ghaemiyeh.com
المؤلف: السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي
الناشر: مؤسسة البعثة
الطبعة: 1
الموضوع : العقائد والكلام
تاريخ النشر : 1377 ه-.ق
الصفحات: 215
نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
الکتب بساتین العلماء
الفصول المهمة
في تأليف الأمة
العلامة السيد عبدالحسين
شرف الدين الموسوي
توسعنا بالفصول المهمة في هذه الطبعة ، اكمالاً لفوائدها ، واتماماً لمقاصدها ، فظهرت اليوم بغير مظهرها أمس حتى كأنها غير الأولى ، فننبه المطلعين على تلك إلى أنها لا تغنيهم عن هذه ( وفي الحمية معنى ليس في العنب ).
وما أحق كتابي هذا بأن أخاطبه بقول ولي الدين يكن :
فما بك من أكذوبة فأخافها *** ولا بك من جهل فيزري بك الجهل
تنبيه ثاني :
لما كانت الكتب المتكرر طبعها مختلفة في عدد الصفحات لم نقتصر في مقام النقل عنها في هذا الكتاب وغيره على تعيين الصفحة فقط بل عينا معها الباب أو الفصل مثلاً ، ليرجع اليه من لم تكن صفحات النسخ التي عنده موافقه لصفحات النسخ التي عندنا ، فاحفظ هذه الجملة وانتبه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الميامين (1).
لا تنسق أمور العمران ولا تستتب أسباب الارتقاء ولا تنبث روح المدنية ولا تبزغ شموس الدعة من أبراج السعادة ولا نرفع عن أعناقنا نير العبودية بيد الحرية إلا باتفاق الكلمة واجتماع الأفئدة وترادف القلوب واتحاد العزائم والاجتماع على النهضة بنواميس الأمة ورفع كيان الملة ، وبذلك تهتز الأرض طرباً وتمطر السماء ذهباً وتتفجر ينابيع الرحمة من قلب المواساة فتجري في سهوب الترقي وتتفرق في بيد (2)العمران وأخاديد الحنان والاتحاد ، فتنشر روح الانسانية من أجداثها وتحشر الملة الفطرية من رفاتها ويتبلج القسط بازغة أنواره ويستوسق نظام العدل خافقة بنوده ويتفقد الحاكم أمر رعيته تفقد الوالد العطوف أمر ولده ، وعندها تجب مؤازرته في إحياء مواتها وعمارة فلواتها ورتق ما انفتق واصلاح ما فسد وارشاد من ضل وجهاد من بغى وأعانة من ضعف وتعليم من جهل.
1) بسم الله الرحمن الرحيم. يقول ناظم عقد هذه الفصول عبدالحسين شرف الدين الموسوي : لما نفدت الطبعة الاولى من هذا الكتاب التمس مني من لا تسعني مخالفتهم من المؤمنين من أهل سوريا والعراق وغيرهما أن أعيد طبعه وان اتوسع فيه ليتضاعف نفعه ، فأجبتهم إلى ذلك وعلقت في أسفل صفحات الكتاب تعليقة نافعة جدا ، والله نسأل أن يكون الكتاب وتعليقته خالصين لوجهه الكريم انه الرؤوف الرحيم.
2) جمع بيداء كبيض جمع بيضاء.
أما إذا كانت الأمة أوزاعاً متباينة وشيعاً متباغضة لاهية بعبثها غافلة عن رقيها لتكونن حيث منابت الشيح ومهافي الريح أذل الأمم دارا وأجدبها قرارا ، مذقة الشارب ونهزة الطامع وهدف السهام وقبسة العجلان ، في باحة ذل وحلقة ضيق وعرصة موت وحومة بلاء ، لا تأوي إلى جناح دعوة ، ولا تعتصم بظل منعة ، فحذا حذار من بقاء الفرقة وتشتت الألفة واختلاف الكلمة وتنافر الأفئدة ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) ، ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) ، ( ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء انما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) .
إلا وانا في عصر العلم ودور الذكاء والفطنة ، قد تفجر لذوي العصر ينبوع الحكمة وتقشعت عن أبصارهم غياهب العشوة ، فزهر كهرباء النور من أفكارهم وأشرقت شموس الفضل من وجوههم ، فهلا شرعوا خطي أقلامهم وجردوا صوارمها ووتروا قسي أفكارهم وناضلوا بثواقبها فأزهقوا نفس العصبية ومحقوا آثارها وصدعوا بوظائف الأنسانية ورفعوا منارها وهتفوا بدعوة التمدن واعتنوا باتحاد التشيع والتسنن بخطابة تملأ مسمع الدهر وملامة تفلل جلاميد الصخر ، فمتى يطلقون عنان براعتهم ويحملون على جيوش التوحش بيراعتهم ، وينهضون باجتماع الاملاء ويصدعون بأسباب التمدن والارتقاء ويحذرون الأمة مما يصطلم حوزتها ويفرق جماعتها ، فان الله سبحانه يقول : ( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ) .
واني صادع بهذه المقالة شارع بعون الله تعالى في تصنيف رسالة سميتها ( الفصول المهمّة في تأليف الأمة ). ( إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) .
في نبذة مما جاء في الكتاب العزيز والسنة المقدسة من الترغيب في الاجتماع والالفة.
قال الله تبارك وتعالى : ( إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) ، ( وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) ، ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) إلى ان قال عز اسمه في وصفهم : ( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ، ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ، ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) ، ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) ، ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
وقال رسول الله صلی الله علیه و آله : لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنون حتى تحابوا ، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم.
وقال صلی الله علیه و آله : الدين النصحية. قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم ، والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
وقال صلی الله علیه و آله : ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم يد على من سواهم ، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل.
وقال صلی الله علیه و آله : إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام.
وقال صلی الله علیه و آله : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مؤمناً ستره الله يوم القيامة.
وقال الصادق علیه السلام : المسلم أخو المسلم ، وهو عينه ومرآته ودليله لا يخونه ولا يخدعه ولا يظلمه ولا يكذبه ولا يغتابه.
وقال علیه السلام لجماعة من شيعته : اتقوا الله وكونوا أخوة بررة متحابين في الله متواصلين متواضعين متراحمين ، تزاوروا وتلاقوا وأحيوا أمرنا.
وعن رسول الله صلی الله علیه و آله : إن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون.
وقال صلی الله علیه و آله : المؤمن ألف مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.
وفي حديث آخر : ان أحبكم إلى الله الذين يألفون ويؤلفون ، وان أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الاخوان.
وقال صلی الله علیه و آله : المتحابون في الله على عمود من ياقوتة حمراء ، رأس العمود سبعون ألف غرفة يشرفون على الجنة يضيء حسنهم كما تضيء الشمس ،
عليهم ثياب سندس خضر مكتوب على جباههم : المتحابون في الله.
وقال صلی الله علیه و آله : ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر يفزع الناس وهم لا يفزعون ويخاف الناس وهم لا يخافون ، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فقيل : من هم يا رسول الله ؟ فقال : هم المتحابون في الله.
وقال صلی الله علیه و آله : ان الله تعالى يقول : حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتحابون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي.
وقال صلی الله علیه و آله : أن الله تعالى يقول يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي.
وعن باقر علوم النبيين عن آبائه الخلفاء الراشدين عن جدهم سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين من حديث طويل قال : إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين جيران الله جل جلاله في داره ؟ فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم زمرة من الملائكة فيقولون لهم : ماذا كان عملكم فصرتم به جيران الله في داره ؟ فيقولون : كنا نتحاب في الله ونتباذل في الله ونتزاور في الله عز وجل. قال : فينادي مناد صدق عبادي خلوا سبيلهم لينطلقوا إلى جوار الله بغير حساب.
وعن عبد المؤمن الأنصاري قال : دخلت على الإمام أبي الحسن ( الكاظم ) علیه السلام وعنده محمد بن عبد الله الجعفري ، فتبسمت اليه فقال علیه السلام : أتحبه ؟ قلت : نعم وما أحببته الا لكم. فقال علیه السلام : هو أخوك ، والمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه ، ملعون ملعون من اتهم أخاه ، ملعون ملعون من غش أخاه ، ملعون ملعون من لم ينصح أخاه ، ملعون ملعون من استأثر على أخيه ملعون ملعون من اغتاب أخاه.
وقال رسول الله صلی الله علیه و آله في الثناء على الأخوة في الدين : من أراد الله به خيراً رزقه خليلا صالحاً ان نسي ذكره أو ذكر أعانه ، ومثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل احداهم الأخرى ، وما التقى مؤمنان قط إلا أفاد الله أحدهما من صاحبه خيراً.
وقال أمير المؤمنين علیه السلام : عليكم بالأخوان فانهم عدة في الدنيا والآخرة ، الا تسمعون إلى قول أهل النار : ( فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) .
وعن جرير بن عبد الله قال : بايعت رسول الله صلی الله علیه و آله على إقام الصلاة وايتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
والأخبار في هذا متواترة والصحاح متظافرة ، وإذا راجعت حديث الفريقين رأيت الصبح قد أسفر لذي عينين ، وفي هذا كفاية لمن له من الله هداية.
في بيان معنى الاسلام والايمان اللذين بهما ينال العهد غاية الرضوان ، وعليهما يكون المدار وبوجودهما تترتب الاثار.
دعاني إلى بيانهما اقناع أهل العصبية والتنديد بهؤلاء المرجفين على حمية الجاهلية ، فاقول : أجمع اخواننا أهل السنة على أن الاسلام والايمان عبارة عن الشهادتين ، والتصديق بالبعث ، والصلوات الخمس إلى القبلة ، وحج البيت ، وصيام الشهر ، والزكاة والخمس المفروضين (1). وبهذا تعلن الصحاح الستة وغيرها.
ففي البخاري بسنده قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم.
1) وربما بعضهم فرق بين الاسلام والايمان بفارق اعتباري ، والذي يظهر من قوله تعالى : ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ) أن الاسلام عبارة عن مجرد الدخول في الدين والتسليم لسيد المرسلين وان الايمان عبارة عن اليقين الثابت في قلوب المؤمنين مع الاعتراف به في اللسان ، فيكون على هذا أخص من الاسلام ، ونحن نعتبر فيه الولاية مضافاً إلى ذلك - فافهم.
وفيه أيضاً بالاسناد إلى أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ، فلا تخفروا (1)الله في ذمته.
وفيه بالاسناد إلى طلحة (2)بن عبيد الله قال : جاء إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) رجل من أهل نجد ناثر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الاسلام فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : خمس صلوات في اليوم والليلة. قال : هل عليّ غيرها ؟ (3)قال : لا. إلا أن تطّوع. قال رسول الله صلی الله علیه و آله : وصيام رمضان. قال : هل عليّ غيره ؟ قال : لا. إلا أن تطّوع. قال : وذكر له الزكاة قال : هل عليّ غيرها ؟ قال : لا. إلا أن تطّوع. قال : فأدبر الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله صلی الله علیه و آله : أفلح إن صدق.
وفي صحيح البخاري أيضاً بالاسناد إلى نافع أن رجلاً أتى ابن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عاماً وتعتمر عاماً وتترك الجهاد في سبيل الله وقد علمت ما رغّب الله فيه؟ قال : يا ابن أخي بُني الاسلام على خمس : إيمان بالله ورسوله ، والصلاة والخمس ، وصيام رمضان ، وأداء الزكاة ، وحج البيت.
وفيه أيضاً بالاسناد إلى أبي هريرة قال : كان النبي صلی الله علیه و آله بارزاً
يوماً للناس ، فأتاه رجل فقال : ما الايمان ؟ قال صلی الله علیه و آله : الايمان أن تؤمن بالله وملائكته وتؤمن بالبعث. قال : ما الاسلام ؟ قال صلی الله علیه و آله : الاسلام أن تعبد الله ولا تشرك به ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان - الحديث. وآخره ثم أدبر ( يعني السائل ) فقال صلی الله علیه و آله : ردوه ، فلم يروا شيئاً ، فقال : هذا جبرائيل ، جاء يعلم الناس دينهم.
قلت : وأخرج هذا الحديث مسلم أيضاً في صحيحه بطرق مختلفة وأسانيد متعددة ، بعضها عن عمر بن الخطاب ، وبعضها عن ابنه عبد الله ، وبعضها عن أبي هريرة ، وفيه شيء ما من زيادة أو نقصان.
وأخرج البخاري في عدة مواضع من صحيحه بالاسناد إلى ابن عباس ان النبي صلی الله علیه و آله قال لوفد عبد القيس ( لما أمرهم بالايمان بالله وحده ) : أتدرون ما الايمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وايتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وان تعطوا من المغنم الخمس - الحديث (1).
والأحاديث في هذا المعنى لا تكاد تحصى ، فمن أرداها فعليه بمظانها من الصحاح الستة وغيرها ، ولا سيما كتاب الايمان من صحيح مسلم ، فان فيه أبواباً كثيرة تفيد القطع بأن الاسلام والايمان عند أهل السنة ليس إلا ما ذكرناه ، على أن ما سنورده في الفصلين الآتيين صريح في ذلك أيضاً ، فتدبر ولا تذهل.
1) وأخرجه مسلم أيضاً في عدة مواضع من صحيحه. ولا يخفى ما فيه من الدلالة على ان الخمس ركن من أركان الاسلام كالصلاة والزكاة ، فيكون هذا الحديث مقيداً لجميع الاحاديث المطلقة بالنسبة إلى الخمس. ولا غرو فان الكتاب والسنة يقيد بعضهما بعضا.
في نبذة مما صح عند أهل السنة والجماعة من الاحاديث الدالة على أن من قال « لاإله إلا الله محمد رسول الله » محترم دمه وماله وعرضه.
أوردناها لينتبه الغافل ويقنع الجاهل ، وليعلما ان أمر المسلمين ليس كما يزعمه اخوان العصبية ، وابناء الهمجية ، وحلفاء الحمية ، حمية الجاهلية ، الذين شقوا عصا المسلمين وأضرموا نار الفتن بينهم ، حتى كانوا أوزاعاً وشيعا ، يكفر بعضهم بعضاً ، ويتبرأ بعضهم من بعض ، من غير أمر يوجب ذلك ، إلا ما نفخته الشياطين ، أو نفثته أبالسة الأنس الذين هم انكى للاسلام من نسل آكلة الأكباد ، وهذا عصر العلم ، عصر الانصاف ، عصر النور ، عصر التأمل في حقائق الأمور ، عصر الأعراض عن كل تعصب ذميم ، والأخذ بكتاب الله العظيم ، وسنة نبيه الكريم ، واليك منها ما عقد الفصل لذكره :
أخرج البخاري في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلی الله علیه و آله قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : انك ستأتي قوماً أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وان محمد رسول الله ، فان هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم ان الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فان هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم ان الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فان هم أطاعوا لك
بذلك ، فاياك وكرائم أموالهم - الحديث (1).
وتراه ينادي بثبوت الاسلام لهم بمجرد طاعتهم له بذلك ، بحيث تكون أموالهم حينئد فضلاً عن أعراضهم ودمائهم محترمة كغيرهم من أفضل أفراد المؤمنين.
ومثله في باب فضائل علي علیه السلام من الجزء الثاني من صحيح مسلم (2)قال : إن رسول الله صلی الله علیه و آله قال : لاعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله ( وفي رواية أخرى هي في الصحاح أيضاً ويحبه الله ورسوله ) يفتح الله على يديه. قال عمر بن الخطاب : ما أحببت الامارة إلا يومئذ ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. قال : فدعا رسول الله صلی الله علیه و آله علي بن أبي طالب فأعطاه اياها وقال : امش ولا تلتفت. قال فسار علي شيئاً ثم وقف ولم يلتفت ، فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس ؟ قال : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم.
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله صلی الله علیه و آله إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، فكفّ الانصاري
عنه فطعنته برمحي حتى قتلته ، فلما قدمنا بلغ النبي صلی الله علیه و آله ذلك فقال : يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ قلت : كان متعوذاً. قال : فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
قلت : ما تمنى ذلك حتى اعتقد أن جميع ما عمله قبل هذه الواقعة ( من ايمان وصحبة وجهاد وصلاة وصوم وزكاة وحج وغيرها ) لا يذهب عنه هذه السيئة ، وأن أعماله الصالحة بأجمعها قد حبطت بها. ولا يخفى ما في كلامه من الدلالة على انه كان يخاف ان لا يغفر له ، ولذلك تمنى تأخر اسلامه عن هذه الخطيئة ليكون داخلا في حكم قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) : « الاسلام يجب ما قبله ». وناهيك بهذا دليلاً على احترام لا إله إلا الله وأهلها ، وإذا كانت هذه حال من يقولها متعوذاً فما ظنك بمن انعقدت بها نطفته ثم رضعها من ثديي أمه ، فاشتد عليها عظمه ونبت بها لحمه وامتلأ من نورها قلبه ودانت بها جميع جوارحه ، فلينته أهل العناد عن غيهم وليحذروا غضب الله تعالى وسخط نبيهم صلی الله علیه و آله .
وفي الصحيحين بالاسناد إلى المقداد بن عمرو أنه قال : يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فاقتتلنا فضرب احدى يدي بالسيف فقطعها ، ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله ، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : لا تقتله ، فان قتلته فانه بمنزلتك قبل أن تقتله (1)وانك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال (2).
قلت : ليس في كلام العرب ولا غيرهم عبارة هي أدل على احترام الاسلام وأهله من هذا الحديث الشريف ، وأي عبارة تكايله في ذلك أو توازنه ، وقد
قضى بأن المقداد على سوابقه وحسن بلائه لو قتل ذلك الرجل لكان بمنزلة الكافرين المحاربين لله ولرسوله ، وكان المقتول بمنزلة واحد من أعاظم السابقين وأكابر البدريين الأحديين ، وهذه أقصى غاية يؤمها المبالغ في احترام أهل التوحيد ، فليتق الله كل مجازف عنيد.
وأخرج البخاري في باب بعث علي علیه السلام وخالد إلى اليمن : أن رجلاً قام فقال : يا رسول الله اتق الله. فقال صلی الله علیه و آله : ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله. فقال : خالد يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ قال صلی الله علیه و آله : لا ، لعله أن يكون يصلي (1).
قلت : أعظم بهذا الحديث ودلالته على احترام الصلاة وأهلها ، وإذا كان احتمال كونه يصلي مانعاً من قتله ، وقد اعترض على النبي صلی الله علیه و آله جهرة وكاشفه علانية ، فما ظنك بمن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم الشهر ويحج البيت ويحلل الحلال ويحرم الحرام ، ويتعبد بقول النبي صلی الله علیه و آله وفعله وتقريره ، ويقترب إلى الله تعالى بحبه وبموالاة أهل بيته ويرجو رحمة الله عز وجل بشفاعته متمسكاً بثقليه معتصما بحبليه ، ويوالي وليه
1) وأخرجه أحمد بن حنبل من حديث أبي سعيد الخدري في صفحة 4 من الجزء الثالث من مسنده. ومثله ما نقله العسقلاني في الاصابة في ترجمة سرحوق المناطق من أنه لما أتى به ليقتل قال رسول الله صلی الله علیه و آله : هل يصلي ؟ قالوا : أذا رآه الناس. قال : اني نهيت ان اقتل المصلين ا ه. وكذلك ما أخرجه الذهبي في ترجمة عامر بن عبد الله ابن يساف من ميزانه بسند ضعيف عن أنس قال : ذكر عند النبي صلی الله علیه و آله رجل فقيل ذلك كهف المنافقين فلما أكثروا فيه رخص لهم في قتله ثم قال : هل يصلي ؟ قالوا : نعم لا خير فيها. قال صلی الله علیه و آله : اني نهيت عن قتل المصلين. قلت : اذا كانت هذه حاله مع المنافقين المرائين بصالتهم فما ظنك بالمحافظين عليها والخاشعين المخلصين لله فيها.
وان كان قاتل ابيه ويعادي عدوه وان كان خاصته وأهليه.
واخرج البخاري في باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان ، حيث ذكر مقتل عمر « رض » والحديث طويل ، وفيه : يابن عباس انظر من قتلني ؟ فجال ساعة ثم جاء فقال : غلام المغيرة. قال : الصنع ؟ قال : نعم. قال قاتله الله لقد امرت به معروفاً ، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الاسلام ، قد كنت أنت وابوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة. فقال : ان شئت قتلناهم. قال : كذبت بعد ان تكلموا بلسناكم ( أي اقروا بالشهادتين ) وصلوا قبلتكم وحجوا حجتكم .. الحديث.
والظاهر من قوله « الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الاسلام » - بقرينة ما ستسمعه من رواية ابن قتيبة وابن عبد البر - انه كان يخشى أن يكون قاتله مسلماً فيغفر له بسبب اسلامه ، فلما عرف أنه ممن لا يدعي الاسلام علم أن الله آخذ بحقه على كل حال ، وفي هذا من الدلالة على حسن عواقب المسلمين ما لا تسعه عباره.
ثم إذا نظرت إلى انكاره على ابن عباس ، وقوله له مع جلالته « كذبت » إلى آخر كلامه ذلك دلك على احترام أهل الشهادتين والصلاة والحج كيف كانوا.
وفي صفحة 26 من كتاب الامامة والسياسة للإمام المجمع على فضله ابن قتيبة المتوفى سنة مائتين وسبعين : ان عمر لما أخبر ان قاتله غلام المغيرة قال : الحمد لله الذي لم يقتلني رجل يحاجني بلا إله إلا الله يوم القيامة.
وروى الحافظ أبو عمرو يوسف بن عبد البر القرطبي في ترجمة عمر من الاستيعاب أنه قال لولده عبد الله : الحمد لله الذي لم يجعل قتلي بيد رجل يحاجني بلا إله إلا الله ا ه.
قلت : إذا كان صاحب لا إله إلا الله بحيث لو قتل عمر بن الخطاب وهو الخليفة الثاني لحاجه بها فأمر أهل التوحيد اذن سهل يسير ، فليتق الله أهل الشقاق ولينهض رجال الاصلاح بأسباب الوئام والوفاق ، فقد نصب الغرب لنا حبائله ووجه نحونا قنابله وأظلّنا منطاده بكل صاعقة وأقلنا نفقه بكل بائقة وأحاط بنا أسطوله وضربت في أطلالنا طبوله ، ولئن لم يعتصم المسلمون بحبل الاجتماع ويبرأوا إلى الله من هذا النزاع ليكونن أذلاء خاسئين وأرقاء صاغرين ( أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ) .
وأخرج البخاري عن أنس « رض » قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم ا ه.
قلت : هل بقي بعد هذه الأحاديث الصحيحة والنصوص الصريحة ملتمس لشغب المشاغب أو مطمع يتشبث به الناصب ؟ كلا ورب محمد صلی الله علیه و آله ، ان دين الاسلام بريء مما يزعمه المرجفون ، مناقض لما يحاوله المجحفون ( وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ) .
وفي الصحيحين بالاسناد إلى ابن عمر « رض » قال : قال النبي صلی الله علیه و آله وهو بمنى - قد أشار إلى مكة المعظمة - : أتدرون أي بلد هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : فان هذا بلد حرام ، أتدرون أي يوم هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : انه يوم حرام ، أتدرون أي شهر هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : شهر حرام. قال : فان الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ا ه.
والصحاح الستة وغيرها مشحونة من هذه الأخبار ، وهي أشهر من الشمس في رائعة النهار.
فليت شعري أي عذر لمن اعتمد عليها ، وانحصر رجوعه في أحكام الدين اليها ، ثم خالف في ذلك أحكامها ونبذ وراء ظهره كلامها (1)بلى انهم مرجفون والأمر على خلاف ما يظنون.
1) كالشيخ نوح الحنفي حيث أفتى - مع وجود هذه الصحاح وأمثالها - بتكفير الشيعة ، وأوجب قتالهم ، وأباح قتلهم وسبي ذراريهم ونساءهم ، سواء تابوا أم لم يتوبوا ، فراجع فتواه هذه في باب الردة والتعزير ، من كتاب الفتاوي الحامدية الشهير ، وسنذكرها بعين لفظه في الفصل التاسع من هذه الفصول ، مزيفين لها بالادلة القاطعة والبراهين الناصعة ، فراجع ذلك الفصل واعلم ان الفصول الثمانية التي قبله انما هي مقدمة للرد على هذه الفتوى القاسية ، وما ألفنا هذا الكتاب الا لهذه الغاية ، اذ لم اجد أحداً قام بهذا الواجب ، والحمد لله على التوفيق لادائه كما يجب.
في يسير من نصوص أئمتنا عليهم الصلاة والسلام في الحكم باسلام أهل السنة وأنهم كالشيعة في كل أثر يترتب على مطلق المسلمين.
وهذا في غاية الوضوح من مذهبنا لا يرتاب فيه ذو اعتدال منا ، ولذا لم نستقص ما ورد من هذا الباب ، إذ ليس من الحكمة توضيح الواضحات وهاك ما عقد الفصل للاشارة اليه :
قال الإمام أبو عبد الله الصادق علیه السلام في خبر سفيان بن السمط : - الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلی الله علیه و آله ، واقامة الصلاة وايتاء الزكاة ، وحج البيت وصيام شهر رمضان - الحديث.
وقال سلام الله عليه في خبر سماعة : الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله ، والتصديق برسول الله صلی الله علیه و آله ، وبه حقنت الدماء ، وعليه جرت المناكح والمواريث ، وعلى جماعة الناس - الحديث.
وقال الإمام أبو جعفر الباقر علیه السلام في صحيح حمران بن أعين من جملة
حديث : والاسلام ما ظهر من قول أو فعل ، وهو الذي عليه جماعة من الناس من الفرق كلها ، وبه حقنت الدماء ، وعليه جرت المواريث ، وجاز النكاح ، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فخرجوا بذلك عن الكفر واضيفوا إلى الايمان ا ه.
إلى آخر ما هو مأثور عنهم في هذا المعنى مما لا يمكنني استيفاؤه ولا يسعني استقصاؤه ، وهذا القدر كاف لما أردناه موضح لما قصدناه.
أوردناها ليعلم حكمها بالجنة على كل من الشيعة والسنة ، والغرض بعث المسلمين على الاجتماع والتنديد بهم على هذا النزاع والتنبيه لهم على أن هذا التدابر بينهم عبث محض وسفه صرف بل فساد في الأرض وأهلاك للحرث والنسل ، ضرورة انه متى كان الدين حاكما على كل منهما بالايمان معلناً بفوزهما في أعلى الجنان لا يبقى لنزاعهما غرض تقصده الحكماء أو أمر يليق بالباب العقلاء ، لكن مني المسلمون بجماعة ذهلوا عن صلاحهم وغفلوا عن حديث صحاحهم ، واليك منه ما عقد الفصل لذكره :
اخرج البخاري (1)في صحيحه عن أبي أيوب الأنصاري « رض » ان رجلا
1) وفي صحيح مسلم من هذا النوع أحاديث وافرة ، فراجع منه باب الايمان الذي يدخل به الجنة في الجزء الأول منه ، وباب من لقى الله بالايمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار ، وهو في الجزء الأول أيضاً تجد فيه من البشائر ما تقر به عين المؤمن بالله واليوم الآخر.
قال للنبي صلی الله علیه و آله : اخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال القوم : ماله ماله. فقال النبي صلی الله علیه و آله : ( إرَبٌ ماله ) فقال : تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ذرها. قال : كأنه كان على راحلته واخرج أيضاً بسنده ان اعرابياً أتى النبي صلی الله علیه و آله فقال : دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال صلی الله علیه و آله : تعبد الله ولا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان. قال : والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولّى قال النبي صلی الله علیه و آله : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ا ه.
قلت : ظهر لي من أخبار أخر أن هذا الأعرابي انما هو مالك بن نويرة بن حمزة التميمي (1).
وفي صحيح البخاري بالاسناد إلى عبادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه
1) وكان رجلاً سريا نبيلا يردف الملوك ، وهو الذي يضرب به المثل فيقال « مرعى ولا كالسعدان وماء ولا كصداء وفتى ولا كمالك ». وكان فارسا شاعرا مطاعا في قومه ، وكان فيه خيلاء وتقدم ، وكان ذا لمة كبيرة ، وكان يقال له الجفول ، قدم على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأسلم وحسن اسلامه فولاه (صلی الله علیه و آله و سلم) صدقة قومه وحج معه حجة الوداع وشهد خطبته يوم غدير خم بالولاية لعلي فكان بعدها من المتفانين في ولايته. قتله خالد بن الوليد يوم البطاح ونكح زوجته وكانت زوجته وكانت في غاية الجمال وجعل رأسه أثفية لقدر فكانت القدر على رأسه حتى نضج الطعام وما خلصت النار اليه ، نص على ذلك وثيمة بن موسى بن الفرات كما في ترجمته من وفيات ابن خلكان ، وذكره الواقدي وكثير من أهل السير والأخبار وعللوا عدم خلوص النار إلى شواه بكثرة شعر رأسه وهو كما ترى. وقد أشرنا إلى هذه القضية حيث ذكرنا خالد بن الوليد في فصل المتأولين وهو الفصل الثامن من هذه الفصول فراجع.
وآله وسلم : من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمداً عبده ورسوله وان عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل (1).
وفي البخاري أيضاً عن جنادة مثله إلا انه زاد فيه « من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء دخل ».
وفيه عن أبي ذر « رض » قال : أتيت النبي صلی الله علیه و آله وعليه ثوب أبيض وهو نائم ، ثم أتيته وقد استيقظ ، فقال : ما من عبد قال : لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك الا دخل الجنة. قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال : وان زنى وان سرق. قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال : وان زنى وان سرق ؟ قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال : وان زنى وان سرق على رغم أنف أبي ذر.
وفيه عن أبي ذر أيضاً قال لي النبي صلی الله علیه و آله : قال جبرائيل : من مات من امتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة أو لم يدخل النار. قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال وان ا ه.
وفيه عنه أيضاً قال : خرجت ليلة من الليالي فاذا رسول الله صلی الله علیه و آله يمشي وحده وليس معه انسان. قال : فظننت انه يكره أن يمشي معه أحد فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال : من هذا ؟ قلت : أبو ذر جعلني الله فدك. قال : يا أبا ذر تعال. قال فمشيت معه ساعة فقال : ان المكثرين في الدنيا هم المقلون يوم القيامة الا من أعطاه الله خيراً ، فنفخ فيه
1) أي مع ما كان منه من الاعمال سواء كانت مرضية لله تعالى أو غير مرضية.
يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيراً. قال : فمشيت معه ساعة فقال لي : اجلس ها هنا حتى أرجع اليك. قال : فانطلق في الحرة حتى لا أراه ، فلبث عني فأطال اللبث ثم اني سمعته وهو مقبل وهو يقول : وان سرق وان زنى. فلما جاء لم أصبر حتى قلت له : يا نبي الله جعلت فداءك من تكلم في جانب الحرة ما سمعت أحداً يرجع اليك شيئاً ؟ قال : ذلك جبرائيل عرض لي في جانب الحرة فقال : بشر امتك انه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. قلت : يا جبرائيل وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم. قلت : وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم. قلت وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم وان شرب الخمر ا ه.
قلت : الظاهر ان الزنا والسرقة وشرب الخمر هنا كناية عن مطلق الكبائر ، فيكون المراد ان من مات على التوحيد دخل الجنة أو لم يدخل النار وان ارتكب الكبائر ، على حد قوله في الحديث السابق أعني حديث عبادة « على ما كان من العمل ». تنبيه :
يجب ان يعلم ان عصاة المؤمنين يعذبون يوم القيامة على قدر ذنوبهم ثم ينالون الكرامة في دار المقامة ، على ذلك اجتماع أهل البيت وشيعتهم بل هو من الضروريات عندهم.
فالأخبار الحاكمة بنجاة أهل القبلة على ما كان من العمل ليست ناظرة إلى ان العصاة منهم لا يرون العذاب أصلاً ، وانما المراد انهم لا يخلدون كما يخلد الكفار ، وبهذا لا يبقى لهم تمسك بهذه الأحاديث ونحوها ، وليس لهم بما اجترحوا إلا التوبة والندم أو العذاب في جهنم على قدر ما يستحقون أو يتداركهم الله بعفوه وغفرانه وشفاعة الشافعين علیهم السلام .
وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل قال : بينا انا رديف النبي صلی الله علیه و آله ليس بيني وبينه الا آخرة الرحل قال : يا معاذ. قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال. يا معاذ. قلت لبيك رسول الله وسعديك. ثم قال يا معاذ. قلت لبيك رسول الله وسعديك. قال : هل تدري ما حق الله على عباده ؟ قلت : الله ورسوله اعلم. قال : حق الله على عباده ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. ثم سار ساعة فقال. يا معاذ بن جبل. قلت : لبيك رسول الله وسعديك. قال : هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه ؟ قلت : الله ورسوله اعلم. قال : حق العباد على الله ان لا يعذبهم.
وفي صحيح البخاري عن عتبان قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : لن يوافي عبد يوم القيامة بقول « لا إله إلا الله » يبتغي به وجه الله الا حرم عليه النار.
وفيه عن عتبان بن مالك الأنصاري أيضاً أنه أتى النبي صلی الله علیه و آله فسأله أن يأتي بيته فيصلي فيه ليتخذه مصلى (1)قال عتبان : فغدا رسول الله صلی الله علیه و آله فصلى بنا ركعتين وحبسناه على حريرة ... إلى أن قال ، فثاب في البيت رجال ذوو عدد فقال قائل منهم : اين مالك بن الدخشن ؟ (2)فقال بعضهم : ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : لا تقل ذلك ، ألا تراه قد قال « لا إله إلا الله » يريد بذلك وجه الله. قال : فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين. قال رسول الله صلی الله علیه و آله : فان الله قد حرم على النار من قال « لا إله إلا الله » يبتغي بذلك وجه الله.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه بطرق متعددة ، وآخره عنده : أليس يشهد أن لا إله إلا الله واني رسول الله. قالوا : انه يقول ذلك وما هو في قلبه. قال صلی الله علیه و آله : لا يشهد أحد انه لا إله إلا الله واني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه. قال أنس : فأعجبني هذا الحديث فقلت لابني اكتبه فكتبه ا ه.
قلت : أي عبارة أدل على نجاة كافة الموحدين من هذه العبارة ؟ وأي بشارة في الجنة لمطلق الملسمين أعظم من هذه البشارة ؟ والعجب ممن لا يرتاب في صحتها وهو مع ذلك يحكم بنقيض دلالتها ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .
وأخرج البخاري في الصحيح عن أنس قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : يقول الله تعالى - لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة - : لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به ؟ فيقول : نعم. فيقول الله تعالى : أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً فابيت إلا أن تشرك بي.
قلت : ظاهر هذا أنه انما ابتلي بعذاب النار لانه ابى الا أن يشرك ولولا ذلك لنجا ، فعلم ان أهل التوحيد ناجون.
وأيضاً دل الحديث على ان اهون أهل النار عذاباً هذا المشرك فعلم ان ليس فيها موحد ، اذ لو كان هناك موحد لكان أهون عذاباً من هذا المشرك (1)وهذا خلاف صريح الحديث.
وفي الصحاح الستة ومسند احمد وكتب الطبراني وغيرها من هذا كثير ،
1) لان الموحد من المسلمين وان جاء باعظم الجرائم لا يعذب عذاب المشرك وان لم يأت بغير الاشراك من الذنوب.
ولا سيما أحاديث الشفاعة حتى يقال لرسول الله صلی الله علیه و آله ( فيما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين ) : أخرج من النار من في قلبه أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان.
ولو اردنا ايراد ما في الصحيحين من أحاديث الشفاعة المشتملة على أعظم البشائر لطال المقام ، لكنا أشرنا اليها ليراجعها من أرادها. على أن الشيخين ( البخاري ومسلما ) أخرجا في صحيحيهما عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلی الله علیه و آله قال : من مات وهو يعلم ان لا إله إلا الله دخل الجنة. وهذا ظاهر بأن مجرد العلم بالوحدانية موجب لدخول الجنة. ومثله ما أخرجه الطبراني في الكبير عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : من علم أن الله ربه واني نبيه صادقاً عن قلبه حرم الله لحمه على النار.
وهذه الأخبار أجلى من الشمس في رائعة النهار وصحتها أشهر من نار على علم ، فيها من البشائر ما ربما هون على المسلم موبقات الكبائر ، فدونك أبوابها في كتب أهل السنة لتعلم حكمها عليك وعليهم بالجنة (1)وكلما ذكرناه شذر من بذر ، ونقطة من لجج بحر ، اكتفينا منها بما ذكره البخاري في كتابه وكرره بالأسانيد المتعددة في كثير من أبوابه ، ولم نتعرض لما في باقي الصحاح ، اذ انشق بما ذكرناه عمود الفجر واندلع لسان الصباح ، وان عندنا صحاحاً أخر فزنا بها من طريق أئمتنا الاثني عشر :
روتها هداة قولهم وحديثهم *** روى جدنا عن جبرئيل عن الباري
1) لان كلا من الامامية والسنية يؤمنان بالله ، ويصدقان رسول الله صلی الله علیه و آله ، ويقيمان الصلاة ، ويؤتيان الزكاة ، ويحجان البيت ، ويصومان الشهر ، ويوقنان بالبعث ، ويحللان الحلال ، ويحرمان الحرام ، كما تشهد به أقوالهما وأفعالهما وتحكم به الضرورة من كتبهما القديمة والحديثة مختصرة ومطولة.
فهي السنة التالية للكتاب ، وهي الجنة الواقية من العذاب ، واليكها في اصول الكافي وغيره تعلن بالبشائر لأهل الايمان بالله ورسوله واليوم الآخر لكنها تخصص ما سمعته من تلك العمومات المتكاثرة بولاية آل الرسول الله وعترته الطاهرة ، الذين قرنهم بمحكم الكتاب ، وجعلهم قدوة لأُولي الألباب ، ونص على أنهم سفن النجاة إذا طغى زخّار الفتن ، وامان الأمة إذا هاج اعصار المحن ، ونجوم الهداية إذا ادلهم ليل الغواية ، وباب حطة لا يغفر إلا لمن دخلها ، والعروة الوثقى لا انفصام لها.
ولا غرو فان ولايتهم من اصول الدين ، وقد اقمنا على ذلك قواطع الحجج وسواطع البراهين ادلة عقلية وحججاً نقلية ، نلفت الباحثين إلى الوقوف عليها في كتابنا ( سبيل المؤمنين ) اذ اوضحنا فيه المسالك وامطنا بقوة برهانه كل ديجور حالك ، والحمد لله رب العالمين.
في لمعة مما أفتى به علماء أهل السنة ، من ايمان أهل التوحيد مطلقاً ونجاة أصحاب الشهادتين جميعا.
أوردناها ليعلم الناس توافق النص والفتوى في ذلك ، والغرض لم شعث المسلمين باجتماعهم ، ورتق ما انفتق بتدابرهم ونزاعهم ، لأن العاقل إذا رأى نصوص صحاحه وفتاوى علمائه تحكم بالايمان على مطلق أهل التوحيد وتعلن نجاة جميع أصحاب القبلة لا يبقى بعدها أمر يدعوه إلى هذه النفرة أو يصده عن الوئام والالفة ، ( وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) فما بالهم ( وهم في الدين إخوة ) قد انشقت عصاهم واختلفت مذاهبهم ، فهاج بينهم قسطل الشر ، وتعلقت أهواؤهم بقواقر الفتن ، ولو رجعوا إلى ما أفتى به المنصفون من علمائهم لأيقنوا أن الأمر على خلاف ما زعم المرجفون. واليك منه ما عقد الفصل لبيانه.
ذكر العارف الشعراني في المبحث 58 من اليواقيت والجواهر ، أنه رأى بخط الشيخ شهاب الدين الاذرعي صاحب القوت ، سؤالاً قدمه إلى شيخ الاسلام تقي الدين السبكي ، وصورته : ما يقول سيدنا ومولانا شيخ الاسلام في تكفير أهل الأهواء والبدع ؟
قال : فكتب اليه أعلم يا أخي أن الاقدام على تكفير المؤمنين (1)عسر جدا ، وكل من في قلبه ايمان يستعظم القول بتكفير أهل الأهواء والبدع ، مع قولهم « لا إله إلا الله محمد رسول الله » ، فان التكفير أمر هائل عظيم الخطر - إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتفضيع خطره.
ودونك يواقيت الشعراني فانها تنقل الجواب عن خط السبكي على طوله ، وفي آخره ما هذا لفظه : فالأدب من كل مؤمن أن لا يكفر أحداً من أهل الأهواء والبدع ، اللهم إلا أن يخالفوا النصوص الصريحة التي لا تحتمل.
هذا كلامه ولا يخفى تصريحه بقصر التفكير على مخالف النصوص الصريحة عناداً لله وجحوداً لما علم حكمه بالضرورة من دين الاسلام ، وقد دقَّ في هذه الفتوى أصلاب المرجفين ، واستل ألسنة المتشدقين ، وقطع أمل من يبتغي تفريق المسلمين ، من كل أفاك أثيم.
وفي الصفحة العاشرة من طبقات الشعراني ما لفظه : وسُئل سيدنا ومولانا شيخ الاسلام تقي الدين السبكي عن حكم تكفير غلاة المبتدعة ، وأهل الأهواء ، والمتفوهين بالكلام على الذات المقدسة ؟ فقال ( رضی الله عنه ) : اعلم أن كل من خاف الله عز وجل استعظم القول بالتكفير لمن يقول : « لا أله إلا الله محمد رسول الله » ، ثم أورد جواب السبكي وهو طويل ، جاء في آخره ما هذه ألفاظه : فما بقي الحكم بالتكفير الا لمن اختاره ديناً وجحد الشهادتين وخرج عن دين الاسلام جملة - ا ه.
قلت : الظاهر من اختلاف عبارة السؤالين والجوابين كونهما متعددين كما لا
1) أنظر كيف أطلق لفظ « المؤمنين » على أهل الهواء والبدع بدون تكلف.
يخفى ، وإذا كان كلام هذا الامام الكبير معلناً باختصاص الكفر بمن جحد الشهادتين ومنادياً بالتنزيه لأهل الأهواء والبدع ، والمتفوهين بالكلام على الذات المقدسة من أهل القبلة ، فأي وقع بعده لكلام المرجفين وتحكم المشاغبين ، وإذا كان هذا حكمه في المتفوهين بالكلام على الله عز وجل فما ظنك بمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ؟
وقال الشيخ الأكبر ابن العربي في باب الوصايا من فتوحاته : اياكم ومعاداة أهل لا إله إلا الله ، فان لهم الولاية العامة ، فهم أولياء الله ، ولو أخطأوا وجاءوا بقراب الأرض من الخطايا وهم لا يشركون بالله شيئاً ، فان الله يتلقى جميعهم بمثلها (1)مغفرة ، ومن ثبتت ولايته حرمت محاربته. وأطال إلى أن قال : واذا عمل أحدكم عملاً توعد الله عليه بالنار ، فليمحه بالتوحيد ، فان التوحيد يأخذ بناصية صاحبه ، لا بد من ذلك.
هذا كلامه وفيه ما تراه من الحكم على جميع أهل التوحيد بالولاية لله عز وجل ، والبشارة للمخطئين والمجرمين منهم بالمغفرة ، والجزم بأن التوحيد يمحو الكبائر ويأخذ بناصية صاحبه. والحمد لله رب العالمين.
وقال الفاضل الرشيد في صفحة 44 من المجلد السابع عشر من مناره : ان من أعظم ما بليت به الفرق الاسلامية رمي بعضهم بعضاً بالفسق والكفر مع
1) هذا مأخوذ من حديث أخرجه الترمذي وصححه ، رواه بالاسناد إلى أنس قال : سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : قال الله تعالى : يابن آدم انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ، ولا أبالي. يابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا بن آدم انك لو اتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً ، لآتيتك بقرابها مغفرة ا ه. وهذا الحديث ذكره الفاضل النووي في أربعينه ، وهو الحديث الاخير مما انتخبه من الاحاديث الصحيحة.
ان قصد كل الوصول إلى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده واعتقاده والدعوة اليه ، فالمجتهد وان اخطأ معذور. وقد اطال الكلام في هذا الموضوع حتى بلغ الصفحة 50 من ذلك المجلد فراجع.
وقال المعاصر النبهاني البيروتي في أوائل كتابه شواهد الحق (1): اعلم اني لا اعتقد ولا اقول تكفير أحد من أهل القبلة ، لا الوهابية ولا غيرهم ، وكلهم مسلمون تجمعهم مع سائر المسلمين كلمة التوحيد والايمان بسيدنا محمد صلی الله علیه و آله ، وما جاء به من دين الاسلام ... إلى آخر كلامه.
وعقد العارف الشعراني في الجزء الثاني من اليواقيت والجواهر مبحثاً مسهباً لثبوت الايمان لكل موحد يصلي إلى القبلة ، وهو المبحث 58 ، قال في آخره : فقد علمت يا اخي مما قررناه لك في هذا المبحث ان جميع العلماء المتدينين امسكوا عن القول بالتكفير لأحد من أهل القبلة ( فبهداهم اقتده ) ا ه.
ونقل جماعة كثيرون منهم الشعراني في المبحث المتقدم ذكره عن ابي المحاسن الروياني وغيره من علماء بغداد قاطبة انهم كانوا يقولون : لا يكفر أحد من المذاهب الاسلامية لأن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا واكل ذبيحتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ا ه.
قلت : وقد ذكرنا في الفصول السابقة جملة من النصوص في هذا المعنى ، والصحاح مشحونة به فراجع. وقد بالغ الشيخ ابو طاهر القزويني في كتابه ( سراج العقول ) باثبات الاسلام لكل فرد من أهل القبلة ، وجزم بنجا
1) طبع هذا الكتاب وفي هامشه رسالة النبهاني أيضاً في فضائل معاوية سماها البديعة في اقناع الشيعة ، وقد نقضناها بكتاب يكون بحجمها ثلاث مرات سميناه الذريعة إلى نقض البديعة.
الجميع من كل فرق الاسلام ، واول الحديث المشهور ، اعني حديث « تفترق امتي ثلاثاً وسبعين فرقة فرقةٌ ناجية والباقون في النار » بل قال انه روي في بعض طرق هذا الحديث ما نصه : « كلها في الجنة الا واحدة (1)».
واطال في اثبات الايمان لكل مصدق بالشهادتين من أهل الأهواء والبدع كالمعتزلة والنجارية والروافض (2)والخوارج والمشبهة ونحوهم ، وحكم بنجاة الجميع يوم القيامة ، ونقل القول باسلام الجميع عن جمهور العلماء والخلفاء من أيام الصحابة إلى زمنه. قال : وهم من أهل الاجابة بلاشك ، فمن سماهم كفرة فقد ظلم وتعدى ... إلى آخر كلامه وهو طويل نقله لي بعض مشائخي مشافهة عن سراج العقول ، وأورده الشعراني بتمامه في المبحث 58 من يواقيته نقلاً عن ذلك الكتاب أيضاً فراجع.
وقال ابن تيمية في أوائل رسالة الاستغاثة وهي الرسالة 12 من مجموعة الرسائل الكبرى (3)ما هذا لفظه : ثم اتفق أهل السنة والجماعة على انه صلی الله علیه و آله يشفع في أهل الكبائر ، وانه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد ا ه (4).
وقال ابن حزم حيث تكلم فيمن يُكفر ولا يكفر في صفحة 247 من أواخر الجزء الثالث من كتاب الفصل في الأهواء والملل والنحل ما هذه ألفاظه :
1) اخرجه ابن النجار ونقل الشعراني عند ايراده في المبحث 58 من اليواقيت عن العلماء ان المراد بهذه الواحدة التي هي في النار انما هي الزنادقة ..
2) هذه عبارته نقلناها بدون تصرف.
3) في صفحة 470 من الجزء الأول.
