضربة صاحبه قتيلاً.(2)
والقسم الثاني من هؤلاء، سمّاهم أمير المؤمنين (عليه السلام): «يميلون مع كل ريح»(3)، وبعبارة اخرى تراهم كل يوم لهم سعر، «ينعقون مع كل ناعق»، « فهم كراكب البحر يموج عند موجه ويسكن عن سكونه»(4).
وليس في سوق التجارة رذيلة أسوء من شراء ضمائر الناس وأديانهم فانه ينم عن سوء سريرة البائع والمشتري، وقد مهر معاوية في هذه الصنعة وان
يتجاهر بها من دون خيفة وحذر فقد ذكر الرواة أنه وفد عليه الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة والجون بن قتادة والحتات بن يزيد فأعطى معاوية كل واحد منهم مائة ألف، وأعطى الحتات سبعين ألفاً، فلما كانوا في الطريق ذكر كل منهم جائزته فرجع الحتات مغضبا فالتفت اليه معاوية قائلاً له: ما ردك؟
فضحتني في بني تميم أما حسبي فصحيح، أو لست ذا سن؟ ألست مطاعاً في عشيرتي؟
فأجابه معاوية بلى.
واندفع الحتات قائلاً: فما بالك خست دون القوم وأعطيت من كان عليك أكثر ممن كان لك - يريد الأحنف وجارية فهما كانا مع علي في حرب الجمل - وهو قد اعتزل القتال.
فقال له معاوية بلا حياء ولا خجل إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك.
فأمر له بإتمام الجائزة.(1)
مجموعة أخرى ساهمت في تقوية السلطة الأموية، واتبعت معهم هذه السلطة اسلوب الترغيب والترهيب لجرهم اليها، وهم العمال والولاة
1) الكامل في التاريخ 3 : 185.
والمعاونون الذين مثلوا هذه السلطة في مختلف الامصار. وسنذكر هنا بعض الاساليب التي اتبعها معاوية في استمالة هؤلاء الى حكمه :
ومن مظاهر استخفاف معاوية بالقيم الاسلامية استلحاقه زياد بن عبيد الرومي، والصاقه بنسبه من دون بينة شرعية، وانما اعتمد على شهادة أبي مريم الخمار وهو مما لا يثبت به نسب شرعي، وقد خالف بذلك قول رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الولد للفراش وللعاهر الحجر .(1)
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (1 : 407) قال ابن سعد قدم والد عمار ياسر بن عامر وأخواه الحارث ومالك من اليمن إلى مكة يطلبون أخاً لهم، فرجع أخواه، وأقام ياسر وحالف أبا حذيفة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فزوجه أمة له اسمها سمية بنت خباط فولدت له عماراً، فأعتقه أبو حذيفة، ثم مات أبو حذيفة، فلما جاء الله بالاسلام، أسلم عمار وأبواه وأخوه عبد الله، وتزوج بسمية بعد ياسر الأزرق الرومي غلام الحارث بن كلدة الثقفي وله صحبة، وهو والد سلمة بن الأزرق.
أقول: وكذا قال ابن قتيبة في المعارف: 256 وتعقبه ابن عبد البر في الاستيعاب 4 : 330، فقال: وهذا غلط من ابن قتيبة فاحش، وإنما خلف الأزرق على سمية، فسلمة بن الأزرق أخو زياد لأمه، لا أخو عمار، وليس بين سمية أم عمار وسمية أم زياد نسب ولا سبب.
ويناسب هنا أن نذكر خلاصة ما كتبه الحافظ محمد بن عقيل في كتابه القيم « النصائح الكافية لمن يتولى معاوية»:
1) أم زياد هي سميّة، زوجه مولاه الحارث بن كلدة منها لأنه كان مولى لهما، أما من جهة الاب فسمي زياد بن أبي سفيان بعد أن كان زياد بن أبيه أو زياد بن أمه، وسماه آخرون زياد بن سمية، ولكن معاوية ألحقه بأبيه أبي سفيان .
ومن موبقاته الشنيعة: استلحاقه زياد بن عبيد وجعله زياد بن أبي سفيان! وهو أول استلحاق جاهلي عمل به في الإسلام علنا، واستنكره الصحابة وأهل الدين!
أخرج البخاري في صحيحه... عن أبي هريرة عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر.
وفي الصحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا إلى يوم القيامة. فانظر إلى هذا الوعيد الشديد الذي لم يبال به معاوية ولم يكترث بما يترتب على ذلك الإستلحاق من اختلاط الأنساب، وهتك الحرم ! سعيا وراء أغراض دنيوية سياسية.(1)
وقد ذكر المحدثون والمؤرخون أسباب هذا الإستلحاق، ولنذكر ملخص ما ذكره العلامة ابن الأثير قال:
لما ولي علي الخلافة استعمل زياداً على فارس فضبطها وحمى قلاعها، واتصل الخبر بمعاوية فساءه ذلك، وكتب إلى زياد يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان إياه.
فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس وقال: العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابن عم رسول الله (صلّی
1) النصائح الكافية لمن يتولى معاوية: 80 .
الله علیه وآله وسلّم) في المهاجرين والأنصار ! أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أحمر مخشاً ضراباً بالسيف!
وبلغ ذلك علياً فكتب إليه: إني وليتك ما وليتك وإني أراك له أهلاً، وقد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل وكذب النفس، لا توجب له ميراثاً ولا تحل له نسباً. وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذر ثم احذر والسلام!
فلما قتل علي وكان من أمر زياد ومصالحة معاوية ما كان، رأى معاوية أن يستميل زياداً ويستصفي مودته باستلحاقه، فاتفقا على ذلك وأحضر الناس وحضر من شهد لزياد، وكان فيمن حضر خمار يقال له أبو مريم السلولي فقال له معاوية: بم تشهد يا أبا مريم؟
فقال: أنا أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغياً، فقلت له: ليس عندي إلا سمية، فقال ائتني بها على قذرها ووضرها، فأتيته بها فخلا معها، ثم خرجت من عنده وإن إستيهما ليقطران منيا.
فقال له زياد: مهلا أبا مريم، إنما بعثت شاهداً، ولم تبعث شاتماً ! فاستلحقه معاوية!
وكان استلحاقه أول ما ردت به أحكام الشريعة علانية، فإن رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلّم) قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر، وقضى معاوية بعكس ذلك طبقاً لما كان العمل عليه قبل الإسلام. يقول الله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ
يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(1). وقال ابن عبد البر: واستلحق معاوية زياداً في سنة أربع وأربعين أخاً على ما كان من أبي سفيان في ذلك، وزوّج معاوية ابنته من ابنه محمد بن زياد، وكان أبو بكرة أخا زياد لأمه، أمهما سمية، فلما بلغ ابا بكرة أن معاوية استلحقه وأنه رضي بذلك آلى يميناً لا يكلمه أبداً.
وقال: هذا زنا أمه وانتفى من أبيه ولا والله ما علمت سمية رأت أبا سفيان قط! ويله ما يصنع بأم حبيبة زوج النبي (صلى الله علیه وآله وسلّم)، أيريد أن يراها! فإن حجبته ،فضحته وإن رآها فيا لها مصيبة يهتك من رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلّم)حرمة عظيمة.
وحجّ زياد في زمن معاوية، فأراد الدخول على أم حبيبة ثم ذكر قول أبي بكرة فانصرف عن ذلك.
وقيل: إن أم حبيبة زوج النبي(صلى الله علیه وآله وسلّم)حجبته ولم تأذن له في الدخول عليها.
وقيل: إنه حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة، وقال: جزى الله أبا بكرة خيراً فما يدع النصيحة على حال .
ولما ادعى معاوية زياداً دخل عليه بنو أمية وفيهم عبد الرحمن بن الحكم فقال له: يا معاوية، لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلة وذلة !
1) المائدة : 50.
فأقبل معاوية على مروان وقال: أخرج عنا هذا الخليع.
فقال مروان: والله إنه لخليع ما يطاق.
فقال معاوية: والله لولا حلمي وتجاوزي لعلمت أنه يطاق، ألم يبلغني شعره في زياد، ثم قال لمروان: أسمعنيه، فقال :
ألا أبلغ معاية بن صخر*** فقد ضاقت بما تأتي اليدان
أتغضب أن يقال أبوك عف*** وترضى أن يقال أبوك زان
فأشهد أن رحمك من زياد*** كرحم الفيل من ولد الأتان
وأشهد أنها حملت زیادا*** وصخر من سمية غير دان
وهذه الأبيات تروي ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري الشاعر، ومن رواها له جعل أولها:
ألا بلغ معاوية بن حرب*** مغلغلة من الرجل اليماني(1)
أقول: ومن طريف ما ينقل في الموضوع ان نصر بن حجاج خاصم عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد عند معاوية في عبد الله مولى خالد بن الوليد فأمر معاوية حاجبه أن يؤخرهما حتى يحتفل مجلسه، فلما اكتمل مجلسه أمر بحجر فادني منه، والقى عليه طرفاً من ثيابه ثم اذن لهما، فترافعا عنده في شان عبد الله فقال له نصر: " إن أخي وابن أبي عهد إلي انه - يعني عبد الله - منه " وقال عبد الرحمن: " مولاي وابن عبد أبي وأمته ولد على فراشه " وأصدر معاوية الحكم في المسألة فقال: يا حرسي خذ هذا الحجر فادفعه إلى نصر بن حجاج، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله الولد للفراش وللعاهر الحجر ".
وانبرى نصر فقال: " أفلا أجريت هذا الحكم في زياد؟ "
فقال معاوية : " ذلك حكم معاوية، وهذا حكم رسول الله .
وقال الطبري: زعموا أن رجلاً من عبد القيس كان مع زياد لما وفد على
1) الاستيعاب 2 525 - 527
معاوية فقال لزياد:
إن لابن عامر عندي يداً فان أذنت لي أتيته.
قال: على أن تحدثني ما يجرى بينك وبينه.
قال: نعم، فأذن له، فأتاه فقال له ابن عامر: هيه هيه وابن سمية يقبح آثاري ويعرض بعمالي لقد هممت أن آتي بقسامة من قريش يحلفون أن أبا سفيان لم يرسمية !
قال: فلما رجع سأله زياد فأبى أن يخبره فلم يدعه حتى أخبره فأخبر ذلك زياد معاوية فقال معاوية لحاجبه: إذا جاء ابن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصى الأبواب، ففعل ذلك به فأتى ابن عامر يزيد فشكا إليه ذلك فقال له: هل ذكرت زياداً؟
قال: نعم، فركب معه يزيد حتى أدخله، فلما نظر إليه معاوية قام فدخل فقال يزيد لابن عامر: اجلس فكم عسى أن تقعد في البيت عن مجلسه، فلما أطالا خرج معاوية وفى يده قضيب يضرب به الأبواب ويتمثل :
لنا سياق ولكم سياق*** قد علمت ذلكم الرفاق
ثم قعد فقال: يا ابن عامر، أنت القائل في زياد ما قلت! أما والله، لقد علمت العرب أنى كنت أعزها في الجاهلية وإن الاسلام لم يزدني إلا عزّاً وإني لم أتكثر بزياد من قلّة، ولم أتعزز به من ذلة، ولكن عرفت حقّاً له فوضعته موضعه!
فقال: يا أمير المؤمنين نرجع إلى ما يحب زياد.
قال: إذاً نرجع إلى ما تحب فخرج ابن عامر إلى زياد فترصناه (1)
وعن أبي إسحاق أن زياداً لما قدم الكوفة قال قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم قالوا: ادعنا إلى ما شئت.
قال: تلحقون نسبي بمعاوية.
قالوا: أما بشهادة الزور فلا فأتى البصرة فشهد له رجل.(2)
وقال الطبري: أن معاوية استعمل زيادا على البصرة وخراسان وسجستان ثم جمع له الهند والبحرين وعمان وقدم البصرة في آخر شهر الربيع الآخر أو غرة جمادى الأولى سنة 45.(3)
وعموماً، فقد كان زياد من أركان الدولة الأموية، ومن الذين أرسوا حكم آل أبي سفيان خصوصا بعد ان استلحقه معاوية به، وأعطاه الكثير من المسؤوليات في تلك الدولة الجائرة.
فقد أخرج الطبري عن مسلمة قال: استعمل زياد على شرطته عبد الله بن حصن، فأمهل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر إلى الكوفة وكان يؤخر العشاء حتى يكون آخر من يصلى ثم يصلى يأمر رجلاً فيقرأ سورة البقرة ومثلها يرتل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنساناً يبلغ الخريبة ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج ولا يرى إنساناً إلا قتله!
قال: فأخذ ليلة أعرابياً فأتى به زياداً فقال: هل سمعت النداء؟
قال: لا والله، قدمت بحلوبة لي وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع فأقمت لا صبح ولا علم لي بما كان من الأمير.
قال: أظنك والله صادقاً، ولكن في قتلك صلاح هذه الأمة! ثم أمر به فضربت عنقه!
وكان زياد أول من شد أمر السلطان، وأكد الملك لمعاوية، وألزم الناس الطاعة، وتقدم في العقوبة، وجرد السيف وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة، وخافه الناس في سلطانه خوفاً شديداً. (1)
وعن مسلمة بن محارب قال: لما مات المغيرة جمعت العراق لزياد فأتى الكوفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن هذا الامر أتاني وأنا بالبصرة، فأردت أن أشخص إليكم في ألفين من شرطة البصرة، ثم ذكرت أنكم أهل حق، وان حقّكم طال ما دفع الباطل فأتيتكم في أهل بيتي، فالحمد لله الذي رفع مني ما وضع الناس، وحفظ مني ما ضيعوا ...
حتى فرغ من الخطبة فحصب على المنبر فجلس حتى أمسكوا، ثم دعا قوماً من خاصته وأمرهم فاخذوا أبواب المسجد ثم قال: ليأخذ كل رجل منكم جليسه ولا يقولن لا أدري من جليسي، ثم أمر بكرسي فوضع له على باب المسجد، فدعاهم أربعة أربعة يحلفون بالله ما منا من حصبك، فمن حلّف خلاه، ومن لم يحلف حبسه وعزله حتى صار إلى ثلاثين، ويقال: بل كانوا
1) تاريخ الطبري 4 : 167.
ثمانين، فقطع أيديهم على المكان.(1)
قال الراوي: جمع زياد بن أبيه شيوخ أهل الكوفة و أشرافهم في مسجد الرحبة لسب أمير المؤمنين(عليه السلام) والبراءة منه وكنت فيهم، وكان الناس من ذلك في أمر عظيم فغلبتني عيناي فنمت فرأيت في النوم شيئا طويلاً طويل العنق أهدل أهدب، فقلت: من أنت؟
فقال: أنا النقاد ذو الرقبة، قلت: وما النقاد؟
قال: طاعون بعثت إلى صاحب هذا القصر لاجتثه من جديد الأرض كما عتا وحاول ما ليس له بحق .
قال: فانتبهت فزعاً وأنا في جماعة من قومي فقلت: هل رأيتم ما رأيت في المنام؟
فقال رجلان منهم: رأينا كيت وكيت بالصفة، وقال الباقون: ما رأينا شيئاً، فما كان بأسرع من أن خرج خارج من دار زياد فقال: يا هؤلاء انصرفوا، فإن الأمير عنكم مشغول، فسألناه عن خبره فخبرنا أنه طعن في ذلك الوقت، فما تفرقنا حتى سمعنا الواعية عليه، فأنشأت أقول في ذلك:
قد جشم الناس أمرا ضاق ذرعهم*** بحمله حين ناداهم إلى الرحبة
يدعو على ناصر الاسلام حين يرى*** له على المشركين الطول والغلبة
ما كان منتهيا عما أراد بنا*** حتى تناوله النقاد ذو الرقبة
1) تاريخ الطبري 4: 173
فأسقط الشق منه ضربة عجبا*** كما تناول ظلما صاحب الة رحب(1)
وهو أحد بناة الدولة الاموية واتباع معاوية المخلصين، وهو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود، وأمه امرأة من بني نصر بن معاوية، وكان المغيرة من دهاة العرب، وذوي آرائها، أسلم عام الخندق وقدم مهاجراً، وقيل: إن أول مشاهده الحديبية. وكان المغيرة رجلاً طوالاً ذا هيبة، أعور أصيبت عينه يوم اليرموك، وتوفي سنة 50 أو 51 من الهجرة بالكوفة.(2)وقد وصفه بدقة الامام الحسن (عليه السلام) حين قال له مرة:
وأما أنت يا مغيرة بن شعبة فإنك الله عدو، ولكتابه نابذ، ولنبيه مكذب وأنت الزاني وقد وجب عليك الرجم(3)، وشهد عليك العدول البررة الأتقياء فاخر رجمك، ودفع الحق بالباطل، والصدق بالأغاليط، وذلك لما أعد الله لك من العذاب الأليم والخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى.
وأنت ضربت فاطمة بنت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) حتى أدميتها
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد :3: 199، بحار الأنوار 42 : 6 .
2) الاستيعاب 4 : 1445 البداية والنهاية 8 : 53 الهدف من ذكر سيرة المغيرة، هو توضيح الصورة التي كانت تحيط بالامام الحسن خصوصاً في ايام خلافته القصيرة .
3) إشارة إلى زنا مغيرة بن شعبة بأم جميل وكان والياً على الكوفة سنة 17 فجاء أربعة من الشهود وهم أبو بكرة ونافع بن الحارث وشبل بن معبد وزياد بن عبيد إلى عمر فشهد الثلاثة الأول صريحا وتلكأ الآخر بعد ما أفهمه عمر رغبته في أن لا يخزى المغيرة فدرء عنه الحد وحد الثلاثة الأول. حد القذف. والقصة مشهورة أخرجها الحاكم في ترجمة المغيرة في المستدرك 3 : 448
وألقت ما في بطنها استذلالاً منك لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ومخالفة منك لأمره، وانتهاكا لحرمته وقد قال لها رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): أنت سيدة نساء أهل الجنة، والله مصيرك إلى النار، وجاعل وبال ما نطقت به عليك.(1)
وذكر ابن كثير: ان المغيرة أسلم عام الخندق بعد أن قتل ثلاثة عشر من قبيلة ثقيف بعد عودته من المقوقس وسلب أموالهم وقد دفع ديتهم عروة بن مسعود . وقال أيضاً: وولاه عمر فتوحاً كثيرة، منها همدان وميسان، وهو الذي كان رسول سعد إلى رستم فكلمه بذلك الكلام البليغ فاستنابه عمر على البصرة، فلما شهد عليه بالزنا ولم يثبت عزله عنها وولاه الكوفة.
واستمر به عثمان حيناً ثم عزله، فبقي معتزلاً حتى كان أمر الحكمين فلحق بمعاوية، فلما قتل علي وصالح معاوية الحسن ودخل الكوفة ولاه عليها فلم يزل أميرها حتى مات في هذه السنة على المشهور.(2)
قال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها. (3)
وقال أبو العباس: وكان المغيرة بن شعبة، وهو والي الكوفة صار إلى دير هند بنت النعمان بن المنذر ، وهي فيه عمياء مترهبة فاستأذن عليها، فقيل لها: أمير هذه المدرة بالباب.
قالت: قولوا له من ولد جبلة بن الأيهم أنت؟
قال: لا.
قالت: أفمن ولد المنذر بن ماء السماء أنت؟
قال: لا.
قالت: فمن أنت؟
قال: أنا المغيرة بن شعبة الثقفي.
قالت: فما حاجتك؟
قال: جئت خاطباً .
قالت: لو كنت جئتني لجمال أو حال لأطلبنك، ولكن أردت أن تتشرف بي في محافل العرب، فتقول: نكحت ابنة النعمان بن المنذر، وإلا فأي خير في اجتماع أعور وعمياء!
فبعث إليها: كيف كان أمركم؟
قالت: سأختصر لك الجواب، أمسينا وليس في الأرض عربي إلا وهو يرهبنا أو يرغب إلينا، وأصبحنا ليس في الأرض عربي إلا ونحن نرهبه ونرغب إليه.
قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟
قالت: أذكر: وقد اختصم إليه رجلان منهم، أحدهما ينتهى إلى إياد، والاخر إلى هوازن، فقضى للأيادي وقال:
إن ثقيفا لم تكن هوازنا*** ولم تناسب عامرا أو مازنا
فقال المغيرة أما نحن فمن بكر بن هوازن، فليقل أبوك ما شاء، ثم
انصرف.(1)
وقال الطبري: لما حضر الموسم يعني في العام الذي قتل فيه علي (عليه السلام) كتب المغيرة بن شعبة كتاباً افتعله على لسان معاوية فأقام للناس الحج سنة 40 ويقال إنه عرف يوم التروية ونحر يوم عرفة خوفاً أن يفطن بمكانه، وقد قيل: إنه إنما فعل ذلك المغيرة لأنه بلغه أن عتبة بن أبي سفيان مصبحه والياً على الموسم فعجل الحج من أجل ذلك.(2)
(3).
وهو شخص آخر من الذين بنى عليه معاوية دولته الجائرة، ومن الذين أذاقوا أهل البصرة الذل والظلم والهوان على يديه عندما كان
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8 : 305
2) تاريخ الطبري 4 : 123
3) وكانت وفاته بالبصرة في خلافة معاوية سنة ثماني وخمسين، سقط في قدر مملوءة ماء حاراً كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه فسقط في القدر الحارة فمات، فكان ذلك تصديقاً لقول رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) له ولأبي هريرة ولثالث معهما: آخركم موتاً في النار. أقول: الثالث هو ابو محذورة الجمحي. وهذا أسلوب حكيم من أساليبه صلوات الله وسلامه عليه في إقصاء المنافقين عن التصرف في شؤون الاسلام والمسلمين فإنه (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لما كان عالماً بسوء بواطن هؤلاء الثلاثة أراد ان يشرب في قلوب أمته الريب فيهم والنفرة منهم اشفاقاً عليها ان تركن إلى واحد منهم في شيء مما يناط بعدول المؤمنين وثقاتهم، فنص بالنار على واحد منهم وهو آخرهم موتاً .
والياً عليهم في زمن معاوية.(1)
قال الطبري: قال محمد بن سليم سألت أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل أحداً؟
:قال وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب ! استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس.
فقال له : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟
قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.
وعن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.
وعن عوف قال: أقبل سمرة من المدينة، فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من بعض أزقتهم ففجأ أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة. قال: ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط في دمه فقال: ما هذا؟
قيل: أصابته أوائل خيل الأمير.
قال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا !(2)
وروي أن معاوية بذل السمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن
هذه الآية نزلت في علي(عليه السلام):
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ(1). وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم وهي قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(2)، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم، فلم يقبل فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل!(3)
وقال سليمان بن مسلم العجلي: سمعت أبي يقول مررت لمسجد فجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل فجعل يصلى في المسجد، فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد وبدنه ناحية، فمر أبو بكرة فقال
يقول الله سبحانه :
قدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى(4)، قال أبي : فشهدت ذاك، فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ميتة.
قال: وشهدته وأتى بناس كثير وأناس بين يديه فيقول المرجل: ما دينك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده
ورسوله وإني بري من الحرورية فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعة وعشرون.
وعن جعفر بن سليمان الضبعي قال: أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر ثم عزله، فقال سمرة: لعن الله معاوية، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبداً !
وعن مسعر بن كدام، قال كان سمرة بن جندب أيام مسير الحسين (عليه السلام) إلى الكوفة على شرطة عبيد الله بن زياد، وكان يحرض الناس على الخروج إلى الحسين (عليه السلام) وقتاله.(1)
كان علي (عليه السلام) حين انصرف من صفين ردّ الأشتر على عمله بالجزيرة، وقد كان قال لقيس بن سعد: أقم معي على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة، فلما انقضى أمر الحكومة كتب على إلى مالك بن الحارث الأشتر وهو يومئذ بنصيبين:
أما بعد، فإنك ممن استظهرته على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأشد به الثغر المخوف، وكنت ولّيت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج وهو غلام حدث ليس بذى تجربة للحرب ولا بمجرب للأشياء، فاقدم عليّ للنظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلف على عملك أهل الثقة
1) تاريخ الطبري 4 : 217
والنصيحة من أصحابك والسلام .
فأقبل مالك إلى علي حتى دخل عليه فحدّثه حديث أهل مصر وخبره خبر أهلها وقال: ليس لها غيرك، اخرج رحمك الله فاني إن لم أوصك اكتفيت برأيك، واستعن بالله على ما أهمّك فاخلط الشدة باللين، وارفق ما كان الرفق أبلغ ، واعتزم بالشدة حين لا يغنى عنك إلا الشدة.
قال: فخرج الأشتر من عند علي(عليه السلام)فأتى رحله فتهيأ للخروج إلى مصر، وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية علي الأشتر، فعظم ذلك عليه وقد كان طمع في مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد ابن أبي بكر، فبعث معاوية إلى الجايستار رجل من أهل الخراج فقال له: ان الأشتر قد ولی مصر، فان أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيت، فاحتل له بما قدرت عليه.
فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار فقال: هذا منزل وهذا طعام وعلف، وأنا رجل من أهل الخراج فنزل به الأشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سمّاً فسقاه إياه، فلما شربها مات.
وأقبل معاوية يقول لأهل الشأم: ان علياً وجّه الأشتر إلى مصرفا فادعوا الله أن يكفيكموه.
قال: فكانوا كل يوم يدعون الله على الأشتر ، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر ، فقام معاوية في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه
وقال:
أما بعد، فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين - يعني عمار بن ياسر - وقطعت الأخرى اليوم - يعنى الأشتر-
وعن مسلمة بن محارب: أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد(2)كان قد عظم شأنه بالشام ومال إليه أهلها لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه حتى خافه معاوية وخشي على نفسه منه لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه جباية خراج حمص.
فلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفاً من بلاد الروم دسّ إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها، فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له، وولاه خراج حمص ووضع عنه خراجه.
قال وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينة فجلس يوما
1) تاريخ الطبري 4 : 171.
2) عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، أدرك النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ولم يحفظ عنه ولا سمع عنه، وكان منحرفاً عن علي وبني هاشم مخالفة لأخيه المهاجر بن خالد، وكان أخوه المهاجر محباً لعلي (عليه السلام) وشهد معه الجمل وصفين وشهد عبد الرحمن صفين معاوية، ثم إنه لما أراد مع معاوية البيعة ليزيد خطب أهل الشام وقال لهم يأهل الشام إنه قد كبرت سنی وقرب أجلى وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاماً لكم وإنما أنا رجل منكم فأروا رأيكم، فأصفقوا واجتمعوا وقالوا: رضينا عبد الرحمن بن خالد، فسمه معاوية.
إلى عروة بن الزبير فسلم عليه فقال له عروة: من أنت؟
قال: أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.
فقال له عروة ما فعل ابن أثال، فقام خالد من عنده وشخص متوجهاً إلى حمص، ثم رصد بها ابن أثال فرآه يوماً راكباً فاعترض له خالد بن عبد الرحمن فضربه بالسيف فقتله، فرفع إلى معاوية فحبسه أياماً وأغرمه ديته ولم يقده منه، ورجع خالد إلى المدينة، فلما رجع إليها أتى عروة فسلم عليه، فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؟
فقال: قد كفيتك ابن أثال، ولكن ما فعل ابن جرموز؟ فسكت عروة.(1)
وفي رواية أخرى: أن أهل الشام كانوا يرغبون أن يكون عبد الرحمن خليفة عليهم بعد معاوية، فشقّ ذلك على معاوية وأسرها في نفسه ثم إن عبد الرحمن مرض فأمر معاوية طبيباً عنده يهودياً وكان عنده مكيناً أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فمات، ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفياً هو وغلام له فرصدا ذلك اليهودي فخرج ليلاً من عند معاوية فهجم عليه ومعه قوم هربوا عنه فقتله المهاجر الاستيعاب 2 : 829
.وعن محمد بن زياد: أن معاوية كتب إلى مروان أن يبايع ايزيد بن معاوية، فقال عبد الرحمن: جئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم.
فقال مروان: يا أيها الناس، هذا الذي يقول الله تعالى والذي قال لوالديه « أف لكما ...». فغضبت عائشة وقالت: والله ما هو به ولو شئت أن اسمّيه لسمّيته.(2)
وروى الزبير بن بكار قال: بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد بن معاوية فردّها عبد الرحمن وأبى أن يأخذها وقال: لا أبيع ديني بدنياي، وخرج إلى مكة فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد.
وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان اسمه حبشي على نحو عشرة أميال من مكة وحمل إلى مكة فدفن بها.(1).
وبايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن علي، وابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عباس. فلما قدم معاوية أرسل إلى الحسين بن علي (عليه السلام) فقال: يا ابن أخي، قد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم! يا ابن أخي فما إربك إلى الخلاف؟
قال: أنا أقودهم؟!
قال: نعم أنت تقودهم؟!
قال: فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلاً منهم، وإلا لم تكن عجلت علي بأمر ...!
ثم أرسل بعده إلى ابن عمر فكلمه بكلام هو ألين من كلام صاحبه فقال: إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها ! وقد استوثق الناس
1) أسد الغابة 3 : 307 .
لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم!
فأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: يا ابن أبي بكر، بأية يد أو رجل تقدم على معصيتي!
قال: أرجو أن يكون ذلك خيراً لي!
فقال: والله لقد هممت أن أقتلك!
قال: لو فعلت لأتبعك الله به لعنة في الدنيا وأدخلك به في الآخرة النار.(1)
وقال ابن عبد البر: قعد معاوية على المنبر يدعو إلى بيعة يزيد، فكلمه الحسين بن علي، وابن الزبير، و عبد الرحمن بن أبي بكر، فكان كلام ابن أبي بكر: أهرقلية !؟ إذا مات كسرى كان كسرى مكانه لا نفعل والله أبداً.
وبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد، فردها عليه عبد الرحمن، وأبى أن يأخذها، وقال: أبيع ديني بدنياي!؟ فخرج إلى مكة، فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد بن معاوية.
وذكر ابن عبد البر بعده وقال: إن عبد الرحمن مات فجأة بموضع يقال له: " الجشي(2)على نحو عشرة أميال من مكة فدفن بها، ويقال: أنه توفي في نومة نامها، ولما اتصل خبر موته بأخته عائشة ظعنت من المدينة حاجة حتى وقفت على قبره وكانت شقيقته فبكت عليه وتمثلت
وكنا كندماني جذيمة حقبة*** من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا*** لطول اجتماع لم نبت معا
ـــــــــــــــــــــــــــ
أما والله لو حضرتك لدفنتك حيث مكانك، ولو حضرت ما بكيت ".(1)
عن يحيى بن هانئ المرادي، عن رجل من قومه يقال له زياد ابن فلان، قال: كنا في بيت مع علي(عليه السلام) نحن شيعته وخواصه، فالتفت فلم ينكر منا أحداً.
فقال: إن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم فيقطعون أيديكم ويسمّلون أعينكم .
فقال رجل منا: وأنت حيّ يا أمير المؤمنين؟
قال: أعاذني الله من ذلك، فالتفت فإذا واحد يبكي، فقال له: يا بن الحمقاء، أتريد اللذات في الدنيا والدرجات في الآخرة! إنما وعد الله
الصابرين.(2)
ونادى منادي معاوية: أن برئت الذمة ممن روى حديثاً في مناقب علي وفضل أهل بيته، وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة والبصرة، لكثرة من بها من الشيعة فاستعمل زياد بن أبيه وضمّ إليه العراقين الكوفة والبصرة، فجعل يتتبع
الشيعة وهو بهم عارف يقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وصلبهم في جذوع النخل، وسمّل أعينهم وطردهم وشردهم حتى نفوا عن العراق، فلم يبق بها أحد معروف مشهور، فهم بين مقتول أو مصلوب أو محبوس أو طريد أو شريد.
وكتب معاوية إلى جميع عماله في الأمصار: أن لا تجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وانظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ومحبي أهل بيته وأهل ولايته، والذين يروون فضله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا بمن يروي من مناقبه باسمه واسم أبيه وقبيلته، ففعلوا حتى كثرت الرواية في عثمان وافتعلوها لما كان يبعث إليهم من الصلات والخلع والقطائع من العرب والموالي، فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في الأموال والدنيا فليس أحد يجيء من مصر من الأمصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة إلا كتب اسمه وقرب و أجيز ، فلبثوا بذلك ما شاء الله.
ثم كتب إلى عماله: أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر، فادعوا الناس إلى الرواية في معاوية وفضله وسوابقه. فان ذلك أحب إلينا، وأقر لأعيننا وأدحض لحجة أهل هذا البيت، وأشد عليهم.(1)
وروي إن معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسبّ علي (عليه السلام) والبراءة منه وخطب بذلك على منابر الاسلام، وصار ذلك سنة في أيام بني أمية إلى أن قام عمر بن عبد العزيز فأزاله.
1) بحار الأنوار 44 : 125.
وذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ أن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك، وصدّ عن سبيلك فالعنه لعناً وبيلا، وعذّبه عذاباً أليما، وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر، إلى خلافة عمر بن عبد العزيز(1).
وذكر المبرد في « الكامل» أن خالد بن عبد الله القسري لما كان أمير العراق في خلافة هشام، كان يلعن عليا (عليه السلام) على المنبر فيقول: اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، صهر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) على ابنته وأبا الحسن والحسين! ثم يقبل على الناس، فيقول هل کنیت!
وروى أبو عثمان أيضاً أن قوماً من بني أمية قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين، إنك قد بلغت ما أملت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل!
فقال: لا والله حتى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً ! (2)
وأمر المغيرة بن شعبة - وهو يومئذ أمير الكوفة من قبل معاوية - حجر بن عدي أن يقوم في الناس، فليلعن علياً (عليه السلام)، فأبى ذلك، فتوعّده، فقام فقال:
أيها الناس، إن أميركم أمرني أن ألعن علياً فالعنوه فقال أهل الكوفة: لعنه
الله، وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنية والقصد. وأراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من علي (عليه السلام) ولعنه وأن يقتل كل من امتنع من ذلك، ويخرب منزله، فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون، فمات - لا رحمه الله -بعد ثلاثة أيام، وذلك في خلافة معاوية.(1)
ابن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن رزاح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي، هاجر إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)بعد الحديبية، وقيل: بل أسلم عام حجّة الوداع ، والأول أصح، صحب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وحفظ عنه أحاديث، وسكن الكوفة وانتقل إلى مصر، وقيل: سكن الشام ثم انتقل إلى الكوفة فسكنها والصحيح انه انتقل من مصر إلى الكوفة روى عنه جبير بن نفير ورفاعة بن شداد القتباني وغيرهما أنبأنا أبو منصور بن مكارم بن أحمد المؤدب باسناده إلى أبي زكريا يزيد بن أياس قال حدثنا ابن أبي حفص حدثنا علي بن حرب حدثنا الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن إسحاق بن أبي فروة عن يوسف بن سليمان عن جدته ناشره عن عمرو بن الحمق انه سقى النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال اللهم متعه بشبابه فمرت عليه ثمانون سنة لا ترى في لحيته شعرة بيضاء وكان ممن سار إلى عثمان بن عفان وهو أحد الأربعة الذين دخلوا عليه الدار فيما ذكروا وصار بعد ذلك من شيعة علي وشهد معه مشاهده كلها الجمل وصفين والنهروان
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 : 58.
وأعان حجر بن عدي وكان من أصحابه فخاف زيادا فهرب من العراق إلى الموصل واختفى في غار بالقرب منها فأرسل معاوية إلى العامل بالموصل ليحمل عمرا إليه فأرسل العامل على الموصل ليأخذه من الغار الذي كان فيه فوجده ميتا كان قد نهشته حية فمات.(1)
قال هشام بن عروة: حدثني عوانة قال: قال زياد: والله لأحرصن على قطع خيط رقبته.
وعن أبي إسحاق: أن حجراً لما جيء به عند زياد نادى بأعلى صوته: اللهم إن على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس، وكان عليه برنس فی غداة باردة، فحبس عشر ليال وزياد ليس له عمل إلا طلب روؤساء أصحاب حجر ، فخرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا أرض الموصل، فأتيا جبلاً فكمنا فيه، وبلغ عامل ذلك الرستاق أن رجلين قد كمنا في جانب الجبل فاستنكر شأنهما وهو رجل من همدان يقال له عبد الله بن أبي بلتعة، فسار إليها في الخيل نحو الجبل ومعه أهل البلد فلما انتهى إليهما خرجا، فأما عمرو بن الحمق فكان مريضاً، وكان بطنه قد سقى فلم يكن عنده امتناع، وأما رفاعة بن شداد وكان شاباً قوياً فوثب على فرس له جواد فقال له: أقاتل عنك؟
قال: وما ينفعني أن تقاتل، انج بنفسك إن استطعت، فحمل عليهم فأفرجوا له، فخرج تنفر به فرسه وخرجت الخيل في طلبه، وكان رامياً فأخذ لا يلحقه
1) أسد الغابة 4 : 100
فارس إلا رماه فجرحه أو عقره فانصرفوا عنه، وأخذ عمرو بن الحمق فسألوه: من أنت؟
فقال: من إن تركتموه كان أسلم لكم، وإن قتلتموه كان أضرّ لكم، فسألوه فأبى أن يخبرهم فبعث به ابن أبي بلتعة إلى عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي، فلما رأى عمرو بن الحمق عرفه وكتب إلى معاوية بخبره، فكتب إليه معاوية انه زعم أنه طعن عثمان بن عفان تسع طعنات بمشاقص كانت معه وإنا لا نريد أن نعتدي عليه فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان، فأخرج فطعن تسع طعنات فمات في الأولى منهن أو الثانية.(1)
وعن سفيان قال: سمعت عماراً الذهبي قال: أوّل رأس يحمل في الاسلام رأس عمرو بن الحمق إلى معاوية.
قال سفيان: أرسل معاوية ليؤتى به فلدغ وكأنهم خافوا أن يتهمهم فأتوا برأسه.
عن يوسف بن سليمان عن جدته قالت: كان تحت عمرو بن الحمق آمنة بنت الشريد، فحبسها معاوية في سجن دمشق زماناً حتى وجّه إليها رأس عمرو بن الحمق فألقي في حجرها فارتاعت لذلك ثم وضعته في حجرها ووضعت كفّها على جبينه، ثم لثمت فاه، ثم قالت: غيبتموه عني طويلاً، ثم أهديتموه إليّ قتيلاً فأهلاً بها من هدية غير قالية ولا مقلية.(2)
وقال عمرو بن الحمق : إني والله يا أمير المؤمنين ما أجبتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك، ولا إرادة مال تؤتينيه، ولا التماس سلطان يرفع ذكرى به، ولكن أجبتك لخصال خمس: أنك ابن عم رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وأول من آمن به وزوج سيدة نساء الأمة فاطمة بنت محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأعظم رجل من المهاجرين سهماً في الجهاد. فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي حتى يأتي علي يومي في أمر أقوي به وليك وأوهن به عدوك، ما رأيت أني قد أديت فيه كل الذي يحق على من حقك.
فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): اللهم نوّر قلبه بالتقى، واهده إلى صراط مستقيم، ليت أن في جندي مائة مثلك.(1)
وكتب الامام الحسين (عليه السلام) الى معاوية بعد استشهاد عمرو بن الحمق قائلاً:
أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، وصفرت لونه، بعدما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافا بذلك العهد. (2).
وعن ابن إسحاق قال: وجّه زياد في طلب أصحاب حجر فأخذوا يهربون منه ويأخذ من قدر عليه منهم، فبعث إلى قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي صاحب الشرطة وهو شداد بن الهيثم، فدعا قبيصة في قومه وأخذ سيفه فأتاه ربعي بن حراش بن جحش العبسي ورجال من قومه ليسوا بالكثير فأراد أن يقاتل فقال صاحب الشرطة: أنت آمن على دمك ومالك فلم تقتل نفسك؟
فقال له أصحابه: قد أومنت فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك؟
قال: ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة، والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدا أو يقتلني.
قالوا: كلا، فوضع يده في أيديهم، فأقبلوا به إلى زياد، فلما دخلوا عليه قال زياد: وحى عسى تعزوني على الدين، أما والله لأجعلن لك شاغلاً عن تلقيح الفتن والتوثب على الامراء.
قال: إني لم آتك إلا على الأمان.
قال: انطلقوا به إلى السجن.(1)
وجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له: امرءاً منّا من بنى همام يقال له صيفي بن فسيل من رؤس أصحاب حجر وهو أشد الناس عليك، فبعث إليه
1) تاريخ الطبري 4 : 197.
زیاد فأتى به فقال له زياد: يا عدو اللهً ما تقول في أبي تراب؟
قال: ما أعرف أبا تراب.
قال: ما أعرفك به؟
قال: ما أعرفه.
قال: أما تعرف علي بن أبي طالب؟
قال: بلی .
قال: فذاك أبو تراب.
قال: كلا ذاك أبو الحسن والحسين (عليهم السلام) !
فقال له صاحب الشرطة: يقول لك الأمير هو أبو تراب وتقول أنت لا !
قال: وإن كذب الأمير، أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد؟
قال له زياد: وهذا أيضاً مع ذنبك عليّ بالعصا، فأتى بها فقال: ما قولك؟
قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين.
قال: اضربوا عنقه بالعصا حتى يلصق بالأرض، فضرب حتى لزم الأرض، ثم قال: اقلعوا عنه، إيه ما قولك في علي؟
قال: والله لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني.
قال: لتلعننه أو لأضر بن عنقك.
قال: إذا تضربها والله قبل ذلك، فان أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله
وشقيت أنت.
قال: ادفعوا في رقبته، ثم قال: أوقروه حديداً وألقوه في السجن .(1)
ثم بعث إلى عبد الله بن خليفة الطائي وكان شهد مع حجر وقاتلهم قتالاً شديداً فبعث إليه زياد بكير بن حمران الأحمري وكان تبيع العمال، فبعثه في أناس من أصحابه، فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عدي بن حاتم فأخرجوه، فلما أرادوا أن يذهبوا به وكان عزيز النفس امتنع منهم فحاربهم وقاتلهم، فشجروه ورموه بالحجارة حتى سقط، فنادت ميثاء أخته: يا معشر طيء، أتسلّمون ابن خليفة لسانكم وسنانكم؟
فلما سمع الأحمري نداءها خشى أن تجتمع طيء فيهلك، فهرب وخرج نسوة من طيء فأدخلنه داراً وانطلق الأحمري حتى أتى زياداً فقال: إن طيئا اجتمعت إليّ فلم أطقهم فأتيتك، فبعث زياد إلى عدي وكان في المسجد فحبسه وقال: جئني به وقد أخبر عدي بخبر عبد الله.
فقال عدي: كيف آتيك برجل قد قتله القوم؟
قال: جئني حتى أرى أن قد قتلوه فاعتل له.
فقال: لا أدرى أين هو ولا ما فعل، فحبسه فلم يبق رجل من أهل المصر
1) تاريخ الطبري 4 : 198 .
من أهل اليمن وربيعة ومصر إلا فزع لعدي فأتوا زياداً فكلّموه فيه، وخرج عبد الله فتغيّب في بحتر فأرسل إلى عدي: إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلت، فبعث إليه عدي: والله لو كانت تحت قدمي ما رفعتهما عنك، فدعا زياد عدياً فقال له: إني أخلى سبيلك على أن تجعل لي لتنفيه من الكوفة و تسير به إلى الجبلين.
قال: نعم. فرجع وأرسل إلى عبد الله بن خليفة: اخرج فلو قد سكن غضبه لكلّمته فيك حتى ترجع إن شاء الله، فخرج إلى الجبلين.(1)
هو المعروف بحجر الخير وهو ابن الأدبر وفد على النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) هو وأخوه هانئ وشهد القادسية، وكان من فضلاء الصحابة، وكان على كندة بصفين وعلى الميسرة يوم النهروان وشهد الجمل أيضا مع علي وكان من أعيان أصحابه وكان في 250 من العطاء، وكان قتله سنة 51 وقبره مشهور بعذراء، وكان مجاب الدعوة.(2).
لما ولى معاوية زياداً العراق وما وراءها وأظهر من الغلظة وسوء السيرة ما أظهر، خلعه حجر ولم يخلع معاوية، وتابعه جماعة من أصحاب علي وشيعته وحصبه يوماً في تأخير الصلاة هو وأصحابه. فكتب فيه زياد إلى معاوية فأمره أن يبعث به اليه و بأصحابه فبعث بهم اليه.
ولما قدم زياد بن أبي سفيان، والياً على الكوفة دعا بحجر بن عدي، فقال: تعلم أني أعرفك، وقد كنت وإياك على ما قد علمت - يعني من حب علي بن أبي طالب - وانه قد جاء غير ذلك، واني أنشدك الله أن تقطرني من دمك قطرة فاستفرغه كله! املك عليك لسانك، وليسعك منزلك وهذا سريري فهو مجلسك وحوائجك مقضية لدي.
فقال حجر: قد فهمت ثم انصرف إلى منزله.
فإذا اخوانه من الشيعة فقالوا: ما قال لك الأمير؟
قال: قال لي كذا وكذا.
قالوا: ما نصح لك. فأقام وفيه بعض الاعتراض وكانت الشيعة يختلفون اليه ويقولون: انك شيخنا وأحق الناس بانكار هذا الأمر.
وكان إذا جاء إلى المسجد مشوا معه. فأرسل اليه عمرو بن حريث - وهو يومئذ خليفة زياد على الكوفة وزياد بالبصرة - : أبا عبد الرحمن ما هذه الجماعة وقد أعطيت الأمير من نفسك ما قد علمت؟
فقال للرسول: تنكرون ما أنتم فيه؟ إليك وراءك أوسع لك !. فكتب عمرو بن حريث بذلك إلى زياد وكتب اليه: ان كانت لك حاجة بالكوفة فالعجل .(1)
وكتب زياد إلى معاوية مع وائل وكثير: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان.
1) أعيان الشيعة 4 : 575.
أما بعد، فان الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء فأدى له من عدوه، وكفاه مؤونة من بغى عليه. ان طواغيت الترابية السابة السبائية رأسهم حجر بن عدي خلعوا أمير المؤمنين وفارقوا، فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم، وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي النهى والدين منهم فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا.
ودفع زياد الكتاب إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب وبعثهما عليهم وأمرهما أن يخرجوهم، وبلغ زياداً أن قوماً يريدون أن يعرضوا لهم إذا أخرجوا فبعث إلى الكناسة فابتاع إبلاً صعاباً فشدّ عليها المحامل ثم حملهم عليها في الرحبة أول النهار حتى إذا كان العشاء قال: من شاء ليعرض، فلم يتحرك من الناس أحد، فأخرجهم وائل وكثير عشية. ثم مضوا بهم حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء وبينها وبين دمشق اثنا عشر ميلا، فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وفضّ كتابهما فقرأه على أهل الشام.(1).
ولما قدم حجر عذرا. قال: ما هذه القرية؟ فقيل: عذرا.
فقال: الحمد الله! أما والله اني لأوّل مسلم ذكر الله فيها وسبحه، وأوّل
1) يظهر من كلامهما أن أول وصولهم كان إلى مرج عذراء فحبسوه به ولا يظهر منهم أنهم أدخلوا دمشق ولا أنهم ادخلوا على معاوية، أما ابن سعد في الطبقات فيدل كلامه على أنهم أدخلوا دمشق ولم يدخلوهم على معاوية حيث قال بعد قوله وبعث بحجر وأصحابه إلى معاوية فقال معاوية: لا أحب أن أراهم، ولكن أعرضوا عليّ كتاب زياد فقري عليه الكتاب، وجاء الشهود فشهدوا فقال معاوية: أخرجوهم إلى عذرى، فاقتلوهم هناك فحملوا إليها .
مسلم نبح عليه كلابها في سبيل الله، ثم انا اليوم احمل إليها مصفداً في الحديد!
في طبقات ابن سعد: ودفع كل رجل منهم إلى رجل من أهل الشام ليقتله، ودفع حجر إلى رجل من حمير فقدمه ليقتله، فقال: يا هؤلاء، دعوني أصل ركعتين فتركوه، فتوضّأ وصلّى ركعتين فطوّل فيهما، فقيل له: طوّلت أجزعت؟
فانصرف فقال: ما توضّأت قط الا صلّيت، وما صلّيت صلاة قط أخفّ من هذه، ولئن جزعت: لقد رأيت سيفاً مشهوراً، وكنفاً منشوراً، وقبراً محفوراً.(1)
وفي النبذة المختارة ثم قال حجر للذي أمر بقتلهم: دعني أصلي ركعتين فصلى ركعتين خفيفتين، لولا أن يقولوا جزع من الموت لأحببت أن يكونا أنفس مما كانتا. وأيم الله ان لم تكن صلاتي فيما مضى تنفعني ما هاتان بنافعتي شيئا.
وفي أسد الغابة ولما أرادوا قتله صلى ركعتين، ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي بي لأطلتهما.
وفي تاريخي الطبري وابن الأثير: فقال حجر للذين يلون أمره: دعوني حتى أصلي ركعتين، فقالوا: صله، فصلى ركعتين خفف فيهما ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي أنا عليه لأحببت أن تكونا أطول مما كانتا، ولئن لم يكن فيما مضى من الصلاة خير فما في هاتين خير.
قال المرزباني: قالت هند بنت زيد بن مخرمة الأنصارية وكانت شيعية حين سيّر بحجر إلى معاوية:
ترفع آيها القمر المنير ترفع*** هل ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن حرب*** ليقتله كما زعم الخبير
ألا يا ليت حجرامات موتا*** ولم ينحر كما نحر البعير
1) أعيان الشيعة 4 : 579 - 585
تجبرت الجبابر بعد حجر*** وطاب لها الخورنق والسدير
وأصبحت البلاد له محولا ***كان لم يحيها يوما مطير
ألا يا حجر حجر بني عدي*** تلقتك السلامة والسرور
أخاف عليك ما أردى عديا*** وشيخنا في دمشق له زئير
يرى قتل الخيار عليه حتما*** له من شر أمته وزير
فان تهلك فكل عميد قوم*** إلى هلك من الدنيا يصير
قال ابن عساكر: وتروى هذه الأبيات لأخت حجر بن عدي.
وقال المرزباني: وابن حجر هو «همّام» وكان مرافقاً لأبيه حجر، وعندما أرادوا قتل حجراً قال لهم: اقتلوا ولدي أول مرة، لأني لا اريده أن يعترف لكم خوفاً من القتل.
حجر بن عدي الكندي، يكنى أبا عبد الرحمن، كان قد وفد إلى النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وشهد القادسية وشهد الجمل وصفين مع علي (عليه السلام) ،قتله معاوية بن أبي سفيان بمرج عذراء. (1)
أحمد بن فضالة قال سمعت الحسن يقول وقد ذكر معاوية وقتله حجرا وأصحابه ويل لمن قتل حجر وأصحب حجر قال أحمد قلت ليحيى ابن سليمان أبلغك أن حجرا كان مستجاب الدعوى قال نعم وكان من أفضل
1) المستدرك 3 : 468 .
أصحاب النبي.(1)
وقال الذهبي: حجر بن عدي، بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية الكندي، وهو حجر الخير، وأبوه عدي الأدبر. وكان قد طعن موليا، فسمي الأدبر، الكوفي، أبو عبد الرحمن الشهيد. له صحبة ووفادة. قال غير واحد: وفد مع أخيه هانئ بن الأدبر، ولا رواية له عن النبي
(صلّی الله علیه وآله وسلّم). وسمع من علي وعمار.
روى عنه: مولاه أبو ليلى، وأبو البختري الطائي، وغيرهما. وكان شريفا، أميرا مطاعا، أمارا بالمعروف، مقدماً على الانكار، من شيعة علي (عليه السلام). شهد صفين أميراً، وكان ذا صلاح وتعبد.(2)
قال محمد بن الحنفية: بتنا ليلة عشرين من شهر رمضان مع أبي وقد نزل السم إلى قدميه، وكان يصلي تلك الليلة من جلوس، ولم يزل يوصينا بوصاياه ويعزينا عن نفسه ويخبرنا بأمره وتبيانه إلى حين طلوع الفجر، فلما أصبح استأذن الناس عليه، فأذن لهم بالدخول، فدخلوا عليه وأقبلوا يسلمون عليه، وهو يرد (عليهم السلام)، ثم قال: أيها الناس، اسألوني قبل أن تفقدوني وخففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم.
قال: فبكى الناس عند ذلك بكاءاً شديداً، وأشفقوا أن يسألوه تخفيفاً عنه،
فقام إليه حجر بن عدي الطائي وقال:
فيا أسفى على المولى التقي*** أبو الأطهار حيدرة الزكي
قتله کافر حنث زنيم*** لعين فاسق نغل شقي
فيلعن ربنا من حاد عنكم*** ويبرىء منكم لعناً وبي
لأنكم بيوم الحشر ذخري*** وأنتم عترة الهادي النبي
فلما بصر به وسمع شعره قال له:
كيف لي بك إذا دعيت إلى البراءة مني، فما عساك أن تقول؟
فقال: والله يا أمير المؤمنين، لو قطعت بالسيف إرباً إرباً، وأضرم لي النار وألقيت فيها لآثرت ذلك على البراءة منك.
فقال: وفّقت لكل خير يا حجر، جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيّك.(1)
عن الحسن البصري قال: أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة:
1- انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزّها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة.
2- واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير .
3- وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): «الولد للفراش
1) بحار الأنوار 42 : 290
وللعاهر الحجر» .
4- وقتله حجراً، ويلاً له من حجر وأصحاب حجر، ويلاً له من حجر وأصحاب حجر. (1)
هشام بن حسان: عن محمد، قال: لما أتي معاوية بحجر، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! قال أو أمير المؤمنين أنا؟ اضربوا عنقه، فصلى ركعتين، وقال لأهله: لا تطلقوا عني حديدا، ولا تغسلوا عني دما، فإني ملاق معاوية على الجادة.(2).
أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء، حجرا وأصحابه؟ فقال: يا أم المؤمنين إني رأيت في قتلهم صلاحا للأمة، وفي مقامهم فسادا للأمة، فقالت: سمعت رسول الله يقول: " سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء ".(3).
وعن مسروق أحمد بن الأجدع قال: سمعت عائشة أم المؤمنين تقول: أما والله لو علم معاوية أن عند أهل الكوفة منعة ما اجترأ على أن يأخذ حجراً وأصحابه من بينهم حتى يقتلهم بالشام، ولكن ابن آكلة الأكباد علم أنه قد ذهب الناس. أما والله، إن كانوا الجمجمة العرب عزاً ومنعة وفقها والله در لبيد
حيث قال:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم*** وبقيت في خلف كجلد الأجرب
لا ينفعون ولا يرجى خيرهم ***ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
قال ابن سيرين: بلغنا أنه لما حضرت معاوية الوفاة جعل يغرغر بالصوت ويقول: يومى منك يا حجر يوم طويل .(1)
ولما بلغ الربيع أحمد بن زياد الحارثي، وكان فاضلاً جليلاً وكان عاملاً لمعاوية على خراسان فلما بلغه قتل معاوية حجر دعا الله عز وجل فقال: اللهم إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجّل فلم يبرح من مجلسه حتى مات.(2)
وأقبلوا يقتلونهم واحداً واحداً حتى قتلوا ستة فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما فبعث إليهم أن ائتوني بهما.
فلما دخلا عليه، قال الخثعمي: الله الله يا معاوية فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسؤول عما أردت بقتلنا وفيم سفكت دماءنا.
فقال معاوية : ما تقول في علي؟
قال: أقول فيه قولك.
قال: أتبرأ من دين علي الذي كان يدين الله به؟ فسكت وكره معاوية أن يجيبه.
وقال شمر بن عبد الله من بني قحافة: يا أمير المؤمنين، هب لي ابن عمي.
قال: هو لك غير أني حابسه شهراً، فكان يرسل إليه بين كل يومين فيكلمه وقال له: إني لا نفس بك على العراق أن يكون فيهم مثلك.
ثم إن شمراً عاوده فيه الكلام فقاك: نمرك على هبة ابن عمك، فدعاه فخلى سبيله على أن لا يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان، فقال: تخير أي بلاد العرب أحب إليك أن أسيّرك إليها، فاختار الموصل، فكان يقول: لو قد مات معاوية قدمت المصر، فمات قبل معاوية بشهر ثم أقبل على عبد الرحمن العنزي فقال: ايه يا أخا ربيعة، ما قولك في علي؟
قال: دعني ولا تسألني، فإنه خير لك.
قال: والله لا أدعك حتى تخبرني عنه.
قال: أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيراً، ومن الأمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس.
قال: فما قولك في عثمان؟
قال: هو أول من فتح باب الظلم وأرتج أبواب الحق.
قال: قتلت نفسك.
قال: بل إياك قتلت .(1)
وحين كلّم شمر الخثعمي في كريم بن عفيف الخثعمي ولم يكن له أحد من قومه يكلمه فيه فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه، أما بعد: فإن هذا العنزي شر من بعثت فعاقبه عقوبته التي هو أهلها واقتله شر قتلة، فلما قدم به على زياد بعث بن زياد إلى قس الناطف فدفن به حياً.
عن زياد بن النضر الحارثي، قال: كنت عند زياد، وقد أتى برشيد الهجري، وكان من خواص أصحاب علي (عليه السلام)، فقال له زياد: ما قال خليلك لك إنا فاعلون بك؟
قال: تقطعون يدي ورجلي، وتصلبونني.
