ghaemiyeh.com
معجزة الاصوات
عند
السادة الولادة
الشيخ عَلَى عِيسَى الزَّوَاد
محرر الرقمی:محمد رضا راهجو
يحق لأي مؤمن
أن يقوم بطباعة هذا الكتيِّب
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
الحمد لله واهب النعم وهادي الأمم، الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير المصطفى الأمجد المحمود الأحمد النبي محمد، وعلى آله أولياء النعم، من الرحمة إلى مَظهر النِّقَم، واللعن الدائم المؤبّد على أعدائهم أعداء المبادئ والقيم.
أمّا بعد:
فإنّ جوانب قدرة أهل بيت النبوة تعجز العقول عن كمال إدراكها، وتكلّ الألسن عن جميل وصفها؛ إذ أنّى للعقول الناقصة والأذهان القاصرة أن تحيط بجوانب الكمال المطلق، بل ببعضها، وأنّى للألسن العاجزة أن تصف جمال تلكم الجوانب، إلاّ أنّ الله تعالى بكرمه ومنِّه ولطفه وعطفه سمح بالإذن لأوليائه بأن يفيضوا بإشارات، وارتضى لهم أن ينصّوا على
بعض اللطائف والدقائق، ويكشفوا طرفاً من عظيم ما منحهم الله تعالى من العطايا والمواهب العظيمة، ومن تلكم المنن ما علّمهم الله تعالى من سرّ الأصوات، فكان مظهراً من مظاهر قدرتهم، ينبئك عن عظيم منزلتهم عند الله تعالى.
وللصوت بحوث كثيرة مطوّلة، فقد اهتم به العلماء قديماً وحديثاً، خصوصاً بعد الاكتشافات والاختراعات الحديثة كتقنية الإتصالات بأشكالها المتعددة، وهذه الإذاعات تنقل لنا أصواتاً عبر الأثير من مسافات بعيدة، حتّى أصبح مَن في المشرق يسمع مَن في المغرب وما ذلك إلاّ لأنّ الصوت فيه القابليّة بتقنيةٍ وهندسةٍ معيّنة لأن يُنقل عبرالأثير.
وللصوت تأثيرات غريبة، ومؤثرة، سواء على الموجودات المادية أو غير المادية، فإنّا نجد له تأثيراً في النفوس يختلف باختلاف نغماته، فتارة يسبِّب الحزن، وتارة الفرح والسرور والبهجة، وأخرى الخوف والرهبة ونحو ذلك. كما أنّ له تأثيراً على الأجسام بحسب ما له من قوة وشدة وغير ذلك مما هو معلوم ومعروف.
وقد حكي عن الفارابي أنه عزف فأضحك، ثم عزف أخرى فأبكى، ثم عزف ثالثة فنوّم((1)).
1) كما جاء ذلك في ترجمة ابن كر الحنبلي الذي كان يفعل ما فعله الفارابي بالموسيقى، راجع الأعلام للزركلي ج6 ص323.
كما أنّ الصوت له مراتب في الشدّة والضعف، فقد نسمع صوتاً يصكّ الأسماع، بل قد تسبب قوّة الصوت تلف أُذن الإنسان، أو اختلالاً في عقله وتوازنه.
وسنبحث في هذا الكتاب عن شيء يسير وبسيط من استعمال أهل بيت النبوة علیهم السلام للصوت يكشف لنا عظيم علمهم ومعرفتهم بالصوت وموجاته وتأثيراته، كما يكشف ذلك عن إتقانهم له، وقدرتهم على استعماله كمظهر من مظاهر قدرتهم علیهم السلام ، ترسيخاً لاعتقاد المؤمن في أئمته علیهم السلام ، وتواصياً معه بالحق في الحق.
لقد وهبنا الله تعالى سمعاً، فنسمع ونميِّز الأصوات التي نسمعها لأنها مختلفة عن بعضها في أمرين:
نميز ما نسمعه ونعرف أنّه صوت طفل أو صوت امرأة أو أنّه صوت رجل، وغيرها من الأصوات وإن كانت بنفس القوة والشدة.
كما نميِّز أنّ هذا الصوت حزينٌ أو غيره، ونميز الصوت الحسن من القبيح، كما نميِّز التفاوت بين درجات الحسن والقبح، فهناك صوت حسن وهناك صوت أحسن منه، كما أنّ هناك صوتاً ونبرة حزينة وهناك ما هو أكثر إثارة للحزن في نفوسنا.
ومن هنا يُتّخذ الصوت الحسن وسيلة في إدخال السرور على الإنسان تارة، وفي إدخال الحزن على الآخرين تارة أخرى، والناس تتفاوت في مقدرتها على ذلك بحسب تفاوتهم في حسن الصوت والخبرة بكيفيّة استعمالاته.
وتتجلّى لنا قدرة الإنسان على التأثير على الآخرين بمعونة الصوت، فالخطيب إذا كان صوته حسناً كان أقوى تأثيراً على الناس.
ومن هنا أُمرنا أن نقرأ القرآن الكريم بصوت حسن حزين وما ذلك إلاّ
من أجل أن يكون له بالغ الأثر في نفوسنا، وعلى مشاعرنا، كما أنّ الله تعالى لم يبعث نبيّاً إلاّ كان صوته حسناً، لما في الصوت الحسن من كمال يدعم الدعوة إليه تعالى.
وكلّما ازداد الصوت حُسناً ازداد تأثيراً، حتّى أنّه يُمكن أن يُحدث تأثيرات كبيرة قد تصل إلى حدّ صعق السامع، كما سنوافيك بذلك في البحوث الآتية إن شاء الله تعالى.
والصوت الرقيق ذو النبرة الحزينة يأخذ بمجامع القلوب وتتفاعلمعه المشاعر، وكلّما كان الصوت أشدّ حزناً كان أعظم تأثيراً على النفوس، فقد يصل بالإنسان إلى حدِّ الفجيعة من شدّة الحُزن.
يختلف الصوت شدّة وضعفاً، فمنه صوت يصمّ الآذان من شدّته، ومنه صوت خفيف يحتاج إلى تركيز حتّى نسمعه.
وتعتمد قوّة الصوت الذي نسمعه على ثلاثة أمور:
1- قوّة مصدر الصوت:
فكلّما ازدادت قوّة وطاقة مصدر الصوت ازدادت شدّة الصوت وكانت مقتضية لوصوله إلى مدى أبعد، والعكس صحيح من جهة الضعف.
2- المسافة بين السامع ومصدر الصوت:
مصدر الصوت إذا كان قريباً كان أقوى من البعيد، وكلّما بعدت المسافة بين السامع ومصدر الصوت ضعف سماع الصوت حتّى ينعدم
السماع مع بُعد المسافة التي لا يصل إليها ذلك الصوت، والعكس صحيح من جهة قرب المسافة من المصدر.
3- نوع واسطة النقل:
فإنّ الموجات الصوتية تنتقل عبر الهواء كما تنتقل عبر الجوامد والسوائل، والجو كما تختلف كثافته بين منطقة وأخرى من خلال ارتفاعها عن سطح البحر كذلك قد يكون اتِّجاه الهواء مُعاكساً مما يُساعد على تخفيف الصوت.
إنّ الصوت - كما قلنا - يختلف شدّة وضعفاً، وهو يُحدث ترددات وتموجات، فتكون له درجات تعتمد على ترددات الموجات الصوتية.
ووحدة قياس الترددات الصوتية هي الموجة في الثانية المعبّر عنها بالهرتز في الثانية.كما أنّ قوّة الصوت تقاس بوحدة قياس تدعى الديسيبل، فعندما تصل قوة الصوت إلى 120 ديسيبل تتعرض الأذن لآلام واضحة، وعند 140 ديسيبل تنفجر طبلة الأذن، وعند 150 ديسيبل يبدأ القفص الصدري بالاهتزاز ويتعرض الإنسان للغثيان والسعال الحاد وضيق شديد في التنفس، وعند 200 ديسيبل تنفجر الرئتان، وعند الأكثر من ذلك تتأذى كل أنحاء الجسم وتنتهي باضطرابات في عمل القلب والدماغ وتكون النتيجة هي الموت.
وعندما يتعرض الإنسان لترددات صوتية عالية فوق سمعية فإن درجة حرارة جسده ترتفع ثم يبدأ بالاحتراق، بسبب موجات الضغط العالية التي تسخن الهواء من حوله. وعندما تكون الترددات عالية والصوت شديداً فإن هذا الصوت سيولد فقاعات في الجسم وجروحاً دقيقة ويبدأ النسيج العضلي بالتمزق.
فالصوت الشديد لا يؤثر على الأذن فحسب، بل إنّه يؤثر على العظام والجلد وتجاويف الجسم، وكذلك على النظام العصبي لدى الإنسان، ويقول العلماء إن التأثيرات الحقيقية للأصوات الشديدة لا تزال مجهولة حتى الآن.
ومن هنا نجد أنّ القرآن الكريم يؤكِّد هذه الحقيقة في آيات متعددة كما أنّ الأحاديث مشتملة على بيان هذه الحقيقة كما سنوافيك بذلك في البحوث الآتية إن شاء الله تعالى، ولن يتوقّف الحديث عند ما وصل إليه العلماء من قوانين الصوت بل إنّ المظاهر الإعجازية للصوت تفوق تصوّر العلماء، وتتجاوز القوانين التي يعرفونها، وما علمهم إلاّ نقطة من بحر علم لا يُدرك له ساحل ولا يُمكن الوصول إلى غايته ونهايته وقعره.
لقد عُرِّفت المعجزة بتعاريف كثيرة، ولكنّ الذي تطمئنّ إليه النفس، ويدعمه العقل، وتتوافق كلمات العلماء عليه في مقام الاستعمال هو: الفعل الخارق للعادة المعجز للغير الصادر مِن الله تعالى أو مِن مدّعي أحد المناصب الإلهيّة.
فتكون المعجزة مرتكزة على أربعة أمور لا خامس لها:
الأوّل: أن يكون فعلاً حقيقيّة لا وهماً، يتراءى للناس أنّه شيء واقع خارجاً، ولكنّه في الحقيقة والواقع ليس كذلك، فيخرج بعض أعمال السحرة التي نصّ القرآن على أنّها محض خيال ليس لها من الواقع إلاّ خداع البصر، في قوله تعالى:
{قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}((1)).
1) سورة ط-ه الآية (66).
الثاني: أن يكون الفعل خارقاً للعادة المعروفة عند الناس، ولكنّها لا تكون خارقة لقوانين العقل وضرورياته، فالمعجزة لا تجمع بين الضدين ولا بين النقيضين مثلاً.
ويخرج بهذا القيد الأفعال الاعتيادية التي ليست بخارقة للعادة.
الثالث: أن يعجز الغير عن الإتيان بمثله، فيخرج بهذا القيد بعض أفعال السحرة فإنّها وإن كان لها أثر ووجود خارجي إلاّ أنّ كلّ إنسانقادر عليها من خلال تعلّم السحر، فليست بمعجزة للناس.
الرابع: أن يكون فاعلها هو الله تعالى أو مَن يدّعي النبوة أو الرسالة أو الإمامة، فيكون الفعل المعجز صالحاً لأن يكون دليلاً على صدق تلك الدعوى، ولا يشترط في المعجز اقترانه بدعوى المدّعي بالفعل.
ويخرج بهذا القيد كرامات الأولياء.
وإنّما عدلنا عن التعاريف المعروف للمعجزة لأننا وجدنا بعضهم يقول إنّ المعجزة للأنبياء والكرامة للأولياء، فيُدخل ما صدر عن أئمة الهدى علیهم السلام من المعجز في الكرامة، مع أنّك لو راجعت كتب علمائنا لوجدت أنّهم سطّروا كتباً في معاجز أهل البيت علیهم السلام ، فليست المعجزة مختصة بالأنبياء فقط بل تشمل الأئمة علیهم السلام .
كما أنّ البعض قيّد التعريف بالفعل الصدر عن النبي أو الرسول أو الإمام، فلا يشمل الفعل الإلهي، في حين أنّ فعل الله تعالى لا شكّ أنّه يوصف بالمعجز أيضاً، فالقرآن هو معجزة إلهيّة كمعجزة خلق الإنسان بل
خلق كلّ شيء في الإنسان، والمعاجز الإلهيّة لا تعدّ ولا تُحصى.
ويؤيِّد ذلك ما روي عن الإمام الصادق علیه السلام: (ثلاثة أوقات لا يحجب فيها الدعاء عن الله ( تعالى ): في أثر المكتوبة، وعند نزول المطر، وظهور آية معجزة لله في أرضه)((1)).
ولا يمنع ذلك أن يكون القرآن – مثلاً – معجزة للنبي محمد صلی الله علیه و آله لأنّه المبلّغ لذلك القرآن الكريم.
كما أنّ بعضهم يُفهم من كلامه بأنّ المعجزة - دائماً - مصاحبة لدعوى المنصب الإلهي وفي مقام إثبات الدعوى، فأشكل عليه إدراج الولاية التكوينية في الإعجاز.
كما أنّ بعضهم قد اعتبر في المعجز التحدِّي فأشكل عليه بعضالأفعال المعجزة التي لم تكن في مقام التحدِّي.
وعلى كلِّ حال لا مشاحة في الاصطلاح، فإننا ارتأينا أن نأخذ معنى المعجزة من خلال استعمالات العلماء، والنتيجة هي ما ذكرناه من تعريفها.
والأهم هو أن نعرف وجوه الإعجاز في الصوت عند أهل بيت النبوّة علیهم السلام ، فإنّ للمعجز وجوهاً في إعجازه، كما نقول: إنّ القرآن معجز في بلاغته، ومعجز في إخباره بالمغيبات، ومعجز في تأثير آياته وسوره، وغير ذلك من وجوه الإعجاز القرآني.
1) الأمالي للشيخ الطوسي ص280.
قد يتساءل بعض الناس عن وجوه الإعجاز في معرفة أهل البيت علیهم السلام بالأصوات، فإنّ هذا الأمر ليس مُختصّاً بهم وهذا العلم مُشترك بينهم وبين غيرهم، فبأي شيء امتازوا حتّى أصبح الصوت مظهراً مِن مظاهر الإعجاز عندهم؟
وللإجابة على هذا التساؤل نذكر أموراً ثلاثة:
معرفتهم بعلم الصوت من دون مُعلِّم هو خارق للعادة التي اعتادها الناس من المعرفة بالتعلّم، نعم هناك بعض الاكتشافات المحدودة لبعض العلماء لو نظرت إليها لوجدتها لا تتجاوز الآحاد بالنسبة لكلّ مُكتشف، ولا يوجد مَن اكتشف كلّ ما يتعلّق بالصوت، بخلاف أهل البيت علیهم السلام فإنّهم العالمون بكلّ شيء يتعلّق بالصوت.
كما أنّ قدرة أهل البيت علیهم السلام على استعمال علمهم بالصوت بطرق شتّى لا على نحو المصادفة هو إعجاز للغير.
إنّ حنجرة الإنسان لا تقوى على إحداث الأصوات القويّة جدّاً، التيتميت سامعها من شدّتها، فإذا وجد الإنسان القادر على ذلك لا شكّ أنّه من المعجز.
ما يأتي من الصوت المعجز هو خلاف القوانين الطبيعية للصوت، فإنّ الصوت بحسب القوانين الطبيعية إذا أردنا إيصاله لجميع الناس لا بدّ من إحداث صوت هائل لا يحتمله القريب، أمّا إذا تساوى فيه القريب والبعيد فإنّ هذا مما يعجز الناس عن فعله.
إنّ الناظر بعين البصيرة يجد أنّ القرآن الكريم والأحاديث الشريفة يؤكِّدان على التلازم - في المقامات العالية - بين العلم بالشيء والقدرة عليه، وذلك لأنّ تلك المقامات العالية إنّما تُفاض على الأشخاص الذين فيهم القابليّة لتلك العلوم، والذين هم قادرون – بمدد من الله تعالى – على ممارسة ذلك العلم وإعماله.
ولذا يكفي هنا في إثبات عموم القدرة أن نُثبت عموم العلم، فهنا أمران ينبغي إيضاحهما، وهما: وجود التلازم بين العلم والقدرة في هذه المقامات، وعموم علم أهل البيت علیهم السلام بما يشمل معرفة علم الصوت.
من أجل أن يتّضح للقارئ العزيز ذلك التلازم نأتي بمثالين:
قال تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}((1)).نجد أن القرآن الكريم - في هذه الآية الشريفة – يتحدّث عن القدرة على الإتيان بعرش بلقيس، والذي قام بالفعل هو صاحب العلم والمعرفة، فلأنّه لديه علم من الكتاب استطاع أن يأتي بعرش بلقيس في أقلّ من رمشة عين.
قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمبِينُ}.
