فاطمه الزهراء سلام الله علیها ام السبطین علیهما السلام

ghaemiyeh.com

اشارة

‏سرشناسه : طعمه سلمان‌هادي - ۱۹۳۵

‏عنوان و نام پديدآور : فاطمه‌الزهراآ عليهماالسلام ام‌السبطين عليهاالسلام سلمان‌هادي آل‌طعمه

‏مشخصات نشر : تهران محبان الحسين ع ، ۱۴۲۳ق = ۲۰۰۲م = ۱۳۸۱.

‏مشخصات ظاهري : ص ۲۱۶

‏شابك : ‎964-7373-14-7‬۶۵۰۰ريال ؛ ‎964-7373-14-7‬۶۵۰۰ريال

‏وضعيت فهرست نويسي : فهرستنويسي قبلي

‏يادداشت : عربي

‏يادداشت : كتابنامه ص ۲۱۲ - ۲۱۰؛ همچنين به‌صورت زيرنويس

‏موضوع : فاطمه زهرا(س ، ۱۳؟ قبل از هجرت - ۱۱ق -- سرگذشتنامه

‏موضوع : فاطمه زهرا(س ، ۱۳ قبل از هجرت - ۱۱ق -- شعر

‏موضوع : شعر مذهبي عربي -- قرن م‌۲۰

‏رده بندي كنگره : BP۲۷/۲‭/ط۷ف‌۲

‏رده بندي ديويي : ۲۹۷/۹۷۳

‏شماره كتابشناسي ملي : ‭م‌۸۰-۹۷۸۳

الاهداء

الي نبعة الرسالة المحمدية

الي بضعة المصطفي الأمجد

الي ام الائمة مصابيح الهدي.. التي كانت وحدها صلة الأرث النبوي

الي سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء

اهدي هذه الأضمامة العابقة بأنفاسها

[ صفحه 5]

كلمة بقلم العلامة الشيخ باقر شريف القرشي

انحناءً وتقديساً وتعظيماً أمام زهراء الرسول صلي الله عليه وآله التي احتلت عواطف أبيها وإخلاصه، فكان يقيم لها أعظم الود وخالص الولاء، فأضفي عليها ألواناً رائعة، ومهمة جداً من القداسة والتعظيم، فأناط رضاءها برضائه، وسخطها بسخطه... وأن الله تعالي يرضي لرضائها، ويسخط لسخطها ـ حسبما تواترت الأخبار عنه بذلك ـ. ولم يؤثر عن النبي صلي الله عليه وآله أنه قابل أحداً من أهل بيته وأصحابه بمثل هذا التعظيم، والتكريم سوي أخيه وابن عمه الإمام أمير المؤمنين وسبطيه «عليهم السلام».

إن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء «عليها السلام» هي أول سيدة في دنيا الإسلام رفعت بصلابة وعزم وإيمان كلمة الحق، وجاهدت في سبيل الله تعالي، كأعظم ما يكون الجهاد، فقد قاومت بشدة وعنف قادة الانقلاب الذين احتلوا مركز زوجها سيد الأوصياء الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام»

[ صفحه 6]

واقصوه عن مقامه الذي أقامه فيه رسول الله صلي الله عليه وآله، وأخذ له البيعة العامة في غدير خم، فقد أعلنت سلام الله عليها سخطها البالغ علي القوم، وجردت حكمهم من الشرعية وذلك بخطابها الرائع الذي ألقته في جامع أبيها، ولم يؤثر في ميادين المناظرات والاحتجاجات مثل خطابها الذي وضعت فيه النقاط علي الحروف، وحذرتهم من المضاعفات السيئة التي ستواجهها الأمة من جراء ما اقترفوه، كما اتخذت معهم أدق موقف وأعمق أسلوب، وذلك في وصيتها للإمام «عليه السلام» حينما أشرفت علي لقاء الله تعالي، فقد أوصته بأن لا يحضر تشييع جنازتها المقدسة أحد من الذين ظلموها وهضموها ـ علي حد تعبيرها ـ وان يواري جسدها الطاهر في غلس الليل البهيم، ويعفي موضع قبرها ليكون شاهداً علي نقمتها عليهم في جميع الأحقاب والآباد.

وعلي أي حال فالسيدة الملهمة العظيمة بضعة الرسول صلي الله عليه وآله هي التي أقامت مذهب أهل البيت «عليهم السلام»، وأسست بنيانه مع أبيها وزوجها، فسلام الله عليها فما أعظم عائدتها علي الإسلام والمسلمين.

ومن الحق أن نشيد بالجهود التي بذلها الأستاذ العلامة السيد سلمان آل طعمة في بحوثه الممتعة عن سيدة النساء، وهو جهد يقابل بالتكريم وانّا نصافحه، ونتمني له المزيد من الخدمات للإسلام. شكر الله مساعيه وبلغ أمانيه بدعاء أخيه، والسلام.

14 / محرم / 1420 هـ

النجف الأشرف

باقر شريف القرشي

[ صفحه 7]

كلمة بقلم روكس بن زائد العزيزي

ممثل الرابطة الدولية لحقوق الانسان عضو مجمع اللغة العربية الاردني ـ

طلب الي الصديق الاديب السيد سلمان هادي آل طعمة ان اقدم كتابه (فاطمة الزهراء) والزهراء قدوة لكل امرأة مسلمة ادباً وحكمة وتواضعاً. عاشت علي سمو قدرها وشرف منبتها عيشة ضنك. جرّت بالرحي حتي اثر في يدها، واستقت بالقربة حتي أَثَّر في نحرها، وكنست البيت بيدها، كانت مثالاً وقدوة في التواضع والامانة الزوجية والوفاء.

هي ام الحسن والحسين المحفوفة بالشرف وزوجة انبل الناس بعد الرسول العظيم، زوجة علي بن ابي طالب [1] اسد الاسلام وقدّيسة لم يتزوج عليها الامام علي حتي توفيت. كانت مثالاً للشرف ومكارم الاخلاق. لما توفي ابوها عليه اشرف السلام رثته قائلة: إغبرَّ آفاق السـماء وكوِّرت فالأرض من بعد النبي كئيبة شمس النهار واظلم العصران اسفاً عليه كثيـرة الرجفـان

[ صفحه 8]

فليبكه شرق البلاد وغربها وليبكه الطود العظيم وجوده يا خاتم الرسل المبارك ضوؤه ولتبكه (مضرٌ) وكل يمان والبيت ذو الاستار والاركان صلّي عليك منــزّل القرآن

ولما وقفت علي قبر النبي قالت بعد ان اخذت قبضة من تراب القبر فوضعتها علي عينيها وبكت، قالت: ماذا علي من شم تربة احمد صبت علي مصائب لو أنها ان لا يشم مدي الزمان غواليا صبّت علي الايام صرن لياليا

وقالت علي قبره «عليه السلام»: إنا فقدنـاك فقد الارض وابلها فليت قبلك كان الموت صارفنا وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب لما نعيت وحالت دونـك الكتـب

رضي الله عن تلك القدوة لكل مسلمة تريد ان تقتدي بام الحسن والحسين الخالدين وكريمة النبي العظيم سيد البشرية محمد «صلي الله عليه وآله وسلم».

روكس بن زائد العزيزي

عمان

[ صفحه 9]

فاتحة الكتاب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي نبيه الأمين سيدنا محمد بن عبد الله صلي الله عليه وعلي آله وصحبه ومن تبعهم من الصديقين الي قيام يوم الدين.

وبعد، فهذه دراسة لشخصية السيدة فاطمة الزهراء التي احبها الله ورسوله، وقد تجمع لديّ من اخبارها ما استقيته من مظان الكتب والمصادر، حيث كنت اختلس الوقت واتحين الفرص كي اوفق لرسم صورة جلية عن بضعة النبي المصطفي «صلي الله عليه وآله وسلم» عسي ان تأخذ بمجامع القلوب. واود ان احيط القارئ علماً بأني ما كنت علي استعداد تام بان أدلي بدلوي واطلق ليراعي العنان في هذا المضمار، ولا أن اخوض عباب هذا اليم المتلاطم الامواج، وما اظنه يؤدي الغرض ويوفيه حقه، لكني رأيت موضوعة الدراسة عن الزهراء من الموضوعات المهمة

[ صفحه 10]

الجديرة بالعناية والاعتبار، لا سيما انها ابنة خاتم الانبياء صلي الله عليه وآله وسلم وزوج الامام علي «عليه السلام» وام الحسنين عليهما السلام وسيدة نساء العالمين، هذا النور الساطع في الارض الذي ارشد الناس الي الاحكام الاسلامية ويستضيء بها في متاهات الحياة، فهذا كله كان جديراً بحملة الاقلام ان يقتفوا اثرها، ويحذو حذوها ويردوا موردها كيما يصلوا الي اوج الرفعة والكمال، وبذلك نكون جميعاً قد حققنا ما نرجوه من سبر سيرتها الملأي بالمعاني الانسانية المتلألئة بالفضائل الروحانية والحقائق الايمانية والبراهين الساطعة. فمن اشرف منها في طهر سيرتها وطهارة سريرتها وفي شممها وابائها واخلاصها ومكارم اخلاقها؟

في بحثنا هذا سنتعرض الي مسائل تتعلق بحياة فاطمة الزهراء بما فيها النشأة والاخلاق والميراث والزواج والبلاغة والحياة العامة، ونتعرف علي آرائها ومواقفها التي كانت تقصد بها وجه الله والحق. وسنلاحظ كيف ان هذه السيدة الطاهرة كانت تدرك بفطنة فذة وذكاء حاد اعمق المسائل السياسية واكثرها دقة وحساسية في عصرها، ونتطرق اليها بلغة بليغة تشفي غليل الفئة التي تخاطبها وتحتج بها، وتثير الفتنة التي تحتج عليها. وان الطاهرة بنت الطاهر وزوجة الطاهر وأم الطاهرين اول عربية مسلمة رفعت رايات المعارضة الطاهرة، صارخة بأعلي صوتها (هذا حق فاتبعوه وهذا باطل فاجتنبوه).

واني اذ اقدم للشباب الصاعد الطموح والمبدع زبدة علمي وحصيلة خبرتي، عسي ان تنبري هذه الاقلام لتكتب معاناتها وطموحاتها وابداعاتها لتكون حافزاً للطاقات الساكتة، مشاركة في تكوين بناء المجتمع الحديث.

[ صفحه 11]

ويمكن القول بوجه عام بانني استطعت من تحري الاخبار التي يعتمد عليها عن الزهراء ويوثق بها، جمعتها وكتبت عنها في ضوء المعطيات الجديدة، وانا لا ارجو من وراء هذه الخدمة النيرة لآل بيت النبوة سوي القبول، وعساني انال حظوة عند البضعة البتول، رزقنا الله شفاعتها يوم الفزع الاكبر، يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتي الله بقلب سليم، ومنه تعالي استمد المعونة والتوفيق والسداد، وعليه توكلت واليه انيب.

كربلاء ـ العراق

20 / محرم الحرام / 1417 هـ

سلمان هادي محمد آل طعمة

[ صفحه 12]

في بيت الرسالة

لا شك ان بيت الرسول الكريم جمع الفضائل والمكارم، وعاش فيه ابناؤه مصابيح الرحمة وائمة الهدي واعلام التقي ومنار الحق واليقين، وبذكرهم يحلو الحديث، وهم خير اهل الارض، كما قال الفرزدق: ان عُدّ اهل التقي كانوا ائمتهم لو قيل من خير اهل الارض قيل هُمُ

ومن هنا ندرك اهمية اهل البيت، هؤلاء الذين ترعرعوا في ظل الاسلام، وتشربوا مبادئه، هل فيكم من يلتفت الي قول الله تعالي في كتابه العزيز حين يقول:(اِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) [4] وهذه الآية دالة علي مشاركة الصديقة الطاهرة «عليها السلام» لهم في هذا المعني الجليل؛ اعني العصمة الثابتة للانبياء والاوصياء لانها كانت معهم تحت الكساء حين نزول الآية [4] حقيقة لا تقبل الجدل والشك لدي كثير من المفسرين والمحدثين، وقد نزلت هذه الآية

[ صفحه 13]

في شأن خمسة من المعصومين هم: النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين «عليهم السلام». واجمع علماء المسلمين انه لما نزل الوحي علي النبي محمد صلي الله عليه وآله بهذه الآية الكريمة، ضمَ الحسنين واباهما وامهما اليه، ثم غشاهم ونفسه بكسائه وبلّغهم الآية، ثم اخرج يده من تحت الكساء فأومي بها الي السماء وقال: (اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فهؤلاء هم الصفوة المنتجبة الذين فازوا برضا الله ونعيم الآخرة. مطهرون نقيات ثيابهم تجري الصلاة عليهم كلما ذكروا

قال النبي محمد صلي الله عليه وآله: مَن مات علي حب آل محمد مات علي السنة والجماعة، مات مؤمناً مستكمل الايمان. وقال صلي الله عليه وآله: من مات علي بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله.

وقال الله تعالي: (قُل لآ أَسْاَُلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَي) [4] ولما نزلت هذه الآية علي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» قال الناس: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال «صلي الله عليه وآله وسلم»: علي وفاطمة وابناهما. فأهل بيت الرسالة هم قدوة اهل الارض. والشجرة الطيبة والاسرة الطاهرة التي بنيت علي الايمان والاخلاق، قال الامام الشافعي محمد بن ادريس (رض): يا آل بيت رسول الله حبكم كفاكم من عظيم القدر انكم فرض من الله في القرآن انزله من لم يصل عليكم لا صلاة له

[ صفحه 14]

وقال آخر: رأيت ولائـي آل طـه فريضـة فما طلب المبعوث اجراً علي الهدي علي رغم اهل البعد يورثني القربي بتبليغه الا المـودة فـي القربـي

ان من الأهمية بمكان ان نعرض لأهل بيت الرسالة صلوات الله عليهم، هؤلاء الذين اوجب الله مودتهم في القرآن الكريم وفي كثير من الاحاديث النبوية الشريفة.

ويحسن بنا ان نختتم هذا الاستهلال السريع بأن اهل البيت هم خيرة الله من بريته، وهم اعلام الهدي وبحار الندي ومصابيح الدجي وليوث الوغي وفرسان الهيجا، وهم اهل جود وسخاءٍ وكرم.. انه شرف لا يدنو اليه شرف في مكارم الدنيا كلها.

[ صفحه 15]

شخصية الرسول الكريم

لعلك لا تجدني مغالياً ان قلت: ان الامة الاسلامية انجبت منقذ البشر الاعظم رسول الله محمد بن عبد الله صلي الله عليه وآله ذلك الرجل الذي تلفعت شخصيته بنور قدسي، فارتجف لها حباً قلب كل عربي صميم وقدسها لذاتها قبل ان يقدسها لنبوتها، وفزع منها رعباً قلب كل جبار عنيد لقوة الحق المتمثلة فيها. ثم مجدها لذاته حين رأي الكمال والنور الذي انار الانسانية فجاج الحياة، وفتحت للانسان مجال النظر في خلق العالم ومجال العمل لاصلاح حاله.

ما كان يكفي نبي الاسلام في ارواء غلته الاصلاحية حين قال: (ما اريد الا الاصلاح ما استطعت) وقد نشر دينه بقوة السلاح، ذلك الدين القيم الذي ترفّع عن التعصب ودعا الناس الي كلمة التوحيد. فاستطاع النبي محمد صلي الله عليه وآله ان يقلب التاريخ رأساً علي عقب، وان يكبح جماح امة اتخذت الصحراء سكناً لها، واشتهرت بالشجاعة ورباطة الجأش والاخذ بالثار واتباع آثار السلف الصالح. فمن الذي يشك ان القوة الخارقة

[ صفحه 16]

للعادة التي استطاع بها نبي الاسلام ان يقهر خصومه هي من عند الله سبحانه وتعالي، لكن خصمه راح يتمسك بأذيال الخيبة، ليغطي نقصه ويخفي عيبه، لأنه لا يرجو من هذه المخاصمة ظهور صواب وتحقيق الزام او تثبيت مرام، بل مجرد مباراة في الاستدلالات الفارغة للمباهاة او التضليل. قال الله تعالي في محكم كتابه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللّه بِغَيْرِ عِلْمٍ) [9]

ان الامة الاسلامية لم تصل الي ما تطمح وتصبو اليه الا علي تعاليم منقذ الانسانية محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» الذي تحمل ما تحمل لانقاذ البشر من هوة الجهل المقيت بعد سبات طويل، حتي استطاع ان ينشر لواء العدل ويكبح جماح الظلم والفقر ويتمم مكارم الاخلاق، وهو في خضم اعماله يضمن الخدمة العامة للناس وتقوية الروح المعنوية لديهم، حتي انهم اعجبوا بالتنظيم الاداري الذي سارت عليه البلاد آنذاك، فكان صاحب الفضل الاكبر في نشر العدل، ذلك المرسوم الذي غيّر وجه الحياة بتأسيس الدولة الاسلامية المثالية، واصبح لها نفوذ قوي وجاه كبير سيطرت علي مقاليد ادارة دفة الحكم في فترة حرجه وجعلتها مواتية لروح الدين الاسلامي الحنيف.

ان مولد المصطفي محمد صلي الله عليه وآله هو انبثاق نور الهدي والهداية والتقوي والتوحيد، كان مولده تعبيراً عن انبعاث قيم مبادئ تدعو الي الحق والصلاح والمحبة، فهو لا ينطق الا بالصدق ولا يحكم الا بالعدل والرفق. فقد ورد في الكافي للشيخ الكليني قدس الله روحه عن ابي عبد الله عليه

[ صفحه 17]

السلام: ان العبد ليصدق حتي يكتب عند الله من الصادقين. وفيه عن ابي جعفر «عليه السلام»: ان الرجل ليصدق حتي يكتبه الله صديقاً. فالرسول الكريم هو الصادق الصدوق الذي لا ينطق عن الهوي ان هو الا وحيٌ يوحي. آمنت به قريش ودعا للاسلام ونشر فضائله، ودعا الي الله متطوعاً لهذا الجهاد الشريف باذلا نفسه في اعلاء كلمة الله، وليس لليأس من سبيل الي النفوس المخلصة، وقد زاده الله بسطة في القوة والعلم، وأمده بنصره ومكنه في الارض، وكتب له العزة والمجد مادام عاملا نشيطا يرعي تلعات العلم وشؤون المسلمين في مشارق الارض ومغاربها، وعمل علي جمع كلمة المسلمين وتقوية دينهم وسلطانهم، حيث قال جل وعلا في كتابه العزيز (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه جَميِعاً وَلَا تَفَرَّقُوا) [6] . وقال: (إن تَنصُرُوا اللّه يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [7] . ففي غزوة بدر وأحد والاحزاب مواقف مشرفة للنبي الكريم ودروس لا تنسي للمسلمين والاجيال المتعاقبة، فكانت قريش تخشي من محمد وصحابته من المهاجرين والانصار. يقول الدكتور علي شلق: كان للنبي مخبرون يطلعونه علي تحركات قريش وجموعها واحلافها، لذلك فقد اخذ يتهيأ للدفاع وهو لم يبدأ حرباً في حياته، بل كان مدافعاً، فمعركة بدر كانت رداً علي ايذاء، و (أُحُد) كانت صداً لمؤامرة، وهذه (الاحزاب) معركة يقصد بها المشركون القضاء علي محمد، فماذا فعل النبي لمجابهة هذا الجيش الكبير المنظم اكثر من كل جيش عرفه من قبل؟ انها معركة وجود او لا وجود،

[ صفحه 18]

تاريخ يقابل تاريخاً، وعقيدة سامية تصادم عقيدة فاسدة. عمد اول الامر الي عقد هدنة وتحالف مع يهود يثرب وذلك لكي لا يطعنوه من وراء وهو منهمك في قتال قريش، ثم ارتد الي تحصين مواقعه، حيث اشار عليه رجل فارسي اسمه (سلمان) كان قد آمن به، ان يحفر خنادق حول المدينة، فبدأ بالحفر.

وهنا ظهرت بشائر كاد المسلمون يذهلون فرحاً [8] . عندئذ خلع النبي عمامته، وادارها حول رأس علي البطل وقبّله بين عينيه وقال ودمعتان تتدحرجان علي لحيته الكريمة: (اذهب وروح القدس يؤيدك) [9] .

ان شخصية هذا المنقذ العظيم تبهر النفوس وتأسر القلوب، فهي التي ادت رسالة الاسلام علي اكمل وجه واطاحت بقوي الظلم والطغيان والاستبداد والجهل. فياله من عبقرية خالدة لم تزل مناراً وهاجاً للشعوب التي تتطلع الي عالم افضل. فالبشرية كلها لم تنجب شخصية مثالية برزت الي العالم ودوخت ارجاء الارض وملكت به صولجان الممالك الواسعة كشخصية الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وآله، وان الرسالة التي اداها النبي العربي الكريم ما زالت السراج المنير طيلة اثني عشر قرناً، لنحو مائتي مليون من الناس، وما زالت حافلة بالعظمة والمجد وكان محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» مصلحاً دينياً ذا عقيدة راسخة، وبلغ من الكمال بهاتيك الدعوة العظيمة التي جعلته من اسطع انوار الانسانية، عرّف للناس اطوار حياتها بدقائقها.

[ صفحه 19]

زواج النبي

تزاحمت سراة قريش واعيانها علي طلب يد خديجة بنت خويلد والتقرب اليلها. ولم يجهل الرسول الكريم محمد صلي الله عليها وآله وسلم حقيقة واقع المرأة وميزانها، فأختيارٌ للسيدة خديجة اختيار جد مناسب، وذلك لما جبلت عليها من مكارم في الاخلاق وشرف في النسب وطهارة في السيرة، وكان الله قد اغدق عليها مالاً وفيراً وجاهً رفيعاً، خاضت ادواراً مهمة في التجارة، تسيّر القوافل المحملة بالبضائع علي اختلاف انواعها من الحجاز الي الشام وتشتري من هناك بأثمانها بضائع اخري تعود بها الي مكة. ومما يجدر التنبيه له ان خديجة كانت قد تزوجت قبل ان يتزوجها الرسول الكريم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» برجلين الأول هو هند بن زرارة التميمي وكان سيداً علي جاه وغني [10] فأنجبت له هالة وهنداً، وقد سمتهما بأسماء الاناث علي عادة العرب من وضعهم اسماء الاناث للذكور وقاية من الحسد. وهالة أدرك الاسلام وكانت له صحبته، واما هند فقد طالت

[ صفحه 20]

صحبته، وكان وصافاً روي عنه الحسن ابن اخته فاطمة عليهما السلام حديث وصف للنبي «صلي الله عليه وآله وسلم» وهو ابلغ ما روي، وقتل مع علي عليه «عليه السلام» يوم الجمل. وكان يفخر ويقول انا اكرم الناس اباً واماً واخاً واختاً، ابي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» لانه زوج امه، وامي خديجة واخي القاسم واختي فاطمة «عليها السلام» وقيل انه مات بالطاعون في البصرة. اما الزوج الثاني لخديجة فكان عتيق بن عائذ من سادات مخزوم واجوادها فرضيت به، ولما كان ابوها خويلد وعمها عمر بن اسد رغبا مع الراغبين في تزويجها لأنهما شيخان تقدمت بهما السن وخديجة بحاجة لمن تعيش بكنفه وتستظل بظله من حوادث الدهر ونكباته فاختير لها عتيق فأنجبت له طفلة اسمها هند [11] وقد ادركت الاسلام وكانت لها صحبته وتزوجت صيفي المخزومي، بيد ان خديجة رزئت بهذا الزوج وفجعت وانتابها الالم الممض، ومما زاد من مصابها ان الموت اختطف اباها خويلد ايضاً، فلم تيأس ولم يسيطر عليها الحزن، شأنها شأن الكثيرات من النساء فعزفت عن الزواج فترة طويلة حتي بلغت سن الاربعين، فكان زواجها هذه المرة من سيد المرسلين وحبيب إله العالمين وخاتم النبيين محمد «صلي الله عليه وآله وسلم». لقد كان زواجاً ميموناً يخفق وجداً وحناناً، ويشمخ كبرياءً ويزداد رعاية وفهماً وحسن تبصر، اتفق الطرفان وتهيأ الجو المناسب للقيام بالمسؤولية. وبلغ النبي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» عند زواجه بالسيدة خديجة في الخامسة والعشرين من عمره، فمن كتاب السيرة من يقول انها كانت في الاربعين او في

[ صفحه 21]

الخامسة والاربعين، ومنهم ابن عباس يقول: (انها كانت في الثامنة والاربعين ولم تجاوزها)، واحري بهذه الرواية ان تكون اقرب الروايات الي الصحة، لأن ابن عباس كان اولي الناس ان يعلم حقيقة عمرها، ولأن المرأة في بلاد كجزيرة العرب يبكر فيها النمو ويبكر فيها الكبر لا يتصدي للزواج بعد الاربعين ولا يعهد في الاعم الاغلب ان تلد بعدها سبعة اولاد عدا من جاء في بعض الروايات انهم ولدوا مع ذكرنا اسماءهم [12] .

حب علويٌّ عفيف تقره شرعة السماء، وهنا تسعي خديجة حثيثاً لاستطلاع رأي محمد في الزواج، وهل يرغب فيه ام يرغب عنه؟ وتخطر من امامها مولاتها نفيسة بنت منبه، يكاد يتفق المؤرخون واصحاب السير ان نفيسة هذه هي صديقتها وليست مولاتها وهي اخت يعلي بن منبه [13] تستوقفها لتقول لها: هل رأيت محمداً وهل عرفته؟ فتجيب: رأيته في هذه الدار، عرفته كما عرفه الناس. فتدسها لتستطلع رأي محمد في امر الزواج منها، تعود وبشري القبول معها. يقول المؤرخون ما ان اكتمل عقد الاجتماع حتي قام ابو طالب امام قريش وهو يومذاك سيد البطحاء فقال:

الحمد لله الذي جعلنا من ذرية ابراهيم وزرع اسماعيل وضغن معد وعنصر مضر وجعلنا حصنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً وجعلنا حكام الناس ثم ان ابن اخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل الا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً وان كان في المال قل،

[ صفحه 22]

فان المال ظل زائل وأمر حائل وعارية مسترجعة وهو والله يعد له نبأ عظيم وخطر جليل، وقد رغب اليكم رغبة في كريمتكم خديجة، وقد بذل من الصداق ما عاجله وآجله اثنا عشرة اوقية ونشا [14] .

الي جانب ذلك نريد ان نعرف ان السيدة خديجة بنت خويلد انجبت من زوجها النبي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» ولدين واربع بنات وهن زينب ورقية وام كلثوم وفاطمة (وهي اصغرهن سناً). اما الولدان فقد توفيا وهما صغيران. الاول كان القاسم توفي وعمره سنتان وهو اكبر الابناء وبه يكني، والثاني هو عبد الله آخر الابناء وله اسم آخر هو (الطاهر) وهو اسم محبب من قبل الرسول أطلقه عليه لشغفه وحبه لزوجته الطاهرة خديجة، لكنه مات وهو صغير.

كانت خديجة اول من آمن برسالة النبي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» حين هبط عليه الوحي خلال تعبده في غار حراء، وهي اول المصدقين به، اعطته ثروة لقاء هداية تفوق كنوز الارض واعطاها عمره وزهرة شبابه فقال: (ما قام الاسلام الا بسيف علي ومال خديجة). وهو لم يعرف موقفه منها، ولم يتزوج غيرها حتي وفاتها، وقال: (لا والله ما ابدلني الله خيراً منها آمنت بي وكذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس).

ذلك الموقف النبيل شد من ازر الرسول الكريم وقوّي من اصراره علي اعلاء كلمة الحق، حتي تمّ له ما اراد بالعلم والعدل والتقوي، ونال المقاصد السامية والغايات الرفيعة.

[ صفحه 23]

قال الرسول الكريم: قوة، وهذه القوة من اعظم قوي الكون ادخرها الله تعالي لانقاذ البشر، وجدت لسعادة البشر من هذه القوة التي هي سر الخليقة ومركز دائرة الكون.

ولو لم يكن بحثنا مقتصراً علي سيرة السيدة فاطمة الزهراء لطال بنا الوقوف اكثر من هذا الاستعراض السريع، لبيان خصائص الشخصية المحمدية التي حباها الله تعالي إياه. متأملاً ان يتاح لي ذلك في فرصة اخري للحديث عن سيرة سيد المرسلين محمد المصطفي «صلي الله عليه وآله وسلم» وايراد معالم تلك الجوهرة الالهية، والكشف عن بعض اسرارها المكنونة، وحسبه علاً وسطوة ما جاء في حقه (لولاك لما خلقت الافلاك).

[ صفحه 24]

ام السبطين

هذه السيدة الجليلة.. هذه العالمة الكاملة الفاضلة، كانت روحاً من نفحات روح النبي صلي الله عليه وآله ووهجاً من توهجاته، وشعاعاً نيّراً من اشعاعاته.

فاطمة الزهراء «عليها السلام» لا تجاري ولا توصف، ولا يقاس بها كل نساء الارض، فهي الانسية الحوراء، والبتولة العذراء، وام الأئمة النجباء الأصفياء.

فاطمة الزهراء «عليها السلام» اشراقة الهية، ومنحة ربانية، لمعت في سماء الدنيا، فتبلجت بأنوارها المشرقة مدلهماتها، واشرقت بأنوارها الساطعة اكوانها ودياجيرها.

عاشت في أحضان الرسالة، وارتضعت من لبان المجد، ثم ترعرعت في بيت طاهر مطهر، كان ولا زال كعبة القصاد، وقبلة الوفاء، ومأوي الملهوفين، ومنار التائهين الي يوم الدين. ثم كبرت مع الكبار، وبرزت معالم الأنوثة فيها، حتي حان الحين انه تكون زوجاً لخير بعل.. ذلك هو ابن عمها علي بن أبي طالب «عليه السلام»، اسد الله الغالب ومظهر العجائب،

[ صفحه 25]

بطل الاسلام، الفارس الضرغام، قائد البررة الكرام أمير المؤمنين «عليه السلام».

وبعد رحلة النبي صلي الله عليه وآله الاكرم الي دار الخلود، بدأت حياة جديدة تختلف ايما اختلاف عما كانت عله في كنف والدها العظيم من عز واجلال واحترام، أليس هو القائل في حقها: «فاطمة روحي التي بين جنبيّ» والقائل: «فاطمة أم أبيها» و: «فاطمة بضعة مني من أحبها فقد أحبني، ومن أبغضها فقد أبغضني». الي غير ذلك من الأقوال المأثورة التي سنقف عليها في ثنايا هذا الكتاب.

فمحمد والزهراء وعلي والحسن والحسين والتسعة المعصومون من ذرية الحسين «عليهم السلام»، هم قادة الأمة وملاذها، وهم عنوان مجدها وكرامتها. فأين نحن عن فهم حقيقة سيرة هؤلاء الأطياب بعيداً عن كل تزمت او تعصّب مشين؟

نحن أمة محمد صلي الله عليه وآله اليوم محدقون بالأخطار والأهوال من كل جوانب حياتنا، فأعداؤنا كُثّر، واحقادهم لا نهاية لحدودها، فالتآمر علي ديننا الحنيف، بل ووجودنا وكياننا كأمة لها رسالة وقيادة الهية مقدسة.

ما أحرانا نحن الأمة المستضعفة، ان ننهض من جديد من سباتنا العميق لنجدد تلك الذكريات بأقلام شعبية واضحة، بعيدة عن الاساليب البلاغية ذات المحسنات البديعية، حتي تكون بمثابة خطاب موجه الي الجماهير في كل مكان يستفيد منها المثقف والناشئ والاستاذ والطالب.

لا أقول ان نكتب السيرة نثراً فحسب، فالشعر ايضاً هو الصوت المؤير في

[ صفحه 26]

المشاعر والقلوب، بل هو السيف البتّار في كشف الحقائق والأسرار، حتي تعرف الأمة تاريخها، وتراثها الغابر، دونما زيف او وجل او مبالغة.

نحن وعلي مدي هذا العمر القصير، وقفنا علي كثير من الكتابات والمؤلفات التي تظهر بين آونة وأخري ـ من هنا وهناك ـ وان قسماً منها قد كتب ونشر منذ قرون غابرة، لكنها أمالت بوجهها عن اتباع طريق الهدي والحق، فأحدثت في وحدة الأمة شرخاً، واورت نار البغضاء والشحناء، فبررزت عصابات من حولها تطبّل لهذا تارة وتزمر لذلك اخري، كأن لم يكن لها شغل شاغل غير هذا النفخ المريب في ابواق التفرقة وفصم عري الاتحاد، وهذا هو بعينه، ما خطط له المستعمرون الغاشمون، قديماً وحديثاً.

نحن اليوم بأمس الحاجة الي وقفة جادة وصريحة تدعو الي الحق وتأخذ به، وتعمل من أجل الحق وتدافع عنه، ولا يكون هذا إلاّ بالتخلّي عن الشوائب التي علقت بالنفس، والادران التي التصقت في حنايا الصدور.

يا ابناء محمد الرسول الكريم صلي الله عليه وآله، ويا أبناء فاطمة، وحّدوا الصفوف واتركوا كلَّ ما يثير الشحناء والفرقة، فأنتم اليوم المستهدفون في كل بقاع الارض.. وما لم تتوحّدوا وتتآلفوا لم يرهبكم احد أينما كنتم.

اننا نوجه نداءنا الي ادبائنا ومثقفينا بالتوجه الجاد نحو الكتابة عن سيرة سلفنا الصالح وقادتنا الأئمة المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ففي سيرتهم المتلألئة تستضيئ الشعوب، وعلي هدي خطواتهم تسير في الحياة وتتعامل مع كل مفصل من مفاصلها، ومن

[ صفحه 27]

عظمتهم يكتشف من الجوانب العلمية الخافية علي العلماء والمعنيين من المثقفين وعمالقة الفكر وروّاد الأبداع.

انها فاطمة الزهراء التي يرضي الله لرضاها ويغضب لغضبها، ونوّه رسول الله بعضمتها وجلالة قدرها، وأمير البلاغة والبيان علي «عليه السلام» ينظر اليها بنظر الاجلال والاعظام وائمة أهل البيت ينظرون اليها بنظر التقديس والاحترام.

سلام علي الزهراء وأبيها وبعلها وبنيها وعلي التسعة المعصومين من ذرية ولدها الحسين «عليه السلام».

[ صفحه 28]

ولادة الزهراء

اراد الله سبحانه وتعالي ان يمدّ يده طاهرة قوية الي هذه المرأة التي انفردت بالحب الكبير منذ مولدها بعد المبعث بخمس سنين وثلاث سنين من الاسراء، وعلي رواية اهل السنة قبل المبعث بخمس سنين، وكبرت ونمت معها براءة الطفولة، فكانت احب الناس الي الله ورسوله، وهي آخر اولاد الرسول من خديجة واصغرهم ـ كما مرّ بنا آنفاً ـ.

ولدت في مكة المكرمة وفي بيت الوحي والجهاد، وترعرعت في ظل ابوين لم يعرف التاريخ افضل منهما، هذا المولود الجديد كان حديث كل دارة ومجلس، وشاغل كل نديّ وسامر، فتعطرت ارجاء الدار بعبير نشرها، وكان مولد فاطمة «عليها السلام» قبل النبوة وقريش حينئذ تبني الكعبة [15]

كانت الزهراء سلام الله عليها تؤنس امها خديجة في ايام الحمل وتحدثها بما يطيب خاطرها ويبعث الطمأنينة والسرور الي قلبها [16] لقد دخل عليها

[ صفحه 29]

النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» مرة وقال لها: ياخديجة من تحدثين؟ قالت: الجنين الذي في بطني يحدثني ويؤنسني! فقال: يا خديجة هذا جبرئيل يبشرني انها انثي، وانها النسلة الطاهرة الميمونة، وان الله تبارك وتعالي سيجعل نسلي منها وسيجعل من نسلها ائمة ويجعلهم خلفاء في ارضه بعد انقضاء وحيه [17] .

ولدت فاطمة فولد الخير كُلُه، ونشأت علي العبادة والصلاة في بيت رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»، ونبغت نبوغاً فذاً وتقدمت بها السن حتي احتلت مكان الصدارة بين نساء العالم اجمع. قال النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» لفاطمة: يا بنيّة من صلي عليك غفر الله له والحقه بي حيث كنت في الجنة [18] .

وقال «صلي الله عليه وآله وسلم»: فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها ويريبني ما رابها [19] .

وقال «صلي الله عليه وآله وسلم»: ان فاطمة بضعة منّي يغضبني من اغضبها [20] .

وفي قول: فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما انصبها.

وفي قول: فاطمة بضعة مني يسعفني ما يسعفها.

وفي قول: فاطمة شجنة مني يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها.

[ صفحه 30]

وفي قول: فاطمة مضغة مني فمن آذاها فقد آذاني.

وفي قول: فاطمة مضغة مني يسرني ما يسرها [21] .

ومن الاصابة كانت ولادة فاطمة بعد البعثة وهي اصغر بناته «صلي الله عليه وآله وسلم» واحبهن اليه. قالت عائشة: ما رأيت قط احداً افضل من فاطمة غير ابيها. عن ابن عباس: خط النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» اربع خطوط فقال: افضل نساء اهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية [22] من ذلك كله نلاحظ ان هناك الكثير مما طفحت به كتب الاخبار وشهدت له ألسنة، الرواة في ولادة الزهراء من الاحاديث والروايات المسندة.

[ صفحه 31]

تسميتها ونشاتها

مما ينبغي ان يشار اليه انهناك شرحاً لغوياً مفصلاً يسرده المؤرخون للتعريف بـ (فاطمة) و (الزهراء) و (البتول)، فمما رواه العلامة المجلسي قدس سره في البحار بخصوص لفظة فاطمة بخبر مسند عن جعفر بن محمد «عليه السلام» قال: قال رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» لعلي: هل تدري لم سميت فاطمة؟ قال علي: لم سميت فاطمة يا رسول الله؟ قال: لانها فطمت هي وشيعتها من النار [23] وعرفت بالزهراء لانها تزهر لأمير المؤمنين. قال المجلسي: عن ابان بن تغلب قلت لأبي عبد الله «عليه السلام»: يا ابن رسول الله لم سميت الزهراء بـ (زهراء)؟ فقال: لانها تزهر لأهل الارض في النهار ثلاث مرات بالنور. كان يزهر نور وجهها عند صلاة الغداة والناس في فراشهم فيدخل بياض ذلك النور الي حجراتهم بالمدينة فتبيض حيطانهم فيعجبون من ذلك، فيأتون النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» فيسألونه عما رأوا فيرسلهم الي منزل فاطمة «عليها السلام»، فيأتون

[ صفحه 32]

منزلها فيرونها قاعدة في محرابها تصلي والنور يسطع من محرابها من وجهها، فيعلمون ان الذي رأوه كان نور فاطمة فاذا انتصف النهار ترتبت للصلاة زهر نور وجهها «عليها السلام» بالصفرة فيدخل الضوء في حجرات الناس فتصفر ثيابهم والوانهم، فيأتون النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» يسألونه عما رأوا، فيرسلهم الي منزل فاطمة «عليها السلام» فيرونها قائمة في محرابها وقد زهر نور وجهها «عليها السلام» بالصفرة فيعلمون ان الذي رأوا كان من نور وجهها، فاذا كان آخر النهار وغربت الشمس احمر وجه فاطمة فأشرق وجهها بالحمرة فرحاً وشكراً لله عز وجل فكان تدخل حمرة وجهها حجرات النوم وتحمر حيطانهم فيعجبون من ذلك وياتون النبي صلي الله عليه وآله ويسألونه عن ذلك، فيرسلهم الي منزل فاطمة فيرونها جالسة تسبح الله وتمجده ونور وجهها يزهر بالحمرة فيعلمون ان الذي رأوا كان من نور وجه فاطمة «عليها السلام». فلم يزل ذلك النور في وجهها حتي ولد الحسين «عليه السلام» فهو يتقلب في وجوهنا الي يوم القيامة في الائمة منا اهل البيت امام بعد امام [24] .