فقال زياد: أما والله لأكذبن حديثه. خلوا سبيله.
فلما أراد أن يخرج قال: ردّوه لا نجد شيئا أصلح مما قال لك صاحبك، إنك لا تزال تبغى لنا سوءاً إن بقيت، اقطعوا يديه ورجليه. فقطعوا يديه ورجليه، وهو يتكلّم، فقال: اصلبوه خنقاً في عنقه.
فقال رشيد: قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه!
فقال زياد: اقطعوا لسانه، فلما أخرجوا لسانه ليقطع قال: نفّسوا عني أتكلم
1) تاريخ الطبري 4 : 206
كلمة واحدة، فنفسوا عنه.
فقال: هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين، أخبرني بقطع لساني. فقطعوا لسانه وصلبوه. (1)
عن قنوا بنت رشيد الهجري قال: قلت لها: أخبرني ما سمعت من أبيك، قالت: سمعت أبي يقول: أخبرني أمير المؤمنين (عليه السلام).
فقال: یا رشید، كيف صبرك متى أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك؟
قلت: يا أمير المؤمنين آخر ذلك إلى الجنة؟
فقال: يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة.
قالت: فوالله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه عبيد أرسل إليه عبيد الله بن زياد الدعي فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين(عليه السلام) فأبى أن يبرأ منه، فقال له الدعي: فبأي ميتة قال لك تموت؟
فقال له: أخبرني خليلي أنك تدعوني إلى البراءة منه فلا أبرأ فتقدمني فتقطع يدي ورجلي ولساني.
فقال: والله لأكذبن قوله.
قال: فقدموه فقطعوا يديه ورجليه وتركوا لسانه، فحملت أطراف يديه ورجليه.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 294
فقلت: يا أبة هل تجد ألما لما أصابك؟
فقال: لا يا بنيتي إلا كالزحام بين الناس.(1)
عن سيف بن عميرة قال: سمعت العبد الصالح أبا الحسن(عليه السلام) ينعى إلى رجل نفسه، فقلت في نفسي: وإنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته؟
فقال شبه الغضب: يا إسحاق قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا فالامام أولى بذلك.(2)
عن أبي الجارود، عن قنوة ابنة رشيد الهجري قالت: قلت لأبي: ما أشد اجتهادك ؟
فقال: يا بنية سيجيء قوم بعدنا بصائرهم في دينهم، أفضل من اجتهاد أوليهم.(3)
عن فضيل بن الزبير قال: مرّ ميثم التمّار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر الأسدي عند مجلس بني أسد فتحدثا حتى اختلفت أعناق فرسيهما ثم قال حبيب: لكأني بشيخ أصلع ضخم البطن، يبيع البطيخ عند دار الرزق، قد صلب في حب أهل بيت نبيه (عليه السلام) ويبقر بطنه على الخشبة.
فقال ميثم: وإني لأعرف رجلاً أحمر له ضفيرتان، يخرج لنصرة ابن بنت
نبيه ويقتل ويجال برأسه بالكوفة. ثم افترقا.
فقال أهل المجلس: ما رأينا أحدا أكذب من هذين!
قال: فلم يفترق أهل المجلس حتى أقبل رشيد الهجري فطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما، فقالوا: افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا.
فقال رشید: رحم الله ميثما نسي« ويزاد في عطاء الذي يجييء بالرأس مائة درهم»، ثم أدبر فقال القوم: هذا والله أكذبهم.
فقال القوم: والله ما ذهبت الأيام والليالي حتى رأيناه مصلوباً على باب دار عمرو بن حريث، وجيء برأس حبيب بن مظاهر وقد قتل مع الحسين ورأينا
كل ما قالوا.(1).
وكان أول قتيل قتله زياد بالكوفة أوفى بن الحصن وكان بلغه عنه شيء فطلبه فهرب فعرض الناس [ زياد] ، فمر به فقال: من هذا ؟
قال: أوفى بن حصن.
فقال زياد: اتتك بحائن رجلاه وقال له: ما رأيك في عثمان؟
قال: ختن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) علي ابنتيه.
قال: فما تقول في معاوية؟
1) بحار الانوار 45 : 92.
قال: جواد حليم.
قال: فما تقول فيّ؟
قال: بلغني أنك قلت بالبصرة والله لآخذن البريء بالسقيم والمقبل بالمدير.
قال: قد قلت ذاك.
قال: خبطتها خبط عشواء!
فقال زیاد: ليس بالنفاخ بشر الزمرة ! فقتله.(1)
كان جويرية بن مسهر العبدي صالحاً، وكان لعلي بن أبي طالب صديقاً، وكان على يحبّه، ونظر يوماً إليه وهو يسير، فناداه: يا جويرية، الحق بي، فإني إذا رأيتك هويتك.
وعن حبة العرني، قال: سرنا مع علي (عليه السلام) يوماً فالتفت، فإذا جويرية خلفه بعيدا، فناداه: يا جويرية، الحق بي لا أباً لك! ألا تعلم أني أهواك وأحبك !
قال: فركض نحوه، فقال له: إني محدّثك بأمور فاحفظها، ثم اشتركا في الحديث سراً.(2).
فقال له جويرية: يا أمير المؤمنين، إني رجل نسي.
فقال له: إني أعيد عليك الحديث لتحفظه، ثم قال له في آخر ما حدّثه إياه: يا جويرية، أحبب حبيبنا ما أحبنا، فإذا أبغضنا فابغضه، وابغض بغيضنا ما أبغضنا، فإذا أحبنا فأحبه.
قال: فكان ناس ممن يشكّ في أمر علي(عليه السلام) يقولون: أتراه جعل جويرية وصيّه كما يدعي هو من وصية رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)؟
قال: يقولون ذلك لشدّة اختصاصه له حتى دخل على علي (عليه السلام) يوماً، وهو مضطجع، وعنده قوم من أصحابه، فناداه جويرية: أيها النائم، استيقظ، فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك.
قال: فتبسّم أمير المؤمنين (عليه السلام). قال: وأحدثك يا جويرية بأمرك، أما والذي نفسي بيده لتعتلن(1)إلى العتل الزنيم، فليقطّعن يدك ورجلك وليصلبنّك تحت جذع كافر.
قال: فوالله ما مضت الأيام على ذلك حتى أخذ زياد جويرية، فقطع يده ورجله وصلبه إلى جانب جذع ابن مكعبر، وكان جذعاً طويلاً، فصلبه على جذع قصير إلى جانبه.(2)
روى إبراهيم في كتاب الغارات، قال: كان ميثم التمار مولى علي بن أبي طالب (عليه السلام) عبداً لامرأة من بني أسد فاشتراه علي (عليه السلام) منها
وأعتقه، وقال له: ما اسمك؟
فقال: سالم.
فقال: إن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)أخبرني أن اسمك الذي سمّاك به أبوك في العجم ميثم .
فقال: صدق الله ورسوله، وصدقت يا أمير المؤمنين، فهو والله أسمى.
قال: فارجع إلى اسمك، ودع سالماً، فنحن نكنّيك به، فكنّاه أبا سالم.
قال: وقد كان قد أطلعه علي (عليه السلام) على علم كثير، وأسرار خفية من أسرار الوصية، فكان ميثم يحدّث ببعض ذلك، فيشكّ فيه قوم من أهل الكوفة وينسبون علياً (عليه السلام) في ذلك إلى المخرقة(1)والايهام والتدليس، حتى قال له يوماً بمحضر من خلق كثير من أصحابه، وفيهم الشاك والمخلص:
یا ميثم، إنك تؤخذ بعدي وتصلب، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دماً، حتى تخضب لحيتك، فإذا كان اليوم الثالث طعنت بحربة يقضى عليك، فانتظر ذلك. والموضع الذي تصلب فيه على باب دار عمرو بن حریث، إنك لعاشر عشره أنت أقصرهم خشبه، وأقربهم من المطهرة - يعني الأرض - ولأرينّك النخلة التي تصلب على جذعها، ثم أراه إياها بعد ذلك بيومين، وكان ميثم يأتيها، فيصلى عندها، ويقول: بوركت من نخلة، لك خلقت، ولي نبت، فلم يزل يتعاهدها بعد قتل علي (عليه السلام)، حتى قطعت، فكان يرصد
1) المخرفة: اختلاق الكذب.
جذعها، ويتعاهده ويتردد إليه، ويبصره.
وكان يلقى عمرو بن حريث، فيقول له: إني مجاورك فأحسن جواري، فلا يعلم عمرو ما يريد، فيقول له: أتريد أن تشتري دار ابن مسعود، أم دار ابن حكيم؟
قال: وحج في السنة التي قتل فيها، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها، فقالت له: من أنت؟
قال: عراقي، فاستنسبته، فذكر لها أنه مولى علي بن أبي طالب .
فقالت: أنت هيثم.
قال: بل أنا ميثم.
فقالت: سبحان الله! والله لربما سمعت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يوصى بك علياً في جوف الليل.
فسألها عن الحسين بن علي، فقالت: هو في حائط له.
قال: أخبريه أني قد أحببت السلام عليه، ونحن ملتقون عند ربّ العالمين، إن شاء الله، ولا أقدر اليوم على لقائه، وأريد الرجوع، فدعت بطيب فطيبت لحيته، فقال لها: أما إنها ستخضب بدم.
فقالت: من أنباك هذا؟
قال: أنبأني سيدي، فبكت أم سلمة، وقالت له: إنه ليس بسيدك وحدك، هو سيدي وسيد المسلمين، ثم ودعته.
فقدم الكوفة، فأخذ وأدخل على عبيد الله بن زياد. وقيل له: هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب.
قال: ويحكم هذا الأعجمي!
قالوا: نعم.
فقال له عبيد الله: أين ربّك؟
قال بالمرصاد.
قال: قد بلغني اختصاص لابن أبي تراب لك.
قال: قد كان بعض ذلك، فما تريد؟
قال: وإنه ليقال إنه قد أخبرك بما سيلقاك.
قال نعم، إنه أخبرني.
قال: ما الذي أخبرك أني صانع بك؟
قال: أخبرني أنك تصلبني عاشر عشرة وأنا أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهرة.
قال: لأخالفنه.
قال: ويحك ! كيف تخالفه، إنما أخبر عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأخبر رسول الله عن جبرائيل، وأخبر جبرائيل عن الله، فكيف تخالف هؤلاء! أما والله لقد عرفت الموضع الذي أصلب فيه أين هو من الكوفة؟ وإني لأول خلق الله ألجم في الاسلام بلجام، كما يلجم الخيل.
فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيدة الثقفي، فقال ميثم للمختار وهما في حبس ابن زياد: إنك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين (عليه السلام، فتقتل هذا الجبار الذي نحن في سجنه، وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخديه.
فلما دعا عبيد الله بن زياد بالمختار ليقتله طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد يأمره بتخلية سبيله، وذاك أن أخته كانت تحت عبدالله بن عمر بن الخطاب، فسألت بعلها أن يشفع فيه إلى يزيد فشفع فأمضى شفاعته، وكتب بتخلية سبيل المختار على البريد، فوافي البريد، وقد أخرج ليضرب عنقه، فأطلق.
وأما ميثم فأخرج بعده ليصلب. وقال عبيد الله: لأمضين حكم لابن أبي تراب فيه فلقيه ،رجل، فقال له: ما كان أغناك عن هذا يا ميثم؟
فتبسّم، وقال: لها خلقت، ولي غذيت، فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث، فقال عمرو: لقد كان يقول لي: إني مجاورك، فكان يأمر جاريته كل عشية أن تكنس تحت خشبته وترشه، وتجمر بالمجمر تحته، فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم، ومخازي بني أمية، وهو مصلوب على الخشبة، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد.
فقال: ألجموه، فألجم فكان أول خلق الله ألجم في الاسلام.
فلما كان في اليوم الثاني فاضت منخراه وفمه دماً.
فلما كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات.
وكان قتل ميثم قبل قدوم الحسين (عليه السلام) العراق بعشرة أيام.(1)
مزرع:
وهو من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)قال أبو العالية: حدّثني مزرع صاحب علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: ليقبلن جيش حتى إذا كانوا بالبيداء، خسف بهم.
قال أبو العالية: فقلت له: إنك لتحدثني بالغيب!
فقال: احفظ ما أقوله لك، فإنما حدثني به الثقة علي بن أبي طالب.
وحدثني أيضا شيئاً آخر: ليؤخذن رجل فليقتلن وليصلبنّ بين شرفتين من شرف المسجد.
فقلت له: إنك لتحدثني بالغيب!
فقال: احفظ ما أقول لك.
قال أبو العالية: فوالله ما أتت علينا جمعة، حتى أخذ مزرع، فقتل وصلب بين شرفتين من شرف المسجد.
عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقول: يعوذ قوم بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 291
فقلت: يا رسول الله، لعل فيهم المكره أو الكاره.
فقال: يخسف بهم، ولكن يحشرون على نياتهم يوم القيامة.
قال: فسئل أبو جعفر محمد بن علي: أهي بيداء من الأرض؟
فقال: كلا والله إنها بيداء المدينة.(1)
كان عبد الله الحضرمي من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وصفوته،
وكان من شرطة الخميس وقد قال (عليه السلام) له يوم الجمل: ابشر يا بن يحيى، فإنك وأباك من شرطة الخميس(2)حقا، لقد اخبرني رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) باسمك واسم أبيك في شرطة الخميس، والله سمّاكم في السماء شرطة الخميس على لسان نبيه(صلّی الله علیه وآله وسلّم).(3)
ومنهم محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومن أنصاره وأشياعه - وكان ابن خال معاوية وكان رجلاً من خيار المسلمين - فلما توفي علي(عليه السلام) أخذه معاوية وأراد قتله، فحبسه في السجن دهراً.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 294.
2) الخميس العسكر، وانما سمي خميساً لانقسامه خمسة اقسام مقدم وساقة وميمنة وميسرة وقلب، وشرطة الخميس أجناده، وانما سموا بشرطة من الشرط وهو العلامة لان لهم علامة يعرفون بها، أو من الشرط وهو التهيؤ لأنهم يهيئون لدفع الخصم .
3) خلاصة الأقوال، العلامة الحلي: 191.
ثم قال معاوية ذات يوم: ألا نرسل إلى هذا السفيه محمد بن أبي حذيفة؟ فنبكته ونخبره بضلاله، ونأمره أن يقوم فيسب علياً.
قالوا: نعم.
فبعث إليه معاوية وأخرجه من السجن. فقال له معاوية: ألم يأن لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك علي بن أبي طالب الكذاب؟ ألم تعلم أن عثمان قتل مظلوماً؟ وأن عائشة وطلحة والزبير خرجوا يطلبون بدمه، وأن علياً هو الذي دسّ في قتله ونحن اليوم نطلب بدمه.
قال محمد بن أبي حذيفة: إنك لتعلم أني أمسّ القوم بك رحماً وأعرفهم بك. قال: أجل.
قال: فوالله الذي لا إله غيره ما أعلم أحداً شرك في دم عثمان وألبّ الناس عليه غيرك! لما استعملك ومن كان مثلك، فسأله المهاجرون والأنصار أن يعزلك، فأبى، ففعلوا به ما بلغك، ووالله ما أحد اشترك في دمه بدءاً وأخيراً إلا طلحة والزبير وعائشة، فهم الذين شهدوا عليه بالعظيمة وألبوا عليه الناس، وشركهم في ذلك عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعمار والأنصار جميعاً.
قال: قد كان ذلك.
قال: فوالله إني لأشهد أنك منذ عرفتك في الجاهلية والإسلام لعلى خلق واحد، ما زاد فيك الإسلام قليلاً ولا كثيراً، وإن علامة ذلك فيك لبيّنة، تلومني على حبّ علي (عليه السلام) خرج مع علي (عليه السلام) كل صوّام قوّام مهاجري وأنصاري، وخرج معك أبناء المنافقين والطلقاء والعتقاء، خدعتهم عن دينهم وخدعوك عن دنياك، والله ما خفي عليك ما صنعت، وما خفي عليهم ما
صنعوا، إذ أحلّوا أنفسهم لسخط الله في طاعتك، والله لا أزال أحبّ عليا الله ولرسوله، وأبغضك في الله ورسوله أبداً ما بقيت
قال معاوية: وإني أراك بعد على ضلالك ، ردّوه ! فمات في السجن .(1)
كتب زياد بن أبيه إلي معاوية في حق الحضرميين أنهم على دين علي وعلى رأيه، فكتب إليه معاوية : اقتل كل من كان على دين علي ورأيه، فقتلهم
ومثل بهم.
وكتب معاوية إلى جميع البلدان، انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه عن الديوان.
وكتب كتاباً آخر: انظروا من قبلكم من شيعة علي واتهمتموه بحبّه فاقتلوه وإن لم تقم عليه البينة، فقتلوهم على التهمة والظنّة والشبهة، تحت كل حجر، حتى لو كان الرجل تسقط منه كلمة ضربت عنقه، وحتى كان الرجل يرمى بالزندقة والكفر كان يكرم ويعظم، ولا يتعرض له بمكروه، والرجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد من البلدان، لا سيما الكوفة والبصرة، حتى لو أن أحداً منهم أراد أن يلقي سراً إلى من يثق به لأتاه في بيته، فيخاف خادمه ومملوكه فلا يحدثه، إلا بعد أن يأخذ عليه الأيمان المغلظة ليكتمن عليه. ثم لا يزداد الأمر إلا شدة حتى كثر وظهر أحاديثهم الكاذبة، ونشأ عليه الصبيان يتعلمون ذلك، وكان أشد الناس في ذلك القرّاء المراؤون المتصنعون الذين
1) مواقف الشيعة 2: 54
يظهرون الخشوع والورع، فكذبوا وانتحلوا الأحاديث وولدوها فيحظون بذلك عند الولاة والقضاة، ويدنون مجالسهم، ويصيبون بذلك الأموال والقطائع والمنازل، حتى صارت أحاديثهم ورواياتهم عندهم حقاً وصدقاً، فرووها وقبلوها وتعلموها وعلموها، وأحبوا عليها وأبغضوا من ردّها أو شكّ فيها.
فاجتمعت على ذلك جماعتهم وصارت في يد المتنسكين والمتدينين منهم الذين لا يستحلون الافتعال لمثلها، فقبلوها وهم يرون أنها حق، ولو علموا بطلانها وتيقنوا أنها مفتعلة لأعرضوا عن روايتها، ولم يدينوا بها، ولم يبغضوا من خالفها فصار الحق في ذلك الزمان عندهم باطلاً والباطل حقاً، والكذب صدقاً والصدق كذباً.
فلما ما مات الحسن بن علي (عليهما السلام) ازداد البلاء والفتنة فلم يبق الله ولي إلا خائف على نفسه، أو مقتول أو طريد أو شريد.(1)
ودخل إياس بن معاوية الشام وهو غلام، فقدم خصماً إلى باب القاضي في أيام عبد الملك، فقال القاضي: أما تستحي ! تخاصم وأنت غلام شيخاً كبيراً؟
فقال: الحق أكبر منه.
فقال: اسكت ويحك!
1) بحار الأنوار 44: 126.
قال: فمن ينطق بحجتي إذاً!
قال: ما أظنّك تقول اليوم حقا حتى تقوم.
فقال: لا إله إلا الله.
فقام القاضي ودخل على عبد الملك وأخبره، فقال: اقض حاجته وأخرجه من الشام كي لا يفسد علينا الناس.(1)
وقيل: إن أبا الغازية قتل عماراً وعاش إلى زمن الحجاج ودخل عليه فأكرمه الحجاج وقال له: أنت قتلت ابن سمية؟ يعني عمارا.
قال: نعم.
فقال من سره أن ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلى هذا الذي قتل ابن سمية.
ثم سأله أبو الغازية حاجته فلم يجبه إليها فقال: نوطئ لهم الدنيا ولا يعطونا منها ويزعم أني عظيم الباع يوم القيامة!
فقال الحجاج: أجل والله من كان ضرسه مثل أحد وفخذه مثل جبل ورقان ومجلسه مثل المدينة والربذة إنه لعظيم الباع يوم القيامة والله لو أن عماراً قتله أهل الأرض كلهم لدخلوا كلهم النار.
وقال عبد الرحمن السلمي: لما قتل عمار دخلت عسكر معاوية لأنظر هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا وكنا إذا تركنا القتال تحدثوا إلينا وتحدثوا
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17: 64
فإذا معاوية وعمرو وأبو الأعور وعبد الله بن عمرو يتسايرون فأدخلت فرسي بينهم لئلا يفوتني ما يقولون فقال عبد الله لأبيه: يا أبت، هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما قال.
قال: وما قال؟
قال: ألم يكن المسلمون ينقلون في بناء مسجد النبي لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فغشي عليه فأتاه رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: ويحك يا ابن سمية، الناس ينقلون لبنة لبنة وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في الأجر، وأنت ذلك تقتلك الفئة الباغية.
فقال عمرو لمعاوية: أما تسمع ما يقول عبد الله؟
قال: وما يقول، فأخبره، فقال معاوية: أنحن قتلناه، إنما قتله من جاء به.
فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون : إنما قتل عماراً من جاء به، فلا أدري من كان أعجب أهو أم هم. (1)
1) الكامل في التاريخ 3 : 310 .
من المناسب هنا، ونحن في بيان أسباب الصلح، وفي إيضاح علله أن نعرض بعض الجوانب من سياسة أهل البيت (عليهم السلام) لنتبين مدى أصالة سياستهم البناءة، ونقف على الأهداف الرفيعة التي ينشدون تحقيقها في ظلال الحكم، فانّ إيضاح هذه الجوانب - فيما نحسب - يعطينا أضواءً عن صلح الإمام الحسن مع طاغية زمانه، ويكشف لنا عن الأسباب التي أدت إلى تظافر القوى الباغية على مناجزته، ومناجزة أبيه من قبل، وإلى القراء ذلك.
إن السياسة التي يجب أن تسود جميع انحاء البلاد - عند أهل البيت - هي السياسة البناءة التي تضمن مصالح المجتمع، وتعمل على ايجاد الوسائل السليمة لرقيه وبلوغ أهدافه وآماله، وحمايته من الظلم والاعتداء، وتحقيق المساواة العادلة في ربوعه والفرص المتكافئة بين أبنائه لوقايتهم من البؤس والحرمان.
إن سياسة أهل البيت قد تبنت العدل الخالص، والحق المحض، ومثلت وجهة الإسلام وأهدافه في عالم السياسة والحكم ، فهي أرقى سياسة عرفها الناس وأجدرها بتحقيق العدل السياسي، والعدل الإجتماعي بين الناس لأنها في جميع مجالاتها تنشد الإطمئنان الذي لا يشوبه قلق، والأمن الذي لا يشوبه خوف، والعدل الذي لا يشوبه ظلم، وهي بجميع مفاهيمها تباين السياسة الأموية الجائرة التي رفعت شعار الظلم والجور، وتذرعت بجميع
وسائل المكر والخداع للمساومة على مصالح الشعوب، وابتزاز إمكانياتها والتغلب عليها.
إن السياسة الأصيلة عند أهل البيت هي التي لا تعتمد على المكر والمواربة والخداع والتهريج والتضليل وغير ذلك من الأساليب التي لا تحمل جانبا من الواقعية، وانها لابد أن تكون صريحة واضحة في جميع أهدافها ومعالمها، لتحقق العدل في البلاد، ولصلابة سياستهم في الحق وصرامتها في العدل ثار عليهم النفعيون والمنحرفون، وطالبوهم أن ينهجوا منهجاً خاصاً لا يتنافى مع مصالحهم وأطماعهم، ولو أنهم استجابوا لهم لما آلت الخلافة إلى غيرهم، ولكنهم سلام الله عليهم آثروا رضا الله وسلكوا الطريق الواضح، وابتعدوا عن الخطط الملتوية التي لا يقرها الدين.
إن الخلافة عندهم هي ظل الله فى الأرض فيجب أن يتحقق في ظلالها العجل الشامل، وتسود الرفاهية، ويعم الأمن بين جميع المواطنين، وإذا تجردت السلطة من هذه الأهداف فلا طمع ولا ارب لهم بها يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام )لابن عباس، وكان يخصف نعله بذي قار:
يا بن عباس ما قيمة هذا النعل ؟
لا قيمة له يا أمير المؤمنين.
والله لهي أحب إليّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً وأدفع باطلاً.
إن حذاءه الذي كان من ليف أثمن عنده من الإمرة التي لا يقام فيها الحق، ولا يدفع فيها الباطل فضلا عن السلطة الجائرة التي تضيع العدل وتحيي
الجور وتميت الحق، وقد كشف (عليه السلام) - في بعض كلماته - السر في إحجامه عن مبايعة أبي بكر في دور السقيفة قائلاً:
«اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك».(1)
ولهذه الأسباب الوثيقة أعلن سخطه على أبي بكر، وامتنع من مبايعته وأقام عليه سيلاً من الأدلة على أحقّيته بالخلافة دونه، ولكنه لم يناجزه الحرب لأنه یری أن الأمة من واجبها أن تنقاد إليه كما أمره رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بذلك فقد قال له :
« یا علي، أنت بمنزلة الكعبة تؤتى، ولا تأتى فان أتاك هؤلاء القوم فسلموها إليك - يعني الخلافة - فاقبل منهم، وإن لم يأتوك فلا تأتهم حتى يأتوك»(2).
إن الواجب على المسلمين كان هو الانقياد لعترة نبيهم، والرجوع إليهم ليحكموا فيهم بما أنزل الله، ويردّوهم إلى الحقّ الواضح، وإلى الطريق المستقيم، ولكن القوم قد غرّتهم الدنيا، وخدعتهم السلطة، فانطلقوا وراء أطماعهم وأهوائهم فصرفوا الأمر عن أهله، ووضعوه في غير محله، فأدى ذلك إلى المحن الشاقة والخطوب السود التي مني بها المسلمون في جميع مراحل
تأريخهم.
روى الربيع بن المنذر، عن أبيه قال: سمعت الحسن بن علي (عليهما السلام) يقول: إن أبا بكر وعمر عمدا إلى هذا الأمر وهو لنا كله، فأخذاه دوننا وجعلا لنا فيه سهما كسهم الجدة (1)، أما والله لتهمنهما(2)أنفسهما يوم يطلب الناس فيه شفاعتنا.(3)
أما الأهداف السليمة والمثل العليا التي رفع شعارها أهل البيت (عليهم السلام)، وتبنوها في جميع المجالات فهي كما يلي:
إن السياسة الإسلامية بجميع مفاهيمها قد تبنت العدل، وآمنت به إيماناً مطلقاً، وركّزت جميع أهدافها على أضوائه، فأهابت بالحكام والأمراء أن يطبقوه على مسرح الحياة، وأن لا يكون الحكم الصادر منهم مبعثه الهوى
1) سهم الجدة من الميراث السدس، روى الجمهور عن قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة أم الأم، أو أم الأب إلى أبي بكر فسألته ميراثها من ابن ابنها أو ابن بنتها، فقال لها: ما لك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله شيئاً فأرجعي حتى أسأل الناس، فقال المغيرة: حضرت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)أعطاها السدس فقال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة وقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر. راجع سنن النسائي وابن ماجة والترمذي. ومراده (عليه السلام) أن زعمه في أمرنا كزعمه في سهم الجدة .
2) أهمه الأمر: أقلقه وأحزن .
3) الأمالي، للشيخ المفيد: 48.
وسائر الأغراض التي لا تمت بصله للعدل قال تعالى: وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (1)
وقال تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (2).
وقد أجمع المسلمون على أن الحاكم إذا انجرف في حكمه وجب عزله، وقد عزل أمير المؤمنين أحد ولاته حينما أخبرته سودة بنت عمارة الهمدانية بأنه قد جار في حكمه فجعل الإمام يبكي ويقول:
« اللهم أنت الشاهد عليّ وعليهم إني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقّك». ثم عزله في الوقت.(3)
ويقول الإمام الصادق: «اتقوا الله، واعدلوا فإنكم تعيبون على قوم لا يعدلون»(4)
إن سعادة الأمة ورقيها بعدل حكامها، فإذا جافي الحكام العدل وجاروا في الحكم تعرضت البلاد للأزمات والنكسات وسادت فيها الفوضى والنزعات، ومن ثم فان الإسلام يحرص كل الحرص على أن يكون الحكم بيد الصلحاء والثقات لأن للحكم إغراء لا يفلت من ربقته إلا ذوو النفوس
الزكية الكريمة - وما أقل عددهم - وما نريد قوله هنا إن سياسة أهل البيت (عليهم السلام) قد تركزت على العدل الشامل وبنت جميع أهدافها عليه.
إن الإسلام أسبغ نعمة المساواة على الإنسانية بصورة لم يسبق لها مثيل في تأريخ المجتمع العالمي، فقد أعلن المساواة العادلة ما بین الأفراد والجماعات وما بين الأجناس فلا فضل لأبيض على أسود، ولا لعربي على أعجمي، فالناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لبعضهم على بعض إلا بالتقوى والعمل الصالح يقول الأستاذ جيب:
« إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي ما زال في فجرته أن ينجح نجاحا باهراً في تأليف العناصر والأجناس البشرية المتنافرة في جبهة واحدة أساسها المساواة. وإذا وضعت منازعات الشرق والغرب موضع الجرس فلا بد من الإلتجاء إلى الإسلام»(1).
وقد طبق الإمام أمير المؤمنين المساواة العادلة تطبيقاً شاملا في دور حكمه، فأمر عماله وولاته أن يساووا بين الناس حتى في اللحظة والنظرة فقد جاء في بعض رسائله ما نصّه:
« وأخفض للرعية جناحك وأبسط فهم وجهك وألن لهم جانبك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة
1) النظام السياسي في الإسلام: 319 .
والإشارة والتحية، حتى لا يطمع الزعماء في حيفك ولا ييأس الضعفاء من عدلك».(1)أي شارك بين الرعية حتى في هذه الأمور البسيطة.
وهذه السياسة العادلة هي التي أثارت عليه الأحفاد والضغائن وأدت إلى تكتل القوى الباغية وتظافرها على مناجزته، وقد نص على ذلك المدائني بقوله: « إن من أهم الأسباب في تخاذل العرب عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان اتباعه لمبدأ المساواة بين الناس حيث كان لا يفضل شريفاً على مشروف ولا عربياً على عجمي ولا يصانع الرؤساء والقبائل» (2).
إن طغاة قريش، ومن سار في ركابهم من جبابرة العرب لم يكونوا بأي حال قد وعوا الأهداف الأصيلة التي جاء بها الإسلام لتعميم المساواة وبسط العدل والقضاء على الغبن، إنهم يريدون الامتيازات والاستئثار بأموال المسلمين، والاستعلاء على الفقراء والضعفاء وكل ذلك يتنافى مع سيرة ابن أبي طالب رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض، وقد سار الإمام الحسن على خطّته وسيرته ولم يتحول عن نهجه فأثار ذلك عليه الأحقاد والأضغان.
وتبنى الإسلام الحرية العامة لجميع المواطنين، وألزم الدولة بحمايتها، وتطبيقها على مسرح الحياة سواء أكانت الحرية في العقيدة أو في التفكير،
والتعبير عن الرأي، أو في المناحي السياسية، واعتبر الإسلام كل ذلك من الحقوق الطبيعية للإنسان التي لا غنى عنها بحال من الأحوال، وقد طبق الإمام أمير المؤمنين الحرية بأرحب مفاهيمها في دور خلافته، فانه لم يرغم الناس على مبايعته، ولم يكرههم على طاعته، وإنما تركهم وشأنهم يتمتعون بحريتهم من دون أن يتعرض لهم بأذى أو مكروه، وكذلك عامل الخوارج فانه لم يناجزهم الحرب حتى أنذرهم وأعذر فيهم، وحاججهم فأبطل شبههم ولما صمموا على فكرتهم ولم يتنازلوا عنها خلى سبيلهم، وأطلق سراحهم ولكن لما عاثوا فساداً في الأرض، وأخلوا بالأمن العام ناجزهم عملاً بقوله تعالى:
فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ. ولما فرغ من حربهم كان في المجتمع العراقي جمهور غفير ممن يعتنق فكرتهم، فلم يتعرض لهم بمكروه، ولم يمنعهم من الفيء، ولم يرد أحداً منهم عن الخروج إن أراده، ومنحهم الحرية التامة، فلم تراقبهم السلطة، ولم تتبعهم أو تتكل بأحد منهم، وكذلك أعطى الحرية الواسعة إلى الحزب الأموي، فلم يتعرض لهم بأذى أو مكروه مع العلم أنهم كانوا من ألد خصومه وأعدائه.
وهذه الحرية الواسعة التي أعطاها الإمام للأحزاب المناوئة له كانت أوسع حرية عرفها التأريخ، لقد قضت سياسته البناءة على عدم استكراه الناس على الطاعة، وعدم إرغامهم على ما لا يحبون.
إن السياسة الرشيدة التي رفع شعارها أهل البيت تسير على ضوء الصدق والواقع فلا توارب، ولا تنافق، ولا تغري الشعوب بالوعود الكاذبة، ولا تمنيها
بأماني المعسولة، رائدها في جميع مخططاتها الصراحة والصدق.
لقد حفلت سياستهم بالصراحة في جميع الميادين، فليس من منطقها الخداع والنفاق، وقد صارح الإمام الحسين (عليه السلام) سبط النبي وممثل مكة الإسلام الجماهير التي صحبته من والتي التحقت به في أثناء الطريق حينما بلغه مقتل سفيره وممثله في العراق الشهيد العظيم مسلم بن عقيل (عليه السلام) صارحهم بمقتله، وخيانة أهل الكوفة به، وغدرهم بعهودهم ومواثيقهم، وانه متوجه في سفره إلى ساحة الموت، فنفرق ذوو الأطماع والأهواء عنه، لقد أدلى (عليه السلام) في تلك الساعة الرهيبة بالحقيقة الراهنة، وكشف لهم الستار عن خطته وأهدافه، ليكونوا على بصيرة من أمرهم عملاً بأوامر الإسلام التي تلزم بالصراحة والصدق ولا تبيح أي وسيلة من وسائل الغدر والخداع.
إن المواربة لو كانت سائغة في الإسلام بأي شكل من الأشكال لما تغلب معاوية بن أبي سفيان خصم الإسلام على الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) فكان بإمكانه أن يساومه بعد مقتل عثمان ويبقيه على ولايته في دمشق، ثم يعزله بعد ذلك عن منصبه ويتخلص من شره وتمرده، ولكن الإسلام يأبى له تلك المساومة الرخيصة فامتنع من بقائه في جهاز الحكم ولو زمناً قصيراً، وهناك أمر آخر هو أعمق أثراً، وأبعد مدى في عالم الصراحة من ذلك هو امتناع الإمام من إجابة عبد الرحمن بن عوف أحد أعضاء الشورى الذين رشحهم الخليفة الثاني لانتخاب الخليفة الجديد من بعده، فقد ألح عبد الرحمن على الإمام إلحاحاً بالغاً أن يبايعه وينتخبه لمركز الخلافة الإسلامية العظمى، ولكن شرط عليه أن يسير بسيرة الشيخين، ويقتفي بسياستهما فامتنع عليه السلام من إجابته على هذا الشرط وأبى إلا أن يسير على كتاب الله،
ويقتدي بسنة نبيه في سياسته وأعماله الإدارية وغيرها، لقد كان بإمكانه أن يوافق على ذلك الشرط ابتداءً ثم يعدل عنه ويسير في سياسته على وفق الأهداف التي رسمها الإسلام ويعتقل كل من يعارضه ويقف في وجه حكومته، ولكنه أبى إلا الصراحة والصدق في القول والفعل.
إن الإسلام بأمر بالتمسك بالصدق، ولا يسيخ استعمال الطرق الملتوية التي لا تمت بصلة إلى الواقع في تثبيت الحكم، وتدعيم السلطة.
يقول الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم):
عليكم بالصدق، فان الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما زال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فان الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي الى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ».
إن أهل البيت قد ركزوا سياستهم على الصدق والصراحة، وجنبوها من المكر والخداع.
يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): « لولا ان المكر والخداع في النار لكنت أمكر الناس ».
وكان (عليه السلام) كثيراً ما يتنفس الصعداء من الآلام المرهقة التي يلاقيها من خصومه ويقول: « وا ويلاه، يمكرون بي ويعلمون أني بمكرهم عالم، وأعرف منهم بوجوه المكر، ولكني أعلم أن المكر والخديعة في النار، فأصبر
على مكرهم ولا أرتكب مثل ما ارتكبوا ....»(1).
ويقول في الغدر: « لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة ».
إن الغدر إنما ينبعث عن نفس لا تؤمن بالمثل الإنسانية، والقيم الدينية ،ويصف الإمام أمير المؤمنين الغادر بأنه قد نسخ من كيان نفسه الإيمان بالله يقول: « ولا يغدر من علم كيف المرجع ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً، ونسبهم أهل الجهل فيه الى حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم الله !! قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين ...».
وتحدث عمن قال في دور حكومته من عبيد الشهوات والمناصب: بأنه لا دراية له في شؤون السياسة، وإن معاوية خبير بها، وخليق بإدارة دفة الحكم، قال (عليه السلام): «والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يُعرف به يوم القيامة، والله ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة ».(2)
ان سياسة الإمام أمير المؤمنين وأئمة أهل البيت في جميع شؤونها قد عبرت عن جميع القيم السياسية الخيرة التي أعلنها الإسلام ، فهي لا تقر الغدر، ولا الملك، ولا الخداع، ولا تؤمن بأي وسيلة من وسائل النفاق الاجتماعي وإن توقف عليها النجاح السياسي المؤقت، لأن الخلافة الإسلامية من أهم
المراكز الحساسة في الإسلام، فلا بد لها من الاعتماد على الخلق الرصين والإيمان العميق بحق المجتمع والأمة.
وسار الإمام الحسن (عليه السلام) على مخططات أبيه ومقرراته في عالم السياسة والحكم، فلم يعتمد على أي وسيلة لا يقرها الدين، وتجنب جميع الطرق الشاذة التي لا تلتقي مع الواقع، ولو أنه سلط بعض الأساليب التي سلكها معاوية لما تغلب عليه، وقد أدلى عليه السلام بذلك الى سليمان بن صرد فقال له:
« ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا، وللدنيا أعمل وأنصب، ما كان معاوية بأبأس مني، وأشد شكيمة، ولكان رأيي غير ما رأيتم ...».
ودلّ ذلك على أنه لو كان يعمل للدنيا لكان أقوى عليها من خصومة ولكن التغلب على الأحداث والظفر بالحكم يتوقف على اتخاذ الوسائل التي لا تتفق الدين وهو عليه السلام أحرص المسلمين على صيانة الاسلام ورعايته.
ويرى أهل البيت (عليهم السلام) أن الموظفين في جهاز الحكم لابد أن يكونوا من خيرة الرجال في الجدارة والنزاهة والكفاءة والقدرة على إدارة شؤون البلاد، ليضعوا المصلحة العامة نصب أعينهم، ويسيروا بين الناس سيرة قوامها العدل الخالص، والحق المحض، ويكونوا أمناء فيما يجبونه من الناس وفيما ينفقونه على المرافق العامة، وأن يكونوا - قبل كل شيء - بعيدين عن الرشوة، وعمّا في أيدي الناس، فان الرشوة تؤدي إلى انهيار الأخلاق وشيوع
الباطل، والفساد في الأرض، وقد بعث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أمراء الأجناد بهذه الرسالة:
«أما بعد: فإنما هلك من كان قبلكم إنهم منعوا الناس الحق فاشتروه، وأخذوهم بالباطل فاقتدوه ».(1)
إن من أهم الأسباب التي تؤدي إلى دمار الحكومة وزوالها هي أن تحجب المواطنين عن الحق حتى يضطروا إلى استنقاذه بالرشوة، ومن الطبيعي إن ذلك يؤدى إلى فقدان الأمن، واضطراب المجتمع، وانتشار الظلم والجور.
وقد نظر أهل البيت(عليهم السلام) الى ما هو أبعد من ذلك وأعمق بكثير، فقد فرضوا على ولاتهم أن يبتعدوا عن الناس بكل نحو من أنحاء الصلة، ولو كانت موجبة للربط الودي أو العاطفي لما عسى أن يكون لذلك أثر على مجرى العدل، ولذلك نرى أمير المؤمنين(عليه السلام) لما بلغه إن عامله بالبصرة سهل بن حنيف قد دُعي إلى مأدبة فأجاب اليها، كتب اليه يستنكر منه ذلك، ويوبخه على ما صدر منه، وهذا نص ما كتبه إليه:
«أما بعد: يا بن حنيف، فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان، وتنقل اليك الجفان وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه ».(2)
وأراد الأشعث بن قيس أن يتقرب إلى أمير المؤمنين ويتصل به فصنع له
حلوى جيدة فقدمها إليه، ولندعه (عليهم السلام) يحدثنا عن موقفه تجاه هذا الأمر يقول:
« وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ومعجونة شنئتها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدفة؟ فذلك محرم علينا أهل البيت، فقال: لا ذا ولا ذاك، ولكنها هدية، فقلت: هبلتك الهبول(1). أعن دین الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط، أم ذو جنة، أم تهجر؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة.(2)ما فعلت، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل و به نستعين».(3)
وبهده السياسة البناءة تتحقق العدالة الاجتماعية، ويسود الأمن والرخاء ويقضى على جميع أفانين الظلم والغبن.
ولم تقض سياسة أهل البيت بإرغام الناس على الخدمة العسكرية. فلم يؤثر عنهم أنهم أكرهوا الناس على الخروج الى الحرب، وإنما كانوا يدعون الى الجهاد كفرض من فروض الله فمن شاء أن يخرج خرج مؤدياً لما فرض
عليه، ومن قعد فإنما يقعد غير تمتثل لما أوجبه الله عليه من دون أن ينال عقوبة أو يتعرض للسخط والإرهاب، وكانت هذه خطة الحسن (عليه السلام) لما أراد مناجزة معاوية، فانه لم يكره أحداً على ذلك، وإنما ندبهم إلى الجهاد، وقد فعل ذلك أمير المؤمنين من قبل في حرب الجمل وصفين والنهروان، وقد أرادوا بذلك أن يكون الناس مندفعين بدافع الإيمان والعقيدة لما أوجبه الله عليهم من الفرض.
وعلى عكس ذلك سار بنو أمية، فانهم كانوا يفرضون أشد العقاب على من تخلف عن الحرب، كما يحدثنا التأريخ بذلك في سيرة عبيد الله بن زیاد لما أمر بالخروج لحرب سيد الشهداء عليه السلام فقتل الشامي على أنه لم يكن ممن أمر بالخروج إلى الحرب وقتل الحجاج عمرو بن ضابي البرجمي لأنه لم يستجب للالتحاق بجيش المهلب بن أبي صفرة، وفي ذلك يقول الشاعر:
تخير فأما أن تزور ابن ضابي*** عميراً وأما أن تزور المهلبا
وأدت هذه الخطة الارهابية الى ارغام الناس على الاستجابة لهم عن كره، ولو أن الامام الحسن (عليه السلام) أجبر جيشه على الطاعة، وأنزل العقاب الصارم بالمتمردين والمتخاذلين، وعاقب على الظنة والتهمة لما اصيب جيشه بتلك الزعازع والانتكاسات، ولكنه سلام الله عليه قد سلك الطريق الواضح الذي لا تعقيد فيه ولا التواء، وآثر رضاء الله في كل شيء.
أما السياسة المالية التي انتهجها أهل البيت فكانت تلزم بصرف الخزينة المركزية على المصالح العامة كإنشاء المؤسسات، وإيجاد المشاريع الحيوية التي تنتظم بها الحياة، ويقضى بها على شبح الفقر والحرمان، ولا يسوغ عندهم صرف درهم واحد فيما لا تعود فيه منفعة أو فائدة للأمة، وقد احتاطوا في هذه الجهة احتياطاً بالغاً، فقد أطفأ الإمام أمير المؤمنين سراج بيت المال عن طلحة والزبير لما أرادا أن يفاوضاه في مصالحهما الشخصية، فان الضياء الذي في بيت المال ملك للمسلمين، فلا يجوز استعماله إلا في مصالحهم.
وقد أثارت عليه هذه السياسة الصارمة أحقاد العرب، وأضغان قريش، وأقبلت إليه طائفة من أصحابه يطلبون منه أن يغير سياسته قائلين: «ا أمير المؤمنين، إعط هذه الأموال، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، واستمل من تخاف خلافة من الناس ». فلذعه هذا المنطق الرخيص وانبرى قائلاً: «تأمرونني أن أطلب النصر بالجور ...»(1).
إن تفضيل العرب على الموالي، ومنح الأموال للوجوه كل ذلك جور واعتداء على حقوق المسلمين في نظر ابن أبي طالب رائد المساواة والعدالة الكبرى في الأرض.
إن أموال المسلمين يجب أن تنفق على مصالحهم، وضمان عائلهم ومحرومهم، وليس لزعيم الدولة أن يصطفي منها، أو يؤثر بها أقاربه ومن
1) شرح البلاغة لابن أبي الحديد 1 : 182.
يمت اليه، فان ذلك خيانة الله وللمسلمين، وقد طبق الإمام أمير المؤمنين هذه السياسة العادلة على واقع الحياة حينما آل إليه الأمر، فانه لم يقتن الدور والضياع، ولم يرفّه على نفسه فيعير لبالي ثوبه اهتماماً، أو يأكل ما لذّ من الطعام، أو يتمتّع بشيء من متع الحياة، وإنما كان يعيش عيشة الفقراء والبؤساء، فقد روى هارون، عن أبيه عنترة قال: دخلت على علي وهو بالخورنق، وعليه خلق قطيفة، وكان الوقت شديد البرد فقلت له:
يا أمير المؤمنين، إن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيباً، وأنت تفعل هذا بنفسك.
فانبرى (عليه السلام) مجيباً له: « والله ما أرز أكم شيئاً وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة».(1)
انه ليس عنده من اللباس ما يقيه من البرد سوى خلق قطيفة جاء بها من يثرب، وفي استطاعته أن يلبس الحرير الموشى، ولكنه أبى أن يصطفي من أموال المسلمين شيئاً، كما انه لم يؤثر بها أحداً من أهل بيته وأبنائه، فقد روی أبو رافع(2)، وكان خازناً لبيت المال، قال: دخل عليّ أمير المؤمنين وقد أعطيت ابنته لؤلؤة من بيت المال، فلما رآها عرفها، وقد تغير لونه ومشت الرعدة بأوصاله فقال: « من أين لها هذه؟ والله لأقطعن يدها».
فلما رأى أبو رافع جدّه في الأمر، وعزمه على ذلك قال له: أنا والله يا أميرالمؤمنين عارية مضمونة. فهدأ روعه، وسكن غضبه، واندفع أعطيتها وهي
قائلاً: « لقد تزوجت بفاطمة وما لي فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل، ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، وما لي خادم غيرها ».(1)
إن مثله الرفيعة لم تسمح له أن يؤثر ابنته على بنات المسلمين، هذا هو منتهى العدل الذي لم يحققه أحد غيره، ومن مساواته بين المسلمين، واحتياطه البالغ في أموالهم ما رواء عاصم بن كليب، عن أبيه قال:
« قدم على عليّ مال من اصبهان فقسّمه على سبعة أسهم، فوجد فيه رغيفاً فقسّمه على سبعة أقسام، ودعا أمراء الأسباغ فأقرع بينهم لينظر أيهم يعطى أولاً ...»(2).
إن هذا هو العدل الذي لم تحققه الإنسانية في جميع مراحل تأريخها فإنها على ما جربت من تجارب. وبلغت من رقي وإبداع في فنون الحكم فإنها لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تنشئ نظاماً سياسياً تتحقق فيه العدالة الكبرى كهذا النظام الذي وضعه ابن أبي طالب وسار على منهاجه أبناؤه من بعده.
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض المثل العليا التي ينشدونها أهل البيت في ظلال الحكم، ولو أن الإمام الحسن(عليه السلام) انحرف عنها، ونهج في سیاسته منهج من يعمل للدنيا، وسلك مسلك من يبغي الملك والسلطان، فراوغ
وداهن، وأنفق المال في غير محله، لما آل الأمر إلى ابن هند الذي سلك جميع الوسائل في سبيل الوصول إلى الحكم، ولكنه سلام الله عليه آثر صيانة الإسلام، والحفاظ على مقدراته ومعنوياته، فسار بسيرة جده وأبيه التي لا تقر كل طريق يتصادم مع الدين.
وبقي هنا شيء ذكره الناقدون للصلح، وهو عدم استشهاد الإمام فقد كان الأجدر به أن يناجز معاوية حتى ينال الشهادة، كما استشهد أخوه سيد الشهداء الحسين (عليه السلام)، وسيأتي جوابه.
اختلف المؤرخون اختلافاً كثيراً فيمن بادر لطلب الصلح، فقال بعضهم: ان المبادر هو الامام الحسن(عليه السلام) فيما قال آخرون: ان المبادر هو معاوية، وقد ذكر ابن الجوزي: ان معاوية قد راسل الامام سراً يدعوه الى الصلح فلم يجبه، ثم أجابه بعد ذلك. وأكبر الظن ان معاوية هو الذي استعجل الصلح وبادر اليه وذلك خوفاً من العراقيين أن ترجع اليهم أحلامهم.
ومما يدل على ان معاوية هو الذي ابتدأ في طلب الصلح، خطاب الامام الحسن(عليه السلام) الذي ألقاه في المدائن فقد جاء فيه: «ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفة ».
ومن المعلوم ان الدين الاسلامي ليس دين حرب ودماء، فقد أكد على
الصلح والسلم ودعا اليه، قال تعالى: «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا(1)، فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ (2)، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ.(3)
وقد كان أصحاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قد خرجوا وهم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون.
وروى ابن الأثير عن ابن دريد قال: قام الحسن بعد موت أبيه أمير المؤمنين فقال بعد حمد الله عزّوجل : «انا والله ما ثنانا عن أهل الشام شكّ ولا ندم، وانما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فسلبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وانا لكم كما كنا ولستم لنا كما كنتم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، فأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر. ألا وان معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فان أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عزّوجل بظباء السيوف، وان أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضاء».
فناداه القوم من كل جانب البقية ! البقية ! فلما أفردوه أمضى الصلح.(1).
وعن زيد بن وهب الجهني قال: لما طعن الحسن بن علي (عليهما السلام) بالمدائن أتيته وهو متوجع فقلت: ما ترى يا ابن رسول الله فان الناس متحيّرون؟
فقال: أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي و آمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي، وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما.
فوالله لأن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسيره أو يمنّ عليّ فتكون سبّة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبه على الحي منا والميت.
قال: قلت: تترك يا ابن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لهم راع؟
قال: وما أصنع يا أخا جهينة إني والله أعلم بأمر قد أدي به إلي عن ثقاته: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لي ذات يوم وقد رآني فرحاً: يا حسن أتفرح؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلاً؟ أم كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو
1) أسد الغابة :2 : 13 الاحتجاج 148 وروى مثله في تذكرة خواص الأمة: 114، قال: وفى رواية أنه قال (عليه السلام) نحن حزب الله المفلحون، وعترة رسوله المطهرون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فيكم، فطاعتنا مقرونة بطاعة الله فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول وان معاوية دعانا ... الحديث.
أمية وأميرها الرحب البلعوم الواسع الأعفاج، يأكل ولا يشبع، يموت وليس له في السماء ناصر، ولا في الأرض عاذر ، ثم يستولي على غربها وشرقها، تدين له العباد ويطول ملكه، يستن بسنن البدع والضلال، ويميت الحق وسنة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحق به، ويذل في ملكه المؤمن ويقوى في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولا ويتخذ عباد الله خولا ويدرس في سلطانه الحق، ويظهر الباطل، ويلعن الصالحون، ويقتل من ناواه على الحق، ويدين من والاه على الباطل.
فكذلك حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان وكلب من الدهر، وجهل من الناس يؤيده الله بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على الأرض، حتى يدينوا طوعاً وكرهاً: يملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً وبرهاناً يدين له عرض البلاد وطولها، حتى لايبقى كافر إلا آمن، ولاطالح إلا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز يملك ما بين الخافقين أربعين عاما فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه.(1)
دس معاوية إلى عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وإلى حجر بن الحارث وشبث بن ربعي دسيساً أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه، أنك إن قتلت الحسن بن علي فلك مائتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من
1) الاحتجاج: 148 و 149.
بناتي، فبلغ الحسن (عليه السلام) فاستلام ولبس درعاً وكفرها، وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك. فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه، فقال الحسن (عليه السلام):
« ويلكم، والله إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإني أظن أني إن وضعت يدي في يده فأسالمه يتركني أدين لدين جدي صلى الله عليه وآله وإني أقدر أن أعبد الله عزّوجل وحدي، ولكني كأني أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم، يستسقونهم ويستطعمونهم، بما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».
وقال السيد ابن طاووس لابنه: وليس بغريب من قوم أعابوا جدك الحسن (عليه السلام) على صلح معاوية وهو كان بأمر جده رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وقد صالح جده الكفار، وكان عذره في ذلك أوضح الاعذار، فلما قام أخوه الحسين (عليه السلام) بنصرهم وإجابة سؤالهم وترك المصالحة ليزيد المارق كانوا بين قاتل وخاذل حتى ما عرفنا أنهم غضبوا في أيام يزيد لذلك القتل الشنيع ولا خرجوا عليه ولا عزلوه عن ولايته، وغضبوا لعبد الله بن الزبير وساعدوه على ضلالته وافتضحوا بهذه المناقصة الهائلة وظهر سوء اختياراتهم النازلة، فهل يستبعد من هؤلاء ضلال عن الصراط المستقيم وقد بلغوا إلى هذا الحال السقيم العظيم الذميم (1).
وقد روي (عليه السلام) انه أنشأ حين اجبر على الصلح:
1) كشف المحجة لثمرة المهجة 46 .
أحامل أقواماً حياء ولا أرى*** قلوبهم تغلي عليّ مراضها (1)
أجامل أقواما حياء، ولا أرى*** قدورهم تغلى على مراضها
يقال: غلت القدر تغلى غلياناً: جاشت وثارت بقوة الحرارة، ومراض القدر أسفلها إذا غطى من الماء، يقول: انهم يثورون ثورة ظاهرية كالقدر التي ثارت أعلاه ولم تغل أسفلها، فهم منافقون يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم .
.وله (عليه السلام):
لئن ساءني دهر عزمت تصبرا*** وكل بلاء لا يدوم يسیر
وإن سرني لم أبتهج بسروره*** وكل سرور لا يدوم حقير(2)
عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: والله للذي صنعه الحسن بن علي(عليهما السلام)، كانا خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس والله لقد نزلت هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ(3)، إنما هي طاعة الامام وطلبوا القتال، فلما كتب عليهم القتال مع الحسين عليه السلام قالوا: رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ(4)أرادوا تأخير ذلك إلى القائم (عليه السلام).
وقال ابن ابي الحديد في ذيل وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) الى الامام الحسن قوله (عليه السلام)
« وخض الغمرات إلى الحق» ، لا شبهة أن الحسن (عليه السلام) لو تمكن لخاضها إلا أن من فقد الأنصار لا حيلة له.(1)
من العوامل المهمة التي دعت الامام الحسن (عليه السلام) قبول الصلح مع معاوية هو الوضع المتقلب لجيش العراق الذي لم يقف على رأي، وهذه الحقيقة ذكرت في نهج البلاغة في احدى خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قال مخاطباً أهل العراق وهو يستنفرهم إلى أهل الشام :
أف لكم لقد سئمت عتابكم. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً. وبالذل من العز خلفاً. إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم كأنكم من من الموت في غمرة. ومن الذهول في سكرة، يرتج عليكم حواري فتعمهون، فكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون.
ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي وما أنتم بركن يمال بكم ولا زوافر عز يفتقر إليكم، ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها، فكلما جمعت من جانب انتشرت آخر. لبئس لعمر الله سعر نار الحرب أنتم تكادون ولا تكيدون، وتنقص أطرافكم فلا تمتعضون، لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، غلب والله المتخاذلون وأيم الله إني لأظن بكم أن لو حمس الوغى واستحر الموت قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه يعرق لحمه و يهشم عظمه. ويفري جلده لعظيم عجزه ضعيف ما ضمت عليه
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 65.