الآية الشريفة نصّت على أنّ النبيَّين سليمان وداود ’ قد عُلّما منطق الطير، وبعدها نجد أنّ القرآن الكريم يذكر عن النبي سليمان علیه السلام أنّه سمع حديث النملة وفهمه، كما نقل لنا القرآن الكريم مُحادثته مع الهدهد، وسيأتي الحديث عن هذا في علمهم علیهم السلام بمنطق الكائنات.
فيتضح من هذين المثالين القرآنيين أنّ هناك تلازماً في هذه المقامات
1) سورة النمل الآية (40).
العالية بين العلم بالشيء والقدرة عليه، فثبوت العلم بالشيء يكفي لإثبات قدرتهم عليه، فبمجرّد أن يثبت علم أحد بمنطق الطير - مثلاً - يثبت لك قدرته على الحديث معها.
المناسب لهذا المختصر أن نتطرّق إلى وجوه ثلاثة تتعلّق بعلمهم تنفع في إثبات المقصود، فأهل البيت علیهم السلام هم أهل الفضائل والمناقب ولا يُجاريهم في ذلك لا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل.
وكلّ ما يُمكن أن يُتصوّر من كمالات ومقامات هو ثابت لهم علیهم السلام ، ولمّا كان علمهم بالصوت ومقدرتهم على إحداثه من الكمالات فلابُدّ أن يثبت لهم علیهم السلام .
كما أنّ عندهم علیهم السلام ما عند جميع الأنبياء والمرسلين وزادوا عليهم، بل أنّ ما عند الأنبياء والمرسلين هو مقدار ما يعلق بمنقار الطير من بحر علوم أهل البيت علیهم السلام ، ذلك البحر المتلاطم الذي لا يُدرك له ساحل،ولا يُسبر له غور، فكلّ ما حصل من الأنبياء علیهم السلام من إعجاز في الصوت فإنّه ثابت لخاتم المرسلين وآله الطاهرين علیهم السلام .
كما أنّهم علیهم السلام عندهم علم ما كان وما يكون وما هو كائن، فعندهم كلّ علم بالصوت ومقدرة عليه، سواء كان هذا العلم من علوم السابقين أم كان من العلوم العصرية أم هو من العلوم التي يتوصّل إليها الناس بعد ذلك، بل عندهم علیهم السلام ما لا يُمكن للبشر أن يُحدثوه من الصوت المعجز – كما
سنوافيك بذلك في بحوث هذا الكتاب إن شاء الله تعالى -.
فعلينا الآن أن نُفصِّل ما أجملناه من الأمور المتقدِّمة، ونُقيم الأدلّة عليها حتّى يتّضح الأمر جليّاً، ويزداد المؤمن يقيناً فنقول:
إنّ أهل بيت النبوّة علیهم السلام قد بلغوا من المقام الرفيع والمنزلة العظيمة والعلم الواسع بحيث لا يُمكن لمخلوق أن يُدرك كمالهم وما أفاضه الله تعالى عليهم من عظائم النعم الكثيرة التي يعجز الأنبياء والمرسلون - فضلاً عن غيرهم - عن سبر أغوارهم وإدراك ساحلهم، فكلّ ما نتصوّره من كمالات ما هو إلاّ دون فضلهم ومقامهم وعظيم منزلتهم، ومن هنا أطلقوا لنا العنان في أنّ ننسب لهم كلّ كمال نتصوّره، وكلّ فضيلة نُدركها، فما ننسبه إليهم وما نقوله في مديحهم ليس هو إلاّ حاكياً عن تصوراتنا للجلال والجمال، لا أنّنا نُدرك حقيقة ذلك الكمال.
فقالوا: (لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا)((1)). و(لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا ما شئتم، ولا تغلوا)((2)). و(قولوا فينا ما شئتم، واجعلونا مخلوقين)((3)). و(قولوا إنّاعبيد مربوبون، وقولوا في فضلنا
ما شئتم)((1)). و(قولوا إنّا مربوبون، واعتقدوا في فضلنا ما شئتم)((2)). و(اجعلونا مخلوقين، وقولوا فينا ما شئتم، فلن تبلغوا)((3)). و(لا تجعلونا أرباباً، وقولوا في فضلنا ما شئتم، فإنّكم لا تبلغون كنه ما فينا، ولا نهايته)((4)). و(اجعلونا عبيداً مربوبين وقولوا فينا ما شئتم إلاّ النبوّة)((5)).
(وما عسى أن تقولوا! ما خرج إليكم من علمنا إلا ألفاً غير معطوفة)((6)
وعلى كلِّ حال فالمراد من الألف الغير معطوفة بيان قلّة ما خرج من علومهم علیهم السلام وقلّة ما وصل إلينا، وإن كان كثيراً بالنسبة إلينا.
).1) مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج7 ص52.
2) عيون الحكم والمواعظ لعلي بن محمد الليثي الواسطي ص101.
3) بصائر الدرجات ص256.
4) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج26 ص2.
5) مستدرك سفينة البحار للشيخ على النمازي الشاهرودي ج7 ص53، عن إثبات الهداة، عن خرائج الراوندي.
6) بصائر الدرجات ص527. والظاهر أنّ المراد بالألف الغير معطوفة هو أنّه ما وصل إليكم من علمنا إلاّ ألف مفردة من دون ضمّ شيء إليها كما أنّها بداية البداية، فما وصل إلينا من حديثهم وما خرج من علمهم إلى الناس ليس إلاّ أقلّ القليل، فإنّ الذي خرج من علمهم لم يصل كلّه للآحاد من النّاس، كما أنّه لا يدّعي عاقل أنّه حفظ كلّ أحاديثهم وفهمها وعرف مراميها وسبر أغوارها، فما عند الناس من علمهم هو الأقلّ من القليل. وقال السيد بدر الدين بن أحمد الحسيني العاملي في الحاشية على أصول الكافي ص195: (يمكن أن يراد بالألف هنا أحد حروف التهجي أو العدد المخصوص، فعلى الأوّل يكون وصفها بعدم العطف وهو الميل والانحناء كناية عن عدم معرفة الحرف، أي ما يرمز به إليه معرفة تامة، فإن الألف في الخط الكوفي في رأسها ميل وانعطاف فإذا لم يكن ذلك الميل لم تكن تامة، فكنى به عن نقصان المعرفة. وعلى الثاني يمكن أن يكون المراد ألفا غير معطوفة عليها ألف أخرى، أي لا يمكنكم أن ترووا من فضائلنا إلا ألفا واحدة. والله أعلم). وقال: المولى محمد صالح المازندراني في شرح أصول الكافي ج6 ص147: (نقل عن الفاضل الأمين الأسترآبادي أن الألف الغير المعطوفة احتراز عن الهمزة وكناية عن الوحدة أو إشارة إلى ألف منقوشة ليس قبلها صفر أو غيره، وعن الشيخ بهاء الملة والدين أنّ المراد بها باب واحد ناقص لأنّ الألف على رسم الخط الكوفي صورتها هكذا « - ا » وكونها غير معطوفة أي غير مائل طرفها كناية عن نقصانها... إلى أن يقول:... ويمكن أن يقال: إنّ أَلْفاً بفتح الألف وسكون اللام ويراد به باب واحد وعبّر عنه بالألف لأنّك قد عرفت أنّ الباب الواحد ينحلّ بألف باب مع إظهار تكثره ويراد بقوله « غير معطوفة » أنه ليس معه معطوفه وهو قول السائل «أو بابان» والمعنى إلاّ باباً واحداً لا بابين فليتأمل).وقال العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج25 ص283: (أي نصف حرف، كناية عن نهاية القلة، فإنّ الألف بالخط الكوفي نصفه مستقيم. ونصفه معطوف هكذا " - ا " وقيل: أي ألف ليس بعده شيء، وقيل: ألف ليس قبله صفر أي باب واحد، والأوّل هو الصواب والمسموع من أولي الألباب).
(وما عسيتم أن ترووا من فضلنا! ما تروون من فضلنا إلاّ ألفاً غير
معطوفة)((1)).
و (نزِّلونا عن الربوبيّة، وادفعوا عنَّا حظوظ البشريّة، فإنّا عنها مبعدون، وعمّا يجوز عليكم منزّهون، ثمّ قولوا فينا ما شئتم، فإنّ البحر لا يُنزف، وسرّ الغيب لا يُعرف، وكلمة الله لا توصف، ومن قال هناك: لِمَ؟ ومِمَّ؟ فقد كفر)((2)).
هذا غيض من فيض، ونُقطة من بحر يموج بفضائل العترة الطاهرة، وما عسانا أن نقول! وقد قالوا كلمة الفصل في تلك النصوص الكثيرة، وتلك الأحاديث تؤكِّد على صحّة نسبة أيِّ فضيلة وكمال يُمكن تصوّره عندنا، ولا يحقّ لنا أن ننفي أيّ صفة كمال إلاّ إذا قطعنا بانتفائها، وجزمنا باستحالتها إمكاناً أو وقوعاً، فكلّ ما أمكن أن يثبت لهم علیهم السلام فقد وجب إلاّ ما قُطع بانتفائه عنهم علیهم السلام ، كالربوبيّة والألوهيّة، ولننبلغ بذلك كُنههم وحقيقة معرفتهم، وعظيم ما تفضّل الله تعالى به عليهم.
ولو لم يكن من الأدلّة على ثبوت كلّ فضائلهم إلاّ هذا الدليل لكفى عند أهل البصائر والعقول النيّرة بنور الهداة الميامين من آل الرسول العظيم.
فعندما نتحدّث عن أيِّ فضيلة وصفة كمال لهم علیهم السلام يكفينا أن لا تكون مقطوعة الإنتفاء، وما نتحدّث عنه هنا يجري فيه ذلك، فلا نحتاج
إلى دليل آخر كي نُثبت فضائلهم علیهم السلام ((1)).
فهذا الدليل يكفي المؤمن البصير في إثبات علمهم بكلّ ما يتعلّق بالصوت، كما يُثبت قدرتهم علیهم السلام على إحداثه على وجه يكون أقوى تأثيراً حتّى من الأصوات التي يُحدثها الأنبياء والمرسلون والملائكة المقرّبون، فكلّ ما ثبت لغيرهم هو ثابت لهم كما أنّهم أقدر على ذلك وأعلم.
إنّ القرآن الكريم قد صرّح بثبوت أمور للأنبياء والمرسلين علیهم السلام ، فمنهم مَن صرّح القرآن الكريم بأنّه أعطي النبوّة وهو صبي، بل منهم مَن أعطي النبوّة وهو طفل، ويتحدّث وهو لم يتجاوز اليومين من عمره، ويُبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ومنهم مَن عُلِّم منطق الطير والحشرات، وسُخّرت له الريح تجري بأمره، ومنهم مَن أتى بعرش بلقيس في أقل من طرفة عين، وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي نصّ عليها القرآن الكريم وتضافرت عليها الأحاديث الشريفة.
وخاتم المرسلين وآله الطاهرين علیهم السلام عندهم كلّ ما أُعطي جميعالأنبياء والمرسلين علیهم السلام وأعطاهم الله تعالى أضعاف أضعافه، بل أنّ كلّ ما
1) راجع الصفحة العاشرة من كتابنا: الآثار التكوينية لوجودات أهل البيت علیهم السلام ، فإننا ذكرنا هذا البحث هناك، وإنّما نقلناه هنا كي لا يفوت القارئ العزيز استحضار هذا الأمر، فراجع إن شئت.
أعطي الأنبياء والمرسلون ما هو إلاّ بفضلهم وعلى قدر معرفتهم بأمر محمد وآله صلی الله علیه و آله ، ولا يعرفهم بمرتبة من مراتب المعرفة إلاّ ملك مقرّب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان - كما ورد في الكثير من الأحاديث -، وهم واسطة الفيض الإلهي حتّى على الأنبياء والمرسلين الذين هم أشرف وأفضل جميع الخلق، وما علم جميع الأنبياء والمرسلين - بالنسبة لعلم محمد وآل محمد علیهم السلام - إلاّ مقدار ما يأخذه الطائر بمنقاره من البحر المترامي الأطراف.
فروي: أنّه (أقبل طائر... حتّى وقع بالبحر، فأخذ بمنقاره من ماء البحر، فقال العالم((1)) لموسى علیه السلام: هل رأيت الطائر وما صنع؟ قال: نعم، قال له: ما علمي وعلمك في علم محمد وآل محمد علیهم السلام إلاّ بمقدار ما أخذه هذا الطائر بمنقاره من البحر، فهل تراه نقص من ماء البحر بما آخذه بمنقاره؟)((2)).
والأحاديث المثبتة لأفضلية أهل البيت علیهم السلام على جميع الخلق أكثر من أن تُحصى، وللخوف من الإطالة أكتفي في هذا المطلب بما قاله الشيخ الصدوق (رحمه الله) في وجوب الاعتقاد بكون أهل البيت علیهم السلام أفضل من جميع الخلق فقال:
(يجب أن يعتقد أنّ الله عزّ وجلّ لم يخلق خلقاً أفضل من محمد | والأئمة علیهم السلام ، وأنّهم أحبّ الخلق إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم وأوّلهم إقراراً به لمّا أخذ الله ميثاق النبيين في الذر، وأنّ الله تعالى أعطى كلّ نبي على قدر معرفته بنبينا | وسَبقه إلى الإقرار به، ويعتقد أنّ الله تعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته علیهم السلام ، وأنّه لولاهم ما خلق السماء ولاالأرض ولا الجنّة ولا النار ولا آدم ولا حواء ولا الملائكة ولا شيئاً مما خلق، صلوات الله عليهم أجمعين)((1)).
وقال الشيخ المجلسي بعد نقله لكلام الشيخ الصدوق:
(تأكيد وتأييد: اعلم أنّ ما ذكره رحمه الله من فضل نبيِّنا وأئمتنا صلوات الله عليهم على جميع المخلوقات، وكون أئمتنا علیهم السلام أفضل من سائر الأنبياء، هو الذي لا يرتاب فيه من تتبع أخبارهم علیهم السلام على وجه الإذعان واليقين، والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وإنّما أوردنا في هذا الباب قليلاً منها، وهي متفرقة في الأبواب لا سيما باب صفات الأنبياء وأصنافهم علیهم السلام ، وباب أنهم علیهم السلام كلمة الله، وباب بدوّ أنوارهم، وباب أنّهم أعلم من الأنبياء، وأبواب فضائل أمير المؤمنين وفاطمة صلوات الله عليهما، وعليه عمدة الإماميّة، ولا يأبى ذلك إلاّ جاهل بالأخبار)((2)).
فمن هنا نقول أنّ كلّ ما ثبت للملائكة بل للأنبياء والمرسلين فهو ثابت لهم بطريق أولى لفضلهم عليهم أجمعين، فأهل البيت علیهم السلام هم الأعلم بالصوت والأقدر على إحداثه - بشتّى أصنافه - من جميع ما خلق الله تعالى، وما سيأتي في مباحث هذا الكتاب مِن قيام بعض الملائكة والأنبياء علیهم السلام بخوارق العادة في إحداث الأصوات فأهل البيت علیهم السلام هم أولى بذلك منهم، فكن على ذِكر من هذا.
إنّ أهل البيت علیهم السلام عندهم علم ما كان وما هو كائن وما يكون، ودلّ على ذلك الكثير من الروايات، وأقل ما يُقال فيها أنّها مستفيضة، فمنها:ما في الأدعية:
دعاء الإمام السجّاد علیه السلام في ذكر آل محمد صلی الله علیه و آله : (اللهم يا من خصّ محمداً وآله بالكرامة، وحباهم((1)) بالرسالة وخصّهم بالوسيلة، وجعلهم ورثة الأنبياء، وختم بهم الأوصياء والأئمة، وعلّمهم علم ما كان وما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، فصلِّ على محمد وآله الطاهرين، وافعل بنا ما أنت أهله في الدين والدنيا والآخرة، إنّك على كلِّ شيء
1) حباهم: أي أكرمهم.
قدير)((1)).
ودعاء الإمام الصادق علیه السلام: (يا من خصّنا بالوصية، وأعطانا علم ما مضى وعلم ما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوى إلينا، وجعلنا ورثة الأنبياء)((2)).
ودعاء آخر للإمام الصادق علیه السلام: (اللهم يا من أعطانا علم ما مضى وما بقي، وجعلنا ورثة الأنبياء، وختم بنا الأمم السالفة، وخصّنا بالوصية)((3)).