4) فعلى هذا تكون أهل السنة مجمعة على ان مصير الشيعة إلى الجنة ، ضرورة انهم من أهل التوحيد والايمان بكل ما جاء به النبي صلی الله علیه و آله .
وذهبت طائفة إلى انه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتياً ، وأن كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى انه الحق فانه مأجور على كل حال ، ان أصاب فأجران وان اخطأ فأجر واحد. قال : وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي ، وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة (رضی الله عنه) لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً.
قلت : هذه الفتوى من هؤلاء الأئمة تقطع دابر المشاغبين وتنقض أساس المهولين ، لأن خصومهم من أهل القبلة لم يقولوا قولاً ولم يعتقدوا أمراً إلا بعد الاجتهاد التام واستفراغ الوسع والطاقة ، وبذل الجهد في الاستنباط من الكتاب والسنة وكلام أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم ، ولم يدينوا إلا بما رأوا انه الحق واعتقدوا عين الصواب ، فيكونون بحكم هؤلاء الاعلام ( وهم أئمة السلف والخلف ) مأجورين ، وان أصابوا أو اخطأوا ، على رغم من يبتغي تكفير المؤمنين ، ويدأب مجتهداً في تفريق المسلمين.
وكان احمد بن زاهر السرخسي ( وهو أجل أصحاب الامام أبي الحسن الأشعري ) يقول : ( فيما نقله الشعراني عنه في أواخر المبحث 58 من يواقيته ) لما حضرت الشيخ أبا الحسن الاشعري الوفاة بداري في بغداد أمرني بجمع اصحابه ، فجمعتهم له فقال : اشهدوا علي انني لا اكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ، لأني رأيتهم كلهم يشيرون إلى معبود واحد ، والاسلام يشملهم ويعمهم. هذا كلام امام السنيين وكفى به حجة تدحض أقاويل المبطلين ، وقد تواتر القول بعدم تكفير أهل الأهواء والبدع من أهل القبلة عن الامام الشافعي ، حتى قال : ( كما في خاتمة الصواعق ) اقبلُ شهادة أهل البدع الا الخطابية (1).
1) (8) الخطابية اصحاب ابي الخطاب محمد بن مقلاص الاجدع عليه وعليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين ، كان قبحه الله مغاليا في الصادق علیه السلام فاسد العقيدة خبيث المذهب لا ريب في كفره وكفر أصحابه ، وقد تبرأ منه الصادق علیه السلام ولعنه وأمر الشيعة بالبراءة منه وشدد القول في ذلك وبالغ في التبرء منه واللعنة عليه ، ومن أراد الوقوف على كلام الصادق علیه السلام في شأن هذا الملعون فعليه بكتاب الكشي وغيره من كتب التراجم لاصحابنا ولهذا الكافر بدع كثيرة : منها تأخير صلاة المغرب حتى تستبين النجوم ، وقد نسب الجاهلون هذه البدعة الينا ، على انا نبرأ إلى الله منها وممن ابتدعها ، والذين نذهب اليه ان اول وقت صلاة المغرب غروب الشمس من جميع افق المصلي ، ويتحقق ذلك بارتفاع الحمرة المشرقية كما لا يخفى على من راجع فقهنا.
وقال شيخ الاسلام المخزومي ( فيما نقله الشعراني عنه في المبحث 58 من يواقيته ) : وقد نص الامام الشافعي على عدم تكفير أهل الأهواء في رسالته ، فقال : لا أكفر أهل الاهواء بذنب. قال وفي رواية عنه : ولا أكفر أحداً من أهل القبلة بذنب. قال وفي رواية أخرى عنه : ولا اكفر أهل التأويل المخالف للظاهر بذنب ا ه.
واجمع الشافعية على عدم تكفير الخوارج ، واعتذروا عنهم ( كما في خاتمة الصواعق ) بأنهم تأولوا فلهم شبهة غير قطعية البطلان (1)
قال البخاري : قال ابو سعيد : اشهد سمعت من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، واشهد ان علياً قتلهم ، وانا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الحديث واخرجه مسلم أيضاً في باب ذكر الخوارج وصفاتهم في أواخر كتاب الزكاة من الجزء الأول من صحيحيه. واخرجه أحمد من حديث أبي سعيد في مسنده ورواه كافة المحدثين. واخرج مسلم في باب الخوارج شر الخلق والخليقة من كتاب الزكاة من صحيحه بالاسناد إلى أبي ذر قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : ان بعدي من امتي قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم ، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه ، هم شر الخلق والخليقة - الحديث.
واخرج احمد بن حنبل في صفحة 224 من الجزء الثالث من مسنده عن أنس بن مالك وأبي سعيد عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : سيكون في أمتي حين اختلاف بينها وفرقة قوم يحسنون القيل ، ويسيؤن الفعل .. إلى أن قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، لا يرجعون حتى يرتدوا على فوقه ، هم شر الخلق والخليقة ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء . الحديث.
.1) هذا مع ما أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم في الجزء الرابع من صحيحه بالاسناد إلى أبي سعيد الخدري من حديث ذكر فيه الخوارج فقال صلی الله علیه و آله : يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نصلة فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في رصافة فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل احدى يديه ، أو قال : ثدييه مثل ثدي المرأة ، أو قال : مثل البضعة تدردر ، يخرجون على حين فرقة من الناس.
وقال العلامة ابن عابدين في باب المرتد من حاشيته الشهيرة الموسومة برد المختار ما هذا لفظه : وذكر في فتح القدير أن الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويكفرون الصحابة حكمهم عند جمهور الفقهاء وأهل الحديث حكم البغاة (1)قال : وذهب بعض أهل الحديث إلى أنهم مرتدون. قال قال ابن المنذر : ولا أعلم أحداً وافق أهل الحديث على تكفيرهم. قال : وهذا يقتضي نقل اجماع الفقهاء ( على عدم تكفير الخوارج ) ا ه.
هذا مع أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) نص على أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من
1) يعني انهم خرجوا على سلطان المسلمين يجب قتالهم حتى يفيؤا إلى طاعته ، فان بخعوا لاوامره كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.
الرمية ، وانهم شر الخلق والخليقة ، وانهم ليسوا من الله في شيء وانَّ طوبى لمن قتلهم أو قتلوه. وإذا كان هؤلاء مسلمين بالاجماع فما ظنك بمن دخل باب حطة ، وركب سفينة النجاة ، واعتصم بحبل الله ، وتمسك بثقلي رسول الله ، ودخل مدينة علمه من بابها ، ولجأ إلى أمان أمته من اختلافها وعذابها. وإذا كان الخوارج مسلمين فمن غيرهم من أهل القبلة يكون كافراً ، وأي ذي نحلة من أهل الإسلام ليس له كشبهتهم.
ورأيت كلاماً في هذا المعنى ناجعا لشيخ السادة الحنفية محمد أمين المعروف بابن عابدين في باب المرتد من كتاب الجهاد في صفحة 302 من الجزء الثالث من رد المحتار ، يحكم قاطعا باسلام من يتأول في سب الصحابة مصرحا بأن القول بتكفير المتأولين بذلك مخالف لاجماع الفقهاء ، مناقض لما في متونهم وشروحهم ، وأن ما وقع في كلام أهل المذهب من تكفيرهم ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون ، بل من غيرهم قال : ولا عبرة بغير الفقهاء ، والمنقول عن الفقهاء ما ذكرناه .. إلى آخر كلامه ، وقد اشتمل على أدلة وافية ، وشواهد كافية ، فليطلبه من أراده ، وله كلام آخر في هذا المعنى أبسط مما أشرنا اليه ، نلفت الطالبين له إلى كتابه تنبيه الولاة والحكام. على أن ما في رد المحتار مقنع لأُولي الأبصار.
وقد ألف العلامة الكبير الملا علي القاري الحنفي رسالة في الرد على من يكفر المتأولين بذلك ، كما نص عليه ابن عابدين فيما تقدمت اليه الاشارة من كلامه.
وقال ابن حزم في صفحة 257 من أواخر الجزء الثالث من فصله ما هذا لفظه : وأما من سبّ أحداً من الصحابة رضي الله عنهم فان كان جاهلاً فمعذور وان قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى أو سرق ، وان عاند الله تعالى في ذلك ورسوله صلی الله علیه و آله فهو كافر. قال : وقد
قال عمر رضی الله عنه بحضرة النبي صلی الله علیه و آله عن حاطب - وحاطب مهاجري بدري - : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فما كان عمر بتكفيره حاطباً كافراً ، بل كان مخطئاً متأولاً ا ه.
قلت : لا يخفى انه جعل الملاك في التكفير إنما هو العناد لله ورسوله ، وهذا لا وجود له فيمن ينتحل دين الاسلام. نعم قد يكون الساب ( والعياذ بالله ) جاهلاً أو ذا شبهة أوردته ذلك المورد ، فيكون معذوراً.
ويدل على عدم كفر المسلم به اطلاق الأحاديث التي سمعتها في كل من الثاني والثالث والرابع والخامس من هذه الفصول فرجع.
وأيضاً يدل على عدم الكفر مضافاً إلى ذلك ما أورده القاضي عياض في الباب الأول من القسم الرابع من كتاب الشفا نقلاً عن القاضي اسماعيل وغير واحد من الأئمة أن رجلاً سب أبا بكر بمحضر منه رضی الله عنه ، فقال له أبو برزة الأسلمي : يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه. فقال : اجلس ليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلی الله علیه و آله (1).
وفي ذلك الباب من الشفا أيضاً ان عامل عمر بن عبد العزيز بالكوفة استشاره في قتل رجل سب عمر رضی الله عنه ، فكتب اليه : لا يحل قتل امرء مسلم بسب أحد من الناس إلا رجلاً سب رسول الله صلی الله علیه و آله ، فمن سبه فقد حل دمه ا ه.
قلت : أفضى بنا الكلام إلى ما هو غير مقصود بالذات ، وليس الغرض إلا
1) وروى النسائي بالاسناد إلى أبي برزة الاسلمي قال : أتيت ابا بكر وقد أغلظ لرجل فرد عليه ، فقلت : يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه. فقال : اجلس فليس ذلك لاحد الا لرسول الله صلی الله علیه و آله .
تأليف المسلمين وإعلامهم بأنهم اخوان في الدين ، ولا نرتاب في ان سب رجل من عرض المؤمنين - فضلاً عن سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين - موبقة وفسق ، وقد قال رسول الله صلی الله علیه و آله : سباب المسلم فسق وقتاله كفر.
ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول : نقل علي بن حزم الظاهري عن الأشاعرة ما لا يتسنى معه القول بتكفير أحد أصلاً ، وإليك عبارته بحروفها ، قال في أثناء شنع المرجئة في ص 206 من الجزء الرابع من فصله : وأما الأشعرية فقالوا : إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم ، وإعلان التكذيب لهما باللسان بلا تقية ولا حكاية ، والاقرار بأنه يدين بذلك ليس شيء من ذلك كفراً ا ه.
وفي صفحة 204 من الجزء الرابع من الفصل أيضاً : نسب إلى الامام أبي الحسن الأشعري وجميع أصحابه القول بأن الايمان عقد بالقلب ، وأن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية ، وعبد الأوثان أو لزم اليهودية او النصرانية في دار الاسلام ، وعبد الصليث واعلن التثليث في دار الاسلام ، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الايمان عند الله عز وجل من أهل الجنة ا ه.
ولا يخفى انه إذا ثبت هذا عن الامام الأشعري وأصحابه - وهم جميع اخواننا السنيين في هذه الأعصر - هان الأمر في مسألتنا ، إذ لا يمكنهم حينئذ تكفير من يجاهرهم بصريح الكفر ، فكيف يتسنى لهم تكفير من انطوى ضيمره على تقديس الله عز وجل ، وانعقد قلبه على تنزيهه ، ونبضت شرايينه بتسبيحه ، ونبت لحمه واشتد عظمه على توحيده ، وخالط الايمان مخه ودمه وامتزج بجميع عناصره ، فشهد به لسانه ، وبخعت له أركانه ، واعترفت به حركاته ، وأقرت به سكناته ، مؤمناً برسوله ، موقنا بجميع ما جاء به من عند الله عز وجل ، يحيي ما أحياه الكتاب والسنة ، ويميت ما أماتاه ، لكن
منينا بقوم همهم تفريق المسلمين ودأبهم بث العداوة بين الموحدين ( وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ).
وعن الأوزاعي : والله لئن نشرت لا أقول بتكفير أحد من أهل الشهادتين.
وعن ابن سيرين : أهل القبلة كلهم ناجون.
وسئل الحسن البصري عن أهل الأهواء ؟ فقال : جميع أهل التوحيد من أمة نبينا صلی الله علیه و آله يدخلون الجنة البتة.
وسئل الزهري عمن لابس الفتن وقاتل فيها ؟ فقال : القاتل والمقتول في الجنة ، لانهم من أهل لا إله إلا الله.
وعن سفيان الثوري : لاثل عداوة موحد وإن مال به الهوى عن الحق لأنه لا يهلك بذلك.
وعن سعيد بن المسيب : لا تعاد منتحلاً لدين الاسلام وان أخطأ ، فكل مسلم مغفور له.
وعن ابن عيينة : لأن تأكل السباع لحمي أحب إليّ من أن ألقى الله تعالى بعداوة من يدين له بالوحدانية ولمحمد صلی الله علیه و آله بالنبوة.
قلت : أي حكمة في عداوته الا اعلانه فيما يسيئك ومجاهرته فيما يخالفك ، وحرية بالمذاهب والأديان تخول ذلك ، ولو تحببت اليه ثم ناظرته فعسى ان يتبين له صوابك فيتبعك ، أو يريك الحق فتوافقه. على أنه ما صار إلى خلافك عناداً للحق ، أو رغبة في الباطل ، ضرورة ان ذلك لا يفعله - في مقام التقرب إلى الله تعالى - عاقل.
أجل سيق قسراً إلى مخالفتك في بعض ما تتبره من الفروع بسياط الأدلة
القاطعة ، ومقارع الحجج الساطعة ، وهبها شبهاً ( كما تزعم ) لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه ( لأنها مع كونها من الكتاب والسنة ) افادته افادة القطع بما قادته اليه ، فإن كان مصيباً فله أجران وإلا فقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول ( في غير اصول الدين ) وإن أخطأ كما تشهد به أخبارهم وتفصح عنه أسفارهم وتعلنه أفعالهم وأقوالهم.
في بشائر السنة للشيعة ، وهي صحاح متظافرة من طريق العترة الطاهرة ، وإليك منها ما أخرجه محدثوا أهل السنة بأسانيدهم وطرقهم.
روى الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس - كما في صفحة 96 من الصواعق المحرقة لابن حجر (1)- انه قال : لما أنزل الله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) قال رسول الله صلی الله علیه و آله لعلي : وهم أنت وشيعتك ، وتأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي عدوك غضابى مقمحين.
واخرج الحاكم في شواهد التنزيل عن ابن عباس أيضاً : قال نزلت هذه الآية ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ ) في علي وأهل البيت ، وعدها ابن حجر في الفصل الأول من الباب 11 من صواعقه في جملة
1) راجع النسخة المطبوعة بالمطبعة الميمنية بمصر سنة 1324 ه ، وكل ما ننقله عن الصواعق فانما ننقله عن هذه النسخة.
الآيات النازلة فيهم علیهم السلام - فراجع الآية الحادية عشرة من الآيات التي أوردناها هناك (1).
واخرج الحاكم في كتابه شواهد التنزيل بالاسناد إلى علي قال : قبض رسول الله صلی الله علیه و آله وانا مسنده إلى صدري ، فقال : يا علي ألم تسمع قول الله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ ) هم شيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض ، يُدعَون غراً محجلين.
واخرج الديلمي - كما في ص 96 من الصواعق المحرقة - قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : يا علي إن الله قد غفر لك ولولدك ولذريتك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك ، فابشر فإنك الأنزع البطين.
وأخرج الطبراني وغير واحد من المحدثين ان علياً اتي يوم البصرة بذهب وفضة ، فقال : أبيضاء وصفراء غري غيري ، غري أهل الشام غدا إذا ظهروا عليك ، فشق قوله هذا على الناس فذكر ذلك له ، فاذن في الناس فدخلوا عليه ، فقال : ان خليلي رسول الله صلی الله علیه و آله قال : يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ، ويقدم عليه عدوك غضابى مقمحين. قال : ثم جمع علي يده إلى عنقه يريهم الاقماح ا ه.
وقد أورد ابن حجر هذا الحديث في صفحة 92 من صواعقه وعلق عليه كلاماً يضحك الثكلى ، ونحن نأخذ بما روى ونعرض عما رأى.
واخرج الطبراني - كما في صفحة 96 من الصواعق أيضاً - قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله لعلي : اول اربعة يدخلون الجنة انا وأنت والحسن والحسين ، وذريتنا خلف ظهورنا ، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا.
1) في صفحة 96 من الصواعق.
واخرج احمد بن حنبل في المناقب - كما في صفحة 96 من الصواعق أيضاً - ان رسول الله صلی الله علیه و آله قال لعلي : اما ترضى انك معي في الجنة والحسن والحسين وشيعتنا عن ايماننا وشمائلنا.
واخرج الحاكم - كما في تفسير آية المودة في القربى من مجمع البيان - بالاسناد إلى ابي الباهلي قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : أن الله تعالى خلق الأنبياء من اشجار شتى ، وخلقت انا وعلي من شجرة واحدة ، فأنا اصلها وعلي فرعها وفاطمة لقاحها والحسن والحسين ثمارها واشياعنا اوراقها ، فمن تعلق بغصن من اغصانها نجا ، ومن زاغ عنها هوى ، ولو ان عبدا عبد الله الف عام ثم الف عام ثم الف عام حتى يصير كالشن البالي وهو لا يحبنا كبّه الله على منخريه في النار ، ثم تلا : ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَىٰ ) . تنبيه :
لا يخفى ان شيعة علي وأهل البيت هم أتباعهم في الدين وأشياعهم من المسلمين ، ونحن والحمد لله قد انقطعنا اليهم في فروع الدين وعقائده وأصول الفقه وقواعده وعلوم السنة والكتاب وفنون الاخلاق والسلوك والآداب بخوعاً لامامتهم واقراراً بولايتهم ، وقد والينا أوليائهم وجانبنا أعداءهم ، عملاً بقواعد المحبة وطبقا لاصول الاخلاق في المودة ، فكنا بذلك لهم شيعة وكانوا لنا وسيلة وذريعة. والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا اليه الرسول من التمسك بثقليه والاعتصام بحبليه ودخول مدينة علمه من بابها ، باب حطة وأمان أهل الأرض وسفينة نجاة هذه الأمة ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
واخرج ابن سعد ( كما في صفحة 91 من الصواعق ) عن علي : اخبرني
رسول الله صلی الله علیه و آله ان اول من يدخل الجنة انا وفاطمة والحسن والحسين. قلت يا رسول الله فمحبونا ؟ قال : من ورائكم.
وأخرج الديلمي ( كما في الصواعق أيضاً ) مرفوعاً : إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار (1).
واخرج ابن حنبل والترمذي ( كما في صفحة 91 من الصواعق ) انه صلی الله علیه و آله أخذ بيد الحسنين وقال : من أحبني واحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة (2).
واخرج الثعلبي في تفسيره الكبير بالاسناد إلى جرير بن عبد الله البجلي قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : من مات على حب آل محمد (3)
نعم تجب محبة جميع أهل بيته وذريته كافة التفرعهم من شجرته الطاهرة (صلی الله علیه و آله و سلم)، وبذلك تحصل الزلفى الله تعالى والشفاعة من جدهم بأبي هو وأمي ، وكنت أوصيت اولادي ان يكتبوا هذا الحديث على كفني بعد الشهادتين لألقى الله تعالى بذلك ، والآن أكرر وصيقي هذه اليهم ولتكن الكتابة على العمامة.
مات1) واخرج النسائي نحوه كما في صفحة 96 من الصواعق.
2) وأخرجه أيضاً أبو داوود ( كما في صفحة 103 من الصواعق ) وزاد فيه : « ومات متبعا لسنتي » ، وبها يعلم ان اتباع سنته لا يكون الا بمحبتهم (علیه السلام).
3) المراد من آل محمد في هذا الحديث ونحوه مجموعهم من حيث المجموع ، باعتبار ائمتهم الذين هم خلفاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأوصياؤه. ووارثوا حكمه وأولياؤه ، وهم الثقل الذي قرنه بالقرأن ونص على انهما لا يفترقان ، فلا يضل من تمسك بهما ولا يهتدي من تخلى عنهما ، وليس المراد هنا من الآل جميعهم على سبيل الاستغراق والشمول لكل فرد فرد ، لان هذه المرتبة السامية ليست الا لأولياء الله القوامين بأمره ، لخاصة بحكم الصحاح المتواترة من طريق العترة الطاهرة.
شهيداً ، الا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له ، الا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً ، الا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الايمان ، الا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، الا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، الا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة ، الا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، الا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ، الا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله - الحديث.
وقد ارسله الزمخشري في تفسير آية المودة في القربى من سورة الشورى من كشافه ارسال المسلمات ، ورواه المؤلفون في المناقب والفضائل مرسلاً مرة ومسنداً تارات. وأنت تعلم ان هذه المنزلة السامية إنما ثبتت لهم لأنهم حجج الله البالغة ، ومناهل ، شرائعه السائغة وأمناؤه بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على وحيه ، وسفراؤه في أمره ونهيه ، فالمحب لهم بسبب ذلك محب لله والمبغض لهم مبغض لله. ومن هنا قال فيهم الفرزدق.
من معشر حبهم دين وبغضهم *** كفر وقربهم منجى ومعتصم
إن عُد أهل التقى كانوا أئمتهم *** أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
وأخرج احمد « كما في أواخر الفصل الثاني من الباب 9 من الصواعق (1)» عن علي قال : طلبني النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فوجدني في حائط فقال : قم والله لأرضينك ، أنت اخي وابو ولدي تقاتل على سنتي ، من مات على عهدي فهو في كنز الجنة ومن مات على عهدك فقد قضى نحبه ، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والايمان ما طلعت شمس أو غربت.
1) صفحة 75.
وأورد ابن حجر في اوائل المقصد الثاني من المقاصد التي ذكرها في آية المودة في القربى من صواعقه حديثاً هذا لفظه (1)ان النبي صلی الله علیه و آله خرج على أصحابه ذات يوم ووجهه مشرق كدائرة القمر ، فسأله عبد الرحمن بن عوف عن ذلك فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) : بشارة اتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي ، بأن الله زوّج علياً من فاطمة ، وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى فحملت رقاقاً - يعني صكوكاً - بعدد محبي أهل بيتي ، وأنشأ تحتها ملائكة من نور دفع إلى كل ملك صكاً ، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محب لأهل البيت إلا دفعت اليه صكاً فيه فكاكاً من النار ، فصار أخي وابن عمي وابنتي فكّاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار والأخبار في هذا لا يحتملها هذا الاملاء ، وفي هذا القدر كفاية لمن كانت لله تعالى فيه عناية.
فعسى أن يعرف الشيعي بعد هذا ان أهل السنة قد انصفوا واعترفوا ، وعسى أن يعرف السني ان لا وجه بعد هذه المبشرات لشيء من الضغائن أو الهناة. والسلام على من اتبع السنن وجانب الفتن ورحمة الله وبركاته.
1) راجعه في صفحة 103 من الصواعق ورواه غير واحد ممن كتب في المناقب والفضائل.
نضمنه طائفة ممن تأولوا من السلف فخالفوا الجمهور ولم يقدح ذلك في عدالتهم.
وغرضنا الذي نرمي اليه إنما هو إيضاح معذرة المتأولين من المسلمين ، وذلك انك إذا رأيت صالح سلفك ومن اخذت عنه دينك واتخذته واسطة بينك وبين نبيك صلی الله علیه و آله وهو يخالفك مجتهداً وينحو غير نحوك متأولاً فلا جرم انك تقطع حينئذ بمعذرة من يتأول من معاصريك نحو تأوله أو يخالفك مثل خلافه.
وانا أرجوا ممن خدمتهم من إخواني المسلمين بهذه الرسالة أن ينظروا بعين الانصاف هل كان بين الله عز وجل وبين أحد من الناس قرابة فيحابيه ؟ كلا ! ما كان الله ليعاقب قوماً بأمر يثيب به آخرين ، وإن حكمه في الأولين والآخرين لواحد ، وما بين الله تعالى وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين.
إن المتأولين بما يخالف الجمهور من الصحابة والتابعين وتابعيهم كثيرون لا يسعنا استقصاؤهم وإنما نذكر منهم ما يحصل به الغرض :
هذا أبو ثابت سعد بن عبادة العقبي البدري سيد الخزرج ونقيبهم وجواد الانصار وعظيمهم ، تخلف عن بيعة الخليفتين ، وخرج مغاضبا إلى الشام فقتل غيلة بحوران سنه 15 للهجرة ، وله كلام يوم السقيفة وبعده نلفت الطالبين له إلى كتاب الامامة والسياسة لابن قتيبة أو إلى تاريخ الطبري أو كامل ابن الأثير أو غيرها من كتب السير والأخبار ، فاني لا اظنه يخلو من كتاب يشتمل على ذكر السقيفة ، وكل من ذكر سعداً من أهل التراجم ذكر تخلفه عن البيعة ، ومع ذلك لم يرتابوا في كونه من أفضل المسلمين وعدول المؤمنين ، وما ذاك إلا لكونه متأولاً ، فهو معذور عندهم وان كان مخطئاً.
وهذا حباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري البدري الاحدي ، تخلف عن البيعة أيضاً كما هو معلوم بحكم الضرورة من تاريخ السلف ، فلم يقدح ذلك في عدالته ولا انقص من فضله ، وهوالقائل : أنا جُذيلها المحكك ، وعُذيقها المرجّب (1)انا أبو شبل في عرينة الأسد ، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة. وله كلام آخر رأينا الأعراض عنه أولى ، ولولا معذرة المتأولين ما كان أهل السنة ليقطعوا بأن هذا الرجل من أفاضل أهل الجنة ، ومع مكاشفته للخليفتين بما هو مبسوط في كتب الفريقين.
وهذا أمير المؤمنين علیه السلام ، وعمه العباس وبنوه ، وعتبة بن أبي لهب ، وسائر بني هاشم ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر ، والمقداد ، وعمار ، والزبير ، وخزيمة بن ثابت ، واُبي بن كعب ، وفروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري ، وخالد ابن سعد بن العاص ، والبراء بن عازب ، ونفر غيرهم تخلفوا عن البيعة أيضاً بحكم ما تواتر من الأخبار واتضح اتضاح الشمس في رائعة النهار ، وقد نص الشيخان
1) الجذيل مصغر جذل : عود ينصب للجرباء لتحتك به. والعذيق مصغر عذق : قنو النخلة. والمرجب : المبجل ، والتصغير هنا للتعظيم.
البخاري ومسلم في صحيحيهما (1)على تخلف علي عن البيعة حتى لحقت سيدة النساء بأبيها صلی الله علیه و آله وانصرفت عنه وجوه الناس.
وصرح بتخلفه المؤرخون كابن جرير الطبري في موضعين من احداث السنة الحادية عشرة من تاريخه المشهور ، وابن عبد ربه المالكي في حديث السقيفة من الجزء الثاني من العقد الفريد (2)وابن قتيبة في أوائل كتابه الامامة والسياسة وابن الشحنة حيث ذكر بيعة السقيفة في كتابه « روضة المناظر » (3)وأبي الفداء حيث أتى على ذكر أخبار أبي بكر وخلافته في تاريخه الموسوم بالمختصر أخبار البشر ونقله المسعودي في مروج الذهب عن عروة بن الزبير في مقام الاعتذار عن أخيه عبد الله (4)إذ هم بتحريق بيوت بني هاشم عليهم حين تخلفوا عن بيعته ، ورواه الشهرستاني عن النظام عند ذكره للفرقة النظامية في كتابه
1) راجع أواخر باب غزوة خيبر في صفحة 36 من الجزء الثالث من صحيح البخاري المطبوع في مصر سنة 1309 وفي هامشه تعليقة السدي ، أو باب قول النبي صلی الله علیه و آله لا نورث ما تركنا فهو صدقة من كتاب الجهاد والسير من صحيح مسلم في صفحة 72 من الجزء الثاني طبع مصر سنة 1327 تجد التصريح بتخلفه عن البيعة مسندا إلى أم المؤمنين عائشة (رضی الله عنه).
2) في ص 197 من النسخة المطبوعة في مصر سنة 1305 وفي هامشها زهر الآداب.
3) هذا الكتاب ومروج الذهب مطبوعان في الهامش من كامل ابن الأثير ، أما مروج الذهب فمطبوع مع الخمس الأول من مجلدات الكامل ، وهذا الكتاب - أعني تاريخ ابن الشحنة - في هامش المجلد الأخير المشتمل على جزء 11 وجزء 12 ، وما نقلناه عنه هنا موجود في صفحة 112 من الجزء الحادي عشر فراجع.
4) عرفت ان مروج الذهب مطبوع في هامش ابن الاثير ، وما نقلناه الآن عنه موجود في آخر صفحة 259 من الجزء السادس فراجع.
الملل والنحل ، وأورده ابن ابي الحديد المعتزلي الحنفي في اوائل الجزء السادس من شرح النهج (1)، ونقله العلامة في نهج الصدق عن كتاب المحاسن وانفاس الجواهر وغرر ابن خزابة وغيرها من الكتب المعتبرة ، وأفرد أبو مخنف لبيعة السقيفة كتاباً على حدة فيه تفصيل ما أجملناه من تخلف علي عن البيعة وعدم اقراره لهم بالطاعة.
وهذا من أدل الأمور على معذرة المتأولين ، ومن يجترئ على أخي النبي ووليه ووارثه ووصيه ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) فيقول إنه كان حينئذ عاصياً لله سبحانه ، وهو أول من آمن به وأطاعه من هذه الأمة ، أو يقول انه كان مخالفاً للسنة ، وهو قيمها ووارثها وصاحب العناء بتأييدها ، وقد انتهى اليه ميراثها ، أو يزعم ابمه كان مفارقاً لشقيقه القرآن وقد نص النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على انهما لا يفترقان (2)او يتوهم انه كان مجانباً للصواب ، وقد اذهب عنه الرجس وطهره نص الكتاب ، أو يقول انه كان متنكباً عن الحق ، وقد قال رسول الله صلی الله علیه و آله : « علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيف دار » او يقول انه قعد به الجهل بحكم هذه البيعة ، وهو اقضى الأمة وباب مدينة العلم ( وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ ) .
وهذا ابو سفيان صخر بن حرب تخلف عن البيعة أيضاً وهو القائل يومئذ (3)اني أرى غبرة لا يطفئها إلا دم ، وجعل يطوف في أزقة المدينة ويقول :
1) في اوائل الصفحة الخامسة من المجلد الثاني من الشرح طبع مصر.
2) أخرج الطبراني في الاوسط « كما في الفصل الثاني من الباب التاسع من الصواعق صفحة 74 » عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض.
3) هذا وما بعده حتى البيتان موجود في حديث السقيفة من العقد الفريد فراجع.
بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم *** ولا سيما تيم بن مرة أو عدي
فما الأمر فيكم واليكم *** وليس لها إلا أبو حسن علي
وقال (1)فما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ، ثم قال لعلي : ابسط يديك أبايعك ، فوالله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجلا ، فأبى أمير المؤمنين علیه السلام ، فتمثل بقول المتلمس :
ولن يقيم على خسف يراد به *** إلا الاذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته *** وذا يشج فلا يبكي له أحد
هذا بعض ما كان منه يومئذ ، ونحن ( الامامية ) لا نحمل فعله هذا إلا على إرادة الفتنة ، وشق عصا المسلمين ، ولذا زجره أمير المؤمنين علیه السلام وقال له (2)والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وانك والله طالما بغيت للاسلام شراً.
وإنما ذكرناه في عداد المتأولين مجاراة لمن يحمل أفعاله على الصحة ، لتتم حجتنا عليهم به في معذرة المتأولين ، ضرورة انه لا يمكن أن يكون معذوراً عندهم في هذا التخلف إلا بناء على ذلك الأصل.
وهذه سيدة نساء العالمين ، وبضعة خاتم النبيين والمرسلين صلی الله علیه و آله ، قد علم الناس ما كان بينها وبين أبي بكر إذ هجرته فلم تكلمه حتى ماتت ودفنها أمير المؤمنين ليلاً ، ولم يؤذن بها إلا نفراً من شيعته لئلا يصلي
عليها غيرهم ، وهذا من المسلمات اخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (1)ورواه الامام احمد من حديث أبي بكر في أواخر صفحة 6 من الجزء الأول من مسنده ، وذكره أهل الأخبار ، ونص عليه ارباب السير ، وحسبك من ذلك ما اودعه الامام ابن قتيبة كتابه في كتابه الامامة والسياسة ونقله العلامة المعتزلي عن ثقاة المؤرخين في شرحه لنهج البلاغة.
ولها خطبتان تفرغ فيهما عن لسان أبيها صلی الله علیه و آله ، احداهما في ميراثها والثانية في امر الخلافة ، أوردهما احمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه والعلامة المعتزلي في الجزء 16 من شرح النهج (2)واليكهما في كتاب بلاغات النساء (3)والاحتجاج والبحار وغيرها من كتب الفريقين ، لتكون على يقين من معذرة المتاولين.
وهذا ابو سليمان خالد بن الوليد المخزومي ، قتل يوم البطاح مالك بن نويرة ابن حمزة بن شداد بن عبد بن ثعلبة بن يربوع التميمي ، ونكح زوجته أم تميم بنت المنهال وكانت من اجمل النساء ، ثم رجع إلى المدينة وقد غرز في عمامته اسهماً فقام اليه عمر (رضی الله عنه) فنزعها وحطمها ، وقال له ( كما في تاريخ ابن الأثير وغيره ) قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته ، والله لأرجمنك بأحجارك. ثم قال لأبي بكر ( كما في ترجمة ثمية بن موسى من وفيات ابن خلكان ) إن خالداً
1) راجع أواخر باب غزوة خيبر في صفحة 36 من الجزء 3 من صحيح البخاري أول كتاب الفرائض في صفحة 105 من الجزء الرابع من صحيحه أيضاً أو باب قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لا نورث ما تركنا فهو صدقة من كتاب الجهاد في صفحة 72 من الجزء 2 من صحيح مسلم.
2) اما الاولى فموجودة في صفحة 79 والثانية في صفحة 87 من المجلد الرابع من شرح النهج طبع مصر.
3) (13) لمؤلفه أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المتوفى سنة 280 فراجع منه صفحة 16 و 23.
قد زنى فارجمه. قال : ما كنت لأرجمه ، فانه تأول فأخطأ. قال : إنه قتل مسلماً فاقتله به. قال : ما كنت لاقتله به ، إنه تأول فأخطأ. فلما أكثر عليه قال : ما كنت لأشيتم سيفاً سلّه الله تعالى ، وودى مالكاً من بيت المال وفك الأسرى والسبايا من آله. وهذه واقعة من المسلمات ، لا ريب في صدورها من خالد (1)
ثم أرسل علياً « كما في كامل ابن الاثير وغيره » ومعه مال ، وأمره ان ينظر في أمرهم فودى لهم الدماء والاموال حتى انه ودى مبلغة الكلب ، وبقى معه من المال فصلة ، فقال لهم : هل بقي لكم مال أو دم لم بود ؟ قالوا : لا. قال : فاني أعطيكم هذه البقية احتياطاً لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ففعل ثم رجع فاخبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال اصبت واحسنت.
هذا ما نقله جميع المؤرخين وكل من ترجم خالداً ، حتى قال ابن عبد البر بعد ان ذكر هذا الخبر عنه في ترجمته من الاستيعاب ، ما هذا لفظه : وخبره في ذلك من صحيح الأثر ا ه-.
وقد ذكرها محمد بن جرير الطبري في تاريخه وابن الأثير في كامله ، ووثيمة بن موسى بن الفرات والواقدي في كتابيهما ، وسيف بن عمر في كتاب الردة والفتوح ، والزبير بن بكار في الموفقيات ، وثابت بن قاسم في الدلائل ، وابن حجر العسقلاني في ترجمة مالك من إصابته ، وابن الشحنة في روضة المناظر ، وأبو الفداء في المختصر ، وخلق كثير من المتقدمين والمتأخرين ،1) وله واقعة أخرى أيام رسول الله صلی الله علیه و آله ، وذلك انه بعثه إلى بني جذيمة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ، وكانت جذيمة قتلت في الجاهلية عمه الفاكه بن المغيرة ، فلما ورد عليهم قال لهم : ضعوا سلاحكم فان الناس قد اسلموا ، فوضعوا سلاحهم فأمر بهم فكتفوا ثم عرضهم على السيف وقتل منهم مقتلة عظيمة ، فلما انتهى الخبر إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) رفع يده إلى السماء فقال « كما في باب بعث خالد بن الوليد إلى جذيمة من كتاب المغازي من صحيح البخاري في صفحة 47 من جزئه الثالث » : اللهم اني ابرأ اليك مما صنع خالد - مرتين.
والكل ذكروا اعتذار أبي بكر عن خالد بأنه تأول فأخطأ.
وإذا كان ابو بكر أو من نص على معذرة المتأولين ، فمن ذا يرتاب في ذلك من جمهور المسلمين.
وليت شعري متى كان التأول في الفروع شيئاً نكراً أم كيف لا يكون عند الله والمؤمنين عذراً ، وقد تأول السلف كثيراً من ظواهر الأدلة لأمور ظنوا فيها صلاح الملة ، فبخع لتأولهم جمهور المسلمين ، وانقطع اليهم في كل ما يتعلق بالدين ، تقديساً لتأولهم واجتهادهم وتنزيها لغرضهم ومرادهم ، واليك مضافاً إلى ما تلوناه تلميحاً إلى بعض تأويلهم وإشارة إلى اليسير من اجتهاداتهم ، وذكر ذلك مختصراً في العبارة والحر تكفيه الاشارة.
فمنها تأولهم في الطلاق الثلاث وحكمهم فيه بخلاف ما كان عليه زمن النبي صلی الله علیه و آله وأبي بكر كما هو مقرر معلوم.
ففي باب طلاق الثلاث من كتاب الطلاق من صحيح مسلم في صفحة 574 من جزئه الأول عن ابن عباس بطرق مختلفة قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. قال : فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضينا عليهم. قال : فأمضاه عليهم ا ه.
ونقله قاسم بك أمين في صفحة 173 من كتابه « تحرير المرأة » عن صحيح البخاري ونقله الفاضل الرشيد في صفحة 210 من المجلد الرابع من مناره عن أبي داوود والنسائي والحاكم والبيهقي ثم قال ما هذا لفظه : ومن قضاء النبي بخلافه ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس (1)قال : طلق ركانة امرأته ثلاثاً
1) وذكره ابن اسحاق في صفحة 191 من الجزء 2.
في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً ، فسأله رسول الله صلی الله علیه و آله كيف طلقتها ؟ قال : ثلاثاً. قال في مجلس واحد ؟ قال : نعم. قال : فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت ا ه.
قلت : وهذا مذهبنا في المسألة ، ويدل عليه مضافاً إلى ما سمعت (1)وكونه مقتضى الأصل قوله تعالى ( الطَّلاقُ ) الذي تحل المطلقة من بعده إنما هو ( مَرَّتَانِ ) فإن طلقها مرتين فالواجب عليه بعد ذلك ما أشار إليه سبحانه بقوله ( فَإِمْسَاكٌ ) بعد التطليقتين المتفرقتين ( بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ ) حينئذ ( بِإِحْسَانٍ ) إلى أن قال عز اسمه: ( فَإِن طَلَّقَهَا ) أي مرة ثالثة بعد المرتين المتفرقتين ( فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ ) ذلك التطليق الثالث ( حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) .
وعلى هذا فلو قال لزوجته « أنت طالق ثلاثاً » ولم يكن طلقها من قبل أصلاً ، أو كان قد طلقها مرة واحدة فلا مانع لهما ان يتراجعا وان لم ينكحها غيره ، لأن المنفي في الولاية إنما هو حل ارجاعها من بعد التطليق الثالث المسبوق بتطليقتين كما لا يخفى. بيد أن أبا حفص (رضی الله عنه) تأول الآية وسائر
1) ويدل عليه أيضاً ما نقله قاسم بك امين في صفحة 172 من كتابه تحرير المرأة عن النسائي والقرطبي والزيلعي بالاسناد إلى ابن عباس قال : اخبر رسول الله صلی الله علیه و آله عن رجل طلق امرأته ثالثا جمعاً ، فقام غضبان ثم قال أتلعبون بكتاب الله وانا بين أظهركم ا ه ، قلت : وفي تفسير سورة الطلاق من الكشاف نحوه ، وربما قيل ان هذا الحديث دال على فساد الطلاق الثلاث بالمرة لكونه لعبا ، وبذلك قال سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين ، لكن الحق ان اللعب انما هو في قوله ثلاثاً فيلغى واما قوله انت طالق فيؤثر اثره اذا لا لعب فيه كما هو واضح.
ادلة المسألة (1)عقوبة للمستعجلين وردعا لأهل الطيش والجاهلين ، وهذا كاف لك في معذرة المتأولين. فتدبر ولا تكن من الغافلين.
ومنها تأولهم في متعة الحج ومتعة النساء وحكمهم فيهما بخلاف ما كانتا عليه أيام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كما هو مقرر معلوم ، وبيان ذلك على التفصيل يستوجب مباحث :
1) وفي الصفحة 212 من المجلد 4 من المنار تصريح بأن عمر قد اجتهد في هذه المسألة.
« المبحث الأول »
في أصل مشروعيتهما
اعلم ان هذا المقدار باجماع المسلمين ، وبكل من الكتاب والسنة :
أما الاجماع فلأن أهل القبلة كافة متفقون على أن الله تعالى قد شرع هاتين المتعتين في دين الاسلام ، وأهل التوحيد من هذه الأمة قاطبة متصافقون على ذلك ، بحيث لا ريب فيه لأحد من المتقدمين والمتأخرين من كافة المسلمين ، بل لعل ذلك ملحق لدى أهل العلم بالضروريات الثابتة عن سيد النبيين صلی الله علیه و آله فلا ينكره أحد من المذاهب الاسلامية مطلقاً.
وأما الكتاب العزيز ففيه آيتان محكمتان : إحداهما في تشريع متعة الحج والأخرى في تشريع متعة النساء (1)
وولد المتعة ذكرا كان أو التي يلحق كغيره من الابناء بأبيه ، فانه اشرف الابوين ، ولا يدعى الا له عملاً بقوله تعالى ( ادْعُوهُمْ لآبائهم ) ، وله من الارث ما أوصى به الله سبحانه حيث يقول : ﴿ يُوصِيكُم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثين ) ولا فرق ( عند مبيحي المتعة ) بين ولديك المولود أحدهما منها والآخر من النكاح المألوف بين عامة المسلمين ، وجميع العمومات الواردة في الاخوة والاخوات وابنائهما والاعمام والعمات والاحوال والخالات وابنائهم وأولو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى ببعض ) مطلقا.
نعم عقد نكاح المتعة لا يوجب توارثا بين الزوجين المتمتعين ولا ليلة ولا نفقة للمتمتع بها ، وللزوج ان يعزل عنها عملاً بالادلة الخاصة المخصصة للعمومات الواردة في أحكام الزوجات.
هذه هي متعة النساء التي فهم الامامية من الكتاب والسنة دوام اباحتها ، وأهل المذاهب الأربعة قالوا بتحريمها مع اعترافهم بأن الله تعالى شرعها في دين الاسلام، وليس عندنا متعة نساء غيرها بحكم الضرورة الأولية من مذهبنا المدون في الوف منن مصنفات علمائنا المنتشرة بفصل الطبع في اكثر بلاد الإسلام ، لكن محمود شكري الالوسي غفر الله له لفق رسالة بذيئة شحنها بافكه الواضح وبهتانه الفاضح ، وقد وقفت عليه في الجزء 6 من المجلد 269 من المنار فاذا هي كذب وسباب وتنابز بالالقاب نعوذ بالله السميع العليم من الافاك الاثيم ، اذ يقول غير متأثم : ان عند الشيعة متعة أخرى يسمونها المتعة الدورية ويروون في فضلها ما يروون ، هي ان يتمتع جماعة بامرأة واحدة فتقول لهم من الصبح إلى الضحى في متعة هذا ومن الضحى إلى الظهر في متعة هذا ومن الظهر إلى العصر في متعة هذا ومن العصر إلى المغرب في متعة هذا ومن المغرب إلى العشاء في متعة هذا ومن العشاء إلى منتصف الليل في متعة هذا ومن منتصف الليل إلى الصبح في متعة هذا ... إلى آخر بهتانه المبين فراجعه في صفحة 41. من المجلد 29 من المنار.
وليت المنار سأل هذا المرجف المجحف فقال له : من الذي سماها من الشيعة بهذا الاسم وأي راو منهم روى في فضلها شيئاً أو أتى رواياته على ذكرها ، وما تلك الروايات التي زعمت انهم رووها في فضلها ، ومن أخرج تلك الروايات من محدثيهم ، وأي عالم أو جاهل منهم افتى بها أو ذكرها ، وأي كتاب من كتب حديثهم او فقههم أو تفسيرهم يشتمل على ذكرها ؟؟.
ولو تقدم المنار بهذا السؤال لعرف حقيقة الحال ، ونحن الآن نحيله على مصنفات الامامية في الفقه والحديث والتفسير وسائر الفنون ، وقد انتشر منها بفضل المطابع عشرات الالوف مختصرة ومطولة متونا وشروحا بعضها للمتقدمين وبعضها للمتأخرين ، فليتتبعها المنار كتاباً كتابا وليتصفحها حرفاً حرفا ليعلم ان الآلوسي وامثاله من المرجفين الظالمين لاحياء المؤمنين ولامواتهم ، وقد بهت السلف الصالح بما تستك به المسامع وترتعد منه الفرائص :
من كان يخلق ما يقو *** ل فحيلتي فيه قليلة
ولَتَسْمَعُنَّ من الذين أوتوا الكتاب من قَبْلِكُمْ وَمِنَ اَلذينَ أَشركُوا أَذىَ كَثيراً وإِن تَصْبَرُوا وَتَقُوا فَإِنَّ ذَلكَ مِن عَزم الأُمورِ ) .
.1) (1) متعة النساء ( التي هي موضع الخلاف بين الشيعة والسنة ) ان تزوجك المرأة نفسها حيث لا يكون لك مانع في دين الاسلام عن نكاحها من نسب أو سبب أو رضاع أو احصان عدة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ، ككونها منكوحة لأبيك ، أو كونها اختا لزوجتك ، أو غير ذلك - تزوجك نفسها بمهر معلوم إلى أجل مسمى ، بعقد نكاح جامع لشرائط الصحة الاسلامية ، فتقول لك بعد الاتفاق والتراضي : « زوجتك ، أو انكحتك ، أو متعتك نفسي ، بمهر قدره كذا يوماً أو شهرا أو سنة أو تذكر مدة أخرى معينة على الضبط. فتقول أنت لها على الفور : « قبلت ». وتجوز الوكالة في هذا العقد كغيره من العقود ، وبتمامه تكون زوجة لك ، وأنت تكون زوجا لها إلى منتهى الاجل المسمى في العقد ، وبمجرد انتهائه تبين من غير طلاق كالاجارة ، وللزوج فراقها قبل انتهائه بهبة المدة المعينة لا بالطلاق عملاً بالنصوص الخاصة الدالة على ذلك ، ويجب عليه مع الدخول وعدم بلوغها سن اليأس ان تعتد بعد هبة المدة أو انقضائها بقرءين اذا كانت ممن تحيض والا فبخسمة وأربعين يوماً كالامة عملاً بالادلة الخاصة أيضاً ، فاذا وهبها المدة أو انقضت قبل ان يمسها فماله عليها من عدة كالمطلقة قبل الدخول.