جوانح صدره أنت فكن ذاك إن شئت، فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام. وتطيح السواعد والأقدام، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء.(1)
ومن كتاب له (عليه السلام) إلى عبد الله بن العباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر : "أما بعد، فإن مصر قد افتتحت ومحمد بن أبي بكر رحمه الله قد استشهد. فعند الله نحتسبه ولداً ناصحاً، وعاملاً كادحاً وسيفاً قاطعاً وركناً دافعاً. وقد كنت حثثت الناس على لحاقه وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سراً وجهراً وعوداً وبدءاً، فمنهم الآتي كارهاً، ومنهم المعتل كاذباً، ومنهم القاعد خاذلاً، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجاً عاجلاً، فوالله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة وتوطيني نفسي على المنية لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً ولا التقي بهم أبدا ".(2)
وقال (عليه السلام) أيضاً : المغرور والله من غررتموه. ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب. ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل أصبحت والله لا أصدق قولكم. ولا أطمع في نصركم. ولا أوعد العدو بكم. ما بالكم؟ ما دواؤكم ؟ ما طبكم؟ القوم رجال أمثالكم. أقولا بغير عمل وغفلة من غير ورع. وطمعا في غير حق.(3)
في نهاية هذا الفصل لا بد من الاشارة الى وصية كل امام من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) الى الامام الذي بعده تطبيقا للأمر الالهي، ومن هذه الوصايا الروايات الآتية التي تبين ان الامام الحسن (عليه السلام) كان مأموراً بالصلح مع الأعداء، ومن هذه الروايات:
1 - عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: " الوصية نزلت من السماء على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كتاباً مختوماً، ولم ينزل على رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)كتاب مختوم إلا الوصية، فقال جبرئيل(عليه السلام) يا محمد هذه وصيتك في أمتك إلى أهل بيتك. فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): أي أهل بيتي، يا جبرئيل؟
فقال: نجيب الله منهم وذريته ليورثك في علم النبوة قبل إبراهيم، وكان عليها خواتيم، ففتح علي(عليه السلام) الخاتم الأول ومضى لما أمر فيه.
ثم فتح الحسن (عليه السلام) الخاتم الثاني ومضى لما أمر به.
ثم فتح الحسين (عليه السلام) الخاتم الثالث فوجد فيه: أن قاتل واقتل وتقتل واخرج بقوم للشهادة، لا شهادة لهم إلا معك، ففعل، ثم دفعها إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) ومضى.
ففتح علي بن الحسين الخاتم الرابع فوجد فيه: أن أطرق واصمت لما حجب العلم، ثم دفعها إلى محمد بن علي(عليهما السلام) ففتح الخاتم الخامس فوجد فيه: أن فسر كتاب الله تعالى وصدق أباك وورث ابنك العلم واصطنع
الأمة، وقل الحق في الخوف والأمن ولا تخش إلا الله، ففعل، ثم دفعها إلى الذي يليه.
فقال معاذ بن كثير: فقلت له: وأنت هو ؟
فقال: ما بك في هذا إلا أن تذهب - يا معاذ - فترويه عني، نعم، أنا هو، حتى عدد عليّ اثنا عشر اسماً، ثم سكت. فقلت: ثم من؟
فقال: حسبك .(1)
2 - عن ابن عباس قال: نزل جبرئيل(عليه السلام) بصحيفة من عند الله على رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فيها إثنا عشر خاتما من ذهب. فقال له: إن الله تعالى يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تدفع هذه الصحيفة إلى النجيب من أهلك بعدك، يفك منها أول خاتم ويعمل بما فيها، فإذا مضى دفعها إلى وصيه بعده، وكذلك الأول يدفعها إلى الآخر واحدا بعد واحد.
ففعل النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما أمر به، ففك علي بن أبي طالب (عليه السلام) أولها وعمل بما فيها، ثم دفعها إلى الحسن(عليه السلام) ففك خاتمه وعمل بما فيها، ودفعها بعده إلى الحسين(عليه السلام)، ثم دفعها الحسين إلى علي بن الحسين(عليه السلام) ثم واحداً بعد واحد، حتى ينتهي إلى آخرهم (عليهم السلام)(2).
ولما رأى الامام الحسن(عليه الاسلام) انه لا حيلة له الا مصالحة معاوية، ووجد ان المصلحة في الصلح، فصالحه على مضض، وخطب الناس قبل دخول معاوية الكوفة فقال : أيها الناس، انما نحن أمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وكرر ذلك حتى ما بقى الا من بكى حتى سمع نشيجه !!(1)
لما استتمت الهدنة سار معاوية حتى نزل بالنخيلة وكان ذلك في شهر ربيع الأول سنة 41 للهجرة، وكان يوم جمعة، فصلّى بالناس ضحى النهار وخطبهم فقال في خطبته:
إني والله ما أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا !! انكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم! وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا وأني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفى له بشيء منها.(2)
قال الشعبي: شهدت الحسن بن علي (عليهما السلام) حين صالح معاوية بالنخيلة، فقال له معاوية: قم فأخبر الناس أنك تركت هذا الأمر، وسلمته إلي.
فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
أما بعد، فان أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلف فيه أنا ومعاوية إما أن يكون حق امرء فهو أحق به مني، وإما أن يكون حقاً هو لي فقد تركته إرادة لصلاح الأمة، وحقن دمائها و وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (1).
وهنا طلب معاوية من الامام الحسن (عليه السلام) ان ينزل عن المنبر، والتفت الى عمرو بن العاص غاضباً.(2)
روي أنه لما قدم معاوية الكوفة قيل له إن الحسن بن علي(عليهما السلام) مرتفع في أنفس الناس، فلو أمرته أن يقوم دون مقامك على المنبر فتدركه الحداثة والعي فيسقط من أنفس الناس، فأبى عليهم وأبوا عليه إلا أن يأمره بذلك، فأمره، فقام دون مقامه في المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد، فإنكم لو طلبتم ما بين كذا وكذا لتجدوا رجلا جده نبي لم تجدوه غيري وغير أخي، وإنا أعطينا صفقتنا هذا الطاغية - وأشار بيده إلى أعلى المنبر إلى معاوية - وهو في مقام رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من
المنبر، ورأينا حقن دماء المسلمين أفضل من إهراقها، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين - وأشار بيده إلى معاوية -.
فقال له معاوية: ما أردت بقولك هذا؟
فقال: أردت به ما أراد الله عزّ وجل.
فقام معاوية فخطب خطبة عييّة فاحشة، فثلب فيها أمير المؤمنين (عليه السلام).
فقام الحسن بن علي(عليهما السلام) فقال وهو على المنبر: يا ابن آكلة الأكباد، أو أنت تسب أمير المؤمنين وقد قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم):
من سبّ علياً فقد سبني، ومن سبني فقد سبّ الله، ومن سبّ الله أدخله الله نار جهنم خالداً فيها مخلداً، وله عذاب مقيم. ثم انحدر الحسن(عليه السلام )عن المنبر فدخل داره ولم يصل هناك بعد ذلك.(1)
نقل الاربلي: ثم سار معاوية حتى دخل الكوفة فأقام بها أياما، فلما استتمت البيعة له من أهلها صعد المنبر ، فخطب الناس وذكر أمير المؤمنين
1) بحار الأنوار 44 : 91 قال المجلسي: بيان قوله « عيبة» بتشديد الياء الثانية على فعيل من العي خلاف البيان يقال: عي في منطقه فهو عيي ويحتمل أن يكون عتية بالتاء المثناة الفوقانية من العتو والفساد، أو بالغين المعجمة والباء الموحدة من الغباوة، خلاف الفطنة، وعلى التقادير توصيف الخطبة بها مجاز، ويقال: ثلبه ثلباً إذا صرح بالعيب وتنقصه .
(عليه السلام) ونال منه ونال من الحسن (عليه السلام) ما نال، وكان الحسن والحسين (عليهما السلام) ،حاضرين فقام الحسين(عليه السلام) ليرد عليه، فأخذ بيده الحسن (عليه السلام) فأجلسه، ثم قام فقال:
أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة، فلعن الله أخملنا ذكراً وألأمنا حسباً، وشرنا قدماً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً.
فقالت طوائف من أهل : المسجد آمين آمين.(1)
ورواه أبو الفرج في مقاتل الطالبيين عن أبي عبيد عن يحيى بن معين، وبعد ما أتى على آخر الخبر من قوله : فقال طوائف من أهل المسجد: آمين.
قال: فقال يحيى بن معين: ونحن نقول: آمين.
قال أبو عبيد: ونحن أيضاً نقول: آمين.
قال أبو الفرج: وأنا أقول: آمين.(2)
قلت: وأنا أيضاً أقول: آمين.
وفي رواية أخرى: قال معاوية للحسن(عليه السلام) بعد الصلح: أذكر فضلنا.
فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على محمد النبي وآله ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن رسول الله، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن المصطفى بالرسالة، أنا ابن من صلت عليه الملائكة، أنا ابن من شرفت به الأمة، أنا ابن من كان جبرئيل السفير من الله إليه، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين صلى الله عليه وآله أجمعين.
فلم يقدر معاوية يكتم عداوته وحسده فقال: يا حسن عليك بالرطب فانعته لنا.
قال: نعم يا معاوية، الريح تلقحه، والشمس تنفخه، والقمر يلونه، والحر ينضجه، والليل يبرده ثم أقبل على منطقه فقال: أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن من كان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن من خضعت له قريش رغماً، أنا ابن من سعد تابعه، وشقي خاذله، أنا ابن من جعلت الأرض له طهوراً ومسجداً، أنا ابن من كانت أخبار السماء إليه تترى، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
فقال معاوية: أظن نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة.
فقال: ويلك يا معاوية إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله، وعمل بطاعة الله، ولعمري إنا لأعلام الهدى ومنار التقى، ولكنك يا معاوية ممن أباد السنن، وأحيا البدع، واتخذ عباد الله خولا، ودين الله لعبا، فكأن قد أخمل ما أنت فيه، فعشت يسيراً، وبقيت عليك تبعاته، يا معاوية، والله لقد خلق الله مدينتين إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب أسماؤهما جابلقا وجابلسا،
ما بعث الله إليهما أحدا غير جدي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه سعد بن أبي وقاص فقال: السلام عليك أيها الملك ! فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت يا أمير المؤمنين.
فقال: أتقولها جذلان ضاحكاً، والله ما أحب أني وليتها بما وليتها به!(1)
1 - عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: والله للذي صنعه الحسن بن علي(عليهما السلام) كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس، والله لقد نزلت هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (2)، إنما هي طاعة الامام ، وطلبوا القتال، فلما كتب عليهم القتال مع الحسين(عليه السلام) قالوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ(3)، أرادوا تأخير ذلك إلى القائم(عليه السلام).(4).
2 - عن سدير قال: قال أبو جعفر(عليه السلام) ومعنا ابني، يا سدير، أذكر
1) بحار الأنوار 44 : 41 .
2) النساء : 77. أي الغرض والمقصود في الآية طاعة الامام الذي ينهى عن القتال لعدم كونه مأموراً به ويأمر بالصلاة والزكاة وسائر أبواب البر والحال ان أصحاب الحسن كانوا بهذه الآية مأمورين بإطاعة امامهم في ترك القتال فلم يرضوا به وطلبوا القتال .
3) مأخوذ من الآية 77 في سورة النساء والآية 44 في سورة إبراهيم .
4) الكافي 8 : 330 .
لنا أمرك الذي أنت عليه فإن كان فيه اغراق كففناك عنه وإن كان مقصراً أرشدناك.
قال: فذهبت ان أتكلم، فقال أبو جعفر (عليه السلام)، أمسك حتى أكفيك ان العلم الذي وضع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عند علي(عليه السلام) من عرفه كان مؤمناً ومن جحده كان كافراً، ثم كان من بعده الحسن(عليه السلام) .
قلت: كيف يكون بذلك المنزلة وقد كان منه ما كان دفعها إلى معاوية؟
فقال: اسكت فإنه أعلم بما صنع، لولا ما صنع لكان أمر عظيم .(1)
3 - عن أبي سعيد عقيصا قال: قلت للحسن بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام) يا بن رسول الله، لم داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وان معاوية ضال باغ؟
فقال: يا أبا سعيد، ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماماً عليهم بعد أبي(عليه السلام)؟
قلت: بلی .
قال: ألست الذي قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟
قلت: بلی .
قال: فانا إذن إمام لو قمت وأنا إمام إذ لو قعدت، يا أبا سعيد علّة
1) علل الشرائع 1: 210 .
مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنت إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب ان يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا ألا ترى الخضر(عليه السلام) لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسی(عليه السلام) فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضى هكذا أنا، سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل.(1).
4- عن سليم بن قيس قال: قام الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام)على المنبر حين اجتمع مع معاوية، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس، إن معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلاً، ولم أر نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله، وعلى لسان نبي الله، فاقسم بالله لو أن الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما طمعت فيها يا معاوية، وقد قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما ولت أمة أمرها رجلاً قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب ،سفالاً، حتى يرجعوا إلى ملة عبدة العجل. وقد ترك بنو إسرائيل هارون، واعتكفوا على العجل، وهم يعلمون أن هارون خليفة موسى، وقد تركت الأمة علياً (عليه السلام) وقد سمعوا رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول
1) علل الشرائع 1 : 211.
لعلي (عليه السلام): "أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة فلا نبي بعدي" وقد هرب رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) من قومه، وهو يدعوهم إلى الله، حتى فر إلى الغار، ولو وجد عليهم أعواناً ما هرب منهم، ولو وجدت أنا أعواناً ما بايعتك يا معاوية. وقد جعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، ولم يجد عليهم أعواناً، وقد جعل الله النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)في سعة حين فر من قومه، لما لم يجد أعواناً عليهم، وكذلك أنا وأبي في سعة من الله، حين تركتنا الأمة وبايعت غيرنا ولم نجد أعواناً. وإنما هي . والأمثال يتبع بعضها بعضا.
أيها الناس إنكم لو التمستم فيما بين المشرق والمغرب لم تجدوا رجلاً من ولد نبي غيري وغير أخي.(1)
1) بحار الأنوار 44 : 22 .
و من أصحابه (عليه السلام): عبدالله بن جعفر الطيار(1)، ومسلم بن عقيل، وعبيد الله بن العباس، وحبابة بنت جعفر الوالبية(2)، وحذيفة بن أسيد،
1) عده الشيخ في رجاله من أصحاب رسول الله وعلي والحسن صلوات الله عليهم قائلا : عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وقال في معجم رجال الحديث: جلالة عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب بمرتبة لا حاجة معها إلى الاطراء الغيبة للشيخ الطوسي: 137.
2) حبابة بنت جعفر الأسدية الوالبية، روت عن الحسين بن علي (عليه السلام)، وقيل: انها عاشت إلى أيام الرضا (عليه السلام)، عدها الشيخ في رجاله : 67 رقم 6 من أصحاب الحسن (عليه السلام) وفي: 142 رقم 2 من أصحاب الباقر( عليه السلام)، وذكرها البرقي في رجاله: 62 فيمن روى من النساء عن الحسن بن علي وأبي جعفر الباقر (عليهما السلام) وذكرها ابن داود في القسم الأول من رجاله 69 رقم 374 وعدها من أصحاب الحسن والحسين والسجاد والباقر(عليهم السلام). وقال الشيخ المامقاني في التنقيح 3 / 75 بعد أن ذكرها بعنوان " حبابة بنت جعفر الأسدية الوالبية أم الندى " معقبا على كلام بن داود وليته ألحق بهم الصادق والكاظم والرضا (عليه السلام)، وبدأ بأمير المؤمنين(عليه السلام)، حيث إنها أدركته، وهو أول من طبع لها الحصى وعاشت إلى زمان الرضا (عليه السلام)، واستدل على ذلك بالحديث المذكور في الكافي: 1 / 346 رقم 3. وروي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): إن حبابة الوالبية - امرأة من الشيعة الحقيقيين - كانت إذا وفد الناس إلى معاوية وفدت هي إلى الحسين(عليه السلام) وكانت امرأة شديدة الاجتهاد، وقد يبس جلدها على بطنها من العبادة وإنها خرجت مرة ومعها ابن عم لها غلام، فدخلت به على الحسين(عليه السلام) فقالت له: جعلت فداك فانظر هل تجد ابن عمي هذا فيما عندكم - أي من قائمة الشيعة الحقيقيين - وهل تجده ناج؟ فقال(عليه السلام) نعم نجده عندنا ونجده ناج. وعاشت حبابة الى أيام الرضا (عليه السلام)، وعن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي رحمه الله : أن الرضا (عليه السلام) كفنها في قميصه رحمها الله من موالية طويلة العمر، عاشت سعيدة وماتت حميدة .
والجارود بن أبي بشر، والجارود بن المنذر، وقيس بن أشعث بن سوار، وسفيان بن أبي ليلى الهمداني، وعمرو بن قيس المشرقي(1)، وأبو صالح كيسان بن كليب(2)، وأبو مخنف لوط بن يحيى الأزديف(3)، ومسلم بن بطين(4)، وأبو رزين مسعود بن أبي وائل(5)، وهلال بن يساف(6)، وأبو إسحاق
1) عمرو بن قيس المشرقي عده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسن والحسين(عليهما السلام.) وقال الكشي، عن أبي الجارود، عن عمرو بن قيس المشرقي، قال: دخلت على الحسين بن علي(عليهما السلام) - أنا وابن عم لي - وهو في قصر بني مقاتل، فسلمت عليه، فقال له ابن عمي: يا أبا عبد الله، هذا الذي أرى خضاب أو شعرك؟ فقال: خضاب ، والشيب إلينا بني هاشم أسرع، عجل ثم أقبل علينا، فقال: جئتما لنصرتي ؟ فقلت له: أنا رجل كبير السن كثير العيال، وفي يدي بضائع للناس ولا أدري ما يكون، وأكره أن تضيع أمانتي، فقال له ابن عمي مثل ذلك، فقال لي: فانطلقا فلا تسمعا مالي واعية، ولا تريا لي سوادا فإنه من سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجب واعيتنا، كان حقا على الله أن يكبه على منخريه في نار جهنم ".
2) كيسان بن كليب يكنى أبا صالح (صادق)، ذكره الشيخ في أصحاب الحسن والحسين والسجاد والباقر(عليهم السلام)، وقال في الكنى من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)، أبو صادق، وهو ابن عاصم بن كليب الجرمي، عربي، كوفي .
3) لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي الغامدي: أبو مخنف، شيخ أصحاب الاخبار بالكوفة ووجههم، وكان يسكن إلى ما يرويه، روى عن جعفر بن محمد(عليه السلام)، وصنف كتباً كثيرة، منها: كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الردة، كتاب مقتل أمير المؤمنين عليه السلام کتاب قتل الحسين، کتاب قتل الحسن وغيرها .
4) مسلم بن البطين من أصحاب الحسن(عليه السلام) وعده البرقي من أصحاب أمير المؤمنين والحسن بن علي(عليهما السلام).
5) مسعود مولى أبي وائل يكن أبا رزين من أصحاب الحسن(عليه السلام)
6) هو هلال بن يساف الأشجعي مولاهم أبو الحسن الكوفي، وهو ممن أدرك علي بن أبي طالب(عليه السلام) - على ما قاله المزي في التهذيب الكمال، وهلال روى له أبو داود والنسائي وابن ماجة، والبخاري في الأدب. وقد روي عنه قال: سمعت الحسن بن علي وهو يخطب وهو يقول: يا أهل الكوفة، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وإنا أضيافكم ونحن أهل البيت الذين قال الله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33]. قال: فما رأيت يوما قط أكثر باكيا من يومئذ. انظر تهذيب الكمال 30 : 353 تهذيب التهذيب 11 : 86 ، التاريخ الكبير للبخاري :8 الترجمة 2712 وغيرها من المصادر .
بن كليب السبيعي. وأصحابه من خواص أبيه مثل حجر، ورشيد(1)
وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يسميه رشيد البلايا، وقد كان ألقى إليه علم البلايا والمنايا، وكان في حياته إذا لقي الرجل ، قال له: فلان أنت تموت بميتة كذا وتقتل أنت يا فلان بقتلة كذا، فيكون كما يقول رشيد، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: أنت رشيد البلايا أي تقتل بهذه القتلة وكان كما قال أمير المؤمنين(عليه السلام). وروى الكشي في ترجمته عن قنواء بنت رشيد الهجري، قال: قلت لها: أخبريني ما سمعت من أبيك. قالت: سمعت أبي يقول: أخبرني أمير المؤمنين صلوات الله عليه .، فقال: يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك؟ قلت: يا أمير المؤمنين آخر ذلك إلى الجنة؟ فقال: يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة. قالت: فوالله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه عبيد الله بن زياد الدعي فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين(عليه السلام)، فأبى أن يبرأ منه، فقال له الدعي: فبأي ميتة قال لك تموت؟ فقال له: أخبرني خليلي أنك تدعوني إلى البراءة منه ، فلا أبرأ فتقدمني فتقطع يدي ورجلي ولساني. فقال: والله لأكذبن قوله فيك، فقدموه فقطعوا يديه ورجليه وتركوا لسانه فحملت أطراف يديه ورجليه فقلت يا أبت هل تجد ألما مما أصابك؟ فقال: لا يا بنية إلا كالزحام بين الناس، فلما احتملناه وأخرجناه من القصر اجتمع الناس حوله، فقال: ايتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم ما يكون إلى يوم الساعة. فأرسل إليه الحجام حتى قطع لسانه، فمات رحمة الله عليه في ليلته.
ورفاعة (2)،1) عده الشيخ الطوسي من أصحاب علي والحسن والحسين والسجاد( عليهم السلام). وعده في الاختصاص: من أخصاء أصحاب أمير المؤمنين، ومن السابقين المقربين من أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو ممن قتل في حب علي (عليه السلام) قتله ابن زیاد ولا ريب في جلالة الرجل وقربه من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو من المتسالم عليه بين الموافق والمخالف ويكفي ذلك في إثبات عظمته.
2) وهو من أصحاب علي والحسن والحسين(عليهما السلام) هو بجلي ومن الرهط الذين تولوا تجهيز أبي ذر بعد وفاته بالربذة، وقد تولى ايضا القضاء في الاهواز، وقد كتب اليه امير المؤمنين رسالة مشهورة في احكام القضاء، ذكره الكشي في ترجمة مالك الأشتر .
وكميل(1)، والمسيب(2)وقيس، وابن وائلة (3)، وابن الحمق(4)، وابن أرقم(5)
وروى الشيخ المفيد، قال: نشد علي(عليه السلام) الناس في المسجد فقال: أنشد الله رجلاً النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقول: « من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عادة» فقام اثنا عشر بدريا ستة من الجانب الأيمن، وستة من الجانب الأيسر فشهدوا بذلك، فقال زيد بن أرقم، وكنت أنا في من سمع ذلك فكتمته فذهب الله ببصري، وكان يندم على ما فاته من
الشهادة ويستغفر الله.
،1) كميل بن زياد بن نهيك النخعي ولد 12هـ من أصحاب أمير المؤمنين والحسن والحسين(عليهم السلام)، وكان شريفا " مطاعا " في قومه ، شهد صفين مع علي (عليه السلام)، سكن الكوفة قتله الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي صبرا ".
2) المسيب بن نجية الضراري (الضرائري)، وكذا في المواضع الآتية. وهو المسيب بن نجبة بن ربيعة بن رياح الفزاري تابعي كان رأس ،قومه، شهد القادسية وفتوح العراق، كان مع علي(عليه السلام) في مشاهدة، سكن الكوفة، وكان بطلاً متعبداً ناسكاً، استشهد مع سليمان بن صرد بالعراق سنة ( 65 ) هـ انظر الكامل في التاريخ 4 / 68 - 71 ، الإصابة ترجمة رقم 8424 ، الاعلام 226-225/7 .
3) عامر بن واثلة، أبو الطفيل: عده ابن شهر آشوب في المناقب من أصحاب الحسن الذين هم من خواص أبيه (عليهما السلام). وهو من جملة من أراد الحجاج قتلهم بولائهم لأمير المؤمنين(عليه السلام) ، لكنه نجا ، لأنه كانت له يد عند عبد الملك .
4) عمرو بن الحمق الخزاعي عده الشيخ من أصحاب علي والحسن(عليهما السلام)، وعده البرقي من شرطة الخميس من أصحاب علي(عليه السلام) قائلا عمرو بن الحمق: عربي، خزاعي ". وذكر أن أمير المؤمنين(عليه السلام)جعله في حرب الجمل، وفي حرب صفين على الكمين. وقال يوماً لأمير المؤمنين(عليه السلام) والله ما جئتك لمال من الدنيا ( تعطينيها )، ولا لالتماس سلطان ترفع به ذكري إلا لأنك ابن عم رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأولى الناس بالناس، وزوج فاطمة سيدة نساء العالمين، وأبو الذرية التي بقيت لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وأعظم سهما للإسلام من المهاجرين والأنصار.. ) إلى أن قال ( فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): اللهم نور قلبه باليقين، واهده إلى الصراط المستقيم، ليت في شيعتي مائة مثلك.
5) زيد بن أرقم ، من أصحاب رسول الله وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين، وعده البرقي، في اصحاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قائلا: " زيد بن أرقم الانصاري عربي مدني، وهو الذي أظهر نفاق المنافقين من بني خزرج" ، وفي أصحاب الحسن والحسين(عليهما السلام).
1) سويد بن غفلة، عده الشيخ ( تارة ) من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)( وأخرى ) من أصحاب الحسن(عليه السلام) وعده البرقي من أولياء أمير المؤمنين (عليه السلام)، قائلا: ( سويد بن غفلة الجعفي ، ومثله المفيد في الإختصاص في أول الكتاب .
2) جابر بن عبد الله الأنصاري. صحابي جليل ومن الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) وهو مشهور، روى عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وعلي والحسن والحسين والسجاد والباقر والصادق صلوات الله عليهم اجمعين. توفي سنة 78 هجرية. عن أبي عبد الله( عليه السلام) قال: إن جابر بن عبد الله الأنصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله، وكان رجلاً منقطعاً إلينا أهل البيت وكان يقعد في مسجد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وهو معتجر بعمامة سوداء وكان ينادي: يا باقر العلم يا باقر العلم، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر ، فكان يقول: لا والله ما أهجر ولكني سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقول: إنك ستدرك رجلاً مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقرا، فذاك الذي دعاني إلى ما أقول، قال: فبينا جابر يتردد ذات يوم في بعض طرق المدينة، إذ مر بطريق في ذاك الطريق كتاب فيه محمد بن علي، فلما نظر إليه قال: يا غلام أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: شمائل رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)والذي نفسي بیده یا غلام ما اسمك؟ قال: اسمي محمد بن علي بن الحسين فأقبل عليه يقبل رأسه ويقول: بأبي أنت وأمي أبوك رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقرئك السلام. الكافي 1 : 469 .
3) أبو الأسود ظالم بن عمرو الدولي البصري، ولد في أيام النبوة، وكان فقيهاً شاعراً قاضياً بالبصرة، وهو أول من وضع النحو بأمر علي(عليه السلام) وكان من أصحاب علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين(عليهم السلام) روى عن علي(عليه السلام) ومعاذ، وأبي ذر، وابن مسعود وغيرهم، وعنه ابنه وعبد الله بن بريدة مات سنة 69 هـ أنظر: رجال الطوسي: 46 ، 6 ، 75 ، 95 ، تهذيب التهذيب 12 12 ، العبر 1 : 77 ، سير أعلام النبلاء 4 : 81 .
4) هو حبة بن جوين (جوير) العرني، وكنية حبة ( أبو قدامة ) ، وقيل : ابن جرير العرني، من أصحاب علي (عليه السلام) من اليمن ونسب ابن داود إلى الكشي أنه ممدوح من القسم الأول. معجم رجال الحديث للسيد الخوئي: ج 4 ص 214 تحت رقم 2546 .
(3) روي عن الامام موسى بن جعفر(عليه السلام) انه قال: ينادي المنادي يوم القيامة: أين حواريو الحسن بن علي، وابن فاطمة بنت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ومنهم سفيان بن ابي ليلى الهمداني(4)،
1) عباية بن ربعي الأسدي من أصحاب أمير المؤمنين والحسن(عليهما السلام)، وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الحسن (عليه السلام) قائلا: عباية بن عمرو بن ربعي.
2) عن الحارث الأعور قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة فقال: يا أعور ما جاء بك؟ قال: فقلت يا أمير المؤمنين جاء بي والله حبك، قال: أما والله حبك، قال: أما إني سأحدثك لشكرها، أما إنه لا يموت عبد يحبني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يحب، ولا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يكره، قال: ثم قال لي الشعبي بعد أما إن حبه لا ينفعك، وبغضه لا يضرك. بحار الأنوار 6 : 191.
3) عن الرضا (عليه السلام) وقد سئل لم سمي الحواريون الحواريين؟ قال: « أما عند الناس فإنهم سموا الحواريين لأنهم كان يقصرون الثياب من الوسخ بالغسل، وأما عندنا فإنهم كانوا مخلصين في أنفسهم ومخلصين لغيرهم من أوساخ الذنوب». مجمع البحرين 1: 594
4) سفيان بن أبي ليلى الهمداني: من أصحاب الحسن (عليه السلام) ومن حواريه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل من أصحاب الحسن (عليه السلام) يقال له سفيان بن أبي ليلى، وهو على راحلة له، فدخل على الحسن (عليه السلام) وهو مختب في فناء داره فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين ! فقال له الحسن (عليه السلام) انزل ولا تعجل فنزل فعقل راحلته في الدار وأقبل يمشي حتى انتهى إليه، قال: فقال له الحسن (عليه السلام) ما قلت؟ قال: قلت السلام عليك يا مذل المؤمنين! قال: وما علمك بذلك؟ قال: عمدت إلى أمر الأمة فخلعته من عنقك وقلدته هذا الطاغية يحكم بغير ما أنزل الله قال: فقال له الحسن (عليه السلام) سأخبرك، لم فعلت ذلك، قال: سمعت أبي يقول قال: رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): لن تذهب الأيام والليالي حتى يلي أمر هذه الأمة رجل واسع البلعوم رحب الصدر يأكل ولا يشبع وهو معاوية فلذلك فعلت. ما جاء بك؟ قال: قال: حبك. قال: الله ( قال الله ) قال: فقال الحسن (عليه السلام) والله لا يحبنا عبد أبدا ولو كان أسيرا في الديلم إلا نفعه الله بحبنا، وإن حبنا ليساقط الذنوب من بني آدم كما يساقط الريح الورق من الشجر.
وحذيفة بن اسيد الغفاري.(1)
لم تكن مشكلة الامام الحسن عليه السلام مع أعدئه او مع الناس العاديين فقط بالرغم من تفاوت النسبة بينهما، بل كانت المشكلة اصحابه واتباعه، لقد تعرض الامام(عليه السلام) لنقد لاذع من اتباعه والمقربين اليه، علماً بان نقدهم هذا لصلح الامام مع معاوية كان بسبب حرصهم على الدين ومقدساته ومعرفتهم بمعاوية وأصحابه، ولكنهم لم يفهموا الحكمة التي من أجلها الامام قبل الصلح مع معاوية. ومن هؤلاء الاتباع:
وقد اصبح قائداً لجيش الامام (عليه السلام) بعد فرار عبيد الله بن عباس بعد
1) حذيفة بن أسيد الغفاري أبو سرعة صاحب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وهو ابن أمية ( آمنة )، وذكره الشيخ في أصحاب الحسن (عليه السلام). وذكره البرقي، في أصحاب الحسن (عليه السلام). وقد عد من حواري الحسن المجتبى (عليه السلام) .
فرار الاخير الى جهة معاوية، وقيس هذا رجل شجاع، وصاحب فضل وقوة، كان طويل القامة، فعندما يمتطي فرسه تخط رجليه في الارض.
قال ابو الفرج الاصفهاني: لما صالح الحسن معاوية اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف وأبى ان يبايع، فلما بايع الحسن ادخل قيس بن سعد ليبايع.
فأقبل على الحسن فقال: انا في حل من بيعتك!
قال: نعم.
قال: فألقى لقيس كرسي وجلس معاوية على سريره فقال له معاوية. أتبايع يا قيس؟
قال: نعم، فوضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فجثا معاوية، على سريره وأكبّ على قيس حتى مسح يده على يده فما رفع قيس إليه يده. (1)
وقال ذريح: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: دخل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري صاحب شرطة الخميس على معاوية، فقال له معاوية: بايع.
فنظر قيس إلى الحسن (عليه السلام) فقال: يا أبا محمد بايعت؟
فقال له معاوية: أما تنتهي؟ أما والله إني .. وقام بتهديده.
فقال له قيس: ما شئت أما والله لئن شئت لتناقضن به.
فقام إليه الحسن (عليه السلام) وقال له بايع يا قيس، فبايع.
1) مقاتل الطالبيين: 47.
حجر بن عدي شخص آخر من الاتباع المخلصين والمحبين للامام الحسن(عليه السلام)، وكان حجر أول من يذم الحسن على الصلح وقال له قبل خروجه من الكوفة:
ما والله، لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم، خرجنا من العدل ودخلنا في الجور، وتركنا الحق الذي كنا عليه ودخلنا في الباطل الذي كنا نذمه؟! وأعطينا الدنية ورضينا بالخسيسة، وطلب القوم أمرا وطلبنا أمرا، فرجعوا بما أحبوا مسرورين، ورجعنا بما كرهنا راغمين!!
فلما خلا به الحسن (عليه السلام) قال: يا حجر قد سمعت كلامك، في مجلس معاوية وليس كل انسان يحب، ما تحب ولا رأيه كرأيك، وإني لم أفعل ما فعلت إلا إبقاء عليكم، والله تعالى كل يوم هو في شأن.
وفي رواية اخرى: فقال له: "يا حجر ! ليس كل الناس يحب ما أحببت، إني قد بلوت الناس فلو كانوا مثلك في نيتك وبصيرتك لأقدمت"(1)
أتاني فريق العال من آل مسكن*** بأن إمام الحق أضحى مسالما
فما زلت مدنيفا له بكآبة*** أراعي نجوما خاشع الطرف واجما
فراجعت نفسي ثم قلت لها اصبري*** فإن إمامي كان بالأمر عالما
فبلغه عني أنني كنت شيعة*** له وعلى أعدائه كنت ناقما
أطاعنهم بالرمح في رهج الوغى*** وأعلوا بسيفي هامهم والجماجما
ونحن لمن سالمت سلم ومن يكن*** عدوك نقرعه العداوة راغما
1) بحار الأنوار 44 : 57 . وجاء في وفيات الأئمة (عليهم السلام) ص 109: ولما وصل خبر الصلح إلى حجر بن عدي رضي الله عنه اغتم غمّاً شديداً وأنشأ بهذه الأبيات يقول:
وهو الصحابي المثالي الذي ضرب الرقم القياسي للعقيدة والايمان والفداء في سبيل الله، كان من اصحاب الامام المخلصين ومن أصحاب رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم).
وقد دخل على الامام الحسن(عليه السلام) مع حجر بن عدي وقال للامام (عليه السلام) يا بن رسول الله لوددت اني مت قبل ما رأيت أخرجتنا من العدل الى الجور، فتركنا الحق الذي كنا عليه ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه ؟!
وترك كلام عدي في نفس الامام بالغ الأسى والحزن، فانبرى (عليه السلام) مبيناً له العلة التي صالح من أجلها، ولكنه لم يقتنع بجواب الامام(عليه السلام) فلما أبرم أمر الصلح خفّ عدي بن حاتم ومعه عبيدة بن عمر إلى الإمام الحسين وقلبه يلتهب ناراً فدعا الامام إلى إثارة الحرب قائلا: يا أبا عبد الله شريتم الذل بالعز، وقبلتم القليل وتركتم الكثير ، أطعنا اليوم، واعصنا الدهر، دع الحسن، وما رأى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها وولني وصاحبي هذه المقدمة، فلا يشعر ابن هند الا ونحن نقارعه بالسيوف.
فقال الحسين (عليه السلام)، إنا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل لنقض بيعتنا.(1)
1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام )2: 116
عن عدي بن ثابت عن سفيان بن ليلى<a href="#ref-عليه السلام) ، عاتب الحسن (عليه السلام) بقوله يا مذل المؤمنين واعتذر له بأنه قال ذلك محبة، وفيه نظر". أما العلامة فقد ذكره في رجاله: 81 رقم 2 مورداً رواية الكشي قائلاً بعد ذلك: "ولم يثبت عندي بهذا عدالة المشار إليه، بل هو من المرجحات". ثم لا يخفى أن الرجل من حواري الحسن بن علي(عليه السلام) على ما في الاختيار: 9 رقم 20 .](footnote1-page227" id="عليه السلام) ، عاتب الحسن (عليه السلام) بقوله يا مذل المؤمنين واعتذر له بأنه قال ذلك محبة، وفيه نظر". أما العلامة فقد ذكره في رجاله: 81 رقم 2 مورداً رواية الكشي قائلاً بعد ذلك: "ولم يثبت عندي بهذا عدالة المشار إليه، بل هو من المرجحات". ثم لا يخفى أن الرجل من حواري الحسن بن علي(عليه السلام) على ما في الاختيار: 9 رقم 20 .](footnote1-page227" style="display:inline-block">(1)قال: أتيت الحسن بن علي (عليهما السلام) حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين !
قال: وعليك السلام یا سفیان [ انزل] فنزلت فعقلت راحلتي ثم أتيته فجلست إليه فقال: كيف قلت یا سفیان؟
قال: قلت السلام عليك يا مذل المؤمنين.
فقال: ما جر هذا منك إلينا؟
فقلت: والله بأبي أنت وأمي أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلمت الأمر إلى اللعين ابن آكلة الأكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك، وقد جمع الله عليك أمر الناس.
فقال: يا سفيان إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت علياً
<a href="#عليه السلام) ، عاتب الحسن (عليه السلام) بقوله يا مذل المؤمنين واعتذر له بأنه قال ذلك محبة، وفيه نظر". أما العلامة فقد ذكره في رجاله: 81 رقم 2 مورداً رواية الكشي قائلاً بعد ذلك: "ولم يثبت عندي بهذا عدالة المشار إليه، بل هو من المرجحات". ثم لا يخفى أن الرجل من حواري الحسن بن علي(عليه السلام) على ما في الاختيار: 9 رقم 20 .](footnote1-page227" style="color:#3b82f6;" id="ref-عليه السلام) ، عاتب الحسن (عليه السلام) بقوله يا مذل المؤمنين واعتذر له بأنه قال ذلك محبة، وفيه نظر". أما العلامة فقد ذكره في رجاله: 81 رقم 2 مورداً رواية الكشي قائلاً بعد ذلك: "ولم يثبت عندي بهذا عدالة المشار إليه، بل هو من المرجحات". ثم لا يخفى أن الرجل من حواري الحسن بن علي(عليه السلام) على ما في الاختيار: 9 رقم 20 .](footnote1-page227"> 1) وقد اختلفوا أرباب التراجم في اسمه، ففي بعض المصادر "سفيان بن ليلى"، وقد عده الشيخ في رجاله: 68 رقم 2 من أصحاب الحسن(عليه السلام) قائلا : "سفيان بن أبي ليلى الهمداني" وكذا البرقي في رجاله: 7. وقال ابن داود في القسم الأول من رجاله: 104 رقم 699 : "سفيان بن أبي ليلى الهمداني، من أصحاب الحسن(عليه السلام)، عن الكشي: ممدوح من أصحابه [أي الحسن
(عليه السلام) يقول: سمعت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر ، وإنه لمعاوية وإني عرفت أن الله بالغ أمره.
ثم أذن المؤذن فقمنا إلى حالب يحلب ناقته فتناول الاناء فشرب قائما ثم سقاني وخرجنا نمشي إلى المسجد فقال لي: ما جاء بك يا سفيان؟
قلت: حبكم والذي بعث محمداً بالهدى ودين الحق.
قال: فأبشر يا سفيان فاني سمعت علياً (عليه السلام) يقول: سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: يرد عليّ الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين يعني السبابتين أو كهاتين يعني السبابة والوسطى - إحداهما تفضل على الأخرى، أبشر يا سفيان فان الدنيا تسع البر والفاجر، حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم).(1)
وهو من الاتباع الصالحين والمؤمنين المحبين والمخلصين لأهل البيت (عليهم السلام)، وقد تأثر كثيراً بعد ابرام الصلح بين الامام (عليه السلام) ومعاوية، فأتى الحسن ودخل بيته ودخل معه عبيدة بن عمر الكندي وعدي بن حاتم، فقال المسيب بن نجبة للحسن: ما ينقضي عجبي منك، بايعت معاوية ومعك
1) بحار الأنوار 44 : 60 .
أربعون ألفاً، ولم تأخذ لنفسك وثيقة وعهداً، أعطاك أمراً فيما بينك وبينه.
ثم قال: ما سمعت أما والله ما أراد بها غيرك.
فقال الحسن: فما ترى؟
قال: أن ترجع لما كنت عليه، فقد نقض ما كان بينك وبينه .
فقال (عليه السلام): يا مسيّب لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر على اللقاء، ولا أثبت عند الحرب مني، ولكن أردت إصلاحكم وكف بعضكم عن بعض فارضوا بقضاء الله وقدره حتى يستريح بر ويستراح من فاجر.(1)
أتى مالك بن ضمرة الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال:
السلام عليك يا مسخم وجوه المؤمنين.
فقال (عليه السلام): يا مالك، لا تقل ذلك، إني لما رأيت الناس تركوا ذلك إلا أهله خشيت أن تجتثوا عن وجه الأرض، فأردت أن يكون للدين في الأرض ناعي.
فقال: بأبي أنت وأمي ذرية بعضها من بعض.(2)
أقول: كان مالك بن ضمرة الرؤاسي من أصحاب علي (عليه السلام)، وممن استبطن من جهته علماً كثيراً، وكان أيضاً قد صحب أبا ذر، فأخذ من علمه، وقد أدرك النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ولما حضرته الوفاة أوصى بسلاحه الى المجاهدين من بني ضمرة، واشترط عليهم أن لا يقاتلوا به أهل البيت (عليهم السلام).
وكان يقول في أيام بني أمية : اللهم لا تجعلني أشقى الثلاثة.
فيقال له: وما الثلاثة؟
فيقول: رجل يرمى من فوق طمار، ورجل تقطع يداه ورجلاه ولسانه ويصلب، ورجل يموت على فراشه.
فكان من الناس من يهزأ به، ويقول: هذا من أكاذيب أبي تراب. قال: وكان الذي رمي به من طمار هانئ بن عروة، والذي قطع وصلب رشيد الهجري، ومات مالك على فراشه .
(1):
وهو من صفوة أصحاب الامام الحسن (عليه السلام) في ايمانه وعقيدته وولائه لآل بيت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين، وروي أنه لما تمت البيعة لمعاوية بالعراق، وانصرف الامام الحسن راجعاً إلى الشام، أتاه سليمان بن صرد، وكان في المدائن، وكان سيد أهل العراق ورأسهم. فدخل على الحسن (عليه السلام)، فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين!
1) هو أبو مطرف سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون عبد العزى بن منقذ السلولي الخزاعي، وصحابي، من الزعماء القادة، شهد الجمل وصفين مع علي (عليه السلام)، سكن الكوفة، ترأس التوابين، استشهد بعين الوردة، قتله يزيد بن الحصين، عن عون بن أبي جحيفة قال: أتى سليمان بن صرد علياً أمير المؤمنين بعد الصحيفة ووجهه مضروب بالسيف، فلما نظر إليه علي (عليه السلام) قال: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. [ 23 / الأحزاب: 32 ] فأنت ممن ينتظر وممن لم يبدل. فقال سليمان: يا أمير المؤمنين أما لو وجدت أعواناً ما كتبت هذه الصحيفة أبداً، أما والله لقد مشيت في الناس ليعودوا إلى أمرهم الأول فما وجدت أحداً عنده خير إلا قليلاً. انظر: الإصابة ترجمة رقم 345 تاريخ الاسلام : 3 : 17، الاعلام : 3 : 127 .
فقال الحسن: وعليك السلام، اجلس. الله أبوك.
فلما جلس اندفع قائلاً:
أما بعد، فإن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية ومعك مئة ألف مقاتل من أهل العراق، وكلّهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم، سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد، ولا حظاً من القضية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت، وأعطاك ما أعطاك بينك وبينه من العهد والميثاق، كنت كتبت عليك بذلك كتاباً، وأشهدت عليه شهودا من أهل المشرق والمغرب إن هذا الأمر لك من بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك هذا فرضيت به من قوله.
ثم قال: وزعم على رؤوس الناس ما قد سمعت، إني كنت شرطت لقوم شروطاً، ووعدتهم عدات، ومنيتهم أماني، إرادة إطفاء نار الحرب، ومداراة لهذه الفتنة، إذ جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا، فإن كل ما هنالك نحت قدمي هاتين، ووالله ما عنى بذلك إلا نقض ما بينك وبينه، فأعد للحرب خدعة، واذن لي أشخص إلى الكوفة، فأخرج عامله منها، وأظهر فيها خلعه، وانبذ إليه على سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين. ثم سكت.
فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل مقاتله، وكلهم يقول: ابعث سليمان بن صرد، وابعثنا معه، ثم ألحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا عامله، وأظهرنا خلعه.
فتكلم الحسن (عليه السلام)، فحمد الله، ثم قال:
أما بعد فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا، ومن نعرفه بالنصيحة والصحبة
والاستقامة لنا، وقد فهمت ما ذكرتم ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب، ما كان معاوية بأبأس مني بأساً، وأشد شكيمة، ولكان رأيي غير ما رأيتم، ولكني أشهد الله وإياكم أني لم أرد بما رأيتم إلا حقن دمائكم وإصلاح ذات بينكم، فاتقوا الله وارضوا بقضاء الله، وسلموا لأمر الله، وألزموا بيوتكم ، وكفوا أيديكم، حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر، مع أن أبي كان يحدثني أن معاوية سيلي الأمر ، فوالله لو سرنا إليه بالجبال والشجر، ما شككت أنه سيظهر، إن الله لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه.
وأما قولك: "يا مذل المؤمنين"، فوالله لأن تذلوا وتعافوا أحبّ إليّ من أن تعزّوا وتقتلوا، فإن ردّ الله علينا حقّنا في عافية قبلنا، وسألنا الله العون على أمره، وإن صرفه عنا رضينا، وسألنا الله أن يبارك في صرفه عنا، فليكن كل رجل منكم جلساً (1)من أحلاس بيته، ما دام معاوية حياً، فإن يهلك ونحن وأنتم أحياء، سألنا الله العزيمة على رشدنا، والمعونة على أمرنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.(2)
ودخل على الامام الحسن عليه رجل من أصحابه فقال له: يا ابن رسول الله أذللت رقابنا، وجعلتنا معشر الشيعة عبيداً، ما بقي معك رجل.
قال (عليه السلام): وممّ ذاك؟
قال: قلت: بتسليمك الأمر لهذا الطاغية.
قال (عليه السلام): والله ما سلمت الأمر إليه إلا أني لم أجد أنصاراً، ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه، ولكني عرفت أهل الكوفة وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم من كان فاسداً إنهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل، إنهم لمختلفون، ويقولون لنا: إن قلوبهم معنا وإن سيوفهم المشهورة علينا.(1)
قيل للحسن ما حملك على ما فعلت فقال كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوما لا يثق بهم أحد أبدا إلا غلب ليس أحد منهم يوافق في رأي ولا هواء مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر لقد لقي أبي منهم أمورا عظاما فليت شعري لمن يصلحون بعدي وهي أسرع البلاد خربا !(2)
عودة الإمام
بقي الامام (عليه السلام) في الكوفة أياماً وهو مكلوم القلب قد طافت به الهموم والآلام يتلقى من شيعته مرارة الكلام، وقسوة النقد، ويتلقى من معاوية و حزبه الاستهانة بمركزه الرفيع وهو مع ذلك صابر محتسب، قد كظم غيظه، وأوكل أمره الى الله، وقد عزم على مغادرة العراق والشخوص الى مدينة جدّه. (1)
ان المدينة المنورة هي محل تولد الامام، وفي الحقيقة هي الوطن الأصلي له، ومن الطبيعي أن يعود كل انسان الى وطنه الأصلي الذي نشأ فيه .
العلاقة القوية للامام (عليه السلام) بجده الكبير رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، دفعته ان يختار مجاورته بقية عمره .
الذكريات المرّة للامام (عليه السلام) في الكوفة وما لاقاه من أهلها من غدر، ومن هذه الذكريات شهادة أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكثرة الخوارج فيها.
من المحتمل أن يكون معاوية قد اشترط عليه ترك الكوفة والرحيل الى المدينة.
روي أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) قال لبعض أصحابه: یا فلان، ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس، إن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قبض و قد أخبر أنا أولى الناس بالناس فتمالات علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن عن معدنه واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا، تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا، ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود
1) هناك علل أخرى لخروج الامام من الكوفة لم تذكر في المصادر التاريخية منها :
حتى قتل. فبويع الحسن ابنه وعوهد، ثم غدر به، وأسلم، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه وانتهب عسكره، وعولجت خلاخيل أمهات أولاده فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته وهم قليل حق قليل.(1)
(2) لما أراد الحسن (عليه السلام) الشخوص الى المدينة وتجهز لذلك دخل عليه المسيّب بن نجبة الفزاري وظبيان بن عمارة التميمي ليودّعاه، فقال الحسن(عليه السلام):
"الحمد لله الغالب على أمره، لو أجمع الخلق جميعاً على أن يكون ما هو كائن ما استطاعوا".
ويلمس في كلامه التسليم لقضاء الله وقدره، والحزن واللوعة على ضياع حقه الشرعي، ولما رأى المسيب الشجا قد بدا على غصني النبوة، وفرعي الامامة، وذلك لخوفهما على شيعتهم من أن يضاموا في عهد هذا الطاغية التفت لهما الامام الحسين (عليه السلام) مهدئاً روعهما قائلاً:
لقد كنت كارهاً لما كان طيب النفس على سبيل أبي حتى عزم علي أخي فاطعته وكأنما يجذ أنفي بالمواسي.
فقال المسيب: انه والله ما يكبر علينا هذا الأمر إلا ان تضاموا وتنتقصوا، فأما نحن فانهم سيطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه.
فقال الحسين (عليه السلام): يا مسيّب، نحن نعلم أنك تحبنا.
فقال الحسن (عليه السلام): سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقول: من أحب قوماً كان معهم.
فعرض له المسيب وظبيان بالرجوع.
فقال (عليه السلام): ليس الى ذلك سبيل .(1)
وأخذ (عليه السلام) يعمل في تهئية سفره ، وبعدها توجه هو وأهل بيتهع الى عاصمة جده، وقد خرج أهل الكوفة بجميع طبقاتهم الى توديعه وهم ما بين باك وآسف، يندبون حظهم التعيس وسعادتهم التي حطموها بأيديهم، فقد نقلت الخلافة ومعها بيت المال من بلدهم الى دمشق، وقد أقض ذلك مضاجعهم، ولكن بعد أن سبق السيف العذل، فقد كانوا أصحاب الدولة واذا ببلدهم - بعد غدرهم بالامام وعدم مناصرته - قد أصبحت مرا من الامصار، واذا القطع السورية من الجيش تدخل مصرهم، وتسيطر عليهم ويقام في بلدهم حكم ارهابي عنيف لا يعرف الرحمة والرأفة.
لقد رحل (عليه السلام) عن الكوفة هو وأهل بيته ومعه أبو رافع خازن(2)
1) حياة الامام الحسن (عليه السلام) :2 : 285 أعيان الشعية 1 : 575 . والظاهر من كلام الامام هنا انه لم يكن راغباً الخروج من الكوفة لولا بعض الاسباب القاهرة والتي ذكرنا قسماً منها سابقاً .
2) إبراهيم أبو رافع: عده النجاشي من السلف الصالح، وقال: " أبو رافع مولى رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، واسمه أسلم كان للعباس بن عبد المطلب رحمه الله فوهبه للنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فلما بشر النبي بإسلام العباس أعتقه .
بيت المال، وقد غشيتها الكآبة، وخيم عليها الحزن، وحل بها الشقاء والوبال والدمار، فلقد صبّ الله عليها بعد خروج الامام الطاعون فقضى على الكثيرين
من ابنائها، وفرّ منها المغيرة بن شعبة واليها ثم بعد مدة عاد اليها، فلما وصل جرفه الطاعون (الذي انتشر في الكوفة) فمات به.(1)
قال الطبري في وقائع سنة 49 : في هذه السنة وقع الطاعون في الكوفة، فهرب المغيرة بن شعبة من الطاعون، فلما ارتفع الطاعون قيل له: لو رجعت الى الكوفة، فقدمها، فطعن فمات.(2).
وكان من جملة الخوارج، وقد اعتزل فروة بن نوفل الأشجعي في خمسمائة من الخوارج ومسيرهم إلى شهرزور (3)وتركوا قتال علي والحسن (عليهما السلام)، فلما سلّم الحسن الأمر إلى معاوية قالوا: قد جاء الآن ما لا شك فيه، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه.
فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى حلوا بالنخيلة عند الكوفة، وكان الحسن بن علي قد سار يريد المدينة فكتب إليه معاوية يدعوه إلى قتال فروة،
فلحقه رسوله بالقادسية أو قريباً منها، فلم يرجع وكتب إلى معاوية: لو آثرت أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإني تركتك لصلاح الأمة وحقن دمائها.(1)
بعد وصول الإمام الحسن (عليه السلام) الى المدينة قال له رجل: تركت امارتك وسلمتها الى رجل من الطلقاء وقدمت الى المدينة!
فقال (عليه السلام): اني اخترت العار على النار.(2)
إن صح الحديث وصدر هذا اللفظ من الإمام الحسن عليه السلام فلعل وجهه أنه (عليه السلام)للابقاء على أهل البيت واللائذين بهم من أخيار شيعتهم وللتمكن على الاجهار بالحق في أندية الشاميين في حضور معاوية وبيان نفاقه لهم في محضر شياطينه كان مأموراً من الله تعالى أن يسالم معاوية وإن كانت هذه المسالمة مرّاً على بعض الشيعة، وهم (عليهم السلام) دائماً كانوا يجتنبون العار والنار معاً، وإذا دار الامر بينهما كانوا يجتنبون النار، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يرتجز يوم عاشوراء ويقول :
القتل أولى من ركوب العار*** والعار أولى من دخول النار
وقد ذمّه عبد الله بن الزبير الذي كان يعلن منا وأته لآل محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يوماً لأنه قبل الصلح مع معاوية، فأجابه الامام (عليه السلام):
" وتزعم أني سلمت الأمر ، وكيف يكون ذلك - ويحك - كذلك، وأنا ابن أشجع العرب، وقد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين. لم أفعل ذلك ويحك
جبناً ولا ضعفاً ولكنه بايعني مثلك وهو يطلبني بترة، ويداجيني المودة، ولم أثق بنصرته .(1)
عن الصادق (عليه السلام) قال: يا مفضل ويقوم الحسن (عليه السلام) إلى جده (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فيقول:
يا جداه ، كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في دار هجرته بالكوفة حتى استشهد بضربة عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله فوصاني بما وصيّته، يا جداه وبلغ اللعين معاوية قتل أبي فأنفذ الدعي اللعين زياداً إلى الكوفة في مائة وخمسين ألف مقاتل، فأمر بالقبض علي وعلى أخي الحسين، وسائر إخواني وأهل بيتي وشيعتنا وموالينا، وأن يأخذ علينا البيعة لمعاوية لعنه الله، فمن أبى منا ضرب عنقه، وسير إلى معاوية رأسه (2).
فلما علمت ذلك من فعل معاوية، خرجت من داري فدخلت جامع الكوفة للصلاة ورقات المنبر واجتمع الناس فحمدت الله وأثنيت عليه وقلت: معشر الناس عفت الديار ومحيت الآثار وقل الاصطبار، فلا قرار على همزات الشياطين وحكم الخائنين الساعة والله صحت البراهين، وفصلت
1) حياة الامام الحسن (عليه السلام) 2 : 280
2) لكنه مخالف للتاريخ المسلم الصريح من أن زياداً هذا كان حين قتل علي(عليه السلام) عاملاً له على بلاد فارس وكرمان يبغض معاوية ويشنأه وكان في معقله بفارس قاطناً حتى أطمعه معاوية وكاتبه وراسله بعد أن صالح مع الحسن السبط (عليه السلام) فخرج زياد بعد ما استوثق من معاوية لنفسه، فجاءه بدمشق وسلم عليه بإمرة المؤمنين ثم استلحقه سنة أربع وأربعين واستعمله على البصرة، راجع أسد الغابة 2: 216 .
الآيات، وبانت المشكلات، ولقد كنا نتوقع تمام هذه الآية تأويلها قال الله عزوجل: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.(1)
فلقد مات والله جدي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وقتل أبي(عليه السلام)، وصاح الوسواس الخناس في قلوب الناس، ونعق ناعق الفتنة، وخالفتم السنة، فيا لها من فتنة صماء عمياء (2)، لا يسمع لداعيها، ولا يجاب مناديها، ولا يخالف واليها ،ظهرت كلمة النفاق، وسيرت رايات أهل الشقاق، وتكالبت جيوش أهل المراق، من الشام والعراق، هلموا رحمكم الله إلى الافتتاح، والنور الوضاح، والعلم الجحجاح، والنور الذي لا يطفأ والحق الذي لا يخفى.
أيها الناس تيقظوا من رقدة الغفلة، ومن تكاثف الظلمة، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، وتردى بالعظمة، لئن قام إلي منكم عصبة بقلوب صافية، ونيات مخلصة، لا يكون فيها شوب نفاق، ولا نية افتراق لأجاهدن بالسيف قدماً ولأضيقن من السيوف جوانبها، ومن الرماح أطرافها، ومن الخيل سنابكها
فتكلموا رحمكم الله.
1) آل عمران : 144 .