والدعاء بعد صلاة الليل عن الإمام الصادق علیه السلام: (قل بعد صلاة الليل - إذا كانت بك علّة - وأنت ساجد: اللهم إنِّي أدعوك دعاء العليل الذليل الفقير، أدعوك دعاء من قد اشتدت فاقته، وقلّت حيلته، وضعف عمله من الخطيئة والبلاء، دعاء مكروب، إن لم تتداركه هلك، وان لم تستنقذه فلا حيلة له، فلا تحط بي - يا سيدي ومولاي – مكرك، ولا تثبت عليّ غضبك، ولا تضطرني إلى اليأس من روحك، والقنوط من رحمتك، وطول الصبر على الأذى، اللهم لا طاقة لي ببلائك، ولا غناء بي عن رحمتك، وهذا ابن بنت نبيك وحبيك صلاتك عليه، به أتوجهإليك، فإنك جعلته مفزعاً للخائف، واستودعته علم ما كان وما هو كائن،
فاكشف ضري، وخلصني من هذه البلية)((1)).
وفي دعاء الندبة المروي عن الإمام صاحب العصر والزمان : (إلى أن انتهيت بالأمر إلى حبيبك ونجيبك، محمد صلی الله علیه و آله ، فكان كما انتجبته، سيّد من خلقته، وصفوة من اصطفيته، وأفضل من اجتبيته، وأكرم من اعتمدته، قدّمته على أنبيائك، وبعثته إلى الثقلين من عبادك، وأوطأته مشارقك ومغاربك، وسخرت له البراق، وعرجت به إلى سمائك، وأودعته علم ما كان وما يكون إلى انقضاء خلقك)((2)).
روي أنّ جابر الأنصاري بلّغ سلام رسول الله صلی الله علیه و آله إلى الإمام محمد الباقر علیه السلام، فقال له الإمام علیه السلام: (أثبت وصيّتك فإنّك راحل إلى ربك، فبكى جابر فقال له: يا سيدي وما علمك؟ فهذا عهد عهده إلي رسول الله، فقال له: والله يا جابر لقد أعطاني الله علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة. وأوصى جابر وصياته وأدركته الوفاة)((3)).
عن عبد الله بن محمد الهاشمي، قال: (دخلت على المأمون يوماً فأجلسني وأخرج من كان عنده، ثمّ دعا بالطعام فطعمنا، ثم طيّبنا، ثمّ أمر بستارة فضربت، ثم أقبل على بعض من كان في الستارة، فقال: بالله لما رثيتِ لنا من بطوس، فأخذت تقول:سقيا
بطوس ومن أضحى بها قطنا
.
من
عترة المصطفى أبقى لنا حزنا
.
قال: ثمّ بكى، فقال لي: يا عبد الله، أيلومني أهل بيتي وأهل بيتك أن نصبت أبا الحسن الرضا علیه السلام عَلَمَاً، فوالله لأحدثك بحديث تتعجب منه:
جئته يوماً فقلت له: جعلت فداك أنّ آبائك موسى بن جعفر، وجعفر بن محمد، ومحمد بن علي، وعلي بن الحسين علیهم السلام كان عندهم علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، وأنت وصي القوم ووارثهم، وعندك علمهم، وقد بدت لي إليك حاجة، قال: هاتها، فقلت: هذه الزاهرية حظيتي((1))، ولا أقدِّم عليها أحداً من جواريّ، قد حملت غير مرة وأسقطت، وهي الآن حامل، فدلّني على ما نتعالج به فتسلم، فقال: لا تخف من إسقاطها فإنّها تسلم، وتلد غلاماً أشبه الناس بأمّه، ويكون له خنصر زائدة في يده اليمنى ليست بالمُدلاّة، وفي رجله اليسرى خنصر زائدة ليست بالمُدلاّة.
1) أي حظيت باهتمامه وعنايته.
فقلت في نفسي أشهد أنّ الله على كلِّ شيء قدير، فولدت الزاهرية غلاماً أشبه الناس بأمه، وفي يده اليمنى خنصر زائدة ليست بالمُدلاّة، وفي رجله اليسرى خنصر زائدة ليست بالمُدلاّة، على ما كان وصفه لي الرضا علیه السلام، فمن يلومني على نصبي إياه عَلَمَاً)((1)).
فروي عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام أنّه قال: (وربِّ الكعبة، وربِّ البيت - ثلاث مرّات -، لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أنِّيأعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأنّ موسى و الخضر أُعطيا علم ما كان، ولم يُعطيا علم ما هو كائن إلى يوم القيمة، وأنّ رسول الله أعطى علم ما كان، وما هو كائن إلى يوم القيمة، فورثناه من رسول الله صلی الله علیه و آله وراثة)((2)).
1) عيون أخبار الرضا علیه السلام للشيخ الصدوق ج2 ص223. والخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج2 ص660. والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص686. والثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص487.
2) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص149. ومثله في الكافي للشيخ الكليني ج1 ص260. ودلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص280.
فروي عن أبي بصير أنّه قال: (دخلت على أبي عبد الله علیه السلام فقلت له: جعلت فداك، إنِّي أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله علیه السلام ستراً بينه وبين بيت آخر فأطلع فيه((1)) ثم قال: يا أبا محمد سل عمّا بدا لك.
قال: قلت: جعلت فداك، إنّ شيعتك يتحدّثون أن رسول الله صلی الله علیه و آله علّم علياً علیه السلام باباً يفتح له منه ألف باب؟ قال: فقال: يا أبا محمد، علم رسول الله صلی الله علیه و آله علياً علیه السلام ألف باب، يفتح من كلِّ باب ألف باب، قال: قلت: هذا والله العلم، قال: فنكت ساعة في الأرض ثمّ قال: إنّه لعلم وما هو بذاك.
قال: ثم قال: يا أبا محمد وإنّ عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلی الله علیه و آله وإملائه من فلق فيه، وخطّ علي بيمينه، فيها كلّ حلال وحرام، وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش، وضرب بيده إليّ فقال: تأذن لي يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك إنّما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتّى أرش هذا - كأنّه مغضب - قال: قلت: هذا والله العلم، قال: إنّه لعلم وليس بذاك.
1) الظاهر أنّ رفع الستر لتحصيل الإطمئنان في نفس أبي بصير، وقد يكون مِن حدسه لأنّه أعمى فكيف أبصر أنّ الإمام قد رفع الستر؟!.
ثمّ سكت ساعة، ثم قال: وإنّ عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: وما الجفر؟ قال: وعاء من أَدَم((1)) فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال: قلت: إنّ هذا هو العلم، قال: إنّه لعلم وليس بذاك.
ثم سكت ساعة ثمّ قال: وإنّ عندنا لمصحف فاطمة علیها السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة علیها السلام؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة علیها السلام؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله العلم، قال: إنّه لعلم وما هو بذاك.
ثمّ سكت ساعة، ثم قال: إنّ عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة قال: قلت: جعلت فداك هذا والله هو العلم، قال: إنّه لعلم وليس بذاك، قلت: جعلت فداك فأيّ شيء العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر من بعد الأمر، والشيء بعد الشيء، إلى يوم القيامة)((2)).
وروي عن عدة من أصحابنا منهم عبد الأعلى وأبو عبيدة وعبد الله ابن بشر الخثعمي سمعوا أبا عبد الله علیه السلام يقول: (إنِّي لأعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنّة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون، قال: ثمّ مكث هنيئة، فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه فقال:
علمت ذلك من كتاب الله عزّ وجلّ، إنّ الله عزّ وجلّ يقول((1)): فيه تبيان كل شيء)((2)).
وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي لا يسعها هذا المختصر، ويكفيالمؤمن ما اعتاده وتربّى عليه في أدعيته، فإنّ أهل البيت علیهم السلام أرادوا من المؤمن أن يعيش الاعتقاد بأنّهم عندهم علم ما كان وما يكون وما هو كائن، ومن ذلك الكائن العلم بالأصوات والقدرة على إحداثها.
إنّ القرآن الكريم قد أكّد في آيات كثيرة على أنّ الله تعالى قد أباد أقواماً بسبب كثرة ذنوبهم ومعصيتهم لله تعالى بعد قيام الحجج البالغة عليهم وبعث الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين، فلمّا تمادوا في عنادهم وغيِّهم وكفرهم كتب الله تعالى عليهم الإبادة الجماعية بطرق وأساليب مختلفة، وهذا العذاب العام الذي نزل على الأمم السابقة لا ينزل على أمّة نبي الرحمة محمد صلی الله علیه و آله ببركته.
وأمّا من سبقنا من الأمم فمنهم مَن أُغرق، ومنهم مَن خُسفت به الأرض، ومنهم مَن أُرسلت عليه الرياح الشديدة المهلكة التي تقلع الأشجار من جذورها والبيوت من أساسها، كما أنّ منهم مَن أُهلك بالصوت الشديد القوي، قال تعالى:
{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}((1)).
ولا يحتاج ابن آدم إلى أكثر من صيحة واحدة كي يكون ميِّتاً خامداً، فلقد قال الله تعالى:{إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}((2)).
ويُبيِّن لنا القرآن الكريم أثر تلك الصيحة ببيانات متعددة، فتارة نجده يُبيِّن أنّهم ماتوا فأصبحوا خامدين في بيوتهم، كما في قوله تعالى:
{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}((3)).
وتارة نجده يُصوِّر لنا أثر الصيحة بتصوير بديع ودقيق فإنّ الناس أصبحت ميِّتة متقطعة متناثرة مختلطة كأوراق الأشجار والعيدان والحشيش الذي قذفه السيل إلى جانب الوادي فيقول تعالى:
{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}((4)).
كما أنّ القرآن الكريم يُبيِّن ويُصور لنا حال الذين أصابهم الموت
بسبب الصيحة وأنّهم أصبحوا متقطعين يابسين مرضوضين كالهشيم من ورق الشجر والحشيش الذي يجمعه صاحب حظيرة البهائم، فقال تعالى:
{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ}((1)).
وفي هذا التشبيه العجيب ما يُبهر العقول، ويُعجز البليغ عن وصفه، فلقد وصف حالهم بمعانٍ كثيرة في عبارة موجزة قصيرة، كما أنّه ذمَّهم ذمّاً عظيماً، واحتقرهم احتقاراً رهيباً، وسلب عنهم كلّ كرامة.
إلى غير ذلك من الآيات التي نصّت على أنّ الصيحة لها ذلك الأثر العظيم، فليست بمميتة فقط، بل هي تُقطِّع الأجساد وقد تجعلها يابسة متفتتة، وهذا ما أقرّ به العلم الحديث كما أسلفنا في التمهيد.
ومن عناية الله تعالى بالمؤمنين المخلصين أن درأ عنهم الموت بهذه الصيحة، فأثّرت في الكفار، ولم تمسّ المؤمنين ولم تؤثِّر فيهم، رحمة من الله تعالى بأوليائه، فقال تعالى:{وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}((2)).
نعم، هناك صيحة تُميت كلّ من هو على وجه الأرض، ولا تستثني المؤمن من غيره، وليست هي صيحة العذاب والنقمة، بل هي صيحة يوم
القيامة، التي يموت عندها الناس، كما تقدّم من قول الله تعالى:
{إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}((1)).
كما أنّ الناس إنّما يُبعثون بصيحة واحدة فإذا هم حاضرون بين يدي الله تعالى للحساب، قال تعالى:
{إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ}((2)).
فالصيحة الشديدة قد تصل شدّتها إلى حدّ أن تقتل الإنسان، بل قد تُقطِّعه إرباً، وقد تجعله كالغُثاء وهشيم المحتظر، كما نصّ القرآن الكريم في عدّة آيات مباركة.
ولقد جرت سُنّة الله تعالى في تدبير خلقه بأن يوكل الكثير من الأفعال إلى مخلوقاته، فلقد أوكل قبض الأرواح إلى ملائكته، وكذلك إحصاء أفعال العباد من خير أو شر، والتنعيم في الجنة، والتعذيب في النار، وإنزال الرحمة، وتنزيل الوحي، وغير ذلك مما لا يخفى على المؤمنين.
وكذلك الإماتة بالصيحة، فقد أوكلها الله تعالى في بعض المواطن إلى ملائكته الكرام، فجبريل علیه السلام هو صاحب الصيحة التي جاءت على قوم صالح علیه السلام فإنّه روي عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال - في حديث -: (فلمّا كان نصف الليل أتاهم جبرئيل علیه السلام فصرخ بهم صرخة خرقت تلك
الصرخة أسماعهم، وفلقت قلوبهم، وصدعت أكبادهم، وقد كانوا في تلك الثلاثة الأيام قد تحنّطوا وتكفّنوا وعلموا أنّ العذاب نازل بهم، فماتوا أجمعون في طرفة عين، صغيرهم وكبيرهم، فلم يبق لهم ناعقة ولا راغية((1)) ولا شيء إلا أهلكه الله فأصبحوا في ديارهم ومضاجعهم موتى أجمعين...)((2)).
ودلّ الحديث الشريف على أنّ الصيحة هي الصرخة هنا، كما أنّ المعنى اللغوي لها هو ذلك أيضاً، وما يظهر من بعض الروايات أنّ الصيحة هي العذاب أو أنّها صاعقة من السماء لا يتنافى مع ما ذكرناه فإنّ العذاب يمكن أن يكون بالصيحة، كما أنّ الصيحة يُمكن أن يستتبعها شيء آخر من العذاب، كما أنّ الصاعقة مقترنة بالصوت، ولسنا بصدد هذا النوع من البحث هنا ويكفي ما تقدّم، كما أنّ بعض المفسرين قد ذكر ما أوضحناه فالسيد محمد حسين الطباطبائي يقول:
(والصواعق السماوية لا تخلو عن صيحة هائلة تقارنها، ولا ينفك ذلك
1) النعيق: هو صوت الراعي بغنمه؛ أي لم تبق منهم جماعة يتأتى منهم النعيق والرعي. وفي بعض النسخ [ فلم يبق لهم ثاغية ولا راغية ] قال الجوهري: الثغاء: صوت الشاة والمعز وما شاكلهما، والثاغية: الشاة. والراغية: البعير، وما بالدار ثاغٍ ولا راغٍ أي أحد وقال: قولهم: ما له ثاغية ولا راغية أي ماله شاة ولا ناقة انتهى. وهو الأظهر. وهو الموجود في روايات العامة أيضا في تلك القصة.
2) الكافي الشريف للشيخ الكليني ج 8 ص189.
غالباً عن رجفة الأرض، وهي نتيجة الاهتزاز الجوي الشديد إلى الأرض، وتوجف من جهة أخرى القلوب، وترتعد الأركان، فالظاهر أن عذابهم إنّما كان بصاعقة سماوية اقترنت بصيحة هائلة، ورجفة في الأرض، أو في قلوبهم، فأصبحوا في دارهم أي في بلدهم جاثمين ساقطين على وجوههم وركبهم)((1)).
(وأمّا كون الصيحة من جبرئيل فلا ينافي كونها صاعقة سماويةنازلة عليهم أماتتهم بصوتها، وأحرقتهم بنارها، إذ لا مانع من نسبة حادث من الحوادث الكونية - خارق للعادة أو جارٍ عليها - إلى ملَك روحاني، إذا كان هو في مجرى صدوره، كما أن سائر الحوادث الكونية من الموت والحياة والرزق وغيرها منسوبة إلى الملائكة العمالة)((2)).
وإذا تذكّرنا ما قدّمناه في عموم علمهم وفضلهم على جميع الخلق نخلص بأنّ ما فعله جبرئيل علیه السلام أيضاً هو في محلّ قدرة أهل البيت علیهم السلام ، لأنّهم الأفضل مِن جهة، ولعموم علمهم بما يشمل هذا الفعل مِن جبريل علیه السلام مِن جهة أخرى، ولكون فعله مِن الحوادث التي كانت فهم العارفون بها.
من الصوت ما يكون مرعباً ومُحدِثاً في النفس الخوف الشديد، وقد يصل بالإنسان إلى حدِّ الإغماء، فهو قوّة وقدرة، وقد تحلّى بها بعض أولياء الله تعالى، فهذا إسرافيل علیه السلام روي أنّه صاح في قوم نبي الله جرجيس علیه السلام فخرّ منها الناس لوجوههم خوفاً وذعراً((1)).
وهذا نبي الله هود علیه السلام لمّا اجتمع عليه قومه بقوّتهم (...صاح بهم هود علیه السلام صيحة فسقطوا لوجوههم. ثُمّ قال: يا قوم قد تماديتم في الكفر، كما تمادى قوم نوح علیه السلام، وخليق أن أدعو عليكم كما دعا نوح على قومه. فقالوا: يا هود إنَّ آلهة قوم نوح كانوا ضعفاء وإنّ آلهتنا أقوياء، وقد رأيت شدّة أجسامنا...) ((2)).