أما آية متعة الحج فهي قوله تعالى : ( فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ
مِنَ الهَدْيِ ) إلى قوله عز اسمه : ( ذَٰلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ ) إذ لا خلاف بين المسلمين في نزولها في متعة الحج كما لا يخفى.
أما آية متعة النساء فهي قوله تعالى : ( فمن تمَتَّع بالعمرة إلى الحجِّ فما استمتعتم به منهن
فآتوهن أجورهن ) حتى ان كلا من أُبي بن كعب وابن عباس (1)
ونقل القاضي عياض عن المازري ( كما في أول باب نكاح المتعة من شرح صحيح مسلم للفاصل النووي ) ان ابن مسعود قرأ « فما استمتعتم به منهن إلى اجل » والاخبار في ذلك كثيرة. وصرح عمران بن حصين الصحابي بترول هذه الآية في المتعة وانها لم تنسخ حتى قال رجل فيها برأيه ما شاء.
ونص على نزول الآية في المتعة مجاهد أيضاً فيما أخرجه عنه الطبري في تفسيره باسناده اليه ، فراجع صفحة 4 من الجزء 5 من تفسيره الكبير.
ويشهد لترولها في ذلك بالخصوص ان الله سبحانه قد أبان في أوائل السورة حكم نكاح الدائم بقوله تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكُم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) إلى أن قال : ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نَحْلَةً ) فلوكانت هذه الآية في بيان الدائم أيضاً للزم تكرار ذلك في سورة واحدة ، أما اذا كانت لبيان المتعة المشروعة بالاجماع فانها تكون لبيان معنى جديد.
وأهل النظر من تدبر القرآن الحكيم يعلمون ان السورة قد اشتملت على بيان الانكسة الاسلامية كلها ، فالدائم وملك اليمين تبيتا بقوله تعالى : ( فَانكِحُوا ما طاب لَكُم مِن النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فواحدةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ ).
والمتعة مبينة بأيتها هذه فما استمتعتم به منهن ) ونكاح الاماء مبين بقوله تعالى : ( وَمِن لَم يستطع منكُمْ طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكُمُ الْمُؤْمِنَات ) إلى أن قال : ( وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوف ).
وسعيد ابن جبير والسدي وغيرهم كانوا يقرءونها : ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل1) أرسل الزمخشري في كشافه هذه القراءة عن ابن عباس ارسال المسلمات ، والرازي ذكر في تفسير الآية انه روى عن أُبي بن كعب انه كان يقرأ ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن اجورهن ) . قال : وهذا هو أيضاً قراءة ابن عباس. قال : والامة ما انكروا عليهما في هذه القراءة. قال : فكان ذلك اجماعا من الأمة على صحة هذه القراءة - هذا كلامه بلفظه فراجعه في صفحة 201 من الجزء 3 من تفسيره الكبير.
مسمى ) اخرج ذلك عنهم الامام الطبري في تفسير الآية من أوائل الجزء الخامس من تفسيره الكبير ، ورواه عنهم وعن ابن مسعود جماعة كثيرون من ثقاة الأمة وحفظتها ، لا يسعنا استقصاؤهم.
واما نصوص السنة في اصل مشروعية المتعتين فمتواترة ، ولا سيما من طريقنا عن العترة الطاهرة ، وحسبك في ثبوت متعة الحج واستمرارها ما اخرجه الشيخان ( البخاري ومسلم ) في التمتع والافراد والقران من كتاب الحج من صحيحيهما فراجع.
على ان متعة الحج قد انعقد الاجماع بعد الخليفة الثاني على استمرارها ولم يعملوا بنهيه عنها ، فهي مما لا كلام في دوامه ، وانما الكلام في متعة النساء ، وقد اخرج الشيخان في اصل مشروعيتها احاديث في صحيحهما كثيرة عن كل من سلمة بن الأكوع ، وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن مسعود ، وابن عباس. وسبرة بن معبد الجهني ، وابي ذر الغفاري ، وعمران بن حصين ، والأكوع بن عبد الله الاسلمي ، واخرجهما أحمد بن حنبل في مسنده من حديث هؤلاء كلهم ومن حديث عبد الله بن عمر ، وأخرج مسلم في باب نكاح المتعة من كتاب النكاح من الجزء الأول من صحيحه عن جابر بن عبد الله ، وسلمة بن الأكوع ، قالا : خرج علينا منادي رسول الله صلی الله علیه و آله فقال : إن رسول الله أذن ان تستمتعوا يعني متعة النساء ا ه والصحاح في هذا المعنى كثيرة وفيما اشرنا اليه كفاية.
« المبحث الثاني »
في دوام حلها واستمرار اباحتها
وقد ذهب إلى ذلك ائمتنا الاثنا عشر من أهل البيت ( واهل البيت ادرى بالذي فيه ) وتبعهم في ذلك شيعتهم واولياؤهم ، وحسبك حجة لهم ما قد سمعته من إجماع المسلمين على ان الله تعالى شرعها في دينه القويم وصدع باباحتها في الذكر الحكيم ، واذّن في الاذن بها منادي رسول الله صلی الله علیه و آله ، ولم يثبت نسخها عن الله تعالى ، ولا عن رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) حتى انقطع الوحي باختيار الله تعالى لنبيه دار كرامته ومأوى اصفيائه ، بل ثبت عدم نسخها بحكم صحاحنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة ، فراجعها في كتاب وسائل الشيعة إلى احكام الشريعة.
وان ابتغيت صحاحاً سواها فاليك ما أخرجه محدوثوك « أيها القائل بتحريمها » انقله اليك بعين ألفاظهم فأقول :
أخرج مسلم في باب نكاح المتعة من صحيحه (1)عن عطاء قال : قدم جابر
1) في صفحة 535 من جزئه الاول.
ابن عبد الله معتمراً ، فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة ، فقال : نعم ، استمتعنا على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله وأبي بكر وعمر ا ه.
وأخرج مسلم في الباب المذكور أيضاً عن أبي نضرة قال : كنت عند جابر ابن عبد الله فأتاه آت فقال : ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله صلی الله علیه و آله ، ثم نهانا عنهما عمر ، فلم نعدلهما ا ه.
وأخرج مسلم في الباب المذكور أيضاً عن ابي الزبير قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايام على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وابي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث ا ه.
وانت تعلم ان ليس المراد من قول جابر في هذه الأحاديث استمتعنا على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مرة وفعلناهما مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أخرى ، وكنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) تارة ، إلا بيان انهم كانوا يستمتعون بمرأى منه صلی الله علیه و آله ومسمع ، فيقرهم على ذلك وانه لم ينههم عنها حتى اختار الله له لقاءه. وناهيك بهذا برهانا على دوام الاباحة. وأذا نظرت إلى قوله تمتعنا واستمتعنا ، وكنا نستمتع ، وفعلناهما مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) تجده ظاهراً في نسبة فعلهما أيام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وابي بكر إلى عموم الصحابة لا إلى نفسه بالخصوص ، ولو كان ثمة ناسخ ما فعلوهما بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولا يجوز أن يخفى الناسخ عليهم مع ملازمتهم للرسول في حضره وسفره ليلاً ونهاراً ، وكيف يخفى عليهم ، ثم يظهر للمتأخرين عنهم. على أن قول جابر « حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث » صريح بأن النهي عنها لم يكن من الله ولا من رسوله
(صلی الله علیه و آله و سلم) وانما كان من عمر لقضية وقعت من عمرو بن حريث - وقوله ثم نهانا عمر دال على أن النهي كان متوجها منه إلى كافة الصحابة لا إلى شخص منهم مخصوص ، وأما قوله « فلم نعد لهما » فانما هو للتقية والخوف من العقوبة. والأخبار الدالة على دوام إباحة المتعة واستمرار حلها لا تستقصى في هذه العجالة ، وسأتلو عليك في المبحث الرابع والمبحث الخامس لمعة من الصحاح تدل على ذلك أيضاً.
« المبحث الثالث »
في الأحاديث التي زعموا أنها ناسخة لحكم المتعة
أمعنا النظر فيها فوجدناها أحاديث ملفقة وضعها المتأخرون عن زمن الخلفاء الأربعة تصحيحا لرأي من حرّمها ، وقد استقصيناها في رسالتنا الموسومة بالنجعة في أحكام المتعة ، فأثبتنا من طريق خصومنا تضعيف تلك الأحاديث وان أخرجها الشيخان ، ونقلنا كلمات البعض من أئمتهم في الجرح والتعديل الدالة على ذلك ، على أن تلك الأحاديث الملفقة تناقض صحاحنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة ، بل تناقض ما سمعته من صحاحهم الدالة على دوام حلها واستمرار إباحتها ، ومن تدبرها وجدها تناقض نفسها بنفسها ، وقد فصلنا ذلك كله في نجعتنا بما لا مزيد عليه.
وأنت هداك الله سمعت النص من جابر بن عبد الله على أن التحريم والنهي إنما كان من عمر في بادرة بدرت من ابن حريث ، وستسمع كلام عمران بن حصين وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وأمير المؤمنين ،
فتراه صريحاً بأن التحريم لم يكن بناسخ شرعي وانما كان بنهي الخليفة الثاني ، ومحال أن يكون ثمة ناسخ فيجهلونه ، وهم من علمت منزلتهم من رسول الله وملازمتهم له (صلی الله علیه و آله و سلم) وحرصهم على أخذ العلم منه.
على أنه لو كان هناك ناسخ لنبههم اليه بعض المطلعين عليه ، وحيث لم يعارضهم أحد من الصحابة فيما كانوا ينسبونه من التحريم إلى عمر علمنا أنهم أجمع معترفون بذلك ، مقرون بأن لا ناسخ من الله تعالى ، ولا من رسوله صلی الله علیه و آله كما لا يخفى.
على أن عمر نفسه لم يدع النسخ كما ستسمع من كلامه الصريح في إسناد التحريم والنهي إلى نفسه ، ولو كان هناك ناسخ لأسند التحريم إلى الله تعالى أو إلى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) فان ذلك أبلغ في الزجر وأولى بالذكر.
ومن غرائب الأمور دعواهم النسخ بقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) بزعم انها ليست بزوجة ولا ملك يمين. قالوا : أما كونها ليست بملك يمين فمسلم ، وأما كونها ليست بزوجة فلأنها لا نفقة ولا إرث ولا ليلة ، والجواب أنها زوجة شرعية بعقد نكاح شرعي ، أما عدم النفقة والارث والليلة فانما هو بأدلة خاصة تخصص العمومات الواردة في أحكام الزوجات ، كما بيناه فيما علقناه على صفحة 54 من هذه الفصول. على أن هذه الآية مكية نزلت قبل الهجرة بالاتفاق ، فلا يمكن أن تكون ناسخة لاباحة المتعة المشروعة في المدينة بعد الهجرة بالاجماع.
ومن عجيب أمر هؤلاء المتكلفين ان يقولوا بأن اية ( المؤمنون ) ناسخة للمتعة ، إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين ، فإذا قلنا لهم ولم لا تكون ناسخة لنكاح الاماء المملوكات لغير الناكح ، وهنّ لسن بزوجات للناكح ولا ملك يمين له ،
قالوا حينئذ إن آية المؤمنين ونكاح الاماء المذكورات انما شرع بقوله تعالى في سورة النساء وهي مدنية : ( فمن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات فمما ملكت أيمانكم ) الآية ، والمكي لا يمكن أن يكون ناسخاً للمدني لوجوب تقدم المنسوخ على الناسخ ، يقولون هذا وينسون أن المتعة إنما شرعت في المدينة بقوله تعالى في سورة النساء أيضاً : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) وقد منينا بقوم لا يتدبرون فانا لله وإنا اليه راجعون.
« المبحث الرابع »
في يسير من الأحاديث الدالة على أن التحريم إنما كان من الخليفة الثاني رضی الله عنه .
أخرج مسلم في باب المتعة بالحج والعمرة من صحيحه (1)بالاسناد إلى أبي نضرة قال : كان ابن عباس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، فذكرت ذلك لجابر فقال : على يدي دار الحديث ، تمتعنا مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلما قام عمر قال : إن الله يحل لرسوله ما شاء بما شاء ، فأتموا الحج والعمرة ، وأبتوا نكاح هذه النساء ، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى رجل إلا رجمته بالحجارة ا ه.
وهذا كما ترى صريح بما قلناه ، ولا تنس ما ذكرناه في المبحث الثاني من حديث جابر فإنه صريح أيضاً فراجعه وتأمل.
وقد استفاض قول الخليفة الثاني وهو على المنبر : « متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا انهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة الحج ومتعة النساء » حتى نقل الرازي هذا القول عنه محتجاً به على حرمة متعة النساء ، فراجع تفسير آيتها من تفسيره الكبير.
1) صفحة 467 من جزئه الاول.
والذي نقله متكلم الأشاعرة وحكيمهم الامام القوشجي في أواخر مبحث الامامة من شرح التجريد أن عمر قال وهو على المنبر : أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأنا انهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن : متعة النساء ، ومتعة الحج ، وحي على خير العمل ، ثم اعتذر عنه بأن هذا إنما كان منه على تأول واجتهاد ، والأخبار في ذلك كثيرة تضيق هذه الفصول عن استقصائها.
وقد استمتع في أيامه ربيعة بن أمية بن خلف القرشي الجمحي ( وهو أخو صفوان ) فيما أخرجه الامام مالك في باب نكاح المتعة من موطأه عن عروة بن الزبير : أن خولة بنت حكيم السلمية دخلت على عمر فقالت : إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه ، فخرج عمر يجر رداءه ( من العجلة والغضب ) فقال : هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت ا ه. أي لو كنت تقدمت في تحريمها والانذار برجم فاعلها قبل هذا لرجمت ، إذ كان هذا القول منه قبل نهيه عنها ، نص على ذلك ابن عبد البر كما في شرح الزرقاني لهذا الحديث من الموطأ ، وربما يكون المراد بقوله : « لو كنت تقدمت فيها لرجمت » انه لو تقدم باقامة الحجة من الكتاب والسنة على نسخها لرجم ، وحيث لا حجة على تحريمها فلا رجم.
وكيف كان فكلامه هذا ظاهر بأن التصرف في حكمها إنما هو منه لا من سواه ، وخطبته تلك على المنبر نص صريح بذلك ، حيث روى كون المتعتين كانتا على عهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولم يرو نهيه عنهما ، بل أسند النهي عنهما إلى نفسه ، فقال : « وأنا انهى عنهما » مقدما للمسند اليه ليكون النهي عنهما مقصورا عليه ، ولو كان هناك ناسخ لذكره كما لا يخفى.
« المبحث الخامس »
في الاشارة إلى يسير ممن تسنى لهم أن يبوحوا ببعض ما تكنه نفوسهم من الانكار على تحريمها وهم كثيرون.
فمنهم جابر بن عبد الله الأنصاري وقد سمعت حديثه.
ومنهم أمير المؤمنين علیه السلام فيما أخرجه الامامان الطبري والثعلبي عند بلوغهما في تفسيريهما الكبيرين إلى آية المتعة من سورة النساء بالاسناد إلى علي (1)قال : لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي ، وهذا المعنى متواتر عنه من طريق أبنائه الميامين.
ومنهم عبد الله بن عباس حيث قال : ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) لولا نهيه ( يعني عمر ) عنها ما احتاج إلى الزنى إلا شقي ، أي إلا القليل من الناس. نقل ذلك عنه ابن الأثير في مادة « شقي » من النهاية ، ورواه عنه خلق كثير. وقوله في اباحة المتعة والانكار على من حرمها متواتر ، وله في ذلك مع ابن الزبير وغيره نوادر يطول المقام بذكرها ، وقد أخرج مسلم
1) ونقله الرازي في صفحة 200 من الجزء 3 من تفسيره عن تفسير الطبري.
بعضها عن جابر فراجع 77 و 78 من كتابنا هذا.
ومنهم عبد الله بن عمر كما هو ثابت عنه. اخرج الامام احمد في صفحة 95 من الجزء الثاني من مسنده من حديث عبد الله بن عمر قال : سأل رجل ابن عمر عن متعة النساء فقال : والله لقد سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر ا ه.
ونقل العلامة في نهج الصدق والشهيد الثاني في نكاح المتعة من روضته البهية عن صحيح الترمذي أن رجلاً من أهل الشام سأل ابن عمر عن متعة النساء فقال : هي حلال. فقال : إن أباك قد نهى عنها. فقال ابن عمر : أرأيت ان كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أتترك السنة وتتبع قول أبي ؟! ا ه.
ومنهم عبد الله بن مسعود ، كما هو مقرر معلوم ، أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين ، واللفظ للأول في الصفحة الثانية أو الثالثة من كتاب النكاح عن عبد الله « ابن المسعود » قال : كنا نغزوا مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وليس لنا شيء فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ، ثم قرأ علينا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ) ا ه.
وأنت تعلم ان استشهاده بالآية دال على قوله باباحة المتعة وإنكاره على من حرمها كما صرح به كل من شرح صحيح البخاري.
ومنهم عمران بن حصين فيما صح عنه ، وقد نقل فخر الدين الرازي أثناء بحثه عن حكم متعة النساء في تفسير آيتها من تفسيره الكبير عن عمران بن حصين قال : انزل الله في المتعة آية وما نسخها بآية أخرى ، وأمرنا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالمتعة وما نهانا عنها ، ثم قال رجل برأيه ما شاء « قال الرازي » يريد عمر ا ه.
وأخرج البخاري عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات (صلی الله علیه و آله و سلم) قال رجل برأيه ما شاء ا ه.
وأخرج أحمد في مسنده من طريق عمران القصير عن أبي رجاء عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى ، وعملنا بها مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتى مات (صلی الله علیه و آله و سلم) ا ه.
وأمر المأمون أيام خلافته فنودي بتحليل المتعة ، فدخل عليه محمد بن منصور وأبو العيناء فوجداه يستاك ويقول (1)وهو متغيظ : متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلى عهد أبو بكر وأنا أنهى عنهما ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأبو بكر. فأراد محمد بن منصور أن يكلمه فأومأ اليه أبو العيناء وقال : رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن فلم يكلماه ، ودخل عليه يحيى بن أكثم فخوفه من الفتنة وذكر له أن الناس يرونه قد أحدث في الاسلام بسبب هذا النداء حدثا عظيماً ، لا ترتضيه الخاصة ولا تصبر عليه العامة ، اذ لا فرق عندهم بين النداء باباحة المتعة والنداء باباحة الزنى ، ولم يزل به حتى صرف عزيمته احتياطاً على ملكه واشفاقاً على نفسه.
قال العسكري « فيما نقله السيوطي عنه في ترجمة عمر من كتابه تاريخ الخلفاء » هو أول من سمي أمير المؤمنين ، وأول من كتب التاريخ من الهجرة ، وأول من اتخذ بيت المال ، وأول من سن قيام شهر رمضان « بالتروايح » وأول
1) فيما نقله ابن خلكان في ترجمة يحيى بن أكثم من وفيات الاعيان ، لكنه لم ينقل حديث يحيى بن أكثم مع المأمون على وجهه والصحيح ما نقلناه.
من عس بالليل ، وأول من عاقب على الهجاء ، وأول من ضرب في الخمر ثمانين ، وأول من حرم المتعة الخ.
والذين صرحوا بهذا من أعلام السلف والخلف لا يحيط بهم هذا الاملاء وفي هذا القدر كفاية إذ تبين به أن تحريم المتعتين إنما كان عن اجتهاد محض وتأول صرف ، وقد قوبل بالاذعان ولم يندد به من الجمهور انسان ، فثبت ما أردناه في هذه العجالة وتم ما أفردنا له هذه الرسالة من معذرة المجتهدين ونجاة المتأولين من المسلمين والحمد لله رب العالمين.
ولنرجع إلى ما كنا فيه من موارد تأولهم فنقول عطفا على ما سبق.
ومنها تأولهم في أذان الصبح حيث تصرفوا فيه فنظموا في سلك فصوله فصلاً لم يكن أيام رسول الله صلی الله علیه و آله ، ألا وهو نداء مؤذنهم « الصلاة خير من النوم » بل لم يكن أيام أبي بكر وانما أمر به الخليفة الثاني فيما دلت عليه الأحاديث المتواترة من طريق العترة الطاهرة ، وحسبك من غيرها ما أخرجه الامام مالك في باب ما جاء في النداء للصلاة من موطأه من أنه بلغه ان المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائماً فقال : الصلاة خير من النوم ، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح انتهى بلفظه. وقال العلامة الزرقاني عند بلوغه إلى هذا الحديث من شرح الموطأ ما هذا لفظه : هذا البلاغ أخرجه الدارقطني في السنن من طريق وكيع في مصنفه عن العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر. ( قال ) وأخرج عن سفيان عن محمد بن عجلان عن نافع بن عمر عن عمر انه قال لمؤذنه : إذا بلغت حي على الفلاح في الفجر فقل « الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم » ا ه.
قلت : وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث هشام بن عروة ، ورواه جماعة آخرون يطول المقام بذكرهم.
وانت تعلم أن لا عين ولا أثر لهذه الكلمة فيما هو مأثور عن رسول الله صلی الله علیه و آله من كيفية الأذان ، فراجع ان شئت كتاب الأذان في الجزء الأول من صحيح البخاري ، وباب صفة الأذان وهو في أول كتاب الصلاة من صحيح مسلم ، تعلم حقيقة ما نقول.
وأيضاً ذكروا في أصل مشروعية الأذان (1)قضية تمنعها الامامية حاصلها أن عبد الله بن زيد بن ثعلبة الأنصاري رأى ليلة فيما يراه النائم شخصاً علمه الأذان والاقامة ، فلما انتبه قبل الفجر وقص الرؤيا على النبي صلی الله علیه و آله أمره أن يلقن بلالاً ما حفظه في تلك الرؤيا ، وأمر بلالاً أن ينادي به أول الفجر ، ففعلا ذلك وشرع الأذان بهذا الطيف فيما زعموا. ونحن نظرنا فيما نقلوه من تلقين عبد الله لبلال فلم نجد فيه مع كونه أذاناً للفجر « الصلاة خير من النوم » والأدلة على كون هذه الكلمة ليست من الله تعالى ولا من رسوله صلی الله علیه و آله كثيرة ، وما ذكرناه كاف لاثبات تأولهم في الأذان واف بمعذرة المتأولين في كل زمان.
ومنها تأولهم في اسقاط « حيَّ على خير العمل » من الأذان والاقامة ، وذلك أنهم كانوا يرغبون في إعلام العامة بأن خير العمل إنما هو الجهاد في سبيل الله ليشتاقوا اليه وتعكف هممهم عليه ، والنداء على الصلاة بخير العمل في كل يوم خمس مرات (2)ينافي ذلك.
بل ربما رأوا ان في بقاء هذه الكلمة في الأذان والاقامة تثبيطاً للعامة عن
1) ذكر هذه القضية مالك في موطأه على سبيل الاجمال ، وفصلها أكل من ابن عبد البر والزرقاني في شرحيهما ، وأوردها الحلبي في باب بدء الاذان ومشروعيته من الجزء الثاني من سيرته ، وكل من ذكر عبد الله بن زيد من أهل التراجم أشار إلى هذه القضية وربما سموه صاحب الاذان ، وأصحابنا ينكرونها ويعدونها من المحال.
2) بل كل مسلم ملتزم بالنسبة يقولها كل يوم عشر مرات.
الجهاد ، اذ لو عرفوا أن الصلاة خير العمل من ما فيها من الدّعة والسلامة لاقتصروا في ابتغاء الثواب عليها ، وأعرضوا عن خطر الجهاد المفضول بالنسبة اليها ، وكانت همم ولي الأمر يومئذ « عمر بن الخطاب (رضی الله عنه) » مصروفة إلى الاستيلاء على ممالك الأرض ، وعزائمه مقصورة على امتلاكها في الطول والعرض.
وفتح الممالك لا يكون الا بتشويق الجند إلى التورط في سبيله بالمهالك ، بحيث يشربون في قلوبهم الجهاد حتى يعتقدوا أنه خير عمل يرجونه يوم المعاد.
ولذا ترجح في نظره اسقاط هذه الكلمة تقديماً لتلك المصلحة على التعبد بما جاء به الشرع الأقدس ، فقال وهو على المنبر « كما نص عليه القوشجي أواخر مباحث الامامة من شرح التجريد وهو من ائمة المتكلمين على مذهب الاشاعرة » : ثلاث كن على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله وانا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن : متعة النساء ، ومتعة الحج ، وحي على خير العمل (1).
وتبعه في اسقاطها عامة من تأخر عنه من المسلمين ، حاشا أهل البيت ومن يرى رأيهم : فان حي على خير العمل مع شعارهم ، كما هو بديهي من مذهبهم حتى أن شهيد فخ الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين علیهم السلام لما ظهر بالمدينة أيام الهادي (2)من ملوك العباسيين ، أمر المؤذن أن ينادي بها ففعل ، نص على ذلك أبو الفرج الاصفهاني حيث ذكر صاحب فخ ومقتله في كتابه مقاتل الطالبيين. وذكر العلامة الحلبي في باب بدء الاذان ومشروعيته في صفحة 110 من الجزء الثاني من سيرته أن ابن عمر (رضی الله عنه) والامام زين العابدين علي بن الحسين علیهماالسلام كانا يقولان في الأذان بعد حي على الفلاح حي على خير العمل ا ه.
قلت : وهذا متواتر عن أئمة أهل البيت ، فراجع حديثهم في كتاب وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة لتكون على بصيرة من مذهبهم.
ونحن الآن في ان السلف تأولوا ، فأسقطوا فصلاً من الأذان والاقامة فلم يقدح ذلك عند الجمهور في تبوئهم منصة الخلافة وأريكة الامامة ، فكيف لا يكون المتأول بعدهم معذوراً ، أم كيف لا يكون مثاباً مأجوراً ، فاحكموا بالعدل أيها المنصفون.
ومنها صلاة التراويح (1)إذ لم تكن أيام رسول الله صلی الله علیه و آله ولا في ولاية أبي بكر ، وانما سنها الخليفة الثاني سنة 14 للهجرة بالاجماع ، نصّ العسكري على ذلك في اوائله ، ونقله السيوطي في الفصل الذي عقده لخلافة عمر من كتابه تاريخ الخلفاء (2).
وقال ابن عبد البر في ترجمة عمر من الاستيعاب : وهو الذي نوّر شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه.
وقال العلامة ابو الوليد محمد بن الشحنة ، حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23 من تأريخه « روضة المناظر » (3)هو أول من نهى عن بيع امهات الأولاد ، وجمع الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز ، واول من جمع الناس على امام يصلي بهم التراويح الخ.
ولما ذكر السيوطي في كتابه « تاريخ الخلفاء » أوليّات عمر نقلاً عن العسكري قال : هو اول من سمي امير المؤمنين ، إلى ان قال : واول من سن قيام شهر رمضان « بالتراويح » ، واول من حرم المتعة ، واول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات الخ.
وقال محمد بن سعد « حيث ترجم عمر في الجزء الثالث من الطبقات » وهو اول من سن قيام شهر رمضان « بالتراويح » وجمع الناس على ذلك وكتب به إلى البلدان وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة ، وجعل للناس بالمدينة قارئين قارئاً يصلي « التراويح » بالرجال وقارئاً يصلي بالنساء .. الخ.
واخرج البخاري « في أواخر الجزء الأول من صحيحه في كتاب صلاة التراويح » ان رسول الله صلی الله علیه و آله قال : من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. قال : فتوفي رسول الله صلی الله علیه و آله والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة ابي بكر رضی الله عنه وصدرا من خلافة عمر ا ه.
وأخرج مسلم « في باب الترغيب في قيام رمضان من الجزء الأول من صحيحه » ان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يرغّب في قيام رمضان من غير ان يأمرهم فيه بعزيمة ، فيقول : من قام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه » قال : فتوفي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر على ذلك ا ه.
واخرج البخاري في كتاب صلاة التراويح من صحيحه عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ (1)قال : خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد ، فاذا الناس
1) « عبد القاري » بتنوين عبد وتشديد ياء القاري نسبة إلى قاره ، وهو ابن ديش بن محلم بن غالب المدني. كان عبد الرحمن هذا عامل عمر على بيت المال وهو حليف بني زهرة روى عن عمر ، وابي طلحة ، وابي ايوب ، وابي هريرة ، وروى عنه ابنه ، محمد والزهري ، ويحيى بن جعدة بن هبيرة مات سنة ثمانين ، وله ثمان وسبعون سنة.
أوزاع متفرقون ... إلى أن قال : فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. « قال » ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ، قال عمر (رضی الله عنه) نعمت البدعة هذه - الحديث.
وقال العلامة القسطلاني « في أول الصفحة الرابعة من الجزء الخامس من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري » عند بلوغه إلى قول عمر في هذا الحديث « نعمت البدعة هذه » ما هذا نصه : سماها بدعة لأن رسول الله صلی الله علیه و آله لم يسن لهم الاجتماع لها ، ولا كانت في زمن الصديق ولا أول الليل ، ولا كل ليلة ، ولا هذا العدد الخ.
وفي تحفة الباري مثله فراجع. وهذا أمر لا يناقش فيه أحد من المسلمين وحسبك به دليلاً على معذرة المتأولين.
ومنها تأولهم آية الزكاة ، إذ أسقطوا منها سهم المؤلفة قلوبهم مع نص الكتاب والسنة على ثبوته ، وكونه معلوما بحكم الضرورة من دين الاسلام ، وقد أجمعت كلمة المسلمين واتفقت جميع طوائفهم على أن رسول الله صلی الله علیه و آله كان يعطيهم منها حتى لحق بربه عز وجل ، وأنه لم يعهد إلى أحد من بعده باسقاط سهمهم ؛ وقد ذكر (1)صاحب كتاب الجوهرة النيّرة على مختصر
1) وذكر المؤرخون نظير هذه الحكاية أيضاً ، اذ قالوا جاء عيينة بن حصين والاقرع بن حابس إلى أبي بكر ، فقالا له : ان عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلا ولا منفعة ، فان رأيت ان تقطعناها لعل الله ان ينفع بها بعد اليوم. فقال أبو بكر لمن حوله : ما تقولون ؟ قالوا : لا بأس ، فكتب لهما بها كتاباً فانطلقا إلى عمر ليشهد لهما فيه ، فأخذه منهما ثم تفل فيه فمحاه ، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة ، ثم ذهباً إلى أبي بكر وهما يتذمران فقالا : والله ما ندري أأنت الخليفة أم عمر ؟ فقال : بل هو ، وجاء عمر حتى وقف على ابي بكر وهو مغضب فقال : اخبرني عن هذه الأرض التي اقطعتها هذين اهي لك خاصة أم بين المسلمين ؟ فقال : بل بين المسلمين. فقال : ما حملك على ان تخص بها هذين ؟ قال : استشرت الذين حولي. فقال : أوكل المسلمين وسعتهم مشورة ورضا ؟ فقال أبو بكر (رضی الله عنه) : فقد كنت قلت لك انك اقوى على هذا الأمر مني لكنك غلبتني.
القدوري (1)في الفقه الحنفي في صفحة 164 من جزئه الأول : ان المؤلفة قلوبهم جاءوا بعد النبي صلی الله علیه و آله إلى ابي بكر رضی الله عنه ليكتب لهم بعادتهم ، فكتب لهم بذلك فذهبوا بالكتاب إلى عمر (رضی الله عنه) ليأخذوا خطه على الصحيفة ، فمزقها وقال : لاحاجة لنا بكم فقد اعز الله الاسلام واغنى عنكم ، فان اسلمتم والا فالسيف بيننا وبينكم فرجعوا إلى ابي بكر فقالوا له : انت الخليفة أم هو ؟ فقال : بل هو إن شاء الله وامضى ما فعله عمر واستقر الأمر من يومها عند الجمهور على اسقاط هذا السهم ، بحيث لا تبرأ الذمة عندهم باعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة.
ومنها تأولهم آية الخمس ، وهي قوله تعالى في سورة الانفال : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم (2)مِن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَىٰ وَاليَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ
وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ (1)وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) حيث صرفوا الخمس إلى خلاف منطوقها.
فذهب الامام مالك « كما هو معلوم من مذهبه » إلى ان الخمس بأسره مفوض إلى السلطان يصرفه كيف شاء وانه لاحق لأحد بالمطالبة فيه ، وذهب الامام ابو حنيفة « كما هو بديهي من مذهبه » إلى انه يقسم ثلاثة اسهم : فيعطى لمطلق ايتام المسلمين سهم ، ولمطلق مساكينهم سهم ، ولمطلق ابناء السبيل منهم سهم ، ولا فرق عنده في ذلك بين ذي القربى منهم وغيره.
وانت ترى نص الكتاب قد فرض لذي القربى في الخمس حقاً قصره عليهم ، وتعلم ان السنة المطهرة قد جعلت لهم فيه سهما لن تبرأ الذمة إلا بدفعه اليهم ، وقد اجمع كافة أهل القبلة من أهل كل مذهب منهم ونحلة على أن رسول الله صلی الله علیه و آله كان يختص بسهم من الخمس ويخص منه اقاربه بسهم آخر ، ولم يعهد بتغيير ذلك إلى أحد حتى لحق بربه عز وجل فلما ولي ابو بكر (رضی الله عنه) تأول الأدلة فأسقط سهم النبي صلی الله علیه و آله وسهم ذوي القربى ، ومنع « كما في تفسير هذه الآية من الكشاف وغيره » بني هاشم من الخمس.
وفي أواخر باب غزوة خيبر من صحيح البخاري في صفحة 36 من جزئه الثالث ان فاطمة ارسلت إلى ابي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فأبى ابو بكر أن يدفع اليها شيئاً ، فوجدت عليه فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ، ولم يؤذن بها ابا بكر وصلى عليها - الحديث. وهو موجود أيضاً في باب قول النبي « لا نورث ما تركناه فهو
1) معنى هذا الشرط ان الخمس مصروف إلى هذه الوجوه الستة فاقطعوا عنه اطماعكم وأدوه لأربابه ان كنتم آمنتم بالله ، وفيه من البعث على أداء الخمس والانذار لتاركيه ما لا تسع بيانه عبارة.
صدقة » من صحيح مسلم في صفحة 72 من جزئه الثاني ، وفي مواضيع أخر من الصحيحين كما لا يخفى.
وأخرج مسلم في أواخر كتاب الجهاد والسير من الجزء الثاني من صحيحه عن قيس بن سعد عن يزيد بن هرمز قال : كتب نجدة بن عامر ( الحروري الخارجي ) إلى ابن عباس قال ( يزيد بن هرمز ) فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه وحين كتب جوابه. قال : فقال ابن عباس : والله لولا ان ارده عن نتن يقع فيه ما كتبت اليه ولا نعمة عين. قال : فكتب اليه إنك سألت عن سهم ذي القربى الذين ذكر الله من هم ؟ وإنا كنا نرى ان قرابة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هم نحن ، فأبى ذلك علينا قومنا - الحديث (1).
وأخرجه أيضاً الإمام أحمد من حديث ابن عباس في أواخر صفحة 294 من الجزء الأول من مسنده ، ورواه المحدثون بطرق كلها صحيحة ، وهذا هو مذهب أهل البيت والمتواتر عن أئمتهم علیهم السلام .
ومنها اقتصارهم في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات ، كما هو معلوم من فقه أهل المذاهب الأربعة وسيرتهم ، واول من جمع الناس على ذلك عمر بن الخطاب (رضی الله عنه) كما نص عليه جماعة كثيرون ، منهم السيوطي حيث ذكر أوليات عمر في تاريخ الخلفاء ، وابن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23 من تأريخه روضة المناظر (2)وغيرهما من أهل الأخبار.
ويدلك على تأولهم في هذه المسألة ما أخرجه أحمد بن حنبل من حديث زيد ابن أرقم في صفحة 370 من الجزء الرابع من مسنده عن عبد الاعلى قال : صليت
خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمساً ، فقام اليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال : نسيت ؟ قال لا ولكن صليت خلف أبي القاسم خليلي صلی الله علیه و آله فكبر خمساً فلا أتركها ابداً ا ه.
ومنها تأولهم في البكاء على الميت حيث حرمه الخليفة الثاني ، حتى أخرج الطبري عند ذكر وفاة أبي بكر في حوادث سنة 13 من الجزء الرابع من تأريخه بالاسناد إلى سعيد بن المسيب قال : لما توفي أبو بكر اقامت عليه عائشة النوح فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهن عن البكاء على أبي بكر فأبين ان ينتهين فقال عمر لهشام بن الوليد : أدخل فأخرج الي ابنة أبي قحافة. فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر : اني أحرج عليك بيتي. فقال عمر لهشام : أدخل فقد أذنت لك. فدخل هشام فأخرج أم فروة أخت ابي بكر إلى عمر فعلاها بالدرة فضربها ضربات فتفرق النوح حين سمعوا ذلك ا ه.
هذا مع ما أخرجه الامام احمد من حديث ابن عباس في صفحة 335 من الجزء الأول من مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول الله صلی الله علیه و آله وبكاء النساء عليها قال : فجعل عمر يضربهن بسوطه فقال النبي دعهن يبكين ، وقعد على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي. قال : فجعل النبي يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة ا ه.
واخرج أحمد أيضاً من حديث ابي هريرة في صفحة 333 من الجزء الثاني من مسنده حديثاً جاء فيه انه : مر على رسول الله جنازة معها بواكي فنهرهن عمر فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : دعهن فإن النفس مصابة والعين دامعة.
واخرج الامام احمد من حديث ابن عمر في صفحة 40 من مسنده قال : رجع رسول الله صلی الله علیه و آله من أحد فجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : ولكن حمزة لا بواكي له قال : ثم نام
فانتبه وهن يبكين حمزة قال : فهن اليوم إذا بكين يندبن حمزة ا ه - وهذا الحديث مستفيض بين المسلمين ، وقد ذكره ابن جرير ، وابن الأثير ، وصاحب العقد الفريد ، وجميع أهل السير والأخبار.
وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب نقلاً عن الواقدي ، قال : لم تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله « لكن حمزة لا بواكي له » إلى اليوم إلا بدأت بالبكاء على حمزة. وذكر ابن عبد البر في ترجمة جعفر من استيعابه قال : لما جاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) نعي جعفر أتى امرأته اسماء بنت عميس فعزاها. قال ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول واعماه ، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على مثل جعفر فلتبك البواكي.
وأخرج البخاري في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه انه صلی الله علیه و آله بكى على زيد وجعفر ، وذكر ابن عبد البر في ترجمة زيد من استيعابه انه صلی الله علیه و آله بكى على جعفر وزيد ، وقال : اخواي ومؤنساي ومحدثاي. وبكى على ولده إبراهيم فقال له عبد الرحمن بن عوف ( كما في الجزء الأول من صحيح البخاري ) وأنت يا رسول الله ؟ قال : يابن عوف انها رحمة ، ثم اتبعها - يعني عبرته - بأخرى فقال : إن العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون.
وقد علم الناس كافة بكاءه على عمه حمزة حتى قال ابن عبد البر في ترجمته من الاستيعاب : لما رأى النبي حمزة قتيلاً بكى ، فلما رأى ما مثل به شهق.
وذكر الواقدي ( كما في أواخر صفحة 387 من المجلد الثالث من شرح النهج ان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يومئذ اذا بكت صفية يبكي وإذا نشجت ينشج ، قال : وجعلت فاطمة تبكي فلما بكت بكى رسول الله.
وبكى صلی الله علیه و آله على صبي مات لاحدى بناته ، فقال له
سعد ( كما في صحيحي البخاري ومسلم ) ما هذا يا رسول الله ؟ قال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ا ه - إلى ما لا يحصى من قبيل هذه الأحاديث المشهورة ، مما لا يمكن استقصاؤه وفي هذا المقدار كفاية.
وأما ما جاء في الصحيحين من ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه ، وفي رواية ببعض بكاء اهله عليه ، وفي رواية ببكاء الحي ، وفي رواية يعذب في قبره بما نيح عليه ، وفي رواية من يبك عليه يعذب ، فإنه خطأ من الرواي بحكم العقل والنقل.
قال الفاضل النووي ( عند ذكر هذه الروايات في باب الميت يعذب ببكاء اهله عليه من شرح صحيح مسلم ) : هذه الروايات كلها من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله. قال : وانكرت عائشة عليهما ، ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه واحتجت بقوله تعالى : ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) .
قلت : وانكر هذه الروايات أيضاً ابن عباس واحتج على خطأ راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما ، وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض حتى ناحت على ابيها يوم مات ، فكان بينها وبين عمر ما قد سمعت ، والتفصيل في رسالتنا « الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة » وفي مقدمة مجالسنا الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة (1).
وللسلف تأولات غير الذي ذكرناه كتأخيرهم مقام ابراهيم إلى موضعه اليوم (2)وكان ملصقاً بالبيت ، وتوسعتهم المسجد الحرام سنة 17 للهجرة
1) المطبوعة سنة 1332.
2) أخره الخليفة الثاني كما هو مستفيض عنه فراجع صفحة 113 من المجلد الثالث من شرح النهج الحديدي طبع مصر ، ومادة « الديك » من حياة الحيوان للفاضل الدميري. وقال ابن سعد في ترجمة عمر من طبقاته ما هذا لفظه : وهو الذي أخر مقام ابراهيم إلى موضعه اليوم وكان ملصقاً بالبيت ا ه - ونقل السيوطي ذلك في أحوال عمر من تاريخ الخلفاء.
باضافة دور جماعة من حوله اليه ، وكانوا أبوا بيعها فهدمها الخليفة الثاني عليهم (1)ووضع اثمانها في بيت المال حتى اخذوها ، وكحكمه على اليمانيين بدية أبي خراش الهذلي الشاعر الصحابي المشهور (2)إذ باتوا ضيوفاً عنده ، فذهب يستقي لهم فمات من حية نهشته في الطريق ، وكنفيه نصر بن الحجاج بن علابط السلمي إلى البصرة (3)إذ تغنت به امرأة في دارها وكان في غاية من الحسن والجمال (4)وكقضاياه المختلفة في ميراث الجد مع الأخوة (5)حتى رجع إلى رأي زيد بن ثابت الأنصاري.
وكتأوله آية التجسس ، إذ رأى فيه صلاح المملكة ونفع الرعية ، فكان
1) نص على ذلك جميع أرباب السير كابن الاثير في حوادث تلك السنة من كامله وغيره.
2) ذكر هذه القضية ابن عبد البر في ترجمة ابن خراش من كتاب الكنى من الاستيعاب ، ونقلها عنه الدميري في مادة « الحية » من كتاب حياة الحيوان.
3) هذه القضية مستفيضة فراجع صفحة 99 من المجلد الثالث من شرح ابن أبي الحديد طبع مصر تجد تفصيلها ، وقد ذكرها ابن خلكان في ترجمة نصر بن الحجاج من وفياته تفصيلا.
4) وكنفيه ضبيع التميمي إلى البصرة أيضاً بعد ضربه الضرب المبرح اذ سأله عن تفسير آية من القرآن في قضية ذكرها ابن أبي الحديد في صفحة 122 من المجلد الثالث من شرح نهج البلاغة.
5) في صفحة 173 من الجزء الثاني المطبوع في هامشه كتاب عوارف المعارف ..
يتجسس نهارا ويعس ليلاً ، حتى ذكر الغزالي في احياء العلوم (1)انه سمع وهو يعس بالمدينة صوت رجل يتغنى في بيته فتسور عليه ، فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال : يا عدو الله اظننت ان الله يسترك وأنت على معصيته ؟ فقال : ان كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيته انت في ثلاثة. قال الله : ( وَلا تَجَسَّسُوا ) وقد تجسست ، وقال : ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) وقد تسورت عليّ ، وقال ( لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ) الآية ، وقد دخلت بيتي بغير اذن ولا سلام. فقال عمر (رضی الله عنه) : هل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ قال : نعم فتركه وخرج ، إلى غير ذلك من مصاديق اجتهاداته وموارد تأولاته التي عدل بها عن ظواهر الأدلة حرصاً على توطيد دعائم السياسة وابتغاء لتنظيم شؤونها ، وتقديما لمصلحة المملكة ، وايثارا لتقوية الشوكة من وضعه الخراج على السواد ، وكيفية ترتيبه للجزية وعهده بالشورى على الوجه المعلوم ، وقوله (2)يومئذ : « لو كان سالم ( ابن معقل مولى ابي حذيفة ) حيا استخلفته » مع انعقاد الاجماع (3)نصاً وفتوى على عدم جواز عقد الامامة لمثله ، ضرورة انه من أهل فارس ، إما من اصطخر أو من كرمد ، استرقته زوجة أبي حذيفة ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكانت من الأنصار.
1) روى ذلك طارق بن شهاب الزهري ، والتفصيل في مادة « الحية » من حياة الحيوان للدميري.
2) هذا القول متواتر عنه ، وهو موجود في كامل ابن الاثير وغيره من كتب السير والاخبار حتى صرح ابن عبد البر ، حيث أورد هذه المقالة في ترجمة سالم من استيعابه بأنها عن رأي رآه عمر واجتهاد ادى اليه نظره ، وأخرج احمد من حديث عمر في صفحة 20 من مسنده انه قال : لو ادركني أحد رجلين لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة.
3) صرح بانعقاد الاجماع على ذلك جماعة كثيرون ، منهم النووي في أول كتاب الامارة من شرحه لصحيح مسلم ، ولو راجعت ذلك الكتاب في صحيح مسلم لازددت بصيرة في ائمتك الاثني عشر علیهم السلام ..
تنبيه : أفادتنا سيرة بعض الصحابة انهم إنما كانوا يتعبدون بالنصوص ويجمدون عليها إذا كانت متمحضة للدين مختصة بالشؤون الاخروية ، كنصه صلی الله علیه و آله على صوم شهر رمضان دون غيره ، واستقبال القبلة في الصلاة لا غيرها ، ونحو ذلك من أوامره المتمحضة للنفع الاخروي ، أما ما كان منها متعلقاً بالسياسة كالولايات والتأميرات وتدبير قواعد الدولة وتقرير شؤون المملكة وتسريب الجيش ، فإنهم لم يكونوا يرون التعبد به والالتزام في جميع الأحوال بالعمل على مقتضاه ، بل جعلوا لأفكارهم فيه مسرحاً للبحث ومجالاً للنظر والاجتهاد ، فكانوا إذا رأوا في خلافه رفعاً لكيانهم أو نفعاً في سلطانهم عدلوا عنه إلى ما يرفعون به كيانهم أو ينتفعون به في سلطانهم ، ولذلك عدل هؤلاء في الخلافة عن وليها المنصوص عليه من نبيها فجعلوها للخلفاء الثلاثة (رضی الله عنه) واحداً بعد واحد ، مع عهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بها إلى أخيه ووليه ، ووارثه ووصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام).
لم يكونوا غائبين عن عهد النبي بها اليه ، ولا جاهلين بنصوصه (1)المتواترة عليه. وكانت تترى من مبدأ أمره بأبي هو وأمي إلى آخر عمره ، كما أوضحناه في مراجعاتنا الأزهرية وفي سبيل المؤمنين ، وانما غلب على ظنهم أن العرب لا تخضع لعلي ولا ترتضيه مالكاً لأزمة الحكم عليها حيث انه وترها في سبيل الله وسفك دماءها بسيفه في إعلاء كلمة الله ، وكشف القناع منابذاً لها في نصرة الحق حتى ظهر أمر الله على رغم كل عات كفور.