2) نعم كان الإمام الحسن (عليه السلام) تبعاً لجده وأبيه سلام الله عليهم أكره الناس لفتنة بني أمية كما شرح أمير المؤمنين(عليه السلام) هذا المعنى في المختار (91) من نهج البلاغة قال (عليه السلام): ألا وإن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة عمت خطتها وخصت بليتها، أصاب البلاء من أبصر فيها، وأخطأ البلاء عن عمي عنها.. ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية وقطعاً جاهلية ليس فيها منار هدى ولا علم يرى نحن أهل البيت منها بمنجاة ولسنا فيها بدعاة.
فكأنما ألجموا بلجام الصمت عن إجابة الدعوة إلا عشرون رجلا فإنهم قاموا إلي فقالوا: يا ابن رسول الله، ما نملك إلا أنفسنا وسيوفنا، فها نحن بين يديك لأمرك طائعون، وعن رأيك صادرون، فمرنا بما شئت، فنظرت يمنة ويسرة، فلم أر أحداً غيرهم.
فقلت: لي أسوة بجدي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حين عبد الله سراً، وهو يومئذ في تسعة وثلاثين رجلاً، فلما أكمل الله له الأربعين صار في عدة وأظهر أمر الله فلو كان معي عدتهم جاهدت في الله حق جهاده.
ثم رفعت رأسي نحو السماء فقلت: اللهم إني قد دعوت وأنذرت، وأمرت ونهيت، وكانوا عن إجابة الداعي غافلين، وعن نصرته قاعدين، وفي طاعته مقصرين و لأعدائه ناصرين ، اللهم فأنزل عليهم رجزك وبأسك، وعذابك الذي لا يرد عن القوم الظالمين، ونزلت.
ثم خرجت من الكوفة داخلاً إلى المدينة، فجاؤوني يقولون: إن معاوية أسرى سراياه إلى الأنبار والكوفة، وشن غاراته على المسلمين، وقتل من لم يقاتله وقتل النساء والأطفال، فأعلمتهم أنه لا وفاء لهم، فأنفذت معهم رجالاً وجيوشاً وعرفتهم أنهم يستجيبون لمعاوية، وينقضون عهدي وبيعتي، فلم يكن
إلا ما قلت لهم وأخبرتهم.(1)
وهو من الموالين لمعاوية والمعادين لأهل البيت (عليهم السلام)، وقد روى
1) بحار الانوار 44 : 66 و 53 : 21
مولى الحسن (عليه السلام) قال: قال لي الحسن بن علي (عليه السلام): أتعرف معاوية بن حديج؟ قال: قلت: نعم. قال: فإذا رأيته فأعلمني، فرآه خارجا من دار عمرو بن حريق فقال: هو هذا . قال: أدعه.
فدعاه، فقال له الحسن: أنت الشاتم علياً عند ابن آكلة الأكباد؟ ! أما والله لئن وردت الحوض - ولن ترده - لترنه مشمراً عن ساقه، حاسراً عن ذراعيه يذود عنه المنافقين.(1)
وأما أن علياً عليه السلام وهو الذائد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وآله يذود عنه الكفار والمنافقين يوم القيامة فقد رواه الطبراني في المعجم الصغير ،2 ،89، وأبو نعيم في كتاب صفة النفاق.
أقول: أخرج السيد المرعشي رحمه الله في شرح إحقاق الحق 33 : 499، عن علي بن أبي طلحة مولى بني أمية قال حج معاوية بن أبي سفيان وحجّ معه معاوية بن حديج، وكان من أسب الناس لعلي. قال: فمر في المدينة والحسن بن علي ونفر من أصحابه جالسين فقيل له: هذا معاوية بن حديج الساب لعلي. قال: علي الرجل.
قال: فأتاه رسول فقال: أجبه قال: من ؟ قال الحسن بن علي يدعوك. فأتاه فسلم عليه فقال له الحسن: أنت معاوية بن حديج؟ قال: نعم. قال: فرد ذلك عليه. قال: فأنت الساب لعلي؟
قال: فكأنه استحيا فقال له الحسن: أما والله لئن وردت عليه الحوض - وما أراك ترده، لتجدنه مشمراً الإزار على ساق يذود عنه رايات المنافقين. ذود غريبة الإبل، قول الصادق المصدوق، (وقد خاب من افترى ) [طه: 61] .
.1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 3 : 83 رقم ،2727، وأخرجه أيضاً برقم 2758 بإسناد آخر، وعنه في مجمع الزوائد 9 : 131 ، وأخرجه ابن عساكر في ترجمة معاوية بن حديج من تاريخه بأربعة طرق.
مناظرات الإمام
روي عن الشعبي وأبي مخنف وغيرهما أنهم قالوا: لم يكن في الإسلام يوم في مشاجرة قوم اجتمعوا في محفل، أكثر ضجيجاً ولا أعلى كلاماً ولا أشد مبالغة في قول، من يوم اجتمع فيه عند معاوية بن أبي سفيان عمرو بن عثمان بن عفان، وعمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد ابن عقبة بن أبي معيط ، والمغيرة بن أبي شعبة، وقد تواطؤا على أمر واحد.
فقال عمرو بن العاص: لمعاوية ألا تبعث إلى الحسن بن علي فتحضره، فقد أحيى سنة أبيه، وخفقت النعال خلفه، أمر فأطيع، وقال فصدق، وهذان يرفعان به إلى ما هو أعظم منهما، فلو بعثت إليه فقصرنا به وبأبيه، وسببناه وسبينا أباه، وصغرنا بقدره وقدر أبيه، وقعدنا لذلك حتى صدق لك فيه.
فقال لهم معاوية: إني أخاف أن يقلدكم قلايد يبقى عليكم عارها، حتى يدخلكم قبوركم، والله ما رأيته قط إلا كرهت جنابه، وهبت عتابه، وإني إن بعثت إليه لأنصفنه منكم.
قال عمرو بن العاص : أتخاف أن يتسامى باطله على حقنا، ومرضه على صحتنا؟
قال: لا.
قال: فابعث إذاً إليه.
فقال عتبة: هذا رأي لا أعرفه، والله ما تستطيعون أن تلقوه بأكثر ولا أعظم مما في أنفسكم عليه، ولا يلقاكم بأعظم مما في نفسه عليكم، وإنه لأهل بيت
خصم جدل، فبعثوا إلى الحسن، فلما أتاه الرسول قال له: يدعوك معاوية.
قال: ومن عنده؟
قال الرسول: عنده فلان وفلان، وسمّى كلا منهم باسمه.
فقال الحسن (عليه السلام): ما لهم خرّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون.
ثم قال: يا جارية أبلغيني ثيابي.
ثم قال: "اللهم إني أدرأ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم، وأستعين بك عليهم، فأكفنيهم بما شئت، وأنى شئت، من حولك وقوتك، يا أرحم الراحمين "وقال للرسول: هذا كلام الفرج، فلما أتى معاوية رحب به، وحيّاه وصافحه. فقال الحسن (عليه السلام): إن الذي حييت به سلامة، والمصافحة أمن.
فقال معاوية: أجل إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني ليقروك: أن عثمان قتل مظلوماً، وأن أباك قتله، فاسمع منهم، ثم أجبهم بمثل ما يكلمونك، فلا يمنعك مكاني من جوابهم.
فقال الحسن: سبحان الله ! البيت بيتك والإذن فيه إليك ! والله لئن أجبتهم إلى ما أرادوا إني لأستحيي لك من الفحش، وإن كانوا غلبوك على ما تريد، إني لأستحيي لك من الضعف، فبأيهما تقر، ومن أيهما تعتذر، وأما إني لو علمت بمكانهم واجتماعهم، لجئت بعدتهم من بني هاشم مع أني مع وحدتي هم أوحش مني من جمعهم، فإن الله عز وجل لوليي اليوم وفيما بعد اليوم، فمرهم فليقولوا فأسمع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فتكلم عمرو بن عثمان بن عفان فقال: ما سمعت كاليوم أن بقي من بني عبد المطلب على وجه الأرض من أحد بعد قتل الخليفة عثمان بن عفان، وكان ابن أختهم، والفاضل في الإسلام منزلة، والخاص برسول الله إثرة، فبئس كرامة الله حتى سفكوا دمه اعتداء، وطلبا للفتنة، وحسداً، ونفاسة، وطلب ما ليسوا بأهلين لذلك، مع سوابقه ومنزلته من الله ، ومن رسوله، ومن الإسلام، فيا ذلاه أن يكون حسن وساير بني عبد المطلب قتلة عثمان، أحياء يمشون على مناكب الأرض وعثمان بدمه مضرج، مع أن لنا فيكم تسعة عشر دماً بقتلى بني أمية ببدر.
ثم تكلم عمرو بن العاص: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أي ابن أبي تراب، بعثنا إليك لنقررك أن أباك سمّ أبا بكر الصديق، واشترك في قتل عمر الفاروق وقتل عثمان ذي النورين مظلوماً، وادعى ما ليس له حق، ووقع فيه، وذكر الفتنة، وعيره بشأنها؟
ثم قال: أنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك فتركبون فيه ما لا يحل لكم، ثم أنت يا حسن تحدّث نفسك بأنك كائن أمير المؤمنين وليس عندك عقل ذلك، ولا رأيه، وكيف وقد سلبته، وتركت أحمق في قريش، وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك. ثم إنك لا تستطيع أن تعيب علينا، ولا أن تكذبنا به، فإن كنت تري أنا كذبناك في شيء، وتقولنا عليك بالباطل، وادعينا عليك خلاف الحق فتكلم، وإلا فاعلم أنك
وأباك من شر خلق الله، فأما أبوك فقد كفانا الله قتله وتفرد به، وأما أنت فإنك في أيدينا نتخير فيك، والله أن لو قتلناك ما كان في قتلك إثم عند الله، ولا عيب عند الناس.
ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان، فكان أول ما ابتدأ به أن قال: يا حسن، إن أباك كان شر قريش لقريش، أقطعه لأرحامها ، وأسفكه لدمائها وإنك لمن قتلة عثمان، وإن في ألحق أن نقتلك به، وإن عليك القود في كتاب الله عز وجل، وإنا قاتلوك به، وأما أبوك فقد تفرد الله بقتله فكفانا أمره، وأما رجاؤك الخلافة فلست فيها، لا في قدحة زندك، ولا في رجحة ميزانك.
ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط بنحو من كلام أصحابه فقال: يا معشر بني هاشم، كنتم أول من دبّ بعيب عثمان وجمع الناس عليه، حتى قتلتموه حرصاً على الملك، وقطيعة للرحم، واستهلاك الأمة، وسفك دمائها، وطلبا للدنيا الخبيثة، وحبّاً لها، وكان عثمان خالكم، فنعم الخال كان لكم، وكان صهركم، فكان نعم الصهر لكم، قد كنتم أول من حسده وطعن عليه، ثم وليتم قتله، فكيف رأيتم صنع الله بكم.
ثم تكلم المغيرة بن شعبة: فكان كلامه وقوله كله وقوعاً في علي (عليه السلام) ثم قال: يا حسن، إن عثمان قتل مظلوماً، فان لم يكن لأبيك في دلك
عذر برىء، ولا اعتذر مذنب، غير أنا يا حسن قد ظننا لأبيك في ضمه قتلة عثمان، وإيوائه لهم، وذبّه عنهم، أنه بقتله راض، وكان والله طويل السيف واللسان، يقتل الحي ويعيب الميت، وبنو أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية، ومعاوية خير لك يا حسن منك لمعاوية، وقد كان أبوك ناصب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)في حياته وأجلب عليه قبل موته، وأراد قتله، فعلم ذلك من أمره رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ثم كره أن يبايع أبا بكر حتى أتي به قوداً، ثم دسّ عليه فسقاه سمّاً فقتله، ثم نازع عمر حتى همّ أن يضرب رقبته، فعمد في قتله، ثم طعن على عثمان حتى قتله، كل هؤلاء قد شرك في دمهم فأي منزلة له من الله يا حسن: وقد جعل الله السلطان لولي المقتول في کتابه المنزل فمعاوية ولي المقتول بغير حق، فكان من الحق لو قتلناك وأخاك، والله ما دم علي بأخطر من دم عثمان، وما كان الله ليجمع فيكم فيكم يا بني عبد المطلب الملك والنبوة. ثم سكت.
فتكلم أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام فقال:
الحمد لله الذي هدى أولكم بأوّلنا، وآخركم بآخرنا، وصلى الله على جدّي محمد النبي وآله وسلم. اسمعوا مني مقالتي وأعيروني فهمكم وبك أبدء يا معاوية: إنه لعمر الله يا أزرق ما شتمني غيرك وما هؤلاء شتموني، ولا سبني غيرك وما هؤلاء سبوني ولكن شتمتني، وسببتني، فحشا منك، وسوء رأي، وبغياً، وعدواناً، وحسداً علينا، وعداوة لمحمد صلى الله عليه وآله، قديما وحديثا، وأنه والله لو كنت أنا وهؤلاء يا أزرق مشاورين في مسجد رسول الله
(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وحولنا المهاجرون والأنصار ما قدروا أن يتكلموا به، ولا استقبلوني بما استقبلوني به.
فاسمعوا مني أيها الملأ المجتمعون المتعاونون علي، ولا تكتموا حقاً علمتوه، ولا تصدقوا بباطل إن نطقت به، وسأبدأ بك يا معاوية ولا أقول فيك إلا دون ما فيك، أنشدكم بالله، هل تعلمون أن الرجل الذي شتمتموه صلى القبلتين كلتيهما وأنت تراهما جميعا وأنت في ضلالة تعبد اللات والعزى، وبايع البيعتين كلتيهما بيعة الرضوان وبيعة الفتح، وأنت يا معاوية بالأولى كافر، وبالأخرى ناكث.
ثم قال: أنشدكم بالله، هل تعلمون أن ما أقول حقاً، أنه لقيكم مع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)يوم بدر ومعه راية النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والمؤمنين، ومعك يا معاوية راية المشركين وأنت تعبد اللات والعزى، وترى حرب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فرضاً واجباً، ولقيكم يوم أحد ومعه راية النبي، ومعك يا معاوية راية المشركين، ولقيكم يوم الأحزاب ومعه راية رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ومعك يا معاوية راية المشركين، كل ذلك يفلج الله حجته، ويحق دعوته، ويصدق أحدوثته، وينصر رايته، وكل ذلك رسول الله يرى عنه راضياً في المواطن كلها ساخطا عليك.
ثم أنشدكم بالله، هل تعلمون أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)حاصر بني قريضة وبني النظير، ثم بعث عمر بن الخطاب ومعه راية المهاجرين(1)، وسعد
1) ما ورد هنا بهذا الخصوص قد ذكر في الصحيحين كذلك في وقائع غزوة خيبر .
بن معاذ ومعه راية الأنصار، فأما سعد بن معاذ فجرح وحمل جريحاً، وأما عمر فرجع هاربا وهو يجْبن، ويجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه، فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : " لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار، ثم لا يرجع حتى يفتح الله عليه يديه " فتعرض لها أبو بكر وعمر، وغيرهما من المهاجرين والأنصار وعلي يومئذ أرمد شديد الرمد، فدعاه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)فتفل في عينيه فبرأ من رمده، وأعطاه الراية فمضى ولم يثن حتى فتح الله عليه بمنه وطوله، وأنت يومئذ بمكة عدو الله ولرسوله. فهل يستوي بين رجل نصح الله ولرسوله، ورجل عادى الله ورسوله؟ ثم أقسم بالله ما أسلم قلبك بعد، ولكن اللسان خائف فهو يتكلم بما ليس في القلب.
أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)استخلفه على المدينة في غزاة تبوك ولا سخط ذلك ولا كراهة، وتكلم فيه المنافقون فقال: لا تخلفني يا رسول الله فإني لم أتخلف عنك في غزوة قط، فقال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): "أنت وصبي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى"، ثم أخذ بيد علي (عليه السلام) فقال:
"أيها الناس من تولاني فقد تولى الله ، ومن تولى علياً فقد تولاني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع علياً فقد أطاعني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أحب عليا فقد أحبنى.
ثم قال: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال في حجة الوداع:
"أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده: كتاب الله وعترتي أهل بيتي فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا بما أنزل الله من الكتاب، وأحبوا أهل بيتي وعترتي، ووالوا من والاهم، وانصروهم على من عاداهم، وأنهما لن يزالا فيكم حتى يردا علي الحوض يوم القيامة". ثم دعا وهو على المنبر علياً فاجتذبه بيده فقال:
" اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، اللهم من عادى علياً فلا تجعل له في الأرض مقعداً، ولا في السماء مصعداً، واجعله في أسفل درك من النار؟"
وأنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال له:
"أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة تذود عنه كما يذود أحدكم الغريبة من وسط إبله".
أنشدكم بالله، أتعلمون أنه دخل على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)في مرضه الذي توفي فيه فبكى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فقال علي: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: يبكيني أني أعلم أن لك في قلوب رجال من أمتي ضغائن، لا يبدونها لك حتى أتولى عنك؟
أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) حين حضرته الوفاة واجتمع عليه أهل بيته قال:
"اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي، اللهم وال من ولاهم وعاد من عاداهم"
وقال: "إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من دخل فيها نجي، ومن تخلف عنها غرق".
وأنشدكم بالله، أتعلمون أن أصحاب رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قد سلموا عليه بالولاية في عهد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وحياته؟ أنشدكم بالله، أتعلمون أن علياً أول من حرّم الشهوات كلها على نفسه من أصحاب رسول الله فأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (1)وكان عندهم علم المنايا، وعلم القضايا، وفصل الكتاب، ورسوخ العلم، ومنزل القرآن، وكان رهط لا نعلمهم يتممون عشرة، نبأهم الله أنهم مؤمنون، وأنتم في رهط قريب من عدة أولئك لعنوا على لسان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فأشهد لكم وأشهد عليكم: أنكم لعناء الله على لسان نبيه كلكم.
وأنشدكم بالله، هل تعلمون أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بعث إليك لتكتب له لبني خزيمة حين أصابهم خالد بن الوليد فانصرف إليه الرسول فقال: " هو يأكل " فأعاد الرسول إليك ثلاث مرات كل ذلك ينصرف الرسول إليه ويقول هو يأكل" فقال رسول الله اللهم لا تشبع بطنه"(2)فهي والله في
1) سورة المائدة :87 - 88 .
2) قال ابن الأثير في أسد الغابة: أخبرنا يحيى بن محمود وغيره باسنادهما عن مسلم قال: أخبرنا محمد بن مثنى ومحمد بن بشار، واللفظ لابن مثنى، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة عن أبي حمزة القصاب، عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فتواریت خلف باب قال: فجاء فحطاني حطاة وقال: اذهب فادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل ، ثم قال: اذهب فادع لي معاوية قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال لا أشبع الله بطنه. انظر: أسد الغابة لابن الأثير :4: 386 وأخرج مسلم هذا الحديث بعينه لمعاوية، ثم ذكر له عذراً
نهمتك، وأكلك إلى يوم القيامة . ثم قال:
أنشدكم بالله، هل تعلمون أن ما أقول حقاً إنك يا معاوية كنت تسوق بأبيك على جمل أحمر يقوده أخوك هذا القاعد، وهذا: يوم الأحزاب، فلعن رسول الله القائد والراكب والسائق، فكان: أبوك الراكب، وأنت يا أزرق السائق، وأخوك هذا القاعد القائد.
أنشدكم بالله، هل تعلمون أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لعن أبا سفيان في سبعة مواطن :
أولهن: حين خرج من مكة إلى المدينة وأبو سفيان جاء من الشام، فوقع فيه أبو سفيان فسبّه، وأوعده، وهم، أن يبطش به، ثم صرفه الله عز وجل عنه.
والثانية: يوم العير، حيث طردها أبو سفيان ليحرزها من رسول الله.
والثالثة: يوم أحد، قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)مولانا ولا مولى لكم، وقال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم، فلعنه الله وملائكته ورسله، والمؤمنون أجمعون.
والرابعة :يوم حنين، يوم جاء أبو سفيان يجمع قريش وهوازن، وجاء عينية بغطفان واليهود، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا، هذا: قول الله عز وجل أنزل في سورتين في كلتيهما يسمي أبا سفيان وأصحابه كفارا، وأنت يا معاوية يومئذ مشرك على رأي أبيك بمكة، وعلي يومئذ مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)
وعلى رأيه ودينه.
والخامسة: قول الله عزوجل: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ(1)و صددت أنت وأبوك ومشرکو قریش رسول الله، فلعنه الله لعنة شملته وذريته إلى يوم القيامة.
والسادسة: يوم الأحزاب، يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش، وجاء عينية بن حصين بن بدر بغطفان، فلعن رسول الله القادة والأتباع، والساقة إلى يوم القيامة. فقيل: يا رسول الله أما في الأتباع مؤمن؟ قال: لا تعيب اللعنة مؤمنا من الأتباع، أما القادة فليس فيهم مؤمن، ولا مجيب، ولا ناج.
والسابعة: يوم الثنية، يوم شدّ على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) اثنا عشر رجلاً، سبعة منهم من بني أمية، وخمسة من سائر قريش، فلعن الله تبارك و تعالى ورسول الله من حل الثنية غير النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وسائقه وقائده.
ثم أنشدكم بالله، هل تعلمون أن أبا سفيان دخل على عثمان حين بويع في مسجد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال: يا بن أخي هل علينا من عين؟ فقال: لا. فقال أبو سفيان: تداولوا الخلافة يا فتيان بني أمية فوالذي نفس أبي سفيان بیده، ما من جنة ولا نار.
وأنشدكم بالله، أتعلمون أن أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع عثمان وقال: يا بن أخي أخرج معي إلى بقيع الغرقد فخرج حتى إذا توسط القبور
1) الفتح : 25
اجتره فصاح بأعلى صوته: يا أهل القبور! الذي كنتم تقاتلونا عليه صار بأيدينا وأنتم رميم. فقال الحسين بن علي(عليه السلام): قبح الله شيبتك، وقبح وجهك، ثم نتر يده وتركة، فلولا النعمان بن بشير أخذ بيده ورده إلى المدينة لهلك.(1).
فهذا لك يا معاوية فهل تستطيع أن ترد علينا شيئاً؟ ومن لعنتك يا معاوية إن أباك أبا سفيان كان يهم أن يسلم، فبعثت إليه بشعر معروف مروي في قریش وغيرهم، تنهاه عن الإسلام وتصده.
ومنها أن عمر بن الخطاب ولاك الشام فخنت به، وولاك عثمان فتربصت به ريب المنون، ثم أعظم من ذلك جرأتك على الله ورسوله: أنك قاتلت علياً (عليه السلام) وقد عرفته وعرفت سوابقه، وفضله وعلمه على أمر هو أولى به منك، ومن غيرك عند الله وعند الناس، ولأذيته بل أوطأت الناس عشوة، وأرقت دماء خلق من خلق الله بخدعك وكيدك وتمويهك، فعل من لا يؤمن بالمعاد، ولا يخشى العقاب، فلما بلغ الكتاب أجله صرت إلى شر مثوى، وعلي إلى خير منقلب، والله لك بالمرصاد. فهذا لك يا معاوية خاصة، وما أمسكت عنه من مساوئك وعيوبك فقد كرهت به التطويل.
وأما أنت يا عمرو بن عثمان فلم تكن للجواب حقيقا بحمقك، أن تتبع هذه الأمور، فإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: استمسكي فإني أريد أن أنزل عنك، فقالت لها النخلة :ما شعرت بوقوعك، فكيف يشق عليّ نزولك.
1) أقول: فيه غرابة، حيث إنه كان للحسين (عليه السلام) حين ولى عثمان الخلافة أكثر من عشرين سنة، فكيف اجتره أبو سفيان وكيف نتر يده وكيف كان يهلك لولا النعمان بن بشير؟
وإني والله ما شعرت أنك تجسر أن تعادي لي فيشق علي ذلك، وإني لمجيبك في الذي قلت: إن سبّك علياً (عليه السلام) أينقص في حسبه، أو يباعده من رسول الله، أو بسوء بلائه في الإسلام، أو بجور في حكم أو رغبة في الدنيا؟ فإن قلت واحدة منها فقد كذبت.
وأما قولك: إن لكم فينا تسعة عشر دما بقتلى مشركي بني أمية ببدر، فإن الله ورسوله قتلهم، ولعمري لتقتلن من بني هاشم تسعة عشر وثلاثة بعد تسعة عشر ثم يقتل من نبي أمية تسعة عشر وتسعة عشر في موطن واحد سوى ما قتل من بني أمية لا يحصي عددهم إلا الله، وأن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)قال: إذا بلغ ولد الوزغ ثلاثين رجلاً: أخذوا مال الله بينهم دولاً، وعباده خولاً، وكتابه دغلاً، فإذا بلغوا ثلاثمائة وعشر حقت اللعنة عليهم ولهم، فإذا بلغوا أربعمائة وخمسة وسبعين كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة، فأقبل الحكم بن أبي العاص وهم في ذلك الذكر والكلام فقال رسول الله: أخفضوا أصواتكم فإن الوزغ يسمع، وذلك حين رآهم رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ومن يملك بعده منهم أمر هذه الأمة - يعني في المنام - فساءه ذلك وشقّ عليه، فأنزل الله عزوجل في كتابه وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ(1)، يعني: بني أمية، وأنزل أيضاً: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (2)فأشهد لكم، وأشهد عليكم، ما سلطانكم بعد قتل علي إلا ألف شهر التي أجلها الله عز وجل في كتابه.
وأما أنت يا عمرو بن العاص الشاني اللعين الأبتر، فإنما أنت كلب أول أمرك، أن أمك بغية، وأنك ولدت على فراش مشترك، فتحاكمت فيك رجال قريش منهم أبو سفيان بن الحرب، والوليد بن المغيرة، وعثمان بن الحرث، والنضر بن الحرث بن كلدة، والعاص بن وائل، كلهم يزعم أنك ابنه، فغلبهم عليك من بين قريش ألأمهم حسباً، وأخبثهم منصباً، وأعظمهم بغية، ثم قمت خطيباً وقلت: أنا شانيء محمد، وقال العاص بن وائل: إن محمداً رجل أبتر لا ولد له، فلو قد مات انقطع ذكره، فأنزل الله تبارك وتعالى: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (1)وكانت أمك تمشي إلى عبد قيس تطلب البغية، تأتيهم في دورهم ورجالهم وبطون أوديتهم، ثم كنت في كل مشهد يشهده رسول الله من عدوه أشدهم له عداوة، وأشدهم له تكذيباً، ثم كنت في أصحاب السفينة: الذين أتوا النجاشي والمهجر الخارج إلى الحبشة في الإشاطة بدم جعفر بن أبي طالب وسائر المهاجرين إلى النجاشي، فحاق المكر السيء بك، وجعل جدك الأسفل، وأبطل أمنيتك، وخيب سعيك، وأكذب أحدوثتك، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا.
وأما قولك في عثمان، فأنت يا قليل الحياء والدين الهبت عليه نارا، ثم هربت إلى فلسطين تتربص به الدوائر ، فلما أتاك خبر قتله حبست نفسك على
معاوية، فبعته دينك يا خبيث بدنيا غيرك، ولسنا نلومك على بغضنا، ولم نعاتبك على حبنا، وأنت عدو لبني هاشم في الجاهلية والإسلام، وقد هجوت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بسبعين بيتا من شعر، فقال رسول الله : " اللهم إني لا
1) الكوثر : 3 .
أحسن الشعر، ولا ينبغي لي أن أقوله فالعن عمرو بن العاص بكل بيت ألف لعنة ".
ثم أنت يا عمرو المؤثر دنياك على دينك أهديت إلى النجاشي الهدايا، ورحلت إليه رحلتك الثانية، ولم تنهك الأولى عن الثانية، كل ذلك ترجع مغلوباً، حسيراً، تريد بذلك هذاك جعفر وأصحابه، فلما أخطأك ما رجوت وأملت أحلت على صاحبك عمارة بن الوليد.
وأما أنت يا وليد بن عقبة فوالله ما ألومك أن تبغض علياً وقد جلدك في الخمر ثمانين جلدة، وقتل أباك صبراً بيده يوم بدر، أم كيف تسبّه وقد سمّاه الله مؤمناً في عشرة آيات من القرآن، وسمّاك فاسقاً، وهو قول الله عز وجل: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(1)، وقوله: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(2)، وما أنت وذكر قريش وإنما أنت ابن علج من أهل صفورية اسمه: " ذكوان ".(3)
1) السجدة : 18.
2) الحجرات : 6.
3) قال ابن الجوزي في التذكرة ص 118 في ذكر القصة انه لما كان الوليد بن عقبة والياً على الكوفة سنة 26 صلّى يوما بهم وهو سكران الفجر أربعاً، فجاء الناس إلى عثمان وشهدوا عنده أنه شرب الخمر، فرمی عثمان السوط إلى علي وقال له حده فقال علي لولده الحسن قم فحده، فامتنع الحسن وقال: ليتولى حارها من تولى قارها فقال لعبد الله بن جعفر: قم فاجلده، فامتنع توقياً لعثمان، فأخذ السوط علي عليه السلام نفسه ودنا من الوليد فجلده. فلما سبّه الوليد قال له عقيل بن أبي طالب وكان حاضراً يا فاسق، ما تعلم من أنت؟ ألست علجاً من أهل صفورية (قرية بين عكا واللجون من أعمال (الأردن) كان أبوك يهودياً منها.
وأما زعمك أنا قتلنا عثمان فوالله ما استطاع طلحة، والزبير، وعائشة، أن يقولوا ذلك لعلي بن أبي طالب فكيف تقوله أنت، ولو سألت أمك من أبوك إذ تركت ذكوان فألصقتك بعقبة بن أبي معيط، اكتسبت بذلك عند نفسها سناء ورفعة، مع ما أعد الله لك ولأبيك ولأمك من العار والخزي في الدنيا والآخرة، وما الله بظلام للعبيد.
ثم أنت يا وليد والله أكبر في الميلاد ممن تدعى له، فكيف تسب علياً ولو اشتغلت بنفسك لتثبت نسبك إلى أبيك لا إلى من تدعى له، ولقد قالت لذلك أمك " يا بني أبوك والله ألأم وأخبث من عقبة ".
وأما أنت يا عتبة بن أبي سفيان: فوالله ما أنت بحصيف فأجاوبك، ولا عاقل فأعاقبك، وما عندك خير يرجى، وما كنت ولو سببت عليا لأعير به عليك، لأنك عندي لست بكفؤ لعبد علي بن أبي طالب فأرد عليك، وأعاتبك، ولكن الله عز وجل لك ولأبيك وأمك وأخيك لبالمرصاد، فأنت ذرية آبائك الذين ذكرهم الله في القرآن فقال: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً *تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ(1).
وأما وعيدك إياي أن تقتلني، فهلا قتلت الذي وجدته على فراشك مع حليلتك، وقد غلبك على فرجها وشركك في ولدها حتى الصق بك ولداً ليس لك، ويلاً لك لو شغلت نفسك بطلب ثأرك منه كنت جديراً، ولذلك حرياً، إذ
1) الغاشية : 3 - 7
تسومني القتل وتوعدني به، ولا ألومك أن تسب علياً وقد قتل أخاك مبارزة، واشترك هو وحمزة بن عبد المطلب في قتل جدك حتى أصلاهما الله على أيديهما نار جهنم وأذاقهما العذاب الأليم، ونفى عمك بأمر رسول الله.
وأما رجائي الخلافة، فلعمر الله إن رجوتها فإن لي فيها لملتمسا، وما أنت بنظير أخيك، ولا بخليفة أبيك، لأن أخاك أكثر تمرداً على الله، وأشد طلباً لإهراقه دماء المسلمين، وطلب ما ليس له بأهل، يخادع الناس ويمكرهم، ويمكر الله والله خير الماكرين. وأما قولك: " إن عليا كان شر قريش لقريش " فو الله ما حقر مرحوماً ولا قتل مظلوماً .
وأما أنت يا مغيرة بن شعبة ! فإنك لله عدو، ولكتابه نابذ، ولنبيه مكذب وأنت الزاني وقد وجب عليك الرجم(1)، وشهد عليك العدول البررة الأتقياء، فأخّر رجمك، ودفع الحق بالأباطيل، والصدق بالأغاليط وذلك لما أعد الله لك من العذاب الأليم، والخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وأنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حتى أدميتها وألقت ما في بطنها، استدلالاً منك لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومخالفة منك لأمره، وانتهاكا لحرمته وقد قال لها رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): " يا فاطمة أنت
1) إشارة إلى زنا مغيرة بن شعبة بأم جميل وكان والياً على الكوفة سنة ،17، فجاء أربعة من الشهود وهم أبو بكرة ونافع بن الحارث وشبل بن معبد وزياد بن عبيد إلى عمر فشهد الثلاثة الأول صريحاً وتلكأ الآخر بعد ما أفهمه عمر رغبته في أن لا يخزى المغيرة، فدرء عنه الحد وحد الثلاثة الأول حد القذف والقصة مشهورة أخرجها الحاكم في ترجمة المغيرة في المستدرك ج 3 ص 448 .
سيدة نساء أهل الجنة " والله مصيرك إلى النار، وجاعل وبال ما نطقت به عليك، فبأي الثلاثة سببت علياً، أنقصا في نسبه، أم بعداً من رسول الله، أم سوء بلاء في الإسلام، أم جوراً في حكم، أم رغبة في الدنيا؟ ! إن قلت بها فقد كذبت وكذبك الناس، أتزعم أن علياً (عليه السلام) قتل عثمان مظلوماً؟ ! فعلی والله أتقى وأنقى من لائمه في ذلك، ولعمري لئن كان علي قتل عثمان مظلوماً فوالله ما أنت من ذلك في شيء، فما نصرته حياً ولا تعصبت له ميتاً، وما زالت الطائف دارك تتبع البغايا، وتحيي أمر الجاهلية، وتميت الإسلام، حتى كان ما كان في أمس.
وأما اعتراضك في بني هاشم وبني أمية فهو ادعاءك إلى معاوية. وأما قولك في شأن الإمارة وقول أصحابك في الملك الذي ملكتموه، فقد ملك فرعون مصر أربعمائة سنة، وموسى وهارون نبيان مرسلان(عليهما السلام) يلقيان ما يلقيان من الأذى، وهو ملك الله يعطيه البر والفاجر، وقال الله: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(1)وقال: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا(2).
ثم قام الحسن فنفض ثيابه وهو يقول: " الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات "هم والله يا معاوية: أنت وأصحابك هؤلاء وشيعتك، "والطيبون للطيبات - أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم" هم: علي بن
أبي طالب (عليه السلام) وأصحابه وشيعته.
ثم خرج وهو يقول لمعاوية: ذق وبال ما كسبت يداك وما جنت، ما قد أعد الله لك ولهم من الخزي في الحياة الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.
فقال معاوية لأصحابه: وأنتم فذوقوا وبال ما جنيتم.
فقال الوليد بن عقبة: والله ما ذقنا إلا كما ذقت، ولا اجترأ إلا عليك.
فقال معاوية: ألم أقل لكم إنكم لن تنتقصوا من الرجل فهلا أطعتموني أول مرة فانتصرتم من الرجل إذ فضحكم، فوالله ما قام حتى أظلم علي البيت، وهممت أن أسطو به فليس فيكم خير اليوم ولا بعد اليوم.(1)
قال: وسمع مروان بن الحكم بما لقي معاوية وأصحابه المذكورون من الحسن بن علي(عليهما السلام) ، فأتاهم فوجدهم عند معاوية في البيت فسألهم:
ما الذي بلغني عن الحسن وزعله؟
قالوا: قد كان كذلك.
فقال لهم مروان: أفلا أحضر تموني ذلك. فوالله لأسبّنه ولأسبّنّ أباه وأهل البيت سبّاً تتغنّى به الإماء والعبيد.
فقال معاوية والقوم: لم يفتك شيء وهم يعلمون من مروان بذو لسان وفحش .
1) الاحتجاج 1 : 401 - 406 .
فقال مروان: فأرسل إليه يا معاوية فأرسل معاوية إلى الحسن بن علي.
فلما جاء الرسول قال له الحسن (عليه السلام): ما يريد هذا الطاغية مني ؟ والله إن أعاد الكلام لأوقرن مسامعه ما يبقى عليه عاره وشناره إلى يوم القيامة.
فأقبل الحسن فلما جاءهم وجدهم بالمجلس على حالتهم التي تركهم فيها، غير أن مروان قد حضر معهم في هذا الوقت، فمشى الحسن(عليه السلام) حتى جلس على السرير مع معاوية وعمرو بن العاص.
ثم قال الحسن لمعاوية: لم أرسلت إلي؟
قال: لست أنا أرسلت إليك ولكن مروان الذي أرسل إليك.
فقال مروان أنت يا حسن السباب لرجال قريش؟
فقال له الحسن: وما الذي أردت؟
فقال مروان: والله لأسبّنك وأباك وأهل بيتك سبّاً تتغنّى به الإماء والعبيد.
فقال الحسن (عليه السلام): أما أنت يا مروان فلست أنا سببتك ولا سببت أباك، ولكن الله عزوجل لعنك ولعن أباك، وأهل بيتك، وذريتك، وما خرج من صلب أبيك إلى يوم القيامة، على لسان نبيه محمد(1)
قال: دخل على شق الجدار وأنا مع زوجتي فلانة، فكلح في وجهي.
وروى في حديث لعائشة أنها قالت لمروان: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله لعن أباك وأنت في صلبه .
أقول وترى مثل ذلك في الاستيعاب وأسد الغابة وطبقات ابن سعد وغير ذلك من كتب التراجم .
1) أقول: لعن رسول الله الحكم بن أبي العاص ومروان في صلبه روى ابن الحجر في الإصابة قال: دخل عليه أصحاب رسول الله وهو يلعن الحكم بن أبي العاص فقالوا: يا رسول الله ماله؟
والله يا مروان، ما تنكر أنت ولا أحد ممن حضر هذه اللعنة من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لك ولأبيك من قبلك، وما زادك الله يا مروان بما خوفك إلا طغياناً كبيراً، وصدق الله وصدق رسوله يقول الله تبارك وتعالى والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيرا(1)، وأنت يا مروان وذريتك الشجرة الملعونة في القرآن، وذلك عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عن جبرئيل عن الله عزوجل.
فوثب معاوية فوضع يده على فم الحسن وقال: يا أبا محمد، ما كنت فحاشاً ولا طياشاً، فنفض الحسن(عليه السلام) ثوبه، وقام فخرج، فتفرق القوم عن المجلس بغيظ، وحزن، وسواد الوجوه في الدنيا والآخرة.(2).
قال أبو مخنف: كان بين الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام) وبين الوليد بن عقبة كلام، فقال له الحسن(عليه السلام): لا ألومك أن تسب علياً (عليه السلام) وقد جلدك في الخمر ثمانين سوطا، وقتل أباك صبرا بأمر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)في يوم بدر، وقد سمّاه الله عز وجل في غير آية مؤمناً، وسمّاك فاسقاً، وقد قال الشاعر فيك وفي علي (عليه السلام) :
أنزل الله في الكتاب علينا*** في علي وفي الوليد قرآنا
فتبوأ الوليد منزل كفر*** وعلي تبوأ الأيمانا
ليس من كان مؤمناً يعبد الله*** كمن كان فاسقاً خوّانا
سوف يدعى الوليد بعد قليل*** وعلي إلى الجزاء عياناً
فعلي يجزى هناك جنانا*** وهناك الوليد يجزى هوانا(1)
روى إسماعيل بن ابان عن الحسن بن علي (عليهما السلام) انه مرّ في مسجد رسول الله بحلقة فيها قوم من بني أمية، فتغامزوا به، وذلك عندما تغلب معاوية على ظاهر أمره فرآهم و تغامزهم به، فصلى ركعتين فقال: قد رأيت تغامزكم، أما والله لا تملكون يوماً إلا ملكنا يومين ولا شهراً إلا ملكنا شهرين ولا سنة إلا ملكنا سنتين، وانا لنأكل في سلطانكم ونشرب ونلبس ونركب وننكح وأنتم لا تركبون في سلطاننا ولا تشربون ولا تأكلون ولا تنكحون.
فقال له رجل: فكيف يكون ذلك يا أبا محمد؟ وأنتم أجود الناس وأرأفهم وأرحمهم، تأمنون في سلطان القوم ولا يأمنون في سلطانكم، فقال: لأنهم عادونا بكيد الشيطان وهو ضعيف وعاديناهم بكيد الله وكيد الله شديد.(2).
قال معاوية للحسن بن علي(عليه السلام): أنا أخير منك يا حسن .
قال: وكيف ذاك يا ابن هند؟!
قال: لأن الناس قد أجمعوا عليّ ولم يجمعوا عليك!
قال: هيهات هيهات لشر ما علوت يا ابن آكلة الأكباد المجتمعون عليك رجلان بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص الله ، والمكروه معذور بكتاب الله وحاشى لله أن أقول أنا خير منك، فلا خير فيك، ولكن الله برأني من الرذائل كما برأك من الفضائل.(1)
عن ابن عباس في قوله: وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (2)أنه جلس الحسن بن علي ويزيد بن معاوية بن أبي سفيان يأكلان الرطب، فقال يزيد: يا حسن إني مذ كنت أبغضك.
قال الحسن: اعلم يا يزيد أن إبليس شارك أباك في جماعه فاختلط الماء آن فأورثك ذلك عداوتي، لأن الله تعالى يقول: " ووَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِد، وشارك الشيطان حرباً عند جماعه فولد له صخر، فلذلك كان يبغض جدي رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم).(3).
تفاخرت قريش والحسن بن علي حاضر لا ينطق، فقال معاوية: يا أبا محمد ما لك تنطق ؟ فوالله ما أنت بمشوب الحسب ولا بكليل اللسان.
قال الحسن (عليه السلام): ما ذكروا فضيلة إلا ولي محضها ولبابها، ثم قال:
فيم الكلام وقد سبقت مبرزا*** سبق الجواد من المدى المتنفس(1)
وقال ابن أبي حاتم: ان معاوية فخر يوماً فقال: أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن اعززها جوداً، وأكرمها جدوداً ، انا ابن ساد قريشا فضلاً ناشياً وكهلاً.
فقال الحسن بن علي (عليه السلام): أعلي تفخر يا معاوية ! أنا ابن عروق الثرى، أنا ابن مأوى التقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالفضل السابق والحسب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، فهل لك أب كأبي تباهيني به؟ وقديم كقديمي تساميني به؟ تقول نعم أو لا؟
قال معاوية بل أقول: لا، وهي لك تصديق.
فقال الحسن(عليه السلام):
الحق أبلج ما يحيل سبيله*** والحق يعرفه ذوو الألباب (2)
روى المدائني، قال: لقي عمرو بن العاص الحسن (عليه السلام) في
الطواف، فقال له: يا حسن زعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك، فقد رأيت الله أقامه بمعاوية، فجعله راسياً بعد ميله، وبينا بعد خفائه، أفرضي الله بقتل عثمان، أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطحين، عليك ثياب كغرقيء(1)البيض، وأنت قاتل عثمان، والله إنه لألم للشعث، وأسهل للوعث، أن يوردك معاوية حياض أبيك .
فقال الحسن (عليه السلام): إن لأهل النار علامات يعرفون بها، إلحادا لأولياء الله، وموالاة لأعداء الله، والله إنك لتعلم أن علياً لم يرتب في الدين، ولايشك في الله ساعة ولا طرفة عين قط، وأيم الله لتنتهين يا بن أم عمرو أو لأنفذن حضنيك بنوافذ أشد من القعضبية(2): فإياك والتهجّم علي، فإني من قد عرفت، لست بضعيف الغمزة ، ولا هش المشاشة(3)، ولا مرئ المأكلة، وإني من قريش كواسطة القلادة، يعرف حسبي، ولا أدعى لغير أبي، وأنت من تعلم ويعلم الناس، تحاكمت فيك رجال قريش، فغلب عليك جزاروها، ألأمهم حسباً، وأعظمهم لؤماً، فإياك عنى، فإنك رجس، ونحن أهل بيت الطهارة، أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا. فأفحم عمرو وانصرف كثيباً. (4)
قال أبو الحسن المدائني: طلب زياد رجلاً من أصحاب الحسن ممن كان
في كتاب الأمان، فكتب إليه الحسن: من الحسن بن علي إلى زياد، أما بعد: فقد علمت ما كنا أخذنا من الأمان لأصحابنا وقد ذكر لي فلان أنك تعرضت له فأحب أن لا تتعرض له إلا بخير والسلام.
فلما أتاه الكتاب وذلك بعد أن ادّعاه معاوية، غضب حيث لم ينسبه إلى أبي سفيان فكتب إليه:
من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن، أما بعد: فإنه أتاني كتابك في فاسق يؤويه الفساق من شيعتك وشيعة أبيك، وأيم الله لأطلبنه بين جلدك ولحمك وإن أحب الناس إلي لحما أنا آكله للحم أنت منه، والسلام.
فلما قرأ الحسن الكتاب بعث به إلى معاوية، فلما قرأه غضب وكتب:
من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد، أما بعد: فان لك رأيين: رأياً من أبي سفيان ورأياً من سمية، فأما رأيك من أبي سفيان فحلم وحزم، وأما رأيك من سمية فما يكون من مثلها؟
إن الحسن بن علي كتب إلي أنك عرضت لصاحبه، فلا تعرض له فاني أجعل لك عليه سبيلاً.(1)
1 - عن أبي جميلة أن الحسن بن علي (عليه السلام) حين قتل علي (عليه السلام) أستخلف، فبينما هو يصلي بالناس إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر في وركه فتمرض منها أشهراً ثم قام على المنبر يخطب فقال:
1) بحار الأنوار 44 : 92.
الله
يا أهل العراق، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل البيت الذي قال الله عزّ وجل: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا .
فما زال يومئذ يتكلم حتى ما يرى في المسجد إلا باكياً.(1)
2 - يزيد بن الأصم قال: خرجت مع الحسن وجارية تحت شيئا من الحناء عن أظفاره فجاءته إضبارة من كتب، فقال: يا جارية هات المخضب، فصبّ فيه ماء والقي الكتب في الماء، فلم يفتح منها شيئاً ولم ينظر إليه، فقلت: يا أبا محمد، ممن هذه الكتب؟
قال: من أهل العراق، من قوم لا يرجعون إلى حق، ولا يقصرون عن باطل، أما إني لست أخشاهم على نفسي ذلك- وأشار إلى الحسين (عليه السلام)- (2).
عن أبي مجلز قال: قال عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة لمعاوية: إن الحسن بن علي عيى وإن له كلاماً ورأياً، وإنه قد علمنا كلامه فيتكلم كلاماً فلا يجد كلاماً.
فقال: لا تفعلوا، فأبوا عليه، فصعد عمرو المنبر فذكر علياً ووقع فيه.
ثم صعد المغيرة بن شعبة، فحمد الله وأثنى عليه ثم وقع في علي (عليه
السلام). ثم قيل للحسن بن علي اصعد.
فقال: لا أصعد ولا أتكلم حتى تعطوني إن قلت حقاً أن تصدقوني، وأن قلت باطلاً أن تكذبوني، فأعطوه فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه.
فقال: بالله يا عمرو، وأنت يا مغيرة تعلمان أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال : " لعن الله السائق والراكب " أحدهما فلان.
قالا: اللهم نعم.
قال: أنشدك الله يا معاوية ويا مغيرة، أتعلمان أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لعن عمراً بكل قافية قالها لعنة؟
قالا: اللهم نعم.
قال: أنشدك الله يا عمرو وأنت يا معاوية بن أبي سفيان، أتعلمان أن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لعن قوم هذا.(1)
قالا: بلی.
قال الحسن: فإني أحمد الله الذي وقعتم فيمن تبرأ من هذا.(2)
وهرب سعيد بن سرح من زياد إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) فكتب الحسن إليه يشفع فيه، فكتب زياد من زياد: بن أبي سفيان إلى الحسن بن
فاطمة، أما بعد: فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة، وأنا سلطان وأنت سوقة، وذكر نحوا من ذلك.
فلما قرأ الحسن الكتاب تبسّم وأنفذ بالكتاب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى زياد يؤنبه ويأمره أن يخلي عن أخي سعيد وولده وامرأته ورد ماله وبناء ما قد هدمه من داره.
ثم قال: وأما كتابك إلى الحسن باسمه واسم أمه، لا تنسبه إلى أبيه، وأمه بنت رسول الله وذلك أفخر له إن كنت تعقل.(1)
وروي ان الحسن بن علي (عليهما السلام) قال لحبيب بن مسلمة الفهري: رب مسیر لك في غير طاعة.
قال: أما مسيري إلى أبيك فلا.
قال: بلى، ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في آخرتك، فلو كنت إذا فعلت شراً قلت خيراً كنت كما قال الله عز وجل خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا (2)، ولكنك كما قال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(3)(4).
روي إن معاوية مرّ بحلقة من قريش، فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس فقال له: يا ابن عباس، ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلا لموجدة أني قاتلتكم بصفين؟ فلا تجد من ذلك يا ابن عباس، فان عثمان قتل مظلوماً.
قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوماً.
قال: عمر قتله كافر.
قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟
قال: قتله المسلمون.
قال: فذاك أدحض لحجتك.
قال: فانا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته (عليهم السلام) فكف لسانك.
فقال: يا معاوية أتنهانا عن قراءة القرآن؟
قال: لا.
قال: أفتنهانا عن تأويله؟
قال: نعم.
قال: فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به؟
ثم قال: فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟
قال: العمل به؟
قال: كيف نعمل به ولا نعلم ما عنى الله ؟
قال: سل عن ذلك من يتأوّله على غير ما تتأوّله أنت وأهل بيتك!
قال: إنما انزل القرآن على أهل بيتي، أنسأل عنه آل أبي سفيان؟ يا معاوية أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام فإن لم تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف.
قال: اقرءوا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئاً مما أنزل الله فيكم، وأرووا ما سوى ذلك.
قال: فان الله يقول في القرآن: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(1)
قال: يا ابن عباس، أربع على نفسك، وكف لسانك، وإن كنت لابد فاعلاً فليكن ذلك سراً لا يسمعه أحد علانية.
ثم رجع إلى بيته، فبعث إليه بمائة ألف درهم. ونادى منادي معاوية: أن برئت الذمة ممن روى حديثاً في مناقب علي وفضل أهل بيته.(2)
قدم معاوية بن أبي سفيان حاجاً في خلافته، فاستقبله أهل المدينة فنظر
فإذا الذين استقبلوه ما منهم( إلا ) قرشي، فلما نزل قال: ما فعلت الأنصار وما بالهم لم يستقبلوني؟
فقيل له: إنهم محتاجون ليس لهم دواب.
فقال معاوية: وأين نواضحهم؟
فقال قيس بن سعد بن عبادة - وكان سيد الأنصار وابن سيدها : أفنوها يوم بدر واحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حين ضربوك وأباك على الاسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون، فسكت معاوية.
فقال قيس: أما إن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)عهد إلينا أنا سنلقي بعده أثرة.
قال معاوية: فما أمركم به؟
فقال: أمرنا أن نصبر حتى نلقاه.
قال: فاصبروا حتى تلقوه.(1)
روي إن الحسن (عليه السلام) غاب أياماً ثم رجع حتى دخل على معاوية وعنده عبد الله بن الزبير، فقال معاوية: يا أبا محمد إني أظنك تعباً نصبا فأت المنزل فأرح نفسك.
1) روى البخاري في باب مناقب الأنصار :2 : 311، قال: حدثني محمد بن بشار حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن هشام قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) للأنصار: انكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني وموعدكم الحوض .
فقام الحسن (عليه السلام)، فخرج، فقال معاوية لعبد الله بن الزبير: لو افتخرت على الحسن فأنت ابن حواري الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وابن عمته ولأبيك في الاسلام نصيب وافر.
فقال ابن الزبير: أنا له، ثم جعل ليلته يطلب الحج، فلما أصبح دخل على معاوية وجاء الحسن (عليه السلام) فحيّاه معاوية وسأله عن مبيته فقال: خير مبيت وأكرم مستفاض، فلما استوى في مجلسه قال ابن الزبير: لولا أنك خوار في الحروب غير مقدام ما سلمت لمعاوية الأمر وكنت لا تحتاج إلى اختراق السهول وقطع المراحل والمفاوز تطلب معروفه وتقوم ببابه وكنت حرياً أن لا نفعل ذلك وأنت ابن علي في بأسه ونجدته، فما أدري ما الذي حملك على ذلك، أضعف حال أم وهى نجيرة، ما أظن لك مخرجاً من هذين الحالين.
أما والله، لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أنني ابن الزبير وإني لا أنكص عن الأبطال، وكيف لا أكون كذلك وجدتي صفية بنت عبد المطلب وأبي الزبير حواري رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأشد الناس بأساً، وأكرمهم حسباً في الجاهلية، وأطوعهم لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)؟!
فالتفت الحسن إليه وقال: أما والله، لولا أن بني أمية تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت عنك تهاوناً بك، ولكن سأبين ذلك لتعلم إني لست بالكليل.
أإياي تعيّر وعلي تفتخر ولم تك لجدك(1)في الجاهلية مكرمة إلا تزوّجه عمتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ بها على جميع العرب وشرف بمكانها،
1) المراد به العوام بن خويلد بن أسد أبو الزبير. انظر: المعارف: 219.
فكيف تفاخر من في القلادة واسطتها وفي الأشراف سادتها، نحن أكرم أهل الأرض زنداً. لنا الشرف الثاقب والكرم الغالب، ثم تزعم إني سلمت الأمر لمعاوية، فكيف يكون، ويحك كذلك وأنا ابن أشجع العرب، ولدتني فاطمة سيدة النساء وخيرة الأمهات، لم أفعل ويحك ذلك جبناً ولا فرقاً، ولكنه بايعني مثلك وهو يطلب بترة ويداجيني المودة فلم أثق بنصرته لأنكم بيت غدر وأهل أحن ووتر، فكيف لا تكون كما أقول؟ وقد بايع أمير المؤمنين أبوك، ثم نكث بيعته ونكص على عقبيه واختدع حشية من حشايا رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)ليضل بها الناس، فلما دلف نحو الأعنة ورأى بريق الأسنة قتل بمضيعة لا ناصر له وأتي بك أسيراً، وقد وطئتك الكماة بأظلافها والخيل بسناكبها، واعتلاك الأشتر فغصصت بريقك وأقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشه الليوث، فنحن نور البلاد وأملاكها، وبنا تفتخر الأمة وإلينا تلتقي مقاليد الأزمة، نصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء، لم تزل الأقاويل منا مقبولة وعليك وعلى أبيك مردودة دخل الناس في دين جدي طائعين وكارهين، ثم بايعوا أمير المؤمنين صلوات الله عليه فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)فقتلا عند نكثهما بيعته وأتي بك أسيرا تبصبص بذنبك فناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وأبي سيد أبيك فذق وبال أمرك.
فقال بن الزبير: اعذرنا يا أبا محمد، فإنما حملني على محاورتك هذا، واشتهى الاغراء بيننا فهلا إذا جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم.
قال الحسن (عليه السلام): يا معاوية انظر أأكع عن محاورة أحد ويحك، أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ انته قبل أن اسمك بسمة يتحدث بها الركبان في آفاق البلدان.
قال ابن الزبير : هو لذلك أهل.
فقال معاوية: أما إنه قد شفا بلابل صدري منك ورمی مقتلك فبقيت في يده كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف شاء فلا أراك تفتخر على أحد بعد هذا. (1).
استأذن الحسن بن علي (عليه السلام) يوماً على معاوية وعنده عبد الله بن جعفر وعمرو بن العاص، فأذن له، فلما أقبل قال عمرو: قد جاءكم الافه العيبي الذي كان بين لحييه عبلة.
فقال عبد الله بن جعفر: مه، فوالله لقد رمت صخرة ململمة تنحط عنها السيول وتقصر دونها الوعول، ولا تبلغها السهام، فإياك والحسن إياك، فإنك لا تزال رائعاً في لحم رجل من قريش، ولقد رميت فما برح سهمك، وقدحت فما أورى زندك.
فسمع الحسن (عليه السلام) الكلام، فلما أخذ الناس مجالسهم قال:
يا معاوية، لا يزال عندك عبد رائعاً في لحوم الناس، أما والله لو شئت
1) منهاج البراعة 19 : 147 ، عن كتاب المحاسن والمساوىء للبيهقي: 46.
ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الأمور وتحرج منه الصدور، ثم أنشأ يقول:
أتأمر يا معاوي عبد سهم*** بشتمي والملا منا شهود
إذا أخذت مجالسها قريش***فقد علمت قريش ما ترید
قصدت إلي تشتمني سفاها*** لضغن ما يزول وما يبيد
فما لك من أب كأبي تسامي*** به من قد تسامي أو تكيد
ولا جد كجدي يا ابن هند*** رسول الله إن ذكر الجدود
ولا أم كأمي من قريش*** إذا ما يحصل الحسب التليد
فما مثلي تهكم يا ابن هند*** ولا مثلي تجاريه العبيد
فمهلاً لا تهج منا أموراً *** يشيب لها معاوية الوليد(1)
روي سليم بن قيس، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: قال لي معاوية :ما أشد تعظيمك للحسن والحسين، ما هما بخير منك ولا أبوهما بخير من أبيك، ولولا أن فاطمة بنت رسول الله لقلت: ما أمك أسماء بنت عميس بدونها.