نعم صيحة من نبي من أنبياء الله تعالى أخافت المعاندين وأسقطتهم على وجوههم رعباً من هول تلك الصيحة، فكيف بمن هم سادات الأنبياء والمرسلين، لا شكّ أنّ هذه القدرة عندهم في أعلى درجات كمالها، ومن هنا ينقل لنا المحدِّثون مواقف، ويُسطِّر لنا التاريخ ملاحم، ويروي رواة الأحاديث صرخات أمير المؤمنين علیه السلام في مواطن كثيرة، ويُنشد فيها الشعراء قصائد، حتّى عُرف بصرخاته عند القاصي والداني.فإن كُنتَ ممن يلتذّ ويُسرّ بذكر فضائل أمير المؤمنين علیه السلام فتعال معي أسرد لك بعض تلك المواقف التي صرخ فيها أمير المؤمنين علیه السلام صرخته المخيفة حتّى أدخلت الرعب في نفس سامعها.
لمّا عاد رسول الله صلی الله علیه و آله من تبوك إلى المدينة قدم عليه عمرو بن معديكرب الزبيدي فآمن بالله ورسوله، وآمن من معه من قومه، ورجعوا إلى قومهم. ثُمّ إنّ عمراً نظر إلى أُبيّ بن عثعث الخثعمي فاخذ برقبته ثم جاء به إلى النبي صلی الله علیه و آله فقال: أعدني((1)) على هذا الفاجر الذي قتل والدي.
فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية.
فانصرف عمرو مرتداً، فأغار على قوم من بني الحارث بن كعب
1) أعدني: انصرني.
ومضى إلى قومه. فاستدعى رسول الله صلی الله علیه و آله علي بن أبي طالب علیه السلام وأمّره على المهاجرين، وأنفذه إلى بني زبيد.
ثم سار علي حتى لقي بني زبيد بواد يقال له كشر((1)). فلمّا رآه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت - يا أبا ثور - إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الإتاوة((2))؟
قال: سيعلم إن لقيني.
وخرج عمرو فقال: من يبارز؟ فنهض إليه أمير المؤمنين علیه السلام وقام إليه خالد بن سعيد وقال له: دعني يا أبا الحسن - بأبي أنت وأمي - أبارزه.
فقال له أمير المؤمنين: إن كنت ترى أن لي عليك طاعة فقف في مكانك، ثم برز إليه أمير المؤمنين فصاح به صيحة فانهزم عمرووقتل أخاه وابن أخيه...((3)).
وعمرو الزبيدي هذا لم يكن إنساناً جباناً أو خوّافاً بل كان معروفاً
1) كشر. بوزن زفر: من نواحي صنعاء اليمن. "معجم البلدان ج4 ص462".
2) الإتاوة: الخراج.
3) راجع إرشاد الشيخ المفيد ج1 ص159، وعنه أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج1 ص418. وراجع كشف الغمة لابن أبي الفتح الإربلي ج1 ص229، وإعلام الورى بأعلام الهدى للشيخ الطبرسي ج1 ص253، وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج21 ص356. والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) للعلامة الحلي ص97.
بالشجاعة وخوض الحروب حتى عبّر عنه بعض المؤرخين بأنّه (شجاع العرب)((1))، وكان مغروراً بنفسه ولا يرى أنّ في الدنيا شجاعاً غيره؛ لغارات أغارها في الجاهلية ووقائع عملها((2)) وعلى ما هو عليه من تلك الشجاعة المعروفة وذلك الاعتداد بالنفس مع ذلك لم يكن يقوى من أمير المؤمنين علیه السلام على أكثر من صيحة علوية، وفي بعض المصادر لمّا صاح به أمير المؤمنين علیه السلام ارتجّت به الأرض فانهزم، بل قيل: إنّه أخذه الرعب فوقع من فوق سرجه على الأرض وأخذ يعضّ الأرض بأسنانه فأسره أمير المؤمنين علیه السلام((3)).
وهنا أيضاً صرخة من صرخات أمير المؤمنين علیه السلام جعلت جابر بن عبد الله الأنصاري يخرّ على الأرض مغشيّاً عليه حتّى ظنّ أنّ السماء كادت أن تقع على الأرض من هول ما سمع.
فروي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنّه قال: (رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام وهو خارج من الكوفة، فتبعته من ورائه
حتى إذا صار إلى جَبّانة((1)) اليهود، فوقف في وسطها ونادى: يا يهود يا يهود، فأجابوه في جوف القبر: لبيك لبيك مطلايخ((2)) - يعنون بذلك: يا سيدنا - فقال: كيف ترون العذاب؟ فقالوا: بعصياننا لك كهارون، فنحن ومن عصاك في العذاب إلى يوم القيامة.
ثُمّ صاح صيحة كادت السماوات ينقلبن، فوقعت مغشيّاً على وجهي من هول ما رأيت، فلمّا أفقت رأيت أمير المؤمنين علیه السلام على سرير من ياقوتة حمراء على رأسه إكليل من الجوهر، وعليه حلل خضر وصفر، ووجهه كدائرة القمر، فقلت: يا سيدي، هذا مُلْكٌ عظيم، قال: نعم يا جابر إنّ ملكنا أعظم من ملك سليمان بن داود، وسلطاننا أعظم من سلطانه.
ثُمّ رجع ودخلنا الكوفة، ودخلت خلفه إلى المسجد، فجعل يخطو خطوات وهو يقول: لا والله لا فعلت، لا والله لا كان ذلك أبداً، فقلت: يا مولاي، مَن تكلِّم؟ ومَن تخاطب وليس أرى أحداً؟
فقال: يا جابر، كشف لي برهوت، فرأيت الأوّل والثاني يعذَّبان في جوف تابوت في برهوت، فنادياني: يا أبا الحسن، يا أمير المؤمنين، ردّنا
إلى الدنيا نقرّ بفضلك ونقرّ بالولاية لك، فقلت: لا والله لا فعلت، لا والله لا كان ذلك أبداً، ثم تلا هذه الآية: {...وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}((1)) يا جابر، وما مِن أحد خالف وصيَّ نبيٍّ إلاّ حشره الله أعمى يتكبكب في عرصات القيامة)((2)).
لقد روي (أنّ أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام لمّا عزم على الهجرة قال له العباس: إنّ محمّداً ما خرج إلا خفيّاً، وقد طلبته قريش أشدّ طلب، وأنت تخرج جهاراً في أثاث((3)) وهوادج ومال ورجال ونساء تقطع بهم السباسب((4)) والشعاب من بين قبائل قريش، ما أرى لك أن تمضي إلاّ في خفارة خزاعة((5))، فقال علي علیه السلام:
1) سورة الأنعام من الآية (28).
2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 41 ص221 وج27 ص306 عن كنز الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة. وأوردها السيد هاشم البحراني في مدينة المعاجز ج2 ص 97 عن شرف الدين النجفي في تأويل الآيات الظاهرة ج1 ص163. وأوردها في البرهان ج1 ص522.
3) في المصدر (إناث)
4) السبسب: المفازة، وهي الأرض البعيدة المستوية.
5) أي في حماية خزاعة.
إنّ
المنيّة شربة مورودة
إنّ ابن آمنة النبي محمداً
أرخ الزمام ولا تخف من عائق
إني بربي واثق وبأحمد
.
لا
تجزعنّ وشدّ للترحيلِ
رجل صدوق قال عن جبريلِ
فالله يرديهم عن التنكيلِ
وسبيله متلاحق بسبيلي
.
قالوا: فكمن مهلع غلام حنظلة بن أبي سفيان في طريقه بالليل، فلمّا رآه سلّ سيفه ونهض إليه، فصاح علي صيحة خرّ على وجهه، وجلله بسيفه)((1)).
فمهلع كان متهيئاً للقتال والنزال، ولم يكن في غفلة وعدم استعداد ومع ذلك خرّ على وجهه، وإنّما خرّ على وجهه لأنّه كان مندفعاً نحو أمير المؤمنين علیه السلام، ولم تُمهله الصرخة حتّى التراجع والوقوع على القفا، والذي يظهر أنّه لم يقض عليه بصرخته من أجل الذين كانوا معه، فلولم يكن أمير المؤمنين علیه السلام معه أحد لأنهاه بالصيحة فقط ولم يحتج إلى سيفه كي يجدِّله به.
1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج38 ص291 عن محمد الواقدي وأبي الفرج النجدي وأبي الحسن البكري وإسحاق الطبراني. ونقله ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب ج2 ص59 عنهم أيضاً.
روي أنّه (لمّا رجع الإمام من غزاة النخلة((1)) وقد نصره الله على أعدائه، فقعد في بعض الطريق، فوفد إليه جماعة من العرب فشكوا إليه حالهم وما نالهم، وأنّ على تخوم أرضهم قصراً يقال له قصر الذهب وفيه ثعبان عظيم وقد منع الناس من الدخول والخروج والسكون فيه وقد منع الطريق...).
فأرسل الإمام علیه السلام إلى النبي صلی الله علیه و آله يستأذنه في الذهاب إلى قصر الذهب، فجاء كتاب النبي صلی الله علیه و آله بالإذن، فسار و(على رأسه عمامة النبي صلی الله علیه و آله ، وذو الفقار في يمينه، ودرقته((2)) في شماله، وفي وسطه منطقة أخيه جعفر الطيار وهو كأنّه الأسد، ثم صاح صيحة فإذا البر يرج.
قال عمار: فخرج من باب القصر عفريت يرمي بشرر النيران، وصاح بنا صيحة واحدة، فأجابه أصناف اللغات من كل جانب، فتقدم علیه السلام وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، بطه ويس، وبالاسم المكتوب على ذرر السور،
1) في مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج1 ص161 أنّ غزوة النخلة كانت في شهر رجب، وأنّ الرسول صلی الله علیه و آله قد بعث عبد الله بن جحش في أصحابه ليرصد قريشاً، فقتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الجموح الحضرمي، وهرب الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الدار وأخوه، واستأمن الباقون، واستاقوا العير إلى النبي صلی الله علیه و آله فقال: (والله ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام)، وذلك تحت النخلة فسميت: غزوة النخلة). وعنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج19 ص174.
2) الدرقة: الرس المصنوع من الجلد ومن دون خشب.
وزجرتكم بالصافات صفاً، وتبارك والأعراف، وبالله الذي لا إله إلاّ هو، خالق الليل والنهار والظلم والأنهار.
قال عمار: والأحجار تتساقط علينا من كلِّ جانب، والإمام يوقيعن نفسه وعنا بترسه، ولم يستطع أن يتقدّم إلى النار من شدّة اللهب والدخان، ثم كثرت الأعناق والأصناف وظهرت الأشخاص!. فلمّا نظر الإمام علیه السلام ما نحن فيه أقبل علينا وقال: بحقي عليكم اثبتوا في موضعكم فوالذي بعث محمدا صلی الله علیه و آله بالحق لا يلقاهم غيري، فإن سلمت فذلك من عند الله ورسوله، وإن دنت الوفاة فأقرؤوا محمّداً صلی الله علیه و آله والحسن والحسين وأمّهما علیهم السلام عنِّي السلام...).
ثمّ (قال عمار: فجعلت أسعى وقد طار عقلي حتى لحقت بأصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسقطت على وجهي مغشيّاً علي وجعلوا يرشون الماء على وجهي، فلما أفقت قلت لهم: ما فعل الإمام علیه السلام بعدي؟ قال المقداد: نظرنا إليه تحت جحفته كأنه الأسد، فمر ينظر وهو يتقرب من النار والأحجار تسقط عليه، ثم زعق زعقة فظننت أنّ السماء قد وقعت على الأرض، فأجابته الأصوات من كل جانب، فسمعته يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان قد قال لنا: إن رجعت إليكم صلاة العصر وإلاّ فارجعوا إلى المدينة وأقرؤوا رسول الله صلی الله علیه و آله منِّي السلام وأخبروه بما شاهدتم.
قال قيس: فوالله لقد سمعنا ذا الفقار في كفِّ الإمام وصوته كالرعد
العاصف، وهو يتبع الضربة بالصيحة تتلف منها النفوس، ونحن نقول: وعدك وعدك يا من لا يخلف الميعاد، اللهم لا تفجع به قلب نبيك، اللهم لا تفجع به قلب الزهراء، اللهم لا تفجع به قلب الحسن والحسين...).
(...وقد همَّ به الثعبان أن يبتلعه! فصاح به الإمام علیه السلام صيحة عظيمة أذهلته، فالتقاه بذي الفقار وضربه ضربة على وسطه فقدّه نصفين، فكبّر الإمام علیه السلام ثلاث تكبيرات، وكبّر المسلمون، فعند ذلك خمدت النيران وانكشف الدخان...)((1)).
غزوة مدينة عمانروي عن عمار أنّه قال: (لّما أرسل النبي صلی الله علیه و آله عليّاً علیه السلام إلى مدينة عمان في قتال الجلندي بن كركر وجرى بينهما حرب عظيم وضرب وجيع، دعا الجلندي بغلام يقال له الكندي، فقال له: إن أنت خرجت إلى صاحب العمامة السوداء، والبغلة الشهبا
فلمّا نظر الإمام علیه السلام إليه نزل عن بغلته وكشف عن رأسه، فأشرقت الفلاة طولاً وعرضاً، ثم ركب ودنا من الفيلة، وجعل يكلمها بكلام
1) الأنوار العلوية للشيخ جعفر النقدي ص281.
لا يفهمه الآدميون، وإذا بتسعة وعشرين فيلاً قد دارت رؤوسها، وحملت على المشركين، وجعلت تضرب فيهم يميناً وشمالاً حتّى أوصلتهم إلى باب عمان، وسمعت تتكلّم بكلام يفهمه الناس: يا علي كلنا نعرف محمداً ونؤمن به وبربه، إلا هذا الفيل الأبيض فإنّه لا يعرف محمداً ولا آل محمد، فزعق الإمام زعقته المعروفة عند الغضب، المشهورة بين قبائل العرب، فارتعد الفيل ووقف، فضربه الإمام علیه السلام ضربة طار بها رأسه عن بدنه، ووقع الفيل على الأرض كالجبل العظيم، واخذ الكندي من ظهره، فأخذ جبرئيل النبي صلی الله علیه و آله فارتقى على السور فنادى: يا أبا الحسن هبه لي فهو أسيرك فأطلق سبيله؟ فقال: أبا الحسن ما حملك على إطلاقي؟ فقال علیه السلام: ويلك مدّ نظرك؟ فمدّ نظره وكشف الله عن بصره، فنظر إلى النبي صلی الله علیه و آله واقفاً، فقال: كم بيننا وبينه؟ قال: مسيرة أربعين يوماً، فقال: إنّ ربّكم ربّ عظيم، ونبيّكم نبيّ كريم، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً صلی الله علیه و آله رسول الله.
وقتل علي علیه السلام الجلندي، وسلّم الحصن إلى الكندي، وزوجه ابنة الجلندي)((1)).
ليس ما تقدّم هو كلّ المواقف التي ذُكرت لأمير المؤمنين علیه السلام، بل
1) المناقب لابن شهرا شوب ج2 ص139.
هناك الكثير يجده المتتبِّع والمتصفّح للتاريخ.
ففي سيرة الإمام علي علیه السلام لأحمد بن محمد البكري تكرر ذكر صرخات أمير المؤمنين علیه السلام في مواضع عدّة فتارة يقول: (لمّا قرب السبع من الإمام صرخ صرخته المعروفة الهاشمية فتضعضع السبع من شدتها ووقف مكانه وخمدت قوّته من صوت الإمام، وجعل ينادي أنا السيف المسلول، أنا ابن عمّ الرسول، أنا مفرّق الكتائب، أنا مظهر العجائب، أنا الحسام الغاضب حامل ذي الفقار).
وأخرى يقول:
(وصرخ عليها صرخته المعروفة فأرعشها وأدهشها بصرخته فارتعشت واضطربت ومالت وكادت أن تسقط إلى الأرض).
وثالثة يقول:
(فعند ذلك وثب لهم الإمام قائماً على قدميه وصرخ عليهم صرخته المعروفة بين القبائل بالغضب فدوى منها الوادي وقال لهم: إلى أين يا أولاد اللئام. فذهل القوم واندهشوا وبهتوا ولم يجدوا مفرّاً مما نزل بهم).
(فإنه لما سمع زعقات الإمام خاف خوفاً شديداً وولّى هارباً من معمعة الحرب).
(صرخ فيهم صرخته المعروفة عنه ففرقتهم يميناً وشمالاً)((1)).
1) سيرة الإمام علي علیه السلام لأحمد بن محمد البكري ص16 وص62 وص91 وص110 وص111.
نعم، هو كذلك بأبي هو وأمِّي، فارس الهيجاء ومجدِّل الأبطال في بدر وأحد وحُنين، الضارب بالسيفين والطاعن بالرمحين الذي لم يُشركبالله تعالى طرفة عين.