فهم لا يطيعونه إلا عنوة ولا يخضعون لامامته إلا بالقوة ، وقد عصبوا به كل
1) لم نذكر شيئاً من هذه النصوص هنا اكتفاء بمراجعاتنا الازهرية ومناظراتنا المصرية ، وقد استقصيتها بأسانيدها المعتبرة عند أهل السنة ، وسنطبع تلك المناظرات وكل قريب آت الا أن يشاء الله تعالى.
دم أراقه الاسلام أيام النبي صلی الله علیه و آله جريا على عادتهم في أمثال ذلك ، إذ لم يكن بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في عشيرته أحد يستحق أن تعصب به تلك الدماء عند العرب غيره ، لانه الأمثل في عشيرته والأفضل في قبيلته ، ولذلك تربصوا به الدوائر وقلبوا له الأمور وأضمروا له ولذريته كل حسيكة ووثبوا عليهم كل وثبة ، وكان ما كان مما طار في الأجواء وطبق رزؤه الأرض والسماء.
وأيضاً فإن قريشاً خاصة والعرب عامة كانت تنقم من علي شدة وطأته على اعداء الله ونكال وقعته فيمن يتعدى حدود الله أو يهتك حرماته عز وجل ، وكانت ترهب من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. وتخشى عدله في الرعية ومساواته بين الناس في كل قضية ، ولم يكن لها فيه مطمع ولا لأحد عنده هوادة ، فالقوي العزيز عنده ضعيف ذليل حتى يأخذ منه الحق ، والضعيف الذليل عنده قوي عزيز حتى يأخذ له بحقه ، فمتى تخضع الاعراب لمثله ( وهم أشد كفراً ونفاقا واجدر ان لا يعلموا حدود ما انزل الله على رسوله ) ، ( وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) وفيها بطانة لا يألونها خبالا.
على ان قريشاً وسائر العرب كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله ، حيث بلغ في علمه وعمله رتبة عند الله ورسوله تقاصر عنها الاقران وتراجع عنها الاكفاء ، ونال من الله ورسوله بسوابقه وخصائصه منزلة تشرئب اليها أعناق الاماني وشأوا تنقطع دونه هوادي المطامع ، وبذلك دبت عقارب الحسد له في قلوب المنافقين واجتمعت على نقض مجده كلمة الفاسقين والناكثين والقاسطين والمارقين ، فاتخذوا النص ظهرياً وكان لديهم نسياً منسيا.
وكان ما كان مما لست أذكره *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
على ان قريشاً وسائر العرب كانوا قد تشوفوا إلى تداول الخلافة بين
قبائلهم واشرأبت إلى ذلك اطماعهم ، فأمضوا نياتهم عليه ووجهوا عزائمهم اليه ، فتصافقوا على تناسي النص وعدم ذكره بالمرة ، وتبايعوا على صرف الخلافة من اول ايامها عن وليها المنصوص عليه من نبيها ، فجعلوها بالاختيار والانتخاب ليكون لكل حي من احيائهم امل في الوصول اليها ولو بعد حين ولو عملوا بالنص فقدموا علياً بعد رسول الله صلی الله علیه و آله لما خرجت الخلافة من عترته الطاهرة ، حيث قرنها يوم الغدير وغيره بمحكم الكتاب وجعلها قدوة لأولي الألباب إلى يوم الحساب ، وما كانت العرب لتصبر على حصر الخلافة في بيت مخصوص بعد أن طمحت اليها الابصار من كافة قبائلها وحامت عليها النفوس من جميع أحيائها.
وقد هزلت حتى بدا من هزاله *** كلاها وحتى استامها كل مفلس
ومن ألمّ بتاريخ قريش والعرب في صدر الاسلام يعلم انهم لم يخضعوا للنبوة الهاشمية إلا بعد أن تهشموا ولم يبق فيهم من رمق ، فكيف يرضون باجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم وقد قال الخليفة الثاني لابن عباس في كلام دار بينهما : ان قريشاً كرهت أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة فتجحفون على الناس.
والسلف الصالح لم يتسنَّ له أن يقهرهم يومئذ على التعبد بالنص فرقاً من انقلابهم إذا قاومهم وخشية من سوء عواقب الاختلاف في تلك الحال وقد ظهر النفاق بموت رسول الله صلی الله علیه و آله وقويت بفقده شوكة المنافقين وعتت نفوس الكافرين وتضعضعت اركان الدين وانخلعت قلوب المسلمين ، حيث صاروا بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية بين ذئاب كاسرة ووحوش ضارية ، وقد ارتدت طوائف من العرب وهمت بالردة أخرى وعظم قلق السلف الصالح على الاسلام واشتد فرقهم على أمة سيد الأنام فصبروا على مخالفة النص بقيا على المسلمين واحتياطا على الدين - صبروا وفي أعينهم من ذلك قذى وفي حلوقهم منه شجى كما قالوا علیهم السلام - وأشفق علي امير المؤمنين أن يظهر
ارداة القيام بأمر الناس مخافة البائقة وفساد العاجلة والآجلة ، والقلوب على ما وصفنا والمنافقون على ما ذكرنا ، يعضون عليهم الانامل من الغيظ وأهل الردة على ما بينا والأنصار قد خالفوا المهاجرين ، وانحازوا عنهم يقولون منا أمير ومنكم أمير و.و. فدعاه النظر للدين إلى الكف عن الاظهار والتجافي عن الأمور ، وعلم أن طلب الخلافة والحال هذه يستوجب التغرير في الدين والخطر بالأمة فاختار الكف ضناً بالدين وايثاراً للآجلة على العاجلة.
غير أنه قعد في بيته ( ولم يبايع حتى أخرجوه كرهاً ) احتفاظاً بحقه واحتجاجاً على من عدل عنه ، ولو أسرع إلى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان ، ولكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقه من امرة المؤمنين ، فدل ذلك على اصالة رأيه ورجاحة علمه وسعة صدره وشدة زهده وفرط سماحه وقلة حرصه ، ومتى سخت نفس امرئ عن هذا الخطب الجليل والأمر الجزيل ينزل من الله تعالى بغاية منازل الدين ، وإنما كانت غايته مما فعل أربح الحالين له وأعود المقصودين عليه.
أما الخليفة الأول وأتباعه (رضی الله عنه) أجمعين فقد تأولوا النص عليه بالخلافة للأسباب التي قدمناها ، ولا عجب منه في ذلك بعد الذي نبهناك اليه من عدم تعبدهم بما كان من نصوصه صلی الله علیه و آله ، متعلقاً بالسياسات والتأميرات وتدبير قواعد الدولة وتقرير شؤون المملكة واليك مضافاً إلى ما تلوناه نبذة من موارد تأولهم تكون نموذجا لرأيهم في تلك النصوص ، وحسبك بها أدلة على معذرة المتأولين ، وهي كثيرة :
فمنها سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى غزو الروم ، وهي آخر السرايا على عهد النبي صلی الله علیه و آله ، وقد اهتم فيها بأبي هو وأمي اهتماماً عظيماً ، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها وحضهم على ذلك ، ثم عبأهم بنفسه الزكية إرهاقاً لعزائمهم واستنهاضاً لهممهم ، فلم يُبق أحداً من وجوه المهاجرين
والأنصار كأبي بكر وعمر (1)وأبي عبيدة وسعد وأمثالهم إلا وقد عبأه بالجيش (2)وكان ذلك لاربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشرة للهجرة (3)فلما كان من الغد دعا أسامة فقال له : سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش فاغز صباحاً على أهل أبنى (4)وحرق عليهم ، وأسرع
1) أجمع أهل السير والاخبار على ان ابا بكر وعمر كانا في الجيش ، وارسلوا ذلك في كتبهم ارسال المسلمات ، وهذا مما لم يختلفوا فيه ، فراجع ما شئت من الكتب المشتملة على هذه السرية كطبقات ابن سعد وتاريخي الطبري وابن الاثير والسيرة الحلبية والسيرة الدحلانية وغيرها لتعلم ذلك ، وقد أورد الحلبي حيث ذكر هذه السرية في الجزء الثالث من سيرته حكاية ظريفة نوردها بعين لفظه. قال : ان الخليفة المهدي لما دخل البصرة رأى اياس بن معاوية الذي يضرب به المثل في الذكاء وهو صبي وخلفه اربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة فقال المهدي : أف لهذه العثانين - أي اللحى - أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث ؟ ثم التفت اليه المهدي وقال : كم سنك يا فتى؟ فقال : سني أطال الله بقاء أمير المؤمنين سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) جيشا فيه أبو بكر وعمر. فقال : تقدم بارك الله فيك. قال الحلبي : وكان سنه سبع عشرة سنة ا ه.
2) كان عمر يقول لاسامة : مات رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأنت علي أمير. نقل ذلك عنه جماعة من الاعلام كالحلبي في سرية أسامة من سيرته الحلبية وغير واحد من المحدثين والمؤرخين.
3) هذا بناء على ما صرح به كثير من أعلام السنة كابن سعد في سرية أسامة من طبقاته والحلبي والدحلاني في هذه السرية من سيرتيهما ، وقد اعتمدنا في شؤون هذه السرية على هاتين السيرتين.
4) ابنى بضم الهمزة وسكون الباء ثم نون مفتوحة بعدها الف مقصورة ناحية بالبلقاء من أرض سوريا بين عسقلان والرملة ، وهي قرب مؤتة التي استشهد عندها زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين في الجنة (علیه السلام).
السير لتسبق الأخبار ، فإن أظفرك الله عليهم فأقل اللبث فيهم وخذ معك الادلاء وقدم العيون والطلائع معك. فلما كان يوم الثامن والعشرين من صفر بدأ به صلی الله علیه و آله مرض الموت فحمّ بأبي هو وأمي وصدع ، فلما أصبح يوم التاسع والعشرين ووجدهم متثاقلين خرج اليهم فحضهم على السير وعقد صلی الله علیه و آله اللواء لأسامة بيده الشريفة تحريكاً لحميتهم وارهافا لعزيمتهم ، ثم قال : اغز بسم الله وفي سبيل الله وقاتل من كفر بالله ، فخرج بلوائه معقوداً فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف ثم تثاقلوا هناك فلم يبرحوا - مع ما وعوه ورأوه من النصوص الصريحة في وجوب اسراعهم كقوله صلی الله علیه و آله « أغز صباحاً على أهل أبنى » وقوله « واسرع السير لتسبق الأخبار » إلى كثير من أمثال هذه الأوامر التي لم يعملوا بها في تلك السرية - وطعن قوم منهم في تأمير أسامة كما طعنوا من قبل في تأمير أبيه ، وقالوا في ذلك فأكثروا مع ما شهدوه من عهد النبي له بالامارة وقوله صلی الله علیه و آله يومئذ « فقد وليتك هذا الجيش » ورأوه يعقد له لواء الامارة وهو محموم بيده الشريفة فلم يمنعهم ذلك من الطعن في تأميره حتى غضب صلی الله علیه و آله من طعنهم غضباً شديداً فخرج بأبي هو وأمي معصب الرأس (1)مدثراً بقطيفته محموماً ألماً ، وكان ذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول قبل وفاته بأبي هو وأمي بيومين (2)فصعد المنبر فحمد
1) كل من ذكر هذه السرية من المحدثين وأهل السير والأخبار نقل طعنهم في تأمير أسامة وانه (صلی الله علیه و آله و سلم) غضب غضباً شديداً فخرج على الكيفية التي ذكرناها فخطب الخطبة التي أوردناها ، فراجع سرية أسامة من طبقات ابن سعد وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرها من المؤلفات في هذا الموضوع.
2) هذا بناء على ما ذكره الحلبي والدحلاني في سيرتيهما ورواه المحدثون من أهل السنة كابن سعد في سرية أسامة من طبقاته ، وهي في آخر القسم الأول من الجزء الثاني من الطبقات.
الله وأثنى عليه ثم قال فيما اجمع أهل الأخبار على نقله واتفق أولوا العلم على صدوره : أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله ان كان لخليقا بالامارة وان ابنه بعده لخليق بها .. وحضهم على المبادرة إلى السير فجعلوا يودعونه ويخرجون إلى العسكر بالجرف وهو يحضهم على التعجيل ، ثم ثقل ( بأبي هو وأمي ) في مرضه فجعل يقول جهزوا جيش أسامة أنفذوا جيش أسامة أرسلو بعث أسامة - يكرر ذلك وهم متثاقلون ، فلما كان يوم الأثنين الثاني عشر من ربيع الأول دخل أسامة من معسكره على النبي صلی الله علیه و آله ، فأمره بالسير قائلاً له أغد على بركة الله تعالى ، فودعه وخرج إلى العسكر ثم رجع ومعه عمر وأبو عبيدة فانتهوا اليه بأبي هو وأمي وهو يجود بنفسه فتوفي ، ( روحي وأرواح العالمين له الفداء ) في ذلك اليوم (1)فرجع الجيش باللواء إلى المدينة الطيبة ، ثم عزموا على الغاء البعث بالمرة ، وكلموا أبا بكر في ذلك وأصروا عليه غاية الاصرار ، مع ما رأوه بعيونهم من اهتمام النبي صلی الله علیه و آله في انفاذه وعنايته التامة في تعجيل ارساله ونصوصه المتوالية في الاسراع به على وجه يسبق الأخبار وبذله الوسع في ذلك منذ عبأه بنفسه وعهد إلى أسامة في أمره وعقد لواءه بيده إلى أن احتضر بأبي هو وأمي فقال « اغد على بركة الله تعالى » كما سمعت ، ولولا الخليفة لاجمعوا يومئذ على رد البعث وحل اللواء لكنه أبى عليهم ذلك ، فلما رأوا منه العزم على ارسال البعث جاءه عمر بن الخطاب حينئذ يلتمس منه بلسان الأنصار أن يعزل أسامة ويولي غيره.
هذا ولم يطل العهد منهم بغضب النبي وانزعاجه من طعنهم في تأمير أسامة ،
1) وهذا أيضاً بناء على ما في سيرتي الحلبي والدحلاني ورواية المحدثين من أهل السنة كابن سعد وغيره ، والمأثور عندنا أنه توفي صلی الله علیه و آله لليلتين بقيتا من صفر.
ولا بخروجه من بيته بسبب ذلك محموماً مألوماً معصباً مدثراً يرسف في مشيته ورجله لا تكاد تقله مما كان به من لغوب فصعد المنبر وهو يتنفس الصعداء ويعالج البرحاء فقال : أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله ان كان لخليقا بالامارة وان ابنه من بعده لخليق بها ، فأكد صلی الله علیه و آله الحكم بالقسم وان واسمية الجملة ولام التأكيد ليقلعوا عما كانوا عليه فلم يقلمعوا ، لكن الخليفة أبى ان يجيبهم إلى عزل أسامة ، كما أبى ان يجيبهم إلى الغاء البعث ، ووثب فأخذ بلحية عمر (1)فقال ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب استعمله رسول الله صلی الله علیه و آله وتأمرني أن أنزعه.
ولما سيروا الجيش - وما كادوا يفعلون - خرج أسامة في ثلاثة آلاف مقاتل فيهم ألف فرس (2)وتخلف عنه جماعة منمن عبأهم رسول الله صلی الله علیه و آله في جيشه ، وقد قال صلی الله علیه و آله « جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه » (3).
1) نقله الحلبي والدحلاني في سيرتيهما وابن جرير الطبري في احداث سنة 11 من تاريخه وغير واحد من أهل الأخبار.
2) قشن الغارة على أهل ابنى فحرق منازلهم وقطع نخلهم وأجال الخيل في عرصاتهم وقتل من قتل منهم وأسر من أسر ، وقتل يومئذ قاتل أبيه ولم يقتل والحمد لله رب العالمين من المسلمين أحد ، وكان أسامة يومئذ على فرس أبيه شعارهم يا منصور امت - وهو شعار النبي صلی الله علیه و آله يوم بدر - وأسهم للفارس سهمين وللرجل سهما واحد وأخذ لنفسه مثل ذلك.
3) (11) أرسل هذه الكلمة أرسال المسلمات جماعة من أعلام الاثبات كالامام أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في المقدمة الرابعة من المقدمات التي ذكرها في أوائل كتابه الملل والنحل ، وأخرجها أبو بكر احمد ابن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة بالاسناد المرفوع إلى رسول الله صلی الله علیه و آله ، ونقلها عنه جماعة من أهل الاخبار كالعلامة المعتزلي الحنفي في آخر صفحة 20 من المجلد 2 من شرحه لنهج البلاغة طبع مصر.
وأنت تعلم انهم انما تثاقلوا عن السير أولاً وتخلفوا عن الجيش أخيرا ليحكموا قواعد سياستهم ، ويقيموا عمدها ترجيحاً منهم لذلك على التعبد بالنص ، حيث رأوه أولى بالمحافظة وأحق بالرعاية ، إذ لا يفوت البعث بتثاقلهم عن السير ، ولا بتخلف من تخلف منهم عن الجيش ، اما الخلافة فإنها تنصرف عنهم لا محالة ، إذا انصرفوا إلى الغزوة قبل وفاته صلی الله علیه و آله وكان بأبي هو وأمي أراد ان تخلو منهم العاصمة ، فيصفوا الأمر من بعده لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب على سكون وطمأنينة ، فإذا رجعوا وقد ابرم عهد الخلافة واحكم لعلي عقدها ، كانوا عن المنازعة والخلاف ابعد.
وانما امر عليهم أسامة وهو ابن سبع عشرة سنة (1)لياّلأعنة البعض وردا لجماح أهل الجماح منهم واحتياطا على الأمن في المستقبل من نزاع أهل التنافس لو أمر احدهم كما لا يخفى ، لكنهم فطنوا إلى كل ما دبر (صلی الله علیه و آله و سلم) فطعنوا في تأمير أسامة وتثاقلوا عن السير معه ، فلم يبرحوا من الجرف حتى لحق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بربه ، فهموا حينئذ بالغاء البعث وحل اللواء تارة وبعزل أسامة أخرى ، ثم تخلف كثير منهم عن الجيش كما سمعت. فهذه خمسة امور في هذه السرية لم يتعبدوا فيها بالنصوص الجلية إيثار لرأيهم في الأمور السياسية وترجيحاً لاجتهادهم فيها على التعبد بنصوصه (صلی الله علیه و آله و سلم).
ومنها رزية يوم الخميس ، وهي من الرزايا الفادحة والقضايا الثابتة نقلها أهل السير والأخبار ، واخرجها المحدثون كافة بالطرق المجمع على صحتها
1) على الاظهر ، وقيل كان ابن ثمان عشرة سنة ، وقيل ابن تسع عشرة سنة ، وقيل ابن عشرين سنة ، ولا قائل بأن عمره كان أكثر من ذلك.
وحسبك منها ما اخرجه البخاري في باب قول المريض « قوموا عني » من كتاب المرضى من صحيحه (1)بسنده إلى عبيدالله بن عبد الله عن ابن عباس قال : لما حضر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلی الله علیه و آله : هلم اكتب لكم كتاباً لا تضلوا (2)بعده فقال عمر : ان النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما اكثروا اللغو والاختلاف عند النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : قوموا : قال عبيدالله : فكان ابن عباس يقول : ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم - ا ه.
وهذا الحديث مما لا كلام في صحته ، وقد اورده البخاري في كتاب العلم أيضاً من صحيحه (3)، وفي مواضع اخر يعرفها المتتبعون.
واخرجه مسلم في آخر الوصية من صحيحه (4)ورواه احمد من حديث ابن عباس في مسنده (5)وسائر المحدثين ، وقد تصرفوا فيه اذ نقوله بالمعنى ولفظه الثابت عن عمر رضی الله عنه « ان النبي يهجر » لكنهم ذكروا انه قال « ان النبي قد غلب عليه الوجع » تهذيباً للعبارة وتقليلاً لما يستهجن منها ، ويدل على ذلك ما اخرجه ابو بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة (6)
بالاسناد إلى عبد الله بن عباس قال : لما حضرت رسول الله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ائتوني بدواة وصحيفة اكتب كتاباً لا تضلوا بعده. قال : فقال عمر كلمة معناها ان الوجع قد غلب على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم قال : عندنا القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف من في البيت واختصموا فمن قائل قربوا يكتب لكم النبي ومن قائل ما قال عمر ، فلما اكثروا اللغط واللغو والاختلاف غضب (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال : قوموا - الحديث.
وتراه صريحاً بأنهم انما نقلوا معارضة عمر بالمعنى لا بعين لفظه ، ويدلك على هذا أيضاً ان المحدثين حيث لم يصرحوا باسم المعارض يومئذ لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نقلوا الحديث بعين لفظه : قال البخاري في باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير من صحيحه (1): حدثنا قبيصة حدثنا ابن عيينة عن سلمان الاحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس انه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال : اشتد برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وجعه يوم الخميس فقال : ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده ابداً ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا : هجر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال دعوني فالذي انا فيه خير مما تدعوني اليه. قال : وأوصى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم : قال : ونسيت الثالثة (2). وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضاً في آخر كتاب الوصية من صحيحه ، واحمد من حديث ابن عباس في مسنده (3)ونقله كافة المحدثين.
وأخرج مسلم في كتاب الوصية من الصحيح عن سعيد بن جبير من طريق آخر عن ابن عباس انه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم جعل تسيل دموعه حتى رؤيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أئتوني بالكتف والدواة ، أو اللوح والدواة اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبدا. فقالوا ان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يهجر ا ه (1).
ومن ألم بمجموع ما حول هذه الرزية من الأحاديث يعلم أن أول من قال يومئذ هجر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) انما هو الخليفة الثاني رضی الله عنه ، ثم نسج على منواله من الحاضرين من كانوا يرون رأيه ويؤثرون هواه ، كما يدل عليه الحديث الأول الذي رواه البخاري بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ، وقد سمعت قول ابن عباس فيه ، فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر.
وكيف كان فانهم لم يتعبدوا هنا بنصه الذي لو تعبدوا به لأمنوا من الضلال ، بل لم يكتفوا بعدم الامتثال لامره حتى ردوا عليه بقولهم « حسبنا كتاب الله » كما يزيف أحدنا رأي الآخر ، كأن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يعلم بمكان كتاب الله منهم ، أو أنهم أعلم منه بخواص كتاب الله وفوائده ، وليتهم اكتفوا بهذا كله ولم يفاجئوه بكلمتهم تلك وهو محتضر بأبي هو وأمي بينهم ، وأي كلمة كانت منهم وداعاً له (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وكأنهم حيث لم يأخذوا بهذا النص اكتفاء منهم بكتاب الله على ما زعموا لم يسمعوا هتاف الكتاب آناء الليل وأطراف النهار في أنديتهم قائلاً : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) وكأنهم حيث قالوا كلمتهم تلك لم يقرأوا قوله تعالى : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ) وقوله عز من
1) وأخرج هذا الحديث بهذه الالفاظ احمد في صفحة 355 من الجزء الأول من مسنده وغير واحد من الاثبات.
قائل : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ ) وقوله سبحانه وتعالى : ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ) إلى كثير من هذه الآيات المحكمة المنصوص فيها على عصمة قوله من الهجر (صلی الله علیه و آله و سلم).
على أن العقل يستقل بذلك ويحكم جازما به كما لا يخفى على أولي الألباب ، لكن القوم علموا أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) يريد توثيق العهد إلى علي بالخلافة وتأكيد النص بها عليه خاصة وعلى الأئمة من عترته عامة احتياطاً على أمته ومبالغة في النصح لها واهتماماً في شأن خلفائه بتسجيل عهده اليهم بالخلافة خطا بعد أن أعلنه قولاً وفعلاً ، فصدوه عن هذه المهمة بكلمتهم هذه ، كما اعترف به الخليفة الثاني في كلام دار بينه وبين ابن عباس (1).
وأنت هداك الله إذا تأملت في قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) : « أئتوني اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده » وقوله في حديث الثقلين « اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي » تعلم ان المرمى في الحديثين واحد ، وأنه (صلی الله علیه و آله و سلم) انما أراد في مرضه بأبي هو وأمي أن يكتب لهم تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين ، وانما عدل عن ذلك لأن كلمتهم التي فاجأوه بها اضطرته إلى العدول ، إذ لم يبق بعدها أثر لكتابة الكتاب لاختلاف الأمة من بعده في أنه هجر فيما كتبه فيه ( والعياذ بالله ) أو لم يهجر ، كما اختلفوا في ذلك فاختصموا وأكثروا اللغط نصب عينيه ، فلم يتسن له يومئذ أكثر من طردهم من مجلسه ، فقال : « قوموا عني » كما سمعت.
1) راجع الجزء 12 من شرح النهج الحديدي تجد ذلك في السطر 27 من صفحة 114 من المجلد 3 طبع مصر.
ولو أصر فكتب الكتاب للجوا في قولهم هجر ولأوغل اشياعهم في اثبات هجره ( والعياذ بالله ) فسطروا به أساطيرهم وملأوا منه طواميرهم رداً على علي وشيعته اذا احتجوا بذلك الكتاب.
لهذا اقتضت حكمته البالغة أن يضرب صلی الله علیه و آله عن ذلك الكتاب صفحا لئلا يفتح هؤلاء المعارضون وأولياؤهم بابا إلى الطعن في نبوته ( نستجير بالله ) وقد رأى صلی الله علیه و آله أن أولياء علي خاضعون لخلافته ، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب ، وغيرهم لا يعمل به ولا يعتبره ولو كتب ، فالحكمة والحال هذه توجب تركه إذا لا أثر له بعد تلك المعارضة سوى وقوع الفتنة كما لا يخفى. ومن تأمل أحوالهم زمن النبي صلی الله علیه و آله فضلاً عن أيام خلافتهم علم أنهم كانوا كما نبهناك اليه.
ألا تراهم يوم تبوك كيف انكروا اذن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يومئذ بنحر ابلهم وأكل لحومها ، إذ أملقوا في تلك الغزوة وجاعوا فأنكر عمر (رضی الله عنه) ذلك وقال : ما بقاؤكم بعد إبلكم والقضية ثابتة معروفة ، أخرجها البخاري في باب حمل الزاد في الغزو من كتاب الجهاد والسير من الجزء الأول من صحيحه ، ورواها سائر المحدثين.
وأنكروا عليه صلح الحديبية بتلك العبارات المزعجة ، وكان صلی الله علیه و آله مأموراً به والحكمة كانت فيه بالغة ، اذ دخل بسببه في الدين أضعاف ما دخل فيه قبل ذلك ، فكان في الواقع فتحاً مبيناً (1)ونصراً عزيزاً
1) وفيه انزل الله تعالى ( انا فتحنا لك فتحاً مبيناً ) عن الشعبي وغيره كما في الكشاف وغيره. وعن موسى بن عقبة كما في الكشاف أيضاً أقبل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحابه : ما هذا بفتح ، لقد صدونا عن البيت وصد هدينا ، فبلغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ذلك فقال : بئس الكلام هذا ، بل هو أعظم الفتوح - الحديث.
بيد أن أبا حفص رضی الله عنه لم يدرك يومئذ حكمته واعتقده خطة خسف فأنكره جهرة وصادر به علانية ، والقضية مشهورة وحسبك منها ما أخرجه مسلم في باب صلح الحديبية من الجزء الأول من صحيحه ان عمر بن الخطاب قال يومئذ : ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : بلى. قال : اليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى. قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) : يا بن الخطاب اني رسول الله ولن يضيعني الله ابداً. قال : فانطلق عمر (رضی الله عنه) فلم يصبر متغيضاً ، فأتى ابا بكر (رضی الله عنه) فقال : يا أبا بكر السنا على حق وهم على باطل ؟ قال : بلى. قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى. قال : فعلى م نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال : يا بن الخطاب أنه رسول الله ولن يضيعه الله ابداً - الحديث. وأخرجه غير واحد من المحدثين بلهجة اشد مما سمعت.
وأخرج البخاري في آخر كتاب الشروط (1)من صحيحه حديثاً جاء فيه : أن عمر (رضی الله عنه) قال : فقلت ألست نبي الله حقاً ؟ قال : بلى. قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى. قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا اذن ؟ قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : اني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام. قلت : لا قال : فانك آتيه ومطوف به ؟ قال : فأتيت أبا بكر فقلت : اليس هذا نبي الله حقاً ؟ قال : بلى. ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى. قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا اذن ؟ قال : أيها الرجل انه لرسول الله ، وليس يعصي به وهو ناصره فاستمسك بغرزه (2)فوالله انه على الحق. فقلت :
1) في صفحة 81 من جزئه الثاني.
2) (26) الغرز ركاب من جلد يضع الراكب رجله فيه ، فيكون المعنى اعتلق به وأمسكه واتبع قوله وفعله ولا تخالفه ، فاستعار له الغرز كالذي يمسك بركاب الراكب ويسير بسيره. وفي القاموس : غرز كسمع اطاع السلطان بعد عصيان ، وعلى هذا فلفظ غرزه هنا مصدر مصدر غرز فيكون المعنى استمسك بطاعته بعد العصيان.
أليس كان يحدثنا أن سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرك انك تأتيه العام. قلت : لا. قال : فانك آتيه ومطوف به. قال عمر (رضی الله عنه) فعملت لذلك أعمالاً (1)قال : فلما فرغ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من قضية الكتاب ( الذي كتبه يومئذ في الصلح ) قال (صلی الله علیه و آله و سلم) لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال : فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات - الحديث. وأخرجه الأمام أحمد من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في مسنده (2).
وذكر الحلبي في غزوة الحديبية من سيرته (3)أن عمر (رضی الله عنه) جعل يرد على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الكلام ، فقال له أبو عبيدة بن الجراح : ألا تسمع يا بن الخطاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول ما يقول ، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الحلبي : وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يومئذ : يا عمر اني رضيت وتأبى.
وقال الحلبي وغيره ان عمر (رضی الله عنه) كان بعد ذلك يقول : ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به ... إلى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية.
وأنكر رضی الله عنه يوم بدر أخذ الفداء من الأسرى واطلاق سراحهم ، وكان من رأيه أن يعمد حمزة إلى أخيه العباس فيقتله ، ويأخذ علي أخاه عقيلا
فيقتله ، وهكذا كل مسلم له قرابة في أسرى المشركين يقتله بيده حتى لا يبقى منهم أحد ، فأعرض رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن هذا الرأي ، تعبدا بالوحي الموافق للرحمة والحكمة ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَىٰ ) لكن الجاهلين بعصمته وحكمته ( لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا ) كان الحق في هذه الواقعة مع عمر (رضی الله عنه) ، معتمدين في ذلك على أحاديث اختلقها بعض المنافقين من أعداء الله ( مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) ، ( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) وقد امعنوا في التيه واوغلوا في الجهل وتسكعوا في تفسير قوله تعالى : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) حيث اشتبهت عليهم في هذه الآية معالم القصد وعميت لديهم فيها وجوه الرشد ، فقالوا بنزولها في التنديد برسول الله صلی الله علیه و آله واصحابه ، حيث آثروا ( بزعم هؤلاء الجهلاء ) عرض الحياة الدنيا على الآخرة ، فاتخذوا الأسرى وأخذوا منهم الفداء قبل ان يثخنوا في الأرض وزعموا انه لم يسلم يومئذ من الخطيئة الا عمر رضی الله عنه ، وانه لو نزل العذاب لم يفلت منه إلا ابن الخطاب ، ورووا في ذلك من الروايات الموضوعة ما شاءه جهلهم ، واقتضاه نفاق الواضعين وعداوتهم.
وكذب من زعم انه (صلی الله علیه و آله و سلم) اتخذ الأسرى واخذ منهم الفداء قبل ان يثخن في الأرض ، فانه بأبي وأمي انما فعل ذلك بعد ان اثخن في الأرض ، وقتل صناديد قريش وطواغيتها ، كأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد وحنظلة إلى سبعين من رؤوس الكفر وزعماء الظلال ، كما هو معلوم بالضرورة الأولية ، فكيف يمكن بعد هذا ان يتناوله (صلی الله علیه و آله و سلم) اللوم المذكور في الآية ( تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ) ؟!
والصواب ان الآية انما نزلت في التنديد بالذين كانوا يودون العير واصحابه
على ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله في هذه الواقعة عز من قائل : ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ ) وكان صلی الله علیه و آله قد استشار أصحابه ، فقال لهم (1)ان القوم قد خرجوا على كل صعب وذلول فما تقولون العير أحب اليكم أم النفير ؟ قالوا : بل العير أحب الينا من لقاء العدو ، وقال بعضهم حتى رآه (صلی الله علیه و آله و سلم) مصراً على القتال : هلا ذكرت لنا القتال لنتأهب له انا خرجنا للعير لا للقتال ، فتغير وجه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فأنزل الله تعالى : ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ) .
وحيث أراد الله عز وجل أن يقنعهم بمعذرة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في اصراره على القتال وعدم مبالاته بالعير وأصحابه قال عز من قائل : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ ) من الأنبياء المرسلين قبل نبيكم محمد صلی الله علیه و آله : ( أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) فنبيكم لا يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض على سنن غيره من الأنبياء علیهم السلام ، ولذلك لم يبال اذ فاته أسر أبي سفيان واصحابه حين هربوا بعيرهم إلى مكة ، لكنكم انتم ( تُرِيدُونَ ) إذ تودون اخذ العير واسر اصحابه ( عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ) باستئصال ذات الشوكة من اعدائه ( وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) والعزة والحكمة تقتضيان يومئذ اجتثاث عز العدو واطفاء جمرته. ثم قال تنديدا بهم وتهديداً لهم ( لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ ) في علمه الأزلي بأن يمنعكم من اخذ العير واسر صحابه لأسرتم القوم واخذتم عيرهم ، ولو فعلتم ذلك ( لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ ) قبل ان تثخنوا في الأرض ( عَذَابٌ عَظِيمٌ ) هذا معنى الآية الكريمة (2)وحاشا لله ان يريد منها ماذكره اولئك الجهلاء.
بقى هنا أمر ننبهك اليه لتكون على يقين بمعذرة المتأولين ، وهو أن النبي صلی الله علیه و آله قال لأصحابه (1)( يوم التقى الجمعان في بدر ) قد عرفت رجالاً من بني هاشم وغيرهم أخرجوا اكراهاً ، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله ، فانه أخرج كرها. نهى عن قتل بني هاشم عموماً وعن قتل العباس منهم بالخصوص حين كانوا في ساحة القتال لكونهم مكرهين على ذلك ، فالعجب ممن اقترح بعدها عليه بأبي هو وأمي أن يقتل العباس وعقيلا بيدي أخويهما حمزة وعلي فهل هذا من مظاهر رفقه بالنبي وأهل بيته (صلی الله علیه و آله و سلم) ، أو من موارد تعبده بنصوصه المقدسة ؟! كلا بل هو من الشواهد على أنه كان يؤثر رايه على التعبد بها كما لا يخفى.
وقد استاء أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من نهي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن قتل العباس وسائر بني هاشم حتى قال ( كما في تاريخي ابن الأثير وابن جرير وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرهما ) : أنقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا ونترك العباس ، والله لئن لقيته لا لجمنه بالسيف ، فبلع النبي ذلك النبي فقال لعمر رضی الله عنه : يا أبا حفص اما تسمع قول أبي حذيفة ، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ؟ فانظر كيف استنجده للدفاع عن عمه واعجب من اقتراحه بعد ذلك عليه قتله.
وقد ذكر المؤرخون كافة أنه لما أمسى العباس مأسوراً بات رسول الله بأبي هو وأمي ساهراً ، فقال له أصحابه : يا رسول الله مالك لا تنام ؟ فقال : سمعت تضور العباس في وثاقه فمنع مني النوم فقاموا اليه فأطلقوه فنام رسول الله صلی الله علیه و آله .
1) كما في تاريخي ابن جرير وابن الاثير وسيرتي الدحلاني والحلبي وغيرها.
وان رحمته (صلی الله علیه و آله و سلم) للعالمين ورأفته بالمؤمنين واشفاقه على عشيرته الأقربين وخصوصاً على أبي الفضل صنو أبيه والبقية من أهليه لمما هو غني عن البيان ومن ذا يجهل حرصه يومئذ على سلامتهم ورغبته التامة في بقائهم ليفوزوا بعد ذلك بخدمته ، وكانوا في الواقع مؤمنين لكنهم لم يتمكنوا من الهجرة اليه فأكرهوا على الخروج كما نص عليه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فاقترح قتلهم والحال هذه أكبر شاهد على أنهم كانوا يؤثرون ارادتهم في مثل هذا المقام على التعبد بارادته وأوامره عليه وآله الصلاة والسلام.
ولهم في أحد حالات تشهد بما قلناه ، وذلك أن رسول الله صلی الله علیه و آله قد استقبل المدينة في هذه الغزوة وترك أحداً خلف ظهره وجعل الرماة وراءه وكانوا خمسين رجلاً أمر عليهم عبد الله بن جبير رحمه الله وقال له ( فيما نص عليه المؤرخون والمحدثون كافة ) انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا واثبت (1)مكانك ان كانت لنا أو علينا ، وحضهم على ذلك بما لا مزيد عليه وشدد عليهم الأمر في طاعة أميرهم عبد الله - لكنهم ( وا أسفاه ) لم يتعبدوا يومئذ بأوامره ونواهيه (صلی الله علیه و آله و سلم) ترجيحاً لآرائهم عليها ، وذلك حيث حمي الوطيس واشتد بأس المسلمين بسطوة حيدرة الكرار على فيالق المشركين وصولته على أصحاب لوائهم وهم ثمانية من بني عبد الدار ، كانوا أسود الوقائع واحلاس الخيل وتاسعهم عبدهم صواب كان من طينتهم وعلى شاكلتهم فقتلهم أمير المؤمينين (2)واحداً بعد واحد وبقي لواؤهم مطروحا على الأرض لا يدنوا منه
أحد ، فانكشف الكفار حينئذ عن المسلمين هاربين على غير انتظام ودخل المسلمون عسكرهم ينهبون ما تركه من أسلحة وأمتعة وذخائر ومؤن فلما نظر الرماة إلى المسلمين وقد اكبوا على الغنائم دفعهم الطمع في النهب إلى مفارقة محلهم (1)الذي أمروا ان لا يفارقوه فنهاهم أميرهم عبد الله بن جبير رضی الله عنه فلم ينتهوا وقالوا : ما مقامنا ها هنا وقد انهزم المشركون. فقال عبد الله (2)والله لا أجاوز أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وثبت مكانه مع أقل من عشرة فنظر خالد ابن الوليد المخزومي إلى قلة من في الجبل من الرماة فكر بالخيل عليهم (3)ومعه عكرمة بن أبي جهل ، فقتلوهم ومثلوا بعبد الله بن جبير فأخرجوا حشوة بطنه وهجموا على المسلمين وهم غافلون وتنادوا بشعارهم يا للعزى يا لهبل ، ووضعوا السيوف في المسلمين وهم آمنون فكان البلاء ، وقتل حمزة سيد الشهداء وسبعون من صناديد المهاجرين والانصار ، وأصيب النبي بأبي هو وأمي بجروح يقرح القلوب ذكرها ويهيج الأحزان بيانها ، فجزاه الله عنا خيراً ما جزى نبيا عن أمته ، وانما كان هذا البلاء كله بعدهم بأوامره ونواهيه المقدسة عفا الله تعالى عنهم.
ولهم ثمة واقعة ثانية قدموا فيها رأيهم أيضاً ، وهي أعظم من الأولى ، وذلك أنه لما اشتد البلاء بهجوم خالد على المسلمين تركوا سيد الأنبياء بين أولئك الأعداء ، وأسلموه لأحقادهم البدرية وضغائنهم الكفرية ، وفروا مصعدين لا يلوون على أحد والرسول يدعوهم في أخراهم فلا يلبونه كما حكاه الله عز وجل حيث
يقول (1)( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ) ولم يثبت معه الا نفر يسير لا يزيدون على أربعة عشر رجلاً (2)يحمل لواءهم علي بن أبي طالب (3)وله ثمة مواقف شكرها الله له ورسوله وجبرئيل والمؤمنون ، حيث قام في نصرة النبي صلی الله علیه و آله على ساقه وشد لها حيازيمه ، فحمل على جموع الأعداء حملته العظيمة فكشفهم عن النبي وقد أثخن بأبي هو وأمي فجعل تارة يدافع عنه الأعداء وأخرى ينقل له الماء من المهراس في درقته فيغسل جرحه (4)وجعل صلی الله علیه و آله كلما أبصر جماعة من الأعداء يقول : اكفينيهم يا علي (5)، فيشد عليهم بسيفه فلا يرجع حتى يفرق شملهم ويمزق جمعهم وقد عجبت بذلك ملائكة السماء من مواساته فقال جبرائيل علیه السلام (6): يا رسول الله هذه المواساة. فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) : أنه مني وأنا منه فقال جبرائيل علیه السلام : وأنا منكما. وسمعوا حينئذ منادياً ينادي لا سيف إلا ذو الفقار (7)ولا فتى الا علي.
1) اجمع المفسرون والمحدثون والمؤرخون على نزول هذه الآية في هذه الواقعة.
2) كما في تاريخ ابن الأثير وغيره.
3) لا كلام في ان حامل لواء المسلمين يوم أحد انما كان أولا مصعب ابن عمير ، فلما استشهد رحمه الله حمله علي باتفاق أهل الاخبار ، ولم يزل يومئذ حاملا له حتى انتهى القتال.
4) كل من أرخ غزوة أحد من الاولين والآخرين ذكر نقل على الماء من المهراس بدرقته إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فراجع.
5) راجع غزوة أحد من تاريخ ابن الاثير وغيره.
6) كما في تاريخ ابن الأثير وابن جرير وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرها.
7) راجع غزوة أحد من تاريخي ابن جرير وابن الاثير والسيرة الحلبية وغيرها تجد هذا النداء.
شط بنا القلم عن المقصود فلنعد اليه فنقول : أن القوم اسلموا رسول الله صلی الله علیه و آله واوغلوا في الهرب حتى قال المحدثون والمؤرخون واللفظ لابن الاثير في كامله : قد انتهت الهزيمة بجماعة المسلمين وفيهم عثمان بن عفان وغيره إلى الأحوص فأقاموا به ثلاثة ثم أتوا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال لهم حين رآهم : لقد ذهبتم فيها عريضة.
هذا مع ما سمعوه من النواهي الصريحة في تحريم ذلك ، وحسبك منها قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ) الآية.
وهناك نص آخر عدل البعض عن العمل به أيضاً ، وذلك أنه لما أشتد البلاء وعظم الخطب بفرار المسلمين ارهف المشركون لقتل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) غرار عزمهم وأرصدوا لذلك جميع اهبهم ، فتعاقد خمسة من شياطينهم على ذلك كانوا كالفدائية في هذا السبيل ، وهم عبد الله بن شهاب الزهري وعتبة بن أبي وقاص وابن قمأة الليثي وأبي بن خلف وعبد الله بن حميد الأسدي القرشي لعنهم الله واخزاهم ، فاما ابن شهاب فأصاب جبهته الميمونة ، وأما عتبة فرماه ( تبت يداه ) بأربعة أحجار فكسر رباعيته وشق شفته ، وأما ابن قمأة ( قاتله الله ) فكم وجنته ودخل من خلف المغفر فيها ، وعلاه بالسيف ( شلت يداه ) فلم يطق ان يقطع فسقط صلی الله علیه و آله إلى الأرض. وأما أبي بن خلف فشد عليه بحربته فأخذها رسول الله منه وقتله بها ، وأما عبد الله بن حميد فقتله أبو دجانة الأنصاري شكر الله سعيه وأعلى في الجنان مقامه فأنه ممن أبلى يومئذ بلاء حسنا ، ثم حمل ابن قمأة على مصعب بن عمير وهو يظنه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقتله ورجع إلى قريش يبشرهم بقتل محمد ، فجعل الناس يقولون قتل محمد قتل محمد ، فانخلعت قلوب المسلمين جزعاً وكادت نفوسهم أن تزهق هلعاً وأوغلوا في الهرب مدلهين مدهوشين لا يرتابون في قتل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد سقط في أيديهم ، وكان
أول من عرف أن رسول الله صلی الله علیه و آله حي كعب بن مالك. قال (1)فناديت يا معشر المسلمين ابشروا هذا رسول الله حي لم يقتل فأشار اليه النبي صلی الله علیه و آله ان انصت مخافة ان يسمعه العدو فيثب عليه ، فسكت الرجل ثم أشرف أبو سفيان على المسلمين فقال : أفي القوم محمد ؟ فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا تجيبوه (2)مخافة أن يعرف انه حي فيشد عليه بمن معه من أعداء الله ورسوله ثم نادى : أنشدك الله يا عمر اقتلنا محمداً ؟ فقال عمر (3)اللهم لا وانه والله ليسمع كلامك. فقال أبو سفيان : انت أصدق من ابن قمأ. وأنت تراه قد أجاب أبا سفيان مع نهيه (صلی الله علیه و آله و سلم) اياهم عن جوابه ، وما ذاك إلا لكونه متأولاً وحسبك بهذا دليلاً على معذرة المتأولين.
وأنكر رسول الله صلی الله علیه و آله يوم مات المنافق ابن أبي حيث جاء ابنه فقال : يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له ، فأعطاه قميصه وقال : إذا فرغت منه فآذنا. ولم يكن صلی الله علیه و آله حينئذ قد نهي عن الصلاة على المنافقين (4)وكانت الحكمة فيما فعله صلی الله علیه و آله بالغة ، وقيل له (صلی الله علیه و آله و سلم) (5)لم وجهت قميصك اليه يكفن فيه ؟
1) كما في غزوة أحد من تاريخ ابن الأثير وغيره.
2) كما في غزوة أحد من تاريخي ابن الأثير وابن جرير ومن طبقات ابن سعد ومن السيرتين الحلبية والدحلانية وسائر الكتب المشتملة على هذه الغزوة.
3) فيما رواه عنه كل من أرخ غزوة أحد كابن سعد في طبقاته وابن جرير وابن الاثير وسائر أهل السير والاخبار.
4) فيما رواه أصحابنا عن أئمة الهدى من آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ونقله صاحب مجمع البيان عن ابن عباس وجابر وقتادة.
5) في رواية ذكرها صاحب مجمع البيان في تفسير قوله تعالى ( ولا تصل على أحد منهم مات ابداً ) من سورة التوبة.
فقال : ان قميصي لن تغني عنه من الله شيئاً ، واني أؤمل ان يدخل بهذا السبب في الاسلام خلق كثير. فروي انه اسلم بهذا السبب ألف من الخزرج (1)ولكن عمر رضی الله عنه لم يدرك الحكمة فيما فعله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فأنكر عليه فعله حتى جذبه بردائه وهو واقف للصلاة عليه ، والقضية ثابتة اخرجها البخاري في الصفحة الثانية من كتاب اللباس من صحيحه (2)ورواها كافة محدثي السنة ومؤرخيهم ، وقد بلغت القحة هنا ببعض الجاهلين مبلغا لا يليق بذي دين والأولى بفصولنا الأعراض عن فضولهم.
وانكر عليه أمره صلی الله علیه و آله أبا هريرة ان يبشر بالجنة كل من لقيه من أهل التوحيد ، حيث اقتضعت الحكمة يومئذ تنشيط الموحدين وتشويق الناس إلى التوحيد ، وترغيبهم في الاسلام بتسهيل الأمر عليهم ، وكانت الحاجة في تلك الأوقات إلى ذلك شديدة فأنكر عمر ذلك وضرب أبا هريرة ( وهو رسول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ردعا له عن أداء ما أمره به رسول الله ) ضربة خر بها إلى الأرض ، والقضية ثابتة فراجعها في صحيح مسلم (3).