وقد قيل فيها بهذا الخصوص: خجلاً من نور طلعتها وحيـاء من شمائـلها تتواري الشمس في الافق يتغطي الغصن بالـورق

وعرفت الزهراء بالبتول لانها لم تحضْ، يقول آدم متز: ذهب الشيعة في السيدة فاطمة (رضي الله عنها) الي ما شبه صفات السيدة مريم «عليها السلام»، فهي قد سميت البتول مثل مريم، يروي الشيعة عن النبي عليه

[ صفحه 33]

السلام انه اجاب من سأله: ما البتول؟ فقال البتول التي لم تر حمرة قط، أي لم تحض، فان الحيض [25] مكروهة في بنات الانبياء [26] . لقد كانت طاهرة من الحيض والنفاس، ولعمري انها صفة انفردت بها عن بنات حواء، وقد ساعدتها هذه المكانة المرموقة التي تتمتع بها والدها ووالدتها علي تربيتها وتوجيهها حتي اصبحت آية في الذكاء والفهم والبلاغة علي حداثة سنّها، فالزهراء هي كريمة منقذ الانسانية الرسول الاعظم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» ومن اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة المنزهين عن الدنس المطهرين بنص الكتاب، مالو وعته الارض لزلزلت زلزالها وأخرجت أثقالها من الكفر بالله وهتك حرمات بيته، عجزت عن اطرائها قواميس اللغات، وقصرت عن ادراك كنهها افئدة اولي الالباب. فآيات نبلها لا تحصي ومناقبها لا تستقصي، وجميل صفاتها لا يوصف، اكتسبت الفضائل الانسانية والارشادات والعلوم النافعة والسجايا الحميدة وامثالها مع اتقانها بالعمل والموارد التي تحتاج اليها الامة، وجبلت علي الدين والتقوي والزهد، فشمرت عن ساعدي الجد والاجتهاد لنصرة العلم والحفاظ علي شعائر التقوي والنواميس المقدسة والاستمرار في الارشاد والهداية، كان رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» يحبها حباً جماً، فقد قال مخاطباً امير المؤمنين علياً «عليه السلام»: يا علي اعطيت ثلاثاً لم يعطها الصفات الكاملة التي تجلت بها وفق ما يتطلبه الدين الاسلامي القويم وكتاب الله العزيز. ولا شك ان هذا الفهم المبكر وحدة الذكاء، جعلا منها نموذجاً صالحاً قل نظيره، الي

[ صفحه 34]

جانب ذلك كانت توصف بجمال الهيئة وتمام الخلقة وصدق الحسن ونفاذ البصيرة، وكان للنبي «صلي الله عليه وآله وسلم» اثر عميق في نفسها، لذلك لم ير أشرف من الزهراء في طهرها وعفافها ومن ابائها وشممها واخلاصها ومكارم اخلاقها.

تأدبت الزهراء بأخلاق رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»، واشتهرت بكونها المثل الاعلي للرجال، بل النساء، ولذا يحق لها أن تكون اسوة لنساء العالم دون استثناء، والتاريخ علي كثرة ما فيه من النساء المثاليات، لم يستطع ان يُري البشرية امرأة كهذه السيدة الجليلة، فقد كانت المسلمة الكاملة بين فضليات المسلمين و المسلمات، و مع ان خديجة و مريم و آسية من فضليات النساء فان فاطمة «عليها السلام» افضلهن جميعاً. ولا نقول ذلك اعتباطاً او بالنظر الاسلامي فحسب، بل حتي بالنظر الي المزايا الانسانية والفضائل البشرية، فهل يرينا التاريخ ان مريم كانت تتوالي عليها المصائب والآلام منذ ولادتها حتي وفاتها، ثم تقابل تلك المصائب والمحن برباطة جأش كالجبال الرواسي صلابة وصموداً، وكذلك قل بالنسبة لخديجة وآسية. هذه السيدة الجليلة الطاهرة افضل مثال للاقتداء بها في جهادها وصبرها وفضائلها وسائر مزاياها.

اجل! ان فاطمة الزهراء «عليها السلام» هي المثال الصالح لكل الفضائل، فهي حوراء أنسية لانها خلقت من ثمر الجنة، بنت برة وزوجة صالحة وام حنون وعاملة كادحة، وعابدة زاهدة، وعالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة، صابرة محتسبة غنية النفس. وقد سمعت اباها يقول: (ليس الغني من كثرة المال انما الغني غني النفس). فهي لم تكن تحفل بزخارف الدنيا

[ صفحه 35]

ومظاهرها، وقد سمعت اباها يقول: (من اصبح وهمه الدنيا شتّت الله عليه امره وجعل فقره بين عينيه، ولم يؤته من الدنيا الا ما كتب له، ومن اصبح وهمّه الاخرة جمع الله له همه، وحبّذ عليه صنيعه وجعل غناه في قلبه واتته الدنيا راغمة).

لا شك ان هذا النور هو من الفيض الإلهي، وان ولادة الزهراء ولادة الامل. والذي يلاحظ بوضوح من خلال النصوص المتقدمة ان الزهراء حالة خاصة فريدة لا يمكن القياس عليها بسواها من نساء العالم قاطبة. وللوالد تغمده الله برحمته ابيات في ذكر مولدها، قال: ان بنت المصطفي فاطمة ذاتـها جوهـرة قدسـية انها فلذة طـه المصطفي انجبـت ذريـة طيبـة انها خالـدة في فضلـها قد اتي ميلادها نصراً مبين صاغـها الله هدي للعالمين انها خير نسـاء العالميـن كفت الاسلام سر العالميـن باسمها العاطر أشدو كل حين

تواترت الاخبار في فضل الزهراء وطهارتها، فقد قيل: انها سيدة نساء اهل الجنة [27] وافضلها [28] وسيدة نساء العالمين [29] وكيف لا تكون كذلك وقد خلقها الله نوراً لملائكته يكشف عنهم الظلمات قبل ان يخلق آدم، حتي حبا الله بها نبيه الاكرم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» فمنحه بضعته العظمة النبوية ومنبثق الامامة ومبرق العصمة وارومة الطهارة

[ صفحه 36]

والقداسة، مصدر ذريته ومعدن نسله، دمغ الله تعالي بها ذلك الشاني الأبتر الذي كان يعيّر رسول الله تعالي «صلي الله عليه وآله وسلم» بانه ليس له عقب، فنزلت فيه هذه الآية الكريمة: (إنَّ شَانِئَكََ هُوََ الاَبْتَرُ).

كان نسل الرسول بنتاً فاضحي مثل نبت الربيع عمّ البسيطة. ذكر ابن شهر اشوب في المناقب من اسمائها: فاطمة، البتول، الحصان، الحرة، السيدة، العذراء، الزهراء، الحوراء، الطاهرة، الزكية، مريم الكبري، النورية، السماوية.

وفي (معجم البلدان) تعريف بالزهراء هذا نصه: الزهراء ممدود تأنيث الأزهر، وهو الابيض المشرق والمؤنثة زهراء، والازهر: النيّر ومنه سمي القمر الازهر [30] .

لقد حملت فاطمة الزهراء كل صفات الشرف والفضيلة، وهي صفات الملائكة والصديقين، واتسمت بسمات الحور العين، بحيث يعجز عن وصفها قلم واصف.

[ صفحه 37]

حب النبي للزهراء

سبق ان بيّنا ان النبي محمداً «صلي الله عليه وآله وسلم» كان يود فاطمة الزهراء «عليها السلام» ويحن اليها. ولا بد لنا ونحن في معرض الكلام عن الزهراء وابيها ان نستعرض بعض الشواهد ليقف القارئ علي مدي هذا الحب الطاهر. جاء في (اعيان الشيعة): روي الحاكم في المستدرك بسنده عن ابي ثعلبة الخشني قال: كان رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» اذا رجع من غزاة او سفر اتي الي المسجد فصلي فيه ركعتين ثم ثنّي بفاطمة، ثم يأتي ازواجه. (وبسنده) عن ابن عمر أنّ النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» كان اذا سافر كان آخر الناس عهداً به فاطمة واذا قدم من سفر كان اول الناس به عهداً فاطمة [31] . واستطرد صاحب الاعيان قائلاً: وقد اعتاد الرسول «صلي الله عليه وآله وسلم» ان يمرَّ عند خروجه علي بيت فاطمة وهي من احب اهله اليه، فمر ذات يوم عليها ورجع من الباب دون ان يدخل واستمر هاجراً فاطمة ثلاثة ايام، فاستقدمت عمار بن ياسر وهو من

[ صفحه 38]

اكرم صحابته لديه، قالت له ان يستنبئ من ابيها عن سبب هذا الهجران. ولما سأله عمار قال له الرسول الكريم ـ وانظر لما قال ـ: رأيت في معصم فاطمة اسورة من الفضة واهل الصُفة يتضورون جوعاً، فجاء عمار واخبرها الخبر فقالت له: خذ الاسورة وبعها واشتر بثمنها خبزاً لأهل الصفة، ولما فعل ما امرته به عاد فأخبر اباها بما كان فرجع لعادته معها. وورد في الاستيعاب بالإسناد الي ابي ثعلبة الخشني قال: كان رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» اذا قدم من غزو او سفر بدأ بالمسجد فصلي فيه ركعتين ثم يأتي فاطمة ثم يأتي ازواجه. وعن عائشة ام المؤمنين (رض) انها قالت: ما رأيت أحداً كان اشبه كلاماً وحديثاً برسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» من فاطمة، وكانت اذا دخلت عليه قام اليها فقبلها ورحب بها كما كانت تصنع هي به «صلي الله عليه وآله وسلم». وعن عائشة (رض) ايضاً قالت: ما رأيت احداً كان اصدق لهجة من فاطمة الا ان يكون الذي ولدها. وعن جميع بن عمير قال: دخلت علي عائشة (رض) فسألت أي الناس كان أحبّ الي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»؟ قالت: فاطمة. قلت: فمن الرجال؟ قالت: زوجها اذ كان ما علمته صواماً قواماً. وعن ابن بريدة عن ابيه قال: احب الناس الي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فاطمة ومن الرجال علي بن ابي طالب (رضي الله عنهما) الي غير ذلك [32] ولا شك ان النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» كان يحب فاطمة حباً جما حتي عدله البعض في ذلك. والحب

[ صفحه 39]

الشديد الذي قد يتجاوز المتعارف يصدر احياناً من الاب لجهله وقصر نظره [33] .

لقد كان بين الرسول الكريم «صلي الله عليه وآله وسلم» وبين ابنته فاطمة «عليها السلام» تعاطف شديد، وبلغ من حبها لأبيها ايضاً ومن حزنها عليه، انها مازالت معصبة الرأس، ناحلة الجسد، مهيضة الركن، باكية العين، محرقة القلب، وانها لم تُرَ بعد وفاته كاشرة ولا ضاحكة. قيل: وبكت حتي نادي بها اهل المدينة فقالوا لها: آذيتنا بكثرة بكائك، فجعلت تأتي قبور الشهداء في كل اسبوع مرتين فتقول: ها هنا كان الرسول، وها هنا كان المشركون. (لقد كان يسأل النبي في قضية فيجيب: لنأخذ اولا رأي فاطمة. هكذا كان لفاطمة رأي في تربية صحيحة كانت لشخصيتها فيها تلك التنمية) [34] .

وعن الصادق «عليه السلام»: انها كانت تصلي هناك وتدعو، وانها ظلت علي ذلك حتي ماتت، وقد تكون الزهراء مثلاً اعلي في الصبر علي المكاره واحتمال الحرمان حتي الجوع والعطش. مرضت يوماً فدخل عليها الرسول «صلي الله عليه وآله وسلم» يعودها، فسألها كيف تجدينك يا بنية؟ قالت: اني موجعة، وانه ليزيدني اني مالي طعام آكله. قال علي «عليه السلام»: ان فاطمة استقت بالقربة حتي اثرت في صدرها وطحنت بالرحي حتي مجلت يداها وكنست البيت حتي اغبرت ثيابها واوقدت النار تحت القدر حتي

[ صفحه 40]

دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد [35] . وبلغ من حب النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» لابنته فاطمة «عليها السلام» انه كان يكنيها بـ (أم ابيها) [36] . وقد اثني رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» ثناءً مستطاباً في كثير من المواضع. هذا الحب العارم وهذه المودة الخالصة مبعثها المؤهلات العالية التي ورّثها لها ابوها، وكانت لوقعها اثر كبير في مسيرة حياتها. هكذا عاشت وهي تؤدي رسالتها علي احسن ما يمكن الاداء، يعطف عليها والدها ويهتم بامرها ايما اهتمام. وأجدني اكرر ما ذكرته في مناسبة سابقة من ان الزهراء «عليها السلام» افضل نساء اهل الجنة. وعن عائشة قالت: ما رأيت احداً اشبه حديثاً وكلاماً برسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» من فاطمة. وكانت اذا دخلت عليه اخذ بيدها فقبلها واجلسها في مجلسه، وكان اذا دخل عليها قامت فقبلته بيده فأجلسته في مكانها [37] . وسأله علي «عليه السلام» يوماً فقال: يا رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» انا احب اليك ام فاطمة؟ فقال: انت عندي اعز منها، وهي احب منك [38] . وهناك روايات كثيرة كلها تنص علي محبة النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» الاكرم للصديقة الزهراء سلام الله عليها.

[ صفحه 41]

فضائل الزهراء ومناقبها

في سيرة الزهراء سلام الله عليها مواقف مشرّفة من جهاد في سبيل الله ومحاجة مع بعض الصحابة ودعوة الي التوحيد، وقد وردت اخبار واحاديث كثيرة كلها تجعل من فاطمة الزهراء «عليها السلام» المثل الاعلي في علو الهمة والبطولة والايثار وتبصرة الحق والتعاون علي البر والتقوي والتمسك بالخلق وما الي ذلك. ونحن اذ نذكر هنا بعضاً من فضائلها ومناقبها في ازمان وسنين توالت. ففي خروج ابي سفيان الي المدينة للصلح واخفاقه ذكر ابن هشام فقال: خرج ابو سفيان فدخل علي علي بن ابي طالب رضوان الله عليه وعنده فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وسلم ورضي عنها، وعندها الحسن بن علي غلام يدب بين يديها. فقال: يا علي انك امس القوم بي رحماً واني جئتك في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائباً فاشفع لي الي رسول الله، فقال: ويحك يا ابا سفيان والله لقد عزم رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» علي امر لا نستطيع ان نكلمه فيه، فالتفت الي فاطمة فقال: يا بنت محمد هل لك ان تأمري بنيّك هذا

[ صفحه 42]

فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب الي آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بنّي ذاك ان يجير بين الناس وما يجير احد علي رسول الله صلي الله عليه وسلم، قال: يا ابا الحسن اني اري الامور قد اشتدت عليّ فانصحني، قال: والله ما اعلم لك شيئاً، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك، قال: او تري ذلك مغنياً عني شيئاً؟ قال لا والله ما اظنه، ولكني لا اجد لك غير ذلك، فقام ابو سفيان في المسجد فقال: ايها الناس اني قد اجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق، فلما قدم علي قريش، قالوا ما وراءك؟ قال: جئت محمداً فكلمته، فو الله ما ردَّ عليَّ شيئاً، ثم جئت ابن ابي قحافة فلم اجد فيه خيراً، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته ادني العدو، قال: ابن هشام اعدي العدو [39] .

وفي ما امر به الرسول الكريم «صلي الله عليه وآله وسلم» عليها من أمور حج بيت الله الحرام، قال ابن اسحاق: وحدثني عبد الله بن ابي نجيح: ان رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» كان بعث علياً رضي الله عنه الي نجران، فلقيه بمكة وقد احرم، فدخل علي فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وسلم رضي الله عنها فوجدها قد حلت وتهيأت، فقال: مالك يا بنت رسول الله؟ قالت: امرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم ان نحلّ بعمرة فحللنا، ثم اتي رسول الله صلي الله عليه وسلم فلما فرغ من الحَير عن سفره، قال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: انطلق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ باصحابك؟ قال: يا رسول الله اني هللت كما اهللت،

[ صفحه 43]

فقال: ارجع فاحلل كما حل اصحابك، قال: يارسول الله اني قلت حين احرمت: اللهم اني اهلّ بما اهلّ به نبيك وعبدك ورسولك محمد صلي الله عليه وسلم، قال: فهل وثبت علي احرامه مع رسول الله صلي الله عليه وسلم، حتي فرغا من الحج، ونحر رسول الله صلي الله عليه وسلم الهدي عنهما [40] . وعن ابي هريره قال: قال رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»: اول شخص يدخل عليّ الجنة فاطمة بنت محمد. وروي باللفظ الصريح يرويه كل من النجار ومسلم والترمذي عن النبي صلي الله عليه وآله انه قال: قد كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون. وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد. وعن كتاب العترة النبوية مرفوعاً الي قتادة عن انس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله: خير نسائنا مريم وخير نسائنا فاطمة بنت محمد وآسية امراة فرعون. وبإسناده ايضاً عن انس ان النبي صلي الله عليه وآله قال: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد. وعنه ايضاً قالت عايشة لفاطمة: الا يسرك اني سمعت رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» يقول: سيدات نساء اهل الجنة أربع مريم بنت عمران وفاطمة بنت محمد وخديجة بنت خويلد وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون. وعنه عن النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» قال: اذا كان يوم القيامة قيل يا اهل الجمع غضوا ابصاركم حتي تمر فاطمة بنت محمد وعليها ربطتان خضراوان وفي بعض الروايات حمراوان [41] .

[ صفحه 44]

وروي عن مجاهد قال: خرج النبي صلي الله عليه وآله وهو آخذ بيد فاطمة فقال: من عرف هذه فقد عرفها ومن لم يعرفها فيي فاطمة بنت محمد، وهي بضعة مني وهي قلبي وروحي التي بين جنبي فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي الله [42] . قال الشيخ عن الحسين الحويزي: فاطمة بنت أحمد سادة الخلق جميعا لم تنـل مريـم وآسيـة الزهـرا رجـالها ونسـاءها ولا سارة ولا حوّاها

وروي ان اليهود كان لهم عرس فجاؤوا الي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» وقالوا: لنا حق الجوار فنسألك ان تبعث فاطمة بنتك الي دارنا حتي يزداد عرسنا بها وألحوا عليه فقال: انها زوجة علي بن ابي طالب وهي بحكمه، وسألوه ان يشفع الي علي في ذلك وقد جمع اليهود الطم والرمّ [43] من الحلي والحلل، وظن اليهود انّ فاطمة تدخل في بدلتها وارادوا استهانة بها، فجاء جبرئيل بثياب من الجنة وحلي وحلل لم يروا مثلها فلبستها فاطمة وتحلّت بها فتعجب الناس من زينتها والوانها وطيبها فلما دخلت فاطمة دار اليهود سجد لها نساؤهم يقبلن الارض بين يديها واسلم بسبب مارأوا خلق كثير من اليهود [44] .

لقد فقد النبي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» في حياته بناته بعد خديجة واحدة بعد الاخري بعد ان كبرن وصرن ازواجاً وامهات، فلم تبق له منهن

[ صفحه 45]

غير فاطمة، هؤلاء الابناء والبنات الذين تساقطوا من حوله قد دفنهم بيده تحت صفائح الثري، تركوا في نفسه قرحة ألم اندملت بمولد ابراهيم واثمرت مكانها رجاءً واملاً، وكان حلاً له ان يمتلئ بهذا الامل غبطة واستبشاراً.

مرّ بنا كيف ان النبي الكريم «صلي الله عليه وآله وسلم» كان يحب فاطمة، يصونها ويؤنس وحشتها، لكن محمداً قد مرض وقد بلغت به شدة المرض حداً آلمه، ذلك ان الحمي زادت به حتي لقد كانت عليه قطيفة، فاذا وضع ازواجه وعوّاده ايديهم من فوقها شعروا بحر هذه الحمي المضنية، وكانت ابنته فاطمة تعوده كل يوم، وكان يحبها ذلك الحب الذي يمتلئ به وجود الرجل للابنة الواحدة الباقية له من كل عقبه، لذلك كانت اذا دخلت علي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» قام اليها وقبلها واجلسها في مجلسه، فلما بلغ منه المرض هذا المبلغ دخلت عليه فقبلته، فقال: مرحباً يا بنيتي، ثم اجلسها الي جانبه واسرَّ اليها حديثاً آخر فضحكت، فسألتها عائشة في ذلك، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»، فلما مات ذكرت انه اسرَّ اليها انه سيقبض في مرضه هذا فبكت، ثم اسرَّ انها اول اهله يلحقه، فضحكت، وكانوا لاشتداد الحمي به يضعون الي جواره اناء فيه ماء بارد، فما يزال يضع يده فيه ويمسح بها علي وجهه، وكانت الحمي تصل به حتي يغشي عليه احياناً ثم يفيق وهو يعاني منها اشد الكرب. حتي قالت فاطمة يوماً وقد حز الالم في نفسها لشدة الم ابيها: واكرب ابتاه، فقال: لا كرب علي ابيك بعد اليوم. يريد انه سينتقل من هذا العالم، عالم الاسي والألم [45] .

[ صفحه 46]

وعن مهاجر بن ميمون عن فاطمة «عليها السلام» قالت: قلت لابي «صلي الله عليه وآله وسلم»: اين أمنا خديجة؟ قال: ببيت من قصب لا لغوب فيه ولا نصب بين مريم وآسية امرأة فرعون، قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا بل من القصب المنظوم بالدر والياقوت.

وعن حذيفة رفعه: نزل ملك من السماء فاستأذن الله ان يسلم علي ما لم ينزل قبلها فبشرني عن الله عز وجل ان فاطمة سيدة نساء اهل الجنة [46] .

لعلنا لم نأت بجديد حين نقول ان هناك آيات نزلت في حق علي واهل بيته ينص علي ذكرها المؤرخون في اسفارهم، ومن هذه الآيات الدالة علي كرمهم قوله سبحانه وتعالي في محكم كتابه: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَليَ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) [47] فعن ابن عباس، انها نزلت في علي وفاطمة وابنيهما وجاريتهما فضة [48] .

ومن اخبارها سلام الله عليها ما نقله ابن ابي الحديد في شرحه قائلاً: (ان الشيخ رأي في حلمه ان فاطمة الزهراء) بنت رسول الله دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين صغيرين، فأسلمتهما اليه وقالت علمهما الفقه، فانتبه الشيخ عجباً، فلما تعالي النهار صبيحة تلك الليلة، دخلت عليه المسجد فاطمة بنت الناصر، وحولها جواريها وبين يديها ابناها (علي المرتضي) و (محمد الرضي) صغيرين، فقام اليهما وسلم عليهما،

[ صفحه 47]

فقالت له: ايها الشيخ هذان ولداي قد احضرتهما اليك لتعلمهما الفقه، فبكي الشيخ وقص عليها الرؤيا وتولي تعليمهما [49] الي غير ذلك من المناقب الشريفة والمراتب العالية المنفية.

[ صفحه 48]

تسبيح الزهراء

يكاد يجمع المؤرخون ان حمل طين الحسين «عليه السلام» امان من كل خوف، ويستحب حمل سبحة من طين. روي الشيخ الصدوق في (علل الشرائع) بسنده عن علي «عليه السلام» ان فاطمة «عليها السلام» استقت بالقربة حتي اثرت في صدرها، وطحنت بالرحي حتي مجلت [50] يداها وكسحت البيت (أي كنسته) حتي اغبرت ثيابها، واوقدت النار تحت القدر حتي دكنت ثيابها (أي اسودت) فأصابها من ذلك ضرر شديد، فقال لها علي «عليه السلام»: لو اتيت اباك فسألته خادماً، فجاءت فوجدت عنده جماعة فاستحيت وانصرفت، فعلم انها جاءت لحاجة فغدا علينا ونحن في لحافنا، فأردنا ان نقوم فقال مكانكما فجلس عند رؤوسنا، فقال: يا فاطمة ما كانت حاجتك امس؟ فاخبره علي «عليه السلام» فقال: أفلا اعلمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ اذا اخذتما منامكما كبرا اربعاً وثلاثين

[ صفحه 49]

واحمدا ثلاثاً وثلاثين وسبحا ثلاثاً وثلاثين، فأخرجت فاطمة رأسها وقالت: رضيت عن الله ورسوله ثلاث دفعات. وروي ابن حجر في (الاصابة) نحوه ثم قال: قال علي: فوالله ما تركتهن منذ علمتهن. فقال له ابن الكوا: ولا ليلة صفين، فقال: قاتلكم الله يا اهل العراق ولا ليلة صفين. وروي الحاكم في (المستدرك) وصححه علي شرط الشيخين وعن علي بن ابي طالب «عليه السلام»: اتانا رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فوضع رجله بيني وبين فاطمة، فعلّمنا ما يقول اذا اخذنا مضاجعنا، فقال: يا فاطمة اذا كنتما بمنزلكما فسبحا الله ثلاثً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا اربعاً وثلاثين، قال علي: والله ما تركتها بعد، فقال له رجل كان في نفسه عليه شيء: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين. (اقول) هذا هو المعروف بتسبيح الزهراء «عليها السلام».

وورد عن ائمة اهل البيت «عليهم السلام» استحبابه عقيب كل صلاة، وجاء في كيفيته عكس ما مرّ، أي بتقديم التكبير ثم التحميد ثم التسبيح، والظاهر جواز كلا الكيفيتين. وحكي ابن شهراشوب في (المناقب) عن الصحيحين انها لما طلبت منه «صلي الله عليه وآله وسلم» خادماً وكان عنده اساري، قال: ولكن ابيعهم وانفق اثمانهم علي اهل الصُفَّة. وعلمها تسبيح الزهراء [51] فاتخذت فاطمة «عليها السلام» سبحة وهي خيط صوف مفتل معقود عليه عدد التكبيرات فكانت تديرها بيدها «عليها السلام» بتكبير وتحميد وتسبيح، الي ان قتل حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء فاستعملت تربته وعملت التسابيح فاستعملها الناس. فلما قتل الحسين عليه

[ صفحه 50]

السلام عدل بالأمر إليه فاستعملوا لما فيها من الفضائل والمزية [52] .

فالزهراء سلام الله عليها ارتفعت بأنسانيتها، واخذت تنشر المحبة والخير والعدل والمساواة بين المسلمين، كما دعت الي ترسيخ الايمان الصادق واتباع الحق المبين علي هدي الرسالة المحمدية بكل معانيها العظيمة وتحدياتها الكبيرة وروحها المتشبعة بالفضائل والتقوي والمفاهيم الانسانية الحقيقية المستمدة من مبادئ الاسلام وقيمه العليا، دين الاخاء والمساواة والتسامح، ذلك الدين القيم الذي ينشد الحق والعدل والحرية، تستقي منه الاجيال الصاعدة دروساً في التضحية والدفاع عن القيم المثلي.

[ صفحه 51]

شخصية علي

تنص الروايات التاريخية كلها علي ان الامام علياً ولد في الكعبة سنة 30 لميلاد رسول الانسانية، وقتل في نفس السنة التي يبتهل فيها الرسول [53] ، وهو اول مولود ولد فيها لم يسبقه بسابق ولم يأت بعده احد، والكعبة قبلة الاسلام ومنها ينبثق نوره، وهو سيد الفصحاء والبلغاء وامام المتقين ومولي الموحدين وابن عم الرسول وزوج البتول ووالد السبطين الحسن والحسين عليهما السلام، اسد الاسلام الغالب الامام علي بن ابي طالب «عليه السلام».

أية انسانةٍ تنال هذا الشرف العظيم غيرها، في وسط الكعبة تضع فاطمة بنت اسد وليدها، كيف لا يكون علي قد علا شرفاً بمولده كما علا من قبل بأصله الرفيع. ويتساءل الاولاد من ابيهم ما اسم المولود الجديد؟ فيقول سميته (علياً) وقد اعجب الكل بهذا الاسم، ولم يشغل الام الطاهرة الوليد عن الاهتمام بأم محمد، فهي تزداد اهتماماً وعناية به وهو يوليها الاحترام والتبجيل، حتي اذا ما شب عليُ، وتعدي الخامسة من عمره بدأ

[ صفحه 52]

يلازم ابن عمه محمد ملازمة الظل لصاحبه يكاد لا يفارقه ابداً. كانت فاطمة بنت اسد سعيدة جداً بملازمة ولدها علي لمحمد، كما هو شأن ابي طالب، ورغم ان قريش كانوا يلاحقون محمداً بالأذي، ويتربصون به الفرصة، فقد كان علي لابن عمه اكثر من ظل، وكانت الوالدة المؤمنة تحث ولدها وتدفعه علي ذلك [54] .

لقد عجز فصحاء العرب وبلغاؤها ان يجاوره في مضمار الفصاحة والبلاغة، وخير ما يثبت ذلك بلاغته وفصاحته في كتاب (نهج البلاغة) ذلك السفر القيّم الذي لا يرقي اليه شك ولايستغني عنه العلماء الاعلام والسياسيون المحنكون والمفكرون قاطبة لما تضمن من فنون الحكمة والمعرفة واساليب السياسة وقوانين المجتمعات وحقائق الايمان ومعرفة الصانع وتهذيب النفس والحث علي مكارم الاخلاق والتمسك بأهداب الفضيلة والمثل العليا. وينص التاريخ انه قتل شهيداً في المسجد عند سجوده في صلاة الصبح فخر صريعاً وهو يقول (فزت ورب الكعبة) فكان شهيد المحراب الاول. هذا الرجل الانساني كان انشودة الثورة في تاريخ الاسلام كله. حاز علي صفات الكمال التي هي صفات العقل، وانه مثل العقل النبوي الذي لاجله وجدت جميع الموجودات. وحسب القارئ ما روي عن الصادق سلام الله عليه: (ان علياً انما بلغ ما بلغ به عند رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» بصدق الحديث واداء الامانة، كان نموذجاً للحكم وربيباً للنبي وازهد الصحابة) [55] .

[ صفحه 53]

اتصف بالخلق الانساني العالي، ليس لطاعنٍ فيه مهمز ولا لقائلٍ فيه مغمز، اللهم إلا مكابرة ومعاندة. كان يخوض المعارك الدامية بنفسه بين يدي رسول الله محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» لايهاب الموت في سبيل الحق والاسلام. قال الشاعر السيد مرتضي الوهاب: ما شاد صرح الدين الا سيفه تركته حين البأس في بأسائه بيمينـه قام البنـاء فكان في فتحمل الصدمات في اعلائـه وتنافسوا للغنـم فـي سرّائـه ابقاء صرح الدين حسن عزائه

فهو الذي قلع باب خيبر وقلع الصخرة من فم القليب في طريقه الي صفين عندما عجز اصحابه عن قلعها، وهو الذي قتل مرحباً وعمرو بن عبد ود العامري، وما عسي ان يقول القائل بعد قول النبي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» فيه:

(انا مدينة العلم وعلي بابها ومن اراد الحكمة فليأتها من بابها) وأهمية هذا الحديث يرجع الي ما فيه من التأكيد علي العلم والمعرفة وسبيل الوصول اليها عن طريق النبي الكريم والوصي الامين. وقد بلغ الامام علي من زهده وعلمه منزلة عالية ونموذجاً صالحاً للامام العالم الزاهد العامل بالكتاب والسنة.

اما مؤاخاته للرسول الكريم «صلي الله عليه وآله وسلم» فأبين من ان تظهر، وقد بقي ملازماً له كالظل، وهو حري بان يكون موضع اعتماده وكاتم سرّه، ومن اقرب من علي للنبي «صلي الله عليه وآله وسلم»؟ ويمكننا ملاحظة ذلك من اقوال الرواة، فمن ذلك ما رواه الترمذي في صحيحة بسنده عن عبد الله بن عمر انه قال: لما آخي رسول الله صلي الله عليه

[ صفحه 54]

وآله وسلم بين صحابته رضي الله عنهم جاءه علي كرم الله وجهه وعيناه تدمعان فقال: يا رسول الله آخيت بين اصحابك ولم تواخ بيني وبين احد فسمعت رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» يقول: انت اخي في الدنيا والآخرة.

ومن مناقب ضياء الدين الخوارزمي عن ابن عباس قال: لما آخي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» بين اصحابه من المهاجرين والانصار وهو انه «صلي الله عليه وآله وسلم» آخي بين ابي بكر وعمر وآخي بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف وآخي بين طلحة والزبير وآخي بين ابي ذر الغفاري والمقداد رضوان الله عليهم اجمعين ولم يواخ بين علي بن ابي طالب وبين احدٍ منهم، خرج علي مغضباً حتي اتي جدولاً من الارض وتوسد ذراعه ونام فيه تسفي الريح عليه فطلبه النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» فوجده علي تلك الصفة فوكزه برجله وقال له: قم فما صلحت ان تكون الا أبا تراب، اغضبت حين آخيت بين المهاجرين والانصار ولم اواخ بينك وبين احد منهم، اما ترضي ان تكون مني بمنزلة هارون من موسي الا ان لا نبي بعدي الا من احبك فقد حف بالأمن والايمان ومن ابغضك اماته الله ميتة جاهلية [56]

واذا كان الرسول الكريم قد تحمل في سبيل دعوته المشاق والمصاعب ابان تلك الفترة المتأزمة، فان وصيّه قد شاركه في تحمل القسط الاكبر من المشاق والمصاعب التي عاناها، وفدي نفسه لاجلها. وفي آية المباهلة كان نفس المصطفي ليس غيره اياها، من المتفق عليه ان النبي محمداً صلي الله

[ صفحه 55]

عليه وآله وسلم لما خرج لمباهلة نصاري نجران لم يكن معه سوي علي وفاطمة والحسن والحسين، والآية الشريفة تصرح ان علياً نفس محمد (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسََآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّه عَلَي الْكَاذِبِينَ) [57] .

فهؤلاء هم اصحاب هذه الآية وليس سواهم، فالمراد من الابناء الحسن والحسين ومن النساء السيدة فاطمة الزهراء ومن الانفس الامام علي بن ابي طالب «عليه السلام». قال الرازي في تفسيره الكبير: خرج الرسول وعليه مرط من شعر اسود وقد احتضن الحسين واخذ بيد الحسن وفاطمة خلفه وعلي خلفها وهو يقول: (اذا انا دعوت فأمنّوا)، وعندما رآهم اسقف نجران قال: يا معشر النصاري اني لأري وجوهاً لو سألوا الله ان يزيل جبلاً لازاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا [58] . وفي كتاب (الصواعق المحرقة): قال النبي «صلي الله عليه وآله وسلم»: خير اخوتي وخير اعمامي حمزة [59] ! وقال «صلي الله عليه وآله وسلم» لعلي: انت اخي في الدنيا والاخرة [60] .

قال الشاعر عبد الباقي العمري: انت العلي الذي فوق العلي رفعا ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا

والواقع الذي لا مراء فيه ان اهم الاسباب التي دعت النبي محمداً صلي

[ صفحه 56]

الله عليه وآله وسلم الي اختيار علي «عليه السلام» الي جنبه هو ما يتمتع به من مقدرة وكفاءة قتالية وقيادية نادرة اكتسبها من مقدرة وكفاءة الرسول الكريم «صلي الله عليه وآله وسلم»، فان له دوراً مشرّفاً في حروب خاضها النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» في الفتوحات الاسلامية، وتصدي لمكافحة الظلم والتخلف والتأكيد علي الجهاد في سبيل الله والحق حتي النصر.

اما من الناحية العلمية فان للامام علي قوة الارادة والحزم والعزم، خير لسان مبين، اعطي باكثر من فصاحة قس وبيان سحبان الي غير ذلك من الاحاديث الدالة علي ما اوتي ابن عم الرسول وصهره وصنوه حبل الله المتين وحبه المكين أمير المؤمنين وسيد الوصيين، وكان لها ابلغ الاثر في اذكاء النفوس والسمو بالعقول الابية الرفيعة. وهل بالأمكان ان يحيط بهذه العلوم الغزيرة لمن كان الضياء في عقله والشعاع في نفسه، لقد كان الامام علي يدير شؤون القضاء بنفسه لا يشغله شيء غير القيادة ورعاية الضعفاء وتفقد الارامل والايتام. (ولم يعرف التاريخ ولن يعرف انساناً ارحم من علي) [61] .

ان جوهر قلبه خلص من غرس الطبيعة وصفا كنوز الشمس من ادرانها، وهذا هو السرّ الذي جعله يتصف بأسمي الفضائل، وتلك لعمري هي تضحية النفس في سبيل الله، وقد دفعه ذلك نحو التقدم والسمو الي مدارج العلي والسؤدد. اصاب علي «عليه السلام» من العظمة ومن خشونة لباسه وجشوبة طعامه ومدرعته المرقعة ونعله المخصوف بيده ما لم يصبه احد سواه، ان تمتع المرء بزينة الحياة وتنعمه بلذاتها ليس منكراً، بل المنكر ان

[ صفحه 57]

تخضع النفس لسلطان الهوي والشهوات. قال الازري: ذاك رأس الموحدين وحامي أي نفس لا تهتـدي بهـداه بيضة الدين من اكف عداها وهو من كل صورة مقلتاها

فليس بدعاً ان يكون الامام علي «عليه السلام» عباب البلاغة الذي لا يسير غوره، ولا يدرك شطآنه، بل وينبوع الحكمة المستمدة من الوحي الالهي والفيض النبوي ووحي القرآن وسيرة محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» ونهجه. وللدلالة علي اكرامه للضيف نسوق هذه الحكاية: (قيل ان اعرابياً وقف عليه فقال: ان لي اليك حاجة رفعتها الي الله قبل ان ارفعها اليك (ان انت لم تقضها حمدت الله وعذرتك) فقال الامام: (خط حاجتك علي الارض) فكتب الرجل اني فقير، فقال علي «عليه السلام»: يا قنبر (يعني خادمه) اعطه حليتي الفلانية، فلما اخذها الاعرابي مثل بين يديه وقال: كسوتني حـلة تبـلي محاسنـها ان الثنـاء ليحيي ذكر صاحبـه لا تزهد الدهر في عرف بدأت به فسوف اكسوك من حسن الثنا حللا كالغيث يحي نداه السهل والجبـلا فكل عبد سيجزي بالـذي فعـلا

فقال علي «عليه السلام»: يا قنبر اعطه خمسين ديناراً ثم قال: اما الحلة فلمسألتك واما الدنانير فلأدبك.