الصيحة في الشعر
وعُرفت صرخات أمير المؤمنين علیه السلام في الكثير من مواقفه عند الشعراء، فلم يتجاوزوا ذكرها عند مدحه علیه السلام تخليداً لما امتاز به سيِّد الوصيين الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام فإليك غيضاً من فيض:
ما أنشده خفاف في وجه معاوية
قام عدي بن حاتم إلى علي علیه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عندي رجلاً من قومي لا يجارى به((1))، وهو يريد أن يزور ابن عمٍ له - حابس بن سعد الطائي - بالشام، فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعلّه أن يكسره ويكسر أهل الشام. فقال له علي: نعم، فمره بذلك - وكان اسم الرجل خفاف بن عبد الله - فقدم على ابن عمه حابس بن سعد بالشام.
وكان حابس سيِّد طيئ، فحدَّث خفاف حابساً أنّه شهد عثمان بالمدينة، وسار مع علي إلى الكوفة. وكان لخفاف لسان وهيئة وشعر، فغدا
1) في نسخة (لا يوازى به رجل)
حابس وخفاف إلى معاوية، فقال حابس: هذا ابن عمي، قدم الكوفة مع علي، وشهد عثمان بالمدينة، وهو ثقة.
فقال له معاوية: هات يا أخا طيئ، حدِّثنا عن عثمان.
قال: حصره المكشوح، وحكم فيه حكيم، ووليه محمد وعمار، وتجرَّد في أمره ثلاثة نفر: عدي بن حاتم، والأشتر النخعي، وعمرو بن الحمق، وجدّ في أمره رجلان: طلحة والزبير، وأبرأ الناس منه علي.
قال: ثم مه؟
قال: ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش، حتى ضلت النعل، وسقط الرداء، ووطئ الشيخ، ولم يذكر عثمان ولم يذكر له، ثم تهيأ للمسير، وخفَّ معه المهاجرون والأنصار، وكره القتال معه ثلاثةنفر: سعد ابن مالك، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، فلم يستكره أحداً، واستغنى بمن خف معه عمن ثقل.
ثُمّ سار حتى أتى جبل طيئ، فأتاه منّا جماعة كان ضارباً بهم الناس، حتى إذا كان في بعض الطريق أتاه مسير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، فسرَّح رجالاً إلى الكوفة فأجابوا دعوته، فسار إلى البصرة فهي في كفِّه، ثم قدم إلى الكوفة، فحمل إليه الصبي، ودبَّت إليه العجوز، وخرجت إليه العروس فرحاً به، وشوقاً إليه، فتركتُهُ وليس همُّه إلاّ الشام.
فذعر معاوية من قوله، وقال حابس: أيها الأمير، لقد أسمعني شعراً غيّر به حالي في عثمان، وعظّم به عليّاً عندي.
قال معاوية: أسمعنيه يا خفاف، فأسمعه قوله شعراً:
قلتُ
والليلُ ساقطُ الأكنافِ
أرقُبُ النجمَ مائلاً ومتى الغم-
ليت شعري وإنني لسؤولٌ
من صِحَابِ النبيِّ إذ عَظُمَ الخَطْ
أحلالٌ دمُ الإمامِ بِذَنْبٍ
قال لي القومُ لا سبيلَ إلى ما
عند قومٍ ليسوا بأَوعِيَةِ العل-
.
ولجنبي
عن الفراشِ تجافي
-ضُ بعينٍ طويلةِ التذرافِ
هل ليَ اليومَ بالمدينةِ شافي
-بُ وفيهم من البريّةِ كافي
أم حرامٌ بسُنَّةِ الوقّافِ((1))
تطلُبُ اليومَ قلتُ حَسْبُ خفافِ
-مِ ولا أَهْلِ صحّةٍ وعَفَافِ
.
إلى أن يقول:
ارهب
اليومَ - إنْ أتاك عليٌّ -
إنّه الليثُ عادياً وشجاعٌ
فارسُ الخيلِ كلَّ يومِ نِزَالٍ
.
صَيْحَةً مِثْلَ صَيْحَةِ الأحقافِ((2))
مُطْرِقٌ نافثٌ بسمٍّ زعافِ
ونزالُ الفتى من الإنصافِ
.ارهب
اليومَ - إنْ أتاك عليٌّ -
إنّه الليثُ عادياً وشجاعٌ
فارسُ الخيلِ كلَّ يومِ نِزَالٍ
.
صَيْحَةً مِثْلَ صَيْحَةِ الأحقافِ((3))
مُطْرِقٌ نافثٌ بسمٍّ زعافِ
ونزالُ الفتى من الإنصافِ
.
إلى آخر الأبيات
فانكسر معاوية وقال: يا حابس، إني لا أظن هذا إلاّ عيناً لعلي، أخرجه
عنك لا يفسد أهل الشام((1)).
وما طلب معاوية إخراجه إلاّ بعد أن ذكر له الصيحة العلوية وغيرها، فلقد كان مجرّد ذكرها يُدخل الرعب على معاوية، وحسّ بخطورة الموقف، فإنّه إن بقي بالشام فإنّه سيُدخل الرعب في قلوب الشاميين بذكر فضائل أمير المؤمنين علیه السلام ومنها صيحته.
قصيدة للشيخ حسين الكركي المتوفى 1076 ((2)):
1) وقعة صفين لابن مزاحم المنقري ص68، وعنه شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج3 ص111، وعنه أيضاً مواقف الشيعة للأحمدي الميانجي ج2 ص215.
2) قال الشيخ الأميني في غديره ج11 ص299-302: (الشيخ حسين بن شهاب الدين ابن حسين بن خاندار الشامي الكركي العاملي، هو من حسنات عاملة، ومن العلماء المشاركين في العلوم المتضلعين منها، أما حظه من الأدب فوافر، ولعلك لا تدري إذا سرد القريض أنه هل نظم درّاً، أو صاغ تبراً). توجد ترجمته في (خلاصة الأثر ج2 ص94، ورياض الجنة في الروضة الرابعة لسيدنا الزنوزي، وإجازات البحار ص125 لشيخنا العلامة المجلسي، وروضات الجنات ص193، 557، وتتميم أمل الآمل لابن أبي شبانة، ونجوم السماء ص93، وسفينة البحار ج1 ص273، وأعيان الشيعة ج26 ص156، والفوائد الرضوية ج1 ص135، وشهداء الفضيلة ص123، وذكره صاحب معجم الأطباء ص171 وأثنى عليه).
فخاض
أمير المؤمنين بسيفه
وصاح عليهم صيحة هاشمية
غمام من الأعناق تهطل بالدما
وصي رسول الله وارث علمه
لقد ضل من قاس الوصي بضده
.
لظاها
وأملاك السماء له جند
تكاد لها الشم الشوامخ((1)) تنهد
ومن سيفه برق ومن صوته رعد
ومن كان في خمٍ له الحل والعقد
وذو العرش يأبى أن يكون له ند((2))
.
ولا يخفى أنّ البيت الثالث يشتمل على تصوير بديع جميل مُشتمل على استعارة تخييليّة؛ فيُصوِّر لنا هذا العالم الجليل سحاباً ليست من الأبخرة وإنّما هي من الأعناق وتهطل ليس بالماء وإنّما هي تهطل بالدماء، والسحاب حتّى يهطل مطره بحاجة إلى برق ورعد فكان البرق من لمعة سيف أمير المؤمنين علیه السلام والرعد من صوته الهادر الذي يقرع سمع كلّ مَن حضر المعركة.
ولم تكن تلك الصيحة المعروفة لأمير المؤمنين علیه السلام وليدة مواقف النزال، بل هي المولودة معه في مهده، تعرفها أمُّه فاطمة بت أسد علیها السلام فلعلّ صرخته أوحت لها أن تُسمِّيه بِحيدرة، وهو اسم من أسماء الأسد
المعروف بزئيره، فتعال نستمع إلى هذا المسيحي وهو يترنّم بهذه الأبيات:
وتدانت
من الحطيم وقرّت
تسكب الضوء في الأثير دفيقا
واستفاق الحمام يسجع سجعا
بسم المسجد الحرام حبورا
كان فجران ذلك اليوم فجر
هالت الأم صرخة جال فيها
دعت الشبل حيدرا وتمنّت
أسداً سمت ابنها كأبيها
بل علياً ندعوه قال أبوه
ذلك اسم تناقلته الفيافي
يهرم الدهر وهو كالصبح باق
.
وتدّلت
تدِّلي العنقود
فعلى الأرض وابل من سعود
فتهش الأركان للتغريد
وتنادت حجاره للنشيد
لنهار وآخر للوليد
بعض شيء من همهمات الأسود
وأكبّت على الرجاء المديد
لبدة الجد أهديت للحفيد
فاستفز السماء للتأكيد
ورواه الجلمود للجلمود
كل يوم يأتي بفجر جديد((1))
.وتدانت
من الحطيم وقرّت
تسكب الضوء في الأثير دفيقا
واستفاق الحمام يسجع سجعا
بسم المسجد الحرام حبورا
كان فجران ذلك اليوم فجر
هالت الأم صرخة جال فيها
دعت الشبل حيدرا وتمنّت
أسداً سمت ابنها كأبيها
بل علياً ندعوه قال أبوه
ذلك اسم تناقلته الفيافي
يهرم الدهر وهو كالصبح باق
.
وتدّلت
تدِّلي العنقود
فعلى الأرض وابل من سعود
فتهش الأركان للتغريد
وتنادت حجاره للنشيد
لنهار وآخر للوليد
بعض شيء من همهمات الأسود
وأكبّت على الرجاء المديد
لبدة الجد أهديت للحفيد
فاستفز السماء للتأكيد
ورواه الجلمود للجلمود
كل يوم يأتي بفجر جديد((2))
.
الصوت له أثر كبير في التأثير على المستمع، فإذا كان الصوت حسناً رقيقاً حزيناً شدّ شعور وأحاسيس مستمعه إلى الإنصات، فروي أنّ الإمام موسى بن جعفر الكاظم علیه السلام كان (أحسن الناس صوتاً بالقرآن، فكان إذا قرأ يحزن، وبكى السامعون لتلاوته)((1)).
نعم، إذا قرؤوا علیهم السلام القرآن بصوت حزين فإنّهم يُبكون المستمع لا لمجرّد كون القرآن فيه الآيات المقتضية لبكاء مستمعها، بل إنّهم علیهم السلام - بصوتهم الحزين - يُبكون المستمع وإن لم يفهم معاني الألفاظ، وكم كان لهم هذا التأثير وهم يتكلّمون باللغات الأخرى غير اللغة العربية فيبكي السامع تأثُّراً بذلك الصوت الحسن الجميل الحزين مع أنّه لا يفهم المعاني.
ففد روى الراوي عن الإمام الباقر علیه السلام وقال: (جئنا نريد الدخول عليه فلمّا صرنا في الدهليز سمعنا قراءة سريانية بصوت حسن يقرأ ويبكي
1) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص432.
حتى أبكى بعضنا)((1)).
فهنا يسمعون الإمام علیه السلام وهو يتكلّم بالسريانية ومع ذلك يبكون.وكذلك عندما كان يدعو بلغة أخرى - وهي العبرانية - وجدناهم أيضاً يبكون فعن موسى بن أكيل النميري قال: (جئنا إلى باب أبي جعفر علیه السلام نستأذن عليه، فسمعنا صوتاً يقرأ بالعبرانية، فبكينا حيث سمعنا الصوت، فظننا أنّه بعث إلى رجل من أهل الكتاب ليقرأ عليه، فدخلنا فلم نر عنده أحداً، فقلنا: أصلحك الله، سمعنا صوتاً بالعبرانية فظننا أنّك بعثت إلى رجل من أهل الكتاب استقرأته، فقال: لا، ولكنّي ذكرت مناجاة إليا فبكيت من ذلك، قلنا: وما كانت مناجاته؟ فقال: جعل يقول: يا ربّ، أتراك معذبي بعد طول قيامي لك وعبادتي إيّاك ومعذّبي بعد صلاتي لك، وجعل يعدِّد أعماله، فأوحى الله إليه أنِّي لست أعذِّبك، فقال: يا ربّ، وما يمنعك أن تقول: لا، بعد نعم، وأنا عبدك وفي قبضتك؟ فأوحى الله إليه: أنِّي إذا قلت قولاً وفيت به)((2)).
وإذا كان الصوت قبيحاً نفّر السامع ومجّت الأسماع منه وإن كان
مشتملاً على المعاني السامية، ومن هنا كان الخطيب الناجح المرغوب عند الناس مَن كان صوته حسناً، فالصوت يصحّ أن يكون أداة ووسيلة للنجاح في إيصال الحق للناس.
ومن هنا لم يُبعث نبي إلاّ حسن الصوت، لكونه أداةً فعّالة في الدعوة إلى الله تعالى إذا ما اقترنت بالحق، فلقد روي عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال: (ما بعث الله عزّ وجلّ نبيّاً إلاّ حسن الصوت)((1))، والرواية إنّما هي في مقام إثبات أصل حسن الصوت، وليست في مقام التمايز بين الأنبياء وغيرهم، ناهيك عن كون حسن الصوت من صفات الكمال التي ينبغي أن يتحلّى بها أولياء الله تعالى، فإنّهم الأولى بهذه النعمة والكرامة.ولم يترك أهل البيت علیهم السلام طريقاً إلى هداية الناس إلاّ سلكوه، فاستعملوا كلّ السبل في الدعوة إلى الله تعالى، كما استعملوا ما أعطاهم الله تعالى من قدرات وسخّروها في إيصال الحقّ للبشر، وكلّ ما يُقرِّب الناس للطاعة ويُبعدهم عن المعصية ما دام إلى ذلك من سبيل، ومن تلك القدرات ما علّمهم الله تعالى وما أقدرهم عليه من حسن الصوت المؤثِّر بشكل غريب وعجيب على الناس حتّى وجدناهم يقفون مذهولين أمام ما يسمعونه من تلاوتهم علیهم السلام للقرآن الكريم فيتهافتون إلى الاستماع إليهم وهم يتلون آيات الذكر الحكيم.
1) الكافي للشيخ الكليني ج2 ص616.
فلقد روي أنّ السقائين كانوا يمرّون على منزل الإمام زين العابدين علیه السلام فيسمعون تلاوته للقرآن الكريم، فيقفون عنده مستمعين خاشعين متأثرين تاركين عملهم ودنياهم ومشتغلين بالتّدبّر والتّأمّل والإنصات إلى آيٍ من الذكر الحكيم.
فروي عن الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام أنّه قال: (كان علي بن الحسين علیه السلام أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان السقاؤون يمرون فيقفون ببابه يستمعون((1)) قراءته)((2)).
وكم من ترتيل لكتاب الله تعالى كان لهم في جُنح الليل يحيون به لياليهم التي لا ينفكون فيها عن أعظم الطاعات والعبادات والقربات، كيف! وقد أمرهم الله تعالى بترتيل القرآن فقال: {...وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}((3))، ومن هنا كانوا يقرؤون القرآن ويرتلونه ترتيلاً امتثالاً لباريهم، فيجتمع الناس حول بيوتهم مستمعين خاشعين، وهم ينصتون إلى آي الذكر الحكيم بصوت حجج الله تعالى على الخلق أجمعين.فروي عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال - في حديث -:( إن علي بن الحسين علیه السلام كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان يرفع صوته حتى
يسمعه أهل الدار. وإنَّ أبا جعفر علیه السلام كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن وكان إذا قام من الليل وقرأ رفع صوته فيمرّ به مارّ الطريق من الساقين((1)) وغيرهم فيقومون فيستمعون إلى قراءته)((2)).
بل إنّهم علیهم السلام قد أخضعوا العتاة والمردة، وقادوهم إلى الاستماع إلى قول الله تعالى بحسن صوتهم، فقد كان مشركو مكّة - بل عتاتها ومردتها - يتسللون ليلاً إلى مقربة من بيت النبي صلی الله علیه و آله حتّى يستمعوا إليه صلی الله علیه و آله وهو يتلو آيات الذكر الحكيم، ولم يتمكّنوا أبداً من ترك الاستماع إلى النبي صلی الله علیه و آله ، فكانوا تارة يُقاومون بوضع أصابعهم في آذانهم كي لا يسمعوا، وتارة لا يجدون أنفسهم إلاّ منقادين إلى ذلك الصوت على إيقاع تلك الحروف الإلهيّة، وقالوا عن النبي صلی الله علیه و آله إنّه لساحر، لأنّهم وجدوا أنّ صوته يشدُّهم إليه ويُرغمهم على استماعه - كما كان يؤثِّر عليهم بأمور أخرى-، فكأنّما سُحروا فأخذوا يتصرفون من دون إرادة لكون جاذبية صوته صلی الله علیه و آله هي قوّة لم يُمكنهم مُقاومتها حتّى من أمثال أبي جهل، رأس الشرك والفتنة، فروي عن مولانا وسيدنا جعفر بن محمد الصادق ’ أنّه قال: (إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله كان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، فإذا قام من
الليل يصلي جاء أبو جهل والمشركون يستمعون قراءته...)((1)).