وترك ابو بكر وعمر رضي الله عنهما قتل رجل أمرهما النبي صلی الله علیه و آله بقتله وأخبرهم انه لو قتل ما اختلف بعده اثنان ، وفي قضية مستفيضة أخرجها المحدثون بأسانيدهم المعتبرة ونقلها أهل السير والأخبار. وحسبك منها ما اخرجه الامام احمد بن حنبل في صفحة 15 من الجزء الثالث من مسنده من حديث ابي سعيد الخدري قال : ان أبا بكر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم فقال : يارسول الله اني مررت بوادي كذا وكذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي. فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) : اذهب اليه فاقتله قال : فذهب اليه ابو بكر فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله ، فرجع إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لعمر اذهب فاقتله ، فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه ابو بكر. فكره أن يقتله. قال : فرجع فقال يا رسول الله اني رايته يصلي متخشعاً فكرهت أن أقتله. قال يا علي اذهب فاقتله قال : فذهب علي فلم يره ، فرجع علي فقال : يا رسول الله انه لم يره. قال : فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ان هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه ، فاقتلوهم هم شر البرية ا ه.
وأخرج أبو يعلي في مسنده ( كما في ترجمة ذي الثدية من اصابة ابن حجر ) عن أنس قال : كان في عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) رجل يعجبنا تعبده واجتهاده وقد ذكرنا ذلك لرسول الله صلی الله علیه و آله باسمه فلم يعرفه ، فوصفناه بصفته فلم يعرفه ، فبينما نحن نذكره إذ طلع الرجل قلنا : هو هذا. قال : انكم لتخبروني عن رجل ان في وجهه لسفعة من الشيطان ، فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلم ، فقال له رسول الله صلی الله علیه و آله : أنشدك الله هل قلت حين وقفت على المجلس ما في القوم أحد أفضل مني أو خير مني ؟ قال : الهم نعم. ثم دخل يصلي فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : من يقتل الرجل ؟ فقال أبو بكر أنا ، فدخل عليه فوجده يصلي ، فقال : سبحان الله أقتل رجلاً يصلي ؟! فخرج فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : ما فعلت ؟ قال : كرهت أن أقتله وهو يصلي ، وأنت قد نهيت عن قتل المصلين. قال من يقتل الرجل قال عمر : أنا فدخل فوجده واضعاً جبهته فقال عمر : أبو بكر أفضل مني ، فخرج فقال له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) : مهيم ؟ قال : وجدته واضعاً جبهته لله فكرهت أن اقتله. فقال : من يقتل الرجل ؟ فقال علي : أنا. فقال صلى الله
عليه وآله وسلم : انت ان ادركته ، فدخل عليه فوجده قد خرج ، فرجع إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال : مهيم ؟ قال : وجدته قد خرج. قال : لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان - الحديث.
وأخرجه الحافظ محمد بن موسى الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من تفاسير يعقوب بن سفيان ومقاتل بن سليمان ويوسف القطان والقاسم بن سلام ومقاتل بن حيان وعلي بن حرب والسدي ومجاهد وقتادة ووكيع وابن جريح. وارسله ارسال المسلمات جماعة من الاثبات ، كابن عبد ربه الأندلسي انتهائه إلى القول في أصحاب الاهواء من الجزء الأول من عقده الفريد وقد جاء في آخر ما حكاه في هذه القضية ان النبي صلی الله علیه و آله قال : ان هذا لاول قرن يطلع في أمتي لو قتلتموه ما اختلف بعده اثنان ، إن بني اسرائيل افترقت اثنين وسبعين فرقة وان هذه الأمة ستفترق ثلاثاً وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا فرقة (1)واحدة ا ه.
وقريب من هذه القضية ما أخرجه الامام أحمد من حديث علي ( في صفحة 155 من مسنده ) قال : جاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أناس من قريش فقالوا : يا محمد انا جيرانك وحلفاؤك وإن ناساً من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ولا رغبة في الفقه انما فروا من ضياعنا وأموالنا فارددهم الينا. فقال لأبي بكر : ما تقول ؟ قال : صدقوا انهم جيرانك. قال : فتغير وجه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم قال لعمر ما تقول ؟ قال صدقوا انهم جيرانك وحلفاؤك فتغير وجه النبي صلی الله علیه و آله .
وكان بعضهم يلمزه في الصدقات قال الله تعالى ( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) وأخرج
1) فرقة وشيعة لفظان « بحساب الجمل » مترادفان لان كلا منهما 385 ، وهذا بما تتفاءل به تلك الفرقة.
البخاري (1)عن عبد الله بن مسعود قال : قسم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قسمة كبعض ما كان يقسم فقال رجل من الأنصار : والله انها لقسمة ما أريد بها وجه الله. قلت : أما أنا لأقولن للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فأتيته وهو في أصحابه فساررته فشق ذلك على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وتغير وجهه وغضب حتى وددت اني لم أكن أخبرته ، ثم قال : قد أوذي موسى (علیه السلام) بأكثر من ذلك فصبر ا ه.
وأخرج البخاري أيضاً (2)عن عبد الله قال : لما كان يوم حنين أثر النبي صلی الله علیه و آله أناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الابل وأعطى عيينة مثل ذلك ، وأعطى أناساً من أشراف العرب فآثرهم في القسمة تألفاً لقلوبهم وقلوب عشائرهم وترغيباً لهم في الاسلام. فقال رجل والله إن هذه القسمة ما عدل بها. فقلت : والله لاخبرن النبي صلی الله علیه و آله ، فأتيته فأخبرته فقال : فمن يعدل إذا لم يعدل الله (3)ورسوله ، رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ا ه.
وأخرج الامام أحمد من حديث عمر في صفحة 20 من الجزء الأول من مسنده عن الأعمش عن شقيق سلمان بن ربيعة قال : سمعت عمر يقول : قسم رسول الله قسمة فقلت : يا رسول الله لغير هؤلاء احق منهم أهل الصفة قال : فقال رسول الله انكم تسألوني بالفحش - الحديث.
1) في باب الصبر على الاذى من كتاب الآداب في صفحة 44 من الجزء الرابع من صحيحه.
2) في أواخر كتاب الجهاد والسير في صفحة 132 من الجزء الثاني من صحيحه ، وهناك عدة أحاديث بهذا المعنى.
3) قوله اذا لم يعدل الله ورسوله نص بأنه بأبي هو وأمي كان مأموراً من الله تعالى بتلك القسمة التي أنكرها المنافقون الجاهلون بحكمته البالغة ( إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) .
وكان بعضهم يتنزه عن الشيء يرخص فيه رسول الله ويفعله صلی الله علیه و آله ... اخرج البخاري (1)عن عائشة قالت : صنع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) شيئاً فرخص فيه فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فخطب فحمد الله ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء اصنعه ، فوالله اني لأعلمهم بالله واشدهم له خشية ا ه.
وسأل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حاطب بن بلتعة حين أرسل صحيفته إلى المشركين فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع بها عن أهلي ومالي ، وليس من أصحابك أحد إلا له هناك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله. فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) صدق لا تقولوا له الا خيرا. فقال عمر : قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فلاضرب عنقه - الحديث. أخرجه البخاري في آخر كتاب استتابة المرتدين من الجزء الرابع من صحيحه ، وفي مواضع أخر من الصحيح.
ولا يخفى ما فيه من الدلالة على ما قلناه. ولو أردنا استيفاء ما كان من هذا القبيل من موارد تأولهم في مقابل الدليل لطال الباب وخرجنا عن خطة الكتاب ، فعساك تقنع بعد هذا بمعذرة المتأولين وتقلع عما ابتدعه طغام المرجفين.
وان أردت المزيد وابتغيت التأكيد فخذ مني مضافاً إلى ما تلوناه وعلاوة على ما اسلفناه دليلاً قاطعا وبرهانا ساطعا لا ترتاب بعده في معذرة المتأولين ولا تشك في نجاتهم يوم الدين ، وحاصله أن الجمهور أجمعوا على خلافة عثمان منذ بويع حتى قتل ، مع ما كان في أيامه من الأحداث التي لولا حمله فيها على التأول لبطلت أمامته وسقط عن أريكة الخلافة ، وحسبك من تلك الأحداث ما هو معلوم بالتواتر وضرورة التاريخ ، وسأتلو عليك يسيراً منها نقلاً من كتاب الملل
1) في كتاب الآداب في صفحة 44 من الجزء الرابع من صحيحه.
والنحل للشهرستاني بعين لفظه : قال (1)منها رده الحكم ابن أمية إلى المدينة بعد أن طرده النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وكان يسمى طريد رسول الله ، وبعد أن تشفع إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أيام خلافتيهما فما أجاباه إلى ذلك ونفاه عمر من مقامه أربعين فرسخاً. قال : ومنها نفيه أبا ذر إلى الربذة ، وتزويجه مروان بن الحكم بنته ، وتسليمه خمس غنائم أفريقية له ، وقد بلغت مئتي ألف دينار. قال : ومنها ايواؤه عبد الله بن سعيد بن أبي سرح ، بعد أن أهدر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) دمه وتوليته اياه مصر بأعمالها ، وتوليته عبد الله بن عامر البصرة حتى أحدث ما أحدث إلى غير ذلك مما نقموا عليه ا ه.
قلت : كاحراقه المصاحف جمعاً للناس على قراءة واحدة كما هو مقرر معلوم ، وقد نص عليه المؤرخون وأرسله ابن الأثير في كامله ارسال المسلمات (2)وكحماية لحمى ، وإعطائه المقاتلة من مال الصدقة ، وايثاره أهل بيته بالأموال وضربه عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود ، وعدم اقامته الحد على عبيد الله بن عمر قاتل الهرمزان ، وكتابه إلى أهل مصر بقتل محمد بن أبي بكر وجماعة آخرين من فضلاء المسلمين.
ومن موارد تأوله أنه كان إذا خرج من مكة إلى عرفات يتم فيها وفي منى صلاة الظهرين والعشاء ، مع أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأبا بكر وعمر كانوا إذا خرجوا اليها يقصرون صلاتهم فيها ، بل كان عثمان أول امارته يقصر أيضاً روى ذلك
البخاري في باب الصلاة بمنى من كتاب الحج من صحيحه (1).
وأنت تعلم أن عذره في كل هذه الأمور كونه متأولاً مجتهداً ، وبهذا حفظت عندهم عدالته وامامته ، فمن بعدها لا يقول بمعذرة المتأولين ؟
والا بلغ من هذا كله في معذرة المتأولين اجماعهم على عدالة كثير من المجلبين عليه ، كعائشة وطلحة والزبير وعمار بن ياسر وعمرو بن الحمق الخزاعي وعمرو ابن العاص وغيرهم ، ضرورة أنه لا يتسنى لهم الحكم بامامة المقتول وعدالة من أمر بقتله ونبزه باسم اليهود « فقال اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا اقتلوا نعثلا فقد كفر » الا بناء على ما قلناه.
وان أردت المزيد فاعتق رقبتك من رق التقليد وانظر فيما كان من عائشة وطلحة أيام عثمان من تأليب الناس عليه ، وما كان منهما بعد قتله ، وانعقاد البيعة لأمير المؤمنين من الذهاب إلى البصرة طلبا بثأر عثمان ، فهم غير مصيبين في احدى الحالين ، أو في كليهما قطعاً ، ولكن الجمهور عذرهم اولاً وآخراً ، وذلك ليس إلا لما قلناه وبه يتم ما أردناه.
وإن أوجست في نفسك ريبة فيما نقول فانظر إلى ما كان من طلحة والزبير وعائشة في البصرة مع عثمان بن حنيف الأنصاري وحكيم بن جبلة العبدي وغيرهما من شيعة علي علیه السلام مما لا يخلو منه كتاب من كتب الأخبار ، وقد اشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار ، من القتل الذريع والنهب الفظيع والمثلة بعثمان بن حنيف حيا (2)هذا كله قبل مجيء امير المؤمنين علیه السلام إلى البصرة ثم جاء :
فكان ما كان مما لست اذكره *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
فهل تجد وجهاً للجزم بعدالة هؤلاء والقطع بمعذرتهم الا ما يذكره الجمهور من تأولهم في كل ما فعلوه ، وبه يتجلى لك عذر المتأولين.
دع كل ما ذكرناه وعرج على رأى الجمهور في معاوية تجد هناك معذرة المتأولين قالبا حسياً ، وتلفها أمامك شخصاً مرئياً فانه لما كان متأولاً على زعمهم ، لم يقدح في عدالته عندهم الحاقه زياداً بأبيه ( أبي سفيان ) بدعوى انه عاهر سمية وهي على فراش عبيد ، مستنداً في ذلك إلى شهادة أبي مريم القواد الخمار مع قول رسول الله صلی الله علیه و آله : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » (1).
وقوله من حديث (2)ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو راد ، وقوله تعالى : ( ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ ) وكان فعله هذا أول عمل جاهلي عمل به في الاسلام علانية ، فلم يقدح مع ذلك عند الجمهور في عدالته ولم يمنع محمد بن اسماعيل البخاري عن الاحتجاج به في صحيحه (3).
1) هذا الحديث متواتر قاله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حين ترافع اليه سعد ابن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام عهد عتبة بن أبي وقاص إلى أخيه سعد انه ابنه بسفاح الجاهلية ، فقال سعد : يا رسول الله انه ابن أخي وقد عهد به اليّ وعليه شبهة. وقال عبد بن زمعة : انه أخي وابن أبي ولد على فراشه من جاريته. فنظر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الغلام فرأى عليه شبه عتبة بينا ولم يلحقه مع ذلك به وانما الحقه بزمعة ، وقال « الولد للفراش وللعاهر الحجر » اخرج البخاري هذه القضية بهذه الكيفية في ثلاثة مواضع من كتاب البيوع في أول الجزء الثاني من صحيحه ، واخرجه مسلم بطرق مختلفة في باب الولد للفراش من كتاب الرضاع من صحيحه.
2) أخرجه البخاري في باب النجش من كتاب البيوع في صفحة 12 من الجزء الثاني من صحيحه.
3) جميع المحدثين من أهل السنة يحتجون بمعاوية ويعتمدون عليه في مسانيدهم وصحاحهم ، أما البخاري فقد احتج به في كتاب الجهاد والسير في باب قوله تعالى ( فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ) من صحيحه ، واحتج به أيضاً في أول باب وصل الشعر من كتاب اللباس. وفي مواضع أخر لا تخفي على المتتبع.
وأيضاً لم يخدش في وثاقته عندهم عهده بالخلافة إلى ابنه يزيد ، وهو صبي يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ولا يعرف من الدين موطئ قدمه مع معرفته بليله ونهاره واعلانه واسراره وعلمه بمنزلة الحسين (علیه السلام) من الله عز وجل ومكانته من رسول الله صلی الله علیه و آله ومحله في نفوس المؤمنين ، على انه كان يومئذ في المهاجرين والأنصار وبقية البدريين وأهل بيعة الرضوان جم غفير وعدد كثير كلهم قارئ للقرآن عالم بمواقع الأحكام خبير بالسياسة حقيق على رأي الجمهور بالخلافة والرياسة ، فلم يراع سابقتهم في الاسلام ولا عناءهم في تأييد الدين وأمر عليهم شريره المتهتك وسكيره المفضوح ، فكان منه في طف كربلاء مع سيد شباب أهل الجنة وخامس أصحاب الكساء ما أثكل النبيين وأبكى الصخر الأصم دما ورمى المدينة الطيبة بمجرم بن عقبة ، وكان أبوه معاوية قد عهد (1)بذلك اليه كما نص عليه جماعة (2)فكانت أمور تكاد السماوات يتفطرن منها. وحسبك انهم أباحوا المدينة المنورة ثلاثة أيام حتى
1) غير مبال بدعاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على من أخاف أهل المدينة ، ولا مكترث بقوله (صلی الله علیه و آله و سلم) « من أخاف أهل المدينة أخافه الله عز وجل وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا » أخرجه احمد من حديث السائب بن خلاد بطريقين في صفحة 56 من الجزء 4 من مسنده.
2) منهم الامام ابن جرير الطبري في الصفحة الاخيرة من حوادث سنة 63 في اوائل الجزء 7 من تاريخه ، وابن عبد ربه المالكي حيث ذكر وقعة الحرة في الجزء الثاني من العقد الفريد.
افتض فيها ألف عذراء من بنات المهاجرين والأنصار ؛ كما نص عليه السيوطي في تاريخ الخلفاء وعلمه جميع الناس (1)وقتل يومئذ من المهاجرين والأنصار وأبنائهم وسائر المسلمين اللائذين بضريح سيد النبيين صلی الله علیه و آله 10870 رجلاً ، ولم يبق بعدها بدري (2)وقتل من النساء والصبيان عدد كثير ، وكان الجندي يأخذ برجل الرضيع فيجذبه من أمه ويضرب به الحائط فينتشر دماؤه على الأرض وامه تنظر اليه (3)ثم أمروا بالبيعة ليزيد ، على انهم خول وعبيد ان شاء استرق وان شاء اعتق ، فبايعوه على ذلك وأموالهم مسلوبة ورحالهم منهوبة ودماؤهم مسفوكة ونساؤهم مهتوكة ، وبعث مجرم بن عقبة برؤوس أهل المدينة إلى يزيد ، فلما القيت بين يديه قال :
ليت أشياخي ببدر شهدوا : الأبيات
1) حتى قال ابن الطقطقي في صفحة 107 من تاريخه المعروف بالفخري ما هذا لفظه : فقيل ان الرجل من أهل المدينة بعد ذلك كان اذا زوج ابنته لا يضمن بكارتها ويقول لعلها افتضت في وقعة الحرة ا ه. وقال الفاضل الشبراوي في صفحة 66 من كتابه الاتحاف : وافتض فيها نحو ألف بكر وحمل فيه من النساء اللاتي لا أزواج لهن نحو من الف أمرأة. وقال ابن خلكان وقد ذكر الحرة في ترجمة يزيد بن القعقاع القارئ المدني من وفياته ما هذا لفظه : كان يزيد بن معاوية في مدة ولايته قد سير إلى المدينة جيشا مقدمه مسلم بن عقبة المري فنهبها وأخرج أهلها إلى هذه الحرة ، فكانت الوقعة بها وجرى فيها ما يطول شرحه ، وهو مسطور في التواريخ حتى قيل انه بعد وقعة الحرة ولدت أكثر من الف بكر من أهل المدينة بسبب ما جرى فيها من الفجور.
2) نص على ذلك ابن قتيبة في كتاب الامامة والسياسة وغير واحد من أهل الأخبار.
3) ارسال رؤوس أهل المدينة إلى يزيد وانشاده أبيات ابن الزبعري مشهور مستفيض ، وقد ذكره ابن عبد ربه في أواخر وقعة الحرة من العقد الفريد ، ونقل هناك اعتراف يزيد بارتداده عن الاسلام.
ثم توجه مجرم لقتال ابن الزبير فهلك في الطريق ، وتأمر بعده الحصين بن نمير بعهده من يزيد ، فأقبل حتى نزل على مكة المعظمة ونصب عليه العرادات والمجانيق (1)وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة في كل يوم يرمونها بها ، فحاصروهم بقية المحرم وصفر وشهري ربيع يغدون على القتال ويروحون ، حتى جاءهم موت يزيد وكانت المجانيق أصابت جانب البيت فهدمته مع الحريق الذي أصابه.
وفظائع يزيد من أول عمره إلى انتهاء أمره أكثر من أن تحويها الدفاتر ، أو تحصيها الأقلام والمحابر ، قد شوهت وجه التاريخ وقبحت صحائف السير وكان أبوه يرى كلابه وقروده وصقوره وفهوده ويطلع على خموره وفجوره ، وبشاهد الفظائع من كل أموره ويعاين لعبه من الغواني ويعرف خبثه بكل المعاني ، ويعلم انه ممن لا يؤتمن على نقير ولا يولي أمر قطمير ، فكيف رفعه والحال هذه إلى أوج الخلافة وأحله عرش الملك والامامة وملكه رقاب المسلمين وسلطه على أحكام الدنيا والدين ، فغش بذلك امته ولم ينصح رعيته وقد قال رسول الله صلی الله علیه و آله ، فيما أخرجه البخاري في الورقة الأولى من كتاب الأحكام من صحيحه (2): ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم الا حرم الله عليه الجنة. وقال صلی الله علیه و آله فيما أخرجه احمد من حديث ابي بكر في صفحة 6 من الجزء الأول من مسنده : من ولي من أمور المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم.
وقال صلی الله علیه و آله فيما اخرجه البخاري في تلك الورقة أيضاً : ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحظها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة.
والجمهور يعذرونه في ذلك بناء على اجتهاده كما عذر بعضهم في وقعتي الطف والحرة اكفر اولاده (1).
وعذروه أيضاً في قتله عباد الله الصالحين كعمرو بن الحمق الخزاعي ، وكان بحيث ابلته العبادة ورأسه أول رأس حمل في الاسلام ، قتله ( وهو من خيار الصحابة ) بحبه علياً علیه السلام ، وكحجر بن عدي الكندي وكان من فضلاء الصحابة أيضاً ، قتله وأصحابه البررة الأتقياء إذ لم يلعنوا علياً علیه السلام ، ومعاوية هو الذي قتل الحسن سلام الله عليه بسم دسه اليه فسقته اياه بنت الأشعث عليها اللعنة ، علم بذلك كافة أهل البيت وشيعتهم واعترف به جماعة من غيرهم.
1) بل اعتقد قوم من الجمهور ان يزيد كان من اولياء الله ، وان من توقف فيه وقفه الله على نار جهنم ، فراجع ما حكاه ابن تيمية عنهم في الرسالة 7 من مجموعة الرسائل الكبرى في صفحة 300 من جزئها الاول. ونقل القسطلاني في باب ما قيل في قتال الروم من كتاب الجهاد من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري في صفحة 230 من جزئه السادس عن المهلب انه كان يقول بثبوت خلافة يزيد وانه من أهل الجنة. ونقل ابن خلدون في صفحة 241 اثناء الفصل الذي عقده في مقدمته لولاية العهد عن القاضي ابي بكر ابن العربي المالكي انه قال في كتابه الذي سماه بالعواصم والقواصم ما معناه ان الحسين قتل بشرع جده صلی الله علیه و آله . وذكر ابن الاثير في عدة حوادث سنة 583 في آخر ورقة من الجزء 11 من كامله ان في تلك السنة مات عبد المغيث بن زهير ببغداد قال : وكان من أعيان الحنابلة قد سمع الحديث الكثير وصنف كتاباً في فضائل يزيد بن معاوية أتى فيه بالعجائب ، وقد رد عليه أبو الفرج ابن الجوزي وكان بينهما عداوة ا ه. قلت : والذين عذروا يزيد من أوليائه واعتذروا عنه كثيرون ، منهم ابن تيمية فيما تقدمت اليه الاشارة من رسالته السابعة والغزالي في الآفة الثامنة من كتاب آفات اللسان من أحياء العلوم في صفحة 112 من جزئه الثالث.
قال أبو الحسن المدائني ( كما في أوائل الجزء 16 من شرح النهج لابن أبي الحديد في الصفحة 4 من المجلد 4 طبع مصر ) : كانت وفاة الحسن سنة 49 وكان مريضاً 40 يوماً وكان سنة 47 سنة ، دس اليه معاوية سماً على يد جعدة بنت الأشعث ، وقال لها : ان قتلتيه بالسم فلك مائة ألف وأزوجك يزيد فلما مات وفى لها بالمال ولم يزوجها من يزيد وقال : أخشى ان تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ا ه.
ونقل المدائني عن الحصين بن المنذر الرقاشي ( كما في صفحة 7 من المجلد الرابع من شرح النهج طبع مصر أيضاً ) : انه كان يقول : والله ما وفى معاوية للحسن بشيء مما أعطاه قتل حجراً وأصحابه وبايع لابنه يزيد ، وسم الحسن ا ه.
وقال أبو الفرج الاصفهاني المرواني في كتابه مقاتل الطالبيين حيث ذكر السبب في وفاة الحسن علیه السلام ما هذا لفظه : وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص فدس اليهما سماً فماتا منه الخ.
وفي صفحة 17 من المجلد 4 من شرح ابن أبي الحديد طبع مصر ما يلفت الأنظار في هذا المقام فراجعه لتعلم ما قلناه.
وروى ابن عبد البر في ترجمة الحسن من استيعابه عن قتادة وأبي بكر بن حفص ان بنت الأشعث سقت الحسن بن علي السم ، ثم قال : وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية اليها وما بذل لها في ذلك ا ه. والأخبار في ذلك لا تحتملها هذه العجالة.
ولو أردنا ان نستوفي من قتلهم معاوية من المصلحين وأولياء الله (1)صبراً
1) لم يقتصر معاوية على قتل أولياء الله في سبيل سياسته حتى قتل في ذلك اخص اوليائه به وأشدهم ملازمة له عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، حارب معه في صفين وحالفه على عداوة أمير المؤمنين ثم بعدها باعه بالتافه الزهيد وقتله مخافة أن ترغب الناس به عن يزيد ، وقصته مشهورة عند أهل الاخبار مستفيضة بين أهل السير والآثار ، فراجع ترجمة عبد الرحمن من الاستيعاب تجد التفصيل.
وأبادهم غدراً واستأصلهم عتواً وطحنهم حرباً وسمل أعينهم ظلماً وقطع أيديهم وأرجلهم بغيا واستل ألسنة لهم تنطق بالحق عناداً واسقط شهاداتهم زورا وتقول عليهم افتراء وطلق حلائلهم مكراً وأخذ أموالهم سلباً وصاح في حجراتهم نهبا وهدم دورهم عشياً واقصاهم نفياً وأوسعهم ذلاً وضيق عليهم حبسا ودفنهم أحياء ولعنهم على المنابر أمواتاً - لافنينا المحابر واستغرقنا الصحف والدفاتر ثم لم نبلغ غايتنا المقصودة ولم نظفر بضالتنا المنشودة وكذلك لو أردنا أن نتصدى للأحكام التي بدلها والحدود التي عطلها والبوائق التي ارتكبها والفواقر التي احتقبها والدواهي التي حدثت في زمانه والغاشمين الذين اشركهم في سلطانه كابن شعبة وابن العاص وابن سعيد وابن ارطأة وابن جندب ومروان وابن السمط وزياد وابن مرجانة والوليد الذين فعلوا الأفاعيل وقهروا الأمة بالأباطيل وساموا عباد الله سوء العذاب يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وحسبك ما اجمع أهل الأخبار على نقله واتفق أهل العلم على صدوره من بعثه بسراً سنة أربعين لاستئصال من في اليمن من عباد الله الصالحين ، فراجع ما شئت من كتب الأخبار ولاحظ ما يحضرك مما يشتمل على أحداث تلك السنة من كتب الآثار ، لتعلم فظاعة هذه الواقعة وتعرف كنه ما كان يوم هذه الفاجعة من قتل الشيوخ الركع وذبح الأطفال الرضع ونهب الأموال وسبي العيال ، وما ينس فلا ينس ما فعله يومئذ بنساء همدان ، اذ سباهن فأقمن ( كما في ترجمة بسر من الاستيعاب ) في السوق ، وكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها.
قال في الاستيعاب : فكن أول مسلمات سبين في الاسلام ، وما أدري هذه
أفظع وأوجع أم ما فعله بطفلي عبيد الله بن العباس ، وكان عبيد الله يومئذ عاملا لأمير المؤمنين على اليمن فهرب اليه من بسر ، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي وكان جد الطفلين لامهما ، فقتله بسر فيمن قتلهم يومئذ من الألوف المؤلفة من خيار الناس وقتل ابنه ، وبحث عن الطفلين فوجدهما عند رجل من كنانة في البادية ، فلما أراد بسر قتلهما قال له الكناني ( كما في تاريخ ابن الأثير ) لم تقتلهما وهما طفلان لا ذنب لهما ، فان كنت قاتلهما فاقتلني معهما ، فقتله ثم ذبحهما بين أيدي أمهما (1)فهامت على وجهها جنوناً مما نالها تأتي الموسم تنشدهما فتقول :
يا من احسّ بابنيّ اللذين هما *** كالدرتين تشظى عنهما الصدف
يا من أحسّ بابنيّ اللذين هما *** مخ العظام فمخي اليوم مزدهف
يا من احسّ بابنيّ اللذين هما *** قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف
من دل والهة حيرى مدلهة (2)*** على صبيين ذلاً إذ غدا السلف
نبئت بسراً وما صدقت ما زعموا *** من إفكهم ومن الاثم الذي اقترفوا
أحنى (3)على ودجي ابني مرهفة *** مشحوذة وكذاك الاثم يقترف
وقالت له امرأة من كنانة لما ذبحما ( كما في تاريخ ابن الأثير ) : يا هذا قتلت الرجال فعلى م تقتل هذين ؟! والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والاسلام والله يا بن أبي ارطأة سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان السوء.
قال ابن الأثير : فلما سمع امير المؤمنين بقتلهما جزع جزعاً شديداً ودعا على
بسر فقال اللهم اسلبه دينه وعقله. قال فأصابه ذلك فكان يهذي بالسيف فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه ولم يزل كذلك حتى مات ا ه. - إلى غير ذلك من بوائق معاوية واعوانه وجرائم وزرائه ومقوية سلطانه ، وكان احدهم يقتل الألوف من افاضل الرجال ويعمل الأعمال التي يهتز منها عرش العظمة والجلال ثم لا يستعظم ما احتقب ولا يتألم مما ارتكب.
اخرج الامام الطبري في احداث سنة خمسين من تاريخه (1)بالاسناد إلى محمد بن سليم قال : سألت أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل احداً ؟ قال : وهل يحصى من قتلهم سمرة بن جندب ، استخلفه زياد على البصرة ستة اشهر حين كان والياً عليها وعلى الكوفة من قبل معاوية واتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس. فقال له زياد : هل تخاف ان تكون قتلت أحداً بريئاً ؟ قال لو قتلت اليهم مثلهم ما خشيت ا ه.
واخرج هناك أيضاً بالاسناد إلى ابي سوار العدوي قال : قتل سمرة من قومي في غداة سبعة واربعين رجلاً قد جمع القرآن ا ه.
واخرج هناك أيضاً باسناده عن عوف قال : اقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بني اسد خرج رجل من بعض ازقتهم ففاجأ اول الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة عبثا وعتوا. قال : ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط بدمه فقال : ما هذا ؟ قيل : اصابته اوائل خيل الأمير ، قال عتوا واستكبارا : إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا اسنتنا ا ه.
وهذه القضايا متفق علي صدورها من سمرة نقلها كل من ارخ حوادث سنة الخمسين ، كابن جرير وابن الأثير وامثالهما. وإذا كانت هذه اعمال سمرة في
1) في صفحة 122 من جزئه السادس.
ستة أشهر وهو ثقة البخاري ودليله على دين الباري قد احتج به في الورقة الثالثة من كتاب بدء الخلق من صحيحه (1).
وجزم بعدالته (2)في ظاهر القول وصريحه ، فما ظنك بأعمال زياد بن سمية الخبيث الفاسق باجماع البرية ، وقد ولاه معاوية ( كما نص عليه الطبري (3)في احداث سنة خمسين من تاريخه ) اعمال الكوفة والبصرة والمشرق كله ، وسجستان وفارس والسند والهند ، فكم حرة في تلك الولاية هتكت. وكم حرمة لله انتهكت ، وكم دماء زكية سفكت ، وكم شرعة اندرجت وكم بدعة اسست ، وكم اعين سملت وايد وارجل قطعت و. و. و.؟! إلى ما لا يحصى من الأعمال البربرية والفظائع الأموية التي تقشعر لها جلود البرية ويتصدع بها قلب الانسانية.
1) في آخر صفحة 138 من جزئه الثاني قبل باب ما جاء في صفة الجنة بأربعة أحاديث ، واحتج به في موارد يعرفها المتتبع ، ونص الامام محمد بن القيسراني في كتابه « الجمع بين كتابي أبي نصر الكلاباذي وابي بكر الاصفهاني » على احتجاج البخاري ومسلم كليهما في سمرة بن جندب مع ما له من الاعمال ، فراجع أحواله في الجزء الرابع من شرح النهج للعلامة ابن أبي الحديد في السطر الأول من صفحة 363 من المجلد الأول طبع مصر لتعلم الحقيقة ، ولو سبرت من قبل تلك الصفحة إلى ما بعدها بوريقات لعلمت أحوال جملة من رجال البخاري كابن العاص والمغيرة ومروان وابي هريرة وغيرهم من عمل معاوية وأوليائه.
2) مع ما ثبت عنه من المساوئ التي من جملتها بيع الخمر على عهد عمر فيما رواه المحدثون ، وأخرجه أحمد بن حنبل من حديث عمر بن الخطاب في صفحة 25 من الجزء الأول من مسنده قال : ذكر لعمر أن سمرة باع خمرا. فقال : قاتل الله سمرة ان رسول الله قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها.
3) في صفحة 134 من جزئه السادس.
لكن الجمهور لما بنوا على اجتهاد معاوية عذروه في اعمال عماله ، ولم يخدش في عدالته عندهم بوائقه ولا بوائق رجاله.
وعذروه أيضاً في حربه علياً علیه السلام ، وهو اخو النبي ووصيه ونفسه في آية المباهلة ووليه بعد انعقاد البيعة له حتى قتل من المسلمين ألوف مؤلفة ، وقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فيما أخرجه البخاري (1)ومسلم في صحيحيهما « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » (2)وقال صلی الله علیه و آله يوم جلل علياً وفاطمة والحسن والحسين بالكساء فيما ذكره ابن حجر في صواعقه (3)وابو بكر بن شهاب الدين في رشفته من جملة حديث : « أنا حرب لمن حاربهم
1) راجع من صحيح البخاري باب قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض من كتاب الفتن في الجزء الرابع وراجع من صحيح مسلم كتاب الايمان.
2) فان قلت : كيف قاتل علي (علیه السلام) كلا من أهل الشام والبصرة والنهروان وهم مسلمون ؟ قلت : انما قاتلهم عملاً بقوله تعالى ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللهِ ) ولا ريب ببغي معاوية وأصحابه بدليل قتلهم لعمار ، على ان بغيهم أوضح من النهار.
3) في الآية الاولى من الآيات التي أوردها في الفصل الأول من الباب الحادي عشر.
وسلم لمن سالمهم وعدو لمن عاداهم » (1)وقال صلی الله علیه و آله : « حرب علي حربي وسلمه سلمي » إلى غير ذلك من الصحاح التي لا حاجة إلى ايرادها لتواترها بين المسلمين.
وعذروه أيضاً في لعنه بقنوت الصلاة رجالاً اذهب عنهم الرجس محكم التنزيل وهبط بتطهيرهم جبرائيل وباهل بهم النبي صلی الله علیه و آله بأمر ربه الجليل ، أولئك الذين فرض الله مودتهم وأوجب الرسول ولايتهم ، وهم أحد الثقلين اللذين لا يضل من تمسك بهما ولا يهتدي إلى الله من ضل عنهما ، الا وهم امير المؤمنين أخو الرسول ووليه وصاحب العناء بتأسيس دينه ووصيه ومن شهد الرسول بأنه يحب الله ورسوله ، وانه منه بمنزلة هارون من موسى ، وولداه سبطا رسول الله وريحانتاه الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
ولعن معهم عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة ، مع ما علم من وجوب تعظيمهم بحكم الضرورة من دين الاسلام وما ثبت بالعيان من شرف مقامهم لدى سيد الانام ، وكيف لا يكونون كذلك وهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ومعدن الرحمة.
وما اكتفى بذلك حتى أمر بلعن امير المؤمنين علیه السلام في كل كورة وترك ذلك سنة على أعوادها في كل عيد وجمعة ، وما زالت الخطباء في جميع الانحاء تعد تلك البدعة المكفرة جزء من الخطبة إلى سنة 99 فأزالها خير بني مروان عمر بن عبد العزيز ، وهذا كله معلوم بالضرورة مقطوع فيه بحكم البداهة قد أجمع أهل العلم على صدوره واتفقت كلمة أهل السير على نقله فراجع ما شئت من كتب الأخبار لتعلم ان المسألة كضوء النهار.
1) واخرج احمد بن حنبل من حديث ابي هريرة في صفحة 442 من الجزء الثاني من مسنده ان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : انا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم.
وكان الحسن قد شرط على معاوية اذا اصطلحا شروطاً منها ان لا يشتم أباه فلم يجبه إلى هذه وأجابه إلى ما سواها ، فطلب الحسن أن لا يشتم علياً وهو يسمع ، قال ابن الأثير وابن جرير وابو الفداء وابن الشحنة وكل من ذكر صلح معاوية والحسن : فأجابه إلى ذلك ثم لم يف له به ا ه.
بل شتم علياً والحسن على منبر الكوفة ، فقام الحسين ليرد عليه فأجلسه الحسن علیهماالسلام ، ثم قام بأبي هو وأمي ففضح معاوية وألقمه حجراً ، وهذه القضية ذكرها أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين وكثير من أهل السير والأخبار ، ولم يزل معاوية يلعن أمير المؤمنين أمام البر والفاجر ويحمل عليها الاصاغر والاكابر حتى أمر سعد بن أبي وقاص فيما أخرجه مسلم في باب فضائل علي من صحيحه بالاسناد إلى عامر بن سعد قال : أمر معاوية بن ابي سفيان سعد ابن أبي وقاص فقال : ما منعك أن تسب ابا تراب ؟ فقال : أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فلن اسبه لان تكون لي واحدة منهن احب إلي من حمر النعم - الحديث (1).
وامر الاحنف بن قيس فقال له كما نص عليه جماعة منهم أبو الفداء في أحداث سنة 67 من تاريخه : والله لتصعدن المنبر ولتلعننه طوعاً أو كرهاً ، فكان بينهما كلام افضى إلى خوف معاوية من الفضيحة إذا استوى الاحنف على المنبر فأعفاه من ذلك. وقد علم الناس كافة ان معاوية لم يقتل حجراً وأصحابه الابدال إلا لامتناعهم عن لعن امير المؤمنين وسيد الوصيين ، ولو أجابوه إلى لعنه لحقنت دماؤهم فراجع مقتل حجر في أول الجزء 16 من كتاب الأغاني لأبي فرج المرواني ، وفي أحداث سنة 51 من تاريخ ابن جرين وابن الأثير وغيرهما لتعلم
1) وأخرجه النسائي في الصفحة الثانية من الخصائص العلوية ، وهو منقول عن الترمذي وعن الجمع بين الصحيحين والجمع بين الصحاح الستة.
الحقيقة ، وتعرف ان عبد الرحمن بن حسان العنزي لما ابى وامتنع عن لعن علي علیه السلام في مجلس معاوية أرسله إلى زياد وأمره ان يقتله شر قتلة ، فدفنه حيا ، وما زال يلعن علياً على رؤوس الاشهاد ، ويحمل على لعنه بالترهيب والترغيب كافة العباد في كافة البلاد. هذا مع ما صح من قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) : « من سب علياً فقد سبني » أخرجه الحاكم وصححه ، وهو عندنا من المتواترات ، وأخرج النسائي في صفحة 17 من الخصائص العلوية وابن حنبل في 323 من الجزء السادس من مسنده من حديث أم سلمة عن عبد الله او ابي عبد الله الجدلي قال : دخلت على أم سلمة فقالت لي ايسب رسول الله فيكم ؟! قلت : معاذ الله او سبحان الله او كلمة نحوها قالت : سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : من سب علياً فقد سبني (1)ا ه.
وقال ابن عبد البر في ترجمة علي من استيعابه ما هذا لفظه : وقال صلی الله علیه و آله : من أحب علياً فقد احبني ومن ابغض علياً فقد ابغضني ، ومن آذى علياً فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ا ه (2).
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم) فيما اخرجه الطبراني وغيره : ما بال أقوام يبغضون علياً ومن ابغض علياً فقد ابغضني ومن فارق علياً فقد فارقني ، ان علياً مني وانا منه ، خلق من طينتي وخلقت من طينة ابراهيم ، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم يا بريدة اما علمت ان لعلي افضل من الجارية التي اخذ وهو وليكم بعدي.
وقال (صلی الله علیه و آله و سلم) فيما اخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما ( كما في الفصل الثاني من الباب 9 من الصواعق ) عن عمران بن حصين ان رسول الله قال : ما تريدون من
علي ما تريدون من علي ما تريدون من علي ، ان علياً مني وانا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي.
وفي ترجمة علي (علیه السلام) من الاستيعاب ما هذا نصه : وروى طائفة من الصحابة ان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لعلي رضی الله عنه : لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. قال : وكان علي رضی الله عنه يقول : والله انه لعهد النبي الامي انه لا يحبني الا مؤمن ولا يبغضني الا منافق ا ه.
قلت : واخرجه مسلم في كتاب الايمان من صحيحه ، وقد تواتر قوله صلی الله علیه و آله : « من كنت مولاه فعلي مولاه (1)اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه حيث دار » ا ه.
ومقامنا لا يسع استقصاء ما جاء في وجوب موالاته ولا يفي باستيفاء ما دل على تحريم معاداته ، فنلفت الراغب في ذلك من اخواننا المسلمين إلى ما أودعناه في كتابنا سبيل المؤمنين ، فإنه متكفل بالتفصيل متعهد باقامة البرهان والدليل على أن هذا المقدار كاف لأولي الابصار ، وإذا صح اجتهاد معاوية في مقابل هذه الأحاديث الصحيحة وجاز تأوله في عرض تلك النصوص الصريحة ، فتأول من يستفرغ وسعه في التعبد بالأدلة ويستغرق جهده في العمل بقواعد الملة اولى بالصحة وأحق بالجواز على ان أفعاله لم تكن الا لطلب الملك (2)
رواه الاعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد ، ونقله أهل الاخبار وكان عبد الرحمن بن شريك اذا حدث بذلك يقول : هذا والله التهتك - فراجع صفحة 16 من المجلد 4 من شرح النهج الحديدي المطبوع في مصر.
انتزاعه1) قد اعترف به صاحب الفتاوي الحامدية بتواتره وعده من المتواترات في رسالته المختصرة الموسومة بالصلاة الفاخرة بالاحاديث المتواترة ، وكذلك الحافظ السيوطي وغيره.
2) وقد صرح معاوية به يوم النخيلة حيث قال من جملة خطبة خطبها يومئذ : والله اني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا وانما قاتلتكم لا تأمر عليكم ، وقد اعطاني الله ذلك وانتم كارهون.
من أهله وعدواته لعلي انما هي ناشئة عن الأحقاد البدرية والضغائن الجاهلية.
واما المتأولة من فقراء المسلمين ومساكين أهل الدين فإنه لا طمع لهم بملك ، ولا أمل لهم بسلطان ولا ثار لهم يطلبونه ولا غرض لهم سوى الحق يقصدونه ، وقد اقتفوا أثر البرهان واتبعوا ادلة أهل الايمان فإن أصابوا فمأجورون وان أخطأوا فمعذورون. وهذا آخر ما أردناه في هذا الفصل فاحكموا أيها المنصوفون بالعدل. والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى ورحمة الله وبركاته.
فيمن أفتى بكفر الشيعة وتفصيلما استدل به على ذلك
والغرض استئصال بذور الشقاق بايضاح خطأه واجتثاث ارومة الافتراق ببيان اشتباهه حرصاً على ان لا يُكال بصاعه ، واتقاءً من تصديقه واتباعه ، وقد اقترصنا من ذلك على ما وجدناه في باب الردة والتعزير من الفتاوي الحامدية وتنقيحها بامضاء الشيخ نوح الحنفي لاشتهار هذين الكتابين ورجوع من بأيديهم منصب الفتوى في المملكة المحروسة اليهما.
قال في جواب من سأله عن السبب في وجوب مقاتله الشيعة وجواز قتلهم : اعلم أسعدك الله أن هؤلاء الكفرة والبغاة الفجرة جمعوا بين أصناف الكفر والبغي والعناد ، وأنواع الفسق والزندقة والالحاد ، ومن توقف في كفرهم والحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم.
قال : وسبب وجوب قتالهم وجواز قتلهم البغي والكفر معاً ، أما البغي فانهم خرجوا عن طاعة الامام خلد الله تعالى ملكه إلى يوم القيامة ، وقد قال الله تعالى : ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللهِ ) والأمر للوجوب فينبغي للمسلمين إذا دعاهم الامام إلى قتال هؤلاء الباغين الملعونين على لسان سيد المرسلين أن لا يتأخروا عنه بل يجب عليهم أن يعينوه ويقاتلوهم معه.
قال : وأما الكفر فمن وجوه : منها أنهم يستخفون بالدين ويستهزئون بالشرع المبين ، ومنها أنهم يهينون العلم والعلماء ، ومنها انهم يستحلون المحرمات ويهتكون الحرمات ، ومنها انهم ينكرون خلافة الشيخين ويريدون أن يوقعوا في الدين الشين ، ومنها أنهم يطولون ألسنتهم على عائشة الصديقة رضي الله عنها ويتكلمون في حقها ما لا يليق بشأنها ( من أمر الافك ) مع أن الله تعالى أنزل عدة آيات في براءتها ( قال والله يعلم أنه كاذب فيما قال ) فهم كافرون بتكذيب القرآن العظيم وسابون النبي ضمناً بنسبتهم إلى أهل بيته هذا الأمر العظيم ، ومنها أنهم يسبون الشيخين سود الله وجوههم في الدارين ... إلى ان قال : فيجب قتل هؤلاء الأشرار الكفار تابوا أو لم يتوبوا ، ثم حكم باسترقاق نسائهم وذراريهم ا ه.
قلت : هذا الذي لا تبرك الأبل على مثله ، هذا الذي لا تقوم السماء والأرض بحمله ، هذا الذي لا يتسنى للغيور أن يقيم في أرض ينشر فيه ، هذا الذي لا يستطيع الحمي أن يستظل بسماء تشرق شمسها على معتقديه ، هذا الذي ما أنزل الله به من سلطان ، هذا الذي يأباه الله ورسوله وكل ذي وجدان ، هذا هو الاختلاف الذي ليس بعده ائتلاف ، هذا هو الافتراق الذي ليس بعده اتفاق ، هذا هو المحاربة التي ليس بعدها مصاحبة. هذا والله الافك والبهتان ، هذا والله الظلم والعدوان.
بجدك قل لي هل درى صاحب الفتوى أي دماء من أهل الشهادتين سفكها ، وأي حرائر قانتات هتكها ، وأي حرمات لله عز وجل انتهكها ، وأي صبية من بني الاسلام سلبها ، وأي أموال مزكيات نهبها ، وأي ديار معمورة بالصلاة وتلاوة القرآن خربها ، وأي كبد لرسول الله بذلك فراها ، وأي عين لآل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) بفتواه اقذاها ، وأي فتنة بين المسلمين أججها ، وأي حرب بينهم ألجمها وأسرجها ، وأي شوكة لهم بذلك كسرها ، وأي دولة لاعدائهم أعزها ونصرها ،
وأي مخالفة لحكم الله ارتكبها ، وأي أوزار بتكفيره للمسلمين احتقبها ( وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ) ؟!
ولو درى إلى أي غاية بلغ الشيعة في المحافظة على قوانين الدين ونواميس الشريعة ، أو علم إلى أي أوج ارتقوا في الاحتياط بالأحكام ، أو إلى أي حد انتهوا في التمسك بثقلي سيد الانام ، أو إلى أي مرتبة أخذوا بالسنة السنية أو إلى أي مقدار اقتدوا بالعترة الطاهرة الزكية ، لدعا بالويل والثبور وتمنى ان يكون قبل هذه البائقة من أهل القبور.
ظن الرجل انه قضى على الشيعة بعداوته ، وزعم انه اسقطهم بافكه وبهتانه فطاش سهمه وظلت مطيته ، بل كان كالباحث عن حتفه بظلفه ، والجادع ما رن انفه بكفه.
اجل والله ما قضى الا على مروءته ولا اسقط بأكاذيبه غير امانته ، وقد افتضح بين علماء العالم واتضح تحامله بالزور لدى فضلاء بني آدم ، وكان كمبغضي الأنبياء اذ سطروا الأساطير افتراء عليهم واعداء الأوصياء ، اذ ملأوا الطوامير في نسبة الأباطيل اليهم ، فما أثر ذلك فيهم الاّ رفعة ، ولا ازدادت شرائعهم الا عزا ومنعة ( سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً ) .