قال: فغضبت من مقالته وأخذني ما لا أملك فقلت: أنت لقليل المعرفة بهما، وبأبيهما وأمهما ! بلى والله إنهما خير مني وأبوهما خير من أبي وأمهما خير من أمي، ولقد سمعت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقول فيهما وفي أبيهما وأنا غلام فحفظته منه ووعيته.
فقال معاوية - وليس في المجلس غير الحسن والحسين وابن جعفر وابن
1) المحاسن والمساويء للبيهقي: 50. العقد الفريد 4 : 42 ، منهاج البراعة 19 : 150
عباس وأخيه الفضل - هات ما سمعت ! فوالله ما أنت بكذاب.
فقال: إنه أعظم مما في نفسك.
قال: وإن كان أعظم من أحد وحراء فأته ما لم يكن أحد من أهل الشام! أما إذا قتل الله طاغيتكم وفرق جمعكم، وصار الأمر في أهله ومعدنه فما نبالي ما قلتم ولا يضرنا ما ادعيتم .
قال: سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن كنت أولى به من نفسه فأنت يا أخي أولى به من نفسه. وعلي بين يديه في البيت والحسن والحسين وعمرو بن أم سلمة وأسامة بن يزيد، وفي البيت فاطمة (عليها السلام) وأم أيمن وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام، وضرب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)على عضده وأعاد ما قال فيه ثلاثاً ! ثم نص بالإمامة على الأئمة تمام الاثني عشر (عليهم السلام).
ثم قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم): لأمتي اثنا عشر إمام ضلالة كلهم ضال مضل! عشرة من بني أمية ورجلان من قريش، وزر جميع الاثني عشر وما أضلوا في أعناقهما، ثم سماهما رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وسمى العشرة منهما!
قال: فسمهّم لنا.
قال فلان وفلان وفلان، وصاحب السلسلة وابنه من آل أبي سفيان، وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص أولهم مروان .
قال معاوية: لئن كان ما قلت حقاً هلكت وهلكت الثلاثة قبلي وجميع من تولاهم من هذه الأمة ! وهلك أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار والتابعين من غيركم وأهل البيت وشيعتكم!
قال ابن جعفر: فإن الذي قلت والله حق سمعته من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
قال معاوية للحسن والحسين وابن عباس: ما يقول ابن جعفر ؟
قال ابن عباس: ومعاوية بالمدينة أول سنة اجتمع عليه الناس بعد قتل علي (عليه السلام ): أرسل إلى الذي سمي فأرسل إلى عمرو بن أم سلمة، وأسامة، فشهدوا جميعاً أن الذي قال ابن جعفر حق قد سمعوا من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كما سمعه.
ثم أقبل معاوية إلى الحسن، والحسين، وابن عباس، والفضل، وابن أم سلمة وأسامة. قال: كلكم على ما قال ابن جعفر ؟
قالوا: نعم.
قال معاوية: فإنكم يا بني عبد المطلب لتدعون أمراً وتحتجّون بحجّة قوية إن كانت حقاً، وإنكم لتبصرون على أمر وتسترونه والناس في غفلة وعمى! ولئن كان ما تقولون حقاً لقد هلكت الأمة ورجعت عن دينها وكفرت بربها وجحدت نبيها، إلا أنتم أهل البيت ومن قال بقولكم وأولئك قليل في الناس!
فأقبل ابن عباس على معاوية فقال: قال الله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(1).
وقال وقليل ما هم وما تعجب منا يا معاوية فاعجب من بني إسرائيل، إن
1) سبأ : . 13 .
السحرة قالوا لفرعون: فاقض ما أنت قاض فآمنوا بموسى وصدقوه ثم سار بهم ومن اتبعهم من بني إسرائيل فأقطعهم البحر وأراهم العجائب وهم مصدقون بموسى وبالتوراة يقرون له بدينه، ثم مروا بأصنام تعبد فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون ! وعكفوا على العجل جميعاً غير هارون فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى، وقال لهم موسى بعد ذلك: أدخلوا الأرض المقدسة، فكان من جوابهم ما قصّ الله عزوجل عليهم: قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، فما اتباع هذه الأمة رجالاً سودوهم وأطاعوهم، وأطاعوهم، ما لهم سوابق مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)و منازل قريبة منها، مقرّين بدین محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وبالقرآن، حملهم الكبر والحسد أن خالفوا إمامهم ووليهم، بأعجب من قوم صاغوا من حليهم عجلاً ثم عكفوا عليه يعبدونه ويسجدون له ويزعمون أنه ربّ العالمين، و اجتمعوا على ذلك كلهم غير هارون وحده، وقد بقي مع صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى من أهل بيته ناس: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، والزبير، ثم رجع الزبير وثبت هؤلاء الثلاثة مع إمامهم حتى لقوا الله.
و تعجب يا معاوية أن سمّى الله من الأئمة واحداً بعد واحد، وقد نصّ عليهم رسول الله بغدير خم وفي غير موطن، واحتج بهم عليهم وأمرهم بطاعتهم، وأخبر أن أولهم علي بن أبي طالب ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعده وأنه خليفته فيهم ووصيه! وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جيشاً يوم مؤتة، فقال: عليكم بجعفر، فإن هلك فزيد، فإن هلك فعبد الله بن رواحة، فقتلوا جميعاً، أفترى يترك الأمة ولم يبين لهم من الخليفة بعده، ليختاروا هم لأنفسهم الخليفة، كأن رأيهم لأنفسهم أهدى لهم وأرشد من رأيه واختياره!
وما ركب القوم ما ركبوا إلا بعد ما بينه، وما تركهم رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في عمى ولا شبهة.
فأما ما قال الرهط الأربعة الذين تظاهروا على علي (عليه السلام) وكذبوا على رسول الله وزعموا أنه قال: إن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة، فقد شبهوا على الناس بشهادتهم وكذبهم ومكرهم!
قال معاوية : ما تقول يا حسن؟
قال: يا معاوية قد سمعت ما قلت، وما قال ابن عباس، فالعجب منك يا معاوية ومن قلة حيائك ومن جرأتك على الله حين قلت: قد قتل الله طاغيتكم ورد الأمر إلى معدنه ! فأنت يا معاوية معدن الخلافة دوننا؟ ! ويل لك يا معاوية وللثلاثة قبلك الذين أجلسوك هذا المجلس وسنّوا لك هذه السنّة ! لأقولن كلاماً ما أنت أهله ولكني أقول ليسمعه بنو أبي هؤلاء حولي: إن الناس قد اجتمعوا على أمور كثيرة ليس بينهم اختلاف فيها ولا تنازع ولا فرقة، على: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عبده، والصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، ثم أشياء كثيرة من طاعة الله لا تحصى ولا يعدها إلا الله، واجتمعوا على تحريم الزنا والسرقة والكذب والقطيعة والخيانة، وأشياء كثيرة من معاصي الله لا تحصى ولا يعدها إلا الله، واختلفوا في سنن اقتتلوا فيها وصاروا فرقا يلعن بعضهم بعضا وهي: الولاية، يتبرأ بعضهم عن بعض ويقتل بعضهم بعضاً أيهم أحق وأولى بها، إلا فرقة تتبع كتاب الله وسنة نبيه (صلّی الله علیه وآله وسلّم)فمن أخذ بما عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف ورد علم ما اختلفوا فيه إلى الله، سلم ونجا به من
النار ودخل الجنة. ومن وفقه الله ومن عليه واحتج عليه بأن نور قلبه بمعرفة ولاة الأمر من أئمتهم ومعدن العلم أين هو، فهو عند الله سعيد والله ولي، وقد قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): رحم الله امرء علم حقاً فقال، أو سکت فسلم.
نحن أهل البيت نقول: إن الأئمة منا وإن الخلافة لا تصلح إلا فينا، وإن الله جعلنا أهلها في كتابه وسنة نبيه، وإن العلم فينا ونحن أهله وهو عندنا مجموع كله بحذافيره، وإنه لا يحدث شيء إلى يوم القيامة حتى أرش الخدش إلا وهو عندنا مكتوب بإملاء رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وبخط علي (عليه السلام) بيده.
وزعم قوم: أنهم أولى بذلك منا حتى أنت يا ابن هند تدعي ذلك، وتزعم أن عمر أرسل إلى أبي أني أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إلي بما كتبت من القرآن، فأتاه فقال: تضرب والله عنقي قبل أن يصل إليك.
قال: ولم؟
قال: لأن الله تعالى قال: والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، إياي عنى ولم يعنك ولا أصحابك، فغضب عمر ثم قال: يا ابن أبي طالب تحسب أن أحداً ليس عنده علم غيرك ! من كان يقرأ من القرآن شيئاً فليأتني به، وكان إذا جاء رجل فقرأ شيئاً معه يوافقه فيه آخر كتبه وإلا لم يكتبه.
ثم قالوا: قد ضاع منه قرآن كثير ، بل كذبوا والله، بل هو مجموع محفوظ عند أهله ! ثم أمر أمر عمر قضاته وولاته، اجتهدوا آرائكم واقضوا بما ترون أنه الحق ! فلا يزال هو وبعض ولاته قد وقعوا في عظيمة فيخرجهم منها أبي
ليحتج عليهم بها، فتجمع القضاة عند خليفتهم وقد حكموا في شيء واحد بقضايا مختلفة فأجازها لهم، لأن الله تعالى لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب، وزعم كل صنف من مخالفينا من أهل هذه القبلة: أنهم معدن الخلافة والعلم دوننا ! فنستعين بالله على من ظلمنا وجحدنا حقنا وركب رقابنا، وسن للناس علينا ما يحتج به مثلك ! وحسبنا الله ونعم الوكيل.
إنما الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقنا ويسلم لنا ويأتم بنا فذلك ناج محب الله ولي. وناصب لنا العداوة يتبرأ منا ويلعننا ويستحل دماءنا ويجحد حقنا، ويدين الله بالبراءة منا فهذا كافر مشرك، وإنما كفر وأشرك من حيث لا يعلم كما يسبون الله عدوا بغير علم كذلك يشرك بالله بغير علم. ورجل آخذ بما لا يختلف فيه ورد علم ما أشكل عليه إلى الله، مع ولايتنا ولا يأتم بنا ولا يعادينا ولا يعرف حقنا، فنحن نرجو أن يغفر الله له ويدخله الجنة فهذا
مسلم ضعيف.(1)
عن عكرمة صاحب ابن عباس قال: لمّا حجّ معاوية نزل المدينة فاستؤذن لسعد بن أبي وقاص(2)
معاوي داؤك الداء العياء*** وليس لما تجئ به دواء
أيدعوني أبو حسن علي*** فل أردد عليه ما يشاء
وقلت له اعطني سيفاً قصيراً*** تميز به العداوة والولاء
أتطمع في الذي أعيا علياً*** على ما قد طمعت به العفاء
ليوم منه خیر منك حيا*** وميتا أنت للمرء الفداء
وتوفى سعد بن أبي وقاص سنة خمس وخمسين للهجرة. انظر: أسد الغابة 2: 293 .
عليه فقال لجلسائه: إذا أذنت لسعد وجلس فخذوا عن1) الاحتجاج 2 : 56 ، بحار الانوار 44 : 97.
2) سعد مالك، وهو سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص: مالك بن وهيب، يكنى أبا إسحاق، وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية، أسلم بعد ستة وكان عمره لما أسلم سبع عشرة سنة، وهو أحد الستة أصحاب الشورى الذين عينهم عمر بن الخطاب، شهد بدراً واحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وكان عمر قد عينه والياً على الكوفة، فشكاه ناس من أهلها إلى عمر فعزله عن الكوفة، واستعمله عمر بن الخطاب قائداً لجيوشه الذين سيرهم لقتال الفرس، وهو كان أمير الجيش الذين هزموا الفرس بالقادسية وبجلولاء، وهو الذي فتح المدائن - مدائن كسرى - بالعراق، وهو الذي بنى الكوفة. وولاه عثمان الكوفة ثم عزله، ولما قتل عثمان اعتزل ولم يكن مع أحد من الطوائف المتحاربة، بل لزم بيته، فلما اعتزل طمع فيه معاوية وفي عبد الله بن عمر وفي محمد بن مسلمة فكتب إليهم يدعوهم إلى أن يعينوه على الطلب بدم عثمان ويقول انكم لا تكفرون ما أتيتموه من خذلانه الا بذلك، فأجابه كل واحد منهم يرد عليه ما جاء به وكتب إليه سعد أبيات شعر :
علي بن أبي طالب، فأذن له وجلس معه على السرير.
قال: وشتم القوم أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله، فانسكبت عينا سعد بالبكاء، فقال له معاوية: ما يبكيك يا سعد أتبكي أن يشتم قاتل أخيك عثمان بن عفان؟
قال: والله ما أملك البكاء، خرجنا من مكة مهاجرين حتى نزلنا هذا المسجد، يعني مسجد الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) - فكان فيه مبيتنا ومقيلنا، إذا أخرجنا منه وترك علي بن أبي طالب فيه فاشتد ذلك علينا وهبنا نبي الله أن نذكر ذلك له، فأتتنا عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين إن لنا صحبة مثل صحبة علي، وهجرة مثل هجرته وإنا قد أخرجنا من المسجد وترك فيه، فلا ندري من سخط من الله أو من غضب من رسوله؟ فاذكري ذلك له فانا نهابه. فذكرت
ذلك لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال لها يا عائشة لا والله ما أنا أخر - ولا أنا أسكنته بل الله أخرجهم وأسكنه.
وغزونا خبير فانهزم عنها من انهزم فقال نبي الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): لأعطين الراية اليوم رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فدعاه وهو أرمد، فتفل في عينه وأعطاه الراية، ففتح الله له.
وغزونا تبوك مع رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فودع علي النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)على ثنية الوداع وبكى فقال له النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم): ما يبكيك؟
فقال: كيف لا أبكي ولم أتخلف عنك في غزاة منذ بعثك الله تعالى فما بالك تخلفني في هذه الغزاة؟
فقال له النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم): أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟
فقال علي (عليه السلام): بلی رضيت.(1)
قال عبد الله بن يزيد الغساني: قدم وفد العراقيين على معاوية فقدم في وفد أهل الكوفة عدي بن حاتم الطائي وفي وفد أهل البصرة الأحنف بن قيس وصعصعة بن صوحان فقال عمرو بن العاص لمعاوية: هؤلاء رجال الدنيا وهم شيعة علي الذين قاتلوا معه يوم الجمل ويوم صفين فكن منهم على حذر، فأمر لكل رجل منهم بمجلس سري واستقبل القوم بالكرامة، فلما دخلوا عليه قال
1) بحار الانوار 44 : 118.
لهم: أهلاً وسهلاً، قدمتم أرض المقدسة والأنبياء والرسل والحشر والنشر!
فتكلّم صعصعة وكان من أحضر الناس جواباً فقال: يا معاوية أما قولك: " أرض المقدسة " فإن الأرض لا تقدس أهلها وإنما تقدسهم الأعمال الصالحة.
وأما قولك: " أرض الأنبياء والرسل " فمن بها من أهل النفاق والشرك والفراعنة والجبابرة أكثر من الأنبياء والرسل.
وأما قولك: " أرض الحشر والنشر " فإن المؤمن لا يضره بعد الحشر والمنافق لا ينفعه قربه.
فقال معاوية: لو أن الناس كلهم أولدهم أبو سفيان لما كان فيهم إلا كيساً رشيداً.
فقال صعصعة: قد أولد الناس من كان خيراً من أبي سفيان، فأولد الأحمق والمنافق والفاجر والفاسق والمعتوه والمجنون - آدم أبو البشر - فخجل معاوية.(1)
وروى هشام بن السائب، عن أبيه، قال: خطب الناس يوما معاوية بمسجد دمشق وفي الجامع يومئذ من الوفود علماء قريش وخطباء ربيعة ومدارهها (2)، وصناديد اليمن وملوكها، فقال معاوية : إن الله تعالى أكرم خلفاءه فأوجب لهم الجنة فأنقذهم من النار، ثم جعلني منهم وجعل أنصاري أهل الشام الذاتين عن حرم الله ، المؤيدين بظفر الله المنصورين على أعداء الله.
قال: وفي الجامع من أهل العراق الأحنف بن قيس وصعصعة بن صوحان، فقال الأحنف لصعصعة: أتكفيني أم أقوم أنا إليه؟
فقال صعصعة: بل أكفيكه أنا.
ثم قام صعصعة فقال: يا بن أبي سفيان، تكلمت فأبلغت ولم تقصر دون ما أردت، وكيف يكون ما تقول وقد غلبتنا قسراً وملكتنا تجبراً ودنتنا بغير الحق، واستوليت بأسباب الفضل علينا؟! فأما إطراؤك أهل الشام فما رأيت أطوع لمخلوق وأعصى لخالق منهم، قوم ابتعت منهم دينهم وأبدانهم بالمال، فإن أعطيتهم حاموا عنك ونصروك، وإن منعتهم قعدوا عنك ورفضوك.
فقال معاوية: اسكت يا بن صوحان، فوالله لولا أني لم أتجرع غصّة غيظ قط أفضل من حلم وأحمد من كرم سيما في الكف عن مثلك والاحتمال
لدونك لما عدت إلى مثل مقالتك.
فقعد صعصعة فأنشأ معاوية يقول:
قبلت جاهلهم حلماً وتكرمة*** والحلم عن قدر في فضل من الكرم(1)
1) الأمالي للشيخ الطوسي 5 ، المجلس 1، بحار الانوار 44 : 132 .
1 - قال أسامة بن زيد: طرقت النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)في بعض الحاجة فقال: هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما.(1)
2 - قال بريدة: كان النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يخطب، إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه.(2)
3 - عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ومعه الحسن وحسين هذا على عاتقه وهذا على عاتقه وهو يلثم هذا مرة وهذه مرة حتى انتهى إلينا فقال من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني.(3)
4 - قال عبد الله: كان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما فإذا قضى الصلاة وضعهما في حجره فقال: من أحبني فليحب هذين.(4)
5 - قالت أم سلمة: دخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين فوضعهما في حجره فقبلهما واعتنق علياً بإحدى يديه وفاطمة بالأخرى، فجعل عليهم خميصة سوداء، فقال: اللهم إليك لا إلى النار.(1)
6 - وذكر الزبير عن عمّه قال: ذكر عن البهي قال: تذاكرنا من أشبه النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من أهله فدخل علينا عبد الله بن الزبير فقال: أنا أحدثكم بأشبه أهله به وأحبهم إليه: الحسن بن علي رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته، أو قال ظهره، فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته يجيء وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.(2)
7 - وعن زهير بن الأقمر: بينما الحسن بن علي يخطب بعدما قتل علي، إذ قام رجل من الأزد آدم طوال فقال: لقد رأيت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)واضعه في حبوته يقول: من أحبني فليحبه فليبلغ الشاهد الغائب.(3)
8 - وقال أبو هريرة: خرج علينا رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومعه هذا على عاتقه وهذا على عاتقه وهو يلثم هذا مرة وهذه مرة
الحسن وحسين حتى انتهى إلينا، فقال: من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني.(4)
9 - وعن أبي بكر قال: رأيت النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)على المنبر
والحسن بن علي معه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة ويقول: إن ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين.
(1). 10 - وقال أبو هريرة: سمعت أذناي هاتان، وأبصرت عيناي هاتان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وهو يقول: حزقه حزقه ترق عين بقه، فيرقى الغلام حتى يضع قدميه على صدر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ثم قال له: افتح فقبله، ثم قال: اللهم أحبّه فإني أحبه. (2)
11 - روى معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام)، قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): ان حب علي قذف في قلوب المؤمنين فلا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، وان حب الحسن والحسين قذف في قلوب المؤمنين والمنافقين والكافرين فلا ترى لهم ذامّاً. ودعا النبي الحسن والحسين قرب موته فقبلهما وشمّهما وجعل يرشفهما وعيناه تهملان .(3)
12 - الترمذي عن أبي هريرة ، والصحيح عن البخاري، ومسند الرضا عن آبائه عن النبي واللفظ له قال الوليد ريحانة والحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا.(4)
13 - قال عتبة بن غزوان: انه وضعهما في حجره وجعل يقبّل هذا مرة وهذا مرة، فقال قوم: أتحبّهما يا رسول الله ؟
فقال: ما لي لا أحب ريحانتي من الدنيا.(1)
14 - ومن إيثارهما على نفسه (صلّی الله علیه وآله وسلّم)أنه قال: عطش المسلمون عطشاً شديداً، فجاءت فاطمة بالحسن والحسين إلى النبي فقالت: يا رسول الله انهما صغيران لا يحتملان العطش، فدعا الحسن فأعطاه لسانه فمصّه حتى ارتوى، ثم دعا الحسين فأعطاه لسانه فمصّه حتى ارتوی.(2)
15 - قال الغزالي في (احياء علوم الدين)، والديلمي في (فردوس الأخبار)، عن المقداد بن معدي كرب، قال النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم): حسن مني وحسين من علي. وهما وديعتي في أمتي. (3)
16 - وعن أبي قتادة: ان النبي قبّل الحسن وهو يصلي .(4)
1 - قال امير المؤمنين (عليه السلام) في بعض أيام صفين وقد رأى الحسن (عليه السلام) يتسرع إلى الحرب:
املكوا عني هذا الغلام لا يهدني، فإنني أنفس بهذين ( يعني الحسن والحسين (عليهما السلام) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم).(5).
2 - عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: قال علي بن أبي طالب للحسن (عليهما السلام): يا بني، قم فاخطب حتى أسمع كلامك.
قال: يا أبتاه، كيف أخطب وأنا أنظر إلى وجهك أستحيي منك.
قال: فجمع علي بن أبي طالب (عليه السلام) أمهات أولاده ثم توارى عنه، حيث يسمع كلامه.
فقام الحسن (عليه السلام) فقال:
الحمد لله الواحد بغير تشبيه، الدائم بغير تكوين القائم بغير كلفة، الخالق بغير منصبة، الموصوف بغير غاية، المعروف بغير محدودية العزيز لم يزل قديماً في القدم، ردعت القلوب لهيبته، وذهلت العقول لعزته وخضعت الرقاب لقدرته، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته، ولا يبلغ الناس كنه جلاله، ولا يفصح الواصفون منهم لكنه عظمته، ولا تبلغه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكر بتدبير أمورها، أعلم خلقه به الذي بالحد لا يصفه، يدرك الابصار ولا يدركه الابصار، وهو اللطيف الخبير.
أما بعد، فإن علياً باب من دخله كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
فقام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقبّل بين عينيه ثم قال: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1).
1) آل عمران : 34.
3 - ودعا أمير المؤمنين (عليه السلام) محمد بن الحنفية الجمل فأعطاه يوم رمحه وقال له: اقصد بهذا الرمح قصد الجمل فذهب فمنعوه بنو ضبّة، فلما رجع إلى والده انتزع الحسن رمحه من يده وقده قصد الجمل وطعنه برمحه ورجع إلى والده وعلى رمحه أثر الدم فتمغر وجه محمد من ذلك، فقال أمير المؤمنين لا تأنف فإنه ابن النبي وأنت ابن علي.(1).
4 - عن ابن عباس قال: لما كنا في حرب صفين دعا علي(عليه السلام) ابنه محمد بن الحنفية وقال له: يا بني شد على عسكر معاوية.
فحمل على الميمنة حتى كشفهم، ثم رجع إلى أبيه مجروحاً فقال: يا أبتاه العطش العطش، فسقاه جرعة من الماء ثم صبّ الباقي بين درعه وجلده، فوالله لقد رأيت علق الدم يخرج من حلق درعه.(2).
فأمهله ساعة ثم قال له: يا بني شد على الميسرة، فحمل على ميسرة عسكر معاوية فكشفهم، ثم رجع و به جراحات وهو يقول: الماء الماء يا أباه، فسقاه جرعة من الماء وصبّ باقيه بين درعه وجلده.
ثم قال: يا بني شد على القلب، فحمل عليهم وقتل منهم فرساناً، ثم رجع إلى أبيه وهو يبكي، وقد أثقلته الجراح، فقام إليه أبوه وقبّل ما بين عينيه وقال له: فداك أبوك فقد سررتني والله يا بني بجهادك هذا بين يدي، فما يبكيك أفرحاً أم جزعا؟
فقال: يا أبت، كيف لا أبكي وقد عرضتني للموت ثلاث مرات فسلمني الله، وها أنا مجروح كما ترى، وكلما رجعت إليك لتمهلني عن الحرب ساعة ما أمهلتني، وهذان أخواي الحسن والحسين ما تأمرهما بشيء من الحرب .
فقام إليه أمير المؤمنين وقبّل وجهه وقال له: يا بني، أنت ابني وهذان ابنا رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أفلا أصونهما عن القتل؟
فقال: بلى يا أبتاه جعلني الله فداك وفداهما من كل سوء.(1)
1 - طاف الحسن بن علي (عليهما السلام) بالبيت فسمع رجلاً يقول: هذا ابن فاطمة الزهراء، فالتفت إليه فقال: قل علي بن أبي طالب فأبى خير من أمي. (2)
2 - عن هبيرة بن بريم عن الحسن بن علي قال: كان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)لا يبعث علياً مبعثاً إلا أعطاه الراية.(3)
3 - وعنه أيضاً قال خطب الحسن فقال : لقد فارقكم بالأمس رجل ما سبقه الأولون بعلم ولا يدركه الآخرون إن كان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ليبعثه المبعث فيعطيه الراية، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتى يفتح الله عز وجل له.(4)
4 - عن أبي ليلى عن الحسن بن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): يا أنس، انطلق فادع لي سيد العرب - يعني علياً - فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟
قال: أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب.
فلما جاء علي (عليه السلام) أرسل رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)إلى الأنصار فأتوه فقال لهم: يا معشر الأنصار ، ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده.
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: هذا علي فأحبّوه بحبّي وكرّموه لكرامتي، فإن جبريل (عليه السلام) أمرني بالذي قلت لكم عن الله عزّوجل.(1).
5 - عن علي بن أبي طلحة مولى بني أمية قال: حج معاوية بن أبي سفيان وحج معه معاوية بن حديج وكان من أسب الناس لعلي، فمرّ في المدينة في مسجد الرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)والحسن بن علي جالس في نفر من أصحابه فقيل له: هذا معاوية بن حديج الساب لعلي (عليه السلام).
فقال: عليّ بالرجل، فأتاه الرسول فقال: أجب . قال: من؟
قال: الحسن بن علي يدعوك، فأتاه فسلّم عليه، فقال له الحسن بن علي (عليه السلام): أنت معاوية بن حديج؟
1) المعجم الكبير للطبراني 3 : 88 .
قال: نعم، فرد عليه ثلاثاً، فقال له الحسن الساب لعلي، فكأنه استحيى، فقال له الحسن(عليه السلام) أم والله اذا وردت عليه الحوض وما أراك ان ترده لتجدنّه مشمّر الإزار على ساق يذود المنافقين ذود غريبة الإبل، قول الصادق المصدوق (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وقد خاب من افترى.(1)
قال الحسن المجتبى عليه السلام لما حضرت أبي الوفاة أقبل يوصى فقال: هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أخو محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه وصاحبه أوّل وصيتي إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن رسوله وخيرته اختاره بعلمه وارتضاه بخيرته، وان الله باعث من في القبور وسائل الناس عن أعمالهم، عالم بما في الصدور.
ثم إني أوصيك يا حسن وكفى بك وصياً بما وصاني به رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فإذا كان ذلك يا بني فألزم بيتك، وابك على خطيئتك، ولا تكن الدنيا أكبر همّك، وأوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها والزكاة في أهلها عند محلها، والصمت عند الشبهة، والاقتصاد والعدل في الرضا والغضب وحسن الجوار، وإكرام الضيف ورحمة المجهود، وأصحاب البلاء وصلة الرحم، وحب المساكين و مجالستهم، والتواضع فإنه من أفضل العبادة، وقصر الأمل وذكر الموت والزهد في الدنيا، فإنك رهن موت، وعرض بلاء، وطريح سقم، وأوصيك بخشية الله في سر أمرك وعلانيتك وأنهاك عن التسرع بالقول
1) المعجم الكبير للطبراني 91:3
والفعل، وإذا عرض شيء من أمر الآخرة فابدأ به وإذا عرض شيء من أمر الدنيا فتأن حتى تصيب رشدك فيه وإياك ومواطن التهمة والمجلس المظنون به السوء، فان قرين السوء يغر جليسه، وكن الله يا بني عاملاً، وعن الخنا زجوراً، وبالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً، وآخ الاخوان في الله، وأحب الصالح لصلاحه، ودار الفاسق عن دينك وابغضه بقلبك وزايله بأعمالك لئلا تكون مثله، وإياك والجلوس في الطرقات، ودع المماراة ومجاراة من لا عقل له ولا علم، واقتصد يا بنى في معيشتك واقتصد في عبادتك وعليك فيها بالأمر الدائم الذي تطيقه، وألزم الصمت تسلم، وقدم لنفسك تغنم، وتعلم الخير تعلم، وكن ذاكرا الله على كل حال، وارحم من أهلك الصغير ووقر منهم الكبير، ولا تأكلنّ طعاماً حتى تتصدّق منه قبل أكله، وعليك بالصوم فإنه زكاة البدن وجنة لأهله، وجاهد نفسك، واحذر جليسك، واجتنب عدوك، وعليك بمجالس الذكر ، وأكثر من الدعاء فإني لم آلك يا بني نصحاً وهذا فراق بيني وبينك.
وأوصيك بأخيك محمد خيراً، فإنه شقيقك وابن أبيك وقد تعلم حبي له، وأما أخوك الحسين فهو ابن أمك ولا أزيدك الوصاية بذلك، والله الخليفة عليكم، وإياه أسأل أن يصلحكم وأن يكف الطغاة البغاة عنكم، والصبر الصبر حتى ينزل الله الأمر ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.(1).
وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، أنه قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام)
1) كشف الغمة 1 : 536 .
لولده الحسن (عليه السلام)، في وصيّته إليه: ولا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا تكونن على الإساءة أقوى منك على الاحسان، ولا على البخل أقوى منك على البذل، ولا على التقصير أقوى منك على الفضل .(1).
وكذلك مما أوصيى به أمير المؤمنين (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) قال : احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة، وعند صدوده على اللطف والمقاربة وعند جموده على البذل وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين وعند جرمه على العذر ، حتى كأنك له عبد، وكأنه ذو نعمة عليك. وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه، أو أن تفعله بغير أهله.
ولا تتخذن عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة، وتجرع الغيظ فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة، ولا ألذ مغبة.
ولِن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك، وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحد الظفرين، وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما. ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه، ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه.
ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك. ولا ترغبن فيمن زهد عنك، ولا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا تكونن على الإساءة أقوى
1) مستدرك الوسائل 2 : 81 .
منك على الاحسان، ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك، فإنه يسعى في مضرته ونفعك، وليس جزاء من سرك أن تسوءه.(1)
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) للحسن (عليه السلام) متحدثا عن الفقر والفقراء : لا تلم إنسانًا يطلب قوته، فمن عدم قوته كثر خطاياه.
يا بني، الفقير حقير لا يسمع كلامه، ولا يعرف مقامه، لو كان الفقير صادقاً يسمونه كاذباً، ولو كان زاهداً يسمونه جاهلاً.
يا بني، من ابتلى بالفقر ابتلي بأربع خصال بالضعف في يقينه، والنقصان في عقله، والرقة في دينه وقلة الحياء في وجهه، فنعوذ بالله من الفقر. (2)ومن وصاياه (عليه السلام) أيضاً عند وفاته واقتصد يا بني في معيشتك، واقتصد في عبادتك، وعليك فيها بالأمر الدائم الذي تطيقه.(3)
عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين (عليهم السلام) قال: لما اجمع الحسن بن علي (عليهما السلام) على صلح معاوية، خرج حتى لقيه، فلما اجتمعا قام معاوية خطيباً، فصعد المنبر وأمر الحسن (عليه السلام) أن يقوم أسفل منه بدرجة.
ثم تكلم معاوية فقال: أيها الناس هذا الحسن بن علي (عليه السلام) وابن
فاطمة(عليها السلام) رآنا للخلافة أهلاً ولم ير نفسه لها أهلاً وقد اتانا ليبايع طوعا. ثم قال: قم يا حسن، فقام الحسن (عليه السلام) فخطب فقال:
الحمد الله المستحمد بالآلاء وتتابع النعماء وصارف الشدائد والبلاء عند الفهماء وغير الفهماء المذعنين من عباده، لامتناعه بجلاله، وكبريائه وعلوه عن لحوق الأوهام ببقائه، المرتفع عن كنه طيّات(1)المخلوقين من أن تحيط بمكنون غيبه رويات عقول الرائين، واشهد ان لا إله إلا الله وحده في ربوبيته ووحدانيته، صمدا لا شريك له، فردا لا ظهير له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اصطفاه وانتجبه، وارتضاه، وبعثه داعياً إلى الحق وسراجاً منيرا، وللعباد مما يخافون نذيرا، ولما يأملون بشيراً، فنصح للأمة وصدع بالرسالة، وأبان لهم درجات العمالة، شهادة عليها أموت وأحشر، وبها في الآجلة أقرب وأحبر، وأقول: معشر الخلائق فاسمعوا، ولكم أفئدة واسماع فعوا، انا أهل بيت أكرمنا الله بالاسلام، واختارنا واصطفانا واحتبانا فاذهب عنا الرجس وطهرنا تطهيرا، والرجس هو الشك، فلا نشك في الله الحق ودينه ابداً، وطهرنا من كل افن وغية(2)مخلصين إلى آدم نعمة منه، لم يفترق الناس قط فرقتين الا جعلنا الله في خيرهما فأدت الأمور وأفضت الدهور إلى أن بعث الله محمدا(صلّی الله علیه وآله وسلّم) للنبوة، واختاره للرسالة، وانزل عليه كتابه، ثم امره بالدعاء إلى الله عز وجل.
فكان أبى (عليه السلام) أول من استجاب الله تعالى ولرسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)
، وأول من آمن وصدق الله ورسوله، وقد قال الله في كتابه المنزل على نبيه المرسل : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ(1)، فرسول الله الذي على بينة من ربه وأبي الذي يتلوه وهو شاهد منه.
وقد قال له رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حين أمره ان يسير إلى مكة والموسم ببراءة: سر بها يا علي فاني أمرت ان لا يسير بها الا انا أو رجل مني، وأنت هو، فعلي (عليه السلام) من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ورسول الله منه.
وقال له نبي الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)حين قضى بينه وبين أخيه جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) ومولاه زيد بن حارثة(2)في ابنة حمزة: أما أنت يا علي فمني وانا منك، وأنت ولى كل مؤمن من بعدي، فصدق أبى رسول الله عليه وآله في كل موطن يقدمه، ولكل شديدة يرسله ثقة منه به وطمأنينة إليه، لعلمه بنصيحته الله ورسوله وانه أقرب المقربين من الله ورسوله وقد قال الله عز وجل وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (3)وكان أبي سابق السابقين إلى الله عز وجل والى رسوله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وأقرب الأقربين(4)فقد قال الله تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ
1) هود : 17.
2) زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي الصحابي، اختطف في الجاهلية صغيراً، واشترته خديجة بنت خويلد فوهبته إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)حين تزوجها فتبنّاه النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قبل الاسلام وأعتقه وزوجه بنت عمه ، استشهد في وقعة مؤنة سنة ( 8 ) هـ .
3) الواقعة : 10 و 11 .
4) تفسير البرهان : 2 : 152
دَرَجَةً. فأبي كان أولهم اسلاماً وايماناً، وأولهم إلى الله ورسوله هجرة ولحوقاً، وأولهم على وجده ووسعه نفقة، قال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(1). فالناس من جميع الأمم، يستغفرون له، سبقه إياهم إلى الايمان بنبيه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وذلك أنه لم يسبقه إلى الايمان به أحد. وقد قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ (2)فهو سابق جميع السابقين، فكما ان الله عز وجل فضل السابقين على المتخلفين والمتأخرين، فكذلك فضل السابقين على السابقين.
وقد قال الله عز وجل: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(3)فهو المؤمن بالله والمجاهد في سبيل الله حقا، وفيه نزلت هذه الآية، وكان ممّن استجاب الرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)عمه حمزة، وجعفر ابن عمه فقتلا شهیدین رضي الله عنهما في قتلى كثيرة معهما من أصحاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فجعل الله تعالى حمزة سيد الشهداء من بينهم، وجعل لجعفر جناحين، يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء من بينهم، وذلك لمكانهما من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومنزلتهما وقرابتهما منه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وصلى رسول الله على حمزة سبعين صلاة من بين الشهداء الذين استشهدوا
معه، وكذلك جعل الله تعالى لنساء النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) للمحسنة منهن أجرين وللمسيئة منهن وزرين ،ضعفين لمكانهن من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
وجعل الصلاة في مسجد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بألف صلاة في سائر المساجد الا مسجد الحرام ومسجد إبراهيم خليله عليه السلام بمكة، وذلك لمكان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من ربه وفرض الله عز وجل الصلاة على نبيه (صلّی الله علیه وآله وسلّم) على كافة المؤمنين، فقالوا: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟
فقال: قولوا اللهم صلی علی محمد و آل محمد، فحق على كل مسلم ان يصلي علينا مع الصلاة على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فريضة واجبة.
وأحل الله تعالى خمس الغنيمة لرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وأوجبها له في كتابه، وأوجب لنا من ذلك ما أوجب له، وحرم عليه الصدقة وحرمها علينا معه، فأدخلنا فله الحمد فيما ادخل فيه نبيه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وأخرجنا ونزهنا مما أخرجه منه ،ونزهه كرامة أكرمنا الله عز وجل بها، وفضيلة فضلنا بها على سائر العباد فقال الله تعالى لمحمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)حين جحده كفرة أهل الكتاب وحاجوه فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(1). فاخرج رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من الأنفس معه أبى، ومن البنين انا وأخي، ومن النساء أمي فاطمة من الناس جميعا، فنحن أهله ولحمه ودمه، ونفسه، ونحن منه
1) آل عمران : 61 .
وهو منا وقد قال الله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. (1)، فلما نزلت آية التطهير، جمعنا رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) انا وأخي وأمي وأبى فجعلنا ونفسه في كساء لأم سلمة خيبري، وذلك في حجرتها وفي يومها، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، وهؤلاء أهلي وعترتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فقالت أم سلمة رضي الله عنها: انا ادخل معهم يا رسول الله؟!
فقال لها رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يرحمك الله أنت على خير والى خير، وما أرضانى عنك! ولكنها خاصة لي ولهم.
ثم مكث رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بعد ذلك بقية عمره، حتى قبضه الله إليه يأتينا في كل يوم عند طلوع الفجر فيقول: الصلاة يرحمكم الله إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.(2)
وأمر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، بسدّ الأبواب الشارعة في مسجده غير بابنا، فكلموه في ذلك، فقال: اما اني لم أسدّ أبوابكم، وافتح باب على من تلقاة نفسي، ولكن اتبع ما يوحى إلى، ان الله امر بسدّها وفتح بابه، فلم يكن من بعد ذلك أحد تصيبه جنابة في مسجد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ويولد فيه الأولاد، غير رسول الله وأبى علي بن أبي طالب (عليه السلام) تكرمة من الله تعالى لنا، وتفضلاً اختصنا به على جميع الناس.
وهذا باب أبي، قرين باب رسول الله في مسجده، ومنزلنا بين منازل رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وذلك أن الله امر نبيه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ان يبنى
مسجده، فبنا فيه عشرة أبيات تسعة لبنيه ،وأزواجه وعاشرها، وهو متوسطها، لأبي، فها هو بسبيل مقيم، والبيت هو المسجد المطهر، وهو الذي قال الله تعالى أهل البيت، فنحنأَهْلَ الْبَيْتِ، ونحن الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
أيها الناس انى لو قمت حولاً فحولا اذكر الذي أعطانا الله عز وجل وخصنا به من الفضل في كتابه وعلى لسان نبيه (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، لم أعصه، وانا ابن النبي النذير البشير والسراج المنير، الذي جعله الله رحمة للعالمين، وأبي علي (عليه السلام) ولى المؤمنين وشبيه هارون وان معاوية بن صخر زعم اني رأيته للخلافة أهلا ولم أر نفسي لها أهلا، فكذب معاوية.
وأيم الله لأنا أولى الناس بالناس في كتاب الله، وعلى لسان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)غير انا لم نزل أهل البيت مخيفين مظلومين مضطهدين، منذ قبض رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) فالله بيننا وبين من ظلمنا حقنا، ونزل على رقابنا، وحمل الناس على أكتافنا ومنعنا سهمنا في كتاب الله من الفئ والغنائم، ومنع امنا فاطمة (عليها السلام) ارثها من أبيها، انا لا نسمي أحدٌ ولكن اقسم بالله قسما تالياً، لو أن الناس سمعوا قول الل عز وجل ورسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما اختلف في هذه الأمة سيفان، ولأكلوها خضراء خضرة إلى يوم القيامة، وإذا ما طمعت فيها، يا معاوية ولكنها لما أخرجت سالفا من معدنها وزحزحت عن قواعدها، تنازعتها قريش بينها، وترامتها كترامي الكرة ، حتى طمعت فيها أنت يا معاوية وأصحابك من بعدك.
وقد قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما ولّت أمة أمرها رجلاً قط، وفيهم من هو اعلم منه الا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا، وقد تركت بنو إسرائيل، وكان أصحاب موسى، هارون أخاه وخليفته ووزيره، وعكفوا على العجل وأطاعوا فيه سامريهم، ويعلمون انه خليفة موسى عليه السلام: وقد سمعت هذه الأمة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يقول ذلك أبي عليه السلام انه منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي.
وقد رأوا رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حين نصبه لهم بغدير خم، وسمعوه ونادى له بالولاية، ثم أمرهم ان يبلغ الشاهد منهم الغائب، وقد خرج رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حذرا من قومه إلى الغار، لما أجمعوا ان يمكروا به، وهو يدعوهم لما لم يجد عليهم أعوانا، ولو وجد عليهم أعواناً لجاهدهم، وقد كفّ أبى يده، وناشدهم واستغاث أصحابه، فلم يغث، ولم ينصر، ولو وجد عليهم أعواناً ما أجابهم، وقد جعل في سعة كما جعل النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في سعة، وقد خذلتني الأمة وبايعتك يا بن حرب ولو وجدت عليك أعواناً يخلصون ما بايعتك، وقد جعل الله عز وجل هارون في سعة حين استضعفه قومه وعادوه، كذلك انا وأبي في سعة من الله حين تركتنا الأمة وبايعت غيرنا، ولم نجد عليهم أعواناً وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضا.
أيها الناسريال انكم لو التمستم بين المشرق والمغرب رجلاً، جده رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأبوه وصى رسول الله لم تجدوا غيري وغير أخي، فاتقوا الله ولا تضلوا بعد البيان، وكيف بكم واني ذلك لكم؟ الا واني قد بايعت هذا، وأشار بيده إلى معاوية، وان أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
أيها الناس، انه لا يعاب أحد بترك حقه، وإنما يعاب ان يأخذ ما ليس له، وكل صواب نافع، وكل خطا ضار لأهله، وقد كانت القضية ففهمها سليمان فنفعت سليمان ولم تضر داود.
واما القرابة، فقد نفعت المشرك، وهي والله للمؤمن انفع، قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لعمه أبي طالب وهو في الموت: قل: لا إله إلا الله اشفع لك بها يوم القيامة، ولم يكن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول له ويعد الا ما يكون منه على يقين، وليس ذلك لاحد من الناس كلهم غير شيخنا، أعني أبا طالب، يقول الله عز وجل: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا .(1).
أيها الناس اسمعوا ،وعوا ،واتقوا الله، وراجعوا، وهيهات منكم الرجعة إلى الحق وقد صارعكم النكوص(2)وخامركم(3)الطغيان والجحود، أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(4)والسلام على من اتبع الهدى.
قال: فقال معاوية: والله ما نزل الحسن (عليه السلام) حتى اظلمت على الأرض وهممت ان أبطش به، ثم علمت أن الاعضاء أقرب إلى العافية.(5)
وعن الامام جعفر الصادق، عن أبيه، عن جده: ان الحسن ابن أمير
المؤمنين علي ( سلام الله عليهم )خطب على المنبر وقال: إن الله (عز وجل ) بمنه ورحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليه، بل رحمة منه، لا إله إلا هو، يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ(1)، وليبتلي ما في صدوركم، وليمحص ما في قلوبكم ولتتسابقوا إلى رحمة، ولتتفاضل منازلكم في جنته، ففرض عليكم الحج والعمرة ، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والولاية لنا أهل البيت، وجعلها لكم بابا لتفتحوا به أبواب الفرائض، ومفتاحاً إلى سبيله، ولولا محمد صلى الله عليه وآله وأوصياؤه كنتم حيارى لا تعرفون فرضا من الفرائض، وهل تدخلون داراً إلا من بابها، فلما من الله عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيكم صلوات الله عليه، قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا(2)ففرض عليكم لأوليائه حقوقا، وأمركم بأدائها إليهم، ليحل لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومآكلكم ومشاربكم ويعرفكم بذلك البركة والنماء والثروة، وليعلم من يطيعه منكم بالغيب، ثم قال الله عز وجل: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (3)
واعلموا أن من يبخل المودة فإنما يبخل عن نفسه، إن الله هو الغني وأنتم الفقراء إليه، فاعملوا من بعد ما شئتم وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (4)وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ(1)وفَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.(2). سمعت جدي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: خلقت أنا من نور الله، وخلق أهل بيتي من نوري، وخلق محبيهم من نورهم، وسائر الناس في النار.(3).
وعن ابن عباس في قوله : وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ(4)انه جلس الحسن بن علي(عليه السلام) ويزيد بن معاوية بن أبي سفيان يأكلان من الرطب فقال :یزید یا حسن انى منذ كنت أبغضك.
قال الحسن: إعلم يا يزيد ان إبليس شارك أباك في جماعة فاختلط الماء ان فأورثك ذلك عداوتي لان الله تعالى يقول: وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وشارك الشيطان حرباً عند جماعه فولد له صخر، فلذلك كان يبغض جدي رسول الله (5).
وروي ان الحسن بن علي (عليهما السلام) كان إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، فقيل له: يا بن رسول الله، لم تلبس أجود ثيابك؟
فقال: إن الله جميل يحب الجمال، فأتجمل لربي، وهو يقول: خُذُوا
زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ(1)، فأحب أن ألبس أجمل ثيابي .(2). قال المقريزي: وعندما ترك الامام الحسن بن علي (عليهما السلام) الخلافة (3)التي صارت إليه بعد أبيه، وتنزه عنها وترفع عن منازعه معاوية، فلما دخل معاوية الكوفة أشار عليه عمرو بن العاص أن يأمر الحسن فيخطب الناس ظناً منه أنه يعيا فخطب معاوية، ثم أشار إلى الحسن أن يخطب فقام فحمد الله ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول وإن الله عزّ وجل قال لنبيه (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(4)
فلما قالها قال معاوية: أجلس وحقدها على عمرو، وقال: هذا من رأيك فصدق الحسن (عليه السلام) فيما قاله.(5).
وقال أنس: حيث جارية للحسن بن علي بطاقة ريحان فقال لها: أنت حرّة لوجه الله، فقلت له في ذلك، فقال: أدبنا الله تعالى فقال: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ
1) الأعراف : 31.
2) وسائل الشيعة 4 : 455 .
3) أقول : الإمام الحسن بن علي(عليهما السلام) صالح معاوية لمصلحة الدين والمسلمين كما صرح بذلك في خطبته قبل الصلح، وتعبير المصنف بـ( ترك الخلافة ) فيه مسامحة، لأن الخلافة كما قال عثمان: قميص ألبسه الله لا يمكن خلعه !!
4) الأنبياء : 111 .
5) النزاع والتخاصم : 97 ، ربيع الأبرار 2 : 837
فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا (1)الآية، وكان أحسن منها اعتاقها. وروى القاسم بن فضل عن عيسى بن مازن قال: قلت للحسن بن علي(عليه السلام) يا مسود وجوه المؤمنين ! عمدت إلى هذا الرجل فبايعت له - يعني معاوية ..
فقال: إن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، رأى في منامه بني أمية يطئون منبره واحداً بعد واحد. وفي رواية: ينزون على منبره نزو القردة - ، فشقّ ذلك عليه فأنزل الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إلى قوله: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، يعني ملك بني أمية.
قال القاسم: فحسبنا ملك بني أمية، فإذا هو أمية، فإذا هو ألف شهر .(2)
وروى آخرون بأن الامام الحسن بن علي(عليهما السلام) خطب الناس حين قتل علي (عليه السلام)، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، وقد كان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)يعطيه رايته ويقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله فما يرجع حتى يفتح الله عليه، وما ترك على ظهر الأرض صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله.
ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فانا الحسن بن
علي، وأنا ابن الوصي، وأنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله بأذنه، وأنا ابن السراج المنير، ومن أهل البيت الذي كان جبرئيل ينزل فيه ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم، فقال النبيه: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا(1)فاقتراف الحسنة محبّتنا أهل البيت(2).
وروى أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في تفسيره الوسيط: ان رجلاً قال: دخلت مسجد المدينة، فإذا أنا برجل يحدّث عن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) والناس حوله، فقلت له: أخبرني عنوَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3).
فقال: نعم، أما الشاهد فيوم الجمعة، وأما المشهود فيوم عرفة.
فجزته إلى آخر يحدث فقلت له: أخبرني عن شاهد ومشهود.
فقال: نعم، أما الشاهد فيوم الجمعة، وأما المشهود فيوم النحر.
فجزتهما إلى غلام كأن وجهه الدينار وهو يحدّث عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقلت: أخبرني عن شاهد و مشهود.
فقال: نعم، أما الشاهد فمحمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وأما المشهود
فيوم القيامة، أما سمعته يقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(1)، وقال تعالى: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (2)
فسألت عن الأول، فقالوا: ابن عباس وسألت عن الثاني، فقالوا: ابن عمر، وسألت عن الثالث، فقالوا: الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام). وكأن قول الحسن أحسن.(3)
وعن محمد بن الحنفية، عن الحسن بن علي (عليه السلام) قال: كل ما في كتاب الله عز وجلإِنَّ الْأَبْرَارَ، فوالله ما أراد له إلا علي ابن أبي طالب وفاطمة وأنا والحسين لأنا نحن أبرار بأبنائنا وأمهاتنا، وقلوبنا علت بالطاعات والبر، وتبرأت من الدنيا وحبّها وأطعنا الله في جميع فرائضه وآمنا بوحدانيته وصدقنا برسوله (4).
وعنه بهذا الاسناد قال الحسن بن علي عليهما السلام في قوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ(5)، قال: صور الله عزّ وجل علي بن أبي طالب في ظهر أبي طالب على صورة محمد فكان علي بن أبي طالب أشبه الناس برسول الله، وكان الحسين بن علي أشبه الناس بفاطمة، وكنت أنا أشبه الناس بخديجة الكبرى.(6)
وقيل للحسن بن علي (عليهما السلام) ان فيك عظمة.
قال: بل في عزة قال الله تعالى والله العزة ولرسوله وللمؤمنين )(1)(2)
1- روى عن النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم) انه قال: إن من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم.
2 - وقال الحسن رواية عن أبيه (عليهما السلام) قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): ما من رجلين اصطر ما فوق ثلاث إلا طويت عنهما صحيفة الزيادات قلت: يا رسول الله وما صحيفة الزيادات؟ قال: الصلاة النافلة، وما كان من التطوع ما لم يشاكل الفرض.
3 - وباسناده عن أبيه صلى الله عليهما ان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: حيث ما كنتم فصلّوا عليّ، فان صلاتكم تبلغني.
4 - وباسناده عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أظلم الظالمين من ظلم الظالم، دعوا الظالم حتى يلقى الله عز وجل بوزره يوم القيامة كاملاً .(3)
5 - عن أبي الحوراء قال: قلت للحسن بن علي (عليهما السلام): ما تذكر من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)؟
قال: أذكر إني أخذت من تمر الصدقة تمرة فألقيتها في فمي، فانتزعها رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بلعابها فألقاها في التمر، فقال له رجل: ما عليك لو أكل هذه التمرة؟
فقال: إنا لا نأكل الصدقة.
قال: وكان يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فان الصدق طمأنينة والكذب ريبة.(1)
6 - قال الحسن بن علي ذات يوم لأصحابه: إني أخبركم عن أخ لي، وكان من أعظم الناس في عيني وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجاً من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجاً من سلطان فرجه فلا يستخف له عقله ولا رأيه، وكان خارجا من سلطان الجهلة فلا يمد يداً إلا على ثقة المنفعة، كان لا يسخط ولا يتبرم، كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على الصمت كان أكثر دهره صامتاً، فإذا قال بذ القائلين كان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مراء، ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضياً كان يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول، تفضلاً وتكرما، كان لا يغفل عن إخوانه، ولا يختص بشيء دونهم كان لا يلوم أحداً فيما يقع العذر في مثله، كان إذا ابتدأه أمران لا يدري أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه.(2).
7 - عن عمير بن مأمون قال: سمعت الحسن بن علي (عليه السلام) يقول: سمعت جدي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول من أدمن الاختلاف إلى المسجد أصاب أخاً مستفاداً في الله عزّ وجل، وعلماً مستطرفاً، وكلمة تدعوه إلى الهدى، وكلمة تصرفه عن الردى، ويترك الذنوب حياء أو خشية ونعمة أو رحمة منتظرة.(1)
8 - عن الحسن بن علي (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) تحفة الصائم الدهن والمجمر .(2)
عن معاوية بن حديج قال: أرسلني معاوية بن أبي سفيان إلى الحسن بن علي(عليه السلام) أخطب على يزيد بنتاً له أو أختاً له، فأتيته فذكرت له يزيد، فقال: إنا قوم لا تزوّج نساؤنا حتى نستأمرهن، فأتيتها فذكرت لها يزيد.
فقالت: والله لا يكون ذاك حتى يسير فينا صاحبك كما سار فرعون في بني إسرائيل يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، فرجعت إلى الحسن فقلت: أرسلتني إلى فلقة من الفلق تسمى أمير المؤمنين فرعون.
فقال يا معاوية إياك وبغضنا، فإن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: لا(3)يبغضنا ولا يحسدنا أحد إلا زيد يوم القيامة بسياط من نار.
10 - روى شقيق بن سلمة عن الحسن بن علي (عليهما السلام) قال: جاءت امرأة إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومعها ابنان لها، فأعطاها ثلاث تمرات
فأعطت ابنيها كل واحد منهما ،تمرة فأكلا هذه تمرتيهما ثم جعلا ينظران إلى أمهما فشقت تمرتها بنصفين بينهما، فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قد رحمها الله برحمتها ابنيها.(1)
11 - عن الأصبغ بن نباتة قال: دخلت مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى الحسن بن علي نعوده، فقال له علي(عليه السلام): كيف أصبحت يا بن رسول الله ؟
قال: أصبحت بحمد الله بارئاً.
قال: كذلك أشاء الله.
ثم قال الحسن( عليه السلام): أسندوني فأسنده علي (عليه السلام) إلى صدره، فقال: سمعت جدّي رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: إن في الجنة شجرة يقال لها: شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة فلا يرفع لهم ديوان ولا ينصب لهم ميزان يصبّ عليهم الأجر صبّاً، وقرأ: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(2)(3).
12- عن طلحة بن عبيد الله، عن الحسن بن علي(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): من أتته هدية وعنده قوم جلوس فهم شركاؤه فيها.(4)
13- عن عبد الله بن سليمان عن الحسن بن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): أطعموا الطعام وأطيبوا الكلام .(1)
14 - عن عطاء، عن الحسن بن علي(عليه السلام )قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة فقالت امرأة: يا رسول الله، فكيف يرى بعضنا بعضا؟
قال: إن الأبصار يومئذ شاخصة فرفع بصره إلى السماء.
فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يستر عورتي.
قال: اللهم استر عورتها .(2)
15 - إسحاق بن بزرخ، عن الحسن بن علي (عليه السلام) قال: أمرنا رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أن نلبس أجود ما نجد وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد البقرة عن سبعة، والجزور عن عشرة، وأن نظهر التكبير، وعلينا السكينة والوقار.(3).
16 - عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء قال: قلت للحسن بن علي (عليه السلام) مثل من كنت في عهد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وما عقلت عنه .
قال: عقلت عنه أني سمعته يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الشر ريبة والخير طمأنينة.(1)
1- عبد الله بن الحسن عن أبيه، الحسن، عن أبيه علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): الرحم شجنة من الرحمن عزّ وجل، من وصلها وصله الله ، ومن قطعها قطعه الله تعالى.(2)
2 - وعن عبد الله بن الحسن، عن أبيه الحسن بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): للنساء عشر عورات، فإذا تزوّجت المرأة ستر الزوج عورة، وإذا ماتت ستر القبر عشر عورات.(3)
3- عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال من أجرى الله على يديه فرجاً لمسلم فرج الله عنه كرب الدنيا والآخرة.(4)
4 - وقال في عقبه عن أبيه، عن جده أن النبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم)قال: من عال أهل بيت من المسلمين يومهم وليلتهم غفر الله له تعالى ذنوبه.(5)
5 - عبد الله الحسن بن الحسن عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم): من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى.(1)
6 - عن عبد الله بن الحسن بن علي، عن أبيه قال: صعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) المنبر يوم غزوة تبوك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أيها الناس، إني والله ما أمركم إلا بما أمركم الله به، ولا أنهاكم إلا عمّا نهاكم الله عنه، فأجملوا في الطلب، فوالذي نفس أبي القاسم بيده إن أحدكم ليطلبه رزقه كما يطلبه أجله، فإن تعسر عليكم شيء منه فاطلبوه بطاعة الله عزّ وجل.(2).