هذا كلّه والمعصوم علیه السلام لا يقرأ القرآن بصوته، وإنّما يقرأ على قدر احتمال الناس، كما سنوافيك بذلك في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى.
1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج18 ص238، عن تفسير فرات الكوفي ص85.
الحديث عن عدم احتمال الناس لأصوات المعصومين علیهم السلام يحتاج إلى أن نمهِّد له بمقدمة في أنَّهم علیهم السلام لا يُخاطِبون الناس إلاّ بقدر عقولها فنقول:
إنّ أهل البيت علیهم السلام إنّما خاطبوا الناس على قدر عقولها، فلم يُخاطبوا الناس بكُنه عقولهم، وإلاّ لما فهم الناس شيئاً، أو لا يحتملون تلك المعاني فيفهمون منها معاني خاطئة تقودهم إلى الضلال لا إلى الهدى، أو تقودهم إلى الإنكار والكفر.
فروي عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال: (ما كلّم رسول الله صلی الله علیه و آله العباد بكُنه عقله قط، وقال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله : إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم)((1)).
1) الكافي للشيخ الكليني ج1 ص23 وذكر مثله في ج8 ص268. وفي هذا المضمون وردت الروايات من طرقنا كما في مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص154، والمحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص 200، وأمالي الشيخ الصدوق ص504 وغيرها، كما رواها العامة من طرقهم فراجع ما قاله العجلوني في كشف الخفاء ج 1 ص196 – 197، فإنّه جمع من روى هذه الرواية، كما ذكر ما يؤيِّدها من الأحاديث الأخرى.
وليس معنى هذا أنّهم علیهم السلام قد خاطبوا الناس على مستوى أدنى الناس، فإنّ هذا لا ينفع أهل العقول النيرة، وإنّما المراد أنّهم علیهم السلام يكلِّمون الناس بكلام له ظاهر معروف للعامّة، وله إشارات يختصّ بها ذوو العقول من الخاصّة، ويتفاوتون في مقدار الالتفات إلى تلك الإشارات، وكلّها لاتنافي ذلك الظاهر المعروف.
ولتوضيح الأمر نأخذ مِثالاً قرآنيّاً سهلاً وآخر حديثياً بسيطاً:
قال تعالى: {...وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ...}((1))
الفهم الظاهر المعروف للآية المباركة أنّ الوضوء يجب فيه مسح الرأس، ولكنّه يأتي عالم متعلّم من علوم أهل البيت علیهم السلام فيقول: إنّنا نستفيد من الآية وجوب مسح بعض الرأس لا كلّ الرأس، لأنّ الباء هنا بمعنى بعض، فيكون معنى الآية: امسحوا بعض رؤوسكم.
ويأتي عالم آخر ويقول: إنّنا نستفيد من الآية أنّ المسح يُشترط فيه المباشرة من قبل المتوضئ نفسه، لأنّ الله تعالى لم يقل: امسحوا الرؤوس، بل قال: برؤوسكم؛ أي أنتم، فلا يكفي أن يمسح شخص رأس آخر، وهذا
1) سورة المائدة من الآية (6).
ما يُعبِّر عنه الفقهاء باشتراط المباشرة.
كما يأتي عالم أيضاً ويقول: إنّني أستفيد من الآية المباركة أنّ المسح لا يصحّ على الشعر الطويل الممدود، لأنّ ذلك يصدق عليه أنّه مسح على شعر الرأس، ولا يصدق عليه أنّه مسح للرأس.
وغير ذلك مما يَفهمه العلماء من كلِّ اسم أو فعل أو حرف ومن كلِّ تقديم أو تأخير، ومن كلِّ إظهار أو إضمار وغير ذلك مما هو موكول إلى محلّه.
روي أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله قال لفاطمة علیها السلام: (إن الله يغضب لغضبكِ، ويرضى لرضاكِ)((1)).والمعنى الظاهر العام لهذا الحديث الشريف هو أنّ الزهراء علیها السلام متى كانت راضية عن فعل أو شخص فإنّ الله تعالى يكون راضياً عن ذلك
1) الغدير للشيخ الأميني ج3 ص 20، عن مستدرك الحاكم ج3 ص154 وصحَّحه، ذخائر العقبى ص39، تذكرة السبط ص175، مقتل الخوارزمي ج1 ص52، كفاية الطالب ص219، شرح المواهب للزرقاني ج3 ص202، كنوز الدقائق للمناوي ص30، أخبار الدول للقرماني هامش الكامل ج1 ص185، كنز العمال ج7 ص111 عن الحاكم وابن النجار، تهذيب التهذيب ج12 ص443، الإصابة ج4 ص378، الصواعق ص105، الإسعاف ص171 عن الطبراني، ينابيع المودة ص173.
الفعل أو الشخص، ومتى غضبت فاطمة علیها السلام من عمل أو شخص فإنّ الله تعالى يكون غاضباً على ذلك.
ولكن يأتي العالم فيقول: إنّني أستفيد من هذا الحديث الشريف عموم علم فاطمة علیها السلام لكلّ حسن ولكلّ قبيح بلا استثناء لشيء، لأنّه حتَّى يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها لابُدّ أن تكون على حقّ في كلِّ غضب ورضى، ولا تكون كذلك إلاّ أن تكون عالمة واعية محيطة بكلِّ مواطن غضب الله تعالى وبكلِّ مواطن رضاه عزّ وجلّ، فدلّ الحديث على عموم علمها وإحاطة فهمها لكلِّ حسن وكلِّ قبيح.
ويأتي عالم آخر ويقول: إنّني أستفيد من هذا الحديث الشريف أنّها علیها السلام هي وجه الله تعالى.
والقول بأنّ الزهراء علیها السلام هي وجه الله تعالى لا إشكال في أنّه يُراد منه معنى مجازي؛ لأنّ الله تعالى منزّه عن الجسم والجسمانيّات، و {...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}((1)).
ووجه الاستدلال بالحديث الشريف على أنّها وجه الله تعالى كما يلي:
إنّ الغضب والرضا من الحالات المعروفة التي إذا طرأت على الإنسان فإنّك تعرف غضبه من رضاه في وجهه، فيكون الوجه هو الكاشف عن الرضا أو الغضب، فوجه فاطمة علیها السلام كما يكشف عن رضاها وغضبها فإنّه
1) سورة الشورى من الآية (11).
أيضاً يكون كاشفاً عن رضا الله تعالى وغضبه، كما دلّ الحديث الشريف على ذلك.
فمعنى أنّها وجه الله تعالى؛ أنّه يُعلم رضا الله وغضبه من خلال وجه فاطمة علیها السلام فهي وجه الله تعالى الذي يُعرف من خلاله رضاه تعالى وغضبه.
وليس معنى الوجه مقتصراً على هذا الحدّ، فإنّ المراد من أنّ المعصومين علیهم السلام هم وجه الله؛ أنّهم الباب الذي منه يؤتى وإليه يتوجّه الأولياء إلى الله تعالى، فمن أراد معرفة رضا الله وطاعته ومحبّته وكلّ ما يُراد من الله تعالى فعليه أن يتوجّه نحو أولياء الله تعالى، ففي زيارة أمير المؤمنين علیه السلام: (أشهد أنّك طهر طاهر مطهّر، من طهر طاهر مطهّر، وأشهد لك يا وليّ الله ووليّ رسوله بالبلاغ والأداء، وأشهد أنك جنب الله، وأنّك باب الله، وأنّك وجه الله الذي منه يؤتى، وأنّك سبيل الله، وأنّك عبد الله وأخو رسوله)((1)).
والروايات - من طرقنا - التي تنصّ على أنّهم علیهم السلام وجه الله أكثر من أن تُحصى.
ويأتي عالم أيضاً ويقول: إنّني أستفيد من الحديث الشريف عصمة الزهراء الكبرى، فإنّ إطلاق الحديث بأنّ الله تعالى يرضى لرضاها ويغضب لغضبها من دون تقييد بشيء لا يكون إلاّ مع عصمتها علیها السلام، لأنّ الله تعالى
1) كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه ص101.
حتّى يغضب لغضبها ويرضى لرضاها دائماً لا بُدّ أن تكون صائبة ومُحقّة في كلِّ رضا وغضب، ولا تكون مُصيبة وعلى حق دائماً إلاّ إذا كانت معصومة.
وغير ذلك مما يستفيده العلماء الأعلام من كلمات المعصومين علیهم السلام .
إنّ المعصومين علیهم السلام قد خاطبوا الناس على قدر عقول الناس لا علىقدر عقولهم، ومن هنا نستنتج أنّ كلّ ما ورد عنهم علیهم السلام من كلام - مع عظمته - إنّما يحكي عقول الناس، ولا يحكي عقولهم علیهم السلام ، فكلامهم استوعب خطاب كلّ البشر على اختلاف مستوياتهم العقلية والعلمية والثقافية، ومع ذلك لم يتكلّموا بكُنه عقولهم علیهم السلام .
وكما أنّهم علیهم السلام لم يُخاطبوا الناس إلاّ على قدر احتمالهم، فكذلك لم يفعلوا الأفعال أمام الناس إلاّ بقدر احتمال الناس، خوفاً من وقوع الناس في الفتنة، أو عدم فهم الناس لجهة فعلهم علیهم السلام ، أو خوفاً من أن يُصعق الناس من عجيب أفعالهم علیهم السلام .
ومن أفعالهم ما يُحدثونه من صوت سواء كان مقترناً بالكلمات والحروف، أم كان مجرَّداً عن ذلك.
وأهل البيت علیهم السلام كانوا يقرؤون القرآن الكريم تارة بصوت يسمعه الناس فيحتملونه ويأنسون به وينجذبون إليه، كما مرّ عليك في الفصل
السابق.
ويقرؤون القرآن تارة أخرى بصوت يُصعق السامع، فروي عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام أنّه قال: (إنَّ عليّ بن الحسين ’ كان يقرأ فربما مرّ به المار فصعق من حسن صوته...)((1)).
قال المولي محمد صالح المازندراني في شرح هذا الحديث الشريف:
(قوله: (إنّ عليّ بن الحسين علیه السلام كان يقرأ القرآن فربما مرّ به المار فصعق) أي غشي عليه أو صاح صيحة شديدة، وسرّ ذلك أن الأصوات الطيبة والألحان الموزونة والنغمات المناسبة لها مدخلعظيم في نشاط النفس وفرح الروح، ولها تأثير عظيم، فمنها ما يُفرح، ومنها ما يُحزن، ومنها ما يُندم، ومنها ما يُضحك، ومنها ما يُبكي، ومنها ما يُصعق، ومنها ما يزعج القلب إلى الحق ويحرِّكه من بلاد الغربة إلى الوطن الأصلي. ويختلف الانزعاج بالنسبة إلى الأشخاص بحسب قوة الاستعداد وضعفه، فلا استحالة عقلاً أن يوجب الصعقة وغيرها) ((2)).
ولكنهم علیهم السلام لا يقرؤون القرآن بأصواتهم الحقيقية وإلاّ لمَا احتمل
الناس ذلك، لأنّ حُسن صوتهم فوق احتمال البشر، فلو أبدوا أصواتهم الحقيقية لذهبت عقول الناس أو ماتوا، فروى علي بن محمد (النوفلي) عن أبي الحسن علیه السلام قال: (ذكرت الصوت عنده فقال: إنّ عليّ بن الحسين ’ كان يقرأ فربما مرَّ به المارّ فصعق من حسن صوته، وإنّ الإمام لو أظهر من ذلك شيئاً لما احتمله الناس من حسنه. قلت: ولم يكن رسول الله صلی الله علیه و آله يصلي بالنَّاس ويرفع صوته بالقرآن؟ فقال: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله كان يحمل الناس من خلفه ما يطيقون)((1)).
فلو أراد حجج الله تعالى أن يُصعقوا أحداً من الناس أو يُذهبوا بعقله أو يُردوه صريعاً لفعلوا ذلك بمجرّد ما وهبهم الله تعالى من حُسن الصوت، فالصوت عندهم قدرة وقوّة يستطيعون به فعل الشيء الكثير والأمر العظيم.
1) تقدّم تخريج الحديث في الصفحة السابقة.
المتعارف أنّ الصوت كلّما كان أشدّ كان مداه أطول، فإذا كان صوت بقوّة معيّنة يصل إلى مدى خمسين متراً فنحتاج إلى قوّة مضاعفة كي يصل الصوت إلى مدى المائة متر مثلاً، ولكن لو ضاعفنا المسافة كثيراً لاحتجنا إلى صوت يصمّ آذان القريب ويُفجِّر طبلة أذنه.
ولكنّ ما نسميه الصوت المعجز يصل إلى القريب والبعيد دون أن يُحدث عند القريب أيّ ضرر سمعي وغيره.
وهذا من قبيل الموجات الصوتية التي تتلقاها الأجهزة الحديثة من المذياع وغيره، فإنّه لا يَفْرُقُ كثيراً حال القريب من مصدر تلك الموجات عن حال البعيد عنه.
وهذا الصوت له عدّة أمثلة، فمنها الصيحة والنداء قبل خروج قائم آل محمد وهو من العلامات الحتميّة، فإنّه يأتي النداء من السماء يسمعه كلّ الخلائق، وليس هذا عبر وسائل الإعلام الحديثة - كما قد يدّعي ذلك البعض - فإنّه وجهٌ تُنافيه الروايات التي تنصّ على أنّ تلك الصيحة (تفزع
اليقظان، وتوقظ النائم، وتخرج الفتاة من خدرها)((1)) وليس هذا شأن التلفاز بل هو الصوت المعجز الذي يصل إلى مداه البعيد وإن لم يكن بتلك الشدّة الشديدة.
ويُروى أنّ نبي الله هوداً قد صدر منه هذا النداء المعجز، فإنّ اللهتعالى أوحى إليه: (يا هود، إني أمسك عنهم المطر، فقال هود علیه السلام: يا قوم، قد وعدني ربي أن يهلككم. ومرّ صوته في الجبال، وسمع الوحش صوته والسباع والطير، فاجتمع كلّ جنس منها يبكي ويقول: يا هود، أتهلكنا مع الهالكين؟ فدعا هود ربّه تعالى في أمرها، فأوحى الله تعالى إليه: إنِّي لا أهلك من لم يعصني بذنب مَن عصاني. تعالى الله علواً كبيراً)((2)).
فصوته دوّى في الأفق حتّى أنّ السباع في بيدائها، والوحوش في غاباتها، والطير في أوكارها سمعت ذلك النداء واضحاً جليّاً، ولم يكن بتلك الشدّة بحيث أنّه أصمّ آذان مَن كان على مقربة منه.
روي عن مولانا الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: (ولمّا فرغ إبراهيم من بناء
البيت أمره الله أن يؤذِّن في الناس بالحج فقال: يا ربّ وما يبلغ صوتي؟ فقال الله: أذِّن، عليك الأذان وعليّ البلاغ، وارتفع على المقام وهو يومئذ ملصق بالبيت فارتفع المقام حتى كان أطول من الجبال، فنادى وأدخل إصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه شرقاً وغرباً يقول: أيُّها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم، فأجابوه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلِّها، ومن أصلاب الرجال وأرحام النساء بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، أوَلا ترونهم يأتون يلبُّون، فمن حجّ من يومئذ إلى يوم القيامة فهم ممن استجاب لله وذلك قوله: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ...}((1)))((2)).وري عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: (لمّا أُمر إبراهيم وإسماعيل ’ ببناء البيت وتمّ بناؤه قعد إبراهيم علیه السلام على ركن ثُمَّ نادى: هلمّ الحج، فلو نادى هلمّوا إلى الحج فلم يحج إلا من كان يومئذ إنسيّاً مخلوقاً، ولكن نادى هلم هلم الحج الحج، فلبّى الناس في أصلاب الرجال لبيك داعي الله، لبيك داعي الله، فمن لبّى عشراً حجّ عشراً، ومن لبّى خمساً حجّ خمساً، ومن لبّى أكثر فبعدد ذلك، ومن لبّى واحدة حجّ واحدة، ومن لم
يلبِّ لم يحجّ)((1)).
وعن الإمام الباقر علیه السلام قال: (إنّ الله جلّ جلاله لمّا أمر إبراهيم علیه السلام ينادي في الناس بالحج قام على المقام فارتفع به حتى صار بإزاء أبي قبيس فنادى في الناس بالحج، فأسمع مَنْ في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى أن تقوم الساعة)((2)).