كان العزم على ان نربأ عن مناقشته ولا نلوث اليراع بمحاسبته لوضوح افترائه وظهور ظلمه واعتدائه ، لكن اقتدينا بالكتاب الكريم والذكر الحكيم ، اذا تصدى للرد على كل أفاك أثيم فقال جل وعلا : ( وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) إلى غير ذلك مما كان في التنزيل من هذا القبيل.
ذكر الرجل لوجوب قتال الشيعة وجواز قتلهم سببين ( البغي والكفر ) وقد علم الله ورسوله واولو الفضل من عباده انه ظلم الشيعة بذلك وبغي عليهم ،
كما افك اعداء الأنبياء اذ نسبوا السحر والجنون اليهم ، ونحن نناشدكم الله أيها الناس متى كانت الشيعة غير خاضعة للسلطان ، وفي أي جهة من مملكته المحروسة كان ذلك منهم ، وبما بغوا عليه ؟ ارأيتموهم تأخروا عن أداء الخراج ، او توقفوا عن دفع الضرائب والاعشار والاعانات ، أو تخلفوا عن جهاد عدوه ، أو قصروا عن طليعة عساكره ، او تقهقروا عن مقدمة جنوده ، أو خانوه في خدمة ، أو كفروا له نعمة ؟! كلا والله ما كان ذلك منهم ولا هو جائز عندهم ، والناصب الكاذب يعلم براءتهم منه (1)ويقطع بأنهم في غاية البعد عنه ، وانما أراد اغراء السلطان بهم وحمله على استئصالهم ومبالغة في ابادتهم واحتياطاً على ان لا يكون لهم نصيب من مراحم الدولة ولا حصة من عدل القانون ولا سهم من انصاف الولاة ولاحظ من معاشرة العامة ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) .
واما قوله بكفرهم فانه قول من لا يخاف من الله سطوة ولا يخشى منه نقمة ، قول لم يرجع فيه إلى دين ولا عمل فيه بما تواتر عن سيد النبيين والمرسلين (صلی الله علیه و آله و سلم) من الحكم بالاسلام ، على كل من اقام الصلاة وآتى الزكاة وصام الشهر وحج البيت من أهل الشهادتين والايمان باليوم الآخر.
وقد افردنا في اوائل هذه الرسالة فصلاً لبيان معنى الاسلام والايمان وهو الفصل الثاني منها واوردنا فيه وفي الفصول الثلاثة التي بعده طائفة من الصحاح الحاكمة بما قلنا ، وتكلمنا هناك بما يجدر بالباحث المدقق ان يقف عليه ، فالمرجو ممن وقف على هذا الفصل مراجعة تلك الفصول ، ليعلم ان قواعد الشريعة
1) يعلم الناصب وغيره ان الشيعة والسنة في الخضوع للسلطان وعدمه على حد سواء ، لأن من كان منهما في مملكته فهو مطيع بحكم الوجدان والعيان ، ومن كان من كلا الطائفتين في ممالك الاجانب فهو ممنوع عن طاعته وأما شيعة ايران فكأهل السنة في مراكش وافغان فأي فرق بين الشيعة والسنة في هذا الأمر يا مسلمون ؟.
تحكم بايمان الشيعة ، ويعرف ان الصحاح المتواترة تقضي باحترامهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.
وأما الوجوه التي اعتمد الناصب عليها في التكفير فانها من أوضح أفراد الافك وافضح أنواع التزوير.
إفك لا يكون من صبي يرجى فلاحه ، وزور لا تأتي به أمة وكعاء الا أن تكون مدخولة العقل ، ونحن نذكر تلك الوجوه ( وهي ستة ) ونتكلم في كل منها بما يوجبه العلم وتقضي به الامانة.
زعم أن الشيعة تستخف بالدين وتهزأ بالشرع المبين ، وهذا قول لا يخفى زوره وافك لا يمطل ظهوره ، فان الشيعة أحوط الناس على الدين وأعظمهم تقديماً للشرع المبين ، وتلك كتبهم في الأصول والفروع والتفسير والحديث تشهد ( وقد ملأت ما بين الخافقين ) لهم بذلك ، على ان هذا الأمر غني عن البرهان بعد أن كان شاهده الحس والوجدان.
واذا استطال الشيء قام بنفسه *** وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا
وليته دلنا على الموارد التي استخف بها الشيعة من معالم الدين ، أو أخبرنا عن المقامات التي استهزءوا فيها بالشرع المبين ، أتراهم استخفوا بالخالق تبارك وتعالى فشبهوه بخلقه تارة ، وجوزا عليه القبيح أخرى ، أم استخفوا بالأنبياء والأوصياء ، فنسبوا اليهم صلوات الله عليهم ما يليق بالأشقياء ، أم استخفوا بمقام سيد البشر فقالوا أنه والعياذ بالله هجر ؟!
كلا والله انهم لاعظم تقديساً لله وأكبر تنزيهاً لأنبيائه وأكثر تعظيماً لخلفائه ، واحكم قواعد في الأصول وأشد احتياطاً في الفروع وأكثر تثبتاً في قبول الحديث وأحرز للواقع في كل ما يرجع للدين ، وانا ألفت الباحث إلى أصول الامامية
وفروعهم ليعلم الحقيقة ، على أن من ساح في بلادهم ، وجاس خلال ديارهم يرى مواظبتهم على الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الواجبات في جميع الأحوال رجالاً ونساء كباراً وصغاراً ومماليك ، بحيث لا يتسامح في ذلك منهم إلا من سرى اليه الداء من معاشرة غيرهم. ومن ترك فريضة من الصلوات الخمس أو أفطر يوماً من شهر رمضان بلا عذر ، يعزر عندهم بخمس وعشرين سوطا فان أعاد عزر ثانياً فان اعاد قتل ، والأحوط تأخير إعدامه إلى المرة الرابعة ، ولا يؤخر إلى الخامسة ( لو لم تكن الحدود معطلة ) باجماعهم.
هذا في غير المنكر أما المنكر لوجوب الصلاة أو الصوم أو الزكاة أو الخمس أو الحج أو غيرها من الضروريات ، كحرمة الزنى واللواط والسرقة وشرب الخمر والغيبة والفساد في الأرض واشباهها أو الشاك في شيء من ذلك فانه يقتل بمجرد الانكار أو الشك ، وقد امتازوا بالاستنابة عن الميت في الصلاة والصوم كما يستنيبون عنه في الحج ، وأوجبوا على وليه قضاء ما فاته من الصلاة والصوم في الجملة ، ولو علموا أن في ذمته زكاة أو خمساً أو مظالم اخرجوها من اصل ماله وان لم يوص بها كسائر الديون ، وهكذا احتياطهم في جميع العبادات والمعاملات والايقاعات وسائر الشرعيات ، فكيف يتسنى للناصب بعد هذا أن يرميهم بالاستخفاف بالدين والاستهزاء بالشرع المبين ، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل ، وبه نستجير من بوائق العثرة وسوء الخطل ، انه ارحم الراحمين.
انهم يهينون العلم والعلماء ، سألتكم أيها المنصفون بالحقيقة التي ضيعها المرجفون هل سمعتم اوحش من هذا العدوان ، او بلغكم افحش من هذا البهتان ، او رأيتم احمق من هذا الدليل ، او حدثتم بأسخف من هذا الوجه الساقط الرذيل ؟ أللشيعة يقل ذلك ؟! وهم الذي اسسوا العلوم ومهدوها واحكموا المعارف وشيدوها وسبقوا بالتأليف فلم يلحقوا وعرجوا إلى أوج الفضل فحلقوا فما من
علم من العلوم الدينية إلا وهم اصله وفرعه ، وما من فن من الفنون الاسلامية إلا وهم معدنه (1).
وما ادرى بأي شيء اهانوا العلم والمعارف ابا لمدارس التي عمروها ، أم بالأوطان التي رغبة في العلم هجروها ، أم بالاعمار التي على التعلم قصروها أم بالأفكار التي في خدمة العلم حصروها ، أم بالأموال التي في سبيله اتلفوها أم بالقرى التي على طلابه وقفوها ، أم بالقواعد التي احكموها ، والأصول التي ابرموها ، والأحكام التي اقاموا دليلها ، والغاية التي اوضحوا للعالمين سبيلها ؟؟؟.
وما ادري كيف رماهم باهانة العلماء مع شهادة البر والفاجر بأنهم اشد الناس للعلماء تعظيماً واعظم العالمين لهم تبجيلا ، لا يرجعون في الحوادث الا اليهم ، ولا يعولون في امور الدنيا والدين الا عليهم.
نعم هناك من قضاة الرشوة وشيوخ الزور وعلماء السوء والمرجفين في المسلمين والناصبين للمؤمنين ، من لا يسع المؤمن تعظيمه ولا تباح له موالاته ، فاهانته بالاعراض عنه وعدم اخذ الدين منه واجبة باجماع المسلمين وحكم الضرورة من
1) من ابتغى تفصيل هذه الجملة والوقوف على حقيقتها فعليه بكتاب « تأسيس الشيعة » لمؤلفه شيخ المسلمين ومن انتهت اليه النوبة في الاستواء على دست آبائه الطيبين الطاهرين الامام الشريف آية الله ابي محمد الحسن من آل شرف الدين المشهور بالسيد حسن الصدر الموسوي العاملي الكاظمي فانه متع الله المسلمين بشريف وجوده تتبع العلوم الدينية ذكرا واستقصى الفنون الاسلامية سبرا واستوفى في البحث عن مؤسسيها واستقرا الكلام في طبقات المصنفين فيها ، فأثبت بذلك للعيان واظهر بالحس والوجدان سبق الامامية إلى جميع الفنون الاسلامية ، وقد اختصر هذا السفر الثمين في كتاب وسمه بكتاب « الشيعة وفنون الاسلام » وهو من الكتب المنتشرة بفضل مطبعة العرفان.
الدين ، على أنا ننقض على الناصب بنفسه إذ أهان بهذه الفتوى جميع علماء الشيعة وكافة حفاظ الشريعة ، بل أهان بقوله : « ومن توقف في كفرهم والحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم » جميع من توقف في هذه المسألة من أهل السنة وجميع من حكم من علمائهم باسلام الشيعة ممن سمعت كلامهم في الفصل المختص بما افتى به علماء السنة كما لا يخفى ، ومن وقف علي حكم هذا الرجل بكفر من توقف في تكفير الشيعة بعد مراجعة ذلك الفصل وهو الفصل 6 من الفصول المتقدمة علم انه قد كفر إمامية أبا حنيفة والأشعري وكفر الامام الشافعي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وداوود بن علي والحسن البصري وسعيد بن المسيب وابن عيينة وابن سيرين والزهري وأبا طاهر القزويني والامام السبكي وأبا المحاسن الروياني والقدماء من علماء بغداد قاطبة ، وكفر ابن حزم الظاهري والشيخ الكبير ابن العربي والعارف الشعراني وصاحب فتح القدير والملا علي الحنفي وابن تيمية وابن عابدين والمعاصر النبهاني وغيرهم ، إذ حكموا جميعاً باسلام كافة أهل الأركان الخمسة من الشيعة وغيرهم فان كانت اهانة العلماء كفراً فالناصب من أكفر العالمين ، إذ أهان بهذه الفتوى جميع أئمة المسلمين وكافة علماء الموحدين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أنهم يستحلون المحرمات ويهتكون الحرمات ، بالله عليك هل يكون في صفاقة الوجه ، وصلابة الخد ، وعدم الحياء ، والجرأة على الأفك أكثر من هذا نعوذ بالله من الخذلان وبه نستجير من سوء عواقب الظلم والعدوان.
سلوا أيها المسلمون كتب الامامية متونها وشروحها قديمها وحديثها تخبركم - وصاحب البيت أدرى بالذي فيه - أنهم أبعد الناس عن المحرمات وأحوط العالمين على الحرمات ، ألم يحكم فقههم بالجلد والرجم معاً على كل من المحصن إذا زنى ببالغة عاقلة والمحصنة إذا زنى بها البالغ وان لم يكن عاقلاً ؟ ألم يقض
بالقتل على مطلق من زنى بالمرأة مكرهاً لها وعلى كل من زنى بمحارمه النسبية وعلى الذمي إذا زنى بالمسلمة مطلقاً ، ألم يوجب مائة جلدة للمحصن إذا زنى بطفلة أو مجنونة وللزانية إذا لم تكن محصنة أو كانت محصنة لكن الزاني بها طفل ، ألم يعلن فقههم باقامة الحد على الذكر الحر غير المحصن إذا زنى بضربه مائة جلدة وجز رأسه ونفيه سنة كاملة ، ألم يصرح بضرب المملوك والمملوكة البالغين العاقلين خمسين جلدة إذا زنى أحدهما مطلقاً ، ألم يبعضوا في حد من تحرر بعضه فأوجبوا له من حد الأحرار بقدر ما فيه من الحرية ومن حد العبيد بقدر العبودية ، ألم يوجبوا لمن زنى في زمان معظم أو مكان شريف عقوبة زائدة على الحد لهتكه حرمة الزمان أو المكان ، ألم يحكموا على مطلق الحر البالغ إذا لاط بالقتل بالسيف أو بالرجم أو بالقائه من شاهق أو بهدم جدار عليه ؟ وهل عرفت انه يجوز إحراقه عندهم ، وهل بلغك ان هذا الحكم ثابت للمحصن وغيره ، ألم يحكموا بالقتل كذلك على المفعول به ان كان بالغا عاقلاً مختاراً ، ألم يوجبوا تعزير الصبي فاعلاً أو قابلا وتأديب المجنون فاعلاً أو مفعولاً ، ألم يعلنوا بالحكم بمائة جلدة على كل من الفاعل والقابل مع البلوغ والعقل والاختيار إذا حصل منهما مجرد التفخيذ أو بين الاليتين دون الايقاب ؟؟؟ (1).
ألم يصرحوا بالحكم بمائة جلدة على كل واحدة من المساحقتين ، ألم يحكموا بخمس وسبعين جلدة على القيادة وثمانين على كل من القذف وتناول المسكر ولو حشيشة ، ألم يحكموا على السارق أول مرة بقطع الأربع من أصابع يده اليمنى ، فلو سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ، وفي الثالثة يحبس أبداً ، وفي الرابعة يقتل ؟؟ إلى غير ذلك مما لا يسع المقام تفصيله من جزاء المفسد في الأرض والمرتد عن الاسلام وبقية الحدود وسائر التعزيزات.
1) من غير فرق بين المحصن وغيره وقيل يرجم المحصن.
ومن أراد التفصيل فعليه بأبوابها من فقه الامامية وحديثهم ، وقد انتشر منها ببركة الطبع في ايران وفضل المطابع في الهند ألوف ومئات مختصرات ومطولات ، فراجعها لتعلم حال الشيعة في انكار المنكرات واستعظام المحرمات ولهم في أهل الكبائر حكم قد امتازوا به ، وذلك ان صاحب الكبيرة مطلقاً إذا أقاموا عليه الحد مرتين قتلوه في الثالثة ، وربما احتاطوا بتأخيره إلى الرابعة ولا قائل منهم بتأخيره إلى الخامسة. وهذا في غير المستحل أما المستحل فيقتل عندهم بمجرد الاستحلال.
ناشدتكم الله رب العالمين ، هل يجوز ديناً أم يسوغ مروءة ان ترمى الشيعة بعد هذا كله باستحلال المحرمات وهتك الحرمات ؟! وليت الظالم دلنا على محرم اباحوه او ارشدنا إلى حرمة من حرمات الدين هتكوها. هيهات هيهات ، انهم ابرأ من أن يكون ذلك منهم واجل من ان يؤثر شيء مما هو دونه عنهم ، وانما وصفهم الناصب بصفاته وألزمهم بذنوبه وموبقاته ، إذ استحل بهذه الفتوى انواعاً من المحرمات واستباح اقساماً من الحرمات ، استحل الكذب والبهتان ، استحل الظلم والعدوان ، استحل تكفير المؤمنين ، استحل ايقاد الحرب بين المسلمين ، استحل قتل الشيعة وهم ركن الاسلام ، استحل نهب مالهم وهو الحرام ، استحل سبي المسلمات القانتات ، استحل اطفال المسلمين وهتك الحرمات ، وقد اباد بهذه الفتوى من مؤمني حلب اربعين الفا او يزيدون وانتهبت اموالهم واخرج الباقون منهم من ديارهم إلى نبل والنغاولة وام العمد والدلبوز والفوعة وقراها ، وهاجم الامير ملحم بن الأمير حيدر « بسبب هذه الفتوى » جبل عامل سنة 1147 فانتهك الحرمات واستباح المحرمات « يوم وقعة انصار » وقتل وسلب وخرب ونهب واسر الفاً واربع مائة من المؤمنين فلم يرجعوا حتى هلك في الكنيف ببيروت ، إلى غير ذلك مما كان بسبب هذه الفتوى من الفظائع والفجائع. على انها في ذاته بائقة الدهر وفاقرة الظهر ، الحكم لله والمصير اليه ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
انهم ينكرون خلافة الشيخين ، ويريدون أن يوقعوا في الدين الشين (1)والجواب انه لا ينكر استخلاف الشيخين (رضی الله عنه) ذو شعور ، ولا يرتاب فيه ذو وجدان ، وقد امتدت امارتهما من سنة 11 إلى سنة 23 وفتحت بها الفتوحات وضرب الدين فيها بجرانه ، على أن خلافتهما من الشؤون السياسية التي خرجت بانقضائها وتصرمها عن محل الابتلاء ، فأي وجه لتنافر المسلمين اليوم بسببها وأي ثمرة عملية تترتب فعلا على الاعتقاد بها.
فهلموا يا قومنا للنظر في سياستنا الحاضرة وعرجوا عما كان من شؤون السياسة الغابرة ، فان الأحوال حرجة والمآزق ضيقة لا يناسبها نبش الدفائن ولا يليق بها اثارة الضغائن ، وقد آن للمسلمين ان يلتفتوا إلى ما حل بهم من هذه المنابذات والمشاغبات التي غادرتهم طعمة الوحوش وفرائس الحشرات.
وأي وجه لتكفير المسلمين بانكار سياسة خالية وخلافة ماضية ؟ قد اجمع أهل القبلة على انها ليست من أصول الدين ، وتصافقوا على انها ليست مما بني الاسلام عليه ، ونحن نظرنا فيما صح عند أهل السنة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من تفسير معنى الاسلام والايمان فلم نجده (2)مقيداً بها ، وتتبعنا الأمور التي جعلها (صلی الله علیه و آله و سلم) سبباً في احترام الدماء والأعراض والأموال فلم تكن (3)من جملتها ، واستقرأنا من نصوصه شرائط دخول الجنة فلم نجدها (4)في زمرتها ، فأي مانع
بعد هذا من جريان الاجتهاد فيها ، وأي دليل كفر المتأولين من منكريها.
فان القوم لم تكن بينهم وبين الحق عداوة وانما قادتهم الأدلة الشرعية إلى القطع باشتراط أمور في القائم في مقام رسول الله صلی الله علیه و آله والمستوى على مرقاة الخلافة عنه ، كعدم سبق الكفر منه على الايمان وكعصمته والعهد اليه وعدم كونه مفضولاً ، واستدلوا على هذه الشروط بأدلة من الكتاب والسنة والعقل كثيرة لا يسع المقام بيانها ، وقد استقصيناها في كتابنا « سبيل المؤمنين ».
وهبها شبهاً كما تقول لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه لانها من الكتاب والسنة ، وقد الجأته إلى القطع بما صار اليه ، فان كان مصيباً والا فقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول في غير أصول الدين وان اخطأ كما سمعته في فصل المتأولين.
على انه لا وجه التكفير بانكارها حتى لو فرضنا انها من أصول الدين عندهم ، لأنها ليست من الضروريات التي يرجع انكارها إلى تكذيب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولا هي في نظر منكريها من الأمور التي قد انعقد الاجماع عليها ، وقد سبقوا بشبهة من الكتاب والسنة تمنعهم من الاعتقاد بها ، ألا ترى أن الشيعة لم تكفر أهل السنة بانكرها امامة الأئمة من أهل اليت علیهم السلام مع أن امامتهم من أصول الدين على رأي الشيعة ، وكذلك العدلية من الشيعة والمعتزلة لم تكفر طائفة الاشاعرة بانكارها العدل مع انه من الأصول عندهم أيضاً.
وقد تأول في انكار هذه الخلافة سعد بن عبادة وحباب بن المنذر الانصاريان وتخلف عنها جمعة وأكره عليه آخرون كما ذكرناه في فصل المتأولين ، فلم يكفر أحد من أولئك بما كان منه ولا فسق بما تواتر من القول والفعل عنه ، فكيف هؤلاء وحكم الله واحد يا أيها المنصفون ؟ على أن الأحاديث المتواترة من طريق العترة الطاهرة والصحاح الوافرة من طريق أهل السنة ، ألجأت هؤلاء إلى القطع بعهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى علي من بعده ، فدانوا بما رأوا انه الحق من دين
الاسلام ، فهم معذورون بل مأجورون ان اصابوا بذلك وان اخطأوا بالاجماع.
قال ابن حزم حيث تكلم فيمن يكفر ولا يكفر في صفحة 247 من الجزء الثالث من فصله ما هذا نصه : وذهبت طائفة إلى انه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا ، وان كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى انه الحق فانه مأجور على كل حال ، ان أصاب فأجران وان اخطأ فأجر واحد.
قال : وهذا قول ابن ابي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداوود ابن علي ، وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسالة من الصحابة (رضی الله عنه) لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً.
قلت : اجماع الصحابة وهؤلاء الأئمة يقطع دابر المشاغبين وينقض أساس المجازفين ، ضروة ان القائلين بخلافة علي والمنكرين لغيره لم يقولوا هذا القول ولم يعتقدوا هذا الأمر الا بعد الاجتهاد التام واستفراغ الوسع والطاقة وبذل الجهد في الاستنباط من الكتاب والسنة ، ولقد عز عليهم فراق اخوانهم من أهل السنة في هذه المسألة ، وقاسوا في سبيلها من أنواع البلايا وأقسام المحن والرزايا ما قد علمه جميع الناس ، ولكن ما يصنعون فيما يرونه الحق ويقطعون بأنه عين الصواب ، وقد صرح بمعذرتهم وكونهم مأجورين جماعة من أفاضل المعاصرين كالعلامة القاسمي الدمشقي حيث قال في ميزان الجرح والتعديل بعد ذكر الشيعة واحتجاج مسلم بهم في صحيحه ما هذا لفظه : لأن مجتهدي كل فرقة من فرق الاسلام مأجورون أصابوا أم اخطأوا بنص الحديث ا ه.
قلت : ومن راجع هذه الرسالة الفصل المشتمل على فتاوى علماء السنة يجدهم مجمعين على ذلك ، ومن سبر فصل المتأولين لا يرتاب فيه. والحمد لله رب العالمين.
انهم يطولون ألسنتهم على عائشة الصديقة رضي الله عنها ويتكلمون في حقها من أمر الافك والعياذ بالله ما لا يليق بشأنها .. إلى آخر افكه وبهتانه.
والجواب أنها عند الامامية وفي نفس الأمر والواقع أنقى جيباً واطهر ثوباً وأعلى نفساً وأغلى عرضاً وامنع صوتا وارفع جنابا وأعز خدرا واسمى مقاماً من أن يجوز عليها غير النزاهة أو يمكن في حقها الا العفة والصيانة ، وكتب الامامية قديمها وحديثها شاهد عدل بما أقول ، على أن أصولهم في عصمة الأنبياء تحيل ما بهتها به أهل الافك بتاتا ، وقواعدهم تمنع وقوعه عقلاً ولذا صرح فقيه الطائفة وثقتها أستاذنا المقدس الشيخ محمد طه النجفي أعلى بما يستقل بحكمه العقل من وجوب نزاهة الأنبياء عن أقل عائبة ولزوم طهارة اعراضهم عن أدنى وصمة فنحن والله لا نحتاج في براءتها إلى دليل ولا نجوز عليها ولا على غيرها من أزواج الأنبياء والأوصياء كل ما كان من هذا القبيل.
قال سيدنا الامام الشريف المرتضى علم الهدى في المجلس 38 من الجزء الثاني من أماليه رداً على من نسب الخنا إلى امرأة نوح ما هذا لفظه : ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب عقلاً ان ينزهوا عن مثل هذه الحال لأنها تعر وتشين وتغض من القدر ، وقد جنب الله تعالى أنبياءه عليهم الصلاة والسلام ما هو دون ذلك تعظيماً لهم وتوقيراً لكل ما ينفر عن القبول منهم ... إلى آخر كلامه الدال على وجوب نزاهة امرأة نوح وامرأة لوط من الخنا ، وعلى ذلك اجماع مفسري الشيعة ومتكلميهم وسائر علمائهم.
نعم ننتقد من أفعال أم المؤمنين خروجها من بيتها بعد قوله تعالى ( وقرن في بيوتكن ) وركوبها الجمل بعد تحذيرها من ذلك ومجيئها إلى البصرة تقود جيشاً
عرمر ما تطلب على زعمها بدم عثمان ، وهي التي أمالت حربه وألبت عليه وقالت فيه ما قالت ، ونلومها على أفعالها في البصرة يوم الجمل الأصغر مع عثمان بن جنيف وحكيم بن جبلة ونستنكر أعمالها يوم الجمل الأكبر مع امير المؤمنين ويوم البغل حيث طنت ان بني هاشم يريدون دفن الحسن المجتبى عند جده (صلی الله علیه و آله و سلم) فكان ما كان منها ومن مروان ، بل نعتب عليها في سائر سيرتها مع سائر أهل البيت علیهم السلام ، والناصب الكاذب بلغ عداوة الشيعة إلى حد لا يبلغه مسلم وتجشم في بغضائهم مسلكاً لا يسلكه موحد ، اذ وصم الاسلام واهله بما افتراه في هذا الوجه على الشيعة وهم نصف المسلمين وصمة اقر بها عيون الكافرين وفرى بها مرائر الموحدين وظلم أم المؤمنين وجميع المسلمين ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
انهم يسبون الشيخين رضي الله عنهما.
والجواب ان البحث يقع هنا في كل من صغرى هذا الوجه وكبراه وبعبارة أخرى هي اوضح يقع البحث في مقامين :
المقام الأول : في أنهم هل يسبون ؟
« اولا » يسبون ؟
« والثاني » في انه هل يكفر الساب ( والعياذ بالله ) او لا يكفر ، وقد رأيت البحث في المقام الأول عبثا صرفا ولغوا محضاً ، اذ لا يمكن اذعان الخصم ببراءة الشيعة من هذا الأمر ، ولو حلفنا له برب الكعبة ، بل لا يلتفت إلى نفيه عنهم ولو جئناه بكل آية ، والامامية طالما اذنت فلم يسمع اذانها وشد ما اعلنت فلم يصغ لاعلانها ، فسد هذا الباب اقرب إلى الصواب واولى بأولي الألباب ولا حول ولا قوة الا بالله.
واما المقام الثاني : فالحق عدم الكفر ، ولنا على ذلك ادلة قاطعة وبراهين ساطعة نذكر منها ستة ثم نوكل الحكم بعدها لرأي المنصفين :
« الأول » الأصل مع عدم ما يدل على الكفر من عقل او نقل او اجماع.
« الثاني » أنا تتبعنا سيرة النبي صلی الله علیه و آله ، فما رأيناه يكفر أحداً يشتم واحد من أصحابه رضي الله عنهم ، وكان الصحابة يتنازعون ويتشاتمون على عهده فلم يؤثر عنه تكفير أحد منهم بسبب ذلك ، حتى تشاتموا مرة أمامه وتضاربوا بالنعال ( كما رواه البخاري في أول كتاب الصلح من صحيحه وأخرجه مسلم في آخر باب دعاء النبي إلى الله من كتاب الجهاد من صحيحه ) وتقاتل الأوس والخزرج مرة على عهده صلی الله علیه و آله وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال كما في آخر صفحة 107 من الجزء الثاني من السيرة الحلبية وكذا في السيرة الدحلانية وغيرها ، فأصلح بينهم رسول الله صلی الله علیه و آله ولم يكفر بذلك أحداً منهم ، وموارد اختلافهم وتشاتمهم بل تقاتلهم وتحاربهم مسطورة في كتب الحديث والأخبار ، فهل بلغكم تكفير النبي صلی الله علیه و آله لأحدهم بهذا السبب ، أم هل سمعتم ذلك عن أحد الصحابة رضي الله عنهم ؟ وإذا كان القوم لم يثبتوا لأنفسهم هذه المنزلة فكيف أثبتها لهم المجازفون ؟
« الثالث » ما سمعته في الفصول الثلاثة المنعقدة لبيان معنى الايمان واحترام الموحدين ونجلتهم من الأحاديث الصحيحة والنصوص المتواترة الصريحة ، فراجعها لتعلم حكمها على مطلق أهل الأركان الخمسة بالايمان والاحترام ودخول الجنة ولا يخفى على كل من لحظها بطرفه أو رمقها ببصره أو سمع بيانها أو عرف لسانها امتناع تقييدها واستحالة تخصيصها ، ولذا أجمع المسلمون على عدم تخصيصها بما أخرجه مسلم في أوائل صحيحه من الأحاديث الظاهرة بكفر التارك للصلاة من المسلمين والمقاتل منهم للمسلم والعبد الآبق والنائحة على الميت والطاعن في النسب ، بل قالوا ان الغرض من هذه الصحاح وأمثالها انما هو تغليظ الحرمة وتفظيع
المعصية لا الكفر الحقيقي ، فلتكن الأخبار المتعلقة في السب مثلاً على فرض صحتها نظير هذه الصحاح ، ويوضع لك ما نقول اجماع الخلف والسلف من أهل السنة على أن من مات موحداً دخل الجنة ولو عمل من المعاصي ما عمل ، كما ستسمعه عن الفاضل النووي قريباً ان شاء الله تعالى.
« الرابع » ما أورده القاضي عياض في الباب الأول من القسم الرابع من كتاب الشفا ، ان رجلاً من المسلمين سب أبا بكر بمحضر منه (رضی الله عنه) فقال أبو برزة الأسلمي : خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه. فقال : اجلس ليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلی الله علیه و آله ا ه. واخرجه الامام احمد من حديث ابي بكر في صفحة 9 من الجزء الأول من مسنده.
بالله عليك إذا كان هذا حكم الصديق فيمن واجهه بالسب وهذه فتواه فيمن تسور على مقامه بالشتم فمن أين نحكم بعده بالتكفير ، وكيف نقضي بوجوب القتل أو نفتي بجواز التعزير ؟ أنحن اعرف منه بالأحكام أم احرص على اقامة الحدود ؟ كلا بل لو ارتد ذلك الساب لاقام عليه حد المرتدين ، ولو كفر بها لرتب عليه آثار الكافرين ، وحاشا ابا بكر من تعطيل حدود الله أو تبديل احكامه عز وجل.
وقد افتدى به في ذلك الصالحون ، ونسج على منواله المتورعون كعمر بن عبد العزيز حيث كتب اليه عامله بالكوفة يستشيره في قتل رجل سب عمر بن الخطاب (رضی الله عنه) فكتب اليه كما في الباب المتقدم ذكره من الشفا : لا يحل قتل امرئ مسلم بسبب أحد من الناس ، الا رجلاً سب رسول الله صلی الله علیه و آله ، فمن سبه فقد حل دمه.
واخرج محمد بن سعد في أحوال عمر بن عبد العزيز في صفحة 279 من الجزء الخامس من طبقاته بسنده إلى سهيل بن ابي صالح قال : ان عمر بن عبد العزيز
قال : لا يقتل أحد في سب الا في سب نبي - وأخرج احمد من حديث أبي هريرة في صفحة 436 من الجزء الثاني من مسنده ان رجلاً شتم ابا بكر والنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جالس فجعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يعجب ويبتسم ... الحديث.
« الخامس » اجماع فقهائهم على ان مجرد السب لا يوجب الكفر ، وقد نقله من علماء السنة خلق كثير فمنهم فقيه الحنفية في عصره ( الأمين ) ابن عابدين ، حيث جزم في كتابيه رد المختار وتنبيه الولاة بعدم كفر المتأولين في هذه المسألة ، وصرح في كليهما بأن القول بكفرهم مخالف لاجماع الفقهاء مناقض لما في متونهم وشروحهم ، فراجع من رد المحتار صفحة 302 من جزئها الثالث في باب المرتد لتعلم الحقيقة.
ومنهم صاحب الاختيار حيث قال - كما نص عليه ابن عابدين فيما اشرنا اليه من رد المحتار - اتفق الأئمة على تضليل أهل البدع اجمع وتخطئتهم وسب أحد من الصحابة وبغضه لا يكون كفراً لكن يضلل ا ه.
ومنهم ابن المنذر حيث صرح - كما في رد المحتار أيضاً - بما يقتضي نقل اجماع الفقهاء على عدم تكفير الخوارج ، وان استحلوا دماء المسلمين واموالهم وكفروا الصحابة رضي الله عنهم (1).
ومنهم صاحب فتح القدير حيث قطع بعدم كفر أحد من أهل البدع ، وان خاف ببدعته دليلاً قطعيا كالخوارج الذين يكفرون الصحابة وسبونهم مثلاً ، وذكر ان ما وقع في كلام أهل المذهب من تكفيرهم ليس من كلام القهاء الذين هم المجتهدون وانما هو من كلام غيرهم ، قال : ولا عبرة بغير الفقهاء والمنقول عن الفقهاء ما ذكرناه ا ه.
1) اذا كان هؤلاء مسلمين ، وقد مرقوا من الدين واستحلوا ما حرم الله من دماء المسلمين فالامر في غيرهم سهل يسير ، وهذا الاجماع دال على ما هو أعم من المطلوب مثبت لما هو أعظم من المقصود كما لا يخفى.
ومنهم ابن حجر حيث قال كما في خاتمة الصواعق ، فمذهبنا ( فيمن يسب ) انه لا يكفر بذلك ا ه.
ومنهم الشيخ ابو طاهر القزويني في كتابه سراج العقول حيث نقل القول بعدم كفر أحد من أهل الأركان الخمسة من الروافض وغيرهم عن جمهور العلماء والخلفاء من أيام الصحابة إلى زمنه ، فراجع ما نقلناه عنه في الفصل المعقود لفتاوى علماء السنة.
ومنهم العارف الشعراني حيث قال في آخر المبحث 58 من يواقيته ما هذا لفظه : فقد علمت يا أخي ان جميع العلماء المتدينين امسكوا عن القول بالتكفير لاحد من أهل القبلة ا ه.
وقد ارسل ابن حزم عدم الكفر ارسال المسلمات ، فقال في صفحة 257 من أواخر الجزء الثالث من فصله ما هذا لفظه : واما من سب أحداً من الصحابة فان كان جاهلاً فمعذور وان قامت عليه احجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى أو سرق ، وان عاند الله تعالى ورسوله في ذلك فهو كافر. قال : وقد قال عمر بحضرة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن حاطب « وحاطب مهاجري بدري » : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافراً ، بل كان مخطئاً متأولاً ا ه.
قلت : حسبك في عدم كفر الموحدين بمجرد هذا ما هو معلوم بحكم البداهة الأولية من اجماع أهل السنة على أن مطلق الموحدين يدخلون الجنة على كل حال. قال الفاضل النووي « في باب الدليل على ان من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً من شرح الصحيح » : واعلم ان مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من الخلف والسلف ان من مات موحداً دخل الجنة قطعاً ... إلى ان قال : فال يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل ا ه.
« السادس » أنه لا يفتى بالتكفير عندهم إلا ان يكون الموجب للكفر مجمعاً على ايجابه ، لذلك قال في شرح تنوير الأبصار : واعلم انه لا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن او كان في كفره خلاف ولو كان ذلك رواية ضعيفة ا ه.
وقال الخير الرملي كما في صفحة 398 من الجزء الثالث من رد المحتار : ولو كانت « تلك الرواية » لغير أهل مذهبنا ، واستدل على ذل باشتراط كون ما يوجب الكفر مجمعاً على ايجابه لذلك.
قلت. اذا كان التكفير مشروطاً بهذا فكيف يفتى بالكفر في مسألتنا مع ما سمعت من انعقاد الاجماع على عدم الكفر فيها ؟ ولو أنكر الخصم ذلك الاجماع فصسبه وجود القائل بعد التكفير ، فانه مما لا يمكن انكره كما لا يخفي. وقد اغرب النصب اذ حكم بعدم قبول توبته مع اجماعهم على قبول توبة من يسب الله عز وجل (1).
فهل هذا الا تحامل قبيح وظلم صريح ، وجرأة على الله عز وجل في تبديل أحكامه واستخفاف فيما شرغ الله سبحانه من حلاله وحرامه ، وما أراه الا مدفوعاً على هذا الفتوى من ملوك الجور تحسيناً لأفعالهم او مستأجرا عليها من ولاة الجور تصحيحاً لأعمالهم.
ولا غرو فان علماء السوء وقضاة الرشوة يبدلون احكام الله بالتافه ويبيعون الأمة بالنزر القليل.
1) نسجوا في هذه الفتوى على منوال اليهود اذ اجمعت اخبارهم على ان من شتم الله تعالى يؤدب ومن شتم الاحبار يقتل ، وقد انكر ذلك عليهم ابن حزم اذ نقله عنهم في صفحة 221 من الجزء الأول من فصله قبل انتهاء الجزء بورقتين ، قم قال : فأعجبوا لهذا وأعلموا ا نهم ملحدون لا دين لهم ا ه - قلت : وهب ان الرافضي كافر فقد نشأ على مذهبه وتدين به من قبل البلوغ فلم لا تقبل توبته كما تقبل توبة المجوس والصابئة يا منصفون.
فقاتل الله الحرص على الدنيا ، وقبح الله التهالك على الخسائس ، ما اشد ضررهما وما افظع خطرهما ، نبذ اولئك الدجالون حكم الله وراء ظهورهم طمعاً في الوظائف ، وحكموا بما تقتضيه سيسة ملوكهم رغبة في المناصب ، وارجفوا في المؤمنين وفرقوا كلمة المسلمين ، ولولاهم لتعارفت الأرواح وائتلفت القلوب وامتزجت النفوس واتحدت العزائم ، فلم يطمع بالمسلمين طامع ولم يرمقهم من النواظر الا بصر خاشع ، ولكن وا أسفاه استحوذ عليهم اولئك المفسدون الذين ينحرون دين الله في سبيل الوظائف ويضحون عباده في طلب القضاء والافتاء ، فتناكرت بفتاويهم وجوه المسلمين وتباينت بأراجيفهم رغائب الموحدين حتى كان من تفرق آرائهم وتضارب اهوائهم ما تصاعدت به الزفرات وفاضت منه العبارات ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
في الاشارة إلى يسير مما نسبه الكذابون الى الشيعة وبيان براءتهم منه
والغرض من ذلك استئصال شأفة النتافر واقتلاع بذرة التدابر وازالة كل عثرة في طريق الاجتماع ودك كل عقبة في سبيل الوئام ، وقبل الشروع في المقصود نقدم جملة لا تتم بدونها الفائدة ، حاصلها : ان في أهل السنة من رمى الامامية بدواهي وفواقر قد علم اليوم بفضل المطابع وبركة انتشار الكتب وتقلص العصبيات وبزوغ الحقائق انهم في غاية البعد عنها وتمام التقدس منها ، والرامون لهم بها على اربعة اقسام :
« القسم الأول » طائفة من العلماء حملهم على ذلك مجرد التزلف إلى ملوك بني أمية وسلاطين بني العباس ، إذ كانت الشيعة بعد صفين والطف أعداء السياسة الأموية واضداد الدولة العشمية ، يجتهدون في رفضها ويعملون على نقضها ، ففتكت بهم الحكام وقتلتهم تحت كل حجر ومدر ، ووازرهم على ذلك القراء المراؤون والعلماء الدجالون ، فبلغوا في تسويد صحائف الشيعة كل مبلغ ، وألصقوا بهم كل عائبة ، تهجينا لمذهبهم وتقبيحاً لمشربهم وتصحيحاً لما كان يرتكبه بنوا امية من تقتيل أبنائهم واستحياء نسائهم ، وكانوا ينتظرون الفرج
بسقوط الدولة الأموية ، فلما ملك بنو العباس نسجوا معهم على ذلك المنوال وعملوا مع أئمة أهل البيت أفظع الأعمال ، حتى قضى ( الكاظم ) في سجونهم ، وتجرع ( الرضا ) كأس السم من يد مأمونهم ، وكربوا قبر الحسين علیه السلام ، وأبادوا نسل محمد صلی الله علیه و آله ، فعاد على شيعة أهل البيت ذلك البلاء وحلت بهم من ولاة الدولة العباسية وعلمائها تلك الأواء الولاة تفنيهم بسهامها وعلماء التزلف ترميهم بأقلامها .. بيد أن ظلم السيف لم يبق وظلم القلم مسجل ما بقيت كتب الظلال ، فالعاقل المتثبت لا يصدق في حق الشيعة علماء تلك الدولتين ، ولا يعتني بما كان في أيامهما من الأراجيف فانها أكاذيب أوجبتها سياسة الملك واقتضتها قواعد الظالمين.
« القسم الثاني » طائفة من العلماء حملهم على ذلك مجرد الخوف من ميل الناس إلى الشيعة ، ومحض الحذر من اتباع سائر المسلمين لطريقتهم ، وكأنهم قد استباحوا بذلك تنفير الناس عنهم بكل طريق ، فقالوا ما قالوا ونالوا ما نالوا ، على علم منهم بأن الامامية منزهون عما افتروه عليهم مقدسون عما نسبوه اليهم ، الا في مسألةواحدة تتعلق بمباحث الامامة والسياسة لا نتحاشى منها ، وهي على قواعد الخصم لا تعار اهتماماً زائداً لو انصفوا لأنها ليست من الأصول عندهم كما لا يخفى.
« القسم الثالث » طائفة قد التبس الأمر عليهم ، لأن اسم الشيعة غير خاص بالامامية بل مشترك بينها وبين فرق كثيرة ، كالآغا خانية والكيسانية والناووسية والخطابية والفطحية والواقفية وغيرها ، فربما وجدوا أقوالاً منكرة ومذاهب مكفرة لاحدى تلك الفرق الضالة التي يطلق عليه لفظ الشيعة فظنوا أنه مذهب الجميع ، فأرسوله عنهم ارسال المسلمات ، وأعانهم على ذلك وغر في صدورهم وغيظ في نفوسهم ، يمنعانهم عن التثبت في النقل.
ولله ورع الامامية وتثبتهم اذ يرون الكرامية وهم طائفة من أهل السنة
يذهبون إلى ان الله سبحانه وتعالى مستقر على العرش استقرارك على الأرض ويجدون آخرين يقولون بأنه تعالى بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة ، ويلفون الحائطية والحدثية ( وهما فرقتان من المعتزلة ) يقولون بحلول الله عز وجل في بعض الأنبياء مقالة النصارى في ابن مريم علیهماالسلام نص على ذلك الشهرستاني في كتابه الملل والنحل ، ومع ذلك لم ينسبوا القولين الأولين إلى مطلق أهل السنة ، ولا ألحقوا المقالة الأخيرة بمطلق المعتزلة ، وانما نسبوا تلك الأقوال إلى أربابها وقصروها على أصحابها ، فلم ينسب غيرهم مقالة الخطابية والناووسية مثلاً إلى مطلق الشيعة يا منصفون.
« القسم الرابع » جماعة قد اعتمدا في نقل تلك الدواهي والطامات عن الشيعة على من تقدمهم من علماء سلفهم ، إذ رأوهم ينقلون شيئاً فنقلوه ووجدوا أثراً فاتبعوه ، ولو رجعوا في معرفة أقوال الأمامية إلى علمائهم وأخذوا مذهبهم في الأصول والفروع من مؤلفاتهم ، لكان أقرب إلى التثبت والورع وما أدري كيف نبذوا في هذا المقام كتب الأمامية على كثرتها وانتشارها واعتمدوا على نقل أعدائهم المرجفين وخصمائهم المجازفين الذين تحكموا في تضليلهم ، وسلقوهم بألسنة الافتراء وهذا عصر لا يصغى فيه إلى من يرسل نقله ارسال الكذابين أو يطلق كلامه اطلاق المموهين حتى يرشدنا إلى المأخذ ويدلنا على المستند ، وقد طبع في اماكن من فارس والهند ألوف من مصنفات أصحابنا في الفقه والحديث والكلام والعقائد والتفسير والاصول والارواد والاذكار والسلوك والاخلاق ، فليطلبها من أراد الاستبصار ولا يعول على كتب المهولين الذين بثوا روح البغضاء في جسم المسلمين ، ونقلوا عن الشيعة كل إفك مبين ، وإليك منه ما عقد الفصل لذكره.
قال ابن حزم الظاهري في صفة 182 من الجزء الرابع من الفصل ما هذا نصه : ومن الامامية من يجيز نكاح تسع نسوة ، ومنهم من يحرم الكرنب
( وهو نوع من السلق يشبه القنبيط ) لانه انما نبت على دم الحسين (1)ولم يكن قبل ذلك.
قلت : أما نكاح ما زاد على الاربع فاجماع الامامية قاطبة نصاً وفتوى على حرمته ، وهذا الحكم من ضروريات مذهبهم بحيث لا يشتبه فيه أحد منهم ، وأما الكرنب فليس له في كلام الامامية عنوان مخصوص وحكمه عندهم حكم الخس والفجل واللفت واشباهها ، وانا انشدكم أيها الباحثون بعزة الحقيقة وناموس العدل وشرف الانصاف ان تستقصوا فقه الامامية واصولهم وتستقروا حديثهم وتفسيرهم وتتصفحوا قديم كتبهم وحديثها مختصرها ومطولها متونها وشروحها فان وجدتم أثراً لما قال فالشيعة ليست على شيء من الحق ، والا فابن حزم وأمثاله من اكذب الخلق ، وقد ارجف بالامامية في غير هذا المقام من فصله ارجافاً لا يصدر من ذي دين ، وكذب عليهم اكاذيب لا تكون من ذي يقين ، وظلمهم ظلماً لا يقدم عليه مؤمن بالمعاد وبهتهم بهتان من لا يخشى الله ولا يستحي من العباد. ونحن بسبب انتشار كتب الامامية في غنى عن التصدى لتزييف أقاويله وتكذيب اباطيله ، على ان الرجل لم يقتصر في طلمه على الشيعة خاصة بل ظلم أئمة أهل السنة وبهت علماء المعتزلة وكفر كثيراً من السلف ولم يكد أحد يسلم من لسانه حتى قال ابن العريف كما في ترجمة على بن أحمد بن حزم من الوفيات : كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين.
وحسبك ما نقله في شنع المرجئة عن الامام الأشعري وأصحابه ، من ان اعلان الكفر باللسان وعبادة الأصنام والأوثان بلا تقية ولا عذر لا ينافيان مقام الولاية لله عز وجل ، فراجع صفحة 204 من الجزء 4 من الفصل. ونقل في
1) الامامية اجل من أن تعول في احكام الله على الخرافات الباردة والترهات المسخنة كهذه الحكاية وأمثالها.
الصفحة الأولى من الجزء 4 أيضاً عن الباقلاني القول بجواز كل فسق وكفر على الأنبياء ، حاشا الكذب في البلاغ. ونقل في صفحة 205 من الجزء 4 أيضاً عن بعض الاشاعرة القول بجواز الكذب في البلاغ عن الأنبياء. ونقل عن السمناني وهو من أئمة الأشاعرة في صفحة 224 من الجزء الرابع تجويز الكفر على النبي محمد صلی الله علیه و آله ، ونسب إلى محمد بن الحسن بن فورك وسليمان بن خلف الباجي - وهم من أئمة الأشعرية - أموراً عظيمة يطول المقام بتعدادها.
