ghaemiyeh.com
موسوعة زینب الکبری
بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
(7)
جميع حقوق الطبع محفوظة
للناشر
الطبعة الأولى
1439 هـ - 2009 م
لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، وبأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة الناشر على ذلك كتابة ومقدما.
دَارُ نَظِيرُ عَبُّودٍ
هاتف : 03/780007 - 09/936772 - بیروت لبنان
محرر الرقمي : السید محمد رضوي
مُوسوعة زَيْنَبَ الْكُبْرَى علیها السَّلَامُ بِنْتَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِىُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَوَاقِفِ ومَحطّاتُ فِي حَيَاةِ زَيْنَبَ
جمع واعداد السيد على عاشور
شبكة كتب الشيعة
الجزء السابع
جميع حقوق الطبع محفوظة
للناشر
الطبعة الأولى
1439 هـ - 2009 م
لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، وبأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة الناشر على ذلك كتابة ومقدما.
دَارُ نَظِيرُ عَبُّودٍ
هاتف : 03/780007 - 09/936772 - بیروت لبنان
قال مخنف بن حنيف: إني والله ليلة تسع عشرة في الجامع في رجال نصلي قريباً من السدة التي يدخل منها أمير المؤمنين علیه السلام فبينا نحن نصلي إذ دخل أمير المؤمنين علیه السلام من السدة وهو ينادي: الصلاة، ثم صعد المئذنة فأذن ثم نزل فعبر على قوم نيام في المسجد فناداهم: الصلاة، ثم قصد المحراب، فما أدري دخل في الصلاة أم لا إذ سمعت قائلا يقول : الحكم لله لا لك يا علي.
قال: فسمعت عند ذلك أمير - المؤمنين علیه السلام يقول : لا يفوتنكم الرجل، قال : فشد الناس عليه وأنا معهم وإذا هو وردان بن مجالد، وأما ابن ملجم لعنه الله فإنه هرب من ساعته ودخل الكوفة ورأينا أمير المؤمنين علیه السلام مجروحا في رأسه.
قال محمد بن الحنفية: ثم إن أبي علیه السلام قال: احملوني إلى موضع مصلاي في منزلي قال فحملناه إليه وهو مدنف والناس حوله، وهم في أمر عظيم باكين محزونين، قد أشرفوا على الهلاك من شدة البكاء والنحيب، ثم التفت إليه الحسين علیه السلام وهو يبكي.
فقال له : يا أبتاه من لنا بعدك؟ لا كيومك إلا يوم رسول الله صلى الله عليه وآله من أجلك تعلمت البكاء، يعز والله علي أن أراك هكذا، فناداه علیه السلام فقال : يا حسين يا أبا عبد الله ادن مني، فدنا منه وقد فرحت أجفان عينيه من البكاء، فمسح الدموع من عينيه ووضع يده على قلبه وقال له: يا بني ربط الله قلبك بالصبر، وأجزل لك ولإخوتك عظيم الاجر، فسكن روعتك واهدا من بكائك، فإن الله قد أجرك على عظيم مصابك، ثم ادخل علیه السلام إلى حجرته وجلس في محرابه.
قال الراوي: وأقبلت زينب علیها السلام وأم كلثوم حتى جلسنا معه على فراشه، وأقبلتا
تند بأنه وتقولان: يا أبتاه من للصغير حتى يكبر؟ ومن للكبير بين الملا؟ يا أبناء حزننا عليك طويل، وعبرتنا لا ترقاً(1).
قال: نضج الناس من وراء الحجرة بالبكاء والنحيب، وفاضت دموع أمير المؤمنين علیه السلام عند ذلك، وجعل يقلب طرفه وينظر إلى أهل بيته وأولاده، ثم دعا الحسن والحسين علیهما السلام وجعل يحضنهما ويقبلهما، ثم أغمي عليه ساعة طويلة وأفاق، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغمى عليه ساعة طويلة ويفيق أخرى، لأنه صلى الله عليه وآله كان مسموما، فلما أفاق ناوله الحسن علیه السلام قعبا من لبن، فشرب منه قليلاً ثم نحاه عن فيه وقال : احملوه إلى أسيركم.
ثم قال للحسن علیه السلام : بحقي عليك يا بني إلا ما طيبتم مطعمه ومشربه، وارفقوا به إلى حين موتي، وتطعمه مما تأكل وتسقيه مما تشرب حتى تكون أكرم منه، فعند ذلك حملوا إليه اللبن وأخبروه بما قال أمير المؤمنين علیه السلام في حقه، فأخذ اللعين وشربه.
قال : ولما حمل أمير المؤمنين علیه السلام إلى منزله جاؤوا باللعين مكتوفا إلى بيت من بيوت القصر فحبسوه فيه، فقالت له أم كلثوم وهي تبكي : يا ويلك أما أبي فإنه لا بأس عليه، وإن الله مخزيك في الدنيا والآخرة، وإن مصيرك إلى النار خالدا فيها، فقال لها ابن ملجم لعنه الله : أبكي إن كنت باكية فوالله لقد اشتريت سيفي هذا بألف وسممته بألف، ولو كانت ضربتي هذه لجميع أهل الكوفة ما نجا منهم أحد.
وفي ذلك يقول الفرزدق: «شعر» :
فلا غرو للاشراف إن ظفرت بها (2)*** ذئاب الأعادي من فصيح وأعجمي
فحربة وحشي سقت حمزة الردى *** وحتف علي من حسام ابن ملجم
قال محمد بن الحنفية رحمة الله : وبتنا ليلة عشرين من شهر رمضان مع أبي وقد نزل السم إلى قدميه وكان يصلي تلك الليلة من جلوس ولم يزل يوصينا بوصاياه ويعزينا
عن نفسه ويخبرنا بأمره وتبيانه إلى حين طلوع الفجر، فلما أصبح استأذن الناس عليه، فأذن لهم بالدخول، فدخلوا عليه وأقبلوا يسلمون عليه، وهو يرد علیهم السلام.
ثم قال : أيها الناس اسألوني قبل أن تفقدوني وخففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم، قال فبكى الناس عند ذلك بكاءا شديدا، وأشفقوا أن يسألوه تخفيفا عنه، فقام إليه حجر بن عدي الطائي وقال :
فيا أسفي على المولى التقي *** أبو الأطهار حيدرة الزكي
قتله کافر حنث زنيم *** العين فاسق نغل شقي(1)
فيلعن ربنا من حاد عنكم *** ویبره منكم لعنا وبی
لأنكم بيوم الحشر ذخري *** وأنتم عشرة الهادي النبي
فلما بصر به وسمع شعره قال له : كيف لي بك إذا دعيت إلى البراءة مني، فما عساك أن تقول؟
فقال : والله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إربا إربا وأضرم لي النار وألقيت فيها لأثرت ذلك على البراءة منك، فقال : وفقت لكل خير يا حجر، جزاك الله خيرا عن أهل بيت نبيك.
ثم قال: هل من شربة من لبن؟ فأتوه بلبن في قعب، فأخذه وشربه كله، فذكر الملعون ابن ملجم وأنه لم يخلف له شيئا فقال علیه السلام : «وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدْرًا مَقْدُورًا» اعلموا أني شربت الجميع ولم أبق لأسيركم شيئا من هذا، ألا وإنه آخر رزقي من الدنيا، فبالله عليك يا بني إلا ما أسقينه مثل ما شربت، فحمل إليه ذلك فشربه.
قال محمد بن الحنفية رضی الله عنه : لما كانت ليلة إحدى وعشرين وأظلم الليل وهي الليلة الثانية من الكائنة جمع أبي أولاده وأهل بيته وودعهم.
ثم قال لهم : الله خليفتي عليكم وهو حسبي ونعم الوكيل، وأوصاهم الجميع منهم بلزوم الايمان والأديان والاحكام التي أوصاه بها رسول الله صلى الله عليه وآله
1) النغل: المفسد في الأرض
فمن ذلك ما نقل عنه علیه السلام أنه أوصى به الحسن والحسين علیهما السلام لما ضربه الملعون ابن ملجم وهي هذه «أوصيكما بتقوى الله» وساقها إلى آخر ما مر برواية السيد الرضي.
قال : ثم تزايد ولوج السم في جسده الشريف، حتى نظرنا إلى قدميه وقد احمرنا جميعاً، فكبر ذلك علينا وأيسنا منه، ثم أصبح ثقيلا، فدخل الناس عليه، فأمرهم ونهاهم وأوصاهم، ثم عرضنا عليه المأكول والمشروب فأبى أن يشرب فنظرنا إلى شفتيه وهما يختلجان بذكر الله تعالى، وجعل جبينه برشح عرفا وهو يمسحه بيده قلت: يا أبت أراك تمسح جبينك.
فقال : يا بني إني سمعت جدك رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن المؤمن إذا نزل به الموت ودنت وفاته عرق جبينه وصار كاللؤلؤ الرطب وسكن أنينه، ثم قال: يا أبا عبد الله ويا عون، ثم نادى أولاده كلهم بأسمائهم صغيرًا وكبيرًا واحدًا بعد واحد، وجعل يودعهم ويقول: الله خليفتي عليكم أستودعكم الله وهم يبكون، فقال له الحسن علیه السلام يا أبه ما دعاك إلى هذا؟
فقال له : يا بني إني رأيت جدك رسول الله صلى الله عليه وآله في منامي قبل هذه الكائنة بليلة، فشكوت إليه ما أنا فيه من التذلل والأذى من هذه الأمة، فقال لي: ادع عليهم، فقلت : اللهم أبدلهم بي شراً مني وأبدلني بهم خيراً منهم، فقال لي : قد استجاب الله دعاك، سينقلك إلينا بعد ثلاث، وقد مضت الثلاث، يا أبا محمد أوصيك - ويا أبا عبد الله - خيراً، فأنتما مني وأنا منكما، ثم التفت إلى أولاده الذين من غير فاطمة علیها السلام وأوصاهم أن لا يخالفوا أولاد فاطمة يعني الحسن والحسين علیهما السلام.
ثم قال: أحسن الله لكم العزاء، ألا وإني منصرف عنكم، وراحل في ليلتي هذه، ولاحق بحبيبي محمد صلى الله عليه وآله كما وعدني، فإذا أنامت يا أبا محمد فغسلني وكفني وحنطني ببقية حنوط جدك رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه من كافور الجنة جاء به جبرئيل علیه السلام إليه، ثم ضعني على سريري، ولا يتقدم أحد منكم مقدم السرير، واحملوا مؤخره واتبعوا مقدمه، فأي موضع وضع المقدم فضعوا المؤخر، فحيث قام سريري فهو موضع قبري، ثم تقدم يا أبا محمد وصل علي يا بني يا حسن
وكبر علي سبعا، واعلم أنه لا يحل ذلك على أحد غيري إلا على رجل يخرج في آخر الزمان اسمه القائم المهدي، من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحق، فإذا أنت صليت علي يا حسن فنح السرير عن موضعه، ثم اكشف التراب عنه فترى قبراً محفوراً ولحدا مثقوبا وساجة منقوبة، فأضجعني فيها، فإذا أردت الخروج من قبري فافتقدني فإنك لا تجدني، وإني لاحق بجدك رسول الله صلى الله عليه وآله واعلم يا بني ما من نبي يموت وإن كان مدفوناً بالمشرق ويموت وصيه بالمغرب إلا و یجمع الله عز وجل بين روحيهما وجسديهما، ثم يفترقان فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره وإلى موضعه الذي حط فيه، ثم أشرج (1)اللحد باللبن وأهل التراب علي ثم غيب قبري، وكان غرضه علیه السّلام بذلك لئلا يعلم بموضع قبره أحد من بني أمية، فإنهم لو علموا بموضع قبره لحفروه وأخرجوه وأحرقوه كما فعلوا بزيد بن علي بن الحسين علیه السّلام ثم يا بني بعد ذلك إذا أصبح الصباح أخرجوا تابوتا إلى ظهر الكوفة على ناقة، وأمر بمن يسيرها بما عليها كأنها تريد المدينة، بحيث يخفى على العامة موضع قبري الذي تضعني فيه، وكأني بكم وقد خرجت عليكم الفتن من ههنا وههنا فعليكم بالصبر فهو محمود العاقبة.
ثم قال: يا أبا محمد ويا أبا عبد الله كأني بكما وقد خرجت عليكما من بعدي الفتن من ههنا فاصبرا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
ثم قال: يا أبا عبد الله أنت شهيد هذه الأمة، فعليك بتقوى الله والصبر على بلائه، ثم أغمي عليه ساعة، وأفاق وقال : هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وعمي حمزة وأخي جعفر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكلهم يقولون: عجل قدومك علينا فإنا إليك مشتاقون، ثم أدار عينيه في أهل بيته كلهم وقال: أستودعكم الله جميعا سددكم الله جميعا حفظكم الله جميعاً، خليفتي عليكم الله وكفى بالله خليفة.
ثم قال: وعليكم السلام يا رسل ربي.
ثم قال: «لمثل هذا فليعمل العاملون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم
1) شرج الحجارة نضدها وضم بعضها إلى بعض.
محسنون» وعرق جبينه وهو يذكر الله كثيرا، وما زال يذكر الله كثيرا ويتشهد الشهادتين، ثم استقبل القبلة وغمض عينيه ومد رجليه ويديه وقال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم قضى نحبه علیه السلام (1)..
وقال : فعند ذلك صرخت زينب بنت علي علیه السلام وأم كلثوم وجميع نسائه، وقد شقوا الجيوب ولطموا الخدود، وارتفعت الصيحة في القصر، فعلم أهل الكوفة أن أمير المؤمنين علیه السلام قد قبض، فأقبل النساء والرجال يهرعون أفواجا أفواجا، وصاحوا صيحة عظيمة، فارتجت الكوفة بأهلها وكثر البكاء والنحيب، وكثر الضجيج بالكوفة وقبائلها ودورها وجميع أقطارها، فكان ذلك كيوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله فلما أظلم الليل تغير أفق السماء وارتجت الأرض وجميع من عليها بكوه وكنا تسمع جلبة وتسبيحا في الهواء، فعلمنا أنها من أصوات الملائكة، فلم يزل كذلك إلى أن طلع الفجر، ثم ارتفعت الأصوات وسمعنا هاتفا بصوت يسمعه الحاضرون ولا یرون شخصه يقول :
بنفسي ومالي ثم أهلي وأسرتي *** فداء لمن أضحى قتيل ابن ملجم
علي رقى فوق الخلائق في الوغى *** فهدت به ارکان بيت المحرم
علي أمير المؤمنين ومن بكت *** لمقتله البطحا وأكناف زمزم
يكاد الصفا والمشعران كلاهما *** يهدا وبان النقص في ماء زمزم
وأصبحت الشمس المنير ضياؤها *** لقتل على لونها لون دلهم(2)
وضل له أفق السماء كآبة *** كشقة ثوب لونها لون عندم (3)
وناحت عليه الجن إذ فجعت به *** حنينا كثكلى نوحها بترنم وأضحى
إليها الجود والنبل مقتما (4)*** وكان التقى في قبره المتهدم
وأضحى التقى والخير والحلم والنهى *** وبات العلى في قبره المتهدم
يكاد الصفا والمستجار كلاهما *** يهدا وبان النقص في ماء زمزم
لفقد علي خير من وطئ الحصى *** أخا العالم الهادي النبي المعظم
فالمعنى عند ذلك أن السماوات والأرض والملائكة والجن والانس قد بكت ورثته في تلك الليلة، وسمعنا في الهواء جلبة عظيمة وتسبيحا وتقديسا، فعلمنا أنها أصوات الملائكة، فلم تزل كذلك حتى بدا الصباح، فارتفعت الأصوات فخرجنا وإذا بصائح في الهواء وهو يقول :
يا للرجال لعظم هول مصيبة *** قدحت فليس مصابها بالهازل
والشمس كاسفة لفقد إمامنا *** خير الخلائق والإمام العادل
يا خير من ركب المطي ومن مشى *** فوق الثرى من حافي أو ناعل
يا سيدي ولقد هددت قراءنا *** والحق أصبح خاضعا للباطل
قال محمد بن الحنفية: ثم أخذنا في جهازه ليلا وكان الحسن علیه السلام يغسله والحسين علیه السلام يصب الماء عليه، وكان علیه السلام لا يحتاج إلى من يقلبه، بل كان يتقلب كما يريد الغاسل يمينا وشمالا، وكانت رائحته أطيب من رائحة المسك والعنبر، ثم نادى الحسن علیه السلام بأخته زينب وأم كلثوم وقال: يا أختاه هلمي بحنوط جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فبادرت زينب مسرعة حتى أنته به، قال الراوي: فلما فتحته فاحت الدار وجميع الكوفة وشوارعها لشدة رائحة ذلك الطيب، ثم لقوه بخمسة أثواب كما أمر علیه السلام ثم وضعوه على السرير، وتقدم الحسن والحسين علیهما السلام إلى السرير من مؤخره وإذا مقدمه قد ارتفع ولا يرى حامله، وكان حاملا، من مقدمه جبرئيل وميكائيل، فما مر بشي على وجه الأرض إلا انحنى له ساجداً وخرج السرير من مايل باب كندة، فحملا مؤخره وساراً يتبعان مقدمه.
قال ابن الحنفية رضی الله عنه: والله لقد نظرت إلى السرير وإنه ليمر بالحيطان والنخل فتنحني له خشوعا، ومضى مستقيما إلى النجف إلى موضع قبره الآن، قال: وضجت الكوفة بالبكاء والنحيب، وخرجن النساء يتبعنه لاطمات حاسرات، فمنعهم
الحسن علیه السلام ونهاهم عن البكاء والعويل، وردهن إلى أماكنهن والحسين علیه السلام يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون يا أباه وانقطاع ظهراه، من أجلك تعلمت البكاء، إلى الله المشتكى.
فلما انتهيا إلى قبره وإذا مقدم السرير قد وضع، فوضع الحسن علیه السلام مؤخره ثم قام الحسن علیه السلام وصلى عليه والجماعة خلفه، فكبر سبعا كما أمره به أبوه علیه السلام ثم زحزحنا سريره وكشفنا التراب وإذا نحن بقبر محفور والحد مشقوق وساجة منقورة مكتوب عليها: «هذا ما ادخره له جده نوح النبي للعبد الصالح الطاهر المطهر» فلما أرادوا نزوله سمعوا هاتفا يقول : أنزلوه إلى التربة الطاهرة، فقد اشتاق الحبيب إلى الحبيب، فدهش الناس عند ذلك وتحيروا، والحد أمير المؤمنين علیه السلام قبل طلوع الفجر.
قال الراوي : لما الحد أمير المؤمنين علیه السلام وقف صعصعة بن صوحان العبدي رضی الله عنه على القبر، ووضع إحدى يديه على فؤاده والأخرى قد أخذ بها التراب ويضرب به رأسه، ثم قال: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين.
ثم قال: هنيئا لك يا أبا الحسن، فلقد طاب مولدك، وقوي صبرك، وعظم جهادك، وظفرت برأيك، وربحت تجارتك، وقدمت على خالقك، فتلقاك الله ببشارته، وحفتك ملائكته، واستقررت في جوار المصطفى، فأكرمك الله بجواره، ولحقت بدرجة أخيك المصطفى، وشربت بكأسه الأوفى، فاسأل الله أن يمن علينا باقتفائنا أثرك والعمل بسيرتك، والموالاة لأوليائك، والمعاداة لأعدائك، وأن يحشرنا في زمرة أوليائك، فقد نلت ما لم ينله أحد، وأدركت ما لم يدركه أحد، وجاهدت في سبيل ربك بين يدي أخيك المصطفى حق جهاده، وقمت بدين الله حق القيام، حتى أقمت السنن، وأبرت الفتن(1)واستقام الاسلام، وانتظم الايمان، فعليك مني أفضل الصلاة والسلام، بك اشتد ظهر المؤمنين، واتضحت أعلام
1) ابره: اصلحه
السبل، وأقيمت السنن، وما جمع لاحد مناقبك وخصالك، سبقت إلى إجابة النبي صلی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ مقدماً مؤثراً، وسارعت إلى نصرته، ووقيته بنفسك، ورميت سيفك ذا الفقار في مواطن الخوف والحذر، قصم الله بك كل جبار عنيد، ودل بك كل ذي بأس شديد وهدم بك حصون أهل الشرك والكفر والعدوان والردى، وقتل بك أهل الضلال من العدى، فهنيئا لك يا أمير المؤمنين، كنت أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وآله قربا وأولهم سلما، وأكثر هم علما وفهما، فهنيئا لك يا أبا الحسن، لقد شرف الله مقامك وكنت أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله نسبا، وأولهم إسلاما، وأوفاهم يقينا، وأشدهم قلبا، وأبذلهم لنفسه مجاهدا، وأعظمهم في الخير نصيبا، فلا حرمنا الله أجرك ولا أذلنا بعدك، فوالله لقد كانت حياتك مفاتح للخير ومغالق للشر، وإن يومك هذا مفتاح كل شر ومغلاق كل خير، ولو أن الناس قبلوا منك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة. ثم بكى بكاء شديدا وأبكي كل من كان معه، وعدلوا إلى الحسن والحسين ومحمد وجعفر والعباس ويحيى وعون وعبد الله علیهم السلام فعزوهم في أبيهم صلوات الله عليه، وانصرف الناس، ورجع أولاد أمير المؤمنين علیه السلام وشيعتهم إلى الكوفة، ولم يشعر بهم أحد من الناس، فلما طلع الصباح وبزغت الشمس أخرجوا تابوتا من دار أمير المؤمنين علیه السلام وأتوا به إلى المصلى بظاهر الكوفة، ثم تقدم الحسن علیه السلام وصلى عليه، ورفعه على ناقة وسيرها مع بعض العبيد.
قال الراوي : فلما كان الغداة اجتمعوا لأجل قتل الملعون، قال أبو مخنف: فلما رجع الحسن علیه السلام دخلت عليه أم كلثوم وأقسمت عليه أن لا يترك الملعون في الحياة ساعة واحدة، وكان قد عزم على تأخيره ثلاثة أيام، فأجابها إلى ذلك، وخرج لوقته وساعته، وجمع أهل بيته وأهل البصائر من أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كصعصعة والأحنف وما أشبههما رحمه الله وتشاوروا في قتل ابن ملجم لعنه الله تعالى، فكل أشار بقتله في ذلك اليوم، واجتمع رأيهم على قتله في المكان الذي ضرب فيه الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام.
قال الراوي : ثم إنه لما رجع أولاد أمير المؤمنين علیه السلام وأصحابه إلى الكوفة واجتمعوا لقتل اللعين عدو الله ابن ملجم فقال عبد الله بن جعفر: اقطعوا يديه ورجليه ولسانه واقتلوه بعد ذلك.
وقال ابن الحنفية رضی الله عنه : اجعلوه غرضا للنشاب وأحرقوه بالنار، وقال آخر : اصلبوه حيا حتى يموت.
فقال الحسن علیه السلام : أنا ممتثل فيه ما أمرني به أمير المؤمنين علیه السلام أضربه ضربة بالسيف حتى يموت فيها، واحرقه بالنار بعد ذلك.
قال : فأمر الحسن علیه السلام أن يأتوه به، فجاؤوا به مكتوفا حتى أدخلوه إلى الموضع الذي ضرب فيه الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام والناس يلعنونه ويوبخونه، وهو ساكت لا يتكلم.
فقال الحسن علیه السلام: یا عدو - الله قتلت أمير المؤمنين علیه السلام وإمام المسلمين، وأعظمت الفساد في الدين، فقال لهما: يا حسن و یا حسین عليكما السلام ما تريدان تصنعان بي؟
قالا له : نريد قتلك كما قتلت سيدنا ومولانا.
فقال لهما : اصنعا ما شئتما أن تصنعا، ولا تعنفا من استزله الشيطان فصده عن السبيل، ولقد زجرت نفسي فلم تنزجرا ونهيتها فلم تنته! فدعها تذوق وبال أمرها ولها عذاب شديد، ثم بكى، فقال له : يا ويلك ما هذه الرقة؟ أين كانت حين وضعت قدمك وركبت خطيئتك؟
فقال ابن ملجم لعنه الله : «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون» ولقد انقضى التوبيخ والمعايرة، وإنما قتلت أباك وحصلت بين يديك، فاصنع ما شئت وخذ بحقك مني كيف شئت، ثم برك على ركبتيه وقال: يا ابن رسول الله الحمد لله الذي أجرى قتلي على يديك،
فرق له الحسن علیه السلام لان قلبه كان رحيما - صلى الله عليه - فقام الحسن علیه السلام وأخذ السيف بيده وجرده من غمده فهز به (1)حتى لاح الموت في حده ثم ضربه ضربة أدار بها عنقه فاشتد زحام الناس عليه، وعلت أصواتهم، فلم يتمكن من فتح باعه فارتفع السيف إلى باعه فأبرأه فانقلب عدو الله على قفاه يخور في دمه، فقام الحسين علیه السلام إلى أخيه وقال : يا أخي أليس الأب واحدا والأم واحدة ولي نصيب في هذه الضربة ولي في قتله حق؟ فدعني أضربه ضربة أشفي بها بعض ما أجده، فناوله الحسن علیه السلام السيف فأخذه وهزه وضربه على الضربة التي ضربه الحسن علیه السلام فبلغ إلى طرف أنفه، وقطع جانبه الآخر، وابتدره الناس بعد ذلك بأسيافهم، فقطعوه إربا إربا، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار، ثم جمعوا جثته وأخرجوه من المسجد، وجمعوا له حطبا وأحرقوه بالنار، وقيل: طرحوه في حفرة وطموه بالتراب، وهو يعوي كعوي الكلاب في حفرته إلى يوم القيامة، وأقبلوا إلى قطام الملعونة الفاسقة الفاجرة فقطعوها بالسيف إربا إربا، ونهبوا دارها، ثم أخذوها وأخرجوها إلى ظاهر الكوفة وأحرقوها بالنار، وعجل الله بروحها إلى النار وغضب الجبار، وأما الرجلان اللذان تحالفا معه فأحدهما قتله معاوية بن أبي سفيان بالشام والآخر قتله عمرو بن العاص بمصر لا رضی الله عنه، وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم بالجامع يساعدانه على قتل علی علیه السلام فقتلا من ليلتهما، لعنهما الله وحشر هما محشر المنافقين الظالمين في جهنم خالدين مع السالفين.
قال أبو مخنف: فلما فرغوا من إهلاكهم وقتلهم أقبل الحسن والحسين علیهما السلام إلى المنزل، فالتفت بهم أم كلثوم وأنشدت تقول هذه الأبيات لما سمعت بقتله.
وقيل : إنها لأم الهيثم بنت العربان الخثعمية، وقيل: للأسود الدؤلي شعراً يقول :
ألا يا عين جودي واسعدينا *** الا فابكي أمير المؤمنينا
وتبكي أم كلثوم عليه *** بعبرتها وقد رأت اليقينا
1) اي حركه
الا قل للخوارج حيث كانوا *** فلا قرت عيون الحاسدينا
وأبكي خير من ركب المطايا *** وحث بها وأقرى الظاعنينا
وأبكي خير من ركب المطايا *** وفارسها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حفاها *** ومن قرأ المثاني والمشينا
ومن صام الهجير وقام ليلا *** وناجي الله خير الخالقينا
إمام صادق بر تقی *** فقيه قد حوى علما ودينا
شجاع أشوس بطل همام *** ومقدام الأساود في العرين (1)
كمي باسل قرم هزبر *** حمي أروع ليث بطينا (2)
فعمرو قاده في الأسر لما *** طفا وسقى ابن ود منه حينا
ومرحب قده بالسيف قدا *** وعفر ذا الخمار على الجبينا
وبات على الفراش يقي أخاه *** ولم يعبأ بكيد الكافرينا
ويدعو للجماعة من عصاه *** ويقضي بالفرائض مستبينا
وكل مناقب الخيرات فيه *** وحب رسول رب العالمينا
مضى بعد النبي فدته نفسي *** أبو حسن وخير الصالحينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين *** رأيت البدر فاق الناظرينا
وكنا قبل مقتله بخیر *** نری مولی رسول الله فينا
يقيم الحق لا يرتاب فيه *** وينهك قطع أيدي السارقينا(3)
1) العرينة : مأوى الأسد.
2) الكمي والباسل الشجاع القرم - بالفتح -: السيد العظيم الهزبر: الأسد. الحمى من لا يحتمل الضيم. الأروع : من يعجبك بحسنه أو شجاعته قوله فعمرو قاده في الأسر» إشارة إلى ما جرى بينه علیه السلام وبين عمرو بن معد يكرب وقوله وسقى ابن ود إشارة إلى قتل عمرو بن عبد رد بیده.