عاش سيدنا ابو الحسن «عليه السلام» في كنف ابن عمه الرسول الاعظم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» وهو ابن ست سنوات، وتفتحت عيناه علي رسول الله ووعي مبادئه وبشر بها عن يقين، فلم تعلق به اوضار الجاهلية ولم تعبه نفسه يوماً الي مغريات الحياة وبهارجها. ويحسن بنا ان نذكر ان الامام علياً «عليه السلام» كان علامة مضيئة في تاريخ الامة العريق

[ صفحه 58]

صاغ مجدها ونشر قيمتها وسطَّر ملاحم البطولات الفذة، وقد عرف الخاصة والعامة قول الرسول الاعظم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» (اقضاكم علي) والقضاء هو جوهر الحقيقة، وتلازم الامام علي «عليه السلام» صفات ومواهب هي المثل الاعلي للفضائل وينبوعها، مستكملة كل مقوماتها، مواهب وصفات شربت شخصية علي بن ابي طالب «عليه السلام» فاذا هي في وجود الانسان دعامة نشبت بها قيمة الانسان [62] .

وامير المؤمنين علي «عليه السلام» يكني ابا الحسن وابا الحسين، كما يعرف بابي تراب. جاء في (مقاتل الطالبيين): كان بين علي وفاطمة شيء فجاء رسول الله عليه وآله وسلم يلتمس علياً فلم يجده، فقال لفاطمة: أين هو؟ قالت كان بيني وبينه شيء فخرج من عندي غضبان، فالتمسه رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فوجده في المسجد راقداً وقد زال رداؤه عنه واصابه التراب، فايقظه رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» وجعل يمسح التراب عن ظهره وقال له: اجلس فانما انت ابو تراب وكنا نمدح علياً اذا قلنا له ابو تراب [63] .

لقد اختاره محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» يتعبد بغار حراء ليكون الساعد الايمن له والربان الامين لسفينته والقائد العقائدي الذي لا تهزه الهزاهز ولا تأخذه في الحق لومة لائم. وقف يضحي في سبيل الامة الاسلامية، يحمل لواء مسيرة الاسلام الخالد وسامً شرفٍ ثوري وعزيمة لا تقهر. قال الامام الشافعي:

[ صفحه 59]

ماذا اقول بمن حطت له قـدم ان قلت ذا بشر فالعقل يمنعني في موضـع وضع الرحمـان يمنـاه واختشي الله من قولي هو (....)

هنالك شواهد كثيرة ونصوص صريحة تؤكد علي مكانة الامام علي المتميزة في الدولة الاسلامية ومنزلته الرفيعة في صفوف المسلمين، فهو من دانت له الرقاب وطأطأت له الرؤوس، ذلك هو زوج الزهراء وابو الائمة الهداة الاطهار.

استمع اليه وهو يخطب فينحدر الكلم منه كالسيل، وتتفجر الحكمة والفصاحة من ينابيع فكره كأنها الدر المنثور، فماذا قال:

عن امير المؤمنين علي بن ابي طالب «عليه السلام» قوله:

فارفض الدنيا، فان حب الدنيا يعمي ويصم، ويذل الرقاب، فتدارك ما بقي من عمرك، ولا تقل غداً وبعد غد، فانما هلك من مضي قبلك باقامتهم علي الاماني والتسويف، حتي اتاهم من الله امرهم بغتة وهو غافلون. فنقلوا علي اعوادهم الي قبورهم المظلمة.. فمن رفض الدنيا ليس فيه انكسار ولا انخذال، اعاننا الله واياك علي طاعته، ووفقنا واياك لمرضاته. قال رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، وشهواتها يطلب من لا فهم له، وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له، ولها يسعي من لا يقين له.

وقال امير المؤمنين علي «عليه السلام»: (يا دنيا اليك عني، ابيَ تعرضتِ؟ ام اليَّ تشوقتِ؟ لا حان حينك، هيهات! غُرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثاً، لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأَمَلك

[ صفحه 60]

حقير، آه من قلة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر، وعظيم المورد، وخشونة المضجع!).

هذا امير المؤمنين علي «عليه السلام» يبكي تارة من قلة الزاد وتارة يبكي لفقد الاحبة كما هو واضح من خطبته الشريفة. الي ان يصل قوله:

(ايها الناس اني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ بها الانبياء اممهم، وأديت لكم ما ادت الاوصياء الي من بعدهم، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا. وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا، لله انتم أتتوقعون اماماً غيري، يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل؟ الا انه قد ادبر من الدنيا ما كان مقبلاً، واقبل منها ما كان مدبراً، وازمع الترحال عباد الله الاخيار وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقي بكثير من الآخرة لا يفني، ما ضر اخواننا الذين سفكت دماؤهم وهم بصفين الا يكونوا اليوم احياء يسيغون الغصص ويشربون الرنق؟ قد والله لقوا الله فوفاهم اجورهم، واحلهم دار الأمن بعد خوفهم، اين اخواني الذين ركبوا الطريق، ومضوا علي الحق؟ أين عمار وأين ابن التيهان، واين ذو الشهادتين؟ اين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا علي المنية؟ وابرد برؤوسهم الي الفجرة؟ ثم ضرب بيده الشريفة علي لحيته الكريمة، فأطال البكاء. ثم قال «عليه السلام»:

(اوه علي اخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبروا الفرض فأقاموه، احيوا السنة، واماتوا البدعة، دُعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوه.. ثم نادي باعلي صوته: الجهاد الجهاد عباد الله، الا واني معسكر في يومي هذا، فمن اراد الرواح الي الله فليخرج).

لقد استشهد الامام علي بن ابي طالب «عليه السلام» والصلاة بين شفتيه،

[ صفحه 61]

مات وفي قلبه الشوق الي لقاء الله عز وجل، مات قبل ان يبلغ العالم رسالته كاملة وافية، غير اني اتمثله متبسماً قبل ان يغمض عينيه عن هذه الارض.

كان «عليه السلام» اصل علم الفقه ومصدره، وكل فقهاء الاسلام عيال عليه، ولا عجب فهو جماع الفضائل، نام في فراش النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» وهو كالأسد الهصور في عرينه، فلم يبال بالموت اوقع عليه ام وقع هو علي الموت؟ وكان منه «صلي الله عليه وآله وسلم» بمنزلة هارون من موسي، وهو الدرع الحصين له في جميع الغزوات قبل الفتح وبعده.

وكانت ضربة علي «عليه السلام» ليلة الاحد لاحدي عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان، وشهادته في الواحد والعشرين منه سنة اربعين من الهجرة عند صلاة الصبح علي يد عبد الرحمن ابن ملجم المرادي.. روي جعفر بن سليمان الضبعي عن المعلي بن زياد قال: جاء عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله الي امير المؤمنين «عليه السلام» يستحمله، فقال: انت عبد الرحمن بن ملجم المرادي؟ قال: نعم، ثم قال: انت عبد الرحمن بن ملجم المرادي؟ قال: نعم، قال: يا غزوان احمله علي الاشقر، فجاء بفرس اشقر فركبه ابن ملجم لعنه الله واخذ بعنانه فلما ولي قال امير المؤمنين عليه اللسلام: اريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد

قال: فلما كان من امره ما كان وضرب امير المؤمنين «عليه السلام» قبض عليه وقد خرج من المسجد فجيء به الي امير المؤمنين، فقال له: فوالله لقد كنت اصنع بك ما اصنع وانا اعلم انك قاتلي ولكن كنت افعل ذلك بك

[ صفحه 62]

لاستظهر بالله عليك [64] .

تلك هي شخصية الامام علي بن ابي طالب «عليه السلام» الذي استطاع بحذقه ومهارته ان يصل الي مركز مرموق في دولة الاسلام والمسلمين.

[ صفحه 63]

البيت الزوجي

في رواية ابن مسعود عن النبي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم»: ان الله تبارك وتعالي امرني ان ازوج فاطمة من علي «عليه السلام» [65] وفي رواية اخري ينقلها لنا الخوارزمي فيقول: ان رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» خرج علي اصحابه ووجهه مشرق كدائرة القمر، فسأله عبد الرحمن بن عوف؟ فقال: بشارة اتتني من ربي في اخي وابن عمي وابنتي بان الله زوج علياً من فاطمة... [66] وفي حديث آخر: بان جبرئيل جاء الي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» فقال: ان الله يأمرك ان تزوج فاطمة من علي [67] .

قال احمد في (الفضائل) حدثنا ابراهيم بن عبد الصمد البصري حدثنا ابراهيم بن يسار حدثنا سفيان عن ابن ابي نجيح عن ابيه قال اخبرني من

[ صفحه 64]

سمع علي بن ابي طالب يقول علي منبر الكوفة: لما اردت ان اخطب فاطمة الي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» ذكرت انه لا شيء لي، ثم ذكرت عائدته وصلته فخطبها، فقال: وهل عندك شيء، قلت: لا، قال: فاين درعك الحطمية؟ فقلت: عندي، وكان رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» قد وهبها لي فأتيته بها فأنكحني اياها علي الدرع، فلما ان دخلت عليَّ، قال: لا تحدثن حدثاً حتي اتيكما فاستأذن رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» علينا وعلينا كساء او قطيفة، قال: فتخشخشنا، فقال: مكانكما علي حالكما فدخل علينا فجلس عند رؤوسنا ودعا بماء فدعا فيه بالبركة ورشه علينا، قال علي فقلت: يا رسول الله ايما احب اليك انا ام هي؟ فقال: هي احب اليَّ منك وانت اعز علي منها. قال الشعبي: وكان قيمة درعه خمسة دراهم وغيره يقول خمسمائة درهم [68] .

ولعبد المطلب الشاعر المصري قصيدته العلوية وفيها يتحدث عن علي في صباه واسلامه وكيف جنب الرجس والشرك ثم تكلم عن زواجه من فاطمة الزهراء فقال: قرآنٌ زاده الاسلام يمناً وشمل زاده الحب التئاما

وقال احمد في (الفضائل) حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ايوب عن عكرمة عن ابي زيد المدني قال لما اهديت فاطمة الي علي «عليها السلام» لم تجد عنده الا رملاً مبسوطاً ووسادة وكوزاً وجرة، فأرسل اليه رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» لا تقرب زوجتك حتي آتيك، فجاء رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فدعا بماء فقال فيه ما شاء الله ان يقول ثم

[ صفحه 65]

نضح به صدر علي «عليه السلام» ووجهه ثم دعا بفاطمة فقامت اليه في مراطها وهي تصعد عرفاً من الحياء فنضح عليها من الماء وقال لها: اما اني لم انكحك الا أحب اهلي اليَّ واعزهم علي او عندي، ثم خرج وقال: دونك اهلك، وما زال يدعو لنا حتي دخل الحجرة فرأي سواداً من وراء الباب، فقال: من هذا؟ فقالت: اسماء، قال: بنت عميس؟ قالت: نعم، قال: امع بنت رسول الله جئت كرامة لرسول الله؟ قالت: نعم، فدعا لها. وفي رواية انه جهز رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فاطمة في خميله وهي القطيفة. وفي رواية جهزها رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» ومعها قربة من ادم ووسادة من ادم حشوها ليف وجلد كبش ينامان عليه بالليل ويغلفان الناضح عليه في النهار ورحا وجرة [69] .

ومما ينبغي ان يشار اليه في هذا الصدد هو ان المرأة العفيفة المصون فاطمة، أدارت نفسها بنفسها، ولم تتكل علي خادمتها، فهي الممرضة لزوجها واولادها ان دعاهم داعي السقام، تعين زوجها علي تنظيم اعماله وتتميم اشغاله، وتقوم بتدبيرها بكل ما يتكفل راحته، وقد انجبت نسلاً جامعاً لصفات الكمال، متحلين بحلي الفضائل. علمت أولادها حسن السلوك وربتهم علي العفاف والتقوي وعزة النفس.

لقد زوج النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» ابنته فاطمة من ابن عمه علي اشد الناس محبة للنبي واخلاصاً له منذ طفولته [70] ، فهي قبس من نور محمد، ووجه جميل يشع ويضيء علي العالم الاسلامي لانها بنت الاطائب،

[ صفحه 66]

قال الشاعر الشيخ محمد علي كمونة: فمن مبلغ عني الرسول وحيدرا وفاطمة الزهراء بنت الاطائب

دخل النبي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» دار علي مع ابنته الزهراء، وهو يقول: اين اخي علي ادعو لي اخي علياً، وتقول له مولاته ام ايمن: اخوك وقد زوجته ابنتك يا رسول الله؟ نعم يا ام ايمن انه اخي وليس ذلك بمانعي ان ازوجه ابنتي، فلقد زوجتها كفوءاً شريفاً وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين [71] .

وفي (ذخائر العقبي): عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الليلة التي زفت فيها فاطمة الي علي عليهما السلام، كان النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» امامها وجبريل عن يمينها وميكائيل عن يسارها وسبعون الف ملك من خلفها يسبحون الله ويقدسونه حتي طلع الفجر [72] .

وجاء في موسوعة (اعيان الشيعة) ما هذا نصه: (في كشف الغمة روي عن أبي عبد الله «عليه السلام» انه قال: لولا ان تبارك وتعالي خلق امير المؤمنين لفاطمة ما كان لها كفؤ علي وجه الارض ادم فمن دونه، قال: وروي صاحب كتاب الفردوس عن النبي «صلي الله عليه وآله وسلم»: لولا علي لم يكن لفاطمة كفؤ. وفي مناقب ابن شهر اشوب قد اشتهر في الصحاح بالاسانيد عن امير المؤمنين وابن عباس وابن مسعود وجابر الانصاري وانس بن مالك والبراء بن عازب وام سلمة بالفاظ مختلفة ومعان

[ صفحه 67]

متعففة: ان ابا بكر وعمر خطبا الي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» فاطمة مرة بعد اخري فردهما. وروي احمد في الفضائل عن بريدة: ان ابا بكر وعمر خطبا الي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» فاطمة فقال انها صغيرة، وروي محمد بن سعيد كاتب الواقدي في الجزء الثامن من الطبقات الكبيرة بسنده: ان ابا بكر خطب فاطمة الي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» فقال: انتظر بها القضاء. فذكر ذلك لعمر فقال له ردك، ثم ان ابا بكر قال لعمر اخطب فاطمة الي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» فخطبها، فقال: له مثل ما قال لابي بكر انتظر بها القضاء، فأخبر ابا بكر فقال له ردك... الحديث. (وبسنده) عن بريدة انه قال نفر من الانفار لعلي: عندك فاطمة، فأتي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فسلم عليه، فقال: ما حاجة ابن ابي طالب، قال: ذكرت فاطمة بنت رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»، قال: مرحباً واهلاً لم يرده عليها، فخرج علي اولئك الرهط وهم ينتظرونه قالوا: ما وراءك؟ قال: ما ادري غير انه قال لي: مرحباً واهلاً، قالوا: يكفيك من رسول الله احدهما اعطاك الاهل اعطاك المرحب الحديث [73] .

وهبط علي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» ملك يقال له محمود مكتوب علي كتفيه محمد رسول الله علي وصيه فقال: يا رسول الله ان الله بعثني ان ازوج النور من النور اعني فاطمة من علي [74] .

لكن الشيء المهم الذي يلفت الانتباه هو ان الامام امير المؤمنين علياً عليه

[ صفحه 68]

السلام طلب يد ابنة النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» فاطمة فأجابه النبي علي طلبه دون استثناء، فقال الامام علي: ان ليس عندي سوي سيفي ودرعي وناقتي ابيعها، ولكن النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» قال: اما السيف فلطالما جاهدت به في سبيل الله ولسوف تجاهد به ايضاً، واما الناقة فهي تفيدك في اسفارك وغزواتك ولكن الدرع بعه، فخرج علي وعرض درعه للبيع فاشتراه عثمان بن عفان بـ (480) درهماً وقام ابو بكر بمهمة اعداد الجهاز فذهب الي السوق وابتاع ثوبين ومقنعة وقطيفة واريكة من رخام وفراشاً واربعة وسائد من الجلد وبردة من الصوف وحصيراً وطستاً من النحاس وقربة وقدحاً من الخشب ومشربة ورحاة فبلغ ثمنها (80) درهماً [75] .

ويحسن بنا ان نشير الي ان الرسول الكريم محمداً «صلي الله عليه وآله وسلم» دعا اصحابه وجل القوم في المسجد وتلا خطبة العقد في ذلك الحفل حيث قال:

الحمد لله المحمود بنعته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المرهوب من عذابه المرغوب اليه فيما عنده النافذ امره في السماء والارض الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم بحكمته واحكمهم بعزمه واعزهم بدينه واكرمهم بنبيه، قد جعل المصاهرة نسباً حقاً وامراً مفترضاً نسخ به الانام واوشح بها الارحام والزمها الانام فقال عز وجل: (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديرا) فأمر الله يجري قضاؤه وقضاؤه يجري الي قدره وقدره يجري الي اجله فلكل قضاء قدر ولكل اجل كتاب يمحوا الله ما

[ صفحه 69]

يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب ثم ان الله تعالي امرني ان ازوج فاطمة وعلياً وقد زوجتهما علي (400) مثقال فضة.

ثم التفت الي علي وقال له: ارضيت يا علي؟ فأجابه علي: نعم رضيت عن الله ورسوله، فقال النبي: جمع الله شملكما واسعد بركتكما وبارك الله عليكما واخرج منكما نسلاً كثيراً طيباً. ثم غادر الحفل وتوجه نحو داره وقال لاهله: هيئوا لابنتي وابن عمي في حجركم بيتاً، ثم قال لعلي: بارك الله في ابنة رسول الله يا علي نعم الزوجة فاطمة، وقال لفاطمة: نعم البعل علي.

فهيء جميع ما لزم وأعدَّ عليٌ وليمة فخرج ونادي القوم فحضروا واكلوا وكان النبي يقدم الطعام بنفسه.

وفي ليلة الزفاف ركبت فاطمة علي البغلة الشهباء (دلدل) وكان سلمان الفارسي ماسكاً بزمامها وزوجات النبي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» امامها، ونساء بني هاشم خلفها وهنَّ يقرأن بعض الاشعار، قالت حفصة: فاطمة خير نساء البشر زوجك الله فتي فاضلاً ومن لها وجـهُ كوجـهِ القمر اعني علياً خير من في الحضر

وفي رواية اخري: فاطمـة خير نسـاء البشر فضلك الله علي كل الوري زوجـك الله فتـي فاضلاً فسرن جاراتي بهـا انـها ومن لها وجـهُ كوجـه القمر بفضل من خـص بآي الزمر اعني علياً خير من في الخطر كريمـة بنت عظيم الخطر [76]

وقالت ام سلمة:

[ صفحه 70]

سرن بعـون الله جاراتي واذكرن ما انعم رب العلي فقد هدانـا بعد كفر وقـد وسرن مع خير نساء الوري يا بنت من فضَّله ذو العلي واشكرنه في كل حالات من كشف مكروه وآفات انعشنـا رب السمـاوات تفدي بعمـات وخـالات بالوحي منه والرسالات [77]

وقالت عائشة: يا نسـوة استـرن بالمعاجـر واذكرن رب الناس اذ يخصنا والحمـد لله علـي افضـاله سرن بها فالله اعطي ذكرهـا واذكرن ما يحسن في المحاضر بدينـه مع كـل عبد شـاكـر والشكـر لله العـزيـز القـادر وخصها منه بطهـر طاهـر [78]

وقالت معاذه: اقول قولاً فيـه ما فيـه محمد خيـر بنـي آدم بفضله عرفنـا رشدنـا ونحن مع بنت نبي الهدي في ذروة شامخة اصلهـا واذكر الخيـر وابديـه ما فيه من كبر ولا تيه فالله بالخيـر يجازيـه في شرف قد مكنت فيه فما أري شيئاً يدانيه [79]

اول ما يلفت النظر في هذا البيت الزوجي الجديد هو الاطمئنان الذي راح امير المؤمنين علي «عليه السلام» يعمل من وحيه، فاستكملت به سعادته التي

[ صفحه 71]

كان يرجوها بفارغ الصبر، لقد تم الزواج ببساطة كأنها القناعة، كأنها الرضي، كأنها العفة، كأنها الاستسلام لمشيئة منتظرة، كأنها السعادة المرجوة علي ارتقاب، وارتبطت حياة فاطمة بحياة علي بالرباط الذي يجب ان يتقاسم عليه كلا الزوجين احكام المصير، نعيماً بنعيم وبؤساً ببؤس. وتقدمت فاطمة الي ساحة الحياة، تحمل علي منكبيها اعباء المشاركة، برضوخ المؤمن في استجابته للمشيئة الكبري، وكانت المثلبة منها شهادة لها بالاصالة [80] .

ولابد ان نذكر هنا ان اول انتاج لفاطمة سيأخذه النبي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» ويرفعه بيديه الكريمتين هو الحسن وتبعه الحسين عليهما السلام.. ثم بقيت الام تنجب ـ من جسمها النحيل ـ لقد نزلت في البيت الفقير اختان اخذتا اسمي خالتيهما زينب وام كلثوم، وبقيت الام تشارك بالمجهود، تارة تسقط العبء فيمد الزوج الامين يد المساعدة، وطوراً تنهض لمتابعة الجهاد ببطولة ما كانت تجد في الجسم الهزيل تلبية لها [81] .

ومما يذكر بهذا الصدد ان هذه البراعم الخمسة من السلسة المحمدية تمثل كل ما في دوحة الرسالة من فروع، واختار الرسول الاعظم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» لكل من هذه البراعم اسماً، وهي علي التوالي: الحسن، الحسين، زينب، ام كلثوم، المحسن، كانوا كالكواكب الزهر حسناً وضياءً، اما اولاد أمير المؤمنين قاطبة كما تحدثنا المصادر فهم في رواية سبعة وعشرون وفي اخري ثمانية وعشرون. قال الشيخ المفيد عليه الرحمة في

[ صفحه 72]

(الارشاد) ما يلي: فأولاد امير المؤمنين سبعة وعشرون ولداً ذكراً وانثي. 1ـ الحسن 2ـ الحسين 3ـ زينب الكبري 4ـ زينب الصغري المكناة ام كلثوم. امهم فاطمة البتول سيدة نساء العالمين بنت سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» 5ـ محمد المكني بأبي القاسم، أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية 6ـ عمر 7ـ رقية كانا توأمين. امهما ام حبيب بنت ربيعة 8ـ العباس 9ـ جعفر 10ـ عثمان 11ـ عبد الله الشهداء مع اخيهم الحسين «عليه السلام» بطف كربلاء، امهم ام البنين بنت حزام بن خالد بن ارم 12ـ محمد الاصغر المكني بأبي بكر 13ـ عبيد الله الشهيدان مع اخيهما الحسين «عليه السلام» بالطف، امهما ليلي بنت مسعود الدارمية 14ـ يحيي. امه اسماء بنت عميس الخثعمية رضي الله عنها 15ـ ام الحسن 16ـ رملة امهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي 17ـ نفيسة 18ـ زينب الصغري 19ـ رقية 20ـ ام هاني 21ـ ام الكرام 22ـ جمانة المكناة ام جعفر 23ـ امامة 24ـ ام سلمة 25ـ ميمونة 26ـ خديجة 27ـ فاطمة رحمة الله عليهن لامهات شتي. وفي الشيعة من يذكر ان فاطمة صلوات الله عليها اسقطت بعد النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» ذكراً كان سماه رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» وهو حمل محسناً، فعلي قول هذه الطايفة اولاد امير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ثمانية وعشرون ولداً والله اعلم واحكم [82] .

ومما يذكر عن فضلهم وايثارهم بالطعام فان هناك روايات كثيرة تدل

[ صفحه 73]

علي كرم النبي الكريم واهل بيته الغر الكرام. قال علماء التأويل: فيهم نزل قوله تعالي: (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا) أنبأنا ابو محمد بن ابي المكارم القزويني بدمشق سنة اثنتين وعشرين وستمائة قال أنبأنا ابو منصور محمد بن اسعد بن محمد العطاري انبأنا الحسين بن مسعود البعوي انبأنا احمد ابن ابراهيم الخوارزمي انبأنا ابو اسحاق احمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي انبأنا عبد الله بن حامد انبأنا ابو محمد احمد بن عبد الله المزني حدثنا محمد بن احمد بن سهيل الباهلي حدثنا عبد الرحمان ابن محمد بن هلال حدثني القاسم بن يحيي عن ابي علي العزي عن محمد بن السايب عن ابي صالح عن ابن عباس. ورواه ايضاً مجاهد عن ابن عباس قال في قوله تعالي (يوفون بالنذر) الآية قال: مرض الحسن والحسين عليهما السلام فعادهما رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» ومعه ابو بكر وعمر (رض) وعادهما عامة العرب، فقالوا: يا ابا الحسن لو نذرت علي ولديك فكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء، فقال علي «عليه السلام»: عليّ لله ان برأ ولداي مما بهما صمت لله ثلاثة ايام شكراً، وقالت فاطمة كذلك، وقالت الجارية يقال لها فضة كذلك، فالبس الغلامان العافية وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق علي «عليه السلام» الي شمعون بن حانا اليهودي فاستقرض منه ثلاثة اصوع من شعير، فجاء الي فاطمة فقامت الي صاع فطحنته وخبزته خمسة اقراص لكل واحد منهم قرص، وصلي علي «عليه السلام» المغرب مع النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» ثم اتي المنزل فوضع الطعام بين ايديهم، فجاء سائل او مسكين فوقف علي الباب وقال: السلام عليكم يا اهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين اطعموني اطعمكم

[ صفحه 74]

الله من موائد الجنة، فسمعه علي «عليه السلام» فقال: فاطم ذات المجد واليقين اما ترين البائس المسكين يشكو الي الله ويستكيـن كل امرئ بكسبه رهيـن موعده جنـة علـييـن وللبخيل موقـف مهيـن يا بنت خير الناس اجمعين قد قام بالباب له حنـيـن يشكو الينا جائـع حزيـن وفاعل الخيرات يستبيـن حرمها الله علي الضنيـن تهوي به النار الي سجين

فقالت فاطمة سلام الله عليها: اطعمه ولا ابـالي السـاعة ان ألحق الاخيار والجماعة ارجو اذا اشبعت ذا مجاعة واسكن الخلد ولي شفاعـة

قال: فاعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا الا الماء القراح. ولما كان اليوم الثاني طحنت فاطمة من الشعير وصنعت منه خمسة اقراص وصلي علي «عليه السلام» المغرب وجاء الي المنزل، فجاء يتيم فوقف علي الباب فقال: السلام عليكم يا اهل بيت محمد يتيم من اولاد المهاجرين استشهد والدي اطعموني مما رزقكم الله اطعمكم الله من موائد الجنة؟ فقال علي «عليه السلام»: فـاطم بنت السيـد الكريـم قد جاءنـا الله بـذا اليتيـم يحمل في الحشر الي الجحيم ومن يجود اليوم في النعيـم بنت نبي ليس بالـذميـم قد حرم الخلد علي اللئيم شرابه الصديد والحميـم شرابه الرحيق والتسنيـم

فقالت فاطمة «عليها السلام»:

[ صفحه 75]

اني اطعمه ولا ابالي

واوثر الله علي عيالي

امسوا جياعاً وهم اشبالي

فرفعوا الطعام وناولوه اياه، ثم اصبحوا وأمسوا في اليوم الثاني كذلك كما كانوا في الاول، فلما كان في اليوم الثالث طحنت فاطمة باقي الشعير ووضعته، فجاء علي «عليه السلام» بعد المغرب فجاء اسير فوقف علي الباب وقال: السلام عليكم يا اهل بيت محمد اسير محتاج تأسرونا ولا تطعمونا اطعمونا من فضل ما رزقكم الله فسمعه علي «عليه السلام» فقال: فاطم يا بنت النبي احمـد مني علي اسيرنا المقيـد عند العلي الماجد الممجد بنـت نـبـي سـيـد مسـود من يطعـم اليوم يجده في الغـد من يزرع الخيرات سوف يحصد

فقالت فاطمة «عليها السلام»: لم يبق عندي اليوم غير صاع ابنـاي والله مـن الجـيـاع قد مجلت كفي مع الذراع ابوهما للخير ذو اصطناع

ثم رفعوا الطعام واعطوه للأسير. فلما كان اليوم الرابع دخل علي «عليه السلام» علي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» يحمل ابنيه كالفرخين، فلما رآهما رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» قال: واين ابنتي؟ قال: في محرابها، فقام رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فدخل عليها ولقد لصق بطنها بظهرها وغارت عيناها من شدة الجوع، فقال النبي «صلي الله عليه وآله وسلم»: واغوثاه بالله آل محمد يموتون جوعاً، فهبط جبرئيل وهو يقرأ (يوفون بالنذر) الآية. فان قيل فقد اخرج هذا الحديث جدك في

[ صفحه 76]

الموضوعات [83] .

هكذا تسابقت فاطمة الزهراء سلام الله عليها الي الخيرات، بما تجود يداها من فضل وكرم، فلا تستأثر بالثروة المفرطة، وهي تساعد المعوزين ولا تحرم الضعفاء او تهمل الفقراء، كل ذلك من أجل اقتطاف المنزلة الرفيعة عند الله سبحانه وتعالي.

هذا هو الشرف العظيم، وهذا هو الجاه الكبير الذي حفظه التاريخ لهذه المرأة الجليلة سيدة نساء العالمين، بنت محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» وخديجة «عليها السلام» ووريثة الفضل والعلم والسجايا الخيرة، واكمل النساء عقلاً واشرفهن حسباً ونسباً واحسنهن خلقاً، والقدوة الصالحة لكل المسلمين.

[ صفحه 77]

ذرية الزهراء

الامام الحسن

كان مولد سبط الرسول الاول في منتصف شهر الخير رمضان المبارك من السنة الثالثة للهجرة، فأقر الله عيون والديه، فشب هذا الوليد ودرج في حجور طهرت وطابت، فكان زهرة هذا المنزل وبدر سمائه. وكان شبيهاً بجده رسول الله محمد صلي الله عليه وسلم، ومما يروي عنه ان الرسول الكريم «صلي الله عليه وآله وسلم» كان يُدلع لسانه للحسن(يخرجه) فإذا رأي الصبي حمرة اللسان يهشي اليه (أي يسر وتنبسط اساريره)، وقد بذل الرسول الكريم «صلي الله عليه وآله وسلم» الشيء الكثير من العناية والرعاية لاولاده. ومن محبة النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» للحسن: عن ابي زهير بن الارقم رجل من الازد قال: سمعت رسول الله صلي الله وسلم يقول للحسن بن علي: من احبني فليحبه فليبلغ الشاهد منكم الغائب، ولو لا عزمه رسول الله صلي الله عليه وسلم

[ صفحه 78]

ما حدثتكم. اخرجه احمد [84] .

وفي مناقب ابن شهر اشوب: كانت فاطمة ترقص ابنها حسناً تقول: اشبه اباك يا حسن واعبد الهاً ذا منن واخلع عن الحق الرسن ولا توال ذا الأحن [85]

يروي العلامة المجلسي فيقول: دعي النبي الي صلاة والحسن متعلق به، فوضعه النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» مقابل جنبه وصلي، فلما سجد أطال السجود، يقول الراوي: فرفعت رأسي من بين القوم فإذا بالحسن علي كنف الرسول فلما سلم قال له القوم: يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها، كانما يوحي اليك، فقال لم يوح اليَّ، ولكن ابني كان علي كتفي، فكرهت ان اعجله حتي نزل [86] .

وروي عن ابراهيم بن علي الرافعي عن ابيه عن جدته زينب بنت ابي رافع وشبيب بن ابي الرافع عمن حدثه قالت: اتت فاطمة «عليها السلام» بابنيها الحسن والحسين عليهما السلام الي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» في شكواه التي توفي فيها، فقالت: يا رسول الله هذان ابناك فوّرثهما شيئاً، فقال: اما الحسن فان له هيبتي وسؤددي، واما الحسين فان له وجودي وشجاعتي. وكان الحسن بن علي عليهما السلام وصي ابيه امير المؤمنين «عليه السلام» علي اهله وولده واصحابه، ووصاه بالنظر في وقوفه وصدقاته، وكتب اليه عهداً مشهوراً ووصيته ظاهرة في معالم الدين

[ صفحه 79]

وعيون الحكمة والاداب، وقد نقل هذه الوصية جمهور العلماء، واستبصر بها في دينه ودنياه كثير من الفقهاء، ولما قبض امير المؤمنين «عليه السلام» خطب الناس الحسن وذكر حقه فبايعه اصحاب ابيه علي حرب من حارب وسلم من سالم [87] .

فالحسن «عليه السلام» هو فرع الدوحة الهاشمية وربيب النبوة والامامة، سليل الحق والعدل والفضيلة، هو واخوه الحسين (سبطا هذه الامة وسيدا شباب اهل الجنة) كما قال «صلي الله عليه وآله وسلم» فيهما: (أي هذان امامان قاما او قعدا).

فأبو محمد الحسن المجتبي هذا هو الامام الصابر كريم اهل البيت، وروي عن الترمذي مرفوعاً الي ابن عباس رضي الله عنه انه قال: كان رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» حامل الحسن ابن علي عليهما السلام، فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي «صلي الله عليه وآله وسلم»: ونعم الراكب هو. وروي عن الحافظ ابي نعيم فيما اورده في حليته عن ابي بكر قال: كان النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» يصلي بنا فيجيئ الحسن «عليه السلام» وهو ساجد وهو اذ ذاك صغير فيجلس علي ظهره، ومرة علي رقبته فيرفعه النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» رفعاً رفيقاً، فلما فرغ من الصلاة، قالوا: يا رسول الله انك تصنع بهذا الصبي شيئاً لا تصنعه بأحد، فقال «صلي الله عليه وآله وسلم»: ان هذا ريحانتي وان ابني هذا سيد وعسي ان يصلح الله تعالي به بين فئتين من المسلمين.

وروي البخاري ومسلم بسنديهما عن ابي هريرة قال: خرجت مع رسول

[ صفحه 80]

الله «صلي الله عليه وآله وسلم» لا يكلمني ولا اكلمه حتي اتي سوق بني قينقاع ثم انصرف حتي اتي مخبأة وهو المخدع فقال: (اثم لكع اثم لكع) يعني حسناً «عليه السلام». فظننا انما حبسته امه لأن تغسله او تلبسه ثوباً فلم يلبث اذ جاء يسعي واعتنق كل واحد منهما صاحب، فقال رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»: اللهم اني احبه واحب من يحبه، وفي رواية اخري اللهم اني احبه واحب من يحبه، قال ابو هريرة: فما كان احد احب الي من الحسن بعد ما قال رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» [88] .

وحكي عنه انه اغتسل وخرج من داره في بعض الايام وعليه حلة فاخرة ووفرة ظاهرة ومحاسن سافرة بنفحات طيبات عاطرة ووجهه يشرق حسناً وشكله قد كمل صورة، ومعني السعد يلوح علي اعطافه ونضرة النعيم تعرف من اطرافه، وقد ركب بغلة فارهة غير عسوفة وسار وقد اكتنفه من حاشيته صفوف، فعرض له في طريقه شخص من محاويج اليهود وعليه مسح من جلود وقد انهكته العلة والذلة وشمس الظهيرة قد شواه وهو حامل جرة ماء علي قفاه، فاستوقف الحسن فقال: يا ابن رسول الله سؤال، فقال له: ما هو، قال: جدك يقول الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وانت المؤمن وانا الكافر فما اري الدنيا الا جنة لك تنعم فيها وانت مؤمن وتستلذ بها، وما أراها الا سجناً قد اهلكني جرها واجهدني فقرها، فلما سمع الحسن «عليه السلام» كلامه اشرق عليه نور التأييد واستخرج الجواب من خزانة علمه واوضح لليهودي خطأ ظنه وخطل زعمه وقال: يا شيخ لو

[ صفحه 81]

نظرت الي ما اعد الله لي وللمؤمنين في دار الآخرة مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر علي قلب بشر، لعلمت قبل انتقالي اليه في هذه الحالة في سجن، ولو نظرت الي ما اعد الله لك ولكل كافر في الدار الآخرة من سعير نار جهنم ونكال العذاب الاليم المقيم لرأيت قبل مصيرك اليه في جنة واسعة ونعمه جامعة، فانظر الي هذا الجواب الصادع بالصواب [89] .

ولما استشهد الامام امير المؤمنين «عليه السلام» قام باعباء الامامة ولده الامام الحسن المجتبي «عليه السلام»، واستقر علي منصة الخلافة الالهية، الا ان معاوية بن ابي سفيان اوجس منه خيفة فحسده كما حسد اباه من قبل، واخذ يدس الدسائس ويلقي الاشواك في طريق الامام تارة بالوعد واخري بالوعيد وثالثة بالرشوة وهكذا، حتي استطاع من استمالة جماعة من اصحاب الامام وجيشه، فتمكن ان يؤثر علي دينهم المال، فانحازوا نحو معاوية، وتركوا الامام وحيداً بلا ناصر. فاضطر الامام ان يصالح معاوية ويهادنه حفظاً علي كيان الدين الاسلامي لئلا يتداعي، وحقنا للمؤمنين عن الالقاء بهم في اتون حروب بائسة، كل ذلك وفق شروط هامة لم يف بواحد منها معاوية. ولا شك ان معاوية كان يريد الهدنة والصلح، فانه كتب الي الامام الحسن «عليه السلام» في ذلك، والامام «عليه السلام» لم يجد بداً من اجابته الي ما التمس من ترك الحرب وانقاذ الهدنة، فتوثق «عليه السلام» لنفسه من معاوية بتوكيد الحجة عليه والاعذار فيما بيّنه، وبينه عند الله تعالي وعند كافة المسلمين، واشترط عليه بشروط، فأجابه ابن آكلة الاكباد الي الشروط كلها، وعاهده عليها وحلف له بالوفاء له، ولكن غدر

[ صفحه 82]

معاوية بما وعد وقال في خطبته بالنخيلة: اني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا.. ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد اعطاني الله ذلك وانتم له كارهون، الا واني كنت منيت الحسن واعطيته اشياء وجميعها تحت قدمي لا افي بشيء منها له.

وقد ذكر المترجمون للامام الحسن «عليه السلام» صوراً كثيرة من مناقب الامام وبره واحسانه للفقراء والمعوزين اسداها عليهم كانت خالصة لوجه الله، وان كتب السير استعرضت جلائل اعماله وكرمه وسخائه. ونحن اذ نذكر هنا شذرات من هذا الاحسان المتناهي.

ـ1ـ

قيل للامام الحسن «عليه السلام»: لأي شيء لا نراك ترد سائلاً قط ـ ولم تصدر منه كلمة (لا) لسائل ابداً ـ؟

فأجاب «عليه السلام»: (اني لله سائل، وفيه راغب، وانا استحي ان اكون سائلاً وارد سائلاً).