7 - عن أم أنيس بنت الحسن بن علي (عليهما السلام)، عن أبيها قال: قالوا: يا رسول الله، أرأيت قول الله عزّ وجل إن الله وملائكته يصلّون على النبي؟
قال: إن هذا لمن المكتوم، ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم، إن الله عز وجل وكّل بي ملكين لاأذكر عند عبد مسلم فيصلي عليّ إلا قال ذانك الملكين: غفر الله لك، وقال الله وملائكته جواباً لذينك الملكين: آمين.
ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يصلّي عليّ إلا قال ذانك الملكان: لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته جواباً لذينك الملكين: آمين.(3).
ومن جملة من روى عن الامام الحسن(عليه السلام) ابنه الحسن المثنى، وأبو الحوراء، وربيعة، وعكرمة.(1).
قال السيوطي: ولد الامام الحسن (عليه السلام) في منتصف رمضان من السنة الثالثة الهجرية، ونقل عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) العديد من الروايات، نقلتها عنه عائشة وغيرها من التابعين ومن جملتهم ابنه الحسن (المثنى) وأبو الحوراء وربيعة بن سنان والشعبي وأبو وائل وابن سيرين .(2).
وقال ابن حجر: من الذين رووا عن الحسن بن علي (عليه السلام)، ابنه الحسن، وعائشة، وابن أخيه علي بن الحسين، وابنيه عبدالله وباقر، وابن سيرين، وجبير بن نفير، وابو الحوراء، وأبو محلز، وهبيرة بن بريم، وشيبان بن ليل وغيرهم.(3)
روى عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن، عن أبيه، عن جده أن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: إن من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم.
وعنه أيضاً عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): من ضحّى طيبة بها نفسه محتسباً لأضحيته كانت له حجاباً من النار.
وعنه كذلك، عن أبيه عن جده قال: قيل: يا رسول الله، القوم يأتون الدار فيستأذن واحد منهم أيجزي عنهم جميعاً؟
قال: نعم.
قيل: فيرد رجل من القوم أيجزئ عن الجميع؟
قال: نعم.
قيل : القوم يمرون فيسلم واحد منهم أيجزئ عن الجميع؟
قال: نعم.
قيل فيرد رجل من القوم أيجزئ عن الجميع؟
قال: نعم.
وعن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عن أبيه: أن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال: حيث ما كنتم فصلّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني.(1).
أحمد بن محمد بن أيوب المغيري قال: كان الحسن ابن علي (عليهما السلام) أبيض مشربا حمرة أدعج العينين سهل الخدين دقيق المسربة كث اللحية ذا وفرة وكأن عنقه إبريق فضة عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين ربعة ليس بالطويل ولا القصير مليحا من أحسن الناس وجها وكان يخضب بالسواد وكان جعد الشعر حسن البدن.(2).
عن أحمد بن محمد بن أيوب المغيري قال: كان الحسن بن علي (عليهما السلام) أبيض مشرباً حمرة، أدعج العينين سهل الخدين، دقيق المسربة، كثّ اللحية ذا وفرة وكأن عنقه إبريق ،فضة ، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، ربعة ليس بالطويل ولا القصير مليحاً من أحسن الناس وجهاً، وكان يخضب بالسواد، وكان جعد الشعر حسن البدن.(1)
وقال واصل بن عطاء: كانت على الحسن بن علي (عليه السلام) سيماء الانبياء، وبهاء الملوك.(2)
وقال ابن حماد يصف شمائل الامام (عليه السلام):
تخطفه الردا واليه اما*** إمام ابن الإمام أخو إمام
حيدرة الرضي فهماً وعلما*** شبيه محمد خلقاً وخلقا
قال ابو زرين خطب بنا الحسن (عليه السلام): وكانت ملابسه وعمامته سوداء اللون.(3)
ونقل أنه (عليه السلام) اغتسل وخرج من داره في حلة فاخرة، وبزة طاهرة، ومحاسن سافرة، وقسمات ظاهرة، ونفحات ناشرة، ووجهه يشرق حسنا، وشكله قد كمل صورة ومعنى، والاقبال يلوح من أعطافه، ونضرة النعيم تعرف في أطرافه، وقاضي القدر قد حكم أن السعادة من أوصافه، ثم ركب بغلة فارهة غير قطوف، وسار مكتنفاً من حاشيته وغاشيته بصفوف، فلو شاهده عبد مناف لأرغم بمفاخرته به معاطس أنوف، وعده وآبائه وجده في إحراز خصل الفخار يوم التفاخر بألوف، فعرض له في طريقه من محاويج اليهود هم فی هدم قد أنهكته العلة، وارتكبته الذلة، وأهلكته القلة، وجلده يستر عظامه، وضعفه يقيد أقدامه، وضره قد ملك زمامه، وسوء حاله قد حبب إليه حمامه، وشمس الظهيرة تشوى شواه، وأخمصه تصافح ثرى ممشاه، وعذاب عر عريه قد عراه ، وطول طواه قد أضعف بطنه وطواه، وهو حامل جر مملوءاً ماءاً على مطاه وحاله يعطف عليه القلوب القاسية عند مرآه، فاستوقف الحسن (عليه السلام) :وقال يا ابن رسول الله انصفني؟
فقال(عليه السلام): في أي شيء؟
فقال: جدك يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، وأنت مؤمن وأنا كافر، فما أرى الدنيا إلا جنة لك تتنعم بها وتستلذ فيها، وما أراها إلا سجناً لي قد أهلكني ضرها وأتلفني فقرها.
فلما سمع الحسن (عليه السلام) كلامه، أشرق عليه نور التأييد، واستخرج الجواب بفهمه من خزانة علمه، وأوضح اليهودي خط ظنه، وخطل زعمه وقال: يا شيخ، لو نظرت إلى ما أعد الله لي وللمؤمنين في الدار الآخرة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت لعلمت إني قبل انتقالي إليه في هذه الدنيا في سجن
ضنك، ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في الدار الآخرة من سعير نار الجحيم ونكال عذاب المقيم لرأيت انك قبل مصيرك إليه الآن في جنة واسعة ونعمة جامعة.(1).
بدون شكّ، تعتبر الاخلاق الرفيعة والفضائل الاخلاقية من جملة الخصائص التي يتصف بها الكمال الانساني. إن الخلق الكامل اذا انطبع في النفس لا يمكن أن تنحرف عن الطريق القويم، أو تحل الانانية محل الايثار، أو تستولي عليها المغريات والنقائص من أجل ذلك كانت الاخلاق من أهم العناصر التي تبتني عليها الحياة الاجتماعية والفردية، كما انها من أوثق الاسباب في بقاء الامم وفي دوام حضارتها وأصالتها.
ان من أقوى العلل في ظهور الشرائع السماوية، وبقاء سلطانها الروحي عنايتها بالاخلاق واهتمامها بتهذيب النفوس وتربيتها بالنزعات الخيرة، وقد اهتم النبي بها اهتماماً بالغاً واعتبرها من أبرز الاسباب التي بعث من أجلها، يقول(صلّی الله علیه وآله وسلّم): "انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق"، وقد استطاع بمكارم أخلاقه أن يوقظ البشر من سباته، ويؤسس معالم الحضارة في العالم ويغير مجرى التأريخ، فقد ألف ما بين القلوب، ووحّد ما بين المشاعر والعواطف وجمع الناس على صعيد المحبة والاخاء.(2).
وهذه الاخلاق النبوية الرفيعة قد انطبعت في نفس الامام الحسن(عليه السلام) بحكم ميراثه من جدّه العظيم، فالقرآن المجيد يصرح ويقول: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ(1)
وان البشر بفطرتهم السليمة التي جبلهم الله عليها حين قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (2)، ورزقه أفضل نعمة، ألا نعمة وهي العقل والتفكّر التي تساعده على التحلي بالفضائل الاخلاقية.
كان الامام الحسن(عليه السلام) في شمائله آية الانسانية الفضلى، ما رآه أحد الا هابه ولا خالطه انسان الا ،أحبه ولا سمعه صديق أو عدو وهو يتحدث أو يخطب فهان عليه ان ينهي حديثه أو يسكت.
قال محمد بن اسحاق: " ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما بلغ الحسن بن علي، كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما يمر أحد من خلق الله إجلالاً له، فإذا علم قام ودخل بيته فيمر الناس ". ونزل عن راحلته في طريق مكة فمشى، فما من خلق الله أحد الا نزل ومشى.
القرآن الكريم يؤكد على هذه الصفة حين يقول: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(3)، ولكي يرغب الانسان لانتخاب الفضائل الاخلاقية قال جلّ شأنه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(4)
واحدة من الصفات الاخلاقية الرفيعة للامام الحسن (عليه السلام) هو الخوف والخشية من الله المتعال، لقد وصف القرآن الكريم العلماء قائلاً:
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (1)، فالانسان الذي يستطيع الوصول الى هذا المقام الرفيع ومع يخشى الله ويخافه، فسوف لا يخشى أي شيء آخر غير الله ، قال تعالى: وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ .(2) وقد روي أن الحسن بن علي (عليهما السلام) كان إذا أراد أن يتوضأ تغير لونه، فسئل عن ذلك فقال: إني أريد القيام بين يدي الملك الجبار.
وكان إذا أتى باب المسجد رفع رأسه ويقول: " إلهي عبدك ببابك، يا قد أتاك المسيء، وقد أمرت المحسن منا أن يتجاوز عن المسيء، فأنت محسن المحسن وأنا المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم"، ثم يدخل المسجد.(3)
وكان (عليه السلام) إذا فرغ من الفجر لم يتكلم حتى تطلع الشمس وإن زحزح.(4)
وعن عبد الله بن بكير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انا نريد الخروج إلى مكة مشاة.
قال: فقال: " لا تمشوا أخرجوا ركباناً".
قال: فقلت: أصلحك الله إنه بلغنا أن الحسن بن علي عليه السلام حج عشرين حجة ماشياً.
قال (عليه السلام): " إن الحسن بن علي (عليه السلام) حجّ وساق معه المحامل والرحال ".(1)
وعن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي (عليهم السلام)، قال: لما حضرت الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الوفاة بكي، فقيل له: يا بن رسول الله، أتبكي ومكانك من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)الذي أنت به، وقد قال فيك رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما قال، وقد حججت عشرين حجة ماشياً، وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات حتى النعل والنعل ؟!
فقال (عليه السلام): إنما أبكي لخصلتين : لهول المطلع، وفراق الأحبة.(2)
قال أبو حازم الاعرج: وكان الحسن (عليه السلام) يعظم أخاه الحسين(عليه السلام) فقد روى ابن عباس ان السبب في ذلك ان الحسن (عليه السلام)كان يقول: هيبة الحسين من هيبة أمير المؤمنين (عليه السلام).
وقال ابن عباس أيضاً: ان الحسن (عليه السلام) كان يغيّر مكانه في المجلس عندما يأتي الحسين (عليه السلام) تعظيماً له.
وقال مسروق: دخلت يوم عرفة على الحسين بن علي (عليهما السلام)، وأقداح السويق بين يديه وبين يدي أصحابه، والمصاحف في حجورهم، وهم ينتظرون الافطار، فسألته عن مسألة فأجابني، وخرجت فدخلت على الحسن بن علي (عليهما السلام) والناس يدخلون على موائد موضوعة عليها طعام عتيد، فيأكلون ويحملون، فرآني وقد تغيرت، فقال: يا مسروق ! لم لا تأكل؟ !
فقلت يا سيدي! أنا صائم، وأنا أذكر شيئاً.
فقال: اذكر ما بدا لك؟
فقلت: أعوذ بالله أن تكونوا مختلفين دخلت على الحسين (عليه السلام) فرأيته ينتظر الإفطار، ودخلت عليك وأنت على هذه الصفة والحال، فضمني إلى صدره وقال: يا ابن الأشرس أما علمت أن الله تعالى ندبنا لسياسة الأمة، ولو اجتمعنا على شيء ما وسعكم غيره، إني أفطرت لمفطركم، وصام أخي لصوا مكم.(1).
التواضع من الصفات الرفيعة ومن مكارم الاخلاق في الاسلام، وقد وصى بها القرآن المجيد حين قال: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (2)، وهذا التواضع
والاخلاق العالية قد اكتسبها الامام من جدّه العظيم، وقد ذكر التاريخ بوادر كثيرة من مكارم أخلاقه نسوق بعضها ومنها:
1 - أنه (عليه السلام) مرّ بمساكين وهم يأكلون كسراً لهم على كساء، فقالوا: يا أبا عبد الله ! الغداء.
فنزل وقال (عليه السلام): إنه لا يحب الله المستكبرين(1). فأكل معهم، ثم قال لهم: قد أجبتكم فأجيبوني. فانطلقوا معه، فلما أتوا المنزل قال لجاريته: أخرجي ما كنت تدخرين. (2).
2 - ومن عظيم أخلاقه، انه كان جالساً في مكان، فأراد الانصراف منه، فجاءه فقیر فرحب به ولاطفه وقال له: إنك جلست على حين قيام منا أفتأذن لي بالانصراف؟
فقال: نعم يا ابن رسول الله.(3)
ومن همته (عليه السلام) ما روي أنه قدم الشام - أي عند معاوية - فأحضر معه حمل عظيم ووضع قبله، ثم إن الحسن لما أراد الخروج خصف خادم نعله فأعطاه الحمل.
وروي ان معاوية وفد الى المدينة، فجلس في أول يوم يجيز من دخل عليه من خمسة آلاف إلى مائة ألف، فدخل عليه الحسن بن علي عليهما السلام في آخر الناس فقال: أبطأت يا أبا محمد، فلعلك أدت تبخلني عند قريش فانتظرت يفنى ما عندنا، يا غلام اعط الحسن مثل جميع ما أعطينا في يومنا هذا، يا أبا محمد وأنا ابن هند.
فقال الحسن (عليه السلام) لا حاجة لي فيها يا أبا عبد الرحمن ورددتها وأنا ابن فاطمة بنت محمد رسول الله .(1)
ان السخاء الحقيقي هو بذل الخير بداعي الخير، وبذل الاحسان بداعي الاحسان، وقد تجلآت هذه الصفة الرفيعة بأجلى مظاهرها، وأسمى معانيها في الامام الحسن(عليه السلام) حتى لقّب بـ "كريم أهل البيت".
ونسبت للحسن بن علي (عليه السلام) أبيات نظمها في الجود والسخاء منها قوله:
لله يقرأ في كتاب محكم*** ان السخاء على العباد فريضة
وأعد للبخلاء نار جهنم*** وعد العباد الأسخياء جنانه
للراغبين فليس ذاك بمسلم*** من كان لا تندبي يداه بنائل
وله (عليه السلام) أيضاً:
فمنهم سخي ومنهم بخيل خلقت الخلائق من قدرة
1) مناقب ابن شهر آشوب 4 : 18
وأما البخيل فحزن طويل(1)*** فأما السخي ففي راحة
وقيل للحسن بن علي (عليها السلام) وجعل في الجنان مقرهما لأي شيء نراك لا تردّ سائلاً وإن كنت على فاقة؟
فقال (عليه السلام): إني الله سائل وفيه راغب، وأنا أستحيي أن أكون سائلاً وأردّ سائلاً، وأن الله تعالى عوّدني عادة أن يفيض نعمة علي وعودته أن أفيض نعمه على الناس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني المادة، وأنشد يقول:
يمن فضله فرض عليّ معجّل*** إذا ما أتاني سائل قلت مرحبا
وأفضل أيام الفتى حين يسأل(2)*** ومن فضله فضل على كل فاضل
وروى أبو جعفر محمد بن حبيب: أن الحسن (عليه السلام) أعطى شاعراً، فقال له رجل من جلسائه: سبحان الله! أتعطي شاعراً يعصي الرحمن، ويقول البهتان!
فقال (عليه السلام): يا عبد الله، إن خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك، وإن من ابتغاء الخير اتقاء الشر.(3)
وقال أبو هارون: انطلقنا حجاجاً فدخلنا المدينة، فقلنا: لو دخلنا على ابن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الحسن فسلمنا عليه، فدخلنا عليه فحدثناه بمسيرنا وحالنا، فلما خرجنا من عنده بعث إلى كل رجل منا بأربعمائة أربعمائة، فقلنا: إنا أغنياء وليس بنا حاجة.
فقال: لا تردّوا عليه معروفة، فرجعنا إليه فأخبرناه بيسارنا وحالنا.
فقال: لا تردّوا عليّ معروفي، فلو كنت على غير هذه الحال كان هذا لكم يسيراً، أما إني مزوّدكم أن الله تبارك وتعالى يباهي ملائكته بعباده يوم يوم عرفة يقول: عبادي جاؤوني شعثاً، يتعرضون لرحمتي فأشهدكم أني قد غفرت لمحسنهم، وشفعت محسنهم في مسيئهم، وإذا كان الجمعة فمثل ذلك.(1)
وجاءه بعض الاعراب فقال: "أعطوه ما في الخزانة!". فوجد فيها عشرون الف درهم. فدفعت اليه.
فقال الاعرابي: "يا مولاي، ألا تركتني أبوح بحاجتي، وانشر مدحتي؟".
فأنشأ الحسن يقول:
يرتع فيه الرجاء والأمل*** نحن أناس نوالنا خضل
خوفا على ماء وجه من يسل*** تجود قبل السؤال أنفسنا
قال ابن كثير: كان الامام الحسن (عليه السلام) كثير السخاء.(2)
روى أبو الحسن المدائني قال: خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر (عليهم السلام) حجاجاً، ففاتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا، فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا: هل من شراب؟
فقالت: نعم، فأناخوا بها وليس لها إلا شويهة في كسر الخيمة فقالت: أحلبوها وامتذقوا لبنها، ففعلوا ذلك وقالوا لها: هل من طعام؟
قالت: لا، إلا هذه الشاة فليذبحنها أحدكم حتى أهيىء لكم شيئاً تأكلون.
فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاماً فأكلوا ثم أقاموا حتى أبردوا، فلما ارتحلوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا رجعنا سالمين فألمي بنا فانا صانعون إليك خيراً.
ثم ارتحلوا وأقبل زوجها وأخبرته عن القوم والشاة فغضب الرجل وقال: ويحك ! أتذبحين شاتي لأقوام لا تعرفينهم ثم تقولين: نفر من قريش!
ثم بعد مدة ألجأتهم الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها وجعلا ينقلان البعر إليها ويبيعانه ويعيشان منه فمرت العجوز في بعض سكك المدينة، فإذا الحسن (عليه السلام) على باب داره جالس فعرف العجوز وهي له منكرة، فبعث غلامه فردها فقال لها: يا أمة الله أتعرفينني؟
قالت: لا.
قال: أنا ضيفك يوم كذا وكذا.
فقالت العجوز: بأبي أنت وأمي، لست أعرفك.
فقال: فان لم تعرفيني فأنا أعرفك، فأمر الحسن (عليه السلام) فاشترى لها من شاء الصدقة ألف شاة وأمر لها بألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى أخيه الحسين (عليه السلام) فقال: بكم وصلك أخي الحسن؟
فقالت بألف شاة وألف دينار فأمر لها بمثل ذلك، ثم بعث بها مع غلام
إلى عبد الله بن جعفر (عليه السلام) فقال: بكم وصلك الحسن والحسين (عليهما السلام)؟
فقالت: بألفي دينار وألفي شاة، فأمر لها عبد الله بألفي دينار وألفي شاة وقال: لو بدأت بي لأتعبتهما. فرجعت العجوز إلى زوجها بذلك.(1)
مداراة الناس من الصفات الجيدة والحسنة التي أكّد (عليها الاسلام)، لذا جاء في الرواية "سلاح العلم لين الكلام" .(2)
وجاء في حديث آخر: "من لان عوده كثف أغصانه"(3)، وعلى كل الاحوال، فان المداراة واللين توأمان دعا الاسلام الى الالتزام بها، وهي من الخصائص المهمة التي تميزت بها شخصية الامام الحسن (عليه السلام)، وهذا ما تشير اليه الروايات التالية:
1) كشف الغمة 2 : 182 وهذه القصة مشهورة وفي دواوين جودهم مسطورة، وعنهم (عليهم السلام) مأثورة وقد نقلت بلفظ على غير هذه الرواية وانه كان معهم رجل آخر: من أهل المدينة ... وأنها أتت عبد الله بن جعفر فقال: ابدئي بسيدي الحسن والحسين، فأتت الحسن فأمر لها بمائة بعير، وأعطاها الحسين ألف شاة ، فعادت إلى عبد الله بن جعفر فسألها فأخبرته فقال: كفاني سيداي أمر الإبل والشاة وأمر لها بمائة ألف درهم، وقصدت المدني الذي كان معهم فقال لها: أنا لا أجاري أولئك الأجود في مدى، ولا أبلغ عشر عشيرهم في الندى، ولكن أعطيتك شيئاً من دقيق وزبيب فأخذت وانصرفت.
2) سفينة البحار 2: 520
3) المصدر السابق
1- روى ابن عائشة قال: دخل رجل من أهل الشام المدينة فرأى رجلاً راكباً بغلة حسنة، قال: لم أر أحسن منه فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل لي: انه الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فامتلأ قلبي غيظاً وحنقاً وحسداً ان يكون لعلي ولد مثله فقمت إليه فقلت أنت ابن علي ابن أبي طالب؟
فقال انا ابنه.
فقلت أنت ابن من ومن ومن، وجعلت اشتمه وأنال منه ومن أبيه وهو ساكت حتى استحييت منه، فلما انقضى كلامي ضحك وقال: أحسبك غريباً شامياً؟
فقلت: أجل.
فقال: فمل معي إن احتجت إلى منزل أنزلناك، وإلى مال أرفدناك، وإلى حاجة عاوناك، فاستحييت منه وعجبت من كرم أخلاقه، فانصرفت وقد صرت أحبه ما لا أحب أحداً غيره.(1).
2 - شداد الجعفي، عن جدته أرجوانة، قالت: أقبل الحسن بن علي وبنو هاشم خلفه، وجليس لبني أمية من أهل الشام، فقال: من هؤلاء المقبلون؟ ما أحسن هيئتهم ! فاستقبل الحسن، فقال: أنت الحسن بن علي؟
قال: نعم.
قال: أتحب أن يدخلك الله مدخل أبيك ؟
1) كشف الغمة 2 : 183.
فقال: ويحك، ومن أين وقد كانت له من السوابق ما قد سبق؟
قال الرجل: أدخلك الله مدخله فإنه كافر وأنت!! فتناوله محمد بن علي (ابن الحنفية) من خلف الحسن فلطمه لطمة لزم بالأرض فنشر الحسن عليه رداءه، وقال: عزمة مني عليكم يا بني هاشم لتدخلن المسجد ولتصلن، وأخذ بيد الرجل فانطلق إلى منزله فكساه حلّة وخلى عنه.(1).
عن عمير بن إسحاق، قال: ما تكلم عندي أحد كان أحب إلي إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي، وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه بين حسين بن علي وعمرو بن عثمان بن عفان خصومة في أرض فعرض
1) ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من طبقات ابن سعد : 60 . أقول : قاتل الله الدعايات الكافرة الأموية ضد الإسلام ومبادئه، كيف قلبوا الحقائق وغيروا المفاهيم وبثوا الدعاية ضد أمير المؤمنين (عليه السلام) وحاربوه إعلامياً كما قاتلوه بسيوفهم، فحاربوا الله ورسوله وخليفته فأعلنوا سبّه على المنابر وما قامت منابر الإسلام ومناثره إلا بجهوده وجهاده وتضحياته، وكان من بنود معاهدة الإمام الحسن (عليه السلام) أن لا يسب أبوه، ولكن معاوية لم يف بشيء من بنود المعاهدة وجعلها تحت قدميه ومن علامات المنافق أنه إذا وعد أخلف، وكان من جراء ذلك أن أصبح أهل الشام يرون أمير المؤمنين (عليه السلام) كافراً! وهو أول من آمن وصلى ولو كشف الغطاء ما ازداد يقيناً. وهذه كلها أحقاد بدرية ضد الإسلام ونبيه وآل بيته، وضغائن أموية جاهلية ضد بني هاشم، وحيث لم تسمح لهم الظروف أن يتجاهروا بسب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)عمدوا إلى صنوه ووصيه أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو نفسه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وسبّه (عليه السلام) سبّه (صلّی الله علیه وآله وسلّم).. قال أبو عبد الله الجدلي: دخلت على أم سلمة فقالت لي، أيسب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فيكم؟! فقلت: معاذ الله – أو : سبحان الله !! قالت: سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: من سب علياً فقد سبني. أخرجه أحمد في المسند 6 : 323 وفي فضائل علي (عليه السلام) رقم 132، والنسائي في خصائص علي: 24، والحاكم في المستدرك 3 : 121 .
حسين أمراً لم يرضه عمرو ، فقال الحسن: فليس له عندنا إلا ما رغم أنفه.
قال: فهذا أشد كلمة فحش سمعتها منه قط.(1)
ورفض الامام جميع مباهج الحياة، وزهد في ملاذها ونعيمها، واتجه الى الدار الآخرة التي أعدها الله للمتقين من عباده، وقد تحدث (عليه السلام) عن عزوفه عن الدنيا، واقتناعه بالقليل منها فقال :
وشربة من قراح الماء تكفيني*** لكسرة من خسيس الخبز تشبعني
حياً وان مت تكفيني لتكفيني(2)*** وطرة من دقيق الثوب تسترني
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعت الحسن (عليه السلام) يقول: جعل الخير كلّه في بيت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.(3)
وقال مدرك بن زياد لابن عباس، وقد امسك للحسن والحسين بالركاب وسوى عليهما ثيابهما: "أنت أسن منهما تمسك لهما بالركاب؟"
فقال: "يا لكع! وما تدري من هذان× هذان ابنا رسول الله، أوليس مما أنعم الله علي به ان امسك لهما وأسوي عليهما!"(4)
وكان من تواضعه على عظيم مكانته انه مر بفقراء وضعوا كسيرات على
الأرض، وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: "هلم يا ابن رسول الله إلى الغداء ! "
فنزل وقال: "ان الله لا يحب المتكبرين". وجعل يأكل معهم. ثم دعاهم إلى ضيافته فأطعمهم وكساهم.(1)
وعن مدرك بن زياد قال: كنا في حيطان ابن عباس فجاء ابن عباس والحسن والحسين (عليهما السلام) فطافوا في البستان فنظروا ثم جاؤوا إلى ساقية فجلسوا على شاطئها فقال لي الحسن: يا مدرك أعندك غداء؟
قلت: قد خبزنا.
قال: ائت به.
قال: فجئته بخبز وشيء من ملح جريش وطاقتين من بقل فأكل، ثم قال: يا مدرك ما أطيب هذا؟
ثم أتي بغدائه - وكان كثير الطعام طيبه - فقال لي: يا مدرك إجمع لي غلمان البستان.
قال: فجمعتهم، فقدّم إليهم فأكلوا ولم يأكل.
فقلت: ألا تأكل؟!
فقال: ذاك كان أشهى عندي من هذا.(2)
ومما يدلّ على عظيم زهده أنه زهد في الملك طلباً لمرضاة الله، وخوفاً على دماء المسلمين، وقد ألف في زهده محمد بن بابويه القمي(1)كتاباً أسماه "زهد الحسن"، وأجمع المترجمون له أنه كان أزهد الناس وأفضلهم بعد جدّه وأبيه.
إسماعيل بن ابان باسناده عن الحسن بن علي (عليهما السلام) انه مر في مسجد رسول الله بحلقة فيها قوم من بني أمية، فتغامزوا به، وذلك عندما تغلب معاوية على ظاهر أمره فرآهم وتغامز هم به، فصلی رکعتین فقال:
قد رأيت تغامزكم أما والله لا تملكون يوماً إلا ملكنا يومين، ولا شهراً إلا ملكنا شهرين، ولا سنة إلا ملكنا سنتين، وانا لنأكل في سلطانكم ونشرب ونلبس ونركب وتنكح وأنتم لا تركبون في سلطاننا ولا تشربون ولا تأكلون ولا تنكحون.
فقال له رجل: فكيف يكون ذلك يا أبا محمد وأنتم أجود الناس وأرأفهم وأرحمهم تأمنون في سلطان القوم ولا يأمنون في سلطانكم؟
فقال: لأنهم عادونا بكيد الشيطان وهو ضعيف، وعاديناهم بكيد الله وكيد الله شديد.(2).
وعن عمير بن إسحاق قال: كان مروان أميراً علينا - يعني بالمدينة - فكان يسبّ علياً كل جمعة على المنبر، والحسن بن علي يسمع فلا یرد شيئاً، ثم أرسل إليه رجلاً يقول له: بعلي وبعلي وبعلي وبك وبك وبك، وما وجدت مثلك إلا مثل البغلة يقال لها: من أبوك؟ فتقول: أمي الفرس.
فقال له الحسن: إرجع إليه، فقل له: إني والله لا أمحو عنك شيئاً مما قلت بأن أسبّك، ولكن موعدي وموعدك الله، فإن كنت صادقاً جزاك الله بصدقك، وإن كنت كاذباً فالله أشد نقمة.(1)
كتب الحسن بن أبي الحسن البصري(2)إلى أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام):
أما بعد، فإنكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة، والاعلام النيرة الشاهرة أو كسفينة نوح (عليه السلام) التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون.
كتبت إليك يا أبن رسول الله عند اختلافنا في القدر، وحيرتنا في الاستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك (عليهم السلام)؟ فإن من علم
الله علمكم وأنتم شهداء على الناس والله الشاهد عليكم، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.
فأجابه الحسن (عليه السلام):
بسم الله الرحمن الرحيم، وصل إليّ كتابك ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذا ما أخبرتك، أما بعد: فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أن الله يعلمه فقد كفر.
ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر، إن الله لم يطع مكرهاً ولم يعص مغلوباً ولم يهمل العباد سدى من المملكة، بل هو المالك لما ملكهم، والقادر على ما عليه أقدرهم، بل أمرهم تخييراً ونهاهم تحذيراً، فإن ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صادّاً، وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل، وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبراً ولا ألزموها كرهاً، بل من عليهم بأن بصرهم وعرفهم وحذرهم وأمرهم ونهاهم لا جبلاً لهم على ما أمرهم به فيكونوا كالملائكة، ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه، ولله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين، والسلام على من اتبع الهدى.(1)
عن أبي أسامة(2)، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج الحسن بن علي
إلى مكة سنة ماشياً فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت امسك عنه هذه الورمة.
فقال: كلا إذا أتينا هذا المنزل فإنه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتر منه ولا تماكسه .
فقال له مولاه: بأبي أنت وأمي ما قدامنا منزل فيه أحد يبيع هذا الدواء.
فقال: بلى إنه أمامك دون المنزل، فسار ميلاً فإذا هو بالأسود.
فقال الحسن (عليه السلام) لمولاه: دونك الرجل فخذ منه الدهن وأعطه الثمن.
فقال الأسود: يا غلام لمن أردت هذا الدهن؟
فقال: للحسن بن علي.
فقال: انطلق إليه، فانطلق به فأدخله إليه، فقال له: بأبي أنت وأمي لم اعلم أنك تحتاج إلى هذا وترى ذلك ولست اخذ له ثمناً إنما أنا مولاك ولكن ادع الله أن يرزقني ذكراً سوياً يحبّكم أهل البيت، فإني خلفت أهلي وهي تمخض.
فقال: انطلق إلى منزلك فقد وهب الله لك ذكراً سوياً وهو من شيعتنا.(1)
وروى أبو حمزة الثمالي عن زين العابدين (عليه السلام) قال: كان الحسن بن علي جالساً فأتاه آت فقال: يا ابن رسول الله قد احترقت دارك .
1) الكافي 1 : 463 ح 6 ، مدينة المعاجز 3 : 245 ، بحار الأنوار 43 : 324 ح 3 و 4 ، العوالم 3ح89:16
قال: لا ما احترقت، إذا أتاه آت فقال: يا ابن رسول الله قد وقعت النار في دار إلى جنب دارك حتى ما شككنا انها ستحرق دارك، ثم إن الله
صرفها عنها.(1)
كان الامام الحسن (عليه السلام) كثيراً ما يتمثل بالبيت التالي:
إن اغترارا بظل زائل حمق(2)*** يا أهل لذة دنيا لا بقاء لها
وقال (عليه السلام) يرثي أباه أمير المؤمنين (عليه السلام):
أين من كان لعلم المصطفى في الناس بابا
أين من كان إذا ما قحط الناس سحابا
أين من كان إذا نودي للحرب أجابا
أين من كان دعاه مستجابا ومجابا
وله (عليه السلام):
من البكاء على عليّ*** خل العيون وما أردن
فليس قلبك بالخلي*** لا تقبلن من الخلي
تضعضعت وسط الندي*** لله أنت إذا الرحال
تركن إلى فشل وعي*** فرجت غمتّه ولم
وله عليه السلام:
أغمد عن قاتليه سيف الفناء(3)*** خذل الله خاذل سيه ولا
وأيضاً نُسب اليه (عليه السلام) البيتين التاليين:
حان الرحيل فودّع الأحبابا*** قل للمقيم بغير دار إقامة
صاروا جميعاً في القبور ترابا(1)*** ان الذين لقيتهم وصحبتهم
وقال علي بن العباس الطبري: مكتوب على خاتم الحسن بن علي (عليهما السلام):
إن المنية نازل بك يا فتى*** قدم لنفسك ما استطعت من التقى
أحباب قلبك في المقابر والبلى(2)*** أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى
وله (عليه السلام) أيضاً:
وشربة من قراح الماء تكفيني*** لكسرة من خسيس الخبز تشبعني
حياً وان مت تكفيني لتكفيني(3)*** وطرة من دقيق الثوب تسترني
ادعى رجل على الحسن بن علي (عليهما السلام) ألف دينار كذباً ولم يكن له عليه، فذهبا إلى شريح فقال للحسن: أتحلف؟
قال: إن حلف خصمي أعطيه.
فقال شريح للرجل: قل: بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة.
فقال الحسن: لا أريد مثل هذا قل بالله ان لك عليّ هذا وخذ الألف.
فقال الرجل ذلك وأخذ الدنانير، فلما قام خرّ إلى الأرض ومات، فسئل الحسن عن ذلك فقال: خشيت انه لو تكلم بالتوحيد يغفر له يمينه ببركة التوحيد ويحجب عنه عقوبة يمينه.(1)
وذكر محمد بن إسحاق في كتابه قال: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله ما بلغ الحسن، كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما مرّ أحد من خلق الله إجلالاً له، فإذا علم قام ودخل بيته فمرّ الناس، ولقد رأيته في طريق مكة ماشياً، فما من خلق الله أحد رآه إلا نزل ومشى .(2)
روي انه دخلت عليه امرأة جميلة وهو في صلاته، فأوجز في صلاته ثم قال لها: ألك حاجة؟
قالت: نعم.
قال: وما هي؟
قالت: قم فأصب مني، فاني وفدت ولا بعل لي.
قال: إليك عني لا تحرقيني بالنار ونفسك، فجعلت تراوده عن نفسه وهو يبكي ويقول: ويحك إليك عني، واشتد بكاؤه، فلما رأت ذلك بكت لبكائه. فدخل الحسين ورآهما يبكيان فجلس يبكي، وجعل أصحابه يأتون
ويجلسون ويبكون حتى كثر البكاء وعلت الأصوات، فخرجت الاعرابية، وقام القوم وترحلوا.
ولبث الحسين بعد ذلك دهراً لا يسأل أخاه عن ذلك إجلالاً، فبينما الحسن ذات ليلة نائماً إذا استيقظ وهو يبكي، فقال له الحسين: ما شأنك؟
قال: رؤيا رأيتها الليلة.
قال: وما هي؟
قال: لا تخبر أحداً ما دمت حياً.
قال: نعم.
قال: رأيت يوسف فجئت انظر إليه فيمن ،نظر فلما رأيت حسنه بكيت فنظر إليّ في الناس فقال: ما يبكيك يا أخي بأبي أنت وأمي!
فقلت ذكرت يوسف وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها وما لقيت من السجن وحرقة الشيخ يعقوب فبكيت من ذلك وكنت أتعجب منه.
فقال يوسف: فهلا تعجبت مما فيه المرأة البدوية بالابواء.(1)
ونقل أنه (عليه السلام) اغتسل وخرج من داره في حلة فاخرة، وبزة طاهرة، ومحاسن سافرة، وقسمات ،ظاهرة، ونفحات ،ناشرة ووجهه يشرق حسنا
1) الأبواء - بالفتح ثم السكون وفتح الواو وألف ممدودة - : قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، وقيل: جبل عن يمين آره ويمين المصعد إلى مكة من المدينة (مراصد الاطلاع 1: 19).
و شكله قد كمل صورة ومعنى، والاقبال يلوح من أعطافه، ونضرة النعيم تعرف في أطرافه، وقاضي القدر قد حكم أن السعادة من أوصافه، ثم ركب بغلة فارهة غير قطوف، وسار مكتنفاً من حاشيته وغاشيته بصفوف، فلو شاهده عبد مناف لأرغم بمفاخرته به معاطس أنوف، وعده وآبائه وجده في إحراز خصل الفخار يوم التفاخر بألوف، فعرض له في طريقه من محاويج اليهود هم في هدم قد أنهكته العلة، وارتكبته الذلة، وأهلكته القلة، وجلده يستر عظامه، وضعفه يقيد أقدامه، وضره قد ملك زمامه، وسوء حاله قد حبب إليه حمامه، وشمس الظهيرة تشوى شواه، وأخمصه تصافح ثرى ممشاه، وعذاب عر عريه قد عراه، وطول طواه قد أضعف بطنه وطواه، وهو حامل جر مملوءاً ماءاً على مطاه وحاله يعطف عليه القلوب القاسية عند مرآه فاستوقف الحسن (عليه السلام) : وقال يا ابن رسول الله انصفني؟
فقال (عليه السلام): في أي شيء؟
فقال: جدك يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، وأنت مؤمن وأنا كافر، فما أرى الدنيا إلا جنة لك تتنعم بها وتستلذ فيها، وما أراها إلا سجناً لي قد أهلكني ضرها وأتلفني فقرها.
فلما سمع الحسن (عليه السلام) كلامه أشرق عليه نور التأييد، واستخرج الجواب بفهمه من خزانة علمه، وأوضح اليهودي خط ظنه، وخطل زعمه وقال: يا شيخ، لو نظرت إلى ما أعد الله لي وللمؤمنين في الدار الآخرة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت لعلمت إني قبل انتقالي إليه في هذه الدنيا في سجن ضنك، ولو نظرت إلى ما أعدّ الله لك ولكل كافر في الدار الآخرة من سعير نار
الجحيم ونكال عذاب المقيم لرأيت انك قبل مصيرك إليه الآن في جنة واسعة ونعمة جامعة.(1)
وكان من كرمه انه أتاه رجل في حاجة فقال له: " اكتب حاجتك في رقعة وارفعها الينا ".
قال فرفعها اليه فأضعفها له، فقال له بعض جلسائه: " ما كان أعظم بركة الرقعة عليه يا ابن رسول الله".
فقال: "بركتها علينا أعظم، حين جعلنا للمعروف أهلاً. أما علمت ان المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة، فأما من أعطيته بعد مسألة، فإنما أعطيته بما بذل لك من وجهه. وعسى ان يكون بات ليلته متململاً أرقاً، يميل بين اليأس والرجاء، لا يعلم بما يرجع من حاجته أبكآبة الرد، أم بسرور النجح، فيأتيك وفرائصه ترعد وقلبه خائف يخفق، فان قضيت له حاجته فيما بذل من وجهه، فان ذلك أعظم مما نال من معروفك". (2)
وعن ميمون بن مهران قال: "كنت جالسا عند الحسن بن علي (عليهما السلام) فأتاه رجل فقال له: يا ابن رسول الله، إن فلاناً له علي مال ويريد أن يحبسني.
فقال: والله ما عندي مال فأقضي عنك.
قال: فكلمه .
قال: فلبس (عليه السلام) نعله فقلت له يا ابن رسول الله أنسيت اعتكافك؟
فقال له: لم أنس ولكني سمعت أبي (عليه السلام) يحدث عن جدي رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنه قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنما عز وجل تسعة آلاف سنة، صائما نهاره قائما ليله ".(1)
عبد الله
كتب ملك الروم إلى معاوية يسأله عن ثلاث:
1 - عن مكان بمقدار وسط السماء.
2- وعن أول قطرة دم وقعت على الأرض.
3 - وعن مكان طلعت فيه الشمس مرة فلم يعلم ذلك.
فاستغاث بالحسن بن علي (عليه السلام) فقال:
ظهر الكعبة، ودم حواء، وأرض البحر حين ضربه موسى.
وعنه (عليه السلام) في جواب ملك الروم: ما لا قبلة له فهي الكعبة، وما لا قرابة له فهو الرب تعالى.(2)
قال معاوية: يا أبا محمد أخبرنا عن ليلة القدر. قال: نعم، عن مثل هذا
فاسأل: إن الله خلق السماوات سبعاً والأرضين سبعاً، والجن من سبع، والانس من سبع، فتطلب من ليلة ثلاث وعشرين إلى ليلة سبع وعشرين، ثم نهض (عليه السلام)(1)
قال أبو جعفر (عليه السلام): " وجد على عهد أمير المؤمنين صلوت الله عليه رجل مذبوح في خربة وهناك رجل بيده سكين ملطخ بالدم، فأخذ ليؤتى به أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأقر أنه قتله، فاستقبله رجل فقال لهم: خلوا عن هذا، فأنا قاتل صاحبكم، فأخذ أيضاً واتي به مع صاحبه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلما دخلوا قصوا عليه القصة.
فقال للأول: ما حملك على الاقرار؟
قال: يا أمير المؤمنين، إني رجل قصاب وقد كنت ذبحت شاة بجنب الخربة فأعجلني البول، فدخلت الخربة وبيدي سكين ملطخ بالدم فأخذني هؤلاء وقالوا: أنت قتلت صاحبنا.
فقلت: ما يغني عني الانكار شيئاً وهاهنا رجل مذبوح وأنا بيدي سكين ملطّخ بالدم، فأقررت لهم أني قتلته.
فقال علي (عليه السلام) للآخر: ما تقول أنت؟
قال: أنا قتلته يا أمير المؤمنين.
1) بحار الأنوار 44 : 42 .
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): اذهبوا إلى الحسن ابني ليحكم بينكم، فذهبوا إليه وقصوا عليه القصة فقال (عليه السلام) أما هذا، فإن كان قد قتل رجلا فقد أحيا هذا والله عز وجل يقول: ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ليس على أحد منهما شيء وتخرج الدية من بيت المال لورثة المقتول".(1)
عن أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد (عليهما السلام) قال: أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم ومعه الحسن بن علي وسلمان الفارسي رضي الله عنه وأمير المؤمنين (عليه السلام) متكئ على يد سلمان، فدخل المسجد الحرام فجلس إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس، فسلّم على أمير المؤمنين (عليه السلام) فردّ (عليه السلام) فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهن علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنهم ليسوا بمأمونين في دنياهم ولا في آخرتهم، وإن تكن الأخرى علمت أنك وهم شرع سواء.
فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): سلني عما بدا لك؟
فقال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟
فالتفت أمير المؤمنين إلى أبي محمد الحسن فقال: يا أبا محمد أجبه.
1) من لا يحضره الفقيه 3 : 23.
فقال: أما ما سألت عنه من أمر الانسان إذا نام أين تذهب روحه، فإن روحه متعلقة بالريح والريح متعلقة بالهواء إلى وقت ما يتحرك صاحبها لليقظة، فإن أذن الله عزّ وجل بردّ تلك الروح إلى صاحبها جذبت تلك الروح الريح، وجذبت تلك الريح الهواء، فرجعت الروح فأسكنت في بدن صاحبها، وإن لم يأذن الله عز وجل برد تلك الروح إلى صاحبها جذب الهواء الريح، وجذبت الريح الروح، فلم ترد إلى صاحبها إلى وقت ما يبعث.
وأما ما ذكرت من أمر الذكر والنسيان: فإن قلب الرجل في حق، وعلى الحق طبق فإن صلى الرجل عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق فأضاء القلب وذكر الرجل ما كان نسيه، وإن هو لم يصل على محمد وآل محمد أو نقص من الصلاة عليهم انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق فأظلم القلب ونسي الرجل ما كان ذكر.
وأما ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله، فان الرجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير مضطرب فأسكنت تلك النطفة في جوف الرحم خرج الولد يشبه أباه وأمه، وإن هو أتاها بقلب غير ساكن وعروق غير هادئة و بدن مضطرب، اضطربت تلك النطفة فوقعت في حال اضطرابها على بعض العروق فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه الرجل أخواله.
فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم أزل أشهد بها، وأشهد أن محمداً رسول الله، ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنك وصيّه والقائم بحجته بعده - وأشار
بيده إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) - ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنك وصيه والقائم بحجته - وأشار إلى الحسن (عليه السلام) ..
وأشهد أن الحسين بن علي وصي أبيك والقائم بحجته بعدك.
وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين بعده.
وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن الحسين.
وأشهد على جعفر بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي.
وأشهد على موسى بن جعفر أنه القائم بأمر جعفر بن محمد.
وأشهد على علي بن موسى أنه القائم بأمر موسى بن جعفر.
و أشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن موسى.
وأشهد على علي بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي.
وأشهد على الحسن بن علي أنه القائم بأمر علي بن محمد.
وأشهد على رجل من ولد الحسن بن علي لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم قام فمضى.
فقال أمير المؤمنين: يا أبا محمد اتبعه فانظر أين يقصد؟
فخرج الحسن (عليه السلام) في أثره قال فما كان إلا أن وضع رجله خارج المسجد فما دريت أين أخذ من أرض الله فرجعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأعلمته، فقال: يا أبا محمد أتعرفه؟
فقلت: الله ورسوله و أمير المؤمنين أعلم.
فقال: هو الخضر (عليه السلام)(1)
عن أبي سعيد عقيصا قال: لما صالح الحسن بن علي (عليهما السلام) معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته، فقال (عليه السلام): ويحكم ما تدرون ما عملت والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أنني إمامكم مفترض الطاعة عليكم وأحد سيدي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) علي؟
قالوا: بلى.
قال: أما علمتم أن الخضر (عليه السلام) لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران، إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصوابا .
أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم عيسى بن مريم (عليه السلام )خلفه، فإن الله عز وجل الذي يصلي روح الله يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شئ قدير(2).
جاء أبو سفيان إلى علي (عليه السلام) فقال يا أبا الحسن جئتك في حاجة.
قال: وفيم جئتني ؟
قال تمشي معي إلى ابن عمك محمد فتسأله أن يعقد لنا عقدًا ويكتب لنا كتاباً.
فقال يا أبا سفيان، لقد عقد لك رسول الله عقد لا يرجع عنه أبداً، وكانت فاطمة من وراء الستر والحسن يدرج بين يديها وهو طفل من أبناء أربعة عشر شهراً، فقال لها: يا بنت محمد قولي لهذا الطفل يكلم لي جده فيسود بكلامه العرب والعجم.
فأقبل الحسن (عليه السلام) إلى أبي سفيان وضرب احدى يديه على أنفه والأخرى على لحيته ثم أنطقه الله عز وجل بأن قال: يا أبا سفيان، قل لا إله إلا الله محمداً رسول الله حتى أكون شفيعاً.
فقال (عليه السلام) الحمد الله الذي جعل في آل محمد من ذرية محمد المصطفى نظير يحيى بن زكريا وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(1).(2)
1) مريم : 12 .
2) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب :3: 173 وهذه الحادثة وقعت بعد معركة الخندق وقبل فتح مكة، حيث كانت قريش وقادتها تعاني من الضعف الظاهر خصوصاً بعد الضربات القاصمة التي وجهها قائد الدعوة الاسلامية رسول الله صلوات الله عليه وآله الى يهود المدينة، فخافت قريش على نفسها وأرسلت أبا سفيان للاطمئنان على نفسها ولكن الفتح المبين كان قادماً لا محالة، وكان فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة .
وقال له معاوية يوماً: ما يجب لنا في سلطاننا؟
قال: ما قال سلیمان بن داود
قال معاوية: وما قال سليمان بن داود؟
قال: قال لبعض أصحابه: أتدري ما يجب على الملك في ملكه، وما لا يضره؟ إذا أدى الذي عليه منه، وإذا خاف الله في السر والعلانية، وعدل في الغضب والرضا، وقصد في الفقر والغنى، ولم يأخذ الأموال غصبا، ولم يأكلها إسرافاً وبذاراً لم يضره ما تمتع به من دنياه، إذا كان ذلك من خلته.(1).
1 - عن الحسن بن علي (عليهما السلام) قال:
الناس أربعة: فمنهم من له خلق ولا خلاق له (2)، ومنهم من له خلاق ولا خلق له، ومنهم من لا خلق ولا خلاق له، وذلك شرّ الناس، ومنهم من له خلق و خلاق فذلك خير الناس (3).
1) تاريخ اليعقوبي 2 : 227 .
2) في النهاية: الخلق - بضم اللام وسكونها - الدين والطبع والسجية، وحقيقيته أنه لصورة الانسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق - بفتح الخاء - لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب مما يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع والخلاق : النصيب .
3) الخصال : 236
2 - وقال (عليه السلام): ما ترك الحق عزيز إلا ذل، ولا أخذ به ذليل إلا عز.(1).
3 - عن الحسن بن علي صلوات الله عليه قال: نعم العون الصمت في مواطن كثيرة، وإن كنت فصيحاً.(2)
4 - قال (عليه السلام): ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم.(3).
5 - وقال (عليه السلام): لبعض ولده: يا بني لا تواخ أحداً حتى تعرف موارده ومصادره، فإذا استنبطت الخبرة، ورضيت العشرة، فآخه على إقالة
العثرة، والمواساة في العسرة(4).
6 - وقال (عليه السلام) القريب من قرّبته المودّة وإن بعد نسبه. والبعيد من باعدته المودّة وإن قرب نسبه، لا شيء أقرب من يد إلى جسد، وإن اليد تفل فتقطع وتحسم. (5)
7 - وسئل عن المروة؟ فقال (عليه السلام): شح الرجل عليه دينه. وإصلاحه ماله وقيامه بالحقوق.(6)
8- وقال (عليه السلام) إن أبصر الأبصار ما نفذ في الخير مذهبه. وأسمع الأسماع ما وعى التذكير وانتفع به أسلم القلوب ما طهر من الشبهات. (1)
9 - وقال الحسن (عليه السلام): جربنا وجرّب المجربون، فلم نر شيئاً أنفع وجداناً، ولا أضر فقداناً من الصبر، تداوى به الأمور ، ولا يداوى هو بغيره .(2)
10 - وقيل للحسن (عليه السلام): إن أبا ذر كان يقول: الفقر أحب إلى من الغنى، والسقم أحب إلى من الصحة. فقال: الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتّكل إلى حسن الاختيار من الله لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها الله له، لعمري يا بن آدم الطير لا تأكل رغداً، ولا تخبأ لغد، وأنت تأكل رغداً، وتخبأ لغد، فالطير أحسن ظناً منك بالله عزّ وجل.(3)
11 - وروى الحسن بن علي(عليه السلام) عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : إن الرجل يدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم، وإنه ليكتب جباراً ولا يملك إلا أهله.(4)
12 - أحمد بن عمران البغدادي، عن أبي الحسن، عن أبي الحسن، عن أبي الحسن، عن الحسن، عن الحسن، عن الحسن (عليه السلام): إن أحسن الحسن الخلق الحسن(5)
1) بحار الأنوار 75 : 109.
2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 319 .
3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 156 .
4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 338
5) جامع الأحاديث : 256. قال الصدوق : أبو الحسن الأول محمد بن عبد الرحيم التستري، وأبو الحسن الثاني علي بن أحمد البصري، وأبو الحسن الثالث علي بن محمد الواقدي، والحسن الأول الحسن بن عرفة العبدي، والحسن الثاني الحسن البصري، والحسن الثالث الحسن بن علي (عليه السلام).
13 - وقال جابر: سمعت الحسن يقول مكارم الأخلاق عشر: صدق اللسان، وصدق البأس، وإعطاء السائل، وحسن الخلق، والمكافأة بالصنائع، وصلة الرحم والتذمم على الجار، ومعرفة الحق للصاحب، وقرى الضيف، ورأسهن الحياء.(1)
14 - وقيل للحسن: من أحسن الناس عيشاً؟
قال: من أشرك الناس في عيشه.
وقيل: من شر الناس عيشاً؟
قال: من لا يعيش في عيشه أحد.(2)
15 - وقال الحسن (عليه السلام): كان رسول الله إذا سأله أحد حاجة لم يرده إلا بها وبميسور من القول.(3)
16 - وقال رجل للحسن: إني أخاف الموت ! قال: ذاك أنك أخرت مالك، ولو قدمته لسرك أن تلحق به.(4)
17 -ودعا الحسن بن علي (عليه السلام) بنيه وبني أخيه، فقال: يا بني وبني أخي! إنكم صغار قوم، وتوشكون أن تكونوا كبار قوم آخرين، فتعلموا العلم،
فمن لم يستطع منكم يرويه أو يحفظه، فليكتبه وليجعله في بيته(1).
18 - وقال إليه رجل: يا ابن رسول الله ما بالنا نكره الموت ولا نحبه .
فقال الحسن (عليه السلام): إنكم أخربتم آخر تكم وعمرتكم دنياكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب.(2)
وروى عن الامام السبط التقى أبي محمد الحسن بن علي صلوات الله عليهما ورحمته وبركاته في طوال هذه المعاني في أجوبته عن مسائل سأله عنها أمير المؤمنين (عليه السلام) أو غيره في معان مختلفة (3)قيل له (عليه السلام):
1 - ما الزهد ؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا.
2 - قيل: فما الحلم؟ قال: كظم الغيظ وملك النفس.
3 - قيل: ما السداد؟ قال: دفع المنكر بالمعروف.
4 - قيل : فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة.
5 - قيل: فما النجدة؟ قال: الذب عن الجار والصبر في المواطن والاقدام عند الكريهة.
6 - قيل : فما المجد ؟ قال: أن تعطي في الغرم(1)وأن تعفو عن الجرم.
7 - قيل : فما المروة؟ قال: حفظ الدين وإعزاز النفس ولين الكنف (2)وتعهد الصنيعة وأداء الحقوق والتحبب إلى الناس.
8 - قيل: فما الكرم؟ قال: الابتداء بالعطية قبل المسألة وإطعام الطعام في المحل.(3)
9 - قيل : فما الدنيئة؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير.
10 - قيل : فما اللؤم؟ قال: قلة الندى وأن ينطق بالخنى. (4)
11 - قيل : فما السماح؟ قال: البذل في السراء والضراء.
12 - قيل: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يديك شرفاً وما أنفقته تلفاً.
13 - قيل : فما الإخاء؟ قال: الإخاء في الشدة والرخاء.
14 - قيل : فما الجبن ؟ قال : الجرأة على الصديق والنكول عن العدو.
15 - قيل : فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم لها وإن قل.
16 - قيل : فما الفقر؟ قال: شره النفس إلى كل شيء.
1) الغرم - بتقديم المعجمة المضمومة - : ما يلزم أداؤه
2) الكنف - محركة - : الجانب والناحية. وكنف الانسان حضنه والعضدان والصدر. وقوله : "وتعهد الصنيعة " أي اصلاحها وانماؤها .
3) المحل - بالفتح - : الشدة والجدب . يقال : زمان محل ، أي مجدب .
4) اللؤم - مصدر من لؤم الرجل لؤماً وملامة - كان دنى الأصل شحيح النفس فهو لئيم. والندى كعمي : الجود والفضل والخير . والخنى - مقصورا - : الفحش في الكلام .
17 - قيل : فما الجود؟ قال: بذل المجهود.
18 - قيل : فما الكرم؟ قال: الحفاظ في الشدة والرخاء.
19 - قيل : فما الجرأة؟ قال: مواقفة الاقران.(1)
20 - قيل : فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومنازعة أعزاء الناس.
21 - قيل : فما الذل؟ قال: الفرق عند المصدوقة.(2)
22 - قيل : فما الخرق؟ قال: مناواتك أميرك ومن يقدر على ضرك.
23 - قيل : فما السناء؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح.
24 - قيل: فما الحزم؟ قال: طول الأناة والرفق بالولاة والاحتراس من جميع الناس.
25 - قيل فما الشرف؟ قال موافقة الاخوان وحفظ الجيران.
26 - قيل : فما الحرمان؟ قال تركك حظك وقد عرض عليك.
27 - قيل : فما السفه؟ قال: اتباع الدناة ومصاحبة الغواة.
28 - قيل : فما العي؟ قال: العبث باللحية وكثرة التنحنح عند المنطق.
29 - قيل : فما الشجاعة ؟ قال موافقة الاقران والصبر عند الطعان.
30 - قيل فما الكلفة؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك.
31 - قيل: وما السفاه؟ قال: الأحمق في ماله المتهاون بعرضه.