3) نهكه: بالغ في عقوبته
وليس بكاتم علما لديه *** ولم يخلق من المتجبرينا
أفي الشهر الحرام فجعتمونا *** بخير الخلق طرا أجمعينا
ومن بعد النبي فخير نفس *** أبو حسن وخير الصالحينا
فلو أنا سئلنا المال فيه *** بذلنا المال فيه والبنينا
کن الناس إذ فقدوا عليا *** نعام جال في بلد سنينا
فلا والله لا أنسى عليا *** وحسن صلاته في الراكعينا
لقد علمت قريش حيث كانت *** بأنك خيرها حسبا ودينا
ألا فابلغ معاوية بن حرب *** فلا قرت عيون الشامتينا
وقل للشامتين بنا رویدا *** سيلقي الشامتون كما لقينا
قتلتم خير من ركب المطايا *** وذللها ومن ركب السفينا
الا فابلغ معاوية بن حرب *** بأن بقية الخلفاء فينا
قال : فلم يبق أحد في المسجد إلا انتحب وبكى لبكائها، وكل من كان حاضرا من عدو وصديق، ولم أر باكية ولا باكيا أكثر من ذلك اليوم.
أقول : روى البرسي في مشارق الأنوار عن محدثي أهل الكوفة أن أمير المومنین علیه السلام لما حمله الحسن والحسين علیهما السلام على سريره إلى مكان البئر المختلف فيه إلى نجف الكوفة وجدوا فارسا يتضوع منه رائحة المسك، فسلم عليهما ثم قال للحسن علیه السلام : أنت الحسن بن علي رضيع الوحي والتنزيل وفطيم العلم والشرف الجليل خليفة أمير المؤمنين وسيد الوصيين؟
قال: نعم، قال: وهذا الحسين بن أمير المؤمنين وسيد الوصيين سبط الرحمة ورضيع العصمة وربيب الحكمة ووالد الأئمة؟
قال: نعم.
قال: سلماء إلي وأمضيا في دعة الله، فقال له الحسن علیه السلام : إنه أوصى إلينا أن لا نسلم إلا إلى أحد رجلين : جبرئيل أو الخضر فمن أنت منهما؟
فكشف النقاب فإذا هو أمير المؤمنين علیه السلام، ثم قال للحسن علیه السلام: يا أبا محمد إنه لا تموت نفس إلا ويشهدها أفما يشهد جسده؟.
قال: وروي عن الحسن بن علي علیه السلام أن أمير المؤمنين قال للحسن والحسين علیهما السلام: إذا وضعتماني في الضريح فصليا ركعتين قبل أن تهيلا علي التراب، وانظرا ما يكون، فلما وضعاه في الضريح المقدس فعلا ما أمرا به، ونظرا وإذا الضريح مغطى بثوب من سندس، فكشف الحسن علیه السلام مما يلي وجه أمير المؤمنين، فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله وآدم وإبراهيم يتحدثون مع أمير المؤمنين علیه السلام، وكشف الحسين مما يلي رجليه فوجد الزهراء وحواء ومريم وآسية عليهن السلام ينحن على أمير المؤمنين علیه السلام ويندينه.
بیان: لم أر هذين الخبرين إلا من طريق البرسي، ولا أعتمد على ما يتفرد بنقله، ولا أردهما، لورود الأخبار الكثيرة الدالة على ظهورهم بعد موتهم في أجسادهم المثالية، وقد مرت في كتاب المعاد وكتاب الإمامة(1).
1) بحار الأنوار - العلامة المجلسي : 293/42 - 301.
قال المجلسي : وجدت في بعض الكتب خبراً في وفاتها علیه السلام فأحببت إيراده وإن لم آخذه من أصل يعول عليه.
روى ورقة بن عبد الله الأزدي قال : خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام راجياً لثواب الله رب العالمين، فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء، ومليحة الوجه عذبة الكلام، وهي تنادي بفصاحة منطقها، وهي تقول: اللهم رب الكعبة الحرام، والحفظة الكرام، وزمزم والمقام، والمشاعر العظام ورب محمد خير الأنام، صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم البررة الكرام أسألك أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين، وأبنائهم الغر المحجلين الميامين. ألا فاشهدوا يا جماعة الحجاج والمعتمرين أن موالي خيرة الأخيار، وصفوة الأبرار، والذين علا قدرهم على الاقدار، وارتفع ذكرهم في سائر الأمصار المرتدين بالفخار.
قال ورقة بن عبد الله : فقلت : يا جارية إني لأظنك من موالي أهل البيت علیهم السلام.
فقالت : أجل.
قلت لها : ومن أنت من مواليهم؟
قالت : أنا فضة أمة فاطمة الزهراء ابنة محمد المصطفى (صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها).
فقلت لها : مرحباً بك وأهلاً وسهلاً، فلقد كنت مشتاقا إلى كلامك ومنطقك فأريد منك الساعة أن تجيبيني من مسألة أسألك، فإذا أنت فرغت من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك وأنت مثابة مأجورة، فافترقنا. فلما فرغت من الطواف وأردت الرجوع إلى منزلي جعلت طريقي على سوق الطعام وإذا أنا بها جالسة في
معزل عن الناس، فأقبلت عليها واعتزلت بها وأهديت إليها هدية ولم أعتقد أنها صدقة، ثم قلت لها: يا فضة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء علیها السلام وما الذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمد صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم.
قال ورقة: فلما سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدموع ثم انتحبت نادبة وقالت: یا ورقة بن عبد الله هيجت علي حزنا ساكنا، وأشجانا في فؤادي كانت كامنة، فاسمع الآن ما شاهدت منها علیهم السلام.
اعلم أنه لما قبض رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم افتجع له الصغير والكبير، وكثر عليه البكاء، وقل العزاء، وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب، ولم تلق إلا كل باك وباكية، ونادب ونادبة، ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب، والأقرباء والأحباب، أشد حزنا وأعظم بكاء وانتحابا من مولاتي فاطمة الزهراء علیها السلام، وكان حزنها يتجدد ويزيد، وبكاؤها يشتد فجلست سبعة أيام لا يهدأ لها أنين، ولا يسكن منها الحنين، كل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول، فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن، فلم تطق صبرا إذ خرجت وصرخت، فكأنها من فم رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم تنطق، فتبادرت النسوان، وخرجت الولائد والولدان، وضع الناس بالبكاء والنحيب وجاء الناس من كل مكان، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء وخيل إلى النسوان أن رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم قد قام من قبره، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم، وهي علیها السلام تنادي وتندب أباه : وا أبتاه، واصفياه، وا محمداه وا أبا القاسماه، وا ربيع الأرامل واليتامى، من للقبلة والمصلى، ومن لابنتك الوالهة الثكلى.
ثم أقبلت تعثر في أذيالها، وهي لا تبصر شيئا من عبرتها، ومن تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمد صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصرت خطاها، ودام نحيبها وبكاها، إلى أن أغمي عليها، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت، فلما أفاقت من غشيتها قامت
وهي تقول. رفعت قوتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوي، والكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة، وحيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي، وانقطع ظهري، وتنغص عيشي، وتكدر دهري، فما أجد يا أبناء بعدك أنيسا لوحشتي، ولا رادا لدمعتي ولا معينا لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، ومهبط جبرئيل، ومحل ميكائيل انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، وتغلقت دوني الأبواب، فأنا للدنيا بعدك قالية وعليك ما ترددت أنفاسي باكية، لا ينفد شوقي إليك، ولا حزني عليك. ثم نادت علیهم السلام : يا أبتاه والباه، ثم قالت :
إن حزني عليك حزن جديد *** وفؤادي والله صب عنيد
كل يوم يزيد فيه شجوني *** واكتيابي عليك ليس يبيد
جل خطبي فبان عني عزائي *** فبكائي كل وقت جديد
إن قلبا عليك يألف صبرا *** أو عزاء فإنه لجليد
ثم نادت علیه السلام: يا أبناء انقطعت بك الدنيا بأنوارها، وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة، فقد أسود نهارها، فصار يحكي حنادسها رطبها ويابسها، يا أبتاه لا زلت آسفة عليك إلى التلاق، يا أبتاه زال غمضي منذ حق الفراق، يا أبتاه من للأرامل والمساكين، ومن للأمة إلى يوم الدين، يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين يا أبتاء أصبحت الناس عنا معرضين، ولقد كنا بك معظمين في الناس غير مستضعفين فأي دمعة لفراقك لا تنهمل، وأي حزن بعدك عليك لا يتصل، وأي جفن بعدك بالنوم يكتحل، وأنت ربيع الدين، ونور النبيين، فكيف للجبال لا تمور، وللبحار بعدك لا تغور، والأرض كيف لم تتزلزل. رميت يا أبناء بالخطب الجليل، ولم تكن الرزية بالقليل، وطرقت يا أبتاء بالمصاب العظيم، وبالفادح المهول. بكتك يا أبتاه الاملاك، ووقفت الأفلاك، فمنبرك بعدك مستوحش، ومحرابك خال من مناجاتك، وقبرك فرح بمواراتك، والجنة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك. يا أبناء ما أعظم ظلمة مجالسك، فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلا عليك وأشكل أبو الحسن المؤتمن أبو
ولديك، الحسن والحسين، وأخوك ووليك وحبيبك ومن ربيته صغيراً، وواخيته كبيراً، وأحلى أحبابك وأصحابك إليك من كان منهم سابقاً ومهاجراً وناصراً، والشكل شاملنا، والبكاء قاتلنا، والأسى لازمنا ثم زفرت زفرة وأنت أنة كادت روحها أن تخرج ثم قالت :
قل صبري وبان عني عزائي *** بعد فقدي لخاتم الأنبياء
عين يا عين أسكبي الدمع سحا *** ويك لا تبخلي بفيض الدماء
يا رسول الاله يا خيرة الله *** وكهف الأيتام والضعفاء
قد بكتك الجبال والوحش جمعا *** والطير والأرض بعد بكي السماء
وبكاك الحجون والركن والمشغر *** يا سيدي مع البطحاء
ويكاك المحراب والدرس للقرآن *** في الصبح معلنا والمساء وبكاك الاسلام إذ صار في *** الناس غريبا من سائر الغرباء
لو ترى المنبر الذي كنت تعلو *** ه علاء الظلام بعد الضياء
يا إلهي عجل وفاتي سريعا *** فلقد تنغصت الحياة يا مولائي
قالت علیه السلام: ثم رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها، وهي لا ترقاً دمعتها. ولا تهدأ زفرتها علیه السلام.
واجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين علي علیه السلام فقالوا له : يا أبا الحسن إن فاطمة علیها السلام تبكي الليل والنهار فلا أحد منا يتهنا بالنوم في الليل على فرشنا، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معايشنا وإنا نخبرك أن تسألها إما أن تبكي ليلا أو نهارا، فقال علیه السلام : حبا وكرامة. فأقبل أمير المؤمنين علیه السلام حتى دخل على فاطمه علیها السلام و هی لا تفيق من البكاء، ولا ينفع فيها العزاء فلما رأته سكنت هنيئة له، فقال لها : يا بنت رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم إن شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إما أن تبكين أباك ليلا وإما نهارا. فقالت يا أبا الحسن ما أقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم فوالله لا أسكت ليلا ولا نهارا أو ألحق بابي رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم.
فقال لها علي علیه السلام: افعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك.
ثم إنه بنى لها بيتا في البقيع نازحا عن المدينة يسمى بيت الأحزان، وكانت إذا أصبحت قدمت الحسن والحسين علیهما السلام أمامها، وخرجت إلى البقيع باكية فلا تزال بين القبور باكية، فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين علیه السلام إليها وساقها بين يديه إلى منزلها.
ولم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد موت أبيها سبعة وعشرون يوما، واعتلت العلة التي توفيت فيها، فبقيت إلى يوم الأربعين، وقد صلى أمير المؤمنين علیه السلام صلاة الظهر وأقبل يرد المنزل إذا استقبلته الجواري باكيات حزينات فقال لهن: ما الخبر ومالي أراكن متغيرات الوجوه والصور؟
فقلن : يا أمير المؤمنين أدرك ابنة عمك الزهراء علیها السلام وما نظنك تدركها.
فأقبل أمير المؤمنين علیه السلام مسرعا حتى دخل عليها، وإذا بها ملقاه على فراشها وهو من قباطي مصر وهي تقبض يمينا وتمد شمالا، فألقى الرداء عن عائقه والعمامة عن رأسه، وحل أزراره، وأقبل حتى أخذ رأسها وتركه في حجره، وناداها : يا زهراء فلم تكلمه فناداها: یا بنت محمد المصطفى! فلم تكلمه، فناداها : يا بنت من حمل الزكاة في طرف ردائه وبذلها على الفقراءأ فلم تكلمه، فناداها : يا ابنة من صلى بالملائكة في السماء مثنى مثنى فلم تكلمه، فناداها : يا فاطمة كلميني فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب.
قال : ففتحت عينيها في وجهه ونظرت إليه وبكت وبكى وقال: ما الذي تجدينه فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب.
فقالت: يا ابن العم إني أجد الموت الذي لا بد منه ولا محيص عنه، وأنا أعلم أنك بعدي لا تصبر على قلة التزويج فإن أنت تزوجت امرأة اجعل لها يوما وليلة واجعل لأولادي يوما وليلة يا أبا الحسن ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين فإنهما بالأمس فقدا جدهما واليوم يفقدان أمهما، فالويل لامة تقتلهما وتبغضهما ثم أنشأت تقول :
ابكني إن بكيت يا خير هادي *** وأسبل الدمع فهو يوم الفراق
يا قرين البتول أوصيك بالنسل *** فقد أصبحا حليف اشتياق
ابكني وابك لليتامى ولا تنس *** قتيل العدى بطف العراق
فارقوا فأصبحوا يتامى حياري *** يحلف الله فهو يوم الفراق
قالت: فقال لها علي علیه السلام : من أبن لك يا بنت رسول الله هذا الخبر، والوحي قد انقطع عنا؟
فقالت: يا أبا الحسن رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم في قصر من الدر الأبيض فلما رآني قال: هلمي إلي يا بنية فإني إليك مشتاق فقلت : والله إني لأشد شوقا منك إلى لقائك، فقال : أنت الليلة عندي وهو الصادق لما وعد والموفي لما عاهد. فإذا أنت قرأت بس فاعلم أني قد قضيت نحبي فغسلني ولا تكشف عني فإني طاهرة مطهرة وليصل علي معك من أهلي الأدنى فالأدنى ومن رزق أجري وادفني ليلا في قبري بهذا أخبرني حبيبي رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم.
فقال علي: والله لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها ولم أكشفه عنها فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم وكفنتها وأدرجتها في أكفانها فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت يا أم كلثوم يا زینب! یا سكينة! يا فضة! يا حسن! يا حسين! هلموا تزودوا من أمكم فهذا الفراق واللقاء في الجنة.
فأقبل الحسن والحسين علیهما السلام وهما يناديان وا حسرتا لا تنطفئ أبدا من فقد جدنا محمد المصطفى وأمنا فاطمة الزهراء يا أم الحسن يا أم الحسين إذا لقيت جدنا محمد المصطفى فاقرئيه منا السلام وقولي له : إنا قد بقينا بعد يتيمين في دار الدنيا.
فقال أمير المؤمنين علي علیه السلام : إني أشهد الله أنها قد حنت وأنت ومدت يديها وضمتهما إلى صدرها مليا وإذا بهاتف من السماء ينادي يا أبا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب، قال: فرفعتهما عن صدرها وجعلت أعقد الرداء وأنا أنشد بهذه الأبيات :
فراقك أعظم الأشياء عندي *** وفقدك فاطم أدهى الشكول سابكي حسرة وأنوح شجوا *** على خل مضى أسنى سبيل
ألا يا عين جودي واسعديني *** فحزني دائم أبكي خليلي
ثم حملها على يده وأقبل بها إلى قبر أبيها ونادى: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نور الله، السلام عليك يا صفوة الله مني السلام عليك والتحية واصلة مني إليك ولديك، ومن ابنتك النازلة عليك بفنائك وإن الوديعة قد استردت، والرهينة قد أخذت، فوا حزناه على الرسول، ثم من بعده على البتول، ولقد اسودت علي الغبراء وبعدت عني الخضراء، فوا حزناء ثم وا أسفاء. ثم عدل بها على الروضة فصلى عليه في أهله وأصحابه ومواليه وأحبائه وطائفة من المهاجرين والأنصار، فلما واراها وألحدها في لحدها أنشأ بهذه الأبيات يقول :
أرى علل الدنيا علي كثيرة *** وصاحبها حتى الممات عليل
لكل اجتماع من خليلين فرقة *** وإن بقائي عندكم لقليل
وإن افتقادي فاطما بعد أحمد *** دليل على أن لا يدوم خليل(1).
أقول: صحيح أن الرواة أغفلوا عن ذكر زينب علیها السلام في حياة أُمها وكيف كانت تذهب معها إلى قبر جدها وكيف رأت كل ما جرى مع أمها حتى شهادتها علیهم السلام، إلا أن هذا لا يغير من الواقع شيء، فعادت البنات مرافقه أمهاتهم فكيف إذا كانت البنت زينب الحنونة العطوفة وكيف إذا كانت الأم الرؤوفة التي لا تفارق أولادها حتى في كربلاء، فإذا كانت سيدتنا فاطمة علیها السلام جاءت إلى كربلاء ونظرت إلى حال زينب فهل يعقل أن تتركها في بيتها ولا تصطحبها إلى المسجد أو إلى بيت الأحزان؟!
1) بحار الأنوار - العلامة المجلسي : 175/43 - 179 ح 15.
روى الطبري عن علي بن الحسين بن علي علیهم السلام، قال : إني جالس في تلك العشية التي قتل أبي صبيحتها، وعمتي زينب عندي تمرضني إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له وعنده حوي مولى أبي ذر الغفاري (1)وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول :
يا دهر أف لك من خليل *** كم لك بالاشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل *** والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل *** وكل حي سالك السبيل
قال: فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى فهمتها فعرفت ما أراد، فخنقتني عبرتي فرددت دمعي ولزمت السكوت، فعلمت ان البلاء قد نزل، فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت: واثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة! اليوم ماتت فاطمة أمي! وعلي أبي! وحسن أخي! يا خليفة الماضي وثمال الباقي، فنظر إليها الحسين علیه السلام، فقال : يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان.
قالت: بأبي أنت وأمي، يا أبا عبد الله استقتلت! نفسي فداكا فرد غصته وترقرقت عيناه وقال : لو ترك القطا ليلا لنام.
قالت: يا ويلنا! أفتغصب نفسك اغتصابا فذلك اقرح لقلبي وأشد على
1) ورد في مقتل الخوارزمي وغيره في خبر مقتله بلفظ «جون».
نفسي! ولطمت وجهها وأهوت إلى جيبها وشقته! وخرت مغشيا عليها! فقام إليها الحسين، فصب على وجهها الماء!
وقال لها : يا أخية! تقي الله! وتعزي بعزاء الله! واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وان أهل السماء لا يبقون، وان كل شيء هالك إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وهو فرد وحده أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة، قال: فعزاها بهذا ونحوه.
وقال لها : يا أخية! إني أقسم عليك فابري قسمي لا تشفي علي جيبا! ولا تخمشي على وجها! ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا انا هلكت!
قال : ثم جاء بها حتى أجلسها عندي وخرج إلى أصحابه، فأمرهم ان يقربوا بعض بيوتهم من بعض وان يدخلوا الاطناب بعضها في بعض، وان يكونوا هم بين البيوت، إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم(1).
وروي من طريق آخر: أنه كان في الخيمة الإمام زين العابدين علیه السلام والعقيلة زينب علیها السلام، أما الإمام زين العابدين فلما سمع كلام أبيه عرف ما أراد فخنقته العبرة، ولزم السكوت وعلم أن البلاء قد نزل - حسبما يقول - وأما عقيلة بني هاشم علیهم السلام فإنها لما سمعت هذه الأبيات أحست أن شقيقها وبقية أهلها عازمون على الموت و مصممون على الشهادة فأمسكت قلبها في ذعر، ووثبت وهي تجر ذيلها، وقد فاضت عيناها بالدموع، فقالت لأخيها بنبرات لفظت فيها شظايا قلبها :
«واثكلاه! واحزناه! ليت الموت أعدمني الحياة، يا حسيناه، يا سيداه، يا بقية أهل بيتاه، استسلمت، ويئست من الحياة، اليوم مات جدي رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم و اُمی فاطمة الزهراء وأبي علي وأخي الحسن، يا بقية الماضين وثمال الباقين».
1) معالم المدرستين للعسكري : 92/3
فقال الإمام لها بحنان:
«يا أخبة لا يذهبن بحلمك الشيطان».
وانبرت العقيلة إلى أخيها وهي شاحبة اللون قد مزق الأسى قلبها الرقيق المعذب فقالت له بأسى والتباع :
«اتغتصب نفسك اغتصاباً، فذاك أطول لحزني وأشجى لقلبي».
ولم تملك صبرها بعدما أيقنت أن شقيقها مقتول، فعمدت إلى جيبها فشقته، ولطمت وجهها، وخرت على الأرض فاقدة لوعيها وشاركتها النسوة في المحنة القاسية، وصاحت السيدة أم كلثوم :
«وا محمداه، واعلياه، والأماه، واحسيناه، واضيعتاه بعدك».
وأثر المنظر الرهيب في نفس الإمام فذاب قلبه الزاكي أسى وحسرات وتقدم إلى السيدات من بنات الوحي فجعل يأمرهن بالخلود إلى الصبر والتحمل لأعباء هذه المحنة الكبرى قائلاً :
«يا أختاه، يا أم كلثوم، يا فاطمة، يا رباب، انظرن إذا قتلت فلا تشققن علي جيباً ولا تخمشن وجهاً، ولا تقلن هجراً».
لقد عانى الإمام العظيم ألواناً قاسية ومذهلة من المحن والخطوب كانت بقدر إيمانه بالله فلم يكد يفرغ من محنة حتى يواجهه سيل من المحن الكبرى التي لا يطيقها أي إنسان(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 116/3.
قال الإمام زين العابدين في وصف حزن زينب علیها السلام في كربلاء: .. وأما عمتي فلما سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع، فلم تلك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وهي حاسرة حتى انتهت إليه، وقالت: والكلاه ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم مات أمي فاطمة، وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضي، وثمال الباقي، فنظر إليها الحسين علیه السلام وقال لها: يا أخته لا يذهبن حلمك الشيطان! و ترقرقت عيناه بالدموع، وقال: لو ترك القطا [ليلاً] لنام(1).
فقالت علیه السلام : يا ويلتاه افتغتصب نفسك اغتصابا؟(2)فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي، ثم لطمت وجهها، وهوت إلى جيبها وشقته وخرت مغشية عليها.
فقام إليها الحسين علیه السلام غصب على وجهها الماء وقال لها : يا أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شي هالك إلا وجه الله تعالى، الذي خلق الخلق بقدرته، ويبعث الخلق ويعودون وهو
1) القطا: جمع قطاة وهي طائر في حجم الحمام صوته قطاقطا وهذا المثل. قال الميداني : نزل عمرو بن مامة على قوم من ،مراد، فطرقوه ليلا فأثاروا القطا من أماكنها فرأتها امرأته طائرة، فنبهت المرأة زوجها فقال: انما هي القطا، فقالت: لو ترك القطا ليلا نام، يضرب لمن حمل على مكروه من غير ارادته، وقيل غير ذلك. راجع مجمع الامثال ج 2 ص 174 تحت الرقم 3231.
2) لا أرى لذكر الاغتصاب وجها والظاهر أنه تصحيف والصحيح: أفتحسب نفسك احتسابا يقال : احتسب ولدا له : اذا مات ولده كبيرا ومثله احتسب نفسه : اذا عدها شهيدا في ذات الله، وقد مر في ص 138 من ج 44 كلام الحسن بن علي (عليهما السلام) اللهم اني احتسب نفسي عندك فراجع.
فرد وحده، وأبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أختاه إني أقسمت عليك فابري قسمي لا تشقي علي جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي.
ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرن بعضهم بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت فيقبلوا القوم في وجه واحد والبيوت من ورائهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم قد حفت بهم، إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم، ورجع علیه السّلام إلى مكانه فقام ليلته كلها يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع، وقام أصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون(1)
***.
1) کتاب الارشاد ص 215 و 216.
روی أنه لما عزم الإمام على مغادرة يثرب واللجوء إلى مكة اجتمعن السيدات من نساء بني عبد المطلب، وقد جاشت عواطفهن بالأسى والحزن، فقد تواترت عليهن الأنباء عن رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم عن مقتل ولده الحسين، وجعلن ينحن، وتعالت أصواتهن بالبكاء، وكان منظراً مفزعاً، وانبرى إليهن الحسين، وهو رابط الجأش فقال لهن :
«انشدكن الله أن تبدين هذا الأمر معصية الله ولرسوله»
فذابت نفوسهن، وصحن:
«لمن نستبقي النياحة والبكاء فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم، وعلي وفاطمة والحسن .. جعلنا الله فداك يا حبيب الأبرار ....».
وأقبلت عليه بعض عماته، وهي شاحبة اللون، فقالت بنبرات منقطعة بالبكاء لقد سمعت هاتفاً يقول :
وإن قتيل الطف من آل هاشم *** أذل رقاباً من قريش فذلت
وجعل الإمام علیه السلام يهدى أعصابها، ويأمرها بالخلود إلى الصبر، كما أمر سائر السيدات من بني عبد المطلب بذلك(1)
***.
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 2/ 82 - 192.
قال السيد الخامنئي: إن الحسين بن علي علیه السلام لم يتوجه إلى كربلاء بهدف القتال؛ فالذي يذهب إلى ميدان القتال لابد له من الجنود؛ ولكن الإمام الحسين ابن علي علیه السلام كان قد حمل معه أهل بيته من النساء والأطفال، مما يعني أن حادثة ستقع في ذلك المكان وستدغدغ عواطف البشرية على طول التاريخ حتى تتضح عظمة ما قام به الإمام الحسين علیه السلام.
لقد كان الإمام الحسين علیه السلام يدري أن أعداء حقراء وسفهاء، وكان يرى أنّ الذين جاءوا لقتاله ليسوا سوى شرذمة من أراذل وأوباش الكوفة طمعاً في الحصول على عطية تافهة وحقيرة هي التي دفعتهم إلى هذا المسلك وارتكاب مثل هذه الجريمة العظمى، وكان يعلم بما سيحلّ بنسائه وأبنائه.
فالإمام الحسين علیه السلام لم يكن غافلاً عن كل هذا، ولكنه لم يكن مستعداً للاستسلام والعودة عن قراره، بل كان يحثّ على مواصلة الطريق مما يدل على أهمية هذا الطريق وعظمة هذا العمل(1).
أقول: هذا الأمر يرتبط بدراسة أبعاد ثورة كربلاء والتخطيط لها من قبل الإمام الحسين علیه السلام وسوف نتعرض لذلك باختصار وتفصيله إلى موسوعة الإمام الحسين علیه السلام.
1) ثورة عاشوراء شمس الشهادة : 109
قال السيد محمد باقر القرشي : درس الإمام الحسين علیه السلام أبعاد الثورة بعمق و شمول، وخطط أساليبها بوعي وإيمان، فرأى أن يزج بجميع ثقله في المعركة، ويضحّي بكل شيء لإنقاذ الأمة من محنتها في ظل ذلك الحكم الأسود الذي تنكر لجميع متطلبات الأمة.. وقد أدرك المستشرق الألماني ماريين تخطيط الإمام الحسين لثورته، فاعتبر أن الحسين قد توخّى النصر منذ اللحظة الأولى، وعلم النصر فيه، فحركة الحسين في خروجه على يزيد - كما يقول - إنما كانت عزمة قلب كبير عز عليه الإذعان، وعز عليه النصر العاجل، فخرج بأهله وذويه ذلك الخروج الذي يبلغ به النصر الأجل بعد موته، ويحيي به قضية مخذولة ليس لها بغير ذلك حياة.
لقد أيقن أبو الشهداء علیه السلام أن القضية الإسلامية لا يمكن أن تنتصر إلا بفخامة ما يقدمه من التضحيات فصمم بعزم وإيمان على تقديم أروع التضحيات وهذه أهمها :
وأقدم أبو الشهداء علیه السلام على أعظم تضحية لم يقدمها أي مصلح اجتماعي في الأرض، فقد قدّم أبناءه وأهل بيته وأصحابه فداءاً لما يرتأيه ضميره من تعميم العدل وإشاعة الحق والخير بين الناس.
وقد خطط هذه التضحية، وآمن بأنها جزء من رسالته الكبرى، وقد أذاع ذلك وهو في يشرب حينما خفت إليه السيدة أم سلمة زوج النبي تعذله عن الخروج، فأخبرها عن قتله وقتل أطفاله .. وقد مضى إلى ساحات الجهاد وهو متسلح بهذا الإيمان، فكان يشاهد الصفوة من أصحابه الذين هم من أنبل من عرفتهم الإنسانية في ولائهم للحق، وهم يتسابقون إلى المنية بين يديه، وبرى الكواكب من أهل بيته
وأبنائه، وهم في غضارة العمر وريعان الشباب، وقد تناهبت أشلاءهم السيوف والرماح، فكان يأمرهم بالثبات والخلود إلى الصبر قائلاً :
«صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً !!».