وان الله عودني عادة ان يفيض نعمه علي، وعودته ان افيض نعمه علي الناس. فأخشي ان قطعت العادة ان يمنعني العادة، وانشأ يقول: اذا ما اتاني سـائل قلت مرحبـاً ومن فضله فضل علي كل فاضل بمن فضله فرض علي معجل وافضل ايام الفتي حين يسأل

ـ2ـ

ونسبت له «عليه السلام» الابيات التالية وهي في السخاء: ان السخاء علي العباد فريضة وعد العباد الاسخيـاء جنانـه لله يقرأ في كتاب محكم وأعد للبخلاء نار جهنم

[ صفحه 83]

من كان لا تندي يداه بنائل

للراغبين فليس ذاك بمسلم

ـ3ـ

وله «عليه السلام» ايضاً هذان البيتان: خلقت الخلائق من قدرة فأما السخي ففي راحـة فمنهم سخي ومنهم بخيل واما البخيل فحزن طويل

ـ4ـ

جاء اعرابي الي الامام الحسن «عليه السلام» فقال «عليه السلام»: (اعطوه ما في الخزانة) وكان فيها عشرة الاف درهم، فقال الاعرابي: يا سيدي هلا تركتني ابوح بحاجتي وانشر مدحتي؟

فأجابه الامام «عليه السلام»: نحن اناس نوالنا خضـل نجود قبل السؤال انفسنـا لو علم البحر فضل نائلنا يرتـع فيه الرجـاء والامـل خوفاً علي ماء وجه من يَسل لفاض من بعد فيضه حجـل

ـ5ـ

اجتاز الامام «عليه السلام» علي غلام اسود بين يديه رغيف يأكل منه لقمة، ويدفع لكلب كان عنده لقمة اخري. فقال له الامام «عليه السلام»: (ما حملك علي ذلك؟) فقال الغلام: اني لاستحي ان آكل ولا اطعمه.

رأي الامام «عليه السلام» فيه خصلة من احب الخصال عنده فأحب ان يجازيه علي صنعه ويقابل احسانه باحسان، فقال له: (لا تبرح مكانك) ثم انطلق فاشتراه من مولاه، واشتري الحائط أي (البستان) الذي هو فيه، فأعتقه وملكه اياه.

[ صفحه 84]

ـ6ـ

اجتاز الامام «عليه السلام» يوماً في بعض ازقة المدينة فسمع رجلاً يسأل الله ان يرزقه عشرة الاف درهم، فانطلق «عليه السلام» الي بيته، وارسلها اليه في الوقت.

ـ7ـ

خرج الامام «عليه السلام» هو واخوه الحسين وابن عمهما عبد الله بن جعفر من (المدينة) قاصدين الحج، وفي اثناء الطريق اصابهم جوع وعطش، وقد سبقتهم اثقالهم، فانعطفوا علي بيت قد ضرب اطنابه في وسط تلك البيداء القاحلة، فلما وصلوا الي البيت لم يروا فيه الا عجوزاً فطلبوا منها شراباً وطعاماً. فتقدمت اليهم بشاة قائلة: دونكم هذه الشاة فاحلبوها واشربوا لبنها. فلما فعلوا ذلك تقدمت اليهم مرة اخري قائلة: اقسم عليكم الا ما ذبحها احدكم حتي اهيئ لكم الحطب لشيئها. ففعلوا ذلك، وهيأت العجوز الحطب، وبعدما اكلوا وفرغوا تقدموا اليها قائلين:

(يا أمة الله، انا نفر من قريش نريد حج بيت الله الحرام، فإذا رجعنا سالمين فهلمي الينا لنكافئك علي هذا الصنع الجميل) مضت الايام والليالي والشهور والسنوات حتي اذا اعتري البادية ازمة شديدة علي اثر انقطاع المطر وفقدان العشب والقوت.. رحلت العجوز بصحبة رب البيت الي (المدينة) ولم يجدا عملاً يحيطان به خبراً سوي التقاط البعر من الطرقات والشوارع، فاتخذا ذلك مهنة لهما. وفي يوم من الايام ـ وهما علي عملهما ـ لمح الامام الحسن «عليه السلام» العجوز فعرفها، فأمر غلامه ان يأتي بها اليه، فلما مثلت بين يديه قال لها الامام «عليه السلام»: (اتعرفيني يا

[ صفحه 85]

امة الله؟) قالت: لا، قال «عليه السلام»: انا احد ضيوفك يوم كذا سنة كذا. قالت: لست اعرفك. فقال «عليه السلام»: ان لم تعرفيني فانا اعرفك. ثم امر غلامه فاشتري لها من غنم الصدقة الف شاة، واعطاها الف دينار. ثم امر الغلام ان بها الي اخيه الحسين «عليه السلام» ويعرّفه بها. فأتي بها الغلام، ولما دخلت عرفها الحسين «عليه السلام»، فقال للغلام: كم اعطاها اخي؟ قال الغلام: الف شاة والف دينار، ثم بعث الحسين «عليه السلام» بها الي عبد الله بن جعفر، ولما دخلت عليه عرفها عبد الله، فأمر لها بألفي شاة والفي دينار، فحملت العجوز كل ذلك، وانصرفت وقد تغير حالها من فقرٍ مدقع الي غناءٍ وثروة حسدها عليه كل من عرفها.

ـ8ـ

جاء الي الامام «عليه السلام» شخص يظهر الاعواز والحاجة فقال «عليه السلام» للرجل: (ما هذا حق لسؤالك، يعظم لدي معرفتي بما يجب لك، ويكبر لدي ويدي تعجز عن نيلك بما انت اهله، والكثير في ذات الله قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فان قبلت منا الميسور ورفعت عنا مؤونة الاحتفال والاهتمام فعلت) فأجابه الرجل: يابن رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» اقبل القليل، واشكر العطية، واعذر علي المنع. فاحضر «عليه السلام» وكيله وحاسبه وقال له: (هات الفاضل) وكان خمسين الف درهم فدفعها اليه، ولم يكتف «عليه السلام» بذلك بل قال لوكيله: (ما فعلت بالخمسمائة دينار التي عندك؟) فقال له: هي عندي. فأمره باحضارها، ثم دفعها الي الرجل وهو يعتذر.

[ صفحه 86]

ـ9ـ

حي ته جارية له بطاقة ريحان قدمتها اليه. فقال «عليه السلام» لها: (انت حرة لوجه الله)، فلامه (أنس) علي ذلك. فأجابه الامام «عليه السلام»: ادبنا الله فقال تعالي: (واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها). وكان احسن منها اعتاقها.

ـ10ـ

اتاه «عليه السلام» رجل فسأله ان يعطيه شيئاً فقال «عليه السلام»: ان المسألة لا تصلح الا في غرم فادح او فقر مدقع او حمالة مقطعة فقال: ما جئت الا في احداهن، فأمر له «عليه السلام» بمائة دينار.. الخ الحديث.

هكذا ارخص الامام «عليه السلام» في سبيل مرضاة الله كل غالٍ ورخيص حتي انه خرج عن جميع ما يملكه مرتين وقسم امواله ثلاث مرات حتي انه اعطي نعلاً وامسك اخري [90] .

صفا الجو لمعاوية بن ابي سفيان، وحقق امانيه، وجعل الخلافة الاسلامية ملكاً يتوارثه بنوه واسرته من بعده، كيف السبيل الي ذلك والامام الحسن «عليه السلام» لا يزال حياً يرزق، فلابد من القضاء عليه. عن عمر بن اسحاق قال: دخلت انا ورجل علي الحسن بن علي نعوده، فقال: يا فلان سلني فقلت: لا والله لا اسألك حتي يعافيك الله ثم اسألك قال: لقد القيت طائفة من كبدي واني سقيت السم مراراً فلم أسقه مثل هذه المرة، ثم دخلت عليه من الغد فوجدت أخاه الحسين عند رأسه، فقال له الحسين: من تتهمها يا أخي؟ قال: لم لأن تقتله؟ قال: نعم، قال: ان يكن

[ صفحه 87]

الذي اظنه فالله اشد بأساً وتنكيلاً وان لم يسكنه فما احب ان يقتل بي برئ [91] ثم قضي نحبه «عليه السلام» وذلك لخمس خلون من ربيع الاول سنة خمسين من الهجرة وصلي عليه الحسين «عليه السلام» ودفن بالبقيع عند جدته فاطمة بنت اسد «عليها السلام» وعمره آنذاك سبع واربعون سنة.

تلك هي الشخصية الفذة التي حقنت دماء المسلمين ووطدت اركان الدين وحافظت علي بيضته ودرأت عنه غوائل المعتدين الذين امعنوا بكل ما اوتوا من قوة وبأس علي درس آثاره ومحو اخباره.

الامام الحسين

خلفت فاطمة الزهراء «عليها السلام» بعد عام شبلها الثاني الامام ابا عبد الله الحسين «عليه السلام»، فقرت به عيون ابويه، وامتلأ قلباهما بفيض من الحبور الغامر، ذلك الضياء اللامع، ضياء الفضيلة والشرف كان يتلألأ تلألؤ نور الشمس فوق صفحتها. وكان جده النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» يحبه حباً جماً حتي قال فيه: (حسين مني وانا من حسين) وقال فيه: (حسين سبط من الاسباط) وقال فيه: (حسين روحي التي بين جنبي). وقال فيه وفي اخيه عليهما السلام: (الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة) وقال ايضاً: (الحسن والحسين امامان ان قاما وان قعدا)، وقال: (هما ريحانتاي من الدنيا).

ان هذه الاحاديث النبوية الشريفة اثبتت مكانة الحسنين بالنسبة لجدهما

[ صفحه 88]

محمد «صلي الله عليه وآله وسلم»، وكان لهذا المولود الجديد صدي مبهج في قلب جده.

في (المناقب): كانت فاطمة ترقص ابنها الحسين فتقول: انت شبيه بأبي ليس شبيهاً بعلي [92]

اقبل الرسول الكريم «صلي الله عليه وآله وسلم» علي الحسن والحسين عليهما السلام يغمرهما من حبه وحنانه ويفيض عليهما من عطف الابوة ما شاء له ان يعطف حتي كبرا ودرجا في السن، ولقد اثر الزهراء «عليها السلام» بالنعمة الكبري، فحصر ذرية الرسول الكريم «صلي الله عليه وآله وسلم» في ولديها وحفظ بها اشرف سلالة عرفتها البشرية، كما كرم الله علياً «عليه السلام» فجعل من صلبه هذه السلسلة من الذرية العلوية الشريفة التي انتشرت في ارجاء الكرة الارضية. وشب الحسين «عليه السلام» في بيت النبوة ومهبط الوحي، وبلغ مبلغ الرجال، فكان علي جانب عظيم من الزهد والورع والتضحية والاباء والجود والكرم، حتي كانت فاجعة كربلاء سنة 61 هـ حيث ابي الا ان يحق الحق ويزهق الباطل، فقارع الظلم وطارد المارقين حتي استقر في ارض كربلاء والتقي مع جيش الكفر والضلال، ودارت رحي الحرب، ودقت ساعة القتال، فاذا بالحسين «عليه السلام» يزداد عزماً وقوة واندفاعاً لمحاربة جيش الشرك، وقدم قرابينه في سبيل احياء دين جده الكريم. قال الشاعر الشيخ محسن ابو الحب ـ الكبير ـ عن لسان حال الحسين «عليه السلام»: ان كان دين محمد لم يستقم إلّا بقتلي يا سيوف خذيني

[ صفحه 89]

هذا دمي فلترو صادية الظبا

منه وهذا للرماح وتيني

لقد خاض الامام الحسين «عليه السلام» اعنف معركة عرفها التاريخ، بالرغم من قلة انصاره وكثرة اعدائه، فقتل اصحابه واهل بيته حتي طفله الرضيع عبد الله، واخوه العباس «عليه السلام» واحرقت خيام النساء، واذا بالقدر يهوي ويزلزل ذلك الطود الشامخ، شجرة الفضيلة فخرَّ صريعاً في ميدان الشرف والاباء لاحقاً بربه مجاهداً محتسباً.

جاء في (الفصول المهمة): (.. فرحل الحسين «عليه السلام» وأهله ونزلوا بكربلاء وذلك يوم الاربعاء الثامن من المحرم سنة احدي وستين، فقال «عليه السلام»: هذه كربلاء موضع كرب وبلاء، هذه مناخ ركابنا ومحط رحالنا ومقتل رجالنا، وكتب الحر الي ابن زياد يعلمه بنزول الحسين «عليه السلام» بارض كربلاء. فانظر ما تري في امره، فكتب عبيد الله بن زياد كتاباً الي الحسين «عليه السلام» يقول فيه: اما بعد ان يزيد بن معاوية كتب الي ان لا تغمض جفنك من اللئام ولا تشبع بطنك من الطعام او يرجع الحسين علي حكمي او تقتله والسلام، فلما ورد الكتاب علي الحسين «عليه السلام» وقرأه القاه من يده، وقال للرسول: ماله عندي جواب، فلما رجع الرسول الي ابن زياد واخبره بذلك اشتد غيظه وجمع الجموع وجنّد الجند وجهز اليه العساكر وجعل علي مقدمها عمر بن سعد وكان قد ولّاه الري واعمالها، فاستعفي من الخروج الي قتال الحسين «عليه السلام» وقد تقدمته العساكر فقال له ابن زياد: اما ان تخرج اليه او اخرج عن عملنا من الري، فخرج عمر الي الحسين وصار ابن زياد يمده بالجيوش شيئاً بعد شيء الي ان اجتمع عند عمر بن سعد عشرون الف مقاتل ما بين فارس وراجل، واول من

[ صفحه 90]

خرج مع عمر بن سعد الشمر بن ذي الجوشن في اربعة الآف فارس، ثم زحفت خيل ابن سعد حتي نزلت بشاطئ الفرات وحالوا بين الحسين واصحابه وبين الماء، فعند ذلك ضاق الامر علي الحسين «عليه السلام» وعلي اصحابه واشتد بهم العطش وكان مع الحسين «عليه السلام» شخص من اهل الزهد والزرع يقال له يزيد بن الحصين الهمداني، فقال للحسين «عليه السلام»: ائذن لي يابن رسول الله في ان آتي مقدم هؤلاء عمر بن سعد فأكلمه في الماء لعله ان يرتدع، فاذن له، وقال: ذلك اليك اذا شئت فجاء الهمداني الي عمر بن سعد فكلمه في الماء فامتنع منه فلم يجبه الي ذلك، فقال له: هذا ماء الفرات تشرب منه الكلاب والذئاب، وغير ذلك وتمنعه الحسين ابن بنت رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» واخوته ونساؤه واهل بيته والعترة الطاهرة يموتون عطشاً وقد حلتَ بينهم وبين الماء وانت تزعم انك تعرف الله ورسوله، فأطرق عمر بن سعد ثم قال يا اخا همدان اني لأعلم حقيقة ما تقول وانشد: دعاني عبيد الله من دون قومه فوالله ما ادري واني لـواقف أأخذ ملك الري والري رغبتي وفي قتله النار التي ليس دونها الي خصلة فيها خرجت لحيني علي خطر لا ارتضيه وميـن وارجع مطلوبـاً بدم حسـين حجاب وملك الري قرة عين

ثم قال يا اخا همدان ما تجيبني نفسي الي ترك الري لغيري، فرجع يزيد بن الحصين الهمداني الي الحسين «عليه السلام» واخبره بمقالة ابن سعد فلما عرف الحسين ذلك منهم تيقن ان القوم مقاتلوه، فأمر اصحابه فاحتفروا حفيرة شبيهة بالخندق وجعلوا له جهة واحدة يكون القتال منها واهدفوا

[ صفحه 91]

عسكر بن سعد بالحسين «عليه السلام» واصحابه يصفوا لهم وارشدوهم بالسهام والنبال واشتد عليهم القتال، ولم يزالوا يقتلوا من اهل الحسين «عليه السلام» واحداً بعد واحد حتي اتوا علي ما ينيف علي خمسين منهم، فعند ذلك صاح الحسين «عليه السلام» اما من ذاب يذب عن حريم رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» واذا بالحر بن يزيد الرياحي الذي تقدم ذكره الذي كان خرج الي الحسين اولاً من جهة ابن زياد قد خرج من عسكر عمر بن سعد راكباً علي فرسه وقال: يابن رسول الله انا كنت اول من خرج عليك عيناً ولم اظن ان الامر يصل الي هذه الحال وانا الان من حزبك وانصارك أقاتل بين يديك حتي اقتل ارجو بذلك شفاعة جدك، ثم قاتل بين يديه حتي قتل. فلما فني اصحاب الحسين «عليه السلام» وقتلوا جميعهم عن آخرهم؛ اخوته وبنو عمه، وبقي وحده بمفرده حمل عليهم حملة منكرة قتل فيها كثيراً من الرجال والابطال ورجع سالماً الي موقفه عند الحريم، ثم حمل عليهم حملة اخري وأراد الكر راجعاً الي موقفه فحال الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله بينه وبين الحريم والمرجع اليهم في جماعة من ابطالهم وشجعانهم واحدقوا به، ثم جماعة منهم تبادروا الي الحريم والاطفال يريدون سلبهم فصاح الحسين «عليه السلام»: ويحكم يا شيعة الشيطان كفوا سفهاءكم عن التعرض للنساء والاطفال فانهم لم يقاتلوا، فقال الشمر لعنه الله: كفوا عنهم واقصدوا الرجل بنفسه.. [93]

لقد بادرت تلك الزمرة الخائنة بالقضاء علي الحسين «عليه السلام» كان الشمر اشدَّ القوم تطوعاً لقتال الحسين «عليه السلام»، وحتي ابن سعد كان

[ صفحه 92]

يتهيب فكاد ان يتزعزع عزمه علي القتال لولا هذا الجلف الجافي. لكن الحسين «عليه السلام» يدافع عن مبدأ اسمي ومثل اعلي، وضحي في سبيله بما ضحي. فكان مظفراً خالداً في نظر الاجيال والتاريخ. والحسين «عليه السلام» انما كافح عناصر السوء والرذيلة والاستبداد والظلم والطغيان، وهي التي كانت مبدأ يعتنقه يزيد وزبانيته ويحملون الناس عليه ويذيعونه في مجتمع بعيد عن الخير والصلاح، ومثل ذلك المجتمع المنحط يتسنم فيه يزيد اريكة الحكم ويتأمر علي ناسه ومبادئه، والحسين «عليه السلام» ذلك المثالي لا يمكن ان يقر مجتمعاً كهذا، فكانت ثورته عليه لتطهيره من دنس العابثين وكان جهاده في سبيل قمع مبادئه. ولا تزال ثورته تلك ترن في الآذان منذ مئات السنين يتخذه المصلحون دستوراً عملياً لاصلاحه وجهاده. يقول العقاد: (وفي الواقع الذي لا شبهة فيه ايضاً ان عمر بن سعد هذا لم يخل من غلظة في الطبع علي غير ضرورة ولا استفزاز، فهو الذي ساق نساء الحسين بعد مقتله علي طريق جثث القتلي التي لم تزل مطروحة بالعراء، فصحن وقد لمحنها علي الطريق صيحة أسالت الدمع من عيون رجاله وهم ممن قاتل الحسين وذويه) [94] .

كان الحسين «عليه السلام» كريماً محباً للفقراء، رؤوفاً بالمساكين ومن الامثلة علي سخائه وكرمه ما رواه ابن عساكر ان سائلاً في المدينة اتي باب دار الحسين «عليه السلام» وانشأ يقول: لم يخب الآن من رجاك ومن انت جـواد وانت مـعتمـد حرك من دون بابك الحلقة ابـوك قد كان قاتل الفسقة

[ صفحه 93]

لولا الذي كان من اوائلكم

كانت علينا الجحيم منطبقة

فخرج الحسين «عليه السلام» ورأي عليه اثر ضر وفاقة وأمر قنبراً باتيان النفقة المتبقية حينذاك وهي اربعمائة درهم فاتي بها وتناولها الامام منه وفتح الباب قليلاً ودفعها الي الاعرابي السائل وانشأ يقول في جوابه: خذهـا فـانـي اليك معتـذر لو كان في سيرنا الغداة عصا لكن ريب الزمـان ذو غِـيرَ واعلم بأني عليك ذو شفقة كانت سمانـا عليك مندفقة والكـف منـا قليلة النفقة

فأخذها الاعرابي ومضي وهو يقول: (الله اعلم حيث يجعل رسالته) [95] .

اجل كان الحسين «عليه السلام» يشبه جده واباه خلقاً وخُلقاً، وعلماً وادباً وبلاغة وفصاحة وكرماً وسخاء وشجاعة وشهامة، ومن فضائله ومناقبه ايضاً ما ذكره صاحب (الاعيان) فقال: جاء اعرابي الي الحسين «عليه السلام» فقال: يابن رسول الله قد ضمنت دية كاملة وعجزت عن ادائها، فقلت في نفسي اسأل اكرم الناس وما رأيت اكرم من اهل بيت رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»، فقال الحسين «عليه السلام»: يا أخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل فان اجبت عن واحدة اعطيتك ثلث المال وان اجبت عن اثنتين اعطيتك ثلثي المال وان اجبت عن الكل اعطيتك الكل فقال اعرابي: يابن رسول الله أمثلك يسأل مثلي وانت من اهل العلم والشرف، فقال الحسين «عليه السلام»: بلي سمعت جدي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» يقول: المعروف بقدر المعرفة، فقال الاعرابي: سل

[ صفحه 94]

عما بدا لك فان اجبت والا تعلمت منك ولا قوة الا بالله، فقال الحسين «عليه السلام»: أي الاعمال افضل؟ فقال الاعرابي: الايمان بالله، فقال الحسين «عليه السلام»: فما النجاة من الهلكة؟ فقال الاعرابي: الثقة بالله. فقال الحسين «عليه السلام»: فما يزين الرجل؟ فقال الاعرابي: علم معه حلم. فقال: فان اخطأه ذلك؟ فقال: مال معه مروءة. فقال: فان اخطأه ذلك؟ فقال: فقر معه صبر. فقال الحسين «عليه السلام»: فان اخطأه ذلك؟ فقال الاعرابي: فصاعقة تنزل من السماء وتحرقه فانه اهل لذلك، فضحك الحسين «عليه السلام» ورمي اليه بصرة فيها الف دينار واعطاه خاتمه وفيه فص قيمته مائتا درهم. وقال: يا اعرابي اعط الذهب الي غرمائك واصرف الخاتم في نفقتك، فأخذ الاعرابي ذلك وقال: الله اعلم حيث يجعل رسالته [96] .

وروي احمد بن سليمان بن علي البحراني في عقد اللآل في مناقب الآل: ان الحسين «عليه السلام» كان جالساً في مسجد جده رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» بعد وفاة اخيه الحسن «عليه السلام» وكان عبد الله بن الزبير جالساً في ناحية المسجد وعتبة بن ابي سفيان في ناحية اخري، فجاء اعرابي علي ناقة فعقلها بباب المسجد ودخل فوقف علي عتبة بن ابي سفيان فسلم عليه فرد «عليه السلام»، فقال له الاعرابي: اني قتلت ابن عم لي وطولبت بالدية فهل لك ان تعطني شيئاً فرفع رأسه الي غلامه وقال ادفع اليه مائة درهم، فقال الاعرابي: ما اريد الا الدية تماماً، ثم تركه واتي عبد الله بن الزبير وقال له مثل ما قال لعتبة، فقال عبد الله لغلامه: ادفع اليه مائتي درهم

[ صفحه 95]

فقال الاعرابي ما اريد الا الدية تماماً، ثم تركه واتي الحسين «عليه السلام» فسلم عليه وقال: يابن رسول الله اني قتلت ابن عم لي وقد طولبت بالدية فهل لك ان تعطيني شيئاً فقال له: يا اعرابي نحن قوم لا نعطي المعروف الا علي قدر المعرفة. فقال: سل ما تريد، فقال له الحسين، يا اعرابي ما النجاة من الهلكة؟ قال: التوكل علي الله عز وجل. فقال: وما الهمة؟ قال: الثقة بالله. ثم سأله الحسين غير ذلك واجاب الاعرابي، فأمر له الحسين «عليه السلام» بعشرة الاف درهم وقال له: هذه لقضاء ديونك وعشرة الاف درهم اخري، وقال هذه تلم بها شعثك وتحسن بها حالك وتنفق منها علي عيالك، فأنشأ الاعرابي يقول: طربت وما هاج لي مغبق ولكن طربت لآل الرسـو هم الاكرمون هم الانجبون سبقت الانام الي المكرمات بكم فتح الله باب الرشـاد ولا لي مقام ولا معشـق ل فلذَّ لي الشعر والمنطق نجوم السماء بهم تشـرق فقصر عن سبقك السّبـق وباب الفساد بكم مغلق [97]

لقد كانت وقعة الطف سنة 61 هـ حدثاً له رد فعل عميق الأثر في نفوس المسلمين، وقد شاء غرور بني امية ان يزيدها فظاعة وبشاعة لم يقع مثلها في تاريخ الاسلام والمسلمين.

ذكر ياقوت الحموي فقال: قال ابن عبد الرحيم: حدثني الخالع قال: كنت مع والدي سنة 346 وانا صبي في مجلس الكبودي في المسجد الذي بين الوراقين والصاغة وهو غاص بالناس واذا رجل قد وافي وعليه مرقعة

[ صفحه 96]

وفي يديه سطحية وركوة ومعه عكاز وهو شعث فسلم علي الجماعة بصوت يرفعه ثم قال: انا رسول فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، فقالوا: مرحباً بك واهلاً ورفعوه فقال: اتعرفون لي احمد المزوق النائح؟ فقالوا: ها هو جالس. فقال: رأيت مولاتنا فاطمة «عليها السلام» في النوم فقالت لي: امض الي بغداد واطلبه وقل له: نح علي ولدي الحسين «عليه السلام» بشعر الناشئ الذي يقول فيه: بني احمد قلبي بكم يتقطع بمثل مصابي فيكم ليس يسمع

قال: وكان الناشئ حاضراً فبكي ولطم لطماً علي وجهه وتبعه احمد المزوق والناس كلهم، وكان اشد الناس كلهم في ذلك الناشئ والمزوق فناحوا بهذه القصيدة الي ان صلي الناس الظهر وتقوّض المجلس وجهدوا بالرجل ان يأخذ شيئاً منهم فأبي وقال: والله لو اعطيت الدنيا ما اخذتها فاني لا اري ان اكون رسول مولاتي ثم آخذ من ذلك عوضاً ثم انصرف ولم يقبل شيئاً [98] .

أي رزء اصاب الاسلام، واية نكبة هدت كيان المسلمين!؟ لقد عظم الخطب وجل الرزء، قال السيد حيدر الحلي: زوج السيف بالنفوس ولكن مهرها الموت والخضاب النجيعُ

الا ليس في هذه الدنيا الطويلة العريضة من درس بليغ! درس في الشهامة والتضحية الغالية، كالدرس الذي القاه الامام الشهيد الحسين بن علي «عليه السلام» في يوم عاشوراء. فأبي ان يعيش الا عزيزاً او تجلي الكفاح وهو صريعُ

[ صفحه 97]

روي عن ابي مخنف انه قال:قال الطرماح بن عدي كنت في واقعة كربلاء وقد وقع فيَّ ضربات وطعنات فأثخنتني بالجراح فلو حلفت لحلفت صادقاً اني كنت نائماً اذ رأيت عشرة فوارس قد اقبلوا وعليهم ثياب بيض، تفوح منهم رائحة المسك، فقلت في نفسي يكون هذا عبيد الله بن زياد قد اقبل لطم جسد الحسين فرأيتهم حتي نزلوا علي القتلي تماماً ورجلاً منهم تقدم الي جسد الحسين فجلس قريباً منهم ومد يده الي نحو الكوفة واذا برأس الحسين اقبل من نحو الكوفة فركبه علي الجسد فعاد كما كان باذن الله، يقال واذا هو رسول الله ثم قال: يا ولدي قتلوك اتراهم عرفوك ومن شرب الماء منعوك، ثم التفت الي من كان معه وقال: يا أبي آدم ويا أبي ابراهيم ويا أخي موسي ويا عيسي اترون ما صنعت أمتي بولدي من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة [99] .

هذه نبذة من الاخبار الواردة عن الحسين «عليه السلام» نكتفي بها خشية الاطالة.

زينب الكبري

يقول المؤرخون: ان ولادتها في الخامس من شهر جمادي الاول في السنة الخامسة او السادسة للهجرة. والارجح عندي ان ولادتها كانت في الخامسة من الهجرة وذلك حسب الترتيب الوارد في اولاد الزهراء «عليهم السلام».

يروي المجلسي في (البحار) فيقول: عن العلل في باب معاشرة فاطمة مع علي عليهما السلام جاء فيه: حملت الحسن علي عاتقها الايمن والحسين

[ صفحه 98]

علي عاتقها الايسر واخذت بيد ام كلثوم اليسري بيدها اليمني ثم تحولت الي حجرة ابيها «صلي الله عليه وآله وسلم»، وام كلثوم هذه انه كانت هي زينب «عليها السلام» فلذلك دليل علي انها كانت كبيرة وان كانت اختها فذاك دليل علي انَّ امها «عليها السلام» تركت زينب لتنوب منابها في الشؤون المنزلية، فهي كانت كبيرة اذن، وقد روي صاحب (ناسخ التواريخ) في كتابه: ان زينب اقبلت عند وفاة امها وهي تجر رداءها وتنادي يا ابتاه يا رسول الله، الآن عرفنا الحرمان من النظر اليك [100] .

ومما يذكر عنها انها كانت كثيرة العبادة والتهجد تصلي النوافل وتتلو القرآن الكريم ملازمة له ولم يفتر لسانها عن ذكر الله قط، فقد كانت من القانتات العابدات اللواتي وقفن حركاتهن وسكناتهن للباري عز وجل، ولهذا حازت علي المنازل الرفيعة والدرجات العالية. ومن دعاء ابيها كانت تدعو به بعد صلاة العشاء وهو:

"اللهم اني أسألك يا عالم الامور الخفية، ويا من الارض بعزته مدحية، ويا من الشمس والقمر بنور جلاله مشرقة مضيئة، ويا مقبلاً علي كل نفس مؤمنة زكية، يا مسكن رعب الخائفين واهل التقية. يا من حوائج الخلق عنده مقضية، يا من ليس له بواب ينادي، ولا صاحب يغشي، ولا وزير يؤتي ولا غير رب يدعي، يا من لا يزداد علي الالحاح الا كرماً وجوداً صلي علي محمد وآل محمد واعطني سؤالي انك علي كل شيء قدير [101] .

[ صفحه 99]

ومما كانت تناجي ربها به هذه الابيات وهي من مناجاة ابيها امير المؤمنين «عليه السلام»:

لك الحمد يا ذا الجود والمجد والعلي إلهي وخلاقي وحـرزي وموئلـي إلهي لئن جلـت وجمت خـطيئتي إلهي لئن اعطيت نفـسي سـؤلها إلهي تري حالي وفقري وفاقتـي إلهي فلا تقطع رجائي ولا تـزغ إلهي لئن خيبتـني او طردتنـي إلهي اجرني من عذابـك اننـي إلهـي فآنسنـي بتلقيـن حجـتي إلهي لئن عذبتـني الـف حجـة إلهي اذقني طعـم عفـوك يـوم إلهـي لئن لم ترعني كنت ضائعاً إلهي اذا لم تعف عن غير محسنٍ إلهي لئن فرطت في طلب التقـي إلهي لئن اخطـأت جهلاً فطالمـا إلهي ذنوبي بذت الطود واعتلـت إلهي ينحـي ذكر طولك لـوعتي إلهي اقلني عثرتي وامح حوبـتي إلهي انلني منك روحـاً وراحـة تباركـت تعطي من تـشاء وتمنـع اليك لدي الاعسار واليـسر افـزع فعفـوك عن ذنبي اجـل واوسـع فها انا في روض الندامـة ارتـع وانت مناجاتـي الخفـية تسـمع فؤادي فلي في سيب جودك مطمع فمن ذا الذي ارجو ومن ذا اشـفع اسيـر ذليل خائـف لك اخضـع اذا كان لي في القبر مثوي ومضجع فـجل رجـائي منـك لا يتـقطع لا بنـون ولا مال هنـالك ينـفع وان كنـت ترعاني فلـست اضيع فمـن لمسـيئ بالهـوي يتمـتع فها انـا أثر العفو اقفـو واتبـع رجوتك حتي قيـل ما هو يجزع وصفـحك عن ذنبي اجل وارفـع وذكـر الخطـايا العين مني يدمع فـأني مقـر خائـف متـضرع فلست سوي ابواب فضلك اقـرع

[ صفحه 100]

إلهي لئن اقصيتـني او اهنتـني إلهي حليف الحب في الليل ساهر إلهي وهذا الخلـق ما بين نائـم وكلهـم يرجو نـوالك راجـياً إلهي يمـنيني رجائـي سلامة إلهي فان تعفو فعـفوك منقذي إلهي بحـق الهاشـمي محمـد إلهي بحق المصطفي وابن عمه ولا تحـرمني يا إلهي وسيـدي وصل عليهم ما دعـاك موحـد فما حيلتي يا رب ام كيف اصنع يناجي ويدعو والمغـفل يهـجع ومنتبـه في ليـلـه يتـضرع لرحمتك العظمي وفي الخلد يطمع وقبـح خطيئـاتي علي يشـنع والا فبالذنب المدمـر اصـرع وحرمة اطهارهـم لك خضـع منيباً تـقياً قانتـاً لك اخضـع شفاعته الكبري فـذاك المشفـع وناجـاك اخيـار ببابك ركـع [102]

ولزينب ام المصائب وعقيلة بني هاشم مواقف مشهودة مع اخيها الحسين «عليه السلام» في يوم عاشوراء. تزوجت من عبد الله بن جعفر الطيار، ومن اولادها عون المدفون مع قبور الشهداء في الحرم الحسيني بكربلاء، توفيت العقيلة في السفرة الاخيرة حيث كانت مع زوجها عبد الله بن جعفر حين جاء بها الي دمشق ليتعاهد امور ملكه في قرية راوية وتوفيت ودفنت في زاوية من اعمال دمشق ويعرف اليوم بقرية قبر الست.

ام كلثوم

هي الرابعة من اولاد فاطمة الزهراء «عليها السلام»، كانت ام كلثوم مع اخيها الحسين «عليه السلام» بكربلاء، وكانت مع السجاد «عليه السلام» الي

[ صفحه 101]

الشام ثم الي المدينة، وهي جليلة القدر، وخطبتها مع ابن زياد في الكوفة معروفة، وزوجها عون بن جعفر وانها لم تتزوج بغير ابن عمها عملاً بالحديث الذي جاء عن النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» وهو: (نظر النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» الي اولاد علي وجعفر عليهما السلام فقال: بناتنا لبنينا وبنونا لبناتنا).

خطبت في الكوفة ومن شعرها قولها: قتـلتم اخي صبراً فويـل لأمكم سفكتم دمـاء حـرم الله سفـكها الا فابشروا بالنـار انـكم غـدا واني لأبكي في حياتي علي اخي بدمع غـزير مستهل مكـفكـف تجـزون نـاراً حـرها يتوقـد وحرمها القـرآن ثـم مـحمـد لفي سقـر حقـا يقـينا تخلـدوا علي خير من بعد النبي سيـولـد علي الخد مني دائماً ليس تجـمد

قال الراوي: فضج الناس بالبكاء والنوح ونشر النساء شعورهن ووضعن التراب علي رؤوسهن وخمشن وجوههن وضربن خدودهن ودعون بالويل والثبور وبكي الرجال ونتفوا لحاهم فلم ير باكية وباك اكثر من ذلك اليوم [103] .

كما نود ان ننقل للقارئ من شعرها حين رجوعها الي الشام، فقد جعلت تبكي وتقول: مدينـة جـدنا لا تـقبلينا الا فاخبر رسـول الله عنا فبالحسرات والاحزان جنينا بأنا قـد فجعنـا في ابينـا

ومنها قولها في رواية اخري:

مدينة جـدنـا لا تـقبـلينـا خرجنا منك بالاهـلين جمعـا وكنـا في الخروج بجمع شمل وكـنـا في امـان الله جـهرا ومولانا الحسـين لنـا انيـس فـنحن الضائـعات بلا كفيـل الا يا جـدنـا قتـلوا حسـيناً الا يـا جـدنـا بلغـت عدانـا لقد هتـكوا النسـاء وحَملوهـا فبالحسرات والاحـزان جينـا رجعنـا لا رجـال ولا بنينـا رجعنـا خاسـرين مسلـبينـا رجعنـا بالقـطيعة خائـفينـا رجعنـا والحسـين به رهينـا ونحـن النائحـات علي اخينـا ولم يرعـوا جنـاب الله فينـا مناها واشتـفي الاعـداء فينـا علي الاقتاب قهـراً اجمعينـا [104]

هؤلاء هم ابناء فاطمة سلام الله عليها وذريتها الذين وجبت علي الناس مودتهم وولاؤهم والصلاة عليهم.

[ صفحه 103]

مرض الرسول

كان للامام علي بن ابي طالب «عليه السلام» وفاطمة الزهراء «عليها السلام» الدور البارز في حياة الرسول الكريم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» لا سيما في ساعاته الاخيرة من حياته. فقد كانت فاطمة الزهراء جالسة قربه فلما رأت ذلك قامت حزينة واخذت بيدي الحسن والحسين وجعلت تندب أباها، ففتح الرسول عينيه ووضع رأسه علي صدرها ودعا وقال: اللهم الهم فاطمة الصبر، ثم قال: (ابشري يا فاطمة فستكونين اول من يلحق بي) وجعل يعالج سكرات الموت فاخذت تبكي بكاء شديداً، فأراد علي اسكاتها فقال النبي: (دعها تبكي اباها) ثم اغمض عينيه واسلم روحه [105] وفي المجالس السنّية: فلما كان من الغد حجب الناس عنه وثقل في مرضه وكان امير المؤمنين «عليه السلام» لا يفارقه الا لضرورة، فقام في بعض شؤونه فأفاق رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فافتقد علياً، فقال وازواجه حوله: ادعوا لي اخي وصاحبي وعاوده الضعف فأصمت

[ صفحه 104]

فقالت عائشة: ادعوا ابا بكر فدعي ودخل وقعد عند رأسه فلما فتح عينيه نظر اليه فأعرض عنه بوجهه فقام وقال: لو كان له حاجة لافضي بها اليّ. فلما خرج اعاد رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» القول ثانياً وقال: ادعوا لي اخي وصاحبي فقالت حفصة: ادعوا له عمر، فدعي فلما حضر ورآه رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» اعرض عنه فانصرف، ثم قال ادعوا لي اخي وصاحبي فقالت ام سلمة: ادعوا له علياً فانه لا يريد غيره فدعي امير المؤمنين «عليه السلام»، فلما دنا منه اومأ اليه فأكب عليه فناجاه رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» طويلاً ثم قام فجلس ناحية حتي اغفي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فلما غفي خرج فقال له الناس: يا ابا الحسن ما الذي اوعز اليك؟ فقال اوصاني بما انا قائم به ان شاء الله تعالي ثم ثقل وحضره الموت وامير المؤمنين «عليه السلام» حاضر عنده فأخذ علي «عليه السلام» رأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه، فأكبت فاطمة «عليها السلام» تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول: وابيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامي من عصمة للارامل

ففتح الرسول «صلي الله عليه وآله وسلم» عينيه وقال: بصوت ضئيل يا بنيّة هذا قول عمك ابي طالب لا تقوليه ولكن قولي: (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم علي اعقابكم) فبكت طويلاً فأومأ إليها بالدنو منه، فدنت منه فأسرّ اليها شيئاً تهلل له وجهها فقيل لفاطمة «عليها السلام»: ما الذي اسر اليك رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فسري [106] عنك به ما كنت عليه من الخوف والقلق

[ صفحه 105]

بوفاته؟ قالت: اخبرني انني اول اهل بيته لحوقاً به وانه لن تطول المدة لي بعده حتي ادركه فسري بذلك عني. وهل عدلت يوماً رزية هالك وما فقد الماضون مثل محمد رزية يوم مات فيه محمدُ ولا مثله حتي القيامة يفقد [107]

عاشت الزهراء سلام الله عليها بعد ابيها فترة قصيرة جاوزت الشهرين او الثلاث، وهي فترة مليئة بالاحداث والمفاجئات لقد غمرت وجهها بكفها واستسلمت الي البكاء، وبقيت راكعة امام نعش والدها الذي احبها واحبته محدقة الي وجهه تغتسل بدموعها التي تذرفها.