32 - قيل : فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء نفسه وإسلامه عرسه.
وقال معاوية للحسن(عليه السلام) يا أبا محمد ثلاث خلال ما وجدت من يخبرني عنهن.
قال: وما هن؟
قال: المروة، والكرم، والنجدة.
قال: أما المروة فإصلاح الرجل أمر دينه، وحسن قيامه على ماله، ولين الكف، وإفشاء السلام والتحبب إلى الناس.
والكرم العطية قبل السؤال، والتبرع بالمعروف، والاطعام في المحل.
ثم النجدة الذب عن الجار، والمحاماة في الكريهة، والصبر عند الشدائد.(1)
1 - هشام بن عروة، عن عروة: إن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) كان يقول إذا طلعت الشمس:
سمع سامع بحمد الله الأعظم، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، سمع سامع بحمد الله الأمجد لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.(2)
2 - عن أبي الحوراء(1)عن الحسن بن علي (عليه السلام)، قال: علمني جدي - أو علمني النبي - (صلّی الله علیه وآله وسلّم)كلمات أقولهن في الوتر:
اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، فإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت.(2)
3 - عن مسلم بن أبي مسلم، قال: سمعت الحسن بن علي (عليهما السلام) يزيد في التلبية: لبيك يا ذا النعماء والفضل الحسن .(3)
4 - ومن دعائه (عليه السلام) في الاحتراز :
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم اني أسألك بمكانك وبمعاقد عزك، وسكان سماواتك، وأنبيائك ورسلك ان تستجيب لي، فقد رهقني من أمري عسر. اللهم اني أسألك ان تصلي على محمد وال محمد، وان تجعل لي من عسري يسرا.(4)
5 - ودعا (عليه السلام) في قنوته
اللهم إنك الربّ الرؤوف، الملك العطوف، المتحنن المألوف، وأنت غياث الحيران الملهوف، ومرشد الضال المكفوف، تشهد خواطر أسرار المسرين كمشاهدتك أقوال الناطقين، أسألك بمغيبات علمك في بواطن سرائر
المسرين إليك، أن تصلي على محمد وآله صلاة نسبق بها من اجتهد من المتقدمين، ونتجاوز فيها من يجتهد من المتأخرين وأن تصل الذي بيننا وبينك صلة من صنعته لنفسك واصطنعته لعينك، فلم تتخطفه خاطفات الظنن، ولا واردات الفتن، حتى نكون لك في الدنيا مطيعين، وفي الآخرة في جوارك خالدین .(1)
6 - وروى ابن عساكر عن الحسن (عليه السلام) أنه كان يقرأ كل ليلة سورة الكهف في لوح مكتوب يدور معه حيث دار من بيوت أزواجه قبل أن ينام وهو في الفراش. (2)
أحد الموارد التي اثيرت حول حياة الامام الحسن (عليه السلام) هي كثرة أزواج الامام (عليه السلام)، وأرجف المرجفون في ذلك، وقد بلغ الحقد وسوء الظن ببعض الجاهلين أن قالوا إنه إنما تزوج بهذه الكثرة اجابة لداعي الهوى واشباعاً للهشوة، وما عرفوا أن الامام بعيد كل البعد عن الانقياد لهذه الغرائز، فهو سيد شباب أهل الجنة وممن نطق القرآن الكريم بعصمته وطهارته.
وقد ذهب بعض أهل العلم الى تصحيح ذلك والى عدم منافاته السيرة الامام وهديه، وذهب آخرون الى وضع ذلك وعدم صحته، وقد استدل المصححون عليه بما يلي:
1 - انه لا مانع شرعاً من كثرة الزواج، فقد ندب الاسلام اليه كثيراً، وقد اشتهرت كلمة الرسول الاكرم صلوات الله عليه وآله في الحثّ على ذلك، فقد قال (صلّی الله علیه وآله وسلّم): "تناكحوا تناسلوا حتى أباهي بكم الامم يوم القيامة ولو بالسقط".
2 - انما تزوّج بهذه الكثرة لتقوى شوكته، ويشتد أزره بالمصاهرة على الأمويين الذين بذلوا جميع جهودهم للقضاء على الهاشميين وتحطيم كيانهم ومحو ذكرهم.
3 - ان أولياء النسوة كانوا يعرضون بناتهم على الامام (عليه السلام) ويلحون
عليه بالتزويج بهن لأجل التشرف به، والتقرب اليه، فهو حفيد النبي صلى الله عليه وآله وسبطه الأكبر، وسيد شباب أهل الجنة.
هذا ما استدلّ به المصححون، أما النافون فقد استدلوا على ذلك بأمور:
1 - كراهة الطلاق شرعاً :
لقد ثبت عند القائلين بالكثرة والملتزمين بها ان الامام كان مطلاقاً، وانه كان يفارق من تزوجها بأقرب وقت، ومن المعلوم ان الطلاق من أبغض الاشياء في الاسلام، وقد تواترت الأخبار في كراهته والنهي عنه، فقد روي عن الامام الصادق(عليه السلام) انه قال: ان الله يحب البيت الذي فيه العرس ويبغض البيت الذي فيه الطلاق، وما من شيء أبغض الى الله عز وجل من الطلاق. وقال (عليه السلام) تزوجوا، ولا تطلقوا فان الطلاق يهتز منه العرش.(1).
وهذا لا يعني بعدم جواز الطلاق، فالطلاق بدون سبب معقول هو المكروه في الاسلام، ولكن عندما لا يكون هناك حل للأمور العالقة بين الزوجين واتفقا على الطلاق الحفاظ على الحقوق فالا مانع منه، قال تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا(2)
2 - منافاته لهدي الامام (عليه السلام)
وقد ثبت ان الامام حليم المسلمين والمثل الأعلى للاخلاق الفاضلة، ومن
المعلوم ان الطلاق ينافي الحلم، إذ فيه كسر لقلب المرأة واذلال لها، وذلك لا يتفق عاما عرف به الامام من الحرص على ادخل السرور على الناس واجتناب المساءة والأذى لكل انسان.
3 - انشغاله عن ذلك :
فقد كان الامام (عليه السلام) مشغولاً عن أمثال هذه الامور بعبادته واتجاهه نحو الله وعمله المستمر في حقل الاصلاح وقضاء حوائج الناس وجلب الخير لهم ودفع الشر عنهم. وليس عنده مزيد من الوقت ليقضيه في ذلك.
هذا مجموع ما استدل به النافون وان كان بعضه لا يخلو من ضعف.(1)
أما عدد أزواجه (عليه السلام) فقد اختلف فيه الرواة كثيراً، فقد روي ان أزواجه سبعون وقيل تسعون وقيل مائتان وخمسون، بل وقال بعضهم:
ثلاثمائة !!
ومن الاخبار الموضوعة ما رواه محمد بن سيرين ان الامام الحسن (عليه السلام) تزوج بامرأة، فبعث لها صداقاً مائة جارية، مع كل جارية ألف در هم !(2)
اننا نستبعد أن يعطي الامام هذه الاموال الضخمة مهراً لاحدى زوجاته فان ذلك لون من ألوان الاسراف والتبذير، وهو منهي عنه في الاسلام، فقد أمر بالاقتصار على مهر السنة وكره ،تجاوزه، وقد آثر عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)
انه قال: "أفضل نساء أمتي أقلهنّ مهراً، وتزوّج(صلّی الله علیه وآله وسلّم) نساءه بمهر السنة، وكذلك تزوج أمير المؤمنين به ولم يتجاوزه، وسبب ذلك تسهيل أمر الزواج لئلا يكون فيه ارهاق وعسر على الناس ومن المقطوع به ان الامام الحسن (عليه السلام) لا يجافي سنة جده، ولا يسلك أي مسلك يتنافى مع شريعته.
وعلى أي حال، فليس هناك دليل يثبت كثرة أزواج الامام (عليه السلام) سوى بعض الروايات، ونظراً لما ورد عليها من الطعون فلا تصلح دليلاً للاثبات. ويؤيد افتعال تلكم الكثرة أمور:
1 - لو صحت هذه الروايات لكان للامام من الاولاد جمع غفير يتناسب معها، والحل ان النسابين والرواة لم يذكروا للامام ذرية كثيرة، فان الرقم القياسي الذي ذكر لها اثنتان وعشرون ولداً ما بين ذكر وانثى، وهذا لا يلتئم كلياً مع تلك الكثرة ولا يلتقي معها بصلة.
2 - ومما يزيد وضوحا في افتعال تلكم الروايات هي المناظرات التي جرت بين الامام الحسن(عليه السلام) وبين خصومه في دمشق وغيره، وقد اجهدوا نفوسهم، وأنفقوا كثيرا من الوقت للتفتيش عما يشين الامام ليتخذوه وسيلة الى التطاول عليه من والنيل منه، فلم يجدوا لذلك سبيلا، فلو كان الامام (عليه السلام) كثير الزواج والطلاق - كما يقولون - لقالوا له: أنت لا تصلح للخلافية لأنك مشغول بالنساء ولطكلبوا بذلك، واتخذوه وسيلة للتشهير به، وجابهوه به عند اجتماعهم به فسكوتهم عنه وعدم ذكرهم له مما يدل على عدم واقعيته وصحته.
3 - ومما يؤيد عدم صحة تلك الروايات ان أبا جعفر حمد بن حبيب، الذي روى " لقد تزوج الحسن وطلق حتى خفت أن يثير عداوة".(1)والمتوفى عام 245 هجري ذكر في كتابه "المحبر" ثلاثة أصهار فقط للامام الحسن عليه السلام هم :
الامام علي بن الحسين (عليه السلام)، وزوجته أم عبد الله، وهي فاطمة بنت الحسين(عليه السلام) وأم الامام الباقر (عليه السلام).
وعبد الله بن الزبير، وزوجته أم الحسن، وعمرو بن المنذر، وزوجته أم سلمة. ولم يزد على ذلك، ولو كان الامام (عليه السلام) كثير الازواج لكان له من الأصهار ما يتناسب مع تلك الكثرة، فلماذا لم يذكرهم لنا صاحب "المحبر" الذي يروي ان الحسن عليه السلام تزوج وطلق حتى خفت أن يثير عداوة!!
4 - ومما يدلّ على وضع ذلك وعدم صحته ما روي ان الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يصعد المنبر فيقول: "لا" تزوجوا الحسن فانه مطلاق!
ان نهي أمير المؤمنين الناس عن تزويج ولده على المنبر لا يخلو إما أن يكون قد نهى (عليه السلام) ولده عن ذلك، فلم يستجب له حتى اضطر عليه السلام الى الجهر به والى نهي الناس عن تزويجه، وإما أن يكون ذلك النهي ابتداء من دون أن يعرف ولده الامام الحسن (عليه السلام) مبغوضية
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 12.
ذلك وكراهته لأبيه وكلا الأمرين بعيدان كل البعد.
أما الأول، فهو بعيد لأن الامام الحسن من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وممن باهل بهم النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ومن المستحيل أن يخالف أباه ويعصي أمره.
وأما الثاني، فبعيد أيضا، لأن الأولى بالامام أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يعرف ولده بمبغوضية ذلك وكراهته له ولا يعلن ذلك على المنبر أمام الجماهير الحاشدة، الأمر الذي لا يخلو من حزازة على ولده ووصيه وشريكه في آية التطهير، ومضافاً الى ذلك أن الامر إما أن يكون سائغاً شرعاً أو ليس بسائغ، فان كان سائغاً فما معنة نهي الامام عليه السلام عنه؟ وإن لم يكن سائغاً فكيف يرتكبه الحسن (عليه السلام)؟
إنا نشك في افتعال هذا الحديث ووضعه من خصوم الامام ليشوهوا بذلك سيرته العطرة التي تحكي سيرة جده رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وسيرة أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام).
5 - ومما يؤيد افتعال تلك الكثرة لأزواجه ما روي ان الامام الحسن (عليه السلام) لما وافاه الأجل المحتوم خرجت جمهرة من النسوة حافيات حاسرات خلف جنازته، وهن يقلن نحن أزواج الامام الحسن!! ان افتعال ذلك صريح وواضح، فلا مبرر لخروج تلك الكوكبة من النسوة حافيات حاسرات، وهن يهتفن أمام الناس بأنهن زوجات الامام فان كان الموجب لخروجهن إظهار الأسى والحزن، فما الموجب لهذا التعريف والسير في الموكب المزدحم بالرجال مع أنهن قد أمرن بالتستر وعدم الخروج من بيوتهن.
ان هذا الحديث وأمثاله قد وضعه خصوم العلويين من الأمويين والعباسيين، والغرض منه الحط من قيمة الامام (عليه السلام) وتقليل أهميته.
وأكبر الظن أن أبا جعفر المنصور هو أول من افتعل ذلك، أخذه وعنه ذلك ما قام به الحسنيون من الثورات التي كادت أن المؤرخون، وسبب هو تطيح بسلطانه، وعلى أثرها القي القبض على عبد الله بن الحسن وخطب على الخراسانيين في الهاشمية خطاباً شحنه بالسب والشتم لأمير المؤمنين ولأولاده، وافتعل فيه على الحسن ذلك، وهذا نص خطابه: "إن ولد آل أبي طالب ترکكناهم والذي لا اله إلا هو والخلافة فلم نعرض لهم لا بقليل ولا بكثير، فقام فيها علي بن ابي طالب (عليه السلام)، فما افلح وحكم الحكمين، فاختلفت عليه الامة وافترقت الكلمة، ثم وثب عليه شيعته وأنصاره وثقاته، فقتلوه، ثم قام بعده الحسن بن علي فوالله ما كان برجل عرضت عليه الأموال فقبلها، ودس اليه معاوية أني أجعلك ولي عهدي فخلعه، وانسلخ له مما كان فيه وسلّمه اليه، وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة، ويطلق غداً أخرى، فلم يزل كذلك حتى مات على فراشه". (1).
والمتتبع لهذا الخطاب يرى المغالطات والافتراءات واضحة فيه، فأمير المؤمنين (عليه السلام) لم يحكم الحكمين وهو افتراء محض، فان الذي حكم الحكمين إنما هم المتمردون من جيش الامام، فقد أصرّوا على ذلك، وأرغموه على قبوله، فاضطر (عليه السلام) الى اجابتهم.
1) مروج الذهب 3 : 226.
والافتراء الآخر هو ان الامام قد وثبت عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه وهذا ينافي الواقع الذي يقول ان الخوارج هم من قتل الامام عليه السلام وهم ليسوا من شيعته ولا من أنصاره، وانما كانوا من ألد أعدائه وخصومه.
وذكر هذا الطاغية أيضاً، ان الامام الحسن (عليه السلام) أقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة، ويطلق غداً أخرى، وهو بعيد كل البعد ولم يفه به أحد سواه، وإنما عمد الى تلفيق هذه الأكاذيب لأجل تدعيم ملكه وسلطانه، وقهر الحسنيين والحط من شأنهم.
1 - خولة الفزارية: وهي خولة بنت منظور بن زياد الفزارية، من سيدات النساؤ في وفور عقلها وكمالها، تزوّج بها الامام وفي ليلة اقترانه بها بات معها على سطح الدار، فشدّت خمارها برجله، وشدت الطرف الآخر بخلخالها، فلما استيقظ وجد ذلك فسألها عنه، فقالت له معربة عن اخلاصها وحرصها علي حياته: خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب". فلما رأى ذلك أحبها وأقام عندها سبعة أيام(1)، وقد بقيت عنده حولاً لم تتزين ولم تكتحل حتى رزقت منه السيد الجليل (الحسن)، فتزينت حينئذ، فدخل عليها الامام (عليه السلام) فرآها متزينة فقال لها: ما هذا؟
فقالت: خفت أن أتزين وأتصنّع فتقول النساء تجملت فلم تر عنده شيئاً، فأما وقد رزقت ولداً فلا أبالي. وبقيت عنده الى أن توفي (عليه السلام) فجزعت عليه جزهاً شديداً.
1) تاریخ ابن عساکر :4: 216
2 - حفصة بنت عبد الرحمن: وتزوّج الحسن بن علي حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر(1)، وكان المنذر بن الزبير يهواها، فخطبها فلم تقبل، فأبلغ الحسن عنها شيئاً فطلقها وخطبها المنذر فأبت وقالت شهرني، فخطبها عاصم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فتزوجها، فبلغه عنها شيئاً فطلقها، وخطبها المنذر بن الزبير فأبت أن تتزوجه، فقيل لها تزوجيه، فقالت: والله لا أفعل شهرني مرتين، والله لا يراني في منزله.(2).
3 - جعدة بنت الأشعث(3): واختلف المؤرخون في اسمها، فقيل:
1) وهو عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة، يكنى أبا عبد الله، وقيل أبو محمد بابنه محمد الذي يقال له أبو عتيق، وأمه أم رومان سكن المدينة وتوفى بمكة، وكان عبد الرحمن شقيق عائشة وشهد بدراً واحداً مع الكفار وأسلم في هدنة الحديبية، وروى هشام بن عروة أن عبد الرحمن قدم الشام في تجارة فرأى هنالك امرأة يقال لها ابنة الجودي وحولها ولائد فأعجبته، فلما بعث عمر بن الخطاب جيشه إلى الشام قال لصاحب الجيش ان ظفرت بليلى ابنة الجودي عنوة فادفعها إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فظفر بها فدفعها إليه فأعجب بها وآثرها على نسائه حتى شكينه إلى عائشة فعاتبته على ذلك فقال : والله لكأني أرشف من ثناياها حب الرمان، ثم انه جفاها حتى شكته إلى عائشة فقالت له عائشة : يا عبد الرحمن أحببت ليلى فأفرطت وأبغضتها فأفرطت! فأما ان تنصفها واما أن تجهزها إلى أهلها، فجهزها إلى أهلها وكانت غسانية وشهد عبد الرحمن وقعة الجمل مع أخته عائشة، وتوفي عام 55 أو 56 هجري في طريق مكة. انظر : أسد الغابة لابن الأثير 3: 304
2) وفيات الأئمة : 136، بحار الأنوار 44 : 173
3) وهي بنت الأشعث بن قيس بن معد يكرب من قبيلة كندة اليمنية . كان الأشعث بن قيس (رئيساً لقبيلة كندة ومن طغاة العرب رجلاً فتاكاً غادراً . ذكر محمد بن شهاب الزهري إسلامه قائلاً: قدم الأشعث بن قيس على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في بضعة عشر راكباً من كندة، فدخلوا على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) مسجده، وقد رجلوا جممهم واكتحلوا وعليهم جباب الحبرة قد كفوها بالحرير، وعليهم الديباج ظاهر مخوص بالذهب. فقال لهم رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): ألم تسلموا؟ قالوا: بلى. قال : فما بال هذا عليكم؟ فألقوه. فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أجازهم بعشر أواق ، وأعطى الأشعث اثنتي عشرة أوقية، وتزوج الاشعث من أم فروة اخت ابو بكر. وقال ابن سعد : بأن الأشعث بن قيس هو الذي قاد قومه للردة فارتدوا إذ قال له امرؤ القيس : لا يدعك عامل رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ترجع إلى الكفر. فقال الأشعث: من؟ قال: زياد بن لبيد ، فتضاحك الأشعث وقال: أما يرضى زياد أن أجيره فقال امرؤ القيس : سترى . وفي زمن ردة الأشعث عن الإسلام أصبح مؤذناً للنبية الكذابة سجاح بنت الحارث التميمية التي تزوجت بمسيلمة الكذاب لذلك لما طلب الأشعث من زياد الأمان له قال له زياد بن لبيد: لا أؤمنك أبداً على دمك، وأنت كنت رأس الردة، والذي نقض علينا كندة. واتفقا على أن يفتح له باب الحصن مقابل أخذ الأشعث إلى أبي بكر ليرى فيه رأيه. توفي الاشعث سنة 40 للهجرة بعد أربعين ليلة من استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) (سیر اعلام النبلاء 3 : 372 رقم (104) .
سكينة، وقيل: شعثاء، وقيل: عائشة، والأصح انها جعده حسب ما ذكره أكثر المؤرخين وجعدة هي التي اتفق معها معاوية على قتل الامام الحسن (عليه السلام) عندما، دس سمّاً على يدها، وقال لها: إن قتلتيه بالسم فلك مائة ألف، وأزوجك يزيد ابني.
فلما مات وفى لها بالمال، ولم يزوجها من يزيد.
قال: أخشى أن تصنع بابني كما صنعت بابن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم).(1)فتزوجت بعد الحسن (عليه السلام) شخصاً من آل طلحة، وولدت له، فكان عندما يقع بينهم نزاع ، يقولوا لهم: يا ابناء مسممة الأزواج!
4 - عائشة الخثعمية : وقد تزوجها في حياة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولما قتل (عليه السلام)أقبلت الى الامام الحسن فأظهرت الشماتة بوفاة أبيه
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 11.
فقالت له: لتهنئك الخلافة !
ولما علم (عليه السلام) شماتتها قال لها: ألقتل علي تظهرين الشماتة؟ اذهبي فأنت طالق.
فتلفعت بثيابها وقعدت حتى انقضت عدتها، فبعث لها بقية صداقها وعشرة آلاف درهم صدقة لتستعين بها على أمورها، فلما وصلت اليها قالت: "متاع قليل من حبيب مفارق".(1)
ولم يذكر التاريخ ان الامام (عليه السلام) طلق زوجة سوى هذه وأم كلثوم وامرأة من بني شيبان، فأين كثرة الزواج والطلاق التي طبل بها بعض المؤرخين؟!
وأما بقية أزواجه اللاتي لم نعثر على تراجمهن فهنّ :
5 - أم كلثوم بنت الفضل بن عباس تزوجها (عليه السلام) ثم فارقها فتزوجها من بعده أبو موسى الأشعري.(2).
6 - أم اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي، أولدت منه ولداً سمّاه طلحة.
7 - أم بشير بنت أبي مسعود الانصاري، أولدت منه ولداً أسماه زيداً.
8 - امرأة من بنات عمرو بن أهيم المنقري.
9 - امرأة من ثقيف، أولدت له ولدا أسماه عمراً.
10 - امرأة من بنات زرارة.
11 - امرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة فقيل له: إنها ترى رأي الخوارج فطلقها، فقال: إني أكره أن أضم إلى نحري جمرة من جمر جهنم.
ذكر الشيخ المفيد في الارشاد ان أولاد الامام الحسن(عليه السلام) هم خمسة عشر، وهم:
-زيد بن الحسن، أم الحسن، أم الحسين.(1)
الحسن بن الحسن.(2)
عمرو القاسم عبد الله عبد الرحمن بن الحسن. (3)
الحسين بن الحسن الملقب بالأثرم، طلحة بن الحسن، وفاطمة بنت الحسن .(4)
أم عبد الله، فاطمة، أم سلمة، رقية.
1 - القاسم بن الحسن: في طليعة أولاد الامام الحسن، القاسم، وقد استشهد مع عمه الحسين سيد الشهداء في واقعة كربلاء الخالدة في دنيا
الاحزان، وكان حينذاك في ريعان شبابه، فقد برز يوم الطف حينما رأى ريحانة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وحيداً، قد أبيدت الصفوة من أهل بيته، وعلا الصراخ والعويل من ثقل النبوة، فلم يتمكن أن يرى ذلك فانبرى الى عمه يقبّل يديه ورجليه يطلب منه الاذن للدفاع عنه، فأذن له، أما كيفية شهادته فتذوب لها النفس لهولها أسى وحسرات، وقد ذكرها المؤرخون وأرباب المقاتل والسير بالتفصيل.
2 - زيد بن الحسن: وأمه خزرجية، كان جليل القدر، كريم الطبع، كثير البر والاحسان، قصده الناس من جميع الآفاق لطلب بره ومعروفه، وكان يلي صدقات رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فلما ولي سليمان بن عبد الملك عزلها عنها، ولما هلك واستخلف عمر بن عبد العزيز أرجعها اليه.
وكان يركب فيأتي سوق "الظهر" فيقف به فتزدحم الناس على النظر اليه ويعجبون من خلقه، ويقولون انه يشبه جدّه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم).
توفي سنة مائة وعشرين، وله من العمر تسعون سنة، وقيل: مائة.
3 - الحسن بن الحسن: كان الحسن سيداً جليلاً عظيم القدر، وهو وصي أبيه، ووالي صدقته(1)، حضر مع عمه الحسين
(عليه السلام) في واقعة الطف، فقاتل معه حتى سقط على الارض جريحاً، ولما أقبل أجلاف أهل الكوفة على حز رؤوس الشهداء وجدوا في الحسن رمقاً، فجاء أسماء بن خارجة الفزاري، وكان من أخواله فاستشفع به فشفعوه فيه، فحمله معه الى الكوفة
1) الحدائق الوردية : 107.
وعالجه حتى بريء ثم لحق بالمدينة، وكان يلي صدقات جده أمير المؤمنين (عليه السلام).
وروي: أن الحسن بن الحسن خطب إلى عمه الحسين (عليه السلام) إحدى ابنتيه، فقال له الحسين: " اختر يا بني أحبهما إليك " فاستحيا الحسن ولم يحر جواباً، فقال الحسين (عليه السلام): ( فإني قد اخترت لك ابنتي فاطمة، وهيأكثر هما شبها بأمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهما ".
قبض الحسن بن الحسن رضوان الله عليه وله خمس وثلاثون سنة وأخوه زيد بن الحسن حي، ووصى إلى أخيه أمه من إبراهيم بن محمد بن طلحة. ولما مات الحسن بن الحسن (عليه السلام) ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين على قبره فسطاطاً، وكانت تقوم الليل وتصوم النهار .(1).
توفي وعمره خمس وثلاثون سنة مسموماً قد سقاه السم الوليد بن عبد الملك.(2).
4 - أبو بكر بن الحسن: واسمه عبد الله، امه أم ولد(3)، يقال لها رملة(4)، برز يوم الطف يحامي عن دين الله ويذبّ عن ريحانة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فاستشهد في تلك الواقعة التي وتر فيها رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم).
5 - عبد الله بن الحسن: استشهد مع عمه سيد الشهداء في كارثة كربلاء، وله من العمر احدى عشر سنة، نظر الى عمه الحسين وقد احاطت به جیوش الأمويين فأقبل يشتد للدفاع عنه، وأهوى أبحر بن كعب بالسيف ليضرب الامام الحسين فصاح به الغلام: ويلك يا ابن الخبيثة، أتضرب عمي؟ واتقى الغلام الضربة بيده فأطنها الى الجلد، فاذا هی معلقة، فاستنجد الغلام بعمه، فانبرى اليه الامام فضمه اليه، وبينما هو في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه.(1)وليس في تاريخ الانسانية قديماً ولا حديثاً مثل أولئك الفتية من آل النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في نخوتهم ونبلهم وبطولتهم.
6 - أم عبد الله: وهي من بنات الامام الحسن (عليه السلام)، واسمها فاطمة، وهي أم الامام محمد الباقر(عليه السلام)، وقد روي عنها انها قالت: ان أمي كانت جالسة بجانب حائط خرب، وفجأة انبعث منه صوت شديد، وكاد الحائط أن يسقط، فأشارت بيدها وقالت: لا، بحقّ المصطفى، الهي لا تسقطه عليّ، فبقي الحائط معلقاً، وقد دفع أبي مئة دينار صدقة.
قال عنها الامام الصادق (عليه السلام): كانت صديقة لم يدرك في آل الحسين مثلها.(2)
وكما ذكرنا سابقاً فان أمها، هي ام اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي.(3)
قال الأربلي: وخرج الحسن إلى المدينة كاظماً غيظه، منتظراً أمر ربه،
لازماً منزله إلى أن تم لمعاوية عشر سنين من إمارته وأراد أخذ البيعة لابنه، دس إلى زوجة الحسن (عليه السلام) جعدة بنت الأشعث بن قيس من حملها على سمه، وأرسل إليها مائة ألف درهم وضمن تزويجها بابنه يزيد، فسقته السم فبقى أربعين يوماً مريضاً، ومضى لسبيله في صفر من سنة خمسين من الهجرة وعمره يومئذ ثمان وأربعون سنة.(1).
عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال بينا أنا وفاطمة والحسن والحسين عند رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) إذا التفت إلينا فبكى فقلت: ما يبكيك يا رسول الله ؟
فقال: أبكي مما يصنع بكم بعدي.
فقلت وما ذاك يا رسول الله ؟
قال: أبكي من ضربتك على القرن، ولطم فاطمة خدها، وطعنة الحسن في الفخذ، والسم الذي يسقى، وقتل الحسين.
قال: فبكى أهل البيت جميعا فقلت: يا رسول الله ما خلقنا ربنا إلا للبلاء .
قال: أبشر يا علي، فان الله عز وجل قد عهد إلي أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق.(2)
لقد حقق معاوية جميع ما يصبو اليه في هذه الحياة، ونال من دنياه كل ما اشتهى وأراد، ولكن بقيت عنده فكرة واحدة تراوده في جميع أوقاته قد أقضت مضجعه، وهي جعل الخلافة والملك العضوض وراثة في أبنائه وذريته. وقد بذل جميع جهوده ومساعيه في تحقيق ذلك.
وقد تطرقنا سابقاً عندما تحدثنا عن الصلح بأن معاوية ارسل كتاب الى الامام الحسن (عليه السلام) قائلاً له بأن ما تعاهدت عليه هو تحت قدمي. وها هو يورث خلافته لابنه يزيد، علماً بأنه لم يكن الاول الذي تحدث عن هذا الارث، فلقد سبقه أبو سفيان بن حرب عندما قال في خلافة عثمان: أعندكم أحد من غيركم؟
فقالوا: لا.
قال: يا بني أمية، تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان، ما عذاب ولا حساب، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا قيامة!(1)، ولهذا كان من الصلح الذي سعى اليه معاوية هو لتهيئة الامر لابنه يزيد، ومن ثم لاقامة الملك والخلافة الأموية.
قال الشعبي: قدم المغيرة على معاوية واستعفاه وشكا إليه الضعف، فأعفاه
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 53
وأراد أن يولى سعيد بن العاص، وبلغ كاتب المغيرة ذلك فأتى سعيد بن العاص فأخبره وعنده رجل من أهل الكوفة يقال له ربيعة أو الربيع من خزاعة، فأتى المغيرة فقال: يا مغيرة، ما أرى أمير المؤمنين إلا قد قلاك، رأيت ابن خنيس كاتبك عند سعيد بن العاص يخبره أن أمير المؤمنين يوليه الكوفة.
فدخل المغيرة على يزيد، وعرض له بالبيعة، فأدى ذلك يزيد إلى أبيه، فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة فأمره أن يعمل في بيعة يزيد، فشخص المغيرة إلى الكوفة فأتاه كاتبه ابن خنيس فقال: والله ما غششتك ولا خنتك ولا كرهت ولايتك ولكن سعيداً كانت له عندي يد وبلاء فشكرت ذلك له، فرضى عنه وأعاده إلى كتابته.
وعمل المغيرة في بيعة يزيد وأوفد في ذلك وافداً إلى معاوية.(1).
واستمر معاوية يخطط لهذه البيعة والتي لا يمكن أن تتم بوجود الامام الحسن(عليه السلام) فمثل أمامه قوله الذي ضربه مثلا للفتك والغدر: "إن الله جنوداً من عسل"، وقد طبق ذلك فنجح في التخلص من معارضيه، أمثال سعد بن أبي وقاص، ومالك الاشتر، ولم يبق الا الامام الحسن (عليه السلام)، فأرسل الى الامام غير مرة سماً مميتاً حين ما كان في دمشق، فلم ينجح به، فراسل ملك الروم يطلب منه أن يبعث اليه سما فاتكاً سريع التأثير، فامتنع عن اجابته قائلا له: انه لا يصلح لنا في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا.
ولكن معاوية راسله مرة ثانية قائلاً: " ان هذا الرجل ابن الذي خرج بأرض
1) تاريخ الطبري 5: 301
تهامة - يعني رسول الله - قد خرج يطلب ملك أبيه، وأنا اريد اليه السم، فاريح منه العباد والبلاد".
لقد استحل اغتيال الامام لأنه ابن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الذي حطم أوثان الجاهلية، وقضى على الشرك، وقد وجد ملك الروم عند ذلك مجالاً، فبعث اليه سمّاً مميتاً، وهي الشربة التي دسّ بها فسقيتها. واشترط عليه في ذلك شروطاً.(1)
من المناسب هنا أن نذكر باختصار شيئاً عن هذه الاسرة ونسبها وبعض أحبارها.
اسم الأشعث، معدي كرب، وأبوه قيس الأشج، سمى الأشج، لأنه شج في بعض حروبهم، بن معدي كرب بن معاوية. وأم الأشعث كبشة بنت يزيد بن شرحبيل بن يزيد بن امرئ القيس. كان الأشعث أبداً أشعث الرأس، فسمّى الأشعث، وغلب عليه حتى نسي اسمه، ولعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث يقول أعشى همدان(2):
لا أبالي يك عتبا*** يا بن الأشج قريع كندة
وأنت أعلى الناس كعبا*** أنت الرئيس ابن الرئيس
لما هاجر(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وتمهدت دعوته، وجاءته وفود العرب، جاءه وفد كندة، فيهم الأشعث وبنو وليعة فأسلموا، فأطعم رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)
بنى وليعة طعمة من صدقات حضرموت، وكان قد استعمل على حضرموت زياد بن لبيد البياضي الأنصاري، فدفعها زياد إليهم، فأبوا أخذها، وقالوا: لا ظهر(1)لنا، فابعث بها إلى بلادنا على ظهر من عندك، فأبى زياد، وحدث بينهم وبين زياد شر، كاد يكون حرباً، فرجع منهم قوم إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وكتب زياد إليه (عليه السلام) يشكوهم.
وفي هذه الوقعة كان الخبر المشهور عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، قال لبني وليعة: " لتنتهن يا بني وليعة، أو لأبعثن عليكم رجلاً عديل نفسي، يقتل مقاتلتكم، ويسبي ذراريكم ".
قال عمر بن الخطاب: فما تمنيت الامارة إلا يومئذ، وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول: هو هذا، فأخذ بيد علي(عليه السلام)، وقال: " هو هذا ". ثم كتب لهم رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى زياد، فوصلوا إليه الكتاب، وقد توفى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وطار الخبر بموته إلى قبائل العرب، فارتدت بنو وليعة، وغنت بغاياهم، وخضبن له أيديهن.(2)
وكتب أبو بكر إلى المهاجر ابن أبي أمية وهو على صنعاء، أن يسير بمن معه إلى زياد، فاستخلف على صنعاء، وسار إلى زياد، فلقوا الأشعث فهزموه وقتل مسروق، ولجأ الأشعث والباقون إلى الحصن المعروف بالنجير.(3)فحاصرهم المسلمون حصاراً شديداً حتى ضعفوا، ونزل الأشعث ليلاً إلى
المهاجر وزياد، فسألهما الأمان على نفسه، حتى يقدما به على أبي بكر فيرى فيه رأيه، على أن يفتح لهم الحصن ويسلم إليهم من فيه.
وقيل: بل كان في الأمان عشرة من أهل الأشعث. فأمناه وأمضيا شرطه، ففتح لهم الحصن، فدخلوه واستنزلوا كل من فيه، وأخذوا أسلحتهم، وقالوا للأشعث: اعزل العشرة، فعزلهم، فتركوهم وقتلوا الباقين - وكانوا ثمانمائة- وقطعوا أيدي النساء اللواتي شمتن برسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وحملوا الأشعث إلى أبي بكر موثقاً في الحديد هو والعشرة، فعفا عنه وعنهم، وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة - وكانت عمياء - فولدت للأشعث محمداً وإسماعيل وإسحاق.
وخرج الأشعث يوم البناء عليها إلى سوق المدينة، فما مر بذات أربع إلا عقرها، وقال للناس هذه وليمة البناء، وثمن كل عقيرة في مالي فدفع أثمانها إلى أربابها .
قال أبو جعفر محمد بن جرير في التاريخ: وكان المسلمون يلعنون الأشعث ويلعنه الكافرون أيضاً وسبايا قومه، وسمّاه نساء قومه عرف النار، وهو اسم للغادر عندهم.(1)
وكان الأشعث من المنافقين في خلافة علي(عليه السلام)، وهو في أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام) كما كان عبد الله بن أبي بن سلول في أصحاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كل واحد منهما رأس النفاق في
1) الطبري 3 : 275
زمانه.(1)
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين وابنته جعدة سمّت الحسن، ومحمد ابنه شرك في دم الحسين(عليهم السلام).(2).
وهو من الذين تآمروا على قتل الامام الحسن(عليه السلام) بالسم، وقد لعب مروان دوراً مهماً في التخطيط للعملية، وأدى كذلك دور الوسيط بين معاوية وجعدة، لذا من المناسب أن نتحدث عنه قليلاً ليعرف القاريء دوره في عملية غتيال الامام الحسن(عليه السلام) .
فهو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، والحكم هذا عم عثمان بن عفان، وهو طريد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
قال أبو عمر في " الاستيعاب ": أخرج رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الحكم من المدينة وطرده عنها، فنزل الطائف وخرج معه ابنه مروان، واختلف في السبب الموجب لنفي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إياه فقيل: كان يتحيل ويستخفي ويتسمع ما يسره رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى كبار أصحابه في مشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين فكان يفشي ذلك عنه حتى ظهر ذلك عليه، وكان يحكيه في مشيته وبعض حركاته، إلى أمور غيرها .
وذكروا: إن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)كان إذا مشى يتكفأ، وكان الحكم يحكيه فالتفت النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يوماً فرآه يفعل ذلك، فقال(صلّی الله علیه وآله وسلّم): فكذلك فلتكن. فكان الحكم مختلجاً يرتعش من يومئذ، فعيّره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقال في عبد الرحمن بن الحكم يهجوه:
إن ترم، ترم مخلجاً مجنوناً*** إن اللعين أبوك فارم عظامه
ويظل من عمل الخبيث بطيناً(1)*** يمسي خميص البطن من عمل التقى
وأخرج أبو عمر من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): يدخل عليكم رجل لعين. وكنت قد تركت عمراً يلبس ثيابه ليقبل إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فلم أزل مشفقاً أن يكون أول من يدخل فدخل الحكم ابن أبي العاص .(2)
و مروان والد الخليفة الأموي عبد الملك، وابن عم عثمان، وقد اعتمد عليه عثمان في خلافته فعينه كاتباً له، أما معاوية فقد جعله عاملاً له على المدينة ومكة والطائف.
وفي معركة الجمل كان مروان مع طلحة والزبير وعائشة، ولكنه بعد انتصار أمير المؤمنين جاء ليبايع الامام(عليه السلام)، فقال له أمير المؤمنين: لسنا بحاجة الى بيعتك.
عن عمرو بن مرة قال: استأذن الحكم على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فعرف صوته فقال، ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا
المؤمنين وقليل ما هم، ذوو مكر وخديعة يعطون الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق.
وذكر المؤرخون: أن مروان بن الحكم نفسه تولى قتل طلحة بيده، لأنه كان من المحرضين على قتل قريبه عثمان بن عفان، وجاء في بعض المرويات عنه أنه قال لأبان بن عثمان: قد كفيناك بعض قتلة أبيك.(1)
وجاء في حديث لعائشة أنها قالت لمروان: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله لعن أباك وأنت في صلبه.
واختلف المؤرخون في اسمها، فقيل: إن اسمها سكينة، ويقال: عائشة، ويقال شعثاء، والصحيح أن اسمها جعدة.(2)
واتفق أكثر المؤرخين ان الامام الحسن مات شهيداً مسموماً، دس معاوية إليه وإلى سعد بن أبي وقاص حين أراد أن يعهد إلى يزيد ابنه بالأمر بعده سمّاً، فماتا منه في أيام متقاربة، وكان الذي تولى ذلك من الحسن(عليه السلام) زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس بمال بذله لها معاوية.
وروى الشيخ المفيد أن معاوية أرسل إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس: أني مزوجك يزيد ابني، على أن تسمّي الحسن، وبعث إليها مائة ألف درهم،
ففعلت وسمت الحسن(عليه السلام)، فسوغها المال، ولم يزوجها من يزيد.(1)
وروي أن جعدة لما سقت الامام الحسن(عليه السلام) السم ومات صلوات الله عليه، جاءت الملعونة إلى معاوية الملعون فقالت: زوجني يزيد.
فقال: اذهبي، فان امرأة لا تصلح للحسن بن علي لا تصلح لابني يزيد.
عن الحسن بن محمد بن الحنفية، قال: لما مرض الحسن بن علي، مرض أربعين ليلة، فلما استعز به وقد حضرت بنو هاشم فكانوا لا يفارقونه يبيتون عنده بالليل، وعلى المدينة سعيد بن العاص، فكان سعيد يعوده فمرّة يؤذن له ومرّة يحجب عنه، فلما استعز به بعث مروان بن الحكم رسولا إلى معاوية يخبره بثقل الحسن بن علي، وكان الحسن رجلاً قد سقي وكان مبطونًا إنما كان يختلف أمعاءه.(2)
وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): دخل الحسين على عمي الحسن عندما سقي السم، فقام لحاجة الانسان ثم رجع فقال: سقيت السم عدة مرات، وما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي ورأيتني أقلّبه بعود في يدي.
فقال له الحسين(عليه السلام) : يا أخي ومن سقاك؟
قال: وما تريد بذلك؟ فإن كان الذي أظنه فالله حسيبه، وإن كان غيره فما أحب أن يؤخذ بي بريء، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى توفي صلوات
الله عليه.(1)
وعن أم بكر بنت المسور، قالت: كان الحسن بن علي سقي مراراً، كل ذلك يفلت منه، حتى كان المرة الآخرة التي مات فيها فإنه كان يختلف كبده، فلما مات قام نساء بني هاشم عليه النوح شهراً.(2)
وروى أبو نعيم عن عمير بن إسحاق، قال: دخلت أنا ورجل من قريش على الحسن بن علي(عليهما السلام)، فقام فدخل المخرج، ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، ولقد سقيت السم مراراً، وما سقيته مرة هي أشد من هذه !
قال: وجعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألني.
قال: ما أسألك شيئاً حتى يعافيك الله.
قال: فخرجنا من عنده، ثم عدت إليه من غد وقد أخذ في السوق، فجاء الحسين(عليه السلام) حتى قعد عند رأسه فقال: أي أخي ! من صاحبك؟
قال: تريد قتله؟
قال: نعم.
قال: لئن كان صاحبي الذي أظن فالله أشد له نقمة، وإن لم يكنه فما أحب
أن تقتل بي بريئاً. (1)ثم توفي بعدها.
عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: لما حضرت الحسن الوفاة قال: يا قنبر، انظر هل ترى وراء بابك مؤمنا من غير آل محمد.
فقال: الله ورسوله وابن رسوله أعلم.
قال امض فادع لي محمد بن علي.
قال: فأتيته فلما دخلت عليه قال: هل حدث إلا خير؟
قلت: أجب أبا محمد، فعجل عن شسع نعله فلم يسوه، فخرج معي يعدو.
فلما قام بين يديه سلم فقال له الحسن: اجلس فليس يغيب مثلك عن سماع كلام يحيى به الأموات ، ويموت به الأحياء كونوا أوعية العلم ومصابيح الدجى فان ضوء النهار بعضه أضوء من بعض. أما علمت أن الله عزوجل جعل ولد إبراهيم أئمة وفضل بعضهم على بعض، وآتى داود زبوراً، وقد علمت بما استأثر الله محمداً (صلّی الله علیه وآله وسلّم).
يا محمد بن علي، إني لا أخاف عليك الحسد، وإنما وصف الله تعالى به الكافرين فقال: كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ(2)ولم يجعل الله للشيطان عليك سلطانا.
يا محمد بن علي، ألا أخبرك بما سمعت من أبيك(عليه السلام) فيك؟
قال: بلی.
قال: سمعت أباك يقول يوم البصرة من أحب أن يبرني في الدنيا والآخرة فليبر محمداً.
يا محمد بن علي، لو شئت أن أخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك.
يا محمد بن علي، أما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي إمام من بعدي وعند الله في الكتاب الماضي، وراثة النبي أصابها في وراثة أبيه وأمه علم الله أنكم خير خلقه، فاصطفى منكم محمداً واختار محمد علياً واختارني علي للإمامة واخترت أنا الحسين.
فقال له محمد بن علي: أنت إمامي وسيدي، وأنت وسيلتي إلى محمد، والله لوددت أن نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام، ألا وإن في رأسي كلاماً لا تنزفه الدلاء، ولا تغيره بعد الرياح كالكتاب المعجم، في الرق المنمنم، أهم بابدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل، وما جاءت به الرسل وإنه لكلام يكل به لسان الناطق، ويد الكاتب ولا يبلغ فضلك، وكذلك يجزي الله المحسنين ولا قوة إلا بالله.
الحسين أعلمنا علماً، وأثقلنا حلماً، وأقربنا من رسول الله رحماً، كان إماماً قبل أن يخلق، وقرأ الوحي قبل أن ينطق، ولو علم الله أن أحداً خير منا ما اصطفى محمداً(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فلما اختار محمداً واختار محمد علياً
إماما واختارك علي بعده واخترت الحسين بعدك سلمنا ورضينا بمن هو الرضا، وبمن نسلم به من المشكلات.(1)
عمير بن ماني العبسي، عن جنادة بن أبي أمية(2)
وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي: جنادة بن أبي أمية غير جنادة بن مالك، فهما اثنان عند أهل العلم بهذا الشأن، وكان جنادة بن أبي أمية على غزو الروم في البحر لمعاوية من زمن عثمان إلى أيام يزيد.
عن أبي الخير أن جنادة بن أبي أمية حدثه أن رجالاً من أصحاب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) اختلفوا فقال بعضهم ان الهجرة قد انقطعت قال: جنادة فانطلقت إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقلت يا رسول الله ان ناساً يقولون ان الهجرة قد انقطعت فقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): لا تنقطع الهجرة ما دام الجهاد وله حديث في صوم يوم الجمعة وحده وتوفى بالشام سنة ثمانين للهجرة .
قال: دخلت على الحسن بن علي بن أبي طالب(عليه السلام) في مرضه الذي توفي فيه وبين يديه طست يقذف عليه الدم ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي أسقاه معاوية لعنه الله(3)1) أصول الكافي 1 : 301 ، أعلام الورى : 214 ، حلية الأولياء 3 : 204 ، بحار الأنوار 44 :174
2) جنادة - بالهاء - هو جنادة بن أبي أمية الأزدي ثم الزهراني واسم أبي أمية مالك، وقال البخاري اسم أبي أمية كثير، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه عن جنادة بن أبي أمية الدوسي واسم أبي أمية كثير ولأبيه صحبة وهو شامي وشهد فتح مصر وعقبه بالكوفة.
3) فيه غرابة حيث إن الكبد إذا ذابت أثفلت إلى الأمعاء وخرجت كالدم، وليس تصعد إلى المعدة حتى تقذف بها من الفم والصحيح ما قد ورد في سائر الأحاديث أنه كان يوضع تحته طست وترفع أخرى نحو أربعين يوماً وأنه(عليه السلام) قال: " انى لأضع كبدي " وظاهره خروج الكبد ثافلاً، وأظن القصة أنها قد اختلطت على افهام الرواة فنقلوها كذلك مع ضعف سندها .
فقلت يا مولاي، مالك لا تعالج نفسك؟
فقال: يا عبد الله، بماذا أعالج الموت؟
قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم التفت إليّ فقال: والله لقد عهد إلينا رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد علي وفاطمة، ما منا إلا مسموم أو مقتول، ثم رفعت الطست وبكى صلوات الله عليه وآله.
قال: فقلت له: عظني يا ابن رسول الله .
قال: نعم، استعد لسفرك، وحصل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك إلا كنت فيه خازنا لغيرك. واعلم أن في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة، خذ منها ما يكفيك، فإن كان ذلك حلالاً كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراماً لم يكن فيه وزر، فأخذت كما أخذت من الميتة، وإن كان العتاب فان العتاب يسير. واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وإذا أردت عزاً بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله عز وجل، وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا
أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدق قولك وإن صلت شد صولك، وإن مددت يدك بفضل مدها، وإن بدت عنك ثلمة سدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتداك وإن نزلت إحدى الملمات به ساءك من لا تأتيك منه البوائق ولا يختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منقسما آثرك.
قال: ثم انقطع نفسه واصفر لونه حتى خشيت عليه، ودخل الحسين(عليه السلام) والأسود بن أبي الأسود فانكب عليه حتى قبل رأسه وبين عينيه، ثم قعد عنده فتسارا جميعاً.
فقال أبو الأسود إنا لله إن الحسن قد نعيت إليه نفسه.
وقد أوصى إلى الحسين(عليه السلام) وتوفي يوم الخميس في آخر صفر سنة خمسين من الهجرة، وله سبعة وأربعون سنة ودفن بالبقيع .(1)
عن ابن عباس قال: دخل الحسين بن علي(عليهما السلام) على أخيه الحسن بن علي(عليهما السلام) في مرضه الذي توفي فيه فقال له: كيف تجدك يا أخي؟
قال: أجدني في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، واعلم أني لا أسبق أجلي وأني وارد على أبي وجدي عليهما السلام على كره مني
1) بحار الأنوار 44 : 138 .
لفراقك وفراق إخوتك، وفراق الأحبة وأستغفر الله من مقالتي هذه وأتوب إليه، بل على محبة مني للقاء رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) وأمي فاطمة، وحمزة، وجعفر: وفي الله عز وجل خلف من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك من كل ما فات.
رأيت يا أخي كبدي في الطشت، ولقد عرفت من دهى بي ومن أين أتيت فما أنت صانع به يا أخي؟
فقال الحسين(عليه السلام): أقتله والله.
قال: فلا أخبرك به أبداً حتى نلقى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ولكن اكتب يا أخي:
هذا ما أوصى به الحسن بن علي إلى أخيه الحسين بن علي:
أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه يعبده حق عبادته، لا شريك له في الملك، ولا ولي له من الذل، وإنه خلق كل شئ فقدره تقديرا، وإنه أولى من عبد، وأحق من حمد، من أطاعه رشد، ومن عصاه غوى، ومن تاب إليه اهتدى.
فاني أوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل بيتك أن تصفح عن مسيئهم، وتقبل من محسنهم ، وتكون لهم خلفاً ووالدا، وأن تدفنني مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فاني أحق به وببيته، ممن أدخل بيته بغير إذنه، ولا كتاب جاءهم من بعده، قال الله فيما أنزله على نبيه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في
كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ(1)، فوالله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته، ونحن مأذون لنا في التصرف فيما ورثناه من بعده. فان أبت عليك الامرأة فأنشدك الله بالقرابة التي قرب الله عز وجل منك والرحم الماسة من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)أن لا تهريق فيّ محجمة من دم، حتى نلقى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فنختصم إليه ونخبره بما كان من الناس إلينا بعده ، ثم قبض عليه السلام.(2)
قال الدينوري: مراده (عليه السلام) أن يدفن قرب جده صلوات الله عليه، فان حصلت ممانعة، فيدفن في البقيع.(3)
عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: لما احتضر الحسن بن علي صلوات الله عليهما قال للحسين (عليه السلام) يا أخي إني أوصيك بوصية فاحفظها، فإذا أنا مت فهيئني ثم وجهني إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)لأحدث به عهداً ثم اصرفني إلى أمي فاطمة (عليها السلام) ثم ردني فادفني بالبقيع .(4)
وروي أن الحسن (عليه السلام) لما دنت وفاته ونفدت أيامه، وجرى السم
في بدنه، تغير لونه واخضر ، فقال له الحسين (عليه السلام): ما لي أرى لونك مائلاً إلى الخضرة؟
فبكى الحسن (عليه السلام) وقال: يا أخي لقد صح حديث جدي فيّ وفيك، ثم اعتنقه طويلاً وبكيا كثيرا.
فسئل (عليه السلام) عن ذلك؟
فقال: أخبرني جدي قال: لما دخلت ليلة المعراج روضات الجنان، ومررت على منازل أهل الايمان، رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة إلا أن أحدهما من الزبرجد الأخضر، والآخر من الياقوت الأحمر، فقلت: يا جبرئيل لمن هذان القصران؟
فقال أحدهما للحسن، والآخر للحسين(عليهما السلام).
فقلت: يا جبرئيل فلم لم يكونا على لون واحد؟
فسكت ولم يرد جواباً، فقلت: لم لا تتكلم؟
قال: حياء منك.
فقلت له: سألتك بالله إلا ما أخبرتني.
فقال: أما خضرة قصر الحسن فإنه يموت بالسم، ويخضر لونه عند موته، وأما حمرة قصر الحسين، فإنه يقتل ويحمر وجهه بالدم. فعند ذلك بكيا وضج الحاضرون بالبكاء والنحيب(1)
1) بحار الأنوار 44 : 145
وعن أبي الحسن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: لما حضرت الحسن ابن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الوفاة بكى فقيل: يا ابن رسول الله أتبكي و مكانك من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) مكانك الذي أنت به، وقد قال فيك رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما قال وقد حججت عشرين حجة ما شيا، وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات حتى النعل والنعل؟ فقال(عليه السلام): إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع وفراق الأحبة.(1)
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قبض الحسن بن علي وهو ابن سبع وأربعين سنة في عام خمسين عاش بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أربعين سنة.(2)
وعن أبي حازم، قال: لما حضر الحسن قال للحسين: ادفنوني عند أبي - يعني النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)- إلا أن تخافوا الدماء، وإن خفتم الدماء فلا تهريقوا في دماً ادفنوني عند مقابر المسلمين.
قال: فلما قبض تسلح الحسين وجمع مواليه، فقال له أبو هريرة: أنشدك الله ووصية أخيك، فإن القوم لن يدعوك حتى يكون بينكم دما!
قال: فلم يزل به حتى رجع، قال: ثم دفنوه في بقيع الغرقد.(1)
قال ابن عباس: فدعاني الحسين بن علي(عليهما السلام) وعبد الله بن جعفر وعلي بن عبد الله بن العباس فقال: اغسلوا ابن عمكم فغسلناه وحنطناه وألبسناه أكفانه، ثم خرجنا به حتى صلينا عليه في المسجد، وإن الحسين أمر أن يفتح البيت، فحال دون ذلك مروان بن الحكم وآل أبي سفيان، ومن حضر هناك من ولد عثمان بن عفوان وقالوا: يدفن أمير المؤمنين الشهيد القتيل ظلما بالبقيع بشر مكان، ويدفن الحسن مع رسول الله؟ لا يكون ذلك أبدا حتى تكسر السيوف بيننا، وتنقصف الرماح وينفد النبل.
فقال الحسين(عليه السلام):أما والله الذي حرم مكة، للحسن بن علي وابن فاطمة أحق برسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وببيته ممن ادخل بيته بغير إذنه وهو والله أحق به من حمال الخطايا مسير أبي ذر رحمه الله، الفاعل بعمار ما فعل، وبعبد الله ما صنع، الحامي الحمى، المؤوي لطريد رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لكنكم صرتم بعده الأمراء، وتابعكم على ذلك الأعداء، وأبناء الأعداء.
قال: فحملناه فأتينا به قبر أمه فاطمة (عليها السلام) فدفناه إلى جنبها رضي
1) ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من طبقات ابن سعد : 85 . وبقيع الغرقد هو مقبرة أهل المدينة، وسمي بذلك لأنه كان فيه غرقد، وهو ضرب من شجر العضاه وشجر الشوك، والآن تعد من العتبات العاليات عندنا لأن فيها قبور أربعة من أئمتنا (عليهم السلام) وقبر الزهراء الأطهر صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها على قول.
الله عنه وأرضاه.
قال ابن عباس: وكنت أول من انصرف، فسمعت اللغظ وخفت أن يعجل الحسين على من قد أقبل ، ورأيت شخصاً علمت الشر فيه، فأقبلت مبادراً فإذا أنا بعائشة في أربعين راكباً على بغل مرحل تقدمهم وتأمرهم بالقتال. فلما رأتني قالت: إلي إلي يا ابن عباس ! لقد اجترأتم علي في الدنيا تؤذونني مرة بعد أخرى، تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا أحب.
فقلت: وا سوأتاه يوم على بغل، ويوم على جمل، تريدين أن تطفئي نور الله، وتقاتلي أولياء الله، وتحولي بين رسول الله وبين حبيبه أن يدفن معه، ارجعي فقد كفى الله عز وجل المؤونة.
ودفن الحسن (عليه السلام) إلى جنب أمه، فلم يزدد من الله تعالى إلا قربا، وما ازددتم منه والله إلا بعداً، يا سوأتاه انصرفي فقد رأيت ما سرك. قال: فقطبت في وجهي، ونادت بأعلى صوتها: أوما نسيتم الجمل، يا ابن عباس إنكم لذوو أحقاد.
فقلت: أم والله ما نسيته أهل السماء، فكيف تنساه أهل الأرض فانصرفت وهي تقول:
كما قر عينا بالإياب المسافر(1)(2)فألقت عصاها واستقرت بها النوى
وفي رواية اخرى: لما قبض الحسن (عليه السلام) وضع على سريره، وانطلق به إلى مصلّى رسول الله الذي كان يصلّي فيه على الجنائز، فصلي على الحسن(عليه السلام) فلما أن صلي عليه حمل فادخل المسجد، فلما أوقف على قبر رسول الله بلغ عائشة الخبر، وقيل لها إنهم قد أقبلوا بالحسن بن علي (عليهما السلام) ليدفن مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فخرجت مبادرة على بغل بسرج، فكانت أول امرأة ركبت في الاسلام سرجاً، فوقفت فقالت: نحوا ابنكم عن بيتي، فإنه لا يدفن فيه شيء، ولا يهتك على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)حجابه.