واهتزت الدنيا من هول هذه التضحية التي تمثل شرف العقيدة، وسمو القصد وعظمة المبادىء التي ناضل من أجلها، وهي - من دون شك - ستبقى قائمة على ممر القرون والأجيال، تضيء للناس الطريق، وتمدهم بأروع الدروس عن التضحية في سبيل الحق والواجب.
وكان من أروع ما خططه الإمام العظيم علیه السلام في ثورته الكبرى حمله لعقائل النبوة ومخدرات الرسالة إلى كربلاء، وهو يعلم ما سيجري عليهن من النكبات والخطوب، وقد أعلن ذلك حينما عذله ابن عباس عن حملهن معه إلى العراق، فقال له :
«قد شاء الله أن يراهن سبايا...».
لقد أراد علیه السلام بذلك أن يستكمل أداء رسالته الخالدة في تحرير الأمة وإنقاذها من الاستعباد...الأموي. وقد قمن تلك السيدات بدور مشرق في إكمال نهضة أبي الشهداء علیه السلام فأيقظن المجتمع بعد سباته، وأسقطن هيبة الحكم الأموي، وفتحن باب الثورة عليه، ولولا هن لم يتمكن أحد أن يفوه بكلمة واحدة أمام ذلك الطغيان الفاجر، وقد أدرك ذلك كل من تأمل في نهضة الإمام ودرس أبعادها، وقد ألمح إليها بعض العلماء والكتاب، وفيما يلي بعضهم:
وأكد الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كثير من مؤلفاته أن الغاية من خروج الإمام بعائلته إلى كربلا إكمالاً لنهضته وبلوغاً إلى هدفه في تحطيم دولة الأمويين يقول : وهل تشك وترتاب في أن الحسين علیه السلام لو قتل هو وولده، ولم يتعقبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحديات لذهب قتله جباراً، ولم يطلب به أحد ثاراً ولضاع دمه هدراً، فكان الحسين يعلم أن هذا عمل لا بد منه، وأنه لا يقوم به إلا تلك العقائل فوجب عليه حتماً أن يحملهن معه لا لأجل المظلومية بسببهن فقط، بل لنظر سياسي وفكر عميق وهو تكميل الغرض، وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسلام وتعود الناس إلى جاهليتها الأولى ...».
يقول الأستاذ السيد أحمد فهمي: «وقد أدرك الحسين أنه مقتول إذ هو يعلم علم اليقين قبح طوية يزيد، وإسفاف نحيزته، وسوء سريرته فيزيد بعد قتل الحسين ستمتد يده إلى أن يؤذي النبي صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم في سلالته من قتل الأطفال الأبرياء، وانتهاك حرمة النساء، وحملهن ومن بقي من الأطفال من قفرة إلى قفرة ومن بلد إلى بلد، فيثير مرأى أولئك حفيظة المسلمين، فليس ثمة أشنع، ولا أفظع من التشفي والانتقام من النساء والأطفال بعد قتل الشباب والرجال فهو بخروجه بتلك الحالة أراد أن يثأر من يزيد في خلافته، ويقتله في كرامته، وحقاً لقد وقع ما توقعه، فكان لما فعله يزيد وعصبته من فظيع الأثر في نفوس المسلمين، وزاد في أضغانهم ما عرضوا به سلالة
النبوة من هتك خدر النساء، وهن اللاتي ما عُرفن إلا بالصيانة والطهر والعز والمنعة، مما أطلق السنة الشعراء بالهجاء والذم، ونفر أكثر المسلمين من خلافة الأمويين، وأسخط عليهم قلوب المؤمنين، فقد قتله الحسين أشد من قتله إياه».
يقول الدكتور أحمد محمود صبحي : ثم رفض - يعني الحسين - إلا أن يصحب أهله ليشهد الناس على ما يقترفه أعداؤه بما لا يبرره دين ولا وازع من إنسانية، فلا تضيع قضيته مع دمه المراق في الصحراء فيفترى عليه أشد الافتراء حين يعدم الشاهد العادل على كل ما جرى بينه وبين أعدائه، تقول الدكتورة بنت الشاطي: أفسدت زينب أخت الحسين على ابن زياد وبني أمية لذة النصر، وسكبت قطرات من السم الزعاف في كؤوس الظافرين وإن كل الأحداث السياسية التي ترتبت بعد ذلك من خروج المختار وثورة ابن الزبير وسقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية ثم تأصل مذهب الشيعة إنما كانت زينب هي باعثة ذلك ومثيرته.
أريد أن أقول ماذا يكون الحال لو قتل الحسين ومن معه جميعاً من الرجال إلا أن يسجل التاريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه فيضيع كل أثر لقضيته مع دمه المسفوك في الصحراء...».
هذه بعض الآراء التي تدعم ما ذكرناه من أن خروج الحسين علیه السلام بعائلته لم يكن الغرض منه إلا بلورة الرأي العام، وإيضاح المقاصد الرفيعة التي ثار من أجلها ومن أهمها القضاء على دولة الأمويين التي كانت تشكل خطراً مباشراً على العقيدة الإسلامية وهناك رأي آخر أدلى به العلامة المغفور له الشيخ عبد الواحد المظفر، و هو أن الحسين إنما خرج بعائله خوفاً عليها من اعتقال الأمويين وزجها في سجونهم قال: «الحسين لو أبقى النساء في المدينة لوضعت السلطة الأموية عليها الحجر، لا بل اعتقلتها علناً وزجتها في ظلمات السجون، ولا بد له حينئذ من أحد أمرين خطيرين كل منهما يشل أعضاء نهضته المقدسة!
إما الاستسلام لأعدائه وإعطاء صفقته لهم طائعاً ليستنقذ العائلة المصونة وهذا
خلاف الإصلاح الذي ينشده، وفرض على نفسه القيام به مهما كلفه الأمر من الأخطار، أو يمضي في سبيل إحياء دعوته، ويترك المخدرات اللواتي ضرب عليهن الوحي ستراً من العظمة والإجلال، وهذا ما لا تطيق احتماله نفس الحسين الغيور ولا يردع أمية رادع من الحياء، ولا يزجرها زاجر من الإسلام.
إن أمية لا يهمها اقتراف الشائن في بلوغ مقاصدها، وإدراك غاياتها فتتوصل إلى غرضها ولو بارتكاب أقبح المنكرات الدينية والعقلية.
الم يطرق سمعك سجن الأمويين لزوجة عمرو بن الحمق الخزاعي، وزوجة عبيد الله بن الحر الجعفي وأخيراً زوجة الكميت الأسدي».
وعلى أي حال فقد حطم الإمام بخروجه وعائلته جمیع مخططات السياسة الأموية ونسف جميع ما أقامه معاوية من معالم الظلم، فقد قمن عقائل الوحي بدور فعال ببث الوعي الاجتماعي، وتعريف المجتمع بواقع الأمويين وتجريدهم من الإطار الديني، ولولاهن لاندرست معالم ثورة الحسين، وذهبت أدراج الرياح.
إن من ألمع الأسباب في استمرار خلود مأساة الإمام الحسين علیه السلام واستمرار فعالياتها في بث الإصلاح الاجتماعي على امتداد التاريخ هو حمل ودائع الرسالة وعقائل الوحي مع الإمام فقد قمن بدور مشرق ببلورة الرأي العام، فحملن راية الإيمان التي حملها الإمام العظيم، ونشرن مبادئه العليا التي استشهد من أجلها، فقد انبرت حفيدة الرسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم وشقيقة الحسين السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علیه السلام إلى ساحات الجهاد، وهي تدك حصون الظالمين، وتدمر جميع ما أحرزوه من الانتصارات في قتل أخيها، وتلحق بهم الهزيمة والعار، وتملأ بيوتهم مأساة وحزناً.
لقد أقبلت قائدة المسيرة الحسينية عقيلة الوحي زينب علیه السلام إلى ساحة المعركة وهي تشق صفوف الجيش تفتش عن جثمان أخيها الإمام العظيم فلما وقفت عليه شخصت لها أبصار الجيش، واستحال إلى سمع فماذا تقول أمام هذه الخطوب المذهلة التي تواكبت عليها؟ إنها وقفت عليه غير مدهوشة لم تذهلها الرزايا التي تميد
منها الجبال، فشخصت ببصرها إلى السماء؟ وهي تقول بحماسة الإيمان وحرارة العقيدة قائلة :
«اللهم تقبل منا هذا القربان».
وأطلقت بذلك أول شرارة للثورة على الحكم الأموي بعد أخيها، وود الجيش أن تسيخ به الأرض فقد استبان له عظم ما اقترفه من الإثم وأنه قد أباد عناصر الإسلام، ومراكز الوعي والإيمان.
ولما اقتربت سبايا أهل البيت علیهم السلام إلى الكوفة خرجت الجماهير الحاشدة لاستقبال السبايا فخطبت فيهم عقيلة الوحي خطاباً مثيراً ومذهلاً وإذا بالناس حيارى لا يعون ولا يدرون قد استحالت بيوتهم إلى مآتم وهم يندبون حظهم التعيس ويبكون على ما اقترفوه من الجرم، وحينما انتهت إلى دار الإمارة استقبلها الطاغية متشفياً بأحط وأخس ما يكون التشفي قائلاً :
«كيف رأيت صنع الله بأخيك؟».
وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود فأجابته بكلمات النصر والظفر قائلة :
«ما رأيت إلا جميلاً هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة».
وأخزت هذه الكلمات ابن مرجانة فكانت أشق عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح، ولما انتهت إلى الشام هزت العرش الأموي بخطابها المثير الرائع، وحققت بذلك من النصر ما لم تحققه الجيوش ... لقد كان حمل الإمام الحسين لعائلته قائماً على أساس من الوعي العميق الذي أحرز به الفتح والنصر.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أسباب الثورة الحسينية ومخططاتها(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 2/ 210 - 213
في اللهوف: سار محمد بن الحنفية إلى الحسين علیه السلام في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن مكة فقال : يا أخي أن أهل الكوفة من عرفت غدرهم بأبيك وأخيك وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنك أعز من في الحرم وأمنعه.
فقال : يا أخي خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت(1).
1) في فتوح أعلم 34/5 مقتل الخوارزمي 188/1 وبعد سيرة جدي وأبي، أضافت يد التحريف وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رحمة الله وان الراشدين اصطلاح تأخر استعماله عن عصر الخلافة الأموية ولم يرد في نص ثبت وجوده قبل ذلك ويقصد بالراشدين الذين أتوا إلى الحكم بعد رسول الله متواليا من ضمنهم الإمام علي، فلا بصح ان يعطف الراشدين على اسم الإمام، كل هذا يدلنا على أن الجملة أدخلت في لفظ الإمام الحسين».
بسم الله الرحمن الرحيم - هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية ان الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، واني لم أخرج أشراً ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن رد على هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين وهذه وصيتي يا أخي إليك وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب. ثم طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه محمد ثم ودعه وخرج في جوف الليل(1).
1) في فتوح أعثم 34/5 مقتل الخوارزمي 188/1 وبعد سيرة جدي وأبي، أضافت يد التحريف وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين لله وان الراشدين اصطلاح تأخر استعماله من عصر الخلافة الأموية ولم يود في نص ثبت وجوده قبل ذلك ويقصد بالراشدين الذين أتوا إلى الحكم بعد رسول الله متواليا من ضمنهم الإمام علي، فلا يصح ان يعطف الراشدين على اسم الإمام كل هذا يدك على أن الجملة أدخلت في لفظ الإمام الحسين».
قيل في أسباب تخلّف محمّد بن عليّ علیه السلام وجوه :
منها : إنّ الحسين علیه السلام لمّا خرج من المدينة لحقه محمّد وأشار عليه أن يقيم إمّا بمكّة أو يسير إلى اليمن، وأبى الإمام علیه السلام إلّا المسير إلى العراق ثمّ قال لمحمّد : وأمّا أنت يا أخي فلا عليك أن تُقيم بالمدينة فتكون لي عيناً عليهم لا تُخفي عنّي شيئاً من أمورهم ثمّ دعا بدواة وبياض وكتب وصيّته وجعل محمّداً الوصيّ(1)، فيكون تخلّف محمّد بأمر الإمام الحسين علیه السلام.
على أنّ من جملة المصالح في تخلّفه بالمدينة بأن يكون مرجعاً لبني هاشم كيلا يضاموا بعد خروج الحسين علیه السلام.
ومنها: ما روي أنّه لما عوتب محمّد بن عليّ علیه السلام على ترك الخروج ذكر كلاماً حاصله : إنّي علمت بعلم عهده إليَّ أبي أمير المؤمنين علیه السلام أسماء الذين يستشهدون مع الحسين علیه السلام وأسماء آبائهم ولم أرّ إسمي بينهم فعلمت أنّي لست من الشهداء معه وخاف أن يكون في سيره معه مثله مثل خروج عقيل إلى معاوية وتركه أمير المؤمنين علیه السلام وإن كان محمّد أجلّ شأناً وأرفع مكاناً من أن تعتريه مثل هذه الهواجس.
ومنها: ما روي في الأثر أنّ محمّد بن الحنفيّة قد أصابته عين في يده فخرج بها خراج وقد تعطّلت عن حمل السلاح فيكون معذوراً في ترك الخروج مع أنّ الحسين علیه السلام لم يطلب منه الخروج معه وذاك محلّ الإشكال(2).
روي في كامل الزيارة للشيخ الفقيه أبي القاسم جعفر بن محمد ابن قولويه طاب ثراه، قال: حدثني نوح بن دراج، قال : حدثني قدامة بن زايدة، عن أبيه، قال: قال علي بن الحسين علیه السلام: بلغني يا زايدة أنك تزور قبر أبي عبد الله الحسين علیه السلام أحيانا، فقلت: إن ذلك لكما بلغك، فقال لي : ولماذا تفعل ذلك، ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحدا على محبتنا وتفضيلنا، وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمة من حقنا؟
فقلت : والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه.
فقال : والله إن ذلك لكذلك؟
فقلت : والله إن ذلك لكذلك، يقولها ثلاثا وأقولها ثلاثا.
فقال: أبشر ثم أبشر ثم أبشر، فلاخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون، فإنه لما أصابنا في الطف ما أصابنا، وقتل أبي علیه السلام، وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب، يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا، فعظم ذلك في صدري، واشتد لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي علیه السلام، فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟
فقلت : وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي مصرعين ومضرجين بدمائهم، مرملين بالعراء، مسلبين، لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر.
فقالت علیه السلام : لا يجزعنك ما ترى، فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم إلى
جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة وهم معروفون في أهل السماوات، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام، وليجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه ،وتعميسه، فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا.
فقلت : وما هذا العهد، وما هذا الخبر؟
فقالت علیه السلام : نعم حدثتني أم أيمن : أن رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم زار منزل فاطمة علیها السلام في يوم من الأيام، فعملت له حريرة، وأتاه علي علیه السلام بطبق فيه تمر.
ثم قالت أم أيمن : فأتيتهم بعس فيه لبن وزيد فأكل رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين من تلك الحريرة، وشرب رسول الله وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكلوا وأكل من ذلك التمر والزبد، ثم غسل رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم يده وعلي علیه السلام يصب عليها الماء، فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ثم نظر إلى علي علیه السلام وفاطمة والحسن والحسين نظرا عرفنا به السرور في وجهه.
ثم رمق بطرفه نحو السماء مليا ثم وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه يدعو، ثم خر ساجدا، وهو ينشج فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الارض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين وحزنت معهم، لما رأينا من رسول الله وهبناه أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له علي وقالت له فاطمة : ما يبكيك يارسول الله لا أبكي الله عينيك؟ وقد أفرح قلوبنا مانرى من حالك؟
فقال : يا أخي سررت بكم - وقال مزاحم بن عبدالوارث في حديثه ههنا(1)-
1) روی تلميذ ابن قولويه الحسين بن أحمد بن المغيرة هذا الحديث بسندين أحدهما ماذكره المصنف في المتن والآخر: قال : وقد كنت استفدت هذا الحديث بمصر عن شيخي أبي القاسم على بن محمد بن عبدوس الكوفى رحمه الله مما نقله عن مزاحم بن عبد الوارث البصري باسناده عن قدامة بن زائدة عن أبيه ،زائدة من على بن الحسين علیه السلام.
فقال : يا حبيبي إني سررت بكم سرورا ماسررت مثله قط وإني لانظر إليكم وأحمد الله على نعمته علي فيكم إذهبط علي جبرئيل فقال : يا محمد إن الله تبارك وتعالى اطلع على ما في نفسك، وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك، فأكمل لك النعمة، وهناك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة لا يفرق بينك وبينهم: يحيون كما تحيى (1)ويعطون كما تعطى حتى ترضى وفوق الرضا على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا، ومكارة تصيبهم بأيدي اناس ينتحلون ملتك ويزعمون أنهم من امتك، براء من الله ومنك خبطا خبطا وقتلا قتلا، شتى مصارعهم نائية قبورهم، خيرة من الله لهم ولك فيهم، فاحمد الله عزوجل على خيرته وارض بقضائه، فحمدت الله ورضيت بقضائه بما اختاره لكم.
قال لي جبرائيل: يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك، مغلوب على أمتك، متعوب من أعدائك، ثم مقتول بعدك، يقتله أشر الخلق والخليقة وأشقى البرية، يكون نظير عاقر الناقة، ببلد تكون إليه هجرته، وهو مغرس شيعته وشيعة ولده، وفيه على كل حال تكثر بلواهم ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا - وأومى بيده إلى الحسين علیه السلام : - مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك، بضفة الفرات، بأرض يقال لها كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته، وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة، يقتل فيها سبطك وأهله، وأنها من بطحاء الجنة، فإذا كان اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله وأحاطت به كتائب أهل الكفر واللعنة تزعزعت الأرض من أقطارها، ومادت الجبال وكثر اضطرابها، واصطفقت البحار بأمواجها، وماجت السماوات بأهلها، غضبا لك يا محمد ولذريتك، واستعظاما لما ينتهك من حرمتك، ولشر ما تكافی به في ذريتك وعترتك، ولا يبقى شي من ذلك إلا استأذن الله عز وجل في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك، فيوحي الله إلى السماوات والأرض والجبال والبحار ومن فيهم : إني أنا الله الملك القادر الذي لا
1) تحبون كما تحبى، خ ل. والحباء هو العطاء بلا من
يفوته هارب ولا يعجزه ممتنع، وأنا أقدر فيه على الانتصار والانتقام، وعزتي وجلالي لأعذبن من وتر رسولي وصفيي وانتهك حرمته وقتل عترته ونبذ عهده وظلم أهل بيته، عذابا لا أعذبه أحداً من العالمين، فعند ذلك يضج كل شي في السماوات والأرضين بلعن من ظلم عترتك واستحل حرمتك.
فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها تولى الله قبض أرواحهم بيده.
وهبط إلى الارض ملائكة من السماء السابعة، معهم آنية من الياقوت والزمرد مملوءة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة، وطيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء، وألبسوها الحلل، وحنطوها بذلك الطيب، وصلى الملائكة صفا صفا عليهم ثم يبعث الله قوما من امتك لا يعرفهم الكفار، لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء، يكون علما لاهل الحق وسببا للمؤمنين إلى الفوز، وتحفه ملائكة من كل سماء مائة ألف ملك في كل يوم وليلة، ويصلون عليه، يسبحون الله عنده ويستغفرون الله لزواره، ويكتبون أسماء من يأتيه زائرا من امتك متقربا إلى الله وإليك بذلك، وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله : هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الانبياء فإذا كان يوم القيامة سطح في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الابصار يدل عليهم ويعرفون به وكأني بك يا محمد بيني وبين میکائيل وعلي أمامنا، ومعنا من ملائكة الله ما لا یحصی عدده، ونحن نلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده، وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك، لا يريد به غير الله عزوجل، وسيجد أناس ممن حقت عليهم من الله اللعنة والسخط، أن يعفورسم ذلك القبر ويمحو أثره، فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلاً.
ثم قال رسول الله صَلَّی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم : فهذا أبكاني وأحزنني.
قالت زينب علیها السلام : فلما ضرب ابن ملجم لعنه الله أبي علیه السلام ورأيت عليه أثر الموت منه قلت له: يا أبه، حدثتني أم أيمن بكذا وكذا، وقد أحببت أن أسمعه منك،
فقال : يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن، وكأني بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبرا صبرا، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما لله على ظهر الأرض يومئذ ولي غيركم وغير محبيكم وشيعتكم.
ولقد قال لنا رسول الله حين أخبرنا بهذا الخبر أن إبليس في ذلك اليوم يطير فرحا فيجول الأرض كلها في شياطينه وعفاريته فيقول : يا معشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة، وبلغنا في هلاكهم الغاية، وأورثناهم النار إلا من اعتصم بهذه العصابة فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم، وحملهم على عداوتهم، وإغرائهم بهم وأوليائهم، حتى تستحكم ضلالة الخلق وكفرهم، ولا ينجو منهم ناج، ولقد صدق عليهم إبليس وهو كذوب، أنه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح، ولا يضر مع محبتكم ومو الاتكم ذنب غير الكبائر.
قال زائدة: ثم قال الإمام علي بن الحسين علیه السلام بعد أن حدثني بهذا الحديث : خذه إليك ما لو ضربت في طلبه آباط الإبل حولا لكان قليلا(1).
قال المجلسي : المس القدح العظيم قولها «رمق بطرفه» أي نظر ونشج الباكي ينشج بالكسر نشيجا إذا غص بالبكاء في حلقه، من غير انتحاب، وخبطه يخبطه ضربه شديدا، والبعير بيده الارض وطئه شديدا والقوم بسيفه جلدهم، وضفة النهر بالكسر جانبه والتزعزع التحرك، وكذلك الميد، والاصطفاق الاضطراب يقال : الريح تصفق الاشجار فتصطفق، والموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه وتره يتره وترا وتره، وضرب آباط الابل كناية عن الركض والاستعجال فإن المستعجل يضرب رجليه بإبطي الابل ليعدو أي لو سافرت سفراً سريعاً في طلبه حولاً.
1) بحار الأنوار: 179/46 - 184 ، وكامل الزيارات: 257 - 266 ، وكتاب العقيلة والفواطم/ للشاكري : 58
لما هجم الفجرة الجفاة على زين العابدين علیه السلام وكان مريضاً قد أنهكته العلة، ومزق الأسى قلبه، فأراد الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن أن يقتله فنهره حميد بن مسلم قائلاً له :
«سبحان الله !! أتقتل الصبيان؟ إنما هو مريض».
فلم يعن به الوغد، وبادرت إليه العقيلة عمته زينب علیها السلام فتعلقت به، وقالت لا يقتل حتى أقتل دونه فكف اللثام عنه، وقد نجا منهم بأعجوبة، واجتاز على النساء الرجس عمر بن سعد فصحن في وجهه وبكين فمنع الخبيث العسكر من التعرض لهن بسوء (1).
وعندما جزع الإمام زين العابدين كأشد ما يكون الجزع لما رأى جثمان أبيه علیه السلام، وجثث أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء لم ينبر أحد إلى مواراتها وبصرت به عمته زينب علیها السلام فبادرت إليه مسلية قائلة :
«ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأخوتي، فوالله إن هذا لعهد من الله إلى جدك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات، أنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة، والجسوم المضرجة فيوارونها وينصبون بهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه فلا يزداد أثره إلا علواً».
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 206/3.
وأزالت حفيدة الرسول صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم ما ألم بالإمام زين العابدين من الحزن العميق على عدم مواراة أبيه، فقد أخبرته بما سمعته من أبيها وأخيها من قيام جماعة من المؤمنين بمواراة تلك الجثث الطاهرة، وسينصب لها علم لا يمحى أثره، ويبقى خالداً حتى يرث الله الأرض ومن عليها ... وقد جدَّ ملوك الأمويين والعباسيين على محوها وإزالة آثارها، وجهدوا نفوسهم وسخروا جميع إمكانياتهم إلا أنهم لم يفلحوا، ومضى مرقد الإمام شامخاً على الدهر، ومضت ذكراه تملا رحاب الأرض نوراً وفخراً وشرفاً كأسمى صورة تعتز بها الإنسانية في جميع أدوارها(1).
1) حياة الإمام الحسينية للقرشي : 220/3.
وقال : جزع الإمام زين العابدين كأشد ما يكون الجزع حينما رأى جثمان أبيه، وجثث أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء لم ينبر أحد إلى مواراتها وبصرت به عمته زينب علیها السلام فبادرت إليه مسلية قائلة :
«ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأخوتي، فوالله إن هذا لعهد من الله إلى جدك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات، انهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة، والجسوم المضرجة فيوارونها وينصبون بهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه فلا يزداد أثره إلا علواً».
وأزالت حفيدة الرسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم ما ألم بالإمام زين العابدين من الحزن العميق على عدم مواراة أبيه، فقد أخبرته بما سمعته من أبيها وأخيها من قيام جماعة من المؤمنين بمواراة تلك الجثث الطاهرة، وسينصب لها علم لا يمحى أثره، ويبقى خالداً يرث الله الأرض ومن عليها ... وقد جدِّ ملوك الأمويين والعباسيين على محوها وإزالة آثارها، وجهدوا نفوسهم وسخروا جميع إمكانياتهم إلا أنهم لم يفلحوا، ومضى مرقد الإمام شامخاً على الدهر، ومضت ذكراه تملا رحاب الأرض نوراً وفخراً وشرفاً كأسمى صورة تعتز بها الإنسانية في جميع أدوارها(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 220/3
قال أبو مخنف : حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك عن علي بن الحسين بن علي قال : إني جالس في تلك العشية التي قتل أبي صبيحتها وعمتي زينب علیها السلام عندي تمرضني إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له وعنده حوى مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه وابي يقول :
يا دهر أف لك من خليل *** كم لك بالاشراق والاصيل
من صاحب أو طالب قتيل *** والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل *** وكل حي سالك السبيل
قال: فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها فعرفت ما أراد فخنقتني عبرتي فرددت دمعي ولزمت السكون فعلمت ان البلاء قد نزل، فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وانها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت: والكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت فاطمة أمي، وعلي أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضي وشمال الباقي.
قال: فنظر إليها الحسين علیه السلام فقال : يا اخية لا يذهبن بحلمك الشيطان، قالت : بابي أنت وأمي يا أبا عبد الله استقتل نفسي فداك، فرد غصته وترقرقت عيناه وقال : لو ترك القطاء ليلا لنام، قالت: يا ويلتي افتغصب نفسك اغتصابا فذلك اقرح لقلبي واشد على نفسي، ولطمت وجهها واهوت إلى جيبها وشقته وخرت مغشيا عليها.
فقام إليها الحسين نصب على وجهها الماء وقال لها: يا اخية اتقي الله، وتعزى بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وإن أهل السماء لا يبقون، وإن كل شي
هالك إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده، أبي خير مني، وامي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله اسوة.
قال: فعزاها بهذا ونحوه وقال لها : يا اخية إني اقسم عليك فابري قسمى ولا تشقي علي جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت.
قال : ثم جاء بها حتى أجلسها عندي، وخرج إلى أصحابه، فأمرهم ان يقربوا بعض بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الاطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا هم بين البيوت إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم(1).
1) انظر مقتل الحسين لأبي مخنف : 120.
قال أبو مخنف: عن الحجاج بن عبد الله ابن عمار بن عبد يغوث البارقي : وعتب على عبد الله بن عمار بعد ذلك مشهده قتل الحسين فقال عبد الله بن عمار : إن لي عند بني هاشم ليدا، قلنا : له وما يدك عندهم؟
قال: حملت على حسين بالرمح فانتهيت إليه، فوالله لو شئت لطعنته ثم انصرفت عنه غير بعيد وقلت ما اصنع بأن أتولى قتله يقتله غيري، قال: فشد عليه رجالة ممن عن يمينه وشماله، فحمل على من عن يمينه حتى ابذ عروا، وعلى من عن شماله حتى أذهروا، وعليه قميص له من خزوهو معتم، قال: فوالله ما رأيت مكسورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جاشاً، ولا أمضى جناناً منه، ولا أجرا مقدما، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله ، إن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب، قال: فوالله إنه لكذلك، إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته وكأني أنظر إلى قرطها يجول بين اذنيها وعائقها وهي تقول : ليت السماء تطابقت على الأرض، وقددنا عمر بن سعد من حسين، فقالت : يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟
قال : فكأني أنظر إلى دموع عمر وهي تسيل على خديه ولحيته قال: وصرف بوجهه عنها(1).
1) انظر مقتل الحسين لأبي مخنف : 200.
قال أبو مخنف عن الحارث بن كعب عن فاطمة بنت علي قالت: لما اجلسنا بين يدي يزيد ابن معاوية رق لنا، وأمر لنا بشي والطفنا قالت: ثم إن رجلاً من أهل الشام احمر قام إلى يزيد فقال : يا أمير المؤمنين: هب لي هذه يعنيني، وكنت جارية وضيئة فارعدت وفرقت وظننت ان ذلك جائزلهم وأخذت بثياب اختي زينب، قالت وكانت اختي زينب اكبر مني واعقل وكانت تعلم ان ذلك لا يكون فقالت : كذبت والله ولو مت ما ذلك لك وله. فغضب يزيد فقال : كذبت والله ان ذلك لي ولو شئت ان افعله لفعلت قالت: كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا، قالت فغضب يزيد واستطار ثم قال: اياى تستقبلين بهذا، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك.
فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدى اهتديت أنت وأبوك وجدك، قال: كذبت يا عدوة الله قالت: أنت أمير مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك، قالت فوالله لكانه استحيا فسكت.
ثم عاد الشامي فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، قال: اعزب، وهب الله لك حتفا قاضيا.
قالت : ثم قال يزيد بن معاوية يا نعمان بن بشير جهزهم بما يصلحهم، وابعث رجلاً من أهل الشام امينا صالحا، وابعث معه خيلا واعوانا فيسير بهم إلى المدينة، ثم أمر بالنسوة ان ينزلن في دار على حدة، معهن ما يصلحهن، واخوهن معهن علي بن الحسين في الدار التي من فيها.
قال: فخرجن حتى دخلن دار يزيد، فلم تبق من آل معاوية امرأة إلا استقبلتهن
تبكي وتنوح على الحسين، فاقاموا عليه المناحة ثلاثا، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين إليه.
قال : فدعاه ذات يوم ودعا عمرو بن الحسن بن علي وهو غلام صغير فقال لعمرو بن الحسن: اتقاتل هذا الفتى؟ يعني خالدا ابنه، قال: لا ولكن اعطنى سكينا واعطه سكينا ثم اقاتله، فقال له يزيد، وأخذه وضمه إليه ثم قال : شنشنة اعرفها من اخزم، هل تلد الحية إلا حية.
قال : ولما أرادوا ان يخرجوا دعا يزيد علي بن الحسين ثم قال : لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو إني صاحبه ما سالني خصلة أبداً إلا اعطيتها إياه، ولدفعت المحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدى ولكن الله قضى ما رأيت، كاتبني وانه كل حاجة تكون لك، قال: وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول، قال: فخرج بهم وكان يسايرهم بالليل، فيكونون امامه حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، وينزل منهم بحيث إذا أراد انسان منهم وضوة أو قضاء حاجة لم يحتشم، فلم يزل ينازلهم في الطريق هكذا ويسألهم عن حوائجهم ويلطفهم حتى دخلوا المدينة.
وقال الحارث بن كعب: فقالت لي فاطمة بنت علي : قلت لأختي زينب : يا اخية لقد أحسن هذا الرجل الشامي إلينا في صحبتنا فهل لك ان نصله؟
فقالت : والله ما معنا شي نصله به إلا حلينا قالت لها : فنعطيه حلينا، قالت: فأخذت سواري ودملجي، وأخذت أختي سوارها ودملجها ، فبعثنا بذلك إليه واعتذرنا إليه، وقلنا له: هذا جزاؤك بصحبتك إيانا بالحسن من الفعل، قال: فقال: لو كان الذي صنعت إنما هو للدنيا كان في حليكن ما يرضيني ودونه، ولكن والله ما فعلته إلا الله ولقرابتكم من رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم.
قال هشام: وأما عوانة بن الحكم الكلبي فإنه قال : لما قتل الحسين وجيئ بالاثقال والاسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عبيد الله فبينا القوم محتبسون إذ وقع حجر في السجن معه كتاب مربوط وفي الكتاب : خرج البريد بأمركم في يوم كذا
وكذا إلى يزيد بن معاوية، وهو سائر كذا وكذا يوماً وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبير فايقنوا بالقتل وإن لم تسمعوا تكبيرا فهو الأمان إن شاء الله، قال : فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد ألقى في السجن ومعه كتاب مربوط وموسى وفي الكتاب: اوصوا واعهدوا، فانما ينتظر البريد يوم كذا وكذا فجاء البريد ولم يسمع التكبير وجاء كتاب بان سرح الاسارى إلى قال : فدعا عبيد الله بن زياد محفز بن ثعلبة، وشمر بن ذي الجوشن فقال انطلقوا بالثقل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، قال: فخرجوا حتى قدموا على يزيد، فقام محفز بن ثعلبة فنادى بأعلى صوته : جئنا برأس احمق الناس وألأمهم، فقال يزيد: ما ولدت أم محفز الأم وأحمق ولكنه قاطع ظالم.
قال : فلما نظر يزيد إلى رأس الحسين قال :
يغلقن هاما من رجال أعزة *** علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ثم قال: اندرون من أين أتى هذا؟
قال : أبي علي خير من أبيه، وامي فاطمة خير من أمه، وجدى رسول الله خير من جده، وإنا خير منه وأحق بهذا الأمر منه، فأما قوله : أبوه خير من أبي فقد حاج أبي أباه، وعلم الناس ايهما حكم له، وأما قوله، امي خير من أمه، فلعمري فاطمة ابنة رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم خير من أمي، وأما قوله جدى خير من جده: فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلا ولاندا، ولكنه إنما أتى من قبل فقهه، ولم يقرأ : قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شي قدير.
ثم ادخل نساء الحسين على يزيد، فصاح نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله وولولن ثم إنهن أدخلن على يزيد فقالت فاطمة بنت الحسين وكانت أكبر من سكينة : أبنات رسول الله سبايا با یزید؟
فقال يزيد : يا ابنة أخي أنا لهذا كنت أكره، قالت: والله ما ترك لنا خرص، قال: يا ابنة أخي ما أتى إليك أعظم مما أخذ منك ثم اخرجن فادخلن دار يزيد بن
معاوية، فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا انتهن واقمن المآتم. وأرسل يزيد إلى كل امرأة ماذا أخذ لك، وليس منهن امرأة تدعى شيئاً بالغا ما بلغ إلا قد أضعفه لها، فكانت سكينة تقول ما رأيت رجلاً كافراً بالله خيراً من يزيد بن معاوية.
ثم ادخل الأسارى إليه وفيهم علي بن الحسين فقال له يزيد: ايه يا علي، فقال علي: ما اصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ان نبرها ان ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور، فقال يزيد ما اصاب من مصيبة فيما كسبت ايديكم ويعفو عن كثير ثم جهزه وأعطاء مالا وسرحه إلى المدينة(1).
1) مقتل الحسين لأبي مخنف : 231.
روى الطبري عن فاطمة بنت الحسين انها قالت: إن رجلاً من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه - أتخذها أمة(1)يعنيني وكنت جارية وضيئة فأرعدت، وفرقت وظننت ان ذلك جائز لهم وأخذت بثياب عمتي(2)زينب علیها السلام.
قالت: وكانت عمتي زينب أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يكون.
فقالت علیه السلام : كذبت والله ولؤمت، ما ذلك لك وله.
فغضب يزيد فقال : كذبت والله ان ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلت.
قالت علیه السلام : كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير دیننا.
قالت : فغضب يزيد واستطار ثم قال: إياي تستقبلين بهذا إنما خرج من الدين أبوك وأخوك.
فقالت زينب علیها السلام : بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك.
قال : كذبت يا عدوة الله.
قالت : أنت أمير مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك.
قالت : فوالله لكأنه استحيى فسكت.
1) معالم المدرستين للعسكري : 162/3.
قال السيد الخامنئي: إنّ الحياة الكريمة لابدّ وأن يكتنفها الكثير من المصائب. وساحة الطف الحسيني بذاتها كانت مسرحاً لمصائب شتى، وإنه لمن العجيب حقاً كيف أنّ الله عزّ وجلّ جعل أرض عاشوراء الحسين علیه السلام مسرحاً لمجموعة من المصائب الكبرى ومنح أناساً عظاماً وفي مقدمتهم أبا عبدالله الحسين عليه الصلاة والسلام القدرة على تحمّل هذه المصائب الكبرى بإباء وشموخ وصبر وشكر.
وإن ما جرى يوم عاشوراء فريد في تاريخ الإنسانية في كلا بُعديه (المادي والمعنوي)؛ فلم تشهد الإنسانية على مدى حياتها واقعة تجسدت فيها كل هذه المصائب مجتمعة وبهذا القدر من الشدّة والتنوع خلال برهة زمنية امتدت من الصباح حتى العصر، وكذا في البُعد الثاني، فالصبر الذي جوبهت به تلك المصائب كان فريداً من نوعه أيضاً.
لقد تجلّت في تلك الواقعة ألوان من الظلم والتقتيل ومشاعر الغربة والعطش، وكذا الآلام التي يكابدها الإنسان في سبيل عائلته، والقلق الذي ينتابه خوفاً من المجهول، وما تلاه من فقدان أعز الأنفس في عالم الوجود - أي الحسين بن علي علیه السّلام وأهل بيته وأبنائه وأصحابه - وما جرى عليهم من السبي على يد أناس أراذل بعيدين عن قيم الشرف؛ وياليت سبيهم كان على يد أناس أشراف؛ فالسبي على يد أناس أشراف يُهوّن من وقع المصيبة، ولكنهم سُبوا على يد أناس عديمي الشرف وهم أقرب إلى صفة الوحوش الكاسرة منه إلى صفة الإنسانية.
وبعد ذلك العذاب المتواصل من الصباح حتى المساء، ناة أهلُ بيت الإمام الحسين علیه السلام بمصيبة السبي التي وقعت أعباؤها على عاتق الإمام السجاد - إمام
زمانه وعلى العقيلة زينب علیها السلام- التي تأتي مكانتها بعد مقام الإمامة - ثم على النساء والأطفال الذين لا يتصفون على الظاهر بمقامات معنوية عالية من قبيل الولاية والإمامة، إلّا أنهم تحمّلوا مرارته. وهذه هي العظمة التي خلّدت واقعة عاشوراء.
لا ريب أنّ أية فئة تقاسي المصائب في سبيل أهداف وغايات نبيلة وسامية ومقدسة - لا أن تكون مجرد غايات تافهة وعقيمة - وتتحملها بصبر وصلابة، يكون لها نصيب من تلك الفضائل.
وهذا هو السبب الذي يجعلنا ننظر بإجلال وإكبار لعوائل الشهداء والأسرى والمفقودين والمعوّقين ولذات المعوقين والأسرى. فالشعب والتاريخ لا يسجل منقبة لفئة من الناس دونما سبب، فلولا الصبر لما تحققت هذه الفضائل .
إنّ الفترة التي يقضيها الإنسان في الأسر فترة عصيبة حقاً سيّما إذا كان الأسر بيد الأعداء الذين وصف لنا أحرارنا الأعزاء عند عودتهم كيفية تعامل الأعداء مع الأسرى، فهم لم يعاملوهم مثلما عاملنا نحن الأسرى الأجانب لدينا، بل عاملوهم بأسلوب آخر بعيد عن الإنسانية.
إنّ لكل لحظة من لحظات الليل والنهار التي تمر على أسرانا الذين لازالوا في يد العدو - ولا نعلم بعددهم على وجه الدقة، ولكن على العموم نعلم بوجود مجموعة كهذه - فضيلة وثواباً عند الله. ويتبعهم في الأجر عوائلهم، فحالهم حال الشهداء؛ إذ قلنا أنّ الثواب الأوفر يكون من نصيب الشهداء أولاً ثم يكون لعوائل الشهداء فكذلك بالنسبة للأسرى، أي أنّ الثواب الوفير والأجر الجزيل يناله الأسرى بالدرجة الأولى لأنهم هم الذين يكابدون هذا العناء، ثم يأتي الدور من بعدهم لكم أنتم يا عوائل الأسرى، وهو بلاشك أجر كبير أيضاً.
إنّني أستشعر الآلام التي تعانيها العائلة التي فقدت أحد أعزّتها وبقيت تجهل مصيره؛ فالأمهات والآباء والزوجات والأبناء والعوائل تعيش فترات مريرة وتمر عليها ساعات عصيبة ليلاً ونهاراً، إلّا أن الأجر الذي ينالوه كبير ويتناسب مع قدر هذه المشقة.
واعلموا يا أعزائي إن كل مصيبة تقع للإنسان له في أزائها أجر كبير عند ربّه. والقضية ليست ذات طرف واحد؛ وإنما يتلقى الإنسان العوض من ربّه أزاء كل معاناة وكل محنة، ولا يُبخس عند ربّه شيئاً، ولا يستوي عنده من استشهد ولده، مع من يعيش ولده إلى جانبه بهناء، ولا يتساوى لديه من ضحّى بنفسه أو بأحد أعزائه مع من لم يكابد أية مشقّة، والذي فقد ولده ولا علم له بمصيره لا يستوي مع الآخرين.
فلكل مجهود أو عمل يؤديه الإنسان أو المجتمع أجر عند الله «مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ»(1).
1) سورة هود، الآية : 15. ثورة عاشوراء شمس الشهادة 53
قال السيد الخامنئي : لعل حفظ دماء الشهداء لا يقل في مشقته أحياناً عن الشهادة ذاتها والمشاق التي تحمّلها الإمام السجاد علیه السلام على مدى ثلاثين سنة، والصعوبات التي كابدتها زينب الكبرى علیها السلام سنوات طويلة، تدخل في هذا السياق؛ فقد كابدوا الكثير حتى استطاعوا حفظ هذه الدماء ومن بعدهما لقي جميع الأئمة علیهم السلام مثل هذا العناء حتى عصر الغيبة.
ونحن اليوم مكلّفون بمثل هذا الواجب، مع اختلاف ظروف اليوم عما كانت عليه آنذاك؛ فحكومة الحق - أي حكومة الشهداء - قائمة اليوم والحمد لله، فنحن إذن في ظلها مكلفون بمسؤوليات جسيمة(1).
1) ثورة عاشوراء شمس الشهادة: 251 - 260 .
كان لبنت علي وفاطمة وحفيدة الرسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم الدور الكبير في نشر أحداث كربلاء وما جرى فيها، إضافة الى نشر مظلومية الإمام الحسين علیه السلام وعباله، وبالأخص شهادته العظيمة التي جاءت بعد جهاد كبير وحماية لتعاليم الإسلام والمقدسات الإسلامية.
قال السيد الخامنئي: إنّ مسألة الشهادة والتضحية لا يعتريها القِدم، بل هي اداة الحركة في المجتمع، إلّا أنّ البعض يغفل عن هذه الحقيقة، وإن ما ترونه من النظرة السلبية تجاه الشهادة والإيثار لدى البعض، ناشئ عن غفلتهم، فإنهم لا يدركون ما لصيانة حرمة الشهداء والمضحّين من التأثير على واقع المجتمع والأمة والبلاد. فكلنا يعلم أن دم الإمام الحسين علیه السلام سفك في كربلاء، فنال شرف الشهادة العظيم حتى غدا سيد الشهداء، وكان بالإمكان الاكتفاء بهذا الوسام، إلّا أنه لم يكتف بذلك حيث ألقيت المسؤولية الكبرى منذ اللحظة الأولى على عاتق الإمام السجاد علیه السلام وزينب الكبرى سلام الله عليها فحملوا ظلامة الإمام وندائه إلى كافة أنحاء العالم الإسلامي بمختلف الأشكال، وذلك بغية إحياء الدين الحقيقي والهدف الذي استشهد الإمام الحسين علیه السلام من أجله، فأخذ الإمام السجاد علیه السلام طيلة ثلاثين عاماً من عمره الذي عاشه بعد استشهاد أبيه، لا يفتأ يذكر الإمام الحسين ودمه واستشهاده في كل مناسبة، ولم يكن ذلك بهدف الانتقام من بني أمية فحتى بعد أن طويت صفحة بني أمية وزال أمرهم، واستتب الأمر لبني العباس، كان الإمام الرضا علیه السلام يحث الريّان بن شبيب بعقد مأتم لذكر مصائب سيد الشهداء، فلم يكن ذلك إلّا بهدف بقاء نهج الإمام
الحسين علماً لحركة الأمة الإسلامية نحو أهداف الإسلام، فلابد أن يبقى هذا العلم قائماً، كما أنه لا يزال قائماً ولا يزال هادياً إلى يومنا هذا(1).
1) ثورة عاشوراء شمس الشهادة: 267.
من الجهات المتعلقة بعاشوراء هي العبر المستفادة منه، فعاشوراء مضافاً الى دروسه هو ساحة للعبر.
فيجب أن ينظر الإنسان في هذه الساحة فيعتبر.
ما معنى أخذ العبرة؟ معناه أن يقيس نفسه مع ذلك الوضع ويدرك أنه في أي وضع وحال. ما الذي يهدده؟ وما هي الأشياء التي تلزمه؟ هذه هي العبرة.
فمثلاً عندما تعبر الشارع وترى سيارة مقلوبة أو مصطدمة بأخرى وقد تضررت للغاية وقضي على ركابها فإنك تتوقف لترى ما هو السبب حتى تعتبر، وتعرف أية سرعة وأية قيادة تؤدي الى هذا المصير.
وهو نوع آخر من الدورس ولكنه درس عن طريق الإعتبار، والآن نريد أن نبحث هذا الأمر بدقة أكثر.
والبحث في عبر عاشوراء يختص بالزمن الذي تكون فيه الحاكمية للإسلام. ويمكن القول - على أدنى الاحتمالات - أن مثل هذا البحث يختص الجانب الأساسي منه بمثل هذا الزمن الذي يوجب علينا وعلى بلدنا أخذ العبرة.
ورأينا طرح هذه القضية وفقاً للصيغة التالية، وهي كيف أن المجتمع الإسلامي الذي التف حول الرسول الأعظم صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم وأحبّه وآمن به وامتلا بالدين حبّاً وشغفاً، ونشأ وتنامي في ضوء الأحكام التي سنتحدث لاحقاً عن شيء منها، وفيه من أدرك عصر رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم، كيف وصل به الحال بعد خمسين سنة أن يجتمع ويقتل سبط الرسول
أبشع قتلة؟وهل هناك ارتداد ونكوص وانحراف أشد من هذا؟!
ألقت زينب الكبرى (سلام الله عليها) في سوق الكوفة خطبة عصماء بليغة تمحورت حول هذا، قالت فيها: «ألا يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر، اتبكون؟» وذلك لأنهم حينما شاهدوا رأس الحسين علیه السلام على الرمح، وبنت علي علیه السلام مسبيّة، ولمسوا عمق المأساة ضجّوا بالبكاء، «فلا رقات الدمعة ولا هدأت الرنّة...» ثم قالت : «إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم»(1).
وهذا هو النكوص والارتداد والتراجع القهقرى. فأنتم في الحقيقة كالمرأة التي غزلت الصوف ومن بعد ما أتمته نقضت الغزل وعادت إلى ما كانت عليه، وأنتم في حقيقة الأمر نقضتم غزلكم وأعدتموه ،صوفاً، وهذا هو التراجع. وهذه عبرة.
كل مجتمع إسلامي معرّض لمثل هذا الخطر. لقد كانت أكبر مفخرة لإمامنا الخميني أنه حفّز الأمة على العمل بأحاديث الرسول الأعظم صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم.
وهل يمكن مقارنة غير الأنبياء علیهم السلام وغير المعصومين بشخصية عظيمة كشخصية الرسول الأعظم صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم الذي بنى ذلك المجتمع؟! ولكن انتهى الحال بذلك المجتمع إلى اقتراف تلك الجريمة. فهل كل مجتمع إسلامي معرّض للإنسياق لمثل هذه الخاتمة؟
من الطبيعي أنه إذا اعتبر لا ينتهي إلى مثلها، ولكنه إذا لم يعتبر فمن الممكن أن بتسافل إلى هذا الحد. فهذه عبر عاشوراء.
أما نحن فقد وفقنا في هذا العصر بحمد الله وفضله لاقتفاء السبيل من جديد، وإحياء اسم الإسلام في العالم، ورفع راية الإسلام والقرآن عالية. وكانت هذه المنقبة
1) الإحتجاج : 30/2.
من نصيب الشعب الإيراني الذي مرت على ثورته عشرون سنة تقريباً وهو ما انفك مرابطاً وصامداً على هذا النهج، إلا أننا إذا انتابتنا الغفلة، ولم نحترس أو نحاذر ونثبت على المسار كما ينبغي، فمن الممكن أن ننتهي إلى نفس ذلك المصير. وهنا يتضح معنى العبرة من عاشوراء(1).
1) ثورة عاشوراء شمس الشهادة: 174
وقال : إنّ قضية الإمام الحسين علیه السلام عبرة لنا، والعبرة أن يرى الإنسان كيف أنّ الحسين بن علي علیه السلام الّذي كان يجلس على كتف رسول الله صلى الله عليه وآله أمام أنظار المسلمين، يُقتل بتلك الصورة الفجيعة بعد مرور نصف قرن من ذلك. فهذا الطفل الذي يُبجِّل إلى هذا المدى من قبل النبيّ صلى الله عليه وآله أمام أعين النّاس، ولم يقل النبي صلى الله عليه وآله في حقّه إنّني أحبّه فحسب - فالإنسان قد يحبّ شخصاً اليوم لكن قد يخرج حبّه من قلبه غداً لمشكلة بينهما- ، بل قال صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم: «سيدا شباب أهل الجنّة»، والجنّة ثمرة لعاقبة العمل، فقد يكون الكثير صالحين في وسط الطريق لكنهم يتهاوون في النهاية، فعندما يقال: سيد شباب أهل الجنّة، فمعناه أنك تذهب من الدّنيا سيّداً ومحبوباً عند الله وتصبح سيّد شباب أهل الجنّة، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وآله ذلك بحقّ الحسن والحسين علیهما السلام، في حين أنّ هذه الأمّة قتلت الحسين بن علي علیه السلام بتلك الصورة الفجيعة أمام أعين الّذين رأوه على كتف النبيّ صلى الله عليه وآله.
أليس من الهزل أن تساق بنات رسول الله صلى الله عليه وآله في الأسواق والطرقات وتهان إمرأة كزينب عليها السلام فكيف آل الأمرُ إلى هذا الحدّ؟
إنّها عبرة، وأعظم من درس، إنّها نظرة إلى أعماق الروح ودقائق التاريخ والأحداث.
وقال : إنّ زينب الكبرى عليها السلام قد أشارت في الكوفة إلى هذا المرض (الردّة والارتداد) فقالت: إنّما مثلكم كمثل الّتي نقضت غزلها من بعد قوّة انكاثاً»، وهذا هو الارتداد.
أي أنّ الخطر متربّص بأمّة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله بمقدار ما كان متربّصاً بأمّة موسى علیه السلام. وإنّكم - ولله الحمد - فقد رأيتم الإمام (ره) عن قرب، ورأيتم كيف كان الإمام الخميني (ره) وببيان يهيب بالشعب على إنجاز عمل ما، وتتذكّرون ما كان يحدث عندما كان الإمام (ره) يقول شيئاً في الحوادث المهمّة، فمثلاً لو ضاعفنا شخص الإمام (ره) إلى ما لا نهاية، لأصبح النبي صلى الله عليه وآله هذا الإنسان المتّصل بالوحي الإلهي والعالم بجميع الحوادث الصغرى والكبرى، وكانت توحى إليه الآيات القرآنيّة، لكن على الرغم من أنّه صلى الله عليه وآله بنى المجتمع بكلّ صراحة ووضوح ودون أدنى إبهام إلّا أنّه وقع بعده ارتداد فجيع وأليم لا يُنسى في التاريخ أبداً.
فهذه هي جرثومة الردّة والارتداد(1).
1) ثورة عاشوراء شمس الشهادة 185
قال السيد الخامنئي : لقد أصبح للعاطفة دوراً مميزاً في نفس واقعة كربلاء وفي استمرارها، أدّى الى إيجاد برزخ بين النهضة الحسينية والشيعية من جهة وبين النهضات الأخرى من جهة ثانية، فواقعة كربلاء ليست قضية جافة ومقتصرة على الإستدلال المنطقي فحسب، بل قضية اتّحد فيها الحب والعاطفة والشفقة والبكاء.
إنَّ الجانب العاطفي جانب مهم؛ ولهذا أمرنا بالبكاء والتباكي، وتفصيل جوانب الفاجعة.
لقد كانت زينب الكبرى علیها السلام تخطب في الكوفة والشام خطباً منطقية، إلا أنها في نفس الوقت تقيم مأتم العزاء، وقد كان الإمام السجاد علیه السلام بتلك القوة والصلابة ينزل كالصاعقة على رؤوس بني أمية عندما يصعد المنبر، إلا أنه كان يعقد مجالس العزاء في الوقت نفسه.
إنَّ مجالس العزاء مستمرة الى يومنا هذا، ولابد أن تستمر الى الأبد؛ لأجل استقطاب العواطف، فمن خلال أجواء العاطفة والمحبة يمكن أن تُفهم كثير من الحقائق، التي يصعب فهمها خارج نطاق هذه الأجواء.
إنَّ العناصر الثلاثة للنهضة الحسينية تعتبر من العناصر الأساسية لبناء هذه النهضة، هذا على مستوى التحليل، وزاوية من زوايا عاشوراء الحسين علیه السلام، إلا أنّ هذه الزاوية تمثّل لنا دروساً عمليةً كثيرةً.
وبما أننا نبلّغ بإسم الإمام الحسين بن علي علیه السلام، وقد أتيحت لنا فرصة تخليد هذه الشخصية العظيمة، التي من خلالها يمكن تبليغ الدين على جميع الأصعدة، فينبغي أن يكون لكل عنصر من هذه العناصر الثلاثة دور في تبليغنا، فكما يعتبر
الإقتصار على الجانب العاطفي والغفلة عن الجانب المنطقي والعقلي الكامن في واقعة كربلاء، تقليل من قيمة الواقعة، كذلك التغافل عن الجانب الحماسي المشفوع بالعزة هو تقليل من قيمة الواقعة، وضياع مجموعة من الكنوز الثمينة، فيجب على الجميع - قارئ العزاء والخطيب المنبري والمدّاح - أن يلاحظ ذلك(1).
1) ثورة عاشوراء شمس الشهادة : 81 - 86
حادثة عاشوراء تنطوي في طبيعتها وذاتها على بحر زاخر من العواطف الصادقة، فهذه الفاجعة جاءت نتيجة لثورة إنسان عظيم ومعصوم، إنسان لا يمكن التشكيك بمقدار ذرّة في شخصيّته المتسامية، ويقرّ جميع المنصفين في العالم بتعالي هدفه وهو (إنقاذ المجتمع من براثن الظلم والاستعباد)، وقد أعلن عن هذا الهدف بوضوح عندما قال: أيّها الناس إنّ رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم قال: من راى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحُرم الله ناكثاً لعهد الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ولم يغيّر عليه بقول ولا بفعل كان حقّاً على الله أن يُدخله مَدخله»(1).
إذن فالهدف من الثورة هو الوقوف بوجه الظلم والطغيان.
وقد تحمّل الإمام الحسين علیه السلام من أجل هذا الهدف المقدّس أشقّ أشكال الجهاد والصراع من أعداء الله؛ لأنّ أشقّ أشكال الكفاح هو الكفاح في الغربة.
فالإستشهاد والقتل بين الأهل والأحبّة ووسط تشجيع عامة الناس ليس بالأمر المستصعب جدّاً.
ففي صدر الإسلام حينما كانت تحدث مواجهة بين الحقّ والباطل وكان على رأس الجيش الإسلامي النبي الأكرم صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم أو أمير المؤمنين علیه السلام كان الجميع يتبارى للذهاب الى ساحة الحرب استجابةُ لأمر النبي صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم، وكان النبي صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم والمسلمون يودعونهم ويدعون لهم، فكانوا يقاتلون العدو ويُقتلون وهم بين أهلهم وأحبّتهم. فليس من الصعب جدّاً أن يقوم الإنسان بمثل هذا العمل.
1) شرح إحقاق الحق: 603/11.
ولكن الصعب هو القسم الآخر من أشكال الكفاح وهو الكفاح الشاق والمليء بالمتاعب والعقبات، حيث ينزل الإنسان الى ساحة الحرب وهو يرى انّ جميع أفراد المجتمع يقفون ضدّه، أو يتغافلون عن نصرته، أو يحاولون الإبتعاد عنه، وحتّى الذين يؤيّدونه في قرارة أنفسهم لا يجرؤون على إعلان هذا التأييد بالسنتهم.
ففي فاجعة كربلاء لم يجرؤ حتى أمثال عبدالله بن عباس أو عبدالله بن جعفر - اللذين كانا من بني هاشم ومن تلك الشجرة الطيبة - على إبراز تأييدهما للإمام الحسين علیه السلام في مكة أو المدينة.
إذن فجهاد الغرباء من أشقّ وأصعب أشكال الجهاد في سبيل الله. فالجميع يقف بوجه ذلك الإنسان المجاهد ويعرض عنه حتى الأصدقاء.
حتى إنّ الإمام الحسين علیه السلام حينما دعا أحدهم الى نصرته رفض نصرة ابن رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم وعرض فرسه على الحسين علیه السلام بدلاً من ذلك. فهل توجد غربةٌ أعظم من هذه الغربة؟ وهل يوجد كفاح في الغربة أشقّ من هذا الكفاح؟
وفي خوضه لهذا الصراع رأى الإمام الحسين علیه السلام بأمّ عينيه مقتل أولاده وإخوانه، وأبناء إخوته، وأبناء عمومته، وجميع بني هاشم، حتى أنّه شاهد مقتل ولده الرضيع الذي كان له من العمر ستة أشهر فقط(1).