[ صفحه 106]

وفاة الرسول

توفي الرسول الكريم محمد صلي اللّه عليه وآله وسلم لاثنتي عشر ليلة مضت من ربيع الاول سنة احدي عشرة من الهجرة، وكان سنّهُ ثلاثاً وستين سنة، وغسّله علي بن ابي طالب «عليه السلام» والفضل بن عبد المطلب واسامة بن زيد يناولان الماء وسمعوا صوتاً من البيت، يسمعون الصوت ولا يرون الشخص فقال: (السلام ورحمة الله وبركاته عليكم اهل البيت انه حميد مجيد، اِنَّمَا يُِريدُ الله لِيُذْهِبََ عََنُكُمُ الرِّجْسََ أَهْلَ الْبَيْتِِ وَيُطَهَّرَكُمْْ تَطْهِيراً. كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَّفوْنََ اُجُورَكُمْ يَوْمََ القِيَامَةِ فََمَن زُحْزِحَ عََنِ النَّارِ واُدْخِلَ الْجَنَّةََ فَقَدْْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذينَ اُتُوا الْكِتَابََ مِن قَبْلِكُمْْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذيً كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِِ الأُمُورِ. ان في الله خلقاً من كل هالك مصيبة، عظم الله اجوركم والسلام عليكم ورحمة الله) فقيل لجعفر بن محمد من كنتم ترونه؟ فقال: جبرئيل، وكفن في ثوبين صحاريين وبرد حيره ونزل قبره

[ صفحه 107]

علي بن ابي طالب والعباس ابن عبد المطلب وقيل الفضل بن العباس وشقران مولي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» ونادت الانصار اجعلوا لنا في رسول الله نصيباً في وفاته كما كان لنا في حياته، فقال علي: ينزل رجل منكم فانزلوا أوس بن خولي احد بني الحبلي وكان حفر قبره ابو طلحة بن سهل الانصاري ولم يكن بالمدينة من يحفر غيره، وغير ابي عبيدة بن الجراح يشق ويحفر وسطا وأبو طلحة يلحد، وقيل انهما سابقاً حفرا فسيق ابو طلحة بالحفر وصلي عليه اياماً والناس يأتون ويصلون ارسالاً ودفن ليلة الاربعاء في بعض الليل وطرحت تحته قطعة رحله وكانت ارجوان وربع قبره ولم يسنم [108] .

ولما مات الرسول «صلي الله عليه وآله وسلم» جاءت فاطمة حزينة باكية فألقت نفسها علي القبر الشريف وقالت: ماذا علي من شم تربة احمد صبّت علي مصائب لو انها ان لا يشم مدي الزمان غواليا صبت علي الايام صرن لياليا

ولها سلام الله عليها ترثي اباها: اغـبر آفـاق السمـا وكورت والارض من بعد النبـي كئيبة فليبـكه شرق البـلاد وغربهـا وليبكه الطـود الاشـم وجـوّه يا خاتم الرسـل المبارك صنوه شمـس النهار واظلم العصران اسفاً عليـه كثيـرة الاحـزان ولتبكـه مصـر وكل يمانـي والبيت والاستـار والاركـان صلي عليـك منـزل القـرآن

وانشدت الزهراء «عليها السلام» بعد وفاة ابيها «صلي الله عليه وآله وسلم»:

[ صفحه 108]

وقـدر رزئـنا به محضاً خليقتـه وكنت بـدراً ونـوراً يستضـاء به وكان جـبريل روح القـدس زائرنا أنا رزئنـا بما لم يـرز ذو شـجن ضاقت علي بـلاد بعد ما رحـبت فأنـت والله خيـر الخلـق كلهـم فسوف نبكيك ما عشنـا وما بقيت صافي الضرائب والاعراق والنسب عليك تنزل من ذي العـزة الكتـب فغاب عنـا وكل الخيـر محتجـب من البريـة لا عجـم ولا عـرب وسيم سبطاك خسفـاً فيه لي نصب واصدق الناس حيث الصدق والكذب منا العيـون بتهمـال لها سكـب [109]

روي ابن سعد في الطبقات: انه لما توفي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» قالت فاطمة: يا ابتاه اجاب ربا دعاه يا ابتاه جنة الفردوس مأواه يا ابتاه الي جبريل ننعاه يا ابتاه من ربه ما أدناه.

وروي الحاكم في المستدرك انها «عليها السلام» بكت رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» وقالت: وذكر نحوه. وروي الحاكم في المستدرك بسنده عن موسي بن جعفر بن محمد بن علي عن ابيه عن جده ابي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن علي أن فاطمة «عليه السلام» لما توفي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» كانت تقول: وا ابتاه من ربه ما ادناه وا ابتاه جنان الخلد مأواه وا ابتاه ربه يكرمه اذ اتاه وا أبتاه الرب ورسله يسلم عليه حين يلقاه. وروي غير واحد أنه: لما دفن رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» قالت فاطمة: أطابت نفوسكم ان تحثوا علي رسول الله التراب واخذت من تراب القبر الشريف وضعتها علي عينيها [110] .

[ صفحه 109]

لقد باتت الزهراء سلام الله عليها بعد وفات ابيها تقاسي الأحن والمصائب، وجاش صدرها بالأحزان، فلا يستريح قلبها ولا تسكن حركتها، وأنشأ أمير المؤمنين علي «عليه السلام» يرثي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم»: الموت لا والداً يبقي ولا ولدا هذا النبي ولــم يخلد لأمته للموت فينا سهام غير طائشة هذا السبيل الي أن لا تري احدا لو خلــد الله خلقـا قبله خلدا من فاته اليوم سهم لم يفته غداً

ومن الديوان المنسوب الي امير المؤمنين «عليه السلام» في رثائه «صلي الله عليه وآله وسلم» قوله: ما غاض دمعي عند نائبة واذا ذكرتـك سامحتك به اني اجل ثري حللـت به الا جعلتك للبـكا سـبـبا مني الجفون ففاض وانسكبا عن ان اري لسواه مكتئبـا

ومن الديوان المذكور في رثائه «صلي الله عليه وآله وسلم»: أمـن بعد تكفيـن النـبـي ودفنـه رزئنـا رسـول الله فينا فلـن تري فيا خيـر من ضم الجوانـح والحشي لقـد نـزلـت بالمسلميـن مصيبـة وضـاق فضاء الارض عنهم برحبـه فلـن يستـقيل الناس تـلك مصيبـة يأتو بـه آسي علـي هـالـك ثـوي بـذاك عديلاً مـا حيينـا من الـردي يا خيـر ميـت ضمه التراب والثـري كصدع الصفا لا شعب للصدع في الصفا لفقـد رسـول الله ذا قيـل قـد مضي ولن يجبـر العظـم الـذي منهم وهـي

وقالت الزهراء «عليها السلام» ترثيه: قل للمغيـب تحت اطبـاق الثـري صبـت علـي مصائـب لو انـها ان كنت تسـمع صرختي وندائيـا صبت علي الايـام صرن ليـاليـا

[ صفحه 110]

قد كنت ذات حمي بـظل محمـد فاليـوم اخشـع لذليـل واتقـي فاذا بكـت قمريـة في ليـلهـا فلا جعـلن الحزن بعدك مؤنسي ماذا علي من شم تربـة احمـد لا اختـشي ضيماً وكان جماليـا ضيمـي وادفـع ظالمي بردائيا شجناً علي غصن بكيت صباحيا ولا جعلن الدمع فيـك وشاحيـا ان لا يشم مدي الزمان غواليـا

وينسب الي الزهراء «عليها السلام» ولعله قيل عن لسانها: قلَّ صبري وبـان عني عزائـي عين يا عين اسكبـي الدمع سحاً يا رسـول الالـه يا خيـرة الله قد بكتك الجبال والوحش والطير وبكاك الحجون والركن والمشعر وبكاك المحراب والدرس للقرآن وبكاك الاسـلام اذ صـار في لو تري المنبر الذي كنت تعلوه بعـد فقدي لخـاتـم الانبـيـاء ويك لا تبخـلي بفيـض الدمـاء وكهـف الايـتـام والضعفـاء كـذا الارض بعد بكي السمـاء يـا سـيـدي مـع البـطحـاء في الصبـح معلنـاً والمـسـاء الناس غريباً من سائر الغربـاء عـلاه الظـلام بعـد الضيـاء

وقالت الزهراء ترثيه كما في مناقب ابن شهر اشوب ونسبهما دحلان في سيرته الي حسان بن ثابت: كنـت السـواد لناظـري من شـاء بعـدك فليمـت فعمـي عليـك النـاظـر فعـليـك كـنـت احـاذر

وقال ابو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم يرثي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» وكان من الشعراء المطبوعين: ارقـت فبـات ليـلي لا يـزول وليـل اخـي المصيبة فيه طول

[ صفحه 111]

فاسعدني البكاء وذاك فيمـا لقد عظمت مصيبتنا وجلـت واضحت ارضنا مما عراها فقدنا الوحي والتنزيل فينـا ابـي كان يجلو الشك عنـا ويهدينـا فلا نخشي ضلالا اصيب المسلمـون به قليـل عشية قيل قد قبض الرسول تكاد بنـا جوانبـها تميـل يروح به ويغـدو جبرئـيل بما يوحي اليـه وما يقـول علينا والرسـول لنا دليـل

وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم»: الا يا رسـول الله كنـت رجاءنا وكنت رحيمـاً هاديـاً ومعلمـا كـأن علي قلبي لذكر محـمـد افاطـم صلي الله رب محـمـد فدي لرسـول الله امي وخالتـي صدقت وبلغت الرسالة صادقـاً فلو ان رب النـاس ابقي نبينـا عليـك من الله السـلام تحيـة اري حسنـاً ايتمتـه وتركتـه وكنـت بنا براً ولم تـك جافيـا ليبك عليـك اليوم من كان باكيا وما خفت من بعد النبي المكاويا علي جدث امسني بيثرب ثاويـاً وعمي وآبائـي ونفسـي وماليا ومت صليب العود ابلج صافيـا سعدنا ولكن امـره كان ماضيـا وادخلت جنات من العدن راضيا ويبكي ويدعو جـده اليوم نائيـا

وقال حسان بن ثابت يرثي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم»: بطيبـة رسـم للرسـول ومعهد ولا تنمحي الآيات من دار حرمة وواضـح آيـات وباقي معالـم عرفت بها رسم الرسول وعهده منيـر وقد تعفو الرسـوم وتهمد بها منبر الهادي الذي كان يصعد وربع له فيه مصلـي ومسـجد وقبراً به واراه في الترب ملحـد

[ صفحه 112]

ظللت بها ابكي الـرسـول فاسعدت مفجعة قـد شفهـا فقـد احـمـد اطالت وقوفاً تذرف الدمع جهدهـا فبوركت يا قبـر النبـي وبوركت وبورك لحـد منـك ضمن طيبـا لقد غيبوا حلماً وعلمـاً ورحمـة وراحوا بحـزن ليس فيهم نبيهـم تبكون من تبكي السمـاوات يومه وهل عدلت يومـاً رزيـة هالـك تقطع فيه منـزل الوحـي عنهـم يدل علي الرحمـن من يقتـدي به امـام لهـم يهديهم الحـق جاهـدا وان نـاب امـر لم يقومـوا بحمله فبينـاهـم في نعمـة الله بينهـم عزيز عليه ان يجوروا عن الهدي وامست ديار الوحي وحشاً بقاعها وبالجمرة الكبـري له ثم اوحشت فابكي رسـول الله يا عين عبرة وما لك لا تبكين ذا النعمـة التي فجودي عليـه بالدمـوع واعولي وما فقد الماضون مثـل محـمـد عيـون ومثـلاها من الجن تسعـد فظلـت لآلاء الـرسـول تـعدد علي طلل القبر الذي فيه احـمـد بلاد ثـوي فيها الرشيـد المـسدد عليـه بنـاء من صفـح منضـد عشية علـوه الثـري لا يوسـد وقد وهنـت منهم ظهور واعضد ومن قد بكته الارض فالناس اكمد رزية يـوم مات فيـه محـمـد وقد كان ذا نـور يغـور وينجـد وينقذ من هـول الخزايـا ويرشـد معلـم صدق ان يطيعـوه يسعـدوا فمـن عنـده تيسـير ما يتـشدد دليـل به نهج الطريقـة يقصـد حريص علي ان يستقيموا ويهتدوا لغيبة ما كانت من الوحي تعهـد ديـار وعرصات وربع ومولـد ولا اعرفنك الدهـر دمعك يجمد علي النـاس منها سائـغ يتغمـد لفقد الذي لا مثـله الدهر يوجـد ولا مثـله حتـي القيامـة يفقـد

[ صفحه 113]

اعـف واوفـي ذمـة بعد ذمـة واكرم صيتاً في البيوت اذا انتمي وامنع ذروات واثبت في العلـي تناهـت وصاة المسلميـن بكفـه واقـرب منـه نائـلاً لا ينكـد واكـرم جـداً ابطحيـاً يسـود دعائـم عـز شاهقـات تشيـد فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند

وقال حسان بن ثابت الانصاري يرثي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم»: ما بـال عينـك لاتنـام كأنمـا جزعاً علي المختـار اصبح ثاويا وجهـي يقيك الترب لهفي ليتني نـور اضاء علي البريـة كلهـا والله اسمـع مـا بقيـت بهـالك صلي الالـه ومن يحف بعرشـه كحلت مآقيهـا بكحـل الارمـد يا خير من وطئ الحصي لا تبعد غيبت قبلك في بقيـع الـفرقـد من يهد للنـور المبـارك يهتـد الا بكيت علي النبـي محـمـد والطيبون علي المبارك احـمـد

وقال سواد بن مقارب يرثي النبي «صلي الله عليه وآله وسلم»: ابقي لنـا فقـد النبـي محـمـد حزنـاً لعمرك في الفـؤاد مخامراً كنـا نحـل به جنابـاً ممـرعا فبكت عليـه ارضنـا وسماؤنـا لو قيل تفـدون النبـي محـمـدا صلـي عـليـه الله مـا يعتـاد ام هل لمـن فقـد النبـي فـؤاد جف الجنـاب فأجـدب الـرواد وتصعـدت وجـداً بـه الاكبـاد بـذلـت لـه الامـوال والاولاد

وقال آخر وفي مناقب ابن شهر اشوب انها لابراهيم بن المهدي: اصبـر لكل مصيبـة وتجلـد واصبر كما صبر الكرام فانـها او ما تري ان الحـوادث جمة واعلم بان المـرء غير مخلـد نوب تنوب اليوم تكشف في غد وتري المنية للرجال بمرصـد

[ صفحه 114]

واذا اتتـك مصيبـة تشجـي لهـا فاذكر مصابـك بالنبـي محـمـد [111]

لقد كان الرسول الكريم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» مثلاً اعلي واستاذ الانسانية ورسول الخير والمحبة ورحمة للعالمين. ولو ادرك الناس في العالم كافة ما لعظمته وتعاليمه السامية الالهية من المزايا والاثار في الحياة اليومية والنظم الاجتماعية والاداب الاجتماعية لما بقي علي وجه الارض من يدين بدين آخر، لانه مطلوب كل روح ومطمأنّ كل احساس ومنتهي كل عقل من معني الدين والايمان. ان روح ومطمأمن كل احساس ومنتهي كل عقل من معني الدين والايمان. ان روح النبي العربي الرسول الاعظم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» انما تسر من قومه وامته باتباع سنته واحياء معالم شريعته والتحلّي بالفضائل والتخلي عن الرذائل والتجمل بحسن الشمائل. ثم بالتآزر والتعاون كما قال الله سبحانه وتعالي في محكم كتابه (تعاونوا علي البر والتقوي ولا تعاونوا علي الاثم والعدوان). لقد آمن بمحمد «صلي الله عليه وآله وسلم» من كان طاغياً وخضعت لرسالته الجبابرة حين اتضح لهم نبل غايته ومغزي مراميه وأخلاقه وتواضعه (وإنك لعلي خلق عظيم) فانبري قائلهم يقول: فما حملـت من ناقـة فوق ظهـرها ابـر وأوفـي ذمـة مـن محـمـد

ودكت صروح القياصرة والاكاسرة والاباطرة جيوشه المتخلقة بأخلاقه السامية.

لقد قال الفيلسوف الروسي تولستوي: (لو كنتُ اتدين بدين لما اخترت سوي دين محمد) كلمة من رجل ملحد لا يأبه بالاديان ولا يقيم لها وزناً، فهو يعترف بأفضلية دين محمد.

[ صفحه 115]

وقال الفيلسوف بوسور النمساوي: ان محمداً اسس في وقت واحد ثلاثة اشياء هي من عظائم الامور وجلائل الاعمال التي تذكر في العالم، فانه مؤسس لأمة وامبراطورية وديانة، مع انه أمي او قل ما كان يقدر ان يقرأ ويكتب، اتي بكتاب هو آية في البلاغة ودستور للشرائع وللصلاة والدين في آن واحد.

ذلك هو نبينا الكريم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» أكمل انسان عرفته الانسانية كلها، بعثه الله ليتمم مكارم الاخلاق بدين هو دين الوحدة والمحبة والاخاء والعدل والمساواة والسلام، فألف بين قلوب العرب وجمع شتاتهم ووحد كلمتهم، وجعلهم ينضوون تحت راية الاسلام بعد ان كانوا قبائل وشعوباً متفرقين يغزو بعضهم بعضاً ويغير بعضهم علي بعض لا وازع لهم ولا رادع، فطهر قلوبهم وزكي نفوسهم ورقق طباعهم وشذب سلوكهم وقوّم اخلاقهم وصيرّهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.

حسبنا مجداً وشرفاً وعلماً بمبادئ الدين الاسلامي، وحسب هذا الدين نفسه انه يكون اجل الاديان وافضلها.

[ صفحه 116]

فدك.. الحق و الميراث

تأتي اهمية (فدك) في كونها قرية كان النبي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» يقسم فيئها بين آل بيته وفقراء المسلمين. ولما مات الرسول محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» ورثت فاطمة الزهراء هذا الارث، ولما طالبت به منعت وكفّت عن الطلب، لكنها انصرفت غاضبة ساخطة كما يحدثنا بذلك الرواة. اخرج البخاري في باب فرض الخمس ان فاطمة «عليها السلام» ابنة رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» سألت أبا بكر الصديق (رض) بعد وفاة رسول الله ان يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» مما افاء الله عليه، فقال لها ابو بكر: ان رسول الله قال لا نورّث، فغضبت فاطمة بنت رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فهجرت ابا بكر فلم تزل مهاجرة حتي توفيت [112] .

وقال العقاد: فلما قضي عليه الصلاة والسلام ارسلت فاطمة الي ابي بكر تسأله ميراثها فيها وفيما بقي من خمس خيبر، فقال ابو بكر: ان رسول الله

[ صفحه 117]

صلي الله عليه وآله كان يقول: (اننا معشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة) واني والله لا اغير شيئاً من صدقة رسول الله من حالها التي كان عليها [113] ثم قال لها: فأما ان كان ابوك قد وهب لك هذا المال فاني اقبل كلمتك في ذلك وانفذ ما امر به، فأجابت فاطمة بان اباها لم يفض اليها بشيء من ذلك وانما اخبرتها ام ايمن بان ذلك كان قصده، عند ذلك اصرّ ابو بكر علي استبقاء فدك وخيبر وردهما الي بيت مال المسلمين [114] . الا ان الزهراء «عليها السلام» احتجت عليه بسندها عن القرآن الكريم بقوله: فقال عن نبي من انبيائه هو (زكريا): (يرثني ويرث من آل يعقوب) وقوله تعالي: (وورث سليمان داود) وان ابا بكر قال لها يابنت رسول الله: انت عين الحجة ومنطق الرسالة لا يدل بجوابك ولا اوقعك عن صوابك ولكن هذا ابو الحسن بيني وبينك هو الذي اخبرني بما تفقدت وانبأني بما اخذت وتركت [115] ويحسن بنا ان نلفت نظر القارئ الي ان ابا بكر قال: يا ابنة رسول الله والله ما ورث ابوك ديناراً ولا درهماً وانه قال: (ان الانبياء لا يورثون) فقالت: ان فدك وهبها لي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم». قال: فمن يشهد بذلك فجاء علي بن ابي طالب فشهد وجاءت ام ايمن فشهدت ايضاً، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمان بن عوف فشهدا ان رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» كان يقسمها، فقال ابو بكر: صدقت يا ابنة رسول الله وصدق علي وصدقت ام ايمن وصدق عمر

[ صفحه 118]

وصدق عبد الرحمان بن عوف وذلك ان مالك لأبيك كان رسول الله يأخذ من فدك قوتكم ويقسم الباقي في سبيل الله فما تصنعين بها؟ قالت اصنع بها كما يصنع بها أبي، قال: فلك علي الله ان اصنع كما يصنع بها ابوك، قالت: الله لتفعلن، قال: الله لأفعلن، قالت: اللهم اشهد. وكان ابو بكر يأخذ عليها فيدفع اليهم منها ما يكفيهم ويقسم الباقي وكان عمر كذلك ثم كان عثمان كذلك ثم كان علي كذلك [116] .

لقد اقبلت فاطمة في لمةٍ من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» [117] حتي دخلت علي ابي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والانصار، فضرب بينها وبينهم ربطة بيضاء، ثم أنَّت انّه اجهش لها القوم بالبكاء، ثم امهلت طويلاً حتي سكتوا فخطبت خطبة طويلة جداً قالت في آخرها:

(لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فان تعزوه تجدوه ابي دون ابائكم، وآخا ابن عمي دون رجالكم) ثم ذكرت كلاماً طويلاً في آخره: (ثم انكم الان تزعمون ان لا ارث لي افحكم الجاهلية تبغون؟ ومن احسن من الله حكماً لقوم يتقون ايه معاشر المسلمين ابتز ارث ابي ـ ابي الله ان ترث ياابن ابي قحافة اباك ولا ارث ابي، لقد جئت امراً فريا. افعلي عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم، اذ يقول: «وورث سليمان داود». وفي خبر يحيي بن زكريا عليهما السلام. اذ يقول: «رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث

[ صفحه 119]

من آل يعقوب». وقال: «واولو الارحام اولي ببعض في كتاب الله». وقال: «يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين». وزعمتم ان لا حظوة لي ولا ارث من ابي ولا رحم بيننا. أأنتم اعلم بخصوص القرآن وعمومه من ابي وابن عمي؟ ثم رنت بطرفها نحو الانصار، فقالت: يا معشر الفتية واعضاء الملمة وحصن الاسلام ما هذه الغميزة في حقي؟ اما كان «صلي الله عليه وآله وسلم» يقول: (المرء يحفظ في ولده).

وللعلامة الشيخ محمد جواد مغنية رأي بهذا الخصوص جاء فيه: (لقد كان علي ابي بكر ان يقيم اولاً وقبل كل شيء البيّنة علي ان النبي توفي مالكاً لفدك وانها من جملة ما ترك ثم يحتج علي سيدة النساء فاطمة، ولكنه عكس الامر وطلب البينة من صاحب اليد المالكة المتصرفة. طلب منها البينة لا لشيء الا لمجرد دعواه بأن ما تركه ابوها فهو صدقة، ونحن نسلم ـ جدلاً ـ بذلك، ولكن نتساءل: هل كان النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» يملك فدكاً حين وفاته حتي يصدق عليها انها من جملة ما ترك؟ كيف، وقد ذهب الي ربه وفدك ليست في يده ولا في تصرفه، بل في يد السيدة المعصومة وفي سلطانها وتصرفها باعتراف ابي بكر وجميع الصحابة، وبعد، فان حكاية المعصومة وفدك وابي بكر تماماً كحكاية والد وهب ولده داراً وسكنها الولد في حياة الوالد، وبعد موت الوالد جاء فلان الفلاني وقال للولد الساكن المتسلط: عليك ان تخلي الدار وتسلمني اياها لأن أباك قد اوصي لي بجميع ما ترك، قال هذا دون ان يثبت ان الدار من جملة ما ترك الموصي، ومع التسليم بالوصية وصحتها، هل يسوغ لعاقل وفاهم ان يقول للولد عليك ان تسلم الدار للمدعي لأن اباك قد

[ صفحه 120]

اوصي له بجميع ما ترك، بعد العلم بان اباه مات، وهذه الدار علي غير ملكه، لأنها في يد غيره، واليد تدل علي الملك [118] .

اجل، لقد كان من الطبيعي ان تثير هذه الكلمات المؤثرة ضجة حول الارث المحمدي الذي تآمر عليه جمع من المخالفين، لكن الزهراء «عليها السلام» خيبت آمالهم بعد ان تصدت للرد عليهم وتحدتهم بجرأة متناهية وحجج دامغة، اضطربت لها النفوس وتقلبت الابصار وتركت في كثير من القلوب غصة لا يقر لها قرار.

ومما يعين علي الاحاطة حول مسألة الخلاف فيقضية فدك، قول عمر لأبي بكر: انطلق بنا الي فاطمة فانا قد اغضبناها، فانطلقا واستأذنا عليها فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلماه فأدخلهما، فلما قعدا عندها حوّلت وجهها الي الحائط فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام، فتكلم ابو بكر وقال: (يا حبيبة رسول الله ان قرابة رسول الله احب اليّ من قرابتي وانك لأحب اليّ من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات ابوك اني مت ولا ابقي بعده. افتراني اعرفك واعرف فضلك وشرفك وامنعك حقك وميراثـك من من رسول الله؟ الا اني سمعت اباك رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» يقول: (لا نورث ما تركنا فهو صدقة) فقالت: (ارأيتكما ان حدثتكما حديثاً عن رسول الله ألم تسمعا رسول الله يقول: (رضاء فاطمة من رضائي وسخطها من سخطي)؟ قالا: نعم سمعناه من رسول الله. قالت: (فاني اشهد الله وملائكته انكما اسخطتماني وما ارضيتماني ولئن لقيت النبي لاشكونكما اليه). فقال ابو بكر: (انا عائذ بالله من سخطه

[ صفحه 121]

وسخطك يا فاطمة) ثم انتحب يبكي حتي كادت نفسه تزهق. ثم خرج فاجتمع اليه الناس فقال لهم: (يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله وتركتموني وما انا فيه لا حاجة في بيعتكم. اقيلوني ببيعتي) [119] واستمرت الزهراء في جهادها واختارت الاعتصام عن الكلام مع ابي بكر هذه المرة فأعلمت الملأ بانها قالت: والله لا اكلمه بكلمة ما حييت فلم تكلمه حتي ماتت.

أرأيت الي الزهراء وجرأتها وموقفها والرجحان في ميزان القيم اذا قيس بنساء العالم؟ انها وأيم الحق شهاب ثاقب لا ينطفئ منه اللهب في العواصف الهوج، فضلاً علي مالها من محامد فضلي وخصال رفيعة. ولم تنس (فـدك) ان ترجع اليها كل مرة، كان يلمع فيها الحق، لقد شعر ابن عبد العزيز بقيمة الانصاف فأرجع الي فاطمة (فدكاً). لقد شعر بذلك ايضاً ـ فيما بعد ـ ابو العباس السفاح، ثم من بعده المأمون بن الرشيد ان للزهراء سلام الله عليها شخصية موحية ولها حماس منقطع النظير لا سيما في استرداد الحق لأهله [120] والمثل يقول (ما ضاع حق وراءه مطالب).

اما ما اعلمه يقيناً ان الزهراء «عليها السلام» عاشت في غربة، وعانت وحدة قاسية ووحشة موجعة، تفكر ابداً بالحق المغتصب، تتمشي في جنباتها اشتاح التفجع، وتملأ صدرها انات اللوعة وهي اسيرة بيت الاحزان، حيث تخيم عليه اجنحة الموت، تملأ الفضاء بأنّات محزنة متقطعة هائلة مخيفة، واحياناً تكون في غيبوبة نفسية تفصلها عن كل المظاهر الخارجية.

[ صفحه 122]

الاسلوب البلاغي للزهراء

حياة كلها جهاد وعبادة وتبتّل، نور نيّر يسير علي منهاج الحق الصريح، وفكر ثاقب يستضيء بمشكاة العلم الصحيح. الزهراء احدي ثمرات شجرة النبوة الوارفة الظلال، ابدت من الكياسة والادب واللباقة ما لم يسبق اليها احد، وجعلت وقتها وقفاً علي العلم والدين والعمل والتريبية والتهذيب، وذللت بأفكارها السامية كل صعب، حتي تسني لها الصعود الي معارج الارتقاء، لتجني ثمار ذلك الجهد اليانع وقطوفه الدانية التي تؤتي اكلها كل حين بأذن ربها. وحين تقرأ خطبها تري الفصاحة تتدفق من معين لسانها، لا ينكر مالها من قوة الحجة في الكلام والشهرة والبيان.

اتصفت الزهراء بالشجاعة الادبية، فأخرجت للناس دفائن الحكمة وآيات الحق الناصعة وسحر البيان الرائع. وان من يمعن النظر في اسلوب الزهراء الخطابي الرصين وبلاغتها البيانية وما ترمز اليه يتضح له ما ينطوي عليه خطابها من معان واضحة وبصيرة نفاذة. وقد استطاعت ان تسيطر علي نفوس مستمعيها وهم في احرج موقف، ولعل هذا هو بعض السر في

[ صفحه 123]

نجاحها، ولا شك انها ترمي الي الاصلاح الشامل وبيان الواجب الملقي علي عاتق كل مسلم يؤمن بالقيم الروحية والمبادئ السماوية ويتبع ارشادات القرآن والسنة النبوية.

لنستمع الي خطبتها الغراء نصاً وهي تشهد بقدرتها الفائقة وثقافتها الواسعة ومكانتها السامية في عصرها وما تلاه الي يومنا هذا، وهي هنا لا تلقي الكلام علي عواهنه،بل تزن كل كلمة تقولها بميزان الحقيقة والانصاف، فتعجب بفهمها وذكائها كل الاعجاب.

[ صفحه 124]

تظلم الزهراء

ان الحديث عن تظلم فاطمة سلام الله عليها حديث ذو شجون، لا ينتهي الكلام فيه، ولا يمكن اتيان جديد فيه. فالمصادر التاريخية قديمها وحديثها تؤكد علي ظلامة الزهراء، هذه المرأة العظيمة، وما لقيته بعد وفاة والدها النبي الاكرم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» من احن ومحن، وتعرضت لكثير من الويلات والمصائب التي يشيب لهولها الزمان، ابتداءً من ترك وصية والدها، ومروراً بغصب الخلافة من زوجها، وانتهاءً بقضية فدك، مما ادي الي تراكم الهموم والهواجس عليها.

لقد ذكر ابن قتيبة في كتابه (الامامة والسياسة) ما هذا نصه: (ان ابا بكر رضي الله عنه تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث اليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا ان يخرجوا فدعا بالحطيب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن او لأحرقنها علي ما فيها فقيل له يا ابا حفص ان فيها فاطمة فقال: وان. فخرجوا فبايعوا الا علياً فانه زعم انه قال: حلفت ان لا اخرج ولا اضع ثوبي علي عاتقي حتي اجمع القرآن،

[ صفحه 125]

فوقفت فاطمة رضي الله عنها علي بابها فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا وأسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» جنازة بين ايدينا وقطعتم امركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقاً...) الي ان يصل قوله: (... ثم قام عمر ومشي معه جماعة اتوا باب فاطمة فدقوا الباب، فلما سمعت اصواتهم، نادت بأعلي صوتها: يا ابت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن ابي قحافة، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين [121] .

الذي يهمني ان اؤكده هنا هو ان الزهراء سلام الله عليها هي التي خرجت لمنع القوم عن اخراج علي «عليه السلام» وذلك لعظم منزلتها وعلو شأنها، لانها بنت رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»، وان ما يدل علي ذلك قول عمر بن الخطاب عندما اراد ان يأتي الي باب دار فاطمة، قال: اريد ان احرق الدار ومن فيها، قالوا ان في الدار فاطمة قال: وان. ويحسن ان انّبه الي ان هذا الموقف قد قام علي اساس التحدي ومواجهة اهل البيت الذين قال عنهم رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»: (الا واني مخلف فيكم الثـقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا)، مما يدل علي ان الرجل خالف كتاب الله وسنة نبيه في هذا التحدي السافر والاعتداء علي بيت الزهراء سلام الله عليها. وبناءً علي ذلك اشار الي هذا المضمون شاعر النيل حافظ ابراهيم بقوله: وقـولـة لعـلـي قالها عمرُ اكـرم بسـامـعها اعظم بملقيها حرقت دارك لا ابقي عليك بها ان لم تبايع وبنت المصطفي فيها

[ صفحه 126]

ما كان غير ابي حفص يفوه بها

امام فـارس عدنـان وحاميهـا

وفي كتاب (عوالم سيدة النساء فاطمة الزهراء) توضيح لهذا المشهد، قال: فلما رأي علي «عليه السلام» غدرهم وقلة وفائهم لزم بيته، وكان علي بن ابي طالب «عليه السلام» لما راي خذلان الناس له وتركهم نصرته واجتماع كلمة الناس مع ابي بكر وطاعتهم له وتعظيمهم له جلس في بيته. فقال عمر لابي بكر: ما يمنعك ان تبعث اليه فيبايع فانه لم يبق احد الا وقد بايع غيره وغير هؤلاء الاربعة معه، وكان ابو بكر ارق الرجلين وارفقهما وادهاهما وابعدهما غوراً، والاخر افظهما واغلظهما واخشنهما واجناهما، فقال: من نرسل اليه؟ فقال عمر: ارسل اليه قنفذاً، وكان رجلاً فظاً غليظاً جافياً من الطلقاء احد بني تيم، فأرسله وارسل معه اعواناً فانطلق فأستأذن فأبي علي «عليه السلام» ان يأذن له، فرجع اصحاب قنفذ الي ابي بكر وهما في المسجد والناس حولهما، فقالوا: لم يأذن لنا، فقال عمر: هو ان اذن لكم والا فادخلوا عليه بغير اذنه، فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة «عليها السلام»: احرّج عليكم ان تدخلوا بيتي بغير اذن. فرجعوا فثبت قنفذ، فقالوا: ان فاطمة قالت كذا وكذا فحرجتنا ان ندخل عليها البيت بغير اذن منها،فغضب عمر؛ مالنا وللنساء، ثم امر اناساً حوله فحملوا حطباً وحمل معهم فجعلوه حول منزله وفيه علي وفاطمة وابناهما، ثم نادي عمر حتي اسمع علياً والله لتخرجن ولتبايعن خليفة رسول الله او لأضرمن عليك بيتك ناراً ثم رجع فقعد الي ابي بكر وهو يخاف ان يخرج علي بسيفه لما قد عرف عن بأسه وشدته. ثم قال: قنفذ ان خرج والا فاقتحم عليه فان امتنع فاضرم عليهم بيتهم ناراً. فانطلق قنفذ فاقتحم هو واصحابه بغير اذن وبادر علي الي سيفه ليأخذه فسبقوه اليه فتناول بعض

[ صفحه 127]

سيوفهم فكثروا عليه فضبطوه والقوا في عنقه حبلاً اسود، وحالت فاطمة «عليها السلام» بين زوجها وبينهم عند باب البيت فضربها قنفذ بالسوط علي عضدها فبقي اثره في عضدها من ذلك الدملج من ضرب قنفذ اياها فأرسل ابو بكر الي قنفذ اضربها. فالجأها الي عضادة باب بيتها فدفعها فكسر ضلعاً من جنبها والقت جنيناً من بطنها، فلم تزل صاحية في الفراش حتي ماتت من ذلك شهيدة صلوات الله عليها [122] .

وقال في موضع آخر: فلما انتهيا الي الباب فرأتهم فاطمة صلوات الله عليها اغلقت الباب في وجوههم وهي لا تشك ان لا يدخل عليها الا باذنها فضرب عمر الباب برجله فكسره وكان من سعف ثم دخلوا فاخرجوا علياً ملبياً، فخرجت فاطمة فقالت: يا ابا بكر اتريد ان ترملني من زوجي ـ والله ـ لئن لم تكف عنه لانشرن شعري ولاشقن جيبي ولآتين قبر ابي ولأصيحن الي ربي [123] .

وقال ايضاً: فلما بلغ عمر بن الخطاب خرج حتي دخل علي فاطمة فقال: وايم الله ما ذاك بمانعي ان اجتمع هؤلاء النفر عندك ان امر بهم ان يحرق عليهم البيت، قال: فلما خرج عمر جاؤوها، فقالت: تعلمون ان عمر قد جاءني وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت وايم الله ليمضين لما حلف عليه [124] .

وقد وردت في هذا الخصوص اشعار كثيرة، منها ارجوزة للسيد مهدي القزويني حيث قال:

[ صفحه 128]

يا عجبـا يستـأذن الامـيـن قال سليـمُ قلـت يا سـلمـان قال بـلـي وعـزة الجـبـار لكـنـهـا لاذت وراء البـاب ومذ رأوها عصروها عصـرة فأسقطـت بنت الهـدي واحزنا تصيـح يـا فضـة اسندينـي عليـهـم ويهجـم الـخـؤون هل دخلـوا ولم يـك استئـذان ليـس علي الزهـراء من خمار رعـايـة للستـر والحجـاب كادت بنفسي ان تموت حسـرة جنينهـا ذاك المسمي محسنـا فقد وربـي اسقطـوا جنينـي

وقول المتغمد بالرحمة السيد باقر الهندي: كل عـذر وقول افـك وزور فتبصّرْ تبصر هداك الي الحق ليس تعمي العيون لكنما تعمي هو فرع عن جحد نص الغدير فليـس الاعمـي به كالبصيـر القلوب التي انطوت في الصدور

الي ان يصل قوله: او تدري لم احرقوا البـاب بالنـار او تدري ما صدر فاطمة ما المسمار ما سقوط الجنيـن ما حمرة العيـن دخلوا الدار وهي حسري لمرأي من ارادوا اطفاء ذاك النور؟ ما بال ضلعها المكسور؟ وما بال قرطها المنثور؟ علي ذاك الابي الغيور.