والغرض أن الرجل لا يستحي من الكذب ولا يتأثم من البهتان ، وقد أجمع فقهاء عصره كما في ترجمته من الوفيات على تضليله ، وذكره ابن خلدون في الفصل الذي عقده لعلم الفقه وما يتبعه من مقدمته الشهيرة فكان مما قال فيه : ونقم الناس عليه وأوسعوا مذاهبه اسهجاناً وانكاراً وتلقوا كتبه بالاغفال والترك حتى انه ليحظر بيعها في الأسواق ، وربما تمزق في بعض الأحيان ا ه.
فلا يغتر أحد بما ينقله عن الامامية وغيرهم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) على أن الرجل من موالي يزيد بن معاوية فالحظ نسبه في الوفيات ، ولذا فضل أم حبيبة بنت أبي سفيان على أبي بكر وعمر وعثمان حيث تكلم في وجوه الفضل والمفاضلة بين الصحابة ؛ واختار تفضيل نساء النبي صلی الله علیه و آله على جميع من عدا الأنبياء من سائر الناس ، واعتمد في ذلك على خزعبلات مسخنة وترهات باردة وتشبث بسفاسف فاضحة وتمويهات واضحة فليراجعها كل مغرور بابن حزم في صفحة 112 وما بعدها إلى صفحة 134 من الجزء الرابع من الفصل وليعجب. وقد ظهر منه في تلك المقامات وما بعدها نصب عظيم لأمير المؤمنين وعداوة لأهل البيت بالغة ، حتى فضل صهيباً في صفحة 152 من الجزء الرابع على العباس وبنيه وعلى عقيل وبنيه وعلى سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين علیهماالسلام ، وانكر كل فضيلة لأهل البيت فراجع.
ونسج على منواله في بهت الامامية جماعة كثيرون منهم الشهرستاني في الملل والنحل اذ ألحق بهم كل مستهجن والصق فيهم كل قبيح. ذكر انهم افترقوا بعد الامام أبي محمد الحسن العسكري احدى عشرة فرقة ، والله يلعم انهم لم يفترقوا في اصول الدين أو شيء من العقائد وانما أراد بتفريقهم اطفاء نورهم ، وليته اسند شيئاً من الأقاويل التي نقلها عن تلك الفرق إلى كتاب يتلى أو شخص خلقه الله تعالى ، وليته اخبرنا عن بلاد واحدة من تلك الفرق أو زمانها او اسمها فانه قال : وليس لهم ألقاب مشهورة ولكنا نذكر أقاويلهم. بالله عليك هل سمعت متخاصمة ونحل آراؤها متعاركة لا يعرف لهم في الأحياء والأموات رجل ولا امرأة ولا يوجد في الخارج لهم مسمى ولا اسم ؟
وقد نقل عن زرارة بن اعين وهشام بن الحكم (1)ومؤمن الطاق محمد بن النعمان وهشام بن سالم أموراً ترتعد منها الفرائص وتقشعر لها الجلود فلم يقدح ذلك في سمو مقامهم وعظيم خطرهم عند الله ورسوله والمؤمنين وما أدري كيف اختص الشهرستاني واصحابه بالاطلاع على أقوال هؤلاء الاعلام دوننا ، مع انهم سلفنا وفرطنا قد بحثنا عن رأيهم واخذنا من الدين بهديهم ، فنحن اعرف الناس بمذاهبهم وصحاحنا مشحونة من حديثهم واسفارنا مملوءة من اقوالهم في الكلام والتفسير والفقه واصوله ، وفي ايدينا جملة أحوالهم وتفاصيل اخبارهم ، فلا يجوز ان يخفى علينا من احوالهم ما ظهر لغيرنا ، مع بعده عنهم في المشرب ومخالفته لهم في المذهب وكونهم ليسوا محلا لا بتلائه في شيء من امور الدنيا والدين ، ولو رأيناهم يذهبون إلى ما عزاه الشهرستاني اليهم لبرأنا منهم كما هي سنتنا فيمن نراه معوجاً عن الحق او منتهجاً نهج الضلال.
1) قد استوفينا الرد في هذه المسألة على الشهرستاني في كتابنا مختصر الكلام في مؤلفي الشيعة من صدر الاسلام فراجع ما نشر منه في صفحة 189 وفي صفحة 231 من المجلد الثاني من العرفان.
وقد اعرضنا عن بعض اولاد ائمتنا مع شدة اخلاصنا لهذا البيت الطاهر وكفرنا جماعة ممن صحبهم وفسقنا آخرين وضعفنا قوماً وامسكنا عن قوم آخرين كما يشهد به الخبير بطريقتنا ، فلو كان هؤلاء كما ذكره الشهرستاني لم يعظم علينا تكفيرهم ولألحقناهم بأبي الخطاب محمد بن مقلاص الاجدع وبالمغيرة بن سعد وعبد الله بن سبأ والمختار بن ابي عبيد وامثالهم ، لكن اعداء أهل البيت عمدوا إلى اكابر اصحابهم فرموهم بهذه الطامات كي يسقطوهم من اعين الناس حسداً منهم وبغياً ، ثم جاء الشهرستاني فرأى أثراً فاتبعه ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
وقد بلغت القحة ببصض المتعصبين إلى رمي المتاولة ( وهم الامامية في عرف سوريا ) بانكار الصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر الواجبات حتى نقل ذلك عنهم جودت باشا كما في صفحة 366 من الجزء الأول من ترجمة كتابه المطبوع في بيروت سنة 1308 (1)فاعجبوا لهذه الاكاذيب الدالة على حمق الكاذب وقلة حيائه نعوذ بالله من الخذلان.
وربما افك بعض المخرفين فنسب إلى الشيعة انهم لا يأكلون لحوم الابل هذا مع ما ينحر من الجزر كل يوم في مشاهد الائمة علیهم السلام وغيرها من بلاد الامامية ولا سيما في النجف الأشرف وهي عاصمة فقهائهم ، على ان من راجع من فقههم باب الأطعمة والاشربة لا يجدهم يفتون بكراهة الابل كما يفتون بكراهة الخيل والبغال والحمير ، بل يذكرون الابل في غير المكروه قبل البقر والغنم والمعز ، وفي باب الذباحة يصرحون بأن تذكية الابل بنحرها في وهدة
1) ذكرنا في كتاب مؤلفي الشيعة كلام جودت واستوفينا المقام في رده فراجع ما نشر منه في صفحة 190 من المجلد الثاني من العرفان ، وقد سمعت في الفصل السابق حال الامامية في ايجاب الواجبات وتحريم المحرمات فلا وجه للاعادة.
اللبة وهذا أمر من الضروريات لا يجهله أحد منهم اصلا.
وأعجب من هذا نسبة بعض الآفكين إلى الشيعة عدم ايجاب العدة على النساء مع انهم احوط في هذه المسألة من غيرهم أن المتوفى عنها زوجها تعتد بأربعة أشهر وعشر ليال مبدؤها نفس وفاته ، وتظهر الثمرة فيما لو علمت اليوم انه مات منذ أربعة أشهر وعشر ليال أو أكثر فانها لا تتزوج على رأيهم حتى تتربص المدة وعند غيرهم بأبعد الاجلين من وضع الحمل ومضي المدة ، فلو مضت المدة قبل وضع الحمل لا تتزوج عندهم حتى تضع حملها ، وكذا لو وضعت قبل مضي المدة .. وان اردت التفصيل فعليك بفقه الامامية وحديثهم وتفاسيرهم ، وقد ملأت انحاء الهند وارجاء فارس وانتشرت في العراقين وسوريا وسائر بلاد الاسلام ، وانا ارشدك إلى أسماء بعض ما هو بطبوع منها اكمالاً للفائدة وخدمة للعلم ، فمن الكتب افقهية شرائع الاسلام وجواهر الكلام ومسالك الافهام ومدارك الأحكام وكشف اللئام ومفتاح الكرامة وتذكرة العلامة والبرهان القاطع والمختصر النافع والروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية وجامع المقاصد في شرح القواعد إلى ما لا يحصى من الكتب المطولة فضلاً عن المختصرة ، وحسبك من حديثهم وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة ، ومن تفاسيرهم مجمع البيان في تفسير القرآن فراجعها لتعلم الحقيقة والله المستعان على ما تصفون.
الفصل الحادي عشر(1)
كنا نظن العصبية العمياء تقلصت وأيامها الوحشية تصرمت.
وان المسلمين أحسوا اليوم بما حل بهم من المنابذات والمشاغبات التي تركتهم طعمة الوحوش والحشرات ، وكنا نقول بزغت الحقائق بفضل المطابع وانتشار كتب الشيعة فلا أفاك ولا بهات ولا رامي لهم بعدها بهنات ، لكن النواصب ابوا الا ايقاظ الفتنة النائمة وايقاد الحرب العوان ( وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الحُسْنَىٰ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) .
قام في سوريا من حثالة الأمويين طغام دأبهم العهر والخمر يدعون إلى سلفهم الفاجر يريدون ليعيدوها أموية يزيدية هياما في مجاهل ضلالهم وتسكعاً في مفاوز محالهم ، ركبوا في ذلك رؤوسهم وارخوا فيه أعنة اقلامهم فالحقوا بالشيعة كل مستهجن وبهتوهم بكل عائبة ( وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) .
1) انما عقدنا هذا الفصل وزدناه فيما في هذه الطبعة ( أعني الطبعة الثانية ) تأثرا من هؤلاء النواصب الكذبة ، ولئن لم ينتهوا لنعذرن إلى الله عز وجل بهم.
خط قرد يزيد في خطته وفي مجلة الأمويين قوارص ترتعد منها الفرائص لكن فتيان المؤمنين خصموه فخطموه وقذعوه فقمعوه لا شلت ايمانهم.
ونشب النشاشيبي منشب سوء فلم ينشب ان ابكم فأفحم وانكبح فافتضح ، والحمد لله رب العالمين.
وصوب النصولي نصوله على الامام فنصل بذلك من دين الاسلام ، وقد طاش سهمه وسفه رأيه وخولط في عقله فهو في ( كتابه ) احمق دالع (1)ومن شك فليراجع.
ومع ذلك فقد كال الكيالي بصاعه وانتظم في سلك اتباعه فأثار ثائر هوجه وهبت عواصف رعنه ، فبرهن بما كتب على اطفاء شعلة ذهنه وفلول شباة عقله ( وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ) . ( وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) .
ما لهؤلاء السفهاء والتطوع في هذا الجيش الوهمي ، وما كان أغناهم عن ذلك الارجاف والاجحاف ، وما هذا الهوس الحزبي الذي اماتته السنون يبعثه هؤلاء العادون ليشقوا عصا المسلمين ويلقوا بأسهم بينهم.
وان من عصب برأسه العار وخطم انفه بالشنار وعاقر المدام وعانق الغلام وأضاع الصلاة واتبع الشهوات لجدير بالموبقات ، وحقيق بالمنديات المخزيات.
ولو أني بليت بهاشمي *** خؤولته بنو عبد المدان
لهان عليّ ما ألقى ولكن *** تعالوا وانظروا بمن ابتلاني
ولقد اسرف منار الخوارج بما أرجف واجحف وبغى وطغى وبهت الشيعة بهتاناً عظيماً ( وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) شنها في مجلده التاسع والعشرين غارة ملحاحاً أوسعت قلب الدين
1) وهو الذي لا يزال دالع اللسان وذلك غاية الحمق.
واهله جرحا ايقاداً للفتنة وتمسكا بقرن الشيطان وتزلفا لخوارج القرن الرابع عشر وابتغاء لعرض الدنيا ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُم مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ ) .
وتبا وترحا لمن يتلون كالحرباء ويدين بالسياسة كيف تشاء ، فيوما بحزوى ويوما بالعقيق وبالعذيب يوماً ويوماً بالخليصاء.
نشر المنار (1)دعايته إلى النصب والخرافات والتفريق بين المسلمين بالتمويه والترهات ، وادرج لذلك الناصب الكاذب رسالة خالية الوطاب إلا من الافك والسباب ، فأين النهضة التي يزعم المنار قيامه بها على أساس الوحدة الاسلامية وأين ما يدعيه من مجاهدة البدع والخرافات ؟! هيهات هيهات ( لقد حن قدح ليس منها وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها ) ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ، ونعوذ بك من طغوى نفسهم وسفه أحلامهم وعمه بصائرهم وبغي طغامهم ، ونبرأ اليك من نعرتهم الممقوتة الملعونة ، فقد شقوا بها عصا المسلمين وكان بسببها من الفشل وذهاب ريح الاسلام ما يفري المرائر ويمزق لفائف القلوب.
وهناك أفاضل نحملهم على الصحة في سوء ظنهم بالشيعي ونبزهم إياه بالرفض ونسبتهم الاباطيل اليه ، حيث أنسوا بناحية من تقدمهم ممن رأوه ينبز الشيعة ويلمزهم فنحوا نحوه وتلوا في ذلك تلوه إخلاداً اليه بثقتهم واعتماداً عليه في كل ما يقول ، فلا تثريب اذن على الوحيد الرافعي إذا قال (2)ان الرافضة شكوا في نص القرآن وقالوا انه وقع نقص وزيادة وتغيير وتبديل ا ه.
ولا جناح علينا إذا سألناه فقلنا له من تعني هنا بالرافضة ، أتعني الامامية
أم غيرهم ، فإن عنيتهم فقد كذبك من أغراك بهم وكل من نسب اليهم تحريف القرآن فإنه مفتر عليهم ظالم لهم ، لأن قداسة القرآن الحكيم من ضروريات دينهم الاسلامي ومذهبهم الامامي ، ومن شك فيها من المسلمين فهو مرتد باجماع الامامية ، فإذا ثبت عليه ذلك قتل ثم لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. وظواهر القرآن فضلاً عن نصوصه من أبلغ حجج الله تعالى واقوى ادلة أهل الحق بحكم البداهة الاولية من مذهب الامامية ، ولذلك تراهم يضربون بظواهر الاحاديث المخالفة للقرآن عرض الجدار ولا يأبهون بها وان كانت صحيحة ، وتلك كتبهم في الحديث والفقه والاصول صريحة بما نقول.
والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنما هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً ، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف ، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواتراً قطعياً إلى عهد الوحي والنبوة ، وكان مجموعاً على ذلك العهد الأقدس مؤلفاً على ما هو عليه الآن ، وكان جبرائيل علیه السلام يعارض رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالقرآن في كل عام مرة وقد عارضه به عام وفاته مرتين.
والصحابة كانوا يعرضونه ويتلونه على النبي حتى ختموه عليه (صلی الله علیه و آله و سلم) مرارا عديدة ، وهذا كله من الأمور المعلومة الضرورية لدى المحققين من علماء الامامية ، ولا عبرة بالحشوية فإنهم لا يفقهون.
والباحثون من أهل السنة يعلمون أن شأن القرآن العزيز عند الامامية ليس إلا ما ذكرناه والمنصفون منهم يصرخون بذلك.
قال الامام الهمام الباحث المتتبع رحمة الله الهندي رضی الله عنه في صفحة 89 من النصف الثاني من كتابه النفيس ( اظهار الحق ) ما هذا لفظه : القرآن الكريم عند جمهور علماء الشيعة الامامية الاثني عشرية محفوظ عن التغيير
والتبديل ، ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه فقوله مردود غير مقبول عندهم.
قال : قال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه الذي هو من أعظم علماء الامامية الاثني عشرية في رسالته (1)الاعتقادية : « اعتقادنا في القرآن ان القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الله مائة وأربع عشر سورة ، وعندنا والضحى وألم نشرح سورة واحدة ، ولايلاف وألم تر سورة واحدة ، ومن نسب الينا أنا نقول انه اكثر من ذلك فهو كاذب » انتهى.
قال الامام الهندي : وفي تفسير مجمع البيان (2)الذي هو تفسير معتبر عند الشيعة ذكر السيد الاجل المرتضى علم الدين ذو المجد ابو القاسم علي بن الحسين الموسوي : ان القرآن كان على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مجموعاً مؤلفاً على ما هو الآن ، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وأنه كان يعرض على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ويتلى عليه ، وان جماعة من الصحابة كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عدة ختمات ، وكل ذلك بأدنى تأمل يدل على انه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور ولا مبثوث.
قال الهندي : وذكر ان من خالف من الامامية والحشوية لا يعتد بخلافهم ، فإن الخلاف مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا اخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته - انتهى.
قال الامام الهندي : وقال السيد المرتضى أيضاً : ان العلم بصحة القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام المشهورة وأشعار العرب
المسطورة ، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وبلغت إلى حد لم تبلغ اليه فيما ذكرناه ، لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وعنايته الغاية حتى عرفوا كل شيء فيه اعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد - انتهى.
قال الامام الهندي : وقال القاضي نور الله التوستري الذي هو من علمائهم المشهورين في كتابه المسمى بمصائب النواصب : ما نسب إلى الشيعة الامامية من وقوع التغيير في القرآن ليس مما قال به جمهور الامامية ، إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم - انتهى.
قال الامام الهندي : وقال الملا صادق في شرح الكليني : « يظهر القرآن بهذا الترتيب عند ظهور الامام الثاني عشر ويشهر به » انتهى.
قال الامام الهندي : وقال محمد بن الحسن الحر العاملي الذي هو من كبار المحدثين في الفرقة الامامية في رسالة كتبها في رد بعض معاصريه « هر كسيكة تتبع أخبار وتفحص تواريخ وآثار نموده بعلم يقيني ميداند كه قرآن در غايت وأعلى درجة تواتر بوده وآلاف صحابة حفظ ونقل ميكردند آن را و در عهد رسول خدا (صلی الله علیه و آله و سلم) مجموع ومؤلف بود » انتهى.
قال الامام الهندي : فظهر أن المذهب المحقق عند علماء الفرقة الامامية الاثني عشرية أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، وانه كان مجموعاً مؤلفاً في عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وحفظه ونقله ألوف من الصحابة ، وجماعة من الصحابة كعبدالله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي عدة ختمات ، ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند ظهور الامام الثاني عشر رضی الله عنه .
قال والشرذمة القليلة التي قالت بوقوع التغيير فقولهم مردود عندهم ولا اعتداد به فيما بينهم.
قال : وبعض الأخبار الضعيفة التي رويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته.
قال : وهو حق لأن خبر الواحد إذا اقتضى علماً ولم يوجد في الأدلة القاطعة ما يدل عليه وجب رده ، على ما صرح به ابن المطهر الحلي في كتابه المسمى بمبادئ الوصول إلى علم الاصول ، وقد قال الله تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .
قال : ففي تفسير الصراط المستقيم الذي هو تفسير معتبر عند علماء الشيعة « أي إنا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان » انتهى ...
هذا كلام الامام الهندي عينا ، وانما اكتفينا بما نقله من كلام أعلام الشيعة الامامية المسطور في كتبهم المعتبرة لأن الاستقصاء يوجب الخروج عما أخذناه على أنفسنا من اجتناب الاطناب الممل.
ومن أراد النقل عن الطوائف والامم فليقتف أثر هذا الامام في الاستناد إلى الكتب المعتبرة عند تلك الأمة أو الطائفة ، ولا يعول في النقل عنها على المرجفين من خصمائها والالداء من أعدائها.
وأنا اكبر السفر الجليل « تحت راية القرآن » واقدر قدر مؤلفه « المصطفى الصادق » واعلم انه بعيد الغاية رزين الحصاة ، وكنت أربأ به وبسفره الثمين المؤلف لعموم المسلمين عن جرح عواطف الشيعة وهم ركن الدين وشطر المسلمين ، وفيهم الملوك والامراء والعلماء والأدباء والكتبة والشعراء والساسة المفكرون والدهاة المدبرون وأهل الحمية الاسلامية والنفوس العبقرية والشمم والكرم
والعزائم والهمم ، وقد انبثوا في الانحاء وانتشروا في الأرض انتشار الكواكب في السماء ، فليس من الحكمة ولا من العقل أن يستهان بهم ، وهم أهل حول وقوة وغنى وثروة وأموال مبذولة في سبيل الدين وأنفس تتمنى أن تكون فداء المسلمين.
وليس من التثبت أن يعتمد في مقام النقل عنهم على إرجاف المرجفين واجحاف المجحفين ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) .
نوضح فيه سبب التباعد بين الطائفتين ونكشف عن مكنون السر في تنافرهما ، زيادة على ما سمعت في الفصول السابقة.
والغرض تشخيص الداء لنصف الناجع فيه من الدواء ، فهنا مقصدان :
في الأمور التي ينفر منها الشيعي ولا يكاد يمتزج بسببها مع السني ، وأهمها شيئان :
( الأول ) ما سمعته في الفصول السابقة (1)من التكفير والتحقير والشتم والتزوير.
( الثاني ) اعراض اخواننا أهل السنة عن مذهب الأئمة من أهل البيت ، وعدم الاعتناء بأقوالهم في أصول الدين وفروعه بالمرة ، وعدم الرجوع اليهم في تفسير القرآن العزيز ( وهو شقيقهم ) الا دون ما يرجعون فيه إلى مقاتل
1) ولا سيما التاسع والعاشر والحادي عشر.
ابن سليمان المجسم المرجئ الدجال ، وعدم الاحتجاج بحديثهم الا دون ما يحتجون بدعاة الخوارج والمشبهة والمرجئة والقدرية ، ولو أحصيت جميع ما في كتبهم من حديث ذرية المصطفى (صلی الله علیه و آله و سلم) ما كان إلا دون ما أخرجه البخاري وحده عن عكرمة البربري الخارجي المكذب.
وأنكى من هذا كله عدم احتجاج البخاري في صحيحه بأئمة أهل البيت النبوي ، اذ لم يرو شيئاً عن الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والزكي العسكري وكان معاصراً له ، ولا روى عن الحسن (1)بن الحسن ولا عن زيد بن علي بن الحسين ، ولا عن يحيى بن زيد ، ولا عن النفس الزكية محمد بن عبد الله الكامل ابن الحسن الرضا ابن الحسن السبط ، ولا عن أخيه ابراهيم بن عبد الله ، ولا عن الحسين الفخي بن علي بن الحسن بن الحسن ، ولا عن يحيى بن عبد الله بن الحسن ، ولا عن أخيه ادريس بن عبد الله ولا عن محمد بن جعفر الصادق ، ولا عن محمد بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا ، ولا عن أخيه القاسم الرسي ، ولا عن محمد بن محمد بن زيد بن علي ، ولا عن محمد ابن القاسم بن علي بن عمر الأشرف ابن زين العابدين صاحب الطالقان المعاصر للبخاري (2)ولا عن غيرهم من أعلام العترة الطاهرة وأغصان الشجرة الزاهرة كعبد الله بن الحسن وعلي بن جعفر العريضي وغيرهما من ثقل رسول الله ، وبقيته في أمته (صلی الله علیه و آله و سلم) حتى أنه لم يرو شيئاً من حديث سبطه الأكبر وريحانته من الدنيا أبي محمد الحسن المجتبى سيد شباب أهل الجنة ، مع احتجاجه بداعية الخوارج وأشدهم عداوة لأهل البيت عمران بن حطان القائل في ابن ملجم وضربته لأمير المؤمنين علیه السلام :
يا ضربة من تقي ما أراد بها *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
ان-ي لا ذكره يوماً فأحسبه *** أوفى البرية عند الله ميزانا
أما ورب الكعبة وباعث النبيين لقد وقفت هنا وقفة المدهوش وقمت مقام المذعور ، وما كنت أحسب ان الأمر يبلغ هذه الغاية ، وقد باح العلامة ابن خلدون بسرها المكنون حيث قال في الفصل الذي عقده لعلم الفقه وما يتبعه من مقدمته الشهيرة بعد ذكر مذاهب أهل السنة ما هذا لفظه : وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به ، وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة (1)بالقدح وعلى قولهم بعصمة الأئمة ، ورفع الخلاف عن أقوالهم ، وهي كلها أصول واهية (2).
قال : وشذ بمثل ذلك الخوارج (3)ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم ، بل
1) ما أدري كيف يمكن ان تبنى المذاهب الفقهية على تناول بعض الصحابة بالقدح ، وما عرفت كيف تستنبط الاحكام الشرعية الفرعية من تناول أحد من الناس ، وابن خلدون يعد من الفلاسفة ، فما هذا الهذيان منه يا أولي الالباب ؟.
2) ان أصحابنا « الامامية » اثبتوا في كتبهم الكلامية عصمة أئمتهم بالادلة العقلية والنقلية ، والمقام لا يسع بيانها ولو تصدينا لها لخرجنا عن موضوع هذه الرسالة ، وحسبك دليلاً على عصمتهم ، كونهم بمنزلة الكتاب الذي لا يأتيه الباطل وكونهم أمان هذه الأمة من الاختلاف ، فاذا خالفتهم قبيلة من العرب كانت حزب ابليس ، وكونهم سفينة النجاة وباب حطة هذه الأمة ، وكونهم النافين عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
3) انظر كيف جعل أهل البيت ( الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) شذاذ مارقة كالخوارج نعوذ بالله.
أوسعوها جانب الانكار والقدح ، فلا نعرف شيئاً من مذاهبهم (1)ولا نروي كتبهم ولا أثر لشيء منها إلا في مواطنهم ، فكتب الشيعة في بلادهم ، وحيث كانت دولتهم قائمة في المغرب والمشرق واليمن والخوارج كذلك ولكل منهم كتب وتآليف وآراء في الفقه غريبة. هذا كلامه فتأمله واعجب.
ثم رجع إلى مذاهب أهل السنة فذكر انتشار مذهب أبي حنيفة في العراق ومذهب مالك في الحجاز ، ومذهب أحمد في الشام وفي بغداد ، ومذهب الشافعي في مصر ، وهنا قال ما هذا لفظه : ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة ، وتداول بها فقه أهل البيت (2)
لكم ذخركم ان النبي ورهطه *** وجيلهم ذخري اذا التمس الذخر
جعلت هواي الفاطميين زلفة *** الى خالقي ما دمت أو دام لي العمر
وكوفني ديني على أن منصبي *** شئام ونجري أية ذكر النجر
وتلاشى من سواهم ، إلى أن ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب ، ورجع اليهم فقه الشافعي الخ.وقال ابن خلدون وأمثاله انهم على الهدى والسنة وان أهل البيت شذاذ مبتدعة وضلال رافضة.
إذا وصف الطائي بالبخل ما در *** وعير قسا بالفهامة باقل
وقال السهى للشمس أنت ضئيلة *** وقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة *** وكاثرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر ان الحياة ذميمة *** ويا نفس جدي ان سبقك هازل
ولا غرو ان قام المسلم عند سماع هذه الكلمة وقعد ، بل لا عجب أن مات أسفاً على الإسلام وأهله ، إذ بلغ الأمر هذه الغاية ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أيقول ابن خلدون ان أهل البيت شذاذ ضلال مبتدعون ، وهم الذي أذهب الله عنهم الرجس بنص التنزيل (1)وهبط بتطهيرهم جبرائيل وباهل (2)بهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأمر ربه الجليل ، وقد فرض القرآن مودتهم (3)وأوجب الرحمن ولايتهم (4)وهم سفينة النجاة (5)إذا طغت لجج النفاق ،
1) اشارة إلى قوله تعالى ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ ) فراجع ما علقناه على هذه الآية في الفصل الثاني من المطلب الأول من كلمتنا الغراء.
2) اشارة إلى قوله تعالى ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ) الآية فراجع ما علقناه عليها في الفصل الأول من الكلمة الغراء أيضاً.
3) اشارة إلى قوله تعالى ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَىٰ ) فراجع ما علقناه عليها في الفصل الثالث من الكلمة الغراء.
4) اشارة إلى ما أخرجه الديلمي وغيره - كما في الصواعق وغيرهما - عن أبي سعيد الخدري ان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَسْئُولُونَ ) عن ولاية علي. وقال الامام الواحدي - كما في تفسير هذه الآية من الصواعق أيضاً - انهم مسئولون عن ولاية علي وأهل البيت.
5) (13) وقال ابن حجر في صفحة 93 من صواعقه حيث تكلم في تفسير الآية 7 من الآيات التي أوردها في الباب 11 من الصواعق ما هذا لفظه : وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً : انما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ( قال ) وفي رواية مسلم ومن تخلف عنها غرق ( قال ) وفي رواية هلك الخ.
وأمان الأمة (1)إذا عصفت عواصف الشقاق ، وباب حطة (2)يأمن من دخلها ، والعروة الوثقى لا انفصام لها ، وأحد الثقلين (3)لا يضل من تمسك بهما ،
1) اشارة إلى قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) : « النجوم أمان لاهل الأرض من الغرق ، واهل بيتي أمان لامتي من الاختلاف ، فاذا خالفتهم قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس » اخرجه الحاكم عن ابن عباس مرفوعاً وصححه على شرط البخاري ومسلم كما في صفحة 93 من الصواعق المحرقة لابن حجر حيث تكلم في الآية 7 من الباب 11 - وأخرج ابن أبي شيبة ومسدد في مسنديهما والترمذي في نوادر الاصول - وابو يعلى والطبراني والحاكم عن سلمة بن الاكوع قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) النجوم أمان لاهل السماء وأهل بيتي امان لأمتي - وقد نقله الحافظ السيوطي في كتاب احياء الميت بفضائل أهل البيت والنبهاني في اربعينه وغير واحد من العلماء.
2) اشارة إلى قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) « مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ، ومثل باب حطة في بني اسرائيل » أخرجه الحاكم عن أبي ذر عليه الرحمة - وأخرج الطبراني في الصغير والاوسط عن أبي سعيد قال : سمعت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : « انما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ، وانما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له ».
3) اشارة إلى قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) « اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما » اخرجه الترمذي والحاكم كما في احياء الميت للسيوطي ، وهو من الاحاديث المستفيضة رواه اكثر المحدثين بألفاظ متقاربة وأسانيدهم فيه صحيحة. قال ابن حجر بعد نقله أياه عن الترمذي وغيره في اثناء تفسيره للآية الرابعة من الباب 11 من صواعقه ما هذا لفظه : ثم اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا ( قال ) ومر له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه ، وفي بعض تلك الطرق انه قال ذلك بحجة الوداع بغرفة ، وفي أخرى انه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلات الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى انه قال ذلك بغدير خم ، وفي أخرى انه قاله لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف ( قال ) ولا تنافي اذ لا مانع من انه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة .. إلى آخر كلامه فراجعه في صفحة 92 من الصواعق.
ولا يهتدي إلى الله من ضل عن أحدهما وقد أمرنا (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن نجعلهم منا مكان الرأس (1)من الجسد ، بل مكان العينين من الرأس ، ونهانا عن التقدم عليهم (2)والتقصير عنهم ، ونص على انهم القوامون على الدين ، النافون عنه في كل خلف من هذه الأمة (3)تحريف الضالين ، وقد أعلن (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن معرفتهم براءة من
1) اشارة إلى ما نقله غير واحد من الاعلام كالعلامة الصبان في الصفحة 114 من اسعافه المطبوع في هامش نور الابصار حيث قال ما هذا لفظه : وروى جماعة من أهل السنن من عدة من الصحابة ان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك ( قال ) وفي رواية غرق ( قال ) وفي رواية أخرى زج في النار ( قال ) في أخرى عن أبي ذر زيادة وسمعته يقول : اجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد ومان العينين من الرأس.
2) اشارة إلى قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث التمسك بالثقلين « فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم » ونقله عن الطبراني غير واحد من العلماء كالامام أبي بكر العلوي في باب 5 من رشفة الصادي وابن حجر حيث تكلم في تفسير الآية الرابعة في الباب 11 من صواعقه.
3) اشارة إلى ما أخرجه الملا في سيرته بسنده إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : في كل خلف من امتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، الا وان ائمتكم وفدكم إلى الله فانظروا من توفدون - وقد نقله ابن حجر في صفحة 92 من صواعقه.
النار (1)وحبهم جواز على الصراط ، والولاية لهم أمان من العذاب - وأن الأعمال الصالحة لا تنفع عامليها الا بمعرفة حقهم (2)ولا تزول يوم القيامة قدما أحد من هذه الأمة (3)حتى يسأل عن حبهم ولو أن رجلاً أفنى عمره قائما وقاعدا وراكعاً وساجداً بين الركن والمقام مات غير موال لهم دخل النار (4)
وأخرج الطبراني كما في احياء الميت للسيوطي » عن الحسن السبط انه قال لمعاوية بن خديج : اياك وبغضنا فإن رسول الله قال لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد الا ذيد يوم القيامة عن الحوض بسياط من النار ا ه- وأخرج الطبراني في الاوسط كما في احياء الميت واربعين النبهاني عن جابر قال : خطبنا رسول الله فسمعته وهو يقول : أيها الناس من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهوديا ا ه.
.1) اشارة إلى قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) : « معرفة آل محمد براءة من النار وحب آل محمد جواز على الصراط والولاية لآل محمد أمان من العذاب » رواه القاضي عياض في الفصل الذي عقده لبيان ان من توقيره وبره (صلی الله علیه و آله و سلم) بر آله وذريته من كتابه « الشفاء » فراجع أول الصفحة 41 من قسمه الثاني طبع الاستانة سنة 1328.
2) اشارة إلى قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : « الزموا مودتنا أهل البيت فانه من لقى الله وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا ، والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله الا بمعرفة حقنا » أخرجه الطبراني في الاوسط ونقله السيوطي في احياء الميت بفضائل أهل البيت والنبهاني في أربعينه.
3) اشارة إلى قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما افناه ، وعن جسده فيما أبلاه ، وعن ماله فيما أنفقه ومن اين اكتسبه ، وعن محبتنا أهل البيت. أخرجه الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً ونقله السيوطي في احياء الميت والنبهاني في أربعينه.
4) اشارة إلى قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) من حديث أخرجه الطبراني والحاكم « كما في احياء الميت وأربعين النبهاني وغيرهما » فلو ان رجلاً صفن « أي صف قدميه » بين الركن والمقام فصلى وصام وهو مبغض لآل محمد دخل النار ا ه. واخرج الحاكم وابن حيان في صحيحه « كما في احياء الميت واربعين النبهاني وغيرهما » عن ابي سعيد قال : قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل الا دخل النار.
فهل يحسن من الأمة المسلمة بعد هذا أن تجري الا على أسلوبهم ، وهل يتسنى لمسلم يؤمن بالله ورسوله أن يستن بغير سنتهم ، فكيف يعدّهم ابن خلدون في أهل البدع بكل صراحة ووقاحة من غير خجل ولا وجل.
أبهذا أمرته آية القربى وآية التطهير وأيتا أولي الأمر والاعتصام بحبل الله ، أم بهذا أمره سبحانه حيث يقول ( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) أم به صدع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في نصوصه المجمع على صحتها ؟ وقد استقصيناها بطرقها وأسانيدها في كتابنا سبيل المؤمنين ، واستقصتها علماؤنا الاعلام في مؤلفاتهم فراجعها لتعلم حقيقة أهل البيت ومنزلتهم في دين الاسلام.
على أنهم لا ذنب لهم يستوجب الجفاء ، ولا قصور بهم يقتضي هذا الأعراض ، فليت أهل المذاهب الأربعة نقلوا في مقام الاختلاف مذهب أهل البيت كما ينقلون سائر المذاهب التي لا يعلمون بها ، ما رأيناهم يعاملون أهل البيت هذه المعاملة في عصر من الأعصار ، وانما يعاملونهم معاملة من لم يخلقه الله عز وجل ، أو من لم يؤثر عنه شيء من العلم والحكمة.
نعم ربما تعرضوا لشيعتهم فنبزوهم بالرفض ، وسلقوهم بألسنة الافتراء كما سمعت في الفصول السابقة - وقد ولى زمن الاعتداء واقبل عصر الاخاء وآن لجميع المسلمين ان يدخلوا مدينة العلم النبوي من بابها ويلجوا من باب حطة ويلجأوا إلى أمان أهل الأرض بركوب سفينتهم ومقاربة شيعتهم ، فقد زال سوء التفاهم من البين ، وأسفر الصبح عن توثق الروابط بين الطائفتين ، والحمد لله رب العالمين.
في الأمور التي ينفر منها أهل السنة ولا يأتلفون بها مع الشيعة ، وهي أمور مكذوبة بهتنا بها المبطلون ، وقد سمعت في الفصول السابقة جملة منها ، ووقفت على ما يشفي صدرك من الأجوبة عنها ، ولم يبق سوى مسألة الصحابة رضي الله عنهم فانها المسألة الوحيدة والمعضلة الشديدة ، وذلك ان بعض الغلاة من الفرق التي يطلق عليها لفظ الشيعة ، كالكاملية يتحاملون على الصحابة كافة رضي الله عنهم وينالون من جميع السلف ، فيظن الجاهل أن ذلك رأي مطلق الشيعة ، وتوهم أنه مذهب الجميع ، فيرمي الصالح بحجر الطالح ، ويأخذ البريء بذنب المسيء ، كما هو الشأن فيمن يختلط عليه الحابل بالنابل ، ولو عرف رأي الامامية في هذه المسألة ووقف على كلامهم فيها لعلم أنه أوسط الآراء ، اذ لم يفرطوا تفريط الغلاة ولا أفرطوا افراط الجمهور.
وكيف يجوز عليهم ما يقوله الجاهلون او يمكن في حقهم ما يتوهمه الغافلون ، بعد اقتدائهم في التشيع بكبراء الصحابة كما يعلمه الخبير ( بالاستيعاب والاصابة وأسد الغابة ) واليك اكمالاً للفائدة واتماماً للغرض بعض ما يحضرني من أسماء الشيعة من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله لتعلم انا بهم اقتدينا وبهديهم اهتدينا ، وسأفرد لهم ان وفق الله كتاباً يوضح للناس تشيعهم ويحتوي على تفاصيل شؤونهم ، ولعل بعض أهل النشاط من حملة العلم وسدنة الحقيقة
يسبقني إلى تأليف ذلك الكتاب فيكون لي الشرف ، اذ خدمته بذكر اسماء بعضهم في هذا الباب ، وها هي على ترتيب حروف الهجاء.
أ
أبو رافع القبطي مولى رسول الله صلی الله علیه و آله واسمه أسلم أو ابراهيم وقيل هرمز وقيل ثابت وقيل غير ذلك ، وله أولاد وأحفاد كلهم خصيصون بأهل البيت ومنقطعون اليهم ، أما أولاده فرافع والحسن والمغيرة وعبيد الله ( الذي أفرد كتاباً فيمن حضر صفين مع علي من الصحابة وقد نقل عنه صاحب الاصابة وغيره ) وعلي الذي ألف كتاباً في فنون الفقه على مذهب أهل البيت ، وهو أول كتاب فقهي عمل في الاسلام بعد صحيفة علي (علیه السلام). وأما أحفاد أبي رافع فالحسن وصالح وعبيد الله أولاد علي بن أبي رافع والفضل بن عبيد الله بن ابي رافع ولهم ذرية كلها صالحة ، ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول : وابو المنذر أبي بن كعب سيد القراء (1). وابان بن سعيد بن العاص الأموي ، وانس بن الحرث أو ابن الحارث بن نبيه الذي سمع - كما في ترجمته من الاصابة - رسول الله صلی الله علیه و آله يقول : ان ابني هذا يعني الحسين (علیه السلام) يقتل بارض يقال له كربلاء ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره. قال : فخرج أنس بن حارث إلى كربلاء فقتل بها مع الحسين علیه السلام ا ه. وفي ترجمته من الاستيعاب مثله. واسيد بن ثعلبة الأنصاري البدري ، وأسلم بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي وهو أخو نوفل. وأسلم بن بجرة الساعدي. والأسود بن عبس بن أسماء التميمي وأعين بن ضبيعة بن ناجية الدارمي التميمي. وأنس بن مدرك الخثعمي الأكلبي. وامرؤ القيس بن عابس الكندي. وأويس بن عامر القرني وهو من
1) ذكره ابن الشحنة في تاريخه فيمن تخلف عن بيعة السقيفة مع علي علیه السلام .
أفضل التابعين بشر به رسول الله صلی الله علیه و آله وأسلم على عهده ولم يره صلی الله علیه و آله ، وقد ذكره ابن حجر في القسم الثالث من اصابته.
وأبو ليلى الغفاري لم أقف له على اسم هو الذي أخرج عنه أبو أحمد وابن منده وغيرهما - كما في ترجمته من الاصابة - انه قال : سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول : « ستكون من بعدي فتنة ، فاذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب ، فانه أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر وهو فاروق هذه الأمة وهو يعسوب المؤمنين » الحديث ورواه عنه ابن عبد البر في ترجمته من الاستيعاب أيضاً. وأبو فضالة الأنصاري لم أقف أيضاً له على اسم ، روى صاحب الاستيعاب والاصابة في ترجمته عن ابنه انه سمع علياً يقول : إن رسول الله صلی الله علیه و آله أخبرني اني لا أموت حتى أؤمر ثم تخضب هذه من هذه ( يعني كريمته من هامته ) قال فضالة : فصحبه أبي فقتل فيمن قتل في صفين ، وكان بدريا رحمه الله . وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلی الله علیه و آله واخوه من الرضاعة أرضعتهما حليمة السعدية.
ب
وبريد الاسلمي أحد الذين رثاهم أمير المؤمنين علیه السلام بقوله :
جزى الله خيراً عصبة اسلمية *** صباح الوجوه صرعوا حول هاشم
بريد وعبد الله منهم ومنقذ *** وعروة وابنا مالك في الأكارم
وبريد بن الحصيب الاسلمي. وبلال بن رباح الحبشي. والبراء بن عازب (1)
1) ذكره ابن الشحنة في تاريخه فيمن تخلف مع علي عن بيعة السقيفة.
ابن الحارث الأنصاري. والبراء بن مالك وهو أخو أنس بن مالك الأنصاري. وبشير وهو أخو وداعة بن أبي زيد الأنصاري وقد شهد هو وأخوه صفين وكانا من خيار المستبصرين واستشهد أبوهما في احد.
ت
وتمام بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي عليهم الرحمة.
ث
وثابت بن عبيد الأنصاري. وثابت بن قيس بن الخطيم الظفري. وثعلبة بن قيظي بن صخر الأنصاري.
ج
وجندب بن جنادة وهو أبو ذو الغفاري. وجارية بن قدامة السعدي وجارية ابن زيد. وجابر بن عبد الله الأنصاري. وجبلة بن عمرو بن أوس الساعدي. وجبير بن الحباب الأنصاري. وجعدة بن هبيرة المخزومي وأمه أم هاني شقيقة أمير المؤمنين (علیه السلام). وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي. وجهجاه بن سعيد الغفاري. وجراد بن مالك ابن نويرة التميمي المقتول يوم البطاح مع أبيه وقد رثاه عمه متمم. وجراد بن طهية الوحيدي وهو والد شبيب ابن جراد الشهيد يوم الطف مع سيد الشهداء (علیه السلام).
ح
وحجر بن عدي الكندي. وحذيفة بن اليمان العبسي. والحارث بن العباس ابن عبد المطلب الهاشمي. وأبو الورد بن القيس واسمه ( فيما ذكره أبو عمر ) حرب المازني. والحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأبو قتادة الحارث بن ربعي بن بلدهة الأنصاري. والحارث بن زهير الازدي. والحارث بن خاطب
ابن عمرو الأنصاري. والحارث بن عمر بن حزام الخزرجي. والحارث بن النعمان ابن أمية الأوسي. وحازم بن أبي حازم الأحمسي. والحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري. وحسان بن خوط بن مسعر الشيباني وهو من بيت كلهم صفوة شهد الجمل مع علي (علیه السلام) ومعه ابناه الحارث وبشر ، وأخوه وبشر بن خوط ، وحفيده عنبس بن الحارث بن حسان المذكور ، وابن أخيه وهيب بن عمرو بن خوط وابن أخيه الآخر الأسود بن بشر بن خوط ، وابنا ابن أخيه وهما الحسين وحذيفة ابنا مخدوج بن بشر بن خوط ، وكان اللواء مع الحسين بن مخدوج بن بشر ابن خوط ، فاستشهد فأخذه أخوه حذيفة فاستشهد فأخذه عمهما الأسود فاستشهد فأخذه عنبس بن الحارث بن حسان المذكور. فاستشهد فأخذه وهيب بن عمرو بن خوط ، فاستشهد بخ بخ ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، يا ليتنا كنا معهم فنفوز فوزاً عظيما.
وحنظلة بن النعمان بن عامر الأنصاري. وحكيم بن جبلة العبدي صاحب المقام المشكور يوم الجمل الأصغر ، وقد استشهد يومئذ ، واستشهد معه ابنه الأشرف وأخوه الرعل بن جبلة في سبعين رجلاً من عشيرته ، وكانت تلك الواقعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة 36 قبل مجيء أمير المؤمنين إلى البصرة ثم جاء علیه السلام فكان يوم الجمل الأكبر. وحبيب بن مظاهر بن رئاب بن الاشتر بن حجون بن فقعس الشهيد بين يدي الحسين علیه السلام ، وهو تابعي ادرك أيام النبي صلی الله علیه و آله ولم يره ، وقد ذكره ابن حجر في القسم الثالث من اصابته. والحكم بن المغفل بن عوف الغامدي الشهيد يوم النهروان.
خ
وخالد بن سعيد بن العاص (26) الأموي. وأبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري.
وخالد بن ربيعة الجدلي. وخالد بن الوليد الأنصاري. وخالد بن المعمر السدوسي. وخويلد بن عمرو الأنصاري. وخباب بن الارت التميمي ويقال الخزاعي. وذو الشهادتين خزيمة بن ثابت الأنصاري. وخرشة بن مالك الاودي. وخليفة بن عدي البياضي.
د
وأبو ليلى داوود بن بلال والد عبد الرحمن الأنصاري. وقد اختلف العلماء في اسمه.
ر
وربيعة بن قيس العدواني. ورفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري. ورافع ابن أبي رافع القبطي.
ز
وزيد بن أرقم الخزرجي. وزيد بن صوحان العبدي. وزيد بن اسلم البلوي. وزيد بن جارية أو ابن حارثة الأنصاري. وزيد أو يزيد بن شراحيل الأنصاري. وزيد بن حبيش الاسدي. وزياد بن مطرف الذي أخرج عنه مطين والبارودي وابن جرير وابن شاهين كما في ترجمته من الاصابة انه قال : سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول : من أحب أن يحيى حياتي ويموت
ميتتي ويدخل الجنة فليتول علياً وذريته من بعده ا ه. وأبو زينب زهير بن الحارث بن عوف. وزيد بن وهب الجهني الحسلي.
س
وأبو عبد الله سلمان الخير الفارسي. وسلمان بن ثمامة الجعفي. وسليمان بن صرد الخزاعي المتفاني في الاخذ بثار سيد الشهداء والشهيد في سبيل ذلك. وسليمان بن هاشم المرقال الزهري. وسهل بن حنيف الأنصاري. وسهيل بن عمرو الأنصاري. وسلمة بن أبي سلمة ربيب النبي صلی الله علیه و آله . وسويد بن غفلة الجعفي. وسماك بن خرشة والظاهر انه غير أبي دجانة الأنصاري. وسنان بن شفعلة الاوسي الذي روى عن رسول الله صلی الله علیه و آله انه قال : حدثني جبرئيل ان الله عز وجل لما زوج فاطمة علياً أمر رضوان فأمر شجرة طوبى فحملت رقاقاً بعدد محبي آل بيت محمد صلی الله علیه و آله ا ه. أخرجه عنه أبو موسى كما في ترجمة سنان من الاصابة. وسعنة بن عريض التيماوي الذي دار بينه وبين معاوية كلام في المدينة فيه ذكر علي (علیه السلام) فغض ابن عريض من معاوية ، فقال معاوية : ما أراه الا قد خرف فأقيموه ، فقال ( كما في ترجمته من الاصابة ) ما خرفت ولكن انشدك الله يا معاوية أما تذكر لما كنا جلوساً عند رسول الله صلی الله علیه و آله فجاء علي فاستقبله النبي صلی الله علیه و آله فقال : قاتل الله من يقاتلك وعادى من يعاديك ؟ قال : فقطع معاوية حديثه وأخذ في حديث آخر ا ه. وسعيد بن الحارث بن عبد المطلب. وسعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. وسعيد بن نمران الهمداني. وسعيد ابن وهب الخوياني. وسعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري ، أما أبوه سعد فقد ذكره صاحب الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة وفيه نظر. وسعد بن الحارث ابن الصمة الأنصاري. وسعد بن مسعود الثقفي وهو عم المختار. وسعد بن عمرو الأنصاري. وسفيان بن هاني بن جبير الجيشاني.