1) ثورة عاشوراء شمس الشهادة: 88
قال الإمام الخميني (1): لقد ضحّى شعبنا بأرواح أبنائه من الأطفال الخُدج وحتى الشيوخ في سبيل الله تبارك وتعالى إقتداء بسيد الشهداء (سلام الله عليه).
لقد عَلّم سيد الشهداء علیه السلام الجميع ماذا ينبغي عليهم عمله في مقابل الظلم والحكومات الجائرة. فرغم أنه كان يعلم منذ البداية أن عليه أن يضحي - في طريقه الذي سلكه - بجميع أنصاره وأهل بيته من أجل الإسلام، إلّا أنه كان يعرف عاقبّة هذا الطريق أيضاً.
ولولا نهضة الحسين علیه السلام تلك لتمكن يزيد في عام 60 هـ ق تربع يزيد بن معاوية (26) هـ ق - 62 هـ ق) على عرش الخلافة بعد والده. وكان شاباً لا يملك من العلم والفضيلة أي شيء واشتهر بالفسق والفجور، استمر حكمه مدة ثلاث سنوات ونصف، إذ قتل في السنة الأولى الحسين بن علي علیه السلام مع أصحابه وأنصاره، واستباح في السنة الثانية المدينة المنورة (محل حكم الرسول الأعظم صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم ومكان دفنه) وهجم في السنة الثالثة على مكة المكرمة. وأتباعه من عرض الإسلام مقلوباً للناس، فهم لم يكونوا يؤمنون بالإسلام منذ البداية، وكانوا يكنون الحسد والحقد لأولياء الإسلام.
لقد تمكن سيد الشهداء علیه السلام من خلال تضحيته تلك - وعلاوة على إلحاق الهزيمة بهم، وبعد زعزعة أركان حكومتهم أن أدرك الناس بعد برهة حقيقة المصيبة
1) في كتابه نهضة عاشوراء.
العظمى التي حلّت بهم - إرشاد الجميع على مرّ التاريخ إلى الطريق الصائب الذي ينبغي أن يسلكوه.
لقد عَلّم صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم الناس أن لا يخشوا قلة العدد، فالعدد ليس هو الأساس، بل الأصل والمهم هو النوعية، والمهم هو كيفية التصدي للأعداء والنضال ضدهم والمقاومة بوجههم، فهذا هو الموصل إلى الهدف. من الممكن أن يكون عدد الأفراد كبيراً إلّا أنّ نوعياتهم ليست بالمستوى المطلوب، ومن الممكن أن يكون عددهم قليلاً لكنهم أقوياء أشداء وشامخو الرؤوس.
وهكذا بالنسبة لوضعنا، فلتكن القوى الكبرى الشرقية والغربية أعداء لثورتنا، ولتكتب جميع وسائل الإعلام العالمية ضد ثورتنا ولتلفق الأكاذيب، فإن الحقيقة واضحة وستظهر وستُعرف.
وعندما نهض الحسين علیه السلام واستشهد مظلوماً أطلق عليه البعض صفة (الخارجي) واتهموه بالمروق عن طاعة «حكومة الحق القائمة آنذاك»، لكن نور الله ساطع وسيبقى ساطعاً وسيمتلئ العالم بنوره.
ما هو واجبنا ونحن على أعتاب شهر محرم الحرام؟ وما هو تكليف العلماء والخطباء الكرام في هذا الشهر؟ وما هي وظيفة سائر شرائح الشعب وفئاته؟ لقد حدد سيد الشهداء علیه السلام وأنصاره وأهل بيته تكليفنا وهو التضحية في الميدان، والتبليغ في خارجه.
فنفس القيمة التي تمتلكها تضحية الحسين علیه السلام عند الله تبارك وتعالى ونفس الدور الذي لعبته في تأجيج نهضته تملكها - أو تقاربها - خطب السجاد علیه السلام وزينب علیها السلام هي زينب (سلام الله عليها) الوليد الثالث للأمام علي علیه السلام وفاطمة الزهراء سلام الله عليها (ولادتها عام 6هـ ق - وفاتها عام 65 هـ ق) عاصرت زينب (سلام الله عليها) الأحداث التي جرت في عهد إمامة والدها وشقيقها الأكبر الإمام الحسن علیه السلام واستشهادهما. وحضرت فاجعة كربلاء وشاهدت استشهاد أخيها وأبناء أخيها وأبنائها وتبنت مسؤولية الإشراف على قافلة الأسرى بصبر لا نظير له وروحية
كبيرة، وذلك عندما قام جيش يزيد بأسر عوائل الشهداء والمتبقين منهم عصر يوم عاشوراء وأوصلت نداء شهداء كربلاء إلى أغلب الذين واجهتهم على طول الطريق الذي قطعته القافلة من كربلاء إلى الكوفة أولاً ثم إلى الشام (مقر سلطة يزيد) ثانيا.
وإن خطبها الثورية والمؤثرة في مجلس عبيد الله بن زياد (حاكم الكوفة) ويزيد (خليفة زمانه) معروفة للجميع. أيضاً ... فتأثيرها يعادل أو يقرب من تأثير تضحية الحسين علیه السلام بدمه.
وقال الإمام الخميني (1): لقد أفهمنا سيد الشهداء علیه السلام وأهل بيته وأصحابه، إنّ على النساء والرجالّ آلا يخافوا في مواجهة حكومة الجور. فقد وقفت زينب (سلام الله عليها) في مقابل يزيد - وفي مجلسه - وصرخت بوجهه وأمانته وأشبعته تحقيراً لم يتعرض له جميع بني أمية طُراً في حياتهم. كما أنها عليها السلام والسجاد علیه السلام تحدثا وخطبا في الناس أثناء الطريق وفي الكوفة والشام، فقد ارتقى الإمام السجاد - سلام الله عليه - المنبر وأوضح حقيقة وأكد أن الأمر ليس قياماً لأتباع الباطل بوجه أتباع الحق، وأشار إلى أن الأعداء قد شوّهوا سمعتهم وحاولوا أن يتهموا الحسين علیه السلام بالخروج على الحكومة القائمة وعلى خليفة رسول الله!! لقد أعلن الإمام السجاد علیه السلام الحقيقة بصراحة على رؤوس الأشهاد، وهكذا فعلت زينب علیها السلام أيضاً.
وهكذا هو الأمر اليوم في بلدنا، فسيد الشهداء علیه السلام قد حدد تكليفنا، فلا تخشوا من قلة العدد ولا من الاستشهاد في ميدان الحرب، فكلما عظم هدف الإنسان وسمت غايته كان عليه أن يتحمل المشاق أكثر بنفس النسبة ، فنحن لم ندرك بعدُ جيدّاً حجم الانتصار الذي حققناه، وسيدرك العالم فيما بعد عظمة النصر الذي حققه الشعب الإيراني.
وبنفس العظمة التي يتميز بها هذا النصر والجهاد يكون حجم المصائب والتحديات. وينبغي أن لا نتوقع أن لا تمسنا القوى الكبرى - التي قطعنا أيديها عن بلدنا وسنقطعها إن شاء الله عن باقي دول المنطقة - بأي سوء أو أذى، وعلينا أن لا
1) في كتابه نهضة عاشوراء.
نتوقع بعد تحقيقنا لهذه الانتصارات أن نبقى نرفل بالسلامة كما كنا في السابق.
على جميع العلماء والخطباء وأئمة الجمعة والجماعة وكل مَن مِن شأنه الحديث مع الناس أن يوضحوا لهم كيف حصلت نهضة سيد الشهداء علیه السلام وحقيقة هذه النهضة وغايتها وقلة عدد الأنصار الذين خرجوا مع الحسين علیه السلام وما هي المصائب التي انطوت عليها تلك النهضة وكيف بلغت نهايتها وكيف أنها لن تنتهي.
إن علينا وعلى جميع الخطباء الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنه لو لم تقع نهضة سيد الشهداء علیه السلام لما استطعنا نحن اليوم أن نحقق النصر، فوحدة الكلمة التي کانت السبب في انتصار ثورتنا تعود إلى مجالس العزاء، ففيها تم التبليغ للإسلام والترويج له.
لقد هيأ سيد المظلومين علیه السلام للجماهير وسيلة مكّنتها من عقد اجتماعاتها بسهولة ودون الحاجة إلى بذل جهود كبرى والإسلام جعل من المساجد خنادق ووسائل، لأن هذه المساجد والتجمعات وصلوات الجمعة والجماعة هيأت جميع ما يراد لتحقيق ما فيه مصلحة الإسلام وما يقيض أسباب تقدم النهضة إلى الإمام، وخصوصاً مما تعلمناه من سيد الشهداء علیه السلام مما ينبغي عمله في ساحة الحرب وخارجها، وماذا يجب أن يعمله أولئك الذين يخوضون غمار الكفاح المسلح وما هي واجبات المبلغين خلف جبهات القتال وكيف يقومون بذلك.
*دور المرأة الاجتماعي
من المسائل التي أصبحت مطروحة في هذه الأزمنة والتي يعتبرها البعض حقّاً جوهرياً للمرأة هو عملها في المجتمع بمختلف مجالات العمل: السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الإداري والتنفيذي والتشريعي فيواسونها بالرجل في مختلف المجالات.
مدّعين على ذلك أنّها تملك المؤهّلات التي تجعلها تنجح في مهمّاتها بل قد تتفوّق على الرجال.
والإسلام ليس ضدّ عمل المرأة بل قد يوجب - في بعض الأحيان - على المرأة أن تقوم بأعمال وتتخصّص بمجالات معيّنة من قبيل مهنة الطبابة عند الحاجة للنساء فقط، ومن قبيل توقّف بعض الأعمال على امرأة معيّنة ونحو ذلك.
لكن الإسلام ضدّ تخلّي المرأة عن واجباتها التي هي من أولويات عمل المرأة؛ واجبها تجاه أبيها وأمّها، وواجبها تجاه زوجها وأولادها، وواجبها تجاه ربّها وعبادته وطاعته.
ورد في بعض الروايات أنّ على المرأة أن تلزم بيتها ومرادها أنّ الجلوس في البيت واجب إذا كان الخروج محرّماً أو كان في البيت ما يجب أن تفعله تجاه زوجها وأولادها وأبويها.
إذا أرادت المرأة أن تعمل خارج المنزل فتقضي من الصباح إلى العصر في
عملها ثمّ تأتي متعبة إلى منزلها بما يشغلها عن الإهتمام بوظائفها اتجاه البيت وتربية الأولاد، وعن تأية الدور الذي أهّلها له الله عز وجل مما يسبب لها ولأسرتها الكثير من المشاكل الزوجية.
العمل خارج المنزل يجعل الزوجة لا تَوَجُه لها ولا اهتمام في خدمات المنزل ولا اعتناء لها بأولادها وزوجها وأبويها، ويوماً بعد يوم يتكرّر العمل ويتكرّر الجفاء مع من يجب عليها أن تهتمّ بهم وتعطف وتحنُ عليهم، كما هي الزوجة الصالحة والُامّ الحنونة والبنت البارّة وكما كانت زينب بنت علي علیه السلام.
هذا إذا كان عمل المرأة مشروعاً وضمن الحدود الشرعية، أمّا إذا كان العمل يريد للمرأة أن تتخلّى عن أنوثتها وعفّتها وشرفها وواجباتها تجاه رّبها فهو أمرٌ لا يشرعه إنسان ولا رسالة سماوية ترضاه.
يريد الإسلام للمرأة أن تبني أسرة متكاملة مؤمنة عاملة صادقة، وهذه الأسرة لا تُبنى إلّا إذا أخذت المرأة دورها في تربية هذه الأسرة ورعايتها منذ اليوم الأوّل وحتّى إنشاء أسر جديدة من أولادها.
يجب على المرأة أن تفكّر في بناء المجتمع من خلال بناء أولادها، كما ويجب عليها أن تفكّر فيما يحتاجه هذا المنزل من حاجيات ومهام قبل أن تفكّر في العمل خارج المنزل.
من أهمّ أدوار المرأة هو دورها تجاه أولادها، إذ بناء كلّ مجتمع ورقّيه متوقّف على هؤلاء الأولاد رجال المستقبل. فبقدر ما يتعلّم هذا الولد من أمّه - إضافة إلى المدرسة والمجتمع الذي يعيش فيه - ويعتني به في تعليمه المسائل الأخلاقية والإنسانية والسلوكية والوعي والفطنة في المجتمع، بقدر ما يرسم مستقبله وعطاءه في المجتمع.
وينبغي للُامّ أن تبدأ بتربية الأولاد في السنّ الباكر، والزوجة بمحافظتها على سلوكها وطعامها وشرابها في أثناء الحمل تحافظ على سلوك وأخلاق وتربية الطفل، بل قبل ذلك فإنّ رعاية الزوجين للمستحبّات من حين ليلة العرس الأولى يؤثّر على الطفل وأخلاقه وصفاته.
ولا بدّ لها من تعليمه الأدب والأخلاق واحترام الكبار وإبعاده عن المحرّمات وتعليمه ما هو محرّم ليتعود على الإجتناب عنه، خاصّة الإسراف في الطعام والشراب والآلات والكهرباء وما شابه ذلك، فإنّ تربية الطفل وتعويده على هذه الأمور في صغره مهمّ جدّاً.
وأن تأمره - الأُم - بترك الكذب وقول الباطل، وتنهاء عن الكلام البذي والسباب، وأن تؤدبه بالآداب الإسلامية، كأن تعوده على التسمية عند الطعام والشراب وبل وعند الخروج من المنزل أو القيام بأي عمل، فإن كل شي لا يبتدأ به باسم الله فهو أبتر.
وأن تأمره بغسل يديه قبل الطعام، وإن أمكن أن تأمره بالوضوء قبل الطعام لما
فيه من الأثر الشرعي على نفسيته وأخلاقه، بل الوضوء على كل حال أمر مهم واستحبابه مؤكد.
وأن تبعده عن أكل الحرام والنجس ،والمشبوه وعن الأمكنة التي يكثر فيها الفساد والله و والمطرب.
وأن تمنعه من حضور الأفلام التي فيها موسيقى وغناء أو فساد.
وأن تعوده على طاعة الوالدين وصلة الرحم من صغره.
قديماً قيل: صلاة النساء عندما تغيب الشمس على الوديان، فماذا يقال حديثاً؟
ولعلّنا نفصّل بين بداية حياة الزوجة ونهايتها، ففي بداية حياتها وبسبب كثرة مشاغلها إن في بيتها وخدمته، وإن في تربية الأولاد وتعليمهم وإن في خدمتها لمجتمعها، فإنّنا نجد عند بعض النساء أن آخّر همهنّ عبادة الله تعالى، صلاة صوم، حجّ، زكاة خمس أمر بمعروف ونهي عن منكر، ونحو ذلك.
فغالباً ما يكون اهتمام الزوجة بأشغالها العامّة والخاصّة مانعاً لها عن الاهتمام بصلاتها وطاعة ربّها.
فهي تريد أن تهيء طعام الأولاد وزوجها في موعده فيتعارض مع الصلاة في أوّل وقتها ظهراً ومساءً، وتريد أن تقوم بتنظيف المنزل وغسل أواني الطعام فيتنافى مع قراءتها للقرآن ولدعاء التوسّل وكميل وكثير من المستحبّات.
تريد أن تصوم مستحبّاً ولكن قد يؤثّر على عملها الواجب، وهكذا في بقيّة الأمور التي تشغل المرأة عن طاعة ربّها.
نعم، كثير من أفعال المرأة المذكورة هي أيضاً طاعة لله، فطاعة الزوج طاعة من الطاعات التي أمر الله بها، وكذلك تربية الأولاد وحمايتهم، إنّما نعني بالطاعة العبادة الخاصّة من صلاة وصوم ودعاء ونحوهم.
هذا في بداية حياة الزوجة.
وأمّا في نهاية حياتها، فإنّها إن قدّر لها أن تعيش إلى سنّ كبير فإنّ مسؤولية البيت تخفّ، الأولاد يكبرون وقد يساعدوها في أعمال المنزل، وقد يخرجن عنها
لتبقى هي وزوجها، ومن جهة أخرى يقلّ عندها الإهتمام بالدُّنيا وزينتها ممّا يساعدها على الإهتمام بالجانب الروحي والعبادي لها، فتتّجه إلى عبادة ربّها وصلاتها وصومها ودعائها وزيارات أهل البيت علیهم السلام.
وأحياناً هذه الأمور المطلوبة تكون على حساب الزوج إذ كثرة حبّها لعبادة ربّها وعطشها للتقرب من الله ذلك العطش الذي صبرت عليه سنوات، فإنّه يؤدّي إلى تقصيرها بحقّ زوجها من الناحية الجنسية، إمّا لعدم الوقت لديها فكلّ وقتها عبادة وإمّا لعدم الرغبة في المقاربة في ذلك السنّ.
ولكن يجب أن تعلم أنّ ذلك من أكبر الكبائر فقضاء حاجة زوجها واجب مهما كانت الظروف (1)، وهو لا يتنافى مع الصلاة والصوم والدعاء، وقد روي عن النبي صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم التحذير من كثرة الصلاة من أجل منع الأزواج عن قضاء حاجتهم، فيمكن لها أن تهتمّ بزوجها إلى جانب اهتمامها بعبادتها، وإن كانت طاعة الزوج نوعاً من العبادة، إن لم نقل أنها أفضلها.
وقد تكون هذه المسألة تختلف من شخص إلى آخر ومن امرأة إلى أخرى، وعلى كلّ حال يجب على المرأة أن تلتزم بكلّ ما فرضه الله عليها، وأن لا تنسى عبادة الله تعالى، ولا تنتظر إلى أن تبلغ من العمر الخمسين، ولها أن تستفيد من أوقات فراغها لقراءة القرآن والدعاء والتوسّل بأهل البيت علیهم السلام.
وكثرة المشاغل عند النساء لا ينبغي أن تكون مانعاً عن العبادة الخاصّة، إذ كما أنّ المرأة تخصص وقتاً للخروج من المنزل أو للوقوف أمام المرآة أو للنوم أو لأيّ عمل فعليها أن توجد وقتاً مناسباً لصلاتها ودعائها وقراءة القرآن، فليس صنع الطعام كغذاء مادّي للجسد أفضل من الدعاء وقراءة القرآن كغذاء معنوي للروح.
لماذا تفكّر المرأة دائماً بتحسين مفاتنها ولباسها وتسريح شعرها وأناقة هندامها، ونراها تراقب آخر الموديلات - الأمر الذي ليس محرّماً - ولا تفكّر في تحسين
1) بستنی حالة المرض الشديد.
أخلاقها وروحيّتها وإزالة وسوسة الشيطان عن قلبها، والإنتقال من النفس الأمّارة بالسوء إلى النفس المطمئنة أو لا أقلّ إلى النفس اللوّامة؟؟
إنّ الله عزّوجلّ كما أمر بتحسين المفاتن وإظهار الزوجة بأفضل هيئة لزوجها، كذلك أمر سبحانه بتزكية النفس وتهذيبها بقوله عزّ من قائل: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)»(1)الأمر الذي يؤثّر على علاقة الزوجة بزوجها وكيفيّة تعاملهما فيما بينهما.
أيّها الأعزّاء لنتخذ زينب بنت علي وفاطمة بنت محمّد صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم قدوة ولنحمل القرآن الكريم وكتب الأدعية كما كانتا يحملنها علیه السلام، في الصباح والمساء - مع عدم تخليهما عن وظائفها المنزلية على أكمل وجه -.
لنتوجّه - أيها الأعزاء - إلى تهذيب النفوس والعيش مع الله تعالى، لنمهد لدار الخلود من دار المرور كما علّمتنا زينب الطاهرة صلوات الله عليها وعلى أمها وأبيها وبعلها وبنيها.
وسبيل نجاة المرأة وهو بأن تجعل الزوجة لها برنامجاً تجمع فيه كلّ الواجبات المأخوذة على عاتقها.
تستطيع أن تطيع زوجها ووالديها وتهتمّ بأولادها وبيتها وتعبد ربّها كما كانت تفعل زينب وفاطمة علیهم السلام.
وتستطيع أن توفر وقتاً لخدمة المجتمع بقدر ما يحتاجه، بشرط أن لا يؤثر على حياتها الزوجية تأثيراً مضراً يؤدي إلى خرابها.
انظر إلى زينب علیها السلام كيف لم تترك صلاة الليل في ليلة عاشورا، وليلة الحادي العشر والثاني عشر من المحرم، فرغم التعب والحزن والمأساة التي مرّت عليها لم تترك حتى المستحب.
1) سورة الشمس، الآيات : 7 - 10.
يعتبر الزواج إكمال لنصف الدين الأمر الذي يشجّع الكثيرين عليه إضافة إلى الراحة النفسية والمادّية، بيدّ أنّ هناك مشاكل وأحداث بين بعض المتزوّجين تخوّف قسماً من هؤلاء، وتثبّطهم عن الزواج.
وغالبية هذه الأحداث والمشاكل قابلة للحلّ أو يمكن تفاديها قبل أن تقع وتحصل، نعم يجب توعية النساء والرجال كباراً وصغاراً على عدّة أمور لكي يتفادوا الكثير من المشاكل، لأنّ الجهل هو أحد الأسباب المهمّة في هذه المشاكل، إلى جانب رغبة الزوج والزوجة في العيش الهادئ وتشكيل أسرة حصينة مؤمنة على أساس الأخلاق والتربية الحسنة، فإن الأسرة إذا صلحت صلح المجتمع؛ لأنه مؤلف من مجموعة أسر وعائلات.
نعم، على أهل الزوجة والزوج المساعدة في هذا الأمر فعليهم تهدئة المشاكل وتوعية الزوجين، بل عليهما أن يقوما بتوعية الزوجين قبل الزواج لتعرف الزوجة قبل الدخول إلى الحياة الجديدة إلى أين تذهب وكيف تتعامل ومع مَن؟
وكذلك ليعرف الزوج كيف يتصرّف مع شريكة حياته الجديدة، وكيف يبني أسرة جديدة مسلمة واهية صادقة عفيفة مؤمنة تكون نواة لهذا المجتمع وتصديقاً لمباهاة النبی الأعظم صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم في حديثه : «تناسلوا تناكحوا فإنّي أباهي بكم الامم يوم القيامة»(1).
1) جواهر الكلام 14/29
قال تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»(1).
مَنَّ الله تعالى على البشرية بأن جعل الزوجة من نفس الزوج وضلعاً من أضلاعه لزيادة القرب ورفع التنافر الداخلي بينهما، فالزوجة لمّا كانت جزءاً من الرجل فإنّه يجعل الرجل يعطف على جزئه ويحنّ عليه ويشتاق إليه ويدفع عنه الأذى، وكذلك الزوجة فإنّها للسبب ذاته تحافظ على زوجها وتعطف وتحنّ عليه وتقلق عليه إذا غاب.
ثم بيِّن سبحانه أن علّة ذلك سكن الرجل إلى زوجته، والسكن هو الراحة النفسية والإطمئنان الذي يحصل عند الزوجين، وهو الإستقرار والهدوء الذي يعيش فيه الزوجان، والتفاهم وشقُّ طريق الحياة في المجتمع على أساسه.
إنّ نجاح الرجل في المجتمع أو في عمله غالباً ما يكون ناتجاً عن سكنه الإنساني واستقراره في بيته، وقديماً قيل : وراء كلّ رجل عظيم امرأة عظيمة.
المرأة التي تهيء أسباب الراحة للزوج ولا تشغله بالأمور التافهة والجزئية، وتساعده على تخطّي الصعوبات، تصبر معه على الضراء والسراء، تهتمّ بمستقبله ومستقبل أولاده، إنّ هذه المرأة إمرأة عظيمة ساهمت في صنع رجل عظيم، وفي المقابل إنّ هذا الرجل الذي اختار هكذا امرأة وهيّأ لها عيشة شريفة وعلّمها من تجارب الدهور وصبر معها على الضرّاء والسرّاء، لرجل عظيم، وحديثاً قيل: وراء كلّ امرأة عظيمة رجلٌ عظيم.
هكذا يكون التفاهم بين الزوجين وهذه هي حقيقة الزواج الذي شرّعه الله تعالى «وَحَمَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ» ثمّ توّج الله هذا الزواج المثالي بأن رسم له القانون الذي يجب أن يتحاكم إليه الزوجان، جعل عزّت آلاؤه المودة والرحمة دستوراً إلهياً يمشي عليه الزوجان ويطبّقونه في كلّ مفاصل حياتهما، بعيداً عن الغضب الشيطاني والعصبية والتنافر.
1) سورة الروم: 21
إنّ كلّ سوء تفاهم أو مشكلة تقع بين الزوجين تنحلّ إذا رجعنا إلى دستور الله القرآني، بل إذا تعامل الزوجان بالمودّة والرحمة ووضعاها أمامهما فإنّه لا مجال للمشاكل بين الزوجين.
وفيما يلي نذكر حقوق الزوجين لنرى كيف تُرسم الحياة الزوجية من خلال الروايات، والتي لم تأتِ لتُنهي علاقة الزوج بالزوجة وتحصر التعامل في الحقوق الآتية.
وبعبارة أخرى : إنّ كثيراً من الحقوق الزوجية غير توقيفية، كمسألة اعتناء الزوجة بنظافة ثياب الزوج الأمر الذي ليس واجباً عليها، فالشرع عندما يقول لا يجب على الزوجة ذلك، لا يعني أنّ ذلك حرام وأن تقف الزوجة عند ذلك، إنّما الروايات الآتية تحدّد تكليف كلّ فرد لكي يعرف الزوج أنّ الزوجة تنظّف له ثيابه وتقوم بخدمته في المسائل التي لم يلزمها الشرع بها، وبذلك تقوى العلاقة بينهما فيبادرها الرجل بالمثل، ويبقى باب الحقوق مفتوحاً على مصراعيه يحكمه القانون الإلهي المودّة والرحمة.
نعم بعض الأُمور قد تصبح واجبة من قبل الطرفين، وذلك إذا اشترط ذلك في عقد الزواج، كما لو اشترط الرجل على زوجته أن تخدم أهله، أو اشترطت الزوجة عليه أن لا يخرجها من بلد معين.
روي عن النبيّ صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم أنّ شفاعة فاطمة للنساء مشروطة بطاعة الزوج: «فأيما امرأة صلّت... وزكّت مالها واطاعت زوجها ووالت عليّاً بعدي دخلت الجنّة بشفاعة فاطمة»(1).
وفي حديث يحكي عن أثر طاعة الزوج مرويّ عن أبي عبدالله علیه السلام قال: إنّ رجلاً من الأنصار على عهد رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم خرج في بعض حوائجه فعهد إلى امرأته عهداً الا تخرج من بيتها حتّى يقدم قال : وإنّ أباها مرض فبعثت المرأة إلى النبيّ صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم فقالت : إنّ زوجي خرج وعهد إليّ أن لا أخرج من بيتي حتّى يقدم، وإنّ أبي قد مرض فتأمرني أن أعوده؟ فقال رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم : لا، اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك، قال : فثقل فأرسلت إليه ثانياً بذلك، فقالت: فتأمرني أن أعوده؟ فقال : اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك، قال : فمات أبوها فبعثت إليه أنّ أبي قد مات فتأمرني أن أصلّي عليه؟ فقال : لا أجلسي في بيتك وأطيعي زوجك، قال: فدفن الرجل فبعث إليها رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم إنّ الله قد غفر لك ولأبيك بطاعتك لزوجك(2).
هذه الأحاديث وغيرها تركّز على طاعة الزوج وتجعلها شرطاً لشفاعة فاطمة علیها السلام، ممّا يجدر بنا أن نتوقّف عند هذه الطاعة وعلى حدودها ومواردها، وعلى تعارضها مع طاعات أخرى كطاعة الله أو طاعة الوالدين.
وكذلك الحال بالنسبة لطاعة الزوج وعمل المرأة في المجتمع أو اهتمامها بنفسها من الناحية المادّية، أعني الاهتمام ببدنها ولباسها وطعامها وبعض
خصوصيّاتها، ومن الناحية المعنوية والروحية والرياضات النفسية والإنشغال بعبادة الله تعالى كالصلاة المستحبّة والزيارات وقراءة القرآن ونحو ذلك.
وورد في حقوق الزوج ما يبيّن متى يجب على المرأة طاعة زوجها ولكن لا بأس بذكر قاعدة لذلك فنقول :
الأفعال والأقوال التي تتأتّى من المرأة عادةً تكون على خمسة أوجه طبقاً للأحكام الشرعية :
1 - أن يكون فعلها أو قولها واجباً كأداء الصلاة اليومية والصوم والخمس من مالها وحجّ بيت الله الحرام، وجميع الواجبات العينية كما لو تعيّن عليها إنقاذ غريق من الماء ولا أحد سواها أو تعيّن عليها عمل إجتماعي واجب لا يقوم به أحد سواها، من قبيل أن تمتلك علماً أو خبرة يتوقّف عليها إنقاذ مريض، هذا من ناحية الفعل.
وكذلك من ناحية القول فإذا كان واجباً كالشهادة التي لو منعتها قتل إنسان بريء، أو توقف عليها إثبات حق واجب في تركه مفسدة كبيرة.