وقول الشاعر الحاج جواد بدقت الاسدي: وبكسر ذاك الضلع رضت اضلع وكما (علـي) قـوده بنجـاده وكما (لفاطـم) رنة من خلفـه وبزجرها بسياط قنفذ وشحـت في طيها سرُّ الاله مصونُ فله (علي) بالوثاق قريـن لبناتها خلف العليـل رنين بالطف في زجر لهن متون

[ صفحه 129]

وقول الشاعر الشيخ محسن ابو الحب الكعبي المتوفي سنة 1305 هـ: هزي لنخلتهـا ألتجت فتساقطـت ولدي الجدار وعتبة الباب ألتجت رطباً جنياً فهـي منه تـأكـل بنت النبي واسقطت ما تحمـل

هذا غيض من فيض ما قاله الادباء بخصوص ظلامة الزهراء سلام الله عليها. وهذا هو شأن المخلصين لله تعالي في حفظ رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» في عترته من بعده، يعظمون شعائر الله تعالي، ولا سيما فاطمة الزهراء «عليها السلام» ذلك النموذج الامثل للاسرة المسلمة.

[ صفحه 130]

خطبة الزهراء

الحمد لله علي ما انعم والشكر له علي ما الهم، والثناء بما قدم من عموم نعم ابتداها، وسبوغ الآء أبداها، وتمام نعم والاها، جم عن الاحصاء عددها، ونأي عن الجزاء امدها، وتفاوت عن الادراك ابدها، وندبهم لاستردادها بالشكر لاتصالها، واستحمد الي الخلاءق باجزالها، ونعي بالندب الي امثالها، واشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الاخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وانار في التفكر معقولها، الممتنع من الابصار رؤيته، ومن الالسن صفته، ومن الاوهام كيفيته، ابتدع الاشياء لا من شيء كان قبلها، وانشأها بلا احتذاء امثلة امتثلها، كونها بقدرته وذرأها بمشيئته من غير حاجةمنه الي تكوينها، ولا فائدةله في تصويرها، الاتثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً علي طاعته، واظهاراً لقدرته، وتعبداً لبريته، واعزازاً لدعوته، ثم جعل الثواب علي طاعته، ووضع العقاب علي معصيته، ذيادة لعباده عن نقمته، وحياشة لهم الي جنته، واشهد ان ابي محمداً «صلي الله عليه وآله وسلم» عبده ورسوله اختاره وانتجبه قبل ان

[ صفحه 131]

ارسله، وسماه قبل ان اجتباه، واصطفاه قبل ان ابتعثه، اذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الاهاويل مصونة، وببنهاية العدم مقرونة، علما من الله تعالي بمآل الامور، واحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور، ابتعثه الله تعالي اتماماً لامره، وعزيمة علي امضاء حكمه، وانفاذاً لمقادير حتمه، فرأي الامم فرقاً في اديانها، عكّفاً علي نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله تعالي بابي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» ظلمها، وكشف عن القلوب بُهَمها، وجلّي عن الابصار غممها، وقام في الناس بالهداية، وانقذهم من الغواية، وبصرهم من العماية، وهداهم الي الدين القويم، ودعاهم الي الصراط المستقيم، ثم قبضه الله اليه قبض رأفة واختبار، ورغبة وايثار، فمحمد «صلي الله عليه وآله وسلم» عن تعب هذه الدار في راحة قد حف بالملائكة الابرار،ورضوان الرب الغفار ومجاورة الملك الجبار، صلي الله علي ابي نبيه، وامينه علي وحيه وصفيه، وخيرته من الخلق ورضيه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته (ثم التفتت الي اهل المجلس وقالت: انتم عباد الله نصب امره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وامناء الله علي انفسكم، وبلغاؤه الي الامم وزعيم حق له فيكم، وعهد قدمه اليكم، وبقية استخلفها عليكم، كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، متجلية ظواهره، مغتبط به اشياعه، قائد الي الرضوان اتباعه، مؤد الي النجاة استماعه، به تنال حجج الله المنورة، وعزائمه المفسرة، ومحارمه المحذرة، وبيّناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة، فجعل الله الايمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة

[ صفحه 132]

تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس، ونماء في الرزق، والصيام تثبيتاً للاخلاص، والحج تشييد للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملة، وامامتنا اماناً من الفرقة، والجهاد عزاً للاسلام، وذلا لاهل الكفر والنفاق، والصبر معونة علي استيجاب الاجر، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر مصلحة للعامة، وبر الوالدين وقاية من السخط، وصلة الارحام منسأة في العمر، والقصاص حقنا للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغيير للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة، وترك السرقة ايجاباً للعفة، وحرم الله الشرك اخلاصاً له بالربوبية (فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون) واطيعو الله فيما امركم به ونهاكم عنه (فانما يخشي الله من عباده العلماء) ثم قالت «عليها السلام»: ايها الناس اعلموا اني فاطمة وابي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» اقول عودا وبدءا ولا اقول ما اقول غلطا، ولا أفعل ما افعل شططا، (لقد جاءكم رسول الله من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) فان تعزوه وتعرفوه تجدوه ابي دون نسائكم واخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزيُّ اليه، فبلّغ الرسالة، صادعاً بالنذارة، مائلاً عن مدرجة المشركين ضارباً ثبجهم آخذاً بكظمهم داعياً الي سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسر الاصنام، وينكت الهام حتي انهزم الجمع وولوا الدبر حتي تفري الليل عن صبحه واسفر الحق عن محضه، وانطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وطاح وشيظ النفاق، وانحلت عقدة الكفر والشقاق، وفهتم بكلمة الاخلاص في نفر من البيض الخماس وكنتم علي شفا حفرة من النار، مذفة

[ صفحه 133]

الشارب ونهزة الطامع وقبسة العجلان وموطئ الاقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون القد اذلة خاسئين، تخافون ان يتخطفكم الناس من حولكم فانقذكم الله تبارك وتعالي بأبي محمد «صلي الله عليه وآله وسلم» بعد اللتيا والتي وبعد ان مني ببُهم الرجال وذؤبان العرب ومردة اهل الكتاب (كلما اوقدوا ناراً للحرب اطفأها الله) او نجم قرن للشيطان او فغرت فاغرة من المشركين قذف اخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتي يطأ صماخها باخمصه ويخمد لهبها بسيفه مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في امر الله قريباً من رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»، سيداً في اولياء الله مشمرا ناصحاً مجداً كادحاً، وانتم في بلهنية من العيش، وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر و تتوكفون الاخبار الله لنبيه صلي الله عليه وآله و سلم دار انبيائه ومأوي اصفيائه، ظهرت فيكم حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، و نطق كاظم الغاوين و نبغ خامل الاقلين وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم و اطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم، فألفا كم لدعوته مستجيبين و للغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً، و احمشكم فالفاكم غضاباً، فوسمتم غير ابلكم واوردتم غير شربكم هذا و العهد قريب و الكلم رحيب والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر ابتداراً زعمتم خوف الفتنة (الا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين) فهيهات منكم و كيف بكم واني تؤفكون و هذا كتاب الله بين اظهر كم اموره ظاهرة، واحكامه زاهرة، و اعلامه باهرة، و زواجره لائحة، و أوامره واضحة، قد خلفتموه وراء ظهوركم، ارغبة عنه تدبرون، ام بغيره تحكمون (بئس للظالمين بدلاً،

[ صفحه 134]

و من يتبع غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين) ثم لم تلبثوا الا ربما تسكن نفرتها، و يسلس قيادها، ثم اخذتم تورون و قدتها، و تهيجون جمرتها، و تستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، اطفاء نور الدين الجلي، و اهماد سنن النبي الصفي، تسرون حسوا في ارتغاء و تمشون لاهله و ولده في الخَمَر والضراء و نصبر منكم علي مثل حز المدي و وخز السنان في الحشي، و انتم الآن تزعمون ان لا ارث لي (افحكم الجاهلية يبغون و من احسن من الله حكماً لقوم يوقنون) اقلا تعلمون؟ بلي قد تجلي لكم كالشمس الضاحية اني ابنته ايها ـ وفي رواية ويها ايها المسلمون أأغلب علي ارثي يا ابن ابي قحافة، أفي كتاب الله ان ترث أباك ولا أرث ابي لقد جئت شيئاً فريا، افعلي عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم اذ يقول: (وورث سليمان داود) وقال فيما اقتص من خبر يحيي بن زكريا عليهما السلام اذ يقول: (رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب) وقال: (وأولو الارحام بعضهم اولي ببعض في كتاب الله) وقال: (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين). وقال: (ان ترك خيراً الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقاً علي المتقين) وزعمتم ان لا حظوة لي ولا ارث من ابي ولا رحم بيننا، افخصكم الله بآية اخرج منها ابي «صلي الله عليه وآله وسلم»، ام تقولون اهل ملتين لا يتوارثان، او لست انا وابي من اهل ملة واحدة، ام انتم اعلم بخصوص القرآن وعمومه من ابي وابن عمي، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم اذ تندمون (لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون

[ صفحه 135]

من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) ثم رنت بطرفها نحو الانصار (فقالت): يا معشر الفتية واعضاد الملة وحصنة الاسلام، ما هذه الغميزة في حقي، والسنّة عن ظلامتي، اما كان رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» ابي يقول: (المرء يحفظ في ولده) سرعان ما احدثتم وعجلان ذا إهالة ولكم طاقة بما احاول، وقوة علي ما اطلب وازاول، اتقولون مات محمد فخطب جليل، استوسع وهنه واستنهر فتقه وانفتق رتقه واظلمت الارض لغيبته، واكتأبت خيرة الله لمصيبته، وكسفت الشمس والقمر وانتثرت النجوم لمصيبته، وآكدت الآمال وخشعت الجبال، واضيع الحريم وازيلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة الكبري والمصيبة العظمي التي لا مثلها نازلة ولا بائقة عاجلة، اعلن بها كتاب الله جل ثناؤه في افنيتكم في ممساكم ومصبحكم هتافاً وصراخاً وتلاوة والحانا ولقبله ما حلت بانبياء الله ورسله حكم فصل وقضاء حتم (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افإن مات او قتل انقلبتم علي اعقابكم ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين) أيهاً بني قيلة أأهضم تراث ابي وانتم بمرأي مني ومسمع، ومنتدي ومجمع، تلبسكم الدعوة وتشملكم الخبرة وانتم ذوو العدد والعدة والأداة والقوة وعندكم السلاح والجنة توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون وانتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا اهل البيت، قاتلتم العرب، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الامم، وكافحتم البهم فلا نبرح وتبرحون، نأمركم فتأتمرون حتي اذا دارت بنا رحي الاسلام ودر حلب الايمان وخضعت نمرة الشرك، وسكنت

[ صفحه 136]

فورة الافك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج واستوسق نظام الدين، فأني حرتم بعد البيان، واسررتم بعد الاعلان ونكصتم بعد الاقدام، واشركتم بعد الايمان،بؤساً لقوم نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدؤوكم اول مرة اتخشونهم فالله احق ان تخشوه ان كنتم مؤمنين، الا قد اري ان قد اخلدتم الي الخفض وابعدتم من هو احق بالبسط والقبض، وركنتم الي الدعة ونجوتم من الضيق بالسعة، فمججتم ما وعيتم ودسعتم الذي تسوغتم (فان تكفروا انتم ومن في الارض جميعاً فان الله لغني حميد). لا وقد قلت ما قلت علي معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس وبثة الصدر ونفثة الغيظ، وتقدمة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها دَبِرة الظهر، نَقِبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الله وشنار الابد، موصولة بنار الله الموقدة، التي تطلع علي الافئدة، فبعين الله ما تفعلون، (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد (فاعملوا انا عاملون وانتظروا انا منتظرون) فأجابها ابو بكر عبد الله ابن عثمان قال:

يا ابنة رسول الله لقد كان ابوك بالمؤمنين عطوفا كريما رؤوفا رحيما وعلي الكافرين عذاباً اليما وعقاباً عظيما، فان عزوناه وجدناه اباك دون النساء واخا ألفك دون الاخلاء، آثره علي كل حميم وساعده في كلّ شقي فانتم عترة رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» الطيبون والخيرة المنتجبون، علي الخير ادلتنا والي الجنة مسالكنا، وانت ياخيرة النساء وابنة خير الانبياء صادقة في قولك سابقة في وفور عقلك غير مردودة عن حقك ولا

[ صفحه 137]

مصدودة عن صدقك والله ما عدوت رأي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» ولا عملت الا باذنه، وان الرائد لا يكذب اهله فاني اشهد الله وكفي به شهيداً اني سمعت رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» يقول: نحن معاشر الانبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقار وانما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة، وما لنا من طعمة فلولي الامر بعدنا ان يحكم فيه بحكمه، وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقاتل بها المسلمون ويجاهدون الكفار ويجالدون المردة الفجار، وذلك باجماع من المسلمين لم اتفرد به وحدي ولم استبد بما كان الرأي فيه عندي، وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك لا تزوي عنك ولا تدخر دونك وانت سيدة امة ابيك والشجرة الطيبة لبنيك لا يدفع مالك من فضلك ولا يوضع فرعك واصلك وحكمك نافذ فيما ملكت يداي فهل ترين اني اخالف في ذلك اباك «صلي الله عليه وآله وسلم»؟ فقالت «عليها السلام»:

سبحان الله ما كان ابي رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» عن كتاب الله صادفاً ولا لاحكامه مخالفاً، بل كان يتبع اثره، ويقتفي سوره، افتجمعون الي الغدر اعتلالا عليه بالزور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكماً عدلاً وناطقاً فضلاً يقول (يرثني ويرث من آل يعقوب) ويقول: (وورث سليمان داود) فبين عز وجل فيما وزع من الاقساط، وشرع من الفرائض والميراث، واباح من حظ الذكران والاناث، ما ازاح علة المبطلين، وازال التظني والشبهات في الغابرين، كلا (بل سولت لكم انفسكم امراً فصبر جميل والله المستعان علي ما تصفون) فقال ابو بكر:

[ صفحه 138]

صدق الله وصدق رسوله وصدقت ابنته انت معدن الحكمة وموطن الهدي والرحمة وركن الدين، لا ابعد صوابك ولا انكر خطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك قلدوني ما تقلدت وباتفاق منهم اخذت ما اخذت غير مكابر ولا مستبد ولا مستأثر وهم بذلك شهود فالتفتت فاطمة «عليها السلام» الي الناس وقالت:

معاشر الناس المسرعة الي قيل الباطل المغضية علي الفعل القبيح الخاسر (أفلا يتدبرون القرآن ام علي قلوب اقفالها) كلا بل ران علي قلوبكم ما أسأتم من اعمالكم فأخذ بسمعكم وابصاركم لبئس ما تأولتم وساء ما به اشرتم وشر ما منه اعتضتم، لتجدُن والله محمله ثقيلاً وغيَّه وبيلا اذا كشف لكم الغطاء وبان ما وراء الضراء وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون وخسر هنالك المبطلون، ثم عطفت علي قبر النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» وقالت: قد كان بعـدك انباء وهنيثـة إنا فقدناك فقد الارض وابلها لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب واختل قومك فاشهدهم ولا تغيب

قال صاحب بلاغات النساء: فما رأينا يوماً كان اكثر باكياً ولا باكية من ذلك اليوم. قال السيد المرتضي والشيخ الطوسي في روايتيهما وغيرهما، ثم انكفأت وامير المؤمنين «عليه السلام» يتوقع رجوعها اليه ويتطلع طلوعها عليه، فلما استقرت بها الدار قالت لامير المؤمنين «عليه السلام»: يابن ابي طالب اشتملت شملة الجنين وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الاعزل، هذا ابن ابي قحافة يبتزني نحيلة ابي وبلغة (وبليغة خ ل) ابني لقد اجهد في خصامي وألفيته الد في كلامي حتي حبستني قيلة

[ صفحه 139]

نصرها والمهاجرة وصلها وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع ولا ناصر ولا شافع، خرجت كاظمة وعدت راغمة اضرعت خدك يوم اضعت جدك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلاً ولا اغنيت طائلاً ولا خيار لي، ليتني مت قبل منيتي ودون ذاتي، عذيري الله منك عادياً وفيك حامياً، ويلاي في كل شارق ويلاي في كل غارب مات العمد ووهت العضد، شكواي الي ابي وعدواي الي ربي اللهم انك اشد قوة وحولاً واحد بأساً وتنكيلاً (فقال) لها امير المؤمنين «عليه السلام»: لا ويل لك بل الويل لشانئك، نهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة وبقية النبوة فما وليت عن ديني ولا اخطأت مقدوري فان كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون وكفيلك مأمون وما أعد لك افضل مما قطع عنك فاحتسبي الله (فقالت): حسبي الله وامسكت).

وهذا اللوم والتأنيب من الزهراء لأمير المؤمنين عليهما السلام لا ينافي عصمته وعصمتها وعلو مقامها، فما هو الا مبالغة في انكار المنكر واظهار لما لحقها من شدة الغيظ كما فعل موسي «عليه السلام» لما رجع الي قومه غضبان أسفاً والقي الالواح واخذ برأس اخيه وشريكه في الرسالة يجره اليه. وقال ابن قتيبة في الامامة والسياسة قال عمر لابي بكر (رضي): انطلق بنا الي فاطمة فانا قد اغضبناها، فانطلقا جميعاً فاستأذنا علي فاطمة فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلماه فادخلهما عليها، فلما قعدا عندها حولت وجهها الي الحائط، فلما سلما عليها فلم ترد عليهما السلام، فتكلم ابو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله والله ان قرابة رسول الله احب الي من قرابتي، وانك لاحب الي من عائشة ابنتي لوددت يوم مات ابوك اني مت ولا ابقي

[ صفحه 140]

بعدا، افتراني اعرفك واعرف فصلك وشرفك وامنعك حقك وميراثك من رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»، الا اني سمعت اباك رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» يقول: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، فقالت: ارأيتكما ان حدثتكما حديثاً عن رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» تعرفانه وتفعلان؟ به قالا: نعم، فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» يقول: رضي فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي فمن احب فاطمة ابنتي فقد احبني ومن ارض فاطمة فقد ارضاني ومن اسخط فاطمة فقد اسخطني، قالا: نعم سمعناه من رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم»، قالت: فاني اشهد الله وملائكته انكما اسخطتماني وما ارضيتماني ولئن لقيت النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» لاشكونكما اليه، فقال ابو بكر: انا عائذ بالله تعالي من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب يبكي حتي كادت نفسه ان تزهق، وهي تقول: والله لادعون الله عليك في كل صلاة اصليها، ثم خرج باكياً (الي ان قال): فلم يبايع علي حتي ماتت فاطمة ولم تمكث بعد ابيها الا خمساً وسبعين ليلة.

ولما ولي معاوية اقطع فدكاً مروان بن الحكم. فوهبها مروان لولديه عبد الملك وعبد العزيز فلما ولي عمر بن عبد العزيز ردها علي ولد علي وفاطمة، فلما مات اخذها بنو مروان، فلما ولي المأمون ردها علي ولد علي وفاطمة، فلما ولي المتوكل اخذها منهم. ولله درّ دعبل حيث يقول: اري فيـأهم في غيرهـم منقسمـا وايديهـم من فيئـهم صفـرات

ولهذه الخطية شروح مطولة ذكرها شيخنا الشيخ اغا بزرك الطهراني في اجزاء متفرقة من موسعته (الذريعة الي تصانيف الشيعة). لعل من اهمها:

[ صفحه 141]

1ـ شرح الخطبة للمولي الحاج محمد نجف الكرماني المشهدي مسكناً ومدفناً المتوفي سنة 1292 هـ.

2ـ شرح الخطبة للحاج شيخ فضل علي بن المولي ولي الله القزويني المولود سنة 1290 هـ.

3ـ لابن عبدون البزاز المعروف بابن الحاشر.

4ـ شرح الخطبة للسيد علي محمد تاج العلماء بن السيد محمد سلطان العلماء بن السيد دلدار علي المتوفي في لكنهو سنة 1312 هـ.

5ـ كشف المحجه ـ للسيد عبد الله شبر.

6ـ اللمعة البيضاء للحاج ميرزا محمد علي الانصاري.

7ـ الدرة البيضاء للسيد محمد تقي السيد اسحاق الرضوي.

[ صفحه 142]

مرض الزهراء

لقد ازداد حزن الزهراء وألمها بعد وفاة ابيها، فاذا جنَّ الليل وهدأت الاصوات، استوحشت لفقدان صوته الحنون، الذي كان يؤنسها وهو يرتل القرآن ترتيلا. لكنها رأت نفسها ذليلة بعد ان كانت ايام ابيها عزيزة مكرمة، يسبغ عليها من حنانه وعطفه الشيء الكثير. وظلت تعيش علي انات ونحيب قرب بيت الاحزان، وتطلق صرخاتها من اعماق القلب، الي ان داهمها المرض العضال الذي انحل جسمها واذاب لحمها، وغارت عيناها من شدة الحزن، ولم تزل باكية العين، فيأتي علي «عليه السلام» فيرجعها الي بيتها الذي يذكرها بأيام محمد «صلي الله عليه وآله وسلم».

بقيت فاطمة «عليها السلام» طريحة الفراش بين كمد وكرب، تنشج نشيجاً حزيناً. روي انها رأت في المنام اباها رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» فشكت اليه ما نالها من بعده، فقال لها: انك قادمة علي عن

[ صفحه 143]

قريب [125] كما انها رأت في المنام مرة اخري كأن ملائكة كثيرة هبطوا من السماء، واذا بقصور مشيدة وبساتين وانهار خرجت من تلك القصور حواري يضحكن ويقلن: مرحباً بمن خلقت الجنة لها وخلقنا من اجل ابيها، ثم لم تزل الملائكة تصعد بها حتي ادخلوها داراً فيها قصور كثيرة وفي القصور بيوت لا تعد وفيها من السندس والاستبرق علي الاسرة شيء كثير غير اواني الذهب والفضة، وفيها الوان الطعام، ورأت انهاراً اشد بياضاً من اللبن واطيب رائحة من المسك فقالت: لمن هذه الدار، وما هذه الانهار؟ فقيل لها: اما الدار فهي الفردوس الاعلي ليس بعده جنة وهي دار ابيك ومن معه من النبيين ومن احب الله، وهذا نهر الكوثر الذي وعد الله اباك ان يعطيه اياه.

فقالت: اين ابي، قالوا لها: الساعة يدخل عليك، فبينما هي كذلك اذ ظهر لها قصور اعلي من تلك القصور وفرش احسن مما رأته، واذا اباها جالس علي تلك الفرش ومعه جماعة فأخذها وضمها اليه وقبَّل ما بين عينيها، وقال لها: يا بنية أما ترين ما اعد الله لك وما تقدمين عليه، ثم اراها قصوراً مشرقات فيها الوان الطرايف والحلي والحلل، وقال: هذا مسكنك ومسكن زوجك وولديك ومن احبك واحبهما فطيبي نفساً فانك قادمة علي بعد ايام، فانتبهت فرحة وقصت الرؤيا علي امير المؤمنين «عليه السلام» [126] .

[ صفحه 144]

من الواضح الجلي انها الحقت بأبيها كما نص علي ذلك الرواة بعد عدة شهور من وفاته وما زالت تقول في ايام المرض: يا حي يا قيوم برحمتك استغيث فأغثني اللهم زحزحني عن النار وادخلني الجنة والحقني بأبي محمد، فإذا قال لها امير المؤمنين: عافاك الله وأبقاك، تقول له: يا ابا الحسن ما اسرع اللحاق برسول الله [127] .

[ صفحه 145]

وفاة الزهراء

ودعّت الزهراء «عليها السلام» مجتمعاً شغلته تناقضاته وعيوبه، فتصدت لهم بخطب غراء لها صداها بين محبيها وخصومها، تمدهم بالحب والتكريم.

بعد عمر حافل بجلائل الاعمال، لاقت الزهراء سلام الله عليها حتفها، بعد ان استودعت الحياة علي تراث ضخم كان مثيراً للجدل خلال اقل من ربع قرن من الزمان، ودفنها الامام عليّ «عليه السلام». جاء في كتاب (المجالس السنية) ما يلي:

(وذكر جماعة انها لما مرضت دعت ام ايمن واسماء بنت عميس وعلياً «عليه السلام» واوصت الي علي بثلاث وصايا (الاولي): ان يتزوج بأمامة بنت اختها زينب لحبها اولادها وقالت: ان تكون لولدي مثلي (وفي رواية) قالت: بنت اختي وتحني علي ولدي، وامامة هذه هي بنت ابي العاص ابن الربيع وهي التي روي: ان رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» كان يحملها في الصلاة وأمها زينب بنت رسول الله صلي الله عليه

[ صفحه 146]

وآله وسلم، فلما توفت الزهراء تزوج امير المؤمنين «عليه السلام» امامة كما وصته. (الثانية): ان يتخذ لها نعشاً وصفته له (وفي رواية) ان اسماء بنت عميس قالت لها: اني اذ كنت بارض الحبشة رأيتهم يصنعون شيئاً فان اعجبك اصنعه لك، فدعت بسرير فأكبته لوجهه ثم دعت بجرائد فشدتها علي قوائمه وجعلت عليه نعشاً، ثم جللته ثوباً فقالت فاطمة «عليها السلام»: اصنعي لي مثله استريني سترك الله من النار، (وكان) ذلك اول نعش عمل في الاسلام. (وفي الاستيعاب): كانت فاطمة «عليها السلام» اول من غطي نعشها من النساء في الاسلام علي تلك الصفة، ثم بعدها زينب بنت جحش (وفي رواية) انها لما رأت صورة النعش تبسمت وما رئيت متبسمة الا ذلك اليوم (قال الصادق «عليه السلام»): اول من جعل له النعش فاطمة «عليها السلام». (الثالثة): ان لا يُشهد احداً جنازتها ممن ظلمها، وان لا يترك ان يصلي عليها احد منهم وان يغسلها في قميصها ولا يكشفه عنها لانها كانت قد اغتسلت قبل وفاتها بيسير وتنظفت ولبست ثيابها الجدد، وان تدفن ليلا ويعفي قبرها. (وفي رواية) انها اوصت لأزواج النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» لكل واحدة منهن باثنتي عشرة اوقية ولنساء بني هاشم مثل ذلك، واوصت لامامة بنت اختها زينب بشيء (وفي رواية) انها تصدقت بمالها علي بني هاشم وبني عبد المطلب، وان علياً «عليه السلام» تصدق عليهم وادخل معهم غيرهم، (فلما) توفيت قام امير المؤمنين «عليه السلام» بجميع ما وصته فغسلها في قميصها واعانته علي غسلها اسماء بنت عميس وامر الحسن والحسين عليهما السلام يدخلان الماء، ولم يحضرها غيره وغير الحسنين وزينب وام كلثوم وفضة جاريتها واسماء بنت عميس،

[ صفحه 147]

وكفّنها في سبعة اثواب ثم صلي عليها وكبر خمساً ودفنها في جوف الليل وعفي قبرها. ولم يحضر دفنها والصلاة عليها الا علي والحسنان ونفر من بني هاشم وخواص علي «عليه السلام» [128] . وان علياً «عليه السلام» افاض عليها من الماء ثلاثاً وخمساً وجعل في الخامسة شيئاً من الكافور، وكان يقول: اللهم انها امتك وبنت رسولك وخيرتك من خلقك [129] .

اما بخصوص مدفن الزهراء «عليها السلام» فهناك روايات عديدة، لعل اقربها الي الصواب هو الحرم الشريف النبوي في المدينة المنورة. يقول الرحالة السر تشارلز بورتون الذي زار المدينة المنورة في 1814 بعد وصفه للبقيع:

(ويبدو ان المؤرخين المسلمين يبتهجون بالغموض الذي يكتنف مدفن السيدة فاطمة الزهراء «عليها السلام»، فبعضهم يذكر انها دفنت في الحرم الشريف ويستند في ذلك الي الرواية التي تقول انها حينما علمت بدنو اجلها قامت فرحة مستبشرة فغسلت الغسل الكبير ولبست ملابسها النظيفة، ثم فرشت حصيرة علي ارض بيتها الواقع بقرب الرسول، وتمددت مستقبلة القبلة فوضعت يدها تحت خدها، وقالت لمن حضر بقربها: لقد تطهرت ولبست ثيابي الطاهرة، فلا تسمحوا لأحد بأن يكشف عن جسدي بل ادفنوني حيث انا.. وحينما عاد علي وجد زوجته قد توفيت، ونفذت رغبتها الاخيرة، وكان عمر بن عبد العزيز يعتقد بهذه الرواية فألحق الغرفة تلك بالمسجد، ولذلك فالاعتقاد العام في الاسلام هو ان

[ صفحه 148]

الزهراء البتول قد دفنت في الحرم، اما اولئك الذين يعتقدون بأنها مدفونة في البقيع فيستندون الي قول الامام الحسن: (.. فإذا لم يسمحوا بدفني عند قبر جدي فادفنوني في البقيع الي جنب امي فاطمة) وهؤلاء يرون الخير التالي في هذا الشأن [130] .

ويعلق جعفر الخياط فيقول: ونقول تعليقاً علي ما جاء في الامامة والسياسة لابن قتيبة: ان الزهراء توفيت وهي غير راضية عن ابي بكر، ولذلك لم تشأ ان يعلم بموتها هو او غيره لئلا يصلي عليها وهو خليفة للمسلمين، فدفنت في بيتها الذي ادخل في الحرم بعد ذلك، فعلي هذا فقد تكون الرواية المنسوبة الي الامام الحسن التي يفهم منها انها مدفونة في البقيع غير صحيحة [131] .

وتجدر الاشارة الي ان علياً «عليه السلام» صلي عليها وقيل العباس ودخل بها في قبرها علي والفضل، وكانت قد اشارت علي علي «عليه السلام» ان يدفنها ليلاً.

قال الشيخ كاظم الازري: ولأي الامـور تـدفـن ليـلا بنت من أم من حليـلـة مـن بضعة المصطفـي ويعفـي ثـراها ويـلٌ لمـن سـنّ ظلمهـا واذاهـا

قال ابو الفرج الاصفهاني في (مقاتل الطالبيين): كانت وفاة فاطمة «عليها السلام» بعد وفاة النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» بمدة يختلف في مبلغها،

[ صفحه 149]

فالمكثر يقول: ثمانية اشهر والمقلل يقول: اربعين يوماً، الا ان الثبت في ذلك ما روي عن ابي جعفر محمد بن علي «عليه السلام»: انها توفيت بعده بثلاثة اشهر. حدثني بذلك الحسن بن علي، عن الحارث عن ابن سعد عن الواقدي عن عمرو بن دينار عن ابي جعفر محمد بن علي «عليه السلام» [132] وقيل انها توفيت في شهر رمضان سنة عشر من النبوة [133] ودفنت في المسجد النبوي كما مر بنا آنفاً. وطبيعي انه لم يكن في الامكان القيام بشيء كثير في هذا الباب الا حسب الوصية التي اوصت بها. وبقدر تعلق الامر بالدفن وموضعه، فالمعلومات المتعلقة بالقضية كانت معروفة، ولانعدام الدقة في الامور في الغالب فان تقديرها ليس بيسير. والقبر الحقيقي للزهراء يكمن في قول النبي «صلي الله عليه وآله وسلم» (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) لان الدلائل الجمة وافرة علي ان قبرها هو قرب قبر والدها. وقد انبري لرثائها اهل الفضل والادب منذ ذلك الحين حتي يوم الناس هذا.

في الديوان المنسوب الي الامام علي «عليه السلام»، انه انشد بعد وفاة فاطمة «عليها السلام» [134] . الا هل الي طـول الحيـاة سبيل واني وان اصبحت بالموت موقناً وللدهر الـوان تروح وتغتـدي واني وهذا الموت ليس يحول فلي امل من دون ذاك طويل وان نفوسـاً بينهـن تسيـل

[ صفحه 150]

ومـنـزل حـق لا معـرج دونـه قـطعـت بأيـام الـتعـزز ذكـره اري علـل الـدنيـا علـيّ كثيـرة وانـي لمشتـاق الـي مـن احبـه واني وان شطـت بـي الدار نازحا فقد قال في الامثال في البين قائـل لكل اجتمـاع من خـليليـن فرقـة وان افتقادي فاطمـاً بعد احـمـد وكيف هناك العيش من بعد فقدهم سيعرض عن ذكري وتنسي مودتي وليس خليـلي بالملـول ولا الذي اذا انطلقت يوماً من العيـش مدتي يريد الفتـي ان لا يمـوت حبيبـه وليـس جليـلاً رزء مـال وفقـده لكـل امـرئ منهـا اليـه سبيـل وكل عـزيـز مـا هنـاك ذلـيـل وصاحبهـا حتي الممـات عـليـل فهل لي الي من قـد هويـت سبيـل وقد مـات قبلـي بالفـراق جميـل اضربـه يـوم الـفـراق رحيـل وكل الـذي دون الفـراق قـليـل دليل علـي ان لا يـدوم خـليـل لعمـرك شيء مـا اليـه سبيـل ويظهـر بعـدي للخليـل عديـل اذا غبـت يرضـاه سواي بديـل فـان بكـاء البـاكيـات قـليـل وليـس الـي مـا يبتغيـه

سبيـل ولكـن رزء الاكـرميـن جـليـل

لذلك جنبـي لا يـؤاتيـه مضجـع

وفي القلب من حر الفـراق غليـل

[ صفحه 151]

الزهراء في رحاب الشعر

اشاره

فاطمة الزهراء «عليها السلام»

لمفكر باكستان الدكتور محمد اقبال

المجـد يُشـرقُ من ثلاث مطالع هي بنت من؟ هي زوج من؟ هي ام من؟ هي ومضة من نور عين المصطفي هو رحمة للعالمين وكعبة الآ من ايقظ الفطرَ النيام بروحه واعاد تاريخ الحياة جديدة ولزوج فاطمة بسورة «هل اتي» اسد بحصن الله يرمي المشكلا ايوانه كوخ وكنز ثرائه في روض فاطمة نما غصنان لم في مهد فاطمة فما أعلاها! من ذا يداني في الفخار أباها هادي الشعوب اذا تروم هداها مال في الدنيا وفي اُخراها وكأنه بعد البلي احياها مثل العرائس في جديد حُلاها تاج يفوق الشمس عند ضحاها ت بصيقل يمحو سطور دجاها سيف غدا بيمينه تيّاها ينجبهما في النيّرات سواها

[ صفحه 152]

فأمير قافلة الجهاد وقطب دا حَسَنُ الذي صان الجماعة بعدما ترك الخلافة ثم اصبح في الديا وحُسينُ في الابرار، والاحرار، ما فتعلّموا دين اليقين من الحسـ وتعلّموا حرية الايمان من الامهات يلدن للشمس الضيا ما سيرة الابناء، الا الامها هي اسوة للامهات، وقدوة لما شكا المحتاجُ خلف رِحابها جادت لتُنقذهُ برهن خمارها نور تهاب النار قدسّ جلاله جعلت من الصبر الجميل غذاءها فمُها يرتل آيّ ربك بينما بلت وسادتها لآليء دمعها جبريل نحو العرش يرفع دمعها لولا وقوفي عند امر المصطفي لمضيت التطواف حول ضريحها ئرة الوئام والاتحاد ابناها امسي تفرقُها يُحلُ عراها ر امام اُلفتِها. وحُسن عُلاها ازكي شمائله وما انداها ين اذا الحوادث أضمأت بلظاها صبر الحسين، وقد اجاب نداها ء وللجواهرِ حسنها وصفاها ت، فهم اذا بلغوا الرقي صداها يترسم القمر المُنيرُ خطاها رقت لتلك النفس في شكواها يا سُحُبُ اين نداك من جدواها ومُني الكواكب ان تنال ضياها ورأت رضا الزوج الكريم رضاها يدها تدير علي الشعير رحاها من طول خشيتها، ومن تقواها كالطلّ يروي في الجنان رُباها وحدود شرعته، ونحن فداها وغمرتُ بالقبلات طيب ثراها

[ صفحه 153]

مدائح الزهراء

للسيد عبد اللطيف فضل الله

هتف البيان بمولد الزهراء ومضي علي الجوزاء يسحب ذيله ورد البحار الهوج يسبر غورها فرأي الجلال علي تواضع قدسه شمخ الاديم بفاطم وتطاولت برأ العوالم واصطفاها ربها فتجسمت في الارض منه رحمة صديقة ما كان لولا حيدر عبرت كهينمة النسيم وواجهت لم يكشف الناس البلاء ولا ارتووا يا اخت نساك الملائك بالهدي يالمحة الفردوس حط بطهرها يا صفحة بيضاء من افكارها سر الوجود وشمس كل سماء مترنحاً من نشوة الخيلاء ويعب منها قطرة من ماء تنحط عنه مدارك العقلاء غبراؤه فيها علي الخضراء مما اصطفاه بها الامناء وشفاعة للناس يوم جزاء يلفي لها احد من الاكفاء كدر الحياة واهلها بصفاء الا بطلعة وجهها الوضاء وذبالة الانوار من سيناء خلد البقاء علي صعيد فناء آب الوري بصحيفة سوداء

[ صفحه 154]

يا غيب سر لو اخذت ببعضه لمشيت فيه علي الهواء اذا ابتدي والاك ربك اذ رضعت ولاءه فاذا دعوت فانت في سلطانه ان الذي مسخ الامانة وانطلي وطوي عداوة آل بيت محمد فأحالها لله حرباً طوحت ثقلت علي الاكوان وطأة رجسه وحدت به للحشر لعنة ربه يا يوم احمد هل لخطبك اذ هوت قلب الوجود واصبحت ابناؤه فاعتاض عن فوق رواسب تحته كم في فؤادك فاطم من غصة أبهذه الدنيا عزاء قائم الصبر ضاق لما صبرت علي الاذي قدمت من حسن ضحية سمهم ومن الوصي علي الرسالة خائضاً طاروا الي الملك العضوض وغلفوا ولدوا من الداء العضال فلم يكن نظروا المودة في الكتاب فلم يروا من صفوة طاف الهدي بفنائها طرفاً من الاعجاز والالجاء عيسي يسير نمير الماء وحباك منه ولاية الاشياء كالروح حين تهيب بالاعضاء بدماء من ضحي من الشهداء ناراً ذكت بجوارح البغضاء بابن النبي موزع الاشلاء فيها فدارت صورة الاعياء تسري مع الاصباح والامساء فيه الانام بفتنة عمياء مقلوبة الاحساس والآراء وعن الامام لأهله بوراء توهي فؤاد الصخرة الصماء وبدار ربك في امض عزاء وسخيت للاعداء أي سخاء ومن الحسين السبط كبش فداء من حربهم قدماً ببحر دماء وجه النهار بليلة ظلماء الا زوالهم شفاء الداء غير السيوف مودة الابناء متمسكاً بالكعبة الغراء

[ صفحه 155]