إنّه الصوت المعجز الذي يصل إلى مداه البعيد ولا يؤثِّر على القريب، فإنّ مَن كان قريباً من النبي إبراهيم علیه السلام لم يتأذى من قوّة الصوت، ووصل صوته إلى النائي عنه في شرق الأرض وغربها، ومن كان وراء البحار.
بل هو الواصل إلى مَنْ في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأثره باقٍ إلى أن تقوم الساعة.
وكذا روي في عدّة روايات للعامّة فمنها ما صححه الحاكم في مستدركه فإنّه روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنّه قال: (لمّا فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: ربِّ قد فرغت، فقال: أذِّن في الناس بالحج، قال: ربِّ وما يبلغ صوتي، قال: أذِّن وعليَّ البلاغ، قال: ربِّ كيف أقول؟ قال: قل يا أيُّها الناس كتب عليكم الحج، حجّ البيت العتيق. فسمعه من بين السماء
والأرض ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبُّون)((1)).
وقال بعد إيراد الحديث: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)((2)).
وروي مثال آخر عن أمير المؤمنين علیه السلام حيث نادى بأمر النبي محمد صلی الله علیه و آله فاستجاب له كلّ شجر ومدر وثرى كما استجاب لندائه الناس، فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام قال: (دعاني رسول الله صلی الله علیه و آله فوجّهني إلى اليمن لأصلح بينهم، فقلت: يا رسول الله إنّهم قوم كثير، ولهم سنٌ وأنا شابّ حدث، فقال: يا علي إذا صرت بأعلى عقبة فيق فناد بأعلى صوتك يا شجر، يا مدر، يا ثرى، محمد رسول الله صلی الله علیه و آله يقرؤكم السلام.
قال: فذهبت فلمّا صرت بأعلى عقبة فيق أشرفت على أهل اليمن فإذا هم بأسرهم مقبلون نحوي، مشرعون أسنتهم، متنكبون قسيّهم، شاهرون
1) المستدرك للحاكم النيسابوري ج2 ص388.
2) راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج5 ص176، وفتح الباري لابن حجر ج3 ص325، وجامع البيان لابن جرير الطبري ج17 ص189، وتفسير الثعلبي ج7 ص18، وزاد المسير لابن الجوزي ج5 ص290، وتفسير الرازي ج23 ص27، وتفسير القرطبي ج12 ص38، والدر المنثور للسيوطي ج4 ص354، وفتح القدير للشوكاني ج3 ص448، وتفسير الآلوسي ج17 ص143، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج6 ص205، وتاريخ الطبري ج1 ص182، والكامل في التاريخ لابن الأثير ج1 ص107، والسيرة الحلبية ج1 ص258، وغيرهم الكثير.
سلاحهم. فناديت بأعلى صوتي: يا شجر، يا مدر، يا ثرى، محمد رسول الله صلی الله علیه و آله يقرؤكم السلام. قال: فلم تبق شجرة ولا مدرة ولا ثرى إلاّ ارتجت بصوت واحد وعلى محمد رسول الله صلی الله علیه و آله وعليك السلام، فاضطربت قوايم القوم، وارتعدت ركبهم، ووقع السلاح من بين أيديهم،وأقبلوا إليّ مسرعين، فأصلحت بينهم وانصرفت)((1)).
فإنّ القوم المتخاصمين ليسوا عدداً يسيراً، لأنّ الخلاف بين الأفراد القليلة يحصل في كلِّ وقت ولا يكون هناك داع إلى بعث المصلح كي يقطع تلك المسافات الطويلة من أجل الإصلاح بين شخصين مُختلفين أو أكثر، بل لابُدّ أن يكون هناك جماعة تُشكِّل قوماً، ومما يدلّ على ذلك ما في صدر الرواية من التعبير (إنّهم قوم كثير) بل تقييد القوم بالكثير يُنبئك عن كثرتهم الكثيرة.
والإعجاز أيضاً في ما فعلته الصيحة في نفوس القوم حتّى اضطربت
1) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص521 وص523، ومختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص13. والأمالي للشيخ الصدوق ص293، وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ص116، والثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص68، والخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج2 ص492، ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج2 ص153، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج7 ص62، وتاريخ جرجان لحمزة بن يوسف السهمي ص387، وقصص الأنبياء للراوندي ص284.
قوايمهم، وارتعدت ركبهم، ووقع السلاح من بين أيديهم.
وفي واقعة الغدير يجتمع مائة ألف أو يزيدون((1)) ويستظلون بظلّ تلك الأشجار التي لم تكن متقاربة متشابكة، ويقوم النبي صلی الله علیه و آله خطيباً فيهممعلناً تأكيده على ولاية أمير المؤمنين علیه السلام، ويسمعه كلّ مَن حضر ذلك الموقف الرهيب، فنصّ الرواة أنّه (ما كان في الدوحات((2)) أحد إلاّ وقد رآه بعينيه وسمعه بأذنيه)((3)).
وما ذلك إلاّ لأنّه صلی الله علیه و آله قد وهبه الله تعالى القدرة على إيصال الصوت
1) الشيخ الأميني في غديره ج1 ص9: (وقد يقال: خرج معه تسعون ألف، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، وقيل: مائة ألف وعشرون ألفاً، وقيل: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، ويقال أكثر من ذلك، وهذه عدة من خرج معه، وأما الذين حجوا معه فأكثر من ذلك كالمقيمين بمكة والذين أتوا من اليمن مع علي (أمير المؤمنين) وأبي موسى). راجع السيرة الحلبية ج3 ص283، سيرة أحمد زيني دحلان ج3 ص3، تاريخ الخلفاء لابن الجوزي في الجزء الرابع، تذكرة خواص الأمة ص18، دائرة المعارف لفريد وجدي ج3 ص542.
2) الدوحات: الأشجار الكبيرة.
3) راجع كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص234، وص237. وخلاصة عبقات الأنوار للسيد حامد النقوي ج1 ص134، وص137، وص 145. وغيرهما من المصادر الكثيرة.
إلى ما شاء من الكائنات، كما يدلّ على معرفته التامّة بالصوت وكلِّ ما يتعلّق به.
حديث السلسلة الذهبية من الأحاديث المشهورة المعروفة عند المؤمنين، وهنا أردنا إيراد الرواية من كتب العامّة.
فرووا أنّ الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام عندما كان ذاهباً إلى طوس مرّ بنيسابور، ولمّا دخلها (كان في قبّة مستورة على بغلة شهباء، وقد شقّ بها السوق، فعرض له الإمامان الحافظان أبو زرعة((1)) وابن أسلم الطوسي((2)) ومعهما من أهل العلم والحديث مَن لا يُحصى، فقالا: أيُّها السيّد الجليل ابن السادة الأئمة، بحقِّ آبائك الأطهرين وأسلافك الأكرمين إلاّ ما أريتنا وجهك الميمون، ورويت لنا حديثاً عنآبائك عن جدِّك نذكرك به، فاستوقف غلمانه وأمر بكشف المظلة، وأقرّ عيون الخلايق برؤية طلعته،
1) هو أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ المخزومي بالولاء الرازي، من أئمة الحديث، زار بغداد وحدّث بها وكان يحفظ مائة ألف حديث، توفي بالري سنة (264 ه-). انظر تذكرة الحفاظ: 2 / 124، تاريخ بغداد: 10 / 326، الأعلام للزرگلي: 4 / 350.
2) هو أبو الحسن محمد بن أسلم بن يزيد الكندي، مولاهم الطوسي، من حفاظ الحديث المشهورين، وقد اشتهر بالصلاح، توفي سنة (242 ه-). انظر تذكرة الحفاظ: 2 / 103، حلية الأولياء: 9 / 238، شذرات الذهب: 2 / 100.
فكانت له ذوابتان متدليتان على عاتقه، والنّاس قيام على طبقاتهم ينظرون ما بين باك وصارخ ومتمرِّغ في التراب ومقبِّل حافر بغلته، وعلا الضجيج، فصاحت الأئمة الأعلام: معاشر الناس، انصتوا واسمعوا ما ينفعكم، ولا تؤذونا بصراخكم.
وكان المستملي((1)) أبو زرعة والطوسي.
فقال الرضا علیه السلام: حدثني أبي موسى الكاظم، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمد الباقر، عن أبيه علي زين العابدين، عن أبيه شهيد كربلاء، عن أبيه علي المرتضى، قال: حدّثني حبيبي وقرّة عيني رسول الله |، قال: حدّثني جبريل، قال: حدّثني ربّ العزّة سبحانه يقول: كلمة لا إله إلاّ الله حصني فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي. ثمّ أرخى الستر على القبّة وسار.
فعُدّ أهل المحابر والذرى الذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألفاً)((2)).
1) المستملي: هو الطالب لإملاء الحديث من قبل الإمام الرضا علیه السلام,
2) العبد الرؤف المناوي في (شرح الجامع الصغير) (ص410 مخطوط) عن تاريخ نيسابور للحاكم. وابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) (ص235 ط الغري) رواه عن محمد بن أبي سعيد بن عبد الكريم الوزان عن كتاب (تاريخ نيشابور). وأحمد بن يوسف الدمشقي القرماني في كتابه (أخبار الدول وآثار الأول) (ص115 ط بغداد) عن (تاريخ نيشابور). والبدخشي في (مفتاح النجا) (ص179 مخطوط). والشبلنجي في (نور الأبصار) (ص143 ط مصر). وابن حجر في (الصواعق) (ص122 ط البابي بحلب). وعنهم شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج12 ص387. كما نقله علماؤنا الأبرار كثيراً في كتبهم.
وكان يحيى بن الحسن الحسني يقول في إسناد صحيفة الرضا علیه السلام:لو قرء هذا الإسناد على أذن مجنون لأفاق((1)).
فالإمام الرضا علیه السلام يُحدِّث بالحديث فيسمعه ما يزيد على المائة ألف على أقلِّ تقدير، فإنّ عدد أهل المحابر الذين يكتبون الحديث كانوا يزيدون على العشرين ألف حتّى قيل أنّ عددهم أربعة وعشرون ألفاً، أمّا الذين كانوا حاضرين ولا يكتبون فعددهم لا إشكال أضعاف الذين يكتبون، لعلمنا بأنّ الذين يعرفون الكتابة ويمتلكون أدواتها ويهتمّون بكتابة الأحاديث - في تلك الأزمان- هم قليلون جدّاً بالقياس إلى غيرهم فلا غرابة في أن يزيدوا على المائة ألف.
فالإمام علیه السلام أسمعهم جميعاً، ودوّنوا ما قاله، ولا إشكال أنّه لم يكن في مقام يقتضي الصراخ، بل كان يتكلّم بالكلام العادي، ومع ذلك أسمع
1) الزمخشري في (ربيع الأبرار) (ص453 مخطوط). وسبط ابن الجوزي في (التذكرة) (ص361 ط الغري) عن عبد الله بن أحمد المقدسي في كتاب (أنساب القرشيين). وابن حجر في (الصواعق) (ص122 ط البابي بحلب) قال: قال أحمد: لو قرئت هذا الإسناد على مجنون لبرء من جنته. وغيرهم الكثير، وعنهم شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي ج12 ص387.
هذا الجمع الغفير، ولو فرضنا أنّ ذلك تمّ بالصراخ فإنّ وصول الصوت إلى ذلك العدد الكثير يحتاج إلى الصوت المعجز أيضاً.
المتتبِّع لروايات أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام يجد أنّهم يعرفون جميع اللغات، وكيف لا يكونون كذلك وهم عيبة علم الله تعالى وخزانة أسراره، وهم السابقون بالخيرات الذين ورثوا الكتاب المبين.
قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا...}((1)).
والكتاب المبين قال الله تعالى عنه:
{...وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}((2)).
{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ
وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}((1))
{وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}((2)).
{...عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}((3)).
ولقد خاطبوا الناس بلغاتهم، لأنّ الله تعالى كرّمهم بهذه المعرفة من أجل كمالهم وعلوِّ قدرهم، كما أنّ معرفتهم باللغات مما يُسهِّل لهمإيصال المعارف والهداية إلى الخلق بِلُغاتهم من دون توسّط مُترجم يُترجم ما يُريدون قوله للناس.
وما يدلّ على معرفتهم باللغات أدلّة كثيرة ومتنوعة يعرفها أهل البصائر والقلوب النيرة بنور الإيمان، ومن تلك الأدلّة الوقائع والأحداث التي تمّ تسجيلها، والروايات التي تنصّ على ذلك كثيرة جدّاً حتّى عقد علماؤنا الأعلام لذلك أبواباً في كتبهم((4)
وأمّا بحار الأنوار للعلامة المجلسي فقد أورد في ج26 صفحة 180 (باب: في أن عندهم صلوات الله عليهم كتب الأنبياء علیهم السلام يقرؤونها على اختلاف لغاتها)، وذكر فيه 27 حديثاً. وفي صفحة 190 ذكر (باب: أنّهم علیهم السلام يعلمون جميع الألسن واللغات ويتكلمون بها) وأورد فيه سبعة أحاديث فقط إلاّ أنّه قال بعدها: (وأقول: سيأتي كثير من أخبار هذا الباب في تضاعيف معجزات الأئمة علیهم السلام إن شاء الله تعالى).
وأمّا الكافي للشيخ الكليني فقد أورد في ج1 ص227 باباً في (أنّ الأئمة علیهم السلام عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عزّ وجلّ وأنّهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها) ونقل فيه حديثين، كما أورد في ص394 باباً في أنّ الجنّ يأتيهم فيسألونهم عن معالم دينهم ويتوجهون في أمورهم) ونقل فيه ستة أحاديث.
وكذا فعل غيرهم من العلماء الأعلام.
) حتّى قال العلامة المجلسي رحمة الله علیه: (أمّا1) سورة يونس الآية (61).
2) سورة النمل الآية (75).
3) سورة سبأ من الآية (3).
4) ففي بصائر الدرجات ذكر في صفحة 353 (باب في الأئمة علیهم السلام أنَّهم يتكلّمون الألسن كلّها). وأورد فيه 15 حديثاً. وفي صفحة 357 ذكر (باب في الأئمة علیهم السلام أنّهم يعرفون الألسن كلها) وذكر فيه سبعة أحاديث. وفي صفحة 360 ذكر (باب في الأئمة علیهم السلام أنَّهم يقرؤون الكتب التي نزلت على الأنبياء باختلاف ألسنتهم التوراة والإنجيل وغير ذلك). وذكر فيه ثلاثة أحاديث.
كونهم عالمين باللغات فالأخبار فيه قريبة من حدِّ التواتر، وبانضمام الأخبار العامة لا يبقى فيه مجال شك)((1)).
أي أنّ الروايات بالغة حدّاً فوق الاستفاضة، وإذا انضمّ إليها الأخبار العامّة الدالّة على عموم علمهم علیهم السلام فلا يبقى الشكّ بل يحصل اليقين الجازم.وسنذكر من تلك الروايات شيئاً يسيراً تبرُّكاً بذكر فضائلهم، ولا يسعنا ذكر الكثير لأنّه خروج عن موضوعنا الأصلي.
1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج26 ص193.
ولقد مرّ عليك أيُّها القارئ العزيز في فصل (الصوت وسبيل الدعوة إلى الله تعالى) أنهم علیهم السلام كانوا يتكلّمون بالعبرانية والسريانيّة.
وروي عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال: (إن الحسن علیه السلام قال: إنّ لله مدينتين إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب، عليهما سور من حديد، وعلى كلِّ واحد منهما ألف ألف مصراع، وفيها سبعون ألف ألف لغة، يتكلم [أهل] كلّ لغة بخلاف لغة صاحبها، وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما، وما عليهما حجّة غيري وغير الحسين أخي)((1)).
وعن علي بن مهزيار قال: (أرسلت إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام غلامي وكان صقلابيا((2))، فرجع الغلام إليَّ متعجباً، فقلت له: ما لك يا بني؟ قال: وكيف لا أتعجب؟! ما زال يكلِّمني بالصقلابية كأنّه واحد منّا...)((3)).
وعن عمّار بن موسى الساباطي قال: (قال لي [ أبو عبد الله علیه السلام: يا عمّار ] أبو مسلم فظلله وكساه وكسيحه بساطورا. قال: فقلت له: ما رأيت نبطيّاً أفصح منك بالنبطية، فقال: يا عمار، وبكلِّ لسان)((4)).