فإنّ في مثل هذه الأُمور لو منعها الزوج لا يجب عليها طاعته. نعم، إذا سقطت الطاعة لا يسقط الإحترام ولا الأدب ولا بقيّة الواجبات الزوجية تجاه الزوج، لأنّ الضرورات تقدر بقدّرها.
وأيضاً لا يسقط التباحث في الأُمور المذكورة، فلعلّ منع الرجل كان للمحافظة على زوجته وبيته وأولاده، أو لعدم علمه بتفاصيل الواجب المعيّن، فعلى المرأة إقناع الزوج بذلك أو طلب المساعدة من الغير وليكن أحد أبويه لأنّهما أقرب شيء إلى قلبه.
وقد يكون الأمر من باب اختلاف النظر، كما لو شخّصت المرأة أنّ هذا الواجب عيني عليها وفي تركه مضرّة لا تتدارك، وشخّص الرجل غير ذلك، فيشكل الأمر على الزوجة وعليها الإمتناع عن هذا الفعل الواجب حتّى يتبيّن الرجل أو تحلّ
المشكلة، وتقدّم عندها طاعة الزوج لأنّها واجب والفعل المتنازع عليه وجوبه عليها كزوجة غير يقيني.
نعم، لا يجوز للرجل أن يدّعي في أيّ أمر أنّ تشخيصه مخالف لتشخيص زوجته من أجل منعها منه، فإنّه في ذلك يرتكب خلاف الشرع، وعلى الزوجة اختيار الوقت والمكان المناسب والأسلوب الهادئ لطرح هكذا أمور واجبة ومهمّة لكي لا تقع فيما بعد بمشاكل لا تحمد عُقباها.
وهذا التشخيص لا يجري فيه مثل واجب الصلاة والصوم والخمس والزكاة.
ويجري فيه الحجّ كالخلاف في الإستطاعة، ويجري فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ الدين الإسلامي إذا تعيّن عليها ولو في موارد محدودة، وسوف نتعرّض لذلك عند الكلام عن عمل المرأة في المجتمع.
أمّا صلة الرحم وطاعة الوالدين والتي هي من الأمور الواجبة فإذا تعارضت مع طاعة الزوج وذلك لو منعها من الخروج لأداء هذا الواجب فما هو المقدَّم؟!
وردت روايات بتقديم طاعة الزوج بمعنى توقف زيارتهم على إذنه في الخروج من المنزل، ولعلّه أنّ حياة المرأة إذا رفضت طاعة الزوج سوف تهدّد، إذا مجرّد وقوع هذا الرفض سوف يرتّب الزوج - عادةً - عليه الآثار ليعاتبها فيه في آناء الليل وأطراف النهار.
نعم، على الزوج أن يراعي هذا الأمر وأن لا يحرم الزوجة من هذا الواجب، كما هو لا يحبّ أن يحرمه أحد من زيارة والديه وطاعتهما وصلة أرحامها.
بل بمنع الزوج زوجته من زيارة والديها في بعض الأوقات يؤدّي إلى نفور الزوجة منه، ويؤثّر على نفسيّتها وروحيّتها الأمر الذي سوف ينعكس على تربية الأولاد والإهتمام بالزوج والبيت وخدماته.
وهذا يكون نقضاً للغرض إذ هدف الزوج من أصل الزواج أو من منعها عن
الخروج هو الإستقرار والسكن الإنساني، فكيف يعكّر الزوج هذه الأُمور بمنعها عن الخروج لزيارة أبويها في وقت قصير ترتفع معه الحاجة.
وعلى المرأة أن لا تبالغ في الخروج إلى بيت والديها لكي لا تجعل الزوج يمنعها عن ذلك، بل عليها أن تقتصر على الواجب ولعلّه يكفي للزوجة أن تذهب إلى والديها في الأسبوع مرة واحدة أو في الشهر ثلاث مرّات في الحالات العادّية، وقد تزيد إذا احتاجا إليها في مرض أو غيره، وكذلك يكفيها أن تقضي الساعة أو نصفها تقريباً عندهم.
والأمر يختلف باختلاف الزمان والمكان، وفي حاجة الزوج إلى زوجته، أو حاجة الأهل لابنتهم، أو في المناسبات الإسلامية أو العرفية، فإن خروج الزوجة من منزلها في الليل غير مناسب، وكذلك في أوقات راحة الزوج وحاجته إليها كأوقات النوم أو الطعام.
وكذلك مكان وجود الوالدين له تأثير فإنّه لو كان بعيداً خارج بلد الزوج فلا يمكن لها الذهاب إليه متى شاءت إلّا بإذن الزوج في الوقت المناسب والمحدد، لما فيه من مخاطر.
والواجب على الزوجة تجاه زيارة والديها أن تراعي حاجة الزوج وأولادها وبيتها ونظافته وحاجياته، وزمان خروجها.
هذا كلّه إذا كان فعل المرأة وقولها واجباً.
وقد تسقط بعض الواجبات المذكورة بغير الحاجة الى الخروج من المنزل، كما لو كان إثبات الحق يرتفع برسالة أو مكالمة هاتفية، وكذلك بالنسبة لصلة الرحم قد تسقط بالرسائل أو الهدية في بعض مواردها.
2 - أن يكون فعل المرأة وقولها مستحبّاً: وهذا الفرع يفصّل فيه بين ما يكون خارج المنزل وبين فعلها وقولها داخله، فما كان خارج المنزل يكون مشروطاً بإذن الزوج لزوجته في أصل الخروج من المنزل، وأيضاً أن لا يؤثر على الحياة الزوجية سلبياً.
أمّا ما كان منها في داخل المنزل فغير مشروط بإذن الزوج. نعم، هو مشروط بعدم مزاحمته للواجب.
ومثال الأوّل الخروج لدعاء كميل أو التوسّل في المسجد أو زيارة الأئمّة علیهم السلام او صلاة الجماعة(1)، أو زيارة الأقارب - غير الأرحام - أو لعيادة مريض أو الترحّم على أهل العزاء ومواساتهم أو تهنئة أصحاب الأفراح .
ففي هذه الأمور ونحوها يجب أخذ موافقة الزوج ورضاء أو العلم بعدم ممانعته لذلك.
وينبغي للزوج الموافقة على ذلك لما فيه من ثواب ومصلحة للزوجة أولاً ولنفس الزوج إذ بخروج الزوجة للدعاء أو الزيارات يجعلها في راحة نفسيّة ويعطيها الطاقة على هموم الدُّنيا وتحمّل عناء البيت.
كما وينبغي للزوجة التلطّف في أخذ الإجازة للخروج من المنزل للأمور المستحبّة، وإقناعه بالثواب المترتّب عليه له ولها، كما وعليها أن تراعي وقت الخروج وزمانه وأن لا يتعدى الساعة تقريباً لما وراءها من مسؤوليات تجاه زوجها وأولادها وبيتها.
وإذا كان دعاء كميل مستحبّاً وفيه الثواب، فإنّ طاعة الزوج وتربية الأولاد والاهتمام ببعض أُمور البيت واجب وفيه من الثواب ما لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ.
ومثال الثاني : - العمل المستحب داخل المنزل - أن تقوم المرأة بالمستحبّات في بيتها من قبيل دعاء كميل والتوسّل وزيارة الأئمّة علیهم السلام وصلاة النوافل ونحو ذلك، فلا ينبغي للزوج منع زوجته عن ذلك إلّا إذا كان مانعاً لواجب أو مؤثّراً على واجب، كما لو تزاحم الدعاء أو قراءة القرآن مع حقّه الشرعي تجاه زوجته، أو كان مؤثّراً على حقّه أو كان مانعاً من الإهتمام بتربية الأولاد وحمايتهم من الضرر، فعندها لا يجوز للزوجة فعل ذلك المستحبّ لتعارضه مع ما هو أهمّ وأوجب.
1) صلاة الجماعة بنفسها من الأمور المستحبة نعم إذا كان معها تعليم أمور فقهية محلّ ابتلاء الزوجة تصبح واجبة لذلك.
3 - أن يكون فعل الزوجة وقولها محرّماً أو مكروهاً : فهنا من الواضح تقديم طاعة الزوج الواجبة كما لو استغابت أحداً أو آذته أو أنت بما هو محرّم ومنعها الزوج عنه أو عن الخروج من المنزل من أجله.
4 - أن يكون فعلها وقولها مباحاً: وهنا تارةً يكون داخل منزلها وأخرى خارجه، فعلى الأوّل لها أن تقوم بأيّ عمل مباح ولا يحقّ أن يمنعها إلّا إذا أثّر عليه أو أضرّ بهما أو بأولادهما أو كان مانعاً عن بعض حقوقه، كما لو أرادت الخياطة أو النوم أو الجلوس على شاشة التلفزة (1)ونحو ذلك فلا يجوز للزوج منعها إلّا إذا كان مضراً.
وعلى الثاني فهو موقوف على إجازة الزوج بالخروج من المنزل إذا كان منافياً لحقه.
نعم، الأمر المباح قد ينقلب إلى مستحبّ أو واجب أو حرام أو مكروه فيتبع عنوانه، كمشاهدة شاشة التلفزة فقد يصبح حراماً كما لو استمعت إلى الموسيقى الله وية المطربة، وقد يكون واجباً كما لو استمعت إلى أمور فقهية محلّ ابتلائها، وقد يكون مستحبّاً كما لو استمعت إلى دعاء.
وعلى الرجل أن يراقب زوجته ماذا تحضر على شاشة التلفزة في غيابه، وكذلك أن يراقب - مع زوجته - أولاده ماذا يشاهدون وما يفعلون.
1) إلا إذا كان ما يشاهد أو يسمع في التلفزيون محرماً.
حدّد الإسلام للمرأة كيفيّة خاصة تتناسب مع المرأة عند خروجها من المنزل، كما وراعى وقت الخروج وزمانه بما يتناسب مع أُنوثتها ولا يؤثّر على عفّتها وشرفها.
لأنّ خروج المرأة في أيّ وقت وزمان وبأشكال ملفتة للناس أو مثيرة لشهوة الرجال يعرّض المرأة لخطر كما يعرّض الزوج لخطر أيضاً فيما لو وقعت بعض التجاوزات على زوجته، وهذا النوع من الخروج محرم عليها.
قال رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم : «أي امرأة تطيّبت ثمّ خرجت من بيتها فهي تُلمن حتّى ترجع إلى بينها متى ما رجعت» (1)وفي رواية: «... لعنتها ملائكة السماء وملائكة الأرض وملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى ترجع إلى بيتها»(2).
وتقدم عن سيدتنا زينب علیها السلام أنها كانت قليلة الخروج من المنزل، وكانت عندما تخرج لا يرى أحد شخصها لشدة إيمانها وعفتها وورعها، جعل الله نساء ، أُمة النبي محمد صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم يقتدين بزينب بنت علي علیه السلام.
والإسلام ومن باب المحافظة على الزوجة أجاز للمرأة وضع الطيب والرائحة الجميلة في بيتها، ولكنّه حرّم (3)ذلك عليها إذا تعطرت وخرجت، لأنّها سوف تمرّ في طريق فيه رجال وشباب قد يفتتنوا بهذه الرائحة.
وقد شاع في هذه الأزمنة حتّى أصبح مورداً للتباهي بين النساء والتفاخر وضع العطور والخروج فيها من النساء السافرات والمؤمنات الأمر الذي أثار شهوة الرجال وساهم في إفساد المجتمع، فينبغي للمرأة المؤمنة والعفيفة أن تجتنب عن هذا الأمر المفسد عند خروجها ولتوفّره إلى حين جلوسها مع زوجها كما أمر الله تعالى.
هذا أثر طاعة الزوج وصبر المرأة والتزامها ببيتها حفاظاً على زوجها وأولادها وعفّتها وشرفها.
وقال النبيّ صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم : «ليس للنساء من سروات (1)الطريق شيء ولكنّها تمشي في جانب الحائط والطريق»(2).
ثمّ حدّد الله تعالى مكان مشي المرأة إذا خرجت أنّها تتّقي وسط الطريق الذي هو مكان مشي الرجال والعلوج، وعليها أن تمشي إلى جانب الطريق وقرب الحائط لكي لا يشمّ الرجال رائحة النساء ولا يصطدمن بهنّ، حفاظاً من الله ورسوله على سلامة المرأة وعفّتها وشرفها.
وعلى المرأة أن تختصر الطريق في خروجها فتذهب من الطريق الأقرب إلى مقصدها، كما وعليها أن لا تمرّ من الطرقات المخفية والضيّقة ولا الطرقات المشبوهة أو التي يكثر فيها المارّة والتجمّعات الكثيرة للعلوج، والأمنكة التي فيها الفساد والهرج والمرج.
وينبغي للمرأة أن لا تخرج ليلاً منفردة، بل على الرجل أن يمنع زوجته من الخروج بعد غروب الشمس وأن يلزمها العودة إلى منزلها قبلها، حفاظاً على شرفها وعفّتها ودفعاً لكلام الناس عن المرأة التي تبقى خارج منزلها بعد الغروب.
وقال حامي المرأة والمحافظ على شرفها صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم: «لا ينبغي للمرأة أن تجمر ثوبها إذا خرجت من بيتها»(3).
تجمير الثوب كناية عن لبس الثوب المحمّر والمعصفر الملفت الأنظار الشباب، وذكر اللون الأحمر لأنّه يجعل المرأة في شكل لا يتحمّل الشباب غضّ النظر عنها، ممّا يوقعهم في الفتنة ويعرّض تلك المرأة للخطر أو الإهانة وأهلها أو زوجها لمشاكل قد لا تحمد عقباها.
وكذلك لا يجوز اللباس الأصفر الفاقع إذا كان مثيراً لمفاتن المرأة، بل الحكم كذلك في كلّ لون من اللباس إذا صنع في كيفيّة خاصّة مثيرة.
وينبغي للمرأة لبس الثوب الفضفاض المعتدل والمتعارف الذي لا يلفت أنظار الناس، وأن تتجنّب المرأة اللباس الضيّق الذي يحكي جسدها ويشخّص أعضاءها ومفاتنها الأمر الذي يؤدّي للفتنة.
وعلى الآباء والأزواج أن يمنعوا النساء من لبس الألبسة المثيرة لشهوة الرجال والحاكية عن مفاتن المرأة حفاظاً على أعراضهم ودفعاً للفتن والمشاكل التي تنتج عن ذلك.
ولا ندري أين غيرة أهل البنت التي تخرج متبرّجة سافرة بشكل لا يتناسب مع مبادىء المرأة المسلمة، بل وصل الأمر ببعضهم من الوقاحة بدرجة تفوقن به على النساء الأجنبيات؟.
وكذلك أين غيرة الزوج الذي لا يحافظ على شرف زوجته وعفّتها ويتركها تتحمّر وتتجمّل للناس، وتضع العطور الملفتة وتخرج بها إلى الأسواق وأمكنة تواجد الرجال؟!.
قال أمير المؤمنين علیه السلام: «كلّ امرء تدبّره امرأة فهو ملعون»(1).
هذا الحديث الشريف لا يعني عدم جواز استشارة الزوج لزوجته أو عدم الأخذ بقولها إذا كان صحيحاً ومحقّاً، وكذلك لا يعني حرمة توكيل المرأة ببعض المهمّات المنزلية لتكون هي المدبَّر لها.
إنّما الحديث يريد التأكيد على قوله تعالى : «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ»(2).
فمدير البيت وصاحب القرار فيه هو الرجل، يدبّر أموره كما تتطلب مصلحة البيت ومستقبل الأولاد، لا يحقّ له أن يظلم أحداً فيه ولا أن يتجاهل من يعيش معه، فيعمل الرجل في بيته وعمله ونشاطه الإجتماعي والسياسي بما أراه الله ووضع فيه من قدرات ومؤهّلات.
فإذا جاءت الزوجة وأرادت فرض رأيها وإعماله على زوجها من دون قناعة الرجل فيه فهو أمر مرفوض ومردود، لأنّه تدخل في قيّومية الرجل المعطاة له من الله تعالى. نعم، إذا اقتنع الرجل بالفكرة أو العمل، أو أقنعته نفس المرأة بذلك لذكائها وحنكتها، فلا مانع لانّه يصبح رأيه الذي تبنّاه بعد المشاورة مع زوجته وشريكة حياته.
نعم، هذا مختصّ بالأمور التي هي من اختصاص الرجل أعني تدبير أمور المنزل العامّة التي ترسم حياة الزوجين ومستقبل الأولاد، من قبيل المدرسة التي يوضع فيها الأولاد أو المكان الذي يسكن فيه أو كيفيّة عمل الرجل خارج المنزل ووقته، وعلاقاته الاجتماعية والسياسية، فهي مختصّة بالرجل ولا يحقّ للمرأة أن تعزل الرجل عن هذه المهامّ وتجلسه في المنزل كأحد أركانه وتلغي الرجولة فيه والمؤهّلات التي أودعها الله فيه، ولو فرض وجود زوج ضعيف الشخصية، فعلى المرأة مساعدته لتقوية هذه الشخصية وتشجيعه على أن يصبح مثل بقيّة الرجال، لكي يتغلب على ذلك الضعف فتعطيه الثقة بنفسه لا أن تعمل على تحطيم شخصيته، وفي ذلك صلاح لها وله ولأولادهم وصدق لمقولة : وراء كلّ رجل عظيم امرأة عظيمة.
وهناك اُمور ترتبط بالمرأة منها ما هو خاصّ بها في منزلها فلها حقّ تدبيره كنوع الحياة التي تحبّ أن تعيشها من ناحية المأكل والملبس والتعليم ما لم ينافي حقّ الزوج.
ومنها ما هو عام للمنزل وهي الاُمور التي تقوم بها المرأة في داخل المنزل كطريقة ترتيب المنزل وكيفيّة تنظيفه وصنع الطعام وكيفيّته ونوعه وما شابه هذه الأمور التي توكل إلى المرأة غالباً، وقد تختلف الأذواق فيها، فإنّ المرأة موكولة بهذه الأمور تتصرّف فيها بما يكون مصلحة لزوجها وأولادها.
نعم، هذا مشروط بعدم كون بعض الأمور منفّرة للرجل كما لو كان لا يحبّ لوناً من اللباس أو نوعاً من الطعام فيجب مراعاته.
والخلاصة بالتفاهم بين الزوجين وتقسيم العمل داخل المنزل وخارجه كما كانت فاطمة بنت محمّد وعلي بن أبي طالب علیهم السلام أو كما كانت زينب بنت علي علیها السلام وعبد الله بن جعفر، لا تسلّط لأحد على أحد كلٌّ يعمل بمجاله ويبدع في نطاق عمله في الأمور التي أودعها الله فيه.
وهذا لا يلغي التشاور والتعاون فقد كان علي يشاور فاطمة في الرأي ويساعدها على خدمة المنزل.
كما وكانت فاطمة علیها السلام تعاون عليّاً علیه السلام في مهمّاته وحروبه وتدافع عنه حتّى أدّى ذلك إلى إسقاط جنينها المحسن علیه السلام.
فلتكن زينب وفاطمة صلوات الله عليها قدوة للزوجة، وليكن عليّاً علیه السلام وعبد الله قدوة للزوج، والحمد لله ربّ العالمين على هذه النعمة.
قال رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم في حديث حقّ الزوج : «.... ولا تعطي شيئاً إلّا بإذنه فإن فعلت فعليها الوزر وله الأجر ...»(1).
الأموال التي تصل إلى الزوجة منها ما يكون ملكاً لها كالهدايا التي تأتيها من أهلها وأصدقائها أو زوجها في مناسبات عدّة، أو كالأموال التي تحصل عليها من جراء عمل معيّن سواء في داخل البيت أم في خارجه، فهذه الأموال ملك لها لا يحقّ للزوج أن يأخذها، ولها التصرّف بها كيف شاءت بما يرضي الله. نعم، ينبغي للمرأة استشارة الرجل في صرفها كما وعليها أن تساعده في مصروف البيت إذا كان محتاجاً لذلك دفعاً للمشاكل وحفاظاً على مستقبل الزوج والأولاد والزوجة نفسها.
ويلحق بهذه الأموال الهدايا التي تعطيها الدولة للزوجة لتربية أولادها في بعض الدول الأجنبية.
ومن الأموال التي تصل إلى الزوجة ما يكون ملكاً للزوج من قبيل الزينة التي يعطيها الزوج لزوجته فإنّ الهدايا التي تعطى للزوجة تارةً تعطى لتملكها، وأخرى تعطى للتزّين بها لزوجها أو أمام النساء كالذهب ونحوه وهذا الأمر مربوط بنيّة الرجل عند إعطائها الهدايا.
ومن قبيل ما يبقى مع الزوجة من مصروف المنزل فإنّه يبقى ملكاً للزوج. فلا يجوز للزوجة التصرّف بهذه الأموال بلا إذن الزوج.
نعم، هناك أمر متعارف وهو مقدار من المال يعطى للزوجة كمصروف شخصي
1) الكافي : 508/5 ح 8.
لها «الخرجية» وقد يكون مقابل ما تقوم به الزوجة من خدمات في المنزل غير واجبة عليها كالتنظيف والغسيل والطبخ، فهذه الأموال ملك لها تتصرّف فيها كما تشاء.
ولها أن تطالب الزوج بها بالحسنى واللياقة، إذ أننا نرى الرجل يكرم زوجته ويشتري لها من اللباس وغيره ما هو غير واجب عليه فلابدّ من التفاهم بين الزوجين ولا يجوز فعل ما يؤدّي إلى المشاكل الزوجية.
ومن الأموال والهدايا ما هو ملك للزوجين معاً، كهدايا العرس والميلاد والانتقال إلى منزل جديد، إلّا إذا عدّ عرفاً لأحدهما، كالهدايا التي يأتي بها أهل الزوجة فإنه قد يفهم عرفاً أنها تمليك لها وإجازة للزوج بالتصرف فيها ما دام مع ابنتهم، وكذلك العكس ما يأتي به أهل الزوج فهو ملك له وللزوجة التصرف فيه ما دامت مع إبنهم، وقد يلحق به الهدايا التي تأتي من الأصدقاء، فيفصّل فيها بين أصدقاء الزوج والزوجة، فتأمل.
أو ما تهبه الدول الأجنبية للزوجين معاً ، فهذه الأموال مشتركة بينهما لابدّ من مراعاة إذن الآخر عند التصرّف.
نعم، قد يخصّص الأب مثلاً إبنه أو ابنته بهدية في العرس فعندها تكون ملكاً للمحدّد له فقط.
ولا ينبغي التنازع بين الزوجين في هذه الأموال بل لا يليق أن يدخلا الشيطان بينهما. ومن الأموال ما يكون ملكاً للأولاد كالهدايا التي تأتي لهم عند ولادتهم أو في حفلات مواليدهم وتكليفهم، فلا يجوز التصرّف بها إلّا بإذن الزوج ولمصلحة الولد - غير البالغ - نعم عند بلوغه يجب أخذ الإذن منه.
وللأب أن يصرف من مال ولده إذا كان محتاجاً وفقيراً، بل الابن وأمواله ملك للأب كما في الحديث: أنت ومالك لأبيك(1).
1) الكافي : 5 / 136 ح 6 ، ومنتهى المطلب: 1029/2.
قال الإمام الخميني (1): لقد تعلمنا من الحسين علیه السلام كيفية النضال والجهاد وكيفية المواجهة بين قلة من الناس وكثرة كاثرة، وكيفية الوقوف بوجه حكومة تعسفية جائرة تسيطر على كل مكان، كيف نقوم بذلك بعدد قليل ... هذه أمور علّمها سيد الشهداء علیه السلام لأبناء شعبنا كما أن نجله الإمام السجاد علیه السلام وسائر أهل بيته علیهم السلام علّمونا ماذا ينبغي عمله بعد وقوع المصيبة هل ينبغي الاستسلام؟ هل يجب التخفيف والتقليل من النضال والجهاد؟ أم علينا أن نقتدي بزينب (سلام الله عليها) التي حلّ بها مصاب تصغر عنده المصائب فوقفت بوجه الكفر والزندقة وتكلمت وخطبت كلما تطلّب الموقف وأوضحت الحقائق، تماماً كما مارس الإمام علي بن الحسين دوره التبليغي رغم الذي كان يعاني منه.
إنكم أيها السادة العلماء وجميع العلماء الموجودين في أنحاء البلاد مكلفون بحفظ هذه النعمة الإلهية وهذه المنحة الربانية، مطالبون بشكر الله عليها، والشكر إنما يتحقق بممارسة التبليغ، بيّنوا للناس وأفهموهم ما فعله سيد الشهداء علیه السلام وما كان يريد تحقيقه والطريق الذي سلكه والنصر الذي تحقق له وللإسلام بعد شهادته وضحوا لهم أن ما فعله سيد الشهداء علیه السلام هو الجهاد من أجل الإسلام، وأنه كان يعلم أنه لن يتمكن بما تهيأ له من عدد قليل يقل عن المائة شخص من التغلب على ذلك النظام الظالم الذي يملك كل شيء.
1) في كتابه نهضة عاشوراء.
عليكم أن تمارسوا التبليغ، فها قد جاء شهر محرم وعليكم إحياؤه، فكل ما لدينا هو من محرم، ومن هذه المجالس فحتى مجالس التبليغ تهيأت لنا الأخرى من شهر محرم وهي من ثمار مقتل سيد الشهداء علیه السلام واستشهاده.
قال الإمام الخميني (1): لقد علّم سيد الشهداء علیه السلام الجميع ماذا ينبغي عليهم : عمله في مقابل الظلم والحكومات الجائرة فرغم أنه كان يعلم منذ البداية بأن عليه أن يضحّي - في طريقه الذي سلكه - بجميع أنصاره وأهل بيته من أجل الإسلام، إلا أنه كان يعرف عاقبة ذلك أيضاً.
علاوةً على ذلك فقد علّم الجميع على مر التاريخ وأرشدهم إلى أن هذا هو الطريق الصائب علّمهم أن لا يخشوا قله العدد فالعدد ليس هو الأساس في تحقيق التقدم للإمام، الأصل والمهم هو النوعية، والمهم هو كيفية التصدي للأعداء والنضال ضدهم ومقاومتهم، فهذا هو الموصل إلى الهدف، من الممكن أن يكون عدد الأفراد كبيراً إلا أنهم قد يكونون خاوين أو ليسوا بالمستوى المطلوب.
ومن الممكن أن يكون عددهم قليلاً إلّا أنهم أقوياء أشداء وشامخو الهامات.
لقد علّمنا إمام المسلمين أنه عندما يحكم المسلمين طاغوتٌ جائر فعلی المسلمين وعلينا أن ننهض بوجهه حتى لو كانت قوانا لا تتناسب مع القوى التي يملكها علينا أن نقوم ونستنكر، علمنا أن نضحي ونستر خص دماءنا إذا رأينا كيان الإسلام عُرضة للخطر.
لقد علّمنا سيد الشهداء علیه السلام بنهضته ما ينبغي لنا عمله في ساحة الحرب
1) في كتابه نهضة عاشوراء.
وخلفها، وماذا يجب أن يعلمه أولئك الذين يخوضون غمار الكفاح المسلح وما هي واجبات المبلّغين خلف جبهات القتال وكيف يؤدّون ذلك.
تعلّمنا من الحسين علیه السلام كيفية النضال والجهاد الذي تقوده قلة من الناس بوجه جحافل الظلمة، وكيف يكون ثلة قليلة بوجه حكومة تعسفية جائرة تسيطر على كل مناحي الحياة.
هذه أمور تعلّمها شعبنا من سيد الشهداء علیه السلام وأهل بيته، كما تعلّم من ابنه الجليل الفذ الإمام السجاد علیه السلام و ماذا ينبغي عمله بعد وقوع المصيبة، هل ينبغي الاستسلام؟ هل يجب التخفيف والتقليل من حدة النضال والجهاد؟ أم أن علينا أن نقتدي بزينب علیها السلام التي حلّ بها مصاب تصغر عنده المصائب، فوقفت بوجه الكفر والزندقة، وتكلمت وخطبت كلما تطلّب الموقف وكشف الحقائق، ومثلما مارس الإمام علي بن الحسين علیه السلام دوره التبليغي رغم المرض الذي كان يعاني منه.
لقد حدد سيد الشهداء علیه السلام وأنصاره وأهل بيته تكليفنا وهو التضحية في الميدان، والتبليغ في خارجه.
فنفس القيمة التي تحملها تضحية الحسين علیه السلام عند الله (تبارك وتعالى) ونفس الدور الذي لعبته في تأجيج نهضته، تحملها - أو تقاربها - خطب الإمام السجاد علیه السلام وزينب علیها السلام أيضاً.
فتأثيرها يقرب من تأثير تضحية الحسين علیه السلام بدمه.
لقد أفهمونا أنه لا ينبغي للنساء ولا للرجال أن يخافوا في مقابل حكومة الجور. فقد وقفت زينب (سلام الله عليها) أمام يزيد - في مجلسه - وصرخت بوجهه وأهانته وأشبعته تحقيراً لم يدقه بنو أمية قاطبة طيلة حياتهم.