ش
وشراحيل بن مرة الهمداني الذي روى عنه كما في ترجمته من الاصابة ابن السكن وابن شاهين وابن قانع والطبراني انه قال : سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول لعلي : ابشر يا علي حياتك وموتك معي. وشريح بن هاني بن يزيد الحارثي وهو غير القاضي. وشيبان بن محرث.
ص
وصعصعة وصيحان ابنا صوحان. وصالح الأنصاري السالمي. وصبيح مولى أم سلمة. وصيفي بن ربعي الاوسي.
ض
والضحاك وهو الاحنف بن قيس التميمي الذي يضرب المثل بحلمه وأدرك النبي صلی الله علیه و آله ولم يجتمع به ، ودعا له رسول الله صلی الله علیه و آله .
ط
وطاهر بن أبي هالة التميمي. وطريف بن أبان الانماري.
ظ
وأبو الاسود ظالم بن عمرو الدؤلي ، ذكره ابن حجر في القسم الثالث من اصابته ، وهو مخضرم ادرك الجاهلية والاسلام.
ع
وابو اليقظان عمار بن ياسر. وعمار بن أبي سلمة الدالاني المستشهد كما في
ترجمته من الاصابة بين يدي الحسين علیه السلام يوم الطف. والعباس بن عبد المطلب. وعقيل بن أبي طالب. وعمارة بن حمزة بن عبد المطلب. وعون بن جعفر بن أبي طالب. وعتبة بن أبي لهب. وعبد الله بن العباس. وعبد الله بن جعفر. وعبد الله بن حنين بن أسد بن هاشم. وعبد الله بن الزبير بن عبدالمطلب. وعبد الله بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب. وعبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. وعبد الله بن نوفل بن الحرث بن عبدالمطلب. وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب. وعبيدالله بن العباس بن عبدالمطلب. وعبيد الله بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب. وعبد الله بن يقطر ، وفي الاصابة ابن يقظة وهو رضيع الحسين علیه السلام ، وقد استشهد في سبيل نصرته. وعبد الله بن دباب المذحجي. وعبد الله بن سلمة الكندي. وعبد الله بن الطفيل العامري. وعبد الله بن بديل الخزاعي. وعبد الله بن مسعود الهذلي. وعبد الله بن خباب بن الارت التميمي. وعبد الله ابن عبد المدان الحارثي. وعبد الله بن كعب الحارثي. وعبد الله بن حوالة الازدي المذكور في الجزء الأول من امل الآمل. وعبد الله بن سهل بن حنيف. وعبد الله بن ورقاء السلولي. وعبيدالله بن سهيل الأنصاري النبيتي. وعبد الله ابن أبي رافع. وعبيد بن التيهان ، ويسمى عتيكا الأنصاري. وعبيد بن عازب. وعبيدة بن عمرو السلماني. وعمارة بن شهاب الثوري. وعمرو بن أبي سلمة ، ربيب النبي صلی الله علیه و آله . وعمرو بن الحمق الغزاعي. وعمرو بن أنس الأنصاري. وعمرو بن شراحيل. وعمرو بن عميس بن مسعود. وعمرو ابن فروة بن عوف الأنصاري. وعمرو بن محصن وعمرو بن هبير المخزومي. وعمرو بن سلمة المرادي ، ذكر ابن حجر في ترجمته من الاصابة أنه قتل مع حجر ، وفيه نظر لا يخفى على أهل العلم. وعمرو بن عريب الهمداني. وعمرو ابن مرة النهدي وعبد الرحمن بن عباس بن عبد المطلب. وعبدالرحمن بن بديل الخزاعي. وعبد الرحمن بن ابزى الخزاعي. وعبد الرحمن بن حسل الجمحي. وعبد الرحمن بن خراش الأنصاري. وعبد الرحمن بن السائب المخزومي.
وعبدالرحمن بن عبد رب الأنصاري ، ذكره ابن عقدة في كتاب الموالاة فيمن سمع النص يوم الغدير ، وشهد به في الرحبة لامير المؤمنين ، كما في الاصابة وغيرها. وعدي بن حاتم الطائي. وعثمان بن حنيف الأنصاري. وعروة بن نمران بن الفضفاض بن عمرو بن قعاس بن عبد يغوث المرادي ثم العطيفي ، وهو ابو هاني ابن عروة الشهيد في سبيل سيد الشهداء دفاعاً عن مسلم بن عقيل ، وعروة بن زيد الخيل ، وعروة بن شفاف بن شريح بن سعد بن حارثة بن لام الطائي الذي شهد قتال الخوارج مع امير المؤمنين فقال له : لا يفلت منهم عشرة ولا يقتلون منا عشرة ، فكان الأمر كذلك ، وكان عروة هذا فيمن قتل يومئذ رحمه الله تعالى. وعروة بن مالك السلمي أحد الذين رثاهم أمير المؤمنين علیه السلام بقوله :
بريد وعبد الله منهم ومالك *** وعروة ابنا مالك في الأكارم
وعطية الذي ذكره الاسماعيلي في الصحابة. وعتبة بن الدغل الثعلبي. وعلباء ابن الهيثم بن جرير. وعوف وهو مسطح بن اثاثة المطلبي. وعنترة السلمي الذكواني. والعلاء بن عمرو الأنصاري. وعقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري. وابو الطفيل عمار بن وائلة الكناني. وعبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري وعلي بن أبي رافع القبطي.
ف
والفضل بن العباس بن عبد المطلب. وفروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري. والفاكه بن سعد بن جبير الأنصاري.
ق
وقيس بن سعد بن عبادة الأنصاري. وقيس بن المكشوح البجلي. وقيس ابن خرشة القيسي ، وقيس بن أبي قيس. وقثم بن العباس بن عبد المطلب. وقرضة بن كعب الأنصاري.
ك
وكعب بن عمرو بن عباد الأنصاري المعروف بأبي اليسر.
م
والمقداد بن عمرو الكندي. والمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. ومالك ومتم ابنا نويره. ومالك بن التيهان. ومهاجر بن خالد بن الوليد المخزومي ، رضع حب الوصي من لبن أمه وكانت من الشيعة ، وهي بنت أنس بن مدرك بن كعب الذي ذكرناه سابقا في حرف الالف. ومخنف بن سليم وهو جد أبي مخنف الغامدي. ومحمد بن أبي بكر بن أبي قحافة التميمي والمسور ابن شداد بن عمير القرشي ، ومرداس بن مالك الأسلمي. والمسيب بن نجية بن ربيعة الفزاري الشهيد في طلب ثار سيد الشهداء مع سليمان بن صرد الخزاعي.
ن
ونعيم بن مسعود بن عامر الاشجعي. ونضلة بن عبيد الأسلمي.
ه
وهاشم المرقال ابن عتبة بن أبي الوقاص الزهري. وهالة ابن أبي هالة. وابنه هند التميميان. وهاني بن عروة بن الفضفاض بن نمران بن عمرو بن حفص بن عبد يغوث المرادي ، الشهيد في سبيل الدفاع عن مسلم بن عقيل ، ذكره في القسم الثالث من الاصابة. وهاني بن نيار حليف الأنصار.
و
والوليد بن جابر بن ظالم الطائي. ووداعة بن أبي زيد الأنصاري. وأبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي.
ي
ويعلى بن حمزة بن عبد المطلب الهاشمي. ويعلى بن عمير النهدي. ويزيد بن طعمة الأنصاري. ويزيد بن نويرة الأنصاري. ويزيد بن حوثرة الأنصاري وآخرون يعرفهم المتتبعون.
على أنا نتولى من الصحابة كل من سبق في عدم تشيعه بشبهة اضطرته إلى الحياد أو إلى مسايرة أهل السلطة بقصد الاحتياط على الدين ، وهم كثيرون جداً فكيف ترمى الشيعة بعد هذا ببغض الصحابة كافة ( سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) .
نعم هناك جماعة نافقوا في صحبة رسول الله صلی الله علیه و آله وظهر نفاقهم بما احدثوه بعده من الحوادث العظيمة ، وبما نصبوه لعلي ولسائر أهل البيت من العداوة والبغضاء ، حتى كان ما كان ( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) وقد تواترت الاخبار عن أئمتنا الأبرار بردتهم ، وحسبك في اثبات ذلك ما اخرجه البخاري في باب الحوض وهو في آخر كتاب الرقاق من الجزء الرابع من صحيحه عن ابي هريرة قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله بينا أنا قائم ( يعني يوم القيامة على الحوض ) فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم. فقلت : أين ؟ قال : إلى النار والله. قلت : وما شأنهم ؟ قال : انهم ارتدوا على أدبارهم القهقري ، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم. قلت : إلى أين ؟ قال : إلى النار والله. قلت : وما شأنهم ؟ قال : انهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري ، فلا أراه يخلص منهم الا مثل همل النعم ا ه.
وأخرج البخاري في باب الحوض عن ابي هريرة أيضاً انه كان يحدث أن رسول الله صلی الله علیه و آله قال : يرد علي يوم القيامة رهط من اصحابي فيحلأون عن الحوض فأقول : يا رب اصحابي. فيقول : انك لا علم لك بما
أحدثوا بعدك ، انهم ارتدوا على اعقابهم القهقري ا ه.
وأخرج في الباب المذكور أيضاً عن أنس عن النبي صلی الله علیه و آله قال : ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني فأقول : اصحابي. فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك ا ه.
واخرج في الباب المذكور أيضاً عن سهل بن سعد قال : قال النبي صلی الله علیه و آله : اني فرطكم على الحوض من مر عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ ابداً ، وليردن عليّ أقوام اعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم. قال البخاري : قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت : نعم. فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : فأقول انهم مني فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول : سحقاً سحقاً لمن غير بعدي ا ه.
وأخرج في آخر الباب المذكور عن اسماء بنت ابي بكر رضي الله عنهما قالت : قال النبي صلی الله علیه و آله : اني على الحوض حتى انظر من يرد علي منكم ، وسيؤخذ ناس دوني فأقول : يا رب مني ومن أمتي. فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك ، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم. قال البخاري : فكان ابن ابي مليكة يقول : اللهم انا نعوذ بك ان نرجع على اعقابنا ونفتن عن ديننا ا ه.
واخرج أيضاً في باب غزوة الحديبية من الجزء الثالث من صحيحه عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال : لقيت البراء بن عازب رضي الله عنهما فقلت : طوبى لك صحبت النبي وبايعته تحت الشجرة. فقال : يابن أخي انك لا تدري ما أحدثنا بعده ا ه.
واخرج أيضاً في اول باب قوله تعالى : ( وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ) من
كتاب بدء الخلق من الجزء الثاني من صحيحه عن ابن عباس عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : انكم تحشرون حفاة عراة غولا (1)ثم قرأ ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) وأول من يكسى يوم القيامة ابراهيم ، وان ناساً من اصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : اصحابي اصحابي. فيقال انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم. فأقول كما قال العبد الصالح : ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ ) إلى قوله ( الحَكِيمُ ) .
ومن وقف على ما أخرجه الامام احمد من حديث ابي الطفيل في آخر الجزء الخامس من مسنده يعلم أن فيهم قوماً دحرجوا الدباب ليلة العقبة لينفروا برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ناقته ( وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) ومن تلا سورة التوبة يعلم بأنهم ابتغوا الفتنة من قبل ، وقلبوا الأمور لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ( وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ. وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَٰلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ ) . ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ) . ( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا
1) قال في لسان العرب : وفي الحديث « يحشر الناس عراة حفاة غرلا بهما » أي قلقا ، والغرل جمع الاغرل : هو الذي لم يختن.
مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُم مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) . ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) ( وَلا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ * وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ * وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَعَ القَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) ( سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَىٰ عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِينَ ) إلى آخر السورة الدالة على فشو النفاق فيهم.
فما ادري كيف صار كل من كانت له صحبة ثقة عدلا بمجرد ان مات رسول الله صلی الله علیه و آله ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) الذين شكروا نعمة الرسالة فلم ينقلبوا ولم يحدثوا بعد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) حدثا ولم يبدلوا واستقاموا على ما أمرهم الله تعالى به ورسوله ( وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ وَأُولَٰئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ) وهم في غنى عن مدحة المادحين وتقريظ الواصفين بما لهم من تأييد الدين ونشر دعوة الحق المبين ، فمودتهم واجبة والدعاء لهم فريضة ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) .
وتمت والحمد لله بقلم مؤلفها اقل خدمة الدين الاسلامي واحقر سدنة المذهب
الامامي عبد الحسين ابن الشريف يوسف ابن الشريف جواد ابن الشريف اسماعيل ابن الشريف محمد ابن الشريف محمد ابن الشريف إبراهيم ويلقب بشرف الدين بن الشريف زين العابدين ابن الشريف علي بن علي بن الحسين المعروف بابن أبي الحسن الموسوي العاملي عامله الله بألطافه الخفية.
وكان تأليفها في مدينة صور من جبل عامل سنة 1327 وقد أضفنا اليها في هذه الطبعة فصلين كاملين وهما الفصل 7 والفصل 11 لم يكونا في الطبعة الأولى ، وزدنا في غضون بقية الفصول مطالب جمة وفوائد مهمة ولا سيما في فصل المتأولين وهو الفصل 8 ، والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على خيرته من عباده محمد وآله الميامين من رجاله وسلم تسليماً كثيراً.
1 - الاتحاف بحب الأشراف عبدالله بن محمد الشبراوي الشافعي ت 1171 ه- المطبعة الأدبية - مصر - 1316 ه-.
2 - الاتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي ت 911 ه-.تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975.
3- الاحتجاج، لأبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي من علماء القرن السادس الهجري - تحقيق الشيخ إبراهيم البهادري والشيخ محمد هادي به. بإشراف العلامة الشيخ جعفر سبحاني - ط 1 - 1413 ه- - قم/ إيران .
4 - أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي ت 370 ه- - دار إحياء التراث .
ه - إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي ت 505 ه- - دار إحياء التراث العربي بيروت.
6 - إحياء الميت بفضائل أهل البيت لجلال الدين السيوطي، تحقيق الشيخ كاظم الفتلي. مطبعة كليني - طهران - نشر منظمة الإعلام الإسلامي - ايران - ط 1 - 1408ه-.
7- أخبار القضاة لمحمد بن خلف المعروف ب- (وكيع ت 306 ه- - - ط عالم الكتب - بيروت.
8- الأخبار الموفقيات للزبير بن بكارت 256 ه-. تحقيق الدكتور سامي مكي العاني طبعة مصورة - انتشارات الشريف الرضي - قم .
9- الأربعين للفاضل النووي - بيروت 1980.
10 - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني. ت 923 ه- دار إحياء التراث - بيروت.
11 - أسباب النزول، للشيخ أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي. ت 486 دار الكتاب العربي - بيروت وأيضاً الطبعة الحيدرية.
12- أُسدُ الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين بن الأثير الجزري ت 630 ه- تحقيق محمد إبراهيم البنا وآخرون - دار إحياء التراث العربي - بيروت.
13 - الاستيعاب في أسماء الأصحاب لابن عبد البر القرطبي ت 463 ه- طبعة دار إحياء التراث بهامش الإصابة للعسقلاني.
14 - الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني - ت 852 ه- طبعة دار إحياء التراث - بيروت - ط 1328 ه-.
15 - أصل الشيعة وأصولها الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء - تحقيق علاء آل جعفر نشر مؤسسة الإمام علي (علیه السلام)- قم - 1415 ه-.
16 - أصول الكافي، محمد بن يعقوب الكلينيت 329 ه- - منشورات المكتبة الإسلامية - طهران .
17 - الأصول العامة للفقه المقارن، العلامة محمد تقي الحكيم - دار الأندلس - بيروت لبنان طبعة مصورة - مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) قم .
18 - إظهار الحق رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي - نشر دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان - ط 1 - 1413 ه-.
19 - الأعلام، خير الدين الزركلي ت 1976 مطبعة دار العلم للملايين - بيروت .
20 - الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ت 365 ه- طبعة دار إحياء التراث.
21 - الإمامة والسياسة، لابن قتيبة الدينوري ت 276 ه- - الطبعة الأخيرة - شركة مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر - 1388 ه- .
22 - الأوائل لأبي هلال العسكري - دار الكتب العلمية - بيروت. -
23 - بحار الأنوار، الشيخ باقر المجلسي ت 1111 ه- طبعة دار الوفاء - بيروت وطبعة دار إحياء التراث.
24 - بداية المجتهد لابن رشد القرطبي ت 595 ه- - طبعة مصورة منشورات الرضي - قم - عن طبعة 1389 ه-.
25 - البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي ت 774 ه- - دار الفكر - بيروت .
26 - بلاغات النساء لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور ت 280 ه- نشر دار النهضة الحديثة - بيروت .
27 - البيان في تفسير القرآن للإمام أبي القاسم الخوئي (رضی الله عنه) 1413 ه- نشر دار الزهراء - بيروت - لبنان ط 8 - 1401 ه- .
ف - التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، الشيخ منصور علي ناصف - من علماء الأزهر - طبعة دار إحياء الكتب العربية - ط- 3 - 1381 ه- - نشر مكتبة باموق استانبول.
29 - تاريخ الخلفاء، لجلال الدين السيوطي - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد نشر الشريف الرضي - قم - مصورة 1411 ه-.
تحقیق
30 - تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت 310 ه- - محمد أبو الفضل إبراهيم - مطبعة الاستقامة القاهرة - 1358 ه- .
31 - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير الدمشقي ت 774 ه- دار المعرفة - بيروت - 1415 ه- .
32 - تصحيح الاعتقاد، محمد بن النعمان المفيد ت 413 ه- - طبعة طهران .
33 - التنبيه والاشراف، للعلامة المؤرخ أبي الحسن علي بن الحسين المسعودي ت 345 ه- تعليق وتصحيح عبدالله إسماعيل الصاوي - دار الصاوي - القاهرة - 1357 ه- .
34 - تنقيح الفتاوى الحامدية الشيخ العلامة محمد أمين الشهير بابن عابدين ت 1252 ه- وبهامشه الفتاوى الخيرية على مذهب الإمام أبي حنيفة - نشر المكتبة الحبيبية - باكستان .
35 - جامع البيان في تفسير القرآن محمد بن جرير الطبري ت 310 ه- - طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت.
36 - الجامع لأحكام القرآن لأبي عبدالله - محمد بن أحمد القرطبي ت 671 ه- دار إحياء التراث - بيروت .
37 - جبل عامل في التاريخ، دار الأضواء - بيروت - لبنان .
38 - الجوهرة النيرة لمختصر القدوري، المطبعة الخيرية - ط 1 - 1322 ه-
39 - حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني ت 430 ه- - دار الكتاب العربي - بيروت.
40 - حياة الحيوان الكبرى محمد بن موسى الدميري ت 808 ه- - طبع طهران.
41 الخصال، الشيخ الصدوق ت 380 ه- - تعليق الشيخ أكبر الغفاري - منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم - 1403 ه- .
42 - الخصائص، أحمد بن شعيب النسائي ت 303 ه- - مكتبة نينوى - طهران .
43 - الردّة، محمد بن عمر بن واقد الواقدي ت 207 - دار الفرقان - عمان - الأردن.
44 - رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار لابن عابدين الحنفي ت 1252 ه- - دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1407 ه- .
45 - روضة المناظر لابن الشحنة - مطبوع بهامش الكامل في التاريخ - لابن الأثير الجزء الحادي عشر - طبعة قديمة - مصر .
46 - العالمين، لأبي حامد الغزالي - مطبعة النعمان - النجف .
47 - سنن النسائي بشرح السيوطي، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ت 303 ه- دار القلم - بيروت .
48 - سنن الدارقطني علي بن عمر الدارقطني ت 385 ه- - دار المحاسن القاهرة.
49 - سير أعلام النبلاء شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ت 748 ه- ط 2 - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1405 ه-.
50 - السيرة الحلبية علي بن برهان الدين الشافعي ت 1044 ه- - نشر المكتبة - الإسلامية - بيروت .
51 - السيرة الدحلانية، أحمد زيني دحلان الشافعي ت 1044 ه- مطبوع بهامش السيرة الحلبية - نشر المكتبة الإسلامية - بيروت .
52 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفرج عبد الحي بن العماد الحنبلي 1089 ه- - دار الآفاق الجديدة - بيروت .
53 - شرح التجريد القوشجي - طبعة طهران .
54 - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك العلامة سيدي محمد الزرقاني - طبعة دار الجيل - بيروت .
55 - شرح صحيح مسلم، الفاضل النووي - دار الكتاب العربي - بيروت .
56 - شرح فتح القدير لكمال الدين محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام الحنفي ، ت 861 ه- - الطبعة الأولى - المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق مصر 1317 ه- .
57 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي ت 656 ه- - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر - 1959 - 1961.
58 - شرح المقاصد للإمام مسعود بن عمر الشهير بسعد الدين التفتازاني ت 793 ه- تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة تصدير صالح موسی شرف - عضو هيئة كبار مجمع البحوث الإسلامية - مصر - طبعة مصورة - منشورات الشريف الرضي - قم - إيران 1409 ه- .
59 - شرح المواقف، للقاضي عضد الدين عبد الرحمن الإيجي ت 756 ه-. بشرح الشريف علي بن محمد الجرجاني ت 816 ه- طبعة مصورة عن ط السعادة بمصر لسنة 1325 ه-
60 - الشرف المؤبد، الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني - نشر دار جوامع الكلم - القاهرة - 1989.
61 - الشفاء بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي - ت 544 ه- - تحقيق محمد قرة علي وآخرون - دار الفيحاء بيروت - ط- 2 - 1407 ه- .
62 - شواهد التنزيل الحاكم الحسكاني الحنفي - من أعيان القرن الهجري - تحقيق محمد باقر المحمودي طهران الخامس - 1990م.
63 - صحيح البخاري، لأبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري ت 256 ه- دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي - بيروت، وطبعة المطبعة الميمنية بمصر 1312 ه-.
64 - صحيح مسلم لأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ت 261 ه- . نشر. مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده - القاهرة - وأيضاً طبعة دار إحياء التراث - بيروت .
65 - صحيح الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة ت 279 ه- الكتب العلمية - بيروت، ط دار الفكر .
66 - صحيح سنن المصطفى لأبي داود السجستاني ت 275 - نشر دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان .
67 - الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي المكي - المطبعة الميمنية بمصر - 1312
68 - الطبقات الكبرى لمحمد بن سعدت 230 ه- - طبعة دار صادر - بيروت
69 - العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي - طبعة دار الكتب العلمية بيروت 1987، وطبعة دار إحياء التراث .
70 - العواصم من القواصم للقاضي أبي بكر بن العربي المالكي ت 453 ه- نشر دار الثقافة - الدوحة - قطر - 1990 .
71 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب، للعلامة عبد الحسين الأميني النجفي دار الكتاب العربي - بيروت 1403 ه- .
72 - فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ت 852 ه- - دار إحياء التراث العربي - بيروت.
73 - فتوح البلدان، لأبي الحسن البلاذري - ت 279 ه- - دار الكتب العلمية - بيروت .1398
74 - الفتوحات المكية، لمحيي الدين بن عربي ت 638 ه- - طبعة دار صادر، وطبعة دار إحياء التراث العربي.
75 - الفخري في الآداب السلطانية لمحمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقا - منشورات الشريف الرضي - قم - إيران - ط 1 1414 ه-. 76 - فردوس الأخبار بمأثور الخطاب الحافظ شهردار بن شيرويه الديلمي - دار الكتب العلمية - بيروت 1407 ه- .
77 - الفصل في الأهواء والملل والنحل، لابن حزم الأندلسي ت 456 ه- - طبعة دار الجيل - بيروت، وطبعة دار المعرفة - بيروت - 1395 ه- .
78 - الكامل في التاريخ لعز الدين أبي الحسن المعروف بابن الأثير - طبعة بيروت 1965 ، وطبعة دار صادر .
79 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل، للإمام محمود بن عمر الزمخشري - ت 528 ه- نشر دار الكتاب العربي - ط 3 - 1987 - بيروت .
80 - كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب لأبي عبدالله محمد بن يوسف بن محمد القرشي الكنجي الشافعي ت 658 ه- - المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف .
81 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علاء الدين المتقي الهندي ت 975 ه- - طبعة مؤسسة الرسالة - بيروت - 1045 ه- .
82 - مجمع البيان في تفسير القرآن لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي من أعيان القرن السادس عشر - تحقيق السيد هاشم الرسولي المحلاتي - نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت ط 1 - .1992
83 - مجموعة رسائل ابن عابدين، دار إحياء التراث العربي - بيروت .
84 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي ت 807 ه- دار الكتاب العربي - بيروت 1402 ه-.
85 - المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني - طبعة قم - إيران .
86 - المحلّى، لابن حزم الأندلسي - دار الجيل - بيروت - لبنان .
87 - المختصر من أخبار البشر، لأبي الفداء - الطبعة المصرية - 1325 ه-.
88 - المراجعات العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين - تحقيق الشيخ حسين الراضي - نشر دار الكتاب الإسلامي - بيروت .
89 - معجم رجال الحديث للإمام أبي القاسم الخوئي ت 1413 ه- - ط 3 - بيروت 1403ه-.
91 - مروج الذهب، لأبي الحسن المسعودي ت 346 ه- - مطبعة السعادة - مصر
91 - المستدرك على الصحيحين الحاكم النيسابوري ت 405 ه- - دار الكتب العلمية بيروت - 1411 ه-.
92 - مسند أحمد بن حنبل، طبعة دار صادر - بيروت .
93 - مسند أبي يعلى الموصلي، لأحمد بن علي بن المثنى التميمي ت 307 ه- - دار المأمون للتراث - بيروت - دمشق ط 1 1404 ه-.
94 - مشاهير علماء الأمصار للحافظ أبي حاتم محمد بن حبّان ت 965 ه- - دار الكتب العلمية - بيروت - مؤسسة الكتب الثقافية - ط- 1 - 1408 ه- - بيروت .
95 - المصباح المنير الفيومي - نشر مؤسسة دار الهجرة - قم - 1414 ه- .
96 - مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة ،والبقاع لصفي الدين عبد المؤمن البغدادي ت 739 - تحقيق محمد البجاوي - نشر دار المعرفة - بيروت ط 1 1372 ه-.
97 - مصنف ابن أبي شيبة، الدار السلفية - الهند .
98 - المعجم الصغير، الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني ت 360 طبعة دار النصر - القاهرة.
99 - المعجم الأوسط، الطبراني - طبعة مكتبة المعارف - الرياض.
100 - المعجم الكبير، الطبراني - طبعة دار إحياء التراث العربي.
101- معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين بن فارس ت 395 ه- - تحقيق عبد السلام محمد هارون - مطبعة مصطفى البابي - مصر .
102 - المعارف، لابن قتيبة أبي محمد عبدالله بن مسلم - تحقيق ثروت عكاشة - إصدار وزارة الثقافة - مصر - مصورة منشورات الشريف الرضي - قم - 1415 ه- .
103 - المغازي، للواقدي - 207 ه- - تحقيق مارسدن جونس.
104 - الملل والنحل لأبي الفتح محمد بن الكريم الشهرستاني - ت 548 ه- - مطبعة الأنكلو - مصرية .
105 - مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصفهاني - منشورات المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف - 1965.
106 - المنار في تفسير القرآن محمد رشید رضا - دار المعرفة - بيروت .
107 - المناقب، لابن المغازلي الشافعي ت 483 ه- - طبعة طهران - المطبعة الإسلامية .
108 - المناقب، الحافظ الخوارزمي الحنفي ت 568 ه- - طبعة طهران - مكتبة نينوى - .1965
109 - الموطأ ، للإمام مالك بن أنس الأصبحي ت 179 ه- - طبعة دار الكتاب العربي - بيروت ط 2 .1990
110 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ت 748 ه- - طبعة دار المعرفة - بيروت.
111 - النهاية ونكتها لشيخ الطائفة الطوسي والمحقق الأول الحلي - مؤسسة النشر الإسلامي - ط- 1 - 1412 ه- - إيران .
112 - نهج الصدق العلامة الحسن بن يوسف المطهر الحلي ت 736 ه- - منشورات دار الهجرة - إيران - قم ط 4 - 1414ه-.
-و-
113 - وسائل الشيعة، الحر العاملي ت 1104 ه- - طبعة دار إحياء التراث، والطبعة المحققة مؤسسة آل البيت - قم - والطبعة السادسة - منشورات المكتبة الإسلامية.
114 - وفيات الأعيان لابن خلكان ت 681 ه- - طبعة دار صادر .
115 - ينابيع المودة سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي ت 1270 ه- - ط مصورة - مؤسسة الأعلمي عن الطبعة الأولى استانبول.
116 - اليواقيت والجواهر عبد الوهاب الشعراني ت 973 ه- - مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر .1959
مقدمة المؤلف ....................................... 5
الخطبة............................................ 7
« الفصل الأول » فيما جاء في الكتاب والسنة من الحض على الاجتماع والتنديد بأهل التفريق والنزاع................................ 9
« الفصل الثاني » في بيان معنى الاسلام والايمان وفيه ما يوجب القطع بأن جميع أهل الشهادتين والصوم والصلاة والحج والزكاة إخوان................................................... 13
« الفصل الثالث » في صحاح أهل السنة الحاكمة باحترام أهل الأركان الخمسة كافة وحرمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم وفيه من الأحاديث الصحيحة والنصوص الصريحة : ما يقطع شغب المشاغب ولا يبقى معه أثر لهذيان النواصب................................ 16
« الفصل الرابع » في يسير من نصوص أئمتنا علیهم السلام في الحكم باسلام أهل السنة وأنهم كالشعة في جميع الآثار التي تترتب على مطلق من كان مسلماً.................................... 23
« الفصل الخامس » في صحاح السنة الحاكمة على أهل الأركان الخمسة بدخول الجنة وفيه من البشائر ما تقربه النواظر................................ 25
تنبيه مهم يذود العصاة عن التثبث بما في ذلك الفصل من المباشرات.................. 28
الاشارة إلى صحاحنا وكونها مخصصة للعمومات السابقة............................ 30
« الفصل السادس » في لمعة من فتاوى علماء أهل السنة بايمان أهل الأركان الخمسة كافة واحترامهم ونجاتهم جيمعاً وفيه فتاوى كثير من أعلام الاُمة.................................. 33
فتوى الامام السبكي بذلك...................................................... 33
فتوى الشيخ ابن العربي بذلك.................................................... 35
فتوى صاحب المنار. وفتوى النبهاني. وفتوى العارف الشعراني بذلك................. 35
فتوى كل من الروياني والقزويني وعلماء بغداد قاطبة وجمهور العلماء والخلفاء من الصحابة ومن بعدهم................................ 36
الاجماع الذي نقله ابن تيمية وفتوى ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي والثوري وداوود بن علي وأصحابه................................ 37
فتوى الامامين الأشعري والشافعي............................................... 38
اجماع الشافعية على عدم كفر الخوارج........................................... 39
قول ابن المنذر لا أعلم أحداً وافق على تكفير الخوارج وكلام ابن عابدين في أن سب الصحابة ليس بكفر................................ 40
قول ابن حزم بعدم كفر المتأولين بسب الصحابة................................... 41
ما نقله ابن حزم عن الأشاعرة من القول بعد كفر الساب لله ولرسوله مطلقاً.......... 43
الأوزاعي لا يكفر أحداً من أهل الشهادتين وابن سيرين والحسن البصري والزهري والثوري يحكمون بنجاتهم مطلقاً ..............44
كلمة لابن المسيب وأخرى لا بن عيينة في هذا المنهى. وكلمة في ختام الفصل للمصنف تأخذ بالاعناق إلى الوفاق................................... 44
« الفصل السابع » في بشائر السنة للشيعة ويا لها من بشائر تحكم بفلاحهم في الدنيا وسعادتهم في اليوم الآخر................................ 46
تنبيه لبيان معنى الشيعة المختصين بتلك البشائر أردنا به الرد على ابن حجر وأمثاله اذ زعموا انهم هم الشيعة لا نحن....................... 48
« الفصل الثامن » فيمن تأولوا من السلف فخالفوا الجمهور ولم يقدح ذلك في عدالتهم والغرض إثبات معذرة المتأولين................... 52
تخلف سعد وحباب عن بيعة السقيفة متأولين...................................... 53
تخلف علي وأهل بيته وشيعته عنها............................................... 53
إثبات أن علياً مع الحق والحق معه لا يفترقان...................................... 55
تخلف أبي سفيان وقوله لعلي أبسط يدك أبايعك ... الخ............................ 55
ما كان بين الزهراء وأبي بكر اذ هجرته فلم تكلمه حتى ماتت....................... 56
قتل خالد لمالك بن نويرة ونكاح زوجته........................................... 57
قتل خالد لبني جذيمة وتبري النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من عمله يومئذ............................. 58
تأولهم في الطلاق الثلاث وحكمهم فيه بخللاف ما كان عليه زمن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).......... 59
بيان مذهبنا في الطلاق الثلاث والاستدلال عليه من طريق غيرها راجعة تجده كرسالة ( في هذه المسألة ) حافلة........................ 59
تأولهم في المتعتين راجع ما كتبناه هنا فانه حقيق بالمراجعة وهو كرسالة في هذا الموضوع على حدة وفينا المقام حقه وعقدنا هناك مباحث :....................................... 60
المبحث الأول : في أصل مشروعية المتعتين واثبات ذلك بالاجمع والكتاب والسنة...... 63
تحرير محل النزاع في متعة النساء والرد على الآلوسي فيما بهت به الامامية............. 67
المبحث الثاني : في دوام حل المتعتين واستمرار حكمها.............................. 69
المبحث الثالث : فيما زعموه ناسخاً لمتعة النساء وبيان خطأهم في ذلك............... 73
المبحث الرابع : في إثبات كون المحرِّم انما هو عمر.................................. 77
المبحث الخامس : في الاشارة إلى المنكرين من الصحابة على تحريم المتعة............... 79
النداء بتحليل المتعة أيام المأمون................................................... 81
خاتمة في الاشارة إلى من صرح من الاعلام بأن عمر أو من حرم المتعة................ 81
تأولهم في أذان الصبح حيث زادوا فيه ( الصلاة خير من النوم ) واثبات انها لم تكن.................................... 82
تأولهم في إسقاط حي على خير العمل مع كونها جزءاً من الاذان والاقامة وقد أثبتنا ذلك بالبرهان فجدير بأهل التحقيق والتحديق أن يقفوا عليه......................... 83
تأولهم في صلاة التراويح وبيان أنها لم تكن أيام رسول الله وأبي بكر.................. 84
تأولهم آية الزكاة إذ أسقطوا سهم المؤلفة قلوبهم.................................... 87
تأولهم آية الخمس حيث صرفوها إلى خلاف منطوقها ويليق بما كتبناه هنا في الخمس والزكاة أن يكون رسالة على حده................................ 88
تأولهم في صلة الجنائز حيث جمعوا الناس على أربع تكبيرات......................... 90
تأولهم في البكاء على الميت حيث حرمه الخليفة الثاني وبيان عدم حرمته راجع ذلك فانه من ( الأساليب البديعة ) في رجحان مآتم الشيعة.............................................................................. 91
تأولات للسلف عديدة نلفت اليها كل باحث..................................... 93
تنبيه غلى أن بعض الصحابة كانوا لا يتعبدون بالنصوص المتعلقة بالسياسة بك كانوا يتأولونها ولذلك تأولوا النص بالخلافة على علي ومن راجع هذا البحث رأى الحقيقة بأجلى مظاهرها.................................... 96
بيان الاسباب التي دعتهم إلى تأول ذلك النص فمنها أنه غلب على ظنهم أن العرب لا تخضع لعلي حيث أنه وترها وسفك دماءها ومنها أن العرب كانت تنقم منه عدله ومساواته ولم يكن لها فيه مطمع ومنها أنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله................................ 96
ومنها أنهم كانوا قد تشرفوا إلى تداول الخلافة بينهم وقد رأوا تعبدهم بالنص مانعاً لهم من ذلك ومنها أنهم كرهوا أن تجتمع النبوة والخلافة في بني هاشم................................................................... 97
الأسباب التي منعت علياً وشيعته من المقاومة والضطرته إلى عدم القيام بأمر الناس والسر في قعوده في بيته حتى أخرجوه كرها. ودلالة ذلك على أصالة رأيه وشدة احتياطه على الاسلام....................................... 98
تأول الخليفة الأول وأتباعه لنصوص الصريحة بالخلافة على أمير المؤمنين علیه السلام كما تأولوا من غيرها نصوصاً كثيرة................................ 99
ومنها تأولهم في سرية أسامة فراجع ذلك تجد فيه من الفوائد الجمة ما لا غنى لك عنه................................... 99
ومنها تأولهم في رزية يوم الخميس حيث قالوا هجر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فراجعها لتقف على ابحاث هناك مهمة ولتعلم الحكمة في ترك النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يومئذ لكتابة ذلك الكتاب........................... 104
ومنها تأولهم يوم تبوك......................................................... 109
ومنها تأولهم يوم الحديبية فراجعه وحق لمثله أن يراجع............................. 109
ومنها تأولاتهم يوم بدر فراجعها فانها مما يجب أن تراجع وقد ألهمنا الله تعالى هناك إلى تفسير الآية بما لم نسبق اليه وله الحمد................................ 111
تأولاتهم يوم أحد وهي عديدة فراجعها وحق لها أن تراجع وقد استطردنا مواقف أمير المؤمنين يومئذ التي عجبت منها ملائكة السماء............................................................................ 115
تأولهم يوم مات ابن أبي المنافق.................................................. 119
تأولهم يوم ضربوا أبا هريرة منعا له عن تبليغ ما أمره النبي يومئذ بتبليغه.............. 120
تأولهم إذ تركوا قتل من أمروا بقلته من أهل الفتن والفساد في الأرض............... 121
تأولهم اذ خالفوا راي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ووافقوا راي المشركين في رد بعض المؤمنين اليهم ليفتنوهم عن دينهم................................ 121
تأولهم اذ لمزوه صلی الله علیه و آله في الصدقات............................................ 122
تأولهم اذ تنزهوا عن الشيء يرخص فيه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).......................... 124
تأولهم في شأن حاطب إذ كذبوه وشتموه بعد شهادة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بصدقة وقوله لهم لا تقولوا له الا خيراً................................ 124
موارد تأول عثمان وهي كثيرة فراجعها لتعلم بمعذرة المتأولين...................... 125
والا بلغ في معذرة المتأولين من كل ما سبق اجماعهم على عدالة عثمان وعدالة المجلبين عليه كعائشة وطلحة وغيرهما................................ 126
تأول عائشة وطلحة والزبير فيما فعلوه يوم الجمل الأصغر مع عثمان
ابن حنيف وشيعة علي من القتل والنهب والمثلة وتأولهم يوم الجمل الأكبر فيما فعلوه مع أمير المؤمنين (علیه السلام)................................ 126
الحاق معاوية لزياد بأبي سفيان................................................. 127
عهده بالخلافة إلى شريره المتهتك وسكيره يزيد المفضوح والاشارة إلى بعض ما قد ترتب على ذلك يوم الطف ويوم الحرة................................ 128
نصب المجانيق على مكة وهدم الكعبة وحرقها وفظائع أخر ليزيد وكون أبيه يعلم بأنه ممن لا يؤتمن على نقير ولا يولى أمر قطمير ومع ذلك فقد غش الأمة وسلطه عليها................................................... 130
الأخبار الدالة بأن معاوية ملعون لمحاباته وأنه من أهل جهنم........................ 130
قتله عمر بن الحمق الخزاعي................................................... 131
قتله حجراً وأصحابه ودسه السم إلى الحسن (علیه السلام)................................. 131
الاشارة إلى يسير من يوائق معاوية وجرائم عماله................................. 133
سبي المسلمات من نساء همدان وذبح طفلي عبيد الله بن العباس وأمهما تنظر اليهما... 133
فظائع سمرة بن جندب أيام معاوية.............................................. 135
الاشارة إلى فظائع زياد حسين ولاه معاوية على الكوفة والبصرة والمشرق كله وسجستان وفارس والسند والهند................................ 136
حرب معاوية لأخي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ووصيه ونفسه في آية المباهلة ووليه................. 137
لعنه بقنوت الصلاة رجالاً أذهب الرجس عنهم محكم التنزيل وهبط بتطهيرهم جبرائيل وباهل بهم النبي بأمر ربه الجليل وما اكتفى حتى أمر الناس بلعن أمير المؤمنين....................................................... 138
النصوص الدالة على كفر من سبه أو عاداه أو آذاه............................... 139
إذا صح اجتهاد معاوية في ذلك فاجتهادنا في جواز سبه أولى بالصحة............... 141
« الفصل التاسع » فيمن أفتى بكفر الشيعة وتفصيل ما استدل به على ذلك......... 143
نص الفتوى بذلك نقلاً من كتاب الفتاوى الحامدية............................... 144
استفظاع تلك الفتوى والانكار على المفتي بها.................................... 145
الرد عليه اجمالاً وتزييف قوله ببغيهم وكفرهم................................... 146
الوجه الأول في تزييف قوله بأن الشيعة تستخف بالدين وتهزأ بالشرع المبين وإثبات كونهم أحوط الناس على الدين وأعظمهم تقديساً للشرح المبين................................................................. 147
الوجه الثاني في تزييف قوله بأنهم يهينون العلم والعلماء واثبات أنهم أشد الناس للعلماء تعظيما................................ 148
الوجه الثالث في تزييف قوله إنهم يستحلون المحرمات ويهتكون المحرمات واثبات أنهم أبعد الناس عن المحرمات واحوطهم على الحرمات وقد اتطردنا ذكر الحدود الشرعية على رأي الامامية.................................. 150
الوجه الرابع في تزييف قوله بأنهم كفروا بانكارهم خلافة الشيخين وبيان أن لا وجه لتكفير المسلمين بانكار سياسة خالية وخلافة ماضية هي ليست من أصول الدين باجماع المسلمين وقد تكلمنا هناك بما يوجبه العلم وتقتضيه الأدلة العقلية والنقلية فلا يمكن حجوده فليراجع بتدبر وإمعان................................................................. 153
الوجه الخامس في تزييف قوله بأنه يتكلمون في حق السيدة عائشة بما لا يليق من أمر الافك والعياذ بالله وبيان أن هذا مما لا صحة له وأن
مضمون مسألة الافك محال ممتنع عند الشيعة عقلاً وأنهم لا يجيزون على جميع نساء الأنبياء حتى امرأة نوح وامرأة لوط................................ 156
نعم ننتقد من أفعال أم المؤمنين خروجها من بيتها وركوبها الجمل وسائل سيرتها مع أهل البيت (علیهم السلام)................................ 156
الوجه السادس : تزييف قوله بأنهم كفروا بسبب الشيخين........................ 157
الأدلة على عدم حصول الكفر بذلك وهي ستة - الأول : الأصل مع عدم ما يدل على الكفير - الثاني : أن الصحابة كانوا يتشاتمون على عهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فلم يكفر أحداً منهم بذلك..................................... 158
الثالث : عموم الأحاديث الحاكمة بالاسلام على مطلق أهل الاركان الخمسة كافة - الرابع : أن رجلاً من المسلمين سب الصديق فلم يعامله رضی الله عنه معاملة المرتد بل عامله معاملة غيره من المسلمين....................... 159
الخامس : اجماع فقهائهم ان مجرد السب لا يوجب الكفر وقد ذكرنا كلماتهم في ذلك................................ 160
السادس : أنه لا يفتى بالتكفير عندهم الا أن يكون الموجب للكفر مجمعاً على إيجابه لذلك وبناء على هذا فلا يمكن التكفير في هذه المسألة مع انعقاد إجماعهم على عدم الكفر بها ولو أنكر الخصم ذلك فحسبه وجود القائل بعدم التكفير فانه مما لا يمكن انكاره................................ 162
« الفصل العاشر » في الاشارة إلى يسير مما نسبه الكذابون إلى الشيعة وبيان براءتهم منه وقد ذكرنا أن الرامين لهم على أربعة أقسام - القسم الأول : طائفة تزلفوا بذلك إلى ملوك بني أمية وبني العباس................... 164
القسم الثاني : طائفة حملهم على ذلك الخوف من ميل الناس إلى الشيعة فبهتوهم بما بهتوهم به تنفيراً للناس عنهم................................ 165
القسم الثالث : طائفة التبس الأمر عليهم لاشتراك اسم الشيعة بين الامامية وغيرهم.................................. 165
القسم الرابع : جماعة اعتمدوا على من تقدمهم فرأوهم ينقلون شيئاً فنقلوا.......... 166
زعم ابن حزم ان من الامامية من يجيز نكاح تسع نسوة ومنهم من يحرم الكرنب وبيان افترائه واعتدائه بذلك................................ 166
ارجاف الشهرستاني بالامامية والرد عليه فيما نسبه اليهم عامة وإلى زرارة والهشامين ومؤمن الطاق بالخصوص................................ 169
وقد بلغت القحة بجودت باشا إلى رمي الشيعة بانكار الصوم والصلاة والحج والزكاة فراجع ما نقلناه عنه وما قلناه في رده................................ 170
الرد على من نسب الينا تحريم لحم الابل وعدم العدة على النساء................... 171
« الفصل 11 » في الرد على نواصب هذا العصر................................ 172
معاتبة الفاضل الرافعي حيث نبذ الشيعة بالرفض ونسب اليهم القول بتحريف القرآن الحكيم وبيان خطأه في ذلك بما لا مزيد عليه............................................................................ 174
« الفصل 12 » في سبب التباعد بين الطائفتين وفيه مقصدان - المقصد الأول فيما ينفر منه الشيعي وهو أمران - الأول : التحقير والتكفير - والثاني : الاعراض عن مذهب أهل البيت في أصول الدين وفروعه وفي تفسير القرآن وفي الحديث وفي سائر الأمور وانكى من ذلك عدم احتجاجه بأكثر أئمة أهل البيت (علیهم السلام)................................. 180
مع احتجاجه بداعية الخوارج عمران بن حطان................................... 181
قول ابن خلدون وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها والرد عليه في ذلك بما يصلح لأن يكون رسالة حافلة بالأدلة على وجوب أتباعهم وضلال من خالفهم فراجع..................................................... 183
المقصد الثاني : في الأمور التي ينفر منها السني وبيان أنها مما بهتنا بها المبطلون وإبداء رأينا في الصحابة رضي الله عنهم وكونه أوسط الآراء............................................................................ 189
فهرس اسماء الشيعة من الصحابة مرتباً على حروف الهجاء......................... 191
هناك جماعة نافقوا في صحبة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وظهر نفاقهم بما أحدثوه بعده وقد أخبر النبي بأنهم سيرتدون على أعقابهم القهقري............................................................................ 200
تصريح القرآن بنفاقهم........................................................ 201
وجوب مودة الذين استقاموا على ما امرهم به الله تعالى ورسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) واولئك لهم الخيرات واولئك هم الفلحون................................ 203