والروايات توضِّح لنا دليلاً عقليَّاً على علمهم بجميع لغات الخلق من بشر وجن، وذلك لأنّ الحكيم عندما يريد أن يُرسل رسولاً إلى قومكي يقوم بإرشادهم وتربيتهم وتعليمهم وتهذيبهم يختار مَن يعرف لغة أولئك القوم كي ينسجم معهم، ويتحدّث معهم، ويكون قريباً منهم، من دون غلط وسهو وخيانة من قبل المترجم، وإذا كان المرسِل هو الله الحكيم والقادر على كلِّ شيء، وهو اللطيف الخبير بعباده الذين تُعتبر اللغة هي وسيلة المخاطبة عندهم ويأنسون ويتأثرون بمن يعرف كلامهم دون الذي لا يفهم لغتهم فإنّه يكون بعيداً عن نفوسهم والتأثر به، فمقتضى لطف الله وحكمته أن لا يَبعث غير العارف بلغة مَن أُرسل إليه، وبما أنّ رسالة النبي محمد صلی الله علیه و آله عامّة لجميع البشر والجنّ فلا بُدّ من أن يكون القائم بتلك الرسالة والصادح بها عالماً بجميع لغات الجن والإنس.
فعن أبي الصلت الهروي قال: (كان الرضا علیه السلام يكلِّم الناس بلغاتهم، وكان - والله - أفصح الناس وأعلمهم بكلِّ لسان ولغة، فقلت له يوماً: يا ابن رسول الله، إنِّي لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها! فقال: يا أبا الصلت، أنا حجّة الله على خلقه، وما كان ليتخذ حجّة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم...)((1)).
ولا يسعنا إلاّ الاختصار هنا لأننا ذكرنا معرفتهم علیهم السلام بجميع اللغات إنّما هو من باب المقدمة والتمهيد والمناسبة لعلمهم علیهم السلام بمنطق
1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج26 ص190.
الحيوانات من طيور ووحوش وحشرات وغيرها.
والقرآن الكريم قد أوضح لنا أنّ الله تعالى قد رزق نبيّه سليمان علیه السلام وكذا داوود علیه السلام معرفة منطق الحشرات والطيور والجان، فأوضح لنا هذه الحقيقة في عدّة آيات مباركات، فبالنسبة لمعرفة منطق الحشرات نجد أنّه تعالى قال:
{حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ(18)فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَالصَّالِحِينَ(19)}((1)).
ولقد أوضح القرآن الكريم وأفصح عن معرفة نبي الله سليمان علیه السلام منطق الطير فقال تعالى:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحمْدُ لِلهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ(15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ(16)وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(17)} ((2)).
ونلاحظ في الآية أنّ سليمان علیه السلام قد عبّر بضمير الجمع فقال: {عُلِّمْنَا} مما يدلُّك على أنّه ليس الوحيد من الأنبياء الذين علِّموا منطق الطير.
كما نقل لنا القرآن الكريم الحوار الذي دار بين النبي سليمان علیه السلام وبين الهدهد، فقال تعالى:
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ(20)لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ(21)فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ(22)إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ(23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ(24)أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(25)اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(26)قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(27)اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ(28)}((1)).ولم يكن أهل البيت علیهم السلام بمنأى عن هذه المكرمة وهذه الفضيلة وتلك المعرفة، بل هي ثابتة لهم بطريق أولى، فهم سادات الأنبياء، ولقد فضّلهم
1) سورة النمل.
الله تعالى على جميع خلقه، وأعطاهم علم ما كان وما يكون وما هو كائن، كما أنّهم علیهم السلام أحاطوا بكلّ غائبة في السماء والأرض، وبكلِّ فعل تفعله العباد، وبكلِّ حبّة في ظلمات الأرض، وبكلِّ رطب ويابس، كما تقدّم ذلك في صدر هذا الفصل.
فكيف يعلم الأنبياء علیهم السلام منطق الطير مثلاً وهم لا يعرفون!!!
مضافاً إلى ذلك ما ورد في الكثير من الروايات التي تؤكِّد على معرفتهم علیهم السلام بمنطق جميع الكائنات، ولقد عقد علماؤنا لذلك أبواباً في كتبهم((1)) وصرّح بعضهم بتواتر هذه الأخبار معنى، فمن ذلك ما في مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج9 صفحة 254: (الروايات الكثيرة - المتواترة معنى - الراجعة إلى معرفة النبي والأئمة صلوات الله عليهم كلّ لغة وكلّ لسان ومنطق الطيور والحيوان).
ومن تلك الروايات - المتواترة معنى - نقتطف ما يُناسب هذا المختصر:
1) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار صفحة361 (باب في الأئمة أنهم يعرفون منطق الطير) وأورد فيه 25 حديثاً، وفي صفحة 367 (باب في الأئمة علیهم السلام أنهم يعرفون منطق البهائم ويعرفونهم ويجيبونهم إذا دعوهم) وأورد فيه 16 حديثاً، وفي صفحة 373 (باب الأئمة أنهم يعرفون منطق المسوخ ويعرفونهم) وأورد فيه حديثين. وهناك الأحاديث الكثيرة في كتب الأحاديث والفضائل وهي لا تخفى على المؤمنين.
فعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر علیه السلام قال: (كنت عنده يوماً إذ وقع زوج ورشان((1)) على الحائط وهدلا هديلهما((2)) فردّ أبو جعفر علیه السلامعليهما كلامهما ساعة، ثُمّ نهضا، فلمّا طارا على الحائط هدل الذكر على الأنثى ساعة، ثُمّ نهضا، فقلت: جعلت فداك، ما هذا الطير؟ قال: يا ابن مسلم، كلّ شيء خلقه الله من طير أو بهيمة أو شيء فيه روح فهو أسمع لنا وأطوع من ابن آدم، إنّ هذا الورشان ظن بامرأته، فحلفت له ما فعلت، فقالت: ترضى بمحمد بن علي؟ فرضيا بي، فأخبرته أنّه لها ظالم فصدّقها)((3)).
وعن أبي عبد الله علیه السلام قال: (قال أمير المؤمنين علیه السلام لابن عباس: إنّ الله علّمنا منطق الطير كما علّمه سليمان بن داود، ومنطق كلّ دابة في برٍّ أو بحر)((4)).
وروي أنّ أبا عبد الله علیه السلام قال: (إنّ سليمان بن داود قال: {عُلِّمْنَا
مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}((1)) وقد – والله - عُلِّمنا منطق الطير وعلم كلِّ شيء)((2)).
وروي عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (سمعته يقول: كان رسول الله صلی الله علیه و آله ذات يوم قاعداً في أصحابه إذ مرّ به بعير، فجاء إلى النبي صلی الله علیه و آله حتى ضرب بجرانه((3)) الأرض ورغا((4))، فقال رجلمن القوم: يا رسول الله أيسجد لك هذا الجمل؟ [ فإن سجد لك ] فنحن أحق أن نفعل ذلك، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : لا، بل اسجدوا لله، إنّ هذا الجمل جاء يشكو أربابه، وزعم أنهم أنتجوه صغيراً، واعتملوا عليه((5))، فلمّا كبر وصار عوداً((6)) كبيراً((7)) أرادوا نحره فشكا ذلك، فدخل رجل من القوم ما
1) سورة النمل من الآية 16.
2) بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص364. عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج27 ص264 وعن الاختصاص ص293. ومثله في الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج2 ص835.
3) أي برك ووضع رقبته على الأرض.
4) الرغاء: هو صوت البعير والناقة.
5) أي عملوا عليه.
6) العَود: هو المسن من الإبل، والظاهر أنّ المراد هنا: أنّه كالعود في هُزاله، لذكر (كبر) و(كبيراً) فحملها على المعنى الأوّل يقتضي التكرار للتأكيد مع عدم المقتضي لذلك.
7) أي كبرت سنّه.
شاء الله أن يدخله من الإنكار لقول رسول الله صلی الله علیه و آله فقال أبو بصير: أكان عمر؟ قال: أنت تقول ذلك.
ثُمّ قال رسول الله صلی الله علیه و آله : لو أمرت شيئاً أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ثم أنشأ أبو عبد الله علیه السلام يقول: ثلاثة من البهائم تكلّموا في عهد النبي صلی الله علیه و آله : تكلّم الجمل، وتكلّم الذئب، وتكلّمت البقرة، فأمّا الجمل فكلامه الذي سمعت منه، وأما الذئب فجاء إلى النبي صلی الله علیه و آله فشكا إليه الجوع، فدعا أصحابه فكلّمهم فيه فشحّوا، ثمّ جاء الثانية فشكا إليه، فدعاهم فشحّوا، ثم جاء الثالثة فشكا، فدعاهم فشحّوا، فدعا رسول الله صلی الله علیه و آله أصحاب الغنم فقال: افرضوا للذئب شيئاً، ثمّ أعاد عليهم الثانية فشحّوا، ثم أعاد عليهم الثالثة فشحّوا، فقال صلی الله علیه و آله للذئب: اختلس - أي خذ - ولو أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله فرض للذئب شيئاً ما زاد عليه شيئاً حتّى تقوم الساعة. أمّا البقرة فإنّها آذنت((1)) النبي صلی الله علیه و آله وكانت في نخل لبني سالم فقال: يا آل ذريح((2))، عمل نجيح((3))، صائح يصيح، بلسان عربي فصيح، بأن لا إله إلا الله رب العالمين، ومحمد رسول الله سيِّد المرسلين، وعليّ سيد الوصيينصلى الله عليهما)((4)).
وعن محمد بن مسلم قال: (كنت مع أبي جعفر علیه السلام بين مكة والمدينة وأنا أسير على حمار لي وهو على بغلة له، إذ أقبل ذئب من رأس الجبل حتى انتهى إلى أبي جعفر علیه السلام فحبس البغلة، ودنا الذئب منه حتى وضع يده على قربوس((1)) سرجه، ومدّ عنقه إلى أذنه، وأدنى أبو جعفر علیه السلام أذنه منه ساعة، ثم قال له: امض فقد فعلت، فرجع مهرولاً.
فقلت له: رأيت عجباً، قال: وتدري ما قال؟ قلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، قال: قال: يا ابن رسول الله، إن زوجتي في ذلك الجبل، وقد تعسّر عليها ولادتها، فادع الله أن يخلصها وأن لا يسلط شيئاً من نسلي على أحد من شيعتكم، فقلت: قد فعلت)((2)).
قد يُقال: كيف يُمكن مخاطبة الحشرات والبهائم والسباع وهي غير عاقلة؟
فنقول: لا يجوز التشكيك في ذلك بعد أن وردت الروايات المتواترة، وأيضاً ورد التصريح به في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كتاب الله العزيز المنزل على قلب حبيبه المصطفى محمد صلی الله علیه و آله .
ولا مجال لإعمال العقول في الوقوع بعد أن صرّح به الله تعالىوأولياؤه الطاهرون المعصومون علیهم السلام .
كما أنّ العقل لا يأبى عن ذلك ما دام الأمر في عالم الإمكان، فإنّ كلّ عاقل يُدرك أنّ بعض الحيوانات تخاطب بعضها، فالنملة مثلاً تُخبر أخواتها بوجود الطعام في مكان مُعيّن وسرعان ما يجتمع النمل في ذلك المكان، وهناك دراسات حديثة في هذا المجال، وقد يستعمل بعض المربين للحيوانات أصواتاً تُحاكي صوت الحيوان نفسه كي يطلبوا منه فعل أمرٍ مُعيّن، أو تكون لديه ردّة فعل عند سماعه لذلك الصوت، وما ذاك إلاّ لعلمهم بأنّ تلك الحيوانات لها لُغة تتخاطب بها تتناسب مع مُدركاتها.
نخلص مما تقدّم في هذا الفصل إلى أنّ أهل البيت علیهم السلام يعرفون منطق جميع الكائنات، وكلّ كائن له طريقة في خطابه، وأصوات الكائنات تختلف اختلافاً كبيراً، فمنها ما صوته منكر ومنها ما صوته غير منكر، كما أنّ بعضها صوته خافت ومنها ما يكون صوته قويّاً شديداً، فمخاطبتها وفهم كلامها يحتاج إلى معرفة بدقائق الصوت ودرجاته وكيفيّاته وأنواعه حتّى يتمكّن الإنسان من مخاطبتها ومعرفة ما تقول.
في نهاية البحث أحببت أن أجمل ما وددت قوله، وما رمت تحبيره في هذه السطور، وهو أنّ أهل بيت العصمة والطهارة علیهم السلام قد أنعم الله عليهم بمعرفة كل ما يتعلّق بالصوت، وأنّه تعالى أقدرهم على إحداث الأصوات بما لها من تأثيرات كثيرة وكبيرة، فهم القادرون - بعلمهم وقوتهم الصوتية - أن يُحدثوا الأصوات التي تؤثِّر التأثيرات المختلفة.
فوجدناهم علیهم السلام تارة يقرؤون القرآن وغيره فيبكي المستمع لما يداخله من الحزن بسبب الصوت الحزين.
وتارة يقرؤون القرآن فيُبهرون الناس بحسن صوتهم حتّى يُلجئوهم إلى استماعه والإنصات إليه.
كما أنّهم قد يقرؤون القرآن فيُصعق السامع من عظم الصوت وحلاوته وشدّة تأثيره على النفوس.
كما يقرؤون القرآن فيُلجئون حتّى العتاة والمردة لاستماعه والإنصات
إليه حتّى اعتبروه من السحر عناداً وتجبّراً وكفراً.
كما أنّهم قد يُحدثون الصوت فيوقعون الرعب والخوف في قلوب أعدائهم، وقد يصل الأمر إلى حدّ الإغماء أو الوقوع على الوجه من شدّة الخوف.
ومن ذلك كلّه نعلم أنَّ أمرهم علیهم السلام ليس مقتصراً على ذلك فكلّ ما أعطي الأنبياء والمرسلون ثابت لهم بأجمل صورة وأقوى وأكثر تأثيراً لفضلهم على جميع الخلق، وما أعطي نبيّ شيئاً إلاّ بفضلهم وكرامتهمعند الله تعالى.
كما أنّ كلّ ما ظهر من الملائكة الكرام من عظيم القدرات الصوتية لا شكّ أنّه ثابت لسادات الخلق أجمعين.
وما أوردناه حول ما ورد فيهم وعنهم من قولهم: (لا تجعلونا أرباباً، وقولوا في فضلنا ما شئتم، فإنّكم لا تبلغون كنه ما فينا، ولا نهايته)((1)). يكفي أيضاً في إثبات تلك الصفات الكمالية لهم علیهم السلام بما في ذلك قدرتهم وعلمهم بدقائق الصوت.
وكذلك كلّ ما دلّ على عموم علمهم علیهم السلام وفعليته لما كان وما يكون وما هو كائن، وغير ذلك من الأدلّة التي لا تخفى على المؤمن.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خير
1) مرّ تخريج مصادره في صدر الكتاب.
المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم المؤبّد على أعدائهم ومنكري فضائلهم من الأوّلين والآخرين.
مقدمة 3
تمهيد 6
الأول: نوع الصوت: 6
الثاني: شدّة الصوت: 7
درجات الصوت: 8
المعجزة 10
وجوه الإعجاز الصوتي: 13
الأمر الأوّل: 13
الأمر الثاني: 13
الأمر الثالث: 14
عموم قدرتهم علیهم السلام من عموم علمهم 15
الأوّل: التلازم بين العلم والقدرة في المقامات العالية. 15
المثال الأوّل: 16
المثال الثاني: 16
الثاني: عموم علم أهل البيت علیهم السلام . 17
الوجه الأوّل: قولوا في فضلنا ما شئتم 18
الوجه الثاني: أنّهم علیهم السلام فاقوا جميع الخلق. 22
الوجه الثالث: أنّ عندهم علم الحوادث كلِّها. 25
ما في الأدعية: 25
ما في الوصية لجابر الأنصاري: 27
ما في اعتراف المأمون وإقرار الإمام الرضا علیه السلام: 27
وما في بيان مقدار علمهم علیهم السلام من علم موسى والخضر’: 29
وما في بيان جوامع علمهم علیهم السلام : 29
الصيحة القاتلة 33
الصرخة المرعبة 39
غزوة بني زبيد 40
في مقبرة اليهود 42
في الهجرة إلى المدينة 44
غزوة قصر الذهب.. 45
غزوة مدينة عمان. 48
وقائع أخرى. 49
الصيحة في الشعر. 50
ما أنشده خفاف في وجه معاوية 51
الصيحة الهاشمية 54
المسيحي: بولس سلامة 55
الصوت وسبيل الدعوة إلى الله تعالى. 57
الناس لا تحتمل صوت المعصوم علیه السلام. 63
أمرنا أن نُخاطب الناس على قدر عقولها: 63
المثال القرآني: 64
المثال الحديثي: 65
نتيجة البحث: 68
الأفعال كالأقوال. 68
الصوت المعجز. 71
نبي الله هود 72
نداء نبي الله إبراهيم 72
صلح قوم من اليمن. 75
واقعة الغدير. 77
حديث السلسلة الذهبية 78
علمهم علیهم السلام بمنطق الكائنات.. 82
إشكال ودفع. 93
نتيجة البحث.. 94
الخاتمة 95
الفهرس.. 98