كما أنها علیه السلام والسجاد علیه السلام با قد تحدّثا وخطبا في الناس أثناء الطريق وفي الكوفة والشام وما قام به الإمام السجاد علیه السلام من الخطابة وكشف الحقائق فأكد على أن الأمر ليس مواجهة الباطل ضد الحق، وأن الأعداء قد شوهوا سمعة النهضة، وحاولوا أن يتهموا الحسين علیه السلام بالخروج على الحكومة القائمة وعلى خليفة
رسول الله !! هكذا أعلن الإمام السجاد علیه السلام الحقيقة بصراحة على رؤوس الأشهاد وهكذا فعلت زينب علیها السلام أيضاً.
وهكذا الأمر اليوم فسيد الشهداء علیه السلام قد حدد واجبنا وعيّن تكليفنا، وعلّمنا أن لا نخشى قلة العدد في المواجهة ولا من الاستشهاد في ميدان الحرب، فكلما عظم هدف الإنسان وسمت غايته كان عليه أن يتحمل المشاق بما يتناسب مع ذلك الهدف.
لقد ضحّى الإمام الحسين علیه السلام - رغم قلة عدد أنصاره - بكل شيء، ووقف بوجه أمبراطورية كبرى وقال : لا.
بينما كانت شهادة سيد الشهداء علیه السلام أعظم خسارة، فإنه كان يعلم ماذا يفعل، بأي اتجاه يسير، وما هو هدفه، فقد ضحّى واستشهد، وعلينا نحن أيضاً أن نعقد أملنا ونهتدي بتلك التضحيات، ولنرّ ماذا صنع سيد الشهداء علیه السلام وكيف طوى بساط الظلم ودمر بُنيانه وأزال أركانه، ثم ماذا فعلنا نحن!
عندما رأى سيد الشهداء (سلام الله عليه) حاكماً ظالماً يحكم بين الناس بالجور والظلم صرّح علیه السلام قائلاً: «أيها الناس إن رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم قال : من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفا لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله».
تُرى هل أن دمنا أثمن وأغلى من دم سيد الشهداء علیه السلام؟ لماذا نخاف من أن نضحّي بدمنا وأرواحنا؟ والأهم أن هذه التضحية إنما هي في سبيل دفع السلطان الجائر الذي يقول: إنني مسلم.
إن إسلام يزيد كإسلام الملك محمد رضا، وإن لم يكن أسوأ فليس بأحسن منه، ولأنه عامَلَ الشعب بتلك المعاملة وكان امرءاً ظالماً جائراً غشوماً وأراد أن يرغم الناس على إطاعته دون مسوغ، فإن سيد الشهداء علیه السلام رأى أن عليه أن ينهض بوجه ذلك السلطان الجائر حتى لو أدى ذلك إلى التضحية بحياته.
إن منهج الإمام الحسين (سلام الله عليه) وأوامره الموجهة للجميع «كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء تقضي بأن نستمر في الثورة والقيام والنهوض، امتداداً
لتلك النهضة وذلك المنهج، فالإمام الحسين علیه السلام ثار ومعه فئة قليلة العدد من الأنصار، ووقف بوجه أمبراطورية كبرى وضحّى بكل شيء من أجل الإسلام، وأكّد : أنه ينبغي أن يستمر هذا الرفض والقيام في كل زمان ومكان.
إنكم تلاحظون أن خير خلق الله في عصره سيد الشهداء (سلام الله عليه) وشبان بني هاشم وأصحابه، استشهدوا وغادروا هذه الحياة، ولكن عندما جرى ذكرهم في مجلس يزيد أقسمت زينب (سلام الله عليها): «ما رأيت إلّا جميلاً».
إن استشهاد الإنسان الكامل يعتبر في نظر أولياء الله شيئاً جميلاً، لأن الحرب والنهضة كانتا في سبيل الله - تبارك وتعالى ...
ثم وضع رأس الحسين علیه السلام بين يدي ابن زياد وأدخل عليه نساء الحسين وصبيانه فجلست زينب بنت عليّ متنكّرة فقال لها ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم.
فقالت : إنّما يفتضح الفاسق.
فقال : كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟
فقالت: ما رأيت إلّا جميلاً؛ هؤلاء قومٌ كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتُخاصم.
وقيل : ولما روى ابن مرجانة أحقاده من رأس الإمام التفت إلى عائلة الحسين فرأى امرأة منحازة في ناحية من مجلسه وعليها أرذل الثياب وقد حفت بها المهابة والجلال مما حمل ابن زياد على السؤال عنها فقال :
«من هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟».
فأعرضت عنه، وكرر السؤال مرتين فلم تجبه استهانة به واحتقاراً لشأنه، فانبرت إحدى السيدات فقالت له :
«هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم».
فالتاع الخبيث الدنس من احتقارها له واندفع يظهر شماتته بلسانه الألكن قائلاً : «الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأبطل أحدوثتكم».
فثارت حفيدة الرسول صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم بشجاعة محتقرة ذلك الوضر الخبيث وصاحت به : «الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه وطهرنا من الرجس تطهيراً، إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا يا بن مرجانة».
لقد قالت هذا القول الصارم وهي والخفرات من آل محمد صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم في قيد الأسر وقد نصبت فوق رؤوسهن حراب الفاتحين، وشهرت عليهن سيوف الشامتين. وقد أنزلت الطاغية من عرشه إلى قبره، وأطاحت بغلوائه، وعرفته أمام خدمه وأتباعه أنه المفتضح والمنهزم .. فقال ابن مرجانة متشفياً بأحط وأخس ما يكون التشفي :
«كيف رأيت فعل الله بأخيك؟».
وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود فأجابته بكلمات الظفر والنصر لها ولأسرتها قائلة :
«ما رأيت إلا جميلاً، هولاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة».
وفقد الحقير اها به من هذا التبكيت الموجع، والتعريض المقذع، وتميز غيظاً وغضباً، وهمّ أن ينزل بها عقوبته فنهاه عمرو بن حريث، وقال له: إنها امرأة لا تؤاخذ بشي من منطقها، فالتفت إليها قائلاً :
«لقد شفي الله قلبي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك».
وغلب على العقيلة الحزن والأسى من هذا التشفي، والجرأة عليها، وقد تذكرت الصفوة الأبطال من أهل بيتها الذين سقطوا في ميادين الجهاد فأدركتها لوعة الأسى فقالت :
«العمري لقد قتلت كهلي وأبدت أهلي وقطعت ،فرعي، واجتيات أصلي فإن يشفك هذا فقد اشتفيت».
وتهافت ابن مرجانة وسكن غيظه وراح يقول :
«هذه سجاعة. لعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً».
فردت عليه زينب علیها السلام : ان لي عن السجاعة لشغلاً ما للمرأة والسجاعة.
ما ألأم هذه الحياة وما أخسها التي جعلت ربيبة الوحي أسيرة عند ابن مرجانة وهو يبالغ في احتقارها وتوهينها.
إن كان عندك يا زمان بقية *** مما يضام به الكرام فهاتها(1)
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 230/3
و روی أنه لما أدخل عيال الحسين علیه السلام على ابن زياد في الكوفة دخلت زينب أخت الحسين علیها السلام في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها فمضت حتى جلست ناحية من القصر وحقت بها إماؤها فقال ابن زياد: من هذه التي انحازت فجلست ناحية ومعها نساؤها؟ فلم تجبه زينب فأعاد ثانية يسأل عنها، فقال بعض إمائها : هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله.
فأقبل عليها ابن زياد فقال لها : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم.
فقالت زينب : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد وطهرنا من الرجس تطهيراً إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد لله.
فقال ابن زياد كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟
قالت: كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده فغضب ابن زیاد و استشاط فقال عمرو بن حريث : أيها الأمير إنها إمرأة والمرأة لا تؤاخذ بشي من منطقها ولا تلم على أخطائها .
فقال لها ابن زياد: قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك، فرقت زينب وبكت وقالت لعمري لقد قتلت كهلي وأبرت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي فإن يشفك هذا فقد شفيت.
فقال لها ابن زياد: هذه سجاعة ولعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً.
فقالت : ما للمرأة والسجاعة إن لي عن السجاعة لشغلاً ولكن صدري نفث لما قلت (1).
1) الارشاد للمفيد : 2/ 116
قال الدكتور أحمد محمود صبحي: «ثم رفض - يعني الحسين - إلا أن يصحب أهله ليشهد الناس على ما يقترفه أعداؤه بما لا يبرره دين ولا وازع من إنسانية، فلا تضيع قضيته مع دمه المراق في الصحراء فيفترى عليه أشد الافتراء حين يعدم الشاهد العادل على كل ما جرى بينه وبين أعدائه، تقول الدكتورة بنت الشاطي: أفسدت زينب أخت الحسين على ابن زياد وبني أمية لذة النصر، وسكبت قطرات من السم الزعاف في كؤوس الظافرين وإن كل الأحداث السياسية التي ترتبت بعد ذلك من خروج المختار وثورة ابن الزبير وسقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية ثم تأصل مذهب الشيعة إنما كانت زينب هي باعثة ذلك ومثيرته.
أريد أن أقول ماذا يكون الحال لو قتل الحسين ومن معه جميعاً من الرجال إلا أن يسجل التاريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه فيضيع كل أثر لقضيته مع دمه المسفوك في الصحراء ...».
هذه بعض الآراء التي تدعم ما ذكرناه من أن خروج الحسين علیه السلام بعائلته لم يكن الغرض منه إلا بلورة الرأي العام، وإيضاح المقاصد الرفيعة التي ثار من أجلها ومن أهمها القضاء على دولة الأمويين التي كانت تشكل خطراً مباشراً على العقيدة الإسلامية وهناك رأي آخر أدلى به العلامة المغفور له الشيخ عبد الواحد المظفر، وهو أن الحسين إنما خرج بعائلته خوفاً عليها من اعتقال الأمويين وزجها في سجونهم قال: «الحسين لو أبقى النساء في المدينة لوضعت السلطة الأموية عليها الحجر، لا بل اعتقلتها علناً وزجتها في ظلمات السجون ولا بد له حينئذ من أحد أمرين خطيرين كل منهما يشل أعضاء نهضته المقدسة!
إما الاستسلام لأعدائه وإعطاء صفقته لهم طائعاً ليستنقذ العائلة المصونة وهذا خلاف الإصلاح الذي ينشده، وفرض على نفسه القيام به مهما كلفه الأمر من الأخطار، أو يمضي في سبيل إحياء دعوته، ويترك المخدرات اللواتي ضرب عليهن الوحي ستراً من العظمة والإجلال، وهذا ما لا تطيق احتماله نفس الحسين الغيور ولا يردع أمية رادع من الحياء، ولا يزجرها زاجر من الإسلام.
إن أمية لا يهمها اقتراف الشائن في بلوغ مقاصدها، وإدراك غاياتها فتتوصل إلى غرضها ولو بارتكاب أقبح المنكرات الدينية والعقلية.
ألم يطرق سمعك سجن الأمويين لزوجة عمرو بن الحمق الخزاعي، وزوجة عبيد الله بن الحر الجعفي وأخيراً زوجة الكميت الأسدي».
وعلى أي حال فقد حطم الإمام بخروجه وعائلته جميع مخططات السياسة الأموية ونسف جميع ما أقامه معاوية من معالم الظلم، فقد قمن عقائل الوحي بدور فعال ببث الوعي الاجتماعي، وتعريف المجتمع بواقع الأمريين وتجريدهم من الإطار الديني، ولولاهن لاندرست معالم ثورة الحسين، وذهبت أدراج الرياح.
إن من ألمع الأسباب في استمرار خلود مأساة الإمام الحسين علیه السلام واستمرار فعالياتها في بث الإصلاح الاجتماعي على امتداد التاريخ هو حمل ودائع الرسالة وعقائل الوحي مع الإمام فقد قمن بدور مشرق ببلورة الرأي العام، فحملن راية الإيمان التي حملها الإمام العظيم، ونشرن مبادئه العليا التي استشهد من أجلها، فقد انبرت حفيدة الرسول صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم وشقيقة الحسين السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علیه السلام إلى ساحات الجهاد، وهي تدك حصون الظالمين، وتدمر جميع ما أحرزوه من الانتصارات في قتل أخيها، وتلحق بهم الهزيمة والعار، وتملا بيوتهم مأساة وحزناً.
لقد أقبلت قائدة المسيرة الحسينية عقيلة الوحي زينب علیها السلام إلى ساحة المعركة وهي تشق صفوف الجيش تفتش عن جثمان أخيها الإمام العظيم فلما وقفت عليه شخصت لها أبصار الجيش واستحال إلى سمع فماذا تقول أمام هذه الخطوب المذهلة التي تواكبت عليها؟إنها وقفت عليه غير مدهوشة لم تذهلها الرزايا لتي تميد
منها الجبال، فشخصت ببصرها إلى السماء؟ وهي تقول بحماسة الإيمان وحرارة العقيدة قائلة :
«اللَّهم تقبل منا هذا القربان»
وأطلقت بذلك أول شرارة للثورة على الحكم الأموي بعد أخيها، وود الجيش أن تسيخ به الأرض فقد استبان له عظم ما اقترفه من الإثم وأنه قد أباد عناصر الإسلام، ومراكز الوعي والإيمان.
ولما اقتربت سبايا أهل البيت علیهم السلام إلى الكوفة خرجت الجماهير الحاشدة لاستقبال السبايا فخطبت فيهم عقيلة الوحي خطاباً مثيراً ومذهلاً وإذا بالناس حيارى لا يعون ولا يدرون قد استحالت بيوتهم إلى مآتم وهم يندبون حظهم التعيس ويبكون على ما اقترفوه من الجرم، وحينما انتهت إلى دار الإمارة استقبلها الطاغية متشفياً بأحط وأخس ما يكون التشفي قائلاً :
«كيف رأيت صنع الله بأخيك؟»
وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود فأجابته بكلمات النصر والظفر قائلة :
«ما رأيت إلا جميلاً هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة».
وأخزت هذه الكلمات ابن مرجانة فكانت أشق عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح، ولما انتهت إلى الشام هزت العرش الأموي بخطابها المثير الرائع، وحققت بذلك من النصر ما لم تحققه الجيوش ... لقد كان حمل الإمام الحسين لعائلته قائماً على أساس من الوعي العميق الذي أحرز به الفتح والنصر.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أسباب الثورة الحسينية ومخططاتها (1)
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 2/ 210 - 213 .
وقل ما شئت في تصوير المحنة الكبرى التي دهمت عقائل النبوة صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم في ليلة الحادي عشر من المحرم، فإنك لا تستطيع تصويرها ولا استيعاب مأساتها، فلم تبق رزية من رزايا الدنيا ولا غصة من غصص الدهر إلا جرت عليهن، فالأعداء الجفاة الذين لا يملكون أي شرف أو نبل قد استولوا عليهن والحماة الأباة من آل الرسول صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم قد تناثرت أشلاؤهم الزكية أمامهن من دون أن ينبري أحد إلى مواراتهم، والخيام قد أحرقت ونهب ما فيها من ثقل ومتاع، وسلب ما عليهن من حلي وحلل ووصف ذلك المنظر الحزين الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في رائعته التي يقول فيها :
وسجى الليل والرجال ضحايا *** والنساء المخدرات ذهول
واليتامي تشرد وضياع *** والشكالي مدامع وعويل
وبقايا مخيم من رماد *** وقيود يئن منها عليل
وزنود قت عليها سياط *** وجسوم يضري بها التمثیل
أما حفيدة الرسول صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم وشقيقة الحسين العقيلة زينب علیه السلام فإنها ما وهنت ولا استكانت أمام تلك الأهوال القاصمة فقد أسرعت تلتقط الأطفال الذين هاموا على وجوههم في البيداء وتجمع العيال في تلك البيداء الموحشة، وهي تسليهم وتصبرهم على تلك الرزايا وقد أنفقت تلك الليلة ساهرة على حراستهم، وقد هامت في تيارات من الأسى لا يعلم بمداها إلا الله، وقد أدت وردها من صلاة الليل ولكن استولى الضعف عليها فادتها من جلوس (1)
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 210/3.
قال : ثم أخرجوا النساء من الخيمة، وأشعلوا فيها النار، فخرجن حواسر مسلبات حافيات باكيات، يمشين سباياً في أسر الذلة، وقلن بحق الله إلا ما مررتم بنا على مصرع الحسين، فلما نظرت النسوة إلى القتلى، صحن وضربن وجوههن قال : فوالله لا أنسى زينب بنت علي علیها السلام وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين وقلب كثيب وامحمداه صلى عليك مليك السماء، هذا حسين مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا إلى الله المشتكى، وإلى محمد المصطفى، وإلى علي المرتضى وإلى حمزة سيد الشهداء وامحمداه هذا حسين بالعراء، يسفي عليه الصباء قتيل أولاد البغايا يا حزناه يا كرباه اليوم مات جدي رسول الله، يا أصحاب ،محمداه، هؤلاء ذرية المصفطى يساقون سوق السبايا.
وفي بعض الروايات : قالت علیه السلام : يا محمداه بناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عليهم ريح الصبا، وهذا حسين مجزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامه والرداء، بأبي من عسكره في يوم الاثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا هو غائب فيرتجى، ولا جريح فيداوى، بأبي من نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدماء، بأبي من جده رسول إله السماء، بأبي من هو سبط نبي الهدى، بأبي محمد المصطفي، بأبي خديجة الكبرى بأبي علي المرتضى، بأبي فاطمة الزهراء سيدة النساء، بأبي من ردت عليه الشمس حتى صلى.
قال : فأبكت والله كل عدو وصديق.
ثم إن سكينة اعتنقت جسد الحسين علیه السلام، فاجتمع عدة من الاعراب حتى جروها عنه(1).
سلام الله عليك يا زينب أي صبر كنت تتحلين به وأي قلب كان لديك؟!
1) كتاب الملهوف ص 112 - 121.
روى الطبري بسنده، عن حميد بن مسلم، قال: دعاني عمر بن سعد فسرحني إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته فأقبلت حتى أتيت أهله فأعلمتهم ذلك، ثم أقبلت حتى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس وأجد الوفد قد قدموا عليه فأدخلهم وأذن للناس فدخلت فيمن دخل، فإذا برأس الحسين موضوع بين يديه وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة فلما رآه زيد بن أرقم لا پنجم عن نكته بالقضيب، قال له : اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين فوالذي لا اله غيره، لقد رأيت شفتي رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم على هاتين الشفتين يقبلهما ثم انفضح الشيخ يبكي فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك.
قال : فنهض فخرج فلما خرج سمعت الناس يقولون : والله لقد قال زيد بن أرقم قولا لو سمعه ابن زياد لقتله قال : فقلت : ما قال؟
قالوا : مر بنا وهو يقول، ملك عبد عبدا فاتخذهم تلدا أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذل فبعدا لمن رضي بالذل.
قال : فلما دخل برأس حسين وصبيائه وأخواته ونسائه على عبيد الله بن زياد لبست زينب ابنة فاطمة أرذل ثيابها وتنكرت وحفت بها إماؤها، فلما دخلت جلست فقال عبيد الله بن زياد: من هذه الجالسة، فلم تكلمه، فقال ذلك ثلاثا، كل ذلك لا تكلمه، فقال بعض إمالها : هذه زينب ابنة فاطمة.
قال: فقال لها عبيد الله : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم فقالت : الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم وطهرنا تطهيرا، لا كما تقول أنت إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، قال: فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك.
قالت كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتخاصمون عنده.
قال فغضب ابن زیاد واستشاط قال: فقال له عمرو بن حريث: أصلح الله الأمير إنما هي امرأة وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها انها لا تؤاخذ بقول ولا تلام على خطل، فقال لها ابن زياد: قد اشفى نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك!
قال: فبكت، ثم قالت: لعمري لقد قتلت كهلي وأبرت أهلي وقطعت فرعي، واجتثئت أصلي، فإن يشفك هذا، فقد اشتفيت، فقال لها عبيد الله : هذه سجاعة! قد لعمري كان أبوك شاعراً سجاعاً!
قالت: ما للمرأة والسجاعة ان لي عن السجاعة(1)لشغلا ولكني نفثي ما أقول.
وروى عن حميد بن مسلم قال : إني لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علي ابن الحسين.
فقال له : ما اسمك قال : أنا علي بن الحسين قال: أولم يقتل الله علي بن الحسين؟ فسكت فقال له ابن زياد: مالك لا تتكلم؟
قال: قد كان لي أخ يقال له أيضاً علي فقتلته الناس قال : إن الله قد قتله.
قال : فسكت علي فقال له : مالك لا تتكلم؟ قال: الله يتوفى الأنفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلَّا بإذن الله.
قال: أنت والله منهم (ويحك انظروا هل أدرك والله أني لأحسبه رجلاً)(2)فقال: اقتلوه.
1) السجع : الكلام المقفى أو موالاة الكلام على روى واحد وقد يطلق السجع على الكلام المسجع وسجع الخطيب سجما نطق بكلام له فواصل فهو سجاع وسجاعة بتشديد الجيم وهذا ما أراده ابن زياد في قوله وأجابته زينب بأن لها ما يشغلها عن سجع الكلام وما ورد في النسخة (الشجاع والشجاعة) تحريف.
2) ان علي بن الحسين السجاد كان قد ولد له محمد الباقر علیه السلام يومذاك، ومع هذا لا يستقيم هذا القول وهذه الجملة زيادة في الرواية لم ترد ضمن رواية الطبرسي في إعلام الورى.
فقال علي بن الحسين: من توكل بهؤلاء النسوة؟ وتعلقت به زینب عمته علیه السلام فقالت : يا ابن زياد حسبك منا أما رويت من دمائنا وهل أبقيت منا أحدا.
قال : فاعتنقته فقالت : أسالك بالله ان كنت مؤمنا ان قتلته لما قتلتني معه قال : و ناداه علي فقال : يا ابن زياد إن كانت بينك وبينهم قرابة فابعث معهن رجلاً تقيا يصحبهن بصحبة الإسلام.
قال : فنظر إليها ساعة ثم نظر إلى القوم فقال : عجبا للرحم والله إني لأظنها ودت لو أني قتلته (1)معه، دعوا الغلام انطلق مع نسائك.
وقال حميد بن مسلم : لما دخل عبيد الله القصر ودخل الناس نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس في المسجد الأعظم فصعد المنبر ابن زياد فقال: الحمد الله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه وقتل الكذاب الحسين بن علي وشيعته فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الغامدي ثم أحد بني والبة وكان من شيعة علي كرم الله وجهه وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي فلما كان يوم صفين ضرب على رأسه ضربة وأخرى على حاجبه فذهبت عينه الأخرى، فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف قال : فلما سمع مقالة ابن زياد قال : يا بن مرجانة ان الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوها يا بن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتكلمون بكلام الصديقين! فقال ابن زياد: علي به.
قال : فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه قال : فنادى بشعار الأزد یا مبرور!
قال : وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي جالس، فقال : ويح غيرك! أهلكت نفسك وأهلكت قومك، قال: وحاضر الكوفة يومئذ من الأزد سبعمائة مقاتل.
قال فوثب إليه فتية من الأزد، فانتزعوه فأتوا به أهله، فأرسل إليه من أتاه به فقتله، فأمر بصلبه في السبخة فصلب هناك(2).
وحينما رأت السيدة زينب علیها السلام حفيدة الرسول صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم وشقيقة الإمام الحشود الزاخرة التي ملأت شوارع الكوفة وأزقتها، اندفعت إلى الخطابة لبلورة الموقف، وإظهار المصيبة الكبرى التي جرت على أهل البيت وتحميل الكوفيين مسؤولية هذه الجريمة النكراء، فهم الذين نقضوا العهد، وخاسوا بالذمة، فقتلوا ريحانة رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم ثم عادوا بعد قتله ينوحون ويبكون كأنهم لم يقترفوا هذا الإثم العظيم، وهذا نص خطابها :
«الحمد لله وصلواته على أبي محمد رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم وعلى آله الطاهرين الأخيار أما بعد: يا أهل الكوفة يا أهل الختل والخذل أتبكون؟!! فلا رقات لكم دمعة إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم إلا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.
أتبكون وتنتحبون!! أي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، كل ذلك بانتهاككم حرمة ابن خاتم الأنبياء، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حضرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم ومدرة سنتكم، ألا ساء ما تزرون، وبُعداً لكم، وسحقاً، فلقد خاب السعي، ونبت الأيدي وخسرت الصفقة وتوليتم بغضب الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة.
أتدرون ويلكم يا أهل الكوفة؟ أي كبد لرسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم فريتم وأي دم له سفكتم، وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئاً اداً تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هداً!!
لقد جئتم بها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض، ومل السماء، أفعجبتم ان مطرت
السماء دماً ولعذاب الآخرة أخزى، وهم لا ينصرون فلا يستخفنكم المهل فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار وان ربكم لبالمرصاد....».
لقد قرعتهم بطلة كربلاء، بمنطق الصدق وصوت الحق، ودلتهم على نفوسهم الخبيثة، فلم تنخدع بدموعهم الكاذبة، ولم ينطل عليها زورهم وبهتانهم، ونعت عليهم جريمتهم النكراء التي هي أبشع جريمة وقعت في الأرض .. وقد وصفتهم بأخس الصفات التي توصف بها أحط الشعوب، فقد وصفتهم بالختل والغدر، وهما مصدران لانحطاط الإنسان وشقائه.
وعلقت سلام الله عليها على بكائهم فقالت: إن من حقهم أن يبكوا كثيراً ويضحكوا قليلاً على عظيم ما اقترفوه من الإثم، فقد قتلوا سيد شباب أهل الجنة وسليل خاتم النبوة، والمنقذ والمحرر لهم، وفروا كبد رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم وانتهكوا حرمته، وسبوا عياله فأي جريمة أبشع أو أفظع من هذه الجريمة؟(1).
قال بشير بن حديم الأسدي : نظرت إلى زينب بنت على يومئذ - ولم أر خفرة قط أنطلق منها كأنما تنطق عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام وتفرغ عنه - وأومأت إلى الناس أن اسكتوا فارتدت الأنفاس، وسكنت الأجراس، فقالت : «الحمد لله والصلاة على أبي محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الأخيار آل الله، وبعد يا أهل الكوفة! ويا أهل الختل، والخذل، والغدرا أتبكون؟ فلا رقات الدمعة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوه أنكاثا».
اتتخذون أيمانكم دخلا بينكم؟ ألا وهل فيكم إلّا الصلف، والطنف والشنف (2)وملق الإماء وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كقصة (3)على ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها
وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا وأنى ترحضون قتل سليل خاتم الأنبياء وسيد شباب أهل الجنة وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم ومدره(1)السنتكم ألا ساء ما تزرون وبعدا لكم وسحقا، فلقد خاب السعي وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، ويلكم يا أهل الكوفة.
أتدرون أي كبد لرسول الله فربتم، وأي دم له سفكتم، وأي كريمة له أبرزتم وأي حريم له أصبتم؟ وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئاً إذا تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض منه، وتخر الجبال هدا، ان ما جئتم بها لصلعاء، وعنقاء سوءاء فقماء خرقاء شوهاء، كطلاع الأرض وملاء السماء.
أفعجبتم أن قطرت السماء دما؟ ولعذاب الآخرة أشد وأخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل، فإنه عزّ وجلّ لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، كلا ان ربكم لبالمرصاد.
قال بشير: فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى، كأنهم كانوا سكارى، يبكون ويحزنون ويتفجعون ويتأسفون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم.
قال : ونظرت إلى شيخ من أهل الكوفة كان واقفا إلى جنبي، قد بكى حتى اخضلت لحيته بدموعه وهو يقول: صدقت بأبي وأمي، كهولكم خير الكهول، وشبانكم خير الشبان ونساؤكم خير النسوان، ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزي(2).
قال السيد القرشي : واضطرب الناس من خطاب سليلة النبوة وأيقنوا بالهلاك، وقد وصف خزيمة الأسدي مدى الأثر البالغ الذي أحدثه خطاب العقيلة يقول : لم أر والله خفرة أنطق منها كأنما تفرغ عن لسان الإمام أمير المؤمنين، ورأيت الناس بعد خطابها حيارى واضعي أيديهم على أفواههم، ورأيت شيخاً قد دنا منها يبكي حتى اخضلت لحيته وهو يقول: بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسلكم لا يبور ولا يخزى أبداً إلا أن الإمام زين العابدين قطع على عمته خطابها قائلاً :
«اسكتي يا عمة، فأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة ..».
فأمسكت عن الكلام، وتركت المجتمع يمور بالأسى والحزن(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 227/3.
في مثير الأحزان واللهوف بعده (1): فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب، فقالت: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول : «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ».
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا، وبك عليه كرامة، وان ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور منسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلا مهلا، أنسيت قول الله تعالى: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدَادُوا إِنْمَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ».
أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي، وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فو؟ أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بعضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والاحن والأضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم :
1) مثير الأحزان ص 80 واللهوف ص 70.
لأهلوا واستهلوا فرحا *** ثم قالوا يا بزيد لا تشل»
منحنيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك، وقد نكات القرحة، واستأصلت الشافة، بإراقتك دماء ذرية محمد صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت.
اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا.
فوالله ما فريت إلّا جلدك، ولا حززت إلّا لحمك، ولتردن على رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا «بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم خصيما، وبجبريل ظهيرا، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا وأيكم شر مكانا واضعف جندا، ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، إني لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، ولكن العيون عبرى، والصدور حرى.
الا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفوها أمهات الفراهل ولئن اتخذتنا مغنما، لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلّا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد، والى الله المشتكى وعليه المعول.
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك الافند وأيامك إلّا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادى المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.
والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأولنا والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، انه رحيم ودود وحسبنا ونعم الوكيل».
فقال يزيد :
يا صيحة تحمد من صوائح *** ما أهون النوح على النوائح(1)
وقال القرشي : وأظهر الطاغية فرحه بإبادته للعترة الطاهرة، فقد حسب أنه قد صفا له الملك واستوسقت له الأمور فأخذ يهز أعطافه جذلان مسروراً، وتمنى حضور القتلى من أهل بيته ببدر ليريهم كيف أخذ بثأرهم وانتقم من النبي صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم في ذريته وعترته وراح يترنم بأبيات ابن الزبعري وهو مزهو :
ليت أشياخ اخي بيدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأصل
لأهلوا واستهلوا فرحاً *** ثم قالوا: يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم *** وعدلاه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم انتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
ولما سمعت بطلة كربلاء هذه الأبيات التي نمت عن كفره وسروره بقتل عترة النبي صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم انتقاماً منهم لقتلى بدر وثبت تزجره، وتطعن كبرياءه، غير حافلة بجبروته وطغيانه، فلم يدركها الهول والفزع، وإنما كانت مثال الشجاعة فكأنها هي والمنتصرة، والطاغية هو المخذول والمغلوب على أمره، قالت علیه السلام :
«الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ»(2)أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا
نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وان ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً لا تعلش جهلاً، أنسيت قول الله تعالى: «وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ»(1).
أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطاً في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والاحن والاضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم :
لأهلوا واستهلوا فرحاً *** ثم قالوا: بایزید لا تثل
منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك؟ وقد نكات القرحة، واستأصلت الشافة بإراقتك دماء ذرية محمد صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكاً موردهم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت اللهم خذلنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا.
فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم، ويأخذ بحقوقهم: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»(2).
وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد خصيماً، وبحبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سول لك
ومكنك من رقاب المسلمين، بس للظالمين بدلاً وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً.
ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك أني لاستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى والصدور حرى فالعجب كل العجب!! لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنظف من دمائنا والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتحفرها أمهات الفراعل ولئن اتخذنا مغنماً، لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى وعليه المعول.
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا ولا يرخص عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.
والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل».
وهذا الخطاب أروع خطاب أثر في الإسلام، وهو من متممات النهضة الحسينية الخالدة، فقد دمرت فيه حفيدة الرسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم جبروت الطاغية، وألحقت به الهزيمة والعار، وعرفته أن دعاة الحق لا تنحني جباههم أمام الطغاة والظالمين، يقول الإمام كاشف الغطاء :
«اَتستطيع ريشة أعظم مصور وأبدع ممثل أن يمثل لك حال يزيد وشموخه بأنفه وزهوه بعطفه وسروره وجذله باتساق الأمور، وانتظام الملك ولذة الفتح والظفر والتشفي والانتقام - بأحسن من ذلك التصوير والتمثيل - وهل في القدرة والإمكان لأحد أن يدفع خصمه بالحجة والبيان والتقريع والتأنيب. ويبلغ ما بلغته سلام الله عليها بتلك الكلمات وهي على الحال الذي عرفت ثم لم تقتنع منه بذلك حتى أرادت أن تمثل له وللحاضرين عنده ذلة الباطل وعزة الحق وعدم الاكتراث والمبالاة بالقوة
والسلطة، والهيبة والرهبة، أرادت أن تعرفه خسة قدره، وضعة مقداره وشناعة فعله، ولوم فرعه وأصله».
ويقول المرحوم الفكيكي :
«تأمل معي في هذه الخطبة النارية كيف جمعت بين فنون البلاغة، وأساليب الفصاحة، وبراعة البيان، وبين معاني الحماسة وقوة الاحتجاج وحجة المعارضة والدفاع في سبيل الحرية والحق والعقيدة، بصراحة هي أنفذ من السيوف إلى أعماق القلوب، وأحد من وقع الأسنة في الحشا والمهج في مواطن القتال ومجالات النزال، وكان الوثوب على أنياب الأفاعي وركوب أطراف الرماح أهون على يزيد من سماع هذا الاحتجاج الصارخ الذي صرخت به ربيبة المجد والشرف في وجوه طواغيت بني أمية وفراعنتهم في منازل عزهم ومجالس دولتهم الهرقلية الارستقراطية الكريهة.
ثم إن هذه الخطبة التاريخية الصاعقة لا تزال تنطق ببطولات الحوراء الخالدة وجرأتها النادرة، وقد احتوت النفس القوية الحساسة الشاعرة بالمثالية الأخلاقية الرفيعة السامية، وسيبقى هذا الأدب الحي صارخاً في وجوه الطغاة الظالمين على مدى الدهر وتعاقب الأجيال وفي كل ذكرى لواقعة الطف الدامية المفجعة».
قال السيد القرشي : وكان هذا الخطاب العظيم امتداداً لثورة كربلاء وتجسيداً رائعاً لقيمها الكريمة وأهدافها السامية وقد حفل بما يلي :
أولاً : انها دللت على غرور الطاغية وطيشه، فقد حسب أنه هو المنتصر بما يملك من القوى العسكرية التي ملات البيداء وسدت آفاق السماء، إلا أنه انتصار مؤقت، ومن طيشه انه حسب أن ما أحرزه من الانتصار كان لكرامة له عند الله وهوان لأهل البيت، ولم يعلم أن الله إنما يملي للكافرين في هذه الدنيا من النعم ليزدادوا إثماً ولهم في الآخرة عذاب أليم.
ثانياً : انها نعت عليه سبيه لعقائل الوحي، فلم يرع قرابة رسول الله فيهم وهو الذي منَّ على آبائه يوم فتح مكة فكان أبوه وجده من الطلقاء فلم يشكر للنبي هذه اليد وكافاء بأسوا ما تكون المكافاة.
ثالثاً : ان ما اقترفه الطاغية من سفكه لدماء العترة الطاهرة فإنه مدفوع بذلك بحكم نشأته ومواريثه فجدته هند هي التي لاكت كبد سيد الشهداء حمزة وجده أبو سفيان العدو الأول للإسلام، وأبوه معاوية الذي أراق دماء المسلمين وانتهك جميع ما حرمه الله، فاقتراف الجرائم من عناصره وطباعه التي فطر عليها.
رابعاً : إنها أنكرت عليه ما تمثل به من الشعر الذي تمنى فيه حضور أشياخه الأمويين ليروا كيف أخذ بثأرهم من النبي صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم بإبادة أبنائه إلا أنه سوف يرد موردهم من الخلود في نار جهنم.
خامساً : إن الطاغية بسفكه لدماء العترة الطاهرة لم يسفك إلا دمه ولم يفر إلا
جلده، فإن تلك النفوس الزكية حية وخالدة وقد تلفعت بالكرامة وبلغت قمة الشرف، وإنه هو الذي باء بالخزي والخسران.
سادساً : انها عرضت إلى من مكن الطاغية من رقاب المسلمين فهو المسؤول عما اقترفه من الجرائم، وقد قصدت عليها السلام مغزى بعيداً يفهمه كل من تأمل فيه.
سابعاً : انها أظهرت سمو مكانتها فكلمت الطاغية كلام الأمير والحاكم فاستهانت به، واستصغرت قدره، وتعالت عن حواره، وترفعت عن مخاطبته، ولم تحفل بسلطانه .. لقد كانت العقيلة على ضعفها وما ألم بها من المصائب أعظم قوة وأشد بأساً منه.
ثامناً : انها عرضت إلى أن يزيد مهما بذل من جهد لمحو ذكر أهل البيت علیهم السلام فإنه لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً لأنهم قائمون في قلوب المسلمين وعواطفهم وهم مع الحق، والحق لا بد أن ينتصر، وفعلاً قد انتصر الحسين وتحولت مأساته إلى مجد لا يبلغه أي إنسان كان، فأي نصر أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من النصر الذي أحرزه الإمام.
هذا قليل من كثير مما جاء في هذه الخطبة التي هي آية من آيات البلاغة والفصاحة، ومعجزة من معجزات البيان، وهي إحدى الضربات القاضية على ملك بني أمية.
وكان خطاب العقيلة كالصاعقة على رأس يزيد فقد انهار غروره وتحطم كبرياؤه، وحار في الجواب فلم يستطع أن يقول شيئاً إلا أنه تمثل بقول الشاعر :
يا صيحة تحمد من صوائح *** ما أهون النوح على النوائح
ولم تكن أية مناسبة بين ذلك الخطاب العظيم الذي أبرزت فيه عقيلة الوحي واقع بزيد، وجردته من جميع القيم الإنسانية، وبين ما تمثل به من الشعر الذي أعلن فيه أن الصيحة تحمد من الصوائح، وان النوح يهون على النائحات، فأي ربط موضوعي بين الأمرين.
وأحدث خطاب العقيلة موجة عاصفة في مجلس يزيد وأشاعت في نفوس الجالسين مشاعر الحزن والأسى والتذمر فقد أزاح عنهم حجب الشبهات ونسف كل الوسائل التي صنعها معاوية لإقامة دولته وسلطانه وراح يزيد يلتمس المعاذير ليبرر جريمته فقال لأهل الشام :
«أتدرون من أين أتى ابن فاطمة؟ وما الحامل له على ما فعل؟وما الذي أوقعه فيما وقع؟».
«لا».
«يزعم أن أباء خير من أبي وأمه فاطمة بنت رسول الله خير من أمي وانه خير مني، وأحق بهذا الأمر، فأما قوله أبوه خير من أبي : فقد حاج أبي أباه إلى الله تعالى، وعلم الناس أيهما حكم له، وأما قوله أمه خير من أمي : فلعمري إن فاطمة بنت رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم خير من أمي، وأما قوله جده خير من جدي: فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر وهو يرى أن لرسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم فينا عدلاً ولا نداً .. ولكنه إنما أتى من قلة فقهه، ولم يقرأ قوله تعالى : «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ» وقوله تعالى: «وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ من یَشَاءُ» لقد حسب الطاغية أن منطق الفضل عند الله إنما هو الظفر بالملك فراح يبني تفوقه على الإمام بذلك ولم يعلم أنه لا قيمة للملك عند الله فإنه يهبه للبر والفاجر(1).
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 262/3
روى الطبري عن فاطمة بنت الحسين انها قالت: إن رجلاً من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه - أتخذها أمة (1)يعنيني وكنت جارية وضيئة فأرعدت، وفرقت وظننت ان ذلك جائز لهم وأخذت بثياب عمتي(2)زينب علیها السلام.
قالت : وكانت عمتي زينب أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يكون.
فقالت علیها السلام : كذبت والله ولومت، ما ذلك لك وله.
فغضب يزيد فقال : كذبت والله ان ذلك لي ولو شئت إن أفعله لفعلت.
قالت: كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلّا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا، قالت: فغضب يزيد واستطار ثم قال : إياي تستقبلين بهذا إنما خرج من الدين أبوك وأخوك.
فقالت زينب علیها السلام : بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك.
قال : كذبت يا عدوة الله.
قالت علیها السلام : أنت أمير مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك.
قالت: فوالله لكأنه استحيى فسكت.
ثم عاد الشامي فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، قال: أعزب وهب الله لك حيفا قاضياً(1).
1) تاريخ الطبري ط/ اروبا 379/2
قال السيد وغيره: فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب علیه السلام فقالت : الحمد الله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله كذلك يقول «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)» أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة؟ وأن ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بانفك، ونظرت في عطفك جذلان مسروراً(1)، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة، وحين صفالك ملكنا وسلطاننا، مهلاً مهلاً أنسيت قول الله تعالى «وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ»(2).
أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا قدمتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن (3)الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل(4)، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي، ولامن حماتهن حمي؟ وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الازكياء، ونبت لحمه بدماء الشهداء؟ وكيف يستبطئ في بغضنا أهل
1) شمخ الرجل بأنفه تكبر، وعطفا الرجل بالكسر جانباء، والنظر في العطف كناية عن الخيلاء، والجذل بالتحريك الفرح، وقد جذل بالكسر يجذل فهو جذلان.
2) سورة آل عمران الآية: 178
3) وقولها علیه السلام: يحد وبهن أي يسوقهن سوقا شديداً.
4) استشرف الشي: رفع بصره ينظر إليه، والمنقل : الطريق في الجبل، والمنقلة المرحلة من مراحل السفر.
البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والاحن والاضغان؟ (1)
ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم :
وأهلوا واستهلو فرحا ثم *** قالوا یا یزید لاتشل
منتحيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة، تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك؟ وقد نكات القرحة واستأصلت الشافة(2)، بإراقتك دماء ذرية محمد صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن رشيكا موردهم، ولتودن أنك شللت وبكمت، ولم يكن قلت ماقلت وفعلت ما فعلت «اللهم خذ بحقنا، وانتقم من ظالمنا، وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا».
فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا جززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم، ويأخذ بحقهم، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، حسبك بالله حاكماً، وبمحمد خصيماً وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سوى لك ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلاً، وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً ولئن جرت على الدواهي مخاطبتك إني لاستصغر قدرك، واستعظم تفريعك وأستكبر توبيخك، لكن العيون عبرى والصدور حرى(3).
1) قولها «وكيف يستبطئ في بغضنا» أي لا يطلب منه الأبطاء والتأخير في البغض والشنف بالتحريك البغض والتنكر، والاحن بكسر الهمزة، وفتح الحاء جمع الاحنة بالكسر وهي الحقد، والانتحاء الاعتماد والميل وانتحيت لفلان أي عرضت له وانحيت على حلقه السكين أي عرضت، ونكات القرحة قشرتها.
2) قال الفيروزآبادي: الشأفة قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب وإذا قطعت مات صاحبها، والأصل واستأصل الله شافته أذهبه كما تذهب تلك القرحة أو معناء أزاله من أصله انتهى، ويقال خرج وشيكا أي سريعا، والفري: القطع.
3) قولها : اولئن جرت علي الدراهي مخاطبتك يحتمل أن يكون مخاطبتك مرفوعا بالفاعلية أي إن أوقعت علي مخاطبتك البلايا، فلا ابالي ولا اعظم قدرك أو يكون منصوبا بالمفعولية أي إن أوقعتني دواهي الزمان إلى حال احتجت إلى مخاطبتك فلست معظمة لقدرك.
الا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الحشث الطواهر الزواكي تنتابها العوامل وتعفوها امهات الفراعل(1)، ولئن اتخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت وما ربك بظلام للعبيد، فالى الله المشتكا، وعليه المعول، فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد (2)، يوم يناد المناد ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
فقال یزید:
يا صيحة تحمد من صوائح ما *** أمون الموت على النوائح
قال : ثم استشار أهل الشام فيما يصنع بهم.
فقالوا : لا تتخذ من كلب سوء جروا.
فقال له النعمان بن بشير : انظر ما كان الرسول يصنعه بهم فاصنعه بهم(3).
1) قولها: «تنظف بكسر الطاء وضمها أى تقطر، وقال الفيروزآبادي: تحلب عينه وفوه أي سالا، والعواسل الذئاب السريعة العدو، قولها: «وتعفوها امهات الفراعل» من قولهم عفت الريح المنزل أي درسته، أو من قولهم فلان تعفوه الأضياف أي تأتيه كثيراً وفي بعض النسخ تعفوها أي تلطخها بالتراب عند الأكل، وفي بعضها بالقاف من العقر بمعنى الجرح، ومنه كلب عقور، والفرحل بالضم ولد الضبع وفي رواية السيد امهات الفراعل، وهو أظهر.
2) الفند بالتحريك الكذب وضعف الرأي.
3) الملهوف ص 161 - 166 ، والبحار : 135/45.
قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب وامها فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين، وقالت: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على جدي سيد المرسلين، صدق الله سبحانه كذلك يقول : «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ»(1)أَظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض، وضيقت علينا آفاق السماء، فأصبحنا لك في إسار، نساق إليك سوقا في قطار، وأنت علينا ذو اقتدار، أن بنا من الله هوانا وعليك منه كرامة وامتنانا؟ وأن ذلك لعظم خطرك وجلالة قدرك، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك، تضرب أصدريك فرحا، وتنفض مدر ويك مرحا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والامور لديك متسقة، وحين صفي لك ملكنا، وخلص لك سلطاننا، فمهلا مهلالا تطش جهلا أنسيت قول الله: «وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ»(2).
أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك، وسوقك بنات رسول الله سبايا؟
قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، يحدوبهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناقل، ويبرزن لأهل المناهل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والغائب والشهيد، والشريف والوضيع، والدني والرفيع، ليس معهن من رجالهن ولي، ولا من حماتهن حميم، عنوا منك على الله، وجحوداً لرسول الله، ودفعا لما جاء به من عند الله ولا غرومنك، ولا عجب من فعلك، وأنى يرتجى (مراقبة) من لفظ
فوه أكباد الشهداء، ونبت لحمه بدماء السعداء، ونصب الحرب لسيد الأنبياء، وجمع الأحزاب، وشهر الحراب، وهز السيوف في وجه رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم أشد العرب الله جحوداً، وأنكرهم له رسولا، وأظهرهم له عدوانا، وأعتاهم على الرب كفرا وطغياناً " ألا إنها نتيجة خلال الكفر، وضب يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر فلا يستبطئ في بغضنا أهل البيت من كان نظره إلينا شنفاً وشنآنا وأحنا وضعنا يظهر كفره برسوله، ويفصح ذلك بلسانه، وهو يقول فرحا بقتل ولده وسبي ذريته غير متحوب ولا مستعظم :
لاهلوا واستهلوا فرحا *** ولقالوا يا : يزيد لاتشل
منتحيا على ثنايا أبي عبد الله، وكان مقبل رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم ينكتها بمخصرته قد التمع السرور بوجهه لعمري لقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، باراقتك دم سيد شباب أهل الجنة، وابن يعسوب العرب، وشمس آل عبدالمطلب، وهتفت بأشياخك وتقربت بدمه إلى الكفرة من اسلافك، ثم صرخت بندائك ولعمري قد ناديتهم لو شهدوك ووشيكا تشهدهم ويشهدوك(1)ولتوديمينك كما زعمت شلت بك من مرفقها وأحببت أمك لم تحملك، وأباك لم يلدك، حين تصير إلى سخط الله، ومخاصمك (و مخاصم أبيك) رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم.
اللهم خذ بحقنا، وانتقم من ظالمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، ونقص ذمامنا، وقتل حماتنا، وهتك عنا سدولنا وفعلت فعلتك التي فعلت، ومافريت إلا جلدك، وماجززت إلا لحمك، وسترد على رسول الله بما تحملت من ذريته، وانتهكت من حرمته، وسفكت من دماء عترته ولحمته، حيث يجمع به شملهم، ويلم به شعثهم، وينتقم من ظالمهم، ويأخذ لهم بحقهم من أعدائهم، ولا يستفزنك الفرح بقتله «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ»(2).
وحسبك بالله ولياً وحاكماً، وبرسول الله خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم من بوأك ومكنك من رقاب المسلمين (أن) بئس للظالمين بدلاً، وأنكم شر مكاناً وأضل سبيلاً، وما استصغاري قدرك، ولا استعظامي تقريعك، توهماً لانتجاع الخطاب فيك، بعد أن تركت عيون المسلمین به عبری، و صدورهم عند ذكره حرى، فتلك قلوب قاسية، ونفوس طاغية، وأجسام محشوة بسخط الله ولعنة الرسول قدعشش فيه الشيطان وفرخ، ومن هناك مثلك مادرج ونهض.
فالعجب كل العجب لقتل الاتقياء وأسباط الأنبياء، وسليل الأوصياء بأيدي الطلقاء الخبيثة، ونسل العهرة الفجرة، تنطف أكفهم من دمائنا، وتتحلب أفواههم من لحومنا، وللجثث الزاكية على الجبوب الضاحية، تنتابها العواسل، وتعفرها الفراعل، فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى، والمعول، وإليه الملجأ والمؤمل ثم كدكيدك، واجهد جهدك، فو الذي شرفنا بالوحي والكتاب، والنبوة والانتجاب، لا تدرك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا ترحض عنك عارنا، وهل رأيك إلافند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعن الظالم العادي والحمد لله الذي حكم لأوليائه بالسعادة وختم لأوصياته ببلوغ الارادة، نقلهم إلى الرحمة والرأفة، والرضوان والمغفرة، ولم يشق بهم غيرك، ولا ابتلي بهم سواك، ونسأله أن يكمل لهم الأجر، ويجزل لهم الثواب والذخر، ونسأله حسن الخلافة، وجميل الإنابة، إنه رحيم ودود.
فقال يزيد مجيبا لها شعرا:
يا صيخة تحمد من صوائح *** ما أهون الموت على النوائح
ثم أمر بردهم(1).
بیان: قال الجزري: في حديث الحسن يضرب أسدريه أي عطفيه ومنكبيه
1) الاحتجاج : 157 - 159.
يضرب بيده عليهما، وروي بالزاء والصاد بدل السين بمعنى واحد وهذه الاحرف الثلاثة تتعاقب مع الدال، وقال في باب الصاد في حديث الحسن : يضرب أصدريه أي منكبيه وقال في باب الميم والذال في حديث الحسن: ما تشاء أن ترى أحدهم ينفض مذرويه، المذر وان جانباً الأليتين ولا واحد لهما، وقيل هما طرفاً كل شي وأراد بهما الحسن فرعاً المنكبين، يقال: جاء فلان ينفض مذرويه، إذاجاء باغيا يتهدد، وكذلك إذا جاء فارغا في غير شغل، والميم زائدة.
وقال الفيروز آبادي : الاصدران عرقان تحت الصدفين، وجاء يضرب أصدريه أي فارغا، وقال في المذروين : بكسر الميم نحواً مما مر ويقال: «لا غرو» أي ليس بعجب، والضب الحقد الكامن في الصدر، وفي بعض النسخ مكان «شنفا وشنآنا» «سيفا وسنانا»، وفلان يتحوب من كذا أي يتأثم والتحوب أيضاً التوجع والتحزن والسديل ما اسبل على الهودج، والجمع السدول.
قولها رضی الله عنه «فتلك» إشارة إلى أعوانه وأنصاره وفي بعض النسخ: قبلك بكسر القاف وفتح الباء أي عندك أو بفتح القاف وسكون الباء إشارة إلى آبائه لعنهم الله.
قولها: «ما درج» كلمة ما زائدة كما في قوله تعالى: فبما رحمة من الله. أي بإعانة هؤلاء درجت ومشيت وقمت، أو في حجور هؤلاء الاشقياء ربيت، ومنهم تفرعت، والحبوب بضم الجيم والباء الأرض الغليظة، ويقال: وجه الأرض وفي بعض النسخ بالنون فعلى الأول الضاحية من قولهم مكان ضاح أي بارز، وعلى الثاني من قولهم ضحيت للشمس أي برزت وإنما أوردت بعض الروايات مكرراً لكثرة اختلافها(1).
1) بحار الأنوار : 160/45
قال السيد القرشي: وشكرن العلويات رئيس الحرس الذي قام برعايتهن من دمشق إلى يثرب فقد قام لهن بخدمات جليلة تقضي مكافأته فقالت فاطمة بنت الإمام أمير المؤمنين لأختها زينب علیها اسلام .
«لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشيء؟»
«والله ما معنا شيء نصله به إلا حلينا».
«نعم هو ما تقولين».
وأخرجتا سوارين ودملجين لهما، وبعثنا بهما إليه، واعتذرنا في أدب، وتأثر الرجل من هذا الكرم الغامر وهو يعلم ما هن فيه من ضيق شديد، فرده إليهما وقال باحترام :
«لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني، ولكن والله ما فعلته إلا الله ولقرابتكم من رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم(1).
روى الطبري بسنده عن الحارث بن كعب، قال: قالت لي فاطمة بنت علي : قلت لأختي زينب علیها السلام: يا أخي لقد أحسن هذا الرجل الشامي إلينا في صحبتنا فهل لك أن نصله؟
فقالت: والله ما معنا شيء نصله به إلا حلينا قالت لها : فنعطيه حلينا.
1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 3/ 292
قالت: فأخذت سواري ودملجي وأخذت أختي سوارها ودملجها فبعثنا بذلك إليه واعتذرنا إليه وقلنا له: هذا جزاؤك بصحبتك إيانا بالحسن من الفعل.
قال: لو كان الذي صنعت إنما هو للدنيا كان في حليكن ما يرضيني ودونه ولكن والله ما فعلته إلا الله ولقربتكم من رسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم(1).
1) تاريخ الطبري، ط/ اروبا 379/2
قال أبو مخنف: ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في الرجالة نحو الحسين فأخذ الحسين يشد عليهم، فينكشفون عنه، ثم إنهم أحاطوا به احاطة، وأقبل إلى الحسين (1)غلام من أهله فأخذته اخته زينب ابنة علي لتحبسه، فقال لها الحسين : احبسيه، فأبى الغلام وجاء يشتد إلى الحسين فقام إلى جنبه .
قال : وقد أهوى بحر بن كعب ابن عبيد الله من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة إلى الحسين بالسيف، فقال الغلام: يا بن الخبيثة أتقتل عمي؟ فضربه بالسيف فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلا الجلدة فإذا بده معلقة، فنادى الغلام با امتاه، فأخذه الحسين فضمه إلى صدره وقال: يا بن أخي اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين برسول الله صَلی اللَّهِ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سَلّم وعلي بن أبي طالب وحمزة وجعفر والحسن بن علي صلى الله عليهم أجمعين.
قال أبو مخنف : حدثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم قال : سمعت الحسين يومئذ وهو يقول : اللهم أمك عنهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض، اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض عنهم الولاة أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا(2).
وقال الشيخ المفيد: لما ضرب مالك بن النسر الكندى بسيفه الحسين على رأسه بعد ان شتمه القى الحسين علیه السلام قلنسوته ودعا بخرقة وقلنسوة، فشد رأسه
بالخرقة ولبس القلنسوة واعتم عليها: رجع عنه شمر ومن معه إلى مواضعهم فمكث هنيئة ثم عاد وعادوا إليه واحاطوا به، فخرج عبد الله بن الحسن من عند النساء وهو غلام لم يراهق، فشد حتى وقف إلى جنب عمه الحسين علیه السلام فلحقته زينب لتحبسه فأبى، فقال لها الحسين :
احبسيه يا اخية، فامتنع امتناعا شديداً وقال: والله لا أفارق عمي.
واهوى بحر بن كعب إلى الحسين بالسيف، فقال له الغلام ويلك يا بن الخبيثة اتقتل عمي؟ فضربه بحر بالسيف، فاتقاه الغلام بیده، فاطنها إلى الجلد فإذا هي معلقة، فنادى الغلام: يا اماه، فأخذه الحسين علیه السلام وضمه إليه وقال : يا بن أخي: اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير فإن الله يلحقك بابائك الصالحين.
ثم رفع الحسين علیه السلام يديه إلى السماء وقال: اللهم امسك عليهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض، اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم بددا واجعلهم طرائق قددا، ولا ترضى الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا.
وروى أبو الفرج: ان الذي قتله حرملة بن كاهن الأسدي(1).
بیان: القلنسوة : بفتح القاف واللام وتسكين النون وضم السين قبل الوا ولباس في الرأس معروف (لم يراهق) أي لم يقارب (بددا) تفريقا (قددا) أي طرائق متفرقة بحر بالباء المفردة والحاء المهملة والراء مثلها ابن كعب بن عبيد الله من بني تميم ابن ثعلبة بن عكابة. ويمضى في بعض الكتب ويجرى على بعض الألسن أبحر بن كعب وهو غلط وتصحيف.
1) إبصار العين في أنصار الحسين (ص 38 ط النجف).
زينب عند وفاة أبيها أمير المؤمنين ... 5
زينب عند وفاة أمها فاطمة الزهراء ... 19
محطات ومواقف بين زينب والحسين علیهم السلام ... 26
موقف زينب في كربلاء ... 29
فزع الهاشميات ... 31
سبب اصطحاب زينب والعيال الى كربلاء ... 32
دراسة الإمام لأبعاد الثورة ... 33
1 - التضحية بأهل بيته ... 33
2 - حمل عقائل النبوة ... 34
أقوال في سبب اصطحاب النساء ... 35
1- الإمام كاشف الغطاء ... 35
2 - أحمد فهمي ... 35
3- أحمد محمود صبحي ... 36
لماذا تخلف محمد بن الحنفية 39
وصية الحسين علیه السلام ... 40
سبب تخلّف محمّد ابن الحنفية عن الإمام الحسين علیه السلام ... 41