جبلت باسرار السما وتكونت غراء من صلب النبوة والهدي هي صوت ناقوس السماء ولا تري وفيوض الطاف سحابة صيفها وسفينة الطوفان ليس بخائب آلاؤها ملء الزمان وبيتها وكانما كانت لهيكل كونها حوراء اذ رفع الاله لواءها وبُري مناقبها وقال لغرها قلنا لها سر يصان وجوهر وربما ولد التراب بمهده ولدت لطهر محمد فكأنها وكأن ما فيها حقيقة ذاته فاذا الهدي من كل افق مشرق شرفت فحك العرش منكب عزها باب بلا ند تراه ولم يجد علوية النفحات من انوارها حرم يطوف به ويخدم اهله نشأت بظل الله لم يعلق بها حتي اذا طمس الهدي وتبرمت رفعت اليه دعاءها فكأنما مما يساق العرش من لألاء طلعت علي الدنيا طلوع ذكاء في الارض غير تجاوب الاصداء وطفاء مغدقة علي الاحياء من بات مشدوداً لها بولاء في الكائنات اساس كل بناء قلب الحنان به وعين رجاء كرماً وضم الخلق تحت لواء كوني بلا عد ولا احصاء فوق الانام وطينهم والماء من كان في الملكوت رمز علاء آي الكتاب بمهبط الاحياء غير النبوة افرغت برعاء والكون اضواء علي اضواء كرماً وداست منكب الجوزاء احد يطاولها من الانباء بيت النبوة مشرق الانحاء الروح الامين منبئ الانباء دنس ولا وقعت علي الاخطاء من حمأة طبعت علي الاسواء ركب البراق بليلة الاسراء

[ صفحه 156]

مدائح الزهراء

للسيد محمد جواد فضل الله

في الذري انت اذ يرف العيد ومعان من طهر ذاتك يستلهم هي دنياك مشرق للقداسا مجدك الشمس ينطفي ان تبدت النبوات دوحة انت منها كيف يرقي لشأو عزك مجد نفحة من مجهر صاغها الله وحباها منه الجلال اهابا يا ابنة الطهر يا حكاية تاريخ وتلاحي بها الرواة فسار ومن الزيف ان يحرر تاريخ كيف يسمو الي العقيدة فكر يتمادي فيمسح الحق بالوهم مطلع مشرق ولحن فريد من وجهها الجمال القصيد ت تلاشت علي ذراه الحدود كل نجم من حولها ويبيد الق مشرق ونفح ودود وبك المجد تاجه معقود مثالا للطهر كيف يريد يتداني عن نعته التمجيد افاضت عنها الحديث العهود بهدي الحق شوطه وحقود غريب عن الهدي وصدود لعبت فيه في الصراع الحقود ضلالاً والحق صلد عنيد

[ صفحه 157]

لن يضير الضحي اذا نعق الا يا لذل التاريخ ان يجحف الحق حسب دنيا الزهراء ان اباها حسبها ان تكون كفؤ علي رفع الله شأنها فتباهت ورثت طهر احمد وهداه فلذة منه اودع الله فيها يا ابنة الطهر.. يا جهاداً مريراً ان حقاً اضيع في غمرة الفتنة حدث كان للسياسة فيه سل بطون التاريخ عن هزة فلتات كانت وكان حديث أي فتح غنمتموه فهذي فد واستدارت ام الحسين وقد يتلظي صفحة المروءات وامتد سلب الليث فاستبيح عرين كيف تلقي طليعة الفتح يا ذل يأنف الصيد من متاهة درب عثر الشوط بالكمي فلا الشوط وتلاقت بالمرزحات صروف صباح اعشي الي الدجي مسدود ظلوم ويستبد مريد احمد وهي سره المحمود وهي لولاه كفؤها مفقود باسمها في الجنان حور وغيد فهي من روحه امتداد حميد كل ما فيه فهي منه وجود خذلته مطامع وقصود ما ضاع لو رعته الشهود دورها لو وعي الامين الرشيد المأساة ينبيك حقها المنشود موجع يلهب الاسي ويزيد ك فاهنأوا بها واستزيدوا جف وريق من حلمها منكود اصيل علي المدي مرصود وانطوي مرتع له معدود البطولات كيف تمحي العهود للسري فيه ضيعة وشرود حميد ولا السري محمود كبرت عتمة بها ورعود

[ صفحه 158]

يا ابنة الطهر ان يكن وهج المـ وأذاب الشباب من عودك الغض فضمير التاريخ حرّ وان لوّ باسمك الفذ يهتف الحق في كيف يخفي الضحي علي قمم المجد ان بيتاً حواك عرش من المجد حرم تعلق الملائك... فيه ـأساة اعياك والنصير قصيد صراع مر وخطب شديد ح بالريب شانئ وعنود الاجيال وليعلق السراب حسود فلن يريك الرؤي ترديد رفيع به الهدي مشدود فنزول في رحبه وصعود

[ صفحه 159]

مراثي الزهراء

للشيخ ملا كاظم الازري (ره) من هائيته المشهورة

تركوا عهد احمد في اخيه وهي العروة التي ليس ينجو لم ير الله للرسالة اجرا يوم جاءت ياللمصاب اليهم فدعت واشتكت الي الله شكوي فاطمأنت لها القلوب وكادت تعظ القوم في اتم خطاب ايها القوم راقبوا الله فينا نحن من بارئ السماوات سر بل بآثارنا ولطف رضانا وبأضوائنا التي ليس تخبو واعلموا اننا مشاعر دين الـ واذاقوا البتول ما اشجاها غير مستعصم بحبل ولاها غير حفظ الزهراء في قرباها ومن الوجد ما اطال بكاها والرواسي تهتز من شكواها ان تزول الأحقاد ممن حواها حكت المصطفي به وحكاها نحن من روضة الجليل جناها لو كرهنا وجودها ما براها سطح الارض والسماء بناها حوت الشهب ما حوت من سناها ـله فيكم فاكرموا مثواها

[ صفحه 160]

ولنا من خزائن الغيب فيض ان تروموا الجنان فهي من الـ هي دار لنا ونحن ذووها وكذاك الجحيم سجن عدانا ايها الناس أي بنت نبي كيف يزوي عني تراثي زاو هذه الكتب فاسألوها تروها وبمعني يوصيكم الله امر كيف لم يوصنا بذلك مولا هل رآنا لا نستحق اهتداء ام تراه اضلنا في البرايا ما لكم قد منعتمونا حقوقاً قد سلبتم من الخلافة خوداً وسبيتم من الهدي ذات خدر هذه البردة التي غضب الـ فخذوها مقرونة بشنار ولأي الامور تدفن سراً فمضت وهي اعظم الناس وجداً وثوت لا يري لها الناس مثوي ترد المهتدون منه هداها ـله الينا هدية اهداها لا يري غير حبيبنا مرآها حسبهم يوم حشرهم سكناها عن مواريثها ابوها زواها باحاديث من لدنه ادعاها بالمواريث ناطقاً فحواها شامل للعباد في قرباها نا وتلك من دوننا اوصاها واستحقت هي الهدي فهداها بعد علم لكي نصيب خطاها اوجب الله في الكتاب اداها كان منا قناعها ورداها عز يوماً علي النبي سباها ـله علي كل من سوانا ارتداها غير محمودة لكم عقباها بضعة المصطفي ويعفي ثراها في فم الدهر غصة من جواها أي قدس يضمه مثواه

ووجدت هذه القصيدة بخط الشهيد الاول محمد بن مكي العاملي الجزيني قدس الله روحه، وهي فريدة في بابها، ويظهر من آخرها انها

[ صفحه 161]

لبعض اشراف مكة المكرمة، وتوهّم بعضهم انها للجذوعي ناشئ من البيت الذي فيه اسمه مع انه ظاهر في ان الجذوعي منشدها وان منشئها غيره وهي: ما لعيني قد غاب عنها كراها الدار نعمت فيها زمانا أم لحي بانوا باقمار ثم ام لخلود غريرة الطرف تهوا ام لصافي المدام من مزة الطعـ حاش لله لست اطمع نفسي بل بكائي لذكر من خصها اللـ ختم الله رسله بأبيها وحباها بالسيدين الزكييـ ولفكري في الصاحبين اللذين اسـ منعا بعلها من العهد والعقـ واستبدا بامرة دبراها وأتت فاطم تطالب بالار ليت شعري لم خولفت سنن القر رضي الناس اذ تلوها بما لم نسخت آية المواريث منها ام تري آية المودة لم تا ثم قالا ابوك جاء بهذا قال للانبياء حكم بان لا وعراها من عبرة ما عراها ثم فارقتها فلا انساها يتجلي الدجي بضوء مناها ني بصدق الوداد واهواها ـم عقار مشمولة اسقاها آخر العمر في اتباع هواها ـه تعالي بلطفه واجتباها واصطفاه لوحيه واصطفاها ـن الامامين منه حين حباها ـتحسنا ظلمها وما راعياها ـد وكان المنيب والأواها قبل دفن النبي وانتهزاها ث من المصطفي فما ورثاها آن فيها والله قد أبداها يرض فيها النبي حين تلاها ام هما بعد فرضها بدلاها ت بود الزهراء في قرباها حجة من عنادهم نصباها يورثوا في القدير وانتهراها

[ صفحه 162]

افبنت النبي لم تدر ان كا بضعة من محمد خالفت ما سمعته يقول ذاك وجاءت هي كانت لله اتقي وكانت او تقول النبي قد خالف القر سل بإبطال قولهم سورة النمـ فهما ينبئان عن ارث يحيي فدعت واشتكت الي الله من ذا ثم قالت فنحلة لي من وا فأقامت بها شهوداً فقالوا لم يجيزوا شهادة ابني رسول الـ لم يكن صادقاً علي ولا فا كان اتقي لله منهم عتيق جرعاها من بعد والدها الغيـ اهل بيت لم يعرفوا سنن الجو ليت شعري ما كان ضرهما الحفـ كان اكرام خاتم الرسل الها ان فعل الجميل لم يأتياه ولو ابتيع ذاك بالثمن الغا ولكان الجميل ان يقطعاها اتري المسلمين كانوا يلومو ن نبي الهدي بذلك فاها قال حاشا مولاتنا حاشاها تطلب الارث ضلة وسقاها افضل الخلق عفة ونزاها آن ويح الاخبار ممن رواها ـل وسل مريم التي قبل طاها وسليمان من اراد انتباها ك وفاضت بدمعها مقلتاها لدي المصطفي فلم ينحلاها بعلها شاهد لها وابناها ـله هادي الأنام اذ ناصباها طمة عندهم ولا ولداها قبح القائل المحال وشاها ـظ مراراً فبئس ما جرعاها ر التباساً عليهم واشتباها ـظ لعهد النبي لو حفظاها دي البشير النذير لو اكرماها وحسان الاخلاق ما اعتمداها لي لما ضاع في اتباع هواها فدكا لا الجميل ان يقطعاها نهما في العطاء لو اعطياها

[ صفحه 163]

كان تحت الخضراء بنت نبي بنت من ام من حليلة من ويـ ذاك ينبيك عن حقود صدور قل لنا ايها المجادل في القو اهما ما تعمداها كما قلـ فلماذا اذ جهزت للقاء الـ شيعت نعشها ملائكة الرحـ كان زهداً في اجرها او عنادا ام لأن البتول أوصت بأن لا ام ابوها اسرّ ذاك اليها كيف ما شئت قل كفاك فهذي اغضباها واغضبا عند ذاك الـ وكذا اخبر النبي بان الـ لا نبي الهدي اطيع ولا فا وحقوق الوصي ضيع منها تلك كانت حزازة ليس تبرا وغداً يلتقون والله يجزي فعلي ذلك الاساس بنت صا وبذاك اقتدت امية لما لعنته بالشام سبعين عاما ذكروا مصرع المشايخ في بد صادق ناطق امين سواها ـل لمن سن ظلمها وآذاها فاعتبرها بالفكر حين تراها ل عن الناصبين اذ غصباها ـت بظلم كلا ولا اهتضماها ـله عند الممات لم يحضراها ـمن رفقاً بها وما شيعاها لابيها النبي لم يتبعاها يشهدا دفنها فما شهداها فاطاعت بنت النبي اباها فرية قد بلغت اقصي مداها ـله رب السماء اذ اغضباها ـله يرضي سبحانه لرضاها طمة اكرمت ولا حسناها ما تسامي في فضله وتناهي حين ردا عنها وقد خطباها كل نفس بغيها وهداها حبة الهودج المشوم بناها اظهرت حقدها علي مولاها لعن الله كهلها وفتاها ر وقد ضمخ الوصي لحاها

[ صفحه 164]

وبأحُد من بعد بدر وقد اتعـ فاستجادت له السيوف بصفيـ تمكنت بالطفوف مدي الدهـ دركت ثارها امية بالنا شكر الله انني اتوالي ناطقاً بالصواب لا ارهب الاعـ؟.. بها أيها الجذوعي واعلم قلبك معني في النوح ليس يضاهي قالتها للثواب والله يعطي الأ مظهراً فضلهم بعزمة نفس فاستمعها من شاعر علوي سادة الخلق قومه غير شك ـس فيها معاطساً وجباها ـن وجرت يوم الطفوف قناها ـر لقبلت تربها وثراها ر غداً في معادها تصلاها عترة المصطفي واشني عداها ـداء في حبهم ولا اخش ان انشادك الذي انشاها وهي تاج للشعر في معناها أجر فيها من قالها ورواها بلغت في ودادهم منتهاها حسني في فضلها لا يضاهي ثم بطحاء مكة مأوها

للشيخ صالح الكواز الحلي رحمه الله يرثي الحسين «عليه السلام» ويذكر مصيبة الزهراء «عليها السلام»: هل بعد موقفنا علي يبرين واذا عاينت بين طلوله لم تخب نار قطينة حتي ذكت وابتاع جدته الزمان بمخلق قل الحداة وقد حبست مطيهم ماذا وقوفك في ملاعب خرد هتفوا معي حتي اذا ما استيأسوا احبي بطرف بالدموع ضنين اجريت عيني للظباء العين نار الفراق بقلبي المحزون ورمي حماه بصفقة المغبون من بعد ما اطلقت ماء شؤوني جد العفاء بربعها المسكون خلصوا نجياً بعد ما تركوني

[ صفحه 165]

فان يوسف في الديار محكم ويلاه من قوم اساؤوا صحبتي قد كدت لولا الحلم من جزعي لما لكنما والدهر يعلم انني قلبي يقل من الهموم جبالها وانا الذي لا اجزعن لرزية تلك الرزايا الباعثات لمهجتي كيف العزاء لها وكل عشية والبرق يذكرني وميض صوارم والرعد يعرب عن حنين نسائكم يندبن قوماً ما هتفن بذكرهم السالبين النفس اول ضربة لو كل طعنة فارس بأكفهم لا عيب فيهم غير قبضهم اللوا سلكوا بحاراً من دماء امية ما ساهموا الموت الزؤام ولا اشتكوا حتي اذا التقمتهم حوت القنا نبذتهم الهيجاء فوق تلاعها فتخال كلا ثم يونس فوقه خذ في ثنائهم الجميل مقرضاً هم افضل الشهداء والقتلي الاولي وكأنني بصواعه اتهموني من بعد احساني لكل قرين القاه اصفق بالشمال يميني القي حوادثه بحلم رزين وتسيخ عن حمل الرداء متوني لولا رزاياكم بني ياسين ما ليس يبعثه لظي سجين دمكم بحمرتها السماء تريني اردتكم في كف كل لعين في كل لحن للشجون مبين الا تضعضع كل ليث عرين والملبسين الموت كل طعين لم يخلق المسبار للمطعون عند اشتباك السمر قبض ضنين بظهور خيل لا بطون سفين نصباً بيوم بالردي مقرون وهي الاماني دون خير امين كالنون ينبذ بالعرا ذا النون شجر القنا بدلا عن اليقطين فالقوم قد جلوا عن التأبين مدحوا بوحي في الكتاب مبين

[ صفحه 166]

ليت المواكب والوصي زعيمها بالطف كي يروا الاولي فوق القنا جعلت رؤوس بني النبي مكانها وتتبعت اشقي ثمود وتبّع الواثبين لظلم آل محمد والقائلين لفاطم اذيتنا والقاطعين أراكة كيلا تقيـ ومجمعي حطب علي البيت الذي والداخلين علي البتولة بيتها ورنت الي القبر الشريف بمقلة قالت واظفار المصاب بقلبها أي الرزايا اتقي بتجلد فقدي أبي أم غصب بعلي حقه أم اخذهم ارثي وفاضل نحلتي قهروا يتيميك الحسين وصنوه وقفوا كموقفهم علي صفين رفعت مصاحفها اتقاء منون وشفت قديم لواعج وضغون وبنت علي تأسيس كل خؤون ومحمد ملقي بلا تكفين في طول نوح دائم وحنين ـل بظل اوراق لها وغصون لم يجتمع لولاه شمل الدين والمسقطين لها اعز جنين عبري وقلب مكمد محزون غوثاه قلّ علي العداة معيني هو في النوائب مذ حييت قريني أم كسر ضلعي أم سقوط جنيني ام جهلهم حقي وقد عرفوني وسألتهم حقي وقد نهروني

قال علي بن عيسي الاربلي في كتاب كشف الغمة في احوال الائمة: انشدني بعض الاصحاب للقاضي ابي بكر بن ابي قريعة: يا من يسائل دائباً لا تكشفن مغطئاً ولرب مستور بدا عن كل معضلة سخيفة فلربما كشفت جيفة كالطبل من تحت القطيفة

[ صفحه 167]

ان الجواب لحاضر لولا اعتداء رعية وسيوف اعداء بها لنشرت من اسرار آ وأريتكم ان الحسيـ ولأي حال ألحدت اوه لبنت محمد لكنني اخفيه خيفة القي سياستها الحيفة هاماتنا ابداً نقيفة ل محمد جملا طريفة ـن اصيب في يوم السقيفة بالليل فاطمة الشريفة ماتت بغصتها اسيفه

للسيد محسن الامين رحمه الله: لي مقلة بدموعها جاري وكأن في الاحشاء نار غضي ما ان صبا قلبي لغانية لكنني ابكي مصيبة من ابكي لمن كادت مصيبتها لمصاب سيدة النساء نسا بنت النبي اجل وبضعته الـ والدرة البيضاء من صدف الـ امست بماء الوحي طينتها المصطفي جبريل اطعمه فتكونت منها لذاك غدت قد اغضب المختار مغضبها وحشاشة من وجدها حري امسي الهيام يزيدها سعرا تهوي البعاد وتألف الهجرا بمصابها قد افنت الصبرا توهي الجبال وتصدع الصخرا ء العالمين البضعة الزهرا ـفضلي شبيهة مريم العذرا ـلعياء فاقت بالسنا الدرا معجونة وكفي به فخرا تفاحة في ليلة الاسرا بين الوري انسية حورا ويسر احمد من لها سرا

[ صفحه 168]

لم يُرع فيها احمد عجبا ولأي حال في الدجي دفنت دفنت ولم يحضر جنازتها ما كان في تشييع فاطمة افهل سواها كان بنت نبـ ام مثلها بين النسا احد لم يحل من بعد النبي لها ماتت بغصتها ما ضحكت من ارثها منعت ومن فدك وشهادة الحسنين اذ شهدا كانوا باحكام النبي هم جهل الوصي تري بما علموا والمصطفي بالعلم خصصه والذكر بالميراث جاء وفي لي ارث يحيي من أبيه وفي خبر به راويه منفرد حكم بها قد خص محكمة ولغيرها المختار افهمه امر النبي بذاك بضعته حاشا لسيدة النساء ومن يا بنت من رب السما شرفاً حتي قضت مكروبة حسري ولأي حال ألحدت سرا احد ولا عرفوا لها قبرا اجر فيغنم مسلم اجرا ـي في الوري تحت السما الخضرا في كل من يمشي علي الغبرا عيش واصبح عيشها مرا من بعده حتي مضت عبري ظلماً فيا للمحنة الكبري وأبيهما مردودة جهرا من آل بيت محمد أدري حاشا له بالجهل هم احري في الناس لا زيداً ولا عمرا بفصيله آياته تتري ارث ابن داود لنا ذكري تركوا به الآيات والذكرا فبعلمه لمَ لم تحط خبرا عجبا واسدل دونها سترا فعصت له مع علمها امرا من ربها قد نالت الطهرا للمسجد الاقصي به اسري

[ صفحه 169]

وحليلة الكرار من قتل الـ من ترهب الارضون سطوته من كان في بدر وفي احد كوني الشفيعة للذي عظمت ولطالما انشأ بمدحكم تسري مسير الشمس ما تركت ورثاؤه وبكاؤه لكم في ذكر مدحكم وفضلكم السا يا آل بيت محمد بكم اني اتخذت ولاكم وزرا حسبي بكم ذخراً اذا اتخذاك لم يسأل المختار امته أبطال في أحُد وما فرّا فتهم بالزلزال ان كرا وسواهما بفعاله بدرا منه الذنوب فانفضت طهرا مدحا سمت وقصائدا غرا في سيرها براً ولا بحرا انسي خناس وندبها صخرا مي اطال النظم والنثرا انجو غداً في النشأة الاخري في محشري امحوا به الوزرا اقوام غيركم لهم ذخرا الا مودتكم له اجرا

للسيد محمد حسين بن السيد كاظم النجفي المعروف بالكيشوان مالك لا العين تصوب ادمعا فأي قلب قد اتاه نبأ الز دروا بأن فاطما بضعته اودع فيهم ثقلين فأبوا وجمعوا النار ليحرقوا بها الـ بيت علا سما الضراح رفعة اعزه الله فما تهبط في منك ولا القلب يذوب جزعا هرا فما ذاب ولا تصدعا فما رعوا حرمتها فيمن رعي ان يحفظوا لأحمد ما استودعا ـبيت الذي به الهدي تجمعا فكان اعلي شرفاً وارفعا كعبته الاملاك الا خضعا

[ صفحه 170]

وكان مأوي المرتجي والملتجي فعاد بعد المصطفي مهتوكة واخرجوا منه علياً بعد ما قادوه قهراً بنجاد سيفه ما نقموا منه سوي ان له واقبلت فاطم تعدو خلفه فانعطفت تدعو اباها بحشي يا ابتا هذا علي اعرضوا امسي تراثي فيهم مغتصبا فما اعز شأنه وأمنعا حرمته وفيأه موزعا ابيح منه حقه وانتزعا فكيف وهو الصعب يمشي طيّعا سابقة الاسلام والقربي معا والعين منها تستهل ادمعا تساقطت مع الدموع قطعا عنه ضلالا وسواه تبعا مني وحقي بينهم مضيعا

وانكفأت الي علي بعدما احجمت والذئاب عدوا وثبت وكيف اضرعت علي الذل لهم عز عليك ان تري تسومني تهضمتني بالاذي ولم اجد ألفيتها معرضة عني وما فقال يا بنت النبي احتسبي واجملي صبراً فما ونيت عن فاسترجعت كاظمة لغيطها حتي قضت من كمد وقلبها قضت علي رغم العلي مقهورة قضت وما بين الضلوع زفرة تجرعت بالغيظ سما منقعا فاقتحمت منك العرين المسبعا خدك وهو للعدي ما ضرعا من بعد عزي قيلة ان اخضعا مأوي اليه ألتجي ومفزعا ابقت بقوس الصبر مني منزعا حقك في الله وخلي الجزعا ديني ولا اخطأ سهمي موقعا مبدية حينها المرجعا كاد بفرط الحزن ان ينصدعا ما طمعت اعينها ان تهجعا من الشجي غليلها لن ينقعا

[ صفحه 171]

رثاء البضعة الطاهرة

للشيخ محمد علي اليعقوبي

ترك الصبا لك والصبابة أنسته ايام المشيب او بعد ما ذهب الشباب وسري به حادي الليالي هيهات دأبك في الهوي ليس الخلي كمن غدا ما شاب لكن الحوادث اسوان مما نابه لم يدعه لبني الهدي لا جاز بالشام النسيم سنوا بها سب الوصي سدوا علي الآل القضاء صبٌ كفاه ما اصابه هوي به افني شبابه مودعاً يرجو ايابه للردي يحدو ركابه لم يحك بعد اليوم دابه رهن الجوي حلف الكآبة قد رمته بما اشابه والوجد انشب فيه نابه داعي الاسي الا اجابه ولا همت فيها سحابة لدي الفرائض والخطابة وضيقوا فيهم رحابه

[ صفحه 172]

حتي قضوا والماء حولهم بالطف بين مصفدٍ ضربوهم بمهندٍ ولقد يعز علي رسول الله قد مات فانقلبوا علي منعوا البتولة ان تنوح نعش النبي امامهم لم يحفظوا للمرتضي لو لم يكن خير الوري قد اطفأوا نور الهدي اسد الاله فكيف قد وعدوا علي بنت الهدي في أي حكم قد اباحوا بيت النبوة بينها اذن الاله برفعه بأبي وديعة احمد عاشت معصبة الجبين حتي قضت وعيونها وامضي خطب في حشا بالليل واراها الوصي وما ذاقوا شرابه ومجرد سلبوا ثيابه شحذ الألحا لهم ذبابه ما جنت الصحابة الاعقاب لم يخشوا عقابه عليه او تبكي مصابه ووراءهم نبذوا كتابه رحم النبوة والقرابة بعد النبي لما استنابه مذ اضرموا بالنار بابه ولجت ذئاب القوم غابه ضربا بحضرته المهابة ارث فاطم واغتصابه شادت يد الباري قبابه والقوم قد هتكوا حجابه جرعاً سقاها الظلم صابه تئن من تلك (العصابه) عبري ومهجتها مذابه الاسلام قد اوري التهابه وقبرها عفي شرابه

[ صفحه 173]

وله في رثائها وفيها يندب الامام المهدي (عج): الي مَ لواؤك لا ينشر فكم اكبدٍ لك من شوقها اتعضي واسياف اعدائكم اتنسي القتيل بمحرابه وسبطين بالسم هذا قضي واكبر خطب دهاكم لديه مصاب الرسول وهتك البتول يعز علي احمد لو دري ولا بدع ان هجروا آله فيا فئة ضاع معروفها قد اعتسفت في دياجي الضلال أالله من بعد يوم الغدير يراهم علي منبر المصطفي وتغدو الخلافة بالاجتماع واي اجتماع لهم ان تكن واضحي الوصي ونفس النبي لقد اضمروا غدرهم في الصدور فيا لوعة لم تزل في القلوب امن رفع الله شأناً لها تخان وديعة طه الامين وحتي مَ سيفك لا يشهر؟ تحن وكم اعين تسهر؟ الي اليوم من دمكم تقطر؟ له الروح يبكي ويستعبر؟ وذاك علي ظمأ ينحر تهون الخطوب وتستصغر وما لقي المرتضي حيدر لمن قدموا ولمن اخروا فقد زعموا انه (يهجر) وقد ذاع ما بينها المنكر ومن حولها القمر الازهر حقوق ابي حسن تغدر وما قام الا به المنبر ونص الاله بها ينكر به عترة الوحي لا تحضر بها ليس ينهي ولا يأمر فلما مضي المصطفي اظهروا الي الحشر نيرانها تسعر من العدل اضلاعها تكسر لديهم وذمته تخفر

[ صفحه 174]

ويمنعها القوم حتي البكاء ويبتز في فدك حقها زووا ارثها اذ رووا فافتروا قضت وهي غضي علي المسلمين ايظلمها منهم معشر لها في غدٍ معهم موقف احامي الحمي كيف ذل الحمي ويا داحي الباب هلا غضبت تضام ابنة المصطفي جهرة واقسم لولا وصايا الرسول عليه وعن ارثه تنهر بما اختلفوا وبما زوروا حديثاً عن الطهر لا يؤثر فماذا يلاقون ان يحشروا ويقعد عن نصرها معشر به الخصم والدها الاطهر فأضحت به فاطم تذعر لباب غدت خلفه تعصر وسراً بجنح الدحي تقبر اضاق بها الورد والمصدر

للشيخ حسين البيضاني: يا من اسرَّ علي القطيعة لا تهجرن اليفك الداني ولعله يعلو عليك فالهجر بعد الوصل لا فاسمع له وأطل عليه فلقد اذاب فؤاده ما ذنب من بشبابه يا راحلاً بحشاشتي آثرت قتلي عامدا مالي لوصلك من ذريعه عسي تهوي رجوعه وانت في الرتب الوضيعه عن موجب حاذر وقوعه بطلعة البدر البديعه فرط الاسي وجني ضلوعه ما حاد عن سنن الشريعة ففراقها لن استطيعه وأبيت الا بالقطيعه

[ صفحه 175]

احكم عليّ بما تري ما دمت في قيد الحياة والعقل ميزان الكلام والعين ناظور بها والنفس تطمح ما هوت ولربما خفقت بصاحبها والمرء يخفي امره يا من عليّ بأن اطيعه وخير عمرك في ربيعه فلا تغرنك الخديعه الانسان يكتنف الطبيعه هيهات امرك ان تطيعه المفوق كي تبيعه والدهر لم يستر صنيعه

لا تسألن عن الالي ما بايعتهم امة الهادي يا قاتل الله التي وتثاقلت عمن له يا اروعاً يوم الوغي لو لا التقية مذهبي والنفس تهوي هجرهم لا من جلالة قدرهم فلربما تبدو الفظيعه كما قالوا مطيعه خفت لدعوتهم سريعه الامر الذي رفضت رجوعه ثقل الكتائب لن يريعه والدين يلزم ان اطيعه والعقل لا يهوي القطيعه لكن لأمرٍ لن اذيعه

تدري أذية فاطم الغوا وصيته وما يا ليت شاهدها وقد والغيث يقصر عن بلوغ من بعد والدها فجيعه قد قاله فيها جميعه ضاقت بعينيها الوسيعه دموع عينيها الهموعه

[ صفحه 176]

مهما يكن من نابها حتي اذا ماتت وما فليندب المجد الاثيل الطهر وليبكها وجه الصباح والبدر في افق السما آه علي بنت الهدي لم تبلغ العشرين عاماً ما شيعت ليلاً وعفي قد نابه وحني ضلوعه ماتت مكارمها الرفيعه فـاطمـة الشفيـعـه بادمع تخفي طلوعه لا تقبل العليا هجوعه ماتت علي اثر الوقيعه قد قضت غضبي مروعه قبرها وهي الوديعه

يا ربّة الخدر التي سيري علي نهج البتول ما غيرت حكم الاله لم يهمل التاريخ من ايامها حتي من الاعمـي وذا هي في الجلالة في الطليعه الطهر فاطمة الشفيعه ولا عدت سنن الشريعه العـز التليـعـه جلبـانها تخشي وقوعه

ليس الحضارة في الخلاعة ما فـي التبرج فـاطمي مـا بـال بعـض المسلمين والتقـاليـد الـوضيعـه الا التـوحـش والفظيعـه نسـاؤهـم فيـه ولـوعـه

[ صفحه 177]

يا بنت خير الناس

شعر سالم محمد علي

الدمع قرّحَ مقلتي أواه لأعقد النجوم لا شيء غير البوم لا شيء مزقني الخريف لا شيء مات العشب لا شيء ماتت نغمة لا شيء غير الدمع لا ورد لا شدو الطيور قد تهت طوقني الظلام وأضعت قافلتي ودربي يا بنت خير الناس انا من لهاث الحزن والليل اثقل وحشتي تشع تطرب عتمتي والغربان تأكل ضحكتي سئمت ماتت وردتي مات الحقل جفت ترعتي القيثار ضاعت غنوتي غير الريح تطفئ شمعتي فمن سيؤنس وحدتي لأ صيح ماتت صيحتي اين مني صحبتي؟ يا نبراس درب عقيدتي من خلجان ادمع امتي

[ صفحه 178]

انا من خيوط الليل لملمت قافيتي الحزينة ارثيك والا لم الدفين ذكراك واهاً كم تعذبني أواه تؤلمني تهد القلب دنيا من الآلام ذكراك من قلبي وحرقة آهتي كي اصوغ قصيدتي يحز برعم مهجتي وتوجع حرقتي توحش عتمـتـي وتلك فجيـعتـي

يا وقفة لك قوّضت يا وقفة لك تصرخين انا بنت (احمد) يا رعاع فالدين لا الدنيا قد تاه زورقكم فغدا جموع الكفر اركان كل الطغمة بهم كصرخة لبوة ولا ابيع عقيدتي طريق النور تلك شريعتي غرقتم في بحار الظلمة احمل للإله فجيعتي

[ صفحه 179]

هي البضعة الزهراء

للسيد حسن مهدي الحسيني

نشوة العيد من نشيد الهزار واستفاض الوجود بشرا بذكري حازها تحفة من الله في المعراج فاطماً لفها القداسة لف الضوء يا لها نجمة علت في لقاها بزغت تكسب الوجود جمالا اطلقت طائر الضياء فسالت وبكي الفجر في الورود دموعا نشرت في فضا الخلود جناحا حملت صيتها الاثير فضاءت ومشت خلفها الطبيعة فناً ملكت في الخلود عرشاً تخال الدهر ايقظت في الربي شذا الازهار فاطم الطهر بضعة المختار بعد الصيام والاذكار للشمس والشذا للبهار الشمس متن البراق لا الأمهار وخلوداً ينّم عن اكبـار في الفيافي الرمال بالانوار شكرتها بنفحها المـوّار ليس تطويه صولة الاقدار في جنون الاسحار في الاقطار ارهفت حسها علي الاسرار لمحا من صرحها النوار

[ صفحه 180]

يا جزاء الصلواة يا كوثر القرآن انت رمز العلي فدتك السجايا يا من حويت كلَّ فخار يا ضمير العصور فخر نزار

هي روح الوجود والجوهر الفرد جل عقل الفعال فينا مطلاً رفرفت ـ كالمني ـ يثير جلالا طبق الكون في ثوان بهاء خلقت روعة تهز الروابي وكأن الاقاح مياسة الاعطاف وكأن الصداح جاء بشيرا هذه فاطم اطلت علي الاكوان هي ارقي من الطبيعة كالارواح لم تزين بالعقد جيداً وبالخاتم تبذل الرزق للفقير وتطوي الليل تنثر البتر من المساكين كف هي كف لم تمسك البتر يوماً اغنت المعدمين بسطاً ولكن مالها في مباهج الكون ميلٌ لا تقسها بربة الخف يكفيها الذي شع في الخيال الساري من خلال الخيال في الافكار من جبين الشعاع لا الأوكار رش فيه نيازك الاسحار بين وحي الاشجار والاطيار تصغي للبلبل الهدار للسما للهضاب للاشجار تزري بطلعة الاقمار ماراقها بريق النضار كفاً ومعصماً بالسوار نسكا والصوم طول النهار خلتها لا تطيق قبض النضار فتراها عدوّة الدينار ليس في بيتها متاع الدار وبها المكرمات خير شعار هتاف الكتاب يوم الفخار

ربة الوحي زوج حيدرة الكرار

أم الائـمة الاطهـار

[ صفحه 181]

فاطم الطهر بسمة الدهر وهج البدر قصر العقل عن علاها وتاه هامها المجد لا يهز قناة في سكون يفوق جهر ابن عمران احدقتها ذوائب المجد كالازهار ان تكن حفها بدور تمام سر الكتاب طيب النجار الفكر فيها وعاد كالمحتار لا ولا سل صارم بتار وصبراً اعز من ذي الفقار مهما تحاط بالانوار هاله الشمس موكب الانوار

[ صفحه 182]

ام الهداة الغر

صالح هادي الخفاجي

سراب المني عند العشيق المكابد ونار الاذايا والنوائب في الهوي ويحسب ليل الهم من فرط حبه فلهفي له مما يعانيه في الهوي يحمل منه النفس مالا تطيقه مناهل ورد صافيات الموارد لديه اشتياقاً برد عشق الخرائد عليها هموم كالجبال الرواكد فقد ضاق ذرعاً من لقاء الشدائد لعمري وما يوهي صلاب الجلامد

الا ايها الصب المعنّي ترفقاً ولا تبذلن العمر فالعمر قيم فهل فاز مشتاق بوصل حبيبه بنفسك لا تقذف بها في المجاهد بعشق الغواني او بوصف المعاهد وأي حبيب قد وفي بالمواعد؟

ولكن اذا ما كنت تصبو لمعشق فلا تعشقن الا النبي وآله طهور به تجني ثمار المآرب خيار الوري بل خير آت وذاهب

[ صفحه 183]

وكل صحب خائب في موامه هُم حجج الرحمان في الخلق طالما سوي من تولي حبهم غير خائب بهم كشفت عنهم صروف النوائب

بنفسي افدي منهم خيرة النسا هي البضعة الزهراء بنت محمد ربيبة عزٍ لا ينال ارتفاعه زكت وزكي اليوم الذي ولدت به وعمَّ بقاع الارض صحر ولادها وترب العلي والمجد ذات المناقب وأم الهداة الغرّ من آل غالب وربة فضل فات عن كل طالب وشع سناها الطلق في كل جانب وعطر منها الشرق بعد المغارب

وقد جلل الدنيا بكل نضارة واصفي علي الآفاق ابهاج سعده تلألأ في اكنافها صور المني فتتسحر عين المجتلين بهاؤها وفي الروض ما بين المروج تراقصت وتسكب لحن الاغنيات سواحراً وما هاجها الا الذي قد اهاجني ولم يستثر منا العواطف معشق ولكنه قد هزنا واستهامنا وما ولدت الا وكان لها الهدي وما كان غير المكرمات رضاعها ولا درجت الا ببيت رسالة يجللها ستر الجلالة والتقي وكل جمال فائق الحسن ساحر فها هي للرائين ملؤ الناظرين وتبدو عليها رائعات المناظر كما يسحر العشاق حسن الجآذر طيور الهنا تزجي قصيد البشائر وعطرت الدنيا ثغور الازاهر وهيم في دنيا الهوي كل شاعر كذوب ولا غنج الظباء النوافر ولاد البتول الطهر ذات المآثر قريناً ولم تألف لغير المفاخر ولم تنتسب الا لازكي العناصر كريم سما فوق النجوم الزواهر وقد نشأت بين الحجور الطواهر

[ صفحه 184]

ذكري ميلاد فاطمة الزهراء

للسيد مرتضي القزويني قم واسقنا من كؤوس الراح احلاها وانشد لنا من اغاني الحب اعذبها وجد بخمر ولحن للهوي بهما دعنا نبيت نشاوي اذ يحللنا نحيي بها ليلة قمراء زاهرة ما اسعد العيش فيها بل وارغده ليل به ضاءت الدنيا بسيدة هي البتول وما احلي اسمها لفمي فرّونا برحيق من حمياها وغننا من نغام البشر اشجاها تلذ للصحب اسماعاً وافواها ستر من الله يمحو ما اقترفناها طوبي لمن بالهدي والحب أحياها ما اجمل الطقس فيها ما احيلاها لم يخلق الله هذا الخلق لولاها هي الزكية بنت المصطفي طه

ام القري ازدهرت والبرق جللها من درة سطعت قد طاب مغرسها وزهرة اينعت فاحت روائحها حتي احاط باقصاها وادناها وغرة لمعت قد جل معنـاها وزهرة طلعت فاقت بأضواها

[ صفحه 185]

وومضة تخطف الابصار لمعتها فسورة (الكوثر) اختصت بها شرفاً وآية حيّر الالباب مغزاها وحسبها سورة تسمو بعلياها

أم الامامة لا أمُ تساجلها بنت الرسالة لا بنت تماثلها من اذهب الرجس عنها الله ان اقبل الصبح صامت عن لذائذها اذا اقامت صلاة باسم بارئها يا بنت احمد ان الله طهرك فضلاً ولا أحدُ في المجد ضاهاها نبلاً ولا كائن في العز جاراها جل ومن بها ملائكة الرحمان قد باها اوعسعس الليل قامت في مصلّاها اوحي الي ملك امرا فناداها ثم اصطفاك علّاً اعظم بذا جاها