فقال لها الحسين بن علي صلوات الله عليهما: قديماً هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأدخلت بيته من لا يحب رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قربه، وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة، إن أخي أمرني أن أقربه من أبيه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)ليحدث به عهدا.
واعلمي أن أخي أعلم الناس بالله ورسوله، وأعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ستره لأن الله تبارك وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ(1)
وقد أدخلت أنت بيت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)الرجال بغير إذنه، وقد قال الله عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ
1) الأحزاب : 53 .
صَوْتِ النَّبِيِّ(1). ولعمري لقد ضربت أنت لأبيك وفاروقه عند اذن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) المعاول، وقال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى (2).
ولعمري لقد أدخل أبوك وفاروقه على رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) بقربهما منه الأذى، وما رعيا من حقه ما أمرهما الله به على لسان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إن الله حرم على المؤمنين أمواتاً ما حرم منهم أحياء.
وتالله يا عائشة لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه صلوات الله عليهما جائزا فيما بيننا وبين الله، لعلمت أنه سيدفن وإن رغم معطسك.
قال: ثم تكلم محمد ابن الحنفية وقال: يا عائشة، يوماً على بغل، ويوماً على جمل فما تملكين نفسك ولا تملكين الأرض عداوة لبني هاشم.
قال: فأقبلت عليه فقالت: يا ابن الحنفية هؤلاء الفواطم يتكلمون فما كلامك ؟
فقال لها الحسين: وأنى تبعدين محمداً من الفواطم، فوالله لقد ولدته ثلاث عائد بن عمرو بن مخزوم، وفاطمة بنت أسد فواطم: فاطمة بنت عمران بن بن هاشم، وفاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد معيص بن عامر.
قال: فقالت عائشة للحسين (عليه السلام) نحوا ابنكم واذهبوا به فإنكم قوم خصمون. (1)
لا كان ولا كنت يا بنت أبي بكر
و بالکل تملكت لك التسع من الثمن
وإن عشت تفیلت تجملت تبغلت
هذا الخبر رواه الفريقان من أهل السنة والشيعة بتغير ببعض عباراته كل بحسب مذهبه.
وهنا نذكر قول القاسم بن محمد الطيب وابن الطيب - ابن أخيها - فزجرها وردعها عن موقفها قائلاً: يا عمة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر أتريدون أن يقال يوم البغلة الشهباء كما ورد في تاريخ اليعقوبي 1 : 200 .
1) نعم، اتجهت مواكب التشييع نحو المرقد النبوي لتجدد العهد بجده(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، لكن لما علم الأمويون ذلك تجمعوا وانضم بعضهم إلى بعض بدافع الأنانية والحقد والعداء للهاشميين إلى إحداث شغب ومعارضة لدفن الإمام بجوار جده لأنهم رأوا أن عميدهم عثمان دفن في حش كوكب - مقبرة اليهود - فكيف يدفن الحسن (عليه السلام) مع جده فيكون ذلك عاراً عليهم وخزياً، فأخذوا يهتفون بلسان الجاهلية الحمقاء : يا رب هيجاء هي خير من دعة، أيدفن عثمان بأقصى المدينة ويدفن الحسن عنده جده؟ وانعطف مروان بن الحكم وسعيد بن العاص نحو عائشة وهما يستفزانها ويستنجدان بها لمناصرتهم بذلك وهما يعرفان دخيلة عائشة وما تنطوي عليها نفسها بما تكنه من الغيرة والحسد لولد فاطمة (عليها السلام) قائلين لها : يا أم المؤمنين، إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، والله لئن دفن الحسن بجوار جده ليذهبن فخر أبيك، وصاحبه عمر إلى يوم القيامة فألهبت هذه الكلمات نار الثورة في نفسها، فاندفعت بغير اختيار لمناصرتهما راكبة على بغل وهو تقول مالي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب ؟ ! وكادت أن تقع الفتنة بين بني هاشم وبني أمية، فبادر ابن عباس إلى مروان فقال له : ارجع يا مروان من حيث جئت ... ثم أقبل على عائشة فقال لها : واسوأتاه ! يوما على بغل ويوما على جمل.... فأخذه ابن الحجاج الشاعر البغدادي فقال :
قال: فمضى الحسين(عليه السلام) إلى قبر أمه ثم أخرجه فدفنه بالبقيع .(1)
لما رأى أبو هريرة ممانعة بني أمية وعائشة من دفن الامام الحسن(عليه السلام) عند جده قال: أرأيتم لو جيء بابن موسى ليدفن مع أبيه فمنع ! أكانوا قد ظلموه؟
قال: فقالوا: نعم.
قال: فهذا ابن نبي الله قد جيء به ليدفن مع أبيه.(2)
وفي رواية أخرى: قال مروان بن الحكم لا يدفن عثمان في حش كوكب(3)، ويدفن الحسن ها هنا، فاجتمع بنو هاشم وبنو أمية، وأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاءوا بالسلاح، فقال أبو هريرة لمروان: أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع، وقد سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة "!
قال مروان: دعنا منك، لقد ضاع حديث رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إذ كان لا يحفظه غيرك وغير أبي سعيد الخدري!(4)
وروى محرز بن جعفر، عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول يوم دفن الحسن بن علي: قاتل الله مروان قال والله ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وقد دفن عثمان بالبقيع!
فقلت: يا مروان اتق الله ولا تقل لعلي إلا خيرا، فأشهد لسمعت رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول يوم خيبر : لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله ليس بفرار ، وأشهد لسمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول في الحسن: اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه. فقال مروان: والله إنك قد أكثرت على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الحديث فلا نسمع منك ما تقول، فهلم غيرك يعلم ما تقول.
قال: قلت: هذا أبو سعيد الخدري، فقال مروان: لقد ضاع حديث رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) حين لا يرويه إلا أنت وأبو سعيد الخدري، والله ما أبو سعيد الخدري يوم مات رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)إلا غلام، ولقد جئت أنت من جبال دوس قبل وفاة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بيسير، فاتق الله يا با هريرة، قال: قلت: نعم ما أوصيت به، وسكت عنه.
قال الحسن بن محمد بن الحنفية: سمعت أبي يقول: لقد رأيتني يومئذ وأني لأريد أن أضرب عنق مروان، ما حال بيني وبين ذلك أن لا أكون أراه مستوجباً لذلك إلا أني سمعت أخي يقول: إن خفتم أن يهراق في محجم من دم فادفنوني بالبقيع ، فقلت لأخي يا با عبد الله - وكنت أرفقهم به - ، إنا لا ندع قتال هؤلاء القوم جبنا عنهم، ولكنا إنما نتبع وصية أبي محمد، إنه والله لو قال:
ادفنوني مع النبي -(صلّی الله علیه وآله وسلّم)- لمتنا من آخرنا أو ندفنه مع النبي -(صلّی الله علیه وآله وسلّم) - ، ولكنه خاف ما قد ترى.
فقال: إن خفتم أن يهراق في محجم من دم فادفنوني مع أمي، فإنما نتبع عهده وننفذ أمره.
قال: فأطاع الحسين بعد أن ظننت أنه لا يطيع فاحتملناه حتى وضعناه بالبقيع.
وحضر سعيد بن العاص ليصلي عليه فقالت بنو هاشم: لا يصلي عليه أبداً إلا الحسين، قال: فاعتزل سعيد بن العاص، فوالله ما نازعنا في الصلاة عليه وقال: أنتم أحق بميتكم، فإن قدمتموني تقدمت.
فقال الحسين بن علي: تقدّم، فلولا أن الأئمة تقدم ما قدمناك!(1)
لما مضى (عليه السلام) لسبيله غسله الحسين (عليه السلام) وكفنه وحمله على سريره فلم يشك مروان ومن معه من بني أمية أنهم سيدفنونه عند جده رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فتجمعوا له ولبسوا السلاح فلما توجه الحسین به إلى قبر جده (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ليجدد به عهدا أقبلوا إليهم في جمعهم ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: ما لي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب؟
وجعل مروان يقول: يا رب هيجا هي خير من دعة، أيدفن عثمان في
1) ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من طبقات ابن سعد : 86 .
أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي ! لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف، وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أمية.
فبادر ابن عباس إلى مروان فقال له: ارجع یا مروان من حيث جئت، فانا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) لكنا نريد أن نجدد به عهدا وبزيارته ثم نرده إلى جدته فاطمة رحمة الله عليها فندفنه بوصيته عندها، ولو كان وصى بدفنه مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لعلمت انك أقصر باعاً من ردنا عن ذلك ولكنه كان أعلم بالله وبرسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره ودخل بيته بغير إذنه.
ثم أقبل على عائشة وقال: وا سوأتاه يوماً على بغل ويوماً على جمل تريدين أن تطفئي نور الله وتقاتلي أولياء الله ارجعي فقد كفيت الذي تخافين وبلغت ما تحبين والله تعالى منتصر لأهل هذا البيت ولو بعد حين.
وقال الحسين(عليه السلام): والله لولا عهد الحسن إلى بحقن الدماء وأن أهريق في أمره محجمة دم لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مأخذها وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا.
ومضوا بالحسن (عليه السلام) فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم رضي الله عنها.
ووقف سيد الشهداء على حافة القبر وهو شاخص العين، لم يطرف له هدب، ولم يهدأ له قلب، وأخذ يؤبن أخاه قائلاً: رحمك الله أبا محمد! أن
كنت لتباصر الحق مظانه، وتؤثر الله عند تداحض الباطل في مواطن التقية بحسن الروية، وتستشف جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتفيض عليها يدا طاهرة الأطراف نقية الأسرة، وتردع بادرة غرب أعدائك بأيسر المؤونة عليك، ولا غرو وأنت ابن سلالة النبوة، ورضيع لبان الحكمة، فإلى روح وريحان وجنة نعيم، أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه، ووهب لنا ولكم السلوة وحسن الأسى عنه .
لما وضع الحسين (عليه السلام) أخاه الحسن (عليه السلام) في لحده قال:
ورأسك معفور وأنت سليب*** أأدهن رأسي أم أطيب محاسني
ألا كل ما أدنى إليك حبيب*** أو استمتع الدنيا لشيء أحبه
عليك، وما هبت صبا وجنوب*** فلا زلت أبكي ما تغنت حمامة
وما اخضر في دوح الحجاز قضيب*** وما هملت عيني من الدمع قطرة
وأنت بعيد والمزار قريب*** بكائي طويل والدموع غزيرة
ألا كل من تحت التراب غريب*** غريب وأطراف البيوت تحوطه
وكل فتى للموت فيه نصيب*** ولا يفرح الباقي خلاف الذي مضى
ولكن من وارى أخاه حريب*** فليس حريب من أصيب بماله
وليس لمن تحت التراب نسيب(1)*** نسيبك من أمسى يناجيك طرفه
ولما لف الامام الحسن عليه السلام في أكفانه قال محمد بن الحنفية:
1) المناقب 4 : 45 ، بحار الأنوار 44 : 160 ح 29
رحمك الله أبا محمد، فوالله لئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك، ونعم الروح روح عمر به بدنك، ونعم البدن بدن ضمه كفنك، لم لا يكون كذلك، وأنت سليل الهدى، وحلف أهل التقوى، وخامس أصحاب الكساء، غذتك كف الحق، وربيت في حجر الاسلام، وأرضعتك ثدياً الايمان، فطب حياً وميتاً، فعليك السلام ورحمة الله، وإن كانت أنفسا غير قالية لحياتك، ولا شاكة في الخيار لك .(1)
وبعد الفراغ من دفن الامام الحسن (عليه السلام)، توجه الناس الى أخيه الامام الحسين(عليه السلام) لتعزيته ومشاركته بهذا المصاب الجلل الذي ألمّ بالمسلمين.(2)
عن ابن عباس قال: إن رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن(عليه السلام)، فلما رآه بكي، ثم قال: إلي يا بني، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمني .. - الى أن قال: -
وأما الحسن، فإنه ابني وولدي، ومني، وقرة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الأمة، أمره أمري، وقوله قولي، من تبعه فإنه مني، ومن عصاه فليس مني، وإني لما نظرت إليه تذكرت ما يجرى عليه من الذل بعدي، فلا يزال الامر به حتى يقتل بالسم ظلماً
وعدواناً، فعند ذلك تبكي الملائكة والسبع الشداد لموته، ويبكيه كل شيء حتى الطير في جو السماء، والحيتان في جوف الماء، فمن بكاه لم تعم عينه يوم تعمي العيون، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب، ومن زاره، في بقيعه ثبتت قدمه على الصراط يوم تزل فيه الاقدام.(1)
وما أذيع النبأ المؤلم في العالم الاسلامي إلا وأهتزّ من أقصاه الى أدناه حزناً وكمداً، فلقد مات سيد المسلمين وإمامهم .
المدينة : ففي المدينة المنورة هاجت الناس ولبسوا السواد على فقد ابن بنت نبيهم، وبكاه الرجال والنساء سبعة أيام واستمرت نساء بني هاشم في النياحة عليه شهراً، وأظهرن الحداد، ولبسن السواد سنة كاملة.(2).
مكة المكرمة: وعمّ الحزن والأسى أهل مكة، فانه لما انتهى اليهم النبأ أغلقوا حوانيتهم، وعطلوا مكاسبهم، واستمروا بالنياحة، يبكون رجالاً المربع ونساءً سبعة أيام.(3).
البصرة: أول من نعى الحسن (عليه السلام) بالبصرة عبد الله بن سلمة، نعاه لزياد، فخرج الحكم بن أبي العاص الثقفي، فنعاه، فبكى الناس - وأبو بكرة يومئذ مريض، فسمع الضجة، فقال: ما هذا؟
فقالت امرأته ميسة بنت سخام الثقفية: مات الحسن بن علي، فالحمد الله الذي أراح الناس منه!
فقال: اسكتي ويحك فقد أراحه الله من شر كثير، وفقد الناس بموته خيرا كثيرا، يرحم الله حسنا!(1)
الكوفة: لما توفي الحسن (عليه السلام) وبلغ الشيعة ذلك اجتمعوا بالكوفة في دار سليمان بن صرد، وفيهم بنو جعدة بن هبيرة، فكتبوا إلى الحسين بنعلي يعزونه على مصابه بالحسن (عليه السلام):
بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد:
فقد بلغنا وفاة الحسن بن علي، فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً، غفر الله ذنبه وتقبل حسناته، وألحقه بنبيه، وضاعف لك الاجر في المصاب به وجبر بك المصيبة من بعده فعند الله نحتسبه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ما أعظم ما أصيب به هذه الأمة عامة، وأنت وهذه الشيعة خاصة، بهلاك ابن الوصي وابن بنت النبي، علم الهدى، ونور البلاد المرجو لإقامة الدين الصالحين، فاصبر رحمك الله على ما أصابك، إن ذلك لمن عزم وإعادة سير الأمور، فإن فيك خلفاً ممن كان قبلك، وإن الله يؤتي رشده من يهدى بهديك،
1) أعيان الشيعة 1 : 576
ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، السائرة بسيرتك، المنتظرة لأمرك، شرح الله صدرك، ورفع ذكرك، وأعظم أجرك، وغفر ذنبك، ورد عليك حقك. (1).
عن عمرو بن بعجة، قال: أول ذل دخل على العرب موت الحسن بن علي.(2)
أما سرور معاوية فكان لا يوصف حيث كبّر وسجد لله شكرا وكبّر من كان معه في الخضراء. ولما سمعت ذلك زوجه فاختة بنت قرضة خرجت من خوخة لها فرأت زوجها قد غمره الفرح والسرور فقالت له: سرك الله يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي بلغك فسررت به؟
قال: موت الحسن.
فاستعبرت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون .
ثم بكت وقالت: مات سيد المسلمين، وابن بنت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم).(3)
وفد المقدام بن معد يكرب وعمرو بن الأسود إلى قنسرين، فقال معاوية
للمقدام: أعلمت أن الحسن بن علي توفي؟ فاسترجع المقدام، فقال له معاوية: أتراها مصيبة؟!
قال: ولم لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) في حجره فقال: هذا مني.(1)
وروي أن معاوية أخذ يتعجّب من سرعة تأثير السم الذي بعثه للإمام قائلاً: يا عجبا من الحسن شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه !(2)، وشماتته هذه دفعت الفضل بن عباس(3)
الغابة 4 : 184.
أن يظهرها شعراً فيقول:ظاهر النخوة إذ مات الحسن*** أصبح اليوم ابن هند آمنا
طالما أشجى ابن هند وأرن*** رحمة الله عليه إنما
إذ ثوى رهنا لأحداث الزمن*** استراح الیوم منه بعده
إنما يقمص بالعير السمن*** فارتع اليوم ابن هند آمنا
كل حي بالمنايا مرتهن*** لست بالباقي فلا تشمت به
1) ميزان الحكمة 1 : 156.
2) الاستيعاب 1 : 374 ، كفاية الطالب : 268 ، مقتل الحسين للخوارزمي 1 : 141، الفتوح لابن أعثم :2 : 323 . ورومة : بئر بالمدينة ، سميت باسم صاحبها رومة الغفاري ، كان يبيع منها القربة بالمد.
3) الفضل بن العباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وكنيته أبو عبد الله، أمه هي لبابة الصغرى بنت الحارث بن حزن الهلالية. كان أسن إخوته وهو ممن حضر حنيناً وثبت فيها ، توفي في خلافة أبي بكر أو عمر الاستيعاب 3 : 202 ، الإصابة 3 : 202 ، أسد
تك في الدهر كشيء لم يكن(1)
ورواه ابن أبي أصبيعة في عيون الأنباء في طبقات الأطباء : 175 .
ظاهر النخوة أن مات حسن*** أصبح اليوم ابن هند شامتاً
طال ما أشجى ابن هند وأذن*** رحمة الله علیه أنه
عدل رضوی و ثبير وحضن*** ولقد كان عليه عمره
صوته والصدر يغلي بالإحسن*** وإذا أقبل حيا رافعا
إنما يغمص بالعير السمن*** فارتع اليوم ابن هند آمنا
إن ما كان كشيء لم يكن*** واتق الله وأحدث توبة
*** يا بن هند ان تذق كأس الردىوروي أنه لما بلغ معاوية موت الحسن بن علي (عليهما السلام) سجد وسجد من حوله وكبر وكبروا معه فدخل عليه ابن عباس فقال له: يا ابن عباس أمات أبو محمد؟
قال: نعم، رحمه الله وبلغني تكبيرك وسجودك، أما والله ما والله ما يسد جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك.
قال: حسبته ترك صبية صغاراً ولم يترك عليهم كثير معاش.
فقال: إن الذي وكّلهم إليه غيرك.
قال: فأنت تكون سيد القوم.
قال: أما أبو عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام) باق.
وفي رواية اخرى ان معاوية لما أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً حتى سجد وسجد من كان معه، فبلغ ذلك عبد الله بن عباس - و عباس - وكان بالشام يومئذ - فدخل
1) بحار الأنوار 44 : 159.
على معاوية، فلما جلس قال معاوية: يا ابن عباس هلك الحسن بن علي!
فقال ابن عباس: نعم هلك، إنا لله وإنا إليه راجعون ! ترجيعا مكرراً، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته، أما والله ! ما سد جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك، ولقد مات وهو خير منك، ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيراً منه، جدّه رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فجبر الله مصيبته وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة.
ثم شهق ابن عباس وبكى، وبكى من حضر في المجلس، وبكى معاوية! فما رأيت أكثر باكياً من ذلك اليوم.
فقال معاوية: بلغني أنه ترك بنين صغاراً .
فقال ابن عباس: كلنا كان صغيراً فكبر.
فقال معاوية: كم أتى له من العمر؟
فقال ابن عباس: أمر الحسن أعظم من أن يجهل أحد مولده.
قال: فسكت معاوية يسيراً، ثم قال: يا ابن العباس أصبحت سيد قومك من بعده.
فقال ابن عباس: أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا.
قال معاوية : الله أبوك يا بن عباس ! ما استنبأتك إلا وجدتك معدا.(1).
1) الإمامة والسياسة :1 : 150 ، وقاموس الرجال 6 : 53 ، مواقف الشيعة 2 : 327
لما مات الحسن بن علي بعث مروان بن الحكم بريدا إلى معاوية يخبره أنه قد مات.
قال: وبعث سعيد بن العاص رسولاً آخر يخبره بذلك، وكتب مروان يخبره بما أوصى به حسن بن علي من دفنه مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأن ذلك لا يكون وأنا حي، ولم يذكر ذلك سعيد.
فلما دفن الحسن بن علي بالبقيع أرسل مروان بريدا آخر يخبره بما كان من ذلك وقيامه ببني أمية ومواليهم، وإني يا أمير المؤمنين عقدت لواء وتلبسنا السلاح، وأحضرت معي ممن اتبعني ألفي رجل، فلم يزل الله بمنه وفضله يدرأ ذلك أن يكون مع أبي بكر وعمر ثالثاً أبداً، حيث لم يكن أمير المؤمنين عثمان المظلوم رحمه الله، وكانوا هم الذين فعلوا بعثمان ما فعلوا.
فكتب معاوية إلى مروان يشكر له ما صنع واستعمله على المدينة ونزع سعيد بن العاص.
وكتب إلى مروان: إذا جاءك كتابي هذا فلا تدع لسعيد بن العاص قليلاً ولا كثيراً إلا قبضته!
فلما جاء الكتاب إلى مروان بعث به مع ابنه عبد الملك إلى سعيد يخبره بكتاب أمير المؤمنين، فلما قرأه سعيد بن العاص صاح بجارية له: هات كتابي أمير المؤمنين، فطلعت عليه بكتابي أمير المؤمنين فقال لعبد الملك: اقرأهما، فإذا فيهما كتاب من معاوية إلى سعيد بن العاص يأمره حين عزل مروان بقبض أموال مروان التي بذي المروة والتي بالسويداء والتي بذي خشب ولا يدع له عذقاً واحداً.
فقال: أخبر أباك فجزاه عبد الملك خيراً، فقال سعيد: والله لولا أنك جئتني بهذا الكتاب ما ذكرت مما ترى حرفاً واحداً. قال: فجاء عبد الملك بالخبر إلى أبيه فقال: هو كان أوصل منا إليه.(1)
قال أبو الحسن المدائني : وكانت وفاته في سنة تسع وأربعين، وكان مرضه أربعين يوما، وكانت سنه سبعا وأربعين سنة، دس إليه معاوية سما على يد جعدة بنت الأشعث.(2)
وروي أن الحسن (عليه السلام) فارق الدنيا وله تسع وأربعون سنة وشهرا أقام مع رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) سبع سنين وستة أشهر، وباقي عمره مع أمير المؤمنين.
ودفن الامام الحسن(عليه السلام) حسب وصيته في بقيع الغرقد.(3)
كواكب من آل النبي غوارب*** والله أفلاك البقيع فكم بها
ونالت بهم ما لم تنله الكواكب*** حوت منهم ما ليس تحويه بقعة
تطوف من الأملاك فيك كتائب*** فبوركت أرضا كل يوم وليلة
وفيك البحور الفعم جودا نواضب*** وفيك الجبال الشم حلما هو آمد
مصائبهم لم يحصها الدهر حاسب*** مناقبهم مثل النجوم كأنها
وإما عذاب في القيامة واصب*** وهم للورى إما نعيم بد
1) ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من طبقات ابن سعد : 95.
2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 : 11.
3) ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من طبقات ابن سعد : 85 . وبقيع الغرقد هو مقبرة أهل المدينة، وسمي بذلك لأنه كان فيه غرقد، وهو ضرب من شجر العضاه وشجر الشوك، والآن تعد من العتبات العاليات عندنا لأن فيها قبور أربعة من أئمتنا عليهم السلام وقبر الزهراء الأطهر صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها على قول. وقد ورد في الرواية : ان الحجون والبقيع يؤخذان بأطرافهما وينشران في الجنة " وهما مقبرتا مكة والمدينة (تذكرة الموضوعات الفتني 75)، وجاء في بعض زيارات رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم): «السلام على البقيع وما ضمّ البقيع من الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين » (سفينة البحار 1 : 91) والله در السيد صالح القزويني في قوله من قصيدة بائية (الأنوار البهية، الشيخ عباس القمي : 175) :
وروي أنه دفن مع أمه سيدة نساء العالمين (عليها السلام )في قبر واحد.(1)فمن بكاه لم تعم عينه يوم تعمي العيون، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب ومن زاره في بقيعه ثبتت قدمه على الصراط يوم تزل فيه الاقدام.(2)
وقد وردت في زيارة الائمة (عليهم السلام) وبالخصوص الامام الحسن (عليه السلام) روايات كثيرة في كتب الحديث، منها:
عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: إن الحسين بن علي (عليهما السلام) كان يزور قبر الحسن (عليه السلام) في كل عشية جمعة.(3)
في 21 رمضان المبارك استشهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، بعد أن ضربه الخارجي اللعين عبد الرحمن بن ملجم في 19 منه، وفي نفس اليوم ( 21 رمضان) بويع الامام الحسن المجتبى (عليه السلام) بالخلافة وكان قيس بن سعد الأنصاري أول المبايعين له.
وحج بالناس هذه السنة المغيرة بن شعبة وافتعل كتاباً على لسان معاوية فيقال إنه عرف بيوم التروية ونحر يوم عرفة خوفاً أن يفطن لفعله، وقيل: فعل ذلك لأنه بلغه أن عتبة بن أبي سفيان نُصّب والياً على الموسم. (1)
فيها مات الأشعث بن قيس الكندي بعد قتل علي بأربعين ليلة وصلي عليه الحسن بن علي (عليه السلام)(2)
وفيها مات حسان بن ثابت وأبو رافع مولي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم).(3)
فيها توفي معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، له صحبة قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وكان على خاتم النبي وكان مجذوماً
واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال وكان معه الخاتم أيام عثمان فوقع من يده، قيل: أنه توفي آخر خلافة عثمان.(1)
وتسلم معاوية الأمر لخمس بقين من ربيع الأول من هذه السنة، وقيل: في ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى، وقيل: إنما سلم الحسن الأمر إلى معاوية لأنه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة إليه خطب الناس فحمد الله وأثني عليه وقال: إنا لله ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع وكنتم في سيركم إلى صفين دينكم أمام دنياكم وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهر وإن تطلبون بثأره، وأما الباقي فخاذل ، وأما الباكي فثائر، ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبا السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا. فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية وأمض الصلح .(2)
ولما عزم الامام الحسن (عليه السلام) على تسليم الأمر إلى معاوية خطب الناس فقال: أيها الناس إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وكرر ذلك حتى ما بقي في
المجلس إلا من بكي حتى سمع نشيجه، فلما ساروا إلى معاوية في الصلح فاصطلحا على ما ذكرناه وسلم إليه الحسن الأمر.(1)
ولما دخل معاوية الكوفة قال له عمرو بن العاص ليأمر الحسن أن يقوم فيخطب الناس ليظهر لهم عيه فخطب معاوية الناس، ثم أمر الحسن أن يخطبهم ، فقام فحمد الله ثم قال: أيها الناس إن الله قد هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن لهذه الأمر مدة والدنيا دول وإن الله عز وجل قال لنبيه وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، فلما قاله، قال له معاوية: اجلس، وحقدها على عمرو وقال: هذا من رأيك. ولحق الحسن بالمدينة وأهل بيته وحشمهم وجعل الناس يبكون عند مسيرهم من الكوفة.(2)
وفيها جرى الصلح بين معاوية وقيس بن سعد، وكان قيس امتنع من ذلك، وسبب امتناعه أن عبيد الله بن عباس لما علم بما يريده الحسن من تسليم الأمر إلى معاوية كتب إلى معاوية يسأله الأمان لنفسه على ما أصاب من مال وغيره، فأجابه إلى ذلك، وأرسل عبد الله بن عامر في جيش كثيف فخرج إليهم عبيد الله ليلاً وترك جنده الذين هو عليهم بغير أمير وفيهم قيس بن سعد، فأمر ذلك الجند عليهم قيس بن سعد وتعاقد هو وهم على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان معه على دمائهم وأموالهم، وقيل إن قيساً كان هو الأمير على ذلك الجيش في المقدمة على ما ذكرنا وكان شديد الكراهة
لإمارة معاوية بن أبي سفيان، فلما بلغه أن الحسن بن علي صالح معاوية اجتمع معه جمع كثير وبايعوه على قتال معاوية حتى يشترط الشيعة علي على دمائهم وأموالهم وما كانوا أصابوا في الفتنة فراسله معاوية يدعوه إلى طاعته وأرسل إليه بسجل وختم على أسفله وقال له: اكتب في هذا ما شئت فهو لك، فقال عمرو لمعاوية: لا تعطيه هذا وقاتله، فقال معاوية : على رسلك، فإنا لا نخلص إلى قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام فما خير العيش بعد ذلك فإني والله لا أقاتله أبداً حتى لا أجد من قتاله بداً. فلما بعث إليه معاوية ذلك السجل اشترط قيس له ولشيعة علي الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال ولم يسأل في سجله ذلك مالاً وأعطاه معاوية ما سأل ودخل قيس ومن معه فيطاعته.(1).
ابن عامر، وقيل: استعمله معاوية لما استقامت له الأمور، فلما ولي ابن عامر البصرة أقرّه عليها.(1)
باح بالسر أخوه المنتصح*** إنما موضع سر المرء إن
ناصح يستره أو لا تبح*** فإذا باحت بسر فإلي
فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين إن تستودعني تستودع ناصحاً مشفقاً وما ذلك.
فقال له معاوية: ذكرت زياداً واعتصامه بفارس فلم أنم ليلتي.
فقال المغيرة: ما زياد هناك.
فقال معاوية معه أموال فارس يدبر الحيل ما يؤمنني أن يبايع لرجل من
1) الكامل في التاريخ 3 : 420
أهل هذا البيت فإذا هو قد أعاد علي الحرب جزعة .
فقال المغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه؟
قال: نعم، فأته وتلطف له.
فأتاه المغيرة وقال له: إن معاوية استخفّه الوجل حتى بعثني إليك ولم يكن أحد يمد إلى هذا الأمر غير الحسن وقد بايع فخذ لنفسك قبل التوطين فيستغني معاوية عنك.
قال: أشر عليّ وارم الغرض الأقصى ودع عنك الفضول فإن المستشار مؤتمن .
فقال له المغيرة: في محض الرأي بشاعة ولا خير في المذيق أرى أن تصل حبلك بحبله وتشخص إليه ويقضي الله.
وقدم زياد علي معاوية وسأله عن أموال فارس فأخبره بما حمل منها إلى علي وبما أنفق منها في الوجوه التي تحتاج إلى النفقة وما بقي عنده وأنه مودع للمسلمين فصدقه معاوية فيما أنفق وفيما بقي عنده وقبضه منه. وقيل: إن زياداً لما قال لمعاوية: قد بقيت بقية من المال وقد أودعتها مكث معاوية يردده، فكتب زياد كتباً إلى قوم أودعهم المال، فقال معاوية لزياد حين وقف علي الكتب: أخاف أن تكون مكرت بي فصالحني على ما شئت، فصالحه على شيء وحمله إليه ومبلغه ألف ألف درهم واستأذنه في نزوله الكوفة فأذن له، فكان المغيرة يكرمه ويعظمه.(1)
1) الكامل في التاريخ 3 : 422 .
وفيها قتل الخارجي المستورد بن علقمة التميمي، إذ تحرك الخوارج وبايعوه وخاطبوه بأمير المؤمنين. فلما كان هذه السنة أخبر المغيرة بن شعبة بأنهم اجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمي واستعدوا للخروج غرة شعبان فأرسل المغيرة صاحب شرطته، وهو قبيصة بن الدمون فأحاط بدار حيان هو ومن معه، فلم ينجحوا في القضاء على المستورد، فوجه اليه المعقل بن قيس في ثلاثة آلاف رجل وقضى عليهم. (1)
وفيها مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر وكان عمل عليها لعمر أربع سنين ولعثمان أربع سنين إلا شهرين ولمعاوية سنتين إلا شهرا . (2)
قال السيوطي: وهذه الحادثة أول خروج علني عن الاسلام وأحكام الرسول الاكرم(صلّی الله علیه وآله وسلّم). وكذلك ذكرها الثعالبي وآخرون. (4)
المقصورة بالمدينة، وهو أول من عملها بها وكان معاوية قد عملها بالشام لما ضربه الخارجي.(1)
وفيها ان معاوية أرسل إلى زياد وهو بالكوفة فأمره بالمسير إلى البصرة فولاه البصرة وخراسان و سجستان ثم جمع له الهند والبحرين وعمان، فقدم البصرة آخر شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين فخطبهم خطبته البتراء لم يحمد الله فيها، وبدأها: أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء. وهدد بالعقوبة على التهمة مما سبب هلعاً لدى الناس.(4)
وفيها توفيت حفصة بنت عمر بن الخطاب زوجة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وأمها زينب بنت مظعون، وهي أم عبدالله بن عمر كذلك.
وفيها مات زيد بن ثابت الأنصاري عن عمر ناهز 56 عاماً .
وفيها توفي عثمان بن حنيف اخو سعد. (5)
فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض ممالیکه فشربها فمات بحمص فوفي له معاوية بما ضمن له.(1)
فقال: ما قتلت محمداً إلا بما صنع بعثمان .
فقال عبد الرحمن: فلو كنت تطلب بدم عثمان ما شاركت معاوية فيما صنع حيث عمل عمرو بالأشعري ما عمل فوثبت أول الناس فبايعته.(1)
في هذه السنة كانت وفاة المغيرة بن شعبة في قول بعضهم وهو الصحيح وكان الطاعون قد وقع بالكوفة فهرب المغيرة منه فلما ارتفع الطاعون عاد إلى الكوفة فطعن فمات. وقيل: كان موته سنة إحدى وخمسين .(3)
وفيها عزل مروان معاوية مروان بن الحكم عن المدينة في ربيع الأول وأمر سعيد بن العاص عليها في ربيع الآخر، وقيل في ربيع الأول وكانت ولاية مروان كلها بالمدينة لمعاوية ثماني سنين وشهرين.(4)
فكتب مروان إلى معاوية بذلك، فأعاد عليه الجواب يذكر يزيد، فقام مروان فيهم وقال: إن أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل وقد استخلف ابنه يزيد بعده. فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: كذبت والله يا مروان وكذب معاوية، ما الخير أردتما لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هر قل.(1)
1 - آثار البلاد وأخبار العباد، القزويني ، بيروت ، دار صادر.
2 - أبصار العين ، السماوي ، قم ، مكتبة بصيرتي .
3 - إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات: الحر العاملي، نشر المطبعة العلمية ، قم .
4 - الاحتجاج ، الطبرسي ، قم ، دار أسوة .
5 - أحكام القرآن : أبو بكر أحمد الرازي ، نشر دار الفكر ، بيروت ، لبنان
6 - الأخبار الطوال ، ابن قتيبة الدينوري ، قم ، دار الشريف الرضي .
7 - الاختصاص : الشيخ المفيد ، قم ، نشر جماعة مدرسي الحوزة العلمية .
8 - الارشاد : الشيخ المفيد ، قم ، مؤسسة آل البيت .
9 - أسباب النزول : الواحدي النيسابوري، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان .
10 - الاستيعاب : ابن عبدالبر، القاهرة ، نجالة للطبع والنشر .
11 - اسد الغابة في معرفة الصحابة : ابن الأثير ، دار احياء التراث العربي ، بيروت.
12 - الإصابة : ابن حجر العسقلاني ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان.
13 - الاصول من الكافي، الكليني، طهران، دار الكتب الاسلامية .
14 - أعلام الورى بأعلام الهدى : الفضل بن الحسن الطبرسي ، دار المعرفة ، بيروت.
15 - أعيان الشيعة : السيد محسن الأمين العاملي ، بيروت ، دار التعارف.
16 - الأغاني : أبو الفرج الأصفهاني ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان .
17 - الأمالي : الشيخ الصدوق ، مؤسسة البعثة ، قم .
18 - الأمالي : الشيخ الطوسي ، مؤسة البعثة .
19 - الأمالي : الشيخ المفيد ، مؤسسة النشر الاسلامي ، قم .
20 - الإمامة والسياسة : ابن قتيبة الدينوري ، نشر مؤسسة .
21 - أنساب الأشراف: البلاذري، نشر دار الفكر ، بيروت ، لبنان .
22 - الأنوار البهية ، الشيخ عباس القمي ، دار الشريف المرتضى ، قم .
23 - الأنوار في شمائل النبي المختار : البغوي ، نشر دار الضياء -- بيروت ، لبنان .
24 - أهل البيت : توفيق أبو علم - نشر دار الكتاب الجامعي ، القاهرة .
25 - الأوائل : أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
26 - بحار الأنوار : المجلسي ، دار الوفاء ، بيروت - لبنان.
27 - البداية والنهاية : الحافظ ابن كثير ، دار الفكر ، بيروت-لبنان .
28 - البرهان في تفسر القرآن ، هاشم البحراني ، مؤسسة البعثة ، قم.
29 - بصائر الدرجات : محمد بن الحسن الصفار ، مكتبة المرعشي ، قم .
29 - تاريخ الإسلام : الذهبي ، نشر دار الكتاب العربي – بيروت ، لبنان .
30 - تاريخ الخلفاء : جلال الدين السيوطي ، نشر مطبعة الفجالة الجديدة ، القاهرة.
31 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس الديار بكري نشر مؤسسة شعبان بيروت.
32 - تاريخ الطبري : أبو جعفر الطبري، نشر دار سویدان ، بيروت ، لبنان.
33 - تاريخ اليعقوبي : أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي ، دار صادر -- بيروت ، لبنان .
34 - تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي ، دار الكتب العلمية - بيروت ، لبنان .
35 - تاريخ مدينة دمشق : ابن عساکر، نشر دار الفكر ، بيروت - لبنان .
36 - تاريخ المدينة المنورة : ابن شبه ، دار الفكر ، قم - ایران .
37 - تتمة المنتهى : الشيخ عباس القمي ، انتشارات المؤمنين ، قم .
38 - تحف العقول : ابن شعبة الحراني ، مؤسسة الأعلمي - قم.
39 - تحفة الأحباب : الشيخ عباس القمي ، دار الكتب الاسلامية ، طهران.
40 - تذكرة الخواص : ابن الجوزي الحنفي ، بيروت - لبنان .
41 - ترجمة الإمام علي من تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر ، بيروت ، لبنان .
42 - تطهير الجنان : ابن حجر الهيتمي ، نشر مكتبة القاهرة - مصر.
43 - تفسير البرهان : السيد هاشم البحراني ، طهران .
44 - تفسير الجلالين : السيوطي ، نشر مكتبة الملاح - دمشق ، سورية .
45 -تفسير الصافي : الفيض الكاشاني ، مؤسسة الاعلمي - بيروت ، لبنان .
46 - تفسير العياشي : العياشي ، نشر المكتبة العلمية الإسلامية - طهران .
47 - تفسير فرات الكوفي : فرات الكوفي ، وزارة الارشاد ، طهران - ایران .
48 - تفسير القرآن العظيم : ابن كثير ، نشر دار المعرفة - بيروت ، لبنان.
49 - تفسير الكشاف : الزمخشري ، نشر أدب الحوزة ، قم ، ايران .
50 - تفسير كتر الدقائق : المشهدي ، نشر وزارة الارشاد ، طهران .
51 - تفسير مجمع البيان: الطبرسي، الانتشارات الاسلامية ، طهران .
52 - تهذيب التهذيب : ابن حجر ، دار الفكر ، بيروت .
53 -تنبيه الخواطر : ورّام ، مكتبة الفيه ، ايران.
54 - تنقيح المقال : المامقاني ، الطبعة الحجرية ·
55 - حلية الأبرار: هاشم البحراني، مؤسسة المعارف الاسلامية ، قم ، ایران .
56 - حلية الأولياء : ابو نعيم ، دار الفكر ، بيروت - لبنان .
57 - حياة الامام الحسن (عليه السلام): باقر شريف القرشي ، اسماعیلیان ، قم - ایران.
58 - حياة الحيوان : الدميري، دار الشريف الرضي ، قم - ايران .
59 - جامع الأحاديث : السبزواري، مؤسسة أهل البيت ، قم ، ايران .
60 - جامع الأخبار : جعفر بن أحمد ، نشر آستانه قدس رضوي ، مشهد ، ایران.
61 - جامع الرواة : الاردبيلي ، انتشارات مصطفوي ، قم ، ایران.
62 - جامع السعادات: النراقي ، النجف ، دار النعمان .
63 - جامع النورين : الملا اسماعيل ، الانتشارات العلمية الاسلامية ، طهران .
64 - جلاء العيون : السيد عبد الله شبر ، مكتبة بصيرتي ، قم .
65 - الخصال : الشيخ الصدوق ، المطبعة الحيدرية ، النجف الاشرف .
66 - الدر النظيم : جمال الدين الشامي ، مؤسسة النشر الاسلامي ، قم - ايران .
67 - دلائل الامامة : الطبري، منشورات الرضي ، قم - ايران.
68 - دلائل الصدق : المظفر ، مكتبة بصيرتي ، قم - ايران.
69 - ربيع الأبرار : الزمخشري ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت - لبنان .
70 - الروضة من الكافي : الكليني ، دار الكتب الاسلامية ، طهران - ايران .
71 - السبعة من السلف : الفيروز آبادي ، مكتبة الفيروز آبادي ، قم - ايران .
460
72 - سفينة البحار : المحدّث القمي ، مكتبة سنائي ، طهران.
73 - السبعة من السلف : الفيروز آبادي ، مكتبة الفيروز آبادي ، قم .
74 - شرح قصيدة أبي فراس : أمير الحاج ، دار الطباعة ، حجري .
75 - شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد ، دار احياء التراث العربي ، بيروت .
76 - صحيح البخاري : محمد بن اسماعيل ، مطبعة الشعب .
77 - صحیح مسلم : مسلم بن حجاج ، دار الفكر ، بيروت.
78 - صفوة الصفوة : ابن الجوزي ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
79 - الطبقات الكبرى : محمد بن سعد ، دار صادب ، بيروت
80 - العقد الفريد : ابن عبد ربه ، مكتبة الهلال ، بيروت -
81 - علل الشرائع : الشيخ الصدوق ، قم ، مكتبة الداوري .
79 - الطبقات الكبرى : محمد بن سعد ، دار صادب ، بيروت .
80 - العقد الفريد : ابن عبد ربه ، مكتبة الهلال ، بيروت.
81 - علل الشرائع : الشيخ الصدوق ، قم ، مكتبة الداوري .
82 - العمدة : ابن البطريق ، مؤسسة النشر الاسلامي ، قم .
83 - عوالم العلوم : البحراني ، مدرسة الامام المهدي عليه السلام ، قم .
84 - العين : الخليل بن أحمد الفراهيدي ، دار احياء التراث العربي ، بيروت .
85- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : الشيخ الصدوق ، مؤسسة الأعلمي .
86 - الغيبة : الشيخ الطوسي ، مؤسسة المعارف الاسلامية ، قم .
87 - الغيبة : محمد بن ابراهيم النعماني، مكتبة الصدوق ، طهران.
88 - الفروع من الكافي : الكليني، مكتبة الصدوق ، طهران.
89 - فضائل الخمسة : الفيروز آبادي ، دار الكتب الإسلامية ، طهران.
90 - قرب الاسناد: الحميري ، مؤسسة آل البيت ، قم .
91 - كامل الزيارات : ابن قولويه ، مكتبة الصدوق ، طهران.
92 - الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، دار صادر ، بيروت .
93 - كشف الغمة : الأربلي ، قم ، ايران .
94- کشف المحجة : ابن طاووس ، مكتبة الداوري ، قم .
95 - كمال الدين : الشيخ الصدوق ، الانتشارات الإسلامية ، طهران.
96 - كتر العمال : علاء الدين المتقي ، مؤسسة الرسالة ، بيروت .
97 - مجمع البحرين : الطريحي ، المكتبة المرتضوية ، طهران.
98 - مجمع الزوائد : الهيثمي ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
99 - المحاسن والمساويء : البيهقي ، بيروت .
100 - محاضرات الأدباء : الراغب الأصفهاني ، دار ومكتبة الحياة ، بيروت.
101 - المحلى : ابن حزم الاندلسي ، دار الفكر ، بيروت.
102 - مدينة المعاجز : البحراني ، مؤسسة المعارف الإسلامية ، قم .
103 - مراصد الاطلاع : البغدادي ، دار المعرفة ، بيروت.
104- مروج الذهب: المسعودي، دار الاندلس ، بيروت .
105 - المستدرك على الصحيحين : الحاكم النسيابوري ، دار المعرفة ، بيروت.
106 - مستدرك الوسائل : النوري ، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) ، قم .
107- مسند احمد بن حنبل : دار صادر ، بیروت .
108- مسند الامام المجتبى : عزيز الله عطاردي ، ايران.
109 - المعارف : ابن قتيبة ، منشورات الشريف الرضي ، قم .
110 - معاني الاخبار : الشيخ الصدوق ، مكتبة المفيد ، قم .
111-معجم البلدان : ياقوت الحموي، دار صادر ، بيروت .
112 - المعجم الكبير : الطبراني ، دار احياء التراث العربي ، بيروت.
113 - مقاتل الطالبيين : الاصفهاني ، انشارات اسماعیلیان ، قم .
114 - منتخب التواريخ : ملا هاشم الخراساني، الانتشارات العلمية الإسلامية، طهران.
115 - المنتظم : ابن الجوزي ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
116 -من لا يحضره الفقيه : الشيخ الصدوق، مؤسسة النشر الاسلامي ، قم .
117 - منهاج البراعة : حبيب الله الخوئي ، مؤسسة التاريخ العربي ، بيروت .
118 - مهج الدعوات : ابن طاووس ، دار الذخائر ، قم .
119 - المناقب : ابن شهر آشوب ، انشارات علامة ، قم .
120 - ميزان الاعتدال : الذهبي ، دار المعرفة ، بيروت.
121 - النصائح الكافية : محمد بن عقيل ، دار الثقافة ، بيروت .
122 - التراع والتخاصم : المقريزي ، بيروت .
123 - نفثة المصدور : الشيخ عباس القمي ، مكتبة بصيرتي ، قم
124 - نفس المهموم : الشيخ عباس القمي ، مكتبة بصيرتي ، قم .
125 - نهج البلاغة : صبحي الصالح ، دار الهجرة ، قم.
126 - وسائل الشيعة : الحر العاملي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) ، قم .
127 - وفاء الوفاء : السمهودي ، دار احياء التراث العربي ، بيروت .
128 - وفيات الاعيان : ابن خلكان ، منشورات الرضي،قم .
129 - وقعة صفين : نصر بن مزاحم، مكتبة بصيرتي ، قم .
130 - ينابيع المودة : القندوزي ، دار الاسوة ، قم .
مقدمة المترجم...7
التمهيد ....17
الفصل الأول :أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن والأحاديث النبوية
ألف - في القرآن....21
آية المودة....21
آية التطهير....23
آية المباهلة....25
سورة هل أتى.....27
ب - في كلام الرسول صلوات الله وسلامه عليه...29
الروايات الواردة بحق أهل البيت (عليهم السلام)....30
الأحاديث المختصة بحق الحسنين (عليهما السلام)....35
الأحاديث المختصة بالإمام الحسن (عليه السلام). ...41
الفصل الثاني: الإمام الحسن (عليه السلام) في طفولته
ولادة الإمام (عليه السلام)....45
تسميته (عليه السلام)...47
كنية وألقاب الإمام الحسن (عليه السلام)....49
شمائله عليه السلام. ..50.
طفولته عليه السلام....52
الفصل الثالث: إمامة الحسن (عليه السلام )
الإمامة....57
خطبة الإمام الحسن (عليه السلام)...60.
بيعة الإمام (عليه السلام). ...61
كتاب الإمام (عليه السلام) إلى معاوية....63
جواب معاوية....65
إرسال الجواسيس إلى العراق....66
رسالة إلى معاوية ...66
معاوية يكتب إلى عماله....67
ترغيب أهل الكوفة بالجهاد....68
عدي بن حاتم.....69
الإمام (عليه السلام) في النخيلة....70
قيادة عبيد الله بن العباس. ...70
ساباط....72
رسالة شيوخ القبائل....74
کتاب قيس بن سعد....75
خطبة بسر بن ارطئة وقيس بن سعد....76
رسالة معاوية إلى قيس. ...77
کتاب قيس إلى معاوية....78
خيانة الكندي....78
خيانة ربيعة ....80
شائعة مقتل قيس....81
خطبة الإمام (عليه السلام) في المدائن....82
كتاب من المدائن....83
رسل معاوية....84
معاهدة الصلح....84
الفصل الرابع: بنو أمية
من هو معاوية. ...96
بدع معاوية. ...99
الأذان والإقامة في صلاة العيد....99
استعماله لأواني الذهب والفضة. ...100
تعطيله الحدود. ...101
إباحته الربا. ...101
نقله لمنبر الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)....102
عدائه للنبي....104
خلاعته ومجونه...105
افتعاله للحديث. ...109
طاعة أهل الشام لمعاوية....111
الخوارج والمارقون ...112
من باع دينه بدنياه. ...113
العمال والولاة. ...114
استلحاق زیاد ...115
عاقبة أمر زياد وهلاكه....123
المغيرة بن شعبة....124
سمرة بن جندب....127
تصفية الخصوم ...130
مالك الاشتر...130
عبد الرحمن بن خالد....132
عبد الرحمن بن أبي بكر....134
جرائم القتل والتعذيب بحق الشيعة....136
عمرو بن حمق ...139
قبيصة العبسي ...143
صيفي بن فسيل...143
عبد الله بن خليفة الطائي....145
حجر بن عدي....146
نظرة إلى شخصية حجر بن عدي...150
صدى شهادة حجر بن عدي....152
رشيد الهجري....156
أوفى بن الحصن....159
جويرية بن مسهر العبدي....160
ميثم التمار ....161
مزرع....166
عبد الله بن يحيى....166
السجناء....167
نفي الشيعة وقطع عطاياهم وتخريب بيوتهم...169
إخفاء وتشويه الحقائق....170
الفصل الخامس : صلح الإمام الحسن(عليه السلام) دراسة وتحليل
سياسة أهل البيت (عليهم السلام)...175
السياسة البنائة....175
الخلافة. ..176
الخلافة المغتصبة....178
العدل...178
المساواة....180
الحرية....181
الصراحة والصدق....182
الولاة والعمال....186
الحرب والجهاد...188
السياسة المالية...190
الأسباب الحقيقية للصلح...193
جواسيس معاوية....196
جيش العراق...199
الوصية كتاب مختوم....201
الفصل السادس :الأحداث التي جرت بعد الصلح
خطبة الإمام المجتبى (عليه السلام) بعد الصلح ....205
خطبة معاوية في النخيلة...205
خطاب الإمام (عليه السلام) في الكوفة....206
الدخول إلى الكوفة...207
صلح الإمام (عليه السلام) في الروايات....210
الفصل السابع : حواريو الإمام (عليه السلام)
أصحاب الإمام (عليه السلام)...217
حواريو الإمام (عليه السلام)...222
المنددون بالصلح....223
قيس بن سعد...223
حجر بن عدي....225
عدي بن حاتم....226
سفيان بن أبي ليلى....227
المسيب بن نجبة....228
مالك بن ضمرة....229
سليمان بن صرد الخزاعی...230
رجل من الأصحاب....232
أهل الكوفة....233
الفصل الثامن :عودة الإمام (عليه السلام) إلى المدينة
وداع المسيب وضبيان....238
فروة بن نوفل...240
في المدينة....241
الإمام (عليه السلام) جوار قبر الرسول...242
معاوية بن خديج ....244
الفصل التاسع: مناظرات الإمام الحسن (عليه السلام)
عمرو بن عثمان...251
عمرو بن العاص....251
عتبة بن ابي سفيان....252
الوليد بن عقبة....252
المغيرة بن شعبة...252
جواب الإمام الحسن (عليه السلام )....253
مروان بن الحكم ...267
الإمام الحسن (عليه السلام) والوليد بن عقبة....269
الإمام (عليه السلام) وجمع من بني أمية....270
الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية....271
الإمام الحسن (عليه السلام) ويزيد....271
تفاخر قريش....272
الإمام الحسن (عليه السلام) وابن العاص....272
الإمام الحسن (عليه السلام) وزياد....273
الإمام الحسن (عليه السلام) وأهل العراق....274
الإمام الحسن (عليه السلام) وابن العاص والمغيرة....275
سعيد بن سرح ...276
حبیب بن مسلمة....277
الفصل العاشر: الإمام الحسن (عليه السلام) في نظر الآخرين
احتجاج ابن عباس على معاوية.....281
معاوية وسعد بن قيس.....282
عبد الله بن الزبير ومعاوية....283
عبد الله بن جعفر وعمرو بن العاص....286
عبد الله بن جعفر ومعاوية....287
معاوية وسعد....293
صعصعة بن صوحان....295
الفصل الحادي عشر : منزلة ومكانة الإمام الحسن (عليه السلام)
منزلة الإمام الحسن عند النبي صلوات الله عليهما ...301
منزلة الإمام الحسن (عليه السلام) عند أمير المؤمنين (عليهما السلام)....304
منزلة أمير المؤمنين عند الحسن (عليهما السلام)....307
وصايا أمير المؤمنين للإمام الحسن (عليهما السلام)...309
اعتماد الإمام (عليه السلام) على القرآن...312
الأحاديث التي رواها الحسن عن رسول الله صلوات الله عليهما ....327
أحاديث الإمام (عليه السلام) برواية أبنائه....332
الفصل الثاني عشر : خصائص الإمام الحسن (عليه السلام )
شمائل الإمام الحسن (عليه السلام) ...339
ملابس الإمام الحسن (عليه السلام) ....339
أخلاقه الرفيعة...341
الخوف من الله...343
تعظيم الإمام (عليه السلام) لأخيه....344
تواضعه (عليه السلام)....345
همته وغيرته (عليه السلام)....346
جوده وسخائه...346
في ضيافة امرأة عجوز....349
مداراة الناس...351
زهد الإمام الحسن (عليه السلام)....354
الإمام الحسن (عليه السلام) ومخالفيه....356
الحسن البصري والإمام الحسن (عليه السلام)....357
معجزات الإمام الحسن (عليه السلام)....358
الأشعار المنسوبة للإمام الحسن (عليه السلام)....360
إدعاء الكذب....361
الإمام (عليه السلام) وامرأة من البادية....362
سيرة الإمام (عليه السلام )...363
الإمام الحسن (عليه السلام) وقضاء الحوائج....365
سؤال ملك الروم....366
ليلة القدر....366
قضاء الإمام (عليه السلام)....367
الإمام الحسن والخضر (عليهما السلام)...368
خبر الإمام الحسن عن الحجة (عليهما السلام)....371
الإمام الحسن (عليه السلام) وأبو سفيان....372
معاوية وسؤال للإمام الحسن (عليه السلام)....373
مواعظ الإمام (عليه السلام)....373
كلماته الحكيمة القصار....377
أدعية الإمام المجتبى (عليه السلام)....380
الفصل الثالث عشر: زوجات وأبناء الإمام الحسن (عليه السلام)
الزواج....385
فرية المنصور...391
زوجات الإمام (عليه السلام)....392
أولاد الإمام الحسن (عليه السلام)....396
الفصل الرابع عشر: شهادة الإمام الحسن (عليه السلام)
بيعة يزيد....403
عائلة الأشعث...405
مروان....408
جعدة بنت الأشعث...410
مرض الإمام المجتبى (عليه السلام)....411
التصريح بالامام من بعده....413
جنادة بن ابي امية....415
وصية الإمام (عليه السلام)....417
اللحظات الأخيرة....419
بعد شهادة الإمام (عليه السلام)....421
مراسم التشييع والدفن....422
أبو هريرة ومروان....427
محمد بن الحنفية...428
الدفن في البقيع....429
على حافة قبر الإمام (عليه السلام)....430
رثاء الإمام الحسين أخاه (عليهما السلام)....431
رثاء محمد بن الحنفية لأخيه الحسن (عليه السلام)....432
الرسول الأكرم ينعى الحسن صلوات الله عليهما ....432
صدى الفاجعة....433
المقدام بن معد ....435
الفضل بن عباس ...436
معاوية وابن عباس ...437
رسالة مروان لمعاوية...439
تاريخ استشهاد الإمام (عليه السلام) وسنّه....440
مرقد الإمام (عليه السلام)...440
زيارة الإمام الحسن (عليه السلام)....441
الفصل الخامس عشر: الأحداث المهمة في عصر الإمام الحسن (عليه السلام)
وقائع السنة 40 للهجرة....445
وقائع السنة 41 للهجرة....446
وقائع السنة 42 للهجرة....448
وقائع السنة 43 للهجرة....451
وقائع السنة 44 للهجرة....451
وقائع السنة 45 للهجرة....452
وقائع السنة 46 للهجرة....453
وقائع السنة 47 للهجرة....453
وقائع السنة 48 للهجرة....454
وقائع السنة 49 للهجرة....454
وقائع السنة 50 للهجرة....454
المراجع والمصادر....457
فهارس الكتاب...463
الصلح الدامي