أنّي لمثلي ان يحصي مآثرها وكيف اسطيع ان اطري مكارمها أو ان اعدد شيئاً من مناقبها فالله شرفها والله فضلها والله اكرمها والله عظمها والله زوجها والله اصدقها وكيف لي شرح نبذ من سجاياها أو ان احيط بشطر من مزاياها او ان اردد في شدقي ذكراها والله صلي عليها ثم اطراها والله طهرها والله زكاها وخطبة العقد فوق العرش القاها

يا بنت اشرف خلق الله كلهم يا بضعة المصطفي قد حرت فيك وفي اعطاك رب العلا جاهاً ومنزلة آتاك من فضله في الحشر مرتبة وسيد الرسل عقلي فيك قد تاها ما قاله المصطفي فيك وما فاها ما جاوزتك ولا للغير اعطاها ما للائمة او للرسل آتاها

[ صفحه 186]

يا ربة الوحي نفسي فيك جائشة وانقذيها من الاهوال سيدتي هذي صحيفة حبّي فيك ناصعة فارشديني الي ما كنت اطلبه بحبها فاشفعيها يوم بلواها لتسعديها بدنياها وعقباها مبيضة فاشهدي لي يوم اوتاها وابلغيني من الغايات قصواه

[ صفحه 187]

زهراء من نورها

للعلامة الحجة السيد محمد جمال الهاشمي

شعت فلا الشمس تحكيها ولا القمر بنت الخلود بها الاجيال خاشعـة روح الحياة فلولا لطف عنصرها سمت عن الافق لا روح ولا ملك مجهولة من جـلال الله طينتهـا خصالها العـز جلّت ان تلوك بها معني النبوة سر الوحي قد نزلـت حوت خلال رسول الله اجمعهـا تدرجت في مراقي الحق عارجة ثم انثـنت تملأ الدنيا معارفهـا زهراء من نورها الاكوان تزدهر ام الزمـان اليها تنتمي العُصُـر لم تأتلف بيننا الارواح والصـور وفاقت الارض لا جن ولا بشـر يرق لطفاً عليها الصون والخضر هذا المقاول او تدنو لهـا الفكـر في بيت عصمتهـا الآيات والسور لولا الرسالة ساوي اصله الثمـر لمشرق النور حين السرّ مستتـر تطوي القرون عياءً وهي تنتـشر

[ صفحه 188]

بنت الرسول

صدر الدين الحكيم الشهرستاني برزت ترنح عطفها بدلال تركت حبيباً لا يطيق تصبراً كسرت بكسر لحاظها قلبي وقد لم ذا الجفاء وما حدا بك فاخبري اذ شرفت دنيا الوري صديقة بنت الرسول ونبع اشرف امة فلأنت سيدة النساء فريدة وسط الخميلة منية الآمال اذ ظل عند ملامة العذال صار الفؤاد وراءها بسؤالي قلبي، فهلا تعطفين بحالي؟ ولدت مع الاكرام والاجلال جلت وما انا في الثناء اغالي الدنيا بلاندٍ ولا امثال

[ صفحه 189]

ذكري الحسرات

للسيد سلمان هادي الطعمة اي ذكري تموج بالحسرات هي ذكري حوت خلال رسول الله توجتها ذوائب المجد فخراً فاطم الطهر، زوج حيدرة الكرار أغنت البائسين من كرم الله كيف تطري مكارم ومزايا كيف تحصي مآثر جللتها انها فاطم البتول وبنت الخلد زخرت بالأنين والزفرات اكرم بها من الذكريات فتسامت بها علي النيرات ترب العلي وسرّ الحياة وبانت حيري بدون فتات هي رمز للخير والبركات؟ عصمة النفس والتقي والسمات؟ يا من حوت جميل الصفات

أي حزن ساد البلاد عظيم ومصاب هزَّ النفوس واودي فإذا الخطب فادح كاد يفري بات فخر الاحقاب والسنوات بابنة الطهر في اعز حياة سهمه في القلوب كالجمرات

[ صفحه 190]

والليالي كئيبة تندب الطهر تلك ام الحسين حيث توارت سوف تبقي ذكري البتول بقلب المجد بعين غزيرة العبرات بين اجداث نسوة طاهرات تزدان بالهوي والثبات

وللسيد سلمان ايضاً: اضحي فؤادي عن هواه مفتشاً لله فجر كاد يزهو بهجة في يوم مولد فاطم قد زغردت أوليس قول الله جل جلاله الدهر اصبح جنة بطلوعها من مثلها في علمها ونوالها بدرٌ يقر العين يملأ بشره يا حبذا يوم لدوحة فاطم ومكانة في الدين تبهر اعيناً يا بنت من حمل الرسالة للوري وقفت قلوب القوم منك تجلة واقضّه شوق لمهضمة الحشا يحكي النسيم الغضي والقلب انتشي كل النساء من الصباح الي العشا في (هل اتي) كتمان امر قد فشا وغدا المحب لوردها متعطشا كالنجم في افق المجرة عششا دهش العدو به وطاش فأجهشا ابْشرْ فيالك مغرساً او معرشا يكفي محاسن فضلها ان تبطشا عبر المدي عنها عشا من قد عشا وبقيت لاحالي ولاقدمي مشي

وللسيد سلمان ايضاً انا في هوي الزهراء دوماً اخلص يا مولداً يهب الحياة نضارة وامتد فضل من فضائل احمد وعلي مناقبها الكريمة احرصُ كالصبح لا يرجي اليه تمّحصُ يزهو به النبأ العظيم ويشخص

[ صفحه 191]

والطير تصدح فوق اغصان النقي يا ايـها النبـع المضمخ بالولا انا واله اني انطويت علي التقي والخطبة الغراء ذات طلاوة جحدوا الهدي غيضاً علي فخر النسا كم ذا تحملت الرزايا والاسي هيهات ان ينجو عدوٌ ثائرٌ باليمن والنعمي غدا يترقص يروي العطاش وماؤه لا ينقص اسعي اليه وللفواطم اخلص ظهرت وجاد بوصفها المتخصص واحيرتي ان جئت يوماً افحص وغدا العدو ببابها يتربص؟ فالحق يعلو والفريسة تقنص

وللسيد سلمان أيضاً:

حسبي جويً ان ضاقت السلوي واصيح: فاطمتاه من وله الله جللها واكرمها أيلومني في حب فاطمة ان السماوات العلي شرفت كرم كما النبع الزلال له قال الرسول بان (فاطمة تعنو لها السبع الشداد كما انا قد فتنت بفاطم ولكم يا من لها قيثارتي عزفت هي رحمة جاء البشير بها اما محبوها فان غدا سأظل بالزهراء مفتتناً عليّ انال الغاية القصوي كيما افوز بجنة المأوي بالعلم والايمان والتقوي من قد اطاعت ربها نضوا؟ بطلوعها واستأنست حوا طعم لذيذ يشبه الحلوي هي بضعة مني) بها نجوي بنت الغصون تحلقت نشوي اهفو لذكراها وكم اهوي؟ كالطير يشدو ملهماً شدوا للعالمين لنمحق البلوي يتناولون المنّ والسلوي كالمستهام يضج بالشكوي

[ صفحه 192]

في ولادة الزهراء

للعلامة الشيخ عبد الحسين الحويزي

يا ليلة ولدت بها الزهراء قد اشبهت للقدر اشرف ليلة وبها تزينت السماء بشهبها والكون لاح وفي تبلج وجهه تلك البتول الطهر بضعة احمد الناس كلهم لرفعة قدرها الله فضلها وشرف قدرها في صلب آدم لم تزل هي نطفة ام الكليم وبنت عمران لها صديقة بنت النبي كريمة اوصاف خير المرسلين بداتها طوبي تطيب شذي بنفحة ذكرها طلعت بها لسما العلاء ذكاءُ فيها تبلج للرشاد ضياء وجلت مطالع برجها الجوزاء بزغت هنالك غرةٌ غراء خضعت رجال دونها ونساء ارض لدي التحقيق وهي سماء ولها استطالت عزة قعساء نتجت علي امشاجها حواء مع سارة روح الجليل اداء بالذكر قد حسنت لها اسماء وبوجهها من مجده سيماء وتضوعت ارجا بها الارجاء

[ صفحه 193]

لابدع ان شرفت علي اترابها الله عنها الرجس اذهبه وقد وبمسح انملها الزمان بصيرة بنت النبي اتت حليلة حيدر ان انكرت في الدهر عصمتها العدي وبصدرها خُزنت علوم جمة في الاوصياء سوي علي لم يكن الله يغضب حين تغضب فاطم هي في الخليقة علة غائية واذا تحررت الضمائر باسمها علّامة بالغيب الا انها فطمت عن الادناس فاطمة وما وعن اللبان العلم كان غذاؤها كم بالكلام لها خطابة حكمة في القدس جوهرة غدت محزونة قد طالت الشعري العبور بمجدها بين النبوة والامامة برزخاً وأتت ملائكة السماء مواكباً كشف الغطا عن ناظريها فاغتدت حوراء بالزهراء لقبها الهدي وطوارق الاقدار طوع يمينها فهي البتول الحرّة الحوراء وآري سناها للعفاف كساء فارتد منه المقلة العمياء ولها الائمة في الوري ابناء فلها الملائك كلهم شهداء وسرائر فيها انطوي الاخفاء كفؤاً لها ان غدّت الاكفاء ولها بحبل ولاه ثمَّ ولاء وجدت بمحض وجودها الاشياء تنجاب عنها شدة وبلاء جهلت نحيلة قدرها الاعداء لقوامها غير العفاف رداء وشرابها بعض الابا لا الماء تعيي بها الحكماء والخطباء والناس نسبتهم لها حصباء ماذا تقول بمدحها الشعراء اضحت وقد ظهرت لها آلاء ولهم ببشري شخصها انشاء تتلو العلم ولا هناك غطاء لما اضاء لمجدها لآلاء عن رأيها يمضي لها اجراء

[ صفحه 194]

ولها بأعلي الخلد ابهي قبة مثل اشتباك الشهب رهن حياتها ولها بعلم الغيب اعظم مصحف جبريل خادمها وميكال لها ويل لمن عنها زوي ميراثها وعزيزة المختار بعد وفاته تلك الكريمة من ذؤابة هاشم ولكل عين دمعة لمصابها تتلي علي بنت النبي المصطفي تنحط عن ادراكها الخضراء حارت مناقب مالها احصاء جاءت مصدّقة به الابناء عبدٌ تطوق جيده واسماء وتخصه لبنينها الآباء؟ طرقت ثناها للقضا ارزاء نور فكيف تضمه الغبراء لحريق نار جهنم اطفاء في العالمين تحية وثناء

[ صفحه 195]

هذا أبوحسن لها

للشيخ محسن ابو الحب المتوفي سنة 1305 هـ

لا تنسَ بضعة احمد اذ اقبلت تمشي تحف جاءت لتطلب ارثها لكن لتنبئ الناس ان ولعلها تهدي نفوساً ودعت وكان دعاؤها فكأنهم لم يسمعوا يا قوم مالكم سكتم ارثي يفوز به بنو الخنا الله يا ابن ابي قحافة لا تمنعوني نحلتي الله يحكم لي بها واذكر مصيبتها الجلية بها نسـاء الهاشميـة اذ لم تزل عنه غنيّة الناس عادوا جاهلية عن غوايتها غوية أحلي من الشمس المضيّة وكأن دعوتها خفيّة عن ظلامتي الشنية ويحبس عن بنيّه كم تروم بنا الاذية؟ ودعوا حقود الجاهلية ويجور حكمكم عليه

[ صفحه 196]

حتي نبا رب السما فغدوتم تجنون من لو ان لي بكم يداً لنسيتم ايام بدر لكن دهري خان بي هذا رهين الترب مدفوناً من للخلافة مذ سلبتم هذا ابو حسن لها هذا عليّ خيركم ماذا نقمتم منه وهو يوم السقيفة ما خلفت ما كان ادهي منك يوم انت الذي البست ثوب كم ليلة باتت وليس سوي حتي اذا بانت ومـا بأبي التي دفنت وعفـي دفنت وبين ضلوعها يا بنت خير العالمين ارجوك لي غوثاً اذا ولحاجة او فاقة اعطاكم هذي العطية ثمر العلي فينا جنيـة فيما احاوله قوية والحروب الاولية قسراً واوهن ساعديه وذا رهن الرزية جيدها الحالي حلية؟ اكرم به راعي رعية حسباً واحسنكم سجية اشد حكما في القضية علي الوري الا بلية محرم في الغاضرية الثكل فاطمة الرضية الحفنين لها حشيّة ماتت مكارمها السنية قبرها السامي تقية آثار ضرب الأصبحيّة وصفوة الله الصفية مدَّ الزمان يداً إليّه لا يشمت الاعداء بيّه

[ صفحه 197]

مولد بضعة المصطفي

للشيخ محسن بن الشيخ محمد حسن بن الشيخ محسن ابو الحب

لقد سطعت انوار فاطمة الزهراء هي ابنة طه المصطفي سيد الوري وحيدرة الكرار ذو الفخر بعلها هي البرة الطهر البتولة من لها لقد فرحت فيها خديجة امها بنور محياها قد انقشع الدجي علي بضعة المختار خير تحية ونرجو بها نيل الشفاعة في غد شفيعتنا يوم القيامة فاطم بوالدة السبطين سيدة النسا وان لنا فيها الرجاء واننا بمولدها قد اصبح الكون مشرقا فأضحت بها الافاق باسمة ثغرا به ليلة المعراج رب السما اشري به شرعة المختار قد نالت الفخرا ملائكة الرحمن قد خضعت طرا وقد سعدت في وقت مولدها بشري ونور سناها يخجل الشمس والبدرا لها من اله العرش لا برحت تتري لكن بولاها ندرك الفوز والاجرا وان لنا في حبها النعمة الكبري تمسكنا لا نختشي البؤس والضرا نؤمل ان نحظي بطلعتها الغرا وقد شاهدت في الافق انجمها الزهرا

[ صفحه 198]

بشهر جمادي فاطمة الطهر قد أتت بأسعد يوم جاء باليمن والهنا فيا ايها السادات بشراكم بمن ففي كل عام فلنجدد لها ذكرا وطرف النبي المصطفي فيه قد قرّا لها الصيت طول الدهر انسية حورا

[ صفحه 199]

في رثاء الزهراء

للشيخ حبيب شعبان رحمه الله

سقاك الحيا الهطال يا معهد الالف فكم مرّ لي عيش حلا فيك طعمه بسطنا احاديث الهوي وانطوت لنا فشتتنا صرف الزمان وانه كأن لم تدر ما بيننا اكؤس الهوي ولم نقض ايام الصبا وبها الصبا ايا منزل الاحباب مالك موحشاً فعفيت ياربع الاحبة بعدهم رمتها سهام الدهر فهي صوائب شجاها فراق المصطفي واحتقارها لقد بالغوا في هضمها وتحالفوا فأبت وزند الغيظ يقدح في الحشا ويا جنة الفردوس دانية القطف ليالي اصفي الود فيها لمن يصفي قلوب علي ما في المودة والعطف لمنتقد شمل الاحبة بالصرف ونحن نشاوي لا نمل من الرشف تمر علينا وهي طيبة العرف بزهرتك الارباح اودت بما تسفي فذكرني قبر (البتولة) اذ عفي بشجو الي ان جرعت غصص الحتف لدي كل رجس من صحابته حلف عليها وخانوا الله في محكم الصحف تعثر بالاذيال مثنية العطف

[ صفحه 200]

وجاءت الي (الكرار) تشكو اهتضامها ابا حسن يا راسخ الحلم والحجي ويا واحداً افني الجموع ولم يزل أراك تراني وابن تيم وصحبه ويلطم وجهي نصب عينيك ناصب فتغضي ولا تنضي حسامك آخذا لمن اشتكي الا اليك ومن به وقد اضرموا النيران فيه واسقطوا وما برحت مهضومة ذات علة الي ان قضت مكسورة الضلع مسقطاً ومـدت اليه الطرف خاشعة الطرف اذا فرت الابطال رعباً من الزحف بصحبته في الروغ يأتي علي الألف يسومني مالا اطيق من الخسف العداوة لي بالضرب مني يستشفي بحقي ومنه اليوم قد صفرت كفي الوذ وهل لي بعد بيتك من كهف جنيني فواويلاه منهم ويا لهف تأرقها البلوي وظالمها مغفي جنين لها بالضرب مسودة الكتف

وللأديب السيد مهدي الاعرجي رحمه الله: ما بال عينيك دماً تنكسب اهل تذكرت عهوداً سلفت ام هل تشوقت ظباء سنحت ام هل شجتك اربع قد درست ام هل دهتك الحادثات مثلما يوم قضي فيما النبي نحبه وانقلب الناس علي اعقابهم واقبلوا الي (البتول) عنوة فاستقبلتهم (فاطم) وظنها ونار احشاك اسي تلتهب لزينب فأرقتك زينب بالجزع ام راقك ذاك الربرب فاخلفت جدتهن الحقب دهت فؤادي يوم (طاها) النوب فضلّت الدنيا له تنتحب ولن يضر الله من ينقلب وحول دارها ادير الحطب ان كلمتهم رجعوا وانقلبوا

[ صفحه 201]

حتي اذا خلت عن الباب وقد وكسروا اضلاعها واغتصبوا واخرجوا (الكرار) من منزله يصيح اين اليوم مني (حمزة) وخلفهم (فاطمة) تعثر في تصيح خلوا عن (علي) قبل ان فاقبل (العبد) لها بضربها يا والدي هذا (علي) بعد واعتزلوه جانباً وامروا تجاهلوا مقامه وهو الذي ولو تراني والعدي تحالفوا وجرّعوني صحبك الصاب وقد ولم تزل تجرع منهم غصصاً حتي قضت بحسرة مهضومة واخرج الكرار ليلاً نعشها فقال للزكي سكّتها هلا فلو يراها بالطفوف والعدي تحول في روي الطفوف كي تري ثم انثنت نحو اخيها اذا لاذت وراها منهم تحتجب ميراثها وللشهود كذبوا وهو ببند سيفه ملبب ينصرني (وجعفر) فيغضب اذيالها وقلبها متـشعب ادعوا وفيكم ارضكم تنقلب بالسوط وهي بالنبي تندب عينيك علي اغتصابه تألبوا ضئيل تيم بعده ونصبوا بسيفه في الحرب قدّ (مرحب) عليّ لما غيّبتك الترب تراكمت منهم علي الكرب تندك منها الراسيات الهضب حقوقها وفيئها مستلب و(زينب) خلفهم تنتحب يسمع جهراً صوتها المحجب منها الرداء والخمار يسلب اطفالها من الخيام هربوا به علي وجه الثري مخضّبُ

[ صفحه 202]

فاطمة الزهراء

علي محمد الحائري

اقضك في ليل الضني حر مضجع وليل تغشاني كأن نجومه طوال ليالي الحزن من بعد فاطم فيا قلب لا أبللت من هاجس الاسي ويا طارقات من هموم تأوبت نفاراً الي الطرح الذي لا اسيغه ولست اري الدنيا خلال طماعه بلوت تهاصبر الحليم فأحجمت وذقت مذاق المر من صبراتها فلا انا موكول الي الغير مقودي ولست ابالي ان جفتني قلوفها فلي اسوة بالطيبين تقارعوا وشفّك دمع ليس يرقي بمدمعي شُددن حبال الرزء قيداً بأضلعي ونار تشظي جمرها من توجع ويا جفن لا اطبقت غبَّ تفجع وسادي وانسلت ثقالا لمخدعي خفافاً الي السيف الذي حز اخدعي ولكن طماح النفس دون التطلع خطاي علي نوّارها المتبرع وعللت من سم القليب المنقع ولا انا من ارضي الخطام بمجدع بكيئات من در الرغاب المشعشع كؤوس فضيلات دهاق التطوع

[ صفحه 203]

ولي اسوة بالمصفرات اكفهم تزم باكمام العفاف وتدري الخصاصة وتعطي الندي لا من خلال تفضل ولكن تري ان الزكاة فريضة وان وشيج الادمية جمعت وان بني الدنيا سواء ارومه اولئك آل المصطفي أهل بيته وقد آثروا ان لا تبيت علي الطوي واعطوا وان كانت بهم من خصاصة وشاركت الزهراء الآم امة فلم آثروا ان يحجبوا حُرّ ارثها أتلك التي اوصي الرسول بثقلها وتلك التي لزّ الرسول دثارها ولا آب في عين الدني وسن الكري ولا باهلت علياً قريش خصومها وقد شجَّ من رأس البناء عموده من المال حسري من حطام التبضع بالاخلاق مثلي وترتعي وتصعير خدٍ بالتكبر مترع وان احتجام المال اصل التصدع باعياصها جذر الاخاء المقطع وان ضربوا في كل عرق موزع تربوا علي هذا الخلاق المرفع حشاشة محروم وعان وموجع مساغب لم ترفع جداهم وتمنع ابوها تولاها علي كل مهيع وان يولجوا ابناءها كل بلقع تصار الي هذا الصعيد المصدع؟ تُراع فلا بوركت ايدي المروّع ولا لزّ في حرّ الصدي بردُ مشرع بأن لها صدر الندي الموسّع فعيب ولم ينهض نصوح فيهرع

[ صفحه 204]

ذكري مولد الزهراء

شعر: عباس ابو الطوس

غنّت واقداح المدام تدار ومشت وألباب الندامي اثرها فتمايلت للسامرين تذللاًً حسناء ناعسة العيون ووجهها براقة الساقين ذات محاسن يهفو لها الصب الكئيب تشوقاً يا ربة اللفتات مهلاً قد كوي ومن التغامز واهتزاز قوامك فترنحت لغنائها السمّار تخطو وقد شخصت لها الانظار تروي الغصين فرنت الاوتار قمر تخرّ لحسنه الاقمار وبخدها ماء الصبا نوّار وتهيّماً حيث الهوي جبار جنبي هذا الدل والتخطار شبت علي قلبي المتيم نار

بوركت من ليلٍ بك الاحرار هذا هو الحفل المهيب كأنه وقفت لك الشعراء اكراماً وقد قد رحبت وطحابها استبشار فلك تضج حياله الانوار اودي بها الاجلال والاكبار

[ صفحه 205]

ضربت علي وتر القريض اكفها ومضت تسيل وفي المسامع شدوها والشعر مصباح يطل بحندس والشعر خير هدية قدسية والشعر موسيقي وجرس ساحر بحفاوة فانهلت الاشعار طرباً كما تترنم الاطيار والشعر فيه رفعة ووقار للطيبين وللطغاة دمار ان رن هبت نحوه الافكار

بوركت من ليل تخر لسعده ألق الجبين وبالسرور متوج تجري الرياح طليقة ورخية في مولد الزهراء شع من الهدي فالكون مزدهر الجوانب ضاحك شكراً ليالي الدهر والاسحار حتي كأنك بالوضوح نهار بك للانام وذيلها معطار نور وللاسلام لاح منار وعلي الوري عبق الجنان نثار

يا صفحة لمع القريض فويقها وترنحي يا عاطفات وسارعي فلقد طربت بحفل ذكري مولد الزهراء فلذا وقفت مغرداً بحفاوة حييت من ذكري يغرّد باسمها الحق يشمخ عالياً في طيها تمضي الدهور وانها وضاءة زيدي التماعاً فالسرور مثار عجلا كما تتسارع الامطار حيث نمت لها الاطيار للسامعين كما يهيب هزار الدهر والتاريخ والاسفار والبطل من لمعانها ينهار مهما بدت وتغيرت اطوار

اما حياة الظالمين فانها والحاكمين بغير حق شهرة عارُ وخزيُ فاضح وبوار والصامتين كأنهم احجار

[ صفحه 206]

هذا العراق ولا يزال بذلة هذا يطبل من هنا للبانة ويل لجامعة تغير لونها قد هدأتنا بالسلام وغيره ان المشاكل لا تحل بأدمغ عما قريب ترفع الاستار وتلوح للقوم النيام غمامة ودم الشباب يراق في اوطانه والشمس تفزع في السماء لما يري فخذوا الحياد لكم والا تندموا كيف الخلاص وفوقه استعمار وهناك آخر عازف زمار وسوي التكذب مالها اخبار اني السلام وهذه الاخطار؟ لعبت بها قبل الحلول عقار طراً فتبدو خلفها الاسرار سوداء منها ترجف الاقطار ظلماً ليكمل عيشه الغدار وتهز من ثقل الجيوش قفار ان طار من حرب الطغاة شرار

كيف السكوت علي الاذي والي متي شبعوكم والله ذلاً قاتلاً ان المشانق للكرام مراقص يا ناهي الخيرات من اوطاننا خلوا مواطننا ولا تتقربوا نحن عبيد للعدو صغار؟ افانتم الاحرار والابرار؟ والسجن في حب البلاد فخار بل يا عبيد ربها الدولار منها فان رجالها ثوّار

يا بنت من والله لو لا شخصه بل لم تدر كرة الصعيد ولم يكن كم موقف لك في الدفاع معظم دافعت عن دين الرسول فما اهتدت فاليك سيدتي تحية شاعر لم يستقم دين ولا امصار هذا الاثير الدامع السيار من حيث غضت نحوك الابصار؟ بدفاعك الجهال والاشرار كمد ودون ولاك لا يختار

[ صفحه 207]

كلمة اخيرة للمؤلف

ايتها السيرة العطرة والشخصية الفذة النادرة، انك سرُّ من اسرار الحياة الذي لا يزال تحت اجنحة الالهام، سنظل نستذكرك ونمجد فيك كبرياء وزهداً وروحاً مبدعة. وحسبك ما قاله فيك الرسول الاكرم محمد «صلي الله عليه وآله وسلم»: (فاطمة ام ابيها وهي روحي التي بين جنبي).

أية منزلة تفوق هذه المنزلة التي وصفها النبي «صلي الله عليه وآله وسلم»؟ أية شخصية تعلو وحيدة المكارم وفريدة المفاخر، ونبعة الافضال من تاريخ آل محمد «صلي الله عليه وآله وسلم»!!

من واجبات الوفاء علي المؤلفين ان يصّنفوا المؤلفات عن فاطمة الزهراء «عليها السلام»، وان يشيدوا بمآثرها ويهتموا بتسجيل مالها من محامد ومناقب، فان الغوص فيها سيفضي الي دراسات كثيرة تتحدث عنها حتي تكون لدينا مجموعة قيمة تمثل جوانب جديدة في سيرة الزهراء «عليها السلام» تبقي ناصعة علي وجه الدهر وجبين الزمان، ولا يجهل احد ان الزهراء «عليها السلام» كانت علي جانب عظيم من التفوق والتبصر بحقائق الدنيا

[ صفحه 208]

والدين، ولها البراعة في ذلك والتفوق والتبصر. ولئن اقتدي بها العالم الاسلامي قاطبة، اصبحت حياته مليئة بالسعادة والطمأنينة والتطور، لما تنعكس عليها من اشعة العصور الاسلامية الحية، والنماذج العليا لشخصيات الاسلام، تلك التي تحدو بهم اكرم السجايا وانبل الصفات.

عزيزي القارئ:

اكتب هذه الصفحات، وما ازعم اني بلغت الغاية او اشرفت علي النهاية، ذلك ان الحديث عن الزهراء «عليها السلام» ارق من الزهر، واكثر اشراقاً من نور الصباح، ولا بد من التذكير بقيمة هذه السيدة الجليلة ومنزلتها الرفيعة. واقول: ان صحبتي للزهراء «عليها السلام» كانت السبب في ان يقوي روحي المعنوي ويجدد نشاطي، وارجو ان يدم هذا النشاط الحيوي فيما بقي من عمري.

اخيراً، وليس آخراً، علينا نحن معاشر المسلمين والمسلمات في مشارق الارض ومغاربها الاقتداء بهذه السيدة الجليلة، من اجل صنع حياة اسلامية فاضلة كانت الزهراء «عليها السلام» قد افنت حياتها وسنوات عمرها للسير علي تأسيسها.

اختم هذه الصفحات فأقول: انني احببت الزهراء حباً لا مثيل له، واذكر ان قلبي خفق خفقة كاد يطفر لها الدمع حين وقع بصري علي قبرها لأول مرة وانا اتذكر قول الرسول الكريم «صلي الله عليه وآله وسلم»: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة. فأزال ذلك الموضع عني كل وحشة وبدد كل هم، واذهب عن قلبي متاعب الاغتراب.

لقد كتبت هذه الصفحات طوعاً للاواصر المتينة التي تجمع بيني وبينها،

[ صفحه 209]

وغاية ما اصبو اليه من وراء هذا كله ان اكون قد وفقت في توضيح جوانب من سيرة الصديقة الزهراء سلام الله عليها، والله نعم الموفق الي سواء السبيل.

كربلاء

سلمان هادي آل طعمة

پاورقي

[1] تاج العروس للمرتضي الزبيدي.

[2] سورة الاحزاب / 33.

[3] وفاة الصديقة الزهراء ـ عبد الرزاق المقرم / ص 55.

[4] سورة الشوري / 22.

[5] سورة لقمان / 6.

[6] سورة آل عمران / 103.

[7] سورة محمد / 7.

[8] محمد ـ د. علي شلق / ص 53.

[9] المصدر السابق / ص 56.

[10] مثلهن الاعلي خديجة بنت خويلد / الشيخ عبد الله العلايلي / ص 35.

[11] المصدر السابق / ص 38.

[12] فاطمة الزهراء والفاطميون / عباس محمود العقاد / ص 20.

[13] تاريخ الطبري / ج 2 / ص 197.

[14] مثلهن الاعلي خديجة بنت خويلد / عبد الله العلائلي / ص 66 / النشي: عشرون درهماً وهو نصف الاوقية. ويروي ان ابا طالب صدقها عشرين بكراً.

[15] طبقات ابن سعد / ج8 / ص11 / والاصابة في تمييز الصحابة / ج 8 / ص157.

[16] فاطمة الزهراء ام ابيها / فاضل الحسيني الميلاني / ص 26.

[17] المصدر السابق / ص 27.

[18] كشف الغمة / محمد بن عيسي الاربلي / ص 142.

[19] صحيح مسلم / ج2 والخصائص / للنسائي / ص 35.

[20] صحيح البخاري / ج2 / ص 260 / فصل: مناقب فاطمة.

[21] الغدير / عبد الحسين الاميني / ج7 / ص 232.

[22] ينابيع المودة / للقندوزي / ص 170 و 171.

[23] بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج 43 / ص 15.

[24] بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج 43 / ص 11.

[25] الحيض: جمع، مفرده الحيضة.

[26] الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري / آدم متز / ص 126.

[27] الصواعق المحرقة ـ ابن حجر الهيثمي ـ الفصل الثالث.

[28] مسند احمد ـ الاستيعاب / ابن عبد البر، عن ابن عباس.

[29] الاستيعاب / ابن عبد البر عن عمران بن حصين.

[30] معجم البلدان / ياقوت الحموي / ج 3 / ص 161.

[31] اعيان الشيعة / السيد محسن الامين العاملي / ج 2 / ص 430.

[32] اعيان الشيعة / محسن الامين العاملي ج2 / ص 430 / وانظر: ذخائر العقبي للطبري / ص 62.

[33] فاطمة الزهراء المرأة النموذجية في الاسلام / ابراهيم الاميني ترجمة: علي جمال الحسيني ص 95.

[34] فاطمة الزهراء وتر في غمد / سليمان كتاني / ص 114.

[35] مجلة (العرفان) اللبنانية ـ خصال (فاطمة الزهراء) لعارف النكدي / ج 6 / مج 51 (شعبان 1383 هـ / 1963 م) ص544.

[36] فاطمة الزهراء ام ابيها، فاضل الحسيني الميلاني / ص 35.

[37] كشف الغمة / علي بن عيسي الاربلي / ج 2 / ص 79.

[38] كشف الغمة / ج 2 / ص 88.

[39] السيرة النبوية / ابن هشام ج 3 و 4 / ص 396 / وانظر حياة محمد / محمد حسين هيكل / ص 261.

[40] السيرة النبوية / ابن هشام / ج 3 / ص 602.

[41] الفصول المهمة في معرفة احوال الائمة ـ لعلي بن محمد المالكي الشهير بابن الصباغ / ص 129.

[42] الفصول المهمة / ص 131.

[43] أي بكل ما كان عنده مستقصي فما كان من البحر فهو الطم وما كان من البر فهو الرم.

[44] بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ـ المجلد العاشر / ج 43 / ص 30.

[45] حياة محمد / محمد حسين هيكل / ص 313.

[46] ينابيع المودة ـ للقندوزي / ج 2 / ص 89.

[47] سورة الدهر / 8.

[48] ينابيع المودة / ج 2 / ص 36.

[49] شرح نهج البلاغة / ابن ابي الحديد / ج1 / ص 24.

[50] قال ابن منظور في (لسان العرب) مجل مجلت يداه بالكسر، ومجلت: نفطت يداه. من العمل فمرنت وصلبت وثخن جلدها.

[51] اعيان الشيعة / محسن الامين العاملي / ج 2 / ص 442 و 443.

[52] الدرة البهية في فضل كربلاء وتربتها الزكية / حسين البراقي / ص 27 و 28.

[53] علي والقرآن / الشيخ محمد جواد مغنية / ص 9.

[54] بين يدي الرسول الاعظم / محمد بحر العلوم القسم الثاني / ص 79.

[55] فاطمة الزهراء ام ابيها / فاضل الحسيني الميلاني / ص 35.

[56] المصدر السابق / ص 22.

[57] سورة آل عمران / 61.

[58] النبأ العظيم علي بن ابي طالب / تقي المصعبي الهندي / ج 1 / ص 27 و 28.

[59] الصواعق المحرقة / ابن حجر الهيثمي / ص 124.

[60] المصدر السابق / ص 120.

[61] علي والقرآن / الشيخ محمد جواد مغنية / ص 18.

[62] الامام علي نبراس ومتراس / سليمان كناني ص 77.

[63] مقاتل الطالبيين / ابو الفرج الاصفهاني / ص 25 ـ 26.

[64] الارشاد، للشيخ المفيد / ص 13 و 14.

[65] الصواعق المحرقة / ابن حجر الهيثمي / ص 107.

[66] المصدر السابق / ص 152.

[67] ينابيع المودة ـ للقندوزي / ج1 / ص 73.

[68] تذكرة الخواص / سبط بن الجوزي / ص 206.

[69] تذكرة الخواص / سبط بن الجوزي / ص 307.

[70] حياة محمد / محمد حسين هيكل / ص 185.

[71] امالي الطوسي / للشيخ الطوسي / ج1 / ص364 / وانظر: بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج42 / ص 105 وغيرها من المصادر.

[72] ذخائر العقبي / للطبري / ص32.

[73] اعيان الشيعة / محسن الامين العاملي / ج2 / ص 446 و 447.

[74] امالي الصدوق / ص 353.

[75] النبأ العظيم علي بن ابي طالب / تقي المصعبي الهندي / ص 30.

[76] بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج 43 / ص 116.

[77] بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج43 / ص 115.

[78] المصدر / ص 116.

[79] المصدر.

[80] فاطمة الزهراء وتر في غمد / سليمان كناني ص 138.

[81] المصدر السابق / ص 140.

[82] الارشاد / للشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري الملقب بالشيخ المفيد ص 186 و 187.

[83] تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي / ص 212ـ215.

[84] ذخائر العقبي / للطبري ص 123.

[85] المناقب / ابن شهر اشوب / ج3 / ص159.

[86] بحار الانوار للمجلسي / ج10 / ص 82.

[87] الارشاد للشيخ المفيد ص 187 و 188.

[88] الفصول المهمة / ابن الصباغ المالكي ص 138.

[89] المصدر السابق / ص 140.

[90] بحار الانوار / للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج 10 / ص 94.

[91] الفصول المهمة / لابن الصباغ المالكي ص 150.

[92] المناقب / ابن شهر اشوب / ج 3 / ص 159.

[93] الفصول المهمة / ابن الصباغ المالكي ص 177 ـ 179.

[94] ابو الشهداء الحسين بن علي / عباس محمود العقاد ص 69.

[95] سمو المعني في سمو الذات / عبد الله العلايلي ص 146.

[96] اعيان الشيعة / محسن الامين / ج 4 / ص 106 و 107.

[97] أعيان الشيعة / محسن الامين العاملي / ج 4 / ص 108 و 109.

[98] المصدر السابق / ص 109.

[99] تظلم الزهراء اهل دماء الحسين / رضي بن نبي القزويني ص 274.

[100] فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفي، للشيخ احمد الرحماني الهمداني / ص 634.

[101] عقيلة بني هاشم، علي بن الحسين الهاشمي الخطيب / ص 16.

[102] عقيلة بني هاشم / علي بن الحسين الهاشمي الخطيب ص 16 ـ 19.

[103] نفس المهموم / للمحدث القمي / ص 369.

[104] المصدر السابق / ص 471.

[105] عقيدة الشيعة، رونالدسن، ص 30.

[106] سري عنه الهم: مجهولاً انكشف.

[107] المجالس السنية، محسن الامين / ج 5 / ص 24 ـ 26.

[108] عقيدة الشيعة / رولندسن / ص 27 ـ 28.

[109] بحار الانوار / للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج 43 / ص 196.

[110] أعيان الشيعة / محسن الأمين / ج 2 / ص 366.

[111] المجالس السنية / محسن الامين / ج 5 / ص 46 ـ 53.

[112] صحيح البخاري / ج 5 / ص 5.

[113] فاطمة الزهراء والفاطميون، عباس محمود العقاد / ص 57 و 58.

[114] حياة محمد / محمد حسين هيكل / ص 321.

[115] المصدر السابق / ص 58.

[116] المصدر السابق / ص 58.

[117] اعلام النساء / عمر رضا كحاله / ج 4 / ص 116 و 117.

[118] علم اصول الفقه في ثوبه الجديد / الشيخ محمد جواد مغنية / ص 403.

[119] الامامة والسياسة / ابن قتيبة / ج 1 / ص 14. وانظر اعلام النساء / ج 3 / ص 1214.

[120] الحضارة الاسلامية / آدم متز / ج 1 / ص 128.

[121] الامامة والسياسة / ابن قتيبة / ص 12 و 13.

[122] عوالم سيدة النساء فاطمة الزهراء / الشيخ عبد الله البحراني الاصفهاني / ص 557 و 558.

[123] المصدر السابق / ص 560.

[124] المصدر السابق / ص 562 و 563.

[125] دلائل الامامة / لابن جرير ص 44.

[126] المصدر / ص 43.

[127] مصباح الانوار / للشيخ هاشم محمد عن (وفات الصديقة الزهراء) للسيد عبد الرزاق المقرم / ص 103.

[128] المجالس السنية / محسن الامين / ج5 / ص 121 ـ 123.

[129] بحار الأنوار / للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج 18 / ص 263.

[130] موسوعة العتبات المقدسة (قسم المدينة المنورة) فصل: المدينة المنورة في المراجع العربية ـ جعفر الخياط / ص 283.

[131] المصدر السابق / ص 285.

[132] مقاتل الطالبيين ـ ابو الفرج الاصفهاني / ص 49.

[133] طبقات بن سعد 8 / 11.

[134] بحار الانوار / للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج 43 / ص 216.